{"ً":{"ٌ":147913,"ٍ":"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول (ومعه: مثارات الغلط في الأدلة)\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني (ت ٧٧١)\nالمحقق: محمد علي فركوس\nالناشر: المكتبة المكية - مكة المكرمة، مؤسسة الريان - بيروت (لبنان)\nالطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\nعدد الصفحات: ٤٦٥\nأعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2991,"ٕ":11,"ٖ":1770156216,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الجنس الأول: الدليل بنفسه","level":1,"page":4},{"title":"الصنف الأول: الأصل النقلي","level":2,"page":4},{"title":"الباب الأول في السند","level":2,"page":6},{"title":"الفصل الأول: في التواتر","level":3,"page":8},{"title":"الفصل الثاني في الآحاد","level":3,"page":18},{"title":"القول في الجهة الإجمالية","level":3,"page":18},{"title":"القول في الجهة التفصيلية","level":3,"page":29},{"title":"الشرط الأول: في قبول الرواة","level":3,"page":29},{"title":"في عدالة الراوي","level":4,"page":29},{"title":"الكلام في الضبط","level":4,"page":49},{"title":"الشرط الثاني: في اتصال الرواية بالنبي ﷺ","level":3,"page":55},{"title":"القادح الأول الانقطاع","level":4,"page":57},{"title":"القادح الثاني: الإرسال","level":4,"page":59},{"title":"القادح الثالث: الوقف","level":4,"page":64},{"title":"خاتمة","level":3,"page":72},{"title":"الباب الثاني: في كون الأصل النقلي متضح الدلالة","level":2,"page":74},{"title":"القسم الأول: القول","level":3,"page":74},{"title":"الجهة الأولى: جهة المنطوق","level":3,"page":75},{"title":"الطرف الأول: في الدلالة على الحكم","level":3,"page":76},{"title":"القول في الامر","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الأولى: اختلفوا في الأمر المطلق، هل يقتضي الوجوب أو الندب أو غير ذلك","level":4,"page":82},{"title":"المسألة الثانية: في كون الأمر بالشيء يقتضي المبادرة إليه أو لا يقتضيها","level":4,"page":86},{"title":"المسألة الثالثة: في كون الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه","level":4,"page":90},{"title":"المسألة الرابعة: في أن الأمر الموقت بوقت موسع، هل يتعلق بأول الوقت خاصة، أو بآخره خاصة، أو لا يختص تعلقه بجزء معين من الوقت","level":4,"page":95},{"title":"المسألة الخامسة: في أن الأمر إذا كان يسقط بفعل بعض المكلفين، هل يتعلق الابتداء بجميع المكلفين ثم يسقط بفعل من فعل عمن لم يفعل، أو إنما يتعلق ابتداء ببعض المكلفين","level":4,"page":99},{"title":"المسألة السادسة: في أن الأمر بواحد من أشياء هل يقتضي جميعها أو يقتضي واحدا لا بعينه","level":4,"page":101},{"title":"المسألة السابعة: في الأمر بالشيء هل يقتضي الأجزاء أو لا؟","level":4,"page":104},{"title":"المسألة الثامنة: في أن الأمر المؤقت بوقت، هل يقتضي قضاء الفعل المأمور به بعد فواته على ذلك الوقت أو لا يقتضيه؟","level":4,"page":107},{"title":"المسألة التاسعة: في أن الأمر بالشيء، هلي قتضي وسيلة المأمور به أو لا يقتضيها؟","level":4,"page":111},{"title":"المسألة العاشرة: اختلفوا في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟","level":4,"page":114},{"title":"القول في النهي","level":3,"page":119},{"title":"المسألة الأولى: في كون النهي مقتضيا للتحريم أو للكراهة","level":4,"page":122},{"title":"المسألة الثانية: في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟","level":4,"page":125},{"title":"القول في التخيير","level":3,"page":132},{"title":"الطرف الثاني: في الدلالة على متعلق الحكم","level":3,"page":134},{"title":"الفصل الأول في النص","level":3,"page":136},{"title":"الفصل الثاني في المجمل","level":3,"page":145},{"title":"المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال","level":3,"page":145},{"title":"السبب الأول: الاشتراك في نفس اللفظ","level":4,"page":146},{"title":"السبب الثاني: التصريف","level":4,"page":149},{"title":"السبب الثالث: اللواحق","level":4,"page":151},{"title":"السبب الرابع: اشتراك التأليف","level":4,"page":154},{"title":"السبب الخامس: تركيب المفصل","level":4,"page":155},{"title":"السبب السادس: تفصيل المركب","level":4,"page":157},{"title":"المطلب الثاني: في بيان القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين","level":3,"page":160},{"title":"القرينة اللفظية","level":4,"page":160},{"title":"القرينة السياقية","level":4,"page":161},{"title":"القرينة الخارجية","level":4,"page":163},{"title":"المطلب الثالث: في مسائل ذكرها الأصوليون واختلفوا في كونها مجملة أو ليست بمجملة، وهي ست مسائل","level":3,"page":168},{"title":"المسألة الأولى: في إضافة الأحكام الشرعية إلى الأعيان، هل يوجب إجمالا أو لا؟","level":4,"page":168},{"title":"المسألة الثانية: في الكلام الذي يتوقف صدقه على الإضمار، هل هو مجمل أو لا؟","level":4,"page":170},{"title":"المسألة الثالثة: في دخول النفي على الحقائق الشرعية","level":4,"page":171},{"title":"المسألة الرابعة: في اللفظ إذا كان يحتمل معنيين إن حمل على أحدهما أفاد فائدة، وإن حمل على المعنى الآخر أفاد فائدتين","level":4,"page":173},{"title":"المسألة الخامسة: في اللفظ الدائر بين إفادة حكم شرعي وإفادة وضع لغوي","level":4,"page":174},{"title":"المسألة السادسة: فيما إذا كان للفظ مسمى في اللغة ومسى في الشرع","level":4,"page":176},{"title":"الفصل الثالث: في الظاهر","level":3,"page":177},{"title":"السبب الأول: الحقيقة","level":4,"page":178},{"title":"السبب الثاني: الانفراد في الوضع، وفي مقابلته الاشتراك","level":4,"page":185},{"title":"السبب الثالث: التباين","level":4,"page":187},{"title":"السبب الرابع: الاستقلال","level":4,"page":189},{"title":"السبب الخامس: التأسيس","level":4,"page":190},{"title":"السبب السادس: الترتيب","level":4,"page":192},{"title":"السبب السابع: العموم","level":4,"page":193},{"title":"القول في العموم اللغوي","level":3,"page":194},{"title":"المسألة الأولى: أسماء الشروط","level":4,"page":194},{"title":"المسألة الثانية: أسماء الاستفهام","level":4,"page":198},{"title":"المسالة الثالثة: الموصولات","level":4,"page":199},{"title":"العام بلفظ آخر","level":3,"page":201},{"title":"المسألة الأولى: لفظ أي الشرطية يفيد العموم","level":4,"page":201},{"title":"المسألة الثانية: لفظ أي الاستفهامية","level":4,"page":202},{"title":"المسألة الثالثة: حرف النفي","level":4,"page":204},{"title":"المسألة الرابعة: الألف واللام","level":4,"page":206},{"title":"المسألة الخامسة: لفظ كل أو جميع","level":4,"page":208},{"title":"القول في العموم العرفي","level":3,"page":211},{"title":"القول في العموم العقلي","level":3,"page":214},{"title":"خاتمة","level":3,"page":215},{"title":"المسألة الأولى: إذا كان اللفظ مشتركا بين معنيين","level":4,"page":215},{"title":"المسألة الثانية: العام ظاهر في جميع أفراده لكنه قطعي في أقل الجمع","level":4,"page":217},{"title":"السبب الثامن: الإطلاق","level":3,"page":220},{"title":"الفصل الرابع: في المؤول","level":3,"page":222},{"title":"التأويل الأول: حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته","level":4,"page":222},{"title":"التأويل الثاني: الاشتراك","level":5,"page":226},{"title":"التأويل الثالث: الإضمار","level":5,"page":230},{"title":"التأويل الرابع الترادف","level":5,"page":231},{"title":"التأويل الخامس: التأكيد","level":5,"page":233},{"title":"التأويل السادس: التقديم والتأخير","level":5,"page":235},{"title":"التأويل السابع: التخصيص","level":5,"page":236},{"title":"التخصيص المتصل","level":4,"page":236},{"title":"الأول: الاستثناء","level":4,"page":237},{"title":"المسألة الأولى: الاختلاف في الاستثناء","level":5,"page":237},{"title":"المسألة الثانية: الاستثناء إذا ورد بعد جمل منسوقة بالواو، فإنه يرجع إلى الأخيرة اتفاقا","level":5,"page":239},{"title":"التخصيص بالمنفصل","level":4,"page":241},{"title":"المسألة الأولى: تخصيص الكتاب بخبر الواحد","level":5,"page":241},{"title":"المسألة الثانية: يجوز تخصيص عموم الخبر الواحد بالقياس عند الجمهور","level":5,"page":243},{"title":"المسألة الثالثة: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم عند أكثر القائلين به","level":5,"page":244},{"title":"خاتمة","level":4,"page":246},{"title":"التأويل الثامن: التقييد","level":4,"page":248},{"title":"خاتمة لفصل المؤول","level":4,"page":257},{"title":"الجهة الثانية: في دلالة القول بمفهومه","level":3,"page":259},{"title":"مفهوم الموافقة","level":3,"page":259},{"title":"مفهوم المخالفة","level":3,"page":262},{"title":"الشرط الأول: أن لا يخرج مخرج الغالب","level":4,"page":263},{"title":"الشرط الثاني: أن لا يخرج عن سؤال معين","level":4,"page":264},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره","level":4,"page":265},{"title":"الشرط الرابع: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم","level":4,"page":266},{"title":"الشرط الخامس: أن لا يكون الشارع ذكر حدا محصورا للقياس عليه لا للمخالفة بينه وبين غيره","level":4,"page":267},{"title":"مفهومات المخالفة","level":3,"page":268},{"title":"المسألة الأولى: مفهوم الصفة","level":4,"page":268},{"title":"المسألة الثانية: مفهوم الشرط","level":4,"page":269},{"title":"المسألة الثالثة: مفهوم الغاية","level":4,"page":270},{"title":"المسألة الرابعة: مفهوم العدد","level":4,"page":271},{"title":"المسألة الخامسة: مفهوم الزمان","level":4,"page":272},{"title":"المسألة السادسة: مفهوم المكان","level":4,"page":273},{"title":"المسألة السابعة: مفهوم اللقب","level":4,"page":273},{"title":"القسم الثاني من أقسام المتن الفعل","level":3,"page":276},{"title":"شروط حمل الكلام في الأفعال","level":4,"page":278},{"title":"الشرط الأول: أن لا يكون جبليا","level":5,"page":278},{"title":"الشرط الثاني: أن لا يكون الفعل خاصا به ﷺ","level":5,"page":279},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته","level":5,"page":280},{"title":"الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك","level":5,"page":281},{"title":"خاتمة: الترك","level":4,"page":287},{"title":"القسم الثالث من أقسام المتن التقرير","level":3,"page":291},{"title":"الفصل الأول: إذا وقع الحكم بين يديه ﷺ فأقره على ذلك","level":4,"page":292},{"title":"الفصل الثاني: اعلم أن الفعل: إما أن يكون واقعا بين يديه ﷺ وإما أن يكون واقعا في زمانه ﷺ","level":4,"page":295},{"title":"المسألة الأولى الفعل الواقع بين يديه ﷺ","level":5,"page":295},{"title":"المسألة الثانية: ما وقع في زمانه ﷺ وكان مشهورا","level":5,"page":297},{"title":"المسألة الثالثة: وهو ما وقع في زمانه ﷺ وكان خفيا","level":5,"page":298},{"title":"الباب الثالث: في كون الأصلي النقلي مستمر الأحكام","level":2,"page":300},{"title":"المسألة الأولى: الزيادة على النص المطلق ليست بنسخ عندنا وعند الشافعية، خلافا للحنفية","level":3,"page":303},{"title":"المسألة الثانية: اختلف إذا نسخ المنطوق","level":3,"page":307},{"title":"المسألة الثالثة: الأصل النقلي يعلم كونه منسوخا بوجوه","level":3,"page":311},{"title":"خاتمة","level":3,"page":326},{"title":"الباب الرابع: في كون الأصل النقلي راجحا","level":2,"page":328},{"title":"الفصل الأول: في ترجيحات السند","level":3,"page":328},{"title":"السبب الأول: كبر الراوي","level":4,"page":328},{"title":"السبب الثاني: أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من الراوي الآخر","level":4,"page":330},{"title":"السبب الثالث: أن يكون الراوي مباشرا للقصة بنفسه","level":4,"page":331},{"title":"السبب الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فهو أولى","level":4,"page":333},{"title":"السبب الخامس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة، فالأكثر صحبة أولى","level":4,"page":333},{"title":"السبب السادس: كثر رواة أحد الخبرين","level":4,"page":335},{"title":"السبب السابع: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي ﷺ","level":4,"page":337},{"title":"السبب الثامن: كون الراوي سمع الحديث من غير حجاب","level":4,"page":338},{"title":"السبب التاسع: أن يكون أحد الراويين لم تختلف الرواية عنه بخلاف الآخر","level":4,"page":340},{"title":"السبب العاشر: أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام","level":4,"page":341},{"title":"الفصل الثاني: في ترجيحات المتن","level":3,"page":344},{"title":"السبب الأول: أن يكون أحد المتنين قولا والآخر فعل","level":4,"page":344},{"title":"السبب الثاني: أن يكون أحد المتنين دالا بمنطوقه والآخر بمفهومه","level":4,"page":345},{"title":"السبب الثالث: أن يكون أحدهما قصد به الحكم ولآخر ليس كذلك","level":4,"page":346},{"title":"السبب الرابع والخامس: أن يكون أحد المتنين واردا على سبب، و[والآخر واردا على غير سبب]","level":4,"page":349},{"title":"السبب السادس والسابع: ترجيح الظاهر على المؤول","level":4,"page":350},{"title":"السبب الثامن: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا، فإن الإثبات أرجح","level":4,"page":350},{"title":"السبب التاسع: أن يكون أحدهما ناقلا عن أصل البراءة والآخر مبقيا فإن الناقل أولى","level":4,"page":352},{"title":"السبب العاشر: كون أحدهما يتضمن احتياطا، فإنه أرجح","level":4,"page":353},{"title":"الصنف الثاني: الاستصحاب","level":4,"page":354},{"title":"الضرب الأول: استصحاي أمر عقلي أو حسي","level":5,"page":354},{"title":"الضرب الثاني: استصحاب حكم الشرع","level":5,"page":356},{"title":"النوع الثاني: وهو ما كان لازما عن أصل","level":3,"page":358},{"title":"الباب الأول: في قياس الطرد","level":4,"page":359},{"title":"الفصل الأول: في أركان القياس","level":5,"page":361},{"title":"الركن الأول: الأصل","level":6,"page":361},{"title":"شروط الأصل","level":7,"page":361},{"title":"الشرط الأول: أن يكون الحكم فيه ثابتا","level":8,"page":361},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون الأصل مستمرا في الحكم","level":8,"page":362},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يكون الأصل مخصوصا بالحكم","level":8,"page":364},{"title":"الشرط الرابع: أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعا عن اصل آخر","level":8,"page":375},{"title":"الشرط الخامس: أن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين","level":8,"page":378},{"title":"الركن الثاني: العلة","level":6,"page":380},{"title":"المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا","level":7,"page":380},{"title":"المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا","level":7,"page":384},{"title":"المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطا غير مضطرب","level":7,"page":386},{"title":"المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة","level":7,"page":387},{"title":"المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة","level":7,"page":390},{"title":"المسألة السادسة: اختلفوا في اشتراط التعدية في العلة","level":7,"page":392},{"title":"خاتمة","level":7,"page":395},{"title":"مسالك العلة","level":7,"page":396},{"title":"المسلك الأول: النص","level":8,"page":397},{"title":"المسلك الثاني: الإجماع","level":8,"page":406},{"title":"المسلك الثالث: المناسبة","level":8,"page":407},{"title":"المسلك الرابع: الدوران","level":8,"page":412},{"title":"المسلك الخامس: الشبه","level":8,"page":413},{"title":"الركن الثالث: \"الفرع\"","level":6,"page":416},{"title":"شروط الفرع","level":7,"page":416},{"title":"الشرط الأول: أن تكون العلة موجودة في الفرع","level":8,"page":416},{"title":"الشرط الثاني: أن لا يتقدم حكم الفرع على الأصل","level":8,"page":417},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه بعموم أو بخصوص","level":8,"page":418},{"title":"الشرط الرابع: أن لا يباين موضع الأصل موضع الفرع في الأحكام","level":8,"page":418},{"title":"الركن الرابع: الحكم","level":6,"page":419},{"title":"المسألة الأولى: من شرط الحكم أن يكون شرعيا","level":7,"page":420},{"title":"المسألة الثانية: لا يجوز إثبات الحكم العادي بالقياس","level":7,"page":421},{"title":"المسألة الثالثة: ما يطلب فيه القطع، فلا يجوز إثباته بالقياس","level":7,"page":421},{"title":"المسألة الرابعة: اختلف الأصوليون في نفي الحكم: هل هو شرعي أو لا؟","level":7,"page":422},{"title":"الفصل الثاني: في أقسام قياس الطرد","level":5,"page":424},{"title":"القسم الأول: قياس لا فارق","level":6,"page":424},{"title":"القسم الثاني: قياس العلة","level":6,"page":426},{"title":"القسم الثالث: قياس الدلالة","level":6,"page":426},{"title":"خاتمة: إعتراضات على القياس","level":6,"page":428},{"title":"الاعتراض الأول: منع الحكم في الأصل","level":7,"page":430},{"title":"الاعتراض الثاني: منع وجود الوصف في الأصل","level":7,"page":431},{"title":"الاعتراض الثالث: منع كون الوصف علة","level":7,"page":432},{"title":"الاعتراض الرابع: المعارضة في الأصل","level":7,"page":433},{"title":"الاعتراض الخامس: منع وجود الوصف في الفرع","level":7,"page":435},{"title":"الاعتراض السادس: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم","level":7,"page":436},{"title":"الباب الثاني: في قياس العكس","level":4,"page":438},{"title":"الباب الثالث: في الاستدلال","level":4,"page":441},{"title":"القسم الأول: الاستدلال بالمعلول على العلة","level":5,"page":442},{"title":"القسم الثاني: الاستدلال بالعلة على المعلول","level":5,"page":444},{"title":"القسم الثالث: الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر","level":5,"page":445},{"title":"القسم الرابع: التنافي بين الحكمين وجودا وعدما","level":5,"page":447},{"title":"القسم الخامس: التنافي بين الحكمين وجودا فقط","level":5,"page":448},{"title":"القسم السادس: التنافي بين الحكمين عدما فقط","level":5,"page":449},{"title":"الجنس الثاني: المتضمن للدليل","level":1,"page":450},{"title":"النوع الأول: الإجماع","level":2,"page":450},{"title":"المسألة الأولى: إذا حكم واحد من الصحابة والتابعين بمحضر جماعة","level":3,"page":452},{"title":"المسألة الثانية: إذا أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على قول، وخالفهم واحد منهم فقد اختلف في ذلك","level":3,"page":455},{"title":"المسألة الثالثة: إذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول، فقد اختلف في ذلك هل يكون إجماعا وحجة أو لا؟","level":3,"page":457},{"title":"المسألة الرابعة: إجماع أهل المدينة حجة عند مالك، رحمه الله تعالى، وخالفه في ذلك غيره","level":3,"page":459},{"title":"النوع الثاني: قول الصحابي","level":2,"page":460},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":463}],"ٛ":{"1,295":2,"1,296":3,"1,297":4,"1,298":5,"1,299":6,"1,300":7,"1,301":8,"1,302":9,"1,303":10,"1,304":11,"1,305":12,"1,306":13,"1,307":14,"1,308":15,"1,309":16,"1,310":17,"1,311":18,"1,312":19,"1,313":20,"1,314":21,"1,315":22,"1,316":23,"1,317":24,"1,318":25,"1,319":26,"1,320":27,"1,321":28,"1,322":29,"1,323":30,"1,324":31,"1,325":32,"1,326":33,"1,327":34,"1,328":35,"1,329":36,"1,330":37,"1,331":38,"1,332":39,"1,333":40,"1,334":41,"1,335":42,"1,336":43,"1,337":44,"1,338":45,"1,339":46,"1,340":47,"1,341":48,"1,342":49,"1,343":50,"1,344":51,"1,345":52,"1,346":53,"1,347":54,"1,348":55,"1,349":56,"1,350":57,"1,351":58,"1,352":59,"1,353":60,"1,354":61,"1,355":62,"1,356":63,"1,357":64,"1,358":65,"1,359":66,"1,360":67,"1,361":68,"1,362":69,"1,363":70,"1,364":71,"1,365":72,"1,366":73,"1,367":74,"1,368":75,"1,369":76,"1,370":77,"1,371":78,"1,372":79,"1,373":80,"1,374":81,"1,375":82,"1,376":83,"1,377":84,"1,378":85,"1,379":86,"1,380":87,"1,381":88,"1,382":89,"1,383":90,"1,384":91,"1,385":92,"1,386":93,"1,387":94,"1,388":95,"1,389":96,"1,390":97,"1,391":98,"1,392":99,"1,393":100,"1,394":101,"1,395":102,"1,396":103,"1,397":104,"1,398":105,"1,399":106,"1,400":107,"1,401":108,"1,402":109,"1,403":110,"1,404":111,"1,405":112,"1,406":113,"1,407":114,"1,408":115,"1,409":116,"1,410":117,"1,411":118,"1,412":119,"1,413":120,"1,414":121,"1,415":122,"1,416":123,"1,417":124,"1,418":125,"1,419":126,"1,420":127,"1,421":128,"1,422":129,"1,423":130,"1,424":131,"1,425":132,"1,426":133,"1,427":134,"1,428":135,"1,429":136,"1,430":137,"1,431":138,"1,432":139,"1,433":140,"1,434":141,"1,435":142,"1,436":143,"1,437":144,"1,438":145,"1,439":146,"1,440":147,"1,441":148,"1,442":149,"1,443":150,"1,444":151,"1,445":152,"1,446":153,"1,447":154,"1,448":155,"1,449":156,"1,450":157,"1,451":158,"1,452":159,"1,453":160,"1,454":161,"1,455":162,"1,456":163,"1,457":164,"1,458":165,"1,459":166,"1,460":167,"1,461":168,"1,462":169,"1,463":170,"1,464":171,"1,465":172,"1,466":173,"1,467":174,"1,468":175,"1,469":176,"1,470":177,"1,471":178,"1,472":179,"1,473":180,"1,474":181,"1,475":182,"1,476":183,"1,477":184,"1,478":185,"1,479":186,"1,480":187,"1,481":188,"1,482":189,"1,483":190,"1,484":191,"1,485":192,"1,486":193,"1,487":194,"1,488":195,"1,489":196,"1,490":197,"1,491":198,"1,492":199,"1,493":200,"1,494":201,"1,495":202,"1,496":203,"1,497":204,"1,498":205,"1,499":206,"1,500":207,"1,501":208,"1,502":209,"1,503":210,"1,504":211,"1,505":212,"1,506":213,"1,507":214,"1,508":215,"1,509":216,"1,510":217,"1,511":218,"1,512":219,"1,513":220,"1,514":221,"1,515":222,"1,516":223,"1,517":224,"1,518":225,"1,519":226,"1,520":227,"1,521":228,"1,522":229,"1,523":230,"1,524":231,"1,525":232,"1,526":233,"1,527":234,"1,528":235,"1,529":236,"1,530":237,"1,531":238,"1,532":239,"1,533":240,"1,534":241,"1,535":242,"1,536":243,"1,537":244,"1,538":245,"1,539":246,"1,540":247,"1,541":248,"1,542":249,"1,543":250,"1,544":251,"1,545":252,"1,546":253,"1,547":254,"1,548":255,"1,549":256,"1,550":257,"1,551":258,"1,552":259,"1,553":260,"1,554":261,"1,555":262,"1,556":263,"1,557":264,"1,558":265,"1,559":266,"1,560":267,"1,561":268,"1,562":269,"1,563":270,"1,564":271,"1,565":272,"1,566":273,"1,567":274,"1,568":275,"1,569":276,"1,570":277,"1,571":278,"1,572":279,"1,573":280,"1,574":281,"1,575":282,"1,576":283,"1,577":284,"1,578":285,"1,579":286,"1,580":287,"1,581":288,"1,582":289,"1,583":290,"1,584":291,"1,585":292,"1,586":293,"1,587":294,"1,588":295,"1,589":296,"1,590":297,"1,591":298,"1,592":299,"1,593":300,"1,594":301,"1,595":302,"1,596":303,"1,597":304,"1,598":305,"1,599":306,"1,600":307,"1,601":308,"1,602":309,"1,603":310,"1,604":311,"1,605":312,"1,606":313,"1,607":314,"1,608":315,"1,609":316,"1,610":317,"1,611":318,"1,612":319,"1,613":320,"1,614":321,"1,615":322,"1,616":323,"1,617":324,"1,618":325,"1,619":326,"1,620":327,"1,621":328,"1,622":329,"1,623":330,"1,624":331,"1,625":332,"1,626":333,"1,627":334,"1,628":335,"1,629":336,"1,630":337,"1,631":338,"1,632":339,"1,633":340,"1,634":341,"1,635":342,"1,636":343,"1,637":344,"1,638":345,"1,639":346,"1,640":347,"1,641":348,"1,642":349,"1,643":350,"1,644":351,"1,645":352,"1,646":353,"1,647":354,"1,648":355,"1,649":356,"1,650":357,"1,651":358,"1,652":359,"1,653":360,"1,654":361,"1,655":362,"1,656":363,"1,657":364,"1,658":365,"1,659":366,"1,660":367,"1,661":368,"1,662":369,"1,663":370,"1,664":371,"1,665":372,"1,666":373,"1,667":374,"1,668":375,"1,669":376,"1,670":377,"1,671":378,"1,672":379,"1,673":380,"1,674":381,"1,675":382,"1,676":383,"1,677":384,"1,678":385,"1,679":386,"1,680":387,"1,681":388,"1,682":389,"1,683":390,"1,684":391,"1,685":392,"1,686":393,"1,687":394,"1,688":395,"1,689":396,"1,690":397,"1,691":398,"1,692":399,"1,693":400,"1,694":401,"1,695":402,"1,696":403,"1,697":404,"1,698":405,"1,699":406,"1,700":407,"1,701":408,"1,702":409,"1,703":410,"1,704":411,"1,705":412,"1,706":413,"1,707":414,"1,708":415,"1,709":416,"1,710":417,"1,711":418,"1,712":419,"1,713":420,"1,714":421,"1,715":422,"1,716":423,"1,717":424,"1,718":425,"1,719":426,"1,720":427,"1,721":428,"1,722":429,"1,723":430,"1,724":431,"1,725":432,"1,726":433,"1,727":434,"1,728":435,"1,729":436,"1,730":437,"1,731":438,"1,732":439,"1,733":440,"1,734":441,"1,735":442,"1,736":443,"1,737":444,"1,738":445,"1,739":446,"1,740":447,"1,741":448,"1,742":449,"1,743":450,"1,744":451,"1,745":452,"1,746":453,"1,747":454,"1,748":455,"1,749":456,"1,750":457,"1,751":458,"1,752":459,"1,753":460,"1,754":461,"1,755":462,"1,756":463,"1,757":464,"1,758":465},"ٜ":{"1":[295,758]},"ٝ":[null,"1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758"],"ٞ":{"4":[1,2],"6":[3],"8":[4],"18":[5,6],"29":[7,8,9],"49":[10],"55":[11],"57":[12],"59":[13],"64":[14],"72":[15],"74":[16,17],"75":[18],"76":[19,20],"82":[21],"86":[22],"90":[23],"95":[24],"99":[25],"101":[26],"104":[27],"107":[28],"111":[29],"114":[30],"119":[31],"122":[32],"125":[33],"132":[34],"134":[35],"136":[36],"145":[37,38],"146":[39],"149":[40],"151":[41],"154":[42],"155":[43],"157":[44],"160":[45,46],"161":[47],"163":[48],"168":[49,50],"170":[51],"171":[52],"173":[53],"174":[54],"176":[55],"177":[56],"178":[57],"185":[58],"187":[59],"189":[60],"190":[61],"192":[62],"193":[63],"194":[64,65],"198":[66],"199":[67],"201":[68,69],"202":[70],"204":[71],"206":[72],"208":[73],"211":[74],"214":[75],"215":[76,77],"217":[78],"220":[79],"222":[80,81],"226":[82],"230":[83],"231":[84],"233":[85],"235":[86],"236":[87,88],"237":[89,90],"239":[91],"241":[92,93],"243":[94],"244":[95],"246":[96],"248":[97],"257":[98],"259":[99,100],"262":[101],"263":[102],"264":[103],"265":[104],"266":[105],"267":[106],"268":[107,108],"269":[109],"270":[110],"271":[111],"272":[112],"273":[113,114],"276":[115],"278":[116,117],"279":[118],"280":[119],"281":[120],"287":[121],"291":[122],"292":[123],"295":[124,125],"297":[126],"298":[127],"300":[128],"303":[129],"307":[130],"311":[131],"326":[132],"328":[133,134,135],"330":[136],"331":[137],"333":[138,139],"335":[140],"337":[141],"338":[142],"340":[143],"341":[144],"344":[145,146],"345":[147],"346":[148],"349":[149],"350":[150,151],"352":[152],"353":[153],"354":[154,155],"356":[156],"358":[157],"359":[158],"361":[159,160,161,162],"362":[163],"364":[164],"375":[165],"378":[166],"380":[167,168],"384":[169],"386":[170],"387":[171],"390":[172],"392":[173],"395":[174],"396":[175],"397":[176],"406":[177],"407":[178],"412":[179],"413":[180],"416":[181,182,183],"417":[184],"418":[185,186],"419":[187],"420":[188],"421":[189,190],"422":[191],"424":[192,193],"426":[194,195],"428":[196],"430":[197],"431":[198],"432":[199],"433":[200],"435":[201],"436":[202],"438":[203],"441":[204],"442":[205],"444":[206],"445":[207],"447":[208],"448":[209],"449":[210],"450":[211,212],"452":[213],"455":[214],"457":[215],"459":[216],"460":[217],"463":[218]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\nللإمام الشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني ت: ٧٧١ هـ\n\nدراسة وتحقيق/\nمحمد علي فركوس","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nقال الشيخ الفقيه والإمام العالم الفذ، العلامة العلم فارس المعقول والمنقول وصاحب الفروع والأصول: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الشريف الحسني التلمساني.\nالحمد لله الذي خلق الخلق ليبرهنوا عليه، وبعث فيهم رسلًا منهم يهدونهم إليه صلى الله عليهم عمومًا، وعلى محمد وآله خصوصًا صلاة نجدها بين يديه.\nأما بعد:\nفإن العلم أجمل السجايا الإنسانية، وأجزل العطايا الربانية، لا سيما","vol":"1","page":295},{"text":"علم الشريعة، إذ هو في سماء المعلوات أسطع بدرًا، وأهله من بين أولي الدرجات أرفع قدرًا، بجنة رعايته يتحصن يوم الفزع الأكبر من العذاب الأليم، وبنور هدايته يستضاء في ظلم الحشر إلى جنات النعيم، فلقد فاز بالسعادة من أحيى به رسمًا داثرًا، وحاز مع المسلمين فيه قسمًا وافرًا.\nولما كان مدوخ ملوك العرب والعجم، ومصرف يده الكريمة في معلومات السيف والقلم، جامع كلمة الإسلام بعد شتاتها، وقامع الفجرة الظلام عن افتياتها، حتى امتدت على الرعية طنب أمانه، فلبسوا من جميل ظلها، بردًا سابغًا، فهم في حجر كفالتها هاجعون، وسحت عليهم سحب إحسانه فوردوا من جزيل فضلها وردًا سائغًا فهم بوثيق كفايتها وادعون، قد صرف عنهم ما يرهبون، وساق إليهم ما يرغبون، مولى الأنام، الخليفة الإمام أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين: أبو عنان أبقاه الله تعالى وسوانح الأقدار قاضية بإصعاده،","vol":"1","page":296},{"text":"وسوارح الأعصار ماضية في إسعاده، قد جاز بذهنه الثاقب الراجح في تحسين الدلائل مهما صعبا، وحاز برأيه الصائب الناجح في تحصيل المسائل موردًا عذبًا، حتى صار يفصل في مضيق المناظرات بين أربابها، ويجلو دجى المشكلات ويلي كشف حجابها، فأردت أن أضرب بهذا المختصر في اكتساب القربة إليه قدحًا معلي وسهما، وأجمع فيه من بديع الحقائق ورفيع الدقائق نكتا وعلمًا، وفضله - أيده الله - يقضي بحسن القبول، ويقتضي لمؤلفه غاية المأمول.\nوها أنا أشرع فيه بحول الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.\nاعلم أن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية منحصر في جنسين: دليل بنفسه، ومتضمن للدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>الجنس الأول: الدليل بنفسه</span>، وهو يتنوع نوعين: أصل بنفسه، ولازم عن أصل.","vol":"1","page":297},{"text":"النوع الأول: الأصل بنفسه، وهو صنفان: أصل نقلي، وأصل عقلي.\nالصنف الأول: هو الأصل النقلي.\nاعلم أن الأصل النقلي يشترط فيه أن يكون صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الأحكام راجحًا على كل ما يعارضه، فهذه أربعة شروط ينبغي أن نعقد في كل شرط بابًا.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الأول في السند</span>\nاعلم أن الأصل النقلي إما أن ينقل تواترًا وإما أن ينقل آحادًا.\nوالمتواتر: ﴿خبر جماعة يستحيل اتفاقهم على الكذب﴾.\nوخبر الآحاد: ﴿ما لا يبلغ حد التواتر﴾.","vol":"1","page":299},{"text":"فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذين القسمين فصلًا.