{"ً":{"ٌ":148084,"ٍ":"الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به\nالمؤلف: د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري\nالناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ\nعدد الصفحات: ٩٥٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2995,"ٕ":4,"ٖ":1770156219,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":5},{"title":"التمهيد","level":1,"page":19},{"title":"تعريف الشعر في اللغة","level":2,"page":19},{"title":"تعريف الشعر في الاصطلاح","level":2,"page":19},{"title":"نشأة الشعر","level":2,"page":21},{"title":"أثر الإسلام في الشعر","level":2,"page":33},{"title":"حكم الشعر","level":2,"page":35},{"title":"حكم الاستشهاد بالشعر في التفسير","level":2,"page":44},{"title":"المسائل التي يستشهد لها","level":2,"page":51},{"title":"الباب الأول: الشعر وموقف السلف من الاستشهاد به في التفسير","level":1,"page":55},{"title":"الفصل الأول: الشاهد الشعري","level":2,"page":56},{"title":"المبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري","level":3,"page":57},{"title":"أولا: التعريف","level":4,"page":57},{"title":"الشاهد لغة","level":5,"page":57},{"title":"الشاهد الشعري اصطلاحا","level":5,"page":58},{"title":"ثانيا: معنى التمثيل، والفرق بين الشاهد والمثال","level":4,"page":60},{"title":"ثالثا: معنى الاحتجاج","level":4,"page":61},{"title":"رابعا: نشأة مصطلح الشاهد","level":4,"page":62},{"title":"المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية","level":3,"page":65},{"title":"١ - الشواهد اللغوية","level":4,"page":67},{"title":"٢ - الشواهد النحوية","level":4,"page":71},{"title":"٣ - الشواهد الصرفية","level":4,"page":75},{"title":"٤ - الشواهد الصوتية","level":4,"page":77},{"title":"٥ - الشواهد البلاغية","level":4,"page":80},{"title":"٦ - الشواهد الأدبية","level":4,"page":84},{"title":"٧ - الشواهد التاريخية","level":4,"page":89},{"title":"٨ - الشواهد المشتركة","level":4,"page":92},{"title":"المبحث الثالث: الشاهد الشعري المحتج به في التفسير","level":3,"page":95},{"title":"أولا - المعيار الزمني","level":4,"page":95},{"title":"ثانيا - المعيار المكاني","level":4,"page":105},{"title":"ثالثا - المعيار القبلي","level":4,"page":110},{"title":"المبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري عند المفسرين.","level":3,"page":115},{"title":"القسم الأول: العيوب المسقطة للشاهد الشعري","level":4,"page":116},{"title":"- الطعن في الشاهد الشعري بالوضع أو الصنعة","level":5,"page":116},{"title":"أولا: ما اعترف واضعه بوضعه","level":6,"page":118},{"title":"ثانيا: ما نص أحد العلماء على وضعه","level":6,"page":121},{"title":"ثالثا: ما احتمل الوضع لسبب ما","level":6,"page":124},{"title":"القسم الثاني: العيوب المضعفة للشاهد الشعري","level":4,"page":126},{"title":"١ - رد الشاهد لكونه موضع ضرورة شعرية","level":5,"page":126},{"title":"٢ - كثرة الشذوذ في الشعر","level":5,"page":133},{"title":"٣ - تعدد رواية الشاهد الشعري","level":5,"page":139},{"title":"٤ - جهالة قائل الشاهد الشعري","level":5,"page":142},{"title":"٥ - انفراد الشاهد الشعري أو بعضه عن القصيدة","level":5,"page":149},{"title":"٦ - اضطراب الوزن وعدم وضوح المقصود","level":5,"page":150},{"title":"المبحث الخامس: مصادر الشعر المحتج به","level":3,"page":152},{"title":"أولا: المصادر المباشرة","level":4,"page":156},{"title":"ثانيا: المصادر غير المباشرة","level":4,"page":159},{"title":"أولا: الأخذ عن الرواة والعلماء","level":5,"page":159},{"title":"مصادر أبي عبيدة في «مجاز القرآن»","level":6,"page":160},{"title":"مصادر الفراء في «معاني القرآن»","level":6,"page":164},{"title":"مصادر ابن قتيبة","level":6,"page":165},{"title":"مصادر الطبري في تفسيره","level":6,"page":165},{"title":"مصادر الزمخشري في تفسيره","level":6,"page":166},{"title":"مصادر ابن عطية والقرطبي","level":6,"page":166},{"title":"ثانيا: العلماء المتقدمون","level":5,"page":166},{"title":"دواوين الشعراء","level":6,"page":166},{"title":"المفضليات","level":6,"page":166},{"title":"الأصمعيات","level":6,"page":167},{"title":"حماسة أبي تمام","level":6,"page":167},{"title":"دواوين القبائل كأشعار الهذليين","level":6,"page":167},{"title":"ثالثا: المفسرون الأوائل الذين أخذوا عن العلماء، وعن الكتب","level":5,"page":169},{"title":"الزمخشري في «الكشاف»","level":6,"page":170},{"title":"ابن عطية في «المحرر الوجيز»","level":6,"page":172},{"title":"المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي.","level":3,"page":186},{"title":"أولا: الاستدلال بالشاهد الشعري على المعنى اللغوي","level":4,"page":193},{"title":"ثانيا: الاستدلال بالشاهد الشعري لبيان أساليب القرآن","level":4,"page":200},{"title":"ثالثا: الاستدلال بالشاهد الشعري للحكم بعربية الألفاظ والأساليب","level":4,"page":204},{"title":"رابعا: الاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات","level":4,"page":206},{"title":"المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن","level":3,"page":211},{"title":"التشكيك في الشعر الجاهلي بين القدماء والمعاصرين","level":4,"page":215},{"title":"أولا: القدماء","level":5,"page":216},{"title":"طرائق المتقدمين في التمحيص والتثبت","level":6,"page":217},{"title":"١ - التنبيه على الرواة الكذابين","level":7,"page":217},{"title":"٢ - التنبيه على من يحمل الشعر المزيف من غير الرواة","level":7,"page":218},{"title":"ثانيا: عند المعاصرين","level":5,"page":220},{"title":"الرد على المشككين في صحة الشعر الجاهلي","level":4,"page":226},{"title":"الفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه","level":2,"page":238},{"title":"المبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير","level":3,"page":239},{"title":"المرحلة الأولى: مرحلة الصحابة والتابعين","level":4,"page":239},{"title":"المرحلة الثانية: مرحلة أتباع التابعين","level":4,"page":239},{"title":"المرحلة الثالثة: مرحلة تدوين اللغة والتفسير","level":4,"page":239},{"title":"تفسير النبي والصحابة","level":5,"page":244},{"title":"أمثلة من تفسير الصحابة واستشهادهم بالشعر","level":5,"page":245},{"title":"المبحث الثاني: مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄","level":3,"page":254},{"title":"مادة المسائل","level":4,"page":255},{"title":"وقت هذه المسائل","level":4,"page":255},{"title":"مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها","level":4,"page":256},{"title":"- المسائل في كتب التفسير وما تعلق به","level":5,"page":256},{"title":"- المسائل في كتب الحديث","level":5,"page":260},{"title":"- المسائل في كتب الأدب","level":5,"page":261},{"title":"- المسائل عند المعاصرين","level":5,"page":263},{"title":"روايات المسائل","level":4,"page":265},{"title":"أولا: نقد الأسانيد","level":5,"page":265},{"title":"ثانيا: نقد متن المسائل","level":5,"page":273},{"title":"مسائل الإمام الطستي","level":6,"page":277},{"title":"منهج عرض المؤلفين والمفسرين للمسائل","level":7,"page":284},{"title":"منهج الاستشهاد في المسائل","level":7,"page":286},{"title":"أثر مسائل نافع بن الأزرق في كتب التفسير","level":7,"page":288},{"title":"المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير","level":3,"page":293},{"title":"أبرز من عني بالاستشهاد بالشعر من التابعين","level":4,"page":297},{"title":"- موقف التابعين من الاستشهاد بالشعر على التفسير","level":4,"page":303},{"title":"أتباع التابعين","level":5,"page":304},{"title":"منهج التابعين في الاستشهاد بالشعر في التفسير","level":4,"page":307},{"title":"الباب الثاني: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر وأثر الشاهد الشعري في التفسير","level":1,"page":312},{"title":"الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر","level":2,"page":313},{"title":"المبحث الأول: منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري","level":3,"page":314},{"title":"أولا: التمهيد للشاهد الشعري","level":4,"page":314},{"title":"أولا: التقدمة المبينة","level":5,"page":315},{"title":"الأولى: أن يكون هذا البيان تاما","level":6,"page":315},{"title":"بيان موضوع الشاهد","level":7,"page":319},{"title":"إبهام نسبة الشاهد المشهور","level":7,"page":321},{"title":"نسبة الشاهد في مواضع دون أخرى","level":7,"page":322},{"title":"تشابه أسماء الشعراء","level":7,"page":323},{"title":"الوهم في نسبة الشاهد","level":7,"page":324},{"title":"الثانية: أن يكون هذا البيان ناقصا","level":6,"page":325},{"title":"النسبة إلى جنس القائل","level":7,"page":326},{"title":"نسبة الشاعر إلى قبيلته","level":7,"page":326},{"title":"الاقتصار على ذكر من أنشد الشاهد من الرواة","level":7,"page":328},{"title":"ثانيا: التقدمة المبهمة","level":5,"page":329},{"title":"ثانيا: الاكتفاء بالشاهد الشعري دليلا","level":4,"page":331},{"title":"صور الاكتفاء بالشاهد الشعري","level":5,"page":333},{"title":"الأولى: ما ورد له شاهد واحد","level":6,"page":333},{"title":"الثانية: ما ورد له شاهدان","level":6,"page":336},{"title":"الثالثة: ما ورد له ثلاثة شواهد فأكثر","level":6,"page":337},{"title":"ثالثا: إيراد الشاهد الشعري مع شواهد أخرى غير شعرية","level":4,"page":343},{"title":"تقديم الشاهد القرآني على غيره","level":5,"page":343},{"title":"تقديم عدد من شواهد القرآن على الشعر","level":5,"page":346},{"title":"تقديم الحديث على الشاهد الشعري","level":5,"page":346},{"title":"تقديم الشاهد الشعري على غيره","level":5,"page":348},{"title":"تقديم أقوال العرب على الشاهد الشعري","level":5,"page":350},{"title":"إيراد الشواهد الشعرية على غير ترتيب","level":5,"page":351},{"title":"١ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد القرآن","level":6,"page":351},{"title":"٢ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من الحديث","level":6,"page":353},{"title":"٣ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من كلام العرب","level":6,"page":355},{"title":"رابعا: إيراد جزء من الشاهد الشعري","level":4,"page":358},{"title":"١ - إيراد شطر البيت","level":5,"page":358},{"title":"٢ - إيراد ما يزيد على الشطر","level":5,"page":359},{"title":"٣ - إيراد جزء من شطر البيت","level":5,"page":360},{"title":"٤ - إيراد جزء من صدر البيت وجزء من عجزه","level":5,"page":363},{"title":"٥ - إيراد جزء من بيت وما يرتبط به من بيت آخر","level":5,"page":364},{"title":"٦ - الاستشهاد بجزء من قصيدة","level":5,"page":364},{"title":"خامسا: العناية بالروايات المختلفة للشاهد الشعري","level":4,"page":366},{"title":"سادسا: نقل الشاهد الشعري عن المتقدمين","level":4,"page":369},{"title":"سابعا: عدم تكرار الشواهد الشعرية","level":4,"page":372},{"title":"ثامنا: مراعاة السياق في إيراد الشاهد الشعري","level":4,"page":375},{"title":"المبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير","level":3,"page":380},{"title":"أولا: اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري","level":4,"page":380},{"title":"أهمية الشاهد","level":5,"page":380},{"title":"حاجة المفسر إلى الشاهد الشعري","level":5,"page":383},{"title":"عناية المفسرين بالشعر وحفظه للاستشهاد","level":5,"page":387},{"title":"عدم الالتفات إلى موضوع الشواهد","level":5,"page":391},{"title":"ثانيا: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير","level":4,"page":395},{"title":"عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير","level":5,"page":395},{"title":"كثرة الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل","level":5,"page":398},{"title":"الأمثلة على انفراد الشعر بالدلالة","level":5,"page":401},{"title":"الاعتماد على الشاهد الشعري بتقديمه على غيره من الشواهد","level":5,"page":402},{"title":"استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري","level":5,"page":404},{"title":"مدى اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الطبري","level":6,"page":406},{"title":"أولا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة","level":7,"page":407},{"title":"ثانيا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في المسائل النحوية","level":7,"page":411},{"title":"ثالثا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في شرحه لنظم الآية","level":7,"page":413},{"title":"رابعا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في إيضاح بلاغة الآيات","level":7,"page":414},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير الزمخشري","level":6,"page":416},{"title":"أولا: اعتماد الشاهد الشعري في الاستشهاد للمعنى","level":7,"page":416},{"title":"ثانيا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة","level":7,"page":418},{"title":"ثالثا: اعتماد الشاهد الشعري في توجيه الآية نحويا","level":7,"page":419},{"title":"رابعا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن","level":7,"page":419},{"title":"خامسا: اعتماد الشاهد الشعري في توضيح اشتقاق الألفاظ","level":7,"page":420},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير المحرر الوجيز","level":6,"page":421},{"title":"أولا: اعتماد الشاهد الشعري في النحو والإعراب","level":7,"page":422},{"title":"ثانيا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن","level":7,"page":424},{"title":"ثالثا: اعتماد الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل","level":7,"page":424},{"title":"رابعا: اعتماد الشاهد الشعري في شرح الغريب","level":7,"page":425},{"title":"خامسا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف","level":7,"page":427},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير القرطبي","level":6,"page":428},{"title":"أولا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الغريب","level":7,"page":428},{"title":"ثانيا: اعتماد الشاهد الشعري في تأصيل القواعد النحوية","level":7,"page":430},{"title":"ثالثا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف","level":7,"page":431},{"title":"رابعا: اعتماد الشاهد الشعري في إعراب الآيات","level":7,"page":432},{"title":"خامسا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة الآيات","level":7,"page":433},{"title":"شعراء شواهد التفسير","level":5,"page":434},{"title":"قبائل شعراء الشواهد عند المفسرين","level":5,"page":448},{"title":"المبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى.","level":3,"page":452},{"title":"أسباب الحاجة إلى شرح الشاهد الشعري","level":4,"page":454},{"title":"أولا: غرابة الألفاظ","level":5,"page":454},{"title":"ثانيا: غرابة التركيب","level":5,"page":456},{"title":"انفراد الشاهد الشعري عند الاستشهاد به عن بقية أبيات القصيدة","level":6,"page":457},{"title":"الجهل بموضوع الشاهد ومناسبته","level":6,"page":460},{"title":"خفاء معنى كثير من لغة العرب لموت أهلها","level":6,"page":462},{"title":"منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى","level":6,"page":462},{"title":"أولا: شرح المفردات","level":7,"page":464},{"title":"١ - شرح المفردات الغامضة","level":8,"page":465},{"title":"٢ - بيان اشتقاق المفردة","level":8,"page":472},{"title":"٣ - العناية باختلاف روايات الشاهد وشرح مفرداتها","level":8,"page":473},{"title":"ثانيا: شرح التراكيب","level":7,"page":475},{"title":"الأولى: الاكتفاء بذكر الشاهد","level":8,"page":475},{"title":"أولا - ما يعرف معناه من مبناه وسياقه","level":9,"page":476},{"title":"ثانيا- ما لا يعرف معناه من ظاهر ألفاظه وتركيبه","level":9,"page":478},{"title":"الثانية: تحليل تركيب الشاهد وشرحه وبيان علاقة معناه بالآية","level":8,"page":479},{"title":"أثر الإعراب في معنى الشاهد","level":9,"page":483},{"title":"ذكر الأبيات المرتبطة بالشاهد","level":9,"page":483},{"title":"تعيين موضع الشاهد من القصيدة","level":9,"page":484},{"title":"ثالثا: حول الشاهد","level":7,"page":488},{"title":"ذكر أخبار قائل الشاهد","level":8,"page":488},{"title":"تحديد موضوع الشاهد الشعري","level":8,"page":489},{"title":"ذكر الأخبار حول الشاهد","level":8,"page":490},{"title":"سمات شرح الشاهد الشعري عند المفسرين","level":4,"page":492},{"title":"أولا - شرح الشاهد قبل إيراده","level":5,"page":492},{"title":"ثانيا - شرح الشواهد الفرعية","level":5,"page":493},{"title":"ثالثا - شرح الشاهد الأول وإغفال ما بعده","level":5,"page":494},{"title":"رابعا - التكرار للشرح","level":5,"page":496},{"title":"الاختلاف في شرح الشاهد الشعري","level":4,"page":500},{"title":"أولا: الاختلاف في معنى الشاهد","level":5,"page":500},{"title":"ثانيا: الاختلاف في دلالة الشاهد","level":5,"page":502},{"title":"ثالثا: الاختلاف في وجه الاستشهاد","level":5,"page":504},{"title":"تغليط المفسرين للشعراء","level":4,"page":510},{"title":"الاضطراب في شرح الشاهد الشعري عند المفسر الواحد","level":4,"page":512},{"title":"أنواع شروح الشاهد الشعري","level":5,"page":513},{"title":"أولا: الشرح اللغوي","level":6,"page":513},{"title":"ثانيا: الشرح النحوي","level":6,"page":514},{"title":"ثالثا: الشرح الأدبي","level":6,"page":516},{"title":"رابعا: الشرح البلاغي","level":6,"page":519},{"title":"التأثير المتبادل بين المفسرين وشراح الشعر","level":4,"page":523},{"title":"المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري","level":3,"page":526},{"title":"شروط قبول الشاهد الشعري","level":4,"page":528},{"title":"١ - أن يكون القائل ممن يحتج بشعره","level":5,"page":529},{"title":"٢ - شهرة الشاهد وذيوعه بين العلماء","level":5,"page":529},{"title":"٣ - ثقة رواة الشاهد الشعري","level":5,"page":533},{"title":"٤ - ألا يحتمل الشاهد التأويل","level":5,"page":534},{"title":"منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري","level":4,"page":538},{"title":"الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية","level":5,"page":539},{"title":"١ - نسبة الشاهد لقائله","level":6,"page":539},{"title":"نسبة الشاهد إلى القبيلة إذا تعلق الاستشهاد باللهجة","level":7,"page":543},{"title":"الوهم في توثيق الشاهد","level":7,"page":545},{"title":"٢ - نسبة الشاهد إلى الرواة","level":6,"page":547},{"title":"٣ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين","level":6,"page":549},{"title":"الثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية","level":5,"page":553},{"title":"١ - ضبط رواية الشاهد","level":6,"page":553},{"title":"٢ - رد الرواية المشكوك فيها","level":6,"page":554},{"title":"٣ - إيراد الروايات الأخرى إذا دعت الحاجة","level":6,"page":557},{"title":"انفراد المفسر برواية للشاهد","level":7,"page":559},{"title":"٤ - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف","level":6,"page":562},{"title":"المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين","level":3,"page":565},{"title":"الغرض الأول: الاستشهاد","level":4,"page":566},{"title":"أولا - الاستشهاد اللغوي","level":5,"page":566},{"title":"الاستشهاد لبيان معاني المفردات","level":6,"page":567},{"title":"الاستشهاد للتفريق بين المعاني المشتركة","level":6,"page":573},{"title":"الاستشهاد لبيان اشتقاق المفردات","level":6,"page":576},{"title":"الاستشهاد للصيغة لا للمعنى","level":6,"page":578},{"title":"الاستشهاد لبيان اللغة الفصيحة في اللفظة","level":6,"page":579},{"title":"الاستشهاد لتوجيه القراءة من حيث اللغة","level":6,"page":582},{"title":"الاستشهاد لما يصح لغة لا قراءة","level":6,"page":585},{"title":"الاستشهاد بالشواهد على المعاني الغريبة","level":6,"page":590},{"title":"الاستشهاد لبيان ورود اللفظة في اللغة","level":6,"page":592},{"title":"ثانيا - الاستشهاد النحوي","level":5,"page":594},{"title":"الاستشهاد للقاعدة النحوية أو لما خرج عنها","level":6,"page":595},{"title":"الاستشهاد للتوجيه الإعرابي","level":6,"page":597},{"title":"الاستشهاد للوجه المرجوح","level":6,"page":601},{"title":"ثالثا - الاستشهاد البلاغي","level":5,"page":604},{"title":"الغرض الثاني: التمثل بالشعر","level":4,"page":607},{"title":"الفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب المعاني والغريب","level":2,"page":611},{"title":"المبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب (معاني القرآن) و(غريب القرآن)","level":3,"page":612},{"title":"أولا: كتب معاني القرآن","level":4,"page":613},{"title":"أ - التعريف اللغوي","level":5,"page":613},{"title":"ب - التعريف الاصطلاحي","level":5,"page":614},{"title":"أكثر المفسرين ذكرا لعبارة أهل المعاني","level":6,"page":617},{"title":"المقصود بأهل المعاني عند المفسرين","level":6,"page":618},{"title":"المطبوع من كتب معاني القرآن","level":6,"page":624},{"title":"ثانيا: كتب غريب القرآن","level":4,"page":626},{"title":"أ - التعريف اللغوي","level":5,"page":626},{"title":"ب- دلالة الغريب","level":5,"page":627},{"title":"المطبوع من كتب غريب القرآن","level":6,"page":632},{"title":"ترتيب كتب الغريب","level":6,"page":638},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين كتب (معاني القرآن) وكتب) غريب القرآن)","level":3,"page":640},{"title":"أولا: الترتيب","level":4,"page":640},{"title":"ثانيا: منهج الشرح","level":4,"page":642},{"title":"- أمثلة من عناية أصحاب كتب غريب القرآن ببيان التركيب","level":5,"page":642},{"title":"- أمثلة من عناية أصحاب كتب معاني القرآن ببيان المفردات","level":5,"page":645},{"title":"ثالثا: الاستشهاد بالشعر","level":4,"page":646},{"title":"رابعا: زمن التصنيف","level":4,"page":651},{"title":"المبحث الثالث: منهج أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن في إيراد الشاهد الشعري.","level":3,"page":653},{"title":"أولا: مقدار ما يورد من الشاهد الشعري","level":4,"page":653},{"title":"إيراد البيت تاما","level":5,"page":654},{"title":"إيراد بيتين متتاليين من الشعر","level":5,"page":654},{"title":"إيراد شطر من البيت","level":5,"page":655},{"title":"إيراد موضع الشاهد من البيت","level":5,"page":656},{"title":"ثانيا: موضع إيرادهم للشاهد الشعري","level":4,"page":656},{"title":"ثالثا: منهجهم في عزو الشاهد الشعري","level":4,"page":658},{"title":"رابعا: بيان مناسبة الشاهد الشعري قبل إيراده","level":4,"page":662},{"title":"خامسا: شرحهم للشاهد الشعري","level":4,"page":664},{"title":"المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند مؤلفي كتب معاني القرآن وغريب القرآن","level":3,"page":671},{"title":"أولا: اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري","level":4,"page":671},{"title":"ثانيا: مدى اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري","level":4,"page":679},{"title":"١ - عدد الشواهد الشعرية في كتب معاني القرآن وغريبه","level":5,"page":680},{"title":"٢ - الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل","level":5,"page":681},{"title":"استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري","level":6,"page":687},{"title":"شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه","level":6,"page":688},{"title":"مدى اعتماد الشاهد الشعري في مجاز القرآن لأبي عبيدة","level":7,"page":697},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في معاني القرآن للفراء","level":7,"page":697},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة","level":7,"page":698},{"title":"مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في غريب القرآن لابن قتيبة","level":7,"page":699},{"title":"قبائل شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه","level":6,"page":700},{"title":"المبحث الخامس: منهج أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن في توثيق الشاهد الشعري","level":3,"page":704},{"title":"القسم الأول: توثيق الرواية","level":4,"page":705},{"title":"١ - نسبة الشاهد إلى قائله","level":5,"page":705},{"title":"منهج أصحاب كتب الغريب والمعاني في نسبة الشاهد الشعري لقائله","level":6,"page":711},{"title":"٢ - نسبة الشاهد إلى القبيلة","level":5,"page":715},{"title":"٣ - نسبة الشاهد لمن أنشده من العلماء والرواة","level":5,"page":717},{"title":"٤ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين","level":5,"page":719},{"title":"القسم الثاني: توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية","level":4,"page":719},{"title":"١ - عنايتهم برواية الشاهد الشعري والانفراد بالرواية","level":5,"page":720},{"title":"٢ - ردهم للشواهد المصنوعة","level":5,"page":721},{"title":"المبحث السادس: الفرق بين منهج أهل المعاني والغريب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري في التفسير","level":3,"page":723},{"title":"أولا: التقدم الزمني لكتب الغريب والمعاني","level":4,"page":727},{"title":"ثانيا: رواية أصحاب الغريب والمعاني للشعر عن العرب","level":4,"page":729},{"title":"ثالثا: الشواهد الشعرية في كتب التفسير أكثر منها في كتب الغريب والمعاني","level":4,"page":729},{"title":"المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن","level":3,"page":730},{"title":"الغرض الأول: الاستشهاد","level":4,"page":730},{"title":"أولا: الاستشهاد اللغوي","level":5,"page":731},{"title":"الاستشهاد لإيضاح غريب التفسير لا غريب القرآن","level":6,"page":734},{"title":"ثانيا: الاستشهاد النحوي","level":5,"page":738},{"title":"ثالثا: الاستشهاد البلاغي","level":5,"page":743},{"title":"أولا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الغريب","level":6,"page":745},{"title":"ثانيا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب المعاني","level":6,"page":747},{"title":"الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير","level":2,"page":751},{"title":"المبحث الأول: أثر الشاهد الشعري في إيضاح وبيان المعنى في التفسير.","level":3,"page":752},{"title":"أولا: بيان معاني المفردات القرآنية","level":4,"page":753},{"title":"ثانيا: بيان معاني التراكيب القرآنية","level":4,"page":753},{"title":"للمفسرين في إيضاح المعاني التي وردت في القرآن الكريم بالشاهد الشعري طرق متنوعة","level":5,"page":754},{"title":"الأولى: موازنة المعنى الذي تدل عليه الآيات القرآنية بالمعنى الذي يدل عليه الشاهد","level":6,"page":754},{"title":"الثانية: إيضاح الآية بذكر الشاهد مباشرة","level":6,"page":756},{"title":"المبحث الثاني: أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها في كتب التفسير.","level":3,"page":760},{"title":"أثر الشاهد الشعري في كتب الاحتجاج للقراءات","level":4,"page":769},{"title":"أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير","level":4,"page":775},{"title":"أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث اللغة","level":4,"page":777},{"title":"أولا: أثر الشاهد الشعري في تصحيح القراءة المتواترة لغة","level":5,"page":777},{"title":"ثانيا: بيان المعنى اللغوي للقراءة","level":5,"page":778},{"title":"ثالثا: أثر الشاهد الشعري في بيان ما وافق لهجات العرب من القراءة","level":5,"page":780},{"title":"أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات الشاذة من حيث اللغة","level":4,"page":782},{"title":"أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث الإعراب","level":4,"page":784},{"title":"أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة المتواترة","level":5,"page":785},{"title":"أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة الشاذة","level":5,"page":787},{"title":"المبحث الثالث: أثر الشاهد الشعري في الجانب العقدي عند المفسرين","level":3,"page":793},{"title":"١ - استواء الله على عرشه","level":4,"page":799},{"title":"٢ - صفة اليد","level":4,"page":808},{"title":"٣ - صفة الكرسي","level":4,"page":810},{"title":"المبحث الرابع: أثر الشاهد الشعري في الجانب الفقهي عند المفسرين.","level":3,"page":813},{"title":"المبحث الخامس: أثر الشاهد الشعري في الترجيح بين الأقوال في التفسير.","level":3,"page":822},{"title":"أولا: الترجيح بين الأقوال في تفسير اللفظة القرآنية","level":4,"page":823},{"title":"ثانيا: الترجيح بين الأساليب","level":4,"page":829},{"title":"ثالثا: الترجيح بين القراءات، واختيار إحداها","level":4,"page":832},{"title":"المبحث السادس: أثر الشاهد الشعري في بيان الأساليب القرآنية.","level":3,"page":837},{"title":"المبحث السابع: أثر الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل في كتب التفسير","level":3,"page":854},{"title":"المبحث الثامن: أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها","level":3,"page":870},{"title":"المبحث التاسع: أثر الشاهد الشعري في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات","level":3,"page":879},{"title":"المبحث العاشر: أثر الشاهد الشعري في معرفة الأماكن في كتب التفسير","level":3,"page":888},{"title":"المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم","level":3,"page":892},{"title":"خاتمة البحث","level":1,"page":902},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":907}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644,"1,647":645,"1,648":646,"1,649":647,"1,650":648,"1,651":649,"1,652":650,"1,653":651,"1,654":652,"1,655":653,"1,656":654,"1,657":655,"1,658":656,"1,659":657,"1,660":658,"1,661":659,"1,662":660,"1,663":661,"1,664":662,"1,665":663,"1,666":664,"1,667":665,"1,668":666,"1,669":667,"1,670":668,"1,671":669,"1,672":670,"1,673":671,"1,674":672,"1,675":673,"1,676":674,"1,677":675,"1,678":676,"1,679":677,"1,680":678,"1,681":679,"1,682":680,"1,683":681,"1,684":682,"1,685":683,"1,686":684,"1,687":685,"1,688":686,"1,689":687,"1,690":688,"1,691":689,"1,692":690,"1,693":691,"1,694":692,"1,695":693,"1,696":694,"1,697":695,"1,698":696,"1,699":697,"1,700":698,"1,701":699,"1,702":700,"1,703":701,"1,704":702,"1,705":703,"1,706":704,"1,707":705,"1,708":706,"1,709":707,"1,710":708,"1,711":709,"1,712":710,"1,713":711,"1,714":712,"1,715":713,"1,716":714,"1,717":715,"1,718":716,"1,719":717,"1,720":718,"1,721":719,"1,722":720,"1,723":721,"1,724":722,"1,725":723,"1,726":724,"1,727":725,"1,728":726,"1,729":727,"1,730":728,"1,731":729,"1,732":730,"1,733":731,"1,734":732,"1,735":733,"1,736":734,"1,737":735,"1,738":736,"1,739":737,"1,740":738,"1,741":739,"1,742":740,"1,743":741,"1,744":742,"1,745":743,"1,746":744,"1,747":745,"1,748":746,"1,749":747,"1,750":748,"1,751":749,"1,752":750,"1,753":751,"1,754":752,"1,755":753,"1,756":754,"1,757":755,"1,758":756,"1,759":757,"1,760":758,"1,761":759,"1,762":760,"1,763":761,"1,764":762,"1,765":763,"1,766":764,"1,767":765,"1,768":766,"1,769":767,"1,770":768,"1,771":769,"1,772":770,"1,773":771,"1,774":772,"1,775":773,"1,776":774,"1,777":775,"1,778":776,"1,779":777,"1,780":778,"1,781":779,"1,782":780,"1,783":781,"1,784":782,"1,785":783,"1,786":784,"1,787":785,"1,788":786,"1,789":787,"1,790":788,"1,791":789,"1,792":790,"1,793":791,"1,794":792,"1,795":793,"1,796":794,"1,797":795,"1,798":796,"1,799":797,"1,800":798,"1,801":799,"1,802":800,"1,803":801,"1,804":802,"1,805":803,"1,806":804,"1,807":805,"1,808":806,"1,809":807,"1,810":808,"1,811":809,"1,812":810,"1,813":811,"1,814":812,"1,815":813,"1,816":814,"1,817":815,"1,818":816,"1,819":817,"1,820":818,"1,821":819,"1,822":820,"1,823":821,"1,824":822,"1,825":823,"1,826":824,"1,827":825,"1,828":826,"1,829":827,"1,830":828,"1,831":829,"1,832":830,"1,833":831,"1,834":832,"1,835":833,"1,836":834,"1,837":835,"1,838":836,"1,839":837,"1,840":838,"1,841":839,"1,842":840,"1,843":841,"1,844":842,"1,845":843,"1,846":844,"1,847":845,"1,848":846,"1,849":847,"1,850":848,"1,851":849,"1,852":850,"1,853":851,"1,854":852,"1,855":853,"1,856":854,"1,857":855,"1,858":856,"1,859":857,"1,860":858,"1,861":859,"1,862":860,"1,863":861,"1,864":862,"1,865":863,"1,866":864,"1,867":865,"1,868":866,"1,869":867,"1,870":868,"1,871":869,"1,872":870,"1,873":871,"1,874":872,"1,875":873,"1,876":874,"1,877":875,"1,878":876,"1,879":877,"1,880":878,"1,881":879,"1,882":880,"1,883":881,"1,884":882,"1,885":883,"1,886":884,"1,887":885,"1,888":886,"1,889":887,"1,890":888,"1,891":889,"1,892":890,"1,893":891,"1,894":892,"1,895":893,"1,896":894,"1,897":895,"1,898":896,"1,899":897,"1,900":898,"1,901":899,"1,902":900,"1,903":901,"1,905":902,"1,906":903,"1,907":904,"1,908":905,"1,909":906,"1,911":907,"1,912":908,"1,913":909,"1,914":910,"1,915":911,"1,916":912,"1,917":913,"1,918":914,"1,919":915,"1,920":916,"1,921":917,"1,922":918,"1,923":919,"1,924":920,"1,925":921,"1,926":922,"1,927":923,"1,928":924,"1,929":925,"1,930":926,"1,931":927,"1,932":928,"1,933":929,"1,934":930,"1,935":931,"1,936":932,"1,937":933,"1,938":934,"1,939":935,"1,940":936,"1,941":937,"1,942":938,"1,943":939,"1,944":940,"1,945":941,"1,946":942,"1,947":943,"1,948":944,"1,949":945,"1,950":946,"1,951":947,"1,952":948,"1,953":949,"1,954":950},"ٜ":{"1":[1,954]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954"],"ٞ":{"5":[1],"19":[2,3,4],"21":[5],"33":[6],"35":[7],"44":[8],"51":[9],"55":[10],"56":[11],"57":[12,13,14],"58":[15],"60":[16],"61":[17],"62":[18],"65":[19],"67":[20],"71":[21],"75":[22],"77":[23],"80":[24],"84":[25],"89":[26],"92":[27],"95":[28,29],"105":[30],"110":[31],"115":[32],"116":[33,34],"118":[35],"121":[36],"124":[37],"126":[38,39],"133":[40],"139":[41],"142":[42],"149":[43],"150":[44],"152":[45],"156":[46],"159":[47,48],"160":[49],"164":[50],"165":[51,52],"166":[53,54,55,56,57],"167":[58,59,60],"169":[61],"170":[62],"172":[63],"186":[64],"193":[65],"200":[66],"204":[67],"206":[68],"211":[69],"215":[70],"216":[71],"217":[72,73],"218":[74],"220":[75],"226":[76],"238":[77],"239":[78,79,80,81],"244":[82],"245":[83],"254":[84],"255":[85,86],"256":[87,88],"260":[89],"261":[90],"263":[91],"265":[92,93],"273":[94],"277":[95],"284":[96],"286":[97],"288":[98],"293":[99],"297":[100],"303":[101],"304":[102],"307":[103],"312":[104],"313":[105],"314":[106,107],"315":[108,109],"319":[110],"321":[111],"322":[112],"323":[113],"324":[114],"325":[115],"326":[116,117],"328":[118],"329":[119],"331":[120],"333":[121,122],"336":[123],"337":[124],"343":[125,126],"346":[127,128],"348":[129],"350":[130],"351":[131,132],"353":[133],"355":[134],"358":[135,136],"359":[137],"360":[138],"363":[139],"364":[140,141],"366":[142],"369":[143],"372":[144],"375":[145],"380":[146,147,148],"383":[149],"387":[150],"391":[151],"395":[152,153],"398":[154],"401":[155],"402":[156],"404":[157],"406":[158],"407":[159],"411":[160],"413":[161],"414":[162],"416":[163,164],"418":[165],"419":[166,167],"420":[168],"421":[169],"422":[170],"424":[171,172],"425":[173],"427":[174],"428":[175,176],"430":[177],"431":[178],"432":[179],"433":[180],"434":[181],"448":[182],"452":[183],"454":[184,185],"456":[186],"457":[187],"460":[188],"462":[189,190],"464":[191],"465":[192],"472":[193],"473":[194],"475":[195,196],"476":[197],"478":[198],"479":[199],"483":[200,201],"484":[202],"488":[203,204],"489":[205],"490":[206],"492":[207,208],"493":[209],"494":[210],"496":[211],"500":[212,213],"502":[214],"504":[215],"510":[216],"512":[217],"513":[218,219],"514":[220],"516":[221],"519":[222],"523":[223],"526":[224],"528":[225],"529":[226,227],"533":[228],"534":[229],"538":[230],"539":[231,232],"543":[233],"545":[234],"547":[235],"549":[236],"553":[237,238],"554":[239],"557":[240],"559":[241],"562":[242],"565":[243],"566":[244,245],"567":[246],"573":[247],"576":[248],"578":[249],"579":[250],"582":[251],"585":[252],"590":[253],"592":[254],"594":[255],"595":[256],"597":[257],"601":[258],"604":[259],"607":[260],"611":[261],"612":[262],"613":[263,264],"614":[265],"617":[266],"618":[267],"624":[268],"626":[269,270],"627":[271],"632":[272],"638":[273],"640":[274,275],"642":[276,277],"645":[278],"646":[279],"651":[280],"653":[281,282],"654":[283,284],"655":[285],"656":[286,287],"658":[288],"662":[289],"664":[290],"671":[291,292],"679":[293],"680":[294],"681":[295],"687":[296],"688":[297],"697":[298,299],"698":[300],"699":[301],"700":[302],"704":[303],"705":[304,305],"711":[306],"715":[307],"717":[308],"719":[309,310],"720":[311],"721":[312],"723":[313],"727":[314],"729":[315,316],"730":[317,318],"731":[319],"734":[320],"738":[321],"743":[322],"745":[323],"747":[324],"751":[325],"752":[326],"753":[327,328],"754":[329,330],"756":[331],"760":[332],"769":[333],"775":[334],"777":[335,336],"778":[337],"780":[338],"782":[339],"784":[340],"785":[341],"787":[342],"793":[343],"799":[344],"808":[345],"810":[346],"813":[347],"822":[348],"823":[349],"829":[350],"832":[351],"837":[352],"854":[353],"870":[354],"879":[355],"888":[356],"892":[357],"902":[358],"907":[359]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الشاهد الشعري\nفي تفسير القرآن الكريم\nأهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به\nتأليف\nد. عبد الرحمن بن معاضة الشهري\nالأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود\nمكتبة دار المنهاج\nللنشر والتوزيع بالرياض","vol":"1","page":1},{"text":"أصل هذا البحث رسالة دكتوراه نوقشت يوم ١٥/ ٨ / ١٤٢٦ هـ.\nبكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،\nومنحت اللجنة البحث تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى\nلجنة المناقشة:\nأ. د. محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع مقررًا\nالأستاذ بقسم القرآن وعلومه والمشرف الرئيس على الرسالة\nأ. د. تركي بن سهو بن نزال العتيبي عضوًا\nالأستاذ بقسم النحو والصرف وعميد البحث العلمي بالجامعة والمشرف المساعد على الرسالة\nأ. د. زاهر بن عواض الألمعي عضوًا\nالأستاذ بقسم القرآن وعلومه\nأ. د. فهد بن عبد الرحمن الرومي عضوًا\nالأستاذ بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض\nأ. د. محمد عبدو فلفل عضوًا\nالأستاذ المشارك بقسم النحو والصرف بكلية اللغة العربية\nبجامعة الإمام","vol":"1","page":2},{"text":"الشاهد الشعري\nفي تفسير القرآن الكريم","vol":"1","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة لدار المنهاج بالرياض\nالطبعة الأولى\nذو القعدة - ١٤٣١ هـ\nمكتبة دار المنهاج\nللنشر والتوزيع\nالمملكة العربية السعودية - الرياض","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقدِّمة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإِنَّ القرآن الكريم بنصِّهِ المُوثَّقِ، وقراءاتهِ المَحفوظةِ، يُعَدُّ المصدرَ الأولَ لدراسةِ اللغةِ بفروعها؛ وذلك لأنَّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصحُ مِمَّا في غير القرآن، غيرَ أَنَّ المُفسِّرينَ رجعوا كثيرًا إلى لغة العرب من شعرٍ ونثرٍ لبيانِ معاني القرآن الكريم، لأَنَّها مِنْ أَهمِّ مصادر التفسيرِ بالرأَي وأَوسَعِها، والمفسرون يشترطون في تلك اللغة التي يُفسَّرُ بِها القرآنُ الاستفاضةَ والشهرةَ؛ لأَنَّ كتابَ الله جلَّ ثناؤه نزلَ بأفصحِ لغات العربِ، وغير جائزٍ توجيهُ شيءٍ منهُ إلى الشاذِّ مِن لغاتِها، ولَهُ في الأفصحِ الأشهرِ معنىً مفهومٌ، ووجهٌ معروفٌ.\nولم تكن تلك اللغةُ المستفيضةُ المشتهرةُ المعروفةُ المَحفوظة سوى اللغة التي عُرفت بتتبعِ شِعْرِ العَربِ، الذي لا يزالُ مَحفوظًا مرويًّا، وهو ديوانُ مفاخرِ العرب، وسجلُّ علومِها وعاداتِها، ولم يكن للعربِ قبلَ الإسلام عِلمٌ أَصحَّ منه، وكان المفسرون من الصحابة ومَنْ بَعدَهم يرجعون في فهم بعض حروف القرآن إلى ذلك الشعر الثابت ليتبينوا منه ما خفي عليهم منها، ولم يكن حرصُ المفسرين على الشِّعر الجاهلي وما","vol":"1","page":5},{"text":"بعده من شعر الاحتجاج ليتفقَّهوا فيه لذاته، وإِنَّما ليَفقَهوا به القرآن والسنَّة قبل ذلك، وكان بعض العلماء مشهورًا بحفظ شواهد الشعر للاستشهاد بها على تفسير القرآن خاصةً.\nوقد كان العلماء في استشهادهم بالشعر في تفسير القرآن مدفوعين إلى ذلك بتوجيهٍ من القرآن الكريم ذاته، وذلك لِمَا كرَّرَ من ذكرِ اللسانِ العربيِّ المبين، واللسانُ العربي هو الشعرُ وكُلُّ ما نَطق به أصحابُ السَّليقةِ في حَواضرِهم وبوادِيهم، وحفظُ القُرآنِ يقتضي حفظَ اللسانِ الذي نَزَلَ بهِ القرآنُ. والله سبحانَهُ لَمَّا وَصَفَ كتابه بأنَّهُ نَزَلَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، لم يكن هذا الوصفُ مَدحًا للقُرآنِ؛ لأَنَّهُ لا يُمدَحُ بأفضلَ مِن أَنَّهُ كلامُ الله، وإِنَّما هو مَدحٌ لهذا اللسانِ العربيِّ، المُتمثِّلِ - في غالبه - في كُلِّ ما نطقَ بهَ أصحابُ السليقةِ من شِعرٍ، وفي القليل منه فيما حُفِظَ مِن نَثر العرب.\nولِما لاعتماد الشواهد الشعرية في كتب التفسير وكتب معاني القرآن وغريبه من أهمية في التفسير اللغوي رغبتُ في دراسة هذا الموضوع بعنوان: «الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم» من حيث أهميتهُ، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به، وأثرهُ في التفسير، ليكون موضوعًا لرسالة الدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن.\n• أهمية الموضوع وأسباب اختياره:\n١ - كثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير، ومعاني القرآن، وغريبه، مما جعلها تُشَكِّلُ ظاهرةً لا يُمكنُ إغفالُ دراستها، بوصفها الشاهد اللغويَّ الذي يورده المفسرون كلما احتاجوا إلى ذلك في التفسير اللغوي، مع اختلاف مناهجهم في ذلك.\n٢ - أنَّ الشاهد الشعريَّ قد وُظِّفَ في مجالاتِ المعرفة المختلفة من لغةٍ","vol":"1","page":6},{"text":"ونحوٍ (١) وتفسيرٍ وقراءات وصرفٍ وتاريخ وبلدان، غير أَنَّ توظيفهُ في تفسير القرآن الكريم، وكتبه، وكتب الدراسات القرآنية عامةً لم يَحظَ - فيما أعلم - بدراسةٍ مفصلةٍ، تستقري مُفرداتِه، والجهود التي بذلت من قبل المفسرين في جَمعِه وترتيبه، ومناهجهم في ذلك، بطريقة وصفيَّة تَحليليةٍ، تَجمع إلى الاستقراء المتتبع، دِقَّةَ التحليل والوصف المطابق لمثل تلك المناهج.\n٢ - حاجة الموضوع في كتب التفسير إلى دراسةٍ تأصيليةٍ، تكشف عن مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر، وأثر الشاهد الشعري في التفسير، والأسباب التي جعلت العلماء يُعْنَون بالشِّعر، ومعرفة ضوابط التعامل مع الشواهد الشعرية في تفسير القرآن الكريم.\n• الدراسات السابقة: هناك بعض الدراسات السابقة، منها:\n_________\n(١) أكثر من عُنِي بالشواهدِ الشعريةِ وشَرْحِها هم النحويون، ومنذ صنَّفَ سيبويه كتابَهُ واستشهد فيه بِما يزيد عن ١٠٥٠ شاهدًا شعريًا اشتغلَ مَن بعده بحفظ هذه الشواهد ونسبتها لقائليها وشرحها. ومن تلك المصنفات:\n١ - شرح أبيات سيبويه لأبي جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ).\n٢ - شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي (ت ٣٨٥ هـ).\n٣ - تحصيل عين الذهب للأَعْلَم الشَّنْتَمَريِّ (ت ٤٧٦ هـ).\n٤ - شرح أبيات سيبويه والمفصل لعفيف الدين الكوفي، فرغ منه عام ٩٦٩ هـ.\n٥ - ومن آخرها دراسة تأصيلية بعنوان «شواهد الشعر في كتاب سيبويه» للدكتور خالد عبدالكريم جمعة.\nوأبرز من عني بشرح شواهد النحو واللغة من المتأخرين هو العلامة اللغوي عبدالقادر بن عمر البغدادي (ت ١٠٩٣ هـ) فقد صنف في شرح الشواهد الشعرية في كتب النحو والصرف كتبًا هي «خزانة الأدب» وهو أوسعها، شرح فيه شواهدَ شرحِ الرَّضيِّ على الكافيةِ في النحو، وكتاب «شرح أبيات مغني اللبيب»، وكتاب «شرح شواهد الشافية» للرضي في الصَّرفِ، و«شرح شواهد التحفة الوردية» في النحو، وغيرها وكلها مطبوعة. انظر: الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه لخديجة الحديثي ٢٣ - ٢٥","vol":"1","page":7},{"text":"أولًا: رسالة ماجستير بعنوان «جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية - في جامع البيان عن تأويل آي القرآن» تقدم بها الباحث محمد المالكي، إلى كلية الآداب بظهر المهراز بالمغرب، طبعت في مطبعة المعارف الجديدة بالدار البيضاء عام ١٩٩٤ م، وهي دراسة أدبية للشواهد الشعرية في تفسير الطبري، تعرَّضت لجهود الطبري من الناحية الأدبية واللغوية في تفسيره.\nثانيًا: كتاب «شواهد أبي حيان في تفسيره» للدكتور صبري إبراهيم السيد، وهو دراسةٌ نحوية لمنهج أبي حيان في تفسيره من خلال الشواهد الشعرية، وقد طُبع الكتاب بدار المعرفة الجامعية بالاسكندرية عام ١٤٠٩ هـ.\nثالثًا: كتاب «الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» للأستاذ الدكتور عبدالعال سالم مكرم، وهو ليس دراسة تأصيليةً للموضوع، وإِنَّما هو جَمع للشواهد الشعرية التي وردت في تفسير القرطبي، وتَخريج لها، مع بيان مواضع الاستشهاد في هذه الشواهد. وقد نشرته دار عالم الكتب في طبعته الأولى عام ١٤١٨ هـ.\nرابعًا: رسالة دكتوراه بعنوان «التفسير اللغوي للقرآن الكريم» للدكتور مساعد بن سليمان الطيار، تقدم بِها لقسم القرآن بكلية أصول الدين بالرياض عام ١٤٢١ هـ، ونشرت عن دار ابن الجوزي عام ١٤٢٢ هـ. وقد أشار فيها للشاهد الشعري وأهميته في عِدَّةِ مواضعٍ، ونَبَّهَ إلى أَهمية بَحث هذا الموضوع بحثًا مستقلًا.\nونظرًا لطبيعة هذه الدراسة، وقصر المدة المقررة، وكثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير فقد قصرتُ دراستي هذه على عددٍ من كتب التفسير وكتبِ غريب القرآن ومعانيه، هي العُمدةُ في هذا الباب، وإِنْ كان غَيْرُها جديرًا بالدراسة، إِلا أَنَّها لا تكاد شواهدها تَخرجُ عما في هذه الكتب، وهذه الكتب هي:","vol":"1","page":8},{"text":"أولًا: «جامع البيان في تأويل آي القرآن» للإمام محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀، حيث اشتمل على أكثر من ألفين ومائتي شاهدٍ شعري، وكان لابن جرير سبقٌ في العناية بالشواهد الشعرية أتى البحث على بيانه وإيضاحه. وقد اعتمدت في هذا البحث طبعتين لهذا التفسير، الأولى التي حققها العالمان الجليلان أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، ومُعظَمُ العملِ فيها لِمَحمود رَحِمهما الله، وأشير إليها في البحث بـ «تفسير الطبري (شاكر)»، وطبعتها دارُ المعارف بالقاهرة وينتهي الجزء السادس عشر منها بتفسير الآية السابعة والعشرين من سورة إبراهيم، والطبعة الثانية التي حققها معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمُحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، وأشير إليها في البحث بـ «تفسير الطبري (هجر)».\nثانيًا: تفسير «الكشاف» للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، وهذا التفسير قد عُنِيَ بالجانب البلاغي وكان له منهجه الخاص في الاستشهاد بالشعر في التفسير، كان مرحلةً جديدةً في فتح الباب للاستشهادِ بشعرِ المُحدَثين من الشعراء، وتَجويزِ ذلك، وسيأتي بسط المسألة.\nثالثًا: «المُحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» للقاضي عبدالحق ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)، وقد اشتمل على ما يزيد عن ألفٍ وتسعمائةِ شاهد شعري، وهو من التفاسير الأصيلة المتقدمة، وكان له عناية بالشاهد الشعري في تفسيره. وقد اعتمدت في البحث على طبعتين، الأولى التي حققها المجلس العلمي بفاس بالمغرب، وصدرت في ستة عشر جزءًا، وعند الإشارة إليها أكتفي بعبارة «المحرر الوجيز». والطبعة الثانية التي حققها السيد عبدالعال السيد إبراهيم وآخرين، وطبعتها وزارة الأوقاف القطرية، وقد أشرت إليها في البحث بـ «المحرر الوجيز (قطر)».\nرابعًا: «الجامع لأحكام القرآن» للإمام القرطبي (ت ٦٧١ هـ)، فقد","vol":"1","page":9},{"text":"قارب عدد شواهده من الشعر خَمسة الآف شاهد، شَملت شواهد اللغة والغريب، والنحو والقراءات والبلاغة والأدب والتاريخ، وهو أوسع كتب التفسير التي درستها إيرادًا للشعر لتأخره واطلاعه على شواهد المتقدمين. وقد اعتمدت في هذا الكتاب على طبعة دار الكتب المصرية الأولى عد الجزء الأول والثالث من الطبعة الثالثة.\nخامسًا: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى البَصري (ت ٢١٠ هـ)، حيث زادت شواهده عن تسعمائةٍ وخَمسين شاهدًا، ويُعدُّ عُمدةً ومصدرًا أصيلًا في شواهد الشعر عند المفسرين وغيرهم، وقد عُنِي العلماءُ بشواهدهِ وشَرحُوها.\nسادسًا: «معاني القرآن» ليحيى بن زكريا الفراء الكوفي (ت ٢٠٧ هـ)، وهو كسابقه من أهم الكتب التي عنيت بالشاهد الشعري في تفسير أساليب القرآن، وفهم معانيه.\nسابعًا: «تفسير غريب القرآن»، و«تأويل مشكل القرآن» كلاهما لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، لوفرة شواهدِهِما، وتقدم وفاة مؤلفهما، واعتماد من جاء بعده من المفسرين على كتبه.\nكما رجعت إلى غير هذه المصادر من كتب التفسير والغريب والمعاني واللغة والنحو وشروح الشواهد والشعر الجاهلي حسب الحاجة، في بعض المسائل لحاجة البحث إلى ذلك، ورغبة في اكتمال الصورة.\n• منهج البحث:\nانتفعتُ في بَحثي بالمنهجِ الوصفيِّ والتحليليِّ معًا في البحث العلمي، مع اللجوءِ للإحصاءِ رغبةً في الحصولِ على نتائجَ دقيقةٍ بقدر الطاقة، خاصةً في دراسة الشعراءِ الذين اعتمدَ عليهم المفسرون في الاستشهاد، والقبائل التي ينتمي إليها شعراءُ الاحتجاجِ، والنسب الإحصائية ذات الدلالة، كما استفدت من المنهج التاريخي في بعض","vol":"1","page":10},{"text":"المسائل التي تطلبت ذلك، فكان المنهجُ التوفيقيُّ الذي يَجمعُ بين مناهجِ البحث العلميِّ المتبعةِ في الدراسات العلميَّةِ المعاصرة هو المنهجَ الذي سِرتُ عليهِ في هذا البحث، وسلكت في كتابة البحث المنهج الآتي:\n- وضعت الآيات بين قوسين للآيات القرآنية هكذا ﴿﴾.\n- عزوت الآيات إلى سورها من القرآن الكريم، وذلك بكتابة اسم السورة ورقم الآية بعدها مباشرة في الحاشية.\n- خرَّجت الأحاديث والآثار التي وردت في البحث من مصادرها المعتمدة من كتب السنة النبوية، فإن كان الحديث أو الأثر مخرجًا في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك وإلا خرجته من الكتب والمصادر الأخرى ونقلت حكم أهل الحديث عليه.\n- جَمعت الأقوال والمسائل التي تتعلق بموضوع البحث من الكتب الأساسية في البحث في بطاقات، وقد زاد عدد هذه البطاقات عن عشرة الآف بطاقة، ثم رتبت هذه البطاقات بحسب موضوعاتها، ووضعتها في مكانها من البحث، ثُمَّ جَمعتُ كل ما استطعت الوصول إليه من معلومات متعلقة بالبحث في كتب التفسير الأخرى، وكتب علوم القرآن، واللغة، والنقد الأدبي، وشروح الشعر الجاهلي، وغيرها، وأخذ مني ذلك وقتًا طويلًا، ولم أكتب خلال ذلك شيئًا في الموضوع غير ما دونته في تلك البطاقات، وكنت كلما أعدت قراءة هذه البطاقات بدا لي جانب من البحث واتضح، فأضطر إلى إعادة قراءة ما كنت كتبته مرات أخرى، ولم أبدأ في الكتابة إلا بعد أن اتضح لي الموضوع اتضاحًا كاملًا، وأرجو أن لا يكون نَدَّ عني شيءٌ ذو بالٍ إِنْ شاء الله، ثُمَّ شَرَعتُ في الكتابة بعد ذلك مُسترشدًا بتوجيهات المشرفَين الكريِمَين وفقهما الله.\n- اعتمدت على المصادر الأصلية في كل مسألةٍ بِحسبها، ما استطعت، فإن لم أجد لجأت إلى المصادر المتأخرة عنها.","vol":"1","page":11},{"text":"- عند الإحالة إلى المرجع أو المصدر في أول موضع أكتفي بذكر عنوان الكتاب إن كان مشهورًا ولا أذكر اسم المؤلف إلا عند الاشتباه، ثُمَّ أُتبعهُ بالجزء والصفحة، وأذكر تفصيلًا كاملًا عن المرجع في ثَبت المراجع والمصادر في نِهاية البحث.\n- نسبت الشواهد الشعرية الواردة في البحث إلى قائليها، إلا ما لم يعرف له قائل، فأكتفي بكتابة: لم أعثر عليه، أو لم أجده، وقد اعتمدت الإحالة إلى ديوان الشاعر الأصلي، أو المجموع، وإلا أحلت إلى المراجع الأدبية المعتمدة التي ذكرت الشاهد، وربما لا أجد من نسب الشاهد قبل المرجع الذي أنقل منه، فأحيل إلى مراجع متأخرة لمن أراد مصدرًا آخر، لا لتوثيقه.\n- ما أنقله بنصه فإني أضعه بين قوسين مزدوجين هكذا «»، وما نقلته بمعناه أكتفي بالإشارة إليه في الحاشية بعد عبارة (انظر:).\n- عرَّفتُ بالأعلام غير المشهورين في الرسالةِ بإيجازٍ، وأحلت إلى مرجع أو مرجعين للاستزادة، وأَتبعتُ اسمَ العَلَمِ في المَتْنِ بذكرِ سنةِ وفاتهِ إِنْ رأيتُ حاجةً لذلك في فهم المسألةِ وتسلسلها التاريخي، وأما الشعراءُ فأَحَلْتُ إلى تَرجَمتِهم في طبقات الشعراء لابن سلَّام، والشعر والشعراء لابن قتيبة، لكونِهما مِنْ أوثقِ المصادر المتقدمة في ترجَمة الشعراء، فإن لم أجد الشاعرَ فيهما، أو في أحدهما أَحلتُ إلى مصادر أخرى.\n- لا أطيل في مناقشة الأمثلة التي أوردها بتحقيق المسائل التي اشتملت عليها مما لا علاقة له بالشاهد الشعري؛ لأن الغرض التمثيل، ورغبة في تركيز البحث في موضوع الشاهد الشعري، دون الاستطراد إلى مسائل أخرى بُحِثَتْ بَحثًا مُستقلًا في دراسات مطبوعة، وأكتفي بالإحالة إلى مواضع بحث هذه المسائل.","vol":"1","page":12},{"text":"- رُبَّما طال القول في بعض مباحث الرسالة، وذلك حين تكون القضية مِمَّا له صلة بجوهر موضوع الرسالة ولا سيما المباحث التمهيدية، فإنَّ الإيجاز يُذهبَ الوضوح المقنع، وقد حرصت على التوسط دون الإطالة.\n- اقتضت طبيعة موضوع الرسالة، وطبيعة الخطة التي التزمتها في البحث تكرار بعض الشواهد، والتقريرات في مواضع متفرقة من الدراسة، ولم يكن بوسعي العدول عن ذلك، مع حرصي على التقليل من ذلك، وجعله في أضيق الحدود، وإن كان المثال المكرر صالحًا للموضعين معًا.\n- لعلَّ من المفيد أن أذكر أنني حين بدأت في دراسة الشاهد الشعري في كتب التفسير لم يكن يدفعني إلا الموضوع نفسه، ولم يكن نصب عيني غاية بذاتها أتوخاها وأرمي إلى إقامة الدليل عليها، غير الغاية المُجرَّدة التي سينتهي إليها البحث الموضوعي وحده، فقد لحظت هذه الظاهرة في كتب التفسير فأردت أن أتتبعها لأرى هل لها من أثر في التفسير أم لا، ولذا فلم يكن من المُحبِط لي أَنَّنِي لم أجد في بعض المباحث أَثرًا كبيرًا للشاهد الشعري في كتب التفسير، بل اعتبرت ذلك نتيجةً مهمةً من نتائج البحث العلمي التي يرمي إليها، فقد يقرأ الباحث كتابًا يستغرق منه الوقت الطويل ثُمَّ لا يَخرجُ منه بشيء يفيده في بحثه.\n• خطة البحث:\nقَسَّمتُ خطةَ البحث بعدَ هذه المقدمةِ التي بينت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، ومنهج البحث، إلى تَمهيدٍ، وبابَيْن وخاتِمة.\nأما التمهيد فهو مدخلٌ عَرَّفتُ فيه الشِّعرَ في اللغة والاصطلاح ثمَّ تَحدثتُ حديثًا مُختصرًا عن نشأة الشعر العربي والأقوال التي قيلت في ذلك، ثم تطرقت بعد ذلك إلى الأثر الذي أحدثه الإسلام في الشعر، ثُمَّ","vol":"1","page":13},{"text":"ختمتُ التمهيدَ ببيان الحكم الشرعي الفقهيِّ في الشِّعرِ، وحكم الاستشهادِ به في تفسير القرآن الكريم وضوابط ذلك. وكانت بقيةُ تفاصيلِ الخطةِ على النحو الآتي:\nالباب الأول: الشعر وموقف علماء السلف من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم. اشتمل على فصلين:\nالفصل الأول: الشاهد الشعري، فيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري.\nالمبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية.\nالمبحث الثالث: الشاهدُ الشعري المُحْتَجُّ به.\nالمبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري.\nالمبحث الخامس: مصادر الشعر المُحتج به.\nالمبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي.\nالمبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي، وخطره على تفسير القرآن.\nالفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه، فيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير.\nالمبحث الثاني: تحقيق مسائل نافع بن الأزرق من حيث ثبوتها وحجيتها.\nالمبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير.\nالباب الثاني: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر وأثر الشاهد الشعري في التفسير. يشتمل على ثلاثة فصول:","vol":"1","page":14},{"text":"الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر، فيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: منهجهم في إيراد الشاهد الشعري.\nالمبحث الثاني: مدى اعتمادهم على الشاهد الشعري في التفسير.\nالمبحث الثالث: منهجهم في شرح الشاهد الشعري ودلالته على المعنى المراد.\nالمبحث الرابع: منهجهم في توثيق الشاهد الشعري.\nالمبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.\nالفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن في الاستشهاد بالشعر، فيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب المعاني وأصحاب كتب الغريب.\nالمبحث الثاني: الفرق بين كتب المعاني وكتب الغريب.\nالمبحث الثالث: منهجهم في إيراد الشاهد الشعري.\nالمبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عندهم.\nالمبحث الخامس: منهجهم في توثيق الشاهد الشعري.\nالمبحث السادس: الفرق بين مناهج أصحاب هذه الكتب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري.\nالمبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عندهم.\nالفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في تفسير القرآن، فيه أحد عشر مبحثًا:","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الأول: أثره في إيضاح المعنى.\nالمبحث الثاني: أثره في توجيه القراءات.\nالمبحث الثالث: أثره في الجانب العَقَديِّ عند المفسرين.\nالمبحث الرابع: أثره في الجانب الفقهي.\nالمبحث الخامس: أثره في الترجيح بين الأقوال.\nالمبحث السادس: أثره في بيان الأساليب القرآنية.\nالمبحث السابع: أثره في نسبة اللغات للقبائل.\nالمبحث الثامن: أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها.\nالمبحث التاسع: أثره في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات.\nالمبحث العاشر: أثره في معرفة الأماكن.\nالمبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم.\nالخاتِمة، لخصت فيها أهمَّ نتائج البحث.\nالفهارس، اشتملت على الفهارس الآتية:\nثبت المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.\n* * *\nوبعدُ، فهذا جهد علمي متواضع، في موضوعٍ فيه قدرٌ من الصعوبةِ لاتصاله بعِلمين من أكبَرِ علومِ الإسلام، وهُما التفسير والعربية، وقد عانيت في بداية البحث من الغموض الشديد الذي أحاط بي، ثُمَّ ما لبث أَنْ تَبدَّدَ شيئًا فشيئًا، بفضل الله - ﷾ - ثُمَّ بتوجيهاتِ المُشرِفَين على هذا","vol":"1","page":16},{"text":"البحث وفقهما الله؛ وذلك لكثرة المسائل التي ينبغي التطرق لها، ودراستها في عدد كبير من المصادر، وتفرقِ جُزئياتِها في كتب كثيرة متباعدة.\nوإِنَّ ما تضمنه هذا البحث، من الجديد في تفسير ظواهر الاستشهاد بالشاهد الشعري في كتب التفسير وتاريخها، والمناهج التي اتبعت في ذلك، والأثر الذي تركته في كتب التفسير، إِنَّما هو حصيلة ما تيسر من معلومات في كتب محددةٍ من كتب التفسير وغريب القرآن ومعانيه، أرجو أن تكون صحيحةً في أكثرها، إلا أَنَّها ليست آخر ما يُمكن قوله في هذا الموضوع، بل هي - كما أرجو لها - فاتحة منهج صحيح - إن شاء الله - في دراسة هذا الأمر في بقية كتب التفسير، ولذا فإني مدين سلفًا لكل من يصحح رأيًا في هذا البحث، أو يقوم خطأ، أو يوضح غامضًا، فإن الأمر يتعلق بكتاب الله العزيز، وإذا كان هذا مطلبًا في سائر البحوث، فإنه في بحث يتصل بالقرآن وتفسيره أولى.\nوأخيرًا فإنِّي أشكرُ اللهَ - ﷾ - الذي أَعانَ ووفَّقَ لإتمامِ هذا البحث على هذا الوجه، وأسأل الله أنْ ينفعَ بِه، وأَن يَجزي كُلَّ مَنْ أسدى إليَّ عَونًا لإنجازهِ خَيْرَ الجزاء في الدنيا والآخرة.\nوأخص بالشكر والتقدير والدعاء الأستاذين الكريِمين المشرفَيْنِ على هذا البحث وهُما أستاذي الكريم الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالرحمن الشايع الأستاذ بقسم القرآن وعلومه بالكلية المشرف على هذه الرسالة، والأستاذ الكريم الدكتور تركي بن سهو العتيبي عميد البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والأستاذ بقسم النحو والصرف وفقهِ اللغة بكلية اللغة العربية المشرف المساعد، اللذين لم يبخلا عليَّ بأَيِّ توجيهٍ وتعليمٍ وتقويمٍ طيلةَ إعدادي لهذا البحثِ، وأسأل الله أن","vol":"1","page":17},{"text":"يجعلَ ما قَدَّماهُ في موازين حسناتهما، وأن يكتب لهما أجزل الأجر والثواب.\nكما أشكر أصحاب الفضيلة الذين تفضلوا بقبول قراءة هذا البحث وتقويِمِه، سائلًا الله تعالى أن يكتب لهم الأجر والثواب على حسن صنيعهم.\nوأختم بشكر شقيقي الدكتور زاهر بن معاضة الشهري الذي كان لي خير أخ ومعين طيلة إعداد هذه الرسالة بدعمه المتواصل، وتشجيعه المستمر، فشكر الله له، وجزاه عني خيرًا.\nوالله الموفق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...\nالمؤلف\n١٥/ ٨/ ١٤٢٦ هـ\namshehri@gmail.com\n* * *","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التَمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>تعريف الشِّعرِ في اللغة</span>.\nالشِّعْرُ في اللغةِ مأخوذٌ من قولهم: شَعَرْتُ بالشيءِ إذا علمتُهُ وفطنتُ لهُ، فاشتقاق لفظة الشِّعْرِ من العلم والإدراك والفطنة. ومنه قولهم: ليت شِعري، أي علمي (١). وفي القرآن الكريم: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (٢)، أي: وما يُدريكم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] (٤) أي: لا يعلمون، ولا يدرون. (٥) وسُمِّي الشاعرُ بذلك لفطنته لِما لا يَفطنُ له غيره من الناس لدقةِ حسِّهِ، ورهافة خاطره (٦).\nوالشعرُ لغةً يشملُ كلَّ علمٍ، ولكنَّه غَلَبَ على منظومِ القول لشرفهِ بالوزن والقافية، وكونه قريضًا محدودًا بعلاماتٍ لا يُجاوزُها (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تعريف الشعر في الاصطلاح</span>.\nعُرِّفَ بتعريفات (٨) من أمثلها أنه الكلام الموزون المُقَفَّى المقصودُ\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٤٢٠، مقاييس اللغة ٣/ ١٩٤، الصحاح ٢/ ٦٩٩، لسان العرب ٧/ ١٣٢ (شعر)\n(٢) الأنعام ١٠٩\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٤٨٤.\n(٤) البقرة ٩.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٧٧، ٢٩١، مقاييس اللغة ٣/ ١٩٣، الصحاح ٢/ ٦٩٨، لسان العرب ٧/ ١٣٣ (شعر)، القاموس المحيط ٥٣٣.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٤٢٠ لسان العرب ٧/ ١٣٢ (شعر).\n(٧) انظر: المصادر السابقة.\n(٨) نقد الشعر ٣، ٧، العمدة في محاسن الشعر ونقده ١/ ١٩٣، مقدمة ابن خلدون ٦٤٧، أبجد العلوم ٤٢٥.","vol":"1","page":19},{"text":"الذي يُصوِّرُ العاطفة (١).\n(فالكلامُ) جنسٌ يدخل فيه كلُّ كلامٍ، من الشعر وغيره.\nو(الوزنُ) يُخرِجُ ما ليس موزونًا من الكلام. والمراد بالوزن ما كان على بُحورِ الشعر العربي التي استخرجها الخليل بن أَحْمد (٢) من شعر العرب وهي خَمسة عشر بحرًا، تدارك الأخفش (٣) على الخليل واحدًا هو البحر السادس عشر وسَمَّاهُ المتدارك (٤).\nو(المقفَّى) هو انتظام الشعر في قافية واحدة، وهي «الساكنان آخر البيت وما بينهما من الحروف المتحركة - إن وجدت - مع المتحرك الذي قبل الساكن الأول» (٥). مثال ذلك، قول امرئ القيس (٦):\nقِفَا نَبْكِ من ذكرى حَبيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بينَ الدخولِ فَحَوْمَلِ (٧)\nفالقافية هي كلمة «حَوْمَلِ». حيث يشكل حرف الواو أقرب حرف ساكن لآخر حرف في البيت، مع ما قبله وهو حرف الحاء هنا.\n_________\n(١) انظر: أصول النقد الأدبي لأحمد الشايب ٢٩٨.\n(٢) هو أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد بن عبدالرحمن الفراهيدي الأزدي البصري، (١٠٠ - ١٧٠ هـ)، له كتاب العين، والعروض، وغيرها، اخترع علم العروض، والمعجم، وهو أستاذ سيبويه في النحو رحمهما الله. انظر: أخبار النحويين البصريين ٥٤، إنباه الرواة ١/ ٣٧٦.\n(٣) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة أوسط ثلاثة كلهم اشتهر بالأخفش، وإذا أطلق الأخفش دون وصف فهو المراد، روى كتاب سيبويه ونشره بين الناس، له كتاب معاني القرآن وغيره، وهو بصري المذهب في النحو. مات قبل سنة ٢١٥ هـ. انظر: إنباه الرواة ٢/ ٣٦، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٠.\n(٤) المعجم المفصل في علم العروض ٣٤٧.\n(٥) العيون في القوافي ٢٣٨، والعروض والقافية لأمين سالم ١٢١.\n(٦) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، يلقب بذي القروح، وهو أشهر شعراء الجاهلية، وأجودهم شعرًا، مات مسمومًا عام ٥٤٠ م. ومن أكثر من احتج المفسرون بشعره. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥١، الشعر والشعراء ١/ ١٠٥.\n(٧) انظر: ديوانه ٥٢.","vol":"1","page":20},{"text":"و(المقصود) يخرج الكلام الموزون الذي لم يقصد به الشعر، كبعض الآيات التي جاءت على بعض الأوزان العروضية كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (١)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٣، ٤] (٢) فإنه كلام موزون مقفى لكنه ليس بشعر لعدم القصد إلى الشعر فيه على اصطلاح الشعراء (٣).\nويخرج كذلك كلام النبي - ﷺ - الموزون لعدم القصد إلى الشعر كذلك، وهكذا كلام غيره.\nولذلك نصَّ التهانوي (٤) على ذلك فعرَّف الشعرَ بأَنَّه «الكلام الموزون المقفى الذي قصد إلى وزنه وتقفيته قصدًا أوليًا» (٥)، فالمعنى عند الشاعر تابعٌ للوزن غالبًا، بِخلافِ غيره، فإِنَّ المعنى هو الأصلُ، والوزنُ يأتي عَرَضًا غَيْرَ مقصود.\nوتقييدُ الشعر بأَنَّهُ يُصوِّرُ العاطفة يُخرجُ النَّظمَ الذي لا يُصوِّرُ العاطفةَ، وإِنَّما يكونُ مقصورًا على نظمِ مسائل العلومِ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>نشأة الشعر:</span>\nلم تكن الجاهليةُ التي سبقت الإسلام مباشرة البدايةَ الأولى لتاريخِ العرب عند كثير من الباحثين، فقد سبقتها جاهلية أو جاهليات قديمةٌ سَمَّاها الله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٧)، وليس هناك تَحديدٌ لزمن تلك الجاهلية أو الجاهليات، وإِنْ كان المفسرون ذهبوا في تَحديدِ زمنها\n_________\n(١) آل عمران ٩٢\n(٢) الشرح ٣ - ٤\n(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٤٢ وما بعدها.\n(٤) هو محمد بن علي بن محمد الفاروقي، التهانوي. من علماء الهند، كان حيًا عام ١١٥٨ هـ. لغوي، مشارك في بعض العلوم. له كتاب كشاف اصطلاحات الفنون. انظر: الأعلام ٧/ ١٨٨، معجم المؤلفين ٣/ ٥٣٧.\n(٥) كشاف اصطلاحات الفنون ١٠٣٠.\n(٦) مثل ألفية ابن مالك في النحو، وألفية العراقي في الحديث، والشاطبية في القراءات وغيرها.\n(٧) الأحزاب ٣٣.","vol":"1","page":21},{"text":"مذاهبَ كثيرةٍ (١). ومع الخلاف في تحديد زمنها، فظاهر الآيات يدل على أَنَّها ليست القرون القليلة التي سبقت الإسلام؛ لأَنَّ الله وصفها بالجاهلية الأولى، والله قد ذكر الجاهلية دون وصف في ثلاث آيات، وهي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] (٤)، فيستدل من ذلك ومن سياق هذه الآيات أَنَّ المقصود بالجاهلية الأخرى الجاهلية القريبة من الإسلام.\nووصفُ الزَّمنِ بالجاهلية بِهذا المعنى من الألفاظِ الإسلامية الحادثة التي طرأت بعد الإسلام للدلالة على زمن الشرك قبل الإسلام. قال الطاهر بن عاشور (٥): «وأحسبُ أَنَّ لفظَ الجاهليةِ من مبتكراتِ القرآن، وصفَ به أهلَ الشركِ تَنفِيْرًا من الجهل، وترغيبًا في العلم، ولذلك يذكرهُ القرآنُ في مقاماتِ الذمِّ ... وقالوا: شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية، ولم يُسْمَعْ ذلكَ كُلُّه إلَّا بعد نزولِ القرآن وفي كلام المسلمين» (٦).\nوالقبائل العربية التي عاشت في الجزيرة امتدادٌ تاريخي لقبائل سبقتها، ذُكِرت في القرآن الكريمِ كعاد وثَمود، وذكرهم المؤرخون مثل قبائل طَسْم (٧)\n_________\n(١) قيل: كانت بيْن آدم ونوح وقُدِّرت بثمانِمائة سنة، وقيل: كانت بيْن نوح وإدريس وقدرت بألف سنة، وقيل: كانت بيْن عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكلُّ ذلك من باب الظن. انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٩٧ - ١٠٠.\n(٢) آل عمران ١٥٤.\n(٣) المائدة ٥٠.\n(٤) الفتح ٢٦.\n(٥) هو الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي (١٢٩٦ - ١٣٩٣ هـ)، مُفسِّرٌ نَحويٌّ فقيهٌ، من كبار العلماء المسلمين المتأخرين، تتسم مصنفاته بالعمق والتحرير، شيخ جامع الزيتونة، ورئيس المفتين المالكية منذ عام ١٩٣٢ م، من أهم مصنفاته تفسيره (التحرير والتنوير). انظر: الأعلام ٦/ ١٧٤، معجم المفسرين ٢/ ٥٤١.\n(٦) التحرير والتنوير ٤/ ١٣٦.\n(٧) قبيلة من العرب العاربة البائدة، كانت مساكنهم اليمامة والبحرين. انظر: معجم قبائل العرب لكحالة ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":22},{"text":"وجَدِيس (١). ووصفهم بالعَربِ البائدةِ، لا يعني الفناء الكاملَ للأفراد، وإِنَّما يعني زوال كيان القبيلة واندثار اسْمها، مع بقاء آحادِ أو ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨] مَجموعات دخلت في القبائل الأخرى الباقية.\nوالله ﷿ وصف عادًا بـ ﴿الْأُولَى﴾ في آيةٍ واحدةٍ في سورة النجم فقال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ [النجم: ٥٠] (٢)، وذكرها في ثلاث وعشرين سورة أخرى دون وصف (٣). وأشار ﷾ إلى قبائل أخرى غيرها فقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨] (٤).\nوهذه القبائلُ سكنت جزيرةَ العرب، فقد أخبر الله تعالى عن موطن قوم هود ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] (٥)، وأشار إلى قوم صالح ﵇، وهم ثَمود، الذين يَقطنون الحِجْرَ (٦)، فسمَّاهم الله أصحابَ الحِجْرِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ [الحجر: ٨٠] (٧)، وسُمِّيت سورتان في القرآن الكريمِ بالحِجْرِ والأحقافِ (٨) إشارةً إلى هذين الموضعين. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦] (٩). وذكرت كتب التاريخ أَنَّ طَسْمًا وجَديسًا وسواهُما كانت في اليمامةِ وفي مواضعَ أُخرى من الجزيرة (١٠).\n_________\n(١) قبيلة من قبائل العرب العاربة البائدة، كانت مساكنهم باليمامة مجاورين لِطَسْم. انظر: الاشتقاق ٥٢٤، المفصل في تاريخ العرب لجواد علي ١/ ٢٩٤.\n(٢) النجم ٥٠.\n(٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لعبدالباقي ٦٢٦ - ٦٢٧.\n(٤) الفرقان ٣٨.\n(٥) الأحقاف ٢١.\n(٦) تقع الحجر بوادي القرى بين المدينة والشام كما في معجم البلدان ٢/ ٢٥٥، وهي اليوم وادٍ شَمال مدينة العُلا، وليست هي مدائن صالح، وإنما هي من مساكن ثمودَ قومِ صالح ﵇، كتب حمد الجاسر بحثًا بعنوان «ليس الحِجْرُ مدائنَ صالح».بمجلة العرب ١٣/ ٣ - ٥ وضح فيه موقع الحجر، وأنه واد لا يزال يعرف باسمه هذا إلى اليوم. انظر: معجم الأمكنة الوارد ذكرها في القرآن الكريم لسعد بن جنيدل ١١٥ - ١٢٦.\n(٧) الحجر ٨٠.\n(٨) تقع الأحقاف بين عُمَان وحضرموت من أرض اليمن، كما في معجم البلدان ١/ ١٤٢، وتعرف الآن بالربع الخالي، جنوب شرق جزيرة العرب. انظر: معجم الأمكنة الوارد ذكرها في القرآن الكريم ١٢.\n(٩) آل عمران ٩٦.\n(١٠) انظر: المفصل في تاريخ العرب لجواد علي ١/ ٢٩٤ وما بعدها.","vol":"1","page":23},{"text":"إِنَّ عرب الجاهلية الأخيرة هم امتداد لمن سبقهم، ومرحلة حديثة من مراحلهم، والقبائل العربية القديمة كانت لها لغتها أو لغاتها ولهجاتها التي لا يعرفُ الكثير عنها، وتلك اللغة تدرجت في مراحل حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة من اللغة العربية التي نُظِمت بِها قصائدُ الشعر الجاهلي، ثُمَّ نزل بِها القرآن الكريم. ولذلك فالعرب قَديِمو الوجود في الجزيرة العربية، وقد سبقوا عرب الجاهليةِ الأَخيرةِ بقرون لا يعرفُ عددُها.\nفالبحث في نشأة الشعر العربي أو أوليته - كالبحث في نشأة العرب أنفسهم، ولغتهم العربية - يعتمد على الظنِّ والتقريبِ، والأدلة الظنيَّة، ولا يوجد لِمَن كتب في هذا الأمر دليلٌ قاطعٌ يُحدِّدُ أولية الشعر العربي، والسبب أَنَّ البحث في أوليات الأمور يَحتاجُ إلى نصوصٍ موثقةٍ يعتمدُ عليها الباحث، ويُمحِّصها، ويُفاضل بينها، ويستخلص منها نتائجهُ، وإذا لم تتوفر هذه النصوص والأدلة - وهو الحاصل في هذه القضية - فإِنَّ البحث يصبح نوعًا من التيه. أَضِفْ إلى ذلك أَنَّ أكثرَ من عُنِيَ بالآثارِ، وقراءة النقوش هم من المستشرقينَ الغربيين، وهم مَحلُّ شَكٍّ كبيرٍ في البحث في تاريخ العرب، حيث يَحرصُ أغلبهم على طمس فضائل العرب، وإنكار تاريخهم وحضارتهم، لا نطلاقهم في بُحوثِهم تلك من منطلقاتٍ عَقَديَّةٍ معاديةٍ للعَربِ (١).\nوالذين حاولوا معرفة أولية الشعر الجاهلي ربطوه بِحَربِ البَسُوسِ (٢)\n_________\n(١) انظر: فصول في فقه العربية لرمضان عبد التواب ٢٥، آلهة مصر الفرعونية لعلي فهمي خشيم، المقدمة.\n(٢) البَسُوسُ بنت منقذ التميمية، أثار قتلُ كليبٍ ناقةَ جارِها الجَرميِّ جَسَّاسَ بنَ مُرَّةَ فقَتَلَ كليبًا، فاستعرت الحربُ لهذا أربعين سنة، وهي من أشهر حروبِ العربِ، سُمّيت بحربِ البَسوسِ نسبةً لهذه المرأة، حتى ضُرِبَ بشؤمِها المثَلُ فقيلَ: أشأم من البسوس. انظر: ثِمار القلوب للثعالبي ٣٠٧.","vol":"1","page":24},{"text":"التي دارت رحاها بَين بكرٍ (١) وتغلبَ (٢) منذ أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث ترجعُ إليها أقدمُ مجموعة من الشعر العربي التي تستند إلى مصادر صحيحة نسبيًا، لشعراء مشهورين في تاريخ العرب الأدبي، ومن هؤلاء الشعراء المهلهل بن ربيعة (٥٣٠ م) (٣)،\nوالمرقش ... الأكبر (٥٥٢ م) (٤)، والمرقش الأصغر (٥)، وسعد بن مالك البكري (٥٣٠ م) (٦)، والحارث بن عُباد البكري (٥٥٠ م) (٧)، وغيرهم (٨). وأما قبل هذا التاريخ\n_________\n(١) قبيلة بكر بن وائل من العدنانية، قبيلة عظيمةٌ مُحاربةٌ، فيها الشهرة والعدد. منها يشكر بن بكر، وبنو عُكابة ابن صعب بن علي بن بكر، وبنو حنيفة، وبنو عجل، وقد استشهد المفسرون بعدد كبير من شعرها كما سيأتي في البحث، وكانت ديارهم من اليمامة إلى البحرين، إلى سيف كاظمة-الكويت حاليًا-فأطراف العراق، ثم تنقلت بعد ذلك حتى بلغت حدود تركيا. انظر: نهاية الأرب ٢/ ٣٣٠، معجم قبائل العرب ١/ ٩٣ - ٩٨.\n(٢) قبيلة تغلب بن وائل العدنانية، قبيلة عظيمة، خاضت كثيرًا من الحروب مع بكر وغيرها، سكنت الجزيرة الفراتية بديار ربيعة، وأشهر شعرائها الذين احتج المفسرون بشعرهم الأخطل التغلبي. انظر: معجم قبائل العرب ١/ ١٢٠ - ١٢٣.\n(٣) مختلف في اسمه فقيل عدي بن بن ربيعة من بني جشم بن بكر من تغلب، قيل هو أول من قصد القصيد، وهو خال امرئ القيس، وجد عمرو بن كلثوم لأمه، قاد تغلب في حرب البسوس بعد مقتل أخيه كليب، توفي سنة ٥٣٠ م تقريبًا. انظر: معجم الشعراء للمرزباني ٧٩، الشعر والشعراء ١/ ٢٩٧.\n(٤) هو عمرو بن سعد بن مالك، شاعر جاهلي قديم، كان يعرف الكتابة لأن أباه دفعه إلى نصراني من أهل الحيرة فعلمه، مات تقريبًا عام ٥٥٢ م. انظر: معجم الشعراء ١٢٤، الشعر والشعراء ١/ ٢١٠.\n(٥) هو ربيعة بن سفيان بن سعد، وهو ابن أخي المرقش الأكبر، عم طرفة بن العبد البكري، وهو أشعر المرقشين، وأطولهما عمرًا. انظر: معجم الشعراء ٤ - ٥، المفضليات ٢٤١.\n(٦) هو سعد بن مالك بن ضبيعة البكري، أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها، من المقلين، قتل في الحروب بين بكر وتغلب حوالي سنة ٥٣٠ م. انظر: خزانة الأدب ١/ ٢٥٠.\n(٧) هو الحارث بن عُبَاد بن ضبيعة البكري، وهو ابن عم سعد بن مالك، وكان الحارث من سادات ربيعة المعدودين، وله القصيدة اللامية المشهورة، مات حوالي ٥٥٠ م. انظر: الأغاني ٥/ ٤٦، خزانة الأدب ٢/ ٢٢٥.\n(٨) كل هؤلاء وردت لهم شواهد شعرية قليلة في كتب التفسير.","vol":"1","page":25},{"text":"فإنه من الصعوبة تحديد تاريخ دقيق للزمن الذي بدأَ فيه العربُ بقول الشعر؛ لأن الأدلة لا تساعد على الجزم برأيٍ قاطع، ولم يعثر العلماءُ على شعرٍ مُدوَّنٍ بقلمٍ جاهليٍّ، وكل ما يُعرفُ عن هذا الشعرِ مستمدٌّ من مواردَ إسلامية، أَخَذتْ من أفواه الرواة، وكل المحاولات التي بذلت في ذلك من باب المقاربة لا القطع.\nيقول الرافعي (١): «وقد تصفحنا التواريخ العربية، وأرجعنا ما نقلوه عن أهل الرواية - وهم مصدر آداب الجاهلية وأخبارها - فرأينا أن ما كتبوه من ذلك إذا صلحَ أَن يُنقل، فهو لا يصلحُ أَنْ يُعقَل» (٢). وهذه من أكبر المشكلات التي تواجه الباحث في الشعر الجاهلي، لأَنَّ ما وصل من شعر الجاهلية منسوبًا لشعراء معروفين كأصحاب المُعلَّقاتِ يُعدُّ شعرًا متكاملَ النضجِ، تامَّ البناءِ، ولا بد أَن يكون قد سُبِقَ بمرحلةٍ بدأ فيها الشعرُ بدايةً ضعيفةً، ثُمَّ تكاملَ وقوي نسجهُ بعد ذلك، حتى استتمَّ على هيئته القائمة.\nولذلك فقد اختلف الباحثون في تحديد تاريخ بداية الشعر الجاهلي تحديدًا دقيقًا، فمنهم من ذهب بعيدًا في أعماق التاريخ وزعم أنَّ الشعر العربيَّ سبق الإسلام بألفي سنة (٣)، وبعضهم ذهب إلى أَنَّهُ سبقهُ بألفِ سنة (٤)، وبعضهم ذهب إلى أَنَّه سبقه بأكثر من سبعة قرونٍ، وحدد تلك البداية بِحادثةِ سيلِ العَرِمِ، وتَفرُّقِ أبناءِ سبأ (٥) اليمنيين في الجزيرة\n_________\n(١) مصطفى بن صادق بن عبدالرزاق الرافعي ولد سنة ١٢٩٨ هـ وتوفي سنة ١٣٥٦ هـ أديب مصري كبير نثره في الذروة، وشعره دون ذلك. انظر: حياة الرافعي لمحمد سعيد العريان فكله عنه، والأعلام ٧/ ٢٣٥.\n(٢) تاريخ آداب العرب ١/ ٣٠٦.\n(٣) انظر: تاريخ الأدب العربي لعمر فروخ ٢/ ٧٣.\n(٤) الصورة في الشعر العربي لحسن البطل ٣٤.\n(٥) قبيلة سبأ تنتسب لسبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ذكرهم الله في القرآن، وإرساله عليهم سيل العرم العظيم الذي تفرقوا بعده في أنحاء جزيرة العرب =","vol":"1","page":26},{"text":"العربية (١). ومنهم من ذهب به إلى القرن الثالث الميلادي (٢).\nوجُلُّ مَن كتب في نشأةِ الشعر العربيِّ يدور حولَ ما قاله الجاحظ (٢٥٥ هـ) (٣): «وأَمَّا الشعرُ فحديث الميلادِ، صغيرُ السَّنِّ، أَولُ من نَهَجَ سبيلَه، وسهَّلَ الطريقَ إليه امرؤ القيس بن حُجْر، ومهلهل بن ربيعة. وكتبُ أرسطا طاليس (٤)، ومعلمه أفلاطون (٥)، ثم بطليموس (٦)، وديمقراطس (٧)، وفلان وفلان، قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور، والأحقاب قبل الأحقاب ... فإذا استظهرنا الشِّعرَ، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام» (٨). وقد شرح محقق الكتاب معنى كلام الجاحظ هذا (٩)،\nوشرحه غيره محاولًا الوصول إلى الطريقة التي قدَّر الجاحظُ بِها عُمُرَ الشعرِ الجاهلي، وتوصل إلى أن مقالة الجاحظ «أَنَّ الشعرَ حديثُ\n_________\n= وخارجها. انظر: معجم قبائل العرب ٢/ ٤٩٨.\n(١) الأسس المبتكرة لدراسة الأدب الجاهلي لعبدالعزيز المزروع ١١٦.\n(٢) الشعراء الجاهليون الأوائل للدكتور عادل الفريجات ٩.\n(٣) هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، سمي بذلك لجحوظ عينيه وبروزهما، أديب من كبار الأدباء، يذهب مذهب المعتزلة في الاعتقاد، ومصنفاته في الذروة كالبيان والتبيين، والحيوان وهي تعين مدمن النظر فيها على البيان والفصاحة. توفي سنة ٢٥٥ هـ. انظر: معجم الأدباء ٤/ ٤٧٢.\n(٤) هو الفيلسوف اليوناني الشهير، توفي سنة ٣٢٢ ق. م، له مؤلفات شهيرة من أهمها هنا كتابه عن الشعر، والمقولات، والخطابة وغيرها. انظر: كتاب (أرسطو طاليس: فن الشعر) لعبدالرحمن بدوي ٨٥.\n(٥) فيلسوف يوناني، يعتبر المعلم الأول عند الفلاسفة، ومن أشهر تلاميذه أرسطو. انظر: قصة الفلسفة لديورانت ٥ - ٩.\n(٦) هو فلكي جغرافي يوناني شهير، عاش ما بين (٩٠ - ١٦٨ م)، ولد في مصر، ونشأ في الاسكندرية. من أشهر مؤلفاته المجسطي في علم الفلك. انظر: الفهرست ٣٢٩، طبقات الأمم للأندلسي ٢٩.\n(٧) من كبار فلاسفة اليونان. انظر: قصة الفلسفة لديورانت ٢٤٥.\n(٨) الحيوان ١/ ٧٤.\n(٩) انظر الاستدراك والتذييل رقم ١ في الحيوان ١/ ٤٢٧ للمحقق عبدالسلام هارون.","vol":"1","page":27},{"text":"الميلاد، صغيْرُ السِّنِّ» قضيةٌ باطلةٌ، لا برهان عليها، وليس لها دليل، وأَنَّ غاية ما يبقى من استظهار الجاحظ هذا هو أَنَّ شعر مهلهل، وابن اخته امرئ القيس مِن أقدمِ ما بقي من شعر الجاهلية (١). ويقول الجاحظ في موضع آخر من كتابه: «وقد قيلَ: الشعرُ قبل الإسلام في مقدارٍ أطولَ مِمَّا بيننا اليوم وبين أول الإسلام» (٢)، والجاحظ قد توفي سنة ٢٥٥ هـ.\nوالجاحظ وغيره من العلماء الذين قالوا بمدة مائة وخمسين سنة تقريبًا أو أكثر للشعر الجاهلي لم يبعدوا عن الصواب إذا فُرِضَ أَنَّهم إِنَّما أرادوا بذلك ما وصل من الأشعارِ القديمةِ الموثوق بِها، بِحيثُ لا يَرتابُ الرواة الثقاتُ في صحة هذه الأشعار ونسبتها لأولئك الشعراء، وأما عُمْرُ الشعر نفسه فهو أقدم من ذلك بكثير، ولا يستطيع أحدٌ أن يزعم معرفة ذلك التاريخ بدقة، فالأبيات المفردة، والمقطعات عمرها أطول من ذلك بكثير، ولم يقف أحد على أولها، ولذلك يقول السيوطي (٣): «وقال عُمَرُ بنُ شَبَّةَ (٤) في «طبقات الشعراء»: للشعرِ والشعراءِ أَوَّلٌ لا يُوقَفُ عليه، وقد اختلف في ذلك العلماءُ، وادَّعت القبائلُ كلُّ قبيلةٍ لشاعرها أَنَّهُ الأولُ، ولم يدَّعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة؛ لأَنَّهم لا يُسمُّون ذلك شعرًا، فادعت اليمانيةُ لامرئ القيس، وبنو أسد لعَبيدِ بن الأبرص (٥)،\n_________\n(١) قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام لمحمود محمد شاكر ١٤.\n(٢) الحيوان ٦/ ٢٧٧.\n(٣) هو جلال الدين أبو بكر عبدالرحمن السيوطي، (٨٤٩ - ٩١١ هـ) من العلماء المشاركين في عدد من العلوم، المكثرين من التصنيف، من كتبه الدر المنثور في التفسير، والمزهر، والإتقان في علوم القرآن وغيرها. انظر: حسن المحاضرة ١/ ١٨٨، البدر الطالع ١/ ٣٢٨، معجم المفسرين ١/ ٢٦٤.\n(٤) هو عُمَرُ بن شَبَّةَ بن عبيدة البصري، من رواة الأخبار الكبار، توفي سنة ٢٦٢ هـ وقد بلغ التسعين. له من التصانيف كتاب الشعر والشعراء، وكتاب أشعار الشراة، وغيرها. انظر: معجم الأدباء ١٦/ ٦٠.\n(٥) هو عَبِيدُ بنُ الأبرصِ بن حَنتَم، شاعرُ بني أسد، عدَّه ابن سلاَّم من الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، توفي سنة ٦٠٠ م تقريبًا وشعره المحفوظ قليل، مع تقديمه، مما يدل =","vol":"1","page":28},{"text":"وتغلبُ لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة (١) والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد (٢).\nقال - أي عمر بن شبَّة: وزعم بعضهم أَنَّ الأفوهَ الأوديَّ (٣) أقدمُ من هؤلاءِ، وأَنَّهُ أَولُ من قَصَّدَ القصيدَ، قال: وهؤلاءِ النَّفَرُ المُدَّعى لهم التقدمُ في الشعرِ مُتقاربون، لعلَّ أقدمهم لا يسبقُ الهجرةَ بِمائةِ سنةٍ أو نحوها» (٤).\nوأكثر العلماء يَخصُّون المهلهل بن ربيعة بفضل ريادةِ الشعراء أصحاب القصيد، إذ يقول ابن سلام (٥): «وكان أول من قَصَّدَ القصائد، وذَكَر الوقائع المهلهل بن ربيعة» (٦). ويقول الأصمعي (٧): «أول من تُروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تَميم (٨)، ثُم\n_________\n= على ذهاب كثير من شعر الجاهلية .. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٦٧، الأغاني ١٩/ ٨٤.\n(١) هو عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك البكري، شاعر جاهلي قديم، عده ابن سلام من الطبقة الثامنة من الجاهليين، لم تعرف سنة وفاته. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٣٧٦.\n(٢) هو جارية بن الحجاج الإيادي، توفي سنة ٥٤٠ م أو ٥٥٠ م، شاعر قديم، وقد أهملت العرب رواية شعره لأن ألفاظه ليست بنجدية. انظر: الأصمعيات ١٨٥.\n(٣) هو أبو ربيعة صلاءة بن عمرو بن مالك من مذحج، شاعر جاهلي قديم، كان سيد قومه وحكيمهم، توفي أيام عمرو بن هند سنة ٥٠ قبل الهجرة. لقب بالأفوه لغلظ شفتيه، وظهور أسنانه. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٢٣، ديوانه (ضمن الطرائف الأدبية) للميمني ٣.\n(٤) المزهر ٢/ ٤٧٧.\n(٥) هو محمد بن سلام الجُمَحيُّ البصري، المتوفى سنة ٢٣١ هـ، من أعلم الناس وأوثقهم بالشعراء وطبقاتهم، وله كتاب طبقات فحول الشعراء. انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٢٠٤.\n(٦) طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٩.\n(٧) هو عبدالملك بن قريب الأصمعي الباهلي، من أوثق رواة الشعر والأخبار والغريب، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وتوفي سنة ٢١٦ هـ. وله الأصمعيات وهي مختارات من الشعر. انظر: مقدمة تحقيق الأصمعيات ١١.\n(٨) شاعر جاهلي قديم من تميم، قبل امرئ القيس بثلاثين سنة، وبعد المهلهل في تقصيد القصيد. انظر: الاشتقاق ٢٠١ - ٢٠٢.","vol":"1","page":29},{"text":"ضَمْرةُ، رجلٌ من كنانةَ، والأضبطُ بن قُريع (١) وكانَ بينَ هؤلاء وبين الإسلام أربعمائة سنة، وكان امرؤ القيس بعد هؤلاء بكثير» (٢).\nوالظاهرُ أَنَّ المرحلة التي سبقت حربَ البَسوسِ كانت مرحلةَ مقطوعات وأبيات متفرقة كما وصلت وحفظها الرواة، وهو ما عَبَّرَ عنه ابن سلام الجُمحيُّ بقولهِ: «ولم يكن لأوائلِ العربِ من الشعرِ إِلاَّ الأبياتُ يقولُها الرجلُ في حاجته» (٣).\nوقد ذهب بعض الباحثين إلى أَنَّ أول الشعراءِ هو خُزيِمةُ بن نَهْدٍ القضاعي (٤)، واستندَ هذا الباحث في هذا التقديم إلى قول أبي عُبيد البكري (٥): «إِنَّ شِعرَهُ -أي خزيمة- أَوَّلُ الشِّعْرِ» (٦). وقد تدل هذه المقطعات على غَيْرِها، غير أَنَّهُ لم يُحفظ ذلك الشعرُ، والأمر في هذا قريب، وكثير من القضايا التاريخية الموغلة في القدم، يصعب الوصول فيها إلى دليل قاطع؛ لغياب الخَبَرِ الموثوق.\nوكتبُ التفسير تذكرُ شواهدَ شعريةً لشعراء قبل مهلهل، فهناك شاهدٌ شعري منسوبٌ لآدم ﵇ (٧)، .............\n_________\n(١) هو الأَضْبَطُ بن قُرَيعٍ التميمي، شاعر جاهلي قديم، وأحد المعمَّرين في الجاهلية. لم تعرف سنة وفاته، وهو القائل: بكل واد بنو سعد. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٣٨٢.\n(٢) مجالس ثعلب ٤١١ - ٤١٢.\n(٣) طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٦.\n(٤) هو خُزَيْمة بنُ نَهْدٍ بن زيدٍ القُضاعيُّ، شاعرٌ مُقِلٌّ من قدماء الشعراء في الجاهلية، انفرد الأصفهاني بذكره في الأغاني، وذكر أخباره، ولم تعرف سنة وفاته. انظر: الأغاني ١٣/ ٨٤.\n(٥) هو عبدالله بن عبدالعزيز البكري الأندلسي، توفي سنة ٤٨٧ هـ، من كبار اللغويين والجغرافيين، له اللآلي في شرح أمالي القالي، وله معجم ما استعجم في المواضع. انظر: بغية الوعاة ١/ ٢٨٥، كشف الظنون ١٦٧.\n(٦) الشعراء الجاهليون الأوائل لعادل الفريجات ٩.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٤٨٢. وقد حَمَلَ ابنُ سلاَّم على مُحمدِ بن إسحاق صاحب السيرة؛ لأَنَّه ذكر في كتابه أشعارًا منسوبةً لآدم ومَن بعدَهُ من الذين لم يصلنا تاريخهم. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٧ - ٩، المحرر الوجيز ٥/ ٨٠ - ٨١، =","vol":"1","page":30},{"text":"ولزُهَيْرِ بن جَنابٍ الكلبيِّ (١)، وغيرهم من الشعراء الذين قيل: إِنَّهم أولُ الشعراء، ولكنَّها أبياتٌ قليلة. وأكثر الأقوال والشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة والنحو منسوبةٌ للشعراء المعروفين الذين حُفظت أشعارهم من المهلهل بن ربيعة وطبقته حتى آخرِ عصور الشعراءِ المُستشهدِ بشعرهم. وما سوى ذلك من الشعراء المختلف فيهم وفي زمنهم فالأبيات المنسوبة إليهم قليلةٌ لا تكاد تذكر في باب الشواهد الشعرية العلمية التي هي مَحلُّ البحث، وسيتضح هذا في موضعه.\nولذلك فالعلماء بالشعر قد انتخبوا من الشعراء مَن يقع الاحتجاج بشعرهم في غريب اللغة، وتفسير القرآن، والنحو، والأخبار لِكثرتِهم، ولم يتعرضوا لكل الشعراء لتعذر ذلك عليهم، ولذلك يقول ابنُ سلام: «ذكرنا العربَ وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفُرسانِها وأشرافها وأيامها؛ إذ كان لا يُحاطُ بشعر قبيلةٍ واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يَجهلهُ عالِمٌ، ولا يستغني عن علمه ناظرٌ في أمر العرب، فبدأنا بالشعر» (٢).\nويقول ابن قتيبة (٣): «وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفُهم جُلُّ أهلِ الأدب، والذين يقعُ الاحتجاج بأشعارهم في\n_________\n= وذكر الأصفهاني أن قائل هذه الأبيات المنسوبة لآدم هو خلف الأحمر. انظر: التنبيه على حدوث التصحيف ١٨.\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٣٣، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٩٧. وزهير هذا هو بن جناب الكلبي، شاعر جاهلي قديم من الأشراف، طال عمره حتى عد من المعمرين. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٥، الشعر والشعراء ١/ ٣٧٩.\n(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٣.\n(٣) هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، توفي سنة ٢٧٦ هـ، من كبار علماء أهل السنة، رزقه الله قبولًا وحظًا في التصنيف في فنون كثيرة، من أهم كتبه، تأويل مشكل القرآن، وغريب القرآن، وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦.","vol":"1","page":31},{"text":"الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عَزَّوَجَلَّ، وحديث رسول الله - ﷺ -» (١).\nهذا كله عن أولية الشعر من حيث الزمن، أما من الناحية الفنية فقد اختلف الباحثون حولها، فبعض العلماء يرى أن الرَّملَ هو المرحلة الفنية الأولى التي بدأ بِها الشعر، فقد رويَ أَنَّ قيس بن عاصم التميمي (٢) قدم على رسول الله - ﷺ - فقال يومًا، وهو عنده: أتدري يا رسول الله أَوَّلَ مَن رَجَزَ للإبلِ؟ قال: لا، قال: أبوك مُضَرُ، كان يسوقُ بأهلهِ ليلةً، فَضَربَ يَدَ عبدٍ له، فصاح: وا يداه، وا يداه، فاستوسقت الإبلُ، فَنَزَلَ، فرَجَزَ على ذلك (٣). فهو أولُ مَن حَدا إن صحت هذه الرواية، وقد استعمل الناس الحداء بالشعر بعده، وتزيدوا فيه شيئًا بعد شيء (٤).\nوأما الباحثون المتأخرون فيذهبون إلى أن السجع هو البداية الفنية التي عرفها العرب، ومن هؤلاء المستشرق كارل بروكلمن (٥) الذي يقول: «ينبغي أن يكون أقدم القوالب الفنية هو السَّجعُ» ثم يقول: «والسجعُ هو القالب الذي كان يصوغ العرَّافونَ والكهنةُ فيه كلامَهم وأقوالهم كما جاء في القرآن» (٦). وذهب بعض الأدباء إلى أن السَّجعَ ترقَّى بعد ذلك إلى الرَجَزِ (٧)، أما الرافعي فيكتفي بالقولِ: إِنَّ الشعر كان قبلَ مهلهل رَجَزًا\n_________\n(١) الشعر والشعراء ١/ ٥٩.\n(٢) هو أحد أمراء العرب وعقلائهم، كان شاعرًا، قدم في وفد تميم على النبي - ﷺ - سنة ٩ هـ. وتوفي سنة ٢٠ هـ بالبصرة. انظر: الإصابة ٤/ ١٥٤ (٧١٩٤).\n(٣) انظر: جمهرة أشعار العرب ١/ ١٥٦ - ١٥٧.\n(٤) انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ١/ ٣٠ - ٣١، العمدة في صناعة الشعر ونقده ٢/ ٣١٤.\n(٥) هو كارل بروكلمن (١٨٦٨ - ١٩٥٦ م) من كبار المستشرقين الألمان، من أشهر مؤلفاته «تاريخ الأدب العربي» من المراجع المهمة فيما يتعلق بالمخطوطات العربية وأماكن وجودها. انظر: موسوعة المستشرقين ٥٧.\n(٦) تاريخ الأدب العربي ١/ ٥١.\n(٧) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ١/ ٦٤، تاريخ الأدب العربي للزيات ٢٨.","vol":"1","page":32},{"text":"وقطعًا (١)، وبعض الباحثين يقف من تلك المحاولات الأولى لفن الشعر موقفًا يرفض فيه تلك الفروض التي رجحها المستشرقون وغيرهم من الأدباء، ويشك في أن يكون الرَّجَزُ هو أقدم أوزان الشعر، فيقول: «وكلُّ ما يُمكنُ أَن يقالَ هو أَنَّ الرَّجزَ كان أكثر أوزان الشعر شيوعًا في الجاهلية؛ إذ كانوا يرتجلونه في كل حركةٍ من حركاتِهم، ولكنَّ شُيوعَهُ لا يعني تقدُّمهُ ولا سَبقهُ للأوزان الأخرى، إِنَّما كان يعني أَنَّهُ كان وزنًا شعبيًا لا أقلَّ ولا أكثر» (٢).\nويقترب من هذا الرأي ما ذهب إليه الدكتور إبراهيم أنيس من أَنَّ بَحرَ الرَّجَزِ مرحلةٌ متطورةٌ عن بحر الكامل؛ نظرًا لِما لا حظَهُ من أَنَّ اللغةَ العربية تتجه من المتحرك إلى الساكنِ، وليس العكس (٣). وهناك من لا يعدُّ الرَّجَزَ من الشعرِ، فقد نقل عن الخليلِ بن أَحْمدَ أَنَّ الرَّجَزَ ليسَ بشعرٍ، وإِنَّما هو أَنصافُ أبياتٍ أو أثلاث (٤)، وهذه مسألة تعرض لها نقاد الشعر بتفصيل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أثر الإسلام في الشعر:</span>\nلم يَدَعِ الإسلامُ جانبًا من جوانب حياة العرب في الجاهلية إلا أتى عليه فغيَّرهُ أو قوَّمهُ وهذَّبه، والشعرُ من أَهمِّ جوانبِ الحياة العربية، وقد تأثر الشعر العربي بالإسلام تأثرًا كبيرًا، وظهر هذا للدارسين بعد جَمعِ شعرِ صدر الإسلامِ ودراسته، وبعض الباحثين يزعم أنه لم يكن للإسلام تأثير في الشعر (٦). وهذه الدعوى تعني أن الإسلام لم يُحدِث أثرًا على\n_________\n(١) انظر: تاريخ آداب العرب ٣/ ٢٤ - ٢٥.\n(٢) العصر الجاهلي لشوقي ضيف ١٨٦.\n(٣) انظر: موسيقى الشعر ١٥ وما بعدها.\n(٤) تهذيب اللغة ١٠/ ٦١٠ - ٦١١.\n(٥) انظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب لعبدالله الطيب ١/ ٢٣٠، دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج لخولة الهلالي ١/ ١١.\n(٦) انظر: تاريخ الأدب العربي لبلاشير ١٣.","vol":"1","page":33},{"text":"ثقافةِ المُجتمعِ، ولم يكن هناك أثر للإسلام في الثقافة والشعر إلا في فترة متأخرة (١). وهناك من الباحثين من يرى أن فن الهجاء ظلت معايِيْرهُ جاهليةً دون تغيِيْرٍ بعد مَجيء الإسلام (٢)، وأن المديح ظلَّ يتغنَّى بالصفات الجاهلية التي كان الجاهليون يَعدُّونَها المَثَلَ الأعلى (٣)، ومثل ذلك يقال في شعر الحرب والفخر والرثاء، هذا من ناحية الأغراض والموضوعات.\nأما ناحية الأساليب فيرون أن الشعراء لم يهجروا ما درجوا عليه في الجاهلية من أساليب، فلم يتأثروا بأسلوب القرآن الكريم في التذكير والوعد والوعيد والمحاجة ونحوها من الأساليب، ويرون أَنَّهُ إن صحَّ أَنْ يُقالَ: إِنَّ هناك تغيرًا ما فيقال في حقِّ شعراءِ المدينةِ فحسب (٤).\nوقد أرجع بعض الباحثين السبب الذي حَملَ هؤلاء الباحثين على القول بأنه لم يكن هناك أثر يذكر للإسلام على الشعر وعلى الشعراء الذين عاصروا صدر الإسلام إلى عدم توفرِ نصوصٍ كافيةٍ تُمثلُ أَدب هذا العصر، بسبب إهمالِ الرواة لها في كتب الأدب والشعر، في حين حفلت بها كتبُ السيرةِ وكتب التراجم، وهو مع ذلك متفرق فيها لا تكاد تَجدهُ مُجتمعًا في كتاب منها دون كتاب (٥).\nوسبب آخر يُمكن إضافته وهو أَنَّ هناك من الباحثين من يخلط بين موقف النبي - ﷺ - من الشعر، وبين نفي صفة الشاعرية عن القرآن والنبي - ﷺ -، وذكروا أنَّ الإسلام قد قَلَّلَ من شأن الشعرِ، وذَكَرَهُ في موطنِ الذمِّ. والصحيحُ عند الباحثين المطلعين على شعر هذه المرحلة أَنَّها قد\n_________\n(١) انظر: تاريخ الأدب العربي لعمر فروخ ١/ ٢٥٦.\n(٢) انظر: الهجاء والهجاءون لمِحمد محمد حسين ١٦٧.\n(٣) انظر: شعر المخضرمين للجبوري ٣٤٨.\n(٤) انظر: المصدر السابق ٢٥٥، ٣٤٩.\n(٥) انظر: العصر الإسلامي لشوقي ضيف ٤٥، والتطور والتجديد في الشعر الأموي له ٢١.","vol":"1","page":34},{"text":"حفلت بعددٍ كبير من الشعراء، وأنَّ هناك نصوصًا كثيرة تتيح للدارس أن يحكم عليه حكمًا منصفًا.\nوالحديث عن أثر الإسلام في الشعر يعني التعرض لناحيتين من أغراض الشعر:\nأولاهما: الأغراض التي تطورت من حال إلى حال.\nوالأخرى: تلك التي طمسها الإسلام ومحاها.\nوإذا كان الذين يتحدثون عن أثر الإسلام في الشعر إِنَّما يتجهون إلى الأغراض التي تطورت، فإِنَّ معرفة الأغراض التي تُركت تُعطي دلائلَ لا تقلُّ عن الدلائل التي تعطيها معرفة الأغراض التي تغَيَّرت؛ إذ هي أكثر أهمية منها وأصدق دلالةً في أحايين كثيرة.\nفمن الأغراض التي خَمَدت الهجاءُ الفاحشُ، والمديحُ الكاذبُ، والمبالغة فيه، والحديثُ عن الخمرِ ووصفها، وإثارة الشرور والأحقاد، والفخر بالقبيلة والأحساب والأنساب ونحوها من الأغراض.\nوأما الأغراض التي ظهرت بعد الإسلام فهي الدعوة للإسلام، ومدح الدين الجديد، ومدح النبي، والرد على المشركين، والحث على الجهاد، وأصبح الشعراء أكثر حذرًا في جانب العبارات التي يقولونها من ذي قبل، لوازع الدين في نفوسهم، ومخالطة هذا الدين لقلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>حكمُ الشعرِ:</span>\nذُكِرَ الشعرُ في القرآن الكريم في مواضع متعددة، كلها وردت في المرحلة المكية إلا موضعًا واحدًا، تحديًا للمشركين، وردًا على زعمهم أن القرآن الكريم ما هو إلا شعر وأوهام، وأن النبي - ﷺ - ما هو إلا شاعر كغيره من الشعراء. وهذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩] (١)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ\n_________\n(١) يس ٦٩","vol":"1","page":35},{"text":"قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٦، ٣٧] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٢٩، ٣٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] (٤).\nهذه كلها آيات مكية وردت للرد على مزاعم المشركين، وهي لا تدل على ذم الشعر، فمبناها واضح، وسياقها ظاهر، تتحدث عن القرآن، وتؤكد أنه ليس بشعر، وعن النبي - ﷺ - وأنه ليس بشاعر ولا كاهن، وأن هذا القرآن من رب العالمين، وليس من وحي الخيال الذي توسوس به الشياطين.\nوالحديث عن الشعر في كل ما وردَ في القرآن يتحدث عن الشاعر وليس عن الشعر. ولذلك قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩] (٥): «هذه الآية ليست من عيب الشعر، كما لم يكن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦) من عيب الخط. فلمَّا لم تكن الأميَّةُ مِن عيبِ الخَطِّ، كذلك لا يكون نفيُ النظم عن النبي - ﷺ - مِنْ عَيبِ الشِّعرِ» (٧).\nإن مسألة نفي الشعر عن القرآن الكريم مسألة أساسية لا علاقة لها بحكم الشعر في الإسلام، وكذلك نفي صفة الشاعر عن النبي مسألة أساسية ولا شأن لها بموقف الإسلام من الشعر، فهذان أمران يخصان الدعوة الإسلامية، ومصدرها الإلهي، والثقة بالنبي - ﷺ - وليس فيهما ما\n_________\n(١) الأنبياء ٥.\n(٢) الصافات ٣٦ - ٣٧.\n(٣) الطور ٢٩ - ٣٠.\n(٤) الحاقة ٤٠ - ٤٣.\n(٥) يس ٦٩.\n(٦) العنكبوت ٤٨.\n(٧) أحكام القرآن ٤/ ٢٨.","vol":"1","page":36},{"text":"يغض من قيمة الشعر أو يحض على الانصراف عنه. ولِتَنْزِيهِ القرآن الكريم عن أن يكون شعرًا، وبُعدهِ عن طرائق الشعر أسبابٌ، منها ما في أذهان العرب من قَرْنِ الشِّعرِ بالشيطنةِ والشَّرِّ، وصلته بالموسيقى والغناء، ولِمَكان القرآن من التحدي، ولأن روح الشعر بعيدة عن الالتزام، وقد كان القرآن دعوةً ملتزمةً بِمَنهجٍ لا تحيد عنه، خالفتْ الشعرَ في الغايةِ فبعدت عن مناهجه وطرائقه (١).\nوهناك سورة في القرآن سُمِّيت باسم الشعراء لذكرهم في بعض آياتها، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٧] (٢). وهذه الآيات تذكر الشعراءَ بصيغةِ العُمومِ، ولكنَّ المقصودَ بِها شعراءُ قريش الذين ناصبوا الإسلام العداء ومن أشهرهم عبدالله بن الزِّبَعْرى (٣) قبل إسلامه الذي أثار الخواطر ضد المسلمين بعد وقعة بدر (٤)، وهُبَيْرةُ بن أبي وَهب المخزوميُّ (٥)، وأميَّةُ بن أبي الصَّلت (٦)، ويدخل معهم كُلُّ من سلكَ بالشعر مسلكَ الكذبِ والهجاءِ، وما حُرِّمَ في الإسلام.\n_________\n(١) انظر: الشعر الإسلامي في صدر الإسلام للدكتور عبدالله الحامد ٢٣.\n(٢) الشعراء ٢٢١ - ٢٢٧.\n(٣) هو عبدالله بن الزِّبَعْرى القرشي، شاعر مخضرمٌ هجا المسلمين قبل إسلامه، وحرَّض عليهم، وأسلم يوم الفتح، عدَّه ابن سلام من شعراء القرى، من شعراء مكة. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٣٥.\n(٤) انظر: طبقات فحول الشعراء ١٩٨.\n(٥) من شعراء قريش المعدودين، كان شديد العداوة للرسول فأخمله الله، ولم أجد ذكرًا لإسلامه. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٥٧.\n(٦) هو أمية بن عبدالله أبي الصلت بن ربيعة الثقفي، شاعر جاهلي، أدرك النبي ولم يسلم، قرأ التوراة والإنجيل وغيرها، وفي شعره عبارات كثيرة منها، وقد أكثر =","vol":"1","page":37},{"text":"ولهذا فُسِّرت الآية بأنه «لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء، وتَمزيق الأعراض والقَدحِ في الأنساب، والنسيب بالحُرَمِ، والغزل، والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطربُ على قولهم إِلاَّ الغاوون والسفهاء» (١).\nوالصدق هو العنصر الذي يطلبه الإسلام في الشعر، والشعراء يصعب عليهم الالتزام بهذه الصفة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٢٥، ٢٢٦] (٢). وهيامهم في كل واد معناه اعتسافهم الطريق والغلو ومجاوزة حد الاعتدال، وتخييل الجبان شجاعًا، والبخيل جوادًا. والمقصود بالغاوين في أقوال أهل التفسير أولئك السفهاء من الغوغاء والأعراب وغيرهم الذين يجتمعون إلى شعراء قريش المشركين يستمعون أشعارهم وأهاجيهم في الرسول - ﷺ - ورسالته (٢).\nوسيرة النبي - ﷺ - تدل على أَنَّه قد استنشدَ الشعرَ واستحسنَهُ، ومدحَ قائله، وأجازَ عليهِ، وعفا بسببه عمَّن يستحقُّ العقابَ، وقَبِلَ وسيلةَ مَن توسَّلَ به، وشَفَّع من استشفع به. والصحابةُ كان فيهم الشعراء ومَن يستنشد الشعرَ ويُجيز عليه.\nولذلك قال أنس بن مالك ﵁: «قدم علينا رسولُ الله - ﷺ - المدينة، وما في الأنصارِ بيتٌ، إلا وهو يقولُ الشعرَ» (٣). والنبي كان - ﷺ - له منهم شعراء يهجون المشركين، ويُجيبونَهم ويُحامون عن النبي - ﷺ -، منهم حسَّانُ بن ثابت (٤)، ...............................................\n_________\n= المفسرون من شعره. ذكره ابن سلام في طبقة شعراء الطائف. مات في السنة الثامنة من الهجرة. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٥٩.\n(١) الكشاف ٣/ ٣٤٣، التحرير والتنوير ٢٢/ ٥٥ - ٦٧.\n(٢) الشعراء: ٢٢٥، ٢٢٦.\n(٣) انظر: محاسن التأويل للقاسمي ٥/ ٣٨٨، والكشاف ٣/ ٣٤٤.\n(٤) العقد الفريد ٣/ ٣٨٨.\n(٥) هو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري ﵁، صحابي جليل، من فحول =","vol":"1","page":38},{"text":"وكعب بن مالك (١)، وغيرهما ﵃.\nوأما الأحاديث التي ورد فيها ذكر الشعر فهي كثيرة، وقد صنَّفَ الحافظُ عبدالغني المقدسيُّ جزءًا في الشعر (٢)، وكذا الإمام ابن سيّد الناس اليعمريّ (٣)، ولا تكادُ تَجد مُسندًا أو جامعًا من كتب الحديث إِلا وفيهِ بابٌ أو كتاب للشِّعرِ، وسأقتصر على بعض هذه الأحاديث.\n١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد (٤):\nأَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ (٥)\nوكاد أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ أَن يُسلم» (٦).\n٢ - عن عائشة ﵂ أَنَّ حسان بن ثابت ﵁ استأذن رسولَ الله - ﷺ - في هجاء المشركين، فقال رسول الله - ﷺ -: «فكيف بِنَسَبِي؟». فقال حسان: لأسلنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرةُ من العجين (٧).\n_________\n= شعراء الجاهلية والإسلام، وهو شاعر الرسول - ﷺ - الأول. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢١٥، الشعر والشعراء ١/ ٣٠٥.\n(١) هو كعب بن مالك الخزرجي الأنصاري ﵁، من شعراء الرسول - ﷺ - المجيدين، شهد بيعة العقبة مع قومه، عده ابن سلام في طبقة شعراء المدينة. مات سنة ٥٠ هـ وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٢٣.\n(٢) طبع بتحقيق إحسان عبدالمنان عام ١٤١٠ هـ. وأصدرته المكتبة الإسلامية بالأردن.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٥٥.\n(٤) هو لبيد بن ربيعة بن عامر العامري، صحابي جليل ﵁، من شعراء المعلقات، ومن كبار شعراء الجاهلية، عُمِّرَ طويلًا. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٣٥، لبيد بن ربيعة للجبوري ٥٧.\n(٥) عجزه:\n............................. ... وكل نعيم لا محالة زائلُ.\nانظر: ديوانه ١٢٧.\n(٦) صحيح البخاري، ك الأدب، باب ما يجوز من الشعر ٥/ ٢٢٧٦، صحيح مسلم، كتاب الشعر ٤/ ١٧٦٨.\n(٧) صحيح البخاري، ك الأدب، باب هجاء المشركين ٥/ ٢٢٧٨، صحيح مسلم، =","vol":"1","page":39},{"text":"٣ - وأمر النبي - ﷺ - حسانَ بذلك فقال: «اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك». (١)\n٤ - قال - ﷺ -: «إِنَّ من الشِّعْرِ حِكمةً» (٢).\n٥ - عن الشَّريدِ (٣) ﵁ قال: ردفتُ رسولَ الله - ﷺ - يومًا فقال: «هل معكَ من شعرِ أميةَ بن أبي الصلت شيءٌ؟ قلت: نعم. قال: هيه. فأنشدته بيتًا، فقال: هيه - أي: زدني -، ثم أنشدته بيتًا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت (٤).\n٦ - أَقَرَّ النبيُّ - ﷺ - صحابته على قول الشعر وسَماعهِ وإنشاده واستنشاده في حضرته، فعن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قال: كان أصحابه يتذاكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم، فيضحكونَ، ورُبَّما تَبَسَّم - ﷺ - (٥).\nكل هذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ النبي - ﷺ - كان يُرخِّصُ في قولِ الشِّعرِ، بل ويأمرُ به للردِّ على المشركين، ويستنشدُ بعضَ الصحابةِ. مِمَّا يدلُّ على جوازهِ، وجُمهورُ الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة مجمعون على جوازه وإباحته، وهو المنقول عن عامة أهل العلم قديمًا\n_________\n= كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان ٤/ ١٩٣٤.\n(١) صحيح البخاري، ك الأدب، باب هجاء المشركين ٥/ ٢٢٧٩، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان ٤/ ١٩٣٣.\n(٢) صحيح البخاري، ك الأدب، باب ما يجوز من الشعر ٥/ ٢٢٧٦.\n(٣) هو الشريد بن سويد الثقفي ﵁، صحابي جليل شهد بيعة الرضوان، قيل: أصله من حضرموت، توفي في خلافة يزيد بن معاوية. انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ١٤٥، أسد الغابة ٢/ ٤٢٣.\n(٤) صحيح مسلم، كتاب الشعر ٤/ ١٧٦٧، جزء في أحاديث الشعر.\n(٥) مسند أحمد ٥/ ٨٥، سنن الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر ٥/ ١٢٨، وقال: حديث حسن صحيح. صحيح ابن حبان، كتاب الحظر والإباحة، باب الشعر والسجع ١٣/ ٩٦، مسند أبي يعلى ١٣/ ٣٦٩، مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الأدب، باب الرخصة في الشعر ٨/ ٥٢٤.","vol":"1","page":40},{"text":"وحديثًا (١). وهناك من نقل عنه كراهيته للشعر (٢).\nوهناك أحاديث وردت في ذم الشعر يحتج بها من يقول بكراهة الشعر بل بعضهم يبالغ فينهى عنه، وأهمها ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: «لأَنْ يَمتلئَ جوفُ رجلٍ قَيحًا حتى يَرِيَهُ خير من أن يَمتلئَ شعرًا» (٣). من الوَرْي على وزن الرَّمْي، وهو الداء. يقال: وَرِيَ يَرِي فهو مُورِي، إذا أصاب جوفه الداء (٤).\nوسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول الله - ﷺ - يتسامع عنده الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه (٥).\nوقد نَبَّهَ العلماء على مناسبة هذا الحديث بِما يُزيلُ الإشكالَ، وقيل إِنَّ «مناسبة هذه المبالغةِ في ذمِّ الشعر أَنَّ الذين خُوطبوا بذلك كانوا في غايةِ الإقبال عليه، والاشتغالِ به، فزجرهم عنه ليُقبلوا على القرآنِ، وعلى ذكر الله تعالى وعبادتهِ، فمَنْ أخذَ من ذلك ما أُمِرَ بهِ لم يَضرُّهُ ما بقي عنده مِمَّا سوى ذلك» (٦).\n_________\n(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٢/ ١٩٤، المجموع ٢/ ٧٣، المغني ١٤/ ١٦٤، مغني المحتاج ٤/ ٤٣٠، حاشية ابن عابدين ١/ ٤٦، الأحكام الفقهية المتعلقة بالشعر لهيثم بن فهد الرومي، بحث تكميلي للماجستير بالمعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام ص ٤٧ وما بعدها، الأحكام الفقهية المتعلقة بالشعر للدكتور زيد الغنام، بحث منشور بمجلة جامعة الإمام، العدد الخمسون ص ١٦٥ وما بعدها.\n(٢) شرح النووي على مسلم ١٥/ ٢١، تهذيب الآثار للطبري ٢/ ٦٤٧.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر ٥/ ٢٢٧٩، صحيح مسلم، كتاب الشعر ٤/ ١٧٦٩.\n(٤) انظر: غريب الحديث ١/ ١٦٠، عمدة القاري ٢٢/ ١٨٩، فتح الباري ١٠/ ٥٦٤.\n(٥) مسند أحمد ٦/ ١٣٤، السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الشهادات - باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن ١٠/ ٢٤٥، مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الأدب - باب من كره الشعر ٨/ ٥٣٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١١٩: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(٦) فتح الباري للعسقلاني ١٠/ ٥٦٦.","vol":"1","page":41},{"text":"وورد في رواية للحديث أن الرسول - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده لأَنْ يَمتليءَ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يَمتليء شعرًا يهجو به النَّاسَ ويؤذيهم» (١)، وفسَّرتُهُ عائشة ﵂ بقولِها: «يعني الهجاء منه» (٢).\nوهذه الأحاديث التي وردت في الذمِّ مَحمولةٌ على مَنْ أقبلَ على الشِّعرِ واشتغلَ به عن الذِّكرِ والصلاة وطاعة الله تعالى، وعلى مَن أقبل على شعر اللهو والعَبَثِ والباطل. ولذلك بَوَّبَ البخاريُّ في صحيحه: «بابُ ما يُكرهُ أَنْ يكونَ الغالبُ على الإنسانِ الشعرَ حتى يَصُدَّهُ عن ذكر اللهِ والعلمِ والقرآن» (٣). ولذلك قال بعض العلماء: «وحَدُّ ما دون الامتلاء أن يعلم المرءُ ما يَلزمهُ، ويَروي مع ذلك من الشعر ما شاء» (٤). وأما قول عائشة ﵂ فهو محمول على بغض الشعر الذميم الذي يفيض بالفحش وهتك الأعراض (٥). ويلخص الحكم ما روته عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «الشعر بِمنْزِلةِ الكلام، حَسَنُهُ كَحَسَنِ الكلامِ، وقَبيحُهُ كقَبيحِ الكلامِ» (٦).\n_________\n(١) المنتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم الأصبهاني ٣٢\n(٢) الفاضل للمُبَرِّد ١٣، فتح الباري ١٠/ ٥٦٥، غريب الحديث ١/ ١٦٢، تهذيب الآثار للطبري ٢/ ٦٥١، الإحكام للآمدي ٣/ ٧٣، نضرة الإغريض للعلوي ٣٦١، شرح مسلم للنووي ١٥/ ٢١، فتح الباري ١٠/ ٥٦٥.\n(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب ٥/ ٢٢٧٩، صحيح مسلم ٤/ ٤٦، سنن أبي داوود ٤/ ٤١٤.\n(٤) الإحكام لابن حزم ٢/ ٣٤٢، أضواء البيان ٦/ ٣٩٠، الاستقامة لابن تيمية ١/ ٢٤٣.\n(٥) السيرة الحلبية ٢/ ٢٦٠.\n(٦) الأدب المفرد للبخاري - باب الشعر حسنه كحسن الكلام ومنه قبيح ٢٩٩ (٨٦٥)، السنن الكبرى للبيهقي - كتاب الشهادات - باب شهادة الشعراء ١٠/ ٢٣٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٢٢: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد. قال: وإسناده حسن. أ. هـ وحسنه النووي في الأذكار ٦٤٦، وضعفه ابن حجر في الفتح ١٠/ ٥٥٥، وصححه الألباني لمجموع طرقه في صحيح الجامع ١/ ٦٩٤ (٣٧٣٣).","vol":"1","page":42},{"text":"فالشعر فيه الحكمة، وفيه الفحش «وليس أحدٌ من كبار الصحابةِ، وأهل العلمِ، وموضعِ القدوةِ إلا وقدْ قالَ الشعرَ، وتَمثَّلَ به، أو سَمِعَهُ فرضيه، وذلك ما كان حِكمةً، أو مباحًا من القول، ولم يكن فيه فُحشٌ ولا خَنَى، ولا لِمُسلمٍ أذى، فإنْ كان ذلك فهو أَو المنثورُ من الكلام سواء، لا يَحِلُّ سَماعهُ ولا قوله» (١).\nوقد أجاب الإمام الذهبي على سؤال حول حكم الشعر فقال: «وكذلك الشعر هو كلام كالكلام، فحَسَنُهُ حَسَنٌ، وقَبيحهُ قَبيحٌ، والتوسعُ منه مباح، إلا التوسع في حفظِ مثل شعر أبي نُواس وابنِ الحَجَّاجِ (٢) وابنِ الفارضِ (٣) فإِنَّهُ حَرامٌ، قال في مثلهِ نَبِيُّكَ: «لأن يَمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ خَيْرٌ له من أَن يَمتلئَ شعرًا»» (٤).\nوليس معنى نفي الشعر عن النبي - ﷺ - أنه لا يفهم الشعر ولا يستجيده، بل هو يفهمه ويتذوقه، ومن الأدلة على ذلك أَنَّهُ حين طلب من الشعراء أَنْ يدفعوا أذى قريش وهجاءها، جاءه علي بن أبي طالب فصَرَفه، وعبدالله بن رواحة فلم يعجبه هجاؤه، وكعب بن مالك فاستحسنه، ودعا لهم جَميعًا، غير أَنَّه لما هجاهم حسان بن ثابت ﵁ قال: «لقد شَفَى واشتَفى» (٥).\n_________\n(١) التمهيد لابن عبد البر ٢٢/ ١٩٤.\n(٢) هو حسينُ بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج، النيلي البغدادى، شاعر شيعي من عصر بني بويه الشيعة، غلب عليه الهزل، قال عنه الذهبي: «شاعر العصر، وسفيهُ الأدباء، وأميْرُ الفحش».كان أمةً وحدَهُ فى نظمِ القبائحِ، توفي ببغداد سنة ٣٩١ هـ. انظر: معجم الأدباء ٩/ ٢٠٦، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٩.\n(٣) هو عُمر بن علي بن مرشد الحموي، مصري المولد والدار والوفاة، لقب بشرف الدين بن الفارض (٥٧٦ - ٦٣٢ هـ)، شاعر متصوف، في شعره فلسفة تتصل بِما يُسمَّى (وحدة الوجود)، ظهرت في شعره، سلك طريق التصوف وجعل يأوي إلى المساجد المهجورة وأطراف جبل المقطم. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٦٨.\n(٤) مسائل في طلب العلم وأقسامه ٢٠٩ - ٢١٠ ضمن ست رسائل للإمام الذهبي.\n(٥) صحيح مسلم ٤/ ١٤٦.","vol":"1","page":43},{"text":"كما إنه «يُروى أن رسول الله - ﷺ - سَمِعَ كعب بن مالك يُنشدُ:\nأَلَا هَل أَتَى غَسَّانَ عَنَّا ودُونَنَا ... مِن الأَرضِ خَرْقٌ غَوْلُهُ مُتَتَعْتِعُ\nمُجَالَدَنا عَن جِذْمِنا كُلّ فَخْمةٍ ... مُذرَّبَةٍ فيها القَوانسُ تَلْمَعُ (١)\nفقال: «لا تقل: عَنْ جِذْمِنا، وقل: عَنْ دِينِنا. فكان كعب يقرأ كذلك، ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعانَ رسولُ الله - ﷺ - أحدًا في شعره غيري» (٢).\nمِمَّا يدل على معرفته بنقد الشعر وفهمه له ﵊. وروى السكريُّ أَنَّ كعب بن زهير ﵁ عندما أنشد قوله في وصف راحلته بين يدي الرسول - ﷺ -:\nوَجْناءُ في حُرَّتَيْها لِلبَصِيْرِ بِها ... عِتْقٌ مُبِيْنٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ\nاستوقفه الرسول - ﷺ - وسأل الصحابة: \"ما حُرَّتاها؟ \" فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم. فقال رسول الله - ﷺ -: \"هما أذناها\"، نسبهما إلى الكرم. (٣) وذكر الزهري ما كان يحفظه النبي - ﷺ - من الشعر فقال: «كان رسول الله لا يقول من الشعر إلا ما قد قيلَ قبله» (٤)، أي أَنَّه كان يَحفظ من شعر الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>حكم الاستشهاد بالشعر في التفسير:</span>\nأما حكم الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن، فقد نُقِلَ عن الإمام أحمد بن حنبل أنه «سُئِلَ عن القرآن تَمثلَ له الرجل بشيء من الشعر،\n_________\n(١) المُجالدةُ: المدافعة، الفخمة: الكتيبة العظيمة، المذربة: المدربة على القتال، القوانس: جمع قونس، وهي أعلى خوذة الحديد. انظر: ديوانه ٥٦\n(٢) الفاضل للمبرد ١٢، الروض الأنف للسهيلي ٦/ ١٠٤، جزء في أحاديث الشعر للمقدسي ١٠٧.\n(٣) انظر: شرح بانت سعاد لعبداللطيف البغدادي ١٣٠ - ١٣١، شرح قصيدة كعب بن زهير لابن هشام ٢١٠.\n(٤) أخبار النحويين البصريين ٨٤.","vol":"1","page":44},{"text":"فقال: «ما يُعْجِبُنِي» (١). وقد انتقد بعضُ العلماء النحويين؛ لاستشهادهم بالشعر في تفسير القرآن وقالوا: «إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشعرَ أصلًا للقرآن ... وكيف يَجوزُ أَن يُحتجَّ بالشعر على القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] (٢)، وقال النبي - ﷺ -: «لأَنْ يَمتلئَ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئَ شعرًا؟» (٣).\nكما استغرب ابن حزم من صنيع اللغويين فقال: «ولا عَجَبَ أَعجبُ مِمَّن إن وجدَ لامرئ القيسِ، أو لزهير (٤)، أو لجرير (٥)، أو الحطيئة، أو الطرماح، أو للشماخ، أو لأعرابيٍّ أسديٍّ أو سُلَميٍّ، أو تَميميٍّ، أو من سائر أبناء العربِ بوالٍ على عقبيه لفظًا في شِعْرٍ أَو نَثرٍ جَعَلَهُ في اللغة، وقطعَ بهِ، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله - تعالى - خالقِ اللغاتِ وأَهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجةً، وجَعَلَ يصرفُهُ عن وجهه، ويُحرِّفه عن مواضعه، ويتحيل في إحالتهِ عمَّا أوقعهُ اللهُ عليهِ، وإذا وجد لرسول الله - ﷺ - كلامًا فعل به مثل ذلك.\nوتالله لقد كان محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنبوة وأيام كونه فتى بِمكةَ بلا شك عند كل ذي مُسْكةٍ من عَقْلٍ أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به من ذلك حجةً من كل خِنْدِفيٍّ وقيسيٍّ وربيعيٍّ وإياديٍّ وتيميٍّ وقُضاعيٍّ وحِميريٍّ،\n_________\n(١) المسودة في أصول الفقه ١/ ٣٨٣، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٣٠٢.\n(٢) الشعراء ٢٢٤.\n(٣) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٠٠، والحديث تقدم تخريجه قريبًا.\n(٤) هو زهير بن ربيعة أبي سُلْمَى المُزني، من شعراء المعلقات، عَدَّهُ ابنُ سلاَّم من الطبقة الأولى من الجاهليين توفي سنة ٦٠٩ م. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥٠، ٦٣ - ٦٥، الشعر والشعراء ١/ ١٣٧.\n(٥) هو جرير بن عطيَّة الخَطَفَى اليَربوعيُّ التَميميُّ، توفي سنة ١١٣ هـ على خلاف، وهو من أبرز الشعراء الإسلاميين، وقد أكثر المفسرون من الاستشهاد بشعره. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٧٤، الشعر والشعراء ١/ ٤٦٤.","vol":"1","page":45},{"text":"فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنِّذَارةِ (١) واجتباه للوساطةِ بينه وبين خلقهِ وأجرى على لسانه كلامَهُ وضَمِنَ حفظه وحِفظَ ما يأتي به؟» (٢).\nوقال الرازي: «إذا جوزنا إثبات اللغة بشعرٍ مَجهولٍ، منقول عن قائلٍ مجهولٍ، فلأن يَجوزَ إثباتُها بالقرآنِ العظيم كان أولى ... وكثيرًا أرى النحويين يتحيَّرونَ في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيتٍ مَجهولٍ فرحوا به، وأنا شديدُ التعجبِ منهم، فإِنَّهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المَجهولِ على وفقه دليلًا على صحته، فلأن يَجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى» (٣)، ويقول أيضًا: «والعَجَبُ من هؤلاء النحاةِ أَنَّهم يستحسنون هذه اللغةَ بِهذين البيتين المَجهولين، ولا يستحسنون إثباتَها بقراءةِ حَمزةَ ومُجاهد، مع أَنَّهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن» (٤) وهذه الأقوال من ابن حزم والرازي لا تدل على كراهية الاستشهاد بالشعر في التفسير واللغة، وغايتها التعجب من العناية بشعر العرب وشواهده، وإغفال شواهد القرآن والحديث.\nفأَمّا قول الإمام أحمد فظاهرهُ المنعُ من ذلك، غير أَنَّ بعض أصحابه قد ذهب به إلى الكراهة، أو أَنَّ المقصود به مَن يصرفُ الآية عن ظاهرها إلى معانٍ صالحةٍ مُحتملةٍ يدلُّ عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافه. وكأَنَّ صنيعَ أبي عُبيدة مَعمر بن المُثَنَّى (٥) في «مَجازِ القرآن» كان دافعًا لقول الإمام\n_________\n(١) النِّذارةُ هي الإِنذارُ، وهي لفظةٌ نادرة حُفظت عن الإمام الشافعي، ولا توجد في معاجم اللغة إلا معزوة له. انظر: الرسالة للشافعي ١٥.\n(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣/ ٢٣١.\n(٣) تفسير الرازي ٩/ ٥٧، دراسات لأسلوب القرآن الكريم لمحمد عضيمة ١/ ٢٧.\n(٤) تفسير الرازي ٩/ ١٧٠.\n(٥) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري، علامة بشعر العرب وأخبارها =","vol":"1","page":46},{"text":"أحمد هذا، وسيأَتي تفصيلُ ذلك عند الحديث عن كتابِ أبي عُبيدة.\nوذكر الفراء الحنبلي (ت ٥٢٦ هـ) (١) في ذلك روايتين عن الإمام أَحْمد، وقال: «أصحُّهما لا يَجوزُ؛ لأن تفسيرَ القرآنِ يَجبُ أن يؤخذَ توقيفًا ... وفيه روايةٌ أخرى: يَجوزُ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ نَزلَ بلغتهم، فجازَ تفسيرهُ على معاني كلامهم» (٢).\nوقول الإمامِ أَحْمد: «ما يُعجبُنِي» محتملٌ لأكثرَ مِن وجهٍ من الكراهة وما فوقها، غَيْرَ أَنَّ عملَ السَّلفِ من لدنِ ابن عباس وحتى عصر الإمام أحمد وبعده موافق للرواية الثانية للإمامِ أَحْمد، فقد استشهدوا بالشعر على تفسير القرآن الكريم، ولم ينقل عن أحد منهم إنكارٌ على من فعل ذلك (٣)، بل نقل عن ابن عباس قوله: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٤). وكان إذا سُئِل عن الشيء من عربية القرآن يُنْشِدُ الشعر (٥).\n_________\n=وغريب اللغة، اتهم برأي الخوارج، وله أكثر من مائتي مصنف، أشهرها مجاز القرآن الذي يعد من أهم مصادر الشاهد الشعري في التفسير، وشرح النقائض، وغيرها. توفي سنة ٢١٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٢٥٢، سير أعلام النبلاء ٩/ ٤٤٥، وقد كتب عنه الدكتور محمد بن خالد الفاضل رسالة الماجستير بعنوان: «أبو عبيدة ودراساته النحوية في كتابه مجاز القرآن». بقسم النحو بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام، عام ١٤٠١ هـ. وكتب الدكتور نهاد الموسى عنه رسالته الدكتوراه بعنوان: «أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثنَّى» نشرتها دار العلوم بالرياض عام ١٤٠٥ هـ.\n(١) هو محمد بن محمد بن الحسين الفراء، القاضي، كان عارفًا بمذهب الحنابلة، له من المصنفات: التمام لكتاب ... الروايتين والوجهين وهو تكملة لكتاب أبيه، والمفردات في أصول الفقه. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٧٦.\n(٢) انظر: التمام للفراء الحنبلي ١/ ١٦٥ - ١٦٦، المسودة ١/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار ١٦٠.\n(٤) أثرٌ حَسَنٌ عن ابن عباس، أخرجه الحاكم برقم ٣٨٤٥ وقال: صحيح الإسناد، وقيل: حسن الإسناد. انظر كتابه: المقدمات الأساسية في علوم القرآن ٣٠٩.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة رقم: ٢٩٩٧٤ وعبدالله بن أحمد في زوائد فضائل الصحابة رقم ١٩١٦ من طريق عكرمة عن ابن عباس، وإسناده صحيح. وكذلك روى عبيدالله بن عبد الله بن =","vol":"1","page":47},{"text":"وكتبُ التفسيرِ حافلةٌ بالشواهد الشعرية، مما يدلُّ على أَنَّهم يرونَهُ جائزًا، وإن كان بعضُ العلماءِ يتورع عن مثل هذا، كما فعل أَحْمدُ بن فارس (١) عندما استشهد ببيتٍ للأَعشى (٢) وهو قوله:\nلو أَسْنَدَتْ مَيْتًا إِلى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلى قَابِرِ (٣)\nثُمَّ استشهدَ بعدَهُ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١] (٤)، حيث قال: «ولولا أَنَّ العلماءَ تَجوزُوا في هذا لَمَا رأينَا أَن يُجمعَ بينَ قولِ الله، وبينَ الشِّعْرِ في كتابٍ، فكيف في ورقةٍ، أو صفحةٍ، ولكنَّا اقتدينا بِهم، واللهُ تعالى يغفرُ لنَا، ويعفو عنَّا وعنهم» (٥). وغاية ما يدل عليه هذا النص ورعُ بعضِ العلماء عن الجمع في الاستشهاد بين الشعر والقرآن، مع إشارة ابن فارس إلى أَنَّ العلماء قد تواردوا على العمل بهذا في كتبهم ورواياتهم.\nولذلك يقول ابن الأنباري بعد أن أوردَ خَمسين مسألة من مسائل سأل نافعُ بن الأزرقِ (٦) عنها عبدَالله بن عباس، فكان ابن عباس يجيبه\n_________\n= عتبة نحوه عن ابن عباس، كما أخرجه سعيد بن منصور في التفسير رقم ٩١، وأحمد في الفضائل رقم ١٨٦٥ وأبو عبيد في فضائل القرآن ٣٤٣، وغريب الحديث ٤/ ٣٧٣، والبيهقي في شعب الإيمان رقم ١٦٨١.\n(١) هو أحمد بن فارس بن زكريا الرازي العلامة اللغوي الثقة، توفي عام ٣٩٥ هـ، من كتبه مقاييس اللغة، والصاحبي في فقه اللغة، وغيرها. انظر: معجم الأدباء ١/ ٥٣٣.\n(٢) هو أبو بصير ميمون بن قيس البكري، اشتهر بالأعشى الكبير، ولقب بصنَّاجةِ العرب، عده ابن سلام من الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو أكثر من استشهد المفسرون بشعره من شعراء الجاهلية. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٥٧، معجم الشعراء لعفيف عبدالرحمن ٣٢٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٩٣.\n(٤) عبس ٢١.\n(٥) مقاييس اللغة ٥/ ٤٧.\n(٦) هو أبو راشد نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري، رأس فرقة الأزارقة من الخوارج، وإليه ينسبون، كان أمير قومه وفقيههم، من أهل البصرة، كان كثيرًا ما يسأل عبدالله بن عباس ﵄ عن مسائل من القرآن الكريم والعلم، وكانت بينهما مكاتبات، قُتِل نافع بن الأزرق في وقعة دولاب عام ٦٥ هـ. انظر: الكامل ٣/ ١١٠٢، لسان الميزان ٦/ ١٤٤.","vol":"1","page":48},{"text":"عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أنا نجتزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أن جماعة لا علم لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (١).\nوأَمَّا ما نُقِلَ عن بعض العلماء من إنكارهم على النحويين استشهادهم بالشعر في التفسير فقد ردَّ محمد بنُ القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) (٢) هذا القول فقال: «فأمَّا ما ادَّعوه على النَّحويِّينَ مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، فليس كذلك، إنَّمَا أرادوا أنْ يَتَبَيَّنُوا الحرفَ الغريبَ منَ القرآنِ بالشِّعْرِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] (٣)، وقالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٤)، وقال ابن عباس: «الشعر ديوان العرب». فإذا خَفِيَ عليهم الحَرْفُ من القرآنِ الذي أنزلَه اللهُ بلغةِ العربِ، رجعوا إلى ديوانها فالتمسُوا معرفةَ ذلك منه ...» (٥).\nوما ذكره ابن حزم والرازي رحمهما الله من تعجبهم من صنيع اللغويين والعلماء في استشهادهم بالشعر، وتركهم للقرآن الكريم، فإن هذا لم يكن منهجًا لأحد من العلماء فيما اطلعت عليه، وإِنَّما المنهج الذي سار عليه العلماء أَنَّهم قد جعلوا القرآن أصلًا أصيلًا يُقَاسُ عليهِ، وأن الشعر يأتي بعد ذلك من حيث الاستشهاد والثقة، غير أن القرآن\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٩٩ - ١٠٠، والإتقان ١/ ١٤٩.\n(٢) هو محمد بن القاسم بن بشار الأنباري اللغويُّ المقرئُ الثقة ذو الفنون، (٢٧٢ - ٣٢٨ هـ) له من الكتب: الأضداد، وإيضاح الوقف والابتداء، وغيرها، وهو من أحفظ العلماء لشواهد التفسير الشعرية، روى عنه أبو علي القالي كثيرًا منها في أماليه. انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٣٠٦، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧٤.\n(٣) الزخرف ٣.\n(٤) الشعراء ١٩٥.\n(٥) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":49},{"text":"الكريم مَحدودٌ، وأساليب العرب في الكلام أوسع من ذلك، فلجأ العلماء إلى الشعر لذلك، فالمعيب هو إسرافهم في الاعتماد على الشعر.\nوالذي عليه العلماء، هو جواز الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وعدم وجود دليلٍ يَمنع من ذلك، بل إن البحث يذهب إلى أن القرآن الكريم نفسه هو الذي وجَّهَ إلى الاستشهاد بالشعر على التفسير، وهذا يُفهَمُ من قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (١)، وأمثالها من الآيات التي وصفت القرآن بأنه عربي مبين. يقول الشاطبي (٢): «وأما إذا نظرنا إلى الأمر في نفسه، فالاستشهاد بالمعنى، فإذا كان شرعيًا فمقبول، وإلا فلا» (٣).\nوقد فهم بعض الكُتَّابِ أمرَ الاستشهاد على تفسير القرآن بالشعر على غير وجهه، كما ذكر ابن الأنباري من أنهم قالوا أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، ونحو ذلك، ولإيضاح الأمر، فإن في القرآن الكريم كلمات ذات معانٍ ظاهرة يعرفها الناس كلهم، وهذه الكلمات لا يحتاج مفسر الآية إلى الاستشهاد عليها بشيء من الشعر أو النثر، وهذه كثيرة جدًا في القرآن الكريم.\nوفي القرآن كلمات ذات معانٍ متعددة، ومن هذه المعاني ما هو معروف متداول على ألسنة العرب، ومنها ما ليس كذلك. فإذا اقتضت البلاغة في نظر المفسر أن يحمل مثل هذه الكلمات على معنى غير المعنى المعروف لدى الجمهور من العرب احتاج إلى الاستشهاد بشعر العرب أو نثرها، بحيث تكون دلالته على هذا المعنى الذي ذهب بالآية\n_________\n(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، أصولي فقيه لغوي، له مصنفات فائقة أهمها الموافقات، والاعتصام، وشرح ألفية ابن مالك. انظر: شجرة النور الزكية ٢٣١، الموافقات ٦/ ٧.\n(٢) الموافقات ١/ ١١٦.\n(٣) الموافقات ١/ ١١٦.","vol":"1","page":50},{"text":"أو اللفظة المفردة إليه واضحةً، حتى لا يتردد في قبول التفسير من لم يقف على أن هذه الكلمة قد تستعمل عند العرب في غير المعنى المشهور الذي يعرفه غالب العرب.\nوفي القرآن كلمات غريبة، يحتاج المفسر عند بيان معناها إلى الاستشهاد بشيء من كلام العرب، حتى يعلم طالب العلم أن التفسير لم يخرج عن حدود اللسان العربي، فيطمئن إلى صحة التفسير لا إلى أن القرآن عربي، فإن هذا لا يشك فيه مؤمن عرف القرآن، ومارس العلم.\nوفي القرآن الكريم آيات تحتمل أوجهًا من الإعراب، ومن الواضح أن معنى الآية يختلف باختلاف وجه إعرابها، فقد يختار المفسر من الإعراب وجهًا يراه أليق بالبلاغة، أو أثبت بحكمة المعنى، ويكون هذا الوجه من الإعراب يستند إلى حكم عربي غير معهود لبعض أهل العلم، فيخشى إنكارهم لأن يكون هذا الوجه صحيحًا عربية، فيعمد إلى دفع هذا الإنكار بإقامة شاهد من لسان العرب على صحة ما ذهب إليه من الإعراب.\nفالاستشهاد بالشعر على صحة تفسير لفظةٍ أو جُملةٍ من القرآن الكريم قائم على دواعٍ معقولة، وقد يصيبُ المفسر الذي يستشهد بالشعر أو يُخطيءُ، وقد يذهب في الاستشهاد مذهبًا يوافق عليه، أو يعارض فيه، غير أن هذا بابٌ آخر غير باب الجواز من عدمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المسائل التي يُستَشهَدُ لَها:</span>\nلغة العرب من حيث الظهور وعدمه تنقسم إلى قسمين:\nالأول: الظاهر البَيّن الذي يعرفه الجميع، ولا يكاد يختلف فيه العرب. وهذا القسم هو غالب اللغة التي يتخاطب بها العرب، ونزل بها القرآن الكريم، وتحدث بها النبي - ﷺ -، وهذا النوع لا حاجة إلى الاستشهاد عليه، لظهوره وعدم دخول الإشكال فيه، ويدخل في ذلك","vol":"1","page":51},{"text":"المفردات والأساليب، فإن العلماء لم يستشهدوا على كثير من مسائل اللغة والنحو، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، لوضوحها وظهورها، وعدم وجود الخلاف فيها بين العرب. ولذلك تجد في عباراتهم مثل قول ابن الأنباري: «فأما معنى الضجر فإنه لا يحتاج إلى شاهد لشهرته عند الناس» (١). وقوله أيضًا: «وكون «لا» بمعنى الجحد -النفي عند البصريين- لا يَحتاجُ إلى شاهد» (٢).\nالثاني: الغريب الذي لا يعرفه كل أحد، وإنما يختص بمعرفته أناس دون أناس، وهم العلماء الذين فُضِّلوا بِمَزيدِ معرفةٍ ودرايةٍ. وهذا النوع هو الذي يحتاج إلى الشواهد من كلام العرب لتحقيقه وتفسيره. وقد سُئِل ابن قتيبة «هل كانت العرب قبل نزول القرآن، وقبل مبعث النبي - ﷺ - تستوي في المعرفة من جهة اللغة بجميع الأسماء التي في القرآن، وما تحتها من المعاني؟». فأجاب ﵀ بقوله: «والعرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضل في ذلك على بعض، والدليل عليه قول الله جل وعز: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] (٣)، ونحن نذهب إلى أن الراسخين في العلم يعلمونه على ما بَيَّنَّا، فأعلمنا الله ﵎ أن من القرآن ما لا يعلمه من العرب إلا من رسخ في العلم» (٤).\nويقول ﵀ بعد ذلك: «وكذلك هي - أي العرب - في الغريب ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم، وقد يختلفون في الحروف كما نختلف، ويقول العالم في الشيء يُسألُ عنه من اللغة: لا أعرفه، ويعرفه غيره، فيُخْبِرُ بهِ» (٥).\n_________\n(١) الأضداد ١٠٧.\n(٢) المصدر السابق ٢١١.\n(٣) آل عمران ٧.\n(٤) المسائل والأجوبة ٤٨.\n(٥) المصدر السابق ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":52},{"text":"فالقسم الثاني من اللغة، وهو الغريب، هو الذي بالمفسر حاجة إلى الاستشهاد عليه بشعر العرب ونثرها، ليتضح معناه، وتطمئن النفس إلى صحته وسلامته.\nوقد ذكر الزركشي (١) قيدًا آخر عند حديثه عن التفسير الذي يرجع فيه إلى لغة العرب لفهمه، وهو أنه: «إن كان ما تتضمنه ألفاظها - أي اللغة - يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان مِمَّا يوجبُ العلمَ دون العمل لم يكف ذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر» (٢).\nوما ذكره الزركشي قد يُسَلَّمُ بصحته للناظرِ فيه لأولِ وَهْلَةٍ، ولكن عند تتبع الألفاظ الغريبة التي وردت في القرآن الكريم يجد أن ما ينبني عليه حكم شرعي عملي، يدخل في حيز القسم الأول، وهو الظاهر الذي لا يكاد يختلف فيه العرب، ولم يأت من الألفاظ الغريبة مِمَّا يترتبُ عليه حكمٌ علمي شيء يذكر، فكل ما يحتاجه المسلم المكلف في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، قد ورد بأوضح عبارة، وأجلى بيان، كي لا يكون على المسلم حرج في فهم ما كلفه الله به.\nوأما ما ورد من الألفاظ الغريبة فإنه قد ورد في ثنايا القصص، والآيات الكونية، ونحو ذلك مِمَّا لا يتعلق به حكم اعتقادي أو عملي، ويمكن القول بأن الزركشي قد لجأ إلى هذا التقسيم احتياطًا منه، بأن لا يكتفى في تفسير ما يتعلق به حكم بما لا يكفي في إيضاحه وبيانه من\n_________\n(١) هو بدر الدين محمد بن عبدالله بن بَهادُر الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ)، عالم متفنن ثقة، له مصنفات عديدة في علوم القرآن وأصول الفقه والفقه، ومن أهم كتبه كتاب البرهان في علوم القرآن وهو من أوائل المصنفات في هذا العلم. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ٣٩٧، طبقات المفسرين للداوودي ٢/ ١٦٢.\n(٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ٣٠٦، وانظر ١/ ٣٩٧.","vol":"1","page":53},{"text":"الشواهد، وذلك حتى يصان القرآن الكريم من حمله على لغات شاذة من لغات العرب، وقد أَكَّدَ المفسرون على قاعدة جليلة من قواعد التفسير، وهي أنه يحمل كلام الله على الغالب الظاهر من لغة العرب لا على النادر؛ «لأن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف» (١).\nولا يَهُمُّ في الاستشهاد موضوع الشعر، فإنه يصح الاستدلال به على صحة اللغة ولو كان معناه فاحشًا، خلافًا لمن لا يرى ذلك. قال الجرجاني: «وقد استشهد العلماءُ لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٢).\n***\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣١١ - ٣١٢، ١٥/ ١٧٥ - ١٧٦، ٣٢١، ٣٣٣.\n(٢) دلائل الإعجاز ١٢.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الباب الأول:\nالشعر وموقف السلف من الاستشهاد به في التفسير</span>.\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: الشاهد الشعري.\nالفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الأول: الشاهد الشعري</span>.\nالمبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري.\nالمبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية.\nالمبحث الثالث: الشاهدُ الشعري المُحْتَجُّ به.\nالمبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري.\nالمبحث الخامس: مصادر الشعر المُحتج به.\nالمبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي.\nالمبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي، وخطره على تفسير القرآن.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول:\nتعريف الشاهد الشعري</span>.\nدراسة تعريف الشاهد الشعري تقتضي دراسته لغة واصطلاحًا، وما يبنى على هذا التعريف الاصطلاحي من أوجه الاختلاف والاتفاق مع المثال، وكذلك المراد بالشاهد أهو موضع الاستشهاد أم البيت المستشهد به كله؟ وهل إطلاق الشاهد عليه من إطلاق البعض وإرادة الكل؟ وهذا المبحث متناولٌ هذه الأمور كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أولًا - التعريف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الشاهدُ لغةً:</span>\nالشاهد: اسم فاعل من الفعل شَهِدَ، و(شَهِدَ) أصلٌ يدل على حُضُورٍ وعِلْمٍ وإعلامٍ، لا يخرج شيء من فروعه عن ذلك (١). أما الشاهد عند المفسرين فقد قال الكفوي (٢): «قال المفسرون: شَهِدَ بِمَعنى (بَيَّنَ) في حق الله، وبِمَعنى (أَقرَّ) في حق الملائكة، وبِمَعنى (أَقَرَّ واحتَجَّ) في حق أولي العِلمِ من الثَّقَلَيْنِ» (٣).\nويطلق الشاهد في اللغة على معانٍ متعددة، منها الحاضر الذي يحضر الأمرَ ويشهده (٤).\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ٣/ ٢٢١.\n(٢) هو أبو البقاء أيوب بن سليمان الحسيني القريمي الكفوي، المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ، له كتاب الكليَّات. انظر: معجم المعاجم لأحمد الشرقاوي إقبال ٤٩.\n(٣) الكُليَّات للكفوي ٥٢٧.\n(٤) انظر: لسان العرب ٧/ ٢٢٢.","vol":"1","page":58},{"text":"ومنها اللسان، من قولهم: لفلان شاهدٌ حسنٌ، أي: عبارة جميلة (١).\nومنها المَلَك، كما في قول الأعشى:\nفلا تَحسَبَنِّي كافرًا لكَ نِعمَةً ... عَلى شاهِدي يا شَاهِدَ اللهِ فاشْهَدِ (٢)\nفشاهده اللسان، وشاهد الله جل ثناؤه هو المَلَكُ (٣).\nومنها الشاهد عند القاضي والحاكم، وهو الذي يبين ما يعلمه ويشهد به أمام القاضي (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] (٥)، وغير ذلك من المعاني (٦).\nوالشواهد التي يُستشهد بِها في التفسير واللغة والنحو وغيرها متعددة منها القرآن الكريم، وكلام العرب نثرًا وشعرًا، ويدخل في النثر الحديث النبوي، والأمثال، والخطب وغيرها، ومن أجل ذلك قيد وصف الشاهد بالشعري ليخرجَ ما عداه من أنواع الشواهد الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الشاهد الشعريُّ اصطلاحًا:</span>\nالشاهد عند أهل العربية - كما يقول التهانوي- هو «الجزئي الذي يُستشهدُ به في إثبات القاعدة، لكون ذلك الجزئي من التنْزيلِ، أو من كلام العرب الموثوق بعربيتهم» (٧).\nوعلى هذا التعريف للشاهد ملحوظتان:\nإحداهما: أنه قيَّدَ وظيفةَ الشاهد بـ «إثبات القاعدة». ووظيفة الشاهد عند علماء العربية تتجاوز إثبات القاعدة وتأكيدها، إلى الحكم بصحة\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ٦/ ٧٦، لسان العرب ٧/ ٢٢٦ (شهد).\n(٢) انظر: ديوانه ٢٤٣.\n(٣) انظر: مقاييس اللغة ٣/ ٢٢١.\n(٤) انظر: الصحاح ٢/ ٤٩٤، لسان العرب ٧/ ٢٢٢ (شهد).\n(٥) التوبة ١٧.\n(٦) انظر: الصحاح ٢/ ٤٩٤، لسان العرب ٧/ ٢٢٢ (شهد)، التعريفات ١٦٤، القاموس المحيط ٣٧٢ (شهد)، خزانة الأدب ١/ ٣٠١.\n(٧) كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ١٠٠٢ - ١٠٠٣ (الشاهد).","vol":"1","page":59},{"text":"اللفظة، والتركيب، وبيان ما قد يعتري القاعدة من الشذوذ وعدم الاطراد، إلا إذا كان التهانوي يعني أن الشواهد التي أوردها العلماء لما خالف القاعدة لا يقصد بها إثبات قاعدة جديدة، وإنما جيء بها لبيان ما ورد عند العرب مخالفًا لتلك القاعدة، وأنه من القلة بمكان فلا يلتفت إليه، ومثل هذا يؤدي في النهاية إلى تثبيت القاعدة الأولى وترسيخها.\nالثانية: قد يُفْهَمُ من عبارة «الجزئي» أن المقصود هو موضع الشاهد فحسب، لا الجملة المشتملة على ذلك الشاهد، سواء أكانت شاهدًا شعريًا أم نثريًا، في حين أن المقصود بالشاهد هو جملة الشاهد كلها. وكثير ممن شرح الشواهد الشعرية يذكر البيت المستشهد به ثم يقول: الشاهد في البيت كذا (١). من ذلك قول الشَّنْتَمَريّ (٢) بعد إيراده بيت الأعشى:\nأَقُولُ لَمَّا جاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحانَ مِنْ عَلْقَمةَ الفاخِرِ (٣)\n«الشاهد فيه نصب «سُبْحَانَ» على المصدر، ولزومها للنصب من أجل قلة التمكن ...» (٤).\nوأحيانًا يطلق الشاهد على البيت كله دون تعيين لموضع الشاهد منه، كما في «شرح أبيات الجمل» لابن السِّيْدِ البَطَلْيَوْسي (٥) حيث يقول في شرح بيت المرار الأسدي:\n_________\n(١) كالسيرافي في «شرح أبيات سيبويه»، والشنتمري في «تحصيل عين الذهب»، ومن المتأخرين الدكتور ناصر حسين علي في «شرح أبيات معاني القرآن للفراء»، ومحمد الشافعي في «شرح شواهد شذور الذهب».\n(٢) هو أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأَعْلَمِ الشنتمري، فالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقًا واسعًا، والشنتمري نسبة إلى شَنْتَمَرِيَّة الغرب، من كبار علماء اللغة والنحو بالأندلس، توفي سنة ٤٧٦ هـ من مؤلفاته تحصيل عين الذهب وهو شرح لأبيات سيبويه. انظر: إنباه الرواة ٤/ ٦٥.\n(٣) انظر: ديوانه ١٩٣، الكتاب ١/ ١٦٣.\n(٤) تحصيل عين الذهب ٢٠٨.\n(٥) هو أبو محمد عبدالله بن السِّيْد - بكسر السين من أسماء الذئب - البَطَلْيَوْسي الأندلسي، لغوي نحوي، توفي سنة ٥٢١ هـ. من مؤلفاته الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، وشرح أبيات الجمل، وغيرها. انظر: إنباه الرواة ٢/ ١٤١.","vol":"1","page":60},{"text":"لقدْ عَلِمَتْ أُولى المُغِيْرَةِ أَنَّنِي ... لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّربِ مِسْمَعَا (١)\n«وأنشد سيبويه هذا البيت شاهدًا على إعمال المصدر وفيه الألف واللام» (٢). ويكون المراد موضع الشاهد بدليل بيانه لوجه الاستشهاد.\nوعلى هذا يكون المقصود بالشاهد الشعري اصطلاحًا هو الشعرُ الذي يُستشهدُ به في إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، لكونه من شِعْرِ العرب الموثوق بعربيتهم.\nوقد انصرفت عناية رواة الأخبار المتقدمين إلى حفظ الأشعار المشتملة على الشواهد، والأمثال (٣)؛ لأن مدار العلم على الشاهد والمثل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا: معنى التمثيل، والفرق بين الشاهد والمثال:</span>\nالتمثيل «يطلق على ما ليس من كلام العرب من النصوص - بِمصطلح النحاة - متجاوزًا عصر التوثيق للغة، أو مصنوعًا للبيان والإيضاح» (٥). ولهذا فإنَّ أئمةَ اللغة لا يستشهدون ولا يحتجون على اللغة والنحو والصرف إلا بالشواهد الموثوق بفصاحتها، وإيراد النحويين للشواهد الشعرية للمُولَّدين من باب التمثيل والاستئناس وتوضيح القاعدة ليس إلا، ولا تتخذ الشواهد الشعرية للمولَّدين حجةً تقعَّدُ بناء عليها قواعد نحوية عند جمهور النحويين.\nوأما في المعاني والبيان والبديع فإنهم يستشهدون عليها بأشعار المولَّدين وغيرهم؛ وذلك لأن المعاني «يتناهبها المُولَّدونَ كما يتناهبها المتقدمون» (٦).، وهذا «صَحِيحٌ بَيِّنٌ؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع\n_________\n(١) انظر: الكتاب ١/ ١٩٢ - ١٩٣، خزانة الأدب ٨/ ١٢٩.\n(٢) كتاب شرح أبيات الجمل ١١٥.\n(٣) انظر: البيان والتبيين ٤/ ٢٤.\n(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧١٢.\n(٥) الرواية والاستشهاد للدكتور محمد عيد ٦٨.\n(٦) الخصائص ١/ ٢٤.","vol":"1","page":61},{"text":"الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض» (١).\nفالمِثَالُ - بالكسر- يطلق على الجزئي الذي يُذكرُ لإيضاح القاعدة، وإيصالها إلى الفهم، كما يُقال: الفاعل كذا ومثاله زيد في: ضرب زيد، وهو أَعَمُّ من الشاهد (٢). ولذا فإن كل ما يصلح شاهدًا يصلح مثالًا من غير عكس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثالثًا: معنى الاحتجاج</span>.\nيَرِدُ كثيرًا التعبير بالاحتجاج بدل الاستشهاد كقولهم: «واحتجوا بكذا»، و«هذا لا يحتج به»، ونحو ذلك. والاحتجاج هو تقديم الحُجَّةُ. والحُجَّةُ هي البُرهانُ (٣). وقال الليث: «الحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وجَمعُها حُجَجٌ» (٤). قال الأزهري: «وإِنَّما سُمّيت حجة لأَنَّها تُحَجُّ، أي: تقصد؛ لأَنَّ القصد لها وإليها» (٥). ومِن معاني الحَج الغَلَبَةُ بالحُجَّةِ (٦).\nفَحُجَجُ النحو إذن «براهين تقام من نصوص اللغة للدلالة على صحة رأي، أو قاعدة، والاحتجاج في النحو معناه الاعتماد على إقامة البراهين من نصوص اللغة شعرًا أو نثرًا» (٧). فكلٌّ من الاستشهادِ والاحتجاج يؤديان غرضًا واحدًا، ورُبَّما يكون متطابقًا، هو «إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، بدليلٍ نقليٍّ صحَّ سَنَدُهُ إلى عربيٍّ فصيحٍ، سَليمِ السَّليقةِ» (٨). وهذا الدليل النقلي هنا هو الشاهد الشعري.\nوهناك من يُعبِّرُ بلفظة «الحُجَّةِ» بدل «الشاهد» عند شرحه للشاهد\n_________\n(١) العمدة في صناعة الشعر ونقده ٢/ ٩٨٥.\n(٢) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١٤٤٧ (المثال).\n(٣) القاموس المحيط ٢٣٤ (حج).\n(٤) تهذيب اللغة ٣/ ٣٩٠.\n(٥) المصدر السابق ٣/ ٣٩٠، لسان العرب ٣/ ١٥٨ (حجج).\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ٣/ ٣٩٠.\n(٧) الرواية والاستشهاد باللغة ٨٦.\n(٨) أصول النحو لسعيد الأفغاني ٦.","vol":"1","page":62},{"text":"الشعري، كما عند أبي جعفر النحاس (١) في شرحه لشواهد سيبويه (٢) حيث يكثر من عبارة «وهذا حجة لكذا». يقول بعد إيراده لبيت من أبيات الكتاب وهو قول هُدْبَةَ بنِ خَشْرَم (٣):\nعسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكون وراءه فرج قريبُ (٤)\n«حُجَّةُ أنَّ «أنْ» محذوفة، أراد: عسى الكربُ أن يكونَ وراءه فرجٌ» (٥). وقال تعقيبًا على قول أبي طالب وهو يخاطب النبي - ﷺ -:\nمُحمدُ تفدِ نَفَسكَ كُلُّ نفسٍ ... إذا مَا خفتَ مِنْ أمرٍ تَبَالا (٦)\n«والبيتُ حُجةٌ أَنَّ العَرَبَ لا تأمر الغائب إلا باللام» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>رابعًا: نشأة مصطلح الشاهد</span>.\nبدأ الشاهد يأخذ معناه الاصطلاحي قديمًا، حيث يُعَدُّ المفسرون أول من اتخذ من الشعر شواهد لفهم غريب القرآن الكريم، وذلك على يد حبر الأمة عبدالله بن عباس، كما في مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄ (٨).\n_________\n(١) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، نحوي لغوي، من مصنفاته «معاني القرآن»، و«إعراب القرآن»، و«شرح أبيات سيبويه» وغيرها. توفي سنة ٣٣٨ هـ. انظر: إنباه الرواة ١/ ١٣٦.\n(٢) الكتاب المطبوع مختصر جدًا، وفيه شواهد كثيرة ليست من شواهد سيبويه، وهو مخالف لما وصفه العلماء من الغزارة وسعة المسائل والفوائد، مما دفع الدكتور خالد عبدالكريم جمعة إلى التشكيك في كونه الكتاب الأصلي لابن النحاس الذي شرح به شواهد سيبويه، وإنما هو في أحسن الأحوال مختصر فيه إخلال واختلاف بقلم أحد النساخ. انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه للدكتور خالد جمعة ٨٧ - ٩٠.\n(٣) هو هدبة بن خشرم بن كُرز، شاعر جاهلي. انظر: خزانة الأدب ٩/ ٣٣٤.\n(٤) انظر: ديوانه ٥٤، الكتاب ٣/ ١٥٩، تحصيل عين الذهب ٤٣٧.\n(٥) شرح أبيات سيبويه ١٥٧.\n(٦) انظر: ديوانه ٧٣، وشرح شذور الذهب لابن هشام ٢٠٢.\n(٧) شرح أبيات سيبويه ١٥٧.\n(٨) انظر: الكامل ٣/ ١١٤٤ وما بعدها، وستأتي في البحث ص ٢١٩.","vol":"1","page":63},{"text":"ويُذْكَرُ أن الفرزدق (١) لما رَدَّ عليه عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي بيتًا من شعره، ولَحَّنَهُ فيه، قال له: «والله لأهجونَّكَ ببيتٍ يكون شاهدًا على ألسنة النحويين أبدًا» (٢). فهجاه بقوله:\nفلو كانَ عبدُ الله مَولىً هَجوتُهُ ... ولكنَّ عبد اللهِ مَولَى مَواليا (٣)\nوالفرزدق توفي سنة ١١٢ هـ، وقد قال ذلك لابن أبي إسحاق الذي توفي سنة ١١٧ هـ (٤). وهذا القول من الفرزدق مستبعد من بدوي مثله، ولا يعول على مثل هذا النقل في إثبات الصفة الاصطلاحية للشاهد الشعري.\nوالذي يُعوَّلُ عليه أَنَّ الشاهد الشعري أصبح يَحملُ المعنى الاصطلاحي الدقيق في الاحتجاج اللغوي والنحوي في القرن الثاني الهجري وما بعده، وذلك في أقدم كتاب نحوي معروف، وكذلك كتب إعراب القرآن المتقدمة كمعاني الفراء والأخفش.\nوقد أصبح لكلمة الشاهد فيما بعد معنى عرفيٌّ ينصرف الذهن عند سماعه إلى الشاهد الشعري دون غيره من أنواع الشواهد الأخرى، وكان للنحويين دور كبير في إكساب هذه اللفظة هذا المعنى (٥).\nوكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم\n_________\n(١) هو هَمَّامُ بنُ غالب التميمي، قيل توفي سنة ١١٢ هـ، شاعر إسلامي من المُقدَّمين، شعره جَزْلٌ، أَكثرَ أهلُ اللغة والنحوِ والتفسير من الاستشهاد به. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٠٠، الشعر والشعراء ١/ ٤٧١.\n(٢) مراتب النحويين ٣١.\n(٣) البيت من شواهد النحويين على أن بعض العرب يجر نحو «جوار» بالفتحة، فيقول: مررت بجواريَ، بالفتح كما في قول الفرزدق «مولى مواليا». انظر: الكتاب ٣/ ٣١٣، ٣١٥.\n(٤) انظر: إنباه الرواة ٢/ ١٠٧، البيان والتبيين ١/ ٢٧١، ٢٥٢، ٤/ ٢٤.\n(٥) انظر: البحث اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر ٣٩، الرواية والاستشهاد لمحمد عيد ١٢٤.","vol":"1","page":64},{"text":"للشاهد الشعري عبارة «وأنشد»، أو «وينشد»، والنشيد هو رفع الصوت، وإنشاد الشعر هو إلقاؤه، وكانت وما زالت عادة ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (١). وهي صيغة من صيغ رواية الشعر المعروفة (٢).\nونظرًا لأن كتب التفسير والدراسات القرآنية المبكرة قد اتخذت من نص القرآن الكريم مادةً لها، تشرحه وتبينه بكل وسيلة، فقد شَملت مسائلَ العربية من نحو ولغة وصرف وبلاغة وغيرها، كما شملت كثيرًا من قضايا التاريخ والسيرة النبوية، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالنص القرآني المفسَّر، ولذلك فقد اشتملت هذه المدونات على أغلب أنواع الشواهد الشعرية المعروفة، ففيها شواهد اللغة والنحو والبلاغة والتاريخ وشواهد أدبية للتمثل وغير ذلك، وقد تعامل المفسرون مع هذه الأنواع كما تعامل معها المتخصصون في هذه العلوم في مصنفاتهم المختصة، وفي المبحث التالي بيان لأنواع الشواهد الشعرية في كتب التفسير.\n* * *\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ١٤/ ١٣٩ - ١٤٠ (نشد).\n(٢) انظر: الشاهد وأصول النحو لخديجة الحديثي ١٤٧.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية</span>.\nعُنِيَ علماءُ السلف بحفظ شعر العرب للاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، وحفظ اللغة العربية وقواعدها، والاحتجاج لذلك، وقد ذكر أصحاب التراجم أن أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن، ضمَّنَه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية (١)، وأَنَّ أبا مِسْحَلٍ الأعرابيّ (٢) كان «يروي عن علي بن مبارك الأحمر أربعين ألف شاهد في النحو» (٣)، وأنَّ خَلَفَ بن حَيَّان الأحمر المتوفى سنة ١٨٠ هـ كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهدًا في النحو، سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب (٤)، ومن أكثر الناس حفظًا لها أبو القاسم ابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، حيث ذُكِرَ في ترجَمته أنَّه كان يحفظُ ثلاثمائة ألفِ بيتٍ شاهدًا في القرآن (٥). وفي ترجمة عبد الوهاب الفاميِّ الشافعي المتوفى سنة ٥٠٠ هـ ذكر هو عن نفسه أنه صنفَ تفسيرًا ضَمَّنَه مائةَ ألف بيتٍ شاهدًا شعريًا من شواهد التفسير (٦). وهذه\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١/ ٦٨.\n(٢) هو عبدالوهاب بن حريش أبو مسحل الهمذاني النحوي اللغوي، حدث عن الكسائي، وكان أعرابيًا قدم بغداد وافدًا على الحسن بن سهل. انظر: إنباه الرواة ٢/ ٢١٨، غاية النهاية ١/ ٤٧٨.\n(٣) انظر: غاية النهاية ١/ ٤٧٨.\n(٤) انظر: تاريخ آداب العرب للرافعي ١/ ٣٥٤، معجم الأدباء ٣/ ٢٩٨.\n(٥) انظر: معجم الأدباء ٥/ ٤١١، وفي رسالة صغيرة طبعت مؤخرًا بعنوان «مجلس من أمالي ابن الأنباري» حققها إبراهيم صالح، أكثر ابن الأنباري فيها الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن، صدرت عن دار البشائر.\n(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٤٩.","vol":"1","page":66},{"text":"الروايات تدلنا على مدى عناية العلماء بحفظ شواهد الشعر لتوظيفها في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد بها على تفسيره ولغته، وأساليبه.\nوقد قسَّمَ الرافعيُّ الشواهدَ الشعريةَ إلى قسمين: شواهد القرآن وهي ما يورده العلماء للاستشهاد على ألفاظ القرآن عند تفسيرها وبيان معانيها، ويغلب عليها جانب اللغة. وشواهد النحو وهي ما أورده النحويون في مروياتهم ومصنفاتهم من الشواهد الشعرية التي بنوا عليها القواعد، واستشهدوا بها على مسائل النحو (١). غير أن هذا التقسيم غير حاصر لأنواع الشواهد الشعرية عامة وفي كتب التفسير خاصة. وفي إضافة الشواهد إلى القرآن نوع من التجوز في العبارة، حيث لا يقال: شواهد القرآن، لعدم حاجة القرآن إلى شواهد تؤيده، وإنما يقال شواهد التفسير. وقد نبَّهَ إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلاَّم بعد أن ذكر أنَّ ابنَ عباس كان يُسأَلُ عن القرآن فينُشدُ فيه الشعرَ بقوله: «يعني أنه كان يستشهد به على التفسير» (٢).\nوقد كان العلماء المتقدمون في اختيارهم للشواهد الشعرية أَهلَ عِنايةٍ بموضوع الشاهد الذي يريدونه، فإن كانت المسألة من الغريب كان لهم نوعُ عنايةٍ بشعرِ بعض القبائل كهُذيلٍ، وبعض الشعراء كرؤبة وأبيه العجَّاج، وإن كانت في المعاني كانت لهم عناية بشعر آخرين. وكنت أظن هذا يحدث اتفاقًا منهم، حتى عثرت على نصٍّ للأصمعي فيه دلالة على أنَّ العلماء كانوا يَختارون شواهدهم على بَينةٍ، فقد روى العسكريُّ بسنده فقال: «أخبَرني أَبي قال: أخبَرنا عَسَلُ بن ذَكوانَ قال: حدّثنا ابنُ أَخي الأصمعيِّ عن عَمِّه قال: تقول الرواة والعلماء: مَنْ أرادَ الغريبَ فعليه بشِعْرِ هُذيلٍ ورَجَزِ رؤبةَ والعجَّاجِ، وهؤلاء يَجتمعُ في شعرهمُ\n_________\n(١) انظر: تاريخ آداب العرب للرافعي ١/ ٣٥٤.\n(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ٣٤٣.","vol":"1","page":67},{"text":"الغَريبُ والمعاني. ومن أراد الغريبَ من شعرِ المُحدَثِ ففي أَشعارِ ذي الرُّمَّةِ. ومَنْ أرادَ الغريب الشديدَ الثِّقةِ ففي شعرِ ابن مُقبلٍ، وابنِ أْحْمَر، وحُميدِ بن ثَورٍ الهلاليّ، والرَّاعي، ومزاحمٍ العقيليّ. ومَنْ أراد النسيب والغزل من شعرِ العَربِ الصُّلبِ فعليه بأَشعارِ عُذْرةَ والأنصارِ. ومن أراد النَّسيبَ من الشعر المُحدَثِ ففي شعر ابن أبي ربيعةَ، والحارثِ بن خالدٍ المخزوميِّ والطبقة الذين مع هؤلاء. ومن أرادَ طُرَفَ الشِّعرِ وما يُحتاجُ إلى مثلهِ عند مُحاورةِ الناس وكلامهم فذلك في شِعْرِ الفُرسان. ويقالُ: أشعرُ الفرسان دريد بن الصّمّة، وعنترة، وخفاف بن ندبة، والزّبرقان بن بدر، وعروة بن الورد، ونهيكة بن إساف، وقيس بن زهير، وصخر بن عمرو، والسّليك بن\nسلكة، وأنس بن مدركة، ومالك ابن نويرة، ويزيد بن الصّعق ويعدُّ من الفرسان وفي الأشراف، ويزيد بن سنان بن أبي حارثة» (١).\nوهذا النص يدل على أَنَّ العلماء كانوا يراعون في موضوعات الشواهد من الشعر عند اختيارهم شعر شاعر بعينه دون غيره، ولذلك عُنِي العلماءُ بشعر هذيلٍ وشرحوه كما فعل أبو سعيد الشكري، وأبو عمرو الشيباني، وعُنِي المفسرون بشعر العجَّاج ورؤبة فكثر استشهادهم بشعرهما في غريب القرآن، وقد ذكرتُ في موضعٍ لاحقٍ من البحث عدد الشواهد التي استشهد بها المفسرون لكل منهما. وقد تتبعت الشواهد الشعرية في كتب التفسير والدراسات القرآنية، فوجدتها لا تخرج من حيث الموضوعات عن الأنواع التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١ - الشواهد اللغوية</span>.\nوهي ما استشهد به المفسرون وأصحاب الغريب والمعاني من الشواهد الشعرية في استعمال لفظة ما، من حيث علاقة اللفظ باللفظ وما\n_________\n(١) المصون في الأدب ١٦٩ - ١٧٠.","vol":"1","page":68},{"text":"يتعلق به من موازنات، أو من حيث علاقة اللفظ بالمعنى، وهو ما عني به أصحاب المعاجم، أو من حيث علاقة اللفظ بالاستعمال ويشمل ما صنفه علماء اللغة من دراسات للمتن تدور حول الغريب، والدخيل، والموضوع، ونحو ذلك.\nوقد شارك المفسرون والمصنفون في الدراسات القرآنية مشاركة فاعلة في العناية بالشواهد الشعرية اللغوية، يستشهدون بها لتوضيح لفظة غريبة، أو لبيان أصلها الاشتقاقي، أو لبيان ما طرأ عليها من تطور دلالي، أو نحو ذلك من مسائل تتعلق بالمفردات القرآنية. وقد حفلت كتب التفسير بهذا النوع من الشاهد الشعري، وكتب غريب القرآن كذلك، بل إن كتب التفسير والغريب والمعاني قد تنفرد ببعض الشواهد اللغوية التي لا توجد في معاجم اللغة (١).\nوالأمثلة على هذا النوع كثيرة، فقد عُنِي العلماء بها في فترة مبكرة، حيث رُويَ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٢) فسأَلَ عن التخوفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، ثم أنشدهُ:\nتَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٣)\n_________\n(١) انظر شواهد معنى كلمة «رَبّ» في تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٤١، ٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤.\n(٢) النحل ٤٧.\n(٣) انظر: البيت في اللسان ٩/ ١٠١ (خوف) منسوبًا إلى ابن مقبل، وهو في ملحق ديوانه ٤٠٥، وفي الصحاح ٤/ ١٣٥٩ منسوبًا لذي الرمة، وفي تاج العروس كذلك، وقال: «أروده أبو عدنان في كتاب النبل لابن مزاحم الثمالي، وقال: لم أجده في شعر ذي الرمة، وقال غيره: هو لعبدالله بن عجلان النهدي، جاهلي، كما وجد بخط أبي زكريا). ورواه صاحب الأغاني ٦/ ٧٢ منسوبًا لابن مزاحم الثمالي، وعزاه البيضاوي في تفسيره لأبي كبير الهذلي ٣/ ٩٩، وليس في ديوان الهذليين، وفي أساس البلاغة منسوبًا لزهير، ولم أجده في ديوانه، وهو في القلب والإبدال ٣١، وأمالي القالي ٢/ ١١٣، والمخصص لابن سيده من غير نسبة. ونسبه البكري في اللآلي ٢/ ٧٣٨ =","vol":"1","page":69},{"text":"فقال عمر: «أيها الناس، تَمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم» (١). وسيأتي لهذا الشاهد مزيد بيان في موضع آخر، والمقصود هنا بيان أنَّ عمر ﵁ من أقدم من فتح باب الاستعانه بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وهو باب دخل منه الشعر الجاهلي إلى الحياه الإسلامية، وحظي فيها بمكانةٍ لم يكن ليظفر بها من غير هذا الطريق.\nوأكثر المفسرين استعانة بالشاهد الشعري اللغوي في تفسير القرآن الكريم من الصحابة ﵃ عبدُ الله بن عباس ﵄، في الأسئلة التي سأله عنها نافع بن الأزرق، وكلها تدخل تحت الشاهد الشعري اللغوي (٢).\nومنها أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن تفسير قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] (٣) ما النُّحَاسُ؟\nفأجابه ابن عباس ﵄ بقوله: هو الدخان الذي لا لهب فيه.\nفقال ابن الأزرق: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال نعم، أما سمعت بقول النابغة (٤):\nيُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ ... ـطِ لم يجعل اللهُ فيهِ نُحَاسَا (٥)\nيعني دخانا (٦).\nوهذا الشاهد قد استشهد به علماء اللغة على أن معنى النحاس في\n_________\n= لقعنب بن أم صاحب، تفسير القرطبي ١٠/ ١١٠، تفسير الألوسي روح المعاني ١٤/ ١٥٢.\n(١) الموافقات ١/ ٥٨.\n(٢) ستأتي دراستها مفصلة في الفصل الثاني من الباب الأول ص ٢١٩.\n(٣) الرحمن ٣٥.\n(٤) هو الجعدي.\n(٥) انظر: ديوانه ٨١، مجاز القرآن ٢/ ٢٤٥، معاني القرآن للفراء ٣/ ١١٧، غريب القرآن لابن قتيبة ٤٣٨، الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١١٢، الكشاف ٤/ ٤٤٩، ونسبه الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٢٦ للنابغة الذبياني في نُسَخٍ.\n(٦) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ص ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":70},{"text":"الآية هو ما ذهب إليه ابن عباس من الدخان الذي لا لهب فيه (١). قال الأزهري: «وهو قَولُ جَميعِ المفسرين» (٢).\nومن أمثلة هذا النوع من الشاهد الشعري ما ورد عند ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] (٣)، حيث قال: «والصلاة مأخوذة من صَلَّى يُصلِّي إذا دعا، كما قال الشاعر (٤):\nعَليكِ مِثلُ الذي صَلَّيْتِ فَاغتمِضِي ... يَومًا فإِنَّ لجَنْبِ المرءِ مُضْطَجَعا (٥)\nومنه قول الآخر (٦):\nلها حَارِسٌ لا يَبْرحُ الدهرَ بَيْتَهَا ... وإِن ذبحت صَلَّى عليها وَزَمْزَمَا (٧)» (٨)\nوهذان الشاهدان قد استشهد بهما اللغويون على معنى الصلاة في اللغة، وأنها بمعنى الدعاء (٩).\nوكذلك قول الشمَّاخ بن ضرار الغطفاني:\nذَعَرْتُ بهِ القَطا ونَفَيتُ عنهُ ... مَكانَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِيْنِ (١٠)\nحيث استشهد به المفسرون على أن «أصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء» (١١). واستشهد به اللغويون على المعنى نفسه (١٢). وهو الشاهد\n_________\n(١) تهذيب اللغة ٤/ ٣٢٠، الصحاح ٣/ ٩٨١، لسان العرب ١٤/ ٧١ (نحس).\n(٢) تهذيب اللغة ٤/ ٣٢٠.\n(٣) البقرة ٣.\n(٤) هو الأعشى.\n(٥) انظر: ديوانه ١٥١.\n(٦) هو الأعشى أيضًا.\n(٧) انظر: ديوانه ٣٤٣.\n(٨) المحرر الوجيز ١/ ١٠١، وانظر: مجاز القرآن ١/ ٦٢، ٢٦٨، ٢/ ١٣٨، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٤٢، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٨.\n(٩) انظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٢٣٦، مقاييس اللغة ٣/ ٣٠٠.\n(١٠) من قصيدته المشهورة في مدح عرابة الأوسي. ومعناه: مقام الذئب اللعين كالرجل. انظر: ديوانه ٣٢١.\n(١١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٤٦، تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٢٨، و٣/ ٢٥٤.\n(١٢) انظر: تهذيب اللغة ٢/ ٣٩٦، مقاييس اللغة ٥/ ٢٥٣، لسان العرب ١٢/ ٢٩٢، الصحاح ٦/ ٢١٩٦.","vol":"1","page":71},{"text":"الوحيد على هذا معنى هذا اللفظ - فيما اطلعتُ عليه - في كتب التفسير واللغة. ونظائر هذا النوع من الشواهد كثيرة في كتب التفسير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢ - الشواهد النحوية</span>.\nيقوم النحو على أصول، منها الأدلة التي تفرعت عنها فصوله وفروعه، ويأتي في مقدمتها النقل، الذي يحتل شعر العرب مكانة بارزة فيه، حيث يأتي في صدارة الكلام العربي المستشهد به في بناء قواعد النحو، والمطالع لمصنفات النحويين يجد ذلك ظاهرة بارزة، حتى أصبحت كلمة «الشاهد» عند إطلاقها تنصرف إلى الشاهد الشعري (٢)، وليس ببعيد عن الصواب من قال «إن الشاهد في علم النحو هو النحو» (٣). وشواهد النحو في كتب التفسير ما استشهد به المفسرون من الشعر في بيان تركيب أو بنية، لبيان قاعدة أو تأكيدها، أو إيراد ما استثني أو خرج عنها، أو توجيه ما جاء مخالفًا لها، ونحو ذلك مما درس في مصنفات النحويين بشكل واسع.\nوقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبير من الشواهد النحوية، بل لا أكون مخطئًا إن قلت إن كتب التفسير والمعاني قد اشتملت على جُلِّ شواهد النحويين التي رويت ونقلت في مصنفات النحويين، وعلى رأسها شواهد «الكتاب» لسيبويه.\nومن الأمثلة ما ذكره الفراء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢، ٤، ٢٠، ٢١، ٢٣، ٣٠، ٣٢، ٣٤، ٣٨، ١٤٣، ٣١٦، ٣٦٥، ٤٠٥، غريب القرآن لابن قتيبة ١٢، ٢٥، ٧٩، ٤١، ١٩٤، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ١٩٢، ١٨١، ٢٠٩، ٤٤٦، ٤٦٠، ٥١٩، تفسير الطبري ١/ ٢٥٥، ١٠/ ١٧٢، ١٢/ ١٨٤، ١٣/ ٢٠٩، ١٦/ ٢٥، الكشاف ١/ ٩٧، ١٠٥، ١٠٦، ٥٤٣، المحرر الوجيز ٢/ ١٠٣، ١٣٨، ١٤٠، ١٦٥، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٨، ٣/ ٥١.\n(٢) انظر: البحث اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر ٣٩.\n(٣) نشأة النحو لمحمد الطنطاوي ١٩٢.","vol":"1","page":72},{"text":"آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] (١): «فموضع «الذي» رفع تستأنفه على «الحق»، وترفع كل واحد بصاحبه. وإن شئت جعلت «الذي» في موضع خفض، تريد: «تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك من ربك» فيكون خفضًا، ثم ترفع «الحق»، أي: ذلك الحق ... وإن شئت جعلت «الذي» خفضًا فخفضت «الحق»، فجعلته من صفة «الذي»، ويكون «الذي» نعتًا لـ «الكتاب»، مردودًا عليه، وإن كانت فيه الواو، كما قال الشاعر:\nإلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (٢)\nفعطف بالواو، وهو يريد واحدًا» (٣). وهو من شواهد النحويين (٤).\nوكتاب «معاني القرآن» للفراء غلبت عليه شواهد الشعر النحوية، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو الكوفي، «فهو يهتم بالقواعد النحوية وصياغتها والتعريف بها مما يجعل منه مرجعَ نحوٍ بمعناه الشامل، لا كتابَ إعرابٍ وتوجيهٍ فقط» (٥).\nومن الأمثلة كذلك ما أجازه الفراء في حديثه عن قوله تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] (٦) من الخفضِ على المُجاورةِ، يقول: «وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه» (٧) ثم استشهد على رأيه بشواهد من الشعر، منها قول ذي الرمة:\nكأَنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أَعيُنِها ... قُطْنًا بِمُستحصدِ الأَوتارِ مَحْلوجِ (٨)\n_________\n(١) الرعد ١.\n(٢) لم أعرف قائله.\n(٣) معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٧ - ٥٨، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٣٢١.\n(٤) انظر: معجم شواهد النحو الشعرية للدكتور حنَّا جميل حداد ٦٥١ رقم ٢٨٤١.\n(٥) النحو وكتب التفسير لإبراهيم رفيده ١/ ٢٠٢.\n(٦) إبراهيم ١٨.\n(٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ٧٤.\n(٨) رواية الديوان (عهنًا) بدل (قطنًا) ومعناهما واحد، والمحلوج: القطن المندوف. انظر: شرح ديوانه ٢/ ٩٩٥.","vol":"1","page":73},{"text":"والشاهد في البيت جر «محلوج» للمجاورة، أي لمجاورة الاسم المجرور، والأصل أن ينصب «محلوجًا» لأنه نعت اسم منصوب. وهو قوله: «قطنًا».وهو من شواهد النحويين على جواز الحمل على الجوار (١).\nومن الأمثلة كذلك ما أورده الطبري شاهدًا على جواز تقديم معمول أسماء الأفعال عليها، حيث قال: «والعرب تفعل ذلك إذا أخرت الإغراء، وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر، ومن ذلك قول الشاعر:\nيا أَيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكا ... إِنِّي رَأَيتُ النَّاسَ يَحْمدُونَكا (٢)\nفأغرى بـ «دونك» وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونك دلوي» (٣). وهذا الشاهد من شواهد النحويين المشهورة على أن مفعول اسم الفعل يجوز أن يتقدم عليه؛ إذ الظاهر أن «دلوي» مفعول مقدم لقوله «دونكا» (٤). وقد رد هذا الوجه بعض النحويين (٥)، والغرض التمثيل.\nومن المواضع التي يستشهد فيها المفسرون بالشواهد الشعرية النحوية كثيرًا عند توجيه القراءات من حيث النحو، فيستعينون في ذلك بالشاهد الشعري.\n_________\n(١) انظر: أسرار العربية ٣٣٨، الإنصاف للأنباري ٤٨٤، تذكرة النحاة ٦١٠، خزانة الأدب ٥/ ٩١.\n(٢) الشاهد لراجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم كما في شرح شذور الذهب ٣٨١.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٢٠، معاني القرآن للفراء ١/ ٢٦٠، ٣٢٣.\n(٤) انظر: أسرار العربية ١٦٥، خزانة الأدب ٦/ ٢٠٠.\n(٥) ردَّ هذا الوجه ابن الأنباري في أسرار العربية ١٦٥، ورده محمد محي الدين عبدالحميد بقوله: «بل الاسم المنصوب المتقدم ليس معمولًا لاسم الفعل المتأخر، بل ولا هو معمول لاسم فعل آخر محذوف يفسره المذكور ويقع في التقدير قبل المعمول؛ لأن اسم الفعل لا يعمل وهو محذوف أيضًا، ولكن هذا الاسم المنصوب معمول لفعل محذوف من معنى اسم الفعل». شرح شذور الذهب ٣٨١.","vol":"1","page":74},{"text":"ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن عطية في توجيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه في قراءة ابن عامر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (١) برفع «قتلُ»، ونصب «أولادهم»، وجَرِّ «شركائهم». فجعلَ مِنْ ذلك قول الشاعر:\nفَزَجَجْتُهُ بِمزجَّةٍ ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَاده (٢)\nوقول الطرمَّاح:\nيَطُفنَ بِحُوزِيِّ المَراتعِ لم يُرَعْ ... بواديهِ مِنْ قَرْعِ القِسيَّ الكَنَائِنِ (٣)» (٤)\nفوجه الكلام في الشاهد الأول: زَجِّ أَبي مزادةَ القلوصَ، ففصل بين المضاف «زَجّ» والمضاف إليه «أبي مزادة» بالمفعول به «القلوص».\nووجه الكلام في بيت الطرماح: قرع الكنائن القسيَّ، حيث فصل بين المضاف «قرع» والمضاف إليه «الكنائن» بالمفعول به «القسيّ».\nفكذلك في قراءة ابن عامر وجه الكلام: قَتْلُ شُركائِهِمْ أَولادَهُم. ففصل بين المضاف «قتلُ» والمضاف إليه «شركائِهم» بالمفعول «أولادهم» (٥). وجُمهورُ نَحويِيِّ البصريين على أن هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وتُكُلِّمَ في هذه القراءة بسبب ذلك. قال الطبري: «وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيتٌ من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرتُ من قراءة أهل الشامِ (٦)، رأيت رواة الشعر، وأهل العلم من أهل العراق يُنْكِرونَهُ، وذلك قول قائلهم:\nفَزَجَجْتُهُ مُتمَكِّنًا ... زَجَّ القلوصَ أبي مزادة». (٧)\nوهذا القول وإن كان قول الكوفيين إلا أن الفراء رد هذا الوجه\n_________\n(١) الأنعام ١٣٧.\n(٢) انظر: المفصل للزمخشري ١٢٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٦٩.\n(٤) المحرر الوجيز ٦/ ١٥٨.\n(٥) انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد ٢٧٠، النشر لابن الجزري ٢/ ٢٦٣.\n(٦) يعني قراءة ابن عامر.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ١٣٧ - ١٣٨، معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٨.","vol":"1","page":75},{"text":"وقال: «وهذا مِمَّا كان يقوله نَحويو أهلِ الحجازِ، ولم نَجِدْ مثلَه في العربية» (١). فلا يصح نسبة هذا القول للكوفيين دون تفصيل، حيث رده الفراء، وهو من كبار أهل الكوفة في النحو، وكتابه عمدة في نقل آراء الكوفيين. ونظائر هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣ - الشواهد الصرفية</span>.\nتَعْرِضُ كثيرًا للمفسرين مسائل من الصرف أثناء تفسيرهم للمفردات القرآنية، يعالجونها بمناهج مختلفة، فمنهم من يتعرض لها باختصار، ومنهم من يطيل الوقوف عندها، والاحتجاج لما يذهب إليه من الرأي بشواهد الشعر الصرفية. وهذا النوع أقل من النوعين السابقين في كتب التفسير.\nومن أمثلة الشواهد الصرفية ما أورده المفسرون للاستشهاد على أن صيغة «فعيل» تأتي بمعنى: «مُفْعِل» من قول الشاعر عمرو بن معد يكرب:\nأَمِنْ ريحانةَ (٣) الدَّاعي السَميعُ؟ ... يُؤرقني وأَصحابي هُجُوعُ (٤)\nيريد: الداعي المُسْمِعُ (٥). وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ\n_________\n(١) معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٨.\n(٢) للاستزادة: معاني القرآن للفراء ١/ ٨٧، ١٠٥، ٢٥٥، ١٢٣، ١٠٨، ١٠٧، ٥٨، ٥٥، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٩٨، ٣٢٩، ٤٠٤، ٥٦٩، ٢/ ١٤٩، ٨/ ٢١٠، ٢٩٨، ٩/ ٣٠ - ٣١، ١١/ ٢٤٢، ١٢/ ٩٤، ١٣/ ١٧٥، ٤٧٨، ١٥/ ٢٠٦، ٤٩٧، ١٦/ ٢١، ١٩٨، ٢٢١، ٢٩٤، ٣٢١، ١٧/ ٣٦، ٤٤، ٦٠، ٦٦، ١٥٢، ٢٠٥، ١٨/ ١٩، والكشاف ١/ ٢، ١٦، ٢١، ٢٤، والمحرر الوجيز ١/ ١٣٠، ٢/ ١٥٧، ٥٤، ٢٤، ٣/ ٩، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٢٣، ٣/ ٤، ٦.\n(٣) هي ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو، وهي أم دريد بن الصمة القشيري. انظر: خزانة الأدب ٨/ ١٨١.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤٨، الأصمعيات ٤٣.\n(٥) انظر: تأويل مشكل القرآن ٢٩٧، وغريب القرآن لابن قتيبة ١٧، الكشاف ١/ ١٨١، المحرر الوجيز ١/ ٣٣٩، الدر المصون ٢/ ٨٥.","vol":"1","page":76},{"text":"عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] (١) بمعنى مؤلم، وتفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (٢) أي مبدعها. قال الطبري: «والأليم: هو الموجع، ومعناه: ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ مُؤلِمٍ إلى أَلِيْمٍ، كما يقالُ: ضَرْبٌ وَجِيعٌ بمعنى مُوجِع، والله بديع السموات والأرض بمعنى مُبْدِع، ومنه ...» ثم أورد الشاهد الشعري السابق (٣). وهذا شاهد من شواهد الصرف (٤)، وقد منع بعضهم وجه الاستشهاد به على هذا الوجه (٥).\nومن الأمثلة كذلك استشهادهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (٦)، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]﴾ (٧) على أن «نظرتك» و«انتظرتك» بمعنى واحد بقول الحطيئة: (٨)\nوقد نَظَرْتُكُمُ إِعشاءَ صَادرةٍ ... للخِمْسِ طال بها حَوْزِي وتَنْسَاسي (٩)\nوالشاهد من شواهد الصرفيين على ذلك (١٠). ومن الأمثلة ما يورده المفسرون شاهدًا على أن: «أجاب» و«استجاب» بمعنى واحد، وهو قول كعب الغَنَويّ:\nوداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيبُ (١١)\n_________\n(١) البقرة ١٠.\n(٢) البقرة ١١٧.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٨٣.\n(٤) انظر: خزانة الأدب ٨/ ١٧٨، لسان العرب ٦/ ٣٦٥ (سمع)، أمالي ابن الشجري ١/ ٩٧ - ٩٨.\n(٥) قال ابن منظور عن وجه الشاهد: «وهو شاذ». لسان العرب ٦/ ٣٦٥، وبحث البغدادي ذلك بتفصيل في خزانة الأدب ٨/ ١٧٨ وما بعدها.\n(٦) البقرة ١٠٤.\n(٧) النساء ٤٦.\n(٨) انظر: ديوانه ٤٦.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٦٨، ٨/ ٤٣٧ - ٤٣٨، وروايته عند ابن قتيبة:\nوقدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ عاشيةٍ ... للخَمسِ طال بها حَوْزِي وتَنْسَاسي\nانظر: تأويل مشكل القرآن ٣٧٦.\n(١٠) انظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٣٧١، لسان العرب ١٤/ ١٩٣.\n(١١) انظر: الأصمعيات ٩٦.","vol":"1","page":77},{"text":"أي: لم يُجِبْهُ (١). وهذا الشاهد من أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير واللغة شاهدًا على هذا الوجه، وهو أن صيغة «افعل» بمعنى «استفعل» (٢). قال ابن قتيبة: «شَكرتُكَ وشَكرتُ لكَ، ونَصحتُكَ ونصحتُ لكَ، وكِلْتُكَ وكِلْتُ لكَ، واستجبتُكَ واستجبتُ لكَ، قال الشاعر ...». ثم ساق بيت الغنوي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤ - الشواهد الصوتية</span>.\nتعرَّض المفسرون في كتب التفسير لقضايا صوتيةٍ كتسهيلِ الهَمز وتَحقيقهِ، والإدغامِ (٤)، والإمالةِ وغير ذلك من الظواهر الصوتية. ويوردون الشواهد الشعرية التي تشهدُ لِمَا ذهبوا إليهِ، وهي المقصودة بالشواهد الصوتية.\nومن أمثلة هذه الشواهد:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] (٥) من قول الفراء: «وأمَّا مَنْ شَدَّدَ «لَمَّا» (٦) فإِنَّه - والله أعلم - أَرادَ: (لَمَنْ مَا لَيُوفينَّهم)، فلما اجتمعت ثلاثُ ميماتٍ حذفَ\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٢/ ٨٧.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٦٧، ١٧٠، ٢/ ١٠٧، تأويل مشكل القرآن ٢٣٠، ٢٩٦، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٢٠، ٢/ ٤٩، ٣/ ٤٨٣، ٧/ ٤٨٨، ١٠/ ٤٣٥، الكشاف ١/ ٤٥٦، ٢/ ٢٠٨، ٣/ ٤٢٠، المحرر الوجيز ١/ ١٣٠ الدر المصون ١/ ١٥٩، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤٨، أمالي ابن الشجري ١/ ٩٥، خزانة الأدب ١٠/ ٤٣٧.\n(٣) أدب الكاتب ٥٢٣.\n(٤) بدأ الخليل دراسة الأصوات رغبة في ترتيب معجمه اللغوي وبيان سبب ذلك الترتيب، وأما سيبويه فقد درس الأصوات في كتابه لتعلقها بالإدغام وما يَحسُن فيهِ وما لا يَحسُن. انظر: العين ١/ ٥٧، الكتاب ٤/ ٤٣٦، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد لغانم الحمد ٤٧ - ٤٨.\n(٥) هود ١١١.\n(٦) قرأ بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر وأبو جعفر. انظر: التيسير ١٢٦، النشر ٢/ ٢٨٠، الكشف ١/ ٥٣٦.","vol":"1","page":78},{"text":"واحدةً، فَبقيت اثنتان، فأُدْغِمَت في صاحبتها. ثُمَّ أنشد الفراءُ على ذلك ثلاثة شواهد شعرية. الأول منها قول الشاعر (١):\nوإِنِّي لَمِمَّا أُصدرُ الأمرَ وجْهَهُ ... إذا هو أعيا بالسَّبيلِ مَصادرُهْ (٢)\nوالشاهد في قوله: «لَمِمَّا»، أصلها «لَمِنْ مَا»، قُلبت النونُ ميمًا، واجتمعت ثلاثُ ميماتٍ، فحُذفت الوسطى، فصارتْ «لَمِمَّا». و«ما» على هذا القول بِمَعنى «من». وما ذهب إليه الفراء في توجيه هذه القراءة ردَّهُ بعضُ النحويِيْن، كابن الحاجب فقال: «وهذا بعيد لا ينبغي أَن يُحملَ عليه كتابُ الله، فإِنَّ حذفَ مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلامٍ ولا شعرٍ، فكيف يُحملُ عليه كتابُ الله تعالى» (٣). واختار ابنُ الحاجب أَنَّها لَمَّا الجازمةُ حُذِفَ فعلُها للدلالة عليه، والتقديرُ: لَمَّا يهملوا أو لَمَّا يُتركوا؛ لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] (٤)، ثُمَّ ذكر الأشقياءَ والسعداءَ ومُجازاتِهم، ثم بَيَّنَ ذلكَ بقوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]، ثُمَّ ختم بقوله: «وما أَعرفُ وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهةِ أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيقُ يأَبَى استبعادَهُ لذلك» (٥)، وقالَ بِمِثله أبو حيان (٦).\n٢ - الشاهد الثاني الذي أورده الفراء قول الشاعر (٧):\nكأنَّ مِنْ آخِرِها إِلقادِمِ ... مَخْرِمَ نَجْدٍ قارعَ المَخارِمِ (٨)\n_________\n(١) نُسب البيت مع آخر لثلاثة شعراء هم مُضرِّسُ بن رِبعيِّ، وطُفيل بن عوف، وكعب بن زهير. انظر: شرح أبيات معاني القرآن للدكتور ناصر حسين علي ١٥٠.\n(٢) انظر: معاني الفراء ٢/ ٢٩، تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٩٤، روح المعاني ٢/ ١٥٠.\n(٣) الأمالي النحوية ١/ ٦٧ وانظر: مغني اللبيب ٣/ ٤٩٣، حاشية الشهاب ٥/ ١٤٢.\n(٤) هود ١٠٥.\n(٥) الأمالي النحوية ١/ ٦٨.\n(٦) البحر المحيط ٥/ ٢٦٧، وانظر: مشكل إعراب القرآن لمكي ٣٥٦، الجنى الداني ٢٦٨.\n(٧) لم أعرفه.\n(٨) القادم: قادمة ظهر الراحلة، المَخرِمُ: منقطع أنف الجبل، وقيل: الطُّرقُ في الجبال، =","vol":"1","page":79},{"text":"يقول الفراء مُعلِّقًا على مَوطنِ الشاهد: «أَرادَ: إِلى القادمِ، فحذفَ اللامَ عندَ اللامِ» (١) الأولى للتخفيف.\n٣ - ومن الأمثلة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] (٢). يقول الفراء: «معناه - والله أعلم- «تَثَاقَلْتم»، فإذا وصلتها العربُ بكلامٍ أدغموا التاءَ في الثاءِ؛ لأَنَّها مناسبةٌ لَها، ويُحدِثون أَلِفًا لَم يكنْ ليبنوا الحرفَ على الإدغامِ في الابتداءِ والوصلِ، وأنشدني الكسائيُّ شاهدًا فيه:\n..................................... .... إذا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (٣)\nوالشاهد فيه قوله: «اتَّابَعَ» معناه، تَتَابَعَ، إِلاَّ أَنَّ التاءَ أُدغمت في التاء فاحتيجَ إلى ألفِ الوصلِ، ومثلهُ اثَّاقَلَ، وادَّاركَ، أدغم فيهما المتقاربان واجتُلِبَت الألفُ لِتيسِيْرِ النُّطقِ. (٤)\nوقال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] (٥): «وإِنَّما أَصلُ فادَّارَأْتُم فَتَدَارَأْتُم، ولكنْ التاء قريبةٌ من مَخرجِ الدالِ، وذلك أَنَّ مَخرجَ التاء من طرف اللسانِ وأصولِ الشفتينِ، ومَخرجَ الدالِ من طَرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنِيَّتَيْنِ (٦)، فأدغمت التاءُ في الدال، فجُعلت دالًا مشددةً كما قال الشاعرُ ...». ثم أورد الشاهد السابق، ثم بَيَّنَ مَحلَّ\n_________\n= والفجاج. انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٩، لسان العرب ١١/ ٦٧ (قدم)، ٤/ ٧٦ (خرم)، تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٥٩٤\n(١) معاني القرآن ٢/ ٢٩، ١٤٤، تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٥٩٤.\n(٢) التوبة ٣٨.\n(٣) له تتمةٌ، وهو غيرُ منسوبٍ في معاني القرآن ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨، تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٢٤، والمحرر الوجيز ٢/ ١٨٣.\n(٤) انظر: الكتاب لسيبويه ٤/ ٤٧٥.\n(٥) البقرة ٧٢.\n(٦) فيه غرابةٌ في وصفِ مَخرجِ التاءِ والدالِ. فالتاءُ تَخرجُ من فوق الثنايا العليا، مصعدًا إلى جهةِ الحنَكِ يسيرًا مِمَّا يقابلُ طرفَ اللسان، وهي مهموسة، والدال من المخرج نفسه إلا أَنَّها مَجهورَة. انظر: الكتاب ٤/ ٤٣٣، التمهيد لابن الجزري ١١٩.","vol":"1","page":80},{"text":"الشاهد بقوله: «يُريد: إذا ما تَتابعَ القُبَلُ، فأدغمَ إحدى التاءينِ في الأخرى، فلمَّا أدغمت التاءُ في الدالِ فجُعِلتْ دالًا مثلَها، سَكَنَتْ، فَجلَبوا أَلِفًا لِيَصِلوا إلى الكلام بِها، وذلكَ إِذ كانَ قبلَهُ شيءٌ؛ لأنَّ الإدغامَ لا يكون إِلاَّ وقبلَهُ شيءٌ» (١).\nوذكر السَّمينُ الحلبيُّ أَنَّ «هذا مُطَّرِدٌ في كل فِعْلٍ على تَفاعَلَ أو تَفَعَّلَ، فَاؤهُ دالٌ نحو: تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وادَّيَّنَ، أو ظاء أو طاء، أو ضاد أو صاد، نحو: تَطَايَرَ واطَّايَر، وتَطَيَّرَ واطَّيَّرَ، وتَظَاهَرَ واظَّاهَر، وتَطَهَّرَ واطَّهَّرَ. والمصدرُ على التَّفَاعُلِ أو التَّفَعُّلِ نحو: تَدَارُؤ وتطهُّر نَظرًا إلى الأصلِ، وهذا أَصلٌ نافعٌ في جَميعِ الأبوابِ فليُتأَمَّل» (٢).\nفالفراء والطبري قد تواردا على الاستشهاد بالشاهد الشعري السابق على مسألة صوتية وهي الإدغام في لفظتين من آيتين مُختلفتين من القرآن الكريم، غير أَنَّ وجهَ الاستشهادِ واحدٌ، ولم يستشهد السمين الحلبي بالشاهد الشعري مع عنايته بمسائل الصرف في كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>٥ - الشواهد البلاغية</span>.\nوهي كل ما استشهد به المفسرون من الشعر لتوضيح وبيان مسألة بلاغية. وشواهد البلاغة لا تُعَدُّ شواهدَ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق (٣)، فكثير منها قد ورد من باب التمثيل للقواعد التي وضعها البلاغيون. وقد بدأ أبو عبيدة في «مجاز القرآن» بوضع اللبنات الأولى لعلم البلاغة بمباحثه المعروفة، وشاركه بعد ذلك الفراء في «معاني القرآن»، وقد\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٢٤، ١٤/ ٢٥٢، ومجاز القرآن ١/ ٢٦٠. وانظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٤، المحرر الوجيز ١١/ ٤٥.\n(٢) الدر المصون ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥، ٦/ ٤٩، معجم مفردات الإبدال والإعلال في القرآن الكريم للخراط ٣٤٣.\n(٣) انظر: مقدمة شواهد العربية لعبدالسلام هارون ١٢.","vol":"1","page":81},{"text":"استعان كل منهما بالشواهد الشعرية يستشهد بها على ما يذهب إليه، ويدعم بها رأيه وتفسيره. ثم جاء بعدهما الإمام ابن قتيبة ولا سيما في كتابه «تأويل مشكل القرآن». فخطا بعلم البلاغة خطوة بعيدة، وقد استطاع أن يعيد تنظيم ما كتبه أبو عبيدة والفراء في كتابيهما، والاستشهاد على ذلك بشواهد من الشعر سبق أن استشهدا بها غير أنه أضاف إليها شواهد جديدة لم يسبق إليها، وقد تداولتها كتب البلاغة بعد ذلك، وأصبحت هي الشواهد السائرة لتلك المباحث البلاغية.\nوقد عُنِيَ المفسرون بالشواهد البلاغية، وأوردوا كثيرًا منها في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وبعضهم كان أكثر عناية بها من غيره كالزمخشري في «الكشاف»، الذي أشار في مقدمة تفسيره إلى أهمية علم البلاغة للمفسر، والحاجة الماسة إلى تعلمه لفهم كتاب الله، وقد شَنَّعَ على من يتصدى للتفسير وهو غيرُ بصيرٍ بهذا العلم (١).\nوفي زمن أبي عبيدة (٢٠٩ هـ) والفراء (٢٠٧ هـ) لم تكن مصطلحات البلاغة قد اتضحت تمامًا واستقر عليها الأمر؛ ولذلك جاءت المباحث البلاغية في كتابيهما متفرقةً، غَيْر ملتزمةٍ بِمصطلحات البلاغةِ التي عُرِفت فيما بَعدُ، حيث يعدُّ كتابَ الأول منهما أولَ خطوةٍ وصلت في علم البلاغة، فقد تعرض لمباحث التقديم والتأخير، والتشبيه، والكناية، والتمثيل، والاستعارة، والالتفات (٢).\nثم جاء بعدهما ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) فاستطاع في كُتبهِ وخاصةً كتابهُ «تأويل مشكلِ القرآنِ» أن يُجلي كثيرًا من مسائل علوم البلاغة، مستشهدًا على ذلك بعدد من الشواهد الشعرية البلاغية، مع بيان وجه الشاهد وتوضيحه، وقد دفعه إلى ذلك الرد على الملاحدة وأشباههم الذين كانوا\n_________\n(١) الكشاف ١/ ٣.\n(٢) انظر: المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز لأحمد جمال العمري ٤٢ - ٤٩.","vol":"1","page":82},{"text":"يطعنون في القرآن الكريم، ويتهمونه بالتناقض والفساد في النظم والإعراب، والناظر في كتابه يدرك بيسر وسهولة أنه قد استوعب ما ورد في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و«معاني القرآن» للفراء وأخرجهما في ثوب جديد، أكثر ترتيبًا وتنظيمًا (١)، وتأثر به تلاميذه ومن جاء بعده من المفسرين (٢). ولم يَخْلُ تفسير من التفاسير المطوَّلةِ والمتوسطة بعد ذلك من مباحثِ البلاغة، والاستشهاد عليها بشواهد الشعر البلاغية، كتفسير الطبري (٣١٠ هـ)، والزمخشري (٥٣٨ هـ)، وابن عطية (٥٤٢ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ) وغيرهم.\nفمن أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الدراسات القرآنية ما ذكره أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ١] (٣)، حيث قال: «﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ ثم خاطب شاهدًا فقال ﴿فَسِيحُوا﴾ [التوبة: ٢] (٤)، مَجازُهُ: سِيْروا وأَقبِلوا وأَدبِروا، والعَربُ تفعل هذا، قال عنترة:\nشَطَّتْ مزارُ العاشقين فأصبحتْ ... عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخرمِ (٥)» (٦).\nوهو يشير هنا إلى ما سَمَّاه البلاغيونَ «الالتفات» وهو «انصرافُ المتكلمِ عن المُخاطَبةِ إلى الإخبارِ، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك». (٧) ومن أول من أشار إليه وإن لم يسمه باسمه أبو عُبيدة بقوله: «والعربُ قد تُخاطبُ فتُخبِر عن الغائبِ والمعنى للشاهدِ، فترجعُ إلى الشاهدِ فتخاطبه» (٨)، كما أشار الفراء إليه وإن لم يسمِّه باسمه (٩). ولعلَّ\n_________\n(١) انظر: أثر النحاة في البحث البلاغي للدكتور عبدالقادر حسين ١١٧.\n(٢) انظر: نقد الشعر عند ابن قتيبة للدكتور عبدالكريم محمد حسين ٣٩٦ وما بعدها.\n(٣) التوبة ١.\n(٤) التوبة ٢.\n(٥) انظر: ديوانه ١٦، شرح القصائد السبع الطوال ٢٩٩.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ٢٥٢، ٢/ ١٣٩.\n(٧) معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب ١٧٤، الصناعتين للعسكري ٣٩٢.\n(٨) مجاز القرآن ٢/ ١٣٩.\n(٩) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٦٠، ١٩٥، ٤٦٠.","vol":"1","page":83},{"text":"أولَ من سَمَّاه التفاتًا الأصمعي (١)، ثم شرحه ابن قتيبة وأدخله في باب «مخالفة ظاهر اللفظ معناه»، وقال: «ومنه أن تخاطب الشاهدَ بشيء ثم تجعلُ الخطابَ له على لفظ الغائب، كقوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] (٢)، قال الشاعر (٣):\nيا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فَالسَّنَدِ ... أَقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأَبَدِ (٤)\nوكذلك أيضًا تجعلُ خطابَ الغائبِ للشاهد، كقول الهذلي (٥):\nيا ويحَ نفسي كانَ جِدَّةُ خَالدٍ ... وبياضُ وجهكَ للترابِ الأَعفرِ (٦)» (٧).\nوانتفع المفسرون بعد ذلك بما سبق إليه هؤلاء فهذا الزمخشري يقول: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات ... وتلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد» (٨). والشواهد - كما قال الطبري - من الشعر وكلام العرب في الالتفات أكثر من أن تحصى (٩).\nومن الأمثلة ما أورده الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] (١٠) وهو قول زهير:\nفصحوتُ عنها بعدَ حُبٍّ داخلٍ ... والحُبُّ تُشْرِبُهُ فؤادَك داءُ (١١)\nحيث استشهد به على أن معنى الآية: أُشْربوا حُبَّ العجل، وأنه ترك ذكر الحب اكتفاءً بفهم السامع لمعنى الكلام «إذ كان معلومًا أَنَّ\n_________\n(١) انظر: الصناعتين ٣٩٢.\n(٢) يونس ٢٢.\n(٣) هو النابغة الذبياني.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤.\n(٥) هو أبو كبير الهذلي.\n(٦) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٠١.\n(٧) تأويل مشكل القرآن ٢٨٩ - ٢٩٠، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٥٤.\n(٨) الكشاف ١/ ١٤.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٥٤.\n(١٠) البقرة ٩٣.\n(١١) انظر: ديوانه ٣٣٩.","vol":"1","page":84},{"text":"العِجْلَ لا يشرب القلب، وأَنَّ الذي يشرب القلب منه حُبُّه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] (١)، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] (٢)، وكما قال الشاعر (٣):\nأَلا إِنَّني سُقِّيتُ أَسودَ حَالكًا ... أَلا بَجَلِى مِنَ الشَّرابِ أَلا بَجَلْ (٤)\nيعني بذلك: سُمًّا أسودًا، فاكتفى بذكر «أسود». عن ذكر السُّمّ؛ لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: سُقِّيتُ أسودَ» (٥).\nوما ذكره الطبري هنا هو ما سماه البلاغيون بعد ذلك «المَجَاز»، قال ابن عطية: «والمعنى: جعلت قُلوبُهم تَشربُه، وهذا تشبيهٌ ومَجازٌ، عبارةٌ عن تَمكُّنِ أمرِ العِجْل في قُلوبِهم» (٦)\nوالشواهد البلاغية التي أوردها الإمام الطبري، ومِن قَبلهِ أبو عبيدة، والفراء، وابن قتيبة، ومن بعده الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي تُعَدُّ من الشواهد عند البلاغيين لهذا الأسلوب العربي (٧). ونظائر هذه الشواهد البلاغية كثيرة في كتب التفسير (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>٦ - الشواهد الأدبية:</span>\nوهي الأبيات من الشعر التي يتمثلُ بِهَا المفسرُ في تفسيره على معنى من المعاني التي تعرض لها في تفسيره، فهي للتمثل لا للاستشهاد\n_________\n(١) الأعراف ١٦٣.\n(٢) يوسف ٨٢.\n(٣) هو طرفة بن العبد البكري.\n(٤) بَجَلِى: بِمعنى حَسْبِي من الشراب. انظر: ديوانه ٧٥، أشعار الشعراء الستة للشنتمري ٢/ ٨٤.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٥٩.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ٢٩٤.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ٤٧، معاني القرآن للفراء ١/ ٦١ - ٦٢، تأويل مشكل القرآن ٢١٠، الكشاف ١/ ١٦٦، ٢/ ٤٩٦، ٧٣٧ - ٧٤٠، الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٣.\n(٨) للاستزادة: الكشاف ١/ ١١٣، ١١٨، ١٨١، ٢/ ١٧٦، ٣/ ٥٤٨، المحرر الوجيز ١/ ١٤٨، ٢/ ٨٩، ٩/ ٦٦، ١١/ ٧١، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٥، ٩٥.","vol":"1","page":85},{"text":"فلا تندرج تحت الشواهد اللغوية ولا النحوية، وإنما أوردها المفسر لإيضاح المعنى الذي يرمي إليه ويقصده. وميدان التمثل بالأشعار باب واسع، لاستحسان الناس لها، وحفظهم لها، وربما تكون المناسبة التي ورد فيها الشاهد قريبة من المعنى الذي تعرضت له الآية المفسَّرة. وهذه الشواهد تكثر في تفاسير المتأخرين كالزمخشري والقرطبي، وتقل عند المتقدمين كأبي عبيدة والفراء والطبري. وأكثر ما يوردها المفسرون في مواضع الوعظ والوعد والوعيد، والتذكير بالآخرة والحث على مكارم الأخلاق وحسن الأدب، ونحو ذلك. فهي لا تعد من الشواهد بمعناها الاصطلاحي الذي اصطلح عليه اللغويون والنحويون، وإن كانت تدخل تحت ما ذكره الجاحظ من أن غاية رواة الأخبار أنهم يروون كل شعر فيه الشاهد والمثل (١)، وأن مدار العلم على الشاهد والمثل (٢).\nومن أمثلة هذه الشواهد الأدبية عند المفسرين ما أورده القرطبي وهو يقرر أن الواجب على من تصدى لتعليم الناس أن يقف حيث وقف به العلم، ولا يتعدى ذلك إلى القول بغير علم. (٣) وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢] (٤)، من قول الشاعر (٥):\nإذا ما تَحدثتُ في مَجْلِسٍ ... تناهَى حَديثي إلى ما عَلِمْتُ\nولم أَعْدُ عِلْمِي إلى غَيْرهِ ... وكانَ إذا ما تناهى سَكَتُّ (٦)\nومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد الأدبية في كتب التفسير ما استشهد به القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ\n_________\n(١) البيان والتبيين ٤/ ٢٤.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٢٧١.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٩٧ - ١٩٨، وانظر: أبيات الاستشهاد لابن فارس ضمن نوادر المخطوطات لعبد السلام هارون ١/ ١٧٤ حيث ذكر ابن فارس أنه يتمثل به عندما يلاجك أحد أو يطاولك.\n(٤) البقرة ٣٢.\n(٥) هو يزيد بن الوليد بن عبدالملك.\n(٦) انظر: عيون الأخبار ٢/ ١٢٥.","vol":"1","page":86},{"text":"عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ٢٢] (١)، على أَنَّ الجوارح تشهد على الإنسانِ بما عمل، وهي قول الشاعر (٢):\nالعمرُ ينقصُ والذنوبُ تزيدُ ... وتُقَالُ عَثراتُ الفَتَى فَيَعُودُ\nهل يَستطيعُ جُحودَ ذَنبٍ واحدٍ ... رَجُلٌ جَوارِحُهُ عليهِ شُهُودُ\nوالمرءُ يُسألُ عَن سَنيهِ فيَشتَهي ... تَقلِيلَها وعَن المَماتِ يَحِيدُ (٣)\nويوجد عند بعض المفسرين إيراد لشواهد شعرية يتمثل بها أهل التصوف وتكثر في كتبهم، وهي تدخل تحت الشواهد الأدبية، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده القرطبي عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣] (٤)، حيث قال: «وخصَّ الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها، فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] (٥) ليبين أنَّ القربَ قربُ الأديانِ، لا قُربُ الأبدان. وفي مثله تُنشدُ الصوفيَّةُ:\nيقولونَ لي دارُ الأَحبةِ قد دَنتْ ... وأَنتَ كئيبٌ إنَّ ذا لعجيبُ\nفقلتُ: وما تغني ديارٌ قريبةٌ ... إذا لم يكن بين القلوب قريبُ\nفكم من بعيد الدار نال مراده ... وآخر جار الجنب مات كئيب» (٦)\nويكثر هذا النوع في تفسير القشيري (٧) المسمى بـ «لطائف الإشارات»، حيث ملأه بأمثال هذه الأبيات الشعرية التي يقصد بها معاني\n_________\n(١) فصلت ٢٢.\n(٢) هو عبد الله بن عبد الأعلى الشامي.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٢٣٠.\n(٤) التوبة ٢٣.\n(٥) المائدة ٥١.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٦٠ - ٦١، والأبيات غير معروفة القائل.\n(٧) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبدالملك القُشَيْرِيُّ النيسابوريُّ الصوفي (٣٧٥ - ٤٦٥ هـ)، كان زاهدًا وَرِعًا، اشتغل بالتفسيرِ وصنَّفَ فيه كتبًا منها لطائف الإشارات. انظر: تاريخ بغداد ١١/ ٨٣، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٢٧.","vol":"1","page":87},{"text":"بعيدة كما هي حال الصوفية في التفسير الإشاري. والصوفية يكثرون من الاستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية، ويجري ذلك في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم، «فينتزعون معاني الأشعار، ويَضعونَها للتخلِّقِ بِمُقتضاها، وهو في الحقيقة من المُلَحِ؛ لِما في الأشعار الرقيقةِ من إمالةِ الطِّباعِ، وتَحريكِ النفوس إلى الغرض المطلوب، ولذلك اتخذهُ الوعاظُ دَيدنًا، وأدخلوه في أثناء وعظهم» (١).\nومن الأمثلة في تفسير القشيري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] (٢) قال: «الأَهِلَّةُ جَمعُ هلالٍ، مواقيت للناس، لأشغالِهم ومُحاسباتِهم. وهي مواقيتُ لأهلِ القِصَّةِ - أي الصوفية - في تفاوت أحوالهم، فللزاهدين مواقيتُ أورادهم، وأَمَّا أقوامٌ مَخصوصونَ فهي لهم مواقيتُ لحِالاتِهم، قال قائلهم (٣):\nأَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنتُ قدمًا لا أعدُ اللياليا (٤)\nوقال آخر:\nثَمانٍ قد مضين بلا تلاقٍ ... وما في الصبر فضلٌ عن ثَمانِ (٥)\nوقال آخر (٦):\nشُهورٌ يَنقضينَ وما شَعرْنَا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ (٧)» (٨)\nفهو هنا أورد ثلاثة أبيات من الشعر، يقصد بها معنى إشاريًا يفهمه الصوفية، غير المعنى الذي تدل عليه بظاهرها.\n_________\n(١) الموافقات ١/ ١١٦.\n(٢) البقرة ١٨٩.\n(٣) هو قيس بن الملوح، المشهور بِمَجنون ليلى.\n(٤) انظر: ديوانه ٣٤.\n(٥) لم أعثر على قائله.\n(٦) هو الشاعر الأموي الصمة بن عبدالله القشيري المتوفى سنة ٩٥ هـ.\n(٧) السِّرار: الليلة التي يَسْتَسِرُّ فيها القمرُ أي يَختفي. انظر: الأغاني ٦/ ٥، لسان العرب ٦/ ٢٣٥ (سرر)\n(٨) لطائف الإشارات للقشيري ١/ ١٤٤.","vol":"1","page":88},{"text":"وقد أحصيت الشواهد الشعرية في تفسير القشيري هذا فبلغت ٦٨٣ شاهدًا شعريًا ساقها كلها مساقًا إشاريًا، غير المعنى الظاهر. وكثير من هذه الأبيات الشعرية التي أوردها قد اعتراها اختلال في الوزن، وربما يكون الخلل من الناسخ. وقد أورد كثيرًا من الشواهد الشعرية التي يوردها غيره من المفسرين، مع اختلاف وجه الاستشهاد.\nمثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] (١): «وقد توهم بعض الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأما أهل الخصوص من هذه الأمة ففي كل لحظة قتل، ولهذا:\nليسَ مَنْ مات فاستراح بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيّتُ الأحياءِ (٢)\nوقتلُ النفسِ في الحقيقةِ التَّبَرِّي عن حَولِها وقُوتِها أو شهود شيءٍ منها، ورَدِّ دعواها إليها ... فأَمَّا بقاءُ الرسومِ والهياكلِ فلا خَطَرَ لَهُ ولا عِبْرَة به» (٣).\nفي حين أَنَّ المفسرين يوردون هذا الشاهد الشعري للاستشهاد به على التفريق بين صيغةِ «مَيْت» بالتخفيف، و«مَيّت» بالتشديد. فذهب جَماعةٌ من اللغويين إلى أَنَّ «التشديد والتخفيف في مَيّت ومَيْت لغتان» (٤)، ولا فرق بينهما في المعنى، وقد اختاره الطبري (٥).\nوذهب آخرون إلى أَنَّه بالتشديد يدلُّ على ما لم يَمُت بعدُ،\n_________\n(١) البقرة ٥٤.\n(٢) البيت للشاعر الجاهلي عَديّ بن رعلاء الغساني، والرعلاء أمه. والبيت مع ترجمة الشاعر في معجم الشعراء للمرزباني ٨٦، ونسبه ياقوت الحموي لصالح بن عبدالقدوس كما في معجم الأدباء ٣/ ٤٢٠.\n(٣) لطائف الإشارات للقسطلاني ١/ ٧٥.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣١٨، المحرر الوجيز ٢/ ٤٧ - ٤٨، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤٦.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣١٩.","vol":"1","page":89},{"text":"وبالتخفيف يدلُّ على مَنْ قد ماتَ ومَنْ لَم يَمت بعدُ. قال ابن عطية: «هكذا هو استعمالُ العرب، ويشهد بذلك قول الشاعر .. ثم ذكره وشرحه فقال: «استراحَ: من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ، ولم يقرأَ أحدٌ بالتخفيف فيما لم يَمُت إلا ما رُوى البزيُّ عن ابن كثيرٍ: ﴿ومَا هُوَ بِمَيْتٍ﴾ والمشهورُ عنه التثقيلُ» (١).\nويظهر الفرق جليًا بين إيراد القُشيريِّ للشاهد الشعري اللغوي، وصرفهِ إلى معناهُ الإشاريِّ البعيدِ لتأييدِ تفسيره الإشاري الصوفي للآيات، وبين إيراد غيره من المفسرين لهذا الشاهد الشعري، واستشهادهم اللغوي به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٧ - الشواهد التاريخية:</span>\nكان تاريخ مغازي الرسول - ﷺ - وسيرته مادةً من مواد المفسر يلجأ إليها حين يعرض لأسباب نزول الآية، أو للأخبار والحوادث المتصلة بها، وكل ذلك ينقل فيه أبيات من الشعر حجة لإثبات الخبر أو نفيه، أو لضبط زمانه، أو مكانه.\nوقد كانت السيرة والتاريخ مجالًا واسعًا للاستشهاد بالشعر، بل لقد كان الشعر ضرورةً لازمةً لها يزينها ويكسبها ثقة وقوة في نفوس المستمعين والقارئين، كأنما كان الشعر دليلًا على صدق ما يروى من خبر، حتى لقد رووا أنَّ معاويةَ بن أبي سفيانَ - ﵁ - طلب من عَبِيد بن شَريَّةَ (٣) - حينما كان يقص عليه أخباره المتضمنة في كتاب «أخبار عبيد بن\n_________\n(١) المُحرر الوجيز ٢/ ٤٨.\n(٢) الكشاف ١/ ٢٠١، ٣٠٣، ٤٧١، ٢/ ٥١٨، المحرر الوجيز ٣/ ٥٩، الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٥٩.\n(٣) هو عَبِيْدُ بن شَريَّة الجُرهُمي، من المعمَّرين والقصاص المشهورين، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وجالس معاوية ﵁ بعد أن استقدمه من صنعاء إلى دمشق، وإن صح خبره فهو أول من دون الكتب من العرب، فقد أملى كتابين هما كتاب =","vol":"1","page":90},{"text":"شرية» - أَنْ يُوردَ في أخباره وقصصهِ كلَّ ما يتصل بها مِن شعرٍ، وقال له: وسألتكَ أَلا تَمرَّ بشعرٍ تَحفظهُ فيما قالهُ أَحدٌ إلا ذكرتَه.\nومع أن عبيدًا كان لا يقصر في الاستشهاد بالشعر، فقد عاد معاوية يُلحِفُ عليهِ بقولهِ: وسألتك إِلا شددتَ حديثك ببعض ما قالوا من الشعرِ ولو ثلاثة أبيات. وحينما ذكرَ عَبيدُ أَنَّ يَعْرُبَ كان يقولُ الشعرَ قال له معاويةُ: اذكر الشعرَ الذي قال يَعْرُبُ. وكان معاويةُ كلما سَمِعَ الشعر الذي قيل في إحدى الحوادثِ اطمأَنَّ إلى صحةِ الخَبَرِ، وقال لعَبيد: لقد جئتَ بالبُرهانِ في حديثك يا عبيد، أو للهِ درُّكَ فقد جئت بالبُرهان (١).\nوهذا الشعبيُّ (٢) يسأل ابن عباس ﵄ عن أول الناس إسلامًا، فيجيبه ابن عباس: أو ما سَمِعتَ قول حسان بن ثابت:\nإذا تذكرتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فاذكرْ أخاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا\nخَيْرَ البَرِيَّةِ أَتقاها وأعدَلَهَا ... بعدَ النَّبِيِّ وأَوفَاهَا بِمَا حَمَلا\nالثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا (٣)\nوهذا هو المقصود بالشاهد الشعري التاريخي، وقد وردت في كتب التفسير كثيرٌ من الشواهد التي تشهد لوقائع تاريخية، وقد أوردها بعض المفسرين عند حديثهم عن الحوادث التاريخية في كتب التفسير.\nومن هذه الشواهد التاريخية الغريبة في كتب التفسير ما أورده\n_________\n= الملوك وأخبار الماضين، وكتاب التيجان وملوك حمير، وقد طبعا باسم أخبار عبيد بن شرية في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، والثاني كتاب الأمثال. وقد عاش إلى زمن عبد الملك بن مروان. انظر: المعمرون لأبي حاتم السجستاني ٢٢، معجم الأدباء ١٢/ ٧٢ - ٧٨.\n(١) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ٥٩٩ - ٦٠٠.\n(٢) هو التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٣٦، تاريخ الطبري ٢/ ٢١٤، محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ٤/ ٤٧٤، والأبيات في ديوان حسان بن ثابت ١٧٧.","vol":"1","page":91},{"text":"الطبري في تفسيره وفي تاريخه كذلك عن آدم ﵇ حيث نقل الطبري عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لَمَّا قتلَ ابنُ آدم أخاه بَكى آدمُ فقال:\nتَغَيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها ... فَلَونُ الأَرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ\nتَغيَّرَ كلُّ ذِي لونٍ وطعمٍ ... وقَلَّ بشاشةَ الوجهُ المليحُ\nفأجيب آدم ﵇:\nأَبا هابيلَ قَد قُتِلا جَميعًا ... وصَارَ الحَيُّ كالميتِ الذَّبيحِ\nوجاءَ بِشِرَّةٍ قد كان منها ... على خَوفٍ فجاءَ بِها يَصيِحُ (١)\nقال ابن عطية: «وكذا هو الشعر بنصب بشاشة، وكف التنوين» (٢). وهذا الشعر مِمَّا انتُقِدَ على ابن إسحاق إيراده له، إذ كيف يكون حُفِظ عن آدم شعرٌ؟ ! (٣)\nومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد عند المفسرين ما نقله القرطبي عن ابن إسحاق في قصة غزوة أحد: «قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:\nنحنُ جزيناكمْ بيوم بدرِ ... والحرب بعد الحرب ذات سعرِ\nما كان عن عتبة لي من صبرِ ... ولا أخي وعَمِّهِ وبِكْرِي\nشفيتُ نفسي وقضيتُ نذري ... شَفيتَ وَحشيُّ غليلَ صدري\nفشكرُ وحشيٍّ عليَّ عُمري ... حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري»\nثم ذكر بعد ذلك أشعارًا تاريخية كثيرة حول هذه الغزوة (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري ١٠/ ٢٠٩، وتاريخ الطبري ١/ ٩٢.\n(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٨٠ - ٨١.\n(٣) طبقات فحول الشعراء ١/ ٧ - ٨.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٢١ - ١٢٢، ١٢/ ١٣٣.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>٨ - الشواهد المشتركة</span>.\nوهي شواهد شعرية تتضمن عددًا من مواطن الاستشهاد في مفرداتها اللغوية، أو تركيبها، وترد في كتب التفسير وغيرها، فيستشهدون بها على أكثر من وجهٍ، فهي شواهدُ صرفية، ولغوية معجمية، وتاريخية، أوردها المفسرون في مواضع متفرقة بحسب الحاجة، مع تعدد وجه الاستشهاد، وربما يكون فيها أكثر من استشهاد على جانب واحد كالجانب اللغوي مثلًا. ولكونها متعددة الجوانب حسُنَ إفرادُها بالذكر للتنبيه عليها، والحث على حفظها والعناية بها.\n١ - من الأمثلة على هذا النوع قول الفرزدق، ونُسِبَ لغيره:\nبَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبناءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (١)\nفهو شاهدٌ عند النحويين «على أَنَّ المبتدأَ والخَبَر إذا تساويا تعريفًا وتَخصيصًا يَجوزُ تأخيرُ المبتدأ إذا كان هناكَ قرينةٌ معنويةٌ على تعيين المبتدأ، فإِنَّهُ قَدّم الخبر هنا على المبتدأ لوجود القرينةِ من حيثُ المعنى، فإنك عرفت أنَّ الخَبَر هو مَحطُّ الفائدة، فما يكون فيه التشبيه الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر، وهو قوله: بنونا، إذ المعنى: أَنَّ بَنِي أَبنائِنا مثلُ بَنينا، لا أَنَّ بَنِينا مثلُ بني أَبنائِنا» (٢).\nوشاهدٌ عند البلاغيين على أَنَّهُ جاء على عكسِ التشبيهِ. قال ابنُ هشام: «قد يُقال: إِنَّ هذا البيتَ لا تقديمَ فيهِ ولا تأخير، وإِنَّهُ جاء على عكس التشبيه» (٣).\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢١٧، خزانة الأدب ١/ ٤٤٥، دلائل الإعجاز ٣٧٤.\n(٢) خزانة الأدب ١/ ٤٤٥. وانظر: شرح ابن عقيل للألفية ١/ ٢٠٢، الإنصاف في مسائل الخلاف ٦٢، شرح الأشموني ١/ ٢١٠، شرح المفصل لابن يعيش ١/ ٩٩، ٩/ ١٣٢، تخليص الشواهد ١٩٨، شرح التصريح ١/ ١٧٣، الدرر اللوامع للشنقيطي ١/ ٧٦، همع الهوامع ١/ ١٠٢.\n(٣) انظر: خزانة الأدب ١/ ٤٤٦، دلائل الإعجاز ٣٧٤.","vol":"1","page":93},{"text":"وشاهد عند الفُقهاء (١)، والفرضيين (٢) في بابي الوصية والانتساب للآباء دون الأمهات. قال الجاحظ: «خبَّرني النُّوشِروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصي جدِّي بثلث ماله لأولاده، وأنا من أولاده، قال: ليس لك شيء، قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر ...» (٣).\nيقول العيني في شرح الشاهد: «هذا البيتُ استشهدَ به النحويونَ على جواز تقديم الخَبَرِ، والفرضيون على دخول أَبناءِ الأبناء في الميراثِ، وأَنَّ الانتسابَ للآباءِ، والفقهاءُ كذلك في الوصيَّةِ، وأهلُ المعاني والبيان في التشبيهِ، ولم أَر أحدًا منهم عزاهُ إلى قائلهِ» (٤).\n٢ - ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير قول الشاعر:\nولست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّل من جو السماءِ يصوبُ (٥)\nاستشهد به أبو عبيدة، والطبري، والقرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (٦) استشهادًا لغويًا على هَمز كلمةِ «الملائكةِ» في قوله: لِمَلأَكٍ، وذلك عند بيانِ أَصلِ اشتقاقِ كلمةِ الملائكة (٧).\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة ٨/ ٢٠٤، الشرح الكبير ١٦/ ٤٦٥، .\n(٢) انظر: المغني ٩/ ١١، إعلام الموقعين ٣/ ٣٧١، جلال الأفهام ٣٨٦، ٤٠٦.\n(٣) الحيوان ١/ ٣٤٦.\n(٤) خزانة الأدب ١/ ٤٤٥، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٢٠ الحاشية.\n(٥) اختلف في نسبته، فنسب لعلقمة بن عبدة كما في ملحق ديوانه ص ١١٨، وإلى متمم بن نويرة كما في ديوانه ٨٧، ونسب لغيرهما كما في ارتشاف الضرب لأبي حيان ٥/ ٢٣٨٣ حاشية رقم ٤ وقد استوفى المحقق تخريجه ولعل نسبته لرجل من بني عبدالقيس أولى لأن أبا عبيدة أنشده له، وأنشد قبله مباشرة بيت علقمة على وزنه وقافيته، مما يعني معرفته ببيت علقمة وأن هذا الشاهد ليس له. وانظر: مجاز القرآن ١/ ٣٣.\n(٦) البقرة ٣٠.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ٣٥، تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٧٣، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٦٣.","vol":"1","page":94},{"text":"واستشهد به أبو عبيدة، والطبري، وابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] (١) استشهادًا صرفيًا على أَنَّ «صَّيّب» بِمَعنى مطرِ، مأخوذٌ من صابَ يصوبُ، قال ابن عطية: «وأصلُ صَيِّبْ: صَيْوِب، اجتمعت الواو والياء، وسُبِقَت إحداهُما بالسكونِ، فقُلِبَت الواو ياءً، وأدغمت كما فُعِلَ في سَيِّد ومَيِّت» (٢).\nوالأمثلة على هذا النوع كثيرة في كتب التفسير (٣).\n* * *\n_________\n(١) البقرة ١٩.\n(٢) المحرر الوجيز (قطر) ١/ ١٨٩ - ١٩٠، مجاز القرآن ١/ ٣٣، تفسير الطبري (هجر) ١/ ٣٥١.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٠، ١٨٣، ٣٠٧، ٣٤١، ٣٧٨، معاني القرآن للفراء ١/ ٩٩، ٢/ ٢٠٢، تأويل مشكل القرآن ١٩٩، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٠٥، ٣/ ٣٠٦، ٣١٢، ٤/ ٤٢٤، ٥/ ١٢٠، ٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥، ٩/ ٣٣٢، ١١/ ٢٢٣، ١٣/ ٥٢١، ١٥/ ١٧٩، ٥٢٩ - ٥٣٠، تفسير الطبري (هجر) ٦/ ٢٢٥، ٢٢/ ١٥٠، معاني القرآن للنحاس ٢/ ٥٥، الكشاف ١/ ٤٤٨، ٤/ ٤١، ٨١٨، المحرر الوجيز ١/ ٤٦ - ٤٧، ٢/ ٤٥، المحرر الوجيز (قطر) ١/ ١١١، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٠١.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الثالث: الشاهد الشعري المُحتجُّ بهِ في التفسير</span>.\nكان لأهلِ العربيةِ سَبْقٌ وعنايةٌ بوضع المعايِيْرِ الدقيقةِ التي يُقبلُ الشاهدُ الشعري أو يُرفض بناءً عليها، وذلك للحدِّ من التوسعِ في قبَولِ ما لا يُطمأَنُّ إليهِ منها، ولم يَخرُج المفسرونَ في كتبهم عن تلك المَعايِيْر التي وضعها علماء اللغة؛ للعلاقة الوثيقة بين اللغة والتفسير، وأَهمُّ هذه المعايير هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا - المعيار الزمني:</span>\nوُضِعَ حدٌّ زمنيٌّ لما يصح الاحتجاج به من أقوال العرب شعرًا أونثرًا، فاتُّفِقَ على جَعْلِ منتصف القرن الثاني للهجرة نِهايةً لعصر الاحتجاج بشعراء الحاضرة، وذكروا أَنَّ آخرَهمْ إبراهيمُ بنُ هَرْمَة (ت ١٧٦ هـ) (١)، وجَعْلِ منتصف القرن الرابع الهجري حدًا لشعراء البادية (٢).\nوقد حاول العلماء بالشعر واللغة، تصنيف الشعراء الذين يُحتجُّ بِهم إلى طبقاتٍ، كما صَنَعَ علماءُ الحديثِ (٣)، وقد صنف في ذلك الأصمعي كتابه فحولة الشعراء، فقَسَّمَ الشعراء طَبَقتيْن: الفحول، وغير الفحول.\n_________\n(١) هو إبراهيم بن علي بن سَلمة بن عامر بن هَرْمَةَ، ينتهي نسبه إلى الحارث بن فهر، وفهرُ أصلُ قريشٍ، شاعرٌ مشهورٌ من مُخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ولد سنة ٩٠ هـ، ولشعره قيمةٌ عند اللغويين والنحويين، إذ وقفوا بالاستشهاد بالشعر على مسائل اللغة والنحو عنده، توفي سنة ١٧٠ وقيل ١٧٦ هـ. انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٧٥٣، طبقات الشعراء لابن المعتز ٢٠، الأغاني ٤/ ٣٦٧، الخزانة ١/ ٢٠٤\n(٢) انظر: المزهر ٢/ ٤٨٤\n(٣) انظر: طبقات الشعراء في النقد الأدبي للدكتور جهاد المجالي ٣٥.","vol":"1","page":96},{"text":"فجاء بعده محمد بن سلَّام (ت ٢٣١ هـ) (١) واستفاد من تقسيم الأصمعي، وحذا حذوه في تخير طبقة الفحول من الشعراء، وقال: «فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا» (٢). وقد قسم ابن سلاَّم الشعراءِ إلى طبقتين:\nالأولى: طبقات فحولِ الجاهلية.\nوالثانية: طبقات فحول الإسلام.\nوفرَّقَ الشعراءَ المخضرمين على هاتينِ الطبقتيْن (٣). غير أن تقسيمه هذا لم يحظ بالقبول لكونه تقسيمًا رأسيًا مغلقًا (٤). والذي استقرَّ عليه أمر تقسيمِ الشعراءِ حسبَ عصورهم الزمنية، هو تقسيمهم إلى أربع طبقات:\n- الطبقة الأولى: طبقة الشعراء الجاهليين، وهم من عاش قبل الإسلام كامرئ القيس بن حُجر، وزُهَيْر بن أبي سُلْمى، وغيرهما.\n- الطبقة الثانية: طبقةُ المخضرمين، وهم الذين أدركو الجاهلية والإسلام كلبَيدِ بن ربيعةَ، وحَسَّانِ بن ثابت ﵄.\n- الطبقة الثالثة: طبقة الإسلاميين، وهم الذين عاشوا في صدر الإسلام ولم يدركوا الجاهلية، كجرير، والفرزدق.\n- الطبقة الرابعة: طبقة المُولَّدين، ويقال لهم المُحدَثون كبشارِ بن برُد (٥)،\n_________\n(١) هو أبو عبد الله مُحمَّدُ بن سلاَّم بن عُبيد الله بن سالم البَصريُّ الجُمَحيُّ، علاَّمةٌ بالشعر واللغة، من تلاميذه ثعلب وغيره، من أشهر كتبه المطبوعةِ كتاب طبقات فحول الشعراء، توفي سنة ٢٣١ هـ ببغداد. انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٧، إنباه الرواة ٣/ ١٤٣.\n(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٤.\n(٣) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٤.\n(٤) انظر: طبقات الشعراء في النقد الأدبي للدكتور جهاد المَجالي ٦٧.\n(٥) هو أبو معاذ، مولى بني عُقَيل، أحد الشعراء المطبوعين العُميان، ورأس الشعراء المُحدَثين، نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد، توفي سنة ١٦٨ هـ انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٧٥٧، تاريخ بغداد ٧/ ١١٢.","vol":"1","page":97},{"text":"وأبي نُواس (١)، وغيرهما. (٢)\n- فأَمَّا طَبقةُ الشعراءِ الجاهليين، والمُخضرَمين، فقد أَجْمعَ أهلُ العربيةِ على الاستشهادِ بشعرِهم، ونُقل الإِجْماعُ على ذلك (٣).\n- وأما طبقة الإسلاميين، فقد انقسم أهل العربية في صحة الاستشهاد بشعرهم إلى فريقين:\nالأول: الذين يردُّونَ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة. ويُمثِّلُ هذا الفريق أبو عمرو بن العلاء (٤)، وعبدالله بن أبي إسحاق الحضرميُّ، والأصمعيُّ (٥)، حيث كانوا يُلَحِّنونِ الفرزدقَ، والكُميتَ، وذا الرُّمَّةِ وأَضرابَهم، وهم من شعراء الإسلام (٦). ويذكر الأصمعيُّ أَنَّهُ جلس إلى أبي عمرو بن العلاء ثَماني حِججٍ فما سَمعه يَحتجُّ ببيتٍ إسلامي (٧). ويُعلِّقُ ابنُ رشيق على ذلك فيقول: «هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه،\n_________\n(١) هو الحسن بن هانئ، مولى الحكم بن سعد العشيرة، من اليمن، نشأ في البصرة، وطلب فنون العلم، أكثر من وصف الخمر وسبق إلى معان لم يسبقه إليها أحد في وصفها. انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٧٩٦.\n(٢) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ١٧٩، خزانة الأدب ١/ ٥ - ٦.\n(٣) انظر: خزانة الأدب ١/ ٤.\n(٤) هو أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن العريان التميمي، اختلف في اسمه على واحد وعشرين قولًا، منها: أبو العلاء، وزبان، والعريان، ويحيى. كان أعلم الناس بالقراءات، والعربية، والشعر، وأيام العرب، وهو أوثق رواة الشعر، وبلغت كتبه التي كتبها إلى سقف بيته، ثم تنسك فأحرقها. توفي عام ١٥٤ هـ. ومن تلاميذه أبو عبيدة والأصمعي، وغيرهما. انظر: طبقات اللغوويين والنحويين ٣٥، معجم الأدباء ١١/ ١٥٦، سير أعلام النبلاء ٦/ ٤٠٧، وقد كتب عنه الدكتور حسن بن محمد الحفظي رسالة الماجستير بعنوان «آراء أبي عمرو بن العلاء النحوية واللغوية» بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام عام ١٤٠٢ هـ.\n(٥) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٩٠، وإنباه الرواة ٤/ ١٣٣.\n(٦) انظر: سؤالات أبي حاتم ٦٩، الموشح ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٦٨، ٢٨٢، وطبقات اللغويين والنحويين ٢٤٤ - ٢٤٥، ومجالس العلماء ١٥٠.\n(٧) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٩٠، وإنباه الرواة ٤/ ١٣٣.","vol":"1","page":98},{"text":"كالأصمعيِّ وابنِ الأعرابيِّ، أَعني أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يذهبُ في أهلِ عصرهِ هذا المذهب، ويقدم من قبلهم، وليس ذلك إِلَّا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهدِ، وقِلَّةِ ثقتهم بِما يأَتي به المُولَّدون، ثُمَّ صارت لجاجةً». (١) وقصةُ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مع الفرزدق مشهورة (٢).\nالثاني: الذين يرون صحة الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهم جُمهورُ أهلِ اللغةِ كالخليلِ بن أحْمد (٣)، ويونس بن حبيب، وسيبويه وغيرهم. فقد كان يونسُ يُفضِّلُ الفرزدق، ويقول: «لولا الفرزدقُ لذهب شعرُ العرب» (٤). وابن سلَّام (٢٣١ هـ) يفضلُ جَريرًا والفرزدقَ، على ذي الرمةِ، ويقول عنه: «هو دُونَهما ويساويهما في بعضِ شعره» (٥). ويقول البغداديُّ: «وقد أَجْمعَ علماءُ الشِّعْرِ على أَنَّ جريرًا والفرزدق والأخطلَ، مُقدَّمونَ على سائر شعراء الإسلام» (٦).\nوالذي استقرَّ عليه الأمرُ، وسار عليه المفسرون واللغويون، جوازُ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهو ما سار عليه أهل العربية (٧)، وكثير من شواهد التفسير منسوبةٌ لشعراءِ هذه الطبقةِ، فهم في كتب التفسير يكادون\n_________\n(١) العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٩١.\n(٢) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٨٩، ٤٨٠، معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٣، وخزانة الأدب ٥/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٣) احتجَّ الأصبهانيُّ على أَنَّ كتاب العين لم يكن كُلُّه من تصنيف الخليل بقوله: «ومِمَّا يدلُّ على هذا استشهادهم بأشعارِ المولَّدين، مِمَّا لم يكن الخليلُ يلتفت إليه، ولا يَستشهدُ بِمِثلهِ. وقد علَّمت في العين والحاء والراء وغيرها على أكثر من أربعين بيتًا للمحدثين، مثل سليمان بن يزيد العدوي، وصالح بن عبدالقدوس، وسابق وبشار ومن في طبقتهم، بل وجدت فيه شيئًا من شعر أبي دلامة، والحسن بن هانئ، وهذا أدل دليل على أنَّ الكتابَ مُفْسَدٌ مَزيدٌ فيه». انظر: شرح ما يقع فيه التصحيف ٥٨ - ٥٩.\n(٤) خزانة الأدب ١/ ٢٢٠.\n(٥) طبقات فحول الشعراء ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١.\n(٦) خزانة الأدب ١/ ٧٦.\n(٧) انظر: خزانة الأدب ١/ ٥.","vol":"1","page":99},{"text":"يتساوون - من حيث عدد الشواهد - مع طبقة الجاهليين، ويزيدون على طبقة المخضرمين (١).\nففي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة احتج بثلاثةٍ وخَمسينَ شاعرًا من طبقة الإسلاميين، في حين احتجَّ بِخمسةٍ وستين شاعرًا من طبقةِ الجاهليين، وواحدٍ وأربعين شاعرًا من المُخضرمين. واحتجَّ الفراء في «معاني القرآن» باثني عشر شاعرًا إسلاميًا، مقابلَ الاحتجاج بتسعةِ شعراء من العصر الجاهلي وثَمانيةٍ من المخضرمين. والطبريُّ في تفسيره احتجَّ بثلاثةٍ وستينَ شاعرًا إسلاميًا. ولذلك يقول البغدادي عن طبقة الإسلاميين: «والصحيحُ صحةُ الاستشهاد بكلامها» (٢).\nوالمظنونُ بالعلماء الذين لم يستشهدوا بشعر هؤلاء الشعراء أَنَّهم إِنَّما كانوا يُظهِرونَ التعصبَ للمُتقدمين ترغيبًا للناس في حفظ أشعارهم، وروايتِها؛ لأنَّها حُجةٌ في لغةِ العَربِ، فإِنَّ الشعرَ القديمَ - حتى الردئَ منهُ - صالِحٌ للاحتجاجِ به في تثبيتِ اللغةِ وقواعدِها، وتفسير القرآن والسنة، بِخلافِ شعر المتأخر فإِنَّهُ وإن كانَ جيّدًا لا يصلحُ للحُجةِ، فكان العلماء يرون أَنَّ حفظ أشعار المتقدمين والترغيب في حفظها وروايتها وإِنْ كان فيها ما هو رديءٌ من الفروض المتعينة لحفظ لغة القرآن، بِخلاف أشعار المتأخرين، يدلكَ على هذا أَنَّ العلماء كانوا يعيبون كثيرًا من أشعار المتقدمين من شعراء الجاهلية ومَنْ بعدَهم كما تراه في كتاب الموشح للمرزباني، وفي صدر كتاب الوساطة للجرجاني (٣). ويدلك على ذلك أَنَّ رجلًا أَنشدَ ابنَ الأعرابيِّ شِعرًا لأبي نُواس، فسكتَ ابنُ الأعرابي، فقال له الرجلُ: أَما هذا مِنْ أحسنِ الشِّعرِ؟ قال: بَلى، ولكنَّ القَديمَ أَحبُّ إليَّ (٤).\n_________\n(١) انظر: «مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري» من هذا البحث ص ٢٠٧.\n(٢) خزانة الأدب ١/ ٦.\n(٣) انظر: الموشح ١، الوساطة ٤ - ٥.\n(٤) انظر: الموشح ٣٨٤.","vol":"1","page":100},{"text":"- وأما الطبقة الرابعة وهي طبقة المولَّدينَ فلم يستشهدوا بشعرهم (١)، وقد نقل السيوطيُّ الإجْماعَ على ذلك (٢). والمولَّدون هم الذين لم يتمحضوا للعرب من الشعراء، فـ «رجلٌ مولَّد، إذا كان عربيًا غيرَ مَحضٍ» (٣)، «وإِنَّما سُمِّي المُولَّدُ من الكلامِ مُولَّدًا إذا استحدثوهُ، ولم يكنْ من كلامهم فيما مَضى» (٤). «والمُولَّدُ المُحدَثُ من كل شيء» (٥). وهذا يدلُّ على أَنَّ المولَّدَ يُقصدُ به الشخصُ المُحدَثُ أيضًا، سواءً أكانَ عربيَّ النَّسبِ صراحةً أم لا، فقد كان أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ) يَعُدُّ الأخطلَ وجريرَ والفرزدق من المُحدَثين، ولم يَرْضَ الاستشهادَ بشعرهم. ومثله أبو عمرو الشيباني (٢٠٦ هـ) الذي يقول: «لولا أَنَّ أبا نواس (١٩٨ هـ) أفسدَ شِعرَهُ بهذه الأقذارِ لاحتَجَجْنا به؛ لأَنَّهُ مُحكمُ القولِ لا يُخطئ» (٦). وأبو عبيدة مَعْمرُ بن المُثَنَّى (٢١٠ هـ) يقول: «افتتح الشعرُ بامرئِ القيسِ، وخُتِمَ بابنِ هَرْمة (١٧٦ هـ)» (٧). والأصمعي (٢١٦ هـ) يقول: «ساقةُ الشعراء ابن ميَّادةَ، وابنُ هَرْمَة، ورؤبة، وحَكَمُ الخُضَريُّ (١٥٠ هـ) (٨)، ومَكينُ العذري (١٦٠ هـ)، وقد رأيتهم أجمعين» (٩). في حين أَنَّهُ يَمنعُ الاستشهاد بشعر شعراء قبل هؤلاء مثل الكميت والطرمَّاح.\nومن خلال أقوال أهل العربية في التحديد الزمني لنهاية عصر الاحتجاج بالشعر، وجواز الاستشهاد به في اللغة والتفسير، يظهر اختلافهم في وضعِ تاريخٍ دقيقٍ، يكون فاصلًا بين مَنْ يصحُّ الأخذُ عنهم،\n_________\n(١) انظر: خزانة الأدب ١/ ٤.\n(٢) انظر: الاقتراح ٥٤.\n(٣) الصحاح ٢/ ٥٥٤.\n(٤) لسان العرب ٣/ ٤٦٩ (ولد).\n(٥) لسان العرب ٣/ ٤٦٧ (ولد).\n(٦) خزانة الأدب ١/ ٣٤٨.\n(٧) المزهر ٢/ ٤٨٤.\n(٨) هو الحَكَمُ بن معمر بن قنبر من قيس عيلان، شاعر إسلامي هجَّاء، كان يهاجي ابن ميادة توفي سنة ١٥٠ هـ. انظر: الأصمعيات ٣٢، الأغاني ٢/ ٩٤، معجم الأدباء ١٠/ ٢٤٠.\n(٩) الشعر والشعراء ٢/ ٧٥٣، وخزانة الأدب ١/ ٨، ٤٢٥.","vol":"1","page":101},{"text":"ومَن لا يصحّ، ولذلك يُمكنُ القول: إِنَّ المعتدلين مِنْ أهلِ العربيةِ قد ارتضوا تاريخًا وَسَطًا على وجه التقريبِ بين ذي الرمةِ المتوفى سنة ١١٧ هـ من جهةٍ، وإبراهيم بن هَرمة المتوفى سنة ١٧٦ هـ من جهة أخرى، فجعلوا سنة ١٥٠ هـ وهي منتصف القرن الثاني الهجري فيصلًا في خلافهم، يأخذون بشعر مَنْ عاشَ قبل هذا التاريخ، ويُعرِضونَ عن شعر من عاش بعده، وعلى هذا يكون الشاعرُ ابن ميادة المتوفى سنة ١٤٩ هـ (١) آخرَ شعراءِ العربية الذين يَجبُ أَنْ يُتوقفَ عندهُ في الاحتجاج والاستشهادِ، وإن كان الأصمعي يرى التوقف عند ابن هَرْمَة.\nغير أَنَّ هذا الإجِماعَ الذي ذكره السيوطي على عدم الاستشهاد بشعر المولَّدين قد خرَجَ عليه بعض العلماء، فقد نقلَ عَن عددٍ من أهل العربية الاستشهاد ببعض الشواهد لشعراء من هذه الطبقة، غير أَنَّهُ لم يكن اعتمادًا كليًا على هذه الشواهد، وإِنَّما هو أشبهُ ما يكون بالاستئناس، حيث يرد الشاهد مقترنًا بغيره، أو بقراءةٍ شاذةٍ، فضلًا عن أَنَّها شواهدُ قليلةٌ لا تُمثِّلُ نسبةً ذات دلالة في هذا الشأن. فقد استشهد أبو عبيدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧] (٢) بأَنَّ معناها: ليس فيها غَول، والغَولُ أَن تغتالَ عقولَهم. واستشهد بقول مطيع بن إياس (٣):\nومَا زالتْ الكأسُ تغتالُنا ... وتذهبُ بالأَولِ الأولِ (٤)\n_________\n(١) اختُلف في سنة وفاة ابن ميادة (الرماح بن أبرد الرياحي)، فقيل سنة ١٣٦ هـ، وقيل سنة ١٤٩ هـ، وقيل غير هذا. وقد ناقش هذه الأقوال الدكتور حنا جميل حداد (محقق شعر ابن ميادة) وأثبت صحة قول من قال إنه توفي سنة ١٤٩ هـ. انظر: ابن ميادة وشعره ٥٠ - ٥٣.\n(٢) الصافات ٤٧.\n(٣) هو مطيع بن إياس الكنائي، من بني ليث بن بكر، مدح المنصور وابنه جعفر، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، توفي سنة ١٦٦ هـ انظر: معجم الشعراء للمرزباني ٤٥٤، خزانة الأدب ٩/ ٤٤٩.\n(٤) مجاز القرآن ٢/ ١٦٩.","vol":"1","page":102},{"text":"ومُطيعُ بنُ إياسٍ من المولَّدين، وقد تابع أبا عبيدة في الاستشهاد بهذا الشاهد الطبريُّ (١)، والقرطبيُّ (٢) عند تفسيرهما للآية.\nوأمَّا الفراء فلم يرد في معانيه الاستشهادُ بشعر المولَّدين إلا بشاهدٍ للشاعر إبراهيم بن هرمة (٣)، وشاهدٍ للقاسم بن مَعْنٍ (٤)، وبقية الشواهد لشعراء من الطبقات الثلاث الأولى.\nوأما الطبري في تفسيره فقد التزم بالاستشهاد بأشعار الطبقات الثلاث الأولى بصرامة، وآخر الشعراء الذين استشهد بشعرهم هم إبراهيم بن هرمة (٥)، وابن ميادة الذبياني (٦)، وأبو نُخيلة السعدي الراجز (٧). وهؤلاء من الذين ذكر العلماء أنه قد خُتِمَ بِهم الشعرُ، وشاهدٍ واحد لمطيع بن إياس لم ينسبه الطبري (٨).\nوأما ابن قتيبة فلم يستشهد في كتابيه «تأويل مشكل القرآن» و«غريب القرآن» بأي شاهدٍ لشاعر مولَّد، مع أنه قد أورد عددًا كبيرًا من أشعارهم في كتبه الأخرى مثل «عيون الأخبار» و«الشعر والشعراء».\nوأَمَّا الزمخشريُّ فقد احتج ببيت لأبي تمام على تعدية الفعل «أظلم» عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] (٩)، حيث قال: «وأظلم: يحتمل أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، وأن يكون متعديًا منقولًا من ظلم الليل، وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: (أُظْلِمَ) على ما لم يسم فاعله (١٠).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٥٣٢.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٥٤.\n(٣) انظر: معاني القرآن ١/ ٥٧.\n(٤) انظر: معاني القرآن ١/ ١٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٣٨٦، تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٣٢٤، ١٧/ ٣٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥١١.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٢١.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٥٣٢.\n(٩) البقرة ٢٠.