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول: في التواتر</span>\nاعلم أن الأصل المستدل به: إما من الكتاب وإما من السنة.\nفأما الكتاب فلابد من كونه متواترًا، فإن لم يكن متواترًا لم يكن قرآنا. فالاعتراض على من احتج بدليل يزعم أنه من القرآن ولم يكن متواترًا بإبطال كونه متواترًا.\nومثاله: احتجاج أصحاب الشافعي على أن خمس رضعات هي التي توجب الحرمة، فإن كانت أقل فلا حرمة بما في صحيح مسلم عن","vol":"1","page":301},{"text":"عائشة ﵂ قالت: ﴿كان فيما أنزل من القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن﴾ فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن","vol":"1","page":302},{"text":"مما يقرأ من القرآن.\nفيقول أصحابنا: هذا باطل، لأنه لو كان قرآنا لكان متواترًا، وليس بمتواتر، فليس بقرأن.\nوالجواب عندهم: إن التواتر شرط في التلاوة لا شرط في الحكم، وقصد المستدل بهذا إثبات حكم الخمس لا إثبات تلاوتها، فهذا جواب الشافعية عن هذا الاعتراض.\nومن ذلك استدلال الحنفية على أن المكفر إذا حنث بالله فصيام ثلاثة أيام من شرطه أن تكون متتابعة، فإن فرقها لم تجزه لقراءة ابن","vol":"1","page":303},{"text":"مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.\nفيقول أصحابنا: هذه الزيادة ليست من القرآن، فإنها غير متواترة، ومن شرط القرآن أن يكون متوترًا.","vol":"1","page":304},{"text":"وكذلك احتجت الحنفيةعلى أن الفيئة في الإيلاء إنما محلها الأربعة الأشهر لا بعدها بقراءة أبي بن كعب، فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم، وأصحابنا يقولون: إنما الفيئة بعد تمام الأربعة الأشهر.\nويعترضون على الحنفية بأن تلك الزيادة التي في قراءة أبي بن كعب","vol":"1","page":305},{"text":"ليست من القرآن، لأنها لم تتواتر، ومن شرط القرآن أن يكون متواترًا.\nوالجواب عندهم: أن هذه الزيادة إما أن تكون قرآنا أو خبرا، لأنه إن لم تكن واحدًا منها حرم على القاريء أن يقرأ بها لما في ذلك من التلبيس.\nوإذا كانت إما قرآنا وإما خبرا وجب العمل به، والتواتر ليس بشرط في وجوب العمل بل في التلاوة كما تقدم.\nوأما السنة: فإنه لا يشترط في الخبر المستدل به أن يكون متواترًا عند المحققين من الأصوليين، اللهم إلا أن يكون ذلك رافعًا لمقتضى القرآن بالقطع فإنه يجب حينئذ أن يكون الخبر متواترًا.","vol":"1","page":306},{"text":"ومثال ذلك: ما يحتج به جمهور الأئمة، والرواية المعمول بها عن مالك عندنا في المسح على الخفين من الأخبار الواردة في ذلك عن","vol":"1","page":307},{"text":"الصحابة قولا وفعلا، حتى نقل ذلك أصحاب المقالات عن سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ.\nفيقول المخالف: هذه لكها أخبار آحاد فلا ترفع ما اقتضاه القرآن من اعتبار الرجلين في قوله تعالى: وأرجلكم.\nوالجواب عندهم: أن تلك الأخبار وإن لم يتواتر كل واحد منها بانفراده، فما تضمنه جميعا من جواز المسح على الخفين متواتر، وهذا هو المسمي بالتواتر المعنوي، كشجاعة علي وجود","vol":"1","page":308},{"text":"حاتم إذ لم ينقل إلينا عن علي ﵁ أو عن حاتم قضية معينة متواترة تقتضي الشجاعة أو السخاء.\nوإنما نقلت وقائع متعددة كل واحد منها بخبر الواحد لكن","vol":"1","page":309},{"text":"تضمن جميعا معنى واحد مشتركًا بينها، وهو الشجاعة أو السخاء.\nأو التواتر اللفظي فكالقرآن.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الثاني في الآحاد</span>\nاعلم أن الأخبار الآحادية يتعلق الاعتراض على سندها بجعتين:\nجهة إجمالية.\nجهة تفصيلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>القول في الجهة الإجمالية:</span>\nاعلم أن الأصوليين قد اختلفوا في قبول أخبار الآحاد جملة، فإذا استدل المستدل على حكم من الأحكام بخبر الآحاد، فإن للمعترض أن يمنع قبول أخبار الآحاد.\nوالجواب عن ذلك: ما ثبت في أصول الفقه.","vol":"1","page":311},{"text":"ومن ذلك: ما يعترض به في رد خبر معين، كما إذا احتج أصحابنا على اشتراط الولي في النكاح بقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي»، وعلى أن من مس ذكره انتقض وضوءه بقوله ﷺ: «من مس ذكره","vol":"1","page":312},{"text":"فليتوضأ»، وعلى أن النبيذ حرام، بقوله ﷺ\" «كل مسكر حرام».\nفيقول الحنفي - وهو المخالف في هذه المسائل الثلاث -: هذه","vol":"1","page":313},{"text":"الأحاديث لا تصح، فإن ابن معين قد قال: «ثلاثة لا يصح فيها عن النبي ﷺ شيء: «لا نكاح إلا بولي»، و«من مس ذكره فليتوضأ»، و«كل مسكر حرام».\nوالجواب عندنا: أن مثل هذا لا يرد به الأحاديث إذا أتى على","vol":"1","page":314},{"text":"شروطه، لأن سبب الرد لم يبينه ابن معين، ولعل له فيه مذهبًا لا يساعد عليه.\nومن ذلك، اعتراض أصحاب أبي حنيفة بعدم التواتر فيما تعم به البلوى، فإن مذهبهم أن التواتر شرط فيما تعم به البلوى.\nكما إذا احتج أصحابنا وأصحاب الشافعي على وجوب الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من مس ذكره","vol":"1","page":315},{"text":"فليتوضأ».\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، وما تعم الحاجة إليه ينبغي أن يكثر ناقلوه ويتواتر، لعموم الحاجة إليه، فإذا لم يتواتر فهو باطل.\nوكذلك إذا احتج أصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على","vol":"1","page":316},{"text":"أن المتبايعين لهما الخيار في إمضاء البيع وفسخه ما داما في المجلس بقوله ﷺ: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار».\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل.\nوالجواب عندنا وعند أصحاب الشافعي: أن خبر الواحد عندنا مقبول مطلقا كما تقرر في أصول الفقه، وإنما لم نقل نحن بالخيار لأن العمل عندنا مقدم.\nومن ذلك أن يطعن أحد من السلف في الخبر بأمر لا يتعلق بالرواية وإنما هو نظر عقلي قياسي.","vol":"1","page":317},{"text":"كما إذا احتج الجمهور على مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بقوله ﷺ: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا.\nفيقول المخالف: (هذا الحديث قد أنكره ابن عباس،","vol":"1","page":318},{"text":"ولذلك لما بلغه وسمعه قال: (أرأيت لو كان توضأ في مهراس).","vol":"1","page":319},{"text":"وكذلك احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي بحديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال لهم","vol":"1","page":320},{"text":"حين أنكرت يهود: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم، الحديث، فبدأ فيه بأيمان المدعين قبل أيمان المدعي عليهم، فيقول أصحاب أبي حنيفة، وهذا الحديث قد أنكره عمرو بن شعيب،","vol":"1","page":321},{"text":"وقال: \"ما هكذا الشأن، وما قال النبي ﷺ احلفوا على ما لا علم لكم به، والجواب عندنا: أن الحديث لا يقدح فيه مخالفته للقياس إذا ورد على شروطه، فإن النبي ﷺ مشرع للأحكام، ولعل ما اعتقده القادح فيه من المخالفة لا تتم، بل لذلك وجه.\nفهذا ما يتعلق بالسند الآحادي من حيث الإجمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>القول في الجهة التفصيلية:</span>\nاعلم أن من شرط السند أن يكون مقبول الرواة، متصلا إلى النبي ﷺ، فهذا شرطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الشرط الأول: في قبول الرواة:</span>\nاعلم أن الرواي لابد أن يكون عدلا، ضابطا، فلنتكلم في العدالة","vol":"1","page":322},{"text":"أولا، وثانيًا في الضبط.\nاعلم أن القدح في عدالة الراوي إما فيما يتعلق بالحديث نفسه، وإما مطلقا.\nفأما ما يتعلق بالحديث نفسه فمنه.\nما إذا أنكر الأصل رواية الفرع، كما إذا احتج أصحابنا على افتقار النكاح إلى ولي بقوله ﷺ: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، الحديث.","vol":"1","page":323},{"text":"فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث يرويه ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب الزهري، قال ابن جريج: سألت","vol":"1","page":324},{"text":"عن ابن شهاب حين لقيته، فقال: لا أعرفه، والراوي إذا أنكر ما روى لم يحتج به كالشهادة.","vol":"1","page":325},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن الأصل لم يصرح بتكذيب الفرع، فإذا روى عنه العدل وجب العمل بما روى، ولا يضر نسيان المروي عنه، وقد جرت عادة المحدثين بأن يروى الأصل عن الفرع عن الأصل نفسه إذا نسي الأصل.\nوقد أفرد في ذلك الدارقطني.","vol":"1","page":326},{"text":"جزءا.\nنعم إذا صرح الأصل بتكذيب الفرع علمنا أن أحدهما كاذب، ولكن ذلك لا يقدح في رواية كل منهما غير هذا الحديث لعدم تعين الكاذب على ما تحقق في أصول الفقه.\nوإنما كان نسيان الأصل قادحًا في شهادة الفرع في باب الشهادة لضيق باب الشهادة، ولذلك اعتبر فيها العدد والحرية","vol":"1","page":327},{"text":"والذكورية ولم يعتبر شيء من ذلك في الرواية.\nوالتحقيق فيه أن الأصول في الشهادة استنابوا الناقلين عنهم فيما يجب عليهم من أداء الشهادة عند القاضي، ومن الجهل بأصل الشهادة لا يمكنهم أن يستنيبوا غيرهم في الأداء، بخلاف الرواية فإن الراوي لم يستنبه المروي عنه فيما روى، وتمام هذا في الفقه.\nومن ذلك ما انفرد العدل بالزيادة وكان قد روى الحديث جماعة ولم يذكروا تلك الزيادة، مثل ما احتج أصحابنا على أن زكاة الحرث يعتبر","vol":"1","page":328},{"text":"فيها النصاب بخمسة أوسقق بما روى أن رسول الله ﷺ قال: فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، إذا بلغ خمسة أوسق.","vol":"1","page":329},{"text":"فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذه الزيادة لم تثبت في الحديث، فإن الجماعة الذين رووا هذا الحديث، كلهم لم يذكروها فأوجب ذلك ريبة في روايها.\nوالجواب عندنا: أن الزيادة ما لم تقطع الجماعة بعدمها - لم تتعارض روايتهم ورواية من زاد، وإنما يمكن القطع إذا اتحد المجلس وكانوا جميعا - بحيث لا يغيب عنهم شيء يمكن أن يسمعه غيرهم، وعلى هذا لا ريبة في الحديث.\nوأما الاعتراض المطلق في العدالة فمن ذلك:","vol":"1","page":330},{"text":"أن يبين في الراوي أنه كذاب، أو متروك الحديث، كما احتج أصحابنا على عدم مشروعية جلسة الاستراحة بما روى: أن رسول الله ﷺ كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه.\nفيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه خالد بن إلياس","vol":"1","page":331},{"text":"بإسناده عن أبي هريرة، وخالد متروك عند أهل الحديث.\nوالجواب: أن الحديث الذي احتججنا به لم نروه من طريق خالد عن أبي هريرة، بل من طريق آخر، فقد رواه الأعمش بأسانيد عن ابن","vol":"1","page":332},{"text":"مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم.\nفإن تعين أن الحديث له ذلك الراوي، ولم يرو عن غيره لم يصح الاحتجاج به.","vol":"1","page":333},{"text":"مثل ما إذا احتج أصحاب أبي حنيفة على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة بما روى أن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق فريضتان في الغسل من الجنابة ثلاثا.\nفيقول أصحابنا: هذا الحديث لا يروي إلا من طريق بركة بن محمد، كذلك قال الدارقطني، قال وكان يضع","vol":"1","page":334},{"text":"الحديث.\nومن ذلك أن يقدح في دينه مطلقا.\nمثل: ما يحتج أصحابنا على سقوط قراءة الفاتحة وغيرها عن المأموم، بما روى أن رسول الله ﷺ قال: من اكان خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة.\nفيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه جابر الجعفي وكان","vol":"1","page":335},{"text":"يقول بالرجعة فلا يحتج بحديثه.\nوالجواب عند أصحابنا: إنا نروي هذا الحديث من غير طريق جابر الجعفي وهو طريق أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن","vol":"1","page":336},{"text":"عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله.\nومن ذلك: الجهل بعدالة الراوي، وهو المجهول الحال.","vol":"1","page":337},{"text":"مثل: ما إذا احتج أصحابنا في أحد قولي المدونة على جواز استقبال القبلة لساتر من غير ضرورة بما روى خالد بن أبي الصلت بإسناده عن عائشة أنها قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: استقبلوا بمقعدتي القبلة، وهو خاص بالبنيان.","vol":"1","page":338},{"text":"فيقول من خالف من أصحابنا وغيرهم: خالد بن أبي الصلت قال فيه أبو ثور إنه مجهول، والمجهول عندنا لا يحتج به.","vol":"1","page":339},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن نبين أنه معروف الحال ثقة، فإنا لثقات الذين لا يروون إلا عن عدل قد رووا عنه كمبارك بن فضالة، وواصل مولي أبي عيينة، وغيرهم. فإن أمكن رواية الخبر عن رجل","vol":"1","page":340},{"text":"آخر معروف فلأصحابنا أن يجيبوا بذلك واعلم أن المجهول الحال قد اختلف أهل الأصول في قبول روايته، والمسألة مشروحة في علم الأصول.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الكلام في الضبط</span>\nوالاعتراض عليه بأمرين:\nأحدهما: أن يذكر المعترض أن الراوي كثير السهو والغفلة، كما إذا احتج أصحابنا المغربيون على ما رواه ابن القاسم من أن رفع اليدين في الصلاة ليس إلا عند افتتاحها فقط بما روي أن رسول الله ﷺ كان","vol":"1","page":342},{"text":"يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود.\nفيقول المخالف من الشافعية ومن أصحابنا المشارقة: هذا يرويه يزيد بن أبي زياد وقال فيه أئمة الحديث إنه قد ساء حفظه واختلط ذهنه في آخر عمره، وقد روى عنه سفيان بن عيينة بمكة: أن","vol":"1","page":343},{"text":"رسول الله ﷺ كان يرفع عند الركوع، قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: كان النبي ﷺ يرفع يديه عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود.\nفظننت أنهم لقنوه.\nوالجواب عند أصحابنا: انا لم نرو هذا الحديث من طريق يزيد، بل نروي هذا الحديث من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن","vol":"1","page":344},{"text":"علي بن أبي طالب.\nالثاني: أن يكون الراوي ممن يزيد برأيه في الحديث حتى لا يعلم ما فيه من حديث رسول الله ﷺ وما فيه من زيادته.\nومثاله: ما احتج به أصحاب أبي حنيفة على أن راتبة الظهر قبلها أربع ركعات لا يفصل بينها بسلام بما روي أن رسول الله ﷺ كان يصلي","vol":"1","page":345},{"text":"أربعا قبل الظهر، ويقول: أربع ركعات قبل الظهر لا يفصل بينهن بسلام تفتح لهن أبواب السماء.\nفيقول أصحابنا وأصحاب الشافعي: هذا يرويه عبيدة بن المعتب الضبي، وقد قال له يوسف بن خالد .....","vol":"1","page":346},{"text":"السمتي: هذا الذي ترويه، أكله سمعته أو بعضه؟\nفقال بل بعضه سمعته وبعضه أقيس عليه، فقال: ارو لنا ما سمعت ودع ما قست، فأنا أعلم بالقياس منك، ومن كان هذا شأنه فلا يستدل بروايته لاحتمال أن يكون من رأيه.\nوالجواب عند الحنفية أن الحديث فيه تصريح بأنه من قول النبي ﷺ ففي حديث أبي أيوب، قال: قلت: يارسول الله: أيسلم","vol":"1","page":347},{"text":"فيهن؟ \"، قال: لا، ومع هذا التصريح لا يحتمل أن يكون رأيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الشرط الثاني: في اتصال الرواية بالنبي ﷺ</span>.\nاعلم أن القادح في اتصال الرواية بالنبي ﷺ إما انقطاع السند: وهو","vol":"1","page":348},{"text":"أن يكون بين الراويين واسطة محذوفة، إما الإرسال: وهو أن يرويه غير الصحابي الحديث عن رسول الله ﷺ لا يعين الصحابي الذي تلقاه منه ﷺ، وإما الوقف، وهو أن لا ينتهي، بالحديث إلى النبي ﷺ، فهذه ثلاثة قوادح:","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القادح الأول الانقطاع:</span>\nومثاله احتجاج أصحابنا على أن الخائف من تلف أو حدوث مرض يتيمم، بحديث عمرو بن العاص، قال: احتملت في ليلة باردة، في","vol":"1","page":350},{"text":"غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله جل ثناؤه يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، فضحك النبي ﷺ، ولم يقل شيئًا.\nفيقول: أصحاب الشافعي: هذا منقطع فإن راويه عبد الرحمن بن جبير وهو لم يسمع من عمرو بن العاص، وإذا كان منقطعًا فلا يحتج به.","vol":"1","page":351},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أنه متصل بواسطة أبي قيس مولى عمرو بن العاص فإن عبد الرحمن سمعه من أبي قيس، وأبو قيس سمعه من عمرو بن العاص، وقد تتعلق هذه المسألة بمسألة رواية المجهول العدالة فإنها لا تقبل عند أصحابنا وتقبل عند أصحاب أبي حنيفة فإن غاية أمر الراوي المحذوف أن يكون مجهول الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>القادح الثاني: الإرسال:</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على افتقار النكاح إلى الولي بقوله ﷺ: لا نكاح إلا بولي، فيقول أصحاب أبي حنيفة/ هذا يرويه أبو إسحاق","vol":"1","page":352},{"text":"عن أبي بردة عن النبي ﷺ وابو بردة لم يسمع من رسول الله ﷺ.\nوالجواب عند أصحابنا: أن المراسيل مقبولة عندنا، فإنه لم","vol":"1","page":353},{"text":"يزل التابعون رضوان الله عليهم يرسلون الأحاديث ويحتجون بها، للعلم بأنهم لا يرسلون إلا عن عدل، وقد قال محمد بن إسحاق الإمام، سألت محمد بن يحيى عن هذا الباب، فقال: حديث إسرائيل عن أبي","vol":"1","page":354},{"text":"إسحاق عن أبي بردة صحيح عندي، فقلت: رواه شعبة","vol":"1","page":355},{"text":"والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ قال: نعم هكذا رويناه، ولكن رواه إسرائيل عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ فأسندوه، وقد كانوا يحدثون الحديث فيرسلونه، فإذا قيل لهم عمن، أسندوه، وقد رواه - أيضًا - جماعة عن أبي بردة عن أبي موسى عن","vol":"1","page":356},{"text":"النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>القادح الثالث: الوقف:</span>\nومثاله احتاج أصحابنا على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، بما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: لا اعتكاف إلا بصوم\".","vol":"1","page":357},{"text":"فيقول أصحاب الشافعي: هذا موقوف على عائشة، وقد قال البيهقي، لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الحديث رواه عطاء عن عائشة","vol":"1","page":358},{"text":"موقوفًا ورواه الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا، وإذا ثبت","vol":"1","page":359},{"text":"رفعه إلى النبي ﷺ من طريق فلا يضر وقفه من طريق آخر، ويحتمل أن يكون في طريق الوقف فتيا.\nومما يختلف في كونه مسندًا إلى النبي ﷺ أن يقول الراوي: مضت السنة بكذا، أو من السنة كذا، ومثاله احتجاج أصحابنا على وجوب الفرقة بين المتلاعنين بما روى عن سهل بن سعد الساعدي أنه","vol":"1","page":360},{"text":"قال: \"مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين.\nومثل احتجاج أصحابنا على مشروعية القنوت في صلاة الصبح يقول ابن مسعود: القنوت في الصبح سنة ماضية\".","vol":"1","page":361},{"text":"فيقول المخالف: يحتمل أن يكون هذا من سنة النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون من سنة من بعده.\nوالجواب عند اصحابنا أن سنة النبي ﷺ أصل السنن، فكانت أولى عند الإطلاق أن يحمل كلام الراوي عليها.\nوأدخل من ذلك في باب الإسناد أن يقول الراوي: أمر النبي ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، أو قضى بكذا، كما روي: أن النبي صلى لله عليه وسلم أمر بتشفيع الأذان، و\"نهى عن","vol":"1","page":362},{"text":"بيع الغرر\"، وقضى بالشفعة للجار.\nفيقول المخالف: لم ينقل الراوي لفظ النبي ﷺ فيحتمل أن لا يكون فيه دليل لو نقله.\nوالجواب: أن ظاهر عدالة الراوي ودينه يمنع من ذلك، والتقديرات المتوهمة لا تقدح في ظهور الدلالة.\nومن ذلك ما يتضمن الإسناد باللزوم، كما روى عن عمار بن ياسر.","vol":"1","page":363},{"text":"أنه قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، ففي ضمن ذلك أن النبي ﷺ نهي عن صوم يوم الشك، لأن العصيان لا يكون إلا بفعل ما نهي النبي ﷺ عنه، أو بترك ما أمر به.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>خاتمة: </span>قد يعترض على السند بأن الراوي خالف ما روى، كما يحتج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع، بقوله ﷺ إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا\".","vol":"1","page":365},{"text":"فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا يرويه أبو هريرة، وقد صح عنه أنه كان يفتي بغسل الإناء ثلاثا، وإذا خالف الراوي روايته كان ذلك قدحا في الحديث عنده، إذ لو كان معمولا به لما خالفه.\nوالجواب عن أصحابنا: أن الحجة في الخبر لا في مذهب الراوي، فلعله خالفه باجتهاد منه، وذلك لا يوجب علينا اتباعه.\nفهذا تمام الكلام في السند.","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الباب الثاني: في كون الأصل النقلي متضح الدلالة</span>\nاعلم أن اتضاح الدلالة يختلف باختلاف المتن، والمتن: إما قول وإما فعل، وإما تقرير، فهذه ثلاثة أقسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القسم الأول: القول </span>اعلم أن القول يدل على الحكم من جهتين:\n- من جهة منطوقه.\n- ومن جهة مفهومه.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الجهة الأولى: جهة المنطوق</span>.\nاعلم أن النظر في دلالة المنطوق قد يكون في دلالته على الحكم نفسه وقد يكون في دلالته على متعلق الحكم.\nوالحكم يتعلق بالمحكوم عليه وهو المكلف، وبالمحكوم فيه وهو الفعل، ثم الفعل قد يتعلق بما يتأدي به كالماء والصعيد في الطهارة والرقبة والإطعام، في الكفارة، وقد يتعلق بما يتأدى به زمانًا كأوقات الصلوات والصيام، ومكانا كالحرم وعرفة والمساجد.\nوبالجملة فهي متعلقات للحكم بعيدة، فلذلك انحصر الكلام في هذ الجهة: في الدلالة على الحكم، وفي الدلالة على متعلق الحكم.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الطرف الأول: في الدلالة على الحكم</span>.\nاعلم أن اللفظ الدال على الحكم بمنطوقه قد يكون أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون تخيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>القول في الامر:</span>\nوالكلام فيه ينحصر في مقدمة وعشر مسائل.\nأما المقدمة: فهي في حد الأمر، وفي صيغته الدالة عليه بالوضع.\nأما حده: فهو القول الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء.\nوأما صيغته: فهي صيغة افعل، هي مستعملة في اللغة في خمسة عشر موضعًا.\n-","vol":"1","page":369},{"text":"أحدها: الأمر، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾.\n- الثاني: الإذن، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾.\n- الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾، فإن ذلك إرشاد لمصالح الدنيا.\n- الرابع: التأديب، كقوله ﵊، كل مما يليك، ويفارق الإرشاد بأنه لحق الغير.\n- الخامس: التهديد، كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.\n- السادس: التسوية كقوله تعالى: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾.\n- السابع: الإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾.\n\n-","vol":"1","page":370},{"text":"الثامن: الاحتقار، كقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾\n\n- التاسع: الامتنان، كقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾.\n\n- العاشر: الإكرام، كقوله تعالى: ﴿ادخلواها بسلام آمنين.﴾.\n\n- الحادي عشر: التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾.\n\n- الثاني عشر: الدعاء، كقوله تعالى: ﴿فاغفر لنا﴾.\n\n- الثالث عشر: الدعاء، كقوله تعالى: ﴿فاغفر لنا﴾.\n\n- الثالث: عشر: التكوين، كقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾.\n\n- الرابع عشر: التمني، كقول امريء القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي.","vol":"1","page":371},{"text":"الخامس عشر: زاد بعضهم الإنذار كقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ورده بعضهم إلى التهديد، وهو مجاز في هذه المعاني، وحقيقة في الأمر بالاتفاق.\nوقد اختلفوا في تقديم التحريم على الصيغة، هل هو قرينة تصرف الصيغة عن معنى الامر إلى معنى الإذن، في الفعل من دون أمر به، أو ليس بقرينة؟\nوذلك أنه وردت كثيرًا هذه الصيغة بعد التحريم لمجرد الإذن، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ بعد قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾، وكقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ بعد","vol":"1","page":372},{"text":"قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، وكقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، بعد قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ وكقوله ﷺ: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها.\nفهذه الصيغ ليس المراد بها إلا الإذن في الفعل.\nوقد ترد أيضا هذه الصيغ بعد التحريم والمراد بها حقيقتها وهو الأمر كقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ بعد قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ وكقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)، بعد نزول قوله تعالى: ﴿ودع أذاهم وتوكل على الله﴾، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، والحلاق بعد بلوغ الهدي محله مأمور به، فهذا خروج من تحريم إلى أمر.","vol":"1","page":373},{"text":"وقد اختلف في ذلك كما قدمنا، فمنهم من قال بأن تقديم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر إلى معنى الإذن في الفعل، وهم الأكثرون، ومنهم من قال بأن الصيغة تبقي على حقيقتها في الدلالة على معنى الأمر، وهم الأقلون.\nومذهب الأكثرين أرجح، لأنها غالبة في الإذن في الفعل، ونادرة","vol":"1","page":374},{"text":"في غيره، وحمل اللفظ على الغالب أرجح فهذا تمام المقدمة فلنتكلم على المسائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الأولى: اختلفوا في الأمر المطلق، هل يقتضي الوجوب أو الندب أو غير ذلك </span>اختلافًا كثيرًا، وعلى ذلك اختلافهم في مسائل كثيرة من الفقه.","vol":"1","page":375},{"text":"فمن ذلك اختلافهم في الإشهاد على المراجعة، هل هو واجب أو لا؟\nفالقائلون بالوجوب وهم الشافعية يحتجون بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ والمراد بالإمساك: المراجعة، فالإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب.\nفيمنع المخالف كون الأمر مقتضيا للوجوب.\nوكذلك احتجوا على وجوب التكبير عند الإحرام بقوله ﷺ للأعرابي: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، فهذا أمر، والأمر للوجوب،","vol":"1","page":376},{"text":"فيمنع المخالف ذلك.\nوبسبب الخلاف في كون الأمر للوجوب أو للندب، اختلف أصحابنا في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، هل هو واجب أو مندوب إليه من قوله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.\nوقد ذهب أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن أوامر الله تعالى","vol":"1","page":377},{"text":"تقتضي الوجوب، وأوامر رسول الله ﷺ تقتضي الندب، والمحققون يرون جميعها للوجوب، ويحتجون على ذلك بأن تارك المأمور به عاص كما أن فاعله مطيع وقد قال تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾، وقال: ﴿ولا أعصى لك أمرا﴾ وقال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ وإذا كان تارك المأمور عاصيًا كان مستحقا للعقاب سواء كان ذلك في أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله ﷺ لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾، وقد قال تعالى في أمر رسوله ﷺ: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، وقد امتنع ﷺ عن الأمر بالسواك","vol":"1","page":378},{"text":"لأجل المشقة فقال: لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، مع أن السواك مندوب إليه، فلو كان أمره للندب لما امتنع منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المسألة الثانية: في كون الأمر بالشيء يقتضي المبادرة إليه أو لا يقتضيها</span>\nوقد اختلف في ذلك الأصوليون، واختلف الفقهاء في بعض الفروع","vol":"1","page":379},{"text":"بناء على هذا الأصل، كاختلاف الشافعي وأبي حنيفة في كون فريضة الحج على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيا وهو مذهب أبي حنيفة، أو لا على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها لا يكون عاصيا وهو مذهب الشافعي.","vol":"1","page":380},{"text":"وعندنا في المذهب في ذلك قولان: بناء على هذه القاعدة، فإن الله تعالى يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فاقتضت الاية أن الحج مأمور به.","vol":"1","page":381},{"text":"وكذلك اختلفوا في وجوب الكفارة، هل هي على الفور أو على التراخي؟\nوكذلك اختلفوا إذا هلك النصاب بعد الحول والتمكن من الأداء، هل يضمن الزكاة أو تسقط عنه؟\nفالشافعي يرى أنه يضمن، لأن الأمر بالزكاة عنده على الفور، فهو عاص بالتأخير، والحنفي يرى أنه لا يضمن، لأن الأمر بالزكاة - عنده - ليس على الفور فهو غير عاص بالتأخير.\nواعلم أن كل واحد منهما قد خالف أصله في الحج، لنظر محل بسطه كتب الفقه.","vol":"1","page":382},{"text":"والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، لأنه تارة يتقيد بالفور كما إذا قال السيد لعبده: ﴿سافر الان﴾ فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي كما إذا قال له: ﴿سافر رأس الشهر﴾ فإنه يقتضي التراخي فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخ فإنه يكون محتملا لهما، وما كان محتملا لشيئين فلا يكون مقتضيا لواحد منهما بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسألة الثالثة: في كون الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه</span>\nاعلم أن الشارع إذا أمر بفعل، فهل يحصل بالمرة الواحدة امتثال المأمور أو لا يحصل إلا بتكرير الفعل والدوام عليه؟","vol":"1","page":383},{"text":"قد اختلف في ذلك الأصوليون، وبنى ابن خويز منداد من","vol":"1","page":384},{"text":"أصحابنا على هذا الأصل مسألة التيمم، هل يجب لكل صلاة أو يجزيء التيمم الواحد ما لم يحدث؟\nفمن قال يجب لكل صلاة يرى أن قوله تعالى: (فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)، أمر يدل على التكرار، ويقول: إنما أجزأ الوضوء للصلوات، الكثيرة بدليل منفصل وهو حديث يعلى بن","vol":"1","page":385},{"text":"أمية: «إن النبي ﷺ صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد».\nوالمحققون يرون أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا المرة، بل هو صالح لكل واحد منهما، لأنه يصلح تقييده بكل واحد منهما، ألا ترى أن الشرع أمرنا بالإيمان دائمًا، وأمرنا بالحج مرة واحدة، ولصلاحية الأمر المطلق لكل واحد من القيدين حسن من السامع الاستفهام لما فيه من الإبهام.","vol":"1","page":386},{"text":"ففي الحديث: أن الأقرع بن حابس أو سراقة بن مالك - لا أدري أي الرجلين - سأل رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فقال: يا رسول الله أحجنا لعامنا هذا أم للأبد - يعني هل يجزئنا حجنا عن عامنا هذا فقط، فنحتاج إلى تكرير حج في كل سنة أو يجزئنا للأبد - فقال رسول الله ﷺ: «للأبد»، فلولا أن الأمر المطلق يحتمل التكرار","vol":"1","page":387},{"text":"والمرة الواحدة لما حسن من السائل هذا السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المسألة الرابعة: في أن الأمر الموقت بوقت موسع، هل يتعلق بأول الوقت خاصة، أو بآخره خاصة، أو لا يختص تعلقه بجزء معين من الوقت</span>.\nوقد اختلف في ذلك الأصوليون، فبعض الشافعية يرون أن الأمر","vol":"1","page":388},{"text":"متعلق بأول الوقت، فإن تأخر الفعل عن أول الوقت ووقع في آخره فهو قضاء سد مسد الأداء.\nوبعض الحنفية يرون أن الأمر متعلق بآخر الوقت، فإن قدم في أوله فهو نفل سد مسد الفرض.\nوالمحققون في الأصوليين يرون أن الأمر لا يختص تعلقه ببعض","vol":"1","page":389},{"text":"معين من الوقت، فإنه لو تعلق بأوله لكان المؤخر عاصيًا بالتأخير، ولكان قاضيا لا مؤديا، وحينئذ يجب عليه أن ينوي القضاء وهو خلاف الإجماع، ولو تعلق الأمر بآخر الوقت لكان المقدم متطوعًا لا متمثلا للأمر، ولوجبت عليه نية التطوع، ولما أجزأت عن الواجب كما لو فعلها قبل الوقت، وهذا خلاف الإجماع، فثبت ان الأمر لا يتعلق ببعض معين.\nومما ينبني على هذا الأصل اختلافهم في الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ قبل انقضاء الوقت.\nفالشافعية يرون أن الصلاة تجزئه، لأن الوجوب عندهم، متعلق بأول الوقت، فهذا الصبي قد بلغ بعد انقضاء زمن الوجوب فلا إعادة عليه، كما لو بلغ بعد انقضاء الوقت.","vol":"1","page":390},{"text":"والحنفية يرون أن الصلاة لا تجزئه، لأن الوجوب عندهم متعلق بآخر الوقت، فقد أدركه، زمن الوجوب وهو بالغ فوجب عليه أن يصلي، كما لو بلغ قبل الوقت.\nوعندنا في المذهب في ذلك قولان، ونظرنا فيه فقهي، ومحله كتب الفقه.\nومن ذلك اختلافهم هل التغليس أفضل بصلاة الصبح أم الإسفار.\nفالشافعية ترى أن التغليس أفضل، لأنه زمن الوجوب.","vol":"1","page":391},{"text":"والحنفية ترى أن الإسفار أفضل: لأنه زمن الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المسألة الخامسة: في أن الأمر إذا كان يسقط بفعل بعض المكلفين، هل يتعلق الابتداء بجميع المكلفين ثم يسقط بفعل من فعل عمن لم يفعل، أو إنما يتعلق ابتداء ببعض المكلفين</span>.\nفجمهور العلماء يرو أنه يتعلق ابتداء بالجميع، ومنهم من يرى أنه يتعلق ببعض غير معين، وحجة الجمهور: أن العقاب يعم جميعهم إذا تركوه إجماعًا، وإنما يعم العقاب لعموم الوجوب.","vol":"1","page":392},{"text":"ومما ينبني على هذه المسألة أن الحاضر الصحيح إذا عدم الماء فإنه يتيمم للفرائض المتعينة كالصلوات الخمس، ولا يتيمم للنوافل.","vol":"1","page":393},{"text":"وفي تيممه للجنازة خلاف، بناء على هذا الأصل:\nفمن يرى أنه يتيمم يرى ان الوجوب يتعلق بجميع المكلفين ابتداء، ولا فرق على هذا في الابتداء بين فرض العين وفرض الكفاية.\nومن يرى أنه لا يتيمم يرى أن الوجوب لا يتعلق بجميع المكلفين، فكانت الجنازة في حقه كالنوافل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المسألة السادسة: في أن الأمر بواحد من أشياء هل يقتضي جميعها أو يقتضي واحدًا لا بعينه</span>\nقد اختلف في ذلك الأصوليون على أقوال، أشهرها هذا القولان، ومثاله: خصال الكفارة، الإطعام والكسوة والعتق.","vol":"1","page":394},{"text":"وتظهر فائدة الخلاف في: العبد والمسافر إذا كانا إمامين في الجمعة، هل تصح صلاة المؤتمين بهما أو لا؟\nفابن القاسم يرى: أنها لا تصح.\nوأشهب يرى: أنها تصح.","vol":"1","page":395},{"text":"ووجه قول ابن القاسم: أن الواجب في حق العبد غير معين، لأنه مخير بين الجمعة والظهر فالواجب عليه إحداهما لا بعينها، فالعبد مفترض في مطلق الصلاة التي هي إحداهما، ومتنفل في خصوصية الجمعة، فإذا اقتدى به المأموم في خصوصية الجمعة التي هي فرض عليه، كان اقتداؤه اقتداء مفترض بمتنفل، وذلك لا يصح.\nووجه قول أشهب: أن خصوصية الجمعة واجبة على العبدـ، بناء على أن الأمر بواحد من أشياء يقتضي وجوب الجميع.\nوالذي ذهب إليه الجمهور هو: أن الأمر يتعلق بواحد لا بعينه، وحجتهم في ذلك: أن من ترك الجميع إنما يعاقب عقوبة من ترك واجبًا","vol":"1","page":396},{"text":"واحدًا، لا عقوبة من ترك واجبات كثيرة إجماعا، فدل على أنه لا يجب عليه جميعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسألة السابعة: في الأمر بالشيء هل يقتضي الأجزاء أو لا</span>؟\nاعلم أن الأصوليين اختلفوا في أن المكلف إذا فعل ما أمر به هل يلزم انقطاع التكليف عنه أو لا يلزم، بل يجوز دوام التكليف؟ في ذلك قولان.","vol":"1","page":397},{"text":"وهذه المسألة إن أخذت على ظاهرها بني الفقهاء عليها فروعا كثيرة منها:\nأن من لم يجد ماء ولا ترابًا، ودخل عليه وقت الصلاة، فإنا نأمره بالصلاة على قول ابن القاسم وأشهب، ثم إذا صلى هل يقتضي تلك الصلاة إذا وجد ماء أو صعيدًا أو لا يقتضيها؟\nفابن القاسم يأمره بقضائها، وأشهب لا يأمره بذلك لأنه يرى أن","vol":"1","page":398},{"text":"المكلف لما أمر بأداء الصلاة على تلك الحالة، فإذا فعل ما أمر به انقطع عنه التكليف، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ويلزم من الإجزاء سقوط القضاء.\nوكذلك من لم يجد ثوبا فصلى عريانا، ثم وجد ثوبًا فيه قولان هل يعيد أو لا يعيد؟ بناء على هذا الأصل.\nوكذلك من التبست عليه القبلة، فصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها القبلة، ثم تبين أن القبلة غيرها. وأمثال ذلك.\nوالمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر يقتضي الإجزاء وانقطاع التكليف عند فعل المأمور به، لأن الأمر إما أن يكون متناولا لزيادة على ما أتى به المكلف أو لا يكون متناولا للزيادة، فإن كان متناولا للزيادة لم","vol":"1","page":399},{"text":"يكن المكلف حينئذ آتيا بكل ما أمر به، والفرض أنه آت بكل ما أمر به، وإن كان الأمر غير متناول للزيادة، على ما أتى به المكلف، انقطع الأمر والتكليف حينئذ فصح أن الأمر بالشيء يقتضي الإجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المسألة الثامنة: في أن الأمر المؤقت بوقت، هل يقتضي قضاء الفعل المأمور به بعد فواته على ذلك الوقت أو لا يقتضيه</span>؟\nاعلم أن العبادة المؤقتة بوقت، إذا لم يفعلها المكلف حتى خرج وقتها، هل يجب عليه قضاؤها بالأمر الأول أو لا يجب عليه قضاؤها بذلك الأمر الأول، بل إن ورد أمر ثان بالقضاء وجب القضاء وإلا لم يجب؟ في لك قولان للأصوليين.","vol":"1","page":400},{"text":"والجمهور منهم يرون أن القضاء لا يجب بالأمر الأول، بل إنما يجب بأمر جديد، ويحتجون على ذلك: بأمر الأمر لا يتناول غير الوقت المقدر ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده، اجلس في الدار يوم الخميس، فإن قوله ذلك لا يتناول يوم الجمعة، ولذلك يصح أن يقول له: اجلس يوم الخميس ولا تجلس يوم الجمعة، فلو كان الأمر الأول متناولا ليوم الجمعة لكان هذا الكلام متناقضا.\nوعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء عندنا في المذهب فيمن وجب عليه صوم يوم بعينه، لأجل أنه نذره فلم يصمه، أو أفسده، هل يجب عليه قضاؤه أو لا يجب عليه قضاؤه؟","vol":"1","page":401},{"text":"فمن يرى: أن القضاء بأمر جديد يرى أنه لا يجب عليه قضاؤه، إذ ليس عندنا أمر جديد في هذه المسألة يوجب القضاء، وإنما وجب القضاء في رمضان لوجود أمر جديد، وهو قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.\nومن يرى: أن القضاء بالأمر الأول، فإنه يوجب عليه القضاء لوجود الأمر الأول.\nوكذلك اختلفوا في تارك الصلاة متعمدًا، هل يجب عليه القضاء.\nفجمهور المالكية أنه يجب عليه القضاء بناء على أن القضاء بالأمر الأول، وهذا كان مأمورًا بالصلاة في الوقت، وابن حبيب من","vol":"1","page":402},{"text":"أصحابنا يرى أنه لا قضاء عليه، لأن الأمر الأول لا يوجب القضاء، وليس عندنا أمر جديد إلا في النوم والنسيان لقوله ﷺ: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فلولا أنه ﷺ أوجب القضاء على النائم والناسي لما وجب.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المسألة التاسعة: في أن الأمر بالشيء، هلي قتضي وسيلة المأمور به أو لا يقتضيها</span>؟\nوهو معنى قولهم: ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب أو لا؟","vol":"1","page":404},{"text":"اختلف الأصوليون في ذلك، فجمهورهم يرى أن الأمر بالشيء يقتضي جميع ما يتوقف عليه فعل المأمور به كالسيد إذا أمر عبده بالصعود على السطح، فإن العبد مأمور بنصب السلم الذي يحصل به الصعود على السطح.\nومنهم من يرى: أن الأمر بالشيء لا يكون امرًا بما يتوقف عليه ذلك الشيء.\nوحجة الجمهور: أن الوسيلة لو لم تكن مأمورًا بها لساغ للمكلف تركها، ولو ساغ له تركها لساغ له ترك الواجب لتوقف الواجب عليها، ولو ساغ له ترك الواجب لم يكن واجبًا.\nوعلى هذا الأصل اختلف العلماء في وجوب طلب الماء للطهارة.","vol":"1","page":405},{"text":"فالشافعية توجب الطلب، والحنفية لا توجبه، وعندنا في المذهب خلاف.\nفمن يرى: أن الطلب واجب يقول: لأن الوضوء واجب، ولا يتوصل إلى الوضوء إلا بطلب الماء، فطلب الماء واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nولذلك أجمعوا على أن من وجبت عليه كفارة بالعتق، ولم تكن عند رقبة، وعنده ثمنها أنه يوجب عليه شرؤاها، لأنه لا يتوصل إلى العتق الواجب عليه إلا بالشراء، فالشراء واجب، ولذلك أوجبنا شراء الماء للوضوء في السفر إلا أن يكون مجحفا به فيسقط الشراء للضرورة.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المسألة العاشرة: اختلفوا في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده</span>؟\nفجمهور الأصوليين والفقهاء: على أن الأمر بالشيء نهي عن","vol":"1","page":407},{"text":"ضده ومنهم من قال: ليس نهيًا عن ضده، وهذه المسألة قريبة من التي قبلها.\nوحجة الجمهور: أن ضد المأمور به إما أن يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه أو مباحًا، ولا يصح أن يكون مأمورًا به، لأنه لا يصح الأمر بالضدين لاستحالة الجمع بينهما، ولا يصح أن يكون مأمورا به، لأنه لا يصح الأمر بالضدين لاستحالة الجمع بينهما، ولا يصح أن يكون مباحا وإلا لجاز له فعل الضد، ويفضي جواز فعل ضد المأمور به إلى جواز ترك المأمور به لاستحالة الجمع بين الضدين، فإذا ضد المأمرو به فقد ترك المأمور به، لكن ترك المأمور به لا يجوز، ففعل ضده لا يجوز.\nوتظهر فائدة الخلاف في أن العبادة المأمور بها لا ينهي عن ضدها، ما لم يفض فعل الضد إلى فواتها، فالقيام في الصلاة مأمور به فإذا جلس ثم تلافي القيام المأمور به لم تبطل صلاته، لأن جلوسه ذلك غير منهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده.\nوالجمهور يرون أن الجلوس منهي عنه، لأنه ضد القيام المأمور به، فإذا جلس من قيامه في أثناء صلاته عمدًا بطلت صلاته، وإن أمكنه","vol":"1","page":408},{"text":"التلافي، لأن المصلي قد فعل في صلاته فعلًا منهيًا عنه، فوجب أن تبطل صلاته.\nوكذلك إذا سجد على مكان نجس، فعند الجمهور تبطل صلاته، لأنه مأمور بالسجود على مكان طاهر، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فالسجود على مكان نجس منهي عنه، فوجب أن تبطل صلاته، لفعله ما نهى عنه.\nوأبو يوسف من الحنفية يأمره بإعادة السجود على مكان طاهر.","vol":"1","page":409},{"text":"ويجزيه، لأن المأمور به السجود على مكان طاهر، وقد أتى به، وأما السجود على مكان نجس فليس بمنهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده.\nوقد اختلفت الشافعية فيمن أودع رجلا وديعة وأمره أن يجعلها في مكان معين، فإن لم ينهه عن جعلها في مكان آخر، فنقلها المودع إلى غير ذلك المكان الذي عين له المودع، ثم ضاعت منه، لم يضمن، إذ كان الموضع المنقول إليه مثل الأول في الحرز والحفظ.\nوأما إن نهاه عن جعلها في مكان آخر فنقلها هو إلى غيره مما هو مثله في الحرز والحفظ ففي ضمانه قولان:\n- فمن رأى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، يرى أنه لا فرق بين أن يقول له: «اجعل هذه الوديعة في الموضع الفلاني»، ويسكت، أو يقول له: «اجعلها فيه ولا تجعلها في غيره»، فكما أنه لا ضمان عليه إذا سكت المودع عن النهي، فكذلك لا ضمان عليه إذا تلفظ بالنهي.\nومن رأى أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لم ير على المودع ضمانًا إن لم يصرح له بالنهي عن وضع الوديعة في غيره، إذ لا","vol":"1","page":410},{"text":"تعدي في فعل المودع، وأما إذا صرح له بالنهي تحقق حينئذ حصول التعدي من المودع فوجب ضمانه.\nواعلم أن ابن خويز منداد ذكر أن مذهب مالك ﵀ أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وأخذ ذلك من كون مالك ﵀ يقول بمفهوم المخالفة، وسيأتي الكلام في المفهوم إن شاء الله.\nفهذا تمام الكلام في الأمر.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>القول في النهي</span>\nاعلم أن الكلام في النهي منحصر في مقدمة، ومسألتين إذ هما أهم مسائله.\nأما المقدمة فهي: في حد النهي وصيغته.\nأما حده فهو: القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء.\nوأما صيغته فهي: ﴿لا تفعل﴾ وقد استعملت في اللغة في ستة، معان: منها: النهي كقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.","vol":"1","page":412},{"text":"ومنها الدعاء، كقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾.\nومنها: اليأس، كقوله تعالى: ﴿لا تعذروا﴾.\nومنها الإرشاد كقوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ ومنها: التحقير كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحيوة الدنيا﴾.\nوهي حقيقة في النهي إجماعًا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن معنى النهي إلا لقرينة.","vol":"1","page":413},{"text":"واعلم أن الأصوليين القائلين بأن تقدم التحريم قبل صيغة الأمر ثرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر اختلفوا في تقدم الوجوب قبل صيغة النهي:\nفمنهم من يرى أن تقدم الوجوب قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي، كما أن تقدم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر.\nومنهم من لا يرى تقدم الوجوب قرينة، بل قد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإجماع على أن تقدم الوجوب لا يكون قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي.","vol":"1","page":414},{"text":"والحق أن في ذلك خلافًا.\nومثاله قوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ بعد قوله: ﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾، والمراد بهذه الصيغة النهي بلا خلاف.\nوفي معنى النهي بعد تقدم الأمر قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ فإن الثابت بعد أخذ الجزية تحريم قتالهم بعد تقدم وجوبه.\nوإذا تمت هذه المقدمة فلنتكلم في المسألتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة الأولى: في كون النهي مقتضيا للتحريم أو للكراهة</span>\nوقد اختلف في ذلك، ومذهب الجمهور أنه للتحريم، لأن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون بالنهي على التحريم، وأيضا ففاعل ما نهي عنه عاص إجماعا، لأنه قد خالف ما طلب منه،","vol":"1","page":415},{"text":"والعاصي يستحق العقاب، وكل فعل يستحق فاعله العقاب فهو حرام، فالنهي يقتضي التحريم.\nوينبني على هذا مسائل كثيرة من الفقه، فمن ذلك:\nالصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، فإن العلماء اختلفوا في كون الصلاة في هذه المواضع محرمة أو مكروهة.\nوعندنا في المذهب في ذلك خلاف، مبناه على أن النهي هل","vol":"1","page":416},{"text":"يدل على تحريم المنهي عنه أو لا؟ وقد نهي النبي ﷺ عن الصلاة في هذه المواضع السبعة، أخرجه الترمذي.\nوكذلك اختلفوا في استقبال القبلة لبول أو غائط، هل هو حرام أو","vol":"1","page":417},{"text":"مكروه؟ بناء على قوله ﷺ: لا تستقبلوا القبلة لبول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، هل ذلك محمول على التحريم أو على الكراهة؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة الثانية: في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا</span>؟\nفي ذلك خلاف بين الأصوليين، والجمهور منهم على أنه يدل على فساد المنهي عنه إلا ما خرج بدليل منفصل.","vol":"1","page":418},{"text":"وحجتهم في ذلك أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون على فساد بياعات وأنكحة كثيرة بصدور النهي عنها، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك الاستدلال، بل يعارض بعضهم بعضا بأدلة أخرى.\nوعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل يفسخ أو لا؟\nفالمالكية والشافعية يحكمون بفسخه، والحنفية لا تحكم بذلك،","vol":"1","page":419},{"text":"وفي الحديث: ﴿إن النبي ﷺ نهي عن نكاح الشغار﴾ فمن رأي أن النهي يدل على فساد المنهي عنه حكم بفسخ نكاح الشغار، ومن رأي أنه لا يدل على فساده لم يحكم بفسخه؟\nومنه بيع وشرط، فإن النبي ﷺ: نهي عن بيع وشرط.\nومنه بيع وسلف، لأن النبي ﷺ: \"نهي عن بيع وسلف\".","vol":"1","page":420},{"text":"ومنه الصلاة في الدار المغصوبة، لأنه منهي عنها، ففي فسادها خلاف.\nوكذلك الصلاة في الأوقات الممنوعة والأمكنة الممنوعة، ففي جميع ذلك خلاف بناء على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.\nوتحقيق المذهب أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله تعالى فإنه","vol":"1","page":421},{"text":"يفسد المنهي عنه، وإن كان لحق العبد فلا يفسد المنهي عنه، ألا ترى أن النبي ﷺ نهي عن التصرية، فقال: ﴿لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر﴾، فلم يحكم ﷺ بفسخ البيع، ولو كان مفسوخًا لم يجعل للمشتري خيارًا في الإمساك، فلما جعل له الخيار في الإمساك دل على أنه لم يفسخه، وذلك لأن الحق فيه للعبد إلا لله تعالى.\nوإن كان النهي فيه لحق الله تعالى فإنه فاسد، ولذلك قلنا: إن البيع وقت النداء للجمعة يفسخ، لأنه منهى عنه لحق الله تعالى، وهذا","vol":"1","page":422},{"text":"هو وجه تفرقة أكثر الرواة بين ما يفسخ من النكاح المنهي عنه بطلاق، وما يفسخ بغير طلاق، فإنهم قالوا: كل نكاح كان للزوج أو للزوجة أو للولي إمضاؤه وفسخه فإنه يفسخ بطلاق، لأن النهي فيه ليس إلا لحق من له الخيار فالنكاح في نفسه منعقد ليس بفاسد.\nوأما كل نكاح لا خيار فيه لأحد الثلاثة، بل يجب فسخه على كل حال فإنه يفسخ بغير طلاق، لأن الفسخ فيه ليس لحق أحد منهم، ولو كان لحق أحد منهم لسقط الفسخ بإسقاطه حقه، فلما لم يسقط الفسخ بإسقاط أحدهم علمنا أن الحق فيه لله تعالى فكان فاسدًا غير منعقد، فلا يحتاج في فسخه إلى طلاق، لأن الطلاق إنما هو حل العقد، فحيث لا عقد فلا حل، فهذه قاعدة المذهب، وما خرج عن هذا فإنما هو لدليل منفصل.\nواعلم أن النهي يقتضي الدوام والفور، وكون ضد المنهي عنه","vol":"1","page":423},{"text":"مأمور به، كما أن ضد المأمور به منهي عنه.\nوما ذكرنا من مسائله هو المهم في الفقه.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>القول في التخيير</span>\nاعلم أن اللفظ الدال على التخيير بين الفعل والترك لا يدل على تسوية الطرفين، ألا ترى أن المسافر مخير بين الصوم والفطر، والصوم أفضل عند جمهور أصحابنا، والفطر أفضل عند بعضهم.\nوكذلك هو مخير بين الإتمام والقصر في السفر، والقصر أفضل.","vol":"1","page":425},{"text":"وكذلك العبد والمرأة والمسافر مخيرون في يوم الجمعة بين صلاة الجمعة وبين الظهر، والجمعة أفضل.\nوإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج على التسوية بين الطرفين بالتخيير بينهما.\nوالذين يرون أن المندوب مأمور به، والمكروه منهي عنه، يجعلون التخيير مختصًا بالإباحة.","vol":"1","page":426},{"text":"وقد اختلفوا في كون الإباحة حكما شرعيًا، أو حكما عقليا ثابتا بالبراءة الأصلية، وينبني على ذلك مسائل: نشير إلى بعضها في فصل القياس، إن شاء الله تعالى.\nفهذا تمام الكلام في التخيير، وبه تم الكلام في الطرف الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الطرف الثاني: في الدلالة على متعلق الحكم</span>.\nاعلم أن اللفظ إما أن يحتمل معنيين أو لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فإن لم يحتمل بالوضع إلا معنى واحدًا فهو ﴿النص﴾، وإن احتمل معنيين، فإما أن يكون راجحا في أحد المعنيين أو لا يكون راجحا، فإن لم يكن راجحا في أحد المعنيين فهو ﴿المجمل﴾، وهو غير المتضح الدلالة، وإن كان راجحا في أحد المعنيين، فإما أن يكون رجحانه من جهة اللفظ، أو من جهة دليل منفصل، فإن كان من جهة اللفظ فهو ﴿الظاهر﴾، وإن كان","vol":"1","page":427},{"text":"من جهة دليل منفصل فهو ﴿المؤول﴾.\nفخرج من هذا: أن اللفظ إما نص، وإما مجمل، وإما ظاهر، وإما مؤول.\nفينبغي أن نعقد في كل قسم من هذه الأربعة فصلا.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الأول في النص</span>\nوهو لا يقبل الاعتراض إلا من غير جهة دلالته على ما هو نص فيه:\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع لا ثلاث بقوله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.\nوالحنفية يوجبون الغسل ثلاثا، لكنهم لا ينازعون في دلالة لفظ السبع، على العدد المعلوم، بل يقولون: كان أبو هريرة يفتي بغسل","vol":"1","page":429},{"text":"الإناء ثلاثًا، وهو راوي الحديث، فدل على أن الحديث غير معمول به.\nوقد يعتقد معتقد في العدد أنه نص في القصر عليه، وهو في الحقيقة ليس بنص في ذلك، بل هو نص في الانتهاء إليه، وهذا كقوله ﷺ: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، فإن ذلك لا يدل نصًا على","vol":"1","page":430},{"text":"منع الزيادة على الخمس، بل ولا بمنطوقه، وإنما يدل بمفهومه، وللعدد مفهوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقد فرق بعض الأصوليين بين ذكر العدد في نفس الحكم، كقوله: فليغسله سبعًا، وبين ذكره في متعلق الحكم، كقوله: خمس فواسق، وجعل المنع من الزيادة على ثلاثة أيام في الخيار نصا من قوله ﷺ: إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثة أيام، فإن هذا الحديث في الحكم، لا في محل الحكم، فلا تصح الزيادة في الخيار على ثلاثة أيام.\nوهذا الذي ذكروه لا ننازعهم فيه، بل نقول: الخيار الذي يكون للغبن يتحدد بالثلاثة، وهو الذي ورد في هذا الحديث، وأما الخيار الذي يعرض في البيع لاختبار المبيع، فلا تحديد عندنا فيه، ويختلف باختلاف السلع.","vol":"1","page":431},{"text":"ومما يدل أيضًا نصًا على الحكم ما احتج به أصحابنا، على أن الإمام مخير في الأسرى بين المن والفداء بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ وهذا نص في التخيير.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا وإن كان نصا في التخيير إلا أنه مغي بغاية مجهولة، وهو قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ ووضع الحرب أوزارها مجهول، فإنه يحتمل أن يكون المراد منه: حتى لا يبقى شرك، أي إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يريد: حتى يفترق القتال، ويحتمل غير ذلك.","vol":"1","page":432},{"text":"وبالجملة: فيحتمل أن الغاية قد وجدت فيرتفع التخيير، ويحتمل أنها لم توجد بعد، فيبقى حكمه مستمرًا، وإذا كان كذلك فالآية مجملة.\nوالجواب عند أصحابنا: أن أئمة التفسير قد رووا عن ابن عباس: حتى ينزل عيسى بن مريم، وحتى لا يبقى على الأرض مشرك.\nواعلم أنه قد يتعين المعنى ويكون اللفظ نصا فيه بالقرائن والسياق لا من جهة الوضع.\nومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن بيع الرطب بالتمر، لا يجوز، وهو أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، قال: فلا إذن.","vol":"1","page":433},{"text":"فيقول أصحاب أبي حنيفة: قوله: ﴿فلا إذن﴾ لا يتم إلا بحذف، فقد يكون معناه، فلا يجوز إذن، وقد يكون معناه: فلا بأس إذن، ومع هذا الاحتمال فلا استدلال.\nوالجواب عند أصحابنا: إن جوابه ﷺ إنما يطابق سؤال السائل إذا كان المعنى: فلا يجوز لأنه إنما سئل عن الجواز، وأيضا: فقرينة التعليل بالنقص تدل على المنع، إذ النقص لا يكون مناسبًا للجواز، فهذا يوجب القطع بأن المراد أنه لا يجوز.\nواعلم أنه قد يحلق بالنص ما يتطرق إليه احتمال غريب نادر، لا يكاد يقبله العقل. ومثاله: ما احتج به أصحاب الشافعي على أن قراءة","vol":"1","page":434},{"text":"الفاتحة واجبة على المأموم، هو قوله ﷺ إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.\nفيقول مخالفوهم: يحتمل أن يكون المراد بإلا معنى الواو، فكأنه قال: ولا تقرءوا ولا بأم القرآن، فإن ﴿إلا﴾ قد وردت بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ وكقول الشاعر:\nوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nأي ولا الذين ظلموا منهم، ولا الفرقدان، وإذا كان كذلك، كان الحديث محتملًا.","vol":"1","page":435},{"text":"والجواب عندهم: أن هذا التأويل البعيد الذي يصير الحديث كاللغز ينفيه قوله بعد ذلك: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.\nخاتمة: وقد يكون المعترض هو الذي يدعى النصوصية في القول، ويريد بذلك أن يمنع تقييده، كما إذا أراد أصحابنا تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة بقوله ﷺ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: قد قال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾، فالآية نص في إجزاء ما تيسر منه، والحديث قد تضمن زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.","vol":"1","page":436},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن المطلق ظاهر في معناه لا نص، وإذا كان ظاهرًا جاز تأويله بخبر الواحد.\nفهذا تمام الكلام في النص.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الثاني في المجمل</span>\nقد قدمنا أن المجمل لا يكون متضح الدلالة، إذ لو اتضح مدلوله لم يكن مجملا فينحصر الكلام في المجمل في ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال:</span>\nاعلم أن الإجمال تابع للاحتمال، والاحتمال في اللفظ: إما في حالة الإفراد، وإما في حالة التركيب.\nوالاحتمال في حالة الإفراد: إما في نفس اللفظ، وإما في تصريفه، وإما في لواحقه، فهذه ثلاثة أقسام.\nوالاحتمال في التركيب،: إما في اشتراك تأليفه بين معنيين، وإما بتركيب المفصل وإما بتفصيل المركب، فهذه ثلاثة أقسام.\nفجميع أسباب الاحتمال ستة أقسام.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>السبب الأول: الاشتراك في نفس اللفظ</span>\nومثاله: استدلال أصحابنا على أن الاعتداد بالأطهار بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ والقرء في اللغة الطهر، ومنه قول الشاعر:\nوفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة مالا وفي الحمد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا","vol":"1","page":439},{"text":"أي من أطهارهن بسبب الغزو.\nفتقول الحنفية: لفظ القراء يحتمل الحيض بدليل قول النبي ﷺ: دعي الصلاة أيام أقرائك، وإنما المراد: أيام الحيض لا أيام الطهر.\nوالدليل على ثبوت الاشتراك بين المعنيين لغة اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، وهم أهل اللغة.\nفإن كان المبتديء بالاستدلال أصحابنا فعليهم بيان أن اللفظ أرجح في الطهر منه في الحيض، فمنهم من رجح بما ذكره ابن الأنباري.","vol":"1","page":440},{"text":"وهو: أن القرء مفردًا يحتمل الطهر والحيض، فإن جمع على أقراء فالمراد به الحيض كقوله ﷺ: دعي الصلاة أيام أقرائك، وإن جمع على قروء فالمراد به الطهر كقوله الشاعر:\nلما ضاع فيها من قروء نسائكا\nولما جمع القرء في الآية على قروء دل على أن المراد به الطهر لا الحيض.\nوالحنفية يقدحون في هذا ويقولون: لو صح هذا لما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، فإنهم أهل اللغة، وأعرف بها، فلما","vol":"1","page":441},{"text":"اختلفوا دل ذلك على بقاء الاحتمال حالة الجمع، كما كان حالة الإفراد، وقد قال الشاعر:\nيارب ذي ضغن وضب فارض ... له قروء كقروء الحائض\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>السبب الثاني: التصريف</span>\nومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن الحضانة في الولد حق له لا","vol":"1","page":442},{"text":"لها بقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ فنهى المرأة عن أن تضر بالولد، فدل على أن الحق له عليها.\nفيقول من زعم غير ذلك من أصحابنا: يحتمل أن يكون ذلك لا تضارر بكسر الراء فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يكون لا تضارر بفتح الراء فيكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فلا يصح الاستدلال.\nوالجواب عند الأولين: أن احتمال الفاعلية متعين، لأن الخطاب حينئذ يتعلق بمعين، وأما على الاحتمال الثاني فيتعلق الخطاب بغير معين لكن المأمور والمنهي من شرطه أن يكون معينًا لا مبهمًا.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>السبب الثالث: اللواحق: </span>من النقط والشكل\nومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من بيع ذهب وعرض بذهب بحديث فضالة بن عبيد: أن رجلا سأل رسول ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتعت قلادة فيها خرز وذهب بذهب، فقال رسول الله ﷺ: لا حتى تفصل، فأمر بالتفصيل ونهي عن البيع","vol":"1","page":444},{"text":"مجملا، فدل على أن بيع سلعة وذهب بذهب لا يجوز.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث قد ورد في رواية أخرى: حتى تفضل بالضاد المعجمة مخففة، أي يكون في الذهب فضل على مقدار الذهب المضاف مع السلعة، ولما كانت القصة واحدة، علمنا أن اللفظين معا لم يصدرا عن النبي ﷺ لتنافي معنييهما، وأن اللظف الوارد عن النبي ﷺ واحد معين في نفسه مجهول عندنا فلا يحتج به.\nوالجواب عند أصحابنا: أن رواية الصاد غير المعجمة أصح عند المحدثين، وهي المحفوظة عندهم، ويعضدها ما روى من طريق آخر أنه قال: ﴿لا حتى تميز﴾ فوجب أن تكون إحدي الروايتين مفسرة","vol":"1","page":445},{"text":"للأخرى، ثم إن رواية الضاد المعجمة تستلزم زيادة النقطة، والأصل عدمها.\nومثاله أيضا في التغيير بالحركة: احتجاج الشافعية على أن بيع الحنطة في السنبل لا يجوز، بما روى: أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الحب حتى يفرك، أي يخرج من سنبله.\nفتقول الحنفية: قد نقل في رواية أخرى: ﴿حتى يفرك﴾ أي يطعم ويبلغ حد الأكل، وإذا اختلفت الرواية واللفظ واحد ثبت الاحتمال في اللفظ، فوجب أن لا يحتج به.","vol":"1","page":446},{"text":"والجواب عند الشافعية: أن الروايتين تحملان على التعدد في الأخبار، وحينئذ نقول بالموجب فيهما معًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>السبب الرابع: اشتراك التأليف</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن للأب أن يسقط نصف الصداق المسمى عن الزوج إذا طلق قبل البناء، بقوله تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ والذي بيده عقدة النكاح، هو الولي في وليته.\nفيقول أصحاب الشافعي: هذا التأليف مشترك بين الزوج والولي، لأن الزوج أيضا يصدق عليه أنه الذي بيده عقدة النكاح.","vol":"1","page":447},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن نسق الآية يدل على أنه الأب، لأن ذلك كله مستثني من قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي فالواجب نصف ما فرضتم إلا أن يقع عفو من المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها، أو من وليها إن كانت في حجره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>السبب الخامس: تركيب المفصل</span>\nومثاله: احتجاج أصحاب أبي حنيفة على جواز الوضوء بنبيذ التمر، بقوله ﷺ: تمرة طيبة وماء طهور، فحكم على النبيذ بأنه ماء طهور.","vol":"1","page":448},{"text":"فيقول أصحابنا: هذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد به التركيب، أي مجموع من تمرة طيبة ومن ماء طهور، لا أنه بعد المزج والتركيب يصدق عليه أنه تمرة طيبة وانه ماء طهور، ألا ترى أن الخمسة تركبت من زوج وفرد، أي من اثنين وثلاثة، ولا يصدق كل واحد منهما بانفراده على الخمسة، إذ لا يصدق على الخمسة أنها زوج، وكما تقول في المز، إنه حلو حامض فإنه يصدق هذا الكلام على المز ولا يصدق عليه انه حلو وحده، ولا أنه حامض وحده، فثبت أن اللفظ","vol":"1","page":449},{"text":"قد يصدق حالة التركيب على معنى لا يصدق عليه حالة التفصيل، فمن الجائز أن يكون قوله ﷺ، تمرة طيبة وماء طهور، مما يصدق مجموعا ولا يصدق مفردا، ولا يتم الاستدلال به إلا إذا كان يصدق مفردًا.\nوالجواب عند الحنفية: إن الحديث يعين أن المراد به التفصيل لا التركيب بدليل ما روي أنه ﷺ: توضأ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>السبب السادس: تفصيل المركب</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الاقتصار على مسح الناصية وحده لا يجوز، وان المسح على العمامة وحده لا","vol":"1","page":450},{"text":"يجوز بما روي: أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة، فلو كفاه المسح على الناصية لاقتصر عليه، ولو كفاه المسح على العمامة لاقتصر عليه.\nفيقول أصحاب أحمد بن حنبل، ومن يخالفنا في هذه المسألة:","vol":"1","page":451},{"text":"يحتمل أن يكون هذا في وضوء واحد، ويحتمل أن يكون من وضوءين، مسح بناصتيه في وضوء ومسح على العمامة في وضوء، ومع هذا لا دليل على المنع من الاقتصار على أحدهما.\nوالجواب عند أصحابنا: أن المغيرة راوي الحديث ذكر أنه وضوء واحد.\nفهذه جملة أسباب الاحتمال في اللفظ.","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الثاني: في بيان القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين</span>.\nوهي إما لفظية، وإما سياقية، وإما خارجية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>القرينة اللفظية</span>\nمثالها: ما قدمناه عن ابن الأنباري في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهو أن القرء إذا جمع على قروء فالمراد به الطهر لا الحيض، والجمع قد يختلف باختلاف المعاني، وإن كان اللفظ المفرد مشتركًا، ألا ترى أن العود مشترك بين الخشبة - وجمعه إذ ذاك أعواد - وبين آلة الغناء - وجمعه إذ ذاك عيدان، وكذلك الأمر مشترك بين القول المخصوص - وجمعه إذا ذاك أوامر - وبين الفعل - وجمعه إذ ذاك أمور.