\n(١٠) نقلها أبو حيان عن الزمخشري في البحر المحيط ١/ ٩٠، وفي النهر الماد كذلك له =","vol":"1","page":103},{"text":"وجاء في شعر حبيب بن أوس (١):\nهُما أظلما حاليَّ ثُمَّتَ أَجليَا ... ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ (٢)\nوهو وإن كان مُحْدَثًا لا يُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يَقولهُ بِمَنْزِلةِ ما يرويه. أَلا ترى إلى قول العلماء: الدليلُ عليه بيت الحماسةِ، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه» (٣). فهو هنا أورد البيت بعد القراءة الشاذة، فهو لم يورده بِمُفرده مع أنه احتج لما ذهب إليه باعتماد العلماء لروايته، فقاس على ذلك لغته، والغريبُ أَنَّ الزمخشريَّ مع قوله هذا في أبي تَمَّام قد خَطَّأَ أَبا نُواس في بعضِ شعرهِ مع فصاحته وتقدُّمِه (٤). ومهما يكن من أمر فإن عدد الشواهد التي أوردها العلماء من أشعار المولدين لا تُمثِّلُ شيئًا، بالنسبة للأبيات التي وردت لمن قبلهم.\nويَحسُنُ التنبيه إلى أَنَّ عدم الاستشهاد بشعر المولَّدينِ لا يعني عدَمَ فصاحتهم، فقد نُقِلَتْ نقولٌ كثيرة عن أئمة علماء اللغة تُزَكِّي شعرَ هؤلاء المولَّدين. ومن ذلك تزكية أبي عمرو بن العلاء لشعر بشار بن برد (٥). وعندما أنشدَ مروانُ بن أبي حفصةَ (ت ١٨٢ هـ) بعضَ شعرهِ لِخَلف\n_________\n= ١/ ٦٨، وفي المحرر الوجيز ١/ ١٣٩ نسبها للضحاك. ولم يتعرض لها ابن جني في كتابه «المحتسب».\n(١) هو حبيب بن أوس الطائي المعروف بأبي تمام، شاعر عباسي توفي سنة ٢٣١ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٢/ ١١\n(٢) ديوان أبي تمام ٣١، وفي شرح التبريزي لديوان أبي تمام ١/ ١٥٠: «جعل (أظلم) ها هنا متعديًا، وذلك قليل في الاستعمال، وهو في القياس جائز، وهو على قياس من قال: ظَلَمَ الليلُ، في معنى أظلمَ. فإن ادّعي أن (أظلم) ها هنا غير متعدٍ، وأن (حاليَّ) منصوب كانتصاب الظرف، فإن قوله أجليا ظلاميهما يدفع ذلك؛ لأنه عدَّى (أجليا) إلى الظلامين».\n(٣) الكشاف ١/ ٨٦ - ٨٧.\n(٤) انظر: خزانة الأدب ٨/ ٣١٥ - ٣١٦، وشرح أبيات المغني ٦/ ٧٤.\n(٥) انظر: الأغاني ٣/ ١٤٣.","vol":"1","page":104},{"text":"الأَحْمر، ويونس بن حبيب، أثنيا عليه ثناءً عاطرًا، بل فضَّلاه على بعض شعر الأعشى، حتى أَنَّ مروان نفسه قد أنكر ذلك التفضيل (١).\nويقول أبو عبيدة: «ذهبت اليمنُ بِجيِّد الشعرِ في قَديمِه وحديثه، امرؤ القيس في الأوائل، وأبو نواس في المُحدَثين» (٢). ويقول: «أبو نواس في المُحدثين مثل امرئ القيس في المتقدمين، فَتَحَ لهم هذه الفِطَنَ، ودَلَّهمْ على المعاني، وأَرشدَهُم إلى الطريقِ، والتصرفِ في فُنُونِه» (٣). ويقول الجاحظُ: «ما رأيتُ أحدًا كان أعلمَ باللغةِ من أبي نواس، ولا أفصحَ لَهجةً، مع حلاوةٍ ومُجانبةٍ للاستكراه» (٤). وقال ابن قتيبة عن أبي نواس: «وقد كان يُلَحَّنُ في أشياءَ من شِعْرِهِ، لا أُراه فيها إلا على حجة من الشعر المتقدم، وعلى علة بينةٍ من عللِ النحو» (٥).\nبل إِنَّ ابن السِّيدِ البَطَليوسي قد ذهب إلى أنه يكون للاستشهاد بشعر بعض المولَّدين وجهٌ مقبولٌ، وإن كان يتَّفق مع جُمهورِ العلماء في أَنَّ الأصلَ عدمُ الاحتجاج بشعرهم. فقال بعد أن استشهدَ بعددٍ من الشواهد الجاهلية التي تؤيد صحة القول بصواب إضافة لفظةِ «الآل» إلى الضمير في الصلاة على النبي وآَلِهِ. قال: «وقد قال أبو الطيب المتنبي، وإن لم يكن حُجةً في اللغة:\nواللهُ يُسعِدُ كُلَّ يَومٍ جَدَّهُ ... ويَزيدُ مِنْ أَعدائِهِ في آَلِهِ (٦)\nوأبو الطيّب وإِن كان مِمَّن لا يُحتجُّ به في اللغةِ، فإنَّ في بيته هذا حُجةٌ من جهةٍ أُخرى. وذلكَ أَنَّ النَّاس عُنوا بانتقادِ شعرهِ، وكان في عصرهِ جَماعةٌ من اللغويِيْنَ والنَّحويِيْن، كابنِ خالويهِ، وابن جِنِّي وغَيْرِهما، وما رأيتُ منهم أحدًا أنكرَ عليه إضافةَ «آل» إلى المُضمرِ،\n_________\n(١) انظر: الأغاني ١٠/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٢) الأغاني ٢٥/ ٣٨.\n(٣) الأغاني ٢٥/ ٣٩.\n(٤) الأغاني ٢٥/ ١٣.\n(٥) الشعر الشعراء ٢/ ٨١٨.\n(٦) انظر: ديوانه ١/ ٤٢١.","vol":"1","page":105},{"text":"وكذلك جَميعُ مَنْ تَكلَّمَ في شِعرهِ مِنْ الكُتَّابِ والشعراءِ، كالواحديِّ، وابن عَبَّادِ، والحاتِميِّ، وابنِ وكيعٍ، لا أَعلمُ لأحدٍ منهم اعتراضًا في هذا البيتِ، فدلَّ هذا على أَنَّ هذا لم يكنْ له أصلٌ عندَهم، فلذلك لم يتكلموا فيه» (١). وكلام البطليوسي هذا وجيه، غير أنه لا يصلح أن يكون قاعدة مع كل شاعرٍ مُحدَثٍ، فعنايةُ العلماءِ بشعرِ المُتنبي ليست كَعنايتهم بِشعرِ غَيْره، وقد نظر البطليوسي في القرائنِ المُحتفةِ بشعر المتنبي فدعاه إلى قوله هذا، وهذه النظرةُ النقديَّةُ للشاهدِ الشعري تَحتاجُ إلى توسعٍ وبسطٍ ليس هذا مَحلُّهُ؛ فإِنَّ شواهدَ المتقدمين يَعتري بعضها مِن الاختلالِ، والفسادِ أحيانًا ما يدعو العلماء إلى التوقف في قبولها، بل وردِّها في كثيرٍ من الأحيانِ، وسيأتي مَزيدُ بيانٍ لهذا في المبحثِ التالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا - المعيار المكاني:</span>\nوهو ما يُمْكِنُ أن يُسمَّى مقياسَ «البداوة والتحضر»، فبعد أن استقر رأي العلماء على صحة الاستشهاد بشعر الطبقات الثلاث الأولى، قام اللغويون بمراجعة أشعارهم للوقوف على بداوة هذا الشاعر وحضارة ذاك؛ لأن البداوة كانت شرطًا من شروط الفصاحة، فنتج عن هذه المراجعة أن حكموا على قسم من الشعراء بالضعف وعدم الفصاحة ولين اللسان، مِمَّا يُبعدُ شعرَهم عن الاستشهاد والاحتجاج، وذلك بسبب بعدهم عن البداوة، ومُخالطتِهم للحضر في المدن.\nوقد كان لهذا العامل دور بارز في الاستشهاد، فقد مَجَّد العلماءُ الباديةَ، واتجهوا شطرها، ووثَّقوا أهلَها، فهي مَكمَنُ الفصاحةِ والبيان؛ ولذلك كانت العربُ في الحاضرة تُرسِلُ أبناءها للبادية للتربي على الفصاحة، ورُوي أَنَّ أبا عمرو بن العلاء ما كان يأخذُ لغتَه إلا من\n_________\n(١) الاقتضاب ١/ ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":106},{"text":"أشياخِ العربِ، وأهل البَداوةِ (١)، وقد سأل الكسائيُّ الخليلَ بن أحمد: من أين أخذتَ علمك هذا؟ قال: مِن بوادي الحجازِ، ونَجدٍ، وتِهامة (٢). وجعل الجاحظُ من تَمَامِ آلةِ الشِّعرِ أن يكون الشاعرُ أعرابيًّا (٣). وذكر الفارابيُّ (٤) علةَ ذلك بقولهِ: «ولَمَّا كانَ سُكانُ البَريَّةِ في بيوت الشَّعَرِ، أو الصوفِ والخيامِ والأَحسيةِ (٥) من كل أمةٍ، أجفى وأَبعدُ من أن يَتركوا ما قد تَمكَّنَ بالعادة فيهم، وأَحرى أن يُحصِّنوا نفوسهم عن تَخيُّلِ حروفِ سائر الأمم، وألفاظهم، وألسنتهم عن النطق بها، وأحرى أَلاَّ يُخالطهم غيرُهم من الأمم، للتوحشِ والجفاء الذي فيهم، وكان سُكَّانُ المدن والقُرى وبيوتِ المَدَرِ منهم أَطبع، وكانت نفوسهم أشدَّ انقيادًا لنُطقهم بِما لم يتعودوه، كان الأفضلُ أن تؤخذ لغاتُ الأمَّةِ عن سكان البَراري منهم، متى كانت الأممُ فيها هاتان الطائفتان» (٦)، بِخلافِ الحاضرةِ التي كانتْ مِظنَّة الخلطِ واللَّحنِ (٧)، وقد أشار إلى ذلك أبو عمرو بن العلاء حينما قال: «لم أَرَ بدويًا أقامَ بالحَضَرِ إِلَّا فَسَدَ لِسانُهُ غَيْر رُؤبةَ والفرزدق» (٨).\nفعلى قدرِ توغُّلِ القبيلة في البداوة في وسط الجزيرة العربية -كبوادي نجد والحجاز وتهامة - تكون فصاحتها، ولذلك عَقَدَ ابنُ جني فصلًا بعنوان «بابٌ في ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أَهلِ الوَبَرِ» (٩). كما افتخر بعض البصريين بِمَروياتِهم على الكوفيين، ويقولون:\n_________\n(١) انظر: رسالة الغفران ١٧٧.\n(٢) انظر: إنباه الرواة ٢/ ٢٥٨.\n(٣) انظر: البيان والتبيين ٣/ ١٤٢.\n(٤) هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفيلسوف، ولد سنة ٢٦٠ هـ وتوفي بدمشق سنة ٣٣٩ هـ. يعد من كبار الفلاسفة، ولقب بالمعلِّم الثاني لشرحه كتب أرسطو المعلم الأول عند الفلاسفة. انظر: وفيات الأعيان ٥/ ١٥٣\n(٥) هي الرمال، وهو يشير إلى الصحراء .. انظر: لسان العرب ٣/ ١٨٢ (حسا).\n(٦) الحروف والألفاظ ١٤٦.\n(٧) انظر: البيان والتبيين ١/ ١٦٣.\n(٨) شرح شواهد المغني ١/ ١٥، خزانة الأدب ١/ ٢٢٠.\n(٩) الخصائص ٢/ ٥.","vol":"1","page":107},{"text":"«إِنَّما أخذنا اللغةَ عن حَرَشةِ الضِّبابِ، وأَكَلَةِ اليَرابِيعِ، وهؤلاءِ أخذوا اللغةَ عن أَهلِ السَّوادِ أصحابِ الكَوامِيخِ وأكَلَةِ الشَّوارِيزِ» (١).\nولم يكن الرفعُ من قيمةِ الباديةِ، والحطِّ من قيمةِ الحاضرةِ مقصورًا على هؤلاءِ فقط، فهناك ما يُشيْرُ إلى التفريقِ بينهما في العصرِ الجاهلي، وهو عصر الفصاحة والسليقة، فهذا عَديُّ بن زَيدٍ العِباديِّ المتوفى قبل الهجرةِ بِخمسٍ وثلاثين سنةً (٢) لا يرى العلماء الاستشهاد بشعره (٣).\nومثله أميَّةُ بن أبي الصَّلت المتوفى في السنةِ الثامنة من الهجرة (٤)، حيث لا يَرى العلماءُ أَنَّ شِعرَهُ حُجَّةٌ (٥).\nوقد حرص العلماءُ وخاصةً أهلُ البصرةِ على تَحقُّقِ صفةِ البداوة فيمن يأخذون عنه، وكان ذلك مصدر فخر واعتزاز لهم، فهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى عندما أتاه أبو عمر الجرمي بقطعة من كتابه «مجاز القرآن»، وقال له: «من أين أخذت هذا يا أبا عبيدة؟ فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء (٦). فقال لي: هذا تفسير الأعراب البَوَّالِيْنَ على أعقابِهم، فإن شئتَ فخذهُ، وإن شئت فَذَرْهُ» (٧).\nيقول الفارابيُّ: «وبالجُملةِ فإِنَّهُ لم يُؤخَذ عن حَضريٍّ قط، ولا عن\n_________\n(١) حَرَشة: جَمعُ حارشٍ، وهو صائدُ الضِّبابِ جَمع ضَبٍّ، واليَرابيعُ جَمعُ يَربوع من حيوانات الصحراء وهو يُشير بِهذا إلى بَداوتِهم. والكواميخُ: جَمعُ كَامخ، نَوعٌ من الإدامِ، وهو مُعَرَّبٌ، والشواريز: هو اللَّبَنُ بالفارسيَّةِ. انظر: أخبار النحويين البصريين ٩٩، لسان العرب ١٢/ ١٥٥ (كمخ)، ٣/ ١٢٣ (حرش)\n(٢) هو عديُّ بن زيد بن حَمَّاد العِباديُّ التميميُّ، كان يسكن الحيْرَة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيئ كثير جدًا، والعلماء لا يرون شعره حُجةً. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٢٥، الأغاني ٢/ ١٧\n(٣) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٤٠، الشعر والشعراء ١/ ٢٢٥، ٢٣٠، الأغاني ٢/ ٨٩، شرح أبيات المغني ٣/ ٥٧\n(٤) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٥٩\n(٥) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٦١، الأغاني ٢/ ٨٩.\n(٦) يعني تفسير المفسرين.\n(٧) طبقات النحويين واللغويين ١٧٦.","vol":"1","page":108},{"text":"سكان البَراري، مِمَّنْ كان يسكنُ أطرافَ بلادهم التي تُجاورُ سائرَ الأمم الذين حولهم فإنه لم يؤخذ لا من لَخْم (١)، ولا من جُذام (٢)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورِين لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ (٣) وغَسَّانَ (٤)، ولا من إِياد (٥)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتِهم بغير العربية، ولا من تَغلبَ ولا النَّمر (٦)؛ فإنهم كانوا مُجاورين للنَّبَطِ والفُرسِ، ولا من عبدِ القيس (٧)؛ لأَنَّهم كانوا سكَّانَ البحرين،\n_________\n(١) لخم بن عدي، بطن عظيم، ينتسب إلى لخم، وهو مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد، من القحطانية، كانت مساكنهم متفرقة بين الرملة بفلسطين، ومصر، والجولان، ومنهم آل المنذر ملوك العراق. انظر: صفة جزيرة العرب للهمداني ١٢٩ - ٣١، نهاية الأرب للنويري ٢/ ٣٠٣.\n(٢) جذام بن عدي، بطن من كهلان من القحطانية، وهم بنو جذام بن عدي بن الحارث، كانت تنزل بين مدين وتبوك، وحول الأردن، وهم أول من سكن مصر من العرب. انظر: صبح الأعشى ١/ ٣٣٠، الاشتقاق ٢٢٥.\n(٣) قضاعة بطن عظيم من القحطانية على قول أكثر أهل النسب، وقد سكنوا أطراف الجزيرة من جهة الشام، وحاربهم النبي ﷺ في ذات السلاسل، وكانت النصرانية منتشرة بينهم. انظر: صبح الأعشى ١/ ٣١٦، نهاية الأرب ٢/ ٢٩٤\n(٤) غسان شعب عظيم، من قبائل اليمن، وهو مازن بن الأزد بن الغوث، وقيل: هو ماء بسد مأرب باليمن، وقيل: ماء في بلاد الشام نزله قوم من الأزد فنسبوا إليه. ومنهم بنو جفنة رهط الملوك. كانت ديارهم ببلاد الشام، جهة دمشق وما حولها. انظر: معجم قبائل العرب ٣/ ٨٨٤.\n(٥) إياد بطن عظيم من العدنانية، وهم بنو إياد بن نزار بن معد بن عدنان، نزلوا أرض العراق، والموصل وما حولها، ودخل أكثرهم في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب، ومنهم خطباء مشهورون كقس بن ساعدة، وعنهم وصلت أكثر أخبار الأمم السابقة كطسم وجديس .. انظر: نهاية الأرب ٢/ ٣٢٨، معجم قبائل العرب ١/ ٥٢.\n(٦) هم النمر بن قاسط، بطن من أسد بن ربيعة، من العدنانية. من أورديتهم العلاة باليمامة. انظر: الاشتقاق لابن دريد ٢٠٢، الأغاني ٩/ ٨٢، ٣٤٢، ٣٤٣.\n(٧) عبدالقيس بن أفصى، قبيلة عظيمة، تنتسب إلى عبدالقيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، من العدنانية، كانت مواطنهم بتهامة ثم خرجوا إلى البحرين واستقروا بها. انظر: نهاية الأرب ٢/ ٣٢٩.","vol":"1","page":109},{"text":"مُخالطين للهندِ والفُرسِ، ولا من أَزْدِ عُمان (١)؛ لِمُخالطتهم للهندِ والفُرسِ، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بَني حنيفة (٢) وسُكَّانِ اليمامةِ، ولا من ثَقيفَ (٣) وسكانِ الطائف؛ لمخالطتهم تُجَّار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرةِ الحجازِ (٤)؛\nلأنَّ الذين نقلوا اللغةَ صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغةَ العرب قد خالطوا غيرَهُم من الأُممِ، وفَسَدَتْ ألسنتُهُم» (٥).\nويقول أيضًا: «فتعلموا لغتهم والفصيح منها، من سكان البراري منهم دون أهل الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم، ومن أشدهم توحشًا وجفاءً، وأبعدهم إذعانًا وانقيادًا، وهم قيسُ، وتَميمُ، وأَسَدُ، وطيء، ثُمَّ هُذيل» (٦).\nكلُّ هذه النقول تدل على أَنَّ العلماء كانوا يَحرصون على الأخذ عن الشعراء الذين ينتمون إلى البادية، ويُضعِّفونَ ما عداهم، ولا يلجأون إلى الأخذ عن غيرهم إلا في أضيق الحدود. وهذا المعيارُ قد جعل العلماءَ يذهبون إلى أنه يُحتج بشعر الفصحاء من شعراء الحضر الجاهليين\n_________\n(١) الأزد من أكبر قبائل العرب، وأزد عمان أحد بطون الأزد، وهي قبيلة قحطانية تنتسب للأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان، واستقر أزد عمان بعمان بعد تفرقهم وانهيار سد مأرب فنسبوا له، انظر: معجم قبائل العرب ١/ ١٥ - ١٨.\n(٢) بنو حنيفة ينتسبوت لحنيفة بن لجيم بن بن صعب بن علي بن بكر بن وائل من العدنانية، وتتفرع لبطون كثيرة، وهي قبيلة محاربة، مساكنها في أوائل الإسلام أدنى بلاد الشام إلى الشيح والقيصوم، واثال من أرض اليمامة، وقد حاربهم أبو بكر في حروب الردة. انظر: صفة جزيرة العرب ١٦١، صبح الأعشى ١/ ٣٣٩.\n(٣) قبيلة تنتسب لثقيف بن منبه، وهم بطن متسع من هوازن العدنانية، وهم بطون كثيرة، مواطنهم بالطائف، وحاربهم النبي ﷺ يوم حنين في السنة. انظر: معجم قبائل العرب.\n(٤) هي قريش.\n(٥) الحروف للفارابي ١٤٧، وانظر: الاقتراح ٤٤ - ٤٥، والمزهر ١/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٦) الحروف للفارابي ١٤٧، مقدمة ابن خلدون ٥٠٩.","vol":"1","page":110},{"text":"والمخضرمين والإسلاميين والأمويين والعباسيين حتى نهاية القرن الثاني الهجري، وأما في البادية المنقطعة فيحتج بشعر شعرائها حتى نهاية القرن الرابع الهجري، تقديرًا لِبَداوتِهم، وبُعدِهم عن تأثير اللحن (١). فترى أهل العربية يَحتجونَ بشعر ابنِ ميَّادةَ، وأبي نُخيلةَ الراجز، وأبي حيَّةَ النُّميريِّ، وابنِ هَرْمَةَ وكلهم بَدويٌّ فصيحٌ، ولا يَحتجون بِمَن عاصرَهم من شعراء المدنِ مثلِ بشارِ بن بُردٍ، والوليدِ بن يزيد، وأبي نُواس، وأَبي تَمَّام والبُحتريِّ؛ لأَنَّهم من أبناءِ المدينة والحضارة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثًا - المعيارُ القَبَليُّ:</span>\nلهذا المعيار علاقة وثيقة بالمعيار المكاني؛ لارتباط القبيلة - غالبًا - بمكان وبيئة واحدة، وقد اشترط أهل العربية فيمن تؤخذ عنه اللغة، ويجوز الاحتجاج بأشعارهم ألا يكونوا من القبائل التي تسكن أطراف الجزيرة العربية، مجاورين بذلك الأعاجم أو الأحباش أو غيرهم من الأمم، وحجتهم في ذلك الحرص الشديد على سلامة اللغة، وخوفهم من تسرب اللحن إليها.\nروي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف (٣). ويقول أبو عمرو بن العلاء: «أفصح الشعراء ألسنًا، وأعربهم أهلُ السروات، وهنَّ ثلاث: وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل: هي تلي السهل من تهامة، ثم بَجِيلَة السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثُمَّ سَراةُ الأَزْدِ، أَزدِ\n_________\n(١) انظر: أبحاث في اللغة للدكتور محمد علي سلطاني ٦٥.\n(٢) انظر: اللغة بين المعيارية والوصفية للدكتور تمام حسان ١٨٩.\n(٣) انظر: المزهر ١/ ٢١٠.","vol":"1","page":111},{"text":"شَنوُءَة» (١). ويقول أبو عمرو بن العلاء أيضًا: «أفصحُ الناس عُليا تَميمٍ، وسُفلى قيس» (٢). وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: «أفصحُ الناسِ أَزْدُ السَّراةِ» (٣). ويذكر الفراءُ أَنَّ لغةَ عليا تَميم، وسُفلى قَيسٍ لغةٌ جيّدة (٤). وهناك نصٌّ ينقلهُ كُلُّ من كتب في هذه المسألة لأبي نصر الفارابي، يقول: «كانت قريشٌ أجودَ العرب انتقاءً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وإبانةً عمَّا في النفس. والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبِهمُ اقتُدِي، وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربيُّ من بَيْنِ قبائل العرب، هم قيسٌ، وتَميمٌ، وأَسَدُ، فإِنَّ هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخِذَ ومُعظمُهُ، وعليهم اتُّكِل في الغريب، وفي الإعراب والتصريفِ، ثُمَّ هُذيل، وبعض كِنانة، وبعض الطائيين، ولم يُؤخَذ عن غيرهم من سائرِ قبائلِهم ...\nفإنه لم يؤخذ لا من لَخمٍ، ولا من جُذام؛ فإنَّهم كانوا مُجاورين لأهلِ مصر والقِبْط، ولا من قضاعة وغسان، ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم» (٥).\n_________\n(١) العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ١٣٣.\n(٢) المصدر السابق ١/ ١٣٣.\n(٣) الفاضل للمبرد ١١٣.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٢/ ١٤٤.\n(٥) الاقتراح ٤٤ - ٤٥، والمزهر ١/ ٢١١ - ٢١٢.","vol":"1","page":112},{"text":"وما ذهب إليه الفارابي يُمثلُ مذهبَ البصريين الذين تشددوا في فصاحة العربي الذي تؤخذ عنه اللغة والشعر (١)، وأما الكوفيون فقد توسعوا في الأخذ عن القبائل العربية ذاهبين إلى أَنَّ الإجماعَ قائمٌ على أَنَّ جَميعَ قبائل العرب تتكلمُ العربيةَ، وأَنَّهُ لم يثبت فسادُ ألسنتها بالمخالطة فعلًا، وإِنَّما هو الافتراضُ المَحضُ، وعليه فيجب الأخذُ عنهم جميعًا دونَ الاقتصار على بعضها (٢)، وما ذهب إليه الكوفيون هو ما سار عليه المفسرون جميعًا في كتبهم، وأصحاب معاني القرآن والغريب، فقد استشهدوا بشعر جميع الشعراء الذين ينتمون إلى عصر الاحتجاج دون تفريق بين قبيلة وقبيلة.\nوالظاهر أن سبب هذا التحديد للقبائل، والحرص على النص عليها يعود إلى خشية اللغويين الأوائل من تعرض اللغة العربية إلى الانحراف والابتعاد عن خصائصها إِبَّانَ نزول القرآن الكريم، مِمَّا قد يؤدي إلى ظهورِ لغةٍ ثانيةٍ مُختلفةِ الخصائص (٣).\nوما ذكرهُ الفارابي نظرة فلسفية لم يعضدها واقع الاحتجاج؛ فإن العلماء الذين حفظت أقوالهم ومؤلفاتهم منذ الخليل بن أحمد وسيبويه وحتى اليوم يستشهدون بأشعار كل القبائل العربية التي ذهب الفارابي إلى أَنَّهُ لم يؤخذ عنها، وقد أحصى الدكتور خالد عبد الكريم جُمعة القبائلَ التي استشهدَ سيبويه بشعر شعراءِها فوجدَها ستًا وعشرين قبيلةً، ومنها القبائل التي نصَّ الفارابي على عدم الاحتجاج بشعرها (٤).\nولم تَخرجْ كتبُ التفسيرِ في ذلك عن كتب اللغة والنحو، فلم يلتزم المفسرون بالأخذ عن قبائلَ بعينها، وإِنَّما أخذوا عن كلِّ القبائل التي\n_________\n(١) انظر: الشواهد والاستشهاد لعبد الجبار النايلة ١٥٤.\n(٢) انظر: مدرسة الكوفة لمهدي المخزومي ٣٧٦ وما بعدها.\n(٣) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه لخالد جمعة ٢٧٢.\n(٤) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه ٢٧٣ - ٣٠٣.","vol":"1","page":113},{"text":"حُفِظتْ أشعارُها، ومنها القبائلُ التي ذكرَ الفارابيُّ أَنَّهُ لم يُؤخذ عنها، وسيأتي تفصيل ذلك.\nوما ذكره من عدم استشهاد العلماء بشعر قريش، يتناقض مع ما نقله ابن فارس من إجماع العلماء على أَنَّ لغة قريش هي أفصح اللغات (١). بل إن سيبويه في كتابه قد اعتبَر لغة قريش أفصح اللغات، وأقواها، وأعلاها، وهي اللغة الأولى القدمى (٢). وربما يُعترضُ بقلةِ استشهاد النحويين بشعر قريش، فيجاب بأنَّ العِلةَ هي قلة شعر قريش لا عدم صحة الاحتجاج به، والقبائل تتفاوت في كثرة الشعر وقلته (٣). ويُمِكنُ توجيه عبارةِ الفارابي، إلى أَنَّهُ يريد بذلك أن الغالب على اللغويين الأخذ عن القبائل التي نص عليها، وقلة أخذهم عن القبائل التي ذكر أنه لم يؤخذ عنها. أو أن المقصود أن العلماء أخذوا من القبائل التي ذكرها كل ما ورد عنهم من الشعر والنثر على حد سواء، وأما التي لم يأخذوا عنها فيقتصر عدم الأخذ عنهم على النثر وحده دون الشعر، لأنه قد ثبت أن العلماء من النحويين واللغويين والمفسرين قد استشهدوا بشعر تلك القبائل التي نص على أنه لم يؤخذ عنها. وإما أن يكون الفارابي قد ذهب بهذا التحديد مذهبًا اجتماعيًا فلسفيًا، وأنه كان ينبغي أن يكون عمل أهل العربية على ذلك، لا أنه هو الذي وقع فعلًا، وذلك أن الفارابي اشتهر بكونه فيلسوفًا، ولم يكن من أهل اللغة المعروفين بها، وكتابه «الألفاظ والحروف» شرح لكتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطو (٤).\nوقد ذكر العلماء في تضاعيف كلامهم المفرق في بطون كتب اللغة\n_________\n(١) انظر: الصاحبي ٣٣، لغة قريش لمختار الغوث ٧.\n(٢) انظر: الشاهد وأصول النحو لخديجة الحديثي ٩٨.\n(٣) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٥٩، العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٨٦، المزهر ٢/ ٤٧٦.\n(٤) مقدمة تحقيق كتاب الحروف ٢٧، دراسات في اللغة والنحو للدكتور عدنان سلمان ١٣٧.","vol":"1","page":114},{"text":"والتراجم ما يُمْكِنُ أَن يُسمَّى بضوابط وقواعد في عملية الاستشهاد بالشعر على مسائل اللغة والنحو (١)، وأما مسائل المعاني والبلاغة فقد أطلقوها من القيود الزمانيةِ والمكانيَّةِ، فأَباحوا الاستشهادَ عليها بشعر القُدامى والمُحدَثِيْن على حَدٍّ سواء، بل إِنَّ كتب البلاغة قد أكثرت من الاستشهاد بشعر المُحدَثين وأقلَّت من الاستشهاد بشعر القدماء الذين ينتمون إلى الطبقات الثلاث الأولى؛ وقد اقتصر بعضهم على شعر أبي تَمَّام، والبحتري، والمتنبي (٢).\nوقال ابن جني بعد استشهاده ببيت للمتنبي: «ولا تستنكر ذكر هذا الرجل - وإن كان مُولَّدًا - في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون، وقد كان أبو العباس (٣) - وهو الكثير التعقب لجِلَّةِ الناس - احتجَّ بشيءٍ من شعر حبيب بن أوسٍ الطائي في كتابهِ الاشتقاق، لَمَّا كان غرضه فيه معناهُ، دون لفظه» (٤).\nوهذا المعيارُ القَبَليُّ لم يكن لهُ أَثَرٌ في عملية الاستشهادِ بالشواهد الشعرية في كتب التفسير، بل استشهد المفسرون بشعرِ كافة الشعراءِ من جَميع القبائل العربية التي حُفِظَتْ أشعارُها، وترجعُ كثرة الأخذ عن بعض القبائل، وقلة الأخذ عن أخرى إلى القدر الذي حُفِظَ من أشعارها، ورواه الرواةُ الثقات، وليس لعدم صحة الأخذ عن هذه القبيلة أو تلك. وإن كان هناك قبائل كثر الأخذ عنها لوفرة شعرها، وقبائل قل الأخذ عنها لقلة شعرها، وسيأتي تفصيل ذلك (٥).\n_________\n(١) انظر: أبحاث في اللغة للدكتور محمد علي سلطاني ٦٥.\n(٢) انظر: المثل السائر ١/ ٢.\n(٣) يريد المُبَرِّد محمد بن يزيد، الإمام في النحو واللغة والأخبار، توفي سنة ٢٨٥ هـ.\n(٤) الخصائص ١/ ٢٤.\n(٥) انظر: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري ص ٣٩٧.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري عند المفسرين</span>.\nالعُيوبُ جَمعُ عَيْبٍ، والعَيْبُ في اللغة الوَصْمَةُ (١).\nواصطلاحًا: القادحُ المؤثِّر الذي يُسقط الشاهدَ الشعريَّ بالكليَّةِ، أو يُضعفُ الاستشهاد به.\nوأول مَنْ نَقَدَ الشواهد الشعرية النحويون، وكان للمفسرين مشاركة في ذلك، فقد تعقبوا عددًا من الشواهد الشعرية، ووقفوا عندها وقفات نقد واعتراض، فطعن بعضهم في هذه الشواهد الشعرية بما يسقط الاستشهاد بها، ويخرجها عن دائرة الاحتجاج، ونقدها بعضهم بما يضعف الاستشهاد بها، ويجعل الشكَّ يدورُ حولَ صحةِ الاستشهادِ بِها.\nوقد استند المفسرون في نقدهم للشواهد الشعرية إلى أمورٍ عدة، منها اعترافُ الرواةِ بوضع هذه الشواهد، واختلاقِهم لها لسببٍ ما، أو إلى نصِّ أحدِ الأئمة على وضعِ الشاهد، أو جَهالةِ قائله، أو تَعدُّدِ الرواية في موضع الشاهد، أو ظهور علامات الوضع على الشاهد الشعري إِمَّا لِركاكةِ لفظهِ، وإِمَّا غَير ذلك من علامات الصَّنعةِ فيه. وهذه العيوب ليست على درجة واحدة، فمنها ما يُخرجُ الشاهد عن الحُجيَّةِ، ويُسقطهُ بالكُليَّةِ، ومنها ما يُضعفهُ، ولا يَجعلُ الحكمَ الذي بُنِيَ عليه قائمًا بِمُجرَّدِ هذا الشاهد الشعري. وبناءً على هذا يُمكنُ تقسيمُ عيوبِ الشاهد الشعري في كتب التفسير والدراسات القرآنية إلى قسمين:\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ٣/ ٢٣٥، مقاييس اللغة ٤/ ١٨٩، المُحكم ٢/ ١٨٧، لسان العرب ٩/ ٤٩٠ (عيب).","vol":"1","page":116},{"text":"الأول: العيوب المسقطة للشاهد. وهي التي لا يصلح الشاهد الشعري معها - إذا ثبتت - للاستشهاد، ويسقط بالكلية، وهي قليلة في كتب التفسير، وفي كتب النحو.\nالثاني: العيوب المضعفة للشاهد. وهي التي تقلل من قوة الشاهد الشعري وحجيته، ولكنها لا تسقطه بالكلية، وأغلب العيوب التي وجهت إلى الشاهد الشعري من هذا القسم. وقد أوردت في هذا المبحث ما يعد عيبًا في الشاهد الشعري، وما يظن عيبًا وليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>القسم الأول: العيوب المسقطة للشاهد الشعري</span>.\nفأما القسم الأول فيدخل تحته:\n\n°<span data-type=\"title\" id=toc-34> الطعن في الشاهد الشعري بالوضع أو الصنعة</span>.\nيأتي الوضع في اللغة لعدة معانٍ منها الاختلاق، يقال: وضع الشيءَ وضعًا، أَي اختلقه (١). ومنها الإلصاق، يقال: وضع فلانٌ على فُلانٍ كذا، أي ألصقه به (٢).\nوالشاهد الشعري هو جزء من الشعر الذي وقع فيه الوضع والاختلاق، والشعر الموضوع هو أن يقول بعض رواة الشعر، أو بعض المولدين، شعرًا ثم ينسبه إلى المتقدمين من الشعراء (٣). ومن العلماء من يسميه المصنوع. وابن قتيبة يسميه المنحول، استعمالًا للفظ النحل على أصل وضعه في اللغة بمعنى أن تنسب قولًا إلى من لم يقله (٤). وأما ابن سلَّام وخلف فإنهما يعنيان بالشعر المنحول ما يكون عند أحد من الرواة مِنْ شِعْرٍ معروف لشاعرٍ متقدم بعينه، فينسبه الراوية إلى شاعر متقدم\n_________\n(١) انظر: المحكم ٢/ ٢١٢.\n(٢) انظر: فتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: نَمط صعبٌ لمحمود شاكر ٧٩ - ٨٠.\n(٤) انظر: لسان العرب ١٤/ ٧٤ - ٧٥ (نحل).","vol":"1","page":117},{"text":"آخر (١). وهذا خطأ في نسبة الشعر فحسب، ولا يقدح في الاستشهاد به إذا كان جاهليًا أو إسلاميًا، وإنما يقدح في صحة نسبته إلى قائل بعينه (٢).\nوقد عبر المفسرون وأهل العربية عن الشاهد الموضوع بعبارات متعددة، كقولهم: «وهو موضوع». أو قولهم: «وهو مصنوع»، أو قولهم: «هو منحول»، أو «محمول». وهذه التعبيرات النقدية وغيرها مما يتعقب به العلماء بعض الأشعار يهم البحث منها الموضوع والمصنوع الذي قيل بعد عصور الاستشهاد مما يعني سقوط الاستشهاد به.\nوالوضع لم يكن مختصًا بالشاهد الشعري فحسب، بل هي قضية معروفة في الشعر عمومًا، بل وتطرق الوضع إلى حديث الرسول - ﷺ -، ولذلك توعد من يتعمد الكذب والوضع بالنار، فقال: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣).\nوالوضع للشاهد الشعري قد يكون كليًا، يشمل البيت كله، وقد يكون جزئيًا حيث يعمد الراوية أو النحوي إلى كلمة أو كلمات فيحذفها ويضع مكانها ما يناسب الوزن، ويساير المعنى الذي يريده.\nومثل ذلك الشواهد المصنوعة، وهي تلك الشواهد التي يضعها صاحبها وينشدها على أنها مما قالته العرب الفصحاء، وهي في حقيقتها أبيات يتيمة ليس لها سوابق أو لواحق، كما لا يعرف قائلها أو واضعها على الأغلب، وتتردد في كتب النحو والتفسير، بحيث لا يكاد يخلو منها كتاب من تلك الكتب، مما يكون الغرض منه غالبًا تأييد مذهب في النحو أو اللغة (٤). وتنقسم الشواهد الموضوعة بحسب معرفة الواضع لها إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(١) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤.\n(٢) انظر: نَمط صعبٌ لمحمود شاكر ٧٩ - ٨٠.\n(٣) متفق عليه، البخاري ٣/ ٢٤٧ برقم ٢٤٣٣، مسلم ٣/ ٤٢١ برقم ٣٤٢٢.\n(٤) انظر: الشواهد والاستشهاد في النحو لعبد الجبار النايلة ٦٦.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: ما اعترف واضعه بوضعه:</span>\nحفظ عن عدد من العلماء تصريحهم بالاعتراف بوضع بعض الأشعار، ونسبتها للمتقدمين. ومن أمثلة هذه الشواهد الموضوعة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر:\nفَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا\nعلى أنه للأعشى، فقد استشهد به أبو عبيدة على معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] (١) فقال: «نكرهم وأنكرهم سواء، قال الأعشى ...» ثم ذكر الشاهد (٢). واستشهد به الطبري على المسألة نفسها فقال: «يقال منه: نَكِرْتُ الشيءَ أُنْكِرُهُ، وأَنْكَرتُهُ أُنْكِرُه، بمعنىً واحد، ومِنْ نَكِرْتُ وأَنْكَرْتُ قولُ الأعشى:\nوأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا\nفجَمع اللغتين جَميعًا في البيت» (٣). واستشهد به الطبري كذلك على أن «العربَ قد تَجمعُ بين اللغتين، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] (٤) فجَمَعَ بين التشديد والتخفيف، وكما قال الأعشى ..» ثم ذكر الشاهد (٥).\nوهذا الشاهد قد نقل أبو عبيدة عن يونس بن حبيب البصري أن أبا عمرو بن العلاء قد اعترف له فقال: «أنا الذي زدتُ هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه» (٦). والبيت في ديوان الأعشى المطبوع، وقد ذكر المُحقق ما قيل في وضع القصيدة برمتها على الأعشى، وأقوال المحققين تردُّ كثيرًا من أبيات القصيدة ومنها هذا الشاهد، وقد نُسبَ وضعهُ إلى حَمَّاد الراوية، والمشهور أنه لأبي عمرو بن العلاء (٧).\n_________\n(١) هود ٧٠.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٩٣.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٧٢.\n(٤) الطارق ١٧.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٥٩٥.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: مراتب النحويين ٣٤، ديوان الأعشى ١٥٠.","vol":"1","page":119},{"text":"ورُبَّما يفسر هذا ما فعله الطبري عندما استشهد به على أن العرب قد تجمع بين اللغتين معًا، حيث لم يفرده بالاستشهاد، بل ضم إليه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nفَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ، وامْتَرَسَتْ بِهِ ... هَوجاءُ هاديةٌ، وهادٍ جُرْشُعُ (١)\nوهذا من فطنة الطبري، وعدم ثقته بهذا الشاهد، وحسن بصره ودقته في التعامل مع الشاهد الشعري. وأما الزمخشري فقد استشهد به دون تنبيه على وضعه على غير عادته (٢). وقد يكون الفعل متعديًا في اللغة ثلاثيًا وغير ثلاثي (نَكِرَ وأَنْكَرَ)، وهما موجودان في شعر هذيل، ويبدو من دراسة شعرهم، استعمال الفعل (نَكِرَ) إذا شاب معنى الإنكار خوف وتوجس، مثل قول أبي ذؤيب السابق. وهذا المعنى هو الذي تؤديه الآية الكريمة ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] (٣).\nأَمَّا (أنكر) فهو أقرب إلى معنى الإنكار الخالص، الذي قد يغلب فيه العجب والدهش، على التوجس والخوف، وذلك مثل قول أبي خراش الهذلي:\nرَفَونِي، وقالوا: يا خُويلدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ: هُمُ هُمُ (٤)\nوقول أبي كبير الهذلي:\nوصحوتُ عن ذكرِ الغواني وانتهى ... عُمري، وأَنكرتُ الغداةَ تَقَتُّلي (٥)\nوربَّما اتُّهِم النحويونَ بوضع بعض الشواهد الشعرية تأييدًا لما يذهبون إليه، كما في الشاهد الذي أورده سيبويه، للاستشهاد على أن وزن «فَعِلَ» يعمل عَمَلَ فعله. يقول ابن عطية: «واختُلِفَ في عَمَلِ «فَعِلَ»، فقال سيبويه: إنه عامل، وأنشد:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٥٤، ديوان الهذليين ١/ ٨، انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٧٢.\n(٢) انظر: الكشاف ٢/ ٤١٠.\n(٣) هود ٧٠.\n(٤) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٤٤.\n(٥) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":120},{"text":"حَذِرًا أُمُورًا لا تَضِيْرُ وآمنٌ ... ما ليسَ مُنجيهِ من الأَقْدارِ\nوادَّعى اللاحقيُّ (١) تدليسَ هذا البيت على سيبويه» (٢). وهو يشير إلى ما ذكره بعضُ النحويين من أَنَّ أبانَ اللاحقيَّ هو الذي صنع هذا البيت لسيبويه لغرض الاستشهاد به، دون أن يفطن سيبويه لذلك، وقد شاع هذا لدى كثير من المفسرين وأهل العربية. وعلة طعن العلماء في هذا الشاهد أنَّ كثيرًا منهم لا يرون أن صيغة «فَعِلَ» تعمل فيما بعدها، فحاولوا الطعن في الشاهد الشعري الذي ذكره سيبويه، في حين أن سيبويه أورد شاهدًا آخر على إعمال فعل، وهو:\nأَو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَراتِهَا نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ (٣)\nفقد أعملَ «شَنِجٌ» في «عِضَادةَ». وأقدم من ردَّ هذا الشاهد هو المُبَرِّدُ، فقد قال عنه: «وهذا بيت موضوعٌ مُحْدَثٌ» (٤). غير أَنَّ السيرافيَّ دافع عن هذا الشاهد فقال: «وقد زعمَ قومٌ أَنَّ أبا يَحيى اللاحقيَّ حكى أَنَّ سيبويه سأله عن شاهدٍ في إعمال فَعِلَ، فعملَ له البيت. وإذا حكى أبو يحيى مثلَ هذا عن نفسه، ورضي بأَنْ يُخبِرَ أنه قليلُ الأمانة، وأَنَّه اؤتِمِنَ على الرواية الصحيحة فخانَ، لم يكن مثلهُ يُقبلُ قوله، ويُعترَضُ به على ما قد أثبته سيبويه. وهذا الرجلُ أحبَّ أنْ يتجمَّلَ بأَنَّ سيبويه سأله عن شيءٍ، فخبَّرَ عن نفسه بأَنَّه فعلَ ما يُبطل الجَمَالَ، ويُثبتُ عليهِ عارَ الأَبَدِ. ومن كانت هذه صورته بَعُدَ في النفوس أن يسأله سيبويه عن\n_________\n(١) هو أبو يحيى أبان بن عبدالحميد بن لاحق بن عفير الرقاشي، شاعر بصري مطبوع، توفي سنة ١٩٣ هـ. انظر: الفهرست ١٥٠، خزانة الأدب ٨/ ١٧٣.\n(٢) المحرر الوجيز ١٢/ ٦٢.\n(٣) البيت للبيد بن ربيعة كما في ديوانه ١٢٥، وليس لابن أحمر كما في الكتاب ١/ ١١٢ ومعناه: يصف فحلًا من الحُمُر بأنه ملازم لأُتُنِهِ، ولشدته وصلابته قد لازمها، وقبض الناحية التي بينها وبينه، ولم يحجزه عن ذلك رَمْحُها وعَضُّها. وشَنِجٌ مبالغة شَانِج، أي ملازم. انظر: شرح الطوسي للديوان ١٢٥.\n(٤) المقتضب ٢/ ١١٧.","vol":"1","page":121},{"text":"شيء» (١). وقد وُجِّهَ كلامُ اللاحقي بأنه يعني بوضع هذا البيت روايته لا اختلاقه وقوله، وأكثر العلماء يميلون إلى توثيق هذا الشاهد ثقة في نقل سيبويه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: ما نص أحد العلماء على وضعه:</span>\nنص المفسرون على وضع بعض الشواهد الشعرية أو الشك في صحتها، ومن هؤلاء الزمخشري، فقد وقف مواقفَ نقدية مع عدد من الشواهد الشعرية التي يقال بوضعها. فمن ذلك قوله: «والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طه» في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكًا تصرفوا في «يا هذا»، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاءً، فقالوا في «يا» «طا»، واختصروا هذا فاقتصروا على «ها»، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:\nإنَّ السَّفَاهةَ طَهَ في خَلائِقِكُمْ ... لا قَدَّسَ اللهُ أخلاقَ الملاعين (٣)» (٤)\nوقوله في موضع آخر: «ومن بدع التفاسير: تفسير «الجُزْء» بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:\nإِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ (٥) ... .......................................\n_________\n(١) شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٢) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه ٢٣٣، شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٩ الحاشية رقم ١.\n(٣) البيت ليزيد بن المهلهل كما في الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١١١.\n(٤) الكشاف ٣/ ٥٠.\n(٥) صدر بيت مجهول، وهو بلا نسبة في الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٤٦، والبحر المحيط ٨/ ١٠، لسان العرب ٢/ ٢٦٩ (جزأ).","vol":"1","page":122},{"text":"زُوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوسِ مُجْزِئَةً (١)» (٢).\nومثله ابن عطية في إيراد الشاهد الأول مع إِتْمامهِ فقال: «يقالُ: أجزأت المرأةُ إذا ولدت أنثى، ومنه قول الشاعر:\nإنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ المرأةُ المِذْكَارُ أَحيانَا\nوقد قيل في هذا البيت: إنه بيت موضوع» (٣).\nغير أن ابن قتيبة قد نقل عن أبي إسحاق الزجاج أن معنى الجزء هنا البنات، يقال له جزء من عيال، أي بنات. قال: وأنشدني بعض أهل اللغة بيتًا يدل على أن معنى «جزء» معنى إناث، قال: ولا أدري البيت قديم أم مصنوع:\nإِنْ أَجْزأتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ ... قد تُجزئُ الحُرَّةُ المِذكارُ أَحيَانَا\nفمعنى: «أجزأت». أي آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعض أهل اللغة: أجزأ الرجل، إذا كان يولد له بنات. وأجزأت المرأة: إذا ولدت البنات. وأنشد المفضل:\nزُوجتُها من بَنَاتِ الأَوسِ مُجزئةً ... للعَوسجِ اللَّدنِ في أَبياتِهَا زَجَلُ» (٤).\nوربما اكتفى الزمخشري بإظهار شكه وارتيابه في صحة الشاهد، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٥): «وقيل: «العجل». الطين بلغة حِمْيَر، وقال شاعرهم:\nوالنَّخْلُ ينبتُ بينَ المَاءِ والعَجَلِ (٦)\n_________\n(١) صدر بيت، وعجزه:\n......................... ... لِلعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ.\nوهو بلا نسبة في لسان العرب ٢/ ٢٦٩ (جزأ).\n(٢) الكشاف ٤/ ٢٤١.\n(٣) المحرر الوجيز ١٤/ ٢٤٦.\n(٤) غريب القرآن ٣٩٦.\n(٥) الأنبياء ٣٧.\n(٦) عجز بيت مجهول، وصدره: =","vol":"1","page":123},{"text":"والله أعلم بصحته» (١).\nومن الأمثلة كذلك ما ذكره الفراء من أن أبا البلاد النحوي (٢) كان ينشده بيتًا:\nعَسْعَسَ حتى لو يشاء إدَّنا ... كان له من ضوئه مَقْبَسُ (٣)\nيريد: إذْ دَنَا، ثم يلقي همزة إذ، ويدغم الذال في الدال، وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع (٤). ويعني بهم أهل رواية الشعر. وهذا الشاهد استشهد به الفراء هنا على أن عسعس في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير: ١٧] (٥) في رأي بعض المفسرين بمعنى دنا من أوله وأظلم. وتابعه في ذلك الطبري، والقرطبي (٦). وأعرض عنه أبو عبيدة، والزمخشري، وابن عطية (٧).\nولابن عطية في تفسيره وقفات نقدية لبعض الشواهد المصنوعة من مثل قوله - عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...﴾ [الأعراف: ٣٣] (٨): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعض الناس: هي الخمر، واحتج على ذلك بقول الشاعر:\nشَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (٩)\n_________\n= النَّخْلُ في الصخرةِ الصمَّاءِ مَنبتهُ ... .................................\nانظر: لسان العرب ٩/ ٦٥ (عجل).\n(١) الكشاف ٣/ ١١٧.\n(٢) من علماء الكوفة ورواتها، كان أعمى معاصرًا لجرير والفرزدق. انظر: المزهر ٢/ ٤٠٧.\n(٣) نسبه القرطبي لامرئ القيس: الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٥٦، ولم أجده في ديوانه.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٣/ ٢٤٢.\n(٥) التكوير ١٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ١٦٢، الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٥٦.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٨٨، الكشاف ٤/ ٧١١، المحررالوجيز ١٦/ ٢٤٢.\n(٨) الأعراف ٣٣.\n(٩) صدر بيت مجهول، وعجزه: =","vol":"1","page":124},{"text":"قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ» (١). فابن عطية يشكك في صحة هذا الشاهد، ويرى أنه على افتراض صحته ينبغي تأويله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثالثًا: ما احتمل الوضع لسبب ما:</span>\nومن الشواهد التي يحتمل دخول الوضع فيها أو في موطن الاستشهاد منها، وخاصة أن معظم كتب التفسير قد ذكرته، قول الشاعر:\nتَرى السفيهَ بهِ عنْ كُلِّ مُحكمةٍ ... زيغٌ، وفيهِ إلى التشبيهِ إِصغاءُ\nوهذا الشاهد الشعري غير منسوب في كتب التفسير (٢)، ولعل صواب رواية البيت كما في «شرح مقامات الحريري»، وقد نُسِبَ فيها لسابق البربري، مع ثلاثة أبيات في الحلم والتسفيه، وهي التي تدور حولها الأبيات، وهي:\nلا تُظْهِرَنَّ لذي جَهْلٍ مُعاتبةً ... فرُبَّمَا هُيّجَتْ بالشَّيءِ أَشياءُ\nفالماءُ يُخْمِدُ حَرَّ النارِ يُطْفِئُها ... وليسَ للجهلِ غَيْرُ الحِلْمِ إِطفاءُ\nتَرى السَّفيهَ له عنْ كُلِّ مَحْلَمَةٍ ... زَيغٌ، وفيهِ إلى التسفيهِ إِصغاءُ (٣)\nفأما المفسرون فقد استشهدوا به على معنى الإصغاء في اللغة،\n_________\n= ........................................ ... كذاكَ الإثمُ تذهبُ بالعقولِ،\nوهو بلا نسبة في تهذيب اللغة ١٥/ ١٦١، ولسان العرب ١/ ٧٥.\n(١) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٥٠٤، الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٦، البحر المحيط ٤/ ٢٠٧، الدر المصون ٥/ ١٢٠.\n(٣) انظر: شرح مقامات الحريري للشريشي ٥/ ٢٧٩.","vol":"1","page":125},{"text":"وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام: ١١٣] (١)، فيبقى الشاهد صالحًا لذلك بروايتيه (٢).\nأَمَّا المؤلفون في علوم القرآن، والأصوليون، والمؤلفون لكتب الاعتقاد، فقد أوردوه للاستشهاد به على معنى المُحكمِ والمتشابه، وهو بهذا لا يصلح الاستشهاد به، لوقوع التحريف فيه في موضع الشاهد منه. ويحتمل أن التصحيف قد دخل في هذا الشاهد في كلمتين، فتصحفت كلمة «مَحْلَمَة» إلى «مُحْكَمَةٍ»، وكلمة «التسفيه» إلى «التشبيه».\nوالتصحيف من عيوب الشاعر التي وقع كثير من العلماء فيها، وقد صحف أبو عبيدة بيتًا لامرئ القيس، وفسر بموضع التصحيق آية من كتاب الله على معنى خالفه فيه المفسرون. فقد روى أبو عبيدة قول امرئ القيس:\nتَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا ... عَلَيَّ حِراسًا لَو يُسِرّونَ مَقتَلي (٣)\nفكان أبو عبيدة يرويه:\nرِجالٌ حِرَاصٌ لو يُسِرُّون مَقتلي\nبالسين غير المعجمة، وفَسَّرَ به قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤] (٤) أي: أظهروها. ورواية الأصمعي للبيت:\nتَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا ... عَلَيَّ حِراسًا لَو يُشِرّونَ مَقتَلي\nأي: يظهرون، يقال: أشررت الثوب إذا نشرته، وشررته أيضًا (٥).\nوقد قَبِلَ بعضُ العلماء الاستشهاد بالشعر المنحول رغم صنعته، واشترطوا لقبوله شرطين:\n_________\n(١) الأنعام ١١٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٥٠٤، الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٤٦، البحر المحيط ٤/ ٢٠٧.\n(٣) انظر: ديوانه ١٩.\n(٤) يونس ٥٤.\n(٥) انظر: شرح ما يقع فيه التصحيف للأصبهاني ٨٧.","vol":"1","page":126},{"text":"١ - أَن يكونَ مُحاكيًا للأَصلِ، ويُمَثِّلُ جانبًا من واقعهِ. (١)\n٢ - أن يكون قائله من أهل المعرفة بشعر العرب، ومذاهب الشعراء (٢).\n\n°<span data-type=\"title\" id=toc-38> القسم الثاني: العيوب المضعفة للشاهد الشعري</span>.\nوأما القسم الثاني من عيوب الشاهد الشعري وهي العيوب المضعفة للشاهد الشعري، فهي تلك العيوب التي تضعف من قوة الشاهد الشعري ولكنها لا تسقط الاستشهاد به بالكلية للخلاف بين أهل العربية في ذلك. ومن هذه العيوب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>١ - رد الشاهد لكونه موضع ضرورة شعرية</span>.\nاختلف العلماء في حقيقة الضرورة في الشعر على عدة آراء:\nالأول: مَنْ يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر، سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا (٣). ونسبه الألوسي إلى الجمهور (٤).\nالثاني: مَن يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر مما ليس للشاعر عنه مندوحة، وهو ما أشار إليه ابن مالك (٥)، ونسبهُ لَهُ جَماعةٌ من النحويين (٦).\nوبناء على ذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن الشعر لا ينبغي أن يكون هو المستند الوحيد لبناء القواعد في لغة العرب، ولا أن ينفرد بالتأسيس لها؛ وذلك أنه موضع للضرورات التي لا يمكن أن يقاس عليها\n_________\n(١) انظر: المفصل في تاريخ العرب لجواد علي ٩/ ٤٠٣ - ٤٠٥.\n(٢) انظر: الزينة للرازي ١/ ١١٨ - ١٢٢.\n(٣) انظر: الخصائص ٣/ ٥٩، ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣، الاقتراح ٣٢، خزانة الأدب ١/ ٣١، ٣٣، ٤٦.\n(٤) انظر: الضرائر ٧.\n(٥) انظر: شرح التسهيل ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، شرح الكافية الشافية ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(٦) انظر: ارتشاف الضرب ٢/ ١٠١٤، ومغني اللبيب ١/ ٤٩، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٠٠، والمساعد على تسهيل الفوائد ١/ ١٥٠، وخزانة الأدب ١/ ٣٣.","vol":"1","page":127},{"text":"كلام الناس المنثور الخالي من هذه الضرورات. يقول الشاطبي (٧٩٠ هـ): «أما الاعتمادُ على الشعر مجردًا من نثر شهيرٍ يضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملةً يُحمل ما في الشعر عليها، فليس بمعتمد عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر محل الضرورات» (١). ومثله أبو حيان الغرناطي، فقد رد الشواهد التي استشهد بها من أجاز تقديم الحال على صاحبه المجرور على الرغم من كثرتها بقوله: «وهذا الذي استدلوا به من السماع - على تقدير أن لا يتصور تأويله- لا حجة فيه، لأنه شِعْرٌ، والشعر يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام» (٢).\nويقول ابن جني: «والشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرًا ما يُحَرَّفُ فيه الكَلِمُ عن أَبنيتهِ، وتُحال فيه المُثُلُ عن أوضاعِ صِيَغِها لأَجلِهِ» (٣).\nوبِما أَنَّ للشعر لغته الخاصة به، فإن الشاعر مقيَّد بِمراعاة أحكام الوزن، والخضوع لشروط القافية وإقامة الروي، وملزم بعدد من التفاعيل العروضية ليستقيم عروض البيت، فالشاعر «مضطر أن يسلك من السبل كل شاق بسبب إقامة الوزن، ولذلك خلت النصوص الفصيحة البليغة من أمثال هذه العثرات لأن ذلك يعرض للشاعر. وعلى ذلك فإن الشعر لا يمكن أن يكون شواهد لغوية قوية، وربما كان بسبب ذلك أننا نجد جميع العيوب التي تقدح في الفصاحة في الشواهد الشعرية» (٤).\nكذلك فإن الشعر يخضع للضرورة الشعرية التي تبيح للشاعر أن يخالف قواعد اللغة في حدود معروفة لأجل إقامة الوزن، فقد «أبيح للشاعر ما لم يبح للمتكلم من قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك\n_________\n(١) الشواهد والاستشهاد للنايلة ١٣٥.\n(٢) المصدر السابق ١٣٥.\n(٣) الخصائص ٣/ ١٨٨.\n(٤) النحو العربي نقد وبناء للسامرائي ٩١ - ٩٢، وانظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥٦.","vol":"1","page":128},{"text":"الساكن، وتسكين المتحرك، وصرف ما لا ينصرف، وحذف الكلمة ما لم تلتبس بأخرى» (١). كما إنه يحتمل في الشعر «وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة، ولا تحصيل معنى» (٢). وهذه الضرورة التي تعرض للشعر تهبط بفصاحته، وتبعده عن واقع اللغة المألوف للناس (٣). وقد نبَّهَ سيبويه إلى ذلك بإشارتهِ إلى عدم جواز بعض الأساليب إلا في ضرورة الشعر (٤). وقال عند قول كثير عزة:\nلِمَيَّةَ مُوحشًا طللُ (٥)\n«وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام» (٦). فالاضطرار يجعل الشاعر ينطق بما لم يَرِدْ به سَمَاعٌ عن العرب (٧).\nوبعض العلماء لا يعد هذا عيبًا، وإنما يعدُّه من باب الرخصة في الشعر، كما عَقَدَ ابنُ رشيق لذلك بابًا سماه «الرخص في الشعر»، وجاء فيه قوله: «وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه» (٨). ويذكر الألوسي أن الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر (٩)، وجاء نحوه عند السيوطي (١٠).\nوهناك من رأى عدم التفريق بين الشعر وغيره من اللغة، وأن ما جاز في الشعر جاز في اللغة من باب أولى؛ لأن الشعر أصل كلام العرب، وقد نقل أبو جعفر النحاس هذا الرأي فقال: «بعض أهل النظر يقول: كل ما يجوز في الشعر فهو جائز في الكلام؛ لأن الشعر أصل\n_________\n(١) العقد الفريد ٤/ ١١ - ١٢.\n(٢) تحصيل عين الذهب ١/ ٢٩.\n(٣) انظر: المزهر ١/ ١٨٨.\n(٤) انظر: الكتاب ١/ ٥١.\n(٥) لم أجده في ديوانه.\n(٦) الكتاب ٢/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٧) انظر: الخصائص ١/ ٣٩٦.\n(٨) العمدة في صناعة الشعر ونقده ٢/ ٢٦٩.\n(٩) انظر: الضرائر ١٤.\n(١٠) انظر: الاقتراح ٣٠.","vol":"1","page":129},{"text":"كلام العرب، فكيف نتحكم في كلامها، ونجعل الشعر خارجًا عنه» (١).\nوهناك من رأى أن ما ورد في الشعر مخالفًا لقواعد النحويين أخطاء لا مسوغ لها (٢)، وعلى هذا الرأي فهي عيوب يعاب بها الشاهد الشعري، وإن لم تسقط الاستشهاد به، يقول ابن فارس: «وما جعل الله الشعراء معصومين، يوقون الخطأ والغلط» (٣). ويذكر أبو هلال العسكري أن الشعراء المتقدمين قد وقعوا في مثل هذه الضرورات التي هي من الأخطاء لعدم علمهم بقبحها، ولو نقدت أشعارهم كما نُقِدَتْ أشعار المتأخرين، وعرفوا ذلك العيب فيها لتجنبوه (٤). ويقول الأفغاني بعد إيراده لبعض الشواهد التي تحمل على الضرورات عند جمهور النحويين قال: «إلى شواهد كثيرة ألجأت فيها الضرورةُ الشاعرَ إلى خَللٍ في نظم تراكيبه، فهذا كله خطأ ارتكب ضرورة، حين كان الشعر يرتجل، فلا يجوز بناء حُكْمٍ عليه البتةَ» (٥). وتسمية هذا بِخُصوصيةِ الشِّعْرِ بنَمَطٍ من الكلام أولى بسبب الاختلاف في مفهوم «الضرورة»؛ للتباين بين معناها اللغوي المعجمي، وبين ما اصطلح عليه جمهور النحويين (٦).\nومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا﴾ [البقرة: ٨٨] (٧) قال: «ولا يجوز تثقيلُ - أي تَحريك - عين «فُعُل» منه، إلا في ضرورةِ شِعْرٍ، كما قال طرفة بن العبد:\nأيُّها الفتيانُ في مَجلِسِنَا ... جَرِّدوا منها وِرَادًا وشُقُر (٨)\nيريد: شُقْرًا، إلا أَنَّ الشِّعرَ اضطرَّه إلى تَحريكِ ثانيهِ فحرَّكهُ» (٩).\n_________\n(١) إعراب القرآن ٥/ ٩٧.\n(٢) انظر: ذم الخطأ في الشعر لابن فارس ١٧.\n(٣) انظر: الصاحبي ٤٦٨، وذم الخطأ في الشعر ٦.\n(٤) انظر: الصناعتين ١٥٠.\n(٥) في أصول النحو ٧٠.\n(٦) انظر: أصول التفكير النحوي لعلي أبو المكارم ٢٧٦ - ٢٧٧.\n(٧) البقرة ٨٨.\n(٨) ديوانه ٥٧.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":130},{"text":"فهنا يشير إلى اضطرار الشاعر الى تحريك الساكن في المفردة أحيانًا، وهذا لا يعرض للنثر، ويشير بقوله: «لا يَجوزُ تثقيلُ عين «فُعُل» منه». إلى القراءة التي وردت في قوله تعالى في الآية: ﴿غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] (١) حيث قرأها بعضهم مضمومة اللام (غُلُفٌ) (٢). والشاهد في البيت هو تحريك الساكن وهو القاف لإقامة الوزن.\nومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] (٣): «قرأ الجمهور: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، وقرأ ابن كثير وحده: ﴿مَنْ يَتَّقِيْ ويصْبِر﴾ بإثبات الياء. واختلف في وجه ذلك. فقيل: قدر الياء متحركة، وجعل الجزم في حذف الحركة. وهذا كما قال الشاعر:\nأَلَمْ يِأْتيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... بِمَا لا قتْ لَبونُ بَنِي زِيَادِ\nقال أبو علي: وهذا مِمَّا لا نَحْملهُ عليه؛ لأَنَّهُ يَجيءُ في الشِّعرِ لا في الكلام» (٤). فانظر كيف استبعده أبو علي الفارسي من الاستشهاد على توجيه القراءة، لأن ما جاء في الشاهد الشعري من باب الضرورة التي لا تكون إلا في الشعر، وأما القرآن فلا يقال فيه ذلك.\nوقد ذكر الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مجموعة من الشواهد التي حملها جمهور النحويين على الضرورة، وورد فيها روايات مختلفة في موضع الشاهد تخرجها من باب الضرورة إلى باب الجائز في الكلام المنثور، ورجَّح أن بعضها أُصلح إصلاحًا متعمدًا من أجل تغيير موضع الاستشهاد، وتصحيح موضع الضرورة في الشاهد، ليوافق المطرد في اللسان العربي (٥).\n_________\n(١) البقرة ٨٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٢٤، معجم القراءات لعبد اللطيف الخطيب ١/ ١٤٩.\n(٣) يوسف ٩٠.\n(٤) المحرر الوجيز ٩/ ٣٦٩، وانظر مثالًا آخر في المحرر الوجيز ٤/ ١٠٥.\n(٥) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه ٤٤١ - ٤٤٧.","vol":"1","page":131},{"text":"ومن أمثلة تلك الشواهد. قول الشمَّاخِ بن ضرار: (١)\nلَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صوتُ حَادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (٢)\nوقد استشهد به سيبويه على هذه الرواية على حذف حركات الإشباع في الكلام، فالشاعر هنا حذف حركة الإشباع وهي الواو في «كأَنَّهُ»، حيث أصلها «كأَنَّهو» (٣). وتابعه على نقل هذه الرواية كثير من علماء اللغة (٤)، والتفسير (٥).\nأما رواية الشاهد في ديوان الشماخ:\nلَهُ زَجَلٌ تقولُ: أَصَوْتُ حَادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (٦)\nوهي على رواية الديوان لا شاهد فيها، وأما على رواية سيبويه فيصح الاستشهاد بها. والذي ينبغي قوله هنا أن الرواية التي رواها سيبويه حجة، ورواية الديوان كذلك. فقد ثبت أن سيبويه شافه الأعراب، وسمع منهم، فالروايات التي يرويها يُحتج بها، ولا تُرَدُّ بِمَا خالفها في الديوان، مع الثقة بما في ديوان الشماخ لكونه من الدواوين التي حظيت بالتوثيق من قِبَلِ العلماء (٧).\nوقد أجاب السيرافي على مثل هذه المؤاخذات على سيبويه وغيره،\n_________\n(١) هو معقل بن ضرار الغطفاني، شاعر مخضرم، وله صحبة، بعد عام ٣٠ هـ. عده ابن سلام من الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام. انظر: خزانة الأدب ٣/ ١٩٦ - ١٩٧\n(٢) انظر: ديوانه ١٥٥.\n(٣) انظر: الكتاب ١/ ٣٠، شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/ ٤٣٧.\n(٤) انظر: المقتضب ١/ ٢٦٧، الإنصاف في مسائل الخلاف ٤٠٦، الخصائص ١/ ١٢٧ و٢/ ١٧، ٣٥٨، رصف المباني ١٠٩، خزانة الأدب ٢/ ٣٨٨، ديوان الشماخ بن ضرار ١٥٥ حاشية رقم ١٧.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٧، البحر المحيط ٥/ ٢٤٣، الدر المصون ١/ ٢٩٧.\n(٦) يصف حِمارَ وحشٍ هائجًا، يقول: إذا طلب وسيقته وهي أنثاه صَوَّت بِها في تطريبٍ وترجيعٍ، كحادي الإبل، أو كصوت المزمار. انظر: ديوانه ١٥٥.\n(٧) انظر: ديوان الشماخ ٢١ - ٦٣.","vol":"1","page":132},{"text":"فقال: «فلا ينبغي أن يذهب إنسان له علم وتحصيل إلى أن سيبويه غلط في الإنشاد، وإن وقع شيء مما استشهد به في الدواوين على خلاف ما ذكر، فإنما ذلك سمع إنشاده ممن يستشهد بقوله على وجه، فأنشد ما سمع؛ لأَنَّ الذي رواه قولهُ حجةٌ، فصار بِمَنْزِلةِ شعرٍ يُروى على وجهين» (١). ويقف السيرافي عند استشهاد سيبويه (٢) بقول العجاج:\nفقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ ... أَنَّكَ يا مُعَاوِ يَا ابنَ الأَفْضَلِ (٣)\nفيقول: «هكذا وقع الإنشاد في الكتاب، وفي شعره:\nفقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ ... أَنَّكَ يا يزيدُ يَا ابنَ الأَنْحَلِ\nإِذْ زُلْزِلَ الأَقدامُ لم تزلزلِ (٤)\nفهذا الذي رأيتُهُ في ديوانه، وليس هذا بمفسد لحجة سيبويه؛ لأنه لم ينقل الشواهد من الدواوين، إنما سمعها، والعرب بعضهم ينشد شعر بعض، فإذا غيَّرَ هذا عربيٌّ يحتج بقوله صار كأنه هو القائل، وليس يجوز أن يفعل مثل هذا رجل عالم؛ لأن سيبويه قد لقي مَنْ قوله حجة، ولم يأخذ من الصحف، فإذا سمع من يجوز أن يكون عنده حجة في كلامه نقل عنه، وإن لم يره أهلًا لذلك تركه ...» (٥).\nوقد جاء البغدادي فشرح شواهدَ الرضي على الكافية في كتابه «خزانة الأدب» وكتابه «شرح أبيات المغني لابن هشام»، فتتبع رواية الشاهد عند النحويين، وما يترتب على تعدد روايته من مناقشات ومشاحنات، ورمي بالتغليط والصنعة والوضع. وكان يقف على الكثير من تلك الروايات مبينًا الرواية التي يستقيم للعلماء من النحويين والمفسرين\n_________\n(١) شرح أبيات سيبويه ١/ ٣٠٤.\n(٢) انظر: الكتاب ٢/ ٢٥٠.\n(٣) ديوانه ١٥٨.\n(٤) رواية الديوان: «يا ابن الأفحل» و«الأقوام». انظر: ديوانه ١٨٦.\n(٥) شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥٧ - ٤٥٩، وانظر: ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":133},{"text":"وغيرهم الاستشهاد بها، من تلك التي لا شاهد فيها (١).\nوقد عَمَدَ بعضُ المعاصرين إلى جمع تلك الإشارات التي ذكرها السيرافي والبغدادي وغيرهما من العلماء عن ذلك، وأقاموا عليها كتبًا تتهم أئمة العلماء بالتحريف والتغيير للشواهد الشعرية، ولا يُسَلَّمُ لهم بذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢ - كثرة الشذوذ في الشعر</span>.\nالشذوذ في اللغة هو الانفراد عن الجمهور والنُّدْرةُ (٣). والمقصود به الشاهد الشعري الذي جاء مخالفًا للمشهور مما جمع الرواة من كلام العرب. ولما كان ما وصف بالشذوذ والندرة والقلة يعود غالبًا إلى مخالفة القياس، وقواعد النحويين، وإن نطق به العربي الفصيح، فقد قال عنه العلماء: يحفظ ولا يقاس عليه. كما قال سيبويه في مثل ذلك: «... فإِنَّما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب، ولا يقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه» (٤). ويبدو أن هذا هو موقف الحق والإنصاف، الذي يحفظ لقواعد العربية صحتها، وسلامتها، واطرادها، ويحفظ لذلك الشاعر مكانته، ويناسب كذلك طبيعة جمع العلماء الأوائل للغة، إذ لم يستطع ولم يدَّع أحدهم الإحاطة بجميع ما نطقت به العرب. والشذوذ لا يعني عدم الفصاحة، ولكنه يعني المخالفة للمشهور من كلام العرب. وقد\n_________\n(١) انظر: خزانة الأدب ١/ ٢٩٠، ٢/ ٣٠٨، ٤/ ١٠٠، ١٥٢، ٥/ ٢٣٥، ٤٢٢، ٦/ ٣١٨، ٧/ ٧٤، ١٠٠، ٣٧٢، ٨/ ٣٧٥، ٣٩٨، ٤٠٢، ١١/ ٥٤ وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٨، ١٢٩، ١٥٠، ١٨٤، ١٨٥، ٢/ ٢٦، ٢٧، ٢٩٤، ٢٩٦، ٣/ ٢٨٠، ٢٨٧، ٤/ ٣١٨.\n(٢) انظر: شواهد سيبويه من المعلقات في ميزان النقد للدكتور عبد العال سالم مكرم، تغيير النحويين للشواهد للدكتور علي محمد فاخر. وقد رد الدكتور حسن موسى الشاعر على كتاب الدكتور عبد العال سالم مكرم بكتابه اختلاف الرواية في شواهد سيبويه.\n(٣) انظر: لسان العرب ٧/ ٦١ (شذذ).\n(٤) الكتاب ٤/ ٨.","vol":"1","page":134},{"text":"أشار إلى ذلك ابن جني تحت باب «القول على الاطراد والشذوذ»، حيث ذكر أن «الاطراد هو التتابع والاستمرار، والشذوذ التفرق والتفرد، فجعل أهل العلم علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردًا، وجعلوا ما فارق عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذًا» (١).\nوهناك شواهد حكم عليها العلماء بالشذوذ، وقد شارك المفسرون في تعقب بعض الشواهد الشعرية التي حكم عليها بالشذوذ، مما يدل على عنايتهم وفطنتهم عند استخدام الشواهد الشعرية، ووعيهم للمؤاخذات التي وردت على بعض الشواهد. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عطية: «وفي مصحف ابن مسعود ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبٌ﴾، وجعل الخبر قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [يونس: ٢] (٢). والأول أصوب - أي جَعْلُ «عَجَبًا» خبرًا لكان -؛ لأن الاسم معرفةٌ، والخبر نكرة، وهذا القلب لا يصح، ولا يجيء إلا شاذًا، ومنه قول حسان:\nيَكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ ومَاءُ (٣)» (٤).\nوهذا المثال يحتمل أن يكون مقصود ابن عطية بمجيئه شاذًا أي في الشعر وغيره، غير أنه قد ذكر مثالًا له من الشعر، مما دفعني إلى الاستئناس بالتمثيل به.\nوربما لم ترد بعض الألفاظ إلا في شاهد شعري وحيدٍ، كما ذكر الطبري أنه لا يزاد من بناء «فُعَال» على الأربع، فلا يقال خُمَاسَ وسُدَاسَ، إلا في عُشَارَ لِمَجيئها في بيت من شعر الكميت بن زيد، وهو قوله:\n_________\n(١) الخصائص ١/ ٩٧.\n(٢) يونس ٢.\n(٣) انظر: ديوانه ١٢.\n(٤) المحرر الوجيز ٩/ ٥.","vol":"1","page":135},{"text":"فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حتى رَميتَ ... فوقَ الرجالِ خِصَالًا عُشَارَا (١)\nيعني: طعنت عشرةً (٢). وهذا الشاهد يقيس عليه الكوفيون إلى التسعة نحو خُمَاسَ ومَخْمَس، وسُداسَ ومَسْدَس، ولم يَرِدْ بِها سَماعٌ عن العرب (٣). وقد رويت لخلف الأحمر أَبياتٌ ذكر النحويون أَنَّها مِن وَضعِ خَلفٍ الأَحمر، ولا يصح الاستشهاد بِها (٤).\nوربما منع المفسرون القياس على ما لم يرد إلا في شاهد شعري، وعدوه شاذًا، غير مستعمل في لغة العرب على وجه مستقيم، كما قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] (٥): «ويقدر حذف التنوين للالتقاء، وإنما جاء ذلك شاذًا في الشعر في قوله (٦):\nفألفيتهُ غَيْرَ مُستعتبٍ ... ولا ذاكرِ اللهَ إِلَّا قليلا (٧)\nولا يُقَاسُ عليه» (٨).\nوهذا الشاهد قد استشهد به سيبويه (٩)، والمبرد (١٠)، والفراء (١١)،\n_________\n(١) يستريثوك: يستبطئوك، ومعنى البيت: لما نشأتَ أسرعت في بلوغ الغاية التي لم يبلغها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال فقت بها السابقين، وأيأست الذين راموا لحاقك. انظر: شعر الكميت بن زيد ١/ ١٦٢، شرح درة الغواص للخفاجي ٥٣٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٥٤٥، الكشف والبيان ٣/ ١٤٥، الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٢.\n(٣) انظر: شرح الرضي على الكافية ١/ ٣٦.\n(٤) انظر: درة الغواص بشرح الخفاجي ٥٣٣، المزهر ١/ ١٠٨، البصائر والذخائر للتوحيدي ٥/ ٢٤.\n(٥) الأنعام ٩٢.\n(٦) هو أبو الأسود الدؤلي.\n(٧) انظر: ديوانه ٥٤.\n(٨) المحرر الوجيز ٦/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٩) استشهد به على حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده. انظر: الكتاب ١/ ١٦٩.\n(١٠) انظر: المقتضب ١/ ١٩، ٢/ ٣١٣.\n(١١) انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٠٢.","vol":"1","page":136},{"text":"وغيرهم. (١) وله روايتان:\nالأولى: جر «ذاكرِ»، فيكون معطوفًا على «مُستعتبٍ».\nالثانية: نصب «ذاكرَ»، فيكون معطوفًا على «غَيْرَ»، و«لا» لتأكيد النفي المستفاد من «غير» (٢).\nومن الأمثلة كذلك قول الزمخشري: «وأما قراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (٣) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجًا مردودًا كما سَمُجَ ورُدَّ:\nزَجَّ القَلوصَ أَبي مزادة\nفكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته» (٤). ومع ما ذكره الزمخشري وقفتان:\nالأولى: قراءة ابن عامر لهذه الآية فيها إشكال معروف ومشهور بين النحويين، بسبب خروجها عن المشهور في اللغة خروجًا جعل كثيرًا من النحويين والمفسرين والمصنفين في التوجيه يطعنون في ثبوتها أو يكادون (٥).\nومحل الإشكال في القراءة هو الفصل بين المتضايفين بالمفعول به في قوله: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، ووجهه أن المقرر في قواعد\n_________\n(١) انظر: مجالس ثعلب ١٢٣، الخصائص ١/ ٣١١، شرح أبيات المغني ٧/ ١٨٢.\n(٢) انظر: كتاب الشعر للفارسي ١/ ١١٤ حاشية المحقق الطناحي رقم ٢.\n(٣) الأنعام ١٣٧.\n(٤) الكشاف ٢/ ٧٠.\n(٥) انظر: تفسير ابن جرير (شاكر) ٨/ ٤٤، والكشف لمكي بن أبي طالب ١/ ٤٥٣، ومشكل إعراب القراءات له ٢٧٢، وشرح جمل الزجاجي ٢٨٧، وأكثر نحاة البصرة على تضعيف هذه القراءة واستبعادها. وينظر: البحر المحيط ٤/ ٢٣٢.","vol":"1","page":137},{"text":"العربية منع الفصل بين المتضايفين بالظرف والجار والمجرور في الاختيار فضلًا عن المفعول به. فكيف يجوز وقوعه في أفصح الكلام، وهو القرآن الكريم.\nورد الزمخشري هنا لقراءة ابن عامر، قد تصدى المحررون من علماء القراءة والعربية للرد عليه وغيره ممن طعن في هذه القراءة الصحيحة وأمثالها. وخلاصة الرد أن هذه القراءة قد نقلت نقلًا صحيحًا، وأن القراءةَ حُجةٌ على النحاة لا العكس. وقد أطال ابن الجزري في الرد على الزمخشري بما لا مزيد عليه (١).\nوممن أشبع هذه المسألة بحثًا واستشهادًا محمد بن مالك في أكثر من كتاب من كتبه، قال في «شرح التسهيل»: «وتجويز ما قرأ به - أي ابن عامر - في قياس النحو قوي، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسن ذلك ثلاثة أمور:\nأحدها: كون الفاصل فضلة؛ فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.\nالثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.\nالثالث: كونه مقدر التأخير من أجل المضاف إليه، فقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فحكم بجوازه» (٢). وأشار إلى حجته في هذه المسألة في نظمه «الكافية الشافية» بقوله:\nوعُمْدَتي قِراءةُ ابنِ عَامِرِ ... وكَمْ لَهَا مِنْ عَاضِدٍ وَنَاصِرِ (٣)\n_________\n(١) انظر: النشر ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥، إبراز المعاني ٢/ ١٤٦ - ١٥٧.\n(٢) شرح التسهيل ٢/ ١٨٢.\n(٣) انظر: شرح الكافية الشافية ٢/ ٩٧٨ - ٩٧٩.","vol":"1","page":138},{"text":"ويقول النيسابوري في الرد على من قال بخطأ هذه القراءة: «والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، والقراءات السبع كلها متواترة، فكيف يمكن تخطئة بعضها؟ فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وألا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا؟ وإن ورد فكثير أم لا؟» (١).\nالوقفة الثانية: أن هذا الشاهد الشعري الذي استنكره الزمخشري وردَّهُ، ورَدَّ القراءةَ معه، ليس الوحيد الذي حفظ على هذه القاعدة، وإنما هناك شواهد شعرية كثيرة، أورد أكثرها ابن مالك (٢).\nومن الأمثلة قول ابن عطية: «وقال الكوفيون: إنه قد يدخلُ حرفُ النداءِ على اللهم، وأنشدوا على ذلك:\nوما عليكِ أَن تَقولي كُلَّمَا ... سَبَّحتِ أَو هلَّلتِ ياللهمَ مَا\nارددْ علينا شيخَنا مُسَلَّما\nقالوا: فلو كانت الميم عوضًا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله، ولا يتركُ لهُ ما في كتاب اللهِ، وفي جَميعِ ديوانِ العَرَبِ» (٣). والشاهد في قول الزجاج من حكمه على الشعر بالشذوذ، ورده لجهالة قائله.\n_________\n(١) غرائب الفرقان ٨/ ٣٧.\n(٢) من الشواهد قولُ الطرمَّاح (ديوانه ١٦٩):\nيَطُعْنَ بِجوزيِّ المراتعِ لَمْ يُرَعْ ... بِواديهِ مِن قَرعِ - القَسيَّ - الكنائِنِ\nوقول أبي جندل الطهوي في صفة جراد (شرح الكافية ٢/ ٩٨٦):\nيَفرُكُ حَبَّ السنبلِ الكُنَافِجِ ... بالقاعِ فَركَ - القُطُنَ - المَحَالِجِ\nانظر: شرح الكافية الشافية ٢/ ٩٧٨ - ٩٧٩ فقد ذكر عددًا من الشواهد الشعرية المؤيدة لهذا الأسلوب.\n(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٤٩.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣ - تعدد رواية الشاهد الشعري</span>.\nوردت للشواهد الشعرية في كتب التفسير روايات متعددة، وكذلك في كتب النحو، ورُبَّما مسَّ الاختلافُ موضعَ الشاهدِ، فيسقط الاحتجاجُ به على المُرادِ، وإن كان هذا لا يعني سقوط الاحتجاج بالشاهد على وجه آخر إذا كان من غيره يحتج بقوله كما تقدم. أما إذا لم يَمَس الاختلاف موضع الشاهد فلا إشكال في الاستشهاد به.\nومن أمثلة ذلك ما استشهد به ابن جرير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١) حيث قال: «وقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: «تلك» كما قال الشاعر (٢):\nذُمَّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأَيَّامِ (٣)» (٤).\nوالشاهد في البيت عند الطبري هو استعمال «أولاء» للإشارة إلى الجمع سواء كانوا عقلاء أو غير ذلك.\nوكذلك عند الزمخشري (٥). وقد ورد هذا البيت في ديوان جرير «الأقوام» (٦) بدل «الأيام»، وكذلك عند أبي عبيدة (٧)، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصحيحة، وأن الطبري قد غلط في روايته «الأيام» بدل «الأقوام»، وأن الزجاج قد تبع الطبري في هذا الخطأ (٨). غير أن المبرِّد - وهو معاصر للطبَريِّ - يرويه كما عند الطبري (٩). وإذا صح ما ذهب إليه\n_________\n(١) الإسراء ٣٦.\n(٢) هو جرير بن الخطفى.\n(٣) انظر: ديوانه ٦٥٧.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٥٩٦.\n(٥) انظر: الكشاف ٢/ ٦٦٧، تَنْزِيلُ الآيات لمحب الدين أفندي ٤٤٩.\n(٦) انظر: شرح ديوان جرير ٦٥٧.\n(٧) انظر: شرح نقائض جرير والفرزدق ١/ ٤١٧.\n(٨) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٢٤٠، المحرر الوجيز ١٠/ ٢٩٤.\n(٩) انظر: المقتضب ١/ ٣٢١، الكامل ١/ ٤٣٩.","vol":"1","page":140},{"text":"ابن عطية، لم يكن في الشاهد حجة لما ذهب إليه الطبري والزمخشري (١).\nومن الأمثلة قول الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العربَ تُسمِّي كُلَّ صانعٍ خالقًا، ومنه قول زهير:\nوَلأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ... وبعضُ القومِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفْري\nويُروى:\nولأَنتَ تَخْلُقُ ما فَريتَ ... وبعضُ القومِ يَخلقُ ثُمَّ لا يَفري» (٢).\nومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٣): «وعلى نحو ﴿حَيَّ﴾ جاء قول الشاعر (٤):\nعَيّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الحَمَامَة (٥)\nومنهُ ... قولُ المتلمس:\nفهذا أَوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبَابُهُ ... زَنَابيرُهُ والأَزْرَقُ المُتَلَمَّسُ (٦)\nويُروى: جُنَّ ذُبَابُه» (٧). وعلى الرواية الثانية لا شاهد في البيت، وقد نبه ابن عطية هنا على الرواية الثانية، ولا يضر ذلك لأن الشاهد لم يكن وحيدًا للاستشهاد في هذه المسألة وإنما جاء مع غيره من الشواهد الصحيحة، غير أنه يسقط الاستشهاد بهذا الشاهد.\nوربَّمَا يرجعُ الخطأُ في الشاهد إلى الناسخ، من مثل ما ورد في «مجاز القرآن» المطبوع عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ\n_________\n(١) انظر: خزانة الأدب ٥/ ٤٣٠.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١٩/ ١٩.\n(٣) الأنفال ٤٢.\n(٤) هو عبيد بن الأبرص.\n(٥) انظر: ديوانه ٤٣.\n(٦) العِرْضُ وادٍ باليمامة. والبيت لجرير بن عبدالمسيح المعروف بالمتلمس الضبعي، وهو في ديوانه ١٢٣.\n(٧) المحرر الوجيز ٨/ ٧٧ - ٧٨.","vol":"1","page":141},{"text":"أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] (١): «مَجازهُ: ولا يَحملنَّكم ولا يُعدِينَّكُم، وقال:\nولقد طَعَنْتَ أَبَا عُيَينةَ طَعنةً ... جَمَعَتْ فزارة بعدها أن يَغْضَبُوا (٢)» (٣).\nوالبيت بهذه الرواية محرَّف، ولا شاهد فيه، على هذه الرواية. ولم ينبه المُحققُ على هذا، فيغلب على الظن أن الخطأ طباعي.\nوقد ورد هذا الشاهد عند الطبري بروايته الصحيحة وهي:\nولقدْ طعنتَ أَبا عُيينةَ طَعنةً ... جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أَنْ يَغضبوا (٤)\nفالشاهد في قوله: «جَرَمَتْ»، بِمعنى حَمَلَتْ.\nوكذلك هو عند ابن قتيبة (٥)، والزمخشري (٦)، وابن عطية (٧)، والقرطبي. (٨)\nوقد عُنِيَ العلماء ببيان الروايات الأخرى للشاهد الشعري، وبعضهم عُنِيَ عناية خاصة ببيان الروايات الأخرى التي يبطل معها وجه الاستشهاد كما فعل ابن السيرافي في شرحه لشواهد سيبويه (٩). وقد كان الشعراء أنفسهم ينشدون شعرهم مع تغيير بعض العبارات التي تؤدي معنى متقاربًا، ومن أمثلة ذلك أن ذا الرمة أنشد شعره يومًا فقال:\nوظاهِرْ لَها مِنْ يابسِ الشَّخْتِ واستَعِنْ ... عليها الصَّبا واجْعَلْ يَدَيكَ لَها سِتْرا (١٠)\n_________\n(١) المائدة ٢.\n(٢) البيت لأبي أسماء بن الضريبة، وقيل لعطية بن عفيف. انظر: الكتاب ٣/ ١٣٨ حاشية المُحقق هارون.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٤٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٤٨٣.\n(٥) انظر: تأويل مشكل القرآن ٥٥٠.\n(٦) انظر: الكشاف ٢/ ٤٢١ ذكر الشطر الثاني فقط، وهو موضع الشاهد.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز (طبعة قطر) ٤/ ٣٢٩.\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣١ - ٣٢.\n(٩) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه لخالد عبد الكريم جمعة ٨٢.\n(١٠) انظر: ديوانه ٢/ ١٦٤٢.","vol":"1","page":142},{"text":"فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس وبائس واحد. قال ابن جني تعقيبًا على هذا: «وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع». بمعنى أنه ليس كالتغيير في القرآن من حيث المؤاخذة.\nويحدث مثل هذه التغيير في الأبيات من الرواة والعلماء، مثل ما حدث لابن الأعرابي حيث أنشد يومًا قول الشاعر (١):\nومَوضِعِ زَبْنٍ لا أُريدُ بَراجَه ... كأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوعِ آنسُ (٢)\nفقال له أحد الملازمين لحلقته: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيدالله. قال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيقٍ. فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شيء واحد؟ قال ابن جني: «فهذا لعمري شائع لأنه شعر، وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دينًا ولا عملًا مسنونًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٤ - جهالة قائل الشاهد الشعري</span>.\nجعل أبو البركات الأنباري الجهل بالقائل سببًا من أسباب رد الاستشهاد بكثير من شواهد الكوفيين في مواطن متعددة، وذلك في مثل قوله: «هذا الشعر لا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة» (٤). ويقول: «وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به» (٥). وربما عضد جهالة القائل باحتمالات أخرى (٦)، في حين تراه يحكم بصحة شواهد البصريين وخاصة شواهد سيبويه على الرغم من جهالة قائليها، ثقة في رواية سيبويه وكبار البصريين (٧). وقد ردَّ شاهدًا شعريًا بحجة جهالة قائله، مع أنه رواه\n_________\n(١) هو المرقش الأكبر.\n(٢) انظر: المفضليات ٢٢٤، الخصائص ٢/ ٤٦٧.\n(٣) المحتسب ١/ ٢٩٨.\n(٤) الإنصاف في مسائل الخلاف ٢٩٤.\n(٥) المصدر السابق ٣٥٠، ٣٦٥.\n(٦) انظر: الإنصاف ٤٦٢.\n(٧) انظر: الإنصاف ٥٤٤، وأسرار العربية ٢٢٨، ٢٢٩.","vol":"1","page":143},{"text":"الفراء، ونص على سماعه ممن يستشهد بكلامه في موضعين من المعاني. جاء في الأول: «أنشدني العكلي أبو ثروان ..» (١). وفي الثاني: «أنشدني أبو ثروان ...» (٢)، وهذا الشاهد هو قول الشاعر:\nكلِّفَ من عَنَائهِ وشقوتِهْ ... بِنتَ ثَماني عشرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (٣)\nحيث قال ابن الأنباري عنه: «فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به» (٤). فكيف يستقيم لأبي البركات الأنباري رده، والفراء عالم ثقة (٥)، وأبو ثروان العكلي أعرابي فصيح (٦).\nويلاحظ أن كلام ابن الأنباري وغيره في التطبيق يخالفه في التنظير، فكتب التفسير كلها على خلاف ذلك وكذلك كتب النحو، فإذا أمكن التسليم أن الشاهد إذا جهل قائله، وجهل راويه رُدَّ الاستشهاد به (٧) - إذ يترتب على ذلك جهالة حال القائل، ويحتمل أن يكون ممن يستشهد بكلامه، كما يحتمل أن لا يكون - فلا يُوافق في أن الشاهد إذا جهل قائله رد الاستشهاد به، وإن رواه علماء ثقات؛ ذلك أن العالم الثقة لم يكن ليرويه إلا لثقته في طرق ذلك الشاهد بعد التمحيص والتدقيق، أو لسماعه له ممن يستشهد بكلامه. ورد الشاهد للجهل بقائله منهج سار عليه الأنباري في «الإنصاف» مما جعل كثيرًا من الباحثين يتهمه بالتحامل على الكوفيين في ترجيحه وحكمه. ومن الشطط والتمحل مطالبة العلماء من النحويين والمفسرين وغيرهم بتعيين عين القائل فيما استشهدوا به، خاصة أن التزام العلماء بذكر السند في رواية الشعر قليل، إذ لم يكن يتصل بأمور دينهم، كما يتصل الحديث والتفسير، ولا يترتب عليه أمر من أمور التشريع، فهذا الأصمعي يورد قصيدة النابغة الذبياني:\n_________\n(١) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤.\n(٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٢.\n(٣) لنفيع بن طارق كما في شرح التصريح ١/ ٢٧٥.\n(٤) الإنصاف ٢٦٧.\n(٥) انظر: إنباه الرواة ٤/ ٧ - ٢٣.\n(٦) انظر: الفهرست ٧٣.\n(٧) انظر: لُمَع الأدلة ٩٠ - ٩٢.","vol":"1","page":144},{"text":"أَمِنَ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغتدِ ... عَجلانَ ذا زادٍ وغيرِ مزودِ (١)\nثُمَّ يقول: «ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًا» (٢). ويذكر الدكتور ناصر الدين الأسد أن الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، إذ كان جل اعتمادهم على الرواية الشفوية، فالغالب أن يقف إسناد الرواية الأدبية عند زمن أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ومن عاصرهما، بل قد يوجد من العلماء المتأخرين من يهمل الإسناد، ومن هؤلاء المبُرِّد، فقد كان مشهورًا بحذف الإسناد في أحاديثه وأماليه (٣)، ولذلك فإن الأمر يتعلق بالراوية الذي نقل الشاهد الشعري، فإما أن يُوثَّق فيقبل منه، وإما أن يُضعَّف فيهمل ما يرويه.\nيقول ناصر الدين الأسد: «ولعلنا لا نعدو الصواب حينما نخلص من كل ذلك إلى أن الإسناد لم يكن - حتى في القرنين الثالث والرابع حين شاع وغلب - أصلًا ثابتًا من أصول الرواية الأدبية، ولم يكن أساسًا من الأسس التي يحتكم إليها في الاستشهاد على صحة الرواية الأدبية كما كان شأنه في رواية الحديث النبوي، فنحن نرى أن العلماء والرواة في اللغة والشعر والأخبار، كانوا يقدمون بين يدي ما يروونه بإسناد متصل إلى الطبقة الأولى من العلماء الرواة حينًا، وبإسناد منقطع حينًا آخر، يكتفون فيه بذكر شيخهم الذي أخذوا عنه هذا العلم، أو يتجاوزون شيخهم وربما شيخ شيخهم، ويقنعون بذكر أول من روي عنه هذا الشعر أو ذاك الخبر، مختصرين الإسناد اختصارًا إلى نهايته، ونراهم حينًا ثالثًا يحذفون الإسناد ويهملونه إهمالًا، ويلقون بالشعر أو الخبر قائمًا مجردًا.\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٨٩.\n(٢) ديوان النابغة الذبياني بشرح الأعلم ٢٧، مصادر الشعر الجاهلي ٢٧٥.\n(٣) انظر: نزهة الألباء ١٩٤، مصادر الشعر الجاهلي ٢٧٧.","vol":"1","page":145},{"text":"وكان العلماء الرواة من معاصريهم وتلاميذهم يقبلون منهم كل ذلك ويوثقونه» (١).\nوأبو البركات الأنباري في رده البيت المجهول مسبوق في ذلك بأبي العباس المبرد (٢٨٥ هـ) حيث يعلِّق على قول الشاعر:\nمحمدُ تفدِ نفسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذا ما خفتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا (٢)\nبقوله: «وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» (٣).\nونقل ابن السراج رأي المُبَرِّدِ في كتابه «الأصول» (٤)، وكذا ابن الشجري في «أماليه» (٥). وذهب كثير من النحويين إلى رد الاستشهاد بالشاهد المجهول القائل (٦). ورجح سعيد الأفغاني إسقاط الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل (٧).\nومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الفراء من جواز كسر ياء المتكلم، واستشهاده بقول الشاعر:\nقالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ ... قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ (٨)\nوقد أنكر عليه الزجاج استشهاده، ورد ما استدل به، وقال: «وهذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا\n_________\n(١) مصادر الشعر الجاهلي ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(٢) الشاهد لأبي طالب كما في شرح شذور الذهب ٢١١، ونسبه البغدادي له أو للأعشى في خزانة الأدب ٩/ ١١، وللأعشى أو لحسان أو لمجهول كما في الدرر اللوامع ٢/ ٧١، وغير منسوب كما في الكتاب ٣/ ٨، والمقتضب ٢/ ١٣٢، والإنصاف ٤١٨.\n(٣) المقتضب ٢/ ١٣٢.\n(٤) انظر: الأصول ٢/ ١٧٥.\n(٥) انظر: أمالي ابن الشجري ٢/ ١٥١.\n(٦) انظر: التبيين للعكبري ٤٥٢، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ١/ ١٥٠، مغني اللبيب ١/ ٢٩٢، الاقتراح ٥٦ - ٥٧، المزهر ١/ ١٤١، خزانة الأدب ٥/ ٣٨١.\n(٧) انظر: في أصول النحو ٦٧.\n(٨) انظر: معاني القرآن ٣/ ١٦٠.","vol":"1","page":146},{"text":"الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ» (١).\nواعتراض الزجاج من جهتين: أنَّ قول مثل هذا الشعر سهل، ومِنْ ثَمَّ فإن إمكان الصنعة فيه وارد، والأمر الثاني أنه لا يُعرفُ له قائل. وهذا لا يسلم للزجاج؛ لأن الفراء قد صرح بسماعه من العرب بقوله: «وقد سَمعتُ بعضَ العَربِ يُنشدُ ..» (٢). يقول الفراء عندما وقف عند قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٣) بنصب الياء: «أي الياء منصوبة؛ لأن الياء من المتكلم تسكن إذا تحرك ما قبلها، وتنصب إرادة الهاء ... فإذا سكن ما قبلها ردت إلى الفتح الذي كان لها، والياء من ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ ساكنة، والياء بعدها من المتكلم ساكنة، فحركت إلى حركة قد كانت لها، فهذا مطرد في الكلام» (٤).\nوحينما قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب الآية السابقة بخفض الياء أنكر قراءتهم، يقول: «ولعلها من وَهَمِ القراء طبقة يحيى؛ فإنه قل من يسلم منهم من الوَهَمِ، ولعله ظن أن الباء في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذلك ...» (٥). ولذا خالفت رواية الشاهد الشعري عند الفراء ما يرجحه، وكان الطعن فيها وردها مما يسند ما يذهب إليه، غير أنه قد وقف عند حدود سماعه، وهو ثقة، واستشهد برواية العربي لذلك البيت، سواء أكان العربي قائل الشاهد أم راويه، فإذا كان قول الشاعر العربي حجة، فإن قول الراوية العربي حجة أيضًا، وإن وقع منه شيء من التغيير والتبديل. أضف إلى ذلك أن الرضي صرح في شرح كافية ابن الحاجب أن كسر ياء المتكلم مع الياء قبلها لغة بني يربوع، وذلك لتشبيه الياء بالهاء بعد الياء، كما في «فيه»\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ١٥٩ - ١٦٠.\n(٢) معاني القرآن ٢/ ٧٦.\n(٣) إبراهيم ٢٢.\n(٤) معاني القرآن ٢/ ٧٥.\n(٥) معاني القرآن ٢/ ٧٥.","vol":"1","page":147},{"text":"و«لديه»، وأورد الآية الكريمة، والشاهد الشعري (١)، ونقل عن غيره (٢). كما ذكر البغدادي أن الشاهد غير مجهول القائل، وأنه رآه في ديوان الأغلب العجلي الراجز (٣).\nوقد كرر الزمخشري ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٤)، وقال: «الإصراخ: الإغاثة، وقرئ: «بمصرخيِّ». بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:\nقالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ ... قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ» (٥).\nومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية: «قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلة. فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] (٦) لا يجوز الإدغام فيه؛ لأن حركة النصب غير لازمة. ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم. ولا يلتفت إلى ما أنشده بعضهم لأنه بيت مجهول:\nوكأَنَّها بينَ النساءِ سبيكةٌ ... تَمْشي بِسُدَّةِ بيتها فَتَعِيُّ» (٧).\nوالحق أَنَّ الشاهد الذي لم يعرف قائلهُ إذا صدر مِمَّن يُحتجُّ بقوله، أو رواه عالم ثقةٌ صحَّ الاستشهادُ به، وقد استشهد الأصمعيُّ بِرَجَزٍ مشكوكٍ في نسبته للأغلب العجليِّ ثُمَّ قال: «إِن لم يكن له فهو لِغَيْره مِمَّن هو ثَبتٌ أو ثقة» (٨).\nوالمفسرون الثقات الذين أوردوا هذه الشواهدَ المَجهولةَ، على\n_________\n(١) انظر: شرح كافية ابن الحاجب ٢/ ٢٩٥.\n(٢) انظر: خزانة الأدب ٤/ ٤٣٤.\n(٣) انظر: خزانة الأدب ٤/ ٤٣٤، التصريح لخالد الأزهري ٢/ ٦٠، وديوان الأغلب العجلي ١٦٩.\n(٤) إبراهيم ٢٢.\n(٥) الكشاف ٢/ ٥٥١، خزانة الأدب ٤/ ٣٤٣.\n(٦) القيامة ٤٠.\n(٧) المحرر الوجيز ٨/ ٧٨.\n(٨) انظر: الموشح ٢٧٣.","vol":"1","page":148},{"text":"درايةٍ ومعرفةٍ بِما قالهُ العلماء فيها من أهل الدراية الكاملة، والثقة التامة، ولو لم تكن مقبولةً عندهم لما رووها وأثبتوها في كتبهم، «والشاهد الذي جُهِلَ قائلهُ إِنْ أنشده ثقةٌ كسيبويه وابن السرَّاجِ والمُبَرِّدِ ... ونحوهم فهو مقبولٌ يُعتمدُ عليه، ولا يَضرُّ جَهلُ قائلهِ، فإِنَّ الثقةَ لو لم يعلم أَنَّهُ من شعرِ مَنْ يصحُّ الاستدلالُ بكلامه لَمَا أَنشده» (١).\nوجهالةُ عينِ قائلِ الشاهدِ لا تضرُّ في الاستشهاد إذا صحتْ نسبتهُ لزمنِ الاحتجاج، وإِنَّما تؤثرُ جهالةُ الحالِ، فلو جاء شعرٌ لجاهلي ولم يُعرف اسمهُ وصحَّ النقلُ فإِنَّهُ يُحتجُّ به، ولو جاء شعرُ مولدٍ معروفُ القائل لرُدَّ ولم يُحتجَّ به؛ إِذ العلةُ في ردِّ الشاهدِ المَجهولِ في اللغة هو الخوفُ من أن يكون لِمَنْ لا يُوثَقُ بفصاحته، كما صرَّح بذلك السيوطي (٢)، والبغدادي (٣). وعلى هذا فإن نسبة الشعر إلى قائله، أو معرفة الشاعر، ليست قضيةً تستحقُّ كلَّ هذا الاهتمام، فالمهمُّ هو صحة نسبة الشعر إلى من يُحتجُّ بشعره زمانًا ومكانًا، وثبوت روايته عن الثقات الأثبات. أَمَّا تعيينُ القائل، أو الاتفاق عليه، أو التوسع في إيراد أقوال السابقين في نسبته، والفخر بالوصول إلى نسبة بيتٍ أو أبيات فهو في غيرِ مكانه، وهو عَمَلٌ على هامشِ تَقعيدِ العربيةِ، إذ يكفي في النحوِ صحةُ الاحتجاج بالبيت. وخاصةً إذا كان أولئك العلماء من أهل البَصَرِ والمعرفةِ التامَّةِ بالشعرِ، كما قال ابنُ سلَّام: «وليس يُشكِلُ على أَهلِ العلم زيادةُ الرواةِ، ولا ما وضعوا، ولا ما وَضَعَ المولَّدون. إِنَّما عَضَّلَ بِهم أَنْ يقولَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ مِن وَلَدِ الشعراءِ، أو الرجلُ ليسَ من ولدِهِم، فيُشكلُ ذلك بعضَ الإشكال» (٤).\n_________\n(١) خزانة الأدب ٩/ ٣١٧.\n(٢) انظر: الاقتراح ٥٥، والإصباح في شرح الاقتراح ١٢٣.\n(٣) انظر: خزانة الأدب ١/ ١٥.\n(٤) طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٠.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٥ - انفراد الشاهد الشعري أو بعضه عن القصيدة</span>.\nقد يستشهد المفسر بشاهد شعري مفرد لا يعرف له سابق ولا لاحق، أو بجزء من الشاهد الشعري دون سائره. مما يجعل احتمال الخطأ في ضبط الشاهد الشعري واردًا. ولذلك حرص شراح الشواهد الشعرية على تتبع الأبيات السابقة واللاحقة للشواهد الشعرية؛ لتوثيق الشاهد، والاطمئنان إلى صحة ضبطه، وبالتالي صحة ما بني عليه. يقول البَطَلْيُوسيُّ (١) مبينًا سبب شرحه لشواهد أدب الكاتب: «وغَرضي أَنْ أَقرنَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشِّعرِ مِن قبلهِ أو من بعدهِ، إِلَّا أبياتًا يسيرةً لا أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعارَ التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصلُ بالشاهد، وما يَجلو معناهُ، ويُعربُ عن فحواه، فإِنَّا رأينا كثيرًا من المُفسِّرين للأبياتِ المستشهدِ بِها قد غَلِطوا في معانيها، حينَ لَم يَعلموا الأشعارَ التي وقعت فيها؛ لأَنَّ البيتَ إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً» (٢). ويقول في مقدمة شرح أبيات الجمل: «وغَرضي أَنْ أَصِلَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به، ليكونَ أَبْيَنَ لغرضِ قائلهِ ومذهبه» (٣).\nومما يدل على أن المفسرين قد يسشتهدون بالبيت أو جزئه من غير معرفة بالبيت كاملًا أو القصيدة التي هو منها ما ذكره الفراء في تفسير سورة (ص) حينما قال: «ومن العرب من يضيف «لات» فيخفض، أنشدوني:\nلاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ\nولا أحفظ صدره» (٤). وقد عَلَّق البغدادي على قول الفراء فقال: «والبيت الذي لم يعرف صدره أنشده ابن السكيت في كتاب الأضداد،\n_________\n(١) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (٤٤٤ - ٥٢١ هـ)، نحوي لغوي من علماء الأندلس، من مصنفاته: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، الحلل في شرح أبيات الجمل وغيرها. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٩٦، إنباه الرواة ٢/ ١٤١.\n(٢) الاقتضاب ٢/ ٤٠٥.\n(٣) الحلل في شرح أبيات الجمل ١٣.\n(٤) معاني القرآن ٢/ ٣٩٧.","vol":"1","page":150},{"text":"قال فيه: قال ابن الأعرابي: أخلاق مشمولة أي مشئومة، وأخلاق سوء، وأنشد:\nوَلَتَعْرِفَنَّ خَلائِقًا مَشْمُوَلةً ... وَلتَنْدَمَنَّ ولاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ» (١).\nفي حين أن الجزء الذي أورده الفراء وقع في أشعار أخرى غير ما ذكره ابن السكيت (٢).\nوهذا العيب الذي يوجد كثيرًا في شواهد الشعر في كتب التفسير وغيرها، حرص المفسرون على الخروج منه بشرح الشاهد حين وروده لإزالة ما قد يقع فيه من سوء فهم أو تأويل، غير أنهم لم يلتزموا شرح كل الشواهد الشعرية التي ترد في التفسير، وقد ذكرت أمثلة لذلك في مبحث «منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري» وغيره من مباحث الباب الثاني، فلا أطيل هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٦ - اضطراب الوزن وعدم وضوح المقصود</span>.\nقد يختل وزن الشاهد الشعري في كتب التفسير، فيغمض المعنى على القارئ، ولا يتبين المعنى الذي أراده المفسر من إيراد الشاهد، ولا وجه الاستشهاد، وهذا العيب أمثلته قليلة جدًا في كتب التفسير، ولكنه يقع في باب الشعر، لا عتماده على الوزن واستقامته، فإذا اختلت دخله الوهم، وكثرة التأويلات.\nومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة قال في كتابه المجاز: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] (٣) مجازها: هذه آيات الكتاب الحكيم، أي: القرآن. قال الشاعر:\n_________\n(١) شرح أبيات المغني ٥/ ٢٩.\n(٢) انظر: رصف المباني للمالقي ٣٣٤، شرح ابن عقيل ١/ ١٦٣، خزانة الأدب ٤/ ١٦٨ - ١٧٥.\n(٣) يونس ١.","vol":"1","page":151},{"text":"ما فهم من الكتاب أم آي القرآن» (١).\nوهو بهذه الصورة مضطرب الوزن، ولذلك علق المحقق فقال: «لم أجده فيما رجعت إليه من المظان، وفي وزنه خلل، وفي معناه غموض» (٢). وهذا الذي اضطرب على المحقق هو شطر من الرجز للعجاج الراجز، وهو من أبيات هي:\nخَوادِبًا أَهوَنُهُنَّ الأَمُّ\nما فيهُمُ مِنَ الكِتابِ أُمُّ\nوَما لَهُم مِن حَسَبٍ يَلُمُّ (٣)\nومعناه كما شرحه أبو عبيدة بقوله: أي القرآن، وهو يقصد أن الكتاب في الشاهد الشعري بمعنى القرآن، بمعنى أنه ليس للأزد في القرآن أم وليس بظاهر لي هذا المعنى، في حين فسر هذا البيت الأصمعي فقال: «وقوله: ما فيهم من الكتاب أم، أراه يذهب إلى أن ليس لهم أصلٌ، كلهم طغامٌ» (٤). وعلى هذا المعنى فلا وجه لا ستشهاد أبي عبيدة بهذا الشاهد.\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٢٧٢.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٧٢ حاشية الشاهد رقم ٣٠٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٤) شرح الأصمعي لديوان العجاج ٣٧٨.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الخامس: مصادر الشعر المحتج به</span>.\nالمَصْدَرُ لغةً اسمُ مَكانٍ مِن صَدَرَ إذا رَجَعَ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] بفتحِ الياءِ وضمِّ الدالِ (١)، أي: يرجعوا من سَقْيِهِمْ لماشيتهم (٢).\nفكما يردُ الشاربُ للماءِ ويصدرُ عنهُ، فيكون الماء مصدرًا له، فكذلك المفسرون قد وردوا موارد علميةً كثيرةً أخذوا منها العلمَ، وصدروا عنها وهم يحملون علمًا جمًا غزيرًا ظهر بعد في كتب التفسير واللغة التي حُفِظَت، ورواها العلماء. والذي يسعى هذا المبحثُ لدراسته هو تتبع تلك المصادر العلمية التي صدر عنها المفسرون، وأخذوا عنها شواهدهم الشعرية.\nوقد تنوعت هذه المصادر بتنوع واختلاف العوامل المكانية، والزمانية، والعلمية للمفسرين. فقد كانت روايةُ الشعرِ شُغلًا شاغلًا للطبقة الأُولى من العلماء الرواة كأبي عمرو بن العلاء والأصمعيِّ، حتى قال المازنيُّ للأَصمعيِّ متعجبًا من سَعَةِ حفظه: إِنَّكَ لتحفظُ من الرَّجَزِ ما لا يحفظه أحدٌ! فقال الأصمعي: إنهُ كانَ هَمَّنَا وسَدَمَنا (٣)، والسَّدَمُ هُوَ الحِرْصُ (٤).\n_________\n(١) القصص ٢٣ وهي قراءة عاصم في رواية عنه، وقراءة ابن عامر، وأبي جعفر، وشيبة، وقتادة، وأبي عمرو. انظر: السبعة ٤٩٢، حجة القراءات ٥٤٣، النشر ٢/ ٣٤١، إتحاف فضلاء البشر ٥٤٢.\n(٢) انظر: مقاييس اللغة ٣/ ٣٣٧، لسان العرب ٧/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(٣) انظر: مراتب النحويين ٩٥، المنصف لابن جني ٣/ ٣٣٥.\n(٤) انظر: المنصف لابن جني ٣/ ٣٣٥.","vol":"1","page":153},{"text":"وقد قَسَّمَ الدارسون الرواية من حيثُ مراحلُها التاريخيةُ إلى مرحلتين:\nالمرحلة الأولى: مرحلة رواية الشعر خاصة. وذلك بحفظه ونقله وإنشاده، ولا تتجاوز ذلك إلى ضبطه وتحقيقه والنظر فيه وتمحيصه. وقد استمر مدلول هذه المرحلة حتى آخر القرن الأول، وبداية القرن الثاني.\nقال محمد بن المنكدر التيمي المدني (١) المتوفى سنة ١٣٠ هـ: «ما كنا ندعو الرواية إلا روايةَ الشِّعرِ، وما كنا نقولُ هذا يروي أحاديثَ الحكمةِ إِلَّا عَالِم» (٢).\nوكان الغرض من هذه الرواية هو المتعة، وحفظ أمجاد القبيلة، مما كانت تحرص عليه العرب، وقد أثبتت الدراسات الحديثة «أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفةً قديمةً واسعةً، واستخدمتها في جُلِّ شُؤونها، وكتبت بعضَ شَعرِهَا وأَخبارِها وأنسابها ودونتها في صحف وكتب ودواوين، فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نسقط جميع ما ترتب عليه من نتائج باطلة» (٣). غير أن الرواية الشفوية للشعر كانت منتشرة، فقد كان لكل شاعر جاهلي كبير على وجه التقريب راوية يصحبه، ويروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس.\nالمرحلة الثانية: مرحلة الرواية العلمية. وهي المرحلة التي بدأ فيها رواة الحديث يتصدرون للتحديث، فصار للمحدثين رواة، كما كان للشعر رواة، وأصبحت الرواية الشعرية في هذه المرحلة تقوم على الحفظ والنقل والإسناد، مع العناية بالضبط\n_________\n(١) هو محمد بن المنكدر التيمي، من فضلاء التابعين، ثقة حافظ انظر: الكاشف للذهبي ٢/ ٢٢٤.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٤٧.\n(٣) مصادر الشعر الجاهلي ١٧١.","vol":"1","page":154},{"text":"والإتقان، والتحقيق والتمحيص للمرويات، والحرص على الشرح والتفسير (١). وقد بدأت هذه الرواية متأخرةً عن الأولى، حيث بدأت مع بداية القرن الثاني الهجري، حيث كان يبحث الراوي عن الأعرابي الفصيح ليسمع منه لغة قومه؛ لاستخراج القواعد والقوانين التي تضبط اللغة، وتصون اللسان عن الخطأ والزلل. وقد بذل الرواة وسعهم في البحث عن العرب الفصحاء، تلقفوهم في الحواضر الإسلامية، وبحثوا عنهم داخل أخبيتهم في الصحراء، وخلف ماشيتهم في العراء، وكانوا يطيرون فرحًا بكلمة يسمعونها من نبعها الصافي، لا يشوبها كدر، وقد كان يدفعهم إلى ذلك حرصهم على لغة كتابهم الكريم، وعصبيتهم للغة العرب، ولا سيما أن الدولة الأموية التي بدأت في عهدها الرواية كانت شديدة التعصب للعرب، وللغة القرآن (٢). وقد كان الخلفاء الأمويون يستقدمون المؤدبين لأولادهم، فيروونهم شعر العرب، لتستقيم ألسنتهم، وتسلم من داء اللحن والعجمة، وربما أرسلوا أبناءهم إلى البادية ليسمعوا اللغة من مصدرها، مما دفع الرواة إلى الحرص على حفظ الشعر واللغة لنيل الحظوة عند أولئك الخلفاء.\nومِمَّا ينبغي ذكره هنا أن رواية اللغة روايةً علميةً نشأت أول ما نشأت على أيدي القراء والمفسرين، فكان القارئ أو المفسِّر إذا أشكل عليه لفظٌ أو معنى، استعان على إيضاح ذلك ببيت من الشعر، فهذا ابن عباس (٦٨ هـ) كان يُسألُ عن أشياء من القرآن، فيجيب ويستشهد بالشعر على ذلك (٣). وكانت رسل بني أمية تأتي قتادة كلَّ يومٍ من الشام إلى البصرة يسألونهُ عن معنى بيتٍ من الشِّعرِ، فيُفَسِّرَهُ لهم (٤). وهذا أبو\n_________\n(١) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ١٨٩.\n(٢) انظر: العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي ٢٥٣ - ٢٦٩.\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٤.\n(٤) انظر: إنباه الرواة ٣/ ٣٧.","vol":"1","page":155},{"text":"عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ) كان قارئًا من القراء السبعة، ثم اتجه إلى تحصيل اللغة، حتى أصبح مَعْلَمًا بارزًا من معالمها، فالمتأمل لتاريخ اللغة والرواية يلحظ أن أبا عمرو بن العلاء كان نقطة تحول في تاريخ الرواية العلمية (١)، يقول شعبة بن الحجاج (٢): «كنت أختلف إلى ابن أبي عَقْرَب فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو بن العلاء عن العربية، فنقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأله، ولا يحفظ حرفًا مما سألته» (٣). وهذا الأصمعي يلزم أبا عمرو بن العلاء ليأخذ قراءته، ثم يتأثر بأستاذه ليصبحَ عَلَمًا من أعلام رواية اللغة وشعر العرب (٤). ويمكن القول: إنه قد مضى القرن الأول وجزء من الثاني ورواية اللغة يقوم بها القراء والمفسرون، ولم تنتقل إلى اللغويين إلا بعد ذلك.\nويمكن تقسيم مصادر الشواهد الشعرية التي اعتمد عليها المفسرون في تفسير القرآن الكريم، واللغويون في تقعيد القواعد اللغوية، وتأسيس علوم العربية، إلى قسمين:\nالأول: مصادر مباشرة، وهي الأخذ عن الشعراء الذين يُحتجُّ بشعرهم مباشرةً.\nالثاني: مصادر غير مباشرة، وهي كل ما عدا الشاعر من المصادر، ويندرج تحت ذلك، الرواة عن الشعراء، من العلماء، والأعراب، والمصنفات الأولى التي حفظت الشواهد الشعرية للأجيال التالية، من كتب التفسير واللغة وغيرها.\n_________\n(١) انظر: أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي لعبد الصبور شاهين ٣٠ - ٤٩.\n(٢) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج العتكي، من أئمة رواة الحديث، لقب بأمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة ١٦٠ هـ. انظر: الكاشف للذهبي ١/ ٤٨٥.\n(٣) طبقات النحويين واللغويين ٣١.\n(٤) انظر: المصدر السابق ١٦٧، وأخبار النحويين البصريين للسيرافي ٧٤، وإنباه الرواة ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>أولًا: المصادر المباشرة</span>.\nفأما القسم الأول من مصادر الشاهد الشعري، وهو الشعراء، فقد روى المفسرون واللغويون عن كثير من الشعراء مباشرةً، ومن أقدم الأمثلة لذلك عبدالله بن عباس ﵄، فقد كان يستشهد بأشعار حسان بن ثابت (١)، ولبيد بن ربيعة (٢)، وعبدالله بن رواحة (٣)، وغيرهم من الصحابة الذين عاصرهم، وسمع منهم أو من بعضهم مباشرةً، وقد استشهد بأشعار عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٩٥ هـ) على تفسير القرآن الكريم. (٤) وقد كان هذا الصنيع من ابن عباس أول عمل منظم لعملية الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحثٍ تالٍ.\nوقد أدرك عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (١١٨ هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، شعراءَ الاحتجاج، كالفرزدق، والكُميت، وذي الرمة، والعجاج، ورؤبة وأضرابهم، وهم من طبقة شعراء الإسلام. (٥)\nيقول الخليل بن أحمد (١٧٠ هـ): «دفنَّا الشعر واللغة والفصاحة اليومَ، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هذا حين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج». (٦) وسئل يونس بن حبيب عن فصاحة رؤبة فقال: ما رأيت قط عربيًا أفصح منه. (٧) ويقول الأصمعي: «ساقةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادة\n_________\n(١) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٥، مسائل نافع بن الأزرق ٦٢، ١٢١.\n(٢) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٨٩، مسائل نافع بن الأزرق ١٤١.\n(٣) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ١٤٠، ١٤٣.\n(٤) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٩١ - ٩٢.\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٣، الشعر والشعراء ١/ ٨٩، ٤٨٠، الموشح ٢٣٨، ٢٨٢، خزانة الأدب ١/ ٤، ٥/ ١٤٤.\n(٦) الأغاني ٢٠/ ٣٧٠، وخزانة الأدب ١/ ٩١.\n(٧) انظر: الأغاني ٢٠/ ٣٦٠.","vol":"1","page":157},{"text":"(١٤٦ هـ)، وابنُ هَرْمَة (١٤٥ هـ)، ورؤبَةُ (١٤٥ هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ، ومَكِيْنُ العُذريُّ (١٦٠ هـ)، وقد رأَيتهُم أَجْمعين» (١).\nوقد أدرك أبو عبيدة رؤبةَ بن العجاج، وسأله عن قوله:\nفيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ ... كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (٢)\nحيث قال: «قلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل: كأَنَّها، وإن كانَ سوادٌ وبَلَقٌ فقل: كأَنَّهُما. فقال: كأَنَّ ذاكَ - ويلك - تَولِيعُ البَهَقْ» (٣). وكذلك الأصمعيُّ روى الشواهدَ والأشعارَ عن رُؤبةَ وغيره (٤).\nومن أئمةِ الكوفيين يحيى بن زياد الفراء الذي أدرك كثيرًا من الشعراء، وروى عنهم. ومن ذلك قوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ:\nعَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا ... حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها» (٥).\nوهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها»، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ (٦).\nوأكثر من تهيأت لهم الرواية المباشرة عن الشعراء هم العلماء الرواة الذين أدركوا عصور الاحتجاج، وأولهم وأوثقهم أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، ومن طبقته حَمَّاد بن مَيْسَرة المعروفُ بِحَمَّاد الراوية\n_________\n(١) الشعر والشعراء ٢/ ٧٥٣، وخزانة الأدب ١/ ٨، ٤٢٥.\n(٢) انظر: ديوانه ١٠٤.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٤٣ - ٤٤، والكشاف ١/ ١٤٩، ٤٧٠، ٤/ ١٥.\n(٤) انظر: الكشاف ١/ ١٤٩، ٤٧٠، ٤/ ١٥.\n(٥) معاني القرآن ١/ ١٤.\n(٦) انظر: الخصائص ٢/ ٤٣١، شرح شذور الذهب ٢٤٠، شرح الأشموني ٢/ ١٤٠، الإنصاف ٤٨٨، معجم شواهد النحو الشعرية ٧٧٣ رقم ٣٧١٦.","vol":"1","page":158},{"text":"(١٥٦ هـ) (١)، وعن هذين أخذ سائر شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر (١٨٠ هـ)، والمفضل الضبي (١٧٨ هـ)، والأصمعي (٢١٥ هـ)، وأبي عبيدة (٢١٠ هـ)، وأبي عمرو الشيباني (٢٠٦ هـ)، والفراء (٢٠٧ هـ) وغيرهم، ثم أخذ عن هؤلاء من تلاهم كابن الأعرابي (٢٣١ هـ)، ومحمد بن حبيب (٢٤٥ هـ)، وأبي حاتم السجستاني (٢٥٥ هـ)، ثم أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السكري (٢٨٥ هـ)، وثعلب (٢٨٦ هـ) وأضرابهما (٢).\nوأما من أتى بعدهم فقد اعتمدوا على الرواية عنهم وعن تلاميذهم، وعلى المصنفات التي دونها هؤلاء. يقول أبو الطيب اللغوي: «وكان في هذا العصر ثلاثةٌ، هُم أَئِمةُ النَّاسِ في اللغة، والشعرِ، وعُلومِ العرب، لم يُرَ مِثلُهُم قَبْلَهم ولا بَعدهم، عنهم أُخِذَ جُلُّ مَا في أَيدي الناس من هذا العلمِ بَلْ كُلُّهُ، وهُم أبو زيدٍ، وأَبو عبيدةَ، والأَصمعيُّ، وكلهم أخذوا عن أَبي عَمروٍ اللغةَ، والنحوَ، والشعرَ، ورَووا عنه القراءةَ، ثم أَخذُوا بعدَ أبي عمروٍ عن عيسى بنِ عُمرَ، وأَبي الخطابِ الأخفشِ، ويونسَ بن حبيب عن جماعةٍ من ثقاتِ الأعراب وعلمائهم» (٣).\nوهذا المصدر المباشر لم أجد له أثرًا ظاهرًا إلا في كتابي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و«معاني القرآن» للفراء، حيث تقدم أخذهم مباشرةً من الشعراء، ونقلُهُم لعدد من الشواهد الشعرية، وستأتي الأمثلة على ذلك في هذا المبحث، وأثر هذا المصدر المباشر في تفسيرهم للقرآن الكريم، أما بقية كتب التفسير موضوع الدراسة فلم يدرك أحدٌ منهم شاعرًا يحتج بشعره.\n_________\n(١) هو حَمَّاد بن ميسرة بن المبارك الديلمي الكوفي المعروف بالراوية، من أعلم الناس بشعر العرب وأخبارهم، قدمه خلفاء بني أمية، ولد سنة ٩٥ هـ وتوفي سنة ١٥٥ هـ. انظر: معجم الأدباء ٣/ ٢٤٦ - ٢٥٠.\n(٢) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ٢٥٢.\n(٣) مراتب النحويين ٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثانيًا: المصادر غير المباشرة</span>.\nوأما القسم الثاني من مصادر الشاهد الشعري، فهو المصادر غير المباشرة، وهي الأخذ عن غير الشعراء بأي طريقة، وهذه الطرق هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أولًا: الأخذ عن الرواة والعلماء:</span>\nوهي أوسع طرق رواية الشعر والشواهد، فقد كان الرواة هم الطريق الذي منه انتشرت رواية الشعر، ونقلت للأجيال التالية، وعنهم نقل كل الشعر الذي دُوِّن بعد ذلك. وقد قسم الباحثون رواة الشعر إلى ست طبقات: الرواة العلماء، والشعراء الرواة، ورواة القبيلة، ورواة الشاعر، ورواة مصلحين للشعر، ورواة وضاعين (١). وأوثق هذه الطبقات هي الطبقة الأولى، ومن أبرزهم أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، وحماد الراوية (١٥٦ هـ)، وسبب الثقة بهذه الطبقة أنها «اتخذت من الشعر موضوعًا علميًا، تدرسه دراسة، بعد أن تأخذه عن شيخٍ، أو أُستاذٍ في مدرسةٍ من مدارسِ علم الشعر وروايته آنذاك ... وتكون طريقة الدرس هي الرواية الأدبية بدعامتيها: الكتاب والسماع، ثم تقوم بتمحيص ما تجمعه وتفحصه وتنقده، وتميز صحيحه من فاسده، والثابت النسبة من المشكوك فيه، وتنتهي من ذلك إلى تسجيل ما ترجح لديها صحته في نسخة خاصة تصبح هي رواية ذلك الشيخ الراوية العالم، ينقلها عنه تلاميذه وينسبونها إليه» (٢).\nوعلى هؤلاء العلماء الرواة تدور رواية معظم الشواهد الشعرية، وإليهم ينتهي علمها، وعلامة ذلك تكرر الشواهد الشعرية منذ عصرهم حتى اليوم، فلا يكاد المفسرون يستشهدون بغير تلك الشواهد الشعرية التي رواها أبو عمرو بن العلاء، وعنه أبو عبيدة والأصمعي، وطبقتهم،\n_________\n(١) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ٦٢٨.\n(٢) انظر: المصدر السابق ٦٢٨ - ٦٢٩ بتصرف.","vol":"1","page":160},{"text":"إلا في القليل النادر، مما يدل على وحدة المصادر التي استقى منها العلماء الشواهد الشعرية في مختلف العلوم الإسلامية كالتفسير والنحو واللغة، وهم أولئك الرواة من العلماء وغيرهم الذين احترفوا رواية الشعر وصاروا يعرفون بالرواة، مثل حَمَّاد بن مَيْسَرَة الذي يعد أول من أطلق عليه لقب الراوية، وقد سأله الخليفة الأموي الوليد بن يزيد «بِمَ استحققت هذا اللقب فقيل لك: الراوية؟\nفقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن أعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا لقديم ولا محدث إلا ميزت القديم منه من المُحْدَث.\nفقال: إِنَّ هذا لَعِلمٌ - وأبيك- كَبِيْرٌ، فكم مقدارُ ما تَحفظُ من الشِّعرِ؟\nقال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرفٍ من حروف المعجمِ مائةَ قصيدة كبيرة، سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام» (١).\nوقد ذكر الأزهري في مقدمة «تهذيب اللغة» طبقات الرواة والعلماء الذين أخذ عنهم (٢).\nوقد ظهر الاعتماد على هذا المصدر - وهم العلماء الرواة - بوضوح من خلال دراسة «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و«معاني القرآن» للفراء، وقد اعتمدا اعتمادًا كبيرًا على هذا المصدر في كتابيهما، في حين اعتمد عليه ابن قتيبة والطبري قليلًا، ولم يعتمد عليه الزمخشري ولا ابن عطية ولا القرطبي لتأخر زمانهم عن زمن الاحتجاج، وانقطاع زمن الرواية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>مصادر أبي عبيدة في «مجاز القرآن»:</span>\nيمكن تقسيم مصادر أبي عبيدة إلى المصادر التالية:\n_________\n(١) معجم الأدباء ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٨ - ٢٨.","vol":"1","page":161},{"text":"١ - يروي أبو عبيدة مباشرةً عن أبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ)، فهو أكبر شيوخه، وأوثقهم، وقد لازمه ملازمة طويلة وانتفع بعلمه كثيرًا، وأثنى عليه كما في قوله: «كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية، وبالقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس ... وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف ... وكانت عامة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهلية ...» (١).\nومن ذلك قول أبي عبيدة: «﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) قال أبو عمرو: تذكر وتؤنث، وأنشدنا:\nفَلا تَبعَدْ فَكُلُّ فَتى أُنَاسٍ ... سَيُصْبِحُ سَالِكًا تلكَ السَّبيلا (٣)» (٤).\nوكما في قوله: «عن أبي عمرو بن العلاء، قال كعب بن زهير:\nتسعى الوشاةُ جَنَابَيهَا وقيلَهمُ: ... إِنَّكَ يَابنَ أَبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٥)\nقال (٦): سمعتُ أبا عمرو بن العلاء يقول: معناها: ويقولون، وكذا كل شيء من هذا المنصوب كان في موضع «فَعْل» أو «يَفْعِل» كقولك: صبرًا ومهلًا وحلًا، أي: اصبر، وامهل، وتحلل» (٧).\nويروي أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء مرسلًا كما في قوله: «كقول كعب:\nتسعى الوشاةُ جَنَابَيهَا وقيلَهمُ: ... إِنَّكَ يَابنَ أَبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٤)\nيقولون عن أبي عمرو: وقيلهم منصوب لأنه في موضع: ويقولون» (٨). وقد تأثر أبو عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه وسعة علمه، وفي منهجه في تفسير القرآن الكريم. ومن أدلة ذلك ما يروي\n_________\n(١) البيان والتبيين ١/ ٣٢١، وأبو عبيدة لنهاد الموسى ١٢٥.\n(٢) يوسف ١٠٨.\n(٣) لم أعثر عليه.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٣١٩.\n(٥) انظر: ديوانه ٨٩.\n(٦) القائل أبو عبيدة.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ١٢٢ - ١٢٣.\n(٨) المصدر السابق ١/ ٢٧٣.","vol":"1","page":162},{"text":"المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وأَنَّهُ سأَل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغة فصيحة ... واستشهد لها بقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ (١):\nوقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (٢)\nومن أدلة تأثره بشيخه ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٣) حيث قال: قوم يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها. ثم أورد احتجاج أبي عمرو لقراءته بشواهد من الشعر، وتخريجها تخريج النحويين (٤). وقد أخذ عنه القرآن والشعر حتى أنفد ما عنده أو كاد، وهو شيخ أبي عبيدة الأول.\n٢ - كما يروي أبو عبيدة عن بعض قبائل العرب بصيغة مبهمة، كما في قوله: «سَمعتُ مَنْ ينشد بيت خِرْنِق بنت هِفَّان، من بني سعد بن ضُبَيعةَ رهط الأعشى:\nلا يَبْعُدنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآَفةُ الجُزْرِ\nالنَّازلينَ بكلِّ مُعتركٍ ... والطيبيَّنَ معاقدَ الأُزْرِ (٥)\nفيخرجون البيت الثاني من الرفع إلى النصب، ومنهم من يرفعه على موالاة أوله في موضع الرفع» (٦).\n٣ - يقول أبو عبيدة: «وأنشدني أبو عمرو الهذلي (٧) لساعدة بن\n_________\n(١) هو شأس بن نهار بن الأسود العبدي، شاعر جاهلي قديم، عده ابن سلام من طبقة شعراء البحرين. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٧٤، الشعر والشعراء ١/ ٢٠٥.\n(٢) انظر: مجالس العلماء للزجاجي ٣٣٣.\n(٣) الحجر ٥٤.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٥٢، ١/ ١٥٢، ٢٨٧، أخبار النحويين البصريين ٢٢.\n(٥) انظر: ديوانها ٢٩.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ٦٥.\n(٧) هو أبو عمرو الهذلي، أحد الأعراب الذين سمع منهم أبو عبيدة، وقد سمعه يقول في كلامه: «أكلوني البراغيث». وهي مسألة مشهورة عند النحويين. انظر: مجاز القرآن ١/ ١٠١، ٢/ ٢٣.","vol":"1","page":163},{"text":"جُؤَيَّةَ الهذلي (١)» (٢).\nوقد اتسعت رواية أبي عبيدة للشعر حتى استوعب الشعر العربي المروي أو كاد، وأصبح مصدرًا من مصادر الشعر عند العلماء، فروى طرائف الشعر وغرائبه (٣)، وروى شعر المغمورين واللصوص (٤)، إلى جانب مألوف الشعر ومعروفه وشوارده (٥).\nوبلغ من استقصائه لرواية الشعر، أنه أصبح يطلق أحكامًا واثقة على الشعر تدل على تبحره في معرفته وحفظه، كقوله في تفسير التَّفَثْ: «ولم يجئ فيه شعرٌ يُحتَجُّ به» (٦). وهذا الحرص على الاستيعاب لرواية الشعر عنده تفسر لنا روايته لقصائد لم يعرفها الأصمعي (٧)، ولم يروها شيخه أبو عمرو بن العلاء (٨)، وروايته لدواوين شعراء توزعتهم أهواء الأمصار المختلفة، وقد كان يحرص على الإحاطة بالشعر النادر الطريف، والمصون الغريب؛ إذ يرى أن الشائع المبذول قريب متيسر لا يجدي إتعاب النفس في حفظه وروايته (٩). وقد أثرت هذه الرواية الواسعة في تفسيره للقرآن الكريم، فقد سلك في كتابه المجاز مسلكًا لغويًا في التفسير، وهو يعد أول كتاب في التفسير اللغوي، وقد أكثر فيه من الاستشهاد بالشواهد الشعرية على التفسير حيث بلغت شواهده (٩٥٢) شاهدًا، ولعل سبقه لهذا المنهج يفسرُ ما قام حول تأليفه كتابه «مجاز القرآن» من ضجة في زمنه، حيث يقول تلميذه أبو عمر الجرمي: «أتيت أبا عبيدة بشيء منه - أي كتاب المَجاز - فقلت له: عمن أخذت هذا يا\n_________\n(١) هو ساعدة بن جُؤيَّةَ الهذلي، شاعر مخضرم من بني خثيم بن عمرو بن سعد بن هذيل. انظر: ديوان الهذليين ٣/ ١٠٥، شرح أشعار الهذليين ٣٣٣ - ٣٤٢، ١٣١٧.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٩.\n(٣) انظر: الموشح ١٩.\n(٤) انظر: البيان والتبيين ٤/ ٦٢.\n(٥) انظر: الحيوان ٣/ ٤٧٧.\n(٦) مجاز القرآن ٢/ ٧٣.\n(٧) انظر: ديوان زهير ٣٠٥، ٣٠٨.\n(٨) انظر: ديوان زهير ٣٦٨.\n(٩) انظر: جمهرة أشعار العرب ٣٧.","vol":"1","page":164},{"text":"أبا عبيدة؛ فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء؟ - يعني المفسرين - فقال لي: هذا تفسير الأعراب البوالين على أعقابهم، فإن شئت فخذه، وإن شئت فذره» (١). ويقول الفراء لمن سأله عن كتاب أبي عبيدة: «لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المَجاز» (٢).\nوقد تتبع الدكتور نهاد الموسى مصادر الرواية الشعرية عند أبي عبيدة، وذكر أنه قد التمس العلم في دوائره جميعًا، لدى الشيوخ، والأعراب، والمصادر الخاصة من الرواة والكتب، وأنه كان يعرف ما تمتاز به كل دائرة، فيطلب عندها من العلم ما هي عليه أقوم، وما هي به أبصر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>مصادر الفراء في «معاني القرآن»:</span>\nوأما يحيى بن زياد الفراء فيمكن تفصيل مصادره كالتالي:\n١ - يروي كثيرًا عن شيخه الكسائي، وهو من كبار علماء الكوفة وثقاتهم كما تجد كثيرًا قوله: «أنشدني الكسائي» (٤)، «وأنشدني الكسائي في بعض البيوت» (٥).\n٢ - كما يروي الفراء عن المفضل الضبي، وهو من أوثق رواة الكوفة للشعر، كما في قوله: «وأنشدني المفضل» (٦).\n٣ - ويروي عن يونس بن حبيب كما في قوله: «وأنشدني يونس - يعني النحوي البصري- عن العرب قول الأعشى» (٧). كما يروي عن القاسم بن معن: «وأنشدني القاسم بن معن عن العرب» (٨).\n٤ - كما تجد في كتبه كثيرًا من أسماء الأعراب الرواة الذين أخذ\n_________\n(١) طبقات النحويين واللغويين ١٦٧.\n(٢) انظر: نزهة الألباء ٨٧.\n(٣) انظر: أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى ١٧٣.\n(٤) معاني القرآن ١/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٥) المصدر السابق ١/ ٢٦٢.\n(٦) معاني القرآن ١/ ٦١ - ٦٢.\n(٧) المصدر السابق ١/ ١٢٧.\n(٨) المصدر السابق ١/ ٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":165},{"text":"عنهم، من أمثال أبي الجراح العقيلي (١)، وأبي القمقام الفقعسي (٢)، وأبي ثروان (٣).\n٥ - ويكتفي في ذكر المصدر أحيانًا كثيرة بالإشارة إلى القبيلة كقوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه» (٤)، «وأنشدني بعض بني فقعس» (٥).\nوأحيانًا تتسع دائرة الإبهام فيقول: «وأنشدني بعض العرب» (٦) أو: «أنشدني بعضهم» (٧). دون تحديد مَنْ مِن العرب أنشده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>مصادر ابن قتيبة:</span>\nوأما ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) فقد أكثر من الرواية عن شيخه أبي حاتم السجستاني (٢٥٥ هـ) (٨)، كقوله: «وحدثني أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي أنه قال: سألت عيسى بن عمر عن قول أمية بن أبي الصلت ...». (٩)، وقوله: «وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة» (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>مصادر الطبري في تفسيره:</span>\nوأما الإمام الطبري فقد روى الشعر عن كثير من العلماء الرواة كثعلب إمام الكوفيين في النحو (١١)، غير أنه لم يصرح باسمه في تفسيره، وهذا أمر مستغرب، وأخذ كذلك عن غيره كما في قوله: «أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة» (١٢).\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٢٧.\n(٢) انظر: معاني القرآن ١/ ٤٣٥.\n(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(٤) المصدر السابق ١/ ١٤.\n(٥) المصدر السابق ١/ ١٧١.\n(٦) المصدر السابق ١/ ٣٢.\n(٧) المصدر السابق ١/ ٢٠٤.\n(٨) انظر: أبو حاتم السجستاني الراوية لسعيد الزبيدي ٤٣ - ٤٥.\n(٩) تأويل مشكل القرآن ٩٣ - ٩٤.\n(١٠) تأويل مشكل القرآن ١٣٣.\n(١١) انظر: معجم الأدباء ٤/ ٢٥٤.\n(١٢) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٤٧٩.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>مصادر الزمخشري في تفسيره:</span>\nفي حين لم يعتمد الزمخشري على الرواة، ولم يكن لذلك أثرٌ في تفسيره، إلا في قوله: «وأنشدتني بعض البدويات لبدوي:\nعَريضُ القَفَا مِيزَانُهُ في شِمَالهِ ... قد انْحَصَّ مِن حَسْبِ القَراريطِ شَارِبُه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>مصادر ابن عطية والقرطبي:</span>\nوأما ابن عطية والقرطبي فلم يكن لهذا المصدر وجود ولا أثر في تفسيريهما؛ لتأخرهما إلى القرن السادس والسابع الهجريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>ثانيًا: العلماء المتقدمون</span>.\nوهم الذين صنفوا الكتب التي حفظت الكثير من أشعار العرب، سواء أكانت هذه الكتب لغوية أم نحوية أم غيرها، مثل الخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والفراء، وأبي زيد الأنصاري، وغيرهم.\nوقد أولى العلماء عناية كبيرة لمصادر الشعرِ المُحتجِّ به في اللغة والتفسير وغيرها، ومن أهم مصادرِ الشعرِ المُحتجِّ به من هذه المصنفات، والتي تشتمل على عدد كبير من الشواهد الشعرية في التفسير واللغة وغيرها ما يأتي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-56> دواوين الشعراء:</span>\nوهي التي رويت عن الثقات، كديوان امرئ القيس، والأعشى، والنابغة الذبياني، فقد كانت مصدرًا مهمًا للمفسرين، استقوا منها شواهدهم الشعرية.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-57> المُفضليَّات:</span>\nوهي مجموعة من قصائد الجاهلية وصدر الإسلام، اختارها\n_________\n(١) البيت مجهول القائل، وانظر: الكشاف ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":167},{"text":"المفضل بن محمد الضبيِّ الكوفي (ت ١٦٨ هـ)، وتشتمل على ٣٣٦ قصيدة، وشعراؤها ١٥٥ شاعرًا، ومن شعرهم أكثر شواهد العربية والتفسير، في الغريب والبلاغة والنحو والتصريف. (١)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-58> الأصمعيات</span>، وهي مجموعة مختارة من شعر الجاهلية وصدر الإسلام، اختارها عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت ٢١٣ هـ)، وقد اشتملت الأصمعيات على ما أخلت به المفضليات من مختار شعر الجاهلية وصدر الإسلام، وهي قصائد جياد، وشواهدها كثيرة (٢).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-59> حَماسةُ أبي تَمَّام</span>. وهي مجموعة من شعر الجاهلية والإسلام وبعض المُحدَثين، انتقاها واختارها أبو تَمَّام، ويستشهد المفسرون بكثير من شواهدها وخاصة الزمخشري وابن عطية، والقرطبي. يقول البغداديُّ واصفًا لديوان الحماسة: «وهو مَجموعةٌ من أَشعارِ الجاهلية والإسلام، انتقاها واختارها أبو تَمَّام حَبيبُ بن أوس الطائي الشاعر المشهور، وقد وقعَ الإجماعُ من النقاد على أنه لم يَتَّفق في اختيار المُقطَّعاتِ أَنْقَى مِمَّا جَمَعه أبو تَمام في كتاب الحماسةِ ... وقد جَرت عادةُ المصنفين إذا استشهدوا بشيءٍ مِمَّا فيه أَن يقولوا: قال الحَماسيُّ، ونَحوه، والمرادُ الشاعرُ المذكور في كتاب الحماسةِ، تنويهًا برفعةِ ما فيه من الأشعارِ، فإِنَّ جَميعَ ما فيه مِمَّا يصحُّ به الاستشهادُ» (٣).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-60> دواوين القبائل كأشعارِ الهُذليين</span>، وقد شرحها أبو سعيدٍ السُّكريُّ، وهي الديوانُ الذي بقي مِمَّا جَمَعه\n_________\n(١) انظر: المفضليات ٦.\n(٢) انظر: الأصمعيات ٨.\n(٣) شرح شواهد شافية ابن الحاجب ٤/ ٨.","vol":"1","page":168},{"text":"المتقدمون من شعر القبائل، ومعظمُ شواهد الهُذليينَ في كتب التفسيرِ في هذا الديوان. (١).\nوهذا المصدر من أهم المصادر التي اعتمد عليها ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» و«غريب القرآن»، والطبري في تفسيره «جامع البيان في تأويل آي القرآن»، كما في قول ابن قتيبة: «وأنشد الفراء» (٢)، وقوله: «وأنشد أبو عبيدة» (٣).\nوأما الإمام الطبري فيروي تلك المصنفات عن الرواة، في مثل قوله: «أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة» (٤). ويقول: «وحُدِّثتُ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: سَمعتُ أبا عمروٍ يقول في بيت زهير» (٥). وقال في موضع آخر: «وقد ذُكِرَ أَنَّ أَبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير» (٦).\nوينقل عن الفراء، في مثل قوله: «وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده» (٧). وقوله: «وذكر الفراء أن العرب تقول ... وأنشد في ذلك» (٨).\nوكثيرًا ما يستشهد الطبري بشعر الشاعر مباشرة دون أن يسنده لأحد من الذين أخذ عنهم شعر هذا الشاعر، مثل قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] (٩): «وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ مِن النَّوْصِ، والنَّوْصُ في كلام العرب: التأَخُّرُ، والمَنَاصُ: المَفَرُّ، ومنه قول امرئ القيس:\n_________\n(١) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ٤٨١ - ٦١٤، شرح شواهد الشافية ٤/ ٦.\n(٢) تأويل مشكل القرآن ٢١٣.\n(٣) غريب القرآن ٣٣، ٤٢.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٤٧٩، تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ١٧١ - ١٧٢.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥٤٥ - ٥٤٦.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٩٣.\n(٨) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٤٠٠، وكلام الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٣٣، تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٣٠٠.\n(٩) ص ٣.","vol":"1","page":169},{"text":"أَمِنْ ذكر سلمى إذ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فتقصر عنها خطوةً أو تَبُوصُ (١)\nيقول: أو تَقَدَّمُ، يُقال من ذلك: نَاصَنِي فلانٌ إذا ذَهَبَ عَنكَ، وبَاصَنِي إِذا سَبَقَكَ» (٢). مِمَّا يدلنا على أنه كان يرجع إلى ديوان امرئ القيس مكتوبًا لديه، فقد كان ديوانه مدونًا في زمن الطبري (٣).\nويروي عن أبي عمرو بن العلاء إرسالًا (٤)، وعن المفضل كذلك (٥). وقد يبهم المصدر أحيانًا كما في قوله: «وذكر بعضهم سماعًا من العرب» (٦)، وهذا الذي أبهمه بقوله بعضهم هو الفراء، وكلامه هذا في معاني القرآن (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>ثالثًا: المفسرون الأوائل الذين أخذوا عن العلماء، وعن الكتب:</span>\nوهؤلاء من أمثال ابنِ قُتيبةَ والطبريِّ، في بعض المواضع من كتبهم، وإن كانوا قد اعتمدوا على المصنفات المتقدمة في هذا الباب. وهذا المصدر من المصادر المهمة التي اعتمد عليها متأخرو المفسرين وخاصة مفسرو القرن الخامس ومن بعدهم، فقد اعتمدوا على ما دونه الطبري وأبو عبيدة والفراء اعتمادًا كليًا، حتى إنك لا تكاد تجد جديدًا، وإن وجدت لم تجد قاعدة جديدة بنيت عليه، وإنما هي شواهد داعمة للشواهد المعروفة.\nوهذا المصدر يتجلى في تفسير «الكشاف» للزمخشري (٥٣٨ هـ)، و«المحرر الوجيز» لابن عطية (٥٤٢ هـ)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٦٧١ هـ).\nفي هذه الكتب اعتمد المصنفون تمامًا على المصنفات، ولا سيما\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٧٧.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ١٢.\n(٣) انظر: مصادر الشعر الجاهلي ٤٨٥ - ٥٢٦.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٥٢١.\n(٥) انظر: المصدر السابق ١٢/ ٢٢٢.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٤١.\n(٧) ٢/ ٢٩٠.","vol":"1","page":170},{"text":"«مجاز القرآن» لأبي عبيدة (٢١١ هـ)، و«معاني القرآن» للفراء (٢٠٧ هـ)، وتفسير الطبري (٣١٠ هـ)، و«الكتاب» لسيبويه (١٨٠ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الزمخشري في «الكشاف»</span>.\nينقل الزمخشري كثيرًا عن أبي عبيدة من كتاب المجاز، مثل: «قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله:\nفيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ ... كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (١)\nإن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك ويلك» (٢). وهذا النص في كتاب أبي عبيدة (٣).\nوكثيرًا ما ينقلُ مِنْ ديوان الحَمَاسةِ الذي صنعه أبو تَمَّام، وهو مختارات من الشعر العربي، قسمها أبو تمام بحسب موضوعاتها، وصدرها بالحماسة. ومن ذلك قول الزمخشري: «﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ...﴾ [الشعراء: ١٠٦] (٤) ... قيل: أخوهم لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحدًا منهم. ومنه بيت الحماسة:\nلا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... في النَّائِبَاتِ عَلى مَا قالَ بُرهَانَا (٥)» (٦).\nكما ينقل من كتاب سيبويه، كما في قوله: «أنشد سيبويه» (٧).\nويعبر أحيانًا بأبيات الكتاب لشهرتها كقوله: «والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء، وتارة\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٠٤.\n(٢) الكشاف ١/ ١٤٩، ٤٧٠، ٤/ ١٥.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ٤٤، ٢/ ١٢٣.\n(٤) الشعراء ١٠٦.\n(٥) البيت لقُرَيطٍ بنِ أنيف العنبريِّ، وهو شاعر إسلامي قليل الأخبار كما في خزانة الأدب ٧/ ٤٤١. والبيت من أبيات قصيدة أوردها أبو تمام في أول الحماسة كما في شرح ديوان حماسة أبي تمام المنسوب للمعري ١/ ٤٦، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١/ ٢٩.\n(٦) الكشاف ٣/ ٣٢٣، وانظر: الكشاف ١/ ١١، ١٠٩، ٣/ ٣١٦.\n(٧) الكشاف ٣/ ٨، وانظر: الكشاف ١/ ٦٦٠.","vol":"1","page":171},{"text":"لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب» (١).\nورجع للكامل للمبرد في قوله: «وقد عثرتُ على بيتٍ أنشدهُ المُبَرِّدُ في كتاب «الكامل» لبعض الأعراب:\nرَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا» (٢).\nوهذا النصُّ منقول من «الكامل» ضمن قصة يقول فيها: «وحدثني بعض أصحابنا أن رجلًا من الأعارب تقدم إلى سَوَّارٍ - وهو القاضي سَوَّارُ بنُ عبدالله - في أمرٍ فلم يصادف عنده ما يُحبُ، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال فقال الأعرابي وفي يده عصًا:\nرَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا\nبِأَنَّنِي أَخْبِطُ في لَيْلَتي ... كَلْبًا، فَكانَ الكلبُ سَوَّارا\nثم انحنى على سَوَّارٍ بالعصا حتى مُنِعَ» (٣).\nكما ينقل الزمخشري كذلك عن الفراء كثيرًا، كما في قوله: «﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٤) ... وأجاز الفراء أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ اسم كان. على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:\nلَمْ يَمنعِ الشّرْبَ منها غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ (٥)\nوهو من جهة الإعراب لا بأس به» (٦). وهذا الشاهد منقول عن كتاب الفراء (٧).\n_________\n(١) الكشاف ١/ ٤١٩، وقد احتج بالشاهد هنا على غير الوجه الذي أورده له سيبويه ١/ ٣٤٤.\n(٢) الكشاف ٢/ ٤٧٤.\n(٣) الكامل للمُبَرِّد ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣.\n(٤) الفرقان ٦٧.\n(٥) صدر بيت لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، وعجزه:\n............................... ... حمامةٌ في سحوقٍ ذات أوقالِ\nانظر: ديوانه ٨٥، وشرح أبيات معاني القرآن للدكتور ناصر حسين علي ٢٩٨.\n(٦) الكشاف ٣/ ٢٩٣.\n(٧) انظر: معاني القرآن ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>ابن عطية في «المُحرَّر الوجيز»:</span>\nذكر ابن عطية في فهرسة شيوخه، الذي ذكر فيه من تلقى عنهم من الشيوخ رواية أو إجازة، والمصنفات التي أخذها عنهم، فذكر أنه أخذ كتاب سيبويه، وديوان الحماسة لأبي تمام، ومختصر تفسير الطبري، ولذلك فإن شواهد ابن عطية لا تكاد تخرج عن شواهد هذه المصنفات (١).\nوهو يسند الشاهد أحيانًا للعلماء الرواة كابن الأعرابي، كما في قوله: «وأنشد ابن الأعرابي:\nفي كُلِّ مَا يومٍ وكُلِّ لَيلاهْ ... حتى يقولَ مَنْ رآهُ إِذْ رَاهْ\nيَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ مَا أَشقَاهْ (٢)» (٣).\nوربما يكون نقل هذه الأبيات عن كتب أبي الفتح ابن جني فقد رواها بسنده عن ابن الأعرابي (٤). حيث إن من مصادره كتب ابن جني كما سيأتي.\nويرجع كثيرًا لأبي عبيدة، كما في قوله: «و﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٥) معناه: أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير:\nهنالكَ إِنْ يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا ... وإِنْ يُسئلوا يُعطوا وإن يُيْسِروا يُغلوا (٦)» (٧).\nوهذه الأبيات منقولة من «مجاز القرآن»، فقد رواها أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء (٨).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] (٩)، وهو يتحدث\n_________\n(١) انظر: فهرس ابن عطية ١٠٦، ١١٤، ١١٥، ١١٦، ١١٨، ١٤١.\n(٢) هذا الرجز نسبه ابن جني لِدَلَمٍ أَبو زُغَيبٍ، كما في لسان العرب ٤/ ٣٩٥ (دلم)، وهو في الخصائص ١/ ٢٦٧ من غير نسبة عن ابن الأعرابي.\n(٣) المحرر الوجيز ٥/ ١٧٧.\n(٤) الخصائص ١/ ٢٦٧، ٣/ ١٥١.\n(٥) الأنعام ٩٤.\n(٦) ديوان زهير ١١٢، وانظر: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ٢٧٣.\n(٧) المحرر الوجيز ٦/ ١١.\n(٨) مجاز القرآن ٢/ ١٨٨.\n(٩) الفاتحة ٧.","vol":"1","page":173},{"text":"عن قراءة من قرأ (الضَّأْلِين) (١)، نقل ابن عطية عن ابن جني فقال: «قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قولُ كُثَيّر:\nإذا مَا العَوالي بِالعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ (٢)\nوقول الآخر (٣):\nوللأرضِ أَمَّا سُودُها فَتَجلَّلَتْ ... بَيَاضًا وأَمَّا بِيْضُهَا فادهأَمَّتِ (٤)» (٥).\nوهذا النقل من كتاب الخصائص لابن جني مع تصرف قليل (٦).\nوينقل دون سندٍ عن كبار العلماء الرواة كأبي زيد الأنصاري في مثل قوله: «وأنشد أبو زيد» (٧). كما ينقل عن المقتضب للمبرد كما في قوله: «وذهب المبرد في باب التعجب من «المقتضب» إلى أن هذه الآيةَ تقريرٌ واستفهامٌ لا تعجب، وأن لفظة «أَصْبَرَ» بِمعنى اضطر وحبس، كما تقول: أَصْبَرْتُ زَيدًا على القتل ... قال: ومثله قول الشاعر (٨):\nقُلتُ لَهَا أُصْبِرُهَا دَائِبًا: ... أَمثَالُ بِسْطَام بنِ قيسٍ قَليلْ (٩)» (١٠).\n_________\n(١) هذه قراءة أيوب السختياني كما في إعراب القراءات السبع لابن خالويه ١/ ٥٢، والمحتسب لابن جني ١/ ٢٦\n(٢) البيت منسوب لكثير كما في الخصائص ٣/ ١٤٨، ولم أجده في ديوانه، ولم ترد هذه اللفظة إلا في بيت آخر من قصيدة أخرى، يمدح فيه بشر بن مروان، هو:\nوأنتَ ابنَ لَيْلَى خَيرُ قَومكَ مَشهَدًا ... إذا مَا احْمَأَرَّتْ بالعَبيطِ العَوَامِلُ\nانظر: ديوانه ١٥٤، وانظر: حاشية محقق الخصائص ٣/ ١٢٦ رقم (١٢).\n(٣) هو كثير عزة.\n(٤) انظر: ديوانه ٥٩.\n(٥) المحرر الوجيز ١/ ٨٨ - ٨٩، ٥/ ١٨.\n(٦) انظر: الخصائص لابن جني ٣/ ١٤٨.\n(٧) المحرر الوجيز ٨/ ٦٢.\n(٨) هو الحطيئة.\n(٩) رواية الديوان:\nقلتُ لَهَا أَصْبِرُها صَادِقًا ... وَيْحَكِ أَمْثَالُ طَريفٍ قَليلْ\nومعنى أَصْبِرُهَا: أي أَحلفُ لَها يَمينَ صَبْرٍ، أي يَمينَ حَبْسٍ، يُحبس على اليمين حتى يحلف. انظر: ديوانه ٢٩٧.\n(١٠) المحرر الوجيز ٢/ ٥٤.","vol":"1","page":174},{"text":"وهذا النص في كتاب «المقتضب» (١)، غير أنه لا يكتفي بالنقل هنا، بل يتعقب المبرد في روايته للشاهد فيقول: «الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء - أُصْبِرُهَا -، ورُدَّ عليه في ذلك؛ فإنَّه لا يُعرف في اللغة «أَصْبَرَ» بمعنى «صَبَرَ»، وإنما البيت أَصْبُرُهَا بفتح الهمزة وضم الباء، ماضيه «صَبَرَ»، ومنه المصبورةُ، وإنما يرد قول أبي العباس - أي المبرد - على معنى: أجعلها ذات صبر» (٢).\nوينقل ابن عطية عن أبي علي الفارسي كما في قوله: «ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه أن الجنَّ يدخلون في لفظةِ النَّاسِ، وأنشد على ذلك:\nفقلتُ: إِلى الطعامِ، فَقالَ منهم: ... أُنَاسٌ يَحْسدُ الإنسَ الطعَامَا (٣)» (٤).\nوينقل عن الطبري كما في قوله: «وأنشد الطبريُّ:\nفَإِنْ كنتَ سِيدَنَا سُدْتَنَا ... وإِنْ كنتَ لِلخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (٥)» (٦).\nوينقل عن ابن الأنباري كما في قوله: «حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد» (٧).\nوابن عطية يعتمد في أحيان كثيرة على شرح الفراء والطبري وأبي عبيدة للشاهد الشعري ويوافقهم غالبًا ويخالفهم أحيانًا (٨).\nوينقل عن أبي العباس ثعلب، وأبي الحسن الأخفش كما في قوله: «وقال أحمدُ ابن يحيى ثعلب: عَابدُ كَشَارفٍ وشَرَف، ومنه قول القينة:\n_________\n(١) المقتضب ٤/ ١٨٤.\n(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٥٤ - ٥٥.\n(٣) البيتُ لشَمِر بن الحارث الضبي كما في شرح شواهد الإيضاح لابن بري ٢٧٨.\n(٤) المحرر الوجيز ٣/ ١٥٢، وانظر: ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠، ٦/ ٩٤، ٧/ ٩١ - ٩٢، ٨/ ٢٧٨.\n(٥) الشاهد للعبدي أنس بن مساحق كما في مجاز القرآن ١/ ١٢٧، وفي حماسة أبي تمام ١/ ١٤٣ منسوب لرجل من نبهان هو حريث بن عناب بن مطر.\n(٦) المحرر الوجيز ٤/ ١١٣، وانظر: المحرر الوجيز ٥/ ٩٤، ٦/ ١٧٨ - ١٧٩، ٧/ ١٨، ٧/ ٢١، ٨/ ٢٤٩.\n(٧) المصدر السابق ١٣/ ١٥١.\n(٨) المحرر الوجيز ٣/ ٢٣٦، ٧/ ٨٠.","vol":"1","page":175},{"text":"أَلا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِنَاءِ (١)\nوقال أبو الحسن الأخفش: هوَ جَمعُ «عَبِيْدٍ»، وأنشد:\nأنسُبِ العَبْدَ إِلى آبائهِ أَسودَ الجلدةِ مِنْ قومٍ عُبُد» (٢).\nوينقل كثيرًا عن سيبويه (٣)، وعن الفراء والكسائي كما في قوله: «وقال الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء. ومنه قول الشاعر:\nفلا يَنبسطْ مِنْ بينِ عَينيكَ ما انْزَوَى ... ولا تَلقني إِلَّا وأنْفُكَ رَاغمُ» (٤).\nوربما نبَّهَ ابن عطية إلى أن الذي نقل منه قد نقل عن غيره كما في قوله تعقيبًا على نقلٍ للزجاج عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧] (٥): «وخبر «إِنَّ» قوله تعالى: ﴿اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ ثم دخلت «أن» على الجزء مؤكدة، وحسن ذلك لطول الكلام، فهي وما بعدها خبر «إِنَّ» الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية بقول الشاعر (٦):\nإِنَّ الخليفةَ إِنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ... سِربالَ مُلكٍ بهِ تُرجى الخَواتيمُ (٧)\nثم تعقبه بقوله عن الزجاج: «نقله من الطبري» (٨). وهذا الشاهد ذكره الطبري عند هذه الآية في تفسيره (٩).\nوينقل عن تفسير الثعلبي كما في قوله: «وأنشد الثعلبي:\n_________\n(١) البيت لقينة غير مُسمَّاةٍ ضمن أبيات أخرى في «تاج العروس» ٥/ ١٤٥ (شرف)، والشارفُ من النوق المُسِنَّةُ الهَرِمَةُ، والجمعُ شَوَارِفُ وشُرُفٌ كَكُتُبٍ، وشُرَّف مثلُ رُكَّع. وقيل: شُرْفٌ مِثلُ بَازلٍ وَبُزْلٍ. انظر: تاج العروس ٥/ ١٤٥ (شرف).\n(٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٤٥.\n(٣) المحرر الوجيز ٦/ ٨٤، ١٠/ ٨٨، ٢/ ٦٧.\n(٤) المصدر السابق ٩/ ٨٥.\n(٥) الحج ١٧.\n(٦) هو جرير بن عطية.\n(٧) ديوانه ٢/ ٦٧٢.\n(٨) المحرر الوجيز ١١/ ١٨٥.\n(٩) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٤٨٦.","vol":"1","page":176},{"text":"أصابَ الكلام فلم يستطعْ ... فأخطا الجوابَ لَدى المفصلِ (١)\nويشبهُ أَنَّ أَصَابَ مُعَدَّى صَابَ يَصُوبُ» (٢).\nكما ينقل عن الزجاج، كما في قوله: «وأنشد الزجاجُ:\nأَبيضُ لا يرهبُ الهزالَ ولا ... يقطعْ رحْمًا ولا يَخُونُ إِلا (٣)» (٤).\nوربَّما جَمعَ المصادر فأحال على أكثر من مصدر كما في قوله: «قال أبو عبيدة وتابعه القتبي (٥) وغيره: «يرجون». في هذه الآية بمعنى يخافون، واحتجوا ببيت أبي ذؤيب:\nإذا لَسعتهُ النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالفها في بَيتِ نُوبٍ عَواسل (٦)» (٧).\nالقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن».\nوأما القرطبي فإنه ينقل كثيرًا عن أبي عبيدة والفراء والطبري وسيبويه وغيرهم. فمن ذلك قوله: «وأنشد ابن الأعرابي:\nحِمىً لا يُحَلُّ الدهرَ إِلا بإِذنِنَا ... ولا نسألُ الأقوامَ عهدَ المياثقِ (٨)» (٩).\nوقوله: «وقيل تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضل، واستشهد بقول جرير:\n_________\n(١) لم أهتد إلى قائله.\n(٢) المحرر الوجيز ١٤/ ٣٥، الكشف والبيان للثعلبي ٦/ ١٨٧.\n(٣) البيت للأعشى كما في ديوانه ٢٧٨.\n(٤) المحرر الوجيز ٧/ ٩٢.\n(٥) هو ابن قتيبة.\n(٦) انظر: ديوانه ٢٠١، مجاز القرآن ١/ ٢٧٥، والشاهد من شواهد المفسرين المشهورة، وهو في وصفِ رجل حاذق يتدلى إلى عسلٍ محفوظٍ في مَكمنهِ في حال غيابِ النَّحلِ العاملات عنه، ولا يخشى لَسْعَ النحلِ، لنفاسةِ العسلِ، ولذتهِ. انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٤٣، والرواية الأخرى «عوامل» بدل «عواسل».\n(٧) المحرر الوجيز ٩/ ١٢.\n(٨) البيت لعياض بن درة الطائي كما في نوادر أبي زيد ٦٥.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٧١.","vol":"1","page":177},{"text":"قَبحَ الإلهُ وجوهَ تغلبَ كُلَّمَا ... شَبَحَ الحَجِيْجُ وكَبَّرُوا إِهْلالا (١)» (٢).\nوقوله ينقل كلامًا لأبي عمرو الشيباني من كتابه «الجيم» دون إشارة للمصدر: «ورجل مُيَمَّم يظفر بكل ما يطلب، عن الشيباني، وأنشد:\nإِنَّا وَجَدِنَا أعصرَ بنَ سَعْدِ ... مُيَمَّمَ البيتِ رَفيعَ المَجْدِ (٣)» (٤).\nكما ينقل عن سيبويه كما في قوله: «وحكى الكسائي والفراء: ﴿أَنُلْزِمْكُمُوهَا﴾ بإسكان الميم الأولى تخفيفًا، وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد:\nفاليومَ أَشربْ غَيْرَ مُستحقبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا وَاغِلِ (٥)» (٦).\nوهذا من شواهد سيبويه (٧).\nكما ينقل القرطبي عن الأصمعي كما في قوله: «قال الأصمعيُّ: وسَمعتُ ابن أبي طرفةَ - وكانَ مِنْ أَفصحِ مَنْ رأيتُ - يقولُ: سَمعتُ شِيخَانَنَا يقولون: لقيتُ مِنْ فلانٍ عِرْقَ القِرْبَةِ، يعنون الشدةَ، وأنشدني لابن الأَحْمر:\nليستْ بِمشتمةٍ تُعَدُّ وعفوُها ... عرقَ السِّقَاءِ على القُعُودِ اللَّاغِبِ (٨)\nقال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر. ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم، وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل\n_________\n(١) ديوانه ١/ ٥٢.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٩٠.\n(٣) البيت غير منسوب كما في الجيم لأبي عمرو الشيباني ٣/ ٣٢٧.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٥١.\n(٥) البيت لامرئ القيس كما في ديوانه ١٢٢.\n(٦) المصدر السابق ٥/ ١٩.\n(٧) الكتاب ٤/ ٢٠٤.\n(٨) البيت في لسان العرب ٩/ ١٦٠.","vol":"1","page":178},{"text":"يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر، وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام» (١).\nكما ينقل القرطبي عن أبي عُبَيدٍ القاسم بن سلَّام كما في قوله: «قال أبو عُبَيدٍ (٢): وأَنشدَني أَعرابيٌّ مِن بَنِي أَسد:\nوقلنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيلى فَأَسْجَدا (٣)\nيعني البعيرَ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ» (٤). وهذا منقول من كتاب «الغريب المصنف» لأبي عبيد (٥).\nوينقل القرطبي عن الفراء، من «معاني القرآن»، وغيره من كتب الفراء، مثل كتاب المصادر (٦).\nفمن ذلك قوله: «قال الفراءُ: سَمعتُ بعضَ العرب يقول: كانَ مَرةً وهو ينفعُ الناسَ أَحسَابُهُم، وأنشدني بعضُ العرب:\nفأَبْلِغ أَبا يَحيى إِذا مَا لقيتَهُ ... عَلى العِيْسِ في آَبَاطِهَا عَرَقٌ يَبْسُ\nبِأَنَّ السَّلاميَّ الذي بِضَرِيَّةٍ ... أَمِيْرَ الحِمَى قَدْ بَاعَ حَقَّ بَنِي عَبْسِ\nبثوب ودينار وشاة ودرهم ... فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَاهُنَا رَأْسُ» (٧).\nوهذه الأبيات في «معاني القرآن» (٨).\nكما ينقل القرطبي من تفسير الطبري كقوله: «وأنشد الطبري في\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٦٦.\n(٢) في الجامع لأحكام القرآن: «أبي عبيدة». وهو خطأ صوابه ما ذكرتُ.\n(٣) البيت في الغريب المصنف لأبي عبيد ١/ ٥٧٨.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٠٠، وانظر ٦/ ١٠٨.\n(٥) ١/ ٥٧٨.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٣.\n(٧) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٥١.\n(٨) انظر: معاني القرآن ١/ ٥٢، ٢/ ١٢١ ولم أعثر على قائل هذه الأبيات.","vol":"1","page":179},{"text":"ذلك» (١). كما ينقل عن ثعلب كما في قوله: «وأنشد ثعلب» (٢).\nوينقل أحيانًا على ندرة عن بعض كتب النحويين كما نقل عن كتابٍ لابن الدهان قوله: «قال ابنُ الدَّهانِ أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفيُّ يُجيزُ عطفَ الظاهرِ على المَجرورِ ولا يَمنعُ منهُ، ومنه قوله:\nآبَكَ أَيِّهْ بِيَ أَو مُصَدِّرِ ... مِنْ حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ» (٣).\nكما ينقل عن يعقوب بن السكيت كما في قوله: «واللَّبُوسُ كُلُّ مَا يُلْبَسُ، وأنشد ابنُ السكيت:\nالبَسْ لِكُلِّ حَالةٍ لَبُوسَهَا ... إِمَّا نَعِيمَهَا وإِمَّا بُوسَهَا» (٤).\nكما ينقل القرطبي عن المفسرين المتأخرين كالزمخشري، فقد نقل عنه في مواضع مثل قوله: «وقال الزمخشري: حنانًا: رحْمَةً لأَبويهِ وغيرهما، وتَعطُّفًا وشَفقةً، وأنشد سيبويه:\nفقالتْ: حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ هَا هُنَا ... أَذُو نَسَبٍ، أَمْ أَنتَ بِالحيِّ عَارِفُ (٥)» (٦).\nوهذا الشاهد في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] (٧)، والزمخشري نقله عن سيبويه مع اختلاف موضع الشاهد بينهما (٨).\nويقول القرطبي: «قال الجوهريُّ: أَنشدَ أَبو عُبيدٍ:\nمِن اللَّوَاتِي والَّتِي واللَّاتِ ... زَعَمْنَ أَنْ قَدْ كَبِرَتْ لِدَاتِ (٩)» (١٠).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١١١.\n(٢) المصدر السابق ٦/ ٢١٩.\n(٣) المصدر السابق ٥/ ٥.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢١٢، وانظر ١/ ١٢٧.\n(٥) البيت لمنذر بن درهم الكلبي كما في خزانة الأدب ٢/ ١١٣.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٦٠.\n(٧) مريم ١٣، وانظر: الكشاف ٣/ ٨.\n(٨) انظر: الكتاب ١/ ٣٢٠، ٣٤٩.\n(٩) هذا الرجز من غير نسبة في الشعر والشعراء ١/ ٨٨، وخزانة الأدب ٦/ ٨٠، ١٥٤.\n(١٠) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٥٥.","vol":"1","page":180},{"text":"وهذا النص منقول عن «الصحاح» للجوهري (١).\nوينقل عن أبي بكر بن الأنباري في قوله: «قلتُ - أي القرطبي: قد ذكر أبو بكر الأنباريُّ في كتاب «الزاهر» له لمَّا تكلم على معنى الفِسْقِ قولَ الشاعر (٢):\nيَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغورًا غائرا ... فواسقًا عن قَصدِها جَوائِرا (٣)» (٤).\nوهذا النص في كتاب أبي بكر بن الأنباري المشار إليه (٥).\nوينقل قول الخليل بن أحمد في قوله: «وأنشد الخليلُ:\nيَمَّمْتُهُ الرمحَ شَزْرًا ثُمَّ قلتُ لهُ: ... هَذي البَسَالةُ لا لُعْبُ الزَّحَاليقِ\nقال الخليل: من قال في هذا البيت: أَمَّمْتُهُ فقد أَخطأَ؛ لأنه قال: شزرًا. ولا يكون الشَّزْرُ إلا من ناحيةٍ، ولم يقصد أمامه» (٦).\nويعتمد في مواضع على شرح الطبري للشاهد الشعري، كما في قوله: «وأما قول الشاعر:\n................................ ... إِنِّي على الحسابِ مُقيتُ (٧)\nفقال فيه الطبري: «إِنَّهُ من غير هذا المعنى المُتقدِّمِ، وإِنه بِمعنى المَوقوف» (٨). وهذا الشاهد في تفسير الطبري، وكلام الطبري بتمامهِ: «وأَما المُقيتُ في بيت اليهوديِّ - هو السموأل - الذي يقولُ فيه:\nلَيْتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَطويَّةً ودُعِيتُ\nأَلِيَ الفَضلُ أَمْ عَليَّ إِذَا حُوْ ... سِبْتُ إِنِّيْ عَلى الحِسَابِ مُقِيْتُ\nفإن معناه: فإني على الحساب موقوفٌ، وهو من غير هذا\n_________\n(١) انظر: ٦/ ٢٤٧٩.\n(٢) هو رؤبة بن العجاج.\n(٣) انظر: ديوانه ١٩٠، الزاهر لابن الأنباري ١/ ١٢٠.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٧٠، وانظر: ١/ ٧٤.\n(٥) انظر: الزاهر ١/ ١٢٠.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٥٠.\n(٧) للسموأل بن عادياء كما في ديوانه ٨١.\n(٨) المصدر السابق ٣/ ١٩١.","vol":"1","page":181},{"text":"المعنى» (١). وأظن الطبري قد نقل هذه الأبيات عن أبي عبيدة (٢).\nويقول القرطبي: «قال ابن الشجريِّ هبةُ اللهِ بنُ عليِّ (٣): ومن العَربِ مَن يأتي بالجامعِ بلفظِ الواحدِ، كما قال (٤):\nوَإِنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ القَومُ كُلُّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدِ (٥)» (٦).\nوهذا النصُّ منقول من «أمالي ابن الشجري» (٧).\nوينقل القرطبي عن الجوهري كما في قوله: «قال رؤبة:\nلو أَنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَعَا ... وعَادَ عَادٍ واستَجَاشُوا تُبَّعَا (٨)\nذكره الجوهري» (٩). وهو في الصحاح للجوهري كما ذكر (١٠).\nوربما نقل الكلام متفرقًا، ثم أحال على عدة مصادر كما في قوله: «أن العرب استعملت «لعل» مجردة من الشك بمعنى لام كي، فالمعنى: لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر:\nوقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وُوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ\nفَلمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَأَلِّقِ (١١)\nالمعنى: كفوا الحروب لنكفَّ، ولو كانت «لعل» هنا شكًا لم يوثقوا\n_________\n(١) تفسير الطبري ٧/ ٢٧٣.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٣٥.\n(٣) هو هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني العلوي، ولد ببغداد سنة ٤٥٠ هـ وتوفي سنة ٥٤٢ هـ، لغوي نحوي، يعرف بابن الشجري، واختلف في نسبته هذه، من مؤلفاته الأمالي في اللغة والنحو. انظر: نزهة الألباء ٤٠٤، إنباه الرواة ٣/ ٣٥٦.\n(٤) هو الأشهب بن رميلة.\n(٥) انظر: ديوانه ضمن كتاب (شعراء أمويون) ٢٣١.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤٨.\n(٧) انظر: أمالي ابن الشجري ٣/ ٥٧.\n(٨) انظر: ديوانه ٩٢.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٨.\n(١٠) انظر: الصحاح ٥/ ١٤٥.\n(١١) البيتان غير منسوبين، وهما في أمالي ابن الشجري ١/ ٧٧، والحماسة البصرية ١/ ٨٧ وقد استوفى المحقق تخريجهما.","vol":"1","page":182},{"text":"لهم كُلَّ موثق. وهذا القول عن قطرب والطبري» (١). وهذا الذي نقله في تفسير الطبري (٢).\nكما ينقل القرطبي عن ابن قتيبة كما في قوله: «وأنشد القتبيُّ (٣):\nيَسُدُّونَ أَبوابَ القِبَابِ بِضُمَّرٍ ... إِلى عُنُنٍ مُستوثقاتِ الأَوَاصِرِ (٤)» (٥).\nوهذه المصادر التي تقدمت للشاهد الشعري عند المفسرين، تشترك مع مصادر الشاهد الشعري عند النحويين واللغويين، وذلك أن الدراسات اللغوية في بدايتها كانت من أجل القرآن الكريم وتفسيره، وهذه المصادر هي التي صرح المفسرون بذكرها في تفاسيرهم، وربما أغفلتُ ذكر بعض المصادر التي لم يشر إليها، وإن كان المفسر قد أخذ عنها. ولا شك أن حصر مصادر العلماء في تلك الموسوعات التفسيرية بدقة فيه عسر، لاختلاف مناهجهم، وإغفالهم لكثير من المصادر التي أخذوا عنها بطريقة أو بأخرى.\nوأختم بالإشارة إلى أهمية الرجوعِ لمصادر الشعر الجاهلي والإسلامي في العصر الراهن، وانتزاع الشواهد الشعرية اللغوية والنحوية منها، والاستدلال بِها على قواعد ومسائل لم يسبق للمتقدمين الاستشهاد بها، أو دعم المسائل القديمة بشواهد إضافية دون الاقتصار على شواهد المتقدمين التي أصبحت مُمِلَّةً عند بعض الطلاب.\nوقد كان عبد الحميد الفراهي (٦) يفعل هذا في مصنفاته في التفسير\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري ١/ ٣٨٧.\n(٣) لم أجده عند ابن قتيبة في المطبو ع من كتبه.\n(٤) البيت لِسَلمَةَ بن الخَرشب الأَنْماري.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٩.\n(٦) هو عبدالحميد بن عبدالكريم بن قربان الفراهي الهندي ولد سنة ١٢٨٠ هـ وتوفي سنة ١٣٤٩ هـ، له تفسير نظام الفرقان، وله كتاب المفردات في غريب القرآن، وغيره. انظر: ترجمة الفراهي بقلم السيد سليمان الندوي في مقدمة كتاب إمعان في أقسام القرآن للفراهي ١٥.","vol":"1","page":183},{"text":"واللغة، ويستدرك على المفسرين المتقدمين أشياء استنادًا إلى الشواهد الشعرية التي أخذها من هذه المصادر.\nوسأمثل لذلك بِما قاله في تفسير معنى «الآلاء» وكيف جَمعَ الشواهد الشعرية لتأييد رأيه الذي ذهب إليه، وخالفَ فيه المتقدمين. (١) قال: «الآلاءُ، أَجْمعوا على أَنَّ معناه: النِّعَمُ، ولكنَّ القرآن، وأشعار العرب يأباهُ. والظاهرُ أَنَّ معناه: الفِعالُ العَجيبةُ ... ولَمَّا كان غالبُ فِعالهِ تعالى الرَّحْمةَ، ظنُّوا أَنَّ الآلاءَ هي النعم. والروايةُ عن ابن عباس ﵄ حَملتهم على هذا. ولكنَّ السَّلفَ إذا سُئلوا أجابوا حسب السؤال، والمراد المخصوص في موضعٍ مسؤول عنه ... أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ [النجم: ٥٥، ٥٦] (٢)، بعد ذكر إهلاك الأقوام. وهكذا في سورة الرحمن.\nوأَمَّا كلامُ العَربِ، فقال طَرَفَةُ:\nكامِلٍ يَحْمِلُ آلآءَ الفَتَى ... نَبَهٍ سَيِّدِ ساداتٍ خِضَمّْ (٣)\nوقالت مَيَّةُ بنتُ ضرارٍ تَرثي أَخاها:\nكَرِيْمٍ ثَناهُ وآلاؤُهُ ... وكافِي العَشِيْرَةِ ما غَالَها (٤)\nوقال المهلهلُ أخو كُليبٍ يَرثي أَخاهُ كُليبًا:\nالحَزْمُ والعَزْمُ كانا مِنْ طَبائِعِهِ ... ما كُلُّ آلآئِه يا قَومِ أُحْصِيها (٥)\nوقال رَبيعةُ بنُ مَقرومٍ، أَحدُ بَنِي غَيظ بن السِّيد:\nولولا فَوارِسُنا ما دَعَتْ ... بِذاتِ السُّلَيْمِ تَميمٌ تَميما\nوما إِنْ لأُوئِبَها أَنْ أَعُدَّ ... مآثرَ قَومِي ولا أَنْ أَلوما\n_________\n(١) سأنقل تخريجات المحقق الدكتور محمد أجمل الإصلاحي للشواهد باختصار، وأدع الشرح طلبًا للاختصار.\n(٢) النجم ٥٥ - ٥٦.\n(٣) انظر: ديوانه ١١٠.\n(٤) انظر: شاعرات العرب ٤٠٠.\n(٥) انظر: ديوانه ٩٠.","vol":"1","page":184},{"text":"ولكنْ أُذَكِّرُ آلآءَنا ... حَدِيثًا وما كانَ مِنَّا قَدِيْما (١)\nوقال الأجدع الهمداني:\nورضيتُ آلآءَ الكُميتِ فَمَنْ يَبِعْ ... فَرَسًا فَليسَ جَوادُنا بِمُباعِ (٢)\nقال الجوهريُّ في هذا الشِّعرِ: «آلآؤهُ: خِصالُهُ الجميلةُ». ولكنَّهُ لَم يَتثبَّت (٣) على هذا المعنى الذي هو أَصلُهُ، فقال في مادةِ أَلا: «والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُها: أَلا بالفتحِ، وقد يُكسَرُ ويُكتبُ بالياء، مِثالهُ: مِعى وأَمعاء» (٤). فاتَّبعَ ما فَهِمَ المفسرون عن ابن عباس ﵁. وقال فَضالةُ بنُ زيدٍ العدواني، وهو من المُعَمّرين:\nوفي الفَقْرِ ذُلٌّ للرِّقابِ، وقَلَّما ... رَأَيتُ فَقيرًا غَيْرَ نِكْسٍ مُذَمَّمِ\nيُلامُ وإِنْ كانَ الصَّوابُ بِكَفِّهِ ... ويُحْمَدُ آلآءُ البَخيلِ المُدَرْهَمِ (٥)\nأي: يَحمدون صفاتِ البخيلِ وفِعالهِ. وهذا البيتُ أوضحُ دَلالةً مِمَّا ذكرنا قبلَهُ على معنى الآلاءِ. وقال الحماسيُّ (في المراثي، ولم يُسمِّهِ أبو تَمَّام):\nإذا ما امرؤٌ أَثْنَى بِآلآءِ مَيّتٍ ... فلا يُبْعِدِ اللهُ الوليدَ بنَ أَدْهَما\nفَما كان مِفْراحًا إذا الخَيْرُ مَسَّهُ ... ولا كان مَنَّانًا إذا هُو أَنْعَما (٦)\nفَفَسَّر ما أرادَ من الآلاءِ بذكر أَنَّهُ لم يكن مِفراحًا إذا مَسَّه الخيرُ، ولا مَنَّانًا إذا أَنعمَ. وقالت الخنساءُ:\nفَبَكى أَخاكَ لآلآئهِ ... إذا المَجدُ ضَيَّعَهُ السَّائِسُونا (٧)» (٨).\nفهذه ثمانية شواهد شعرية ينتمي غالبها للعصر الجاهلي، توضِّحُ\n_________\n(١) انظر: المفضليات ١٨٤.\n(٢) انظر: الأصمعيات ٦٩.\n(٣) هكذا، ولعلها: يَثْبُت.\n(٤) الصحاح ٣/ ١١٨٩.\n(٥) انظر: الحماسة البصرية ٢/ ٧١٣، وذكر المحقق مصادر أخرى.\n(٦) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي ٩٢٥.\n(٧) انظر: أنيس الجلساء ٢٤٣.\n(٨) مفردات القرآن ١٢٥ - ١٣٣.","vol":"1","page":185},{"text":"المعنى الدقيق للآلاء بدون شرحٍ، وقد أضافُ المُحققُ ستة شواهد شعرية جاهلية أخرى تؤيد هذا المعنى. وهذه الشواهد مأخوذة من مصادر الشعر الجاهلي الموثوقة، كحماسةِ أبي تَمَّام والمفضليات والأصمعيات ودواوين الشعراء.\nيقول مُحققُ كتابهِ المُفردات: «ثُمَّ إِنَّ عددًا كبيرًا من شواهد المؤلف شواهد جديدة لم تَرِد في مظانِّها من كتب التفسير والغريب والمعاجم، مع أَنَّها وردت في الدواوين المشهورة التي رواها علماءُ اللغة، وكانت خليقةً بالتقييد لكونِها تَهدي إلى معنىً جديد لبعض الكلمات، أو وجهٍ جديدٍ من وجوهه، أو تفسيرٍ أدقّ من تفسيره المعروف» (١). وقد ذكر المترجِمون له أَنَّهُ كان يدرسُ الشعر الجاهلي دراسةً عميقةً من أجل هذه الغاية، وهي فهم القرآن الكريم فهمًا دقيقًا، والتوصل لذلك عن طريق الاستشهاد والاحتجاج بالشواهد الشعرية من الشعر الجاهلي. وقد بلغ في علم العربية مبلغًا يلحظه من تأمل مؤلفاته في ذلك. وهذا الباب يفتحُ مجال الاجتهاد والتدرب على مُمارسةِ كلام المتقدمين وشعرِهم، والغوصِ على أسراره.\n_________\n(١) مفردات القرآن ٦٥.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي</span>.\nالتفسير اللغوي للقرآن الكريم أحد أنواع التفسير، فقد ذكر المتقدمون أنواعًا للتفسير، حيث يقول الإمام عبدُ الرزاق الصنعانيُّ: «حدثنا الثوري عن ابن عباس ﵄ أَنَّهُ قَسَّمَ التفسير إلى أربعة أقسام: قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يُعذَرُ أحدٌ بِجَهالتهِ، يقول من الحلال والحرام، وقسمٌ يعلمه العلماءُ خاصةً، وقسم لا يعلمه إِلَّا اللهُ، ومن ادَّعى عِلمَه فهو كاذِبٌ» (١).\nوقد شرح الطبري القسم الأخير منها فقال: «وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أَنَّ أحدًا لا يُعذَرُ بِجهالته، معنىً غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله، وإِنَّما هو خَبَرٌ على أَنَّ من تأويله ما لا يَجوزُ لأَحدٍ الجهلُ به» (٢). وزاد الماوردي في الإبانة عن عبارة ابن عباس بأكثر من هذا في تفسيره (٣).\nوالتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو ما يَفهمهُ العربيُّ بسليقتهِ، ويُرجعُ فيه إلى لسانهِ بعد انقضاء زمنِ الاحتجاج. قال الزركشي: «فأما الذي تعرفه العربُ، فهو الذي يُرجَعُ فيه إلى لِسَانِهِم، وذلك شأنُ اللغةِ والإعراب» (٤). فقد جعل الزركشي - ﵀ - التفسيرَ اللغويَّ\n_________\n(١) تفسير عبدالرزاق ١/ ٢٤، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٧٥، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٠١، دقائق التفسير ٦/ ٤٤٨.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٧٥ - ٧٦.\n(٣) انظر: النكت والعيون ١/ ٣٦ - ٣٧.\n(٤) البرهان في علوم القرآن ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":187},{"text":"مما يعول فيه على معرفة العربي، والأمر الآخر هو التركيب النحوي الذي يدركه العربي الفصيح بداهةً.\nوالتفسير اللغوي للقرآن الكريم هو بَيَانُ معاني القرآن بِمَا وردَ في لغةِ العَربِ، ويشملُ ذلك ألفاظها وأساليبها التي نزل بِهَا القرآن الكريم (١). يقول الشاطبي: «فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربي، وإنه لا عُجمةَ فيهِ، فيعني أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فُطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، وظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره ...» (٢).\nوقد نشأت الحاجةُ إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم لما اتسعت رقعة الفتح الإسلامي، وانتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية التي يعرف أهلها القرآن بفطرتهم، وقد بدأ ذلك مبكرًا في عهد الصحابة، ثم لم تزل الحاجة في ازدياد حتى صنَّفَ العلماءُ في ذلك المصنفات الخاصة بشرح ألفاظ القرآن الكريم شرحًا لغويًا، وكانت في أولها تتناول غريب ألفاظ القرآن، حتى وصلت بعدُ إلى استقصاء معاني مفردات القرآن الكريم (٣).\nفأما الغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (٤). وفي اصطلاح المفسرين الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (٥)\n_________\n(١) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار ٣٨، ٣٩.\n(٢) الموافقات ٥/ ٤٥.\n(٣) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصبهاني، عمدة الحفاظ للسمين الحلبي.\n(٤) انظر: العين ٤/ ٤١١، تهذيب اللغة ٨/ ١١٥.\n(٥) انظر: تفسير غريب القرآن لزيد بن علي، مقدمة المحقق ١٠، وسيأتي مزيد بيان لمصطلح الغرابة ص ٥٥٣.","vol":"1","page":188},{"text":"وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن» (١).\nولهذا بدأ التأليف في الغريب في وقت مبكر لكون الحاجة إليه جاءت مبكرة أيضًا، فقد نُسب كتابٌ في غريب القرآن إلى عبدالله بن عباس ﵄ (٢)، وقام السيوطي بجمع أقوال ابن عباس ﵄ في تفسير مفردات القرآن مما روي من طريق علي بن أبي طلحة (ت ١٢٠ هـ) في فصل مفرد (٣). ولا شك أن مرويات ابن عباس ﵄ في التفسير هي التي مهدت للتدوين في علم غريب القرآن في وقت مبكر، وهيأت المادة الأولى لكل من ألف فيه فيما بعد، ثم توالى التصنيف فيه بعد ذلك، فكتب فيه أبان بن تغلب البكري (ت ١٤١ هـ) كتابه «غريب القرآن»، وكتب فيه محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ)، وكتب فيه أبو روق عطية بن الحارث الهمداني. وكل هؤلاء الثلاثة من طبقةٍ واحدةٍ، حيث يقول ياقوت في ترجَمة أبانِ: «صنَّفَ كتابَ «الغريب في القرآن»، وذكر شواهدَهُ من الشعر، فجاء فيما بعدُ عبدُالرحمن بنُ مُحمد الأزدي الكوفي، فجَمَعَ من كتاب أبان ومحمد بن السائب وأبي روق عطية بن الحارث، فجعله كتابًا فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارةً يَجيءُ كتابُ أبان مفردًا، وتارة يَجيءُ مشتركًا على ما عَمِلَهُ عبدُ الرحمن» (٤).\n_________\n(١) تحفة الأريب ٢٧.\n(٢) ذكر فؤاد سزكين أن كتابًا لابن عباس بتهذيب عطاء بن أبي رباح يوجد مخطوطًا في مكتبة عاطف أفندي بعنوان غريب القرآن. انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ٦٧.\n(٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٦ - ٥٤.\n(٤) معجم الأدباء ١/ ٣٨.","vol":"1","page":189},{"text":"ويُعدُّ الشاهد الشعري جزءًا من التفسير اللغوي للقرآن الكريم، وقد وضح ابن عباس ﵄ العلاقة بين المعنى اللغوي لألفاظ القرآن الكريم والشعر العربي، فقال: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر فإنه ديوان العرب» (١). وقوله كذلك: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب» (٢). وقد سبقه إلى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عندما سأل عن معنى التخوف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٣) فقام رجل من هذيل، فقال: هذه لغتُنَا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُصُ، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا يصف ناقته:\nتَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ (٤)\nفقال عمر: «عليكم بديوانِكم لا تَضِلُّوا. قالوا: وما دِيوانُنا؟ قال: شعرُ الجاهليَّةِ؛ فإِنَّ فيهِ تفسيرُ كتابِكُم، ومَعاني كلامِكُم» (٥). غير أن ابن عباس قد أكثر من الاستشهاد بالشعر في التفسير، مما جعل هذا المنهج ينسب إليه كأَوَّلِ مَن فتح هذا الباب، ونهجه للمفسرين من بعده (٦)، فقد تابعه على هذا المنهج من أخذ عنه من التابعين، ثم من بعدهم حتى حُفظَ هذا المنهجُ وتطبيقُهُ في أوائل كتب التفسير، ولغة القرآن مثل «مجاز\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٠١.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٦٢، ومجالس ثعلب ٣١٧.\n(٣) النحل ٤٧.\n(٤) سبق تخريجه ص ٥٨. وانظر: شرح التبريزي للمفضليات ٣/ ١٢٥٦.\n(٥) قال المناوي في الفتح السماوي ٢/ ٧٥٥: لم أقف عليه، وقال ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٣٦٨: وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر، أنه سأل عن ذلك، فلم يجب، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله. قال: فخرج فلقي أعرابيًا، فقال: ما فعل فلان؟ قال: تخوفته - أي: تنقصته. فرجع، فأخبر عمر، فأعجبه». ثم قال: «وفي شعر أبي كبير الهذلي ما يشهد له».وهو يعني الشاهد الشعري المتقدم. وورد نحوه عن ابن عباس في المستدرك عند الحاكم ٢/ ٤٩٩، وعند البيهقي في الأسماء والصفات ٣٤٥.\n(٦) سيأتي تفصيل ذلك في الفصل التالي ص ٢٢٤.","vol":"1","page":190},{"text":"القرآن» لأبي عبيدة، و«معاني القرآن» للفراء، وتفسير الطبري وغيرها.\nوقد أحصيتُ الشواهد الشعرية في كتب التفسير والمعاني والغريب محل الدراسة، فكانت على النحو التالي:\nالكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد\nمجاز القرآن ... أبو عبيدة «ت ٢١٠ هـ» ... ٩٥٢\nمعاني القرآن ... الفراء «ت ٢٠٧ هـ» ... ٧٨٥\nغريب القرآن ... ابن قتيبة «ت ٢٧٦ هـ» ... ١٨٢\nتأويل مشكل القرآن ... ابن قتيبة «ت ٢٧٦ هـ» ... ٣٦١\nتفسير الطبري ... محمد بن جرير «ت ٣١٠ هـ» ... ٢٢٦٠\nالكشاف ... الزمخشري «ت ٥٣٨ هـ» ... ٩٠١\nالمحرر الوجيز ... ابن عطية «ت ٥٤٢ هـ» ... ١٩٨١\nالجامع لأحكام القرآن ... القرطبي «ت ٦٧١ هـ» ... ٤٨٠٧\nويمكن تسجيل بعض السمات لتعامل هؤلاء المفسرين مع الشواهد الشعرية:\nأولًا: أول هذه الكتب من حيث التأليف هو كتاب «مجاز القرآن» ظهر فيه الاعتماد على الشاهد الشعري بشكل ملحوظ؛ مما جعل بعض العلماء حينذاك يعارضونه معارضةً شديدةً (١)، وقد ذكر العسكري أَنَّ أبا عبيدة تأثر في منهجه هذا بما حُفِظَ عن ابن عباس من مسائل نافع بن الأزرق فقال عن أبي عبيدةَ: «صنَّفَ كتابَ المَجازِ، وأَخَذَ ذلك من ابن عباس حينَ سأله نافعُ بن الأزرق عن أشياءَ من غريب القرآنِ، ففسَّرها لَهُ واستشهد عليها بأبياتٍ من شعر العربِ، وهو أَوَّلُ ما رُوي في ذلك، وهو خَبَرٌ معروفٌ» (٢).\n_________\n(١) انظر: طبقات النحويين واللغويين ١٦٧.\n(٢) انظر: الأوائل للعسكري ٢٦١.","vol":"1","page":191},{"text":"ثانيًا: الصفة المميزة لكتاب أبي عبيدة اعتمادُهُ الدليلَ اللغوي أصلًا ثابتًا ورئيسًا في التفسير، ولعله تأثر في ذلك بشيخه أبي عمرو بن العلاء، الذي اقتبس منه هذه الطريقة في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد على ذلك بشعر العرب (١). حيث كان الشعر بعد القرآن من أهم ما تلقى أبو عبيدة عن أبي عمرو (٢).\nثالثًا: أغفل أبو عبيدة أصولًا تفسيرية أخرى كان الإجماع منعقدًا عليها عند المفسرين من قبل، كالعناية بتفسير السلف؛ مما جعل تفسيره تفسيرًا لغويًا محضًا، وقد اعتبر هذا المسلك خروجًا على ما كان عليه علماء اللغة والتفسير الذين كانوا يتحرجون أشد الحرج ويلتزمون بآثار السلف. وقد تعقبه الطبري في كثير من المواضع التي فسر فيها القرآن الكريم، ووصفه بأنه «مِمن ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير» (٣). مشيرًا بذلك إلى اكتفاء أبي عبيدة باللغة في التفسير، دون غيرها من المصادر.\nوقد تَحرَّجَ كثيرٌ من السلف من تفسير القرآن الكريم خوفًا من الدخول في الوعيد الذي ثبت في ذلك في قول النبي - ﷺ -: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٤). غير أن كثيرًا من العلماء نبه إلى أن التفسير بما ثبت في لغة العرب إذا لم يرد في الآية تفسير عن النبي - ﷺ - أو الصحابة ليس من التفسير بالرأي المذموم، وإنما هو تفسيرٌ بِعِلْمٍ؛ فإن القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٥)، ولذلك قال الماوردي نافيًا أن يكون التفسير باللغة من التفسير بالرأي المذموم وذلك تعليقًا على الحديث السابق: «قد حَمَلَ بعضُ المتورعة هذا\n_________\n(١) انظر: مجالس العلماء ٣٣٣، مجاز القرآن ١/ ١٥٢، ٢٨٧، ٣٥٢.\n(٢) انظر: أخبار النحويين البصريين ٢٢.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٤ - ٤٥.\n(٤) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب العلم ٤/ ٦٣، والترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن ٤/ ٢٦٨.\n(٥) الشعراء ١٩٥.","vol":"1","page":192},{"text":"الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عمَّا تُعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (١)» (٢). بل إن في عمل المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم ما يدل على أن الأخذ بلغة العرب في التفسير يشبه أن يكون إجماعًا عندهم، وقد حُكِيَ هذا الإجماعُ عنهم (٣).\nوإذا عُلِمَ «أن ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظْ من المنثور عُشرُهُ، ولا ضاع من الموزون عُشرُهُ» (٤) فإنَّ أكثر ما حُفظ من كلام العرب قبل الإسلام هو الشعر لا النثر، وذلك «أن العرب الذين هم أصل الفصاحة كانَ جُلُّ كلامهم شعرًا، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر ... والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر» (٥) وتحقيق ما أُمِرَ به المسلمُ من تدبر القرآن الكريم، يحوج إلى دراسة اللغة العربية، بناءً على أَنَّ مَا لا يتمُّ الواجب إِلَّا بهِ فهو واجبٌ، وحيث إِنَّ الشعرَ يأتي في الذروة مما حفظ من لغة العرب فلزم العناية به، وخاصة ما نقله العلماء من الشواهد الشعرية، التي تعد صفوة ما يمكن أن ينتقى للاستشهاد والاحتجاج. ويمكن إبراز صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم من خلال الأوجه التالية:\n_________\n(١) النساء ٨٣\n(٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ٣٠٤.\n(٣) انظر: المباني في نظم المعاني بتحقيق آرثر جفري ٢٠\n(٤) من كلام لعبدالصمد بن الفضل الرقاشي، أورده الجاحظ في البيان والتبيين ١/ ٢٨٧، العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ١٠\n(٥) المثل السائر ٣/ ٢٢١.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>أولًا: الاستدلال بالشاهد الشعري على المعنى اللغوي</span>.\nوظَّفَ المفسرون شواهد الشعر في شرحهم ألفاظ القرآن، وتبين دلالتها، ومعرفة المعاني اللغوية التي تدل عليها هذه الألفاظ عند العرب قبل نزول القرآن الكريم، وذلك لتتضح دلالة هذه الألفاظ لمن لا يعرف لغة العرب من جهة، وللرد على من طعن في عربية بعض ألفاظ القرآن الكريم من جهة ثانية (١).\nوقد كان لإيراد الشاهد الشعري والاستعانة به في شرح معاني ألفاظ القرآن صور متعددة في كتب التفسير، من أهمها:\n- أن يجيء الشاهد الشعري وحده مفسرًا الدلالة اللغوية، دون الحاجة إلى شرح للفظة القرآنية، ومن أمثلة ذلك أن أعرابيًا جاء إلى ابن عباس، يشكو أخاه فقال:\nتَخَوَّفَنِي مَالي أَخٌ لِيَ ظَالِمٌ ... فَلا تَخْذُلَّنِي اليومَ يَا خَيرَ مَنْ بَقِيْ (٢)\nفقال ابن عباس: تَخوَّفَكَ، أَي: تَنَقَّصَكَ؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، ﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] (٣) أي تَنَقُّصٍ مِن خِيارهم (٤). فقد جَمع ابن عباس بين معنى اللفظة في الشعر الذي سَمِعه، وفي الآية القرآنية، فكان في ذلك تفسيرًا لهذه اللفظة. ويكثر التأكيد من المفسرين على أن معنى اللفظة في هذه الآية أو تلك هو نظير معناها في الشاهد الشعري الذي أورده.\n* أن تذكر الدلالة اللغوية، ثم يؤتى بالشاهد الشعري شاهدًا لها. وذلك مثل قول الطبري في معنى «زَنِيْم» في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣] (٥) حيث قال: «الزَّنيمُ في كلام العرب: المُلْصَقُ بالقَومِ وليس منهم، ومنه قول حسان بن ثابت:\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٧.\n(٢) لم أجده، ولعله للأعرابي.\n(٣) النحل ٤٧.\n(٤) انظر: أمالي القالي ٢/ ١١٢، المزهر ٢/ ٣١١.\n(٥) القلم ١٣.","vol":"1","page":194},{"text":"وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيْطَ في آَلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (١)\nوقال آخر:\nزَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبوُهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيْمِ (٢)» (٣).\nومن الملحوظ أن السلف من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدهم بقليل كانوا يكتفون بإيراد الشاهد من الشعر دون الحاجة لشرحه للسائل، وهذا يعود إلى أنَّ فَهْمَ الشِّعْرِ كان أمرًا شائعًا في تلك الطبقات، حتى قال عمر ﵁: «كانَ الشعرُ علمَ قومٍ لم يكنْ لهم علمٌ أصحّ منه» (٤). فلم يكن العربي الذي يستمع إلى الشعر حينئذٍ بحاجةٍ إلى من يفسِّر له المراد باللفظ في بيت الشعر. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عباس لمن سأله عن معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٥) فقال: ما جَمَعَ، ألم تسمع قول الشاعر: (٦)\nمُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٧)\nحيث اكتفى بتذكير السائلِ بالشاهد من الشعرِ، دونَ أَن يزيد على ذلك، اكتفاءًا بسليقةِ السائلِ، وثقةً في فهمه للشعر.\nومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأما قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] (٨). فمعناه في جنات إقامة وثبوت، يقال: عَدَنَ الشيءُ في المكانِ إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء. ومنه قول الأعشى:\n_________\n(١) ديوانه ١١٨، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٥.\n(٢) لم أقف على قائله، وهو في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ١٦٤.\n(٤) كنْز العمال ٣/ ٨٥٣، طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٤، ٥٢٤، العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٢٢.\n(٥) الانشقاق ١٧.\n(٦) لم أعرفه.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٩٢، وانظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٤٧، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(٨) التوبة ٧٢.","vol":"1","page":195},{"text":"وإِنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ (١)\nهذا الكلام اللغوي» (٢). وهناك رواية أخرى للبيت «وَزَن» بدل «عَدَن»، وقد نبَّه عليها الطبريُّ. (٣) فقول ابن عطية هنا: «هذا الكلام اللغوي»، معناه: التفسير اللغوي، كما في الشاهد الشعري دون أن يشرح ابن عطية اللفظة في الشاهد الشعري؛ اتكالًا على فهم القارئ للشِّعر، فإن لم يتمكن القارئ من فهم العلاقة بين الشواهد والآية، فليرجع إلى شروح تلك الأشعار في مظانها.\nوفي هذه الصورةِ رُبَّما أطال المفسِّرُ في توضيح المفردة القرآنية بالشواهد الشعرية بعد تفسيرها كما في تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ [مريم: ١٣] (٤)، حيث فسر معنى الحنَان فقال: «والحنانُ: الرَّحْمَةُ، والشَّفَقَةُ، والمَحبَّةُ، قاله جُمهور المفسرين، وهو تفسيرُ اللغةِ ... ومن الشواهد في الحَنَانِ قول امرئ القيس:\nوتَمنحُها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ ... مَعِيْزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَانِ (٥)\nوقال النابغة:\nأبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنَا ... حنَانيكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ منْ بَعضِ (٦)\nوقال الآخر:\nفقالت حنانٌ ما أَتى بكَ هَا هُنَا ... أَذُو نَسبٍ أم أنتَ بالحيِّ عَارِفُ (٧)» (٨).\n_________\n(١) رواية الديوان:\nوإِنْ يُسْتَضَافُوا إلى حُكْمِهِ ... يُضَافُوا إِلى هَادِنٍ قدْ رَزَنْ\nانظر: ديوانه ٦٩.\n(٢) المحرر الوجيز ٨/ ٢٣٠، وانظر: مجاز القرآن ١/ ٢٦٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١١/ ٥٥٩.\n(٤) مريم ١٣.\n(٥) انظر: ديوانه ١٤٣.\n(٦) انظر: ديوانه ١٥٢.\n(٧) سبق تخريجه ص ١٥٨.\n(٨) المحرر الوجيز ١١/ ١٧.","vol":"1","page":196},{"text":"فهو هنا قد أورد ثلاثة شواهد شعرية لتوضيح معنى الحنان في اللغة، بعد أن بَيَّنَ دلالته اللغوية، وهذا الغالب في إيراد الشواهد الشعرية عند المفسرين، حيث يورده المفسرون بعد إيضاح الدلالة اللغوية للفظة، فيكون شاهدًا للمعنى يُفَسِّرُه.\n* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولبعضها شواهد دون بعض. وذلك مثل تفسير «السَّكَرِ» في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] (١)، حيث قال أبو عبيدة في تفسيرها: «أي: طُعْمًا، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، أي: طعمًا، وهذا سَكَرٌ، أي: طُعْمٌ، وقال جَنْدَلُ (٢):\nجَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (٣)» (٤).\nوقد اعترضه الزجاج في دلالة اللفظ، فقال: «وقالوا في تفسير قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: إنه الخمرُ قبل أن تُحَرَّم، والرزق الحسن يؤكل من الأعناب والتمور. وقيل: إن معنى السَّكَرِ: الطُّعمُ، وأنشدوا:\nجَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (٦)\nأي: جعلت دمهم (٥) طُعْمًا لك، وهذا بالتفسير الأول أشبه، والمعنى: جعلت تَتَخَمَّرُ بأَعراض الكرام، وهو أَبْيَنُ فيما يقالُ: الذي يَتَبَرك (٦) في أعراض ... الناس». (٧) وفي لغة العرب: «وقيل: السَّكَرُ -\n_________\n(١) النحل ٦٧.\n(٢) هو جندل بن المثنى الطهوي، شاعر إسلامي راجز. انظر: سمط اللآلي للبكري ٢/ ٦٤٤.\n(٣) لم أجده عند أحد قبل أبي عبيدة، وهو في تفسير الطبري ٤/ ٨٤، والزجاج في معانيه ٣/ ٢٠٩.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٣٦٣.\n(٥) هكذا، ورُبَّمَا تَكونُ: ذَمَّهم؛ لمناسبتها للسياق.\n(٦) هكذا في المعاني، ولعل صوابها: يَبْتَرِكُ كما نقلها الأزهري عن الزجاج في تهذيب اللغة ١٠/ ٥٨.\n(٧) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢٠٩.","vol":"1","page":197},{"text":"بالتحريك - الطعامُ، وأنكر أهلُ اللغة هذا، والعرب لا تعرفه». (١) في حين عدَّ الطبريُّ هذا المعنى أحد معاني السَّكَرِ عند العرب (٢).\nومن الأمثلة كذلك تفسير الطبري للتلاوة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٣)، حيث قال: «ولقول القائل: هو يتلو كذا، في كلام العرب معنيان:\nأحدهما الاتباع، كما يقال: تلوت فلانًا، إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره. كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (٤) يعني بذلك: تتبع.\nوالآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآنَ، بمعنى: أنه يقرأه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:\nنَبِيٌّ يَرَى مَا لايَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... ويَتْلُو كِتَابَ اللهِ في كُلِّ مَشْهَدِ (٥)» (٦).\nفالطبري أورد دلالتين لغويتين للتلاوة، فاستشهد على الأولى بقراءة من القراءات المتواترة، واستشهد على الدلالة الثانية بشاهد شعري.\n* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولجميعها شواهد. ومن ذلك تفسير المَخْمَصَةِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] (٧) حيث يقول الطبري: «في مخمصة، يعني: في مجاعةٍ، وهي مفعلةٌ ... مِنْ خَمَصِ البَطْنِ، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع، معنيٌّ به اضطماره من الجوع وشدة السَّغَبِ، ولكنْ مِنْ خِلْقَةٍ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بِخَمَصِ البطن:\n_________\n(١) لسان العرب ٦/ ١٤٥ (سكر).\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٨٤.\n(٣) البقرة ١٠٢.\n(٤) يونس ٣٠، وهذه قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب. تتلو بتاءين. انظر: السبعة ٣٢٥، التيسير ١٢١.\n(٥) انظر: ديوانه ٨٨.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤١١.\n(٧) المائدة ٣.","vol":"1","page":198},{"text":"والبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيّنٌ ... والنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ (١)\nفمعلومٌ أنه لم يرد صفتها بقوله: «خميصٌ» بالهُزالِ والضر من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها؛ لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك قول أعشى بني ثعلبة:\nتَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا (٢)\nيعني بذلك: يَبِتْنَ مُضطمراتِ البطون من الجوع والسَّغَبِ والضُّرِّ، فمن هذا المعنى قوله: في مَخْمَصةٍ» (٣).\nوهذا الاستقصاء الدقيق لمعاني المخمصة في الشعر العربي، والمعنى المناسب منها لدلالة اللفظة في الآية الكريمة عليه حُسْنُ بَصَرٍ من الطبري ﵀ بالتفسير والشعر معًا، بل إن شرحه لبيت النابغة أوفى من شرح شارح الديوان (٤).\nبواعث الاستشهاد:\n- قد يكون الباعث على الاستشهاد هو غموض دلالة اللفظة، كما فعل أبو عبيدة في تفسير الطلح في قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] (٥)، حيث قال: «زعم المفسرونَ أَنَّهُ الموزُ، وأَمَّا العربُ فالطلحُ عندهم شَجَرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوك، وقال الحادي: (٦)\nبَشَّرَهَا دَليلُها وقَالا ... غَدًا تَرَيْنَ الطلحَ والحِبَالا (٧)» (٨).\nفأبو عبيدة ذكر قول المفسرين أولًا في المراد بالطلح وأنه الموز، ولكنه ذكر معنى آخر للطلح عند العرب وهو نوعٌ من الشجر، وقد استند\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٦.\n(٢) انظر: ديوانه ١٠٩.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٤) انظر: ديوان النابغة الذبياني ٩٢.\n(٥) الواقعة ٢٩.\n(٦) هو النابغة الجعدي كما في تفسير القرطبي ١٧/ ١٣٥.\n(٧) ليس في ديوانه.\n(٨) مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠.","vol":"1","page":199},{"text":"في ذلك التفسير إلى شاهد شعريٍّ،، وهذا المعنى غامض، مما دفع الطبريّ للتعقيب على كلام أبي عبيدة بقوله: «وأما الطلح فإن معمر بن المثنى كان يقول: هو عند العرب شَجَرٌ عِظَامٌ، كثير الشوك. وأنشد لبعض الحداة ... وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموزُ» (١).\nفتفسير أبي عبيدة اللغوي اعتمد على شاهد شعري، مع ذكره تفسير ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، ولكن الطبري عاب أبا عبيدة بذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، وقد كثرت تعقبات الطبري لأبي عبيدة في فهمه للشواهد الشعرية (٢).\n- وقد يكون الاستشهاد للاشتراك في معنى اللفظة، ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩] (٣) قال: «أي به يَنْجُونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضًا، وهي المَنْجَاةُ، قال: (٤)\n................... ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٥)\nأي المقهور المغلوبُ، وقال لبيد:\nفَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ ... ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ (٦)» (٧).\nفتعقبه الطبري بقوله: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٣١٠.\n(٢) ينظر لتعقبات الطبري لأبي عبيدة: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٢٤، ٢٢٧، ٣٢٠.\n(٣) يوسف ٤٩.\n(٤) هو أبو زبيد الطائي.\n(٥) عجز بيت، وصدره:\nصَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... ............................\nوهذه القصيدة من المجمهرات. انظر: جمهرة أشعار العرب ٥٨٣.\n(٦) انظر: ديوانه ٦٥.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ٣١٣ - ٣١٤.","vol":"1","page":200},{"text":"معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] إلى: وفيه يَنْجُونَ من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعم أنه من العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:\nصَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كانَ عُصرَةَ المَنْجُودِ\nأي المقهور، ومن قول لبيد:\nفَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ ... ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ\nوذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (١). فالطبري هنا يرد تفسير اللغة الذي ذهب إليه أبو عبيدة لمخالفته لتفسير الصحابة والتابعين، الذين فسروه بأن معناه تعصرون الزيت والسمسم، أو تحلبون الحليب (٢). وهذا يعني أن التفسير اللغوي الذي ينفرد به أحد علماء اللغة كأبي عبيدة إذا خالف ما أجمع عليه السلف ممن قبله من الصحابة والتابعين وأتباعهم فإنه يرد، فالسلف هم أهل اللغة، وهم الذين شاهدوا التنْزِيل، وصحبوا الرسول - ﷺ -، فكانوا أولى بإصابة الحق، وأولى بالاتباع، ولذلك قال الطبري في تعقبه لتفسير أبي عبيدة: «وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثانيًا: الاستدلال بالشاهد الشعري لبيان أساليب القرآن</span>.\nعُنِيَ المفسرون بدراسة الأساليب القرآنية، ووازنوا بينها وبين الأساليب العربية في الشواهد الشعرية، وكثيرًا ما تقرأ قولهم: «وهذا نظير قول الشاعر»، أو: «ومثله قول الشاعر». وذلك لأن القرآن الكريم فيه: «ما في الكلام العربي من الغريب والمعاني، ومن المُحتمل مِن\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ١٣١.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١٦/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ١٣١.","vol":"1","page":201},{"text":"مَجَازِ ما اخْتُصِرَ، ومَجَازِ ما حُذِفَ، ومَجَازِ ما كُفَّ عَن خَبَره، ومَجَازِ ما جاء لفظهُ لفظَ الواحدِ وَوَقَعَ على الجمع، ومَجازِ ما جاء على الجمعِ ووقع معناه على الاثنين» (١).\nومن الأمثلة على ذلك قول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] (٢): «والعرب إذا بدأت بالأسماء قبل الفعل جعلت أفعالها على العدد، فهذا المُستعملُ، وقد يجوز أن يكون الفعل على لفظ الواحد كأَنَّهُ مقدمٌ ومؤخرٌ، كقولك: وتفيض أَعينُهُم.\nكما قال الأعشى:\nفَإِنْ تَعْهَدِيْنِي وَلِيْ لِمَّةٌ ... فَإِنَّ الحَوادثَ أَودى بِهَا (٣)\nووجه الكلام أن يقولَ: أَودينَ بِهَا، فلما توسَّعَ للقافيةِ جازَ على النَّكْسِ (٤). كأنه قال: فإنه أودى الحوادث بها» (٥). وهو هنا يشير إلى حال الفعل مع الفاعل في حال المثنى والجمع، وهذا من الأساليب النحوية.\nوربما اختلفَ المفسرونَ في حَملِ الآية على معنى بعض الشواهد من شعر العرب، ومن ذلك أن أبا عبيدة قد ذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] (٦) وأمثالها، إلى أن معناه: «وقلنا للملائكة، و«إذ» من حروف الزوائد، وقال الأسود بن يَعْفُر:\nفَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... والدهرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ (٧)\nومعناها: وذلك لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ، لا طعم ولا فضل، وقال عبد مناف بن رِبْعٍ الهُذَليُّ وهو آخر قصيدة:\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ١٨، وانظر: ١/ ٨ - ١٧، وانظر: تأويل مشكل القرآن ٢٠ - ٢١، ٨٢، ٨٦، ٢٣٥.\n(٢) التوبة ٩٢.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٢١.\n(٤) لعل معناها: عكس الكلام.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(٦) البقرة ٣٤.\n(٧) لا مَهَاه: أي لا بقاءَ، وهي بالهاء لا بالتاء. انظر: ديوانه ١٧، والمفضليات ٢٢٠.","vol":"1","page":202},{"text":"حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًاّ كمَا تَطردُ الجَمَّالةُ الشُرُدَا (١)\nمعناه: حتى أسلكوهم» (٢). وهذان الشاهدان اللذان ذكرهما أبو عبيدة يصحان في (إِذَا) وليس في (إِذْ)، فالكلام هنا مختلف. وقد تعقبه الطبري فقال: «زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة، أن تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] (٣): وقال ربك. وأَنَّ (إِذْ) من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذفُ. واعتلَّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر ...». ثم ساق الشاهدين. ثم عقب على ذلك بقوله: «قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال، وذلك أنَّ (إِذْ) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت، وغير جائزٍ إبطال حرف كان دليلًا على معنى في الكلام. إذ سواء قيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنىً مفهوم - وقيلُ آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلًا على ما أريد به: هو بمعنى التطوُّل.\nوليس لما ادعى الذي وصفنا قوله في بيت الأسود بن يعفر أن (إذا) بمعنى التطول وجه مفهوم، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله:\n............................ ... فَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ\nوذلك أنه أراد بقوله: «فإذا»: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله: «ذلك» إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه «لا مَهَاهَ لذكره» يعني: لا طعمَ له ولا فضلَ؛ لإعقاب الدهر صالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ:\nحتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا .............................\n_________\n(١) قُتَائِدَة أي: ثَنِيَّة، وكُلُّ ثَنِيَّةٍ قُتائدة، والجَمَّالَةُ: أصحاب الجمال. انظر: ديوان الهذليين ٢/ ٤٢.\n(٢) مجاز القرآن ١ - ٣٦ - ٣٧.\n(٣) البقرة ٣٠.","vol":"1","page":203},{"text":"لو أسقط منه إذا بطل معنى الكلام؛ لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلًاّ. فدل قوله: «أسلكوهم شلًّا» على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة (إذا) عليه فحذف، كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك، وكما قال النمر بن تولب:\nفإِنَّ المنيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسوفَ تُصَادفهُ أَيْنَمَا (١)\nوهو يريد: أينما ذهب ... الخ» (٢).\nوفي المثال السابق ما يدل على ما قد يقع من الخطأ في الاستشهاد بالشاهد الشعري، فأبو عبيدة قد استشهد بشواهد على «إذا»، في موضع كان ينبغي له أن يورد فيه شواهد على «إِذْ»، ولذلك تعقبه الطبري.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره القرطبي حيث يقول: «قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ [النساء: ٨٣] (٣) في «إذا» معنى الشرط، ولا يجازى بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه: والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير:\nوإذا مَا تشاءُ تبعثُ منها ... مغربَ الشمسِ نَاشِطًا مَذعُورا (٤)\nيعني أن الجيد لا يجزم بإذا «ما» كما لم يجزم في هذا البيت» (٥). فهو هنا قد اتخذ من الشاهد الشعري دليلًا على ما ذهب إليه من استحسان عدم الجزم بـ «إذا» كأسلوب من أساليب العربية، وأن الجيد هو رفع ما بعد إذا على ما يجب فيها، وهو أجود من الجزم بها (٦). وهذا استدلال بالشاهد الشعري على الأسلوب اللغوي الجيد.\n_________\n(١) البيت في الصناعتين ١٨٣، وخزانة الأدب ١١/ ١٠١.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٣٩ - ٤٤٢.\n(٣) النساء ٨٣.\n(٤) انظر: ديوانه ٣٣.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٨٨، ١/ ١٤١.\n(٦) انظر: الكتاب لسيبويه ٣/ ٦٢.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثالثًا: الاستدلال بالشاهد الشعري للحكم بعربية الألفاظ والأساليب</span>.\nيعقب المفسرون على بعض المفردات أو الأساليب بوصفها بالفصاحة، أو الجودة، أو ناسبين تلك اللغة إلى قبيلة من قبائل العرب، معتمدين في ذلك الحكم على شاهد من شواهد الشعر، ويكثر ذلك عند الموازنة بين القراءات القرآنية، ولا سيما الإمام الطبري.\nومن ذلك قوله ﵀: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ [القيامة: ١٠] (١) وبفتح الفاء، قرأ ذلك قرأةُ الأمصار؛ لأن العين في «يَفْعِل» مكسورة، وإذا كانت العين من «يفعِل» مكسورة، فإن العرب تفتحها في المصدر منه، إذا نطقت به على «يَفْعِلُ»، فتقول: فَرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا. بمعنى: فرارًا، كما قال الشاعر: (٢)\nيا لَبَكْرٍ أَنشِروا لي كُليبًا ... يا لبَكْرٍ أينَ أينَ الفرارُ (٣)\nفإذا أُريد بهذا هذا المعنى من مَفْعلٍ قالوا: أين المَفَرُّ؟ بفتح الفاء. وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضهم:\nكأَنَّ بقايا الأَثْرِ فوقَ متونهِ ... مَدَبُّ الدَّبَى فوق النَّقَا وهو سارحُ (٤)\nوقد يُنشَدُ بكسر الدال، والفتح فيها أكثر، وقد تنطق العرب بذلك، وهو مصدر بكسر العين، وزعم الفراء أنهما لغتان، وأنه سمع: جاءَ على مَدَبِّ السَّيلِ، ومَدِبِّ السيلِ، وما في قميصِهِ مَصَحٌّ ومَصِحٌّ» (٥). فهو قد جعل الشاهد الشعري مستندًا في تصحيح اللغتين في الكلمة، وذلك بناء على رواية الفراء وهو ثقة لذلك عن العرب (٦).\nومن الأمثلة كذلك قوله: «والصواب من القول في ذلك: أَنَّ\n_________\n(١) القيامة ١٠.\n(٢) هو مهلهل بن ربيعة.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٤.\n(٤) لم أجده.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء ٣/ ٢١٠.","vol":"1","page":205},{"text":"الشِّهابَ إذا أريد به أنه غيرُ القَبَسِ، فالقراءة فيه بالإضافة؛ لأَنَّ معنى الكلام حينئذ، ما بَيَّنَا من أنه شُعلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعر (١):\nفي كفهِ صَعدةٌ مُثقفَةٌ ... فيها سِنَانٌ كَشُعلةِ القَبَسِ (٢)\nوإذا أريد بالشهاب أنه هو القَبَسُ، أو أنه نعتٌ له، فالصواب في الشهابِ التنوينُ؛ لأنَّ الصحيح في كلام العرب تركُ إضافةِ الاسم إلى نعته، وإلى نفسه، بل الإضافات في كلامها المعروفةُ إضافةُ الشيء إلى غير نفسه وغير نعته» (٣). وهذه مسألة نحوية.\nويقول الطبري: «ومعنى قولهم: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (٤) لم تأت عليه السنون فيتغير، على لغة من قال: أَسْنَهْتُ عندَكُم، أَسْنَهُ، إذا قامَ سَنَةً، كما قال الشاعر (٥):\nوليستْ بِسَنْهَاءٍ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكنْ عَرايَا في السنينِ الجوائحِ (٦)\nفجعل الهاء في السنة أصلًا، وهي اللغةُ الفصحى» (٧).\nومن الأمثلة كذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١] (٨): «أي القبور.\nوقُرئ بالفاء: (من الأَجْدَافِ) (٩)، ذكره الزمخشري (١٠). يقال: جَدَثْ\n_________\n(١) هو أبو زبيد الطائي.\n(٢) انظر: ديوانه ١٠٥.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٩.\n(٤) البقرة ٢٥٩.\n(٥) هو سويد بن الصامت الأنصاري، ويقال: أحيحة بن الجلاح.\n(٦) الأمالي ١/ ٢١، سمط اللآلي ٣٦١.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٤٦١.\n(٨) يس ٥١.\n(٩) أنكرَ بعضُهم جَمع أجداف، وذكروا أنه لم ينقل عن العرب، وذهب آخرون إلى أن الفاء والثاء تتعاقبان على الموضع الواحد، وذهب السهيلي إلى أنه بالفاء أصلٌ. انظر: البحر المحيط ٧/ ٣٢٥، معجم القراءات للخطيب ٧/ ٤٩٩.\n(١٠) انظر: الكشاف ٤/ ٢٠.","vol":"1","page":206},{"text":"وجَدَفْ. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع أَجْدُثٌ وأَجْدَاثٌ، قال المتنخلُ الهُذَليُّ:\nعَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلامَاتٍ كَتَحْبِيْرِ النِّمَاطِ (١)» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>رابعًا: الاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات</span>.\nيعتني المفسرون في كتب التفسير بتوجيه القراءات القرآنية من حيث الإعراب، ويستعينون على ذلك بشواهد الشعر التي تؤيد مذاهبهم الإعرابية. وهذه المواضع من أكثر المواضع التي يلجأ فيها المفسرون إلى دعم ما يذهبون إليه من الآراء بالشواهد الشعرية، ولا سيما النحوية منها. ومن الأمثلة على ذلك:\nعند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩] (٣) قال: «واختلف القُراءُ في ﴿يُخَادِعُونَ﴾ الثاني، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ... فوجهُ قراءة ابن كثير ومَنْ ذُكِرَ إحراز تناسب اللفظ، وأن يُسَمَّى الفعلُ الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، ويجيء ذلك كما قال الشاعر (٤):\nألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينَا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجَاهلينَا (٥)\nفجعلَ انتصارَهُ جَهْلًا» (٦). حيث وَجَّهَ قراءة ابن كثير ومن وافقه أنه من باب تناسب اللفظ، وأن قوله ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ههنا بِمعنى: ﴿يَخْدَعُونَ﴾؛ «فإِنَّ فاعلَ قد جاءَ والفعلُ فيه من واحدٍ، كعاقبتُ اللصَّ، وطَارقتُ النَّعلَ، وإِنَّمَا جاء ههنا فَاعَلَ بِمعنى فَعَلَ لِيُشَاكِلَ لفظهُ لفظَ الأَوَّلِ، وإن\n_________\n(١) أَجْدُث ونِعَافِ عِرْقٍ أسماء مواضع، والنِّمَاطُ جَمع نَمَطٍ، وتحبير أي تنقيش. انظر: شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٦٦.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٨.\n(٣) البقرة ٩.\n(٤) هو عمرو بن كلثوم.\n(٥) انظر: ديوانه ١٨٩.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ١١٢.","vol":"1","page":207},{"text":"كان المعنى غير الأول طلبًا لمزاوجة اللفظ». (١) واستشهد على صحة ذلك، وأن العرب تفعله، بقول الشاعر (٢).\nوقال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] (٣): «وقرأ ابنُ كثيرٍ وعبيد عن أبي عمرو: ﴿وَكَائِنْ﴾ ممدودٌ مهموزٌ (٤)، كما قال الشاعر:\nوكائِنْ بالأَبَاطحِ من صديفٍ (٥)» (٦) ... .......................................\nفقراءة أبي عمرو هنا صحيحة، وابن عطية يلتمس ما يشهد لهذه القراءة من اللغة، فاستشهد بالشاهد الشعري على صحة هذا الوجه لغةً.\nوقال ابن عطية: «وقراءة أبي بن كعب فيما حكى الكسائي: ﴿أو يُسْلِمُوا﴾ بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس:\nفقلتُ لهُ: لا تبكِ عَيناكَ إِنَّمَا ... نُحاولُ ملكًا أو نَموتَ فَنُعذرا (٧)\nيروى: نَمُوتَ بالنصبِ، ونَموتُ بالرفع. فالنصبُ على تقدير: أو يكونَ أَنْ نَموتَ، والرفعُ على القطعِ، أَو نَحنُ نَموتُ» (٨).\nفهو هنا يشير إلى القراءة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (٩) فقد قرأ الجمهور بإثبات النون رفعًا، وهو عطف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الاستئناف، على تقدير: أو هم يسلمون.\n_________\n(١) الموضح في وجوه القراءات وعللها لابن أبي مريم ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٢) انظر: السبعة ١٤١،، النشر ٢/ ٢٠٧.\n(٣) الطلاق ٨.\n(٤) انظر: السبعة ٦٣٩.\n(٥) صدر بيت لجرير، وعجزه: يَراني لَو أُصِبْتُ هوَ المُصَابَا ... انظر: ديوانه ١/ ٦٤٩.\n(٦) المحرر الوجيز ١٦/ ٤٣.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٤٥.\n(٨) المحرر الوجيز ١٥/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٩) الفتح ١٦.","vol":"1","page":208},{"text":"وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وزيدُ بن علي، وعبدالله بن مسعود ﴿أَوْ يُسْلِمُوا﴾ بحذف النون، وهو منصوب بتقدير (أن) في قول الجمهور من البصريين على تقدير: إِلَّا أَن يُسْلِموا. وعند الكسائي والجرمي على تقدير: (حتى يسلموا) (١).\nويقول القرطبي: «وقرأ طلحة بن سليمان: ﴿يُدركُكُمُ﴾ برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله:\nمَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشكرُهُا (٢)\nأراد: فالله يشكرها» (٣). وهو هنا يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] (٤) وقد رَدَّ ابنُ مُجاهد هذه القراءة في العربية، وحكم عليها أبو حيان بالضعف (٥). غير أن ابن جني لم يرتض ذلك وقال: «وهو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم، ولو قال [أي ابن مجاهد]: مردود في القرآن لكان أصح معنى، وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت ...» (٦).\nوقد ظهر اهتمام المفسرين بالشعر في فهم الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية مبكرًا منذ بدء التفسير، فقد كان المفسرون من علماء اللغة الذين يحرصون على حفظ الشعر، وقراءة الدواوين ودراستها، حتى ذكر الواحدي أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي - ﵀ - يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٧١، معاني القرآن للزجاج ٥/ ٢٤، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٩١، الكشاف ٣/ ١٣٨، البيان للأنباري ٢/ ٣٧٧، مغني اللبيب ٦٢٤.\n(٢) تقدم تخريجه ص ٠٠٠.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٨٢.\n(٤) النساء ٧٨.\n(٥) البحر المحيط ٣/ ٢٩٩.\n(٦) المحتسب ١/ ١٩٣.","vol":"1","page":209},{"text":"حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀.\nفقلتُ: يا أَبتِ! إِنَّما أَتدرَّجُ بِهذا إلى ذلك الذي تريدُ، وإذا لم أُحْكِمِ الأدبَ بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب ...» (١).\nوهذا الطبري يقول في التأكيد على أن الشواهد الشعرية الصحيحة عمدة المفسر في معرفة الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية فيقول في ذلك: «وأصحهم برهانًا فيما ترجمَ وبَيَّنَ من ذلك مما كان مدركًا من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة ..» (٢).\nبل لم يكن هذا محل عناية المفسرين فحسب، بل إن ابن هشام في السيرة النبوية، يعرض لتفسير بعض الآيات مستعينًا على ذلك بالشعر، فمن ذلك: «قال ابن هشام: (أَيَّانَ مُرسَاها): متى مرساها. يعني بذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] (٣) قال قيسُ بنُ الحداديةِ الخزاعيُّ (٤):\nفَجِئْتُ وَمَخْفَى السِّرِّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... لأَسْأَلَهَا أَيَّانَ مَنْ سَارَ رَاجِعُ (٥)\n_________\n(١) مقدمة تفسير البسيط للواحدي ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ رسالة دكتوراه بتحقيق الدكتور محمد بن صالح الفوزان.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٩٣.\n(٣) الأعراف ١٨٧.\n(٤) هو قيس بن منقذ بن عمرو بن عبيد بن ضاطر الخزاعي، والحدادية أمه، من شعراء الجاهلية، كان فاتكًا شجاعًا خليعًا، خلعته خزاعة بعكاظ، فلا تحتمل جرائره. انظر: الأغاني ١٤/ ١٤٤.\n(٥) انظر: الأغاني ١٤/ ١٥٤.","vol":"1","page":210},{"text":"ومرساها: منتهاها، وجَمعهُ: مَرَاسٍ، قال الكميت بن زيد الأسدي:\nوَالمُصِيْبِيْنَ بَابَ مَا أَخْطَأَ النَّا ... سُ وَمُرْسَى قَواعدِ الإِسْلامِ (١)\nومُرْسَى السفينةِ: حيثُ تَنْتهي» (٢).\nوكذلك أشار شُرَّاحُ الشعر، وجامعو المَجموعات الشعرية إلى أهمية الشعر في تفسير القرآن، قال القرشي في مقدمة مختاراته من شعر العرب: «هذا كتابُ جَمْهَرَةِ أشعار العرب في الجاهلية والإسلام الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتُّخِذَت الشواهدُ في معاني الحديث من أشعارهم» (٣). وقال أبو هلال العسكري وهو يعدد فضائل الشعر: «ومن ذلك أيضًا أن الشواهد تنزع من الشعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن، وأخبار الرسول شاهد» (٤).\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢/ ١٧٨.\n(٢) السيرة النبوية ٢/ ٢١٨.\n(٣) جمهرة أشعار العرب ١١.\n(٤) الصناعتين ١٣٨.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن</span>.\nالعربُ أهلُ فصاحةٍ وبَيَانٍ، وأهل شِعْرٍ وخَطَابة، وقد «كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون» (١)، وقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وكان نزوله حادثة فريدة في تاريخ البشر، وفي تاريخ الأنبياء صلوات الله عليهم، ولذلك «... كان الذين آمنوا بهذا الكتاب - كتاب الله - هم العربُ الجاهليين أصحاب «الشعر الجاهلي»، فصورة هذا العصرِ، وصُورُ رِجَالهِ أَسَاسٌ لا غِنَى عنه في قضيةِ صحةِ الشعرِ الجاهلي، وفي قضية صحةِ روايته» (٢).\nوقد تَحدَّى الله العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان إعجاز القرآن الذي تحدى الله به العربَ إعجازًا بيانيًا مرتبطًا بلغتهم العربية، التي يُمثِّلُ الشعرُ أعلى مُستوياتِها، ولا سيما شعر الجاهلية «الذي هو أقوى الشعر وأفحله» (٣)، وهو الأصل الذي انبثق منه الشعر العربي في سائر العصور، فكان الطعن في هذا الشعر طعنًا في لغة القرآن، وطعنًا في شواهدها التي عَوَّلَ عليها المفسرون، وذلك لأنَّ مطالبة العرب بأن يؤمنوا بأن محمدًا - ﷺ - رسولٌ من الله أرسله إليهم، يبلغهم عن ربهم،\n_________\n(١) طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٤.\n(٢) قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام لمحمود شاكر ١٠٤.\n(٣) الصناعتين ١٣٧.","vol":"1","page":212},{"text":"حقيقة تاريخية واقعة لا شك فيها؛ لأنه «مُحالٌ أن يفجأ الله عباده من عَربِ الجاهلية بهذا التبيُّنِ الذي طالبهم به، وهم خِلْوٌ من القدرة عليه، فكان لزامًا أن تكون لهم قدرة يعلمها سبحانه فيهم، وإن جهلوها هم من أنفسهم من قبل أن يطالبوا بهذا التبين، وإلا يكن ذلك كذلك، كانت المطالبة تعجيزًا محضًا لعباده، يسقط منهم التكليف الذي تقتضيه هذه المطالبة» (١).\nوقد تعرض هذا الشعر في العصور المتأخرة إلى الطعن في صحته من قبل عدد من الباحثين من المستشرقين والعرب، ونظرًا لما لهذا الطعن من خطر على ما يرتبط بهذا الشعر من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، كان من الضروري التعرض لهذه المسألة بشيء من الاقتضاب الذي يعطي صورة واضحة للمسألة، وذلك في النقاط التالية:\nأقسام الشعر الجاهلي من حيث الصحة:\nالشعر الجاهلي كغيره من جوانب تاريخ الجاهلية كان يعتمد الرواة في نقله على الحافظة، والرواية الشفوية في معظمه، وقد اعتراه ما اعترى غيره من المسموعات من اختلافٍ في الرواية، أو تزيُّدٍ فيها أو في بعضها، وربَّمَا تعرَّضَ للوضعِ والاختلاق، ولذلك يُمكنُ تقسيم الشعر الجاهلي من حيث الصحة ثلاثة أقسام:\nالأول: شعر صحيح لا سبيل إلى الشك فيه، وهو الذي أجمع العلماء الثقات على صحته، وفقًا لخبرتهم بهذا الشعر، وكانوا كثيرًا ما يعتمدون على حسهم الشعري النقدي، الذي اكتسبوه بعد معاناة شاقة في جمع تلك المادة ودراستها، التي أثمرت معرفة واسعة في تمييز صحيح الشعر من منحوله، ومن ذلك أنَّ حمادًا\n_________\n(١) قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام ١١١.","vol":"1","page":213},{"text":"الراوية أنشد بلال بن أبي بردة شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال ذو الرمة: جيد، وليس له! قال بلال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري، إلا أنه لم يقله، فلما قضى بلال حوائج حماد، قال له: أنت قلت هذا الشعر؟ قال: لا، قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم، وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أن ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام (١)، ولذلك ذهب ابن سلام إلى أن ما اتفق عليه العلماء فليس لأحد أن يخرج منه (٢).\nوما ذاك إلا لقوة تلك الملكة النقدية التي تميز بها العلماء والرواة في زمن الرواية الأول، والتي جعلت خلفًا الأحمر يقول حينما قال له قائل: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه، فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال خلف رادًا عليه: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصرَّافُ: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك له؟  (٣).\nوهذا القسم يُمثِّلُ جُلَّ المحفوظِ مِن شعر الجاهلية، وهو الذي اعتمد عليه المفسرون واللغويون والنحويون في الاستشهاد والاحتجاج، وقد حُفظ عبر الرواية الصحيحة، واستقر في الدواوين الموثوقة حتى اليوم.\nالثاني: شعر منحول مصنوع:\nوهو شعر ساقط، لا يعتد به، تعددت أسباب وضعه فمنه ما وضعه القُصَّاص؛ لتحسين قصصهم بالشعر، إذ كانوا على معرفة تامة بمحبة العربي للشعر، وكان الشعر بمثابة الدليل على تأكيد صحة ما يقولون، ولذا وضعوا شعرًا على لسان آدم والأنبياء والعرب البائدة (٤).\n_________\n(١) انظر: الأغاني ٦/ ٨٨.\n(٢) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤.\n(٣) طبقات فحول الشعراء ١/ ٧.\n(٤) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥.","vol":"1","page":214},{"text":"وهناك أشعار وضعت على ألسنة الحيوانات (١)، وأشعار سبب نحلها العصبية القبلية، ورغبة أفراد القبيلة في رفع شأن عشيرتهم، فيذكرون من الأمجاد والوقائع ما ليس لهم (٢).\nوالذي يعني البحث أن هذا الضرب من الشعر ساقط لا يُحْتَجُّ ولا يُستشهد به على ألفاظ القرآن ولا تفسير آياته، ولذلك يقول ابن سلام: «وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ... وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد - إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه - أن يقبل من صَحِيفَةٍ، ولا يروي عن صَحَفي» (٣).\nوهذا القسم قد مَحَّصه العلماء، وأسقطوه من المصنفات منذ العصور المتقدمة، ومن ذلك أن ابن هشام (ت ٢١٨ هـ) قد أخذ على عاتقه مهمة تنقية سيرة ابن إسحاق مما شابها، فتعقب ابن إسحاق ونقد الشعر الذي أورده، وبيَّنَ الفاسدَ الموضوعَ وأسقطه، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة (٤).\nولم يكن لهذا الضرب من الشعر تأثير في شواهد التفسير، بحيث يُشكِّلُ عِلَّةً قادحةً تُعَلُّ بِها قضية الاستشهاد بالشعر، وذلك لندرته في كتب التفسير، ومن أمثلته النادرة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر:\nفَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا\nفقد استشهد به المفسرون (٥)، في حين قد اعترف أبو عمرو بن\n_________\n(١) انظر: الكامل ٢/ ٧٣١.\n(٢) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٦.\n(٣) المصدر السابق ١/ ٤.\n(٤) انظر: السيرة النبوية ١/ ٤.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٢٩٣، تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٧٢، ٢٣/ ٥٩٥.","vol":"1","page":215},{"text":"العلاء ﵀ بوضعه، وإضافته لقصيدة الأعشى (١).\nالثالث: شعرٌ مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء والرواة منذ الصدر الأول للرواية، حتى قال ابن سلام: «وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه» (٢). وهذا الضرب قد يبدو كثيرًا، غير أن الدراسات المتأنية قد أثبتت أنه ضئيل جدًا إذا ما قورن بما وثقه العلماء الأثبات، والرواة العدول، وقدكان للاختلاف بين العلماء أثر كبير في تضخيم هذا الضرب، وكثرة الدراسات حوله، ويمكن فهم مثل هذا الاختلاف إذا عُلِمَ أن الرواة لم ينهلوا من مصدر معيَّن وحيد، بل لكل راوية مصادر متعددة، فضلًا عن اختلاف المناهج التي تجعل المقبول عند راوية مرفوضًا بعينه عند راوية آخر، ناهيك عن النزاعات المذهبية التي وسعت دائرة هذا الضرب حتى أصبح كل فريق يرمي الآخر بالصنعة والوضع، انتصارًا للرأي، ورميًا للطرف الآخر بالانتحال. وقد اجتهد بعض الباحثين في جمع كل ما رمي بالوضع أو الانتحال في الشعر فلم يظفر إلا بعد قليل من الأبيات، ولم يَسْلَم له أكثرها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>التشكيك في الشعر الجاهلي بين القدماء والمعاصرين:</span>\nشكك بعض العلماء المتقدمين في بعض الأبيات والمقطعات الشعرية، ورموها بالوضع والصنعة، وانتقدوا عددًا من الرواة الذين عرفوا بالكذب في رواية الشعر، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى تنقية الشعر الجاهلي مما شابه من الكذب، والحرص على سلامته، والحرص قبل ذلك على لغة العرب التي هي لغة القرآن الكريم، وكان ذلك دليلًا على\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٢٩٣، وانظر: انظر: ديوان الأعشى ١٥٠.\n(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٤.\n(٣) انظر: الشعر المنحول للدكتور فضل العماري، ط. مكتبة التوبة.","vol":"1","page":216},{"text":"الأمانة العلمية التي تحلى بها أولئك النفر من العلماء الناقدين، والجهابذة العارفين بكلام العرب وأشعارها.\nولما جاء العصر الحديث، أَحيا بعضُ الباحثين قضيةَ الوَضْعِ في الشعر الجاهلي، واقتطعوا من كلام المتقدمين ما يوافق أهوائهم من الطعن في صحة الشعر الجاهلي، وكان الباعث عند هؤلاء المعاصرين من المستشرقين وأتباعهم هو الطعن في الشعر الجاهلي، واتخذوا ذلك مطية للطعن في القرآن الكريم ولغته، والمتأمل لدراسات المستشرقين يلحظُ رَغبةَ نَفَرٍ من المستشرقين في التعرض إلى مفتريات كاذبة تتجه وجهة الهدم في الإسلام، والطعن في النبوة والقرآن، دون أن يكون لهذه المفتريات صلة بالبحث الأدبي الخالص، بل تؤكد الحقائق الواضحة أنهم ما تكلموا في الأدب والشعر الجاهلي لوجه الأدب، بل من أجل الطعن في الإسلام والقرآن؛ ولذلك تصدَّى العلماء لرد هذه الأباطيل، وبالغوا في ذلك حياطة للقرآن، وحمايةً للغة العربية.\nوفيما يلي عرض لقضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وتاريخ هذه المسألة منذ كتب فيها العلماء المتقدمون ما يسعى في توثيق الشعر وحفظه، حتى المعاصرين الذين كتبوا ما يوهي من شأن هذا الشعر، ويشكك فيه، مع عرض أدلة الفريقين، وأقوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أولًا: القدماء:</span>\nكان للمفضل الضبي الكوفي (ت ١٦٨ هـ) (١)، والأصمعي (ت ٢١٦ هـ) (٢) سبق في نقد الرواة الكذابين، وبيان ما كذبوا فيه، غير أن أول من بحث هذه القضية بحثًا منظمًا مستفيضًا هو محمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣١ هـ)، وعزا أسباب الوضع إلى عاملين أساسيين: العصبية القبلية، والرواة الوضاعين، فقد رأى أن بعض القبائل كانت تتزيد في\n_________\n(١) انظر: الأغاني ٦/ ٨٩.\n(٢) انظر: مراتب النحويين ٤٦ - ٤٨.","vol":"1","page":217},{"text":"أشعارها، وتنحل شعراءها شعرًا لم يقولوه، فأوضح ذلك في قوله: «لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعِهم، وكان قومٌ قد قَلَّتْ وقائعُهُم وأشعارُهم، وأرادوا أن يَلحقوا بِمَن لَهُ الوقائعُ والأشعار، فقالوا على ألسنِ شعرائهم، ثُمَّ كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار» (١). وقد بَيَّنَ ما أضافه القرشيون في شعر شعرائهم، فطولوا قصيدة لأبي طالب في مدح رسول الله - ﷺ -، وذَكَرَ ما حُمِلَ على حسان بن ثابت ﵁، وقد لَحَظَ أن بعض أبناء الشعراء الأعراب كانوا يفدون إلى المدن ويستنشدهم الرواةُ شعرَ آبائهم فينشدونهم، فإذا نفد ما لديهم زادوا في الأشعار، كما فعل داود ابن متمم بن نويرة. قال ابن سلام: «أخبرني أبو عبيدة، أن ابن داوود بن متمم بن نويرة، قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام مُتَمِّم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله» (٢).، ولم يَخْفَ هذا الشعرُ المصنوعُ على الرواة الناقدين، فكانوا يرفضونه.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-72> طرائق المتقدمين في التمحيص والتثبت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١ - التنبيه على الرواة الكذابين:</span>\nبدأ نقد الرواة الكذابين بما قاله المفضل الضبي الكوفي (ت ١٦٨ هـ) الذي نقد حَمَّادَ الراوية وبيَّنَ أكاذيبهُ (٣)، وكذلك فعل الأصمعي (ت ٢١٦ هـ) حين نقد خلفًا الأَحْمر. (٤) ثم تصدى للأمر ابنُ سلَّام فنَبَّهَ\n_________\n(١) طبقات فحول الشعراء ١/ ٥.\n(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٧ - ٤٨.\n(٣) انظر: الأغاني ٦/ ٨٩.\n(٤) انظر: مراتب النحويين ٤٦ - ٤٨.","vol":"1","page":218},{"text":"على الرواة الكذابين كحمَّاد الراوية، ورفض مروياته، وبَيَّنَ فساد روايته، وحذَّرَ منه، فقال: «وكان أول من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار» (١). وقال يونس بن حبيب: «العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٢ - التنبيه على من يحمل الشعر المزيف من غير الرواة:</span>\nوذكر ابن سلَّام صنفًا آخر من الرواة يحملون الشعر الزائف هم رواة الأخبار والسير، وأشار إلى ابن إسحاق راوي السيرة النبوية، فقال: «وكان مِمَّن أفسد الشعر وهجَّنه، وحَمَلَ كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار ... وكان من علماء الناس بالسير ... فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليست بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه، فيقول: مَنْ حَمَلَ هذا الشعر؟ ومَن أداه منذ آلاف السنين، والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] (٣) أي: لا بقية لهم، وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ [النجم: ٥٠، ٥١] (٤)؟» (٥).\nوقال كذلك: «ولسنا نَعُدُّ ما يروي ابن إسحاق له - أي لأبي سفيان بن الحارث - ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعرٌ أحسن من أن يكون ذلك لهم» (٦).\nولم يكن ابن سلام وحده الذي نبَّهَ إلى فساد الشعر الذي يحمله\n_________\n(١) طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٨.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٤٩.\n(٣) الأنعام ٤٥.\n(٤) النجم ٥٠ - ٥١.\n(٥) طبقات فحول الشعراء ١/ ٧ - ٨.\n(٦) المصدر السابق ١/ ٨.","vol":"1","page":219},{"text":"ابن إسحاق ونقده، بل أخذ آخرون على عاتقهم مهمة تنقية الشعر مما شابه من الزائف المصنوع، مثل ابن هشام صاحب السيرة النبوية (ت ٢١٨ هـ) الذي عمل على تهذيب سيرة ابن إسحاق، وتعقب ابن إسحاق فنقد الشعر، وبين الفاسد المصنوع، وأسقط الشعر الفاسد، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة، وهكذا (١).\nوقد اعتذر ابن إسحاق بأنه لا علم له بالشعر، وأنه يؤتى به فيحمله، ولم يرض ابن سلام بذلك العذر، فقال: «ولم يكن له ذلك عذرًا، فكتب في السيرة أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر .... فلو كان الشعرُ مثلَ ما وُضِعَ لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم» (٢).\nونقد ابنُ النديم ابنَ إسحاق كذلك، فقال: «ويقال كان يُعْمَلُ له الأشعارُ ويُؤتى بِهَا، ويُسْأَلُ أن يُدخلها في كتابه السيرة فيفعل، فضَمَّنَ كتابَه من الأشعار ما صار به فضيحةً عند رواة الشعر» (٣).\nهؤلاء العلماء الأثبات حين جرحوا الرواة وكذبوا الوضاعين وبينوا الشعر الفاسد المصنوع، وثقوا من ناحية ثانية الشعر الصحيح، وعدلوا الرواة الثقات، وشهدوا لهم بالدقة والأمانة والعلم. ففي الشعر الجاهلي والإسلامي، شعر منتحل موضوع، ولم يكن النقاد القدامى غافلين عنه، فقد نقدوه ومحصوه، وبينوا صحيحه من فاسده، ولكن ذلك الشعر المصنوع لم يكن من الكثرة بحيث يضطرب الدارسون في معرفته، أو يتخذون ذلك القليل الفاسد وسيلة لا تهام الشعر الجاهلي عامة، فإن من\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية ١/ ٤، مصادر الشعر الجاهلي ٣٣٥ - ٣٤٥.\n(٢) طبقات فحول الشعراء ١/ ٨.\n(٣) الفهرست ٣٦.","vol":"1","page":220},{"text":"التجاوز على الحق والخروج على أصول البحث العلمي، الغلو في تقدير المنحول والمبالغة فيه اعتمادًا على فرضيات لم تثبت، ولم تصح تاريخيًا، ومن الخطأ الفاحش أيضًا أن تؤخذ فكرة الانتحال مركبًا ذلولًا لدفع كل ما يغمض على الدرس.\nوإذا كان ابن سلام قد فتح للنقاد طريقًا يؤدي إلى تصحيح المخطوء ورد المنحول ومعرفة الحق من الباطل، فإنه كذلك حذر الباحثين ونبههم إلى أن ما اتفق عليه العلماء بالشعر، فليس لأحد أن يخرج منه (١). وذكر ابن سلام أن خلاَّدَ بن يزيد الباهلي قال لخلف بن حيان أبي محرز - وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله-: بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنَّهُ مصنوعٌ لا خير فيه؟ قال: نعم، قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم، قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مِمَّا تعلمُ أنت (٢). فهذا دليل على عدم اعتبار ما أسقطه العلماء بالشعر، وأهل البصر بروايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>ثانيًا: عند المعاصرين:</span>\nبقيت هذه القضية قضية علمية في حدودها المقبولة، تبحث في كتب الأدب وغيرها، حتى كان العصر الحديث فأثيرت قضية الانتحال مرة أخرى بصورة مغايرة، وتناولها المستشرقون والعرب، ومن هؤلاء المعتدل المنصف، ومنهم المشتط المسرف المتحامل، وقامت مناقشات، وكتبت ردود، وكان السبق في إثارة هذه القضية للمستشرقين ثم تبعهم العرب في تناول هذه القضية.\n- فأَما المستشرقون فقد عرض المستشرق الفرنسي بلاشير قضية\n_________\n(١) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٧ - ٨.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٧.","vol":"1","page":221},{"text":"الشعر الموضوع عند المستشرقين بشيء من الإيجاز في كتابه «تاريخ الأدب العربي» (١). فذكر أن أول من تناول الموضوع هو المستشرق الألماني تيودور نُولدكه (٢) عام ١٨٦١ م (٣)، ثم تلاه ألفرت (٤) عام ١٨٧٢ م (٥)، وتابع هذين المستشرقين في آرائهما مستشرقون آخرون طوال ثلاثين سنة هم: موير، وباسيه، وبروكلمان، وليال (٦)، وهوار الذي كتب مقالة بعنوان «مصدر جديد للقرآن» سنة ١٩٠٤ م، على أن هؤلاء جميعًا لم يبلغوا في نظرية الانتحال من الشك والإسراف ما بلغه مرجليوث (٧)،\nفقد كتب عددًا من المقالات حول التشكيك في الشعر الجاهلي، كانت مقالته الأخيرة التي نشرها بعنوان «نشأة الشعر العربي» سنة ١٩٢٥ م - وإن كانت متأخرة بالنسبة لغيرها - من أعمق دراسات المستشرقين في اتهام\n_________\n(١) ١٩٧ - ٢٠٨.\n(٢) هو تيودور نولدكه (١٨٣٦ - ١٩٣٠ م) يعد شيخ المستشرقين الألمان لكثرة بحوثه ودقتها، من أشهر كتبه «تاريخ القرآن» الذي حصل به على الدكتوراه. انظر: موسوعة المستشرقين لبدوي ٤١٧ - ٤٢٠.\n(٣) انظر: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي لعبد الرحمن بدوي ١١.\n(٤) هو المستشرق الألماني فلهلم ألفرت، ويكتب هو اسمه بالعربية على ما نشره من دواوين وليم ألورد (١٨٢٨ - ١٩٠٩ م) من أكثر المستشرقين عناية بالشعر الجاهلي، له كتاب «العقد الثمين في دواوين الشعراء الجاهليين» وله كتاب «ملاحظات على صحة القصائد العربية الجاهلية». انظر: موسوعة المستشرقين لبدوي ٢٩ - ٣٠.\n(٥) انظر: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي لعبد الرحمن بدوي ١١ - ١٢.\n(٦) تشارلز ليال، مستشرق إجليزي ولد سنة ١٨٤٥ م وتوفي سنة ١٩٢٠ م، عني بتحقيق ونشر بعض قصائد الشعر الجاهلي وترجمتها، ومنها كتاب المفضليات للمفضل الضبي، تتلمذ على تيودور نولدكه وأهدى له تحقيقاته لبعض الدواوين الشعرية. انظر: موسوعة المستشرقين لبدوي ٣٥٣.\n(٧) هو ديفيد صمويل مرجليوث (١٨٥٨ - ١٩٤٠ م)، مستشرق إنجليزي، عني بدراسة الشعر الجاهلي، كان أستاذًا في جامعة أكسفورد، له دراسات تسري فيها روح غير علمية ومتعصبة ضد الإسلام، حقق معجم الأدباء وغيره .. انظر: موسوعة المستشرقين لبدوي ٣٧٩.","vol":"1","page":222},{"text":"الشعر الجاهلي، ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه المقالة أول بحث منظم هاجم الشعر الجاهلي، وأنكر وجوده. (١) ورجح مرجليوث فيها أَنَّ الشعر الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي إنما نُظِمَ في العصور الإسلامية، ثم نَحَله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهليين، وحشد أدلة لإثبات مزاعمه، وتحقيق غايته، وهذا تلخيص لأدلته (٢):\nأدلة مرجليوث على عدم صحة الشعر الجاهلي:\n١ - أن الشعر إما أن يحفظ بالكتابة، وإمَّا بالرواية، ورأي العلماء المسلمين أنه حفظ بالرواية في عهود الإسلام الأولى، ويستبعد أن يكون الشعر قد حفظ بالرواية لأسباب هي:\n- عدم وجود جماعة متخصصة من رواة الشعر.\n- أن الإسلام والقرآن ذم الشعراء، وهذا سبب قوي لنسيان الشعر إذا كان قد وجد.\n- معظم الأشعار تتغنى بما يثير الشحناء، والإسلام جاء لتوحيد العرب، فحث على نسيان هذا الشعر.\nالفرض الثاني أن يكون الشعر قد نقل عن طريق الكتابة، ومع إقراراه بوجود الكتابة قبل الإسلام فهو ينفي أن يكون الشعر قد حفظ بالكتابة لسببين:\n- أن القرآن نفى أن يكون للجاهليين كتاب، ولو أن الشعر الجاهلي كان مكتوبًا لوصلت كثير من الكتب.\n_________\n(١) انظر: المستشرقون والشعر الجاهلي ٦، ١٤ - ٤٨.\n(٢) ترجم المقالة الدكتور عبدالرحمن بدوي بعنوان: «نشأة الشعر العربي» ونشرها في كتابه دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي ٨٧ - ١٤٢، ونشرها الدكتور عبدالله المهنا ضمن كتابه «قضايا الأدب والشعر» ٢٢٥ - ٣٠٥، ونشرها الدكتور يحيى الجبوري مستقلة بعنوان: «أصول الشعر العربي».","vol":"1","page":223},{"text":"- أن الأدب يتطور من الشذوذ إلى الانتظام، وأن الشعر الذي قيل: إنه جاهلي هو مرحلة تالية للقرآن؛ لأن في القرآن سجعًا وبعض الآيات فيها وزن، فينبغي أن يكون الشعر تطورًا للقرآن لا سابقًا له.\n- أن الإسلام حدث عظيم، وانفصال عن الماضي، ولم يكن الإسلام متسامحًا مع الوثنية بأي حال، في حين نجد الشعر لسان الوثنية، فكيف يحفظون أشعارًا تمجد نظامًا أبطله الإسلام.\nثم ساق أدلة على عدم صحة الشعر الجاهلي هي الأدلة الداخلية، وهي:\n١ - في الشعر إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن وفيه كلمات إسلامية، وأن الشعراء لا يمثلون الدين الجاهلي وليس فيه جو الآلهة المتعددة بل فيه توحيد، وأن هؤلاء الشعراء يُقسمون كالمسلمين بالله الواحد، وبالصفات التي ذكرها القرآن، وهؤلاء الشعراء موحدون ومطلعون على أمور لا يعرفها إلا القرآن.\n٢ - الدليل الثاني هو اللغة، فاللهجات بين القبائل متعددة، والاختلاف بين لغة القبائل الشمالية، واللغة الحميرية الجنوبية كبير، في حين جاء الشعر كله بلغة القرآن، وليس هناك لغة أدبية موحدة قبل القرآن.\n٣ - موضوعات القصائد تتفق في طرق موضوعات واحدة متكررة، مما يدل على أنها نظمت بعد القرآن لا قبله؛ لأنهم يبدأون قصائدهم بالغزل، والقرآن وصفهم أنهم في كل وادٍ يهيمون ويتبعهم الغاوون.\n٤ - أن القرآن لم يشر إلى الموسيقى، وإذا كانت الموسيقى من مستحدثات العصر الأموي، فهل يعقل أن الوزن وجد عند العرب قبل الإسلام، وأن التسلسل يقتضي أن يكون الرقص ثم الموسيقى ثم الشعر، والممالك العربية ذات النقوش كانت ذات حضارة، ولكن ليس لها شعر،","vol":"1","page":224},{"text":"فهل يكون للأعراب البدو شعر متطور، وليس للمتحضرين شعر؟ ويخلص إلى أن الشعر والنثر المسجوع مشتقان من القرآن وأن الأعمال التي سبقت القرآن يجب أن تكون أقل فنًا لا أكثر.\n- وأما العرب فقد كان أول من بحث هذا الموضوع من المعاصرين هو مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تاريخ آداب العرب». سنة ١٩١١ م، وقد روى ما قاله القدماء وتابع ابن سلام في آرائه، ووقف بالمسألة عند حدها التاريخي الأدبي ولم يزد على ذلك (١).\nثم جاء بعد ذلك طه حسين، فألف كتابه «في الشعر الجاهلي» سنة ١٩٢٦ م، فأثار ضجة كبيرة لما فيه من آراء جريئة تعرض بعضها للدين والتشكيك في صدق القرآن، فقام بحذف ما أثار عليه العلماء، وزاد فيه شيئًا يسيرًا وأصدره سنة ١٩٢٧ م بعنوان «في الأدب الجاهلي»، وقد أخذ طه حسين أكثر مادته من روايات ابن سلام، واستنتاجات وآراء مرجليوث وغيره من المستشرقين، وتوسع فيها وعمم الأحكام الفردية، واتخذ الأمور الخاصة فصيرها قواعد عامة، حتى خرج بحكم مبالغ متعسف هو صياغة جديدة لآراء مرجليوث، حيث توصل إلى «أن الكثرة مما نسميه أدبًا جاهليًا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين» (٢).\nوقد قسم بحثه إلى ثلاثة أقسام: دوافع الشك في الشعر الجاهلي، وأسباب الوضع والنحل، ثم درس فريقًا من الشعراء وشك في نسبة الشعر إليهم.\nتحدث في دوافع شكه فقال: إن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الدينية، والعقلية، والسياسية، والاقتصادية للعرب الجاهليين، وإن هذا\n_________\n(١) انظر: تاريخ آداب العرب ١/ ١٤٥.\n(٢) في الشعر الجاهلي ١٩.","vol":"1","page":225},{"text":"الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي؛ لأن هناك خلافًا قويًا بين لغة حمير ولغة عدنان، وإن القبائل الشمالية والقبائل الجنوبية تختلف من حيث اللهجة، مع إن الشعر الذي وصلنا جاء بلهجة واحدة. وذكر أن فريقًا من العلماء اتخذوا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث مع إن الشعر لم يصل مدونًا بل عن طريق الرواية الشفوية.\nويتحدث طه حسين عن أسباب الانتحال فيرجعها إلى:\n- السياسة، ويعني بها العصبية القبلية، كما كان بين قريش والأنصار من عداء، وما كان بين القبائل من أحقاد، غير أنه لم يستشهد ببيت شعر جاهلي، بل استشهد بشعر إسلامي (١).\n- الدين، وذكر أن الشعر الذي قيل قبل البعثة تبشيرًا بالنبي موضوع بعد الإسلام، وما جاء عند المفسرين من ذكر الأمم السابقة كذلك، وأن الديانة اليهودية والديانة المسيحية لم يظهر لهما أثر في الشعر الجاهلي مع مخالطة أصحابها في الجزيرة العربية (٢).\n- القصص، وتحدث عن القصاص، وما كانوا يضعون من شعر لتزيين القصص والأخبار، ويقسم ذلك القصص إلى أقسام (٣).\n- الشعوبية، وتحدث عن الخصومة بين العرب والموالي، وأن هؤلاء الشعوبية\n_________\n(١) انظر: في الأدب الجاهلي ١١٦.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١٣٢.\n(٣) انظر: المصدر السابق ١٤٨.","vol":"1","page":226},{"text":"قد نحلوا أخبارًا وأشعارًا وأضافوها إلى الجاهليين والإسلاميين، وكذلك فعل خصومهم، يقول: «وكانت الشعوبية تنحل من الشعر ما فيه عيب للعرب وغض منهم، وكان خصوم الشعوبية ينحلون من الشعر ما فيه ذود عن العرب ورفع لأقدارهم» (١). ولكن لم يقدم شاهدًا واحدًا على ذلك الشعر الذي صنعته الشعوبية، ونحلته العرب.\n- الرواة:\nوتحدث عن فساد مروءة بعض الرواة مثل حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وأنهم كانوا ينحلون الأشعار ويعبثون بالشعر، وطائفة أخرى اتخذت الرواية مكسبًا من أولئك الأعراب الذين كان يذهب إليهم رواة الأمصار يسألونهم عن الشعر والغريب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الرد على المشككين في صحة الشعر الجاهلي:</span>\nكانت مقالة مرجليوث حافزًا لكتابات كثيرة، لما حوته من آراء جريئة، ومزاعم وتصورات تخطئ الواقع التاريخي وحقيقة الحياة الجاهلية، فكان المستشرقون أنفسهم هم الذين ردوا عليه وناقشوا نظرياته ودحضوا مزاعمه، ولعله لم يتح للعرب أن يطلعوا على أفكاره تلك إلا في وقت متأخر، أو لم يكن لمن اطلع عليها ما يدفعه إلى الرد عليه، أو لغير ذلك من الأسباب. وكان أول المستشرقين الذين ردوا على افتراضات مرجليوث هو تشارلس ليال في المقدمة التي كتبها للجزء الثاني من المفضليات سنة ١٩١٨ م، فقد ناقش مرجليوث حول حماد الراوية وخلف الأحمر، فعرض سيرتهما وناقش الروايات التي قيلت حولهما، ثم عاد فتحدث عن الأمر مرة أخرى في مقدمة تحقيقه لديوان عبيد بن الأبرص، فقال: «أما صحة الأبيات فينظر إليها الأشخاص المختلفون من\n_________\n(١) المصدر السابق ١٦٠.