\nومن ذلك قول أصحابنا: الأطهار مذكرة فيجب ذكر التاء في العدد","vol":"1","page":453},{"text":"المضاف إليها، فيقال: ثلاثة أطهار، والحيض مؤنثه [فيجب حذف التاء من العدد المضاف إليها، فيقال: ثلاثة حيض، ولما قال الله تعالى، ﴿ثلاثة قروء﴾ بالتاء علمنا أنه أراد الأطهار.\nوالحنفية يجيبون عن هذا: بأن المعنى الواحد قد يكون له لفظان أحدهما مذكر والاخر مؤنث]. فيكون التأنيث فيه لفظيا لا معنويًا، ألا ترى أنك تقول: جسد وجثة، والمراد واحد، ثم تقول: ثلاثة أجساد وثلاث جثث، ولما كان لفظ الحيضة مؤنثا وجب حذف التاء في جمعه، ولما كان لفظ القرء مذكرا وجب ذكر التاء في جمعه فقس على هذه القرائن اللفظية أمثالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>القرينة السياقية</span>\nمثالها: احتجاج الحنفية وبعض أصحابنا على جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة، بقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ وإذا جاز","vol":"1","page":454},{"text":"انعقاد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة جاز انعقاد أنكحة الأمة به بالقياس عليه.\nفيقول أصحاب الشافعي: لما قال الله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ دل ذلك على اختصاصه ﷺ بشيء دون المؤمنين، فيحتمل أن يكون ذلك الشيء هو جواز النكاح بلا مهر، ويحتمل أن يكون ذلك جواز انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، وإذا كان اللفظ محتملا للمعنيين لم يصح القياس حتى يترجح أن المراد بالاختصاص هو ملك البضع من غير عوض لا جواز النكاح بلفظ الهبة.\nفيقول الأولون: سياق الاية يرجح أن المراد ملك البضع وذلك: أن الآية سيقت لبيان شرفه ﷺ على أمته ونفي الحرج عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج﴾، ولا شك أن الشرف لا يحصل بإباحة لفظ له وحجره على غيره، إذ ليس في ذلك شرف، بل إنما يحصل","vol":"1","page":455},{"text":"الشرف بإسقاط العوض عنه حتى يكون تعالى ذكر لنبيه ﷺ ثلاثة أنواع من الإحلالات:\nإحلال نكاح بمهر، وهو قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزوجك التي ءاتيت أجورهن﴾.\nوإحلال بملك اليمين، وهو قوله تعالى: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾.\nوإحلال بلا مهر بل بتمليك مجرد وهو قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾.\nوأيضا فالحرج المقصود نفيه من الاية إنما يكون بإيجاب العوض عليه لا بحجر لفظ عليه يؤدي المعنى المطلوب دونه ألفاظ كثيرة أسهل منه، فهذا السياق كله يدل على أن المراد بالخلوص هو: ملك البضع من غير مهر لا اللفظ.\nوالقرائن الحالية قريبة من السياقية وهي لا تنضبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>القرينة الخارجية</span>\nوهي موافقة أحد المعنيين لدليل منفصل من نص أو قياس أو عمل.\nومثال الأول: ما إذا قال أصحابنا: المراد بالقروء الأطهار،","vol":"1","page":456},{"text":"والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ فأمر بطلاقهن طلاقا يستعقب عهدتهن ولا تتراخي العدة عنه، ولذلك قرأ ابن مسعود، لقبل عدتهن، وليس ذلك إلا في الطهر لا في الحيض، فإن الطلاق في الحيض حرام.\nوالحنفية يرجحون احتمالهم بقرينة خارجية أيضا، فيقولون: قال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ فجعل الأشهر بدلا عن الحيض لا عن الأطهار، فدل","vol":"1","page":457},{"text":"أن الحيض أصل في العدة، ألا ترى أنه تعالى قال في التيمم: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ فعلمنا أن الماء هو الأصل، وأن الصعيد بدل عنه.\nوأما الثاني وهو موافقة القياس فمثاله: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي: إن العدة لما كانت مأمورا بها كانت عبادة من العبادات، والشأن في العبادة أن الحيض ينافيها، ولا تتأدى فيه، فضلا عن ان تتأدى به، ألا ترى أن الصلاة والصيام والطواف لا تصح مع الحيض بخلاف الطهر، فالقياس يقتضي في العدة أنها تتأدي بالطهر لا بالحيض، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الأطهار، لا على الحيض.\nوالحنفية يرجحون احتمالهم أيضا بقياس آخر، وهو أن القصد من العدة استبراء الرحم، والعلامة الدالة على براءة الرحم في العادة إنما هي الحيض لا الطهر، فإن الطهر تشترك فيه الحامل والحائل، والحيض إنما هو في الغالب مختص بالحائل، ولذلك كان الاستبراء بالحيض لا بالطهر، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الحيض لا","vol":"1","page":458},{"text":"على الأطهار.\nوأما ماوفقته لعمل الصحابة، فمثاله: احتجاج العلماء على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب فيكون معطوفا على قوله: ﴿وجوهكم وأيديكم﴾.\nفيقول المعترض: يحتمل أن يكون معطوفا على الوجه واليدين كما ذكرتم ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس من قولهم: ما زيد بجبان ولا بخيلا، وقول الشاعر:","vol":"1","page":459},{"text":"معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا\nومع هذا الاحتمال فلا استدلال.\nوالجواب عند العلماء: أنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم إلا الغسل لا المسح، فكان ذلك دليلا على ان المراد بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ الغسل، ويكون معطوفا على قوله: وجوهكم وأيديكم.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الثالث: في مسائل ذكرها الأصوليون واختلفوا في كونها مجملة أو ليست بمجملة، وهي ست مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الأولى: في إضافة الأحكام الشرعية إلى الأعيان، هل يوجب إجمالا أو لا</span>؟\nومثاله: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، وقوله تعالى:","vol":"1","page":461},{"text":"﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فإنه أضاف التحريم إلى ذات الأم، وذات الميتة، والتحريم حكم شرعي فلا يتعلق إلا بفعل.\nوقد اختلف في مثل هذا، هل هو مجمل أو لا؟\nوالقائلون بأنه مجمل يرون أنه لما استحال تعلق التحريم بالاعيان وجب أن يضمر في الكلام ما يصح أن يتعلق به التحريم، وإذا تعين الإضمار فإما أن يضمر الجميع هو باطل، لأن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يضمر إلا بقدر ما تدعو إليه الضرورة، والضرورة لا تدعو إلا إلى ما لا يتم الكلام إلا به، ولا تدعو إلى الجميع، فلا يضمر الجميع، وإنما يضمر البعض، والبعض المضمر: إما معين أو غير معين، والمعين باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح لاستواء جميع الأفعال، وإذا بطل أن يكون الفعل المضمر معينا وجب أن يكون غير معين وحينئذ يكون اللفظ مجملا.\nوالمحققون يرون: أنه ليس بمجمل، ويعينون المضمر بالعرف والسياق: لأن العرف والسياق يدلان على أن المضمر هو المعنى","vol":"1","page":462},{"text":"المقصود من الأم وهو الاستمتاع، ومن الميتة هو الأكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الثانية: في الكلام الذي يتوقف صدقه على الإضمار، هل هو مجمل أو لا</span>؟\nومثاله: قوله ﷺ: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإن نفس الخطأ ونفس النسيان واقعان في الأمة، وكلام النبي ﷺ واجب الصدق، فلابد من إضمار، والكلام في هذه المسألة كالكلام في التي قبلها.","vol":"1","page":463},{"text":"والذي يعين ذلك المضمر يقول: العرف في مثل هذا رفع المؤاخذة به، أي لا تؤاخذ أمتي بخطأ ولا نسيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الثالثة: في دخول النفي على الحقائق الشرعية:</span>\nمثل: قوله ﷺ: لا نكاج إلا بولي، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل.","vol":"1","page":464},{"text":"وقد اختلف في ذلك، فمن يرى أنها مجملة يقول: يتعذر نفي هذه الحقائق لأجل أنها توجد بدون هذه الشروط فيتعين الإضمار، فيحتمل أن تضمر الصحة، أي لا نكاح صحيح، ولا صياح صحيح، ويحتمل أن يضمر الكمال، أي لا نكاح كامل، ولا صيام كامل ومع هذا الاحتمال يثبت الإجمال فلا يستدل بشيء من هذه على عدم الصحة.\nومن يرى أنها غير مجملة: منهم من يمنع الاحتياج إلى الإضمار، لأن هذه لما كانت حقائق شرعية صح تعلق النفي بها، وما يوجد منفكًا عن الشروط فليس بنكاح شرعي، ولا صيام شرعي.\nومنهم من يسلم الإضمار ويقول: يتعين نفي الصحة لأنه إذا انتفت الصحة انتفت الفائدة منه، والعرف في مثل نفي الفائدة كقولهم: لا","vol":"1","page":465},{"text":"علم إلا ما نفع، وأيضًا: فلما تعذر نفي الحقيقة وجب أن يحمل اللظف على أقرب المجازات، وما يصير الحقيقة كالعدم أولى وأقرب إلى نفي الحقيقة مما لا يصيرها كذلك، وإذا انتفت الصحة كان أقرب إلى نفي الحقيقة، فإضمارها أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الرابعة: في اللفظ إذا كان يحتمل معنيين إن حمل على أحدهما أفاد فائدة، وإن حمل على المعنى الآخر أفاد فائدتين</span>.\nومثاله: قوله ﷺ: من استجمر فليوتر، فإنه يحتمل أن يتعلق الوتر بالفعل نفسه، ويحتمل أن يتعلق بالجمار، فإن تعلق بالفعل نفسه لم يقتض الوترية في الجمار، لاحتمال أن يستجر بشفع من الجمار وترا، وإن تعلق بالجمار تعين الوتر في الفعل.\nوقد اختلف في ذلك، فمنهم من يرى أنه مجمل، ومنهم من يرجح بكثرة الفائدة، والمحققون يرون: أنه مجمل، لأن كثرة الفائدة إنما تكون","vol":"1","page":466},{"text":"بعد إرادة المعنى الذي يقتضيها، فلا يستدل بكثرة الفائدة عليه وإلا لزم الدور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الخامسة: في اللفظ الدائر بين إفادة حكم شرعي وإفادة وضع لغوي</span>\nومثاله: قوله ﷺ: الاثنان فما فوقهما جماعة، وقوله ﷺ:","vol":"1","page":467},{"text":"الطواف بالبيت صلاة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك إخبارا منه أن أقل الجمع في اللغة اثنان، وأن الطواف بالبيت في اللغة يسمى صلاة، ويحتمل أن يكون أفاد أن الشرع جعل الطواف بالبيت صلاة، وجعل الاثنين جماعة، فمنهم من يرى أن هذا مجمل للاحتمال الذي فيه، ومنهم من حمله على المحمل الشرعي ورأي أن النبي ﷺ إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية لا لتعريف الألقاب اللغوية.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة السادسة: فيما إذا كان للفظ مسمى في اللغة ومسى في الشرع:</span>\nومثاله: قوله ﷺ: توضئوا مما مست النار، فإنه يحتمل أن يكون أراد الوضوء الشرعي، ويحتمل أن يكون أراد الوضوء اللغوي، فمنهم من زعم أنه مجمل لهذا الاحتمال، ومنهم من يرى انه ليس بمجمل، وأنه إنما يحمل على المسمى الشرعي، ولأنه عرف الشارع، وإنما يحمل لفظ الشارع على عرفه.\nفهذا تمام الكلام في المجمل.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل الثالث: في الظاهر</span>\nاعلم أن الظاهر: هو اللفظ الذي يتحلم معنيين وهو راجح في أحدهما من حيث الوضع، فلذلك كان متضح الدلالة، ولاتضاح الدلالة من جهة الوضع أسباب ثمانية.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>السبب الأول: الحقيقة </span>وهي في مقابلة المجاز\nوالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له كإطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس، والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع فإذا كان اللفظ محتملا لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة.\nوالحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nحقيقة لغوية وفي مقابلتها مجاز لغوي.\nوحقيقة شرعية وفي مقابلتها مجاز شرعي.","vol":"1","page":471},{"text":"وحقيقة عرفية وفي مقابلتها مجاز عرفي.\nأما الحقيقة اللغوية، فمثالها: ما احتج به اصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على أن خيار المجلس مشروع، وذلك بقوله: ﷺ: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.","vol":"1","page":472},{"text":"فيقول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: إنما المراد بذلك المتساومان، وافتراقهما هو بالقول، أي هما في حال تساومهما بالخيار ما لم يبرما العقد ويمضياه، فإذا أمضياه فقد افترقا، ولزمهما العقد، وقد يطلق اسم الشيء على ما يقاربه، كقوله ﷺ لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا ينكح على نكاحه، وإنما المراد بالبيع السوم وبالنكاح الخطبة، لأن السوم وسيلة للبيع والخطبة وسيلة للنكاح، فقد ورد في رواية أخرى لا يسم أحدكم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته.\nوالجواب عند أصحاب الشافعي: إن إطلاق المتباعيين على المتساومين مجاز، وإطلاق التفرق على تمام العقد مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.","vol":"1","page":473},{"text":"وأما الحقيقة الشرعية: فقد اختلف الأصوليون في وقوعها والجمهور منهم يعترفون بوقوعها، ويحتجون على ذلك بالاستقراء، فإنا لما استقرأنا لفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجدناها إنما استعملت في لسان الشرع للعبادات الشرعية، وإذن ثبت وقوع الحقائق الشرعية.\nفماله: احتجاج أصحابنا أن المحرم لا يتزوج في حال إحرامه","vol":"1","page":474},{"text":"بقوله ﷺ: لا ينكح المحرم ولا ينكح.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: يحتمل أن يريد بالنكاح الوطء، كما قال الشاعر:\nكبكر تشهي لذيذ النكاح ... وتفرق من صولة الناكح\nوإذا كان المراد به الوطء دل الخبر على حرمة الوطء على المحرم لا على حرمة العقد.\nوالجواب عند اصحابنا: إن إطلاق النكاح على الوطء مجاز شرعي، وعلى العقد حقيقة شرعية، وحمل اللفظ الشرعي على حقيقته الشرعية أولى من حمله على المجاز الشرعي.","vol":"1","page":475},{"text":"وأما الحقيقة العرفية، فمثالها: ما إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق، فإن الطلاق بمعنى الإطلاق، وهو حقيقة لغوية في المحل من وثاق أو غيره، فيقال: هذا اللفظ حقيقة عرفية في حل عصمة النكاح، مجاز في الوثاق، وحمل اللفظ على حقيقته العرفية أولى من حمله على المجاز العرفي.\nومثاله من كلام الشارع: ما احتج به أصحابنا على أن البكر يجبرها أبوها على النكاح وذلك قوله ﷺ: لا تنكحُ اليتيمة حتى","vol":"1","page":476},{"text":"تستأمر. واليتيمة هي التي لا أب لها، فمفهومه: أن غير اليتيمة ٠ وهي ذات الأب - تنكح من غير استئمار.\nفيقول المخالف: اليتم في اللغة هو الانفراد، ولذلك يقال للبيت المنفرد من الشعر يتيم، وللذي لا نظير له يتيم، وإذا ثبت ذلك فقد يكون المراد باليتيمة التي لا زوج لها، كما اراد الشاعر بقوله:\nإن القبول، تنكح الأيامي ... النسوة الأرامل اليتامى","vol":"1","page":477},{"text":"وإذا أريد به التي لا زوج لها لم يكن في الخبر دليل.\nوالجواب عند أصحابنا: أن عرف اللغة في اليتيمة انها التي لا أب لها، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ وقوله تعالى: ﴿ولذي القربى واليتامى﴾، وهو المشتهر عند أهل العرف وإذا كان كذلك كان حمل اللفظ على حقيقته العرفية أولى من حمله على المجاز العرفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>السبب الثاني: الانفراد في الوضع، وفي مقابلته الاشتراك</span>\nاعلم ان الاشتراك على خلاف الأصل، ومثاله: ما احتج به","vol":"1","page":478},{"text":"الجمهور من الأصوليين على أن أمر النبي ﷺ محمول على الوجوب، وهو قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره، أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).\nفيقول المخالف: يحتمل أن يراد بأمره، الأمر القولي، ويحتمل أن يراد به الشأن والفعل، كقوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد)، وإذا صح إطلاق لفظ الأمر على غير القول المخصوص - والأصل في الإطلاق الحقيقة - لزم اشتراك لفظ الأمر بين المعنيين، ومع الاشتراك يبطل الاستدلال.\nفيقول الجمهور: الأصل في الأفصل الانفراد لا اشتراك، فوجب انفراد لفظ الأمر بأحد المعنيين بالوضع، وأن تكون دلالته على المعنى الآخر بالمجاز، وقد أجمعنا على أنه حقيقة في القول، فوجب كونه مجازًا في الفعل، وقد تقدم أن اللفظ يجب حمله على حقيقته دون مجازه، وآل الأمر، في هذه المسألة إلى أنه إذا تعارض المجاز","vol":"1","page":479},{"text":"والاشتراك فالمجاز أولى من الاشتراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>السبب الثالث: التباين</span>، وفي مقابلته الترادف\nاعلم أن الأصل في الألفاظ أن تكون متباينة لا مترادفة.\nومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن التيمم عام جوازه بكل ما صعد على وجه الأرض، وذلك قوله تعالى: (فتييموا صعيدًا طيبًا","vol":"1","page":480},{"text":"فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) والصعيد مشتق من الصعود، فكان هذا عامًا في كل ما صعد على وجه الأرض.\nفيقول أصحاب الشافعي: الصعيد مرادف للتراب، وقد قال صاحب الصحاح: «الصعيد التراب»، وقال الشافعي - وهو من أهل اللغة -: «الصعيد لا يقع إلا على التراب».","vol":"1","page":481},{"text":"والجواب عندنا: أن الصعيد إذا صدق على التراب، فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به من غير اعتبار هذا الاشتقاق، بل كتسميته بالتراب، وعلى التقدير الثاني، يلزم الترادف وهو خلاف الأصل، فوجب كون لفظ الصعيد، مباينا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه، وحينئذ يصدق على كل ما على وجه الأرض أنه صعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>السبب الرابع: الاستقلال </span>وفي مقابلته الإضمار.\nاعلم أن الأصل في اللفظ أن يكون مستقلا، لا يتوقف على إضمار.\nومثاله: ما احتج به بعض أصحابنا على حرمة أكل السباع، وهو","vol":"1","page":482},{"text":"قوله ﷺ: أكل كل ذي ناب من السباع حرام.\nفيقول من يخالف من أصحابنا: إنما أراد النبي ﷺ ما أكلته السباع، لا أن السباع لا تؤكل، ويكون الحديث مطابقا لقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾.\nوالجواب عند الأولين: أنا إذا حملنا الكلام على ما يوافق الاية يلزم الإضمار والحذف، فكأنه قال: أكل مأكول كل ذي ناب من السباع حرام فلا يكون الكلام في الحديث مستقلا، والأصل في الكلام الاستقلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>السبب الخامس: التأسيس </span>وفي مقابلته التأكيد\nومثاله: استدلال أصحابنا على أن المتعة غير واجبة على","vol":"1","page":483},{"text":"المطلق، بقوله تعالى: ﴿حقا على المحسنين،﴾ ﴿حقا على المتقين﴾ والواجب لا يختص بالمحسنين ولا بالمتقين، بل يجب على المحسن وعلى غيره، وعلى المتقي وعلى غيره.\nفيقول المعترض من المخالفين، إنما قال سبحانه حقا على المحسنين ـ، وعلى المتقين. تأكيدًا للوجوب، لأنه إذا خص الأمر","vol":"1","page":484},{"text":"بالمحسن والمتقي، بعث ذلك سائر المطلقين على العمل بها، رجاء أن يكونوا من المحسنين والمتقين، وإذا كان تأكيدًا للوجوب فلا يكون دليلا على عدمه.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الأصل عدم التأكيد، بل الأصل في الكلام التأسيس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>السبب السادس: الترتيب</span>، وفي مقابلته التقديم والتأخير\nومثاله: ما احتج به أصحابنا ومن وافقهم على أن العود في الظهار شرط في وجوب الكفارة، بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم","vol":"1","page":485},{"text":"يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾\nفيقول المخالف: إنما تقدير الاية: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ثم يعودون لما قالوا، أي من حرم امرأته بالظهار فعليه الكفارة، ثم بعد ذلك يعود إلى حل الوطء، سالما من الإصم، وهذا لأن الظهار بمجرده منكر من القول وزور، فكان بمجرده موجبًا للكفارة.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الأصل في الكلام بقاؤه على ما هو عليه من الترتيب وعدم التقديم والتأخير فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>السبب السابع: العموم</span>\nوهو: كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له، وفي مقابلته","vol":"1","page":486},{"text":"الخصوص وهو: كونه مقصورا على بعض ما يتناوله.\nثم العموم في اللفظ، إما من جهة اللغة، وإما من جهة العرف، وإما من جهة العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>القول في العموم اللغوي</span>\nاعلم: أن اللفظ العام: إما أن يكون عمومه من نفسه، وإما أن يكون من لفظ آخر دال على العموم فيه.\nفأما العام بنفسه ففيه ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الأولى: أسماء الشروط </span>تفيد العموم في كل ما تصلح له.\nفمن ذلك: لفظ من كما يحتج بعض أصحابنا على أن","vol":"1","page":487},{"text":"الذمي، يملك بالاحياء بقوله ﷺ: من أحيا أرضا ميتة فهي له، والذمي مندرج تحت هذا العموم.\nوكما يحتجون على قتل المرتدة بقوله ﷺ، من بدل دينه فاقتلوه، وكما يحتج أصحاب أبي حنيفة على أن من ملك","vol":"1","page":488},{"text":"عمه أو خاله عتق عليه، بقوله ﷺ: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه.\nومن ذلك لفظ ما كما يحتج أصحابنا وجهور العلماء على أن","vol":"1","page":489},{"text":"كل ما فضل عن ذوي السهام فهو للعصبة، بقوله ﷺ: ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر.\nوكما يحتج بعض أصحابنا على أن المسبوق قاض في الأفعال والأقوال، بقوله ﷺ: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، وكذلك أمثال ما ذكرناه.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المسألة الثانية: أسماء الاستفهام</span>\nكما يحتج به أصحابنا على تحريم الاستمتاع بما تحت الإزار من الحائض، بما روى، أن رجلا قال: يا رسول الله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال ﷺ: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها.","vol":"1","page":491},{"text":"وكذلك أمثال هذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسالة الثالثة: الموصولات</span>\nكما يحتج أصحاب الشافعي على أن الذمي يلزمه الظهار بعموم قوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم﴾ الاية.\nوكما يحتج بعض أصحابنا على حكاية جميع ألفاظ الأذان،","vol":"1","page":492},{"text":"بقوله ﷺ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول.\nوكاحتجاج بعضهم على أن من فجر بامراة حل له نكاح أمها وابنتها، بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.\nوكاحتجاج بعضهم على أن من فجر بامرأة حل له نكاح أمه وابنتها، بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾\nوكاحتجاج بعضهم على جواز الصلاة خلف الفاسق، بقوله ﷺ:","vol":"1","page":493},{"text":"صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وأمثال هذا كثير.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-68> العام بلفظ آخر: </span>فإما أن يكون ذلك اللفظ في أول العام أو في آخره، أما الذي في أوله: فأدوات الشرط والاستفهام، والنفي في النكرة فقط، والألف واللام، وكل وجميع، فهذه كلها تفيد العموم فيما دخلت عليه.\nوهي خمس مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الأولى: لفظ أي الشرطية يفيد العموم</span>\nكما يحتج أصحابنا على أن المرأة الحرة العاقلة البالغة إذا عقدت","vol":"1","page":494},{"text":"النكاح على نفسها فنكاحها باطل، بقوله ﷺ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، وكما يحتجون على أن جلد ما لا يؤكل لحمه يطهر بالدباغ، بقوله ﷺ أيما إهاب دبغ فقد طهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الثانية: لفظ أي الاستفهامية</span>\nتفيد العموم فيما دخلت عليه أيضا، ولذلك يعم جوابها.","vol":"1","page":495},{"text":"كما يحتج ابن القاسم من أصحابنا على أن عتق الكافر إذا كان أغلي ثمنا أفضل من عتق المسلم إذا كان دونه في الثمن، بما روى: أنه ﷺ سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا.\nوكاحتجاج أصحابنا على أن ذوي الأرحان لا يرثون، بحديث","vol":"1","page":496},{"text":"جابر قال: مرضت فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: إنما يرثني كلالة، فكيف الميراث فأنزل الله آية الفرائض، فلما كانت آية الفرائض جوابا عن الاستفهام كانت مستوعبة لمن يرث، ولما لم يذكر فيها ذوو الأرحام ظهر أنهم لا يرثون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة الثالثة: حرف النفي</span>\nإذا دخل على نكرة أفاد العموم.","vol":"1","page":497},{"text":"كما يحتج به أصحابنا على أن المال المستفاد لا يضم إلى المال الذي حال حوله، بقوله ﷺ، لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.","vol":"1","page":498},{"text":"وكاحتجاجهم بقوله ﷺ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل، على وجوب التبيت في صوم التطوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الرابعة: الألف واللام</span>\nإذا دخلت على الاسم أفادت فيه العموم، سواء كان مفردا أو جمعا، ومنهم من قال: لا تفيد العموم في مفرد ولا","vol":"1","page":499},{"text":"جمع، ومنهم من قال: تفيد العموم في الجمع دون المفرد.\nومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن بيع كلب الصيد لا يجوز، بقوله ﷺ: ثمن الكلب حرام، ولفظ الكلب عام، لأنه معرف","vol":"1","page":500},{"text":"بالألف واللام.\nومثاله في الجمع: احتجاج أصحابنا على أن سؤر الكلب طاهر بما روى أنه ﷺ سئل أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال نعم، وبما أفضلت السباع، والكلب سبع، فاندرج في عموم السباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسألة الخامسة: لفظ كل أو جميع</span>\nإذا دخلت على اسم أفادت فيه العموم.","vol":"1","page":501},{"text":"كما يحتج أصحابنا على تحريم النبيذ، بقوله ﷺ كل شراب أسكر فهو حرام.\nوكما يحتج أصحاب الشافعي على أن الزوج لا يكون وليا في النكاح بقوله ﷺ كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: خاطب وولي، وشاهدا عدل،\nوأما العام الذي لا يستفاد العموم إلا مما في آخره، فهو المضاف","vol":"1","page":502},{"text":"إلى المعرفة، كان منفردا أو جمعا، وفيه من الخلاف ما في المعرف بالألف واللام.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن صلاة الجماعة لا تتفاضل بالكثرة، بقوله ﷺ: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فحكم بأن كل صلاة جماعة تفضل كل صلاة فذ بهذا العدد المخصوص، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الجماعة كلها في درجة واحدة.\nومثاله في الجمع، احتجاج أصحابنا على أن من دخل في النافلة التي يرتبط أولها بآخرها كالصلاة والصيام لا يجوز له قطعهاـ، بقوله","vol":"1","page":503},{"text":"تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، والنافلة عمل، فاندرجت تحت هذا العموم.\nومثاله احتجاج الشافعي على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، بقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ واليمين الغموس مندرجة في عموم الأيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>القول في العموم العرفي</span>\nوهو عموم المحذوف الذي عينه العرف.","vol":"1","page":504},{"text":"ومثاله: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فإنه لما عين العرف الاستمتاع للحذف لزم تعلق التحريم بجميع أنواع الاستمتاع.\nفأما إن لم يكن عرف في محذوف معين، فمنهم من يرى العموم في جميع المقدرات، لأنه إن لم يعم في جميع ما يصح إضماره، فإما أن يتعين شيء ما للإضمار أو لا؟\nفإن تعين لزم الترجيح من غير مرج وهو باطل، وإن لم يتعين لزم الإجمال، وهو على خلاف الأصل.\nومنهم من التزم الإجمال ورأى: أن الإضمار لما كان واجبًا، لضرورة توقف صحة الكلام عليه، وجب أن يتقدر بقدر الضرورة، والضرورة لا تدعو إلى إضمار الجميع فبطل إضمار الجمع.\nومثاله: ما احتج به اصحابنا على تحريم الانتفاع بشيء من","vol":"1","page":505},{"text":"الميتة مطلقًا، وذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فإنه لما تعذر أن يتعلق التحريم بالميتة نفسها وجب الإضمار، ولما لم يتعين شيء معين وجب إضمار كل مقدر يصح إضماره، والانتفاع منها فوجب تعلق التحريم به.\nومن يمنع العموم فقد يلتزم الإجمال، وقد يرى أن العرف عين المراد وهو الأكل.\nومثال ذلك: استدلال الشافعية على سقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا بقوله ﷺ: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإنه لما لم يرتفعا","vol":"1","page":506},{"text":"بنفسهما علم من ضرورة صدق الشارع أن في الكلام حذفًا يفضي تقديره إلى صدقه، ولما لم يتعين وجب إضمار كل ما يصح إضماره، والقضاء مما يصح إضماره، فكان مرفوعًا، والكلام فيه كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>القول في العموم العقلي</span>.\nفمنه: عموم الحكم لعموم علته، كما في القياس، ومنه: عموم المفعولات التي يقتضيها الفعل المنفي، كقوله: ﴿والله لا أكلت﴾ فإنه يحنث بكل مأكول، إلا أنه إن صرح بالمفعول، كما لو قال: ﴿والله لا أكلت شيئا﴾ ونوى شيئًا مخصوصًا بعينه، نفعته نيته، ولا يحنث بغير ما نوى، لأن العموم فيه لغوي.\nولو لم يصرح بالمفعول لكان عمومًا عقليًا، ضرورة أن الأكل يستدعي مأكولًا فإن نوى شيئًا مخصوصًا بعينه نفعته نيته عندنا، كما في العموم اللغوي، ولم تنفعه عند الحنفية، لأن العموم عندهم عقلي، لا يقبل التخصيص.","vol":"1","page":507},{"text":"ولنختم العموم بذكر مسألتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسألة الأولى: إذا كان اللفظ مشتركًا بين معنيين</span>، حقيقة في أحدهما ومجازًا في الآخر، ففي عمومه فيهما معًا - إذا لم تكن قرينة - خلاف.\nوالمحققون لا يرون عمومه، لأن العموم في اللفظ تابع للعموم في المعنى، فإذا لم يكن بين المعنيين قدر مشترك يستعمل اللفظ فيه وجب أن لا يعم.","vol":"1","page":508},{"text":"ومثال المشترك: ما احتج به الشافعية على أن طلاق المكره لا يلزم، وهو قوله ﷺ: «لا طلاق في إغلاق»، والإغلاق في اللغة: الإكراه.\nفتقول الحنفية: لفظ الإغلاق مشترك بين الجنون والإكراه في اللغة، فلا يحمل على الإكراه إلا بقرينة.\nوالجواب عند الشافعية: أن الإغلاق لما كان مشتركًا بين الجنون والإكراه، كان عامًا في الجنون والإكراه.","vol":"1","page":509},{"text":"ومثال الحقيقة والمجاز: ما احتج به بعض أهل العلم على أن المدعو إلى تحمل الشهادة تلزمه الإجابة، كالمدعو بعد التحمل إلى الأداء، وذلك قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، فوجب العموم في التحمل والأداء.\nفيقول الجمهور من العلماء: إنما الشاهد حقيقة فيمن تحمل، فأما من لم يتحمل فتسميته شاهدا مجاز باعتبار ما يؤول إليه، كتسمية العصير حال عصره خمرًا.\nوالأولون يسلمون أن اللفظ مجاز في المدعو إلى التحمل ويدعون عموم اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسألة الثانية: العام ظاهر في جميع أفراده لكنه قطعي في أقل الجمع</span>\nوقد اختلف في أقل الجمع: فقيل: ثلاثة، وقيل:","vol":"1","page":510},{"text":"اثنان، وعلى ذلك اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في: أن الأم","vol":"1","page":511},{"text":"تحجب عن الثلث إلى السدس بالأخوين الإثنين أو لا تحجب، فزيد يحجبها، وابن عباس لا يحجبها إلا بالثلاثة.\nوقد اختلف المذهب - عندنا - في المقر لغيره بدراهم، فقال مالك: يلزمه ثلاثة دراهم، وقال ابن الماجشون: يلزمه درهمان، بناء على الخلاف في أقل الجمع.\nوالجمهور أن أقل الجمع حقيقة ثلاثة، إلا أنه قد يطلق لفظ الجمع","vol":"1","page":512},{"text":"على الاثنين مجازًا، وعليه ينبني غاية ما يخرج منه بالتخصيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>السبب الثامن: الإطلاق </span>وفي مقابلته التقييد.\nاعلم ان اللفظ إذا كان شائعا في جنسه يسمى مطلقًا، والأصل في اللفظ المطلق بقاؤه على إطلاقه.\nومثاله: ما احتج به الحنفية على أن الرقبة الكافرة تجزيء في كفارة الأيمان، بقوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾، وفي كفارة الظهار، بقوله","vol":"1","page":513},{"text":"بقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ فتقول المالكية والشافعية: المراد بالرقبة في الآيتين: الرقبة المؤمنة، كما صرح به سبحانه في كفارة القتل.\nوالجواب عند الحنفية: أن ذلك تفييد للفظ المطلق، والأصل بقاؤه على إطلاقه. ولما كان التخصيص والتقييد تأويلا آخرنا الكلام في مسائلهما إلى فصل المؤول.","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الرابع: في المؤول</span>\nاعلم: أن المؤول متضح الدلالة في المعنى الذي تؤول فيه، فيه، لأنه راجح فيه، إلا أن رجحانه لما كان بدليل منفصل كان في اتضاح دلالته ليس كالظاهر.