\n(٢) انظر: في الأدب الجاهلي ١٦٨.","vol":"1","page":227},{"text":"زوايا مختلفة بالطبع، ومن المؤكد أن قصائد البدو الوثنيين لم تنتقل إلينا مكتوبة، وإنما بالرواية، وكانت القصائد التي تسجل انتصارات القبيلة من أعز مآثرها، فترويها جيلًا عن جيل. وبالإضافة إلى هذا النوع من المعرفة بين القبيلة وُجِدَ الراوي، ومهمته أن يحتفظ بالأشعار كما تعيها ذاكرته، وفي العصور التي لا تستخدم فيها الكتابة إلا في المدن ولأغراض خاصة، يُعْنَى بالذاكرة عناية كبيرة، وتكون أقدر كثيرًا منها في العصور الحديثة، وليس من المدهش أن تتداول القصائد بهذه الطريقة قرنين أو ثلاثة من الزمان» (١).\nثُمَّ يشير إلى أن اختلاف الرواية أمر محتمل للاعتماد على الرواية الشفوية، غير أن هذا لا يكفي في إبطال هذا الكم من الشعر الجاهلي، فيقول: «ومن الطبيعي أن يظن المرء أن هذه القصائد اعتراها بعض التغيير في أثناء هذا الانتقال، فعدم تثبت الذاكرة يؤدي إلى إسقاط أبيات، أو اضطراب ترتيبها، أو إبدال عبارات منسية بعبارات من الراوي، ومثل هذه الظواهر مألوفة في كل مكان، ولكننا حين نختبر القصائد ذاتها، نجد قدرًا من الشخصية الذاتية يكفينا للقول بأنها في معظمها من عمل المؤلفين المنسوبة إليهم، فالمعلقات السبع مثلًا، كلها قصائد ذوات ذاتية ومزايا عالية، وتقدم لنا شخصيات شديدة التميز، ونفس الأمر نجده في القصائد الثلاث الباقية (للأعشى والنابغة وعبيد) التي عدها كثير من النقاد من المعلقات، فقد تركت شخصية امرئ القيس وزهير ولبيد والنابغة والأعشى طابعها على شعرها، ومن إفراط الخيال أن نظن أن معظم القصائد المنسوبة لهم منحولة في عصر متأخر، ومن تأليف أدباء عاشوا تحت ظروف مغايرة تمام المغايرة، وفي عالم شديد الاختلاف عن أيام الحياة البدوية في الصحراء العربية» (٢).\n_________\n(١) مقدمة ديوان عبيد بن الأبرص، تحقيق حسين نصار ٢١.\n(٢) المصدر السابق ٢١.","vol":"1","page":228},{"text":"ثم يذكر سببًا ثانيًا لصحة الشعر الجاهلي هو إِيمان شعراء القرن الأول الهجري بهذا الشعر، واستمرارهم على تقاليد الشعراء في العصر الجاهلي (١).\nوالسبب الثالث في إيمانه بصحة الشعر الجاهلي هو «أن القصائد القديمة كانت ملأى بألفاظ غريبة على العلماء الذين كانوا أول من عرض هذه القصائد لِمَحكِّ النقد، فقد كانت تنتمي لمرحلة قديمة من اللغة كانت غير مستعملة في الزمن الذي كتبت فيه القصائد، وجمعت في دواوين» (٢).\nوتناول مستشرقون آخرون الرد على مرجليوث، ودحض نظرياته، من أمثال جورجي ليفي دلافيدا، وجب، وبروكلمان، وبلاشير، وغيرهم، ذكروا ذلك في ثنايا كتبهم ولم يخصصوا لها فصولًا خاصة (٣).\nوأما طه حسين فقد أثار كتابه ثائرة العلماء والأدباء على حد سواء، فأما العلماء فلتعرضه للدين وتشكيكه في القرآن، وأما الأدباء فقد كشفوا زيف ما كتبه، وألفوا الكثير من الكتب في ردها ونقضها، وبيان بطلان منهجها، من أهمها كتاب «نقد كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد فريد وجدي، وكتاب «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة، وكتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضر حسين، و«محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضري، وكتاب «النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي» لمحمد أحمد الغمراوي، مع مقدمة وافية للأمير شكيب أرسلان، وفصول من كتاب «تحت راية القرآن» لمصطفى صادق الرافعي. وفصول من كتاب «مصادر الشعر الجاهلي» لناصر الدين الأسد. وتتفاوت\n_________\n(١) انظر: المصدر السابق ٢٢.\n(٢) المصدر السابق ٢٢.\n(٣) انظر: أصول الشعر العربي لمرجليوث، ترجمة الجبوري ٢٩.","vol":"1","page":229},{"text":"هذه الكتب في أسلوبها ومنهجها العلمي، فمنها العلمي الدقيق المتزن مثل كتاب النقد التحليلي للغمراوي، وهو أوفاها وأشملها، ويأتي بعده ما كتبه محمد الخضر حسين، ثم بقية الردود.\nويمكن تلخيص ردود العلماء على كتاب طه حسين، ومآخذهم عليه في النقاط التالية:\nأولًا: عدم فهمه منهج ديكارت فهمًا صحيحًا:\nحيث قال في مقدمته: «أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث» (١). فنعى عليه محمد لطفي جمعة بأن منهج ديكارت لم يكن منهجَ شكٍ للشكِّ ذاته، وإنما يتخذ الشك وسيلة لليقين، فهو منهج إيجابي لا سلبي، يقول: «وقد آلى ديكارت على نفسه أن لا يقبل المعلومات مهما كانت صفتها وقوة الثقة الملازمة لها، ما عدا الحقائق الخاصة بالعقيدة، فإنه لم يطبق عليها هذه الطريقة» (٢). في حين يذهب طه حسين إلى الشك للشك ذاته، وطبق ذلك على العقيدة نفسها، وهذا ما أثار عليه العلماء.\nثانيًا: مُخالفته لمنهج ديكارت:\nحيث لم يمحص الروايات التي يحتج بها، يقول محمد الخضر حسين: «... على الرغم من قبضه على منهج ديكارت، ونعيه الاطمئنان إلى ما يقوله القدماء، قد اطمأن في كثير من هذا النحو الجديد من البحث إلى ما يرويه صاحب الأغاني وغيره ...» (٣).، ويفسر محمد فريد وجدي طريقة طه حسين في التنكر لمنهج ديكارت بقوله: «ولكنه بغلوه\n_________\n(١) في الشعر الجاهلي ٢٣.\n(٢) الشهاب الراصد ٢٣.\n(٣) نقض كتاب في الشعر الجاهلي ١١.","vol":"1","page":230},{"text":"في تحري أسباب الاختلاق على الجاهليين التقط من كتب المحاضرات جميع ما فيها مما يتعلق بالاختلاق، وبالعوامل التي حملت عليه، وبالمطامع التي دفعت إليه، ولم يسر في ذلك على ما يقضي به عليه مذهب ديكارت من النقد والتمحيص، بل وثق به ثقة مطلقة مما حملته على إصدار الأحكام جزافًا» (١).\nثالثًا: ضعف الأدلة:\nحيث إنه يفترض فرضًا، ثم يبني عليه فرضًا آخر، ويقرنه بفروض أخرى، ثم ينتهي بالقطع والجزم والثبوت، وقدموا لذلك أمثلة كثيرة منها: أنه يورد ثلاث جُمَلٍ، يبرهن على الأولى منها بقوله: «فليس يبعد».، وعلى الثانية بقوله: «فليس ما يمنع».، وعلى الثالثة بقوله: «فما الذي يمنع». ويبني على هذه الكلمات الثلاث قوله: «أمر هذه القصة إذن واضح». ويقول الخضري معقبًا على ذلك: «نعم قد اتضح بنفي البعد في الأولى، وعدم المانع في الأخريين، وما علمنا بمنطق في العالم يكتفي في إقامة البرهان على عدم صحة خبر من الأخبار بأنه لا يبعد ضده أو أنه لا مانع من ضده» (٢).\nرابعًا: التعسف والشك في كل شعر أو خبر فيه شبه بالقرآن:\nيقول الخضر حسين: «من شاء أن ينظر إلى قاعدة تمتد إلى غير نهاية، ولا تتصل بما يمسكها أن تزول إلا إرادة المؤلف، فلينظر إلى هذه الفقرة التي تمثل قلمًا يشتهي أن يكتب فينتكس ويرمي بالحديث في غير قياس، كل شعر أو خبر أو حديث يضاف للجاهليين ويكون بينه وبين آية من القرآن شبه قوي أو ضعيف فهو مصنوع، أليس من الجائز أن ينطق\n_________\n(١) نقض كتاب في الشعر الجاهلي ٢.\n(٢) محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي ٨.","vol":"1","page":231},{"text":"العرب بحكمة فيأتي القرآن بهذه الحكمة على وجه أبلغ وأرقى، أمن الحق أن ننكر أن العرب قالوا مثلًا: «القتل أنفى للقتل». لمُجرد شبه بقول القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] (١). أو من الحق أن ننكر أن زهيرًا قال:\nوَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلو رَامَ أَسْبَابَ السَّماء بِسُلَّمِ (٢)\nلأن له شبهًا قويًا أو ضعيفًا بقول القرآن: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (٣)» (٤).\nومما يتصل بمجافاة منهج ديكارت أنه عقد فصلًا عن (الشعوبية ونحل الشعر) ولكنه لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية نحل شعرًا جاهليًا، وقال الخضر حسين: «وقال المؤلف عن الشعوبية ما شاء أن يقول من كتاب الأغاني قصصًا عن أبي العباس الأعمى، وإسماعيل بن يسار، وقصارى ما تدل عليه هذه القصص، أن الأول كانوا يهجو آل الزبير، وأن الثاني كان يبغض آل مروان، وله شعر يفخر فيه بالأعاجم، وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب لك مثلًا يريك كيف انتحلت الشعوبية شعرًا جاهليًا، فضاق بمنهج ديكارت» (٥).\nوكذلك أخذوا عليه في فصل السياسة ونحل الشعر أنه لم يأت بمثل واحد يمثل الانتحال يثبت فيه أن واحدًا من القرشيين أو الأنصار اختلق شعرًا ونسبه إلى شعرائه في الجاهلية.\nخامسًا: التناقضُ:\nفمرة يرى أن العرب: «لم يكونوا في عزلة سياسية واقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ... بل كانوا أصحاب علم ودين وأصحاب\n_________\n(١) البقرة ١٧٩.\n(٢) انظر: ديوانه ٢٤.\n(٣) النساء ٧٨.\n(٤) نقض كتاب في الشعر الجاهلي ٢١٢.\n(٥) المصدر السابق ٢٤٧.","vol":"1","page":232},{"text":"ثروة وقوة بأس وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها» (١). ومرة أخرى يرى أن العرب كانوا في عزلة حين يرى العزلة تخدم غرضه في نفي الشعر وتوحيد اللهجات، حيث يقول: «ولا سيما إذا صحت النظرية التي أشرنا إليها آنفًا وهي نظرية العزلة العربية، وثبت أن العرب كانوا متقاطعين متنابذين، وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجات» (٢).\nويأخذ عليه الخضر حسين هذا التناقض فيقول: «أتدري ما هي نظرية العزلة التي أشار إليها آنفًا؟ هي تلك النظرية التي رماها على أكتاف الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام، وشن عليها الغارة بنكير لا هوادة فيه ... أنكر المؤلف نظرية العزلة العربية حين رآها تعترض ما أراده من أن للجاهليين اتصالًا بالعالم الخارجي، وود في هذا الفصل أن تستقيم له لأنها تؤيد نظرية عدم التقارب بين لغات القبائل العربية» (٣).\nوأخذوا عليه إنكاره هجرة فريق من عرب اليمن إلى الشمال، وأن صحة يمانية من انتسب إلى اليمن من قبائل الشمال غير ثابتة، وهذا يسقط اعتراضه، فإنه إذا صح أن التاريخ القديم والتاريخ الحديث أجمعا على خطأ، فلم تكن هجرة ولم يكن في الشمال يمانيون، لم يكن هناك أدنى شبهة لغوية يمكن أن يعترض بها على صحة كلام امرئ القيس، إذ يصير امرؤ القيس ومن معه بذلك مُضَرِيِيْنَ، ويصير من السخف أن يقال بعد ذلك أن كلامهم وشعرهم منحول؛ لأن لغته ليست لغة نقوش حميرية اكتشفت في الجنوب، حتى ولو كانت لغة النقوش تمثل لغة اليمن في عصر امرئ القيس (٤).\n_________\n(١) في الشعر الجاهلي ٦٥.\n(٢) انظر: المصدر السابق ٤٥.\n(٣) نقض كتاب في الشعر الجاهلي ٩٩ - ١٠٠، وانظر: النقد التحليلي للغمراوي ١٩٤.\n(٤) انظر: النقد التحليلي ١٨٨.","vol":"1","page":233},{"text":"سادسًا: التعسف في تفسير النصوص:\nوتوجيهها إلى غير وجهتها، وإيرادها مقطوعة عن سياقها، والاستدلال بها على ما تدل عليه.\nسابعًا: إغارته على كتب عربية وغربية:\nوالتقاطه منها آراء وأقوالًا نظمها في خيط من الشك، ونسبها إلى نفسه. ولا سيما مرجليوث، وقد لاحظوا أن أهم ما أخذه طه حسين منه هو مسألة الدين واللهجات.\nثامنًا: زعمه أن الشعر الجاهلي لا يمثل دين الجاهلية:\nوأن القرآن هو مرآة الحياة الدينية في الجاهلية، وقد رفض الغمراوي هذا وقال إن هذا: «لا ينطبق إلا على أهل مكة والمدينة ومن حولهما، ولا ينطبق على من حولهما مثل ما ينطبق عليهما. ومكة والمدينة وما حولهما ليست هي كل بلاد العرب، وأهل مكة والمدينة ومن جاورهم لم يكونوا جملة العرب ولا جمهرتهم، فمن الخطأ الواضح إذن أن يجعل الدكتور ما ينطبق عليهم ينطبق على جميع العرب، وأن يستند في ذلك إلى القرآن». ويرى محمد الخضر حسين أولًا أن هذه الشبهة مما استلبه المؤلف من مرجليوث، وثانيًا: أن معظم شعر العرب كان في الفخر والحماسة، وأن المسلمين صرفوا عنايتهم عن رواية الشعر الذي يمثل دينًا غير الإسلام، ولا سيما دين اللات والعزى، وعلى الرغم من هذا وصلت إلينا بقية من الشعر الذي يحمل شيئًا من الروح الديني نجده في كتاب الأصنام لابن الكلبي وغيره» (١).\nتاسعًا:\nأما فيما يخص الدين ونحل الشعر فيتعرض طه حسين إلى أمية بن\n_________\n(١) النقد التحليلي ١٤٧.","vol":"1","page":234},{"text":"أبي الصلت، وأن النبي نهى عن رواية شعره، ويرى أن هذا وحده كاف لأن يضيع هذا الشعر، فيرد عليه محمد الخضر حسين بأن في الحديث الصحيح أن النبي استنشد رجلًا شعر أمية فظل ينشده حتى أنشد مائة بيت (١)، ولو صح أن النبي - ﷺ - نهى عن شعره لكان هذا النهي مقصورًا على قصيدة أمية في رثاء قتلى قريش في بدر، ومع ذلك فإن هذه القصيدة التي يقولون أن النبي - ﷺ - نهى عن روايتها، واردة في بعض كتب السيرة والمغازي وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتًا (٢).\nأما محمد لطفي جمعة فيرد عليه من وجه آخر، وهو ما ورد في الشعر الجاهلي من نثر وشعر عن الجن ووجودها وأخبارها، ويقول: إن مؤلف كتاب الشعر الجاهلي يريد أن يوهم القارئ أن كل ما ورد عن الجن في الشعر والنثر إنما وضع بعد الإسلام وضعًا لتبرير سورة الجن التي جاءت في القرآن الكريم، وإن كل ما نسب إلى العرب في أدبهم من هذه الناحية إنما اصطنع اصطناعًا مجاراة للعقيدة التي اقتضتها هذه السورة، والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن، ونظموا شعرًا جاهليًا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء، ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن أو الأرواح الخيرة والشريرة (٣).\nعاشرًا: خطؤه وغلوه:\nفي قوله: «فحرصوا أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن الكلمة عربية لا شك في عربيتها» (٤). فرأى الشيخ الخضري أن في هذه الجملة غلوًا وخطأ:\nأما الغلو فإن الاستشهاد على كل كلمة لا يؤيده الواقع استنادًا إلى\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم - كتاب الشعر ٤/ ١٧٦٧ (٢٢٥٥).\n(٢) انظر: نقض كتاب في الشعر الجاهلي ٢٢٠.\n(٣) انظر: الشهاب الراصد ٢١٢.\n(٤) في الشعر الجاهلي ٩٠.","vol":"1","page":235},{"text":"كتب التفسير التي اعتنت بالشواهد كتفسير الطبري وتفسير الزمخشري، فعدد شواهد الكشاف مثلًا ٧٢٧ شاهدًا (١)، وليس هذا عدد كلمات القرآن.\nوأما الخطأ ففي ظنه أن هذه الشواهد كلها جاهلية جيء بها لإثبات عربية القرآن، مع أن أكثر الشواهد لشعراء إسلاميين وقليل منها ما هو لشعراء جاهليين أو مجهولين، وما كان الاسستشهاد لإثبات عربية القرآن كما يزعم، وإنما هو لبيان مفهوم الكلمات التي يعدها الناس أحيانًا غريبة، وأن القرآن ليس بدعًا في اللغة، بل جاء بلغة العرب لم تشذ فيه كلمة عن مناهجهم (٢).\nويمكن أن يقال إضافة لما ذكروا في الرد عليه: إنه قد مثَّلَ الشعرُ الجاهلي المنسوب الذي استشهد به المفسرون في كتب التفسير وكتب معاني القرآن وغريبه نسبةً كبيرة من شعر الشواهد، فقد مثَّلَ عند أبي عبيدة في مجاز القرآن ما يزيد على ثلث عدد الشواهد الشعرية (٣)، في حين مثَّل عند الفراء في معاني القرآن أكثر من النصف تقريبًا (٤)، وأما عند الطبري في تفسيره فقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم من شعراء الجاهلية خمسة وتسعين شاعرًا من بين عدد الشعراء الذين احتج بشعرهم وهم يصلون إلى ستين ومائتي شاعر، وسيأتي بيان ذلك.\nومما يدل على صحة الشعر الجاهلي أَنَّ جلة الصحابة استعانوا به في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، وبيان معانيه، فقبل عصر الرواة المحترفين، وقبل قيام مدرستي الكوفة والبصرة، كان عمر بن\n_________\n(١) في الإحصاء الذي قمت به ٨٣١ شاهدًا.\n(٢) انظر: محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي ٤٥.\n(٣) ١٩٨ شاهدًا من مجموع الشواهد المنسوبة الذي هو ٥٥٠ شاهدًا شعريًا.\n(٤) ٣٦ شاهدًا من مجموع الشواهد المنسوبة الذي هو ٧٢ شاهدًا شعريًا.","vol":"1","page":236},{"text":"الخطاب ﵁ يحض على معرفة الشعر؛ لأنه ديوان العرب، وفيه تفسير كتاب الله، فقد نقل عنه أنه قال: «أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم» (١). وكان ابن عباس وهو من هو علمًا بالشعر وأيام العرب والقرآن الكريم وتفسيره، وهو حبر الأمة، قد فسر القرآن الكريم واستدل على فهم معاني ألفاظه بالشعر الجاهلي، فقد حدَّثَ عكرمة، قال: «ما سمعت ابن عباس فسر آية من كتاب الله عَزَّوَجَلَّ إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٢).\nولذلك فإن ما استدل به الصحابة والتابعون من الشواهد في تفسير القرآن الكريم، يعد من الأدلة الدامغة التي تدحض ما ذهب إليه منكرو الشعر الجاهلي، وقد ذكر ابن الأنباري أنه قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرًا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر (٣).\nهذه قصة قضية الانتحال كما جاءت عند القدماء والمعاصرين من المستشرقين والعرب، وقد كان في إثارة هذه القضية خير كبير، فقد استقر الأمر على ضوء الدراسات الحديثة على تأصيل الشعر الجاهلي، ونفي المبالغة في وصمه بالانتحال والوضع، فقد ظهرت طيلة هذه الفترة التي امتدت منذ مقالة مرجليوث حتى اليوم دراسات كثيرة، فكتبت مباحث حول الشعر الجاهلي وموضوعاته وشعرائه، وحققت وطبعت دواوين أكثر الجاهليين، وقامت دراسات أكاديمية علمية حول تاريخ الجاهلية واللغة العربية واللهجات وأديان العرب، وكل الموضوعات التي أثيرت حولها الشبهات، كما ألفت كتب علمية حول أعلام الشعراء الجاهليين، والرواة الكبار، وبذلك لم يعد هناك مجال لرجم الشعر\n_________\n(١) الموافقات ٢/ ٨٨.\n(٢) شرح ديوان الحماسة للتبريزي ١/ ٣.\n(٣) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":237},{"text":"الجاهلي بالوضع المبني على الظنون والشكوك والافتراضات. وقد مرت الكتب التي كتبت في الرد على طه حسين، وقد أفرد الدكتور ناصر الدين الأسد كتابًا لتوثيق الشعر الجاهلي أتى فيه على كل الشبهات وردها، وهو كتابه «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية».","vol":"1","page":238},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-77> الفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه</span>.\nالمبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير.\nالمبحث الثاني: تحقيق مسائل نافع بن الأزرق من حيث ثبوتها وحجيتها.\nالمبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير</span>.\nمر الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم بثلاث مراحل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>المرحلة الأولى: مرحلة الصحابة والتابعين:</span>\nكان القرآن الكريم في هذه المرحلة هو الحافز الأساسي لإحياء الشعر العربي القديم، وإعطائه مكانة هامة في الاحتجاج والاستشهاد، وهذه الظاهرة لم تنضج بشكل واضح إلا مع ابن عباس ﵄ في جواباته على أسئلة نافع بن الأزرق، حيث كان يستشهد على كل لفظة في آية سُئِلَ عنها بشاهد من الشعر. وأما المحاولات الأولى للاستشهاد بالشعر، فقد كانت في تفسير القرآن الكريم. مما يسجل سبقًا للمفسرين رحمهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المرحلة الثانية: مرحلة أتباع التابعين:</span>\nوكان يمثلها اللغويون، ولم تسلم هذه المرحلة من التأثُر بِمَا سار عليه ابن عباس في المرحلة الأولى، وكان يمثلها في القرن الثاني وبداية الثالث الهجري أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأخفش، والفراء، حيث أسهم هؤلاء في قيام حركة تفسيرية جادة ومنظمة، ومليئة بكثير من شواهد الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المرحلة الثالثة: مرحلة تدوين اللغة والتفسير:</span>\nتبدأ منتصف القرن الثالث الهجري فما بعده، حيث لم تبق عملية الاستشهاد مقتصرة على جانب تفسير القرآن، بل أخذت تتسع وتتطور،","vol":"1","page":240},{"text":"لتشمل جَميع القضايا العلمية الأخرى كالنحو، والبلاغة، وغيرها.\nفأما المرحلة الأولى فلما كان النبي - ﷺ - بين أصحابه، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه فقد كفاهم، ولأنَّه «مِمَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أن القرآن والحديث إذا عُرِفَ تفسيرُهُ من جهة النبي - ﷺ - ... لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (١). ومن تمام تعليم رسول الله - ﷺ - القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (٢)، ومن ثَمَّ «فإن سنة رسول الله - ﷺ - تُبَيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبر عنه» (٣). وقد كان الصحابة ﵃ في عهد النبي - ﷺ - إذا جاء الوحي انتظروا بيان رسول الله - ﷺ - وتفسيره فيما يحتاجُ إلى شرح وبيان وهو قليل، وربما عمدوا إلى سؤاله عما يشكل عليهم من الوحي. كما أن النبي - ﷺ - قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأن الآلة كانت متحصلة لهم، وصوَّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدًا منهم أو يؤاخذه على فهمه، كما في قصة نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] (٤)، حين شقَّ ظاهرُها على الناس حتى كشف لهم النبي - ﷺ - عن معناها كما في حديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٥)» (٦).\nوكما في قصة عدي بن حاتم ﵁ عند نزول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٧)، حيث قال عدي: لما نزلت (وذكر\n_________\n(١) فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٢٧.\n(٢) النحل ٤٤.\n(٣) فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٢٩.\n(٤) الأنعام ٨٢.\n(٥) لقمان ١٣.\n(٦) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم ٣٢ ومواضع أخرى، ومسلم برقم ١٢٤\n(٧) البقرة ١٨٧.","vol":"1","page":241},{"text":"الآية) عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (١).\nوكان تعليم النبي - ﷺ - القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبدالرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ): «حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله - ﷺ - كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» (٢).\nوقد اختلف العلماء في مقدار التفسير الذي بينه النبي - ﷺ - للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسر عددًا من الآيات (٣)، ومنهم من قال: إنه بين للصحابة معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه (٤). والخلاف في هذه المسألة قد يكون لفظيًا؛ لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيًا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة: «إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين ... فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي - ﷺ - أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (٥).\nوما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة ﵃ لم يسألوا رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه أخرجه البخاري برقم ١٨١٧، ٤٢٣٩، ٤٢٤٠، ومسلم برقم ١٠٩٠.\n(٢) طبقات ابن سعد ٦/ ١٧٢، السبعة ٦٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٧، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣١.\n(٤) انظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ٣٥.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٨.","vol":"1","page":242},{"text":"عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئًا، فقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - بيَّن معاني كثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته؛ لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسر لهم رسول الله - ﷺ - ما خفي عليهم معناه، أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته، وأطلعه عليه (١).\nولم يدون شيء من التفسير في حياة رسول الله - ﷺ -؛ لأن التدوين كان موجهًا إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان قد نهى أولًا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فَلْيَمْحُهُ» (٢).\nوقد نقل علماء الصحابة ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وقد حفظت تلك الروايات في كتب التفسير والحديث، وقد جمع السيوطي الروايات المنقولة عن رسول الله - ﷺ - في التفسير، من كتب الحديث والتفسير، ورتبها على ترتيب سور المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (٣). وقد كان التفسير اللغوي الذي حُفِظَ عن النبي - ﷺ - قليلًا (٤)، لما تقدم من فصاحة القوم، ولأن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم عن السؤال عن معاني الآيات، ويمكن أن يضاف أمر آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني القرآن هو قوة إيمانهم،\n_________\n(١) انظر: التفسير والمفسرون ١/ ٥٣.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/ ١٢٩، المصاحف لابن أبي داود ٤.\n(٣) انظر: الإتقان ٤/ ٢١٤ - ٢٥٧.\n(٤) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للطيار ٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":243},{"text":"وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه، فلم يرو عنهم أنهم سألوا عنه رسول الله، واتجهوا إلى الجانب العملي من القرآن والسنة فسألوا عما خفي منه، واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم ﵃.\nومن أمثلة ذلك تفسير النبي - ﷺ -، تفسيره لمعنى الوَسَطِ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١) بقوله: «الوسط: العدل» (٢).\nأما بعد وفاته - ﷺ - فقد اتسعت البلاد، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، ودخلت العُجْمَةُ على الألسنة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصحابة في عهد النبي - ﷺ - بحاجة إلى شرحه من القرآن والسنة، ففزعوا إلى خلفاء النبي - ﷺ - في العلم من بعده من أصحابه، والذين صاروا أئمة الناس في شرائع الدين، وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، رؤوسهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين (٣).\nأمَّا الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدًا، وكأن السبب في ذلك تقدمُ وفاتهم، فلا يُحفظ عن أبي بكر ﵁ في التفسير إلا آثارٌ قليلةٌ جدًا لا تكاد تجاوز العشرة (٤).\nوأمَّا علي فرويَ عنه الكثير وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله\n_________\n(١) البقرة ١٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري ٤/ ١٦٣٢ برقم (٤٢١٧)، وانظر: فتح الباري ٨/ ٢١.\n(٣) انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٢٢٧ - ١٢٢٨.\n(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٢٢٧.","vol":"1","page":244},{"text":"عن أبي الطفيل قال شهدت عليًا يخطب وهو يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفتُ بليلٍ نزلت أم بنهارٍ، في سَهْلٍ أَم في جَبلٍ» (١).\nأمَّا ابن مسعود فروي عنه أكثر مما روي عن علي وقد صحَّ عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (٢).\nوأما أُبّيُّ بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرًا وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده (٣).\nوقد ورد عن جماعة من الصحابة غَيرِ هؤلاء اليسيرُ من التفسير كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة وما أشبهها بأن يكون مِمَّا سَأَلَ عنهُ أهلَ الكتاب (٤).\n- تفسير النبي - ﷺ - والصحابة:\nفأما ما روي من التفسير النبوي فلم يكن فيه استشهاد بالشعر، وأَمَّا مَا نُقِلَ من تفاسير الصحابة ﵃ فلا يوجد بينها إلا قليل من الروايات التي ورد فيها الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وذلك لقلة الحاجة للتفسير ولا سيما اللغوي، فقد كانوا أهل الفصاحة، وأصل\n_________\n(١) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٣٨.\n(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم ٤٧١٦، ومسلم برقم ٢٤٦٣.\n(٣) انظر: الإتقان ٢/ ١٢٢٨.\n(٤) انظر: الإتقان ٢/ ١٢٢٩.","vol":"1","page":245},{"text":"العرب. ولا يمكن الاطمئنان إلى هذا العدد القليل من الروايات لتحديد ما يمكن أن يُمَثِّل منهجًا للصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم - باستثناء ابن عباس وسيأتي الحديث عنه - لقلة ما روي عنهم من ذلك، وليس هناك إلا روايات مفردة لا يمكن أن تشكل منهجًا واضح القَسَمَات.\nوقد رُوي عن ابن عباس أنه سأل تلاميذه عن معنى الحَرَجِ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١) وقال: إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربي. ثم دعا ابن عباس أعرابيًا، فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال: صدقت (٢). وقد ذكر ابن الأنباري بعد إيراده عددًا من المسائل عن عبد الله بن عباس، فكان ابن عباس يجيب عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر، كثرة ما روي من ذلك عن الصحابة فقال: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أَنَّا نَجْتَزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أَنَّ جَماعةً لا علم لهم بحديث رسول الله - ﷺ -، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (٣). وابن الأنباري قد ذُكِرَ في ترجمتهِ أَنَّهُ كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشواهد الشعرية في تفسير القرآن الكريم (٤). ورُبَّما يكون ما ذكره ابن الأنباري صحيحًا، غير أنه لم يُحفظ من هذه الروايات عن الصحابة إلا النَّزْرُ القليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أمثلة من تفسير الصحابة واستشهادهم بالشعر:</span>\nمن تلك الروايات التي رويت عن الصحابة ما رُويَ عن عمر بن\n_________\n(١) الحج ٧٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٦٤٢.\n(٣) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٩٩ - ١٠٠، والإتقان ١/ ١٤٩.\n(٤) انظر: معجم الأدباء ٥/ ٤١١.","vol":"1","page":246},{"text":"الخطاب ﵁ أنه قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (١) فسأَلَ عن معنى التَّخُوّفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، فلم يُسلِّم له عمر بن الخطاب بجوابه، وإنما طلب حُجةً وشاهدًا على صحة قوله كما هي عادته في التحقق والاستيثاق، فأنشدهُ الهذليُّ قولَ شاعرهم يصف ناقته:\nتَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٢)\nفقال عمر ﵁: «أيها الناس، تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسيرَ كتابكم» (٣). وهذا التفسيرُ للتخوِّفِ هو المروي عن ابن عباس ﵄، ومجاهد وغيرِهما (٤) من المفسرين وأهل اللغة كابن الأعرابي واللحيانيُّ حيث قال: «تَخوَّفتُ الشيءَ: تنقصته، قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على تَنقُّصٍ» (٥).\nوفَرَّقَ ابنُ عاشور بينَ: «تَخَوَّفَ» اللازم والمتعدِّي من حيث المعنى، فقال: «التخوُّفُ في اللغة يأتي مصدر «تَخَوَّفَ» القاصر بِمعنى: خافَ، ومصدر «تَخَوَّفَ» المتعدي بِمعنى: تنقَّص، وهذا الثاني لغة هذيل (٦)، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» (٧). وقد اختلف العلماء كما تقدم في نسبة الشاهد الشعري الذي يستدل به بعض المفسرين في قصة عمر بن الخطاب ﵁، وقد تقدم تخريجه، وفي\n_________\n(١) النحل ٤٧.\n(٢) تقدم تخريجه ص ٥٨، وانظر: شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري ٧٨.\n(٣) سبق تخريجه، ويضاف: الموافقات ١/ ٥٨، تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٣٦، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٩٨، معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٠١، الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٠٩، المحرر الوجيز (قطر) ٨/ ٤٢٧ - ٤٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٣٤ - ٢٣٨، الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١١٠، التفسير الصحيح لحكمت بشير ٣/ ١٨٥.\n(٥) أمالي القالي ١/ ٢١٢، الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١١٠.\n(٦) التحرير والتنوير ١٤/ ١٦٧.\n(٧) انظر: لغة هذيل للدكتور عبد الجواد الطيب ١٢٨.","vol":"1","page":247},{"text":"القصة ما يرجح نسبته لشاعر من شعراء هذيل، قد يكون أبو كبير الهذلي وقد يكون غيره، ولذلك قال ابن عاشور: «نسب في الكشاف هذا البيت لزهير، وكذلك في الأساس، وليس زهير بهذلي، ونسبه صاحب اللسان إلى ابن مقبل وليس ابن مقبل بهذلي. وكيف وقد قال الشيخ الهذلي لعمر: قال شاعرنا، فهو هذلي، ووقع في تفسير البيضاوي أن الشيخ الهذلي أجاب عمر بقوله: نعم، قال شاعرنا أبو كبير. وقال الخفاجي: البيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل، فنسبة البيت إلى أبي كبير أثبت» (١).\nوالظاهر أن هذه القصة قد وقعت في خلافة عمر ﵁، ولم أجد أقدم من هذا التفسير لهذه المفردة قبل هذه القصة، مما جعل بعض العلماء يقرر أن الصحابة لم يكونوا يُعنَون بالسؤال عن المعاني الدقيقة للمفردات القرآنية إذا كان السياق العام للآية بيّنًا وظاهرًا، وأن ذلك هو معهود العرب في كلامها وخطابها، وأن العرب «لا ترى الألفاظ تعبدًا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضًا، فليس أحد الأمرين عندها بِمُلتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحًا في صحة كلامها واستقامته» (٢). وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب.\nوهذه القصة التي تقدمت عن خفاء معنى «التخوُّف» على عمر ﵁، ومثلها لفظة «الأبِّ» على أبي بكر ﵁ (٣)، ضعفها بعض العلماء (٤)، بحجة أن الثقة بِها غير متحققة؛ فإنه من المستبعد أن تبقى غير واضحة لجمهور الصحابة ولاسيما القرشيون، وأبو بكر وعمر هما رأس\n_________\n(١) التحرير والتنوير ١٤/ ١٦٧.\n(٢) الموافقات ٢/ ١٣١.\n(٣) انظر: الإتقان ٢/ ٤، فتح الباري ٦/ ٢١١.\n(٤) انظر: فتح الباري ٦/ ٢١١، المفردات لعبد الحميد الفراهي ص ٤٦.","vol":"1","page":248},{"text":"الصحابة، ويخفى عليهما هذا، في حياة النبي - ﷺ - ولم يُسئل عن معانيها. وذلك أن القرآن الكريم ما نزل إلا للبيان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (١) ومعنى ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وضحت، فإن هذا كان اعتراضهم، وأما كونها تفصيلًا لإجْمَالٍ فهذا لا قدح فيه. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١] (٢). وكذلك قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول - ﷺ - بكلام لا يفهمه قومه، فأيُّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٣).\nغير أنه يمكن القول: إن خفاء بعض الألفاظ على هؤلاء الصحابة وارد، ولا سيما إذا لم تكن من لغة قومهم، ولا يتعلق بمعرفتها حكم شرعي، وكان معناها العام مفهومًا من سياق الآيات. وفي قصة عمر بن الخطاب عندما قرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٤) وقوله: «كل هذا قد علمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرب عمر بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب ... وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه» (٥). وقد عقب الزمخشري على هذه القصة بقوله: «ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفًا عندهم .... ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن» (٦).\nوقد روى الحاكم أن عمر ﵁ سأل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: «هو نبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس» (٧). وقال ابن حجر في خبر أبي بكر: إنه منقطع، وفي خبر عمر:\n_________\n(١) فصلت ٤٤.\n(٢) هود ١.\n(٣) إبراهيم ٤.\n(٤) عبس ٣١.\n(٥) تفسير الطبري (هجر)، فضائل القرآن لأبي عبيد ٢/ ٢١١، الكشاف ٤/ ٧٠٤ - ٧٠٥.\n(٦) الكشاف ٤/ ٧٠٥.\n(٧) المستدرك ٣/ ٥٣٩.","vol":"1","page":249},{"text":"هو صحيح عنه (١).\nوقد تعرض أبو عبيدة لتفسير التخوف في هذه الآية فقال: «مَجازُهُ: على تَنقُّص» (٢)، ثُمَّ استشهد بشاهدين من الشعر، الأول قول العباس بن مرداس:\nأُلامُ عَلى الهِجَاءِ وكُلُّ يومٍ ... يُلاقِيْنِي مِن الجِيْرانِ غُولُ\nتَخَوَّفَ غدرُهُم مَالي وأُهدي ... سَلاسلَ في الحُلوقِ لها صَليلُ (٣)\nأي تنقص قدرهم مالي. سلاسلُ: يريدُ القوافي تُنشَدُ فهو صليلُها، وهو قلائد في أعناقهم. والثاني قول طرفة:\nوجَاملٍ خَوَّفَ مِنْ نَيبهِ زَجرُ المُعَلَّى أُصُلًا والسَّفيح (٤)\nخَوَّفَ مِن نِيبِهِ، أي: لا يَدَعُهُ يَزيدُ (٥).\nفأبو عبيدة قد وافق الهذلي في أن معنى التخوف التنقص، ولكنه لم يورد الشاهد الشعري الذي في قصة عمر، في حين أورد الطبري شاهد الهذلي، وشاهد أبي عبيدة معًا (٦).\nوهناك مثال آخر على هذا المنهج في التفسير، فقد اختلف عبد الله بن عباس مع معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقيل\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٦/ ٢١١.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٣٦٠.\n(٣) انظر: الأغاني ١٤/ ٣١٤.\n(٤) روايةُ الديوان «خَوَّعَ»، وهي كذلك في لسان العرب، قال في اللسان مادة «خوع»: «والتَّخَوُّع: التَّنَقُّص. وخَوَّعَ مالُه: نَقَص، وخَوَّعَه هو وخَوَّعَ وخَوَّفَ منه؛ قال طرَفةُ ابن العَبد:\nوجامِلٍ خَوَّعَ من نِيبِه ... زَجْرُ المُعَلَّى، أُصُلًا، والسَّفِيحِ\nيعني ما يَنحرُ في المَيْسِر منها ... ويُروى: خَوَّف، والمعنى واحد. وكُلُّ ما نَقص، فقد خَوَّع». انظر: ديوانه ١٦، ملحق ديوان طرفة في ديوان الشعراء الستة ١٨٣، لسان العرب ٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٦٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٣٥.","vol":"1","page":250},{"text":"عبد الله بن عمرو في قراءة قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] (١)، فكان معاوية وعمرو يقرآن: ﴿حَامِيَة﴾، وكان ابن عباس يقرأ: ﴿حَامِيَةً﴾. فطلبا من عبد الله بن عباس شاهدًا من الشعر على صحة ما ذهب إليه، فلم يستحضر شاهدًا، غير أنه بعد خروجه لقي نافع بن الأزرق، وكان نافع يحفظ شعر تُبَّع، فأنشده قوله:\nفرأَى مغيبَ الشمسِ عند غُروبِها ... في عَينِ ذي خُلُبٍ وثأطٍ حَرمدِ (٢)\nوالخُلُب هو الطين، والثأط هو الحمأة، والحرمد هو الأسود (٣). فأيد هذا الشاهدُ الشعريُّ قراءةَ ابن عباس (٤).\nوهذان المثالان اللذان تذكرهما كتب التفسير من استشهاد الصحابة بالشعر على تفسير مفردات قرآنية فحسب، يمكن اعتبارها بداية لطريقة أصبحت فيما بعد من الطرق التي اتبعها المفسرون في تفسيرهم للقرآن الكريم بلغة العرب.\nويمكن من خلال الأمثلة القليلة المتوفرة وصف طريقة الصحابة في الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن الكريم، في التالي:\n١ - ذكر الشاهد الشعري مجردًا من الشرح. وذلك كالمثال السابق الذي نُقل عن عمر بن الخطاب، فقد سأل الهذلي عن الشاهد على صحة قوله: إنَّ التخوَّفَ عندهم هو التنقص، فذكر له الشاهد الشعري، فَسَلَّمَ له، ولم يطالبه بشرح بيت الشعر، مع أن الذين ذكروا البيت بعد ذلك شرحو معناه، لخفاء بعض عباراته مثل «التَّامِك» و«القَرِد» و«السَّفَن» (٥).\nوكذلك ابن عباس في مسائله فإنه لا يزيد على أن يقول ألم تسمع\n_________\n(١) الكهف ٨٦.\n(٢) ينسب هذا البيت لتُبَّع اليماني كما في تفسير القرطبي ١١/ ٤٩، والبحر المحيط ٦/ ١٥٩، ويُنْسَب لأمية بن أبي الصلت كما في ديوانه ٣٣٥.\n(٣) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ٢٧٠.\n(٤) انظر: الكشاف ٢/ ٧٤٤.\n(٥) التامك: السنام المرتفع، والقَرِدُ: المرتفع، أو كثيرُ القردان، والسَّفَن: المِبْرَدُ الذي ينحت به الخشب. انظر: الموافقات للشاطبي ١/ ٥٩ حاشية المحقق.","vol":"1","page":251},{"text":"قول الشاعر كذا، أو كما قال الشاعر كذا، من غير شرح وتفصيل. وهذا المنهج في الاستشهاد سببه أن المفسر من الصحابة كان إذا أحال السائل على الشاهد الشعري يحيله على شيء معلوم لديه تمام العلم، لأن الشعر كان هو العلم الذي أتقنته العرب، ولم يكن لهم علم سواه (١)، فكان الشعر سهل الفهم، واضح العبارات، فعندما يحال السائل إليه يكتفي ويستغني عن السؤال. ولذلك حث عمر ﵁ على تعلم الشعر، والحرص عليه، لما فيه من توضيح كثير من ألفاظ القرآن الكريم.\n٢ - الاستشهاد بأشعار الجاهليين، والمخضرمين. فأبو كبير الهذلي الذي نُسِبَ إليه الشاهد في قصة عمر ﵁ كان جاهليًا (٢)، والبيت الآخر كان لأمية بن أبي الصلت وهو شاعر معاصر لهم (٣).\n٣ - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٤) فقال: ما جَمَعَ.\nألم تسمع قول الشاعر: (٥)\nمُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٦)\n٤ - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] (٧) قال: لا تَلْبَسهَا على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ. ثم قال: أَلا تسمعونَ قولَ غيلانَ بنِ سلمة (٨):\n_________\n(١) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٢.\n(٢) انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٦٧٠.\n(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٣٦٩.\n(٤) الانشقاق ١٧.\n(٥) غير منسوب.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٩٢، وانظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٤٧، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٨ - ٦٩\n(٧) المدثر ٤.\n(٨) هو غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي، من شعراء الطائف، مخضرم أدرك الإسلام وأسلم. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٦٩.","vol":"1","page":252},{"text":"إِنِّي بِحَمْدِ الله لا ثَوبَ فَاجرٍ ... لَبِسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ (١)\nفهو قد نسب الشاهد لقائله، لتأكيد المعرفة بالشعر وقائله، ولا يمكن القول لتأكيد صحة الاحتجاج، لعد ظهور مسألة عصور الاحتجاج بعد.\n٦ - عدم القناعة بغير شواهد الشعر، كما في قصة نافع فقد كانت كل الشواهد من الشعر. ولذلك يقول المبرد: ومِمَّا سأَلهُ - أي نافع بن الأزرق - عنه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] (٢) فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن. ثم قال المُبَرِّدُ: هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهدًا عن ابن عباس، وأنا أحسبه لم يقبله إلا بشاهد (٣).\nفهو يعني أن نافعًا لم يكن ليقبل تفسير ابن عباس إلا بشاهد من شعر العرب، غير أنه لم يحفظ المبرد ذلك الشاهد.\nومن سمات الشواهد الشعرية في تفسير الصحابة أنها جميعها شواهد لغوية، ولم يرد عنهم شاهد على مسألة نحوية لعدم الحاجة إليها، ومن الأدلة على ذلك غير ما تقدم، المسائلُ التي سُئِلَ عنها ابن عباس من نافع بن الأزرق، فكلها شواهد لغوية (٤). وستأتي.\nوأما عبد الله ابن عباس فهو ترجُمان القرآن، وهو سيد المفسرين لمن بعده، ولم ينقل عن أحد من أصحاب النبي - ﷺ - في التفسير أكثر مما نقل عنه، وما آتاه الله من العلم بالقرآن إنما حصل له ببركة دعاء رسول الله - ﷺ - له، حيث دعا له بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٥). وقد كان مقدمًا على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن\n_________\n(١) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٣، تهذيب اللغة ٦/ ١٢٧.\n(٢) البقرة ١ - ٢.\n(٣) انظر: الكامل ٣/ ١١٤٩ - ١١٥٠.\n(٤) انظر: تاريخ التراث العربي لسزكين ١/ ٤١، مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ٨.\n(٥) مسند الإمام أحمد برقم ٢٣٩٧، ٢٨٧٩، ٣٠٣٢، ٣١٠٢، طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٥، صحيح ابن حبان برقم ٧٠٥٥، المستدرك برقم ٦٢٨٠، وأصل هذا الحديث في الصحيحين.","vol":"1","page":253},{"text":"الخطاب ﵁، حتى كان يجعله في العلم في مصاف البدريين مع صغر سنه (١). وكان فقيه الصحابة عبد الله بن مسعود يثني عليه بقوله: «نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس» (٢). وقد اشتهر عن ابن عباس أنه إذا سُئِلَ عن الشيء من عربية القرآن ينشد الشعر، ويقول إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب (٣). ومعنى هذا أنه يُستشهد بالشعر على تفسير القرآن لا على القرآن نفسه (٤).\nويُعَدُّ ابنُ عباس أولَ من فتح باب الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، بمنهجية واضحة يصح أن يقال عنها منهج، وأشهر ما روي عنه من ذلك ما يُعرفُ بمسائلِ نافع بن الأزرق، التي نقلت إلينا، ولأهميتها، وكونها الوثيقة الأولى في هذا المنهج أُفرِدَ لها المبحث الثاني.\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم، الأثر رقم ٣٠٢٤.\n(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٦، المصنف ١٢/ ١١١، فضائل الصحابة برقم ١٥٦٢، ١٨٦٣، تفسير الطبري ١/ ٤٠.\n(٣) المصنف برقم ٢٩٩٧٤، زوائد فضائل الصحابة برقم ١٩١٦.\n(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي ٣٤٣، وينظر: مجالس ثعلب ٣١٧، وتفسير القرطبي ١/ ٢٤.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الثاني: مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄</span>. (١)\nهذه المسائل مِنْ أَوَّلِ ما عُرِفَ في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، قال العسكري وهو يتحدث عن أولية التأليف في غريب القرآن: «أولُ من صنف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، صنف كتاب المَجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له، واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روي في ذلك وهو خبر معروف» (٢). وقد وُجِدَت إشارات مقتضبة إلى هذه المسائل في كتب السنة، والتفسير، والأدب، غير أنه لم يقم أحد منهم بالحكم عليها، ونقد أسانيدها ومتونها، ولذلك قام بعض الباحثين المعاصرين بإفراد هذه المسائل بالتأليف، والنظر إليها من زاوية التفسير البياني للقرآن الكريم (٣)، أو من زاوية اللغة (٤)، بطريقة توهم القارئ أن كل هذه المسائل صحيحة لا شك فيها، في حين قام بعض من الباحثين بالتشكيك في هذه المسائل، والطعن في ثبوتها (٥)، دون أن يكون هذا الطعن مبنيًا على دراسة نقدية منصفة، تبحث في صحيح هذه الآثار من ضعيفها.\n_________\n(١) كان حق هذا المبحث التقديم على سابقه، غير أن الخطة المعتمدة على هذه الصورة.\n(٢) الأوائل ٢٦١.\n(٣) انظر: الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق لبنت الشاطي ٢٧٠.\n(٤) انظر: شواهد القرآن لأبي تراب الظاهري ١/ ١٣.\n(٥) انظر: في الشعر الجاهلي لطه حسين ٥١، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٦٦٤ - ٦٦٥.","vol":"1","page":255},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-85> مادة المسائل:</span>\nهذه المسائل هي ألفاظ من غريب القرآن أشكلت على نافع بن الأزرق الخارجي (ت ٦٥ هـ)، فجاء يسألُ عنها عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ) وهو في مكة، واشترط على ابن عباس أن يأتيه على كل جواب بشواهد من الشعر العربي، تصدق ما فسر به ابن عباس تلك الكلمات، وكان من أمره أنه «خرج نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر (١) في نفر من رؤوس الخوارج يُنَقِّرُونَ عن العلم ويطلبونه، حتى قدموا مكة، فإذا هم بعبدالله بن عباس قاعدًا إلى جنب زمزم عليه رِدَاءٌ لَه أْحْمَرُ، وقميصٌ أبيضُ، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير، ويقولون: يا ابن عباس، ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا.\nفقال له نافع بن الأزرق: ... إني أتيتك لأسألك. قال: هات يا ابن الأزرق» (٢). وكان نافع طلب من ابن عباس أن لا يجيبه بجواب، إلا مستشهدًا له بشاهد من شعر العرب (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-86> وقت هذه المسائل:</span>\nلم أجد تحديدًا لتاريخ هذه المسائل في الكتب التي نقلتها أو أشارت إليها، ويمكن تقدير وقت هذه الأسئلة ما بين عامي خَمسةٍ وأربعينَ وخَمسةٍ وخَمسين من الهجرة (٤٥ - ٥٥ هـ)؛ وذلك للقرائن التالية:\n١ - قُدومُ نافع بن الأزرق، مع نَجْدة بن عُويْمر في نَفَرٍ من الخوارج إلى ابن عباس يسألونه عن العلم، وهذا يدل على ظهور أمر\n_________\n(١) هو نجدة بن عويمر العجلاني الحنفي البكري الوائلي، رأس فرقة النجدية من الحرورية، وإليه ينسبون بعد اختلافه مع نافع بن الأزرق، توفي سنة ٦٩ هـ. انظر: الكامل ٣/ ١١٠٢.\n(٢) مسائل نافع بن الأزرق ٣٣.\n(٣) انظر: المصدر السابق ٣٥.","vol":"1","page":256},{"text":"الخوارج، وقد كان خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ابتداء من سنة ٣٧ هجرية بعد وقعة صفين (١).\n٢ - أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا لا يزالون صفًا واحدًا قبل أن يفترق الأزارقة عن النجدية عام ٦٤ هجرية (٢).\n٣ - إنشاد عمر بن أبي ربيعة قصيدته الرائية بين يدي ابن عباس بحضرة نافع بن الأزرق، وهي قصيدة بديعة، يندر أن يكتبها الشاعر قبل العشرين من عمره، وهذه الحقبة توافق تحديد عمر الشاعر عمر بن أبي ربيعة فيما بين ٢٢ سنة و٣٢ سنة، وهي فترة شبابه؛ حيث ولد سنة ٢٣ هجرية، وأغلب من ذكر قصة هذه المسائل يصف ابن أبي ربيعة بأنه شاب (٣).\n٤ - أَنَّ هذه المسائل فيما يبدو كانت قبلَ أنْ يُكَفَّ بَصَرُ ابن عباس ﵄، والذي يمكن تحديده بعام ٦٠ هجرية، وإن كانت العلاقة لم تنقطع بعد عمى ابن عباس ﵄ (٤)، وعلى هذا فقد كانت هذه المسائل زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄، حيث بويع له بالخلافة عام ٤٠ للهجرة، وبقي حتى مات سنة ٦٠ للهجرة (٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-87> مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها </span>(٦).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-88> المسائل في كتب التفسير وما تعلَّق به:</span>\n١ - ذكرها الإمام عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١٠ هـ) في تفسيره\n_________\n(١) انظر: تاريخ الطبري ٣/ ٧٩.\n(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ٣٩٨.\n(٣) انظر: الأغاني ١/ ٨١، أمالي المرزوقي ٣٤٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٤٠٧.\n(٥) انظر: تاريخ الطبري ٣/ ١٦٦، ٢٦١.\n(٦) لهذه المسائل عدد من المخطوطات منها: مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم ٣٨٤٩ وعدد أوراقها ١٣ ورقة (١٠٧ - ١١٩). ومخطوطة المكتبة الظاهرية رقم =","vol":"1","page":257},{"text":"فقال: «أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ ابنَ عباس يخاصم نافع بن الأزرق ...». (١) ولم تتضمن المسائل فيما أخرجه شواهد من الشِّعْرِ.\n٢ - أشار الإمام الطبري (ت ٣١٠ هـ) إلى هذه المسائل عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢] (٢) حيث أخرج عن سعيد بن جبير بإسنادين مُختلفين، قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن ...» (٣). ثم ذكر رواية ثالثة عن الضحاك - من غير طريق جويبر -: «أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، قول الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (٤)، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: أُلقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئًا، إلا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فيقولون: تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم ويستنطق\n_________\n= ٦٨٦٣، وتقع في خَمس عشرة ورقة، وهي ملخصة من الإتقان للسيوطي، وقد قام بتحقيقها معتمدًا على هاتين المخطوطتين الدكتور محمد الدالي. انظر: مسائل نافع بن الأزرق ١٣ - ١٤. ومخطوطة مكتبة طلعت في المجموع رقم ٢٦٦ الأوراق ١ - ٣٣. ومخطوطة دار الكتب المصرية بالقاهرة في المجموع رقم ١٦٦ م، الأوراق ١٣٢ - ١٤٣، وقد حقق هذه المخطوطة الدكتور إبراهيم السامرائي، وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد عام ١٩٦٨ م، ولها تحقيق آخر قام به محمد عبد الرحيم وأحمد نصرالله بعنوان «غريب القرآن في شعر العرب» ومخطوطة مكتبة برلين في المجموع ٦٨٣، الأوراق ٩٣ - ١٠١، وهي نسخة مختصرة من المسائل التي نقلها السيوطي في الإتقان. انظر: تاريخ الأدب العربي ٤/ ٨ - ٩\n(١) تفسير عبدالرزاق الصنعاني ٣/ ١١، ٣/ ١٠٣.\n(٢) النساء ٤٢.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٧٤.\n(٤) الأنعام ٢٣.","vol":"1","page":258},{"text":"جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثًا (١).\nولم تتضمن روايات الطبري لهذه المسائل التي ذكر فيها نافع بن الأزرق شواهد من الشعر، وإن كان في مواضع أخرى لم يشر فيها إلى المسائل قد أورد الشواهد الشعرية عن ابن عباس.\n٣ - ثم جاء أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، فأخرج بسنده مسائل ابن الأزرق بشواهدها الشعرية (٢).\n٤ - ثم بعد القرن الرابع الهجري كثر رجوع المفسرين إلى هذه المسائل، والاستشهاد بها لغريب ألفاظ القرآن، ومِمَّنْ رجع إليها من المفسرين ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في كتابه «أحكام القرآن»، والبغوي في تفسيره (٣)، والرازي في ... تفسيره (٤)، وأبو المظفر السمعاني في تفسيره (٥)، وأبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في «الجامع لأحكام القرآن»، وابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) في «تفسير القرآن العظيم» (٦).\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] (٧) قال ابن العربي: «.... ويُروى أَنَّ نافعَ بنَ الأَزرقِ سأل ابن عباس عن قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ قال: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك، قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم وتقوله، أما سمعت قول الشاعر (٨):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٧٥.\n(٢) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ٧٦ - ٩٨، الأضداد ٣٣، ٣٤.\n(٣) انظر: معالم التَّنْزيل ٣/ ٢٠٤، ٤١٢، ٤٧٩.\n(٤) انظر: تفسير الرازي ١٨/ ٤٥، ١٥٧، ٢١/ ٢٢، ٢٤/ ٩٤، ٣٠/ ٢٤٥.\n(٥) تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني ٣/ ٣٠٦، ٤/ ٨٧.\n(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠، ٣/ ٣٦٠، ٤/ ٩٧، ٢٧٥.\n(٧) النحل ٧٢.\n(٨) هو أمية بن أبي الصلت كما في مسائل نافع بن الأزرق ٣٩ وليس في ديوانه، وقيل للفرزدق كما في الجمهرة ٢/ ١٢٣، وقيل للأخطل كما في غريب الحديث لأبي عبيد =","vol":"1","page":259},{"text":"حَفَدَ الوَلائدُ حَولَهُنَّ وأُلقيتْ ... بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمَالِ (١)» (٢).\n٥ - وذكرها النحاس في معاني القرآن (٣)، دون ذكر شواهد شعرية.\n٦ - وذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] (٤) حيث قال: «وفي مسائل نافع بن الأزرق الحنفي الحروري فقيه الخوارج لعبدالله بن عباس ﵄، وسأله عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فقال ابن عباس: غير مقطوع. قال هل تعرف العرب ذلك؟ فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث قال:\nوَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْـ ... ـعِ مَنِيْنًا كَأَنَّهُ أَهْبَاءُ (٥)\nيعني الغبار تقطعه قطعًا وراءَها، والمَنِيْنُ: الغبار الضعيف» (٦).\n٧ - وأما كتب علوم القرآن، فقد احتفلت بِمَسائل نافع بن الأزرق عند الحديث عن غريب القرآن، فقد أشار إليها الزركشي (٧) (ت ٧٩٤ هـ)، وتوسع في عرضها السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه «الإتقان» (٨)، كما رجع إليها في كتابه الآخر «المُهذَّب فيما وقع في القرآن من المُعرَّب» (٩)، وذكر السيوطي في كتابه «الوسائل في مسامرة الأوائل» أن «أول من صنف في\n_________\n= ٣/ ٣٧٤ وليس في ديوانيهما، وقيل لجميل كما في مجاز القرآن ١/ ٣٦٤، وقيل لحميد كما في تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٩٨، وبلا نسبة كما في معاني القرآن للأخفش ٢/ ٥٩١.\n(١) مجاز القرآن ١/ ٣٦٤، تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٩٨، وانظر المصادر السابقة.\n(٢) أحكام القرآن ٣/ ١١٦٢ - ١١٦٣.\n(٣) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٣٤٨، ٥/ ١٢٣.\n(٤) التين ٦.\n(٥) من معلقة الحارث بن حِلِّزَةَ اليَشْكُريِّ. انظر: شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري ٤٤٣، شرح القصائد العشر للتبريزي ٢٩٤.\n(٦) مجالس في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إِذْ بَعَثَ فيهمْ رَسولًا مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ لابن ناصر الدين الدمشقي ٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٧) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٩٧.\n(٨) انظر: ١/ ١٢١.\n(٩) انظر: لفظة «حُوب»، و«يَحُور» ص ٥٥، ١٣٧.","vol":"1","page":260},{"text":"غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى أخذ ذلك من أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس» (١). وهو مسبوق بما ذكره العسكري كما تقدمت الإشارة إليه. وجُلُّ من كتب في المسائل من المتأخرين اعتمد على ما أورده السيوطي من هذه المسائل في الإتقان.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-89> المسائل في كتب الحديث:</span>\n١ - أورد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) روايةً مُعلَّقةً في الحديث الثاني الذي قدم به لسورة «فُصِّلَتْ» في كتاب التفسير من صحيحه، قال: «وقال المنهالُ: عن سعيد بن جُبَيْرٍ، قال: قال رجل لابن عباس: إِنِّي أجد في القرآن أشياءَ تختلف عليَّ ...». وقد وَصَلَ البخاريُّ الحديثَ بعد تَمَامهِ فقال: «حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيدالله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنَيسةَ عن المنهال بِهَذا». (٢) قال الحافظ بن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «قوله: «قالَ رجلٌ لابنِ عباسٍ» كأَنَّ هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يُجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه» (٣).\n٢ - يُعَدُّ «المعجم الكبير» للإمام أبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) أشهر كتب الحديث التي نقلت هذه المسائل، فقد أخرجها الطبراني ضمن مروياته عن ابن عباس من طريق الضحاك بن مزاحم، قال: «خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة ...» (٤). وقد أورد الطبراني من هذه المسائل إحدى وثلاثين مسألة مع شواهدها الشعرية. وعن المعجم الكبير أخذها جل المتأخرين، لكن المعاصرين أخذوها من مراجع وسيطة\n_________\n(١) انظر: ١١٢، القرآن الكريم وأثره في الدراسات القرآنية لعبد العال سالم مكرم ٢٤٣.\n(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٨١٥ - ١٨١٧.\n(٣) فتح الباري ٨/ ٤١٩.\n(٤) ١٠/ ٣٠٤.","vol":"1","page":261},{"text":"متأخرة، وربما يكون تأخر طبع المعجم الكبير سببًا في ذلك.\n٣ - أخرج هذه المسائل الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة قال: «سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥] (١)، ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ٢)، وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧] (٣)، ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] (٤)» (٥).\n٤ - ومن متأخري المُحدثين الذين أوردوا مسائل نافع بن الأزرق الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) حيث أوردها في «مَجْمَعِ الزوائد ومَنْبَعِ الفوائد» من رواية الطبراني. (٦)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-90> المسائل في كتب الأدب:</span>\n١ - وأما كتب الأدب فقد ظل الاهتمام بهذه المسائل محصورًا في بحث علاقة القرآن بالشعر، ويُعَدُّ كتاب «الكامل» للمبرد (ت ٢٨٥ هـ) من أول من أشار إلى هذه المسائل، حيث يقول: «حَدَّثَ أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى التيميُّ النسابة عن أسامة بن زيد عن عكرمة قال: رأيت ابن عباس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله، ويطلب منه الاحتجاج باللغة» (٧). وقد أورد جُملةً مُختصرةً منها حيث يقول: «وله - أي نافع بن الأزرق - ولعبدالله بن عباس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب إن شاء الله» (٨).\n٢ - ومن كتب الأدب التي أوردت هذه المسائل كتاب «جَمْهَرةُ أَشعارِ العرب» لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي الذي عاش في\n_________\n(١) المرسلات ٣٥.\n(٢) طه ١٠٨.\n(٣) الصافات ٢٧.\n(٤) الحاقة ١٩.\n(٥) المستدرك ٤/ ٢٤٥، فتح الباري ٨/ ٤١٩.\n(٦) ٦/ ٣٠٣ - ٣١٠.\n(٧) الكامل ٣/ ١١٤٤ - ١١٤٥ وقد أورد عددًا من هذه المسائل مع التعقيب عليها، وشرح شواهدها، واستغرق ذلك في الكتاب الصفحات التالية ٣/ ١١٤٤ - ١٤٥٥.\n(٨) المصدر السابق ٣/ ١١٠٢ - ١١٠٣.","vol":"1","page":262},{"text":"القرن الخامس الهجري (١)، فقد نص على قدوم نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، وسؤاله عن القرآن، ومخاطبة ابن عباس له بقوله: «... ونحن ذاكرون في كتابنا هذا ما جاءت به الأخبار المنقولة، والأشعار المحفوظة عنهم، وما وافق القرآن من ألفاظهم، وما روي عن رسول الله - ﷺ - في الشعر والشعراء، وما جاء عن أصحابه والتابعين من بعدهم ... فمن ذلك ما حدثنا به المفضل بن عبد الله (٢) عن أبيه عن جده، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عباس قال: قدم نافع بن الأزرق الحروري إلى ابن عباس يسأله عن القرآن، فقال ابن عباس: يا نافع إن القرآن كلام الله تعالى، خاطب به العرب على لسان أفصحها، فمن زعم أن في القرآن غير العربية فقد افترى؛ لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨] (٣)» (٤). ثم عقد فصلًا بعنوان «ما وافق القرآن من ألفاظ العرب» أورد فيه أربعةً وثَمانينَ شاهدًا من الشعر المنسوب، وكلمات القرآن التي وافقت ما في هذه الشواهد من الألفاظ، وجُملةٌ كبيرة من تلك الشواهد وردت في مسائل نافع بن الأزرق (٥).\n٣ - وأشار إليها المرزوقي (ت ٤٢١ هـ) في سياق ذكره لقصيدة عمر بن أبي ربيعة (٦).\n٤ - كما أشار إليها نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦ هـ) في كتابه «الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية» فقال: «عبد الله بن العباس الذي كان إذا سُئِلَ عن غريب القرآن ومشكلاته، أنشد أشعارَ العرب،\n_________\n(١) انظر: مقدمة تحقيق جمهرة أشعار العرب للقرشي ١/ ١١٠.\n(٢) هو المفضل بن عبد الله بن محمد المُجَبَّري شيخ مؤلف جمهرة أشعار العرب، لم توجد له ترجمة. انظر: حاشية محقق الجمهرة ذات الرقم (١) ١/ ١١١.\n(٣) الزمر ٢٨.\n(٤) جمهرة أشعار العرب ١/ ١١٠ - ١١١.\n(٥) انظر: جَمهرة أشعار العرب ١/ ١١٣ - ١٣٩.\n(٦) انظر: أمالي المرزوقي ٣٤٥.","vol":"1","page":263},{"text":"حتى إني رأيت ذلك كتابًا مستقلًا، يُعرفُ بِمسائل نافع بن الأزرق لابن عباس، ثلاثة كراريس فيه مائتان وخَمسون بيتًا تقريبًا، يُنْشِدُ كُلَّ بيتٍ على مسألة» (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-91> المسائل عند المعاصرين:</span>\n١ - أول من أشار إليها محمد فؤاد عبدالباقي عندما أفردها في كتابه «معجم غريب القرآن»، وقد اعتمد على رواية السيوطي، وأعاد ترتيبها على حروف المعجم. (٢) ثم في دراسة د. سزكين لآثار ابن عباس ﵄ في التفسير ذكر الأثر الثالث وهو مسائل نافع بن الأزرق، وقال: «وتضم أسئلة زعيم الخوارج إلى عبد الله بن عباس عن معاني مائتي كلمة صعبة في القرآن، أجاب عنها ابن عباس وشرحها بشواهد من الشعر القديم» (٣).\n٢ - ما كتبته الدكتورة عائشة عبدالرحمن المعروفة ببنت الشاطي بعنوان «الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق» الصادر عام ١٩٧١ م، وقد خصصت أكثر من نصف الكتاب لدراسة مسائل نافع بن الأزرق من حيث ألفاظها، وموازنتها بِما في كتب التفسير (٤).\n٣ - ما كتبه الشيخ أبو تراب الظاهري في الجزء الأول من كتابه «شواهد القرآن»، فقد أفرده لشرح مسائل نافع بن الأزرق شرحًا لغويًا بديعًا (٥). ولم يُعْنَ فيه بتحقيق صحة هذه المسائل، وإنما عني بجمعها والكلام عليها من الناحية اللغوية المعجمية.\n٤ - نشرة بعنوان: «سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن\n_________\n(١) الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية ٢٧٢ - ٢٧٣.\n(٢) انظر: معجم غريب القرآن ٢٦٢ - ٣٢٠.\n(٣) تاريخ التراث العربي ١/ ٤٦.\n(٤) انظر: الإعجاز البياني للقرآن ٢٧٠.\n(٥) انظر: شواهد القرآن ١/ ٥.","vol":"1","page":264},{"text":"عباس»، أخرجها إبراهيم السامرائي في بغداد سنة ١٩٦٨ م، وهي تحقيق لمخطوطة المسائل المروية عن الإمام الطستي المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم ١٦٦ مجاميع، وقد نشرها المحقق في حلقتين بِمَجلة رسالة الإسلام في العددين ٥، ٦ من السنة الثانية، ثم نشرها في كتاب بعد ذلك.\n٥ - نشرة أخرى لهذه المخطوطة المعروفة بمسائل الطستي بتحقيق محمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدرت من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة ١٤١٣ هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب ﵁ (١).\n٦ - نشرها الدكتور محمد الدالي باسم «مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن العباس»، وقد اعتمد في إخراجها على المخطوطتين المحفوظتين بالمكتبة الظاهرية، وهي أوثق نشرات المسائل من حيث العنايةُ بالنص وخدمتهُ، لا من حيث إسنادُها الذي رويت به فهو موضوع كما سيأتي الحكم عليه في موضعه، ولم ينبه المُحققُ إلى ذلك. وقد ذيلهما المُحقق بِما لم يرد في هاتين النسختين مما ورد عند ابن الأنباري، والمبرد والسيوطي وسؤالات نافع التي أخرجها السامرائي وهي من رواية الطستي.\n٧ - تناول هذه المسائل كذلك الدكتور أحمد الخياطي في بحثه «شواهد التفسير عند ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق» بدار الحديث الحسنية بالمغرب (٢).\n_________\n(١) انظر: غريب القرآن في شعر العرب ١٩٠، المسألة رقم ١٦٠.\n(٢) انظر: بحث «شواهد التفسير عند ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق» لأحمد =","vol":"1","page":265},{"text":"٨ - وهناك نشرة أخرى لهذه المسائل بعنوان: «غريب القرآن لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، نص المحاورة التي دارت بفناء الكعبة بين نافع بن الأزرق وابن عباس، ونقلها السيوطي في الإتقان». عرض وتعليق وتقديم محمد إبراهيم سليم. وهي مستلة من الإتقان للسيوطي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-92> روايات المسائل:</span>\nهذه المسائل من حيثُ ثُبوتُها في حاجة إلى دراسة أسانيدها دراسة حديثية لأسانيدها ومتونها، ليتبين مدى صحتها وحجيتها في باب التفسير اللغوي للقرآن الكريم والاحتجاج له بشعر العرب، وقد جاءت تلك المسائل في مواضع متفرقة من كتب أهل العلم، وفي موضوعات متباينة، فكان لابُدَّ من جَمعِ جَميع الطرق التي رويت بِها، ونظرًا لعدم اطلاعي على دراسة حديثية وافية لأسانيد هذه المسائل، ولتعلقها بِموضوع الرسالة قمتُ بدراسة أسانيدها دراسة حديثيةً لتكتمل الصورة عند النظر إلى هذه المسائل المشهورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>أولًا: نقد الأسانيد:</span>\nهذه المسائل على قسمين:\n* القسم الأول: مسائل ورد فيها السؤال عن آيات من القرآن الكريم دون اشتراط الاستشهاد عليها بشعر العرب، وقد وردت من عدة طرق:\n* الطريق الأول: مداره على المنهال بن عمرو. وقد رواه عبد الرزاق (١) عن معمر، عن رَجُلٍ، عن المنهال بن عمرو. ومن طريق\n_________\n= الخياطي، بمجلة دار الحديث الحسنية بالمغرب، العدد ١٥، ١٤١٨ هـ ١٢١ - ١٨٥، وهو مختصر من رسالته للدكتوراه.\n(١) تفسير عبدالرزاق ١/ ١٦٠ - ١٦٢.","vol":"1","page":266},{"text":"عبد الرزاق رواه ابن جرير الطبري (١).\nورواه يعقوب الفسوي (٢)، والبُخَاريُّ (٣)، والطبراني (٤). ومن طريق الطبراني رواه المِزِّيُّ (٥)، والذهبي (٦)، وابن حجر (٧) من طريقِ زيدِ بنِ أَبي أُنَيسةَ عَن المِنهالِ بهِ.\nكلاهُما: رَجلٌ - مُبْهَمٌ - وزيدُ بن أبي أنيسةَ، عَن المنهال عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال رجلٌ لابن عباسٍ: «إِنِّي أَجد في القرآن أشياءَ تَختلفُ عليَّ ....». ثم سأله عن عدد من الآيات وأجابه ابن عباس.\nورواه أبو بكر بن أبي شيبة (٨)، والحاكم (٩) من طريق الأعمش سُليمانَ بنِ مِهرانَ عن المِنهالِ بهِ، بلفظ: «قال ابن عباسٍ: كان داود ﵇ يوضعُ له ستمائة ألف كُرسيٍّ، ثُم يَجِيءُ أشرافُ الإنسِ حتى يَجلسوا مِمَّا يلي الأَيْمن ...». إلى آخر الأثر وفيها أنه استوقفه نافع بن الأزرق وسأله عن الهدهد.\nوالسائل في الأثر عن ابن عباس ﵁ رَجُلٌ مبهمٌ، جاء تَمييزهُ في روايةِ الطبرانيِّ بأَنَّهُ سعيد بنُ جُبير، وهذا يخالف ما جاء في بقية المصادر التي روت الأثر، فهو إِمَّا خطأٌ طِبَاعِيٌّ، وإِمَّا تصحيفٌ في روايات «المعجم الكبير»، فقد جاء في المصادر التي روت الأثر من طريق الطبراني على أَنَّهُ «رَجُلٌ» بصيغة الإبهام، وذهب ابن حجر (١٠)، والعيني (١١) إلى أنه نافع بن الأزرق. كما أنَّه ورد التصريح باسم نافع بن الأزرق في أثناء الأثر الذي أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم المتقدم.\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٧٣.\n(٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٢٨٩.\n(٣) صحيح البخاري ٤/ ١٨١٥.\n(٤) المعجم الكبير ١٠/ ٣٠٤ رقم (١٠٥٩٧).\n(٥) تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٤٢.\n(٦) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٨٧.\n(٧) تغليق التعليق ٤/ ٣٠١.\n(٨) المصنف ٦/ ٣٣٦.\n(٩) المستدرك ٢/ ٤٤٠.\n(١٠) فتح الباري ٨/ ٤١٩.\n(١١) عمدة القارئ ١٩/ ١٥٠.","vol":"1","page":267},{"text":"والأَثَرُ بِهَذا الإسناد أورده البخاري في صحيحه، وغاير في سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود فقال بعد أن ذكر متنه: «حدثنيه يوسف بن عدي: حدثنا عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بهذا». (١) وقد ذكر ابن حجر كلامًا للبرقاني تعليقًا على هذا الصنيع من البخاري فقال: «ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيدالله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة حديثًا مسندًا سواه، وفي مغايرة البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بهذا الاصطلاح وأن ما يورده بهذه الكيفية ليس على شرط صحيحه، وخرج على من يغير هذه الصيغة المصطلح عليها إذا أخرج منه شيئًا على هذه الكيفية، فزعم بعض الشراحِ أنَّ البخاريَّ سَمعهُ أولًا مُرسلًا، وآخِرًا مُسندًا فنقلهُ كما سَمعهُ، وهذا بعيدٌ جدًا. وقد وجدتُ للحديث طريقًا أخرى أخرجها الطبري (٢) من رواية مطرف من طريقٍ عن المنهال بن عمرو بتمامه، فشيخُ مَعْمَر المُبهَمُ يُحتملُ أن يكون مُطَرِّفًا، أو زيدَ بنَ أبي أُنيسةَ، أو ثَالثًا» (٣). ولم يتبين لي فصل كلام ابن حجر من كلام البرقاني في هذا النقل المتقدم في المطبوع، فكأن البرقاني أو ابن حجر يرجح صحة الأثر، وأن مغايرة البخاري لسياق إسناده لا تدل على عدم صحته، بدليل وجود طريق أخرى للأثر عند الطبري، وكذلك فإن الحافظ المزي جزم بعزوه للبخاري فقال بعد تخريجه: «رواه البخاري بطوله» (٤).\n* الطريق الثاني:\nروى عَبْدُ بنُ حُميدٍ في تفسيره كما في تغليق التعليق لابن حجر (٥)، قال حدثني سليمانُ بن حَربٍ، ثنا حَمَّادُ بنُ\n_________\n(١) صحيح البخاري ٤/ ١٨١٦ - ١٨١٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٧٣.\n(٣) فتح الباري ٨/ ٤٢١.\n(٤) تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٤٢.\n(٥) ٤/ ٣٥٧.","vol":"1","page":268},{"text":"سَلَمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي الضُّحَى (١)، أَنَّ نافعَ بن الأزرقِ، وعَطيةَ، أَتيَا ابنَ عباسٍ فقالا: يا ابنَ عبَّاسٍ، أَخْبِرنَا عن قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥] (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١] (٣) ...» إلى آخر الرواية، وسألوه عن عدد من الآيات وأجاب ابن عباس عنها. وقد ذكره السيوطي وعَزاهُ لِعَبدِ بنِ حُميد (٤).\n* الطريق الثالث: رواه عبد الرزاق (٥)، قال أنا ابن عيينةَ، عن عمرو بن دينار قال: أَخْبَرني مَن سَمِع ابنَ عباسٍ يُخاصمُ نافع بن الأزرق، فقال ابنُ عباسٍ: الوُرودُ الدخولُ، وقال نافع: لا .... إلى آخر الأثر (٦).\n* الطريق الرابع: مدار هذا الطريق على سفيان الثوري.\nرواه عبد الرزاق (٧)، ومن طريق عبدالرزاق رواه ابن المنذر في «الأوسط» (٨)، ورواه الطبراني (٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ورواه البيهقي (١٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي.\nثلاثتهم: عبد الرزاقِ، وعبد الرحمن بن مهديِّ، والفِرْيِابِيُّ عَن\n_________\n(١) أبو الضحى هو: مسلم بن صُبَيْحٍ (بالتصغير) الهمداني الكوفي العطار مشهور بكنيته، ثقة فاضل، مات سنة ١٠٠ هـ. انظر: تقريب التهذيب ٩٣٩.\n(٢) المرسلات ٣٥.\n(٣) الزمر ٣١.\n(٤) انظر: الدر المنثور ١٥/ ١٨٥. والأَثرُ على هذا ضعيفٌ، في إسنادهِ عَليُّ بنُ زَيدِ بن عبد الله بن جُدْعَان التيميّ البصريّ، ضعيفٌ، من الرابعة، قيل ماتَ سنة ١٣١ هـ[انظر: تقريب التهذيب ٦٩٦]، وباقي رجاله ثقات.\n(٥) تفسير عبد الرزاق ٣/ ١١.\n(٦) وهذا الأثر ضعيفٌ لِجَهالةِ الرَّاوي بَيْنِ عمروِ بن دينارٍ وابنِ عباس ﵄، وباقي رجاله ثقات.\n(٧) المصنف ١/ ٤٥٤، تفسير عبدالزراق ٣/ ١٠٣.\n(٨) ٢/ ٣٢١.\n(٩) المعجم الكبير ١٠/ ٣٠٤ رقم (١٠٥٩٦).\n(١٠) السنن الكبرى ١/ ٣٥٩.","vol":"1","page":269},{"text":"سفيان الثورىِّ، عن عاصمٍ (١)، عَن أبي رَزِيْن (٢)، قال: «خاصمَ نافعُ بنُ الأزرق ابنَ عَبَّاسٍ فقال: هل تَجدُ الصلواتِ الخمسَ في القرآنِ؟ ...» الخ الأثر (٣).\n* الطريق الخامس: روى الطبري قال: «حدثني المُثَنَّى قالَ: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدثنا القاسمُ قال: حدثنا الزُّبَيْرُ - هكذا في نسخة شاكر - وفي نسخة هجر جُويبرُ (٤) عن الضحاكِ: أَنَّ نافعَ بنَ الأزرق أَتى ابنَ عباسٍ فقال: يا ابن عباس قول الله ﵎ ...». الأثر (٥).\n* القسم الثاني: ما ورد من سؤالا ت نافع بن الأزرق لابن عباس متضمنًا لشواهد شعرية ورد من طُرقٍ:\n* الطريق الأول: روى الحاكم (٦) من طريق أبي عبد الله: مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ حَمزةَ المروزيِّ. وابنُ الأَنباريِّ (٧) من طريق مُحمدِ بنِ عليِّ بن الحَسَنِ بن شَقيقٍ.\n_________\n(١) هو عاصم بن بَهْدَلةَ وهو ابن أبي النَّجُود الأَسديّ الكوفي، صدوقٌ لَهُ أَوهامٌ، حُجَّةٌ في القِرَاءةِ، وحديثه في الصحيحين مقرونٌ، مات سنة ١٢٨ هـ. انظر: تقريب التهذيب ٤٧١.\n(٢) هو مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، ثقة فاضل، مات سنة ٨٥ هـ. انظر: تقريب التهذيب ٩٣٦.\n(٣) والأَثَرُ بِهَذا الإسنادِ حَسَنٌ؛ لأَنَّهُ مِن روايةِ عَاصمِ بنِ بَهْدلةَ وهو صَدوقٌ له أوهامٌ. انظر: تقريب التهذيب ٤٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٧/ ٤٣، وهو كذلك في تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩١، ٥/ ١٦٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٧٤. والأَثَرُ بِهَذا الإسنادِ ضعيف؛ لأنه من رواية جويبر وجُويْبِرُ تَصغيرُ جَابر، يُقَال اسْمُه جَابرُ - وجُويبرُ لَقَبٌ - ابن سعيد الأزدي، أَبو القَاسمِ البَلْخِيُّ، نَزيلُ الكوفةِ، رَاوي التفسيرِ، ضَعيفٌ جِدًّا، مات بعد ١٤٠ هـ. انظر: تقريب التهذيب ٢٠٥؛ ولأَنَّ الضحاكَ لم يشهد القصة، ولم يُخْبِر بالواسطةِ بينَه وبينَ ابن عباس، أَو عمَّن سَمعها منهُ أو حَضَرَها، وإن كان الضحاكُ بنُ مزاحمٍ من الثقاتِ فلعلَّ البلاءَ في هذه الرواية مِمَّن دُونه، فقد قال عليُّ بن المدينيِّ: «جُويبرُ ضَعيفٌ جدًا، أكثرَ على الضحاكِ، روى عنهُ أشياءَ مَنَاكيرَ» انظر: تهذيب الكمال ٥/ ١٦٧.\n(٦) المستدرك ٢/ ٤٠٤.\n(٧) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٦.","vol":"1","page":270},{"text":"كِلاهُما - أَبو عبدِالله المروزيُّ، ومُحمدُ بن علي بن الحسن، عَن أَبي صَالح: هَديّة بن عبد الوهابِ (١)، عن مُحمدِ بنِ شُجاعٍ (٢)، عن مُحمدِ بن زِيَادٍ اليَشْكُريِّ، عَن مَيمونَ بنِ مِهرانَ، أَنَّ نافعَ بن الأزرقِ سأَلَ ابنَ عباسٍ فقال: أَخْبِرني عَن قول الله عَزَّوَجَلَّ َّ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] (٣)، مَا العِتيُّ؟ قال: البُؤْسُ من الكِبَرِ، قالَ الشاعرُ (٤):\nإِنَّمَا يُعذَرُ الوَليدُ ولا يُعْـ ... ـذَرُ مَنْ كانَ في الزَّمَانِ عُتيَّا (٥)\nهذَا مَا ذَكرهُ الحاكمُ فقط. وأَمَّا ابنُ الأَنباريِّ فقد أَوْرَدَ بِهَذا الإِسْنادِ خَمسينَ مسألةً (٦). وأَورده السيوطيُّ (٧)، وعَزَاهُ للحاكمِ، ولابنِ الأَنباريِّ (٨).\n* الطريق الثاني: مَدَارهُ على عثمان بن عبد الرحَمن الطرائفيِّ. روى الطبراني (٩) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي. وابنُ الأنباري (١٠) من طريق هشام بن عمار. وأَبو طاهر العَلاَّف (١١)، وأبو نصر مُحمدُ بن عيسى العُكْبَريُّ (١٢)، من طريق أَبِي بَكرٍ أَحْمدَ بن عبدالرحمن بنِ المُفَضَّلِ الحرَّانِيِّ.\n_________\n(١) في المستدرك: «هدية بن عبد الوهاب»، وفي الوقف والابتداء: «هدية بن مجاهد»، والصحيح الأول وهو المروزي، قال الذهبي: ثقة، مات سنة ٢٤١ هـ انظر: الكاشف للذهبي ٢/ ٣٣٤.\n(٢) محمد بن شجاع هو النبهاني المروزي، ضعيف، مات قبل ٢٠٠ هـ. انظر: تقريب التهذيب ٨٥٣.\n(٣) مريم ٨.\n(٤) هو إبراهيم بن هرمة.\n(٥) ديوانه ٢٢٦، وهو في مجاز القرآن ٢/ ٢، الأغاني ١٢/ ٢٢٧.\n(٦) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٦ - ٩٨.\n(٧) انظر: الدر المنثور ٥/ ٤٨٢.\n(٨) والأَثرُ بِهَذا الإِسنادِ موضوعٌ؛ لأن في إِسنادهِ مُحمدَ بنَ زِيادٍ اليَشْكُريّ، قال الإمام أحْمد عنه: «كَذَّابٌ؛ يضعُ الحديث»، وقال يحيى بن معين: «كَذَّاب». انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٦/ ١٥٤.\n(٩) المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٨.\n(١٠) الأضداد ٣٣.\n(١١) مسائل نافع بن الأزرق ٣١.\n(١٢) المصدر السابق ٣١.","vol":"1","page":271},{"text":"ثلاثتُهُم - إبراهيمُ الرَّماديُّ، وهِشامُ بنُ عمَّارٍ، وأَبو بَكر الحَرَّانيِّ - عَن عثمانَ بنِ عبد الرحمن الطرائفيِّ قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ الحرَّانيُّ، قال: حدثنا جُويبرُ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ الهِلاليِّ قال: «خرج نافعُ بن الأزرق، ونَجدةُ بنُ عُويمرٍ في نَفَرٍ من رُؤوسِ الخَوارجِ لِيُنَقِّرونَ عن العِلْمِ ويَطلبونهُ، حتى قَدموا مكةَ فإذا هم بعبد الله بن عباسٍ قاعدًا قريبًا مِن زَمْزَمَ، وعليه رداءٌ أَحْمَرُ، وقَميصٌ، وإِذا نَاسٌ قيام يسألونه عن التفسيرِ، يقولونَ: يا ابن عباسٍ، مَا تقولُ في كَذا وكذا، فيقول هو كذا وكذا». وبعد المسألة الثانية والثلاثين قال عثمانَ بنِ عبد الرحمن الطرائفيِّ في صدر المسألة الثالثة والثلاثين: «وحدثني عبيدالله بن العباس، قال: وزاد فيهِ مُحمدُ بن السائب الكلبيُّ ...» (١).\nفأَمَّا الطبراني فقد روى من هذه الطريق إحدى وثلاثين مسألة (٢). ورواها من طريقه الهيثمي (٣). وأما ابن الأنباري فقد روى من هذه الطريق مسألتين (٤). وأما أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف بن العلاف فقد روى من هذه الطريق ثنتين وثلاثين مسألة. وكذلك أبو نصر محمد بن عيسى العُكبريِّ روى مثل هذا العدد. وأما زيادة محمد بن السائب الكلبي فقد بلغت عشرين مسألة (٥). ومن هذا الطريق رويت مسائل\n_________\n(١) المصدر السابق ٦٢. والأَثرُ بِهَذا الإسنادِ ضعيفٌ جِدًّا، للعلل التالية: عُبيدُ اللهِ بنُ العبَّاسِ، أو عُبيدُالله بن عياشٍ، كما جاء في «المعجم الكبير» للطبراني [ذكر المِزِّيُّ في ترجَمة جُويبرٍ، عُبيدَالله بنَ عياشٍ الحرَّاني، وموسى بن يزيد الحراني مِن بين الرواةِ عن جُويبرٍ. انظر: تهذيب الكمال ٥/ ١٦٨] كلاهما لا يُعْرَفُ، وإِنْ كان قد تابعَهُ موسى بنُ يزيدَ الحرانيُّ كما في «المعجم الكبير» للطبراني، فهو كذلك لا يُعرَفُ. وجُويْبِرُ الأزدي، تقدم أنه ضَعيفٌ جِدًّا. انظر: تقريب التهذيب ٢٠٥، والضحاكَ بنَ مزاحمٍ لم يشهد القصةَ، ولم يُخْبِر بالواسطةِ بينَه وبينَ ابن عباس، وقد تقدم قول ابن المديني في روايات جويبر المنكرة عن الضحاك.\n(٢) انظر: المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٨ - ٢٥٦.\n(٣) انظر: مَجمع الزوائد ٦/ ٣٠٣ - ٣١٠.\n(٤) انظر: الأضداد ٣٣ - ٣٤.\n(٥) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٦٢ - ٧٩.","vol":"1","page":272},{"text":"نافع بن الأزرق التي حققها الدكتور محمد الدالي عن مخطوطتها المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق.\n* الطريق الثالث: رواية أَبي الحَسَنِ عليِّ بن مسلم، عن عبدالعزيز بن صالح البُرجُميِّ، عن أبي شهاب الحنَّاط عبدِ ربه بن نافع، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عكرمة مولى ابن عباس.\nفأما أبو شِهاب الحنَّاط عبد ربه بن نافع الكوفي المدائني، المتوفى سنة ١٧٢ هـ، فقد وثَّقَهُ يَحْيى بنُ معينٍ، وقال يَحيى القطان: «لم يكن بالحافظ» (١). فهو من الرواة المختلف فيهم بين الحُفَّاظ.\nوأما أبو بكر الهُذَلِيُّ وهو سُلْمَى بنُ عبد الله بن سُلْمَى، فقد ضعَّفه أَحْمدُ بن حنبل، وابنُ مَعين، وعليُّ بن المديني، والنسائي، والدارقطنيُّ، وهو متروك الحديث، توفي سنة ١٥٩ هـ (٢). وأما عبدالعزيز بن صالح البُرْجُمِيُّ فلا يُعرف (٣).\n* الطريق الرابع: ذكرها المبرد (٤) فقال: «حدّث أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المُثَنَّى التيميُّ النَّسَّابَةُ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عَن عكرمةَ (٥). وقد أورد المُبردُ من هذا الطريق سبعَ مسائل.\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٢) تاريخ بغداد ٩/ ٢٢٣ - ٢٢٦، ميزان الاعتدال ٤/ ٤٩٧، تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٧.\n(٣) فالأَثَرُ بِهذا الإسناد ضعيفٌ جِدًّا؛ لوجود أبي بكر الهُذَليُّ في إسناده، وعدم معرفة البُرْجُمِيِّ. وقد رُويَ من هذه الطريق أربع وثلاثون مسألة. انظر: مسائل نافع بن الأزرق ١٨.\n(٤) الكامل ٣/ ١١٤٤ - ١١٤٥.\n(٥) والأَثَرُ بِهذا الإسناد ضعيفٌ؛ للانقطاعِ بينَ المُبَرِّدِ وأَبي عُبيدةَ، فأَبو عبيدةَ مات سنة ٢١٠ هـ، والمُبرد ولد سنة ٢١٠ هـ فلم يدركه، ولم يسمع منه.\nوأُسَامةُ بنُ زيدٍ في كتبِ التراجمِ اثنان مدنيَّانِ في طبقةٍ واحدةٍ، وهُما من المتِّفِقِ من الأَسْماءِ، ولم أَجد ما أُفرِّقُ بهِ بينَهما. فالأولُ أسامةُ بنُ زيدِ بنِ أَسلمَ العدويُّ، مَولاهم المَدنيُّ، ضعيفٌ مِنْ قِبَلِ حِفظهِ، ماتَ في خِلافةِ المنصورِ. والثاني أسامةُ بن زيدٍ الليثيُّ مولاهم أَبو زيدٍ المدنيّ، صَدوقٌ يَهِمُ، مات ١٥٣ هـ. انظر: تقريب التهذيب ١٢٣ - ١٢٤.","vol":"1","page":273},{"text":"* الطريق الخامس: روى أبو الحسن الطَّسْتيُّ (١)، عن أبي سَهْلٍ الجُنْدِيسَابُوريِّ، عن يَحيى بنِ أَبي عُبيدةَ بَحرِ بنِ فَرُّوخٍ المكيِّ، عَن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عَن عِيسى بن دأبٍ، عن حُميدٍ الأعرجِ، وعبدِ الله بنِ أبي بكرِ بن مُحمدٍ، عن أبيهِ أبي بكرِ بنِ مُحمد (٢). وذكر السيوطيُّ في «الدر المنثور» من هذا الطريق ٢٤٥ مسأَلةً مَعزوَّةً للطستي، وكذلك في الإتقان (٣). والأَثَرُ بِهذا الإسناد ضعيف جدًا، ولا يُحتجُّ به (٤).\nهذه هي الأسانيد التي رويت بها مسائل نافع بن الأزرق، وقد اختلفت هذه الروايات في عدد المسائل، وزاد فيها محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ)، وزاد غيره، حتى بلغت ثَلاثَمائة وثلاثين مسألة. فأصلُ هذه المسائل ثابت، غير أن أكثر أسانيدها ضعيف لا يوثق به، وقد أشار إلى ضعف أسانيد مسائل ابن الأزرق عدد من العلماء، منهم الألوسي في تفسيره حيث قال بعد ذكره لإحدى هذه المسائل: «وخَبَرُ ابن الأزرقِ قد قيلَ فيه ما قيل» (٥) أي من الطعن فيه وتضعيفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ثانيًا: نقد متن المسائل:</span>\nيُمكنُ توجيه عدد من الانتقادات لمتن هذه المسائل، مما يطعن في صحة غالب هذه المسائل، مما سبق الحديث على أسانيده وطرقه، ومن هذه الانتقادات:\n_________\n(١) هو المحدث الثقة المسند، أبو الحسين عبدالصمد بن علي بن محمد بن مُكْرَم البغدادي الطستي - نسبة إلى الطست وعمله. عاش ثمانين سنة، وتوفي سنة ٣٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(٢) انظر: مسائل الإمام الطستي ٩.\n(٣) ١/ ٣٨٢ - ٤١٦.\n(٤) هذا الطريق مُعَلٌّ بِعَللٍ فأَبو سَهْلٍ السريُّ بنُ سهل الجُنْدِيسابوريُّ قال فيه البيهقيُّ: «لا يُحتجُّ بهِ». انظر: ميزان الاعتدال ٨/ ١١٤. ويَحيى بنُ أبي عبيدةَ لا يُعرفُ، وعيسى بنُ يزيدَ بن بَكرِ بنِ دَابٍ الليثيُّ المَدَنِيُّ، قال فيه البخاريُّ، وأبوحاتم الرازيُّ: «منكرُ الحديث». انظر: ميزان الاعتدال ٥/ ٣٧٥.\n(٥) روح المعاني للألوسي ٤/ ١٣١.","vol":"1","page":274},{"text":"أولًا: أَنَّ المسائل تضمنت ألفاظًا سُئِلَ عنها ابنُ عباس ليست من الغريب لوضوحها وسهولتها، إذ إنه لو جاز له أن يَسألَ عن معاني أمثال هذه الكلمات: رِئْيَا، حَميم آنٍ، تَتْبِيب، حَنِيذ، رِبِّيون، فما يَجوزُ له أن يسأل عن مثل: عذابٍ أليمٍ، أطعموا البائِسَ، اضربُوا كُلَّ بَنَانٍ، وعشرات غيرها مِمَّا يُعَدُّ متداولًا مفهومًا لا يَحتاج إلى سؤال، حتى لو كان نافع بن الأزرق يقصد بأسئلته التعنت والمُماراة، فالمتوقع من المتعنت والمُجادل أن يَعْمدَ إلى السؤال عن الغامض البعيد، لا إلى الظاهر القريب.\nثانيًا: وجود شواهد شعرية لشعراء بعد نزول القرآن، كحسان بن ثابت وأمية بن أبي الصلت، بل بعد هؤلاء أمثال عمر بن أبي ربيعة، وهؤلاء الشعراء متأثرون فيما قالوا بعد الإسلام بالقرآن بعد أن قرأوه وتدارسوه، وهذا لا يغيب عن سائلٍ كنافعِ بنِ الأزرق، حيث يقول في سؤاله لابن عباس بعد جوابه له: «وهل كانت العرب تعرف ذلك من قبل أن يُنَزَّلَ الكتابُ على محمد - ﷺ -» (١). فيستبعد قبول نافع بهذه الشواهد لتأخرها.\nثالثًا: وجود شواهد شعرية في هذه المسائل لشعراء بعد ابن عباس بزمنٍ طويلٍ، وجهالة كثير من قائلي الشواهد، وهذه من العقبات التي واجهت محمد فؤاد عبد الباقي (ت ١٣٨٨ هـ) حين درس هذه المسائل ضمن «معجم غريب القرآن». ففي لفظ «الحُسْبَان» تستشهد الرواية عند السيوطي بقول حسان بن ثابت، ويعلق على ذلك عبدالباقي بقوله: «ليس في ديوانه» (٢)، وكذلك في ألفاظ أخرى كـ «رِبِّيون»، و«ضِيْزَى»، و«المُعْصِرات» (٣). هذا دون الكلام عن الأبيات المختلف في نسبتها، أو المنسوبة إلى أكثر من قائل، أو الأبيات التي تصرف فيها الرواة حذفًا أو زيادة.\n_________\n(١) مسائل نافع بن الأزرق ٣٥.\n(٢) معجم غريب القرآن ٢٧٦.\n(٣) انظر: المصدر السابق ٢٨٢، ٢٩٤، ٢٩٦.","vol":"1","page":275},{"text":"رابعًا: طُبِعَ تفسير منسوب لابن عباس، جَمَعَهُ الفيروزآبادي بعنوان «تنوير المقباس» (١)، ولم أجد فيه موضعًا واحدًا استشهد فيه ابن عباس بشاهد من الشعر، مِمَّا يُشكِّكُ في صحة هذا التفسير المنسوب لابن عباس، إضافة إلى أنه من رواية محمد بن مروان السُّدِّي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهي أوهى الطرق عن ابن عباس (٢). وإن كان احتمال حذف الفيروز آبادي - الذي جَمع هذا التفسير - للشواهد الشعرية واردًا؛ رغبةً في الاختصار.\nخامسًا: ورد ضمن مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ما «رُوي عن عكرمةَ أَنَّ نافعَ بنَ الأزرقِ قال لابن عبَّاسٍ: يا أَعمى البصرِ، أَعمى القلبِ، تَزعمُ أَنَّ قومًا يَخرجونَ من النارِ، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] (٣)؟\nفقالَ ابن عباس: ويَحكَ، اقرأ مَا فَوقَها، هَذا للكفارِ» (٤).\nوهذه الرواية مُنْكَرَةٌ؛ لسوء الأدب مع الصحابي الجليل ابن عباس، وقد أنكرها الزمخشريُّ فقال تعقيبًا عليها: «وكفاك بِما فيه من مواجهةِ ابنِ الأزرقِ ابنَ عَمِّ رسولِ الله - ﷺ -، وهو بين أَظْهُرِ أعضَادهِ من قريش، وأَنْضَادِهِ من بَنِي عبد المطلب، وهو حَبْرُ الأُمَّةِ وبَحْرُها ومُفَسِّرُها، بالخِطابِ الذي لا يَجْسُرُ عليهِ أحدٌ من أهل الدنيا، ويرفعهُ إلى عِكرمةَ دَليلينِ نَاصَّيْنِ أَنَّ الحديثَ فِريةٌ مَا فيها مِرْيَةٌ» (٥)، وأنكرها\n_________\n(١) جَمعه الفيروزآبادي من كتب التفسير التي أدخل أصحابها هذا الطريق في تفاسيرهم كالثعلبي والواحدي، وهو طريق لا يعتمد عليه، ولا تصح نسبته لابن عباس. ولا عبرة بما ذكره الزركلي في الأعلام ٤/ ٩٥ من ثناءه على هذا التفسير. انظر: تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة لعبد العزيز الحميدي ١/ ٢٧.\n(٢) انظر: الإتقان للسيوطي ٢/ ١٨٩، وحبر الأمة عبد الله بن عباس ومدرسته في التفسير بمكة المكرمة للدكتور عبد الله سلقيني ١٠٣.\n(٣) المائدة ٣٧.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٤٠٧، الكشاف للزمخشري ١/ ٦٣٠، الدر المنثور ٢/ ٢٨٠.\n(٥) الكشاف ١/ ٦٣٠.","vol":"1","page":276},{"text":"كذلك الزيلعي (١).\nسادسًا: استبعاد حصول هذه المسائل بطولها في مجلس واحد، حتى ذهب بعض الباحثين إلى أنه «ليس من المعقول أن يسألَ نافعٌ عن نَحو مائةِ مسألةٍ وخَمسٍ وثَمانينَ كلمةً في مَجلسٍ واحدٍ، ليجيبه ابن عباس بمائة وخَمسةٍ وثَمانين بيتًا من الشعر، تُحفَظُ لِفَورها، ويرويها الحاضرون سماعًا دون نسيان» (٢). مع إنه يمكن أن يستأنس بما ذكره المبرد من قوله: «ويروى من غير وجهٍ أن ابن الأزرق أتى ابن عباس يومًا فجعل يسأله حتى أَمَلَّهُ، فجعل ابن عباس يظهر الضجر ...» (٣). مِمَّا يعني أنه قد أطال في الأسئلة على ابن عباس.\nسابعًا: اتَّهَمَ بعض الباحثين هذه القصة بالوضع من أساسها، مستدلًا بذلك على وضع الشعر الجاهلي لأسباب دينية، فقال: «أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وُضعت في تكلفٍ وتصنعٍ لغرضٍ من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله، لإثبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب، أو لإثبات أن عبد الله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين؟» (٤). غير أَنَّ هذه الاحتمالات لا تكفي للقطع بوضع هذه القصة، فمن المُحْتَمَلِ أن يكون ابنُ عباسٍ مِمَّن كان يقضي جانبًا من وقته في التماس الشواهد على تفسير الغريب من القرآن، حيث رأى الناس مقبلة على هذا النوع من العلم، فيكون جوابه عن مسائل ابن الأزرق نتيجة بحث سابق، وتأمل غير قليل في القرآن الكريم، فلا غرابة أن يجيب ابن عباس نافعًا عقب كل مسألة\n_________\n(١) انظر: تَخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكشاف ١/ ٣٩٤ عند الحديث رقم ٤١١.\n(٢) البيان القرآني لمحمد رجب البيومي ٩٤ - ٩٥.\n(٣) الكامل ٣/ ١١٥٢.\n(٤) في الشعر الجاهلي لطه حسين ٥١.","vol":"1","page":277},{"text":"بشاهد من الشعر (١).\nكما وصفها المستشرق جولد زيهر بأنها أسطورة فقال: «وبذلك المبدأ المنهجي المنسوب لابن عباس، اقترنت على النمط العربي أسطورة مدرسية عظيمة الإفادة، وجدت مدخلًا إلى المعجم الكبير للطبراني (المتوفى سنة ٣٦٠ هـ =٩٧١ م)، وذلك أن الزعيم الخارجي نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن عدد كبير من مفردات القرآن، طالبًا إليه أن يستشهد على معانيها من الشعر القديم» (٢). واتهم اللغويين المتأخرين بوضع هذه المسائل ونسبتها لابن عباس فقال: «وهذه مُبَايعةٌ من عَالَمِ اللغويين المتأخرين لأبي التفسير الذي نَمَّى الطريقة اللغوية في تفسير القرآن» (٣). كما شكك فيها بعض المؤرخين المعاصرين (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-95> مسائل الإمام الطستي:</span>\nوقد طُبِعَتْ مسائلُ نافع بن الأزرق من رواية الطَّسْتيِّ بعنوان «مسائل الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عباس ﵄»، قام بجمعها الدكتور عبدالرحمن عميرة، والروايات التي في هذه المطبوعة بلغت سبع روايات وأربعمائة رواية، والإسناد الذي رويت به هذه المسائل مُعَلٌّ بِعَللٍ سبق ذكرُها، وهو ضَعيفٌ جدًا، ولا يُحتجُّ به، ويضاف إلى ذلك بعض الانتقادات لهذه المطبوعة، وهذه الملحوظات هي:\nأولًا: ليست هذه المسائل جَميعًا من رواية الطستي، بل فيها مسائل كثيرة، مروية من طريق عَبْدِ بن حُميدٍ (٥)، ومن طريق ابن\n_________\n(١) انظر: نقض كتاب في الشعر الجاهلي لمحمد الخضر حسين ١٢١.\n(٢) مذاهب التفسير الإسلامي ٩٠.\n(٣) المصدر السابق ٩٠.\n(٤) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٦٦٤ - ٦٦٥.\n(٥) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ٩٠.","vol":"1","page":278},{"text":"الأنباري (١)، ومن طريق ابن أبي حاتم (٢)، والطبراني (٣).\nثانيًا: ورد في المسائل استشهاد ابن عباس بشواهد شعرية، لشعراء ولدو بعد وفاة ابن عباس، مثل أبان بن تغلب (٤)، فقد مات سنة ١٤١ هـ، ولم يدرك ابن عباس. وكذلك وردت شواهد شعرية كثيرة لشعراء يُشَكُّ في أَنَّ ابنَ عباسٍ أَدركَهُم، وفي هذه المسائل ما يدل على أنه روى شعرهم مثل العَجَّاجِ التميمي الرَّاجزِ حيث يستشهدُ ابنُ عبَّاس بشعره (٥)، ووردت شواهد استشهد بها ابن عباس من شعر أبي النجم العجلي (ت ١٢٠ هـ) (٦)، ورؤبة بن العجاج (٧)، والأخطل (ت ٩٥ هـ) (٨) والطرماح بن حكيم (ت ١٢٠ هـ تقريبًا) (٩)، والقطامي (ت ١٠١ هـ) (١٠)، وغيرهم.\nوربما أورد ابن عباس -كما في هذه المسائل - شاهدًا شعريًا ينسبه لأحد المتأخرين في قوله في جواب لنافع عن معنى «المسيح»، حيث قال: «المسيح: العَرَقُ يَسِيْلُ من الجَبين. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بعض المتأخرين يقول:\nافْرَحْ فَسوفَ تَأْلَفُ الأَحْزَانَا ... إِذَا شَهِدْتَ الحَشْرَ والميزَانَا\nوسَالَ مِنْ جَبِيْنِكَ المَسِيْحُ ... كَأَنَّهُ جَداولٌ تَسيحُ» (١١).\n_________\n(١) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ٧٥، ٨٢، ١١٢، ١٢٠، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٥، ١٣٦، ١٤٢، ١٤٧، ١٥٠، ٢/ ١٦، ٣٠، ٩٤، ١٠٥.\n(٢) انظر: مسائل الإمام الطستي ٢/ ٣٨.\n(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٧٧، ١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: المصدر السابق ١/ ١٢٠، وانظر: بغية الوعاة ١/ ٤٠٤.\n(٥) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ٤٠.\n(٦) انظر: المصدر السابق ١/ ١/٤١.\n(٧) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٠، ٦٣.\n(٨) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٥، ٥٢.\n(٩) انظر: المصدر السابق ١/ ٥١، ٥٥.\n(١٠) انظر: المصدر السابق ١/ ١٠٣، وانظر: ١/ ١١٨.\n(١١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٢٢.","vol":"1","page":279},{"text":"وهَذا شِعرٌ ضعيفٌ متأخرٌ، وقد بحثت في معاجم اللغة عن معنى كلمة: «المسيح». فلم أجد مَنْ ذَكَرَ مِن معانيه أَنَّهُ العَرَقُ الذي يَسيلُ من الجبين (١).\nورأيتهُ ذَكَرَ أَنَّ ابنَ عباس استشهد لمعنى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بشاهدٍ غير منسوب، ولكنه تظهر عليه علامات الحداثة والتأخر وهو قول الشاعر:\nنَامَ مَنْ كَانَ خَلِيًّا مِنْ أَلَمْ ... وَبَقِيتُ الليلَ طُولًا لَمْ أَنَمْ\nوبعد البحث تبين لي أنه للوليد بن يزيد بن عبد الملك الأموي (٢)، وهو من خلفاء الأمويين ولد سنة ٨٨ من الهجرة بعد وفاة ابن عباس بعشرين سنة، مما يعني استبعاد استشهاد ابن عباس بشعره (٣).\nثالثًا: ظهور علامات التكلفِ في التفسير، مِمَّا لا يُعرفُ من منهج ابن عباس في التفسير، ومن ذلك قوله في جواب عن معنى «الخوف» في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٤): «العَرَبُ قد تضعُ «الظنَّ» موضع «الخَوفِ»، و«الخَوفَ» موضع «الظنِّ» في كلامها لتقارب معنييهما ...» (٥)، ثم أورد شاهدًا من الشعر. وهذا النص مع الشاهد الشعري هو نص كلام الطبري في تفسيره، ولم ينقله عن ابن عباس (٦). وقد نسبه جامع هذه المسائل لابن عباس.\nومن علامات التكلف هذه ذِكْرُ ابنِ عباسٍ لأوجه اشتقاقية لم تكن معروفة كصناعةٍ في زمنه ﵄، وإنما عرفت عند المتأخرين. ومن ذلك قول ابن عباس في جوابه عن معنى «تَتْلُو» في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٧) حيث قال: «(يتلو كذا) له في\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ٦/ ٤٥١ - ٤٥٣ (سيح).\n(٢) انظر: الأغاني ٧/ ٩١.\n(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٧٠، خزانة الأدب ١/ ٣٢٨.\n(٤) البقرة ٢٢٩.\n(٥) مسائل الإمام الطستي ١/ ٦٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٥٥٠.\n(٧) البقرة ١٠٢.","vol":"1","page":280},{"text":"كلام العرب معنيان .. أحدهما: الاتباع كما يقالُ: تَلَوتُ فلانًا إذا مشيتُ خَلْفَهُ، وتَبِعتُ أَثَرَه، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (١) يعني بذلك: تَتَّبِع.\nوالآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآن ...» (٢). ثم ذكر شاهدًا من الشعر عن حسان بن ثابت ﵁. وهذا التحليل للفظة ليس من أسلوب ابن عباس، وطريقته المعروفة، وإنما هو من منهج المتأخرين من العلماء، وهذا الكلام بنصه وشاهده الشعري للطبري (٣)، وهو من كلامه، ولم ينقله عن أحد. وقد تتبعت كثيرًا من المسائل المنسوبة لابن عباس في هذه المطبوعة المنسوبة للطستي، فوجدتها منقولةً من تفسير الطبري بنصها دون إشارة لذلك (٤).\nرابعًا: نقل كلامًا لابن عباس ينقل فيه ابن عباس أقوالَ علماءَ متأَخرينَ كَعيسى بنِ عمرَ النَّحويِّ (ت ١٤٩ هـ)، كقوله عندما سأل نافع بن الأزرق عن معنى ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] (٥): «السَّواءُ: القَصْدُ والمَنْهَجُ، وأَصلُ السَّواءِ: الوَسَطُ، ذُكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: ما زلت أكتب حتى انقطعَ سَوائِي، يَعْنِي: وَسَطِي. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم ...» (٦). ثم أورد شاهدًا لحسان بن ثابت ﵁. وفَعَلَ مثلَ ذلكَ بنقله لكلام، أبي عمرو بن العلاء\n_________\n(١) يونس ٣٠، قرأ بالتاء ﴿تَتْلُوا﴾ ابن مسعود، وحَمزةُ، والكسائي، وخلف، والأعمش، وزيد بن علي، وروح عن يعقوب. وقرأ الباقون بالباء ﴿تَبْلُوا﴾ انظر: السبعة ٣٢٥، التيسير ١٢١، النشر ٢/ ٢٨٣.\n(٢) مسائل الإمام الطستي ١/ ٤٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤١١.\n(٤) انظر: مسائل الطستي ١/ ٤٤ - ٤٥ وازنها بما في تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦.\n(٥) البقرة ١٠٨.\n(٦) مسائل الإمام الطستي ١/ ٤٥.","vol":"1","page":281},{"text":"(١٥٤ هـ) (١)، والفراء (٢٠٧ هـ) (٢)، وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) (٣)، وأختم بزعمِ نقلِ ابنِ عباسٍ عن قُطربَ في قوله لنافع بن الأزرق مُجِيبًا لَهُ عن معنى «الصَّرْصَرَة»، وأَنَّهَا الريحُ شديدةُ البَرْدِ والصَّوتِ بقوله: «أَمَا سَمعتَ قُطربَ وهوَ يُنشدُ قولَ الحطيئة:\nالمُطعمونَ إِذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ ... والحَامِلُونَ إِذا اسْتُودُوا على النَّاسِ (٤)» (٥).\nوقُطْرُبُ توفي سنة ٢٠٦ هـ (٦). فأينَ ابنُ عباسٍ مِنْ قُطرب؟\nخامسًا: ذكر عميرة أن نافعًا سأل ابن عباس فقال: «أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٧)، قال: هو ما تأكله البهائم من العشب، وكل ما أنبت الأرض مما لا يأكله الناس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم ... أما سمعت الشاعر وهو يمدح الرسول - ﷺ - فيقول:\nلَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا ... بِهَا يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأَبَّا (٨)\nوهذه المسألة ليست من مسائل الطستي، ولا من مسائل نافع بن الأزرق في كل المصادر، وإنما هي من كلام القرطبي في تفسيره للآية دون إشارة لنافع ولا لابن عباس (٩).\nسادسًا: تكرار بعض المسائل بشواهدها الشعرية. فقد ذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] (١٠) أن نافع سأل ابن عباس عن معنى الملامسة هنا، فأجابه بأَنَّهَا الجماع، وفي لغة هذيل: اللمس باليد. واستشهد له بشاهدين من الشعر للبيد بن ربيعة\n_________\n(١) انظر: مسائل الإمام الطستي ٢/ ٦١.\n(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ١١٠.\n(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٠٦.\n(٤) لم أجده في ديوانه.\n(٥) انظر: مسائل الإمام الطستي ٢/ ٦٤.\n(٦) انظر: بغية الوعاة ١/ ٢٤٣.\n(٧) عبس ٣١.\n(٨) انظر: مسائل الإمام الطستي ٢/ ١٢١.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٢٢، وانظر: فتح الباري ١٣/ ٢٣٠.\n(١٠) النساء ٤٣.","vol":"1","page":282},{"text":"والأعشى (١). ثُمَّ كرر المسألة بألفاظها عند تفسير الآية السادسة من سورة المائدة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) ومثل ذلك تكراره لشاهد شعري واحد استشهد به ابن عباس على مفردتين مختلفتين، كقول زهير:\nلَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ (٣)\nفقد ورد استشهاد ابن عباس به على معنى: «بنان». في رواية للبيت:\nشاكي البنان .. بدل شاكي السلاح. وورد استشهاده به على معنى لبد (٤).\nسابعًا: الذي يظهر لي أن هذه المطبوعة مجموعة من عدة مصادر، وأهم هذه المصادر هو «الدر المنثور» للسيوطي، فقد أوردها السيوطي مُفَرَّقةً بِحَسبِ مواضعِ السُّور والآيات، ومن أدلة ذلك:\n١ - يقول السيوطي قبل كل مسألة: «وأخرج الطستي في مسائله عن نافع بن الأزرق كذا وكذا ...». وهكذا المطبوعة.\n٢ - هناك مسائل انفرد بِهَا الطستيُّ في مسائله، نقلها عنه السيوطي، مِمَّا يوحي باعتماد الدكتور عبد الرحمن عميرة عليه (٥).\n٣ - هناك مسائل عزاها السيوطي للطستي ليست في المخطوطة، في حين ذكرها الدكتور عميرة في مسائل الطستي (٦)، وهذا أدل على اعتماده على «الدر المنثور».\nكما يعد كتاب «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري مصدرًا\n_________\n(١) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ٧٩.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٠.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٨، وقد نسب في مسائل الطستي للهذلي دون تعيين ١/ ١١٥.\n(٤) انظر: مسائل الطستي ١/ ١٥١، ٢/ ١٠٣.\n(٥) انظر: غريب القرآن في شعر العرب ١٣٢، ٢٠٣، ٢٣٥، ٢٤٨، يقابل بالترتيب بِما في الدر المنثور ١٤/ ١٩٢، ٨/ ٩٠، ٦/ ٢٣٠، ٣/ ٤٢٧.\n(٦) انظر: الدر المنثور ٦/ ١٦١، مسائل الإمام الطستي ١/ ١٠١.","vol":"1","page":283},{"text":"مهمًا لجامع هذه المطبوعة، حيث نقل عنه عددًا من المسائل (١).\nوكذلك تفسير الطبري فقد أخذ منه كلامًا للطبري ونسبه لابن عباس دون الإشارة إلى ذلك، وقد تقدمت بعض الأمثلة. وكذلك تفسير القرطبي فقد نقل منه بعض المسائل.\nوهذا كله يَرجح أَنَّ جامع هذه المسائل، الذي أخرج هذه المطبوعة وسَمَّاها «مسائل الإمام الطستي» لم يُحَقِّق النسخة المخطوطة لمسائل الطستي المَحفوظة في دار الكتب المصرية برقم ١٦٦ مجاميع، وربما لم يطلع عليها، وقد حقق الدكتور إبراهيم السامرائي هذه المخطوطة وأخرجها كما تقدم. وهناك تحقيق آخر لهذه المخطوطة لمُحمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدر من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة عام ١٤١٣ هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب ﵁ (٢). في حين ذكر الدكتور عبدالرحمن عميرة في هذه المسائل سبع مسائل وأربعمائة مسألة.\nومن أدلة عدم اطلاعه على هذه المخطوطة ذكره لمسائل ليست في مخطوطة مسائل الطستي (٣)، وإهماله لمسائل ضمن المخطوطة لم يذكرها في المطبوعة (٤). كما ذكر عميرة مسائل ليست على شرط نافع بذكر شاهد\n_________\n(١) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ٧٥، ٨٢، ١١٢، ١٢٠، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٥، ١٣٦، ١٤٢، ١٤٧، ١٥٠، ٢/ ١٦، ٣٠، ٩٤، ١٠٥.\n(٢) انظر: غريب القرآن في شعر العرب ١٩٠، المسألة رقم ١٦٠.\n(٣) انظر: مسائل الإمام الطستي ١/ ١١٢، ١١٥، ٢/ ١٦، ٢٩، ٣٠ - ٣١، ١٢١.\n(٤) انظر: غريب القرآن في شعر العرب ٥١، ٧٢، ٨٩، ٩٢، ١٥٠، ١٥٦، ١٦٧، ١٧٣، ١٩٢، ٢٠٥، ٢١٨، ٢٦٠، ٢٨٣ وليست في مسائل الطستي المجموعة لعميرة.","vol":"1","page":284},{"text":"من الشعر في كل مسألة، وقد نقلها عن السيوطي (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-96> منهج عرض المؤلفين والمفسرين للمسائل:</span>\nاختلف عرض المفسرين والمصنفين في علوم القرآن والمحدثين لهذه المسائل على طريقتين:\nالأولى: جَمعُ هذه المسائل بإسناد واحد في مكان واحد، كما صنع ابن الأنباري، والطستي في مسائله، والطبراني،، والهيثمي، والسيوطي في الإتقان.\nالثانية: تفريق هذه المسائل بحسب السور والآيات المسؤول عنها كما فعل المفسرون كالطبري والرازي والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور.\n- فأما الروايات التي وردت فيها الشواهد الشعرية مَجموعةً في مكان واحد، فقد وردت مختصرة كما في رواية ابن الأنباري ثم الطبراني والهيثمي، حيث جاءت مسائل نافع متسلسلةً بإسنادٍ واحدٍ. فقد تضمَّن معجمُ الطبراني إحدى وثلاثين مسألةً، استشهد لها ابنُ عباس بالشعر الجاهلي والإسلامي، وفيها اختلاف في ألفاظ الشواهد، وفي نسبة الأبيات. ومن أمثلة هذه المسائل:\n١ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٢) ما الشواظ؟\nقال ابنُ عبَّاسٍ: اللهب الذي لا دُخانَ فيه، مستشهدًا بقول أمية:\nيَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا ... ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٣)\n٢ - قال نافع: أخبرني عن قوله: ﴿وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٤) ما النحاس؟\n_________\n(١) انظر: مسائل الطستي ١/ ٩٠.\n(٢) الرحمن ٣٥.\n(٣) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٦.\n(٤) الرحمن ٣٥.","vol":"1","page":285},{"text":"قال ابن عباس: الدخان الذي لا لهب فيه، محتجًا بقول النابغة الجعدي:\nتُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (١)\n٣ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] (٢) قال ابن عباس: ماء الرجل، وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجًا ... قال أبو ذؤيب الهذلي:\nكَأَنَّ النَّصلَ والفُوقَينِ منهُ ... خِلالَ الرِّيشِ سِيْطَ به مَشِيْجُ (٣)\n٤ - قال نافع: فأخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٤) ما المقيت؟ قال ابن عباس: القادر ... أما سمعت بقول النابغة:\nوذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (٥)\nوأما التي وردت فيها مسائل بن الأزرق وشواهدها مجموعة في مكان واحد بطريقة مطولة، فكما فعل السيوطي، فقد خصص النوع السادس والثلاثين من علوم القرآن لمعرفة غريبه، وأدرج ضمن هذا النوع مسائل نافع التي جاءت في روايته متضمنة لمائة وتسع وثمانين مسألة (٦). ومَتْنُ رواية السيوطي - فضلًا عن سندها - يتضمن من العلل ما يكفي للحكم عليها بالوضع كما تقدم في دراسة الطرق. ومثلها المسائل في مسائل الطستي.\n- وأما إيراد مسائل نافع بن الأزرق مفرقة في كتب التفسير بحسب السور والآيات فأوعب التفاسير التي ذكرتها هو الدر المنثور للسيوطي، وبشكل أقل بعض التفاسير المتقدمة كتفسير الطبري، والرازي، والقرطبي، وغيرهم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص ٥٩، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٧.\n(٢) الإنسان ٢.\n(٣) انظر: ديوانه ٧٣، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٧.\n(٤) النساء ٨٥.\n(٥) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٥٩.\n(٦) انظر: الإتقان ١/ ٣٨٢ - ٤١٦.","vol":"1","page":286},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-97> منهج الاستشهاد في المسائل:</span>\nأصبحت شواهد ابن عباس التي وردت في مسائل نافع بن الأزرق شواهد عند النحويين وعلماء اللغة من بعدُ، ويمكن وصف منهج هذه المسائل بحسب ورودها في الكتب التي أخرجتها كالتالي:\n١ - جَميع هذه الشواهد لغوية. فكلها تدخل تحت ما يُسمَّى بغَريبِ القرآن، ولا سيما الجزء الذي يشبه أن يكون أصلًا لهذه المسائل، بخلاف الزيادات التي دخل فيها ما لا يمكن القول بغرابته حتى في العصر الراهن، فضلًا عن عصر الصحابة ﵃. وقد تقدم ذكر أمثلة له.\n٢ - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (١) فقال: ما جَمَعَ.\nألم تسمع قول الشاعر: (٢)\nمُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٣)\n٣ - عدم شرح الشواهد الشعرية. فابن عباس يذكر الشاهد دون التعرض لشرح اللفظة الغريبة المسئول عنها. وهذا راجع إلى معرفة السائل بمعاني الشعر، وظهور هذه المعرفة لدى طبقات الناس في ذلك العهد المتقدم. فمثلًا، عندما سأل نافع عن قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] (٤)\nقال ابن عباس: لا تَخَافُونَ عَظَمَةَ ربكم. قال وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب:\n_________\n(١) الانشقاق ١٧.\n(٢) غير منسوب.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٩٢، وانظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٤٧، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(٤) نوح ١٣.","vol":"1","page":287},{"text":"إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (١)\nواكتفى بذكر الشاهد الشعري دون شرحه وبيان وجه الاستشهاد، وهكذا في كل أجوبته المنسوبة إليه في هذه المسائل.\n٤ - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٢) ما المُقِيْتُ؟ قال ابن عباس: القادر ... أَما سَمعتَ بقول النابغة:\nوذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (٣)\nفهو قد نسب الشاهد لقائله وهو النابغة الذبياني؛ لتأكيد الثقة بالشاهد.\nوقد يُنسبُ الشاهد إلى قبيلته كقوله عندما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] (٤): «الذي يصمد إليه في الأمور كلها. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سَمعتَ بقول الأَسَديَّةِ حيث تقول:\nأَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (٥)\nفقد نسب الشاهد لامرأة من بني أسد، وهي هند بنت معبد بن نضلة الأسدية (٦). وعزاه أبو عبيدة إلى رجل من بني أسد (٧).\n٥ - عدم التحرج من ذكر الأبيات ذات المعاني المبتذلة. لم يكن يعني المفسر معنى الشاهد الشعري، وإنما كان الغرض هو اللفظة المراد الاستشهاد لصحتها وصحة معناها، فمثلًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا إنَّ\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٤٩، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٨.\n(٢) النساء ٨٥.\n(٣) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٥٩.\n(٤) الإخلاص ٢.\n(٥) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٤٦.\n(٦) انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٢١، معجم ما استعجم للبكري ٩٩٦.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٣١٦ وهو سَبْرة بن عمرو الأسدي كما في: تهذيب الألفاظ ٢٧٠، سمط اللآلي ٩٣٢.","vol":"1","page":288},{"text":"﴿مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] (١) فسرها ابن عباس بأن معناها: لتثقل عليهم. ثم استشهد على ذلك بقول امرئ القيس:\nتَمْشِي فَتُثْقِلُها عَجِيْزَتُهَا ... مَشْيَ الضعيفِ يَنُوءُ بالوِسْقِ (٢)\nفهذا الشاهد في معناه يشير إلى جانب من جوانب النسيب ووصف النساء، ولكن ابن عباس نظر إلى لغة الشاهد دون معناه، وهو الجانب المراد من إيراد الشاهد الشعري، وهي أَنَّ نَاءَ بِمَعنى ثَقُلَ. وقد التمس عبد القاهر الجرجاني العذر للسلف في ذلك فقال: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحْشُ، وفيها ذِكْرُ الفِعلِ القَبيح، ثم لم يَعِبْهُم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٣).\n٦ - الاستشهاد لمعنى لفظة دون أخرى في الآية المسئول عنها. فعند السؤال عن قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (٤) فسر ابن عباس القانعَ بِأَنه الذي يقنع بِما أُعطي، والمُعتَرَّ الذي يعترض الأبواب، وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر، فقال: أما سمعت قول الشاعر:\nعَلى مُكْثِريهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيْهِمُ ... وعندَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ (٥)\nفهو قد شرح اللفظتين، ثم أورد شاهدًا لمعنى المعتر، دون القانع (٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-98> أثر مسائل نافع بن الأزرق في كتب التفسير:</span>\nأولًا: هذه المسائل المنسوبة لابن عباس تتخذ مَنهجًا مطردًا، على\n_________\n(١) القصص ٧٦.\n(٢) انظر: ديوانه ٤٦٥، وانظر: مسائل الطستي ٢/ ٣٩، غريب القرآن في شعر العرب ٢٣٤.\n(٣) دلائل الإعجاز ١٢.\n(٤) الحج ٣٦.\n(٥) لزهير في ديوانه ١٤٥.\n(٦) انظر: الدر المنثور ١٠/ ٥٠٨.","vol":"1","page":289},{"text":"وتيرة واحدة دون استثناء، في شرح الكلمة بكلمة، يعقبها شاهد شعري مؤيد للتفسير، في حين تعامل المفسرون مع هذه الألفاظ التي وردت في المسائل تعاملًا مختلفًا، فقد لا يرى المفسرُ حاجةً إلى شرح اللفظة الواردة في المسائل وهو قليل، فإن شرحها فقد لا يردفها بشاهد شعري كما فعل الرازي، فقد ذكر سؤال نافع بن الأزرق لابن عباس وجواب ابن عباس له دون أن يذكر الشواهد الشعرية (١)، فإن دعمها بشاهدٍ فقد لا يكون الشاهد شعريًا، أو قد يكون شعريًا ومعه غيره من الشواهد النثرية.\nفمثلًا سأل نافع بن الأزرق عن معنى النُّحَاسِ في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] (٢) فقال ابن عباس: الدُّخانُ الذي لا لَهَب فيه، مُحتجًّا بقول النابغة الجعدي:\nتُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (٣)\nوقد تأثرَ جُلُّ المفسرينَ بِهَذا الجواب، فقد تعرض أبو عبيدة لهذه اللفظة، وفسرها بتفسير ابن عباس، واستشهد لها بالشاهد نفسه (٤)، وكذلك فعل الفراء (٥)، والطبري (٦)، والزمخشري (٧)، وابن عطية (٨)، والقرطبي (٩).\nثانيًا: الشرح المعجمي للمفردات في المسائل حافظ على دلالته مع تغير الزمان، لأن فهم القرآن ينبغي أن يكون على العُرْفِ اللغويِّ الأول، واللغة المستعملة إِبَّانَ نزول القرآن، دون التأثر بالتطور الدلالي اللغوي الحادث بعد ذلك، ومن ثَمَّ فإن التفسير الذي فسره ابن عباس بقي\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير للرازي ١٨/ ٤٥، ١٥٧، ٢١/ ٢٢.\n(٢) الرحمن ٣٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٨١، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٧.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٣/ ١١٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٢٦.\n(٧) انظر: الكشاف ٤/ ٤٤٩.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز ١٥/ ٣٣٨، وقد نسب الشاهد للأعشى.\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١١٢.","vol":"1","page":290},{"text":"محافظًا على قيمته الدلالية حتى الآن، وربما استشهد المفسرون بالشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عباس نفسه. وربما تغير الشاهد الشعري دون الدلالة في المسائل. مثل سؤال نافع عن معنى الشواظ في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ [الرحمن: ٣٥] (١) فأجابه ابن عباس بقوله: اللهب الذي لا دخان فيه، مستشهدًا بقول أمية بن أبي الصلت:\nيَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا ... ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٢)\nفقد وجدت المفسرين من بعده قد وافقوه جميعًا في شرح هذه اللفظة، واختلفوا في الاستشهاد بالشاهد الشعري على ثلاثة أقسام:\n- من استشهد بالشاهد الشعري الذي استشهد به، ومنهم ابن عطية (٣)، حيث اكتفى بذكر الشاهد الشعري الذي ذكره ابن عباس، وأما القرطبي فقد أورد الشاهد الذي ذكره ابن عباس، والشاهد الذي ذكره أبو عبيدة والطبري (٤).\n- من استشهد بشاهد شعري آخر. وهم أبو عبيدة حيث قال: «وشواظ واحد، وهو النار التي تؤجج لا دخان فيها، قال رؤبة:\nإِنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أَقْيَاظَا ... ونَارَ حَربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا (٥)\nفهو قد وافق ابن عباس في التفسير، ولكنه خالفه في الشاهد الشعري، فلم يستشهد بالشاهد الذي استشهد به ابن عباس، وكذلك فعل الطبري، فقد وافق أبا عبيدة في التفسير والشاهد الشعري (٦).\n- من لم يستشهد بالشعر واكتفى بالتفسير. ومنهم الفراء، فقد\n_________\n(١) الرحمن ٣٥.\n(٢) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ٣٦.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز ١٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١١٢.\n(٥) لم أجده في ديوانه. وانظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٤٤.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":291},{"text":"وافقهم في التفسير للفظة، ولكنه لم يستشهد لها بشاهد من الشعر (١).\nثالثًا: اختلاف الشواهد الشعرية في مسائل نافع بن الأزرق عن الشواهد الشعرية في كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، الذي يُعَدُّ كُلُّ من كَتَبَ بعده في غَريبِ القُرآن عالةً على شواهده الشعرية، مع أن أبا عبيدة أحد رواة المسائل (٢)، وقد كان تأثرُ الطبريِّ والزمخشريِّ وابن عطية والقرطبيِّ بشواهد «مَجَاز القرآن» أكثر من تأثرهم بشواهد مسائل نافع بن الأزرق. وهذا يطعن في قول من اتهم أبا عبيدة بوضع مسائل نافع بن الأزرق (٣).\nرابعًا: تأثر المفسرون بمنهج ابن عباس في جوابه لنافع بن الأزرق في الاستشهاد بالشعر، ولم يشذ أحد منهم من لدن أبي عبيدة في «مَجَاز القرآن»، حتى الشنقيطي وابن عاشور من المعاصرين، مرورًا بكبار المفسرين كالطبري وابن عطية والزمخشري والقرطبي، فالمادة الشعرية في تفاسيرهم، ومنهجهم في الاستشهاد تدل على تأثرهم بهذه المسائل.\nخامسًا: أورد القرشي في أول كتابه «جَمهرة أشعار العرب» أربعةً وثَمانينَ شاهدًا من الشعر، وبعد كل شاهد يذكر اللفظة القرآنية التي وردت موافقة لما في الشاهد الشعري، بطريقة مخالفة لطريقة مسائل نافع بن الأزرق التي تبدأ بالسؤال عن اللفظة القرآنية ثم يأتي الشاهد بعد ذلك. غير أن كثيرًا من شواهد الشعر التي ذكرها القرشي هي شواهد وردت في روايات مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس (٤). وهو قبل ذلك قد ذكر قصة سؤال نافع لابن عباس، ولم يسرد المسائل (٥)، وفي هذا نوع من التأثر بهذه المسائل.\nسادسًا: مِنْ أكثرِ من رأيتهُ نَسَجَ على مِنوالِ هذه المسائلِ دونَ\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن ٣/ ١١٧.\n(٢) انظر: الكامل ٣/ ١١٤٤.\n(٣) انظر: قضايا اللغة في كتب التفسير للجطلاوي ١٥٦.\n(٤) انظر مثلًا: جمهرة أشعار العرب ١/ ١٣٠، ١٣٤، ١٣٧.\n(٥) انظر: المصدر السابق ١/ ١١١.","vol":"1","page":292},{"text":"الإشارةِ إليها أَدنى إشارةٍ أبو النَّصر أَحْمدُ بنُ مُحمدٍ السَّمْرَقَنْدِيُّ (١) المعروفُ بالحَدَّاديِ في كتابه «المُوضِّح في التفسير»، وهو كتاب مُختصر في تفسير الغريب من ألفاظ القرآنِ وأساليبه، يكتفي فيه بِبَيانِ اللفظةِ الغريبة، أو التركيبِ المُشكلِ في الآيةِ بأَوجزِ عبارةٍ، ثُم يستشهدُ على ذلك بشاهدٍ من الشِّعرِ أو أكثر، على غرار مسائل نافع بن الأزرق، ويقع الكتاب في (١١٣) مائة وثلاث عشرة صفحة، فسَّر فيها (٢٠٠) مائتي لفظةٍ غريبةٍ، وأسلوبٍ من أساليب القرآنِ الكريم، واستشهد على تفسيره بِمائتين وخَمسةَ عشر شاهدًا من الشعرِ الجيّدِ المُحتجِّ به عند المفسرين، ولم ينسب منها لقائله إلا ثلاثة وعشرين شاهدًا، في حين استطاع المُحقق نسبة مائة وثلاثة وستين شاهدًا، وبقي تسعة وعشرون شاهدًا غير منسوبة، والشعراء الذين استشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، ولم يستشهد بشعر المُحدثين إلا في موضع واحدٍ، فقد استشهد ببيت لأبي نواس، معتمدًا على إنشاد الفراء له. (٢) ويظهر من منهجه أنه لم يكن يعتني بنسبة الشواهد الشعرية إذا ثبتت لديه صحتها، والثقة بها، وقد كان هذا نهجًا عند العلماء، وسيأتي بيان ذلك (٣).\n_________\n(١) هو شيخ القراء بسمرقند، والحدادي نسبة إلى عمل الحديد، أو إلى قرية اسمها حدادة. وذكر ياقوت أنها قرية كبيرة بين دامغان وبسطام على جادة الري، وهي تابعة لإيران اليوم. وقد توفي بعد الأربعمائة للهجرة. انظر: غاية النهاية ١/ ١٠٥، مقدمة كتاب المدخل في التفسير للحداد ١٧ - ٢٠.\n(٢) انظر: الموضح في التفسير ١٢٠.\n(٣) للحدَّادي السمرقندي هذا كتاب آخر، سَمَّاه «المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى»، صنفه بعد «الموضح»، وقد طبع في مجلد واحد، وقد أكثر فيه من الاستشهاد بالشعر فبلغت شواهده (٦١٩) شاهدًا، وقد ذكر فيه قواعد لغوية وبلاغية في التفسير على غرار ما كتبه ابن قتيبة في تأويل المشكل، وابن فارس في الصاحبي. وفيه من الاستشهاد بالشعر ما يدل على رسوخ قدم الحدادي في معرفة الشعر، ولا سيما شعر الجاهلية، الذي هو عمدة أهل التفسير في الاستشهاد كما دلت على ذلك هذه الدراسة. انظر: المدخل لعلم تفسير القرآن الكريم للحدادي، تحقيق عدنان داوودي، ط. دار القلم ص ٤٤، ٧٠٨ - ٧٥٥.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير</span>\nتَمْتَدُّ الحقبة التي يدرسها هذا المبحث منذ وفاة آخر الصحابة ﵃، وهو عند الأكثر أنس بن مالك ﵁ المتوفى سنة ٩٣ هـ (١) حتى نهاية القرن الثاني الهجري تقريبًا، وعصر الصحابة متداخلٌ مع عصر التابعين، وكذلك عصر التابعين متداخل مع عصر أتباع التابعين وهكذا، لصعوبة الفصل بين هذه الطبقات، ولأخذ اللاحق عن السابق، مِمَّا يجعل الدراسة بناء على هذا دراسة تقريبية.\nوقد تقدم أن الصحابة ﵃ قد سبقوا إلى الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وإيضاح معانيه، غير أن المروي عنهم في ذلك قليل، ولولا ما روي عن ابن عباس ﵄ في ذلك لما أمكن دراسة منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، لقلة ما روي عنهم في التفسير عمومًا، ومن الاستشهاد بالشعر في التفسير بصفة خاصة. فالحديث عن منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر إنما هو حديث عن منهج ابن عباس خاصة، وقد تقدم قول ابن الأنباري: «جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وتابعيهم من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بَيَّنَ صحةَ مذهب النحويين في ذلك». (٣) وقال بعد أن أورد شواهد الشعر في التفسير عن ابن عباس\n_________\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٩٦.\n(٣) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦١.","vol":"1","page":294},{"text":"وغيره: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين». (١) غير أنه لم يصل من الروايات عن غير ابن عباس ما يُمَكِّنُ من دراستها والحكم عليها.\nيقول حاجي خليفة: «ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن، وكان مطمح نظرهم في التدوين ضبط معاقل القرآن والحديث ومعانيها، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط .... وكان ذلك مصلحة عظيمة، وفكرة في الصواب مستقيمة». (٢) وكانَ لِحَبْرِ الأُمِّة عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ القِدْحُ المُعَلَّى في توظيف الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم (٣)، لسعة علمه، وكثرة حفظه لشعر العرب، وبركة دعوة النبي - ﷺ - له بالفقه في كتاب الله في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٤). وفي رواية أخرى: «اللهم علمه الكتاب» (٥). وقد كان لهذه الدعوات أثر مبارك في علم ابن عباس، وتفسيره للقرآن، فقد فَاقَ ما رُوي عنه في التفسير ما رُوي عن سائرالصحابة في التفسير (٦).\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ٩٩.\n(٢) كشف الظنون ١/ ٣٣ - ٣٤.\n(٣) انظر: مذاهب التفسير الإسلامي لزيهر ٩٠.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٩٥٥، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان لابن بلبان ١٥/ ٥٣١، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ١٩٣، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣٢٠.\n(٥) أخرجها البخاري في صحيحه في عدة مواضع ٤/ ١٤٣٢، ١٤٤٢، وانظر: فتح الباري ١/ ١٦٩.\n(٦) بلغت المرويات في التفسير عن ابن عباس ﵄ في تفسير الطبري (٥٨٠٩) روايات، يليه في العدد المروي عن ابن مسعود (٨٥٦) روايات، ثم المروي عن غيرهما دونهما في ذلك.","vol":"1","page":295},{"text":"• أهم مدارس التفسير في عصر التابعين:\nتفرق الصحابة ﵃ في الأمصار، وصار لكل منهم تلاميذ يأخذون عنه علم القرآن والتفسير والفقه، وبدأ هؤلاء الصحابة ﵃، يشكلون ما يمكن تسميته بالمراكز أو المدارس العلمية، وقد بدأت هذه المراكز بالظهور في النصف الثاني من القرن الأول الهجري وأهمها:\nأولًا: مدرسة المدينة المنورة، ومؤسس هذه المدرسة هو الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعبٍ الأنصاري، وكان لكبار الصحابة أثر فيها كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، وممن أخذ عن هذه الطبقة من التابعين أبو العالية الرياحي (ت ٩٣ هـ)، وسعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ)، وعطاء بن يسار (ت ٩٤ هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت ١٢٠ هـ)، والزُّهريُّ (ت ١٢٤ هـ)، وغيرهم، وزيد بن أسلم (ت ١٣٦ هـ) (١).\nثانيًا: مدرسة مكة المكرمة، ومؤسس هذه المدرسة هو شيخ المفسرين وحَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ)، وتلاميذه الذين لازموه وأخذوا عنه كثيرون منهم أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت ٩٣ هـ)، وسعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ)، ومجاهد بن جبر (ت ١٠٤ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٥ هـ)،، وطاووس بن كيسان (ت ١٠٦ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت ١١٤ هـ) وغيرهم. وتُعدُّ هذه المدرسة أوثق مدارس التفسير، وأكثرها استشهادًا بالشعر في التفسير، لمكانة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في علم التفسير، يقول ابن تيمية: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهلُ مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس» (٢).\nثالثًا: مدرسة الكوفة، ومؤسسها هو الصحابي الجليل عبد الله بن\n_________\n(١) انظر: الإتقان ٢/ ١٩٢، التفسير والمفسرون ١/ ١١٣.\n(٢) مقدمة التفسير ٦١، وانظر: مفتاح السعادة ٢/ ٥٤، التفسير والمفسرون ١/ ١١٨ - ١٢٧.","vol":"1","page":296},{"text":"مسعود الهذلي ﵁ (ت ٣٢ هـ)، وأصحابه الذين أخذوا عنه ولازموه علقمة بن قيس (ت ٦١ هـ)، ومسروق بن عبدالرحمن (ت ٦٣ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت ٦٤ هـ)، والشعبي (١٠٥ هـ)، وغيرهم.\nرابعًا: مدرسة البصرة، وقد حظيت بصحابيين جليلين هما أبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك ﵄، وقد أخذ عن هذين الصحابيين من التابعين الحسن البصري، وأيوب السختياني وغيرهما (١).\nوقد كان لعلم التفسير في هذا العصر حظ وافر من الانتشار والذيوع؛ لأهميته وحاجة الناس إليه، فلا يكاد يخلو مسجد أو حلقة درس من تفسير القرآن الكريم، ومن أوائل من وصلت تفاسيرهم للقرآن الكريم من عصر التابعين تفسير مجاهد بن جبر (ت ١٠٤ هـ)، وتفسير عطاء الخراساني (ت ١٣٣ هـ)، وتفسير سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) وتفسير عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، وغيرها.\n• تفسير التابعين:\nوتُعَدُّ جهود التابعين في التفسير امتدادًا لجهود الصحابة ﵃، وقد كان لأصحاب ابن عباس ﵄ من التابعين حرص كبير على علمه ولا سيما ما يتعلق منه بتفسير القرآن الكريم، فقد عرض مجاهد القرآن الكريم عليه ثلاثين مرة (٢)، ويقول أيضًا: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية، وأسأله عنها (٣)، ويدون ذلك في ألواح كان يصطحبها معه كما قال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير\n_________\n(١) انظر: تاريخ التراث العربي ١/ ١٤٦، تفسير التابعين للخضيري ١/ ٨٧ - ٦٠٠.\n(٢) انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٦، حلية الأولياء ٣/ ٢٨٠، تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٣٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٩٠، حلية الأولياء ٣/ ٢٧٩، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٣.","vol":"1","page":297},{"text":"كله (١). ولذلك عده ابن كثير من أخص أصحاب ابن عباس (٢).\nوقد نقل التابعون أقوالًا عن ابن عباس تحث على الاستعانة بالشعر في التفسير، فعن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة قال: شهدت ابن عباس وهو يُسأَلُ عن عربية القرآن فينشد الشعر (٣). وعن سعيد بن جبير ويوسف بن مهران قالا: ما نحصي كم سمعنا ابن عباس يُسأَلُ عن الشيء من القرآن فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعت الشاعر يقول: كذا وكذا (٤).\nوالذين تفرغوا للتفسير من التابعين قليل، وجُلُّ المنقول في التفسير عن مُجاهدِ بنِ جَبْرٍ، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والحسن البصري. وأبرز من ظهر في رواياته الاستشهاد بالشعر في التفسير هم أصحاب ابن عباس من التابعين، وأبرزهم في ذلك عكرمة، ثم مُجَاهد، ثم يأتي بعدهما في ذلك عبدالرحمن بن زيد بن أسلم من المدينة المنورة وأما غيرهم فلا تكاد تجد لهم إلا الرواية أو الروايتين، والغالب أنك لا تجد لهم شيئًا في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أبرز من عني بالاستشهاد بالشعر من التابعين:</span>\n- مُجَاهدُ بن جَبْر (ت ١٠٤ هـ). فأما مجاهد فقد انقطع لتفسير القرآن وتعليمه، حتى قال عن نفسه: استفرغ علمي القرآن (٥). وقد وردت عنه عدة روايات في التفسير استشهد فيها بالشعر، فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] (٦) حيث قال: اللؤلؤ، عظام اللؤلؤ، والمرجان: اللؤلؤ الصغار. قال الكلبي: وهي بلغة\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ١/ ٩٠.\n(٢) انظر: البداية والنهاية ٩/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ٢/ ٩٨١.\n(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٩٦٣.\n(٥) انظر: المعرفة والتاريخ ١/ ٧١٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥٢، غاية النهاية ٢/ ٤٢.\n(٦) الرحمن ٢٢.","vol":"1","page":298},{"text":"أهل اليمن، وأنشدني شعر جَبَلَةَ بنِ عَدَيٍّ الكِنْدِيِّ الذي يقال له الذائدُ:\nأَذُودُ القَوافيَ عَنِّي ذِيَادا ... ذِيَادَ غُلامٍ تَنَقَّى جِيَادَا\nوأَعْزِلُ مَرجَانَهَا جَانِبًا ... وآَخذُ مِنْ دُرِّهَا المُستَجَادَا (١)\nورُبَّمَا يفسِّر مجاهدُ الآية، ثم ينقل الشاهد الشعري عن ابن عباس، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٢) حيث قال مجاهد في تفسيرها: مَا جَمَع، قال ابن عباس:\nمُسْتَوسِقَاتٍ لَو يَجِدْنَ سَائِقَا (٣)\nوابن عباس هو أول من استشهد بهذا الشاهد على هذا المعنى، ونقل عنه ذلك مجاهد، ثم تناقله المفسرون بعد ذلك في كتبهم (٤).\n- عكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٥ هـ). وأما عكرمة فقد برز في التفسير باللغة مع الاستشهاد على تفسيره بالشعر، وهو في ذلك يسير على نهج شيخه ابن عباس، فمن الروايات التي رويت عن عكرمة في الاستشهاد بالشعر في التفسير، أنه سأله رجل عن الزنيم، فقال: هو ولد الزنى، وتَمثَّلَ ببيت شعر:\nزَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (٥)\nوعنه أيضًا، الزنيمُ: الدَّعيُّ الفاحشُ اللئيمُ، ثُمَّ قال:\nزَنِيْمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأَدِيْمِ الأَكَارِعُ (٦)\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٤ - ٧٥.\n(٢) الانشقاق ١٧.\n(٣) تقدم تخريج الشاهد ص، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٦.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٩١، تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٤٥، الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٨٢.\n(٥) لم أعرف قائله، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٤.\n(٦) البيت لحسان كما في الكامل ٣/ ١١٤٦، ونسبه محقق الكامل للخطيم التميمي وأنكر أن يكون لحسَّان وأحال لسيرة ابن هشام ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢١.","vol":"1","page":299},{"text":"وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] (١) قال: ظل الأغصان على الحيطان (٢)، وفي رواية: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر (٣):\nمَا هَاجَ شَوقَكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامةٍ ... تَدعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامَا\nتَدعو أَبا فَرْخَينِ صَادفَ ضَاريًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقُورِ قَطَامَا (٤)\nوعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤] (٥) قال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر (٦):\nصَيدُ بَحْرٍ وصيدُ سَاهرةٍ (٧)\nوعن عكرمة: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٨) قال: أن لا تميلوا، ثم قال: أما سَمعت قول أبي طالب:\nبِمِيْزَانِ قِسْطٍ وَزنُهُ غَيْرُ عَائِلِ (٩)\nوأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧] (١٠) قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أما سمعت قول الشاعر:\nونِظام اللولى على ترائبها ... شَرِقَا به اللبَّاتُ والنَّحْرُ (١١)\n- عبدالرحمن بن زيد (ت ١٨٢ هـ). ويأتي بعد عكرمة في\n_________\n(١) الرحمن ٤٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٤٠.\n(٣) هو ثابت بن كعب الملقب بقُطْنَة، والبيتان مع ثالث في الأغاني ١٤/ ٢٦٢.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٤٠، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٥، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٥.\n(٥) النازعات ١٤.\n(٦) لم أعرفه.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٧٦، الدر المنثور ١٥/ ٢٢٨.\n(٨) النساء ٣.\n(٩) انظر: ديوانه ص ١٧، تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٥٥٠.\n(١٠) الطارق ٧.\n(١١) انظر: الدر المنثور ١٥/ ٣٥٠ - ٣٥١.","vol":"1","page":300},{"text":"الاستشهاد بالشعر عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، حيث وردت عنه عدة روايات استشهد فيها بالشعر في تفسير القرآن الكريم، فمن ذلك قول ابن زيد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٦] (١) قال: الوتين نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله:\nإِذَا بلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرابةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِيْنِ (٢)\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] (٣) قال الطبري: «وحدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، وذكر بيت شِعْرٍ (٤):\nقَسَطْنَا عَلى الأَمْلاكِ في عهدِ تُبَّعٍ ... ومِنْ قَبلُ مَا أَردَى النفوسَ عِقابُها (٥)\nوقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ [النحل: ١٠] (٦) قال: تَرْعَونَ، قال: الإِسَامَةُ: الرَّعيةُ، وقال الشاعر (٧):\nمِثلِ ابنِ بَزْعَةَ أَو كآخرَ مثلهِ ... أَولى لكَ ابنَ مُسيمةِ الأَجْمَالِ (٨)\nقال: يا ابنَ راعيةِ الأَجْمَال (٩).\nقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] (١٠) قال: الغيُّ الشرّ، ومنه قول الشاعر (١١):\n_________\n(١) الحاقة ٤٦.\n(٢) انظر: ديوانه ١٩٨، تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٢٤٥.\n(٣) الجن ١٥.\n(٤) لم أعرف قائل البيت.\n(٥) في روايةٍ «أدرى» بدل «أردى»، وهي المثبتة في المطبوع، ورجحتُ الثانية وأثبتها هنا لمناسبتها للمعنى. انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٣٣٤.\n(٦) النحل ١٠.\n(٧) هو الأخطل التغلبي.\n(٨) انظر: ديوانه ٢٤٩.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ١٨٣.\n(١٠) مريم ٥٩.\n(١١) هو المرقش الأصغر.","vol":"1","page":301},{"text":"فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمَا (١)\nوقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [الأنبياء: ١٩] (٢) قال: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يَمَلُّون، وذلك الاستحسار. قال: و﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] (٣) و﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (٤) هذا كُلُّهُ واحدٌ معناه، والكلامُ فيه مُختلفٌ، وهو مِن قولِهِم: بَعِيْرٌ حَسِيرٌ إذا أَعيا وقام (٥)، ومنه قول علقمةَ بنِ عبدةَ:\nبِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيْضٌ، وأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيْبُ (٦)\nوقال ابن زيد في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ [المطففين: ٢٥] (٧) الرحيق المختوم: الخمر، قال حسان:\nيَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَليهمُ ... بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ (٨)\nوأما بقية التابعين، فلم يحفظ عنهم في الاستشهاد بالشعر على التفسير إلا روايات مفردة، فالشعبي مع كونه شاعرًا ومن أحفظ الناس لشعر العرب (٩)، لم يرد عنه إلا رواية واحدة - فيما وقفتُ عليه - عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤] (١٠) قال الشعبي: بالأرض، ثم أنشد أبياتًا لأمية:\nوَفِيها لَحْمُ سَاهِرةٍ وبَحْرٍ (١١)\n_________\n(١) انظر: المفضليات ٢٤٧، تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٥٧٤، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٨٤.\n(٢) الأنبياء ١٩.\n(٣) الأنبياء ٢٠.\n(٤) فصلت ٣٨.\n(٥) أي: توقَّفَ عن السَّيْر. انظر: لسان العرب ١١/ ٣٥٥ (قَوَمَ).\n(٦) انظر: ديوانه ١٤، تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٢٤٣.\n(٧) المطففين ٢٥.\n(٨) انظر: ديوانه ١٢٢، تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢١٥، والبَرِيصُ وبَرَدَى نَهْرَان بدمشق. انظر: معجم البلدان ١/ ٥٥٦، ٦٠٠.\n(٩) انظر خبره مع عبدالملك بن مروان والأخطل في الأغاني ٢٤/ ٥٠.\n(١٠) النازعات ١٤.\n(١١) انظر: المصنف ١٠/ ٤٧٥، الدر المنثور ١٥/ ٢٢٨.","vol":"1","page":302},{"text":"وهو مسبوق في الاستشهاد بهذا الشاهد، فقد سبقه إليه ابن عباس ﵄.\nوأما الضحاكُ فلم يُرو عنهُ إِلَّا روايات قليلة، منها في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة: ١٨] (١) قال: الأكوابُ جِرَارٌ ليس لها عُرًى، وهي بالنبطيةِ كوبَا، وإياها عنى الأعشى بقوله:\nصَريفيَّةً طَيِّبًا طَعمُهَا ... لَهَا زَبَدٌ بَيْنَ كُوبٍ ودَنّ (٢)\nوأما سعيد بن جبير فقد كان مقلًا من الاستشهاد بالشعر، والروايات عنه في ذلك قليلة جدًا، منها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (٣) قال سعيد بن جبير: القانع: السائلُ الذي يسألُ، ثم أنشد أبياتًا للشمَّاخ:\nلَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعفُّ من القَنُوعِ (٤)\nفي حين قد فسر ابن عباس القانع بأنه الذي يقنع بما أعطي، والمعتر الذي يعترض الأبواب، وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر، فقال: أما سمعت قول الشاعر (٥):\nعَلى مُكْثِريهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيْهِمُ ... وعندَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ (٦)\nوأما قتادة بن دعامة فمع إنه من أحفظ التابعين لشعر العرب وأيامها (٧)، وقد كان الرجلان من بني أمية يختلفان في البيت من الشعر، فيبردان بريدًا إلى قتادة في البصرة يسأله عن ذلك (٨)، إلا أنه لم يُحفظْ\n_________\n(١) الواقعة ١٨.\n(٢) البيت في ديوانه ١٧، انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٩٧.\n(٣) الحج ٣٦.\n(٤) انظر: ديوانه ٢٢١، والمصنف ١٠/ ٤٧٥، والدر المنثور ١٠/ ٥٠٨.\n(٥) هو زهير بن أبي سلمى.\n(٦) انظر: ديوانه ١١٤، الدر المنثور ١٠/ ٥٠٨.\n(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧٧، تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٣، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٤٤.\n(٨) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٦١، وإنباه الرواة ٣/ ٣٥.","vol":"1","page":303},{"text":"عنه روايةٌ في تفسير القرآن والاستشهاد على ذلك بالشعر.\nوأما مكحول فله رواية مفردة، وهي أنه سُئِلَ عن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] (١) قال: أما سَمعت قول الشاعر:\nوَقَامَتِ الحَربُ بِنَا عَلى سَاقْ (٢)\nوهذا الشاهد سبق أن استشهد به ابن عباس ﵄.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-101> موقف التابعين من الاستشهاد بالشعر على التفسير:</span>\nالظاهر أن التابعين لم يتحرجوا من إنشاد الشعر، والاعتماد عليه كمصدر من مصادر التفسير، بل حتى من أثر عنه التحرج منه كالحسن البصري قد رويت عنه روايات في الاستشهاد به على التفسير، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] (٣) قال الحسن: لفت ساق الآخرة بساق الدنيا، وذكر قول الشاعر:\nوَقَامَتِ الحَربُ بِنَا عَلى سَاقْ (٤)\nوإن كان قد روي عن الأصمعي أنه سأل سعيد بن المسيب فقال: ها هنا قوم نُسَّاك يعيبون إنشاد الشعر، قال: نَسَكُوا نُسُكًا أعجميًّا (٥). ويروى هذا الخبر عن ابن أنعم، أنه قال: قلت لابن المسيب: إن عندنا رجلًا من الأنصار يقال له: إسماعيل بن عبيد من العُبَّاد، إذا سمعنا نذكر شعرًا صاح علينا، فقال سعيد: ذاك رجلٌ نَسَكَ نُسُكَ العَجَمِ (٦). والآثارُ عن التابعين في تفسير القرآن بالشعر كثيرة، ذكرها أهلُ السُّنَنِ (٧).\nبل إن البيئة العلمية في عصر التابعين كانت حافلة بالطلاب الذين\n_________\n(١) القلم ٤٢.\n(٢) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٩٩.\n(٣) القيامة ٢٩.\n(٤) الدر المنثور ١٥/ ١٣٦.\n(٥) انظر: البيان والتبيين ١/ ٢٠٢.\n(٦) انظر: رياض النفوس في طبقات علماء القيروان للمالكي ١/ ١٠٧.\n(٧) انظر: المصنف لابن أبي شيبة، كتاب فضائل القرآن، باب ما فسر بالشعر من القرآن ١٠/ ٤٧٤.","vol":"1","page":304},{"text":"يطلبون علم التفسير، بل جاوز الأمر ذلك حتى أصبح أمثال الفرزدق من الشعراء يفسر القرآن بحضرة كبار التابعين، ويُقَرُّ على ذلك، فقد ذكر الزمخشري أن الحسن البصري ﵁ سُئِلَ عن لغوِ اليمين في الآية، وكان الفرزدق عنده، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك، فقال:\nولستَ بِمَأخوذٍ بلغوٍ تقولهُ ... إذا لم تعمَّد عاقدات العزائمِ (١)\nوهو في هذا يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>أتباع التابعين:</span>\nيُطلقُ مصطلح السلف في كتب التفسير، ويراد به طبقة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وعن هذه الطبقات الثلاث نُقِلَ كُلُّ التفسير، ولم يَعُدْ لِمَنْ بعدَهم سِوى الاختيار من أقوالهم، والترجيح بينها. وقد توسع أتباع التابعين في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم أكثر من التابعين، نظرًا لحاجة الناس لذلك، ولبدء التدوين والتصنيف في عهدهم بشكل منظم، فقد ذكر أن أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) قد صنف كتابًا في غريب القرآن، وذكر شواهده من الشعر (٣).\nوابن جريج مع كونه من أول من صنف التفسير، إلا أنه لم يرد عنه من الشواهد في التفسير المنقول عنه سوى سبعة أبيات، خَمسة منها في معرض الحديث عن أسباب النُزُول، واثنان لتأكيد معنى لغوي. فقد استشهد ابن جريج بالشعر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل عمران: ٦٩] فقال: ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ (٤)، أي: يُهلكونَكُم، ومنه قول الأخطل:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٨٥١، الكشاف للزمخشري ١/ ٦٧٢ - ٦٧٣.\n(٢) المائدة ٨٩.\n(٣) انظر: معجم الأدباء ١/ ٤٢٥.\n(٤) آل عمران ٦٩.","vol":"1","page":305},{"text":"كُنتَ القَذَى في مَوجِ أَكْدَرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا (١)\nأي: هَلَكَ هَلاكًا (٢).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥] (٣) قال ابن جريج: السبت، النعل؛ لأنه يقطع كالطحن والرعي، سُمِّي يومُ السبت لأَنَّه قطعة زمان، قال لبيد:\nوغَنيتُ سَبْتًا قبلَ مَجْرى دَاحِسٍ ... لو كانَ للنَّفْسِ اللحومِ خُلُودُ (٤)\nوأما إسماعيل السدي فقد حفظت عنه روايات قليلة استشهد فيها بالشعر على تفسير القرآن، منها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥] (٥) قال: لذي لُبٍّ، قال الحارثُ بن مُنبه الجَنْبِيِّ من مذحج لابنه في الجاهلية:\nوَكيفَ رَجَائِي أَنْ تَثُوبَ وإِنَّمَا ... يُرَجَّى مِن الفِتْيَانِ مَنْ كَانَ ذَا حِجْرِ (٦)\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤] (٧) قال سفيان الثوري: هي الساعةُ التي يُسَلَّمُ فيها أهلُ النار إلى الزَّبَانية، أي الداهية التي طمت وعظمت، قال:\nإِنَّ بعضَ الحُبِّ يُعْمِي ويُصِمّْ ... وكذاكَ البعضُ أَدْهَى وأَطَمّْ (٨)\nوذكر الطبري عن محمد بن سهل قال: سألني رجل في المسجد عن هذا البيت:\n_________\n(١) ومعناه مربتط بما قبله، وهو قوله:\nوإِذَا سَمَا للمجدِ فَرعَا وائلٍ ... واستَجْمَعَ الوادي عليكَ فَسَالا\nوالأَتِيُّ: السيلُ الذي يأتي فجأة من كل مكان. ... انظر: ديوانه ٢٥٢.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١١٠.\n(٣) البقرة ٦٥.\n(٤) البحر المحيط ١/ ٢٤٠.\n(٥) الفجر ٥.\n(٦) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٥.\n(٧) النازعات ٣٤.\n(٨) لم أعثر على قائله، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٢٠٦، وتفسير سفيان الثوري ٤٢٩.","vol":"1","page":306},{"text":"دَأْبَ شَهْرَين ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ... بِأَرِيْكَيْنِ يَخْفِيَانِ غَمِيْرَا (١)\nفقلت: يظهران.\nفقال ورقاء بن إياس وهو خلفي: أقرأنيها سعيد بن جبير: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] (٢) بنصب الألف (٣).\nوروى الكلبي عن أبي صالح وعبد الوهاب عن مجاهد في قوله تعالى في طسم الشعراء في قصة صالح وشعيب: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ [الشعراء: ١٥٣] (٤) قالا: من المخدوعين، قال الكلبي: وهي من لغة العرب جميعًا، وأنشد:\nفَإِنْ تَسأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِن هَذا الأَنَامِ المُسَحَّرِ (٥)\nوقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] (٦) من هذا، وأنشدنا شعر امرئ القيس:\nأَرَانَا مُوضِعِينَ لِوَقتِ غَيبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وبالشَّرابِ (٧)\nوربما أورد المفسر تفسير التابعين ثم استشهد له بشاهد من الشعر، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿يس (١)﴾ [يس: ٢] (٨) عن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من أسماء محمد - ﷺ -، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس: ٣] (٩). وقال السَّيّدُ الحِميَريُّ (١٠):\n_________\n(١) لكعب بن زهير، ومعنى قوله: دأب شَهرين. يقول: يدأَبُ، دَميكًا: يعني تامًّا. وقال الأصمعي: قوله: بِأَريكين: يعني موضعًا يقال له: أَريك، فضم إليه آخر فقال: بأريكين. والغمير: نَبْتٌ تصيبه السماء فينبت عنه نبت آخر، وربَّما أصاب الإبل منه داء. ... انظر: شرح ديوانه ١٤٧.\n(٢) طه ١٥.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٣٦.\n(٤) الشعراء ١٥٣.\n(٥) انظر: ديوان لبيد ٥٦.\n(٦) المؤمنون ٨٩.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٧٨، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(٨) يس ١.\n(٩) يس ٣.\n(١٠) هو إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مُفَرِّغ الحميَري، لقبه السيد، وجده يزيد شاعر مشهور. ولد سنة ١٠٥ هـ وتوفي سنة ١٧٣ هـ. وكان سيء المعتقد. انظر: وفيات الأعيان ٦/ ٣٤٣.","vol":"1","page":307},{"text":"يَا نَفْسُ لا تَمْحَضي بالنُّصحِ جَاهِدةً ... عَلى المَوَّدةِ إِلَّا آَلَ يَاسِينَا (١)\nوذلك لأنَّ السيدَ الحميري قد وُلِدَ سنة ١٠٥ هـ، في حين توفي سعيد بن جُبَيْر عام ٩٥ هـ، فليس الاستشهاد بالشعر له.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-103> منهج التابعين في الاستشهاد بالشعر في التفسير:</span>\nلم يتغير الحال كثيرًا في عهد التابعين عنه في عهد الصحابة، فلا تزال البيئة صافية، واللحن قليلًا، والحاجة إلى التفسير قليلة. فلم يرد عن التابعين من الروايات في استشهادهم بالشعر في تفسير القرآن الكريم ما يكشف بجلاء عن منهجهم في ذلك، فلم يرد عنهم بعد البحث والتقصي سوى روايات معدودة، أوردتها في ثنايا هذا المبحث. وقد استثنيت من الدراسة في هذا المبحث ما كتبه أبو عبيدة في «مجاز القرآن»، وما كتبه الفراء في «معاني القرآن»؛ لأنني قد خصصتهما بالدرس في الباب الثاني.\nويمكن من خلال هذه الروايات المحدودة تلمس المنهج العام للاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن في عهد التابعين وأتباعهم على النحو التالي:\n١ - كان لمدرسة مكة التي أسسها عبد الله بن عباس عناية بالاستشهاد بالشعر في التفسير. وقد كان مجاهد وعكرمة من أبرز من وظَّفَ الشاهد الشعري في التفسير، وذلك اقتداء بحبر الأمة ابن عباس ﵄. وقد تقدمت الأمثلة على ذلك عن مجاهد وعكرمة.\n٢ - الاكتفاء بذكر الشاهد دون بيان أو شرح. وذلك لأنه لا يزال الناس أهل سليقة لغوية صحيحة، وكان الشعر لا يزالُ عِلْمًا شائعًا بين\n_________\n(١) البيت ليس في ديوانه المجموع، ولعله من القصيدة التي أوردها ص ١٥٩، لمناسبتها لموضوع هذا الشاهد. انظر: المحرر الوجيز ١٣/ ١٨٦، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٥.","vol":"1","page":308},{"text":"العرب في تلك الطبقة المتقدمة، مما يعني إحالة الناس إلى ما يعلمون عندما يحالون إلى شواهد الشعر العربي.\n٣ - استشهاد التابعين بأشعار المعاصرين. وذلك أن العصر عصر فصاحة وسليقة، ولم تختلط الألسن بالعجمة اختلاطًا واسعًا. ولذلك يحتج عكرمة بشعر ثابت بن عبدالرحمن بن كعب وهو معاصر له، حيث توفي سنة ١٠٠ هـ (١). كما في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] (٢) قال عكرمةُ: ظِلُّ الأغصان على الحيطان (٣)، وفي رواية: ذواتا ظِلٍّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر (٤):\nمَا هَاجَ شَوقَكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامةٍ ... تَدعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامَا\nتَدعو أَبا فَرْخَينِ صَادفَ ضَاريًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقُورِ قَطَامَا (٥)\nويؤخذ على هذا الشاهد الذي ذكره عكرمة عدم الدقة في الاستدلال، حيث إنه لا يدل على أن المقصود بفنن الغُصون ظلُّ الغصون، حيث إن الفنن هو جزء متفرع من الغصن، قال أبو الهيثم: «الفنون تكون في الأغصان، والأغصان تكون في الشُّعَبِ، والشُّعَبُ تكون في السُّوقِ، وتُسمَّى هذه الفروعُ - يعني فروع الشجر - الشَّذَبَ» (٦).\n٤ - اعتماد المفسرين على تفسير التابعين واستشهاهم لصحته بالشعر. وذلك أن تفسير التابعين يأتي في المرتبة التالية لتفسير الصحابة ﵃. فإذا أجمع التابعون على تفسير كان اتباعهم في ذلك واجبًا (٧).\n_________\n(١) انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٦٣٠، معجم الشعراء ٤٧.\n(٢) الرحمن ٤٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٤٠.\n(٤) هو ثابت بن كعب الملقب بقُطْنَة، والبيتان مع ثالث في الأغاني ١٤/ ٢٦٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٢٤٠، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٥، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٥\n(٦) لسان العرب ١٠/ ٣٣٧ (فنن).\n(٧) انظر: مقدمة التفسير لابن تيمية ١١٤.","vol":"1","page":309},{"text":"وقد حرص المفسرون على نقل تفاسير التابعين، والأخذ بها، وقد وجدت بعض الأمثلة التي ينقل المفسر فيها تفسير التابعي، ثم يعقبه بشاهد من الشعر يؤيد ما ذهب إليه التابعي.\nفمن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ [الصافات: ١٤٢] (١): «والمليمُ الذي أَتى ما يُلامُ عليه، أَلامَ الرجلُ: دَخلَ في اللَّومِ، وبذلك فَسَّرَ مُجاهدُ وابنُ زيدٍ، ومنه قول الشاعر (٢):\nوَكَمْ مِنْ مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمَلامَةٍ ... ومُتَّبعٍ بالذَّنبِ لَيسَ بِمُذنبِ (٣)\nومنه قول لبيدِ بن ربيعة:\nسَفَهًا عَذلتِ وَلُمْتِ غَيْرَ مُليمِ ... وهداكَ قبلَ اليومِ غَيْرُ حَكيمِ (٤)\nوقال ابن عطية كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] (٥): والمُرَاغَمُ: المُتَحوَّلُ والمَذهَب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ومنه قول النابغة الجعدي:\nكَطَودٍ يُلاذُ بِأَرْكَانِهِ ... عَزِيزِ المُرَاغمِ والمَذْهَبِ (٦)\nوقول الآخر:\nإِلى بَلَدٍ غَيْرِ دَاني المَحَلِّ ... بَعيدِ المُرَاغَمِ والمُضْطَرَبْ (٧)\n_________\n(١) الصافات ١٤٢.\n(٢) هو الأحوص الأنصاري، ونسبت لجميل بن معمر كما في ديوانه ٣١٧، سمط اللآلي ٢/ ٩٤٧.\n(٣) رواية الشطر الثاني: ومُتَّبعٍ بالذَّنْبِ ليسَ لهُ ذنبُ. انظر: ديوانه ٢٦٤، سمط اللآلي ١/ ٧٣.\n(٤) رواية الديوان: ... سَفَهًا عَذَلتِ وَقُلتِ غَيرَ مُليمٍ ... وَبُكاكِ قِدمًا غَيرُ جِدِّ حَكيمِ.\nانظر: ديوانه ١٠٧، المحرر الوجيز ١٣/ ٢٥٦.\n(٥) النساء ١٠٠.\n(٦) انظر: ديوانه ١٢٣.\n(٧) لم أعرف قائل البيت، وانظر: المحرر الوجيز ٤/ ٢٢٧.","vol":"1","page":310},{"text":"وقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] (١): والأثام في كلام العربِ العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابنُ زيدٍ وقتادةُ هذه الآية. ومنه قول الشاعر (٢):\nجَزَى اللهُ ابنَ عُروةَ حيثُ أَمْسَى ... عُقُوقًا والعُقوقُ لَهُ أَثَامُ (٣)\nأي: جزاء وعقوبة (٤). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] (٥) قال الضحاك: هو الهلاك (٦). قال ابن عطية مستشهدًا لتفسير الضحاك: «ومنه قول ابن الزبعرى:\nإِذْ أُجَاري الشيبطَانَ في سُنَنِ الـ ... ـغَيِّ ومَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (٧)\n٥ - الاستشهاد بأكثر من شاهد للفظة الواحدة. قد يرد عن بعض التابعين الاستشهاد بأكثر من شاهد من الشعر للفظة الغريبة، مما يعني سعة المحفوظ من الشواهد الشعرية، وربما تعدد مجالس السؤال عن هذه اللفظة. فعكرمة عندما سئل عن معنى الزَّنيمِ، قال مرةً: هو ولد الزنى، وتمثل ببيت شعر:\nزَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (٨)\nوأجاب في جوابٍ آخر بأَنَّ الزَّنيمَ الدَّعيُّ الفاحشُ اللئيمُ، واستشهد لذلك بشاهدٍ آخر هو قولُ الشاعر:\nزَنِيْمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأَدِيْمِ الأَكَارِعُ (٩)\n_________\n(١) الفرقان ٦٨.\n(٢) هو بلعاء بن قيس الكناني كما في مجاز القرآن ٢/ ٨١، وتفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٥٠٥، ونسبه في اللسان لشافع الليثي ١/ ٧٥ (أثم).\n(٣) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٨١، تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٥٠٥، لسان العرب ١/ ٧٥ (أثم).\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ١٢/ ٤١ - ٤٢.\n(٥) الفرقان ١٣.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز ١٢/ ١١.\n(٧) المحرر الوجيز ١٢/ ١١.\n(٨) لم أعرف قائله، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٤.\n(٩) نُسب لحسان كما في الكامل ٣/ ١١٤٦، ونسبه محقق الكامل للخطيم التميمي وأنكر أن يكون لحسَّان وأحال لسيرة ابن هشام ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢١.","vol":"1","page":311},{"text":"وقد صار هذا شائعًا عند المفسرين المتأخرين، حيث يوردون عددًا من الشواهد في بعض المواضع، للاستشهاد على معنى لفظةٍ واحدةٍ (١).\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٨٥، المحرر الوجيز ٥/ ٣٨٤.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الباب الثاني: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر وأثر الشاهد الشعري في التفسير</span>.\nالفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر.\nالفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب المعاني والغريب.\nالفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر</span>.\nالمبحث الأول: منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري.\nالمبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير.\nالمبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري ودلالته على المعنى المراد.\nالمبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري.\nالمبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الأول: منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري</span>.\nآيات القرآن في كتب التفسير هي المدار الذي يدورُ حوله كلام المفسرين وبحثهم، وأخذهم وردهم، ويستعين المفسرون بالعلوم الأخرى بقدرِ قُربِهَا والحاجة إليها في بَيَانِ الآيات، وكشفِ معَانيهَا؛ ومِن ثَمَّ فإن الاستعانة بالشواهد الشعرية، ومنهج إيرادها في كتب التفسير يتغير بِتغيرِ قيمةِ هذه الشواهد الشعرية في توضيح معاني الألفاظ والأساليب القرآنية، فتكثر هذه الشواهد وتقل بِحَسبِ منهج المفسر، والغرض الذي يسعى لتحقيقه، وحسب الموضع الذي وردت فيه هذه المسألة والحاجة للاستشهاد عليها.\nوقد اختلف المفسرون في إيراد الشواهد الشعرية في كتب التفسير باختلاف أغراضهم منها، وحاجتهم إليها أو إلى بعضها، وبالتالي ترتب على هذا اختلاف منهجهم في إيرادها في كتب التفسير. ويمكنُ إجْمال طريقة المفسرين في عرض الشواهد الشعرية، ومنهجهم في إيرادها على النحو الآتي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-107> أولًا: التمهيد للشاهد الشعري:</span>\nعند الحاجة إلى الاستشهاد بشاهد من الشعر في كتب التفسير يُقدِّمُ المفسرون أحيانًا بين يدي الشاهد الشعري عند إيراده بِمُقدمات متعددة، وتتفاوت هذه المقدمات طولًا وقِصَرًا، وبَيَانًا وإبْهامًا، بحسب الموقف الذي يستدعي الشاهد. غير أن هذه التقدمة بين يدي الشاهد الشعري لا تَخلو من حالين:","vol":"1","page":316},{"text":"- إما أن تكون تقدمةً مُبَيَّنةً بوجهٍ من وجوه البيان.\n- أو تكون تقدمة مُبهمةً لا تكشف من حال قائل الشاهد إلا ما لا غناء به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>أولًا: التقدمة المُبَيَّنَة:</span>\nالمقصود بالتقدمة المبينة أن يقدم المفسر بين يدي الشاهد الشعري ما يدل على قائله، ومن خلال استعراض صنيع المفسرين في تقديمهم وبيانهم للشاهد الشعري تبين أن هذه التقدمة المُبَيَّنَة لا تخلو من حالين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الأولى: أن يكون هذا البيان تامًا</span>. والمراد بالبيان التام هنا أن يُقدَّم بين يدي الشاهد الشعري ما يفيدُ نسبته إلى قائله، ولهذه النسبة صور كثيرة، منها:\n- نسبته إلى الشاعر باسمه المُجَرَّد لشهرته به إذا كان الشاعر من الأعلام، وفي الغالب ألاَّ يشاركهم في أسمائهم غيْرُهم من الشعراء في مثل منْزِلَتهم من الشهرة، ومن أمثلته قول الطبري: «وقال الشاعرُ، وهو حاتِمٌ ...» (١)، وقوله: «ومنه قول حسان» (٢)، وقوله: «وقال طرفة» (٣)، وقوله: «وقال لبيد» (٤)، وقوله: «وقال كُثَيّر» (٥)، وهكذا (٦).\n- نسبته إلى الشاعر باسمه واسم أبيه، ومن أمثلته قول الطبري: «وقال الأسودُ بنُ يَعْفُرَ» (٧)، وقوله: «ومنه قول عمرو بن كلثوم» (٨)، وقوله: «ومنه قول حسان بن ثابت» (٩)، وقوله: «ومنه قول عَدِيِّ بن\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٤٦.\n(٢) المصدر السابق ١٤/ ٢٧.\n(٣) المصدر السابق ١٦/ ٣٨٥\n.\n(٤) المصدر السابق ١٦/ ٣٨٥.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٤٦٣، ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٧٣.\n(٨) المصدر السابق ١٣/ ٧٤٠.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٦، ١٤/ ١٤٩.","vol":"1","page":317},{"text":"زيد» (١)، وقوله: «ومنه قول لبيد بن ربيعة». (٢)، ومثله قول ابن عطية: «قال الشاعر وهو ميمون بن قيس ...». (٣) وقوله: «كما قال عمرو بن شَبِيم ...». (٤) وربما نسب الشاعر إلى جده كقول القرطبي: «قال كعبُ بنُ أبي سُلْمَى:\nأَرجُو وآمُلُ أَنْ تَبْقى مَودتُها ... ومَا إِخَالُ لَدُنيا منكِ تَنْويلُ (٥)» (٦).\nوهو كعب بن زهير بن أبي سلمى ﵁، فنسبه لجده.\n- وربما كان الشاعرُ غيرَ مشهورٍ باسمه واسم أبيه، فيزيد المفسر في البيان، كقول الطبري: «وكما قال خالدُ بن زُهَيْرٍ (٧) ابنِ عَمِّ أَبي ذُؤيبٍ ...». (٨) فقد أشار لقرابته من أبي ذؤيب الهذلي لشهرته، زيادة في الدلالة عليه.\nومثل قول الطبري: «وقرأ آخرون: ﴿وَأَرْنَا مَنَاسِكَنَا﴾ بتسكين الراء، وزعموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنا، ودُلَّنَا - لا أَنَّ معناه: أَرِنَاها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حطائط بن يَعْفُر، أَخي الأَسود بن يَعْفُر ....» (٩). فقد عرف الطبريُّ الشاعر بنسبته إلى أخيه الشاعر الأسودِ بنِ يَعْفُر (١٠) لشهرته دون أخيه (١١).\n_________\n(١) المصدر السابق ١٤/ ٣٢٤، ٦/ ٣٥٧.\n(٢) المصدر السابق ١٣/ ٣٦٦.\n(٣) المحرر الوجيز ١/ ٤٦.\n(٤) المصدر السابق ١/ ١٥٦.\n(٥) ديوانه ٨٧، وشرح قصيدة كعب بن زهير لابن هشام الأنصاري ١٧٧.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٣٠٨.\n(٧) شاعر مخضرم، من بني مازن بن معاوية بن سعد الهذلي له معارضات شعرية مع معقل بن خويلد الهذلي، ورأى النبي ﷺ ودفن بالمدينة. انظر: معجم الشعراء ٣٧١، خزانة الأدب ٢/ ٣٢٠.\n(٨) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣٤٩.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٧٨ - ٧٩.\n(١٠) هو الأسود بن يعفر بن عبدالأسود النَّهْشَلي، شاعر جاهلي مشهور، عده ابن سلام من الطبقة الخامسة، ويدعى أعشى بن نهشل، له قصيدة طويلة جيدة لاحقة بأول الشعر، توفي سنة ٦٠٠ م. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٤٣، الشعر والشعراء ١/ ٢٥٥.\n(١١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٩٥ حاشية ٢.","vol":"1","page":318},{"text":"- وقد يذكر المفسر الشاعر بكنيته لاشتهاره بها، وهو أمرٌ لا يقلُّ عن سابقه في اعتماد الأشهر من العَلَمِ أو الكُنْيَةِ، كقول الطبري: «... ومنه قول ابن الرِّقاع ...» (١). وقوله: «... ومنه قول أبي ذؤيب ...» (٢)، وقوله: «ومنه قول أبي الأَسود» (٣).\nوربما يذكر المفسر الشاعر بكنيته، للاختلاف في اسمه، أو الجهل به. ومن ذلك قول الطبري: «وقد قالت بنتُ عُتيبةَ بنِ الحَارثِ بن شِهَابٍ اليَرْبُوعيِّ:\nتَرَوَّحْنَا من اللَّعْباءِ قَصْرًا ... وأَعْجَلْنَا الإِلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (٤)\nيعني بـ «الإِلاهةَ» في هذا الموضع الشَّمْس» (٥). فقد وقع الخلاف في اسم هذه الشاعرة بين المُترجِمَين، فقيل: آمنة بنت عتيبة، وقيل: مية، وقيل: أم البنين (٦).\n- وقد يقتصر المفسر على لقب الشاعر الذي اشتهر به فيضيفه إليه، ويكتفي به كقول الطبري: «كما قال الراعي» (٧)، وقوله: «ومنه قول القَطَاميِّ» (٨)، وقوله: «كما قال النابغة» (٩) وهو الذبياني، وقوله: «وقالت الخنساء» (١٠)، وقوله: «ومنه قول المُرَقَّش» (١١)، وهكذا، وهي ألقاب مشهورة لشعراء.\n_________\n(١) المصدر السابق ١١/ ٣٦٦، ١٥/ ١٥٧.\n(٢) المصدر السابق ١٥/ ٢٦، ١٥/ ٣٣، ١٦/ ٤٠٥، ١٦/ ٦٢، .\n(٣) المصدر السابق ٨/ ٥٦٨.\n(٤) بلاغات النساء ١٨٩، معجم البلدان ٥/ ١٤٨ (اللعباء).\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٤٠ - ٤١، ١٠/ ١٢٧، ٧/ ٥٢٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٤٠ حاشية ٢، معجم الشعراء لعفيف ٩.\n(٧) المصدر السابق ١٥/ ٥٨٣، ١٠/ ١٤٨.\n(٨) المصدر السابق ١٥/ ٥٦٩.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٨٩، ١٣/ ٢٢٠.\n(١٠) المصدر السابق ١٥/ ٢٣٨.\n(١١) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٢٣، وانظر: ١١/ ٥٤٩، ٤٤٨، ١٢/ ١٤٠.","vol":"1","page":319},{"text":"- ورُبَّمَا ذُكِرَ الشاعرُ بلقبهِ فحسب في مواضعَ، كقول الطبري: «كما قال الفرزدق» (١)، وبلقبه واسم أبيه في مواضع أخرى، كقوله: «ومنه قول الفرزدق بن غالب ...» (٢)، وقول الطبري: «ومنه قول الطِّرِمَّاحِ ...» (٣)، وقوله في موضع آخر: «ومن ذلك قول الطِّرِمَّاحِ بنِ حَكيم ...» (٤)، وقول الطبري كذلك: «كما قال الشمَّاخ» (٥)، وذكره باسمه واسم أبيه في مواضع أخرى كقوله: «ومنه قول الشمَّاخ بن ضرار» (٦)، وقوله كذلك: «وقال جرير» (٧)، وفي مواضع أخرى يقول: «قال جرير بن عطية» (٨).\n- وربَّمَا ذكر المفسرُ الشاعرَ بلقبه ونسبته. ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «... كما قال المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ» (٩)، وقوله: «ومنه قول طُفَيلٍ الغَنَويِّ» (١٠).\n- وقد يذكر المفسر شاهدَين متتاليين لشاعر واحد، فينسب الشاهد الأول، ويعطف عليه الثاني دون إعادة ذكر اسمه أو لقبه، كقول الطبري وهو يفرق بين أداتي الاستفهام «أين» و«أَنَّى»: «وقد فَرَّقَتِ الشعراءُ بين ذلك في أَشعارِهَا، فقال الكميتُ بن زَيدٍ:\nتَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبُهُ؟ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ (١١)\nوقال أيضًا:\n_________\n(١) المصدر السابق ١٢/ ٢٩٩، ٥/ ٣٠٢، ١٤/ ٥٣٣.\n(٢) المصدر السابق ١٠/ ٥٥٢.\n(٣) المصدر السابق ٦/ ٣٢٠، تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٥٠٩.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٥٦٣ - ٥٦٤.\n(٥) المصدر السابق ١٢/ ٢٨٨، ١٣/ ٧٠٧.\n(٦) المصدر السابق ١٢/ ١٤٠.\n(٧) المصدر السابق ١١/ ٤٦٣، ٦/ ٣٩٢، ٦/ ٣٧٧.\n(٨) المصدر السابق ١٦/ ٢٥٦، ٧/ ٨٦.\n(٩) المصدر السابق ١٤/ ٥٣٤.\n(١٠) المصدر السابق ١٤/ ٣٥.\n(١١) يذكر حِمارًا أراد الورود انظر: ديوانه ٢/ ٥٩٣.","vol":"1","page":320},{"text":"أَنَّى وَمِنْ أَينَ آَبَكَ الطَّرَبُ؟ ... مِنْ حَيثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ (١)» (٢).\nوربما كرر شاهدين لشاعر واحد، فصرح بذكر اسمه مرتين، كقول الطبري: «وأَمَّا الصلاةُ فإِنَّهَا في كلام العرب الدعاء، كما قال الأعشى:\nلَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهرَ بَيْتَهَا ... وإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَليها وزَمْزَمَا (٣)\nيعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا:\nوَقَابَلَهَا الرِّيْحُ في دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (٤)» (٥).\n- ورُبَّمَا يزيد المفسر في البيان، فيبين مع اسم الشاعر نسبته إلى قبيلته إن لم يكن مشهورًا\nومن ذلك قول الطبري: «ومن الفَارِهِ بِمَعنى: المرح قول الشاعر عَدِيِّ بنِ وَداعٍ العُقَويِّ (٦) من الأزد ...» (٧)، وقوله: «قال المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ ...» (٨)، وقوله: «ومنه قول عوف بن الأَحْوَصِ الكِلابي» (٩).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-110> بيان موضوع الشاهد:</span>\nقد يزيد المفسر في البيان فيبين مع نسبة الشاعرِ موضوع الشاهد قبل ذكر الشاهد، ليكون القارئ على بينة من المعنى الذي يعنيه الشاعر، كقول الطبري: «ومنه قول ذي الرمة في صِفَةِ السَّرَابِ ....» (١٠). فلو لم\n_________\n(١) مطلع الهاشمية الثالثة في ديوانه ٤/ ١٩٧.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٤١٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٣٤٣.\n(٤) انظر: ديوانه ٨٥.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٦) عدي بني وداع الأعمى العقوي من العقاة من الأزد، شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم. انظر: مجاز القرآن ٢/ ٨٨، معجم الشعراء للمرزباني ٨٥٦.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٦٢٤.\n(٨) المصدر السابق ١٤/ ٢٩.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٤٤٤، وانظر: ٩/ ٤١٦، ٧/ ٥٢٩.\n(١٠) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٩.","vol":"1","page":321},{"text":"يُقَدِّم المفسرُ قبل الشاهد بذكر المناسبة التي قاله الشاعر فيها لخفي معنى الشاهد على القارئ.\nومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفةِ فَرَسٍ ....» (١)، وقوله: «واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفةِ نَارٍ نَعَتَها ....» (٢)، وقوله: «كما قال الأعشى في صفة امرأَةٍ انتسبت إلى قومٍ ....» (٣)، وقوله: «ومنه قول الأخطل في هجاء جرير ...» (٤)، وغير ذلك. (٥)\n- وربما ذكر المفسر المناسبةَ التي قيل فيها الشاهد الشعري دون ذكر الشاعر، ومن ذلك قول الطبري عند حديثه عن النسيء عند العرب في الجاهلية: «وقال مُنَافِرُهُم:\nومِنَّا مُنْسِي الشهورِ القَلَمَّس» (٦).\nفأشار إلى أنه قيل هذا البيت في مُنَافِرةٍ، والمُنافرةُ المُفَاخرةُ والمُحَاكمَةُ، وذلك أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثُمَّ يُحكِّمَا بينهما رجلًا (٧).\n- وقد يُبَيّنُ المفسرُ مع نسبة الشاهد لقائله زَمَنَ قول هذا الشاهد من الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية: «وقيل: الرعدُ اسمُ الصوت المسموع، قاله علي بن أبي طالب ﵁، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته:\nفَجَّعَنِي الرَّعدُ والصواعقُ بالفـ ... ـارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجِدِ (٨)\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٢) المصدر السابق ٩/ ٤١٩.\n(٣) المصدر السابق ٩/ ٢٠.\n(٤) المصدر السابق ٦/ ٥٠٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٥٤٠، ٥٤٣، ٣/ ٢٦، ٤٩٠.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٢٤٩.\n(٧) انظر: لسان العرب ١٤/ ٢٣٢ (نفر).\n(٨) المحرر الوجيز ١/ ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"1","page":322},{"text":"فقد أشار إلى أن هذا القول من لبيد كان في الجاهلية قبل الإسلام، مما يدل على أن هذا المعنى للرعد معروف قبل الإسلام. ومثله قول القرطبي: «وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء ...» (١). فهو قد بَيَّنَ زمن قول هذا الشاهد.\n- وقد ينقل المفسرُ الشاهدَ عن غيره غير منسوبٍ، فينسبه هو لقائله رغبة في توثيقه، وزيادة الطمأنينة بحجيته. ومن ذلك قول الإمام الطبري: «حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، أَنَّ ابنَ زيدٍ أنشده:\nقُعودٌ لدَى الأَبْوَابِ طُلاَّبُ حَاجَةٍ ... عَوانٍ من الحَاجَاتِ أَو حَاجةً بِكْرَا (٢)\nقال أبو جعفر: والبيت للفرزدق» (٣). وقد أورد الطبري هذا الشاهد في موضعٍ آخر ولم ينسبه (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-111> إِبْهامُ نسبة الشاهد المشهور:</span>\nقد يشتهر الشاهدُ فيُغْفِلُ المُفَسِّرُ نسبته لقائله استغناءً بشهرتهِ، ومن ذلك أن الإمام الطبري يُبْهِمُ نسبةَ شواهدَ مشهورة، كقوله: «كما قال الشاعر:\nلَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ ... وإِنِّي بِحَرِّهَا اليومَ صَالِ» (٥).\nوهذا الشاهد من قصيدة مشهورة للحَارِثِ بِنِ عُبَادٍ البَكريِّ (٦).\nوقول الطبري كذلك: «... ومنه قول الشاعر:\nتَقولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيْنِي: ... أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيْنِي؟» (٧).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٨٢.\n(٢) ديوان الفرزدق ١/ ١٨٨.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥٥٦.\n(٥) المصدر السابق ٧/ ٥٢٩.\n(٦) انظر: الأصمعيات ٧١، الحماسة البصرية ١/ ٥٩ وقد استقصى المُحقق تخريجه.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٣٨٢.","vol":"1","page":323},{"text":"وهذا الشاهد للمثقَّبِ العبدي (١)، وقد استشهد الطبري بأبيات من قصيدة الشاهد، ونسبها للمثقَّب العبدي، مِما يدل على معرفته بها (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-112> نسبة الشاهد في مواضع دون أخرى:</span>\nقد يورد المفسر الشاهد في مواضع فينسبه في بعضها ويبهمه في بعضها، ربما لنسيانه في موضع، وتذكره في آخر، أو للجهل به ثم طروء العلم بالقائل بعد ذلك، أو لغير ذلك من الأسباب. ومن ذلك قول الطبري: «... فإن العرب قد تصل «ذا» و«هذا» كما قال الشاعر:\nعَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وهَذا تَحْمِلينَ طَلِيْقُ (٣)\nفـ «تَحملين» من صلة «هذا» (٤). فأَبْهَمَ ذكرَ الشاعر في هذا الموضع، وهو الموضع الأول. ثُمَّ أوردَ الشاهد مرة أخرى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧] (٥)، فقال: «.... فالباء في قوله: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ مِنْ صِلَةِ ﴿تِلْكَ﴾ والعرب تَصِلُ «تلك» و«هذه»، كما تصل «الذي»، ومنهُ قولُ يَزيدَ بنِ مُفَرِّغٍ:\nعَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وهَذا تَحْمِلينَ طَلِيْقُ\nكأنه قال: والذي تَحملين طليق» (٦). فنسبه لقائله في الموضع الثاني.\nومثله كذلك بيت لطرفة بن العبد، استشهد به الطبري في ثلاثة مواضع، فلم ينسبه في موضعين، وذلك في قوله: «.... وكما قال الشاعر:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٩٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٥، ٢٤/ ٢٩٦، ١٤/ ٣٢٤، ١٩/ ٤٠٣، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٩٣.\n(٣) عَدَسْ: صوتُ زَجْرٍ للبغل. انظر: ديوانه ١٧٠، معاني القرآن للفراء ١/ ١٣٨، ٢/ ١٧٧، لسان العرب ٩/ ٨١ (عدس)\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٣/ ٦٤٠ - ٦٤١.\n(٥) طه ١٧.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٤٢.","vol":"1","page":324},{"text":"أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِري احْضرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدي (١)\nفرفع «أَحْضرُ» - وإن كان يصلح دخول «أن» فيها؛ إذ حذفت - بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال» (٢). في حين نسبه في الموضع الثالث، فقال: «كما قال طرفة بن العبد ...» وذَكَرَهُ (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-113> تشابه أسماء الشعراء:</span>\nقد تَتَشَابَهُ أَسْماءُ الشعراء، أو أَلقابُهُم، فيحرص المفسرون على التمييز بينهم، وذلك بالنص على الاسم كاملًا، أو النسبة إلى قبيلته أو نحو ذلك. ومن ذلك لقب «النابغة»، فقد أُطلق على عدد من الشعراء، وإذا أطلق معرفًا بـ «أل» فهو زياد بن معاوية الذبياني (٤).\nومن ذلك قول الطبري: «كما قال النابغة» (٥)، وقوله: «كما قال النابغة الذبياني» (٦)، وقال في مواضع أخرى: «ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان ...» (٧). وذلك لتمييزه عن غيره، مِمَّن لُقِّبَ بالنابغة كنابغة بني شيبان (٨)، ونابغة بني جعدة الذي ذكره الطبري فقال: «كما قال نابغة بني جعدة» (٩)، وقال في موضع آخر: «ومنه قول النابغة الجعدي» (١٠).\nومثلُ لَقَبِ «النَّابغةِ»، لقبُ «الأعشى»، فقد أطلق على عدد من الشعراء لقبُ الأعشى، فحرص المفسرون على التمييز بينهم، فإذا أطلق\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٢.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ٢/ ١٨٩، وانظر: ١٨/ ٤٨٠ - ٤٨١.\n(٣) المصدر السابق ٢٤/ ٤٢٤.\n(٤) انظر: الشعر والشعراء ١/ ١٥٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٨٩، ١٣/ ٢٢٠.\n(٦) المصدر السابق ١٦/ ٢٣٤.\n(٧) المصدر السابق ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥، ٩/ ٥٣٢، ١١/ ٥٤٣، ٥/ ١٦٠ - ١٦١، ١/ ٣٦٦، ٣٥٧.\n(٨) هو عبد الله بن المخارق الشيباني، شاعر إسلامي. انظر: مقدمة ديوانه ٥.\n(٩) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣١٩.\n(١٠) المصدر السابق ٥/ ٤٨٠.","vol":"1","page":325},{"text":"لقب الأعشى، فإنه ينصرف إلى أبي بَصيرٍ مَيمون بن قيسٍ أَعشى بَنِي ثعلبة (١).\nومن ذلك قول الطبري: «ومنه قول الأعشى» (٢)، وقوله: «ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس ...» (٣)، أو قوله: «كما قال ميمون بن قيس الأعشى» (٤)، وقوله في مواضع أخرى ناسبًا له إلى جده الأعلى: «ومنه قول أعشى بني ثعلبة» (٥)، ونسبه لجده الأدنى في مواضع كقوله: «كما قال أعشى بني قيس» (٦)؛ وذلك لتمييزه عن غيره مِمَّن تلقب بهذا اللقب، كأعشى همدان كما في قوله: «وكقول أعشى همدان» (٧)، وأعشى باهلة كذلك (٨).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-114> الوَهَمُ في نسبة الشاهد:</span>\nربَّمَا نَسَبَ المفسرُ الشاهدَ إلى غير قائله وَهَمًا منه أو خطأ، أو غير ذلك، كقول الطبري: «.... وقول الصَّلَتَانِ العَبْدِيِّ:\nإِنَّ السَّمَاحَةَ والمُروءةَ ضُمِّنَا ... قَبْرًا بِمَروَ عَلى الطريقِ الوَاضِحِ» (٩).\nوهذا البيت لزياد الأعجم - في أكثر المصادر- من قصيدته السائرة في رثاء المغيرة بن المُهلَّب (١٠).\n_________\n(١) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٥٧، الأغاني ٦/ ٦٩ - ٧٠، ٨/ ٧٤.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ١١، ٩/ ٣١١، ١٠/ ٥٠٧.\n(٣) المصدر السابق ١١/ ١٧٩.\n(٤) المصدر السابق ٥/ ٥٥٨.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٣٢، ٢/ ١٣٩، ٥/ ٤٢٢، ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦، ٨/ ٤٠٧، ٩/ ٥٤٣ - ٥٤٤، ١٦/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ١٦/ ٢٧٠، ١٤/ ٤٠٨.\n(٦) المصدر السابق ٨/ ٣٣٩، وانظر: دي\nوان الأعشى، مقدمة المحقق ٤٩.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ١/ ١٦٥.\n(٨) انظر: المصدر السابق ٩/ ٥٧٩، ١٤/ ٢٤٧.\n(٩) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٢٧٣.\n(١٠) انظر: أمالي اليزيدي ١، أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩، الشعر والشعراء ١/ ٤٣١، سمط اللآلي ٢/ ٩٢١، الأغاني ١٥/ ٣٨١، وإن كان الأصمعي يرويه للصلتان كما ذكر الطبري كما في الأمالي لليزيدي ١.","vol":"1","page":326},{"text":"وقول الطبري كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] (١): «وأما تأويل قوله: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ فإنه بِمُبْعِدِه ومُنَحِّيه، كما قال الحطيئة:\nوقالوا: تَزَحْزَحْ مَا بِنَا فَضْلُ حَاجةٍ ... إليكَ، ومَا مِنَّا لِوَهْيِكَ رَاقِعُ\nيعني بقوله: تَزَحْزَح، تَبَاعَدْ» (٢).\nوالبيت ليس للحطيئةِ وليس في ديوانه، وإنَّما هو للشاعر قيسِ بنِ الحدَّاديةِ (٣) من قصيدة طويلة له رواها أهل الأدب (٤).\nومن الأمثلة على الوهم في نسبة الشاهد الشعري قول ابن عطية: «والطامسُ: الداثرُ المُغَيَّرُ الأعلام، كما قال ذو الرمة:\nمِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرَضْتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ» (٥).\nوهذا البيت ليس لذي الرمة، وإنما هو لكعب بن زهير ﵁، من قصيدته المشهورة بالبُرْدَةِ في مدح النبي - ﷺ - (٦)، وقد نصَّ على ذلك ابن عطية نفسه في موضعٍ سابقٍ من تفسيره (٧)، غير أنه وهم في هذا الموضع، ولهذا أمثلة أخرى (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الثانية: أن يكون هذا البيان ناقصًا</span>.\nما تقدم كان تفصيلًا للمقصود بالتقدمة المبينة للشاهد الشعري بيانًا\n_________\n(١) البقرة ٩٦.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٧٥.\n(٣) هو قيس بن منقذ بن عبيد بن أصرم، والحدادية أمه، وهي من بني حداد من كنانة. شاعر جاهلي قديم كثير الشعر، له مع عامر بن الظرب العدواني حديث، كان فاتكًا صعلوكًا. انظر: الأغاني ١٤/ ١٤٢، الحماسة البصرية ٣/ ١٠٩٠.\n(٤) انظر: الأغاني ١٤/ ١٥٤.\n(٥) المحرر الوجيز ٤/ ١٤١.\n(٦) انظر: ديوان كعب بن زهير ٨٦، وشرح قصيدة كعب بن زهير ١٧٥، تفسير الطبري (هجر) ٧/ ١١٧.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز ٢/ ١٨٤.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠.","vol":"1","page":327},{"text":"تامًا يدل على قائله، وهذا هو القسم الثاني من أنواع التقدمة المبينة، وهو أن يقدم بين يدي الشاهد الشعري بما يقلل شيوعه، ولا يدل على عين قائله. ولهذا البيان الناقص صور متعددة في كتب التفسير، ومن هذه الصور:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-116> النسبة إلى جنس القائل:</span>\nقد ينسب المفسر الشاهد إلى جنس القائل، فينص على أنه لرجل أو لامرأة، أو نحو ذلك. كما قال الزمخشري مشيرًا إلى أن القائل امرأة: «.... كقولها (١):\nفَإِنَّمَا هيَ إِقبَالٌ وإدبارُ (٢)» (٣).\nفإنه يفهم من قول الزمخشري هذا أن القائل امرأة دون تحديد لعين هذه الشاعرة.\nومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية: «قال الشاعر وهي امرأة» (٤). فاكتفى ببيان جنس الشاعر وأنها امرأة كما فعل الزمخشري.\nوربما أضاف المفسر إلى الجنس ذكر القبيلة، كقول القرطبي: «ولرجل من قريش ...» (٥)، وقوله أيضًا: «وأنشد سيبويه لرجل من مذحج ...» (٦). وقول الطبري: «فقالت امرأة من عاد». (٧) وهذا أكثر بيانًا من الاقتصار على ذكر الجنس، بذكر القبيلة أو القوم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-117> نسبة الشاعر إلى قبيلته:</span>\nقد ينسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته، ولا يُعرف هذا الشاعر بعينه\n_________\n(١) هي الخنساءُ تُمَاضِرُ بنتُ عمرو بن الشريد.\n(٢) انظر: ديوانها ٢٦.\n(٣) الكشاف ١/ ٢٥٧.\n(٤) المُحرر الوجيز ٤/ ١٢٧.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٥١.\n(٦) المصدر السابق ٣/ ٢٦٧، ١١/ ٢١٧.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ١٣٦.","vol":"1","page":328},{"text":"لعدم شهرته، كقول الطبري: «ومنه قول الهذلي» (١). وشعراء هذيل كثيرون، ولا يتميز الشاعر إلا بالتنقيب عن الشاهد في ديوان أشعار الهذليين لمعرفة قائله، هذا إن كان موجودًا في أشعار الهذليين المجموعة، أو دواوين شعرائهم المرويَّة، وقد لا يعثر الباحث على القائل.\nوكذلك قول الطبري: «وكما قال بعض الهذليين ...» (٢)، وقول الطبري: «وقال رجل من بني أسد» (٣)، أو قوله: «قال رجل من بني عدي» (٤)، أو قوله: «وقال بعض بني عقيل ...» (٥)، وقوله: «وقال بعض بني سُلَيْم» (٦). وأمثال هذه النسبة التي تقرب القائل، ولكنها لا تدل عليه دلالة واضحة.\nغير أنه رُبَّما نسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته وهو معروف بنسبته تلك دون غيره من شعراء قبيلته، كقول الطبري: «ومنه قول الجعدي» (٧)، وهو النابغة الجعدي دون غيره من بني جعدة لشهرته (٨).\n- وربَّمَا نسبه إلى قبيلته بوصفهِ لا بِاسْمِهِ، كقول الطبري: «وذُكِرَ عن لِصٍّ مِن غَطفان أَنَّه أَراد أن يَخْبُزَ، فَخاف أن يُعْجَلَ عن الخَبْزِ، فَبَلَّ الدقيقَ، وأَكَلَهُ عَجينًا، وقال ...» (٩). ثم ذكر أبياتًا، فلم يحدد عين القائل، وإنما أشار إليه بوصفه دون اسمه أو لقبه أو ما يقود إلى تحديد عينه.\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٤٧٩، ١٥/ ٣٧٠.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٢٠٠.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١/ ١٥٥، ٢٤/ ٦٩٦.\n(٤) المصدر السابق ٩/ ٦١٩.\n(٥) المصدر السابق ٢٤/ ١٧١، ٢٤/ ١٠١، ١٩/ ٥٠٤، ٥٠٥.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٤/ ٦٣٦، وانظر: ١٥/ ٦٢٩، ١٢/ ١٤٦، ١٦/ ٩٨، ١٠/ ٢٠٦، ٢٤/ ٣٥، ١٧/ ٥٢٩.\n(٧) المصدر السابق ١٤/ ٥٣٤.\n(٨) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٨٩.\n(٩) المصدر السابق ٢٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣.","vol":"1","page":329},{"text":"ومن ذلك قول الطبري: «ويَسْتَشِهِدُ لقولهِ ذلكَ برَجَزِ بعضِ الأَعراب ...» (١). وقوله: «وقال بعض الأعراب ...» (٢) فنسبه في الموضعين إلى بعض الأعراب دون نص على عين القائل، والوصف بالأعرابية لا يفيد كثيرًا في معرفة القائل لكثرة شعراء الأعراب، وهم سكان البادية، وعنهم أخذ العلماء والرواة كثيرًا من اللغة والشعر (٣).\n- وربما أَبْهَم المفسر النسبة إبهامًا شديدًا فنسب الشاعر إلى العَربِ وهذا لا يكاد يتميز لكثرة بطون العرب وقبائلها، ومن ذلك قول الطبري: «وقال بعض العرب ...» (٤)، وكذلك قول الزمخشري: «وفي معناه قول العرب:\nإِنَّ الغَنِيَّ طَويلُ الذَّيْلِ مَيَّاسُ» (٥).\nوما تقدم من نسبة الشاعر إلى قبيلته أو إلى العرب يعد من البيان الناقص الذي لا يقود إلى معرفة الشاعر بعينه ما لم يكن مشهورًا بين شعراء قبيلته بهذه النسبة، وقد استخدم المفسرون هذه الطريقة في نسبة الشواهد في كتب التفسير.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-118> الاقتصار على ذكر من أنشد الشاهد من الرواة:</span>\nقد يقتصر المُفَسِّرُ على ذكر مَنْ أنشدَ الشاهدَ من العلماء والرواة، ولا يذكرُ مَن قاله من الشعراء؛ ثقةً برواية هذا الراوي، والغالب أن يكون من العلماء الكبار، والرواة الثقات كأبي عمرو بن العلاء، والكسائي وأمثالهم.\n_________\n(١) المصدر السابق ١٤/ ٢٧١.\n(٢) المصدر السابق ١٤/ ٤١، ٢٧١، ٢٧٢، ١٧/ ٥٧٢.\n(٣) انظر: الأعراب الرواة لعبدالحميد الشلقاني، فقد أفرده لأخبار الرواة الذين رووا اللغة والشعر من الأعراب.\n(٤) المصدر السابق ١٨/ ٣١٩.\n(٥) الكشاف ٤/ ١١٦.","vol":"1","page":330},{"text":"ومن ذلك قول الطبري: «... كما قرأ بعضُ القَرأَةِ: (وَالبَغْي يَّعِظُكُمْ) (١) تَخِفُّ الياءُ مع الياءِ، وذكر أن الكسائي أنشده:\nوَأَشْمَتَّ العِدَاةَ بِنَا فَأَصْخَوا ... لَدَى يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيْنَا (٢)\nوقال: يريد: لديَّ يتباشرونَ بِمَا لقينا، فحذف ياءً لِحَركتهنَّ واجتماعهنَّ» (٣).\nفقد اكتفى بذكر من أنشد الشاهد وهو الإمام الكسائي ﵀، وحسبك به ثقة في علمه وروايته، وهو ممن رحل إلى البادية في طلب اللغة والشعر، وقد أنفد في الكتابة عن الأعراب خَمس عشرة قِنِّينَةً من الحِبْرِ غير ما حفظ (٤).\nوقد يكون من أنشد الشاهد عدد من العلماء كأهل الكوفة أو البصرة، فينسبه المفسرُ إليهم جَميعًا. ومن ذلك قول الطبري: «وحكى بعض البصريين (٥)، وبعضُ الكوفيين سَمَاعًا من العرب: «طَافَ يطيفُ»، وطِفْتُ أطِيفُ»، وأنشدوا في ذلك:\nأَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ ... وَمَطَافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ (٦)». (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>ثانيًا: التقدمة المُبهمة:</span>\nتقدم الحديث عن القسم الأول وهو التقديم للشاهد الشعري بِما\n_________\n(١) النحل ٩٠، وقراءة إدغام الياء في الياء هي قراءة أبي عمرو ويعقوب وهما من العشرة. وابن جريرٍ يشير إلى كلام الفراء كما في معاني القرآن ٢/ ٢٩، وكلام الفراء لا يصرح بحذف الياء الثانية، لكن الشاهد الذي ذكره يدل على أنه أراد هذا، غير أنَّ شاهد الشعر هذا لا يصلح نظيرًا للآية؛ ففي الشاهد ثلاث ياءات: اثنتان مدغمتان أولًا، ثُمَّ الثالثة في أول الفعل، وفي الآية ياءان، وتكرار ثلاث يقتضي الحذف، غير أن تكرار اثنتين يقتضي الإدغام. انظر: النشر ١/ ٢٨٤.\n(٢) لم أعثر على قائله.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٩٤.\n(٤) انظر: إنباه الرواة ٢/ ٢٥٨.\n(٥) هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن ١/ ٢٣٧.\n(٦) لكعب بن زهير. انظر: ديوانه ١١٣.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٣٣٥.","vol":"1","page":331},{"text":"يبينه، والتمهيد له بما يدل على قائله بيانًا تامًا أو ناقصًا، وهذا هو القسم الثاني وهو التقدمة المبهمة للشاهد الشعري، وهي أن يُبهمَ المفسرُ ذكرَ الشاعرِ، فلا يُستدَلُّ على القائلِ بعَينهِ، أو قبيلتهِ، أو نحو ذلك مِمَّا يُقَلِّلُ شُيوعَه، فيبقى قائلُ الشاهد مَجهولًا لا يُعرفُ، وهذا شائع في كتب التفسير.\nومن أمثلته قول الطبري: «وأنشدوا في همز الألف ...». (١)، وقوله: «وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك ...» (٢) ولم يذكر من هو الشاعر، وكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم للشاهد الشعري عبارة «وأنشد»، أو «وأنشدوا»، أو «وينشد»، والنشيد هو رفع الصوت بالشِّعْر، وإنشادُ الشِّعرِ: إلقاؤه، وكانت - وما زالت- عادةُ ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (٣)، وهي صيغة من صيغ رواية الشعر ... المعروفة (٤).\n- ومن التقدمة المبهمة قول المفسر: «كما قال الشاعر» (٥)، وقوله: «وذلك كقولهم» (٦)، و«ومنه قول الشاعر»، و«ويُنشدُ لبعض شعرائهم»، «وقد أنشدني بعضهم سَماعًا من العرب»، ونحو هذه العبارات المبهمة.\n- ومن التقدمة المبهمة التي يقدم بها بين يدي الشواهد الشعرية من بَحْرِ الرَّجَزِ قولهم: «قال الراجز» (٧)، والرَّجَزُ نوعٌ من الشعر له وزن\n_________\n(١) المصدر السابق ٦/ ٢٩٧، ١٣/ ٣٣٥.\n(٢) المصدر السابق ١٥/ ١٨٥.\n(٣) انظر: لسان العرب ١٤/ ١٣٩ - ١٤٠ (نشد).\n(٤) انظر: الشاهد وأصول النحو لخديجة الحديثي ١٤٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٥١٦، تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٠ - ٢١، ٣٧، ٤٠.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣٣٤.\n(٧) المصدر السابق ٢/ ٢٦، ٢٣٣، ١٤/ ٢٠٤، ٢٧٨، ١٥/ ٤٠٩ - ٤١٠، تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ١٩١.","vol":"1","page":332},{"text":"معروف، وقد أكثر العلماء من الاستشهاد به في مصنفاتهم في التفسير واللغة (١).\n- وقد يورد المفسرُ عددًا من الشواهد، فينسب بعضها ويبهم بعضها، كقول الطبري: «كما قال الفرزدقُ:\nومِنَّا الذي اخْتِيْرَ الرِّجَالَ سَمَاحةً ... وَجُودًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ (٢)\nوكما قال الآخر (٣):\nأَمرتكَ الخَيْرَ فَافْعَل مَا أُمِرتَ بهِ ... فقدْ تركتكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشَبِ (٤)\nوقال الرَّاعي:\nاخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذْ غَثَّتْ خَلائِقُهُمْ وَاعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ (٥)» (٦).\nفهو قد نسب البيت الأول للشاعر بلقبه المشهور وهو الفرزدق هَمَّام بن غالب، ثُمَّ أَبْهم الثاني - ربَّما للاختلاف في نسبته كما في تخريجه، أو لجهالته، ثُمَّ نسب الثالث للشاعر بلقبه الذي عُرفَ به وهو الراعي النُّمَيْريِّ واسمه عُبَيدُ بنُ حُصَيْن (٧).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-120> ثانيًا: الاكتفاء بالشاهد الشعري دليلًا:</span>\nفي مواضع كثيرة يكتفي المفسرون بالشواهد الشعرية دون غيرها،\n_________\n(١) انظر: الرَّجَزُ في العصر الأموي لمحمد كشَّاش ٥٠ - ٧١.\n(٢) أراد: منا الذي اختير مِنْ بين الرجال لسماحته، فنصب (الرجال) بنزع الخافض. انظر: ديوانه ١/ ٤١٨.\n(٣) هو أعشى طرود إياس بن عامر بن سليم بن عامر، وروي في شعر منسوب لعمرو بن معد يكرب، وإلى العباس بن مرداس، وإلى زرعة بن السائب، وإلى خفاف بن ندبة. انظر: خزانة الأدب ١/ ٣٤٢ - ٣٤٤.\n(٤) انظر: الكتاب ١/ ٣٧، خزانة الأدب ١/ ٣٣٩ - ٣٤٤، أمالي ابن الشجري ٢/ ١٣٣، ٥٥٨.\n(٥) انظر: ديوان الراعي النُّميريِّ ١٩٤.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٤٤ - ١٤٧، وانظر: ١٢/ ١٤٠.\n(٧) انظر: جَمهرةُ النَّسَبِ للكلبيِّ ٣٧٤، خزانة الأدب ٣/ ١٥٠.","vol":"1","page":333},{"text":"وقد يكون الاستشهاد لمسألةٍ لغوية، أو نَحويةٍ، أو غير ذلك، وفي هذه الحال يكون الاعتماد على الشاهد الشعري بِمُفردهِ في الدَّلالةِ على المسألة لإفراده بالذكر.\nوكما أن القرآن الكريم دليلٌ مستقل بقراءاته كلها، يصح الاعتماد عليه بمفرده في الاستدلال على مسائل اللغة والنحو، وكذلك الحديث الشريف عند عدد من العلماء، بمعنى أن يكتفى بهما في الاستدلال والاستشهاد على الرأي مع ندرة ذلك في الحديث الشريف، فكذلك الشعر، فقد انفرد بالاستدلال في كتب التفسير كثيرًا، وقد اكتفى المفسرون بالشعر في الاستشهاد في مواضع كثيرة من كتب التفسير، واقتصروا عليه دون غيره. وقد تقدم قول الشاطبي مضعفًا الاقتصار على الشعر في الأحكام، والاكتفاء به، وهو قوله: «أَمَّا الاعتمادُ على الشعرِ مُجرَّدًا مِن نَثْرٍ شَهيرٍ يُضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملةً يُحمل ما في الشعر عليها، فليس بِمُعتمدٍ عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر مَحلُّ الضرورات» (١).\nوهناك مسائل في كتب التفسير لا يوجدُ فيها إِلَّا الشعر دليلًا على الرأي، وذلك في المسائل التي تتعلق بما يجوز في ضرورة الشعر من الأوجه. ومن أمثلة ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] (٢) قال: «ولا يجوز تثقيلُ (٣) عين «فُعْل» منه، إلا في ضرورةِ شِعْرٍ، كما قال طرفة بن العبد:\nأيُّها الفتيانُ في مَجلِسِنَا ... جَرِّدوا منها وِرَادًا وشُقُر (٤)\nيريد: شُقْرًا، إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه». (٥)\n_________\n(١) الشواهد والاستشهاد لعبد الجبار النايلة ١٣٥.\n(٢) البقرة ٨٨.\n(٣) يعني بالتثقيل الحركة.\n(٤) انظر: ديوانه ٥٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":334},{"text":"فهنا يشير إلى اضطرار الشاعر الى تحريك الساكن في المفردة أحيانًا، وهذا لا يكون في النثر، ولا تَجدُ عليه شاهدًا من غير الشعر، لعدم وجود الضرورة إلا فيه.\nومن الأمثلة كذلك ما ذكره الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (١) حيث نقل كلام الفراء في أوجه قراءة (عَبَدَ) وتوجيهه لقراءة من قرأ: ﴿وعَبُدَ الطَّاغوتِ﴾ (٢) فقال: «وكان الفراءُ يقولُ (٣): إن تكنْ فيهِ لغةٌ مثل «حَذِرٍ» و«حَذُرٍ»، و«عَجِلٍ» و«عَجُلٍ» فهو وجه والله أعلم، وإلا فإن أراد قول الشاعر (٤):\nأَبَنِي لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكَمُ أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ (٥)\nفإِنَّ هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأَمَّا في القراءة فلا» (٦).\nفيكون الشاهد الشعري هو الدليل الوحيد في مثل هذه المسائل في كتب التفسير، لاختصاص مثل ذلك بالشعر دون النثر (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>صور الاكتفاء بالشاهد الشعري:</span>\nللمفسرين في حال اكتفائهم بالشاهد الشعري، واقتصارهم عليه في الاستشهاد ثلاث صور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الأولى: ما ورد له شاهد واحد:</span>\nومن أمثلة الاكتفاء بشاهدٍ واحدٍ من الشعر عند المفسرين قول الطبري: «﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] (٨) يقول: فَلأنفسهم يَستعدونَ\n_________\n(١) المائدة ٦٠.\n(٢) هذه القراءة قراءة حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب والمطوعي ويحيى بن يعمر والجحدري. انظر: النشر ٢/ ٢٥، حجة القراءات ٢٣١، السبعة ٢٤٦.\n(٣) انظر كلام الفراء في معاني القرآن ١/ ٣١٤ - ٣١٥ وقد نقله الطبري بنصه إلى آخره.\n(٤) هو أوس بن حجر.\n(٥) انظر: ديوانه ٩٨.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٠/ ٤٤٠.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز ٤/ ١٠٥، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣، الدر المصون ٣/ ٦٧١.\n(٨) الروم ٤٤.","vol":"1","page":335},{"text":"ويُسوونَ المضجعَ ليسلموا من عقابِ رَبِّهِم، وينجو من عذابه، كما قال الشاعر (١):\nامْهَدْ لِنَفْسكَ حَانَ السُّقمُ والتَّلَفُ ... ولا تُضِيعنَّ نَفسًا مَا لَهَا خَلَفُ (٢)» (٣).\nفالطبري قد اكتفى بالشاهد الشعري للاستدلال على المعنى اللغوي للفظة «يَمْهَدُونَ» في الآية القرآنية، بعد أن فَسَّر معناها بكلام من عنده (٤).\nوقال ابن عطية مكتفيًا بشاهد من الشعر للاستشهاد على أن لفظ «القوم» يأتي ويراد به الرجال خاصة دون النساء: «والقوم في كلامٍ الرجالُ خاصةً، ومنه قول زهير:\nوَلا أَدْرِي وسَوفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَومٌ آَلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٥)» (٦).\nوقال ابن عطية أيضًا: «واختلف المتأولون في قوله: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦] (٧)، فقال مُجَاهدُ وعكرمةُ وغَيرُهُما: معناه: انتظرنا، بِمَعنى: أفهمنا وتَمهَّل علينا؛ حتى نفهم عنك ونَعِيَ قولَك، وهذا كما قال الحطيئة:\nوَقَدْ نَظَرْتُكُمُ إِيناءَ صَادرةٍ ... لِلخِمْسِ طَالَ بِهَا مَسْحِي وتَنْسَاسِي (٨)\nوقالت فرقة: انظر معناه: انظر إلينا، فكأنه استدعاءُ اهْتِبَالٍ وتَحَفٍّ، ومنه قول ابنِ الرُّقَيَّاتِ:\n_________\n(١) هو سليمان بن يزيد العدوي كما في مجاز القرآن ٢/ ١٢٤.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ٢/ ١٢٤.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٥١٦.\n(٤) انظر أيضًا: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٨٨، ٢٩٣، ٣٠١، ٣٦٦.\n(٥) ديوانه ١٧٠.\n(٦) المحرر الوجيز ٧/ ١٤٩.\n(٧) النساء ٤٦.\n(٨) رواية الديوان:\nوقدْ نَظَرْتُكُمُ إِعْشَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وتَنْسَاسِي\nأعشاءَ: جمع عَشاء، صادرةٍ للخِمْسِ: أي صدرت، وكان ظمؤها خمسًا فهي تُعشَّى عَشاء طويلًا، والحوز هو السوق قليلًا قليلًا، والتَّنْسَاسُ: تَفْعَالٌ مِن النَّسِّ وهو السَّوْقُ ... انظر: شرح ديوانه لابن السكيت ٤٦ - ٤٧.","vol":"1","page":336},{"text":"ظَاهراتُ الجَمَالِ والحُسْنِ يَنْظُرْنَ ... كَمَا تنظرُ الأَرَاكَ الظباءُ (١)» (٢).\nفهو قد أورد وجهين، لكل وجه شاهد واحد من الشعر مكتفيًا بالشاهد الواحد، ومقتصرًا عليه في الاستشهاد والاستدلال على المعنى اللغوي.\n- الاستشهاد للمشترك اللفظي:\nورُبَّمَا جاءت اللفظةُ مشتركةً من قبيل «المشترك اللفظي»، وهو اللفظ يدل على أكثر من معنى، فيفسرها المفسرُ، ويكتفي في الدلالة على كلِّ معنىً من المعاني بشاهدٍ من الشعر. ومثال ذلك قول القرطبي وهو يفسر معنى الريب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] (٣): «وفي الرَّيْبِ ثلاثةُ مَعَانٍ: أحدها: الشَّكُّ، قال عبد الله بنُ الزِّبَعْرَى:\nليسَ في الحقِّ يا أُمَيمةُ رَيْبُ ... إِنَّمَا الرَّيبُ ما يقولُ الجَهُولُ (٤)\nوثانيها: التُّهَمَة، قال جَميل (٥):\nبُثَينةُ قالتْ: يا جَميلُ أَرَبْتَنِي ... فقلتُ: كِلانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيبُ (٦)\nوثالثها: الحاجة، قال (٧):\nقَضِينَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَمْنَا السيوفَا (٨)» (٩).\nفقد استشهد القرطبي لكل معنى من معاني الريب بشاهد من الشعر المحتج به، واقتصر في الاستشهاد على الشعر دون غيره من الشواهد. والأمثلة على اكتفاء المفسرين بالشاهد الشعري الواحد كثيرة، مما يدل\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٣.\n(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٤٠.\n(٣) البقرة ٢.\n(٤) ليس في شعره الذي جَمعه يحيى الجبوري. .\n(٥) هو جَميلُ بن مَعْمَرٍ العُذريُّ.\n(٦) انظر: ديوانه ٨٧، سمط اللآلي ٢/ ٧١٩.\n(٧) هو كعب بن مالك الأنصاري ﵁.\n(٨) انظر: ديوانه ٦٦.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":337},{"text":"على أن للشاهد الشعري مكانته بين الشواهد في الدلالة اللغوية والنحوية ونحوها ولو كان شاهدًا مفردًا، مِمَّا يَجعل المفسرين يكتفون به في الاستشهاد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الثانية: ما ورد له شاهدان</span>.\nقد يزيد المفسر في الاستشهاد على المسألة أو المفردة على الشاهد الشعري المفرد، فيدعمه بشاهد شعري آخر يقويه ويؤكده، ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «والعربُ تُسمِّي الريحَ العاصفَ التي فيها الحصى الصغار، أو الثلجُ، أو البَرَدُ والجَليدُ حاصبًا، ومنه قول الأخطل:\nوَلقدْ عَلِمْتُ إذا العِشَارُ تَروَّحَتْ ... هَدَجَ الرّئالِ يَكُبُّهُنَّ شَمَالا\nتَرمي العِضَاهَ بِحَاصبٍ مِنْ ثَلْجِهَا ... حتى يَبِيْتَ على العِضَاهِ جُفَالا (٢)\nوقال الفرزدق:\nمُستقبلينَ شَمالَ الشامِ تَضربُنَا ... بِحَاصبٍ كَنديفِ القُطنِ مَنْثُورِ (٣)» (٤).\nفقد أورد شاهدين على أن العرب تُسمِّي الريحَ العاصفَ التي فيها الحصى الصغار، أو الثَّلج، أو البَرَدُ والجَلِيدُ حَاصِبًا، وربما يكون إيراده لشاهدين من الشعر رغبة في تقوية الحجة؛ لغرابة مثل هذه اللفظة في دلالتها على هذا المعنى، أو ندرة ذلك وخفائها على العامة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٠/ ٥٠٣، الكشاف ١/ ٣٢، ٣٣، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٩، ٦٩، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٨٤، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٧، ٢١١، ٢٢١، ٢٢٦، ٢٢٧، ٥/ ١١، ١٣، ٢٠، ٢٧، ٨/ ٧٨.\n(٢) العِشَارُ: النوقُ التي مضى على حملها عشرة أشهر، الرئال: جَمع رَأَل، وهو ولد النعام، والهَدَجُ: العَدْوُ المتقارب، وتَكُبُهُنَّ: تَميل بِهنَّ، والعِضَاهُ: جَمع العِضَةِ، وهي نوعٌ من الشجر، والحاصبُ: السحاب الذي يرمي بالبَرَدِ والثلجِ وهو وجهُ الشاهد عند الطبري هنا، والجُفَالُ: المتراكم. ... انظر: ديوانه ٢٤٨.\n(٣) انظر: ديوانه ١/ ٢١٣.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ٣٦، وانظر: ١٧/ ٤٩٨ - ٤٩٩.","vol":"1","page":338},{"text":"ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (١): «وأَصلُ «الإِخْلادِ» في كلام العرب الإِبطاءُ والإِقامةُ. يُقال منه: أَخْلَدَ فُلانٌ بالمكانِ، إذا أَقامَ به، وأَخلَدَ نفسهُ إلى المَكانِ، إذا أَتاهُ من مكانٍ آخر، ومنه قول زهير:\nلِمَنْ الدِّيارُ غَشِيتُها بِالفَدْفَدِ ... كالوحي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ (٢)\nيعني: المُقِيم، ومنه قول مالك بن نويرة:\nبِأَبْناءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالكٍ ... وعَمْرِو بنِ يَرْبُوعٍ أَقَاموا فَأَخْلَدُوا (٣)» (٤).\nفقد استشهد الطبري على أن معنى «أخلد» أقام، بشاهدين من الشعر، الأول وردت فيه اللفظة بصيغة اسم الفاعل «مُخْلِد»، والثاني وردت فيه اللفظة بصيغة الفعل الماضي كما في الآية الكريمة «أخلدوا»، وفي الشاهد الثاني عطف الشاعر الإخلاد على الإقامة، مما قد يدل على التغاير بين المعنيين، وقد يكون المعنى في البيت الثاني كما قال الطبري الإتيان من مكان آخر، والإقامة في المكان الثاني، وهذا معنى قل أن تشير إليه كتب اللغة (٥). والأمثلة على ذلك كثيرة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الثالثة: ما ورد له ثلاثة شواهد فأكثر</span>.\nقد يَحتاجُ المفسرُ إلى إيراد عدد من الشواهد الشعرية للتأكيد على المعنى الذي ذهب إليه في اللفظة الغريبة، فقد تكون اللفظة المُفَسَّرةُ من الغريب الذي يَحتاج إلى مزيد بيانٍ وإيضاحٍ، فَيُكثر المفسرُ من إيراد الشواهد الشعرية، ولا يكتفي بالشاهد الواحد.\n_________\n(١) الأعراف ١٧٦.\n(٢) ديوانه ٢٦٨.\n(٣) الأصمعيات ٣٢٣.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٧٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٧٠ تعليق المحقق رقم ٢.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٧٩، الكشاف ١/ ٢٤، ٤١، ٥٧، ٧١، ١٠٥، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٦١، ١٦٤، ١٦٨، ١٩١، ١٩٣، ٢٠٣، ٢١١، ٥/ ١٦، ٨/ ١، ١٣.","vol":"1","page":339},{"text":"يقول الزركشي: «ثم إن كان ما تضمنه ألفاظُها - أي اللغة - يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهادُ بالبيت والبيتين، وإن كان مِمَّا يوجبُ العلمَ لم يكف ذلك، بل لا بُدَّ من أن يستفيضَ ذلك اللفظُ، وتكثرَ شواهدُه من الشعر» (١). ولم يتبين لي تفريقه بين ما يوجب العمل وما يوجب العلم من الألفاظ في القرآن الكريم. غير أن الزجَّاجَ (ت ٣١١ هـ) (٢) بَيَّنَ عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٣): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٤) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ:\nأَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (٥)\nوقال الأخطل:\nأَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آَخِرَ الدَّهْرِ (٦)\nوقال العجاج:\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٩٧، ٢/ ٣٠٦.\n(٢) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السَّرِيِّ بن سهل الزجاج نسبة إلى عمل الزُّجَاجِ وخراطته، من الطبقة السادسة من نحويي البصرة، تتلمذ للمُبَرِّد، ومن تلاميذه أبو علي الفارسي وغيره، توفي سنة ٣١١ هـ. من مؤلفاته (معاني القرآن). انظر: تهذيب اللغة ١/ ١٣، إنباه الرواة ١/ ١٩٤ - ٢٠١.\n(٣) النمل ٢٥.\n(٤) قرأ بها من العشرة أبو جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب، وقرأ بها ابن عباس والزهري وغيرهم. انظر: السبعة ٤٨٠، الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٥٦، حجة القراءات ٥٢٦.\n(٥) الجَرْعَاءُ من الرَّمْلِ رَابيَةٌ سَهْلَةٌ لَيّنَةٌ. ديوانه ١/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(٦) انظر: ديوانه ٧٠.","vol":"1","page":340},{"text":"يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (١)\nوإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ» (٢).\nفقد وضح الزجاج هنا علة الإكثار من إيراد الشواهد الشعرية على بعض المسائل دون بعض، وهو قلة اعتياد العامة على مثل تلك الألفاظ أو الأساليب، ولعل الزركشي يعني بإفادة العلم دون العمل أي العلم بمعاني غريب اللغة الذي لم يعتده عامة الناس كما بَيَّنَ الزجاجُ والله أعلم.\nويعني الزجاج بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة معمر بن المثنى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (٣)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٤)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (٥)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده (٦).\nومن أمثلة الإكثار من الشواهد عند المفسرين قول الطبري: «ومن الدلالة على أن المطر الشديد قد يُسمَّى طوفانًا، قولُ حُسَيلِ بنِ عُرْفُطَة (٧):\nغَيَّرَ الجِدَّةَ مِن آَيَاتِهَا ... خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المَطَر (٨)\n_________\n(١) سَمْسَم بلد من بلاد تميم، أو كثبات رمل. ورواية الديوان للشطر الثاني من الرجز:\nبِسَمْسَمٍ أو عَنْ يَميْنِ سَمْسَم ...\nانظر: ديوانه ٢٧٨.\n(٢) معاني القرآن ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٢/ ٤٦٥.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٩٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٤١.\n(٧) حسيل بن عرفطة الأسدي، شاعر جاهلي. انظر: نوادر أبي زيد ٧٥، ٧٧.\n(٨) خُرُق جمع خريق، وهي الريح الشديدة الهبوب التي تخترق المواضع. انظر: نوادر أبي زيد ٧٧.","vol":"1","page":341},{"text":"ويُروى:\n........................ ... خُرُقُ الريحِ بِطُوفانِ المطرْ\nوقول الراعي: (١)\nتُضْحِي إذا العيسُ أَدركنَا نَكائِثَهَا ... خَرْقَاءَ يَعتَادُها الطُّوفَانُ والزُّؤُدُ (٢)\nوقول أبي النجم:\nقَدْ مَدَّ طوفانٌ فبثَّ مَددا ... شهرًا شآبيب وشهرًا بَرَدَا (٣)» (٤).\nفقد أكثر الطبري فأورد ثلاثة شواهد على أن المطر الغزير يسمى طوفانًا، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ (٥) وأن الطوفان في هذه الآية يُحتمل أن يكون مقصودًا به المطر، وهو أحد الأوجه التي قيلت في تفسير هذه الآية، وأنه سائغ من حيث اللغة بدلالة هذه الشواهد الشعرية التي ساقها، ولعل ما ذكره الزجاج من تعليلٍ صحيحٌ في هذه اللفظةِ، فهي مِمَّا لم يعتده العامة.\nومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لمعنى كلمة «عصيب» حيث قال: «وأما قوله: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] (٦) فإنه يقول: قال لوط: هذا اليوم يومٌ شديدٌ شَرُّهُ، عظيمٌ بلاؤهُ. يقال منه: عَصَبَ يومُنا هَذا، يَعْصِبُ، عَصْبًا. ومنه قولُ عَدِيِّ بن زَيدٍ:\nوكنتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وقدْ سَلكُوكَ في يَومٍ عَصِيبِ (٧)\n_________\n(١) هو عبيد بن حصين النميري الملقب بالراعي لكثرة وصفه للإبل، من شعراء بني أمية. انظر: مقدمة تحقيق ديوانه ط - ك.\n(٢) نَكَائِثَهَا: غَاية مَجهودِها في السير، والزُّؤُدُ: المخيفة المفزعة. انظر: ديوانه ٦١، شرح القصائد الطوال لابن الأنباري ٢٠٥، لسان العرب ٦/ ٥ (زأد).\n(٣) الشآبيب هي الدفعات من المطر الغزير. ديوانه ٧٦ جمعه سجيع الجبيلي، وليس في ديوانه الذي جمعه علاء الدين آغا.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٥٣.\n(٥) الأعراف ١٣٣.\n(٦) هود ٧٧.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٩٤، الأغاني ٢/ ١١١.","vol":"1","page":342},{"text":"وقول الراجز: (١)\nيومٌ عَصِيبٌ يَعْصُبُ الأَبْطَالا ... عَصْبَ القَويِّ السَّلَمَ الطِّوَالا (٢)\nوقول الآخر (٣):\nوإِنَّكَ إِنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وائلٍ ... يَكُنْ لكَ يَومٌ بالعِراقِ عَصِيبُ (٤)\nوقال كعبُ بنُ جُعَيْلٍ:\nومُلَبُّونَ بِالحضيضِ فِئَامٌ عَارِفَاتٌ مِنهُ بِيَومٍ عَصِيْبِ (٥)» (٦).\nفقد انفرد الشاهد الشعري هنا بالاستدلال مع تعدده، حيث استشهد الطبري بأربعة شواهد للدلالة على معنى «عَصِيب» في لغة العرب، وأنها قد استفاضت في أشعارهم، بِمَعنى الشديدِ، كَثِيرِ الشرّ، ويلحظ أن وصف «عَصِيب» لم يرد إلا صفةً لليوم في الشعر وفي القرآن الكريم على حدٍّ سواء (٧). غير أن هذا الوصف ليس من الغريب الذي لم يعتده العامة مما يدعو للإكثار من الشواهد الشعرية عليه.\n- وأكثر ابنُ عطية من الشواهد الشعرية عند تفسيره لكلمة «شَطْر» في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٨): فقال: «و«شَطْرَ» نُصِبَ على الظرفِ، ويُشبهُ المفعولَ به لوقوعِ الفِعْلِ عليهِ، ومعناه: نَحْو، وتِلقَاء، قال ابن أَحْمَر:\nتَعْدُو بِنَا شَطْرَ نَجْدٍ وهي عَاقِدَةٌ ... قَد كَارَبَ العَقْدُ مِن إيِفَادِهَا الحُقُبَا (٩)\n_________\n(١) هو كعب بن جعيل كما قال محقق الموضح في التفسير للسمرقندي ٥٦، الشاهد رقم ٨٩ ولم أجده لغيره.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٧٤.\n(٣) لم أعرفه.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٢٩٤.\n(٥) لم أجده، وهو من الشواهد التي انفرد بها الطبري لكعب بن جعيل.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(٧) انظر: لسان العرب ٩/ ٢٣٤ (عصب)، وانظر: الموضح في التفسير للسمرقندي ٥٦.\n(٨) البقرة ١٤٤.\n(٩) عاقِدَةٌ: مُصرِّةٌ ذنَبَها من النشاط، كارَبَ: قَارَبَ، والحُقُب: الحبلُ الذي يُشدُّ به الرَّحلُ يَمنعه أن يتأخر. انظر: الدر المصون ٢/ ١٦١.","vol":"1","page":343},{"text":"وقال غَيْرُه: (١)\nأَقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيْمِي ... صُدُورَ العِيْسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيْمِ (٢)\nوقال لقيط (٣):\nوَقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغشاكمُ قِطَعَا (٤)\nوقال غيره:\nأَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا ... وَمَا تُغْنِي الرِّسَالةُ شَطْرَ عَمرو (٥)» (٦).\nوكلمة «شَطْر» وردت في هذه الشواهد كلها بِمعناها وصيغتها في الآية الكريمة.\nومن الأمثلة كذلك على ذكر المفسرين لعدد من الشواهد الشعرية لبيان لفظة واحدة قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٧): «ومِنْ أَنْحاءِ اللفظةِ الدين: الجزاء، فمن ذلك قول الفِنْدِ الزِّمَّاني:\nولم يبقَ سِوَى العُدوانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (٨)\nأي: جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل:\nإذَا مَا رَمَونَا رَمينَاهُمُ ... ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضُونَا\nومنه قول الآخر:\nواعلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلككَ زَائِلٌ ... واعلَمْ بِأَنَّ كمَا تَدِينُ تُدَانُ» (٩).\nولفظة الدين وردت في الآية بلفظ المصدر «الدِّيْنُ»، في حين وردت\n_________\n(١) هو أبو زِنْبَاعٍ الجُذَاميُّ.\n(٢) لسان العرب ٧/ ١١٧ (شطر).\n(٣) هو لقيط بن معمر الإيادي. شاعر جاهلي. انظر: الشعر والشعراء ١/ ١٩٩.\n(٤) ديوانه ٤٣.\n(٥) الدر المصون ٢/ ١٦١.\n(٦) المحرر الوجيز ٢/ ١٠.\n(٧) الفاتحة ٤.\n(٨) شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٣٥.\n(٩) المُحرر الوجيز ١/ ٧٣.","vol":"1","page":344},{"text":"في الشواهد الشعرية بلفظ الفعل «دِنَّاهُمْ» «دَانُوا» «تَدِينُ»، مع اتحادها في أصل المعنى وهو الجزاء.\nوهذا المنهج الذي سار عليه الطبري وابن عطية من الإكثار من الشواهد الشعرية حتى تزيد عن شاهدين، سار عليه غيرهم من المفسرين (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-125> ثالثًا: إيراد الشاهد الشعري مع شواهد أخرى غير شعرية</span>.\nفي أحيان كثيرة يورد المفسرون عددًا من الشواهد، من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب شعرًا ونثرًا؛ لتأكيد المعنى الذي يذهبون إليه وتقويته، ولهم في ترتيب هذه الشواهد عند اجتماعها صور متعددة هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>تقديم الشاهد القرآني على غيره:</span>\nومن هذه الصورة قول الطبري: «ومعنى الحَكيم في هذا الموضع المُحْكِم، صُرِفَ مُفْعِل إلى فَعِيْلٍ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] (٢) بِمَعنى: مُؤْلِم، وكما قال الشاعر (٣):\n................................ ... أَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّميعُ (٤)» (٥).\nوفي تقديم الشاهد القرآني دلالة على اعتماده دليلًا على المسألة، وتعضيده بما يتلوه من شواهد، فالتقديم في الترتيب يوحي بنوع من التمييز لهذا الشاهد، وأنه دليل اعتماد لدى المفسر في هذا الموضع، ثم تأتي الشواهد التالية كأدلة اعتضاد، وإن كان هذا غير لازم على كل حال، فربما فعل المفسرون ذلك دون استحضار لمزية في هذا الترتيب، وإنما بحسب ورودها على الذهن حال التدوين.\n_________\n(١) انظر: الكشاف ١/ ٢٢ - ٢٣، ٧٦، ٧٧ - ٧٨، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤٣ - ١٤٤، ١٨٢.\n(٢) البقرة ١٠.\n(٣) هو عمرو بن معد يكرب.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤٠.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٢.","vol":"1","page":345},{"text":"ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: ٥] (١) وهو يذكر وجه توحيد الضمير في قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ مع تقدم ذكر الشمسِ والقمرِ، فذكر الوجه الأول، ثم قال: «والآخر: أَن يكونَ اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] (٢).\nوكما قال الشاعر (٣):\nرَمَاني بِأَمْرٍ كنتُ منهُ وَوالديْ ... بَرِيًّا، ومنْ جُولِ الطَويِّ رَمَاني (٤)» (٥).\nفقدم الشاهد من القرآن على الشاهد من الشعر.\n- ومن أمثلة ذلك قول الزمخشري: «والخُلْدُ: الثباتُ الدائمُ، والبقاءُ اللازمُ الذي لا ينقطع. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤] (٦). وقال امرؤ القيس:\nأَلا انعِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطللُ البَالي ... وهَل يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي\nوهَلْ يَنْعَمَنْ إِلَّا سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قليلُ الهُمُومِ مَا يبيتُ بِأَوْجَالِ (٧)» (٨).\nفقدم الدليل من القرآن على أن الخلد يأتي في اللغة بمعنى الثبات والمكث الطويل، ثم ذكر بعده شاهدًا من قول امرئ القيس على المعنى نفسه.\n- ومن الأمثلة قول ابن عطية: «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (٩)\n_________\n(١) يونس ٥.\n(٢) التوبة ٦٢.\n(٣) هو عمرو بن أحمر الباهلي.\n(٤) كانت بين الشاعر وبين رجل خصومة في بئر، فقال خصمه: إنه لص ابن لص، فقال هذا الشعر. ولعل رواية البيت الصحيحة: (ومن أجل الطويِّ) وهي البئر. انظر: ديوانه ١٨٧، إصلاح المنطق ٨٧ - ٨٨، إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ وقد أفاض المحقق في شرح البيت في الحاشية رقم ٥ من ١/ ٢٦٢.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٢٣.\n(٦) الأنبياء ٣٤.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٧.\n(٨) الكشاف ١/ ١١٠.\n(٩) آل عمران ١٩٠.","vol":"1","page":346},{"text":"معناه: أن هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يَخْلُفُ هذا، فهُمَا خِلْفَةٌ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] (١)، وكما قال زهير:\nبِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِيْنَ خِلْفَةً ... وأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ (٢)\nوقال الآخر: (٣)\nوَلَهَا بِالمَاطِرونَ إِذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الذي جَمَعَا\nخِلْفَةً حتى إذَا ارتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيِعَا (٤)» (٥).\nواللفظة في الآية القرآنية وفي الشاهدين من الشعر وردت بصيغة ومعنى واحد، وقد سلك ابن عطية هذا المنهج في مواضع من تفسيره (٦).\n- وسلك القرطبي هذا المنهج في إيراد الشاهد الشعري في مواضع من تفسيره، ومن ذلك قوله: «﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ [طه: ٣١] (٧) أي: ظهري، والأَزْرُ الظهرُ من موضع الحَقْوَين، ومعناه تُقوِّي به نفسي، والأَزْرُ: القُوَّةُ، وآزَرَهُ: قوَّاه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: ٢٩] (٨) وقال أبو طالب:\nأَلَيسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ ... وأَوصى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وبِالضَّرْبِ (٩)» (١٠).\n_________\n(١) الفرقان ٦٢.\n(٢) انظر: ديوانه ٥.\n(٣) نُسِبا ليزيد بن معاوية، وهُما في ديوانه ٢٢، وذَكَرَ المُبَرِّدُ في الكامل ٢/ ٤٩٨ عن أبي عبيدة أنَّ الرواة مختلفون في نسبتهما ليزيد بن معاوية والأحوص، وليسا في ديوان الأحوص المجموع، ونسبهما الجاحظ في الحيوان ٤/ ١ لأبي دهبل الجمحي، ورجح محقق ديوانه أنهما له ٨٤. وانظر: خزانة الأدب ٧/ ٣٠٩.\n(٤) انظر تخريجهما في مصادر الحاشية السابقة، والماطرون: بلدة بالشام. انظر: معجم البلدان ٥/ ٥٠.\n(٥) المُحرر الوجيز ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٦) المحرر الوجيز ٢/ ١٤٢، ٥/ ١٥٥.\n(٧) طه ٣١.\n(٨) الفتح ٢٩.\n(٩) انظر: ديوانه ٢٨.\n(١٠) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٩٣.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>تقديم عدد من شواهد القرآن على الشعر:</span>\nوربَّما قَدَّمَ المُفَسِّرُ عدةَ شواهد من القرآن على شاهد الشعر، كقول الطبري: «واختلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] (١)، فقرأته عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينة والبصرة «دَكًّا» مقصورًا بالتنوين، بِمَعنى: دَكَّ اللهُ الجبلَ دَكًّا، أَي: فَتَّتَهُ (٢)، واعتبارًا بقول الله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ٢١] (٣) وقوله: ﴿﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] (٤). واستشهد بعضهم على ذلك بقول حُمَيد (٥):\nيَدُكُّ أركانَ الجبالِ هَزَمُهْ ... تَخْطُرُ بالبِيْضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ» (٦).\nفقد قدم الطبري شاهدين من القرآن الكريم على معنى الدك في اللغة وأنه التفتيت، ثم أتبع ذلك بشاهد من الشعر. والذي يبدو لي من صنيع المفسرين أنهم لا يقدمون على شواهد القرآن اللغوية - إذا وجدت - شيئًا من كلام العرب، غير أنه قد لا توجد الشواهد من القرآن في مواضع كثيرة غير الآية المفسرة فيَعدلُ المفسرونَ إلى شواهد الشعر حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>تقديم الحديث على الشاهد الشعري</span>.\nومن أمثلة هذه الصورة في الترتيب قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (٧): «يقال منه: «أَجْمَعتُ على كَذا» بِمَعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قول النبي - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يُجمعِ على الصومِ من الليلِ فلا صومَ له» (٨)، بِمَعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قول الشاعر (٩):\n_________\n(١) الكهف ٩٨.\n(٢) هي قراءة العشرة عدا حَمزة والكسائي. انظر: التيسير للداني ١١٣، حجة القراءت ٢٩٥.\n(٣) الفجر ٢١.\n(٤) الحاقة ١٤.\n(٥) هو حُميدُ الأرقط كما ذكر محمود شاكر. انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٠٠.\n(٦) لم أجد الشاهد عند غير الطبري، انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٠٠.\n(٧) يونس ٧١.\n(٨) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٨٧، وأبو داود ٢/ ٤٤١، ٤٤٢ برقم ٢٤٥٤ وغيرهما من حديث حفصة، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢٥ - ٢٦.\n(٩) قال محمود شاكر: «لم أعرف قائله، ولكني أظنه لأبي النجم العجلي». انظر: تفسير =","vol":"1","page":348},{"text":"يَا ليتَ شِعْرِي وَالمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَومًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ (١)» (٢).\nفقدم الحديث النبوي على الشاهد الشعري، مع اختلاف صيغ اللفظة موضع الشاهد في الآية عنه في الحديث النبوي والشاهد الشعري، ففي الآية وردت اللفظة بصيغة فِعْلِ الأمر «أَجْمِعُوا»، وفي الحديث وردت بصيغة فعل المضارع «يُجْمِعُ»، وفي الشعر وردت بصيغة اسم المفعول «مُجْمَعُ»، مع الاتفاق في أصل المعنى وهو العزم على الشيء.\n- ومن الأمثلة قول الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ [الرعد: ١٣] (٣): «وَمَحَلَ بِفلانٍ إذا كَادَهُ وسَعَى به إلى السلطان، ومنه الحديث: «ولا تَجْعَلْه علينا مَاحِلًا مُصَدَّقا» (٤)، وقال الأعشى:\nفَرعُ نَبْعٍ يَهشُّ في غُصُنِ المَجْدِ ... غَزِيرِ النَّدى شَديدِ المِحَالِ (٥)\nوالمعنى: أنه شديدُ المكرِ والكَيدِ لأعدائه». (٦) وقد قدم الاستشهاد بالآية ثم أتبعها بالحديث، ثم الشاهد الشعري بعدهما.\n- وقال ابن عطية: «وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١] (٧)، أي: مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا. ومنه قوله في الهلال: «فإنْ غُمَّ عَليكم» (٨)،\n_________\n= الطبري (شاكر) ١٥/ ١٤٨ حاشية (٢)، ولم أجده في ديوانه.\n(١) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٥، شرح المفضليات ٦٦، ٣٢٣، الخصائص ٢/ ١٣٦.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٣) الرعد ١٣.\n(٤) غريب بهذا اللفظ كما ذكر الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ١٨٧، وورد بلفظ آخر مرفوعًا كما في صحيح ابن حبان ١/ ٣٣١ رقم (١٢٤)، وشعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٣٥١، وورد موقوفًا على عبد الله بن مسعود كما في الزهد للإمام أحمد ١٥٥، والمصنف لعبدالرزاق ٣/ ٣٧٢ رقم ٦٠١٠.\n(٥) ديوانه ٥٧.\n(٦) الكشاف ٢/ ٥١٩ - ٥٢٠، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٩٩.\n(٧) يونس ٧١.\n(٨) رواه البخاري، كتاب الصيام، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ٢/ ٦٧٢ (١٨٠٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ٢/ ٧٥٩ (١٠٨٠) عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":349},{"text":"ومنه قول الراجز (١):\nوَلَو شَهدت النَّاسَ إِذ تُكُمُّوا ... بِغُمَّةٍ لَو لَم تُفَرَّج غُمُّوا (٢)». (٣)\nوقال ابن عطية: «وكذلك دخلت «ما» على «من» كافَّةً في نَحو قولهِ: «وكان الرسول - ﷺ - مِمَّا يُحرِّك شفتيه» (٤)، ونحو قول الشاعر: (٥)\nوَإِنَّا لِمَّمَا نَضْرُبِ الكبشَ ضَربةً ... على رأسهِ تُلْقِي اللِّسَانَ من الفَمِ (٦)». (٧)\n- ومن ذلك أيضًا قول القرطبيُّ: «والمُنَازعةُ: مُجَاذبةُ الحُجَج، ومنه الحديث: «وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن». (٨) وقال الأعشى:\nنَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتكِئًا ... وقَهوةً مُزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ (٩)\nالخضلُ: النباتُ الناعمُ، والخَضِيلةُ: الروضةُ». (١٠) والمنازعة في الحديث معنوية، أما في الشاهد الشعري فهي منازعة حسية. فهذه صورة من صور ترتيب الشاهد الشعري مع غيره من الشواهد، حيث يتقدم عليه الحديث النبوي، ثم يأتي بعد ذلك الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>تقديم الشاهد الشعري على غيره</span>.\nومن الصور أن يُقدِّمَ المفسرُ الشاهدَ الشعريَّ على غيره من\n_________\n(١) هو العجاج عبد الله بن رؤبة.\n(٢) انظر: ديوانه ٣٧٤، تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٤٩.\n(٣) المُحرر الوجيز ٩/ ٦٩، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٤٩.\n(٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ١/ ٦ (٥) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.\n(٥) هو أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع. ... انظر: خزانة الأدب ١٠/ ٢١٧.\n(٦) الكتاب ٣/ ١٥٦، خزانة الأدب ١٠/ ٢١٤ - ٢١٧.\n(٧) المحرر الوجيز ١٠/ ١٠٨.\n(٨) رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٢٨٤ برقم (٧٨٠٧)، والترمذي في السنن ٢/ ٢١٨ رقم (٣١٢)، وقال الألباني: حديث صحيح، كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/ ٧٠٨ رقم (٧٠٣٦).\n(٩) ديوانه ١٠٩.\n(١٠) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٦٩.","vol":"1","page":350},{"text":"الشواهد، كما فعل الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) حيث يقول: «يقال منه: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظرةً، بِمَعنى: انتظَرْتُهُ وَرَقَبْتُه، ومنه قول الحطيئة:\nوَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعشاءَ صَادرةٍ ... للخَمسِ طالَ بِهَا حَوزي وتَنْسَاسي (٢)\nومنه قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٣) يعني به: انتظرونا». (٤) والفعل في الآيتين ورد بصيغة الأمر «انْظُرنَا» و«انظُرُونا»، في حين ورد الفعلُ في الشاهد الشعري بصيغة الماضي «نظرتكم».\n- ومن الأمثلة على هذه الصورة في الترتيب أيضًا قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٥): «يقالُ: قد أَذِنْتُ بِهَذا الأمرِ، إذا علمتُ بهِ، آَذَنُ بهِ إِذْنًا، ومنه قول الحطيئة:\nأَلا يَا هِندُ إِنْ جَدَّدْتِ وَصْلًا ... وإِلاَّ فَأْذِنِيني بِانْصِرَامِ (٦)\nيعني: فَأَعْلِمِيْني. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٧)». (٨) والفعل في الشاهد الشعري وفي الآية الكريمة ورد بصيغة الأمر، غير أنه في الشاهد الشعري أُسْنِدَ لِمُفردٍ «فأذنيني»، وفي الآية أسند إلى الجمع «فأذنوا»، فقدم المفردُ على الجمع.\n- ومن ذلك أيضًا قول ابن عطية مقدمًا للشاهد الشعري على المَثَلِ: «والدِّيْنُ .... الجزاءُ، ومنه قول الشاعر (٩):\n_________\n(١) البقرة ١٠٤.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) الحديد ١٣.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(٥) البقرة ١٠٢.\n(٦) لم أجده في الديوان، وهو في التبيان للعكبري ١/ ٣٨٠.\n(٧) البقرة ٢٧٩.\n(٨) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٤٩.\n(٩) هو شهل بن شيبان الزِّمّاني ويلقب بالفِنْد.","vol":"1","page":351},{"text":"وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (١)\nأي جازيناهم كما فعلوا، مثلُ: «كَمَا تَدِيْنُ تُدَان» (٢)». (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>تقديم أقوال العرب على الشاهد الشعري</span>.\nومن صور ترتيب الشواهد في كتب التفسير تقديم أقوال العرب النثرية على الشاهد الشعري، ثم إتباعها بالشاهد الشعري. ومن أمثلة هذه الصورة في الترتيب قول الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (٤): «.... وقيل: «أَنَّهَا» بِمَعنى «لَعَلَّها» مِن قول العرب: «ائتِ السُّوقَ أَنَّكَ تَشتري لَحْمًا». (٥) وقال امرؤ القيس:\nعُوجَا عَلى الطَّللِ المَحِيلِ لأَنَّنَا ... نَبكي الديارَ كمَا بَكى ابنُ حَذامِ (٦)». (٧)\nفقد قدَّمَ الزمخشريُّ القولَ الذي يُمثِّلُ به النحويونَ لهذه اللغة من كلام العرب على الشاهد الشعري في الترتيب، وموضع الشاهد في القولِ مُسْنَدٌ إلى مفردٍ «أَنَّكَ»، في حين أُسندَ في الشاهد الشعري إلى الجمع «لأَنَّنَا»، فقُدِّمَ المفردُ على الجمع.\n- ومن الأمثلة كذلك على هذه الصورة قول ابن عطية: «.... الدِّيْنُ بِمَعنى العَادةِ، فمنه قول العرب في الريح: «عَادَتْ هَيفٌ لأَدْيَانِهَا» (٨)، ومنه قول امرئ القيس:\n_________\n(١) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٣٥.\n(٢) انظر: مجمع الأمثال ٢/ ١٥٥.\n(٣) المحرر الوجيز ١/ ٢٨٨.\n(٤) الأنعام ١٠٩.\n(٥) أراد: ائت السوق لعلك تشتري لحمًا، وهذا وجه من أوجه (أَنَّ) المفتوحة المشددة، أن تكون بمعنى لعل. وذكر القرطبي أن مجيء «أن» بمعنى «لعل» كثير في كلام العرب. انظر: تفسير القرطبي ٧/ ٦٥، الجنى الداني ٤١٧ - ٤١٨، رصف المباني ١٢٧، مغني اللبيب ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣، دراسات لأسلوب القرآن لعضيمة ١/ ٥٠١.\n(٦) أراد: لعلنا نبكي. انظر: ديوانه ١١٤.\n(٧) الكشاف ٢/ ٥٧.\n(٨) أي: لِعَاداتِها، وهيف: ريح حارة تأتي من اليمن، تُجفف ورق الشجر وتيبسه وتسقطه. انظر: لسان العرب ١٥/ ١٨١ (هيف).","vol":"1","page":352},{"text":"كَدِيْنكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا (١)». (٢)\nوالأمثلة على هذه الصورة في ترتيب الشواهد، بتقديم كلام العرب من غير الشعر على الشعر كثيرة، وفيما تقدم كفاية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>إيراد الشواهد الشعرية على غير ترتيب</span>.\nيورد المفسرون الشاهد الشعري مقرونًا بغيره من شواهد القرآن، والحديث النبوي، وكلام العرب دون التزام ترتيب مطرد في إيرادها، وإن كان قد يبدو لمن أطال التأمل في صنيعهم شيء من الحكمة في التزام ترتيب بعينه في موضع بعينه، غير أنني لم أستطع العثور على ما يمكن أن يسمى منهجًا في ذلك، وإنما هي اجتهادات محتملة، وللمفسرين في إيرادهم للشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد صور متعددة، يمكن إجمالها في الصور التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>١ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد القرآن:</span>\nيورد المفسرون شواهد من الشعر، ويوردون معها شواهد من القرآن الكريم، دون التزام تقديم الشاهد من القرآن على الشاهد من الشعر في كل موضع، وإنما تورد على غير ترتيب. ومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] (٤) يقول جل ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائمًا ثابتًا واجبًا، يقال منه: وَصَبَ الدِّيْنُ يَصِبُ وُصُوبًا وَوَصَبًا، كما قال الدَّيْليُّ: (٥)\n_________\n(١) صدر بيت من معلقته، ورواية الديوان:\nكَدأبكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيرثِ قَبلَهَا ... وَجارتِهَا أُمِّ الرباب بِمأَسَلِ\nديوانه ٩.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ٧٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٠/ ٦٣، الكشاف ١/ ١٥٧، المحرر الوجيز ٧/ ٩ ٠\n(٤) النحل ٥٢.\n(٥) هو ظالم بن عمرو بن سفيان المشهور بأبي الأسود الدؤلي.","vol":"1","page":353},{"text":"لا أَبْتَغِي الحمدَ القَليلَ بَقَاؤُهُ ... يَومًا بِذَمِّ الدَّهرِ أَجْمعَ واصِبَا (١)\nومنه قول الله: ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٩] (٢). وقول حسان:\nغَيَّرَتْهُ الريحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيْمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ (٣)». (٤)\nفموضع الشاهد في الآيتين، وشاهدي الشعر ورد بصيغة واحدة هي صيغة اسم الفاعل «واصب»، ولم يلتزم الطبري تقديم الشاهد من القرآن، وإنما قدم شاهدًا من الشعر، ثم أتبعه بشاهد من القرآن، ثم أتبعه بشاهد من الشعر، فمزج الشواهد دون ترتيب. ومن الملاحظ أيضًا هنا أنه قدم بيت الدؤلي على بيت حسان بن ثابت ﵁، مع تقدم حسان عليه، وهذا أمر لم يلق عناية من المفسرين في ترتيب الشواهد بحسب زمن الشعراء، وإنما يهمهم أن تكون الشواهد حجة ثم لا يضير بعد ذلك أن يتقدم بيت الشاعر المتأخر. وقد رأيت البغدادي في خزانته عاب على الرضي تقديمه لبيت من الشعر لأشجع السلمي على بيت موسى بن جابر الحنفي وهو متقدم فقال: «وأشجع ليس ممن يستشهد بكلامه، فكان ينبغي تأخيره عن البيت الذي بعده». (٥)\n- ومن الأمثلة على هذه الصورة قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٦): «والصيام في اللغة الإمساكُ، وتركُ التنقلِ مِنْ حَالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة:\nخَيْلٌ صيامٌ وخَيلٌ غَيْرُ صائمةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وخَيلٌ تَعْلُكُ اللُّجُمَا (٧)\nأي: خيلٌ ثابتة مُمْسِكَةٌ.\nومنه قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] (٨) أي: إمساكًا عن الكلام، ومنه قول امرئ القيس:\n_________\n(١) ديوانه ٥٢.\n(٢) الصافات ٩.\n(٣) ديوانه ٨٧.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) سورة ص، وانظر: المحرر الوجيز ٥/ ١٣٩.\n(٥) خزانة الأدب ١/ ٢٩٩.\n(٦) البقرة ١٨٣.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٤٠، والكامل ٢/ ٧٧.\n(٨) مريم ٢٦.","vol":"1","page":354},{"text":"كَأَنَّ الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا (١)\nأي: في موضع ثبُوتِها وامتسَاكِهَا، ومنه قوله:\nفَدَعْ ذَا وَسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وهَجَّرا (٢)\nأي: وقفت الشمسُ عن الانتقالِ وثَبَتَتْ». (٣)\nفقد مزج ابن عطية بين شواهد الشعر وشواهد القرآن دون التزام ترتيب بعينه، وقد اختلفت صِيَغُ اللفظة المفسَّرة «الصِّيَام» في الشواهد عنها في الآية المفسَّرة، فقد وردت في الآية المفسرة بصيغة المصدر «الصِّيام»، ووردت في الشواهد الشعرية بصيغة الصفةِ «خَيْلٌ صِيامٌ»، وبصيغة اسم المكان «مَصَامِها»، وبصيغة الفعل الماضي «صام»، كما وردت في الآية القرآنية بصيغة المصدر «صومًا»، غير أن اللفظة قد اتحدت في المعنى الأصلي وهو الإمساك في كل الشواهد. والظاهر من صنيع المفسرين عدم عنايتهم بأن تكون صيغة اللفظة المستشهد لها واللفظة في الشواهد من باب واحد، أو وزن واحد، وإنما العناية تنصب على الدلالة التي تحملها هذه اللفظة في الشاهد، فإن كانت تدل على المعنى المراد في الآية بأي صيغة فهي محل العناية من المفسرين وغيرهم من علماء اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٢ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من الحديث:</span>\nهذه الصورة الثانية التي يورد فيها المفسرون الشواهد الشعرية مع غيرها دون ترتيب مطرد، وهي إيراد الشاواهد الشعرية مع شواهد الحديث النبوي، ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد قولُ ابن عطية عند\n_________\n(١) صدر بيت من معلقته، وعجزه:\n............................ ... بِأَمْرَاسِ كِتَّانٍ إِلى صُمِّ جَنْدَلِ\nانظر: ديوانه ١٩.\n(٢) انظر: ديوان امرئ القيس ٦٣.\n(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٧٢.","vol":"1","page":355},{"text":"تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (١) وهو يذكر أوجه القراءات: «وقرأ السبعةُ وجُمهورُ الناسِ: الحسنُ وابن أبي إسحاق وعيسى ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، مِن: أَجْمَعَ الرجل على الشيء، إذا عزم عليه، ومنه قول الشاعر:\nهَلْ أَغْدُونْ يَومًا وأَمْري مُجْمَعُ (٢)\nومنه قول الآخر: (٣)\nأَجْمَعوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ (٤)\nومنه الحديث: «ما لم يُجْمِع مُكْثًا» (٥).\nومنه قول أبي ذؤيب:\nذَكَرَ الوُرُودَ بِهَا فَأَجْمَعَ أَمْرَهُ ... شَوقًا وأَقْبَلَ حَينهُ يَتَتَبَّعُ (٦)». (٧)\nفأورد ابن عطية شواهد الشعر، وقدم بعضها على الحديث النبوي، وأخر بعضها، دون أن تظهر لي عِلةٌ لهذا الترتيب، والشاهد فيها جَميعًا ورود الإجماعِ بِمَعنى العَزْمِ على الفِعْل.\n- وقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] (٨): «ودائِرَةٌ، معناه: نَازِلَةٌ من الزمان، وحَادثةٌ من الحوادث، تُحْوجُنَا إلى مَوالينا من اليهود، وتُسمَّى هذه الأمورُ دوائرَ على قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دَوَرانٍ، فكأَنَّ الحادثَ يدورُ بدورانِهَا حتى يَنْزِلَ فيمنْ نَزَل ... ومنه قولُ الشاعر: (٩)\n_________\n(١) يونس ٧١.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) هو الحارث بن حلّزة.\n(٤) انظر: ديوانه ٤٠، شرح المعلقات السبع الطوال ٤٥٢.\n(٥) رواه مالك في الموطأ، كتاب صلاة الجماعة، باب صلاة المسافر ما لم يجمع مكثًا ١/ ٢١٢ برقم (٤٠٠)، وعبدالرزاق في المصنف ٢/ ٥٣٣ رقم (٤٣٤٠)، والبيهقي في السنن الكبر ٣/ ١٥٢.\n(٦) انظر: ديوانه ١٥١.\n(٧) المحرر الوجيز ٩/ ٦٧ - ٦٨.\n(٨) المائدة ٥٢.\n(٩) هو العجاج الراجز.","vol":"1","page":356},{"text":"والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ (١)\nوقول الآخر:\n............................. ... وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّائباتِ تَدُورُ (٢)\nوقول الآخر:\nيَرُدُّ عنكَ القَدَرَ المَقْدُورا ... ودَائراتِ الدَّهرِ أَنْ تَدُورَا (٣)\nويعضده قول النبي - ﷺ -: «إِنَّ الزمانَ قد استدَارَ ... (٤)». (٥)\nفقد أورد ثلاثة من شواهد الشعر، ثم أتبعها بشاهد من الحديث النبوي، وقد تعددت صيغ موضع الشاهد في الآية «دائرة»، فوردت في الشواهد الشعرية بصيغة المبالغة «فَعَّال» وهي «دَوَّاريُّ»، وبصيغة الفعل المضارع «تَدُورُ»، وبصيغة الجمع «دائراتُ الدَّهرِ». كما وردت في الحديث النبوي بصيغة الفعل الماضي المزيد «استدار»، وكلها تتفق في المعنى الأصلي وهو تقلب الزمان، وكثرة حوادثه ونكباته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٣ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من كلام العرب:</span>\nالصورة الثالثة من صور إيراد الشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد، هي أن ترد مع شواهد من كلام العرب النثري، كالأمثال والعبارات السائرة بين الناس ونحو ذلك من شواهد النثر.\n- ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد عند المفسرين قول ابن عطية: «والقَسَمُ بـ «ـلَعَمْرُكَ» في القُرآنِ، وبـ «لَعَمْريَ»، ونَحوه في أَشعارِ العربِ، وفصيحِ كلامها في غَيْرِ موضعٍ، كقوله: (٦)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢٩٣.\n(٢) عجز بيت لم أعرف صدره، ولا قائله.\n(٣) لم أقف عليه.\n(٤) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين ٣/ ١١٦٧ (٣٠٢٥)، وغيره من المواضع.\n(٥) المحرر الوجيز ٥/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(٦) هو النابغة الذبياني.","vol":"1","page":357},{"text":"لَعَمْرِي - ومَا عَمْرِيْ عَليَّ بِهَيّنٍ ... .............................. (١)\nوقول الآخر: (٢)\nلَعَمْرُ أَبيكَ ما نُسِبَ المُعَلَّى ... ............................. (٣)\nوكقول الآخر: (٤)\nلعمرُكَ إِنَّ الموتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وُثُنْيَاهُ باليَدِ (٥)\nوالعَرَبُ تقولُ: «لَعَمْرُ اللهِ»، ومنه قول الشاعر: (٦)\nإذا رَضِيَتْ عَليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاها (٧)\nوقال الأعشى:\nولَعَمْرُ مَنْ جَعَلَ الشُّهورَ عَلامةً ... فيها فَبَيَّنَ نِصفَهَا وَكَمَالَهَا (٨)\nويروى: وهِلالَهَا». (٩)\nوقد حرص ابن عطية هنا في إيراده للشواهد أن يأتي بالصيغ التي تضاف إليها لفظة «لَعَمْر» في كلام العرب، فأورد منها الإضافة لكاف المخاطَب «لعمرك»، وبهذه الصيغة وردت في القرآن مقصودًا بها النبي - ﷺ -، وأورد منها إضافتها إلى ياء المتكلم «لَعَمْرِي»، وإضافتها إلى\n_________\n(١) صدر بيت، وعجزه:\n................................ ... لقدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَليَّ الأَقَارِعُ\nانظر: ديوانه ٣٤.\n(٢) هو أبو علي البصير.\n(٣) صدر بيت، وعجزه:\n............................... ... إِلى كَرَمٍ وفي الدنيَا كَرِيْمُ\nانظر: الأمالي للقالي ٢/ ٢٨٧.\n(٤) هو طرفة بن العبد.\n(٥) انظر: ديوانه ٣٣.\n(٦) هو القُحَيْفُ العُقَيليُّ.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٨٤، نوادر أبي زيد ١٧٦.\n(٨) الرواية الثانية التي ذكرها ابن عطية هي رواية الديوان. انظر: ديوان الأعشى ٨١.\n(٩) المحرر الوجيز ١٠/ ١٤٣.","vol":"1","page":358},{"text":"لفظة الأب «لَعَمْرُ أَبيكَ»، وإضافتها إلى لفظ الجلالة «لَعَمْرُ اللهِ»، وإضافتها إلى الله دون لفظ الجلالة «لَعَمْرُ مَنْ جَعَلَ الشهورَ عَلامةً»، فتعدد الشواهد الشعرية لا يعني التكرار الذي يَخلو من فائدة، بل اشتمل كل شاهد على فائدة ليست في الآخر.\n- ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] (١)، مِنْ أنَّ العرب قد تسْتعِيْرُ البُنُوَّةَ للمُناسبةِ والملازمة بين الأشياء إذا لم يُشْكِلِ ذلك على السامع، وكان أمرُ النَّسْلِ مستحيلًا في حقها: «من ذلك قول عبدالملك بن مروان: «وقد زَبَنَتْنَا الحربُ وَزَبَنَّاهَا، فنحنُ بَنُوهَا وهِيَ أُمُّنَا» (٢)، يريدُ المُلازمةَ، ومن ذلك قول حُرَيثِ بن مُحَفِّض (٣):\nبَنُو المَجْدِ لَمْ تَقْعُد بِهِم أُمَّهَاتُهُمْ ... وآباؤُهُم أَبناءُ صِدْقٍ فَأَنْجَبوا (٤)\nومن ذلك «ابنُ نَعْشٍ»، و«ابنُ مَاءِ السَّبيلِ»، ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر:\nوالأَرضُ تَحْمِلُنَا وَكانتْ أُمَّنَا (٥)». (٦)\nفقد مزج ابن عطية في استشهاده هنا بين شواهد الشعر، وكلام العرب النثري الذي حفظ عنهم، دون التزام بترتيب مطرد، والبُنُوَّةُ في هذه الشواهد يقصدُ بِها الملازمةُ للحربِ، وللمَجدِ، وللصِّدقِ؛ لأنَّ التناسلَ فيها مستحيل، ولا يشكل على السامع.\n_________\n(١) التوبة ٣٠.\n(٢) جزء من خطبته بعد قتل مصعب بن الزبير ودخول الكوفة. انظر: الأمالي للقالي ١/ ١١.\n(٣) هو حُريثُ بن مُحَفِّض التميمي، شاعر إسلامي من شعراء بني أمية. انظر: خزانة الأدب ٦/ ٣٢.\n(٤) انظر: خزانة الأدب ٦/ ٣٤.\n(٥) شطر من بيت لم أقف عليه.\n(٦) المحرر الوجيز ٨/ ١٦٤.","vol":"1","page":359},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-135> رابعًا: إيراد جزء من الشاهد الشعري:</span>\nالأصل في الاستشهاد بالشاهد الشعري أن يكون بالبيت كاملًا، ويشار إلى موضع الشاهد منه، وهذه هي الطريقة الغالبة في ذكر الشواهد الشعرية، وأمثلتها كثيرة كما هي الأمثلة في صفحات هذه الرسالة، غير أني أضرب مثالًا من قول الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (١): «وقال بعضهمُ: «المَنُّ»، هو الذي يَسقطُ على الثمامِ والعُشَر، وهو حُلوٌ كالعَسَلِ، وإِيَّاهُ عَنَى الأَعشى - ميمون بن قيس - بقوله:\nلَو أُطْعِمُوا المَنَّ والسَّلْوَى مَكَانَهُمُ ... مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهمُ نَجَعَا (٢)». (٣)\nومثلهُ جميع المفسرين واللغويين، فهذا هو الأصل في الاستشهاد بالشاهد الشعري أن يذكر بيت الشعر كاملًا. غير أن المفسرين عند إيرادهم للشواهد الشعرية قد يكتفون بإيراد موضع الشاهد من البيت دون باقيه. وقد يكون موضعُ الشاهد شَطْرَ بيتٍ أو أقل؛ اكتفاءً بدلالته على المقصود، أو لشهرة الشاهد عند العلماء.\nوهذه الطريقة في الاستشهاد بالشاهد الشعري مشتركة بين المفسرين واللغويين والنحويين، وقد تتبعت كتب التفسير لمعرفة صور إيراد جزء من بيت الشعر عند الاستشهاد به، فكانت الصور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>١ - إيراد شطر البيت:</span>\nكثيرًا ما يكتفي المفسر في استشهاده بالشاهد الشعري بنصف البيت، إما بصدر البيت، أو عجزه. فقد يكتفي المفسر بصدر البيت، كما فعل القرطبي وهو يعدد اللغاتِ في «جِبْريل» فقال: «الأولى: جِبْرِيلُ، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسان بن ثابت:\n_________\n(١) البقرة ٥٧.\n(٢) انظر: ديوانه ١٥٩.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٩٣ - ٩٤.","vol":"1","page":360},{"text":"............................ ... وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا». (١)\nوهذا صدر بيت لحسان من قصيدته الهمزية، وتمامه:\nوجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا ... ورُوحُ القُدْسِ ليسَ لهُ كِفَاءُ (٢)\nوقد يكتفي المفسر بعجز البيت كما اكتفى به الزمخشري في قوله: «ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له: أَعْجَمُ، وأَعْجَمِيٌّ، شبَّهوهُ بِمَن لا يُفْصِحُ ولا يُبِيْنُ، وقالوا لكل ذي صوتٍ من البهائمِ والطيورِ وغيرها: أَعْجَم، قال حُمَيد: (٣)\n............................... ... وَلا عَربيًّا شَاقَهُ صَوتُ أَعْجَما». (٤)\nفذكر الزمخشريُّ هنا عَجزَ البيت، واكتفى به لشهرته، والبيت بتمامه كما في الديوان، وهو يصف حَمامةً:\nفَلَمْ أَرَ مَحْزُونًا لَهُ مثلُ صَوتِهَا ... وَلا عَربيًّا شَاقَهُ صَوتُ أَعْجَما (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٢ - إيراد ما يزيد على الشطر:</span>\nأحيانًا يكون موضع الشاهد في بيت الشعر يزيد على شطر البيت بكلمة أو نحوها، فيكتفي المفسر بهذا الجزء من بيت الشعر، ويهمل بقية كلمات البيت، ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] (٦) والآرائِكُ هي الحِجَالُ (٧) فيها السُّرُرُ والفُرُش، واحدتُهَا أَريكَةٌ. وكان بعضهم يزعم أَنَّ كلَّ فِرَاشٍ أَريكةٌ، ويستشهد لقوله ذلك بقول ذي الرمة:\n......................... كأَنَّمَا ... يُبَاشِرنَ بِالمعزاءِ مَسَّ الآرائكِ». (٨)\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر: ديوانه ٥٩.\n(٣) هو حُمَيدُ بن ثور الهلالي، شاعر مخضرم.\n(٤) الكشاف ٣/ ٣٣٦.\n(٥) انظر: ديوانه ٢٧.\n(٦) يس ٥٦.\n(٧) الحِجَالُ جَمعُ حَجَلَةٌ وهي بيت مثل القُبَّة، يُزَيَّنُ بالثياب والأَسِرَّةِ والستور. انظر: لسان العرب ٣/ ٦٤ (حجل).\n(٨) تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٤٦٥.","vol":"1","page":361},{"text":"فقد اكتفى بما يؤدي معنىً مستقلًا، ويشتمل على موضع الشاهد من البيت، فأورد عجز البيت وكلمة من صدره، وتَمامُ البيت:\nخُدُودًا جَفَتْ في السَّيْرِ حتى كأَنَّمَا ... يُبَاشِرنَ بِالمعزاءِ مَسَّ الآرائكِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٣ - إيراد جزء من شطر البيت:</span>\nقد يكون جزء من شطر البيت الشعري كافيًا في الاستشهاد، قائمًا بمعناه، فربُّما اقتصر المفسر من البيت على هذا الجزء اليسير منه في استشهاده، ومن أمثلة ذلك قول الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (٢): «وأدخلت الألف واللام في «الألواح» بدلًا من الإضافة، كما قال الشاعر (٣):\n...................... ... والأَحْلامُ غَيْرُ عَوازبِ». (٤)\nوهذا الجزء الذي أورده الطبري هو جزء من عجز البيت، وتمام البيت:\nلَهُمْ شِيْمَةٌ لَمْ يُعْطَهَا الدَّهْرَ غَيْرُهُمْ ... من النَّاسِ، والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (٥)\nغير أنه قد اكتفى به لشهرة البيت عند العلماء من جهة، ولأدائه للمعنى المراد من الاستشهاد من جهة أخرى.\nومن الأمثلة كذلك على اكتفاء المفسرين بجزء من شطر البيت الشعري قول ابن عطية عند شرحه لمعنى الكتاب في اللغة: «وأَمَّا لكتاب فهو مصدرٌ من «كَتَبَ» إذا جَمَع، ومنه قيل: كَتِيبةٌ؛ لاجتماعها، ومنه قول الشاعر (٦):\n.................... ... وَاكتُبْهَا بِأَسْيَارِ (٧)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣/ ١٧٢٩.\n(٢) الأعراف ١٤٥.\n(٣) هو النابغة الذبياني في معلقته.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٠٦.\n(٥) انظر: ديوانه ١٣٠.\n(٦) هو سالم بن دارة. انظر: الإمتاع والمؤانسة ٣/ ١٦٧.\n(٧) انظر: الفاضل للمُبَرِّد ٥٠.","vol":"1","page":362},{"text":"أي: اجْمَعها». (١) فقد اكتفى بجزء من عجز البيت، وهو موضع الشاهد فيه، وربَّما يكونُ ذلك لاشتهارِ هذا البيت بين لعلماءِ، وتَمامُ البيت:\nلا تَأْمَنَنَّ فَزَاريَّا حَلَلْتَ بهِ ... على قَلوصِكَ واكتُبْهَا بأَسيَارِ (٢)\nومِمَّن أكثر من الاقتصار على جزء من شطر البيت الزمخشريُّ في «الكشَّاف»، ومن أمثلة ذلك قوله: «﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٣) ... فإن قلتَ: ما موقع هذه الجملة؟ قلتُ: هي جُملةٌ اعتراضيةٌ لا مَحلَّ لها من الإعراب، نحوِ ما يَجِيءُ في الشعر مِنْ قولِهم:\nوالحوادثُ جَمَّةٌ ... ..............................\nفائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتباع ملته». (٤) فالزمخشري قد اكتفى بذكر موضع الشاهد، وهو جزء من شطر البيت الشعري، وهو يشير إلى جُمْلةٍ اعتراضيةٍ ترد كثيرًا في أشعار الشعراء، ومن ذلك قول هند بنت النعمان بن المنذر:\nما كُنت أَحسبُ وَالحوادثُ جَمّةٌ ... أنّي أَموتُ وَلم يَعُدني العوّدُ (٥)\nوقولُ عَمْرَةَ بنتِ الحُبابِ التغلبيَّةِ:\nما كُنتُ أَحسَبُ وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ ... أَنا عَبِيدُ الحَيِّ مِن غَسَّانِ (٦)\nوقول القُطاميِّ:\nوإذا أصابَكَ والحوادثُ جَمّةٌ ... حَدَثٌ حَداكَ الى أخيكَ الأوثَقِ (٧)\n_________\n(١) المحرر الوجيز ١/ ٤٥.\n(٢) وكَتْبُ الدَّابةِ هو الجَمعُ بين طرفي جلدها بِحَلقةٍ أو سَيْرٍ. انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٥٨، الدر المصون ١/ ٨٥، الفاضل للمُبَرِّد ٥٠.\n(٣) النساء ١٢٥.\n(٤) الكشاف ١/ ٥٦٩.\n(٥) انظر: الأغاني ٥/ ١٤٥.\n(٦) انظر: شعر تغلب في الجاهلية ٢٢٢.\n(٧) انظر: ديوان القطامي ٢٥٧، الأغاني ٢/ ٥٠.","vol":"1","page":363},{"text":"وغيرها من أبيات الشعر، التي يذكر فيها الشعراء هذه الجملة الاعتراضية. (١)\nوقال الزمخشري كذلك مكتفيًا بجزء من شاهد مشهور عند النحويين: «فلما كان معنى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٢) في معنى: فلم يطيعوه، حُمِلَ عليه، كأَنَّهُ قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق:\n.......................... لَمْ يَدَعْ ... مِن المَالِ إِلَّا مُسحِتٌ أَو مُجَلِّفُ\nكأنه قال: لم يبق من المال إلا مُسْحِتٌ أو مُجَلِّفُ». (٣)\nوهو قد اكتفى بعجز البيت، وجزء من صدره، وتَمامُ البيت:\nوعَضُّ زَمَانٍ يا ابنَ مروانَ لَمْ يَدَعْ ... مِن المَالِ إِلَّا مُسْحِتٌ أَو مُجَلِّفُ (٤)\nوهذا الشاهد من أشهر الشواهد النحوية التي دار حولها خلافُ أهلِ الإِعرابِ، فاكتفى بِمَوضع الشاهد منه لشهرته.\n- ومن الأمثلة كذلك عند الزمخشري قوله: «﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ [الدخان: ٧] (٥). فإن قلت: كيف قيل: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ على التثنية، والمرجوع إليه مجموع؟ قلتُ: أريد وما بين الجنسين، فَعَلَ بالمضمر مَا فَعَلَ بالظاهر مَنْ قَالَ: (٦)\n.......................... ... في الهَيْجَا جِمَالَيْنِ». (٧)\nفقد اكتفى الزمخشري بجزء من عجز البيت، وتمامه:\nلأَصبحَ القومُ أَوبَادًا فَلَمْ يَجِدُوا ... عندَ التفرُّقِ في الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ (٨)\n_________\n(١) انظر: ديوان كثير عزة ١٤٠، ديوان ابن الرومي ٣/ ٢٠٠، ٤/ ٢٢٥، ٣٢٩، ديوان ابن المقرب ٢٦، ٦٣٦، ديوان ابن حَمديس ١٢٤، ديوان ابن حيوس ١/ ٢٦٤، ديوان الأبيوردي ١/ ٤٣٥، ديوان الأخرس ٤١٤، ٤٥٢.\n(٢) البقرة ٢٤٩.\n(٣) الكشاف ١/ ٢٩٥.\n(٤) انظر: ديوانه ٢/ ٢٦.\n(٥) الشعراء ٢٤.\n(٦) هو عمرو بن العداء الكلبي، كما في خزانة الأدب ٧/ ٥٧٩.\n(٧) الكشاف ٣/ ٤٢٣.\n(٨) انظر: خزانة الأدب ٧/ ٥٧٩.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>٤ - إيراد جزء من صدر البيت وجزء من عجزه:</span>\nقد يكتفي المفسر بجزء من بيت الشعر، يشتمل على جزء من صدر البيت، وجزء من عجز البيت، ويكون ذلك هو موضع الشاهد من البيت. ومن ذلك قول الزمخشري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦] (١): «فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾؟ قلت: فيه وجهان: أن يعطف على ما في إيمانِهم مِنْ معنى الفعل؛ لأَنَّ معناه: بعدَ أن آمنوا، كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ ....﴾ [المنافقون: ١٠] (٢) وقول الشاعر: (٣)\n.......... لَيسُوا مُصلحينَ عَشيرةً ... ولا نَاعبٍ ..........». (٤)\nوتَمام هذا البيت هو:\nمَشَائِيمُ لَيسوا مُصْلِحينَ عَشِيْرةً ... ولا نَاعِبٍ إِلَّا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا (٥)\nفقد حذف كلمة (مشائيم) من أول البيت، و(إِلَّا بِبَيْنٍ غُرابُها) من آخره، واكتفى بموضع الشاهد منه وهو ما ذكره.\nومن الأمثلة كذلك قول الزمخشري: «﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] (٦) جواب قسم محذوف. فإن قلتَ: مَا لَهُم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع «قد»، وقَلَّ عنهم نَحوُ قوله: (٧)\nحَلفتُ لَهَا باللهِ حَلْفةَ فَاجرٍ ... لَنَاموا ......................\nقلتُ: إِنَّمَا كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها. التي هي جوابها فكانت مَظِنَّةً لِمَعنى التوقع، الذي هو معنى (قد) عند استماع المخاطب كلمة القسم». (٨)\n_________\n(١) آل عمران ٨٦.\n(٢) المنافقون ١٠.\n(٣) هو الأخوص الرياحي كما في الكتاب لسيبويه ١/ ١٦٥، وقيل للفرزدق كما في الكتاب ٣/ ٢٩.\n(٤) الكشاف ١/ ٣٨١.\n(٥) انظر: الكتاب ١/ ١٦٥، ٣/ ٢٩، الإنصاف ١٦٢.\n(٦) الأعراف ٥٩.\n(٧) هو امرؤ القيس بن حجر.\n(٨) الكشاف ٢/ ١١٢ - ١١٣.","vol":"1","page":365},{"text":"فقد اكتفى الزمخشري بصدر البيت وكلمة من عجزه، وكمل موضع الشاهد منه بهذا، وهو بيت شهير لامرئ القيس، وتمامه:\nحَلَفْتُ لَهَا باللهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٥ - إيراد جزء من بيت وما يرتبط به من بيت آخر:</span>\nومن عناية المفسرين بالشاهد أنهم قد يوردون جُزءًا من بيتٍ، وجُزءًا مِن البيت التالي له؛ لِكَونِهِ موضعَ الشاهدِ، كما قال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (٢) وهو يذكر حجةَ مَنْ ذَهبَ إلى أنَّ «مَنْ» في الآية في موضع نَصبٍ: «وأَمَّا النَّصبُ فَعَلى أن تَجعلَ «النَّجْوَى» فِعلًا (٣)، فيكونُ نصبًا؛ لأَنه حينئذٍ يكون استثناءً منقطعًا؛ لأَنَّ «مَنْ» خلافُ «النَّجْوى»، فيكون ذلك نظير قول الشاعر: (٤):\n......................... ... ومَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ\nإِلَّا أَواريَّ لأيًا ما أُبَيِّنُها ... .................». (٥)\nفقد اكتفى الطبري بموضع الشاهد من البيتين، وهو جزء من عجز الأول، وصدر الثاني، وذلك لا رتباطهما من حيث المعنى، وتمام البيتين:\nوَقفتُ فيهَا أُصَيلانًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ\nإِلَّا الأَواريَّ لأَيًا مَا أُبَيَّنُهَا ... والنُّؤيُ كَالحَوضِ بِالمَظلومةِ الجَلَدِ (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٦ - الاستشهاد بجزء من قصيدة:</span>\nوهذه الصورة نادرة، وألحقتها بهذه المسألة تجوزًا، ونادرًا ما يورد المفسر عددًا من الأبيات من القصيدة الواحدة متتالية، وإن حصل ذلك\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٢.\n(٢) النساء ١١٤.\n(٣) أي مصدرًا.\n(٤) هو النابغة الذبياني.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٢٠٣.\n(٦) انظر: ديوانه ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":366},{"text":"فيكون الاستشهاد بها على الأسلوب من حيث النحو أو البلاغة لا على الألفاظ. ومن ذلك استشهاد الطبري لأسلوب الالتفات في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧] (١) بأبيات للكميت بن زيد، حيث قال الطبري: «.... وذلك من كلام العرب مستفيضٌ بينهم، فصيح أَنْ يُخْرِجَ المتكلمُ كلامَه على وجه الخطاب منه لبعض الناس، وهو قاصدٌ به غَيْرَه وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جَماعةً غَيرَه، أو جَماعةً والمخاطبُ به أَحدُهُم، وعلى هذا الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ [الأحزاب: ١ - ٢] فرَجعَ إلى خطاب الجماعة وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي، ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله - ﷺ -:\nإلى السِّرَاجِ المُنِيرِ أَحْمدَ لا ... يَعْدِلُنِي رَغبةٌ ولا رَهَبُ\nعنهُ إلى غَيرهِ ولو رَفَعَ ... الناسُ إليَّ العيونَ وارتقبُوا\nوقِيْلَ: أَفْرطتَ، بَلْ قَصَدْتُ وَلَو ... عَنَّفَنِي القَائلونَ أَو ثَلَبُوا\nلَجَّ بِتَفضيلكَ اللسانُ ولَو ... أُكْثِرَ فيكَ الضِّجَاجُ واللَّجَبُ\nأَنْتَ المُصَفَّي المَحْضُ المُهَذَّبُ في ... النِّسْبةِ إِنْ نَصَّ قَومَكَ النَّسَبُ (٢)\nفأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي - ﷺ - وهو قاصد بذلك أهل بيته فكني عن وصفهم ومدحهم بذكر النبي - ﷺ -، وعَنَى بني أمية بالقائلين المُعَنِّفيْن؛ لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي - ﷺ - وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله». (٣) وهذه صورة قليلة الورود في كتب التفسير.\n_________\n(١) البقرة ١٠٧.\n(٢) انظر: ديوانه ٤/ ١٥٨، الحيوان ٥/ ١٧٠.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦.","vol":"1","page":367},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-142> خامسًا: العناية بالروايات المختلفة للشاهد الشعري</span>.\nقد يورد المفسرُ روايةً أخرى أو روايات للشاهد، وقد يكون هذا الاختلاف في الرواية له مِسَاسٌ بِموضع الاستشهاد في الشاهد الشعري، فينبه المفسر إلى ذلك. ومن ذلك قول الطبري: «وقيل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] [الأعراف: ١٩٣] (١) فعطف بقوله: ﴿صَامِتُونَ﴾ وهو اسمٌ، على قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وهو فعل ماضٍ، ولم يقل: أَم صَمَتم، كما قال الشاعر:\nسَوَاءٌ عليكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ ليلةً ... بِأَهْلِ القِبَابِ مِنْ نُمَيرِ بنِ عَامِرِ (٢)\nوقد يُنشدُ: أَمْ أنتَ بائتٌ». (٣)\nوعلى الرواية الثانية لا شاهد فيه؛ ويسقط الاستدلال به لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال به. وقد ناقش النحويون هذا الشاهد فقال أبو حيان: «وليس من عطف الاسم على الفعل، إنما هو من عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وأما البيت فليس من عطف الاسم على الفعل، بل من عطف الجملة الفعلية على الاسم المقدر بالجملة الفعلية. إذ أصل التركيب: سواء عليك أنفرت أم بت ليلة، فأوقع النفر موقع أنفرت». (٤)\nوربَّما لا يَمسُّ الاختلاف في الرواية موضع الشاهد، فيكون ذكر الاختلاف من باب العلم فَحَسْب، ومن ذلك قول الطبري: «ويقال للبخيل: حَصُورٌ وحَصِرٌ؛ لمنعه ما لديه من المال عن أهل الحاجة، وحبسه إياه عن النفقة، كما قال الأخطل:\n_________\n(١) الأعراف ١٩٣.\n(٢) لم أهتد إلى معرفته، وأصل الرواية في المخطوطة: «سواء عليك الفَقْرُ ..». وصوبها محمود شاكر من معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠١، وقال بأنها خطأ محض، في حين فسر البيت بها في الدر المصون ٥/ ٥٣٨.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٣٢٠ - ٣٢١.\n(٤) البحر المحيط ٤/ ٤٣٩، الدر المصون ٥/ ٥٣٨.","vol":"1","page":368},{"text":"وشَاربٍ مُرْبِحٍ بِالكأسِ نَادَمَنِي ... لا بِالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (١)\nويُروى: بِسَآّرِ ...». (٢) وهذا الوجه من الرواية لا علاقة له بموضع الشاهد في البيت، وهو أَنَّ الحَصُورَ يأتي بِمعنى البخيل، وإِنَّمَا ذَكرهُ الطبريُّ ليعلم القارئ أن هناك رواية أخرى لهذا البيت.\nوقال الطبريُّ أيضًا: «و«الغُزَّى» جَمعُ «غَازٍ»، جُمِعَ على «فُعَّلٍ»، كما يُجمعُ «شَاهِدٌ» على «شُهَّد»، و«قَائِلٌ» على «قُوَّلٍ»، وقد يُنشَدُ بيتُ رؤبة:\nفاليومَ قدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ... وَأَوْلُ حِلْمٍ لَيسَ بِالمُسَفَّهِ\nوقُوَّلٌ: إِلَّا دَهٍ فَلا دَهِ (٣)\nويُنشدُ أيضًا: ... وقَولِهِم: إِلَّا دَهٍ فلا دَهِ». (٤)\nوهو على الرواية الثانية ليس فيه شاهد على المقصود، وهو أن (قَائِل) يُجمعُ على (قُوَّلٍ)، فيكون الاستشهاد بالرواية الأولى فقط.\nوقد يكتفي المفسر بذكر الرواية المتضمنة للشاهد دون غيرها، مع الإشارة إلى ذلك. ومن ذلك قول ابن عطية: «وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] (٥) نَصَبَتْ لَنْ، ومن العرب مَنْ تَجْزمُ بِهَا، ذكره أبو عبيدة (٦)، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢٠.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٥٠٩.\n(٣) انظر: ديوانه ١٦٦.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(٥) البقرة ٢٣.\n(٦) انظر: مغني اللبيب ٣/ ٥٠٩، الجنى الداني ٢٧٢.","vol":"1","page":369},{"text":"................... فَلَنْ أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (٧)». (١)\nفقد نَبَّهَ إلى أنَّ للبيت روايات أخرى يعرفُها، غير أنه اختارَ هذه الرواية للاستشهادِ بِها على أَنَّ «لن» قد تَجزمُ الفعل المضارع أيضًا.\n- وربَّما يذكر المفسرُ الشاهدَ الشعريَّ بروايتينِ مُختلفتين، في موضعين من التفسير دون الإشارة إلى هذا الاختلاف في الرواية، ودون أن يكون لهذا الاختلاف أثر في موضع الاستشهاد من البيت، ومن ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (٣): «وقالَ آخرونَ مِمَّن قرأ قولَهُ: ﴿كُذِّبُوا﴾ بِضَمِّ الكافِ وتشديدِ الذالِ: مَعنى ذلكَ: حتى إِذَا استيأَسَ الرُّسلُ مِنْ قَومِهم أَنْ يُؤمِنُوا بِهِم ويُصدِّقُوهم، وظنَّتِ الرسلُ بِمعنى: واستيقنت أَنَّهُم قَد كَذَّبَهم أُمَمُهُم، جَاءتِ الرسلَ نُصْرَتُنَا. وقَالوا: «الظنُّ» في هذا بِمعنى: العلم، مِن قول الشاعر:\nفَظُنُّوا بِأَلفَي فَارسٍ مُتَلبِّبٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ». (٤)\nمع أنه قد سبق أن استشهد بهذا البيت على المعنى نفسه، برواية أخرى فقال: «إِنَّ العربَ قد تسمي اليقين ظنًا، والشك ظنًا .... ومِمَّا يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دُرَيْد بن الصِّمَّةِ:\nفقلتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارسيِّ المُسَرَّدِ (٥)\n_________\n(١) وصدر البيت:\nهذا الثناء فإن تسمع به حسنًا ... ................................\nوقوله: أبيت اللعن، تحية كانوا يحيون بها الملوك معناها أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه وتذم. والصفد: العطاء. انظر: شرح الديوان للبطليوسي ٢٧، والجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٠١.\n(٢) المُحرر الوجيز ١/ ١٤٥.\n(٣) يوسف ١١٠.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(٥) انظر: ديوانه ٤٧، والأصمعيات ٢٣، والأضداد لابن الأنباري ١٤.","vol":"1","page":370},{"text":"يعني بذلك: تَيقنوا ألفي مدجج تأتيكم». (١)\nفالطبري لم ينسب الشاهد لقائله في الموضع الأول، ونسبه له في الثاني، ومع اختلاف الرواية، إلا أن الشاهد في الروايتين واحد، وهو ورودُ «الظنِّ» في لغة العرب بِمَعنى اليقين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-143> سادسًا: نَقْلُ الشاهد الشعري عن المتقدمين:</span>\nالمفسرون يتعرضون لأقوال العلماء السابقين من المفسرين وغيرهم، وفي معرض نقلهم ومناقشتهم ينقلون الشواهد الشعرية المستشهد بها، وربما جرى خلاف حول فهم هذه الشواهد، أو توجيهها.\n- ومن أمثلة ذلك قول الطبري عند حديثه عن القراءات في كلمة: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩] (٢): «واختلفَ أهلُ العلم بكلام العرب في معنى ذلكَ إذا قُرئَ بفتح الدَّالِ أَو بِكَسرِهَا. فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرئَ بالكسرِ، أَنَّ الملائكةَ جاءت يتبعُ بعضُهُم بعضًا، على لغةِ مَن قالَ: «أَرْدَفْتُهُ». وقالوا: العَربُ تقولُ: «أَرْدَفْتُهُ» وَ«رَدِفْتُهُ»، بِمَعنى: «تَبِعْتُهُ» و«أَتْبَعْتُهُ»، واستشهدَ لصحة قولهم ذلك بِمَا قال الشاعر: (٣)\nإذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطمةَ الظُّنُونَا (٤)\nقالوا: فقال الشاعرُ: «أَرْدَفَتْ»، وإِنَّمَا أرادَ «رَدِفَتْ»، جاءت بعدها لأَنَّ الجوزاءَ تَجِيءُ بعد الثريا». (٥)\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٧ - ١٨.\n(٢) الأنفال ٩.\n(٣) هو حَزِيْمَةُ بنُ نَهْدٍ القُضاعيُّ.\n(٤) انظر: المعارف لابن قتيبة ٦١٧، الأغاني ١٣/ ٧٨، سمط اللآلي ١٠٠.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٤١٤ - ٤١٦.","vol":"1","page":371},{"text":"فقد نقل أقوالَ مَنْ وَجَّهَ قِراءَة الفَتحِ، ونقل الشاهد الشعري الذي استشهدوا به، ووجهَ الاستشهاد، وقد رجَّحَ الطبريُّ قراءةَ الكسرِ، وقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءةُ مَنْ قرأ ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسرِ الدَّالِ؛ لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم». (١)\n- ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] (٢) فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟ قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك.\nفقال بعضُ البصريين (٣): معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبلُ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٤) أَيْ: مَا تَلَتْ.\nوكما قال الشاعر: (٥)\nولقدْ أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي ... فَمضيتُ عنهُ، وقُلتُ: لا يَعنيني (٦)\nيريد بقوله: «ولقد أَمُرُّ»، ولقد مَررتُ، واستدلَّ على أنَّ ذلك كذلك، بقوله: «فمضيتُ عنه»، ولم يقلْ: فأمضي عنه. وزعم أن «فَعَلَ» و«يَفْعَلُ» قد تشترك في معنى واحد، واستشهد على ذلك بقول الشاعر (٧):\n_________\n(١) المصدر السابق ١٣/ ٤١٦، وانظر: مجاز القرآن ١/ ٢٤١، معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٤.\n(٢) البقرة ٩١.\n(٣) هو الأخفش الأوسط، كما في معاني القرآن له ١/ ١٤٤ - ١٤٥.\n(٤) البقرة ١٠٢.\n(٥) هو شمر بن عمرو الحنفي كما في الأصمعيات ١٢٦، ولعميرة بن جابر الحنفي كما في حماسة البحتري ١٧١، ولرجل من بني سلول كما في الكتاب ٣/ ٢٤، وبلا نسبة في الصاحبي ٣٦٤.\n(٦) انظر: الكتاب لسيبويه ٣/ ٢٤، الخصائص ٣/ ٣٣٠، والمصادر في الحاشية السابقة.\n(٧) هو الطرماح بن حكيم الطائي.","vol":"1","page":372},{"text":"وإِنِّي لآَتيِكمْ تَشُكَّرَ مَا مضى ... مِن الأَمْرِ واستيجَابَ مَا كانَ في غَدِ (١)\nيعني بذلك: ما يكونُ في غَدٍ. وبقول الحطيئة:\nشَهِدَ الحُطيئةُ يومَ يلقى ربَّهُ ... أَنَّ الوليدَ أَحقُّ بالعُذرِ (٢)\nيعني: يَشْهَدُ. وكما قال الآخر (٣):\nفَمَا أُضْحِي ولا أَمْسيتُ إِلَّا ... أَرَانِي مِنكُمُ في كَوّفَانِ (٤)\nفقال: «أُضحي»، ثُمَّ قال: «ولا أمسيتُ». (٥)\nوهذه الشواهد منقولة، نقلها الطبري عن المتقدمين أو المعاصرين من العلماء، مقرونة ببيان موضع الشاهد منها.\n- وقال ابن عطية وهو يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] (٦): «.... يقالُ: خَالَ الرجلُ، يَخُولُ خَوْلًا (٧)، إذا تَكَبَّرَ، وأُعْجِبَ بنفسهِ، وأنشد الطبري: (٨)\nفَإِنْ كُنتَ سَيّدَنَا سُدْتَنَا ... وإِنْ كُنتَ لِلخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (٩)». (١٠)\nفقد صرح ابن عطية هنا بأنه نقل الشاهد عن الطبري، والشاهد مذكور في تفسير الطبري عند تفسيره لهذه الآية، وكثيرًا ما ينقل ابن عطية الشواهد الشعرية عن الطبري مع الإشارة إلى ذلك، أو عدم الإشارة في\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣١٢ في المنسوب له من الشعر.\n(٢) انظر: ديوانه ٨٥.\n(٣) لم أعرفه.\n(٤) انظر: الصاحبي ٣٦٤، لسان العرب ١٢/ ١٨٨ (كوف). يقولون: وقعنا في كُوفان وكُوَّفَانِ، أي عناء ومشقة، كأنهم اشتقوا ذلك من الرَّمْلِ المُتَكوِّف؛ لأنَّ المشي فيه يُعنِّي. انظر: مقاييس اللغة ٥/ ١٤٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١\n(٦) النساء ٣٦.\n(٧) انظر: تهذيب اللغة ٧/ ٥٦٠، الصحاح ٤/ ١٦٩١ (خيل).\n(٨) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٣٤٩، (هجر) ٧/ ٢٠.\n(٩) البيت لرجل من عبدالقيس اسمه أنس بن مساحق العبديُّ. انظر: مجاز القرآن ١/ ١٢٧، الصحاح ٤/ ١٦٩٢ (خيل).\n(١٠) المحرر الوجيز ٤/ ١١٣.","vol":"1","page":373},{"text":"بعض الأحيان. (١)\nوالأمثلة كثيرة على نقل المفسرين للشواهد الشعرية عن غيرهم من العلماء مفسرين ولغويين وغيرهم (٢)، وقد كان لذلك التعاقب على إيراد الشواهد الشعرية، وإعمال الذهن في فهمها، واستنباط الشواهد منها فائدة كبيرة في إغناء كتب التفسير، وقد كان هناك خلافات وتعقبات كثيرة للمتأخرين منهم على فهم المتقدمين للشواهد الشعرية، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> سابعًا: عدم تكرار الشواهد الشعرية:</span>\nيحرص المفسرون على عدم التكرار في المسائل التي بحثوها، فإذا عَرَضَ لهم موضعُ بَحْثٍ سَبَقَ لهم في موضعٍ متقدمٍ من التفسير أحالوا القارئ عليه رغبةً في الإيجاز وعدم تسويد الورق بالإعادة، ومن ذلك المسائل التي اشتمل بحثهم لها على استشهادهم بشواهد الشعر، فيُحِيلونَ في المواضع اللاحقة إلى المواضع السابقةِ بِمَا يدلُّ على أنه قد مَرَّ كذا بشواهده. كما إنهم يؤجلون بحث المسائل التي سيأتي موضعها الأليق ببحثها، ومن ذلك قول القرطبي في كثير من المواضع من تفسيره: وستأتي في موضع كذا. (٣) والطبري مِمَّن يُكثرُ ذكرَ مثلَ هذه العبارات في تفسيره، ومن ذلك قوله: «وقد بَيَّنَّا معنى «المَخْمَصَةِ»، وأَنَّها المَجَاعةُ بِشَواهدهِ .... في مَوضعٍ غَيرِ هذا، فأَغْنَى عن إِعَادتهِ ههنا». (٤) وكان قد شرح معنى «المَخْمَصَةِ» في موضع سابق من تفسيره (٥)، واستشهد له\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز ٥/ ٩٤.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٦، ٢١، ٢٢، ٢٦.\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٧، ٨٠، ٨٤.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٥٦٤.\n(٥) انظر: المصدر السابق ٩/ ٥٣٢ - ٥٣٣.","vol":"1","page":374},{"text":"بشواهد من الشعر، وذكرَ وجهَ الاستشهاد في كُل شاهد، فآثر في الموضع الثاني الإحالة لهذا الموضع، رغبة في عدم التكرار، والإثقال على القارئ.\nومثل ذلك قوله أيضًا: «وقد بَيَّنَّا معنى «الكافَّة» بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه، فأَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع». (١) وقوله أيضًا وهو يتحدث عن معنى الحصير، وأَنَّه يأتي على وزن فَعِيْلٍ من الحَصْرِ الذي هو الحَبْسُ: «وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة». (٢) وقوله: «ومعنى الحكيم في هذا الموضعِ المُحْكِمُ، صُرِفَ مُفْعِل إلى فَعَيلٍ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] (٣) بِمَعنى: مُؤْلِم، وكما قال الشاعر:\nأَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّميعُ (٤)\nوقد بيَّنَّا ذلك في غير موضع من الكتاب». (٥) وقوله كذلك: «وقد بينا فيما مضى أَنَّ النِّدَّ العِدْلُ، بِما يدلُّ على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته». (٦) وكل هذه العبارات تبين عن منهجه في أنه يحرص ألاَّ يكرر ما سبق من الشواهد الشعرية إلا بقدر الحاجة، وأما الأصل فهو أن يُحيلَ إلى ما سبقَ بَيَانُهُ بشواهده. (٧) وكثيرًا ما يورد الطبري عبارة: «ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى». (٨) وعبارة: «والشواهد على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى». (٩) وقوله بعد أن يورد عددًا من\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٥٦٥.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٥٠٩، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة ٣/ ٣٤٢ وما بعدها من طبعة (هجر).\n(٣) البقرة ١٠.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ١٢.\n(٦) المصدر السابق ٣/ ٢٧٩، وانظر ١/ ٣٦٨ من طبعة (شاكر).\n(٧) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٧٨، ١١٦، ١١٨، ١٤٨، ١٥٥، ١٦٣، ١٦٨، ١٧١، ١٧٩، ١٤/ ٣٩٢.\n(٨) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٦٣.\n(٩) المصدر السابق ١/ ١٦١.","vol":"1","page":375},{"text":"الشواهد الشعرية: «وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها». (١)\nهذا هو الأصل ففي منهج الطبري في عدم تكرار الشواهد الشعرية، غير أنه ربَّما كرر في بعض المواضع، مع إشارته إلى شواهده السابقة، ومن ذلك قوله: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] (٢) واذكر يا محمد إذ أَذِنَ ربكَ وأَعْلَمَ، وهو تَفَعُّلٌ من الإِيْذَانِ، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:\nأَذِنَ اليومَ جِيْرَتِي بِخُفُوفِ ... صَرمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَألوفِ (٣)\nيعني بقوله: «أَذِنَ»، أعلم. وقد بيَّنَّا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع». (٤) وعند مراجعة المواضع السابقة يتبين لك أنه قد ذكر معاني الإذن، غير أنه لم يكرر الشاهد الشعري السابق، وإنما أورد شاهدًا جديدًا.\nومثل الطبري في هذا المنهج بقية المفسرين كالقرطبي حيث قال: «والإسراف في اللغة الإفراط ومُجاوزةُ الحد، وقد تقدم في آل عمران». (٥) وقال أيضًا: «وقال القفال: يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية، قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم، وقد قال حسان:\nونَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا (٦)\nوقد أشبعنا هذا المعنى في البقرة». (٧)\n_________\n(١) المصدر السابق ١٣/ ٢٧٩.\n(٢) الأعراف ١٦٧.\n(٣) انظر: ديوانه ١٤٥.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٠٤، وانظر: ٢/ ٤٤٩.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٤٠.\n(٦) صدر بيت، وعجزه:\n............................. ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاءُ\nانظر: ديوانه ٤٢.\n(٧) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٠٣، للمزيد انظر: القرطبي ٥/ ٢٨، ٥/ ٣٤، ٥/ ٨٢.","vol":"1","page":376},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-145> ثامنًا: مراعاة السياق في إيراد الشاهد الشعري:</span>\nمراعاةُ السِّيَاقِ العام للآيات عند تناول معانيها وتفسيرها أمرٌ لا بد منه لفهمها على وجهها الصحيح، وبِخاصةٍ عند الوقوفِ موقفَ الترجيح بين أقوالٍ شتَّى ذكرها المفسرون، ومن منهج المفسرين السديد مراعاةُ سياق الآياتِ عند الاستشهاد بالشواهد الشعرية، وذلك بأَنْ تكونَ مناسبةً للسياقِ الذي وردت فيه اللفظة في الآية، فيُستشهدُ في كل موضعٍ ترد فيه اللفظة القرآنية للمعاني المناسبة للسياق التي تدل عليها هذه اللفظة، ولا سيما إذا كانت اللفظة من باب المشترك اللفظي الذي يحمل دلالات متعددة، لا تتضح إلا من خلال سياق الكلام.\n- ومن أمثلة ذلك قول الطبري وهو يفسر معنى الظلم: «وأصلُ الظُّلمِ في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعهِ (١)، ومنه قول نابغة بني ذبيان:\nإِلَّا أَوَارِيَّ لأَيًا مَا أُبيّنُها ... والنُّؤيُ كَالحَوضِ بِالمَظْلُومةِ الجَلَدِ (٢)\nفجعل الأرض مظلومةً؛ لأن الذي حفرَ فيها النؤيَ حفرَ في غير موضعِ الحَفْرِ، فجعلها مَظلومةً؛ لِمَوضعِ الحُفْرةِ منها في غيرِ مَوضعِها. ومن ذلك قولُ ابن قُميئةَ في صفةِ غَيْثٍ:\nظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَريصةٍ ... فصَفَا النِّطَافُ له بُعَيدَ المُقْلَعِ (٣)\nوظُلْمُهُ إِيَّاهُ مَجيئهُ في غَيْرِ أَوَانِهِ، وانصبابهُ في غير مَصبَّهِ .... وقد يتفرعُ الظلمُ من معانٍ يطول بإحصائها الكتابُ، وسنبينها في أماكنِهَا إذا\n_________\n(١) لو قيد هذا بكونه على وجه التعدي لكان أدل على المعنى، إذ قد يوضع الشيء في غير موضعه جهلًا أو نحوه فلا يسمى ظلمًا. ولذلك قال ابن فارس فيه بعد أن ذكر أنه أصلان: «والآخر وضع الشيء في غير موضعه تعديًا». انظر: مقاييس اللغة ٣/ ٤٧٠.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٠٧، ونسب للحادرة كما في ديوانه ٤٨، ولعل كونه للحادرة أصح.","vol":"1","page":377},{"text":"أتينا عليها إن شاء الله تعالى، وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه». (١)\nثم أخذ الطبريُّ في كل المواضع التي ورد فيها ذِكْرُ الظلمِ بِمَعنى: وضع الشيء في غير موضعه يُحيلُ فيه إلى هذا الموضع بقوله: «وقد دللنا فيما مضى على معنى «الظلم» وأَصلهِ بشواهدهِ الدالة على معناه، فكرهنا إعادته في هذا الموضع». (٢)\nحتى إذا جاء إلى معنى جديدٍ من معاني الظلم وهو «النَّقْصُ»، في قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] (٣) قال: «يقول: ولم تَنْقُص مِن الأُكُلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًا كاملًا، ومنه قولهم: ظَلَمَ فلانٌ فلانًا حَقَّهُ، إذا بَخَسَهُ ونَقَصَهُ، كما قالَ الشاعرُ (٤):\nتَظَلَّمَنِي مَالي كَذَا وَلَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُوَ غَالِبُهْ (٥)» (٦).\nفراعى الطبريُّ سياقَ الآيات، والمعاني التي تُفهمُ بناءً على السياق، وأورد الشاهد الشعريَّ المناسبَ لِمَعنى اللفظةِ في سياق الآيات التي يفسرها، فعندما ورد الظلم في الآية بِمعنى وضع الشيء في غير موضعه أورد من الشواهد الشعرية ما يشهد لهذا المعنى في لغة العرب، وكلما وردت آية، وذُكرَ فيها الظلمُ بِمعنى وضع الشيء في غير موضعهِ أحال إلى الموضع الأولِ الذي فَسَّرَ فيه معنى الظلمِ بشواهده من الشعر، فلما وردت كلمة الظلم بمعنى النقص، أورد لها من الشواهد الشعرية ما يدل على ورود الظلم في لغة العرب بِمعنى النَّقْصِ، وهذا من مراعاة السياق في التفسير والاستشهاد بالشواهد المناسبة للسياق من الشعر.\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٥٢٣.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٥٨٤، ٥/ ٣٨٤، ٤٣٧.\n(٣) الكهف ٣٣.\n(٤) هو أبو منازل فرعان بن الأعرف.\n(٥) انظر: عيون الأخبار ٣/ ٨٧، لسان العرب ٢/ ٢٩٣ (جعد)، شرح ديوان الحماسة ٣/ ١٤٤٥.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٢٥٨.","vol":"1","page":378},{"text":"- ومن الأمثلة كذلك على مراعاة المفسرين للسياق عند إيرادهم للشاهد الشعري قول الطبري: «إن العرب قد تسمي اليقينَ ظنًا، والشك ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمغيثَ صارخًا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تُسَمِّي بها الشيء وضده. ومما يدل على أنه يُسمَّى به اليقينُ، قولُ دُريدِ بن الصِّمَّةِ:\n\nفقلتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارسيِّ المُسَرَّدِ (١)\nيعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق:\nبِأَنْ تغتروا قَومِي وأَقْعُدُ فيكمُ ... وأَجْعَلُ مِنِّي الظنَّ غَيبًا مُرَجَّمَا (٢)\nيعني: وأجعلُ مِنِّي اليقينَ غَيبًا مُرجَّمَا. والشواهد من أشعارِ العرب وكلامها على أَنَّ الظنَّ في معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن تُحصى، وفيما ذكرنا لِمَن وُفِّقَ لفهمهِ كفايةٌ» (٣).\nثم أحال في موضعٍ لاحقٍ وردَ فيه ذكرُ الظنِّ فقال: «وقد أتينا على البيان عن وجوه الظنِّ، وأَنَّ أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بِمَا يدلُّ على صحة ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته» (٤).\nوفي المواضع التي يأتي فيها الظن بِمَعنى الشكِّ لم يورد شواهد من الشعر لأنه يرى أن شواهده من الشعر لا تُحصى، حيث يقول: «فأَمَّا الظنُّ بِمَعنى الشكِّ، فأكثرُ مِنْ أَن تُحصى شواهدُه». وقال في موضع آخر: «والظنُّ في هذا الموضع الشك» (٥).\nفهو قد استشهد لمعنى الظن إذا ورد بمعنى اليقين وأحال في المواضع التالية إلى الموضع الأول الذي فسر فيه هذه اللفظة، فلما جاء\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٤٧، والأصمعيات ٢٣، والأضداد لابن الأنباري ١٤\n(٢) انظر: شرح نقائض جرير والفرزدق ١/ ١١٠، والأضداد لابن الأنباري ١٤\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٧ - ١٨\n(٤) المصدر السابق ٥/ ٣٥٢\n(٥) المصدر السابق ٢/ ٢٦٥","vol":"1","page":379},{"text":"الظن بمعنى الشك لم يورد عليه شاهدًا من الشعر لشهرته بهذا المعنى، وقناعته بأن ورود الظن بمعنى الشك أشهر وأظهر من أن يستشهد عليه بشواهد من الشعر. وفعل الطبري هذا دليل على استحضاره ومراعاته الدقيقة للسيق العام للألفاظ القرآنية، ومراعاة ذلك بدقة في الاستشهاد بالشواهد الشعرية.\n- ومن الأمثلة كذلك على مراعاة المفسرين لسياق الآيات في إيراد الشواهد الشعرية قول ابن عطية وهو يشرح معنى الدِّيْنِ في اللغة وأنه يأتي لعدة معانٍ منها: الجزاء: «ومِنْ أَنْحاءِ اللفظةِ الدين: الجزاء، فمن ذلك قول الفِنْدِ الزِّمَّاني:\nولم يبقَ سِوَى العُدوانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (١)\nأي: جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل:\nإذَا مَا رَمَونَا رَمينَاهُمُ ... ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضُونَا (٢)\nومنه قول الآخر (٣):\nواعلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلككَ زَائِلٌ ... واعلَمْ بِأَنَّ كمَا تَدِينُ تُدَانُ» (٤).\nثم عقَّبَ ابنُ عطية على هذه الشواهد فقال: «وهذا النحو من المعنى هو الذي يصلح لتفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٥) أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بِهَا» (٦). وهذا مِن الاحتكامِ لِسِيَاقِ الآيات في اختيار المعنى المناسب في تفسير الآية الكريمة، وإيراد الشواهد الشعرية المناسبة للدلالة على هذا المعنى\n_________\n(١) انظر: تأويل مشكل القرآن ٣٥١، شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٥.\n(٣) هو ابن نفيل يزيد بن الصعق الكلابي كما في مجاز القرآن ١/ ٢٣، الكامل ١/ ٤٢٦، وقيل لجده خويلد بن نوفل الكلابي قاله للحارث بن أبي شَمِرٍ الغساني. انظر: لسان العرب ٤/ ٤٦٠ (دين).\n(٤) المُحرر الوجيز ١/ ٧٣.\n(٥) الفاتحة ٤.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ٧٣.","vol":"1","page":380},{"text":"بعينه (١). والأمثلة على مراعاة السياق في الاستشهاد بالشاهد الشعري كثيرة (٢).\nهذه هي المناهج والطرق التي سار عليها المفسرون في كتب التفسير في عرضهم وإيرادهم للشاهد الشعري، وأرجو أن لا يكون قد فاتني من هذه المناهج والطرقُ شيء ذو بال.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٤٩، ٣/ ٥٧١، ١٤/ ١٤٩ تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ١٣٣٠ - ١٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٥٥٠، ٨/ ٢٩٨، المحرر الوجيز ٢/ ٨٨، ٦/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير</span>.\nبعد الحديث عن منهج المفسرين في إيراد الشواهد الشعرية وطريقتهم في عرضها عند الاستشهاد بها في التفسير، يصل البحث إلى مكانة الشاهد الشعري بين غيره من الشواهد عند المفسرين، وهل اعتمد المفسرون اعتمادًا كليًا على الشاهد الشعري في التفسير؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كان المفسرون قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن معرفة مقدار هذا الاعتماد؟ هذا ما سوف أعرض له في هذا المبحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>أولًا: اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري</span>.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-148> أهمية الشاهد:</span>\nرُوي عن الإمام مالك أنه قال: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (١)، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الزناد عن أبيه قال: «ما تزندقَ مَنْ تزندقَ بالمشرقِ إِلَّا جهلًا بكلامِ العَربِ» (٢). ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (٣)، وقد عني بذلك المفسرون\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن ١/ ١٦٠.\n(٢) الفرائد الجديدة للسيوطي ١/ ١٦.\n(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":382},{"text":"في كتب التفسير. ويدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. وقد ذُكِرَ أنَّ عمرو بن عبيد (١) أتى أبا عمرو بن العلاء فقال: «أفرأيت من وعده الله على عمله عقابًا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أَمِنْ العُجْمَةِ أُتيتَ أَبَا عُثمان؟ إن الوعدَ غيرُ الوعيدِ ... والله ﷿ إذا وَعَدَ وفَّى، وإذا أوعدَ ثُمَّ لم يفعلْ كان ذلك كَرَمًا وتفضلًا، وإنَّما الخُلْفُ أنْ تَعِدَ خيرًا ثم لا تفعله، قال: وأَجِدُ هذا في كلامِ العَربِ؟ قال: نعم، أما سَمعتَ قولَ الأولِ (٢):\nوَلا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ مَا عِشْتُ صَولَتِي ... ولا أَخْتَفِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهدِّدِ\nوإِنِّي وإِنْ أَوعَدُتُه أُو وَعَدتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي، ومُنْجِزُ مَوعِدِي (٣)» (٤)\nفأَرجعَ أبو عمرو بن العلاء عَدَمَ فهمِ عمرو بن عُبيدٍ إلى جَهلهِ بلغةِ العرب وعُجمتهِ، ولم يكن أبو عمرو بن العلاء يُجيبُ جوابًا إلا ويقرنه بِحُجةٍ وشَاهدٍ من الشعرِ، كما قال الأصمعي: «سألتُ أبا عمروٍ عن أَلفِ مسألةٍ، فأَجابني فيها بألفِ حُجِّةٍ» (٥). ومن ذلك قول الأصمعي: «سألت أبا عمرو عن قوله ﵎: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] (٦) مُثقَّلةً، فقال: شددنا، وأنشد:\nأُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تَعَزَّزَ لَحْمُهَا ... وإذا تُشَدُّ بِنِسْعِهَا لا تَنْبِسُ (٧)» (٨).\n_________\n(١) هو أبو عثمان، عمرو بن عبيد التيمي بالولاء، ولد عام ٨٠ هـ، ونشأ بالبصرة، وهو من أول من قال بقول المعتزلة مع واصل بن عطاء، مات سنة ١٤٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٠، سير أعلام النبلاء ٦/ ١٠٤.\n(٢) هو عامر بن الطفيل.\n(٣) انظر: ديوانه ٥٨.\n(٤) إنباه الرواة ٤/ ١٣٩، إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه ١/ ٥٤، طبقات النحويين واللغويين ٣٩، تاريخ بغداد ١٢/ ١٧٥.\n(٥) إنباه الرواة ٤/ ١٣٣.\n(٦) يس ١٤.\n(٧) البيت للمتلمس الضبعي، انظر: ديوانه ١٨٠.\n(٨) أخبار النحويين البصريين ٤٦.","vol":"1","page":383},{"text":"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله - ﷺ - بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله - ﷺ - على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (١).\nوالشاهد له أهمية في جميع شؤون الحياة لأن الله رتب على الشاهدِ الأحكامَ الشرعية كما في آية المداينة (٢)، وآيات اللعان (٣)، وكذلك النبي - ﷺ - كما في إثبات دخول شهر رمضان ونحوه (٤). وأصبح من يأتي بالشاهد خارجًا عن المؤاخذة، يثق الناس بعلمه كما قال الجاحظ: «ونحن - حفظك الله - إذا استنطقنا الشاهدَ، وأَحَلْنَا على المَثَلِ، فالخصومة حينئذٍ إِنَّما هي بينهم وبينها» (٥). وكما قال ابن جني: «وإذا قام الشاهدُ والدليلُ، وضَحَ المنهجُ والسبيلُ» (٦).\nولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً» (٧). وكان يرجح قولًا على آخر لوجود الشاهد من الشعر على أحدهما دون الآخر كما قال: «والقول الآخر أحق بالصواب لمكان الشاهد» (٨). والجاحظ\n_________\n(١) الإيمان ١١١.\n(٢) البقرة ٢٨٢.\n(٣) النور ٤ - ١٣.\n(٤) انظر: صحيح سنن النسائي للألباني ٢/ ٩٥.\n(٥) الحيوان ٣/ ٣٢٥.\n(٦) الخصائص ١/ ١٢.\n(٧) البرصان والعرجان والعميان والحولان ١٠٤، وانظر ص ١١٥.\n(٨) المصدر السابق ١٧٩.","vol":"1","page":384},{"text":"ممن عني بشواهد الشعر، والتأكيد على العناية بها في كتبه.\nوإذا كان هذا في جانب الأخبار والرواية فإن للشاهد في كتب المفسرين شأن آخر، فإن المتناول لكلام الله بالتفسير والبيان يكون في غاية الاحتياط والحذر، وقد بالغ المفسرون في الاحتياط والحذر لفهم معاني القرآن الكريم، فاستشهدوا بالقرآن وقراءاته، والحديث النبوي، والأخبار وكلام العرب شعرًا ونثرًا، غير أنَّ اعتمادهم على هذه الأساليب كان متفاوتًا من مُفسرٍ إلى آخر، كما يختلف في طبيعته، إذ يمكن التمييز فيه بين اتجاهين: اتجاهِ الاحتجاجِ والتقعيد عند المفسرين القدماء والعناية بتقوية أوجه الاستدلال، واتِّجاه توضيحيّ عند المتأخرين من المفسرين، يرى أنه قد فَرغَ القدماءُ من الاحتجاج، وأنَّهُ يُكتفى بالتوضيح لشواهدِ القُدماء (١).\nوالشعر مِن أهمِّ ما استشهد به أهل العربية والمفسرونَ في بيان الدلالة اللغوية والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد احتلَّ في كتب التفسير مَنْزِلةً هامةً، زادت من حيثُ الكمُّ عن غيرها، حيث بدا الشعرُ لديهم مادة غنيةً، وموئلًا واسعًا، يُعتمدُ عليه في الاحتجاج، والتوضيح، والتدليل، والترجيح. وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها تفسيره، إذ كان بعضهم يكثر الاعتماد عليه، وبعضهم يقتصد، وآخر يستأنس به استئناسًا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-149> حاجة المفسر إلى الشاهد الشعري:</span>\nليس هناك شواهد شعرية في كتب التفسير لكل لفظ في القرآن\n_________\n(١) ما زال هذا المنهج متبعًا حتى العصر الحاضر، فقد ذكر محمد كرد علي أن معروف الرصافي كان حريصًا على حفظ شعر الشواهد حتى لقبه شيخه الألوسي بالشواهدي نسبة لشواهد الشعر. انظر: المعاصرون ٤٤٠، وذكر محمد الأصمعي عن عبدالرحيم محمود مثل ذلك في كتابه عن أبي الفرج الأصبهاني ٣٠١.","vol":"1","page":385},{"text":"الكريم لعدم الحاجة إلى ذلك، فهناك مسائل كثيرة ظاهرة لم يكن بالمفسرين حاجة للاستشهاد لها بالشاهد الشعري أو غيره، فلم يكونوا يستشهدون إلا فيما يَحتاجُ إلى شاهدٍ، من لفظٍ غريبٍ، أو تركيبٍ مُشكلٍ أو نحو ذلك. كما أن هناك ألفاظٌ لم ترد إلا في القرآن الكريم، وأخذ أهل اللغة معناها عن المفسرين، كلفظةِ «التَّفَثِ» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (١) فليس لها شاهد من الشعر مع غرابتها، قال ابن دريد: «قال أبو عبيدة (٢): هو قصُّ الأظافر، وأَخذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحْرِمِ إِلَّا النكاح، ولم يَجئْ فيه شِعْرٌ يُحتج به» (٣)، ويقول الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يعرفونَهُ إِلَّا من التفسير» (٤). فقول ابن دريد: ولم يَجئ فيهِ شعرٌ يُحتجُّ بهِ، مِمَّا يدل على بَحثهِ وتطلبه للشاهدِ من الشِّعرِ، ولكنَّه لم يَجد. وقال ابن العربي أيضًا: «وهذه اللفظةُ لم يَجدْ أهلُ العربيةِ فيها شِعرًا، ولا أَحاطوا بِها خُبْرًا» (٥)، وعدم وجود شاهد لهذه اللفظة منقول عن أبي عبيدة، وقد وجد غيره شواهد لهذه اللفظة من شعر أمية بن أبي الصلت وغيره، وستأتي.\nوأما ما لا حاجة إلى الاستشهاد عليه لظهوره وبيانه، فإنهم لا يطلبون له الشواهد، وهو لا يَخرج عن إحدى الصور الآتية:\n- ألفاظ ظاهرة المعنى، لا لبس فيها ولا غموض، فلا يرى المفسر حاجةً إلى أن يأتي بشواهد من شعر العرب يوضح بها معنى هذه اللفظة. ومن ذلك قول الطبري بعد أن استشهد لمِجَيء الظنِّ بِمَعنى اليقين: «فأَمَّا الظنُّ بِمَعنى الشكِّ، فأكثرُ مِنْ أَن تُحصى شواهدُه» (٦). فلم يَرَ حاجةً إلى أن يورد شواهدَ من الشعرِ على أنَّ الظنَّ يأتي بمعنى الشك، لأنه هو\n_________\n(١) الحج ٢٩.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٥٠، وليس فيه قوله: «ولم يجئ فيه شعر يحتج به». فكأنه من قول ابن دريد، أو نقل من غير مجاز القرآن.\n(٣) جمهرة اللغة ١/ ٤٢٢.\n(٤) معاني القرآن ٣/ ٤٢٢.\n(٥) أحكام القرآن ٣/ ١٢٧٠.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ١٤٥.","vol":"1","page":386},{"text":"الأكثر في معناه (١).\n- أساليب ظاهرة من أساليب العرب، اشتهرت في كلامهم، ووردت في أشعارهم، وفي القرآن والسنة، حتى أصبحت معروفة واضحةً، والسامع لا يلتبس عليه المقصود، فلا يطلب المفسر لها شواهد من الشعر أو غيره. وقد ذكر ابن جني أسلوب حذف المضاف في اللغة، وذكر أن في القرآن منه ما يزيد على ألف موضع، ثم قال: «والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له، أو شاهد عليه» (٢).\nومن ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] (٣) وهو يتحدث عن دخول «أن» في هذه الآية، وعدم دخولها في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [الحديد: ٨] (٤): «هما لغتان فصيحتان للعرب، تحذفُ «أَنْ» مرةً مع قولِهَا: مَالَكَ .... وهذا هو الكلام الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ إلى الاستشهاد على صحتهِ، لفشو ذلك على أَلْسُنِ العربِ» (٥). ثم ذكر الوجه الآخر. فهو لا يرى حاجةً للشاهد إذا كان هذا الأسلوب شائع الاستعمال.\nومن ذلك قول أبي جعفر النحاس وهو يوجِّه القول بأَنَّ مَجيء قولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣] (٦) مِن بابِ التوكيد: «وهو كثيرٌ في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد» (٧). وهو يعني أن مثل هذا التوكيد أسلوب معروف عند العرب، مستغنٍ عن الاستشهاد له بشواهد من كلامهم شعرًا أو نثرًا.\nومن ذلك قول أبي جعفر النحاس أيضًا وهو يفسر معنى قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] (٨)، وأن\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ٨/ ٢٧١ (ظن).\n(٢) الخصائص ١/ ١٩٢.\n(٣) البقرة ٢٤٦.\n(٤) الحديد ٨.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٣٠٠.\n(٦) الفاتحة ٣.\n(٧) معاني القرآن ١/ ٥٤.\n(٨) الفاتحة ٧.","vol":"1","page":387},{"text":"المغضوب عليهم والضالين وإن كان لفظهما عامًا، إلا أن المقصود بهما اليهود والنصارى بدليل الحديث (١)، فَعَقَّبَ النحاسُ على ذلك بقوله: «فعلى هذا يكون عامًّا يُرادُ به الخاصُّ، وذلك كثير في كلام العرب، مُستغنٍ عن الشواهد لشهرته» (٢).\n- القواعد المشتهرة، بحيث تكون من مُسَلَّمَاتِ اللغة، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، فهذا لا يطلب له المفسرون شواهد من الشعر لظهوره واشتهاره. ولذلك أمسك النحاة عن الاستشهاد على الفاعل بأنه اسم، أو أنه مرفوع، وأن المبتدأ يكون اسمًا، معرفةً ونحو ذلك من المسائل الظاهرة. ومن قواعدهم «أَنَّ مَن تَمسَّكَ بالأَصلِ خَرجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصلِ افتقرَ إلى إقامةِ الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة» (٣).\n- مِمَّا أجْمعَ السلفُ على تفسيره فلا حاجة إلى الاستشهاد عليه لوجود الإجماع، ومن ذلك قول الطبري: «مع أن إجماع الأمة من منع التسمي به - أي الرحمن- جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره» (٤). فوجود الإجماع على التفسير يلغي الحاجة إلى الاستشهاد بالشواهد الشعرية، لتقديم تفسير السلف وإجْماعهم. ولو تعارض تفسير الصحابي مع تفسير علماء اللغة فإن المفسرين يقدمون قول الصحابي، لكونه أعلم بالتفسير واللغة من المتأخرين، ولذلك يقول الطبري عند كلامه عن قولهم عن الشمس:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٨٧، الدر المنثور ١/ ٨٤.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٦٩.\n(٣) الإنصاف للأنباري ١/ ٣٠٠، وانظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٠٢، لمع الأدلة ١٤١، الاقتراح للسيوطي ١١٣ - ١١٤، القواعد الكلية والأصول العامة للنحو العربي للدكتور غريب نافع ١٧.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":388},{"text":"«دَلَكَتْ بِرَاحٍ» بكسر الباء: «فَمَن روى ذلك بكسر الباءِ فإنه يعني أَنه يضعُ الناظرُ كفَّه على حاجبهِ من شُعَاعها لينظرَ ما بَقي من غيابها، وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ: أَبي عُبيدة، والأصمعيِّ، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم. وقد ذكرتُ في الخَبَر الذي رويتُ عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال حين غَربت الشمسُ: دَلكتْ بِرَاحٍ، يعني بِرَاحٍ مَكَانًا. ولستُ أدري هذا التفسير - أَعني قولَه: بِرَاحٍ مَكانًا - مِن كلامِ مَن هو مِمَّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلام عبد الله؟ فإن يكنْ من كلام عبد الله فلا شكَّ أنه كان أعلمَ بذلك من أهل الغريب الذين ذكرتُ قولَهم، وأن الصواب في ذلك قولُه دون قولهم. وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك» (١). فهو يذهب إلى تقديم قول ابن مسعود وطبقة الصحابة والتابعين على علماء اللغة في أمور اللغة أيضًا، لسبقهم وعلمهم.\nوالعرب ليسوا في فهم القرآن، والعلم به على درجة واحدةٍ، كما أنهم في معرفة لغتهم متفاوتون، فبعضهم أعلم بها من بعض، ومِنْ ثَمَّ احتيجَ إلى التفسير، ولذلك عندما سُئِل ابن قتيبة عن ذلك أجاب بأَنَّ «العربَ لا تستوي في المعرفة بِجَميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضلُ في ذلك على بعضٍ .... ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم» (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-150> عناية المفسرين بالشعر وحفظه للاستشهاد</span>.\nكان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من علماء السلف أهل عناية بلغة العرب وشعرها، بل كانت عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أحفظ الصحابة للشعر، وأكثرهم روايةً له، وقد استمر هذا النهج العلمي بعد ذلك، غير أنه قد أخذ في الاتجاه إلى التخصص، فَبَرزَ من بين العلماء\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٢٨.\n(٢) المسائل والأجوبة ٤٨ - ٥٠.","vol":"1","page":389},{"text":"من عُنِيَ بالشعر الذي يشتمل على شواهد اللغة، وشواهد القرآن، وشواهد النحو وغيرها، حتى قال الجاحظ: «لم أَرَ غايةَ النحويين إِلا كُلُّ شِعْرٍ فيه إعرابٌ، ولم أر غايةَ رواة الأشعارِ إِلَّا كل شعرٍ فيه غريبٌ أو معنى صعبٌ يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعرٍ فيه الشاهد والمثل» (١). مما يشير إلى ظهور التخصص في حفظ الشواهد وطلبها مبكرًا، وقد حرصوا على هذه الشواهد، وتنافسوا في تدوينها، وسافروا في طلبها إلى البوادي، كل ذلك خدمةً للغة القرآن الكريم، ورغبة في تقعيد قواعدها خوفًا عليها من الاختلال.\nوقد ذكر أصحاب التراجم شيئًا من أخبارهم في ذلك، فقد ذُكِرَ أنَّ أَبانَ بن تغلب (ت ١٤١ هـ) كان لغويًا قارئًا، لقي العربَ وسَمِعَ منهم، وصنَّفَ كتابَ الغريب في القرآن وذكر شواهدَه من الشِّعر (٢)، وذكر الأزهريُّ أَنَّ عليَّ بن المباركِ الأَحْمر (ت ١٩٤ هـ) كان يحفظُ ثلاثين ألفَ بيتٍ من الشعر من المعاني والشواهد (٣)، وقد أخذها عنه ورواها أبو مسحل الأعرابي، وكان العلماء يأخذونها عنه، وقد ندم ثعلب أن لم يكن أخذها عن أبي مسحل (٤).\nوذكر أبو علي القالي أَنَّ محمدَ بن القاسم الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ شاهدًا في القرآن (٥)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ. وفي ترجَمة عبد الله بن عطية الدمشقي (ت ٣٨٣ هـ) أنه كان يَحفظ خَمسين ألف بيتِ شِعْرٍ في الاستشهاد على معاني القرآن (٦).\nوذَكَرَ مُحمدُ بن أحمدَ الشَّنَّبوذِيُّ (ت ٣٨٨ هـ) عن نفسهِ أنه يَحفظُ\n_________\n(١) البيان والتبيين ٤/ ٢٤.\n(٢) انظر: معجم الأدباء ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة ١/ ١٨.\n(٤) انظر: إنباه الرواة ٤/ ١٧٠.\n(٥) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ٢٨١.\n(٦) انظر: غاية النهاية ١/ ٤٣٣، طبقات المفسرين للسيوطي ٤٥، طبقات المفسرين للداوودي ١/ ٢٤٦، طبقات المفسرين للأدنه وي ٨٦.","vol":"1","page":390},{"text":"خَمسينَ ألف بيتٍ من الشِّعرِ شواهد للقرآن (١)، وذكر الذهبيُّ أنَّ عبد الوهاب بنَ مُحمدٍ الشيرازيَّ (ت ٥٠٠ هـ) صنَّفَ تفسيرًا للقرآن، ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (٢)، وذكر السهيلي أنه رآه، وسمع ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكدة لفصاحته (٣).\nومع ما قد يكون في هذه الأخبار من المبالغة، إلا أنها تدل على عناية المفسرين، واحتفالهم بشواهد الشعر، لتكون عونًا لهم في تفسير القرآن، وشرح غريبه، والاحتجاج لقواعد اللغة ونحوها وصرفها. وقد أَكَّدَ المفسرون في كتبهم - ولا سيما في مقدمات التفاسير - على أهمية العناية بشعر العرب المُحتج به، في فهم القرآن الكريم، ومعرفة معاني ألفاظه من حيث العربية، ووجوب العناية به وفهمه للتمكن من فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ومن ذلك قول الطبري في معرض حديثه عن أولى المفسرين بإصابة الحق في تفسيره: «فأحق المفسرين بإصابة الحق .... أوضحهم حجة فيما تأول وفسر .... وأصحُّهم برهانًا - فيما ترجم وبَيَّنَ مِن ذلك - مِمَّا كان مُدركًا علمهُ مِنْ جِهَةِ اللسانِ إِمَّا بالشواهدِ مِن أَشعارِهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (٤). فبَيَّنَ الطبريُّ أهمية اعتضاد المفسر بالشواهد التي تصحح تفسيره، وتُبَرْهِنُ على صحة قوله، وقد سار الطبري على هذا النهج وسيأتي لذلك مزيد بيان.\nوقد ذكر الإمام الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) المُفَسِّرُ أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من\n_________\n(١) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ٣٣٣، طبقات المفسرين للسيوطي ٩٧، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٦٠.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٤٩، طبقات المفسرين للداوودي ٢/ ٣٧٠.\n(٣) انظر: طبقات المفسرين للأدنه وي ١٥١.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٩٣.","vol":"1","page":391},{"text":"الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي - ﵀ - يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تُبْقِ ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي - ﵀ -. فقلتُ: يا أبتِ إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أُحْكِمِ الأدب بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب ...» (١). وقد ظهر أثر إجادة الواحدي للغة، وعنايته بدواوين الشعر في مصنفاته في التفسير، ولا سيما كتابه «البسيط» فقد أورد فيه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية يستشهد بها في تفسير القرآن (٢).\nويقول مَجْدُ الدين الرُّوذْرَاوَرِيُّ (٣): «ومَنْ ظَنَّ أَنَّ القرآنَ يُفهمُ كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب، وتتبع أشعارهم، وتدبرها كما يجب فهو مُخطِئٌ. كان ابن عباس ﵄ حَبْرَ هذه الأمة، ومفتيها، ومفسِّرَ القرآن، وقد قال تلميذه عكرمة: أنه كان إذا سئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه ببيت من شعر العرب، ثم يقول: الشعر ديوان العرب» (٤).\nوليس المفسرون فحسب مَن اعتمدَ على الشعر في فَهمِ القرآن الكريم، بل شاركهم في ذلك غيرهم من أهل الحديث،\n_________\n(١) مقدمة تفسير البسيط للواحدي ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩، معجم الأدباء ٣/ ٥٦٠.\n(٢) انظر: الواحدي النحوي من خلال كتابه البسيط للفراج ٧٣٩.\n(٣) هو مَجْدُ الدين عبدالمَجيد بن أبي الفرج الرُّوذْرَاوَرِيُّ نسبة إلى رُوذرَاوَر ناحية قرب نهاوند من بلاد فارس، المتوفى سنة ٦٦٧ هـ، كان لغويًا مفسرًا، فصيحًا، حافظًا لأشعار العرب ولا سيما الشواهد منه. انظر: تذكرة الحفاظ ١٤٧٦، شذرات الذهب ٥/ ٣٢٤.\n(٤) مسألة ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ضمن كتاب بحوث ودراسات في اللغة العربية وآدابها، الجزء الثالث ١٤١٣ هـ ص ١٤١.","vol":"1","page":392},{"text":"والسيرة (١)، واللغة، وقد جعل السيوطيُّ من آداب طالبِ اللغةِ العنايةَ بِحفظِ أشعارِ العرب، مبينًا قيمة هذا الحفظ في التفسير فقال: «وَلْيَعْتَنِ بِحفظِ أشعارِ العَربِ؛ فإن فيه حِكَمًا ومواعظ وآدابًا، وبه يُستعانُ على تفسير القرآن والحديث» (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-151> عدم الالتفات إلى موضوع الشواهد:</span>\nلم يعتن المفسرون بموضوعات الشواهد ومضامينها، بقدر ما كانت عنايتهم بلغتها ونَظْمِها، ومن مظاهر اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري تجوزهم في الاستشهاد بكثير من الشواهد الشعرية التي تتضمن معنى لا يليق ذكره، وقد فسر العلماء ألفاظ القرآن الكريم، ووضحوا معانيه بأبيات بعض الشعراء التي فيها ذكرُ الفُحشِ والفِعْلِ السيء، ولم تكن غايتهم من هذا الاستشهاد أن ينصروا باطلًا، أو يظهروا قبحًا، وإنما كان غرضهم من ذلك لغويًا، وهو تفسير غريب القرآن بالشعر، وقد سبق قول الجرجاني: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات التي فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يُعِبْهُم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٣). وقال الشنقيطي (ت ١٣٩٣) بعد استدلاله بشاهد فيه معنى قبيح على تفسير آية قرآنية: «وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يستفاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مفرغًا في معاني خسيسة تافهة، فنحن نقصد مطلق اللغة، لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها» (٤).\n_________\n(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢١٨، وانظر فهارسه لمعرفة مواضع تفسيره للغريب واستشهاده بالشعر.\n(٢) المزهر ٢/ ٣٠٩.\n(٣) دلائل الإعجاز ١٠.\n(٤) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٩٦٠.","vol":"1","page":393},{"text":"وقد دافع الجرجاني عن رأيه هذا، بأن الشعراء وإن ذُمُّوا في القرآن فإن ذلك لا يكون سببًا في ذم الشعر وعدم الاستشهاد به في تفسير غريب القرآن؛ لأنه يبعد عن الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أُرِيدَ وله دُوِّنَ، وأن ذاك يلزم منه أن يعيبَ العلماءَ في استشهادهم بشعر امرئ القيس، وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبة وغريب الحديث (١).\nويقول الألوسي: «وقد ذم العلماء جريرًا والفرزدق في تهاجيهما، ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان» (٢)، ولذلك لم يبال الرواة - في الغالب- بما اشتملت عليه الأشعار من سفاهات في معانيها، إذا كانت من حيث اللغة حجةً، ولذلك يقول الرافعي: «ولا يبالي الرواة في هذه الشواهد إلا باللفظ، فيستشهدون بكثير من كلام سفهاء الأعراب وأجلافهم، ولا يأنفون أن يعدوا من ذلك أشعارهم التي فيها الخنا والفحش؛ لأنهم يريدون منها الألفاظ وهي حروف طاهرة» (٣).\nوهناك فريق من العلماء لم يكن يرى التساهل برواية مثل هذه الشواهد، فقد كان أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) وهو إِمامُ العلماء الرواة لا يرى رواية شعر أبي نواس، ويعزو سبب ذلك إلى مضمون شعره لا إلى لغته، حيث يقول: «لولا ما أخذَ فيه أبو نواس من الإِرفاثِ لاحتَجَجْنَا بِشعرهِ» (٤)، وقال أبو عمرو الشيباني: «لولا أَنَّ أبا نواس أَفسد شعره بهذه الأقذار لاحتججنا به، لأَنَّهُ مُحكمُ القَول لا يُخطئ» (٥)، غير أن شعرهم روي لقيمة شواهده، ولم يغلب هذا الرأي المخالف في رواية\n_________\n(١) المصدر السابق ٢٧.\n(٢) روح المعاني ١٩/ ١٥١.\n(٣) تاريخ آداب العرب ١/ ٣٥٥.\n(٤) نقد الشعر لقدامة ٨١.\n(٥) خزانة الأدب ١/ ٣٤٨.","vol":"1","page":394},{"text":"شعرهم على العلماء من بعدُ، وقد اعتذر الجاحظ للشعراء بأنهم إنما يتكلمون بمثل هذا الشعر مع الغضب، وضيق الصدر، طلبًا للتشفي، وإدخال الغيظ على المقصود بالشعر، ولم يقدروا فيه أن الناس يجعلون قوله ذلك شاهدًا يستشهدون به (١)، وهذا اعتذار لطيف، وإذا تأملت الشواهد التي على هذه الشاكلة وجدتها لا تخرج عن باب الهجاء أو النسيب الفاحش الذي هو إلى الهجاء أقرب منه إلى النسيب.\nوتظهر أهمية مثل هذا المنهج في أن كثيرًا من شعر أهلِ الجاهليةِ خاصة وبعض شعر الإسلام لا يَخلو من بعضِ الألفاظِ المستقبحةِ، فمَن استبعدها من شواهده فَرَّطَ في كثير من الحروف والشواهد التي يستدلُّ بِها على لغة القرآن وتفسيرها. والأمثلة على تجوز المفسرين في الاستشهاد بمثل هذا الشعر مبثوثة في كتب التفسير (٢)، وإن كان بعض الرواة والعلماء قد يغيّر تلك اللفظة القبيحة بِمَا يَحفظ للبيت وزنه، وقد يذهب بِمَحلِّ الشاهد منه، تحرجًا من ذكر هذه الألفاظ (٣). وقد حاول العسكريُّ ومن قبله ابنُ قتيبة والجاحظ تَسويغ عَملِ العلماءِ هذا، وروايتهم لمثلِ هذا الشعر فقال: «على أَنَّ العلماء لو تركوا روايةَ سخيفِ الشعرِ لَسقطتْ عنهم فوائدُ كثيرةٍ، ومَحاسنُ جَمَّةٌ موفورةٌ في مثل شعرِ الفرزدقِ، وجرير، والبُعيث، والأخطلِ وغيرهم» (٤).\nوقد ظهر لي من تتبع صنيع المفسرين في التعامل مع الشواهد التي\n_________\n(١) انظر: البُرصان والعُرجان والعُميان والحُولان ١٦٢ - ١٦٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ١٩٧، تفسير الطبري (هجر) ٢/ ١١٩، ٣/ ٢٣١، ٥/ ٥٥١، المحرر الوجيز ١٤/ ١٠٩، طبقات فحول الشعراء ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧، خزانة الأدب ٧/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٣) انظر: الكتاب ١/ ٤٨ - ٤٩، المقتضب ٤/ ٩٤، شرح المفصل ٧/ ٩٤ - ٩٥، خزانة الأدب ٧/ ١٩٣ - ١٩٤.\n(٤) ديوان المعاني للعسكري ١/ ٢١١، وانظر: رسائل الجاحظ ١/ ٩٢، البيان والتبيين ١/ ١٦٤، تأويل مشكل القرآن ١٧٣، مقدمة عيون الأخبار ك، ي.","vol":"1","page":395},{"text":"اشتملت على ما لا يليق ذكره في تفسير القرآن، أن من المفسرين الأئمة الكبار من يذكرها ولا يتحرج من إيرادها، حيث تفوق رغبته في البيان والإيضاح، تحرجه من إيراد مثل هذه الشواهد في التفسير، ومنهم من يعرض عنها مع علمه بها من باب فعل ما يراه أولى وأليق بتفسير القرآن.\nوأضرب لذلك مثالًا بِمَا فعله ابن جرير عند تفسيره (١) لقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] (٢) حيثُ استشهدَ ببيتٍ ليزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِميريِّ (٣) فيه لفظٌ لَمْ تَجْرِ عادةُ أهلِ المروءاتِ بالتصريح به، وقد نقل المفسرون بعد الطبري عن تفسيره كثيرًا من شواهده الشعرية مع الإشارة إلى ذلك في أحيان كثيرة، وعدم الإشارة في أحيان كثيرة أيضًا، إلا أنهم قد أعرضوا عن ذكر هذا الشاهد، ولم يوردوه.\nفأعرض عنه الزجاج (٤)، وأبو جعفر النَّحاس (٥)، والزمخشري (٦)، وابن عطية (٧)، والرازي (٨)، والقرطبي (٩)، وأبو حيان (١٠)، والسَّمينُ الحلبيُّ (١١)، وكلهم من أهل العناية بشواهد الشعر في شرح غريب القرآن.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٤/ ٦٩٠.\n(٢) البقرة ٢٦٦.\n(٣) البيت في ديوانه ١٣٦، وفي طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٩٢ وانظر تعليق محمود شاكر رقم ٢، وتعليقه أيضًا في تفسير الطبري ٥/ ٥٥١ رقم ٣.\n(٤) انظر: معاني القرآن ١/ ٣٤٩.\n(٥) انظر: معاني القرآن ١/ ٢٩٥.\n(٦) انظر: الكشاف ١/ ٤٩٨.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز ٢/ ٣١٩ - ٣٢٢ وقد أشار في صدر تفسيره للآية إلى اختيار الطبري في تفسير الآية مما يدل على قرب نظره في شاهده الشعري وتركه.\n(٨) انظر: تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) ٧/ ٦٤.\n(٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠، وقد أفاض في شرح معنى الإعصار لغة، ولم يستشهد بالشاهد مع إشارته لاختيار الطبري في الآية.\n(١٠) انظر: البحر المحيط ٢/ ٣٢٧، النهر الماد ١/ ٣٩٠.\n(١١) انظر: الدر المصون ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩، وقد عدل إلى ذكر شاهد آخر يؤدي المعنى الذي أداه شاهد الطبري دون أن يكون فيه ما في ذاك.","vol":"1","page":396},{"text":"ولم يذكره أصحاب كتب ألفاظ القرآن ومفرداته مع عنايتهم بالشواهد (١). ومِنْ قَبْلِ الطبري لم يذكره أبو عبيدة (٢)، ولا ابن قتيبة (٣)، ولا ابن الأنباري (٤)، مع عنايتهم بالشواهد الشعرية.\nومِمَّا يؤكد منهج ابن جرير في مثل هذه الشواهد أنه كرر الاستشهاد بهذا الشاهد على معنى التبذير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٥)، مما يعني عدم تحرجه من ذكرها، وأن الهدف التعليمي أولى بالعناية، وأهم من هذا التحرج (٦).\nوإن كان المفسرون ربما تجوزوا في نقل الشاهد فيه اللفظة يستحيا منها، إذا لم يكن بُدٌّ من ذكره، كما نقلوا مثل ذلك عن ابن عباس ﵄ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>ثانيًا: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير</span>.\nتبين أن المفسرين قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في تفاسيرهم، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-153> عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير</span>.\nمن المقاييس التي يمكن بها قياس مدى اعتماد المفسرين على\n_________\n(١) انظر: مفردات الراغب ٥٦٩، عمدة الحفاظ للحلبي ٣/ ١٠٠ - ١٠١.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٨٢.\n(٣) انظر: غريب القرآن ٩٧.\n(٤) انظر: المذكر والمؤنث ١/ ٥٤١، وابن الأنباري استفاد من تفسير الطبري في كتبه ونقل منه أقوال المفسرين دون إشارة إلى ذلك. انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٦٤، ٢/ ٢١٣.\n(٥) الإسراء ٢٦.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٥٦٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠، الكشاف ١/ ٣٨٦، الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٣٨٤، الدر المصون ٢/ ٢٩٤.","vol":"1","page":397},{"text":"الشاهد الشعري معرفة عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير وتنوعها، وقد أحصيتُ الشواهدَ الشعريةَ في كتب التفسير التي درستها في هذه الرسالة، وأضفت إليها ما وجدته من غيرها من التفاسير المشهورة المعتمدة ليتضح لك حجم الرواية الشعرية في كتب التفسير، وعدد الشواهد فيها، فكانت على النحو الآتي:\nم ... الكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد\n١ ... جامع البيان في تأويل آي القرآن ... أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ... ٢٢٦٠\n٢ ... الكشاف ... جار الله بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ... ٩٠١\n٣ ... المُحرر الوجيز ... عبدالحق بن غالب بن عطية (ت ٥٤١ هـ) ... ١٩٨١\n٤ ... زاد المسير في التفسير ... عبدالرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ... ٧٣٤\n٥ ... الجامع لأحكام القرآن ... أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ... ٤٨٠٧\n٦ ... البحر المُحيط ... أبو حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ) ... ٧٢٣ (١)\n٧ ... الدر المصون ... أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) ... ٤٦٨٦ (٢)\n٨ ... أنوار التنْزِيل وأسرار التأويل ... البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) ... ٢٦٦\n\nتَدلُّ كثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير على أهميته، وعناية المفسرين به كشاهدٍ على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومُعِينٍ على فهمها\n_________\n(١) انظر: أبيات النحو في تفسير البحر المحيط لشعاع المنصور ٩، وفي إحصاء شواهد أبي حيان في تفسيره للدكتور صبري السيد إبراهيم ٦٥٢ - ٦٥٣ بلغت الشواهد ٥٠١.\n(٢) انظر: الدر المصون ١١/ ١٥٩، وقد رقَّمَ المُحقق د. أحمد الخراط الشواهد الشعرية.","vol":"1","page":398},{"text":"كما كانت العرب زمنَ نزول الوحي تفهمُها، وقد تقدم ما صنفه العلماء من تفاسير اشتملت على أكثر مما اشتملت عليه التفاسير المطبوعة التي بين أيدي الناس اليوم من شواهد الشعر.\nغير أن هذه الكثرة للشواهد الشعرية لا تعني أَنَّهَا كانت مقصودةً لذاتِها في التفسير، وإِنَّمَا هي وسيلة ضمنَ وسائل يستعين بها المفسر على إيضاح معاني القرآن الكريم وتقريبها، إلا أَنَّها من أهم الوسائل، ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (١)، وقد عني بذلك المفسرون في كتب التفسير.\nوليست مسائل اللغة والنحو دخيلة على كتب التفسير، غير أنها ليست من صميم مسائله، ولذلك أشار بعض المفسرين في مواضع إلى أنهم عندما يطيلون في المناقشات اللغوية في بعض الآيات فإنَّما يكون ذلك لخدمة معنى الآيات القرآنية وتوضيحها، وليس قصدًا إلى هذه العلوم وشرحها، مع حرصهم على الاختصار وعدم الاسترسال في ذلك، ومن ذلك قول الطبري عندما رأى أنه قد أطال في نقاشاته النحوية في مسألة من تفسيره: «وإِنَّما اعترضنا بِما اعترضنا في ذلك من بَيانِ وجوهِ إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويلِ آي القرآن - لِمَا في اختلاف وجوهِ إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوه إعرابه، لنكشفَ لطالب تأويلهِ وجوهَ تأويله، على قَدْرِ اختلافِ المُختلفةِ في تأويله وقراءته» (٢). وهذا يعني أنه لم يتعرض للمسائل النحوية واللغوية إلا بمقدار ما يخدمُ بيانَ وإيضاحَ معاني الآيات المفسَّرة.\n_________\n(١) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ١٦٠.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٨٤.","vol":"1","page":399},{"text":"وهناك من المفسرين من يقتصد في التعرض لبعض المسائل النحوية ذات العلاقة بالتفسير، ويحيل القارئ إلى الكتب الموسعة في ذلك، كما قال الرازي: «لفظة «كان» قد تكون تامةً، وناقصةً، وزائدةً، على ما هو مشروح في النحو» (١). وقول أبي حيان -وهو من المكثرين من النقاشات النحوية في تفسيره - وهو يتحدث عن معنى «إِلَّا»: «إلا\nحرفٌ، وهو أَصلٌ لأدوات الاستثناء، وقد يكونُ ما بعده وصفًا، وشرطُ الوصف به جوازُ صلاحية الموضع للاستثناء، وأحكام «إِلَّا» مُستوفاةٌ في علم النحو» (٢)، ونحو ذلك من العبارات، مِما يدل على أن المفسرين - على تعدد مناهجهم - كانوا يحرصون على البقاء في دائرة التفسير، وعدم الخروج بالتفسير عن إطاره إلى الاستطراد في مسائل خارجة عن صلب التفسير.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-154> كثرة الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل</span>.\nفي مواضع متفرقة، ومسائل متعددة في كتب التفسير يكتفي المفسرون بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد، ويبنون عليه تفسيرهم ولا سيما تفسير الغريب، أو الوجه النحوي أو غير ذلك. وهذا يدل على اعتمادهم للشاهد الشعري، وأنه يستقل بالدلالة اللغوية وما يتصل بها. ولا سيما إذا لم يرد في القرآن الكريم ما يفسر الآية، أو لم يرد عن النبي - ﷺ - أو الصحابة أو التابعين في ذلك تفسير، فيكون الأولى عند عدم وجود تفسير لهم المصيرَ إلى ما وردَ في لغة العرب التي يُعَدُّ الشاهدُ الشعريُّ من أهم صُورها، ولذلك يقول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] (٣)، بعد إيراده لأقوال المفسرين فيها: «والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحَديدةِ الرَّحى،\n_________\n(١) تفسير الرازي ٨/ ١٧٧.\n(٢) البحر المحيط ١/ ٥٢.\n(٣) الأنبياء ٣٣.","vol":"1","page":400},{"text":"وكما ذكر عن الحسنِ كطاحونة الرحى، وجائزٌ أن يكونَ مَوجًا مَكفُوفًا، وأن يكونَ قُطبَ السماءِ؛ وذلك أَنَّ الفَلَكَ في كلامِ العربِ هو كُلُّ شيءٍ دائرٍ، فجمعه أفلاك. وقد ذكرتُ قولَ الرَّاجزِ (١):\nبَاتَتْ تُنَاصِي الفَلَكَ الدَّوَّارَا (٢)\nوإذا كان كلُّ ما دار في كلامها فَلَكًا، ولم يكن في كتاب اللهِ، ولا في خَبَرٍ عن رسول الله - ﷺ -، ولا عمَّنْ يقطعُ قولهُ العُذرَ، دليلٌ يدل على أَيِّ ذلكَ هو مِن أَيٍّ، كان الجوابُ أَن نقولَ فيه ما قالَ، ونسكتَ عمَّا لا علمَ لنا به» (٣).\nفقد بَيَّنَ الطبري أنه عند عدم وجود التفسير من القرآن أو السنة الصحيحة، أو الصحابي الحجة أو نحوه من التابعين، فإنه يصار إلى ما في اللغة الصحيحة بشواهدها الموثوقة، ويكتفى بذلك.\nويؤكد الطبري على هذا المعنى من وجه آخر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] (٤) فيقول: «الصَّمَدُ عندَ العربِ هو السَّيدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فَوقهُ، وكذلك تُسمِّي أشرافَها، ومنه قولُ الشاعر (٥):\nأَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْريْ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (٦)\nوقال الزِّبْرِقَانُ:\nولا رهينةَ إِلَّا سَيّدٌ صَمَدُ (٧)\nفإن كان ذلكَ كذلك، فالذي هو أَولى بتأويل الكلمةِ، المعنى\n_________\n(١) لم أعرفه.\n(٢) مجاز القرآن ٢/ ٣٨.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(٤) الإخلاص ٢.\n(٥) هو سبرة بن عمر الأسدي.\n(٦) مجاز القرآن ٢/ ٣١٦، سمط اللآلي ٢/ ٩٣٢، وفي سيرة ابن هشام نسبه لهند بنت معبد بن نضلة ١/ ٥٧٢.\n(٧) مجاز القرآن ٢/ ٣١٦.","vol":"1","page":401},{"text":"المعروفُ مِنْ كلام مَنْ نزل القرآنُ بلسانه، ولو كان حديثُ ابن بريدةَ عن أبيه (١) صحيحًا كانَ أولى الأقوال بالصحةِ؛ لأنَّ رسول الله - ﷺ - أعلمُ بِما عَنى اللهُ جلَّ ثناؤه، وبِما أُنزلَ عليه» (٢). فأشار الطبري إلى أن الأولى بتأويل الآية عند عدم ثبوت تفسير لها عن السلف، هو ما ورد في لسان العرب من معناها.\nوأَمَّا إذا وافق الشاهد الشعري مأثورًا عن السلف في تفسير الآية فيكون ذلك أولى بِحَمل معنى الآية عليه ولا خلاف في ذلك بين المفسرين، ومن ذلك قول الطبري وهو يفسر معنى قوله تعالى: ﴿طه﴾ وذلك بعد أن ساق الأقوال المروية في تفسيرها: «والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رَجُلُ؛ لأَنّها كلمة معروفة في عَكٍّ (٣) فيما بلغني، وأَنَّ معناها فيهم: يا رَجلُ، وأُنشدَ لِمُتمِّمِ بن نُويرة:\nهَتَفْتُ بِطَهَ في القِتَالِ فلمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَليهِ أَنْ يكونَ مُوائِلا (٤)\nوقال آخر (٥):\nإِنَّ السَّفَاهةَ طَهَ في خَلائِقِكُمْ ... لا بَاركَ اللهُ في القَومِ المَلاعِينِ (٦)\nفإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يُوجهَ\n_________\n(١) الحديث: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلمه إلا قد رفعه، قال: «الصَّمَدُ: الذي لا جَوفَ له». وهذا الحديث ذكره ابن كثير في تفسيره من ٨/ ٥٤٧ عن الطبري، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٢٠، والطبراني برقم ١١٦٢، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٣٧٢، وأبو الشيخ في العظمة برقم ٩٣ من طريق محمد بن عمر الرومي، وقال ابن كثير: وهذا غريب جدًا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٧٣٧.\n(٣) قبيلة من قبائل اليمن. انظر: معجم قبائل العرب ٢/ ٨٠٢، معجم البلدان ٣/ ٧٠٦.\n(٤) انظر: ديوانه ١٣١.\n(٥) هو يزيد بن المهلهل.\n(٦) التبيان للعكبري ٧/ ١٤٠، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٦٦.","vol":"1","page":402},{"text":"تأويلهُ إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيَّمَا إذا وافقَ ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين» (١).\nفقد وضع الطبري بهذا قاعدة في الاعتماد على الشاهد الشعري، والاكتفاء به في الاستشهاد، وهو إذا لم يَرِدْ عن السلف من الصحابة والتابعين تفسير للآية أو اللفظة، فيصار حينئذٍ إلى الشاهد الشعري أو غيره من الشواهد المعتبرة عند المفسرين، وأما إذا ورد عن الصحابة أو التابعين تفسير للآية فلا حاجة عند ذلك لتفسير أهل اللغة، ولا لشواهد الشعر، وفي ذلك يقول ابن تيمية: «ومِمَّا ينبغي أَنْ يُعلمَ أَنَّ القرآن والحديث إذا عُرفَ تفسيرهُ مِنْ جهةِ النَّبي - ﷺ - لم يُحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة» (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-155> الأمثلة على انفراد الشعر بالدلالة:</span>\nمن أمثلة انفراد الشاهد الشعري في الدلالة، واكتفاء المفسرين به في الاستشهاد ما فعله الطبريُّ عند تفسيره لِمَعنى «لعَلَّ» في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] (٣) حيث أورد سؤالًا جدليًا: كيفَ قال جلَّ ثناؤهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؟ أَوَ لَمْ يكن عالمًا بِما يصير إليه أمرُهُم إذا هم عَبدُوه وأَطاعوه حتى قال لهمْ لَعَلَّكم إذا فعلتم ذلك أَن تَتْقوا، فأَخرجَ الخَبَرَ عن عاقبةِ عِبادَتِهِم إِيَّاهُ مَخرجَ الشكِّ؟\nثم أجاب بقوله: «ذلكَ على غَير المعنى الذي توهمتَ، وإِنَّما معنى ذلكَ، اعبدوا ربَّكمُ الذي خلقكم والذين مِنْ قبلِكم لِتتقوهُ بِطاعتهِ، وتوحيدهِ، وإفرادهِ بالربوبيةِ والعبادةِ، كما قال الشاعر (٤):\nوقُلْتُمْ لَنَا: كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ، وَوثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٨.\n(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧.\n(٣) البقرة ٢١.\n(٤) لم أعرف قائله.","vol":"1","page":403},{"text":"فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرابٍ في الفَلا مُتَأَلِّقِ (١)\nيريدُ بذلكَ: قلتم لنَا: كُفُّوا لِنَكُفَّ. وذلك أنَّ «لعلَّ» في هذا الموضعِ لو كان شَكًّا لم يكونوا وَثَّقُوا لَهُم كلَّ مَوثِق» (٢).\nواكتفى الطبري بهذا الشاهد الشعري دليلًا على ما اختاره في معنى «لعل» في الآية، مِمَّا أَبَانَ عن منهجه في اعتماد الشاهد الشعري دليلًا منفردًا.\n- وفي موضع آخر عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] (٣) قال: «وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾، فأدخلت الواو في الجواب، كما قال امرؤ القيس:\nفَلمَّا أَجَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنَ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ (٤)\nفأَدخلَ «الواو» في جَواب «لَمَّا»، وإنَّما الكلامُ: فلمَّا أجزنا ساحةَ الحيّ، انتحى بنا. وكذلكَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ لأن قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ هو الجواب» (٥).\nوقد سار المفسرون على هذا المنوال في اعتمادهم على الشاهد الشعري منفردًا في كثير من المسائل، وهذا ظاهر للناظر في كتبهم (٦).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-156> الاعتماد على الشاهد الشعري بتقديمه على غيره من الشواهد</span>.\nلم يتبين لي تعليل مقبولٌ في ترتيب الشواهد عند المفسرين، وإنما يستشهد المفسر على مسألته بما يرد على ذهنه أول وهلة، وبما يحضره حين تأليفه للكتاب، ومن ذلك قول أبي جعفر النَّحاس وهو يبين منهجه\n_________\n(١) الحماسة البصرية ١/ ٢٥، أمالي بن الشجري ١/ ٧٧، تفسير القرطبي ١/ ٢٧٧، ١٢/ ٢٨٢.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(٣) يوسف ١٥.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤٢.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٥٧٤ - ٥٧٥.\n(٦) انظر: الكشاف ٣/ ٢٣٧، ٢٥٨، ٢٩١، ٣٦٤، المحرر الوجيز ٣/ ٥٨، ٧٩، ٤/ ٢١٩، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٢٧، ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٩١، ٣/ ٥٣، ١٠٨، ٣٤٢.","vol":"1","page":404},{"text":"في إيراد مسائل اللغة وشواهدها في كتابه: «وأَذكرُ مِن قولِ الجِلَّةِ من العلماءِ باللغةِ، وأَهلِ النَّظَرِ ما حَضَرني» (١)، ثم لا يزال يكثر الأدلة حتى يستوفي. ويقول أبو حيان وهو يذكر صورَ «مَنْ» في اللغة وجوازُ أن يُحملَ الكلام على لفظها أو على معناها، فلما ذكرَ «مَنْ» الموصوفة قال: «ليس مِنْ مَحفوظي مِنْ كلامِ العَرب مراعاةُ المَعْنَى، يعنِي تقولُ: مررتُ بِمَن مُحْسِنونَ لكَ» (٢).\nفدل على أنه يستشهد بما يحضره حال إملائه لتأليفه، أو تأليفه، بل إن بعض المفسرين قد يَحتاجُ إلى تنقيبٍ وبَحثٍ عن الشواهدِ، فلا تَقَعُ له إلا بعدَ طولِ تتبعٍ ومراجعة، ومن ذلك أَنَّ ابنَ قتيبةَ على سَعةِ مَحفوظهِ من الشِّعرِ، سُئِلَ عن لفظةِ «جهنَّمَ»، وهل ذُكرت في الشعر القديم فقال: «هذا يحتاج إلى تتبعٍ وطَلَبٍ، وقد تذكرتُ، فلم أذكر إلا شيئًا وجدته في شعر أمية بن أبي الصلت قال ...» (٣). ثُمَّ ذَكَرَ أبياتًا. ومثله الجاحظ على سعة عارضته وحفظه للشاعر يقول بعد أن ذكر بيتًا للنمر بن تولب: «وما أحسن ما قال النمر بن تولب، ولقد جهدت أن أصيب بيت شعر مثل هذا للعرب فما قدرت عليه» (٤).\nغَيرَ أَنَّ تقديم المفسر في استشهاده للشاهد الشعري على غيرهِ يوحي بنوعِ مَزيَّةٍ له، وقد تقدم الإشارة إلى منهج المفسرين في ترتيب الشواهد الشعرية، وأنهم كثيرًا ما يصدرون الأدلة بالشاهد الشعري، ومن أمثلة تقديم الشاهد الشعري، مما يوحي باعتماده، والاعتضاد بِمَا بعده، ومن ذلك قولُ الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٥): «يقال منه: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظرةً، بِمَعنى: انتظَرْتُهُ وَرَقَبْتُه، ومنه قول الحطيئة:\n_________\n(١) معاني القرآن الكريم ١/ ٤٢.\n(٢) انظر: الدر المصون ١/ ١٢٢.\n(٣) المسائل والأجوبة ٦٢.\n(٤) البرصان والعرجان ٢٩٣.\n(٥) البقرة ١٠٤.","vol":"1","page":405},{"text":"وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعشاءَ صَادرةٍ ... للخَمسِ طالَ بِهَا حَوزي وتَنْسَاسي (١)\nومنه قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٢) يعني به: انتظرونا» (٣).\nفقدم الشاهد الشعري على الشاهد من القرآن في استشهاده، وفعل مثل ذلك في كثير من المواضع في تفسيره، ومثله بقية المفسرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري:</span>\nيعد المفسرون الشاهد الشعري وثيقة لغوية، وحجة مقبولة، ولذلك يُقلِّبُونَهُ على وجوهه، فيستقصون كل ما يُمكن أن يدل عليه هذا البيت من اللغة والنحو والبلاغة، وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من هذا عند الحديث عن أنواع الشاهد الشعري، وسَمَّيتُ هذا النوعَ بـ «الشواهدِ المشتركة». لكن أكتفي هنا بالإشارة إلى هذه المسألة لكونها صورة من صور اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري، وحرصهم على استفياء جميع دلالاته. وأكتفي بِمِثالٍ واحد للدلالة على هذا الجانب، مع ما تقدم في البحث.\nوردَ في كتبِ التفسير قولُ الشاعرِ:\nأقبلَ سيلٌ جاءَ من عندِ اللهْ ... يَحْردُ حَرْدَ الجِنَّةِ المُغِلَّةْ (٤)\nوقد ذكر بعض المفسرين أن هذا الشاهدَ موضوعٌ، ومع ذلك استشهدَ به المفسرونَ بكافةِ وجُوههِ، فاستشهدوا بِجَانبه اللغويِّ على معنى قولهِ: ﴿حَرْدٍ﴾، في قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ [القلم: ٢٥] (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) الحديد ١٣.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(٤) نُسِبَ لحسان بن ثابت كما في إصلاح المنطق ٥٥، ٢٩٦، وليس في ديوانه، قال أبو حاتم: هذا البيت مصنوعٌ، صَنَعَةُ مَن لا أَحْسَنَ اللهُ ذِكرَه يعني قطربًا. وقوله: المُغلّة يُحتملُ أن يكونَ من الغُلَّةِ التي هي العَطَشُ. وأن يكون من الغَلَّةِ التي هي الرَّيع والفائدة. انظر: اللآلي شرح الأمالي ١/ ٣١، وانظر حاشية الميمني.\n(٥) القلم ٢٥.","vol":"1","page":406},{"text":"فقال الطبري: «فإذا كان ... غيرُ جائزٍ عندنا أن يتعدى ما أجْمعت عليه الحجةُ، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان المعروفُ من معنى الحَرْدِ في كلام العرب القَصْدَ، من قولهم: قد حَرِدَ فلانٌ حَرْدَ فُلانٍ: إذا قَصَدَ قَصْدَهُ، ومنه قولُ الراجزِ:\nوجَاءَ سيلٌ كانَ مِنْ أمرِ اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجِنةِ المُغلةْ\nيعني: يقصدُ قصدَها، صحَّ أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ وغدوا على أمرٍ قد قصدوهُ واعتمدوهُ واستسروهُ بينهم قادرين عليه في أنفسهم» (١).\nواستشهدوا به على حذف اللام الأخيرة من لفظ الجلالة (الله) من باب التخفيف، وهي لغة لبعض العرب، قال ابن عطية: «وحذفت الألف الأخيرة من «الله» لئلا يُشكلَ بِخطِّ اللاتِ، وقيل: طرحت تَخفيفًا، وقيل: هي لغةٌ فاستعملت في الخط، ومنها قول الشاعر ابن الأعرابي:\nأَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن أمرِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ» (٢).\nكما استشهدوا به على التخفيف في اللغة فقال القرطبي: «وحكى المهدوي عن النخعي وإبن وثاب ثلاث وربع بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع إستخفافا كما قال:\nأَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن عندِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ» (٣).\nفهذه ثلاثة أوجه استُشهدَ عليها بشاهد شعري واحد، بحيث استوفى المفسرون ما فيه من أوجه الاستشهاد، وربما زادت أوجه الاستشهاد في بعض الأبيات عن هذا، وربما لم يكن في البيت إلا وجه واحد، وكل\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ١٧٩، المحرر الوجيز ١٦/ ٨٢ - ٨٣، الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٤٢.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ٥٨.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٦.","vol":"1","page":407},{"text":"هذا دليل على عناية المفسرين بما بين أيديهم من الشواهد الشعرية، والحرص على حسن تصريفها، والاستفادة منها في تفسيرهم للقرآن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>مدى اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الطبري:</span>\nأخذ الإمامُ الطبريُّ الشواهدَ الشعريةَ عن السابقين من العلماء والرواة والمؤلفات، وأضاف إليها، حتى فاقت عنده غيرها من الشواهد، وقد كان حريصًا على الشعر في الاحتجاج لما يذهب إليه (٢)، وكان يورده عقب الشواهد القرآنية مرة، وبعد النص المفسر مرة أخرى، فيشرحه، ويبين حكمه، ويوازن ما دل عليه الشاهد الشعري بما في الآية المفسرة تَمهيدًا لاختيار الراجح عنده في تفسير الآية بناء على ما تبين له من الأوجه والأدلة، بأسلوب واضح، وبيانٍ سديد.\nوالطبري قد تميز في تفسيره بالعناية الكبيرة بالشاهد، وله عنده معنى أوسع من معنى الشاهد الشعري، فكل ما يشهد لصحة التفسير من القرآن أو الحديث أو لغة العرب فهو يعد شاهدًا عند الطبري، ومن ذلك قوله: «وقد بَيَّنَّا معنى الطاغوت فيما مضى بشواهد من الروايات وغيرها» (٣). ويردد كثيرًا عبارات تؤدي هذا المعنى مثل قوله: «وقد بينا ذلك بشواهده بما أغنى عن إعادته»، وقوله: «وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى» (٤). ويتردد مصطلح الشاهد كثيرًا في تفسير الطبري بشكل يفوق غيره من المفسرين، بل ويزيد على أصحاب\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز ١/ ٤٦، الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٢٦.\n(٢) ظهرت سعة رواية الطبري للشعر في تاريخه أيضًا، فقد أورد فيه أشعار ستمائة شاعر من مختلف العصور، وبلغت شواهده ٤٨٤٨ بيتًا، ما بين قصيد ورجز، طوال وقصار، وأورد كثيرًا من شعر المحدثين كأبي تمام وبشار، مما يدل على معرفته بشعر المتأخرين، والتزامه في التفسير بشعراء الاحتجاج المتفق عليهم. انظر: الطبري ومنهجه في التاريخ للدكتور علي بكر حسن ٢٢٠.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٠/ ٤٤٣.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٦٤.","vol":"1","page":408},{"text":"كتب المعاني الذين كان لهم سبق في العناية بالشواهد الشعرية في التفسير.\nويُعَبِّر الطبري بتعبيراتٍ أخرى في معنى الشاهد، قد تكون قريبة المعنى مع الفرق الدقيق في الدلالة، كمصطلح الاحتجاج (١)، والتمثيل (٢)، والدليل (٣)، والاعتلال (٤)، والانتزاع (٥)، وكلها تعبيرات يقصد بها الطبري ما يقصده بالشاهد في تفسيره، لأن الشاهد عند الطبري له مفهومٌ مشتقٌّ من الأصل العام الذي اعتمده في تفسيره، وهو التأكيد على الحجة، والنقل الصحيح المستفيض المستند إلى الدليل.\nوقد قمت بِحَصر مَا ورد في الجزء الأول من تفسيره الذي تضمن تفسير سورة الفاتحة وثلاثًا وأربعين آية من سورة البقرة، فوجدته استشهد بِمائتين وأربعين آية قرآنية تقريبًا، وثَمانِمائةٍ وتسعةٍ وثلاثين حديثًا وأثرًا، ومائة وثلاثة وستين شاهدًا شعريًا، وتحتلف بقية الأجزاء، فتزيد الآثار أحيانًا على شواهد الشعر، وتزيد الشواهد الشعرية على الآثار في بعض، مع ملاحظة أن الروايات والآثار التي يستشهد بها تتكرر كثيرًا، بخلاف الشواهد الشعرية التي يندر تكررها.\nوقد اعتمد الطبري على الشاهد الشعري في الاستدلال اللغوي على غريب القرآن، وشرح المفردات، وشرح الأساليب النحوية والبلاغية، وغير ذلك، ومن أمثلة ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>أولًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة</span>.\nيعتمد الطبري كثيرًا في تفسيره لغريب القرآن على شواهد الشعر،\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٤٨٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ١٦٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٠٥، ١٢/ ١٧٧، ١٣/ ٥٣، (هجر) ٢٤/ ٧٢٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٤٣٩، (هجر) ٢٤/ ٣١٤.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٣٦، لسان العرب ١٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (نزع).","vol":"1","page":409},{"text":"وقد أورد عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية لغريب القرآن، وفاقت شواهد الغريب في تفسيره جميع الشواهد الشعرية فبلغت أكثر من النصف من شواهده، ولو جَمَع باحثٌ مفرداتِ غريبِ القرآن من تفسير الطبري مع شواهدها من الشعر، لخرج في كتاب لطيفٍ يُنتفع به (١).\nوقد أضاف الطبري كثيرًا من شواهد غريب القرآن لم يستعملها من قبله، وجانب الغريب قد لقي عناية من المفسرين، ولذلك يقول أبو حاتم الرازي بعد أن نقل عن أبي عبيدة استدلاله بالشعر على تفسير القرآن: «يَجوزُ هذا عندي فيما كان من الغريب والإعراب، فأما ما كان من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ، فليس لبشر أن يتكلم فيه برأيه، إلا ما فسرته سنة رسول الله - ﷺ - وقاله الصحابة والتابعون» (٢). وهذا هو الذي يحتج العلماءُ - من المفسرين وغيرهم - عليه بشعر العرب، ولم يكن أحدٌ منهم يحتج بشعر العرب إِلَّا في لغة القرآن وتركيبه، دون حلاله وحرامه، فلا مدخل له فيها، ولذلك قال ابن فارس: «لغة العرب -ومنها الشِّعْر- يُحتجُّ بها فيما اختلف فيه، إذا كان التنازع في اسم أو صفة أو شيء مما تستعمله العرب من سننها في حقيقة ومجاز، أو ما أشبه ذلك، فأما الذي سبيله الاستنباط، أو ما فيه لدلائل العقل مجال، فإن العرب وغيرهم فيه سواء؛ لأن سائلًا لو سأل عن دلالة من دلائل التوحيد، أو حجةٍ في أصل فقهٍ أو فرعه، لم يكن الاحتجاج فيه بشيء من لغة العرب، إذ كان موضوع ذلك غير اللغات» (٣).\n- ومن أمثلة اعتماد الطبري على الشعر في تفسير غريب القرآن ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (٤) حيث ذهب إلى\n_________\n(١) حاول الدكتور عبدالرحمن عميرة ذلك فأخرج كتابه «لغة العرب من تفسير الطبري» لكن فاته الكثير من المفردات والشواهد.\n(٢) الزينة ١/ ١٢٧.\n(٣) الصاحبي ٤٩.\n(٤) الفاتحة ٥.","vol":"1","page":410},{"text":"أن معناها: «لك اللهمَّ نَخشعُ ونَذِلُّ ونَستكينُ إقرارًا لك يا ربَّنا بالربوبيةِ لا لغيرك» (١).\nوقد كان اختيارُه هذا التفسيرَ بناءً على ما روي عن العَربِ في أَشعارِها، وتسميتها الخشوعَ والذلةَ والاستكانةَ عبادةً، وتسميتها الطريق المُذلَّلَ الذي وطئتهُ الأقدامُ مُعبَّدًا، فقال في ذلك: «وإنما اخترنا البيانَ عن تأويله بأنه بِمعنى نَخشعُ ونذلُّ ونستكينُ، دون البيانِ عنه بأَنَّه بِمعنى نَرجو ونَخافُ - وإن كان الرجاءُ والخَوفُ لا يكونان إِلَّا مع ذلةٍ - لأَنَّ العبوديةَ، عند جَميع العربِ، أصلها الذلةُ، وأَنَّها تُسمِّى الطريقَ المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللتهُ السابلةُ: مُعبَّدًا، ومن ذلك قولُ طَرفةَ بن العَبْدِ:\nتُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ، وأَتْبَعَتْ ... وَظِيْفًا وَظِيْفًا فوقَ مَورٍ مُعَبَّدِ (٢)\nيعني بالمَوْرِ: الطريقَ، وبالمُعبَّدِ: المُذلَّلَ الموطوءَ» (٣). وهذا النقل يغني عن التدليل على اعتماد الطبري على الشاهد الشعري المذكور وغيره مِمَّا لم يذكره.\n- وهذا مثالٌ آخر يدلُّ على مدى اعتماد الطبري على الشاهد الشعري، وثقته به في تَمثيلهِ للغةِ العربِ أصدقَ تَمثيلٍ، حيث جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨] (٤)، فذكر أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، وهي ثلاثة أقوال:\nالأول: بمعنى فانبذ إليهم على عَدْلٍ، حتى يعتدل علمك وعلمهم\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦٠.\n(٢) يصف ناقته، ومعنى تباري: تُجاريها وتسابقها، والعتاق هي الكريمة الأصل، والناجية: السريعة، والوظيف: من رُسغي البعير إلى ركبتيه في يديه، والوظيف في البيت هو خف الناقة. انظر: ديوانه ٣٥.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦١.\n(٤) الأنفال ٥٨.","vol":"1","page":411},{"text":"بما عليه بعضكم لبعضٍ من المُحاربة، والثاني: أن السواء بمعنى الوسَط، والثالث: أن السواء بمعنى المَهَل.\nفأما القول الأول فاستشهد له بقول الراجز:\nواضرِبْ وُجوهَ الغُدُرِ الأَعْداءِ ... حتى يُجيبوكَ إلى السَّواءِ (١)\nيعني: إلى العدل.\nوأما القول الثاني، وهو أن السواء بمعنى الوسط، فاستشهد له بقول حسان:\nيَا وَيْحَ أَنْصارِ النَّبِيِّ وَرهطهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ (٢)\nبِمعنى: في وَسطِ اللَّحْدِ. ثم علق الطبري على ذلك تعليقًا ينبي عن اعتداده بالشاهد الشعري في التفسير فقال: «وكذلك هذه المعاني متقاربة؛ لأنَّ «العَدْلَ» وسَطٌ لا يعلو فوق الحق، ولا يقصر عنه. وكذلك «الوَسَطُ» عَدْلٌ. واستواءُ عِلْمِ الفريقين فيما عليه بعضهم لبعضٍ بعد المهادنةِ عَدْلٌ من الفِعْلِ وَوسَطٌ.\nوأَمَّا الذي قاله الوليدُ بن مسلمٍ (٣) من أَنَّ معناهُ: المَهَلُ، فَما لا أعلمُ لَه وَجهًا في كلامِ العرب» (٤). فانظر كيف احتملَ الطبريُّ وقَبِلَ ما جاءت به الشواهد من معاني اللفظة ما لم تتعارض معانيها، ورده ما لم تؤيده الشواهد أنه من لغة العرب. وأمثلة هذا كثيرة في تفسيره (٥).\nوربما تجاوز الطبري شرح اللفظة الغريبة، إلى بيان اللفظة الفصيحة من غيرها معتمدًا على الشاهد الشعري في ذلك، وبَيانِ أَنَّ الآية قد\n_________\n(١) لم أجده ولم أعرف قائله.\n(٢) انظر: ديوانه ١٤٢.\n(٣) هو عالم أهل الشام وحافظهم، من تلاميذ سفيان بن عيينة، ومن شيوخ أحمد بن حنبل، توفي مرجعه من الحج عام ١٩٤ هـ. وكان ثقة إذا صرح بالتحديث لاتهامه بالتدليس. انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٠، سير أعلام النبلاء ٩/ ٢١١.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٢٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦٧، ١٧٠، ٥٢٣، ٥٣٤، ٥٧٣، ٧/ ٦٢.","vol":"1","page":412},{"text":"جاءت على الأفصحِ من لغةِ العَربِ، وإن كان غيرهُ فصيحًا جائزًا.\n- ومن ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (١) حيث قال: «والعرب تقول: نصحتُ لكَ، وشكرتُ لكَ، ولا تكاد تقول: نصحتُكَ. وربَّما قالتْ: شَكرتُكَ، ونَصحتُكَ، من ذلك قول الشاعر (٢):\nهُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ ... فَهَلاَّ شَكرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقَاتِلِ (٣)\nوقال النابغةُ في «نصحتُك»:\nنَصحتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقبَّلُوا ... رسُولي ولَم تَنْجَحْ لَديهمْ وَسَائِلي (٤)» (٥).\nفالطبري قد اعتمد على الشاهد الشعري في إثبات الأوجه اللغوية الأخرى، التي تقولها العرب، مع أن الذي ورد في القرآن الكريم هو الأفصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>ثانيًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في المسائل النحوية</span>.\nتعرض الطبري في تفسيره لكثير من القضايا النحوية، ومن ذلك توجيه الآيات من حيث الإعراب، وقد كان للشاهد الشعري حضور ظاهر في مثل هذه المسائل، وقد بلغت شواهد النحو الشعرية في تفسير الطبري مائتان وثلاثين شاهدًا شعريًا (٢٣٠)، وكلها لشعراء الاحتجاج، وقد تابع الكوفيين في شواهده، فهو يذكر معظم إن لم يكن كل شواهد الكوفيين النحوية، ويذهب في توجيهها مذهبهم، ولا سيما الفراء، فهو أكثر النحويين الذين تكرر ذكرهم في تفسيره، ولذلك فقد عده بعض الباحثين كوفي المذهب في النحو (٦).\n_________\n(١) البقرة ١٥٢.\n(٢) هو عمر بن لجأ كما في البحر المحيط ١/ ٤٤٧.\n(٣) معاني القرآن للفراء ١/ ٩٢.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٢١٢.\n(٦) انظر: الطبري النحوي من خلال تفسيره لزكي الألوسي ٦٢.","vol":"1","page":413},{"text":"- ومن أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] (١)، وهو يُبَيّنُ سَببَ نَصْبِ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ في هذه القراءة، حيث يقولُ: «وأَمَّا (الصَّابرين) فَنَصْبٌ، وهو مِنْ نَعْتِ «مَنْ» على وجه المدح؛ لأَنَّ من شأن العَرَب - إذا تطاولت صفةُ الواحد - الاعتراضُ بالمدحِ والذمِّ بالنصب أَحيانًا، وبالرَّفع أحيانًا، كما قال الشاعرُ (٢):\nإلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتيبةِ في المُزْدَحَمْ\nوذَا الرأَي حِينَ تُغَمُّ الأُمُورُ ... بذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ (٣)\nفَنَصَبَ «ليثَ الكتيبةِ» و«ذَا الرأي» عَلى المدحِ، والاسمُ قبلَهُما مَخفوضٌ؛ لأَنَّه من صفةِ واحدٍ، ومنه قول الآخر:\nفليتَ التي فيها النُّجومُ تَواضَعَتْ ... عَلى كُلِّ غَثٍّ مِنهمُ وسَمَينِ\nغُيُوثَ الوَرَى في كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمينَ كُلَّ عَرِينِ» (٤).\nفقد اعتمد الطبري في هذه المسألة النحوية، وهي وجه نصب «الصَّابرينَ» في هذه الآية، على شاهدين من شواهد الشعرِ المُحتج به، مع بيان وجه الاستشهاد فيهما، وحكى القول الآخر في توجيه النصب بصيغةٍ تدل على تضعيف هذا القول فقال: «وقد زعم بعضهم (٥) أن قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ نُصِبَ عَطفًا على ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]» (٦). ولم يزد على ذلك، مما يدل على اعتماده التوجيه الذي تشهد له شواهد الشعر، والتي أورد شاهدين منها.\n_________\n(١) البقرة ١٧٧.\n(٢) لم أعرف قائلهما.\n(٣) معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٥، خزانة الأدب ١/ ٤٥١، الإنصاف ٣٧٦.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٥) هو الفراء كما في معاني القرآن ١/ ١٠٨ وما بعدها.\n(٦) تفسير القرطبي (شاكر) ٣/ ٣٥٣.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>ثالثًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في شرحه لنظمِ الآية</span>.\nيَحتكمُ الطبري في تفسيره لأسلوب العرب في خطابها وكلامها، ومن أمثل ما يمكن الموازنة به من لغتها شِعْرُها المحفوظ الموثوق بروايته، وقد كان الطبري يوازن بين الأسلوب في الآية القرآنية والشاهد الشعري.\n- ومن أمثلة ذلك قوله: «وأما معنى قوله: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨] (١) فإنه بِمَعنى: هلاَّ يكلمنا الله، كما قال الأشهبُ بنُ رُمَيلة (٢):\nتَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيْبِ أَفضلَ مَجدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرى لَولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا! (٣)\nبِمعنى: فَهلاَّ تَعُدُّون الكميَّ المُقنَّعا» (٤).\nفاعتمدَ الطبريُّ على هذا الشاهدِ الشعريِّ في أَنَّ «لولا» في الآيةِ بِمعنى: هَلَّا. وأنَّ معنى البيت: لولا تعُدونَ الكميَّ، أو لولا تبارزون الكميَّ، وهو الفارس الشجاع (٥). وتابعه ابن عطية في ذلك (٦).\nوقد يكون إيراده للشاهد الشعري من باب الاعتضاد به، وليس من باب الاعتماد عليه اعتمادًا كليًا، ومثال ذلك قوله وهو يُبَيّنُ أنَّ العرب تُعدِّي فعلَ «هَدَى» بنفسهِ وبالحرفِ: «والعرب تقول: هديت فلانًا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق، إذا أرشدته إليه، وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] (٧)، وقال في موضع آخر: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] (٨)، وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] (٩).\n_________\n(١) البقرة ١١٨.\n(٢) ليس البيت له، وإنما هو لجرير بن عطية، ولعله تابع أبا عبيدة كما في مجاز القرآن ١/ ٣٤، وقد نسبه أبو عبيدة لجرير في النقائض ٢/ ٨٣٣، أمالي ابن الشجري ١/ ٤٢٦ فقد توسع الطناحي ﵀ في تخريجه.\n(٣) ديوان جرير ٣٣٨، خزانة الأدب ١/ ٢٦٦، ٣/ ٥٥ - ٦٠.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٥) انظر: الجنى الداني ٦٠٦.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز ١/ ٣٤١.\n(٧) الأعراف ٤٣.\n(٨) النحل ١٢١.\n(٩) الفاتحة ٦.","vol":"1","page":415},{"text":"وكلُّ ذلك فَاشٍ في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر:\nأَسْتغفرُ اللهَ ذَنْبًا لَستُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبَادِ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (١)\nيريد: أستغفر الله لذنبٍ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] (٢)، ومنه قول نابغة بني ذبيان:\nفَيَصِيْدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... قبلَ الوَنَى والأَشْعَبَ النَّباحَا (٣)\nيريدُ: فيصيدُ لَنَا، وذلكَ كثيرٌ في أَشعارِهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية» (٤).\nوفي هذا المثال كان يكفي ما ذكره الطبري من الآيات القرآنية الدالة على ما أراد من تعدية الفعلِ «هَدَى» بنفسه، وباللامِ، وبـ «إلى»، غير أَنه عَضَدَ ما ذكره من الآيات، بِمَا وردَ في شعر العربِ على وجه الاختصارِ، والإشارة إلى كثرة ذلك في كلامهم وشعرهم على حد سواء، ولا شك أن هذا أدعى لاطمئنان القارئ وتسليمه بِحُجةِ المفسر، والاقتناع برأيه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>رابعًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في إيضاح بلاغة الآيات</span>.\nلم يكن الطبري يغلب جانب البلاغة في تفسيره، وإنما كان أحيانًا يقف مع بلاغة بعض الآيات، ويكشف عن وجه البلاغة فيها، ويستعين في ذلك بما بين يديه من شواهد الشعر.\n- من أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى\n_________\n(١) غير منسوب، وهو من أبيات الكتاب التي لم يعرف قائلها كما في الكتاب ١/ ١٧، خزانة الأدب ١/ ٤٨٦.\n(٢) غافر ٥٥.\n(٣) لم أجده في ديوانه، وله قصيدة على الوزن نفسه والقافية ٢٠٠ ليس منها البيت.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٥٤٢.","vol":"1","page":416},{"text":"مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣] (١)، فقد بَيَّنَ أنَّ معنى الآيةِ: بَادروا إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم مِن رَحْمةِ الله، وما يُغطِّيها عليكم مِنْ عَفوِهِ، وبادروا أيضًا إلى جنةٍ عَرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ، والأَرضينَ السبعِ إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، ثم قال: «وإِنَّمَا قيل: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فوصفَ عرضَها بالسمواتِ والأَرَضِين، والمعنى ما وصفْنَا، من وصفِ عرضِها بعرض السموات والأرض تَشبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (٢)، يعني: إِلَّا كَبعثِ نَفسٍ واحدةٍ، وكما قال الشاعر (٣):\nكَأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ في بَلَدٍ قِفَارِ (٤)\nأي: عذيرُ نَعَامٍ، وكما قالَ الآخرُ (٥):\nحَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا! ... وما هيَ - ويبَ غَيْرِكَ - بِالعَنَاقِ (٦)\nيريد: صَوتَ عَنَاقٍ» (٧).\nوهذا الذي أشار إليه الطبري - معتمدًا على شواهد الشعر - هو من باب حذفِ المضافِ دون المضاف إليه، وقد حُذفَ لدلالةِ ما تقدم عليه من جهةٍ، ولإفادة معنىً لم يكن ليحصلَ للسامعِ لو لم يُحذفِ المضاف (٨). وهو باب من أبواب البلاغة.\nهذا شيء من صور اعتماد الإمام الطبري على الشاهد الشعري في تفسيره «جامع البيان»، والذي يُعَدُّ بِحَقٍّ أقدرَ المفسرين على الاستفادة من\n_________\n(١) آل عمران ١٣٣.\n(٢) لقمان ٢٨.\n(٣) هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي.\n(٤) الكامل ٣/ ١٢٥٣، وسِلَّى موضعٌ بالبادية. انظر: معجم البلدان ٣/ ٢٣٢.\n(٥) هو ذو الخرق الطهوي كما نسبه الطبري نفسه في التفسير (شاكر) ٣/ ٣٣٩.\n(٦) يصف ذئبًا تبعه، كما في معاني القرآن للفراء ١/ ٦٢، مجالس ثعلب ١/ ٦١.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨.\n(٨) انظر: الصاحبي ٣٣٧، خصائص التعبير القرآني للمطعني ٢/ ٤٣ - ٤٧.","vol":"1","page":417},{"text":"الشاهد الشعري، وأبصرهم بِمواطنهِ اللائقةِ به للاعتمادِ عليهِ، أو الاعتضاد به في تفسير القرآن الكريم، وقل من جاء بعده من المفسرين إلا وانتفع بما كتبه وسار عليه في تفسيره مما يتعلق بالشاهد الشعري على وجه الخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير الزمخشري:</span>\nوأما الزمخشريُّ فقد كانت عنايته بالشواهد الشعرية، واعتماده عليها أقلَّ ظهورًا من الطبريِّ، وإن كان استفاد منها في تفسيره، غير أنه لم يكثر منها، ومن أمثلة اعتماد الزمخشري على الشاهد الشعري في تفسيره ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في الاستشهاد للمعنى</span>.\nيعتمد الزمخشري على الشاهد الشعري في الاستشهاد لمعنى اللفظة التي يشرحها، ومن ذلك استشهاد للدلالة على أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح بخلاف الحمد، قوله: «وأما الشكر فعلى النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، قال (١):\nأَفادَتْكُمُ النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثةً ... يَدِي وَلِسَاني والضَّميرَ المُحَجَّبَا (٢)\nوالحمدُ باللسان وحده، فهو إحدى شُعَبِ الشُّكر» (٣). وهذا استشهاد معنويٌّ من الزمخشري على أنَّ الشُّكْرَ يُطلق على أفعالِ المواردِ الثلاثة: اليدِ، واللسان، والقلب. وقد وجدتُ استشهادَ الزمخشريِّ للمعنى يكثرُ بأَشعارِ المتأخرينِ من الشعراء كأَبي تَمَّامٍ والمتنبي، غير أنه لا يَحتجُّ بِهم للفظ الغريب، إِلا في موضعٍ واحدٍ من تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] (٤)، حيث استشهد ببيت لأبي تمام\n_________\n(١) لم أجده.\n(٢) تفسير ابن كثير ١/ ٢٢، غرائب الفرقان ١/ ٩٢.\n(٣) الكشاف ١/ ١١١.\n(٤) البقرة ٢٠.","vol":"1","page":418},{"text":"حبيب بن أوس فقال: «وأظلمَ: يُحتملُ أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، وأن يكون متعديًا منقولًا من ظلم الليل، وتشهد له قراءةُ يزيد بن قطيب: (أُظْلِمَ) على ما لم يُسَمَّ فاعله (١). وجاء في شعر حبيب بن أوس:\nهُما أظلما حاليَّ ثُمَّتَ أَجليَا ... ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ (٢)\nوهو وإن كان مُحْدَثًا لا يُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه» (٣). فهو هنا أورد البيت بعد القراءة الشاذة، فهو لم يورده بمفرده مع أنه احتج لما ذهب إليه باعتماد العلماء لروايته، فقاس لغته على روايته مع الفارق. وقد اشتهر قول الزمخشري هذا، غير أنه لم يوافقه عليه أحد، وفرقوا بين ثقته فيما ينقل، والاحتجاج بلغته، وقد تقدم.\nومن ذلك أنه استشهد بقول أبي تمام للمعنى في قوله: «فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهًا إلى المؤمنين والكافرين جميعًا، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم، فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل:\n_________\n(١) نقلها أبو حيان عن الزمخشري في البحر المحيط ١/ ٩٠، وفي النهر الماد كذلك له ١/ ٦٨، وفي المحرر الوجيز ١/ ١٣٩ نسبها للضحاك. ولم يتعرض لها ابن جني في كتابه «المحتسب».\n(٢) ديوان أبي تَمَّام ٣١، وفي شرح التبريزي لديوان أبي تمام ١/ ١٥٠: «جعل (أظلم) ها هنا متعديًا، وذلك قليل في الاستعمال، وهو في القياس جائز، وهو على قياس من قال: ظَلَمَ الليلُ، في معنى أظلمَ. فإن ادّعي أن (أظلم) ها هنا غير متعدٍ، وأن (حاليَّ) منصوب كانتصاب الظرف، فإن قوله (أجليا ظلاميهما) يدفع ذلك؛ لأنه عدَّى (أجليا) إلى الظلامين».\n(٣) الكشاف ١/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":419},{"text":"فَلَو أَنّي فَعَلتُ كُنتُ كَمَن تَسـ ... ـأَلُهُ وَهوَ قائِمٌ أَن يَقوما (١)؟» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة</span>.\nومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] (٣) وهو يفسر المقصود بالحنيف في اللغة: «والحنف: الميل في القدمين، وتَحَنَّفَ إذا مَالَ، وأنشد:\nوَلكنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلقنَا ... حَنيفًا دِينُنا عَنْ كُلِّ دِينِ (٤)» (٥).\nفاستشهد على معنى الحنيف في اللغة وأنه بمعنى المائل، بشاهد من الشعر.\nوربما يورد الشاهد الشعري بعد غيره من الشواهد اعتضادًا به، وتقوية للتفسير كما في قوله عند تفسير معنى الدين في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٦): «ويوم الدين يوم الجزاء، ومنه قولهم: كمَا تَدينُ تُدانُ، وبيتُ الحَمَاسةِ:\nوَلَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (٧)» (٨).\nفقد أتى بالشاهد الشعري تأييدًا لما تقدمه في شرح معنى الدين في هذه الآية، وأمثلة ذلك عند الزمخشري كثيرة (٩).\n_________\n(١) ديوان أبي تمام.\n(٢) الكشاف ١/ ٩٠.\n(٣) البقرة ١٣٥.\n(٤) البيت لأبي قيس صيفي بن الأسلت الأوسي الجاهلي، ورواية البيت كما في السيرة النبوية:\nولكنَّا خُلِقنَا إِذْ خُلقنَا ... حَنيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ جِيلِ\nانظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٣٨، ديوانه ٨٧، معاني القرآن للزجاج ١/ ١٩٤، الدر المصون ٢/ ١٣٨\n(٥) الكشاف ١/ ٢٢١.\n(٦) الفاتحة ٤.\n(٧) الشاهد للفِنْدِ الزِّمَّاني، والبيت من ثاني قصيدة في ديوان الحماسة لأبي تمام ٣٠ وقد تقدم.\n(٨) الكشاف ١/ ١١٥ - ١١٦.\n(٩) انظر: الكشاف ١/ ٣٥٧، ٣٩٦، ٤٠١، ٤٨٠.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في توجيه الآية نَحويًا</span>.\nتقدم أن المفسرين في توجيهاتهم الإعرابية لبعض الآيات يعتمدون كثيرًا على شواهد الشعر كعادة أهل النحو، ومن ذلك عند الزمخشري ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١) حيث ذكر قراءةَ أُبَيِّ بن كعبٍ، والأعمشِ بالرفع فقال: «وقرأ أُبِيُّ والأعمشُ: (إلاَّ قَليلٌ) (٢) بالرفع، وهذا من ميلهم مع المعنى، والإعراض عن اللفظ جانبًا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ في معنى: فلم يُطيعوه، حَمَل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليلٌ منهم، ونحوه قول الفرزدق:\n....................... لَمْ يَدَعْ ... مِنَ المَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَو مُجَلَّفُ (٣)\nكأَنَّه قال: لم يَبْقَ من المالِ إِلَّا مُسْحَتٌ أو مُجلَّفُ» (٤).\nفالزمخشري اعتمد في توضيح وجه القراءة بالرفع على بيت الفرزدق، وهو بيت مختلف في توجيهه بين النحويين، وفي توجيه هذا البيت وجهان آخران ذكرهما النحويون (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن</span>.\nعُنِيَ الزمخشريُّ في تفسيره بالجانب البلاغي، حتى إنه أقام تفسيره عليه، وقد اعتمد على الشاهد الشعري في مواضع متعددة لتوضيح الوجه\n_________\n(١) البقرة ٢٤٩.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٦٦، الدر المصون ١/ ٦٠٥، معجم القراءات للخطيب ١/ ٣٥٤.\n(٣) تَمامُ البيت:\nوعَضُّ زَمَانٍ يا ابنَ مَروانَ لَمْ يَدَعْ ... مِن المَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ\nانظر: ديوانه ٥٥٦.\n(٤) الكشاف ١/ ٤٧٥ - ٤٧٦.\n(٥) انظر: الخصائص ١/ ١٩٩، المحتسب ١/ ١٨٠، الدر المصون ٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩، خزانة الأدب ٢/ ٣٤٧.","vol":"1","page":421},{"text":"البلاغي في الآية المفسرة. ومن ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] (١) حيث قال: «فإن قلت: لِمَ عَدَلَ عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة .... وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات:\nتطاولَ ليلُكَ بالإِثْمِدِ ... ونَامَ الخَليُّ ولَم تَرْقُدِ\nوباتَ وباتَتْ لهُ ليلةٌ ... كليلةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَدِ\nوذلكَ مِنْ نَبأٍ جَاءني ... وخُبِّرتُهُ عن أَبي الأسودِ» (٢).\nفاستشهد بشعر امرئ القيس على هذا الأسلوب العربي الوارد في القرآن في مواضع متعددة، وهو الالتفات. وقد أكثر الزمخشري من الاستشهاد بالشاهد الشعري على الأساليب البلاغية في تفسيره، حتى شهر بذلك.\nومن ذلك أيضًا قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١] (٣) وهو يشير إلى المجاز الحكمي، وهو وصف الشيء بوصف محدثه فقال: «ذو الحكمة لاشتماله عليها، ونطقه بها، أو وصف بصفة محدثة، قال الأعشى:\nوغَرِيبةٍ تَأتي المُلوكَ حَكيمةٍ ... قَدْ قُلتُهَا لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قَالَهَا (٤)» (٥).\nوالأمثلة على ذلك عند الزمخشري كثيرة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في توضيح اشتقاق الألفاظ</span>.\nومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير البسملة: «و«الله» أصله: الإله. قال (٧):\n_________\n(١) الفاتحة ٥.\n(٢) الكشاف ١/ ١١٨ - ١١٩.\n(٣) يونس ١.\n(٤) انظر: ديوانه ٧٧.\n(٥) الكشاف ٢/ ٢٥٦.\n(٦) انظر: الكشاف ١/ ٣٩ - ٤٠، ٥٣، ٥٩، ٨٠ - ٨١، ٤٨٥، ٣/ ٢٣، ٢٦٨، ٥٤٥، ٤/ ٤٧٥.\n(٧) هو الشاعر البعيث بن حُريث المَجاشعي.","vol":"1","page":422},{"text":"مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تكونَ كَظَبْيَةٍ (١) ... ...................................\nونَظِيرهُ «الناس»، أصله: الأُناس. قال (٢):\nإِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْـ ... ـنَ عَلى الأُنَاسِ الآَمِنِيْنَا (٣)\nفحُذفت الهمزةُ، وعُوِّض منها حرفُ التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا الله بالقطع، كما يقال: يا إله» (٤).\nومن ذلك قوله وهو يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] (٥): «وبَكَّةُ: موضعُ المسجد، وقيل: اشتقاقها مِنْ (بَكَّهُ) إذا زَحَمَهُ؛ لازدحامِ الناس فيها .... كأنَّها سُمّيت بِبَّكةَ، وهي الزَّحْمَةُ، قال (٦):\nإِذا الشَّرِيبُ أَخَذتْهُ الأَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حتى يُبَكَّ بَكَّهْ (٧)\nفاعتمد في بيان اشتقاق اللفظة على الشاهد الشعري، وهناك جوانب أخرى لدى الزمخشري اعتمد فيها على الشاهد الشعري سيأتي تفصيلها عند الحديث عن أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير المحرر الوجيز </span>لابن عطية:\nوأما ابن عطية، فقد سار على طريقة ابن جرير الطبري، فكانت عنايته بالشواهد الشعرية بارزة، وأكثر من التعرض لشرحها، والاعتراض على ما ذكره أبو عبيدة أو ابن جرير في فهم هذه الشواهد، وقد اشتمل\n_________\n(١) عجزه:\n...................... ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقيلةِ رَبْرَبِ\nانظر: شرح الحماسة للمرزوقي ٣٧٨، خزانة الأدب ٢/ ٢٧٧.\n(٢) هو ذو الجدن الحميري.\n(٣) خزانة الأدب ٢/ ٢٨٠.\n(٤) الكشاف ١/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٥) آل عمران ٩٦.\n(٦) هو عامان بن كعب. .\n(٧) الشَّريبُ هو الذي يشرب معك أو يسقي معك إبله، والأكة هي سوء الخلق. انظر: مقاييس اللغة ١/ ١٨، ١٨٦.","vol":"1","page":423},{"text":"تفسيره «المُحرَّرُ الوجيز» على ألف وتسعمائة وواحد وثمانين شاهدًا شعريًا (١٩٨١)، اعتمد عليها في شرح المفردات والألفاظ الغريبة، وتوجيه التراكيب النحوية وغير ذلك، مع الوقوف عند بعضها وقفات نقدية تدل على مبلغ علمه بالشعر ونقده، وحسن بصره بالمعاني، ومن أمثلة ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في النحو والإعراب</span>.\nكان ابن عطية على جانب كبير من علم العربية، وتفسيره حافل بكثير من مباحث العربية نحوها وصرفها ولغتها. ولذلك قال السيوطي في ترجمته: «وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها» (١). وقد اشتمل التفسير على الكثير من مسائل النحو، والإعراب، ولا سيما عند الاختلاف في توجيه القراءات.\nومن أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٢) حيث ذكرَ أحد أوجهِ قراءةِ (عَبَدَ) فقال: «وقرأ ابنُ عباسٍ، وإبراهيمُ بن أبي عبلة: (وعَبَدَ الطاغوتِ) بفتح العين والباء وكسر التاء من (الطاغوتِ)، وذلك على أَنَّ المراد: عَبَدَةُ الطاغوتِ، وحُذفت الهاء تَخفيفًا، ومثلهُ قولُ الراجز (٣):\nقَامَ وُلاهَا فَسَقَوهَا صَرْخَدَا (٤)\nأراد: وُلاتُهَا، فحَذف تَخفيفًا» (٥).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (٦)، ذكر أنه: «قرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج (أَفَحُكْمُ) برفع\n_________\n(١) بغية الوعاة ١/ ٢٩٥.\n(٢) المائدة ٦٠.\n(٣) لم أعرفه. .\n(٤) صرخد: اسم موضع تنسب له الخمر في شعر الأخطل. انظر: لسان العرب ٧/ ٣١٨ (صرخد).\n(٥) المحرر الوجيز ٥/ ١٤٢ - ١٤٣.\n(٦) المائدة ٥٠.","vol":"1","page":424},{"text":"الميم. قال ابن مجاهد: وهي خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك، ولكنه وجه غيره أقوى منه. وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم:\nقَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تدَّعِي ... عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (١)\nبرفع (كُلّ). قال القاضي أبو محمد - هو ابن عطية: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب «كُلَّ» لكان ظاهر قوله أنه صنع بعضه». (٢)\nومما يدل على اختياره لبعض الأوجه النحوية في الآيات، أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] (٣) ذكر الأوجه الإعرابية لـ «ما» في قوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ثم قال: «والذي يترجح أنَّ «ما» صلة مخصصة، كما تقول: جئتك في أَمرٍ مَا، فتفيد النكرة تخصيصًا وتقريبًا، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:\nسَلَعٌ مَا ومِثلُهُ عُشَرٌ مَا ... عَائِلٌ مَا وعَالتِ البَيْقُورا (٤)\nوبعوضة على هذا مفعول ثان» (٥).\nفابن عطية ذهب إلى أَنَّ إعرابَ (ما) أن تكون صلةً مُخصصةً، تفيدُ التخصيص والتقريب. و(بَعوضة) تكونُ مفعولًا ثانيًا للفعلِ (يَضرب)، وقد استند ابن عطية في إعرابه هذا على بيت أمية بن أبي الصلت، الذي وردت فيه (ما) صلةً مزيدةً ثلاثَ مرات. وهذا أحد الأعاريب التي قيلت\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٥٠.\n(٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٢٤.\n(٣) البقرة ٢٦.\n(٤) السَّلَعُ والعُشَرُ شَجَرٌ، كانت العرب إذا أرادت المطر أضرمت النار في أذناب البقر بالسَّلَعِ والعُشَرِ، وقوله: وعالت البيقورا، يعني سنة الجدب أثقلت البقر بما حملت من الشجر والنار فيها، والعائل الفقير. انظر: تأويل مشكل القرآن ٦٩، وقال عيسى بن عمر: هذا البيت لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدًا يعرفه. انظر: مغني اللبيب ٤/ ١١١ - ١١٢، ديوان أمية بن أبي الصلت ٧٥، شرح أبيات المغني ٥/ ٢٨٣ وفيه تفصيل.\n(٥) المحرر الوجيز ١/ ١٥٢ - ١٥٣.","vol":"1","page":425},{"text":"في (ما)، وقد استوفى ابن هشام الكلام على أوجهها الإعرابية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن</span>.\nلم يُطِلِ ابن عطية الوقوفَ عند الصور البلاغية في تفسيره كما فعل الزمخشري، ولكنه معه ذلك كانت له بعض الوقفات التي تدل على فقهه في البلاغة وأساليبها، وقد كان للشاهد الشعري حضور في هذا الجانب عند ابن عطية.\nومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩] (٢): «وهذه الآيةُ من المَحاور البليغة الوجيزة .... ونظيرُ هذا الغرض - أي تأكيد المدح بما يشبه الذم - في الاستثناء قول النابغة:\nولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٣)» (٤).\nفهو قد أشار إشارة مقتضبة إلى ما في الآية من أسلوب بلاغي سماه البلاغيون «تأكيد المدح بِما يُشبه الذم»، ولَفَتَ نظرَ القارئ إلى أن هذا الأسلوب قد ورد في الشعر، واستشهد بقول النابغة الذبياني، وهذا الشاهد من شواهد البلاغيين المعروفة، والشاهد فيه كأنه قال ولا عيب في هؤلاء القوم أصلًا إلا هذا العيب، وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة، وهذا ليس بعيب، بل هو غاية المدح (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل</span>.\nاستعان ابنُ عطية بالشاهد الشعري في نسبة اللغات إلى القبائل، ومن ذلك قوله: «وهؤلاءِ لفظٌ مبنيٌّ على الكسرِ، والقَصْرُ فيه لغةُ تَميمٍ، وبعضِ قَيسٍ وأَسَدٍ، قال الأعشى:\n_________\n(١) انظر: مغني اللبيب ٤/ ١٠٨ - ١١٠.\n(٢) المائدة ٥٩.\n(٣) انظر: ديوانه ٤٤.\n(٤) المحرر الوجيز ٥/ ١٣٩.\n(٥) انظر: معاهد التنصيص ٣/ ١٠٧.","vol":"1","page":426},{"text":"هَؤُلا ثُمَّ هَؤلا كُلًا اعطيـ ... ـتَ نِعَالًا مَحذُوَّةً بِنِعَالِ (١)» (٢).\nوقد ذكرَ ابنُ منظورٍ في (هؤلاءِ) ثلاثَ لغاتٍ:\n(هؤلاءٍ): مَمدوة منوَّنة، ونُسبت لبني عُقَيل. (هؤلاءِ): مَمدودة مبنية على الكسر، ونُسبت إلى الحجاز. (هؤلا): مقصورة، ونسبت لتميم (٣). ونسبت لغة القصر - إضافة لما ذكره ابن عطية - إلى أهلِ نَجدٍ من بني تَميمٍ وقيسٍ وربيعةَ وأَسَد (٤). وقد استشهد اللغويون ببيت الأعشى كما صنع ابن عطية، على لغة القصر في هؤلاء (٥).\nومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢] (٦) وهو يذكر القراءات في بعض ألفاظ الآية: «وقرأ ابنُ أبي إسحاق وعيسى والجحدريُ: (ومَحْيَىّ) (٧). وهذه لغة هذيل، ومنه قول أبي ذؤيب:\nسَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَواهمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (٨)» (٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في شرح الغريب</span>.\nيعتمد ابن عطية على الشاهد الشعري في تفسير الغريب، واختياره الوجه التفسيري بناء عليه، وهذا كثير في تفسيره.\nومن الأمثلة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] (١٠) قال: «وسجدًا قال ابن عباس ﵁: معناه: ركوعًا، وقيل:\n_________\n(١) روايةُ الديوانِ (مَحذوَّةً بِمِثالِ) ... انظر: ديوانه ٦١.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ١٧١.\n(٣) انظر: لسان العرب (هذا) ٢٠/ ٣٤٠، ٣٤١.\n(٤) انظر: شريح التصريح للأزهري ١٥١ نقلًا عن لغات القرآن للفراء.\n(٥) انظر: المقتضب ٤/ ١٧٨، الشعر للفارسي ٤١٦ وحواشيه، أمالي ابن الشجري ١/ ٤٣.\n(٦) الأنعام ١٦٢.\n(٧) بتشديد الياء الثانية من غير ألف، وهي لغة عليا مضر، وهذيل. انظر: إعراب القرآن للنحاس ١/ ٥٩٦، الدر المصون ٣/ ٢٢٧.\n(٨) انظر: ديوانه ٢٣.\n(٩) المحرر الوجيز ٦/ ١٩٣.\n(١٠) البقرة ٥٨.","vol":"1","page":427},{"text":"متواضعين لا على هيئةٍ معينةٍ، والسجودُ يَعمُّ هذا كلَّه؛ لأنه التواضعُ، ومنه قول الشاعر (١):\n........................ ... تَرَى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا لِلحَوَافِرِ (٢)» (٣).\nوقد يطيلُ ابنُ عطية النظرَ في اللفظةِ ويورد عَددًا من الشواهد الشعرية، ثُمَّ يَختارُ الوجه الذي يراه اعتمادًا على الشاهد الشعري، ومن ذلك أنه بعد أن ساق عبارات المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٤)، وأَنَّ منهم مَنْ فَسَّرَ السِّرَّ بالمواعدة على الخطبة بعد العدة على وجه الإسرار والإخفاء، ومنهم مَنْ فَسَّرَ السَّرَّ بالزنا، أي لا تواعدوهن زِنًا، قال تعقيبًا على هذه الأقوال: «هكذا جاءت عبارةُ هؤلاءِ في تفسير «السِّرِّ»، وفي ذلك عندي نظر.\nوذلك أنَّ السرَّ في اللغة يقعُ على الوطءِ حَلالِهِ وحرامِهِ، لكنْ معنى الكلامِ وقَرينتُهُ تَردُّ إلى أحدِ الوجهينِ، فمن الشواهدِ قولُ الحطيئة:\nويَحْرُمُ سِرُّ جَارتِهِم عَليهِمْ ... ويأكلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ (٥)\nفقرينة هذا البيت تُعطي أَنَّ السِّرَّ، أرادَ به الوَطء حَرامًا، وإلا فلو تزوجت الجارةُ كما يَحسُنُ لم يكن في ذلك عارٌ. ومن الشواهد قول الآخر (٦):\n_________\n(١) هو زيد الخيل الطائي.\n(٢) عجز بيت، وصدره:\nبِجَيشٍ تَضِلُّ البُلقُ في حَجَراتِهِ .....................................\nانظر: الكامل ٢/ ٧٣٥، الحماسة البصرية ١/ ٦١.\n(٣) المحرر الوجيز ١/ ٢٣٠، للمزيد من الأمثلة انظر: ٢/ ٣٦٢، ٧٢.\n(٤) البقرة ٢٣٥.\n(٥) أُنُفُ القِصَاعِ أَوَّلُهَا، أي: يبدأون بالأكل من القصعة قبل غيرهم، انظر: ديوانه بشرح ابن السكيت ١٣٨.\n(٦) هو مرضاوي بن سعودة المهري.","vol":"1","page":428},{"text":"أَخَالَتُنَا سِرُّ النِّساءِ مُحرَّمٌ ... عَليَّ وتَشْهادُ النَّدَامَى معَ الخَمْرِ\nلَئِنْ لَم أُصَبِّحْ دَاهِنًا ولفيفها ... وناعبها يومًا بِرَاغيةِ البَكْرِ (١)\nفقرينةُ هذا الشعرِ تُعطي أَنهُ أرادَ تَحريم جِمَاعِ النساءِ عُمومًا في حَرامٍ وحَلالٍ حتى ينالَ ثأرَهُ، والآيةُ تعطي النهيَ عن أن يواعدَ الرجلُ المعتدةَ أن يطأها بعدَ العدةِ بوجهِ التزويجِ، وأما المواعدةُ في الزِّنا فمحرمٌ على المسلم مع معتدةٍ وغيرها» (٢).\nفابن عطية قد اعتمد في اختياره لتفسير السر في الآية على الموازنة بين معاني السرِّ في الشواهد الشعرية التي ذكرها، وترجح لديه بعد النظر في معانيها في شواهد الشعر أن المقصود بالسر هو المواعدة سرًا، وأن تفسير السِّرَّ هنا بالزنا لا وجه له في الآية، وهذا نظرٌ جيدٌ من ابن عطية في شواهد التفسير، وقد خالفَ الطبريَّ في اختياره هذا، حيث ذهب الطبريُّ قبلَهُ إلى أَنَّ السرَّ هُنا بِمَعنى الزنا، وردَّ غيرَه من الأقوال، وَوَجَّهَ شاهدَ الحطيئةِ للمعنى الذي رَجَّحَه (٣). وأمثلة اعتماد ابن عطية على الشاهد الشعري في شرح اللفظة الغريبة متعددة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف</span>.\nتبدو مسائل الصرف في تفسير ابن عطية قليلة إذا ما وازنتها بمسائل النحو واللغة، غير أنك تجد بعض المسائل الصرفية التي استعان ابن عطية في شرحها وبيانها بشواهد الشعر، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله\n_________\n(١) يخاطب عجوزًا من قومه، وقد حدثت عداوة بين ثلاثة بطون من قضاعة: داهن وناعب ورئام، فانضمت داهن وناعب معًا، ضد قوم الشاعر رئام. فحرم النساء على نفسه حلالًا كن أم حرامًا حتى يغير على القوم غارة شعواء. انظر: أمالي القالي ١/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٢٢٠.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ١١٠ - ١١١.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ٥/ ٥٨، ٦١، ٧٦، ١٨٠.","vol":"1","page":429},{"text":"تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (١): «و«بَديع» مَصروفٌ من مُبْدِعٍ، كبَصِيْرٍ من مُبْصِرٍ، ومثله قول عمرو بن معد يكرب:\nأَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّمِيعُ (٢)\nيريد: المُسْمِع» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير القرطبي:</span>\nأما القرطبي فقد أودع تفسيره جميع شواهد المفسرين الذين سبقوه، وأضاف إليها كثيرًا من شواهد اللغويين والنحويين، ولا سيما شواهد سيبويه، فجاء كتابه حافلًا بالشواهد الشعرية، حيث بلغت أَربعةَ ألافٍ وثَمانِمائةٍ وسبعةَ شواهدٍ شعريةٍ (٤٨٠٧)، وهو عدد كَبيرٌ لا يوجد في غيره من التفاسير المطبوعة مع عدم تمحضها كلها للاستشهاد اللغوي والنحوي، وهذا يدل على عناية القرطبي بهذا الدليل في تفسيره، وقد اعتمد القرطبي كثيرًا على الشاهد الشعري في تفسيره اللغوي للغريب، وفي توجيهه للقراءات توجيهًا نحويًا، وغير ذلك من جوانب التفسير، ومن أمثلة ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الغريب</span>.\nيعد جانب غريب القرآن في تفسير القرطبي من الجوانب المهمة التي عوَّلَ فيهَا على الشاهد الشعري، حيث لا تكادُ تَمرُّ لفظةٌ من غريبِ القرآنِ إِلَّا ويطيلُ الكلامَ حولها مُستشهدًا بشاهدٍ شعري أو أكثر على معناها في اللغة، وقد تجاوزت شواهده الشعرية لغريب القرآن ثلاثة وستين وخمسمائة وألف شاهد من الشعر (١٥٦٣) وهو عدد يصل إلى أكثر من نصف شواهد القرطبي اللغوية، إذا استثنيت الشواهد الأدبية\n_________\n(١) البقرة ١١٧.\n(٢) تقدم تخريجه ص ٠٠٠.\n(٣) المحرر الوجيز ١/ ٣٣٩، للمزيد من الأمثلة انظر: ٢/ ٨٧.","vol":"1","page":430},{"text":"والتاريخية من مجموع شواهد التفسير التي بلغت أربعة الآف وثمانمائة وسبعة شواهد شعرية (٤٨٠٧).\n١ - ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (١)، حيث قال: «والمَروةُ واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارةُ الصغارُ التي فيها لِيْنٌ، وقد قيل: إنها الصِّلابُ. والصحيحُ أنَّ «المَرْوَ» الحجارةُ، صَلِيبُها ورخوها، الذي يتشظى وترقُّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر (٢):\nوتُولِّى الأرضَ خُفًّا ذابِلًا ... فإِذا مَا صَادفَ المَرْوَ رَضَخْ (٣)\nوقال أبو ذؤيب:\nحتى كَأَنِّي لِلحَوَادثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كُلَّ يَومٍ تُقْرَعُ (٤)» (٥).\nفقد اعتمد القرطبي في اختياره لتفسير المروة عند العرب، وأنها الحجارة صليبها ورخوها، كل ذلك تسميه العرب مَرْوًا على شاهدين من الشعر، أحدهما للأَعشى البَكريِّ، والآخر لأبي ذؤيبٍ الهُذَلي، مِمَّا يعني أَنَّها لغةٌ عربيةٌ مشتركة بين عدة قبائل.\n٢ - ومن الأمثلة كذلك على اعتماده على الشاهد في تفسير الغريب قوله: «قوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] (٦) أي: زار، والعُمْرَةُ:\n_________\n(١) البقرة ١٥٨.\n(٢) هو الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته.\n(٣) رواية الديوان:\nوتُولِّى الأرضَ خُفًّا مُجْمَرًا ... فإِذا مَا صَادفَ المَرْوَ رَضَحْ\nأي أن ناقته تطأ الأرض بخف صلب مجتمع، إذا وطأ المرو سحقها. انظر: ديوانه ٢٩١.\n(٤) المُشَقَّرُ: سوقٌ بالطائف، وقيل بهجر. ويُروى «المُشرَّق»، وهو موضع بالخيفِ من مِنى. انظر: ديوانه ٣٤، ديوان الهذليين ١/ ٣، شرح أشعار الهذليين ١/ ٣، ٩، وانظر بحث بعنوان (المُشَقَّر في الشعر الجاهلي) للدكتور عبد الحميد المعيني بمجلة الدرعية، العددان ٦، ٧ شهري ٤، ٧ - ١٤٢٠ هـ ص ٥٤٦.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٥.\n(٦) البقرة ١٥٨.","vol":"1","page":431},{"text":"الزيارة، قال الشاعر (١):\nلقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ ... مَغزًى بَعِيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ» (٢).\nفاعتمد في تفسيره للعمرة في اللغة على بيت من الرجز للعجاج التميميِّ، وأنها بمعنى الزيارة، وهي كذلك عند غير تميم، كما في قول عمرو بن أحمر الباهلي عند بعضهم:\nيُهِلُّ بِالفَرقَدِ رُكبانُها ... كَما يُهِلُّ الراكِبُ المُعتَمِر (٣)» (٤).\nوالأمثلة على اعتماد القرطبي على تفسير غريب القرآن بشواهد الشعر كثيرة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في تأصيل القواعد النحوية</span>.\nمن أكثر القضايا التي تعرض لها القرطبي، واستعان فيها بشواهد الشعر المسائل النحوية المرتبطة بالآيات. ومن ذلك ما ذكره عند حديثه عن إعمال البصريين «أَنْ» المخففة، حيث قال: «قال سيبويه: حدثنا مَنْ أَثقُ بهِ أَنَّه سَمع العربَ تقول: إِنْ زَيدًا لَمُنْطَلِقٌ، وأنشدَ قولَ الشاعرِ:\nكأَنْ ظَبيةً تَعطُو إِلى وَارِقِ السَّلَمْ (٦)\nأرادَ: كأَنَّها ظبيةٌ، فَخفَّفَ ونصبَ ما بعدها» (٧). وهو بهذا يتابع سيبويه في استعانته بالشاهد الشعري في تقعيد القواعد النحوية، وهذا البيت من شواهد سيبويه (٨).\n_________\n(١) هو العجاج الراجز.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٦.\n(٣) انظر: ديوانه ١٧٨، مقاييس اللغة ٤/ ١٤١، لسان العرب ٩/ ٣٩٤ (عمر).\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٤٨.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٩٧، ١٩٨، ٢١١، ٢١٥، ٣/ ٣٧٧، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤١٣، ٦/ ١٤٣، ١٤٥، ١٥٩، ١٠/ ١٢٥، ١٢٨، ٣٥١، ١١/ ١٦٨، ١٢/ ١٢٩، ١٣٠، ٢٨٣.\n(٦) الكتاب ٣/ ١٦٥.\n(٧) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨١.\n(٨) انظر: الكتاب ٢/ ١٣٤، ٣/ ١٦٥.","vol":"1","page":432},{"text":"ومن الأمثلة كذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] (١) حيث قال القرطبي: «والصِّنْو: المِثْلُ ... ولا فرق فيها بين التثنية والجمع، ولا بالإعراب، فتعرب نون الجمع، وتكسر نون التثنية، قال الشاعر (٢):\nالعِلْمُ والحِلْمُ خَلَّتَا كَرَمٍ ... للمرءِ زَيْنٌ إذا هُمَا اجْتَمَعَا\nصِنْوانِ لا يُسْتَتَمُّ حُسْنُهُمَا ... إِلَّا بَجمعِ ذَا وذَاكَ مَعَا» (٣).\nفاستشهد الشعر على ما ذهب إليه من عدم الفرق بين التثنية والجمع ولا الإعراب في كلمةِ: «صِنْوَان».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف</span>.\nيعتمد القرطبي في تفسيره على الشاهد الشعري في بعض قضايا الصرف، ومن ذلك حديثه عن الإبدال في كلمة «سِجِّيل» عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾ [الفيل: ٤] (٤) حيث ذكر الأقوال في تفسيرها بالطين، ثم حكى قولًا آخر فقال: «وقيلَ: من الجَحيمِ، وهي سِجِّيْنٌ، ثُمَّ أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ، قال ابن مقبل:\n...................... ... ضَرْبًا تَواصَتْ بهِ الأَبْطالُ سِجِّينَا (٥)\nوإِنَّمَا هو سِجِّيلا» (٦).\nومن الأمثلة كذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٧) حيث شرح معنى الهباء فقال: «أي لا ينتفع به،\n_________\n(١) الرعد ٤.\n(٢) لم أعثر عليه، ولا على البيتين.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٨٢.\n(٤) الفيل ٤.\n(٥) عجز بيت، وصدرهُ:\n....................... ... ورَجْلَةً يَضربونَ البَيْضَ عن عُرُضٍ\nانظر: ديوانه ٢٣٦، النوادر لأبي زيد ٢٠٩، مقاييس اللغة ٣/ ١٣٧.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٩٨.\n(٧) الفرقان ٢٣.","vol":"1","page":433},{"text":"أي: أبطلناه بالكفر. وليس الهباء من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، والتصغيرُ هُبَيٌّ في مَوضعِ الرفعِ. وفي النحويين من يقول: هُبَيٍّ في موضع الرفع، حكاه النحاس (١). وواحده هَبَاةٌ، والجَمع أَهْبَاءُ، قال الحارث بن حِلِّزَةَ يصف ناقةً:\nفَتَرَى خِلْفَهَا مِن الرَّجْعِ والوَقْـ ... ـعِ مَنِينًا كأَنَّهُ أَهْبَاءُ (٢)» (٣).\nوالأمثلة على ذلك في التفسير متعددة، وإن لم تبلغ حد الكثرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في إعراب الآيات</span>.\nيستعين القرطبي في مواضع كثيرة بالشاهد الشعري في تأييد أو توجيه إعراب تركيب في الآية التي يفسرها، وعادة ما يكون هذا التوجيه مذكورًا في كتب النحاة السابقين، ولا يزيد القرطبي على أن يحكي هذا التوجيه.\nومن أمثلة ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٤) حيث ذكر اختلاف النحاة في ذلك، واختار إعراب الأخفش، ثم قال: «وأَجازَ الأخفشُ الرفعَ على لغةِ «أَكلُوني البَراغِيثُ»، وهو حَسَنٌ .... قال الشاعرُ (٥):\nبِكَ نَالَ النِّضَالُ دُونَ المَسَاعِي ... فَاهْتَدَينَ النِّبَالُ للأَغْرَاضِ (٦)\nوقال آخر (٧):\n_________\n(١) انظر: إعراب القرآن ٣/ ١٥٧.\n(٢) خِلْفَها أي: خِلْفُ الناقة، والرَّجْعُ رَجعُ قوائمِها، والوَقْعُ وَقْعُ خِفَافها. انظر: ديوانه ١٧.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٢.\n(٤) الأنبياء ٣.\n(٥) هو أبو تمام، وهذا موضع نادر استشهد فيه القرطبي في النحو بشعرِ مُحدَثٍ. غير أنه أتبعه بشاهد للفرزدق.\n(٦) انظر: ديوانه ١٧٦.\n(٧) هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفرا.","vol":"1","page":434},{"text":"ولكنْ ديافيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ ... بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُه (١)» (٢).\nفاستعان بالشاهد الشعري في تأييد حجة الأخفش في إعرابه «الذين» على أنه فاعل، واستحسن هذا الوجه، مع أنه قدم عليه حكاية بقية الأقوال في إعرابها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة الآيات</span>.\nاستعان القرطبي في مواضع كثيرة من تفسيره بالشاهد الشعري لشرح الوجه البلاغي للآية المفسرة، وقد بلغت شواهده البلاغية أربعمائة وثمانية عشر شاهدًا بلاغيًا. ومن ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (٤) حيث قال: «مثل الله الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه .... واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر (٥):\nفَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومَهُمْ ... وإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيتُ لَهُمْ مَجْدا (٦)» (٧).\nووَفْرُه لحومَهم يعني أَنَّه لا يُطلقُ لِسانَه بقِدحهم كما يصنعون به، وهذه الصورة البلاغية تُسمَّى عند البلاغيين «الاستعارة التمثيلية»، وبيان هذه الصورة في الآية أن الله كَنَّى عَن الغِيبةِ بأكلِ لحم إنسانٍ آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتًا، ثم جعل هذا الميت أخًا للآكل،\n_________\n(١) ديافي: نسبة إلى دياف، موضع بالجزيرة في بلاد الشام، والسليط: زيت السمسم. انظر: ديوانه ١/ ٤٦.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٦٩.\n(٣) انظر: معاني القرآن للأخفش ٢/ ٤٤٧، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٤.\n(٤) الحجرات ١٢.\n(٥) هو محمد بن عميرة المعروف بالمقَنَّعِ الكِنديِّ (٦٥ - ١٢٨ هـ) من شعراء الدولة الأموية. انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٧٢٩.\n(٦) شعره المجموع ضمن شعراء أميون لنوري القيسي ٢٠٤، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٤٣٨.\n(٧) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٣٣٥.","vol":"1","page":435},{"text":"فهذا دليل على شدة تحريم الغيبة، وقبيح أثرها (١).\nومن الأمثلة أيضًا قول القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] (٢): «وإنما خص الأذقان بالذكر؛ لأن الذقن ها هنا عبارة عن الوجه، وقد يُعَبَّر بالشيءِ عمَّا جَاورَه، وبِبَعضهِ عن جَميعِهِ، فيقال: خَرَّ لوجههِ سَاجِدًا، وإن كان لم يسجد على خَدِّهِ ولا عَينهِ. ومن ذلك قول الشاعر (٣):\n...................... ... فَخَرَّ صَريعًا لِليدينِ ولِلفَمِ (٤)\nفهذه أمثلة مختصره عن أوجه اعتماد القرطبي وغيره من المفسرين على الشاهد الشعري في كتب التفسير، وسيأتي مزيد من الأمثلة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-181> شعراء شواهد التفسير:</span>\nتفاوتت حظوظ الشعراء في الاستدلال بشعرهم في كتب التفسير تفاوتًا كبيرًا، فمنهم من أكثر المفسرون من الاستشهاد بشعره كالأعشى البكري، والنابغة الذبياني، وامرئ القيس الكِنديِّ من شُعراءِ الجاهليةِ، ولبيد بن ربيعة العامري، والعجاج، وجرير، والفرزدق ثلاثتهم من تميم، وذي الرُّمَّةِ العَدويِّ من شعراء الإسلام.\nوقد قمتُ بِحَصر جَميع الشواهد في كتب التفسير التي درستها وقائليها، ونسبت كُلَّ شاعرٍ إلى قبيلته وعصرِه، ومقدار الشعر الذي استُشهِدَ به من شعره لدى كُلِّ مفسرٍ من المفسرين الذين شَملتهم هذه الدراسة، وقيدتُ ذلك في جدول، وقد رتبتُ أسماء الشعراء بحسبِ كثرةِ\n_________\n(١) انظر: المثل السائر ١/ ١٨٩.\n(٢) الإسراء ١٠٩.\n(٣) هو جابر بن حني التغلبي.\n(٤) صدره:\nتَنَاوَلَه بالرمحِ ثُمَّ اتَّنَى لَهُ ... ................................\nواتَّنَى أي: انثنى أدغم النون في الثاء ثم أبدلها تاءً. فوقع فيها إدغام وإبدال. انظر: المفضليات ٤٤١.","vol":"1","page":436},{"text":"شواهدهم في كتب التفسير، مبتدأً بأكثرهم، ومبينًا أمام كلِّ شاعرٍ قبيلتَهُ التي ينتسبُ إليها، وعصره الزمني الذي عاش فيه، والمفسر الذي استشهد بشعره، وقد استبعدت من الجدول من لم يكن له من الشعراء إلا شاهد واحد، أو شاهدان خشية إطالة الإحصاء بما لا غناء به على القارئ ولا على البحث:\n• الشعراء الذين اعتمد عليهم المفسرون في الاستشهاد:\n\nم ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... الطبري ... الزمخشري ... ابن عطية ... القرطبي\n١ ... الأعشى ميمون بن قيس ... بكر ... جاهلي ... ١١٨ ... ٢٣ ... ١١٢ ... ١٣٠\n٢ ... النابغة الذبياني ... غطفان ... جاهلي ... ٥٣ ... ٨ ... ٤٨ ... ٩٦\n٣ ... لبيد بن ربيعة العامري ... هوازن ... مخضرم ... ٤٦ ... ١٤ ... ٤٥ ... ٨١\n٤ ... العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٤٤ ... ٧ ... ١٦ ... ٤٩\n٥ ... رؤبة بن العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٤٤ ... ١٥ ... ٢٠ ... ٤٥\n٦ ... جرير بن عطية ... تميم ... إسلامي ... ٣٧ ... ١٤ ... ٥١ ... ٧٣\n٧ ... ذو الرمة ... الرِّبَاب ... إسلامي ... ٣٤ ... ١٩ ... ٤٦ ... ٦١\n٨ ... حسان بن ثابت ... الأزد ... مُخضرم ... ٣٠ ... ١٦ ... ٤٦ ... ١٠٢\n٩ ... الفرزدق ... تَميم ... إسلامي ... ٣٠ ... ٢١ ... ٤٤ ... ٤٩\n١٠ ... امرؤ القيس ... كندة ... جاهلي ... ٣٠ ... ١٧ ... ٧٦ ... ١٥٣\n١١ ... زهير بن أبي سلمى ... مزينة ... جاهلي ... ٢٨ ... ١٤ ... ٤٧ ... ٨٩\n١٢ ... أمية بن أبي الصلت ... ثقيف ... جاهلي ... ٢٦ ... ٢ ... ١٦ ... ٥٢\n١٣ ... أبو ذؤيب الهذلي ... هذلي ... مخضرم ... ٢٤ ... ٤ ... ٢٢ ... ٣١\n١٤ ... الأخطل ... تغلب ... إسلامي ... ٢٣ ... ٤ ... ١٥ ... ١٦\n١٥ ... عنترة بن شداد ... عبس ... جاهلي ... ١٨ ... ٣ ... ١٤ ... ٥٥\n١٦ ... النابغة الجعدي ... هوازن ... مخضرم ... ١٦ ... ٣ ... ٩ ... ٢٥\n١٧ ... عدي بن زيد العبادي ... تَميم ... إسلامي ... ١٦ ... ٢ ... ٢٤ ... ٢٤\n١٨ ... الطرماح بن حكيم ... طيء ... إسلامي ... ١٦ ... ١ ... ٩ ... ٧","vol":"1","page":437},{"text":"م ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... الطبري ... الزمخشري ... ابن عطية ... القرطبي\n١٩ ... أوس بن حجر ... تَميم ... جاهلي ... ١٥ ... ١ ... ٩ ... ١٦\n٢٠ ... الحطيئة ... عبس ... مخضرم ... ١٤ ... ٨ ... ١١ ... ٢٥\n٢١ ... أبو النجم العجلي ... بكر ... إسلامي ... ١٤ ... ٤ ... ٣ ... ٢٠\n٢٢ ... عبدالمطلب بن هاشم ... قريش ... جاهلي ... ١٤ ... ٢ ... ٠ ... ٤\n٢٣ ... تميم بن مقبل ... هوازن ... مخضرم ... ١٣ ... ٠ ... ١٤ ... ١٨\n٢٤ ... كعب بن مالك ... الأزد ... إسلامي ... ١٣ ... ٠ ... ١٤ ... ١٤\n٢٥ ... طرفة بن العبد ... بكر ... جاهلي ... ١٣ ... ٣ ... ١٥ ... ١٩\n٢٦ ... كعب بن زهير ... مزينة ... مخضرم ... ١٠ ... ١ ... ٨ ... ١٤\n٢٧ ... أبو الأسود الدؤلي ... كنانة ... مخضرم ... ١٠ ... ١ ... ٣ ... ٩\n٢٨ ... حاتم الطائي ... طيء ... جاهلي ... ٩ ... ٢ ... ٣ ... ١٥\n٢٩ ... عمرو بن كلثوم ... تغلب ... جاهلي ... ٨ ... ٣ ... ٩ ... ٢١\n٣٠ ... الكميت بن زيد ... أسد ... إسلامي ... ٨ ... ٤ ... ١١ ... ١٧\n٣١ ... القطامي التغلبي ... تغلب ... إسلامي ... ٨ ... ٣ ... ٨ ... ٩\n٣٢ ... عبيد بن الأبرص ... أسد ... جاهلي ... ٨ ... ٢ ... ٥ ... ٧\n٣٣ ... ابن أحمر الباهلي ... باهلة ... مخضرم ... ٨ ... ٤ ... ٢ ... ٧\n٣٤ ... عامر بن الطفيل ... بنو عامر ... جاهلي ... ٨ ... ٣ ... ٣ ... ٤\n٣٥ ... الشماخ بن ضرار ... ذبيان ... مخضرم ... ٧ ... ٤ ... ٧ ... ١٩\n٣٦ ... الأحوص الأنصاري ... الأزد ... إسلامي ... ٧ ... ٢ ... ٣ ... ٨\n٣٧ ... عبد الله بن الزبعرى ... قريش ... مخضرم ... ٧ ... ٣ ... ٣ ... ٨\n٣٨ ... توبة بن الحمير ... هوازن ... إسلامي ... ٧ ... ١ ... ١ ... ٤\n٣٩ ... الراعي النميري ... هوازن ... إسلامي ... ٦ ... ٢ ... ٨ ... ٢١\n٤٠ ... النمر بن تولب ... الرِّباب ... مخضرم ... ٦ ... ٢ ... ٧ ... ١٢\n٤١ ... يزيد بن مُفَرِّغ الحميري ... حمير ... إسلامي ... ٦ ... ٣ ... ٥ ... ٧\n٤٢ ... معبد بن أبي معبد ... خزاعة ... جاهلي ... ٦ ... ١ ... ٣ ... ٦\n٤٣ ... المتنخل الهذلي ... هذيل ... مخضرم ... ٦ ... ١ ... ٠ ... ٦","vol":"1","page":438},{"text":"م ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... الطبري ... الزمخشري ... ابن عطية ... القرطبي\n٤٤ ... الأسود بن يَعْفُر ... تَميم ... جاهلي ... ٦ ... ٣ ... ٥ ... ٣\n٤٥ ... علقمة بن عبدة ... تميم ... جاهلي ... ٥ ... ٢ ... ١١ ... ١٢\n٤٦ ... جميل بن معمر ... قضاعة ... إسلامي ... ٥ ... ٤ ... ٢ ... ٧\n٤٧ ... حُميد الأرقط ... تَميم ... إسلامي ... ٥ ... ١ ... ١ ... ٥\n٤٨ ... دريد بن الصمة ... هوازن ... جاهلي ... ٥ ... ٢ ... ١٣ ... ٥\n٤٩ ... ليلى الأخيلية ... هوازن ... إسلامية ... ٥ ... ١ ... ٢ ... ٤\n٥٠ ... أبو زبيد الطائي ... طيء ... مخضرم ... ٥ ... ٢ ... ٣ ... ٣\n٥١ ... خفاف بن ندبة ... سليم ... جاهلي ... ٥ ... ٢ ... ١ ... ٢\n٥٢ ... فرعان بن الأعرف ... تميم ... مخضرم ... ٥ ... ١ ... ١ ... ١\n٥٣ ... العباس بن مرداس ... سليم ... مخضرم ... ٥ ... ٢ ... ٤ ... ٢\n٥٤ ... عمر بن أبي ربيعة ... قريش ... إسلامي ... ٤ ... ٥ ... ٤ ... ٢٤\n٥٥ ... عبد الله بن رواحة ... الخزرج ... مخضرم ... ٤ ... ٣ ... ٣ ... ١٥\n٥٦ ... الخنساء ... سليم ... مخضرمة ... ٤ ... ٤ ... ٨ ... ١٢\n٥٧ ... بشر بن أبي خازم ... أسد ... جاهلي ... ٤ ... ٢ ... ٢ ... ٦\n٥٨ ... عبد الله بن قيس الرقيات ... قريش ... إسلامي ... ٤ ... ٦ ... ٦ ... ٥\n٥٩ ... سلامة بن جندل ... تَميم ... جاهلي ... ٤ ... ١ ... ٤ ... ٤\n٦٠ ... ضباعة بنت عامر ... قشير ... جاهلية ... ٤ ... ١ ... ٠ ... ٤\n٦١ ... عمرو بن معد يكرب ... مذحج ... مخضرم ... ٤ ... ٢ ... ٩ ... ٢\n٦٢ ... جلهمة بن الخيبري ... - ... جاهلي ... ٤ ... ١ ... ١ ... ١\n٦٣ ... عمرو بن جلهاء ... مدين ... جاهلي ... ٤ ... ١ ... ٣ ... ٣\n٦٤ ... مسكين الدارمي ... تَميم ... إسلامي ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٥\n٦٥ ... زياد الأعجم ... عبد القيس ... إسلامي ... ٣ ... ٢ ... ٠ ... ٥\n٦٦ ... الأشهب بن رميلة ... تميم ... إسلامي ... ٣ ... ١ ... ٤ ... ٤\n٦٧ ... ساعدة بن جؤية الهذلي ... هذلي ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٣ ... ٤\n٦٨ ... خداش بن زهير ... هوازن ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٤","vol":"1","page":439},{"text":"م ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... الطبري ... الزمخشري ... ابن عطية ... القرطبي\n٦٩ ... إبراهيم بن هرمة ... قريش ... إسلامي ... ٣ ... ٢ ... ٣ ... ٤\n٧٠ ... شريح بن طبيعة الحطم ... بكر ... مخضرم ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٣\n٧١ ... زائدة بن صعصعة ... فقعس ... - ... ٣ ... ١ ... ٠ ... ٣\n٧٢ ... أبو عمرو بن العلاء ... مازن ... إسلامي ... ٣ ... ١ ... ٠ ... ٣\n٧٣ ... أحيحة بن الجلاح ... الأزد ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٢ ... ٣\n٧٤ ... علباء بن أرقم اليشكري ... بكر ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٠ ... ٣\n٧٥ ... المرقش الأكبر ... بكر ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٢ ... ٣\n٧٦ ... المسيب بن علس ... بكر ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٣\n٧٧ ... حذيفة بن بدر اليربوعي ... تميم ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٠ ... ٣\n٧٨ ... غيلان بن سلمة الثقفي ... ثقيف ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٣\n٧٩ ... نفيل بن حبيب الخثعمي ... خثعم ... جاهلي ... ٣ ... ٠ ... ٠ ... ٣\n٨٠ ... المتلمس الضبعي ... ضبيعة ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٣ ... ٣\n٨١ ... أسيد بن عنقاء الفزاري ... فزارة ... جاهلي ... ٣ ... ٠ ... ٠ ... ٣\n٨٢ ... زيد بن عمرو بن نفيل ... قريش ... جاهلي ... ٣ ... ٠ ... ١ ... ٣\n٨٣ ... عمرو بن قميئة ... قيس ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ٠ ... ٣\n٨٤ ... جران العَوْد ... نمير ... جاهلي ... ٣ ... ٠ ... ٠ ... ٣\n٨٥ ... عبدمناف بن ربعي ... هذيل ... جاهلي ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٣\n٨٦ ... أبو نخيلة السعدي ... تَميم ... إسلامي ... ٣ ... ٠ ... ١ ... ٣\n٨٧ ... الزبرقان بن بدر ... تميم ... مخضرم ... ٣ ... ٠ ... ٠ ... ٣\n٨٨ ... زيد الخيل الطائي ... طيء ... مخضرم ... ٣ ... ٠ ... ٤ ... ٣\n٨٩ ... ذو الأصبع العدواني ... عدوان ... مخضرم ... ٣ ... ١ ... ٣ ... ٤\n٩٠ ... أبو عنقاء الفزاري ... فزارة ... مخضرم ... ٣ ... ٠ ... ٠ ... ٣\n٩١ ... مقيس بن صبابة الفهري ... قريش ... مخضرم ... ٣ ... ٠ ... ٢ ... ٣\n٩٢ ... أمية بن الأسكر ... كنانة ... مخضرم ... ٣ ... ١ ... ١ ... ٣\n٩٣ ... مالك بن عوف ... هوازن ... مخضرم ... ٣ ... ٠ ... ١ ... ٣","vol":"1","page":440},{"text":"وقد استبعدت الشعراءَ الذين ليس لهم في كتب التفسير وخاصة الطبري إلا شاهدٌ واحدٌ أو شاهدان، وعددهم مائتان واثنان وسبعون شاعرًا (٢٧٢) تقريبًا، وقد لخصت عصورهم مع غيرهم في الجدول الآتي:\n\nعدد الشواهد ... عدد الشعراء\nالجاهليين ... المخضرمين ... الإسلاميين ... المجهولين ... المَجموع\n١٠ فأعلى ... ٩ ... ٨ ... ١٠ ... ٠ ... ٢٧\n٥ - ٩ ... ٩ ... ٨ ... ٩ ... ٠ ... ٢٦\n٣ - ٤ ... ٢٠ ... ٥ ... ٨ ... ١ ... ٣٩\n٢ ... ١٨ ... ٧ ... ٦ ... ٣١ ... ٤٢\n١ ... ٧٤ ... ٣٦ ... ٥٦ ... ١٦٦ ... ٢٦٥\nالمَجموع ... ١٣٠ ... ٦٤ ... ٨٩ ... ١٩٨\n\nومن خلال هذين الجدولين لأسماء الشعراء في كتب التفسير، وعدد شواهدهم، يتضح ما يلي:\nأولًا: أن المفسرين قد اعتمدوا على شعراء الجاهلية اعتمادًا كبيرًا، وأنهم لم يكونوا يعدلون بشعرهم شعر غيرهم، والدليل على ذلك أن الطبري قد استشهد بشعر مائة واثنين وعشرين شاعرًا جاهليًا أمكن معرفتهم، وقد يكون من جُملة الأبيات المَجهولة من قالها من شعراء الجاهلية، من مجمل شعراء الشواهد الذين استشهد الطبري بشعرهم وعددهم يصل إلى ثلاثمائة وعشرة شعراء، وهي نسبة تُمثلُ ٣٩.٣ % من شعراء الطبري في تفسيره.\nوقد استشهد لهم بِمَا يزيد عن خَمسمائةٍ وخَمسينَ شاهدًا شعريًا من مجموع شواهده المنسوبة التي بلغت ألفًا وثلاثمائة وأربعين شاهدًا شعريًا، وهو يمثل نسبة ٤١% من الشعر المنسوب في تفسير الطبري","vol":"1","page":441},{"text":"لشعراء الجاهلية. يقول الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عَشْرَ حِجَجٍ، فلم أسمعهُ يَحتجُّ ببيتٍ إِسلاميٍّ (١). وقد تأثر المفسرون بمنهج أبي عمرو فقدموا شعراء الجاهلية، وأكثروا من الاستشهاد بشعرهم. ورغبة في موازنة منهج المفسرين بمنهج أهل اللغة عمدت إلى «لسان العرب» (٢) لابن منظور لأنظر نصيب شعراء الجاهلية من شواهده الشعرية، فوجدت أن ابن منظور قد استشهد بما يزيد عن اثنين وثلاثين ألف شاهد من الشعر، المنسوب منها لقائله بلغ واحدًا وعشرين ألفًا، وأغفل الباقي، وقد درس أحد الباحثين هذا فظهر له أن الشعراء الذين نسبت إليهم هذه الشواهد وأمكن معرفة عصورهم الأدبية بلغوا ثلاثمائة شاعر، جاءت نسبتهم لعصورهم كما يأتي:\n٤٠ % ينتمون للعصر الجاهلي، و١٠ % من طبقة الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الإسلام، و١٥ % من شعراء صدر الإسلام، و٣٠ % من الشعراء الأمويين، ونسبة ضئيلة جدًا تقارب ٠.٥ % ينتمون للعصر العباسي (٣). وهذا يعني أن نسبة شعراء الجاهلية تقارب النصف، والنصف الآخر ينتمي للعصر الإسلامي والأموي، وهذه نتيجة مقاربة لما في كتب التفسير أيضًا.\nثانيًا: يأتي الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية عند الطبري، فقد استشهد له الطبري بمائة وثمانية عشر شاهدًا، واستشهد له القرطبي بمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا، ولعل هذا نتيجة عناية العلماء قديمًا بشعره،\n_________\n(١) انظر: إنباه الرواة ٤/ ١٣٣.\n(٢) اخترت لسان العرب لأَنَّه جَمع خَمسةَ معاجم لغوية متقدمة هي تَهذيب اللغة للأزهري، والمُحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، مع حواشي ابن بري عليه، والنهاية لابن الأثير. ولم يكن لابن الأثير إلا النقل، دون أن يغير شيئًا منه كما ذكر في مقدمته. انظر: لسان العرب ١/ ١٨ - ١٩.\n(٣) انظر: معجم الشعراء في لسان العرب للدكتور ياسين الأيوبي ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":442},{"text":"فقد كان أبو عمرو بن العلاء يحث تلاميذه على العناية بشعر الأعشى للاستشهاد به، حيث يقول: «عليكم بشعر الأعشى» (١). وكان أهل الكوفة - وهم أهل رواية الشعر - يُقدِّمونَ الأعشى على غيره (٢)، وقد تضمنت كتب التفسير كثيرًا من شعره، بل تكاد تجد قصائد له استشهد المفسرون بغالب أَبياتِها، مثل قصيدته الرائية التي مدح بها عامر بن الطفيل في المنافرة بينه وبين عمرو بن علاثة، ومطلعها:\nشَاقَتْكَ مِنْ قَتْلَةَ أَطْلالُهَا ... بِالشَّطِّ فَالوِتْرِ إلى حَاجِرِ (٣)\nفقد استشهد المفسرون بأكثر أبياتها على مسائل لغوية، وصرفية وغيرها (٤)، كما ورد كثير من أبيات معلقته في كتب التفسير (٥).\nويأتي بعده النابغة الذبياني الذي استشهد له بثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، أكثرُها من معلقته التي مطلعها:\nيا دَارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وطَالَ عليها سَالفُ الأَبَدِ (٦)\nثم يأتي في المرتبة الثالثة بين شعراء الجاهلية عند الطبري امرؤ القيس بن حجر، فقد استشهد له الطبري بثلاثين شاهدًا شعريًا، معظمها من معلقته، وقصيدته اللامية التي لا تقل جودة عن معلقته، والتي مطلعها:\nأَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البَالي ... وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي (٧)\n_________\n(١) انظر: جمهرة أشعار العرب ١/ ٢٠١ وما بعدها.\n(٢) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥٢.\n(٣) انظر: ديوانه ١٨٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢/ ٤٣٣، ٩/ ١٧٣، ٢/ ٢٠، ١٠/ ٣٠٨، ١/ ٥٠٤، ٢٤/ ١١٣، ٩/ ١٤٥، ١٤٦، ٤/ ٦١٨، ١٧/ ٤٦٦، ٢٠/ ٥٥٦، ٢٤/ ١١٤، مجاز القرآن ١/ ٣٦، ١٨٧، ٢١٩، ٢/ ٨٩، ١٥٣، ٢٠٢، ٢٨٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٤/ ٦٧٣، ١٠/ ٢٠٣، ١٥/ ٧٧، ٣٠٥، ١٨/ ٤٧٠، ٤٧١، ٢١/ ١٥٦، ٥٧١.\n(٦) انظر: ديوانه ١٩.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٧.","vol":"1","page":443},{"text":"في حين جاء امرؤ القيس في مقدمة الشعراء جَميعًا عند القرطبي في تفسيره، فقد استشهد له القرطبيُّ بِمائةٍ وثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، ثم يتسلسل الشعراء الجاهليون بعد ذلك فيأتي زهير، وعنترة، وطرفة الذين يبين الجدول مقدار شواهدهم الشعرية عند الطبري وعند غيره.\nثالثًا: أما الشعراء المخضرمون فقد استشهد الطبري بشعر سبعةٍ وستين شاعرًا مُخضرمًا، وهم يُمثلون ٢١.٦% من مجموع الشعراء لدى الطبري، وقد استشهد لهم بِمائتين وثلاثة وسبعين شاهدًا شعريًا، وأوفرهم حظًا في الاستشهاد بشعره عند الطبري هو لبيد بن ربيعة العامري ﵁ فقد استشهد له باثنين وأربعين بيتًا من الشعر، ثم يأتي بعده أمية بن أبي الصلت وله من الشواهد الشعرية أربعة وعشرون شاهدًا، ثم يأتي حسان بن ثابت ﵁ وله سبعة عشر بيتًا، وهكذا بقية الشعراء المخضرمين كما هو في الجدول.\nرابعًا: أما الشعراء الإسلاميون فيقاربون المخضرمين من حيث النسبة، فقد استشهد الطبري بشعر أربعةٍ وستين شاعرًا أي ٢٠.٦ % من مجموع شعراء الطبري، وأورد لهم من الشواهد ثلاثمائة وتسعة وسبعين شاهدًا شعريًا.\nويأتي على رأس شعراء الإسلام عند الطبري من حيث عدد الشواهد الشعرية العَجَّاجُ الراجز حيث أورد له أربعة وأربعين شاهدًا شعريًا، ثم يأتي بعده جرير بن عطية وله سبعة وثلاثون شاهدًا شعريًا، ومثله الفرزدق وله ستة وثلاثون شاهدًا وهكذا كما هو مبين في الجدول. ويبقى بعد ذلك ما يقارب ١٩% من شعراء الطبري لم أستطع تحديد عصرهم الزمني، ولعل البحث يكشف مستقبلًا عن تحديد عصورهم الزمنية فتكون النتائج أكثر دقة.\nخامسًا: تَبَيَّنَ من خلال الجدول التزام المفسرين بِما قرره العلماء","vol":"1","page":444},{"text":"في الاحتجاج بشعر الشعراء، حيث لم يستشهد الطبري بشعر أحد من الشعراء المُحدثين، وتوقف في استشهاده عند ثلاثة شعراء كان العلماء يجعلونهم آخرَ الحُججِ، وهم إبراهيم بن هَرْمة (ت ١٧٦ هـ)، حيث استشهد له بثلاثة شواهد (١)، وابن ميادة الذبياني (ت ١٤٩ هـ) استشهد له بشاهد واحد (٢)، وأبو نخيلة الراجز (ت ١٤٥ هـ) استشهد له بثلاثة شواهد (٣)، وقد أدخلت هؤلاء الثلاثة في الإسلاميين لأنهم عاشوا أكثر حياتهم في الدولة الأموية في البادية، ولذلك يقول الأصمعي (٢١٦ هـ): «سَاقَةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادةَ (ت ١٤٩ هـ)، وابنُ هَرْمَةَ (ت ١٧٦ هـ)، ورُؤبَةُ (ت ١٤٥ هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ (١٥٠ هـ)، ومَكينُ العُذريُّ (١٦٠ هـ)، وقد رأيتُهم أجْمعين» (٤).\nوأما الزمخشري فقد استشهد ببيت مفرد لأبي تمام ولم يقرنه بغيره وقد تقدم، ورأيته عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٥)، وذكر ما روي عن عدي بن حاتم ﵁ في فهمه للآية، وقول الرسول - ﷺ - له: «إِنَّكَ لَعَريضُ القَفَا». فأشار الزمخشري إلى أن هذا القول يشار به إلى قلة الفطنة، فقال: «قلتُ: غَفَلَ عن البَيَانِ، ولذلك عَرَّض رسولُ الله - ﷺ - قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل، وقلة فطنته، وأنشدتني بعض البدويات لبدويِّ:\nعَريضُ القَفَا مِيْزَانُهُ في شِمَالِهِ ... قَدِ انحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَراريطِ شَارِبُه (٦)» (٧).\nفقد يُفهم من هذا أن هذه البدوية أنشدته لشاعر متأخر، وربما\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٦/ ٢١١، ١٣/ ٤١٠، ١٦/ ٢٧٨.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٧/ ٣٨٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٤٧، ١٩/ ٣٩٤.\n(٤) الشعر والشعراء ٢/ ٧٥٣، وخزانة الأدب ١/ ٨، ٤٢٥.\n(٥) البقرة ١٨٧.\n(٦) لم أعثر عليه ولا على قائله.\n(٧) الكشاف ١/ ٣٩٠.","vol":"1","page":445},{"text":"تكون أنشدته لشاعر بدوي متقدم يحتج بشعره، وعلى كلا الحالين فإن الزمخشري لم يستشهد بهذا الشاهد على لغة القرآن، وإنما أراد أن يوضح معنى الكناية في قول الرسول - ﷺ - لعدي بن حاتم ﵁ وهذا خارج عن المؤاخذة (١).\nوأما ابن عطية فقد توقف عند شعراء الاحتجاج المجمع عليهم عند العلماء، ولم يستشهد للمولدين إلا نادرًا مع النص على ذلك، وعدم إفراد شواهدهم، بل يقرنها بشواهد لشعراء الاحتجاج. ومن ذلك قوله: «وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] (٢) هو أن العرب أجرت الرسول مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي (٣):\nأَلِكْنِي إليها وخَيْرُ الرَّسولِ ... أَعلمُهمْ بنِوَاحي الخَبَرْ (٤)\nوقولُ الشاعرِ وإن كان مولَّدًا:\nإِنَّ الَّتي أَبصَرتَها ... سَحَرًا تُكَلِّمُني رَسولُ (٥)» (٦).\nوالشاعر المولد الذي يعنيه هو أبو نواس. كما استشهد ببيتٍ للشافعي، واعتذر بأَنَّ أبا عبيدةَ قد استشهد به (٧). كما استشهد ببيتين للمتنبي على المعنى (٨).\nوأما القرطبي فقد استشهد بشعر عدد من الشعراء العباسيين يزيدون عن خَمسةَ عشر شاعرًا، كأبي نواس، وبشار، وأبي العتاهية، وأبي تَمَّام، والمتنبي، وغيرهم، إلا أنه لم يحتج بهم في مسائل اللغة ولا الغريب ولا النحو إلا في موضع واحد استشهد فيه ببيت لأبي تمام مع\n_________\n(١) انظر استشهاد الزمخشري بابن الرومي ١/ ٥٥٢.\n(٢) الشعراء ١٦.\n(٣) هو أبو ذؤيب الهذلي.\n(٤) انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٤٦.\n(٥) انظر: ديوان أبي نواس ٢٨٩.\n(٦) المحرر الوجيز (قطر) ١١/ ٩٦.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ١١/ ٤٤٩.\n(٨) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ١٥/ ١٣٢، ١٣٧.","vol":"1","page":446},{"text":"بيت للفرزدق (١) فلم يفرده بالاستشهاد، وأمَّا الأصل في إيراده شواهد المحدثين من الشعراء أن يستشهد بها في مسائل البلاغة والأدب (٢).\nومن ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ [إبراهيم: ٤٩] (٣)، حيث ذكر أن الإصفاد يأتي في اللغة بِمعنى العطاء، ويأتي بمعنى القيد، فقال: «وقيل: صَفَدتُهُ وأَصْفَدتُهُ جاريانِ في القَيدِ والإعطاءِ جَميعًا، قال النابغة:\n........................ ... فَلَمْ أُعَرِّضْ أَبيتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (٤)\nفالصَّفَدُ العَطاءُ؛ لأَنَّهُ يُقَيّدُ ويُعْبِدُ، قال أبو الطيب:\nوقَيّدْتُ نَفسي في ذَرَاكَ مَحبَّةً ... ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيدًا تَقيَّدَا (٥)» (٦).\nفالقرطبي هنا لم يستشهد ببيت المتنبي لمعنى لغوي للكلمة، وإنما استشهد به استشهادًا معنويًا، وهو أَنَّ العطاءَ سُمِّي صَفَدًا لأَنَّه يُقيّدُ الآخذَ بِمعروفِ المُعطي قَيدًا مَعنويًا، لأنهُ يكون أسيرًا لمعروفه، إِنْ كان حُرًّا يَحفظُ المعروفَ، ولذلك قال المتنبي قبل هذا البيت:\nومَا قَتَلَ الأحرارَ كالعَفْوِ عنهمُ ... ومَنْ لكَ بِالحُرِّ الذي يَحفظُ اليَدَا\nإذا أنتَ أَكْرمتَ الكريمَ مَلكتهُ ... وإِنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تَمرَّدا\nفالقرطبي لم يستشهد بشعر المتنبي على أنه حجة في اللغة، ولا بغيره من الشعراء المُحدَثِين، وإنما كان يستأنس بشعرهم في مثل هذه المسائل (٧).\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٦٩.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٦٢، ٣/ ٢٨٤، ٣٠٦، ٣٣٤، ٤/ ١٥٩، ٣١٣، ٥/ ٩٢، ٢٥١، ٨/ ١٧٠، ٢٦٨، ١١/ ٢٥، ١٣/ ١٧٩، ١٦/ ٣٧، ٣٣٥، ١٨/ ٩٥، ١٩/ ١٤٢.\n(٣) إبراهيم ٤٩.\n(٤) عجز بيت، صدره: ... هذا الثناءُ فَإِنْ تَسمعْ بهِ حَسَنًا ... انظر: ديوانه ٢٧.\n(٥) انظر: ديوانه ٢/ ١٩٥.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣٨٤.\n(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ١٧٤، القرطبي ومنهجه في التفسير للقصبي زلط =","vol":"1","page":447},{"text":"سادسًا: رغبةً في موازنةِ عملِ المفسرين بعملِ أهلِ اللغة، عمدتُ إلى «لسان العرب» لابن منظور؛ لأرى أبرز مَن احتجَّ بشعره من الشعراءِ، فكانوا على هذا النحو (١):\n\nالشاعر ... عصره ... قبيلته ... عدد شواهده\nذو الرمة ... إسلامي ... الرباب ... ٩٧٥\nالأعشى ... جاهلي ... قيس ... ٨٧٧\nرؤبة بن العجاج ... إسلامي ... تَميم ... ٦٩٨\nلبيد بن ربيعة ... جاهلي ... عامر ... ٦٦٠\nأبو ذؤيب الهذلي ... إسلامي ... هذيل ... ٦٠٤\nالعجاج ... إسلامي ... تَميم ... ٥٦٣\nالكميت بن زيد ... إسلامي ... أسد ... ٤٩٥\nامرؤ القيس ... جاهلي ... كندة ... ٤٤٠\nجرير ... إسلامي ... تَميم ... ٤٣٨\nالراعي النميري ... إسلامي ... نُمَيْر ... ٤٣٤\nالفرزدق ... إسلامي ... تَميم ... ٣٩٦\nالنابغة الذبياني ... جاهلي ... ذبيان ... ٣٧٤\nتَميم بن مقبل ... مخضرم ... قيس ... ٣٤٧\nعمرو بن أحمر ... مخضرم ... باهلة ... ٣١٨\nالطرماح ... إسلامي ... طي ... ٣١٥\nالأخطل ... إسلامي ... تغلب ... ٣٠٤\nزهير ... جاهلي ... غطفان ... ٣٠٠\n_________\n= ٢٨٣، أبو عبد الله القرطبي وجهوده في النحو واللغة في كتابه الجامع لأحكام القرآن لعبد القادر الهيتي ٣٠٠ - ٣٠١.\n(١) اعتمدت في هذا الإحصاء على نتائج دراسة الدكتور ياسين الأيوبي لشعراء لسان العرب وعدد شواهدهم في كتابه: «معجم الشعراء في لسان العرب». ٤٩٨ - ٥٥٠.","vol":"1","page":448},{"text":"الشاعر ... عصره ... قبيلته ... عدد شواهده\nكثير عزة ... إسلامي ... خزاعة ... ٣٠٠\nالنابغة الجعدي ... مخضرم ... جعدة ... ٢٩٧\nساعدة بن جؤية ... جاهلي ... هذيل ... ٢٤٤\nطرفة ... جاهلي ... بكر ... ٢٤٣\nأوس بن حجر ... جاهلي ... تَميم ... ٢٣٤\nالشماخ بن ضرار ... مخضرم ... غطفان ... ٢٢٨\nعدي بن زيد ... جاهلي ... عِباد ... ٢٠٠\nأبو النجم العجلي ... إسلامي ... بكر ... ٢٠٠\nالمتنخل الهذلي ... جاهلي ... هذيل ... ١٩٧\nحميد بن ثور ... مخضرم ... هلال ... ١٧٨\nالقطامي ... إسلامي ... تغلب ... ١٧٢\nحسان بن ثابت ... مخضرم ... الأزد ... ١٦٥\nبشر بن أبي خازم ... جاهلي ... أسد ... ١٤٥\nكعب بن زهير ... مخضرم ... غطفان ... ١٤٤\nعنترة ... جاهلي ... عبس ... ١٢٢\nالحطيئة ... مخضرم ... عبس ... ١٢٠\nأبو كبير ... جاهلي ... هذلي ... ١٠٦\nوهذا الجدول يظهر بشكل عام أن أبرز الشعراء الذين احتج بهم اللغويون في إثبات اللغة، هم أبرز الشعراء الذين احتج بهم المفسرون أيضًا في كتب التفسير، كالأعشى، والنابغة الذبياني، والعجاج ورؤبة وجرير والفرزدق ولبيد، وإن كان هناك اختلاف طفيف في عدد الشواهد للشعراء هنا وهناك؛ مِمَّا يدل على وحدة المعايير والمصادر التي اعتمد عليها علماء اللغة والنحو والتفسير في دراسة لغة القرآن.","vol":"1","page":449},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-182> قبائل شعراء الشواهد عند المفسرين:</span>\nتقدم أن المفسرين قد تقيدوا زمنيًا بشعراء عصور الاحتجاج، وقد أظهر إحصاءُ الشعراء وعدد شواهدهم وعصورهم الزمنية دِقَّةَ المفسرين في الالتزام بتلك الضوابط، وقد أضاف العلماء قيدًا ثالثًا للاستشهاد وهو القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل، وقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب التفسير، وقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استشهد المفسرون بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة:\n\nم ... القبيلة ... الشعراء ... الشواهد\n١ ... تَميم ... ٥٨ ... ٢٩٤\n٢ ... كنانة ... ٢٦ ... ٧١\n٣ ... بكر ... ٢٣ ... ١٨١\n٤ ... الأزد ... ٢١ ... ٩٤\n٥ ... هذيل ... ١٧ ... ٥٠\n٦ ... أسد ... ١٥ ... ٣٤\n٧ ... هوازن ... ١٣ ... ٥٦\n٨ ... تغلب ... ٩ ... ٤٦\n٩ ... غطفان ... ٨ ... ٦٦\n١٠ ... طيء ... ٨ ... ٣٨\n١١ ... عبس ... ٥ ... ٣٥\n١٢ ... سليم ... ٥ ... ١٦\n١٣ ... عبد القيس ... ٥ ... ٦\n١٤ ... قضاعة ... ٤ ... ٨\n١٥ ... مزينة ... ٣ ... ٣٩\n\n١٧ ... الرِّباب ... ٣ ... ٣٤\n١٨ ... كندة ... ٣ ... ٣١\n١٩ ... عكل ... ٣٨ ..\n٢٠ ... باهلة ... ٣ ... ١٠\n٢١ ... مازن ... ٣ ... ٥\n٢٢ ... غني ... ٣ ... ٣\n٢٣ ... حمير ... ٢ ... ٧\n٢٤ ... فزارة ... ٢ ... ٦\n٢٥ ... خثعم ... ٢ ... ٤\n٢٦ ... لخم ... ٢ ... ٣\n٢٧ ... بلحارث ... ٢ ... ٢\n٢٨ ... ضبة ... ٢ ... ٢","vol":"1","page":450},{"text":"وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان، وعدد هذه القبائل ست وعشرون قبيلة.\nومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية:\nأولًا: أن المفسرين قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها.\nثانيًا: أَنَّ قبيلة تَميمٍ قد استحوذت على النصيب الأكبر من حيث عدد الشعراء وعدد الشواهد، فقد استشهد المفسرون بثمانية وخمسين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعة مائتين وأربعة وتسعين شاهدًا شعريًا مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم في الجاهلية أوس بن حجر، وأمَّا في الإسلام فقد اشتهر عدد من شعراء تميم مثل جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ المفسرون معظم شواهد التفسير من تميم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد.\nيأتي بعد تميم قبائل كنانة، وقد أدخلت فيهم شعراء قريش، ثم يأتي بعد هاتين القبيلتين قبيلة بكر ببطونها المختلفة، ومنهم شعراء قيس، وغيرهم من بطون بكر، وأشهر شعرائهم الأعشى ميمون بن قيس الذي يعد أوفر شعراء الجاهلية حظًا لدى المفسرين كما تقدم، وطرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، ثم تأتي بقية القبائل كما هو ظاهر في الجدول السابق.\nثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع المفسرين هذا في استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة","vol":"1","page":451},{"text":"قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى شعر قريش ونثرها للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها، وقد فصل العلماء هذه المسألة (١).\nرابعًا: سبق الحديث عن كلام الفارابي في الباب الأول، وقوله: «والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أخذ أكثر ما أخذ ومعظمه. وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكانِ البَراري مِمَّن كان يسكنُ أطرافَ بلادهم المُجاورةِ لسائر الأمم الذين حولهم» (٢).\nغير أني أضيف هنا بعد هذا الحصر للقبائل والشعراء، أن الفارابي أصاب في معظم ما ذكره، حيث لم يكن حكمه فيما يبدو لي مبنيًا على استقراء دقيق، وإنما هو بطبيعته الفلسفية أراد أن يُنَظِّرَ لمثل هذا الأمر، وهو الاحتجاج، فرأى أن الأولى أن يكون أخذ اللغة عن هؤلاء دون غيرهم، ونظر في أكثر ما نقل فوجده عن قبائل تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبعض الطائيين، فقال هذا القول.\nويُمكن أَن يُستدركَ عليه عدم ذكره لشعراء الأزد، ولا شعراء كنانة،\n_________\n(١) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٦٢٤ - ٦٧٠.\n(٢) الحروف للفارابي ١٢٤.","vol":"1","page":452},{"text":"ولا سيما شعراء قريش وهم أهل الحضر، فقد استشهد المفسرون بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جميعًا خمسة وعشرين شاعرًا، وورد لهم واحد وستون شاهدًا في كتب التفسير غير ما جهلت نسبته.\nكما ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة: «لا مِن لَخْمٍ، ولا من جُذام؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ وغَسانَ، ولا من إِيادٍ؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهل الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلبَ ولا النَّمر؛ فإنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبدالقيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم» (١). وكل القبائل التي ذكر الفارابي أنه لم يؤخذ عنها وردت شواهد لشعرائها في كتب التفسير كما هو في جدول الشعراء. كقبيلة كنانة، وثقيف، والأزد وغيرهم.\nرابعًا: كثيرًا ما يقول المفسرون قبل إيراد الشاهد الشعري «قالت العرب» أو «هكذا قالت العرب»، ونحو هذه العبارات، التي لا تعتد بقبيلة الشاعر، وإِنَّما تُسمِّي كل ما قاله شعراء القبائل المُحتج بشعرهم عربيةً، ولعل هذا لأن اللغة التي كان الشعراء ينظمون بها شعرهم لم يبق فيها فوارق تذكر بين اللهجات، وتضاءلت تلك الفوارق بين اللهجات بعد نزول القرآن الكريم.\n_________\n(١) الاقتراح ٤٤ - ٤٥، والمزهر ١/ ٢١١ - ٢١٢.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى</span>.\nكان علماءُ السلفِ شيوخَ لغةٍ وشعرٍ وروايةٍ، وكانوا يقدمون دراسة اللغة والشعر على غيرها، ويستقصون في تتبع شعر العرب؛ لأن الشعر كان أصلًا للعلمِ بالكتاب والسنة، ففهمُهُما مترتبٌ على فهمِ لُغتِهما، وفُهمُ اللغةِ أصلهُ فهمُ شعرِ العَربِ ونثرِها، حتى إذا بلغ أحدهم من العلم مبلغًا انصرف للتصنيف في التفسير وغيره بعد أن يكون قد استحكمت آلته، وقويت ملكته العلمية، ولذلك تجد للواحد منهم ترجمةً في طبقات اللغويين والمفسرين والفقهاء والأدباء وغيرهم لكثرة مصنفاته، وتنوع معارفه ومن هؤلاء الإمام الطبري (١)، والزمخشري (٢)، وابن عطية وغيرهم. ودليل ذلك أن بعض المفسرين تصدَّى لشرح دواوين الشعراء، كالطبري والواحدي (٣)،\nفقد ذُكر عن الطبري أنه كان «يحفظُ من الشعر للجاهلية والإسلام ما لا يجهله إلا جاهل به» (٤)، وذُكرَ عن ثعلب أنه قال: «قرأ عليَّ أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس\n_________\n(١) قال القفطي في صدر ترجمته له: «العالم الكامل الفقيه المقرئ النحوي اللغوي الحافظ الإخباري جامع العلوم لم ير في فنونه مثله». انظر: إنباه الرواة ٣/ ٨٩، وترجم له الحموي في معجم الأدباء ترجمة مطولة لم يترجمها لغيره ٥/ ٣٤١، وهو يعد شيخ المؤرخين الثقات بكتابه تاريخ الأمم والملوك.\n(٢) له من شروح الشعر شرح لامية العرب، وشرح شواهد سيبويه الشعرية.\n(٣) شرح الواحدي ديوان المتنبي شرحًا مستوعبًا، يعد أمثل شروح الديوان، وله عدة طبعات أجودها طبعة دار الرائد العربي، بيروت في خمسة مجلدات.\n(٤) معجم الأدباء ٥/ ٢٥٤.","vol":"1","page":454},{"text":"عندي بمدة طويلة» (١)، وقد لقيه ابنُ سُريجٍ في مصر «فوجده فاضلًا في كل ما يذاكره به من العلم، ويجيب في كل ما يسأله عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلًا بارعًا فيه، فسأله عن شعر الطرماح - وكان من يقوم به مفقودًا في البلد - فإذا هو يحفظه، فسئل أن يمليه حفظًا بغريبه» (٢).\nوتفسير القرآن الكريم وتفسير الشعر لا يكادان في جانب اللغة يحتلفان وإن كان للقرآن الكريم خصوصيته، كما قال الطبري: «فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المُنَزَّلِ على نبينا - ﷺ - لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها مُلائِمًا، وإِنْ بَايَنَه كتابُ الله بالفضيلة التي فَضَلَ بِهَا سائرَ الكلام والبيان» (٣).\nوقد كان من أهم دوافع شرح العلماء للشعر والعناية به هو الرغبة في خدمة معاني القرآن الكريم وتفسيره، مما جعل دراسة الشعر وتفهمه بابًا من أبواب حفظ لغة القرآن الكريم، وتقوية تفسيره، وقد تقدم شيء من أقوال العلماء في وجوب تعلم اللغة العربية قبل الكلام في تفسير القرآن الكريم، وحسبك بقول مجاهد تلميذ ابن عباس: «لا يَحِلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب» (٤)، وقول الإمام مالك: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (٥)، وهذا كلامٌ يُدْخِلُ المسألةَ بابَ الحِلِّ والحُرمةِ، ويُحرِّمُ على من لم يفهم اللغة والنحو أن يفسرَ القرآنَ.\nوقد وظَّفَ المفسرون علمَهم بالشعر ومعانيه وأقوال العلماء فيه في تفاسيرهم، فجاءت مليئةً بأرائهم ونظراتهم في الشعر، ومعانيه، وإعرابه، ومناسباته، وذكر بعض أحوال الشعراء، وسأبين في هذا المبحث منهج\n_________\n(١) المصدر السابق ٥/ ٢٥٤.\n(٢) معجم الأدباء ٥/ ٢٥٠.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٢.\n(٤) المصدر السابق ١/ ٣٩٦.\n(٥) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٩٦.","vol":"1","page":455},{"text":"المفسرين وأصحاب كتب التفسير اللغوي وهي كتب المعاني والغريب في شرح الشعر؛ لأَنَّ كتبَ معاني القرآن وغريبه «هي الصورةُ الأولى لكتبِ التفسير» (١)، ولتشابه المنهج مِمَّا يجعل تكرارَ دراسته في مبحث آخر ضَربًا من التكرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>أسباب الحاجة إلى شرح الشاهد الشعري:</span>\nهناك أسبابٌ تدفع المفسرين وغيرهم لشرح الشعر عندما يوردونه في كلامهم، ويمكن إرجاع الحاجة إلى شرح الشعر إلى الأسباب الآتية أو أحدها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>أولًا: غرابة الألفاظ</span>.\nالغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (٢). وعند المفسرين: ما غَمُضَ لَفظُهُ، وبَعُدَ معناهُ، أو أَشْكَلَ من ألفاظ القرآن (٣)، وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (٤) وستأتي أمثلة للغريب الوارد في الشاهد الشعري، وأكتفي هنا بالإشارة إلى أن اللفظة في الشاهد الشعري قد تكون معروفة من حيث اللفظ عند العرب، غير أن الشاعر يستعملها في معنى لا تعرفه العرب، كالمعاني التي تتعلقُ بالغيبياتٍ واليوم الآخر، وهي أمرو لا يعرفها إلا من كان على اطلاعٍ\n_________\n(١) المعجم العربي لحسين نصار ٥.\n(٢) انظر: العين ٤/ ٤١١، تهذيب اللغة ٨/ ١١٥.\n(٣) انظر: معاجم غريب الحديث والأثر للسيد الشرقاوي ١٩.\n(٤) تحفة الأريب ٢٧.","vol":"1","page":456},{"text":"على الأديان السابقة، ويظهر ذلك في شعر أمية بن أبي الصلت كثيرًا، وقد كان هذا سببًا في ترك كثير من العلماء الاستشهاد بشعر أمية كما ذكر ابن قتيبة (١) ومن أمثلة ذلك قول أمية بن أبي الصلت:\nرَجُلٌ وثَورٌ تَحتَ رِجْلِ يَمِينهِ ... والنّسْرُ للأخرى ولَيثٌ مُرْصَدُ (٢)\nفألفاظ هذا البيت واضحة، ولكن المعنى الذي يتحدث عنه من المعاني الغيبية؛ لأنه يصف حَمَلَةَ العَرشِ الذين يحملون عرشَ الرحمن، ولذلك صَدَّقَهُ النبيُّ - ﷺ - في وصفه هذا، وقال: «صَدَقَ، هذه صفاتُ عرش الرحمن». (٣) وقد ذكر الطبري هذا البيت في معرض تفسيره لمعنى البرق في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] (٤)، وأنَّ من المعاني التي فُسِّرَ بها البَرْقُ أنه صوتُ حَمَلةِ العرش من الملائكة. (٥) وهذه معانٍ غيبية متعلقة بالآخرة، لم يكن يستوي العرب في معرفتها، بل لا يكاد يعرفها إلا القليل، وأكثر شواهد شعر أمية بن أبي الصلت من هذا القبيل، لاطلاعه على كتب أهل الكتاب. (٦) وقد ذكر ابنُ سلَّام أميةَ فقال: «وكان أمية بن أبي الصلت كثيرَ العجائب، يذكر في شعره خلقَ السموات والأرض، ويذكرُ الملائكةَ، ويذكرُ مالم يذكره أحدٌ من الشعراء، وكان قد شامَّ أهلَ الكتاب» (٧). وذكر الأصفهاني أنَّ «أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله عَزَّوَجَلَّ الأول، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب». (٨) ولذلك كانت بعض أبياته\n_________\n(١) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٦١.\n(٢) انظر: ديوانه ١٨٥.\n(٣) مسند الإمام أحمد ٤/ ٨٨.\n(٤) البقرة ١٩.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٣٦٥.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ١١٠، ٣٢١، ٣٦٥، ٤٧٣، ٧٠٣، ٢/ ١٠٣، ٣٦٦، ٤٠٨، ٤٨٣، ٤/ ٥٢٨، ٧/ ٢٨١، ١٠/ ٥٦٩، ١٣/ ١١٤، ٥٥٣، ١٤/ ٩٩، وغيرها.\n(٧) طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(٨) الأغاني ٤/ ١٢١، وقد ذكر أمثلة من غريب شعر أمية، وقبله ابن قتيبة أورد عددًا من الأمثلة. وذكر الجواليقي في المعرب ٢٤٠ أن لفظة (ساهور) وهي ما يدخل فيه القمر إذا كسف، لم يسمع عن العرب، ولم يسمع إلا في شعر أمية بن أبي الصلت؛ لأنه كان يستعمل السريانية في شعره.","vol":"1","page":457},{"text":"تستعصي على فهم بعض العلماء الكبار كعيسى بن عمر. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>ثانيًا: غرابة التركيب</span>.\nربما تكون غرابة معنى الشاهد، لتركيبه لا لألفاظه، فيحتاج المفسر إلى شرح الشاهد الشعري، وبيان معنى تركيبه ونظمه. ومن ذلك أن الطبري بعد إيراده قول امرئ القيس:\nولو أَنَّ مَا أَسعى لأَدْنى مَعيشةٍ ... كَفَاني - ولم أَطْلُبْ - قَليلٌ مِن المالِ (٢)\nشرح تركيبه فقال: «يريد: كفاني قليلٌ من المالِ، ولم أطلب الكثير». (٣) لأنه قد يفهم البيت على غير هذا الفهم، وهو أن يقف على قوله: «كفاني»، ثم يستأنف «ولم أطلب قليلًا من المال»، بنصب قليلًا. غير أن الطبري قد شرح تركيب هذا البيت، وبَيَّنَ أنَّ قوله: «ولم أطلب» اعتراضٌ في الكلام.\nومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني:\nوقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزيدُ مَخَافَتِي ... عَلى وَعِلٍ في ذِي المَطَارةِ عَاقِلِ (٤)\nفهو غريب التركيب، وقد شرح الطبري معناه فقال: «والمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوَعِل على مخافتي». (٥) وقد استشهد به على أن العرب قد تضع الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، ولذلك نظائر. (٦)\n_________\n(١) انظر: المذكر والمؤنث لمحمد بن القاسم الأنباري ١/ ٢١٤.\n(٢) انظر: ديوانه ٣٩.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦٤.\n(٤) إنما خصَ الوعل لأنه أشد خوفًا من غيره، والعاقل: الذي عُقِل في الجبل، وذو المطارة: اسم جبل انظر: ديوانه ١٤٤\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣١١، ٢٤/ ٤٧٩.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٣١١، المحرر الوجيز ٢/ ٦٧.","vol":"1","page":458},{"text":"ثالثًا:\nهناك أسبابٌ أخرى تدعو إلى شرح الشاهد الشعري في كتب التفسير وإن لم تكن كثيرة الأمثلة كالسببين السابقين، غير أنه يحسن الإشارة إليها. ومنها:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-187> انفراد الشاهد الشعري عند الاستشهاد به عن بقية أبيات القصيدة</span>.\nفإن من أبرز خصائص الشاهد الشعري في كتب التفسير وغيرها من كتب اللغة والنحو، أنه يأتي في سياق الاستشهاد به مفصولًا عن القصيدة التي هو منها، وهذا يعرضه لسوء الفهم، وتعدد التأويلات، ولذلك أشار عدد من العلماء الذين قاموا بشرح الشواهد الشعرية في مصنفات خاصة إلى ما في فصل الشاهد الشعري عن سوابقه ولواحقه من تعريضه لكثرة التأويلات في شرحه وفهمه.\nومن ذلك قول البَطَلْيُوسيِّ في شرحه لأَبياتِ كتاب «أدب الكُتَّاب»: «وغرضي أن أَقْرِنَ بكل بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشعر من قبلهِ ومن بعده، إلا أبياتًا يسيرةً لم أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعار التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصل بالشاهد ما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فإنا رأينا كثيرًا من المفسرين للأبيات المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها، لأن البيت إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً». (١) ونَبَّهَ إلى أنه ينبغي على المتكلم في معاني الأبيات المنقطعة عن صواحبها أن لا يقطع على مراد قائلها؛ لاحتمال اختلاف التأويل إذا عُرِفَ السَّابقُ أو اللاحق من الأبيات. (٢) وفعل مثل ذلك شراح الشواهد كالسيرافي والبغدادي وغيرهم وإن لم ينصوا على\n_________\n(١) الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ٣/ ٥.\n(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ٨، الحلل في شرح أبيات الجمل ١٣.","vol":"1","page":459},{"text":"ذلك في مقدماتهم. (١) ولم يعتن بذلك الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد سيبويه. (٢)\nوقد ذكر المعري قصة تدل على أهمية معرفة ما قبل الشاهد ومابعده لفهم الشاهد فقال: «حدثني عبدالسلام البصري خازن دار العلم ببغداد - وكان لي صديقًا صدوقًا - قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي، وبعض أصحابه يقرأ عليه «إصلاح المنطق» لابن السكيت، فمضى بيت حميد بن ثور، وهو:\nومَطويَّةُ الأَقرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا ... فَسَبْتٌ، وأَمَّا لَيلُها فَذَمِيلُ\nفقال أبو سعيد: ومطويةِ، أَصلِحْهُ بالخفضِ، ثُمَّ التفتَ إلينا، فقال: هذه واو رُبَّ، فقلتُ: أطال الله بقاء القاضي، إِنَّ قبلَهُ ما يدلُّ على الرفعِ. فقال: وما هو؟ فقلت:\nأَتاكَ بيَ اللهُ الذي أَنزلَ الهُدَى ... ونُورٌ وإِسلامٌ عليكَ دَليلُ (٣)\nومَطويَّةُ الأَقرابِ .....\nفعاد وأصلحه». (٤) وإنما وقع السيرافي في هذا لعدم تنبهه لما قبل الشاهد من أبيات.\nومن الأمثلة على ذلك مما جاء في كتب التفسير، قول الشاعر (٥):\nمَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا (٦)\nحيث ذكر الطبري أن قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] (٧) عطفٌ على موضعِ «أَنْ» المَحذوفة في ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]،\n_________\n(١) انظر: شرح السيرافي لأبيات سيبويه، خزانة الأدب، وشرح أبيات المغني كلاهما للبغدادي.\n(٢) انظر: شواهد الشعر في كتب سيبويه لخالد جمعة ٩٥.\n(٣) ديوانه ١١٦، إصلاح المنطق ١١.\n(٤) وفيات الأعيان ٧/ ٧٢.\n(٥) هو عقبة أو عقيبة الأسدي، وقيل لعبدالله بن الزَّبير - بفتح الزاي - الأسدي.\n(٦) الكتاب لسيبويه ١/ ٦٧، معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٨، خزانة الأدب ١/ ٣٤٣.\n(٧) البقرة ٨٣.","vol":"1","page":460},{"text":"وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] فكأن معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبالوالدين إحسانًا، فرفع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لَمَّا حذفَ «أن»، ثم عطف: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعها. واستشهد بقول الشاعر:\nمَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا\nفنصبَ «الحديدَ» على العطف به على موضعِ «الجبال»؛ لأنَّها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبًا، فعطف بـ «الحديدِ» على معنى «الجبالِ» لا على لفظها، فكذلك قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. (١) وهذا الذي ذهب إليه الطبري في توجيه الشاهد الشعري أحد قولين للنحويين، وهو قول سيبويه. (٢)\nوالقول الآخر أن رواية البيتِ بِجَرِّ «الحديد». قال العسكريُّ: «ومِمَّا غَلِطَ فيه النحويون من الشِّعْرِ ورووه موافقًا لما أرادوه، ما رُوِيَ عن سيبويه عندما احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وقد غلط على الشاعر، لأن هذه القصيدة مشهورة، وهي مخفوضة كلها. وهذا البيت أولها، وبعده:\nفهبها مِدحةً ذهبتْ ضيَاعًا ... يزيدُ أَميرُها وأبو يَزيدِ\nأكلتُمْ أرضنَا فَجَرَدتُمُوها ... فهلْ مِنْ قائمٍ أو مِنْ حَصيدِ». (٣)\nوهذا مثال يدل على أهمية معرفة الأبيات التي منها هذا الشاهد من\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٢) استشهد به في أربعة مواضع على جواز العطف على الموضع. انظر: الكتاب ١/ ٦٧، ٢/ ٢٩٢، ٣٤٤، ٣/ ٩١.\n(٣) شرح ما يقع فيه التصحيف ٤٢١، خزانة الأدب ٢/ ٢٦٠ وقد نسبَ البغداديُّ للمُبرِّدِ رَدَّ رواية سيبويه، في حين قد استشهد المبرد بهذه الرواية أربع مراتٍ على جواز العطف على الموضع كما ذكر سيبويه كما في المقتضب ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٢٨١، ٤/ ١١٢، ٣٧١، تعليق المحقق الشيخ محمد عضيمة على الشاهد ٢/ ٣٣٧.","vol":"1","page":461},{"text":"الشعر، وإن كان قد رَدَّ هذا القولَ الزمخشريُّ وابنُ الأنباري وغيرهما، وقالوا إن هذا الشاهد روي مع أبيات منصوبة أيضًا، ومنها:\nأَديروهَا بَنِي حَرْبٍ عليكُمْ ... ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعيدا (١)\nوالشاهد ما تقدم من أهمية معرفة أبيات القصيدة التي منها الشاهد، مع ما قد يكون في هذا المثال من خلاف، والغرض التمثيل.\nومن الأمثلة كذلك ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] (٢) حيث قال: «وقالت فرقةٌ: سِجيّل معناه: شديد، وأنشد الطبري في ذلك لابن مقبل:\n.......................... ... ضربًا تواصَى بهِ الأبطالُ سجيلا (٣)\nوالبيت في قصيدةٍ نونيةٍ سِجِّينَا». (٤)\nفمعرفة أبيات القصيدة التي تسبق بيت الشاهد وتلحقه تدل على صواب الاستشهاد وصحته، فلأن قافية الأبيات نونية فاللفظة إذا: «سجينا». وهي كذلك في الديوان، وذكروا أن أصلها «سجيلا»، غير أنها «أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ». (٥) وقد أورد البطليوسي عددًا من الأمثلة على مثل هذه المسألة. (٦)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-188> الجهل بِموضوع الشاهد ومناسبته</span>.\nفقد يكون سببُ الحاجة للشرح الجهلَ بِمُناسبة الشاهد، وعدمَ معرفة الموضوع الذي يدور حوله، فيحتاج المفسر أن يبين ذلك قبل الشاهد أو بعده ليتضح معنى الشاهد، ووجه الاستشهاد.\n_________\n(١) انظر: الإنصاف للأنباري ٣٤٣، خزانة الأدب ١/ ٣٤٤.\n(٢) الحجر ٧٤.\n(٣) عجز بيت، وصدره:\nورَجْلَةً يَضربونَ البَيْضَ عن عُرُضٍ ... ..................................\nانظر: ديوانه ٢٣٦، النوادر لأبي زيد ٢٠٩، مقاييس اللغة ٣/ ١٣٧.\n(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٩٨.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٩٨.\n(٦) انظر: الاقتضاب ٣/ ٥ - ٨.","vol":"1","page":462},{"text":"ومن ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١)، وذكر أن بعض المفسرين قد فسَّر «العلمَ» بِمعنى «الرؤية» فقال: «وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أنَّ العربَ تضعُ «العلمَ» مكان «الرؤية»، و«الرؤية» مكان «العلم» ... كما قال جرير بن عطية:\nكأَنَّكَ لم تشهدْ لَقِيطًا وحَاجِبًا ... وعَمرَو بنَ عمرٍو إذْ دعَا يالَ دَارِمِ (٢)\nبمعنى: كأنك لم تعلم لقيطًا؛ لأنَّ بين هُلكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يخفى بُعْدُه من المُدةِ. وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجرير كان بعد بُرهةٍ مضت من مَجيء الإسلام». (٣) ولعل الطبري يعني أن الفرزدق لم يشهد مهلك هؤلاء لأنه هو المخاطب بالبيت، وقد استعان الطبري بمعرفته التاريخية بموت هؤلاء من بني دارم في الجاهلية، ولا يمكن فهمه إلا بهذا البيان، ولو جهل هذا التاريخ لما صح تفسير الشهادة بالعلم في البيت، لاحتمال أن الفرزدق أدرك مهلك لقيط وحاجب.\nومن أمثلة ذلك أن القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠] (٤) ذكر أن من معاني التغريق القتل، فقال: «والتَّغْريقُ: القتلُ، قال الأعشى:\n....................... ... أَلا ليتَ قَيسًا غَرَّقتهُ القَوابِلُ (٥)\nوذلك أَنَّ القابلةَ كانت تُغَرِّقُ المولودَ في ماء السَّلَى عام القَحْطِ،\n_________\n(١) البقرة ١٤٣.\n(٢) رواية الديوان: «إذْ دعوا». ولقيط هو ابن زرارة الذي قتل يوم جبلة، وأسر في ذلك اليوم حاجب بن زرارة، وعمرو بن عمرو بن عدس الدارمي. انظر: ديوانه ٢/ ١٠٠٤.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ١٦٠.\n(٤) البقرة ٥٠.\n(٥) عجز بيت، وصدره: أَطَورينِ في عَامٍ غَزَاةٌ ورِحْلَةٌ ... انظر: ديوانه ٢٣٣.","vol":"1","page":463},{"text":"ذَكَرًا كان أو أنثى حتى يَموت، ثم جُعِلَ كُلُّ قتلٍ تغريقًا». (١)\nفالقرطبي ذكر أن التغريق معناه القتل، وكان هذا كافيًا لفهم الشاهد، لكنه أتى بما وراء ألفاظ الشاهد وهي ما كان يفعله بعض العرب من تغريق المولود في زمن القحط في ماء السَّلَى، فزاد هذا الشاهدَ وضوحًا وجلاءً. وقد ذكر أهل اللغة مثل ذلك. (٢)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-189> خفاء معنى كثير من لغة العرب لموت أهلها</span>.\nوذكر ابن فارس أنَّ من أسباب الحاجة إلى شرح اللغة ذهاب كثير من لغة العرب، وذهاب من يحسنها، ويفهم معانيها، وأنه قد بقيت مفردات وتراكيب كثيرة خفي معناها على العلماء، ولم تفسر تفسيرًا يطمئنُّ إليه (٣)، ولكنني لم أعثر في كتب التفسير على مثال من هذه المفردات التي ذكرها ابن فارس. هذه أهم الأسباب - فيما يظهر - التي دعت المفسرين إلى شرح شواهد الشعر في كتب التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى:</span>\nالشَّرحُ هو الكشفُ والتبيينُ والتوضيح (٤)، ويُعَدُّ الشاهدُ الشعري في كتب التفسير جزءًا من التفسير والبيان الذي يؤتى به لتوضيح معاني المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، بل إن الشاهد الشعري يعد عند أهل اللغة شارحًا للمفردات، فقد سئل الأصمعي عن معنى الألمعي، فأنشد بين أوس بن حجر:\nالأَلمعيُّ الذي يَظُنُّ بكَ الظنَّ ... كأَنْ قد رأَى وقد سَمِعَا (٥)\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٢) انظر: لسان العرب ١٠/ ٥٦ (غرق).\n(٣) انظر: الصاحبي ٥٨ - ٦٥، المزهر ١/ ٦٦.\n(٤) انظر: لسان العرب ٧/ ٧٣ (شرح).\n(٥) انظر: ديوانه ٩٨.","vol":"1","page":464},{"text":"ولم يزد على ذلك. (١) كما أَنَّ المفسرين لا يتوسعون في شرح الشواهد الشعرية إلا في مواطن الخلاف والردود على غيرهم في فهم الشاهد أو الاستشهاد به. ولذلك فإن المفسرين لم يقصدوا إلى تفسير الشعر على نحو ما يفعل شراح الدواوين، وإنما كانوا يقصدون إلى تفسير القرآن الكريم، والاستدلال على صحة هذا التفسير بالشعر، فشرح الشعر يأتي تبعًا في كتب التفسير، وليس على وجه الاستقلال، ويكون ذلك بقدر حاجة التفسير، وبيانه لمعاني القرآن الكريم.\nوقد مرَّ شرحُ الشعرِ بِمراحل منذ نشأته على يد شعراء الجاهلية أنفسهم، حتى استقر على يد أمثال أبي عبيدة والأصمعي ومن في طبقتهم، وأصبح له أعلامه المعروفون، ومنهجه الذي يسير عليه. ثم جاء أبو سعيد السكري فجمع دواوين القبائل والشعراء وشرحها، وليس له في هذا الباب نظير، وأما شرح شواهد الشعر فمن أبرز من تصدى لذلك أبو محمد يوسف السيرافي (ت ٣٨٥ هـ)، فقد صنف عدة كتب في شرح شواهد الشعر التي وردت في عدة كتب مشهورة بين الناس، فشرح أبيات كتاب سيبويه، وشرح أبيات «إصلاح المنطق»، وشرح أبيات «مَجاز القرآن» لأبي عبيدة، وأبيات «معاني القرآن» للزجاج، وشرح أبيات «الغريب المصنف» لأبي عبيدة القاسم بن سلام إلى غير ذلك. (٢)\nوقد قمتُ بِجمعِ كُلِّ الشواهد الشعرية التي شرحها المفسرون، لاستخلاص الأسس المنهجية العامة التي كان يعتمدها المفسرون في شرح الشاهد الشعري، ووازنت بين شرح المفسرين لها وشرح غيرهم لمعرفة حجم الحهد الذي قدمه المفسرون في هذا الباب، وقمت باختيار نماذج من تلك الشروح وعرضتها كأمثلة، وهي تعبر تعبيرًا صحيحًا عن\n_________\n(١) انظر: الكشاف ٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠.\n(٢) انظر: وفيات الأعيان ٧/ ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":465},{"text":"بقية المواضع، وقد تبين لي أن شرح المفسرين للشاهد الشعري لا يخلو من ثلاثة أحوال:\n- إما أن يشرحوا المفردات.\n- وإما أن يشرحوا التراكيب.\n- وإما أن يتناول شرحهم أمرًا حول الشاهد الشعري كالتعريف بقائله، والإبانة عمَّا يعرض فيها من أعلام الأماكن والشخوص، وسرد بعض الأحداث والوقائع التي يرد ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>أولًا: شرح المفردات</span>.\nتُعدُّ دلالة المفردات في اللغة أكثر العناصر اللغوية قابلية للتغير في اللغات الإنسانية (١)، ولذلك فقد كانت عناية المفسرين بشرح المفردات الغريبة في القرآن الكريم والشعر المستشهد به هي الغالبة على الجهد اللغوي في كتب التفسير؛ وذلك للتغير الذي طرأ على معاني المفردات باتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتنوع أوجه الحضارة فيها، وغير ذلك من الأسباب التي باعدت بين الناس وبين اللغة العربية الفصيحة. كما إن معرفة معاني الألفاظ على جهة الإفراد هو مما يجب على المفسر البداءة به، وليس ذلك في التفسير فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع. (٢)\nويشبه شرحُ المفسرين للمفردات شَرْحَ أصحاب شروح الشعر والشواهد، كما يشبهُ\nتناولَ أصحابِ المَعاجمِ اللغوية للمفردات في بعض المواضع. فالمفسر قد يتناول غريب الشاهد الشعري فيبين كل لفظة بمعناها ولا يزيد على ذلك، وقد يتوسع قليلًا في شرح المفردة فيبين\n_________\n(١) انظر: الجوانب الدلالية في نقد الشعر للدكتور فايز الداية ١١٩.\n(٢) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٣١٣ - ٣١٤.","vol":"1","page":466},{"text":"اشتقاقها، وقد تكون هذه اللفظة غير مألوفة فيستشهد على بيان معناها بشواهد شعرية أخرى. وهم في ذلك يعتمدون على العلماء الثقات من أهل اللغة فيما نقلوه عن العرب كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>١ - شرح المفردات الغامضة:</span>\nيُعدُّ شرح المفردة الغريبة في الشاهد الشعري شرحًا لغويًا أكثر ما يعنى به المفسرون وأصحاب المعاني وغريب القرآن، حيث إن الشواهد اللغوية أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير كما تقدم. وشرح المفردة الغريبة قد يكون ببيان معناها بلفظة مرادفة أوضح منها، أو ببيان أصل اشتقاقها والتوسع فيه قليلًا أو نحو ذلك. وربما جاء بيان المفسرين لمعنى المفردة أجودَ من بيان بعض أصحاب المعاجم. (١) وقد تنبه إلى ذلك بعض المستشرقين وأشار إلى أنَّ «ما اضطلع به الطبريًّ في تفسيره للقرآن مما يتصل بالناحية اللغوية لهو رِكَازٌ لا تُقدَّرُ نَفاسته في بَحثِ مفردات اللغة». (٢)\nوقد تفاوت شرح المفسرين وأصحاب المعاني للمفردات بحسب منهج كل منهم، غير أنه لم يكن هذا التفاوت كبيرًا عند المتقدمين، وإنما تفاوت عند المتأخرين كالزمخشري ومن بعده. فأما أبو عبيدة والطبري فقد عنيا عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري، وقدما في ذلك ما اعتمد عليه من بعدهما من المفسرين.\nفأما أبو عبيدة فقد عني عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري الذي يورده، والأمثلة على ذلك في كتابه كثيرة. ومن أمثلة قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٣):\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٧، ١٠٦، ١٣١، ١٥١.\n(٢) مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر ١١٥.\n(٣) البقرة ١٤٤.","vol":"1","page":467},{"text":"«أي: قصد المسجد الحرام، قال الهذلي (١):\nإِنَّ العَسيرَ بِهَا دَاءٌ مُخامِرُها ... فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنينِ مَحسورُ (٢)\nالعَسِيْرُ: الناقة التي لم تُرْكَب، شطرُها: نَحوُها. وقال ابن أحمر:\nتَعدو بنَا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عَاقِدَةٌ ... قد كاربَ العقدُ من إِيفَادِها الحُقُبَا (٣)\nإيفادُها: سُرعتها». (٤)\nفقد بَيَّنَ معاني المفردات الغامضة، باختصار شديد، وقد نقل شرحه أصحاب المعاجم فقال في اللسان في شرح البيت: «العسير الناقة التي لم تُرَضْ، ونصب شطرها على الظرف أي نحوها». (٥) وشرح البغدادي بيت عمرو بن أحمر فقال: «وتعدو، أي: الناقة، من العدو، وهو ما قارب الهرولة، وهو دون الجري. وبنا، أي: بي وبغلامي؛ فإنه كان زميلي على الناقة. والشطر هنا بمعنى الجهة. وجمع: اسم المزدلفة. وسميت به إما لأن الناس يجتمعون بها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. والعاقدة: الناقة التي قد أقرت باللقاح، لأنها تعقد بذنبها فيعلم أنها حملت. وقيل: العاقدة: التي تضع عنقها على عجزها. والإيفاد: الإسراع، مصدر أوفد بالفاء، أي: أسرع. والحقب، بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ثِيلَهُ، أي: ذكره، كي لا يجتذبه التصدير. تقول منه: أحقبت البعير». (٦) وهنا يلاحظ الفرق بين شرح أبي عبيدة وشرح البغدادي، فقد اكتفى أبو عبيدة بشرح مفردة واحدة في البيت وهي الإيفاد، في حين شرح البغدادي وهو من المتأخرين (ت ١٠٩٣ هـ) جميع مفردات الشاهد الشعري.\n_________\n(١) هو قيس بن خويلد الهذلي.\n(٢) الكامل ٢/ ٥٠٣، لسان العرب ٣/ ١٦٨ (حسر).\n(٣) انظر: ديوانه ٣٨.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٦٠، وانظر: مجاز القرآن ١/ ٤١١.\n(٥) لسان العرب ٣/ ١٦٨ (حسر).\n(٦) خزانة الأدب ٦/ ٢٥٥.","vol":"1","page":468},{"text":"وأما الطبري في تفسيره فقد استفاد من شرح أبي عبيدة للشواهد، وتعقبه في شرح بعضها، وزاد عليه شواهد لم يذكرها أبو عبيدة، وهو في منهجه في شرح الشاهد الشعري لا يختلف عن أبي عبيدة كثيرًا، وإن كان قد يستطرد في شرح بعض الشواهد.\nومن أمثلة شرح الطبري للشواهد قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦] (١): «وأصلُ البَعْثِ: إِثَارةُ الشيء من مَحلّهِ، ومنه قيل: بَعَثَ فلانٌ راحلته، إذا أثارها من مَبْرَكِهَا للسَّيرِ. كما قال الشاعر:\nفَأَبْعَثُها وهِيَّ صَنيعُ حَولٍ ... كَرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبةً وَقَاحا (٢)\nوالرَّعْنُ: منقطع أنف الجبل، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوقاح: الشديدةُ الحافر أو الخُفِّ». (٣)\nفيُلحظ هنا أن الطبري شرح معنى البعث في الآية قبل إيراده للشاهد الشعري، ثم بعد إيراده للشاهد الذي اشتمل على مفردات غريبةٍ لِقلةِ من يستعمل هذه الألفاظ في زمنه شرح بعباراتٍ موجزةٍ معنى هذه المفردات، فشرح معنى «الرَّعْن» و«الذِّعْلِبَة» و«الوقاح»، وهذه المفردات وإن لم تكن محل الشاهد إلا أن معناه لا يفهم بدون بيانها، فشرحها الطبري من أجل ذلك.\nومما يتميز به شرح الطبري لمفردات الشاهد الشعري، أنه يشير إلى تفسير أهل اللغة، وتفسير السلف من أهل التفسير، ويقدم تفسير السلف للفظة على تفسير اللغويين، ومن أمثلة ذلك قوله: «والشُّحُّ في كلام العرب: البُخلُ، ومنعُ الفضل من المال، ومنه قول عمرو بن كلثوم:\n_________\n(١) البقرة ٥٦.\n(٢) لم أجده عند غير الطبري، ولم أهتد إلى قائله، وقوله: «وهيَّ». بتشديد الياء لغة همدان.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٨٤.","vol":"1","page":469},{"text":"تَرى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عَليهِ لِمَالهِ فيها مُهِينا (١)\nيعني بالشحيح: البخيل، يقال: إِنَّه لَشَحِيحٌ بَيّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ، وفيه شَحَّةٌ شَديدةٌ وشَحَاحَةٌ. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق». (٢) والعلماء الذين عناهم الطبري هم عبد الله بن مسعود ﵁ من الصحابة، وعبدالرحمن بن زيد من مفسري السلف. مما يعني أن المفردة اللغوية في القرآن قد تفسر على غير معهود اللغة في بعض الآيات.\nومثل ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] (٣) حيث ذكر الطبري معنى: ﴿فَرَاغَ﴾ في اللغة وأنه بمعنى: حاد، واستشهد بقول عدي بن زيد:\nحينَ لا يَنفعُ الرَّوَاغُ ولا يَنفعُ إِلَّا المُصادقُ النِّحريرُ (٤)\nوقال في شرح الشاهد: «يعني بقوله: لا ينفع الرواغُ: الحيادُ». ثم ذكر تفسير المفسرين فقال: «أَمَّا أهلُ التأويلِ فإِنَّهم فسَّروهُ بِمعنى فَمَالَ». (٥) وهذا مما تميز به شرح الطبري للمفردات في الشاهد الشعري وفي غيره، حيث يقدم تفسير السلف، ولا يغفله حين يورد الأقوال في معنى المفردات.\nوقد يفيض الطبري في شرح المفردة في الشاهد الشعري بحيث يستقصي معانيها، ويوفيها حقها من الشرح والبيان، ومن ذلك ما أورده عند تفسيره لمعنى الرَّبِّ حيث قال: «وأما تأويل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] (٦) فإن الرَّبَّ في كلام العرب منصرف على معانٍ ... ومن ذلك قيل: إِنَّ فلانَ يربُّ صنيعته عند فلان، إذا كان يُحَاولُ إصلاحَها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٠٩.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٥٢٩.\n(٣) الصافات ٩١.\n(٤) انظر: ديوانه ١٩٨.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٥٧٠.\n(٦) الفاتحة ٢.","vol":"1","page":470},{"text":"فَكُنتُ امرأً أفضتْ إليكَ رِبَابَتِي ... وقبلَك رَبَّتني - فَضِعْتُ - رُبُوبُ\nيعني بقوله: «أَفْضَتْ إليك» أي وصلت إليك ربابتي، فسرت أنت الذي تَرُبُّ أمري فتصلحه، لمَّا خَرجتُ من ربابةِ غيرك من الملوك، كانوا قبلك عليَّ فضيعوا أمري وتركوا تفقده، وهم الرُّبُوبُ، واحدهم رَبٌّ». (١)\nوشرح الطبري لهذا الشاهد أجود من شرح اللغويين في معاجِمهم (٢)، وقد شرحه الأعلم بقوله: «وقبلكَ ربَّتْنِي: ملكتني أربابٌ من الملوكِ حتى سرتُ إليك، والرُّبُوبُ جَمعُ رَبٍّ، وهو المالك». (٣) ومعاجم اللغة عند مادة «رَبب»، ذكروا المعاني التي فصلها الطبري، ولم يوردوا الشواهد التي أوردها وشرحها، وبعضهم أوردها ولم يشرحها كما شرحها الطبري. (٤) ويلاحظ أن لفظة الرب التي وردت في الشعر الجاهلي تفتقر إلى ما تحمله اللفظة في القرآن الكريم من معاني اللطف والتدبير والإحكام والرحمة لجلالة معاني القرآن الكريم، غير أن هذه اللفظة في الشعر الجاهلي تدل على أصل المعنى في اللغة فحسب. (٥)\nومما يدل على حسن توظيف الشاهد الشعري عند الطبري أنه استشهد ببيت علقمة هذا في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٦) فقال في شرحه للفظة القرآنية: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين) أنهم جَمعُ رَبَّاني، وأَنَّ الربَّانيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ الذي يَرُبُّ الناسَ، وهو الذي\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٤١، المحرر الوجيز ١/ ٦٥، يلاحظ في إشارة الطبري هنا إلى ما كتب فيه من بعده أحمد ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) في مقاييس اللغة، وهو ما يسمى بالاشتقاق الكبير.\n(٢) انظر: الصحاح ١/ ١٣٣، ومقاييس اللغة ٢/ ٣٨٣.\n(٣) شرح ديوان علقمة ٤٣.\n(٤) تهذيب اللغة ١٥/ ١٧٦ - ١٨٤، مقاييس اللغة ٢/ ٣٨٣، الصحاح ١/ ١٣٣، لسان العرب (ربب) ٥/ ٩٤ - ١٠٢.\n(٥) انظر: جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للمالكي ١٥٠.\n(٦) آل عمران ٧٩.","vol":"1","page":471},{"text":"يصلح أمورهم، ويَرُبُّها ويقومُ بِهَا ... ومنه قول علقمة» ثم يورد الشاهد ويشرحه بقوله: «يعني بِقَولهِ رَبَّتنِي: وَلِيَ أمري والقيامَ به قَبلكَ مَنْ يَرُبُّه ويُصلحهُ، فلم يُصلحوه ولكنهم أضاعوني فَضِعْتُ». (١) وهذا الشرح يختلف من حيث التعبير عن شرحه الأول، مما يدل على حسن تصرفه وتوظيفه للشاهد الشعري بحسب اللفظة المشروحة وسياقها. (٢)\nوأما الزمخشري في تفسيره فلم يشرح الشواهد الشعرية إلا نادرًا، سواء مفرداتها الغامضة أو تراكيبها، مما دفع بعض العلماء إلى التصدي لشرح شواهد الكشاف الشعرية (٣)، ولم يتعرض لشرح الشاهد إلا في موضع الرد والمنازعة، ومن ذلك أنه فَسَّرَ القُروءَ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٤) بِمعنى العِدَّةِ، ثم في معرضِ رَدِّهِ على الأقوال الأخرى قال: «فإن قلتَ: فما تقول في قول الأعشى:\n........................... ... لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُروءِ نِسَائِكَا (٥)\nقلتُ: أرادَ لِمَا ضاعَ فيها من عِدَّةِ نسائك؛ لِشهرة القُروءِ عندهم في الاعتداد بهنَّ، أي: من مدةٍ طويلةٍ كالمدةِ التي تعتد فيها النساءُ، استطال مدة غَيبته عن أهله كل عامٍ لاقتحامه في الحروب والغارات، وأنه تَمرُّ على نسائه مدةٌ كمدةِ العدةِ ضائعةً لا يضاجعن فيها. أو أرادَ: من أَوقاتِ نسائكَ؛ فإِنَّ القُرءَ والقارئَ جاءَ في معنى الوقت، ولم يُرِدْ لا حَيضًا ولا\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٥٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٠/ ٥٥٢.\n(٣) منها: تَنْزِيلُ الأبياتِ على الشواهد والآيات لمحمد أفندي، مشاهدُ الإنصاف على شواهد الكشاف لمحمد عليان المرزوقي، الإسعاف شرح شواهد القاضي والكشاف لخضر الموصلي (ألفه عام ٩٩٤ هـ).\n(٤) البقرة ٢٢٨.\n(٥) عجز بيت، صدره: وفي كُلِّ عَامٍ أنتَ جَاشِمُ غَزْوةٍ ... ........................................\nانظر: ديوانه ٩١.","vol":"1","page":472},{"text":"طُهرًا». (١) فقد أطال الزمخشري هنا في شرح معنى البيت لما كان في معرض الرد، وأهمل شرحه في سائر التفسير، وقد أشار الطبري إلى أنه قد يكون القرء في الشاهد بِمَعنى الوقت (٢)، ومثله ابن عطية (٣)، والقرطبي (٤)، غير أن شرح الزمخشري لهذه اللفظة في الشاهد جاء مفصلًا دون بقية المفسرين. حيث جاء في معرض رده على مخالفيه.\nوأما ابن عطية فقد شرح المفردات في الشواهد شرحًا موجزًا كشرح الطبري وغيره، وله في شرحه للشواهد الشعرية نظرات دقيقة تدل على سعة علمه ومعرفته بالشعر ومعانيه.\nومن أمثلته ما جاء في قوله: «وقولهم: سَنَنْت السِّكينَ، وسننت الحَجَرَ، إذا أحكمت تَمليسَهُ، ومن ذلك قول الشاعر (٥):\nثُمَّ دافعتُها إِلى القُبَّةِ الخَضَرا ... وتَمشي في مَرمرٍ مَسنونِ (٦)\nأي: مُحْكَمُ الإملاسِ والسَّنِّ». (٧)\nوالقرطبي كذلك عُنِيَ بشرح المفردات الغامضة في الشاهد الشعري، ومن أمثلة ذلك أنه أورد بيتًا للحطيئة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (٨) وهو قوله يصف الخيل:\nعَوابس بالشُّعثِ الكُمَاةِ إذا ابتَغَوا عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ (٩)\nثم شرح معنى أصرتِ فقال: «أي: ثَبَتَت على عَدْوِها». (١٠)\n_________\n(١) الكشاف ١/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٥١٢.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز ٢/ ١٩٤.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٣.\n(٥) هو أبو دهبل الجمحي.\n(٦) الشعر والشعراء ٢/ ٤٨٥، الأغاني ٧/ ١٢٣.\n(٧) المحرر الوجيز ١٠/ ١٢٥.\n(٨) آل عمران ١٣٥.\n(٩) رواية الديوان: أضرت، انظر: ديوانه ١٦٢.