\nولما كانت أسباب الظهور ثمانية، كانت التأويلات ثمانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>التأويل الأول: حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته</span>\nوقد قدمنا أن الحقيقة لغوية وشرعية وعرفية، وفي مقابلة كل حقيقة مجاز.\nأما المجاز اللغوي فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن من وجد","vol":"1","page":515},{"text":"سلعته عند المفلس فهو أولى بها من سائر الغرماء، بقوله ﷺ: أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه.\nفتقول الحنفية: صاحب المتاع هو حقيقة فيمن المتاع بيده، وهو المفلس، ومجاز فيمن كانت بيده، لأن إطلاق اللفظ المشتق بعد ذهاب المعنى المشتق منه مجاز، ولذلك لم يطرد، ألا ترى أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه لا يسمى كافرا، فدل على أن إطلاق اللفظ باعتبار الماضي مجاز.","vol":"1","page":516},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن الدليل دل على تعين المجاز، ألا ترى أنه لو أريد به المفلس لم يكن لاشتراط التلفليس معنى، ولقال: فهو أحق بمتاعه فلما أتي في الحديث بالظاهر دون المضمر دل أنه أراد به غير ما يراد بالمضمر.\nوأما المجاز الشرعي، فمثاله: احتجاج الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا على ان الزنا يوجب حرمة المصاهرة، بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ فإن المراد به: ولا تطئوا من زني بها الأب، ومن زنى بها الأب، فهي موطوءة له، فوجب أن يحرم وطؤها، على الابن.\nفيقول الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا: إنما المراد به العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء.\nوالجواب عند الأولين: أن الوطء يتعين أن يكون هو المراد في الآية لقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وذلك أن العرب كانت في","vol":"1","page":517},{"text":"الجاهلية تخلف الاباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجددون عليهن عقدا، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إنه كان فاحشة﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد\nوأما المجاز العرفي: فمثاله: احتجاج المالكية على ان الظهار يلزم السيد في أمته، بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم﴾ الاية، والأمة من نسائنا.","vol":"1","page":518},{"text":"فتقول الشافعية والحنفية: هذا اللفظ، مخصوص في العرف بالزوجات، ولذلك قال تعالى: ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ والمراد بنساء المؤمنين: الحرائر بالاتفاق.\nوأيضا، فإن امرأة فلان، مخصوصة في العرف بزوجته، ولا يتناول في العرف أمته، ونساء المؤمنين، دال على مدلول جمع المرأة، وإن كان من غير لفظه، ولذلك استغني به عن جمع المرأة.\nوالجواب عند المالكية: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فكان مخصوصا بالزوجات، فلما نسخ ورجع إلي تحريم الاستمتاع، وكان الاستمتاع عاما في الزوجات، والاماء قبلت الأمة التحريم بالظهار، كما تقبله الزوجة، ولذلك كان التحريم عامًا في الحرائر والإماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>التأويل الثاني: الاشتراك</span>\nوهذا في الحقيقة ليس بتأويل، لأن الاشتراك أقرب إلى","vol":"1","page":519},{"text":"الإجمال، لكن إذا أثبت المستدل أن اللفظ حيقة في كل واحد من المعنيين اللذين يحتملهما اللفظ فله بعد ذلك أن يرجع أحد المحتملين بأدني مرجح، ويكفيه ذلك.\nفأما إذا كان اللفظ مجازا في مراد المستدل، فلابد من بيان مرجح أقوي من الأصل المقتضى لإرادة الحقيقة، فلذلك يدخل في كلام المستدل وينتفع به.\nومثاله: احتجاج اصحابنا على العدة بالاطهار، لا بالحيض، بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ والقرء مشترك بين الطهر والحيض لغة، لكن الأولى حمل الاية على الأطهار، لأنها محل الطلاق، فينبغي أن يحصل التريض المأمور به منهن، عقب الطلاق بدارا منهن إلى المأمور به، لا سيما وقد علق سبحانه التربص على الوصف المشتق، وهو قوله والمطلقات فكان مشعرا بكون الطلاق علة التربص، فإذا حملت الاية على الطهر اتصل المعلول بعلته، وإذا حملت على الحيض لم يتصل المعلول بعلته بل تتراخي عنها، واتصال المعلول بعلته أولى.","vol":"1","page":520},{"text":"فيقول الحنفية: ما ذكرتم لا يعارض الأصل المقتضي لإرادة الحيض، ولفظ القرء حقيقة في الحيض مجاز في الطهر، وذلك أن القرء أصله في اللغة: إما الجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته ومنه سمي القرآن قرآنا، ومنه قول الشاعر:\nهجان اللون لم تقرأ جنينا\nوإما الانتقال والتغيير من قولهم: قرأ النجم إذا طلع، وقرأ إذا غاب، فإن كان القرء مأخوذا من الاجتماع فزمان الحيض أولي به، لأنه زمان للقطرات المجتمعة بخلاف زمان الطهر، لأنه زمان خلو الدم.\nوإن كان مأخوذا من الانتقال والتغيير، فزمان الانتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، أولى به من العكس، وهو الانتقال عن الطهر إلى الحيض، لا الانتقال عن الحيض إلى الطهر.\nوأيضا، فالانتقال إلى الحيض أسبق الانتقالين، فكانت تسميته قرءا أرجح، وإذا كان كذلك فالأولى حمل لفظ القرء على الحيض لا على الطهر.","vol":"1","page":521},{"text":"وأما قولكم: اتصال التربص بالطلاق أولى، قلنا لا يلزم ذلك، لأنه يقال للرجال: وقت الظهيرة تربص ثلاث ليال، ولا يقال: إن ذلك خروج عن ظاهر أو أصل.\nوالجواب عند أصحابنا: أن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسألة - وهم أهل اللغة - دليل على كون اللفظ حقيقة في كل واحد من المعنييين لغة.\nوأما قولكم: زمان الحيض أولى باسم القرء، لأنه زمان اجتماع الدم فباطل، بل زمان الطهر أولى به، لأنه في الحقيقة هو زمان اجتماع الدم في الرحم إلى أن يكثر، فيندفع فيخرج.\nوأما إن أخذ من الانتقال فكذلك، لأنها لما طلقت في الطهر اعتدت بانتقالها الأول منه إلى الحيض فهو أسبق الانتقالين وأولادهما، إذ هو انتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، كما ذكرتم، ثم كذلك في الانتقال الثاني من الطهر إلى الحيض، ثم كذلك في الثالث، فتحل بدخول الحيض الثالثة لحصول ثلاثة انتقالات من حالة أصلية إلى حالة عارضة.","vol":"1","page":522},{"text":"وإذا تساوى هذان الاحتمالان نقلا واعتبارا كفانا أدنى مرجح في ترجيح أحد المعنيين، وقد بيناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>التأويل الثالث: الإضمار</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الجنب، لا يدخل السجد بقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة.\nفيقول المخالف: هذا تقدير فيه الإضمار، والأصل عدمه.\nوالجواب عند أصحابنا: أنه لما استثي منه عابري السبيل، دل","vol":"1","page":523},{"text":"على أن المراد موضع الصلاة، لا نفس الصلاة لاستحالة العبور في الصلاة نفسها.\nفإن قيل: المراد بعابري سبيل: المسافرون، قلنا: العبور إنما يكون في المسافة القريبة، كما يقال: عبرت القنطرة، ولا يقال: عبرت ما بين إفريقية وخراسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>التأويل الرابع الترادف</span>.\nومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن دبغ بقوله ﷺ، لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا","vol":"1","page":524},{"text":"عصب.\nفيقول المخالف من أصحابنا: إنما الإهاب مخصوص بما لم يدبغ، كما قال الجوهري، ولأنه لم يوضع للجلد غير المدبوغ اسم يخصه غير الإهاب، فلا يعرف إلا بتقييد الجلد ووصفه، فاستحق اسما موضوعا له للحاجة إلى ذلك، فإن جعلناه مرادفا للجلد لزم منه مخالفة، الأصل، وتخلف الوضع عن الحاجة التي هي علته، فكان خصوص الإهاب بالجلد غير المدبوغ أولى.\nوالجواب عند الأوليين: أن الخليل قد نقل أنه للجلد من غير أن","vol":"1","page":525},{"text":"يقيده بأنه غير مدبوغ، وهو أعرف باللغة من الجوهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>التأويل الخامس: التأكيد</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب مسح جميع الرأس، بقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ فإنه تعالى لو قال: وامسحوا رءوسكم لوجب فيه التعميم، فكذلك مع الباء لأن الباء لا تصلح أن تكون مانعة من التعميم، وإلا لما وجب التعميم في مسح الوجه في التيمم في قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ وإذا لم تصلح الباء للمنع من التعميم وجب التعميم.\nفتقول الشافعية: ومن وافقهم: لو كان التعميم واجبًا لم يكن","vol":"1","page":526},{"text":"لذكر الباء معنى: لأن وجودها وعدمها حينئذ سواء.\nفإن قلتم: إنها للتأكيد، قلنا: التأكيد على خلاف الأصل.\nوالجواب عند أصحابنا: أنها للتأكيد، لأنه نقل عن العرب زيادتها كثيرا للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ أي إلحادا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ أي جذع النخلة وحكى الفراء عن العرب أنها تقول: هزه وخزبه، وأخذ الخطام وأخذ به، ومديده ومد بيده، وتقول العرب: جسست صدره وبصدره ومسحت رأسه وبرأسه، ولما كانت في مسح","vol":"1","page":527},{"text":"التيمم تأكيدًا بالاتفاق وجب أن تكون ها هنا كذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>التأويل السادس: التقديم والتأخير</span>\nومثاله: تأويل الحنفية قوله ﷺ، لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بأن فيه تقديمًا وتأخيرًا.\nفيقول أصحابنا وغيرهم ممن احتج بهذا الحديث على جواز التكفير قبل الحنث: الأصل عدم التقديم والتأخير، وبقاء الترتيب على","vol":"1","page":528},{"text":"حاله.\nوالجواب عند الحنفية أنا إذا أبقيناه على ترتيبه لزم وجوب تقديم الكفارة على الحنث، ولا قائل به، لما في دلالة ﴿ثم﴾ من الترتيب والأمر للوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>التأويل السابع: التخصيص</span>\nوهو قد يكون بمتصل، وقد يكون بمنفصل.","vol":"1","page":529},{"text":"فأما المتصل فهو أربعة الاستثناء، والشرط والغاية والصفة، .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الأول: الاستثناء</span>.\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: اختلف في الاستثناء، فقال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: يقتضي نقيض حكم صدر الجملة في المستثني، - فإذا قال: عندي عشرة إلا سبعة، فالعشرة مرادة برمتها، وإنما أخرج منها المستثني لمعارض، فكأن الاستثناء معارض للصدر يقتضي نقيض حكم الصدر في المستثني.\nوقال أصحاب أبي حنيفة: الاستثناء كأنه تكلم بالباقي من جنس المستثني، وسكوت عن حكم المستثني فإذا قال: عندي عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال: سبعة، وسكت عن الثلاثة.","vol":"1","page":530},{"text":"وعلى ذلك جرى الخلاف بين الفريقين في بيع الحفنة بالحفنتين، فأصحابنا يقولون بالمنع، ويحتجون بقوله ﷺ، لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء، فإنه يقتضي بصدره المنع من بيع الطعام بالطعام، قليلا كان بحيث لا يمكن كيله، أو كثيرا، متفاضلا كان الكثير أو مساويا، لكن عارض الاستثناء صدر الكلام في التساوي، فحكمنا فيه بنقيض حكم الصدر، وهو الجواز، فبقي الصدر محكومًا عليه بالمنع في القليل والكثير غير المتساوي.\nوأصحاب أبي حنيفة يقولون: لما قال: إلا سواء بسواء، وكانت","vol":"1","page":531},{"text":"المساواة في العرف إنما هي حال من أحوال المكيل، كان ذلك كأنه تكلم بالباقي من جنس المساواة، وهو الكيل الذي ينقسم إلى المفاضلة والمساواة، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام، كيلا متفاضلا، وحينئذ تخرج الحفنة بالحفنتين عن حكم المنع.\nوعلى هذا الأصل اختلف المذهب عندنا في القائل لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، إلا واحدة، فقيل: تلزمه طلقة واحدة، لأنه لما قال في المستثني ثلاثا إلى واحدة، فكأنه تكلم بانتين، فقال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين ولو قال كذلك لزمته واحدة.\nوقيل: تلزمه طلقتان، وهو المشهور لأنه لما قال: إلا ثلاثا صار ذلك كالمعارض للصدر المستثني منه، ولما استغرقه بطل لبطلان الاستثناء المستغرق، فوجب أن يلغى ويرد الاستثناء الاخر إلى الصدر الأول، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ولو قال كذلك لزمته اثنتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الثانية: الاستثناء إذا ورد بعد جمل منسوقة بالواو، فإنه يرجع إلى الأخيرة اتفاقا</span>، وفي رجوعه إلى إلى ما قبلها خلاف.","vol":"1","page":532},{"text":"وعلى ذلك، اختلفت الشافعية والحنفية في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فالشافعية تقبلها، والحنفية لا تقبلها، وسبب الخلاف بينهم قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا﴾ فالشافعية تصرف الاستثناء إلى الجميع،","vol":"1","page":533},{"text":"والحنفية تخصه بالأخيرة، ويبقى قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ على عمومه.\nوالحق أنه مجمل، لا يترجح فيه أحد الأمرين إلا من خارج.\nوأما التخصيص بالشرط، والغاية والصفة، وهي بقية المتصلات، فسيأتي حكمها في المفهوم.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-92> التخصيص بالمنفصل</span>، فالمهم من مسائله ثلاث:\nالمسألة الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والسنة بالكتاب، والكتاب بالسنة المتواترة، وهذا لا نزع فيه عند الجمهور.\nوأما تخصيص الكتاب بخبر الواحد، فالأكثر على جوازه مطلقا، لأنه جمع بين الدليلين.","vol":"1","page":534},{"text":"والمحققون من الحنفية يشترطون فيه كون الكتاب مخصوصا، بشيء آخر حتى تضعف دلالته، فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الواحد.\nومثاله ما احتج به أصحابنا على حل ميتة البحر، بقوله ﷺ: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿حرمت","vol":"1","page":535},{"text":"عليكم الميتة﴾ ولما لم يتقدم فيه تخصيص من غير هذا الخبر لم يجز تخصيصه بهذا الخبر، ولا يقال: إن قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ مخصص له، لأنا نقول: إنما خصص ضمير الخطاب في قوله: عليكم لا الميتة.\nوالجواب عند أصحابنا: أن خبر الواحد يخصص عموم القرآن عندنا: لأنه ظاهر في أفراده، وليس بنص فيها، فتخصيصه به جمع بين الدليلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الثانية: يجوز تخصيص عموم الخبر الواحد بالقياس عند الجمهور</span>.\nومثاله: تخصيص بعض أصحابنا عموم قوله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، بقياس الكلب المأذون في اتخاذه على الهرة بجامع التطواف.\nوكذلك يجوز عندهم تخصيص عموم القرآن بالقياس، والجمهور من الحنفية يشترطون أيضا تقدم تخصيص في القرآن بغير القياس، كما يشترطونه في تخصيصه بخبر الواحد.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الثالثة: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم عند أكثر القائلين به</span>.","vol":"1","page":537},{"text":"ومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من نكاح الحر الأمة مع وجدان الطول بالمفهوم من قوله ﷾: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ الاية فإن مفهومها يقتضي أن لا يجوز نكاح الامة لمستطيع الطول.\nفتقول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا: هذا يعارض عموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.\nوالجواب عند أصحابنا: أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم لما في ذلك من الجمع بين الدليلين.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>خاتمة</span>\nإذا ورد العام على سبب خاص فإنه لا يقتصر عليه عند المحققين من الأصوليين، ومثاله: ما احتج به الشافعية على أن الوضوء يجب ترتيبه،","vol":"1","page":539},{"text":"بقوله ﷺ: ابدءوا بما بدأ الله. وما من ألفاظ العموم لأنها موصولة كما سبق فاندرج الوضوء فيها، فوجب الابتداء بغسل الوجه ثم الذي يليه إلى آخره.\nفيقول من يخالفهم منا ومن الحنفية، هذا وارد على سبب وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ، حين نزلت، ﴿إن","vol":"1","page":540},{"text":"الصفا والمروة من شعائر الله﴾ فقالوا: بم نبدأ يا رسول الله؟ فقال: ابدأ بما بدأ الله به، والعام إذا ورد على سبب خاص فإنه يقصر على سببه.\nوالجواب عند الشافعية: أن الصحيح عند أهل الأصول أن العام لا يقصر على سببه، بل يحمل على عمومه، لأن المقتضي للعموم قائم، والسبب لا يصلح أن يكون مانعًا، لأنه يجوز أن يقتطع للسبب حظه منه، وينسحب حكم العموم على باقي أفراد العام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>التأويل الثامن: التقييد</span>.\nاعلم أن صورة التقييد إما أن تتحد مع صورة الإطلاق في السبب والحكم معا وإما أن تتحد في السبب وتختلف في الحكم، وإما أن تختلف في السبب وتتحد في الحكم، وإما أن تختلف في الصورتان فيهما معا.\nفأما إن اتحدث في السبب والحكم، فلا خلاف أنه يحمل المطلق","vol":"1","page":541},{"text":"على المقيد، كقوله ﷺ: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين، وفي رواية أخرى: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، فإنه يجب هنا تقييد الشهود بالعدالة، وإنما لم يقييده أبو حنيفة وأجاز النكاح بحضور الفاسقين، لأن الخبر لم يثبت عنده، فإن كان التقييد بخبر الواحد، والمطلق من القرآن تقيد به عندنا، ولم يتقيد عند أبي حنيفة، لأنه عنده زيادة على النص، فيكون نسخا عنده، ونسخ القرآن لا يجوز -","vol":"1","page":542},{"text":"عنده - بخبر الواحد.\nومثاله: تقييد قوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ بقوله ﷺ، تحريمها التكبير: فإن الأول يقتضي بإطلاقه جواز الدخول في الصلاة بأي ذكر كان.\nوأما إن اختلف السبب والحكم فلا خلاف في عدم حمل المطلق على المقيد، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا","vol":"1","page":543},{"text":"أيديهما﴾ فاليد مطلقة وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ فاليد مقيدة.\nوأما إن اختلف السبب واتحد الحكم، فإنه يحمل المطلق على المقيد عندنا بجامع، وقيل: بغير جامع، ولا يحمل إن لم يكن جامع.\nومثاله: احتجاج أصحابنا بقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة","vol":"1","page":544},{"text":"مؤمنة﴾، على اعتبار الإيمان في كفارة الظهار، فإن الكفارة في آية القتل مقيدة فتحمل عليها الكفارة في آية الظهار.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: لا يجب أن ترد آية الظهار إلى آية القتل لاختلاف السبب والجواب عند أصحابنا: أن الجميع كفارة، والعتق صدقة على المعتق نفسه، ومن شرط القابض للقربات الواجبة الإيمان كالزكاة، فإنها لا تجزيء إلا بدفعها لمؤمن، وهذه هي علة اعتبار الإيمان في كفارة القتل، وذلك بعينه موجود في كفارة الظهار، فوجب اعتبار الإيمان فيها.\nوأما إن اتحد السبب واختلف الحكم - وهو عكس القسم الذي قبله - فقد اختلف أيضا في حمل المطلق على المقيد.","vol":"1","page":545},{"text":"ومثاله: هل تجب مراعاة الأوسط في الكسوة أو لا:\nفيقول من أوجب ذلك: لما قال الله تعالى في الإطعام في كفارة اليمين بالله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ ثم قال: ﴿أو كسوتهم﴾ فأتى بالكسوة مطلقا، وجب تقييدها بالأوسط، فكأنه قال: من أوسط ما تكسون أهليكم، لأن السبب واحد.\nفيقال: لا يجب رد المطلق إلى المقيد إلا عند تشابه الأحكام وتماثلها، وأما إذا اختلفت بالانواع فلا، أفلا ترى أنه قيد الصيام في كفارة الظهار بالتتابع، فقال تعالى: ﴿فصام شهرين متتابعين﴾ والتتابع لا يجب في إطعام ستين مسكينا إجماعا، أي لا يجب أن يطعم بعضهم عقب بعض، وما ذاك إلا لاختلاف الأنواع.","vol":"1","page":546},{"text":"والجواب عند الأولين: أن الأمور المختلفة يجوز اشتراكها في حكم واحد، وإذا كان كذلك فلا عبرة بالتماثل، ولا بالاختلاف، وفي الكلام عليه بحث يخرج عن المقصود.\nوقد عد بعض الناس من هذا القبيل المقيد في قوله تعالى: في آية الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ والمطلق في قوله تعالى في آية التيمم: وأيديكم، فإن السبب في الجميع واحد، وهو القيام إلى الصلاة، والشيخ أبو بكر الأبهري من شيوخنا العراقيين يفرق بين هذا وبين ما قبله، ويقول: تضمن آية الوضوء زيادة عضو وهو الذراع، لا زيادة صفة، وفي الاية قبلها إنما تضمن القيد زيادة صفة وليس زيادة عضو كزيادة صفة لا عين لها قائمة، وهذا بحث خارج عن المقصود.\nومما يبحث فيه أيضا: أن يرد مطلق فيه حكم واحد على سبب، واحد، ثم يرد حكمان مرتبان على سببين، الحكم الأول أحد الحكمين،","vol":"1","page":547},{"text":"والسبب الأول أحد السببين: كاحتجاج بعض أصحابنا على أن مجرد الردة تنقض الوضوء، فلو تاب هذا المرتد لزمه الوضوء وإن لم يحدث بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾.\nفيقول من يخالف في ذلك من أصحابنا: هذه الاية وإن وردت مطلقة فإنه يجب أن تقيد بالوفاة على الكفر لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ لأن المطلق يجب رده إلى المقيد.\n\nوالجواب عند الأولين: أنه سبحانه قال في آخر الاية: ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ فرتب حكمين وهما حبط العمل والخلود في النار على وصفين وهما: الردة والتوفي على الكفر،","vol":"1","page":548},{"text":"وإذا كان كذلك فمن الجائز أن يكون الحكم الأول وهو حبط العمل مرتبا على الوصف الأول وهو الردة، ويكون الحكم الثاني وهو الخلود في النار مرتبا على الوصف الثاني وهو التوفي على الكفر.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>خاتمة لفصل المؤول</span>\nاعلم أن تأويل الظاهر يفتقر إلى بيان ثلاثة أمور:\nأحدها: كون اللفظ محتملا لمعنى الذي يصرف اللفظ إليه.\nوثانيها: كون ذلك المعنى مقصورا بدليل.\nوثالثها: رجحان ذلك الدليل على المقتضى للظاهر.\nفإن تعذر بيان أحد هذه الأمور بطل التأويل، وقد يختلف الأصل المقتضي للظاهر في القوة حتى يصير الظاهر قريبًا من النص، فيضعف تأويله إلا بأقوى من دليل الظاهر، فمن القوي قوله ﷺ، أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن العموم فيه بسبب أي، وهي من ألفاظ العموم، مؤكدة بما في دلالتها","vol":"1","page":550},{"text":"عليه، وباطل، مؤكد بالتكرار، فلذلك يضعف تأويل الحنفية له بأن أخرجوا منه الحرة العاقلة البالغة، وأبقوه مقصورا على الأمة والمجنونة والصغيرة فإن إطلاق هذا اللفظ العام المؤكد عمومه وإرادة أفراد نادرة الخطور بالبال إلا بالإخطار يصير هذا الحديث كاللغز.\nوكذلك تأويلهم قوله: ﴿باطل﴾ بأنه يؤول إلى البطلان، لاحتمال أن تقع في غير كفء فيكون للولي حق الفسخ، فيبطل النكاح، فإن تأكيد الباطل بتكراره ثلاث مرات يبطل هذا التأويل.\nومن الضعيف في الدلالة على العموم الذي يكفي في تخصيصه مالا يكون قويا في الدلالة: قوله ﷺ: فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، إذا احتج به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخضروات، وبيان ضعف عمومه أن الحديث إنما سيق لبيان القدر المخرج [لا لبيان المخرج منه]، فلما صار ذكر المخرج منه غير","vol":"1","page":551},{"text":"مقصود ضعفت دلالته على العموم، حتى ذهب بعضهم إلى أنه لا يفيده، وإن كان الحق أنه يفيده وعلى هذا فقس\nفهذا تمام الكلام في المؤول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الجهة الثانية: في دلالة القول بمفهومه</span>.\nاعلم أن المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-100>مفهوم الموافقة: </span>هو أن يعلم أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ويسمى أيضا: \"فحوى الخطاب\".","vol":"1","page":552},{"text":"ومثاله قوله سبحانه: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فإن الشرع إذا حرم التأفيف كان تحريم الضرب أولى.\nوقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ فعلمنا أنه من يعمل مثقال فيل أولى أن يراه.\nومنه قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ فمن كان يؤدي القنطار ذا اؤتمن عليه فأداؤه للدينار أولى، وقال تعالى: ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك.\nفمن كان لا يؤدي الدينار فأحرى أن لا يؤدي القنطار.\nواعلم ان مفهوم الموافقة ينقسم إلى جلي وخفي.","vol":"1","page":553},{"text":"فالجلي - ما قدمنا - والخفي كما يقول أصحابنا في أن تارك الصلاة متعمدا: يجب عليه قضاؤها بقوله ﷺ: ﴿من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها﴾ قالوا: فإذا كان النائم والساهي يقضيان الصلاة وهما غير مخاطبين، فلأن يقضيها العامد أولى.\nوكقول الشافعية في اليمين الغموس - وهي التي يتعمد الحالف فيها الكذب أن فيها الكفارة بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فإذا شرعت الكفارة حيث لا يأثم الحالف، فلأن تشرع حيث يأثم أولى.\nوكذلك قول الشافعية في قاتل النفس عمدًا: أنه تجب عليه الكفارة لأنها لما وجبت على القاتل خطأ كان وجوبها على القاتل","vol":"1","page":554},{"text":"عمدا أولى.\nوإنما كان هذا خفيا، لأن لمانع أن يمنع الأولوية بأن يقول: لا يلزم من قضاء صلاة النائم والناسي قضاء صلاة العامد، لأن القضاء جبر، ولعل صلاة العامد أعظم من أن تجبر، وكذلك في الكفارات لاحتمال أن تكون جناية العامد أعظم من أن تكفر، ولأجل ذلك اختلف في هذه المسائل، وهذا النوع هو أكثر ما يوجد في مسائل الخلاف.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-101> مفهوم المخالفة </span>وهو: أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه - وهو المسمى بـ ﴿دليل الخطاب﴾ - فقد اختلف فيه:\nفأكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي على القول به، والجمهور من","vol":"1","page":555},{"text":"الحنفية على إنكاره واعتمد أصحابنا في إثباته على النقل عن أئمة اللغة.\nومن شروطه عند القائلين به خمسة شروط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشرط الأول: أن لا يخرج مخرج الغالب: </span>كقوله تعالى: ﴿ولا كرهوا فتياتكم على","vol":"1","page":556},{"text":"البغاء إن أردن تحصنا﴾، والبغاء: الزنا، ومفهومه أن الفتيات يكرهن عليه إن لم يردن تحصنا، لكن يقال: هذا خرج مخرج الغالب، فإن من لم ترد التحصن من الفتيات، فمن شأنها أن لاتحتاج إلى إكراه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشرط الثاني: أن لا يخرج عن سؤال معين </span>كقوله ﷺ: ﴿صلاة الليل مثنى مثنى﴾ فإن هذا الحديث خرج عن سؤال سائل عن صلاة الليل، فقد روى في الحديث أن رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليركع ركعة توتر له","vol":"1","page":557},{"text":"ما قد صلى، وإذا كان هذا الحديث وقع فيه التخصيص بالليل لأجل وقوعه في السؤال فلا مفهوم له في صلاة النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الشرط الثالث: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره</span>، كما في قوله تعالى: ﴿حقا على المحسنين﴾، ﴿حقا على المتقين﴾ فإن ذلك لا يشعر بسقوط الحكم عمن ليس بمحسن ولا بمتق.\nقالت الحنفية: ولذلك خص رسول الله ﷺ الإحداد في الذكر بالمؤمنات، فقال: ﴿لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا عن زوج أربعة أشهر وعشرا﴾ فلذلك أوجبوا الاحداد على الذمية المتوفي عنها زوجها، وهذا عندهم كقوله ﷺ.","vol":"1","page":558},{"text":"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومع ذي محرم عليها، وكقوله ﷺ لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الشرط الرابع: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم</span>، فيزال بالتنصيص عليه، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، إن الكفارة إنما نص فيها على قتل الخطأ رفعا لنزاع من يتوهم أنها لا تجب على القاتل خطأ، نظرأ منه أن الخطأ معفو عنه فرفع الشرع، هذا الوهم بالنص عليه، وليس القصد المخالفة بين العمد والخطأ في الكفارة.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الشرط الخامس: أن لا يكون الشارع ذكر حدًا محصورا للقياس عليه لا للمخالفة بينه وبين غيره</span>، كقوله ﷺ: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والفأرة والحدأة، والغراب والكلب العقور، فإن مفهوم هذا العدد أن لا يقتل ما سواهن، لكن الشارع إنما ذكرهن لينظر إلى إذايتهن فيلحق بهن ما في معناهن، وهذا كقوله ﷺ: اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فإنه ﷺ لم يقصد حصر الكبائر فيهن، وإنما ذكرهن ليحلق بهن ما في معناهن.\nوكأن هذا الشرط، والذي قبله يرجع عندهما بالمفهوم إلى القسم الخفي من قسمي مفهوم الموافقة، ولذلك قال بعضهم: من شرط مفهوم","vol":"1","page":560},{"text":"المخالفة أن لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت فيصير موافقة.\n\nوإذا تقررت هذه الشروط، فاعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-107> مفهومات المخالفة </span>ترجع إلى سبعة، وإن كان قد عدها بعضهم عشرة، وهي:\nمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهم اللقب، فلنعقد في كل مفهوم منها مسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة الأولى: مفهوم الصفة</span>.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على ثمر النخل غير","vol":"1","page":561},{"text":"المأبورة للمبتاع، بقوله ﷺ: «من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، ومفهوم هذه الصفة: أن النخل إن لم تؤبر فثمرها للمشتري.\nوكذلك احتجاج أصحابنا على أن البكر تجبر على النكاح بعد البلوغ، بقوله ﷺ: «الثيب أحقُّ بنفسها من وليها»، فإن مفهومه أن غير الثيب لا تكون أحق بِنَفْسِها، فيكون وليها أحق منها، وإذا كان كذلك فله إجبارها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة الثانية: مفهوم الشرط</span>.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن واجد الطول لا","vol":"1","page":562},{"text":"يحل له نكاح الأمة، بقوله سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن مما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فإن مفهوم هذا الشرط: أن من استطاع الطول فليس له نكاح الفتيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المسألة الثالثة: مفهوم الغاية</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الغسل يجزيء عن الوضوء،","vol":"1","page":563},{"text":"بقوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ فإن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزيء عن الوضوء لم يكن للمغتسل أن يقرب الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة الرابعة: مفهوم العدد</span>.\nومثاله: احتجاج الشافعي على أن النجاسة إذا أصابت ما دون القلتين نجسته، بقوله صلى الله علي وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».","vol":"1","page":564},{"text":"فإن مفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسألة الخامسة: مفهوم الزمان</span>\nومثاله: احتجاج أهل الظاهر على أن النوافل بالنهار لا تتقدر بعدد معين، بقوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى»، فإن مفهومه: أن صلاة النهار لا تتقدر مثنى مثنى، وإنما لم نقل نحن بهذا المفهوم","vol":"1","page":565},{"text":"لأنه خرج عن سؤال كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسألة السادسة: مفهوم المكان</span>.\nومثاله: احتجاج الظاهرية على أن المعتكف يباح له مباشرة النساء في غير المسجد، بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فإن مفهومه: فإن كنتم في غير المساجد فباشروهن، وإنما لم نقل نحن به، لأنه خرج مخرج الغالب، إذ غالب أحوال المعتكف أن يكون في المسجد، ولا يخرج عنه إلا لضرورة، وقد قدمنا أنه لا يعمل بما خرج مخرج الغالب من المفهومات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسألة السابعة: مفهوم اللقب</span>.\nومثاله: احتجاج الشافعية على أن التيمم لا يجوز بغير","vol":"1","page":566},{"text":"التراب، بقوله ﷺ: جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورا، فإن مفهوم أن غير التراب لا يكون طهورا.\nواعلم أن هذه المفهومات تتفاوت في القوة والضعف على حسب ما هو مشروح في الكتاب الكبار لكن مفهوم اللقب لم يقل به أحد من العلماء إلا الدقاق، وبعض الحنابلة.","vol":"1","page":567},{"text":"فهذا تمام الكلام في المفهوم، وبه تم الكلام في القول.