\n(١٠) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢١١.","vol":"1","page":473},{"text":"ومن الأمثلة عند القرطبي أنه أورد بيت ذي الرمة:\nإذَا غَرِقَتْ أَرْبَاضُها ثَنْيَ بَكْرَةٍ ... بِتيهَاءَ لَم تُصْبِحْ رَءُومًا سَلُوبُها (١)\nثم شرح مفرداته بعده فقال: «والأرْبَاضُ: الحِبَالُ، والبَكْرة: الناقة الفتيَّة، وثِنْيُها: بطنها الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لِمَا لَحِقَها من التعب». (٢)\nفالمفسرون وأصحاب الغريب، كانوا يشرحون المفردات الغامضة في الشواهد الشعرية بإيجاز، ويكون ذلك ببيانها بمرادفها المشهور أو نحو ذلك، من غير توسع، وإنما بقدر الحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٢ - بيان اشتقاق المفردة</span>.\nربما عرض المفسرون في شرحهم للشاهد من الشعر لبيان اشتقاق المفردة في الشاهد وهو قليل في كتب التفسير.\nومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأَمَّا ثُبَةُ الحَوضِ وهي وسطهُ الذي يثوب الماءُ إليه، فالمَحذوف منها العينُ، وأَصلُها ثَوبَةٌ، وتصغيرها ثُوَيْبَةٌ، وهي من ثَابَ يَثُوبُ، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب:\nفلمَا جَلاها بالأَيَامِ تَحيَّزَتْ ... ثُباتٌ عليها ذُلُّهَا واكتئَابُها\nأنه اسم مفرد ليس بجمع، سيق على الأصل؛ لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال». (٣)\nومن الأمثلة أن القرطبي بعد أن أورد قول الشاعر:\nأَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن أمرِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ\nذكر رواية أخرى لَه أنشدها النحاس ثم نقل شرحًا اشتقاقيًا لمفردة\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢/ ٧٠١.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٨٩.\n(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":474},{"text":"في الشاهد فقال: «قال المبرد: المُغِلَّةُ ذاتُ الغُلَّة. وقال غيره: المُغِلَّة التي يَجري الماءُ في غُلَلِها، أَي في أُصولهِا. ومنه تَغَلَّلْتُ بالغَالية، ومنه تَغَلَّيتُ، أَبدلَ من اللام ياءً، ومن قال: تَغَلَّفتُ فمعناه عنده جعلتها غلافًا». (١) فهذا كله بيان لاشتقاق مفردة في الشاهد الشعري يستطرد المفسر أحيانًا فيبينها ويشرحها، ويقلبها على وجوهها الاشتقاقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٣ - العناية باختلاف روايات الشاهد وشرح مفرداتها</span>.\nومن الأمثلة التي شرح فيها المفسرون الشاهد، وذكروا رواياته وفضلوا بعضها على بعض بحسب المعنى الذي تؤديه ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لمعنى «الرهبان» في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] (٢) حيث قال: «وأمَّا الرُّهبانُ فجَمْعُ رَاهِبٍ، وهذه تسميةٌ عربيةٌ، والرَّهَبُ الخوفُ، ومن الشواهد على أَنَّ الرُّهبانَ جَمعٌ قول الشاعر (٣):\nرُهبانُ مَديَنَ لَو رَأوكِ تَنَزَّلوا ... وَالعُصمُ مِن شَعَفِ العُقولِ الفادِرِ (٤)\nوقد قيل: الرُّهبانُ اسمٌ مُفردٌ، والدليل قول الشاعر:\nلو عَايَنَتْ رُهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ... تَحَدَّرَ الرّهبانُ يَمْشِي ونزلْ (٥)\nقال القاضي أبو محمد: ويُروى «ويَزِلّ» بالياء من الزلل، وهذه الرواية أبلغ في معنى غَلَبَةِ المرأة على ذِهنِ الراهب». (٦) وهذا نظر نقدي جيد من ابن عطية، حيث يبدي رأيه في أن الرواية بالياء أبلغ من حيث المعنى.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) المائدة ٨١.\n(٣) هو جرير بن عطية.\n(٤) العُصْمُ: الوعولُ، سُميت عُصمًا لبياضٍ في يديها، الفادر: المُسِنُّ. انظر: شرح الديوان لابن حبيب ١/ ٣٠٨.\n(٥) أنشده ابن الأعرابي كما في لسان العرب ٥/ ٣٣٨ (رهب).\n(٦) المحرر الوجيز ٥/ ١٧٠.","vol":"1","page":475},{"text":"ومن أمثلة العناية بروايات الشاهد التي تختلف فيها معاني المفردات، ما ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣] (١) حيث قال: «وقال مجاهد: الجوابي جمع جوبة، وهي الحفرة العظيمة في الأرض. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى:\nنَفَى الذمَّ عن آَلِ المُحلَّقِ جَفْنَةٌ ... كَجَابيةِ الشيخِ العِراقيِّ تَفْهَقُ\nوأنشده الطبري: تَروحُ على آلِ المُحلَّقِ جَفنةٌ\nويُروى: السَّيح، بالسين من غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضًا، وهو الماء الجاري على وجه الأرض. ويروى بالشين والخاء منقوطتين. فيقال: أراد كسرى، ويقال: أراد شيخًا من فلاحي سواد العراق غير مُعيَّنٍ، وذلك أنه لِضعفهِ يدَّخرُ الماء في جابيتهِ، فهي تَفْهَقُ أبدًا، فشُبِّهت الجَفنةُ بِها لِعِظَمِها». (٢)\nفقد ذكر ابن عطية الروايات المختلفة للبيت، وشرح معنى المفردات على كل رواية، ثم بين معنى البيت إجمالًا.\nومن هذا الباب أو قريب منه ما يصنعه المفسرون من ضبط لموضع الشاهد بالعبارة حتى لا يفهم على غير وجهه، وهذا نوع من شرح البيت، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقرأ الجمهور: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٣) بدال مشددة وخاء مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت، أصله تذخرون، استثقل النطق بالذال والتاء لتقاربهما في المخرج، فأبدلت التاء دالًا، وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في مُدَّكِر، ومُطَّلِع، بِمعنى مُضطلع، وغير ذلك نحو قول الشاعر (٤):\nإِنَّ الكريمَ الذي يُعطيكَ نَائِلَهُ ... عَفوًا ويُظْلَمُ أحيانًا فَيَطَّلِمُ (٥)\n_________\n(١) سبأ ١٣.\n(٢) المحرر الوجيز ١٣/ ١١٧.\n(٣) آل عمران ٤٩.\n(٤) هو زهير بن أبي سلمى.\n(٥) رواية الديوان:\nهو الجواد الذي يُعطيكَ نائلَهُ ... عَفوًا ويُظلَمُ أحيانًا فيظَّلِمُ\nانظر: ديوانه ١٥٢.","vol":"1","page":476},{"text":"بالطاء غير منقوطة». (١) وهذه إحدى روايات هذه اللفظة في البيت، وقد ذكرها الأَعْلَمُ وقال: يَظَّلِمُ: يحتملُ الظلم، وأصله يظطلم، وهو يفتعل من الظلم، فقلبت التاء طاء لمجاورتها الظاء، فإذا أدغم فمنهم من يقلب الظاء طاء ثم يدغم الطاء في الطاء على القياس فيصير يَطَّلِمُ بطاء غير معجمة، وهذه هي الأكثر والأقيس، ومنهم من يكره أن يدغم الأصلي في الزائد فيقول أظلم بظاء معجمة، والبيت يروى على الوجهين. (٢) وابن عطية قد ذهب مذهب الأعلم في هذه اللفظة وضبطها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>ثانيًا: شرح التراكيب:</span>\nالمعنى الذي يفهمه المفسرون من الشواهد الشعرية إما أن يكون معنى حقيقيًا لا يحتمل الشاهد غيره، وإما أن يكون معنى مجازيًا يحمل عليه الشاهد بوجه من وجوه الدلالة. وللمفسرين في استخراج هذه المعاني طرق يأتي الحديث عنها، غير أني قبل ذلك أشير إلى طريقتين يسلكهما المفسرون في الاستشهاد بالشعر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الأولى: الاكتفاء بذكر الشاهد</span>.\nلم يشرح المفسرون كل شاهدٍ يَمرُّ بِهم، وإن اشتمل على الغريب؛ وقد يكون ذلك خشيةَ إطالة الكتب، ولأنه لا يتكلف قراءة كتب التفسير المطولة إلا العلماء ومثل هؤلاء لا يستغلق عليهم فهمه، وقد ذكر الجاحظ شيئًا من الشواهد ولم يشرحها ثم اعتذر لصنيعه فقال: «وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي، لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا تفسير هذا الغريب، ولكني إن تكلفت ذلك، ضُعِّفَ مقدارُ كُلِّ كتابٍ منه، وإذا طال جدًا ثقل، فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء والله المعين». (٣) فكذلك المفسرون تركوا كثيرًا من شواهد الشعر التي\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٣/ ٩٧ - ٩٨.\n(٢) انظر: تحصيل عين الذهب ٥٩٢.\n(٣) البرصان والعرجان والعميان والحولان ٧٧.","vol":"1","page":477},{"text":"استشهدوا بها غُفْلًا من الشرح. وقد تتبعت هذه الشواهد التي لم يتعرض المفسرون لشرحها فوجدتها لا تَخلو من حالين:\nالأولى: أن يُعرفَ معناها، والمعنى المُسْتَشهدُ عليه من خلال ظاهر ألفاظها، وسياقها، أو بالقرائن الدالة على ذلك وهذه كثيرة.\nالثانية: أن لا يُعرفَ المقصودُ منها بِمُجردِ قراءتها، ولا بد من مراجعة شرحها لمعرفة المقصود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>أولًا: ما يُعرفُ معناهُ من مبناه وسياقه</span>.\nفأما ما يعرف معناه من ألفاظه الظاهرة، وتركيبه المفهوم فمن أمثلته قول الطبري: «والبُعُولةُ جَمعُ بَعْلٍ، وهو الزَّوجُ للمرأة، ومنه قول جرير:\nأَعِدُّوا مع الحُلِي الملابَ فإِنَّمَا ... جَريرُ لكمْ بَعْلٌ وأنتمْ حَلائِلُه». (١)\nوالطبري لم يشرح هذا الشاهد، والشاهد ظاهر لأنه جاء البعل في مقابل الحلائل وهن الزوجات، فدل على أن البعل هو الزوج، ويعني هذا أنَّ العربيَّ لو قرأ البيت بمفرده لعرفَ المعنى دون حاجة إلى شرح. وقد نبَّهَ إلى مثل هذه الشواهد ابن جني فقال: «مَنْ قالَ إنَّ اللغةَ لا تُعرفُ إِلَّا نقلًا فقد أخطأَ؛ فإنها قد تُعلمُ بالقرائنِ أيضًا، فإنَّ الرجلَ إذا سَمِعَ قول الشاعر (٢):\nقَومٌ إذا الشرُّ أَبدى ناجِذَيهِ لَهمْ ... طاروا إليهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا (٣)\nيعلمُ أنَّ الزَّرَافَاتِ بِمعنى الجماعات». (٤) وهو يعني بمعرفة اللغة، معرفة معاني المفردات خاصة، من خلال سياق الكلام كما في الشاهد السابق.\nومن الأمثلة أيضًا على هذا قول الزمخشري وهي يشرح معنى\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٥٢٦.\n(٢) أحد شعراء بلعنبر، وهو من الحماسية الأولى في ديوان الحماسة.\n(٣) شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ١٥.\n(٤) المزهر ١/ ٥٩.","vol":"1","page":478},{"text":"السُّورةِ واشتقاقها: «وإما أَنْ تُسمى بالسورةِ التي هي الرُّتبة، قال النابغة:\nولِرَهطِ سَوَّارٍ وقَدٍّ سورةٌ ... في المَجْدِ ليسَ غُرابُها بِمُطارِ (١)». (٢)\nولم يشرح الزمخشري البيت، لأنه يمكن معرفة المقصود من خلال إضافة الشاعر السورة إلى المَجد، مما يعني أنها مكانة عالية، بدليل وصفها بأنه «ليسَ غُرابُهَا بِمُطارِ» مِمَّا يعني ثبات هذه الرتبة، وبقائها للممدوح.\nوقد يشرح الشاعرُ المعنى في شعره فيكفي المفسرَ مؤونةَ شرح الشاهد، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الزمخشري في تفسيره لمعنى الختم في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] (٣) فقال: «وقد جعل بعضُ المازنييّن الحُبْسَةَ في اللسانِ والعِيَّ خَتْمًا عليه فقال:\nخَتَمَ الإلهُ على لسانِ عُذافرٍ ... خَتمًا فليسَ على الكَلامِ بِقَادرِ\nوإذا أَرادَ النُّطقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ... لَحْمًا يُحَرِّكهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ». (٤)\nفالمعنى في البيتين ظاهر يدل على أَنَّ المقصودَ بالختمِ الحُبْسَةُ في اللسان كما ذكر الزمخشري، لقول الشاعر «فليسَ على الكلامِ بقَادِر».\nومن الأمثلة عند ابن عطية أنه أورد شاهدًا من معلقة عنترة، وهو قوله:\nوشَكا إِليَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ\nثم فسَّره ابنُ عطيةَ بِمَا قالَهُ عنترةُ بعده فقال: «وفُسِّرَ هذا المعنى بقوله:\n_________\n(١) رواية الديوان:\nولِرَهطِ حَرَّابٍ وقَدٍّ سُورةٌ، وهما رجلان من بني أسد ...\nانظر: ديوانه ٥٥.\n(٢) الكشاف ١/ ٩٧.\n(٣) البقرة ٧.\n(٤) الكشاف ١/ ٤٩.","vol":"1","page":479},{"text":"لو كانَ يدري ما المُحَاورةُ اشتكى البيت ... ......................».\nالبيت ...... (١)\nفتفسيرُ الشكوى في بيت عنترة أنه لو كان هذا الحصان يستطيعُ المُحاورةَ لشكى ما به، ولكنه لا يدري ما المُحاورة. وحَمَلَ عليه ابنُ عطية معنى قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (٢) وقرَّرَ أن «جَميعَ الأفعال التي حقُّها أن تكون للحي الناطق متى أُسندت إلى جَمادٍ أو بَهيمةٍ فإنما هي استعارةٌ، أَي لو كانَ مكانَ الجمادِ إنسانٌ لكانَ مُمتثلًا لذلكَ الفعلِ». (٣) وهذه المسألة بحثها العلماء تحت مُسمَّى «المَجاز»، واختلفوا في وقوعه في اللغة والقرآن. (٤)\nوالأمثلة على مثل هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>ثانيًا: ما لا يعرف معناه من ظاهر ألفاظه وتركيبه</span>.\nوأمَّا الثانية وهي أن لا يعرف المقصود من الشواهد بِمجردِ قراءتها، فإنك تجد أمثلةً متفرقةً لها في كتب التفسير، بحيث لا يعرف المعنى المقصود إلا بشرح شارحٍ، وهذه الشواهد في كتب التفسير وكتب الأدب وغيرها، غير أن المفسرين لم يشرحوها، ومن أمثلة هذه الشواهد قول عامر بن الطفيل:\nفبِئسَ الفَتَى إِنْ كنتُ أَعورَ عَاقِرًا ... جَبانًا فمَا عُذري لدَى كُلِّ مَحْضَرِ؟ (٦)\nفقد استشهدَ به ابنُ عطيةَ على أن العاقرَ هو الإنسانُ الذي لا يلد، وأن ذلك يقالُ للمرأة والرجل. (٧) مع أنك لو قرأت البيت منفردًا لم\n_________\n(١) المُحرر الوجيز ١٠/ ٤٣٢.\n(٢) الكهف ٧٧.\n(٣) المحرر الوجيز ١٠/ ٤٣٢.\n(٤) انظر: المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع للدكتور عبدالعظيم المطعني، فقد فصل القول في المسألة.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٠٩ - ٢١٠، المحرر الوجيز ١/ ١٠٤، ١٠٨، ١٤٧، ٢/ ١، ٣/ ٣٦، ١٠/ ١٤٦ - ١٤٧.\n(٦) انظر: ديوانه ٦٤.\n(٧) انظر: المحرر الوجيز ٣/ ٧٩.","vol":"1","page":480},{"text":"يظهر لك هذا المعنى منه، إلا إذا عرفت أن عامر بن الطفيل الشاعر كان عقيمًا لا يولد له، وأنه قد فُقِئَت عينُه في حَربٍ فأصبح أعورَ عَقيمًا، فحينئذٍ تفهم البيت على وجهه، وابن عطية لم يذكر ذلك، وإنما عُرِفَ هذا بالرجوع إلى شرح الديوان. (١) وهذا يعني أنه على من يقرأ في كتب التفسير أن يكون عارفًا بمعاني العرب، ومقاصدها وأحوالها، وأيامها، فإن ذلك معينٌ على فَهمِ القرآن الكريم وتفسيره.\nالقانية: تحليل تركيب الشاهد وشرحه وبيان علاقة معناه بالآية.\nكان العلماء يذكرون وجه العلاقة بين المعنى في الآية القرآنية والشعر، ويكثرون منه في تفاسيرهم، حتى أن بعض اللغويين ممن لم يشتغل بالتفسير كان يخطر له الخاطر من ذلك كما قال ابن جني عن نفسه: «ومن طريف حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيتُ رأيًا جَمعتُ فيه بين معنى آيةٍ ومعنى قولِ الشاعر:\nوكنتُ أَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعتدِلًا ... فَصِرْتُ أَمْشِي عَلى أُخْرى مِن الشَّجَرِ (٢)\nولم أثبت حينذٍ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَانُّ الخاطرَ وأَستَثْمِدُه، وأُفَانيهِ وأَتَوددهُ، على أن يسمح لي بما كان أَرانيهِ من الجمع بين معنى الآية والبيت، وهو مُعتاصٌ مُتأَبٍّ، وضَنِينٌ به غير مُعطٍ». (٣)\nوقال الراغب الأصفهاني: «قوله تعالى: ﴿﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]﴾ (٤) أتبع تكذيبهم فيما قالوا: إن الله فقير، وتبكيتهم فيما فعلوه، وما وعدهم به من العذاب بما\n_________\n(١) انظر: شرح ثعلب للديوان برواية ابن الأنباري ٦١.\n(٢) نُسب لأبي حية النميري كما في الحيوان ٦/ ٤٨٣،، ونُسب لابن أحْمر الباهلي في الموشح ١١٨ وخزانة الأدب ٩/ ٣٥٩، ولعبدٍ من عبيد بَجيلة في الأمالي ٢/ ١٦، وسِمْط اللآلي ٧٨٥.\n(٣) الخصائص ١/ ٢٠٧.\n(٤) آل عمران ١٨٩.","vol":"1","page":481},{"text":"أنبأ عن قدرته عَزَّوَجَلَّ وسعة ملكه، وأن لا سبيل لهم إلى النجاة وإلى الخروج عن ملكه وسلطانه. وهذا هو المعنى الذي تَحرَّاه النابغةُ بقوله:\nفإِنَّكَ كالليلِ الذي هُو مُدركي (١) ... ...................................\nلكنَّ على الآية رونق الإلهية، وتعميم الملك والقدرة بلا مثنوية، وإضافة الفعل إلى موجد الليل والنهار». (٢) فهذه موازنة بين المعنى في الآية، والمعنى في الشاهد الشعري، وبيان وجه تفضيل المعنى في الآية، حيث شبه النابغةُ سعةَ ملكِ النعمان بن المنذر بالليل الذي يدرك كل شيء، فجاءت الآية لتبلغ بسعة ملك الله أوسع مدى ﷾، وتُبكِّتَ المنكرين.\nومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] (٣): «هذا باب تفهيم، وليس باستفهام عن جهل ليعلم، وهو يخرج مخرج الاستفهام، وإنما يراد به النهي عن ذلك ويتهدد به، وقد علم قائله أكان ذلك أم لم يكن، ويقول الرجل لعبده: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله ولكن يحذره، وقال جرير:\nأَلَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا ... وأَنْدَى العَالمَينَ بُطونَ رَاحِ (٤)\nولم يستفهم، ولو كان استفهامًا ما أعطاه عبدالملك مائة من الإبل برعاتها». (٥)\nفقد استخرج أبو عبيدة معنى البيت من حال الشاعر وإكرام الخليفة له، واتخذها قرينة تعضد ما ذهب إليه في تفسير البيت، وأنه لا يقصد\n_________\n(١) صدر بيت، وعجزه:\n................................. ... وإِنْ خلتُ أَنَّ المُنتأى عنكَ واسعُ\nانظر: ديوانه: ٥٢.\n(٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ١٠٣٨.\n(٣) المائدة ١١٦.\n(٤) انظر: ديوانه ١/ ٨٩.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":482},{"text":"منه الاستفهام، وكذلك الآية. وقد ورد في حاشية إحدى نسخ شرح ابن حبيب للديوان: «هذا أمدح بيت قالته العرب، ولما أنشد هذا البيت لعبدالملك قال له: من أراد أن يمدح فبمثل هذا البيت أو ليسكت» (١).\nومثل ذلك قول ابن عطية: «تقول العرب: زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق، وتتقوى فيه شبهة الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنونًا ... وقد قال الأعشى:\nونُبِّئتُ قَيسًا ولَمْ أَبْلُهُ ... كمَا زَعموا خَيْرَ أَهْلِ اليَمَنْ (٢)\nفقال الممدوح: وما هو إلا الزعم؟ ! وحَرَمَهُ». (٣)\nومن الأمثلة عند المفسرين قول الطبري: «وقرأ آخرون (وَأَرْنَا مَناسِكَنَا) بتسكين الراء، وزعموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنَا ودُلَّنا عليها، لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلكَ نَظِيْرُ قول حطائط بن يَعْفُر أخي الأسود بن يَعْفُر:\nأَرِيْنِي جَوادًا مَاتَ هُزْلًا لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرينَ أَو بَخيلًا مُخَلَّدا (٤)\nيعني بقوله: أريني، دُلِّيني عليهِ وعَرِّفيني مكانَهُ، ولم يَعْنِ رؤيةَ العين، وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين». (٥)\n_________\n(١) شرح محمد بن حبيب لديوان جرير ١/ ٨٩.\n(٢) انظر: ديوانه ٧٥.\n(٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٠.\n(٤) هذا البيت مختلف في نسبته، فنسب لحاتم الطائي (انظر: ديوانه ٢١٨، الحماسة البصرية ٢/ ٨٠٢)، ومنه أخذه حطائط بن يعفر كما ذكر ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٢٤٨، وإن لم يشر إلى ذلك في عيون الأخبار ٣/ ١٨١، ونسبه أبو تَمَّام لحطائط في الحماسة ٤/ ٢٥٤، وكذلك ابن السكيت في الكنْزِ اللغوي ٢٣، وجزم بذلك البكري في اللآلي ٧١٤ - ٧١٥، وقال ابن بري: «ذكرَ أبو عبيدة أنَّ هذا البيت لحطائط بن يَعفُر، وذكر الحوفيُّ أنَّه لدريد، وهذا البيت في قصيدة لحاتم معروفة مشهورة». انظر: لسان العرب ٩/ ٣٧٠ (علل)، الصحاح ٥/ ١٧٧٤، مَجاز القرآن ١/ ٥٥، وخرجه محقق الحماسة البصرية في ٢/ ٩٢٠.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":483},{"text":"فكانت دلالة (أَرِنَا) في الآيةِ ودلالة (أَرِينِي) في البيت بِمعنى الدلالة والتعريف، وقد عوَّلَ المفسرون على الشاهد في إثبات صحة المعنى واستعمال العرب إياها.\nومن الأمثلة قول الطبري: «وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢] (١) يقول: وما يصلح لله أن يتخذ ولدًا، لأنه ليس كالخلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرهم اللذات إلى جماع الإناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالى عن أن يكون كخلقه، وذلك كقول ابن أَحْمَر:\nفي رأسِ خَلْقَاءَ مِنْ عَنْقاءَ مُشرفةٍ ... ما يَنْبَغِي دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلُ (٢)\nيعني: لا يصلح ولا يكون». (٣)\nفدلالة الفعل (ينبغي) في الآية هي عينها دلالة الفعل في البيت، كلاهما بمعنى لا يصلح أن يكون، فإن الشاعر في قوله هذا «يصف جبلًا. يقول: لا ينبغي أن يكون فوقها سهلٌ ولا جبلٌ أحصن منها» (٤)، وهذا من الطبري من باب الموازنة بين المعنى في الآية والمعنى في الشاهد الشعري.\nوقال الزمخشري: «أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس، كقوله (٥):\n.......................... ... وتشقى الرماحُ بالضَياطرةِ الحُمْرِ (٦)\n_________\n(١) مريم ٩٢.\n(٢) خلقاء: أي صخرة ملساء، التبيان في إعراب القرآن ٢/ ١٣٦.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٦٤١.\n(٤) الصحاح ٤/ ١٥٣٣ وروايته فيه: «لا يُبْتَغَى دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلُ».\n(٥) هو خداش بن زهير.\n(٦) صدره:\n............................ ... نَزَلْتُ بِخَيلٍ لا هوادةَ بينها\nانظر: الأضداد لابن الأنباري ١٥٣.","vol":"1","page":484},{"text":"ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرماح». (١)\nوقال أيضًا: «كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلفً». (٢)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-200> أثر الإعراب في معنى الشاهد:</span>\nومن الأمثلة التي أشار فيها المفسرون للمعاني المختلفة للشاهد بحسب إعرابه، ما ذكره ابن عطية في قوله: «ويصح أن تكون من في موضع خفض، بتقدير محذوف كأنه قال: وحسب ... ومن نحو هذا كقول الشاعر (٣):\nإذا كانت الهيجاءُ وانشقتِ العصَا فَحسبُكَ والضحاكُ سيفٌ مهندُ (٤)\nيُروى: الضحاكُ مرفوعًا، والضحاكَ منصوبًا، والضحاكِ مَخفوضًا. فالرفع عطفٌ على قَولهِ: سَيف، بنية التأخير، كما قال الشاعر (٥):\nعليكَ ورَحْمةُ الله السلامُ (٦)\nويكون الضحاك على هذا محسبًا للمخاطب. والنصب عطفًا على موضع الكاف من قوله: حسبك، والمهند على هذا محسب للمخاطب. والضحاك على تقدير محذوف، كأنه قال: فحسبك وحسب الضحاك». (٧)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-201> ذكر الأبيات المرتبطة بالشاهد</span>.\nتقدمت الإشارة إلى أن من الأسباب الداعية إلى شرح الشاهد الشعري اقتطاعه من سياقه في القصيدة، وفصله عما قبله وما بعده من الأبيات، مما يجعله مُحتِملًا للتأويلات المختلفة. ولذلك فقد قام\n_________\n(١) الكشاف ٢/ ٤٨٣.\n(٢) الكشاف ١/ ٤٧٦.\n(٣) هو جرير، أو لبيد. .\n(٤) انظر: ذيل أمالي القالي ١٤٠، إعراب القرآن المنسوب للزجاج وهو للباقولي ٨٧٠.\n(٥) هو الأحوص الأنصاري.\n(٦) انظر: ديوانه ١٩٠ في الحاشية.\n(٧) المحرر الوجيز ٨/ ١٠٧.","vol":"1","page":485},{"text":"المفسرون في مثل هذه الشواهد بإيراد أبيات قبل الشاهد أو بعده مما يرتبط به من حيث المعنى، حتى لا يحصل الخلل في فهمه من هذه الجهة.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبيدة حيث قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ [الأعراف: ٨٣] (١): «وقال من الغابرين، لأن صفة النساء مع صفة الرجال تذكر إذا أشرك بينهما ... وقال الأعشى:\nعَضَّ بِمَا أَبقى المَوَاسِي لَهُ ... مِنْ أُمِّهِ في الزَّمَنِ الغَابِرِ (٢)\nولم يَخْتَن فيما مَضى، فبقي من الزمنِ الغابرِ، أي: البَاقي، أَلا ترى أَنَّه قد قال:\nوكُنَّ قدْ أَبقَيْنَ منها أَذًى ... عندَ المَلاقِي وافرَ الشَّافِرِ». (٣)\nومن الأمثلة أن القرطبي عند تفسيره لمعنى «جابوا» في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ [الفجر: ٩] (٤) فسرها بأنها بمعنى: قطعوا، ومنه فلان يجوب البلاد أي يقطعها، ثم استشهد بأبيات لشاعر لم يذكر اسمه، وهي:\nراحَتْ رَواحًا قَلوصِي وهِيَ حَامدةٌ ... آلَ الزُّبَيْرِ ولَمْ تَعدِلْ بِهِمْ أَحَدًا\nراحَتْ بستينَ وِسْقًا في حَقِيْبَتِها ... ما حُمِّلت حِمْلَها الأدنى ولا السددا\nما إِنْ رأيتُ قَلوصًا قبلها حَمَلَتْ ... سِتِّينَ وِسْقًا ولا جَابَتْ بِهِ بَلَدا\nأي: قَطَعَتْ». (٥)\nفقد ذكر القرطبي الأبيات المرتبطة ببيت الشاهد من حيث المعنى، وإن كان الشاهد في الشطر الثاني من البيت الأخير منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>تعيين موضع الشاهد من القصيدة</span>.\nكأن يقول: هو أول قصيدة، أو آخر قصيدة، أو نحو ذلك. ومن\n_________\n(١) الأعراف ٨٣.\n(٢) انظر: ديوانه ١٩٥.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(٤) البقرة ٩.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٤٧ - ٤٨.","vol":"1","page":486},{"text":"ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] (١) حيث نقل قول من قال أن جواب (لو) محذوف في الآية، وذلك: «استغناء بمعرفة السامعين المراد من الكلام عن ذكر جوابها، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، ومنه قول امرئ القيس:\nفلو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ سَريحةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تقَطَّعُ أَنفُسَا (٢)\nوهو آخر بيت في القصيدة، فترك الجواب اكتفاء بمعرفة سامعه مراده». (٣)\nولعل الطبري يعني أنه من آخر أبيات القصيدة، فإن هذا البيت ليس آخر القصيدة في رواية الديوان (٤)، ولا في رواية السُّكريِّ (٥)، وإن كان ما بعده غير مرتبط به، وليس فيه جواب «لو» التي في هذا البيت، وربما يستفاد من قول الطبري هذا أنه قد يكون آخر أبيات القصيدة على رواية من أخذ عنه الطبري، ولذلك أشار محمود شاكر إلى أهمية ترتيب القصائد كما وردت في الروايات المختلفة للشعر الجاهلي فقال تعليقًا على كلام الطبري: «في دواوينه المنشورة ليس هو آخر القصيدة، ولو أحسن ناشرو الشعر، لأدوا إلينا الروايات المختلفة على ترتيبها، فإن ديوان امرئ القيس المطبوع حديثًا قد أغفل ترتيب الروايات إغفالًا تامًا، مع شدة حاجتنا إلى ذلك في فهم الشعر، وفي إعادة ترتيبه». (٦)\nوهذا الذي ذهب إليه الطبري هو رأي أبي عبيدة والفراء وغيرهما، وإن لم يستشهدا بهذا الشاهد، حيث قال أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية: «فمجازه: لو سيرت به الجبال لسارت، أو قطعت به الأرض لتقطعت،\n_________\n(١) الرعد ٣١.\n(٢) انظر: ديوانه ١٠٧.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٤٤٨.\n(٤) انظر: ديوانه ١٠٧.\n(٥) انظر: شرح ديوان امرئ القيس للسكري ٢/ ٥٥٠.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٤٤٨ تعليق رقم ٢.","vol":"1","page":487},{"text":"ولو كلم به الموتى لنشرت، والعرب قد تفعل مثل هذا لعلم المستمع به استغناءً عنه، واستخفافًا في كلامهم». (١)\nوقال الفراء: «وإن شئت كان جوابه متروكًا لأن أمره معلوم، والعرب تحذف جواب الشيء إذا كان معلومًا إرادة الإيجاز، كما قال الشاعر (٢):\nوأُقسمُ لو شَيءٌ أتانا رسُولُه ... سِواكَ ولكنْ لَم نَجِدْ لك مدفَعَا (٣)». (٤)\nوقد سبق أبو عبيدة إلى العناية بتحديد موضع البيت من القصيدة فقال بعد إيراده لقول الأخطل:\nخَلا أَنَّ حيًّا مِنْ قُريشٍ تفضلوا ... على النَّاسِ أو أَنَّ الأكارمَ نَهْشَلا (٥)\n: «وهو آخر قصيدة، ونصبه وكف عن خبره واختصره». (٦) وقال أبو عبيدة أيضًا بعد ذكره لبيت عبدمناف بن رِبْع الهذلي:\nحتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا (٧)\n: «وهو آخر قصيدة، وكف عن خبره». (٨)\nوهذه العناية بتحديد موضع بيت الشاهد من القصيدة جزء من شرحه، وإيضاح وجه الاستشهاد منه، والغرض من الإشارة إلى أن هذا الشاهد هو آخر أبيات القصيدة التأكيد على أنه ليس بعده ما يكون جوابًا للشرط، وأن الجواب محذوف في كل هذه الأبيات كما حذف في الآية الكريمة. وقال أبو الطيب اللغوي عن أبي حاتم: «أملى علينا أبو عبيدة بيت عبد مناف بن ربعي الهذلي:\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٣٣١.\n(٢) هو امرؤ القيس بن حجر.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٤٢.\n(٤) معاني القرآن ٢/ ٦٣.\n(٥) لم أجده في ديوانه، ولعله مِمَّا فات جامع الديوان.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ٣٣١.\n(٧) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ٤٢.\n(٨) مجاز القرآن ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":488},{"text":"حتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا\nوقال: هذا كلام لم يجئ له خبر، وهذا البيت آخر قصيدة، ومثله قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] قال: فجئت إلى الأصمعي فأخبرته بذلك، فقال: أخطأ ابن الحائك، إنما الخبر في قوله شلًا كأنه قال: شلوهم شلًا. قال أبو حاتم: فجعلت أكتب ما يقول، ففكر ساعة، ثم قال لي: اصبر، فإني أظنه كما قال؛ لأن أبا الجودي الراجز أنشدني:\nلو قَدْ حَدَاهُنَّ أبو الجُودِيِّ ... بِرَجَزٍ مُسْحَنْفَر الرَّوِيِّ\nمُستوياتٍ كَنَوي البُرْنِيِّ\nفهذا كلام لم يجئ له خبر. ثم علق أبو حاتم على رجوع الأصمعي إلى الحق، واعترافه بصحة ما جاء عن أبي عبيدة قائلًا: فانظر إلى هذا الإنصاف بينهم مع شدة المنافسة، ثم لا يتهم أحدهم صاحبه بالكذب، ولا يقرفه بالتزيد، لأنهم يبعدون عن ذلك». (١)\nوقال ابن عطية وهو يبين المقصود بالحروف المقطعة في أوائل السور: «وأما الذين قالوا: ذلك فواتحُ يفتتح اللهُ ﷿ بِها كلامَه، فإِنَّهم وجَّهوا ذلك إلى ... أَنَّهُ قال ذلكَ أدلةً على انقضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةً لانقطاع ما بينهما، كما جُعلت «بل» في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلها، كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدةٍ قالوا: بَلْ.\nما هاجَ أحزانًا وشَجوًا قد شَجَا (٢)\nو«بل» ليست من البيت ولا داخلةٌ في وَزنهِ، ولكنْ ليدلَّ بهِ على قَطعِ كلامٍ وابتداءِ آخر» (٣). فهذه إشارة إلى ما يصنعه الرواة قبل بدء\n_________\n(١) مراتب النحويين ٥٠.\n(٢) البيت لرؤبة بن العجاج.\n(٣) المحرر الوجيز ١/.","vol":"1","page":489},{"text":"إنشاد القصيدة التالية، أن يفصلوا بينها وبين التي قبلها بقولهم: بل، وليست من القصيدة وإنما إشارة إلى الفصل والابتداء، فكذلك الحروف المقطعة في أوائل السور على هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>ثالثًا: حول الشاهد</span>.\nومن أوجه شرح الشواهد الشعرية في كتب التفسير أن يتعرض المفسرون لما حول الشاهد مما يعد وجهًا من أوجه شرح الشاهد الشعري، وبيانه، ومن ذلك التعريف بقائل الشاهد، أو ذكر شيء من أخباره، أو نقد الشاهد الشعري، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-204> ذكر أخبار قائل الشاهد</span>.\nقال ابن عطية مشيرًا إلى سبب تسمية الراعي النميري بهذا: «وتبوأ معناه كما قلنا: تَخَيَّرا واتخذا، وهي لفظة مستعملة في الأماكن وما يشبه بها. ومن ذلك قول الشاعر:\nلَهَا أَمرُها حتى إذَا مَا تَبوَّأَتْ ... لأنْحَامِها مَرعى تبَوأَ مَضجعَا (١)\nوهذا البيتُ للرَّاعي، وبه سُمِّي الراعي». (٢) فقد ذيل البيت بإشارة لاعلاقة لها بِمَحلِّ الشاهد منه، ولكنه خبر عن الشاعر الذي قال البيت، وهو عُبَيد بن حُصين، قيل: إِنَّما سُمِّي الراعي لقوله هذا البيت. (٣) وقيل بل سُمِّي الراعي لكثرة وصفه الإبل في شعره. (٤)\nقد يكون للتعريف بالشاعر دور في فهم البيت المستشهد به، ولذلك يحرص المفسرون في بعض الشواهد على ذكر بعض ما يتعلق بقائل الشاهد. ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشير رجلًا منافقًا، وكان يقول\n_________\n(١) ديوان الراعي النميري ١٦٤.\n(٢) المحرر الوجيز ٩/ ٨٢.\n(٣) انظر: الاشتقاق ٢٩٥.\n(٤) انظر: انظر: مقدمة الديوان ي، المزهر ٢/ ٤٣٤.","vol":"1","page":490},{"text":"الشعر يهجو به أصحاب رسول الله - ﷺ - ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله - ﷺ - ذلك الشعر، قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيثُ! فقال:\nأَوَ كُلَّما قالَ الرجالُ قصيدةً ... أَضِمُوا (١) وقَالوا: ابنُ الأُبَيْرقِ قَالَهَا». (٢)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-205> تحديد موضوع الشاهد الشعري</span>.\nتعد معرفة موضوع الشاهد الشعري، وسبب قوله جزءًا من شرحه، ولذلك عني المفسرون في بعض الشواهد التي لا تفهم إلا بمعرفة مناسبتها ببيان ذلك. ومن الأمثلة على ذلك في كتب التفسير قول الطبري: «واستشهدوا على ذلك بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها». (٣) وقوله: «ومنه قول ذي الرمة في صِفَةِ السَّرَابِ ....». (٤) وقوله: «ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفةِ فَرَسٍ ....» (٥)، وقوله: «كما قال الأعشى في صفة امرأَةٍ انتسبت إلى قومٍ ....» (٦)، وقوله: «ومنه قول الأخطل في هجاء جرير ...» (٧)، وغير ذلك من الأمثلة التي يشير المفسر قبل إيراده للشاهد الشعري إلى موضوعه الذي قيل فيه، كالوصف والهجاء ونحو ذلك، ليكون ذلك بيانًا للشاهد، وشرحًا لجانب من جوانبه.\nوقد يُبَيّنُ المفسرُ زَمَنَ قول هذا الشاهد من الشعر ليستحضر القارئ المعنى في ضوء هذا الوقت الذي قيل فيه الشعر، وهذا جزء من شرح الشاهد، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقيل: الرعدُ اسمُ الصوت\n_________\n(١) يقال: أَضِمَ فلانٌ يأضَمُ أَضَمًا كغَضِبَ وزنًا ومعنى. انظر: لسان العرب (اضم) ١/ ٢٧٩.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ١٧٧، وانظر: الجليس الصالح الكافي للجريري ٣/ ١٤٢، المحرر الوجيز سورة النساء ١٠٥ - ١٠٨، وانظر: تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ١٩٤.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٤٢١.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٩.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٤٤٨ - ٤٤٩.\n(٦) المصدر السابق ٩/ ٢٠.\n(٧) المصدر السابق ٦/ ٥٠٠، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٥٤٠، ٥٤٣، ٣/ ٢٦، ٤٩٠.","vol":"1","page":491},{"text":"المسموع، قاله علي بن أبي طالب ﵁، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته:\nفَجَّعَنِي الرَّعدُ والصواعقُ بالفـ ... ـارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجِدِ (١) (٢)\nفقد أشار إلى أن هذا القول من لبيد كان في الجاهلية قبل الإسلام، مما يدل على أن هذا المعنى للرعد معروف قبل الإسلام. ومثله قول القرطبي: «وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء ...» (٣). فهو قد بَيَّنَ زمن قول هذا الشاهد وهذا جزء من شرح المفسرين للشاهد الشعري قبل إيراده.\nومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية: «والآلُ في اللغة: الأهلُ والقَرابةُ، ويُقالُ للأَتباعِ وأَهلِ الطاعةِ آلٌ، فمنهُ آلُ فِرعونَ، ومنه قولُ الشاعرِ وهو أَرَاكةُ الثقفيُّ في رثاءِ النبي ﵇ وهوَ يُعزِّي نفسَه في أخيه عمرو:\nفلا تَبْكِ مَيْتًا بعدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ ... عَليٌّ وعباسٌ وآلُ أَبي بَكْرِ (٤)\nأرادَ: جَميعَ المؤمنين» (٥). وقبل ذلك قال في شرحه: «يعني المؤمنين الذين قبروا رسول الله - ﷺ -» (٦).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-206> ذكر الأخبار حول الشاهد</span>.\nوقد يستطرد المفسر فيلم بشيء من الأخبار حول الشاهد الشعري، ليبين معناه، وممن اشتهر بذلك بين المفسرين وأصحاب المعاني والغريب أبو عبيدة معمر بن المثنى، فقد عني بالأخبار في تصانيفه، وشروحه للشعر. ومن ذلك قوله: «وقال عَنَز بن دجاجةَ المازنيُّ:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٥٨.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ١٣٤ - ١٣٥.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٨٢.\n(٤) العقد الفريد ٣/ ٣٠٦.\n(٥) المحرر الوجيز ٣/ ٦١.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ٢٨٤ (ط. قطر) الآية رقم ٤٩ البقرة. ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.","vol":"1","page":492},{"text":"مَنْ كانَ أَسرعَ في تفَرُّقِ فَالِجٍ ... فَلبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وأَغَدَّتِ\nإِلَّا كنَاشِرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلوائِهِ المُتَنَبِّتِ\nغُلوائه: سُرعةُ نباته، يريد: وناشرة الذي ضيعتم؛ لأن بني مازن يزعمون أن فالجًا الذي في بني سليم، وناشرة الذي في بني أسد، هما ابنا مازن» (١).\nوذلك أن عمرو بن معد يكرب ﵁ عندما قتل بنو مازن أخاه عبد الله، أكثر في بني مازن القتل ثأرًا لأخيه، فلما أكثر فيهم القتل، تفرقوا في البلاد، فلحقت بنو مازن بصاحبهم مازن بن تميم، ولحقت ناشرة ببني أسد، وهم رهط الصقعب بن الصحصح، ولحقت فالج بسليم ابن منصور. وفالج وناشرة: ابنا أنمار بن مازن بن ربيعة بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة. وأمهما هند بنت عدس بن يزيد بن عبد الله بن دارم فقال كابية بن حرقوص بن مازن:\nيا لَيْتَنِي يَا ليتني بالبَلْدَةِ ... رُدَّتْ عليَّ نُجومُها فَارتدَّتِ\nمَنْ كان أسرعَ في تَفرُّقِ فالجٍ ... فَلبونُهُ جَرِبَتْ معًا وأَغَدَّتِ\nهَلاَّ كَناشرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلُوائِهِ المُتَنَبِتِ (٢)\nومن أمثلته قول ابن عطية بعد إيراده لقول الربيع بن زياد العبسي:\nمَنْ كانَ مَسْرورًا بِمَقتلِ مَالكٍ ... فَليأَتِ نِسوتَنَا بِوجهِ نَهَارِ\nيَجدِ النساءَ حَواسرًا يَندُبنَهُ ... قَد قُمْنَ قبلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ (٣)\nحيث قال: «يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يُناحُ عليه ولا يُندبُ إلا بعد أَخذِ ثأرهِ، فالمعنى: من سَرَّهُ مصابُنا فيه، فلينظر إلى ما يدلهُ على أَنَّا\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٦١.\n(٢) انظر: خزانة الأدب ٦/ ٣٦٢.\n(٣) شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٩٩٥، شرح الحماسة للتبريزي ٣/ ٣٧.","vol":"1","page":493},{"text":"قد أدركنا ثأَرَه، فيكمدُ لذلك ويغتمّ». (١) وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية في معنى البيت هو ما ذهب إليه بعض شراح الحماسة كالمرزوقي (٢). والذي يبدو من سياق الأبيات أنه قالها قبل الأخذ بالثأر، ولذلك قال المبرد في معنى البيت: «تأويل هذا البيت أَنَّهُ إذا رأى ما يُصنَعُ عليه من الجَزَعِ، عَلِمَ أَنَّ ثأَرَ مثلِه لا يُتركُ» (٣). أي أنه لم يؤخذ بثأره بعدُ، ولكنه لن يُترَك. وأشار التبريزي إلى ذلك فقال: «وفيه وجه آخر: أي من كان مسرورًا بمقتل مالك شماتةً فليشمت فإنه موضع الشماتة، لأنَّه قيل: إن الربيع بن زياد قال هذا الشعر قبل إدراك الثأر» (٤). وهذا من ابن عطية ﵀ بيان وشرح لمعنى البيت بذكر ما حوله من أخبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>سِماتُ شرح الشاهد الشعري عند المفسرين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>أولًا: شرح الشاهد قبل إيراده</span>.\nكثيرًا ما يذكر المفسر معنى البيت قبل أن يذكره، فيكتفي بذلك عن شرحه بعد ذكره، وغالبًا ما يكون هذا الشرح مختصرًا، أو مأخوذًا من اللفظة المستشهد لها في التفسير.\nومن ذلك قول الطبري: «وأصلُ الكُفْرِ عند العَرَبِ: تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلمتهِ ما لَبِستْهُ، كما قال الشاعر (٥):\nفَتَذكَّرا ثِقْلًا وَئِيدًا بعدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَها في كَافِرِ (٦)» (٧).\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٣/ ١٢٤.\n(٢) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٩٩٥.\n(٣) التعازي والمراثي ٢٨٠.\n(٤) انظر: شرح الحماسة للتبريزي ٣/ ٣٧.\n(٥) هو ثعلبةُ بن صُعيْرٍ المازنيُّ.\n(٦) قوله: «وئيدًا» مِمَّا نُسِبَ إلى الخليل تصحيفُه، وأن صوابه «رثيدًا» أي: المنضود بعضه فوق بعض. انظر: المفضليات ١٣٠، شرح ما يقع فيه التصحيف ٦٦.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٥٥.","vol":"1","page":494},{"text":"فقدَّم الطبري شرح الشاهد في البيت، وهو كلمة «كافر»، وأَنَّ المقصودَ بِها الليلُ، أي أَنَّ الشمسَ غَرَبَتْ.\nومن الأمثلة قول الفراء: «ويقالُ: ظَلَمَ الوادي إذا بَلغَ الماءُ منه موضعًا لم يكنْ نَالَهُ فيما خلا، أَنشدني بعضهم:\nيَكادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَن الشَّواهِقِ فالوادي بهِ شَرِقُ (١)» (٢).\nفالشاعر يصف واديًا في البيت، وأَنَّ الماء فيه يصلُ إلى موضعٍ لم يكن يصلُ إليه عادةً، وأَنَّ هذا يُسمَّى عند العربِ ظُلمًا، فتقول: ظلم الوادي لهذا المعنى، وقد قدَّمَ الفراءُ شرح هذا المعنى قبلَ ذكر البيت، فلم يَحتجْ إلى شرحهُ بَعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>ثانيًا: شرح الشواهد الفرعية</span>.\nأحيانًا ترد في الشاهد الشعري لفظة غريبة، فيلجأ المفسر إلى شرحها مستعينًا في ذلك بشاهد شعري آخر يفسر تلك اللفظة الغريبة في الشاهد الأول، وليس في الآية.\nومن الأمثلة على ذلك أن القرطبي وهو يفسر معنى الحج في اللغة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٣)، أشار إلى أَنَّ أصلَ معنى الحَجِّ: القَصدُ، واستشهد على ذلك بقول المخبل السَّعديِّ (٤):\nفأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا (٥)\nثمَّ خرج إلى شرح المقصود بالسِّبِّ في هذا الشاهد مع أنه ليس له\n_________\n(١) البيت لعدي بن الرقاع العاملي. انظر: ديوانه ١٤٨، الأزمنة والأمكنة ٣٢٧.\n(٢) معاني القرآن ١/ ٣٩٧.\n(٣) البقرة ١٥٨.\n(٤) هو الربيع بن ربيعة التميمي، شاعر مخضرم مجيد، مات في خلافة عمر. انظر: الأغاني ١٢/ ٣٨.\n(٥) انظر: إصلاح المنطق ٤١١، الاشتقاق ١٢٣، ٢٥٤.","vol":"1","page":495},{"text":"صلة بالآية فقال: «السِّبُّ لفظٌ مُشتركٌ. قال أبو عبيدة: السِّبُّ (بالكسرِ) الكثيرُ السِّبَابِ. وسِبُّكَ الذي يُسَابُّكَ، قال الشاعر (١):\nلا تَسُبَّنَّني فَلَستَ بِسَبّي ... إِنَّ سَبّي مِنَ الرِجالِ الكَريمُ (٢)\nوالسِّبُّ أيضًا الخُمَارُ، وكذلك العِمَامةُ، قال المُخبَّلُ السعديُّ:\n................................ ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا\nوالسِّبُّ أيضًا الحَبْلُ في لغة هذيلٍ، قال أبو ذؤيب:\nتَدَلَّى عليها بينَ سِبٍّ وخَيطةٍ ... بِجرداءَ مثلِ الوَكْفِ يَكبُو غُرابُها (٣)\nوالسُّبوبُ الحِبَالُ» (٤). فقد خرج القرطبي في شرحه للفظة الغريبة في الشاهد الشعري إلى الاستشهاد عليها بشواهد شعرية أخرى ليس لها صلة مباشرة بألفاظ الآية المفسرة، وإنما رغبة في شرح غريب الشاهد الشعري الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>ثالثًا: شرح الشاهد الأول وإغفال ما بعده</span>.\nومن منهجهم في شرح الشاهد أن يورد شاهدًا على المسألة، ويشرحه، ثم يعقبه بشاهد آخر ويغفله من الشرح والتعليق اعتمادًا على فهم القارئ، ورغبة في أن يحاول القارئ استخراج وجه الشاهد في البيت، ومن ذلك قول الطبري: «وأما الصابرين فنصبٌ، وهو مِنْ نَعتِ «مَنْ» على وجه المدح؛ لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفة الواحد - الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعر:\n_________\n(١) هو عبدالرحمن بن حسان بن ثابت ﵁، يهجو مسكين الدارمي، ونسبت لأبيه حسان غير أن الأسود الغندجاني رجح نسبتها لعبدالرحمن. انظر: فرحة الأديب ٨٩.\n(٢) انظر: إصلاح المنطق ١٦، لسان العرب ٦/ ١٣٧ (سبب).\n(٣) يقول: إنه تدلى على خلية العسل، وهي بصخرة جرداء ملساء تشبه بساط الأديم في استوائها، ولا يثبت عليها ظفر الغراب بل يزل عنها لملاستها. انظر: ديوان الهذليين ١/ ٧٩، ديوانه ٣٦.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.","vol":"1","page":496},{"text":"إِلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ\nوذَا الرَّأيِ حِيْنَ تُغَمُّ الأُمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ\nفنَصَبَ «ليثَ الكتيبةِ» و«ذا الرأي» على المدحِ، والاسم قبلهما مَخفوضٌ؛ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر:\nفَليتَ التي فيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ ... عَلى كُلِّ غَثٍّ مِنهمُ وسَمِيْنِ\nغُيْوثَ الوَرَى في كُلِّ مَحْلٍ وأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِيْنَ كُلَّ عَرِينِ» (١)\nولم يذكر وجه الشاهد في الشاهد الثاني، ثقة بفطنة القارئ أن يقيس وجه الشاهد على ما شرحه الطبري في الشاهد الذي قبله، فهما مسوقان للاستشهاد على قضية واحدة.\nومن الأمثلة قول الطبري: «وقد يحتمل نصبها على إتباعها موضع السمع، إذ كان موضعه نصبًا وإن لم يكن حسنًا إعادة العامل فيه على غشاوة، ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٢] (٢) فخفض اللحمَ والحُورَ على العطفِ بهِ على الفاكهةِ إِتباعًا لآخرِ الكلام أولَه. ومعلومٌ أَنَّ اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحُورِ العِيْنِ، ولكن كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه:\nعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَارِدًا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَينَاها\nومعلوم أن الماءَ يُشربُ ولا يُعلَفُ به، ولكنه نَصَبَ ذلك على ما وصفت قبلُ. وكما قال الآخر:\nورأَيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا» (٣).\nفقد شرح الطبري الشاهد الأول منهما قبله بقوله: «يصف فرسه».\n_________\n(١) الطبري (شاكر) ٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٢) الواقعة ١٧ - ٢٢.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٦٤.","vol":"1","page":497},{"text":"وبعده بقوله: ومعلوم أن الماءَ يُشربُ ولا يُعلَفُ به، ولكنه نَصَبَ ذلك على ما وصفت قبلُ. وأغفل الشاهد الثاني لأنه يدل على الوجه الذي شرحه في الشاهد الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>رابعًا - التكرار للشرح</span>.\nيتكرر عند المفسرين الاستشهاد بالشاهد الشعري الواحد في عدة مواضع، منها ما يتكرر فيه موضع الشاهد، ومنها ما يختلف فيه موضع الشاهد وهذا ما سبقت الإشارة إليه في أنواع الشواهد الشعرية وسميتها «الشواهد المشتركة».\nفعندما يتكرر إيراد المفسر للشاهد يتكرر شرحه له، ويختلف الشرح في المواضع طولًا وقصرًا، بحسب حاجة المقام، فقد يطيل في الموضع الأول دون الثاني، وقد يكون العكس، وقد يختصر الشرح في الموضعين كليهما. وأما إن اختلف موضع الشاهد في البيت فإنه يتناول بالشرح الشاهد من وجه آخر، فيكون هذا زيادة في إيضاح معنى بيت الشعر لمن يطلب شرحه، فلو جمع الباحث الشواهد الشعرية المكررة التي شرحها المفسرون لتبين له ما قدمه المفسرون في هذا الجانب. وسأضرب لذلك أمثلة تبين المقصود.\nفمن أمثلة تكرر الشاهد الشعري مع اتفاق موضع الشاهد استشهاد الطبري على أن العرب تحذف من الكلام ما دل عليه الظاهر طلبًا للاختصار بقول ذي الرمة في نعت حَمِيْرٍ:\nفلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أَو حِيْنَ نَصَّبَتْ ... له مِنْ خَذَا آذَانِهَا وهُو جَانِحُ (١)\nثم شرح موضع الشاهد بعده فقال: «يعني: أو حين أقبل الليل». (٢) وقد كرر ذكر الشاهد مرة أخرى للاستشهاد على الوجه نفسه\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢/ ٨٩٧.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١/ ٣٤٤.","vol":"1","page":498},{"text":"فقال في شرحه: «أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاء بدلالة الكلام عليه» (١). وهذا استشهاد نحوي بالشاهد الشعري على أسلوب الحذف عند العرب.\nوأما في الموضع الثالث فقد كرره للاستشهاد به استشهادًا لغويًا على معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠] (٢) فقال: «يعني بقوله لَبِسْنَ الليلَ: أُدخِلْنَ في سَواده فاستَتَرْنَ به» (٣).\nوقد كرر المفسرون الاستشهاد بقول عبد الله بن الزبعرى:\nورَأَيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا (٤)\nفقد استشهد به الطبري سبعَ مراتٍ على الوجه نفسه، وأطال في شرحه في الموضع الأول فقال: «قد دللنا فيما مضى على أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة، ولم تَشَكَّكْ أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت - حذفُ ما كفى منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولًا أو بتأويل قول ... وكذلك قول الآخر:\nورَأَيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا\nوقد عَلِمَ أَنَّ الرمحَ لا يُتقَلَّدُ، وأنَّه إنَّما أراد: وحاملًا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه اكتفى بما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه». (٥) ثم أخذ يكرره دون شرح (٦)، حتى إذا طال الفصل عن الموضع الأول شرحه مرة أخرى فقال بعده: «فالرمح لا يتقلد ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليل على ما حذف، فاكتفى بذكر ما ذكر منه مِمَّا\n_________\n(١) المصدر السابق ١٢/ ٢٣٩.\n(٢) النبأ ١٠.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٩.\n(٤) رواية الديوان:\nيا ليت زوجكِ قد غدا\nانظر: ديوانه ٣٢\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١/ ١٣٩ - ١٤١.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٢٧١، ٥/ ٤١٨، ٨/ ٥١٦، ١١/ ٧٤.","vol":"1","page":499},{"text":"حذف» (١). ثُمَّ لم يشرحه بعد ذلك (٢).\nومثله قول ذي الخِرَقِ الطُّهَويّ يصف ذئبًا أراد أن يثب على ناقته:\nحَسبتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ (٣)\nفقد استشهد به الطبري في خَمسةِ مواضعٍ على أن العرب تحذف ما كان معلومًا، والمعنى في البيت: حَسبتَ بُغَامَ - أي صوت - راحلتي صَوتَ عَنَاقٍ، فشرحه في بعضها دون بعض (٤).\nومن الأمثلة كذلك عند الطبري أنه فسَّر قولَ جرير:\nأَعطوا هُنيدةَ يَحدُوها ثَمانيةٌ ... ما في عَطائهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ (٥)\nقال في شرحه في الموضع الأول: «يعني بقوله: ولا سَرَفُ: لا خطأَ فيه، يراد به أنَّهم يصيبون مواضع العَطاءِ فلا يُخطِئونَها» (٦).\nوقال في شرحه في الموضع الثاني: «يعني بالسَّرِفِ: الخَطأَ في العَطيَّةِ» (٧). ومثله في الموضع الثالث قال: «يعني أنه ليس فيه نقص ولا خطأ» (٨).\nوقد شرحه محمد بن حبيب شارح ديوان جرير بمثل شرح ابن جرير الطبري فقال: «السَّرَفُ: الخطأُ والإعطاءُ في غير وجهه، يقال: أردتُ بني فلانٍ فَسَرِفْتُهُم، أي: أَخطأَتُهُم» (٩).\nومن أمثلة ذلك عند ابن عطية عما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] (١٠) قال: «والبصائر: جمع بصيرة، وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها بالاعتبار ...\n_________\n(١) المصدر السابق ١٢/ ٢٣١.\n(٢) المصدر السابق ٢٢/ ٢٠٨.\n(٣) نسبه الطبري للطهوي كما في تفسيره (هجر) ٣/ ٧٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢/ ٢٦٥، ٥٩١، ٣/ ٧٧، ٦/ ٥٣، ١٤/ ٤٤٧.\n(٥) انظر: ديوانه ١/ ١٧٤.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٦/ ٤٠٩.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٦١٨.\n(٨) تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٥٢٢.\n(٩) شرح ديوان جرير ١/ ١٧٤.\n(١٠) الأنعام ١٠٤.","vol":"1","page":500},{"text":"والبصيرة أيضًا هي المعتَقَدُ المُحصَّلُ في قول الشاعر (١):\nراحوا بَصائِرُهُم عَلى أَكتافِهِم ... وَبَصيرَتي يَعدو بِها عَتَدٌ وَأى (٢)\nوقال الطبري في شرح البيت: «يعني بالبصيرة: الحجة البينة الظاهرة» (٣).\nوقال بعض الناس في هذا البيت: البصيرةُ طَريقةُ الدم، والشاعر إِنَّما يصفُ جَماعةً مشوا به في طلبِ دمٍ ففتروا، فجعلوا الأمرَ وراءَ ظهورهم» (٤).\nوفي موضع لاحق في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ [الجاثية: ٢٠] (٥) قال: «والبصيرة في كلام العرب: الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر يَصِفُ جِدَّهُ في طلبِ الثأر، وتواني غيره:\nراحوا بَصائِرُهُم عَلى أَكتافِهِم ... وَبَصيرَتي يَعدو بِها عَتَدٌ وَأى\nوفسَّر الناس هذا البيتَ بطريقة الدم إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقةً من دمٍ خلفَ ظهرهِ ليُعلمَ بذلك أنه لم يدركْ ثأرَه وأَنَّه يطلبه، ويظهر فيه أنَّه يريد بصيرةَ القلبِ، أَي: قد اطَّرحَ هؤلاء بصائرَهُم وراء ظهورهم» (٦).\nفقد أطال في شرح البيت في الموضع الثاني، وقد شرحه ابن قتيبة (ت ٢٧٦) فقال: «البصيرةُ: الدفعةُ من الدم، أي: دماؤُهم قد خَرجتْ فصارت على أكتافهم، وبصيرتي في جَوفي يعدو بِها فَرسي، يريد أَنَّهم جُرحوا، ويقالُ: بل أرادَ أنَّ الذي طلبوه من الذحولِ - أي الثأر - على\n_________\n(١) هو الشاعر الجاهلي الأسعرُ بن حُمران بن الحارث الجُعفيُّ.\n(٢) انظر: الأصمعيات ١٤١، المعاني الكبير ٢/ ١٠١٣.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٢٤.\n(٤) المحرر الوجيز ٦/ ١٢٤.\n(٥) الجاثية ٢٠.\n(٦) المحرر الوجيز ١٤/ ٣١٣.","vol":"1","page":501},{"text":"أكتافهم لم يدركوه بعدُ فهو ثِقلٌ عليهم، وبصيرتي أَي ذحلى قد أدركتُ به» (١). وقوله: إِنَّ البَصيْرَةَ طريقةُ الدمِ، يعني بِها ما استدارَ من الدمِ مِقدارَ الدرهمِ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>الاختلاف في شرح الشاهد الشعري:</span>\nيرجع الاختلاف في شرح المفسرين للشاهد الشعري إلى عدة عوامل، منها الاختلاف في رواية البيت في موضعٍ يتغير بتغيره المعنى، أو يكون راجعًا إلى وقوع التصحيف في الشاهد، أو يكون الاختلاف راجعًا إلى الاختلاف في تفسير الآية وحَملِ الشاهد عليها، أو نحو ذلك، وسيأتي أمثلة ذلك.\nوقد تعقب المفسرون بعضًا في شرح الشواهد الشعرية، وأكثرُ مَن رأيته عُنِيَ بذلك الإمامُ الطبري، وابن عطية في تفسيريهما. فأما الطبري فقد أكثر من تعقب أبي عبيدة في فهمه للشواهد، كما تعقب الفراء في مواضع قليلة، وأما ابن عطية فقد تعقب أبا عبيدة، وابن قتيبة، والأخفش والطبري، وأكثر من ذلك في تفسيره مع بيان وجه الاختلاف أحيانًا، وعدم بيانه في مواضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>أولًا: الاختلاف في معنى الشاهد</span>.\nمن أمثلة الاختلاف في معنى الشاهد بسبب الاختلاف في رواية البيت أن أبا عبيدة روى شاهدًا شعريًا نسبه لعمرو بن حني التغلبي وهو قوله:\nوَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّما\nوشرح غريبه فقال: «والصَّعَرُ داءٌ يأخذُ البعيرَ في عُنقهِ أو رأسه\n_________\n(١) المعاني الكبير ٢/ ١٠١٣.\n(٢) انظر: الأصمعيات ١٤١ حاشية المحقق رقم ٧.","vol":"1","page":502},{"text":"فيُشبَّهُ به الرجلُ الذي يتكبَّرُ على الناس» (١)، ورواه الطبري كذلك (٢)، غير أنَّ ابن عطية استشهدَ به فقال: «والصَّعَرُ الميلُ ... ومنه قول عمرو بن حني التغلبي:\nوَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّمِ\nأَيْ: فتقوَّمْ أنتَ، قالهُ أبو عبيدةَ (٣)، وأنشدَ الطبريُّ «فتقوَّمَا»، وهو خطأٌ؛ لأن قافية الشعرِ مَخفوضةٌ» (٤). فيتغير المعنى من الغائب للحاضر.\nوقد روى المرزبانيُّ هذا البيت مع عدة أبياتٍ مخفوضةٍ كما ذكر ابن عطية وهي:\nنُعاطي المُلوكَ الحقَّ ما قَصَدُوا بِنَا ... وليسَ عَلينا قَتْلُهُمْ بِمُحرَّمِ\nأَنِفتُ لَهُمْ مِنْ عَقلِ عَمرِو بنِ مَرْثَدٍ ... إذا وَردوا ماءً ورُمْحِ ابنِ هَرْثَمِ\nوكُنَّا إذا الجبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمِ\nقال: يريدُ فتقوَّمْ أنتَ» (٥).\nثم عقَّبَ على ذلك المرزباني مشيرًا إلى أن هذا البيت يروى لغيره فقال: «وهذا البيت يروى من قصيدة المتلمس التي أولها:\nيُعَيّرني أُمِّي رِجَالٌ ولَنْ تَرى ... أَخَا كَرَمٍ إِلَّا بِأَنْ يَتَكَرَّما (٦)\nوبعده البيت، وآخره:\n.......................... ... أَقمنَا لَه من مَيلهِ فتقوَّمَا\nوأبو عبيدة وغيره يروون هذه الأبيات لجابر بن حُنَيِّ التغلبيِّ» (٧).\nوهذا الذي ذكره المرزباني يعني به رواية أبي عبيدة في «مجاز\n_________\n(١) مجاز القرآن ٢/ ١٢٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٥٥٩.\n(٣) ما في «مجاز القرآن» ٢/ ١٢٧ خلاف ذلك، فالرواية فيه كما عند الطبري (فتقوَّما)، فإما أن يكون ابن عطية قد وَهِمَ، وإما أن يكون البيت في المطبوع أصابه تَحريفٌ.\n(٤) المحرر الوجيز ١٣/ ١٨.\n(٥) معجم الشعراء ١٣.\n(٦) انظر: ديوانه ٦٢.\n(٧) معجم الشعراء ١٣.","vol":"1","page":503},{"text":"القرآن»، وأما في ديوان المتلمس فقد رواه أبو عبيدة له بالفتح. (١) وتعقب ابن عطية لرواية الطبري مبني على الخلاف في رواية الشاهد وهي قد تتعدد كما في كثير من روايات الشعر، وإن كان موضع الشاهد لم يتأثَّر بِهذا الاختلاف وهو لفظة: «صَعَّرَ»، حيث ساق المفسرون الشاهد من أجلها.\nومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] (٢): «وحكى الطبريُّ أنَّ «لا» زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول الراجز (٣):\nفَمَا أَلُومُ البِيضَ أَلاَّ تَسْخَرا (٤)\nأرادَ: أَنْ تسخَر. وفي قول الأحوص:\nويَلْحِيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ لا أُحِبَّه ... ولِلَّهوِ داعٍ دَائبٌ غَيْرُ غَافِلِ (٥)\nوقال الطبري: يُريدُ ويَلْحَيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ أُحبَّه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: وبيتُ الأحوص إِنَّما معناه: إرادةَ أَنْ لا أُحبَّهُ، فـ «لا» فيه متمكنة» (٦).\nفقد اعترض على شرح الشاهد بما شرحه به الطبري، وذهب به مذهب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>ثانيًا: الاختلاف في دلالة الشاهد</span>.\nقد يكون معنى الشاهد متفقًا على صحة روايته عند المفسرين، غير أَنَّهم يَختلفونَ في معناه، ودلالته على الآية، فيكون الخلاف في معنى الشاهد، لا في تفسير الآية. ومن ذلك أن أبا عبيدة أنشد قول ابن مقبل:\n_________\n(١) انظر: ديوان المتلمس الضبعي ٢٤ - ٢٥ وأبو عبيدة أحد رواة الديوان.\n(٢) الفاتحة ٧.\n(٣) هو أبو النجم العجلي.\n(٤) انظر: ديوانه ٨٧.\n(٥) انظر: شعر الأحوص الأنصاري ٢٢٤.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ٨٧.","vol":"1","page":504},{"text":"أَفسدَ النَّاسَ خُلوفٌ خَلفُوا ... قَطعوا الإِلَّ وإِعرَاقَ الرَّحِمْ (١)\nوفسَّرَ الإِلَّ فيه بأَنَّها القَرابة (٢). واعترض ابن عطية على ذلك فقال: «أنشده أبو عبيدة على القرابة وظاهره أنه في العهود». (٣) فالخلاف هنا في دلالة اللفظة في الشاهد على المعنى، واعتراض ابن عطية مبني على فهمه للمفردةِ من خلال سياق البيت، وإن كان بيتُ ابنِ مقبل يَحتملُ الأمرين، وفهم أبي عبيدة غير بعيد، ومعرفته بالشعر أوسع، ولم أجد البيتَ في ديوان الشاعر لأتبيَّنَ ما قبلَهُ وما بعده.\nومثله قول ابن عطية أيضًا: «وقال الطبري: ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] ٤) معناه: يُهلكونَكم، واستشهدَ ببيت جرير (٥):\nكُنتَ القَذى في مَوجِ أَخضرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فضلَّ ضلالا (٦)\nوقول النابغة:\nفآبَ مُضلوهُ بِعَينٍ جَليَّةٍ ... البيت (٧)\nوهذا تفسيرٌ غيرُ خاصٍ باللفظةِ، وإنَّما اطَّردَ له هذا الضلالُ في الآية، وفي البيتين اقترنَ به هلاكٌ، وأَمَّا أَن تُفسَّرَ لفظةُ الضلالِ بالهلاكِ فَغَيْرُ قَويمٍ» (٨).\nواعتراضُ ابنِ عطيَّةَ هنا على تفسير الطبري للضلال بمعنى الهلاك مطلقًا، ولم يعترض على تفسير الضلال في الآية والشاهدين بالهلاك لتوفر القرينة على ذلك. قال في اللسان: «قال أَبو عمرو: وأَصلُ الضَّلالِ\n_________\n(١) لم أجده في ديوانه.\n(٢) لم أجد البيت ولا تفسير أبي عبيدة له في مجاز القرآن.\n(٣) المحرر الوجيز ٨/ ١٣٧.\n(٤) آل عمران ٦٩.\n(٥) البيت للأخطل وليس لجرير، والطبري نسبه للأخطل. انظر: تفسير الطبري (هجر) ٥/ ٤٩٠.\n(٦) رواية الديوان والطبري: «في موج أكدر». انظر: ديوان الأخطل ٢٥٢.\n(٧) انظر: ديوان النابغة الذبياني ١١٩.\n(٨) المحرر الوجيز ٣/ ١٢٠.","vol":"1","page":505},{"text":"الغَيْبوبة، يقال ضَلَّ الماءُ في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافرُ إذا غاب عن الحُجَّة، وضَلَّ الناسي إذا غابَ عنه حِفْظه، وأَضْلَلْت بَعيري وغيرَه إذا ذهَب منك ... وضَلَّ الشيءُ يَضِلُّ ضَلالًا أَي ضاع» (١). فالهلاك أحد معاني الضلال إذا اقترنت به قرينة، وأما أصل معنى الضلال فكما قال ابن فارس: «الضاد واللام أصلٌ صحيحٌ يدل على معنى واحد، وهو ضياع الشيء وذهابه في غير حقه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ثالثًا: الاختلاف في وجه الاستشهاد:</span>\nقد يكون الاختلاف والاعتراض متجهًا إلى وجه الاستشهاد لا إلى الشاهد، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: الرَّفَثُ اللغا من الكلام، وأنشد:\nورُبَّ أَسرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَن اللَّغَا ورَفَثِ التكَلُّمِ (٣)\nقال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا البيت». (٤) ولم يبين ابن عطية سبب عدم الحجية في الشاهد، وأن الرفث فيه يعني اللغو من الكلام، والظاهر أن وجه اعتراض ابن عطية على الاستشهاد بالبيت أن الشاعر قد عطف اللغا على رفث الكلام، والعطف يعني المغايرة بين المعنيين.\nوقال ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: البعض في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة، وأنشد أبو عبيدة شاهدًا على قوله بيت لبيد:\nترَّاكُ أَمكنةٍ إذا لم أَرْضَهَا ... أَو يَخْتَرِمْ بعضَ النفوسِ حِمَامُها\nوليست في البيت له حجة؛ لأن لبيدًا أراد نفسه فهو تبعيض صحيح» (٥).\n_________\n(١) لسان العرب ٨/ ٨٠ (ضلل).\n(٢) مقاييس اللغة ٣/ ٣٤٥، وانظر: المحرر الوجيز ١٢/ ١٦.\n(٣) انظر: ديوان العجاج ١٢٨.\n(٤) المحرر الوجيز ٢/ ١٢٢.\n(٥) المحرر الوجيز ٣/ ٩٩.","vol":"1","page":506},{"text":"وقد يكون سبب الخلاف هو الخلاف في تفسير الآية، لا في معنى البيت أو حجيته، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم بعضُ أهل العربية أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (١): إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق. من قولهم: اتَّصَلَ الرجلُ، بِمعنى: انتمَى وانتسَب. كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قومٍ:\nإذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ ... وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (٢)\nيريدُ بقوله: اتصلتْ انتَسَبت» (٣). ثُمَّ اعترض الطبري على هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو عبيدة فقال: «ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع؛ لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة والعهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم مالهم ... لما كان رسول الله - ﷺ - ليقاتل قريشًا وهم أنسباء السابقين الأولين، ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله - ﷺ - مشركي قريش ... الدليل الواضح أن انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم لم يكن موجبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه» (٤). ولَخَّص ابنُ عطية رأي الطبري واختاره (٥).\nومن أمثلة تعقب الطبري للفراء في فهمه للشواهد وشرحه لها قول الطبري: «واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب «الباء» في قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (٦) فقال بعض نحويي الكوفة: الذي جلب «الباء» في قوله: ﴿بِحَبْلٍ﴾ فعل مضمر قد ترك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا\n_________\n(١) النساء ٩٠.\n(٢) انظر: ديوانه ٨١.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٧/ ٢٩٣، المحرر الوجيز ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٧/ ٢٩٤.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز ٤/ ٢٠٢، ٦/ ٧٦، ٨٩، ٤/ ٢٠٧، ٤/ ١٣.\n(٦) آل عمران ١١٢.","vol":"1","page":507},{"text":"بحبل من الله فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر (١):\nرأَتْنِي بِحَبْلَيها فَصَدَّتْ مَخَافةً ... وفي الحَبْلِ رَوعاءُ الفُؤادِ فَروقُ (٢)\nوقال: أرادَ: أَقبلَت بِحَبلَيها. وبقول الآخر (٣):\nحَنَتْنِي حَانياتُ الدهرِ حتى ... كأَنِّي خَاتِلٌ أَدنُو لِصَيدِ\nقريبُ الخَطْوِ يَحسبُ مَن رآني ... ولستُ مُقيَّدًا أَنِّي بِقَيدِ (٤)\nيريد: مقيَّدًا، فأوجبَ إعمالَ فعلٍ مَحذوفٍ، وإظهارَ صلته وهو متروك» (٥).\nثم أخذ الطبري في رده لفهم الفراء للشواهد، وشرحه لها، فقال: «وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دال على صحة دعواه؛ لأن في قول الشاعر: «رأتني بِحَبليها» دلالةً بينةً في أنها رأتهُ بالحبل مُمسكًا، ففي إخباره عنها أَنّها رأتهُ بِحبليها، إخبارٌ منه أنها رأته مُمسكًا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك، وكانت الباء صلة لقوله رأتني» (٦).\nوقد يكون التعقب لفهم الشاهد ودلالته على الآية، وليس لشرحه، ومن ذلك قول الطبري في رده على أبي عبيدة: «وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن الذي في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] (٧) بمعنى: الذين، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ\n_________\n(١) هو حميد بن ثور الهلالي.\n(٢) انظر: ديوانه ٣٥.\n(٣) هو أبو الطمحان حنظلة بن الشرقي من بين القين، شاعر مخضرم.\n(٤) معاني القرآن للفراء ١/ ٢٣٠، ديوان المعاني للعسكري ٢/ ١٦١، وقد اقتصرت طبعة البابي الحلبي ٤/ ٤٩ على البيت الأول دون الثاني، وهو محل الشاهد، وهو منقول من كلام الفراء في المعاني، ولعله سهو من الناسخ، وقد أثبته محمود شاكر في طبعته، وكذا الدكتور التركي. انظر: الحاشية التالية.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ١١٣ - ١١٤، (هجر) ٥/ ٦٨٤ - ٦٨٥.\n(٦) المصدر السابق ٧/ ١١٤.\n(٧) البقرة ١٧.","vol":"1","page":508},{"text":"وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] (١). وكما قال الشاعر (٢):\nفإِنَّ الذي حانَتْ بِفَلجٍ دماؤُهُم ... هُمُ القومُ كُلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ (٣)\nقال أبو جعفر: والقول الأول هو القول لما وصفنا من العلة، وقد أغفل قائل ذلك فرقَ ما بين (الذي) في الآيتين وفي البيت؛ لأن الذي في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وكذلك (الذي) في البيت، وهو قوله (دماؤهم)، وليست هذه الدلالة في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] فذلك فرق ما بين الذي في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معنى (الذي) في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بِمعنى الجماعة. وغيرُ جائزٍ لأحد نقلَ الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجةٍ يجبُ التسليم لها» (٤).\nوقد كانت ردود الطبري على أبي عبيدة في فهمه لمعاني القرآن بسبب عدم عناية أبي عبيدة بتفسير السلف، واعتماده فيما يفسر على اللغة والشعر، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم أيضًا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنَّ الرحمنَ مَجازهُ: ذو الرَّحمةِ، والرحيمَ مَجازهُ الرَّاحمُ، ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظٍ، والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: نَدْمَانُ ونَدِيْمُ، ثم استشهد ببيت برج بن مسهر الطائي:\nونَدمانٍ يزيدُ الكأسَ طيبًا ... سَقَيتُ إذا تغوَّرَتِ النُّجومُ (٥)\n_________\n(١) الزمر ٣٣.\n(٢) هو الأشهب بن رميلة. .\n(٣) انظر: شعراء أمويون ٢٣١، الحماسة البصرية ٢/ ٧٥٥، أمالي بن الشجري ٣/ ٥٧، خزانة الأدب ٢/ ٥٠٩\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٢٠ - ٣٢١، وانظر: ١/ ٤٣٢، تفسير الطبري (هجر) ٢/ ٤٧١.\n(٥) انظر: ديوان الحماسة ٣٨٣، شرح الحماسة للمرزوقي ٣/ ١٢٧٢، ونُسِبَ لعمرو بن شأس الأسدي.","vol":"1","page":509},{"text":"واستشهد بأبيات نظائر له في النديم والندمان ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله الرحمن ذو الرحمة والرحيم الراحم وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيهما على صحته ...». إلى أن قال منتقدًا لمسلك أبي عيدة: «ولكن القول إذا كان على غير أصلٍ معتمدٍ عليه كان واضحًا عَوَارهُ» (١). فهو يرد قول أبي عبيدة لمخالفته لتفسير السلف. وقال في موضع آخر بعد ترجيحه لقول مفسري السلف على تفسير أهل اللغة وهو يشير إلى أبي عبيدة: «وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذرَ. فأما الذين قالوا في ذلك غير ما قلنا مِمَّن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلى إمامٍ من الصحابة أو التابعين، وعلى وجه تَحميلِ الكلام غير وجهه المعروف فإنهم اختلفوا في معناه بينهم ...» (٢). فظهر أن الطبري يعيب تفسير أهل اللغة بأنهم لا يتلفتون إلى تفسير الصحابة والتابعين، ويقولون في معاني القرآن بما ورد في اللغة والشعر، دون نظر إلى خصوصية القرآن الكريم، وتقدم الصحابة والتابعين في معرفة معانيه على غيرهم.\nومن الأمثلة على اختلاف المفسرين في معاني الشاهد الشعري اختلافهم في قول عمرو بن كلثوم في معلقته:\nوأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا (٣)\nفقال الطبري: «وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم، ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم:\nوأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٣٢.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٣٨ - ٣٩.\n(٣) انظر: ديوانه ٣٧٠.","vol":"1","page":510},{"text":"وقال: فقد يكون إنما جعلها غرًا طوالًا، لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] (١) بنعم الله، ثم قال: وقد يكون تسميتها غُرًّا لعلوهم على المَلِكِ وامتناعهم منه، فأيامهم غُرٌّ لهم، وطِوَالٌ على أعدائهم.\nقال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القائل من أن في هذا البيت دليلًا على أن الأيام معناها النعم وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف من الأيام بأنها غرٌّ لعز عشيرته فيها، وامتناعهم على الملك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول بعض الناس: ما كان لفلان قط يوم أبيض، يعنون بذلك أنه لم يكن له يوم مذكور بخير، وأما وصفه إياها بالطول، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدة، كما قال النابغة:\nكِلِينِي لِهَمٍّ يا أُميمةُ نَاصِبِ ... ولَيلٍ أُقاسيهِ بِطيءِ الكَواكِبِ (٢)\nفإنما وصفها عمرو بالطول لشدة مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك غير ما قلتُ» (٣).\nومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] (٤) حيث قال: «الخطابُ للنبيِّ، والمرادُ أمته. وامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (٥) شاهدًا على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى:\nتَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ ... ـنَ رَكْضًا إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ (٦)\nووهِم في ذلك؛ لأنَّ أبا عبيدةَ وغيره قالوا: الممترين في البيت:\n_________\n(١) إبراهيم ٥.\n(٢) انظر: ديوانه ١٥.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦.\n(٤) البقرة ١٤٧.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ١٩١.\n(٦) انظر: ديوانه ٧٣.","vol":"1","page":511},{"text":"هم الذينَ يَمْرُونَ الخيلَ بأرجلِهم هَمْزًا لتجري (١)؛ كأنهم يحتلبون الجريَ منها، فليس في البيت معنًى من الشَّكِّ كما قال الطبريُّ» (٢).\nوقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية، فقال: «معنى الشَّكِّ فيه موجودٌ؛ لأنه يحتملُ أن يختبِرَ الفرسَ صاحبُه، هل هو على ما عهده منه من الجري، أم لا؛ لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه، فيُجريه، ليعلم مقدار جريه ...» (٣). والأمثلة على تعقبات المفسرين بعضهم في فهم الشواهد الشعري أو شرحها، أو إعرابها كثيرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>تغليط المفسرين للشعراء:</span>\nوهناك من المفسرين من يرد بعض ما ورد من اللغة في الشواهد الشعرية، وهذا من باب تغليط الشاعر، ومن الأمثلة ما ما ذكره ابن عطية في تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (٥)، حيث قال: «والسَّلوى طيرٌ، بإجماعٍ من المفسِّرينَ ... وقد غلطَ الهذليُّ (٦)، فقال:\nوَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا (٧)\nظنَّ السَّلوى العسلَ» (٨). ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه\n_________\n(١) شرحه الطبرسي في مجمع البيان في تفسير القرآن ٢/ ٢١، حيث ذكر البيت، ثمَّ قال: «يعني الشَّاكينَ في درورها، لطول سيرها، وقيلَ: المستخرجينَ ما عندها ...».\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ٢١ - ٢٢.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٤.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٢٠، ٢/ ٢٠ - ٢١، ٢/ ٢٩٤، ٣٣٠، ٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤، ٤/ ١٧١، ٥/ ٤٧ - ٤٨، ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، ٦/ ١٧١ - ١٧٢، ٧/ ٩٩، ٩/ ٤١٤ - ٤١٥، ١١/ ١٩٨، ١٢/ ٣٢٤، ١٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، ١٣/ ١٤٤ - ١٤٥، ١٣/ ٢١٩ - ٢٢٠، ١٣/ ٥١٩، ١٥/ ٣٢٣ وغيرها، المحرر الوجيز ٣/ ١٩٩، ٩٩، ١٢/ ١٥٤ - ١٥٥، ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦، ١٦، ١٠/ ٧٢، ١٢٠، ٢/ ١٢٢.\n(٥) البقرة ٥٧.\n(٦) هو أبو ذؤيب الهذلي، وبعضهم ينسبه لخالد بن زهير الهذلي كالطبري، وهو ابن أخت أبي ذؤيب.\n(٧) نشورها: نأخذها، والشَّورُ: أخذ العسل من موضعها. انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٥٨.\n(٨) المحرر الوجيز ١/ ٣٠٦.","vol":"1","page":512},{"text":"ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا من تخطئة العلماء للشعراء، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد صنَّفَ فيه المرزباني كتابه «الموشَّحُ في مآخذ العلماء على الشعراء»، وذكر أمثلة كثيرة لتعقبات العلماء للشعراء.\nوقال الزجاج: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ، وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلاَّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة» (١).\nوقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجماعِ لايصح، وقد قال المؤَرِّجُ (٢) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكر أنه كذلكَ بلغة كنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد:\nلو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ ... ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (٣)\nوقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (٤)، وذكر بيت الهذلي:\n.............................. ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها\nولم يذكر غَلَطًا» (٥).\nوربما رد ابن عطية تخطئة بعض العلماء للشعراء، ومن الأمثلة على ذلك قوله: «وأيضًا فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج، فيجيء الإخراج منهما جميعًا. قال القاضي أبو محمد: وقد خطئ أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر:\n_________\n(١) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٤٥٩، وانظر: معاني القرآن وإعرابه.\n(٢) هو مؤرج بن عمر السدوسي البصري، أحد أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ١٩٥ هـ. انظر: بغية الوعاة ٢/ ٣٠٥.\n(٣) للعجاج كما في ديوانه ٤٠٦.\n(٤) انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٨١.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.","vol":"1","page":513},{"text":"فَجاءَ بِها ما شِئتَ مِن لَطَمِيَّةٍ ... يَدومُ الفُراتُ فَوقَها وَيَموجُ (١)\nوليس ذلك بخطأ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة» (٢).\n\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-217> الاضطراب في شرح الشاهد الشعري عند المفسر الواحد</span>.\nقد يَختلف شرحُ المفسر للشاهدِ الشعري في موضعين مُختلفين. ومن أمثلة ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] (٣) قال في تفسير الغرام: «إن عذاب جهنم كان غرامًا ملحًا دائمًا ملازمًا غير مفارق من عذب به من الكفار، ومهلكًا له، ومنه قولهم: رجل مغرم، من الغرم والدين، ومنه قيل للرجل المولع بالنساء إنه لمغرم بالنساء، وفلان مغرم بفلان إذا لم يصبر عنه، ومنه قول الأعشى:\nإِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا وإِنْ ... يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي (٤)\nيقول: إن يعاقب يكن عقابه عقابًا لازمًا، لا يفارقه صاحبه، مهلكًا له» (٥).\nفي حين قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ [الواقعة: ٦٦] (٦) في تفسير الغرام أيضًا: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب، ومنه قول الأعشى:\nإِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا ... وإِنْ يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي\nيعني بقوله: يكن غرامًا: يكن عذابًا» (٧).\nففسَّر الغرامَ في البيت في المرة الأولى بالمُلازمةِ، وفي الثانية\n_________\n(١) انظر: ديوان الهذليين ٥٧، ديوانه ٥٢.\n(٢) المحرر الوجيز ١٣/ ١٦٣.\n(٣) الفرقان ٦٥.\n(٤) انظر: ديوانه ٥٩.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٤٩٥، وانظر: ٢٢/ ٣٥٢.\n(٦) الواقعة ٦٦.\n(٧) تفسير الطبري (الحلبي) ٢٧/ ١٩٩ - ٢٠٠ هذا الموضع ساقط من نسختي من الطبري طبعة دار هجر.","vol":"1","page":514},{"text":"بالعذابِ. وليس بين التفسيرين تعارض، فالغرام هو العذاب الملازم، وقد اقتصر الطبري في الموضع الثاني على تفسيره بالعذاب دون تقييده بالملازم، فكان ظاهر هذا ما يشبه أن يكون اختلافًا في شرح الشاهد. وقد فُسِّرَ الغرامُ في اللغة بأنه العذاب الملازم، وأنَّ مادة «غَرِمَ» أصل صحيح يدل على مُلازمةٍ ومُلازَّةٍ (١). وقد سبق أبو عبيدة إلى الاستشهاد بهذا الشاهد وشرحه بأنه بمعنى الهلاك (٢). والعذاب سبب للهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>أنواع شروح الشاهد الشعري:</span>\nيعتمد شرح المفسر للشاهد الشعري على نوع المسألة التي ورد فيها الشاهد الشعري، فإن كانت مسألة لغوية معجمية فإنه يشرح الشاهد الشعري شرحًا معجميًا، وإن كانت مسألأة نحوية فإنه يشرح الشاهد شرحًا نحويًا، وهكذا. وبناء على قسمت أنواع الشروح للشاهد الشعري إلى الأقسام الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>أولًا: الشرح اللغوي</span>.\nومن الأمثلة قول الطبري: «وهو مصدرٌ من قول القائلِ: رابني الشيءُ يُريبني رَيْبًا. ومن ذلك قولُ ساعدةَ بن جؤية الهُذليّ:\nفقالوا: تَركنَا القَومَ قَدْ حَصِرُوا بِهِ ... فَلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (٣)\nويُروى: حَصَرُوا وحَصِرُوا والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ. يعني بقوله: «حَصَروا بهِ» أطافوا به، ويعني بقوله: «لا ريب فيه» لا شكَّ فيه. وبقوله: «أنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ» يعني قتيلًا، يقال: قد لَحِمَ إذا قُتِلَ» (٤).\nوقال الزمخشري: «وقرأ الأشهب العقيلي (بعد إمةٍ) بكسر الهمزة، والإمة النعمة. قال عدي:\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ٤/ ٤١٩.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٢٦.\n(٣) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٢٣٢.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":515},{"text":"ثُمَّ بعدَ الفَلاحِ والمُلكِ ... والإِمَّةِ وارتْهُمُ هُناكَ القُبورُ (١)\nأي: بعد ما أنعم عليه بالنجاة» (٢). والأمثلة على ذلك كثيرة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>ثانيًا: الشرح النحوي</span>.\nومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وإذ كان ذلك معنى الكلام، فمعلوم أن قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٤) يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين:\nفأما أحد وجهي الرفع، فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم، فتنصب وترفع، وإن كان خبرًا عن معرفة، كما قال الشاعر:\nلا يَبْعُدَنْ قَومي الذينَ هُمُ ... سُمُّ العُدَاةِ وآَفَةُ الجُزْرِ\nالنَّازِلينَ بِكُلِّ مُعتَرَكٍ ... والطَّيبينَ مَعَاقدَ الأُزُر\nفيُروى: النازلون، والنازلين، وكذلك الطيبون والطيبين على ما وصفت من المدح» (٥).\nومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «... فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] (٦) الإبهامَ على مَنْ خَاطبهُ، فهو عالمٌ أَيَّ ذلك كانَ ... كما قال أبو الأسود الدؤلي:\nأُحِبُّ مُحمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ... وعبَّاسًا وحَمْزةَ والوصِيَّا\nفإِنْ يَكُ حُبُّهُم رُشْدًا أُصِبْهُ ... ولستُ بِمُخطيءٍ إِنْ كانَ غَيَّا (٧)\nقالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمى رشدٌ، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما\n_________\n(١) لعدي بن زيد العبادي من قصيدته المشهورة. انظر:\n(٢) الكشاف ٢/ ٤٧٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.\n(٤) البقرة ١٨.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٣٢٩.\n(٦) البقرة ٧٤.\n(٧) انظر: ديوانه ١٥٢.","vol":"1","page":516},{"text":"قال هذه الأبيات قيل له: شككتَ؟ فقال: كلاَّ والله! ثُمَّ انتزَعَ بقول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١) فقال: أَوَ كانَ شاكًّا مَنْ أخبرَ بِهذا في الهَادي من الضلال؟» (٢).\nوقال الطبري: «وأما على قراءة من قرأه: بل ادارك، بكسر اللام وتشديد الدال، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل أم، إذا كان في أول الكلام استفهام، كما قال الشاعر:\nفواللهِ ما أدري أَسلمى تَغوَّلَتْ ... أَمِ النومُ أمْ كُلٌّ إليَّ حبيبُ\nيعني بذلك: بل كُلٌّ إليَّ حبيب» (٣).\nومن الأمثلة عند ابن عطية قوله تعقيبًا على رواية ابن جني لقول أبي النجم:\nقد أَصْبحتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (٤)\nبرفع «كُلّ». قال: «وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنوب، ولو نصبَ «كُلَّ» لكان ظاهرُ قوله أَنَّه صَنَعَ بعضَه. وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح. التقدير: يبغونَهُ ولم أَصنعه، وإنما يحذف الضمير كثيرًا من الصلة ... ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين:\nأحدهما: أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nوالثاني: أن في البيت عوضًا من الهاء المحذوفة، وذلك حرف\n_________\n(١) سبأ ٢٤.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٢٥، وانظر تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٢٠٩.\n(٤) انظر: ديوانه ١٥٠.","vol":"1","page":517},{"text":"الإطلاق، أعني الياء في أصنعِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>ثالثًا: الشرح الأدبي</span>.\nوأعني به النظر إلى الشاهد الشعري نظرة أدبية نقدية، يبدي فيها المفسر رأيه في جمال البيت من حيث المعنى، أو من حيث اللفظ، على عادة نقاد الشعر. وتجد لذلك أمثلة في كتب التفسير، على أن المفسرين لم ينظروا إلى الشاهد الشعري نظرة فنية في كتب التفسير، ولم يكن ذلك من أغراضهم، وإنما نظروا للشاهد الشعري على أنه حجة يحتج بها في اللغة ونحوها، ووسيلة ضرورية لغاية أسمى وهي فهم معاني القرآن وتفسيرها. بل إن أكثر علماء اللغة كانت اهتمامهم بالشعر للمحافظة على ثبات اللغة، والاستعانة به في فهم القرآن، والاحجاج له. فكانت الغاية دينية في حركة جمع الشعر وشرحه (٢).\nومن ذلك قول ابن عطية: «قول الشاعرِ (٣):\nليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيّتُ الأَحياءِ (٤)\nاستراحَ من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ ... وأمَّا قولُ الشاعرِ (٥):\nإذا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَميمٍ ... فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِئْ بِزَادِ (٦)\nفالأبلغُ في الهجاءِ أَنْ يريدَ الميتَ حقيقةً، وقد ذهب بعضُ الناس إلى أَنَّه أرادَ مَنْ شارفَ الموتَ، والأولُ أَشعرُ». (٧) وأضاف في موضع آخر شرحًا لهذا الشاهد فقال: «وقد تأول قومٌ «استراحَ» في هذا البيت\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٥/ ١٢٤.\n(٢) انظر: جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للمالكي ١٨ - ١٩.\n(٣) هو عدي بن الرعلاء الغساني.\n(٤) الأصمعيات ١٥٢.\n(٥) هو يزيد بن الصعق الكلابي كما في معجم الشعراء للمرزباني ٤٨٠، وقيل لأبي مهوش الفقعسي كما في حواشي الكامل ١/ ٢٢٤.\n(٦) البيان والتبيين ١/ ١٩٠، الكامل ١/ ٢٢٤.\n(٧) المحرر الوجيز ٢/ ٤٨.","vol":"1","page":518},{"text":"بِمعنى: اكتسبَ رائحةً؛ إذ قائلُهُ جاهليٌّ، لا يرى في الموت راحةً» (١).\nوفي هذا توظيف لمعرفته بعصر قائل الشعر ودينه في فهم الشاهد الشعري وترجيح بعض معانيه على بعض، كما إن فيه دلالة على حسن تذوقه للأدب، وبراعته في ترجيح العبارات بحسب معانيها، وهذا جزء من عمل الناقد الأدبي.\nومن الأمثلة قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] (٢): «وجعل الله تعالى الجوعَ في هذه الآية مع العُري، والظمأَ مع الضحاءِ، وكان عُرْفُ الكلامِ أن يكون الجوعُ مع الظمأِ المتناسب، والعريُ مع الضحاءِ؛ لأنها تتضادُ إذ العُريُ يَمسُّ بسببه البردُ، والحَرُّ يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيعٌ في كلام العرب، أَن تُفرقَ النِّسَبَ، ومنه قول امرئ القيس:\nكأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلذَّةٍ ... ولَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذاتَ خَلْخَالِ\nولم أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أَقُلْ ... لِخَيليَ كُرِّيْ كَرَّةً بعدَ إِجْفَالِ (٣)\nوقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظةٌ لنسبٍ، وأنَّ ركوبَ الخيل للصيدِ وغَيره من الملاذِ يُناسبُ تبطنَ الكاعب» (٤). وقد ذكر المرزباني هذا التوجيه لأبيات امرئ القيس (٥).\nومن الأمثلة كذلك لإشارات المفسرين للجوانب الأدبية في شرح الشاهد الشعري أن ابن عطية ذكر قول حسان بن ثابت ﵁:\nلنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلْمَعنَ بالضُّحى ... وأَسيَافُنَا يَقْطُرنَ مِنْ نَجْدةٍ دَما (٦)\nواستدل به على أن الجفنات هنا أتت للتكثير لا للتقليل فقال: «فلم\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٥/ ٢٠.\n(٢) طه ١١٩.\n(٣) انظر: ديوانه ٣٥.\n(٤) المحرر الوجيز ١١/ ١١١.\n(٥) انظر: الموشح ٣٨.\n(٦) انظر: ديوانه ٣٧١.","vol":"1","page":519},{"text":"يرد إلا كثرة الجفان» ثم علق تعليقًا أدبيًا على البيت فقال: «وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت» (١). وهو يقصد نقد النابغة الذبياني لا الأعشى، فقد رُويَ عن أبي عمرو بن العلاءِ قال: «كان النابغةُ الذبيانيّ تُضربُ له قُبَّةٌ من أَدَمٍ بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها، فأتاه الأعشى فأنشدهُ أَوَّل من أنشدَ، ثُمَّ أنشدهُ حسّانُ:\nلنا الجَفَناتُ الغُرًّ يلمعن بالضُّحى ... وأسيافُنا يقطرن من نجدة دَما\nولدنا بَنِى العنقاءِ وابنَىْ محرِّقٍ ... فأكرِمْ بنا خَالًا وأكرمْ بِنَا ابنَمَا\nقال النابغةُ: أنت شاعرٌ، ولكنَّك أَقلَلْتَ جِفَانَكَ وسُيوفَك، وفَخَرتَ بِمَن ولدتَ ولم تفخرْ بِمَن وَلَدك» (٢). وهذه القصة يذكرها كثير من المفسرين والنقاد على أنها من أوائل النظرات النقدية للشعر عند العرب، وقد رَدَّ هذه النقدات التي ذكرها النابغة عدد من العلماء، منهم ابنُ الأثير فقد ذكر كلامًا طويلًا في تصويب قول حسان (٣)، وأشار ابن أبي الإصبع (٤) إلى أَنَّ «النابغةَ إِنَّما عاب على حسانَ تركَ المبالغة، والقصةُ مشهورة، والصوابُ مع حسان، وإِنْ رُويَ عنهُ انقطاعهُ في يد النابغةِ». (٥) وأطال البغدادي في شرح هذا البيت، وجمع أقوال النقاد فيه بما لا مزيد عليه، وخلاصته تصويب قول حسان ورد كلام النابغة في نقده للبيت، لأن العبرة بالجمع دون كونه كثرة أو قلة، ولأنه قد ورد وزن جموع القلة في القرآن والشعر مرادًا به الكثرة، فسقط الاعتراض (٦).\n_________\n(١) المحرر الوجيز ١٣/ ١٤٣.\n(٢) المصون في الأدب للعسكري ٣.\n(٣) انظر: المثل السائر ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(٤) هو زكي الدين عبدالعظيم بن عبدالواحد بن ظافر المصري، (٥٨٥ - ٦٥٤ هـ)، اشتغل بالبلاغة والكتابة وبرز فيها. من كتبه تحرير التحبير، وبديع القرآن. انظر: مقدمة تحرير التحبير للمحقق ٥٠.\n(٥) تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن ١٤٨.\n(٦) انظر: خزانة الأدب ٨/ ١٠٦ - ١١٦.","vol":"1","page":520},{"text":"ويؤيدُ قولَ ابن عطية في فهمه لبيت حسان قولُ ابن الأنباري (ت ٣٢٨) في معنى بيت حسان: «فالجَفَناتُ ههنا معناها الكثرةُ؛ لأنه لم يُرِدْ أنَّ لنا جفناتٍ قليلةً، لأنه لو أراد ذلك لم يكن مبالغًا في المدح» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>رابعًا: الشرح البلاغي</span>.\nمن أنواع شروح الشاهد الشعري عند المفسرين الشرح البلاغي للشعر، وذلك إذا ورد في سياق بيان بلاغة الآيات المفسرة، وتضمنها لصورة بلاغية. فيأتي المفسر بشواهد من الشعر تؤيد ما ذهب إليه في تفسير الآية، ويشرحها شرحًا يوضح بلاغتها.\nوقد تعرض المفسرون لكثير من الفنون البلاغية في شروحهم للشواهد الشعرية كالاستعارة والتشبيه والكناية ونحوها مما هو مشروح في كتب البلاغة. وقد تفاوت المفسرون في هذا الجانب، فالطبري قد ورد في تفسيره كثير من الشروح البلاغية، غير أنه في التعبير عن الفنون البلاغية لم يلتزم بتسميتها بمسمياتها التي استقر عليها الاصطلاح بعده لتقدمه، وأما الزمخشري فقد غلبت شواهد البلاغة في تفسيره على غيرها لعنايته بالبلاغة في تفسيره، وابن عطية له عناية بذلك مع إقلاله منها، وأما القرطبي فقد نقل معظم شواهد البلاغة وشرح الكثير منها بمثل ما شرحه المتقدمون من أهل التفسير والبلاغة على حد سواء. وفيما يلي بعض الأمثلة التي تدل على ما تقدمت الإشارة إليه.\n١ - من الأمثلة ما أورده الطبري من الشواهد عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] (٢) حيث فسرها أولًا بقوله: «يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط، أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته». (٣) ثم ذكر\n_________\n(١) المذكر والمؤنث ١/ ٢٠٣.\n(٢) البقرة ٧٤.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٣٩.","vol":"1","page":521},{"text":"قول من ذهب إلى أن الهبوط في الآية ليس على حقيقته، وإنما هو ضَرْبٌ من المَجاز، فقال: «وقال آخرون: يهبط من خشية الله كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (١) ولا إِرادةَ له. قالوا: وإنما أريد بذلك أَنَّه مِن عِظَمِ أمر الله، يُرَى كأَنَّهُ هابطٌ خاشعٌ من ذُلِّ خشية الله، كما قال زيد الخيل:\nبِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حجراتهِ ... ترى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوافرِ (٢)\nوكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوًا له:\nساجدَ المِنْخَرِ لا يرفعهُ ... خاشعَ الطَّرْفِ أَصمَّ المُستَمَعْ (٣)\nيريد أنه ذليل، وكما قال جرير بن عطية:\nلَمَّا أَتَى خَبَرُ الرسولِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ (٤)» (٥).\nثم يعرض رأي بعض المفسرين الذين حَملوا الآيةَ على المَجازِ العقليِّ، فيقول: «وقال آخرون: معنى قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل:: ناقة تاجرة، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها كما قال جرير بن عطية:\nوأَعورُ مِنْ نبهانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فأَعمى وأَمَّا لَيلهُ فَبَصيرُ (٦)\nفجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه من أجل أَنَّه فيه كانَ ما وصفه به» (٧). ثم يعقب الطبري على هذه\n_________\n(١) الكهف ٧٧.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) المفضليات ٢٠١.\n(٤) رواية الديوان:\nلَمَّا أتى خَبَرُ الزُّبَيرِ تَواضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ\nانظر: ديوانه ٢/ ٩١٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٤٢.\n(٦) أي هو أعور بالنهار عن الخيرات، بصير بالليل بالسوءات. انظر: ديوانه ٢/ ٨٧٧.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":522},{"text":"الأقوال فيقول: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مِمَّا تَحتمله الآية من التأويل، فإِنَّ تأويل أهل التأويل من علماء السلف بِخلافها، فلم نستجز صرفَ تأويل الآية إلى معنى منها» (١).\nفالطبري لا يستبعد التفسير الذي حُمِلَت عليه الآية من المَجاز، لكنه لا يرى القول به لمخالفته لقول السلف، وقد نقل شواهد الشعر التي استدل بها المفسرون وشرح بعضها شرحًا موجزًا.\n٢ - ومن الأمثلة على شرح المفسرين للشواهد الشعرية شرحًا بلاغيًا ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٢) حيث أشار إلى أنَّ «العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلًا، بالقابض على الماء، قال بعضهم (٣):\nفإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ ... كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه (٤)\nيعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده» (٥). وهذا أحد أنواع التشبيه.\n٣ - ومن الأمثلة ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٦) حيث قال: «وهذا مثل، يقال للرجل إذا كان مقبلًا عليه ما يحبه ويسر به: الريح مقبلة عليه، يعني بذلك ما يحبه، ومن ذلك قول عَبِيْدِ بنِ الأبرص:\nكمَا حَمَيناكَ يومَ النَّعْفِ مِن شَطِبٍ ... والفضلُ للقوم مِن ريحٍ ومن عددِ (٧)\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٤٣.\n(٢) الرعد ١٤.\n(٣) هو ضابئ بن الحارث البرجمي.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٣٢٧، خزانة الأدب ٩/ ٣٢٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٣٩٩.\n(٦) الأنفال ٤٦.\n(٧) النَّعْف: أسفل الجبل، شَطِبْ: جبل في ديار بني أسد، ضبطت طاؤه بالفتح والكسر. انظر: ديوانه ٥٩.","vol":"1","page":523},{"text":"يعني من البأس والكثرة» (١).\nوقد ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهب الطبري مع الاختلاف في التعبير، فقال الزمخشري: «الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها» (٢). وقال ابن عطية: «والجمهور على أن الريح هنا مستعارة، والمراد بها النصر والقوة» (٣).\nوهذا يعود إلى عدم استقرار مصطلحات البلاغة على عهد الطبري فسمى الاستعارة مَثَلًا، بخلافها عند المتأخرين.\nومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] (٤): «والسَّلَمُ هو الاستسلام، وإنما هذا مَثَلٌ، كما يقول الرجلُ للرجلِ: أعطيتُكَ قِيادي، وألقيتُ إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره، وكذلك قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ إنما هو ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحًا منهم لكم وسلمًا، ومن السَّلَمِ قولُ الطرمَّاحِ:\nوذاكَ أَنَّ تَميمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... للأُسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وعثةِ اللَّبدِ (٥)\nيعني بقوله: سَلَمًا، استسلامًا» (٦).\n٤ - ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:\nعَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (٧)\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٥٧٥ - ٥٧٦.\n(٢) الكشاف ٢/ ١٦٢.\n(٣) المحرر الوجيز ٨/ ٨٣.\n(٤) النساء ٩٠.\n(٥) رواية الديوان: للأَزْدِ كُلَّ كَعابٍ وعثةِ اللِّبَدِ، والكعاب: الفتاة التي كعب ثديها، ووعثة اللبد: لينة كثيرة اللحم، واللبد: جمع لِبْدة وهي باطن الفخذ. انظر: ديوانه ١٢٣ ولم أر محقق الديوان قد التفت إلى رواية الطبري لمثل هذا البيت، حيث كان الطبري من المتفردين بحفظ شعر الطرماح وشرحه.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ٩/ ٢٣ - ٢٤.\n(٧) قال أبو عبيدة: أي تَفْسِيرُ حُبها أنه كان صغيرًا في قَلْبِه، فلم يَزَلْ يَثْبُتُ حتّى صار كبيرًا، كهذا السَّقْبِ الصَّغيرِ - وهو ولد الناقة، لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى صار كبيرًا مثلَ أُمِّه، وصار له وَلَدٌ يَصْحَبُهُ. انظر: ديوانه ١٦٣، مجاز القرآن ١/ ٨٧، الصاحبي ٣١٥، تهذيب اللغة ١٥/ ٤٦٠.","vol":"1","page":524},{"text":"وأصله من آَلَ الشيءُ إلى كذا إذا صَار إليه ورجعَ، يَؤُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أنا صَيَّرْتُه إليه ... ويعني بقوله: تأَوُّلُ حُبِّهَا: تَفسيرُ حُبِّها ومرجِعِه. وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرًا في قلبه، فآل من الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يزل ينبت حتى أَصْحَبَ، فصار قديمًا، كالسَّقْبِ الصَّغيرِ الذي لم يزل يَشِبُّ حتى أَصحبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّهِ. وقد يُنشد هذا البيتُ:\nعلى أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها ... تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>التأثير المتبادل بين المفسرين وشراح الشعر:</span>\nحرصًا على الحجة والدليل اللغوي، فإن المفسرين قد عنوا بالشعر كما تكرر في أكثر من موضع في هذا البحث، ومثلهم شراح الشعر، فقد كانوا من حرصهم على الحجة والدليل يستشهدون في شرحهم للشعر وبيانهم لمعانيه بالقرآن الكريم في كل لفظة أو تركيب يكون له في القرآن الكريم شاهد، ولو رجعت إلى فهارس شروح الشعر كشرح المفضليات والحماسة ونحوها لوجدت عددًا كبيرًا من الآيات ساقها شراح الشعر للاستشهاد على تفسيرهم للشعر، وهذا كله من الحرص على الحجة والدليل. ولذلك فإن هناك تأثيرًا متبادلًا بين المفسرين وشراح الشعر في المادة والمنهج، وإن كان لكل منهما غايته، مع أن شراح الشعر قد أشاروا في مقدمات شروحهم إلى أنهم لم يتكلفوا شرح الشعر إلا بغية الاستعانة به في فهم كتاب الله ومعانيه (٢)، وسأضرب لذلك مثالًا.\nاستشهد المفسرون عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] (٣) بقول زهير:\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٢) انظر: مقدمة جمهرة أشعار العرب للقرشي.\n(٣) الفرقان ٦٢.","vol":"1","page":525},{"text":"بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً ... وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ\nفاستشهد به أبو عبيدة ولم يشرحه (١)، واستشهد به ابن قتيبة فقال في شرحه: «الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي إذا ذهب فوج الوحش جاء فوج» (٢).\nواستشهد به الطبري فقال في شرحه: «يعني بقوله: يَمشينَ خِلْفةً: تذهب منها طائفةٌ، وتَخلُفُ مكانَها طائفةٌ أخرى، وقد يُحتملُ أنْ يكون زُهير أراد بقوله: خِلفةً، مختلفاتِ الألوان، وأَنَّها ضروبٌ في أَلوانِها وهيئاتِها، ويُحتملُ أن يكون أرادَ أنَّها تذهب في مَشيها كذا، وتَجيءُ كذا» (٣).\nوأما شراح الشعر، فقال ثعلب في شرح هذا البيت: «وقوله: خلفة إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]، والخلفة: اختلاف الألوان، والخلفة: أن ينبت الرطب في أصل اليابس» (٤).\nوقال ابن الأنباري في شرح البيت: «قال يعقوب في قوله: خلفة: معناه إذا مضى فوج جاء فوج آخر، واصله إذا ذهب شيء خلفه مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش. قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة الليل صلاها بالنهار .... وحكى يعقوب عن بعض أهل اللغة أنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه، وقال أبو جعفر: معناه في أمن وخصب» (٥).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٨٠.\n(٢) غريب القرآن ٣١٤ - ٣١٥.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٧/ ٤٨٨.\n(٤) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى ٦.\n(٥) شرح القصائد السبع الطوال ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"1","page":526},{"text":"وقال أبو جعفر النحاس: «ومعنى خلفة: فوج بعد فوج، هذا قول الأصمعي، وقال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، وقال غير الأصمعي: معنى خلفة: أن هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة، وهذه نازلة، وخلفة: في موضع الحال بمعنى مختلفات» (١). وبِمثل ذلك شرحها التبريزي (٢).\nفالذين شرحوا البيت من المفسرين ومن شراح الشعر كانوا يأخذون عن بعضهم، وكُلُّهم يعول على الأصمعي وطبقته كما صرح النحاس. والطبري مُتأثرٌ بِمَا شرح به ثعلبُ اللفظةُ لأنه شيخه الذي أخذ عنه الشعرَ، ومثله ابن الأنباري. فالمفسرون يستشهدون ببيت زهير، وشراح بيت زهير يستشهدون بالآية الكريمة، فكلهم يدور في ميدان واحد، ويبحثون في حقل متقارب لخدمة القرآن والتفسير واللغة. ولو تصفحت صنيع شراح الشعر لوجدت مصداق ذلك (٣).\n_________\n(١) شرح القصائد المشهورات للنحاس ١٠٠.\n(٢) انظر: شرح القصائد العشر ١٥٢.\n(٣) انظر: شرح أبي عبيدة وغيره لديوان المتلمس ١٨١ - ١٨٢، شرح ابن السكيت لديوان الحطيئة ٣٠، ٢٤٥، ٢٥٣، شرح الحماسة للتبريزي ١/ ٣٧٦، ٤/ ٢١٤.","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري</span>.\nالتوثيقُ مصدرٌ للفعل وَثَّقَ بالتشديد، يقال: وثّقَه توْثيقًا فهو موَثَّقٌ: أحْكَمَه وإنه لموثَّق الخلْقِ، أي: مُحْكَمُه. ويقال: وَثِق به ثقةً، أي: ائْتَمَنَه (١). وأصل مادة «وَثِقَ» يدل على العَقْدِ والإِحكامِ (٢).\nوالمراد بتوثيق الشاهدِ إحكامُ نسبتهِ، سواءً كانت هذه النسبةُ لقائلهِ، أو قَبيلتهِ أو راويهِ، أو من أنشده من المتقدمين، وتوثيقُ الشاهد لدى المعاصرينَ إِحكامُ ورودهِ عندَ المُتقدمين منسوبًا لشاعر أو قبيلة (٣).\nوقد عُنِي المتقدمون من المفسرين وعلماء اللغة بنسبة الشعر إلى قائليه عند الاستشهاد به على مسائل اللغة والتفسير؛ إذ البيت المجهول القائل تضعف مرتبته عن المنسوب إلى قائله، ومع هذا لا تخلو كتب اللغة والتفسير من الأبيات المجهولة القائل، وقد وقع كثير من المؤلفين في الوهم في نسبة الشواهد الشعرية، فنسبوها لغير قائليها، وممن رأيته شدد في ذلك الإمام الصَّغاني حيث أشار إلى وهم كبار علماء أهل اللغة في نسبة شواهد الشعر فقال عن الأزهري: «وهذا أبو منصور الأزهري شيخ عهده وزمانه، وإمام عصره وأوانه، والمشار إليه في كثرة النُّقَلِ، والمضروب إليه أكباد الإبل، أنشد في «كلل» (٤) للعجاج:\nحتى يَحُلُّونَ الرُّبى كلالا (٥)\n_________\n(١) انظر: تاج العروس (وثق).\n(٢) انظر: مقاييس اللغة ٦/ ٨٥.\n(٣) انظر: المعجم الوسيط ١٠١١ - ١٠١٢.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة ٩/ ٤٥١.\n(٥) انظر: ديوانه ١٢٢.","vol":"1","page":528},{"text":"وهو لرؤبة لا للعجاج، والرواية «قومًا يَحلون»، وأنشد في «رك ض» لرؤبة:\nوالنسرُ قد يركضُ وهو هافِ (١)\nوهو للعجاج لا لرؤبة.\nوأنشد في «ك د س» (٢) لعبيد:\nوخيلٍ تكدَّسُ بالدَّراعين ... كمَشي الوُعولِ على الظاهرَة (٣)\nوهو لمهلهل لا لعبيد» (٤).\nوأخذ على الجوهري وهمه في نسبة شاهد من الشعر لابن مقبل أوقعه في الخطأ في تقرير المادة اللغوية فقال: «وأما أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، الذي تخر له جباه أهل الفضل، وحكم له بحيازة السبق والنصل، فإنه قال في تركيب (س ع ب) (٥)، قال ابن مقبل:\nيعلونَ بالمردقوشِ الوردِ ضاحيةً ... على سَعابيبِ ماءِ الضالةِ اللَّجزِ\nثم قال: «أرادَ اللِّزِج فَقَلَبَه». وذكر في فصل اللام من باب الزاي: اللَّجِز قَلْب اللِّزج، وأنشد البيت (٦). فلو كان هذا المقبل اطلع على ديوان شعر ابن مقبل لعلم أنه ليست له قصيدة زائية وأنها نونية، وأول القصيدة:\nقد فرَّقَ الدهرُ بين الحيِّ بالظَّعَنِ ... وبينَ أهواءِ شرْبٍ يومَ ذي يَقنِ (٧)\nوقبل البيت الذي ذكره:\nيثنينَ أعناقَ أُدْمٍ يَختلينَ بِها ... حَبَّ الأَراكِ وحَبَّ الضَّالِ مِنْ دَنَنِ\nيعلون ...\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ١٠/ ٣٩.\n(٢) انظر: نهذيب اللغة ١٠/ ٤٦.\n(٣) البيت لمهلهل، انظر: ديوانه ٣٧.\n(٤) العباب الزاخر واللباب الفاخر ٣٤.\n(٥) انظر: الصحاح ١/ ١٤٧.\n(٦) انظر: الصحاح ٢/ ٨٩١.\n(٧) ديوان ابن مقبل ٣٠١.","vol":"1","page":529},{"text":"فقد أخطأ في اللغة حيث قال: اللجز، وفي الإنشاد حيث جعل القافية النونية زائية». (١) ثم ذكر ما وهم في نسبته ابن السكيت في «إصلاح المنطق»، وأحمد بن فارس في كتابيه «المُجمل» و«الصاحبي».\nوقد اتبع المفسرون في نسبة الشاهد الشعري طرقًا متعددة، تهدف إلى التوثق من صحته، وصحة الاحتجاج به، وحتى لا يدخل الخلل في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير فقد نص المفسرون على شروط لا بد من توافرها في شواهد التفسير، حتى تكون محل ثقةٍ وقبول، وسُأبَيّنُ في هذا المبحثِ تلك الشروطَ، ثم أبين بعد ذلك المنهج الذي اتبعه المفسرون في توثيق الشاهد الشعري، موردًا على كل ذلك أمثلة متعددة من كتب التفسير مع إيثار الاختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>شروط قبول الشاهد الشعري:</span>\nتقدم في مبحث «الشاهد الشعري المحتج به» (٢) ذكرُ الشروط التي وضعها العلماء الذين جمعوا لغة العرب، وتبين أن المفسرين قد التزموا بهذه الشروط في كتب التفسير، ولم يخرجوا عنها خروجًا ظاهرًا يستحق أن يفرد بالدراسة والبحث، وذكرت هناك ما صنعه الزمخشري من خروجه على هذا المنهج في مواضع قليلة جدًا ومخالفة العلماء له وردهم عليه في الاستشهاد بأشعار المحدثين من الشعراء.\nغير أن المفسرين في كتب التفسير أشاروا في بعض المواضع إلى شروط خاصة يجب أن يتصف بها الشاهد الشعري المحتج به في تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه. وسأشير هنا إلى هذه الشروط مع ذكر من قال بها من المفسرين، وبيان أثر كُلِّ شرطٍ على الاستشهاد بالشعر، وهذه الشروط هي:\n_________\n(١) العباب الزاخر ٣٦.\n(٢) انظر: مبحث الشاهد الشعري المحتج به ص ٨٢ من هذا البحث.","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>١ - أن يكون القائل مِمَّن يُحتج بشعره</span>.\nوهؤلاء هم شعراء الجاهلية والمخضرمون الذين أدركوا الإسلام، وشعراء الإسلام كجرير والفرزدق، والوقوف حيث وقف العلماء عند آخر من يُحتجُّ به من الشعراء وهو إبراهيم بن هرمة القرشي المتوفى سنة ١٤٥ هـ. على قول أكثر العلماء. ولا يحتجُّ بِمَن بعدهم من الشعراء المولَّدين كما تقدم تفصيل ذلك، وإن خالف في ذلك الزمخشري وغيره. وهذا من أهم شروط قبول الشاهد، فإذا ثبتت نسبته لشاعر يحتج بشعره، اطمأن المفسرون إليه، واعتمدوه في التفسير. وقد طبق المفسرون هذا الشرط في شواهدهم اللغوية والنحوية، ولم يستشهدوا بشاهد من الشعر على سبيل الاستقلال لغير من ينطبق عليه هذا الشرط، إلا الزمخشري كما تقدم في مسألة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٢ - شهرة الشاهد وذيوعه بين العلماء</span>.\nبأن يكون من الشواهد المعروفة عند أهل العلم بالشعر، ولذلك نص العلماء على أنهم لا يعتمدون إلا على شواهد أشعار العرب المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتج بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها (١)، ولذلك فلا يُحتجُّ بالشاهدِ الشاذِّ الذي انفردَ به من لا يوثق بنقله. وقد كان أهل العلم يشترطون صحة الشواهد، في أقل من تفسير القرآن كمعرفة أحوال العرب قبل الإسلام ونحو ذلك، ولذلك عندما اختلف الجاحظ مع أحدهم حول بيت من الشعر لم يعرف قائله يثبت ما ينفيه الجاحظ من بعض عادات العرب فقال الجاحظ: «فإن اتَّهمت خَبَرَ أبي إسحاق - بأن البيت مصنوع - فسَمِّ الشاعرَ، وهات القصيدة؛ فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح الجوهر، من قصيدة صحيحة، لشاعر معروف، وإلا فإنَّ كلَّ مَن يقول الشعرَ يستطيعُ أن يقولَ خَمسينَ بيتًا، كُلُّ\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٦.","vol":"1","page":531},{"text":"بيتٍ منها أجودُ من هذا البيت». (١)\n- وقد رد المفسرون شواهد من هذا القبيل لعدم معرفة العلماء لها، ومن ذلك قول الشاعر:\nنأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا (٢)\nفقد استدل به من يقول: إن معنى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] (٣)، أي: لما رأينَهُ حِضْنَ، غير أن المفسرين ردوا هذا الاستدلال، وطعنوا في الشاهد الشعري، قال الطبري: «وقد زعم بعضُ الرواة أن بعض الناس أنشده في أَكْبَرنَ بِمعنى حِضْنَ بيتًا لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروف عند الرواة وذلك:\nنأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا\nوزعم أَنَّ معناهُ: إذا حِضْنَ» (٤). كما رده أيضًا ابن عطية وقال فيه: «والبيت\nمصنوع مختلق، كذلك قال الطبري وغيره من المحققين». (٥) كما ردَّهُ أَهلُ الشِّعرِ والأَدبِ (٦). وإن كان الزمخشري قد حكى هذا القول، ولم يرده. (٧)\nوقد سبق أن ردَّ هذا التفسير أبو عبيدة مع سعة معرفته بشعر العرب فقال: «﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَجْلَلْنَهُ وأَعْظَمنَهُ، ومن زعم أَنَّ ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حِضْنَ، فمن أينَ؟ وإنَّما وَقَعَ عليه الفعلُ ذلك لو قالَ: أَكْبَرْنَ، وليس في كلام العرب أكبرن: حِضْن». (٨) وقال ابن منظور عن هذا التفسير: «وهذا\n_________\n(١) الحيوان ٦/ ٢٧٨.\n(٢) لم أعثر على قائله.\n(٣) يوسف ٣١.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٧٦ - ٧٧.\n(٥) المحرر الوجيز ٩/ ٢٩٠.\n(٦) قال الحاتِمي في رَدِّهِ على المتنبي تفسيْرَه لمعنى ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] بأَنَّهُ بِمعنى: حِضْنَ استحسانًا له: «لم يقلْ هذا أَحَدٌ مِن مُحصِّلي أَهلِ العلم، ولا شَهِدَ به ثقةٌ، وإِنَّما رُوي بيتٌ شاذٌّ لم يُنسَب إلى أَحدٍ ... ثم ذكر البيت». الرسالة الموضحة ١٣.\n(٧) انظر: الكشاف ٢/ ٤٦٥.\n(٨) مجاز القرآن ١/ ٣٠٩.","vol":"1","page":532},{"text":"القول ليس بمعروف في اللغة» (١).\nوقد حاول الأزهري توجيه هذا التفسير، فقال: «وأما قول الله جل وعز: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] فأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. وروى عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة ... قلتُ: وإن صحت هذه اللفظةُ بِمعنى الحيض فلها مَخرجٌ حَسَنٌ، وذلك أن المرأة إذا حاضت أولَ ما تحيضُ فقد خرجت من حدِّ الصِّغر إلى حد الكبر. فقيل لها: أَكبَرتْ أي حاضت فدخلت في حدِّ الكبر الموجب عليها الأمر والنهي ... إلا أن هاء الكناية في قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ينفي هذا المعنى، فالصحيحُ أَنَّهُنَّ لَمَّا رأينَ يوسفَ راعهنَّ جَمالُه فأَعظمنَهُ» (٢).\n- وردَّ الطبريُّ قولَ الشاعرِ (٣):\nفَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ (٤)\nوقال فيه في معرض تضعيفه لقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (٥) بضم الزاي من (زُيِّنَ)، ورفع (قَتْلُ)، ونصب (أولادَهُم) وخفض (شُركاءِهِم)، وهي قراءة ابن عامر من السبعة (٦)، قال: «ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه الاسم، وذلك في كلام العرب غيرُ\n_________\n(١) لسان العرب ١٢/ ١٣ (كبر).\n(٢) تهذيب اللغة ١٠/ ٢١١ - ٢١٢.\n(٣) نُسِبَ لأحدِ المولَّدين من شعراء المدينة. انظر: خزانة الأدب ٤/ ٤١٥.\n(٤) زَجَّهُ: طَعَنَهُ، والمِزَجَّةُ: الرمحُ القَصيرُ، القَلوصُ: النَّاقةُ الفَتيَّةُ. انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٨، ٢/ ٨١، معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٦٩، الخصائص ٢/ ٤٠٦، شرح التسهيل لابن مالك ٣/ ٢٧٨، الإنصاف ٣٤٧، الإفصاح للفارقي ١١٦، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ٢/ ٦٠٥، الكشاف ٢/ ٧٠، البحر المحيط ٤/ ٢٢٩، ارتشاف الضرب ٥/ ٢٤٢٩، خزانة الأدب ٤/ ٤١٥.\n(٥) الأنعام ١٣٧.\n(٦) انظر: النشر ٢/ ٢٣٦ - ٢٦٤ وفيه بيان مفصل وانتصر فيه لابن عامر، وتقدمت هذه المسألة ص ١١٨.","vol":"1","page":533},{"text":"فصيحٍ، وقد روي عن أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، ورأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه، وذلك قول قائلهم ...». (١) ثم ذكره. ورد الطبري للشاهد الشعري لعدم معرفة أهل العلم به، جاء هنا تبعًا لتضعيف القراءة، وقد رد العلماء مسلك الطبري هذا في رد القراءة، والشاهدُ هنا رَدُّهُ الشاهدَ لا ردهُ القراءةَ.\nولذلك أكَّدَ المفسرون على أن القرآن الكريم لا يُحملُ على شواذ الشواهد الشعرية، وأشار الطبري في غير موضعٍ من تفسيره إلى أن: «كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف». (٢) كما بين أبو حيان أن كتاب الله: «ينبغي أن يُحملَ على أَحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ؛ إذ كلام الله تعالى أفصحُ الكلامِ، فلا يَجوزُ فيه ما يُجوِّزهُ النحاةُ في شعر الشمَّاخِ والطرمَّاحِ وغيرهما من سُلوكِ التقادير البعيدةِ، والمَجازاتِ المعقَّدةِ». (٣)\nولذلك كان من شروط قبول الشاهد الشعري في التفسير أن يكون شائعًا ذائعًا، قال الطوسي: «ومتى كان التأويلُ يَحتاجُ إلى شاهدٍ من اللغة فلا يُقبلُ من الشاهد إلا ما كان معلومًا بين أهلِ اللغةِ، شائعًا بينهم، وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والألفاظ النادرة، فإنه لا يُقطعُ بذلك، ولا يُجعلُ شاهدًا على كتاب الله». (٤)\nوقد طبَّقَ المفسرونَ هذا الشرطَ في شواهدهم، فلا تكاد تظفر بشاهدٍ شاذٍّ في اللغة والنحو قَبِلَه المفسرون واعتمدوا عليه، وإن وجدته\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣١١.\n(٣) البحر المحيط ١/ ٣.\n(٤) التبيان في تفسير القرآن ١/ ٧.","vol":"1","page":534},{"text":"وجدت معه رده ونقده، واستبعاد المفسرين له كما مر في الأمثلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٣ - ثقة رواة الشاهد الشعري:</span>\nومن شروط قبول الشاهد الشعري أن يكون مَن رواه ثقةً يُعتمدُ على نقله. فقد اعتمد العلماء على شواهد من الشعر لم يعرف قائلوها، ثقة في رواتها كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه وأمثالهم ممن يوثق بروايتهم عن العرب، وقد اعتمد العلماء على أبيات سيبويه، مع إغفاله نسبة أكثرها، ثقةً بنقلهِ وأمانتهِ. ومما يدلك على ثقة الناس برواية سيبويه أن الزمخشري ذكر شاهدًا شعريًا ورد في بعض روايات كتاب سيبويه، فرده، وقال معتذرًا لسيبويه: «وما يقع في بعض نُسخِ «الكتاب» من قوله:\nفَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ\nفسيبويهِ بَريءٌ من عُهدتهِ». (١) وذلك لمكانة سيبويه وثقة العلماء بروايته، مع تضعيف القول بما دل عليه هذا الشاهد، فمال الزمخشري إلى تبرئة سيبويه من عهدة هذا الشاهد لثقته به، وقال السِّيْرافي عن هذا الشاهد: «لم يُثبتهُ أَحَدٌ من أهلِ الروايةِ، وهُو من زياداتِ أبي الحسن الأخفش في حواشي كتاب سيبويه، فأدخلهُ بعضُ النُّساخِ في بعض النُّسَخِ، حتى شرحه الأعلمُ وابنُ خَلَفٍ في جُملةِ أبياته» (٢).\nاعتماد رواية الثقة:\nوالمفسرون قد اعتمدوا على أبيات كثيرة مجهولة القائل، إلا أن رواتها الذين رووها عن العرب من العلماء الثقات، فقبلها المفسرون لثقتهم في رواتها، وكتب التفسير مليئة بالشواهد المجهولة القائل التي لم\n_________\n(١) المفصل ١٢٥.\n(٢) شرح كتاب سيبويه ٢/ ٢١٩، ضرورة الشعر لابن السيرافي ١٨٠، خزانة الأدب ٤/ ٤١٦ وما بعدها.","vol":"1","page":535},{"text":"يعرف قائلوها، وكثير من الشواهد النحوية التي لم يعرف قائلوها في كتب التفسير من الأبيات التي ذكرها سيبويه في كتابه، أو ذكرها الفراء في معانيه، وتلقَّاها العلماءُ بالقبولِ من عهدِ سيبويهِ حتى اليوم، ولم يطعنوا في الكتاب بسببها. وأَمَّا الشواهد اللغويَّةُ فهي مِمَّا رواه أبو عُبيدةَ أو الكسائيُّ أو الأصمعيُّ من الرواة الثقات الذين رويت عنهم أشعار العرب.\nومن أمثلة هذه الشواهد التي رواها الثقات في كتب التفسير مع الاختلاف في القائل، قول الشاعر:\nوَلستَ لإِنسيِّ ولكنْ لَمَلأَكٍ تَنَزَّلُ من جَوِّ السماءِ تَصُوبُ (١)\nفقد استشهد به الطبريُّ، والزمخشريُّ، وابنُ عطية، والقرطبيُّ (٢) اعتمادًا على رواية الثقات له كسيبويه (٣)، وأبي عبيدة (٤)، وابن السكيت. (٥) وأمثلة الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير كثيرة كما سيتضح في هذا المبحث، غير أن رواية الثقات لها جعلت المفسرين وغيرهم يعتمدون عليها، ويستشهدون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٤ - ألا يَحتملَ الشاهدُ التأويلَ:</span>\nوذلك بأن تكون دلالته على المراد صريحة، ولا يمكن تأويله بوجه\n_________\n(١) نسبه ابنُ بري لرجلٍ من عبد القيس، أو لأبي وجزة، أو لعلقمة بن عبدة كما في اللسان (صوب) ٧/ ٤٣٣.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٣٣٣، الكشاف ٣/ ٣٠، المحرر الوجيز ١/ ١٠١، ١١٦، الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٨٣.\n(٣) أنشده دون عزو في الكتاب ٤/ ٣٨.\n(٤) نسبه أبو عبيدة لرجل جاهلي من بني عبدالقيس يمدح بعض الملوك، ولعل هذا هو الأرجح لأن أبا عبيدة أنشد قبله بيتين لعلقمة بن عبدة على وزن هذا البيت وقافيته فهو يعرف بيت علقمة وهذا ليس له وربما وقع الوهم في النسبة عند ابن بري من هذا التقارب بين البيتين. انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٣.\n(٥) انظر: إصلاح المنطق ٨٢، الاشتقاق ٢٦.","vol":"1","page":536},{"text":"يبعده عن الاستشهاد في المسألة التي أورد شاهدًا لها، وقد رد المفسرون شواهد متعددة، ووصفوها بأنها ليست حجة على المراد؛ لإمكان تأويلها تأويلًا يسقط الاحتجاج بها على هذا الوجه أو ذاك. ومن أكثر المفسرين الذين ردوا الشواهد بهذه الحجة ابن عطية في تفسيره.\nومن أمثلة ذلك قول ابن عطية وهو يشرح معاني الدين في اللغة: «ومن أنحاء اللفظة الدين: الداء، عن اللحياني، وأنشد:\nما دِينُ قلبكَ مِن سَلمى وقَدْ دِينا (١)\nقال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني». (٢)\nومن الأمثلة قوله أيضًا عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٣): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعضُ الناسِ: هي الخَمْرُ، واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:\nشَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (٤)\nقال القاضي أبو مُحمدٍ ﵀: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعةً من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ\n_________\n(١) لم أعثر عليه.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ٧٤ - ٧٥.\n(٣) الأعراف ٣٣.\n(٤) صدر بيت مجهول، وعجزه: «كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقولِ».\nوهو بلا نسبة في تهذيب اللغة ١٥/ ١٦١، ولسان العرب ١/ ٧٥، نهاية الأرب للنويري ٤/ ١١٣.","vol":"1","page":537},{"text":"مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ». (١)\nفابن عطية يرد هذا الشاهد، ويرى مع التسليم بصحته أنه ينبغي تأويله على وجه آخر غير الوجه الذي استُشهِدَ به عليه.\nومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية وهو يستدل على أَنَّ الوصفَ بـ «أُخرَى» يُقالُ في المرة الثالثةِ أيضًا، وليس في الثانية فحسب، ثم أورد شاهدًا لا يدل على قوله هذا، فبحث له عن تخريج بقوله: «وأَمَّا قولُ الشاعر (٢):\nجَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ ... نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (٣)\nفيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (٤)\nفقد رده ابن عطية أيضًا لاحتمال دلالته على غير المعنى المستشهد عليه به، وهناك أمثلة أخرى على مثل هذا عند ابن عطية. (٥)\nومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١] (٦): «وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ قال أبو عبيدة وقومٌ: معناه يخافون (٧)، والشاهد لذلك قول الهذلي (٨):\nإذا لَسَعَتْهُ النَّحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وخَالفَها في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (٩)\nقال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابهِ؛ لأَنَّ خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدًا برجائه، فإذا نفي\n_________\n(١) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(٢) هو عبيد بن الأبرص.\n(٣) رواية الديوان: «جَعَلَتْ لَها عُودَينِ». النَّشَمِ والثُّمَام: شجر. انظر: ديوانه ١٢٦.\n(٤) المحرر الوجيز ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز ١/ ٨٧، ٤/ ١٩٤، ٦/ ٧٨، ١١/ ٥٨.\n(٦) الفرقان ٢١.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٧٥، ٢/ ٧٣، تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٢٦.\n(٨) هو أبو ذؤيب الهذلي.\n(٩) الشاهد من شواهد المفسرين المشهورة، وهو في وصفِ رجل حاذق يتدلى إلى عسلٍ محفوظٍ في مَكمنهِ في حال غيابِ النَّحلِ العاملات عنه، ولا يخشى لَسْعَ النحلِ، لنفاسةِ العسلِ، ولذتهِ. انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٤٣.","vol":"1","page":538},{"text":"الرجاء عن أحدٍ فإنّما أخبر عنه أنه مكذِّبٌ بالبعث لنفي الخوف والرجاء ... وأما بيتُ الشعرِ المذكورِ فمعناهُ عندي: لم يَرْجُ دَفعَها ولا الانفكاكَ عنها، فهو لذلكَ يوطَّنُ على الصَّبْرِ، ويَجدُّ في شُغلهِ». (١)\nواعتراضُ ابنِ عطية على شرح الشاهدِ قد يكون له وجهٌ، مع مخالفته لشرح الشراح، فقد شرحه أبو عبيدة كما نقل بغير ذلك، وشرحه السكري فقال: «لم يَرْجُ لسعَها: لم يَخَفْ، ولم يُبَالِها». (٢) ويقوي ما فهمه ابن عطية معنى البيت الذي بعده وهو قوله:\nفَحَطَّ عليهَا والضُّلوعُ كأَنَّها ... من الخَوفِ أَمثالُ السِّهامِ النَّوَاصلِ\nففيه دلالة إلى أنَّ الخوف قد تَملَّك هذا الرجل، وأن البيت الذي قبله ليس نفيًا للخوف، وإنما نفي للرجاء مع بقاء الخوف، وقد يكون نفي الخوف في الأول من اللسع، وإثبات الخوف في الثاني من السقوط. (٣) ومعظم شراح البيت والمفسرين ذكروا أن الرجاء في البيت بِمعنى الخوف. (٤) والرجاء عند هذيل فيه خوف وخشية، بخلافه عند غيرهم ففيه اطمئنان، ولذلك فسروا الآيات التي وردت في الرجاء بمعنى الخوف (٥)، وبعض اللغويين يجعل هذه لغة هذيل وحدها (٦)، وبعضهم يجعلها لغة تهامية، ونسبت لخزاعة وغيرها (٧)، وبعضهم يذهب إلى أن الرجاء يكون بمعنى الخوف عند هذيل في حال النفي فحسب (٨)، ولعل\n_________\n(١) المحرر الوجيز ١٢/ ١٦، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣١١.\n(٢) شرح أشعار الهذليين ١/ ١٤٤، الكشاف ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١.\n(٣) انظر: شرح أشعار الهذليين ١/ ١٤٤.\n(٤) انظر: أمالي الزجاجي ٢٠، تهذيب إصلاح المنطق ١/ ٢٠٤، المخصص ٨/ ١٧٨، تحفة المودود ٢٥٥.\n(٥) انظر: اللغات في القرآن ٤٤، البحر المحيط ٦/ ٤٩١، ٨/ ٣٤١، تفسير البيضاوي ٣/ ٢٤٨، الأضداد لابن السكيت ١٧٩.\n(٦) انظر: الإتقان للسيوطي ١/ ١٣٤.\n(٧) انظر: الأضداد لابن السكيت ٨١.\n(٨) انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٩١.","vol":"1","page":539},{"text":"الذي حملهم على ذلك أن معظم ما ورد فيه ذلك من أساليب قرآنية أو شعرية إنما هي أساليب منفية. والأمثلة في تفسير ابن عطية كثيرة على اعتراضه على شواهد المتقدمين. (١)\nهذه هي أهم الشروط التي نص المفسرون على اشتراطها، أو استنبطت من منهجهم في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير. وقد التزم المفسرون بهذه الشروط التزامًا صارمًا، وظهر ذلك جليًا في كتبهم، ومما يزيد الأمر دلالة أن أكثر المفسرين التزامًا بهذه الشروط وهو الإمام الطبري في تفسيره، فلم يستشهد إلا بالشواهد الصحيحة السائرة الموثقة، التي أجمع العلماء على الاستشهاد بها، وتجده في تاريخه يستشهد بأشعار الشعراء المُحدثين وغيرهم، ويختلف منهجه في الاستشهاد في تاريخه عنه في تفسيره لاختلاف الغرضين، وقد حفل تاريخه بعدد كبير من الشواهد الشعرية، لأبي تمام، وأبي نواس، وبشار، وغيرهم. مما يدل على أنه في تفسيره كان يسير على منهج واضح لا لبس فيه ولا غموض. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري:</span>\nيمكن تقسيم توثيق المفسرين للشاهد الشعري إلى قسمين:\nالأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية، وهي التحقق من صحة نسبته إلى من يصح الاستشهاد بشعره.\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز ٣/ ١٩٩، ٩٩، ٩/ ٢٥، ١٢/ ١٥٤، ١٢/ ١٣٥، ١٦، ١٠/ ٧٢، ١٢٠، ٢/ ١٢٢.\n(٢) بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بهم الطبري في تاريخه ٥٩٦ شاعرًا، وعدد أبيات الشعر ٥٨٥٢ بيتًا تقريبًا، عزا أكثرها لقائليها، وكثرت فيها المقطوعات الطويلة بخلاف شواهد التفسير فندر فيها المقطوعات. وأكثر أشعار تاريخه شواهد تاريخية لشعراء متأخرين عاصروا الدولة الأموية والعباسية. انظر: الطبري ومنهجه في التاريخ للدكتور علي بكر حسن ٢٢٠.","vol":"1","page":540},{"text":"والثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية، وهي التحقق من سلامته من التحريف والتصحيف، وسلامة ضبطه ومعناه، ودلالته على المعنى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية</span>.\nويكون توثيق المفسرين لرواية الشاهد بنسبته إلى قائله، أو إلى قبيلة الشاعر، أو إلى راويه من الرواة والعلماء، أو إلى الكتب المعتمدة الصحيحة. وفيما يلي دراسة هذه الأوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>١ - نسبة الشاهد لقائله</span>.\nيعد توثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها من أهم ما يعنى به المحققون المعاصرون، وفي ذلك مشقة لا يعرفها إلا من عانى ذلك، فرب بيت فرد لا يهتدي المحقق إلى قائله إلا بعد جهد جهيد، والمتأمل لكتب التفسير يجد عناية عند بعضهم بنسبة الشواهد الشعرية لقائليها، وعدم عناية عند آخرين. وحتى يكون الحكم في هذه الدراسة دقيقًا فقد أحصيتُ ما نسبه كُلُّ مفسرٍ من المفسرين لقائله من شواهده في جدولٍ بينت فيه عدد الشواهد في التفسير، وما نسبه المفسر منها دون اعتبارِ ما نسبه مَنْ حقَّقَ الكتبَ من الباحثين؛ لأن القصد معرفة جهد المفسر في متن الكتاب، وكانت على هذا النحو:\n\nم ... اسم التفسير ... عدد شواهده ... المنسوب ... غير المنسوب ... نسبة المنسوب\n١ ... تفسير الطبري ... ٢٢٦٠ ... ٩٦٢ ... ١٢٩٨ ... ٤٢.٥٧ %\n٢ ... الكشاف للزمخشري ... ٩٠١ ... ٢٦٠ ... ٦٤١ ... ٢٨.٨٦ %\n٣ ... المحرر الوجيز لابن عطية ... ١٩٨١ ... ٩٨١ ... ١٠٠٠ ... ٤٩.٥ %\n٤ ... تفسير القرطبي ... ٤٨٠٧ ... ٢٤٧٠ ... ٢٣٣٧ ... ٥١.٣٨ %\n- ويُمكنُ من خلال هذا الجدول الخروج بالنتائج التالية:\n١ - أَنَّ الطبريَّ كان له جُهدٌ ظاهر في نسبة الشواهد الشعرية","vol":"1","page":541},{"text":"لقائليها، وقد فاق في ذلك جَميعَ المفسرين؛ لِتقدُّمهِ، وسعةِ معرفتهِ بشعرِ العرب، وانتفعَ بِجُهدهِ في ذلك من أتى بعده من المفسرين، وأبرز من انتفع به ابن عطية، والقرطبي في تفسيريهما. والشواهد التي نسبها أقل من حيث العدد من الشواهد التي أغفلها، غير أن كثيرًا من الشواهد التي أغفلها يبعد أن يكون للجهل بها لشهرتها، كأبيات المعلقات، فقد أغفل كثيرًا منها، وأمثلة ذلك كثيرة. منها أن الطبري أورد قول الحارث بن عباد:\nلَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ ... وإِنِّي بِحَرِّهَا اليومَ صَالِ (١)\nولم ينسبه لقائله، وإنما اكتفى بقوله: قال الشاعر. (٢) وصنع مثل ذلك مع قول المثقب العبدي يخاطب ناقته:\nتَقولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيْنِي: ... أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيْنِي (٣)\nفقد أغفل نسبته، مع استشهاده بأبيات متفرقة من هذه القصيدة، ونسبها للمثقَّب العبدي، مِما يدل على معرفته بها. (٤) وصنع مثل ذلك بقية المفسرين، فقد أغفلوا نسبة عدد من الشواهد السائرة (٥)، التي لا يخفى أمر قائلها على أمثالهم، مما يعني أن المفسرين لم يكونوا يعنون بنسبة الشاهد لقائله إذا تأكدوا من صحة الاحتجاج به. بل إن بعض المفسرين قد يورد الشاهد في مواضع فينسبه لقائله، في حين يُبْهمهُ في غيرها. (٦)\n_________\n(١) انظر: الأصمعيات ٧١، الحماسة البصرية ١/ ٥٩ وقد استقصى المُحقق تخريجه.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٥٢٩، ٨/ ٢٩.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٧/ ٣٨٢، والبيت في ديوان المثقب ١٩٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٥، ٢٤/ ٢٩٦، ١٤/ ٣٢٤، ١٩/ ٤٠٣، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٩٣.\n(٥) انظر: الكشاف ٤/ ١٠، ٣٤، ١١١، المحرر الوجيز ١/ ٦٨، ٤/ ١٥٢، ٢١٠، ٨/ ١٥٣، ١٦٨، الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٢٠، ٧/ ١٥، ٩/ ٢١١.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٣/ ٦٤٠ - ٦٤١، ١٦/ ٤٢، ٢/ ١٨٩، ١٨/ ٤٨٠ - ٤٨١، ٢٤/ ٤٢٤.","vol":"1","page":542},{"text":"ومما يدل على أن الشواهد لم تكن مجهولة النسبة في زمنهم، اهتداء المحققين لأكثر الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير، وهم قد رجعوا فيها لكتب المتقدمين ممن عاصر أولئك المفسرين أو سبقهم.\nوالمفسرون لم يكونوا بِدْعًا في هذا، فقد ألَّفَ سيبويه كتابَهُ في النحو، فأغفل أغلبَ شواهدِهِ ولم ينسبْ منها إلا القليل كما هو مشهور عند النحويين. (١) وفعل مثل ذلك الفراء في معاني القرآن، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن كتب المعاني.\n٢ - تبين من الإحصاء أن نسبة الشواهد المنسوبة في كتب التفسير تقارب الشواهد التي أغفلت نسبتها في كتب التفسير عدا تفسير الزمخشري الذي غلب إغفال نسبة الشواهد على منهجه، مما جعل بعض العلماء يتصدى لنسبة شواهد تفسيره وشرحها.\n٣ - أن نسبة هذه الشواهد ليست كلها من جهد المفسرين، بل اعتمدوا في ذلك على علماء الرواية واللغة كأبي عبيدة والفراء والأصمعي وأبي تمام وغيرهم مِمَّن دونوا أشعار العرب، ونقلوها لمن بعدهم، ويندر أن تجد شاهدًا غير منسوب عند أهل اللغة والشعر، ثم تجد نسبته في كتب التفسير، لأنَّ المصادر التي استقى منها الجميعُ مادةَ الشعرِ واحدةٌ، وهم العلماء المتقدمون الذين جمعوا بين حفظ الشعر ورواية اللغة وتفسير القرآن.\nوأبرز المفسرين الذين شاركوا مشاركةً جيدةً في نسبة الشواهد الشعرية هو الإمام الطبري لتقدمهِ وسعةِ معرفته بشعر العرب، ثم جاء مَنْ بعده من المفسرين فاستفاد مما أورده من شواهد الشعر منسوبة إلى الشعراء الذين قالوها، أو إلى الطبري نفسه، وكثيرًا ما يردد ابن عطية والقرطبي عبارة «وأنشد الطبري» عند نقلهم للشواهد من تفسيره فهو عمدة\n_________\n(١) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه لجمعة ١١٥ - ١٧٠","vol":"1","page":543},{"text":"في باب شواهد التفسير ليس له نظير فيما طبع من كتب التفسير.\n٤ - ما ورد في الجدول السابق هو ما نسبه المفسرون لقائله بعينه، وأغفلت ما نسبه المفسرون لقبيلة الشاعر، وهو يعد تقريبًا للنسبة، ويعد من البيان الناقص للقائل، والتحقق من نسبة الشاهد إلى العصر الذي يحتج بشعر شعرائه كان هو أهم ما يعنى به المفسرون بغض النظر عن القائل له في غالب الأحوال. وقد تقدم عند دراسة عرض المفسرين للشاهد الشعري تمهيدهم للشاهد الشعري بما يوضح قائله وزمنه، بحيث يطمئن المفسر أن هذا الشاهد قول لمن يحتج بقوله، ويحتكم إلى لغته.\nومن أمثلة الاكتفاء بنسبة الشواهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «ومنه قول الهذلي» (١). وشعراء هذيل كثيرون، ولا يتميز الشاعر إلا بالتنقيب عن الشاهد في ديوان أشعار الهذليين لمعرفة قائله، إن كان في أشعار الهذليين المَجموعة، أو دواوين شعرائهم المرويَّة، وربما لا يعثر الباحث على القائل.\nومن الأمثلة كذلك التي نسب فيها المفسرون الشاهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «وقال رجل من بني أسد» (٢)، وقوله: «قال رجل من بني عدي» (٣)، وقوله: «وقال بعض بني عقيل ...» (٤)، وقوله: «وقال بعض بني سُلَيْم». (٥) وأمثال هذه النسبة التي تقرب القائل، ولكنها لا تدل عليه دلالة واضحة. (٦) ولكنها تعد في جانب من جوانبها توثيقًا للغة المنسوبة لقبيلة الشاعر، فينتفع بها من يدرس لهجات القبائل واختلافها.\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٤٧٩، ١٥/ ٣٧٠.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١/ ١٥٥، ٢٤/ ٦٩٦.\n(٣) المصدر السابق ٩/ ٦١٩.\n(٤) ٢٤/ ١٧١، ٢٤/ ١٠١، ١٩/ ٥٠٤، ٥٠٥.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ٤/ ٦٣٦، وانظر: ١٥/ ٦٢٩، ١٢/ ١٤٦، ١٦/ ٩٨، ١٠/ ٢٠٦، ٢٤/ ٣٥، ١٧/ ٥٢٩.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٢٠٠.","vol":"1","page":544},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-233> نسبة الشاهد إلى القبيلة إذا تعلق الاستشهاد باللهجة:</span>\nوالمفسرون عندما تتعلق المسألة باللهجات ينصون على قبيلة الشاعر توثيقًا للاستشهاد، ومن ذلك قول ابن عطية وهو يذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] (١): «وقرأ جمهور الناس: ﴿وَبَدَأَ﴾، وقرأ الزهري: (وبَدا خَلقَ الإنسانِ) بألف دون همزٍ، وبنصب القاف، قال أبو الفتح (٢): ذاك على البدل لا على التخفيف. (٣) قال القاضي أبو محمد ﵀: كأنه أبدل الألف من الهمزة، وبَدِيَ لُغةُ الأنصارِ، قال ابن رواحة:\nباسمِ الإِلهِ وبهِ بَدِينَا ... ولو عَبَدْنا غَيْرَه شَقِينَا (٤)». (٥)\nوالشاهد فيه قولهُ: (بَدِينا) بكسرِ الدالِ، وبعدها ياء، وهي لغة الأنصار في بدأ. وقد نسب ابن عطية الشاهد لشاعر من الأنصار لما كان الاستشهاد للغة القبيلة.\nغير أنه رُبَّما نسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته وهو معروف بنسبته تلك دون غيره من شعراء قبيلته، كقول الطبري: «ومنه قول الجعدي» (٦)، وهو النابغة الجعدي دون غيره من بني جعدة لشهرته. (٧)\n٥ - هناك شواهد شعرية مختلفة النسبة، منذ عصر الرواية، فينسبه أحدهم لشاعر، وينسبه الآخر لغيره. ومن أوضح الأمثلة على ذلك في كتب التفسير الشاهد الشعري الذي ذُكِرَ أنه أنشده الهذلي جوابًا لسؤال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول الشاعر:\nتَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٨)\nفقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت المفرد الذي لا يكاد يخلو\n_________\n(١) السجدة ٧.\n(٢) هو أبو الفتح عثمان بن جني، وكثيرًا ما يذكره ابن عطية بكنيته.\n(٣) انظر: المحتسب ٢/ ١٧٣.\n(٤) انظر: ديوانه ١٤٢.\n(٥) المحرر الوجيز قطر ١١/ ٥٣١.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٥٣٤.\n(٧) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٨٩.\n(٨) سبق تخريجه ص ٥٥.","vol":"1","page":545},{"text":"منه كتاب في التفسير، أو معجم من معاجم اللغة، فنسب لأبي كبير الهذلي، ولزهير، ولذي الرمة، ولابن مقبل، ولابن مزاحم الثمالي، ولقعنب بن أم صاحب، وقصة الهذلي مع عمر بن الخطاب ترجح نسبته لأحد شعراء هذيل وقد تقدم تفصيل ذلك. ولم يظهر لي من صنيع المفسرين عنايتهم بقطع الخلاف في نسبة شاهد مختلف فيه إلى قائله، لندرة هذه الشواهد، ولا يمكن إبراز هذا الجهد، ونسبته للمفسرين، وإنما محل مثل هذا كتب الشعر، وشروحه.\nوقد ذكر الدكتور خالد عبدالكريم جمعة أهم الأسباب التي يمكن بها تعليل اختلاف نسبة الشواهد الشعرية لأكثر من شاعر فقال: «الذي أرى أن الخلاف في نسبة الشواهد ترجع إلى أسباب أهمها:\n- أخذ الشعراء بعضهم من بعض.\n- الخلاف بين الرواة في نسبة القصائد.\n- كون الأب وابنه، أو الأخ وأخيه شاعرين، فيقع الخلط في نسبة الشاهد.\n- قول القصائد في الحوادث، فتتداخل أبياتها، ويلتبس الأمر على بعض الرواة.\n- كون الشاهد من الأبيات السائرة التي تتداولها الألسن، فيدخل لذلك في شعر أكثر من شاعر، دون أن يعرف قائله الأول.\n- اتحاد القصائد في الوزن والروي والموضع، مما يؤدي إلى دخول أبيات من قصيدة في قصيدة أخرى.\n- العَجَلَةُ والخطأ والسهو الذي وقع فيه بعض القدماء من العلماء والنساخ». (١)\n_________\n(١) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه ١٩١، ٢١١.","vol":"1","page":546},{"text":"وهذه أسباب مبنية على استعراض الشواهد الشعرية في كتب النحو واللغة، وما يقال فيها يقال في شواهد التفسير أيضًا.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-234> الوهم في توثيق الشاهد:</span>\nمع هذه العناية بنسبة الشواهد إلى قائليها، والحرص على توثيق الشواهد إلا أنه ربما وهم المفسر في نسبة شاهد إلى غير قائله، أو نسبته إلى قائله بغير ما اشتهر به مما يوقع القارئ في الوهم. ومن أمثلة ذلك:\n١ - أورد الطبري قول الشاعر:\nظَلَمَ البِطاحَ به انهلالُ حَريصةٍ ... فَصفا النِّطافُ بِها بُعَيدَ المُقْلَعِ\nفنسبه لعمرو بن قميئة في موضعين (١)، وانفرد بنسبته إلى ابن قميئة مع إنه لا يوجد لابن قميئة قصيدة على هذا الروي (٢)، ولم يجد محقق الديوان من نسب هذا البيت لابن قميئة غير الطبري، في حين إن هذا البيت ضمن قصيدة طويلة للحادرة الغطفاني، كما في ديوانه. (٣)\n٢ - ومن الأمثلة أَنَّ ابن عطيةَ أوردَ قول الأخطل يهجو جريرًا:\nكنتَ القَذى في مَوجِ أخضرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فَضَلَّ ضَلالا (٤)\nونسبه لجرير، وليس في ديوانه. (٥) كما نسب بيتًا لذي الرمة وهو لكعب بن زهير كما في ديوانه من قصيدته البُردة (٦).\nومن أمثلة نسبة الشاهد إلى قائله بحيث يدخل الوهم على القارئ في نسبته، قول ابن عطية: «والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٥٥٩، ٣/ ٥٦.\n(٢) انظر: ديوان ابن قميئة ٢٠٧.\n(٣) انظر: ديوان الحادرة ٤٨.\n(٤) انظر: ديوان الأخطل ٢٥٢.\n(٥) المحرر الوجيز (قطر) ٣/ ١٦٣.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز ٤/ ١٤١، وبيت كعب في ديوانه ٨٦، وشرح قصيدة كعب بن زهير ١٧٥، تفسير الطبري (هجر) ٧/ ١١٧.","vol":"1","page":547},{"text":"وإِنَّ الذي يَسعَى ليُفسدَ زَوجَتي ... كَسَاعٍ إلى أُسدِ الشَّرى يَسْتَبيلُها (١)». (٢)\nوأبو فراس هو الفرزدق، وهذا من أبياته التي استشهد بها المفسرون واللغويون، غير أنه لم يشتهر عند العلماء بهذه الكنية، وإنما اشتهر بها الشاعر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني، وهو شاعر متأخر توفي سنة ٣٥٧ هـ. (٣) ولا يحتج بشعره في اللغة، فربما أوقع هذا في الوهم، ورُدَّ الشاهدُ لكون أبي فراس الحمداني من المتأخرين.\nومِمَّا يؤخذ على المفسرين إيرادهم شاهدين من الشعر منسوبين لآدم ﵇، مع علمهم باختلاقهما، وضعفهما، وهما فيما قيل:\nتغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها ... فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ\nتغيَّر كُلُّ ذِي طَعمٍ ولَونٍ ... وقَلَّ بَشَاشةَ الوجهُ المليحُ\nوقد رواهما الطبري عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤)، وابن عطية (٥)، ولم ينبها على وضعهما. وقال القرطبي بعد إيرادههما: «في أبياتٍ كثيرةٍ ذكرها الثعلبي وغيره ... قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدمُ الشعرَ، وإِنَّ محمدًا والأنبياءَ كلهم في النهي عن الشعر سواءٌ، لكن لما قُتِلَ هابيلُ رثاه آدمُ وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانيةِ أوصى بها إلى إبنهِ شِيث، وقال: إِنك وصِيي فاحفظ مني هذا الكلامَ ليُتوارث، فحُفظت منه إلى زمانِ يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعربُ بالعربية وجعله شعرًا». (٦)\nوقال ابن كثير تعليقًا على هذه الأبيات: «وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم ﵇ قال كلامًا يتحزن به بلغته، فألفه بعضهم إلى هذا،\n_________\n(١) انظر: ديوان الفرزدق ٢/ ١١٣.\n(٢) المحرر الوجيز (قطر) ٣/ ٤٨١.\n(٣) انظر: ديوانه ٥.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ٤/ ٤١٤.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٤٠.","vol":"1","page":548},{"text":"وفيه إقواء، والله أعلم». (١) وما ذكره ابن كثير من الإقواء في البيت قد وجد له السيرافي مخرجًا حيث ذكر أنه يُمكن إنشاده على وجه لا يكون فيه إقواء، وذلك بأن تنصب «بشاشةً» على التمييز، وترفعُ «الوجهُ المليحُ» بِقَلَّ، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. (٢) وقد ذكر حمزة الأصفهاني أن خلف الأحمر هو الذي وضع هذا الشعر، ونسبه لآدم ﵇، وانتقده في صنيعه. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٢ - نسبة الشاهد إلى الرواة:</span>\nلم يقتصر المفسرون في نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وإنما يوثقون الشواهد الشعرية بعزوها إلى من أنشدها من العلماء الثقات الذين سمعوا عنهم الشواهد، أو إلى كتبهم ومصنفاتهم المروية عنهم.\nومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وقال بعض نحويي الكوفة (٤): من العربِ من يضيفُ «لات» فيخفض بها، وذكرَ أَنَّهُ أُنْشِدَ:\n................................. ... لاتَ ساعةِ مَنْدمِ (٥)\nبِخفضِ الساعةِ. قال: والكلام أن ينصب بها، لأنها في معنى «ليس»، وذكر أنه أُنشِدَ:\nتذكَّرَ حُبَّ ليلى لاتَ حِينا ... وأَضْحى الشَّيبُ قد قَطَعَ القَرينا (٦)». (٧)\n_________\n(١) البداية والنهاية ١/ ٢٢١.\n(٢) انظر: معجم الأدباء ٢/ ٥٢٦ ترجمة الحسن بن عبد الله السيرافي.\n(٣) انظر: التنبيه على حدوث التصحيف ١٨.\n(٤) هو الفراء، كما في معاني القرآن ٢/ ٣٩٧.\n(٥) وتَمامه كما في الأضداد لابن السكيت ١٧٣:\nولَتَعْرِفنَّ خلائقًا مَشمُولةُ ... ولَتندمنَّ ولاتَ ساعةِ مَندمِ\nولا يعرف قائله، قال الفراء: ولا أحفظ صدره. انظر: معاني القرآن ٢/ ٣٩٧، خزانة الأدب ٤/ ١٦٨.\n(٦) الشاعر عمرو بن شأس كما في منتهى الطلب للميموني ٨/ ٧٠.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ١٥.","vol":"1","page":549},{"text":"والشاهد اكتفاء الطبري بنسبة الشاهد إلى من أنشده من العلماء من نحوي الكوفة وإن لم يصرح باسمه وهو الفراء كما اتضح بالرجوع لكتابه، والفراء قد سَمعه من المفضل الضبي. (١) ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «... كما قرأ بعضُ القَرأَةِ: (وَالبَغْي يَّعِظُكُمْ) (٢) تَخِفُّ الياءُ مع الياءِ، وذكر أن الكسائي أنشده:\nوَأَشْمَتَّ العِدَاةَ بِنَا فَأَصْخَوا ... لَدَى يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيْنَا (٣)». (٤)\nفاكتفى بذكر من أنشد الشاهد وهو الإمام الكسائي.\nوقد يكون من أنشد الشاهد عدد من العلماء كأهل الكوفة أو البصرة، فينسبه المفسر إليهم جميعًا. ومن ذلك قول الطبري: «وحكى بعض البصريين (٥)، وبعضُ الكوفيين سَمَاعًا من العرب: «طَافَ يطيفُ»، وطِفْتُ أطِيفُ»، وأنشدوا في ذلك:\nأَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ ... وَمَطَافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ (٦)». (٧)\nونسبة الشواهد إلى الرواة والعلماء جادة مطروقة عند المفسرين واللغويين، ولم يكن كثير من العلماء يُعنى بنسبة الشعر إلا إلى من أنشده من الرواة والعلماء ولا سيما شعر الجاهلية لبعد العهد بينهم وبين شعراءه. (٨)\n_________\n(١) قال الفراء: أنشدني المفضلُ: وذكره. انظر: معاني القرآن ٢/ ٣٩٧.\n(٢) النحل ٩٠، وقراءة إدغام الياء في الياء هي قراءة أبي عمرو ويعقوب وهما من العشرة. وابن جريرٍ يشير إلى كلام الفراء كما في معاني القرآن ٢/ ٢٩، وكلام الفراء لا يصرح بحذف الياء الثانية، لكن الشاهد الذي ذكره يدل على أنه أراد هذا، غير أنَّ شاهد الشعر هذا لا يصلح نظيرًا للآية؛ ففي الشاهد ثلاث ياءات: اثنتان مدغمتان أولًا، ثُمَّ الثالثة في أول الفعل، وفي الآية ياءان، وتكرار ثلاث يقتضي الحذف، غير أن تكرار اثنتين يقتضي الإدغام. انظر: النشر ١/ ٢٨٤.\n(٣) لم أعثر على قائله.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٥/ ٤٩٤.\n(٥) هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن ١/ ٢٣٧.\n(٦) لكعب بن زهير كما في ديوانه ١١٣.\n(٧) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٣٣٥.\n(٨) انظر: الكشاف ٣/ ٩٣.","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>٣ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين</span>.\nوربما وثق المفسرون الشواهد بنسبتها إلى الكتب التي نقلوا منها، ولو كان شاهدًا مجهولًا، ولا سيما إذا كان الكتاب لمؤلف موثوق كسيبويه والمبرد. ومن ذلك أن «أبيات الكتاب» أصبحت في الثقة بها عند العلماء مضرب المثل، حتى أصبح يكتفى بالقول بأن هذا الشاهد من أبيات الكتاب للدلالة على اعتماد العلماء له.\nومن ذلك قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] (١): «والمراد بالأيام، أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، كقوله - وهو من أبيات «الكتاب»:\nفيومًا علينَا ويومًا لنا ... ويومًا نُساءُ ويومًا نُسَرّ». (٢)\nفقد اكتفى الزمخشري بالإشارة إلى أنه من أبيات كتاب سيبويه مع جهالة قائله، وهذا عنده كاف في الثقة به، والاعتماد عليه. (٣)\nوقال الزمخشري في موضع آخر: «وعَبَرتُ الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون عَبَّرتُ بالتشديد، والتعبير والمُعَبِّر. وقد عثرتُ على بيت أنشده المُبَرِّد في كتاب «الكامل» (٤) لبعض الأعراب:\nرَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا». (٥)\nومن الأمثلة أيضًا على ذلك قول ابن عطية بعد أن أورد تفسيرًا عن كتاب أبي عبيدة، وأورد شاهدًا من الشعر ليس في كتاب أبي عبيدة: «أنشده أبو بكر ابن الأنباري حاشيةً في كتابِ أبي عبيدة». (٦)\n_________\n(١) آل عمران ١٤٠.\n(٢) الكشاف ١/ ٤١٩.\n(٣) انظر: الكشاف ١/ ٣٤٤، ١/ ٦٦٠، ٣/ ٨.\n(٤) الكامل للمبرد ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣.\n(٥) الكشاف ٢/ ٤٧٤.\n(٦) المحرر الوجيز (قطر) ٩/ ٣٠٢.","vol":"1","page":551},{"text":"فقد خشي ابن عطية أن يطعن في نسبته إلى أبي عبيدة وهو ليس في كتابه «مَجاز القرآن»، فأشار إلى أن هذا الشاهد قد علقه أبو بكر بن الأنباري حاشية على كتاب أبي عبيدة. وهذه صورة من صور التوثيق للشاهد الشعري في كتب التفسير.\nوقد نقل ابن عطية كلام الفراء وشاهده الشعري ثم قال: «هذا قول الفراء في كتابه». (١)\nكما إن من صور توثيق رواية الشاهد عند المفسرين نسبة الشاهد الشعري إلى كتب المختارات الشعرية المتقدمة، والدواوين المعروفة للشعر، والتي عني المفسرون بها كثيرًا ولا سيما ابن عطية الذي روى المفضليات وديوان الحماسة عن شيوخه.\n- ومن أمثلة هذا التوثيق للشاهد من كتب الاختيارات قول ابن عطية: «وفي المُفضليَّات لبعض شعراء الجاهلية:\nوشَهرِ بَنِي أُميَّةَ والهَدايَا .... .......................................\nالبيت (٢)\nقال الأصمعيُّ: يُريدُ رَجَبًا». (٣) فقد وثَّقَ الشاهد بنسبته إلى «المُفضليَّات» وهي مجموعة من شعر الجاهلية والإسلام جَمعها المُفضَّلُ بن محمد الضبي. (٤)\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٧/ ٨١.\n(٢) البيت لعوف بن الأحوص، وتتمته: «إذا حَبَسَتْ مُضرِّجَهَا الدِّمَاءُ». ... انظر: المفضليات ١٧٤.\n(٣) المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ٤٨٣.\n(٤) ذُكر أن الذي اختارها هو إبراهيم بن عبد الله عندما اختبأ في بيت المفضل، فلما مات أظهرها المفضل فنسبت إليه. انظر: إنباه الرواة ٣/ ٣٠٤، المزهر ٢/ ١٦٥، بحوث وتحقيقات للميمني ١/ ٣٠.","vol":"1","page":552},{"text":"وقد زاد ابن عطية هذا الشاهد إيضاحًا في موضع آخر من تفسيره، ونسبه إلى الشاعر فقال: «وشَهرُ مُضرَ وهو رَجَبُ الأصمُّ، سُمي بذلك لأنه كان لا يُسمعُ فيه صوتُ الحديد، وسَمَّوه مُنْصلَ الأَسنَّةِ؛ لأنهم كانوا يَنْزِعون فيه أسنَّةَ الرماح. وهو شهرُ قريشٍ، وله يقول عوفُ بن الأحوص ...». (١) ثم ذكر الشاهد.\nوفي شرح الأنباري للمفضليات: «قال أبو عبيدة: هذا شهر كانت مشايخ قريش تعظمه، فنسبه إلى بني أمية ... وقال أحمد بن عبيد: شهر بني أمية: ذو الحجة، كانت تعظمه قريش؛ لأنهم كانوا إذا قضوا الحج تذاكروا آباءهم، فافتخروا بِهم، وخَصَّ بني أمية على سائر قريش». (٢) ولم أجد قول الأصمعي عند غير ابن عطية، وقد جمع بينه وبين قول النبي - ﷺ - في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنتا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». (٣) وذكر أن قول النبي - ﷺ -: «ورجب مضر» للتفريق بينه وبين ما كانت تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعًا منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقرر النبي ذلك، ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل قريش. (٤)\nومن أمثلة توثيق المفسرين للشاهد الشعري من كتب الاختيارات الشعرية المتقدمة، التي اعتمد عليها العلماء في استشهادهم قول\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٥/ ٢٠٤.\n(٢) شرح المفضليات للأنباري ١/ ٤٣١، شرح اختيارات المفضل للتبريزي ٢/ ٨٠٥.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير ٥/ ٤١٧، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٣٧.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٣، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٨/ ٤٨٨ - ٥٠٨.","vol":"1","page":553},{"text":"الزمخشري وهو يشرح معنى (الدِّينِ) في اللغة، وأنه بمعنى الجزاء: «ومنه ... بيت الحماسة:\nولم يَبْقَ سِوى العُدوَ ... انِ دِنَّاهُمْ كمَا دانوا». (١)\nوالبيت معروفُ القائلِ، وهو لشَهْلِ بن شيبان المعروف بالفِنْدِ الزِّمَّاني، غير أنه نسبه لديوان الحماسة لأَبي تَمَّام لشهرتهِ، أو لنسيانه اسم الشاعر وتذكره موضعه. (٢)\nبل إن الزمخشري عندما استشهد ببيت من شعر أبي تمام، وعلم أن العلماء سيعيبون عليه ذلك، اعتذر لصنيعه بقوله: «وهو وإن كان مُحدثًا لا يُستشهدُ بشعره في اللغةِ فهو من علماء بَيتُ الحَماسةِ العربيةِ، فاجعل ما يقولهُ بِمنزلةِ ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماءِ: الدليلُ عليه، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه». (٣)\nوقد نسب الزمخشري كثيرًا من شواهده في التفسير لديوان الحماسة. (٤) وابن عطية يعتمد في كثير من شواهده على ديوان الحماسة لأبي تمام وإن لم يصرح باسمه، وقد وجدت هذا بموازنة شواهده بديوان الحماسة، وقد دلني على ذلك ما ذكره هو في فهرس شيوخه، من أنه أخذ هذا الديوان بشروحه عن شيوخه. (٥)\nهذه أهم صور توثيق رواية الشاهد الشعري عند المفسرين، وقد تقدم كثير من أمثلة ذلك في مبحث «منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري» في هذا الفصل فيكتفى بما تقدم من الأمثلة هناك (٦).\n_________\n(١) الكشاف ١/ ١١٦.\n(٢) انظر: ديوان الحماسة ٣٠، شرح شواهد الشافية للبغدادي ٨.\n(٣) الكشاف ١/ ٢٠٨.\n(٤) انظر: الكشاف ١/ ١٠٩، ١٣٨، ٢/ ٤٣٦، ٣/ ٣١٦، ٣٢٣، ٤/ ٢٥٩، ٦٥٥.\n(٥) انظر: فهرس ابن عطية ١٠٦، ١١٤.\n(٦) انظر: ص ٢٧٧ من البحث.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>الثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية</span>.\nأما توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية عند المفسرين، فالمقصود به ما قام المفسرون به من خدمة للشاهد من حيث ضبطُه، وشرحهُ، وذكر رواياته وبيان معانيها، ونفي ما قد يعتريه من التصحيف والتحريف بضبطه بالعبارة بدلًا من الحركات، وكل هذا من صور التوثيق التي عني بها المفسرون في تعاملهم مع شواهد الشعر الكثيرة في كتب التفسير. وفيما يلي ذكر لأهم صور توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية مع إيراد الأمثلة من كتب المفسرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>١ - ضبط رواية الشاهد</span>.\nعُنِي المفسرون بضبط روايات الشاهد الشعري، وإن لم تكن موضع الشاهد في البيت لتوثيق الرواية، والحرص على تأدية متن الشاهد كما روي، وهذه من أهم أوجه ضبط معنى الشاهد لترتب فهم المعنى الصحيح على ضبط روايته، وتدقيقها. ومن أمثلة ذلك:\n- الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] (١) أورد قول ساعدة بن جُؤَّيَّةَ الهذلي شاهدًا على معنى «الرَّيب» وهو قوله:\nفقالوا: تَركنَا الحيَّ قَد حَصَرُوا بهِ ... فلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (٢)\nقال الطبري: «ويُروى «حَصَرُوا» و«حَصِرُوا»، والفتح أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله: حَصَروا به: أطافوا به، ويعني بقولهِ: لا ريبَ فيهِ: لاشكَّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ، يعني: قَتيلًا، يقال: قد لُحِمَ، إذا قُتِلَ» (٣).\nفقد حرص الطبري على ضبط رواية الشاهد، وشرحه حتى يتضح\n_________\n(١) البقرة ٢.\n(٢) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٢٣٢.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":555},{"text":"المراد منه للقارئ، ويتبين وجه الاستشهاد منه، مع بيان الوجه الأكثر استعمالًا عند العرب، وجواز الوجه الآخر.\n- ومثل هذا قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:\nعَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (١)\nوقد يُنشد هذا البيتُ:\nعلى أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها ... تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا». (٢)\nفقد نبَّه على أن للشاهد رواية أخرى لا شاهد فيها على المراد، توثيقًا للروايتين، وحتى لا يقع الباحث على الرواية الأخرى فيطعن في الرواية الأخرى، وهذا من حرص المفسر على أن يضع أمام القارئ ما يعينه على استجلاء معاني الشاهد الشعري الذي يورده.\nورُبَّما ضَبطَ المفسرُ العبارةَ المُحتملةَ في الشاهد بعبارة مَشهورةِ الوزنِ، حتى يزول اللبسُ، ومن ذلك أن الزمخشري أورد قول أوس بن حَجَر:\nأَبَنِي لُبَينى إِنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكُمُ عُبَدُ (٣)\nقال الزمخشريُّ في ضبطه: «وعُبَدُ بوزن حُطَم». (٤) وهذا ضبط مزيل للإيهام، وهو مناسب لضبط قافية القصيدة، ومنها قبل الشاهد:\nأَبَني لُبَينى لَستُمُ بِيَدٍ ... إِلّا يَدًا لَيسَت لَها عَضُدُ\nأَبَني لُبَينى لا أُحِقُّكُمُ ... وَجَدَ الإِلَهُ بِكُم كَما أَجِدُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢ - رد الرواية المشكوك فيها:</span>\nقد يتردد المفسر في قبول تفسير من التفاسير لآية من القرآن لعدم\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٦٣.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٣) انظر: ديوانه ١٤٩.\n(٤) الكشاف ١/ ٦٥٢.","vol":"1","page":556},{"text":"قناعته بأدلة ذلك التفسير، وقد يكون هذا الدليل شاهدًا شعريًا لم يبلغه بالرواية التي يستشهد بها لذلك الوجه، فيرد هذا التفسير لعدم صحة هذه الرواية عنده، في حين تكون هذه الرواية قد صحت عند غيره فيستشهد بها. وقد لاحظت أن أبا عبيدة قد تعقبه المفسرون بعده في كثير من شواهده، وطعنوا في بعض روايات الشواهد التي أوردها، وردوا عليه بالوجه الذي يحتج به هو، وهو شواهد الشعر واللغة، والذي يبدو لي أنه ما دام ثقة في روايته، غير مدخولٍ من هذه الجهة، فإن شواهده التي يتفرد بها تبقى لها قيمتها ووزنها في ميزان العلم، وأنه لا ترد روايته مع الثقة به لمجرد ورود رواية تخالفها عمن هو في مثل درجته من الثقة وسعة الرواية. ولا سيما أن أبا عبيدة من مصادر الشواهد الشعرية عند المفسرين فقد أخذ المفسرون بعده شواهده واستشهدوا بها في تفاسيرهم من الطبري حتى الشنقيطي من المعاصرين، ولا سيما شواهده اللغوية وهي الغالبة على شواهده.\nومن أمثلة رد المفسرين للشواهد التي ارتابوا في صحتها قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (١): «والإصراخُ الإغاثةُ، وقُرئَ: «بِمُصرخيِّ» (٢) بكسرِ الياءِ وهي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيت مَجهولٍ:\nقالَ لَها: هلْ لكِ يَا تَا فيّ ... قالت لهُ: ما أنتَ بالمَرْضِيِّ». (٣)\nفقد شكَّكَ الزمخشري في الشاهد، وضعَّف القراءة، والشاهد منسوب للأغلب العجلي. (٤) وقد بالغ الزجاج في رد هذا الرجز فقال: «وهذا الشعر مما لا يتلفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل\n_________\n(١) إبراهيم ٢٢.\n(٢) هي وجه في قراءة حمزة، وقراءة يحيى بن وثاب والأعمش. انظر: السبعة ٣٦٢، معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٧.\n(٣) الكشاف ٢/ ٥٥١.\n(٤) خزانة الأدب ٤/ ٤٣١.","vol":"1","page":557},{"text":"هذا الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ». (١)\nومن الأمثلة قول ابن عطية: «وحَكى الزجاجُ أنَّ العربَ تُعبِّرُ عمَّا يعقلُ وعمَّا لا يَعقلُ بـ «أولئك»، وأنشدَ هو والطبري:\nذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَيامِ (٢)\nفأَمَّا حكاية أبي إسحاقَ عن اللغةِ فأمرٌ يُوقفُ عنده، وأَما البيتُ فالروايةُ فيه «الأقوام». (٣) فرد ابن عطية هذه الرواية للشاهد.\nوقد استشهد بِها الطبري والزجاج عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٤) على أنَّ «أولئك» تأتي للجمع القليل للتذكير والتأنيث، حيث لم يقل الشاعر: بعد تلك الأيام، وكذلك الأمر في الآية؛ لأنَّ «تلك» يأتي للدمع والبلالة على الجمع الكثير. (٥)\nوقد ورد هذا البيت في الديوان بشرح ابن حبيب كما قال ابن عطية، وليس فيها شاهد لما ذهب إليه الطبري، وهي:\nذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى ... والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَقوامِ (٦)\nفي حين قد رَوَى الشاهدَ كما رواه الطبري المُبَرِّدُ (٧)، والزمخشري (٨)، وابن هشام (٩)، وغيرهم. (١٠) ولا يكاد يخلو منه كتاب\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ١٥٩.\n(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٢٤٠.\n(٣) المحرر الوجيز ١٠/ ٢٩٤.\n(٤) الإسراء ٣٦.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٥٩٦.\n(٦) انظر: ديوان جرير ٢/ ٩٩٠.\n(٧) انظر: المقتضب ١/ ٣٢١، الكامل ١/ ٤٣٩.\n(٨) انظر: الكشاف ٣/ ٥١٩.\n(٩) تخليص الشواهد ١٢٣، أوضح المسالك ١/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(١٠) انظر: شرح المفصل لابن يعيش ٣/ ١٢٦، ١٣٣، تفسير البيضاوي ٣/ ١٤٢، ٤/ ٣٦، شرح شواهد الشافية للبغدادي ٤/ ١٦٧، شرح الشواهد للعيني ١/ ٤٠٨، شرح الأشموني ١/ ١٣٩، شرح التصريح ١/ ١٢٨.","vol":"1","page":558},{"text":"من كتب النحو، فلعل اعتراض ابن عطية على رواية الزجاج والطبري لاطلاعه على رواية محمد بن حبيب في شرحه لديوان جرير، ولم يطلع على ما ذكره المبرد وغيره من المتقدمين. وصنيع ابن عطية في رده لهذه الرواية للشاهد يدل على عنايته بروايات الشواهد، ورده الرواية التي يشك في صحتها. وأمثلة التشكيك في روايات الشواهد عند المفسرين كثيرة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>٣ - إيراد الروايات الأخرى إذا دعت الحاجة</span>.\nوربما يورد المفسرون روايات أخرى للشاهد الشعري عند الحاجة إلى ذلك، وربما يوردونها لمزيد بيان الشاهد وإن لم يكن ثمة حاجة داعية لذكر الروايات الأخرى ولا سيما إذا كانت الرواية الأخرى لا تتعلق بمحل الشاهد من البيت.\nومن أمثلة ذلك أن الطبري عند الحديث عن القراءتين الواردتين في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] (٢)، حيث قرأها بعضهم: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالتنوين على أنه رجلٌ اسمه سبأ (٣)، وقرأها بعضهم: ﴿سَبَأَ﴾ بِمَنعها من الصِّرفِ على أنه اسم امرأة أو قبيلةٍ (٤) قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، وقد قرأ بكل واحدةٍ منهما علماءُ من القراء، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، فالإجراء (٥) في سبأ، وغير الإجراء صوابٌ؛ لأن سبأ\n_________\n(١) انظر: الكشاف ٣/ ٥٠، ١١٧، ٤/ ٢٤١ وغيرها.\n(٢) النمل ٢٢.\n(٣) هذه قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. انظر: النشر ٢/ ٢٥٣.\n(٤) هذه قراءة ابن كثير برواية البزي، وأبي عمرو، وروى قنبل عن ابن كثير إسكان الهمزة. المصدر السابق.\n(٥) الإجراء من مصطلحات الكوفيين التي وضعها الفراء، وهو الصَّرْفُ عند البصريين، أي التنوين. انظر: دراسة في النحو الكوفي ٢٣٣.","vol":"1","page":559},{"text":"إن كان رجلًا كما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أُجريَ، وإن أريدَ به اسمُ القبيلة لم يُجْرَ، كما قال الشاعر (١) في إجرائه:\nالوارِدُونَ وتَيمٌ في ذَرا سَبأٍ قد عَضَّ أَعناقَهُم جِلْدُ الجَوامِيسِ (٢)\nيروى: ذَرا، وذُرى. وقد حدثت عن الفراء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء: كيف لم تُجْرِ سبأَ؟ قال: لست أدري ما هو». (٣) أي فترك صرفه كما تفعل العربُ بالأَسماءِ المَجهولةِ التي لا تعرفها.\nوقال الفراء في توجيه الروايتين: «من قال: «ذَرَى» (٤) جعل سبأَ جِيْلًا، ومن قال: «ذُرَى» أرادَ مَوضِعًا». (٥) في حين وجهها البغدادي فقال: «من قال: «ذُرا» بالضم جعلَ «سَبأَ» جَبلًا، ومن قال: «ذَرَا» بالفتح أراد مَوضعًا». (٦) وأظنُّ كلمةَ «جيلًا» تصحفت إلى «جبلًا» عند البغدادي، وإِلا فلا فرقَ بين كونه جبلًا أو موضعًا، فهو مصروف في الحالين، بخلاف ما إذا كان المقصود بالأول الجيل والقبيلة فإنه لا ينصرف.\nفقد حرص الطبري على إيراد الروايتين للشاهد لأنه بهما يتبين وجه الاستشهاد، ويفهم وجه القراءتين اللتين ذكرهما.\nومن الأمثلة على إيراد المفسرين للروايات الأخرى للشاهد الشعري وإن لم تتعلق بِمحلِّ الشاهد قول الطبري عند تفسير قوله تعالى في أمر مريم ﵍: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] (٧): «فتأويل الكلام: وضَمَّها اللهُ إلى زكريا، من قول الشاعر:\n_________\n(١) هو جرير بن عطية.\n(٢) رواية الديوان: «تدعوكَ تَيمٌ، وتيمٌ في قُرى سَبأٍ». انظر: ديوانه ١/ ١٣٠.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٣٨.\n(٤) الذَّرَى بالفتح: الكِنُّ وما يُستَتر به، تقول: أنا في ذَرى فُلانٍ أي: في ظلِّهِ وحِمَايتهِ، فإن كان المرادُ بسبأ القبيلةَ كان المعنى أنَّ تيمًا يَحتمونَ بسبأٍ ويَمتنعون بِها. وأَما الذُّرى بالضم فهي جَمعُ ذِرْوَةٍ، وهي أَعلى الشيء. وعلى هذا تكونُ سبأُ اسمًا للمدينةِ. انظر: معاين القرآن للفراء ١/ ٣٠٨ حاشية رقم ٢.\n(٥) معاني القرآن ١/ ٣٠٨.\n(٦) خزانة الأدب ٧/ ٥٣٧.\n(٧) آل عمران ٣٧.","vol":"1","page":560},{"text":"فهو لضُلاَّلِ الهَوامِ كَافِلُ (١)\nيراد به: لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتفرِّقِ النَّعَمِ، ومنتشرِهِ ضَامٌّ إلى نفسهِ وجامِعٌ. وقد روي:\nفهوَ لضُلاَّلِ الهَوافي كَافلُ\nبمعنى: أنه لِمَا نَدَّ فَهَربَ من النَّعمِ ضَامٌّ، من قولهم: هَفا الظَّليمُ، إذا أسرعَ الطيران». (٢) فقد أورد الطبري رواية أخرى للبيت، مع عدم تعلقها بمحل الشاهد فيه، دلالة على معرفته بهذه الرواية الأخرى، وتوثيقًا للرواية الأخرى للبيت. (٣)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-241> انفراد المفسر برواية للشاهد</span>.\nقد ينفرد المفسرون برواية للشاهد لم ترد عند غيرهم، والطبري هو الذي يكثر عنده ذلك لتقدمه، وأخذه للشعر عن رواته المتقدمين، ولا سيما ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمنه. ومما لاحظته في تفسير الطبري أنه على الرغم من اشتهار تلمذة الطبري لثعلب إلا أنه لم يشر إليه في روايته للشعر، ولم يرو عنه في ذلك شيئًا مع تطابق شرحه للشعر مع شرح شيخه ثعلب في كثير من المواضع ولا سيما في شرح شواهد زهير بن أبي سُلمى حيث وازنتُ شرحه للشاهد بشرح ثعلب للديوان فوجدت تشابهًا كبيرًا بين الشرحين، ولا أعرف عِلَّةَ إغفال الطبريِّ الإشارةَ لشيخه ثعلب في تفسيره، مع إشارته لغيره من العلماء.\nومن الشواهد التي انفرد الطبري برواية لها مخالفة لما رواه رواة الشعر، قول حميد بن ثور الهلالي:\nإذا كانتِ الخمسونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ ... لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ\nوقد استشهد به الطبري على هذه الرواية على دلالة لفظة الأم،\n_________\n(١) لم أعثر على قائله.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٣٤٨.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧، الكشاف ١/ ٢٢، ٢/ ٤٨.","vol":"1","page":561},{"text":"وسبب تسمية سورة الفاتحة بأم الكتاب، وشرح رواية البيت بأن الخمسين سُميت أمًا لأنها جامعة ما دونها من العدد، فسماها أمًا للذي قد بلغها. (١) وهذه الرواية أبلغ في الدلالة على المراد.\nفي حين رواها كلُّ رواة هذا البيت لأبي محمد عبد الله بن أيوب التيمي:\nإذا كانتِ الخمسونَ سِنَّكَ لَمْ يَكُنْ ... لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ (٢)\nولم ينسبها لحُميد بن ثور غير الطبري فيما اطلعت عليه، وليس هذا البيت في ديوان حُميد المطبوع، ولم يشر إليه جامع الديوان، مع وجود قصيدةٍ لهُ على وزن البيت وقافيته. (٣) ولم أجد من رواها قبل الطبري بهذه الرواية، ووردت في الحماسة البصرية كما رواها الطبري منسوبةً للتيمي. (٤) فقد يكون الطبري رواها عن شيوخه، وقد يكون وَهَمًا منه لمشابَهته قصيدةَ حُميدٍ البائية.\n- ومن الأمثلة أيضًا على انفراد الطبري بروايات للشاهد الشعري، أنه عند تفسيره لمعنى الآية في القرآن، وأنها تحتمل وجهين في كلام العرب، أولهما: العلامة، «والآخر منهما القصة، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى:\nأَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ آيةً ... أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ\nيعني بقوله: «آية». رسالة مني وخبرًا عني، فيكون معنى الآيات القصص التي تتلو قصة بفصول ووصول». (٥) وهذه الرواية مخالفة لرواية الديوان، حيث ورد في الديوان:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٢) انظر: البيان والتبيين ٣/ ١٩٥، عيون الأخبار ٢/ ٣٢٢، أمالي القالي ٣/ ١، محاضرات الأدباء ٢/ ١٩٨، وتعليق محمود شاكر في تفسير الطبري ١/ ١٠٨ حاشية رقم ٤.\n(٣) انظر: ديوان حميد بن ثور الهلالي ٥٠ - ٦٠.\n(٤) انظر: الحماسة البصرية ٢/ ٨٨٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٦.","vol":"1","page":562},{"text":"أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ أَنَّهُ ... أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ (١)\nوهي رواية ضعيفة، ورواية الطبري أقوى في الدلالة على المراد منها، لأن كعبًا يرد على مزرد بن ضرار الذبياني أخي الشماخ الذي غضب لما لم يذكره كعب في شعره حينما قال استجابة لطلب الحطيئة:\nفَمَنْ للقوافي شأنُها مَن يَحُوكُها ... إذا ما مضَى كعبٌ وفَوَّزَ جَرولُ\nفذكر الحطيئة، ولم يذكر مزرد، فغضب مزرد. (٢) وهناك فائدة جليلة في رواية الطبري لهذا البيت، وهي ورود الآية في اللغة بمعنى القصة، وهذا معنى لم تذكره كتب اللغة، مع كثرة شواهده من الشعر كما أشار إلى ذلك محمود شاكر ﵀. (٣)\nومن المواضع التي انفرد فيها الطبري برواية شعرية أجود وأصح من غيرها، ما ورد في تفسيره لمعنى «التفجُّر» في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (٤) قوله: «والتفجر: التفعل من تفجر الماء، وذلك إذا نزل خارجًا من منبعه، وكل سائل شخص خارجًا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماءً كان ذلك أو صديدًا أو غير ذلك، ومنه قول عمر بن لجأ:\nولَمَّا أَنْ قُرِنتُ إلى جَريرٍ ... أَبى ذُو بَطنهِ إِلَّا انفِجارا\nيعني: إلا خُروجًا وسيلانًا». (٥) والبيت ورد في المصادر الأخرى: «إلا انحدارا». (٦) ورواية الطبري أدل على المعنى، وأقرب إلى لغة الشعر. (٧) لأن دلالة الانفجار في البيت على الحال التي يقصدها الشاعر في هجاء جرير أبلغ من دلالة الانحدار، مع عدم استعمال الانحدار\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٤.\n(٢) انظر: شرح ثعلب للديوان ٦٤.\n(٣) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٠٦ حاشية ٣.\n(٤) البقرة ٧٤.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٣٨.\n(٦) طبقات فحول الشعراء ١/ ٣٦٩، الأغاني ٨/ ٧٢.\n(٧) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٣٢ حاشية ٣.","vol":"1","page":563},{"text":"التعبير عن الماء ونحوه. وأكتفي بهذه الأمثلة. (١) للدلالة على مكانة ابن جرير الطبري خاصة، وتفرده دون غيره بروايات\nأخرى للشواهد، ذات مضامين أجود من الروايات المشهورة في كتب الشعر، وهي ذات قيمة كبيرة لتقدم الطبري، وهو لاشك كان يتخير من الروايات التي يحفظها للشواهد ما يتناسب مع المفردات القرآنية التي يفسرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٤ - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف:</span>\nمن العيوب التي تصيب الشعر، وتكون سببًا لكثير من الاختلاف فيه عيب التصحيف، وهو مصدر صَحَّفَ يُصَحِّفُ الكلمةَ: إذا أَخطأَ في قراءتِها ورِوايتِها في الصَّحيفةِ لاشتباهِ الحروفِ، وهي لفظةٌ مُولَّدة (٢)، وهو مأخوذ من الصُحُفِ، وقد عرفه الأصفهاني فقال: «هو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراده كاتبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته». (٣)\nوقد صنف فيه العلماءُ كحمزة الأصفهاني (٤)، والحسن العسكريِّ (٥) وغيرهما، ولا يؤمنُ التصحيفُ إلا بالرواية عن الأثبات من العلماء مشافهة، وتوثيق ضبط الكلمةِ المُحتملةِ للتصحيفِ بالعبارةِ حتى لا يقع الناسخ في الخطأ والتصحيف. وقد نَبَّه المفسرون على بعض العبارات المحتملة للتصحيف في الشواهد الشعرية، ووثقوها بضبطهم لها بالعبارة خوفًا من تصحيفها.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٤٠، ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.\n(٢) انظر: لسان العرب ٧/ ٢٩١ (صحف).\n(٣) التنبيه على حدوث التصحيف ٣.\n(٤) هو أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني (٢٨٠ - ٣٦٠ هـ)، كان متفننًا في الأدب واللغة، عاش ببلده أصفهان ولم يغادرها إلا لبغداد، له مصنفات منها التنبيه على حدوث التصحيف. انظر: إنباه الرواة ١/ ٣٧٠.\n(٥) هو الحسن بن عبد الله العسكري (٢٩٣ - ٣٨٢ هـ)، اشتهر بالأدب والشعر، وعرف بكتابه الصناعتين، ومن كتبه شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف. انظر: معجم الأدباء ٨/ ٢٥٨.","vol":"1","page":564},{"text":"ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] (١) وهو يبين القراءات في قوله: ﴿يَنْقَضَّ﴾: «وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، وعكرمة: (أنْ ينقَاصَ) بالصاد غير منقوطة (٢)، بِمَعنى: ينشق طولًا، يقال: انقاصَ الجِدارُ، وطيُّ البئرِ، وانقاصَتْ السنُّ إذا انشقت طولًا، وقيل: إذا تصدعتْ كيف كانَ، ومنه قول أبي ذؤيب:\nفِراقٌ كَقيصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّهُ ... لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ (٣)\nويُروى البيتُ: عَبْرَةٌ وحُبُورُ بالباء والحاء». (٤) وقال الزمخشري: «انقاصَ البناءُ والبئرُ والرملُ وغيرُها، وتقيَّصتْ: انهارت» (٥).\nفقد حرص ابن عطية على ضبط الكلمة في الشاهد بالعبارة، وأنها بالباء والحاء المهملتين، حتى يتضح معنى الشاهد على الروايتين. ولم أجد من نبه على هذه الرواية للبيت غير ابن عطية (٦).\nومن الأمثلة أيضًا على توثيق الشاهد بضبط عبارته قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] (٧) وهو يُبَيّنُ القراءات في قوله: ﴿تَنْقِمُ﴾ وأن الجمهور قرأ بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وغيره بفتحها: «وهما لغتان. قال أبو حاتم: الوجه في القراءةِ كسرُ القافِ، وكلُّ العُلماءِ أنشدَ بيت ابنِ الرُّقيَّات:\nما نقَمُوا من بني أمية ... .......................... (٨)\n_________\n(١) الكهف ٧٧.\n(٢) انظر: مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ٨٤.\n(٣) انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٣٨.\n(٤) المحرر الوجيز (قطر) ٩/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(٥) أساس البلاغة ٥٣١ (قيص).\n(٦) انظر: شرح أشعار الهذليين ١/ ٦٦.\n(٧) الأعراف ١٢٦.\n(٨) والبيت بتَمامه:\nما نَقَمُوا مِن بني أميَّةَ إِلَّا ... أَنَّهمْ يَحْلُمونَ إِنْ غَضِبوا\nانظر: ديوانه ٤.","vol":"1","page":565},{"text":"بفتحِ القاف» (١). في حين ذكر الأزهري أن بيت ابن الرقيات «يُروى بالفتح والكسر نَقَموا ونَقِموا» (٢)، ونقلَ الأزهري عن الزجاج قوله: «يُقالُ: نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجودُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وهو الأكثر في القراءة». (٣) فربما يكون ابن عطية لم يسمع برواية الكسر، وأنها لغة كما قال الكسائي: «نَقِمْتُ بالكسر لغة» (٤).\nوقد أورد ابن عطية الشاهد هنا لتقوية القراءة الشاذة، والذي يعنيني هنا هو حرص ابن عطية على ضبط الشاهد بالعبارة، حتى لا يدخل الوهم على القارئ، حيث ذكر أن جميع العلماء أنشد هذا البيت بفتح القاف، وهو كما قال (٥). والشواهد الشعرية المحتملة للتصحيف قليلة في كتب التفسير، ولم أصادف إلا القليل من الأمثلة.\n_________\n(١) المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ٤١.\n(٢) تهذيب اللغة ٩/ ٢٠٢، لسان العرب ١٤/ ٢٧٢ (نقم).\n(٣) تهذيب اللغة ٩/ ٢٠٢.\n(٤) انظر: الصحاح ٥/ ٢٠٤٥.\n(٥) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥٣٣، البيان والتبيين ٣/ ٣٦١، الشعر والشعراء ١/ ٥٢٤، الأغاني ٤/ ٩٣، ١٥٩، اللآلي ١/ ٢٩٥، شرح نهج البلاغة ٢/ ٢٠٨، شرح شواهد المغني ٢١١، خزانة الأدب ٧/ ٢٨٩.","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين</span>.\nالأغراضُ جَمعُ غَرَضٍ، وهو الشيءُ يُنصبُ فيُرمى فيه، وهو الهدف (١).\nوالمقصود بيان الأهداف التي أرادها المفسرون من إيرادهم شواهد الشعر في تفسير القرآن الكريم. وقد تعددت أغراض المفسرين الخاصة من إيراد شواهد الشعر، وسبقت الإشارة في الباب الأول من البحث إلى أنواع الشاهد الشعري في كتب التفسير مع ضرب الأمثلة لكل نوعٍ، وهذا المبحث يتعلق به من حيث إن الأغراض التي وردت لها الشواهد هي الأنواع التي صنفت تحتها الشواهد الشعرية من وجه آخر، مع شيء من الاختلاف في زاوية عرض المسألة.\nوقد تتبعتُ كتب التفسير مَحل الدراسة وحاولت تحديد الأغراض العامة والخاصة التي أورد المفسرون الشعر في كتبهم لتحقيقها، ورتبتها بحسب كثرة شواهدها في كتب التفسير، فوجدتُها لا تخرجُ في أغراضها العامة عن الاستشهاد، والتمثل، في حين كان لغرض الاستشهاد الذي عليه مدار الرسالة تفصيلات متنوعة، وسأفصل القول فيها في هذا المبحث، موردًا الأمثلة الدالة على ذلك من كتب التفسير، وسأكتفي في كل مسألة بمثالٍ واحدٍ لدى كل مفسرٍ متى وجدت لديه ما يصلح التمثيل به، والإحالة في الحاشية لمزيد من الأمثلة، إلا إن اقتضى المقام إضافة بعض الأمثلة لبيان مسألة من المسائل الداخلة في البحث.\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ٨/ ٧، لسان العرب ١٠/ ٥٣ (غرض).","vol":"1","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الغرض الأول: الاستشهاد</span>.\nهذا أوسع أغراض ورود الشاهد الشعري في كتب التفسير. وهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها (١).\nوهذا الغرض ينتظم تحته صورًا كثيرة، وجزئيات متناثرة، وتسهيلًا لعرضه ودراسته يُمكنُ تقسيمه إلى الأقسام التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>أولًا - الاستشهاد اللغوي</span>.\nوهو الاستشهاد بالشعر في إثبات الدلالة اللغوية، وهذا يتعلق ببيان معاني الألفاظ في القرآن الكريم بصفة عامة، ومنه شواهد غريب القرآن وهي أكثر الشواهد الشعرية ورودًا في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي، ومنه بيان أصول اشتقاق المفردات اللغوية، وكذلك بيان درجة فصاحة بعض اللغات وأصالتها، وما يتعلق بمسائل الصرف ونحو ذلك من قضايا اللغة في كتب التفسير. وشواهد المفسرين في باب اللغة لا تَخرجُ عن شواهد الشعر المنقولة عن شيوخ اللغة المتقدمين كالخليل وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيباني، وأصحاب كتب المعاني وغريب القرآن كأبي عُبيدة، والأصمعي، وأبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة وغيرهم ﵏ أجْمعين.\nويتميز الإمام الطبري دون غيره من المفسرين بإضافته شواهد كثيرة في باب اللغة، لم ترد في كتب المعاني والغريب، بل زاد عليها من مروياته ما يساوي النصف تقريبًا، وقد تقدم بيان عدد الشواهد في كتب المفسرين، فأغنى عن إعادته. وقد انفرد المفسرون بشواهد لم يستشهد بها من سبقهم في كتبهم المطبوعة، كما انفردوا ببعض الروايات لشواهد\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ٧/ ٢٢٣ (شهد).","vol":"1","page":568},{"text":"معروفة، وقد سبقت الإشارة إلى بعض الشواهد التي انفرد بها الإمام الطبري. ومن الأمثلة القليلة التي عثرت عليها لتفرد ابن عطية في تفسيره استشهاده بقول علوان بن قيس (١):\nولَيلٍ دَجِيٍّ قد تَنَفَّسَ فَجرهُ ... لَهم بعدْ أَنْ خالوهُ لنْ يتنَفَّسَا (٢)\nوقد استشهد به على معنى قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٨] (٣) وأن معنى تنفس الصبح أي استطار واتسع ضوءه. (٤)\nوالاستشهاد اللغوي في كتب التفسير له صور كثيرة، رأيت تقسيمها وإيراد الأمثلة على كل صورة منها من كتب التفسير؛ ليتضح الغرض الدقيق من الشاهد الشعري، والمعنى الذي ساق المفسر له هذا الشاهد. وأهم صور الاستشهاد اللغوي في كتب التفسير ما يلي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-246> الاستشهاد لبيان معاني المفردات</span>.\nوهذه الصورة هي أكثر صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، وقد سار المفسرون في هذا على منهج أصحاب غريب القرآن، ومعاني القرآن، الذين استخدموا الشعر في بيان معاني المفردات، وتأصيلها في اللغة أكثر من أي غرض آخر. وأمثلة هذه الصورة كثيرة، ولا تكاد تمر بك صفحة أو أكثر إلا وتعثر على شاهد شعري يستشهد به المفسر لبيان معنى لفظة من ألفاظ القرآن الكريم. وشواهد أصحاب غريب القرآن، ومفرداته من هذا الباب. وسأقتصر على الأمثلة التالية:\n١ - استشهد الطبري لبيان معنى كلمة «أواب» في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ [ص: ١٧] (٥) وأَنَّه بِمعنى التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، بقول عبيد بن الأبرص:\n_________\n(١) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المصادر.\n(٢) لم أقف عليه عند غير ابن عطية.\n(٣) التكوير ١٨.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ١٦/ ٢٤٢.\n(٥) ص ١٧.","vol":"1","page":569},{"text":"وكُلُّ ذِي غَيبةٍ يَئُوبُ ... وغَائبُ الموتِ لا يَئُوبُ (١)\nوهذا استشهاد للمعنى اللغوي، وأن العرب تعني بهذه اللفظة هذا المعنى، ومنه شاهد عَبيد، وقد استشهد بهذا الشاهد غيره من المفسرين لهذا المعنى (٢)، ولغيره. (٣) ولم أر أصحاب غريب القرآن استشهدوا به مع كثرة ورود مادة «أوب» في القرآن. (٤)\n٢ - استشهد ابن عطية بقول الأعشى:\nفبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤادِ ... صَدْعًا على نأَيِها مُستطِيرا (٥)\nعلى أَنَّ السؤرَ هو البقيةُ من الشيء (٦)، والقطعة منه تسمى سؤرًا أيضًا، فمعنى البيت: أن صاحبته قد تركته وأبقت في فؤاده صَدْعًا بسبب فراقها، واستدل ابن عطية بهذا الشاهد على أَنَّ مَن هَمَز لفظَ السورةِ فقال «سؤرة»، فإنه يعني بها القطعة من الشيء، فكذلك السورة من القرآن، سميت بذلك لأنها قطعة منه. (٧)\n٣ - أراد القرطبي أن يبين معنى قوله: ﴿الْخَاشِعِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] (٨)، فذكر أن الخاشعين جَمعُ خاشعٍ، وهو المتواضع، ثم نقلَ قول الزجاج: «الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، كخشوع الدار بعد الإقواء. هذا هو الأصل». (٩) ثم استشهد لهذا المعنى بقول النابغة:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٤٣.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٥٩.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ٨/ ٥٩.\n(٤) انظر: المفردات للراغب ٩٧، عمدة الحفاظ للسمين ١/ ١٥٤، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ١٢٣، ١٢٤.\n(٥) انظر: ديوانه ١٣.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٤٧، لسان العرب ٦/ ١٣٢ (سأر).\n(٧) انظر: المحرر الوجيز ١/ ٤٦، مجاز القرآن ١/ ٥.\n(٨) البقرة ٤٥.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":570},{"text":"رَمَادٌ كَكُحلِ العينِ لأَيًا أُبِينُه ... ونُؤيٌ كَجِذْمِ الحوضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (١)\nوهذا شاهد لغوي على أَنَّ النؤيَ - وهو الحاجز من التراب الذي يقام حولَ الخِبَاءِ حتى لا يدخله الماء (٢) - إذا درست معالمُه يُوصفُ بالخُشوعِ. قال الأزهري: «وجدارٌ خاشعٌ إذا تدَاعى واستوى مع الأرض». (٣) فكذلك المؤمن الخاشع في صلاته وُصِفَ بذلك لأنه يرمي ببصره إلى الأرض وتسكن جوارحه، قال الليثُ (٤): «خَشَعَ الرجلُ يَخشَعُ خُشُوعًا إذا رَمَى ببصره إلى الأرض». (٥) وهو قريب المعنى من الخضوع (٦)، إلا أنَّ الخضوعَ في البدن، والخشوع في البدن والصوت والبصر. (٧)\n٤ - وقد يستعين المفسر بالشعر ليتعرف على عُرفِ العَربِ في استعمال لفظةٍ وردت في القرآن الكريم، لتحديد مدلولها الدقيق في الاستعمال القرآني، نظرًا لعمومية تفسير المفسرين للفظة في القرآن. وهذا منهج يتخذه بعض المفسرين عند البحث في معاني بعض المفردات التي كان تعبير المفسرين عن معناها غير دقيق. وأكتفي بمثالٍ في تفسير ابن عطية.\nذكر ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٠.\n(٢) انظر: شرح القصائد السبع الطوال ٢٤٣، المذكر والمؤنث لابن الأنباري ١/ ٢٢٥، شرح القصائد المشهورات لابن النحاس ١٠١، المخصص ١٦/ ١٨٥، شرح القصائد العشر ١٠٢.\n(٣) تهذيب اللغة ١/ ١٥٢، لسان العرب ٤/ ١٠٠ (خشع).\n(٤) هو الليث بن المظفر اللغوي، من علماء اللغة المتقدمين، نسب له الأزهريُّ وغيره وضعَ كتاب العين المنسوب للخليل بن أحمد، انظر: تهذيب اللغة ١/ ٢٨، إنباه الرواة ٣/ ٤٢، معجم الأدباء ١٧/ ٤٣.\n(٥) تهذيب اللغة ١/ ١٥٢.\n(٦) انظر: مقاييس اللغة ٢/ ١٨٢.\n(٧) انظر: تهذيب اللغة ١/ ١٥٢، لسان العرب ٤/ ١٠٠ (خشع).","vol":"1","page":571},{"text":"يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] ﴿(١) أنَّ معنى «يَغْنَوا فيها»، أي: يقيموا ويسكنوا. وذكر ذلك غيره من المفسرين (٢)، غير أن ابن عطية أضاف تفصيلًا جيدًا لمعنى هذه اللفظة بعد أن استقرى شِعْرَ العرب فقال: «وغَنِيْتُ في المكانِ إنَّما يُقال في الإقامة التي هي مُقترنةٌ بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، هذا الذي استقريتُ من الأشعارِ التي ذكرت العربُ فيها هذه اللفظةَ. فمِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣):\nوقد نَغْنَى بِها ونَرى عُصُورًا ... بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا (٤)\nومنه قول الآخر (٥):\nولقد يَغْنَى بِها جِيْرانُكِ الْـ ... ـمُمْسِكو مِنكِ بعهدٍ وَوِصالِ (٦)\nأنشده الطبري (٧). ومنه قول الآخر (٨):\nأَلا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المَغَانِيا (٩) ... ..............................\nومنه قول مُهَلْهِلٍ:\n_________\n(١) الأعراف ٩٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٠/ ٣٢٥، معاني القرآن للزجاج ٢/ ٣٩٦، معاني القرآن للنحاس ٣/ ٥٥، الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٥١ - ٢٥٢، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٥.\n(٣) هو المرار الأسدي كما في الكتاب ١/ ٧٨، ونسبت خطأ لابن أبي ربيعة في بعض المصادر. انظر: شرح أبيات الجمل للبطليوسي ١٠٤.\n(٤) بها أي بالمنْزِل، أَنَّثهُ لما أَنَّه في معنى الدار، والعصور: الدهور، نصبه على الظرف، يقتدننا: يَمِلن بنا إلى الصبا، والخُرُد: جَمعُ خريدة، وهي الخَفِرَةُ الحَيَّية، والخِدالُ: جَمعُ خَدلة، وهي الغليظة الساق الناعمة. الكتاب ١/ ٧٨، المقتضب ٤/ ٧٦ - ٧٧، الجمل ١٢٨، شرج جمل الزجاجي لابن هشام ١٩٧.\n(٥) هو عبيد بن الأبرص. .\n(٦) انظر: ديوانه ١١٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٠/ ٣٢٥.\n(٨) هو أبو حية النميري.\n(٩) صدرُ بيتٍ، وعجزه:\n......................... ... لَبِسْنَ البِلى مِمَّا لَبِسْنَ اللياليا\nانظر: أمالي القالي ٢/ ١٨٥، العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٥٥٥.","vol":"1","page":572},{"text":"غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَّهْـ ... ـرِ وفيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا (١)\nويُشبهُ أن تكونَ اللفظةُ من الاستغناءِ. وأَمَّا قولهُ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] (٢) ففيه هذا المعنى؛ لأَنَّ المراد: كأَنْ لَم تكن ناعمةً نضرةً مستقلةً، ولا توجدُ - فيما علمتُ - إلا مقترنةً بهذا المعنى، وأما قول الشاعر (٣):\nغَنِينا زَمانًا بالتصعلكِ والغِنَى ... وكُلًا سَقانَاهُ بِكأسيهِما الدَّهرُ (٤)\nفمعناهُ: استغنينا بذلكَ، ورضيناه، مع أَنَّ هذه اللفظة ليست مقترنةً بمكانٍ». (٥)\nفقد تتبع ابنُ عطية معنى هذه اللفظة الدقيقَ في أشعار العرب، واستخرج المعنى الدقيق الملازم للفظة، وأنه لا يقال: «غَنِيَ بالمكان» إلا في الإقامة المُقترنة بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، وأَنَّ العرب لا تقول لمن أقام بعيشٍ مُضْنٍ أنه غَنِيَ بالمكان. وهذا التتبع لمعنى هذه اللفظة لم أجده في معاجم اللغة، كما وجدته هنا، مما يدل على جهد المفسرين في بيان عدد من الألفاظ اللغوية، بيانًا معجميًا أغنوا به المادة المعجمية العربية. (٦)\nوهذا يعطي اللفظة في القرآن معنى إضافيًا فوق مجرد الإقامة، وهو أن هؤلاء الأقوام الذين كذبوا الرسل جاءهم العذاب الذي استأصلهم من أرضهم التي كانوا يتنعمون فيها، ويتقلبونَ في نعيمِها فكان هذا أبلغ في عذابهم، ولم يبق من الحياة الناعمة، والعيش الرغد أثر، ولم يُغْنِ عنهم من الله شيئًا.\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٥.\n(٢) يونس ٢٤.\n(٣) هو حاتم الطائي.\n(٤) انظر: ديوانه ٤٨.\n(٥) المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ١٠ - ١٢.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٠١، الصحاح ٦/ ٢٤٤٩، مقاييس اللغة ٤/ ٣٩٧، لسان العرب ١٠/ ١٣٤ - ١٣٨.","vol":"1","page":573},{"text":"٥ - ربَّما يورد المفسرون شاهدًا من الشعر، لا للاستشهاد به على معنى المفردة، وإنما لنفي توهم دلالته على معنى بعينه.\nومن ذلك أَنَّ ابنَ عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] (١) ذكر اختلاف العلماء في معنى الآية، وأن منهم من ذهب إلى أنها ثلاث نَفْخاتٍ بدليل حديثِ أبي هريرة أَنَّ للمَلكِ في الصور ثلاثُ نفْخاتٍ: نفخةُ الفَزَعِ وهو فَزعُ الحياة الدنيا، وليس بالفَزِع الأكبرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيامِ من القبور. (٢)\nومنهم مَنْ ذكرَ أَنَّهما نفختانِ، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ وقالوا: إن «أخرى» لا تُقالُ إلا في الثانيةِ. فقال ابن عطية: «والقول الأول أصحُّ، وأُخرى يُقالُ في الثالثةِ، ومنه قولُ ربيعةَ بن مُكدّم:\nولقد شَفَعْتُهُما بآخرَ ثَالِثٍ (٣) ... .............................\nومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ٢٠] (٤)». (٥)\nغير أَنَّ هناك شاهدًا من الشعر قد يدل على غير ما ذهب إليه ابن عطية فأورده للتنبيه على أنه لا يُعارِضُ ما ذهب إليه فقال: «وأَمَّا قولُ الشاعر:\nجَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ ... نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (٦)\nفيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (٧)\nفقد أورده ابن عطية لغرض التنبيه على أنه لا يعارض ما ذهب إليه\n_________\n(١) الزمر ٦٨.\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (هجر) ٢٠/ ٢٥٦.\n(٣) صدر بيت، وعجزه:\n....................... ... وأَبى الفِرارَ لِيَ الغَداةَ تَكَرُّمِي\nانظر: الأغاني ١٦/ ٦٧ (ط. دار الكتب).\n(٤) النجم ٢٠.\n(٥) المحرر الوجيز ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٦) تقدم تخريجه وهو لعبيد بن الأبرص.\n(٧) المحرر الوجيز ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦.","vol":"1","page":574},{"text":"في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨]، وليصرفه عن الدلالة على خلاف قوله الذي ذهب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>الاستشهاد للتفريق بين المعاني المشتركة</span>.\nقد يورد المفسر الشاهد الشعري للتفريق بين معاني مشتركة ورد بعضها في القرآن الكريم.\n١ - من ذلك قول الطبري: «ولا نعرفُ «انظرنا» في كلام العرب إلا بمعنى: انتظرنا، وانظر إلينا.\n- فأَمَّا «أَنظِرنا» بِمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:\nوقد نَظَرْتُكُمُ لو أَنَّ دِرَّتَكُم ... يومًا يَجيءُ بِها مَسْحِي وإِبْساسِي (١)\n- وأَمَّا «انظُرنا»، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:\nظَاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ ... نَ كما يَنظرُ الأَرَاكَ الظِّباءُ (٢)\nبمعنى: كما ينظرُ إلى الأَراك الظباءُ». (٣)\n_________\n(١) هذا الشاهد ملفق من بيتين، وقد خلط الطبري هنا بينهما، لطبيعة الإملاء لتفسيره، فقد رواه على وجهه في تفسيره من قبل كما في ٢/ ٤٦٧، ٤٦٨، ورواية البيتين في الديوان:\nلقد مَرَيتُكُمُ لو أَنَّ دِرَّتَكُمْ ... يومًا يَجيءُ بِها مَسْحي وإِبْساسِي\nوقد نَظَرْتُكمُ إعشاءَ صادرةٍ ... للخِمْسِ طال بِها حَوزي وتَنْسَاسي\nقال محمود شاكر تعليقًا على هذا الوهم: «وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت، وأثبته على حاله؛ لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره، ودليل على حفظه الشعر، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط ... ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه، لألغيت البيت المذكور في المتن، ولوضعت هذا البيت ...». ... انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٤٣٧ حاشية رقم ٥، وديوان الحطيئة ٤٥ - ٤٦.\n(٢) رواية الديوان: «ظاهرات الجمال والسَّروِ ..». وهي أجود، والسَّروُ هو الشَّرفُ. ... انظر: ديوانه ٨٨.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ٨/ ٤٣٧ - ٤٣٩.","vol":"1","page":575},{"text":"فالطبريُّ قد أَوردَ شاهدين من الشعر للتفريق بين معنى انظرنا من الإنظار، وانظرنا من النظر بالعين الباصرة، وأَنَّ هذين المعنيين هما المعروفان من معاني هذه اللفظة في العربية، وهذا غرض من أغراض الشاهد الشعري اللغوي في الاستدلال به على المعاني الدقيقة، واستعمال العرب لها.\n٢ - ومن أمثلة ذلك عند الطبري في تفسيره لمعنى ﴿الْهُونِ﴾ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] (١) حيث فَرَّقَ بين الهُونِ بضم الهاء وفتحها فقال: «العرب إذا أرادت بالهُونِ معنى الهَوان، ضَمَّت الهاء، وإذا أرادت به الرِّفقَ والدَّعةَ وخِفةَ المؤونةِ، فتحت الهاء». (٢) ثم استدل بقول جندل بن المثنى الطهوي (٣):\nونَقْضَ أَيَّامٍ نقَضنَ أَسْرَهُ ... هَونًا وأَلْقَى كُلُّ شيخٍ فَخْرَهُ (٤)\nعلى فتح الهاء، وبقول ذي الجدنِ الحميريّ:\nهَوْنَكُما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا ... لا تَهْلِكا أَسفًا في إِثْرِ مَنْ ماتا (٥)\nواستدرك الطبري فقال: «وقد حُكِيَ فتحُ الهاء في ذلك بِمعنى الهوانِ، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوين:\nيُهينُ النُّفوسَ وهَوْنُ النُّفُوسِ عند الكريهةِ أَغْلى لَها (٦)\nوالمعروفُ من كلامهم، ضمُّ الهاء منه، إذا كان بمعنى الهَوانِ والذُّلِّ، كما قال ذو الإصبع العدواني:\n_________\n(١) الأنعام ٩٣.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥٤١.\n(٣) شاعر إسلامي راجز، كان يهاجي الراعي النميري. انظر: سمط اللآلي للميمني ٢/ ٦٤٤.\n(٤) لم أعثر عليه عند غير الطبري. .\n(٥) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٩، الأغاني ١٦/ ٧٠.\n(٦) لم أجد من نسبه لعامر غير الطبري، والمشهور أنه للخنساء، وهو في ديوانها ٢١٥، والحيوان ٦/ ٤٢٧، وعيون الأخبار ١/ ١٢٥، وقواعد الشعر لثعلب ٨٧، والأغاني ١٣/ ١٤٢ وغيرها.","vol":"1","page":576},{"text":"اذهبْ إليكَ فما أُمِّي بِراعيةٍ ... ترعى المَخاضَ ولا أُغْضِي على الهُونِ (١)\nيعني: على الهَوانِ، وإذا كان بمعنى الرِّفْقِ، فَفَتْحُها». (٢)\nفقد أورد الطبري أربعة شواهد من الشعر للتفريق بين معنى الهَونِ بفتح الهاء وهو الرِّفقُ والسكينة، وبضمِّها بمعنى الهوان، وأن هذا هو المعروف المشهور من كلام العرب، وأنه قد يأتي الهَوْنُ بفتح الهاء بِمعنى الهَوَانِ كما في البيت الذي نسبه الطبري لعامر بن جوين ولكنَّ هذا قليلٌ في كلامهم.\nوهذه صورة من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، ولكنها قليلة، وأكثر من يعنى بها الطبري وابن عطية في تفسيريهما. وما ذكره الطبري في التفريق بين المعنيين أجودُ مِمَّا ذكره أهل الغريب، من حيث كثرة الشواهد، ووضوح الدلالة، ومعرفة القائل (٣)، والمعاجم اللغوية في التفريق بين المعنيين. (٤)\n٣ - عند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٥)، فسَّرَ الرفثَ بأنه كنايةٌ عن الجِماع؛ لأنَّ الله تعالى كريمٌ يُكنِّي، ثم قال تفريقًا بين معناه في الآية، ومعناه في سياقٍ آخر: «والرَّفَثُ في غير هذا ما فَحُشَ من القول، ومنه قولُ الشاعر (٦):\n_________\n(١) هذا من الشواهد الملفقة، التي رواها الطبري في تفسيره. والبيتان كما في المفضلية ٣١ هما:\nعَفٌّ يؤوسٌ إذا ما خِفتُ مِنْ بَلَدٍ ... هُونًا، فلستُ بِوقَّافٍ على الهُونِ\nعَنِّي إليكَ فما أُمِّي بِراعيةٍ ... تَرعى المَخاضَ، ومَا رأيي بِمَغبونِ\nانظر: المفضليات ١٦٠، وقد رواه كما عند الطبري في لسان العرب ١٥/ ١٦٤ (هون).\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٠٠، المفردات ٨٤٨ - ٨٤٩، عمدة الحفاظ ٤/ ٣٠٨.\n(٤) انظر: الجمهرة، تهذيب اللغة ٦/ ٤٤٠، مقاييس اللغة ٦/ ٢١، لسان العرب ١٥/ ١٦٣ - ١٦٥ (هون).\n(٥) البقرة ١٨٧.\n(٦) هو العجاج، وسبق تخريج الشاهد.","vol":"1","page":577},{"text":"عن اللَّغا ورَفَثِ التكلُّمِ». (١)\nفأورد الشاهد استشهادًا على معنى آخر غير المعنى الذي ورد في الآية الكريمة، للتفريق بين المعنيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>الاستشهاد لبيان اشتقاق المفردات</span>.\nمن صور الاستشهاد اللغوي بالشعر، الاستشهاد به لبيان اشتقاق لفظة، أو الدلالة على لفظة مشتقة من لفظة أخرى وردت بمعنى آخر في الشِّعرِ، وهذا يعين المفسر على تتبع الدلالة الدقيقة للفظة القرآنية التي يفسرها. ومن أمثلة هذه الصورة في كتب التفسير ما يأتي:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] (٢) أراد الطبري تفسير معنى (الشِّيَةِ)، وبيانَ أصلِ اشتقاقِها فقال: «يعني بقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا﴾ لا لونَ فيها يُخالفُ لونَ جَلدِها، وأَصلُه مِن وَشْي الثوبِ، وهو تَحسينُ عُيوبِه التي تكون فيه، بضروبٍ مختلفةٍ من ألوان سُداهُ ولُحْمَتِه ... ومنه قيل للساعي بالرَّجُلِ إلى السلطانِ أو غيره: واشٍ؛ لِكَذِبِه عليه عنده، وتَحسينِه كَذِبَهُ بالأباطيلِ. يقال منه: وَشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً، ومنه قول كعب بن زهير:\nتَسعى الوُشاةُ جَنَابَيها وقَولهُمُ: ... إِنَّكَ يا ابنَ أبي سُلْمى لَمَقْتولُ (٣)\nوالوشاةُ جَمعُ واشٍ، يعني أنَّهم يتقولون بالأباطيلِ، ويُخبِرونَهُ أنه إِنْ لحقَ بالنبي - ﷺ - قَتَلَه». (٤)\nفقد أبان عن أصل اشتقاق كلمة ﴿شِيَةَ﴾ في الآية، وأن كلمة (الواشي) مشتقة من هذا الأصل اللغوي، الذي هو أحد أصلين لهذه\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٢/ ٨٨.\n(٢) البقرة ٧١.\n(٣) انظر: ديوانه ٨٩.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢١٥.","vol":"1","page":578},{"text":"اللفظة، التي يقول عنها ابنُ فارس: «الواو والشين والحرف المعتل: أصلان. أحدُهما يدل على تحسينِ شيء وتزيينه، والآخرُ على نَماءٍ وزِيادة.\nالأول: وَشَيتُ الثوبَ، أَشِيهِ وَشْيًا، ويقولون للذي يكذبُ ويَنِمُّ ويُزخرفُ كلامَه: قد وَشَى، وهو واشٍ.\nوالأصل الآخر: المرأةُ الواشيةُ: الكثيرةُ الوَلَدِ ... والوَشْيُ: الكثرةُ». (١)\n٢ - وقال الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٢) مبينًا القراءات في قوله ﴿بَئِيسٍ﴾ والوزن الصرفي لها: «وقرأهُ بعضُ الكوفيين (بَيْئِس) (٣) بفتح الباء، وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة على مثال «فَيْعِل»، وذلك شاذٌّ عند أهل العربية؛ لأنَّ «فَيْعِل» إذا لم يكن من ذواتِ الياء والواو فالفَتحُ في عَينهِ الفَصيحُ في كلام العربِ، وذلك مثلُ قولهم في نَظيرهِ من السَّالمِ: «صَيْقَل» و«نَيْرَب»، وإنَّما تُكْسَرُ العينُ من ذلك في ذوات الياء والواو، كقولهم: سَيِّد، ومَيِّت. وقد أنشد بعضُهم قولَ امرئ القيسِ بن عابسٍ الكِنْديِّ:\nكِلاهُما كانَ رَئِيْسًا بَيْئِسا ... يَضْرِبُ في يومِ الهِياجِ القَوْنَسا (٤)\nبكسرِ العينِ مِنْ «فَيْعِل» وهي الهمزة من «بَيْئِس»، فلعل الذي قرأَ ذلك كذلكَ قرأَهُ على هذه». (٥)\nوهذا فيه مع بيان الوزن الصرفي للفظة القرآنية، غرض آخر هو\n_________\n(١) مقاييس اللغة ٦/ ١١٤.\n(٢) الأعراف ١٦٥.\n(٣) هذه قراءة عاصم في رواية نصر بن عاصم وأبي بكر وابن عباس وعيسى بن عمر والأعمش بِخُلْفٍ عنه. انظر: حجة القراءات ٣٠٠، السبعة ٢٩٦، الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٨١.\n(٤) لم أعثر عليه.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٠٠ - ٢٠١.","vol":"1","page":579},{"text":"توجيه القراءات من حيث بيان وزن اللفظة المختلف في قراءتها بين القراء، وهو غرض سيأتي الحديث عنه على حدة. وهذه القراءة التي ذكرها الطبري عدها العلماء من شواذ القراءات (١)، لأن هذا البناء مختص بالمعتل كسَيِّدٍ ومَيِّتٍ، قال مكي بن أبي طالب: «وقد روي عن عاصم كسر الهمزة بيئس على فيعل، [و] هو بعيد؛ لأن هذا البناء إنما يكون فيما اعتلت عينه، مثل سيّد، وميّت». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>الاستشهاد للصيغة لا للمعنى</span>.\nمن صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، الاستشهاد من أجل توضيح صيغة بعض المفردات وتقريب نطقها وتعدد أبنيتها لتعدد لغات العرب فيها، دون أن يكون لذلك أثره في معنى اللفظة. وليست هذه الصورة بكثيرة الأمثلة في كتب التفسير.\nومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقولهُ: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] (٣) يقول: وكانت الجبالُ رَمْلًا سائلًا مُتناثرًا. والمَهِيْلُ مَفعولٌ من قول القائلِ: هِلْتُ الرملَ، فأَنا أَهِيْلُه، إذا حُرِّكَ أَسفَلُهُ، فانْهالَ عليهِ مِنْ أعلاهُ، وللعرب في ذلك لغتانِ، تقول: مَهِيْلٌ، ومَهْيُولٌ، ومَكِيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قولُ الشاعر (٤):\nقد كان قَومُكَ يَحسَبُونَكَ سَيِّدًا ... وإِخالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ (٥)». (٦)\nوهذا شاهد لغوي على أن للعرب في مهيل وأمثالها لغتان، وقد أورد الشاهد للاستشهاد به على أَنَّ «مَعِيْن» يأتي على «مَعْيُون»، فكذلك\n_________\n(١) انظر: المحتسب ١/ ٢٦٤، البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ٤١٣، النشر ٢/ ٢٣٢.\n(٢) مشكل إعراب القرآن ٢٩٠ - ٢٩١.\n(٣) المزمل ١٤.\n(٤) هو العباس بن مرداس السلمي ﵁.\n(٥) انظر: ديوانه ١٥٦، الأغاني ٦/ ٣٤٢، أمالي المرزوقي ٥٠.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٣٨٥.","vol":"1","page":580},{"text":"«مَهِيل» يأتي على «مَهْيُول»، وهاتان لغتان لقبيلتين من قبائل العرب، في اسم المفعول من ذوات الياء، ومجيئه صحيحًا، مثل مَبِيع يأتي مَبْيُوع، ومخيط يأتي مخيوط، وقد أَتموا ذوات الياء خاصة لِخفَّتِها (١)، وعَدَّهُ بعضهم خطأً. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>الاستشهاد لبيان اللغة الفصيحة في اللفظة</span>.\nمن صور الاستشهاد اللغوي بالشعر الاستشهاد به لبيان اللغة الفصيحة في لفظة من الألفاظ التي وردت في القرآن، أو عرضت في أثناء التفسير. ومن أمثلة ذلك:\n١ - ناقش الطبري عند قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] (٣) القراءات في قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فقال: «واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾، فقرأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بفتح الميم، من الأَمِّ. (٤) وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿أُمِّ﴾ بكسر الميم (٥) من الأُمِّ». (٦)\nثم ذكر اختلاف النحويين في توجيه النصب والكسر مع إجماعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب، وأنَّ مَنْ قرأ بفتح الميم فمرادٌ به النُّدبةُ (٧)، أي: يا ابن أُمَّاه. ومَن قرأ بكسرها فمرادٌ به الإضافة، ثم\n_________\n(١) انظر: أمالي المرزوقي ٥٠.\n(٢) انظر: درة الغواص ٢٥٩، التصحيف والتحريف للصفدي ٤٦١.\n(٣) الأعراف ١٥٠.\n(٤) قرأ بفتح الميم نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب. انظر: السبعة ٢٩٥، التيسير ١١٣، النشر ٢/ ٢٧٢.\n(٥) قرأ بكسر الميم حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم وابن عامر وخلف. انظر: الحاشية السابقة.\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٢٨.\n(٧) النُّدْبَةُ اصطلاحًا هي نداءُ المُتَفَجَّعِ عليهِ أو المُتوجَّعِ منه بـ «وا» أو بـ «يا». انظر: عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك لمحمد محي الدين عبد الحميد ٤/ ٤٩.","vol":"1","page":581},{"text":"حُذفت الياء التي هي كناية اسمُ المخبرِ عن نفسه. ثم قال: «قالوا: أمَّا اللغةُ الجيدة، والقياس الصحيح فلغة من قال: «يا ابن أمي» بإثبات الياء، كما قال أبو زبيد:\nيا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفسِي ... أنتَ خَلَّفتني لِدهرٍ شَديدِ (١)\nوكما قال الآخر (٢):\nيا ابنَ أُمِّي ولو شَهِدتُكَ إِذ تَد ... عو تَميمًا وأَنتَ غَيْرَ مُجابِ (٣)\nوإنما أثبت هؤلاء الياءَ في الأُمِّ؛ لأنها غير مناداة، وإنما المنادى هو الابنُ دونَها، وإنما تُسقط العربُ الياءَ من المنادى إذا أضافته إلى نفسها، لا إذا أضافته إلى غير نفسها كما قد بَينَّا». (٤) وللنحويين في توجيه قراءة الفتح مذهبان اقتصر الطبري على أحدهما:\nالأول: مذهب البصريين، أنهما اسمان بُنيا على الفتح كاسمٍ واحدٍ كخمسَةَ عَشَر ونحوه، فعلى هذا ليس «ابن» مضافًا إلى «أُمّ» بل مُركَّبٌ معها، فتكونُ الحركةُ حركةَ بناءٍ.\nالثاني: مذهب الكوفيين وهو ما ذهب إليه الطبري، أنَّ «ابن» مضافٌ إلى «أُمّ» و«أُمّ» مضافة لياء المتكلم، وياء المتكلم قلبت ألفًا كما تقلب في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم. وأصله ابنَ أماه، حذفت الألف تخفيفًا، وسقطت هاء السكت لأنه دَرْجٌ. (٥)\nوأَمَّا قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كَسْرُ بناءٍ لأجلِ ياء المتكلم، بِمعنى إضافةِ هذا الاسم المُركَّبِ لياء المتكلمِ فكُسِرَ آخرُهُ، ثُمَّ\n_________\n(١) انظر: أمالي اليزيدي ٩.\n(٢) هو غلفاء بن الحارث.\n(٣) انظر: الوحشيات برقم ٢١٣، الأغاني ١٢/ ٢١٣.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ١٢٩ - ١٣١، وانظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٩٤.\n(٥) انظر: الكتاب ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٤٧٨، الدر المصون ٥/ ٤٦٧.","vol":"1","page":582},{"text":"اجتزئ عن الياءِ بالكسرة. وعلى رأي الكوفيين يكون الكسرُ كسرَ إعرابٍ، وحذفت الياءُ مُجتزأً عنها بالكسرة كما اجتزئ عن ألفها بالفتحة (١).\nوقد قرأ بالوجه الذي عَدَّهُ أهلُ اللغةِ فصيحًا ابنُ السميفع (٢)، قال الأخفش: «وهو القياس، ولكنَّ الكتابَ ليست فيه ياءٌ، فلذلك كُرِهَ هذا». (٣) في حين قال أبو حيان: «وأجود اللغات الاجتزاء بالكسرةِ عن ياء الإضافة». (٤)\nوالغرض من الشاهد الشعري في كلام الطبري الاستشهاد على اللغة الفصيحة في قولهم: «يا ابن أمي» وهو إثبات الياء كما في شواهد الشعر، غير أن في ورودها في القرآن الكريم ما يُضعِّفُ هذا القول، وإن كان قد يُقالُ: إِنَّ القُرآنَ ترد فيه صيغٌ متعددةٌ كلها مستعملٌ معروفٌ عند العرب، وربما وردت اللغةُ القليلةُ، وتُركت الشائعةُ لحكمةٍ.\n٢ - في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٥) ذكر الطبري أن هذه هي اللغة الفصيحة في التعبير، وأنَّ «العرب تقولُ: نَصَحتُ لك، وشكرتُ لكَ، ولا تكاد تقول: نصحتكَ، ورُبَّما قالت: شكرتُكَ ونصحتُكَ، من ذلك قول الشاعر (٦):\nهُمُ جَمعوا بُؤسَى ونُعْمَى عَليكمُ ... فَهلاَّ شَكَرْتَ القومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (٧)\nوقال النابغةُ في «نَصحتُكَ»:\n_________\n(١) انظر: الدر المصون ٥/ ٤٦٧.\n(٢) هو أبو عبد الله مُحمَّدُ بن عبد الرحمن بن السَّمَيْفَعُ اليماني، من فصحاء العرب، له اختيارٌ في القراءة شَذَّ فيه، احتج لها أبو العلاء الهمذاني بشواهد ومتابعات. انظر: غاية النهاية ٢/ ١٦١ - ١٦٢.\n(٣) معاني القرآن ٢/ ٣١٠، مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ٥١.\n(٤) البحر المحيط ٤/ ٣٩٦.\n(٥) البقرة ١٥٢.\n(٦) هو عمرو بن لجأ.\n(٧) انظر: البحر المحيط ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":583},{"text":"نَصَحْتُ بني عَوفٍ فلم يَتقبَّلوا ... رَسُولي ولم تَنْجَحْ لديهمْ وَسائِلي (١)». (٢)\nفقد أشار الطبري إلى أن اللغة التي ورد بها القرآن هي اللغة الفصحى، وهي تَعْدِيَةُ فعلِ «نَصَحَ» و«شَكَرَ» باللام، كما قال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] (٣) وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] (٤). غير أن الطبري أراد من إيراد الشاهد الشعري الاستشهاد على أن اللغة الأخرى عربية فصيحة أيضًا (٥).\nوقد قال الجوهري تعقيبًا على بيت النابغة السابق: «وهو باللام أفصح». (٦) وهذا يؤيد ما ذهب إليه الطبري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>الاستشهاد لتوجيه القراءة من حيث اللغة</span>.\nومن صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير الاستشهاد به على توجيه القراءات القرآنية بالأوجه اللغوية، وهذه من الصور المتكررة بكثرة في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي. ومن أمثلتها ما يأتي:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] (٧) ذكر الطبري اختلاف القراء في قراءة: ﴿السِّلْمِ﴾ (٨) ثم تكلم عن توجيه قراءة من قرأ بكسر السين من حيث المعنى فقال: «وأما الذين قرأوا ذلك بالكسر من السين، فإنهم مختلفون في تأويله، فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى: ادخلوا في الإسلام كافة.\nومنهم من يوجهه إلى الصُّلْحِ بِمعنى: ادخلوا في الصلح. ويستشهد على أَنَّ السِّينَ تُكسرُ وهي بِمعنى الصُّلحِ، بقول زهير بن أبي سُلْمى:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٨٩.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٢١٢.\n(٣) الأعراف ٦٢.\n(٤) هود ٣٤.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ٤/ ٢٤٩ - ٢٥١.\n(٦) الصحاح ١/ ٤١٠، لسان العرب ١٤/ ١٥٨ (نصح).\n(٧) البقرة ٢٠٨.\n(٨) قرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر بفتح السين، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر وعاصم بكسرها. انظر: السبعة ١٨٠، التيسير ٨٠، النشر ٢/ ٢٢٧.","vol":"1","page":584},{"text":"وقد قُلتُما إِنْ نُدركِ السِّلْمَ واسِعًا ... بِمالٍ ومَعروفٍ من الأَمرِ نَسْلَمِ (١)». (٢)\nثم اختار الطبريُّ قراءةَ كسرِ السينِ فقال: «وأَمَّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءةُ مَنْ قرأَ بكسرِ السين؛ لأنَّ ذلك إذا قُرئَ كذلك وإن كان قد يَحتملُ معنى الصُّلحِ، فإِنَّ معنى الإسلامِ، ودوامِ الأمر الصالحِ عند العرب أغلبُ عليه من الصُّلْحِ والمُسالمةِ، ويُنشَدُ بيتُ أخي كندة (٣):\nدَعَوتُ عَشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا ... رأَيتُهُمُ تولّوا مُدبرينا (٤)\nبكسرِ السين، بِمعنى: دعوتُهُم للإسلام لَمَّا ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندةُ مع الأشعث بعد وفاة رسول الله - ﷺ -». (٥)\nفقد أورد الطبري شاهدًا لِمَن قرأَ بالكسرِ، وأَنَّهُ يكون بِمعنى الصُّلْحِ، غير أَنَّهُ اختار تفسيره بِمَعنى الإسلام، لأَنَّه أولى بِمَقصدِ القرآن، واستشهد لاختيارهِ بشاهدٍ من الشعر لشاعرٍ مُسلمٍ يذكر دعوته لقومه إلى الثبات على الإسلام حين ارتد الناس بعد وفاة النبي - ﷺ -.\nوالطبري لحظ التطور الدلالي للفظة «السِّلْم»، وما طرأ عليها فيما بين عصر زهير بن أبي سلمى وعصر امرئ القيس بن عابس في الإسلام، واختار حَمْلَ لفظةِ القُرآنِ على ما وردت به في شعر من أدرك الإسلام. وقد بين الطبري وجًا آخر لاختياره فقال: «وإِنَّما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وصرفنا معناه إلى الإسلام؛ لأَنَّ الآيةَ مُخاطَبٌ بِها المؤمنون». (٦)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٦.\n(٢) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٣.\n(٣) هو امرئ القيس بن عابس بن المنذر الكندي، جاهلي أدرك الإسلام وأسلم وثبت وقت الردة كما في هذه القصيدة. انظر: المؤتلف والمختلف للآمدي ٩.\n(٤) انظر: المؤتلف والمختلف ٩، معالم السنن للخطابي ٢/ ٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٣.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٢٥٤.","vol":"1","page":585},{"text":"وفسَّرها بالإسلام محمد بنُ القاسم الأنباري معاصرُ الطبري فقال: «والسِّلْمُ - بكسر السين - الإسلامُ، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ويقالُ: رجلٌ قديمُ السِّلْمِ، أي: الإسلام». (١)\nويدلك على قول الطبري واختياره هذا أن أبا عمرو بن العلاء قرأ لفظة «السِّلْم» في القرآن كله بفتح السين، سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها، توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها. (٢) وهذا من مباحث التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن الكريم. (٣) وقد نقل هذا التفسيرَ القرطبيُّ عن الطبريِّ مع شاهده. (٤)\nأَمَّا الكسائيُّ فقد ذهب إلى أَنَّ السِّلْمَ والسَّلْمَ بِمعنًى واحدٍ، وهذا هو رأيُ أكثر البصريين، وهُما جَميعًا يأتيانِ بِمعنى الإسلامِ والمُسالمةِ. (٥) وقد يكون ما ذهب إليه هؤلاء صحيحًا من حيث اللغة، ولكن لم يأت في القرآنِ أمرٌ للمسلمينَ بالصلحِ والمسالمة مع الأعداء ابتداءً، وإنما قيل للنبي - ﷺ - أن يجنح للسِّلْمِ إذا جنحوا لها، وأَمَّا أَنْ يبتدئ بها فلا، وليس كلُّ ما صحَّ في اللغةِ صحَّ حَمْلُ معاني القرآن عليه. (٦)\n٢ - عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] (٧) ذكر ابن عطية قراءة الأعمش وابن مسعود فقال: «وقرأ الأعمش وابن مسعود (مَجْراها ومَرْساها) بفتح الميمين، وذلك من الجَرْي والرُّسُوِّ، وهذه ظرفيةُ مكانٍ. ومن ذلك قول عنترة:\n_________\n(١) المذكر والمؤنث ١/ ٤٨٦.\n(٢) انظر: السبعة ١٨٠، التيسير ٨٠، النشر ٢/ ٢٢٧.\n(٣) انظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن لعودة خليل ٢٥١ - ٢٥٤، وفكرة هذا الكتاب جيدة، غير أنه لم يستقص الدلالات في شعر الجاهلية من مظانها، واكتفى بما وجده في المعاجم وبعض كتب التفسير.\n(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٢.\n(٥) انظر: المصدر السابق ٣/ ٢٣.\n(٦) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٦٤٧.\n(٧) هود ٤١.","vol":"1","page":586},{"text":"فَصَبَرْتُ نَفْسًا عندَ ذلكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذا نفسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ (١)». (٢)\nفاستشهد بالشعر لتوجيه معنى القراءة.\n٣ - وربما اعتمد المفسر على الشعر في ترجيحه قراءةً على أُخرى، وأكثرَ من ذلك الطبري في تفسيره، وتعقبه العلماءُ في رده بعضَ القراءات التي استقر الرأيُ بعدهُ على تواترها وصحتها واتصال أسانيدها، وقد كتبت في ذلك دراسات. (٣)\nومن ذلك أن الطبري بعد أن ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] كما تقدم شيء من ذلك في مثال سابق قال أبو جعفر: «وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءة من قرأه: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدها، على مثال «فَعِيل»، كما قال ذو الإصبع العدواني:\nحَنَقًا عَلَيَّ، وما تَرى ... لي فيهمُ أَثَرًا بَئيِسا (٤)\nلأَنَّ هذا التأويلَ أَجْمعوا على أَنَّ معناه: شديدٌ، فدلَّ ذلك على صحة ما اخترنا». (٥) فقد اختار هذه القراءة دون غيرها مع كون القراءات الأخرى التي تركها صحيحة متواترة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>الاستشهاد لما يصح لغة لا قراءةً</span>.\nيوجد في القرآن الكريم بعض الألفاظ التي لها عدة أوجه صحيحة تكلمت بها العرب، غير أن القرآن الكريم اقتصر على إحداهما، ومن ثم لا يجوز القراءة إلا بما ورد.\nومن أمثلة هذه الصورة من صور الاستشهاد اللغوي ما يلي:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٤٩.\n(٢) المحرر الوجيز ٩/ ١٥٣.\n(٣) انظر: دفاع عن القراءات المتواترة في مواجهة الطبري المفسر للدكتور لبيب السعيد.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٢٣١، الأغاني ٣/ ١٠٢، ١٠٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٠١ - ٢٠٢.","vol":"1","page":587},{"text":"١ - قال الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] (١) وهو يذكر القراءات في الآية: «وقرأ بعضهم: (إنَّ الباقر) (٢)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزًا، لِمَجيئهِ في كلام العربِ وأَشعارِها، كما قال ميمون بن قيس:\nوما ذَنْبُهُ أَنْ عافَتِ الماءَ باقِرٌ ... وما إِنْ تَعافُ الماءَ إِلَّا لِيُضرَبا (٣)\nوكما قال أمية:\nويسُوقُونَ باقِرَ السَّهْلِ لِلطَّـ ... ـودِ مَهازِيلَ خَشيةً أَنْ تبورا (٤)\n- فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به، لِمُخالفتهِ القراءةَ الجائيةَ مَجيءَ الحُجَّةِ، بنقلِ مَنْ لا يَجوزُ عليه - فيما نقلوه مُجمعينَ عليه - الخطأُ والسَّهوُ والكذبُ». (٥)\nفقد بَيَّنَ الطبري أن العرب قد تسمي البقرةَ «باقرًا»، بدليل ورود ذلك في شعر مَنْ يُحتج بقوله منهم. قال الليث: «الباقرُ: جَماعةُ البَقَرِ مع راعيِها». (٦)\nغير أن هذا وإن صح لغةً إلا أنه لا يصح القراءة به، لعدم وروده بنقل صحيحٍ عن النبي - ﷺ -، وهذه قاعدة مُطَّردةٌ في القراءة، فهي سنة متبعةٌ، ولا مدخلَ للقياسِ فيها. (٧)\n٢ - قال الطبري وهو يبين القراءات في اسم «اليَسَع» في قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: ٨٦] (٨): «قرأته عامةُ قَرَأَةِ\n_________\n(١) البقرة ٧٠.\n(٢) هذه قراءة شاذة قرأ بها عكرمة ويحيى بن يعمر وابن أبي ليلى وابن أبي عبلة. انظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ١٠٥، مختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ١٤، الدر المصون ١/ ٢٨٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٩٠.\n(٤) انظر: ديوانه ٣٥.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٦) تهذيب اللغة ٩/ ١٣٧، الصحاح ٢/ ٥٩٤.\n(٧) انظر: فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٨٩ - ٤٠٣، منجد المقرئين لابن الجزري ١١٠.\n(٨) الأنعام ٨٦.","vol":"1","page":588},{"text":"الحجازِ والعراقِ: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ بلامٍ واحدةٍ مُخففةٍ. (١) وقد زعم قومٌ أنه «يَفعلُ» من قولِ القائلِ: وَسِعَ، يَسَعُ.\nولا تكاد العربُ تُدخِلُ الألفَ واللامَ على اسمٍ يكونُ على هذه الصورةِ - أعني على «يَفْعلُ» - لا يقولونَ: رأيتُ اليزيدَ، ولا أَتاني اليَحْيَى، ولا مَررتُ باليَشْكُر، إِلا في ضَرورة الشِّعرِ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّىَ به المدحُ (٢)، كما قال بعضهم (٣):\nوجَدْنا الوليدَ بنَ اليَزِيد مُبارَكًا ... شَدِيدًا بأَحْناءِ الخِلافةِ كاهِلُهْ (٤)\nفأدخل في اليزيد الألف واللام، وذلك لإدخاله إياهما في الوليد، فأتبعه اليزيد بِمثلِ لفظه». (٥) وعلى رأي الطبري تكون دخلت الألف واللام في «اليزيد» للمدح. ثم ذكر القراءة الثانية للاسم وهي «اللَّيسَع» بلامين وبالتشديد. (٦) ثم رجح القراءة الأولى لإجماع القُراء عليها.\nوالطبري قد أورد الشاهد الشعري للاستشهاد به على أن زيادة الألف واللام في «اليزيد» تكونُ في الشعرِ خاصةً دون النثر، ويُرادُ بها المدحُ، وأن الألف واللام في «اليَسَع» جُزءٌ من اسمٍ أعجميٍّ، فليست داخلةً على فعلِ «يَسَع» كما ذكر بعضهم، فاسم «اليَسَع» عند الطبري أعجميٌّ يُنطقُ على ما هو، ولا يُعلمُ دخولُ الألف واللام إِلَّا فيما جاء من أسماءِ العرب على «يَفْعَل»، وأمَّا الاسم الأعجمي فإِنَّما يُنطقُ به على ما سَمُّوا به، فإن غُيِّر منه شيءٌ إذا تكلمت العرب به، فإِنَّما يُغَيَّرُ بتقويم\n_________\n(١) هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. انظر: السبعة ٢٦٢، التيسير ١٠٤، النشر ٢/ ٢٦٠.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٢.\n(٣) هو ابن ميادة.\n(٤) انظر: ديوانه ١٩٢، وتخريجه في ١٩٥، خزانة الأدب ٢/ ٢٢٦.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥١٠.\n(٦) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف والأعمش وغيرهم. انظر: السبعة ٢٦٢، التيسير ١٠٤، النشر ٢/ ٢٦٠.","vol":"1","page":589},{"text":"حرفٍ منهُ مِنْ غَيْرِ حذفٍ ولا زيادةٍ ولا نُقصانٍ. (١)\nوللعلماء في قراءة الجمهور «اليَسَع» تأويلان:\nالأول: أَنَّهُ منقولٌ من فعلٍ مضارعٍ، والأصلُ: يَوْسَع كيَوْعِد، فوقعت الواو بين ياءٍ وكسرةٍ تقديرية؛ لأنَّ الفتحة إنَّما جيءَ بِها لأجل حرف الحلق فحذفت لحذفها في يَضَعُ، ويَدَعُ، ويَهَبُ وبابه، ثم سُمِّي به مُجرَّدًا عن ضميرٍ، وزيدت فيه الألف واللام، ويكون ذلك كزيادتها في «اليزيد» كما في بيت الشعر، أو تكون الألف واللام للتعريف بعد تنكير الاسم قبل دخولها.\nالثاني: أنَّ «اليَسَع» اسمٌ أعجميٌّ لا اشتقاق له، وهو نبيٌّ بُعِثَ بعد إِلياس ﵉، وكان تلميذًا له. (٢) وقيل: هو يوشع بن نون فتى موسى. واختاره القرطبي فقال: «والحق في هذا أنه اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس، إنما تؤخذ سماعًا، والعرب تغيرها كثيرًا، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين» (٣).\nوالطبري يرى أن «اليسع» كُلَّهُ اسمٌ أعجميٌّ، وغيره يرى أنَّ الألفَ واللام زائدتان أو معرفتان دخلتا على «يَسَع» الذي هو الاسمُ الأعجميُّ. (٤) وما ذهب إليه الطبري أولى لأَنَّ الألفَ واللام من أصل الكلمة، إذ أصلها بالعِبْريَّةِ «أِلِيشَاع». . . . . بمعنى «الله هو الخلاص»، فعُرِّبت بصورة «اليَسَع»، وعوملت لامُها مُعاملةَ لام التعريف، وهذا يوافق سُنَنَ التعريب، فقد عوملت «ال» في بعض الكلمات المُعرَّبة المبدوءة\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١١/ ٥١١ - ٥١٢.\n(٢) انظر: الإعلام بأصول الأعلام للدكتور ف. عبد الرحيم ٤٦.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٣، المعرب للجواليقي بتحقيق أحمد شاكر ٣٤٧، ٤٠٣.\n(٤) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٣٨، حجة القراءات ٢٥٩، الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٢، الدر المصون ٥/ ٢٨ - ٢٩، تفسير غريب القرآن لزين الدين الرازي ٣١٣.","vol":"1","page":590},{"text":"بهما هذه المعاملة. (١)\nوالذين قالوا بزيادة الألف واللام، منهم من يرى أن زيادتها لازمة شذوذًا كلزومها في «الآن». وقال ابن مالك: «ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان، أو ارتجاله اليسع والسموءل فإن الأغلب ثبوت «أل» فيه، وقد تحذف». (٢)\n٣ - ذكر الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] (٣) قول قتادة: وفي حرف ابن مسعودٍ (بِعِيسٍ عِيْن)، وقراءة ابن مسعودٍ هذه تنبئُ عن أَنَّ معنى الحُورِ غَيْرُ الذي ذهب إليه مجاهد - وهو أنهنَّ سُمُّوا بذلك لأَنَّ الطَّرْفَ يَحارُ فيهنَّ (٤) - لأنَّ العيسَ عند العرب جَمعُ عَيْسَاء، وهي البيضاء من الإبل، كما قال الأعشى:\nومَهْمهٍ نازحٍ تعوي الذئابُ بهِ ... كَلَّفْتُ أَعيسَ تَحتَ الرَّحْلِ نَعَّابا (٥)\nيعني بالأَعيسِ: جَمَلًا أبيض» (٦).\nوما ذكره الطبري موافق لما ذكره اللغويون من معنى الأعيس، قال الليث: «العَيَسُ والعِيسَةُ لونٌ أبيضُ مشربٌ صفاءً في ظُلمةٍ خفيَّةٍ، يقال: جَمَلٌ أعيسُ». (٧) وقال أبو عبيدة: «رَجلٌ أَعْيَسُ الشَّعَرِ: أبيضهُ» (٨).\nفيكون تسميةُ الحُورِ العِيْنِ بذلك من البياضِ لا من حَيْرَةِ الطَّرْفِ فيهنَّ كما قال مجاهد، استئناسًا بقراءة ابن مسعود التي يدل معناها على\n_________\n(١) انظر: الإعلام بأصول الأعلام للدكتور ف. عبد الرحيم ٤٧ - ٤٨، والمعرب للجواليقي بتحقيق الدكتور ف. عبد الرحيم ٧٦ - ٧٧.\n(٢) شرح الكافية الشافية ١/ ٣٢٩.\n(٣) الدخان ٥٤.\n(٤) قال مجاهد في معنى الحُورِ: «الحُورُ اللاتي يَحَارُ فيهنَّ الطَّرْفُ، بادٍ مُخُّ سُوقِهِنَّ من وراء ثيابِهنَّ، ويَرى الناظرُ وجهَهُ في كَبِدِ إحداهنَّ كالمرآةِ من رِقَّةِ الجِلْدِ وصفاءِ اللون». انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٦٥.\n(٥) انظر: ديوانه ٣٦١.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٦٦.\n(٧) تهذيب اللغة ٣/ ٩٤، الصحاح ٣/ ٩٥٤، لسان العرب ٩/ ٤٩٧ (عيس).\n(٨) المصدر السابق ٣/ ٩٤.","vol":"1","page":591},{"text":"ما تدلُّ عليهِ كلمةِ الحُورِ من معنى البياض في اللغة. قال الطبري: «وهذا الذي قاله مجاهدٌ من أَنَّ الحُوْرَ إِنَّما معناها أَنَّه يَحارُ فيها الطَّرْفُ، قولٌ لا معنى له في كلامِ العرب؛ لأَنَّ الحُورَ إِنَّما هو جَمعُ حَوراء ... والحَوراءُ إنما هي فَعْلاءُ من الحَوَرِ، وهو نَقاءُ البَياضِ، كما قيلَ للنقيِّ البياضِ من الطعامِ: الحَواريُّ» (١). وذكر مثل ذلك أهل اللغة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>الاستشهاد بالشواهد على المعاني الغريبة</span>.\nوقد يكون الاستشهاد بالشعر لغرابة المعنى الذي فسرت به الآية، فيكون ورودها في شواهد الشعر كاشفًا للمراد بها في القرآن، ومؤيدًا لتفسير من فسرها بهذا المعنى الغريب، ومن أمثلة ذلك:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] (٣) اختلف المفسرون في المقصود بقوله: ﴿مَوْبِقًا﴾، فمنهم مَنْ فَسَّرهُ بالعداوةِ، ومنهم من ذكر أنه وادٍ في جهنم، ومنهم مَنْ فسَّرَه بالمَهْلِك. قال ابن عطية: «واختلف المتأولون في قوله: ﴿مَوْبِقًا﴾، قال عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ومجاهد: هو وادٍ في جهنم يَجري بدمٍ وصديدٍ، وقال الحسنُ: ﴿مَوْبِقًا﴾ معناهُ: عداوةً، و﴿بَيْنَهُمْ﴾ على هذا ظَرفٌ ... وقال ابن عباس: ﴿مَوْبِقًا﴾ معناهُ: مَهْلِكًا، بِمنْزِلةِ موضع، وهو من قولكِ: وَبَقَ الرجلُ، وأَوبَقَهُ غيرهُ إذا أهلكهُ، و﴿بَيْنَهُمْ﴾ على هذا التأويلِ يصحُّ أن يكونَ ظَرفًا، والأظهرُ فيه أن يكون اسْمًا، بِمعنى: تواصلهم أمرًا مهلكًا لهم، ويكون ﴿بَيْنَهُمْ﴾ مفعولًا أولًا لِجَعَلْنا». (٤)\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٦٥، وانظر: تفسير الطبري (هجر) ٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩، مقاييس اللغة ٢/ ١١٥ - ١١٦، الصحاح ٢/ ٦٣٩، لسان العرب ٣/ ٣٨٥ (حور).\n(٣) الكهف ٥٢.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ١٠/ ٤١٤ - ٤١٥، تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٢٩٥ - ٢٩٨، الجامع لأحكام القرآن.","vol":"1","page":592},{"text":"غير أنَّ أبا عُبيدة ذهب إلى أَنَّ ﴿مَوْبِقًا﴾ بِمعنى: المَوعِد (١)، وقد حكاه الطبري على وجه التضعيف له فقال: «وكان بعضُ أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: المَوبِقُ: المَوعِدُ، ويستشهدُ لقيلهِ ذلك بقول الشاعر (٢):\nوحادَ شَرورَى فالسِّتَارَ فلَمْ يَدَعْ ... تِعارًا لَهُ والوادِيَيْنِ بِمَوبِقِ (٣)\nويتأَولهُ: بِموعد» (٤). وقال ابن عطية عن قول أبي عبيدة: «وعَبَّرَ بعضهم عن المَوبِقِ بالمَوعِدِ، وهذا ضعيف» (٥).\nفقد ورد تفسير المفسرين للفظةِ بِخلافِ ما ذهبَ إليهِ أبو عُبيدةَ، فلعل أبا عبيدة قد جاء بشاهدٍ من الشعرِ ليستشهدَ بهِ على هذا المعنى، لعلمهِ بغرابته، غير أن أبا عبيدة قد انفرد بهذه الرواية للبيت، كما انفرد بهذا التفسير للآية فلم يقبل المفسرون قوله.\n٢ - ورد في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] (٦) قراءات، فقرأ أبو جعفر من العشرة: ﴿لَنَحْرُقَنَّهُ﴾ (٧)، وقيل في تفسيرها: إِنَّها مِن البَرْدِ بالمَبَارِد. قال الطبري: «لنَحْرُقَنَّهُ بفتح النونِ وضمِّ الراء بمعنى لَنَبْرُدَنَّهُ بالمَبَارِدِ، مِنْ حَرَقْتُهُ أَحْرُقُهُ وأَحْرِقُهُ، كما قال الشاعر (٨):\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٤٠٦.\n(٢) هو خفاف بن نُدْبَة السُّلَمي.\n(٣) رواية الديوان:\nفَجادَ شَرُورَى فالسِّتَارَ فأصبحتْ ... تَعارُ له فالواديانِ بِمَودقِ\nوشَرورى، والستار، ويعار: مواضع في بلاد بني سُلَيم. والمَوْدِقُ: مكانُ الوَدْقِ وهو المَطَرُ. انظر: ديوانه ٧٧، الأصمعيات ٢٦\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١٥/ ٢٩٨.\n(٥) المحرر الوجيز ١٠/ ٤١٥.\n(٦) طه ٩٧.\n(٧) هي رواية ابن وردان عنه، وقراءة علي بن أبي طالب والأعمش. انظر: النشر ٢/ ٢٤١، إتحاف فضلاء البشر ١/ ١٨٨.\n(٨) هو عامر بن شقيق الضبي.","vol":"1","page":593},{"text":"بِذِي فِرْقَيْنِ يومَ بنو حَبيبٍ ... نُيُوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا (١)». (٢)\nقال الفراء: «و(لَنَحْرُقَنَّهُ) لنَبْرُدَنَّهُ بالحديد بَرْدًا، مِن حَرَقْتُ أُحْرِقُه وأَحْرِقُهُ لُغتان، وأنشدني المفضل ...». (٣)، ثم ذكر الشاهد، وعنه نقل الطبري، والزجاج وغيرهما. (٤)\nومعنى الحَرْقِ في الشاهد الشعري ليس كما ذهب إليه الطبري من أنهُ البَرْدُ بالمِبْرَدِ، وإِنَّما معناهُ مِنْ حَرَقَ البَعيْرُ نابَهُ وبنِابِهِ، إذا حَكَّهُ بغيره، قال أبو عبيد: «الحَرْقُ: حَرْقُ النَّابيْنِ أحدِهِما بالآخر، وأنشد:\nأبى الضَّيمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نَابَهُ ... عليهِ فأَفْضَى والسيوفُ مَعاقِلُهُ (٥)\nقال: وحَريقُ النَّابِ صَريفُهُ». (٦) وحَرَقَ من بابِ نَصَرَ وضَرَبَ، إذا صَرفَ بنابهِ وصَوَّتَ مِنْ غيظٍ وغضبٍ كما يصرفُ الفحلُ عند غضبه. وقد ذكر الراغب أن حَرْقَ البعيرِ بِنابهِ، استُعير مِن الحَرْقِ بِمعنى البَرْدِ بالمِبْرَد. (٧) فيكون استشهاد الفراء والطبري بالشاهد استشهادًا للمعنى الأصلي بالمعنى المَجازي المأخوذ منه. وقد أورد هذه اللفظة في كتب الغريب عدد من العلماء (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الاستشهاد لبيان ورود اللفظة في اللغة</span>.\nربما أورد المفسرون الشاهد من الشعر للاستدلال به على مُجرَّدِ\n_________\n(١) انظر: ديوان الحماسة ١٦٢، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٥٧٥.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ١٥٥.\n(٣) معاني القرآن ٢/ ١٩١.\n(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٧٥، الإغفال لأبي علي الفارسي ٢/ ٤١٦، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٧، تهذيب اللغة ٤/ ٤٤، المحتسب لابن جني ٢/ ٥٨، لسان العرب ٣/ ١٣٣ - ١٣٤ (حرق).\n(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى كما في ديوانه ١٤٣.\n(٦) تهذيب اللغة ٤/ ٤٤.\n(٧) انظر: المفردات ٢٢٩، عمدة الحفاظ للسمين ١/ ٤٥٦.\n(٨) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ٢٨١، غريب القرآن للرازي ٣٤٦، عمدة الحفاظ للسمين ١/ ٤٥٦.","vol":"1","page":594},{"text":"ورود اللفظ في لغة العرب، دون أن يتعرضوا لشرح هذه الشواهد، أو الإشارة إلى وجه الاستدلال منه، مما يدل على أن غرضهم من إيرادها هو مجرد التأكيد على ورودها في لغة العرب كما وردت في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك:\n١ - ذكر ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾ [الحجر: ٧٨] (١) أَنَّ الأيكةَ شجرةٌ، وأنَّ هذه اللفظة قد وردت في لغة العربِ وشعرها. ثم قال: «ومن الشاهدِ على اللفظةِ قولُ أميةَ بن أبي الصلت:\nكبُكا الحَمامِ على غُصو ... نِ الأَيكِ في الطيرِ الجَوانِحْ (٢)\nومنه قولُ جرير:\nوقفتُ بِهَا فهاجَ الشوقَ منِّي ... حَمَامُ الأَيكِ يُسعدُها حَمَامُ (٣)\nومنه قول الآخرِ (٤):\nألا إِنَّما الدنيا غَضارةُ أَيكةٍ ... إذا اخضرَّ منها جَانبٌ جَفَّ جانِبُ (٥)\nومنه قول الهذلي:\nمُوَلَّعَةٌ بِالطُرَّتَينِ دَنا لَها ... جَنى أَيكَةٍ يَضفو عَلَيها قِصارُها (٦)\nوأنشدَ الأصمعي:\nوما خَليجٌ من المرَّوتِ ذُو حَدبٍ ... يرمي الصعيدَ بِخُشْبِ الأَيكِ والضَّالِ (٧)». (٨)\nوالشاهد من كل هذه الشواهد التي ساقها ابن عطية هو مُجرَّدُ ورودِ لفظةِ الأيكةِ، والأَيكِ، بصيغتي المفرد والجمع في اللغة. وهي كما قال\n_________\n(١) الحجر ٧٨.\n(٢) انظر: ديوانه ١٤٥.\n(٣) انظر: ديوانه ١/ ٢٨٥.\n(٤) هو ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد.\n(٥) انظر: ديوانه ٢١.\n(٦) هو أبو ذؤيب الهذلي والشاهد في ديوان الهذليين ١/ ١٢٣.\n(٧) البيت لأوس بن حجر كما في ديوانه: ٨٣.\n(٨) المحرر الوجيز ١٠/ ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"1","page":595},{"text":"أهل اللغة تدل على اجتماع شجرٍ، قال الخليل: الأيكة غيظة تنبت السدر والأراك. (١) وقال الأزهري: «الأَيكةُ والأيْكُ: الشجرُ الملتفُّ». (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>ثانيًا - الاستشهاد النحوي</span>.\nوهو الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسائل النحو التي يوردها المفسرون، وشواهد المفسرين النحوية لا تخرج عن شواهد متقدمي النحويين كالخليل ويونس والكسائي، وسيبويه، والأخفش، والفراء.\nوقد اشتمل تفسير الطبري على مائتين وثلاثين شاهدًا شعريًا من الشواهد النحوية، وقد أورد الروايات الكوفية لهذه الشواهد، وهي مروية عند البصريين برواية مختلفة، أو يعدونها نادرة أو شاذة. (٣)\nوأما شواهد ابن عطية النحوية فقد تابع فيها سيبويه وانتصر له في كثير من المواضع من تفسيره. (٤) كما نقل عن المقتضب للمبرد. (٥) والقرطبي استوعب شواهد النحويين التي تقدمت من كتبهم مباشرة، ومن تفسير الطبري وابن عطية كذلك، ولم يخل تفسيره من بعض الآراء النحوية الخاصة. (٦)\nوللاستشهاد النحوي بالشعر صور متعددة، من أهمها في كتب التفسير ما يلي:\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ١/ ١٦٥.\n(٢) تهذيب اللغة ١٠/ ٤١٤، وانظر: لسان العرب ١/ ٢٨٩ (أيك).\n(٣) انظر: الطبري النحوي للآلوسي ٦٢.\n(٤) انظر: الدراسات النحوية في تفسير ابن عطية لياسين المحيمد ٦٥، ١٠٠.\n(٥) انظر: المحرر الوجيز ١/ ٢٤١.\n(٦) انظر: أبو عبد الله القرطبي وجهوده في النحو واللغة في كتابه الجامع لأحكام القرآن لعبد القادر الهيتي ٧٠ - ١٠٢.","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>الاستشهاد للقاعدة النحوية أو لما خرج عنها</span>.\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] (١) ذكر ابن عطية أنَّ «الميثاق» اسمٌ في موضع المصدر فقال: «مِيْثاق مِفْعال من الوثاقة، وهي الشدُّ في العَقْدِ والربطُ ونحوه، وهو في هذه الآية اسمٌ في مَوضعِ المصدرِ، كما قال عمرو بن شبيم (٢):\nأكُفرًا بعدَ رَدِّ الموتِ عَنِّي ... وبعدَ عَطَائِكَ المائةَ الرِّتاعا؟ (٣)\nأراد: بعد إعطائك». (٤) فعطاء اسم في موضع المصدر إعطاء، وقد عَمِلَ عَمَل المصدر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: بعد إعطائك المائة الرتاعَ إِيَّايَ. فكذلك «مِيثاق» اسمٌ يراد به المصدر «إيثاق» (٥)، فيكون معنى الآية: الذين ينقضون عهد الله بعد إيثاقه. وهذا الشاهد أورده شراح ألفية ابن مالك على أن العطاء اسمُ مصدرٍ عَمِلَ عَمَلَ المصدر. (٦)\n٢ - ذكر القرطبي اختلاف النحويين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] (٧)، فقد اختلفوا في موضع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ووجهِ تعلُّقِها بِمَا قبلها، وكان مِمَّا ذَكَرَ تَخطئَتَه المُبَرِّدَ لقول من قال: إن أصله (بأن لا تعبدوا)، ثم حُذفت (أَنْ) والباء فارتفع؛ لأَنَّ المبردَ لا يرى هذا التقدير، فقال القرطبي لرد هذا: «قلتُ: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحانِ، وعليهما أنشد سيبويه:\nأَلا أَيُّهذا الزَّاجري أَحضُرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشهَدَ اللذاتِ هل أَنتَ مُخْلِدي (٨)\n_________\n(١) البقرة ٢٧.\n(٢) هو القطامي التغلبي.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٦٥.\n(٤) انظر: المحرر الوجيز ١/ ١٥٦ - ١٥٧، تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٣٩.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ٩/ ٢٦٦.\n(٦) انظر: خزانة الأدب ٨/ ١٣٦.\n(٧) البقرة ٨٣.\n(٨) البيت من معلقة طرفة بن العبد، وهو في ديوانه ٣٢.","vol":"1","page":597},{"text":"بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أَنْ، والرفع على حذفها». (١)\nوقد بحثت في كتاب سيبويه فلم أجده روى هذا الشاهد إلا بالرفع فحسب (٢)، وهو مذهب البصريين الذين ينكرون عملَ أَنْ مضمرةً من غَير بَدَلٍ، ويُنكرونَ أو يؤولون روايتَه بالنصب، وهي مسألة خلافية بين المذهبين.\nقال ابن الأنباري: «فالرواية عندنا - أي البصريين- على الرفع وهي الرواية الصحيحة، وأما من رواه بالنصب فلعله رواه على ما يقتضيه القياس عنده من إعمال (أن) مع الحذف فلا يكون فيه حجة، ولئن صحت الرواية بالنصب فهو محمول على أنه توهم أنه أتى بأَنْ فنصب على طريق الغلط». (٣) فقد وَهِمَ القرطبيُّ في نسبتهِ وجهَ النَّصبِ في الشاهد لسيبويه.\n٣ - وربما يورد المفسرون الشاهد الشعري لتوضيح ما خرج عن القاعدة من الشواهد الشاذة المشهورة.\nومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٤): «ويصحُّ أن تكونَ «ماذا» اسْمًا واحدًا مُركَّبًا في موضع نصبٍ بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، فيعْرَى\nمن الضميرِ، ومتى كانت اسمًا مركبًا فهي في موضع نصبٍ، إِلَّا ما جاء من قول الشاعر (٥):\nوماذا عَسى الواشُونَ أَنْ يتحدثوا ... سِوى أَنْ يقولوا: إِنَّنِي لكِ عَاشقُ (٦)\nفإنَّ «عسى» لا تعملُ فيما قبلَها (٧)، فـ «ماذا» في موضع رفعٍ، وهو\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٣.\n(٢) انظر: الكتاب ٣/ ٩٩.\n(٣) الإنصاف ٤٥٢.\n(٤) البقرة ٢١٥.\n(٥) هو جميل بن معمر، وقيل لمجنون ليلي.\n(٦) انظر: ديوان جميل ٧٧، سرح العيون ٣٥٥، خزانة الأدب ٦/ ١٥٠ فقد نسباه للمجنون.\n(٧) سقطت عبارة: «فيما قبلها». من طبعة المغرب، والمعنى لا يستقيم بدونها، =","vol":"1","page":598},{"text":"مُركَّبٌ؛ إذ لا صلةَ لـ «ذا». (١)\nومعنى أنَّ «ماذا» في مَحلِّ رفعٍ على أَنَّها مبتدأ، والمعنى: أيُّ حديثٍ عسى الواشونَ أَنْ يتحدثوا به؟ فلا يقدرون في وشايتهم على أكثر من أن يقولوا: إِنني لكِ مُحِبُّ وعاشق. ومعنى قول ابن عطية: لا صلة لذا، أي لا تكون بمعنى الذي؛ لأن عسى لا تكون صلة للموصول الاسمي. (٢)\nوتعقبه أبو حيان فقال: «وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسمًا مركبة فهي في موضع نصبٍ إلا في ذلك البيت لا نعرفهُ. بل يجوز أن نقول: مَاذا مَحبوبٌ لك، ومَنْ ذا قائم، على تقدير التركيب، فكأنك قلتَ: ما مَحبوبٌ، ومَنْ قائِمٌ، ولا فرقَ بين هذا وبين مَنْ ذا تضر به، على تقديره: مَن تضرُّ بهِ، وجَعْلِ «مَنْ» مبتدأ». (٣)\nوقال السمين الحلبي وهو يعدد أحوال «ماذا»: «الثالثُ: أَن يُغَلَّبَ حكمُ «ما» على «ذا» فيُتركا ويصيرا بِمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في مَحلِّ نصبٍ بالفعلِ بعدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أَن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه». (٤) وهذا الكلام موافق لما ذهب إليه ابن عطية في الآية، وزاد ابن عطية باستثناء إعراب بيت الشعر على هذا الوجه، وذكر أبو حيان أنه لا يعرف هذا الإعراب في البيت. والشاهد من إيراد المثال أن ابن عطية قد أورده ليبين استثناءه من إعرابه كما في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>الاستشهاد للتوجيه الإعرابي</span>.\nأكثر ما يحتج المفسرون للتوجيه الإعرابي عند توجيههم للقراءات\n_________\n= واكتفى المحقق بذكرها في الحاشية كنسخة أخرى. انظر: ٢/ ١٥٨.\n(١) المحرر الوجيز (ط. قطر) ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، (ط. المغرب) ٢/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٢) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٥١.\n(٣) البحر المحيط ٢/ ١٥١.\n(٤) الدر المصون ١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":599},{"text":"المختلفة نحويًا، وأكثر ما يكونُ ذلك في كتبِ الاحتجاج للقراءات، وكتب إعراب القرآن، وهي حافلة بالشواهد النحوية. (١) ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير:\n١ - في تفسير الطبري عند قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] (٢) ذهب الطبري إلى أنَّ «ما» في الآية اسمٌ موصولٌ منصوبٌ بالفعل (يَختار)، وأنها بمعنى (الذي)، ثم يتساءل عن خبر كان فيقول: «فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أَنَّ ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوب بوقوع (يَختار) عليها فأين خَبَرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد علمت أن ذلك إذا كان كذلك كما قلت، أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا من ﴿مَا﴾، ولا بد لكان إذا كان كذلك من تمام، وأين التمام؟\nقيل: إن العرب تجعل لحروف الصفات (٣) إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانًا أخبارًا كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها. ذكر الفراء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة:\nأَمِنْ سُميَّةَ دَمعُ العينِ تَذريفُ ... لو كانَ ذا منكَ قبلَ اليومِ مَعروفُ (٤)\nفرفع «معروفًا» بحرف الصفةِ - وهو مِنْ -، وهو لا شكَّ خَبَرٌ لـ (ذا)، وذكر أنَّ المفضلَ أنشده ذلك:\nلو أَنَّ ذا منكَ قبلَ اليوم معروفُ». (٥)\nوتقدير الآية على ما ذهب إليه الطبري: «ما كان لهم الخيرة فيه».\n_________\n(١) انظر: الحجة في القراءات السبع للفارسي ٧/ ٢٤٢، المحتسب لابن جني ٢/ ٤٤١ - ٤٧٣، أعراب القرآن للنحاس ١/ ٦٨٣ وقد اشتمل على ٦٠٢ من شواهد الشعر معظمها نحوية.\n(٢) القصص ٦٨.\n(٣) هي حروف الجر في اصطلاح أهل الكوفة.\n(٤) انظر: ديوانه ٩١، وروايته فيه كما أنشده المفضل.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٢٩٩ - ٣٠٠.","vol":"1","page":600},{"text":"وقد تعقب ابن عطية الطبريَّ، وذكر أنه لا يتجه قوله في البيت إلا على رواية القاسم بن معن، ويكون في (كان) ضمير الشأن، فأما في الآية فلا، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور محذوف. (١) فهذا من الاستشهاد للمسائل النحوية عند الطبري وهو كثير. (٢)\n٢ - وقال الطبري وهو يناقش قراءة حمزة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣): حيث قرأها: ﴿إِلَّا أَنْ يُخَافا﴾ اعتبارًا بقراءة ابن مسعود لها، فقال الطبري: «وقراءة ذلك كذلك اعتبارًا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ، وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه، فإنما أَعملَ الخوفَ في أَنْ وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعٍ صحتُهُ، كما قال الشاعر (٤):\nإذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُروِّي عِظامي بعدَ موتي عُروقُها\nولا تَدفِنَّنِي بالفلاةِ فإِنَّني ... أَخافُ إذا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَها (٥)\nفأمَّا قارئهُ (إِلَّا أَنْ يُخَافا) بذلك المعنى، فقد أعمل في متروكةٍ تسميتُهُ، وفي «أَنْ» فأعمله في ثلاثة أشياء:\nالمتروك الذي هو اسمُ ما لم يُسمَّ فاعله، وفي «أن» التي تنوب عن شيئين، ولا تقول العرب في كلامها: ظَنَّا أَنْ يقُوما. ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة، على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك، اعتبارًا بقراءة عبد الله الذي وصفنا، ولكن على أن يكون مرادًا به إذا قرئ كذكل: إلا أن يخافا بأن لا يقيما حدود الله، أو: على أن لا يقيما حدود الله، فيكون العامل في «أَنْ» غير الخوف، ويكون الخوف عاملًا\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز ١٢/ ١٨٢، البحر المحيط ٧/ ١٢٩، الدر المصون ٨/ ٦٩٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢٩٨، ٣٢٩، ٤٠٤، ٥٦٩، ٢/ ١٤٩، ٨/ ٢١٠، ٢٩٨، ٩/ ٣٠ - ٣١، ١١/ ٢٤٢، ١٢/ ٩٤، ١٣/ ١٧٥، ٤٧٨، ١٥/ ٢٠٦، ٤٩٧، ١٦/ ٢١، ١٩٨، ٢٢١، ٢٩٤، ٣٢١.\n(٣) البقرة ٢٢٩.\n(٤) هو أبو محجن الثقفي.\n(٥) انظر: ديوانه ٢٣.","vol":"1","page":601},{"text":"فيما لم يسم فاعله، وذلك هو الصواب عندنا من القراءة». (١)\n٣ - أورد القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٢) ثم ذكر أقوال النحويين في إعراب: ﴿الَّذِينَ﴾ واستحسن قول الفراء (٣) والأخفش (٤) في كونها فاعلًا للفعل «أَسرَّ»، حيث دلَّلَ على صحة ذلك بورود ما يشبهه في القرآن الكريم، والشعر فقال: «وهو حَسَنٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] (٥) وقال الشاعر (٦):\nبِكَ نالَ النِّضالُ دونَ المساعِي ... فاهتدينَ النِّبالُ للأغراضِ (٧)\nوقال آخرُ (٨):\nولكنْ دِيافِيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ ... بِحَورانَ يَعْصِرنَ السَّليطَ أَقَارِبُهْ». (٩)\nوالبيت الأول لأبي تمام، وهو شاعرٌ مُحدَثٌ لا يستشهدُ بشعره في مثل هذه المسألة، ولكن القرطبي قرنه بالذي بعده وهو للفرزدق. والشاهد في البيت قوله: فاهتدينَ النِّبَالُ، قال التبريزي في شرحه: «قد مر القول في أَنَّهُ يُرَدِّدُ مثلَ هذا الفعلَ الذي يتقدمُ فيه الضميرُ قبلَ الذكرِ، وهو عَربيُّ إلا أَنَّه قليلٌ» (١٠).\nوأما الشاهد في البيت الثاني فقوله: يعصرن السليط أقاربُه. وهو من شواهد سيبويه (١١)، وشرحه البغدادي فقال: «فأقاربه فاعلُ يَعْصِرُ،\n_________\n(١) تفسير الطبري شاكر) ٤/ ٥٥١.\n(٢) الأنبياء ٣.\n(٣) انظر: معاني القرآن ٢/ ١٩٨.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٢/ ٤٤٧.\n(٥) المائدة ٧١.\n(٦) هو أبو تمام حبيب بن أوس.\n(٧) انظر: ديوانه ٢/ ٣١٣.\n(٨) هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. انظر: ديوانه ١/ ٤٦.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.\n(١٠) شرح ديوان أبي تمام للتبريزي ٢/ ٣١٣، ومثله المتنبي فإنه يكثر من استعمال هذا الإسلوب في شعره كما ذكر ابن الشجري في أماليه ١/ ٢٠١.\n(١١) انظر: الكتاب ٢/ ٤٠.","vol":"1","page":602},{"text":"والنون علامةٌ لكونِ الفاعل جَمعًا، كتاء التأنيث». (١) وهذا الذي ذهب إليه البغدادي أحد الأوجه في إعراب هذه الجملة. وقد اشتهرت هذه المسألة عند النحويين بمسألة «أكلوني البراغيث». وقد ذكر السيرافي في شرح كتاب سيبويه: في قولهم: «أكلوني البراغيث». ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامةً تؤذنُ بالجماعةِ وليست ضميرًا، ويكون الاسم الظاهر بعدها فاعلًا، وهذا الذي اختاره البغدادي كما تقدم.\nوالثاني: أن تكون البَراغيثُ مبتدأً، وأكلوني خَبَرًا مُقدَّمًا، فالتقدير: البراغيثُ أكلوني.\nوالثالث: أن تكون الواو ضميرًا على شَرطِ التفسيرِ، والبَراغيثُ بَدلًا من الضمير. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>الاستشهاد للوجه المرجوح</span>.\nقد يورد المفسرون الشواهد من الشعر لبيان شاهد الوجه المرجوح ودليله الذي استدل به، إما نقلًا عن القائل به، أو نيابة عنه في ذلك لاستكمال أوجه المسألة. ومن أمثلة ذلك:\n١ - ذكر الطبري أوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) فذكرَ أَنَّ عامةَ قرأَةِ الحِجازِ والعراقِ قرأوا بالرفعِ ﴿إِلَّا أَنْ تكونَ تَجارةٌ حاضرةٌ﴾ وقرأها عاصمُ وحدَهُ بالنَّصْبِ (٤)،\n_________\n(١) خزانة الأدب ٥/ ٢٣٤.\n(٢) انظر: أمالي ابن الشجري ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، كتاب سيبويه، ١/ ٧٨، ٣/ ٢٠٩، مجاز القرآن ١/ ١٠١، ٢/ ٣٤، الأصول لابن السراج ١/ ٧١، ١٣٦، ١٧٢، ٢/ ٨٢، المذكر والمؤنث لابن الأنباري ١/ ٤٩٠، شرح الكافية الشافية لابن مالك ١/ ٥٧٧، خزانة الأدب ٥/ ٢٣٤، ٧/ ٣٤٦، ٩/ ٢١٨، كتاب الشعر للفارسي ٢/ ٤٧٣ وقد استوفى المحقق تخريج هذه المسألة.\n(٣) البقرة ٢٨٢.\n(٤) قراءة الرفع هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: السبعة ١٩٤.","vol":"1","page":603},{"text":"فقال الطبري: «وانفرد بعضُ قرأة الكوفيين بقراءته بالنصب ... وذلك وإن كان جائزًا في العربية إذ كانت العرب تنصب النكرات المنعوتات مع «كان» وتضمر معها في «كان» مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيِّبًا فأتِنا بهِ. وترفعُها فتقولُ: إِنْ كانَ طعامٌ طيبٌ فأتِنا بهِ، فتُتْبِعُ النكرةَ خَبَرَها بِمثلِ إعرابِها- فإن الذي أختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءة بغيره، الرفع في «التجارة الحاضرة»؛ لإجماع القرأة على ذلك، وشذوذ من قرأ ذلك نصبًا عنهم، ولا يُعترضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ. ومِمَّا جاء نصبًا قول الشاعر (١):\nأَعَيْنَيَّ هَلاَّ تَبكيانِ عِفَاقا ... إذا كانَ طعنًا بينهمْ وعِنَاقا (٢)\nوقول الآخر (٣):\nوللهِ قَومي أَيُّ قَومٍ لِحُرَّةٍ ... إذا كان يومًا ذا كواكبَ أَشْنَعا (٤)». (٥)\nوهذانِ الشاهدان أوردهما الطبري لوجه النصب الذي ردَّ القراءة به، وعدَّ القراءةَ به شاذةً، مع أَنَّها قراءةٌ متواترةٌ وهي إحدى القراءات السبع. وقد انفرد الطبري برده هذه القراءاة، دون غيره من العلماء. (٦) والشاهد من المثال أنَّ الغرض من ذكر الطبري للشاهدين هو الاحتجاج لقراءةِ النَّصبِ، مع رده القراءة بها. وردُّه للقراءةِ غَيْرُ صحيحٍ، والقراءة متواترة السند، ولها وجهٌ صحيحٌ في العربية، كما في شواهد الشعر التي ذكرها وغيرها، وليس هذا موضع بسط ذلك.\n_________\n(١) لم أعثر عليه.\n(٢) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٦.\n(٣) قيل: هو عمرو بن شأس.\n(٤) انظر: الكتاب ١/ ٤٧، كتاب الشعر للفارسي ١/ ٢٣٢، خزانة الأدب ٨/ ٥٢١.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٦/ ٨٠ - ٨١، ٨/ ٤١.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٨٥، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦، الحجة لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٢٠، إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٠٠، التيسير ٨٥، النشر ٢/ ٢٣٧، المحرر الوجيز ٢/ ٣٧٠.","vol":"1","page":604},{"text":"٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] (١) ذهب الطبري إلى أَنَّ الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الأشهر الأربعة، فيكون معنى الآية: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها. واستدل على صحة تفسيره هذا بأَنَّ الله قال: ﴿فِيهِنَّ﴾ وهذا الضمير يدل على جَمعِ القِلَّةِ ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولو كان المقصود فلا تظلموا في الاثني عشر شهرًا أنفسكم، لقالَ: فلا تظلموا فيها أنفسكم. (٢)\nغير أن الطبري ذكر أن الوجه الذي ردَّه جاء في لغة العرب على قلةٍ، فقال: «فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كنايةً عن الاثني عشر، وإن كان الذي ذكرتَ هو المعروفُ في كلام العرب؟ فقد علمتَ أَنَّ من المعروف من كلامها إخراجُ كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون، وقد قال الشاعر (٣):\nأَصْبَحْنَ في قُرْحٍ وفي داراتِها ... سَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها (٤)\nولم يقل: مَعْلوفاتهنَّ، وذلك كناية عن السَّبْعِ؟\nقيل: إِنَّ ذلك وإِنْ كان جائزًا، فليس الأَفْصحَ الأعرفَ في كلامها، وتوجيهُ كلامِ الله إلى الأفصحِ الأَعرفِ، أولى من توجيههِ إلى الأَنكرِ». (٥)\nفقد أورد الطبري الشاهد للوجه المرجوح الذي ورد على قلةٍ في\n_________\n(١) التوبة ٣٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٢٤٠، معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٥.\n(٣) نسبه الفراء لأبي القمقام الفقعسي كما في معاني القرآن ١/ ٤٣٥، وقد يكون لعمر بن لجأ التيمي من أبيات له في الأصمعيات ٣٤، وجزم بنسبته له محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري ١٤/ ٢٤١.\n(٤) قُرْح: سوق وادي القرى. انظر: معجم البلدان ٤/ ٥٣، شرح الحماسة للمرزوقي ٤/ ١٨٢٢.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٢٤٠ - ٢٤١.","vol":"1","page":605},{"text":"اللغة العربية، ورجَّحَ الوجهَ الوارد في القُرآنِ؛ لأَنَّهُ هو الأعرفُ في العربيةِ. وهذا غرض من أغراض إيراد الشاهد النحوي عند المفسرين. وشواهد النحو كثيرة في كتب التفسير. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>ثالثًا - الاستشهاد البلاغي</span>.\nوالمقصود بشواهد البلاغة، ما ورد من الشعر للاستشهاد على مسائل البلاغة، وإن كان ذلك من باب التمثيل لا الاستشهاد، ولكن تسميته بالشواهد من باب التجوز لما تقدم من أن البلاغة يستشهد لها بشعر الشعراء المتقدمين والمتأخرين لتعلق الأمر بالمعاني لا بالألفاظ، والمعاني مشاعة بين الجميع. (٢) وترد شواهد البلاغة في كتب التفسير لبيان جَمال التعبير في القرآن الكريم، وإبراز صوره البيانية، وأساليبه العالية.\nوقد حفلت كتب التفسير بكثير من الشواهد الشعرية ذات الصبغة البلاغية، وهي من الأغراض الأساسيةِ للشواهد الشعرية في كتب التفسير بصفة عامة، وتتفاوت كتب التفسير محل الدراسة في العناية بها وإبرازها، فأما الإمام الطبري فقد تعرض لكثير من مسائل البلاغة في تفسيره، وأورد في أثناء كلامه كثيرًا من شواهد البلاغة، غير أنه لم يدخل في تفسيره شاهدًا شعريًا لشاعرٍ متأخرٍ عن عصور الاحتجاج، ولذلك كانت شواهده البلاغية من الشواهد المتقدمة للجاهليين والإسلاميين.\nوأما الزمخشري فقد فاقت الشواهد البلاغية في تفسيره غيرها من\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ٤/ ٨٥، ١/ ٥٩، ٢٤/ ١٣٠، ١٦/ ١١٦، الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٢٦، ٢/ ٢٩، ٢/ ٣٠٦، ١/ ٢٣٠، ١٣/ ٢٢٠، ١٣/ ٣٣٧، ٢/ ٦٠، ١٣/ ٢٢، ٨/ ٢٧٦، ١٨/ ٣٠٦، ١٨/ ٣٠٧، ١٥/ ١٤٧، ١٥/ ١٤٧، ١٤/ ٣٢٦، ٧/ ٣٨٩، ١٣/ ١٥٨.\n(٢) انظر: الخصائص ١/ ٥٤.","vol":"1","page":606},{"text":"الشواهد، وقد عُنِيَ ببيانِ أوجه شواهده البلاغية، وقد أخذ كثيرًا من شواهد سيبويه النحوية واستخدمها في مسائل بلاغية في تفسيره، ومن أمثلة ذلك، قول النابغة الذبياني:\nولا عيبَ فيهِمْ غيرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائِبِ (١)\nفقد قاس عليه الزمخشري أكثر من آية في الاستثناء من الشيء بما يشبه نقيضه. ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢] (٢) حيث قال: «أي: إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوًا فلا يسمعون لغوًا إلا ذلك، فهو من وادي قوله ...». (٣) وذكر الشاهد.\nوقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] (٤) قال الزمخشري: «أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان ومنه قوله ...» (٥) وذكره. وكرر الاستشهاد به على هذا الوجه، في مواضع من تفسيره. (٦) في حين أورده سيبويه في الكتاب شاهدًا على الاستثناء المنقطع، بنصب غير على الاستثناء، ومعناه: أي ولكن سيوفهم بهن فلولٌ. (٧)\nومن أمثلة الاستشهاد البلاغي في كتب التفسير ما يأتي:\n١ - ذكر الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٨) أنَّ «العرب تضربُ لِمَن سعى فيما لا يدركه مَثَلًا، بالقابض على الماء، قال بعضهم (٩):\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٠.\n(٢) مريم ٦٢.\n(٣) الكشاف ٤/ ٣٤.\n(٤) الأعراف ١٢٦.\n(٥) الكشاف ٢/ ١٣٤.\n(٦) انظر: الكشاف ٤/ ٧٣٣.\n(٧) انظر: الكتاب ٢/ ٣٢٦.\n(٨) الرعد ١٤.\n(٩) هو ضابئ البرجمي.","vol":"1","page":607},{"text":"فإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ ... كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه (١)\nيعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده، وقال الآخر (٢):\nفأَصْبحتُ مِمَّا كانَ بَيْنِي وبَيْنها ... مِن الوُدِّ مثلَ القَابضِ الماءَ باليَدِ». (٣)\nففي هذين الشاهدين البلاغيين دلالة التشبيه، وقد شرح الطبري الأول منهما، وهذا منهج عند الطبري أن يشرح الشاهد الأول ويترك ما بعده استغناء بشرح الأول، وثقةً بفطنةِ القارئ.\n٢ - وعند قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٢] (٤) فَسَّر ابن عطية السماءَ بأنَّها بِمعنى السَّحاب، وأنه: «سُمِّي بذلكَ تَجوُّزًا، لَمَّا كان يَلي السماءَ ويُقاربُها، وقد سَمُّوا المطرَ سَماءً للمُجاورةِ، ومنه قول الشاعر (٥):\nإذا نَزَلَ السماءُ بأَرض قَومٍ ... رَعيناهُ وإنْ كانوا غِضابا (٦)\nفتجوزٌ أيضًا في «رعيناهُ»، فبتوسط المطرِ جَعلَ السماءَ عُشبًا». (٧)\nوابن عطية يشير إلى ما يسميه البلاغيون المَجازُ المرسل وإن لم ينص عليه بالاسم، ومعنى البيت: إذا سقط المطرُ بأرض قومٍ فأخصبت بلادُهم، وأجدبتْ بِلادُنا، سِرْنا إليهم ورعينا نباتَهم، وإن غضب أهلها لم نُبالِ بذلك لِعزِّنا. والضمير في قوله: «رعيناه». كأَنَّه عائدٌ إلى السماء التي بِمعنى المطرِ، سُمِّي النباتُ به لأنهُ سببُ حُدُوثه بأمر الله.\n_________\n(١) الصناعتين ١٨٤، خزانة الأدب ٩/ ٣٢٣.\n(٢) هو أبو دهبل الجمحي، والشاهد في الأغاني ٧/ ١٣٩، ونُسِبَ للأحوص الأنصاري كما في حاشية ديوانه المجموع ٢٧٣، ورجَّحَ جامعُ الديوان نسبته لأبي دهبل.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٤) البقرة ٢٢.\n(٥) هو معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب.\n(٦) انظر: المفضليات ٣٥٩ وقد استوفى المحقق تخريجه، الحماسة البصرية ١/ ٢٥٢.\n(٧) المحرر الوجيز ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":608},{"text":"وربما ورد الشعر في أثناء القصص والحوادث التاريخية ونحوها، مما لا يعد غرضًا قائمًا برأسه، أو يدخل تحت الشواهد التاريخية، وقد سبقت الإشارة إليها في أنواع الشواهد الشعرية، وليست من مقصود البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الغرض الثاني: التمثل بالشعر</span>.\nالتَّمَثُّلُ تَفَعُّلٌ من تَمَثَّلَ إذا أَنشدَ بيتًا من الشعر ثم آخر. (١) والتمثل بالشعر باب واسع، أوسعُ من المَجازاتِ والكِنايات، وهو بابُ الإشارات التي قد تكون قريبةً، وقد تكون بعيدةً، ويقوم هذا البابُ على انتزاع الشعر من دوائر السياق، ونفض بعض دلالاته، وإصباغِ دلالات جديدة عليه، والخروج بالمعاني إلى مساحاتٍ أوسع، وفضاءاتٍ أَشْمل.\nوقد ذكر عبد القاهر الجرجاني وهو يدافع عن الشعر أنَّ الحسن البصري ﵀ كان يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان من أوجعها عنده:\nاليومَ عندَكَ دَلُّها وحَديثُها وغدًا لِغَيْرِكَ كَفُّها والمِعْصَمُ (٢)\nوهذا البيت قيل في مَذمَّةِ النساء، ولكنَّ الحسن البصريَّ كان ينقله إلى معانٍ أُخرى في الحث على الزهد في الدنيا، وتراهُ أَهملَ الدَّلَّ والدلالَ في البيت، وجعل ذلك كلَّهُ إشاراتٍ إلى ما يَملكُ على المرء قلبَهُ، من دُنيا، أو جاهٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ أو نحو ذلك. وهذا هو المقصود بالتمثلِ بالشعرِ. وليس هو من ضرب الأمثال وإرسالها فذاك باب آخر غير هذا.\nوذكر الزمخشري بيتين للمأمون كان يتمثل بهما في أخيه الأمين هُما:\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ١٣/ ٢٢ (مثل).\n(٢) البيت غير منسوب، وقيل: إنه للحسن البصري. انظر: أمالي الشريف المرتضى ١/ ١٦٠، دلائل الإعجاز ١٣.","vol":"1","page":609},{"text":"يا صاحبَ البَغْي إِنَّ البَغيَ مَصْرَعةٌ ... فارْبَعْ فخيرُ فِعالِ المرءِ أَعدلُهُ\nفلو بَغَى جَبَلٌ يومًا على جَبَلٍ ... لانْدَكَّ منه أَعاليهِ وأَسفلُهُ (١)\nولا يُشترطُ في التمثُّلِ بالشعرِ أن يكون بالشعر المحتج به في اللغة والنحو، وإنما يُتمثَّلُ بكل بيتٍ من الشعرِ حَمَل معنىً شريفًا، أو كان له مناسبةٌ تَعرِضُ في كتب التفسير، ولذلك يتمثل الزمخشريُّ والقرطبي وغيرهما بشعر المُحدثين والمعاصرين.\nوالتمثل بالشعر في كتب التفسير يكثر عند الزمخشري والقرطبي، ويقل عند ابن عطية، وينعدم عند الطبري. وليس هذا الغرض من أغراض الشاهد الشعري الأصلية التي يدرسها هذا البحث، فليس له ضابط متفق عليه عند العلماء، وإنما هو من الخواطر التي ترد على ذهن المفسر، وتعتمد على سعة محفوظه من الشعر، بخلاف الاستشهاد الذي قيده العلماء وضبطوه بضوابط وشروط لقبوله وصحته. ومن أمثلة التمثل بالشعر في كتب التفسير ما يلي:\n١ - قال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ [يس: ٤٤] (٢): «إلى أَجَلٍ تَموتون فيه لا بُدَّ لهم منه بعدَ النجاةِ من مَوْتِ الغَرَقِ. ولقد أحسن من قال (٣):\nولم أَسْلَمْ لكي أَبْقَى ولكنْ ... سَلِمْتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ (٤)». (٥)\nفقد تمثل الزمخشري ببيت المتنبي لمناسبته لمعنى الآية، فكما أن الآية تدل على أن من ينجو من عذاب الله بالغرق لن ينجو من الموت إذا\n_________\n(١) انظر: الكشاف ٢/ ٣٤٠.\n(٢) يس ٤٤.\n(٣) هو المتنبي أحمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٥٤ هـ.\n(٤) البيت من قصيدته الميمية في وصف الحُمَّى، ورواية الديوان:\nوإِنْ أَسْلَمْ فما أَبْقَى ولكنْ ... سَلِمْتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ\nانظر: الديوان بشرح البرقوقي ٤/ ٣٥٣.\n(٥) الكشاف ٤/ ١٨.","vol":"1","page":610},{"text":"حان الأجل، فكذلك بيت المتنبي يحمل المعنى نفسه، وهو أن الذي ينجو من المرض بالشفاء، فإنما هي نجاة مرهونة بحلول الأجل والموت.\n٢ - ومن الأمثلة قول القرطبي وهو يفسر معنى وصف الله للنبي - ﷺ - بالعبد، فقال: «وقال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال، والتسمي بها أشرف الخطط، سَمَّى نبيَّه - ﷺ - عبدًا، وأنشدوا:\nيا قومُ قَلبي عندَ زهراءِ ... يعرفهُ السامعُ والرَّائي\nلا تدْعُنِي إِلا بيَا عَبدَها ... فإِنَّهُ أشرفُ أَسْمائي (١)» (٢).\nوهذا من القرطبي تَمثلٌ بهذين البيتين لا استشهاد به، وأكثر من يستشهد بها أهل التصوف (٣).\nويكثر عند المفسرين من أهل التصوف أيراد الشعر لأغراض خاصة بأهل التصوف، ولهم في ذلك اصطلاحات خاصة بهم، ويكثر هذا عند أهل التفسير الإشاري، ومعظم هذه الأشعار تشتمل على معاني الحب والشوق والغرام، وغرضهم من إيرادها ليس المعاني الظاهرة من الشعر، وإنما معاني أخرى، هي معاني التعلق بالله، والشوق إليه، وهذا دأب أهل التصوف فإنهم يُكثرونَ من الاستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية، ويجري ذلك في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم، «فينتزعون معاني الأشعار، ويضعونها للتخلق بمقتضاها، وهو في الحقيقة من المُلَحِ؛ لما في الأشعار الرقيقة من إمالة الطباع، وتحريك النفوس إلى الغرض المطلوب، ولذلك اتخذه الوعاظ ديدنًا، وأدخلوه في أثناء وعظهم» (٤).\n_________\n(١) غير منسوبين.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٦١.\n(٣) ذكر المقري أن أبا العباس المرسي المتصوف كان كثيرًا ما ينشدهما. انظر: نفح الطيب ٣/ ١٢٤.\n(٤) الموافقات للشاطبي ١/ ١١٦.","vol":"1","page":611},{"text":"ومن هذه التفاسير تفسير «لطائف الإشارات» للقشيري (ت ٤٦٥) الذي لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من التمثل بالشعر. ومن أمثلة ذلك في تفسير القشيري عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] (١) قال القشيري: «إِنَّما يُحمَلُ جَميلُ المِنَّةِ من الحق سبحانه، فأمَّا من الخلق فليس لأحدٍ على غيره مِنَّةً، فإِنَّ تَحمُّلَ المِنَنِ من المخلوقين أَعظمُ مِحْنةً، وشهودَ المِنَّةِ من الله أعظمُ نعمةٍ، قال قائلهم (٢):\nليسَ إجلالُكَ الكبارَ بِذُلٍّ ... إِنَّما الذُّلُّ أَنْ تُجِلَّ الصغارا (٣)» (٤).\nوالأمثلة على ذلك عند القشيري كثيرة (٥)، وقد بلغ عدد الشواهد الشعرية في تفسير القشيري (٦٨٣) شاهدًا شعريًا ساقها كلها مساقًا إشاريًا، غير المعنى الظاهر منها.\n_________\n(١) البقرة ٢٦٤.\n(٢) لم أقف على القائل.\n(٣) انظر: الكشكول للعاملي ٢٤٥.\n(٤) لطائف الإشارات ١/ ١٩٠.\n(٥) انظر: لطائف الإشارات ١/ ١٦، ١٧، ١٨، ٢١، ٢٨، ٣١، ٣٣، ٣٧، ٤١، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٩، ٥١، ٥٥، ٦٠، ٦١، ٦٣، ٦٨، ٨١، ٨٣، ٨٩، ١١٨، ١٢١ وغيرها.","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب المعاني والغريب</span>.\nالمبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب المعاني وأصحاب كتب الغريب.\nالمبحث الثاني: الفرق بين كتب المعاني وكتب الغريب.\nالمبحث الثالث: منهج أصحاب المعاني والغريب في إيراد الشاهد الشعري.\nالمبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند أصحاب المعاني والغريب.\nالمبحث الخامس: منهج أصحاب المعاني والغريب في توثيق الشاهد الشعري.\nالمبحث السادس: الفرق بين مناهج أصحاب هذه الكتب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري.\nالمبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب المعاني والغريب.","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب «معاني القرآن» و«غريب القرآن»</span>.\nصنَّفَ المتقدمون من عُلماءِ اللغة كتبًا في تفسير القرآن الكريم وبيان معانيه، وكانت هذه المصنفات إجابةً لحاجة المتأدبين، وما يدور في مجالس العلم والأدب، ومجالس الخلفاء والأمراء (١)، عن مسائل تتصل بالقرآن الكريم ومعانيه وإعرابه، فتصدى العلماء حينها لوضع هذه المصنفات، وتعددت أسماءُ هذه المصنفات في القرن الثاني للهجرة، فسَمّاها بعضهم «معاني القرآن» وقد ذُكِرَت مصنفاتٌ بهذا العنوان لأبي عبيدة والفراء والأخفش والكسائي والرؤاسي وغيرهم، وقد أحصاها بعض الباحثين فبلغت أربعة وثلاثين مصنفًا (٢)، ومنهم من صنف تحت اسم «غريب القرآن»، وهم كثير، وقليل منهم من خرج عن هذه التسمية وإن كان المضمون متشابهًا. (٣)\nوقد تعرض البحثُ لدراسة مناهج مؤلفي عدد من كتب معاني القرآن وغريبه في الاستشهاد بالشاهد الشعري، وأثر الشاهد الشاهد الشعري في هذه الكتب، لكونِها تُمثِّلُ النواةَ الأُولى لكتب التفسير المطولة (٤)، وهي\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٥/ ٢٦٢، ١٩/ ١٥٨، طبقات اللغويين للزبيدي ١٤٥، إنباه الرواة ٢/ ٣٧.\n(٢) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١١٢ - ١٣٠.\n(٣) انظر: الفهرست ٣٧، البرهان في علوم القرآن للزركشي ١/ ٣٨٨ فقد استوفى محقق الكتاب د. يوسف المرعشلي المصنفات في غريب القرآن، وليوسف المرعشلي كتاب بعنوان: «غريب القرآن: نشأته وتطوره».\n(٤) انظر: المعجم العربي ٣٦.","vol":"1","page":614},{"text":"أهم مصادر التفسير اللغوي للقرآن الكريم. (١) وقبل الشروع في تناول المباحث المتعلقة بمناهجهم أُبَيِّنُ المقصودَ بـ «معاني القرآن» و«غريب القرآن» في اللغة والاصطلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>أولًا: كتب معاني القرآن</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>أ - التعريف اللغوي:</span>\nترجع دلالة كلمة «معنى» في اللغة إلى ثلاثة أصول، منها ظُهورُ شَيءٍ وبُروزُه (٢)، ولا يَحصلُ إِلا بعد البحثِ والتفتيشِ عنهُ، ولذلك يقول ابن فارس: «والذي يدل عليه قياسُ اللغة أَنَّ المعنى هو القصدُ الذي يَبْرُزُ ويظهرُ في الشيء إذا بُحِثَ عنه. يقال: هذا معنى الكلامِ، ومَعنى الشِّعْرِ، أي: الذي يَبْرُزُ من مَكنونِ ما تضمَّنَه اللفظُ». (٣) والمعنى في اللغة هو إظهار ما تضمنه اللفظ بعد البحث وبيان المراد منه. (٤)\nوقد رُوي عن ثعلب أنَّ المَعنى، والتفسير، والتأويلَ واحدٌ (٥)، في حين فرَّق بينها آخرون منهم السمينُ الحلبي بقوله: «والفرق أن التفسير هو الكشف والإيضاح ... وقد يطلق المعنى على مدلول الألفاظ، وبه يُقابلُ اللفظُ، فيقالُ: معنى كذا وكذا. وقد يراد به التقدير، كقولهم: واسأل القرية، أي أهل القرية». (٦)\nولعلَّ ابنَ فارسٍ (ت ٣٩٥) كان أقربَ إلى الصواب حين قال: «معاني العبارات التي يُعبَّرُ بِها عن الأشياءِ، ومرجعُها إلى ثلاثةٍ، وهي\n_________\n(١) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٢٥٥ - ٣٨٥.\n(٢) انظر: مقاييس اللغة ٤/ ١٤٦.\n(٣) مقاييس اللغة ٤/ ١٤٨ - ١٤٩، تهذيب اللغة ١/ ١١٠ - ١١١، وانظر: ٣/ ٢١١.\n(٤) انظر: المفردات للراغب ٥٩١، لسان العرب ٩/ ٤٤٦ (عنا).\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ٣/ ٢١٣، لسان العرب ٩/ ٤٤٦ (عنا).\n(٦) عمدة الحفاظ ٣/ ١٦٠.","vol":"1","page":615},{"text":"المعنى، والتفسير، والتأويل، وهي وإِنْ اختلفت، فالمقاصدُ بها متقاربة». (١) فهي ليست مترادفة لاختلافها من حيث الدلالة الدقيقة، وإنما متقاربة في دلالتها العامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ب - التعريف الاصطلاحي:</span>\nلم أجد للمتقدمين تعريفًا لمعاني القرآن على أنه اصطلاح، غير أنَّ النحاس الذي صنَّفَ كتابَه بعد أن اتضحَ المقصودُ بِمعاني القرآن في القرن الرابع الهجري، قد بَيَّن غايته مِنْ تصنيفِ كتابه «معاني القرآن» فقال في مقدمته: «قصدتُ في هذا الكتابِ تفسيرَ المعاني، والغريبَ، وأحكامَ القرآنِ، والنَّاسخ والمنسوخ عن المتقدمين من الأئمة، وأذكرُ من قول الجِلَّةِ من العلماء باللغةِ، وأهلِ النَّظَرِ ما حضرني، وأُبَيّنُ تصريفَ الكلمة واشتقاقها - إن علمتُ ذلك - وآتي من القراءات بِما يُحتاجُ إلى تفسير معناه، وما احتاجَ إليه المعنى من الإعراب، وبما احتجَّ به العلماءُ في مسائلَ سألَ عنها المُجادلونَ، وأُبَيِّنُ ما فيه حذفٌ، أو اختصارٌ، أو إطالةٌ لإفهامه، وما كان فيه تقديمٌ أو تأخيرٌ، وأشرحُ ذلك حتى يتبينه المتعلمُ، وينتفع به، كما ينتفعُ به العالِمُ». (٢)\nفقد أدخل النحاسُ في كتابه المعاني: التفسيرَ، وشرحَ الغريبِ، وبيان أحكام القرآن الفقهية باختصار، وذكر الناسخ والمنسوخ من الآيات، وبَيَّنَ اشتقاقَ المفردات، وذكر مسائل من مسائل البلاغة كالحذف والاختصار، والتقديم والتأخير، وغير ذلك من المسائل التي\n_________\n(١) الصاحبي ٣١٢.\n(٢) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٢، التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٢٦٤، وقد وردت أسماء مفسري السلف بكثرة في معاني النحاس، فورد اسم ابن عباس (٦٠١)، ومجاهد (٩٠٥)، وعكرمة (١٧٤)، والحسن البصري (٣٣١)، وقتادة (٦٨١)، والكسائي (٨٤)، والفراء (١٣٤)، وأبي عبيدة (١٠٢)، والأخفش (١٦)، والزجاج (٤٧). انظر: أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن للطيار ٧٨.","vol":"1","page":616},{"text":"هي ما اشتملت عليه كتب التفسير في زمنه كتفسير الطبري الذي يعد من مصادره التي اعتمد عليها.\nوقد عرَّفَه بعضُ الباحثين بأَنَّه «علمٌ يُعْنَى بشرحِ اللفظ القرآني، والاستدلال عليه، وفَهْمِ تركيبه اللغويِّ، وما لَهُ من مَعانٍ واستعمالاتٍ في اللسان العربي، وبخاصةٍ ما أشكلَ منه، واحتاجَ إلى فهمهِ بعض العناء، كما يُعنَى ببيانِ غريبِ إعرابِ القرآن، وإبرازِ ما فيه من نُكَاتٍ وفوائد واستنباطات». (١)\nوعرَّفه باحثٌ آخر بأَنَّه «البيانُ اللغويُّ لألفاظِ وأساليبِ العربيةِ الواردة في القرآن» (٢)\nوالتعريف الأول يصف مضمون الكتب التي صنفت باسم معاني القرآن، وفي إطلاقه عليه صفة «علم» شيءٌ من التجوزِ في العبارةِ، إذ إنه ليس علمًا بالمعنى الاصطلاحي لَهُ حدٌّ وثَمَرةٌ وموضوع يختص بها دونَ غيره، فلا تنطبق عليه شروط ما يُسمَّى عِلْمًا، كما في علم الفقه والنحو وغيرها (٣)، ومسائله مشتركة بين علم اللغة والنحو والتفسير، وإن كان إفراد العلماء لذكر المصنفات التي صنفت باسم معاني القرآن يوحي باستقلاله، إلا أَنه لم يحظ بالتفرد كعلم له سماته وحدوده حتى اليوم، وإنما صنفت بعض المصنفات تحت هذا الاسم ثم توقفت عام ٥٥٣ هـ بوفاة النيسابوري صاحب «إيجاز البيان». (٤) في حين استمر التصنيف في معاني القرآن بمعناها الواسع حتى اليوم في التفسير وغيره.\nويؤخذ على التعريف الثاني قصره تعريف «معاني القرآن» على بيان\n_________\n(١) مقدمة محقق إيجاز البيان للنيسابوري ١/ ١٢.\n(٢) التفسير اللغوي للدكتور ٢٦٥، أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن ٧٥.\n(٣) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٣ - ٦٩.\n(٤) انظر: الفهرست ٣٧، إيجاز البيان للنيسابوري ١/ ١٣ - ١٩، النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١١١.","vol":"1","page":617},{"text":"الدلالة اللغوية للقرآن الكريم دون غيرها، وربَّما يصحُّ هذا في مصنفات الطور الأول دون ما بعده، حيث صُنِّفَتْ كتبٌ في معاني القرآن اشتملت على الروايات المأثورة عن السلف في التفسير كما صنع أبو عبيد القاسم بن سلَّام (ت ٢٢٤) عندما شرع في عمل كتابه «معاني القرآن» وبلغ إلى سورة الحج أو الأنبياء، حيث إِنَّه جَمَع إلى ما في كتب «معاني القرآن» السابقة عليه ذكر الآثار وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء بأسانيدها. (١)\nويُعدُّ كتابُ «معاني القرآن» لأبي عُبيدٍ مرحلةً فارقةً بين مصنفات معاني القرآن في طورها الأول على يد أبي عبيدة والفراء وطبقتهما، ومن بعدهم، حيث اقتصر الأوائل على جانب اللغة والنحو في بيان دلالة ألفاظ القرآن وتراكيبه، فجاء فأضاف روايات السلف وتفاسيرهم، وحاول بذلك تجاوزَ المآخذِ التي أُخذت على أَبي عبيدةَ والفراء في كتبهم. ثم جاء بعد ذلك الزجاج (ت ٣١١)، والنحاس (ت ٣٣٨) في «معاني القرآن» فسارا على منهج أبي عبيد، في ذكر روايات السلف، غير أن عناية النحاس بها أكثر، حيث نصَّ على ذلك في مقدمته.\nوقد سُئِلَ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣) عن هذا المصطلح الذي يتكرر في بعض كتب التفسير فقال: «وحيث رأيتَ في كتب التفسيرِ «قال أهلُ المعاني» فالمرادُ به مُصنفو الكُتبِ في معاني القرآنِ، كالزجَّاجِ ومَنْ قَبله ... وفي بعض كلام الواحدي: أَكثرُ أهلِ المعاني: الفراءُ والزجاجُ وابن الأنباري قالوا كذا». (٢) وهذا الذي ذكره ابن الصلاح بيانٌ للمقصودِ\n_________\n(١) انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥، طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٠٦ - ١٠٧ وذكر أنه لم يكمله لنهي الإمام أحمد بن حنبل له عن اتخاذه أبا عبيدة والفراء أئمة يحتج بهما في معاني القرآن، في حين يفهم من كلام الخطيب البغدادي غير ذلك، مما يوهن هذه القصة عند الداوودي. انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٢) البرهان للزركشي ١/ ٣٩٤، ٢/ ٢٨٣، الإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":618},{"text":"بأهل المعاني عند ذكر بعض المفسرين المتقدمين لهم، وليس تعريفًا اصطلاحيًا للمقصود بِمعاني القرآني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>أكثر المفسرين ذكرًا لعبارة «أهل المعاني»:</span>\nاشتهر عددٌ من الصحابة والتابعين بِمعرفتهم للتفسير، وفهمهم للقرآن كعلي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما ﵃، وبهم بدأ علم التفسير يَبْرُزُ ويظهر، وصار لعلم التفسير حلقاتهُ وشيوخهُ وصُحُفُه المكتوبة منذ وقتٍ مُبَكرٍ، وكانوا يسمونهم «أهل التفسير»، ولَمّا صنَّفَ اللغويون من أهل القرن الثاني ومن بعدهم في بيان معاني القرآن الكريم لم يسموا كتبهم بتفسير القرآن، وإنما أطلقوا عليها أسماء أخرى أشهرها معاني القرآن. فعرفوا بأصحاب المعاني في كتب التفسير بعد ذلك. وقد تتبعتُ كتب التفسير المطبوعة المتقدمة على ابن الصلاح (ت ٦٤٣)، فوجدت أكثر من يكرر عبارة «قال أهل المعاني» من المفسرين (١)\nأبا المظفر السمعاني (ت ٤٨٩) (٢)، ثم جاء بعده الإمام البغوي (ت ٥١٠) (٣) فكرر\n_________\n(١) قد يكون الواحدي (ت ٤٦٨) سبق هؤلاء في كتابه «البسيط» غير أني لم أطلع على تفسيره كاملًا، حيث حقق في رسائل علمية بكلية أصول الدين بالرياض، تمكنت من الاطلاع على بعضها، ولم يظهر لي ما يدل على إكثاره من ترديد هذه العبارة فيما اطلعت عليه. وأما في كتابه الوجيز فلم يذكر أهل المعاني.\n(٢) انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني ١/ ٢٠٥، ٣٤٥، ٣٨٢، ٤٤٣، ٤٥٩، ٢/ ٨٣، ٣٤٣، ٣٤٦، ٣٥٤، ٣٧٥، ٣٩٩، ٤٠٤، ٤١٢، ٤١٤، ٤٢١، ٤٦٠، ٣/ ١٤، ٣/ ٧٥، ٨١، ٩٤، ١٢٧، ١٨١، ٢٠٩، ٢٣٩، ٢٤٤، ٢٧٥، ٣٢٦، ٣٦٠، ٣٨٩، ٣٩١، ٤٠٢، ٤٢٧، ٥٣٢، ٥٣٧، ٤/ ٧٦، ١٣١، ٢١١، ٣١٤، ٣٩٣، ٣٩٦، ٤٥١، ٥/ ٣٨، ٦٦، ٢٧١، ٢٨١، ٢٨٩، ٣١٥، ٦/ ٣٢، ١٩٨.\n(٣) مَعالم التنْزِيل ١/ ٩٥، ١٢٣، ١٦٣، ١٧٣، ١٨٨، ٢٢٤، ٢٦٥، ٣٣٩، ٣٩٢، ٢/ ٢١٨، ٢٨٥، ٤٠٢، ٤١٤، ٣/ ٥١، ٨٠، ١٠٨، ١١٧، ١٦٢، ٢٧٢، ٣/ ٣١٦، ٣٨٤، ٥٤٧، ٤/ ٦، ١٥، ٢٧، ٦٨، ٩٦، ٢٧١، ٢٨٩، ٣٦١، ٤٢٧، ٤٣٠، ٤٦٠، ٤٨٤، ٥٣٥، وانظر: البغوي ومنهجه في التفسير لعفاف عبد الغفور ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":619},{"text":"مثل هذه العبارة، وبعده الإمام ابن الجوزي (ت ٥٩٧) (١)، ثم الرازي (ت ٦٠٦). (٢)\nوبعد ابن الصلاح كان القرطبيَّ (ت ٦٧١) (٣)، من أكثر من يكرر هذه العبارة في تفسيره، ويذكرها غيرهم من المفسرين على قلةٍ. (٤)\nولم أجد الطبري ذكر أهلَ المعاني في تفسيره، مع كثرة تكراره لكلمة المعاني جَمع مَعنى، ومثله ابن عطية فلم يذكرها إلا مرة واحدة نقلًا عن مكي بن أبي طالب. وأما الزمخشري فقد استعمل كلمة المعاني جمعًا للمعنى، واستعمل كلمة أصحاب المعاني ويعني بها العِلْمَ المعروف في البلاغة، وهو «عِلْمٌ يُعرفُ به أحوالُ اللفظ العربي التي بِها يُطابقُ مقتضى الحال». (٥) وقد أشار في مقدمة تفسيره إلى أهميته للمفسر وبالغ في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المقصود بأهل المعاني عند المفسرين:</span>\nيظهر من تتبع إطلاق المفسرين المتقدمين لهذه العبارة أن المراد بها أوسعُ مِن المُصنِّفينَ تَحتَ اسم «معاني القرآن»، وإنما يعنون بها مَنْ تكلَّمَ في المعاني الدقيقة لآيات القرآن الكريم، والتي تَحتاجُ إلى دقةٍ في الاستنباط. فكأَنَّ المقصود بأهلِ المعاني أَهلُ التحقيق والنظر الدقيق دون\n_________\n(١) زاد المسير ١/ ٢٤١، ٥١٠، ٢/ ٤٥، ١٦٣، ٣/ ١١٨، ٢٩٢، ٥١١، ٤/ ٢٧٦، ٤٤٨، ٤٥٨، ٦/ ٤١، ٤٨٨، ٧/ ٨٦، ١٧٦، ٨/ ٤٣، ٨/ ٢٨٥، ٣٦٩، ٩/ ٢٢٥.\n(٢) انظر: التفسير الكبير للرازي ٨/ ٣٥، ١٢/ ١٨٦، ١٣/ ٦٦، ١٣١، ١٤٠، ١٤/ ١٦٧، ١٥/ ٣٦، ٤٦، ١٢٧، ١٤٦، ١٦/ ٣٠، ٦٨، ٧٠، ٧٩، ٩٥، ١٣٠، ١٥٨، ١٨/ ١٥٧، ١٩/ ١٥٣، ١٦١، ٢٠/ ٣٣، ٧٠، ١٣٥، ٢١/ ٢٦، ٧٠، ٣٠/ ٤، ٦، ١٦، ٢٤، ٢٠٥، ٣١/ ١٠٠.\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٩٩، ٤/ ٩٩، ٢٨٩، ٦/ ٣٤٦، ٣٨٦، ٧/ ٣٣٨ وغيرها.\n(٤) انظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود ٢/ ١١٨.\n(٥) الإيضاح للقزويني ١٢، معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب ٦٣٢.","vol":"1","page":620},{"text":"غيرهم مِمَّنْ تكلم في تفسير القرآن. سواء كان طريق الوصول لهذه المعاني الدقيقة هو اللغة، أو الجمع بين آيات القرآن، أو الاستدلال بدليلٍ خارجٍ عن ذلك على معنى من المعاني.\nوقد تنبه مُحققو كتاب «معاني القرآن» للفراء لهذا عندما أشاروا إلى أَنَّ «هذا التركيبَ يُعْنَى بهِ ما يُشْكِلُ في القرآنِ، ويَحتاجُ إلى بعضِ العناءِ في فَهمهِ، وكان هذا بإزاءِ معاني الآثارِ، ومعاني الشِّعْرِ، أو أبيات المعاني». (١)\nوقد تتبعت إطلاقات المفسرين لعبارة أهل لمعاني، فوجدت المقصود بها لا يخرج عن الأصناف التالية:\n١ - المصنفين لكتب «معاني القرآن».\nوهذا يصدق عليه قول ابن الصلاح السابق، ومن ذلك قول السمعاني الذي يُعَدُّ من أول من أكثر من ذكر هذه العبارة، فقد وردت عنده في ثلاثةٍ وخَمسينَ موضعًا، منها مواضع ذكر فيها صراحةً المقصودَ بأهل المعاني وأنهم المصنفون لكتب المعاني، مثل قوله: «وهذا قول الفراء والزجاج وأكثر أهل المعاني». (٢)\n٢ - المفسرين.\nوقد يطلق المفسرون هذه العبارة، ويقصدون بها المفسرين على وجه العموم، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم. ومن ذلك قول الرازي: «أما قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ [الانشقاق: ١٨] (٣) فاعلم أن أصل الكلمة من الاجتماع، يقال: وَسَقْتُه فاتَّسَقَ، كما يقالُ: وصلتُه فاتَّصلَ، أي جَمعتُه فاجتمع ... وأما أهلُ المعاني فقال ابن عباس: ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي: استوى واجتمعَ، وتكاملَ، وتَمَّ واستدارَ،\n_________\n(١) مقدمة تحقيق معاني القرآن للفراء ١/ ١١.\n(٢) السمعاني ٣/ ٥٣٢، ٤/ ٣١٤، ٣٩٦، ٥/ ٢٧١، ٦/ ٣٢.\n(٣) الانشقاق ١٨.","vol":"1","page":621},{"text":"وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر». (١) فأدخل ابنَ عباسٍ مع أهل المعاني، وهو من الصحابة ولم ينسبه أحد إلى أهل المعاني ممن ترجم له، ولكن لأَنَّه ممن تكلم في معاني الآيات وتفسيرها، صح إطلاق ذلك عليه باعتبار ما نقل عنه من التفسير والنظر الدقيق.\nوربما أطلقوها على مفسري التابعين، كما في قول القرطبي: «وقال جَماعةٌ من أهلِ المعاني منهم الضحاكُ والفراء في قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٢) على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء». (٣) والضحاك (ت ١٠٥) متقدمُ الوفاةِ، ويُعدُّ في طبقة مفسري التابعين (٤) ولكن لكلامه عن معاني الآيات أدخله مع أهل المعاني كالفراء.\nوربما قصدوا بها عموم أهل التفسير، كما في قول السمعاني: «وذكر الفراء عن بعض أهل المعاني أن معنى الآية يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يستمعونَ، وسائرُ النحاةِ أنكروا تقدير الباء ها هنا». (٥)\nوعندما رجعت لقول الفراء إذا هو يقول: «وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] (٦) على وجهين: فَسَّرهُ بعضُ المفسرين: يُضاعفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعونَ السمع ولا يفعلون». (٧)\nوكثيرًا ما ينسب السمعاني قولًا لأهل المعاني، وهو قول المفسرين، ومن ذلك قوله: «قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] (٨) قال أبو عبيدة: معناه إِلَّا الذينَ ينتسبونَ إلى\n_________\n(١) التفسير الكبير ٣١/ ١٠٠.\n(٢) آل عمران ٥٥.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٩٩.\n(٤) انظر: البرهان للزركشي ٢/ ٢٩٤، تفسير الضحاك للدكتور محمد شكري ١/ ٦.\n(٥) تفسير السمعاني ٢/ ٤٢١.\n(٦) هود ٣٠.\n(٧) معاني القرآن ٢/ ٨.\n(٨) النساء ٩٠.","vol":"1","page":622},{"text":"قومٍ، وأنشد فيه قول الشاعر (١):\nإذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ ... وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (٢)\nيعنى إذا انتسبت تلك القبيلة. وأنكرَ أهلُ المعاني هذا على أبى عبيدةَ، وقالوا هذا لا يستقيم في معنى هذا الاستثناء المنعُ من القتلِ، وما كان المنعُ لأجلِ النسبةِ فإِنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقاتل المشركين من قريش وإن كانوا من نسبه بل معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ [النساء: ٩٠] أَي: يُخالطونَ ويتصلونَ بقومٍ كان بينهم وبين النبي - ﷺ - موادعةٌ وعهدٌ». (٣) والذين أنكروا هذا على أبي عبيدة هم المفسرون كالطبري. (٤)\n٣ - اللغويين والنحويين.\nرُبَّما يعبر المفسرون كالسمعاني بأهل المعاني بما يوحي أنه يعني به النحويين خاصة في مثل قوله: «قال أهل المعاني من أرباب النحو» (٥) ومثل ذلك قول ابن جُزَيٍّ الكلبي: «وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس». (٦) وقال الرازي: «وهذا قولُ جَميعِ أهل المعاني والعربية». (٧) ولذلك عَرَّفت مُحققةُ «معاني القرآن» للأخفش معانيَ القرآنِ بأَنَّهُ: «التفسير النحوي للقرآن». (٨)\n٤ - البلاغيين.\nوربما عنى المفسرون بأهل المعاني أهل العناية بالبحث في بلاغة القرآن خاصة، ولا سيما ما سُمِّي بعلم المعاني منه، وكثيرًا ما ينقل\n_________\n(١) هو الأعشى.\n(٢) انظر: ديوانه ٨١\n(٣) تفسير السمعاني ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٧/ ٢٩٣، المحرر الوجيز ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٥) تفسير السمعاني ٢/ ٨٣، ٣/ ٧٥.\n(٦) التسهيل لعلوم التنزيل ١/ ١٠.\n(٧) المصدر السابق ٢١/ ٧٠.\n(٨) مقدمة تحقيق معاني القرآن للأخفش لهدى قراعة ١/ ٣٣.","vol":"1","page":623},{"text":"المفسرون عن أهل المعاني استنباطات بلاغية من تعبير القرآن تدل على إعجاز القرآن البلاغي، ومن أدلة ذلك قول الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (١): «اتفق المفسرون على أن كلمة «عسى» من الله واجبٌ، قال أهلُ المعاني: لأَنَّ لفظة «عسى» تفيدُ الإطماعَ، ومن أطمعَ إنسانًا في شيءٍ ثم حَرَمَهُ كان عارًا، والله تعالى أكرمُ مِنْ أَنْ يُطمعَ أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك». (٢)\nوأما المفسرون المتأخرون فمِمَّن كرَّر هذه العبارة الإمام الشوكاني (ت ١٢٥٠)، في سبعة مواضع من تفسيره، وهو ناقل لأكثرها من عبارات المتقدمين، وفيها مواضع عَنَى بِها أهلَ «علم المعاني» أحدِ علومِ البلاغة الثلاثة كما تقدم. (٣)\nثم جاء الألوسي (ت ١٢٧٠) في تفسيره، فكرر هذه العبارة ستًا وعشرين مرةً وهو يريدُ بِها أهلَ عِلمِ المعاني أحدِ عُلومِ البلاغةِ دون غيرهم. (٤)\n٥ - أهل الاستنباط.\nمن خلال التأمل في المقصود بعبارة «أهل المعاني» في كتب التفسير المكثرة من استعمالها، ما يؤكد أن المقصود بها أهل الاستنباط للمعاني الدقيقة من الآيات القرآنية من أهل اللغة والنحو وأهل التفسير على حد سواء. (٥) وأغلب من ينصرف له إطلاق الرازي لهذا المصطلح\n_________\n(١) الإسراء ٧٩.\n(٢) التفسير الكبير ٢١/ ٢٦.\n(٣) انظر: فتح القدير ٢/ ٨٦، ٤/ ١٤٥، ١٧٠، ٥/ ٨٧، ١٦٠، ٣٥١، ٤٣٤.\n(٤) روح المعاني ١/ ١٤٧، ٣٠٩، ٤/ ١٣٦، ٥/ ١١٠، ٧/ ٩٥، ٩/ ٨٣، ١٨٥، ١١/ ٤١، ١٢/ ١١٦، ١٦٣، ١٣/ ٢٧، ١٦٠، ١٩٠، ١٩٢، ١٤/ ٢٠، ١٩٣، ١٥/ ١٤٠، ١٤٧، ٢٢٩، ١٦/ ٦٠، ١٨/ ١٦٤، ٢٣٩، ١٩/ ١١١، ٢٦/ ١٨٦.\n(٥) انظر: تفسير السمعاني ١/ ٢٠٥، ٢/ ٣٤٣، ٣٥٣ - ٣٥٤، ٤٠٤، ٤١٢، ٣/ ٤٠٢.","vol":"1","page":624},{"text":"هو من تنسب له أقوال في استخراج المعاني الدقيقة من الآيات سواء عن طريق اللغة أو غيرها، ويدخل أصحاب كتب المعاني في ذلك دخولًا أوليًا لعنايتهم بذلك.\nوفي تعبير مكي بن أبي طالب ما يدل على ما تقدمَ مِنْ أنَّ أهلَ المعاني ليس مُختصًا بأهلِ اللغةِ خاصةً، وإنما يشمل مَنْ تكلَّم في لغة القرآن وإعراب الآيات ومعانيها وأحكامها حيث قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (١) الآية: «قال مكيُّ بنُ أبي طالب ﵁: هذه الآياتُ عند أهل المعاني مِنْ أَشكَلِ ما في القرآن إعرابًا ومعنىً وحكمًا». (٢)\nوقد أدخل المصنفون في معاني القرآن إعراب القرآن في مصنفاتهم، وبعضهم نص على ذلك في عنوانه كالزجاج، وبعضهم لم يشر إلى ذلك كأبي عبيدة، والأخفش. مما يعني دخول إعراب القرآن في معاني القرآن. (٣)\nأما النَّحاسُ فقد أفرد لكلٍّ منهما كتابًا مختصًا به، ولعله أول من فعل ذلك بشكل ظاهر، فقد خصص كتابه «معاني القرآن» لبيان المعاني وقد سبق نقلُ كلامهِ في تقديم الكتاب، وخصَّ «إعراب القرآن» بإعرابِ القُرآنِ ومسائلِ النحو فيه، فقال في مقدمته: «هذا كتابٌ أذكرُ فيه - إن شاء الله- إعرابَ القرآن، والقراءات التي تَحتاجُ أن أُبيّنَ إعرابَها والعِللَ فيها، ولا أُخليه من اختلاف النحويين، وما يُحتاجُ إليه من المعاني، وما أجازه بعضهم ومنعه بعضُهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن\n_________\n(١) المائدة ١٠٦.\n(٢) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٧٧ ولم أجد كلام مكي في المطبوع من كتبه، ولعل قوله هذا في تفسيره «التحصيل لفوائد التفصيل الجامع لعلوم التنزيل» وهو من مصادر ابن عطية المهمة في تفسيره، ولم يُطبَع بعد فيما أعلم. وانظر في تفسير هذه الآية: معاني القرآن للزجاج ٢/ ٢١٦، معاني القرآن للنحاس ٢/ ٣٨٠.\n(٣) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١٤٥ - ١٤٨.","vol":"1","page":625},{"text":"الجموع واللغات، وسَوقِ كلِّ لغةٍ إلى أصحابها». (١)\nومِمّا يؤكدُ تفريقه بين إعراب القرآن ومعانيه إشارته إلى أنه ذكر في إعراب القرآن «ما يُحتاجُ إليه من المعاني» دون الاستطراد فيها، وقوله بعد ذلك: «ولعلَّه يَمرُّ الشيءُ غَيْرَ مُشْبَعٍ، فيتوهمُ متصفحهُ أنَّ ذلك لإغفالٍ، وإنما هو لأَنَّ له موضعًا غير ذلك، ومذهبُنا الإيجازُ، والمَجيءُ بالنُّكتةِ في موضعها من غير إطالةٍ، وقصدنا في هذا الكتابِ الإعراب وما شاكلَه». (٢) وهذا تفريق واضح بين إعراب القرآن ومعاني القرآن، وكأنه يعني بالمواضع اللائقة التي ترك التفصيل فيها في كتابه هذا ما فَصَّلَه في كتابه الآخر «معاني القرآن»، حيث قد صنف «معاني القرآن» قبل «إعراب القرآن»، بدليل أنه قد وردت إحالات كثيرة في «إعراب القرآن» إلى «معاني القرآن». (٣)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-268> المطبوع من كتب «معاني القرآن»:</span>\nأفرد المؤلفون في أسماء الكتب معاني القرآن بالذكر، وذكروا عددًا من المصنفات فيه طُبع منها عددٌ قليلٌ، وفُقِد أكثرُها. فمِمّا طبع منها الكتب التالية:\n- معاني القرآن للفراء (ت ٢٠٧ هـ). (٤).\n- معاني القرآن للأخفش (ت ٢١٥ هـ) (٥).\n- معاني القرآن وإعرابه للزجاج (ت ٣١١ هـ) (٦).\n_________\n(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٦٥.\n(٢) إعراب القرآن ١/ ١٦٥.\n(٣) انظر: إعراب القرآن ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٣.\n(٤) طبع بتحقيق أحمد يوسف نجاتي، ومحمد النجار، وعبد الفتاح شلبي في ثلاثة مجلدات.\n(٥) حقق ثلاث مرات أولها تحقيق عبد الأمير الورد في رسالته للدكتوراه، ثم تلاه فايز فارس، ثم هدى قراعة، وتميز التحقيق الأخير بإحصاء نقول الطبري عن الأخفش.\n(٦) طبع في خَمسة مجلدات بتحقيق عبد الجليل شلبي.","vol":"1","page":626},{"text":"- معاني القرآن للنحاس (ت ٣٣٨ هـ) (١).\n- إيجاز البيان في معاني القرآن للنيسابوري (ت ٥٥٣). (٢)\nوأما المفقودة فكثيرة أولُها لواصلِ بن عطاء المعتزلي (ت ١٣١)، وأبان بن تغلب (ت ١٤١)، وغيرهم. (٣)\nويُعدُّ كتاب «معاني القرآن» ليحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧) من أهم كتب المعاني التي طُبعت، وهو أقدمُ كتابٍ مطبوعٍ يُمثِّلُ المذهبَ الكوفيَّ في النحو، وقد اعتمد عليه الدارسون للمدارس النحوية لتبين معالم منهج المدرسة الكوفية (٤)، ونظرًا لمكانة مؤلفه، وكثرة شواهده الشعرية التي بلغت (٧٨٥) شاهدًا، فقد خصصته بدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري، ومدى اعتماده على شواهد الشعر، وأغراض الاستشهاد بالشعر فيه، وبيان أثره في كتب التفسير التي صُنِّفتْ بعدَه فيما يخص الاستشهاد بالشعر في بيان معاني القرآن.\nوهناك كتاب آخر قريب الصلة بكتب معاني القرآن، وهو كتاب «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة، وهو حافلٌ بالشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده (٣٣٩) شاهدًا شعريًا، مِمّا جعلني أضيفه للكتب التي درستها في هذا البحث، لعلاقته بها من حيث بيان معاني الآيات المشكلة على وجه الخصوص، وكثرة الاستشهاد على ذلك بالشعر.\nومُشْكِلُ القرآن ما أَشْكَلَ فهمُه والتبَسَ لدخولهِ في شَكْلِ غَيْرِه، وهو\n_________\n(١) طُبِعَ ناقصًا لنقص مخطوطته الوحيدة بتحقيق محمد الصابوني، في جامعة أم القرى في ستة مجلدات.\n(٢) حققه الدكتور علي العبيد، وطبعته مكتبة التوبة بالرياض في مجلدين.\n(٣) انظر: الفهرست ٥٣، النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١١٢ - ١٣٠، إيجاز البيان للنيسابوري ١/ ١٣\n(٤) انظر: دراسة في النحو الكوفي من خلال معاني القرآن للفراء للمختار أحمد ديره ١٠٩ - ١٢٧.","vol":"1","page":627},{"text":"مأخوذ من الشَّكْلِ الذي هو المِثْلُ والشِّبْهُ. (١) ثم يقال لما غمض وإن لم يكن غموضه لإشكاله مُشكِلًا. وقد صنفت كتب مشكل القرآن للرد على الطاعنين في القرآن لسوء فهمهم لبعض آياته التي قد يلتبس فهمها على من لا علم عنده، ولذلك صنف أبن قتيبة وغيره من العلماء كتبًا في بيان مشكل القرآن. وقد اخترت كتاب ابن قتيبة لوفرة شواهده، وتقدمه، واعتماد العلماء عليه في مصنفاتهم وتفاسيرهم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>ثانيًا: كتب غريب القرآن</span>.\nمن أول الدراسات القرآنية التي صنف فيها العلماء غريب القرآن الكريم، وهو يُعنى ببيان مُفردات القرآن، وفيما يلي بيان للمقصود بالغريب في اللغة ثم بيان المقصود باصطلاح غريب القرآن، وإشارة إلى أهم المصنفات فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>أ - التعريف اللغوي:</span>\nالغريبُ في اللغة هو الرجلُ البعيدُ عن وطَنِهِ (٣)، ومن الكلامِ الغامضُ المُعمَّى لبُعْدِه عن الفَهْمِ والإدراك. (٤) قال الأزهريُّ: «الغريبُ من الكلامِ: العُقْمِيُّ الغامض». (٥) وذكر أهلُ اللغة أنَّ الكلامَ العُقْميَّ هو غَريبُ الغريبِ (٦) لشدةِ غُموضهِ، وفي هذا إشارة أنَّ للغرابة والخفاء درجات متفاوتة، وأن منه ما غاب المراد منه، وانقطع استعماله.\nوقال الخطَّابيُّ في تعريفه: «الغريبُ من الكلام إنما هو الغامضُ البعيدُ من الفهم، كالغريب من الناسِ إِنَّما هو البعيدُ عن الوطنِ، المنقطعُ\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (شكل) ٧/ ١٧٦.\n(٢) انظر: تأويل مشكل القرآن ٧٧.\n(٣) انظر: لسان العرب ١٠/ ٣٣ (غرب).\n(٤) انظر: العين ٤/ ٤١١، تهذيب اللغة ٨/ ١١٥.\n(٥) تهذيب اللغة ٨/ ١١٥.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٢٨٨، الصحاح ٥/ ١٩٨٨، المحكم ١/ ١٤٩.","vol":"1","page":628},{"text":"عن الأهلِ، ومنه قولك للرجلِ إذا نَحَّيتَهُ وأقصيتَه: اغْرُب عَنّي، أَي: ابعد، ومن هذا قولهم: نَوىً غَرْبَةٌ، أي بعيدةٌ ... وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر». (١) وليس للفظةِ «غَرَبَ» قياسٌ واحدٌ تدلُّ عليهِ مشتقاتها، وإنما هي عبارات متفاوتة المعنى، ولذلك قال ابن فارس فيه: «الغَين والراء والباء أصلٌ صحيحٌ، وكلمُهُ غيرُ مُنقاسةٍ، لكنَّها مُتجانسةٌ، فلذلك كتبناه على جهته مِنْ غير طلبٍ لِقياسِهِ». (٢) غير أن المعاجم لا تكاد تختلف في المقصود بالغريب من الكلام كما تقدم. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>ب- دلالة الغريب:</span>\nألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى وغموضه، قال أبوحيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين:\n- قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت.\n- وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (٤)\nوالتعريف المختار لغريب القرآن هو الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (٥)\nوكتب غريب القرآن لم تقتصر على اللفظة الغامضة البعيدة عن الفهم، وإنما تجاوزتها فذكرت مُعظَم الألفاظ التي وردت في القرآن،\n_________\n(١) غريب الحديث للخطابي ١٢.\n(٢) مقاييس اللغة ٤/ ٤٢٠.\n(٣) انظر: المحكم ٥/ ٢٩٩، أساس البلاغة ٢/ ١٥٩، تاج العروس ١/ ٤١١، المعجم الوسيط ٢/ ٦٥٣.\n(٤) تحفة الأريب ٢٧.\n(٥) انظر: تفسير غريب القرآن لزيد بن علي، مقدمة المحقق ١٠، دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج ١/ ٧٠ - ٨٩.","vol":"1","page":629},{"text":"وربما ذكر بعضُهم ألفاظًا لم ترد في القرآن. (١) ولعل إطلاق مصطلح الغريب على هذه الألفاظ التي يختلف سبب غرابتها كان بسبب بدء تدوين العلوم، والتفنن فيه، وخاصة في اللغة وعلوم القرآن، فكلما ظهرت لفظة لا يستعملها عامة الناس في آية أو حديث لأي سبب من الأسباب كأن يقتصر استعمال هذه اللفظة على جماعة من العرب لم يكن هذا المؤلف منهم فإنه يطلق عليه كلمة غريب، وبمواصلته البحث يجد له مثالًا في الشعر يؤكد عروبته، وكثرة شواهد الشعر التي تدل على معنى الغريب تدل على عدم الغرابة. وهكذا حتى تكونت هذه المصنفات المتعددة في غريب القرآن والحديث (٢).\nوذكر الزركشيُّ أن معرفة غريب القرآن هي معرفةُ المَدلولِ (٣) أي مدلول الألفاظ دون تخصيصِ الغامضِ منها، وهذا ما صنعهُ المتأخرونَ في تصانيفهم، فلم تقتصر كتب غريب القرآن على اللفظة الغريبة دون غَيْرِها، بل توسع المؤلفون في بيان المفردات التي ليست من الغَريبِ، مستشهدين على ذلك بشواهد الشعر والنثر، وربما توسعوا فتكلموا عن أساليب القرآن، وأكثر هذه الأساليب في كتب الغريب أسلوب التقديم والتأخير. (٤)\nوللغرابةِ سببٌ لا بُدَّ من مراعاتهِ عند تعريف غريب القرآنِ، وقد أشارَ إلى ذلك الخطابيُّ عندما ذكر أَنَّ الغريب من الكلام تكون غرابته لأحد سببين:\n_________\n(١) انظر: أغفل الأصفهاني في المفردات المواد التالية: زَبَنَ، غَوَطَ، قَرَشَ، كَلَحَ، هَلعَ، لَجَأَ، سَرْدَقَ، حَصَبَ، سَفَحَ، نَضَخَ، قَدوَ، مع ورودها في القرآن. انظر: عمدة الحفاظ للسمين الحلبي ١/ ٣٨ - ٣٩.\n(٢) انظر: دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج ١/ ٧٧ - ٧٨.\n(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٨٨.\n(٤) انظر: المفردات للأصفهاني ٢٦ من المقدمة، دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج ١/ ٧٧.","vol":"1","page":630},{"text":"أحدهما: أن يكون بعيدًا عن الفهم، لغموض معناه، فلا يتناوله الفهم إلا عن بُعْدٍ ومُعاناة فِكْرٍ، فيكون شبيهًا بالإلغاز.\nوالآخرُ: قلةُ الاستعمال، فيكونُ خاصًا بِمَن بَعُدت دارُه من قبائل العرب، ونأى به المَحلُّ منهم، فإذا وقعت الكلمة من كلامهم لغيرهم من العرب في الحواضر استُغرِبت، وإنما هي كلام القوم وبيانهم. (١) ولذلك فاختلاف اللهجات سبب من أسباب الغرابة، وكذلك التغير الدلالي للفظة، وغير ذلك من الأسباب التي يمكن استخراجها بتتبع كتب الغريب، ومعرفة السمات المشتركة بين ألفاظ الغريب. (٢)\nوالغموض في ألفاظ القرآن يزداد بمرور الوقت، فالغريب في وقت نزول الوحي كان قليلًا جدًا، حتى إنه لم يُحفظ من أسئلة الصحابة عن معاني ألفاظ القرآن إلا القليل، ثم لم تزل الحاجة إلى معرفة ألفاظ القرآن تزداد شيئًا فشيئًا، فكانت المصنفات الأولى صغيرة الحجم، وجيزة العبارة، ثم توسعت حتى أطالت الشرح والبيان في الكتب المتأخرة منها كالمفردات للأصبهاني، وعمدة الحفاظ للحلبي، مِمّا يعني أنَّ الزمنَ له تأثيرٌ في الحكم بغرابة الألفاظ، وشيوعها.\nوالتنبه للزمنِ والمكانِ في تعريف غريب القرآن يُفسرُ قلةَ المُفرداتِ التي رُويت عن مفسري السلف كابن عباس (ت ٦٨) وعكرمة (ت ١٠٥) ثم زيادتها عند زيد بن علي (ت ١٢٠) في كتابه المنسوب إليه، ثم زيادتها عند أبي عبيدة (ت ٢١٠) وابن قتيبة (ت ٢٧٦) وغيرهم، واستمرت في الزيادة حتى شَملت جُلَّ ألفاظ القرآن عند الأصفهاني، بل إن السمين الحلبيَّ أَخَذَ على الراغب الأصفهاني إغفاله بعض المفردات التي وردت في القرآن الكريم، مما يعني أنه كان عليه الاستقصاء.\n_________\n(١) انظر: غريب الحديث للخطابي ١/ ١٣، الصاحبي ٦٩ - ٧٠.\n(٢) انظر: دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج ١/ ٧٠ - ٨٩.","vol":"1","page":631},{"text":"ومراعاةُ الزمنِ والمكانِ يُشكِّكُ فيما نَسبهُ الفيروزأبادي لابن عباس في كتابه «تنوير المقباس»، من تفسير ألفاظ لم تكن غريبةً في زمن ابن عباس وبيئته التي عاشها. مع ملاحظة ثبات المعنى للفظة الغريبة، فالعبرة بمعناها الذي دلت عليه وقت نزول الوحي لا بعده، وقد ذكر أحد الباحثين أنَّ اللفظة الغريبة «يَختلفُ مدلولهُا مِنْ جيلٍ إلى جيلٍ، ومن بيئة إلى بيئة» (١)، ورُبَّما صح لَهُ ذلك في غير ألفاظ القرآن كما ينبغي أن تفهم وتُفسَّر (٢)،\nأما ألفاظ القرآن فلا تفهم إلا على معناها وقت نزوله، ولا تحمل على المعاني الحادثة بعد ذلك، وهذا هو سبب وقوف العلماء في قبولهم للشواهد اللغوية من الشعر وغيره على عصر متقدم دون الاستمرار في الاستشهاد بكلام المتأخرين عنه من العرب، حرصًا منهم على الاستشهاد بمن سلمت لغته وسليقته حفظًا لمعاني لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وهذا يفسر تشدد أبي عمرو بن العلاء والأصمعي في الاحتجاج بأشعار شعراء الإسلام كجرير والكميت ونحوهم كما تقدم، وإن كان العلماء خالفوهم في ذلك، واستشهدوا\n_________\n(١) انظر: علم الفصاحة العربية للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ٨٩، ٢٣٠.\n(٢) قام بعض المتأخرين بتفسير ألفاظ القرآن على معاني حادثة لم تعرفها العرب من قبل، فحرفوا معاني القرآن عن وجهها، وأدخلوا على الناس شبهات كثيرة. انظر: الكتاب والقرآن لمحمد شحرور (معنى الترتيل ١٩٧، معنى الليل ٢٠٦، شهر ٢٠٧) وغيرها ومن ذلك قوله ص ٢٠٨ في تفسير قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥] أَي أَنَّ هذا الموسم موسم إشهارِ القرآنِ سلمه الله لنا وهو سالم يتجدد كل عام ما دام هذا الكون قائمًا وسينتهي هذا الموسم بالنفخة الأولى في الصور وقيام الساعة حيث يحصل الانفجار الكوني الثاني ليتشكل على أنقاضه كون جديد فيه البعث والحساب والجنة والنار ولذا قال: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أمّا فَهْمُ ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ على أنه فجرُ الشمسِ (الصبح) فهو فهم ساذج». أهـ. وهذا الفهم الساذج -كما زعم - هو تفسير جميع المفسرين، فمن يكون هو بمقابلة الطبري والقرطبي وأمثالهم من المفسرين .. انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٥٤٨، تفسير القرطبي ٢٠/ ١٣٤، التحرير والتنوير ٣٠/ ٤٦٦.","vol":"1","page":632},{"text":"بشعرهم فيما بعد. (١)\nوهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وجه صحيح، ورَدٌّ للأمرِ إلى نِصابِه؛ ذلك أن القرآن الكريم أنزل باللسان العربي على ما هو عليه وقت نزول القرآن لا على ما آل إليه بعد ذلك. ولذلك كان اعتماد المفسرين وأصحاب غريب القرآن ومعانيه على الشعر الجاهلي دليلًا على صحة منهجهم في الاستشهاد، وحرصهم على القرآن.\nوقد تَحرَّج العلماءُ من القول في غريب القرآن، خوفًا من الوقوع في الخطأ، فكان الواحدُ منهم يُسألُ فلا يُجيبُ مع سعة روايته للغة كالأصمعي (٢)، ولذلك قال الزركشي عند\nالحديث عن غريب القرآن: «وهذا البابُ عظيمُ الخَطَرِ، ومن هنا تَهيَّبَ كثيرٌ من السلف تفسير القرآن». (٣) وقال السيوطي: «وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفنِّ، وعدم الخوض بالظنِّ، فهذه الصحابةُ - وهم العَربُ العَرْباءُ، وأصحابُ اللغة الفصحى، ومَنْ نَزَلَ القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا». (٤)\nويُعَدُّ «غريبُ القرآن» من أسبق العلوم المتعلقة بالقرآن التي صنَّفَ فيها العلماءُ (٥)، فقد نُسِبَ كتابٌ في غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄،\n_________\n(١) انظر: الشاهد المحتج به في الباب الأول ص ٨٢، التنبيهات لعلي بن حمزة البصري ٢٤٧ - ٢٥٠.\n(٢) اشتهر هذا عن الأصمعي، وقد أثنى على علمه العلماء، وكان سنيًا حسن الاعتقاد، وشكَّك في ذلك بعض الطاعنين عليه من المخالفين له في المذهب، كأبي رياش، وعلي بن حمزة البصري - وهما من الشيعة الزيدية - الذي عزا ذلك إلى سوء عقيدة الأصمعي ونفاقه ورغبته في التدليس على الناس. (كما في التنبيهات له ٢٤٨)، وقد رد عليه أبو الطيب اللغوي ودافع عن الأصمعي في مراتب النحويين ٨٤.\n(٣) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٩٨.\n(٤) الإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٥٤.\n(٥) انظر: المعجم العربي لحسين نصار ٢٦.","vol":"1","page":633},{"text":"من رواية عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤) (١)، كما تقدمت الإشارة لمسائل نافع بن الأزرق التي سأل عنها ابن عباس في الباب الأول من هذا البحث.\nفيكون ابتداء التصنيف في غريب القرآن في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، غير أن مؤرخي العلوم ذكروا أن ابتداء التصنيف في غريب القرآن كان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري في عهد أتباع التابعين، وممن ذكر له تدوين في ذلك زيد بن علي (ت ١٢٠)، وأبان بن تغلب (ت ١٤١)، وقد طُبع كتابٌ منسوب لزيد بن علي (ت ١٢٠) مؤخرًا. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>المطبوع من كتب «غريب القرآن»:</span>\nما طُبِعَ مِنْ كُتبِ غريب القرآن أكثر مما طبع من معاني القرآن، ومنها:\n١ - غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨). (٣)\n٢ - تفسير غريب القرآن لزيد بن علي (ت ١٢٠). (٤)\n٣ - مجاز القرآن لأبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى (ت ٢١٠). (٥)\n_________\n(١) يوجد ضمن مجموع برقم ٨/ ٢٨١٥ بمكتبة عاطف أفندي بتركيا، وقد كتبت في القرن الثامن. انظر: الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط - علوم القرآن - مخطوطات التفسير وعلومه ١/ ١٤.\n(٢) طبع بتحقيق الدكتور حسن الحكيم، وفي نسبته لزيد بن علي نظر؛ لأن الراوي عنه عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب متروك الحديث. انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٠، التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٣٣٢.\n(٣) نشره إسماعيل جراح اوغلي عن نسخة عاطف أفندي رقم ٢٨١٥/ ٨ بمجلة كلية الإلهيات بجامعة أنقرة عدد ٢٢، ص ٢٥ - ١٠٤.\n(٤) طبع بتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم، عام ١٤١٢ هـ.\n(٥) طبع بتحقيق الدكتور فؤاد سزكين، في مجلدين، وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة.","vol":"1","page":634},{"text":"٤ - غريب القرآن وتفسيره لليزيدي (ت ٢٣٧). (١)\n٥ - تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت ٢٧٦). (٢)\n٦ - نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز لابن عزيز السجستاني (ت ٣٣٠). (٣)\n٧ - مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ت ٤٢٥). (٤)\n٨ - تفسير غريب القرآن العظيم لمحمد بن أبي بكر الرازي (٦٦٦ هـ). (٥)\n٩ - تُحفةُ الأريبِ بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الغرناطي (٧٤٥). (٦)\n١٠ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي (ت ٧٥٦). (٧)\n١١ - تفسير غريب القرآن لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢). (٨)\nفأما كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فهو من أقدمِ كتب غريب القرآن، وأوفرها من حيث الشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده ٩٥٢.\n_________\n(١) حقق ثلاث مرات، الأولى كرسالة دكتوراه قدمها شكري أرسلان في إحدى جامعات تركيا، والثانية قام بها محمد سليم الحاج، وطبع ببيروت عام ١٤٠٥ هـ، والثالثة للدكتور عبد الرزاق حسين في بيروت ١٤٠٧ هـ. وكل هذه التحقيقات عن نسخة وحيدة محفوظة بمكتبة كوبرلي باستانبول برقم ٢٠٥.\n(٢) طبع بتحقيق السيد أحمد صقر عام ١٣٧٨ هـ.\n(٣) حققه الدكتور يوسف المرعشلي، وطبع بدار المعرفة ببيروت ١٤١٠ هـ، وحققه محمد جمران ١٤١٦ هـ.\n(٤) حقق مرات من آخرها تحقيق صفوان داوودي، الذي طبعته دار القلم عام ١٤١٢ هـ.\n(٥) طبع بتحقيق الدكتور حسين ألمالي، وطبع بأنقرة عام ١٩٩٧ م.\n(٦) حققه الدكتور أحمد مطلوب، والدكتورة خديجة الحديثي، ونشر في بغداد عام ١٩٧٧ م.\n(٧) حققه الدكتور محمد ألتونجي، وطبع بدار عالم الكتب عام ١٤١٤ هـ في أربع مجلدات.\n(٨) طبع بتحقيق محمد صبحي حلاق، وصدر عن دار ابن كثير بدمشق عام ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":635},{"text":"شاهدًا، ولذلك اخترته لدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري.\nوتسمية كتاب أبي عبيدة بمجاز القرآن قد أوقعت بعض الباحثين في الوهم حين ظنَّه كتابًا في البلاغة، وأَنَّ المقصود به دراسةُ مصطلحِ المَجازِ المعروفِ عند أهل البلاغة (١)، في حين ذكر مُحقق المَجاز أنَّ أبا عبيدة قد نُسبت لَهُ كتبٌ في «معاني القرآن» و«غريب القرآن» و«مَجاز القرآن»، وأَنَّ المقصود بها جميعًا كتابه مَجاز القرآن المطبوع، لأن كل النقول التي نسبت لأبي عبيدة في معاني القرآن وغريبه توجد في هذا الكتاب. وربما يوافق المحقق على أن غريب القرآن ومجاز القرآن واحد للأدلة التي ذكرها.\nأما أن يكون «معاني القرآن» لأبي عبيدة هو نفسه «مجاز القرآن»، فقد يُضعفُ ذلك قولُ أبي حاتم: «أخذ الأخفش كتاب أبي عبيدة في المعاني، فأسقط منه شيئًا وزاد شيئًا، وأبدل شيئًا، قال: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع من هذا؟ مَنْ أَعرَفُ بالعربية؟ أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: الكتاب لمن أصلحه وليس لمن أفسده، قال: فلم يلتفت إلى كتابه وصار مطرحًا». (٢) والموازنة بين الكتابين تُبعِدُ أن يكون معاني الأخفش مختصرًا أو تَهذيبًا لمَجاز القرآن لاختلاف المنهج والمضمون.\nوقول أبي حاتمٍ يعضُدُ قولَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ لأبي عبيدة كتابًا في «المعاني» مؤلفًا قبل «المَجاز»، هو أصلُ «معاني القرآن» للأخفش الذي صنفه بطلب من الكسائيِ المتوفى سنة ١٨٩ هـ على الأرجح، و«المَجاز» مؤلَّف سنة ١٨٨ هـ (٣). علمًا أن الكسائي قد احتذى في تصنيفه لكتابه «معاني القرآن» كتاب الأخفش (٤)، مما يعني أَنَّ الأخفش قد صنَّف كتابه\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٨.\n(٢) إنباه الرواة ٢/ ٣٧ - ٣٨.\n(٣) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١١٨.\n(٤) انظر: إنباه الرواة ٢/ ٣٧، معجم الأدباء ١١/ ٢٦، طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":636},{"text":"قبل وفاة الكسائي بِمدةٍ تسبقُ عامَ وفاة الكسائيِّ، وتُمَكِّنُ الكسائيَّ من قراءتهِ والنَّظرِ فيه ثم الاحتذاء على منواله، وقبل تصنيف أبي عبيدة لمَجاز القرآن أيضًا. (١) وكذلك فإن نص المترجمين لأبي عبيدة على تصنيفه كتابًا باسم معاني القرآن يؤكد هذا القول، ولا سيما مع تكرار نسبة هذا الكتاب وتمييزه عن مجاز القرآن. (٢)\nوالمَجاز عند أبي عبيدة هو ما يجوز في لغة العرب من تعبيرٍ عن الألفاظ والأساليب. (٣) وقد أراد أبو عبيدة من كتابه أن يفسر القرآن تفسيرًا قائمًا على اللغة، وقد ظهر هذا في اعتماده على الشواهد الشعرية في كتابه، مما دعا كثيرًا من معاصريه إلى انتقاده في منهجه هذا. فقد روي عن سلمة بن عاصم قوله: «سمعت الفراء يقول لرجلٍ: لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المجاز». (٤) وقال التوزي: «بلغ أبا عبيدة أَنَّ الأصمعي يعيبُ عليه تأليفَه المَجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر القرآن برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي، فَنَزَل عن حِماره، وسَلَّم عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال له أبو عبيدة: فسَّرتَ كتاب الله برأيك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦] (٥)، فقال له الأصمعيُّ: هذا شيءٌ بانَ لي فقلتُه، ولم أُفسِّره برأيي، فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، ثُمَّ قامَ فركبَ حِمَاره وانصرف». (٦)\nويمكن أن يستنتج من النقد الذي وجه لكتاب أبي عبيدة ما يلي:\nأولًا: صحة كونه أول من صنَّفَ في غريب القرآن بهذه الطريقة التي\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٩/ ١٥٨.\n(٢) انظر: الفهرست ٣٧.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٩.\n(٤) نزهة الألباء للأنباري ٨٧.\n(٥) يوسف ٣٦.\n(٦) نزهة الألباء ٨٨، طبقات النحويين واللغويين ١٧٦، الأضداد لابن أبي حاتم ١٠١.","vol":"1","page":637},{"text":"تعتمد على اللغة، دون الرجوع إلى أقوال السلف، بدليل تعرضه للانتقاد من معاصريه، وقد خَفَّ هذا النقد بعد ذلك، واستفاد مَنْ بَعدَهُ من كتابه هذا استفادةً ظاهرةً. حتى إنَّ أحد تلاميذ أبي حاتم السجستاني - تلميذ أبي عبيدة - سأله عنهُ، كما ذكر الزبيدي: «قال مروان بن عبد الملك: سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يُقال له المَجازُ، فقال: ما يَحلُّ لأحدٍ أن يكتبه». (١) وقال في موضعٍ آخر: «ما يحلُّ لأحدٍ أن يقرأهُ إلا على شرطِ إذا مَرَّ بالخطأ أن يُبينه ويُغيّرَه». (٢) ولكنه قرأه لتلاميذه بعد ذلك، وسمعوه منه. (٣)\nثانيًا: أن كثيرًا من النقد يرجع إلى المنافسة الشخصية بين المعاصرين، لأنَّ أبا عبيدة لم يقل برأيه وإنما هو يروي عن العَربِ، وهو ثقةٌ فيما يرويهِ، فقد وثقه علي بن المديني وصححَ روايتَه. (٤) وربما يكون قد انفرد لسعة روايته بشيء من الغريب، غير أن هذا ليس بقادحٍ في الثقة به، فقد انفرد غيرُه بأشياء من اللغة. كما أنه قد يجتهد فيقول برأيه شيئًا مبنيًا على ما عرفه من العرب، وهذا ظاهر من قوله للأصمعي: «وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا». وإن كان قد وقع في أخطاء بسبب اعتماده على اللغة دون الالتفات لتفسير السلف، إلا أنه قد رد العلماء عليه في ذلك وبينوا وجه الصواب فيها، كما انفرد ببعض الآراء الشاذة في النحو كقوله بالزيادة لبعض الأسماء، وقوله بحذف بعضها (٥)، مما لم يوافقه عليه أحد، غير أن هذا لا يقلل\n_________\n(١) طبقات اللغويين ١٩٤.\n(٢) طبقات اللغويين ١٩٤، إنباه الرواة ٣/ ٢٧٨.\n(٣) انظر: المصادر السابقة.\n(٤) انظر: تقريب التهذيب ٩٦٢، نزهة الألباء ٨٩.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠، ٢٥٧، ١/ ٦٠، ٢٤٠، ٢٨٢، النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١٥٦ - ١٧٥.","vol":"1","page":638},{"text":"من قيمة كتابه، واعتماد المفسرين عليه، وقد اعتمد عليه البخاري في صحيحه عند كلامه عن غريب القرآن. (١)\nثالثًا: كل من جاء بعد أبي عبيدة اعتمد على كتابه، من المعاصرين له كالأخفش والفراء والكسائي، أو من جاء بعده كابن قتيبة والطبري وابن عطية والقرطبي وغيرهم. بل إن كتب الغريب والتفسير عِيالٌ عليه ولا سيما في شواهد غريب القرآن من الشعر، وهذا لثقتهم برواية أبي عبيدة.\nوأما كتابُ «غريب القرآن وتفسيره» لليزيدي (ت ٢٣٧) (٢)، فليس كما وصفه من رآه، فقد ذكره القفطي في ترجمته لمؤلفه فقال: «صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن حَسَنًا في بابه، ورأيتهُ في ستةِ مُجلداتٍ، يستشهدُ على كُلِّ كلمةٍ من القرآن بأبياتٍ من الشِّعرِ، ملكته بخطه». (٣) في حين يقع المطبوع في مجلد واحدٍ صغير، وليس فيه إلا تسعة شواهد من الشعر (٤)، وهذا يعني أنه ليس كتاب اليزيدي الذي رآه القفطي، وإنما قد يكون مختصرًا منه، أو يكون ليزيدي آخر غير من نسب له الكتاب، فاليزيدون كثيرون، وصُنِّفَت في أخبارهم كُتبٌ.\nوأما غريب القرآن لابن قتيبة فقد كان له أثر بارز في الكتب المصنفة في الغريب بعده، ورُزق هذا الكتاب قبولًا عند العلماء منذ تأليفه حتى اليوم، وقد استشهد فيه بمائةٍ وواحدٍ وسبعينَ شاهدًا من الشِّعرِ، وقد درستُ منهجه في الاستشهاد ضمن كتب غريب القرآن لمكانته بين كتب الغريب.\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٧، صحيح البخاري ٤/ ١٦٢٤ - ١٩٠٠، بحوث وتنبيهات للمعصومي ١/ ٩٥.\n(٢) هو عبد الله بن يحيى بن المبارك اليزيدي، كان أديبًا عارفًا بالنحو واللغة وغريب القرآن. انظر: إنباه الرواة ٢/ ١٥١.\n(٣) إنباه الرواة ٢/ ١٥١.\n(٤) انظر: ٧٦، ١٠٨، ١٢٣، ١٥٢، ٢٠٣، ٢٥٥، ٢٨١، ٢٩٣.","vol":"1","page":639},{"text":"ثم لم يزل العلماء يصنفون في غريب القرآن حتى جاء الراغب الأصفهاني فصنف كتابه «المفردات في غريب ألفاظ القرآن»، ورتبه ترتيبًا بديعًا، جعل كثيرًا من الباحثين يضعه على رأسِ كتبِ غريبِ القرآن، ومرحلة النضج لهذه المؤلفات. ثم جاء بعد السمين الحلبي فبنى كتابه عليه، واستدرك عليه بعض المفردات التي فاتته، واستبعد بعض المفردات التي أوردها وليست في القرآن، فجاء كتابًا حافلًا في غريب القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>ترتيب كتب الغريب:</span>\nسار المصنفون في غريب القرآن في ترتيب كتبهم على طريقتين:\nالأولى: ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب السور في القرآن، مبتدأة بالفاتحة ومختتمة بالناس، وعلى هذا الترتيب سار أبو عبيدة في مجاز القرآن، وابن قتيبة في غريب القرآن، وغيرهما. وربما اختل ترتيب المفردات في السورة عند بعضهم فقدم بعض الآيات على بعض.\nالثانية: ترتيب الألفاظ القرآنية على الحروف الهجائية، وغالبها سار على الترتيب الألفبائي، مثل كتاب مفردات الراغب الأصفهاني، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي، وغيرها.\nوانفرد ابن عزيز السجستاني بترتيب مواد كتابه ترتيبًا لم يسبق إليه، حيث رتب كتابه على الحروف غير معتدٍّ بأصل الكلمة، فبدأ بالمفتوح، ثم المضموم، ثم المكسور، ورتب الألفاظ بحسب ورودها في السور، وهذه الطريقة يصعب فيها الوصول إلى اللفظ، ولم يتبعه أحد في ترتيبه هذا.\nوأما الرازي - صاحب مختار الصحاح - في كتابه تفسير غريب القرآن فقد سار على نظام التقفية كما صنع أصحاب المعاجم اللغوية، وهو ترتيب المواد اللغوية على طريقة الباب والفصل، فرتبه بحسب الحرف الأخير من الكلمة، ثم ترتيب ما ورد فيها ألفبائيًا، هكذا (بدأ،","vol":"1","page":640},{"text":"برأ، بطأ، بوأ ... الخ). (١)\nوأَمّا من حيثُ معالجةُ الألفاظِ في هذه المُصنفاتِ فمِن المؤلفينَ من أطال في الشرح والاستشهاد بالأثر والشعر مثلِ ابنِ قتيبة، ومنهم مَنْ مال إلى الاختصارِ حتى اكتفوا ببيان اللفظة بِمثلها، كالمتأخرين ولا سيما أبو حيان في «تُحفة الأريب»، ومنهم من كان يأخذُ من المُفسرينَ من السلف كابن قُتيبةَ، وسائرهم غلبت عليه النظرة اللغويةِ، فاختفت من كتبِهم أسماء مفسري السلف كمجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم، كما اعتمدوا على الشاهد الشعري منذ أولهم أبان بن تغلب البكري، ثم اعتمد ابن قتيبة على الحديث أيضًا مع الشعر. (٢)\nوأمّا الفرق بين منهج كتب «معاني القرآن» وكتب «غريب القرآن»، فيظهر بالنظر في مضمون هذه المصنفات، وقد خُصص المبحث التالي لبيان هذا الفرق.\n_________\n(١) انظر: المعجم العربي ١/ ٤١.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٤١.","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المبحث الثاني: الفرق بين كتب «معاني القرآن» وكتب «غريب القرآن»</span>.\nعُنِيَتْ كتبُ «غريب القرآن» ببيان مفردات القرآن، وعنيت كتب «معاني القرآن» ببيان التراكيب، وهذا حُكْمٌ مُجملٌ ينطبق على غالب هذه المؤلفات، غير أنَّه يوجد في بعض كتب الغريب بيان للتراكيب والأساليب القرآنية كما في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، ويوجد في كتب المعاني بيان للمفردات الغريبة. ويُمكن بيانُ الفروق بين كتب «غريب القرآن» وكتب «معاني القرآن» بالموازنة بينها في الجوانب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>أولًا: الترتيب</span>.\nمن حيث الترتيب لهذه المؤلفات، فإن جَميع كتبِ معاني القرآن المطبوعة سارتْ على ترتيبٍ واحدٍ، بحيثُ يبدأ المؤلف بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وينتخبُ من الآيات ما يرى أَنَّه في حاجةٍ إلى بيانِ معناهُ، أو توضيح غامضه، ولم يُخِلّ أيُّ كتابٍ منها بهذا المنهج، إلا ما كان من تقديم الأخفش بعض الآيات على بعضٍ أثناء كلامه عن إعرابها في بعض المواضع من معانيه، وقد غلب على كتابه الجانب الإعرابي النحوي. (١)\nأما كتب «غريب القرآن» فقد سارت على منهجين:\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للأخفش بتحقيق هدى قراعة ١/ ٣٧ - ٣٨.","vol":"1","page":642},{"text":"الأول: بحسب ترتيب القرآن في المصحف.\nفيأخذ المؤلف في بيان غريب القرآن مبتدأ بسورة الفاتحة، ومختتمًا بسورة الناس، ويتعرض للمفردات التي يراها غريبةً وفي حاجة إلى بيانٍ، وقد سار على هذا المنهج أبو عبيدة في كتابه «مجاز القرآن»، فبيَّن غريب القرآن بحسب ترتيب المصحف. وقدم بين يدي الكتاب بمقدمة مُهمّةٍ تكلم فيها عن معني لفظة القرآن والسورة والآية، ثم أعقبها بحديثٍ مختصرٍ عن أساليب القرآن اللغوية، ثم شرع في بيان غريب القرآن بعد ذلك مرتبًا.\nوسار ابن قتيبة في كتابه «غريب القرآن» على هذا المنهج فَبَيَّنَ غريبَ القرآن بحسب ترتيب السور، غير أنه قدم قبل ذلك بفصلين رأى أهميتهما، الأول بَيَّن فيه «اشتقاق أسماء الله وصفاته، وإظهار معانيها»، والثاني «باب تأويل حروف كثرت في الكتاب». (١) وهو يعني بالكتابِ القرآنَ، حيث قد تكررت هذه الألفاظ في القرآن، فأفرد ابن قتيبة هذا الفصل لبيان معانيها، حتى يغني ذلك عن تكرار بيانها، من أمثال لفظة: الجن، والإنس، والملائكة، والشيطان، والشرك، واللعن وغيرها.\nالثاني: الترتيب على الحروف.\nسار بعض كتب غريب القرآن بعد ذلك على ترتيبٍ مختلفٍ، وهو ترتيب ألفاظ القرآن على ترتيب الحروف الألفبائي أو على طريقة الجوهري في كتابه الصحاح وهو الترتيب بحسب الباب والفصل، دون النظر إلى السورة أو الآية من حيث الترتيب. وقد أصبحت هذه الطريقة في الترتيب هي السائدة في الكتب المتأخرة، وصنف عليها الراغب الأصفهاني كتابه «مفردات ألفاظ القرآن»، وبعده السمين الحلبي في «عمدة الحفاظ»، وقد تقدم بيان ذلك في المبحث السابق.\n_________\n(١) غريب القرآن ٦، ٢١.","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>ثانيًا: منهج الشرح</span>.\nعُنيَت كتبُ غريب القرآن في المقام الأول بالمفردة القرآنية دون التركيب، وإن كانت قد تتعرض للتركيب إذا كان له تأثير في معنى المفردة. وقد أكثر أبو عبيدة في كتابه «مجاز القرآن» من بيان معاني التركيب لتعلقه ببيان المفردة القرآنية الغريبة.\nفي حين عُنيت كتب معاني القرآن بالتركيب في المقام الأول ويدخل فيه الإعراب، غير أنه لمعرفة معاني التركيب لا بد من التقديم ببيان معاني اللفظة الداخلة في التركيب ولا سيما إذا كانت لفظة غريبةً، فكان تعرض كتب معاني القرآن لبيان المفردات وسيلةً لبيان التركيب النحوي للآيات القرآنية. ولا سيما أن الذين صنفوا كتب المعاني جلهم من أهل النحو، الذين اتخذوا من النص القرآني وسيلةً لبيان مذاهبهم النحوية كما صنع الأخفش في «معاني القرآن»، والفراء في «معاني القرآن»، وغيرهم.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-277> أمثلة من عناية أصحاب كتب غريب القرآن ببيان التركيب:</span>\n١ - ومن أمثلة عناية كتب غريب القرآن ببيان التركيب ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] (١) حيث قال أبو عبيدة: «﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ هذا بابُ تفهيمٍ، وليس باستفهامٍ عن جَهلٍ لِيَعْلَمَهُ، وهو يَخرُجُ مَخرَجَ الاستفهام، وإِنَّما يُرادُ به النهي عن ذلك، ويتهدد به، وقد عَلِمَ قائلُهُ أكان ذلك أَمْ لم يكن. ويقول الرجلُ لعبده: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أَنَّه لم يفعلهُ، ولكنْ يُحذِّرُه، وقال جرير:\nأَلستُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأَنْدى العالَمِين بُطُونَ راحِ (٢)\n_________\n(١) المائدة ١١٦.\n(٢) انظر: ديوانه ٩٧.","vol":"1","page":644},{"text":"ولم يستفهم، ولو كان استفهامًا ما أعطاه عبد الملك مائة من الإبل برعاتها». (١)\nفقد وقف أبو عبيدة عند أسلوب الاستفهام في الآية وخروجه عن معنى الاستفهام إلى معنى النهي، واستشهد عليه بالشعر.\n٢ - وقال أبو عبيدة في موضعٍ آخرَ وهو يُبَيّن الالتفاتَ في سورة الفاتحة: «ومَجازُ مَنْ جَرَّ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٢) أَنَّهُ حَدَّث عن مُخاطبةِ غائبٍ، ثُمَّ رَجَعَ فخ اطبَ شاهدًا فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٥، ٦]. قال عنترةُ بنُ شدادٍ العبسيِّ:\nشَطَّتْ مَزارُ العاشقينَ فَأَصْبَحَتْ ... عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ (٣)\nوقال أبو كبيرٍ الهذليُّ:\nيا لَهْفَ نفسيَ كانَ جِدَّةُ خالدٍ ... وبَياضُ وَجهكَ للترابِ الأَعْفَرِ (٤)». (٥)\nوهذا بيان لأسلوب الالتفات في الآيات الكريمة، وله أمثلة أخرى في القرآن الكريم (٦)، وهو أسلوب عربي له أمثلة كثيرة في الشعر العرببي، اكتفى أبو عبيدة بشاهدين منها. والالتفات عند البلاغيين هو «انصرافُ المتكلِّمِ عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك». (٧) وله تعريفات أخرى غير أنَّ أَيَّ انتقالٍ من أسلوبٍ من أساليبِ الخطابِ إلى آخر يعد نوعًا من الالتفات، مأخوذ من التفات الرجل من جهةٍ إلى جهةٍ.\n٣ - ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ١٨٣.\n(٢) الفاتحة ٤.\n(٣) انظر: ديوانه ٢٧.\n(٤) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٠١.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٢٣.\n(٦) كما في الآية من سورة يونس.\n(٧) البديع لابن المعتز ٥٨، العمدة في صناعة الشعر ونقده ٢/ ٤٦، معجم المصطلحات البلاغية لمطلوب ١٧٤.","vol":"1","page":645},{"text":"نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]﴾ (١): «أي: ليس يَنْقِمون شيئًا، ولا يعرفون من الله إلا الصُنْعَ الجميلَ، وهذا كقول الشاعر (٢):\nما نَقِمَ الناسُ مِنْ أُميَّةَ ... إِلَّا أَنَّهمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبوا\nوأَنَّهمْ سادةُ المُلوكِ فلا ... تصلحُ إِلَّا عليهمُ العَرَبُ (٣)\nوهذا ليس مِمّا يُنْقَمُ، وإِنَّما أراد أَنَّ الناس لا يَنقمون عليهم شيئًا. وكقول النابغة:\nولا عَيْبَ فيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ (٤)\nأي: ليس فيهم عيبٌ». (٥) وابن قتيبة يشير إلى أسلوبٍ بلاغي عرف فيما بعد بأسلوب «المدح بما يشبه الذم»، وله أمثلة كثيرة في الشعر العربي. (٦)\nويوجد في كتب غريب القرآن أيضًا حديث عن المسائل النحوية في مواضع منها، غير أنها ليست كثيرة كما هو الحال في كتب معاني القرآن. ومِنْ أمثلة المسائل النحوية التي تعرضت لها كتب غريب القرآن قول أبي عبيدة: «﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (٧) ثم انقطع النصبُ، وجاء الاستئنافُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٨) قال النابغةُ:\nتَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ... لِستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سَابِعُ (٩)\nثم استأنفَ فَرَفَعَ فقال:\nرمادٌ ككُحْلِ العينِ لأيًا أُبِينُهُ ... ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحوضِ أَثْلَمُ خاشِعُ». (١٠)\nوأبو عبيدة قد حَمَلَ الرفعَ في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ على الاستئناف، وتُعْرَبُ خَبَرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: هم صُمٌّ بُكْمٌ عميٌ.\n_________\n(١) التوبة ٧٤.\n(٢) هو عبد الله بن قيس الرُّقيَّات.\n(٣) انظر: ديوانه ٤.\n(٤) انظر: ديوانه ٥٤.\n(٥) غريب القرآن ١٩٠.\n(٦) انظر: نضرة الإغريض للعلوي ١٢٨، معجم المصطلحات البلاغية ٦١١.\n(٧) البقرة ١٧.\n(٨) البقرة ١٨.\n(٩) انظر: ديوانه ٣٠.\n(١٠) مجاز القرآن ١/ ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":646},{"text":"قال السمين الحلبي: «الجمهور على رفعها على أنها خَبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هُمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، ويَجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ في تعدد الخَبَرِ، فمن أجازَ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه من غير تأويلٍ، ومَنْ مَنَعَ قال: هذه الأخبارُ وإن تعددت لفظًا فهي مُتحدةٌ معنى». (١)\nوالأمثلة على عناية أصحاب كتب غريب القرآن ببيان التراكيب ليست كثيرة، وأغلبها عند أبي عبيدة في كتابه المجاز دون غيره. (٢)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-278> أمثلة من عناية أصحاب كتب معاني القرآن ببيان المفردات:</span>\nوأما عناية أصحاب كتب معاني القرآن ببيان المفردات فأكثر من عناية أصحاب غريب القرآن ببيان التركيب، ولا سيما الفراء في معانيه. وقد وقف كثيرًا أصحاب كتب المعاني عند بيان أصل اشتقاق المفردات، ودلالاتها اللغوية، توسلًا لبيان التركيب الذي تُعنى به كتب معاني القرآن.\n١ - ومن أمثلة ذلك قول الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٣): «والفقرُ يُقال منهُ: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً، وقال الشاعر (٤):\nولا يدري الفقيرُ متى غِناهُ ... ولا يدري الغنيُّ متى يَعيلُ (٥)». (٦)\nفقد أشار إلى أن من معاني العَيْلَةِ في قوله: ﴿تَعُولُوا﴾ الفَقْر، كما في شاهد الشعر الذي ذكره لأحيحة بن الجلاح، وهو شاعر جاهلي، فظاهر من الشاهد أن معنى يعيل: يفتقر، حيث جاءت في مقابلة الغني، وهذا من الشواهد الشعرية التي لا تحتاج إلى شرح لظهور المعنى المراد من خلال سياق البيت.\n_________\n(١) الدر المصون ١/ ١٦٥.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٨ - ٢٩، ٣٥، ٥٦، ١٠٦، ٤١٥، ١٨٢، ٤١٤، ٢٧٦.\n(٣) النساء ٣.\n(٤) هو أحيحة بن الجلاح الأوسي.\n(٥) انظر: الحماسة البصرية ٢/ ٨٧٨.\n(٦) معاني القرآن ١/ ٢٥٥.","vol":"1","page":647},{"text":"٢ - وقال الفراء أيضًا وهو يبين أحد معاني الظُّلْمِ في اللغة: «وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] (١) يقول: وما نَقَصُونا شيئًا مِمّا فعلوا، ولكن نقصوا أنفسَهم. والعربُ تقول: ظلمتَ سقاءَك، إذا سَقيتَه قبلَ أَن يَمخضَ ويَخْرُجَ زَبَدُه. ويقال: ظَلَمَ الوادي إذا بلغَ الماءُ منهُ موضعًا لم يكن لِينالَه فيما خلا، أنشدني بعضهم:\nيكادُ يَطلعُ ظُلْمًا ثُمَّ يُمْسِكُهُ ... عن الشواهِقِ فالوادي بِهِ شَرِقُ (٢)». (٣)\nوهذا من الفراء استشهاد لغوي بالشعر على معنى الظلم، وأنه يأتي بمعنى النقص، وقد تقدم في الرسالة الإشارة إلى المعاني التي يدل عليها لفظ الظلم في القرآن الكريم، ومراعاة المفسرين لسياق الآيات في الاستشهاد بالشعر. (٤)\nوهناك عدد من الأمثلة في كتب معاني القرآن تعرضت لبيان معاني المفردات الغريبة؛ لتوقف بيان التركيب على بيانها (٥)، غير أن العناية بالتراكيب كانت أغلب على كتب المعاني كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>ثالثًا: الاستشهاد بالشعر</span>.\nهذا الوجه من أوجه الموازنة بين كتب غريب القرآن وكتب معاني القرآن ذو علاقة ببحث الشاهد الشعري في التفسير، ولذلك تتبعت تعامل كل من الفريقين مع الشاهد الشعري، وظهر لي أَنَّهم جَميعًا يُعْنَون بالشاهد الشعري، ويحتل في كتبهم مكانة بارزة بين الأدلة التي يستدلون بها. ويزيد هذا أهميةً أن أبا عبيدة والأخفش والفراء من أصحاب هذه الكتب كانوا من رواة الشعر، ومِمَّن أخذ عن الأعراب وعن رواة الشعر الأوائل، ولذلك كان لشواهدهم الشعرية مكانةٌ خاصةٌ اعتمد عليها من جاء بعدهم من العلماء.\n_________\n(١) البقرة ٥٧.\n(٢) البيت لعدي بن الرقاع العاملي، وهو في ديوانه ١٤٨.\n(٣) معاني القرآن ١/ ٣٩٧.\n(٤) انظر: ص ٣٣٦ من البحث.\n(٥) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٥٢، ٤١٨، ٢١٢، ١٢٥، ٣٣٥.","vol":"1","page":648},{"text":"وقد تولَّى هذا الفصلُ من البحث - بِما فيه من مباحث سابقة على هذا المبحث ولاحقة - بيانَ منهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في الاستشهاد والتوثيق والاعتماد على الشاهد الشعري بِما يُغني عن ذكره هنا، وأكتفي هنا ببيان الفرق بين المنهج الذي التزمه أصحاب كتب الغريب، وأصحاب كتب المعاني في استخدام الشاهد الشعري. ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية:\nأولًا: كانت عناية مؤلفي كتب «غريب القرآن» بالشاهد الشعري اللغوي أكثر من غيره، كما في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و«غريب القرآن» لابن قتيبة، وغيرها من كتب الغريب. في حين كانت عناية أصحاب كتب معاني القرآن بالشاهد النحوي أكثر كما في «معاني القرآن» للأخفش والفراء.\n١ - ومن أمثلة الشواهد اللغوية في كتب الغريب قول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (١): «﴿وَرَابِطُوا﴾ أي: اثبتوا ودُوموا، قال الأخطل:\nما زالَ فينا رِباطُ الخيلِ مُعْلَمةً ... وفي كُليبٍ رِباطُ اللؤمِ والعارِ (٢)». (٣)\nوهذا استشهاد لغوي لبيان معنى الرابط في الآية وأنه بمعنى الثبات والدوام والملازمة لطاعة الله حتى يأتي الأجل. وقد جاء الرابط بهذا المعنى في بيات الشعر الذي أورده للأخطل. وقد استشهد به أهل اللغة على ذلك. قال الأزهري: «وأصل الرباط من مرابطة الخيل، أي ارتباطها بإزاء العدو في بعض الثغور». (٤) وقال ابن منظوو: «والرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدوِّ، وأصلهُ أَن يربطَ كلُّ واحدٍ من الفريقين خيلَهُ، ثم صار لزوم الثغر رباطًا ... والرباط: المواظبة على الأمر». (٥)\n_________\n(١) آل عمران ٢٠٠.\n(٢) انظر: ديوانه ٢٣٤.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١١٢.\n(٤) تهذيب اللغة ١٣/ ٣٣٨.\n(٥) لسان العرب ٥/ ١١٢ (ربط).","vol":"1","page":649},{"text":"٢ - وقال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١): «﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تستأصِلونَهم قَتلًا، يقالُ: حَسَسْناهُم مِنْ عند آخرِهِم، أي: استأصلناهم، قال رؤبة:\nإذا شَكَونا سَنَةً حَسُوسا ... تأَكلُ بعدَ الأخضرِ اليَبِيسا (٢)». (٣)\nومثل ذلك قال أهل اللغة، فقال الأزهري: «الحَسُّ: القتلُ الذريع، وفي القرآن ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، أي: تقتلونهم قتلًا شديدًا كثيرًا». (٤)\n٣ - وقال ابن قتيبة في غريب القرآن: «﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [الإسراء: ٦٦] (٥) أي: يُسيّرها، قال الشاعر (٦):\nفتىً يُزجي المطيَّ على وَجاها (٧)». (٨)\nفقد استشهد بالشعر على أن التزجية في الآية بمعنى تسيير السحاب وسوقه، ومثل ذلك قال أهل اللغة، حيث ذكر الأزهري عن الليث قوله: «التزجية دفع الشيء كما تزجي البصرة ولدها، أي تسوقه ... والريح تزجي السحاب: أي تسوقه سوقًا رفيقًا». (٩)\n٤ - وقال ابن قتيبة أيضًا: «﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] (١٠) أي: يَتعاطَون، قال الأخطل:\nوشَاربٍ مُربحٍ بالكأسِ نازَعَنِي ... لا بِالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (١١)\nأي: عاطاني». (١٢) وهذا أيضًا استشهاد لغوي لبيان معنى المنازعة\n_________\n(١) آل عمران ١٥٢.\n(٢) انظر: ديوانه ٧٢.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(٤) تهذيب اللغة ٣/ ٤٠٥.\n(٥) الإسراء ٦٦.\n(٦) هو القحيف العقيلي.\n(٧) عجز بيت، صدره:\nالمَكشوحِ بعدكَ مَنْ يُحامِي ... .............................\nانظر: معجم الشعراء للمرزباني ٢١١.\n(٨) غريب القرآن ٢٥٨.\n(٩) تهذيب اللغة ١١/ ١٥٥.\n(١٠) الطور ٢٣.\n(١١) انظر: ديوانه ٢٠.\n(١٢) غريب القرآن ٣٦٧.","vol":"1","page":650},{"text":"في الآية، وأنها بمعنى المعاطاة باليد، كما في بيت الأخطل. وكما تقدم فالشاهد اللغوي هو الغالب على كتب غريب القرآن، وأمثلته كثيرة في كتب غريب القرآن. (١)\nأما كتب معاني القرآن فقد غلب على شواهدها الشعرية الشاهد النحوي، وخاصة في معاني القرآن للفراء والأخفش. وأمثلته كثيرة جدًا في كتاب الفراء والأخفش لغلبة النحو عليهما.\n١ - ومن أمثلة هذه الشواهد النحوية عند الفراء، ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥] (٢) حيث قال: «إن شئت جعلت ﴿فَتَكُونَا﴾ جوابًا نصبًا، وإن شئت عطفته على أول الكلام فكان جزمًا، مثل قول امرئ القيس:\nفقلتُ لهُ: صَوِّبْ ولا تُجْهِدَنَّهُ ... فَيُذْرِكَ مِنْ أُخرى القَطاةِ فَتَزْلَقِ (٣)\nفَجَزَمَ». (٤) وقد بَيَّنَ الفراء وجهَ كُلٍّ من النصب والجزم بعد ذلك فقال: «ومعنى الجَزْمِ كأَنَّهُ تكريرُ النَّهي، كقول القائل: لا تَذْهَبْ ولا تَعَرَّضْ لأحدٍ. ومعنى الجوابِ والنَّصْبِ لا تفعل هذا فيُفْعَلْ بكَ مُجازاةً. فلما عطفَ حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب». (٥)\nفيكون الجزم عطفًا على قوله: ﴿تَقْرَبَا﴾ كما في بيت امرئ القيس.\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٠١، ٨٧، ٨٢، ٧٩، ٤٠٢، ٤١٢، ٢١٥، ١٩٠، ١٩٢، ١٩٣، ٢١٦، ٣٤١، ٣٤٠، ٣٥٥، ٣٥٣، ٣٤٧، ٣٦١ وغيرها، وغريب القرآن لابن قتيبة ٣٦٨، ٣٧٨، ١٢٧، ١٣٥، ٢٦، ٢٠٤، ٨٥، ١١٥، ١١٥، ١٥٣، ١٤٨ وغيرها.\n(٢) البقرة ٣٥.\n(٣) فَيُذْرِكَ: من أذريت الرجل عن الدابة والبعير إذا ألقيته. يعني: قلتُ للغلام: صوِّب الفَرسَ ولا تُجهدهُ، وخذ عفوَه ولا تَحملهُ على العَدْوِ فيصرعَكَ. والقطاةُ من الفَرَسِ موضعُ الرِّدْفِ. انظر: ديوان امرئ القيس ١٧٤، ونسب البيت لعمرو بن عمار الطائي. انظر: الكتاب ١/ ٤٥٢، المقتضب ٢/ ٢٣.\n(٤) معاني القرآن ١/ ٢٦ - ٢٧.\n(٥) معاني القرآن ١/ ٢٧.","vol":"1","page":651},{"text":"ويكون النصب على أنه جواب النهي. (١)\n٢ - ومن الأمثلة عند الفراء قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] (٢) بالرفع، يرده على قوله: ﴿أَبْلُغُ﴾. ومَنْ جَعَله جوابًا لـ «لعلَّ» نَصبَه، وقد قرأ به بعض القراء. (٣) قال: وأنشدني بعضُ العَربِ:\nعَلَّ صُروفَ الدَّهرِ أو دَولاتِها ... يُدِلْلَنا اللمَّةُ مِنْ لَمَّاتِها\nفتستريحَ النَّفسُ مِنْ زَفْراتِها (٤)\nفنصبَ على الجوابِ بِـ «لَعلَّ». (٥)\nفقد استشهد الفراء بالشعر على أنَّ مَنْ قرأ: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنَّصبِ فهو جوابٌ للترجي بـ «لعل». وهذا وجه من ثلاثة أوجه في إعرابها، وهي:\nالأول: أن ينتصب على جواب الترجي في «لعل» وهو مذهب كوفي ذكره الفراء، واستشهد أصحابه بهذه القراءة وبقراءة عاصم: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ [عبس: ٣، ٤] (٦) بنصب: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ جوابًا لقوله: ﴿لَعَلَّهُ﴾. كما استشهد بالشاهد الشعري السابق.\nالثاني: أنه جواب الأمر في قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ [غافر: ٣٦]، فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين.\nالثالث: أنه منصوبٌ، عطفًا على التوهم، قال أبو حيان: «لأن خَبَرَ «لعل» جاء كثيرًا مقرونًا بأَنْ، كثيرًا في النظم، وقليلًا في النثر. فمَن نَصَبَ توهَّمَ أَنَّ الفعل المرفوع الواقع خَبَرًا منصوبٌ بأَنْ، والعطفُ على\n_________\n(١) انظر: الدر المصون ١/ ٢٨٦.\n(٢) غافر ٣٦ - ٣٧.\n(٣) القراءة برفع (فأطلعُ) هي قراءة نافع وحمزة وابن كثير والكسائي وأبي جعفر وشعبة عن عاصم. وقرأ حفص عن عاصم بالنصب (فأطلعَ). انظر: السبعة ٥٧٠، النشر ٢/ ٣٦٥.\n(٤) لم أعرف قائله، ومعظم من رواه نقلًا عن الفراء. انظر: التمام في تفسير أشعار هذيل لابن جني ٢٥٣، الجليس الصالح للمعافى بن زكريا ٣/ ١٢٠.\n(٥) معاني القرآن ٣/ ٩.\n(٦) عبس ٣ - ٤.","vol":"1","page":652},{"text":"التوهم كثيرٌ، وإن كان لا ينقاس». (١)\nوأمّا «معاني القرآن» للأخفش فقد أورد فيه سبعة عشر شاهدًا وثلاثمائة، معظمها شواهد نحوية متداولة عند النحويين. (٢)\nثانيًا: من الفروق أيضًا أن أصحاب كتب غريب القرآن نسبوا معظم شواهدهم الشعرية لقائليها، كما فعل أبو عبيدة وابن قتيبة في كتابيهما. وأما أصحاب معاني القرآن ولا سيما الأخفش والفراء فإنهما لم يعنيا بذلك، ولم ينسبا من شواهدهما إلا القليل، وسيأتي مزيد بيان لهذا في المبحث الخامس من هذا الفصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>رابعًا: زمن التصنيف</span>.\nبدأ التصنيف في «غريب القرآن» قبل «معاني القرآن» من حيث التاريخ، وكان التصنيف في غريب القرآن هو النواة الحقيقية لتأليف معاجم اللغة بعد ذلك. (٣) والترتيب المنطقي للمعجمية اللغوية هو البدءُ بِمعاني المفردات، وهو غريب اللغة، ثم الانتقال بعد ذلك للتراكيب وبيانها، وهو ما عُنيت به كتب المعاني. وقد تقدم ذكر أن أول كتاب في غريب القرآن ينسب لحبر الأمة عبد الله بن عباس، وأنه قد طبع مؤخرًا مع كون في صحة نسبة هذا الكتاب لابن عباس نظر. (٤) وأَمّا أولُ من نُسِبَ له كتابٌ في «معاني القرآن» فهو واصل بن عطاء (ت ١٣١)، وأبان بن تغلب البكري (ت ١٤١). (٥)\nوقد استمر التصنيف في غريب القرآن حتى الوقت الحاضر وما\n_________\n(١) البحر المحيط ٧/ ٤٦٦.\n(٢) انظر: معاني القرآن ٢/ ٧٥١ - ٧٦٣.\n(٣) انظر: المعجم العربي لحسين نصار ٣٤.\n(٤) هذا الكتاب نشره إسماعيل جراح اوغلي عن نسخة عاطف أفندي رقم ٢٨١٥/ ٨ بمجلة كلية الإلهيات بجامعة أنقرة عدد ٢٢، ص ٢٥ - ١٠٤.\n(٥) انظر: الفهرست ٥٣.","vol":"1","page":653},{"text":"تزال تصدر المعاجم المختصة ببيان غريب القرآن، بخلاف التصنيف تحت اسم معاني القرآن فقد توقف مبكرًا إلى حدٍّ ما حيث لم يُحفظ بعد كتاب النيسابوريِّ «إيجاز البيان» كتابٌ في معاني القرآن، واستمر التصنيف فيه تحت مسمى التفسير بعد ذلك في كتب التفسير المتداولة المشهورة التي عنيت من ضمن مباحثها بالمسائل اللغوية والنحوية كالبحر المحيط لأبي حيان وأمثاله.\nخامسًا: عدد المصنفات.\nيمكن الموازنة بين كتب غريب القرآن ومعاني القرآن من حيث عدد المصنفات التي صنفت تحت هذين الاسمين، فقد فاقت المصنفات في غريب القرآن الكريم المصنفات في معاني القرآن من حيث العدد، قديمًا وحديثًا. وقد نص الباحثون على أن المؤلفات في معاني القرآن لا تزيد عن أربعين مصنفًا (١)، بخلاف غريب القرآن الذي كتب فيه ما لا يحصى كثرة قديمًا وحديثًا، وقد أحصى أحد الباحثين من مصنفات غريب القرآن ما يزيد عن مائة وخمسة وثمانين مؤلفًا. (٢)\nهذه هي أهم الفروق التي ظهرت لي بين كتب غريب القرآن ومعاني القرآن، مع التركيز على ما يتعلق بالبحث وهو جانب عنايتهم بالشواهد الشعرية والفروق بينهم في هذه العناية.\n_________\n(١) انظر: النحو وكتب التفسير لرفيدة ١/ ١١٢.\n(٢) انظر: تحقيق أحمد عبد القادر صالحية لغريب القرآن للسجستاني ٤٣ - ٦١، تحقيق غريب القرآن للصنعاني لصبحي حلاق ٨ - ٢٩.","vol":"1","page":654},{"text":"المبحث الثالث: منهج أصحاب «معاني القرآن»، و«غريب القرآن» في إيراد الشاهد الشعري.\nالغَرَضُ من هذا المبحث هو بَيانُ المنهجِ الذي سار عليه المؤلفون لكتب «معاني القرآن» و«غريب القرآن» في إيرادهم للشواهد الشعرية، وعرضهم لها، ونسبتها لقائليها، وتعرضهم لمعاني هذه الشواهد الشعرية بالشرح والبيان.\nوليس هناك - من حيث العموم - فَرْقٌ كبير بَين منهج المفسرين ومنهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في إيرادهم للشواهد الشعرية واستشهادهم بها. غير أن البحث يقتضي الوقوف بشيء من التفصيل عند منهج أصحاب الغريب والمعاني، وتلمس الفروق الدقيقة بين المنهجين على وجه الإيجاز إن وجدت.\nوالمؤلفون في غريب القرآن ومعانيه يتفاوتون في معرفتهم بالشعر، وسعة روايتهم له، وموقفهم من الشاهد الشعري والاستدلال به في مؤلفاتهم وتفسيرهم للقرآن الكريم، وبيان معاني مفرداته وتركيبه، ولذلك يظهر الاختلاف بين هؤلاء المصنفين لهذه الأسباب مجتمعةً أو لأحدها. ويمكنُ الحديث عن منهج هؤلاء المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>أولًا: مقدار ما يورد من الشاهد الشعري:</span>\nوأعني بهذا بيان منهج أصحاب الغريب والمعاني في المقدار الذي يوردونه من الشاهد الشعري، أيوردون بيت الشعر كاملًا، أم يوردونه","vol":"1","page":655},{"text":"ناقصًا؟ وإن أوردوه كاملًا أيكتفون ببيت الشاهد أم يزيدون عليه؟ ومنهج المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه كمنهج المفسرين في هذا الجانب. وهو على النحو الآتي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-283> إيراد البيتِ تامًا</span>.\nوهو أكثر صور إيراد الشاهد الشعري في كتب الغريب والمعاني.\n١ - ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال أبو الأسود الدؤلي:\nنظرتَ إلى عُنوانِهِ فَنَبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلًا أُخْلِقَتْ مِنْ نِعالِكا (١)». (٢)\n٢ - وقول الفراء: «وأنشدني بعضُ بني فَقْعَس:\nأَبَعْدَ الذي بالسَّفْحِ سَفْحِ كُواكبٍ ... رهينة رمسٍ مِنْ تُرابٍ وجَنْدَلِ». (٣)\n٣ - قال ابن قتيبة: «قال أوسُ بنُ حَجَرْ:\nوقدْ أُعْتِبُ ابنَ العَمِّ إِنْ كنتُ ظالِمًا ... وأَغْفِرُ عنهُ الجهْلَ إِنْ كانَ أَجْهلا (٤)». (٥)\nوهذا هو الغالب في إيراد الشاهد الشعري في كتب المعاني والغريب. (٦)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-284> إيراد بيتين متتاليين من الشعر:</span>\nوفي هذه الصورة قد يكون الشاهد في أحدهما، أو فيهما معًا، أو يكون المعنى مرتبطًا بالبيتين معًا. ومن أمثلة ذلك:\n١ - قال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (٧): «مُخفَّفةٌ، وهي تَخفيفُ مَيّتة، ومعناهما واحدٌ، خُفِّفَت أو ثُقِّلَت. كقول ابن الرعلاء:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢٥٨.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ١١١.\n(٣) معاني القرآن ٢/ ١٩٦.\n(٤) انظر: ديوانه ١٢٤.\n(٥) غريب القرآن ٣٤١.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٤١، ١٥٤، ١٥٨، ١٨٧، معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٠٢، ٢٠٣، ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٩٩، غريب القرآن لابن قتيبة ١٧٧، ٢٢٥، ٢٦٠، ٣٠٢.\n(٧) المائدة ٣.","vol":"1","page":656},{"text":"ليس مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيّتُ الأَحياءِ\nإِنَّما المَيْتُ مَنْ يَعيشُ ذليلًا ... سَيّئًا بالُهُ، قليلُ الرَّجاءِ (١)». (٢)\n٢ - وقال الفراء: «وأنشدني الكسائي:\nأَلا هَلَكَ الشهابُ المُستنيرُ ... ومِدْرَهُنا الكَمِيُّ إذا نُغِيْرُ\nوحَمَّالُ المِئِيْنِ إذا أَلَمَّتْ ... بنا الحَدَثانُ والأَنِفُ النَّصُورُ». (٣)\n٣ - وقال ابن قتيبة: «قال المرَّار:\nعَفَتِ المَنازلُ غَيْرَ مِثْلِ الأَنْفُسِ ... بعدَ الزمانِ عَرفتَهُ بالقِرْطَسِ\nفَوقفتُ تعترفُ الصحيفةُ بعدما ... عَمَسَ الكتابُ وقد يُرَى لم يَعْمسِ». (٤)\nوهذا قليل في كتب الغريب والمعاني. (٥)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-285> إيراد شطرٍ من البيت:</span>\nوربما يكون هذا الشطر صدر البيت أو عجزه، غير أنه يكون هو محل الشاهد فيقتصر المؤلف عليه دون سائر البيت. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال بشر بن أبي خازم:\nتعنّاكَ نَصْبٌ مِنْ أُمَيمَةَ مُنْصِبُ (٦)». (٧)\nوقال الفراء: «كما قال الشاعر (٨):\nهُزِّي إليكِ الجِذْعَ يَجْنِيكِ الجَنَى (٩)\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ١٤٨ - ١٤٩.\n(٣) معاني القرآن ١/ ١٢٩.\n(٤) غريب القرآن ١٥٠.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٨٣، معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٤، ٢٦٣، ٢٨٨، ٣٣٤، ٣٩٠.\n(٦) عجزه: كَذِي الشَّوقِ لَمَّا يَسْلُهُ وسَيذَهبُ ... انظر: ديوانه ٥٩.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ١٨٤.\n(٨) هو بعض بني حنيفة.\n(٩) صدره: قال لها مِنْ تَحتها وما استَوى. انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١٦١.","vol":"1","page":657},{"text":"ولم يقل: يَجْنِكِ الجَنى». (١)\nوقال ابن قتيبة: «وكما قال الآخر (٢):\nسُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأْنَ بالسُّوَرِ (٣)». (٤)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-286> إيراد موضع الشاهد من البيت:</span>\nوربما يكون هذا الجزء كلمة واحدة تكون موضع الشاهد أو كلمتين، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قول أبي عبيدة: «قال ساعدة بن جؤية الهذلي:\nوطَلَّ تَلِيلًا لِلجَبينِ ...». (٥) ...........................\nوتمام البيت:\nوخَرَّتْ تَلِيلًا لليدينِ ونَعْلُها ... مِن الضَّرْبِ قَطعاءُ القِبالِ خَذِيْمُ (٦)\n٢ - وكقول ابن قتيبة: «ونحوه قول الشاعر (٧) في وصف الظليم:\n...................... ... جؤجؤه هواء ..». (٨)\nوتَمامُ البيت:\nكأَنَّ الرَّحْلَ منها فَوقَ صَعْلٍ ... من الظِّلْمانِ جُؤْجُؤهُ هَواءُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>ثانيًا: موضع إيرادهم للشاهد الشعري:</span>\nوالمقصود به: متى يوردون الشاهد وأين يوردونه عند الحاجة إليه؟ هل يكون بعد شرح المفردة أو التركيب؟ أم يكون قبلها؟ والجواب عن\n_________\n(١) معاني القرآن ٢/ ١٨٧.\n(٢) هو الراعي النميري.\n(٣) صدره:\nهُنَّ الحرائرُ لا رَبّاتِ أَحْمِرَةٍ ... ..........................\nانظر: ديوانه ١٢٢.\n(٤) غريب القرآن ٢٩١.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ١٧١.\n(٦) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٢٣٤.\n(٧) هو زهير بن أبي سلمى.\n(٨) غريب القرآن ٢٣٣ - ٢٣٤، وانظر: ديوان زهير ٦٣.","vol":"1","page":658},{"text":"ذلك أن يقال: غلب على كتب غريب القرآن ومعانيه إيرادهم للشاهد الشعري اللغوي، بعد بيان معنى اللفظة الغريبة بكلام من عندهم، ثم يستدلون على ذلك بالشعر. ويغلب على هذا البيان النثري الذي يشرحون به اللفظة الغريبة في القرآن الإيجاز والاختصار، وعلى هذا سارت كتب غريب القرآن التي اشتملت على شواهد الشعر، كمجاز القرآن لأبي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة، والمفردات للأصفهاني. وكذا كتب المعاني مثل كتاب الفراء والأخفش وغيرهما. ومن أمثلة ذلك ما يلي:\n١ - قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] (١): «أي: وَسَطُ الطريق». ثم استشهد لبيانه هذا بقول حسان بن ثابت ﵁:\nيا وَيْحَ أَنْصارِ النَّبيِّ ونَسْلِهِ ... بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المَلْحَدِ (٢)\n٢ - ومن الأمثلة أيضًا عند أبي عبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] (٣): «أي: مَجاعة». ثُم استشهد بقول الأعشى:\nتَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطونُكُمْ ... وجَاراتِكُمْ سُغْبٌ يَبِتْنَ خَمائِصا (٤)\nأي: جياعًا. (٥)\nفبيان أبي عبيدة لمعاني المفردات بيانٌ مختصرٌ موجزٌ مُركَّزٌ، يأتي بما يرادف اللفظة ويبين معناها، ثم يتبع ذلك بشاهد من الشعر العربي الفصيح ليؤكد صحة بيانه وشرحه للفظة.\n٣ - وفعل مثل ذلك ابن قتيبة في كتابه الغريب.\nومن أمثلة ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٦) حيث فسرها فقال: «أي: بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جَعَلَ لي عَهْدًا». (٧)\n_________\n(١) المائدة ١٢.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٥٧، ديوان حسان بن ثابت ٩٨.\n(٣) المائدة ٣.\n(٤) انظر: ديوانه ١٠٩.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٥٣.\n(٦) المائدة ١.\n(٧) غريب القرآن ١٣٨.","vol":"1","page":659},{"text":"ثم استشهد على قوله هذا بقول الحطيئة:\nقومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فوقَهُ الكَرَبا (١)\nوعند بيان معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] (٢) قال ابن قتيبة: «الغنائم، واحدُها نَفَلٌ». (٣) ثم استشهد على ذلك بقول لبيد:\nإِنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ ... وبِإذنِ اللهِ رَيثي وعَجَلْ (٤)\nوالأمثلة على هذا المنهج في إيراد الشاهد الشعري كثيرة، وتكاد تكون هي الطريقة الغالبة في كتب غريب القرآن. (٥)\nوصَنَعَ مثلَ ذلك أصحابُ المعاني، فكانوا يوردون الشاهد الشعري بعد شرح اللفظة الغريبة، إذا كان شاهدًا لغويًا، أو بعد تقرير المسألة النحوية إن كان الشاهد نحويًا وهو الغالب على كتب المعاني وخاصة معاني القرآن للفراء والأخفش.\nومن أمثلة ذلك عند الفراء قوله: «والعَنْوَةُ في قول العرب: أخذت هذا الشيء عَنْوةً يكون غَلَبَةً، ويكون عن تسليمٍ وطاعةٍ مِمَّن يُؤخذ منه الشيءُ، قال الشاعر (٦):\nفما أَخَذوها عَنْوَةً عَن مَودَّةٍ ... ولكنْ بِضَرْبِ المشرفيِّ استقالَها (٧)\nفهذا على معنى الطاعة والتسليم بلا قتال». (٨)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>ثالثًا: منهجهم في عزو الشاهد الشعري:</span>\nعُنِيَ أبو عبيدة بعزو شواهده الشعرية، وتميز في هذا الجانب على\n_________\n(١) انظر: غريب القرآن ١٣٨، ديوان الحطيئة ١٥.\n(٢) الأنفال ١.\n(٣) غريب القرآن ١٧٧.\n(٤) انظر: ديوان لبيد ١٧٤، غريب القرآن ١٧٧.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ١/ ٦٤، ٦٦، ٧٠، ٧٣، ١٢٧، ١٥٨، غريب القرآن لابن قتيبة ٢٠٤، ٢٣٩، ٢٧٠، ٢٩١، ٣٥١، ٣٧٠.\n(٦) هو كثير عزة.\n(٧) انظر: ديوانه ١٤٨.\n(٨) معاني القرآن ٢/ ١٩٣.","vol":"1","page":660},{"text":"بقية المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه، ثم جاء بعده ابن قتيبة، وكان الفراءُ أقلَّ مَنْ عُنِيَ بِهذا الجانب، وتأثر به كثيرٌ مِمَّن جاء بعده في إغفال نسبة الشواهد الشعرية لقائليها.\nوللمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرق كثيرة، بعضها يُعَيّنُ القائلَ باسمهِ فقط، إن كان من المشهورين كلبيد وزهير وطَرَفَة، أو باسمه واسم أبيه إن كان هذا كافيًا في الدلالة عليه، أو باسمه واسم أبيه ونسبته لقبيلة من قبائل العرب زيادةً في البيان، وربما نُسِبَ الشعرُ لقائلهِ بلَقَبِهِ الذي اشتُهِرَ به بين الشعراء كالأعشى والحطيئة والفرزدق.\nوأحيانًا لا يُعَيّنُ المؤلفُ قائلَ الشاهد الشعري، وإنما ينسب الشعرَ نسبةً غير مُبيَّنةٍ بيانًا تامًا، كأن ينسبه لقبيلته، أو نحو ذلك.\nوفيما يلي أمثلة من كتب غريب القرآن ومعانيه على هذا البيان لقائل الشاهد الشعري قبل إيراده والاستشهاد به.\n- عزو الشاهد إلى قائله: ويكون ذلك بذكر اسم الشاعر الأول أو اسمه واسم أبيه، أو لقبه أو كنيته.\nمن أمثلة الاكتفاء بنسبة الشاهد للشاعر باسمه الأول لشهرته قول أبي عبيدة: «قال رؤبة». (١) وهو رؤبة بن العجاج التميميُّ، ولا يشاركه غيره في هذا الاسم، وقد تقدمت ترجمته.\nوقال أبو عبيدة أيضًا: «قال طرفةُ». (٢) وهو طرفة بن العبد البكري، ولم يشتهر أحد من الشعراء بهذا الاسم غيره، وقد تقدمت ترجمته.\nومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال لبيد». (٣) فقد اقتصر أبو\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٣٥٥.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٤٠٨.\n(٣) غريب القرآن ١٧٧.","vol":"1","page":661},{"text":"عبيدة وابن قتيبة على نسبة الشواهد للشاعر باسمه الأول الذي اشتهر به لعدم وجود من يشاركه في هذا الاسم من الشعراء المعروفين.\nوربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال محمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ». (١) فذكر اسم الشاعر كاملًا باسمه واسم أبيه ونسبته لثقيف لعدم شهرته. وقال أبو عبيدة: «قال سحيم بن وثيل اليربوعي». (٢) وقال الفراء: «وقال حسان بن ثابت». (٣) ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال أَوسُ بنُ حَجَر». (٤)\nوقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة: «قال عوف بن الأحوص بن جعفر». (٥) وقد يكون الشاعر مغمورًا، فيزيد المؤلف في الدلالة عليه، كما في قول أبي عبيدة: «وقال الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي من بني فراص من باهلة:\nرماني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالدِي ... بَرِيئًا ومِنْ دُونِ الطَّويِّ رَماني». (٦)\nوربما كان الشاعر مشهورًا بلقب من الألقاب، عُرِفَ به بين الشعراء، فيكتفي أبو عبيدة وغيره بنسبة الشعر إليه بذكر لقبه.\nومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال الأخطل ... وقال الفرزدق». (٧) فقد اكتفى أبو عبيدة بنسبة الشواهد للشاعرين بِذِكْرِ اللَّقَبِ الذي اشتُهِر بهِ كُلٌّ منهما.\nوقال ابن قتيبة: «قال الأعشى». (٨) والأعشى إذا أطلق - كما تقدم - هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس أبو بصير. وقال ابن قتيبة: «قال\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٣٦٥، ١/ ٦١.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٣٣٢.\n(٣) معاني القرآن ١/ ٢١.\n(٤) غريب القرآن ٢٢١.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ١٩٤.\n(٦) المصدر السابق ١/ ١٦١.\n(٧) المصدر السابق ١/ ٢٧٧.\n(٨) غريب القرآن ١٨٥.","vol":"1","page":662},{"text":"النابغة». (١) والنابغة إذا أطلق فهو لقب لزياد بن معاوية الذبياني الشاعر الجاهلي، وإذا أريد به غيره قُيِّدَ، كالنابغة الجعدي. (٢)\nوقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوّتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإنما سَمَّاهُ الخنوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأنَّ الأحنفَ كلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبَكم هذا لَخِنَّوت. والخِنَّوتُ: المُتَجَبِّرُ الذاهب بنفسه، المستصغرُ للناسِ، فيما أخبرني أبو عبيدة محمد بن حفص بن محبور الأسيدي:\nوأَهلُ خِباءٍ صَالحٍ ذات بينِهم ... قد احتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آَجِلُهْ». (٣)\nوقد يُنسبُ الشاهدُ لقائله بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «كقول ابن الرعلاء». (٤) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه». (٥) وقول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر». (٦) وقوله: «وقال ابن هرمة». (٧)\nفيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به، أو كنيته إن كانت أشهر.\n_________\n(١) المصدر السابق ٣٠٣.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٧٩.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٤) المصدر السابق ١/ ١٤٨.\n(٥) المصدر السابق ١/ ١٤٨.\n(٦) المصدر السابق ١/ ١٤٩.\n(٧) المصدر السابق ١/ ١٤٩.","vol":"1","page":663},{"text":"- إغفال عزو الشاهد:\nربما أَبْهَمَ المؤلف اسم الشاعر، ولهذا الإبهام صور متعددة بعضها شديد الإبهام، وبعضها يعد إبهامًا يدل على قبيلة القائل أو زمنه أو جنسه. والفراء في أغلب شواهده يبهم اسم القائل، ولا يذكره.\nفمن صور الإبهام الاكتفاء بنسبة الشاعر لقبيلته، كقول أبي عبيدة: «قال رجل من عبيد القيس». (١) وقول ابن قتيبة: «قال الهذلي». (٢)\nوربما ذكروا الشاعر بقولهم: قال الشاعر (٣)، أو قال الراجز إن كان الشاهد من بحر الرجز (٤)، أو قال بعضهم. (٥) أو قال، أو وقوله. ونحو هذه العبارات المبهمة. (٦)\nونسبة الشاعر إلى قبيلته يعين في معرفة لغة هذه القبيلة، وإن لم يكن دالًا على الشاعر، وكذلك تحديد زمن القائل كقول أبي عبيدة: «وقال رجل من بني عدي جاهلي». (٧) فإنه يطمئن القارئ أن الشعر قديم، وإن كان مجهول القائل، مما يجعل الاستشهاد به مقبولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>رابعًا: بيان مناسبة الشاهد الشعري قبل إيراده:</span>\nمن أوجه العناية بالشاهد الشعري عند إيراده، حتى يتضح معناه بيان مناسبته وموضوعه الذي قيل فيه، فربما لا يفهم القارئ للشاهد معناه دون معرفته لموضوعه. ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال أبو عبيدة: «وقال رجلٌ من عبد القيس، جاهلي، يَمدحُ بعضَ الملوك:\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ٣٥.\n(٢) غريب القرآن ٢٧١.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٥، ١١٤، معاني القرآن للفراء ١/ ٢٧، ٦٦، ٨٧، ٩٠، ١٠٠.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ١/ ٨٧، ١١٩.\n(٥) انظر: المصدر السابق ١/ ١/ ١٣٧.\n(٦) انظر: المصدر السابق ١/ ١٧٢، ١٧٣، ٢٥٠، ٤٠٢، ٤٠٤.\n(٧) المصدر السابق ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":664},{"text":"ولَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لَمْلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماءِ يَصُوبُ». (١)\n٢ - وقال أبو عبيدة أيضًا: «وقال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان:\nيا ويحَ أَنصارِ النَّبِيِّ ونَسلهِ ... بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ». (٢)\n٣ - وقال الفراء: «وأنشدني بعض بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ:\nعَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها». (٣)\n٤ - وقال الفراء: «قال الشاعر وهو يذم امرأة له:\nعنجرد تَحْلِفُ حينَ أَحْلِفُ ... كَمِثْلِ شَيطانِ الحَماطِ أَعْرَفُ (٤)» (٥)\n٥ - قال ابن قتيبة: «وقال حُميدُ بن ثور يصفُ إِبِلًا:\nرَعَيْنا المُرَارَ الجَوْنَ مِنْ كُلِّ مِذْنَبٍ ... شهورَ جُمادَى كُلَّها والمُحَرَّما (٦)» (٧)\n٦ - وقال ابن قتيبة أيضًا: «قال الشاعر (٨) يذم رجلًا:\nيَرى الخَمْصَ تَعذِيبًا وإِنْ يَلْقَ شَبْعَةً ... يَبِتْ قَلْبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَما (٩)» (١٠)\n_________\n(١) المصدر السابق ١/ ٣٣، والشاهد سبق تخريجه.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٥٠، والشاهد سبق تخريجه.\n(٣) معاني القرآن ١/ ١٤.\n(٤) ذكر هذا الشاهد على أن تشبيه شجرة الزقوم برؤوس الشياطين (الصافات ٦٥) قد يكون لأَنَّ العرب تُسمِّي بعضَ الحيَّاتِ شيطانًا، وهو حيَّةٌ ذو عُرْفٍ وهو الشعر النابت في محدب رقبتها، وهذا معنى قوله أَعْرَفُ أي ذو عُرْف، ونسبته للحماط وهو نوع من الشجر لأنه أشد أنواع هذه الحيات سمًا.\n(٥) معاني القرآن ٢/ ٣٨٧.\n(٦) المرار: شجر مر إذا أكلته الإبل قلصت عنه مشافرها، والجون: النبات الذي يضرب إلى السواد من شدة خضرته، والمذنب: مسيل الماء، والمعنى أنها رعته ستة أشهر أولها المحرم وآخرها جمادى حتى سَمِنَت. انظر: ديوانه ٩\n(٧) غريب القرآن ١٨٥ - ١٨٦.\n(٨) هو حاتم الطائي.\n(٩) الخَمْص: الجوع، والشبعة: الأَكلَةُ المُشبِعَةُ، والمُبْهَمُ: قليلُ الهم. انظر: ديوانه ٢٢٥، ولهذا الشاهد قصة طريفة مع بلال بني أبي بردة وذي الرمة في طبقات فحول الشعراء ٢/ ٥٦٩، الأغاني ١٨/ ٣٢.\n(١٠) غريب القرآن ١٤١.","vol":"1","page":665},{"text":"فقد أَبْهَم ذكر الشاعر، وذكر موضوع الشاهد حيث قاله حاتم الطائي (يذمُّ رجَلًا)، وهو يصفُ الصعلوكَ، ويَمدحهُ ولا يَذمُّهُ، وظاهر الشاهد مقتطعًا من بقية القصيدة لا يدل على المدح، وإنما يظهر منه الذم، فاختصر ابن قتيبة الغرضَ لعنايته بِمَوضع الشاهد دون بقية القصة في هذا الموضع، وهذا من العيوب التي توقع في سوء فهم الشاهد الشعري في كتب التفسير، وقد سبق بيانه في الباب الأول.\nوهذه الإشارات الموجزة إلى موضوع الشعر ومناسبته، توضح معناه، وتعد جزءًا من شرح الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه وهي الفقرة التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>خامسًا: شرحهم للشاهد الشعري:</span>\nفي مواضع كثيرة تكون ألفاظ الشاهد الشعري في حاجة إلى بيان وشرح، فلا يكتفي المؤلف بإيراد الشاهد الشعري وتجاوزه إلى ما بعده، وإنما يتوقف المؤلف عند معنى الشاهد ويشرح ما غمض فيه من الألفاظ أو المعنى الإجمالي للبيت. ومن أمثلة شرح أصحاب غريب القرآن للشاهد الشعري:\n١ - قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١): «التأويل: التفسير، والمرجع: مصيره. قال الأعشى:\nعلى أَنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيّ السِّقابِ فأَصْحَبا (٢)\nقوله: تَأوُّلُ حُبِّها: تفسيرهُ ومرجعهُ، أي إِنَّه كانَ صغيرًا في قلبه، فلم يَزَلْ يَنبُتُ، حتى أَصْحَبَ فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرًا مثل أمه». (٣)\n_________\n(١) آل عمران ٧.\n(٢) انظر: ديوانه ١٦٣.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":666},{"text":"وأبو عبيدة ممن يعنى بأخبار الشعراء، وظهر ذلك في تعليقاته على بعض الشواهد الشعرية في كتابه المجاز، ومن ذلك قوله: «وقال عمرو بن معد يكرب:\nأَمِنْ رَيْحانةَ الدَّاعي السَّمِيعُ (١) .........................\nيريد: المُسمع. ريحانة: أخت عمرو بن معد يكرب، كان الصمة أغار عليها وذهب بها، وقال أبو عبيدة: كانت ريحانة أخت عمرو فسباها الصمة، وهي أم دريد وخالد». (٢) فهنا يوضح أبو عبيدة بعض أخبار الشاهد الشعري مما يزيد معناه وضوحًا، وإن لم يكن متعلقًا بموضع الشاهد منه.\n٢ - وقال ابن قتيبة: «﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢] (٣) أي: لا يكسبنكم. يقال: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، وكذلك جريمتهم. وقال الهُذليُّ (٤) وَوصفَ عُقابًا:\nجَريِمَةُ ناهضٍ في رأسِ نِيقٍ ... ترى لِعِظامِ ما جَمَعتْ صَلِيبا (٥)\nوالنَّاهضُ: فَرخُها، يقول: هي تَكْسِبُ لَهُ، وتأتيهِ بقُوتِه». (٦)\n٣ - وقال ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٧): «والتَّصْدِيَةُ: التصفيقُ. يقالُ: صَدَّى إذا صَفَّقَ بيدهِ، قال الراجز:\nضَنَّتْ بِخَدٍّ وثَنَتْ بِخَدِّ ... وإِنِّيَ مِنْ غَرو الهَوى أُصَدِّي (٨)\n_________\n(١) عجزه:\n........................... ... ........ يُؤرقني وأَصحابي هُجوعُ\nانظر: ديوانه ١٤٠.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٨٢.\n(٣) المائدة ٢.\n(٤) هو أبو خراش الهذلي.\n(٥) النيق: أرفع موضع في الجبل، والصليب: الودك. انظر: المعاني الكبير لابن قتيبة ١/ ٢٨٠.\n(٦) غريب القرآن ١٣٩.\n(٧) الأنفال ٣٥.\n(٨) صدره مثله في أرجوزة بشار الدالية، ولم أجده عند غير ابن قتيبة. انظر: ديوان بشار ٣٠١.","vol":"1","page":667},{"text":"الغَرْوُ: العَجَبُ. يقال: لا غَرو من كذا وكذا، أي: لا عَجَبَ منه». (١)\nوقد استفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يُغفلُ الإشارةَ إلى أبي عبيدة.\nومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]: «﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (٢) ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (٣):\n....................... ... وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٤)\nأي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (٥)\nومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة: رسولٌ بِمعنى رِسالةٍ، وأنشد:\nلقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ ... بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (٦)\nأي: برسالة». (٧)\nغير أن استفادة ابن قتيبة من أبي عبيدة لم تمنعه من تعقبه في بعض ما ذهب إليه، وقد اشتملت كتب غريب القرآن ومعانيه على الكثير من\n_________\n(١) غريب القرآن ١٧٩.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣١٣.\n(٣) هو أبو زبيد الطائي.\n(٤) عجز بيت، وصدره:\nصاديًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ... ....................................\nانظر: ديوانه، تفسير القرطبي ٩/ ٢٠٥.\n(٥) غريب القرآن ٢١٨.\n(٦) البيت لكثير عزة، كما في ديوانه ١٨٩.\n(٧) غريب القرآن ٣١٦، وانظر: ٣٤٠، ٣٤٦.","vol":"1","page":668},{"text":"التعقبات لبعضهم على بعض، في فهم وشرح بعض الشواهد الشعرية. وقد كان لابن قتيبة النصيب الأكبر من ذلك حيث تعقب أبا عبيدة في استشهاده ببعض الشواهد الشعرية، فخالفه في وجه الاستشهاد في بعضها، وخالفه في شرح بعضها. وسبقت الإشارة في الفصل السابق إلى تعقبات المفسرين وخاصةً الطبري وابن عطية لأبي عبيدة أيضًا.\nومن أمثلة ذلك عند ابن قتيبة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (١): «قال أبو عبيدة (٢): يتشاورون فيك ليقتلوك، واحتج بقول الشاعر (٣):\nأَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤)\nوهذا غَلَطٌ بَيّنٌ لِمَن تدبّر، ومضادةٌ للمعنى. كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمُشاورةُ بَرَكَةٌ وخَيْرٌ؟ وإنما أراد: يعدو عليهِ ما هَمَّ به للناس من الشرِّ. ومثله قولهم: مَنْ حَفَرَ حُفرةً وَقَعَ فيها. وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ﴾ أي: يَهُمُّونَ بك. يدلك على ذلك قول النمر بن تولب:\nاعْلَمَنْ أَنْ كُلّ مُؤْتَمِرٍ ... مُخطئٌ في الرأي أَحيانا\nفإِذا [ما] لَمْ يُصِبْ رَشَدًا ... كان بعضُ اللَّومِ ثُنْيانا (٥).\nيعني أَنَّ كُلَّ مَنْ ركبَ هواه، وفَعَلَ ما فَعَلَ بغير مُشاورةٍ، فلا بُدَّ من أن يُخطئَ أحيانًا، فإذا لم يُصِب رَشَدًا لامَهُ الناسُ مرتين: مرةً لركوبهِ الأمرَ بغير مشاورة، ومرةً لِغَلَطِهِ. ومِمَّا يدلك على ذلك أيضًا قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] (٦) لم يُرِد: تشاوروا، وإنَّما أراد: هُمُّوا بهِ، واعتزموا عليه. وقالوا في تفسيره: هو أَنْ لا تضرَّ المرأةُ بزوجها، ولا الزوجُ بالمرأة. ولو أراد المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيدة، لكان\n_________\n(١) القصص ٢٠.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ٢/ ١٠٠.\n(٣) هو ربيعة بن جُشَم النَّمَريُّ.\n(٤) انظر: ديوانه ٢٤٣.\n(٥) انظر: ديوانه ١٣٥ - ١٣٦.\n(٦) الطلاق ٦.","vol":"1","page":669},{"text":"أولى به أن يقول: «إن الملأ يتآمرون فيك». أي: يستأمرُ بعضهم بعضًا». (١)\nوهذا الذي ذهب إليه ابن قتيبة هو ما قاله أبو عبيدة أيضًا، وقد وافقه عليه غيره كالطبري مع كثرة تعقبه لأبي عبيدة (٢)، وقد اختصرَ ابنُ قتيبة كلامَ أبي عبيدة فلم يُفْهَم على وجههِ، وتَمامُ كلام أبي عبيدة: «﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] مَجازهُ: يَهُمُّون بكَ، ويوامرون فيك، ويتشاورون فيك ويرتئون، قال النَّمِرُ بن تَوْلَب:\nأَرى الناسَ قَدْ أَحْدثُوا شِيمةً ... وفي كُلِّ حادثةٍ يُؤْتَمَرْ (٣)\nوقال ربيعةُ بنُ جُشمَ النَّمَريُّ:\nأَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤)\nما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك». (٥)\nفأبو عبيدة لم يقتصر على تفسير الموامرة بالمشاورة فحسب، ولكنه فسرها بالهَمِّ والمشاورة، واستشهد عليها ببيت للنمر بن تولب أيضًا. وشرح ابن قتيبة لمعنى بيت ربيعة بن جشم بقوله: «وكيف يعدو على المرء ما شاور فيه ... الخ فهم غير سديد للبيت، وفهم أبي عبيدة أجود وهو قوله: «ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك».\n_________\n(١) غريب القرآن ٣٣٠ - ٣٣١.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٢٠١.\n(٣) انظر: ديوانه ٦٤.\n(٤) هذا الشاهد مما اختلف في نسبته، فنُسِبَ لامرئ القيس كما في ديوانه ١٥٤، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٤، المقاصد النحوية للمرادي ١/ ٩٥، ونُسبَ للنمر بن تَولَب كما في ملحق ديوانه ٤٠٤، ونسبه ابن قتيبة في «المعاني الكبير» ٣/ ١٢٥٩ لربيعة بن جشم كما ذكر أبو عبيدة.\n(٥) مجاز القرآن ٢/ ١٠٠.","vol":"1","page":670},{"text":"والغالب على شرح الشواهد الشعرية في كتب غريب القرآن ومعانيه الاختصار والإيجاز، ولا يطيلون الشرح إلا للأبيات التي تكون موضع خلاف.\nومن ذلك قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] (١): «أي نصيبًا. ويقال: شِبْهًا ومِثْلًا؛ إذ عبدوا الملائكةَ والجنَّ. وقال أبو إسحاق [الزجاجُ] (٢): إِنَّ معنى جُزءًا ههنا: بناتٌ. يُقال: لهُ جُزءٌ مِن عيالٍ، أَي: بنات. قال: وأنشدني بعضُ أهل اللغة بيتًا يدل على أَنَّ معنى (جُزء) معنى إِناث، قال: ولا أدري البيتُ قديمٌ أم مصنوع؟:\nإِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحيانا\nفمعنى: إن أجزأت، أي: آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعضُ أهلِ اللغةِ: أَجزأَ الرجلُ، إذا كان يُولَدُ لَه بناتٌ. وأجزأت المرأةُ: إذا ولدت البناتِ. وأنشد المفضَّلُ:\nزُوِّجتُها مِنْ بناتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً ... لِلعَوسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ». (٣)\nوقد كان أبو عبيدة في شرحه للغريب يعتمد كثيرًا في الاستدلال على الشعر، ولذلك كان ابن قتيبة يسلك المسلك نفسه في تعقب أبي عبيدة، فيصيب أحيانًا ويخالفه الصواب أحيانًا أخرى. ومن ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] (٤) قال في تفسير قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (٥) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا\n_________\n(١) الزخرف ١٥.\n(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧ والزجاج متوفى ٣١١ هـ.\n(٣) غريب القرآن ٣٩٦.\n(٤) إبراهيم ٩.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٣٣٦.","vol":"1","page":671},{"text":"أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فيه إذا أمسك عن الشيء، والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عَضُّوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (١)\nيَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (٢)\nيعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي:\nقَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا\nيقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ ﷿ في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣)». (٤) فابن قتيبة قد استشهد بالشعر لإثبات صواب ما ذهب إليه، وخطأ ما ذهب إليه أبو عبيدة في تفسيره لهذه الآية، مع إن أبا عبيدة قد فسر الآية تفسيرًا إجماليًا وهو تفسير قال به قتادة، حيث فسرها بقوله: «قومهم كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردوا عليهم بأفواههم». (٥) وقد رد تفسير أبي عبيدة الإمام الطبري أيضًا، وذهب إلى أنه قول لا وجه له، ورجح القول الذي ذهب إليه ابن قتيبة، وهو تفسير عبد الله بن مسعود فقال: «وأشبه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عَزَّوَجَلَّ به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم مِنْ رَدِّ اليدِ إلى الفم». (٦)\n_________\n(١) لم أعثر عليه.\n(٢) لم أقف عليه عند غير ابن قتيبة، ولم يورد غير هذا الشطر هنا، وفي كتابه المعاني الكبير ٨٣٤.\n(٣) آل عمران ١١٩.\n(٤) غريب القرآن ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٦٠٨.\n(٦) المصدر السابق ١٣/ ٦٠٩.","vol":"1","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند مؤلفي كتب معاني القرآن وغريب القرآن</span>\nبعد بيان منهج أصحاب المعاني والغريب في إيراد الشواهد الشعرية، ودراسة طريقهم في عرضها عند الاستشهاد بها، من المناسب بيان مكانة الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبة، ومَنْزلته بين الشواهد الأخرى، وهل اعتمدوا على الشاهد الشعري في بَحثهم في تفسير الآيات؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كانوا قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن قياس مقدار هذا الاعتماد؟ وهذا ما يتناوله هذا المبحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>أولًا: اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري</span>.\nيدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. ولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً». (١)\nوللشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه ظهور واضح،\n_________\n(١) البرصان والعرجان والعميان والحولان ١٠٤، وانظر ص ١١٥.","vol":"1","page":673},{"text":"ومكانة خاصة، فقد كان أصحاب هذه المصنفات من رواة الشعر الأوائل أو من طبقة تلاميذهم، ولذلك كان الشعر أهمَّ ما استشهد به أهلُ المعاني والغريب في بيان الدلالة اللغوية، والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها كتابه، إذ كان بعضهم يعتمد عليه اعتمادًا كليًا حتى عيب به كأبي عبيدة في «مجاز القرآن»، وبعضهم يقتصد كالأخفش والفراء، وسيأتي تفصيل ذلك.\nوقد تقدم بيان أنه لا يشترط وجود شواهد من الشعر لبيان كُلِّ لفظٍ في القرآن الكريم؛ لعدمِ الحاجة إلى ذلكَ، لأن أغلب ألفاظ القرآن ظاهرة لا تحتاج في بيانها إلى الاستشهاد بالشعر أو غيره. ولم يكن أهلُ اللغةِ يعتمدون في بيان المفردات في الغالب إلا على شعر العرب وكلامهم، دون الرجوع لتفسير الصحابة والتابعين للقرآن مع أنهم أعلم بالقرآن ولغته على حد سواء، وذلك «لأَنَّهم إمَّا عَرَبٌ تُنقلُ عن مثلهم اللغةُ، كالصحابةِ وكبار التابعين، الذين عاصرهم اللغويون الذين نقلوا اللغةَ ودونوها، وأَقلُّ حالِ مُفسري أتباعِ التابعين أنْ يكونوا بِمنْزِلةِ هؤلاء اللغويين في نقلِ اللغة». (١) والمفردات التي أخذها اللغويون عن المفسرين كثيرة، وقد أفردها بعض العلماء بالذكر. (٢)\nأهل المعاني من اللغويين واستشهادهم بالشعر:\nوقد كان اللغويون المتقدمون أهلَ عنايةٍ بحفظِ الشعر عامة، وشعر الشواهد خاصة، واشتهر من اللغويين وأهل المعاني بحفظ شواهد الشعر محمدُ بن القاسم الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) فذكر تلميذه أبو علي القاليِّ أنه\n_________\n(١) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٥٦٠.\n(٢) انظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله للسمرقندي ٩٨ باب ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصل عند النحويين ولا في اللغة.","vol":"1","page":674},{"text":"كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ من الشعر شواهد في تفسير القرآن (١)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ من أهل اللغة والتفسير، وهذا يستحق الوقوف عنده، لمناسبة الحديث عن أصحاب معاني القرآن وغريبه وهو منهم، ولمعرفة حقيقة هذه الكثرة من الشواهد التي كان يحفظها، ومنهجه الذي كان يسلكه في الاستشهاد بها.\nومِمَّا يؤسَفُ عليه أَنَّ كتابيه في معاني القرآن، وغريب القرآن من المفقودات (٢)، وقد ذُكِرَ أنه يبلغ خمسًا وأربعين ألف ورقة، ولو عُثِرَ عليهِما لتبيَّنَ منهجهُ في الاستشهاد على غريب القرآن وبيان معانيه، غير أنَّ في مصنفاته التي طُبعت (٣) ما يدلُّ على شيء من ذلك، فقد تجاوز عدد شواهده في كتاب «المذكر والمؤنث» ألفَ شاهدٍ من الشعر، مع صغرِ حجمهِ، وهو في هذا الكتابِ رُبَّما استشهد على بعض المسائل بتسعة شواهد من الشعر، كاستشهاده على لفظة «المَنُونِ»، و«الكَبِدِ»، و«سرى وأسرى» وغيرها. (٤) وفاقت شواهد الشعر في كتاب «الأضداد» الثمانمائة شاهد (٥)، وأما شواهد «الزاهر» فقاربت الثلاثة الآف شاهد (٦)،\nوبلغت شواهد «إيضاح الوقف والابتداء» ما يقارب الثلاثمائة شاهد من\n_________\n(١) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ٢٨١.\n(٢) انظر: تاريخ بغداد ٣/ ١٨٤، إنباه الرواة ٣/ ٢٠٤، معجم الأدباء ١٨/ ٣١٢ وأجمعوا على أنه لم يتمه.\n(٣) طُبِعَ من كتبه: الأضداد، إيضاح الوقف والابتداء، شرح الألفات، شرح خطبة عائشة في أبيها، شرح ديوان عامر بن الطفيل، شرح القصائد السبع الطوال، الزاهر في معاني كلمات الناس، المذكر والمؤنث، ومجلس من أماليه، ورسائل صغيرة.\n(٤) انظر: المذكر والمؤنث بتحقيق الدكتور محمد عضيمة ﵀ ١/ ١٥، ٢٧٣، ٣٤٨، ٤٣٢.\n(٥) انظر: الأضداد، فهارس الشعر ٤٦٣ - ٤٨٣.\n(٦) قمت بعد الشواهدِ فبلغت ٢٩٤٠ شاهدًا، حيث لا يوجد فهرس لطبعة مؤسسة الرسالة المُحققة التي عندي، وأخبرني فضيلة الشيخ المشرف بوجود فهرس للكتاب غير أني لم أجده بعد.","vol":"1","page":675},{"text":"الشعر (١)، بل إن مجلسًا من أماليه في ست ورقات، بلغت الشواهد فيه ثمانية عشر شاهدًا (٢)، وقد روى أبو علي القالي كثيرًا من شواهده الشعرية في تفسير القرآن (٣).\nومن سعة حفظه للشواهد كان يكثر من إيرادها في مصنفاته، ويرى الإخلال بها في مواضعها نقصًا ينبغي تداركهُ، ولذلك عندما رأى كتاب المفضل بن سلمة «الفاخر» خاليًا من شواهد الشعر، شرع في تصنيف كتابه «الزاهر»، وبناه عليه (٤)، وزاد فيه من الشعر ما زاد به حجم الكتاب، مع إيراده مسائل متفرقة من نحو الكوفيين. وقد دفع هذا الإكثارُ من الشواهد في الكتاب، وما في الكتاب من نصرة مذهب الكوفيين معاصره أبا إسحاق الزجاجي إلى اختصاره، وقال في بيان سبب اختصاره: «هذا كتاب جمعت فيه جمل الألفاظ التي ذكرها أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الموسوم بالزاهر، فشرحتها مختصرة موجزة، وحذفت عنها الشواهد وما تعلق بها من كلامه المطول، ليقرب حفظها على من أرادها». (٥)\nوكان يُكثرُ تخطئةَ ابنِ قتيبة (ت ٢٧٦)، وشيخه أبي حاتمٍ السجستانيِ (ت ٢٥٥)، وصنَّفَ في ذلك كتبًا، وقد أشار إلى ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية فقال: «وابن الأنباري ... من أكثر الناس كلامًا في معاني الآي المتشابهات، يذكر فيها من الأقوال ما لم ينقل عن أحد من السلف، ويحتج لما يقوله في القرآن بالشاذ من اللغة، وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة، وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث، وأتبع\n_________\n(١) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ١٠٤٤ - ١٠٥٩.\n(٢) انظر: مجلس من أمالي ابن الأنباري، بتحقيق إبراهيم صالح ٣٨.\n(٣) انظر: أمالي القالي ١/ ٤، ٩، ٢٧، ٢٩، وغيرها.\n(٤) انظر: الفاخر للمفضل بن سلمة ١.\n(٥) مقدمة محقق الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٦٥.","vol":"1","page":676},{"text":"للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه في ذلك، وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة، لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة». (١)\nولعل هذا يُفسِّرُ قلة احتفال العلماء بكتب التفسير التي ذكر أنها اشتملت على عدد كبير من شواهد الشعر، خرجت به عن المقصود كما ذكر الذهبيُّ عن تفسير عبد الوهاب بن مُحمدٍ الشيرازيّ (ت ٥٠٠ هـ)، الذي ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (٢)، وذكر السهيليُّ أنه رآه، وسَمِعَ ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكِّدةِ لفصاحته. (٣) حيث إن في كثرة إيراد الشواهد الشعرية على الألفاظ ما يدعو للملل، ويزهد في القراءة، ولذلك كان المنهج الذي سار عليه الطبري وأمثاله من المفسرين، وأصحاب المعاني والغريب، من الاكتفاء بما يؤدي الغرض في الاستشهاد هو المنهج الأمثل في الاستشهاد في تفسير القرآن الكريم. وقد كتب لهذه المصنفات القبول، وحفظت للناس، وتناقلها العلماء جيلًا بعد جيل.\nوأَمَّا أبو عبيدة فقد كان أكثر أصحاب المعاني والغريب اعتمادًا على الشعر في شرحه لغريب القرآن، ومن ذلك أنه عند قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] (٤) قال: «زعم المفسرون أَنَّه الموزُ، وأمَّا العربُ، الطَّلْحُ عندهم شجرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوكِ، وقال الحادي:\nبشَّرَها دليلُها وقالا ... غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا (٥)». (٦)\nوهذا القول مُخالفٌ لتفسير أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين، ولذلك ردَّ تفسيرَهُ هذا الطبري فقال: «وأمَّا الطلحُ فإِنَّ مَعْمَرَ بنَ المثنَّى\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١٧/ ٤١٠ - ٤١١.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٢٤٩، طبقات المفسرين للداوودي ٢/ ٣٧٠.\n(٣) انظر: طبقات المفسرين للأدنه وي ١٥١.\n(٤) الواقعة ٢٩.\n(٥) قائله هو النابغة الجعدي كما في الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٠٨.\n(٦) مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠.","vol":"1","page":677},{"text":"كان يقول: هو عند العربِ شجرٌ عظامٌ، كثيرُ الشوكِ، وأنشد لبعض الحُداةِ:\nبشَّرَها دليلُها وقالا ... غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا\nوأَمَّا أهلُ التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموز». (١) وكان في تفسير علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ له بالموز ما يكفي للقول بأنه قول العرب، والتفسير الصحيح للفظة، غير أن أبا عبيدة واللغويين لم يلتفتوا كثيرًا لتفسير السلف لألفاظ القرآن، فوقعوا في مثل هذا. (٢)\nفي حين كان الفراءُ مع كثرة سَماعه من العرب، وسعةِ محفوظهِ ينظرُ للشعرِ على أنَّه أقلُّ مرتبةً في الاستشهاد من القرآن الكريم، فإذا وجدَ الشاهدَ من القرآنِ قدَّمَهُ. ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢٢] (٣) مبينًا القراءة في الآية الأخيرة: «فخفض بعضُ القراء، ورفع بعضهمُ الحُورَ العِيْنَ. قال الذين رفعوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على معنى قولهم: وعندهم حورٌ عينٌ، أو مع ذلك حُورٌ عينٌ، فقيل: الفاكهةُ واللحمُ لا يُطافُ بِهما إنما يُطافُ بالخَمر وحدَها والله أعلم، ثم أُتبِعَ آخرُ الكلامِ أَوَّلَه، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، وأنشدني بعضُ بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ:\nعَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها (٤)\nوالكتابُ أَعرَبُ وأقوى في الحُجةِ من الشعر». (٥) وقال في موضع آخر: «ورُبَّما تركت العربُ جوابَ الشيء المعروفِ معناهُ، وإن تُرِكَ\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٣١٠ - ٣١٢، المحرر الوجيز (قطر) ١٤/ ٢٤٥، الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٠٨.\n(٢) انظر: غريب الحديث للحربي ٢/ ٦٣١، التفسير اللغوي للقرآن الكريم ٥٧٢.\n(٣) الواقعة ٢٠ - ٢٢.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) معاني القرآن ١/ ١٤.","vol":"1","page":678},{"text":"الجوابُ، قال الشاعر (١):\nفأُقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسُولُهُ ... سِواك ولكنْ لَمْ نَجد لكَ مَدْفَعا (٢)\nوقال اللهُ ﵎ وهو أصدقُ مِنْ قولِ الشاعر: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] (٣) فلم يُؤتَ لَهُ بِجوابٍ، والله أعلمُ». (٤)\nوفي هذا دلالة على اهتمام الفراء بشواهد القرآن اللغوية، واعتداده بها، ولعلَّ هذا كان سببًا في قلة الشواهد الشعرية عند الفراء موازنةً بالشواهدِ من القرآن الكريم، فقد بلغت شواهد القرآن في كتابه أكثر من ألف وخمسمائة وأربعة وستين شاهدًا من القرآن الكريم وهو عدد كبير، إذا وازنته بموقف النحويين في عصره من الشاهد القرآني (٥)، في حين بلغت شواهد الشعر (٧٨٥) شاهدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه، وكأنه يرد بسلوكه هذا المنهج على من جعل الشعر هو الحجة والدليل، ولم يلتفت إلى شواهد القرآن ويتخذها أصلًا لبناء قواعده، وأحكامه في اللغة، كما فعل سيبويه في كتابه، وأبو عبيدة في مجاز القرآن.\nوقد سار على هذا المنهج ابن الأنباري مع كثرة حفظه لشواهد الشعر، فقال وهو يحتج لقول الفراء: إن الفردوس هي البستان بالعربية أيضًا (٦): «والدليل على صحة قول الفراء أنَّ العربَ قد ذكرت الفردوس في أشعارها، قال حسان في التأنيث:\nوإِنَّ ثوابَ اللهِ كُلَّ مُوحِّدٍ ... جِنانٌ من الفِرْدَوسِ فيها يُخَلَّدُ (٧)\n_________\n(١) هو امرؤ القيس بن حجر.\n(٢) انظر: ديوانه ٢٤٢.\n(٣) الرعد ٣١.\n(٤) معاني القرآن ٢/ ٧، ٨٢، ٨٧، ٣/ ٩٤.\n(٥) بلغت شواهد القرآن عند سيبويه دون المكرر أربعمائة وخمسين شاهدًا، وشواهد المقتضب للمبرد من القرآن تجاوزت خمسمائة آية. انظر: منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن للدكتور سليمان خاطر ٢٠، مقدمة تحقيق المقتضب ١/ ٩٥.\n(٦) انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٣١.\n(٧) انظر: ديوانه ١٢٦.","vol":"1","page":679},{"text":"وقال عبد الله بن رواحة:\nثُمَّ لا يُنْزَفُونَ عنها ولكنْ ... تُذهِبُ الهَمَّ عنهمُ والغَليلا\nفي جِنانِ الفِرْدوسِ ليس يَخافونَ ... خُروجًا منها ولا تَحويلا (١)\nوقال الله تعالى - وهو أَصْدقُ قِيلًا: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١١] (٢)». (٣) وقال في رده على أبي حاتم السجستاني أن معنى الفارض: التي ليست بصغيرة جدًا، ولا كبيرة جدًا، يعني بينهما في السن: «وهذا خطأ منه؛ لأن الفارض عند العرب المسنة الهرمة، الدليل على هذا قول أبي ذؤيب:\nلَعَمْرِي لقد أَعطيتَ ضيفَكَ فارِضًا ... تُساقُ إليهِ لا تقومُ على رِجْلِ\nولم تُعطهِ بِكْرًا - فَيَرضَى - سَمينةً ... فكيف تُجازَى بالعطيَّةِ والبذلِ (٤)\nوقال الله جل وعلا - وهو أصدقُ قيلًا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (٥) فالفارض: المسنة». (٦)\nوهذا دليلٌ على عناية الكوفيين بالاستشهاد بالقرآن الكريم، والنص على ذلك، وتقديمه على الاستشهاد بالشعر، مع كثرة محفوظهم من شواهد الشعر، غير أنهم لم يرتضوا منهج أمثال أبي عبيدة في كثرة اعتداده بشاهد الشعر دون القرآن على وجه الخصوص. (٧) وقد أصبح هذا الأمر محل إجماع عند العلماء فيما بعد حتى قال ابن خالويه: «قد أجْمعَ الناسُ جَميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير\n_________\n(١) فات جامع ديوانه وليد قصاب، ولم أجدهما عند غير ابن الأنباري، وانظر: الزاهر لابن الأنباري ١/ ٥٠٣، ٢/ ١٩٦.\n(٢) المؤمنون ١١.\n(٣) المذكر والمؤنث ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وانظر: ١/ ٥٢٢، ٥٢٦.\n(٤) البيتان ليسا في ديوان الهذليين ولا في التمام لابن جني، وهما في الأضداد لابن الأنباري ٣٢٩.\n(٥) البقرة ٦٨.\n(٦) المذكر والمؤنث ١/ ٥٣٢ - ٥٣٣.\n(٧) انظر: حياة الشعر في الكوفة ليوسف خليف ٦٥٦.","vol":"1","page":680},{"text":"القرآن، لا خلاف في ذلك». (١) غير أن العلماء الذين صنفوا في معاني القرآن وغريبه وإعرابه ونحو ذلك، وكلهم من أهل النحو واللغة - على الرغم من هذا الإجماع - قد غلب الشاهد الشعري على مصنفاتهم بصفة عامة، وهذا ما وصل إليه بعض الباحثين من «أنَّ الظاهرةَ الواضحة في كتب النحو العربي هي الاعتمادُ الأساسيُّ على الشِّعرِ، إذ يكونُ وحدَه العنصرَ الغالبَ في دراسات النحويين المتقدمين والمتأخرين من بين مصادر الاستشهاد». (٢) والذين صنفوا في معاني القرآن ابتداء كالفراء والأخفش والزجاج وغيرهم قد قصدوا إظهار آرائهم النحوية سواء كانوا من البصريين أو الكوفيين، فجاءت كتبهم مشتملة على جل مسائل النحو، مما جعلها مصادر أساسية لدراسة النحو ونشأته، مما جعلها أقرب إلى كتب النحو منها إلى كتب الدراسات القرآنية. وقد كان كتاب معاني القرآن للأخفش أقرب كتب المعاني للدراسات النحوية الخالصة، وغلب على شواهده الشعرية الشواهد النحوية (٣)، ثم يليه الفراء في ذلك (٤)، ثم الزجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>ثانيًا: مدى اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري</span>.\nتقدم أنَّ أصحابَ المعاني والغريب قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في كتبهم، وكانوا أكثر اعتمادًا عليه من المفسرين، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية:\n_________\n(١) المزهر للسيوطي ١/ ٢١٣، وهو منقول من شرح الفصيح لابن خالويه.\n(٢) الرواية والاستشهاد للدكتور محمد عيد ١٣٨.\n(٣) انظر: فهرس النحو في الجزء الثاني من معاني القرآن للأخفش بتحقيق هدى قراعة ٢/ ٧٦٥ - ٨٠٢.\n(٤) انظر: فهارس معاني القرآن للفراء لفايزة المؤيد ١١٥ - ١٦٣، ٢١١ - ٢٥٧.","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>١ - عدد الشواهد الشعرية في كتب معاني القرآن وغريبه</span>.\nمعرفة عدد الشواهد الشعرية في كتب أصحاب المعاني والغريب، تبين مدى اعتمادهم عليه، وقد أحصيتُ الشواهدَ الشعريةَ في كتب الدراسة، وأضفت غيْرها مِمَّا تيسر لي ذكره من كتب الغريب والمعاني وتوجيه القراءات، ليتضح لك حجم الرواية الشعرية في هذه الكتب، فكانت على النحو الآتي:\nم ... الكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد\n١ ... مَجاز القرآن (مجلدان) ... أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ) ... ٩٥٢ (١)\n٢ ... معاني القرآن (مجلدان) ... للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت ٢١٥ هـ) ... ٣١٧ (٢)\n٣ ... معاني القرآن (٣ مجلدات) ... يحيى بن زياد الفراء (٢٠٧ هـ) ... ٧٨٥ (٣)\n٤ ... تأويل مشكل القرآن (مجلد) ... محمد بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ... ٣٦١\n٥ ... غريب القرآن (مجلد) ... محمد بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ... ١٨٢\n٦ ... معاني القرآن وإعرابه (٥ مجلدات) ... إبراهيم بن السَّرِيِّ الزجاج (ت ٣١١ هـ) ... ٥٩٦\n٧ ... مفردات ألفاظ القرآن (مجلد) ... الراغب الأصفهاني (ت ٤٠٠ هـ) ... ٤٧٧ (٤)\n٨ ... الدر المصون (١١ مجلد) ... أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) ... ٤٦٨٦ (٥)\n٩ ... إعراب القرآن (٥ مجلدات) ... لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ) ... ٤٦٤ (٦)\n١٠ ... الموضح في وجوه القرءات (٣ مجلدات) ... نصر بن علي ابن أبي مريم (ت) ... ١٩٣ (٧)\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٦ حيث رقم المحقق الشواهد ٢/ ٣١٧، وذكر صاحب كتاب (شواهد أبي حيان) ٨٨ أنها بلغت ١١٥٠ ولست أدري علام اعتمد في إحصائه هذا.\n(٢) انظر: معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٥ تحقيق هدى قراعة، وبحذف المكرر يكون عدد الشواهد ٢٨١ شاهدًا كما في معاني القرآن للأخفش ١/ ٥٧ بتحقيق عبد الأمير الورد.\n(٣) استبعدت الشواهد المكررة، وبها يزيد عدد الشواهد إلى ٨٢٤ شاهدًا.\n(٤) انظر: المفردات بتحقيق صفوان داوودي ٨٩٣.\n(٥) انظر: الدر المصون ١١/ ١٥٩، فقد رقم المحقق د. أحمد الخراط الشواهد الشعرية.\n(٦) انظر: إعراب القرآن للنحاس ١/ ٨٣ - ٩٧ من الدراسة، وفيه تفصيل المنسوب وغير المنسوب.\n(٧) انظر: الموضح في وجوه القراءات وعللها ٣/ ١٤١٤.","vol":"1","page":682},{"text":"تَدلُّ كثرة الشواهد الشعرية في هذه المصنفات على أهمية الشعر، وعناية أصحاب المعاني والغريب وإعراب القرآن به كشاهدٍ على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومُعِينٍ على فهمها كما كانت العرب زمنَ نزول الوحي تفهمُها.\nوهذه الشواهد الشعرية لم تكن مقصودةً لذاتِها، وإِنَّمَا وسيلة ضمنَ وسائل يستعين بها المصنفون لإيضاح معاني القرآن الكريم وتقريبها، إلا أنها من أهم الوسائل، ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط من يريد تفسير القرآن أو إعرابه؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٢ - الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل</span>.\nفي مواضع متفرقة، ومسائل متعددة في كتب معاني القرآن وغريبه يكتفى في الاستشهاد بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد، ويفسر به غريب القرآن، أو الوجه النحوي أو غير ذلك. وهذا الأمر يكثر عند أبي عبيدة في مجاز القرآن، وعند غيره بنسبة أقل، وهذا دليل اعتمادهم على الشاهد الشعري، وتعويلهم عليه في بيان الدلالة اللغوية وما يتصل بها، ومن أمثلة ذلك في كتب معاني القرآن ما يأتي:\n١ - عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (١) فسرها الفراء، واكتفى بالاستشهاد ببيت من الشعر فقال: «المُبْلِسُ: اليائسُ، المنقطعُ رجاؤهُ، ولذلك قيل للذي يسكتُ عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جوابٌ: قد أَبلَسَ، وقد قال الراجز (٢):\nيا صاحِ هَلْ تعرفُ رَسْمًا مُكْرَسا؟ ... قال: نَعمْ، أَعرِفُهُ، وأَبْلَسا (٣)\nأي: لم يُحِرْ إلىَّ جوابًا». (٤)\n_________\n(١) الأنعام ٤٤.\n(٢) هو العجاج.\n(٣) انظر: ديوانه ١٥٦.\n(٤) معاني القرآن ١/ ٣٣٥.","vol":"1","page":683},{"text":"وهذا وجه من وجوه تفسيرها، وقد فسَّرها مُجاهدُ بالاكتئاب، وفسرها السديُّ، وابن زيد بالهلاك. (١) وقول الفراء قريب من قول مجاهد لأن الاكتئاب أثر من انقطاع الحجة والسكوت، غير أن الطبري فصل القول في معناها بعد ذكره لتفاسير السلف فقال: «وأَصلُ الإِبلاسِ في كلام العربِ عند بعضهم الحُزْنُ على الشيءِ، والنَّدمُ عليه. (٢) وعند بعضهم انقطاعُ الحُجَّةِ، والسكوتُ عند انقطاع الحجةِ. وعند بعضهم الخُشوعُ، وقالوا: هو المخذولُ المتروكُ، ومنه قولُ العجَّاج ...». ثم ذكر الشاهد، وفسَّره بقوله: «فتأويل قولهِ: وأَبْلَسَا، عند الذين زعموا أَنَّ الإبلاسَ انقطاعُ الحجةِ والسكوتُ عنده، بِمعنى أَنه لم يُحِر جَوابًا. (٣) وتأوله آخرون بِمعنى الخُشوعِ، وتركِ أهلهِ إياهُ مقيمًا بمكانهِ. والآخرون: بِمعنى الحزنِ والنَّدمِ. يقال منه: أَبْلَس الرجلُ إبلاسًا، ومنه قيل لإبليس: إبليس». (٤)\nوذكر ابن فارس أن أصل دلالة الإبلاس على اليأس، وأن ما عداه من المعاني يعود إليه. (٥) فتكون بقية المعاني عائدةً لمعنى اليأس. فالخشوع، وانقطاع الحجة، والسكوت، والحُزنُ والاكتئاب تعودُ كلُّها لليأسِ. ولم يذكر الأزهري من معانيه إلا السكوت عند انقطاع الحجة، والقنوط. (٦) وقد زاد أبو عبيدة في تفسيره لهذه اللفظة شاهدًا آخر وفسَّره تفسيرًا موافقًا لقول مُجاهد وهو بيت رؤبة:\nوحَضَرَتْ يومَ خَميسِ الأَخْماسْ ... وفي الوجوهِ صُفرةٌ وإِبْلاسْ (٧)\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٢٤٧ - ٢٤٩.\n(٢) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٩٢.\n(٣) هذا قول الفراء كما تقدم، وقول الأصمعي كما في شرح ديوان العجاج ١٥٦.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٩/ ٢٤٩.\n(٥) انظر: مقاييس اللغة ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٤٤٢، لسان العرب ١/ ٤٨٢ (بلس).\n(٧) انظر: ديوانه ٦٧.","vol":"1","page":684},{"text":"وقال في شرحه: «أي: اكتئابٍ، وكسوفٍ، وحُزنٍ» (١)، وهذا موافق لتفسير مجاهد المتقدم.\n٢ - ومن أمثلة انفراد الشاهد الشعري بالاستشهاد عند الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٢) قال: «للعَرَبِ في أَكْنَنْتُ الشيءَ إذا سَتَرتَهُ لُغتانِ: كَنَنْتُهُ وأَكْنَنْتُهُ، قال: وأنشدوني قولَ الشاعر:\nثلاثٌ مِنْ ثلاثِ قُدامياتٍ ... من اللاتي تَكُنُّ من الصَّقيعِ (٣)\nوبعضهم يرويه: تُكِنُّ، مِن أَكْنَنْتُ». (٤) وقد نقل مقالة الفراء هذه أهل اللغة عنه، فهو من ثِقاتِهم. (٥) وقال الطبري: «ولم يُسْمَع كَنَنْتُهُ في نَفْسي» (٦)، غير أنه روي عن أبي زيد: كَنَنْتُ الشيءَ وأَكْنَنْتُه في الكِنِّ، وفي النَّفسِ مثلُها. (٧) فدل على جوازها، وقد سُمِعتْ في قول الشاعر الإسلامي أبي قطيفة الأموي:\nقد يكتمُ الناسُ أَسرارًا فأَعلمُها ... وما يَنالونَ حتى الموتِ مَكْنُوني (٨)\nوما فسَّر به الفراء اللفظةَ لم يُخالف فيه أحدٌ من المفسرين. (٩)\nوأما أمثلة انفراد الشاهد الشعري بالاستشهاد في كتب غريب القرآن\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ١٩٢.\n(٢) البقرة ٢٣٥.\n(٣) لم أقف على قائله، وقداميات: يعني بها قوادم ريش الطير، وهي أربع ريشات في مقدم الجناح. انظر: اللسان ١١/ ٦٧ (قدم).\n(٤) معاني القرآن ١/ ١٥٢.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ٩/ ٤٥٢، الصحاح ٦/ ٢١٨٨، لسان العرب ١٢/ ١٧٢ (كنن).\n(٦) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ١٠٢، المحرر الوجيز (قطر) ٢/ ٣٠٦، الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٩٠.\n(٧) انظر: تهذيب اللغة ٩/ ٤٥٣، الصحاح ٦/ ٢١٨٩.\n(٨) انظر: الأغاني ١/ ١١.\n(٩) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ٢/ ٣٠٦، الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٨٩ - ١٩٠، تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.","vol":"1","page":685},{"text":"فكثيرة في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة وغيرهما، وأكتفي ببعضها، فمن فمن أمثلة ذلك:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] (١) قال أبو عبيدة: «أي: غِطاءٌ، قال الحارثُ بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة (٢):\nتَبِعْتُكَ إذ عيني عليها غِشاوَةٌ ... فلمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَلومُها (٣)». (٤)\nوالغِشَاوةُ: الغطاءُ، في قول جميع المفسرين (٥)، وأهل اللغة. (٦)\nوفي مثل هذه الألفاظ التي ليست محل خلاف بين اللغويين يكتفي أبو عبيدة وغيره بالشاهد الشعري الواحد للاستشهاد على اللفظة، وأما إذا كانت لفظةً شديدةَ الغرابة، أو أسلوبًا غير معتاد لبعض العرب، فإنه يزيد في شواهدها، كما في شواهده عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٧) فقد أورد لها ثلاثة شواهد (٨)، وقد تبعه في ذلك الزجاج وذكر السبب في إيراده عددًا من الشواهد فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٩) - فـ «ألا» لابتداء الكلام\n_________\n(١) البقرة ٧.\n(٢) هو الحارث بن خالد بن هشام المخزومي القرشي، شاعر إسلامي، عاش حتى خلافة سليمان بن عبد الملك. أدركه أبو عمرو بن العلاء وسأله عن مسائل من اللغة. انظر: الأغاني ٣/ ٣١١، خزانة الأدب ١/ ٢١٧.\n(٣) انظر: مجموع شعره ١٣٧ - ١٣٨، الأغاني ٣/ ٣١٧، الحماسة البصرية ٢/ ٨٤٢.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٣١.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٢٧١، تفسير ابن كثير ١/ ٧١، الدر المنثور ١/ ١٥٥.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ٨/ ١٥٤، لسان العرب ١٠/ ٧٦ (غشا).\n(٧) النمل ٢٥.\n(٨) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٩) قرأ بها من العشرة أبو جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب، وقرأ بها ابن عباس والزهري وغيرهم. انظر: السبعة ٤٨٠، الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٥٦، حجة القراءات ٥٢٦.","vol":"1","page":686},{"text":"والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ:\nأَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلًاّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (١)\nوقال الأخطل:\nأَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آَخِرَ الدَّهْرِ (٢)\nوقال العجاج:\nيا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (٣)\nوإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (٤) في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٥)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل. (٦)\n٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] (٧) قال أبو عبيدة: «مُزجاةٌ: يسيرةٌ قليلةٌ، قال (٨):\n........................ ... وحاجةٍ غَيْر مُزجاةٍ من الحاجِ (٩)». (١٠)\n_________\n(١) الجَرْعَاءُ من الرَّمْلِ رَابيَةٌ سَهْلَةٌ لَيّنَةٌ. ديوانه ١/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(٢) ديوانه ٧٠.\n(٣) سَمْسَم بلد من بلاد تميم، أو كثبان رمل. ورواية الديوان للشطر الثاني من الرجز:\nبِسَمْسَمٍ أو عَنْ يَميْنِ سَمْسَم\nانظر: ديوانه ٢٧٨.\n(٤) معاني القرآن ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٤٦٥ تحقيق د. هدى قراعة.\n(٦) انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٩٠.\n(٧) يوسف ٨٨.\n(٨) القائل هو الراعي النميري.\n(٩) عجز بيت، وصدره:\nومُرسِلٍ ورَسولٍ غَيْرِ مُتَّهمٍ ... ...............................\nانظر: ديوانه ٢٨.\n(١٠) مجاز القرآن ١/ ٣١٧.","vol":"1","page":687},{"text":"وهذا التفسير للفظة «مُزجاةٍ» بأنه اليسيرة القليلة هو قول بعض مفسري السلف كمجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي (١) وفسرها ابن عباس بأن معناها: «رديئة زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يوضع منها». (٢) ولم يزد أبو عبيدة في بيان دلالته على هذا الشطر من الشاهد الشعري، وقد نقل تفسيره لها أهل اللغة. (٣) وهذه التفسيرات متقاربة المعنى، وإن اختلفت الألفاظ، ولذلك قال الطبري: «وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة». (٤) وهناك أمثلة أخرى عند أبي عبيدة. (٥)\nوعند ابن قتيبة في بيانه للغريب من ألفاظ القرآن، كان يكتفي في مواضع متفرقة من كتابه ببيان دلالة اللفظة بالاستشهاد عليها بشاهد من الشعر، ولا يزيد على ذلك. ومن أمثلة ذلك عنده:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] (٦) قال ابن قتيبة: «أي: أَصابكَ بِخَبْلٍ. يقالُ: عَراني كذا وكذا، واعتراني: إذا أَلَمَّ بي. ومنه قيل لمن أتاكَ يطلبُ نائِلَكَ: عَارٍ. ومنه قول النابغة:\nأَتيتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابي ... على خَوفٍ تُظَنُّ بيَ الظُّنُونُ (٧)». (٨)\nوهذا التفسير هو الذي فسر به اللفظةَ ابنُ عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (٩)، وهذا دليل على حرص ابن قتيبة على تفسير السلف، وهو تفسير أهل اللغة. (١٠)\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٣١٨ - ٣٢٤.\n(٢) المصدر السابق ١٣/ ٣١٧.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة ١١/ ١٥٥.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٣١٧.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٣١٨.\n(٦) هود ٥٤.\n(٧) انظر: ديوانه ٢٢٢.\n(٨) تفسير غريب القرآن ١٧٨.\n(٩) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(١٠) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٩٠، معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩، تهذيب اللغة ٣/ ١٥٨ - ١٥٩.","vol":"1","page":688},{"text":"والشاهد الذي استشهد به من قول النابغة، من اللغويين من فسره كما فسره ابن قتيبة بأنه من التعرض للطلب (١)، ومنهم من فسره بأَنَّه مِنْ خَلَقِ الثيابِ كأنه عارٍ منها (٢)، وسياق البيت يدل على ذلك، فقوله: «خلقًا ثيابي» تفسير للعُرْي المراد والله أعلم.\n٢ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] (٣) قال ابن قتيبة: «يُقال: لا تَعي شيئًا من الخَيْرِ، ونَحوهُ قولُ الشاعر في وَصْفِ الظَّليمِ:\n.......................... ... جُؤجؤهُ هَواءُ (٤)\nأي: ليس لِعَظْمِهِ مُخٌّ، ولا فيه شيءٌ». (٥)\nوهذا هو تفسير أكثر السلف للفظة «هواء»، كابن عباس وغيره، واختاره الطبري فقال بعد أن حكى تفسيرات السلف: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناهُ: أَنَّها خاليةٌ، ليس فيها شيء من الخير، ولا تعقل شيئًا. وذلك أن العرب تسمي كل أجوف خاوٍ هواءً» (٦)، واستشهد بشاهدين من الشعر. وهناك أمثلة أخرى في كتاب ابن قتيبة لانفراد الشاهد الشعري بالدلالة على المعننى الغريب للفظة (٧)، مما يعني الثقة بالشاهد الشعري، والاعتماد عليه في بيان الدلالة اللغوية للفظة الغريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري:</span>\nيَعُدُّ أصحابُ المعاني والغريب الشاهدَ الشعريَّ وثيقةً لغويةً، وحجةً\n_________\n(١) انظر: لسان العرب ٩/ ١٧٦ (عرا).\n(٢) انظر: تهذيب اللغة ٣/ ١٥٩.\n(٣) إبراهيم ٤٣.\n(٤) جزء من بيت، وتمامه:\nكأَنَّ الرَّحْلَ منها فوقَ صَعْلٍ ... مِنْ الظلمانِ جُؤجُؤهُ هَواءُ\nمنها: من هذه الناقة، فوق صعل: فوق ظليم - وهو ذَكَرُ النعام - دقيق العنق صغير الرأس، جؤجؤه: صدره. انظر: الديوان ٦٣.\n(٥) تفسير غريب القرآن ٢٠٠.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٧١٣.\n(٧) تفسير غريب القرآن ٢١٩، ٢٥٨.","vol":"1","page":689},{"text":"مقبولةً، ولذلك يُقلِّبُونَهُ على وجوهه، فيستقصون كل ما يُمكن أن يدل عليه هذا البيت من اللغة والنحو وغيرها، وهذه صورة من صور اعتمادهم على الشاهد الشعري، وحرصهم على استفياء جميع دلالاته. ومن ذلك تكرارُ الاستشهاد بالبيت على الوجه الواحد. وذلك إذا تكررت الحاجة إلى بحث الموضوع مرة أخرى، أو موضع مماثل.\n١ - ومن أمثلة ذلك قول الشاعر كعب بن سعد الغنوي:\nوداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى ... فَلمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (١)\nفقد استشهد به أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) فقال: «أي: يُجيبوني. قال كعبُ الغَنَويُّ ...» فذكر البيت، ثم قال: «أي: فلم يُجِبهُ عند ذاك مجيبُ». (٣) ثم كرَّر الاستشهاد به على الوجه نفسه، وهو أن الاستجابة والإجابة بمعنىً، في مواضع من كتابه. (٤) واستشهد به ابن قتيبة على الوجه نفسه نقلًا عن أبي عبيدة. (٥)\n٢ - ومن الأمثلة كذلك قول الأعشى:\nحتى يقولَ الناسُ مِمَّا رأوا ... يا عَجَبًا للميّتِ النّاشِرِ (٦)\nفقد استشهد به أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] (٧) فقال: «مصدر الناشر، قال الأعشى ...». (٨) فذكره. ثم كرره للوجه نفسه في مواضع أخرى. (٩)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-297> شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه:</span>\nتفاوت نصيب الشعراء في الاستدلال بشعرهم في كتب معاني\n_________\n(١) انظر: الأصمعيات ٩٦.\n(٢) البقرة ١٨٦.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٦٧.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٢٠، ٢٤٤، ٣٢٦، ٢/ ١٠٧.\n(٥) انظر: تفسير غريب القرآن ٧٤، ٣٩٣، تأويل مشكل القرآن ٢٣٠.\n(٦) انظر: ديوانه ١٩١.\n(٧) فاطر ٩.\n(٨) مجاز القرآن ٢/ ١٥٣.\n(٩) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٠٢، ٢٨٦.","vol":"1","page":690},{"text":"القرآن وكتب غريب القرآن ومُشْكِله، وقد قمتُ بِحَصر جَميع الشواهد في كتب معاني القرآن وغريبه ومشكله التي درستُها وقائليها، ونسبت كُلَّ شاعرٍ إلى قبيلته وعصرِه، ومقدار الشعر الذي استُشهِدَ به من شعره في كُلِّ كتاب من الكتب التي شَملتها الدراسة، وقيدتُ ذلك في جدول، وقد رتبتُ أسماء الشعراء بحسبِ كثرةِ شواهدهم، مبتدأً بأكثرهم، ومبينًا أمام كلِّ شاعرٍ قبيلتَهُ التي ينتسبُ إليها، وعصره الزمني الذي عاش فيه، والكتاب الذي استشهد بشعره، وقد استبعدت من لم يكن له إلا شاهد واحد من الشعراء خشية الإطالة:\n\n• الشعراء الذين اعتمد عليهم أصحاب المعاني والغريب في الاستشهاد:\nم ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... مجاز القرآن ... معاني القرآن ... تأويل المشكل ... غريب القرآن\n١ ... الأعشى ميمون بن قيس ... بكر ... جاهلي ... ٦٧ ... ١٩ ... ١٢ ... ١١\n٢ ... العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٦٧ ... ٩ ... ٦ ... ٥\n٣ ... رؤبة بن العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٦٥ ... ٥ ... ١٢ ... -\n٤ ... جرير بن عطية ... تميم ... إسلامي ... ٥٢ ... ١٩ ... ١٦ ... -\n٥ ... لبيد بن ربيعة العامري ... هوازن ... مخضرم ... ٤١ ... ٨ ... ٦ ... ٤\n٦ ... ذو الرمة ... الرِّبَاب ... إسلامي ... ٣١ ... ١٦ ... ١٧ ... ٦\n٧ ... الكميت بن زيد ... أسد ... إسلامي ... ٣٠ ... - ... ٦ ... -\n٨ ... النابغة الذبياني ... غطفان ... جاهلي ... ٢١ ... ٩ ... ٧ ... ٧\n٩ ... الفرزدق ... تَميم ... إسلامي ... ٢٠ ... ٣١ ... ٤ ... -\n١٠ ... أبو ذؤيب الهذلي ... هذلي ... مخضرم ... ١٧ ... ٨ ... ٩ ... ٨\n١١ ... زهير بن أبي سلمى ... مزينة ... جاهلي ... ١٧ ... ٦ ... ٣ ... ٥\n١٢ ... النابغة الجعدي ... هوازن ... مخضرم ... ١٧ ... ٦ ... ٦ ... ٩\n١٣ ... طرفة بن العبد ... بكر ... جاهلي ... ١٦ ... ١ ... ٨ ... -\n١٤ ... الأخطل ... تغلب ... إسلامي ... ١٥ ... ٦ ... ٤ ... -\n١٥ ... حسان بن ثابت ... الأزد ... مُخضرم ... ١٥ ... ٧ ... - ... -","vol":"1","page":691},{"text":"١٦ ... ابن أحمر الباهلي ... باهلة ... مخضرم ... ١٤ ... ٧ ... ٤ ... -\n١٧ ... الراعي النميري ... هوازن ... إسلامي ... ١٣ ... ١ ... ٤ ... ٣\n١٨ ... امرؤ القيس ... كندة ... جاهلي ... ١٢ ... ١٧ ... ١٠ ... -\n١٩ ... أبو الأسود الدؤلي ... كنانة ... مخضرم ... ١١ ... ٢ ... - ... -\n٢٠ ... تميم بن أبي بن مقبل ... هوازن ... مخضرم ... ١١ ... ٢ ... - ... -\n٢١ ... أبو النجم العجلي ... بكر ... إسلامي ... ٩ ... ٣ ... ٩ ... -\n٢٢ ... الشماخ بن ضرار ... ذبيان ... مخضرم ... ٩ ... ١ ... ٤ ... -\n٢٣ ... عدي بن زيد العبادي ... تَميم ... إسلامي ... ٩ ... ٦ ... - ... -\n٢٤ ... حُميد الأرقط ... تَميم ... إسلامي ... ٨ ... ١ ... - ... -\n٢٥ ... النمر بن تولب ... الرِّباب ... مخضرم ... ٨ ... ٢ ... ٣ ... -\n٢٦ ... أبو زبيد الطائي ... طيء ... مخضرم ... ٧ ... ٢ ... ٣ ... -\n٢٧ ... الأحوص الأنصاري ... الأزد ... إسلامي ... ٧ ... ١ ... - ... -\n٢٨ ... حاتم الطائي ... طيء ... جاهلي ... ٧ ... ١ ... - ... -\n٢٩ ... الحطيئة ... عبس ... مخضرم ... ٧ ... ١١ ... ٣ ... -\n٣٠ ... العباس بن مرداس ... سليم ... مخضرم ... ٧ ... - ... - ... -\n٣١ ... ذو الأصبع العدواني ... عدوان ... مخضرم ... ٦ ... - ... - ... -\n٣٢ ... الزفيان بن عوانة ... - ... - ... ٦ ... - ... - ... -\n٣٣ ... علقمة بن عبدة ... تميم ... جاهلي ... ٦ ... - ... ٢ ... -\n٣٤ ... عمر بن أبي ربيعة ... قريش ... إسلامي ٦ ... - ... - ... -\n٣٥ ... عنترة بن شداد ... عبس ... جاهلي ... ٦ ... ١١ ... ٧ ... -\n٣٦ ... أبو خراش ... هذيل ... جاهلي ... ٥ ... ٣ ... - ... -\n٣٧ ... أبو كبير الهذلي ... هذيل ... إسلامي ... ٥ ... - ... - ... -\n٣٨ ... الأُبيْرِد الرياحي ... رياح ... جاهلي ... ٥ ... - ... - ... -\n٣٩ ... بشر بن أبي خازم ... أسد ... جاهلي ... ٥ ... - ... - ... -\n٤٠ ... خفاف بن ندبة السلمي ... سليم ... جاهلي ٥ ... - ... - ... -","vol":"1","page":692},{"text":"٤١ ... سلامة بن جندل ... تَميم ... جاهلي ... ٥ ... - ... - ... -\n٤٢ ... عبد الله بن قيس الرقيات ... قريش ... إسلامي ... ٥ ... - ... ٣ ... -\n٤٣ ... عبد مناف بن ربعي ... هذيل ... جاهلي ... ٥ ... - ... - ... -\n٤٤ ... عمرو بن معد يكرب ... مذحج ... مخضرم ... ٥ ... - ... - ... -\n٤٥ ... كثير عزة ... خزاعة ... إسلامي ... ٥ ... - ... ١ ... ٣\n٤٦ ... إبراهيم بن هرمة ... قريش ... إسلامي ... ٤ ... - ... - ... -\n٤٧ ... أوس بن حجر ... تَميم ... جاهلي ... ٤ ... - ... - ... ٣\n٤٨ ... جندل بن المثنى ... طهية ... جاهلي ... ٤ ... - ... - ... -\n٤٩ ... دريد بن الصمة ... هوازن ... جاهلي ... ٤ ... - ... ٣ ... -\n٥٠ ... الصقر بن الحكيم ... - ... - ... ٤ ... - ... - ... -\n٥١ ... القلاخ بن حزن ... - ... - ... ٤ ... - ... - ... -\n٥٢ ... كعب بن زهير ... مزينة ... مخضرم ... ٤ ... - ... - ... -\n٥٣ ... المثقب العبدي ... عبد القيس ... جاهلي ... ٤ ... - ... ٣ ... -\n٥٤ ... المهلهل ... ربيعة ... جاهلي ... ٤ ... - ... - ... -\n٥٥ ... أبو مضر المازني ... مازن ... - ... ٣ ... - ... - ... -\n٥٦ ... أحيحة بن الجلاح ... الأزد ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٥٧ ... الأسود بن يَعْفُر ... تَميم ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... ٤\n٥٨ ... الأشهب بن رميلة ... تميم ... إسلامي ... ٣ ... - ... - ... -\n٥٩ ... أمية بن أبي الصلت ... ثقيف ... جاهلي ... ٣ ... ٣ ... ٤. .. -\n٦٠ ... جران العَوْد ... نمير ... جاهلي ... ٣ ... ٣ ... - ... -\n٦١ ... الحارث بن خالد ... قريش ... إسلامي ... ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٢ ... ساعدة بن جؤية الهذلي ... هذلي ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٣ ... الشنفرى ... الأزد ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٤ ... صخر بن عمرو الشريد ... سليم ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٥ ... عبيد بن الأبرص ... أسد ... جاهلي ... ٣ ... ٣ ... - ... -","vol":"1","page":693},{"text":"٦٦ ... عمرو بن كلثوم ... تغلب ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٧ ... غيلان الربعي ... ربيعة ... - ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٨ ... القحيف العقيلي ... عقيل ... إسلامي ... ٣ ... - ... - ... -\n٦٩ ... المتلمس الضبعي ... ضبيعة ... جاهلي ... ٣ ... - ... - ... -\n٧٠ ... يحيى بن مالك السعدي ... بنو سعد ... ٣ ... - ... - ... -\n٧١ ... يزيد بن ضبة ... - ... - ٣ ... - ... - ... -\n٧٢ ... الطرماح بن حكيم ... طيء ... إسلامي ... ٢ ... - ٣ ... - ... -\n٧٣ ... عامر بن الطفيل ... بنو عامر ... جاهلي ... ٢ ... - ... - ... -\n٧٤ ... القطامي التغلبي ... تغلب ... إسلامي ... ٢ ... ٤ ... ١ ... - ...\n٧٥ ... المتنخل الهذلي ... هذيل ... مخضرم ... ٢ ... - ... - ... -\n٧٦ ... يزيد بن مُفَرِّغ الحميري ... حمير ... إسلامي ... ٢ ... - ... ٣ ... -\n٧٧ ... كعب بن مالك ... الأزد ... إسلامي ... ٢ ... - ... - ... -\n٧٨ ... أبو دواد الإيادي ... إياد ... جاهلي ... - ... ٤ ... ٢ ... -\n٧٩ ... الأغلب العجلي ... عجل ... مخضرم ... - ... ٤ ... - ... -\n٨٠ ... أمية بن الأسكر ... كنانة ... مخضرم ... - ... - ... - ... -\n٨١ ... ابن ميادة ... ذبيان ... مخضرم ... - ... - ... ٣ ... -\n٨٢ ... جميل بن معمر ... قضاعة ... إسلامي ... - ... ٥ ... - ... -\n٨٣ ... حميد بن ثور الهلالي ... هلال ... إسلامي ... ٧ ... - ... ٥ ... -\n٨٤ ... سويد بن كراع ... عجل ... جاهلي ... - ... ٣ ... - ... -\n٨٥ ... طفيل الغنوي ... قيس ... جاهلي ... - ... ٣ ... - ...\n٨٦ ... العتابي ... - ... إسلامي ... - ... - ... ٤ ... -\n٨٧ ... المخبل السعدي ... تميم ... مخضرم ... ٤ ... - ... -\n٨٨ ... معن بن أوس المزني ... مزينة ... إسلامي ... - ... ٣ ... - ... -\n٨٩ ... نصيب ... قضاعة ... إسلامي ... - ... ٤ ... - ... -","vol":"1","page":694},{"text":"وقد جَمعتُ خلاصةَ الجدول السابق، في الجدول الآتي لتكون النتائج أكثر دقة:\nعصور الشواهد ... أبو عبيدة ... الفراء ... ابن قتيبة\nالشعراء ... الشواهد ... الشعراء ... الشواهد ... الشعراء ... الشواهد\nالجاهلي ... ٦٥ ... ١٩٨ ... ٩ ... ٣٦ ... ٧٩ ... ١٥٠\nالمخضرم ... ٤١ ... ١٦٠ ... ٨ ... ١١ ... ٢٤ ... ١٠٣\nالإسلامي ... ٥٣ ... ١٩٢ ... ١٢ ... ٢٥ ... ٢٢ ... ٩٣\nالمَجموع ... ١٥٩ ... ٥٥٠ ... ٢٩ ... ٧٢ ... ١٢٥ ... ٢٩٦\nومن خلال هذين الجدولين لأسماء الشعراء في كتب معاني القرآن وغريب القرآن ومُشْكِلِه، وعدد شواهدهم، يتضح ما يلي:\nأولًا: اعتماد أصحاب معاني القرآن وغريبه على شعراء الجاهلية، وقد سبقوا المفسرين الذين تقدمت دراسة كتبهم في الفصل السابق في الاهتمام بشعر الجاهلية، وتقديمه على غيره، وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء وأبي عبيدة والأصمعي روايات في ذلك تقدم ذكرُها. بل إن هذا كان ملحوظًا في غير كتب المعاني والغريب والتفسير، وهي كتب الاختيارات الشعرية التي صنفت قديمًا. فالمفضليات التي جمعها المفضل الضبي (ت ١٧٨) تضم مائة وثلاثين قصيدة ومقطوعة لستة وستين شاعرًا، أكثر من خمسة وأربعين منهم من شعراء الجاهلية، وأكثر ثلثي بقيتهم مخضرمون. والأصمعيات تحتوي على ثنتين وتسعين قصيدة ومقطوعة لواحد وسبعين شاعرًا، ما يزيد على أربعين منهم جاهليون، وأكثر من نصف من بقي مخضرمون.\nأَما «جَمهرةُ أشعار العربِ» للقرشي، فاحتوت على تسع وأربعين قصيدة لتسعة وأربعين شاعرًا، جلهم من الجاهلين والمخضرمين. وهذا كله دليل على تقديم طبقات علماء اللغة والرواية والتفسير لشعراء الجاهلية، في","vol":"1","page":695},{"text":"استشهاداتهم ومصنفاتهم في معاني القرآن وغريبه وتفسيره، وأن تدوين الشعر كان مراعى فيه منذ البدء بتدوينه خدمة القرآن الكريم، واللغة العربية، وقد أكد أصحاب هذه المجاميع الشعرية ذلك في مقدماتهم. (١) ولذلك قال محققا المفضليات أحمد شاكر وعبد السلام هارون عن شعراء هذه المختارات الشعرية: «كلهم ممن كان في الجاهلية أو صدر الإسلام، ومن شعرهم أكثر شواهد العربية في الغريب والبلاغة والنحو والصرف». (٢)\nوقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بهم أصحاب المعاني والغريب من شعراء الجاهلية أكثر من ثمانين شاعرًا، ونُسبَ لهم من الشواهد أكثر من مائتين وخمسة وأربعين شاهدًا، وهذه الشواهد قد نقلها المفسرون واستشهدوا بها بعد ذلك في كتب التفسير.\nثانيًا: يأتي الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية عند أصحاب المعاني والغريب، كما سبق أن جاء كذلك عند المفسرين، فقد استشهد له أبو عبيدة بسبعة وستين شاهدًا، واستشهد له الفراء بتسعة عشر شاهدًا، وابن قتيبة باثني عشر شاهدًا.\nوقد كان أبو عمرو بن العلاء يحث تلاميذه على العناية بشعر الأعشى للاستشهاد به، حيث يقول: «عليكم بشعر الأعشى». (٣)\nوجاء بعد الأعشى من الشعراء العجاج التميمي من الشعراء الإسلاميين، فقد استشهد له أبو عبيدة بسبعة وستين شاهدًا، والفراء بتسعة شواهد، وابن قتيبة بستة شواهد، وقد تقدم أنه جاء في تفسير الطبري في المرتبة الرابعة بعد الأعشى والنابغة ولبيد. مما يدل على وفرة شواهده، وعناية اللغويين والمفسرين بها.\n_________\n(١) انظر: جمهرة أشعار العرب ١/ ٩، الشعر والشعراء ١/ ٧.\n(٢) مقدمة تحقيق المفضليات ٦.\n(٣) انظر: جمهرة أشعار العرب ١/ ٢٠١ وما بعدها.","vol":"1","page":696},{"text":"وأكثر ما يستشهد أصحاب المعاني والغريب والمفسرون بشعر العجاج وابنه رؤبةَ على غريبِ القرآنِ واللغةِ (١)، وقد كان هذا مشهورًا عند العلماء المتقدمين حتى إِنَّهُ نَقَلَ العسكريُّ عن الأصمعي قوله: «تقولُ الرواةُ والعلماءُ: مَنْ أرادَ الغريبَ فعليهِ بشعرِ هُذيلٍ ورَجزِ رؤبةَ والعجّاجِ، وهؤلاء يجتمع في شعرهمُ الغريبُ والمعاني. ومَن أراد الغريبَ من شعرِ المُحدَثِ ففي أشعار ذي الرُّمَّةِ. ومَن أراد الغريب الشديد الثّقةِ ففي شعر ابن مقبلٍ، وابن أحمرَ، وحُميد بن ثورٍ الهلاليِّ، والراعي، ومزاحمٍ العقيليّ». (٢)\nوهذا الذي ذكره الأصمعي ظاهر في تطبيق أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن والمفسرين في العناية بشعر هؤلاء الشعراء، وكثرة شواهدهم. فذو الرمة قد ورد من شواهده عند أبي عبيدة واحد وثلاثون شاهدًا، وعند الفراء - مع قلة نسبته للشواهد - ستة عشر شاهدًا، وعند ابن قتيبة سبعة عشر شاهدًا، وأكثر من ذلك من شواهد العجاج ورؤبة، وفي الجدول السابق، وما ذكرته في كتب التفسير ما يبين صحة هذا.\nوبقية الشعراء يظهر تباين عدد شواهدهم في كتب أصحاب المعاني والغريب من خلال الجدول السابق.\nثالثًا: قد يكون هناك سبب خاص يقتضيه المقام للاعتماد على شعراء عَصرٍ بعينه دون آخر، وهو أن المعنى الذي يستشهد له هو المعروف عند أهل هذا العصر دون من قبلهم، مما يدل على أن اللفظة قد طرأ عليها تطور دلالي.\nومن أمثلة ذلك لفظة «الحَنيف»، فقد ذكر أبو عبيدة ما طرأ على\n_________\n(١) انظر: دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجاج للدكتورة خولة تقي الدين الهلالي، فقد درست أراجيز الشاعرين دراسة لغوية شملت غريب اللغة في شعرهما، وصنعت لذلك معجمًا لغويًا جيدًا.\n(٢) المصون في الأدب ١٦٩.","vol":"1","page":697},{"text":"معناها من تطور فقال: «الحَنيفُ في الجاهليةِ مَنْ كان على دين إبراهيم، ثُمَّ سُمي مَن اختَتَن وحَجَّ البيت حنيفًا لَمَّا تناسخت السنون، وبقي من يعبد الأوثان من العرب، قالوا: نحن حنفاء على دين إبراهيم، ولم يتمسكوا منه إلا بِحجِّ البيت، والخِتان. والحَنيفُ اليومَ: المسلمُ. قال ذو الرمة:\nإذا خَالفَ الظِلّ العَشيَّ رأَيتَهُ ... حَنيفًا، ومِنْ قَرْنِ الضُّحَى يَتنَصَّرُ (١)\nيعني الحرباء». (٢) ومعنى البيت أن هذه الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، وتستقبل المشرق بالغداة وهي قبلة النصارى (٣).\nواستدلال أبي عبيدة بشعر ذي الرمة الشاعر الإسلامي (ت ١١٧) مقصود، فلم يكن يؤدي المعنى المقصود الاستشهاد بشعر الجاهليين، لأنه يريد الدلالة على معنى الحنيف في زمنه، وكيف تغير معناه مع الزمن، وهذا قد يكشف عِلَّةَ اختيار المفسرين وأصحاب المعاني للشواهد للدلالة على معنى اللفظة في زمن دلالة معين دون غيره.\nوقد نقل الأزهري مثل هذا القول عن الأخفش في المقصود بالحنيف (٤) وهذه اللفظة من الألفاظ التي تطورت معانيها من الجاهلية إلى الإسلام، ثم استقرت في القرآن بمعنى تلك الفئة التي أخلصت عبادتها لله، ونبذت عبادة الأصنام والأوثان قبل الإسلام وبعده (٥).\nخامسًا: تَبَيَّنَ من خلال الجدول التزام أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن بِما تقرر في الاحتجاج بشعر الشعراء، والوقوف عند شعراء بعينهم، وأبو عبيدة من العلماء الذين وضعوا هذه المقاييس،\n_________\n(١) ديوانه ١/ ٣١٦، وانظر: نهاية الأرب ١٠/ ١٦١.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٥٨.\n(٣) انظر: المحرر الوجيز (قطر) ٢/ ١٨.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة ٥/ ١١٠.\n(٥) انظر: سورة آل عمران ٦٧، النساء ١٢٥، يونس ١٠٥، البينة ٥ ومواضع تفسيرها في كتب التفسير. وكتاب التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن لعودة أبو عودة ١٥٧ - ١٦١.","vol":"1","page":698},{"text":"وأخذها عن شيخه أبي عمرو بن العلاء هو والأصمعي، وقد ظهر هذا جليًا في كتبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مدى اعتماد الشاهد الشعري في مجاز القرآن لأبي عبيدة:</span>\nفاقت شواهد الشعر عند أبي عبيدة غيرها من الشواهد، وكان حريصًا على الشعر في الاحتجاج لما يذهب إليه، وقد اعتمد أبو عبيدة عليه في الاستدلال اللغوي على غريب القرآن، وشرح المفردات، وشرح الأساليب. وربما فسر الآية مباشرة بالشاهد من الشعر، وكلامه مختصر جدًا، لا يتجاوز اللفظة واللفظتين في غالب المواضع.\nوقد استشهد أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن بمائة وتسعة وخمسين شاعرًا عرفت أسماؤهم غير من جهل اسمه، وبلغت الشواهد التي نسبت لهؤلاء الشعراء المعروفين خمسمائة وخمسين شاهدًا. وقد كان نصيب شعراء الجاهلية كبيرًا، فخمسة وستون من هؤلاء الشعراء من العصر الجاهلي، وعدد شواهدهم تقارب المائتين حيث بلغت مائة وثمانية وتسعين شاهدًا.\nوأما المخضرمون كلبيد وحسان فقد بلغ عددهم واحدًا وأربعين شاعرًا، وبلغت شواهدهم عند أبي عبيدة مائة وستين شاهدًا شعريًا.\nوأما شعراء الإسلام فجاءوا في المرتبة الثانية بعد شعراء الجاهلية، وفي مقدمتهم العجاج، وابنه رؤبة، وجرير، وذو الرمة وقد بلغ عدد الشعراء الإسلاميين ثلاثة وخمسين شاعرًا، وبلغت شواهدهم مائة واثنين وتسعين شاهدًا. وقد شَملت هذه الشواهد الغريب والمعاني والنحو والتصريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في معاني القرآن للفراء:</span>\nوأما الفراء فقد كانت عنايته بالشواهد الشعرية، واعتماده عليها أقلَّ ظهورًا من أبي عبيدة، وإن كان استفاد منها في معانيه كذلك.","vol":"1","page":699},{"text":"وقد اشتمل معاني القرآن للفراء على ما يقارب ثَمانِمائة شاهدٍ من الشعر، غير أن الفراء لم ينسب منها إلا اثنين وسبعين شاهدًا، وبقيت البقية دون نسبة، ولذلك لم يمكن التعرف على عصور الشعراء بدقة في كتابه. غير أنه استشهد بشعر تسعة وعشرين شاعرًا، وبلغت الشواهد التي نسبها لهم اثنين وسبعين شاهدًا.\nفأما شعراء الجاهلية التسعة الذين استشهد بشعرهم فقد نسب لهم ستة وثلاثين شاهدًا شعريًا، وأما المخضرمون الذين بلغ عددهم ثمانية شعراء فقد استشهد لهم بأحد عشر شاهدًا، وأما الشعراء الإسلاميون الذين هم أكثر من استشهد بشعرهم وعددهم اثنا عشر شاعرًا، فقد استشهد لهم بخمسة وعشرين شاهدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة</span>.\nصنَّف ابن قتيبة كتابه هذا ردًا لشبهات المعترضين على آيات من القرآن لم يتبين لهم وجه الصواب فيها، فأراد أن يذُبَّ عن كتاب الله، ويرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، ويكشف للناس ما يلبسون، وذكر منهجه فيه فقال: «ألَّفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآنِ، مُستنبطًا ذلك من التفسير بزيادةٍ في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما لم أعلم فيه مقالًا لإمام مطلعٍ على لغات العرب». (١) مما يعني أنه قد اعتمد على أقوال المفسرين من السلف، وما لم يجد فيه لهم قولًا اعتمد فيه على لغة العرب وشعرها.\nوقد بدأ ابن قتيبة كتابه بمقدمة حول القرآن ولغته وجمعها لكثير المعاني بقليل اللفظ، وأسرار العربية التي نزل بها، والشعر الذي أقامه الله للعربية مقام الكتاب لغيرها، وسنن العرب في كلامهم ومذاهبهم في تعبيرهم وأن القرآن نزل بها جميعًا، ثم عقد بابًا لوجوه بلاغة القرآن، وطريقته في عرضها أن يذكر ما في كتاب الله منها، ثم يعقبه بذكر أمثاله من\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن ١٧ - ١٨.","vol":"1","page":700},{"text":"الشعر ولغات العرب وما استعمله الناس في كلامهم. (١) ثم عقد لتأويل الحروف التي ادعى على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم وهي الحروف المقطعة في أوائل السور. ثم شرع في الكلام عن ما رآه مشكلًا من سور القرآن دون ترتيب، فينتقل من السورة إلى غيرها، ثم يعود إليها مرة أخرى، ولم يتناول سورة بتمامها إلا سورة الجن للغموض الذي وقع في بتكرار «أَنَّ»، واختلاف القراء في نصبها وكسرها، واشتباه ما فيها من قول الله تعالى بقول الجن، ثم عقد بابًا عنوانه: «باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة»، وهو جديد في معاني الغريب، حيث يذكر أصل المعنى للكلمة، ويعدد المعاني المتفرعة عنه، ويأتي على ذلك كله بكثير من شواهد الشعر.\nوقد عالج ابن قتيبة في كتابه هذا مسألة الغموض في معاني الكلمة المفردة، والأساليب المشكلة، والمشكل يشمل ما غمض معناه لفظًا مفردًا أو تركيبًا.\nوقد اشتمل كتابه هذا على ثلاثمائة وتسعة وخمسين شاهدًا شعريًا، منها شواهد لغوية، ونحوية، وبلاغية. وعدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم في كتابه هذا بلغوا مائة وثلاثين شاعرًا، يُمثِّل الجاهليون غالبيتهم وهم تسعة وسبعون شاعرًا، ومن المخضرمين أربعة وعشرون شاعرًا، ومن الإسلاميين اثنان وعشرون شاعرًا، واستشهد بشعر ثلاثة من الشعراء الذين أدركوا الدولة العباسية واستشهد العلماء بشعرهم. وقد بلغ عدد الشواهد التي استشهد بها ثلاثمائة وواحد وستين شاهدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في غريب القرآن لابن قتيبة</span>.\nأما ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن، فقد سلك منهجًا وسطًا في الاستشهاد بالشعر، مع سعة معرفته بشعر الشعراء وطبقاتهم وتراجمهم، وله في ذلك مصنفات مستقلة مشهورة، إلا أنه قدم في تفسيره أقوال\n_________\n(١) انظر: تأويل مشكل القرآن ١٠١.","vol":"1","page":701},{"text":"السلف، وكلام المفسرين، وما لم يجد لهم قولًا في ذلك رجع فيه إلى الشعر، ثم إنه لم يستشهد على كل الألفاظ الواردة وإنما على ما يشكل فهمه، ويغمض معناه. ولذلك قال في مقدمة الغريب: «وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نَختصرَ ونُكْمِلَ، وأن نُوضِّحَ ونُجمِلَ؛ وأن لا نستشهد على اللفظ المُبتذَلِ، ولا نُكثرَ الدَّلالةِ على الحرف المستعمل». (١)\nوقد اشتمل كتابه هذا على مائة واثنين وثمانين شاهدًا من الشعر، وهو رقم متوسط بالنسبة لحجم الكتاب، وشواهده كلها من الشواهد اللغوية لاختصاص كتابه ببيان الغريب من ألفاظ القرآن. وقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم في كتابه هذا واحدًا وثمانين شاعرًا، منهم واحد وأربعون من شعراء الجاهلية، وثمانية عشر شاعرًا مخضرمًا، وعشرون شاعرًا إسلاميًا، ولم يحتج بأي شاهد لشاعر أدرك الدولة العباسية، وبلغ عدد شواهده مائة واثنين وثمانين شاهدًا شعريًا.\nويلاحظ مما تقدم أن أبا عبيدة كان أكثر أصحاب الغريب والمعاني من حيث كثرة الشواهد، وعدد الشعراء، والعناية بنسبة الشواهد لقائليها، ثم يأتي بعد ذلك ابن قتيبة، ثم الفراء الذي لم ينسب من شواهده إلا القليل. وقد كان لهذه العناية التي أولاها أبو عبيدة لنسبة الشواهد الشعرية أثرها في كتب غريب القرآن ومعانيه وكتب التفسير بعد ذلك كالطبري، فقد نقل العلماء شواهد أبي عبيدة في كتبهم وتفاسيرهم، ونقلها عنه أصحاب المعاجم اللغوية معزوة روايتها لأبي عبيدة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-302> قبائل شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه:</span>\nتقيَّد أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن زمنيًا بشعراء عصور الاحتجاج، وقد أظهر إحصاءُ الشعراء وعدد شواهدهم وعصورهم الزمنية دِقَّةَ الالتزام بتلك الضوابط، وقد أضاف العلماء قيدًا ثالثًا للاستشهاد وهو\n_________\n(١) تفسير غريب القرآن ٣.","vol":"1","page":702},{"text":"القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل.\nوقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب معاني القرآن وغريب القرآن التي درستها، وهي:\n- مجاز القرآن لأبي عبيدة.\n- معاني القرآن للفراء.\n- غريب القرآن.\n- تأويل مشكل القرآن كلاهما لابن قتيبة.\nوقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استُشهدَ بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة مع ملاحظة أنني قد ألحقت البطون والأفخاذ المتفرعة عن بعض القبائل الكبيرة بأصولها فظهر العدد في الجدول أقل من عدد القبائل الحقيقي الذين استشهد أصحاب معاني القرآن وغريبه بشعرهم:\n\nم ... القبيلة ... الشعراء ... الشواهد\n١ ... تَميم ... ٣٠ ... ١٠٥\n٢ ... أسد ... ١٤ ... ١٤\n٣ ... الأزد ... ١١ ... ٢٤\n٤ ... بكر ... ٩ ... ٢٨\n٥ ... قريش ... ٩ ... ١٣\n٦ ... غطفان ... ٧ ... ١٧\n٧ ... بنو عامر ... ٧ ... ١٥\n٨ ... عبس ... ٦ ... ٢٨\n٩ ... هذيل ... ٥ ... ١٢\n١٠ ... باهلة ... ٥ ... ١١\n١١ ... تغلب ... ٥ ... ١٣\n١٢ ... طيء ... ٥ ... ٧\n١٣ ... كنانة ... ٤ ... ٨\n١٤ ... قضاعة ... ٣ ... ٧\n١٥ ... الرِّباب ... ٢ ... ٣٧\n١٦ ... كندة ... ٢ ... ٢٠\n١٧ ... مزينة ... ٢ ... ٩\n١٨ ... عكل ... ٢ ... ٥\n١٩ ... ثقيف ... ٢ ... ٤","vol":"1","page":703},{"text":"وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان. ومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية:\nأولًا: أن أصحاب كتب المعاني والغريب قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وقد دَمَجتُ القبائلَ الصغيرة في قبائلها الأصلية في الإحصاء السابق، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها.\nثانيًا: أَنَّ أكثر الشعراء ينتسبون لقبيلة تَميمٍ، فقد استشهد أصحاب المعاني والغريب بشعر ثلاثين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعةً مائة وخمسة شواهد، وهي مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم كانوا في الإسلام فقد اشتهر منهم جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ أصحاب معاني القرآن وغريبه معظم شواهدهم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد.\nثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن من استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى قريش ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها","vol":"1","page":704},{"text":"على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها. (١)\nرابعًا: ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة من بعض القبائل، وقد سبق بيان ذلك، وهذا الإحصاء يبين أيضًا عدم صحة ذلك في كتب المعاني والغريب كما تقدم بيانه في كتب التفسير، حيث وردت شواهد لشعرائها في كتب معاني القرآن وغريبه. فقد أخذ العلماء عن شعراء الحضر كشعراء قريش، والأنصار في المدينة وهم من الأزد، وأخذت اللغة عن شعراء كنانة، فقد استشهد أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جَميعًا خَمسةً وعشرين شاعرًا، وورد لهم أكثر من واحد وستين شاهدًا.\n* * *\n_________\n(١) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٦٢٤ - ٦٧٠.","vol":"1","page":705},{"text":"المبحث الخامس: منهج أصحاب «معاني القرآن» و«غريب القرآن» في توثيق الشاهد الشعري\nيُعَدُّ توثيقُ الشاهد الشعري، وصحةُ نسبتهِ إلى قائله جانبًا مهمًا في الاستشهاد بالشاهد الشعري، والوثوق بما يدل عليه من معنى لغوي، أو تركيب نحوي. وقد سبق الكلام عن شروط قبول الشاهد الشعري عند المفسرين، وحرصهم على الالتزام بها، كما سبق الكلام عن توثيق المفسرين لشواهدهم الشعرية، ومنهجهم الذي سلكوه في ذلك بشيء من التفصيل. (١)\nويأتي الكلام في هذا المبحث بإيجازٍ عن منهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في توثيقهم للشاهد الشعري لمناسبة دراسة هذه المصنفات، وإن كانوا من حيثُ الترتيبُ الزمنيُّ أقدمَ من المفسرين الذين تعرَّض لهم البحث، غير أن اختصاص الدراسة بكتب التفسير جعلت من المناسب تقديم الكلام عن منهج المفسرين.\nوقد كانت مصنفات غريب القرآن ومعانيه التي صنفها المتقدمون كأبي عبيدة، والفراء، والكسائي، والأخفش، وقطرب مصادرَ مهمةً عَوَّلَ عليها المفسرون في دراساتهم اللغوية للقرآن الكريم، وكانوا مصدرًا مهمًا على وجه الخصوص في الشواهد الشعرية، من حيث الشواهد نفسها، ومن حيث المنهج في الاستشهاد.\n_________\n(١) انظر: ص ٤٨٣ من البحث.","vol":"1","page":706},{"text":"فالشواهد الشعرية التي استشهد بها أبو عبيدة، والفراء، والأخفش استشهد بها الطبري وابن عطية والقرطبي بعد ذلك، مع الإشارة إلى مصدرها أحيانًا، وإغفالها في أحيان كثيرة.\nويمكن الحديث عن توثيق أصحاب غريب القرآن ومعانيه للشاهد الشعري في كتبهم من جانبين:\nالأول: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الرواية. وهو العناية بصحة نسبة هذه الشواهد إلى قائليها، أو إلى قبائلهم، ومقدار ما نسبه أصحاب هذه الكتب من الشواهد، ومنهجهم في ذلك.\nالثاني: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الدراية. ويدخل فيه جهودهم في ضبط ألفاظ الشواهد، وشرح غامضها، ونقد رواياتها من حيث متونها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>القسم الأول: توثيق الرواية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>١ - نسبة الشاهد إلى قائله:</span>\nعُنِيَ بعضُ المصنفين في معاني القرآن وغريبه بتوثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وأغفل بعضهم هذا التوثيق. وقد قمتُ بعمل جدول إحصائي للنظر في جهود هؤلاء العلماء في نسبة الشواهد الشعرية لقائليها، مع استبعاد ما نسبه المحققون لهذه الكتب من الشواهد، فكانت على النحو التالي:\n\nم ... الكتاب ... عدد شواهده ... المنسوب ... غير المنسوب ... نسبة المنسوب\n١ ... مَجاز القرآن لأبي عبيدة ... ٩٥٢ ... ٥٥١ ... ٤٠١ ... ٥٧.٨٨ %\n٢ ... معاني القرآن للفراء ... ٧٨٥ ... ٧٢ ... ٧١٣ ... ٩.١٧ %\n٣ ... تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ... ٣٦١ ... ٢٩٦ ... ٦٥ ... ٨١.٩٩ %\n٤ ... غريب القرآن لابن قتيبة ... ١٨٢ ... ١٤٩ ... ٣٣ ... ٨١.٨٧ %\n٥ ... معاني القرآن للأخفش ... ٣١٧ ... ٣٠ ... ٢٨٧ ... ٩.٤٦ %","vol":"1","page":707},{"text":"ومن هذا الجدول الإحصائي يمكن الخروج بالنتائج التالية:\n١ - يُعَدُّ أبو عبيدة أكثر المصنفين حرصًا على نسبة الشواهد الشعرية للشعراء في كتبه، وخاصةً كتابه «مَجاز القرآن»، وقد كان للشواهد الشعرية التي اشتمل عليها هذا الكتاب أَهمية كبيرة في كتب غريب القرآن ومعانيه، وكتب التفسير التي صنفت بعده وغيرها من العلوم الأخرى مثل اعتماد البخاري عليه في غريب القرآن من كتاب التفسير من صحيحه.\nولذلك فإن أبا عبيدة قد أرسى بما أورده في كتابه المجاز دعائم قوية للاستشهاد بالشاهد الشعري في التفسير، انتفع بها كُلُّ مَنْ سار على هذا المنهج اللغوي في تفسير القرآن، أو كان لهذا المنهج جانب من العناية فيه، كما في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي وغيرهم. وقد كثرت تعقبات الطبري وابن عطية وغيرهما لبعض تفسيرات أبي عبيدة اللغوية لمفردات القرآن الكريم، غير أن هذا لم يمنعهم من السير على المنهج اللغوي الذي سار عليه أبو عبيدة، والاستشهاد بالشعر في تفسير معاني الألفاظ القرآنية.\n٢ - يأتي بعد أبي عبيدة في العناية بنسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها ابن قتيبة في كتابيه «غريب القرآن» و«تأويل مشكل القرآن»، وهو وإن كانت شواهده أقل من حيث العدد من أبي عبيدة والفراء إلا أن نسبة الشواهد التي نسبها لقائليها كبيرة، فقد نسب من شواهده في غريب القرآن ما نسبته ٨١.٨٧ % من مجموع شواهده التي بلغت ١٨٢ شاهدًا. وفي تأويل مشكل القرآن بلغت شواهده ٣٦١ شاهدًا نسب منها ٨١.٩٩ %، وهي نسبة كبيرة تدل على عنايته بتوثيق شواهده الشعرية ونسبتها لقائليها. وليس ذلك غريبًا عليه، فقد كان واسع الرواية للشعر عن شيخه أبي حاتم السجستاني، وقد صنف تصانيف كثيرة في أخبار","vol":"1","page":708},{"text":"الشعر والشعراء تدل على سعة روايته واطلاعه ومعرفته بالشعر. (١)\n٣ - يأتي بعد ذلك الفراء في كتابه «معاني القرآن»، حيث جعل الشاهدَ الشعريَّ دليلًا قويًا يستند إليه في شرح غريب ألفاظ القرآن، وشرح تراكيبه، وإن كان الشعر عنده يأتي في مرتبةٍ متأخرةٍ بعد استشهاده بآيات القرآن والمنقول في التفسير عن السلف. غير أن الفراء قد أغفل نسبة معظم الشواهد الشعرية في كتابه المعاني، ولم يُعْنَ بتوثيق نسبتها لقائليها، فقد نسب الفراء ما نسبته ٩.١٧ % فقط من مجموع شواهده التي بلغت ٧٨٥ شاهدًا، وهي نسبة ضئيلة، مِمّا جعل بعضَ الباحثين يذهب إلى أنَّ الفراء كان هو رائدَ هذا المنهج الذي سار عليه كثير من المفسرين بعد ذلك، وهو عدم العناية بنسبة الشواهد الشعرية لقائليها كما عند الزمخشري في الكشاف، فقال: «ويبدو أن الفراء كان صاحب الأثر الأكبر في هذا الأمر؛ لأنه لم ينسب أكثر أبياته التي رواها وتوسع في الأخذ بها عن الأعراب، فظلَّ صنيعهُ في المُفسِّرينَ سنةً قائمةً، ومعظم شواهده التي رواها في التفسير غير منسوبة». (٢) ولكن بعد طباعة معاني القرآن للأخفش، وموازنته بكتاب الفراء يظهر أن الأخفش هو صاحب هذا المنهج في إغفال نسبة الشواهد الشعرية، فقد ظهر بإحصاء نسبة الشواهد المنسوبة في كتابه أنه لم ينسب من شواهده التي بلغت ٣١٧ شاهدًا إلا ثلاثين شاهدًا، وأغفل ٢٨٧ شاهدًا، ونسبة المنسوب لديه لا تمثل إلا ٩.٤٦ % من مجموع شواهده، وهي نسبة تكاد تتطابق مع نسبة ما نسبه الفراء بعده وهي ٩.١٧ % من مجموع شواهده. وذلك لأن الفراء قد بنى كتابه على كتاب الأخفش كما ذكر الأخفش نفسه، حيث سئل عن\n_________\n(١) انظر: أبو حاتم السجستاني الراوية للدكتور سعيد الزبيدي ٤٤، عيون الأخبار لابن قتيبة ٤/ ١٩ - ٣٧، كتاب المعاني الكبير له ١/ مقدمة المعلمي، الشعر والشعراء ١/ ٤٨.\n(٢) الأدوات النحوية في كتب التفسير لمحمود الصغير ٧٩٧.","vol":"1","page":709},{"text":"ذلك، فذكر اتصاله بالكسائي وقال: «فلما اتصلت الأيام بالاجتماع سألني - أي الكسائي - أن أؤلف له كتابًا في معاني القرآن، فألفت كتابًا في المعاني، فجلعه أمامه، وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفراء كتابًا في ذلك عليهما». (١) مِمَّا يعني سَبْقَ كتاب الأخفش على كتابي الكسائي والفراء، وتأثر الفراء بكتاب الأخفش في المنهجية، حتى في توثيقه للشاهد الشعري الوارد فيه، فقد سار على طريقتهِ في إغفالِ مُعظمِ شواهدهِ، وقد قَبِلَ العلماءُ ما رواه الفراء عن العربِ ثقةً بنقلهِ وعدالته.\n٤ - يُعَدُّ أصحاب كتب غريب القرآن - أبو عبيدة، وابن قتيبة- أكثر عناية بنسبة الشاهد الشعري لقائله كما اتضح من الجدول، في حين لم يَنْسِب أصحابُ معاني القرآن - وهم الفراء، والأخفش - إلا عددًا قليلًا من شواهدهم الشعرية. فقد نسب الفراء ما نسبته ٩.١٧ % من مجموع شواهده التي بلغت ٧٨٥ شاهدًا، ولم ينسب الأخفش إلا ما نسبته ٩.٤٦ % من مجموع شواهده التي بلغت ٣١٧ شاهدًا، واختلف عنهم ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن فنسب ما نسبته ٨١.٩٩ % من شواهده التي بلغت ٣٦١ شاهدًا، فاختلف بذلك عن أصحاب كتب المعاني، وهو ليس من كتب المعاني على وجه الدقة، ولم يعده أحد منها، وإنما أضفته للدراسة لكونه مُكمِّلًا لكتابه الآخر غريب القرآن من جهة، ولكونه قد عُني بِجانب الدراسة البلاغية من جهةٍ أخرى بطريقةٍ سار عليها مَنْ بعده في دراسة أساليب القرآن الكريم كما فعل ابن فارس في كتابه «الصاحبي» (٢) مع اعتماده في ذلك على الشاهد الشعري.\n_________\n(١) بغية الوعاة ١/ ٥٩٠.\n(٢) طُبِعَ الصاحبي عدة طبعات، منها طبعة البابي الحلبي بتحقيق السيد أحمد صقر، وطبعة بدران للنشر ببيروت بتحقيق مصطفى الشويمي، وانظر بحث بعنوان: «الصاحبي لأحمد بن فارس: دراسة تحليلية مقارنة في أصول نشره ومنهج تحقيقه للدكتور عبد العزيز بن عبد الكريم التويجري، بمجلة الدرعية، العدد ٢٩، ص ١٨٩ - ٢٤٢.","vol":"1","page":710},{"text":"وأَمّا الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» الذي سبق الفراء والكسائي بتأليفه، فقد ذكر المُحقِّقُ عدد شواهده الشعرية فقال: «يُمثِّلُ الشاهدُ من الشعر في «معاني القرآن» رُكنًا مُهمًّا من أركانه، ففي ثَمانٍ وثَمانين ومائة ورقة جرى الاستشهاد بالشعر في سبعة عشر وثلاثمائة موضع ... ومن هذا يتضح أن الاستشهاد كان بمعدل ستة عشر موضعًا في كل عشر ورقات. وإذا كان التكرار في الاستشهاد قد حدث ستًا وثلاثين مرة، يصبح مجموع الشواهد واحدًا وثمانين ومئتي شاهد وهو عدد ضخم». (١)\nثُم أوضح المُحققُ منهجَ الأخفش في نسبة شواهده الشعرية فقال: «ولكن الأخفش أغفل عزو معظم هذه الشواهد، وقد أمكن والحمد لله تخريج سائرها، ولم يشذ عن هذا إلا القليل منها، أَمّا ما عزاه الأخفشُ فكان عدده ضئيلًا، ولم يتعد ذلك ثلاثين موضعًا». (٢)\n٥ - كان اعتماد المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبة الشواهد الشعرية على روايتهم الخاصة عن العرب والرواة والشعراء، ويُعَدُّ أبوعبيدة مِمَّن كان له سبقٌ في نسبة كثيرٍ من شواهدِ الشعر، اعتمدَ عليه مَنْ جاء بعدَه في تلك النسبة. بل إِنَّه روى عن العرب الأساليب النثرية المشهورة واعتمد العلماء نقله لها، مثل قولهم: «أكلوني البراغيث». فقد سَمِعَه أبوعبيدة من العرب فقال: «العربُ تُجوِّزُ في كلامهم ... أن يقولوا: أكلوني البراغيثُ، قال أبوعبيدة: سَمعتها من أبي عمرو الهذلي في منطقهِ». (٣)\nوهذا الشاهد النثري دائر في كتب النحو من غير نسبةٍ لقائلٍ حتى تندَّرَ به بعضهم على النحوييْن وأمثلتهم، قال الطناحيُّ - ﵀ - تعليقًا على\n_________\n(١) معاني القرآن للأخفش بتحقيق عبد الأمير الورد ١/ ٥٧.\n(٢) المصدر السابق ١/ ٥٧.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٠١، ١٧٤، ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":711},{"text":"هذا الشاهد: «ولم أجده منسوبًا لقائل، في واحدٍ من هذه الكتب التي أعرفها، وأولُ من رأيته نسبه إلى قائلٍ أبو عبيدة معمر بن المثنى ... وإِنَّ في وجود هذا الشاهد وعزوه، في كتاب أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى، المتوفى بين سنتي ٢٠٨ - ٢١٣ دليلًا على أَنَّ هذا الشاهد قديمٌ في كلام العرب، وأَنَّه ليس مِنْ صُنْعِ النحاةِ، حتى يُتَّخذَ مادةً للسخرية والإضحاك البارد!». (١) وقد ذكره قبل أبي عبيدة وبعده عددٌ من النحويين دون عزوه إلى قائله. (٢)\nومثل أبي عبيدة في الرواية عن العرب الفراءُ والأخفشُ، فمِمّا رواه الفراء عن العرب قول الشاعر:\nعلفتُها تِبنًا وماءً باردا ... حتى شَتَتْ هَمّالةً عيناها\nوهذا الشاهدُ غيرُ منسوبٍ لقائلٍ، وقد استشهد به المفسرون في مواضع كثيرة، وذكره الفراء فقال: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ:\nعَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا ... حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها». (٣)\nوهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها»، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ. وقد نقله واستشهد به معظم النحويين والمفسرين بعد ذلك. (٤)\n_________\n(١) كتاب الشعر للفارسي ٢/ ٤٧٣ تعليق رقم ٤.\n(٢) انظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٧٨، ٣/ ٢٠٩، الأصول لابن السراج ١/ ٧١، ١٣٦، كتاب الشعر للفارسي ٢/ ٤٧٣ تعليق رقم ٤ فقد استوفى المحقق تخريج هذا الشاهد من كتب النحو.\n(٣) معاني القرآن ١/ ١٤.\n(٤) انظر: الخصائص ٢/ ٤٣١، شرح شذور الذهب ٢٤٠، شرح الأشموني ٢/ ١٤٠، الإنصاف ٤٨٨، خزانة الأدب ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ وقال: ولا يعرف قائله، ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه، معجم شواهد النحو الشعرية ٧٧٣ رقم ٣٧١٦، تفسير الطبري (هجر) ١/ ٢٧١، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٩١، ١٢/ ٢٧، ١٧/ ٢٦٠.","vol":"1","page":712},{"text":"والأخفش قد ذكر في كتابه سماعه للشواهد من العرب مباشرة دون واسطة، وبواسطة أحيانًا. ومن ذلك قوله: «وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام:\nفَيَبْكِ على المُنْجابِ أَضْيافُ قَفْرِهِ ... سَروا وأُسارَى لَمْ تُفَكَّ قُيودُها (١)\nيريد: فليبك، فحذف اللام». (٢)\nوأبو عبيدة والأخفش والفراء من بين أصحاب الغريب والمعاني قد انفردوا بإيراد شواهد شعرية أصبح لها قبول عند أهل اللغة والنحو، لتقدمهم ووصول كتبهم لمن بعدهم، بخلاف الكسائي والأصمعي اللذين فقدت أكثر كتبهما، ولم ينقل عنها العلماء إلا القليل. وقد قام بعض الباحثين بجمع النقول التي نقلت عن كتاب «معاني القرآن» للكسائي وطبعها في كتاب. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>منهج أصحاب كتب الغريب والمعاني في نسبة الشاهد الشعري لقائله:</span>\nللمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرقٌ كثيرةٌ لا تختلف عن طريقة المفسرين في ذلك. ولذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث اكتفاءً بما تقدم من الكلام عن منهج المفسرين في ذلك.\nفأمّا أبو عبيدة فقد حرص على نسبة أكثر شواهده الشعرية إلى قائليها، وقد نسب شواهده لشعراء كثيرين منهم طرفة بن العبد\n_________\n(١) البيت لمعبد بن طوق العنبري.\n(٢) معاني القرآن ١/ ٨٣.\n(٣) هو الدكتور عيسى شحاتة عيسى، ونشرته دار قباء للطباعة والنشر بالقاهرة عام ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":713},{"text":"البكري (١)، والأسود بن يعفر التميمي (٢)، وأخوه حطائط بن يعفر (٣)، والنابغة الذبياني (٤)، وزهير بن أبي سُلْمى (٥)، وعبدمناف بن ربع الهذلي (٦)، والأعشى (٧)، والعباس بن مرداس السلمي (٨)، وخُفاف بن نُدْبَة (٩)، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي (١٠)، وغيرهم. (١١)\nوالفراءُ - كما تقدم- لا ينسب الشعرَ لقائله إِلاّ نادرًا، ومن هذا القليل نسبته شواهد شعرية لامرئ القيس (١٢)، والنابغة الذبياني (١٣)، وقيس بن زهير العبسي (١٤)، والأعشى البكري (١٥)، وحسان بن ثابت الخزرجي (١٦)، والكميت بن معروف الأسدي (١٧)، والفرزدق التميمي (١٨)، وذي الرمة (١٩).\nوابن قتيبة نَسَبَ أكثر شواهده لقائليها، ولكن شواهده قليلة موازنةً بعددِ شواهد أبي عبيدة والفراء، وكذلك تأخرهُ عنهما جَعَلَه يُفيدُ مِن كتبهما. وقد نسب شواهده للشعراء الذين وردوا في معاني القرآن للفراء، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة. ومنهم لبيد (٢٠)، والأعشى (٢١)، والطرمّاح (٢٢)، والنابغة (٢٣)، والخنساء (٢٤)، وغيرهم.\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ٢/ ١٨٦، ٢٧٨.\n(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٣٦.\n(٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٥٥.\n(٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٨.\n(٥) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٧.\n(٧) انظر: المصدر السابق ١/ ٦١.\n(٨) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٠٢.\n(٩) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٨٩.\n(١٠) انظر: المصدر السابق ١/ ١٣١.\n(١١) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٩، ٣٣٦، ٢/ ٢٣٢، ١/ ١٣٤، ٣٤٦، ٢/ ١٥٨.\n(١٢) انظر: معاني القرآن ٢/ ٥٠، ٥٤.\n(١٣) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٢.\n(١٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٢٣.\n(١٥) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٨، ٢/ ١٣٢.\n(١٦) انظر: المصدر السابق ١/ ٢١.\n(١٧) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٣٠.\n(١٨) انظر: معاني القرآن ١/ ١٤٤، ٢/ ١١١.\n(١٩) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧١.\n(٢٠) انظر: غريب القرآن ٧.\n(٢١) انظر: غريب القرآن ٨.\n(٢٢) انظر: المصدر السابق ١١.\n(٢٣) انظر: المصدر السابق ١٢.\n(٢٤) انظر: المصدر السابق ٢٢.","vol":"1","page":714},{"text":"وربَّما اكتفى المؤلف بنسبة الشعر للشاعر باسمه الأول، وقد يشترك معه غيره في هذا الاسم، ولا يكون هو الأشهر بهذا الاسم فيقع شيء من الاضطراب في تحديد القائل، خاصةً مع اختلاف العصرين. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١): «أي: عَدْلًا خِيارًا، ومنه قولهم: فلانٌ واسطٌ في عشيرتهِ، أي: في خِيارِ عشيرته. وقال غيلانُ:\nوقدْ وَسَطْتُ مالكًا وحَنْظلا (٢)\nأي: صرتُ من أوسطِهِم وخِيارِهم». (٣) وغيلانُ اسم مشترك لعدد من الشعراء، من أشهرهم به ذو الرُّمَّةِ واسمه غيلان بن عقبة (٤)، غير أنَّ أبا عبيدة هنا قد أطلقه والمقصود به غيلانُ بنُ حُريثٍ.\nوربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. كقول أبي عبيدة: «قال مُحمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ». (٥)، فقد ذكر اسم الشاعر كاملًا؛ لعدم شهرته، وكذلك قوله: «وقال عَنْزُ بنُ دِجاجةَ المازنيُّ (٦)». (٧)، للسبب نفسه.\nوقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة: «قال عوف بن الأحوص بن جعفر». (٨)\n_________\n(١) البقرة ١٤٣.\n(٢) انظر: مجالس ثعلب ١/ ٢٥٤.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٥٩.\n(٤) انظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٦٥، وفيات الأعيان ١/ ٥١٠.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٣٦٥.\n(٦) هو عَنْزُ بن دِجاجَة - بكسر الدال - شاعر جاهلي من بني مازن، ذكر ابن السيرافي أن اسمه عَتر بن دِجاجة، وربَّما وقع في النسخ عَنْز بن دِجاجة بن العَتر، والرواية الأولى أشهر، ونسبه في شعره: دِجاجةُ بن العتر. وتعقبه الأسود الغندجاني فقال: «والصواب ما أخبرنا به أبو الندى، أنه دجاجة بن عتر، بكسر الدال في دجاجة، والعين من عتر والتاء المعجمة بثنتين من فوق، والراء غير المعجمة. قال: واسم الرجل دجاجة بالكسر، والطائر دجاجة بفتح الدال». انظر: شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٧١ - ١٧٢، المؤتلف والمختلف للآمدي ٢٦.\n(٧) مجاز القرآن ١/ ٦١.\n(٨) مجاز القرآن ١/ ١٩٤.","vol":"1","page":715},{"text":"وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإِنَّما سَمَّاه الخِنَّوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأَنَّ الأحنفَ كَلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبكم هذا لَخِنَّوتٌ. والخِنَّوتُ المُتجبِّرُ الذاهب بنفسه، المُستصغرُ للناس، فيما أَخْبَرني أبو عبيدة محمدُ بنُ حفصِ بن مَحبورٍ الأُسَيديُّ:\nوَأَهلِ خِباءٍ صالِحٍ ذاتُ بَينِهِم ... قَدِ اِحتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آجِلُه (١)». (٢)\nوقد يذكر الشاعر بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «كقول ابن الرعلاء». (٣) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه». (٤) وكذلك قول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر». (٥) وقوله: «وقال ابن هرمة». (٦)\nوالشعراء الذين نسب لهم الأخفش الشواهد هم الشعراء الذين نسب لهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة شواهدهم. مما يدل على وحدة مصادرهم في الرواية الشعرية.\nوقد تحدَّث المُحقق لكتابه عن صورٍ قليلةٍ من اضطرابِ الأخفش في رواية بعض الشواهد، أو عزوها مِمَّا يدل على أنه كان يُملي كتابه إملاءً. ومما ذكره قوله: «ومن أوضح أمثلة اضطرابه الدالة على اقتضابه اختلاط الأبيات وتداخلها في ذاكرته، كما حدث في الشاهدة الثامن والستين بعد المئتين، إذ لفقه من صدر بيت للحطئيئة هو:\n_________\n(١) ينسب لزهير بن أبي سلمى، ولخوات بن جبير الأنصاري ﵁. انظر: ديوان زهير ١٤٥.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ١٤٨.\n(٤) المصدر السابق ١/ ١٤٨.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ١٤٩.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ١٤٩.","vol":"1","page":716},{"text":"متى تأْتِهِ تعشو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ\nوعجز بيت لعبد الله بن الحُرّ هو:\nمتى تأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا». (١)\nوالبيت صحيحًا هو:\nمتى تأْتِهِ تعشو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا\nوقد وقع في هذا التلفيق الطبري من قبل. (٢) في حين استشهد أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية بقول الحطيئة، دون بيت عبد الله بن الحُرّ. (٣)\nفيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>٢ - نسبة الشاهد إلى القبيلة:</span>\nربما أَبْهَمَ المؤلف اسم الشاعر فلم يذكره، غير أن هذا الإبهام له صور متعددة بعضها شديد الإبهام، وبعضها دون ذلك، فيكتفي المؤلف بنسبة الشاهد إلى قبيلة الشاعر، أو إلى زمنه كالجاهلية، أو إلى جنسه كقولهم: قال رجل، أو قالت امرأة.\nفمن صور الاكتفاء بنسبة الشاعر لقبيلته قول أبي عبيدة: «قال رجل من عبيد القيس» (٤)، وقول ابن قتيبة: «قال الهذلي». (٥)\nوربما ذكروا الشاعر بقولهم: قال الشاعر (٦)، أو قال الراجز إن\n_________\n(١) معاني القرآن للأخفش بتحقيق عبد الأمير الورد ١/ ٥٩.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ٥٩٥.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٠٤.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٣٥.\n(٥) غريب القرآن ٢٧١.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٥، ١١٤.","vol":"1","page":717},{"text":"كان الشاهد من بحر الرجز (١)، أو «قال بعضهم». (٢) أو: قال، أو: وقوله. ونحو هذه العبارات المبهمة. (٣)\nونسبة الشاعر إلى قبيلته يعين في معرفة لغة هذه القبيلة، وإن لم يكن دالًا على الشاعر، وكذلك تحديد زمن القائل كقول أبي عبيدة: «وقال رجل من بني عدي جاهلي». (٤) فإنه يطمئن القارئ أن الشعر قديم، وإن كان مجهول القائل، مما يجعل الاستشهاد به مقبولًا.\nوفي نسبة لغة من اللغات لقبيلة من قبائل العرب، ينبغي الاستشهاد بشعرٍ لشاعر من هذه القبيلة ليصح الاستدلال. غير أنك ربما وجدت استدلالًا على نسبة لغة من اللغات أو معنى من المعاني لقبيلة من القبائل، وعدم نسبة الشاهد لشاعر من شعراء القبيلة، وإنما تركه مبهمًا. مثل قول ابن قتيبة: «﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] (٥) أي: افعل بهم فعلًا من العقوبة والتنكيل يتفرق بهم من وراءهم من أعدائك. ويقالُ: شَرِّدْ بِهِم، سَمِّع بِهم بلغة قريش. قال الشاعر (٦):\nأُطوِّفُ في الأَباطِحِ كُلَّ يومٍ ... مَخافةَ أَنْ يُشَرِّدَ بي حَكِيْمُ». (٧)\nوهي فيما يبدو لشاعرٍ قرشي لذكره الأباطح وهي في مكة، غير أنه لم يبين ذلك.\nومثل ذلك قول ابن قتيبة أيضًا: «﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٣١] (٨) أي: أفلم يعلم. ويُقال: هي لغةٌ للنَّخَعِ. وقال الشاعر (٩):\nأَقولُ لَهُم بالشِّعْبِ إِذْ يأْسِرونَني ... أَلَمْ تَيأَسوا أَنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ (١٠)\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٨٧، ١١٩.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ١/١٣٧.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٧٢، ١٧٣، ٢٥٠، ٤٠٢، ٤٠٤.\n(٤) مجاز القرآن ١/ ٢٦٧.\n(٥) الأنفال ٥٧.\n(٦) لم أقف عليه، وحكيم رجل من بني سليم كانت قريش ولته الأخذ على يد السفهاء.\n(٧) غريب القرآن ١٨٠.\n(٨) الرعد ٣١.\n(٩) هو سحيم بن وثيل اليربوعي.