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>القسم الثاني من أقسام المتن الفعل</span>\nوأعني بذلك فعله ﷺ، وقد تقرر في أصول الدين عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن المعاصي، فإذا فعل النبي ﷺ فعلا علمنا أنه غير معصية.\nوقد اختلفت في حكم فعله ﷺ أقوال العلماء: وأشهرها: القول بالوجوب، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وقال:","vol":"1","page":569},{"text":"رأيته في موطئه يستدل بأفعاله كما يستدل بأقواله.\nويرى هؤلاء أن فعله يدل على الوجوب من قوله سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، ومن قوله تعالى: ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾\nوالتحقيق: أنه إن ظهر من النبي ﷺ أنه قصد بفعله ذلك القربة إلى الله تعالى فهو مندوب، لأن ظهور قصد القربة فيه يوضح رجحان فعله على تركه، والزيادة عليه منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الندب.","vol":"1","page":570},{"text":"وإن لم يظهر منه قصد قربة، ففعله ذلك محمول على الإباحة، لأن صدوره منه دليل على الإذن فيه، والزيادة على ذلك منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الإباحة.\nإذا تقرر هذا فحمل الكلام في الأفعال مشروط بأربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الشرط الأول: أن لا يكون جبليا</span>، كالأكل والشرب والنوم والقيام والقعود، فإن الأفعال الجبلية لا يلزمنا أن نتأسي به ﷺ فيها، فلا يلزمنا أن نأكل إذا أكل، أو ننام إذا نام.","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الشرط الثاني: أن لا يكون الفعل خاصًا به ﷺ </span>كالتهجد بالليل فإنه خاص به في الوجوب، وكالزيادة على أربع زوجات فإنه خاص به في الإباحة، ومن ذلك: أنه ﷺ أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فلا يجوز ذلك لغيره عندنا، والمخالف يرى أن ذلك ليس بخاص به.","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته</span>، فإنه إذا كان بيانا فحكمه تابع لما هو بيان له، فقد يكون البيان بالقول، كقوله ﷺ، صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وكذلك قوله ﷺ: خذو عني مناسككم، وقد يكون البيان بقرينة، كما روى: أنه ﷺ قطع السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.","vol":"1","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك</span>، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله.\nفإذا تقررت هذه الشروط فنقول:\nأما القسم الأول: وهو الذي يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فلا يخلو إما أن يثبت الفعل إجمالا في محل الحكم، أو تفصيلا.\nأما الإجمال: فكاحتجاج الشافعية على أن مسح الرأس يستحب فيه التكرار ثلاثا، بما روى: أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا.","vol":"1","page":574},{"text":"فيقول أصحابنا: هذا ليس بصريح في تكرار المسح، بل الظاهر أنه لا يتناوله، لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، والنظافة مخصوصة بالغسل، فكأنه قال: غسل رسول الله ﷺ ثلاثا ثلاثا.\nوالجواب عند الشافعية أن الوضوء في لسان الشرع يتناول مسح الرأس، ويتأيد هذا بما ورد في الخبر من أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومعلوم أن الصلاة لا تقبل إلا بوضوء مشتمل على مسح الرأس، فعلمنا، أن الوضوء مشتمل على مسح الرأس في قوله توضأ رسول الله ﷺ ثلاثًا ثلاثًا.","vol":"1","page":575},{"text":"وأما التفصيل: فكاحتجاج أصحابنا على وجوب الطهارة في الطواف بما روى أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على طهارة.\nفتقول الحنفية: لا يلزم من ذلك الوجوب، لأن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، والجواب عند أصحابنا: إما بيان أنه دليل على الوجوب بما يذكرونه في أصول الفقه، وإما أنه بيان للطواف الوجب في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وهو من المناسك وقد قال ﷺ: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وإذا كان بيانا للواجب فهو واجب.\nومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على الوجوب القيام في الخطبة","vol":"1","page":576},{"text":"بما روي: أن النبي ﷺ كان يخطب قائما.\nوالحنفية لا تحمل فعله ﷺ على الوجوب، فلا توجب القيام، وأصحابنا يبينون أنه للوجوب بما في أصول الفقه، ويرون أنه بيان لصلاة الجمعة، وتابعها الواجب، وبيان الواجب واجب.\nومثال ذلك: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على وجوب الترتيب في الوضوء، بما روى: أنه ﷺ توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، وربما يثبتون، أنه توضأ مرتبًا","vol":"1","page":577},{"text":"بطريقة أخرى، فيقولون: لو لم يتوضأ مرتبا لتوضأ منكسا، ولو توضأ منكسا لوجب التنكيس لأن فعله ﷺ دليل على الوجوب، فدل أنه توضأ مرتبًا، وإذا توضأ مرتبا كان الترتيب واجبا، لما تقدم من دلالة فعله ﷺ على الوجوب.\nوأما القسم الثاني: وهو الذي لا يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فغاية ما يدل عليه جواز الفعل، وهذا كاحتجاج الحنفية على جواز نكاح المحر، بما روي أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو","vol":"1","page":578},{"text":"محرم. فإذا كان ذلك مباحًا في حقه فهو في حقنا كذلك، وقد أباح له ﷺ نكاح زوج دعيه زيد بن حارثة بقوله سبحانه: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، وعلله بقوله سبحانه: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، فأفادت العلة اقتداءنا به في الإباحة ورفع الحرج.","vol":"1","page":579},{"text":"خاتمة\nويلحق بالفعل في الدلالة الترك فإنه كما يستدل بفعله ﷺ على عدم التحريم، يستدل بتركه على عدم الوجوب.\nوهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار بما روي أنه ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى، [ول يتوضأ.\nوكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بما","vol":"1","page":580},{"text":"روي: أنه ﷺ احتجم ولم يتوضأ وصلى.\nومما يلحق به أيضا في الدلالة على عدم الحكم، سكوته ﷺ على حكم لو كان مشروعا لبينه.\nومثاله احتجاج الشافعية على أن من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه، بما روى أن رجلا قال: يا رسول الله نسيت وأكلت وشربت وأنا صائم، فقال: الله أطعمك وسقاك، قالوا: فلو كان القضاء واجبًا لبينه ﷺ.","vol":"1","page":581},{"text":"وكذلك: احتجاجهم على أن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في رمضان، بما روي أن رجلا قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال ﷺ اعتق رقبة، فلو وجبت على المرأة كفارة لبينها، ﷺ، ولأمره بتبليغ ذلك لأهله كما أمر أنيسا في حديث الرجل الذي فجرت امرأته، فقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.","vol":"1","page":582},{"text":"واعلم: أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية، فلذلك لم نقل نحن بسقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا، ولا بسقوط الكفارة عن المرأة في الوقاع، ونرد ما احتجت به الشافعية: بأن القضاء والكفارة غير واجبين على الفور فلا يلزم من تركه ﷺ بيان الحكم على الفور سقوط الحكم، وإنما أمر أنيسا على الفور، لأنه حد بلغ] الإمام فبيانه يوجب عليه القيام به في الفور.\nوهذا تمام الكلام على قسم الفعل.","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>القسم الثالث من أقسام المتن التقرير</span>\nاعلم أن النبي صلىى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ ولا على المعصية، لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية، عاصم له من التقرير عليها.\nومن شرط التقرير الذي هو حجة:\nأن يعلم به النبي ﷺ ويكون قادرا على الإنكار.\nوأن لا يكون قد بين حكمه قبل ذلك بيانا يسقط عنه وجوب","vol":"1","page":584},{"text":"الإنكار، فإذا تقرر هذا، فالإقرار إما على الحكم، وإما على الفعل، فهذا فصلان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الفصل الأول: إذا وقع الحكم بين يديه ﷺ فأقره على ذلك</span>، كان دليلا على أنه حكم الشرع في تلك المسألة، وذلك كاحتجاج أصحابنا على أن حكم قذف الزوج لزوجته الحد، وأن اللعان مسقط له، خلافا للحنفية القائلين بأن حكمه اللعان، فإن تعذر وجب الحد، بقول العجلاني","vol":"1","page":585},{"text":"للنبي ﷺ: الرجل يجد مع امرأته رجلا، إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، فسكت عنه النبي ﷺ فدل على إصابته في الحكم.\nوفي معنى هذا التقرير: تقريره ﷺ على حجة يحتج بها بين يديه كما احتج مجزز المدلجي بالشبه، فقال حين رأي أقدام زيد","vol":"1","page":586},{"text":"وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر به رسول الله ﷺ.\nواعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا الصواب بين يدي النبي ﷺ بتركه الإنكار، ألا ترى إلى حديث جابر قال: أحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، لأني سمعت عمر","vol":"1","page":587},{"text":"يحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، بين يدي رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الفصل الثاني: اعلم أن الفعل: إما أن يكون واقعا بين يديه ﷺ وإما أن يكون واقعا في زمانه ﷺ</span>، والواقع في زمانه: إما أن يكون مشتهرا، وإما أن يكون خفيا فهذه ثلاث مسائل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الأولى الفعل الواقع بين يديه ﷺ</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات","vol":"1","page":588},{"text":"الممنوعة بما روي قيس بن قعد، قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس، فقلت يا رسول الله: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما، هاتان الركعتان، فسكت ﷺ.","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الثانية: ما وقع في زمانه ﷺ وكان مشهورا</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي: أن معاذا كان يصلي العشاء مع رسول الله ﷺ ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم وهي له تطوع ولهم فريضة. وليس هذا في القوة كالأول، لاحتمال أن يكون لم يبلغه ﷺ، وإن كان الغالب على الظن بأن الغالب أن رسول الله ﷺ كان يعلم الأئمة الذين يصلون في قبائل","vol":"1","page":590},{"text":"المدينة، لا سيما وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا شكا معاذا إلى النبي ﷺ مما يطول في الصلاة، فقال له النبي ﷺ: أفتان أنت يا معاذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة الثالثة: وهو ما وقع في زمانه ﷺ وكان خفيا</span>.\nومثاله: احتجاج بعض العلماء على أن التقاء الختانين من دون إنزال لا يوجب الغسل، بقول بعض الصحابة رضوان الله عليهم:\nكنا نكسل على عهد رسول الله ﷺ ولا نغتسل، وهذا يقوي فيه","vol":"1","page":591},{"text":"احتمال عدم علمه ﷺ، فلذلك كان الصحيح: أن مثل هذا ليس بحجة بخلاف الأولين.\nفهذا تمام الكلام في التقرير، وبه تم الكلام في اتضاح الدلالة.","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الباب الثالث: في كون الأصلي النقلي مستمر الأحكام</span>\nومعناه: أنه غير منسوخ، فلنتكلم في النسخ، وينجصر الكلام فيه، في مقدمة تشتمل على شرح حده، وفيما يهم ويكثر تداوله بين الفقهاء من مسائله.\nأما المقدمة: فاعلم أن حد النسخ: رفع الحكم الشرعي بالدليل الشرعي المتأخر عنه.\nوقيل: انتهاء الحكم الشرعي، وذكر","vol":"1","page":593},{"text":"القاضي أبو بكر بن الطيب: أن حقيقته الرفع، والفرق بينهما في المثال: أن من استأجر دارا سنة، فتمت السنة، فيقال: قد انتهى عقد الإجارة، ولا يقال ارتفع، ولو تهدمت الدار في أثناء السنة لقيل: ارتفع العقد، ولا يقال انتهى.\nوالرفع يقتضي كون الرافع أقوى من المرفوع، لاستحالة أن يرفع الأضعف ما هو اقوى منه، وأما الانتهاء فلا يلزم منه ذلك، لأن المنتهى ينتهي بنفسه، ولا يلزم أن يكون ما ينتهي إليه أقوى منه.\nوعلى هذا الأصل اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في نكاح الزوج الثاني هل يهدم ما دون الطلقات الثلاث أو لا؟","vol":"1","page":594},{"text":"فأصحابنا يقولون: لا ينهدم ما دون الثلاث بنكاح الزوج الثاني: لأن نكاح الزوج الثاني غاية للتحريم اللاز عن الثلاث، لقوله تعالى: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. فلا يلزم من كونه غاية لشيء أن يكون غاية لما دونهما.\nوالحنفية يقولون: هو رافع، لحكم الثلاث الذي هو التحريم، وحكم الثلاث أقوى من حكم ما دونها، فلما كان رافعا للأقوى كان رفعه لما دونه أولى.\nوإنماا شترطنا في الحكم أن يكون شرعيا لأن رفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإلا لزم أن يكون كل حكم مشروع ناسخًا، لأنه رافع للبراءة الأصلية.\nوإنما اشترطنا أن يكون بدليل شرعي، لأنه إذا ارتفع بدليل عقلي لا","vol":"1","page":595},{"text":"يكون نسخًا، كما لو كان المكلف نائما أو جن، فإن الحكم يرتفع بذلك وليس رفعه بدليل شرعي بل عقلي.\nوإنما اشترطنا أن يكون متأخرا عن الحكم تحرزا من الغاية، فإنها لا تكون ناسخة للحكم، فالصيام إذا انتهي إلى الليل فأفطر الصائم لا يقال بأن فريضة الصيام قد نسخت في حقه، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.\nفهذا تمام المقدمة، فلنتكلم على المسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسألة الأولى: الزيادة على النص المطلق ليست بنسخ عندنا وعند الشافعية، خلافًا للحنفية</span>.","vol":"1","page":596},{"text":"وأصحابنا يرون أن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعيا، فلا تكون ناسخة، نعم: لو تقدم حكم في تلك الزيادة ثم ارتفع لكان نسخا.\nويتبين هذا بمثالين:\nالمثال الأول: قراءة الفاتحة، فرض عندنا في الصلاة لقوله ﷺ، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقوله ﷺ كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والطمأنينة واجبة في الركوع والسجود","vol":"1","page":597},{"text":"عندنا لقوله ﷺ في حديث الأعرابي، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ن والطهارة شرط في صحة الطواف عندنا، لقوله ﷺ الطواف بالبيت صلاة، ولأنه ﷺ، طاف على طهارة، وفعله دليل على الوجوب.\nوعند الحنفية: القراءة المطلقة هي الواجبة من قوله سبحانه: فاقرءوا ما تيسر والفاتحة زيادة، والركوع المطلق هو الفرض","vol":"1","page":598},{"text":"من قوله سبحانه: اركعوا واسجدوا، والطمأنينة زيادة، والطواف، المطلق هو الفرض، من قوله سبحانه، وليطوفوا بالبيت العتيق، والطهارة زيادة، فلو وجبت هذه الزيادة لكانت نسخا للمطقات الثابتة بالقرآن، والأخبار الموجبة لهذه الزيادات، اخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا تكون ناسخة للقرآن، لأن المظنون لا ينسخ المقطوع.\nالمثال الثاني: التغريب، يجب عندنا مع الجلد، لقوله ﷺ جلد مائة وتغريب عام، والحنفية يرونه زيادة على الجلد المذكور","vol":"1","page":599},{"text":"في القرآن، هو نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.\nوالفرق بين المثال الأول وهذا المثال هو: أن الزيادة في المثال الأول صفة في الأصل المزيد عليه، والزيادة هنا متميزة عن الأصل المزيد عليه، لا يقال إن الطهارة متميزة عن الطواف، لأنا نقول: لسنا نعني بالطهارة الوضوء، بل صفة المكلف الحاصلة حين الطواف، بدليل أنه لو أحدث بعد الوضوء لم يطف لأن الطهارة حين الطواف لم تحصل، وإنما يرى أصحابنا أنها ليست بنسخ، لأن العبادة المطلقة المأمور بها من حيث هي لا تنافي شيئا من القيود، فأجزأت ولم يجب قيد معين، فإذا وجب القيد المعين كان زيادة على وجوب الأصل، لا رافعا له، كعبادة زيدت على عبادة، فلا تكون الثانية ناسخة لحكم الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المسألة الثانية: اختلف إذا نسخ المنطوق</span>، هل يلزم من ذلك نسخ المفهوم أم","vol":"1","page":600},{"text":"لا؟ والمسألة مسألة نظر وبحث.\nأما مفهوم الموافقة فمثاله: احتجاج الحنفية على أن الحر يقتل بالعبد، بقوله ﷺ: من قتل عبده قتلناه، ومن جرحه","vol":"1","page":601},{"text":"جرحناه\"، فإذا وجب ذلك في عبده، فوجوبه في عبد غيره أحرى، وأولى.\nفيقول أصحابنا: هذا الخبر منسوخ عندنا، لأنكم لا تقولون بأن الحر يقتل بعبده.\nوالجواب عندهم: أنهم يستدلون بفحوى هذا الخطاب، وإن كان أصله منسوخا، إذ لا يلزم نسخ الفحوي من نسخ أصلها.\nوأما مفهوم المخالفة فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن الوصية للأجانب غير فرض، بقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم","vol":"1","page":602},{"text":"الموت إن ترك خيرًا بالوصية للوالدين والأقربين﴾، فمفهومه: أنها لغير الوالدين والأقربين غير فرض.\nويقول أهل الظاهر هذه الاية منسوخة، بقوله ﷺ: لا وصية لوارث.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الاية لها جهتان في الدلالة، جهة منطوق وجهة مفهوم، فلا يلزم من نسخ مقتضى إحدى الجهتين نسخ مقتضى الأخرى.","vol":"1","page":603},{"text":"المسألة الثالثة:\nاعلم أن الأصل النقلي يعلم كونه منسوخا بوجوه منها: متفق عليه، ومنها: مختلف فيه.\nفمن ذلك أن ينقل عن النبي ﷺ كونه منسوخا بالصريح، كقوله ﷺ كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن زيادة القبور فزورها، فهذه الأخبار علم منها الحكم المنسوخ.\nومما احتج به بعض أصحابنا على طهارة جلد الميتة بعد الدباغ، قوله ﷺ: إيما إهاب دبغ فقط طهر.\nفتقول الحنابلة: هذا منسوخ بقوله ﷺ: كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا إتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الحديث إنما أشار به إلى ما رخص فيه","vol":"1","page":604},{"text":"حين مر بشاة ميتة، فقال: هلا انتفعتم بجلدها. قيل: يا رسول الله إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها، فلما أباح ﷺ الانتفاع بجلدها إباحة مطلقة من دون تقييد بدباغ أشار في الخبر إلى تحريمه، لا إلى تحريم الانتفاع بالجلد بعد الدباغ، والذي يدل على ذلك: ان الإهاب اسم للجلد الذي لم يدبغ، فقوله ﷺ لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، إنما أشعر بتحريم الانتفاع بالجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا.\nومن ذلك: أن ينعقد الإجماع على خلاف الحكم، وإن لم يعلم الناسخ فالإجماع عندنا ليس بناسخ، ولكنه متضمن للناسخ، ومثاله ما","vol":"1","page":605},{"text":"روي: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل شارب الخمر، في المرة الرابعة، ثم انعقد الإجماع، بعد ذلك على أنه يحد ولا يقتل، فعلمنا أن الخبر الأول منسوخ.\nومن هذا المعنى عندنا عمل أهل المدينة، ولذلك قدمه مالك","vol":"1","page":606},{"text":"﵀ على الخبر.\nومن ذلك أن يصرح الراوي بأن الحكم منسوخ، كما إذا احتج بعض أصحابنا على ان الحامل والمرضع تفطران وتطعمان، بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾.","vol":"1","page":607},{"text":"فيقول المخالف: هذا منسوخ بما روى أن سلمة بن الأكوع، قال: إن الناس كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين الصوم والفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فلو لميكن ما قال الراوي في بيان تقدمه: كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ فإن قال: هذا منسوخ بهذا، فإن كثيرًا من الأصوليون لا يجعل قول الراوي دليلا، لأنه يتحمل أن يكون عن اجتهاد لا عن نقل.","vol":"1","page":608},{"text":"ومن ذلك: أن يستند الراوي في بيان تقدمه على ما يخالفه إلى أمر إجمالي، كما إذا احتج أصحابنا على أن الإمام مخير بين المن والفداء، بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: هذه الاية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فإن الاية الاولى في سورة القتال، والاية الثانية في سورة براءة، ومن المعلوم أن براءة متأخرة عن القتال، في النزول.\nومن ذلك إذا علم تاريخ الحكم، وعلى تأخر، إسلام راوي الخبر المعارض له عن ذلك التاريخ، كما إذا احتج أصحاب أبي","vol":"1","page":609},{"text":"حنيفة على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، بقول طلق بن علي: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يؤسس مسجد المدينة، فسألة رجل عن مس الذكر: أينقض الوضوء؟ فقال: هل هو إلا بضعة منك».","vol":"1","page":610},{"text":"فيقول أصحابنا: هذا منسوخ بخبر أبي هريرة، عنه ﷺ: «من مس ذكره فليتوضأ»، ومن المعلوم أن إسلام أبي هريرة بعد بناء المسجد بسنين، فقد قال أبو هريرة: «قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر، وعلى المدينة سباع بن عرفطة».","vol":"1","page":611},{"text":"فإن لم يتعين تاريخ الخبر المنسوخ لم يلزم نسخه بتأخر إسلام راوي الخبر المعارض له، ولا بقرب أحد الخبرين في التاريخ من موته ﷺ، كما روي: «أن رسول الله ﷺ نهى عن استقبال القبلة ببول أو بغائط».\nفيقول المخالف: هذا منسوخ بحديث جابر، قال: «رأيت النبي ﷺ قبل موته بعام يبول وهو مستقبل القبلة»، وإنما لم يتعين بهذا كون الخبر الأول منسوخًا، لاحتمال أن يكون متأخرًا عن حديث جابر.\nومن ذلك ان يرتفع سبب مشروعية الحكم ويستقر خلافه، فإن ذلك لا يدل على أن الحكم الأول منسوخ، كما إذا استدل أصحابنا على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، بحديث أبي هريرة.\nفتقول الحنفية: إنما كان ذلك لشدة ألفهم للكلاب، وعسر مفارقتها","vol":"1","page":612},{"text":"عليهم، فشدد عليهم في ذلك لكي يتجشموا مفارقتها، وتنقطع العلاقة العادية بينهم وبينها، فلما زالت تلك الحقائق زال الحكم المشروع.\nوكذلك احتجاج أصحابنا على أن تخليل الخمر محظور، بحديث أنس قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا».\nفتقول الحنفية: إنما كان ذلك في ابتداء الأمر، لأجل شدة شغفهم","vol":"1","page":613},{"text":"بها، فحرم اقتناؤها للتخليل حسما للباب، فلما زالت تلك المهلكات زال تحريم الاقتناء للتخليل، ألا ترى أنه ﷺ أمر بكسر الدنان، وتخريق الظروف حينئذ، ولا يجب اليوم بالإجماع.\nوالجواب عند أصحابنا: أن الحكم إذا شرع لسبب فلا يلزم رفعه لارتفاع ذلك السبب، ألا ترى أنه ﷺ أمر بالرمل في الطواف، إظهارا لجلد الإسلام حين قالت كفار قريش في عمرة القضاء: إن أصحاب محمد قد وهنتهم حمي يثرب، وقد زال هذا السبب، ثم لم يزل الحكم، فقد رمل رسول الله ﷺ في حجة الوداع ورمل","vol":"1","page":614},{"text":"أصحابه ولم يكن بمكة إذ ذاك مشرك.\nوهذه المسألة: أعني مسألة تخليل الخمر، مما يتعلق بالنظر في جواز النسخ بالقياس، وفي ذلك خلف\nومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على أن أسار السباع طاهرة، بما رواه جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ سئل: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضيت السباع كلها.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: إنما كان ذلك حين كانت السباع","vol":"1","page":615},{"text":"حلالا فلما نسخت إباحة السباع نسخت طهارة أسآرها، فكأنهم قاسوا نسخ أحد الحكمين على نسخ الآخر، بناء على اتحادهما في العلة، فلما زال أحد الحكمين زال اعتبار علته، ولزم من ذلك زوا الحكم الآخر.\nونحن نقول: لا يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر، لأن الوصف الواحد يجوز أن يكون علة لحكمين من جهتين، فلا يلزم من رفع اعتباره من إحدى الجهتين رفع اعتباره من الجهة الأخرى، فيتعلق بما نحن فيه، إذا كان الدليل أو الخبر يتضمن حكمين، فهل يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر أو لا\nوالتحقيق فيه: أنه إن كان أحد الحكمين لا ارتباط بينه وبين الآخر إلا من حيث اشتمل عليها نص واحد من كتاب أو سنة، فإنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الكلب حرام، بقوله ﷺ:","vol":"1","page":616},{"text":"كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث.\nفيقول المخالف: قد نسخ خبث كسب الحجام بحديث أبي طيبة: أنه حجم رسول الله ﷺ فأعطاه أجرته، فإذا نسخ خبث كسب الحجام نسخ خبث ثمن الكلب، فهذا وأمثاله ضعيف.\nوأما إن كان بين الحكمين ارتباط وتلازم، فإنه يلزم من رفع احد الحكمين رفع الآخر، ومثاله: ما إذا ادعينا حد شارب النبيذ بالقياس على الخمر أو غيره.\nفتقول الحنفية: قد نسخ الحد عنه بقوله ﷺ: كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، فلما نسخ التحريم فيه لزوم وجوب الحد على شاربه.","vol":"1","page":617},{"text":"كذلك كل ما في معنى هذا المثال، كما إذا ادعينا جرحة الشاهد بفعل من الأفعال، فيقول: قد نسخ ذلك الفعل، فيلزم نسخ التجريح به.\nوقد يكون الاستلزام خفيا أو مظنونًا، فيقع الخلاف، كما إذا احتج الشافعي رحمه الله تعالى على تحريم ثمن الكلب بما روى أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب وما وجب قتله فلا قيمة على متلفه، ومالا قيمة على متلفه فلا ثمن له.\nفتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، وما لا قيمة على متلفه فلا ثمن له.\nفتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، فإذا وجبت القيمة حل الثمن.\nفهذا استلزم خفي، يقبل المنع، مع أنه لا يلزم من وجوب القيمة على القاتل جواز البيع.","vol":"1","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>خاتمة</span>\nاعلم أن الناسخ قد ينسخ: إما بغير الحكم الأول، وإما بمثله، فقد نسخ صوم يوم عاشوراء بالتخيير بين صوم رمضان والإطعام، ثم نسخ ذلك التخيير بالتعيين، وقد صح أن نكاح المتعة قد أباحه الله تعالى، ثم حرمه ثم أباحه ثم حرمه، ثم أباحه ثم حرمه فاستقر فيه التحريم، ذكر ذلك ابن حزم وهو ثقة في","vol":"1","page":619},{"text":"النقليات.\nفهذا تمام الكلام في النسخ.","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الباب الرابع: في كون الأصل النقلي راجحا</span>\nاعلم أن الترجيح يقع: إما من جهة السند، وإما من جة المتن، فهذا فصلان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفصل الأول: في ترجيحات السند</span>\nوله عشرة أسباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>السبب الأول: كبر الراوي</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الإفراد بالحج افضل،","vol":"1","page":621},{"text":"بحديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج حين أحرم.\nفتقول الحنفية: هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا.\nوالجواب عند أصحابنا: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيرا وكان أنس صغيرا، فكانت رواية ابن عمر ارجح، وقد روي الثقات عن زيد بن أسلم وغيره، أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل","vol":"1","page":622},{"text":"رسول الله ﷺ: فقال: ألم تأت العام الأول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم، أنه قرن فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء - وهن مكشفات الرؤوس - وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسنى لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وإنما كانت رواية الكبير أرجح، لأنه أثبت وأضبط لما يرويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>السبب الثاني: أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من الراوي الآخر</span>،","vol":"1","page":623},{"text":"ومثاله: احتجاج أصحابنا على ان الإفراد بالحج أفضل، بحديث عائشة، فإذا عورض بحديث أنس، قلنا في الجواب: إن عائشة أعلم وأتقن من أنس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>السبب الثالث: أن يكون الراوي مباشرا للقصة بنفسه</span>، فروايته أرجح من غير المباشر، لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت.\nومثاله: ترجيح أصحابنا رواية أبي رافع، على رواية ابن عباس، قال","vol":"1","page":624},{"text":"أبو رافع: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة - وهو حلال -، وبني بها، وهو حلال - وكنت أنا الرسول بينهما، وقال ابن عباس: تزوجها وهو محرم، فأبو رافع باشر القصة فهو أولى.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>السبب الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فهو أولى</span>.\nومثاله: ترجيح أصحابنا حديث ميمونة قال: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان، على رواية ابن عباس المذكورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>السبب الخامس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة، فالأكثر صحبة أولى</span>.","vol":"1","page":626},{"text":"ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث عائشة، وأم سلمة: أن رسول الله ﷺ، كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم، على رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أصبح جنبا فلا صوم له، وهذا لأن الأدوم صحبة أعرف بما يدوم من السنن وما لا يدوم، ولذلك لما بعث مروان بن الحكم","vol":"1","page":627},{"text":"إلى أبي هريرة من يرد عليه ما روى بحديث عائشة وأم سلمة، قال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال أبو هريرة: هما أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>السبب السادس: كثر رواة أحد الخبرين</span>.","vol":"1","page":628},{"text":"ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر على حديث طلق بن علي، وهو قوله ﷺ، هل هو إلا بضعة منك، فإن حديث إيجاب الوضوء، رواه أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة، وأم","vol":"1","page":629},{"text":"حبيبة، وأروى وما كان أكثر رواة كان أرجح وقد قيل: لا يقع بكثرة الرواة ترجيح كما لا يقع بكثرة الشهود ترجيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>السبب السابع: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي ﷺ</span>، كترجيح أصحابنا","vol":"1","page":630},{"text":"حديث ابن عمر في إفراد الحج، على حديث أنس، وقد تقدما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>السبب الثامن: كون الراوي سمع الحديث من غير حجاب</span>، كترجيح أصحابنا حديث القاسم، وعروة عن عائشة، أن بريرة عتقت","vol":"1","page":631},{"text":"وزوجها عبد، على رواية الأسود عن عائشة: \"أنها عتقت وزوجها حر\".","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>السبب التاسع: أن يكون أحد الراويين لم تختلف الرواية عنه بخلاف الآخر</span>، كترجيح حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون: وفي كل خمسين حقه، على حديث عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ قال: إذا زادت الإبل على","vol":"1","page":633},{"text":"عشرين ومائة استؤنفت الفريضة، فإنه قد روي عن عمرو بن حزم مثل رواية ابن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>السبب العاشر: أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام</span>، لأنه أقل احتمالًا","vol":"1","page":634},{"text":"للنسخ، كترجيح أصحابنا حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ سلم من اثنتين وتكلم، وبني على صلاته، على حديث ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ في الصلاة فيرد علينا، فلما قدمنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، [فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك فترد علينا] فقال: إن في الصلاة شغلا، وفي رواية أخرى: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا","vol":"1","page":635},{"text":"في الصلاة، فإن الحنفية احتجت بهذا الحديث على أن الكلام في الصلاة يبطلها مطلقا كالحدث.\nفهذه نبذ من ترجيحات السند.","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الفصل الثاني: في ترجيحات المتن</span>، وأسبابه عشرة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>السبب الأول: أن يكون أحد المتنين قولا والآخر فعل</span>ا، فإن القول أقوى على الصحيح.\nومثاله: ترجيح أصحابنا حديث عثمان، قال: قال","vol":"1","page":637},{"text":"رسول الله ﷺ: لا ينكح المحرم ولا ينكح على حديث ابن عباس: ان رسول الله ﷺ نكح ميموة - وهو محرم. وذلك أن الفعل يحتمل الخصوص به، ولا يدل على دوام الحكم، والقول بخلافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>السبب الثاني: أن يكون أحد المتنين دالًا بمنطوقه والآخر بمفهومه</span>، فالدال بمنطوقه أولى.\nومثاله: ترجيح الحنفية ما روى: أن رسول الله ﷺ قال: الجار أحق بشفعة جاره، على مفهوم قوله ﷺ: الشفعة فيما لم","vol":"1","page":638},{"text":"يقسم\".