\n(١٠) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٣٢، تفسير الطبري (هجر)، تأويل مشكل القرآن ١٤٨.","vol":"1","page":718},{"text":"أي: ألم تعلموا». (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٣ - نسبة الشاهد لمن أنشده من العلماء والرواة:</span>\nأدرك أبو عبيدة والفراء كثيرًا من الرواة من العلماء والأعراب الذين يروون شعر شعراء القبائل، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «سَمعتُ مَنْ يُنشدُ بيتَ خِرْنِق بنت هفان من بني سعدِ بن ضُبيعةَ، رهطِ الأعشى:\nلا يَبْعَدَنْ قَومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ\nالنّازِلِيْنَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيْبِينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ (٢)\nفيخرجون البيت الثاني من الرفع إلى النصب، ومنهم من يرفعه على موالاة أوله في موضع الرفع». (٣)\nوهذا من أبي عبيدة استشهادٌ بلغة المُنشدِ للشاهدِ، لا بلغةِ الشاعر، فالشاعرة قيسيةٌ قالت هذا الشِّعرَ في رثاء زوجها بشر بن عمرو بن مرثد ومن قتل معه من بنيه وقومه، حين غزا بني أسد بن خزيمة. (٤) ورواية الشطر الثاني من البيت الثاني بالرفع، كما في المصادر الأخرى. (٥) وإن كان سيبويه قد أجاز الوجهين فقال: «ووإن شئت أجريت هذا كله على الاسم الأول، وإن شئت ابتدأته جميعًا فكان مرفوعًا على الابتداء، كل هذا جائز في ذين البيتين وما أشبههما». (٦)\nاستفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يغفل الإشارة إلى أبي عبيدة. ومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله\n_________\n(١) غريب القرآن ٢٢٨.\n(٢) تقدم تخريجهما.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٦٥.\n(٤) انظر: الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل للبطليوسي ٢ - ٣.\n(٥) انظر: الكتاب لسيبويه ١/ ٢٠٢، ٢/ ٥٨، خزانة الأدب ٥/ ٤١.\n(٦) الكتاب ١/ ٢٠٣، خزانة الأدب ٥/ ٤٢ - ٤٣.","vol":"1","page":719},{"text":"عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]: «﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (١) ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (٢):\nوَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٣)\nأي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (٤)\nومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة (٥): رسولٌ، بِمعنى: رسالة، وأنشد:\nلقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ ... بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (٦)\nأي: برسالة». (٧) وقد تعقب ابن قتيبة أبا عبيدة في تفسيره لبعض المفردات أو الأساليب القرآنية. ومن ذلك أنَّ أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] (٨) قال في تفسير قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (٩) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا أَمسكَ عن الشيءِ. والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عضوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (١٠)\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣١٣.\n(٢) هو أبو زبيد الطائي.\n(٣) عجز بيت، وصدره:\nصاديًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ............................\nانظر: ديوانه، تفسير القرطبي ٩/ ٢٠٥.\n(٤) غريب القرآن ٢١٨.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٨٤.\n(٦) انظر: ديوان كثير عزة ١٥٢.\n(٧) غريب القرآن ٣١٦، وانظر: ٣٤٠، ٣٤٦.\n(٨) إبراهيم ٩.\n(٩) مجاز القرآن ١/ ٣٣٦.\n(١٠) لم أعثر عليه.","vol":"1","page":720},{"text":"يَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (١)\nيعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي (٢):\nقَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا (٣)\nيقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ ﷿ في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٤)». (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>٤ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين:</span>\nلم يكن لهذا المصدر وهو الكتب أثر كبير في كتب المعاني والغريب المتقدمة نظرًا لكونها من أول المصنفات التي صنفت في بابها، ولقلة المصنفات حينها، وظهور الرواية بين العلماء حتى أنهم لم يكونوا يثقون في الكتب والمصنفات، ولا يعتدون بالرواية من الصحف والكتب. ولذلك قل الاعتماد على المصنفات في ذلك العصر. فلا تكاد تجد في كتاب أبي عبيدة عزوه للشواهد الشعرية إلى كتب متقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>القسم الثاني: توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية</span>.\nوالمقصود هو عنايتهم بضبط ألفاظ الشاهد الشعري، وشرح معناه شرحًا مزيلًا للغموض عنه. وقد عني بذلك أبو عبيدة في مجاز القرآن فشرح كثيرًا من الشواهد الشعرية شرحًا موجزًا، وربما أطال في شرح بعض الشواهد عند الحاجة إلى ذلك.\n_________\n(١) لم أقف عليه عند غير ابن قتيبة، ولم يورد غير هذا الشطر هنا، وفي كتابه المعاني الكبير ٨٣٤.\n(٢) هو صخر العي الهذلي.\n(٣) الأزم: العض الشديد. انظر: ديوان الهذليين ٢/ ٧٣.\n(٤) آل عمران ١١٩.\n(٥) غريب القرآن ٢٣٠ - ٢٣١.","vol":"1","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>١ - عنايتهم برواية الشاهد الشعري والانفراد بالرواية:</span>\nانفرد بعض أصحاب كتب المعاني والغريب ببعض الشواهد الشعرية، أو برواية مختلفة لبعضها. ولا غرابة في ذلك لتقدمهم، وعدم وصول كتب المتقدمين في التصنيف عليهم. ولذلك فإن انفرادهم بهذه الشواهد أمرٌ طبيعيٌ لهذه الأسباب. ومن أمثلة ذلك في كتب غريب القرآن ومعانيه:\nانفرد أبو عبيدة بروايةٍ لقول الشاعر:\nلِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لِخُصومَةٍ ... ومُختبطٌ مِمّا تُطيحُ الطوائحُ (١)\nفرواه هكذا:\nلِيُبْكَ يزيدُ بائسٌ لِضَراعةٍ ... وأَشعث مِمّا طَوَّحتهُ الطّوائحُ (٢)\nونَسَبَ هذا الشاهدَ للشاعر نَهْشلِ بن حَرِّيِّ (٣) في رثاء أخيه.\nفأما اختلاف الرواية للبيت فهي كما هو ظاهر لم تتعرض لموضع الشاهد، وهو رفع (ضارعٌ) بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، لأنه لما قال: «لِيُبْكَ» دلَّ على أَنَّ ثَمَّ باكيًا، يَجبُ عليه أن يبكي، فكأَنَّه قال: يَبْكيهِ ضارعٌ ومُختِبطٌ، وهو من بابِ: ضُرِبَ زيدٌ، عمروٌ، كأنه لما قال: ضُرِبَ زيدٌ، قيل له: مَنْ ضَرَبَهُ؟ فقال: ضربه عمرو. (٤) قال القيسي: «ومثله قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] (٥)\n_________\n(١) انظر: الكتاب ١/ ٢٨٨، المقتضب ٣/ ٢٨٢، الأصول لابن السراج ٢/ ٣٢٧، المحتسب ١/ ٢٣٠، الإيضاح للقيسي ١/ ١٠٩، شرح المفصل ١/ ٨٠، شرح التصريح ١/ ٢٧٤، خزانة الأدب ١/ ١٤٧.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٤٩.\n(٣) هو نَهشلُ بنُ حَرِّيِّ نسبةً إلى الحَرَّةِ. انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي ١/ ١٠٩.\n(٤) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي ١/ ١٠٩.\n(٥) النور ٣٦ - ٣٧ قرأ بالبناء للمجهول (يُسَبَّحُ) ابن عامر وشعبة عن عاصم. وقرأ بالبناء للمعلوم (يُسَبِّحُ) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. انظر: =","vol":"1","page":722},{"text":"كأنه والله أعلم على تقدير: يُسبِّحُهُ فيها رجالٌ». (١)\nوأما نسبة الشاهد فقد اختُلِفَ في نسبته، فنُسِب لنهشلِ بن حَرّيّ كما ذكر أبو عبيدة، ونُسب للحارث بن نَهِيك النَّهشليِّ، ونُسب لمُزَرِّدِ بن ضرارٍ أخي الشمّاخ، ونُسب إلى مُرَّةَ النَّهشليِّ، ونُسب إلى لبيدٍ وهو في الشعر المنسوب إليه، ونُسِب إلى الحارث بن ضرار النَّهشليِّ، وإلى ضرار النهشلي، وإلى مهلهل. (٢)\nومِمّا يؤيدُ صحةَ نسبته لنهشلِ بن حرّيّ كما قال أبو عبيدة، أَنَّ أكثر المصادر قد نسبه له، وتصحيح البغدادي لهذه النسبة، وصحح هذه النسبة من المحققين الأستاذان عبد السلام هارون ومحمد عبد الخالق عضيمة رحمهما الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>٢ - ردُّهم للشواهد المصنوعة:</span>\nيُعَدُّ عصرُ أبي عبيدة عصرَ الرواية والرواة، وقد كان أبو عمرو بن العلاء من شيوخه الكبار، وكان أبو عمرو بن العلاء طريقًا لرواية أكثر شعر العرب الموثوق به عند العلماء. وقد اعترف أبو عمرو بن العلاء في مرض موته ليونس بن حبيب أنه لم يكذب في شيء رواه عن العرب من الشعر. ولم يزد فيه شيئًا إلا بيتًا واحدًا، زاده في قصيدة الأعشى العينية، وهو قوله:\nفأَنْكرتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادِثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلَعا\nقال أبو عبيدة: «قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب فأتوب إلى الله منه». (٣)\n_________\n= التيسير ١٦٢، السبعة ٤٥٦، معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٥٣، إعراب القراءات السبع وعللها ٢/ ١١٠، الدر المصون ٥/ ٢٢١، الحجة ٥/ ٣٢٥.\n(١) إيضاح شواهد الإيضاح ١/ ١٠٩ - ١١٠.\n(٢) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي ١/ ١٠٩.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٩٣.","vol":"1","page":723},{"text":"والغريبُ أَنَّ أبا عبيدة قد استشهد بهذا البيت في كتابه، على أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] (١) بمعنى أنكرهم، وأَنَّ (نَكِرَهم) و(أَنكرَهم) سواء في المعنى بناءً على هذا الشاهد. ويُمكن تعليلُ ذلك بأحد أمرين:\nالأول: ثقته في لغة أبي عمرو بن العلاء، واعتبارها حُجةً.\nالثاني: أَنَّه يعلمُ من لغة العرب وشعرها ما يدلُّ على صحة هذا من غير هذا الشاهد، وإنَّما أورده استئناسًا به؛ لشهرته منسوبًا للأعشى، وصحته من حيث اللغة.\nوقد استشهد الطبريُّ على هذه اللفظة بالشاهد المنسوب للأعشى ومعه بيت أبي ذؤيب الهذلي من قصيدته العينية:\nفَنَكِرنَهُ فَنَفَرنَ وَاِمتَرَسَت بِهِ ... سَطعاءُ هادِيَةٌ وَهادٍ جُرشُعُ (٢)\nمِمّا يدل على معرفة الطبري بأن هذا البيت في نسبته للأعشى شك لاطلاعه على كلام أبي عبيدة، ولذلك جَمَع معه بيتَ أبي ذؤيب. وقد جاء هذا اللفظ في شِعْرِ الكميتِ بن زيدٍ الأَسَديِّ في قوله:\nلا هَؤلاءِ اجتَوَت ولا نَكِرت ... ولا عَلَى هؤُلاكَ تَنتَحِبُ (٣)\nثُمَّ كَثُرَ هذا الاستعمالُ في شعرِ العباسيين المُحدثين، كأبي تَمّام، ومسلم بن الوليد، وابن المعتز، ودِعْبِل الخزاعي، ومهيار الديلمي وغيرهم (٤)، وهؤلاء لا يُحتجُّ بشعرهم في اللغة.\nوينفرد أبو عبيدة بسعة علمه بالشعر وأخبار الشعراء، ولذلك يتوقف كثيرًا عند أسماء الشعراء أو ألقابهم فيشرحها ويبين المقصود بها. ومن ذلك قوله: «قال الشمّاخُ وهو الرجل المُتَكَبِّر». (٥)\n_________\n(١) هود ٧٠.\n(٢) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٨.\n(٣) انظر: ديوانه ٣/ ١٩٨ من الهاشمية الثالثة.\n(٤) انظر: ديوان أبي تمام ٣/ ٢٧٢، ديوان مسلم بن الوليد ٣٣٠، ديوان ابن المعتز ٢٨٩، ديوان دعبل ١٣٨، ديوان مهيار ٤/ ٥٠٨.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٢٠٩.","vol":"1","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المبحث السادس: الفرق بين منهج أهل المعاني والغريب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري في التفسير</span>.\nكان السابقُ من المفسرين للاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم هو حبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄، وقد تقدم تفصيل ذلك عند الحديث عن مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس. ورغم ما قيل في تضعيف عدد من هذه المسائل إلا أنَّ أصل وقوعها ثابت، ومعرفة ابن عباس بالتفسير والشعر تؤيدُ قبول جزء من هذه المسائل، مِمّا يعني صحة المنهج الذي سار عليه دون إفراطٍ، ومِمّا يدل على ذلك أن تلاميذه كعكرمة وزيد بن أسلم وغيرهم من التابعين وأتباعهم كانوا يسيرون على المنهج ذاته، غير أنهم لم يكونوا في العلم بالشعر في مرتبة ابن عباس ﵄، ولذلك لم يظهر الشعر كثيرًا في تفسيراتهم كابن عباس.\nثم لم تزل طبقات المفسرين تتابع بعد ذلك، حتى جاء أبو أبو عبيدة في نهاية القرن الثاني الهجري فصنف كتابه «مجاز القرآن» وهو في السبعين من عمره نحو سنة ١٨٨ هـ، واتخذ الاستشهاد بالشعر خاصة، ولغة العرب بصفة عامة منهجًا سار عليه في معظم كتابه، وإن لم يُخْلِهِ تَمامًا من الاستشهاد بالقرآن نفسه، أو بالسنة وأقوال السلف في بعض المواضع، فاستقبل العلماءُ في عهدهِ كتابَهُ بالرفضِ والإنكار، وكثرت النقولُ عنهم في ذلك وقد تقدم ذكرها في البحث، غير أنه لم يلبث العلماء أن ساروا على هذا المنهج، ودرسوا كتابه «مجاز القرآن»، ودَرَّسوه لتلاميذهم، ونقلوا شواهده وتفسيراته، وتعقبوه في كثير منها،","vol":"1","page":725},{"text":"وأكثر الطبري من ذلك في تفسيره، وابن عطية الأندلسي، وكتب علي بن حَمزةَ البصري كتابًا في التنبيه على أغلاط أبي عبيدة في كتابه المَجاز. (١) وعلى الرغم من هذا النقد فإن أبا عبيدة: «قد أسس مدرسة في تفسير القرآن، عمدتها الأولى الفقه بالعربية وأساليبها». (٢) وقد اعتمد على كتاب أبي عبيدة «ابنُ قتيبة في كتابه المشكل والغريب، والبخاري في الصحيح، والطبري في تفسيره ... واستفاد منه أبو عبد الله اليزيدي (ت ٣١١ هـ) في كتابه غريب القرآن، والزجاج في معانيه، وابن دريد في الجمهرة، وابن النحاس في معاني القرآن، والأزهري في التهذيب، وأبو علي الفارسي في الحجة، والجوهري في الصحاح ... ومن أهم من استفاد من كتاب المجاز من المتأخرين ابن حجر العسقلاني في فتح الباري». (٣)\nوقد بدأ الاستشهاد بالشعر في التفسير على يد أبي عبيدة بدايةً قويةً، ثُمَّ رجعَ المفسرون بعد ذلك إلى التوسط في الاستشهاد بالشعر، واستفادوا منه في تجلية المعاني اللغوية للمفردات القرآنية وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه بالتفصيل في الفصل الأخير من هذا الباب. وكان للطبري جهدٌ متميز في ذلك سَبَقَ الحديثُ عنه، ودونه في ذلك ابن عطية والزمخشري والقرطبي وغيرهم.\nوعند العودة بمنهج الاستشهاد بالشعر إلى أصوله الأولى، يأتي أبو عمرو بن العلاء البصري على رأس أئمة اللغة والإقراء الذين حرصوا على منهج التأصيل لعلوم اللغة، وتوظيفها توظيفًا صحيحًا في فهم القرآن\n_________\n(١) حَقَّقَ عبد العزيز الميمني ما تبقى من كتاب (التنبيهات على أغاليط الرواة) لعلي بن حمزة البصري، عن نسخته الوحيدة بدار الكتب المصرية، وطبعته دار المعارف بالقاهرة عام ١٣٨٧ هـ، وقد فقد الجزء الذي فيه التنبيه على أغلاط أبي عبيدة في مجاز القرآن.\n(٢) من مقدمة كتاب الزينة لأبي حاتم ١٨\n(٣) من مقدمة مجاز القرآن للمحقق ١٧","vol":"1","page":726},{"text":"الكريم، واستخدام الشعر كوسيلة علمية للتحقق من فصاحة اللغة وسلامة التراكيب، وتدريب طلابه على ذلك، وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أحذق طلابه، حيث صحبه أبو عبيدة ما يزيد عن الثلاثين عامًا، واستنفد علمه، وقرأ عليه شعر الشعراء، ومنه شعر الأعشى الذي كان يقدمه أبو عمرو ويحث طلابه على العناية بشعره. وقد أخذ عنه أبو عبيدة منهجه في الاحتجاج بالشاهد الشعري للقراءة وتوجيهها في اللغة. والأخبار التي نقلت عن أبي عمرو بن العلاء لم يحفظ منها إلا القليل وهي لا تكفي لسد حاجة الباحث عن تفاصيل منهجه في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، غير أن هناك أمثلة يمكن القياس عليها.\nومن أمثلة تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه في تفسير القرآن الكريم ما رواه المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: ﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] (١)، وأنه سأل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغةٌ فصيحةٌ ... واستشهد لها بقول المُمَزَّقِ العبديِّ:\nوقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (٢)\nومِنْ تأثِّرهِ بشيخهِ ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٣) حيث قال: «قومٌ يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها، ويقول: إنها إن أضيفت لم تكن إلا بنونين؛ لأنها في موضع رفع، فاحتج من أضافها بغير أن يلحق فيها نونًا أخرى بالحذف، حذف أحد الحرفين إذا كانا من لفظٍ واحدٍ، قال أبو حية النميري:\nأَبالمَوتِ الذي لا بُدَّ أَنَّي ... مُلاقٍ لا أَباكِ تُخوِّفِيْنِي (٤)\n_________\n(١) الكهف ٧٧. وهذه قراءة أبي عمرو.\n(٢) تقدم تخريجه وشرحه، وانظر: مجالس العلماء للزجاجي ٣٣٣.\n(٣) الحجر ٥٤.\n(٤) انظر: الأغاني ١٥/ ٦١، سمط اللآلي ٩٧.","vol":"1","page":727},{"text":"ولم يقل: تُخَوِّفينَنِي. لا أباك: أي لا أبا لك، فجاء بقول أهل المدينة. وقال عمرو بن معد يكرب:\nتراهُ كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي (١)\nأرادَ: فَلَيْنَنِي، فحذف إحدى النونين». (٢)\nوهناك أمثلة أخرى تدل على تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو بن العلاء (٣)، غير أن منهجه الذي سار عليه في «مجاز القرآن» من أوضح الأدلة على تأثره بهذا الإمام اللغوي الكبير، الذي يعد شيخ أبي عبيدة الأول.\nوهناك غير أبي عمرو بن العلاء من شيوخ أبي عبيدة الذين كانوا يستشهدون بالشعر في بيان معاني الآيات كيونس بن حبيب، وأبي سوار الغنوي الذي أخذ عنه أبو عبيدة الشعر، فقد ذكر المازني تلميذ أبي عبيدة أنه قرأ على أبيه وهو غلام قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٤) فقال أبو سوار ... (فَتَرى الوَدْقَ يَخرجُ مِنْ خَلَلِهِ)، فقال الأب: مِن خَلَلِهِ قراءة؟ فقال أبو سوار: أما سَمعتَ قولَ الشاعر (٥):\nبَنَيْنَ بِغَمْرةٍ فَخَرَجْنَ منها ... خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (٦)\nوبعد أبي عبيدة استمر هذا المنهج العلمي في الاستشهاد بالشعر ظاهرًا في كتب التفسير والغريب والمعاني حتى اليوم، وتفاوتت كتب التفسير في الاعتماد على شواهد الشعر في بيان معاني الألفاظ والتراكيب\n_________\n(١) الثَّغامُ نبت له نَورٌ أبيضُ يُشَبَّهُ به الشَّيْبُ، الواحدةُ ثَغامة، يُعَلُّ: يُطيَّبُ شيئًا بعد شيء، والفاليات: جَمع فاليةٍ، وهي التي تَفْلي الشَّعَرَ أي: تُخرِجُ القَمْلَ منه. انظر: ديوانه ١٨٠.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٥٢، ٢٨٧، أخبار النحويين البصريين ٢٢.\n(٤) النور ٤٣.\n(٥) هو زيد الخيل الطائي ﵁.\n(٦) الغَمْرَةُ: شدةُ الأَمرِ وضيقهُ، والوَدْقُ: المطر. انظر: لسان العرب ١٥/ ٢٥٦ (ودق)، ١٠/ ١٧٧ (غمر)، أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى ١٥٦.","vol":"1","page":728},{"text":"بحسب منهج المفسر الذي سار عليها، ومدى علمه بالشعر واللغة. فكثر ذلك في بعضها، وقلَّ في بعضها الآخر.\nونظرًا للتأثر المتبادل بَيْن العُلماءِ المشتغلين بعلم واحد أو علوم متقاربة كعلوم اللغة والتفسير، فإن المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه الذين شملتهم هذه الدراسة وهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة على وجه الخصوص كان لهم ريادة علمية في الجوانب التي صنَّفوا فيها مِمّا له صلة بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. وقد تأثر بهم المفسرون الذين جاءوا بعدهم، وكان لأسمائهم والنقول عنهم ظهور واضح في كتب التفسير.\nولذا لا يُمكن الجزم بوجودِ فروقٍ بين منهج أصحاب كتب «معاني القرآن» و«غريب القرآن» من جهة، والمفسرين من جهة أخرى في الاستشهاد بالشعر وتوظيفه في التفسير، وإِنّما يُعَدُّ منهجُ المفسرين الذين شملهم البحث امتدادًا وتَهذيبًا لمنهج أصحاب معاني القرآن وغريبه. غير أنه يمكن الوقوف عند بعض السِّماتِ المميزة لتلك الكتب في الاستشهاد بالشعر، والتماس بعض الفروق من خلالها، ومن تلك السِّماتِ التي تَمكنتُ من ملاحظتِها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>أولًا: التقدم الزمني لكتب الغريب والمعاني</span>.\nسبق المصنفون في غريب القرآن، ومعاني القرآن المفسرين من حيث الزمن والتصنيف، وطبيعة بداية التصنيف في أي علم من العلوم يعتريها النقص، وتكثر التعقبات والملحوظات عليها حتى تكتمل هذه المناهج، وتستوي على سوقها.\nومن أوضح الأمثلة على هذا سَبْقُ أبي عبيدة في تصنيف كتابه «مجاز القرآن»، ثم تلاه الأَخفشُ فصنَّف كتابه «معاني القرآن»، وبعده الفراء في كتابه «معاني القرآن» ثم ابن قتيبة بعدهما. حيث بدأ هذا المنهج في الاستشهاد بالشعر في التفسير يتكامل، وتلقاه العلماء بالقبول،","vol":"1","page":729},{"text":"فجاء المفسرون بعد ذلك وأبرزهم أبو جعفر الطبري ووجد أمامه عددًا من المصنفات في لغة القرآن ونحوه، وأهمها كتب أبي عبيدة، والأخفش، والفراء وابن قتيبة، فشرع في تصنيف تفسيره عام ٢٨٣ هـ، وفرغ منه عام ٢٩٠ هـ (١)، فاستطاع ابن جرير لسعة علمه بما قاله السلف في التفسير من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم معرفته الواسعة باللغة، وجَمعهِ ما قاله قبله هؤلاء العلماء في مصنفاتهم، أن يتخذ لنفسه منهجًا متكاملًا في التفسير، أصبح سِمَةً بارزةً بعده، جَمَعَ فيه بين أقوال السلف في التفسير، والاحتجاج لها بلغة العرب وشعرها، وإعماله لرأيه الخاص في هذه الثروة العلمية التفسيرية بطريقة منهجية منظمة، فاستحق بذلك أن يكون شيخ المفسرين، ولذلك وصف تفسيره بأنه أجل التفاسير وأعظمها (٢)، وقيل عنه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا. (٣) وتتبع السيوطي كتب التفسير حتى وصل إلى الطبري فجعله طبقةً وحده، ثم قال: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يُعوِّلَ عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المُعتَبَرون أَنَّهُ لم يؤلف في التفسير مثله». (٤)\nوجاء بعده الزمخشري فبدأ في تفسيره عام ٥٢٦ هـ وفرغ منه عام ٥٢٨ هـ (٥)، وصنف ابن عطية تفسيره عام ٥٤٠ هـ، وصنف القرطبي تفسيره قبل عام ٦٧٠ هـ.\nوهذا السبق في التصنيف ليس منهجًا وإنما هو عُذْرٌ وربما سبب في المبالغة في التعويل على الشاهد الشعري عند المتقدمين كما فعل أبو\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٢.\n(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٤٢.\n(٣) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣.\n(٤) الإتقان في علوم القرآن ٤/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: الكشاف ١/ ٣، ٢/ ٥٧٠.","vol":"1","page":730},{"text":"عبيدة وغيره، ولذلك ذكرته هنا لمعرفة طبيعة الاستشهاد عن هؤلاء العلماء، ومدى تأثر المفسرين بهم بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>ثانيًا: رواية أصحاب الغريب والمعاني للشعر عن العرب</span>.\nوهذا أيضًا يدخل تحت العنصر السابق، وهو تقدم زمن أصحاب الغريب والمعاني، حيث كان من أوجه تفرد هؤلاء المصنفين أنهم أدركوا كثيرًا من الأعراب الفصحاء الذين روى عنهم اللغويون لغة العرب، واستشهدوا بشعرهم الذي يروونه ويقولونه في اللغة، وتميز أبو عبيدة والأخفش والفراء بذلك.\nفي حين لم يدرك المفسرون الذين شملتهم الدراسة منذ الطبري حتى القرطبي أحدًا مِمّن يُحتجُّ بقوله ويرجع إلى كلامه في اللغة. وهذا ما جعل للشواهد الشعرية التي رواها أصحاب الغريب والمعاني قيمةً احتجاجيةً كبيرةً استفاد منها المفسرون بعد ذلك، وهذا جانب يحسب لأصحاب المعاني والغريب حيث حفظوا للمفسرين ثروة كبيرة من الشواهد اللغوية من الشعر والنثر، تم توظيفها بعد ذلك من قبل المفسرين في كتبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>ثالثًا: الشواهد الشعرية في كتب التفسير أكثر منها في كتب الغريب والمعاني</span>.\nيعد هذا نتيجة لما تقدم من الحديث عن سبق أصحاب الغريب والمعاني للمفسرين زمنيًا، فجاء المفسرون بعد ذلك وأودعوا هذه الشواهد في تفاسيرهم مع زيادة الشرح والبيان، وإيراد معظم شواهد المتقدمين والإضافة عليها كما فعل الطبري في تفسيره. وأكثر من استشهد بالشواهد الشعرية من أصحاب الغريب والمعاني هو أبو عبيدة فقد بلغت شواهده ٩٥٢ شاهدًا، في حين كان الزمخشري أقل من استشهد بشواهد الشعر قد بلغت شواهده ما يقارب هذا العدد، أما أقل أصحاب الغريب فهو ابن قتيبة ١٨٢ شاهدًا، وأكثر المفسرين وهو القرطبي بلغت شواهده ٤٨٠٧ شواهد شعرية.","vol":"1","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن</span>\nالغَرَضُ في اللغة هو الشيءُ الذي يُنصبُ فيُرمى فيه. (١) والمقصود به هنا بيانُ الأهداف التي أرادها أصحابُ كتبِ غَريبِ القرآن ومعاني القرآن من إيرادهم شواهد الشعر في كتبهم عند تفسيرهم للآيات القرآنية.\nوقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب الكلام عن أغراض المفسرين من إيراد الشاهد الشعري في كتب التفسير بشيءٍ من التفصيلِ، وهي الأغراض نفسها التي أورد أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه الشاهد الشعري من أجلها في كتبهم. فلذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث لتلك الأغراض تجنبًا للتكرار، مع إيراد الأمثلة من كتب الغريب والمعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الغرض الأول: الاستشهاد</span>.\nوهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها. (٢)\nوهذا الغرض هو أوسع الأغراض التي ورد الشاهد الشعري من أجلها في كتب غريب القرآن ومعانيه، نظرًا لطبيعة هذه الكتب والحاجة\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ٨/ ٧، لسان العرب ١٠/ ٥٣ (غرض).\n(٢) انظر: لسان العرب ٧/ ٢٢٣ (شهد).","vol":"1","page":732},{"text":"الماسة للاحتجاج فيها سواء كان هذا الاحتجاج بالشعر أو بغيره. لأنها كتب تشرح المعاني اللغوية للألفاظ والتراكيب، والحاجة قائمة للرجوع في ذلك إلى ما يعتبره العلماء حجة تؤيد هذا القول أو ذاك. فحرص المصنِّفُ على أن يكون قوله الذي يقوله في معنى الآية أو اللفظة مقرونًا بالحجة المقبولة عند العلماء على مثل هذه المسألة. ويدخل تحت غرض الاستشهاد بالشعر في كتب الغريب والمعاني، الصور التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>أولًا: الاستشهاد اللغوي</span>.\nوالمقصود به الشاهد الشعري الذي يستشهد به في إثبات الدلالة اللغوية. وشواهد الشعر في كتب غريب القرآن معظمها من هذا النوع، مثل غريب القرآن لابن قتيبة، فالشواهد الشعرية التي وردت فيه شواهد لغوية، وعددها ١٨٢ شاهدًا. وأَمّا شواهد الشعر في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فنسبة الشاهد اللغوي فيها أكثر من ٩٥ % من شواهده، وقد تقدم أن الشاهد الشعري اللغوي يُمثِّلُ أغلب شواهد المفسرين أيضًا كالطبري، وابن عطية، والقرطبي. ومن أمثلة الاستشهاد اللغوي في كتب غريب القرآن:\n١ - عند بيان أبي عبيدة لمعنى قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] (١) قال شارحًا للمقصود بالبنان: «وهي أطرافُ الأصابعِ، واحدتُها بَنانَةٌ، قال عباس بن مرداس:\nأَلا لَيْتَني قَطَّعْتُ مِنِّي بَنانَةً ... ولا قيتُهُ في البيتِ يقظانَ حاذِرا\nيعني أَبا ضَبٍ رجلًا من هذيلٍ قتلَ هُريْم بنَ مِرْداسٍ وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع». (٢) فقد شرح المقصود بالبنان، وأنه أطراف الأصابع، ثم استشهد بشاهد من الشعر يشهد لهذه الدلالة اللغوية، ويشهد أيضًا أن المفرد منها «بنانة».\n_________\n(١) الأنفال ١٢.\n(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":733},{"text":"٢ - وعند أبي عبيدة أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] (١) قال: «أي: يعيبون». ثم استشهد على صحة هذا التفسير بقول زياد الأعجم:\nإذا لَقيتُكَ تُبْدي لي مُكاشَرةً ... وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ العائبُ اللُّمَزَهْ (٢)\nففَسَّر اللَّمْزَ بأَنَّه العيبُ، واستدلَّ بقولِ زياد الأعجم على صحة تفسيره، وقد استشهد أبو عبيدة مرة أخرى بهذا الشاهد مع تغيير طفيف في الرواية لا تَمَسُّ موضعَ الشاهد هنا، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١] (٣)، حيث فَسَّرَ الهُمَزَةَ فقال: «الهُمَزَةُ: الذي يغتابُ الناسَ ويَغُضُّهُم. قال الأعجم:\nتُدْلي بُودِّي إذا لا قَيتَنِي كَذِبًا ... وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ». (٤)\nفقد اختلف صدر الشاهد تمامًا، وأضاف في عجزه كلمة «الهامز» بدلًا من «العائب» ليستشهد على معنى الهُمَزَة. وأبو عبيدة وغيره يكررون الشواهد الشعرية بروايات متقاربة في مواضع من مصنفاتهم، مما يشير إلى أنهم كانوا يعتمدون على حفظهم في تصنيف هذه المؤلفات، ولا يرجعون فيها إلى دواوين مكتوبة إلا نادرًا. فالأخفش والفراء والطبري أملوا كتبهم على تلاميذهم كما ذكر الذين ترجموا لهم.\n٣ - وأَمّا ابن قتيبة فمن أمثلة الشاهد اللغوي عنده أنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٥) قال: «أي بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جعلَ لي عَهْدًا؛ قال الحطيئة:\nقَومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا (٦)». (٧)\nوقد استشهد المفسرون واللغويون بهذا الشاهد الشعري للحطيئة\n_________\n(١) التوبة ٥٨.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٦٣، والبيت في الأغاني ١٤/ ٩٨.\n(٣) الهمزة ١.\n(٤) مجاز القرآن ٢/ ٣١١.\n(٥) المائدة ١.\n(٦) انظر: ديوانه ١٥.\n(٧) غريب القرآن ١٣٨.","vol":"1","page":734},{"text":"على أنَّ العَقْدَ في اللغةِ هو العَهْدُ والميثاق. فاستشهد به أبو عبيدة، والطبريُّ، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، والأزهري، وابن منظور وغيرهم. (١) وهو من الشواهد التي تعاقب العلماء على الاستشهاد بها على هذا المعنى، وأمثلتة توارد العلماء على الاستشهاد بشاهد واحد على معنى كثيرة، فهم ينقلون الشاهد عن بعضهم، مما يدل على وحدة مصادر الاستشهاد بالشعر عن الرواة الأوائل كأبي عبيدة والأصمعي وغيرهما كما تقدم تفصيل ذلك في بيان مصادر الشاهد الشعري.\n٤ - ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في بيان معنى ﴿الْمِحَالِ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] (٢): «أَي: الكيدُ والمَكْرُ. وأَصلُ المِحالِ: الحِيْلَةُ، والحَوْلُ: الحِيلةُ. قال ذو الرمة:\nوَلَبَّسَ بَيْنَ أَقوامٍ فَكلٌّ ... أَعَدَّ لَهُ الشَّغازِبَ والمِحالا (٣)». (٤)\nقال الباهلي شارح ديوان ذي الرمة في شرح هذا البيت: «اللَّبْسُ: الاختلاط ... والمِحالُ: الجِدالُ، قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، وأصلهُ المُكاظَّةُ والأَخذُ بالنَّفَسِ». (٥) فقد استشهد شارح الشاهد بالآية، واستشهد ابن قتيبة في شرح الآية بالشعر، وهذا دليل على ترابط العلوم اللغوية والتفسير، وحاجة كل منهما للآخر. والأمثلة كثيرة على الشاهد الشعري اللغوي عند ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن.\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ١/ ١٤٥، غريب القرآن لابن قتيبة ١٣٨، تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٧ - ٨، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٢، المحرر الوجيز ٥/ ٨، الكشاف ٢/ ١٩٠، تهذيب اللغة ١/ ١٩٧، لسان العرب ٩/ ٣٠٩ (عقد)\n(٢) الرعد ١٣.\n(٣) في غريب القرآن المطبوع «وليَّسَ» بالياء، وفي بقية المصادر والديوان «ولبَّسَ». ورواية الديوان:\nولَبَّسَ بين أقوامٍ فَكُلٌّ ... أَعَدَّ لَهُ السِّفارَةَ والمِحالا\nانظر: ديوانه ٣/ ١٥٤٤.\n(٤) غريب القرآن ٢٢٦.\n(٥) شرح الباهلي لديوان ذي الرمة ٣/ ١٥٤٤.","vol":"1","page":735},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-320> الاستشهاد لإيضاح غريب التفسير لا غريب القرآن:</span>\nقد يُفسر المؤلفُ لفظةً قرآنية، ويرد في أثناء كلامه وشرحه لها لفظة غريبة، فيستطرد المؤلف يشرحها وإيراد شاهد من الشعر يؤيد شرحه. وقد صنع ذلك أبو عبيدة وغيره، فإنه يشرح اللفظةَ الغريبة بكلامٍ من عنده، غير أنه يرد في شرحه لفظةٌ غريبةٌ، فيشرحها مستشهدًا على ذلك بالشعر.\nومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة في شرح قوله تعالى: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (١): «شديد الخصومة، ويقال للفاجر: أَبَلُّ وأَلَدُّ، ويقال: قد بلَلْتَ ولَدِدْت بعدي، مصدرهُ اللَّدَدُ، والجميع: قَومٌ لُدُّ، قال المُسيَّبُ بن عَلَس:\nأَلا تَتقونَ اللهَ يا آلَ عامرٍ ... وهلْ يَتَّقي اللهَ الأَبَلُّ المُصَمِّمُ (٢)». (٣)\nفهو قد شرح معنى (الأَلَدِّ) في الآية بأَنَّهُ شديد الخصومة. غير أَنَّهُ شرح قول العرب للفاجر: أبلّ ألدّ مستشهدًا على ذلك بالشعر.\nوأما أصحاب كتب معاني القرآن فقد ورد الشاهد الشعري اللغوي كثيرًا في كتبهم، ولكنه لم يكن غالبًا عليها، كما في معاني القرآن للفراء والأخفش والزجاج. ومن أمثلة الشاهد اللغوي في كتب المعاني ما يلي:\n١ - في تفسير الإيفاض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣] (٤) قال الفراء: «الإيفاض: الإسراع. وقال الشاعر (٥):\nلأَنْعَتَنْ نَعامَةً مِيْفاضا ... خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطلبُ الإِضاضا (٦)\nقال: الخَرْجاءُ في اللَّونِ، فإذا رُقِعَ القميصُ الأبيضُ برُقعةٍ حَمراءَ\n_________\n(١) البقرة ٢٠٤.\n(٢) انظر: ديوانه ١٣٥.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٧١.\n(٤) المعارج ٤٣.\n(٥) لم أقف عليه.\n(٦) انظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٨٢، تفسير الطبري (هجر) ٢٣/ ٢٨٥.","vol":"1","page":736},{"text":"فهو أَخْرَج، تطلبُ الإضاضا: أَي تطلبُ مَوضعًا تدخلُ فيه، وتلجأُ إليه». (١)\n٢ - وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] في تفسير معنى النحاس: «الشُّواظُ: النارُ المَحضَةُ، والنُّحاسُ: الدُّخانُ. أنشدني بعضهم:\nيُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ ... ـطِ لَمْ يَجْعلِ اللهُ منهُ نُحاسا (٢)». (٣)\n٣ - ومن أمثلة الشاهد اللغوي في معاني القرآن للأخفش قوله: «قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ [الغاشية: ٢٥] (٤)، وهو الرجوع، قال الشاعر (٥):\nفأَلْقَتْ عصاها واستَقرَّتْ بِها النَّوَى ... كما قَرَّ عَيْنًا بالإِيابِ المُسافِرُ (٦)». (٧)\nوهناك غرض يدخل في هذا وهو الاستشهاد بالشعر لغرض تأكيد الفهم الصحيح لشاهد شعري آخر، يكون عرضة لاختلاف الرواية في بعض مفرداته، ويمكن التمثيل له بقول ابن قتيبة عندما روى عن أبي حاتم السجستاني قول أمية بن أبي الصلت:\nعَسَلٌ ما ومِثْلُهُ عُشَرٌ مَا عائِلٌ ما وعالتِ البَيْقُورا (٨)\nفعقَّب ابن قتيبة على رواية أبي حاتم بقوله: «هكذا رواهُ «عَسَلُ ما»، وإِنَّما هو «سَلَعٌ ما» ... والدليلُ على أَنَّ الروايةَ «سَلَعٌ ما»، قولُ الآخرِ (٩):\nأَجاعِلٌ أنتَ بَيقُورًا مُسَلَّعَةً ... ذَريعةً لكَ بَيْن اللهِ والمَطَرِ (١٠)». (١١)\n_________\n(١) معاني القرآن ٣/ ١٨٦.\n(٢) البيت للنابغة الجعدي.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) الغاشية ٢٥.\n(٥) هو مُعَقِّرُ بن حِمار البارقي.\n(٦) انظر: الأغاني ١١/ ١٦٠.\n(٧) معاني القرآن ١/ ٢١٣.\n(٨) تقدم تخريجه وشرحه ص ٣٧٥.\n(٩) هو الشاعر الورل الطائي.\n(١٠) انظر: لسان العرب ٥/ ١٤٠، شعراء طي وأخبارها ٢/ ٤٩٦.\n(١١) تأويل مشكل القرآن ٩٤ - ٦٥.","vol":"1","page":737},{"text":"فاستدل بشاهد شعري على صحة رواية شاهدٍ آخر، ومثل هذا المثال ليس بالكثير في كتب المعاني.\nومثله قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] (١) حيث فسر الطائف بأَنَّهُ اللَّمَمُ، واستشهد بقول الأعشى:\nوتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وكأَنَّما ... أَلَمَّ بِها مِنْ طائفِ الجِنِّ أَولَقُ (٢)\nثم بين أن اسم الفاعل طائف مأخوذ من الفعل طاف يطيف، لا من طاف يطوف، فقال: «وهو من طفت أطيف طيفًا، قال (٣):\nأَنَّى أَلَمَّ بكَ الخيالُ يَطِيفُ ... ومَطافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُغُوفُ (٤)». (٥)\nفقد استشهد أبو عبيدة بشاهد شعري آخر ليبين أصل اشتقاق كلمة في شاهد شعري آخر، وهذا غرض من أغراض إيراد الشواهد الشعرية لإيضاح بعضها.\n- كثرة إيراد الشاهد الشعري:\nمن المواطن التي يكثر فيها أهل المعاني والغريب الاستشهاد بالشعر:\n١ - مواطن الخلاف أو المناظرة العلمية، أو الردود. ومن ذلك قول الأخفش: «وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧] (٦) لأَنَّ الجماعةَ منْ غَيْرِ الإنس مؤنثةٌ، وقال بعضهم: للذي خلق الآيات، ولا أراه قال ذلك إلا لجهله بالعربية. قال الشاعر (٧):\nإِذْ أَشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعو بعضَ أُسْرَتِهِ ... إلى الصِّياحِ وهُمْ قومٌ مَعازِيلُ (٨)\n_________\n(١) الأعراف ٢٠١.\n(٢) انظر: ديوانه ٢٧١.\n(٣) هو كعب بن زهير ﵁.\n(٤) انظر: ديوانه ١١٣.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(٦) فصلت ٣٧.\n(٧) هو عبدة بن الطبيب.\n(٨) انظر: المفضليات ١٤٣.","vol":"1","page":738},{"text":"فجعل الدجاج قومًا في جواز اللغة، وقال الآخر وهو يعني الذئب:\nوأَنْتَ امرؤٌ تَعْدو على كُلِّ غِرَّةٍ ... فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصيبُ (١)\nوقال الآخر (٢):\nفَصَبَّحَتْ والطَّيْرُ لَمْ تَكَلَّمِ ... جابيةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفْعَمِ (٣)». (٤)\n٢ - ومن مواطن إكثار الاستشهاد بالشعر غرابة اللفظة، وقد بَيَّنَ الزجاجُ في كتابه «معاني القرآن وإعرابه» عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٥): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٦) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ:\nأَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلًاّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (٧)\nوقال الأخطل:\nأَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ (٨)\nوقال العجاج:\n_________\n(١) البيت لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني. انظر: خزانة الأدب ٩/ ١٥٣.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) الجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. انظر: دلائل الإعجاز ١٣٦.\n(٤) معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥.\n(٥) النمل ٢٥.\n(٦) قرأ بها من العشرة أبو جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب، وقرأ بها ابن عباس والزهري وغيرهم. انظر: السبعة ٤٨٠، الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ١٥٦، حجة القراءات ٥٢٦.\n(٧) الجَرْعَاءُ من الرَّمْلِ رَابيَةٌ سَهْلَةٌ لَيّنَةٌ. ديوانه ١/ ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(٨) انظر: ديوانه ٧٠.","vol":"1","page":739},{"text":"يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (١)\nوإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (٢) وهو يعني بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة مَعْمَرَ بنَ المُثَنَّى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (٣)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٤)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (٥)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده. (٦) غير أَنَّ الشواهد اللغوية في كتب «معاني القرآن» ليست كثيرة، ولا سيما في معاني القرآن للأخفش، فيغلب عليها الشاهد النحوي كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>ثانيًا: الاستشهاد النحوي</span>.\nوهو الاستشهاد بالشعر لإثبات قاعدة نحوية، أو بيان ما خرج عنها أو غير ذلك. وهي الشواهد الغالبة في معاني القرآن للفراء، والأخفش. ومعظم شواهد الكوفيين النحوية هي التي أوردها الفراء في معاني القرآن، وعنه نقلت تلك الشواهد في كتب التفسير وكتب النحو. وقد نقل الطبري في تفسيره شواهد الكوفيين عن الفراء، ونقل أكثر شواهد البصريين عن الأخفش.\nوالفراء كان من أعلم الكوفيين بعد الكسائي بالنحو، وأبرعهم في علمهم (٧)، وقد ذكر له ابن النديم كثيرًا من الكتب التي صنفها في النحو\n_________\n(١) سَمْسَم بلد من بلاد تميم، أو كثبات رمل. ورواية الديوان للشطر الثاني من الرجز:\nبِسَمْسَمٍ أو عَنْ يَميْنِ سَمْسَم\nانظر: ديوانه ٢٧٨.\n(٢) معاني القرآن ٤/ ١١٥ - ١١٦.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٩٣ - ٩٤.\n(٤) انظر: معاني القرآن ٢/ ٤٦٥.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٩٠.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ٤١.\n(٧) انظر: نزهة الألباء ١٠١، طبقات النحويين واللغويين ١٤٣.","vol":"1","page":740},{"text":"مثل كتاب الحدود، والمقصود والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو، ومختصر في النحو، ومعاني القرآن، وغيرها. (١) ولذلك فإنه يعد زعيم المدرسة الكوفية في النحو بعد الكسائي، وقد جمع الفراء إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي، وعن يونس بن حبيب البصري، حتى لقب بأمير المؤمنين في النحو.\nويُعَدُّ كتابه «معاني القرآن» أوفى كتبه وأكبرها، وأجمعها لآرائه النحوية «فهو يُعْتَبَرُ - بِحَقٍّ - المرجعَ الأوفى لنحو الكوفيين ومذهبهم، وهو المرجع الباقي لهذا المذهب، ومسائل الخلاف بينهم وبين البصريين». (٢) وهو ليس كتاب نحو مقسمًا على أبواب النحو ككتب النحو المتأخرة، ولكن القارئ لا يكاد يَمُرُّ بصفحةٍ منه لا يَجدُ فيها حديثًا عن النحو، وذِكْرِ قاعدةٍ من قواعدهِ، أو توجيهٍ من توجيهاتهِ، أو شاهدٍ شعريٍّ من شواهدهِ، وأصلٍ من أصوله. (٣)\nوقد عُنِي الفراءُ في كتابه بالقرآن الكريم كدليلٍ نحويٍّ في تأصيله للقواعد النحوية، فهو يحرص على أن يكون استشهاده بها تعبيرًا عن القيمة العظيمة التي يمثلها القرآن الكريم في فصاحته، ولغته. ومع ذلك فقد استشهد بالشعر في أكثر من أربعمائةٍ وخَمسين موضعًا، وبلغت شواهده ٧٨٥ شاهدًا شعريًا. وقد استشهد بالشواهد النحوية للقواعد العامة التي أَجْمَعَ عليها النحويون، واستشهد بها لتأييد آرائه النحوية الخاصة، كما استشهد بها للاستدلال لأقوال المخالفين، وذكر بعض الشواهد الشعرية للضرورات الشعرية التي اختص بها الشعر دون النثر، واستشهد بالشعر أيضًا لبيان بعض لغات القبائل العربية ولهجاتها، والتي سمع الكثير منها بنفسه.\n_________\n(١) انظر: الفهرست ١٠٠.\n(٢) النحو وكتب التفسير ١/ ١٨٥.\n(٣) انظر: النحو وكتب التفسير ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":741},{"text":"وصَنَعَ مثلَهُ الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» فأورد الكثير من شواهد النحو الشعرية التي نقلها النحويون عنه بعد ذلك، وكانت هي وشواهد سيبويه عُمدةً لدى النحويين حتى اليوم. ومن أمثلة شواهد النحو في كتب معاني القرآن ما يلي:\n١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] (١) أجاز الفراء في قراءة: (وجَاعِلُ اللَّيلِ سَكَنًا) نصب \"اللَّيلِ\" في المعنى، فقال: «الليل في موضع نصب في المعنى. فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما بقوله: فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يجوز أن ينصب وإن لم يُحَلْ بينهما بشيء، أنشد بعضهم:\nوبَيْنا نَحنُ نَنْظُرُهُ أَتانا ... مُعَلِّقَ شَكْوةٍ وزِنادَ راعِ (٢)». (٣)\nوالشاهد في قوله: «زِنادَ رَاعِ»، حيث عطفه على موضع قوله: «شَكْوةٍ»؛ لأن معناه: يُعَلِّقُ شكوةً وزِنادَ راعِ. (٤)\n٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٥) تكلم الفراء عن تعدية الفعل شكر بحرف الجر فقال: «العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون نصحتك، وربما قيلتا». ثم استشهد على تعدي الفعل (شَكَرَ) بقول عمرو بن لجأ التميمي:\nهُمُ جَمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ ... فَهلاَّ شَكَرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (٦)\n_________\n(١) الأنعام ٩٧.\n(٢) الشَّكْوَةُ: وِعَاءٌ من أدَم يُجْعَلُ فيه الماءُ واللَّبَنُ كأنَّه الدَّلْوُ، والبيت لنصيب بن رباح كما في ديوانه ١٤٠، ونُسِبَ لرجلٍ من قيس عيلان كما في الكتاب ١/ ١٧١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٨، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٥، لسان العرب ٧/ ١٨١ (شكو).\n(٣) معاني القرآن ١/ ٣٤٦.\n(٤) انظر: شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٥.\n(٥) البقرة ١٥٢.\n(٦) انظر: البحر المحيط ١/ ٤٤٧، وليس في ديوان عمرو بن لجأ.","vol":"1","page":742},{"text":"والشاهد في البيت قوله: «شكرت القوم»، حيث تعدى الفعل شكر بنفسه، والأفصح تعديته باللام. قال أبو حيان: «الفعلُ (شَكَرَ) من الأفعال التي ذُكِرَ أَنَّها تارةً تتعدى بحرف جَرٍّ، وتارةً تتعدَّى بنفسها». (١) ثم استشهد أبو حيان ببيت عمرو بن لجأ الذي استشهد به الفراء، علمًا أن الفراء لم ينسبه لقائله.\nواستشهد الفراء على تعدية الفعل (نصح) بقول النابغة الذبياني:\nنَصَحْتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلوا ... رَسُولي ولَمْ تَنْجَحْ لَديهمْ وَسائِلي (٢)\nوالشاهد فيه قوله: «نصحتُ بَنِي عوفٍ»، حيث تَعدَّى الفعلُ (نَصَحَ) بنفسه على لغةٍ، والأفصح تَعدِّيهِ باللام. وقد تَحدَّثَ النحويون عن هذه المسألةِ في باب تعديةِ الفِعْلِ بِحرفِ الجَرِّ، وتعديتهِ بِنفسهِ «قالوا: وحَذفُ اللامِ مع (كالَ) و(وَزَنَ) أفصحُ، وإثباتُها مع (شَكَرَ) و(نَصَحَ) أفصحُ، وبذلك جاء التنْزِيلُ العزيز». (٣)\n٣ - وأَمّا الأمثلة في كتاب «معاني القرآن» للأخفش فهي غالب شواهده الشعرية، فنادرًا ما تَجِدُ في كتابه شاهدًا لغويًا.\nومن أمثلة هذه الشواهد النحوية في معاني القرآن له قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] (٤) قال الأخفش: «هذا بِمعنى: لَكِنْ ... نَحو قولِ الشاعر (٥):\nوأَرَى لَها دَارًا بِأَغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدانِ لَمْ يَدْرُسْ لَها رَسْمُ\nإِلاّ رَمادًا هَامِدًا دَفَعَتْ ... عَنْهُ الرِّياحَ خَوالِدٌ سُحْمُ (٦)\nأراد: أرى لها دارًا ورمادًا». (٧)\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ٤٤٧.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) الكتاب لسيبويه ١/ ٢٨، البحر المحيط ٢/ ١١٧.\n(٤) البقرة ١٥٠.\n(٥) هو المخبل السعدي.\n(٦) انظر: المفضليات ١١٤.\n(٧) معاني القرآن ١/ ١٦٢.","vol":"1","page":743},{"text":"وللعلماء في بيان نوع الاستثناء في هذه الآية ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه استثناء متصلٌ، وهذا اختيار الطبري (١)، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره. قال الزمخشري: «ومعناه: لئلا يكون حجةٌ لأَحدٍ من اليهود إلا للمُعاندين منهم، القائلين: ما ترك قِبْلتَنا إلى الكعبة إِلاّ مَيلًا لِدِين قومه، وحُبًّا لهم. وأطلقَ على قولهِم (حُجَّةً)؛ لأَنَّهم ساقوه مَساقَ الحُجَّةِ». (٢) وقال ابن عطية: «المعنى أنه لا حُجَّةَ لأَحدٍ عليكم إِلاّ الحجةُ الداحضةُ للذين ظلموا من اليهودِ وغَيرِهم الذين تكلموا في النازلة، وسَمّاها حُجَّةً، وحَكَمَ بفسادها حين كانت مِنْ ظالمٍ». (٣)\nالثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيُقدَّرُ بـ (لكنْ) عند البصريين، وبـ (بل) عند الكوفيين؛ لأَنه استثناءٌ مِن غَير جِنْسِ المستثنى منهُ. والتقديرُ: لكنْ الذين ظَلَموا فإِنَّهم يتعلَّقونَ عليكمْ بالشُّبْهَةِ يَضعونَها مَوضعَ الحُجَّةِ.\nوسببُ الخلاف في هذه الآيةِ هو كما قال السمين الحلبي: «هَل الحجةُ هو الدليل الصحيحُ، أو الاحتجاجُ صحيحًا كان أو فاسدًا؟ فعلى الأول يكون مُنقطعًا، وعلى الثاني يكونُ مُتَّصِلًا». (٤)\nالثالث: أَنَّ (إِلاّ) بمعنى الواو العاطفة. وهذا القول قد انفرد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (٥)، وهو من أمثلة المسائل التي استشهد عليها أبو عبيدة بشاهدٍ نَحويٍّ، وهو من المواضع القليلة في كتب غريب القرآن التي وردت فيها شواهد نحوية. وقد استشهد أبو عبيدة على صحةِ قوله هذا بشاهدين من الشعر، أولهما قول عمرو بن معد يكرب:\nوكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخوهُ ... لَعَمْرُ أَبيكَ إِلاّ الفَرْقَدانِ (٦)\nوالآخر قول الفرزدق:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطري (شاكر) ٣/ ٢٠٤.\n(٢) الكشاف ١/ ٣٢٢.\n(٣) المحرر الوجيز ١/ ٤٥٢.\n(٤) الدر المصون ٢/ ١٧٨.\n(٥) انظر: مجاز القرآن ١/ ٦٠.\n(٦) انظر: ديوانه ١٧٨.","vol":"1","page":744},{"text":"ما بِالمدينةِ دارٌ غَيْرُ واحدَةٍ ... دارُ الخليفةِ إِلاّ دَارُ مروانا (١)\nوتقدير ذلك عنده: ولا الذين ظلموا - والفرقدان - ودار مروان. وقد تعقبه النحويون وخطأوه في ذلك. وقد رد الفراء قول أبي عبيدة بقوله: «فهذا صواب في التفسير، خطأ في العربية، إِنَّما تكونُ إِلاّ بِمَنْزِلة الواو إذا عطفتها على استثناءٍ قبلَها، فهنالك تصيرُ بِمَنْزِلةِ الواو». (٢) وقد استشهد الفراء بشاهد أبي عبيدة الثاني وهو قول الفرزدق، وقال في تأويله: «كأنه أراد: ما بالمدينة دارٌ إلا دار الخليفة ودار مروان». (٣)\nوزاد الطبري قول الفراء أيضاحًا فقال: «فَبَيّنٌ خطأُ قولِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]: ولا الذين ظلموا منهم، وأَنَّ (إِلا) بِمعنى الواو؛ لأَنَّ ذلك لو كان معناه، لكان النفي الأولُ عَن جَميع الناسِ أَنْ يكونَ لهم حجةٌ على رسول الله - ﷺ - وأصحابه في تحولهم نحو الكعبة بوجوههم مبينًا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إِلَّا التلبيسَ الذي يتعالى عن أن يضاف إليه أو يوصف به». (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>ثالثًا: الاستشهاد البلاغي</span>.\nوهو إيراد الشعر للاستشهاد على المسائل البلاغية في القرآن. وأساليب البلاغة يُستشَهدُ لَها بشعر المتقدمين والمتأخرين على حَدٍّ سواء لتعلُّقِ الأمر بالمعاني لا بالألفاظ، والمعاني مشاعةٌ بين الجميع. (٥)\nوالشواهد البلاغية في كتب معاني القرآن وغريبه قليلةٌ، موازنة بالشواهد اللغوية والنحوية. وذلك أن البلاغة لم تكن قد اتضحت\n_________\n(١) انظر: الكتاب ١/ ٣٧٣، المقتضب ٤/ ٤٢٥، الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٩ وليس في ديوان الفرزدق.\n(٢) معاني القرآن ١/ ٨٩ - ٩٠.\n(٣) المصدر السابق ١/ ٩٠.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٢٠٤.\n(٥) انظر: الخصائص ١/ ٥٤.","vol":"1","page":745},{"text":"معالمها، وفصلت مسائلها كما حدث للنحو. ولكن المؤلفين في معاني القرآن وغريب القرآن من النحويين واللغويين قد ذكروا في تضاعيف كلامهم وشروحهم للشعر وآي القرآن الكريم ملاحظات مختلفة في بلاغة الكلام، وصوره البيانية والتعبيرية، بحيث يمكن أن يقال: إنهم قدموا خدمة جليلة لعلم البلاغة حتى أوائل القرن الثالث الهجري.\nوكتاب أبي عبيدة في غريب القرآن الذي سَمَّاه «مجاز القرآن» ما يوهم أنه في فنُّ المَجاز بمعناه البلاغي، وحقيقةُ الأمر أَنَّ كلمةَ المَجازِ عنده تَعني الدلالةَ الدقيقةَ لِصيغِ التعبيرِ القرآنيةِ المختلفة، وقد تنبَّه لذلك القدماء، فقال ابن تيمية: «أولُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ تكلَّم بلفظِ المَجازِ أبو عبيدة مَعْمَرُ بنُ المُثنى في كتابه، ولكن لم يَعْنِ بالمَجازِ ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَى بِمجازِ الآية ما يُعَبَّرُ به عن الآية». (١) أو بعبارةٍ أخرى، عَنَى بهِ تفسيْرَها وتأويلها. وقد تعرض أبو عبيدة إلى ما في الآيات من استعارةٍ وتشبيهٍ وكنايةٍ وتقديمٍ وتأخيرٍ وحذفٍ وتكرارٍ وإضمارٍ، وتوسعَ في تصوير الخصائص التعبيرية كالدلالةِ بلفظِ الخصوصِ على معنى العموم، وبلفظ العموم على معنى الخصوص، وكمخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والعكس وغير ذلك من مسائل البلاغة. (٢)\nوعاصره الفراء، وصنف كتابه معاني القرآن الذي تغلبُ عليه المسائل النحوية، والشواهد النحوية، ولكنه لم يُخْلِ كتابَهُ من التعرض لعددٍ من مسائلِ البلاغة ذات الصلة بالآيات القرآنية التي يفسرها. فقد تحدث عن التقديم والتأخير في الألفاظ، وتكلم عن الإيجاز والإطناب والمعاني التي تخرج إليها بعض الأدوات كأداة الاستفهام، كما أشار إلى بعض الصور البيانية مثل التشبيه والكناية والاستعارة، وفي أكثر ذلك يستشهد بالشواهد الشعرية البلاغية، حتى عَدَّهُ بعضُ الدارسين رائدًا في\n_________\n(١) كتاب الإيمان ٣٥.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ١١.","vol":"1","page":746},{"text":"مبحث الاستعارة. (١)\nويُعَدُّ كتابُ «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة أحفل الكتب - التي شملتها هذه الدراسة - بالشواهد البلاغية، وقد صنف كتابه هذا للرد على الملاحدة وأشباههم الذين يطعنون على القرآن الكريم، فيقولون: إن به تناقضًا وفسادًا في النظم، واضطرابًا في الإعراب، وهو طعن مرده إلى جهلهم بأساليب العربية، ومن ثَمَّ ألف كتابه، ليحق الحق ويبطل الباطل، عارضًا فيه بعض آيات القرآن، مستشهدًا لتفسيرها بالشواهد الشعرية الكثيرة التي بلغت ثلاثمائة وواحد وستين شاهدًا شعريًا، غالبها شواهد بلاغية اعتمدها البلاغيون في كتب البلاغة بعد ابن قتيبة، وستأتي أمثلة لهذه الشواهد. وقد تعرض ابن قتيبة في كتابه هذا لموضوعات بلاغية مثل المجاز والاستعارة والكناية والتعريض والمقلوب، وتكرار الكلام والزيادة فيه، والحذف والاختصار، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه.\nوفيما يلي أمثلة للشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن، ومعاني القرآن، ثم أختم بذكر أمثلة للشواهد البلاغية في كتاب ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>أولًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الغريب</span>.\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] (٢) فسره بأن معناه: هذا القرآن، ثم قال: «وقد تخاطب العرب الشاهد فتظهر له مخاطبة الغائب، قال خفاف بن ندبة السلمي، وهي أمه، كانت سوداء حبشية، وكان من غربان العرب في الجاهلية:\nفإِنْ تَكُ خَيْلي قَدْ أُصِيْبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيمَّمْتُ مالِكا\n_________\n(١) انظر: أثر النحاة في البحث البلاغي لعبد القادر حسين ١٤٥.\n(٢) البقرة ٢.","vol":"1","page":747},{"text":"أَقولُ لَهُ والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفافًا إِنَّنَي أَنا ذَلكا\nيعني مالك بن حَمّاد الشَمْخِيَّ. وصميمُ خَيلِه معاويةُ أخو خنساء، قتله دُريد وهاشم ابنا حَرْملة المُرِيَّان». (١)\nوهذا شاهدٌ بلاغيُّ على أَنَّ العربَ تُخاطبُ الشاهدَ بِخطابِ الغائبِ البعيدِ، لِتفخيمهِ، وقد جاء الخطاب في الآية بصيغة الغائب لتفخيم أمر القرآن الكريم، وعلو قدره، وجاء الخطاب بصيغة الغائب في الشاهد لتفخيم الشاعر لأمر نفسه.\n٢ - وقال أبو عبيدة عند تفسيره للتشبيه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٢): «مجازه: إن الذي يبسط كفه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم له ذلك، ولا تَسِقْهُ أَناملهُ، أي: تَجمعهُ». (٣) ثُمَّ استشهدَ بشاهدٍ بلاغي فيه معنى الآية من حيث التشبيه، وهو قول ضابئ بن الحارث البُرْجُمي:\nفَإِنِّي وإِيَّاكمْ وشَوقًا إِليكمُ ... كقابضِ ماءٍ لَم تَسِقْهُ أَنامِلُهْ (٤)\nثم شرحه فقال: «يقول: ليس في يدي من ذلك شيءٌ، كما أَنَّه ليسَ في يدِ القابض على الماء شيءٌ». (٥) وهذا مَثَلٌ تَضربهُ العربُ لِمَن سعى فيما لا يدركه. (٦)\n٣ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧] (٧) ذكر أنَّ أبا عبيدة فسر قوله تعالى: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ بأنه من الكبت وهو الإهلاك. وقال غير أبي عبيدة أَنَّ معناهُ من\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٢٨ - ٢٩.\n(٢) الرعد ١٤.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٣٢٧.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٤٨٧، خزانة الأدب ٩/ ٣٢٣.\n(٥) مجاز القرآن ١/ ٣٢٧.\n(٦) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٤٨٧.\n(٧) آل عمران ١٢٧.","vol":"1","page":748},{"text":"الغيظِ والحُزْنِ. ثم ذكر أن أهل النظر من العلماء - ولعله يعني الفراء - يرون أن التاء في قوله: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ منقلبة عن دال، وأن الأصل فيه: يكبدهم، أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه قول العرب: فلان أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده. وهذه كناية عن شدة عداوته. واستشهد بشاهد بلاغي وهو قول الأعشى:\nفما أُجْشِمْتِ مِن إِتيانِ قَومٍ ... هُمُ الأعداءُ والأَكْبادُ سُودُ (١)\nقال ابن قتيبة تعقيبًا على بيت الأعشى: «كأَنَّ الأكبادَ لَمّا احترقت بشدةِ العداوةِ اسودَّت». (٢) والشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن قليلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>ثانيًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب المعاني</span>.\n١ - أشار الفراء إلى ما يُسمَّى عند البلاغيين بالمَجازِ المُرسَلِ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ [الصافات: ٢٨] (٣) فقال في تفسيرها: «كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوة. وكذلك قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٣] (٤) أي بالقوة والقدرة». (٥) ثم استشهد على صحة تفسيره هذا بقول الشمَّاخِ:\nإذا ما رايَةٌ رُفعَتْ لِمَجْدٍ ... تلقَّاها عَرابَةُ باليَمِيْنِ (٦)\nوقال في شرحه: «أي بالقدرة والقوة». (٧) وقد اختلف العلماء في تفسير اليمين في الآيات التي ذكرها الفراء على قولين: الأول القول الذي ذكره الفراء وهو القوة والقدرة، وقال به عدد من العلماء. (٨)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٣٧٣.\n(٢) غريب القرآن ١١١.\n(٣) الصافات ٢٠٢.\n(٤) الصافات ٩٣.\n(٥) معاني القرآن ٢/ ٣٨٤.\n(٦) انظر: ديوانه ٣٣٦.\n(٧) المصدر السابق ٢/ ٣٨٥.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٥٧٢ - ٥٧٣، المُبَرِّد كما في الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٢٧٨، الخصائص لابن جني ٣/ ٢٤٩، جمهرة اللغة ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":749},{"text":"والقول الثاني أنها بمعنى اليد اليمنى، وقال به عدد من العلماء أيضًا. (١) وجَمَعَ بعضُهم بين القولين. (٢) وقد أطال عبد القاهر الجرجاني الوقوف عند هذا الشاهد، وأن قول الشمَّاخ جاء على المَثَلِ، أي لما كانت المكارم تنقاد له، وهو يحوزها، وأنها تحصل له، ولا تمتنع عليه، كأَنَّ المجدَ مَثلُ الشيءِ في قبضةِ الآخذِ لَهُ، والجامعِ يَدَهُ عليه، وخَصَّ اليمينَ لأَنَّها تكونُ أفخمَ للمَثَلِ. وهو لا يُقِرُّ ما ذهبوا إليه مِنْ أَنَّ المراد بِها القوةُ؛ لأَنَّ المقام مقامُ مدحٍ بالجودِ والسخاء، ويرى أَنَّ المَجْدَ الذي تطاولَ لَهُ عَرابَةُ ومَدَّ إليه يدهُ مِن المَجدِ الذي أَرادهُ أبو تَمَّام بقوله:\nتَوَجَّعُ أَنْ رَأَتْ جِسْمي نَحيلًا ... كأَنَّ المَجْدَ يُدركُ بالصِّرَاعِ (٣)\nفالمقامُ ليسَ مقامَ بأسٍ وشدةٍ، ولو كان كذلك لكانَ حَمْلُ اليمين على صريح القوة أشبه. (٤)\n٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٥)، فسَّر ابنُ قتيبة الأغلالَ بأَنَّها ما حَرَّمَهُ اللهُ على بني إسرائيل، وأَحَلَّهُ لأُمَّةِ محمدٍ، وسُمِّي التحريمُ غُلًا «لأنَّ التحريمَ يَمنعُ كما يقبضُ الغُلُّ اليدَ فاستُعِيْرَ». (٦) ثم أورد شاهدًا شعريًا بلاغيًا يؤكد أن العرب تفعل ذلك في كلامها، وهو قول أبي خراش الهذلي:\nفليسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ ... ولكنْ أَحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ\nوعادَ الفتى كالكَهْلِ ليسَ بِقائِلٍ ... سِوى العَدْلِ شيئًا فاستراحَ العَواذِلُ (٧)\nثم شرح ابن قتيبة الاستعارة في هذا الشعر فقال: «يقول: ليس الأمرُ كعهدكِ، إذ كُنّا في الدار ونَحنُ نَتَبسَّطُ في كلِّ شيءٍ ولا نَتَوَقَّى،\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ٦/ ١٥٨، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٠.\n(٢) انظر: شرح أدب الكاتب للجواليقي ٥٩.\n(٣) انظر: ديوانه بشرح التبريزي ٢/ ٣٣٦.\n(٤) انظر: أسرار البلاغة ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٥) الأعراف ١٥٧.\n(٦) تأويل مشكل القرآن ١٤٨.\n(٧) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٥٠.","vol":"1","page":750},{"text":"ولكنْ أَسْلَمنا فَصِرْنا مِن موانِع الإسلامِ في مثلِ الأَغلالِ المُحيطةِ بالرقابِ، القابضةِ للأَيدي». (١)\n٣ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٢] (٢) ذكرَ أَنَّ الفاكهةَ واللحمَ والحُورَ العِيْنَ لا يُطافُ بِها، وإِنَّما يُطافُ بالأكوابِ والأباريقِ. وأَنَّ المراد: يؤتونَ بلحمِ طَيْرٍ وبِفاكهةٍ، ويُزوجونَ بِحُورٍ عِيْنٍ. وأن هذا أسلوب بلاغي عند العرب، وهو إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، ويضمر للآخر فعله المناسب له. ومثل هذه الآيات أيضًا - كما ذكر ابن قتيبة - قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (٣) حيث إنَّ معناها: أَجْمِعوا أمرَكم، وادعوا شركاءَكم، وهي كذلك في مصحف عبد الله بن مسعود. (٤) ثم استشهد ابن قتيبة بشواهد من الشعر على هذا الأسلوب البلاغي عند العرب، فذكر قول الشاعر (٥):\nتَراهُ كأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وعَيْنَيهِ إِنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وَفْرُ (٦)\nقال ابن قتيبة: «أي: يَجدعُ أَنفَهُ، ويفقأُ عَينَيه». (٧) وهذا الشاهد يستشهد به النحويون (٨) والبلاغيون (٩) على إضمار الفعل بعد حرف العطف، ويذهبون في تقديره مذهب ابن قتيبة. وذكر بعد ذلك ثلاثة شواهد من الشعر تدل على أن هذا الأسلوب شائع عند العرب قبل نزول القرآن.\n_________\n(١) المصدر السابق ١٤٩.\n(٢) الواقعة ١٧ - ٢٢.\n(٣) يونس ٧١.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٢٣١.\n(٥) هو خالد بن الطيفان.\n(٦) ثاب: أي عاد ورجع، والوفر بالفتح: هو من المال والمتاع الكثير الواسع. انظر: الحيوان ٦/ ٤٠.\n(٧) تأويل مشكل القرآن ٢١٣.\n(٨) انظر: مجالس ثعلب ٤٦٤، أمالي المرتضى ٤/ ١٦٩.\n(٩) انظر: الصناعتين للعسكري ١٨١.","vol":"1","page":751},{"text":"هذه هي أهم الأغراض التي أورد أصحاب غريب القرآن ومعانيه الشواهد الشعرية من أجلها، ولم أجد أمثلة للتمثل بالشعر في كتب غريب القرآن ومعانيه، لإيجازها الشديد، وعدم الاستطراد في قضايا تستدعي التمثل بالشعر كما مر في أغراض المفسرين من إيراد الشواهد الشعرية.\n* * *","vol":"1","page":752},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير</span>.\nالمبحث الأول: أثره في إيضاح المعنى.\nالمبحث الثاني: أثره في توجيه القراءات.\nالمبحث الثالث: أثره في الجانب العقدي عند المفسرين.\nالمبحث الرابع: أثره في الجانب الفقهي.\nالمبحث الخامس: أثره في الترجيح بين الأقوال.\nالمبحث السادس: أثره في بيان الأساليب القرآنية.\nالمبحث السابع: أثره في نسبة اللغات للقبائل.\nالمبحث الثامن: أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها.\nالمبحث التاسع: أثره في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات.\nالمبحث العاشر: أثره في معرفة الأماكن.\nالمبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم.","vol":"1","page":753},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المبحث الأول: أثر الشاهد الشعري في إيضاح وبيان المعنى في التفسير</span>.\nالغرض من تصنيف كتب التفسير هو بيان معاني القرآن الكريم وإيضاحها، وبَيانُ أحكامِها وحِكَمِها (١)، وقد استعانَ المفسرون بوسائلَ كثيرةٍ، من أَهَمِّها اللغةُ العربية التي نزل القرآن بها، ولم تنشأ علوم اللغة في بدايتها إلا من أجل هذا الغرض النبيل، وهو بيان القرآن، والحفاظ على لغته نقيةً من العُجْمةِ التي طرأَتْ على أَلسنةِ العرب في ذلك الوقت. (٢) ونظرًا لأن الشعر كان ديوانًا جامعًا لعلم العرب وبيان لغتها، فقد اتَّخذهُ العلماءُ شاهدًا لهم على كثيرٍ من معاني القرآن الكريم من حيثُ الدلالةُ اللغوية، لإيضاح تلك المعاني وتَجليتها؛ لأنَّ الشعر كان أقرب إلى فهمهم لتعودهم عليه وعلى حفظهِ وسَماعهِ، ومعرفتهم بأساليب الشعراء في الكلام.\nويصح في هذا المبحث إيراد الشواهد الشعرية التي وردت في كتب التفسير، حيث يصدقُ عليها أَنَّها كانت في سياقِ إيضاحِ المعاني وبيانِها، فشواهد اللغة من أَهمِّ أغراضها بيانُ معاني الألفاظ التي وردت في القرآن أو التفسير، وكذلك الشواهد النحويةُ وردت لأغراض متعددة من أَهمِّها بيانُ معاني التراكيب، وقُلْ مثلَ ذلك في بقيَّةِ الشواهد الشعرية، غير أَني سأقتصرُ على صورتينِ ظاهرتين في استشهاد المفسرين بالشعر لتوضيح\n_________\n(١) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ١٠٤ - ١٠٥، ٢/ ٢٧٦ وما بعدها.\n(٢) انظر: الإتقان في علوم القرآن ١/ ٥٤٢.","vol":"1","page":754},{"text":"معاني الآيات القرآنية، وإرجاءُ بقيَّةِ الصّورِ للمباحث التالية، وهاتان الصورتان هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>أولًا: بيان معاني المفردات القرآنية</span>.\nيدخلُ تَحت هذه الصورة جَميعُ الشواهد اللغوية في كتب التفسير، وكتب غريب القرآن وهي الغالبة عليها، وكتب معاني القرآن وهي قليلة فيها كما تقدم. وأثر الشاهد اللغوي ظاهر في إيضاح معاني المفردات الغريبة التي وردت في القرآن الكريم أو التفسير أو بعض الشواهد الشعرية التي يستشهد بها المفسرون في التفسير، وتكون محتاجة إلى شرح بعض مفرداتها. وقد بلغت الشواهد اللغوية في كتب التفسير أكثر من النصف باستثناء تفسير الزمخشري الذي غلبت عليه الشواهد البلاغية والنحوية، بل إن الزمخشري قد وظف بعض الشواهد النحوية المشهورة توظيفًا بلاغيًا. وأما كتب غريب القرآن فقد كانت معظم شواهدها شواهد لغوية وردت لإيضاح معاني المفردات في الدرجة الأولى، وأثر هذه الشواهد في إيضاح المعاني لا يستغنى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>ثانيًا: بيان معاني التراكيب القرآنية</span>.\nيدخلُ تَحتَ هذه الصورة الشواهدُ النحويةُ، والشواهد التاريخية في بعض المواضع لبيانها مناسبات بعض الحوادث ذات العلاقة بالقرآن الكريم وتفسيره. وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبيرٍ من الشواهد النحوية والبلاغية سَبَقَ بيانُها، مع تفاوت نسبة تلك الشواهد بين المصنَّفات، وقد تقدَّم بيانُ نسبة هذه الشواهد بين شواهد المفسرين في المباحث السابقة في هذه الدراسة، وأذكر هنا بعض الأمثلة التي تدل على أثر الشاهد الشعري المباشر في إيضاح معاني التراكيب النحوية في كتب التفسير، والعناية التي أولاها المفسرون لهذه الشواهد في تفسيرهم للقرآن، حتى إن بعض المفسرين كالقرطبي وأبي حيان الأندلسي والسمين","vol":"1","page":755},{"text":"الحلبي قد أودعوا تفاسيرهم معظم شواهد النحو المشهورة المتداولة عند النحويين في مصنفاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>للمفسرين في إيضاح المعاني التي وردت في القرآن الكريم بالشاهد الشعري طرق متنوعة</span>، من أهمها طريقتان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>الأولى: موازنة المعنى الذي تدل عليه الآيات القرآنية بالمعنى الذي يدل عليه الشاهد </span>الشعري.\nوالشعر يعرفه العرب جيدًا لإلفهم للشعر، وخبرتهم به.\n١ - ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري محاولًا إيضاح معنى قول القائلين بأَنَّ الحروف المقطعة في أوائل السور تدل على أسماء الله جل وعلا وصفاته، بقوله: «وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقطَّعةٌ بعضها مِنْ أسماءِ الله ﷿، وبعضها من صفاته، ولكُلِّ حرفٍ من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر. فإِنَّهم نَحَو بتأويلِهم ذلك نَحوَ قولِ الشاعرِ (١):\nقُلنا لَها: قِفي لَنا، قالتْ: قافْ لا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينا الإِيْجَافْ (٢)\nيعني بقولهِ: «قالتْ قاف»، قالت: قد وقفتُ. فدلَّت بإظهارِ القافِ مِنْ وَقفتُ على مُرادِها مِنْ تَمامِ الكلمةِ التي هي «وَقَفْتُ»، فَصرفوا قولَهُ ﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١] (٣) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى». (٤)\nفقد استعان الطبري بالشعر لتوضيح معنى قول القائلين بأن الحروف المقطعة في أوائل السور مأخوذة من أسماء الله وصفاته للدلالة عليها، كما دل قول الشاعر: «قاف». على كلمة: «وقفت». وهذه الموازنة تكون ذات قيمة دلالية إذا عرفت أن الشعر عند العرب علم مألوف مشهور،\n_________\n(١) هو الوليد بن عقبة.\n(٢) الإيجاف: حث الدابة على سرعة السير. انظر: الصاحبي لابن فارس ١٦١، شرح شواهد الشافية للبغدادي ٤/ ٢٧١\n(٣) البقرة ١.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ٢١٢.","vol":"1","page":756},{"text":"يعرفون دلالاته واختصاراته، ويفهمون ما تعنيه، وإذا أحيل العربي إليه فهمه دون عناء.\n٢ - ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لمعنى «السِّنَةِ» في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١): «والوَسَنُ: خُثُورةُ النَّومِ، ومنه قول عَدِيِّ بن الرِّقاعِ:\nوَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ (٢)\nثُمَّ استطرد الطبريُّ لإيضاحِ معنى الوَسَنِ في البيت، والاحتجاج لصحة تفسيره للآية، بشاهدين آخرين من الشعر (٣)، وتتبع معنى السِّنَةِ والوَسَنِ حتى جَلاَّهُ وبَيَّنَهُ أحسنَ بيانٍ، بتتبعه للشواهد الشعرية التي يعضد بعضها بعضًا في إيضاح هذا المعنى، وقد أحسن الطبري التعبيَر عن معنى السِّنَةِ بالخُثُورةِ، وهيَ كلمةٌ تدلُّ على الثِّقَلِ والتجمُّعِ، تطلقُ في الأَصلِ على اللَّبَنِ والعَسلِ إذا ثقلَ وتَجمَّع بعضهُ على بعض. (٤) قال محمود شاكر تعليقًا على قول الطبري هذا: «والمَجازُ منه قولُهم: فلانٌ خاثِرُ النَّفْسِ، أي: ثقيلُها، غَيْرُ طيبٍ ولا نشيطٍ، قد فَتَرَ فُتُورًا. واستعمله الطبريُّ استعمالًا بارِعًا، فجَعلَ للنَّومِ خُثُورةً، وهي شدةُ الفُتُورِ، كأَنَّهُ زالت رِقَّتُهُ واستغلظَ فَثَقُلَ، وهذا تعبيرٌ لَمْ أَجِدْهُ قبلَه». (٥)\nوقد فَسَّر الأصفهانيُّ معنى قولِ عديِّ بن الرقاعِ: «وسَنانُ أقصده النعاسُ» فقال: «والوَسْنانُ: النّائِمُ، والوَسَنُ: النَّومُ، الواحدةُ منهُ سِنَةٌ». (٦) وتفسير الطبري للسِّنَةِ أَدَقُّ، فليست السِّنَةُ النومَ، وإِنَّما هي مُقدمتهُ من الخُثُورَةِ والثِّقَلِ كما عَبَّرَ الطبريُّ. ويؤيده الشاهد الثاني وهو\n_________\n(١) البقرة ٢٥٥.\n(٢) انظر: ديوانه ١٢٢.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٣٨٩ - ٣٩١.\n(٤) انظر: تهذيب اللغة ٧/ ٣٣٣، مقاييس اللغة ٢/ ٢٤٦، لسان العرب ٤/ ٢٧ (خثر).\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ٥/ ٣٨٩ حاشية رقم ١.\n(٦) الأغاني ٩/ ٣١٢.","vol":"1","page":757},{"text":"قول الأعشى: «بُعَيدَ النُّعاسِ وقبلَ الوَسَنْ». ورواية الديوان للبيت: «وعندَ الوَسَنْ». (١) بل إِنَّ تفسير الطبري للبيت أدق من تفسير شيخه ثعلب حيث قال في شرحه: «الوَسْنانُ: النَّاعس». (٢) والشاهد أن الطبري أخذ يتتبع المعنى ليتضح للقارئ بإيراده الشواهد الشعرية التي تدل على المعنى بدقة حتى اكتمل المعنى بتظافر هذه الشواهد الشعرية.\n٣ - ومن الأمثلة التي يوازن فيها المفسرون بين أسلوب الآية وأسلوب الشاهد الشعري لتوضيح المعنى المراد ما ذكره أبو عبيدة شارحًا معنى قوله تعالى على لسان الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] (٣): «جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها، وقد قال ﵎: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (٤) ولكنَّ معناها معنى الإيجاب، أي أَنَّكَ ستفعلُ. وقال جريرُ فأوجبَ ولم يستفهمْ لعبد الملكِ بن مروان:\nأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأَنْدَى العالَمِيْنَ بُطُونَ رَاحِ (٥)». (٦)\nفقد تولى الشاهد الشعري إيضاح المعنى، وقد أضاف أبو عبيدة دليلًا آخر من واقع صنيع الممدوح بالشاعر حيث وهب عبد الملك بن مروان لجرير مائة من الإبل مكافأة له على مديحه، ولو كان استفهامًا فقط لم يعطه شيئًا. (٧)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>الثانية: إيضاح الآية بذكر الشاهد مباشرة</span>.\nفي هذه الطريقة يشرح المفسر الآية أو المفردة بذكره للشاهد\n_________\n(١) انظر: الديوان ٦٧.\n(٢) شرح ديوان عدي بن الرقاع لثعلب ١٢٢. والطبري على الرغم من أخذه لدواوين العرب عن ثعلب، وقراءتها عليه، واشتهار ذلك عنه، إلا أنه لم يذكره في تفسيره، ولم ينقل عنه شرحه للشعر، وإن كان يوافقه في كثير منه بعد الموازنة بين شرحهما لكثير من الأشعار، ولم أجد جوابًا لصنيع الطبري هذا مع شيخه ثعلب.\n(٣) البقرة ٣٠.\n(٤) البقرة ٣٠.\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) مجاز القرآن ١/ ٣٥.\n(٧) انظر: المصدر السابق ١/ ٣٥.","vol":"1","page":758},{"text":"الشعري مباشرة، دون ربطٍ بينهما، أو شرح للشاهد بما يوضح المراد من الآية. وهذا يدل على أن الشاهد في نظر المفسر أوضح من الآية، فيُحيل القارئَ إلى الشاهد لوضوحه، دون أن يتدخل بين القارئ وبين فهمه للشاهد الشعري. وأكثر من رأيته يفعل ذلك الزمخشري في الكشاف، فإنه صنف كتابه للمتقدمين الذين شدوا شيئًا من علم اللغة والتفسير والبلاغة يؤهلهم للربط بين الآية القرآنية والشاهد الشعري واستخراج المعنى المراد من خلال ذلك.\nوقد كانت هذه الطريقة في الاستشهاد شائعة عند علماء اللغة المتقدمين، فقد ذكر أبو عُمَر الجَرميُّ أن سائلًا جاء إلى يونس بن حبيب النحوي وهو في حلقته في المسجد، فسأله عن معنى (التَّناوش) في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [سبأ: ٥٢] (١) قال: «فقال بيدهِ: التَّناولُ، وأنشدَ:\nوهيَ تَنُوشُ الحَوضَ نَوْشًا مِنْ عَلا ... نَوْشًا بهِ تَقطعُ أَجْوازَ الفلا (٢)». (٣)\nفقد اكتفى يونس بعد بيانه للمفردة الغريبة في الآية، بذكر شاهدٍ شعري فهمه السائل دون شرح من يونس.\n- ومن الأمثلة على ذلك عند الزمخشري قوله: «فإن قلت: لِمَ وَحَّدَ الراجعَ في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] (٤) وقد ذُكِرَ شيئان؟ قلتُ: نَحو قولهِ:\nفإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيبُ». (٥)\nوهو يعني الضمير في ﴿بِهِ﴾، حيث يعود على قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وهما اثنان، فكان يقال: «ليفتدوا بهما». غير\n_________\n(١) سبأ ٥٢.\n(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه في الكتاب ٣/ ٤٥٣، ولم ينسبه أحد غير ابن بري حيث نسبه لغيلان بن حريث الربعي. انظر: خزانة الأدب ٩/ ٤٣٧.\n(٣) أخبار النحويين البصريين ٨٥.\n(٤) المائدة ٣٦.\n(٥) الكشاف ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.","vol":"1","page":759},{"text":"أنه وحد الضمير فقال: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾. ولم يشرح الزمخشريُّ العِلَّةَ، وإنما أحالَ بيانَها إلى شطرِ شاهدٍ شِعريٍّ نَحويٍّ مشهورٍ، وهو قولُ ضابئ البُرْجُميِّ:\nفَمَنْ يَكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُهُ ... فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيْبُ (١)\nوالشاهدُ فيه عند الزمخشري قوله: «لغَريبُ»، وكان المتوقع أن يقول: «لَغريبان»، كما قال أبو زيد: «ولو قال: «لغريبان» لكان أجود». (٢) غير أن الزمخشري اكتفى في إيضاح سببِ توحيد الضمير في قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مع تعدد ما يعود عليه هذا الضمير بإيراده للشاهد الشعري، وعدم التعليق عليه بشيء، ثقةً في فهم القارئ بأن ذلك من أساليب العرب في كلامها، ودليلًا على أَنَّ الزمخشريَّ صنَّفَ كتابَه «الكشاف» لطلبة العلم المتقدمين.\nوقد تقدمت في أثناء البحث أمثلة متعددة أخرى للشواهد اللغوية والنحوية التي استعان بها المفسرون وأصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه لإيضاح الدلالات اللغوية\nللمفردات والتراكيب في القرآن الكريم، وكان لهذه الشواهد أثر واضح في تقريب المعاني وتوضيحها. ويتفاوت ظهور هذا الأثر للشواهد الشعرية في كتب التفسير، بحسب منهج المفسر الذي سار عليه، غير أن هذا الأثر كان جليًا في كتب التفسير والمعاني والغريب التي شملتها الدراسة، حيث وقع عليها الاختيار في بداية العمل لأسباب من أهمها عنايتها بالشاهد الشعري في مناهجها، وهناك من كتب التفاسير المختصرة من ظهر فيها أثر الشاهد الشعري ظهورًا متوسطًا كتفسير البيضاوي حيث كان مختصرًا من تفسير الزمخشري، وقد استبعد كثيرًا من شواهده، وأبقى منها ٢٦٦ شاهدًا فقط، لم ير الاستغناء عنها\n_________\n(١) انظر: الكتاب ١/ ٣٨، خزانة الأدب ١٠/ ٣١٢.\n(٢) النوادر لأبي زيد ٢٠.","vol":"1","page":760},{"text":"في مختصره لأهميتها في إيضاح المعاني. (١)\nوهناك كتب مختصرة مثل اختصار ابن صُمادِح التُّجَيْبِي لتفسير الطبري، حيث أَخلاهُ من الشواهد الشعرية، وأبقى على المعاني التي اعتمدها الطبري بناءً على شواهد الشعر التي استشهد بها. (٢) وفَعَلَ مثلَ ذلك الثعالبيُّ الجزائري في اختصاره لتفسير ابن عطية حيث «وضع لنفسه - وهو يَختصرُ تفسير ابن عطية - منهجًا يقوم في أغلب الأحيان على حذفِ الشواهدِ الشعريةِ، والوجوه النحوية». (٣) وفَعَلَ مثلَ ذلك مَنْ اختصرَ تفسيرَ القرطبي. (٤) فتبقى قيمة هذه المختصرات في ارتباطها بالأصول، التي اعتمد أصحابها فيها على شواهد الشعر في تحقيق الدلالات اللغوية لمفردات القرآن الكريم وتراكيبه.\n* * *\n_________\n(١) انظر: القول الماضي في شرح شواهد تفسير القاضي للمحجوب بنسالك ١ - ٢.\n(٢) انظر: مختصر تفسير الطبري لابن صمادح ١/ ٢.\n(٣) منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم للدكتور عبد الوهاب فايد ٢٩٤.\n(٤) انظر: مختصر تفسير القرطبي لتوفيق الحكيم / المقدمة.","vol":"1","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المبحث الثاني: أَثَرُ الشاهدِ الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها في كتب التفسير</span>.\nالتوجيه مصدرٌ مأخوذٌ مِنْ وَجَّهَ يُوجِّهُ. ومنه قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] (١). ومنه: وجَّهْتُ الشيءَ إذا جعلتهُ على جِهَةٍ. (٢) قال ابن منظور: «وقال بعضهم: وجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً وَجِهَةً مَّا له (٣) ... يريد: وجِّهِ الأمرَ وجْهَهَ، يُضربُ مَثَلًا للأَمرِ إذا لم يستقم مِن جهةٍ أن يُوجِّهَ له تدبيرًا من جهةٍ أُخرى، وأَصلُ هذا في الحَجَرِ يُوضعُ في البناء، فلا يستقيمُ، فيُقلَبُ على وجهٍ آخر فيستقيم». (٤)\nوتوجيهُ القراءاتِ يدخلُ تَحتَ عِلمِ القراءاتِ بِمعناه الواسع، غير أن الذي قام به هم النحويون وأهل اللغة غالبًا، وقد أفرده الزركشي بالذكر في «البرهان» تحت النوع الثالث والعشرين فقال: «معرفةُ توجيهِ القراءاتِ وتبْيِيْنُ وجهِ ما ذهب إليه كلُّ قارئٍ» وأَشارَ إلى أَنَّه «فَنٌّ جليلٌ، وبه تُعرفُ جلالةُ المعاني وجزالتُها، وقد اعتنى الأئمةُ بهِ، وأَفردوا فيهِ كُتُبًا» (٥).\nوقد عُرِّفَ توجيهُ القراءات بأَنَّهُ «عِلْمٌ يُبحثُ فيه عن معاني القراءاتِ والكشفِ عن وجوهِها في العربية، أو الذهاب بالقراءة إلى الجهة التي\n_________\n(١) النحل ٧٦.\n(٢) انظر: مقاييس اللغة ٦/ ٨٨ - ٨٩.\n(٣) قولهم: «وَجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً ما لَهُ» مَثَلٌ يُضرَبُ في حُسنِ التدبير، أي: لكلِّ أمرٍ وجهٌ، لكن الإنسان ربَّما عَجَزَ ولم يهتد إليه. انظر: مجمع الأمثال للميداني ٣/ ٤٩٤.\n(٤) انظر: لسان العرب ١٥/ ٢٢٦ (وجه).\n(٥) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٨٨.","vol":"1","page":762},{"text":"يتبيَّنُ فيها وجهُها ومعناها». (١)\nو«توجيه القراءات» يُسمَّى بِهذا (٢)، وله أسماءُ أُخرى المقصودُ بِها واحدٌ أو متقارب، ومنها «الاحتجاج للقراءات» (٣)، و«وجوه القراءات» (٤)، و«عِللُ القراءات» (٥)، و«إعراب القراءات» (٦)، و«معاني القراءات» (٧) وبكلِّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ صُنِّفَتْ مُصنَّفاتٌ، غير أَنَّ الذي استقر عليه الاصطلاح في الوقت الراهن تسميته بتوجيه القراءات.\nوقد عُنِيَ المفسرون بتوجيه القراءات من حيث اللغة والنحو في كتب التفسير، وظلَّ توجيه القراءات والاحتجاج لها منثورًا في كتب معاني القرآن والتفسير مدةً طويلةً من الزمن، ثُمَّ أَخَذَ يستقلُّ وينفصلُ شيئًا فشيئًا حتى نضجَ، واستقلَّ بأُصولهِ ومؤلفاته بعد تصنيف ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) (٨) لكتابه في القراءات السبع، واقتصاره على الطرق الصحيحة لتلك القراءات.\n_________\n(١) توجيه مشكل القراءات العشرية للدكتور عبد العزيز الحربي ٦٥، وانظر: القراءات القرآنية لعبد الحليم قابة ٣٠، فصول في أصول التفسير لمساعد الطيار ١٢٦.\n(٢) مثل تسمية شريح بن محمد الرعيني كتابًا له باسم «الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي». انظر: فهرسة ابن خير ٣٨ - ٣٩، وكتاب عبد الفتاح القاضي «القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب».\n(٣) ككتاب «الحجة في القراءات السبع» للفارسي، و«الحجة» المنسوب لابن خالويه، و«حجة القراءات» لابن زنجلة.\n(٤) مثل كتاب ابن قتيبة «وجوه القراءات». انظر: تأويل مشكل القرآن ٦٤، وهذا المصطلح عند المتقدمين، وأَمَّا متأخرو القراء فيعنون به الخلاف الذي يقع في بعض صور الأداء: كأوجه البسملة، والوقوف.\n(٥) مثل كتاب الأزهري «علل القراءات»، ولابن الفَتِّي، والسَّجَاونديِّ كتبٌ بِهذا العنوان أيضًا.\n(٦) مثل كتاب «إعراب القراءات وعللها» لابن خالويه، وإعراب القراءات لإسماعيل بن خلف.\n(٧) مثل كتاب «معاني القراءات» لأحمد بن قاسم اللخمي. انظر: غاية النهاية ١/ ٩٧.\n(٨) هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، تتلمذ على أبي جعفر =","vol":"1","page":763},{"text":"وقد بدأ الاحتجاج بالشِّعْرِ لتوجيه القراءاتِ مُبكرًا في عهد أئمة القراء الأوائل، فقد كان أبو عمرو بن العلاء البصري (ت ١٥٤ هـ) يَحتجُّ لقراءته بالشعر، كما في قراءته لقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] (١) بتخفيف اللام في ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مِن أَبْلَغَ يُبْلِغُ (٢)، فقد احتج بالقرآن وبالشعر. فأَمَّا القرآن فقد احتجَّ بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٧٩] (٣).\nوأما احتجاجه بالشعر فقد احتجَّ بشاهدين، الأول قول عَدِيِّ بن زيدٍ:\nأَبْلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مأْلكًا ... أَنَّهُ قد طالَ حَبْسي وانتِظاري (٤)\nوالثاني قول أبي القَمقام الأسديِّ (٥):\nأَبْلِغْ أَبا مالكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... وفي العتابِ حَياةٌ بَيْنَ أَقوامِ (٦)\nوأبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) يُمثِّلُ باحتجاجهِ للقراءات وتوجيهها، واستشهاده بالشعر على ذلك، مرحلةً متقدمةً؛ لأَنَّهُ إمامُ علماء اللغةِ ورواة الشعر الذين دارت عليهم روايةُ الشِّعرِ باعتبارهِ شيخًا لأَبي\n_________\n= الطبري، وكان يعدُّهُ أجلَّ شيوخه الذين أخذ عنهم القراءات، والتفسير، والشعر، كما تتلمذ على ثعلب في اللغة. وهو أول من اختار القراءات السبع ودونها مقتصرًا عليها في كتابه السبعة. توفي سنة ٣٢٤ هـ ومن تلاميذه أبو علي الفارسي. انظر: تاريخ بغداد ٥/ ١٤٤، معجم الأدباء ١٨/ ٤٥، معرفة القراء الكبار ١/ ٢٦٩، غاية النهاية ١/ ١٣٩.\n(١) الأعراف ٦٢.\n(٢) قرأ أبو عمرو واليزيدي ﴿أُبْلِغُكُمْ﴾ بسكون الباء وتخفيف اللام. وقرأ الجمهور ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ بفتح الباء وتشديد اللام. انظر: السبعة ٢٨٤، حجة القراءات ٢٨٦، إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ١٩٠ - ١٩١.\n(٣) الأعراف ٧٩.\n(٤) المألك: الرسالة. انظر: ديوانه ٩٣.\n(٥) هو أبو القمقام بن مصعب الأسدي شاعر سمعه أبو عمرو بن العلاء والفراء وغيرهما، ورد اسمه في كتب الشعر والأدب دون ترجمة. انظر: المبهج لابن جني ٢٠٤، شرح أبيات المغني ٥/ ٣٢٤، شرح الحماسة للمرزوقي ٣/ ١٣٧٧.\n(٦) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ١٩٠ - ١٩١، والبيت في عيون الأخبار ١/ ٩١ ونسب لغيره.","vol":"1","page":764},{"text":"عُبيدةَ، والأَصمعيِّ، وطبقتهم، ولكونه أحد القراء السبعة، وإمام قراء البصرة، وقراءته هي القراءة التي يقرأ بها أهلُ البصرة، وقد رواها عنه تلاميذه، فهو أبو العلماءِ وكهفُهُم - كما وصفه ابن جني (١) -، وأعلم الناس بالقرآن والعربية - كما يقول ابن الجزري (٢)، فهو قارئٌ لغويٌّ إمامٌ في فُنونٍ متعددةٍ.\nوقد ذكر أبو عبيدة أَنَّهُ سأل شيخه أبا عمرو بن العلاء عن توجيه قراءته لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] (٣) حيث قرأها أبو عمرو بن العلاء ﴿لَتَخِذْتَ﴾ (٤) مِنْ (تَخِذَ) لا من (اتَّخَذَ)، فقال أبو عمرو: هي لغةٌ فصيحةٌ، واستشهدَ لَهَا بِقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ:\nوقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِها ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ (٥)\nوهذا احتجاجٌ لصحة استعمال (تَخِذَ)، وأنه ورد عند العرب في الشعر الفصيح، فقرأ به، وقد اكتفى العلماء بشواهد مفردة للاستشهاد على بعض الأوجه المقروءِ بِها استدلالًا منهم على صحتها، وإن كان المتتبع لدواوين الشعراء سيجد غير تلك الشواهد.\nومنذ زمن أبي عمرو بن العلاء والقراء وعلماء القراءات يتتبعون شواهد الشعر التي تعينهم على توجيه القراءت من حيث اللغة والإعراب\n_________\n(١) انظر: الخصائص ٣/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: غاية النهاية ١/ ٢٩٠.\n(٣) الكهف ٧٧.\n(٤) قراءة الجمهور ﴿لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ بإدغام الذال في التاء إلا حفص فقد أظهرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿لَتَخِذْتَ﴾ إلا أن أبا عمرو يدغم وابن كثير لا يدغم كحفص. انظر: السبعة ٣٩٦.\n(٥) انظر: مجالس العلماء للزجاجي ٢٥٥، والغَرْزُ: هو للناقة مثل الحزامِ للفَرَسِ، والنَّسيفُ: أَثَرُ ركضِ الرجل بَجنبي البعير إذا انحصَّ عنه الوَبَرُ. وأُفْحُوصُ القطاةِ مجثمها وعشها لأنها تفحصه، والمُطَرَّقُ صفة للعُشِّ بمعنى المُعَدَّل، أو صفة للقطاة وهي التي تعالج خروجَ بيضِها، وذُكِّرَ لاختصاصهِ بالإِناثِ فاستُغنيَ عن العلامة. انظر: الأصمعيات ١٦٥، مجاز القرآن ١/ ٤١٢.","vol":"1","page":765},{"text":"لتكونَ حجةً لهم أَنَّ الوجه الذي رَوَوهُ من القراءةِ صحيحٌ موافقٌ للغةِ العَرَبِ، وأَنَّهُ ليس خطأً لم تستعمله العرب. وهذا شاهد للركن الذي استقر عند علماء القراءات اعتباره للقراءة الصحيحة وهو موافقة لغة العرب ولو بوجهٍ مِنْ وُجُوهِها. (١) بل إنه يؤثر عن بعض القراء شواهد شعرية خاصة، يستشهد بها لتصحيح قراءته، فقد ذكرَ ابنُ الجَزَريِّ في ترجمةِ أَحْمد بن مُحمدٍ بن عَلْقَمةَ بن نافع النبَّال المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، أنه قرأ عليه قُنْبُلُ والبّزِّيُّ. ثم قال: «وروينا عنه أنَّهُ كان يُنْشِدُ شاهدًا على قراءةِ تشديدِ الياء من ﴿حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٢)، وهي قراءته التي رواها قُنْبلُ عنهُ:\nسَأَلتَنِي جارَتي عَن مَعْشَرٍ ... وَإِذا ما عَيَّ ذُو اللُّبِ سَأَلْ\nسَأَلَتني عَن أُنَاسٍ ذَهَبُوا ... شَرِبَ الدَهرُ عَليهِم وَأَكَلْ (٣)». (٤)\nوربَّما خَصَّ ابنُ الجزري هذا الشاهدَ بالذكر لكونه حُفِظَ عن النَّبَّالِ دون غيره، وإِلاَّ فإِنَّ المفسرينَ وغيرَهم قد احتجوا لهذه القراءة بشواهد أخرى. (٥) كقول عبيد بن الأبرص:\nعَيَّوا بِأَمْرِهِمُ كما ... عَيَّتْ بِبَيْضتِها الحَمامَه (٦)\n_________\n(١) ذكر العلماء أن القراءة المقبولة لها ثلاثة أركان: صحةُ الإسناد، وموافقة العربية ولو بوجهٍ، وموافقة رسم المصحف العثماني لها ولو احتمالًا. وأهم هذه الأركان صحة الإسناد، وأَمَّا موافقة العربية فلا بد منه، غير أنه يفرق بين هذا وبين موافقة قواعد النحويين. انظر: الإبانة عن معاني القراءات لمكي ٥٨، والنشر ١/ ٩.\n(٢) الأنفال ٤٢، وتتمة الآية: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].\n(٣) البيتان للنابغة الجعدي. انظر: ديوانه ٩٨، ونسبه ابن عطية للبيد وليس في ديوانه. انظر: المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ٣٢٢.\n(٤) غاية النهاية ١/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٥) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، المحرر الوجيز ٨/ ٧٧ - ٧٨، الدر المصون ٥/ ٦١٣ - ٦١٤.\n(٦) انظر: ديوانه ٧٨، الكتاب ٢/ ٣٨٧، المقتضب ١/ ١٨٢، المنصف لابن جني ٢/ ١٩١.","vol":"1","page":766},{"text":"وبقول المتلَمِّسِ:\nفهذا أَوانُ العِرْضِ حيَّ ذُبابُهُ ... زَنابِيْرُهُ والأزرقُ المُتَلَمِّسُ (١)\nوقال أبو عثمان المازني: «قرأتُ على أَبي وأنا غُلامٌ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٢) قال: فقال أبو سوار (٣) - وكان فصيحًا أخذ عنه أبو عبيدة فمن دونه - (خَلَلَهِ)، فقال أبي: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ قراءةٌ. فقال: أما سَمِعتَ قولَ الشاعر:\nبَنَيْنَ بِغَمْرَةٍ فَخَرَجْنَ منها ... خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (٤)\nقال أبو عثمان: خَلَلُ وخِلالُ واحدٌ، وهما مصدران». (٥) ومع أَنَّ القراءة التي قرأَ بها الجمهورُ هي القراءةُ التي قرأَ بِها المازنيُّ، إِلَّا أَنَّهُ عندما سَمِعَ احتجاجَ أبي سوار بالشاهد الشعري الصحيحِ سَلَّمَ لَهُ، وفَسَّرَ الخَلَلَ والخِلالَ بأَنَّهما بِمعنًى واحد، وأَنَّهما مصدران. وهذه أمثلة متقدمة على وجود الاحتجاج للقراءات بالشعر، والاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها.\nوأوجه الاحتجاج للقراءات بالشعر وغيره كثيرة، فتارة يكون توجيهًا نَحويًا من حيث الإعراب، وتارة يكون توجيهًا صرفيًا يتعلق بوزن الكلمة أو اشتقاقها، أو لُغويًا يتعلق بعلم الأصوات، ولغات العرب (لهجاتها)، وأمثالهم، وأقوالهم، وأشعارهم، وقد يكون هذا التوجيه معنويًا تتوقف\n_________\n(١) العِرْضُ: وادي اليمامة، والزنابِيْرُ: النَّحْلُ، والأزرقُ: ذُبابٌ يَلْسَعُ الحَمير، وسُمِّي المتلمسُ بهذا البيت. انظر: ديوانه ١٢٣، الخصائص ٢/ ٣٧٧، البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ٥٠١.\n(٢) النور ٤٣، وهذه قراءة الجمهور.\n(٣) هو أبو سوار الغنوي، من الأعراب الفصحاء الذين تأثر بهم أبو عبيدة وأخذ عنهم. انظر: مجالس العلماء ٧٥، الفهرست ٦٧، إنباه الرواة ٢/ ٤، ٣٨٣، أبو عبيدة معمر بن المثنى لنهاد الموسى ١٥٦.\n(٤) تقدم تخريجه وشرحه.\n(٥) المنصف لابن جني ٣/ ٣٣٤، وانظر: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف للصفدي ٢٤٨.","vol":"1","page":767},{"text":"معرفته على معرفة سبب النُّزُول، أو معرفة التفسير. وقد مَرَّ توجيهُ القراءاتِ واحتجاجُ العلماءِ لها بمرحلتين أساسيتين:\nالأولى: مرحلة الاحتجاج الفردية لبعض القراءات دون تدوين. وقد بدأت هذه المرحلة مبكرًا في عهد الصحابة ﵃ (١) ويدخلُ في هذه المرحلة احتجاج القراء أنفسهم لقراءاتهم كما كان يصنع أبو عمرو العلاء (ت ١٥٤ هـ) والكسائي (ت ١٨٩ هـ)، وتلاميذهما من بَعْدُ. (٢) واحتجاج النحويين الأوائل الذين حفظت أقوالهم دون مؤلفاتهم كالخليل بن أحمد (ت ١٧٠ هـ).\nالثانية: مرحلة التدوين والبَدءُ في جَمعِ أوجه القراءات وتتبعها.\nوهذه المرحلة قد تشارك الأولى من حيث الزَّمَنِ مع الاختلاف في المنهج والغاية، ويُمكنُ التمييز في هذه المرحلة بين نوعين من التدوين، هما:\n١ - التدوين المختلط في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو. ويدخلُ تَحتَ هذه المرحلة ما دَوَّنَهُ المفسرون من أهل اللغة في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو من الاحتجاج للقراءات المتفرقة، حيث يذكرونَها عند بيانِ قراءةٍ من القراءات التي تَعرضُ لَهم أثناء التفسير، أو يكون فيها حجة نَحويةٌ لَهم، ومن أوائل الكتب التي ظَهَر فيها توجيه القراءات، والاستشهاد لها بشواهد الشعر كتاب سيبويه (ت ١٨٠ هـ). (٣) حيث ورد في كتابه عدد من القراءات التي استشهد بها على مسائل\n_________\n(١) انظر: غاية النهاية ١/ ٤٢٦، معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٦.\n(٢) انظر: مجالس العلماء ٢٦٣، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد ٤، ص ٨٢ - ٨٣.\n(٣) سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، تلميذُ الخليل بن أحمد، ومُدَوِّنُ النحو في الكتاب. توفي سنة ١٨٠ هـ. انظر: مراتب اللغويين لأبي الطيب ٦٥، أخبار النحويين البصريين للسيرافي ٤٨.","vol":"1","page":768},{"text":"نحوية، واحتج لها بشواهد الشعر واللغة، وسار النحويون بعده على منهجه.\nومن أمثلة ذلك عنده قوله: «وسألتُ الخليلَ عن قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] (١)، فقال: هو كقولِ زُهير بن أبي سُلْمى:\nبَدا لِيَ أَنِّي لَستُ مُدركَ ما مَضَى ... ولا سابِقٍ شَيئًا إذا كانَ جَائِيا (٢)\nوإِنَّما جَرُّوا؛ لأَنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني، وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله، قد يكون جزمًا ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا تَوهَّموا هذا». (٣)\nوسيبويه هنا يُشيرُ إلى أَنَّ جَرَّ قولهِ: «سابقٍ»؛ لأن «مُدركَ» قد تدخلُ عليه الباءُ فتجره فيكون «لستُ بِمُدركٍ»، فجروا «سابق»؛ لأَنَّه معطوف على موضعِ «مُدرك» توهُّمًا أَنَّ «مدرك» مجرور، فالباء مفقودة وأثرها وهو الجَرُّ موجود، وظهر أثرها في المعطوف عليه «سابق» لا في المعطوف «مدرك». وأما الآية - على قول الخليل - فهي جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، والشرط هنا ليس بظاهر، وقد قرَّرَ النحويون أَنَّ العطفَ على الموضع لا يصح إلا حيث يظهر الشرط، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٤) واستشهادُ الخليلِ بالشاهدِ الشعريِّ هنا من باب الموازنة الأسلوبية؛ حيث ناظَرَ جَزْمَ قولهِ: ﴿وَأَكُنْ﴾ في الآية بِجَرِّ قوله: «سابق» في الشاهد الشعري؛ فإِنَّ جَرَّ «سابق» عطفًا على «مدرك» الذي هو خَبْر «ليس» على توهم زيادة الباء فيه؛ لأنه كَثُر جَرُّ خَبَرِها بالباء المزيدة.\n_________\n(١) المنافقون ١٠.\n(٢) رواية الديوان: ولا سابقِي شيءٌ. انظر: ديوانه ٢٨٧.\n(٣) الكتاب ٣/ ١٠٠ - ١٠١، وانظر: ٣/ ٥٠.\n(٤) الأعراف ١٨٦.","vol":"1","page":769},{"text":"وأما في الآية الكريمة فجزمُ الفعلِ «أَكُنْ» على توهمِ سقوطِ الفاءِ من «فَأَصدَّقَ»، وفي الشاهد جَرٌّ على توهم وجود الباءِ، والجامع بينهما توهم ما يقتضي جواز ذلك. (١)\nوالغرض التمثيلُ. وقد كان صنيع سيبويه في كتابه حافزًا للنحويين من بعده أن يتصدوا للمشككين في صحة القراءات القرآنية، وأنها مخالفة لقواعد كلام العرب (٢). ويأتي بعد كتاب سيبويه الكتب التي صنفت في معاني القرآن والتفسير (٣)\n٢ - التدوين في توجيه القراءات خاصة.\nأول ما يُذْكَرُ من المؤلفات في إفراد توجيه القراءات بالتدوين ما قام به هارون بن موسى العَتَكيِّ (٤) المتوفى قبل المائتين من الهجرة (٥) (٦) وهناك عدد كبير من المصنفات المفردة للقراءات وتوجيهها في هذه المرحلة من أجمعها كتاب القراءات لأبي عبيد (ت ٢٢٤ هـ)، وكتاب القراءات للطبري (ت ٣١٠ هـ)، الذي تتلمذ عليه أبو بكر بن مُجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، جامعُ القراءاتِ السَّبعِ، وعنه أخذ أبو بكر بن مجاهد التفسيرَ والقراءاتِ وشواهد التفسير، وكان يُجلِّهُ ويُقدِّمهُ (٧).\nوقد كان تصنيف أبي بكر بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) على رأس القرن\n_________\n(١) انظر: المحرر الوجيز ١٦/ ٢٣، الدر المصون ١٠/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٢) انظر: العين ١/ ١٣٩، إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه ١/ ٢٦٧، أبو علي الفارسي لشلبي ١٦١.\n(٣) انظر: الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي ٨٥، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد ٤ عام ١٤٠١ هـ.\n(٤) هو أبو عبد الله هاورن بن موسى القارئ النحوي المعروف بالأعور، والعَتَكيُّ نسبةً لعَتيكِ بن النضر بن الأزد. روى القراءة عن عاصم الجحدري وعاصم بن أبي النجود. انظر: إنباه الرواة ٣/ ٣٦١، غاية النهاية ٢/ ٣٤٨.\n(٥) غاية النهاية ٢/ ٣٤٨.\n(٦) انظر: طبقات النحويين واللغويين ٥١.\n(٧) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٦.","vol":"1","page":770},{"text":"الرابع الهجري سنة ٣٠٠ هـ تقريبًا لكتابه «السبعة»، واقتصاره على القراءات السبعِ أثر كبير في التصنيف المفرد في الاحتجاج للقراءات السبع وغيرها فيما بعد. فقد احتج لهذه القراءات السبع عددٌ من العلماء من تلاميذ ابن مجاهد كابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)، وأَبي عليٍّ الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، واحتج لها من علماء المغرب مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ). (١) ثم جاء بعدهم ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) تلميذ أبي علي الفارسي فصنَّفَ كتابَه «المُحتسَب» في الاحتجاج للقراءات الشاذة وتوجيهها، ليكمل صنيع شيخه أبي علي الفارسي في الاحتجاج للقراءات السبع.\nهذه أهم مراحل الاحتجاج للقراءات القرآنية وتوجيهها، وقد انتصر هؤلاء العلماء للقراءات القرآنية المتواترة والشاذة، حتى إِنَّ ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) قد وصف القراء عامةً في بعض كتبه بضعفِ الدراية (٢)، وبالسَّهوِ والغَلَطِ لأَنَّه ليس لهم قِياسٌ يرجعون إليه (٣)، ثُمَّ صنَّفَ في الدفاع عنهم، ورَدَّ على مَن اتهمهم بالخطأ وضعفِ الدرايةِ، والمعرفة باللغة. (٤)\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-333> أثر الشاهد الشعري في كتب الاحتجاج للقراءات:</span>\nاعتمد المفسرون على المصنفات المختصة بالاحتجاج في توجيههم\n_________\n(١) صنَّفَ ابنُ خالويه «إعراب القراءات السبع وعللها»، ونُسِبَ إليه كتاب «الحجة»، وصنف الفارسي «الحجة»، وصنف مكي «الكشف عن وجوه القراءات وعللها». وكلها مطبوعة.\n(٢) انظر: الخصائص ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(٣) انظر: المنصف شرح تصريف المازني ١/ ٣١١.\n(٤) انظر: المحتسب ١/ ٣٢ - ٣٣، دراسات لأسلوب القرآن الكريم للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة ١/ ٣٢ - ٣٣، الاحتجاج للقراءات للدكتور عبد الفتاح شلبي ٧١ - ٧٢، مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى، العدد ٤ عام ١٤٠١ هـ، توجيه مشكل القراءات العشرية لعبد العزيز الحربي ٦٨ - ٧١، ٧٨ - ٩٣، شرح الهداية للمهدوي، تحقيق الدكتور حازم حيدر، قسم الدراسة ١/ ٢٨ - ٣٨.","vol":"1","page":771},{"text":"للقراءات، وساروا في توجيههم للقراءات على المنهج الذي سار عليه هؤلاء المصنفون، فاستشهدوا بالشعر كما استشهدوا، وقد كان للشِّعْرِ النصيبُ الأوفرُ بين شواهد كتب الاحتجاج للقراءات، فقد استشهد ابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) في «إعراب القراءات السبع وعللها» بأكثر من سبعمائة شاهد (١)، واستشهد أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ) في «الحجة» الذي يُعَدُّ أكبَرَ كتب الاحتجاج للقراءات بأكثر من ألفٍ وخَمسمائةِ شاهدٍ من الشعرِ، حتى قال عبد الفتاح شلبي: «وقد أورد أبو علي في الحُجَّةِ من الأشعارِ ما لو جُمِعَ لكان كتابًا ضخمًا قائمًا بذاته» (٢)، واستشهد ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) في كتابه «المُحتسَب» بأكثر من سبعمائة شاهد شعري. (٣)\nوالعلماءُ الذين اشتغلوا بتوجيهِ القراءات كانوا يشترطون لصحةِ القراءة موافقتَها للغةِ العَرَبِ، مع صحةِ إسنادها، ومِنْ أَهَمِّ ما يبحثون عنه في لغة العربِ شواهد الشعر، ولذلك لَمَّا روى أحدُ رواة (٤) أبي عمرو بن العلاء روايةً في قراءة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٥) وهي قراءة قوله: ﴿مُكَاءً﴾ بالقصر (مُكًا)، قال ابن مجاهد: «ولا وَجْهَ للقَصْرِ». (٦) فقال ابن خالويه تعقيبًا\n_________\n(١) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها ٢/ ٥٨١ - ٦٠٦.\n(٢) أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي ٢٠٨.\n(٣) انظر: المحتسب ١/ ١٤، وانظر: الموضح لابن أبي مريم فيه، والحجة لابن خالويه فيه ٧٠ شاهدًا، والكشف لمكي فيه ١٥ شاهدًا، وشرح الهداية للمهدوي فيه ٨١ شاهدًا.\n(٤) اسم هذا الراوي عباس، ولعله العباس بن الفضل أحد من أخذوا عن أبي عمرو. انظر: غاية النهاية ١/ ٢٩٠.\n(٥) الأنفال ٣٥، وهذه القراءة بالرفع والمد هي قراءة الجماعة. انظر: السبعة ٣٠٥، مشكل إعراب القرآن ١/ ٣٤٦.\n(٦) إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٥٩.","vol":"1","page":772},{"text":"على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر (١):\nبَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها ... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ (٢)\nفإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». (٣)\nفهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. (٤)\nبل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» (٥) واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. (٦) وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري\n_________\n(١) هو حسان بن ثابت كما في ديوانه ٥٠٤ بتحقيق وليد عرفات، ونسبت لابن رواحة كما في ديوانه ١٣٢، ونسب لكعب بن مالك كما في ديوانه ٢٥٢.\n(٢) انظر: المقتضب ٤/ ٢٩٢، المنصف لابن جني ٣/ ٤٠، شرح الجمل لابن عصفور ٢/ ٣٦٢، المقصور والممدود لابن ولاد ١٥، إضافة لمراجع الحاشية السابقة.\n(٣) إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٢٢٨.\n(٤) انظر: حاشية الشهاب على البيضاوي ٥/ ٢٢٠، التذكرة لابن غلبون ١/ ٢٥.\n(٥) هذا هو الاسم المشهور له، وقد سَمَّاهُ أبو علي الفارسي «معرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز والعراق والشام». انظر: الحجة ١/ ٢.\n(٦) انظر: إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٢٦٢، ٢٧١.","vol":"1","page":773},{"text":"الفقيه. فقال: ابنُ جرير؟ قلتُ: نعم. قال: ذاك مِن حُذَّاقِ الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثِيْرٌ؛ لأَنَّهُ كان شديدَ النَّفْسِ، شَرِسَ الأخلاق، وكان قليلَ الشهادةِ لأحدٍ بالحِذْقِ في عِلْمِه». (١)\nوسأكتفي ببعض الأمثلة من هذه الكتب التي صرح فيها مؤلفوها بكون هذه الشواهد الشعرية شاهدةً لقراءةِ فلان، أو حجةً لها. فمن أمثلة ذلك:\n١ - ذكر ابن خالويه قراءة ورش لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] (٢) وأَنَّهُ يترك الهمزة في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فقال: «وروى ورشٌ عن نافعٍ بتركِ الهمزاتِ الساكنات والمتحركات، وحُجتهُ في ذلك أَنَّ الهمزةَ المتحركةَ أثقلُ من الهمزة الساكنة ... أَنشدني ابنُ عَرَفَةَ (٣) شاهدًا لوَرْشٍ:\nتَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطِرَاتِ\nوَلَما رَأَت رَكبَ النُّمَيْريِّ أَعرَضَتْ ... وَكُنَّ مِنَ انْ يَلقينَهُ حَذِراتِ (٤)\nأرادَ: مِنْ أَنْ، بنقلِ فتحةِ الهمزةِ إلى النَّونِ». (٥)\nوهذا احتجاجٌ لُغويٌّ بالشعر على أَنَّ من العرب مَنْ ينقلُ حركةَ الهَمزة إلى الحرف الساكن قبلها لبيانِ الهمزةِ، كما قال سيبويه: «واعلم أَنَّ ناسًا من العربِ كثيرًا يُلقونَ على السَّاكنِ الذي قبلَ الهمزةِ حَركةَ الهمزةِ، سَمِعنا ذلكَ مِن تَميم وأَسَد، يريدون بذلك بيانَ الهمزة، وهو\n_________\n(١) معجم الأدباء ١٨/ ٦٠.\n(٢) البقرة ٣.\n(٣) هو إبراهيم بن محمد بن عَرَفَةَ الأزدي النحوي، المعروف بنفطويه المتوفى سنة ٣٢٣ هـ، أخذ عن ثعلب والمُبَرِّد، وكان من أهل السنة، واشتهر بحفظ الشعر ومعرفته. له كتاب في غريب القرآن. انظر: إنباه الرواة ١/ ٢١١ - ٢١٧، بغية الوعاة ١/ ٤٢٨.\n(٤) هذان البيتان لمُحمد بن نُميرٍ الثقفي الأموي. انظر: ديوانه ضمن القسم الثالث من كتاب (شعراء أمويون) للدكتور نوري حَمّودي القيسي ١٠٨ - ١٣٤، مجالس ثعلب ١٦٠ - ١٦١.\n(٥) إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٥٧.","vol":"1","page":774},{"text":"أَبْيَنُ لها إذا وَلِيَتْ صوتًا». (١) وذكر المهدويُّ (٢) «أَنَّ ذلكَ هو حكمُ تَخفيفِ الهمزةِ في كلام العرب إذا سَكَنَ ما قبلها؛ لأَنَّهم كرهوا أن يجعلوها بَيْنَ بَيْن، فتقرب من الساكن وقبلها ساكن، فيصير كالجمع بين الساكنين، فألقوا حركتها على الساكن الذي قبلها وحذفوها وبقيت حركتها تدل عليها». (٣) وصنيع ابن خالويه تصحيحٌ لقراءةِ ورش، واستشهادٌ بالشعر على أَنَّ هذه القراءة لغةٌ فصيحةٌ للعرب.\n٢ - وقال ابن خالويه عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦] (٤): «وقرأ ابن عامر ﴿أأنذرْتَهُم﴾ بِهَمزتَيْنِ بينهما مَدَّةٌ، كأَنَّه كَرِهَ أن يَجمعَ بينَ هَمزتين، وأَن يَحذفَ إحداهما. (٥) قال الشاعرُ (٦) شاهدًا لقراءة ابن عامر:\nتَطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ ... فقلتُ لهُ: آأنتَ زيدُ الأَراقِمِ (٧)». (٨)\nوهذا شاهد لغويُّ كذلك يتعلَّق باللهجات، يدلُّ على أَنَّ القراءةَ بلغةٍ فصيحةٍ معروفةٍ في شعرِ بعض العرب. وقد زاد أبو علي المالكيِّ (٩) في الاستشهادِ لهذه القراءةِ فقال: «الحُجَّةُ لِمَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما\n_________\n(١) الكتاب ٤/ ١٧٧، وانظر: شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٣.\n(٢) هو أبو العباس أحمد بن عَمَّار المَهدويُّ المتوفى سنة ٤٤٠ هـ. من علماء القراءات بالأندلس، له مصنفات كالتبصرة والهداية وشرحها في القراءات، وله في التفسير التفصيل الجامع لعلوم التنْزِيل وهو من أهم مصادر ابن عطية في تفسيره. انظر: جذوة المقتبس ١١٤، بغية الملتمس ١٦٣، معجم الأدباء ٥/ ٣٩.\n(٣) شرح الهداية ١/ ٦٢.\n(٤) البقرة ٦.\n(٥) انظر: السبعة ١٣٦، الكشف عن وجوه القراءات لمكي ١/ ٧٣.\n(٦) هو ذو الرمة.\n(٧) انظر: ملحق ديوانه ٣/ ١٨٤٩.\n(٨) إعراب القراءات السبع وعللها ١/ ٥٩.\n(٩) هو أبو علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي المالكي المتوفى سنة ٤٣٨ هـ بمصر. من أئمة القراءات، له تصانيف من أَجلِّها «الروضة في القراءات الإحدى عشرة». انظر: معرفة القراء ١/ ٣٩٦، غاية النهاية ١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":775},{"text":"أَلِفًا، أَنَّ مِن العَرَبِ مَنْ يَمُدُّ بين الهمزتين المفتوحتين من كلمةٍ فأُجريَ ما كانت الأولى فيه مفتوحةً والثانية مكسورةً مَجراهما. (١) قال الشاعر (٢):\nأَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ ... وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (٣)\nوقال الآخر ...» (٤). ثم ذكر بيتَ ذي الرمة الذي ذكره ابن خالويه قبلُ، مِمَّا يدل على اعتمادِ علماءِ القراءات على الشاهد الشعريِّ في التوجيه والاحتجاج للقراءات، وتصحيح ذلك بشواهد الشعر التي تنفي الشبهة عن القراءات، وموافقتها للغة العرب.\nغَيْرَ أَنَّ القرطبيَّ يذكرُ قراءةَ أهلِ المدينة وأَبي عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق لهذه الكلمةِ، وأَنَّهم يقرأَونَها ﴿أانذَرْتَهُم﴾ بتحقيق الهمزةِ الأولى وتسهيلِ الثانيةِ، وأَنَّ هذهِ لغةُ قريشٍ، وسعدِ بن بكرٍ، وقد اختارها الخليل وسيبويه. (٥) ثُمَّ يستشهدُ لِهذهِ القراءةِ بالشاهدينِ السابقين لذي الرمة، اللذين استشهد بهما ابنُ خالويه وغيره على قراءةِ ابن عامر وهي قراءة «مَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما أَلِفًا».\nوسيبويه قد استشهد بِالشاهد الثاني منهما على «إِنَّ من العربِ ناسٌ يُدخلونَ بين ألف الاستفهامِ وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك أَنَّهم كرهوا التقاءَ هَمزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، فَفَصلوا بالألفِ كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة». (٦) وليس على ما ذكره القرطبيُّ، فالشاهدان يشهدان للغة مَنْ يُدخِلُ بَيْنَ الهمزتينِ أَلفًا، لا للغة من يُسهِّلُ الهمزةَ الثانية (٧)، وهذا يدل على أن هناك من المفسرين من قد يقع منه\n_________\n(١) انظر: الكتاب ٣/ ٥٥١، المقتضب ١/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٢) هو ذو الرمة. .\n(٣) انظر: ديوانه ٢/ ٧٦٧، أمالي القالي ٢/ ٥٨.\n(٤) الروضة في القراءات الإحدى عشرة ١/ ٢٠١.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٨٥.\n(٦) انظر: الكتاب ٣/ ٥٥١.\n(٧) انظر: الحجة للفارسي ١/ ٢٧٩ - ٢٩٠، الدر المصون ١/ ١١٠.","vol":"1","page":776},{"text":"الاستشهاد بالشاهد الشعري في غير موضعه، وإذا أراد الباحث الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسألةٍ مُشكلةٍ وَجَبَ عليه مراجعة أقوال العلماء في هذا الشاهدِ، فينظر ما يقوله أهل التحقيق في هذا الشاهد، ودلالته، حتى يتبين له الصواب.\nأمثلة تدل على أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات وتعليلها، من جهة نفي الشك عن صحتها، وتصويبها من حيث العربية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير:</span>\nوأما أَثَرُ الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها فقد رافق الاحتجاجَ للقراءات وتوجيهها منذ بدأت هذه القراءات على يد أئمتها الأُوَل، وقد تقدم احتجاج أبي عمرو بن العلاء لبعض أوجه قراءته التي سُئِلَ عنها، وقد كان الإمام الطبري رائدًا من رواد المفسرين في الاحتجاج للقراءات، وتوجيهها، معتمدًا في ذلك على علمه الغزير بالقراءات، والآثار، وتفسير السلف، واللغة وشعر العرب. وقد صنَّفَ كتابًا مُفردًا في القراءات وعللها والاحتجاج لها، ولكنَّه فُقِدَ ولم يصل إلينا، وقد اطلع عليه الأهوازي المقرئ (١) فقال في وصفه: «وله - أي الطبري- في القراءاتِ كتابٌ جليلٌ كبيرٌ رأيتهُ في ثَماني عشرةَ مُجلدة إِلا أَنَّه كان بِخطوطٍ كبارٍ، ذَكَرَ فيه جَميعَ القراءات من المشهورِ والشواذِّ وعَلَّلَ ذلكَ وشَرَحَهُ، واختار منها قراءة لم يَخرجْ بِها عن المشهور» (٢)، غير أن كتابه التفسير ظَلَّ متضمنًا لما يُحتاجُ إليه في التفسير من أوجه التعليل للقراءات وتوجيهها، وهي مواضع كثيرة. وأغلب مسائل النحو التي تعرض لها الطبري في تفسيره، جاءت عند مناقشته للقراءات القرآنية\n_________\n(١) هو أبو علي الحسن بن علي الأهوازي المقرئ، شيخ القراء في عصره، ولد سنة ٣٦٢ هـ بالأهواز وتوفي سنة ٤٤٦ هـ. انظر: غاية النهاية ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٢) معجم الأدباء ١٨/ ٤٥.","vol":"1","page":777},{"text":"وتوجيهها من حيثُ الإعراب، واستشهاده بشواهد النحو الشعرية في ذلك. (١) وكتابهُ في التفسير كتاب تفسيرٍ وتوجيهٍ وتعليلٍ واحتجاجٍ للقراءات.\nثم جاء الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) فصنف تفسيره «الكشاف»، واستشهد فيه بشواهد الشعر على توجيه القراءات، لكنه لم يكثر من ذلك، واعتمد في توجيه القراءات على المتقدمين من أهل القراءات، وإن كان قد رَدَّ بعض القراءات المتواترة، لكنه مُقلِّدٌ في ذلك للنحويين المتقدمين كالفراء وغيره (٢)، وقد ذكر في تفسيره القراءات الشاذة، وذكر توجيهها، واستشهد لها بالشعر في مواضع متفرقة من تفسيره. (٣)\nوأما ابن عطية فهو من أكثر المفسرين عناية بالاستشهاد بالشعر لتوجيه معاني القراءات المختلفة في تفسيره، وقد انتفعَ بكتب العلماء الذين سبقوه إلى التصنيف في الاحتجاج للقراءات كأبي علي الفارسي، وابن جني، وابن خالويه، وبكتب التفسير التي عُنيت بذلك وأهمها تفسير الطبري، وقد ذكر ابن عطية من الكتب التي أخذها بالإجازة عن شيوخه كتاب أبي علي الفارسي «الحجة» وهو أَهمُّ كتبِ الاحتجاجِ للقراءات (٤)، غير أَنَّ لابن عطية من العلم باللغة والتفسير والقراءات ما جعله يوازن بين احتجاجات المتقدمين للقراءات، ويَختارُ من بينها ما أيَّده الدليل، مِمَّا يدل على شخصيةٍ علميةٍ متميزة، مِمَّا جَعَلَ بعض الدارسين يُفرِدُ جُهودَهُ في القراءات من خلال تفسيره بدراسةٍ مستقلةٍ. (٥)\n_________\n(١) انظر: الطبري النحوي من خلال تفسيره لزكي الآلوسي ٣٩ - ٥٩.\n(٢) خزانة الأدب ٤/ ٤٢٠.\n(٣) انظر: الكشاف ١/ ١٤، ٣٣، ١٠٥، ٣٥٦.\n(٤) انظر: فهرس ابن عطية ١١٣ - ١١٤، أبو علي الفارسي لعبد الفتاح شلبي ١٧٢ وما بعدها.\n(٥) انظر: مواقف النحاة من القراءات القرآنية من خلال تفسير ابن عطية الأندلسي، =","vol":"1","page":778},{"text":"وأما القرطبي فقد بلغت شواهد الشعر التي احتجَّ بِها لتوجيهِ القراءات وتصحيحها أربعمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا (١)، معظمها منقولةٌ عن كتب التفسيرِ المتقدمةِ، وكتب النحو، والاحتجاج للقراءات، ولم يأت القرطبي بشواهد جديدة لم يسبق إليها في اللغة والنحو، غير أَنَّهُ أَحسنَ ترتيبها، والاستفادة منها، حتى غدا تفسيره مرجعًا شاملًا لتوجيه القراءات المتواترة والشاذة، مؤيدة بشواهد الشعر التي ذكرها المتقدمون في الاحتجاج لهذه القراءات. وفيما يأتي أمثلة لأثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير، واستعانة العلماء به في التوجيه اللغوي والنحوي لمعاني القراءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث اللغة</span>.\nالمقصود بتوجيه القراءات من حيث اللغة بيان المعنى اللغوي لوجه القراءة، سواء كان هذا الاحتجاج لقراءة متواترة من السبع أو العشر، أو كان لقراءة شاذة مما زاد على هذه العشر، ولم تتوافر فيه شروط التواتر المحفوظة، ومن تلك الأمثلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>أولًا: أثر الشاهد الشعري في تصحيح القراءة المتواترة لغةً</span>.\n١ - قال الطبري عند توجيه القراءات في كلمة ﴿الْمَيْتَةَ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (٢): «وأَمَّا ﴿الْمَيْتَةَ﴾ فإِنَّ القَرأةَ مُختلفةٌ في قراءتها، فقرأها بعضهم بالتخفيف (٣)، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنَّهُ يُخفِّفُها كما يُخفِّفُ القائلون: هُوَ هَيْنٌ لَيْنٌ، الهَيِّن اللَّيِّنُ،\n_________\n= والدراسات النحوية في تفسير ابن عطية كلاهما للدكتور ياسين جاسم المحيمد. ط. دار إحياء التراث العربي- بيروت ط. الأولى ١٤٢٢ هـ.\n(١) انظر: الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي للدكتور عبد العال سالم مكرم ٢/ القسم الثالث ٣ - ٢٤٥.\n(٢) البقرة ١٧٣.\n(٣) هي قراءة أبي جعفر المدني. انظر: اتحاف فضلاء البشر ١/ ٩٢.","vol":"1","page":779},{"text":"كما قال الشاعر (١):\nليس مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحياءِ (٢)\nفجمعَ بينَ اللُّغتينِ في بيتٍ واحدٍ، في معنى واحد. وقرأها بعضهم بالتشديد، وحَمَلوها على الأصل» (٣). ثم أبانَ الطبريُّ عن رأيه في هاتين القراءتين فقال: «والصوابُ من القول في ذلك عندي أَنَّ التخفيفَ والتشديدَ في ياء (الميتةِ) لغتان وقراءتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأَيِّهما قرأَ ذلك القارئ فمصيبٌ؛ لأَنَّه لا اخْتلافَ في معنييهما». (٤) وهذا استشهاد لغوي بالشعر على صحة هاتين القراءتين في لغة العرب، ووجودها في كلامهم، فوق صحة سندها وكونها قراءة مروية. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>ثانيًا: بيان المعنى اللغوي للقراءة</span>.\nمن الاحتجاج للقراءات المتواترة من حيث اللغة بالشعر قول ابن عطية عند بيان أوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: ٥٧] (٦): «وقرأ جُمهورُ الناس: ﴿يَجْمَحُونَ﴾ (٧)، معناه: يُسرعونَ مُصمِّمينَ غيرَ مُنْثَنِيْن، ومنه قول مهلهل:\nلقدْ جَمَحْتُ جِمَاحًا في دِمائِهمُ ... حتى رأَيتُ ذَوي أَحسابِهِمْ خَمَدوا (٨)». (٩)\n_________\n(١) هو عدي بن الرعلاء الغساني.\n(٢) انظر: الأصمعيات ١٥٢، معجم الشعراء ٨٦.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٣/ ٥٤ - ٥٥.\n(٤) المصدر السابق ٣/ ٥٥.\n(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ١٤٤، تهذيب اللغة ١٤/ ٣٤٣.\n(٦) التوبة ٥٧.\n(٧) قرأ الجميع ﴿يَجْمَحُون﴾، وقرأ الأعمش عن أنس بن مالك (يَجْمَزُونَ) وهي بمعنى القراءة المتواترة. انظر: البحر المحيط ٥/ ٥٥، المحتسب ١/ ٢٩٦.\n(٨) ليس في ديوانه المجموع، وهو من القصيدة المذكورة ص ٢٧ في الديوان، وهو مما فات جامع الديوان لاكتفائه بِمَا ورد في العقد الفريد ٥/ ٢٢٠، ونِهاية الأرب ١٥/ ٤٠٢.\n(٩) المحرر الوجيز ٨/ ٢٠٦.","vol":"1","page":780},{"text":"ومن هذا قيلَ للفَرَسِ المُسرِعِ إذا لم يَرُدَّهُ شيءٌ: جَمُوح، قال الأزهري: «فَرَسٌ جَموحٌ، له معنيان:\nأحدُهُما: يُوضعُ مَوضعَ العَيبِ، وذلك إذا كان مِنْ عادتهِ رُكوبُ الرأَسِ لا يَثنيه راكبُهُ، وهذا من الجِمَاحِ الذي يُرَدُّ منه بالعيبِ.\nوالمعنى الثاني في الفَرَسِ الجَمُوحِ أَن يكونَ سريعًا نشيطًا مَرُوحًا، وليس بعيبٍ يُرَدُّ منه، ومصدره الجُمُوحُ». (١) وقد استشهد ابن عطية لبيان المعنى اللغوي لكلمة (يجمحون) في الآية بشاهد الشعر.\nومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات المتواترة وغيرها في قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ [ص: ٦٣] (٢): «وقرأَ الباقونَ (٣) (سِخْرِيا) بكسرِ السِّينِ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابنِ مُحيصِنٍ، ومعناها المشهور من السُّخْرِ الذي هو الهُزْءُ. ومنه قول الشاعر (٤):\nإِنِّي أَتاني لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ... مِنْ عَلو لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ (٥)». (٦)\nفقد استشهد ابن عطية لبيان معنى قراءة الكسر التي قرأ بها عدد من السبعة، بأَنَّها من السُّخْرِ الذي هو الاستهزاء بالشاهد الشِّعْرِي، وذهب الزجاج إلى أَنَّ (سِخْريَّا) بكسرِ السين وضمِّها لغتان بِمعنى واحد (٧)، في\n_________\n(١) تهذيب اللغة ٤/ ١٦٨.\n(٢) ص ٦٣.\n(٣) قرأ عبد الله بن مسعود وأصحابه ومجاهد والضحاك وأبو جعفر وشيبة والأعرج والمفضل عن عاصم وهبيرة ويحيى والأعمش ونافع وحمزة والكسائي وخلف ﴿سُخْرِيَّا﴾ بضم السين من السُّخْرَةِ والتَّسْخِيْر. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر وابن محيصن واليزيدي وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿سِخْرِيَّا﴾ بكسر السين من الهُزْءِ. انظر: النشر ٢/ ٣٢٩، معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٣، حجة القراءات ٤٩١.\n(٤) هو الأعشى الباهلي يرثي المنتشر بن وهب الباهلي.\n(٥) انظر: خزانة الأدب ١/ ١٩١.\n(٦) المحرر الوجيز ١٤/ ٤٧.\n(٧) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٤٠.","vol":"1","page":781},{"text":"حين فَرَّقَ بينهما أبو عبيدة فقالَ: «مَن كَسَر (سِخْريَّا) جعلَهُ من الهُزْءِ، ويُسخَرُ بِهِ، ومَنْ ضَمَّ أَولَها جَعلَهُ من السُّخْرَةِ، يَتَسخَّرونَهُم ويَستذلونَهم». (١) واختار الفارسيُّ كسرَ السينِ؛ لأَنَّهُ أَوجهُ وهو بِمعنى الاستهزاء، والكسر فيه أكثر، وهو أليقُ بالآية. (٢) والشاهد الشعري لا يَحتملُ إِلَّا معنى الهُزْءِ، ولذلك استشهد به ابن عطية لبيان معنى هذه القراءة، وهو ما ذهب إليه المفسرون. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>ثالثًا: أثر الشاهد الشعري في بيان ما وافق لهجات العرب من القراءة</span>.\nيدخل تَحتَ التوجيه اللغوي للقراءات التوجيه المتعلق باللهجات العربية، ومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات في قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ [يس: ١٩] (٤): «وقرأ أبو عمرو في بعض ما رُوي عنهُ، وزِرُّ بنُ حُبيشٍ: \"أَأَنْ ذُكِّرْتُمْ\" (٥) بِهمزتين مَفتوحتين.\nوشاهدهُ قولُ الشاعر (٦):\nأَأَنْ كُنتَ ذا بُرْدَينِ أَحْوَى مُرجَّلا ... فلستَ بِراعٍ لابنِ عَمِّكَ مَحرَما (٧)». (٨)\nفالهمزة المفتوحة الأولى للاستفهام، والهمزة الثانيةُ هَمزةُ (أَنْ)\n_________\n(١) مجاز القرآن ٢/ ١٨٧.\n(٢) انظر: الحجة ٦/ ٧٣.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٠/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(٤) يس ١٩.\n(٥) قرأ بتحقيق الهمزتين ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وهشام وخلف وروح ويحيى ﴿أَإِنْ﴾ الأولى مفتوحة للاستفهام، والثانية مكسورة همزة إن الشرطية. وقرا بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين أي بين الهمزة والياء نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وقالون وأبو جعفر ورويس وغيرهم (أَينْ). جعلوا الثانية كالياء المختلسة. وقرأ أبو يعقوب كما ذكر ابن عطية وفيها غير ذلك. انظر: السبعة ٥٤٠، المحتسب ٢/ ٢٠٥.\n(٦) هو عمرو بن العاص ﵁.\n(٧) انظر: عيون الأخبار ١/ ٣٧.\n(٨) المحرر الوجيز ١٣/ ١٩٤.","vol":"1","page":782},{"text":"الناصبة، والتقدير: أَلِأَنْ ذُكِّرْتُم تَطَيَّرْتُم، فقبلَ (أَنْ) لامُ تعليلٍ مقدرة، فتطيَّرتُم هو المعلولُ، وأَنْ ذُكِّرتُم عِلَّتُه. (١)\nومن ذلك أيضًا قول ابن عطية عند بيان أوجه القراءات في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (٢): «وقرأ حَمزةُ وحدَهُ (السَّيّئْ) بسكون الهمزة، وهو في الثانية برفع الهمزة كالجماعة. (٣) ولَحَّنَ هذه القراءةَ الزجاجُ (٤)، ووجَّهها أبو علي الفارسي بوجوهٍ منها أَنْ يكونَ أَسكنَ لِتَوالي الحركات، كما قال (٥):\n........................... قلتُ صاحبْ قَوِّمِ (٦)\nعلى أَنَّ المُبَرِّد روى هذا: «قلتُ صاحِ» (٧). وكما قال امرؤ القيس:\nاليومَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ (٨)\nعلى أنَّ المُبَرِّد قد رواه: «فاشرب». (٩) وكما قال جرير:\n_________\n(١) انظر: الدر المصون ٩/ ٢٥٣.\n(٢) فاطر ٤٣.\n(٣) وقف حمزة وهشام بالسكون ﴿.. السَّيّئْ﴾ ثم أبدلا من الهمزة ياءً؛ لأنها همزة ساكنة قبلها ساكن. انظر: الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٢١٢، إتحاف فضلاء البشر ١/ ٦٨، والوقف على ذلك كله على الوجه القياسي بإبدال الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. انظر: النشر ١/ ٤٦٩، التذكرة لابن غلبون ٢/ ٥١٠.\n(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٧٥.\n(٥) هو أبو النجم العِجْليُّ.\n(٦) جزء من شطر رَجَزٍ في وصف الإبل في سَيْرِها، وتَمامهُ: إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ: صَاحِبْ قَوِّمِ. انظر: ديوانه.\n(٧) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢، شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/ ٣٩٨.\n(٨) مُسْتَحْقِبٍ: مُكتسِب ومُحتَمِل، وأصلهُ مِنْ حَمْلِ الشيء في الحَقيبةِ. والواغِلُ: الداخلُ على القومِ يشربونَ ولم يُدْعَ. انظر: ديوانه ١٢٢، الأصمعيات ١٣٠.\n(٩) انظر: الكامل ١/ ٣١٨، والرواية فيه:\nفاليومَ أُسْقَى غَيْرَ مُستَحْقِبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ","vol":"1","page":783},{"text":"سِيْرو بَنِي العَمِّ فالأَهْوازُ مَنْزِلُكُمْ ... ونَهْرُ تِيْرَى ولَنْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ (١)». (٢)\nقال الزجاج تعقيبًا على قراءةِ حَمزةَ، واستشهادِ جَميعِ النحويين بالشاهدين الأولين على توجيهها: «وقرأَ حَمزةُ \"وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئْ\" على الوقف، وهذا عند النَّحويين الحُذَّاقِ لَحْنٌ، ولا يجوزُ، وإنما يجوز مثله في الشِّعر في الاضطرار ..» ثم ذكر الشاهدين، ثم قال: «وهذان البيتان قد أَنشدهُما جَميعُ النحويين المذكورين، وزعموا كلهم أَنَّ هذا من الاضطرار في الشعر ولا يجوز مثله في كتاب الله». (٣) ثم ذكرَ أَنَّ المُبَرِّدَ قد أنشدهما إياه على غير هذا الوجه كما ذكر ابن عطية.\nوهذه إشارةٌ من الزَّجاجِ إِلى أَنَّ للشعر خصوصيةٌ في الكلام، لا يُقاسُ عليه القرآن، ولا يحمل عليه، وقد تقدَّم تفصيل ذلك في مبحث سابق في الرسالة (٤)، وعُدَّ هذا من عيوب الشاهد الشعري المُضْعِفةِ للاستشهاد به. مع أن من العلماء من رد هذا التفريق بين لغة الشعر وغيرها من كلام العرب فقال: «كُلُّ ما يَجوزُ في الشعرِ فهو جائزٌ في الكلامِ؛ لأَنَّ الشعرَ أَصلُ كلام العربِ، فكيف نتحكَّمُ في كلامِها، ونَجعلُ الشعرَ خارجًا عنه؟ !». (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات الشاذة من حيث اللغة</span>.\nالقراءات الشاذة هي كل قراءة فقدت ركنًا أو أكثر من أركان القراءة المقبولة، وهي ما زاد على الطرق الصحيحة التي وردت في كتاب «السبعة» لابن مجاهد، و«التيسير» للداني، و«النشر» لابن الجزري (٦).\n_________\n(١) تِيْرَى: نَهْرٌ بالأهواز. انظر: معجم ما استعجم للبكري ١/ ٣٢٩، وقد انفرد ابن عطية برواية «فَلَنْ تَعْرِفْكُمُ»، في حين رواية الديوان «فَلَمْ تَعْرِفْكمُ»، ولا شاهد فيها على ما أراده ابن عطية. انظر: ديوانه ١/ ٤٤١، كشف المشكلات لجامع العلوم النحوي ٢/ ٣٦٨.\n(٢) المحرر الوجيز ١٣/ ١٨٢.\n(٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٧٥.\n(٤) انظر: مبحث «عيوب الشاهد الشعري» ١٠٠ من البحث.\n(٥) إعراب القرآن ٥/ ٩٧.\n(٦) انظر: المرشد الوجيز ١٧٢، منجد المقرئين ٨٥، غيث النفع ٦، ٧.","vol":"1","page":784},{"text":"وحفظت بعد ذلك في «الشاطبية» و«الطيبة»، ولو كانت طريقًا عن أحد القراء العشرة ما دامت لم تتواتر فتعد شاذة. وأغلب التوجيهات اللغوية للقراءات الشاذة التي استشهد لها المفسرون بالشعر من باب بيان اللغات التي رويت للقبائل موافقة للقراءة الشاذة، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قول ابن عطية عند بيانه للقراءة الواردة في لفظة ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ من قوله تعالى: ﴿﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١] (١): «وقرأَ يَحيى بن يَعْمَر (ولوُلْدِي) بضمِّ الواوِ وسُكونِ اللام. (٢) والوُلْدُ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ومنه قول ... الشاعر (٣) - أنشده أبو علي وغيرُه:\nفليتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ... وليتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ (٤)». (٥)\nوقراءةُ يَحيى بن يَعْمَر هذه إحدى ثلاث روايات عنه، وهي من القراءات الشاذة، وقد وجَّهها أبو عليٍّ الفارسي وابنُ جِنِّي كما ذكر ابن عطية، واستشهدوا على توجيههم بالشاهد الشعريِّ المُتقَدِّم، على أَنَّ الوُلْدَ يُطلَقُ على الواحدِ والجَمعِ، وما ورد في الشاهد الشعريِّ مِنْ باب إطلاقهِ على الواحدِ. (٦) قال الزجاج: «الوَلَدُ والوُلْدُ واحِدٌ، مِثْلُ العَرَبِ والعُرْبِ، والعَجَمُ والعُجْمُ، ونحو ذلك. (٧) وقَبيلةُ قَيسٍ تَجعلُ الوُلْدَ بِضمِّ الواو للجَمْعِ، والوَلَدَ بفتحها للواحد. (٨)\n_________\n(١) إبراهيم ٤١.\n(٢) قرأ السبعة وأبو جعفر ويعقوب (ولِوالِدَي) بألف بعد الواو وتشديد الياء تثنيةُ والدٍ، وقرأ الزهري ويحيى بن يعمر (ولِوَلَدَيَّ) بغير ألف وبفتح اللام، يعني إسماعيل وإسحاق، وقرأ يحيى بن يعمر أيضًا (ولِوَلَدِيْ) بالإفراد، وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري (ولِوُلْدِي) بضم الواو وسكون اللام. انظر: المحتسب ١/ ٣٦٥، إعراب القراءات الشواذ ١/ ٧٣٨، الدر المصون ٤/ ٢٧٦.\n(٣) هو نافعُ بن صَفَّار الأَسلميُّ.\n(٤) انظر: إصلاح المنطق ٤٣.\n(٥) المحرر الوجيز ١٠/ ٩٥.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ١٧٣، المُحتسَب ١/ ٣٦٥.\n(٧) انظر: لسان العرب ١٥/ ٣٩٣ (ولد).\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٤٦، حجة القراءات ٧٢٥ - ٧٢٦، العضديات للفارسي ١١٠.","vol":"1","page":785},{"text":"٢ - وقول القرطبي عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] (١): «وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ بضمِّ الياءِ وفتحِ الميم وضمِّ الشينِ المُشددةِ - يُمَشُّونَ - وهي بِمعنى: يَمْشون، قال الشاعر (٢):\nوَمَشَّى بأَعْطانِ المَباءَةِ وابتَغَى ... قلائِصَ منها صَعْبَةٌ ورَكوبُ (٣)\nوقال كعب بن زهير:\nمنهُ تَظَلُّ سِباعُ الجَوِّ ضامِزَةً ... ولا تَمشَّى بِوادِيهِ الأَراجِيلُ (٤)\nبِمَعنى: تَمْشي». (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث الإعراب</span>.\nبَيانُ الوجهِ النحويِّ للقراءةِ مِمَّا يُعنَى به المفسرون والمُحتجون للقراءات؛ لتأثيره في المعنى، وتغيُّرِ المعنى تَبَعًا له. وقد فتحَ سيبويه هذا البابَ للنحويين والمفسرين مِنْ بعدهِ، فقام بتوجيه عددٍ من القراءات في كتابه، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، فكان من أَوَّلِ مَن دوَّنَ القواعدَ النحوية، وأخضع لها آيات القرآن الكريم، مِمَّا فتح الباب لِمَنْ بعدهُ لتخطئةِ القُرَّاء والطعن في القراءات لمخالفتها لقواعد النحو وأقيسته. (٦) وقد كان الأخفش أول من فعل ذلك، ثم تلاه الفراء والطبري ومن بعدهم. وقد كانت الشواهد الشعرية حجة لهؤلاء النحويين تؤيد ما اختاروه من أوجهٍ إعرابيةٍ.\n_________\n(١) الفرقان ٢٠، قرأ الجمهور ﴿يَمْشُون﴾ مضارع مشى. انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٩٠، المحتسب ٢/ ١٢٠.\n(٢) هو العلاء بن حذيفة الغنوي.\n(٣) انظر: الأمالي للقالي ١/ ٢٨.\n(٤) ضامِزَةٌ: ساكتةٌ مُمسكةُ، الأَراجيلُ: جَمعُ أَرجالٍ، وهي جَمعُ رَجُلٍ، وهو يصف أسدًا بأن الأسود والرجال تخافه ساكتة بحضرته، ولا تمشي بواديه. انظر: ديوانه ٩٠، شرح بانت سعاد لعبد اللطيف البغدادي ١٦٣ - ١٦٤.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٤.\n(٦) انظر: أثر المعنى النحوي في تفسير القرآن بالرأي لبشيرة على العشيبي ١٩٣ وما بعدها.","vol":"1","page":786},{"text":"أولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-341> أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة المتواترة</span>.\nصحة إسناد القراءة المتواترة يغني عند العلماء عن طلب دليل آخر لقبولها، غير أن العلماء قد احتجوا لهذه القراءات من حيث اللغة والإعراب، لتأكيد صحتها، وكونها موافقة للغة العرب المحفوظة عنهم. ومن الأمثلة على الإفادة من الشاهد الشعري في توجيه القراءات المتواترة من حيث الإعراب:\n١ - قال الطبري قوله عند بيان توجيه قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ [الأنفال: ٥٩] (١) بكسرِ هَمزة «إِنَّهم» (٢): «للذي قرأ ذلك من القَرَأَةِ وجهانِ في كلام العرب، وإِنْ كانا بَعيدينِ مِن فصيحِ كلامِهم:\n- أحدُهُما: أن يكونَ أُريد بهِ ولا يَحسبَنَّ الذين كفروا أَنْ سَبَقو، أو أَنَّهمْ سَبَقوا، ثُمَّ حذف «أَنْ»، و«أَنَّهم»، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] (٣) بمعنى: أَنْ يُريكُمُ، وقد يُنشَدُ في نَحو ذلكَ بيتٌ لذي الرُّمَّةِ:\nأَظنَّ ابنُ طُرثُوثٍ عُتَيبَةُ ذاهِبًا ... بِعادِيَّتِي تَكْذابُهُ وَجَعائِلُه (٤)\nبِمَعنى: أَظنَّ ابنُ طُرْثُوثٍ أَنْ يذهبَ بِعادِيَّتِي تَكذَابهُ وجَعائِلُهُ؟ وكذلك قِراءةُ مَنْ قرأَ ذلك بالياء، يُوجِّهُ ﴿سَبَقُوا﴾ إلى (سابقين) على هذا المعنى.\n- والوجه الثاني: على أَنَّه أَراد إضمار منصوبٍ بـ «يحسب»، كأَنَّه قال: ولا يَحسبِ الذين كفروا أَنَّهم سَبَقُوا، ثُمَّ حذفَ «أَنَّهم» وأَضمر». (٥)\n_________\n(١) الأنفال ٥٩.\n(٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم والكسائي ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء مع كسر همزة ﴿إِنَّهُم﴾. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ مع كسر همزة ﴿إِنَّهُم﴾، وقرأ ابن عامر ﴿يَحسَبَنَّ﴾ وفتح همزة ﴿أَنَّهُم﴾. انظر: السبعة ٣٠٧، التيسير ٩٦.\n(٣) الروم ٢٤.\n(٤) العاديَّةُ: البئر القديمة نسبةً إلى عادٍ، جَعَائِلُه: ما جَعله للسلطانِ من الرشوةِ. انظر: ديوانه ٢/ ١٢٦٤.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ٢٩ - ٣٠، (هجر) ١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.","vol":"1","page":787},{"text":"وقد اختار الطبري الوجه الذي يراه في هذه الآية فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: \"ولا تَحْسَبَنَّ\" بالتاء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٩] بكسرِ الأَلف من ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بمعنى: لا تَحسبنَّ أنتَ يا مُحمَّدُ الذين جَحَدوا حُجَجَ اللهِ، وكذَّبوا بِها سَبَقونا بأَنفسِهم ففاتُونا، إِنَّهم لا يُعجزوننا، أَي: يفوتوننا بأَنفسِهم، ولا يقدرونَ على الهَرَبِ مِنا». (١)\n٢ - وقال ابن عطية عندَ بَيانِ القراءات في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] (٢): «وقرأَ جُمهورُ السَّبعةِ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ بضمِّ العينِ، وقرأَ أبو عَمروٍ بسُكُونِها (٣)، ورُويَ عنهُ أَنَّهُ أَشَمَّها الضمّ (٤)، وهذا على جواز تسكين الحركة وإن كانت لإعرابٍ، كما قال جريرُ:\n........................ ولا تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ (٥)». (٦)\nوهذا استشهاد لقراءة أبي عمرو بتسكين العين من ﴿يَجْمَعْكُمْ﴾ كما أسكن جرير الفاء من قوله: تَعْرِفْكُمُ، مع كون هذه الحركة لإعراب الفعل المضارع.\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.\n(٢) التغابن ٩.\n(٣) قرأ عباس عن أبي عمرو (يَجْمَعْكُمْ) بسكون العين، وروى عبيد وعلي بن نصر عن أبي عمرو إِشْمامَ العينِ شيئًا من الضمِّ، وذُكر أَنَّ أبا عمرو قرأ باختلاس حركةِ العين. انظر: السبعة ٦٣٨، إعراب القراءات السبع وعللها ٢/ ٣٧٢، الحجة للفارسي ٦/ ٢٩٦، النشر ٢/ ٣٨٨.\n(٤) الإِشْمَامُ هو ضمُّ الشفتين بعد الإسكان مباشرةً - كصورتِهما عند النطق بالواو - إِشارةً إلى الضمِّ. ويكون في المضموم والمرفوع، ولا يكون في المكسور والمجرور؛ لأن الإشمام التنبيه إلى حركة الضم والرفع. انظر: ارتشاف الضَّرَب ١/ ٣٩٧، الموضح للقرطبي ٢٠٨، الروضة في القراءات للمالكي ١/ ٢٥٥.\n(٥) تقدم تخريجه وشرحه، وقد وقع في طبعة (قطر) للمحرر الوجيز ١٤/ ٤٧٩ خطأ في الشاهد فكتبوه «فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ»، وهو بِهذه الرواية لا شاهدَ فيها على وجه القراءة، في حين جاء على وجهه في طبعة (المغرب) كما في سائر المصادر.\n(٦) المحرر الوجيز ١٦/ ٢٩.","vol":"1","page":788},{"text":"٣ - وقال ابن عطية عند بيان أوجه القراءة لقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ٦٦] (١): «ووجهُ قراءةِ نافعٍ، وأبي عمروٍ (٢) أحدُ أمرين: يَجوزُ أن تكونَ «ها» التي للتنبيه دخلت على «أَنتم»، ويكون التنبيه داخلًا على الجُملةِ، كما دخل على قولهم: «هَلُمَّ» وكما دخلت «يا» التي للتنبيه في قوله: ﴿﴾ (٣)، وفي قول الشاعر: (٤)\nيا قاتلَ اللهُ صِبيانًا تَجيءُ بِهِمْ ... أُمُّ الهُنيدةِ مِنْ زَندٍ لَها وارِي (٥)\nوقول الآخر (٦):\nيا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كُلِّهمُ ... والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ (٧)». (٨)\nفاستعان بالشعر لبيان الوجه الإعرابي لهذه القراءة التي قرأ بها نافع وأبو عمرو رحمهما الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة الشاذة</span>.\n١ - قال ابن عطية عند توجيه قراءة أبي بن كعب لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (٩): «وقراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ فيما حكاهُ الكسائيُّ (أَو يُسْلِموا) (١٠)،\n_________\n(١) آل عمران ٦٦.\n(٢) قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر وابن محيصن ﴿هاانتم﴾ بألف بعد الهاء، وهمزة مسهلة بين بين مع المد والقصر. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف وقنبل ﴿هاأنتم﴾ بألف بعد الهاء، وبعدها همزة محققة. وهناك أوجه أخرى غيرها للقراء. انظر: السبعة ٢٠٧، التيسير ٨٨، النشر ١/ ٤٠٠، ٢/ ٢٤٠.\n(٣) النمل ٢٥.\n(٤) هو القَتَّالُ الكلابيُّ.\n(٥) انظر: ديوانه ٥٩.\n(٦) لم أعرفه.\n(٧) انظر: الكتاب ٢/ ٢١٩، الكامل للمبرد ٤/ ١١٩٩، الأصول لابن السراج ١/ ٢٨٠، أمالي ابن الشجري ٢/ ٦٩، ٤١٤.\n(٨) المحرر الوجيز ٣/ ١١٦.\n(٩) الفتح ١٦.\n(١٠) قرأ الجمهور ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ بإثبات النون رفعًا. انظر: البحر المحيط ٨/ ٩٤، إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٩١.","vol":"1","page":789},{"text":"بِنَصْبِ الفِعْلِ، على تقدير: أَو يكونَ أَنْ يُسْلِموا، ومثلهُ من الشِّعرِ قولُ امرئ القيس:\nفقلتُ لَهُ: لا تَبْكِ عيناكَ إِنَّما ... نُحاولُ مُلْكًا أَو نَموتَ فَنُعْذرا (١)\nيُروى: نَموتَ بالنَّصبِ، ونَموتُ بالرفع.\nفالنصب على تقدير: أو يكونَ أَنْ نَموتَ، والرفعُ على القطعِ (٢)، أو نَحنُ نَموتُ». (٣)\nوقراءةُ الجمهور ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] بإثبات النون رفعًا، عطف على قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الاستئناف، على تقدير: أو هم يُسْلِمُون. (٤)\nوأَمّا قراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ، وهي من القراءاتِ الشاذة، فللنحويين في توجيه النَّصبِ قولان:\nالأول: للبصريين على تقدير «أَنْ»، كما ذكرَ ابنُ عطيةَ، والشاهد الشعري الذي أورده يدل على هذا التوجيه، ولذلك استشهد به البصريون. (٥)\nالثاني: للكسائي والجرمي والفراء على تقدير: حتى يُسْلِمُوا. (٦)\n٢ - ومن الأمثلة أيضًا على الاستشهاد بالشعر لتوجيه القراءات الشاذة قولُ ابن عطية عند بيانه لأوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٦.\n(٢) أي على قطع عطف الفعل على الفعل، فيكون من باب عطف الجمل، وقد يكون المقصود بالقطع الاستئناف.\n(٣) المحرر الوجيز ١٥/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٤) انظر: مغني اللبيب ٥/ ٤٩٤.\n(٥) انظر: الكتاب ٣/ ٤٧ - ٤٩، المقتضب ٢/ ٢٧ - ٢٨، معاني القرآن للزجاج ٥/ ٢٤، خزانة الأدب ٨/ ٥٤٤.\n(٦) انظر: إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٢٠٠، مشكل إعراب القرآن ٦٢٧، معاني القرآن للفراء ٢/ ٧١.","vol":"1","page":790},{"text":"عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] (١): «وقرأَ ابنُ جَمَّاز (٢) (الآخِرةِ) بالخفض على تقدير المضاف. ويُنَظَّر ذلكَ لقول الشاعر (٣):\nأَكُلَّ امرئٍ تَحسبينَ امرءًا ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا (٤)\nعلى تقدير: وكُلَّ نارٍ». (٥)\nوقراءة ابن جَمَّازٍ من القراءات الشاذة، قال ابن جني في توجيهها: «ووجهُ جواز ذلك على عزته وقلة نظيره أنه لما قال: تريدون عرض الدنيا، فجرى ذكر العرض، فصار كأنه أعاده ثانيًا». (٦) أي كأنه قال: والله يريد عرض الآخرة.\nوابن عطية يعتمد في توجيه القراءات الشاذة على كتاب «المُحتسب» لأبي الفتح بن جِنِّي، وينقل عنهُ شواهدَ الشِّعْرِ التي يستشهدُ بِها في توجيهه للقراءات. بل إنه ليقدم ابن جني على غيره، فقد قدمه على أبي عمرو الداني في موضع خلاف في توجيه آية، وقال: «وأبو الفتح أثبت». (٧) مما جعل أبو حيان يرد ذلك بقوله: «وهذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت كلامًا لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلًا عن النحاة، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية». (٨)\nومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات في قوله تعالى: ﴿لَوْ\n_________\n(١) الأنفال ٦٧، وقراءة الجميع عدا ابن جماز ﴿الْآخِرَةَ﴾ بالنصب. انظر: الدر المصون ٣/ ٤٣٧.\n(٢) هو سليمان بن مسلم بن جَمَّاز الزهري المدني، مقرئ جليل ضابط، قرأ على أبي جعفر وشيبة ونافع. مات بعد عام ١٧٠ هـ. انظر: غاية النهاية ١/ ٣١٥.\n(٣) هو أبو دؤاد الإيادي.\n(٤) انظر: ديوانه ٣٥٣، الأصمعيات ١٩١.\n(٥) المحرر الوجيز ٨/ ١١٣، تفسير الطبري (هجر) ١١/ ٢٧١.\n(٦) المحتسب ١/ ٢٨٠.\n(٧) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٥٢٧.\n(٨) البحر المحيط / الأعراف آية ٥٤.","vol":"1","page":791},{"text":"يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: ٥٧] (١): «وقرأَ أُبَيُّ بنُ كعبٍ: «مُنْدَخَلًا». قال أبو الفتح: هذا كقول الشاعر (٢):\n.......................... ... ولا يَدِي في حَميتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ (٣)». (٤)\nفقد أورد ابن عطية استشهاد ابن جني لتوجيه هذه القراءة الشاذة ببيت الكميت بن زيد، مع حكمه على هذه الصيغة بالشذوذ، حيث قال ابن جني تعليقًا على هذه القراءة: «ومُنْفَعِلٌ في هذا شاذٌّ؛ لأن ثلاثيه غير متعدٍّ عندنا». (٥) ونقل عنه في مواضع أخرى متفرقة. (٦)\nهذه بعض الأمثلة على استشهاد المفسرين بالشعر في توجيههم للقراءات القرآنية بنوعيها المتواترة وغير المتواترة، واعتمادهم في تخريجهم لتلك الوجوه على الشاهد الشعري اعتمادًا كبيرًا، حتى استوعبت كتبُ التفسير ما صُنِّفَ من كتبِ الاحتجاج للقراءات قبلها مع شواهدها الشعرية، كما صنعَ الطبَريُّ وابنُ عطيةَ والقرطبيُ.\nوقد عاب الزجاجُ وغيره الاعتمادَ على شواذ الشواهدِ الشعرية في توجيه القراءات القرآنيةِ، وصرَّح أبو حيان بأَنَّه يَجبُ حَملُ إعرابِ القرآن وقراءاتهِ على الصحيح من شواهد اللغةِ دون شاذها، فقال: «ينبغي أَن يُحملَ - كتابُ الله - على أحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ؛ إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يَجوزُ فيه جَميعُ ما يُجوِّزهُ النحاة في شعرِ\n_________\n(١) التوبة ٥٧.\n(٢) هو الكميت بن زيد الأسدي.\n(٣) عجز بيت، صدره: لا خُطوتي تَتَعاطَى غَيْرَ مَوضِعِها. ورواية الديوان والمُحتَسَب «السَّكْنِ» بدل «السَّمْنِ»، والسَّكْنُ جَمعُ ساكنٍ، كصَحْبِ جَمعُ صاحب. والحَمِيتُ: إِناءٌ للسَّمْنِ لا شَعَر عليه. انظر: ديوانه ٢/ ٣٣٠.\n(٤) المحرر الوجيز ٨/ ٢٠٦.\n(٥) المحتسَب ١/ ٢٩٦.\n(٦) انظر: المحرر الوجيز ٩/ ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":792},{"text":"الشَّمَّاخِ والطِّرِمَّاحِ وغيرهِما من سلوك التقاديرِ البعيدةِ، والتراكيبِ القلقةِ، والمَجازاتِ المعقَّدةِ». (١) وقال في موضعٍ آخر مؤكدًا على هذا المنهج في إعراب آيات القرآن وتوجيهها: «وقد ركبوا - أي المفسرون والنحويون- وجوهًا من الإعراب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] (٢)، والذي نَختارهُ منها أَنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جُملةٌ مستقلةٌ من مبتدأ وخَبَرٍ؛ لأنه متى أمكنَ حَمْلُ الكلام على غير إضمارٍ ولا افتقارٍ، كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار. وهكذا عادتُنا في إعراب القرآن، لا نَسلُكُ فيه إِلَّا الحَمْلَ على أحسنِ الوجوه، وأبعدِها من التكلُّفِ، وأسوغِها في لسان العرب، ولسنا كمَن جَعلَ كتاب الله تعالى كشعرِ امرئ القيس، وشعرِ الأعشى، يَحمِلُهُ على جَميعِ ما يَحتملُهُ اللفظُ من وجوهِ الاحتمالات، فكما أَنَّ كلامَ الله من أفصح الكلام، فكذلك ينبغي إعرابهُ على أفصح الوجوه». (٣)\nولذا ينبغي أن يتنبه عند الاستشهاد بالشعرِ في توجيهِ القراءات أو تفسير القرآن إلى أمرين:\nالأول: معرفة قيمة هذه الشواهد عند أهل الاختصاص وهم أَهلُ روايةِ الشِّعرِ والشواهد من الأئمة المتقدمين، وعدمُ الركونِ إلى شواهدِ الشعرِ التي لم تُعْرَف إِلَّا عن المتأخرين دونَ نسبتها وعَزوها للأئمة الثقات كأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه وأمثالهم.\nالثاني: كيفية استشهاد أولئك العلماء بهذه الشواهد، فإِنَّ للقرآن عُرْفًا خاصًا لا يَصحُّ أن يُحملَ على شواهد الشعرِ في أحيان كثيرة، وإِنْ بدا ذلك للناظر المتعجِّل، ولذلك قال ابن القيم: «لا يَجوزُ أَنْ يُحملَ كلامُ الله ﷿ ويُفسَّر بِمُجردِ الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يَحتملُه تركيبُ الكلام، ويكون الكلامُ به له معنىً ما، فإنَّ هذا المقام غَلِطَ فيه\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ١٠٣.\n(٢) البقرة ٢.\n(٣) البحر المحيط ١/ ٦١.","vol":"1","page":793},{"text":"أكثرُ المُعربِيْن للقرآن، فإِنَّهم يفسرون الآية ويعربونها بِما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويُفهَمُ من ذلك التركيب أَيُّ معنىً اتفقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطعُ السامعُ بأَنَّ مُرادَ القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيبُ هذا المعنى في سِياقٍ آخرَ وكلام آخر، فإِنَّه لا يَلزمُ أن يحتمله القرآن». (١) وهذا لأن للقرآن الكريم عُرْفٌ خاصُّ، ومعانٍ معهودة، لا يناسبه تفسيره بغيرها. ولذلك فإن الشاهد الشعري مع أهميته في توجيه القراءات من حيث اللغة والإعراب إلا أنه ينبغي ألا يكون مهيمنًا عليها بحيث ترد القراءة الصحيحة لمخالفتها له في رأي بعض النحويين، وإنما يستشهد بالشاهد الشعري في موضعه المناسب دون إفراطٍ، كما صنع المفسرون في جُلِّ مواضعِ احتجاجهم بالشعر.\n* * *\n_________\n(١) بدائع الفوائد ٣/ ٥٣٨.","vol":"1","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>المبحث الثالث: أثر الشاهد الشعري في الجانب العَقَديِّ عند المفسرين</span>.\nتقدم الكلامُ عن نشأة الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وأَنَّ أَولَّ من فَتَقَ هذا المنهج حتى سار فيه تلاميذهُ مِن بعده هو حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄، ثم توالى تلاميذه من بعده على هذا المنهج، مع تفاوتهم في ذلك بحسب تفاوت حظوظهم من المعرفة بشعر العرب وشواهده. وقد أخذ أهل السنة هذا المنهج باعتدالٍ، واستشهد المفسرون منهم كالطبري بالشعر في تفسيرهم للقرآن باعتدالٍ متى دعت الحاجة إلى ذلك.\nغير أن طوائف من أهل البدع قد بالغوا في التعويل على التفسير باللغة، والاعتماد على شواهد الشعر في فهم القرآن الكريم مبالغةً أغفلوا بسببها ما روي عن السلف من الصحابة والتابعين من التفاسير التي هم أعلم بها، والمصير إليها أولى من الاعتماد على مجرد اللغة وشواهدها من الشعر. وقد تقدم ذكر منهج أبي عبيدة في «مجاز القرآن»، ومؤاخذةِ العلماء له في بعض ما ذهب إليه من تفسير لبعض الآيات، مع استقامة منهجه في الاستشهادِ من حيثُ الجملةُ، وأبو عبيدة كان مِمَّن يرى رأيَ الخوارج (١)، في رأيهم دون فعلهم والخروج والثورة على الحكام، فكان لهذا المعتقد دور في تعويله على الشعر، ومبالغته في الاستشهاد به، كما\n_________\n(١) انظر: البيان والتبيين ١/ ٣٤٧، المعارف لابن قتيبة ٢٦٩، الفهرست ٥٣، إنباه الرواة ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":795},{"text":"ظهر من منهج الخوارج بدءًا من نافع بن الأزرق كما تقدم في أسئلته لابن عباس، وإصراره على أن يكون مع كل جواب شاهد من الشعر، وانتهاء بما سار عليه الخوارج بعد ذلك في كتبهم ومصنفاتهم.\nومِمَّا يُستأَنسُ به في ذلك أَنَّ الإباضية (١)، وهي فرقة من فرق الخوارج كانوا يَحرِصُونَ على التفسير اللغوي، ولو تعارض مع تفاسير السلف، ويُعوِّلونَ على شواهدِ الشعر في تفاسيرهم، ولهم عنايةٌ شديدةٌ بذلك. وقد حُفِظَت رسالةٌ كتبها بعضُ الإباضية إلى عبد الله بن أحمدَ التميميِّ (٢)، أحدِ قضاة المالكية في دولة الأغالبة، يسألونه فيها عن آيات من القرآن الكريم، ويطلبون منه فيها «أن يكونَ الاحتجاجُ والدليلُ، في جواب مسائلهم من اللغة العربية، ومن أشعارِ العَرَبِ الأوائلِ الجِيادِ المعروفة المُسْتَشهدةِ، لا مِنْ غيرِ ذلك». (٣) وذكروا في رسالتهم أنهم لا يريدون أن يكون الجواب «من استشهاد القرآن بعضهِ على بعضٍ، وأَنَّهم مُكتفونَ بِما عندهم مِن إسلامهم ومشايخِهم وأَنَّهم أرادوا ما أَعجَزَهم، وإِنَّما أَرادوا خارجَ الجوابات ودلائِلَها من اللغة العربية، وأَشعارِ العرب المتقدمةِ، ولأَنَّهم قد بَلغهم في الروايات أَنَّ عبد الله بن العباس رحمةُ الله عليه، قال: «إذا أشكلَ عليكمْ شيءٌ من القرآن فاطلبوهُ في أَشعارِ العربِ» (٤)، واحتجوا في طلبهم التفسير باللغة بقول الله ﷿: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٥) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ\n_________\n(١) هم أصحاب عبد الله بن إباض، اختلفوا مع الخوارج في بعض آرائهم فافترقوا عنهم، لهم آراء متفرقة في أبواب العقيدة، ومن تفاسيرهم المطبوعة تفسير هُودِ بنِ مُحكّم الهوَّاريِّ. انظر: الملل والنحل ١/ ١٥٦، الفَرْقُ بين الفِرَقِ للبغدادي ١٠٣.\n(٢) هو أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب التميميُّ، قاضٍ وفقيه مالكي، من بني عم الأغالبة أمراء القيروان، ولد سنة ٢١٧ وتوفي سنة ٢٧٦ هـ، له كتاب الأمالي في ثلاثة أجزاء، والرد على من خالف مالكًا. انظر: الأعلام للزركلي ٤/ ٦٥.\n(٣) رسالة الرد على مسائل الإباضية للإمام أحمد بن يحيى ٨٧.\n(٤) تقدم تخريج هذا الأثر ص ...\n(٥) الشعراء ١٩٥.","vol":"1","page":796},{"text":"لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]﴾ (١) وبقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٢)». (٣) وقالوا: «ونحن نريد أن نستفيده من حيث ذكر الله سبحانه، ولا نريد الجواب فيه إِلَّا من اللغةِ والشِّعرِ القديمِ العربي». (٤)\nوقد أحالَ القاضي هذه الأسئلةَ إلى الناصر لدين اللهِ أحمد بن يحيى بن الإمام الهادي (٥) للجواب عليها كما اشترط الإباضية، فأجابه لذلك وقال في صدر جوابه: «اعلم يا أبا مُحمَّد - حفظك الله - أَنَّ هؤلاء القوم إِنَّما أرادوا بذلك تعنيتَنا، وأَنْ يَدْرُوا ما عندنا من المعرفةِ باللغةِ» ثُمَّ ذكر اختياره في تفسير القرآن، والصواب في منهج التفسير فقال: «والذي نذهبُ إليه، ونُحبُّهُ في التفسير في أَنْ تكونَ الحجةُ مِنَّا في التفسير بشواهدَ من كتابِ الله ﷿، على كتاب الله، ولا بُدَّ مع ذلك من الاستشهادِ باللغةِ والشعرِ، ونحن بحول الله وقوته نُجيبُك في ذلك بجوابِ ما سألوا من اللغةِ والشعرِ، نتوخَّى فيه صوابًا، ونرجو من الله سدادًا، ولا بد لنا في ذلك من شواهدِ الكتاب مِمَّا لا بُدَّ منه، ولا يُستَغنى عنه مِمَّا يُبَيّنُ الله سبحانه به الحقَّ، ويُزهقُ به الباطلَ، ويُرغمُ به أنفَ المخالفينِ بحوله وقوته». (٦)\nثم أخذ يجيب عن أسئلتهم، ويستشهد لأجوبته بشواهد الشعر، حتى استشهد بأربعةٍ وستينَ شاهدًا من الشعر على أجوبته، ومن أمثلة تلك الأسئلة:\n_________\n(١) إبراهيم ٤.\n(٢) النحل ١٠٣.\n(٣) رسالة الرد على مسائل الإباضية للإمام أحمد بن يحيى ٨٧ - ٨٨.\n(٤) المصدر السابق ٨٨.\n(٥) هو الإمام أحمد بن يحيى بن الحسين الحسني العلوي، إمام زيدي يماني مشهور، من كبار علماء الزيدية، ولد سنة ٢٧٥ هـ ولا يعرف تاريخ وفاته، له كتاب النجاة، والمفرد في الفقه. انظر: معجم المؤلفين لكحالة ١/ ٣٢٣.\n(٦) المصدر السابق ٨٨.","vol":"1","page":797},{"text":"- سألوا عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] (١) وقالوا: «فما عليهم والملك قد صار وراءهم ونجوا منه، وإنما كان الخوف يقع عليهم، لو كان الملك قدامهم؟». فقال في جوابهم: «هذا من أضداد الكلام الجائز في لغة العرب، وذلك أن العرب تسمي القدام وراء، ومن ذلك قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] (٢) يقول: بين يديه، ولو كان العذاب وراءهم كما ظننت، لكانوا قد سلموا منه، والعرب تكلم بهذا فتكثر، قال لبيد بن ربيعة الكلابي:\nأَلَيسَ وَرائي إِن تَراخَت مَنِيَّتي ... لُزومُ العَصا تُحنى عَلَيها الأَصابِعُ (٣)\nيريد: أليس بين يَديَّ الهَرَمُ والضَعْفُ والكِبَرُ، فصَيَّرَهُ وراءَه وهو بينَ يديه». (٤) وقال ابن الأنباري: «وراء من الأضداد، يقال للرجل: وراءك، أي خلفك، ووراءك أي أمامك» (٥). والرسالةُ تسير على هذا المنوال حتى آخرها، وفيها شَبَهٌ بأسئلةِ نافعِ بن الأزرق لابن عباس.\nوهناك طائفة أخرى من الطوائف الإسلامية كان لها عناية شديدة بشواهد الشعر، ولا سيما في تفسيرها للقرآن الكريم، ومناظراتها مع خصومها، وهي طائفة المعتزلة (٦)، وعلى رأسهم مؤسس المذهب وهو واصل بن عطاء (٧)، ومن أبرز من ظهر اهتمامه بحفظ شواهد الشعر\n_________\n(١) الكهف ٧٩.\n(٢) إبراهيم ١٧.\n(٣) انظر: ديوانه ١٧٠.\n(٤) رسالة الرد على مسائل الإباضية للإمام أحمد بن يحيى ٨٩.\n(٥) الأضداد ٦٨.\n(٦) المعتزلة فرقة كلامية من الفرق الإسلامية، أسسها واصل بن عطاء الغزال عندما اعتزل مجلس الحسن البصري، وأفتى بأن مرتكب الكبيرة في منْزِلةٍ بين المنْزِلتين، ولمذهبهم أصولٌ خَمسةٌ معروفة هي: العدل، والتوحيد، والمَنْزِلةُ بين المَنْزِلتَيْن، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ١٣٣، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٥٤.\n(٧) هو أبو حذيفة واصل بن عطاء، مولى بني ضبة أو بني مخزوم، رأس المعتزلة، ومن =","vol":"1","page":798},{"text":"للاستشهاد بها في التفسير والمناظرة أبو الهذيل العلاف المعتزلي شيخ إبراهيم النَّظَّام (١) وغيره من رؤوس المعتزلة. (٢)\nوقد ذكر من رآه أنه من أوسع الناس معرفة بشعر العرب، وقدرة على استحضاره وقت طلبه، قال المبرد: «ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أَحسَنَ مُناظرةً، شهدتهُ في مَجلسٍ وقد استشهدَ في جُملةِ كلامهِ بِثلاثِمائةِ بيتٍ». (٣)\nوقال ثُمامةُ بنُ أَشرس (٤): «وصفتُ أَبا الهُذيلِ للمأَمونِ، فلمَّا دَخَلَ عليهِ، جَعلَ المأمونُ يقولُ: يا أَبا مَعْن - كُنْيَةُ ثُمامة -، وأبو الهذيل يقولُ: يا ثُمامةُ، فكدتُ أَتَّقدِ غَيظًا، فلمَّا احتفلَ المَجلسُ، استشهدَ في عرضِ كلامهِ بسبعمائةِ بيتٍ، فقلتُ: إِن شئتَ فَكَنِّنِي، وإِن شئتَ فَسَمِّنِي». (٥)\nوهذا كُلُّه إِنَّما هو من ثَمرةِ اشتغال أبي الهذيل بالمناظرات،\n_________\n= أئمة البلغاء والمتكلمين، ولد سنة ٨٠ هـ، نشأ في المدينة المنورة، ثم انتقل للبصرة وبها توفي، كان من تلاميذ الحسن البصري ثم اعتزل حلقته، فسمي ومن معه بالمعتزلة. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٦٤.\n(١) هو إبراهيم بن سيار النظام، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل عند المعتزلة، وهو شيخ الجاحظ، ينسب إليه القول بأن إعجاز القرآن في صرف الله للعرب عن معارضته. توفي سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٩٧ - ٩٨، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٤١.\n(٢) هو محمد بن هذيل بن عبد الله بن مكحول العَبديُّ نسبةً إلى عبد القيس توفي سنة ٢٣٥ هـ وكنيته أبو الهذيل، لُقِّبَ بالعَلاَّفِ لأن داره كانت في العلاَّفين بالبصرة، وهو من أكبر شيوخ المعتزلة وعلمائهم، وهو شيخ إبراهيم النظام .. انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ٢٥٤، وفيات الاعيان ٢/ ١٧٦.\n(٣) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ٢٥٧.\n(٤) هو أبو مَعن ثُمامَةُ بنُ أَشرسَ النميري البصري، أحدُ كبار المعتزلة المتكلمين في زمن المأمون، من تلاميذه الجاحظ، توفي سنة ٢١٣ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ١٤٥، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٠٣، الأعلام ٢/ ١٠٠.\n(٥) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ٢٥٧.","vol":"1","page":799},{"text":"والتفكر في المسائل وأجوبتها، والحرص على حفظ الشواهد من شعر العرب، والاختيار منها، وهو دليل على أَنَّ الثقافةَ الأدبية العميقةَ كانت من أَهمِّ أركان ثقافة المتكلمين وعلومهم، وقد ظهر أثر ذلك في كثرة أقاويلهم في تفسير القرآن الكريم، وحَملِهم آياته على غير معانيها، ودونت في كتب التفسير كثير من تأويلات المعتزلة والشيعة والخوارج لآيات القرآن الكريم المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وفي أحيانٍ كثيرة اعتمدَ هؤلاءِ على شواهدِ الشِّعرِ التي يؤيدون بِها مذاهبَهُم وتفسيراتِهم، ومن تفاسيرهم كتاب الكشاف للزمخشري المعتزلي.\nوقد كانت شواهد الشعرِ حُجَجًا في أبواب العقيدة من حيث اللغة منذ عهد الرواة الأوائل من التابعين وأتباعهم، فقد جاء عمرو بن عبيد المتكلم المعتزلي إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، أخلف الله وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من وعده الله على عمله عقابًا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أمن العجمة أتيت أبا عثمان؟ إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارًا ولا خلفًا، والله عَزَّوَجَلَّ، إذا وعد وفى، وإذا أوعد ثم لم يفعل كان ذلك كرمًا منه وتفضلًا، وإنما الخلف أن تعد خيرًا ثم لا تفعله، قال: وأجد هذا في كلام العرب؟ قال: نعم، أما سمعت قول عامر بن الطفيل:\nولا يَرهبُ ابنُ العَمِّ مَا عِشتُ صَولَتي ... ولا أَخْتَفِي مِنْ صَولَةِ المُتَهَدِّدِ\nوإِنِّي وإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَو وَعدتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوعِدي (١)\n\nوتكلَّمَ في هذه الآية: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] (٢) قال: فكيف خرج القول من الفريقين بلفظٍ واحدٍ، وهو وَعدٌ؟ فقال: لأَنَّ\n_________\n(١) انظر: ديوانه.\n(٢) الأعراف ٤٤.","vol":"1","page":800},{"text":"العربَ تقول: وعدتهُ خيرًا ووعدته شرًا، فلو أسقطوا الخير والشر، قيل في الخير: وعدتُ، وفي الشر: أوعدت. (١)\nفبَيَّن له الفَرقَ بين الوعدِ والوعيدِ، وأَنَّ الوفاء بالوعد مَكرمةٌ، وأَنَّ الذي يفي بوعدهِ يُقالَ له: وَفَى، أَمَّا الذي لا يَوقعُ بوعيدهِ فيقال: إِنَّه عفا، وشتَّان بينهما.\nوأَمَّا في كتب التفسير، فقد وردت مسائلُ متفرقةٌ من مسائل العقيدةِ التي وقَعَ الخلافُ فيها بَيْنَ أهلِ السنَّةِ وغَيْرِهم، وذلك في آيات القرآن التي تتناول صفات الله ﷾ بصفةٍ خاصةٍ، وغيرها من الآيات، استشهد فيها المخالفونَ بشواهدَ من الشعرِ كانت هي حجتُهُم فيما ذهبوا إليه من أقوال. وهي أمثلة قليلة، ليس لها كبير تأثير في التفسير، ومن هذه الأمثلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>١ - استواء الله على عرشه:</span>\nوصفَ الله في كتابه الكريم نَفسَهُ بأَنَّه مستوٍ على عَرشهِ في سبع آياتٍ صريحة، هي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) في ست آيات [الأعراف: ٥٤، يونس ٣، الرعد ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة ٤، الحديد ٤] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (٣)، وفي هذه الآيات الكريمات إثباتُ صفةِ استواء الله - تعالى - على عرشه.\nومن السنة حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي - ﷺ - أخذ بيده، فقال: «يا أبا هريرة! إِنَّ اللهَ خَلَقَ السماواتِ والأرضين وما بينهما في ستةِ أَيامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ». (٤) وحديث قتادة بن النعمان ﵁؛ قال: سَمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنْ خلقهِ؛ استوى\n_________\n(١) انظر: عيون الأخبار ٥/ ١٤٢، طبقات النحويين واللغويين ٣٤، إنباه الرواة ٤/ ١٣٩.\n(٢) [الأعراف: ٥٤، يونس ٣، الرعد ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة ٤، الحديد ٤].\n(٣) طه ٥.\n(٤) رواه النسائي في التفسير ٤١٢ وهو حديث حسن، وانظر: مختصر العلو ٧١.","vol":"1","page":801},{"text":"على عرشه». (١)\nوقد دلَّ على هذه الصفةِ «نصوص الكتاب، والسنَّةِ، وإجْماعُ سلفِ الأمة، وأئمةِ السنة، بل على ذلك جَميعُ المؤمنين الأولين والآخرين». (٢) وذلك لأن «الآثار عن النبيِّ - ﷺ -، وأصحابه، وسائر علماء الأمة متواترة عندَ مَن تتبعها، قَد جَمعَ العلماءُ فيها مصنفاتٍ صغارًا، وكبارًا» (٣) فأدلة ثبوت صفتي الاستواء على العرش، والعلو كثيرة، وهي من أبلغ المتواترات اللفظية، والمعنوية. (٤) وهي من الصفات السَّمعيةِ الفعلية المعلومةِ بالخَبَرِ (٥)، وهذا قول أئمة أهل الحديث والسنة. (٦)\nغير أَنَّ المخالفين لأهل السنة قد نفوا صفة الاستواء، وتأولوها بالاستيلاء، واستشهدوا على هذا التأويل بقول الشاعر:\nقد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ\nوهذا الشاهد شاهد مُفْرَدٌ اختُلِفَ في نسبته، فنُسِبَ للبُعيث المُجاشعيِّ، ونُسب للأخطلِ وكلاهُما مِن شعراء بني أمية. (٧) على أَنَّ بعض كبار اللغويين قد أَنكرَ هذا البيتَ، ومِمَّنْ ردَّهُ الإمامُ الخطَّابيُّ بقوله: «وزعم بعضهم أَنَّ الاستواءَ ها هُنا بِمعنى الاستيلاء، ونَزَعَ فيهِ ببيتٍ مَجهولٍ، لم يقلهُ شاعرٌ معروفٌ يصحُّ الاحتجاجُ بقولهِ». (٨) وقد\n_________\n(١) قال ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» ١٠٧: «روى الخلالُ في «كتاب السنة» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاري عن قتادة ثُمَّ ذَكرهَ، وقال الذهبي في «العلو» ٥٢: «رواته ثقات»، ولم يُعلِّق عليه الألباني في «مختصر العلو».\n(٢) التسعينية لابن تيمية ٢/ ٥٤٥.\n(٣) التسعينية ٢/ ٥٦٥، ٥٦٨.\n(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٥/ ١٥.\n(٥) انظر: المصدر السابق ٥/ ٥٢٣، وانظر: ٥/ ٢٢٧.\n(٦) انظر: المصدر السابق ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(٧) نسبه للبعيث المجاشعي المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ٣٤، ونسبه بعضهم للأخطل كما في شرح القاموس وليس في ديوانه.\n(٨) من كتابه «شعار الدين»، بواسطة مختصر الصواعق المرسلة للموصلي ٣/ ٨٩١.","vol":"1","page":802},{"text":"سُئِلَ ابن الأعرابي: هل يصحُّ أن يكون استوى بِمعنى استولى؟ فقال: لا تعرفُ العرب ذلك. (١) وأنكرهُ الخليلُ بنُ أَحْمد، وأبو العباس ثعلب، ونفطويه، وغيرهم. (٢) وقد أشار ابن القيم إلى أَنَّهُ مع التسليم بصحة هذا البيت فصوابُ إنشاده:\n..................... ... بِشْرٌ قد استولى على العِراقِ\nولم يذكر الدليل على هذا، غير أَنَّهُ في هذا يَسيرُ على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في رده لهذا البيت، حيث قال: «ولم يُثْبِت نَقلٌ صحيحٌ أَنَّه شعرٌ عربي، وكان غيرُ واحد من أئمة اللغةِ أَنكروه، وقالوا: إِنَّهُ بيت مصنوعٌ لا يُعرفُ في اللغة، وقد عُلِمَ أنه لو احتج بحديث رسول الله - ﷺ - لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذُكِرَ عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال: سُئِل الخليلُ: هل وجدت في اللغة استوى بِمَعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفهُ العربُ، ولا هو جائزٌ في لغتها. وهو إمام في اللغة على ما عُرِفَ مِن حالهِ، فحينئذٍ حَملهُ على ما لا يُعرَفُ حَملٌ باطلٌ». (٣)\nوالمفسرون في كتب التفسير قد اختلفت أقوالهم في تفسير هذه الآياتِ، بِحَسبِ عقائِدِهِم، فأَهلُ السنة يُثبتون هذه الصفةَ وغَيْرَها لله ﷾ دونَ تكييفٍ لها ولا تعطيلٍ، ولا تَمثيلٍ ولا تشبيهٍ بِخلقهِ، في حين يفرُّ غيرُهم من إِثباتِ هذه الصفات ظنًا وتوهمًا أَنَّ في إثباتها تنقصًا لله ﷾، وتشبيهًا له بخلقه.\nوقد فَصَّلَ الإمام الطبري القولَ في هذه الصفةِ فقال عند تفسيره\n_________\n(١) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٦٧٦ - ٦٦٨، ٣/ ٤٤٣، تاريخ بغداد ٥/ ٢٨٣، مجموع الفتاوى ٥/ ١٤٦، ١٦/ ٤٠٤.\n(٢) انظر: مختصر الصواعق المرسلة للموصلي ١/ ٩٧ وانظر ما قاله المحقق في الحاشية (٣).\n(٣) مجموع الفتاوى ٥/ ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"1","page":803},{"text":"لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] (١): «الاستواءُ في كلام العرب مُنصِرفٌ على وُجوهٍ:\n- منها انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقُوَّتِه، فيقالُ إذا صار كذلكَ: قد استوى الرجلُ.\n- ومنها استقامةُ ما كان فيهِ أَوَدٌ من الأُمورِ والأسبابِ. يقالُ منهُ: استوى لِفلانٍ أمرُه إذا استقامَ لَه بعدَ أَوَدٍ، ومنه قول الطرماح بن حكيم:\nطالَ عَلى رَسْمِ مَهْدَدٍ أَبَدُهْ ... وعَفا واسْتَوى بهِ بَلَدُهْ (٢)\nيعني: استقامَ به.\n- ومنها الإقبالُ على الشيءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوى فلانٌ على فلانٍ بِما يكرههُ ويَسوءُهُ بعدَ الإحسان إليهِ.\n- ومنها الاستيلاءُ والاحتواءُ، كقولهم: استوى فلانٌ على المملكةِ، بِمعنى: احتوَى عليها وحازَها.\n- ومنها العُلوُّ والارتفاعُ، كقول القائل: استوَى فُلانٌ على سَريرهِ. يعني به عُلُوَّهُ عليه». (٣)\nثم بعد أن ذكر الطبري معاني الاستواء في لغة العربِ، اختارَ منها قولًا مناسبًا لسياق الآيات، فقال: «وأَولى المعاني بقولِ الله جلَّ ثناؤهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ عَلا عليهنَّ وارتفعَ فدبَّرهنَّ بقدرتهِ، وخَلقَهنَّ سبعَ سَماواتٍ». (٤)\n_________\n(١) البقرة ٢٩.\n(٢) رواية الديوان: طالَ في رَسْمِ مَهْدَدٍ رَبَدُهْ، ومَهْدَد اسم امرأة، والبيت على رواية الطبري مختلف الوزن، فصدره من المنسرح، وعجزه من الخفيف، بخلاف الديوان فوزن القصيدة كلها من الخفيف. انظر: ديوانه ١٩٣.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"1","page":804},{"text":"ونظرًا لما أثارته هذه الآية ونظائرُها مِنْ خِلافٍ حولَ تفسيرها، أشار الطبريُّ إلى رأي المخالفين لأهلِ السنَّة من المعتزلة وغيرهم فقال: «والعَجَبُ مِمَّنْ أَنكرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويل قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] الذي هو بِمعنى العُلوِّ والارتفاعِ هَربًا عند نفسهِ مِنْ أَنْ يَلزمَهُ بزعمه - إذا تأَوَّله بِمعناه المفهوم كذلكَ - أَنْ يكونَ إِنَّما علا وارتفعَ بعدَ أَنْ كانَ تَحتها إِلى أَنْ تأَوَّله بالمَجهولِ مِنْ تأويلِه المُستَنْكَرِ ثُمَّ لم يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ منه. فيقالُ له: زعمتَ أَنَّ تأويل قولهِ: ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: ٢٩] أَقبلَ؟ أَفكانَ مُدبرًا عن السماءِ فأَقبلَ إِليها؟ ! فإنْ زعم أَنَّ ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ، ولكنَّه إقبالُ تدْبِيْرٍ. قيلَ لهُ: فكذلكَ فقل: علا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسُلطانٍ، لا عُلوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثُمَّ لن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إِلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلهُ، ولولا أَنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بِما ليس مِنْ جِنسهِ لأَنبأَنا عن فسادِ قولِ كُلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مُخالفًا، وفيما بَينَّا منهُ ما يُشْرِفُ بذي الفَهْمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء الله تعالى». (١)\nوقال السَّمعاني وهو من أهل السنَّةِ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٢): «أَوَّلَ المُعتزلةُ الاستواءَ بالاستيلاءِ، وأنشدوا فيهِ:\nقد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ\nوأَمَّا أهلُ السنَّةِ فَيتَبَرءونَ مِن هذا التأويلِ، ويقولون: إِنَّ الاستواءَ على العرشِ صِفةٌ لله تعالى، بلا كَيفٍ، والإيمانُ بِهِ واجبٌ، كذلكَ يُحكى عَن مالك بن أنسٍ وغَيرهِ من السَّلفِ أَنَّهم قالوا في هذه الآيةِ: الإيمانُ به واجبٌ، والسؤال عنه بدعة». (٣)\nوقد أَصبحَ هذا الشاهدُ الشعريُّ الذي استدلَّ بهِ المُخالِفونَ للسَّلفِ\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١/ ٤٥٧.\n(٢) الأعراف ٥٤.\n(٣) تفسير السمعاني ٢/ ١٨٨.","vol":"1","page":805},{"text":"حُجةً يعولون عليها في نفي هذه الصفة، ويُؤِّولونَ الاستواءَ في الآيات الدالة على صفةِ الاستواءِ بالاستيلاءِ استشهادًا بِهذا الشاهد، حتى لا يكادُ يَخلو منهُ كتابُ تفسيرٍ، ولا عقيدةٍ، ولا بلاغةٍ. (١)\nوالتحقيق في هذه المسألة هو أن يُقالَ: الاستواء يأَتي في اللغةِ للمعاني التي ذكرها الطبريُّ وهي: التمام والكمال، واستقامةُ ما كان فيهِ أَوَدٌ، والإقبالُ على الشيءِ، والاستيلاءُ والاحتواءُ، والعُلوُّ والارتفاعُ، غير أَنَّ لكلِّ معنى منها سياقًا يناسبه، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:\n- إذا تعدَّى فعل «استوى» بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] (٢) كان بِمعنى بلوغ التمام ولكمال والغاية في القوةِ. (٣) وأكثرُ استعمالِ شُعراءِ الجاهليةِ لِهذا الفعلِ بِهذا المعنى، متعديًا بنفسه، ومن ذلك قول خِرْنِق بنتِ بدرِ بن هَفَّان وهي جاهلية:\nعَدَدنا لَهُ خَمسًا وَعِشرينَ حِجَّةً ... فَلَمّا تَوَفّاها اِستَوى سَيِّدًا ضَخما (٤)\nوقالت أم عمرو وهي شاعرةٌ جاهليةٌ:\nحينَ اِستَوى وَعلا الشبابُ بهِ ... وَبَدا مُنِيْرَ الوَجْهِ كالبَدْرِ (٥)\nوقال حاتم الطائي وهو جاهلي:\nيَنامُ الضُحى حَتّى إِذا يومُهُ اِستَوى ... تَنَبَّهَ مَثلوجَ الفُؤادِ مُوَرَّما (٦)\n_________\n(١) زاد المسير ٣/ ٢١٣، تفسير الرازي ١/ ١٤٣، ٢٥/ ١٤٨، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٥٥، ٧/ ٢٢٠، البحر المحيط ١/ ٢٨٠، بحر العلوم للسمرقندي ١/ ١٠٦،، تفسير البيضاوي ١/ ٢٧٤، حاشية محي الدين زاده على البيضاوي ١/ ٢٣٥، السراج المنير للشربيني ١/ ٤٣، أضواء البيان ٧/ ٢٩٣، روح المعاني ٣/ ٨٨، ٨/ ١٣٥، ١٦/ ١٥٥، فتح القدير ٢/ ٢١١، مناهل العرفان ٢/ ٢٠٩، لسان العرب ١٤/ ٤١٤ (سوا).\n(٢) القصص ١٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٨/ ١٨١، تفسير السمعاني ٤/ ١٢٧.\n(٤) انظر: ديوانها ١٩.\n(٥) انظر: زهر الآداب ٢/ ١٢٣.\n(٦) مَثْلُوجَ الفُؤادِ: ضَعيفَهُ، ساقطُ النَّفسِ والرأَي، والمُوَّرمُ مِنْ كثرةِ النومِ. انظر: ديوانه ٢٢٦.","vol":"1","page":806},{"text":"وقال حنظلة بن أبي عفراء الطائي وهو جاهلي:\nيُهِلُّ صَغيرًا ثُمَّ يَعظُمُ ضَوءُهُ ... وَصورَتُهُ حَتّى إِذا ما هُوَ اِستَوى\nتَقارَبَ يَخبُو ضَوءُهُ وشُعَاعُهُ ... ويَمصَحُ حتى يَسْتَسِرَّ فلا يُرى (١)\nوقال أبو الأسود الدؤلي وهو مخضرم:\nإِذا ما استَوى روقاكَ لَم يَهتَضِمهُما ... عَدوٌّ وَلَم يأكُل ضَعيفَكَ آكِلُ (٢)\n- وأَمَّا إذا تعدى فعل «استوى» بحرف «إلى» فيكون معناه القصد إلى الشيء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] (٣)، ولم أجد لهذا الاستعمال شواهد من شعر العرب المُحتجِّ بِهم.\n- وأما إذا تَعَدَّى فعلُ «استوى» بِحَرفِ «على»، فلهُ أَربعةُ مَعانٍ ذَكرَها المفسرونَ من الصحابةِ والتابعينَ وغيرهم، وهي: العُلوُّ، والثباتُ، والاستقرارُ، والصعودُ. وهذا الاستعمال الذي وقع الخلاف فيه، فقد زعم المعتزلة والأشعرية وغيرهم أن استوى في هذه الآيات التي عَدَّي الفعلُ فيها بحرف «على» بِمعنى استولى لا بِمعنى ثَبَتَ وعلا واستقرَّ وارتفعَ، ولم يَجدو حُجةً مقنعةً تؤيد قولهَم - فيما أعلمُ - سوى الشاهد الشعري الذي اختلف في نسبته لشاعر، وهو قوله:\nقد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ\nولم أجده في شعر الشعراء المحتج بهم، ووجدته في شعر المتأخرين، كقول أبي العتاهية:\nوَهُوَ الخَفِيُّ الظاهِرُ المَلِكُ الَّذي ... هُوَ لَم يَزَل مَلِكًا عَلى العَرشِ اِستَوى (٤)\n_________\n(١) انظر: الأغاني ١٠/ ٢٠٠.\n(٢) انظر: ديوانه ٣٥٦، حماسة البحتري ٢٤٥.\n(٣) فصلت ١١.\n(٤) انظر: ديوانه ٢٧.","vol":"1","page":807},{"text":"وظاهرٌ أَخذهُ لِهذا المعنى والتعبير من القرآن.\n- وأما إذا عُدِّي فعل «استوى» بِحرف «في»، كما في قول ذي الرمة يصف ناقته وحالها مع راكبِها:\nتُصْغي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحَةً ... حتى إذا ما استوى في غَرزِها تَثِبُ (١)\nفهو يُؤدِّي معنى التَّعديةِ بِحَرف «على» أو يقترب منه، بِمعنى الثبات والعلو والاستقرار على ظهر الدابة. وقد انتقد الأصمعي هذا البيت فقال: «كان ينبغي أن يستوي ثُمَّ تَثِبُ ناقتُه». (٢) وهذا الاستعمالُ نادرٌ في الشِّعر المُحتجِّ بهِ فيما وجدتُ، ومنه في شعر المتأخرين قول البُحتريِّ يَصِفُ بِرْذَونًا:\nإذا استوَى الراكبُ في ظَهْرِها ... طَامَنَتِ المَتْنَيْنِ كي تُرْدِفا (٣)\nفيتحصل من هذا الذي تقدم أَنَّ التعبير بـ «استوى على» من الأساليب التي انفردَ بِها القرآن الكريم للتعبير عن صفة الاستواء على العرش خاصةً، ويُمكنُ عَدُّها مِنْ مُبتكراتِ القُرآن - بحسب تعبير الطاهر بن عاشور في تفسيره. (٤)\nويكون التفسير الأَسلم للمقصود بالاستواء في قول الشاعر:\nقد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ\nهو أن «يكون «استوى» بِمعنى استعلى». (٥) لا نفي هذا البيت، وهذا الاستعمال في لغة العرب، فإنه قد تقرر أنه ليس كلُّ ما صحَّ في اللغة صَحَّ حَملُ تفسيرِ القرآن عليه. فالقرآن له عُرفٌ خاص به، يُحمَلُ عليه ويُفسَّرُ به (٦)، والإشكال داخل على من يرى تأويل صفة الاستواء\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١/ ٤٨، الكتاب ٣/ ٦٠.\n(٢) شرح الباهلي لديوان ذي الرمة ١/ ٤٨.\n(٣) انظر: ديوانه ٣/ ١٣٧١.\n(٤) انظر: التحرير والتنوير ٣/ ٢٨٤، ٩/ ٢٥٤، ١٣/ ١٩٦، ١٧/ ٦٢ وغيرها.\n(٥) شرح الحماسة ٣/ ١٥٤١.\n(٦) مجموع الفتاوى ٥/ ١٤٦ - ١٤٧.","vol":"1","page":808},{"text":"وغيرها من شبهة التجسيم والتشبيه التي يزعمونها لا من شواهد الشعر، ولذلك قال ابن عطية وهو ممن يرى تأويل صفة الاستواء: «واختصار القول في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أن يكون استوى بقهره وغلبته، وأما أن يكون استوى بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر:\nقد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ\nإنَّهُ بيتٌ مصنوعٌ». (١) فابن عطية يرى التأويل، ولو لم يصح هذا الشاهد الشعري.\nوالحق كما تقدم أن يُحملَ معنى الاستواء على المعاني المعهودة في القرآن والسنة، وهو إثبات علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه. وهي المعاني التي نقلت عن السلف في ذلك (٢)، لأنَّ «الاستواءَ عُلوٌّ خاص، فكلُّ مُستوٍ على شيءٍ عالٍ عليهِ، وليسَ كُلُّ عالٍ على شيءٍ مُستويًا عليهِ» (٣)، والاستواء من الألفاظ المختصة بالعَرْشِ لا تضاف إلى غيره لا خصوصًا، ولا عمومًا. (٤) وذلك لاختصاص القرآن بمعانٍ خاصة تعرف عن طريق النقل وأهل العلم.\nبل إِنَّ العلماءَ قد ذكروا ما هو أَخَصُّ من ذلك، وهو أنَّ أقوال النبي - ﷺ - المرفوعة يَجب أن لا تُحمَلَ على مُجرَّدِ ما يُراد باللفظِ في اللغةِ، وإِنَّما ينبغي الرجوعُ في فهمها إلى الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ العارفين بِمعاني كلامه كالاختلاف في معنى النهي عن اشتمال الصمَّاءِ بين أهل اللغة وأهل الفقه، حيث ذكر أبو عبيد القاسم بن سلَّام معنى نَهي\n_________\n(١) المحرر الوجيز ٩/ ٨.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢١ - ٢٢، مجموع الفتاوى ٥/ ٥٢١، ١٦/ ٣٩٩ - ٤٠٣.\n(٣) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٢٢ - ٥٢٣.\n(٤) المصدر السابق ١٧/ ٣٧٦، ٥/ ١٤٥، التسعينية ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨، درء التعارض ٢/ ١١٥.","vol":"1","page":809},{"text":"النبي - ﷺ - عن اشتمالِ الصمَّاءِ عند الفقهاء وأهلِ الحديث، ومخالفة أهل اللغة لهم في ذلك، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصحُّ معنىً في الكلام». فعقب عليه ابن رجب الحنبلي بقوله: «وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغةِ حَسَنٌ جدًا؛ فإنَّ النَّبِيَّ قَدْ يتكلَّمُ بكلامٍ من كلامِ العربِ يستعمله فِي معنى هُوَ أخصُّ من استعمال العرب، أو أعمُّ مِنْهُ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حَمَلَةُ شريعتهِ من الصَّحَابَة، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء، فلا يَجوزُ تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إِلا بِما قاله هؤلاء العلماء الذين تلقوا العلم عَمَّن قبلَهم، ولا يَجوزُ الإعراضُ عن ذلكَ والاعتمادُ على تفسير مَنْ يُفسِّرُ ذلك اللفظَ بِمُجرَّدِ ما يفهمه من لغةِ العربِ؛ وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًا، ومَنْ أَهملَه وَقعَ في تحريفِ كثيرٍ من نصوص السنةِ، وحَملِها على غَيْرِ مَحامِلها» (١). فإذا كان هذا في حديث النبي - ﷺ -، ففي كلام الله من باب أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٢ - صفة اليد</span>.\nعند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (٢) ذكر المفسرون أن المقصود باليدين في هذه الآية هو يدا الله ﷾، ويثبتون لله يدين تليقان بجلاله ﷾، لدلالة هذه الآية وغيرها مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥] (٣)، وقولهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. (٤)\nغير أَنَّ بعض المفسرينَ قد ذهب إلى أَنَّ اليدينِ في هذهِ الآيةِ\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(٢) المائدة ٦٤.\n(٣) ص ٧٥.\n(٤) الزمر ٦٧.","vol":"1","page":810},{"text":"وأمثالها لا تحمل على ظاهرها لاحتمالها التجسيم، وأنه يجب تأويلها بِمعنى الإنعام أو القوة أو نحو ذلك، ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير الآية: «والظاهرُ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] عبارةٌ عن إنعامهِ على الجُمْلَةِ، وعَبَّر عنهُ بِيَدينِ؛ جَرْيًا على طريقةِ العَرَبِ في قولِهم: فلانٌ يُنْفِقُ بِكِلتي يَديهِ، ومنه قولُ الشاعرِ، وهو الأعشى:\nيداكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌّ مُفيدةٌ ... وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالمَالِ تُنْفِقُ (١)\nويؤيد أَنَّ اليَدين هنا بِمعنى الإنعامِ، قَرينةُ الإنفاق». (٢) واختار الزمخشري والقرطبي هذا القول أيضًا، في تفسيريهما (٣)، غير أن الطبري قد ذكر في تفسيره لهذه الآية القول الفصل في هذا، حيث ذكر أن أهل الجدل قد اختلفوا في تفسير قوله تعالى على أربعة أقوال:\nالأول: أَنَّها بِمعنى نِعمتيه؛ لأَنَّ العربَ تقول: لكَ عندي يَدٌ، يعنون بذلك: نعمة.\nالثاني: أَنَّها بِمعنى القوةِ، وأَنَّ هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (٤) فهي بِمَعنى: أولي القوة.\nالثالث: أَنَّها بِمَعنى الملك، وقالوا: معنى قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]: مُلْكُهُ وخَزائِنُهُ، وذلكَ كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يَمينِهِ، وفلانٌ بيدهِ عُقدةُ نِكاحِ فلانة، أي: يَملكُ ذلك.\nالرابع: أنها صفة من صفات الله، تثبت لله ﷾ من غير تشبيه ولا تَمثيلٍ، ولا تكييف ولا تعطيل. ورجح الطبري هذا القول الرابع، واستدل له بِمَعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقال: «ولو كان معنى اليد في ذلك النعمة ما كان\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢٢٥.\n(٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٥٠.\n(٣) انظر: الكشاف ٢/ ٢٦٧، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(٤) ص ٤٥.","vol":"1","page":811},{"text":"لخصوصه آدم بذلك وجه مفهوم؛ إذ كان جميعُ خلقهِ مَخلوقين بقُدرته، ومشيئتهُ في خلقهِ تَعمُّهُ، وهو لِجَميعهم مالكٌ ... وإذا كان تعالى ذِكرهُ قد خَصَّ آدمَ بذكرهِ خَلقَهُ إِيَّاهُ بيدهِ دون غيرهِ من عباده، كان معلومًا أَنَّه إِنَّما خَصَّهُ بذلك لمعنى فارق به غيره من سائر الخلق ... وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة، أو الملك في هذا الموضع». (١) وهذا الشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عطية لتأويل اليدين في هذه الآية بأنها بمعنى النعمة قد استشهد به الطبري على أن العرب تطلق اليد على العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم يكون في الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصفهم بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه. ثم ذكر بيت الأعشى. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>٣ - صفة الكرسي</span>.\nأثبت الله لنفسه كرسيًا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣)، وهو خلق من خلق الله، وصفَه النبيُّ - ﷺ - فقال: «ما الكرسيُّ بِجانبِ العَرشِ إِلَّا كحلقةٍ في فلاةٍ». وهذا التفسيرُ هو قولُ جُمهورِ العلماء. قال الطبري: «الذي هو أَولى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأَثَرُ عن رسول الله - ﷺ -، وهو ما حدثني به عبدُ الله بنُ أبي زياد القَطَوانيُّ، قال: ثنا عبيدالله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ - ﷺ - فقالت: ادع اللهَ أَن يُدخلني الجنةَ. فَعَظَّمَ الربَّ ﷿، ثُمَّ قال: «إِنَّ كرسيَّه وَسِعَ السمواتِ والأرضَ، وإِنَّهُ ليَقعدُ عليهِ فما يَفضلُ منهُ مقدارُ أربعِ أصابع».\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٥٥٢ - ٥٥٣.\n(٣) البقرة ٢٥٥.","vol":"1","page":812},{"text":"ثُمَّ قال بأصابعهِ فَجمَعها: «وإِنَّ لَهُ أَطيطًا (١) كأَطيطِ الرَّحْلِ الجديدِ إذا رُكِبَ، مِن ثِقلهِ». (٢)\nوالصحيح قول الأزهري: «والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسيُّ: موضع القدمين، وأما العرش فأنه لا يُقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها». (٣)\nغير أَنَّ هناك مَنْ نَفى هذه الصفةَ، واستشهد على تأويله هذا بقول الشاعر (٤):\nما لِي بِأَمركَ كُرسيٌّ أُكاتِمُهُ ... ولا يُكرسئُ عِلمَ اللهِ مَخلوقُ (٥)\nوروي عن ابن عباس قول كهذا، غير أن الأزهري ذكر أن «الذي روى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم، فَليسَ مِمَّا يثبتهُ أَهلُ المعرفةِ بالأخبارِ». (٦) قال الشاطبي: «ومنهم - أي الباطنية - من فَسَّرَ الكُرسيَّ ... بالعِلْمِ، مستدلين ببيتٍ لا يُعرفُ، وهو:\n_________\n(١) الأطيط: صوت الرحل والنسع الجديد إذا ثقل عليه الراكب. انظر: لسان العرب ١/ ٩٢ (أطط).\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ٤/ ٥٤٠، وهذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ٧١، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ١/ ٣٠٢ برقم ٥٨٥، وقال الذهبي عنه: «وهذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدثين، أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان ... فإذا كان هؤلاء الأئمة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وعددهم الذين هم سرج الهدى، ومصابيح الدجى، قد تلقوا هذا الحديث بالقبول وحدثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتى ننكره، ونتحذلق عليهم؟ بل نؤمن به، ونكل علمه إلى الله عَزَّوَجَلَّ». انظر: كتاب العرش للذهبي ٢/ ١٢١ - ١٢٢\n(٣) تَهذيبُ اللغةِ ١٠/ ٥٤.\n(٤) لم أعرفه.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٥٥٢ - ٥٥٣، البحر المحيط ٢/ ٢٨٠.\n(٦) تَهذيبُ اللغةِ ١٠/ ٥٤، وانظر تعليق أحمد شاكر رقم (١) في تفسير الطبري ٥/ ٤٠١.","vol":"1","page":813},{"text":".................... ولا يُكرسئُ عِلمَ اللهِ مَخلوقُ\nكأَنَّهُ عندهم: ولا يَعلمُ عِلمَهُ، ويُكرسئُ مهموزٌ، والكرسي غير مهموز». (١) وهذه مسألة طال كلام المفسرين فيها. والغرض التمثيل لأثر الشواهد الشعرية في بعض المسائل العقدية، واحتجاج المخالفين بالشعر على ما ذهبوا إليه، وأنها شواهد مجهولة لا تقوم بها حجة في مثل هذه المسائل المُهِمَّةِ، التي لا تثبت إلا بنصوص شرعية ثابتة.\nوبالجُملةِ فإِنَّ أثَرَ الشاهدِ الشعري في كتب التفسير في الجانب العَقديِّ أثر كبير لِتعلقه بالعقيدة، وإن كانت أمثلتهُ قليلةً من حيث العدد، وقد كان للجانب العقدي عند الإباضية مثلًا أثرٌ في عنايتهم بالشاهد الشعري كما في أسئلتهم السابقة، وكما في مسائل نافع بن الأزرق، وكما في عناية بعض رؤوس المعتزلة بالشواهد الشعرية، كما تقدمت الإشارة إلى العلاف وحفظه للشواهد الشعرية، والمسائل اللغوية التي لها أثر في الجانب العقدي كثيرة، ومن أكثر المسائل التي مست العقيدة مسألة المَجاز، وحمل معاني الصفات عليه، ولذلك قال ابن عطية عند ذكره لأقوال المفسرين في المقصود بالميزان في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨] (٢): «القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعًا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان والصراط والجنة والنار والحشر، ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر:\nبِمِيزانِ قِسْطٍ لا يُخسُّ شَعيرةً ... لَهُ حاكِمٌ مِن نفسهِ غَيْرُ عائِلِ». (٣)\n_________\n(١) الموافقات ٤/ ٢٢٩، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة ٣٥، شرح الطحاوية للحنفي ٣١١.\n(٢) الأعراف ٨.\n(٣) المحرر الوجيز ٧/ ١٢.","vol":"1","page":814},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>المبحث الرابع: أثر الشاهد الشعري في الجانب الفقهي عند المفسرين</span>.\nالفقه في اللغة هو الفَهم (١)، وفي الاصطلاح: العلمُ بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. (٢) ويظهر الفقه في كتب التفسير عند تفسير الآيات القرآنية المشتملة على الأحكام الفقهية، وقد توسع فيها بعض المفسرين كالقرطبي في تفسيره، حتى عد كتابه من كتب الفقه لكثرة مسائل الفقه فيه، في حين اقتصر أغلب المفسرين على الوقوف عند دلالة الآيات دون التوسع في ذكر أقوال الفقهاء ومذاهبهم.\nوقد ذكر ابن سلام أن الفرزدق كان يجلس في حلقة الحسن البصري، فيأتي الناس يستفتون الحسن، فيتولى الفرزدق جوابهم بشعره، ويقره الحسن على ذلك. وقد أورد من ذلك مثالين، أحدهما: أنه جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! الرجل يقول في كلامه: لا والله، بلى والله، ولا يريد اليمين. فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ فقال الحسن: ما كُلُّ ما قلتَ سَمِعوا، وما قلتَ؟ قال: قلتُ:\nولستَ بِمأَخوذٍ بشيءٍ تَقولُهُ ... إذا لَمْ تَعَمَّدْ عاقِداتِ العزائمِ (٣)\nوقد أَخذهُ الفرزدقُ من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي\n_________\n(١) انظر: المحكم ٤/ ٩٢، مقاييس اللغة ٤/ ٤٤٢، لسان العرب ١٠/ ٣٠٥ (فقه).\n(٢) انظر: التوضيح شرح التنقيح ١/ ١٢، بيان المختصر ١/ ١٨، المجموع المذهب ١/ ٢١٠، نهاية السول ١/ ١٩.\n(٣) انظر: ديوانه ٨٥١.","vol":"1","page":815},{"text":"أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (١). وقد أَقرَّهُ الحسنُ على جوابه هذا. (٢)\nوالثاني: جاء رجل آخر إلى الحسن يسأله: يا أبا سعيد! إِنَّا نكونُ في هذه المغازي، فنصيبُ المرأة لها زوجٌ، أفيحلُ غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسنُ: ما كُلُّ ما قلتَ سَمِعوا، فما قلت في ذلك؟ قال: قلتُ:\nوذاتِ حَليلٍ أَنكحتْنَا رِماحُنَا ... حَلالًا لِمَنْ يَبْنِي بِها لَم تُطَلَّقِ (٣)\nفَصدقه الحسنُ، وحَكمَ بظاهرِ قولِه، ولم يزد على ذلك. (٤)\nوقد حفظت أبيات الشعر التي تشتمل على الأحكام الفقهية في كتب العلماء، كالأبيات التي رواها ابن حَجَر لليَزيديِّ في إثباتِ القياسِ مِن رواية أبي عمرو بن العلاء. (٥) وقد أُنشد الرشيدُ في مَجلسهِ أبياتًا من الشِّعر، وهي قول الشاعر:\nفإِنْ تَرْفُقي يا هِنْدُ فالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وإِنْ تَخْرَقِي يا هندُ فالخُرْقُ أَشأَمُ\nفأَنتِ طَلاقٌ، والطَّلاقُ عَزيِمَةٌ ... ثَلاثًا، ومَنْ يَخْرَقْ أَعَقُّ وأَشْأَمُ\nفَبِيْنِي بِها إِنْ كُنتِ غَيْرَ رفِيقةٍ ... وما لامرئٍ بعدَ الثلاثِ مُقَدَّمُ\nفاختلفوا في تفسيرها للاختلاف في إنشاد قوله: «عَزِيْمَة ثلاث»، فقد أنشد البيت (عزيمةٌ ثلاثٌ) بالرفع، و(عزيمةٌ ثلاثًا) بالنصب، فلم يعرفوا جوابها. فأرسلَ الرشيدُ إلى القاضي أَبي يوسف يسأله الجوابَ. فقال أبو يوسف: هذه مسألةٌ فقهيةٌ نَحويَّةٌ، فقصد الكسائيَّ يسألهُ، فقال: اكتب. أما من أنشد البيت بالرفع فقال عزيمة ثلاث، فإنما طلقها\n_________\n(١) المائدة ٨٩.\n(٢) انظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٣) انظر: ديوانه ٥٧٦.\n(٤) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده ١/ ٧١ - ٧٢.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣.","vol":"1","page":816},{"text":"واحدة، وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة، ولا شيء عليه. وأما من أنشد عزيمةٌ ثلاثًا فقد طلقها وأبانها، لأنه كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا. (١) وقد كان مثل هذا الشاهد من الشعر الذي يَمتزجُ فيه الفقهُ بالنحوِ شائعًا في مَجالسِ الفُقهاءِ والنحويين. (٢)\nوقد استعان المفسرون بالشاهد الشعري في تفسيرهم لهذه الآيات كغيرها من آيات القرآن الكريم، ولذلك فإن الشاهد الشعري قد ظهر أثره في هذا الجانب الفقهي في كتب التفسير في الآتي:\nأولًا: هناك آيات اختلف فيها المفسرون خلافًا فقهيًا ترتب على خلاف نحوي أو لغوي، وباعتبار الراجح من الرأيين يتغير الرأي الفقهي والتفسير تبعًا لذلك، وبالتالي يكون الشاهد الشعري مؤثرًا في مثل هذه المواضع، غير أن أمثلة ذلك في كتب التفسير قليلة منها:\n- عند تفسير قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧] (٣) قال ابن عطية وهو يفسر المقصود بالأسحارِ في الآية: «والسَّحَرُ والسَّحْرُ بفتح الحاء وسكونها آخرُ الليلِ، قال الزجاجُ وغيرهُ: هو قبلَ طلوعِ الفجرِ. (٤) وهذا صحيحٌ؛ لأَنَّ ما بعدَ الفَجرِ هو من اليومِ لا من الليلةِ. وقال بعض اللغويين: السَّحَرُ من ثلثِ الليلِ الآخرِ إلى الفجرِ». ثُمَّ عقَّب ابنُ عطية على هذا بقوله: «والحديثُ في التَنَزُّلِ (٥)، وهذه الآيةِ في الاستغفارِ يؤيدان هذا. وقد يَجيءُ في\n_________\n(١) انظر: مجالس العلماء للزجاجي ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(٢) انظر: مغني اللبيب ١/ ٣٣٣، شرح شواهد المغني ٦١، الأشباه والنظائر ٣/ ٤٢، ٤٣، ٤/ ٢٢٠، خزانة الأدب ٢/ ٧٠.\n(٣) آل عمران ١٧.\n(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٨٥.\n(٥) يشير إلى قول النبي: «يَنْزِلُ ربُّنا في كلِّ ليلةٍ إلى سَماءِ الدُّنيا، فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) وغيرهما. وانظر: شرح الطحاوية للحنفي ٢٦٩، ٦٨١.","vol":"1","page":817},{"text":"أَشعارِ العَرَبِ ما يقتضي أنَّ حُكمَ السَّحَرِ يستمرُّ فيما بعدَ الفجرِ، نَحو قولِ امرئ القيس:\nيُعَلُّ بهِ بَردُ أَنيابِها ... إذا غَرَّدَ الطائرُ المُسْتَحِرّ (١)\nيقال: أَسْحَرَ واستَحَرَ إذا دخلَ في السَّحَرِ، وكذلك قولهم: نَسِيمُ السَّحَرِ يقعُ لِمَا بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر (٢):\nتَجِدِ النِّساءَ حَواسِرًا يَندبْنَهُ ... قد قُمْنَ قبلَ تَبلُّجِ الأَسحارِ (٣)\nفقد قضى أَنَّ السَّحَرَ تبلَّجَ بطلوعِ الفجر، ولكنَّ حقيقةَ السَّحرِ في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفارِ المَحمودِ، ومن سُحُورِ الصائم، ومِن يَمينٍ لو وقعتْ، إِنَّما هي من ثُلُثِ الليل الباقي إلى السَّحَرِ». (٤)\nفقد استدل ابن عطية بالشواهد الشعرية في تبين معنى السحر في اللغة، غير أنه لم يحمل معنى السحر في الأحكام الشرعيةِ كسحورِ الصائمِ، على هذه الشواهدِ الشعريَّةِ التي تدل على أن السحر يستمر إلى ما بعد طلوع الفجر، وتبلج النور، وإِنَّما يحمل معنى السحر في العبادات على ما عُرِف في الشَّرعِ من كونِها قبل الفجر. (٥)\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] (٦)، ذكر القرطبيُّ قولَ خداش بن زُهَيْرٍ العامريِّ:\nرَأَيتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلِّ شِيءٍ ... مُحاولةً وأَعظمَهُ جُنُودا (٧)\nفي أثناءِ تقويته لرأيِ جُمهورِ الفُقهاءِ أَنَّهُ لا يُجزئُ في الدخولِ في\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٥٨.\n(٢) هو الربيع بن زياد العبسي، شاعر جاهلي من قيس عيلان.\n(٣) انظر: التعازي والمراثي للمبرد ٢٨٠، شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٩٩١.\n(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٠.\n(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٣٨ - ٣٩.\n(٦) البقرة ٣.\n(٧) منتهى الطلب للميموني ٨/ ٣٥٩.","vol":"1","page":818},{"text":"الصلاةِ إِلَّا لفظُ التكبيرِ، ولا يُجزئُ منهُ تَهليلٌ ولا تسبيحٌ ولا تعظيمٌ ولا تَحميدٌ، ونص على أنه: «لا يُجزئُ عند مالكٍ إِلَّا «الله أكبر» لا غير ذلك». (١)\nذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (٢) اختلاف العلماء في المراد بالأيام المعدودات في الآية، فمنهم مَنْ قالَ: إنها الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، ومنهم من عَدَّهُ منها، ثُمَّ قال مؤيدًا لاستدلاله أن أيام منى ثلاثة معدودة ليس يوم النحر منها: «ومن الدليلِ على أنَّ أيامَ مِنى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قولُ العَرْجِيِّ:\nما نَلْتَقِي إِلَّا ثَلاثَ مِنى ... حتى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْرُ (٣)». (٤)\nفجعلَ شاهد الشعر مؤيدًا لقول القائلين بأَنَّ أَيامَ مِنًى ثلاثة معدودة، وليس حجة في هذا السياق، ولكنه استأنس به استئناسًا، مع ملاحظة موضوع الشاهد الشعري هنا، وكونه في النسيب، غير أنه لم يكن المفسرون يتحرجون في مثل هذه الشواهد.\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] (٥) ذكر القرطبيُّ إِجْماعَ العلماءِ على أنَّ الأَخَوينِ فصاعدًا يَحجُبانِ الأُمَّ حَجْبَ نُقصانٍ من الثلث إلى السُّدسِ فقال: «أَجْمعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ أخوين فصاعدًا ذكرانًا كانوا أو إناثًا، من أبٍ وأمٍّ، أو من أبٍ، أو مِن أُمٍّ يَحجبونَ الأُمَّ عن الثلث إلى السدس، إلا ما روي عن ابن عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد، ولا يَحجُبُ الأُمَّ أَقلُّ مِن ثلاثةٍ». (٦)\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٢) البقرة ٢٠٣.\n(٣) انظر: ديوانه ٤٣.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢.\n(٥) النساء ١١.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٧٢.","vol":"1","page":819},{"text":"ثم استدل بأدلة تؤيد صحة ما ذهب إليه القائلون بأَنَّ الاثنين جَمعٌ، ومن هذه الأدلة قوله: «وصحَّ قولُ الشاعرِ (١):\nومَهْمَهَيْنِ قَذَفيْنِ مَرْتَيْن ... ظَهراهُما مِثلُ ظُهورِ التُّرسَيْن (٢)\nوأنشد الأخفش:\nلَمَّا أَتَتْنا المَرأَتَانِ بِالخَبَرْ ... فَقُلْنَ إِنَّ الأَمْرَ فينا قَدْ شُهِرْ (٣)\nوقال آخر (٤):\nيُحَيَّ بالسَّلامِ غَنِيُّ قَومٍ ... ويُبْخَلُ بالسَّلامِ على الفقيرِ\nأليسَ الموتُ بينهما سَواءٌ ... إذا ماتوا وصاروا في القبورِ؟ (٥)». (٦)\nوالشاهد في هذه الأبيات عودةُ ضميرِ الجمْعِ على المُثَنَّى المتقدم، مِمَّا يَعني اعتبار المثنى جَمعًا، فالشاهد في الأول قوله (ظُهور التُّرْسَيْن) فجمع الظهور، وفي الثاني قوله (فقلن) ولم يقل (فقالتا)، وفي الثالث قوله (ماتوا وصاروا) فالضمير يعود على مثنى، وهذا دليل على أَنَّ الأخوين يَحجُبانِ الأمَّ حجبَ نقصانٍ. وهذا يدل على أثر الشاهد الشعري في مسائل الفقه، وأن المفسرين استشهدوا به في ذلك.\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] (٧) ذكر القرطبي اختلاف علماء اللغة والفقهاء في الفَرْقِ بين\n_________\n(١) هو خطام المجاشعي، وهو شاعر إسلامي.\n(٢) المَهْمَهُ: القَفْرُ المَخُوفُ، والقَذَفُ - بفتحتين وبضمتين - البَعيدُ من الأرض، ويروى: فَدْفَدين، والفَدْفَدُ: الأرضُ المستوية، والمَرْتُ: الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، والظَّهْرُ: ما ارتفع من الأرضِ، والترس: ما يتقي به الفارس في الحرب. انظر: الكتاب، خزانة الأدب ٢/ ٣١٦، ٧/ ٥٤٤.\n(٣) لم أجده.\n(٤) هو هاني بن توبة بن سحيم بن مرة الشيباني.\n(٥) انظر: جمهرة الأمثال للعسكري ١/ ٢١٨.\n(٦) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٧٣.\n(٧) التوبة ٦٠.","vol":"1","page":820},{"text":"الفقيرِ والمِسكينِ، فذهب بعضهم إلى أنَّ الفقيرَ أَحسنُ حالًا من المسكين، وذهبوا إلى أنَّ الفقيرَ الذي له بعضُ ما يكفيه، ويُقيمُهُ. والمسكينُ الذي لا شيءَ لهُ، واستشهدوا على ذلك بقول الراعي النُّميريِّ:\nأَمَّا الفَقِيْرُ الذي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ (١)\nومعنى قولِهِ: وَفْق العِيالِ: على قَدْرِ كفاية عيالهِ من اللبن، ولا فضل فيها. (٢)\nذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (٣) أن ما لم يبلغ نصاب الزكاة لا يسمى مالًا، ونسب هذا القول لثعلب. واستشهد على ذلك بقول الشاعر:\nواللهِ ما بَلَغَتْ لي قَطُّ مَاشيةٌ ... حَدَّ الزَّكاةِ ولا إِبْلٌ ولا مالُ (٤)\nوقد ذكر هذا القول عن ثعلب أبو علي القالي فقال: «قال أبو بكر (٥): المال عند العرب الإبل والغنم. والفضّة: الرّقة والورق. والذّهب: النّضر والنّضير والعقيان. قال وحدثنا أبو العباس أَحْمدُ بنُ يَحيى قال: المالُ عند العربِ أقلُّهُ ما تَجبُ فيه الزكاةُ، وما نَقَصَ مِنْ ذلك فلا يقعُ عليه مال. قال وأنشدنا أبو العباس ...». (٦) ثُمَّ ذكر الشاهد.\nومن الأمثلة على الشواهد الشعرية ذات العلاقة بالأحكام الفقهية\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٦٤.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٦٩.\n(٣) التوبة ١٠٣.\n(٤) انظر: أمالي القالي ٢/ ٣٠٢.\n(٥) هو أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري وقد تقدمت ترجمته، وهو شيخ أبي علي القالي، وقد روى عنه كثيرًا من شواهد الشعر في تفسير القرآن في أماليه كما في ٢/ ٢٦٢، ٢٦٨.\n(٦) أمالي القالي ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.","vol":"1","page":821},{"text":"في مناسك الحج في كتب التفسير ما ذكره العلماء عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩] (١) في بيان معنى «التَّفَثِ»، فقد ورد في بيانِ معناها أقوالٌ عن العلماء، منها قولُ الإمام مالك أَنَّ المقصود بالتَّفَثِ حَلْقُ الشَّعَرِ، ولبسُ الثيابِ، وتقليمُ الأظفارِ، وما أتبع ذلك مِمَّا يُحِلُّ به المُحرِم (٢).\nوفي الجمهرة لابن دريد: «قال أبو عبيدة: هو قصُّ الأظافرِ، وأَخْذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إِلَّا النِّكاح، ولم يَجئ فيه شِعْرٌ يُحتجُّ بهِ». (٣) وقال الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يَعرفُونَهُ إِلا من التفسيرِ». (٤) وذكر مثلَ ذلك الأزهريُّ (٥).\nغير أَنَّ ابنَ العربيِّ قد تتبع هذه اللفظةَ في كتب العلماء فقال: «ثُمَّ تتبعتُ التفث لغةً فرأيتُ أبا عبيدةَ مَعْمَرَ بنَ المُثنَّى قد قال: إنه قصُّ الأظفارِ، وأخذُ الشاربِ، وكل ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إلا النكاح، ولم يَجئ فيه بشعرٍ يُحتجُّ بهِ. وقال صاحب العينِ: التفثُ هو الرميُ، والحَلْقُ، والتقصيرُ، والذبحُ، وقَصُّ الأظفارِ والشاربِ، ونتفُ الإبطِ. وذكر الزجاج والفراء نحوه (٦)، ولا أُراهُ أَخَذَهُ إلا من قَولِ العُلماءِ. وقال قُطرب: تَفِثَ الرجلُ إذا كَثُرَ وَسَخُهُ، وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلتِ:\nحَفُّوا رؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ... ولَم يَسلُّوا لَهُمْ قَمْلًا وصِئْبَانا (٧)». (٨)\nثُمَّ قال ابنُ العربي معلقًا على هذه الأقوال: «وإذا انتهيتم إلى هذا المقامِ ظهرَ لكمْ أَنَّ ما ذُكِرَ أَشارَ إليهِ أميةُ بنُ أَبي الصَّلْتِ، وما ذَكرهُ\n_________\n(١) الحج ٢٩.\n(٢) انظر الأقوال في تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٥٢٥ - ٥٢٨.\n(٣) جَمهرة اللغة ١/ ٣٨٤، وانظر عبارة أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٥٠ وليس فيها قوله: «ولم يجئ فيه شعر يُحتجُّ به».\n(٤) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٢٢.\n(٥) انظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٢٦٦.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٢٤.\n(٧) انظر: ديوانه ١٢٧.\n(٨) أحكام القرآن ٣/ ٢٨٤.","vol":"1","page":822},{"text":"قطربُ هو الذي قالَهُ مالكُ، وهو الصحيحُ في التفثِ، وهذهِ صورة قضاءِ التَّفَثِ لغةً، وأما حقيقتهُ الشرعيةُ فإذا نَحَرَ الحاجُ أو المعتمرُ هَدْيَهُ، وحَلَقَ رأسَهُ، وأَزَالَ وَسَخَهُ، وتطهَّر وتنقَّى، ولَبِسَ الثيابَ، فَيقضي تَفثَهُ». (١)\nفقد تنبَّهَ ابنُ العربيِّ مستدركًا على مَنْ نَفَى وجودَ هذه اللفظةِ الغريبةِ في شِعْرِ العَرَبِ، ونقل ذلك القرطبي في تفسيره. (٢) وأميةُ مِمَّن احتجَّ المفسرون بأَشعارِهم في غير موضعٍ من كتبِ التفسير كما تقدم تفصيله، وعبارة أبي عبيدة في أن هذه اللفظة لم ترد في شعر العرب، قد لقيت صدى في كتب أهل اللغة، وعلق عليها عبد السلام هارون فقال: «والبيتُ - أي بيت أمية - حُجةٌ على أبي عبيدة إذ يقول: ولم يَجئ فيهِ شِعْرٌ يُحتجُّ بهِ» (٣)، غير أَنَّ تلميذَهُ الجاحظَ أصاب في قوله: «وما أَقلَّ ما ذَكَرَوا التَّفَثَ في الأشعار» (٤)، بعدَ أَنْ ذَكَرَ بيتَ أُميَّة بن أبي الصَّلْتِ السابق، وبَيَّنَ المقصودَ بالتَّفَثِ، فهو قليل الورود فحسب كسائر غريب اللغة، وإن كان أبو عبيدة لم يقل هذا في «مَجازِ القرآن» حيث مَظِنَّتُهُ، فربما ذكره في موضع آخر.\nوهناك شاهد آخر لهذه اللفظة هو قول الشاعر:\nقَضَوا تَفَثًا ونَحْبًا ثُمَّ ساروا ... إِلى نَجْدٍ وما انتظرُوا عَليَّا (٥)\nوالأمثلة على أثر الشاهد الشعري في مسائل الفقه التي بحثها المفسرون قليلة، وهي في تفسير القرطبي أكثر، لعنايته بِمسائل الفقه وفروعه وما يتعلَّق بِها، وأما تفسير الطبري وابن عطية والزمخشري فلم تلتفت لمثل هذه الشواهد كما صنع القرطبي، ولذلك ندرت أمثلتها في كتبهم، ويمكن القول بعد هذا أن أثر الشاهد الشعري في الجانب الفقهي في كتب التفسير لم يكن ظاهرًا، وأن أمثلته قليلة.\n_________\n(١) المصدر السابق ٣/ ٢٨٥.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٥٠.\n(٣) الحيوان ٥/ ٣٧٧ حاشية المحقق رقم ٢.\n(٤) الحيوان ٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧.\n(٥) لم أعرف قائله. .","vol":"1","page":823},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>المبحث الخامس: أثر الشاهد الشعري في الترجيح بين الأقوال في التفسير</span>.\nالتَّرجيحُ مَصدرٌ مِن رَجَّحَ المشدد، ويقال: رَجَحَ الميزانُ، إذا ثَقُلَتْ كِفتهُ ومالتْ، والراء والجيم والحاء أصل واحد يدل على رَزَانةٍ وزيادةٍ، يقال: رَجَحَ الشيءُ وهو راجحٌ إذا رَزَنَ. (١) وأَرجحَ الميزانَ، أي: أَثقَلَهُ حتى مَالَ. (٢)\nوالأصوليون يُعرِّفونَ الترجيح بأَنَّه «تقويةُ إِحدى الإِمارتينِ على الأُخرى لِدليلٍ». (٣) وأما الترجيح في تفسير القرآن فهو تقويةُ أَحَدِ الأقوالِ في تفسير الآيةِ المختلف في تفسيرها لدليلٍ، أو لتضعيفِ أَو رَدِّ ما سِواهُ. (٤)\nوقد كان للشاهد الشعري أَثَرٌ في الترجيح بَيْنَ الأقوال في كتب التفسير؛ إذ إنه يكون غالبًا هو المُرَجِّحُ للتفسيرِ اللغويِّ في معظم المسائلِ التي يكونُ الترجيحُ فيها لغويًا، وقد يكونُ سببُ الترجيحِ هو التركيبُ أو معنى اللفظةِ.\nوالمادة التي جَمعتها من كتب التفسير، وكان للشاهد الشعري أثر\n_________\n(١) انظر: مقاييس اللغة ٢/ ٤٨٩.\n(٢) انظر: تهذيب اللغة ٤/ ١٤٢، لسان العرب ٥/ ١٤٢.\n(٣) شرح الكوكب المنير ٤/ ٦١٦، انظر: أصول السرخسي ٢/ ٢٤٩، المحصول للرازي ٢/ ٥٢٩، البحر المحيط للزركشي ٦/ ١٣٠.\n(٤) انظر: قواعد الترجيح عند المفسرين لحسين الحربي ١/ ٣٥.","vol":"1","page":824},{"text":"واضحٌ في ترجيح قولٍ على قولٍ فيها، لا تَخرُجُ أوجهُ الترجيحِ فيها عن ثلاثة أوجهٍ، هي:\n١ - الترجيح بين الأقوالِ في تفسير اللفظةِ القرآنيةِ، وبيان معناها في الآية.\n٢ - الترجيح بين الأساليب والتراكيب.\n٣ - الترجيح بين القراءات، والاختيار منها.\nوفيما يأتي بيان لهذه الأوجه، مع ذكر أمثلةٍ عليها من كتب التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>أولًا: الترجيح بين الأقوال في تفسير اللفظة القرآنية</span>.\nيكثر اختلاف المفسرين في تفسيرهم للمفردات والألفاظ القرآنية، ويختلف سبب الاختلاف من موضع إلى آخر، فقد يكون لكون اللفظة من المشترك اللغوي (١) مثلًا فيختار كلُّ مُفسِّرٍ ما يَراهُ أَليقَ بالسياقِ، وما يعضدهُ الدليلُ. ويستشهد المفسرون في مثل هذه المسائل بالشاهد الشعري لدعم اختياره، وبيان سببه. وقد كان لعلماءِ اللغةِ أَثَرٌ بارزٌ في جَمع الشواهد الشعرية التي تُبَيِّنُ معاني المفردات، وكانت هذه الشواهد مادةً غزيرةً للمؤلفين في مَعاجمِ اللغة، وكان للمفسرين أَثَرٌ في شرح كثيرٍ من المفرداتِ اللغويةِ شَرحًا يَدلُّ على تَمكنهم من علوم اللغةِ ومعانيِها؛ وتفوقوا على اللغويين بِجَمعهم بين العلمِ بتفاسيرِ السَّلفِ، ومعرفتهم بلغةِ العرب، فوُفِّقوا في شرحهم للمفرداتِ القرآنيةِ، والاستشهاد على معانِيها بالشَّواهدِ الشعريةِ التي تدل على المعاني المقصودةِ في القرآن، والمناسبةِ لسياقِ الآياتِ، وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن منهج المفسرين في\n_________\n(١) هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة. انظر: البحر المحيط للزركشي ٢/ ١٢٢، التعريفات ٢٦٩، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ٦٥٧.","vol":"1","page":825},{"text":"الاستشهاد بالشعر ومراعاتهم للسياق في ذلك، في حين وَقَعَ بعضُ اللغويين الذين صنفوا في تفسير القرآن بسبب قِلَّةِ نصيبهم من المعرفة بتفسير السَّلفِ في أخطاءَ تَعقَّبهم فيها المفسرون، وبَيَّنوا أَنَّه ليسَ كُلُّ ما يصحُّ في لغةِ العَرَبِ يَصِحُّ تفسير القرآن الكريم بهِ، وأَنَّ للقرآنِ الكريمِ عُرفٌ خَاصٌّ يَجبُ أَنْ يُفسَّرَ بهِ، ولا تُحْملُ معانيه على ما تَحتملهُ ألفاظُ اللغةِ من معانٍ. (١)\n١ - من الأمثلة كذلك في تفسير الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] (٢)، بعد أَنْ ذَكَرَ الأقوال في المراد بالرَّهْوِ، فقد فَسَّرَهُ بعضُهم فقال: معناه اتركه على هيئته وحاله التي كان عليها، وقيل: معناه اتركه سهلًا، وقيل: معناه اتركه يَبَسًا جَدَدًا. (٣) ثُمَّ قال بعد ذلك تعقيبًا على هذه الأقوال: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه اتركهُ على هيئتهِ كما هوَ، على الحالِ التي كان عليها حين سَلَكْتَهُ؛ وذلك أَنَّ الرَّهْوَ في كلامِ العَربِ: السُّكُونُ، كما قال الشاعر (٤):\nكأَنَّما أَهْلُ حُجْرٍ يَنظرونَ مَتَى ... يَرَونَنِي خارِجًا طَيْرٌ يَنَادِيدِ (٥)\nطَيْرٌ رأَتْ بَازيًا نَضْحُ الدِّماءِ بِهِ ... وأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْوًا إِلى عِيْدِ (٦)\nيعني: على سُكُونٍ». (٧)\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ٢١٠، ٥/ ٣٣٧، ٦/ ٣٠٩، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦، ٧/ ٢٨٦، التفسير اللغوي للقرآن الكريم للطيار ٦٣٣.\n(٢) الدخان ٢٤.\n(٣) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٣٥ - ٣٧.\n(٤) هو عطارد بن قرأن الحنظلي. انظر: شرح أبيات معاني القرآن لناصر حسين ١١٨.\n(٥) طَيْرٌ يَناديدُ وأَنادِيدُ: أَبابيلُ، بمعنى متفرقة. انظر: إصلاح المنطق ١٨١، تهذيب اللغة ١٤/ ٧٢.\n(٦) انظر: معاني القرآن للفراء ٣/ ٤١.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٣٧ - ٣٨.","vol":"1","page":826},{"text":"فكان الشاهدُ الشعريُّ مُرجِّحًا ومؤكدًا لِلمَعنى اللغويِّ للرَّهْوِ الذي اختاره الطبريُّ في تفسير هذه الآيةِ، وهذا التفسيرُ هو قولُ ابن عباس والحسن وغيرهما. (١)\nورجحه أيضًا ابن عطية، وسلك منهج ابن جرير في الترجيح فاستشهد له بشواهد أخرى من الشعر إضافةً لشاهدِ الطبري فقال بعد سوقه أقوالًا في تفسير الرَّهْوِ: «وقال ابنُ عباس ﵄: معناه ساكنًا، أي كما جُزْتَهُ. وهذا القولُ الأخيرُ هو الذي تُؤيدهُ اللغةُ، فإِنَّ العيشَ الرَّاهِي هوَ الذي في خَفضٍ ودَعَةٍ وسُكونٍ، حكاهُ المُبَرِّدُ وغيرهُ (٢)، والرَّهوُ في اللغةِ هو هذا المعنى (٣)، ومنه قولُ عُمَيْر بن شُيَيم القُطامي:\nيَمْشِيْنَ رَهْوًا فلا الأَعْجازُ خَاذِلَةٌ ... ولا الصُّدورُ على الأَعجازِ تَتَّكِلُ (٤)\nفإِنَّما معناهُ: يَمشينَ اتئادًا وسُكونًا وتَماهلًا». (٥) واستشهد القرطبي لهذا التفسير المُختارِ بشاهدٍ شعريٍّ آخر غير ما ذكره الطبري وابن عطية، وهو قول النابغة الذبياني:\nوالخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أَعِنَّتِها ... كالطَّيْرِ تَنْجُو من الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ (٦)\nوأَمَّا الزمخشريُّ فقد ذكر للرَّهوِ وجهين من التفسير، ولم يَجزِم بأَحدِهِما، واستشهدَ ببيتِ القُطاميِّ، وَوهمَ فنَسَبَهُ للأعشى (٧).\nوهذا المثال الجامع، دليلٌ على أَثَرِ الشاهدِ الشعريِّ في الترجيحِ\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٣٧.\n(٢) انظر: الكامل ٢/ ٧٣٧، الاشتقاق لابن دريد ٤٠٥.\n(٣) انظر: تهذيب اللغة ٦/ ٤٠٣، مقاييس اللغة ٢/ ٤٤٦، لسان العرب ٥/ ٣٥٠ (رها).\n(٤) انظر: ديوانه ١٩٥.\n(٥) المحرر الوجيز (قطر) ١٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣.\n(٦) تَمْزَعُ: تُسرِعُ في سيرها، والشُّؤبوبُ: دَفع المطر وشدته. ورواية الديوان «غَربًا» بدل «رهوًا» فلا شاهد فيه على رواية الديوان. انظر: ديوانه ٢٣، الجامع لأحكام القرآن ١٣٧.\n(٧) انظر: الكشاف ٥/ ٤٦٩.","vol":"1","page":827},{"text":"في التفسير، فقد كان مُرجِّحًا للتفسير الصحيح لهذه اللفظةِ، وقد سلكَ المفسرون منهجًا واحدًا في الترجيح بالشاهد الشعريِّ وإن اختلفت شواهدهم، وهو ترجيحٌ يتعلَّقُ بِمَعنى اللفظة في الآية.\n٢ - ومن الأمثلة التي ظهر فيها أثر الشاهد الشعري في اختيار المعنى المناسب للفظة القرآنية ما قاله الطبري في معنى «التَّرائبِ» عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧] (١)، حيث ذكر أقوالَ أهل التفسير فيها، وهي ستة أقوالٍ: إِنَّها موضع القلادة من صدر المرأة، أو هي ما بين المنكبين والصدر، أو اليدان والرجلان والعينان، أو ما بين صُلبِ الرجلِ ونَحرهِ، أو الأضلاع التي أسفل الصُّلبِ، أو عُصارَةُ القَلبِ. (٢)\nثُمَّ قال الطبري مَرجحًا للقولِ الأول: «والصوابُ من القَولِ في ذلكَ عِندنا، قولُ مَن قال: هو موضعُ القِلادةِ من المرأةِ، حيثُ تَقَعُ عليهِ مِن صَدرِها؛ لأَنَّ ذلك هوَ المعروفُ في كلامِ العَرَبِ، وبهِ جاءتْ أَشعارُهُم، قال المُثَقِّبُ العبديُّ:\nومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ على تَريبٍ ... كَلَونِ العاجِ ليسَ بِذِي غُضُونِ (٣)\nوقال آخر (٤):\nوالزَّعْفرانُ على تَرائِبِها ... شَرِقا بِهِ اللَّبَّاتِ والنَّحْرُ (٥)». (٦)\nفرَجَّحَ ما دلت عليه شواهدُ الشعرِ، وما عُرِفَ مِن كلامِ العَرَبِ من\n_________\n(١) الطارق ٧.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٩٢ - ٢٩٦.\n(٣) رواية الديوان: «ومن ذهب يلوح»، يُسَنُّ: أي يُصَبُّ، والغُضون: الأَخاديدُ والتجاعيدُ. انظر: ديوانه ١٥٩\n(٤) هو الحارث المخزومي.\n(٥) اللَّبات هي الترائب، انظر: ديوانه ٨٧، تفسير القرطبي (هجر) ٢٢/ ٥٤٦، معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٦.\n(٦) تفسير الطبري (هجر) ٢٤/ ٢٩٦.","vol":"1","page":828},{"text":"مَعنى الترائبِ وهوَ موضعُ القلادةِ من صَدرِ المرأةِ، وهو قولُ جُمهورِ المفسرينَ، وعليه إجْماعُ أهلِ اللغة. (١) وأما الأقوال الأخرى فقال ابن عطية عنها: «وفي هذهِ الأقوالِ تَحكُّمٌ على اللغةِ». (٢)\n٣ - وفي تفسير ابن عطية للمروة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (٣) ذكر أقوال المفسرين في معنى المروة، فقد قيل: إِنَّها الحجارة الصغار التي فيها لِيْنٌ، وقيل: هي الحجارة الصلاب خاصة. ثُمَّ ذكر شاهد هذا القول الثاني من الشِّعرِ، وهو قولُ الشاعر:\nوتَولِّى الأرضَ خُفًّا ذَابِلًا ... فإِذا ما صَادفَ المَروَ خَضَعْ (٤)\nثُمَّ قال: «والصحيحُ أَنَّ المَروَ الحِجارةُ، صَلِيبُها ورِخوُها، الذي يَتشَظَّى وتَرِقُّ حاشيتهُ، وفي هذا يُقالُ المَروُ أكثرُ، وقد يُقالُ في الصَّليبِ، وتأَمَّلْ قولَ أبي ذؤيب:\nحَتى كَأَنِّي لِلحَوادثِ مَرْوةٌ ... بِصفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَومٍ تُقْرَعُ (٥)». (٦)\nفمعنى المروة في بيت أبي ذؤيب الحجارة الصَّلْبَةُ (٧)، قال في لسان العرب: «المَرْوُ: حجارة بيضٌ بَرَّاقة تكون فيها النار وتُقْدَح منها النار؛ قال أَبو ذؤيب:\nالواهِبُ الأُدْمَ كالمَرُوِ الصِّلاب، إِذا ... ما حارَدَ الخُورُ، واجْتُثَّ المَجاليحُ (٨)\nواحدتها مَرْوَةٌ ... وقال أَبو خَيْرَة: المَرْوة الحجر الأَبيض الهَشُّ يكون فيه النار، أَبوحنيفة (٩): المَرْوُ أَصلب الحجارة» (١٠).\n_________\n(١) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٩٤، الكشاف ٦/ ٣٥٢، المحرر الوجيز ١٦/ ٢٧٧، الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٦.\n(٢) المحرر الوجيز ١٦/ ٢٧٧.\n(٣) البقرة ١٥٨.\n(٤) انظر: ديوان الأعشى ٢٩١ وتقدم تخريجه.\n(٥) سبق تخريجه وشرحه.\n(٦) المحرر الوجيز ٢/ ٢٥.\n(٧) انظر: شرح أشعار الهذليين للسكري ١/ ١٠.\n(٨) انظر: ديوان الهذليين ١/ ...\n(٩) هو أبو حنيفة الدينوري اللغوي.\n(١٠) لسان العرب ١٣/ ٨٩ (مرا)","vol":"1","page":829},{"text":"٧ - ومن الأمثلة أيضًا التي تبين أثر الشاهد الشعري في الترجيح بين الأقوال في التفسير قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]﴾ (١) بعد أن ذكر اختلاف المفسرين في بلوغ الغلام، أم عدم بلوغه. فاختار القول ببلوغ الغلام، ومن جملة الأدلة التي استدل بها على صحة اختياره أن العرب تطلق على الشاب البالغ اسم الغلام، وليس وصف الغلام مقصورًا على الصغير الذي لم يبلغ فقال: «وقد احتجَّ أهلُ القولِ الأولِ بأَنَّ العَرَبَ تُبْقِي على الشابِّ اسمَ الغلامِ، ومنهُ قولُ ليلى الأخيلية:\nشَفاها مِن الدَّاءِ العُضالِ الذي بِها ... غُلامٌ إذا هَزَّ القناةَ سَقَاها (٢)\nوقال صفوانُ لحسان:\nتَلَقَّ ذُبابَ السَّيفِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَستُ بِشَاعرِ (٣)». (٤)\nوقد يكون الترجيحُ والاختيار لأصل اشتقاقيٍّ على آخرَ في اللفظةِ، ومن ذلك قولُ ابن عطية وهو يبين أصل اشتقاق لفظ القُرآن: «والقول الأولُ أَقوى أَنَّ القرآنَ مصدرٌ مِن «قرأ» إذا تلا، ومنه قولُ حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان ﵁:\nضَحَّوا بِأَشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ الليلَ تَسبيحًا وقُرآنا (٥)\nأي: قراءةً». (٦) وأمثلة استشهاد المفسرين بالشاهد الشعري عند الترجيح بين الأقوال في اختيار المعنى الصحيح للفظة القرآنية كثيرة. (٧)\n_________\n(١) الكهف ٧٤.\n(٢) انظر: ديوانها ٨٧، الكامل ١/ ٣٩٨، أمالي القالي ١/ ٨٦.\n(٣) هو صفوان بن أمية، والبيت في السيرة النبوية ٣/ ١٢٤.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢١.\n(٥) انظر: ديوانه ٢١٦.\n(٦) المحرر الوجيز ١/ ٤٥.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ١١٥، ٢٣/ ٥٧٧، ١٤/ ٢٨٤.","vol":"1","page":830},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>ثانيًا: الترجيح بين الأساليب</span>.\nاستشهد المفسرون بالشعر في مواضع متفرقة من كتبهم عندما يقع الخلاف حول المعنى المراد بتركيب قرآني يحتمل أكثر من معنى، ويكون المجال مفتوحًا للمفسر ليختار المعنى الأليق بهذا التركيب، فيرجع المفسرون للغة لكي ينظروا في أمثال هذا التركيب والمراد به عند العرب. ومن أمثلة استشهاد المفسرين بالشعر للترجيح بين تراكيب قرآنية:\n١ - قال القرطبي عند بيان المقصود بالآلِ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] (١): «واختلفت النحاةُ أيضًا هل يُضافُ الآلُ إلى المُضمرِ أَو لا؟ فمنعَ من ذلك النحاسُ والزبيديُّ والكسائيُّ، فلا يقالُ إِلَّا: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وآلِ مُحمدٍ، ولا يُقال: وآلهِ. والصوابُ أَنْ يقالَ: أَهلهُ. وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أَنَّ ذلك يُقالُ. منهم ابن السِّيد وهو الصوابُ؛ لأَنَّ السَّماعَ الصحيحَ يعضدهُ، فإِنَّهُ قد جاءَ في قول عبد المطلب:\nلا هُمَّ إِنَّ العَبدَ يَمنَـ ... ـعُ رَحْلَهُ فامنعْ حِلالَكْ\nوانصُرْ على آَلِ الصَّليـ ... ـبِ وعَابديهِ اليومَ آَلَكْ (٢)\nوقال نُدبَةُ:\nأَنا الفارسُ الحامي حَقيقةَ وَالدِي ... وآلي كَما تَحمِي حَقيقةَ آلِكا (٣)\nالحَقيقةُ - بقافين: ما يَحِقُّ على الإنسانِ أَن يَحميَهُ، أَي: تَجبُ عليه حِمَايتهُ». (٤)\n_________\n(١) البقرة ٤٩.\n(٢) انظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي ٥٢.\n(٣) روايته في الديوان المَجموع:\nأَنا الفَارسُ الحامِي الحَقيقةَ وَالذي ... بهِ أُدْرِكُ الأبطال قِدمًا كَذلكا\nوالقرطبي رواه كما رواه ابن السيد البطليوسي. انظر: ديوان ندبة بن خفاف السُّلمي ٨٢، شرح أدب الكتاب ١/ ٣٨.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٨٣.","vol":"1","page":831},{"text":"وما ذهب إليه القرطبي استنادًا للسَّماعِ عن العرب الذي تشهد له شواهد الشعر، هو الذي اختاره عدد من النحويين كابن السِّيْدِ البَطَلْيُوسي، حيث قال: «وقد وجدنا مع ذلك «آلًا» في الشعر مُضافًا إلى المُضمَرِ ... وقال الكميت:\nفأَبْلِغْ بَنِي الهِنْدَيْنِ مِنْ آلِ وائِلٍ ... وآلِ مَنَاةٍ والأَقارِبِ آَلِها\nأَلُوكًا تُوافي ابني صَفيَّةَ وانتَجِعْ ... سَواحِلَ دُعمِيٍّ بِها ورِمَالَها (١)» (٢)\n٢ - وقال الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (٣) وكيف قالَ الله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾، والذي قال ذلك فريقٌ منهم لا جَميعهم: «العَرَبُ قد تُخرِجُ الخَبَرَ، إذا افتخرت مَخرجَ الخَبَرِ عن الجماعةِ، وإِن كان ما افتخرت بهِ مِن فعلِ واحدٍ منهم، فتقولُ: نَحنُ الأجوادُ الكرامُ، وإِنَّما الجوادُ فيهم واحدٌ منهم، وغيرُ المُتكلِّمِ الفاعلُ ذلكَ، كما قال جرير:\nنَدَسْنا أَبا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنا ... ومَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ ناقِعُ (٤)\nفقال: «نَدَسْنا»، وإِنَّما النَّادِسُ رجلٌ من قَومِ جَريرٍ غيرُهُ، فأَخرجَ الخَبَر مَخرجَ الخبر عن جَماعةٍ هو أحدهم، فكذا أَخْبَر الله عَزَّ ذكرهُ عن النَّصارى أَنَّها قالت ذلك، على هذا الوجه إِنْ شاء الله». (٥)\n٣ - وقال الزمخشري: «﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]﴾ (٦) ... وعن الحَسَنِ: أَنَّهُ قول الله سبحانه يُكذِّبُهم، وإِنَّما يستقيم أَنْ لَو فُتحت الهمزةُ للاستفهام الذي في معنى الإنكار، ووجهه أن يكون نحو قوله:\n_________\n(١) انظر: ديوان الكميت ١/ ٣٩١.\n(٢) شرح أدب الكتاب ١/ ٣٧.\n(٣) المائدة ١٨.\n(٤) النَّدْسُ: الطَّعنُ، والقين: العبدُ، ومارَ الدمُ: سالَ وجَرَى، والنَّاقعُ: الطري. انظر: ديوانه ٢/ ٩٢٧.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٠/ ١٥١.\n(٦) الفرقان ٥.","vol":"1","page":832},{"text":"أَفْرَحُ أَنْ أُرْزأَ الكِرامَ وأَنْ ... أُورَثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نَبَلا! (١)». (٢)\nوالبيت الذي ذكره الزمخشري يُستشهدُ به على حذفِ أَلفِ الاستفهام في «أَفْرَحُ»، وقد ذكر البطليوسيُّ أنَّهُ حَسُنَ الحذفُ في هذا البيتِ لِما في الكلامِ من دليلٍ عليهِ (٣)، أَمَّا ابن خالويه فذكرَ أَنَّه مِمَّا حُذِفَ ولا دلالةَ عليه، فقال: «أراد: أأفرح؛ لأنه إِنَّما يَجوزُ حذفها إذا كان بعدها «أَم»، لأَنَّ «أم» تدل عليها». (٤)\n٤ - وقال الطبري عند كلامه عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الروم: ١٠] (٥): «وإنْ جعلتَ العاقبةَ الخَبَر نصبتَ، فقلتَ: ثُمَّ كان عاقبةَ الذين أَساؤوا السُّوأى، وجعلتَ السُّوأى هي الاسم، فكانت مرفوعةً، وكما قال الشاعر (٦):\nلقَدْ عَلِمَ الأَقوامُ ما كانَ دَاءَها ... بثِهلانَ إِلَّا الخزيَ مِمَّن يَقُودُها (٧)\nورُويَ أيضًا:\n................. ما كانَ دَاؤُها ... بِثَهلانَ إِلَّا الخِزيَ .....\nنصبًا ورفعًا على ما قد بَيّنتُ، ولو فعل مثل ذلك مع «أَن» كان جائزًا، غير أَنَّ أفصحَ الكلامِ ما وصفتُ عندَ العَربِ». (٨)\n_________\n(١) الشاهد لحضرميِّ بنِ عامرٍ الأَسديِّ. معنى البيت: هَلْ أفرحُ بِمَوتِ إِخوتي الكرام، لأَرِثَهم؟ يقول ذلك منكرًا على من زعم ذلك. والذَّوْدُ ما دون العَشْرِ من الإبل، والشَّصائِصُ: التي لا أَلبانَ لها، واحدتُها شَصُوص، والنَّبَلُ الصغار والكبار، وقيل: هي نُبلا جَمعُ نُبْلَة وهي العَطيَّةُ. انظر: البيان والتبيين ٣/ ٣١٥، أدب الكاتب ٢٠٩، أمالي القالي ١/ ٦٧، خزانة الأدب ٣/ ٤٢٩.\n(٢) الكشاف ٣/ ٢٦٤.\n(٣) الاقتضاب للبَطَليوسيِّ ٣٦١.\n(٤) ليس في كلام العرب ٣٥٢.\n(٥) الروم ١٠.\n(٦) لم أعرفه.\n(٧) انظر: الكتاب ١/ ٥٠، المحتسب ٢/ ١١٦، شرح المفصل لابن يعيش ٧/ ٩٦.\n(٨) تفسير الطبري (هجر) ٦/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"1","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>ثالثًا: الترجيح بين القراءات، واختيار إحداها</span>.\nتقدم الكلام عن أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات، وبيان معانيها، وهنا أثر آخر للشاهد الشعري ظهر في ذهاب المفسر إلى اختيار قراءة من القراءات، وترجيحها على غيرها، والاستشهاد لاختياره هذا بشواهد منها شواهد شعرية، تقوي معنى هذه القراءة، مع التنبيه إلى أن القراءة سنة متبعة، والعبرة فيها بثبوت إسنادها، كما قال أبو عمرو الداني في معرض إنكاره لصنيع بعض أهل اللغة حيث قدموها على القراءة الثابتة: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنةٌ متبعة، يلزم قبولها، والمصير إليها». (١) وهذا يكفي في بيان هذا الأمر، وقد سبق في مباحث الرسالة الإشارة إلى هذا، وهو أمر متقرر عند الباحثين. ومن أمثلة أثر الشاهد الشعري في ترجيح بعض المفسرين لبعض أوجه القراءات ما يأتي:\n١ - قال الطبري وهو يذكر القراءات التي وردت في لفظة ﴿بَئِيسٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٢) بعد أنْ ذكر القراءات الواردة فيها، وذكر شواهد من الشعر لتوجيه تلك القراءات: «وأَولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفَتح الباءِ، وكسرِ الهمزةِ ومَدِّها، على مثالِ «فَعِيل»، كما قال ذو الأصبع العدواني:\nحَنَقًا عَليَّ ومَا تَرى ... لي فِيهمُ أَثَرًا بَئِيسَا (٣)\nلأَنَّ هذا التأويلَ أَجْمعوا على أنَّ معناهُ: شَديدٌ، فدلَّ ذلك على\n_________\n(١) نقله ابن الجزري في النشر ١/ ١٠ - ١١، الإتقان ١/ ٢١١.\n(٢) الأعراف ١٦٥.\n(٣) انظر: الأغاني ٣/ ١٠٢.","vol":"1","page":834},{"text":"صحةِ ما اخترنا». (١)\nفكان الشاهد الشعري مؤيدًا ومقويًا لاختياره هذا الوجه من القراءة لقوة معناها، وإن كان قد أورد شواهد شعرية تشهد للقراءات الأخرى التي ذكرها، مما يعني أن الطبري في ترجيحه بين القراءات لا يردُّ شيئًا مما ثبت منها، وبلغه ثبوتها، وإن أوحت عبارته أحيانًا بهذا، وإنما هو ترجيح اختيار وتفضيل لا ترجيحُ رَدٍّ وإِبطالٍ. (٢)\n٢ - ومن الأمثلة التي كان الترجيح بين القراءات بِحَسب معانيها، ما ذكره الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (٣) وهو يُبَيّن أوجهَ القراءة في قوله ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ فذكر قراءةَ الجُمهورِ وأَنَّها بتشديدِ الدَّالِ، وأَنَّ معناها: وليُغَيْرَنَّ حالهَم عمَّا هيَ عليهِ من الخوفِ إلى الأَمْنِ، وأَنَّ العَرَبَ تقولُ: قد بُدِّلَ فُلانٌ إذا غُيّرَت حالُهُ ولَم يأَتِ مكانَ فلانٍ غَيرُه، وكذلك كُلُّ مُغَيّرٍ عن حالهِ، فهو بالتشديد، ورُبَّما قيل بالتخفيفِ، وليس بالفصيح. فأَمَّا إذا جَعَلَ مكانَ الشيءِ المُبدَلِ غيرَهُ، فذلك بالتخفيف: أَبْدَلتهُ فهو مُبْدَلٌ، ثُمَّ قال مبينًا وجه هذا التوجيه: «ومن الدليل على ما قلنا من أَنَّ التخفيفَ إِنَّما هو ما كان في إِبدالِ شيءٍ مَكانَ آخرَ، قولُ أبي النَّجمِ:\nعَزْلُ الأَميرِ للأَمِيْرِ المُبدَلِ (٤)».\nوهذا استشهاد للترجيح في وجه الاختيار بين القراءات، والقراءاتان متواترتان.\nوقد يتنازع الترجيحَ شاهدانِ من الشِّعرِ، فيُحملَ معنى الآيةِ على أَحدِ الشاهدين دون الآخر.\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(٢) انظر: توجيه مشكل القراءات العشرية الفرشية لعبد العزيز الحربي ٤٩٤.\n(٣) النور ٥٥.\n(٤) انظر: ديوانه ٢٠٤.","vol":"1","page":835},{"text":"ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ .........﴾ [النساء: ١٠٠] (١) وهو يوجه قراءة من قرأ برفع الكافِ من قولهِ: ﴿يُدْرِكْهُ﴾: «وقرأ طلحة بن سليمان، وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو (ثُمَّ يُدْرِكُهُ) برفع الكاف (٢)، قال أبو الفتح (٣): هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن حبيب قول الأعشى:\nإِنْ تَركبُوا فَرُكوبُ الخَيلِ عادتُنا ... أَو تَنْزِلونَ فإِنَّا مَعشَرٌ نُزُلُ (٤)\nالمراد: وأنتم تنزلون، وعليه قول الآخر (٥):\nإِنْ تُذنِبُوا ثُمَّ تَأتِينِي بَقِيَّتُكُمْ ... فما عليَّ بذنبٍ عندكُمْ فَوتُ (٦)\nالمعنى: ثم أنتم تأتيني، وهذا أوجهُ مِنْ أَن يَحمِلَه على قول الآخر (٧):\n..................... ... أَلَمْ يأتِيكَ والأَنباءُ تَنْمِي». (٨)\nفَجعلَ ابنُ عطيةَ حَملَهُ على شاهد شعري دون آخر، لمناسبته.\n_________\n(١) النساء ١٠٠.\n(٢) قرأ الجماعة بسكون الكاف. انظر: المحتسب ١/ ١٩٧، وطلحة بن سليمان مقرئ متصدر، أخذ القراءة عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف. انظر: التبيان للعكبري ١/ ٣٨٥، الدر المصون ٢/ ٤٢٠.\n(٣) هو أبو الفتح عثمان بن جني. انظر: المُحتسَب ١/ ١٩٧.\n(٤) انظر: ديوانه ١١٣.\n(٥) هو رويشد بن كثير الطائي.\n(٦) انظر: ديوان الحماسة ٥٤، شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ١٦٦.\n(٧) هو قيس بن زهير، شاعر جاهلي. انظر: الحماسة البصرية ١/ ١٦٣.\n(٨) صدر بيت، عَجزهُ: بِما لاقتْ لبونُ بَنِي زيادِ. انظر: خزانة الأدب ٨/ ٣٦١ وهو شاهد مشهور.","vol":"1","page":836},{"text":"وربما كان لكل من القولين شاهد شعري يؤيده، غير أن أحدهما أكثر استفاضة في شعر العرب ولغتها من الآخر، فيرجحه المفسر لذلك، ومن ذلك أن المفسرين اختلفوا في توجيه المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] (١) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]﴾ (٢)، وكيف أَنَّ الخِطابَ جاءَ للمُعاصرينَ للرسولِ - ﷺ -، في حين إِنَّ المقصودَ بِهم أسلافهم مِمَّن كان في عهد موسى ﵇. على قولين:\nالأول: قول الطبري، حيث ذهبَ إلى أَنَّ هذا وإِنْ كانَ خِطابًا لِمَنْ كانَ بينَ ظَهراني مُهاجر رسول الله - ﷺ - مِن أهل الكتابِ أيامَ رسول الله - ﷺ -، فإِنَّما هو خَبَرٌ عن أسلافهم، فأُخرِجَ مَخرجَ الخَبَرِ عنهم. واستشهدَ الطبريُّ بقول الأخطل يهاجي جريرًا:\nوَلَقَدْ سَمَا لَكمُ الهُذيلُ فَنَالَكُمْ ... بِإِرَابَ حَيثُ يُقَسِّمُ الأَنفالا\nفي فَيلقٍ يَدعو الأَرَاقمَ لَمْ تَكُنْ ... فُرسَانُهُ عُزْلًا ولا أَكْفالا (٣)\nوقال الطبري: «ولم يلق جرير هذيلًا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يومًا من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه». (٤)\nالثاني: قول الفراء، حيث ذهب إلى إِنَّما قيلَ ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابًا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - أَنَّ المعنى في ذلك إِنَّما هو خَبَرٌ عمَّا قصَّ الله\n_________\n(١) البقرة ٩١.\n(٢) البقرة ٦٤.\n(٣) الهذيلُ هو ابن هُبيرة التغلبي، غزا بني رياح في إِراب فسبى نساءهم، وإِرابُ ماءُ بالبادية لبني رياح، الأراقم هم جَماعات من تغلب، وهم جُشَمُ بن بكر، ومالك، وعمرو بن كلثوم، والعُزُل من لا سلاح لهم، والأكفالُ جَمع كفل وهو الجبان. انظر: ديوانه ٢٥١.