\nفإن كان مع المفهوم منطوق انعكس الترجيح، لأنه حينئذ تحصل الدلالة بوجهين، كترجيح أصحابنا قوله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم، فإذا صرفت الحدود، فلا شفعة، فهذا يدل بمنطوقه وبمفهومه على أن لا شفعة للجار، على قوله ﷺ: الجار أحق بشفعة جاره، وقد اشتمل هذا على سببين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>السبب الثالث: أن يكون أحدهما قصد به الحكم ولآخر ليس كذلك</span>، فإن ما","vol":"1","page":639},{"text":"قصد به الحكم أرجح.\nكترجيح أصحابنا حديث جبريل في: أنه صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله، على الحديث الذي تمسكت به الحنفية: من أن أول الوقت أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إنما مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم، مثل رجل استأجر أجيرا، فقال: من يعمل ما بين غدوة إلى نصف","vol":"1","page":640},{"text":"النهار على قيراط، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل فيما بين نصف النهار إلى العصر على قيراط، فعملت النصاري ثم قال: من يعمل فيما بين العصر والمغرب على قيراطين فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء، فقال: هل نقصتكم من حقكم شيئا؟ فقالوا: لا فقال: إنما هو فضلى أوتيه من أشاء.\nقالت الحنفية: فدل هذا الحديث على أن ما بين العصر والغرب أقل مما بين الزوال والعصر، ولا يصح ذلك إلا إذا كان أول وقت العصر أن يصير ظل كل شيء مثليه.\nفأصحابنا يرون أن هذا الحديث إنما قصد به ضرب المثل، ولم يقصد به شرع الحكم، وأما حديث جبريل فهو مقصود بنفسه في شرع الحكم.\nالسبب الرابع والخامس: أن يكون أحد المتنين واردًا على سبب، و[والآخر واردًا","vol":"1","page":641},{"text":"على غير سبب]، فإن الوارد على سبب أرجح في السبب، والوارد على غير سبب أرجح في غير السبب.\nومثال الأول: ترجيح ما روي: أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميمونة، فقال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، على قوله ﷺ: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فإن الخبر الأول أرجح في جلد ما يؤكل لحمه، لأنه كالنص فيه إذ هو السبب، وترجيح الحديث الثاني على الأول في أن ما لا يؤكل لحمه لا ينتفع بجلده، وإن دبغ، لأنه قد اختلف في العمل بالعام الوارد على سبب في غير السبب.","vol":"1","page":642},{"text":"وهذا هو المثال الثاني: وبه كان الفصل مشتملا على سببين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>السبب السادس والسابع: ترجيح الظاهر على المؤول</span>، إلا أن يكون دليل التأويل أرجح من الأصل المقتضي للظاهر وأمثلته، جميع ما اشتمل عليه الفصل الثالث من الباب الثاني: وهو فصل الظاهر.\nفإن كان دليل التأويل أرجح، فأمثلته، جميع ما اشتمل عليه الفصل الرابع من الباب الثاني: وهو فصل المؤول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>السبب الثامن: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا، فإن الإثبات أرجح</span>.","vol":"1","page":643},{"text":"ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث بلال: أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه، على حديث أسامة: أنه دخل البيت ولم يصل فيه.","vol":"1","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>السبب التاسع: أن يكون أحدهما ناقلا عن أصل البراءة والآخر مبقيا فإن الناقل أولى</span>، كما رجح اصحابنا حديث أبي هريرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فإنه ناقل عن الأصل الذي هو عدم التكليف على حديث طلق بن علي في عدم إيجابه فإنه هو الأصل، وإنما كان ذلك، لأن في تقديم حديث طلق على حديث أبي هريرة نسخا لحديث أبي هريرة","vol":"1","page":645},{"text":"بخلاف العكس لما قدمنا من أن النقل عن البراءة الأصلية ليس نسخا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>السبب العاشر: كون أحدهما يتضمن احتياطا، فإنه أرجح</span>\nومثاله: ترجيح أصحابنا قوله ﷺ: فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، على رواية من روى: فاقدروا.\nفهذه نبذ من ترجيحات المتن، به تم الكلام في الباب الرابع.","vol":"1","page":646},{"text":"الصنف الثاني\nمما هو أصل بنفسه، وهو الأصل العقلي\nونعني به:\nالاستصحاب\nاعلم أن الاستصحاب ضربان: استصحاب أمر عقلي أو حسي، واستصحاب حكم شرعي.\nالضرب الأول:\nوهو حجة عندما وعند الشافعية لأجل حصول غلبة الظن","vol":"1","page":647},{"text":"بأن ما علم وقوعه على حالة لم يتغير عنها، وقلما يسلم من معارضة باستصحاب آخر، ومن إثبات ناقل عن الحالة الأولى.\nفأما الأول: وهو ما يعارض باستصحاب آخر، فكاستدلال بعض أصحابنا على ان الغائب إذا هلك قبل القبض ووقع النزاع بين المتابعين: هل هلك قبل العقد أو بعده؟ فإن ضمانه من المشترى بأن يقول: إن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فوجب أن تستصحب سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، فقد هلكت على ملك المشترى، فكانت من ضمانه.\nفيعارضه من يخالفه من أصحابنا: بأن ذمة المشترى بريئة من الضمان، فوجب استصحاب تلك البراءة، فلا ضمان على المشتري، فيرجع الأمر حينئذ إلى ترجيح أحد الاستصحابين.","vol":"1","page":648},{"text":"وأما الثاني: وهو ما يدعي فيه وجود ناقل، فكاحتجاج أصحابنا على أن سؤر الكلب طاهر، بأنه سالم من المخالطة للنجاسة قبل الولوغ، فوجب استصحاب ذلك حتى تتحقق مخالطة النجاسة.\nفيقول المخالف: هذا الاستصحاب إنما يتم أن لو لم يوجد ناقل له وقاطع، وقد وجد، وهو الولوغ فإنه مظنة المخالطة، لأنها غالب حال الكلاب، ويرجع أمرهما إلى أن ما ذكرنا أولا: هل يصلح لقطع الاستصحاب أو لا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الضرب الثاني: استصحاب حكم الشرع</span>.","vol":"1","page":649},{"text":"وهذا كاحتجاج أصحابنا على: أن الرعاف لا ينقض الوضوء، بأنا لما أجمعنا على انه متطهر قبل الرعاف، فوجب استصحاب الطهارة بعده حتى يدل دليل على النقض.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: نحن نمنع هذا الاستصحاب، وذلك أن دليل هذا الحكم هو الإجماع، والإجماع لم ينعقد بعد الرعاف كما كان قبله، فكيف يستصحب حكم بعد فقدان دليله، وأيضا/ الناقض، موجود وهو الرعاف عملا، بقوله صلى الله عليه سليم: من فاء أو رعف فعليه الوضوء، وهذا الاستصحاب قلما يتم، وهو أضعف من الأول.","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>النوع الثاني: وهو ما كان لازما عن أصل</span>\nاعلم أن الناشيء عن الأصل لابد وأن يدل على حكم، وذلك الحكم: إما أن يكون مماثلا للأصل، وإما أن يكون مناقضا لحكم الأصل، وإما أن يكون ليس بمماثل ولا مناقض.\nفإن كان مماثلا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بين الحكمين في المحل، لاستحالة اجتماع المثلين، وإذا تغاير المحلان فذلك هو قياس الطرد.\nوإن كان مناقضا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بينهما في المحل، لاستحالة اجتماع النقيضين، وذلك هو قياس العكس.\nوإن كان ليس بمماثل ولا مناقض، فلذلك هو الاستدلال.\nفانحصر الكلام في اللازم عن أصل ثلاثة أقسام:\nقياس طرد، وقياس عكس، وقياس استدلال.\nفلنعقد في كل قسم بابًا.","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الباب الأول: في قياس الطرد</span>\nوالكلام فيه منحصر في شرح حده، وبيان أركانه، وبيان أقسامه، وفي الاعتراضات الوارادة عليه، فهذه مقدمة وفصلان، وخاتمة.\nالمقدمة:\nاعلم أن القياس عبارة عن الحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم، لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم.\nوالصورة المعلومة الحكم تسمى: اصلا، والصورة المجهولة الحكم تسمىى: فرعا، كما إذا قسنا النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع","vol":"1","page":652},{"text":"على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق، فالخمر هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والجامع الإسكار، والحكم المطلوب، إثباته في الفرع التحريم.","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الفصل الأول: في أركان القياس</span>\nوهي أربعة: الأصل، والعلة، والفرع، والحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>الركن الأول: الأصل</span>\nوشروطه خمسة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>الشرط الأول: أن يكون الحكم فيه ثابتا</span>، فإنه إن لم يكن ثابتًا لم يتوجه القياس عليه، لأن المقصود ثبوت الحكم في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوته في الأصل، وكذلك في المناظرة إذا قاس المستدل على أصل لا يقول به، فإنه لا تقوم به الحجة على خصمه، وإن كان خصمه يقول به في الأصل، لأن المستدل معترف بفساد قياسه.","vol":"1","page":654},{"text":"ومثاله: احتجاج الشافعية على الحنفية في أن نية التطوع في الحج تجزيء عن نية الفريضة فيه، خلافا للحنفية بقياسهم ذلك على الصوم، فإن مذهب الحنفية فيه أن نية التطوع فيه تجزيء عن نية الفريضة خلافا للشافعية، وقد قاست الشافعية على أصل لا تقول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>الشرط الثاني: أن يكون الأصل مستمرا في الحكم</span>، أي غير منسوخ، لأنه إذا نسخ حكم الأصل وكان الوصف الجامع حاصلا فيه لزم أن يكون ذلك الوصف علة لتخلف الحكم عنه، وإذا لم يكن علة لم","vol":"1","page":655},{"text":"يصح الجمع به، لأن ما ليس بعلة لا يقتضي حكم العلة.\nفإن قلت قد يجمع بين الأصل والرفع بغير علة، قلنا: لا بد من كون ذلك الجامع متضمنا للعلة، أما إن لم يكن الوصف الجامع علة ولا متضمنا للعلة لم يصح الجمع به.\nواعلم أنه قد ينسخ حكم من أحكام الأصل فيتوهم، سريان النسخ إلى الحكم الذي يطلب مثله في الفرع.\nمثاله: قول أصحاب أبي حنيفة: في أن التبييت غير واجب في صوم رمضان، لأنه صوم متعين، فلا يجب التبييت قياسًا على صوم يوم عاشوراء، فإنه لا يجب فيه التبييت للحديث الوارد.\nفيقول أصحابنا: قد نسخ حكم الأصل، ومن شروط الأصل المقيس عليه أن لا يكون منسوخًا.","vol":"1","page":656},{"text":"والجواب عند الحنفية أن قالوا: إنا لم نقس الفرع على الأصل في الحكم المنسوخ، بل في حكم آخر: ولا يلزم من نسخ حكم الوجوب نسخ حكم التبييت، المقيس على الأصل فيه.\nومما ينظر فيه مسألة ظهار الأمة، فقد يقال بأن الظهار كان طلاقا مخصوصًا بملك النكاح، فلو لم ينسخ لم ينعقد في الأمة ظهار، لأن الطلاق لا ينعقد في الأمة، لكنه لما نسخ منه حكم الطلاق صرف إلى مجرد تحريم الاستمتاع، والاستمتاع مشترك فيه بين الزوجة والأمة، وجب أن ينعقد الظهار في الزوجة والأمة.\nوقد يقال: كان الظهار حكم مخصوص وهو الطلاق، ومحل مخصوص وهو الزوجة، وقد نسخ حكمه، فلا يلزم منه نسخ محله، ألا ترى أن الإيلاء كان طلاقا ثم نسخ، وبقي محله وهو الزوجة - غير منسوخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الشرط الثالث: أن لا يكون الأصل مخصوصا بالحكم </span>فإنه إذا كان","vol":"1","page":657},{"text":"مخصوصًا تعذر إلحاق غيره به في الحكم وإلا بطل الخصوص.\nوهذا الشرط يتفصل إلى ثلاثة أقسام:\nقسم نص الشرع على الخصوص فيه، أو ثبت الإجماع على ذلك.\nوقسم لم ينص الشرع على الخصوص، فيه، إلا أنه لا يعقل معناه فيتعذر إلحاق غيره به لأجل الجهل بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأصل.\nوقسم عقل معناه إلا أنه فقد ما شاركه في ذلك المعنى.\nفأما القسم الأول: فمثاله: قضاء رسول الله ﷺ بشهادة خزيمة","vol":"1","page":658},{"text":"وحده فإنه كان مخصوصا بذلك، ومشتهرا به من بين الصحابة رضوان الله عنهم، ولأنه لو ألحق به غيره لجرى، القياس في كل شاهد وبطل اعتبار العدد في الشهود.\nوكذلك قوله ﷺ لأبي بردة في العناق، تجزيء عنك ولا","vol":"1","page":659},{"text":"تجزيء عن أحد بعدك، وكاختصاص سالم بالرضاع، وهو كبير، حتى صار يدخل على عائشة ﵂ من غير حجاب\nوفي معني هذا ما اختص به الرسول ﷺ من الأحكام، ولا يحلق به غيره فيها.","vol":"1","page":660},{"text":"وقد اختلف في فروع بناء على أنه ﷺ مختص بتلك الأحكام أم لا.\nفمن ذلك: الخلاف في جواز العقد في النكاح بلفظ الهبة، فالشافعية تمنع منه، وترى أنه مختص بالنبي ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾.\nوالحنفية: يردون ذلك إلى سقوط المهر، لأن به يظهر الشرف ورفع الحرج، بخلاف الاختصاص بلفظ يوجد ما يقوم مقامه من الألفاظ.\nوالشافعية: ترى أن اختصاصه ﷺ باللفظ تابع لاختصاصه بمعناه ولأجل ذلك اختلف فيه عندنا في المذهب على قولين.\nومن ذلك: جواز جعل عتق الأمة صداقها، فإن ذلك عندنا من خواصه ﷺ، فلا يحلق به غيره وأمثال هذا القسم كثير.\nأما إذا وقع النزاع بين الخصمين في كون الأصل مخصوصا بالنص، فإن الظاهر حمله على عدم الخصوص حتى يثبت الخصوص بنص أو إجماع","vol":"1","page":661},{"text":"ومن ذلك: اختلاف العلماء في الإحرام، هل ينقطع بالموت أو لا؟ وينبني على هذا جواز تطييب المحرم إذا مات.\nواختلافهم في الشهيد: هل يغسل ويصلي عليه ام لا؟ وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا وقصت به ناقيته، فقال رسول الله ﷺ لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وقال ﷺ في قتلى أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم","vol":"1","page":662},{"text":"القيامة وجراحهم تشخب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك.\nفالحنفية ترى أن ذلك مخصوص بالأعرابي وبشهداء قتلى أحد فلا يلحق بهم غيرهم والشافعية ترى: أن ذلك غير مخصوص بهم، فيلحق بهم غيرهم.\nوأما أصحابنا المالكية ففصلوا ورأوا: أن حديث الأعرابي مخصوص فلا يلحق به غيره وحديث الشهداء عام.\nالقسم الثاني: وهو ما لا يعقل معناه، فمثاله: معظم التقديرات، فإنها غير معقولة المعنى فلا يقاس عليها.","vol":"1","page":663},{"text":"فإن قيل: قد قستم تقدير أقل الصداق على تقدير أقل نصاب السرقة، وقستم تحديد اليد بالكوع في التيمم على تحديدها في القطع بالسرقة على مشهور المذهب، وذلك تقدير ثبت بالقياس.\nقلنا: ليس ذلك قياسا، وإنما هو استشهاد على أقل ما هو معتبر، وتقديره: أن الشرع أوجب المال في النكاح فقال تعالى: ﴿أن تبتغوا بأمولكم﴾ وذلك إظهار لخطر النكاح، والخطر لا يحصل بأقل م يسمى مالا، فإن الفلس والحبة يصدق على كل واحد منهما أنه مال، ولا بد من اعتبار ماله، خطر وبال، وذلك مختلف شرعا وعرفا، فوجب الرجوع فيهما إلى الشرع، إذ هو الموجب لأصل المال في النكاح تشريعًا له، ووجب اعتبار أقل الأموال التي جعل الشرع لها خطرا، ولا أقل من نصاب السرقة، فإن اليد ذات خطر، فلما قطعت من ربع دينار،","vol":"1","page":664},{"text":"دل ذلك على أن ربع دينار له خطر، ولما لم نجد أقل منه يشهد الشرع بخطرهـ، علمنا أن أقل الأموال التي لها خطر في الشرع ربع دينار، فلذلك حددنا به المهر.\nوأما تحديد اليد بالكوع، فإنه ليس بقياس أيضا، بل أخذ بتلك الطريقة نفسها، فإن اليد مطلقة تقبل التحديد بحدود كثيرة، فكان أصل تحديدات اليد إنما هو بالكوع، فلذلك تحدد به اليد في الأجزاء عندنا على المشهور وحكمنا عليه بالإعادة في الوقت طلبا للكمال، وأمثال ما لا يعقل معناه كثير.\nوأما القسم الثالث: وهو ما عقل معناه إلا أنه لا نظير له في الشرع، ولا يظهر له ما يشاركه في ذلك المعنى، فإما أن يكون ذلك المعنى بسيطا وإما أن يكون جملة معان لا يوجد جميعها في نوع واحد.\nأما الأول: فكالسفر، فإنه مشتمل على نوع من المشقة معقول التأثير","vol":"1","page":665},{"text":"في القصر، ولا يشاركه غيره من الصنائع في ذلك النوع من المشقة، المناسبة للقصر، فلا يلحق به غيره فيه، وأما المرض: فإنما ثبت فيه الفطر والجمع بالنص لا بالقياس.\nوأما القصر: فإن مشقة المرض لا تناسبه، بل تناسب التخفيف على المريض بمشروعية الجلوس والإيماء في الصلاة.\nومن أمثال هذا القسم: الشفعة في العقار، فإنها معقولة المعنى، وهو لحوق نوع من الضرر بالشريك، في العقار، لا يشترك مع العقار فيه، غيره.\nومن أمثاله: ابتداء المدعين في القسامة بالأيمان: تحصينا للدماء، لغلبة الخفية والغيلة في القتل، بحيث يعسر الإشهاد، والقاتل يستخف الأيمان كما يستخف القتل، ويصر على الإنكار في غالب الأمر، فلذلك ابتدأ المدعون في القسامة بالأيمان، وقد يكون هذا مما يجتمع فيه عدة مناسبات، فيكون من الثاني.","vol":"1","page":666},{"text":"وأما الثاني: وهو ما تجتمع فيه عدة مناسبات، لا تجتمع في غيره، فكضرب الدية على العاقلة في قتل الخطأ، فإنه معقول المعنى، ولذلك كانت تفعله الجاهلية قبل الشرع، وكان الشرع مقرا له، ووجه المصلحة فيه أن الحاجة ماسة إلى مخالطة السلاح وتعلم الحرب والطعان والضراب بها حتى أبيح الصيد من غير ضرورة ولا حاجة، بل لما في ذلك من حصول آلة الحرب، ولما كانت النفس جريرة خطيرة لا تهدر، ولم يتعمد القاتل جناية القتل، فلو أقدناه به أو حملناه المال كله عليه لقطع مخالطة السلاح حتمًا لما يتوقف من ذلك، فكان من النظر السديد ضرب الدية على العاقلة إذ لا كبير حيف عليهم في ذلك لخفتها عليهم بالتوزيع، مع أن ذلك ينجبر بما بينهم من التعاضد والتناصر الذي جبلت عليه القبائل فيما بينها، ولهذا","vol":"1","page":667},{"text":"المعنى أيضا أجازت السنة شهادة الصبيان في اللعب، وأمثال هذا كثير.\nفهذا معنى هذا الشرط الثالث، ويعبر عنه الأصوليون بأن لا يكون معدولا به عن سسن القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>الشرط الرابع: أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعًا عن اصل آخر</span>.\nواعلم أن هذا الشرط قد اعتبره الأصوليون، ونقلوا عن الحنابلة","vol":"1","page":668},{"text":"وأبي عبد الله البصري من المعتزلة: أنه ليس بشرط، وهو عندنا في المذهب ليس بشرط، بل يجوز عندنا القياس على أصل ثبت حكمه بالقياس على أصل آخر، ومثاله: قياس جمهور أصحابنا قول القاتل لزوجته: أنت طالق، إذا حضت على قوله: أنت طالق رأس الشهر، ثم إنهم يحتجون على حكم الأصل بقياسه على نكاح المتعة، والعلة في ذلك: أن المعنى المقصود من النكاح وهو المودة وحسن الألفة والعشرة لا يفضي إليه النكاح إلا بالتأبيد، أما مع توقع الفراق عند حصول الأجل قطعًا أو ظنا، فذلك مخل لما يقصد من النكاح، وهو المودة وحسن الألفة،","vol":"1","page":669},{"text":"وهذا المعنى لما لم يكن هو المقصود من الملك، بل المقصود منه ما لا يخل بالمؤجل كالهبة والاستخدام جاز تعليق العتق بأجل محقق.\nوالأصوليون يرون أن العلة الجامعة بين الوسط وأحد الطرفين، إن كانت بعينها موجودة في الطرف الآخر فذلك الوسط لغو، ومثال ذلك قياس السفرجل على التفاح في الربا بجامع الطعم، فإذا منع له حكم الربا في التفاح أثبته بالقياس على البر، فيقال له: جعل التفاح أصلا لعو، بل كان ينبغي أن تقيس السفرجل على البر، وتستغني عن ذكر التفاح\nوهؤلاء يرون أن ركن الدليل لا يجوز أن يكون لغوا.\nوأما إن كانت العلة بين الوسط وأحد الطرفين غير العلة بين الوسط","vol":"1","page":670},{"text":"والطرف الآخر، فإن الوصف الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع، ولا يصح إلحاقه بالأصل الوسط، والوصف الجامع بين الفرعين ليس هو العلة في الفرع الوسط، فلا يكون علة في الفرع المقيس.\nومثاله: لو قاس قائس، الطحلب والمكث إذا تغير بهما الماء على ما تغير بالتراب الجاري هو عليه في الطهورية، بجامع غلبة التغيير وضرورة الحاجة إليه، فإذا منع له حكم الأصل قاسه على الماء إذا صب على الماء، فإنه طهور وخالطه طهور، فالجامع طهورية المخالط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>الشرط الخامس: أن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين</span>، بناء من كل فريق على أن وصفه هو العلة، فإن مثل هذا لا يثبت به حكم الأصل.","vol":"1","page":671},{"text":"ومثاله: قياس أصحابنا قاتل العبد في أنه لا يقتل به على قاتل المكاتب، فإن الحنفية يوافقون أصحابنا على أن قاتل المكاتب لا يقتل، لكن العلة عند أصحابنا في ذلك، كون المقتول عبدا، وألحقوا به قاتل العبد القن، والعلة عند الحنفية: جهل المستحق لدمه، وذلك أنه لما عقد الكتابة فهو متردد بين الرق والحرية، فإن أدى نجوم كتابته عتق وإلا رق، فإذا مات تعذر علينا استطلاع عاقبته من عتق أو رق، فتردد دمه بين السيد وبين الورثة.\nقالت الحنفية: فهذه العلة التي أبديناها إن صحت بطل قياس قاتل العبد على قاتل المكاتب، لأن قاتل العبد معلوم فيه المستحق لا مجهول، وإن لم تصح هذه العلة منعنا حكم الأصل المقيس عليه وهو قاتل المكاتب، وقلنا حينئذ: يقتل قاتل المكاتب فإذن لا يثبت حكم الأصل بمثل هذا الاتفاق.","vol":"1","page":672},{"text":"ومثل هذا يسميه الأصوليون: بالقياس المركب، ولو أثبت أصحابنا حكم المكاتب بنص لصح القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>الركن الثاني: العلة</span>\nوالكلام في شروطها، وفي مسالكها، وهي ما ثبتت بها كون الوصف علة.\nوأما شروطها: فلنعقد بها مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا</span>، وذلك كما نعلل وجوب الزكاة بملك النصاب، ونعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان.\nوأما تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي ففيه خلاف بين أئمة الأصول.","vol":"1","page":673},{"text":"ومثاله: قياس أصحابنا الحاضر الصحيح في وجوب التيمم عليه على المسافر عند عدم الماء، فيقول: الحاضر لا ماء عنده فيجب عليه التيمم قياسًا على المسافر، فيقال: عدم الماء ليس علة في وجوب التيمم فإن الوصف العدمي لا يكون علة في الحكم الوجودي.\nوكذلك - أيضا - لا يكون جزء من العلة، كجعل الطواعية جزء من علة القصاص فلذلك لم توجب الحنفية قصاصا على المكره لفقد علة القصاص لفقد جزئها وهو الطواعية.\nوأما أصحابنا فيقولون: الطواعية في نفسها عدمية، لأنها عبارة عن","vol":"1","page":674},{"text":"عدم الإكراه، والعدم لا يكون علة ولا جزء علة، وإلى هذا ذهب جماعة من المحققين أعني أن العدم لا يكون علة ولا جزء علة.\nقالوا: لأن العلة لا بد وأن تشتمل في نفسها على مصلحة تحصل عند مشروعية الحكم، والعدم في نفسه لا يكون مشتملا على مصلحة.\nوأما تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي فهو بالتعليل المانع، لكن الأصوليين اختلفوا: هل من شرط التعليل بالمانع وجود المقتضى أو ليس من شرطه؟\nفالأكثر على أن وجود المقتضى شرط، لأن الحكم إذا لم توجد العلة فيه يكون انتفاؤه لانتفائها لا لوجود المانع.","vol":"1","page":675},{"text":"وهذا كثيرا ما يقع في الجدل، وتتعلق به أبحاث كثيرة في كل مسألة ينفي فيها الحكم بالقياس على مسألة أخرى، ويجمع بينهما بوصف وجودي.\nومثاله: قول أصحابنا في الحلي: مال متخذ للقنية والامتهان، فلا تجب فيه الزكاة قياسًا على الثياب والعبيد.\nفيقول الحنفي: قد عللتم بالوصف الوجودي - وهو الامتهان - في الحكم العدمي - وهو عدم وجوب الزكاة - فلا يصح ذلك إلا بعد أن تبينوا أن ذلك الوصف هو المانع من الزكاة، وفي ضمن دعواكم كونه مانعًا تسليمكم أن المقتضى موجود في صورة النزاع، فقد كفيتمونا","vol":"1","page":676},{"text":"مؤونة إثبات علة وجوب الزكاة في صورة النزاع، وادعيتم أن المقتضى موجود في الأصل المقيس عليه، فعليكم بيان ذلك.\nوالجواب عند أصحابنا: أن المال نعمة تستحق شكرا، والإخراج منه لحق المنعم شكر، والزكاة إخراج منه فكانت شكرا، فصلح أن يكون ذلك المال في نفسه موجبًا للزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا</span>، لأن الحكم في نفسه غيب، فإذا كان الوصف أيضا غيبا عنا لم يصح التعليل له، لأن العلة معرفة، والغيب لا يعرف الغيب، وهذا كما نعلل القصاص بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: العمد من أفعال النفوس، وهو خفي لا يصح اعتباره في العلة بالاستقلال ولا بالجزئية، نعم، يعتبر عوضا منه ما يظن وجوده عنده ويسمى الوصف المشتمل عليه ﴿مظنة﴾.","vol":"1","page":677},{"text":"ومثاله: إذا عللنا نقل الملك في العوضين بالتراضي بين المتبايعين، وقد قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ لكن الرضا وصف خفي، لأنه من أفعال النفوس، فيتعذر اعتباره بنفسه، ويرجع الاعتبار إلى الأمر الظاهر الدال عليه، كالإيجاب والقبول، فإن قول البائع: ﴿بعتك﴾ دليل على حصول الرضا منه بخروج المبيع عن ملكه، ودخول الثمن في ملكه، وكذلك قول المشتري: ﴿قبلت﴾، دليل على خروج الثمن عن ملكه، ودخول المشتري في ماله، فأناط الشرع نقل الملك بالإيجاب والقبول، ولأجل أن المعتبر عندنا ما يدل على الرضا الذي هو المقصود بالأصل في الاعتبار، وكان الفعل - أيضا - قد يدل على الرضا كدلالة القول، كالمعاطاة الحاصلة بين المتبايعين، حكم أصحابنا بأن البيع ليس من شرطه الصيغة خلافًا للشافعية فإنهم لا يحكمون بانعقاد البيع إلا بالصيغة الدالة على الإيجاب والقبول.\nوالحنفية يفرقون بين الأشياء النفيسة فيعتبرون في بيعها الصيغة","vol":"1","page":678},{"text":"ولا يكتفون فيها بالمعاطاة، وأما الأشياء الحقيرة، فتكفي فيها المعاطاة عندهم، وهذا استحسان، ووجهه: أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة، فمن المناسب أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل تحصينًا للبيع، وصونًا له عن خلل التجاحد في الرضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطًا غير مضطرب</span>، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها.\nومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها","vol":"1","page":679},{"text":"تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة بُرُد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة</span>، ومعناه: أنه كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، والنقض: أن يوجد الوصف في صورة من الصور","vol":"1","page":680},{"text":"ولا يوجد معه الحكم.\nوالتحقيق فيه التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عند ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة، فلذلك النقض يفسد العلة.\nومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث، بأنه استعجل غرضه قبل أوانه فعوقب بحرمانه، فيطرد أصحابنا هذه العلة في الناكح في العدة، فيحكمون عليه بتأبيد التحريم، معاملة له بنقيض قصوده كما عومل القاتل لموروثه بنقيض مقصوده.\nفتقول الحنفية والشافعية: هذه العلة منقوضة بأم الولد إذا قتلت","vol":"1","page":681},{"text":"سيدها لاستعجال العتق فإنها تعتق، ورب الدين إذا قتل المديان لاستعجال الدين فإنه يتعجله، فقد انتقضت العلة.\nوأما إن كان تخلف الحكم في صورة النقض لمانع، فإن ذلك لا يبطل العلة.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب الزكاة في مال الصبي بأنه مالك النصاب فوجب في ماله الزكاة قياسا على البالغ.\nفتقول الحنفية: هذه العلة منقوضة بصورة الدين، فإن المديان يملك النصاب ولا تجب عليه الزكاة.","vol":"1","page":682},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن الدين يمنع من وجوب الزكاة، لأنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، وحق الغرماء أقوى من حق الفقراء، لأن المستحق إذا تعين ترجح على مستحق لم يتعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة</span>، ومعناه: أنه كلما انتفت العلة انتفى الحكم، فمنهم من يشترطه، ويمنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من لا يشترطه، ويجيز تعليل الحكم الواحد بعلتين كتعليل إيجاب الوضوء بالبول والغائط والريح، وتعليل حرمة النكاح بالقرابة والصهر والرضاع.","vol":"1","page":683},{"text":"وكذلك اختلفوا إذا اجتمعت العلل هل ينسب إلى جميعها أو يبقى كل واحد منها علة كما كان حالة الانفراد.؟\nوعلى ذلك اختلفوا في الأولياء في النكاح إذا اجتمعوا وكانوا في درجة واحدة، فقيل: يعقدون جميعا بعقد واحد، وقيل: يعقد أي واحد منهم كما لو انفرد.\nوقد اختلفت الشافعية: فيمن أحدث حدثين، فنوى رفع أحدهما ونسي الآخر، فمنهم من قال: لا يجزئه، لأن كل واحد منهما له مدخل","vol":"1","page":684},{"text":"في إيجاب الوضوء، فلا يجزيء رفع احدهما عن رفع الآخر في النية، وقيل: يجزئه لتداخلهما، وأنهما في حكم الحدث الواحد، وقيل: إن نوى أول الحدثين أجزأه، لأنه الموجب للوضوء، والثاني لم يصادف محلا يوجب فيه الحكم، وإن نوى آخر الحدثين لم يجزئه، لأنه نوي ما لا تأثير له في الإيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة السادسة: اختلفوا في اشتراط التعدية في العلة</span>، وهو أن توجد في محل آخر، غير محلها الذي نص الشرع عليه.\nفالحنفية يشترطونها، وأصحابنا وأصحاب الشافعي لا","vol":"1","page":685},{"text":"يشترطونها بل يرون أن الدليل إذا دل على اعتبارها كانت علة الحكم الثابتة في محلها سواء كانت موجودة في غيره أو لم تكن.\nومثاله: تعليل أصحابنا تحريم الربا في النقدين بكونها أصلا في الثمينة، فلو دخلها الربا لافتقر إلى شيء آخر يتقومان به.\nفتقول الحنفية: هذه علة قاصرة، لا فائدة فيها، لأن الفائدة إن كانت في الأصل فالحكم في الأصل إنما ثبت بالنص لا بها، وإن كانت في غير الأصل فباطل، لأن الفرض أن لا فرع لها.","vol":"1","page":686},{"text":"والجواب عند أصحابنا: أن الحكم في الأصل إنما ثبت بها، بمعنى أنها الباعثة عليه، والنص معرف لا موجب.","vol":"1","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>خاتمة</span>\nاعلم أنهم اختلفوا في حكم الأصل، فأصحابنا وأصحاب الشافعي يرون أن حكم الأصل ثبت بالعلة، واصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما ثبت الحكم في الأصل لا بالعلة.\nفمن الأصوليين من يزعم أن الخلاف في ذلك لفظي، لا فائدة فيه، ومنهم من يني على ذلك فروعا، ويجعل الخلاف في المعنى.\nفقال: إذا احتج أصحابنا على تحريم قليل النبيذ بالقياس على قليل الخمر، فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر إنما ثبت بالنص، وإذا احتجت الحنفية على إباحة النبيذ غير المسكر: بأن على التحريم في النبيذ","vol":"1","page":688},{"text":"إنما هو الإسكار، وقد انتفي في القليل الذي لا يسكر، فيلزم أن لا يكون حرامًا، وهو خلاف الإجماع.\nفللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر عندنا وكثيره لم يحرم بالعلة، وإنما حرم بالنص، قال: وكذلك تقول الحنفية: علة الربا في النقدين إنما هو الوزن، ويلحقون بذلك كل ما يوزن من النحاس والحديد والرصاص وغير ذلك، وما خرج عن الوزن بالصياغة كأواني النحاس والرصاص والحديد لا ربا عندهم فيه، قالوا: لأن العلة عندنا إنما هي الوزن، وقد انتفت في المصوغ.\nفيقول لهم أصحابنا: هذا يلزمكم فيما يصاغ من الذهب والفضة أن لا يكون فيه ربا، فللحنفية ان يقولوا: حكم الربا في النقدين ثبت عندنا بالنص لا بالعلة فخرج تحريم الربا في المصوغ منهما دون غيرهما\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-175> مسالك العلة: </span>وهي الأدلة الدالة على أن الوصف علة في الحكم فهي خمسة مسالك.","vol":"1","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المسلك الأول: النص</span>\nوهو قسمان: صريح وإيماء\nفالصريح: أن يأتي الشارع بصيغة العلة، كقوله سبحانه: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ وكقوله ﷺ: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم. وقوله ﷺ: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم. ومنه قوله ﷺ، في المحرم الذي وقصت","vol":"1","page":690},{"text":"به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وكقوله في الشهداء يوم أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وجراحهم تشخب دما. فهذا وأمثاله صريح في التعليل ولذلك عدت الشافعية هذين المسلكين إلى كل محرم وشهيد.\nومثله قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾ ومثل قوله ﷺ: ملكت نفسك","vol":"1","page":691},{"text":"فاختاري\"، وهو كثير.\nوأما الإيماء فهو مراتب.\nالمرتبة الأولى: أن يذكر ﷺ مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل، كقوله ﷺ في الهرة: إنها ليست بنجس،","vol":"1","page":692},{"text":"وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات»، فلو لم يكن التطواف علة لنفي النجاسة لم يكن لذكره مع هذا الحكم فائدة، لأنه قد علم أنها من الطوافات.\nومنه: قوله ﷺ: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها». فلولا أن فعلهم ذلك سبب لعنتهم لم يكن للإخبار عن فعلهم بالدعاء عليهم فائدة.","vol":"1","page":693},{"text":"المرتبة الثانية: الاستنطاق بوصف يعلمه الشارع خاليًا من التنازع ليرتب عليه الجواب، ولو لم يكن للتعليل لكان استنطاقه عن وصف يعلمه خاليًا عن الفائدة.\nوهذ: كما سئل ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن».\nوكذلك: لما سألته الخثعمية فقالت: «يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى».","vol":"1","page":694},{"text":"المرتبة الثالثة: أن يذكر النبي ﷺ حكمًا عقب علمه بواقعة حدثت، فيعلم أن تلك الواقعة سبب ذلك الحكم.\nكما روي أن أعرابيًا قال: يا رسول الله: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: اعتق رقبة»، فكأنه، قال: إذا واقعت فكفر.\nفأما الشافعية فحملته على الوقاع، وقالت: إنه العلة بنفسه في الكفارة، فلم توجبها على من أكل أو شرب في رمضان عمدًا.\nوأما الحنفية فأناطت الكفارة بمعنى يتضمنه الوقاع، وهو اقتضاء شهوة يجب الإمساك عنها، فإن الصيام عبارة الإمساك عن اقتضاء شهوة البطن وشهوة الفرج فلذلك أوجبوا الكفارة على من أكل عمدًا في","vol":"1","page":695},{"text":"رمضان، لما فيه من اقتضاء الشهوة التي منع الصيام منها، ولم يوجبها فيما لا شهوة في اقتضائه، كابتلاع حصاة أو نواة.\nوأما المالكية: فألغت الشهوة عن درجة الاعتبار، وإنما وجبت الكفارة عندهم على الجنابة على الصوم بتعمد الإفساد مطلقا فأوجبوا الكفارة بابتلاع الحصاة والنواة.\nوهذا يسمى عند الأصوليين بتنقيح المناط، وهو: أن يحذف من محل الحكم ما لا مدخل له فيه: ويبقى ماله فيه مدخل واعتبار، وما روي عن ابن القاسم، فيمن ابتلع حصاة فعليه الكفارة من غير قضاء بعيد في النظر، لخروجه عن المآخذ التي قدمناها.\nالمرتبة الرابعة: أن ينقل الراوي فعلا صدر من النبي ﷺ أو","vol":"1","page":696},{"text":"من غيره، فيرتب عليه حكما منه ﷺ، فإنه يفيد تعليل ذلك الحكم بذلك الفعل.\nكقول الراوي: سها رسول الله ﷺ فسجد، فإن هذا يشعر بأن السهو علة السجود، فلذلك لم يرتب ابن القاسم سجودا على من ترك سنة من سنن الصلاة عمدًا، خلافا لأشهب، فإنه","vol":"1","page":697},{"text":"أوجب السجود قبل السلام، نظرا منه إلى أن النقصان علة السجود، سهوا كان أو عمدًا.\nومن ذلك: قول الراوي: زنى ماعز، فرجمه رسول الله ﷺ،","vol":"1","page":698},{"text":"فإنه يدل على أن الزنا على الرجم، فلذلك قال ابن القاسم في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، وشهد عليه بالإحصان اثنان آخران، فرجم بشهاداتهم، ثم رجعوا جميعًا: أن الدية تجب على شهود الزنا، خلافا لأشهب، فإنه يوجب الدية على الجميع.\nفهذه مراتب الإيماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسلك الثاني: الإجماع</span>\nوهو أن يثبت كون الوصف علة في حكم الأصل بالإجماع.","vol":"1","page":699},{"text":"ومثاله: إذا كان للمرأة أخوان، أحدهما شقيق، فهل يكون أولى بعقد النكاح عليها من الأخ للأب؟ وهذا هو اختيار ابن القاسم أن مزيد القرابة من جهة الأم سبب تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث بالإجماع، فوجب أن يكون كذلك في النكاح بالقياس عليه.\nووجه روايته عن مالك: أن الأم لها مدخل في الإرث، فلذلك كان مزيد القرابة بها مرجحا فيه، ولا مدخل لها في عقد النكاح فلا يكون مزيد القرابة بها مرجحا في النكاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسلك الثالث: المناسبة</span>\nوهو أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم.","vol":"1","page":700},{"text":"ومثاله: تحريم الخمر، فإن فيه وصفا يناسب أن يحرم لأجله، وهو الإسكار المذهب للعقل، الذي هو مناط التكليف وسبب اقتناء السعادتين: المعاشية والمعادية، ولذلك قال أبو زيد الدبوسي: المناسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول.\nثم المناسب: إما أن ينص الشرع على اعتباره أو لا، والذي نص الشرع على اعتباره ينقسم إلى مؤثر وملائم.\nفالمؤثر هو الذي يكون عينه معتبرًا في عين الحكم،","vol":"1","page":701},{"text":"ومثاله قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾ فإن عين الزنا معتبر في عين الجلد، وهو كثير.\nوالملائم: هو الذي يعتبر عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم.\nومثال الأول: قول الحنفية في الثيب الصغيرة: إنها تجبر على النكاح، لأن الصغر علة في إقامة الولاية عليها في المال فيكون علة في إقامة الولاية، عليها في النكاح، فإن عين الصغر معتبر في جنس الولاية بالإجماع.","vol":"1","page":702},{"text":"ومثال الثاني: تعليل أصحابنا الجمع بين الصلاتين في الحضر بالمطر للحرج، والمشقة الذي هو علة في الجمع بينهما في السفر، فإن جنس الحرج معتبر في عين الجمع.\nومثال الثالث: تعليل القصاص في الأطراف بالجنابة التي هي معتبرة في القصاص في النفس بالإجماع، فإن جنس الجنابة معتبر في جنس القصاص.\nوأما الذي لم ينص الشرع على اعتباره فينقسم قسمين:\nمنه ما يثبت الحكم على وفقه في صورة من الصور، ويسمى: \"غريبًا\".","vol":"1","page":703},{"text":"ومنه ما لا يثبت الحكم على وفقة في صورة من الصور، ويسمى مرسلا.\nومثال الأول: قياس أصحابنا المبتوتة في المرض في استحقاقها الميراث على القاتل في الحرمان من الميراث بجامع التوصل إلى الغرض الفاسد فيناسب المعاملة بنقيض المقصود، فإن التوصل إلى الغرض الفاسد لم ينص الشرع على اعتباره أصلا، لكن قد رتب الحكم على وفقه في صورة القاتل.\nومثال الثاني: ما انفرد به اللخمي من أصحابنا، وهو طرح بعض","vol":"1","page":704},{"text":"أهل السفن بالقرعة إذا خيف غرق جميعهم، فإن ذلك مناسب، لأن فيها استخلاص بقيتهم، ولم ينص الشرع على اعتباره، ولم يرتب حكما على وفقه في صورة من الصور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسلك الرابع: الدوران</span>\nوهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويعدم عند عدمه، فيعلم أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم.\nومثاله: أن عصير العنب قبل أن يدخله الإسكار ليس بحرام إجماعا، فإذا دخله الإسكار كان حرامًا إجماعًا، فإذا ذهب عنه الإسكار ذهب عنه التحريم، فلما دار التحريم مع الإسكار وجودًا","vol":"1","page":705},{"text":"وعدمًا، علمنا أن الإسكار علة التحريم.\nومن ذلك احتجاج أصحابنا على طهارة عين الكلب والخنزير بقياسهما على الشاة الحامل بجامع الحياة، وبيان أن الحياة علةالطهارة: هو أن الشاة إذا ماتت وفي بطنها جنين حي حكمنا على جميع أجزائها بالنجاسة، وعلى ذلك الجنين بالطهارة، فلما دارت الطهارة مع الحياة وجودا وعدما، علمنا أن الحياة علة الطهارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسلك الخامس: الشبه</span>.\nوهو ان تتردد المسألة بين أصلين مختلفين في الحكم، وهو أقوى شبهًا به.","vol":"1","page":706},{"text":"ومثاله: الوضوء، فإنه دائر بين التيمم وبين إزالة النجاسة، فيشبه التيمم من حيث أن المزال فيه وهو الحدث، حكمي لا حسي، ويشبه إزالة النجاسة في أن المزال فيها حسي لا حكمي لإزالة الماء العين بالطبع بخلاف التراب.\nفالمالكية والشافعية: يوجبون النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بالتيمم، والحنفية لا توجب النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بإزالة النجاسة، ولكل من الفريقين ترجيحات لشبهه، يخرج ذكرها عن المقصود.\nوكذلك أيضًا: احتجاج أصحابنا على ان العبد يملك بأنه دائر","vol":"1","page":707},{"text":"بين الحر والبهيمة، فمن غلب أنه آدمي أشبه الحر، ومن غلب أنه مال أشبه بالبهيمة، فأحد الشبهين يوجب له استحقاق أن يملك، وهو الشبه الآدمي، والآخر يوجب له أن لا يملك، وهو الشبه المالي، لكن الشبه الآدمي أقوي من الشبه المالي، من وجهين:\nأحدهما: أن الشبه الآدمي أصلي، والمالي عارض، والأصلي أولى من العارض.\nوثانيهما: أن الشرع غلب عليه شبه الآدمي في أحد نوعي الملك، فأثبت له ملك النكاح، الذي لا مدخل للبهيمة فيه، فوجب بهما أن يثبت له ملك اليمين لقوة الشبه الموجب له.\nفهذا تمام الكلام في الركن الثاني الذي هو العلة.","vol":"1","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الركن الثالث: \"الفرع</span>\"\nوشروطه أربعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الشرط الأول: أن تكون العلة موجودة في الفرع</span>، لأن المقصود وهو ثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوت علته فيه.\nكما يقيس أصحابنا عظام الميتة على لحمها في النجاسة، فتمنع الحنفية وصف العظام بالموت، فيجيب أصحابنا بأن الحياة تحلها بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾، وما هو محل الحياة فهو محل الموت، فثبت وصف العظام بالموت.","vol":"1","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>الشرط الثاني: أن لا يتقدم حكم الفرع على الأصل</span>، لأنه إن تقدم لزم ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخير الأصل.\nومثاله: قياس أصحابنا الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، والوضوء متقدم على التيمم في المشروعية وفي الفعل، نعم: يكون هذا إلزامًا، فيقول: لو لم تجب النية في الوضوء لما وجبت في التيمم.\nالشرط الثالث: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه بعموم أو","vol":"1","page":710},{"text":"بخصوص.\nومثال العموم: أن يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع: كما إذا قيس التفاح على البر في الربا، واثبت الحكم في الربا بعموم قوله ﷺ: لا تبيعوا الطعام بالطعام، فإن هذا يشمل حكم الفرع فلا يكون الأصل أولى بالأصالة من الفرع.\nومثال الخصوص: قياس أصحاب أبي حنيفة إيجاب الوضوء من القيء والرعاف على سائر الأحداث ثم يبينون حكم الرعاف والقيء بقوله ﷺ: من قاء أو رعف فعليه الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>الشرط الرابع: أن لا يباين موضع الأصل موضع الفرع في الأحكام</span>.\nكقياس البيع على النكاح أو بالعكس، فإن البيع مبني على المكايسة والمشاحة والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة.","vol":"1","page":711},{"text":"فإذا تقرر هذا: فالشافعية يقيسون فساد النكاح إذا انعقد على عبد في الذمة على فساد البيع إذا انعقد على عبد في الذمة غير موصوف، بجامع الجهل بالعوض، فإنه علة الفساد في البيع بالإجماع.\nفيقول أصحابنا: البيع مبني على المشاحة، والمكايسة، فكان الجهل فيه بالعوض مخلا بالمقصود منه، والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة وليس المقصود من الصداق أن يكون مماثلا وعوضا ولذلك سماه الله تعالى: نحلة، فهو كالهبة فلا يضر الجهل به كما لا يضر بالهبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>الركن الرابع: الحكم</span>.\nوفيه مسائل:","vol":"1","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المسألة الأولى: من شرط الحكم أن يكون شرعيًا</span>، لأن القياس دليل شرعي.\nفعلى هذا: لا يجوز القياس في اللغات، وقد اختلف فيه.","vol":"1","page":713},{"text":"ومثاله: تسمية النباش سارقًا بالقياس على أخذ مال الحي خفية، بجامع أخذ المال خفية وكتسمية النبيذ خمرا بالقياس على تسمية عصير العنب خمرا بجامع مخامرة العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الثانية: لا يجوز إثبات الحكم العادي بالقياس</span>\nومثاله: إذا قال أصحابنا في إثبات أن الحامل تحيض بأنه دم عارض فلا ينافي الحمل كدم الاستحاضة، لأن الحيض والاستحاضة دمان متجانبان لا يرى أحدهما إلا من يرى الآخر، ألا ترى أن الصغيرة التي تحيض لا تستحاض، والبائسة من المحيض لا تستحاض، فهذا قياس العادة والعادة قد تختلف فلا يتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الثالثة: ما يطلب فيه القطع، فلا يجوز إثباته بالقياس</span>، لأن القياس لا يفيد","vol":"1","page":714},{"text":"القطع.\nومثاله: قياس أصحاب الشافعي في بسم الله الرحمن الرحيم، أنها من القرآن في كل سورة على سائر أي القرآن بجامع أنها مكتوبة بخط المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة الرابعة: اختلف الأصوليون في نفي الحكم: هل هو شرعي أو لا</span>؟\nفمن رآه حكما شرعيا أجاز إثباته بالقياس، ومن لم يره حكما شرعيا منع من ذلك، والمحققون يجيزون فيه قياس الدلالة ويمنعون من قياس العلة.\nومثاله: قول أصحابنا في الحلي: لا تجب فيه الزكاة قياسا على عبد الخدمة، وثياب المهنة، فيقول المعترض: حكم [الأصل ليس","vol":"1","page":715},{"text":"بشرعي فلا يصح] القياس عليه، وحكم الفرع ليس بشرعي، فلا يجوز إثباته بالقياس.\nفهذا تمام القول في الأركان الأربعة.","vol":"1","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الفصل الثاني: في أقسام قياس الطرد</span>\nاعلم أن الجامع بين الأصل والفرع في قياس الطرد، إما أن يكون جملة ما وقع الاشتراك فيه بين الأصل والفرع، وهو قياس لا فارق، ويسمى قياسًا في معنى الأصل.\nوإما أن يكون بعض ما وقع الاشتراك فيه، وينقسم قسمين:\nإما نفس العلة، ويسمى قياس العلة.\nوإما ما يدل على العلة، ويسمى قياس الدلالة، فهذه ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>القسم الأول: قياس لا فارق</span>.\nوحاصله: بيان إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، والعلة موجودة في","vol":"1","page":717},{"text":"الأصل لثبوت حكمها فيه، فوجب كونها مشتركة سواء كانت جملة المشترك او بعضه.\nومثاله: قول أصحاب أبي حنيفة في المديان: تجب عليه الزكاة قياسًا على غير المديان، وبيان ذلك: أنه لا فارق بين الأصل والفرع إلا الدين الموجود في الفرع بدليل أنه لو عدم منه لانقلب الفرع أصلا ولو وجد في الأصل لانقلب الأصل فرعا، فدل أنه لا فارق بينهما إلا الدين، لكن الدين لا يصلح أن يكون مانعا من الزكاة، إذ لو منع من زكاة العين لمنع من زكاة الحرث والماشية، وإذا ثبت أن الدين غير مانع، ولا فارق غيره وجب الاشتراك في كل ما سواه، وأن العلة الموجودة في الأصل من جملة ما سواه، فوجب الاشتراك فيها.\nمثاله أيضا: إذا استولي الكفار على اموال المسلمين، فالشافعية يقولون: لا يملكونها والحنفية يقولون: إنهم","vol":"1","page":718},{"text":"يملكونها، وعند أصحابنا أن استلاءهم يفيد شبهة الملك لا حقيقته.\nفتقول الشافعية: أجمعنا أن الغاصب لا يملك ما استولى عليه بالعدوان فكذلك الكافر، لا يملك ما استولى عليه، وانه لا فارق بينهما إلا الكفر في الفرع والإسلام في الأصل، لكن الإسلام لا يصلح ان يكون مانعًا من الملك والكفر لا يصلح أن يكون مقتضيا للملك، فوجب انتفاء سبب الملك في حق المسلم الغاصب وفي حق الكافر المستولي بانتفاء الملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>القسم الثاني: قياس العلة</span>، وهو قياس المعني، وقياس الشبه، وقد تقدمت أمثلتهما في مسالك العلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>القسم الثالث: قياس الدلالة</span>.","vol":"1","page":719},{"text":"اعلم أن قياس الدلالة هو الذي لا يجمع فيه بعين العلة، بل بما يدل عليهما مما يلزم من الاشتراك في عين العلة، وهو عند بعض الأصوليين من قبيل الاستدلال، فلنؤخره إليه.","vol":"1","page":720},{"text":"خاتمة\nاعلم أن الاعتراض على القياس: إما بمنع الحكم في الأصل، وإما بمنع وجود الوصف، في الأصل، وإما بمنع كونه علة، [وإما بمعارضته بوصف آخر] في الأصل يصلح أن يكون علة وإما بمنع وجوده في الفرع، وإما بمعارضته بوصف آخر يقتضي نقيض الحكم.\nفهذه ستة اعتراضات.\nوبيان انحصار الاعتراضات فيها: أن من لم الحكم في الأصل ووجود الوصف المدعي كونه علة في الأصل، وكون ذلك الوصف علة بانفراده، وأنه موجود في الفرع، وأنه سالم عن معارض","vol":"1","page":721},{"text":"يقتضي نقيضه في الفرع، فقد سلم القياس، فدل ذلك على أنه لا يقع الاعتراض إلا من أحد هذه الوجوه.","vol":"1","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>الاعتراض الأول: منع الحكم في الأصل</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية وبعض أصحابنا على أن الخنزير يغسل الإناء من لووغه سبعا [فإنه حيوان مستقذر مستعمل للنجاسة فوجب غسل الإناء من ولوغه سبعًا] قياسًا على الكلب.\nفتمنع الحنفية الحكم، وعو غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا","vol":"1","page":723},{"text":"في الأصل، والأصل عند الشافعية وأصحابنا: إثبات الحكم في الأصل بالنص، وهو قوله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الاعتراض الثاني: منع وجود الوصف في الأصل</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على أن الترتيب واجب في الوضوء بقولهم: عبادة يبطلها الحدث فكان الترتيب فيها واجبا قياسًا على الصلاة.\nفتقول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا: لا نسلم وجود الوصوف الذي هو الحدث في الأصل الذي هو الصلاة، لأن الحدث عندنا لا يبطل الصلاة، وإنما يبطل الطهارة، وببطلان الطهارة تبطل الصلاة.","vol":"1","page":724},{"text":"والجواب عند الأولين: إثبات أن الصلاة يبطلها الحدث فإن من لم يجد ماء ولا ترابا إذا صلى وأحدث في أثناء صلاته بطلت صلاته، وليس ثم طهارة يبطلها الحدث.\nوعند الحنفية: أن من سبقه الحدث توضأ وبني على صلاته كما يبني في الرعاف عندنا ولو أحدث مختارا بعد أن سبقه الحدث، وقبل أن يتوضأ بطلت صلاته، ولم يبن عليها فدل ذلك على أن الحدث يبطل الصلاة نفسها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الاعتراض الثالث: منع كون الوصف علة</span>.\nومثاله: احتجاج الحنفية على أن المعتقة تحت الحر لها","vol":"1","page":725},{"text":"الخيار كالمعتقة تحت العبد، فيقول أصحابنا: لا نسلم أن ملكها لنفسها بالعتق وهو العلة في خيارها.\nوالجواب عند الحنفية: النص وهو قوله ﷺ: ملكت نفسك فاختاري، والنص مسلك من مسالك العلة.\nوبالجملة فهذا من أعظم الاعتراضات، وتتفرع منه أسئلة كثيرة، وهي عشرة أوجه، وهي مشروحة في المطولات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الاعتراض الرابع: المعارضة في الأصل</span>\nوهي على قسمين:\nمعارضة بوصف يصلح أن يكون علة مستقلة.","vol":"1","page":726},{"text":"ومعارضة بوصف يصلح أن يكون جزء علة.\nفأما الأول: فمثاله: قول الشافعية في جريان الربا في الفتاح: مطعوم، فوجب أن يكون فيه الربا، قياسًا على البر.\nفيقول أصحابنا: لا نسلم أن الطعم هو العلة، فإن القوت وصف يصلح أن يكون علة مستقلة، وهو غير موجود في التفاح.\nوالجواب عند الشافعية: أن يبينوا كون الطعم علة مستقلة، بقوله ﷺ لا تبيعوا الطعام بالطعام، غير متعرضين للتعميم فيه، بل بما اشتمل عليه النص من الإيماء إلى العلة.\nوأما الثاني: فمثاله: احتجاج أصحابنا في وجوب القتل بالمثقل، بأنه قتل عمد عدوان، فيجب فيه القصاص، قياسًا على القتل بالمحدد.\nفتقول الحنفية: لا نسلم أن القتل العمد العدوان مستقل بالعلة حتى ينضاف إليه كون المقتول به جارحًا.\nوالجواب عند عند أصحابنا: أن القتل العمد العدوان مناسب للحكم","vol":"1","page":727},{"text":"ومفض إلى الحكمة المقصودة منه، وهو الزجر، فوجب أن يكون مستقلا في الاعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الاعتراض الخامس: منع وجود الوصف في الفرع</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الإجازة على الحج عن الميت جائزة، بأن الحج فعل يجوز أن يفعله الغير عن الغير، فجازت فيه الإجازة قياسًا على الخياطة.\nفيقول أصحاب أبي حنيفة: لا نسلم وجود الوصف الذي هو جواز فعله عن الغير في الفرع الذي هو الحج، فإنه لا يجوز عندنا أن يحج عن الغير.\nوالجواب عند اصحابنا: إثبات وجود الوصف في الفرع بما","vol":"1","page":728},{"text":"روي: \"أنه ﷺ سمع أعرابيًا يقول: لبيك اللهم عن شبرمة، فقال ﷺ، أحججت عن نفسك، قال: لا قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الاعتراض السادس: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية على أن المديان تجب عليه","vol":"1","page":729},{"text":"الزكاة بالقياس على غير المديان بجامع ملك النصاب.\nفيقول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: عارضنا في الفرع معارض وهو الدين، فوجب أن لا يثبت الحكم الذي هو وجوب الزكاة، لأجل تعلق حق الغرماء بالمال.\nوالجواب عند أصحاب الشافعي: أن الدين لا يصلح أن يكون معارضًا لأنه متعلق بالذمة لا بعين المال، بدليل أنه لو هلك المال بسببه أو بغير سببه لم يسقط الدين، وأما الزكاة فهي متعلقة بعين المال لا بالذمة، بدليل: أنه لو هلك المال بغير سببه لسقطت الزكاة.\nفهذا تمام الكلام في قياس الطرد.","vol":"1","page":730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>الباب الثاني: في قياس العكس</span>\nاعلم أن قياس العكس هو: إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لافتراقهما في العلة.\nولنصرب له أمثلة ليستبين بها:\nالمثال الأول: احتجاج أصحابنا على أن [الوضوء لا يجب من كثرة القيء، فإنه لما لم يجب الوضء من قليله لم يجب من] كثرة، عكسه، البول، لما وجب الوضوء من قليله وجب من كثيره.","vol":"1","page":731},{"text":"وذلك: أن أصحابنا يذهبون إلى سقوط الوضوء من كثير القيء، والحنفية يذهبون إلى وجوب الوضوء من كثيره فيقيس أصحابنا كثير القيء على كثير البول في الافتراق في الحكم، ويستدلون على افتراقهما في الحكم بافتراقهما في العلة، فإذا نوزعوا في افتراقهما في العلة، احتجوا عليه بافتراقهما في الحكم عند العلة، إذ قد اتفق الفريقان على سقوط الوضوء من قليل القيء ووجوبه من قليل البول.\nوقد يحتج الحنفية على الشافعية بمثل هذا الدليل في أن النوم لا يوجب الوضوء خلافا للشافعية، فإنه عندهم حدث بنفسه على بعض الطرق، ومظنة للحدث على طريقة أخرى.\nفتقول الحنفية على الطريقة الأولى: لما لم يجب الوضوء من قليل النوم لم يجب من كثيره، عكسه البول، لما وجب من قليله وجب من كثيره.\nالمثال الثاني: احتجاج أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة على أن الصوم شرط في صحة الاعتكاف، بقولهم: لما وجب الصوم عليه إذا نذر أن","vol":"1","page":732},{"text":"يعتكف صائمًا، وجب عليه الصوم إذا لم ينذر عكسه الصلاة: لما لم تجب عليه إذا نذر، لم تجب عليه إذا لم ينذر، وتقريره كالأول.\nالمثال الثالث: احتجاج الحنفية على عدم وجوب القصاص على القاتل بالمثقل، بقولهم: لما لم يجب القصاص من صغير المثقل لم يجب من كبرة عكسه المحدد: لما وجب من صغيره وجب من كبيره، وتقريره كما سبق.\nولنقتنع بهذا القدر من البيان في هذا المختصر.","vol":"1","page":733},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الباب الثالث: في الاستدلال</span>\nاعلم أن الاستدلال قد يكون بطريق التلازم بين الحكمين، وقد يكون بطريق التنافي بينهما.\nفإن كان بطريق التلازم فهو ثلاثة أقسام.\nاستدلال بالمعلوم على العلة.\nواستدلال بالعلة على المعلول.\nواستدلال بأحد المعلولين على الآخر.\nوإن كان بطريق التنافي فهو ثلاثة أقسام أيضا:\nتناف بين حكمين وجودا وعدما\nوتناف بينهما وجودا فقط.\nوتناف بينهما عدما فقط.\nفجميع أقسام الاستدلال ستة.","vol":"1","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>القسم الأول: الاستدلال بالمعلول على العلة</span>\nومثاله: استدلال أصحابنا على: أن الوتر يجوز أن يؤدي على الراحلة، وما يجوز أن يؤدي على الراحلة فهو نفل، فالوتر نفل.\nوذلك أن جواز الأداء على الراحلة أثر من آثار التنفل، ومعلول من معلولاته، ولذلك لا تؤدي الفرائض على الراحلة، فإذا ذكر هذا الاستدلال أصلا كركعتي الفجر مثلا، لكان قياسًا للدلالة.\nومثاله أيضا: احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي على أن المكاتب لا","vol":"1","page":735},{"text":"يجزئ عتقه في الكفارة، بأن عتق المكاتب واقع على غير جهة الكفارة، [وكل عتق وقع على غير جهة الكفارة، فلا يجزيء عن الكفارة.\nوإنما قلنا إنه وقع على غير جهة الكفارة]، لأنه واقع على جهة الكتابة، لأنه لا يمتنع الإيلاد والكسب منه، لوجود أثر الكتابة، وذلك خاصة العقد الذي التزمه، فإذا قضى بالاعتاق، فحق العبد الملتزم لم يزل مرتهنا بالواجب الشرعي.\nواعلم أنه كما يستدل بوجود أثر الشيء على وجوده، فكذلك يستدل بعدم أثر الشيء على عدمه.\nومثاله: احتجاج الشافعية ومن يوافقهم من أصحابنا على: أن بيع","vol":"1","page":736},{"text":"الفضولي لا يصح، بأنه لما لم يفد الملك لم ينعقد، لأن ثمرة العقد وأثره إنما هو الملك، فإن الأسباب الحكمية لا تراد لنفسها وإنما تراه لأحكامها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>القسم الثاني: الاستدلال بالعلة على المعلول</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الغائب صحيح، لأنه حلال، عملا بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وإذا كان حلالا وجب أن يكون صحيحا، لأن الحل علة الصحة.\nومنه احتجاج الشافعية وبعض أصحابنا على: أن منافع المغصوب مضمونة للمغصوب منه، بأن يقولوا: إن المنافع مملوكة","vol":"1","page":737},{"text":"للمغصوب منه، لأنها تبع للمغضوب في الملك إجماعا، وإذا كانت مملوكة للمغضوب منه وجب أن تكون مضمونة له.\nواعلم أنه كما يستدل بالعلة على المعلول، فقد يستدل بعدم العلة على عدم المعلول.\nومثاله: احتجاج الشافعية على أن المقر له بالمال إذا لم يثبت لا يستق شيئا، لأنه إذا لم يثبت الاستلحاق الذي هو النسب، فلا يثبت الاستحقاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>القسم الثالث: الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر</span>\nاعلم أن أحد المعلولين - وهو المعلول المستدل عليه - لابد وأن يكون شرعيًا، وأما المعلول المستدل به فقد يكون شرعياـ، وقد يكون حقيقا.\nأما الحقيقي فمثاله: احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي على نجاسة","vol":"1","page":738},{"text":"العظم بعد الموت بأن العظم جزء من الحي يتألم الحي بإبانته، وكل جزء يتألم الي بإبانته فإنه نجس بعد الموت، فالعظم نجس بعد الموت.\nوبيان ذلك أن الحياة علة في التألم حقيقة، وفي النجاسة بعد الموت شرعا.\nوأما الشرعي فمثاله: احتجاج الشافعية على وجوب الزكاة على المديان في العين، بوجوبها عليه في الحرث والماشية، إذ هما معا معلولان لعلة واحدة، وهو الغنى بملك النصاب، والمعلولان معا شرعيان.\nومنه: احتجاج أصحابنا على ان المكره على القتل يقتل، بأن المكره على القتل يحر عليه القتل ويعصي به إجماعا، وكون القتل معصية، ووجوب القصاص به معلولان معا لعلة واحدة، وهي أهلية القاتل للخطاب.","vol":"1","page":739},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>القسم الرابع: التنافي بين الحكمين وجودا وعدما</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على أن المديان لا تجب عليه الزكاة، بأن أخذه للزكاة وأعطاه إياها متنافيان وجودا وعدما.\nوبيان ذلك: أنه إما أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرًا، وعلى كلا التقديرين يلزم أحد الحكمين وعدم الآخر.\nأما إن كان غنيا فيلزم وجوب إعطائه الزكاة، وحرمة أخذها عليه، وأما إن كان فقيرًا فيلزم إباحة أخذه للزكاة وسقوطها عنه، وإذا ثبت التنافي بين الحكمين وجودا وعدما، وقد ثبت أحدها وهو جواز أخذه للزكاةإجماعا فوجب عدم الآخر، وهو وجوبها عليه.","vol":"1","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>القسم الخامس: التنافي بين الحكمين وجودًا فقط</span>\nومثاله: احتجاج الشافعية على عدم نجاسة المني، بأن نجاسة المني وجواز الصلاة به متنافيان، لكن الصلاة به جائزة فهو ليس بنجس.\nوإنما كانت الصلاة به جائزة لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه.","vol":"1","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>القسم السادس: التنافي بين الحكمين عدما فقط</span>\nومثاله: احتجاج أصحابنا على طهارة ميتة البحر بعدم تحريم أكلها فإن الطهارة وحرمة الأكل لا يرتفعان، لأن كل ما ليس بطاهر فهو حرام الأكل، وكل ما ليس بحرام الأكل فهو طاهر، لكن ميتة البحر ليست بحرام الأكل، لقوله ﷺ: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.\nفوجب أن تكون ميتة البحر طاهرة.\nفهذا تمام القول في الاستدلال، وبه تم الكلام في الجنس الأول.","vol":"1","page":742},{"text":"الجنس الثاني\nما يتمسك به المستدل\nالمتمضن للدليل\nوله نوعان: الإجماع وقول الصحابي.\nوإنما كانا متضمنين للدليل، لأنه يحرم على الأمة، وعلى الصحابي الحكم في مسألة من المسائل من غير استناد إلى دليل شرعي.\nالنوع الأول\nوفيه مقدمة، وأربع مسائل:","vol":"1","page":743},{"text":"أما المقدمة: فاعلم أن الإجماع حجة عند جمهور العلماء، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ الآية، فمن خالف الإجماع فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، فاندرج في هذا الوعيد، وقد قال ﷺ: لا تجتمع أمتي على خطأ ن ورويت عن النبي ﷺ أحاديث متواترة المعنى","vol":"1","page":744},{"text":"تتضمن عصمة الأمة من الخطأ فيما أجمعوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسألة الأولى: إذا حكم واحد من الصحابة والتابعين بمحضر جماعة</span>، وشاع وذاع ولم ينكر، فقد اختلف في ذلك: هل يعد إجماعا، ويكون حجة أو لا.","vol":"1","page":745},{"text":"فالجمهور: أنه حجة ظاهرة، لا إجماع قطعي.\nومثاله: احتجاج أصحابنا أن المرأة إذا عقد عليها وليان الزوجين، ودخل الثاني منهما ولم يعلم بالأول، فإنها للثاني بقضاء عمر رضي الله تعالى عنه بذلك بمحضر الصحابة ولم ينكروا عليه وبقضاء معاوية ﵁ للحسن بن","vol":"1","page":746},{"text":"علي على ابنه يزيد بذلك بمحضر الصحابة ولم ينكروا، وقال ابن","vol":"1","page":747},{"text":"عبد الحكم: السابق بالعقد أولى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المسألة الثانية: إذا أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على قول، وخالفهم واحد منهم فقد اختلف في ذلك</span>، والأظهر أنه","vol":"1","page":748},{"text":"حجة، لأنه يبعد أن يكون ما تمسك به المخالف النادر أرجح مما تمسك به الجمهور الغالب.\nومثاله: احتجاج أصحابنا على العول في الفرائض بإجماع","vol":"1","page":749},{"text":"الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، على ذلك إلا ابن عباس، وكاحتجاجهم على أن النوم المستغرق بنقض الوضوء، بإجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، إلا أبا موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المسألة الثالثة: إذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول، فقد اختلف في ذلك هل يكون إجماعا وحجة أو لا</span>؟ والأظهر انه إجماع وحجة.","vol":"1","page":750},{"text":"ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع أم الولد لا يجوز، بإجماع التابعين رضوان الله تعالى عليهم على ذلك بعد اختلاف الصحابة فيه.","vol":"1","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الرابعة: إجماع أهل المدينة حجة عند مالك، رحمه الله تعالى، وخالفه في ذلك غيره</span>.\nومثاله: احتجاج أصحابنا بإجماعهم في الآذان، والإقامة، والمد،","vol":"1","page":752},{"text":"والصاع، وغير ذلك من المنقولات المستمرة.\nفهذا تمام الكلام في الإجماع.\nالنوع الثاني: مما يتضمن الدليل قول الصحابي.\nوقد اختلف فيه هل هو حجة أو ليس بحجة، ومن يرى أنه","vol":"1","page":753},{"text":"حجة يحتج على ذلك بقوله ﷺ: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\nومثاله احتجاج أصحابنا على أن من قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فإنما عليه كفارة واحدة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: من ظاهر من أربع نسوة فإنما عليه كفارة واحدة\".","vol":"1","page":754},{"text":"ومذهب أبي حنيفة: أن قول الصحابي إذا خالف القياس كان حجة، لأنه لا مدخل للرأي فيه، فلا يكون إلا بتوقيف، وإذا وافق القياس لم يكن حجة لاحتمال أن يكون برأي.\nومثال ما خالف القياس قول عائشة رضي الله تعالى عنها: أكثر ما يبقى الولد في بطن أمه سنتان، فإن هذا التحديد لا يهتدي إليه بقياس.","vol":"1","page":755},{"text":"ومثال ما وافق القياس، قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأخوان ليسا إخوة، فإن ذلك أمر يؤخذ من قياس اللغة ..\nفهذا تمام الكلام في الجنس الثاني، وبه تم الكتاب.\nوالحمد لله ولي التوفيق والهداية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صلاة متصلة لا إلى نهاية.\nوكان الفراغ من تأليفه إثر صلاة العشاء الآخرة من ليلة الأربعاء","vol":"1","page":756},{"text":"تاسعة وعشرين من جمادى الآخرة من عام أربعة وخمسين وسبعماة.\nانتهى\nثم كان الفراغ من نسخه على يد العبد المستغفر الفقير إلى الله تعالى: أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي، وفقه الله، وغفر له ضحى يوم السبت السابع عشر لشعبان المعظم من عام ثمانية وثمانين وثماني مائة، عرفنا الله خيره وبركته بمنه ويمنه. انتهى.","vol":"1","page":757},{"text":"تم الفراغ - بعون الله وتوفيقه - من تحقيقه إثر صلاة العشاء من ليلة الأربعاء سابعة وعشرين من رجب من عام ثلاثة عشر وأربعمائة بعد الألف ٢٧ رجب ١٤١٣ هـ - ٢٠ جانفي ١٩٩٣ م.","vol":"1","page":758}]}