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١/ ٦٤٣.","vol":"1","page":837},{"text":"من أَنباءِ أسلافهم، فاستغنى بعلمِ السامعينَ بذلك، عن ذكر أسلافهم بأَعيانِهم. واستشهد على ذلك بقول الشاعر (١):\nإذا مَا انتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئيمةٌ ... ولَمْ تَجِدِي مِنْ أَن تُقِرِّي بهِ بُدَّا (٢)\nفقال: «إذا ما انتسبنا»، و«إذا» تقتضي من الفِعل مُستقبلًا، ثُمَّ قال: «لَم تَلِدْني لَئيمةٌ»، فأَخْبَر عن مَاضٍ من الفعلِ، وذلك أَنَّ الولادة قد مَضَتْ وتَقدَّمَت، وإِنَّما فَعَلَ ذلكَ عند الفراء لأَنَّ السامعَ قد فَهِمَ معناهُ. (٣)\nقال الطبري بعد أن حكى قول الفراء: «والأَولُ الذي قُلنا، هُو المُستفيضُ مِنْ كلامِ العَربِ وخِطابِها». (٤) فمع وجود شاهد من الشعر يشهد لما ذهب إليه الفراء في توجيه المعنى وتفسيره، إلا أن استفاضة المعنى الذي ذكره الطبري في شعر العرب وكلامها جعله يرجح قوله ويختاره في تفسير الآية. وقد ذهب مذهب الطبري في توجيه هذه الآية عدد من النحويين. (٥)\nوشعر العرب وشواهده، شاهدة أن القرآن الكريم نزل على وفق كلام العرب وأساليبهم، وقد كرر العلماء هذه الحقيقة العلمية، في كتب معاني القرآن والتفسير. (٦)\n* * *\n_________\n(١) هو زائدة بن صعصعة الفقعسي، يخاطب امرأته.\n(٢) انظر: مغني اللبيب ١/ ١٥٦، حاشية الأمير على مغني اللبيب ١/ ٢٥، شرح أبيات مغني اللبيب ١/ ١٢٤.\n(٣) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٦١.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ٢/ ٥٧.\n(٥) انظر: شرح أبيات مغني اللبيب ١/ ١٢٤ - ١٢٦.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ١/ ٨، تأويل مشكل القرآن ١٢ وما بعدها، تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٢.","vol":"1","page":838},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المبحث السادس: أثر الشاهد الشعري في بيان الأساليب القرآنية</span>.\nالأساليب جَمعُ أُسلُوب، والأُسلُوبُ يُطلَقُ على أمورٍ منها: الطريق، والوجه، والمذهب، والفنّ. يقال: أنتم في أُسلوب شَرٍّ، أي في طريقِ شرٍّ. (١) ويقال: أَخَذ فلانٌ في أَسالِيبَ من القول أَي أَفانِينَ منه. (٢)\nوقد عُنِيَ العلماءُ بدراسة أساليب القرآن الكريم قَديمًا وحديثًا؛ لمعرفةِ أوجهِ بلاغتهِ وبَيانِهِ وإعجازهِ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ولا بد أن يكون موافقًا لأساليبهم في البيان ليفهموا معانيه. وقد قرر هذا الإمام الطبري فقال: «فالواجب أن تكون معاني كتابِ الله المُنَزَّلِ على نبينا محمدٍ - ﷺ - لِمعاني كلامِ العَرَبِ موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها مُلائمًا». (٣)\nوكان الشاهد الشعري من أَدلةِ قياس مدى موافقةِ أسلوب القُرآنِ لأساليبِ العَرَبِ في كلامها، وكثيرًا ما يُنَظِّرونَ بينَ أسلوبِ الشاهدِ من الشِّعرِ وأسلوب الآية القرآنية. وكان علماء السَّلَفِ حفاظًا للقرآن وللشِّعرِ، وكان استحضار الشواهد منهما سهلًا قريبًا عند الحاجة إليه. ومن أمثلة ذلك أَنَّ أبا الأسود الدؤلي قال في شعرٍ لهُ يشير إلى آل عليِّ بن أبي طالب ﵃، ومَحبتهِ لهم:\nفإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ ... ولَستُ بِمُخطئٍ إِنْ كانَ غَيَّا (٤)\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٤٣٥.\n(٢) انظر: لسان العرب ٦/ ٣١٩ (سلب).\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١/ ١٣.\n(٤) انظر: ديوانه ١٥٤.","vol":"1","page":839},{"text":"فقيل له: شَكَكْتَ في حبهم إذن؟ فاستشهد بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١) وقال: أفترونَ اللهَ شكَّ؟ (٢) وهذا يدل على حضور القرآن الكريم على قلبه ولسانه، يتناول الشاهد منه بيسر وسهولة.\nوهذا المبحث يدخلُ تَحتهُ الشواهدُ البلاغيةُ التي استشهد بِها المفسرون في كتب التفسير؛ لعنايتها بالأساليب، من حيث دراسة المعاني التي تؤديها هذه الأساليب والتراكيب في صورها المختلفة. (٣) وقد عُنِيَ علماءُ السلف بدراسة أساليب القرآن، والنظر في أساليب العرب في كلامِها، والبحث فيه عن شواهد شعرهم التي تشهد لهذه الأساليب، وقد أَشارَ أبو عُبيدةَ، والفراءُ، وابنُ قتيبةَ، والطبريُّ وغيرهم إلى كثير من الأساليب القرآنية، واستشهدوا لمعرفة العرب لها بشعرهم المحفوظ عنهم، ولا سيما شعر الجاهلية، فجاء أَثَرُ الشاهدِ الشعريِّ ظاهرًا للدارس المتتبع في معرفةِ أَساليبِ العَرَبِ، وأُسلوبِ القرآن.\nفقد تكلَّمَ أبو عبيدةَ عن أساليبَ قرآنية كثيرة، وأوردَ مِن شعرِ الاحتجاجِ ما يُماثِلُها، وإنْ كان يُعْوِزُهُ الشعرُ في بعض المواضع، فيضطرُّ للتمثيل بكلامٍ من عنده، ويكتفي بقوله: إِنَّ العربَ تفعلُ ذلك. (٤) وأبو عبيدة حريص على أن يؤكد صلةَ أسلوب القرآن، وفنون التعبير فيه بأَساليبِ العَرَبِ وفُنونِهم، والاستشهاد على ذلك بالشعر ما وجد شاهدًا. (٥)\nومن أمثلة ذلك عند أبي عبيدة، أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(١) سبأ ٢٤.\n(٢) انظر: الكامل ٢/ ١٣١، أمالي المرتضى ١/ ٢١٣، إنباه الرواة ١/ ١٧، مجالس ثعلب ١/ ١٣٢.\n(٣) انظر: ص ٦٩ من البحث.\n(٤) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٨، ٢١٣، ٢٧٤.\n(٥) انظر: منهج الزمخشري في تفسير القرآن للصاوي ٢٨٠.","vol":"1","page":840},{"text":"الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]﴾ (١) أشارَ إلى أسلوب العرب في خِطابِها للشاهدِ خطابَها للغائبِ، فقال: «معناه: هذا القرآنُ، وقد تُخاطبُ العربُ الشاهدَ فَتُظهِرَ لَهُ مُخاطبةَ الغائبِ. قال خُفافُ بن نُدْبَة السُّلَميُّ:\nفإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيمَّمْتُ مالِكا\nأَقُولُ لَهُ والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفافًا إِنَّنِي أَنا ذَلكا (٢)». (٣)\nوردَّ الطبريُّ هذا التفسيرَ، ذاهبًا إلى أَنَّه لا يشبهُ أسلوبُ الشاهدِ الشعريِّ أسلوبَ الآية. (٤) قال ابن كثير عند تفسيره لهذا الحرف: «قال ابن عباس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هذا الكتاب، وكذا قال مجاهدُ، وعكرمةُ، وسعيدُ بن جُبير، والسُّديُّ، ومُقاتلُ بن حيَّان، وزَيدُ بن أَسلَم، وابنُ جُريجٍ، أَنَّ «ذلك» بِمعنى «هذا»، والعَرَبُ تُقارِضُ بين هذين الاسمين مِن أَسماءِ الإشارة، فيستعملونَ كُلًا منهما مكانَ الآخرِ، وهذا معروفٌ في كلامِهم». (٥) والذي يبدو أن قول أبي عبيدة، وتفسير ابن عباس، وتلاميذه الذي ذكره ابن كثير وغيره، ليس معناه ما ذكره ابن كثير من أَنَّه مِن بابِ تعاقبِ أَسْماءِ الإشارة وتقارضها، دونَ أَن يدلَّ ذلك الاستعمالُ على غَرضٍ بلاغيٍّ، غير أَنَّ تفسيرَ السَّلفِ مُوجَزٌ مُختصرٌ، يَحملُ معاني كثيرة، وهم أعلمُ بالِّلسانِ مِمَّنْ بعدهم.\nوإِنَّما قَصَدَ أبو عبيدة ومن قبله تفسير المعنى الظاهر للحرف، وأَن التعبير بذلك هنا بِمعنى هذا، وإِنْ كانَ استعمالُ اسم الإشارةِ الدالِّ على البعيدِ في هذا الموضع لهُ وجهٌ بلاغيٌّ يدلُّ على عُلوِّ مكانةِ هذا الكتاب العظيمِ، وهذا تفسير عامة المفسرين في كتبهم، وهذا راجعٌ إلى الخلافِ بين المفسرين في مرجع الضمير في قوله:\n_________\n(١) البقرة ٢.\n(٢) انظر: ديوانه ١٣، الأغاني ٢/ ٣٢٩، خزانة الأدب ٥/ ٤٣٨ - ٤٤٠.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٨ - ٢٩.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٥) تفسير ابن كثير ١/ ٦٠.","vol":"1","page":841},{"text":"«ذلك» (١) والقول بأن «ذلك» هنا على بابِها تُشيرُ إلى البعيد، وإن كان قريبًا للدلالةِ على علوِّ مكانتهِ ومقامهِ هو قول كثير من أهل اللغة والبلاغة والتفسير ومنهم الطبري، من أول ما صرح به المُبَرِّدُ (٢).\nوالأمثلة التي بدأ أبو عبيدة بها في «مَجاز القرآن» لاستنباط الخصائص التعبيرية للأسلوب العربي، والاستشهاد عليها بشعر العرب، وموازنة ذلك بأسلوب القرآن الكريم، مُحاولةٌ رائدةٌ، رغمَ ما وقع فيها من قُصورٍ لا يسلم منه عملُ الروَّادِ، غَيْرَ أَنَّ الغايةَ من الكتابِ قد تَحقَّقتْ، وحيث إِنَّهُ لم يُسبَق في هذا - والله أعلم - فقد كانت مُحاولتهُ نِبْراسًا لِمَن بعده، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة. (٣)\nوقد ذكرَ أَحَدُ الباحثينَ أَنَّ الفكرةَ التي كانت تُراودُ أبا عبيدةَ وهو يؤلِّفُ كتابَه كانت «فكرةً مدرسيَّةً، يُحاولُ أَن يضعَ أمامَ طبقة المستعربين صورًا من التعبير في القرآن، وما يقابله من التعبير في الأدب العربي شِعرًا ونثرًا، وبَيَّنَ ما فيه من التجاوزِ أو الانتقالِ من المعنى القريبِ أو التركيبِ المعهود للألفاظ والعباراتِ إلى معانٍ وتراكيب أخرى اقتضاها الكلام». (٤)\nثُمَّ جاء الفراء (ت ٢٠٧)، وهو معاصر لأبي عبيدة (ت ٢١٠)، وتوفي قبله، غير أَنَّ كتابَ أبي عبيدةَ قديمُ التأليف، وقد اطَّلعَ عليه الفراءُ، وعَرَّضَ بهِ في مواضعَ مِن كتابهِ دون أَن يُسمِّيه (٥)، وبالموازنةِ بين\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للزجاج ١/ ٦٧، معاني القرآن للنحاس ١/ ٧٨، زاد المسير ١/ ٢٣، المحرر الوجيز ١/ ٩٧، البحر المحيط ١/ ٦١، روح المعاني ١/ ١٠٥، التحرير والتنوير ١/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: المقتضب ٣/ ٢٧٥، شرح التسهيل لابن مالك ١/ ٢٩٣، الجنى الداني ٢٣٨، المساعد على تسهيل الفوائد ١/ ١/١٩٠، أوضح المسالك لابن هشام ١/ ١٣٦.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٢، ٣٩، ١٧٢، ٤٧، ١٠١، ٢٤٧، ٦٥، ١٤٣ وغيرها.\n(٤) أثر القرآن في تطور النقد العربي لمحمد زغلول سلام ٤٣ - ٤٤.\n(٥) انظر: معاني القرآن ١/ ٨، ووازنه بِما في مجاز القرآن ١/ ٢٥.","vol":"1","page":842},{"text":"الكتابَيْنِ تَبيَّن أَنَّ الفراء يستنكفُ أن يستشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة الشعرية، ويَلتمسُ مِن شعر العرب غَيْرَها (١)، وإِن استشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة فَعَلى وجهٍ غَير وجهِ أَبي عُبيدة (٢)، ورُبَّما ذَكرَ أبو عبيدة رأيًا دونَ شاهدٍ، فيذكره الفراء وياتي له بشاهدِ (٣)، ورُبَّما أَعوَزهُ الشاهد فترك شاهدَ أبي عبيدة وجاء بِمثالٍ من عنده (٤)، ونَحوِ هذه الظواهر التي تدلُّ على اطلاعِ الفراءِ على كتابِ المَجازِ وانتفاعه بهِ، وبشواهدهِ. وهذا دليل على أهمية كتاب أبي عبيدة، وسبقه، وأَنَّ المفسرينَ وأصحاب المعاني والغريب عيالٌ على شَواهدِه الشعريَّة، رغم اعتراضهم على بعض تفسيراته للقرآن أو للشواهد الشعرية، ولا سيما شواهده اللغوية لغريب القرآن، حتى الفراء استشهد بشواهد أبي عبيدة على الغريب (٥).\nوالفراء كان يرى أَنَّ «كتابَ الله أَعربُ وأَقوى في الحُجَّةِ من الشعرِ» (٦)، ولذلك كان «يُقلِّلُ من الشاهدِ الشعريِّ، ولا يُفسِّرُ به الآياتِ تفسيرًا مباشرًا» (٧) كما صنع أبو عبيدة قبله. وقد أضاف الفراء في دراسته لأساليب القرآن على ما ذكره أبو عبيدة، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، ومِنْ أَهمِّ أمثلةِ ما أضافهُ الفراءُ حديثهُ عن أسلوبِ الإضمارِ إذا اجتمع الكلامُ، ودلَّ أولهُ على آخرهِ، فإنَّ العربَ تُتبعُ آخرَ الكلامِ بأولهِ، وإِنْ لَم يَحسُنْ في آَخرِهِ ما حَسُنَ في أَولِهِ.\nوقد ذكر الفراء ذلك عند توجيهه قراءة قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] (٨)، ووجه رفعِها، مَع كونِها معطوفةً على مَجرورٍ قبلَها فقال:\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن ١/ ٢٣٠، ٢/ ٦.\n(٢) انظر: معاني القرآن ١/ ٩٩.\n(٣) انظر: معاني القرآن ١/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(٤) انظر: معاني القرآن ١/ ١٤.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٣٨٥، ٣/ ١١٧.\n(٦) معاني القرآن ١/ ١٣.\n(٧) أثر القرآن في تطور النقد العربي لمحمد زغلول سلام ٥٢.\n(٨) الواقعة ٢٢، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ويعقوب وشيبة ﴿وَحُورٌ عِيْنٌ﴾ برفعهما، وقرأ عبد الله بن مسعود وأصحابه، والكسائي، وحمزة ﴿وَحُورٍ عِيْنٍ﴾ بجرهما عطفًا على ما قبلها. انظر: السبعة ٦٢٢، التيسير ٢٠٧، النشر ٢/ ٣٨٣.","vol":"1","page":843},{"text":"«أكثرُ القراءِ على الرَّفعِ؛ لأَنَّهم هابوا أَنْ يَجعلوا الحُورَ العِيْنَ يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على قولكَ: ولَهم حُورٌ عِيْنٌ، أو عندهم حُورٌ عِيْنٌ. والخَفضُ على أَن تُتْبِعَ آخرَ الكلامِ بِأَولهِ، وإِن لم يَحْسُنْ في آخرهِ ما حَسُنَ في أولهِ، أنشدني بعضُ العَربِ:\nإِذا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَومًا ... وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا (١)\nفالعَيْنُ لا تُزَجَّجُ، إِنَّما تُكَحَّلُ، فردَّها على الحواجب؛ لأنَّ المعنى يُعرفُ، وأنشدني آخرُ:\nولَقيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا (٢)\nوالرمحُ لا يُتقلَّدُ، فردَّه على السَّيفِ. وقال آخر:\nتَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنهُ لَغَطا ... ولِليَدَينِ جَسْأَةً وبَدَدا (٣)\nوأنشدني بعضُ بَني دَبِيْر:\nعَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها (٤)\nوالماءُ لا يُعتَلَفُ، إِنَّما يُشرَبُ، فجعله تابعًا للتبن». (٥) واحتجاج الفراء لهذا الأسلوب لم يُسبق إليه - فيما أعلم، وكلُّ من أَتى بَعَدَهُ نقلَ شواهدَهُ وتوجيهه. (٦) وللفراء إضافات أخرى على ما ذكره أبو عبيدة،\n_________\n(١) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ١٥٦، الخصائص ٢/ ٤٣٢.\n(٢) البيت لعبد الله بن الزبعرى، كما في ديوانه ٣٢، الخصائص ٢/ ٤٣١، شرح الحماسة للمرزوقي ٣/ ١١٤٧.\n(٣) الجسأةُ: غِلظٌ في اليدِ، وهي لا تُسمَعُ. انظر: الخصائص ٢/ ٤٣٢.\n(٤) انظر: كتاب الشعر للفارسي ٢/ ٥٣٣، خزانة الأدب ٣/ ١٣٩ وقال: «ولا يُعرفُ قائلهُ، ورأيت في حاشية نسخةٍ صحيحةٍ من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه».\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٣٨٥، ٣/ ١١٧.\n(٦) انظر: تأويل مشكل القرآن ٢١٣، تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٣٠١ - ٣٠٢، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩٥، ١٨/ ١٩٤ - ١٩٥، ١٧/ ٢٠٥، الخصائص ٢/ ٤٣١، أمالي ابن الشجري ٣/ ٨٢.","vol":"1","page":844},{"text":"متفرقة في كلامه. (١)\nوجاءَ بعد أبي عبيدةَ والفراء ابنُ قتيبة (ت ٢٧٦)، فأفاد من كتابيهما، كما ذكرَ في منهجه (٢)، وقد أضاف إضافاتٍ قيمةً للخصائص والأساليب التي أشار إليها مَنْ تقدَّمَهُ، ولكنَّهُ كان يُعنى بالشاهدِ من القرآن أكثر من عنايتهِ بالشاهد الشعريِّ، دون أنْ يُنبِّهَ إلى ما تفرد القرآن به من الأساليب، وما شاركه فيه شِعرُ العَربِ كما كان يفعلُ أبو عبيدة والفراء، غير أَنَّهُ أَجادَ بتصنيفه لِمَا ذكره أبو عبيدة والفراء من مسائل، مع إضافاته التي أضافها.\nومن أمثلة ما أضافه في باب دراسة الأساليب ما ذكره تحت باب «الحذف والاختصار» (٣)، وقد ذكر أبو عبيدة والفراء من أمثلة ذلك الكثير، لكنَّه هَذَّبَهُ ورتَّبهُ وزادَ فيهِ. مع استشهاده على كلِّ نوعٍ بشاهدٍ شعري أو أكثر.\nومن إضافاته عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] (٤) أَنَّ العَربَ قد تَحذفُ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليهِ مقامَه، فيكون معنى الآية: أجعلتم صاحب سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كم آمن؟ واستشهدَ على ذلك بقول المتنخِّل الهُذلي:\nيُمَشِّي بَينَنا حانُوتُ خَمْرٍ ... مِن الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ (٥)\nأراد صاحبَ حانوتِ خَمرٍ، فأقام الحانوتَ مقامَهُ، وكذلك قولُ أبي ذؤيب في صفة الخمر:\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن ١/ ٩٩، ٣/ ٢٧٢ (وضع الحرف في غير موضعه)، ١/ ٤٢٧ (الإخبار بالمصدر عن الاسم)، ٢/ ٣٨ (وضع المفعول موضع المصدر) وغيرها.\n(٢) انظر: تأويل مشكل القرآن ١٨.\n(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن ٢١٠ - ٢٣١.\n(٤) التوبة ١٩.\n(٥) انظر: ديوان الهذليين ٢/ ٢١.","vol":"1","page":845},{"text":"تَوصَّلُ بالرُّكبانِ حِينًا وتُؤلِفُ الـ ... ـجِوارَ ويُغشيها الأَمانَ رِبابُها (١)\nاللفظُ للخَمرِ، والمعنى للخمَّار، أي: يتوصلُ الخمَّارُ بالرَّكبِ ليسيرَ معهم، ويأَمنَ بِهم. وكذلك قول أبي ذؤيب:\nأَتَوها بِربحٍ حَاولتهُ فَأَصبَحتْ ... تُكفَّتُ قد حَلَّتْ وساغَ شَرابُها (٢)\nيريدُ أَتوا صاحِبَها بِربحٍ فأَقامها مَقامه. (٣) وما ذكره ابن قتيبة في هذا الباب قد خرَّجَهُ بعضُ العلماءِ على المبالغةِ، أو المَجازِ، دونَ أن يكون هناك حذفٌ، والغرض التمثيل، والأمثلة لدى ابن قتيبة كثيرة (٤)، وقد انتفع به من أتى بعده من المفسرين وأهل البلاغة. (٥)\nوأَمَّا المُفسرونَ فقد كان لهم في الاستشهاد بالشعر واستنباط أساليب العرب في كلامه منه جهود ظاهرة، وأمثلته كثيرة، ومن تلك الأمثلة:\n١ - من الأمثلة التي تكلم عنها المفسرون مطابقة النعتِ للمنعوت، ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] (٦): «اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، وقرأه بعض قراءِ أهلِ الكوفةِ \"وَأَرْسَلْنَا الرِّيَحَ لَوَاقِحَ\" فوحَّدَ الريحَ وهي موصوفةٌ بالجمعِ (٧)، أعني\n_________\n(١) يقول: إن تجار الخمر يخشون الإغارة عليهم وانتهابها منهم في سفرهم، فهم يتوصلون من بلد إلى بلد مع القوافل، ويعقدون ذمة الجوار بينهم وبين هؤلاء الركبان ليستأمنوا بهم. انظر: ديوان الهذليين ١/ ٧٣.\n(٢) تُكَفَّتُ: تُقبَض. انظر: ديوان الهذليين ١/ ٧٤.\n(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن ٢١١ - ٢١٢.\n(٤) انظر: تأويل مشكل القرآن ١٩٨، ١٩٥، ٢٢٥.\n(٥) انظر: الصاحبي لابن فارس فقد أخذ منه وأضاف عليه بعض الأساليب ١٩٨، ٢٤٠ - ٢٤٣، الخصائص لابن جني ٢/ ٤١١ - ٤٣٥ حيث أضاف بعض لأساليب، ووضع مصطلحات جديدة لأساليب قديمة كالحمل على المعنى، وأدخل فيه ما سماه أبو عبيدة الاختصار، وسماه الفراء الإضمار.\n(٦) الحجر ٢٢.\n(٧) هي قراءة حَمزة، وقرأ الباقون بالجمع. انظر: حجة القراءات ٣٨٢.","vol":"1","page":846},{"text":"بقوله: لواقح، وينبغي أن يكون معنى ذلك: أن الريح وإن كان لفظها واحدًا، فمعناها الجمع؛ لأنه يقال: جاءت الريح من كل وجه، وهبت من كل مكان، فقيل: لواقح لذلك، فيكونُ معنى جَمعِهم نعتها، وهي في اللفظ واحدة معنى قولهم: أَرضٌ سَباسِب، وأَرضٌ أَغْفالٌ (١)، وثوب أخلاق، كما قال الشاعر (٢):\nجاءَ الشتاءُ وقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَراذِمٌ يَضحَكُ منهُ التوَّاقْ (٣)\nوكذلك تفعلُ العَرَبُ في كلِّ شيءٍ اتسعَ». (٤) وهذا الأسلوب سَبَقَ إلى ذكرهِ الفراء في معانيه، مع ذكر شاهده الشعري. (٥)\n٢ - وقال الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] (٦): «عن ابن عباس قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قال: ما يدريك؟ لعلها بعَمَدٍ لا تَرونَها. ومَنْ تأولَ ذلكَ كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العَربِ الجَحْدَ من آخر الكلام إلى أَوَّلهِ، كقول الشاعر (٧):\nولا أَراها تَزَالُ ظَالِمَةً ... تُحدِثُ لي نَكبةً وتُنْكَؤُها (٨)\nيريدُ: أَراها لا تَزالُ ظالِمةً، فقدَّم الجحدَ عن موضعهِ من «تزال»، وكما قال الآخر:\nإذا أَعجَبَتْكَ الدَّهرَ حَالٌ مِن امرئٍ ... فَدَعْهُ وَواكِلْ حَالَهُ والليَالِيا\n_________\n(١) السَّباسبُ جَمعُ سَبْسَبٍ، وهي المَفازةُ المُهلكة. والأغفالُ هي الأرضُ المَجهولةُ التي لا أثر فيها يُعرف.\n(٢) نسب الشاهد لبعض الأعراب دون تعيين كما في خزانة الأدب ١/ ٢٣٤.\n(٣) التواق: قيل: إنه اسم ابنه. انظر: معاني القرآن للفراء ٢/ ٨٧، تهذيب اللغة ٧/ ٣٠، ٩/ ٢٥٦.\n(٤) تفسير الطبري (هجر) ١٤/ ٤١ - ٤٢.\n(٥) انظر: معاني القرآن ٢/ ٨٧.\n(٦) الرعد ٢.\n(٧) هو إبراهيم بن هرمة.\n(٨) رواية الديوان «قرحة» بدل «نكبة». انظر: ديوانه ٥٦، معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٧.","vol":"1","page":847},{"text":"يَجِئْنَ على ما كانَ مِنْ صَالحٍ بهِ ... وإِنْ كانَ فِيما لا يَرى النَّاسُ آليا (١)\nيعني: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو». (٢) وقد ذكر ابن الأنباري هذا اللفظ وأنه من الأضداد، فقال في تفسير هذه الآية: «ومِمَّا فُسِّر مِن كتاب الله تفسيرين متضادّين، قوله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، يقال: معناه خلقها مرفوعة بلا عَمَد، فالجحْد واقع في موضعه الَّذي يجب كونه فيه، ثمَّ قال بعد: (تَرَوْنَهَا) أَي: لا تحتاجون مع الرؤية إِلى خَبَرٍ. ويفسَّر تفسيرًا آخر، وهو: الله الَّذي رفع السموات بعمد لا ترون تلك العمد، فدخل الجحْد على العَمَد في اللفظ، وهو في المعنى منقول إِلى الرؤية؛ كما تقول العرب: ما ضربتُ عبدَ اللهِ وعندَهُ أَحَدٌ، يريدون: ضربتُ عبدَ الله وليس عندَه أَحَدٌ. ويقال: ما ينشأُ أَحدٌ بِبَلَدٍ فيزالُ يذكره؛ أَي إِذا نشأَ ببلدٍ لم يزل يذكره. وأَنشد الفَرَّاءُ حجَّة لهذا المعنى ...». (٣) ثم ذكر شواهد الفراء التي ذكرها الطبري مع تفسيرها.\n٣ - وقال الطبريُّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] (٤): «واكتفى بـ ﴿كَيْفَ﴾ دليلًا على معنى الكلام، لتقدم ما يراد من المعنى بها قبلها، وكذلك تفعل العرب، إذا أعادت الحرف بعد مضي معناه، استجازوا حذف الفعل، كما قال الشاعر (٥):\nوخَبَّرْتُماني أَنَّما الموتُ في القُرَى ... فَكيفَ وهَذي هَضْبَةٌ وكَثِيبُ (٦)\nفحذف الفعل بعد ﴿كَيْفَ﴾ لتقدم ما يراد بعدها قبلها. ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى، وهذي هضبة وكثيب، لا ينجو\n_________\n(١) البيتان في معاني القرآن ٢/ ٥٧، والأضداد لابن الأنباري ٢٦٨ ولم أعرف قائلهما.\n(٢) تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٤١٠.\n(٣) الأضداد ٢٦٨.\n(٤) التوبة ٨.\n(٥) هو كعب بن سعد الغنوي.\n(٦) انظر: الأصمعيات ٩٩، طبقات فحول الشعراء ١/ ١٧٦، أمالي القالي ٢/ ١٥١.","vol":"1","page":848},{"text":"فيهما منه أحد؟». (١)\nورُبَّما يحمل بعض المفسرين معنى بعض الحروف في القرآن على غير وجهها في الآية، لمجرد أنها قد تأتي في اللغة بمعنى من المعاني، وإن كان سياق الآية لا يحتمله، فينبه المفسرون على هذا، وينفون أن يكون معنى هذا الحرف كذا. ومن ذلك قول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ [الأعراف: ١١] (٢): «فإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ العربَ إذ كانت رُبَّما نَطقتْ بـ «ثُمَّ» في موضع «الواو» في ضرورةِ شعرٍ، كما قال بعضهم (٣):\nسَأَلْتُ ربيعةَ: مَنْ خَيْرُها ... أَبًا ثُمَّ أَمًّا؟ فقالَتْ: لِمَهْ (٤)\nيعني أبًا وأُمًّا، فإِنَّ ذلك جائزٌ أَن يكونَ نظيره فإِنَّ ذلك بِخلافِ ما ظنَّ. وذلك أَنَّ كتابَ الله جلَّ ثناؤه نزلَ بأفصحِ لغات العربِ، وغير جائزٍ توجيهُ شيءٍ منهُ إلى الشاذِّ مِن لغاتِها، ولَهُ في الأفصحِ الأشهرِ معنىً مفهومٌ، ووجهٌ معروفٌ». (٥)\nوهذا منهج الطبري في تأكيده المتكرر، على أَنَّ القُرآنَ يَجبُ حَملُه وتفسيره على اللغة المستفيضة المشهورة التي تعرفها العربُ في شعرها وكلامها، لا على ما شذَّ من لغاتِها، وإن كانت لغات صحيحة، سواء كان ذلك في الألفاظ أو الأساليب.\n٤ - ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ [الأنعام: ١١٧] (٦): «وقد زَعَمَ بعضُهم أَنَّ قولَه: ﴿أَعْلَمُ﴾ في هذا الموضع بِمَعنى يَعْلَم، واستشهدَ لقيلهِ ببيتِ حَاتمِ الطائيِّ:\n_________\n(١) تفسير الطبري (شاكر) ١٤/ ١٤٥.\n(٢) الأعراف ١١.\n(٣) هو الأقيشر الأسدي.\n(٤) الرواية «شرها» بدل «خيرها». انظر: الصاحبي ٢١٥.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣٢٢.\n(٦) الأنعام ١١٧.","vol":"1","page":849},{"text":"فَحَالَفَتْ طَيّءٌ مِنْ دُونِنا حَلِفًا ... واللهُ أَعْلَمُ ما كُنَّا لَهُمْ خُذُلا (١)\nوبقول الخنساء:\nالقومُ أَعْلَمُ أَنَّ جَفْنَتَهُ ... تُعدو غَداةَ الرِّيحِ أَو تَسري (٢)\nوهذا الذي قاله قائل هذا التأويل، وإن كان جائزًا في كلام العرب، فليس قول الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]﴾ منه، وذلك أنه عطف عليه بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فأَبانَ بدخولِ «الباء» في (المهتدين) أَنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس بمعنى يَعلَم؛ لأَنَّ ذلك إذا كان بِمعنى «يفعلُ»، لم يُوصَل بالباء، كما لا يُقالُ: هو يعلمُ بزيدٍ، بِمعنى: يعلم زيدًا». (٣) وهذا منهج الطبري في دراسته لأسلوب القرآن، فلا يجعله الشاهد الشعري مهما كان صحيحًا، يترك تفسير السلف، ولا أسلوب القرآن الخاص، ويحمل معنى الآية على أسلوب الشاهد الشعري، وإنما يقدم ما أجمعت عليه الحجة من أهل التفسير، ثم دلالة سياق الآيات، ثم دلالة اللغة المستفيضة المعروفة في أشعار العرب، فوضع بهذا الشاهد الشعري في موضعه الصحيح من التفسير.\n٥ - ومن الأمثلة على استعانة الطبري بالشعر في فهمه لأساليب القرآن قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (٤): «فإِنْ قالَ لنا قائلٌ: إنك ذكرت أن معنى قول الله تعالى ذكره: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ خَمدت وانطفأت، وليس ذلكَ بِمَوجودٍ في القرآن، فما دلالتكَ على أَنَّ ذلكَ معناه؟\nقيل: قد قلنا: إِنَّ مِن شأنِ العربِ الإيجازُ والاختصارُ، إذا كان فيما نطقتْ بهِ الدلالةُ الكافيةُ على ما حَذَفت وتَركت، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٩٤.\n(٢) انظر: ديوانها ٣٢.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٦٦ - ٦٧.\n(٤) البقرة ١٧.","vol":"1","page":850},{"text":"عَصيتُ إليها القَلْبَ إِنِّي لأَمْرِها ... سَمِيعٌ، فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها (١)\nيعني بذلك: فما أَدري أَرُشدٌ طِلابُها أَم غَيٌّ، فحذف ذكر «أَم غَيّ»؛ إذ كان فيما نَطقَ به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرُّمَّةِ في نَعت حَميرٍ:\nفلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حِيْنَ نَصَّبَتْ ... لَهُ مِنْ خَذا آذانِها وهُو جَانِحُ (٢)\nيعني: أو حِيْنَ أقبلَ الليلُ، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] لَمَّا كان فيهِ وفيما بَعدَهُ من قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] دلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرهِ، اختصرَ الكلام طلبَ الإيجاز». (٣) وهذا مثال واضح على أثر الشاهد الشعري في التعرف على أساليب القرآن، والطبري أكثر المفسرين عنايةً بهذا.\nومن الأساليب التي تكلم عنها المفسرون في القرآن، واستشهدوا عليها بشعر العرب أسلوب الاستهزاء. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] (٤) مبينًا هذا الأسلوب في الآية: «أَي: على قولِكَ، وهذا كما قال جريرُ:\nأَلَمْ يَكُنْ في وُسومٍ قَد وَسَمْتُ بِها ... مَنْ خانَ مَوعظةً، يا زَهرةَ اليَمَنِ (٥)\nيقولُها للشاعرِ الذي سَمَّى نفسَه به، وذلك في قوله:\nأَبْلِغْ كُلَيبًا وأَبْلِغ عنكَ شاعِرَها ... أَنِّي الأَغَرُّ وأَنِّي زَهرةُ اليَمَنِ (٦)\nفجاءَ بيتُ جرير على هذا الهُزءِ». (٧) فأسلوب الاستهزاء في الآية، كأسلوب الاستهزاء في الشاهد الشعري.\n_________\n(١) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٧١.\n(٢) نَصَّبَتْ: رفعت آذانَها، خَذا آذانِها: استرخائها. انظر: ديوانه ٢/ ٨٩٧.\n(٣) تفسير الطبري (شاكر) ١٢/ ٣٢٢.\n(٤) الدخان ٤٩.\n(٥) انظر: ديوانه ٢/ ٧٤٦.\n(٦) انظر: الصاحبي ٢٩١.\n(٧) المحرر الوجيز ١٤/ ٣٠٠.","vol":"1","page":851},{"text":"ومن الأساليب التي تعرض لها المفسرون أسلوب الحذف في القرآن الكريم. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] (١): «وفي هذه الآيةِ مُعادلةٌ مَحذوفةٌ يقتضيها ظاهرُ اللفظِ، تقديرهُ: أَفَمنْ كانَ على بينةٍ مِن ربِّهِ كمَن كفرَ بالله وكذَّبَ أنبياءَه. ونحو هذا - في معنى الحذفِ - قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] (٢) لكانَ هذا القرآنُ. ومن ذلك قول الشاعر (٣):\nفأُقْسِمُ لو شَيءٌ أَتانا رَسُولُهُ ... سِواكَ ولكنْ لَمْ نَجِدْ لكَ مَدْفَعا (٤)\nالتقديرُ: لرَددنَاهُ ولم نُصْغِ إليهِ». (٥)\nوالطبري وابن عطية يكثرونَ من ذكر أساليب العرب، ويُنظِّرون ذلك بشواهد الشعر، ولكنَّهم قلَّما توقفوا عند الوجه البلاغي في التعبير، أَمَّا الزمخشريُّ فقد عُنِيَ باستنباطِ الأوجهِ البلاغية الكامنة في هذه الأساليب.\nومن أمثلة ذلك قوله عند بيان الوجه البلاغي في تعبير الله بالفعل المضارع في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] (٦) فقال: «فإن قلتَ: لِمَ جاءَ ﴿فَتُثِيرُ﴾ على المضارعةِ دونَ ما قبلَهُ، وما بعده؟\nقلتُ: ليحكيَ الحالَ التي تقعُ فيها إثارةُ الرياحِ السَّحابَ، وتستحضرَ تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعلٍ فيه نوعُ تَمييزٍ وخصوصيةٍ بِحالٍ تُستَغربُ، أو تَهُمُّ المخاطَب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شرًا:\nبِأَنِّي قد لَقيتُ الغُولَ تَهوِي ... بِسَهبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ\n_________\n(١) هود ١٧.\n(٢) الرعد ٣١.\n(٣) هو امرؤ القيس بن حجر.\n(٤) انظر: ديوانه ٢٤٢.\n(٥) المحرر الوجيز ٩/ ١٢٤.\n(٦) فاطر ٩.","vol":"1","page":852},{"text":"فأَضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ... صَريعًا لليَدينِ وللجِرانِ (١)\nلأَنَّهُ قصدَ أَنْ يصورَ لقومهِ الحالةَ التي تشجَّعَ فيها - بِزعمهِ - على ضَربِ الغُولِ، كأَنَّهُ يُبَصِّرُهُم إِيَّاها، ويُطلِعُهُم على كُنهِها، مُشاهدةً للتعجيبِ مِن جُرأتهِ على كُلِّ هَولٍ، وثَباتهِ عند كلِّ شدة». (٢)\nوقال الزمخشريُّ عند بيان الوجه البلاغي في وصف العُتوِّ بالكبير في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] (٣): «وقد وصفَ العُتُوَّ بالكبيرِ، فبالغَ في إفراطهِ، يعني أَنَّهم لم يَخسروا على هذا القولِ العظيم، إِلَّا لأَنَّهم بلغوا غايةَ الاستكبار، وأقصى العتوِّ. واللامُ جوابُ قسمٍ مَحذوف، وهذه الجملةُ في حُسْنِ استئنافِها غَايةٌ، وفي أُسلوبِها قَولُ القائلِ (٤):\nوجَارةِ جَسَّاسٍ أَبأَنا بِنَابِها ... كُلَيبًا غَلتْ نَابٌ كُليبٌ بَواؤُها (٥)\nوفي فحوى هذا الفعلِ دليلٌ على التعجبِ من غير لفظ التعجبِ. أَلا ترى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارَهم، وما أكبَر عُتوَّهُم، وما أَغلى نَابًا بَواؤها كُليبٌ». (٦)\nوظهر من دراسة أسلوب القرآن الكريم، وموازنته بأساليب العرب في شعرها قبل الإسلام وبعده القدرةُ على نسبةِ بعض الشواهد المَجهولة في كتب التفسير. وقد تنبَّه الطاهرُ بن عاشور للأساليبِ والألفاظ التي وردت في القرآن ولم تكن معروفةً من قبلُ في لغة العربِ وشعرهم في الجاهلية، وظهر له ما سَمَّاهُ بِمُبتكراتِ القرآنِ، وذكر أمثلة كثيرةً، وسأقتصر على بعض الأمثلة التي كان للشاهد الشعري فيها أَثَرٌ، وقد توصل ابن عاشور بِموازنتهِ بين أسلوبِ القرآنِ، وأُسلوبِ العربِ في\n_________\n(١) انظر: ديوانه ٢٢٤ - ٢٢٥.\n(٢) الكشاف ٣/ ٦٠١.\n(٣) الفرقان ٢١.\n(٤) لم أعرفه.\n(٥) انظر: المستقصى للزمخشري ١/ ١٢٤.\n(٦) الكشاف ٣/ ٢٧٣.","vol":"1","page":853},{"text":"شعرهم إلى نتائجَ نقدية مُهمّة، كنَفي نسبة بعض الشواهد لشعراء الجاهلية.\nومن هذه الأمثلة التي ذكرها ابن عاشور، ونصَّ على أَنَّها من «مبتكرات القرآن»، وأَنَّه لم يَجِد للعربِ في شِعرِها أو نَثرِها مثلَه، واستدل بها على ترجيح نسبة شواهد شعرية إلى قائل دون آخر، ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] (١) قال: «والأَخذُ حقيقتهُ تناولُ شَيءٍ للانتفاعِ بهِ أَو لإضرارهِ، كما يقال: أخذتُ العدوَّ من تلابيبه، ولذلك يُقالُ في الأسير أَخِيذٌ، ويقالُ للقوم إذا أُسِروا: أُخِذُوا، واستُعمِلَ هنا مَجازًا فاستُعِيْرَ للتلبسِ بالوصفِ، والفعل من بين أفعالٍ لو شاء لتلَبس بِها، فيُشبّه ذلك التلبسَ واختيارَهُ على تلبسٍ آخر بأخذِ شيء مِن بَينِ عِدةِ أشياء، فمعنى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: عَامِل به واجْعله وصفًا ولا تتلبس بضده. وأَحسب استعارة الأَخذِ للعُرفِ مِن مُبتكراتِ القرآن ولذلك أُرجِّحُ أَنَّ البيتَ المشهورَ وهوَ:\nخُذي العفوَ مني تَستديْمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ\nهو لأَبي الأَسودِ الدؤليِّ (٢)، وأَنَّه اتبع استعمال القرآن، وأَنَّ نسبته إلى أسماءَ بن خارجة الفزاريِّ، أو إلى حاتمِ الطائي غير صحيحة». (٣)\nوقد ذكر الأصفهاني هذا البيت فقال: «والشعر لأَسْماءَ بن خارجة الفزاري، وقد قيل: إِنَّهُ لأبي الأسود الدؤلي، وليس ذلك بصحيح». (٤) ونسبه بعضهم إلى عامر بن عمرو من بني البكاء. (٥) ونسبه آخرون إلى أسماء بن خارجة. (٦) ونسبه بعضهم لشريح القاضي. (٧)، والجديد في\n_________\n(١) الأعراف ١٩٩.\n(٢) انظر: ديوانه ٣٨١.\n(٣) التحرير والتنوير ٩/ ٢٢٦.\n(٤) الأغاني ٢٠/ ٣٦٢.\n(٥) انظر: الحماسة البصرية ٢/ ٩٣٧.\n(٦) انظر: بَهجة المجالس لابن عبد البر ٣/ ٥٦.\n(٧) انظر: الوحشيات ١٨٥، حماسة الظرفاء ١/ ١٦٣، عيون الأخبار ٣/ ١١.","vol":"1","page":854},{"text":"الأمر هو أن الطاهر بن عاشور اتخذ من معنى البيت وأسلوبه مرجحًا لنسبته لأبي الأسود الدؤلي دون بقية المنسوب إليهم هذا الشعر.\nوقال الطاهر ابن عاشور أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧] (١): «ووصف اليوم بأَنَّهُ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ وَصفٌ لَهُ باعتبار ما يقعُ فيه من الأهوالِ والأحزانِ؛ لأنه شاع أَنَّ الهمَّ مِمَّا يُسرعُ به الشيبُ، فلمَّا أُريدَ وصفُ همِّ ذلك اليوم بالشدة البالغة أقواها، أسند إليه يُشيِّبُ الولدان الذين شَعَرُهُم في أول سواده. وهذه مُبالغةٌ عجيبةٌ وهي من مُبتكراتِ القرآنِ فيما أَحسب؛ لأَنِّي لَم أَرَ هذا المعنى في كلامِ العرب، وأَمَّا البيت الذي يُذكرُ في شواهد النحو وهو:\nإِذَنْ والله نَرميَهُم بِحَربٍ ... تُشيبُ الطفلَ مِنْ قبلِ المشيبِ (٢)\nفلا ثُبوتَ لنسبته إلى مَنْ كانوا قبلَ نُزولِ القرآنِ، ولا يُعرفُ قائلهُ، ونسبهُ بعض المؤلفينَ إلى حسان بن ثابت، وقال العينيُّ: لم أجدهُ في ديوانهِ (٣)، وقد أخذ المعنى الصِّمَّةُ بن عبد الله القشيري في قوله:\nدَعانيَ مِنْ نَجدٍ فإِنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُردا (٤)\nوهو من شعراء الدولة الأموية». (٥) والأمثلة على ذلك عند ابن عاشور متعددة على استعانته بأسلوب القرآن ومعرفته بأسلوب الشعر، في معرفة نسبة بعض الشواهد المختلف في نسبتها، بناء على الأسلوب. (٦)\n_________\n(١) المزمل ١٧.\n(٢) انظر: معجم شواهد النحو الشعرية لحنا حداد ٣٠٥ رقم (٣٦٧).\n(٣) هو بيت مفرد في ملحق ديوانه ٣٧١.\n(٤) انظر: خزانة الأدب ٨/ ٥٨.\n(٥) التحرير والتنوير ٢٩/ ٢٧٥.\n(٦) انظر: التحرير والتنوير ٢٩/ ١١٧، ٣٠/ ٢٨، ٢٥/ ١٩٨.","vol":"1","page":855},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>المبحث السابع: أثر الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل في كتب التفسير</span>.\nالمُرادُ باللغةِ في هذا المبحث ما يُسمَّى حديثًا باللَّهجةِ، وهي «مَجموعةٌ من الصفاتِ اللغويَّةِ، تنتمي إلى بيئةٍ خاصةٍ، ويشترك في هذه الصفات جَميعُ أفرادِ هذه البيئة» (١)، وهي اللغة التي جبل عليها الإنسان فاعتادها ونشأ عليها؛ لأنها هي التي يعرف بها بين أبناء لغته (٢).\nوبيئةُ اللهجةِ جزءٌ من بيئةٍ أَوسعُ وأَشْمَلُ، وهي بيئة اللغة، وهي: «مجموعة من اللهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعًا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهمًا يتوقف على قدر الرابطة التي تربط هذه اللهجات» (٣)، فالعلاقة بين اللغة واللهجة بمعناهما الاصطلاحي هي علاقةٌ بين عامٍ وخاصٍ.\nويُعبِّر القدماءُ باللغةِ ويَعنونَ بِها ما يُسمَّى الآن باللهجة، فيُشِيْرُ أصحاب المعاجم إلى لغةِ تَميمٍ، ولغة طيء، ولغة هذيل، وهم يريدون بذلك اللهجات (٤). وقد يعبّرون بكلمة اللسان، وهو تعبير القرآن: ﴿وَمَا\n_________\n(١) في اللهجات العربية للدكتور إبراهيم أنيس ١٦.\n(٢) انظر: الحذف والتعويض في اللهجات العربية للدكتور سلمان السحيمي ٤٩.\n(٣) في اللهجات العربية ١٦.\n(٤) انظر: الفائق للزمخشري ٣/ ٤٤٢، الإبدال لابن السكيت ١٣٨، الجنى الداني ٥٠٨، شرح المفصل ١/ ٤٢.","vol":"1","page":856},{"text":"أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (١)، وهو الذي تعرفه العربُ في كلامها، ولم أجد لفظةَ «اللغة» مستعملةً في كلام الاحتجاج بكثرةٍ، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: «لم يبعث الله نبيًا إلا بلغة قومه» (٢).\nوالقرآن الكريم نزل بلغةِ العَرَبِ، وقد ورد في آيات كثيرة وصف القرآن بالعربي من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] (٣) وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] (٤)، وغيرها (٥)، وقد تبيَّنَ من نتائج المباحث السابقة أن المفسرين قد استشهدوا بشعرِ جَميع شعراءِ القبائلِ، وأن المفسرين لم يفرقوا بين شعراء القبائل في الاستشهاد، ويُسمُّون كلَّ ما قاله شعراءُ الاحتجاج عربيةً، ويقولون: قالت العرب كذا.\nوقد كان الشاهدُ الشعريُّ الحجةَ التي احتفظ بِها اللغويون عندما سَجلوا لغاتِ العرب، فلا تكادُ تَجدُ النصَّ على لهجةٍ من اللهجات إلا مصحوبًا بِما يشهد له من الشعرِ، فإِمَّا أَن يكونَ الشاهدُ لشاعرٍ من القبيلةِ، وإِمَّا أَن يكون أحد أفراد القبيلة قد أنشد بيتًا لشاعرٍ من غير قبيلتهِ غَيْرَ أَنَّه أَنشدَهُ على وجهٍ يُوافقُ لَهجتَهُ، فيستدل العلماءُ بإنشادهِ لهذا الشاهد، لفصاحته وسلامة لسانه، وكان هذا سببًا من أسباب تعدد روايات الشاهد الشعري في كتب التفسير واللغة. (٦)\nوقد رحل العلماء المتقدمون الذين وضعت قواعد العربية على أيديهم كأبي عمرو بن العلاء والخليل ويونس بن حبيب ومَنْ بَعدَهُم إلى البوادي فَجَمعوا لغات العرب وشواهدَها من الشعر، ودوَّنوا كلَّ ذلك،\n_________\n(١) إبراهيم ٤، وانظر: نزول القرآن على سبعة أحرف لمناع القطان ٤.\n(٢) مسند الإمام أحمد ٥/ ١٥٨.\n(٣) الزخرف ٣.\n(٤) الشورى ٧.\n(٥) انظر: الشعراء ١٩٢، طه ١١٣.\n(٦) انظر: المعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعرية لبريكان الشلوي ١/ ٣٣.","vol":"1","page":857},{"text":"وتنافسوا في ذلك. وقد كان أبو عمرو بن العلاء وهو شيخُ الأصمعيِّ يَتنافسُ هو وتلميذه في كتابةِ اللغة عن العرب، وتتبع الغريب وتدوينهِ بشواهده (١)، ثم إن تلاميذ هؤلاء قد صنفوا كتبًا في معاني القرآن وغريبه، أودعوا فيها كثيرًا مِمَّا سَمعوه من لهَجاتِ العَربِ، وشواهدِ الشعرِ التي تؤيد كيفية نُطقِ هذه اللهجات المختلفة.\nونظرًا للعلاقةِ بَيْنَ اللهجاتِ وقراءات القرآنِ؛ إذ إِنَّ كثيرًا من أوجه الاختلاف بين القراءات وخاصة المخالفة للرسم العثماني، مع اتفاقها مع القراءة المشهورة في الأصل الاشتقاقي يَعودُ لِظواهر لَهجية كالإدغامِ والتسهيلِ ونَحوهاِ (٢)، فقد تفرقت هذه اللهجات المنسوبة للقبائل العربية مَصحوبةً بالشواهد الشعرية التي تَشهدُ لها ولكيفيةِ نُطقِها في كتب التفسيرِ والقِراءات والمَعاني والغَريب. وكانَ كتابُ «معاني القرآن» للفراء، و«مجاز القرآن» لأبي عُبيدة من مصادر الشواهد الشعرية الخاصة باللَّهَجاتِ، واعتمد المفسرون عليهم في نقل هذه اللهجات وشواهدها الشعرية، بل إِنَّ الطبري قد اعتمد بشكل كبير على الفراء، وكثيرًا ما تقرأ في تفسيره عبارة «ذكر الفراء أَنَّ أَبا الجرَّاحِ أَنشدهُ»، أو «ذَكر الفراءُ أَنَّ بعض العَربِ أَنشدهُ»، أو غير ذلك من الصيغ والعبارات التي تدلُّ على اعتماد الطبري على الفراء، وقد يذكره الطبري تلميحًا كقوله: «وأَمَّا بعضُ نَحويي الكوفةِ»، أو «وقال بعضُ نَحويي الكوفة .. وأنشد في ذلك». ولعلَّ الطبريَّ قد قرأ كتب الفراء ورواها عن شيخه ثعلب (ت ٢٩٠ هـ)، الذي ذكر عن نفسه أَنَّهُ حَفِظَ كتبَ الفراء حتى لَم يُبْقِ منها حرفًا ولَهُ خَمسٌ وعشرون سنة (٣)، والطبريُّ قد لازم ثعلبًا، وأَخَذَ عنه اللغةَ والشِّعرَ\n_________\n(١) انظر: إنباه الرواة ٤/ ١٣٥.\n(٢) انظر: القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث لعبد الصبور شاهين ٢٦٧، لغة القرآن الكريم ١١١.\n(٣) انظر: الفهرست ١١٦.","vol":"1","page":858},{"text":"قبل أَن يزدحمَ الطلابُ على ثعلب بِمدةٍ طويلة (١)، والغريب أنك لا تجد لثعلب ذكرًا في تفسير الطبري، والطبري يوافق الفراء كثيرًا، ويُخالِفه أحيانًا (٢).\nوأما بقية المفسرين الذين شملتهم الدراسة فقد تأخروا عن الطبري، وتأخروا عن عصور الاحتجاج، فكان اعتمادهم على كتب الفراء وأبي عبيدة والطبري ظاهرًا، ولم تجد أثرًا للسماع ولا للرواية المباشرة عن العرب في تفاسيرهم، وقد تقدم بيان هذا في مصادر الشاهد الشعري في كتب التفسير، كما اعتمدوا على كتب النحويين كسيبويه وغيره.\nوالمفسرون ينصون على اسم القبيلة التي تتكلم باللهجة أحيانًا فيقولون: «هي لغةُ هُذيل»، أو «لغةُ تَميم»، ويُغفِلونَها أحيانًا، فيكتفون بقولهم: «وهي لغةٌ لبعضِ العرب» أو «وهي لُغةٌ»، وقد اعتمد المفسرون على عَمَلِ اللغويين في نقل اللهجات العربية التي تتعلَّقُ بالقراءات القرآنية، ونقلوا شواهد الشعر التي تُمثِّلُ الحججَ والأدلة على صحتها.\nوأمثلة تدوين اللهجات عند أبي عبيدة والفراء والأخفش متعددة، ولا سيما ما كانت شواهد الشعر هي الحُججُ الباقيةُ للاستشهاد عليه، وقد دونوا الكثيرَ من تلك اللهجات عند مناسبتها في تفسيرهم للقرآن الكريم، وأمثلة ذلك لدى أبي عبيدة والفراء متعددة. وإن كان أكثر لغات العرب قد ضاع، وذهب بذهاب أهله، كما قال أبوعمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكمْ مِمَّا قالت العَرَبُ إِلَّا أَقلُّهُ، ولو جاءكم وافِرًا لَجاءَكمْ عِلمٌ وشِعْرٌ كثير». (٣)\nومن أمثلة إغفالهم لنسبة هذه اللغة لقبيلة بعينها قول أبي عبيدة في\n_________\n(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٦٠.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٤/ ٣١٢، ١٢/ ٣٠١.\n(٣) الخصائص ١/ ٣٨٦، المزهر ١/ ١٤٨.","vol":"1","page":859},{"text":"تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] (١): «مِنْ «صَغَوتُ إليهِ»، أي: مِلتُ إليهِ، وهَويتهُ، «وأَصْغَيتُ إليهِ» لُغَةٌ، قال ذو الرمة:\nتُصْغي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحَةً ... حتى إذا ما استوى في غَرزِها تَثِبُ (٢)». (٣)\nفأشار إلى أَنَّ «أصغيتُ إليه» لغةٌ لبعض العرب ولم يُسمِّها.\nوذكر أبو عبيدة اللغات التي وردت في جَمع اسم الموصول (التي) فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] (٤): «واحدها التي، وبعض العرب يقول: اللواتي، وبعضهم يقول: اللاتي.\nقال الراجز (٥):\nمِن اللَّواتي والتي واللَّاتي ... زَعَمْنَ أَنِّي كَبِرَتْ لِداتِي (٦)\nأي: أَسنانِي، وقال الأخطل:\nمِن اللَّوَاتي إِذا لانَتْ عَرِيكتُها ... يَبْقى لَها بَعدَهُ آَلٌ ومَجلودُ (٧)\nآلُها: شَخصها، ومَجلودُها: جِلْدُها. وقال عمر بن أبي ربيعة (٨):\nمِن اللّاتِي لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِيْنَ حِسْبَةً ... ولكنْ لِيَقْتُلْنَ البَريءَ المُغَفَّلا (٩)». (١٠)\n_________\n(١) الأنعام ١١٣.\n(٢) انظر: ديوانه ١/ ٤٨، الكتاب ٣/ ٦٠.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٠٥، وانظر: لسان العرب ٧/ ٣٥٣ (صغا).\n(٤) النساء ١٥.\n(٥) قال البغدادي عنه: «لا أعرف ما قبله ولا قائله مع كثرة وجوده في كتب النحو». خزانة الأدب ٦/ ١٥٦.\n(٦) انظر: مجاز القرآن ١/ ١١٩، الشعر للفارسي ٢/ ٤٢٥، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٤، الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٨٣.\n(٧) انظر: ديوانه ١٤٨.\n(٨) الشاهد ليس في ديوان عمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوان العرجي، وديوان الحارث بن خالد المخزومي.\n(٩) انظر: ديوان العرجي ٢٨٦، وديوان الحارث بن خالد المخزومي ١٤٢.\n(١٠) مجاز القرآن ١/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"1","page":860},{"text":"فقد ذكر اللغاتِ، دون أن ينصَّ على أَيِّ قبائل العرب تنطق بِهذه، وأيها تنطق باللغة الأخرى.\nوأما أمثلة نسبتهم اللغة لقبيلة من العرب باسمها، فكثيرة منها قول ابن قتيبة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] (١): «أَي: أَفَلَمْ يعلم، ويقال: هي لُغَةٌ للنَّخَعِ، وقال الشاعر (٢):\nأَقُولُ لَهُمْ بالشِّعبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي ... أَلَمْ تَيأَسُوا أَنِّي ابنُ فَارسِ زَهْدَمِ (٣)\nأي: ألم تعلموا». (٤) بل رُبَّما ينصُّ المفسرونَ على تسميةِ لغةِ شخصٍ بعينهِ، كقول القرطبي: «إذا قلتَ لصاحبكَ يومَ الجمعةِ: أَنصت، فقد لغوتَ، ويُروى: لغيتَ، وهي لغةُ أَبي هُريرةَ، كما قال الشاعر (٥):\nورُبَّ أَسرابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَن اللَّغا وَرَفَثِ التَّكُلُّمِ (٦)». (٧)\nفنسبها لأبي هُريرةَ دون سائرِ قبيلتهِ.\nوأما أثر الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل في كتب التفسير فقد كان ظاهرًا، وأمثلة نسبة اللهجات التي عثرت عليها في تفسير الطبري وما بعده تذكرُ شواهدَ شعريةً تؤيدُ هذه النسبة، وهم كما تقدَّم ينقلون كثيرًا عن علماء اللغة الذين كتبوا في معاني القرآن كالفراء وأبي عبيدة والأخفش، وينقلون عن أهل العربية كأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه. والشاهد الشعري يأتي لتأكيد نسبة هذه اللغة للقبيلة، ويأتي ليبين كيفية النطق لبعض الألفاظ، ويأتي ليبين كيفية التركيب النحوي. هذه أهم الآثار التي يؤديها الشاهد الشعري عند الاستشهاد به على نسبة\n_________\n(١) الرعد ٣١.\n(٢) هو سحيم بن وثيل اليربوعي.\n(٣) انظر: مجاز القرآن ١/ ٣٣٢، تأويل مشكل القرآن ١٤٨، تفسير الطبري ١٣/ ١٠٣.\n(٤) غريب القرآن ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(٥) هو العجاج بن رؤبه وقيل لرؤبة.\n(٦) انظر: ديوانه ٢٨٣.\n(٧) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٢٦.","vol":"1","page":861},{"text":"اللغات للقبائل العربية في كتب التفسير، بحسب الأمثلة التي جَمعتُها منها.\nومن أمثلة استشهاد المفسرين بشواهد الشعر لنسبة اللغات ما يأتي:\n١ - ذكر الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (١) وهو يذكرُ توجيهَ أَهلِ العربيةِ لقراءة تشديد «إِنَّ» ورَفع «ساحران» أَنَّ ذلكَ على وجهين، أحدهما: على لغةِ بني الحارث بن كعب ومَن جاورَهُم، يَجعلونَ الاثنين في رفعِهما ونصبِهما وخفضهما بالألف. وقال: «أنشدني رَجلٌ من الأَسْدِ (٢) عن بعض بني الحارث بن كعب:\nفأَطْرَقَ إِطراقَ الشُّجاعِ ولَو يَرَى ... مَساغًا لِنَابَاهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما (٣)». (٤)\nوهذه الآية من المواضع التي كثر في توجيهها قول النحويين، قال الزجاج: «وهذا الحرف من كتاب الله ﷿ مُشكِلٌ على أهل اللغةِ، وقد كثر اختلافهم في تفسيره». (٥) ثم ذكر أقوال النحويين، وخَرَجَ برأيٍ ذَكرَ أَنَّهُ عَرضَه على المُبَرِّدِ والقاضي إسماعيل بن إسحاق (٦) فارتضياه، وهو أنَ «أَنَّ» قد وقعت موقعَ «نعم»، وأَنَّ اللامَ وقعت موقعها، وأَنَّ المعنى: هذانِ لَهُما سَاحِرَانِ. (٧) وقد رد أبو علي الفارسي هذا الوجه (٨).\nوأما الطبري فقد اختار القول الذي ذكره الفراء فقال: «والصواب\n_________\n(١) طه ٦٣.\n(٢) الأسد: لغة في الأزد، وهي بالسين أفصح، وبالزاي أكثر. انظر: الاشتقاق ٤٨٢.\n(٣) الشجاعُ: الحيَّةُ الذَّكَرُ، وصمَّمَ: عَضَّ ونَيَّبَ فلم يُفلت فريستهُ. والبيت للمُتَلَمِّسِ الضبعيِّ، انظر: ديوانه ٣٤.\n(٤) معاني القرآن ٢/ ١٨٤، انظر: تأويل مشكل القرآن ٥٠، تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٩٨.\n(٥) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٦١.\n(٦) هو إسماعيل بن إسحاق الجهضمي الأزدي، الفقيه المالكي، أسرته هي التي نشرت مذهب مالك في العراق، ولد في البصرة، وكان من نظراء المبرد. ولي قضاء القضاة، وتوفي فجأة سنة ٢٨٢ هـ. له كتاب في أحكام القرآن يعد من أوائل ما صنف. انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٨٤، الديباج المذهب ٩٢.\n(٧) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٦٣.\n(٨) انظر: الإغفال ٢/ ٤٠٨.","vol":"1","page":862},{"text":"من القراءة في ذلكَ عندنَا ﴿إِنَّ﴾ بتشديدِ نُونِها، ﴿هَذَانِ﴾ بالألف؛ لإجْماعِ الحُجةِ من القَرَأَةِ عليه، وأَنَّهُ كذلك هو في خَطِّ المصحف. ووجههُ إذا قرئ كذلك مُشابَهتهُ «الذين»؛ إذ زادوا على «الذي» النون، وأُقِرَّ في جَميع أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدة، فكذلك ﴿إِنَّ هَذانِ﴾ زيدت على «هذا» نونٌ، وأُقِرَّ في جَميعِ أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدةٍ، وهي لُغةُ بلحرث بنِ كعبٍ، وخثعم، وزَبيد، ومَن ولِيَهُم من قبائل اليمن». (١)\nوالفراء يعتمد في مواضع كثيرة على الكسائي في نقل لغات العرب، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٢): «ضَمَّ الصادَ العامَّةُ، وكان أصحاب عبد الله يكسرون الصاد، وهما لغتان. فأما الضم فكثير، وأما الكسر ففي هذيل وسليم. وأنشدني الكسائي عن بعض بني سليم:\nوفَرْعٍ يَصِيْرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (٣)\nويُفَسِّرُ معناه: قَطِّعهنَّ، ويقال: وجِّههنَّ». (٤)\n٢ - ومن الأمثلة قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأنفال: ٥٧] (٥): «أي: افعل بِهم فِعلًا من العُقُوبة والتنكيلِ يتفرَّقُ بِهم مَن ورائهم مِن أعدائِك. ويُقال: شَرِّدْ بِهِم، سَمِّعْ بِهم بلغةِ قريش. قال الشاعر (٦):\nأُطوِّفُ ما أُطوِّفُ كلَّ يومٍ ... مَخافةَ أَنْ يُشَرِّدَ بِي حَكيمُ (٧)». (٨)\nوحَكيمُ هو ابنُ أُميَّةَ بن حارثة بن الأَوقصِ، استعملتهُ قريش على\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ١٠١.\n(٢) البقرة ٢٦٠.\n(٣) يُريدُ بالفرعِ الشَّعر التام، والوَحفُ: الأسودُ، واللَّيتُ: صفحةُ العُنُق، وقنوان الكروم: عناقيد العنب، والدوالح: المثقلات بحملها. انظر: معاني القرآن ١/ ١٧٤ ولم أجده عند غيره.\n(٤) معاني القرآن ١/ ١٧٤.\n(٥) الأنفال ٥٧.\n(٦) هو الحارث بن أمية الأصغر.\n(٧) انظر: جمهرة نسب قريش ١٩١.\n(٨) غريب القرآن ١٥٦.","vol":"1","page":863},{"text":"سُفهائِها، فأَحدثَ الحارثُ بن أميةَ حَدَثًا فَطَلَبَهُ، فَفَرَّ منه، فَهَدَمَ حكيمُ دارَه، فقال أبياتًا منها هذا البيت، ومعنى التَّنْكيلِ والطَّردِ من الدِّيارِ في الشاهدِ الشعريِّ أَولى مِن التَّسميعِ، ولذلك استشهد به القرطبيُّ على أَنَّ التَّشريدَ يأتي بِمَعنى التشريدِ عن الوطنِ والأَهلِ، غَيْرَ أَنَّهُ نَسَبَ الشاهدَ لشاعرٍ مِن هُذيلٍ (١)، وتفسير المفسرين للتشريد في الآية بالتنكيلِ، هو الذي عليه المفسرون، وهو تفسير الضحاك. (٢)\n٣ - وقال الطبريُّ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] (٣) فقال: «بِمَعنى: أَنْ لا تَميدَ بكم. والعَرَبُ قد تَجزمُ مع «لا» - في مثل هذا الموضع - الكلامَ، فتقول: ربطتُ الفَرَسَ لا يَنْفَلِتْ، كما قال بعضُ بني عُقيل:\nوحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا ... مُساكتَةً لا يَقْرِفِ الشَّرَّ قَارِفُ (٤)\nويُروى: «لا يَقْرِفُ» رفعًا، والرفعُ لغةُ أهلِ الحجازِ فيما قيل». (٥)\nوالطبري في هذا التخريج يسير على نهج الفراء، والشاهد الشعري رواه الفراء عن بعض بني عقيل، حيث قال في تفسيره للآية التي ذكرها الطبري: «ويصلح في (لا) على هذا المعنى الجزم. العرب تقول: ربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت عبدي لا يفرر.\nوأنشدني بعض بني عُقَيل:\nوحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا ... مُساكتَةً لا يَقرفُ الشَّرَّ قَارِفُ (٦)\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣١.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ١/ ٢٤٨، معاني القرآن للفراء ١/ ٤١٤، تفسير الطبري (هجر) ١١/ ٢٣٦، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/ ٤٢٠، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٠.\n(٣) النحل ١٥.\n(٤) البيتُ سَمعَهُ الفراءُ من بعض بني عقيل كما في معانيه ٢/ ٣٨٣، وورد في ديوان الحماسة ٢/ ١٣١.\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٩/ ٥٠٤ - ٥٠٥.\n(٦) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي ٣/ ١٣٨٦.","vol":"1","page":864},{"text":"وبعضهم يقول: لا يقرفُ الشرَّ، والرفعُ لغةُ أهل الحجاز، وبذلك جاء القرآن». (١) فقد نقل الطبري قول الفراء وشاهده دون أن يذكره باسمه، وكان إنشاد الشاهد الشعري هو الحجة لهذه اللغة العُقَيليَّةِ، وذكر الفراء أن البيت الشعري ينشد برفع الفعل بعد (لا) وأَنَّ هذه لغة أهل الحجاز، وهذا دليل على اعتبار لغة المنشد للبيت كما مَرَّ.\nوالطبري يعتمد كثيرًا على الفراء في نسبته اللهجات للقبائل العربية، وينقل شواهد الفراء غالبًا، وقد يذكر الفراء كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: (٢) ورُبَّما أَبدلوا الزاي التي في اللازبِ تاءً، فيقولون: طِيْنٌ لاتِبٌ، وذُكِرَ أَنَّ ذلك في قَيسٍ، زَعمَ الفراءُ أَنَّ أبا الجرَّاحِ أَنشدَهُ (٣):\nصُداعٌ وتَوصِيمُ العِظامِ وفَتْرَةٌ ... وغَثْىٌ معَ الإِشراقِ في الجوفِ لاتبُ (٤)\nبِمَعنى: لازم». (٥) وقد لا يذكره كما تقدم في المثال الأول.\n٤ - وقال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] (٦): «قُرِئ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ والسَّحْتُ لغةُ أهلِ الحِجازِ، والإِسحاتُ لُغَةُ أَهلِ نَجدٍ وبَني تَميم. ومنه قول الفرزدق:\n....................... ... إِلَّا مُسْحِتًا أو مُجلَّفُ (٧)\nفي بيتٍ لا تزالُ الرُّكَبُ تَصْطَكُّ في تسويةِ إعرابهِ». (٨) والشاهد استشهاد الزمخشري بالشعر على لغة تميم، وأنها تقولُ: أَسحتَ يُسْحِتُ\n_________\n(١) معاني القرآن ٢/ ٣٨٣.\n(٢) الصافات ١١.\n(٣) انظر: معاني القرآن ٢/ ٣٨٤، الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٦٩.\n(٤) انظر: تاج العروس ٨/ ١٦٧ (لتب).\n(٥) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٥١١.\n(٦) طه ٦١.\n(٧) تقدم تخريجه، وتَمامهُ:\nوعَضُّ زَمانٍ يا ابنَ مَروانَ لَم يَدَعْ ... من المالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَو مُجَلَّفُ\n(٨) الكشاف ٣/ ٧٢، وانظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٣٦١.","vol":"1","page":865},{"text":"إِسْحَاتًا، وأهل الحجازِ يقولون: سَحَتَ يَسْحَتُ سَحْتًا. قال الأزهري: «والسُّحْتُ: العّذابُ، قال: وسَحَتْناهم بلغنَا مَجهودَهم في المَشّقَّة عليهم، وأسْحَتْناهم لُغةٌ. وقال الفرّاء: قُرئ قَوْل الله جل وعزَّ: وقرئ: ﴿فَيَسْحَتَكُم﴾ بفتح الياءِ والحاء، قال: ويَسْحَتُ أكثر وهو الاستئصالُ. وأنشد قول الفرزدق:\nوعَضُّ زَمَان يا ابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ\nقال: والعرب تقول: سَحَت وأسْحَت. ويُروى: إلا مُسْحَتٌ أو مُجَلَّفُ. ومن رواه كذلك جعل معنى لم يَدَعْ: لم يَتَقارّ، ومن رواه: إلا مُسْحَتًا، جعل لم يَدَعْ بِمعنى لم يترك، ورفع قوله: أو مُجَلَّفُ بإضمارٍ كأنه قال: أوهو مُجَلَّفٌ كذلك. وهذا قول الكسائي». (١)\n٥ - وقال القرطبيُّ: «قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] (٢) لُغَةُ بَني تَميمٍ وبني عامرٍ في «أَمَّا» «أَيْما»، يُبدلونَ من إحدى الميمين ياءً؛ كراهيةَ التضعيفِ، وعلى هذا يُنشَدُ بيتُ عمر بن أبي ربيعة:\nرَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ ... فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ (٣)». (٤)\nوعمرُ بن أبي ربيعة حجازي من قريش، غير أنه قد روي البيت أيضًا على لغة تَميمٍ كما ذكر القرطبيُّ، وهو كذلك في إحدى روايات الديوان كما أَشار مُحقِّقهُ، وقد استدلَّ النحويونَ به على هذه الرواية على الإبدال. واستشهد به المُبَرِّدُ في ثلاثة مواضع، رواه في الموضع الأول بالإبدال على لغة تَميم (٥)، وفي الموضعين الباقيين على لغة قريش بغَيْرِ إبدال (٦)، وقال بعد أَن أنشدَ قَول جَميلِ بن مَعْمَر:\n_________\n(١) تهذيب اللغة ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(٢) البقرة ٢٦.\n(٣) يَخْصَرُ مضارع خَصِرَ - من بابِ فَرِحَ - إذا أَصابَهُ البَرْدُ وآلَمَهُ. انظر: ديوانه ٩٤.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٤٤.\n(٥) انظر: الكامل ١/ ٩٨.\n(٦) انظر: الكامل ١/ ٣٨٤، ٣/ ١١٥٣.","vol":"1","page":866},{"text":"على نَبْعَةٍ زَوراءَ أَيْمَا خُطَامُها ... فَمَتْنٌ وأَيْمَا عُودها فَعَتِيقُ (١)\nشرحه فقال: «وقوله: «أَيْما»، يريد «أَمَّا»، واستثقلَ التضعيفَ، فأبدل الياءَ من إحدى الميمين، ويُنشدُ بيتُ ابن أبي ربيعة:\nرَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ ... فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ\nوهذا يَقَعُ». (٢) قال البغدادي معلقًا على قول المبرد: «وهذا يقع»: «وقوله: «وهذا يَقَعُ» يُريدُ أَنَّه نادر». (٣) وإبدال الياء مَحلّ أحد المتماثلين لغةُ تَميمٍ وقيس. (٤) واختلاف اللهجات سَبَبٌ من أسباب تعددِ رواية الشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة. (٥) وأمثلة أثر الشاهد الشعري في تفسير القرطبي في نسبته اللغات للقبائل متعددة. (٦)\nوهناك من المفسرين من يرُدُّ بعضَ ما ورد من لغات العرب في الشواهد الشعرية، ويرى ذلك غلطًا من الشاعر، كما غَلَّطَ ابنُ عطية الشاعرَ الهُذلي في تسميته العَسَلَ بالسَّلوى، وذلك عند تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (٧)، حيث قال ابن عطية: «والسَّلوى طَيْرٌ، بإجْماعٍ من المفسِّرينَ (٨) ... وقد غَلِطَ الهذليُّ، فقال:\nوَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا (٩)\n_________\n(١) انظر: ديوانه ١٥٠ - ١٥١.\n(٢) الكامل ١/ ٩٧ - ٩٨.\n(٣) خزانة الأدب ١١/ ٣٦٨.\n(٤) انظر: الممتع لابن عصفور ١/ ٣٧٥، المحتسب ١/ ٢٨٤، واللهجات في كتاب سيبويه لصالحة آل غنيم ٢٢٨.\n(٥) انظر: المعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعرية لبريكان الشلوي ١/ ٣٣ وما بعدها.\n(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٨٤.\n(٧) البقرة ٥٧.\n(٨) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٩٦، تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٧٨، النكت والعيون ١/ ١٢٤، الدر المنثور ١/ ١٧١.\n(٩) انظر: ديوان الهذليين ١/ ١٥٨، وجاء في شرحه: «نشورها: نأخذها، والشَّورُ: أخذ العسل من موضعها».","vol":"1","page":867},{"text":"ظنَّ السَّلوى العسلَ». (١) ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا مِنْ تَخطئةِ العُلماءِ للشعراءِ، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد تقدمت الإشارة لذلك في البحث.\nوقد سبقه في تغليط الشاعر الزجاج، حيث قال تعقيبًا على البيت: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ. وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلاَّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة». (٢) ولم يرتض بعضُ العلماءِ تَخطئةَ الزجاجِ وابن عطية للشاعر، لكونهِ يتكلَّمُ بلهجتهِ ولغةِ قبيلتهِ، وليس إجْماعُ المفسرين على أَنَّ السَّلوى في الآية هي الطائرِ بِمانعٍ أَن تكونَ هذيلُ تُسمِّي العَسَلَ بالسَّلوى، ولا سيما إذا ثبتَ هذا عنها، ورواهُ أهلُ اللغةِ. هذا مع التسليم بدعوى الإجماع التي ذكرها ابن عطية. (٣)\nوقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجْماعِ لايصحُّ، وقد قال المؤَرِّجُ (٤) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكَرَ أَنَّه كذلكَ بلغةِ كِنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد:\nلو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ ... ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (٥)\nوقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (٦)، وذكر بيت الهذلي:\n........................... ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها\n_________\n(١) المحرر الوجيز ١/ ٣٠٦.\n(٢) المحرر الوجيز (قطر) ٥/ ٤٥٩.\n(٣) انظر: الإجماع في التفسير للخضيري ١٧١ - ١٧٣.\n(٤) هو مؤرج بن عمر السدوسي البصري، أحد أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ١٩٥ هـ. انظر: بغية الوعاة ٢/ ٣٠٥.\n(٥) الشاهد للعجاج كما في ديوانه ٤٠٦.\n(٦) انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٨١.","vol":"1","page":868},{"text":"ولم يذكر غَلَطًا». (١) وردَّ قولَ ابن عطيةَ الثعالبيُّ في اختصاره فقال: «قد نقل صاحبُ المُختصرِ أَنَّهُ يُطلَقُ على العَسَلِ لُغةً، فلا وجهَ لتغليطهِ؛ لأَنَّ إجماعَ المفسرين لا يَمنعُ من إطلاقهِ لُغةً بِمَعنىً آخر في غير الآية». (٢) وقال ابن هشام: «والسَّلوى طَيْرٌ، واحدتُها سَلواة، ويُقال: إِنَّها السُّماني. ويقالُ للعَسَلِ أيضًا: السَّلوى، وقال خالدُ بن زُهَيْرٍ الهذلي:\nوَقَاسَمَهَا بِاللهِ حقًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا\nوهذا البيت في قصيدةٍ له». (٣)\nغير أَنَّ الزجاج في موضعٍ آخر يؤكدُ على أَنَّ الشاعر قد يقعُ في الخطأ، وليس بِمعصومٍ منهُ، ومثلهُ ابنُ فارس في كتابه «ذم الخطأ في الشعر» وفي غيره (٤)، ولذلك فإِنه ينبغي التنبه عند الاستشهاد إلى مثل هذه الملحوظات.\nيقول الزجاج وهو يرد استشهاد من وجه قراءة من قرأ ﴿أَرْجِهْ﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] (٥) بإسكان الهاء، وأنه جائز فقال: «وزعم بعض النحويين (٦) أن إسكانها جائز، وقد رويت لعمري في القراءة (٧)، إِلَّا أَنَّ التحريكَ أكثرُ وأَجودُ، وزَعَمَ أيضًا هذا أَنَّ هاءَ التأنيث يَجوزُ إِسكانُها، وهذا لا يَجوزُ. واستشهدَ في هذا بشعرٍ مَجهولٍ، قال أنشدني بعضهم:\nلَمَّا رَأَى أَلاَّ دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مَالَ إِلى أَرطاةِ حِقْفٍ فالطَجَعْ (٨)\nوهذا شِعْرٌ لا يُعرفُ قائلهُ، ولا هو بشيءٍ، ولو قالهُ شاعرٌ مَذكورٌ\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٢) الجواهر الحسان ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(٣) السيرة النبوية ١/ ١٢٨.\n(٤) انظر: الصاحبي ١٧٨.\n(٥) الأعراف ١١١.\n(٦) هو الفراء. انظر: معاني القرآن ١/ ٣٨٨.\n(٧) هي قراءة حمزة والأعمش، وحفص عن عاصم. انظر: معاني القرآن ١/ ٣٨٨.\n(٨) لم أعرف قائله، وكلهم يرويه عن الفراء.","vol":"1","page":869},{"text":"لقيلَ: أَخطأتَ؛ لأَنَّ الشاعرَ قد يَجوزُ أَن يُخطئ. وأنشد أَيضًا آخرَ أَجهلَ من هذا، وهو قوله:\nلست إذًا لزعبله ......\nإِنْ لَم أُغَيّرْ بَكْلَتِي ... إِنْ لَمْ أُساوَ بِالطوَلْ (١)\nفجَزَمَ الهاءَ في زَعبَلَه، وجعلها هاءً، وإِنَّما هي تاءٌ في الوصلِ، وهذا مذهبٌ لا يُعَرَّجُ عليه». (٢) والزجاج ممن يرى عدم الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل. (٣)\nوقد يستطرد بعض أصحاب المعاني فيذكر لغات لبعض قبائل العرب في بعض ألفاظ القرآن لم يقرأ بِها أَحدٌ من القراء، ويستشهدُ لذلك بالشعر، كالفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] (٤) حيث ذكر أنه: «قد قرأَ بعضُ القُراءِ (ومَنْ يَرِدْ فيهِ بإِلحادٍ) (٥) من الوُرودِ، كأَنَّهُ أراد: مِن وَردهُ أو تَورَّدهُ» ثُمَّ قال الفراءُ: «ولستُ أشتهيها، لأَنَّ وَردتُ يطلبُ الاسمَ ... وقد تَجوزُ في لغةِ الطائيينَ؛ لأَنَّهم يقولونَ: رغبتُ فيكَ، يُريدون: رغبتُ بكَ، وأَنشدني بعضُهُم في بنتٍ لَهُ:\nوأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ ... ولكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَستُ أَرْغَبُ (٦)\nيعني: بِنتَهُ». (٧) غيرَ أَنَّ الطبريَّ لا يرى صحة هذه القراءة التي\n_________\n(١) زَعْبَلَةُ اسمُ رَجُلٍ، وزَعْبَلةٌ: الكثِيْرُ، البَكْلَةُ: الحال والخلطُ، بَكَلَ عليه وبَكَلَهُ إذا خَلط. قال ثعلب: «هكذا يُنشَدُ، وهو صدرُ بيتٍ وبيتٌ». انظر: مجالس ثعلب ٤٧٣.\n(٢) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤١٨، الإغفال للفارسي ٢/ ٢٨٥.\n(٤) الحج ٢٥.\n(٥) هذه القراءة ذكرها الكسائي والفراء، ولم ينسباها، وقراءة الجماعة بخلافها. انظر: معاني القرآن ٢/ ٢٢٣، البحر المُحيط ٦/ ٣٦٣، تفسير الرازي ٢٣/ ٢٥، حاشية الشهاب ٦/ ٢٩٢، الدر المصون ٥/ ١٤١.\n(٦) لم يذكره أحد قبل الفراء، ولم يذكر اسم القائل.\n(٧) معاني القرآن ٢/ ٢٢٣.","vol":"1","page":870},{"text":"ذكرها الفراء، فتعقَّبَه فقال: «وقد زَعمَ بعضُ أَهلَ المعرفة بكلامِ العربِ أَنَّ طيئًا تقول: رَغبتُ فيكَ، تريدُ: رغبتُ بِكَ، وذكرَ أَنَّ بعضَهُم أَنشدهُ بيتًا:\nوأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ ... ولكِنَّنِي عَنْ سَنْبسٍ لَستُ أَرْغَبُ\nبِمَعنى: وأرغبُ بِها. فإنْ كان ذلك صحيحًا كما ذكرنا، فإِنَّهُ يَجوزُ في الكلامِ، فأَمَّا القراءة به فغيرُ جائزةٍ». (١)\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ١٦/ ٥١١.","vol":"1","page":871},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المبحث الثامن: أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها</span>.\nنزل القرآن الكريم بأفصح لغات العرب، وربما يكون للعرب في لفظة من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب لغتان أو أكثر. ولكن القرآن قد جاء بإحداهما، أو بهما معًا. وقد تكون إحدى هذه الألفاظ هي الفصحى، والأخرى دونها في الفصاحة. وقد تعرَّض المفسرون في مواضعَ متفرقة لمثل هذه الألفاظ أو التراكيب. فنصوا على اللغة الفصيحة في اللفظة، ويستشهدون على أقوالهم بالشاهد الشعري، ومن هنا يظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية تلك الألفاظ وفصاحتها. وسأورد أمثلةً كاشفةً لِهذا الأَثرِ الذي ظَهَرَ للشاهد الشعري في هذه المسألةِ في كتب التفسير مع التعليق على كل مثال باختصارٍ.\nأولًا: ظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بفصاحة عدد من الألفاظ العربية في كتب التفسير، ومن ذلك لفظة الجَدَثِ بِمعنى القَبْرِ، فقد ورد فيها لغةٌ أخرى هي الجَدَف، ولكنَّ الفصحى منهما هي الأولى. وقد تعرض لهذه المسألة الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١] (١) حيث قال: «﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي: القبور. وقُرِئَ بالفاء (من الأَجْدافِ)، ذكره الزمخشريُّ (٢). يقال: جَدَثٌ وجَدَفٌ، واللغة الفصيحةُ الجَدَثُ بالثاء،\n_________\n(١) يس ٥١.\n(٢) انظر: الكشاف ٥/ ١٨٢.","vol":"1","page":872},{"text":"والجمعُ أَجْدُثٌ وأَجداثٌ». (١) ثم استشهد القرطبي على صحة قوله بأن اللفظة بالثاء أولًا، وأنها تجمع على أَجْدُثٍ بقولِ المتنخِّلُ الهُذَليُّ:\nعَرفتُ بِأَجْدُثٍ فنِعافِ عِرْقٍ ... علاماتٍ كتَحْبِيْرِ النِّماطِ (٢)\nوالجَدَفُ هو القَبْرُ.\nوقيل: الجدث بالثاء لغة أهل الحجاز، وبالفاء لغة تَميم (٣).\nوأنكرَ بعضُهُم جَمعَهُ على أَجدافٍ لإجْماعِ أهلِ اللغة أنه لا يُجمع إِلَّا على أَجداثٍ، وأَنَّ الإبدالَ خاصٌ بالمُفردِ (٤)، وذكروا أَنَّهُ لم يُنقَل عن العرب.\nوذهب آخرون إلى أَنَّ الفاء والثاء تتعاقبان على الموضع الواحد، قال الفراء: «العَرَبُ تُعقبُ بين الفاءِ والثاء في اللغةِ، فيقولونَ: جَدَفٌ وجَدَثٌ، وهي الأَجداثُ والأَجدافُ». (٥) والشاهد استشهاد القرطبي ببيت الهذلي على أن الأفصح في اللفظة أن تكون بالثاء لا بالفاء.\nثانيًا: قد يكون للعربِ في جَمعِ المُفردِ أكثر من لغة، غير أن إحدى هذه اللغات هي الشائعة الفصيحة عند العرب دون غيرها. ومن ذلك على سبيل المثال كلمة (حُجْرَة) فإِنَّها تُجمَعُ على حُجَرٍ، وحُجُراتٍ، وحُجَراتٍ، وحُجْرَاتٍ. وقد تعرض الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤] (٦) لهذه المسألة فقال: «والحُجُراتُ جَمعُ حُجْرةٍ، والثلاثُ حُجَرٌ، ثُمَّ\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ٤٠.\n(٢) أَجدث ونِعافُ عِرقٍ موضعانِ، والنِّماطُ: جَمعُ نَمط، والتحبير هو التنقيش. انظر: ديوان الهذليين ٢/ ١٨.\n(٣) انظر: المحتسب ٢/ ٦٦، لغة هذيل للدكتور عبد الجواد الطيب ١٢٠، لغة تميم لضاحي عبد الباقي ١١٩.\n(٤) انظر: سر صناعة الإعراب ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، لسان العرب ٢/ ١٩٧ (جدث).\n(٥) معاني القرآن ١/ ٤١.\n(٦) الحجرات ٤.","vol":"1","page":873},{"text":"تُجمَعُ الحُجَرُ فيقالُ: حُجُراتٌ، وحُجْراتٌ، وقد تَجمعُ بعضُ العرب الحُجُرَ: حُجَراتٍ بفتح الجيمِ، وكذلك كلُّ جَمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرة على فُعَلٍ، يَجمعونهُ على فُعَلاتٍ بفتحِ ثانيهِ، والرفعُ أَفصحُ وأَجودُ».\nثم استشهد على قوله هذا في الحكم بأن الضم للعين في (فُعُلات) أفصح وأجود في اللغة بشاهد شعري فقال: «ومنه قول الشاعرِ (١):\nأَما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئًا لِدارِمٍ ... بَلى، ولأِبياتٍ بِها الحُجُراتُ (٢)\nيقول: بلى، ولِبَنِي هاشمٍ». (٣)\nوهذا البيت الذي استشهد به الطبري للفرزدق، قالهُ عندما سَمِعَ أَنَّ أحد بني الحارث بن عمرو بن تَميم المعروفين بالحَبَطات (٤)، قد خَطَبَ امرأةً من بني دارمٍ قومِ الفرزدقِ فقال:\nبَنُو دارمٍ أَكفاؤُهُمْ آَلُ مِسمَعٍ ... وتَنْكِحُ في أَكفائِها الحَبِطاتُ (٥)\nووجهُ الاستشهادِ يصحُّ للطبري على الرواية التي رواها، وأَنَّها بالضمِّ لا غيرُ. وقد سبق الفراء إلى ما ذكره الطبري، ولم يذكر الشاهد. (٦) في حين ذكر أبو عبيدة الشاهد ولم يذكرِ اللغاتِ في جَمعِ الحُجْرَةِ. (٧)\n_________\n(١) هو رجل من الحبطات، وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم، يرد على الفرزدق لم أعثر على اسمه. انظر: الكامل للمبرد ١/ ٦٤.\n(٢) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢١٩، الكامل ١/ ٨٩، ٢/ ٥٨٦، خزانة الأدب ١٠/ ٢١٢.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(٤) قيل: سُمِّي الحارثُ بن عمرو حَبِطًا لأَنَّه كان في سفر فأَكلَ أكلًا انتفخ منه بطنهُ فمات، فسمِّي حَبِطًا بذلكَ، لا كما قال ابن نباتة: إنه لقول زياد الأعجم: كما الحَبطاتُ شَرُّ بني تَميمِ؛ حيث إنهم سموا بذلك قبل هذا بدهور. انظر: خزانة الأدب ١٠/ ٢١٣، سرح العيون ٣٨٩.\n(٥) وآل مسمع من بني قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل وهم قوم الفرزدق. انظر: ديوانه ١/ ١٠٧.\n(٦) انظر: معاني القرآن ٣/ ٧٠.\n(٧) انظر: مجاز القرآن ٢/ ٢١٩، وفي البيت فيه خطأ طباعي فيما يظهر، حيث كتب: أما كان عَبَّادٌ كفيًّا لِدارِهِمْ.","vol":"1","page":874},{"text":"وعَبَّادٌ الذي في الشاهد هو عَبَّادُ بنُ حُصينٍ الحَبَطيُّ (١)، والكَفِيءُ فَعِيلٌ بِمَعنى الكُفْءِ، ومعنى البيت أَنَّ عَبَّادَ بن حصينٍ كان كُفْئًا لِدارمِ بن مالكٍ التميمي، وكُفْئًا لهاشمِ بن عبدِ منافِ جَدِّ النبيِّ - ﷺ -، وأَشارَ إليه بصاحبِ الحُجُراتِ أخذًا من الآية الكريِمة. قال المُبَرِّدُ في شرح البيت: «يعني بني هاشم، من قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٢)». وقال ابن منظور: «والحُجْرَةُ من البيوت: معروفة لمنعها المال ... والجمع حُجْراتٌ وحُجُراتٌ وحُجَراتٌ، لغاتٌ كُلُّها». (٣) ولم ينص على الفصحى منها كما فعل الطبري.\nثالثًا: وقد تكون اللفظة ليست عربيةَ الأَصلِ، ولكنَّ العربَ عَرَّبتها وأَدخلتَها في لُغتِها قبلَ نزول القرآنِ، فوردت في القرآن بعد ذلك. وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، ولهم فيها أَقوالٌ معروفة في كتب علوم القرآن، وهي ما يُسمَّى بالمُعَرَّبِ. (٤) وقد يتعرَّضُ المُفسِّرُ في أثناء تفسيرهِ لبعض المفردات للنص على أصلها، ويستشهد على ذلك بشواهد الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] (٥) وهو يُوَجِّه قراءة حَمزة والكسائي حيث قرأ الاثنان: ﴿قَسِيَّةً﴾ على وَزنِ فَعيلة (٦): «وحكى الطبريُّ (٧) عن قومٍ أَنَّهم قالوا: قَسِيَّةٌ، ليست من معنى القسوة،\n_________\n(١) كان من أشد الناس وأشجعهم، وهو صاحب البغلة الشهباء. انظر: المحبر لابن حبيب ٢٢٢، خزانة الأدب ١٠/ ٢١٣.\n(٢) الكامل ١/ ٨٩، خزانة الأدب ١٠/ ٢١٢.\n(٣) لسان العرب ٣/ ٥٨ (حجر).\n(٤) انظر: الصاحبي ٢٨ - ٣٠، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٨٢، والمهذب فيما وقع في القرآن من المُعَرَّب للسيوطي.\n(٥) المائدة ١٣.\n(٦) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ﴿قَاسِيَةً﴾ وقرأ حمزة والكسائي \"قَسِيَّةً\" انظر: السبعة ٢٤٣.\n(٧) انظر: تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٢٥٠.","vol":"1","page":875},{"text":"وإِنَّما هي كالقَسِيِّ من الدراهم، وهي التي خالطها غِشٌّ وتدليسٌ، فكذا القلوب لم تَصْفُ للإِيْمانِ، بل خالطها الكفرُ والفسادُ، ومن ذلك قول أَبي زُبيدٍ:\nلَها صَواهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كما ... صَاحَ القَسِيَّاتُ في أَيدي الصَّيَارِيفِ (١)\nومنه قول الآخر (٢):\nفمَا زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمَامَةٍ ... وخَمسِ مِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزِائِفُ (٣)\nقال أبو عليّ (٤): هذه اللفظةُ معرَّبةٌ، وليست بأصلٍ في كلامِ العرب (٥)». (٦)\nوقد اختار الطبري قراءة \"قَسِيَّة\" فقال: «وأَعجَبُ القراءتين إِليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: \"وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً\"؛ لأَنَّها أبلغ في ذَمِّ القومِ مِن ﴿قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]. (٧) غير أَنَّهُ ذهب في تأويلها إلى معنى القَسوةِ لا إِلى القِسِيِّ، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأَوله فعيلةً من القَسوةِ، كما قيل: نَفسٌ زكيَّةٌ وزاكيةٌ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشهيدةٌ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه وصفَ القومَ بنقضهم ميثاقَهم، وكفرِهم بهِ، ولم يصفهم بشيءٍ من الإيمانِ فتكون قلوبهم موصوفةً بأَنَّ إِيمانَها يُخالِطهُ كُفرٌ، كالدراهم القَسِيَّةِ التي يُخالِط فِضتَها غِشٌّ». (٨)\n_________\n(١) الصَّواهلُ: جَمعُ الصاهلة، مصدرٌ على فاعلة، بِمعنى الصَّهيلِ، وهو صوتُ الخيلِ. والقَسيَّاتُ: ضَربٌ من نقودِ الفِضةِ الزائفة، والصَّياريفُ والصَّيارفُ: جَمعُ الصَّرَّاف، والصَّيْرَفُ والصَّيْرفيُّ هو النَّقَّادُ البصير بالنقود. وهو يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان بن عفان ﵁ على الصخور، وهي السِّلامُ. انظر: ديوان أبي زبيد الطائي ٣٨.\n(٢) هو مزرد بن ضرار الغطفاني.\n(٣) سَحقُ عِمَامةٍ: أي شيء زهيد. انظر: إصلاح المنطق ٣٣٢.\n(٤) هو أبو علي الفارسي. انظر: الحجة للقراء السبعة ٣/ ١٨٤.\n(٥) انظر: المعرب للجواليقي ٣٠٥ وقد استشهد بالشاهدين اللذين استشهد بهما ابن عطية.\n(٦) المحرر الوجيز ٥/ ٥٩ - ٦٠.\n(٧) تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٢٥٠.\n(٨) تفسير الطبري (هجر) ٨/ ٢٥١.","vol":"1","page":876},{"text":"رابعًا: وقد تكونُ هذه اللفظةُ من المُولَّدِ الذي لم تعرفه العرب في الجاهلية، وإنما عرفته بعد ذلك، فينص المفسر على أن هذه اللفظة مولدة، ويستشهد على ذلك بالشاهد الشعري. ومن ذلك قول القرطبي وهو يفسر معنى البسملة: «قال الماوردي (١): ويُقالُ لِمَن قال: بسم الله، مُبَسْمِلٌ، وهي لغةٌ مُولَّدَةٌ، وقد جاءت في الشعرِ، قال عمر بن أبي ربيعة:\nلقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها ... فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ (٢)». (٣)\nفقد حَكَمَ الماورديُّ بأَنَّ لفظة «بَسمَلَ» مُولَّدةٌ، وعارضه المَعريُّ فقال: «وبَسْمَلَ إذا قالَ: بسم الله، وأَنشدوا بيتًا يَجوزُ أَنْ يكونَ مُولَّدًا، ولا أَحكمُ عليهِ بالتوليدِ:\nلقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها ... فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ». (٤)\nوعُمرُ بنُ أبي ربيعةَ من شعراء الاحتجاج، حيث توفي سنة ٩٣ هـ، وإن كانت اللفظةُ إِسلاميَّةً مأخوذةً من قول القائل: (بسم الله)، فلعلَّ قولَ أبي العلاء أولى، لاتفاق العلماءِ على الاستشهاد بشعرِ عمرَ بن أبي ربيعة وطبقته.\nخامسًا: كل ما تقدم يعنى ببيان الفصاحة في المفردة، غير أن المفسرين قد تعرضوا إلى بعض التراكيب النحوية، ونصوا على أن هذا التركيب أجود من ذاك، أو هو الأكثر أو نحو ذلك من عبارات المفاضلة بين التراكيب النحوية. ومن ذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] (٥) وهو يتكلم عن «إذا» ومتى يُجزم جوابُها: «وفي «إذا» مَعنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقد يُجازَى بِها كما قال (٦):\n_________\n(١) انظر: النكت والعيون ١/ ٥٠.\n(٢) انظر: ديوانه ٤٩٨.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٩٧.\n(٤) رسالة الملائكة ٢١٢.\n(٥) النساء ٩٤.\n(٦) هو عبد قيس بن خفاف البُرجُمي، شاعر جاهلي تميمي.","vol":"1","page":877},{"text":"........................... ... وإِذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ (١)\nوالجيدُ أَلاَّ يُجازى بِها، كما قال الشاعر (٢):\nوالنَّفْسُ راغِبَةٌ إذا رَغَّبْتَها ... وإذا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ (٣)». (٤)\nوهذا أَثَرٌ واضحٌ للشاهد الشعري في الاستشهاد على التركيب الأجود في «إذا» وهو أَلاَّ يُجزم جوابُها إذا كانت للشرطِ كما في بيت أبي ذؤيب. وإن كان الجزم بها إذا تضمنت معنى الشرط واردًا عن العرب كما في بيت عبد قيس البُرجُميِّ. (٥)\nوالقرطبي وهو يحكم على بعض التراكيب بمثل هذه الأحكام ينقل عن النحويين الكبار مثل سيبويه وغيره، وينقل شواهدهم الشعرية التي يستشهدون بها في اختيار الأجود من التراكيب النحوية، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] (٦) حيث قال: «في «إذا» معنى الشرط، ولا يُجازى بِها وإِنْ زيدت عليها «ما»، وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه (٧): «والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير:\nوإذا ما تَشاءُ تَبْعَثُ مِنها ... مَغْرِبَ الشَّمْسِ ناشِطًا مَذْعُورا (٨)\nيعني أَنَّ الجيدَ لا يُجزمُ بـ «إذا ما»، كما لم يُجزمْ في هذا البيت». (٩) وقد ذكر سيبويه عِلَّةَ ذلك نقلًا عن الخليل فقال: «وسألته - أي الخليل - عن «إذا»، ما منعهم أن يُجازوا بِها؟ فقال: الفعل في\n_________\n(١) عجز بيت، صدره:\nوَاِستَغنِ ما أَغناكَ رَبُّكَ بِالغِنى ... ...................................\nوالخَصاصَةُ: الحاجة والفقر، والتجمُّلُ: التجلُّد والصبر. ... انظر: المفضليات ٣٨٥.\n(٢) هو أبو ذؤيب الهذلي.\n(٣) انظر: ديوان الهذليين ١/ ٣.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٣٨.\n(٥) انظر: مغني اللبيب ٢/ ٤٨ - ١١٠.\n(٦) النساء ٨٣.\n(٧) انظر: الكتاب ٣/ ٦٢.\n(٨) الناشط: الثور، والمذعور: الفَزِعُ. انظر: ديوانه ١٢٧.\n(٩) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٩١.","vol":"1","page":878},{"text":"«إذا» بِمَنْزِلتهِ في «إذ»، إذا قلتَ: أَتذكرُ إِذْ تقولُ، فإذا فيما تَستقبلْ بِمنْزِلة إِذ فيما مَضى. ويُبَيِّنُ هذا أَنَّ «إذا» تَجيءُ وقتًا معلومًا». (١) وقد استعان بالشاهد الشعري لتصويب اختياره، وإن كان سيبويه قد استشهد بشواهد من الشعر في المجازاة بها، غَير أَنَّهُ حَمَلَ ذلك على الاضطرار. (٢)\nومن الأمثلة عند الزمخشري قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] (٣): «وقُرئَ: \"بالغُدُوةِ\" (٤)، وبالغداةِ أَجودُ؛ لأنَّ «غُدْوَةً» عَلَمٌ في أكثر الاستعمال، وإدخالُ اللام على تأويل التنكيْرِ كما قال (٥):\n....................... ... والزَّيدُ زيد المعارك (٦)\nونَحوهُ قَليلٌ في كلامِهِم». (٧) وكلام الزمخشري يتعلق بالعَلَمِ الذي يُمكنُ تأويلهُ بواحدٍ مِنْ جِنسهِ، فيُنَكَّرُ لذلك، وتُدخِلُ عليه العربُ «أل»، كقولهم: مُضرُ الحَمراءُ، ورَبيعةُ الفَرَسِ، والقول بقلة هذا في كلام العرب قَولٌ انفرد به الزمخشريّ فيما عثرتُ عليه. (٨)\nوقال الزمخشري أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] (٩): «﴿عِيسَى﴾ في مَحلِّ النصبِ على إتباعِ حركةِ الابنِ، كقولك: يا زيدَ بنَ عَمرو، وهي اللغةُ الفاشيةُ، ويَجوزُ أن يكون مضمومًا كقولك: يا\n_________\n(١) الكتاب ٣/ ٦٠.\n(٢) انظر: الكتاب ٣/ ٦٠ - ٦٢.\n(٣) الكهف ٢٨.\n(٤) قرأَ الجمهور ﴿بالغَداةِ﴾، وقرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وغيرهما ﴿بالغُدْوَةِ﴾. انظر: السبعة ٢٥٨، ٣٩٠، التيسير ١٤٣، النشر ٢/ ٣١٠.\n(٥) هو الأخطل التغلبي.\n(٦) والبيت بتمامه:\nوقدْ كانَ مِنهُمْ حَاجِبٌ وابنُ عَمِّهِ ... أَبُو جَندلٍ والزَّيدُ زَيْدُ المعاركِ\nانظر: ديوانه ٢٤٢.\n(٧) الكشاف ٣/ ٥٨٠ - ٥٨١.\n(٨) انظر: المفصل للزمخشري ٢٤ - ٢٥، والمقتضب ٤/ ٤٨.\n(٩) المائدة ١١٢.","vol":"1","page":879},{"text":"زَيدُ بنَ عَمروٍ، والدليل عليه قوله (١):\nأَحَارُ بنَ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَبْدو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ (٢)\nلأَنَّ الترخيمَ لا يكونُ إِلَّا في المَضمومِ». (٣)\nهذه أمثلة متفرقة من كتب التفسير التي تعرضت لها في هذا البحث، تدل على أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها، وكذلك بعض التراكيب النحوية، وهي أمثلة قليلة موازنة بأثر الشاهد الشعري في غيرها من الجوانب.\n* * *\n_________\n(١) هو امرؤ القيس.\n(٢) انظر: ديوانه ١٥٤.\n(٣) الكشاف ١/ ٦٩٢.","vol":"1","page":880},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>المبحث التاسع: أثر الشاهد الشعري في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات</span>.\nعُني العلماء بِبَيان أسبابِ نُزولِ الآياتِ التي حُفظَ لها سببُ نُزول، حيث «إنَّ معرفةَ سببِ النُّزولِ يُعينُ على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يُورثُ العِلمَ بالمُسَبَّبِ» (١)، وأسبابُ النُّزولِ لا تعرف إلا من طريق النقل، ولا مدخل للعقل فيها، وقد كان المفسرون يستشهدون بشواهد الشعر التاريخية، التي تُبَيّنُ أسبابَ نزول بعض الآيات، ومصدر هذه الشواهد روايات أهل السير والأخبار وكتبهم. وكانت السيرة النبوية لابن إسحاق وتهذيبها لابن هشام من المصادر المهمة للشواهد الشعرية التي تناولت كثيرًا من حوادث نزول القرآن الكريم في مواضع متفرقة.\nوقد عني المفسرون بهذا النوع من الشواهد الشعرية لتقوية روايات أسباب النُّزول، وإيضاح ملابسات كثير منها. وأصحاب هذه الأشعار مِمَّن شاهدوا التَّنْزيل كحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم من شعراء الصحابة ﵃، ومَنْ عاصر تلك الحقبة من غيرهم من الشعراء.\nكما استفاد المفسرون من هذه الشواهد الشعرية في معرفة كثير من أحوال العرب قبل الإسلام، وعادات أهل الجاهلية، وأشعارهم من خير ما يصور حالهم تلك. وقد تعددت فوائد هذه الشواهد الشعرية في إيضاح الأحوال التي نزلت فيها آيات القرآن الكريم، ومن هذه الفوائد:\n_________\n(١) مقدمة التفسير لابن تيمية ٤٧.","vol":"1","page":881},{"text":"أَولًا: بَيانُ أَسبابِ النُّزولِ.\nوذلك أن ينص المفسر أن الآية قد نزلت في كذا، ومما قيل في ذلك من الشعر كذا. ومن أمثلة ذلك:\n١ - ذكر الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥] (١) قصة قطع النبي - ﷺ - لنخيل بني النضير، فقال: «عن ابن عمر، قال: قطع رسول الله نخل بني النضير، وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:\nوهَانَ على سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بالبُوَيرةِ مُستطِيْرُ (٢)». (٣)\nوالبُوَيْرَة، تصغيرُ بُورة: موضعٌ كان به نَخْلٌ لِبَنِي النَّضِيرِ، وهو من منازِلِ اليَهُودِ. (٤) والشعر في هذه المناسبات يعد تأكيدًا للحوادث، وتصديقًا للروايات، فالشعر سجل حافل بروايات التاريخ.\n٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (٥)، أورد الطبري سبب نزول هذه الآية فقال: «جَلس رسولُ الله - ﷺ - في مجلسٍ فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيِّ بن سَلول، فلمَّا ذهب رسولُ الله - ﷺ - قال عبد الله بنُ أُبيِّ بن سلول: لقد آذانا بَولُ حِمَارهِ، وسَدَّ علينا الرَّوْحَ، وكان بينه وبين ابنِ رواحةَ شيءٌ، حتى خَرجوا بالسِّلاحِ، فأتى رسولُ الله - ﷺ - فحَجَزَ بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أبي:\nمتى ما يَكُنْ مَولاكَ خَصمُكَ جاهدًا ... تُظَلَّمْ ويَصْرعكَ الذينَ تُصارِعُ (٦)\n_________\n(١) الحشر ٥.\n(٢) انظر: ديوانه ٢٥٣.\n(٣) تفسير الطبري (هجر) ٢٢/ ٥١١ وقد خرجه المحققون فقالوا: «أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٤٢)، ومسلم (١٧٤٦)، والبيهقي ٩/ ٨٣ وفي دلائل النبوة ٣/ ١٨٤.\n(٤) انظر: تاج العروس ١/ ٤٦٢ (بور).\n(٥) الحجرات ٩.\n(٦) انظر: السيرة النبوية ١/ ٥٨٧.","vol":"1","page":882},{"text":"قال: فأنزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]». (١)\n٣ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] (٢) ذكر المفسرون سببَ نُزولِ هذه الآيةِ، وأَنَّها نزلت في أَبي سفيانَ وهو على الشرك يوم أُحُدٍ. قال سعيدُ بن جُبَيْر: «نزلت في أبي سفيانَ بنِ حربٍ، استأجرَ يوم أُحُدٍ ألفيْنَ من الأَحابيشِ (٣) من بَنِي كنانةَ، فقاتل بِهمُ النبيَّ - ﷺ -، وهم الذين يقولُ فيهم كعبُ بن مالك:\nوجِئْنا إِلى مَوجٍ مِن البَحْرِ وسْطَهُ ... أَحابيشُ منهمْ حَاسِرٌ ومُقَنَّعُ\nثَلاثةُ آلافٍ، ونَحْنُ نَصِيَّةٌ ... ثلاثُ مِئِيْنٍ إِنْ كَثُرنا وَأَرْبَعُ (٤)». (٥)\nفقد بَيَّنَ كعبُ بن مالك عددَ جيشِ المشركين وأَنَّهم ثلاثة الآف، وأَنَّهم لِكثرتِهِم يَموجونَ كالمَوجِ، ما بينَ حاسِرٍ لا دِرعَ له، ولا بَيضَةَ على رأسهِ، ومُقَنَّعٍ لابسٍ للدِّرعِ، والبَيضةِ. ثُمَّ إِنَّ هذا الجيش لا يقابله إلا سبعمائة فارسٍ من المسلمين. ولكنهم صفوة الفرسان المقاتلين بدليل قوله «نَصِيَّةٍ»، والنصيَّةُ من القوم هم الخيارُ (٦).\nفشواهد الشعر في هذه الآية وأمثالها شارحة لسبب نزول الآية، ومُبينَةٌ أحوالَ نزولِ القرآن في مواضع كثيرة، وقد عُنِيَ بِها الإمام الطبري في تفسيره.\n_________\n(١) تفسير الطبري (هجر) ٢١/ ٣٦٢ - ٣٦٣.\n(٢) الأنفال ٣٦.\n(٣) الأَحَابيشُ هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعُضَل، والدّيش، من بَني الهون بن خُزيمة، والمصطلق، والحيا، من خُزاعة، سُمُّوا بذلك لاجتماعها وانضمامها محالفةً لقريش في قتالِ بني ليثِ بن بكرِ بن عبد مناة. انظر: المُحَبَّر لابن حبيب ٢٤٦، نسب قريش ٩.\n(٤) انظر: السيرة النبوية ٣/ ١٤١، طبقات فحول الشعراء ١٨٣.\n(٥) تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٥٣٠، المحرر الوجيز ٨/ ٦١.\n(٦) انظر: أساس البلاغة ٦٣٧ (نصو)، لسان العرب ١٤/ ١٦٢ - ١٦٣ (نصص)، الروض الأنف ٦/ ١٠٢.","vol":"1","page":883},{"text":"] ٤ - ذكر ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] (١) ما حصل بين النبي - ﷺ - وأصحابه مع قريشٍ يوم أُحُدٍ، وكيف أَنَّ قريشًا بعد أن انتهت المعركة أخذت في طريقها إلى مكةَ، ثُمَّ بدا لهَم أن يعودوا لاستئصال المُسلمين مُستغلينَ جِراحاتِ جيش المسلمين، وكيف رَدَّهم معبدُ الخزاعي، وقال في ذلك أبياتًا من الشعر فقال ابن عطية: «فلمَّا سَمِعَ رسول الله - ﷺ - والناسُ بِمَا عزمت عليه قريشُ من الانصراف - أَي العودةِ للقتالِ، اشتدَّ ذلك عليهم، فسخَّرَ الله ذلك الرجلَ معبدَ بنَ أبي معبدٍ، وألقى بسببهِ الرعبَ في قلوب الكفار، وذلك أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الخبرَ رَكبَ حتى لَحِقَ بأبي سفيانَ بالروحاءِ، وقريشٌ قد أَجْمعوا الرجعةَ إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فلمَّا رأى أبو سفيان مَعبدًا قال: ما وراءَك يا معبدُ؟ قال: مُحمدُ قد خرجَ في أصحابه يطلبُكُم في جَمعٍ لم أَرَ مثلَه قطُّ يتحرَّقونَ عليكم، قد اجتمعَ إليه مَنْ كانَ تَخلَّف عنهُ، ونَدِموا على ما صنَعوا، قال: ويلَك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن تَرتَحلَ حتى تَرى نواصيَ الخيلِ، قال: فوالله لقد أَجْمعنا الكرَّةَ عليهم لنستأصِلَ بقيتَهم، قال: فَإِنِّي أَنْهاكَ عن ذلك، والله لقد حَمَلني ما رأيتُ على أَنْ قلتُ فيه شعرًا، قال: وما قلتَ؟ قال: قلت:\nكادَتْ تُهَدُّ من الأَصواتِ راحِلَتِي ... إِذْ سالتِ الأَرضُ بالجُرْدِ الأَبَابِيْلِ\nتَرْدِي بأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنَابِلَةٍ ... عندَ اللقاءِ، ولا مِيلٍ مَعازِيلِ\nفَظَلْتُ عَدوًا أَظُنُّ الأرضَ مَائِلَةً ... لَمَّا سَمَوا بِرئيسٍ غَيْرِ مَخذولِ (٢)\nإِلى آخرِ الشِّعْرِ.\n_________\n(١) آل عمران ١٥١.\n(٢) الهَدُّ: الهدمُ الشديد، الجُرْدُ: جَمعُ أَجرَد، وهو الفَرَسُ الرقيقُ الشَّعَرِ، الأَبَابيلُ جَمع إِبَّالة: القطعة من الخيل والإبل، تَرْدِي: تَمشي مَشيًا فيه تبختر، التَّنَابِلَةُ: القِصَارُ، واحدهم تِنبال، مِيْلٌ: جَمعُ أَميل، وهو الذي يَميلُ على السرج ولا يستوي عليه، مَعازيلُ: ليس معهم سلاح. انظر: السيرة النبوية ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":884},{"text":"فوقعَ الرُّعبُ في قلوبِ الكفارِ، وقال صفوانُ بن أميةَ: لا ترجعوا فإني أَرى أَنَّهُ سيكونُ للقوم قتالٌ غير الذي كان، فنَزلت هذه الآية في هذا الإلقاء». (١) وهذه القصة على طولها تُبَيّنُ سببَ النّزول أَتَمَّ بيانٍ، غير أَنَّ شِعرَ معبد الذي قاله قد تناقلَهُ كُلُّ مَنْ ذَكرَ هذه القصة، توثيقًا لها، واستشهادًا بهذا الشعر على هذه القصة. (٢)\nوهذه القصة والأبيات ذكرها القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢]. (٣)\nثانيًا: بيان حال العرب قبل نزول القرآن وعاداتهم.\nمن الأهمية بِمكانٍ لكل مسلم معرفة ما كان عليه أهل الجاهلية في جَميع أمورهم إدراكًا لنعمة الله بهذا الدين، وحذرًا مِمَّا نَهى عنه الشرع القويم. وهذه المعرفة تزداد أهميتها للمفسِّر؛ إذ عليه أن يكون ملمًّا بعادات العرب في الجاهلية، مطلعًا على أقوالهم، متعرفًا على أفعالهم، واقفًا على حياتِهم الاجتماعيةِ، وأَيامهم، وحُروبِهم، وتاريخهم وأديانهم؛ لأن القرآن الكريم فيه آيات كثيرة تعرضت إلى ذلك، فإذا لم يكن المفسر عارفًا بأحوالهم حالةَ التنْزيلِ لم يفهم معاني الآيات على وجهها الصحيح، ولم يدرك الأثر العظيم الذي أحدثه القرآن في تغيير حياة العرب، وإبطال الفاسد من عاداتهم. (٤) ولذلك قال الشاطبي وهو يبين أهمية معرفة سبب النُّزولِ للمفسِّر: «معرفةُ عاداتِ العَربِ في أقوالِها وأَفعالِها ومَجاري أَحوالِها حَالةَ التنْزيلِ - وإنْ لم يكن ثمَّ سببٌ خاصٌّ -\n_________\n(١) المحرر الوجيز (قطر) ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.\n(٢) انظر: السيرة النبوية ٢/ ١٣٠.\n(٣) آل عمران ١٧٢، انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٧٨.\n(٤) انظر: بحوث في أصول التفسير للصباغ ١٨٧، تفسير القرآن الكريم أصوله وضوابطه للدكتور العبيد ٩٧.","vol":"1","page":885},{"text":"لابُدَّ لِمَن أرادَ الخوضَ في عِلمِ القرآنِ منه، وإِلاَّ وقعَ في الشُّبَهِ والإشكالاتِ التي يتعذَّرُ الخروجُ منها إِلَّا بِهذهِ المعرفةِ». (١)\nومن ذلك بيان عادة العرب في النسيء والمقصود به من خلال أشعارهم الباقية المَحفوظة. ومن أمثلة ذلك:\n١ - قال ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩] (٢): «روى عبد الرزاقِ عن مَعْمرَ عن الزهريِّ عن علي بن حسين عن ابن عباس أَنَّهُ قال: «بينا النبي - ﷺ - جالسٌ في نَفَرٍ من الأنصارِ إِذ رُمِيَ بنجمٍ فاستنارَ، فقالَ: ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول: يَموتُ عظيمٌ، أو يُولَدُ عظيم ... في حديثٍ فيه طولٌ اختصرناهَ وذكرنا هذا منهُ؛ لِنَدلَّ على أَنَّ الرجمَ قد كانَ قبلَ مبعثهِ، ولكنهُ لم يكن مثلَهُ الآنَ في شدةِ الحراسةِ قبل مبعثهِ، وكانت تَسترقُ في بعضِ الأحوال، فلما بُعِثَ مُنعت من ذلك أصلًا، وعلى هذا وجدَنا الشعراءَ القدماء. قال بشرُ بن أبي خازمٍ الأسديِّ وهو جاهليٌّ:\nوالعَيْرُ يُرهِقُها الغُبَارُ وجَحْشُها ... يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انقضَاضَ الكَوكَبِ (٣)\nوقال أوسُ بن حَجَر وهو جاهلي:\nوانقضَّ كالدُّريِّ يَتبعُهُ ... نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبَا (٤)» (٥).\nفقد استشهد ابن قتيبة بِهذه الأبيات للاستدلال على الأحوال التي كانت في الجاهلية قبل مبعث النبي - ﷺ -، وأَنَّ العَربَ كانتْ تعرفُ انقضاضَ الشُّهبِ، وقد شكَّكَ الجاحظُ في معرفة العرب لانقضاض\n_________\n(١) الموافقات ٤/ ١٥٤.\n(٢) الجن ٩.\n(٣) رواية الديوان (الخَبَارُ) بدل (الغُبار)، والخَبَارُ هو أَرضٌ لينةٌ رِخوة تَسوخُ فيها القوائم. انظر: ديوانه ٨١.\n(٤) انظر: ديوانه ٨٩.\n(٥) تأويل مشكل القرآن ٤٢٩ - ٤٣٠.","vol":"1","page":886},{"text":"الكواكب، استشهادًا بشواهد لشعراء أدركوا مولد النبي - ﷺ - كبشر بن أبي خازم، وأنه ليس من عادة العرب أَن يَصِفوا عَدوَ الحِمارِ بانقضاضِ الكوكبِ. (١)\n٢ - وذكر الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] (٢) منافعَ المَيسرِ فقال التي ذكرت في الآية فقال: «وأَمَّا منافعُ الميسر، فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور، وذلك أَنَّهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَهُ، نَحَرَهُ، ثُمَّ اقتسموا أعشارًا على عَددِ القِداحِ، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة:\nوجَزُورِ أَيسارٍ دَعوتُ إِلى النَّدَى ... ونِياطِ مُقْفِرَةٍ أَخافُ ضَلالَها (٣)». (٤)\n٣ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٧] الآية. (٥) حيث ذكر المفسرون المقصود بالنسيء عند العرب قبل الإسلام ومعناه، فقال ابن عطية: «والنسيء هو فعل العرب في تأخيرهم الحرمة» (٦)، أي حُرمةُ الأشهرِ الحرم. ثُمَّ استشهد بشواهد من الشعر ذكر فيها النسيء في الجاهلية فقال: «ومِمَّا وُجِدَ في أَشعارِها من هذا المعنى قولُ بعضهِم (٧):\nومِنَّا مُنسئُ الشَّهرِ القَلَمَّس (٨)\nوقال الآخر (٩):\n_________\n(١) انظر: الحيوان ٦/ ٢٧٩.\n(٢) البقرة ٢١٩.\n(٣) رواية الديوان:\nوجَزُورِ أَيسارٍ دَعوتُ لِحَتْفِها\nانظر: ديوانه ٧٧.\n(٤) تفسير الطبري (شاكر) ٣٢٧ - ٣٢٨.\n(٥) التوبة ٣٧.\n(٦) المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ٤٨٩.\n(٧) القَلمَّسُ هو حذيفة بن عبد بن فُقيم. انظر: الأوائل للعسكري ٣٥.\n(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٣٨، نسب قريش ٩٨.\n(٩) لم أعرفه.","vol":"1","page":887},{"text":"نَسئُوا الشُّهورَ بِها وكانوا أَهلَها ... مِنْ قَبْلِكُمْ والعِزُّ لَمْ يَتَحوّلِ (١)\nومنه قول جِذْلِ الطَّعَّانِ (٢):\nوَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَومِي ... كِرامُ النَّاسِ إِنَّ لَهُمْ كِراما\nفأَيُّ النَّاسِ فاتُونا بِوترٍ؟ ... وأَيُّ النَّاسِ لَمْ تَعْلك لِجاما؟\nأَلسنا النَّاسئينَ على مَعَدٍّ ... شُهورَ الحِلِّ نَجْعلُها حَراما؟ (٣)». (٤)\nوأبو بكر بن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) ذكرَ في صفة النسيء أَنَّهم كانوا إذا صدروا عن مِنى قامَ رجلٌ مِنْ بني كنانةَ يقالُ لهُ: نُعيم بن ثَعلبة، فقال: أَنا الذي لا أُعابُ، ولا يُرَدُّ لي قضاءٌ، فيقولونَ له: أَنسئِنا شَهرًا، أَي أَخِّر عنَّا حُرمةَ المُحرَّم فاجعلها في صَفَر؛ وذلك أَنَّهم كانوا يكرهونَ أَنْ تتوالى عليهم ثلاثةُ أَشهر لا تمكنهم الإغارة فيها؛ لأَنَّ معاشَهم كان من الإغارةِ، فيحلُّ لَهم المُحرَّم، ويُحرِّمُ عليهم صفرًا، فإذا كان في السنةِ المقبلةِ حَرَّمَ عليهم المُحرَّمَ، وأَحلَّ لهم صَفَرًا، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] (٥)، ثم ذكر شواهد الشعر التي أوردها ابن عطية، وأَحِسبُ أَنَّ ابنَ عطيةَ قد نَقلها عَن أمالي القالي، والقالي رواها عن شيخه أبي بكر بن الأنباري الذي اشتهر بحفظه الواسع لشواهد الشعر في تفسير القرآن، ومن مظان شواهد التفسير التي رواها ابن الأنباري غير كتبه المطبوعة، كتاب «أمالي القالي» لكونه يروي عنه كثيرًا منها. (٦)\n_________\n(١) انظر: أمالي القالي ١/ ٤.\n(٢) هو عُمَيْر وقيل عمرو بن قيس بن جذل الطِّعان. انظر: نهاية الأرب ١/ ١٦٠.\n(٣) انظر: أمالي القالي ١/ ٤، نهاية الأرب ١/ ١٦٠.\n(٤) المحرر الوجيز (قطر) ٦/ ٤٨٩ - ٤٩٠.\n(٥) انظر عن النسيء ومذهب العرب فيه: الروض الأنف للسهيلي ١/ ٢٤٢، نهاية الأرب ١/ ١٥٩، تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٤٨٨.\n(٦) انظر: أمالي القالي ١/ ٤، ٩، ٢٧، ٢/ ٢٦٨، ٢٧٤، ٢٨١، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٦ وغيرها.","vol":"1","page":888},{"text":"وهناك أمثلة متفرقة في كتب التفسير، استشهد فيها المفسرون بشواهد شعرية تاريخية تعين على فهم كثير من أحوال العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم، وتكشف جوانب كثيرة من عاداتهم قبل الإسلام، تعين المفسر على فهم القرآن. (١)\n* * *\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٢/ ٩٤، ٤/ ٣٢١، ٩/ ٦١، ٩/ ١٧٧، ٩/ ٤٧٢، ٣٢٧، ١٢/ ٣٧٧، ٥٣٠، ١٣/ ٥٣٠، ١٦/ ٣٨١، ١٤/ ٢٤٩، (هجر) ١٧/ ٢١٧، ١٨/ ٤٨٠، ٢٢/ ٢٩٦، ٢٠/ ٣٧٨، ٢٢/ ٣١٠، ٢٠/ ٢٤٨، ٢٣/ ٢٧٠، الكشاف ١/ ٢٦١، ٤٢١، ٢/ ٦٦٢، ٢/ ٣٧٦، ١/ ٥٠٧، ٢/ ١٤، ٢/ ١١٨، ٢/ ٢٤٦، ٢/ ١٨٧، المحرر الوجيز ٨/ ٦١، ٨/ ١٤٤، ١٦/ ١٩، ٧/ ٤١، ٧/ ٩٣، ٥/ ١٤، ٤/ ٢١٤، ٤/ ٢٨، ٧/ ١١٤، ٨/ ١٨٠، ١٣/ ١٩، ١٣/ ٤٧، ١١/ ٦٠، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٥.","vol":"1","page":889},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المبحث العاشر: أثر الشاهد الشعري في معرفة الأماكن في كتب التفسير</span>.\nاعتمدَ الجُغرافيونَ على الشِّعرِ في معرفةِ كَثِيْرٍ من المواضع التي تقعُ في جزيرةِ العربِ وما حولها من الأماكن التي ذكرها الشعراء في شعرهم ووصفوها، وكان للشاهد الشعري أهيمة كبيرة في كتب المواضع والبلدان. ولم يكن المفسرون في اعتمادهم على الشعر في تحديدهم لكثير من المواضع التي ورد ذكرها في الآيات القرآنية، أو أثناء التفسير بغريب بأقل من أصحاب هذه الكتب، حيث حفظَ الشِّعرُ العربيُّ كثيرًا من أسماء المواضع التي لا تزال قائمةً، وقد كانت الاستفادة من الشعر في هذا الجانب، منحصرة في معرفة الأماكن الجغرافية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.\nوقد كان بعض الشعراء يُكثِرُ من ذكرِ المواضع في شعره، ولا سيما شعراء الجاهلية، وكان عديُّ بن الرِّقاعِ العامليُّ مِمَّن أكثر من ذكر المواضع والبقاع في شعره حتى إِنَّ ياقوت الحموي استشهد بشعره في تَحديدِ المواضع في أكثر من مائة وعشرة شواهد شعرية، وهو عددٌ كبير نسبةً لما استشهد به لشعراء آخرين. (١)\nوقد وقع في القرآن الكريم من أَسْماءِ المواضعِ ستةٌ وعشرون موضعًا منها بكة، ويثرب، وبدر، وحُنَين، وعرفات، وبابل، وغيرها.\n_________\n(١) انظر: ديوان عدي بن الرقاع ١٥.","vol":"1","page":890},{"text":"وقد استقصاها السيوطي (١)، وقد تتبعت كلام المفسرين عن تَحديدِ هذه المواضعِ، ثُمَّ استخرجت منهُ ما استشهدَ المُفَسِّرُ فيه بشواهد الشعر، فتحصل لي من ذلك عدد قليل لا يتجاوز ستة مواضع. فلم يكن أثر الشاهد الشعري في الاستدلال على المواضع والبقاع المذكورة في القرآن عند المفسرين الذين درستهم ظاهرًا، وإِنَّما كان على قلة. ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] (٢) ذكر الطبري أنَّ حُنين وادٍ يقع بين مكةَ والطائفِ، ثُمَّ استشهد على ذلكَ بقولِ حسان ﵁ وهو يذكر حنين ومعركتها:\nنَصَروا نَبِيَّهمُ وشَدُّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يومَ تَواكلِ الأَبطالِ (٣)\nوقد تركَ الشاعرُ صَرفَ «حُنَيْنَ» لأَنَّه أَرادَ بِها اسمَ الوادي. (٤) وقال ابن عطية في التعريف بِحُنين: «وحنين وادٍ بين مكة والطائف، قريبٌ مِن ذِي المَجَازِ، وصُرِفَ حينَ أُريد به الموضعُ والمكانُ، ولو أُريدَ بهِ البُقعةُ لم يُصرَفْ، كما قال الشاعر ..». (٥) ثم ذكر بيت حسان بن ثابت.\nوحُنَينُ اليومَ هو وادي (يدعان) في أعلى الشرائع، ويقع على طريق مكة من نخلة اليمانية، ويسيل من جبال طاد والتنضب، ثم ينحدر غربًا، يسمى رأسه الصدر، وأسفله الشرائع. وتبعد حنين عن مكة ستة وعشرين كيلًا شرقًا، وعن حدود الحرم أحد عشر كيلًا، عن علمي طريق نَجد، وسُكَّانُهُ اليومَ مِن قبيلةِ هُذيل، ومن الأشراف. (٦)\n_________\n(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٠٧٩ - ١٠٨٢.\n(٢) التوبة ٢٥.\n(٣) انظر: ديوانه ٣٩٣.\n(٤) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١١/ ٣٨٦، معاني القرآن للفراء ١/ ٤٢٩.\n(٥) المحرر الوجيز ٨/ ١٥٤.\n(٦) انظر: صحيح الأخبار للبلادي ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، معجم الأمكنة الوارد ذكرها =","vol":"1","page":891},{"text":"٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] (١) ذكر المفسرون مَوقعَ عَرفاتٍ، وأَنَّها أَحَدُ مشاعرِ الحج جنوبَ مكة، وكانت تُسمَّى نَعمانَ الأَراكِ لكثرة شجر الأراك بها، قال ابن عطية: «وعَرَفَةُ هي نَعمانُ الأَراكِ، وفيها يقولُ الشاعر (٢):\nتَزوَّدْتُ مِنْ نَعْمَانَ عُودَ أَراكةٍ ... لِهِنْدٍ، ولكنْ مَنْ يُبلِّغُهُ هِندا (٣)». (٤)\nوعرفات من المواضع المشهورة التي لا تجهل، وإنما استشهد ابن عطية بالشاهد للاستدلال على صحة قوله أنها نعمان الأراك. وهذا النوع من الشواهد الشعرية الجغرافية يحتاج إلى فضل معرفة بطبيعة الأرض التي ترد أسماؤها في الشعر، لا مجرد سماعها في الشعر دون معرفة سابقة، ولذلك كان العرب يعرفون أسماء المواضع والموارد في الجزيرة، مع بصر بلغة الشعر، وفهم دقيق لها، ولذلك كانوا ينتفعون بمثل ذلك. ومن الأمثلة الشاهدة لهذا ما ذكر من أَنَّ جَماعةً من أهل اليمن يريدون النبي - ﷺ - فضلوا الطريق ووقعوا على غيرهم، ومكثوا مليًا لا يقدرون على الماء، وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السمر والطلح، فأيسوا من الحياة، إذا أقبل رجل على بعير، فأنشد قول امرئ القيس:\nتيمَّمَتِ العَيْنَ التي عند ضارجٍ ... يفئُ عليها الظلُّ عَرْمضُها طامي (٥)\nقال الراكب: من يقول هذا؟ قال: امرؤ القيس، قال: والله ما كذب، هذا ضارِجٌ عندكم، وأشار لهم إليه. فحبوا على الرُّكَبِ، فإذا مَاءٌ عِدٌّ، وإذا عليه الغرمض والظل بفيء عليه. فشربوا منه ريهم وحملوا منه ما اكتفوا به حتى بلغوا الماء. فأتوا النبي - ﷺ - وأخبروه وقالوا: يا\n_________\n= في القرآن الكريم لسعد بن جنيدل ١٣٧ - ١٥٢.\n(١) البقرة ١٩٨.\n(٢) هو المرقش الأكبر.\n(٣) انظر: الأغاني ١١/ ٣٥٠، رسالة الغفران ٣٤٨.\n(٤) المحرر الوجيز ٢/ ١٢٧.\n(٥) العِرْمِض: الطحلب. انظر: الشعر والشعراء ١/ ١١٢، خزانة الأدب ١/ ٣٣٥.","vol":"1","page":892},{"text":"رسول الله، أحيانا الله ﷿ ببيتين مِن شعرِ امرئ القيس وأنشدوه الشعر، فقال - ﷺ -: «ذاك رجلٌّ مذكورٌ في الدنيا، شريفٌ فيها، مَنسيٌّ في الآخرة خاملٌ فيها، يَجيءُ يومَ القيامةِ معهُ لواءُ الشِّعرِ إلى النار». (١)\nوهذا مثال واحد على انتفاع العرب بالشعر في الاستدلال على المناهل والمواضع والطرق، وفي كتب البلدان والأدب كثير من الأمثلة المشابهة لهذه القصة.\n٣ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (٢) ذكر أبو عبيدة أَنَّ الجُوديَّ اسمُ جبلٍ، واستشهد على ذلك بشاهد من الشِّعرِ فقال: «الجُودِيُّ: اسمُ جَبَلٍ، قال زيدُ بن عمرو بن نُفَيلٍ العَدويُّ:\nوقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجَمَدُ». (٣)\nفي حين استشهد القرطبي بهذا الشاهد على أن الجودي اسم لكل جبلٍ فقال: «وقد قيل: إن الجودي اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل:\nسُبحانَهُ ثُمَّ سُبحانًا يَعُودُ لَهُ ... وقبلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ». (٤)\nوأما الطبري فذكر أن الجودي جبل بناحية الموصل أو الجزيرة (٥)، دون استشهاد بشواهد شعرية. وبالجملة فإن الشعر بصفة عامة مما استعان به الجغرافيون في كتبهم للاستدلال على المواضع، غير أن المفسرين لم يعنوا بهذا في كتب التفسير كثيرًا، وإنما في مواضع قليلة.\n_________\n(١) عيون الأخبار ١/ ١٤٣، الأغاني ٧/ ١٢٣، وهي قصة مشهورة عند الأدباء والإخباريين كمت قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٥/ ٤٢١، قال أحمد شاكر: وهي مشهورة عند الإخباريين والأدباء، ولكنها غير معروفة عند المحدثين، وهم الحجة فيما ينسب إلى رسول الله - ﷺ -. انظر: الشعر والشعراء ١/ ١٢٦ حاشية ٤.\n(٢) هود ٤٤.\n(٣) مجاز القرآن ١/ ٢٩٠.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٤٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري (هجر) ١٢/ ٤١٩.","vol":"1","page":893},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم</span>.\nالإعجاز في اللغة هو الفوتُ والسَّبْقُ. يقال أعجزني فلانٌ، أي: فاتَنِي وعَجزت عن طلبه وإدراكه، والعَجْزُ هو الضَّعفُ. (١) ومنه سُمِّيت معجزات الأنبياء لعجز المخاطبين بِها عن مثلها، لكونها من خوارق العادات، أجراها الله على يد نبي من أنبيائه، لتكون شاهدًا على صدق نبوته، وعجز معارضيه ومكذبيه. (٢)\nوأَمَّا إعجازُ القرآن فمن تعريفاته «أَنَّه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة فعل مثله، في القدر الذي اختص به». (٣) وقيل هو: «عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعدهم إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل هذا القرآن، مع تمكنهم من البيان، وتملكهم لأسباب الفصاحة والبلاغة، وتوفر الدواعي واستمرار البواعث». (٤)\nوقد جاء التعبير في القرآن الكريم عن المعجزة بالآية، والبرهان، والبينة، والسلطان (٥)، ولم ترد فيه لفظة المعجزة، ولا في أقوال النبي - ﷺ -. وقد نزلَ القرآنُ الكريمُ على العربِ وغايةُ ما يُفاخرونَ به في\n_________\n(١) انظر: تهذيب اللغة ١/ ٣٤٠، مقاييس اللغة ٤/ ٢٣٢، لسان العرب ٩/ ٥٨ (عجز)، المفردات للأصفهاني ٥٤٧.\n(٢) انظر: مباحث في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم ١٣.\n(٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار ١٦/ ٢٢٦.\n(٤) دراسات في علوم القرآن الكريم للدكتور فهد الرومي ٢٨٨.\n(٥) انظر هذه الآيات: الأنعام ١٠٩، الأعراف ٧٣، ١٠٥، ١٠٦، النساء ١٧٤، القصص ٣٢، إبراهيم ١٠ - ١١، المؤمنون ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":894},{"text":"البلاغةِ شعرُهُم الذي يُعَدُّ ذِروةَ كلامِهم، وقد كان القرآنُ الكريمُ الآيةَ التي جاء بها النبي - ﷺ - دليلًا قاطعًا على صِدقِ نُبوَّتِهِ، كما كانت العصا آيةً لصدق موسى - ﷺ -، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه آية لصدق عيسى - ﷺ -. وقد قال النبي - ﷺ -: «ما من الأنبياءِ نَبِيٌّ إلا أُعْطِيَ مِن الآيات ما مِثلُهُ آمنَ عليه البشرُ، وإِنَّما كانَ الذي أوتيته وحيًا أوحاهُ اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يوم القيامة». (١) غير أنَّ آيات الأنبياء السابقين لنبينا كانت آياتٍ حسيةً ظاهرةً لِمَن شاهدها، وكان العَجْزُ عن الإتيان بِمثلها مركوزًا في الفِطَرِ البشرية، فلا أحد يستطيع أن يأتي بِمثلها ولا يدعي ذلك؛ لاستئثار الله ﷾ بالقدرة على مثلها، ولأن العجز عنها ظاهر للجميع.\nوأَمَّا آيةُ نبينا مُحمَّدٍ - ﷺ - فقد اختلفتْ عن تلك الآيات السابقةِ، من جهةِ أَنَّها آية بيانية، والعرب كانوا أهلَ بيانٍ وفصاحةٍ، لهم قدرةٌ على الإبانة عمَّا في أنفسهم أوضح بيانٍ وأبلغَه. ولذلك فإنه ينبغي لِمَن يريد معرفةَ سِرَّ إعجاز القرآن الكريم أن ينظرَ في أفصحِ كلامِ أولئك القوم الذين نَزَلَ عليهم القرآن، ثُمَّ يستخرج أسبابَ البلاغةِ والتفرد في ذلك الكلام، ثُمَّ يبحثُ بعد ذلك عن أسباب البلاغة في القرآن الكريم، وكيف فاقت ما كان يألفه العرب من كلامهم، والأوجه التي فاق بها كلامُ الله كلامَ العرب الذين نزلَ القرآنُ الكريمُ بلغتِهم. ولأنه لم يبق بين أيدي الناس اليوم من كلام من نزل القرآن الكريم عليهم ليكون شاهدًا على هذا ودليلًا عليه إلا الشعر الجاهلي الذي حفظه العلماء، وبلَّغَهُ الرواةُ الثقات، فإِنَّهُ يُعَدُّ مدخلًا مُهمًّا لدارس إعجاز القرآن الكريم.\nوالاكتفاء بالشعر الجاهلي في مثل هذا الدرس المتعلِّقِ بإعجاز القرآنِ، والاقتصار عليه أمر مهمٌّ؛ حتى لا يبقى مدخلٌ للتأثر بأسلوب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن ٩/ ٣ (٤٩٨١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان ١/ ١٣٤ (١٥٢).","vol":"1","page":895},{"text":"القرآن الكريم وألفاظه، فيُقتصَرُ على دراسة شعر الشعراء الذين لم يدركوا بعثة النبي - ﷺ -.\nوقد كان عبد القاهر الجُرجاني (ت ٤٧١ هـ) من أوائل مَنْ أشار إلى العلاقة الوثيقة بين دراسة إعجاز القرآن ومعرفة كنهه، وبين دراسة الشعر الجاهلي والتفقه فيه وفي معانيه، وشنع على من يعارض ذلك، وينكره، فقال في معرض تأكيده على أهمية ذلك: «وذاك أَنَّا إذا كنَّا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبَهَرت، هي أَنْ كان على حَدٍّ من الفصاحةِ تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيًا إلى غايةٍ لا يُطمحُ إليها بالفِكَرِ، وكان مُحالًا أن يَعرِفَ كونَه كذلك، إِلَّا مَن عرفَ الشِّعرَ الذي هو ديوانُ العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قَصَبَ الرِّهانِ، ثُمَّ بَحثَ عن العلل التي بِها كان التباينُ في الفضلِ، وزاد بعضُ الشعر على بعضٍ كان الصادُّ عن ذلكَ صادًّا عن أن تُعرفَ حُجةُ الله تعالى، وكان مَثَلُهُ مَثَلَ مَنْ يتصدَّى للنَّاسِ فيمنعهم عن أن يَحفظوا كتابَ الله تعالى، ويقوموا بهِ، ويتلوه ويُقْرئِوه، ويصنعَ في الجملة صنيعًا يؤدِّي إلى أن يَقِلَّ حُفاظهُ والقائمون به، والمقرئون له ...». (١)\nوقد حاول بعضهم أن يوازن بين القرآن وشعر الجاهلية، ويُفَضِّلَ شعرَ بعض شعراء الجاهلية على القرآن، فما كان من أبي بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) (٢) إلا أن تصدَّى للرد على أمثال هؤلاء، وعَقَدَ موازنةً بين\n_________\n(١) دلائل الإعجاز للجرجاني ٨ - ٩.\n(٢) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي الأشعري، ولد في البصرة، وأخذ عن علمائها الحديث والفقه والأصول واللغة، وكان متمكنًا من علم الكلام، ففاق أهل زمانه في الرد على المتكلمين، وقد انتقل إلى بغداد، واشتهر ذكره وعلمه بها، وله مصنفات كثيرة معروفة، منها إعجاز القرآن، والانتصار للقرآن وغيرها. انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٧٩، ترتيب المدارك ٧/ ٤٥.","vol":"1","page":896},{"text":"القرآن والشعر الجاهلي، فاختار قصيدةَ امرئ القيس المُعلَّقةَ؛ لإجْماعِ العَرَبِ والأدباء على تقدمِ امرئ القيس في شعره، ثُمَّ تقديْمِهم لهذه القصيدة على سائر شعره.\nوقال بين يدي هذه الموازنة: «ونظمُ القرآنِ جِنسٌ متميزٌ، وأسلوبٌ متخصصٌ، وقَبِيلٌ عن النَّظِيْرِ مُتخلِّص، فإذا شئت أَن تعرفَ عِظَمَ شأنهِ، فتأمَّل ما نقوله في هذا الفصلِ لامرئ القيسِ في أَجودِ أشعارهِ، وما نُبيِّنُ لك من عَواره على التفصيل» (١)، ثُمَّ شرع في ذكر أبيات المعلقة، مبينًا ما يرى أنه عيب وخلل في المعلقة، وما فيها من التكلف والخروج عن المعنى والتناقض والاختلاف. (٢) إلى أن قال: «ولستُ أُطَوِّلُ عليكَ فتستثقلَ، ولا أُكثِرُ القولَ في ذَمِّهِ فتستوحشَ، وأَكِلُكَ الآنَ إلى جُملةٍ من القولِ، فإِنْ كنتَ من أهل الصنعةِ، فَطِنتَ واكتفيتَ وعرفتَ ما رمينا إليه واستغنيتَ، وإن كنتَ عن الطبقةِ خارجًا، وعن الإتقانِ بِهذا الشأنِ خاليًا فلا يكفيكَ البيانُ، وإن استَقْرَينا جَميعَ شِعرهِ، وتتبعنا عامَّةَ ألفاظه». (٣)\nثُمَّ عاد بعد ذلك فذكر ما استحسنه الأدباءُ من أبيات هذه القصيدة، فقَلَّلَ من شأنِها، وهَوَّنَ من بلاغتها، وقال: «إِنَّ هذا صالحٌ جَميلٌ، وليس من الباب الذي يقالُ: إنَّهُ مُتناهٍ عَجيبٌ، وفيه إلمامٌ بالتكلُّفِ، ودخولٌ في التعمُّلِ». (٤)\nثُمَّ ختمَ ببيان غرضه الذي قصده من هذا التتبع لمعلقة امرئ القيس فقال: «وإِنَّما أردنا أن نبيّن الجملةَ التي بيناها، لتعرفَ أن طريقةَ الشعر شريعةٌ مورودةٌ، ومَنْزِلةٌ مشهودةٌ، يأخذ منها أصحابُها على مقاديرِ أسبابِهم، ويتناولُ منها ذووها على حسبِ أحوالهم ... فأَمَّا نَهجُ القرآن ونظمُهُ، وتأليفهُ ورصفهُ، فإِنَّ العقولَ تَتِيهُ في جهتهِ، وتَحارُ في بَحرهِ،\n_________\n(١) إعجاز القرآن ١٥٩.\n(٢) المصدر السابق ١٥٩ - ١٨٢.\n(٣) المصدر السابق ١٧٩.\n(٤) المصدر السابق ١٨١.","vol":"1","page":897},{"text":"وتضلُّ دونَ وصفهِ، ونَحنُ نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدلُّ به على الغرضِ، وتستولي به على الأمَدِ، وتصلُ به إلى المقصدِ، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمسَ، وتتيقن بلاغتَه كما تتيقن الفجرَ». (١)\nثم شرع بعد ذلك في عرض آيات من القرآن، مبينًا ما فيها من أوجه البلاغة، ومواطن الإعجاز.\nوقد بالغ الباقلاني في الإزراء على معلقةِ امرئ القيس، واستخراج عُيوبِها، مع اعترافه بأنَّ «نقدَ الكلامِ شديدٌ، وتَمييزَهُ صَعبٌ». (٢) ولكنَّهُ سارَ على هذا المنهج، وأوصى بالسَّيْرِ فيه فقال: «وقد بسطنا لك القولَ رجاءَ إفهامِك، وهذا المنهاجُ الذي رأيتهُ، إِنْ سلكتَه يأخذ بيدكَ، ويدلكَ على رشدك، ويغنيك عن ذكرِ براعةِ آيةٍ آيةٍ لكَ». (٣) وكان مدفوعًا إلى هذا الإزراء لما كان من تفضيل بعضهم لشعر امرئ القيس على القرآن بدليل قوله في ختام هذه الموازنة: «إِنَّ الذي عارضَ القرآنَ بشعرِ امرئِ القيسِ لأَضلُّ مِن حِمارِ بِاهِلَةَ، وأَحْمَقُ من هَبَنَّقَةَ». (٤) وهو يريد بذلك بيان مزية القرآن، وأنه متفرد بالبلاغة.\nوكان الصوابُ أَن يأتيَ إلى ما أَجْمعت العربُ على استحسانهِ وتقدِيمِه من شعر شعرائها كما في معلقة امرئ القيس، ثُمَّ ينظر في مواطنَ الجمال، وأسبابِ التقديم لهُ على غيره من الشعرِ، حتى إذا تبَيَّنَ له ذلك غايةَ البيانِ، واتضحَ له تَمامَ الاتضاح، جاء إلى القرآن الكريم، فتَلَمَّسَ هذه الأسبابَ فيه، وتدبر في ألفاظه ومعانيه، حتى يرى وجهَ تقدمِ القرآن على غيره من الكلام.\n_________\n(١) إعجاز القرآن ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) المصدر السابق ٢٠٣.\n(٣) المصدر السابق ٢٠٤.\n(٤) المصدر السابق ٢١١، وهَبنَّقَةُ هو يزيد بن ثروان، أحد بني قيس بن ثعلبة. انظر: مجمع الأمثال ١/ ٢٢٧، وهما مثلان مضروبان لمن بلغ الغاية في الضلال والحمق.","vol":"1","page":898},{"text":"وأَمَّا الإزراءُ بفصيح كلام العربِ، والتهوينُ من شأنهِ فإِنَّهُ يَذهَبُ بقوة تقدمِ القرآن، حيث إِنَّه سيقال: إِنَّ القرآنَ تَحدَّى قومًا أهلَ عِيٍّ وفهاهةٍ، لا أهلَ بيانٍ وفصاحةٍ، حيث إِنَّ هذه الأشعار مقدمةٌ عندهم، وفيها ما ذكرتَ من العيبِ والتناقض.\nوخيرُ من تكلَّمَ عن هذه المسألة من العلماءِ - فيما أعلم - من المتقدمين عبد القاهر الجرجاني، ومن المتأخرين الشيخ عبد الحميد الفراهي ﵀ (ت ١٣٤٩ هـ)، والأستاذ محمود محمد شاكر (١) ﵀ (ت ١٤١٩ هـ).\nفأما عبد القاهر الجرجاني فقد أكثر من تحليل الشعر والشواهد الشعرية في كتابه دلائل الإعجاز، وزادت شواهده عن أربعمائة شاهد شعري، غير أنه احتفل بشعر المتأخرين والمولدين (٢)، وهو في هذا يسير على أَنَّ الشاهد البلاغي يصلح له شعر المتقدمين والمتأخرين على حد سواء، وأن المعاني يتناهبها الجميع كما قال ابن جني بعد استشهاده ببيت للمتنبي: «ولا تستنكر ذكر هذا الرجل - وإن كان مُولَّدًا - في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون، وقد كان أبو العباس (٣) - وهو الكثير التعقب لجِلَّةِ الناس - احتجَّ بشيءٍ من شعر حبيب بن أوسٍ الطائي\n_________\n(١) هو محمود محمد شاكر، ولد سنة ١٣٢٧ هـ وتوفي سنة ١٤١٩ هـ، وله عدد من الكتب مثل كتابه ... المتنبي، وأباطيل وأسمار، وحقق جزءًا كبيرًا من تفسير الطبري، ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة كلاهما لعبد القاهر الجرجاني، وغيرها من البحوث والمقالات والتحقيقات، تفرد عن علماء عصره بنفاذه في فهم شعر العرب، والبصر بكلام العلماء القدماء، وقد تخرج على يديه نخبة من العلماء. انظر: محمود محمد شاكر لعمر القيام ١٧.\n(٢) انظر: الشواهد الشعرية في كتاب دلائل الإعجاز للدكتور نجاح الظهار ٣/ ١٣٧٩ - ١٣٩٨.\n(٣) يريد المُبَرِّد محمد بن يزيد، الإمام في النحو واللغة والأخبار، توفي سنة ٢٨٥ هـ.","vol":"1","page":899},{"text":"في كتابهِ الاشتقاق، لَمَّا كان غرضه فيه معناهُ، دون لفظه» (١) وهذا يصح في دراسة بلاغة اللغة بصفة عامة، دون تحديد للغة العرب في عصر نزول القرآن على وجه الخصوص، وأما دراسة لغة العرب في عهد نزول القرآن فلا بد من الاقتصار على لغة ذلك العصر الجاهلي من الشعر والنثر، غير أن ما حفظ من الشعر أضعاف ما حفظ من النثر، فلذلك خص الشعر بالحديث.\nفأمَّا الفراهي فقد كان فريدًا في تدبر الشعر الجاهلي، والفقه في معانيه، واستخراج الشواهد الشعرية التي تدل على المعاني الدقيقة التي وردت في القرآن الكريم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك (٢)، وكان يدعو إلى البحث عن بلاغة القرآن والاستعانة على ذلك بدراسة الشعر الجاهلي (٣).\nوأما الأستاذ محمود شاكر فقد شغله أمرُ الشعرِ الجاهليِّ زمنًا طويلًا، فَعَكَفَ على دراستهِ وتذوقهِ، واستطاع أن يكتب شيئًا من نتائج دراسته الطويلة، ولأهمية هذه النتائج التي وصل إليها أحببت ألا يخلو هذا البحث في الشاهد الشعري في تفسير القرآن من التوقف عند هذه العلاقة الوثيقة بين دراسة سر إعجاز القرآن الكريم وفهم الشعر الجاهلي وتذوقه، لأنَّ الشعر في كتب التفسير يمثل جزءًا مهمًا من أجزاء تفسير القرآن الكريم باللغة بِحَسب ما توصلت إليه هذه الدراسة.\nوقد ذكر محمود شاكر العلاقة بين الشعر الجاهلي وإعجاز القرآن فقال: «أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي، أو بقضايا الشعر جميعًا، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية، وأساليب العربية وغير العربية، ومقارنتها بأسلوب القرآن، فهو عِلمُ إعجازِ القرآنِ، ثُمَّ علمُ البلاغة». (٤)\n_________\n(١) الخصائص ١/ ٢٤.\n(٢) انظر: ص ١٦١ من البحث.\n(٣) انظر: جمهرة البلاغة للفراهي.\n(٤) مداخل إعجاز القرآن ١٥٢ - ١٥٣.","vol":"1","page":900},{"text":"وقد ذكر بعد ذلك الدليل على أن ما تحدي به العرب هو نظم القرآن وبلاغته، وأنه يستوي قليل القرآن وكثيره في الإعجاز، وأن العرب الذين نزل عليهم القرآن، ووكلهم الله إلى أمانتهم في البيان والفصاحة، ليحكموا على هذا الكلام، فما خانوا الأمانة، واعترفوا بعجزهم عن النسج على منواله، وهذا دليل على أنهم قد بلغوا حدًا من الفصاحة والبلاغة، مكنتهم من أن يفهموا وجه الإعجاز في هذا القرآن.\nقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] (١): «سبب هذه الآية أنَّ جَماعةً من قريش قالت لرسول الله - ﷺ -: يا مُحمدُ جئنَا بآية غريبةٍ غير هذا القرآن فإِنَّا نقدرُ نحن على المَجيء بِمثل هذا، فنَزَلت هذه الآيةُ المصرِّحةُ بالتعجيزِ، المُعلِمةُ بأَنَّ جَميع الخلائقِ إنسًا وجِنًا لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه. والعجزُ في معارضةِ القرآنِ إِنَّما وقعَ في النَّظمِ والرَّصفِ لِمعانيهِ، وعِلَّةُ ذلك الإحاطةُ التي لا يتصفُ بِها إلا اللهُ تعالى، والبَشَرُ مُقصِّرٌ ضرورةً بالجهل والنسيان، والغفلةِ وأنواع النقص، فإذا نظمَ كلمةً خفي عنه - للعللِ التي ذكرنا - أليقُ الكلامِ بِها في المعنى». (٢)\nوذكرَ تفرُّدَ العرب بفهمهم السليقي للقرآن فقال: «وفهمت العربُ بِخُلوصِ فهمِها في مَيْزِ الكلام، ودُربتِها بهِ ما لا نفهمهُ نحنُ، ولا كُلُّ مَنْ خالطته حضارةٌ، ففهموا العجزَ عنه ضرورةً ومشاهدةً، وعلمهُ الناسُ بعدهم استدلالًا ونظرًا، ولِكُلٍّ حَصلَ علمٌ قطعيٌّ، لكن ليس في مرتبةٍ واحدةٍ». (٣)\nولذلك فإنه ينبغي لدارس إعجاز القرآن أن يرجع إلى كلام هذه الطبقة التي بلغت هذا المبلغ من الفصاحة والبيان، لينظر ما فيه من أوجه\n_________\n(١) الإسراء ٨٨.\n(٢) المحرر الوجيز (قطر) ٩/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(٣) المصدر السابق ٩/ ١٨٧.","vol":"1","page":901},{"text":"البلاغة والبيان، لأنه هو الشاهد الوحيد الذي يدل على مدى فصاحتهم وبلاغتهم. قال محمود شاكر: «وهذه الصفات تفضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضًا، يوجب أمرين في نعت ما خلفوه:\nالأول: أن يكون ما بقي من كلامهم، شاهدًا على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء، حتى لا تعجزها الإبانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.\nالثاني: أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها ... فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهدًا على هذا ودليلًا؟ نعم، بقي الشعر الجاهلي». (١)\nفقد سعى أولًا إلى تَخليصِ مَفهومِ الإعجازِ في القرآنِ، وأَنَّهُ من قِبَلِ النظمِ والبَيانِ، ثُمَّ ساقَهُ الاستدلالُ إلى تحديدِ صفةِ القومِ الذين تَحدَّاهم، وصفة لغتهم، ثم خرج إلى طلبِ نعتِ كلامِهم، والتمسَ الشاهدَ والدليل على الذي أَدَّاهُ إليه النَّظرُ فإذا هذا الشاهد والدليل هو ما تبقى من الشِّعرِ الجاهلي، ليكون مدخلًا لدراسة إعجاز القرآن.\nوما صنعه محمود شاكر من التوفر على دراسة شعر الجاهلية زمنًا طويلًا، أداه إلى أن يستخلص منه دلالته أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام». وإذا صحت له هذه المقدمة، وهي عنده صحيحة لا يشك فيها، «وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، ملتمسين فيه هذه القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم، فإذا تم لنا ذلك، فمن الممكن القريب يومئذٍ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه، خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر». (٢)\n_________\n(١) مداخل إعجاز القرآن ١٦٦.\n(٢) مداخل إعجاز القرآن ١٧٠.","vol":"1","page":902},{"text":"وقد سلك عبد القاهر الجرجاني في دراسته للبلاغة مسلكًا قريبًا من هذا، ولكنه اعتمد على شعر المتأخرين، وقلت عنده شواهد شعر الجاهلية، فلم يصل إلى ما أشار إليه محمود شاكر في كلامه.\nفدراسة الشاهد الشعري الجاهلي، على هذا الأساس تفتح للباحث في إعجاز القرآن بابًا أمام دراسة جديدةٍ في باب الدراسات القرآنية التي تناولت الإعجاز في القرآن الكريم، وبحسب هذا المبحث أن أشار إلى هذه المسألة على هذا الوجه من الاختصار، لعله يتاح لها من يوفيها حقها من الدرس فهي موضوع قائم بذاته.\n* * *","vol":"1","page":903},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>خاتِمة البحث</span>\nالحمد لله الذي أَعانَ ووفَّقَ للانتهاءِ إلى هذه الخاتِمَةِ، وفيها أذكر أهم النتائج التي توصلَ إليها البحثُ، وبعضُها سبقت الإشارةُ إليه بتفصيلٍ، وبعضها نتيجة القراءة في هذا الموضوع، ولَم أجد لها مناسبةً أثناء البحث التزامًا بالخطة، وأُجْملُ ذلك في الآتي:\n- تبيَّنَ من خلال هذا البحث أَهميَّة العناية بالاختيارات المتقدمة للشعر العربي التي اختارها المُفضَّلُ الضبيُّ وهي «المُفضليَّات»، والتي اختارها الأصمعيُّ وهي «الأصمعيَّات»، ثُمَّ التي اختارها أبو تَمَّام وسَمَّاها «الحماسة» والحماسة الصغرى المعروفة بـ «الوحشيات»، ذلك أنَّ معظم شواهد المفسرين لا تَخرجُ عن هذه المختارات، والشعر الذي تشتمل عليه هذه الاختيارات من شعر الاحتجاج، ويُمكنُ التحققُ من ذلك بالنظر في شواهد الشعراء المقلين من أمثال الأشهب بن رُمَيلة، وأبي الغُول الطُّهَويِّ، وربيعةَ بن مَقرومٍ الضبيِّ، وضابي بن الحارث البُرجُميِّ ونحوهم، فستجد أَنَّ الشواهد التي ذكرَها المفسرون لهم لا تَخرجُ عن تلك القصائد التي وردت في تلك الاختيارات، وأكثر من رأيته عُنِيَ بديوانِ الحماسةِ من المُفسرينَ هو الزمخشريُّ وابن عطيَّة.\n- الألفاظ قليلة الورود في القرآنِ يُستشهدُ لها بشواهدَ محفوظة غيرِ مُكررةٍ، مثل لفظةُ «خَتَّار» في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] (١). وهذا يدل على أن الألفاظ القليلة الاستعمال في القرآن، قليلة الاستعمال أيضًا في شعرِ العَرَبِ وكلامِها، ويؤكد أَنَّ القرآنَ نَزلَ باللغة المستفيضةِ المشهورة من لغة العرب دون الشاذ النادر\n_________\n(١) لقمان ٣٢.","vol":"1","page":905},{"text":"منها، وهذا ما ذهب إليه العلماء من أَنَّه يَجبُ حَملُ معاني القرآن على المشهور المعروف من لغة العرب، دون النادر الشاذ.\n- القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهبَ إلى ذلك بعضُ العلماء، وفي استشهاد المفسرين وأصحاب المعاني والغريب بشعر قبائل العرب دون تفريق إجْماعٌ على أنه لم يَنْزِل بلغةِ قريشٍ وحدَها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناسُ إلى الشعر للاستشهاد به على فهمِ المُشكلِ والغريبِ، وكان عليهم الرجوعُ إلى شعر قريش ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم يَنْزِل بلسان قريشٍ وحدها، وقد فَصَّلَ الباحثون هذه المسألة. (١)\n- قبيلة تَميمٍ استحوذت على النصيب الأكبر من حيث عدد الشعراء وعدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير، فقد استشهد المفسرون بثمانيةٍ وخَمسينَ شاعرًا من شعراء تَميم في الجاهلية والإسلام. يأتي بعد تَميمٍ قبائلُ كنانة، ثُمَّ يأتي بعد هاتين القبيلتين قبيلة بكر ببطونها المختلفة، ومنهم شعراء قيس، وغيرهم من بطون بكر.\n- النُّزُوعَ للشاهد مطلبٌ قَديمٌ في عصور صفاء اللغة، والشعر بوجهٍ خاص، فقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الشاهد من الشعر مع سلامة سليقتهم بمقاييس العلماء، غير أنه لم يكن يقنعهم إلا الرواية عمَّن سبقَ كما قال ابن سلَّام، وإن كانوا قد قبلوا شواهد للمعاصرين لهم كما صنع ابن عباس في استشهاده بشعر عمر ابن أبي ربيعة، واستشهد عكرمة بشعر ثابت قطنة.\n_________\n(١) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ٨/ ٦٢٤ - ٦٧٠.","vol":"1","page":906},{"text":"- اعتمد المفسرون على شعراء الجاهلية اعتمادًا كبيرًا في الاستشهاد، ولم يعدلوا بشعرهم شعر غيرهم، بدليل أن الطبري قد استشهد بشعر مائة واثنين وعشرين شاعرًا جاهليًا أمكن معرفتهم، وقد يكون من جُملة الأبيات المَجهولة من قالها من شعراء الجاهلية، من مُجمل شعراء الشواهد الذين استشهد الطبري بشعرهم وعددهم يصل إلى ثلاثِمائة وعشرة شعراء، وهي نسبة تُمثلُ ٣٩.٣ % من شعراء الطبري في تفسيره. وقد استشهد لهم بِمَا يزيد عن خَمسمائةٍ وخَمسينَ شاهدًا شعريًا من مجموع شواهده المنسوبة التي بلغت ألفًا وثلاثمائة وأربعين شاهدًا شعريًا، وهو يمثل نسبة ٤١% من الشعر المنسوب في تفسير الطبري لشعراء الجاهلية.\n- جاء منهج المفسرين في الاعتماد على شعراء الجاهلية أكثر من غيرهم، موافقًا لمنهج اللغويين، وتقاربت تقاربًا كبيرًا نسبة شعراء الجاهلية الذين استشهد بهم المفسرون واللغويون، ثم جاء بعدهم شعراء الإسلام وبني أمية.\n- جاء الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية في تفسير الطبري، فقد استشهد له الطبري بِمائةٍ وثَمانيةَ عشرَ شاهدًا، واستشهد له القرطبيُّ بِمائةٍ وثلاثينَ شاهدًا شعريًا، وأكثر ابن عطية والزمخشري من الاستشهاد بشعره، ثم يأتي بعده بقية الشعراء الجاهليين والإسلاميين كالنابغة الذبياني، وجرير والفرزدق، ورؤبة بن العجاج وأبيه العجاج وذي الرمة.\n- يُعَدُّ مجاز القرآن لأبي عبيدة مصدرًا أصيلًا للشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة، والمفسرون عيالٌ عليه في الشواهد، وخاصة شواهد الغريب، وقد زاد عدد شواهده الشعرية على تسعمائة شاهد، وبعده الفراء في معاني القرآن وبلغ عدد شواهده سبعمائة وخَمسة وثَمانين شاهدًا بدون المكرر من الشواهد، وأَمّا ابن قتيبة فقد بلغت شواهدُ غريب القرآن له","vol":"1","page":907},{"text":"مائة واثنين وثَمانين شاهدًا، وشواهدُ تأويل مشكل القرآن ثلاثَمائة وواحدٍ وستين شاهدًا.\n- تَميزَ الإمام الطبري على بقية المفسرين بقدرته على شرح الشواهد الشعرية وفهمها، وبيان أوجه الاستشهاد منها، ثُمَّ يليه ابن عطية في ذلك، واستدراكات ابن عطية على الطبري في فهم الشواهد دليل على بصره بالشعر.\n- يُعدُّ القرطبيُّ أكثرَ المفسرين جَمعًا للشواهد الشعرية بأنواعِها فقد بلغت شواهده الشعرية أربعة ألاف وثَمانِمائة وسبعة شواهد شعرية (٤٨٠٧)، ثُمَّ يليهِ الطبري وعدد شواهده ألفان ومائتان وستون شاهدًا (٢٢٦٠)، ثُمَّ ابن عطية وعدد شواهده ألف وتسعمائة وواحد وثمانون شاهدًا (١٩٨١)، ثُمَّ الزمخشري وعدد شواهد تسعمائة وشاهد شعري واحد (٩٠١)، كما سبق بيانه في إحصاء الشواهد في كتب التفسير.\n- تبين لي أن المفسرين قد أودعوا كتبهم معظم المادة العلمية والشعرية في كتب معاني القرآن وغريبه، وخاصةً مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للأخفش والفراء والزجاج، وقد استوعب تفسير الطبري معاني القرآن للفراء والأخفش ومجاز أبي عبيدة بشواهدها، حتى لا يكاد يَنِدُّ عنك شيء منها في تفسيره، وصنع أكثر منه القرطبي في تفسيره لتأخر عصره، ووفرة مصادره.\n- الشواهد الشعرية في كتب معاني القرآن وغريب القرآن والتفسير واللغة شواهد مكررة، فلا يكاد المتأخر يضيف جديدًا على ما استشهد به علماء الطبقات الأولى من أهل اللغة والتفسير، مِمَّا يدلُّ على وحدةِ المصادرِ، وقد دفع هذا إلى حصر هذه الشواهد وصناعة معاجم للشواهد الشعرية لدى المتأخرين.\n- غلبة جانب التقليد في الاستشهاد بالشواهد الشعرية، لدى","vol":"1","page":908},{"text":"المفسرين المتأخرين كالقرطبي ومن بعده، وقلة جانب الاجتهاد في البحث عن شواهد شعرية لم يسبق للمتقدمين الاستشهاد بها في المَجموعات الشعرية والدواوين المروية للشعراء لإثراء الشواهد وتوسيع مجال فهم وجه الاستشهاد لا الشاهد نفسه، حيث إن وجه الاستشهاد هو المقصود ابتداءً.\n- الحاجة إلى دراسة أساليب العرب من خلال الشعر الجاهلي وحصرها وتبويبها، لموازنتها بعد ذلك بأساليب القرآن، التي صَنَّفَ العلامةُ محمد عبد الخالق عضيمة كتابه «دراسات لأسلوب القرآن الكريم» في دراستها، وقد أشار إلى ذلك محمود شاكر ﵀ في تقديمه لكتاب عضيمة.\n- الحاجة لتدريس مادة الشعر الجاهليِّ في تَخصص الدراسات القرآنية لربط طلاب العلم بلغته، والعودة بِهم إلى اللغة العربية في مصادرها الأولى، والتمرس بأساليب العربية الفصحى؛ ليتسنى لهم دراسة لغة القرآن الكريم، وموزانة لغته بلغة ذلك الشعرِ الجزلِ، الذي كان ذروة بلاغة مَنْ نَزَلَ القرآنُ عليهم بلسانِهم، وعَجَزوا عن معارضته رغمَ التحدِّي المُتكرر.\n- دراسة علاقة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم موضوع جدير بالبحث والدراسة، وينبغي لمن يتصدى لذلك أن يكون عميق المعرفة بشعر الجاهلية على وجه الخصوص، بصيرًا بِمعانيهِ، متذوقًا للشعر، وإن كان أمثال هؤلاء على حد قول أبي عمرو بن العلاء: «العلماءُ بالشِّعرِ أَعَزُّ من الكِبْريتِ الأَحْمر» (١).\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) إعجاز القرآن للباقلاني ٢٠٣.","vol":"1","page":909},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>ثبت المصادر والمراجع</span>\nأولًا: الرسائل الجامعية:\n١ - الأحكام الفقهية المتعلقة بالشعر (بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير) إعداد الطالب هيثم بن فهد بن عبد الرحمن الرومي، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام، ١٤٢٠/ ١٤٢١ هـ رقم (٦٩)\n٢ - البسيط في التفسير للواحدي (ت ٤٦٨ هـ)، رسالة دكتوراه بتحقيق محمد بن صالح الفوزان، محفوظة بِمكتبة قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.\n٣ - المعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعرية، لبريكان بن سعد الشلوي، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، كلية اللغة العربية، قسم النحو، ١٤٢٢ هـ.\n٤ - الواحدي النحوي من خلال كتابه البسيط، لصالح بن إبراهيم الفراج، رسالة دكتوراه في النحو، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كلية اللغة العربية، العام الجامعي ١٤١٤ هـ.\nثانيًا: المطبوعات:\n٥ - أبحاث في اللغة، للدكتور محمد علي سلطاني، الناشر دار العصماء بسوريا، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٦ - إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع، للإمام عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ)، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، بدون تاريخ.\n٧ - أبيات النحو في تفسير البحر المحيط، لشعاع إبراهيم عبد الرحمن المنصور، توزيع مكتبة دار التراث بمكة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ\n٨ - إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر، للشيخ أحمد بن محمد البنَّا، تحقيق شعبان محمد إسماعيل، ط. عالم الكتب، بَيْروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":911},{"text":"٩ - الإتقان في علوم القرآن، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تقديم وتعليق الدكتور مصطفى ديب البغا، الناشر دار ابن كثير بدمشق، ودار العلوم الإنسانية بدمشق، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ.\n١٠ - أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي، للدكتور عبد الصبور شاهين، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١١ - أثر المعنى النحوي في تفسير القرآن الكريم بالرأي، لبشيرة علي فرج العشيبي، الناشر جامعة قاريونس، بليبيا، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n١٢ - الإجماع في التفسير، لمحمد بن عبد العزيز الخضيري، دار الوطن بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n١٣ - أحكام القرآن، للإمام إبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت ٥٤٣ هـ)، راجعه محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\n١٤ - أخبار النحويين البصريين، لأبي سعيد السيرافي، تحقيق الدكتور محمد البنا، دار الاعتصام، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٥ - أدب الكاتب، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق الدكتور محمد الدالي، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.\n١٦ - الإدغام الكبير، للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق ودراسة الدكتور عبد الرحمن حسن العارف، الناشر عالم الكتب بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n١٧ - الأدوات النحوية في كتب التفسير، للدكتور محمود أحمد الصغير، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n١٨ - أرسطو طاليس (فن الشعر)، للدكتور عبد الرحمن بدوي، الناشر دار الشرق، بدون تاريخ.\n١٩ - أساس البلاغة، للزمخشري، الناشر دار بيروت للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٠ - أسرار العربية، لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق محمد بهجة البيطار، الناشر المجمع العلمي العربي بدمشق.\n٢١ - الإسلام والشعر، للدكتور سامي مكي العاني، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":912},{"text":"٢٢ - إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، عبد الباقي اليماني، تحقيق: عبد المجيد دياب، ط ١، مركز الملك فيصل للبحوث، ١٤٠٦/ ١٩٨٦\n٢٣ - الأشباه والنظائر في القرآن الكريم، لمقاتل بن سليمان، تحقيق الدكتور عبد الله شحاته، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ\n٢٤ - أشعار الشعراء الستة الجاهليين، للأعلم الشنتمري، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، نشر دار الجيل ببيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٥ - الإصابة لابن حجر العسقلاني، دار إحياء التراث، بدون تاريخ.\n٢٦ - الإصباح في شرح الاقتراح، للدكتور محمود فجال، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٧ - إصلاح المنطق، ليعقوب بن السكيت (ت ٢٤٤ هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، بدون تاريخ.\n٢٨ - الأصمعي وجهوده في رواية الشعر العربي، لإياد عبد المجيد إبراهيم، الناشر وزارة الثقافة والإعلام بالعراق، الطبعة الأولى ١٩٨٩ م.\n٢٩ - الأصمعيَّات، اختيار أبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت ٢١٦ هـ)، تحقيق أحمد شاكر وعبد السلام هارون، نشر دار المعارف بمصر، الطبعة الخامسة، بدون تاريخ.\n٣٠ - أصول التفكير النحوي للدكتور علي أبو المكارم، منشورات الجامعة الليبية، كلية التربية، ١٣٩٣ هـ.\n٣١ - أصول الشعر العربي للمستشرق الانجليزي مرجليوث، ترجمة الدكتور يحيى الجبوري، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\n٣٢ - أصول النقد الأدبي، للدكتور أحمد الشايب، الناشر مكتبة النهضة المصرية، الطبعة السابعة ١٩٦٤ م.\n٣٣ - الأصول في النحو لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي (ت ٣١٦ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الحسين الفتلي، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ. مع فهارسه المستقلة للدكتور محمود الطناحي، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n٣٤ - الأضداد، لابن الأنباري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دائرة المطبوعات والنشر بالكويت، الطبعة الأولى ١٩٦٠ م\n٣٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمُحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ)، نشر عالم الكتب، بيروت.","vol":"1","page":913},{"text":"٣٦ - الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق للدكتور عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطي)، الناشر دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية بدون تاريخ.\n٣٧ - إعجاز القرآن، لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة.\n٣٨ - الأعراب الرواة، للدكتور عبد الحميد الشلقاني، الناشر المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، بطرابلس ليبيا، الطبعة الثانية ١٩٨٢ م.\n٣٩ - إعراب القرآن، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق زهير غازي زاهد، نشر عالم الكتب، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٤٠ - إعراب القراءات السبع وعللها، للحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٤١ - الأعلام، لخير الدين الزركلي، الناشر دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة ١٩٩٢ م.\n٤٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، تحقيق مشهور حسن آل سلمان، الناشر دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n٤٣ - الإعلام بأصول الأعلام الواردة في قصص الأنبياء ﵈، للدكتور ف. عبد الرحيم، الناشر دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٤٤ - الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦ هـ)، طبعة دار الكتب المصرية، وتكملة الهيئة المصرية للكتاب.\n٤٥ - الإغفال لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عمر الحاج إبراهيم، الناشر المُجمّع الثقافي بِمَركز جَمعة الماجد، أبو ظبي، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٤٦ - آلهة مصر الفرعونية لعلي فهمي خشيم، الناشر دار الكتاب الجديد، بيروت بدون تاريخ.\n٤٧ - أمالي ابن الشجري، لهبة الله بن علي بن محمد الحسني العلوي (ت ٥٤٢ هـ)، تحقيق الدكتور محمود محمد الطناحي، الناشر مكتبة الخانجي للطبع والنشر والتوزيع بالقاهرة، بدون تاريخ.\n٤٨ - أمالي الزجاجي، لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت ٣٤٠ هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر المؤسسة العربية الحديثة، الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.","vol":"1","page":914},{"text":"٤٩ - أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر دار الفكر العربي، القاهرة.\n٥٠ - أمالي المرزوقي، لأبي علي أحمد بن محمد المرزوقي (ت ٤٢١ هـ)، تحقيق يحي الجبوري، الناشر دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٩٩٥ م.\n٥١ - الأمالي والذيل والنوادر لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي (ت ٣٥٦ هـ)، تحقيق محمد عبد الجواد الأصمعي، مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية ١٣٤٤ هـ.\n٥٢ - الأمالي النحوية (أمالي القرآن الكريم)، لابن الحاجب (ت ٥٧٠ هـ)، تحقيق هادي حسن حمودي، الناشر عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n٥٣ - الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.\n٥٤ - الأمثال، لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، تحقيق الدكتور عبد المجيد قطامش، الناشر دار المأمون بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n٥٥ - الأمثال، لمؤرج السدوسي، تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، نشر دار النهضة العربية ببيروت، ١٩٨٣ م.\n٥٦ - إمعان في أقسام القرآن للإمام عبد الحميد الفراهي (ت ١٣٤٩ هـ)، تعليق الدكتور محمد أجمل الإصلاحي، الناشر دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٥٧ - أمية بن أبي الصلت: حياته وشعره، دراسة وتحقيق الدكتور بهجة عبد الغفور الحديثي، سلسلة خزانة التراث، العراق، الطبعة الثانية.\n٥٨ - إنباه الرواة، لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي (ت ٦٢٤ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٥٩ - الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق الدكتور جودة مبروك محمد، راجعه الدكتور رمضان عبد التواب، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٦٠ - أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم، للدكتور مساعد بن سليمان الطيار، الناشر دار ابن الجوزي بالسعودية، الطعبة الثانية ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":915},{"text":"٦١ - الأوائل، لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٦٢ - إيجاز البيان عن معاني القرآن، لمحمود بن أبي الحسن النيسابوري (ت ٥٥٣ هـ)، دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور علي بن سليمان العبيد، الناشر مكتبة التوبة بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٦٣ - إيضاح الوقف والابتداء، لابن الأنباري، تحقيق: محيي الدين رمضان، نشر مجمع اللغة العربية بدمشق، ط ١، ١٣٩٣.\n٦٤ - إيضاح شواهد الإيضاح، لأبي علي الحسن بن عبد الله القيسي، تحقيق الدكتور محمد بن حمود الدعجاني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٦٥ - الاحتجاج بالشعر في اللغة، للدكتور محمد حسن حسن جبل، دار الفكر العربي، القاهرة.\n٦٦ - اختلاف الرواية في شواهد سيبويه، للدكتور حسن موسى الشاعر، دار البشير، الأردن.، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٦٧ - ارتشاف الضرب من لسان العرب، للإمام أبي حيان الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق الدكتور رجب عثمان محمد، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٦٨ - الاستشهاد والاحتجاج باللغة، للدكتور محمد عيد، الناشر عالم الكتب بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٩٨٨ م.\n٦٩ - الاشتقاق، لابن دريد، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n٧٠ - اشتقاق أسماء الله الحسنى، لأبي القاسم الزجاجي، تحقيق عبد الحسين مبارك، نشر مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠٦.\n٧١ - اشتقاق الأسماء، للأصمعي، تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب وصلاح الدين الهادي، نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ١٤٠٠ هـ.\n٧٢ - البحث اللغوي عند العرب، للدكتور أحمد مختار عمر، دار المعارف بالقاهرة، ١٩٧١ م.\n٧٣ - البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، تحقيق جماعة من الباحثين، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، ط ٢، ١٤١٣.\n٧٤ - البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي، تحقيق: علي محمد معوض وآخرين، نشر مكتبة دار الباز، ط ١، ١٤١٣.","vol":"1","page":916},{"text":"٧٥ - بحوث وتنبيهات، للأستاذ أبي محفوظ الكريم المعصومي، بعناية الدكتور محمد أجمل الإصلاحي، الناشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠١ م.\n٧٦ - البرصان والعرجان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٧٧ - البرهان في علوم القرآن، للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، تحقيق الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخرين، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٧٨ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر المكتبة العصرية بلبنان، بدون تاريخ.\n٧٩ - بواكير التفسير القرآني عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، للدكتور هادي عطية الهلالي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، ١٤١١ هـ.\n٨٠ - بيان إعجاز القرآن، للخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، نشر دار المعارف بمصر.\n٨١ - البيان القرآني للدكتور محمد رجب البيومي، الناشر الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٨٢ - البيان في غريب إعراب القرآن، لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق الدكتور طه عبد الحميد طه، مراجعة مصطفى السقا.\n٨٣ - البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت.\n٨٤ - تأويل مشكل القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، نشر المكتبة العلمية، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ\n٨٥ - تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي، نشر دار الفكر.\n٨٦ - تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي (١٣٥٦ هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة ١٣٩٤ هـ.\n٨٧ - تاريخ الأدب العربي للمستشرق الفرنسي د. ر. بلاشير، ترجمة الدكتور إبراهيم الكيلاني، دار الفكر بدمشق، طبعة ثانية ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":917},{"text":"٨٨ - تاريخ الأمم والملوك لمحمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٨٩ - تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٨ هـ.\n٩٠ - تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للقاضي التنوخي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، منشورات المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١، ١٤٠١.\n٩١ - تاريخ بغداد، لأبي بكر أحمد بن ثابت، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٩٢ - التبيان في إعراب القرآن، لأبي البقاء العكبري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٩٣ - التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين، لأبي البقاء العكبري، تحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٩٤ - التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، نشر الدار التونسية، ١٩٨٤ م.\n٩٥ - تحرير التحبير\n٩٦ - تحصيل عين الذهب من معدن شعر جوهر الأدب في علم مجازات العرب، صنعه أبو الحجاج يوسف بن سليمان المعروف بالأعلم الشنتمري، تحقيق الدكتور زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ\n٩٧ - تحفة الأحوذي، للمباركفوري، مطبعة المدني، الطبعة الثانية ١٣٨٣ هـ\n٩٨ - تحفة الأريب في غريب القرآن، للإمام أبي حيان الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق داود سلوم، ونوري القيسي، عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٩٩ - تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد، لابن هشام الأنصاري، تحقيق الدكتور عباس الصالحي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٠٠ - التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن جُزيّ الكلبي، صححه محمد سالم هاشم، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":918},{"text":"١٠١ - تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، حققه السيد الشرقاوي، راجعه الدكتور رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١٠٢ - التطور والتجديد في الشعر الأموي، للدكتور شوقي ضيف، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الخامسة.\n١٠٣ - التعريفات، لعلي بن محمد الجرجاني، تحقيق إبراهيم الأبياري دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n١٠٤ - تغليق التعليق، لابن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، نشر دار عمار، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٠٥ - تغيير النحويين للشواهد، للدكتور علي محمد فاخر، دار الطباعة المحمدية، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n١٠٦ - التفسير: نشأته وتدرجه وتطوره، لأمين الخولي، نشر دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى ١٩٨٢ م.\n١٠٧ - تفسير أسماء الله الحسنى، لأبي إسحاق الزجاج، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، نشر دار المأمون للتراث، الطبعة الرابعة ١٤٠٣ هـ.\n١٠٨ - تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة، للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي، الناشر جامعة أم القرى، بدون تاريخ.\n١٠٩ - تفسير التابعين - عرض ودراسة مقارنة، للدكتور محمد بن عبد الله الخضيري، الناشردار الوطن بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n١١٠ - تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) لفخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت ٦٠٤ هـ)، الناشر دار الفكر، بيروت، ١٤١٠ هـ.\n١١١ - تفسير الراغب الأصفهاني (من أول سورة آل عمران وحتى نهاية الآية ١١٣ من سورة النساء)، تحقيق الدكتور عادل الشدي، دار مدار الوطن للنشر، الرياض ١٤٢٤ هـ.\n١١٢ - تفسير الضحاك (ت ١٠٥ هـ)، جمع ودراسة الدكتور محمد شكري أحمد الزاويتي، الناشر دار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١١٣ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) (أخرى)، للإمام محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، الناشر دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":919},{"text":"١١٤ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، بتحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.\n١١٥ - تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، تحقيق ياسر إبراهيم وغنيم عباس، نشر دار الوطن، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ\n١١٦ - تفسير القرآن العظيم، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم، ومحمد عاشور، ومحمد البنَّا، الناشر دار الشعب، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ.\n١١٧ - تفسير القشيري (لطائف الإشارات)، لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت ٤٦٥ هـ)، تحقيق سعيد قطيفة، الناشر المكتبة التوفيقية بالقاهرة، بدون تاريخ.\n١١٨ - التفسير اللغوي للقرآن الكريم، للدكتور مساعد بن سليمان الطيار، الناشر دار ابن الجوزي بالسعودية، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n١١٩ - تفسير سورة الإخلاص، لابن تيمية، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية في بومباي الهند، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٢٠ - تفسير عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق الدكتور مصطفى مسلم، الناشر مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٢١ - تفسير غريب القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، الناشر البابي الحلبي، ١٣٩٨ هـ.\n١٢٢ - تفسير غريب القرآن، لزيد بن علي، تحقيق حسن محمد تقي الحكيم، نشر الدار العالمية، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n١٢٣ - تفسير غريب القرآن العظيم، لزين الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الرازي (ت بعد ٦٦٦ هـ)، تحقيق الدكتور حسين ألمالي، الناشر مطبعة مديرية النشر بوقف الديانة التركي، أنقرة، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م.\n١٢٤ - تفسير مجاهد بن جَبْر، تحقيق عبد الرحمن الطاهر بن محمد السورتي، الناشر المنشورات العلمية، بيروت، بدون تاريخ.\n١٢٥ - التفسير والمفسرون، للدكتور محمد حسين الذهبي، الناشر دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\n١٢٦ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق صغير الباكستاني، نشر دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":920},{"text":"١٢٧ - التمهيد في علم التجويد، لمحمد بن محمد بن الجزري، تحقيق الدكتور غانم قدوري الحمد، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n١٢٨ - التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد، لابن عبد البر، تحقيق جماعة من الباحثين، نشر وزارة الأوقاف المغربية، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\n١٢٩ - التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني (ت ٣٦٠ هـ)، حققه محمد أسعد طلس، راجعه أسماء الحمصي وعبد المعين الملوحي، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\n١٣٠ - التنبيهات على أغاليط الرواة في كتب اللغة المصنفات، لعلي بن حمزة البصري، تحقيق عبد العزيز الميمني الراجكوتي، الناشر دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة بدون تاريخ.\n١٣١ - تَنْزِيلُ الآيات على الشواهد من الأبيات (شرح شواهد الكشاف)، لمُحب الدين أفندي، أخرجه وقدم له عبد الله بن محمد بن خميس، الناشر دار الخضرمة للنشر بالرياض، بدون تاريخ.\n١٣٢ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، نشر دار المعارف.\n١٣٣ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج يوسف المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n١٣٤ - تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت ٣٧٠ هـ)، تحقيق عبد السلام هارون وآخرين، نشر المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، ١٣٨٤ هـ.\n١٣٥ - توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد، للدكتور سعود الفنيسان، مكتبة الرشد ١٤٢٠ هـ\n١٣٦ - توجيه مشكل القراءات العشرية الفرشية لغة وتفسيرًا وإعرابًا، للدكتور عبد العزيز بن علي الحربي، الناشر مكتبة ودار ابن حزم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n١٣٧ - التيسير في القراءات السبع، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت ٤٤٤ هـ)، عني بتصحيحه أوتويرتزل، مطبعة الدولة، استانبول ١٩٣٠ م.\n١٣٨ - ثِمار القلوب في المضاف والمنسوب، لعبد الملك بن محمد الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار المعارف بالقاهرة.\n١٣٩ - الجامع الصحيح المختصر للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، راجعه الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":921},{"text":"١٤٠ - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٤١ - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت ٦٧١ هـ)، ط. دار الكتب المصرية، الطبعة الأولى ١٣٥٤ هـ.\n١٤٢ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٨ هـ.\n١٤٣ - جزء في أحاديث الشعر، للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦٠٠ هـ)، تحقيق إحسان عبد المنان، الناشر المكتبة الإسلامية بالأردن، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٤٤ - جذوة المقتبس، لأبي عبد الله محمد الحميدي، نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n١٤٥ - جَمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، تحقيق الدكتور محمد علي الهاشمي، الناشر دار القلم بدمشق، الطبعة الثالثة ١٤١٩ هـ.\n١٤٦ - جمهرة اللغة، لابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، نشر دار العلم للملايين، ط ١، ١٩٧٨.\n١٤٧ - الجنى الداني في حروف المعاني، صنعة الحسن بن قاسم المرادي، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n١٤٨ - جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية في جامع البيان (دراسة لغوية أدبية)، للدكتور محمد المالكي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بظهر المهراز، بفاس المغرب، مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، ١٩٩٤ م.\n١٤٩ - الجوانب الدلالية في نقد الشعر، للدكتور فايز الداية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.\n١٥٠ - الجيم لأبي عمرو الشيباني، تحقيق إبراهيم الأبياري وعبد العليم الطحاوي وآخرين، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة ١٣٩٥ هـ\n١٥١ - أبو حاتم السجستاني الراوية، للدكتور سعيد جاسم الزبيدي، الناشر دار أسامة للنشر والتوزيع بالأردن ١٩٩٨ م.\n١٥٢ - حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ومدرسته في التفسير بمكة المكرمة للدكتور عبد الله سلقيني، الناشر دار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":922},{"text":"١٥٣ - حجة القراءات لأبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n١٥٤ - الحجة للقراءات السبعة، لأبي علي الفارسي، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، نشر دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٥٥ - الحروف، للفارابي، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ١٩٧٠ م.\n١٥٦ - الحلل في شرح أبيات الجمل، لابن السِّيْدِ البَطَلْيُوسيِّ، تحقيق عبد الله الناصير، الناشر دار علاء الدين، سوريا، الطبعة الأولى ٢٠٠٠ م.\n١٥٧ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني، نشر دار الكتاب العربي ببيروت، ط ٣، ١٤٠٠.\n١٥٨ - حماسة أبي تمام وشروحها: دراسة وتحليل، للدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان، طبع دار إحياء الكتب العربي عيسى البابي الحلبي، بدون تاريخ.\n١٥٩ - الحماسة البصرية، لصدر الدين علي بن الفرج بن الحسن البصري (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق وشرح الدكتور عادل سليمان جمال، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ\n١٦٠ - حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، للدكتور يوسف خليف، الناشر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، الطبعة الثانية.\n١٦١ - الحيوان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر دار الجيل، بيروت.\n١٦٢ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، نشر مكتبة الخانجي، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ.\n١٦٣ - الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جني (ت ٣٩٢ هـ)، تَحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية ١٣٧١ - ١٣٧٦ هـ.\n١٦٤ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، تحقيق الدكتور أحمد بن محمد الخراط، الناشر دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٦٥ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، الناشر دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":923},{"text":"١٦٦ - الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث، لمحمد حسين آل ياسين، منشورات دار ومكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n١٦٧ - الدراسات اللغوية للقرآن الكريم في أوائل القرن الثالث الهجري، للدكتور عيسى شحاته عيسى علي، الناشر دار قباء للطباعة والنشر ٢٠٠١ م.\n١٦٨ - دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ترجمها عن الألمانية والانجليزية والفرنسية الدكتور عبد الرحمن بدوي، الناشر دار العلم للملايين، بيروت الطبعة الثانية ١٩٨٦ م.\n١٦٩ - الدراسات النحوية في تفسير ابن عطية، للدكتور ياسين جاسم المحيمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n١٧٠ - دراسات في اللغة والنحو، للدكتور عدنان محمد سلمان، الناشر وزارة التعليم العالي بالعراق، الطبعة الأولى ١٩٩١ م.\n١٧١ - دراسات في علوم القرآن الكريم للأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي، الطبعة الثالثة عشرة ١٤٢٥ هـ.\n١٧٢ - دراسات لأسلوب القرآن الكريم، للدكتور محمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث، بالقاهرة.\n١٧٣ - دراسة في النحو الكوفي من خلال معاني القرآن للفراء، للمختار أحمد الديرة، الناشر دار قتيبة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n١٧٤ - دراسة لغوية في أراجيز رؤبة والعجَّاج، للدكتورة خولة تقي الدين الهلالي، الناشر وزارة الثقافة والإعلام العراقية، الطبعة الأولى ١٩٨٢ م.\n١٧٥ - درة الغواص في أوهام الخواص، لأبي محمد القاسم بن محمد الحريري، تحقيق الدكتور عبد الحفيظ فرغلي علي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ. ومعه شرحها وحواشيها وتكملتها، للخفاجي وغيره.\n١٧٦ - دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية، تحقيق محمد السيد الجليند، نشر مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.\n١٧٧ - دلائل الإعجاز، لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت ٤٧١ هـ)، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٤١٣ هـ.\n١٧٨ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لبرهان الدين إبراهيم بن علي ابن فرحون، نشر دار الكتب العلمية.\n١٧٩ - ديوان أمية بن أبي الصلت، جَمعه الدكتور سجيع جميل الجبيلي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":924},{"text":"١٨٠ - ديوان أوس بن حجر، تحقيق الدكتور محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت، ١٣٨٠ هـ.\n١٨١ - ديوان الأبيوردي (أبي المظفر محمد بن أحمد بن إسحاق)، تحقيق الدكتور عمر الأسعد، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.\n١٨٢ - ديوان الأخرس (السيد عبد الغفار الموصلي البغدادي)، تحقيق وليد الأعظمي، الناشر عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٨٣ - ديوان الأخطل، شرح راجي الأسمر، الناشر دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n١٨٤ - ديوان أبي الأسود الدؤلي، صنعة أبي سعيد الحسن السُّكريِّ، تحقيق محمد حسن آل ياسين، مؤسسة ايف للطباعة، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n١٨٥ - ديوان الأسود بن يعفر، صنعة الدكتور نوري حمودي القيسي، مطبعة الجمهورية العراقية، ١٣٩٠ هـ\n١٨٦ - ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، شرح وتعليق الدكتور محمد محمد حسين، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة ١٤٠٣ هـ.\n١٨٧ - ديوان الأفوه الأودي ضمن كتاب الطرائف الأدبية، حققه عبد العزيز الميمني / الناشر دار الكتب العلمية بيروت، بدون تاريخ.\n١٨٨ - ديوان الحارث بن حلزة، إعداد طلال حرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٦ م.\n١٨٩ - ديوان الحطيئة براوية وشرح ابن السكيت، تَحقيق الدكتور نعمان محمد أمين طه، الناشر مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n١٩٠ - ديوان الحماسة لأبي تَمَّام الطائي، تحقيق الدكتور عبد المنعم أحمد صالح، دار الجيل، بيروت ١٤٢٢ هـ.\n١٩١ - ديوان الراعي النميري، جَمعه وحققه المستشرق راينْهَرت فايبَرت، الناشر دار فرانْتس شتاينر بفيسبان، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n١٩٢ - ديوان ابن الرومي، شرح وتحقيق عبد الأمير علي مهنا، الناشر دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n١٩٣ - ديوان السموأل بن عادياء، دار بيروت للطباعة، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٩٤ - ديوان الشمَّاخ بن ضرار الذبياني، تحقيق صلاح الدين الهادي، دار المعارف بِمصر.","vol":"1","page":925},{"text":"١٩٥ - ديوان الشَّنْفَرى الأزدي، ضمن كتاب الطرائف الأدبية، حققه عبد العزيز الميمني، الناشر دار الكتب العلمية بيروت، بدون تاريخ.\n١٩٦ - ديوان الطرماح، تحقيق الدكتور عزة حسن، الناشر وزارة الثقافة والإرشاد بسوريا، دمشق، الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ.\n١٩٧ - ديوان العجاج، رواية عبد الملك الأصمعي، تحقيق الدكتور عزة حسن، نشر دار الشرق العربي ١٤١٦ هـ.\n١٩٨ - ديوان العرجي، تحقيق الدكتور سجيع جميل الجبيلي، الناشر دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n١٩٩ - ديوان عمرو بن قميئة، تحقيق وشرح حسن كامل الصيرفي، الناشر معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٨٥ هـ.\n٢٠٠ - ديوان الفرزدق، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٤ هـ.\n٢٠١ - ديوان القتال الكلابي، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ١٤٠٩ هـ.\n٢٠٢ - ديوان القُطامي عمير بن شييم التغلبي (ت ١٠١ هـ)، تحقيق الدكتور محمود الربيعي، الناضر الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠١ م.\n٢٠٣ - ديوان المثقَّب العبْدي، تحقيق حسن كامل الصيرفي، الناشر معهد المخطوطات العربية، الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n٢٠٤ - ديوان المُرقِّشَيْن، الأكبر والأصغر، تحقيق كارين صادر، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n٢٠٥ - ديوان ابن المقرَّب العيوني، تحقيق وشرح الدكتور عبد الفتاح الحلو، الناشر مكتبة التعاون الثقافي بالأحساء، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٢٠٦ - ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية.\n٢٠٧ - ديوان أبي النجم العجلي (أخرى)، جمعه الدكتور سجيع جميل الجبيلي، دار صادر، بيروت ١٩٩٨ م.\n٢٠٨ - ديوان أبي النجم العجلي، صنعه وشرحه علاء الدين أغا، الناشر النادي الأدبي بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢٠٩ - ديوان النَّمِر بن تَوْلَبٍ العُكْليِّ، جمعه الدكتور محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":926},{"text":"٢١٠ - ديوان الهذليين، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، الناشر الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة، ١٣٨٤ هـ.\n٢١١ - ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر دار المعارف بالقاهرة.\n٢١٢ - ديوان امرئ القيس بشرح محمد بن إبراهيم الحضرمي (ت ٦٠٩ هـ)، تحقيق الدكتور أنور أبو سويلم وآخرين، الناشر دار عمار بالأردن، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢١٣ - ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، تحقيق عزة حسن، نشر دار الشرق العربي، ١٤١٦ هـ.\n٢١٤ - ديوان بني أسد، جمع وتحقيق الدكتور محمد علي دقة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n٢١٥ - ديوان تأبط شرًا، جمع وتحقيق علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢١٦ - ديوان جِران العَوْدِ، رواية أبي سعيد السكري، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٥٠ هـ.\n٢١٧ - ديوان جرير (أخرى)، طبعة محمد إسماعيل الصاوي، الناشر مكتبة محمد حسين النوري بدمشق، بدون تاريخ.\n٢١٨ - ديوان جرير، بشرح محمد بن حبيب، تحقيق الدكتور نعمان محمد أمين عطية، دار المعارف، الطبعة الثالثة.\n٢١٩ - ديوان جميل بثينة، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٣٨٥ هـ.\n٢٢٠ - ديوان حاتم بن عبد الله الطائي، صنعة يحيى بن مدرك الطائي، رواية هشام الكلبي، تحقيق الدكتور عادل سليمان جمال، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٤١١ هـ.\n٢٢١ - ديوان حسان بن ثابت، تحقيق الدكتور سيد حنفي حسنين، مكتبة المعارف بالقاهرة، بدون تاريخ.\n٢٢٢ - ديوان ابن حمديس، صححه وقدم له الدكتور إحسان عباس، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت.\n٢٢٣ - ديوان حميد بن ثور الهلالي، صنعة عبد العزيز الميمني، دار الكتب المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ.\n٢٢٤ - ديوان ابن حَيُّوس، تحقيق خليل مردم بك، دار صادر، بيروت ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":927},{"text":"٢٢٥ - ديوان خُفاف بن نُدْبَة السُّلَميّ، شرح وتحقيق الدكتور محمد نبيل الطريفي، الناشر دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م.\n٢٢٦ - ديوان أبي دؤاد الإيادي (ضمن دراسات في الأدب العربي)، نشر جوستاف جرونيام، ترجمة الدكتور إحسان عباس، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٥٩ م.\n٢٢٧ - ديوان دريد بن الصمة، جمع وتحقيق محمد خير البقاعي، دار قتيبة بسوريا ١٩٨١ م.\n٢٢٨ - ديوان أبي ذؤيب الهذلي، جمعه سوهام المصري، الناشر المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٢٩ - ديوان ذي الرُّمة، شرح أبي نصر الباهلي، تحقيق الدكتور عبد القدوس أبو صالح، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ١٤١٤ هـ.\n٢٣٠ - ديوان سلامة بن جندل، صنعة محمد بن الحسن الأحول، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٢٣١ - ديوان شعر الحادرة، إملاء أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن الأصمعي، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، الناشر دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١١ هـ.\n٢٣٢ - ديوان شعر المتلمس الضبعي، رواية الأثرم وأبي عبيدة عن الأصمعي، عني بتحقيقه حسن كامل الصيرفي، الناشر معهد المخطوطات العربية، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ.\n٢٣٣ - ديوان صريع الغواني (مسلم بن الوليد الأنصاري)، تحقيق الدكتور سامي الدهان، الناشر دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n٢٣٤ - ديوان أبي طالب وأخباره، والمستدرك عليه لأبي هفان عبد الله بن أحمد المهزمي (ت ٢٥٧ هـ)، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية بمؤسسة البعثة، الناشر دار الثقافة بإيران، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٢٣٥ - ديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلم الشنتمري، تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال ١٣٩٥ هـ.\n٢٣٦ - ديوان عامر بن الطفيل، بشرح أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، قراءة على أبي العباس ثعلب، تحقيق الدكتور محمود الجادر، والدكتور عبد الرزاق الدليمي، الناشر دار الشؤون الثقافية بالعراق، بغداد، الطبعة الأولى ٢٠٠١ م.","vol":"1","page":928},{"text":"٢٣٧ - ديوان عبد الله بن رواحة، للدكتور وليد قصاب، الناشر دار الضياء بالأردن، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٢٣٨ - ديوان عبد الله بن قيس الرقيات، تحقيق وشرح الدكتور محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت.\n٢٣٩ - ديوان عبيد بن الأبرص، تحقيق الدكتور حسين نصار، شركة مطبعة مصطفى البابي بمصر الطبعة الأولى ١٣٧٧ هـ.\n٢٤٠ - ديوان عَديِّ بن الرِّقاعِ العامليِّ عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت ٢٩١ هـ)، تحقيق الدكتور نوري القيسي، والدكتور حاتم الضامن، الناشر المجمع العلمي العراقي، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٢٤١ - ديوان عمر بن ربيعة، مع شرحه لمحمد محي الدين عبد الحميد، دار الأندلس، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٤٢ - ديوان عمرو بن كلثوم التغلبي، تحقيق أيمن ميدان، الناشر النادي الأدبي بجدة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٢٤٣ - ديوان عنترة، الناشر دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٤ - ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق ناصر الدين الأسد، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١١ هـ.\n٢٤٥ - ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت الأوسي الجاهلي، دراسة وجمع الدكتور حسن محمد باجودة، الناشر مكتبة دار التراث بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n٢٤٦ - ديوان كثير عزة، قدم له مَجيد طراد، الناشر دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٢٤٧ - ديوان كعب بن مالك الأنصاري، تحقيق مجيد طراد، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م.\n٢٤٨ - ديوان لبيد بن ربيعة، بشرح الطوسي، تحقيق الدكتور إحسان عباس، الناشر وزارة الإعلام الكويتية، الطبعة الثانية (مصورة) ١٩٨٤ م.\n٢٤٩ - ديوان لقيط بن يعمر الإيادي (أخرى)، على رواية هشام بن الكلبي، تحقيق الدكتور محمد ألتونجي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n٢٥٠ - ديوان لقيط بن يعمر الإيادي، حققه الدكتور عبد المعيد خان، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":929},{"text":"٢٥١ - ديوان ليلى الأخيلية، جمع وتحقيق خليل إبراهيم العطية وزميله، الدار الوطنية.\n٢٥٢ - ديوان مجنون ليلى، جمع وتحقيق عبد الستار أحمد فراج، مكتبة مصر بدون تاريخ.\n٢٥٣ - ديوان مقبل، تحقيق الدكتور عزة حسن، الناشر وزارة الثقافة والإرشاد بسوريا، دمشق، الطبعة الأولى ١٣٨١ هـ.\n٢٥٤ - ديوان نابغة بني شيبان، تحقيق الدكتور محمد الطريفي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n٢٥٥ - ذم الخطأ في الشعر لأحمد بن فارس اللغوي (ت ٣٩٥ هـ)، تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٤٠٠ هـ.\n٢٥٦ - الرجز في العصر الأموي، للدكتور محمد كشَّاش، الناشر دار عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٢٥٧ - رسالة الرد على مسائل الإباضية، للإمام أحمد بن يحيى (ت ٣٢٥ هـ)، تحقيق إمام حنفي عبد الله، الناشر دار ألآفاق العربية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٢٥٨ - رسالة الغفران لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩ هـ)، تحقيق وشرح الدكتور بنت الشاطئ، الناشر دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية بدون تاريخ.\n٢٥٩ - الرسالة الموضِحَة، لأبي علي محمد بن الحسن الحاتِمي، تحقيق الدكتور محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٨٥ هـ.\n٢٦٠ - رصف المباني في شرح حروف المعاني، للإمام أحمد بن عبد النور المالقي، تحقيق الدكتور أحمد محمد الخراط، دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٢٦١ - روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، للسيد محمود الآلوسي، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٢٦٢ - الروض الأنف، لأبي القاسم السهيلي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار النصر، الطبعة الأولى ١٣٨٧ هـ\n٢٦٣ - الروضة في القراءات الإحدى عشرة، لأبي علي الحسن بن محمد البغدادي المالكي (ت ٤٣٨ هـ)، تحقيق الدكتور مصطفى عدنان محمد سلمان، الناشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":930},{"text":"٢٦٤ - الزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، تحقيق الدكتور حاتم الضامن، وزاد في تحقيقه عز الدين البدوي النجار، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٦٥ - الزمخشري لغويًا ومفسرًا، لمرتضى آية الله زاده الشيرازي، تقديم الدكتور حسين نصار، الناشر دار الثقافة للطباعة بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٩٧٧ م.\n٢٦٦ - الزينة في الكلمات الإسلامية، لأبي حاتم حمدان الرازي، تحقيق حسين بن فيض الله الهمداني، البعة الثانية، القاهرة ١٩٥٧ م.\n٢٦٧ - سؤالات أبي حاتم السجستاني للأصمعي، ورده عليه فحولة الشعراء، حققه وعلق عليه الدكتور محمد عودة سلامة أبو جرى، راجعه الدكتور رمضان عبد التواب، مكتبة الثقافة الدينية ١٤١٤ هـ.\n٢٦٨ - سفيان الثوري وأثره في التفسير، لهاشم عبدياسين المشهداني، الناشر دار الكتاب للطباعة، بغداد، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢٦٩ - سِمْطُ اللآلي، لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، تحقيق عبد العزيز الميمني، نشر دار الكتب العلمية.\n٢٧٠ - سنن أبي داوود سليمان بن الأشعث، مراجعة محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.\n٢٧١ - سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، نشر دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٢٧٢ - السنن الكبرى، لأحمد بن حسين البيهقي، مراجعة محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة ١٤١٤ هـ.\n٢٧٣ - السنن الكبرى، للنسائي، تحقيق: عبد الغفار البنداري وسيد كسروي، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، ط ١، ١٤١١.\n٢٧٤ - سنن سعيد بن منصور، تحقيق الدكتور سعد الحميِّد، نشر دار الصميعي بالرياض، ١٤١٤ هـ.\n٢٧٥ - سير أعلام النبلاء، للإمام محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تَحقيق جَماعة بإشراف شعيب الأرنؤوط، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٦ - السيرة النبوية، لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وآخرين، الناشر مؤسسة علوم القرآن بدمشق، بدون تاريخ.\n٢٧٧ - الشاهد النحوي في شعر زهير، للدكتور أحمد إبراهيم سيد أحمد، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":931},{"text":"٢٧٨ - الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه، للدكتورة خديجة الحديثي، مطبوعات جامعة الكويت رقم ٣٧، عام ١٣٩٤ هـ.\n٢٧٩ - شجرة النور الزكية، لمحمد محمد مخلوف، نشر دار التراث العربي، الطبعة الأولى ١٣٤٩ هـ.\n٢٨٠ - شرح أبي سعيد السُّكريِّ لديوان امرئ القيس، تحقيق الدكتور أنور أبو سويلم والدكتور محمد علي الشوابكة، الناشر مركز زايد للتراث والتاريخ بالإمارات، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٢٨١ - شرح أبيات سيبويه، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق الدكتور زهير غازي زاهد، ط. دار عالم الكتب، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\n٢٨٢ - شرح أبيات سيبويه لأبي محمد يوسف بن أبي سعيد السيرافي (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق الدكتور محمد علي سلطاني، دار المأمون للتراث بدمشق، ١٩٧٩ م.\n٢٨٣ - شرح أبيات معاني القرآن للفراء، ومواضع الاحتجاج بها للدكتور ناصر حسين علي، الناشر دار سعد الدين، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٢٨٤ - شرح أبيات مغني اللبيب، لعبد القادر بن عمر البغدادي (ت ١٠٩٣ هـ)، تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث بدمشق، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٢٨٥ - شرح أشعار الهذليين، لأبي سعيد الحسن بن الحسين السُّكريِّ (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، مراجعة محمود محمد شاكر، الناشر مكتبة دار العروبة بالقاهرة، بدون تاريخ.\n٢٨٦ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لأبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق الدكتور أحمد سعد حَمدان، نشر دار طيبة بالرياض.\n٢٨٧ - شرح اختيارات المفضل، لأبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي (ت ٥٠٢ هـ)، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٢٨٨ - شرح بائية ذي الرمة، لأبي بكر أحمد بن محمد الصنوبري، تحقيق الدكتور محمود مصطفى حلاوي، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٩ - شرح بانت سعاد (قصيدة الصحابي كعب بن زهير)، تأليف العلامة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (ت ٦٢٩ هـ)، تحقيق هلال ناجي، الناشر مكتبة الفلاح بالكويت، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":932},{"text":"٢٩٠ - شرح ديوان كعب بن زهير، صنعة أبي سعيد العسكري، دار الكتب والوثائق القومية، الطبعة الثالثة ١٤٢٣ هـ.\n٢٩١ - شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر دار المعارف ١٩٦٣ م.\n٢٩٢ - شرح القصائد السَّبع المشهورات الموسومة بالمُعلَّقات، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٩٣ - شرح القصائد العشر للتبريزي، علَّق عليه السيد محمد الخضر، إدارة الطباعة المنيرية بمصر، الطبعة الأولى ١٣٤٣ هـ.\n٢٩٤ - شرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الحسين الزوزني، نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ١٣٨٠.\n٢٩٥ - شرح المفضليات، لأبي محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري (ت ٣٠٤ هـ)، تحقيق وشرح الدكتور محمد نبيل الطريفي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٢٩٦ - شرح هاشميات الكميت بن زيد الأسدي، بتفسير أبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي، تحقيق الدكتور داود سلوم، والدكتور نوري حمودي القيسي، الناشر عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٢٩٧ - شرح الهداية للإمام أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت ٤٤٠ هـ)، تحقيق الدكتور حازم سعيد حيدر، الناشر مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٢٩٨ - شرح ديوان الحماسة، لأبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي (ت ٥٠٢ هـ)، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الأولى ١٣٥٧ هـ.\n٢٩٩ - شرح ديوان الحماسة لأبي علي أحمد بن محمد المرزوقي (ت ٤٢١ هـ)، نشره عبد السلام محمد هارون، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ.\n٣٠٠ - شرح ديوان الخنساء، لأبي العباس ثعلب، قدم له فايز أحمد، نشر دار الكتاب العربي ببيروت، ١٤١٤ هـ.\n٣٠١ - شرح ديوان امرئ القيس، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق الدكتور عمر الفجاوي، وزارة الثقافة الأردنية، ٢٠٠٢ م.","vol":"1","page":933},{"text":"٣٠٢ - شرح ديوان حسان بن ثابت، للشيخ عبد الرحمن البرقوقي، الناشر المكتبة التجارية بمصر، الطعبة الأولى ١٣٤٧ هـ.\n٣٠٣ - شرح ديوان المتنبي لعبد الرحمن البرقوقي، طبعة المكتبة التجارية بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٤٨ هـ.\n٣٠٤ - شرح ديوان زهير ابن أبي سُلمى، صنعة أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، تحقيق أحمد زكي العدوي، دار الكتب المصرية، الطبعة الأولى ١٣٦٣ هـ.\n٣٠٥ - شرح ديوان علقمة بن الفحل، للأعلم الشنتمري، تحقيق حنا نصر الحتي، نشر دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤١٤.\n٣٠٦ - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، لابن هشام الأنصاري، ومعه منتهى الأرب لمحمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت ١٤١٩ هـ.\n٣٠٧ - شرح شواهد الإيضاح لابن بري،، تحقيق الدكتور عيد درويش، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة ١٤٠٥ هـ\n٣٠٨ - شرح شواهد المغني، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، دار مكتبة الحياة، لبنان.\n٣٠٩ - شرح شواهد شرح التحفة الوردية، لعبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق الدكتور عبد الله الشلال، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٣١٠ - شرح قصيدة كعب بن زهير، لابن هشام الأنصاري، تحقيق الدكتور محمود حسن أو ناجي، مؤسسة علوم القرآن بدمشق، الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n٣١١ - شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت ٣٨٢ هـ)، تحقيق عبد العزيز أحمد، الناشر مطبعة البابي الحلبي، الطبعة الأولى ١٣٨٣ هـ.\n٣١٢ - شرح مقامات الحريري، لأبي العباس أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشريشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر المؤسسة العربية الحديثة، بالقاهرة، بدون تاريخ.\n٣١٣ - شرح نقائض جرير والفرزدق، لأبي عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق الدكتور محمد ألتونجي، دار الجيل، بيروت ١٤٢٢ هـ.\n٣١٤ - شروح الشعر الجاهلي، للدكتور أحمد جمال العمري، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى ١٩٨١ م.","vol":"1","page":934},{"text":"٣١٥ - شعر إبراهيم بن هرمة، تحقيق محمد نفاع وحسين عطوان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.\n٣١٦ - شعر الأحوص الأنصاري، تحقيق عادل سليمان جمال، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٤١١ هـ.\n٣١٧ - شعر الأخطل أبي مالك غياث بن غوث التغلبي، صنعة السكري، روايته عن أبي جعفر محمد بن حبيب، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، الناشر دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤١٦ هـ\n٣١٨ - الشعر الإسلامي في صدر الإسلام، للدكتور عبد الله الحامد، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.\n٣١٩ - الشعر الجاهلي وأثره في تفسير معاني القرآن الكريم، لمحمد محمد يوسف الجطلاوي، الناشر جامعة قاريونس، بنغازي ليبيا، الطبعة الأولى ١٩٩٠ م.\n٣٢٠ - شعر الحارث بن خالد المخزومي، تحقيق الدكتور يحيى الجبوري، بغداد ١٩٧٢ م.\n٣٢١ - شعر الخوارج، جمع وتحقيق الدكتور إحسان عباس، الناشر دار الثقافة، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٧٤ م.\n٣٢٢ - الشعر العربي في القرن الأول الهجري لمحمد هدارة، دار الشرق العربي، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٣٢٣ - شعر الكُميت بن زيد الأسدي، جَمع الدكتور داود سلُّوم، دار عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.\n٣٢٤ - شعر المُسَّيب بن عَلَس، جَمَعه الدكتور أنور أبو سُويلم، منشورات جامعة مؤتة بالأردن، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٣٢٥ - الشعر المنحول للدكتور فضل العماري، ط. مكتبة التوبة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٣٢٦ - شعر النابغة الجعدي، الناشر المكتب الإسلامي بدمشق، تحقيق عبد العزيز رباح، الطبعة الأولى.\n٣٢٧ - شعر الوليد بن يزيد (٩٠ - ١٢٦ هـ)، جمعه وحققه الدكتور حسين عطوان، الناشر مكتبة الأقصى بالأردن بمساعدة الجامعة الأردنية، الطبعة الأولى ١٩٧٩ م.\n٣٢٨ - شعر تغلب في الجاهلية، جمع وتحقيق أيمن محمد ميدان، مراجعة الدكتور صلاح الدين الهادي، معهد المخطوطات العربية بالقاهرة ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":935},{"text":"٣٢٩ - شعر طيء وأخبارها في الجاهلية والإسلام، جمع وتحقيق الدكتورة وفاء فهمي السنديوني، الناشر دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٣٣٠ - شعر عبد الله بن الزبعرى، تحقيق الدكتور يحيى الجبوري، الناشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ.\n٣٣١ - شعر عروة بن الورد، صنعة ابن السكيت، تحقيق: محمد فؤاد نعناع، نشر مكتبة الخانجي، ط ١، ١٤١٥.\n٣٣٢ - شعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي، جمعه ونسقه مطاع الطرابيشي، مكتبة المؤيد بالرياض، الطبعة الثالثة ١٤١٤ هـ.\n٣٣٣ - الشعر والشعراء لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، ط. دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٩٦٦ م\n٣٣٤ - شعراء إسلاميون، للدكتور نوري حمودي القيسي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٣٣٥ - شعراء أمويون، للدكتور نوري حمودي القيسي، عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣٣٦ - الشعراء الجاهليون الأوائل للدكتور عادل الفريجات، الناشر دار المشرق، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٤ م.\n٣٣٧ - الشعراء المخضرمون بين الجاهلية والإسلام، لهنية علي يوسف الكاديكي، منشورات جامعة قاريونس ١٩٨٩ م.\n٣٣٨ - شعراء بني عقيل وشعرهم في الجاهلية والإسلام حتى آخر العصر الأموي جمعًا وتحقيقًا ودراسة، للدكتور عبد العزيز بن محمد الفيصل، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٣٩ - شعراء همدان وأخبارها في الجاهلية والإسلام، جمع وتحقيق الدكتور حسن عيسى أبو ياسين، الناشر دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٣٤٠ - شواهد أبي حيان في تفسيره، للدكتور صبري إبراهيم السيد، الناشر دار المعرفة الجامعية بالاسكندرية، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٣٤١ - شواهد التفسير عند ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق لأحمد الخياطي، بمجلة دار الحديث الحسنية بالمغرب، العدد ١٥، ١٤١٨ هـ ١٢١ - ١٨٥\n٣٤٢ - شواهد الشعر في كتاب سيبويه، للدكتور خالد عبد الكريم جمعة، الناشر الدار الشرقية بمصر، الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":936},{"text":"٣٤٣ - الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي، تحقيق ودراسة الدكتور عبد العال سالم مكرم، الناشر عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٣٤٤ - الشواهد الشعرية في كتاب دلائل الإعجاز للدكتورة نجاح أحمد الظهار، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٣٤٥ - شواهد القرآن، لأبي تراب الظاهري، الناشر النادي الأدبي بجدة، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٣٤٦ - الشواهد النحوية والصرفية في شعر الأعشى، للدكتور عبد الهادي أحمد فراج، مطبعة الأمانة، مصر، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٣٤٧ - شواهد سيبويه من المعلقات في ميزان النقد، للدكتور عبد العال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٣٤٨ - الشواهد والاستشهاد في النحو، لعبد الجبار علوان النايلة، مطبعة الزهراء ببغداد، الطبعة الأولى ١٣٩٦ هـ.\n٣٤٩ - الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس، تحقيق السيد أحمد صقر، نشر مكتبة البابي الحلبي بالقاهرة.\n٣٥٠ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حَمَّاد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، نشر دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ\n٣٥١ - صحيح مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث.\n٣٥٢ - صحيفة علي بن أبي طلحة، اعتنى بها: راشد عبد المنعم الرجال، نشر مكتبة السنة، ط ١، ١٤١١ هـ\n٣٥٣ - الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية، لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت ٧١٦ هـ)، تحقيق الدكتور محمد بن خالد الفاضل، الناشر مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٣٥٤ - ضرورة الشعر لأبي سعيد السيرافي، تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، الناشر دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣٥٥ - الطبري النحوي من خلال تفسيره، للدكتور زكي فهمي أحمد الألوسي، الناشر دار الشؤون الثقافية العامة بالعراق، الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م.\n٣٥٦ - الطبري ومنهجه في التاريخ، للدكتور علي بكر حسن، الناشر دار غريب للطباعة والنشر، بالقاهرة، ٢٠٠٤ م.","vol":"1","page":937},{"text":"٣٥٧ - طبقات الشعراء في النقد الأدبي عند العرب، للدكتور جِهاد المَجالي، الناشر دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣٥٨ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد الواقدي، دار التحرير، القاهرة ١٣٨٨ هـ.\n٣٥٩ - طبقات المعتزلة، للقاضي عبد الجبار، ضمن كتاب (طبقات المعتزلة وفضل الاعتزال)، تحقيق: فؤاد سيد.\n٣٦٠ - طبقات المفسرين، لمحمد بن علي الداوودي، نشر دار الكتب العلمية ببيروت.\n٣٦١ - طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية.\n٣٦٢ - طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣١ هـ)، قرأه وشرحه محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بدون تاريخ.\n٣٦٣ - طه حسين وقضية الشعر الجاهلي، للدكتور محمد رجب البيومي، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة. ضمن سلسلة أدبيات.\n٣٦٤ - العباب الزاخر واللباب الفاخر، للصغاني، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، منشورات وزارة الثقافة الإعلام بالعراق، ١٩٨١.\n٣٦٥ - أبو عبد الله القرطبي وجهوده في النحو واللغة في كتابه الجامع لأحكام القرآن للدكتور عبد القادر رحيم جدي الهيتي، دار البشير ومؤسسة الرسالة بالأردن، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٣٦٦ - عبد الله بن عباس ﵄: حياته وتفسيره، للدكتور عادل حسن على، مؤسسة المختار للنشر، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٣٦٧ - أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثنَّى، للدكتور نهاد الموسى، الناشر دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣٦٨ - العَذْبُ النَّمِيْر من مجالس الشنقيطي في التفسير، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، بعناية الدكتور خالد السبت، الناشر دار ابن القيم بالدمام، ودار ابن عفان بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٣٦٩ - العرش (كتاب العرش)، لأبي عبد الله الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق الدكتور محمد بن خليفة التميمي، الناشر الجامعة الإسلامية بالمدينة بالتعاون مع مكتبة أضواء السلف، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ\n٣٧٠ - العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي، للدكتور إحسان النص، دار الفكر، الطبعة الثانية ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":938},{"text":"٣٧١ - العصر الإسلامي للدكتور شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة.\n٣٧٢ - العصر الجاهلي، للدكتور شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، الطبعة الرابعة.\n٣٧٣ - العقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي، دار إحياء التراث العربي، لبنان، الطبعة الثالثة ١٤٢٠ هـ.\n٣٧٤ - أبو علي الفارسي، للدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي، الناشر دار المطبوعات الحديثة، بجدة، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ.\n٣٧٥ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، للسمين أحمد بن يوسف الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، تحقيق الدكتور محمد ألتونجي، الناشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٣٧٦ - العمدة في صناعة الشعر ونقده، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣ هـ)، تحقيق الدكتور النبوي عبد الواحد شعلان، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٣٧٧ - عيار الشعر، لأبي الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢ هـ)، تحقيق الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع، الناشر دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣٧٨ - العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ هـ)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، الناشر دار ومكتبة الهلال، بدون تاريخ.\n٣٧٩ - عيون الأخبار، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق أحمد زكي العدوي، دار الكتب المصرية، الطبعة الأولى ١٣٤٣ هـ.\n٣٨٠ - غاية النهاية في طبقات القراء، لشمس الدين محمد بن محمد ابن الجزري، تحقيق: ج. برجستراسر، نشر مكتبة المتنبي بالقاهرة.\n٣٨١ - الغاية في القراءت العشر، لأحمد بن الحسين بن مهران، تحقيق: محمد غياث الجنباز، نشر دار الشواف بالرياض، ط ٢، ١٤١١.\n٣٨٢ - غاية الاختصار في قراءات العشرة أئمة الأمصار، للحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطار (ت ٥٦٩ هـ)، تحقيق الدكتور أشرف محمد فؤاد طلعت، الناشر الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن بجدة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":939},{"text":"٣٨٣ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابوري، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، نشر مكتبة البابي الحلبي، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ.\n٣٨٤ - غريب القرآن في شعر العرب (سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس) تحقيق محمد عبد الرحيم، وأحمد نصر الله، الناشر مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٣٨٥ - غريب القرآن وتفسيره، لليزيدي، تحقيق محمد سليم الحاج، الناشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣٨٦ - الغريب المصنف، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق محمد المختار العبيدي، نشر المجمع التونسي ودار سحنون، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٣٨٧ - الفاضل، لأبي العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد (ت ٢٨٥ هـ)، تحقيق عبد العزيز الميمني، دار الكتب المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٧٥ هـ.\n٣٨٨ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني، طبعة دار الريان للتراث بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٣٨٩ - فحولة الشعراء، لأبي حاتم السجستاني (ت ٢٥٥ هـ)، تحقيق محمد عبد القادر أحمد، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، ١٤١١ هـ.\n٣٩٠ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الأندلسي، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر والدكتور عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٣٩١ - فصول في أصول التفسير، للدكتور مساعد بن سليمان الطيار، دار النشر الدولي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٣٩٢ - فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل، تحقيق وصي الله عباس، نشر دار العلم، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٣٩٣ - فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت ٢٢٤ هـ)، تحقيق مروان العطية وآخرين، الناشر دار ابن كثير بدمشق، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.\n٣٩٤ - فهارس كتاب سيبويه، لمحمد عبد الخالق عضيمة، الناشر دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.\n٣٩٥ - فهارس معاني القرآن للفراء، للدكتورة فائزة عمر علي المؤيد، مطابع الرضا بالدمام، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٣٩٦ - فهرس ابن عطية، لابن عطية الأندلسي، تحقيق محمد أبو الأجفان ومحمد الزاهي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٣ م.","vol":"1","page":940},{"text":"٣٩٧ - الفهرست، لأبي الفرج محمد بن أبي يعقوب ابن النديم، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٣٩٨ - في أصول النحو، لسعيد الأفغاني، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٣٩٩ - في الشعر الجاهلي لطه حسين، مصورة عن طبعة دار الكتب، بدون تاريخ.\n٤٠٠ - في اللهجات العربية، للدكتور إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الخامسة.\n٤٠١ - القاموس المحيط، لمجد الدين الفيروزآبادي، نشر مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠٧.\n٤٠٢ - القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية، للدكتور عبد العال سالم مكرم، الناشر المكتبة الأزهرية للتراث، بدون تاريخ.\n٤٠٣ - القراءات القرآنية: تاريخها، ثبوتها، حجيتها، وأحكامها، لعبد الحليم بن محمد الهادي قابه، إشراف الدكتور مصطفى الخن، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n٤٠٤ - القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، للدكتور عبد الصبور شاهين، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n٤٠٥ - قراءة في الأدب القديم، للدكتور محمد محمد أبو موسى، الناشر مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٤١٩ هـ.\n٤٠٦ - القرطبي ومنهجه في التفسير، للدكتور القصبي محمود زلط، الناشر دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ. ص\n٤٠٧ - قصة الفلسفة لديورانت، مكتبة الحياة، بيروت.\n٤٠٨ - قضايا اللغة في كتب التفسير، للدكتور الهادي الجطلاوي، نشر كلية الآداب بسوسة - المغرب، الطبعة الأولى ١٩٩٨ م.\n٤٠٩ - قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلَّام، لمحمود محمد شاكر، الناشر مطبعة المدني، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٤١٠ - قواعد الترجيح عند المفسرين، للدكتور حسين بن علي الحربي، الناشر دار القاسم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٤١١ - القول الماضي في شرح شواهد تفسير القاضي، للمحجوب بنسالك، المطبعة والوراقة الوطنية بتونس، ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":941},{"text":"٤١٢ - القياس في النحو العربي: نشأته وتطوره، للدكتور سعيد جاسم الزبيدي، الناشر دار الشروق بالأردن، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م.\n٤١٣ - الكامل في الأدب، لأبي العباس المبرد، تحقيق الدكتور محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n٤١٤ - كتاب التَّمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام والمختار من الوجهين عن أصحابه العرانين الكرام (أي أحمد بن حنبل)، لأبي يعلى محمد بن محمد بن الحسين الفراء (ت ٥٢٦ هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله الطيار، وعبد العزيز المدَّ الله، الناشر دار العاصمة للنشر بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٤١٥ - كتاب السبعة لأبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، تحقيق الدكتور شوقي ضيف، الناشر دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\n٤١٦ - كتاب الشعر (شرح الأبيات المشكلة الإعراب) لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، تحقيق وشرح الدكتور محمود محمد الطناحي، الناشر مكتبة الخانجي للطبع، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤١٧ - كتاب الصناعتين، لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري، تحقيق علي البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر عيسى البابي الحلبي، الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ.\n٤١٨ - كتاب العلو للعلي العظيم، لمحمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: عبد الله بن صالح البراك، نشر دار الوطن بالرياض، ط ١، ١٤٢٠.\n٤١٩ - كتاب المصاحف، لأبي بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني المشهور بابن أبي داود (ت ٣١٦ هـ)، تحقيق الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ.\n٤٢٠ - كتاب المعاني الكبير في أبيات المعاني، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق المستشرق الدكتور ف. كرنكو، ومراجعة وتصحيح الشيخ عبد الرحمن بن يَحيى المعلمي، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٢١ - كتاب سيبويه، لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت ١٨٠ هـ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط. دار عالم الكتب، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٤٢٢ - كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق رفيق العجم، مكتبة لبنان ناشرون.١٩٩٦","vol":"1","page":942},{"text":"٤٢٣ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)،، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وزميله، الناشر مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٤٢٤ - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، تحقيق الدكتور محي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة ١٤١٨ هـ.\n٤٢٥ - الكليات، لأبي البقاء الكفويِّ، تَحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ\n٤٢٦ - لبيد بن ربيعة العامري، للدكتور يحيى الجبوري، الناشر دار القلم بالكويت، الطبعة الثالثة ١٩٨٣ م.\n٤٢٧ - لسان العرب لابن منظور، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤٢٨ - اللغات في القرآن، رواية ابن حسنون بإسناده إلى ابن عباس، تحقيق: صلاح الدين المنجد، نشر دار الكتاب الجديد ببيروت، الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ.\n٤٢٩ - لغة تميم: دراسة تاريخية وصفية، للدكتور ضحى عبد الباقي، الناشر مجمع اللغة العربية، لجنة اللهجات، المطبعة الأميرية، القاهرة ١٤٠٥ هـ.\n٤٣٠ - لغة قريش، لمختار الغوث، دار المعراج للنشر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٤٣١ - لُمَع الأدلة، لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق سعيد الأفغاني، دار الفكر، الطبعة الثانية ١٣٩١ هـ.\n٤٣٢ - اللهجات في الكتاب لسيبويه أصواتًا وبنية، لصالحة راشد غنيم آل غنيم، الناشر جامعة أم القرى، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٣٣ - ليس في كلام العرب، للحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، مكة المكرمة ١٣٩٩ هـ.\n٤٣٤ - المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني، للدكتور أحمد جمال العمري، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ١٤١٠ هـ.\n٤٣٥ - المباني في نظم المعاني، ضمن كتاب: مقدمتان في علوم القرآن، تحقيق: آثر جفري، نشر مكتبة الخانجي، ١٣٩٣.","vol":"1","page":943},{"text":"٤٣٦ - المُبهِج في تفسير أسماء شعراء الحماسة، لأبي الفتح بن جني، تحقيق مروان العطية، وشيخ الراشد، الناشر دار الهجرة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤٣٧ - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير الجزري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٤٣٨ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة، تحقيق فؤاد سزكين، نشر مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤٠١.\n٤٣٩ - مجالس العلماء لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر مكتبة الخانجي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٤٤٠ - مجالس ثعلب، لأبي العباس أحمد بن يحي ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون، نشر دار المعارف، الطبعة الخامسة بدون تاريخ.\n٤٤١ - مجالس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ لابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ)، تحقيق محمد عوامة، الناشر دار القبلة للثقافة الإسلامية، ومؤسسة الريان، والمكتبة المكية، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٤٤٢ - مجلس من أمالي ابن الأنباري أبي بكر محمد بن القاسم بن بشار (ت ٣٢٨ هـ)، حققه إبراهيم صالح، دار البشائر، الطبعة الأولى ١٩٩٤ م.\n٤٤٣ - مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني، تحقيق الدكتور جان عبد الله توما، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٤٤٤ - مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسي الشيعي، نشر دار مكتبة الحياة.\n٤٤٥ - مجموع أشعار العرب (رؤبة بن العجاج وأبيات منسوبة إليه)، جَمعها المستشرق وليم بنالورد، الناشر دار الأفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\n٤٤٦ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة عام ١٤١٦ هـ.\n٤٤٧ - محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي للشيخ محمد الخُضري بك، الناشر دار العرب، القاهرة.\n٤٤٨ - المُحتسَب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح لها، لأبي الفتح عثمان بن جِنِّي، تحقيق علي النَّجدي ناصف وآخرين، نشر المَجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٦ هـ.","vol":"1","page":944},{"text":"٤٤٩ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد بن عطية، تحقيق عبد العال السيد إبراهيم، طبعة قطر، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n٤٥٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد بن عطية، تحقيق جماعة، طبعة المغرب، الطبعة الأولى بدون تاريخ.\n٤٥١ - المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، لعلي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، مصورة عن الطبعة الأولى.\n٤٥٢ - محمود محمد شاكر: الرجل والمنهج، لعمر حسن القيَّام، دار البشير ومؤسسة الرسالة، الأردن، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٤٥٣ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره محمد بن الموصلي (ت ٧٧٤ هـ)، تحقيق الدكتور الحسن بن عبد الرحمن العلوي، الناشر أضواء السلف، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٤٥٤ - مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه، الناشر عالم الكتب، بيروت.\n٤٥٥ - مداخل إعجاز القرآن،، لمحمود محمد شاكر، الناشر مطبعة المدني، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ\n٤٥٦ - المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى، لأحمد بن محمد السمرقندي، تحقيق صفوان داوودي، نشر دار القلم ودارة العلوم، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤٥٧ - مدرسة الكوفة، للدكتور مهدي المخزومي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية ١٣٧٧ هـ.\n٤٥٨ - مذاهب التفسير الإسلامي، للمستشرق المَجريِّ اجنتس جولد تسهر، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، الناشر دار إقرأ، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٤٥٩ - المذكر والمؤنث لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، تحقيق الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة، الناشر وزارة الأوقاف المصرية، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٤٦٠ - مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر دار الفكر العربي.\n٤٦١ - المُرْشِدُ إلى فَهْمِ أشعارِ العرب وصِناعَتِها، للدكتور عبد الله الطيب، الناشر دار الآثار الإسلامية بالكويت بالتعاون مع وزارة الإعلام الكويتية، الطبعة الأولى ١٤٠٩ - ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":945},{"text":"٤٦٢ - المزهر في علوم اللغة وآدابها، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت ٩١١ هـ)، تحقيق محمد أحمد جاد المولى وآخرين، الناشر مكتبة التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة بدون تاريخ.\n٤٦٣ - مسألة ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لمَجْدُ الدين عبد المَجيد بن أبي الفرج الرُّوذْرَاوَرِيّ، تحقيق الدكتور العايد، ضمن كتاب بحوث ودراسات في اللغة العربية وآدابها، الجزء الثالث ١٤١٣ هـ ص ١٤١.\n٤٦٤ - مسائل الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عباس ﵄، رتَّبَ أُصولَها وحَقَّق نصوصها الدكتور عبد الرحمن عميرة، دار الاعتصام بدون تاريخ.\n٤٦٥ - مسائل نافع الأزرق عن عبد الله بن عباس، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي، نشر الجفان والجابي، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ\n٤٦٦ - المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق مروان العطية ومحسن خرابة، الناشر دار ابن كثير بدمشق، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٤٦٧ - المساعد على تسهيل الفوائد، لبهاء الدين بن عقيل، تحقيق الدكتور محمد كامل بركات، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٤٠٥ هـ.\n٤٦٨ - المستدرك على الصحيحين، لمحمد بن عبد الله الحاكم، مراجعة مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n٤٦٩ - المستدرك على صناع الدواوين، صنفه الدكتور نوري القيسي، والأستاذ هلال ناجي، دار عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٤٧٠ - المستشرقون والشعر الجاهلي بين الشك والتوثيق، للدكتور يحيى وهيب الجبوري، الناشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م.\n٤٧١ - المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، تحقيق الدكتور أحمد إبراهيم الذروي، دار الفضيلة بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٤٧٢ - مشكل إعراب القرآن، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، تحقيق ياسين محمد السواس، اليمامة للطباعة والنشر بدمشق، الطبعة الثالثة ١٤٢٣ هـ.\n٤٧٣ - مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، للدكتور ناصر الدين الأسد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثامنة ١٩٩٦.","vol":"1","page":946},{"text":"٤٧٤ - مصادر اللغة، للدكتور عبد الحميد الشلقاني، الناشر المنشأة العامة للنشر بطرابلس ليبيا، الطبعة الثانية ١٩٨٢ م.\n٤٧٥ - المصنَّف، لابن أبي شيبه، تحقيق الأعظمي، نشر الدار السلفية.\n٤٧٦ - المصون في الأدب، لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت ٣٨٢ هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ودار الرفاعي بالرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.\n٤٧٧ - معاجم غريب الحديث والأثر والاستشهاد بالحديث في اللغة والنحو، للدكتور السيد الشرقاوي، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٤٧٨ - المعارف، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ)، تحقيق ثروت عكاشة، نشر دار المعارف بالقاهرة.\n٤٧٩ - معالم التنزيل، للبغوي، تحقيق خالد العك ومروان سرور، نشر دار المعرفة ببيروت، ط ٢، ١٤٠٧.\n٤٨٠ - معاني القرآن، لأبي زكريا يَحيى بن زياد الفرّاء (ت ٢٠٧ هـ)، تَحقيق محمد علي النجَّار وأحمد يوسف نَجاتي، نشر عالم الكتب ببيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٤٨١ - معاني القرآن، لسعيد بن مسعدة الأخفش (ت ٢١٥ هـ)، تحقيق الدكتورة هدى قرَّاعة، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ\n٤٨٢ - معاني القرآن الكريم للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق محمد علي الصابوني، الناشر جامعة أم القرى، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤٨٣ - معاني القرآن لسعيد بن مسعدة الأخفش (ت ٢١٥ هـ) (أخرى)، بتحقيق الدكتور عبد الأمير الورد، عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٨٤ - معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق الزجاج (ت ٣١١ هـ)، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، نشر عالم الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n٤٨٥ - معجم الأدباء، لياقوت الحموي، الناشر دار المأمون، أحمد فريد رفاعي، ١٣٥٥ هـ.\n٤٨٦ - معجم الأصمعي، للدكتور هادي حسن حمودي، الناشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":947},{"text":"٤٨٧ - معجم الأمكنة الوارد ذكرها في القرآن الكريم، لسعد بن عبد الله بن جنيدل، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٤٨٨ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، نشر دار صادر.\n٤٨٩ - معجم الشعراء لأبي عبيدالله المرزباني، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، مصورة عن الطبعة الأولى، الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر.\n٤٩٠ - معجم الشعراء في لسان العرب، للدكتور ياسين الأيوبي، دار العلم للملايين، الطبعة الثانية ١٩٨٢ م.\n٤٩١ - معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، لعفيف بن عبد الرحمن، نشر دار المناهل، بَيْروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٤٩٢ - المعجم العربي نشأته وتطوره، للدكتور حسين نصار، نشر دار مصر للطباعة، الطبعة الرابعة ١٩٨٨ م.\n٤٩٣ - معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة ١٤١٨ هـ.\n٤٩٤ - معجم القراءات، للدكتور عبد اللطيف الخطيب، طباعة دار سعد الدين بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٤٩٥ - المعجم الكبير، لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، مراجعة حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤ هـ.\n٤٩٦ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٤٩٧ - معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، للدكتور أحمد مطلوب، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الثانية ١٩٩٦ م.\n٤٩٨ - معجم المعاجم (تعريف بنحو ألف ونصف ألف من المعاجم العربية التراثية) لأحمد الشرقاوي إقبال، الناشر دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٤٩٩ - المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، إعداد إميل يعقوب، نشر دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ\n٥٠٠ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار الفكر بلبنان، الطبعة الرابعة ١٤١٤ هـ\n٥٠١ - معجم الشعراء في تاريخ الطبري، للدكتور عزمي سكر، الناشر المكتبة العصرية بلبنان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":948},{"text":"٥٠٢ - معجم شواهد العربية، لعبد السلام محمد هارون، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٢ هـ.\n٥٠٣ - معجم شواهد النحو الشعرية للدكتور حنَّا جميل حداد، دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٥٠٤ - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، لعبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، تحقيق مصطفى السقا، الناشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٥٠٥ - المعرَّبُ من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، لأبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي (ت ٥٤٠ هـ)، تحقيق وشرح الشيخ أحمد محمد شاكر، مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ\n٥٠٦ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف وآخرين، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٥٠٧ - المعمَّرون، لأبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٥٠٨ - المغني في الفقه الحنبلي، لابن قدامة، تحقيق الدكتور عبد الله التركي والدكتور عبالفتاح الحلو، الناشر دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n٥٠٩ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام الأنصاري، تحقيق وشرح الدكتور عبد اللطيف الخطيب، ضمن السلسلة التراثية بالكويت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٥١٠ - المغني في أبواب التوحيد والعدل، للقاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، تحقيق أمين الخولي، الناشر الدار المصرية للتأليف والترجمة، تحقيق أمين الخولي ١٩٦٦ م.\n٥١١ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، لطاش كبرى زاده، نشر دار الباز، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٥١٢ - مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، نشر دار القلم، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":949},{"text":"٥١٣ - مفردات القرآن، لعبد الحميد الفراهي (ت ١٣٤٩ هـ)، بتحقيق الدكتور محمد أَجْمل الإصلاحي، الناشر دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ٢٠٠٢ م.\n٥١٤ - المُفصَّلُ في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n٥١٥ - المفصَّل في شرح أبيات المفصل، للسيد محمد بدر الدين أبي فراس النعساني الحلبي، قدَّم له محمد عز الدين السعيدي، دار إحياء العلوم، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٥١٦ - المفصل في علم اللغة، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، قدم له محمد عز الدين السعيدي، دار إحياء العلوم، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٥١٧ - المُفضليَّات، اختيار المُفضَّل بن مُحمَّد الضبيِّ (ت ١٨٠ هـ)، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثامنة، بدون تاريخ.\n٥١٨ - المفسرون والشعر، للدكتورة ابتسام مرهون الصفار، بحث منشور بمجلة كلية اللغات، ١٩٧٠ من ص ٤٦٤ إلى ٤٨٩\n٥١٩ - مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس الرازي (ت ٣٩٥ هـ)، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n٥٢٠ - المقتضب، لأبي العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد (ت ٢٨٥ هـ)، تحقيق الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة، الناشر وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة ١٤١٥ هـ.\n٥٢١ - المقدمات الأساسية في علوم القرآن، لعبد الله بن يوسف الجديع، نشر مكتب البحوث الإسلامية بليدز - بريطانيا، توزيع مؤسسة الريان، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٥٢٢ - مقدمة في أصول التفسير، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، تحقيق الدكتور عدنان زرزور، نشر دار القرآن الكريم ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ.\n٥٢٣ - الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، نشر دار الفكر ببيروت.\n٥٢٤ - من لغات العرب لغة هذيل، للدكتور عبد الجواد الطيب، طرابلس الغرب. بدون تاريخ.","vol":"1","page":950},{"text":"٥٢٥ - منجد المقرئين ومرشد الطالبين، للإمام محمد بن محمد بن الجزري، تحقيق علي بن محمد العمران، الناشر دار عالم الفوائد، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٥٢٦ - المنتخب من غريب كلام العرب، لأبي الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل، تحقيق: محمد أحمد العمري، نشر معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة، ط ١، ١٤٠٩.\n٥٢٧ - المنتخب من كتاب الشعراء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع، ط. دار العلوم للطباعة والنشر بالرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٥٢٨ - منتهى الطلب من أشعار العرب، لمحمد بن المبارك بن محمد بن ميمون، تحقيق الدكتور محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n٥٢٩ - المنصف شرح الإمام أبي الفتح عثمان بن جني لكتاب التصريف للإمام أبي عثمان المازني، تحقيق إبراهيم مصطفى، وعبد الله أمين، الناشر وزارة الثقافة العمومية، الطبعة الأولى ١٣٧٣ هـ.\n٥٣٠ - منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم، للدكتور عبد الوهاب عبد الوهاب فايد، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ.\n٥٣١ - منهج الأخفش في إعراب القرآن، للدكتور أحمد الخراط، دار القلم بدمشق، ودارة العلوم ببيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٥٣٢ - منهج الزمخشري في تفسير القرآن وبيان إعجازه، للدكتور مصطفى الصاوي الجويني، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة.\n٥٣٣ - الموافقات لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، تحقيق مشهور حسن آل سلمان، الناشر دار ابن عفان بالخُبَر، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٥٣٤ - مواقف النحاة من القراءات القرآنية من خلال تفسير ابن عطية الأندلسي، للدكتور ياسين جاسم المحيمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٥٣٥ - موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، الناشر دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٩ م.\n٥٣٦ - الموشح (مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر)، لأبي عبيدالله محمد بن عمران المرزباني (ت ٣٨٤ هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر، الطبعة الأولى ١٩٦٥ م.","vol":"1","page":951},{"text":"٥٣٧ - الموضح في التفسير، لأبي النصر أحمد بن محمد السمرقندي الحدادي، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٥٣٨ - الموضَح في وجوه القراءات وعللها، لنصر بن علي بن محمد ابن أبي مريم، تحقيق الدكتور عمر حمدان الكبيسي، الناشر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٥٣٩ - موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث الشريف، للدكتور خديجة الحديثي، دار الرشيد للنشر، ١٩٨١ م.\n٥٤٠ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لمحمد بن أحمد الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار المعرفة ببيروت.\n٥٤١ - الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ واختلاف العلماء في ذلك، للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ)، تحقيق سليمان اللاحم، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٥٤٢ - النحو وكتب التفسير، لإبراهيم عبد الله رفيدة، نشر الدرا الجماهيرية بليبيا، الطبعة الثالثة ١٩٩٠ م.\n٥٤٣ - نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، تحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي، نشر مكتبة المنار بالأردن، الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n٥٤٤ - نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز، للإمام أبي بكر محمد بن عزيز السجستاني (ت ٣٣٠ هـ)، تحقيق الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي، الناشر دار المعرفة بلبنان، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٥٤٥ - نشأة الشعر الجاهلي وتطوره (دراسة في المنهج)، للدكتور ناصر الدين الأسد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ م.\n٥٤٦ - نشأة النحو وتأريخ أشهر النحاة لمحمد الطنطاوي، للشيخ محمد الطنطاوي، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.\n٥٤٧ - النشر في القراءات العشر، لمحمد بن محمد بن الجزري، أشرف على تصحيحه ومراجعته للمرة الأخيرة الأستاذ على محمد الضباع، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٥٤٨ - نضرة الإغريض في نصرة القريض، للمظفر بن الفضل العلوي (ت ٦٥٦ هـ)، تحقيق الدكتورة نهى عارف الحسن، الناشر مجمع اللغة العربية بدمشق، الطبعة الأولى ١٣٩٦ هـ.","vol":"1","page":952},{"text":"٥٤٩ - النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي، للدكتور محمد أحمد الغمراوي، مع مقدمة شكيب أرسلان، الناشر المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٤٧ هـ.\n٥٥٠ - نقد الشعر، لأبي الفرج قدامة بن جعفر، تحقيق كمال مصطفى، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ.\n٥٥١ - نقد الشعر عند ابن قتيبة: مصادره، وأثره في من جاء بعده، للدكتور محمد حسين، الماشر دار قتيبة للطباعة والنشر بالكويت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٥٥٢ - نقض كتاب (في الشعر الجاهلي)، للعلامة محمد الخضر حسين، الناشر المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٤٥ هـ.\n٥٥٣ - النكت في إعجاز القرآن، للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، نشر دار المعارف بمصر.\n٥٥٤ - النُّكَتُ والعيون، للماوردي، تحقيق السيد عبد المقصود بن عبد الرحيم، نشر مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٥٥٥ - نَمط صعبٌ لمحمود محمد شاكر، الناشر مطبعة المدني بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٥٥٦ - النهر الماد من البحر المحيط، للإمام أبي حيان الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق الدكتور عمر الأسعد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٥٥٧ - نوادر المخطوطات، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n٥٥٨ - النوادر في اللغة لأبي زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، الناشر دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ.\n٥٥٩ - الهجاء والهجاءون في الإسلام للدكتور محمد محمد حسين، الناشر دار النهضة العربية، بيروت.\n٥٦٠ - الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، لأبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني (ت ٤٧٨ هـ)، حققه محمد حسن أبو العزم الزفيتي، الناشر وزارة الأوقاف المصرية، ١٤١٦ هـ\n٥٦١ - الوحشيات (الحماسة الصغرى) لأبي تَمَّام الطائي، علق عليه وحققه عبد العزيز الميمني، وزاد في حواشيه محمود محمد شاكر، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية بدون تاريخ.","vol":"1","page":953},{"text":"٥٦٢ - الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، دار البابي الحلبي للنشر، الطبعة الأولى ١٣٦٤ هـ.\n٥٦٣ - الوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وآخرين، نشر مكتبة دار الباز، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٥٦٤ - وضح البرهان في مشكلات القرآن، لبيان الحق النيسابوري، تحقيق صفوان داوودي، نشر دار القلم والدار الشامية، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٥٦٥ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان (ت ٦٨١ هـ)، تحقيق إحسان عباس، الناشر دار الثقافة بلبنان، بدون تاريخ.","vol":"1","page":954}]}