{"ً":{"ٌ":14827,"ٍ":"تيسير البيان لأحكام القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/تيسير البيان لأحكام القرآن - الموزعي - ط النوادر  01-04","files":["00_125027.pdf|الغلاف","01_125027.pdf","01_125027p.pdf|المقدمة","02_125028.pdf","03_125029.pdf","04_125030.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تيسير البيان لأحكام القرآن\nالمؤلف: محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (ت ٨٢٥ هـ)\nبعناية: عبد المعين الحرش\nالناشر: دار النوادر، سوريا\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الأجزاء: ٤\nأعده للشاملة: فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2848,"ٕ":4,"ٖ":1770156145,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["مقدمة","1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"تقديم بقلم فضيلة الدكتور مصطفي سعيد الخن رحمه الله تعالى","level":1,"page":5},{"title":"تقديم بقلم الأستاذ الدكتور وهبة مصطفي الزحيلي","level":1,"page":8},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":11},{"title":"الفصل الأول ترجمة المؤلف الإمام الموزعي","level":2,"page":16},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":16},{"title":"لقبه وكنيته","level":3,"page":16},{"title":"ولادته","level":3,"page":16},{"title":"أسرته","level":3,"page":16},{"title":"أخلاقه وصفاته","level":3,"page":17},{"title":"مشايخه","level":3,"page":18},{"title":"تلامذته","level":3,"page":19},{"title":"مكانته وثناء العلماء عليه","level":3,"page":20},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":20},{"title":"وفاته","level":3,"page":21},{"title":"مصادر الترجمة","level":3,"page":21},{"title":"الفصل الثاني دراسة الكتاب","level":2,"page":23},{"title":"أولا: تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته إلى مؤلفه","level":3,"page":23},{"title":"ثانيا: منهج المؤلف في الكتاب","level":3,"page":24},{"title":"ثالثا: موارد المؤلف في الكتاب","level":3,"page":27},{"title":"كتب التفسير والناسخ والمنسوخ","level":4,"page":27},{"title":"كتب الفقه والشروح","level":4,"page":27},{"title":"رابعا: أهمية الكتاب ومنزلته العلمية","level":3,"page":28},{"title":"خامسا: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق","level":3,"page":29},{"title":"النسخة الأولى","level":4,"page":29},{"title":"النسخة الثانية","level":4,"page":30},{"title":"سادسا: بيان منهج التحقيق","level":3,"page":31},{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":45},{"title":"فصل","level":2,"page":50},{"title":"فصل","level":2,"page":53},{"title":"فصل","level":2,"page":54},{"title":"مقدمة جامعة في أصول الفقه والتفسير","level":1,"page":60},{"title":"القول في الأسماء المفردة","level":2,"page":61},{"title":"القول في البين والمشكل","level":2,"page":66},{"title":"فصل المشكل","level":3,"page":68},{"title":"وأما المركبات، فيأتي على وجوه -أيضا-","level":3,"page":79},{"title":"منها: الاشتراك بين الأمر والخبر","level":3,"page":79},{"title":"ومنها: الاشتراك بين السؤال والتنبيه","level":3,"page":79},{"title":"ومنها: الاشتراك بين السؤال والدعاء","level":3,"page":79},{"title":"ومنها: الاشتراك في المفعول إذا تنازعه فعلان يقتضيان مقتضى واحدا","level":3,"page":79},{"title":"ومنها: الاشتراك في الإبهام","level":3,"page":79},{"title":"واختلف علماؤنا في مسائل","level":3,"page":80},{"title":"القول في العام والخاص","level":2,"page":87},{"title":"الفصل الأول في الألفاظ","level":3,"page":87},{"title":"الفصل الثاني في كيفية استعمال العرب للعام واتساعها فيه","level":3,"page":94},{"title":"الفصل الثالث في الخاص","level":3,"page":98},{"title":"الفصل الرابع في ترتيب العام على الخاص","level":3,"page":101},{"title":"القول في المطلق والمقيد","level":2,"page":103},{"title":"القول في الحقيقة والمجاز","level":2,"page":113},{"title":"الأول: الاستعارة","level":3,"page":115},{"title":"الثاني: التشبيه","level":3,"page":115},{"title":"الثالث: الزيادة","level":3,"page":115},{"title":"الرابع: النقصان","level":3,"page":117},{"title":"الخامس: التقديم والتأخير","level":3,"page":120},{"title":"السادس: المحاذاة والمقابلة للشيء بمثل لفظه مع اختلاف المعنى","level":3,"page":120},{"title":"السابع: أن يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه","level":3,"page":121},{"title":"الثامن: أن يسمى الشيء بما كان عليه","level":3,"page":122},{"title":"التاسع: تسميتهم الشيء بما يستحيل وجوده","level":3,"page":122},{"title":"القول في الأمر والنهي","level":2,"page":123},{"title":"الفصل الأول وفيه أربع مسائل","level":3,"page":123},{"title":"الأولى: الأمر هل يقتضي الوجوب؟","level":4,"page":123},{"title":"الثانية: إذا ورد لفظ الأمر، وفي الصيغة ما يدل على التكرار","level":4,"page":124},{"title":"الثالثة: الأمر هل تقتضي الفعل على الفور، أو لا","level":4,"page":125},{"title":"الرابعة: إذا ورد الأمر بعد الحظر والمنع، فهل يقتضي الوجوب؟ فيه مذهبان","level":4,"page":126},{"title":"الفصل الثاني في تصرف العرب بصيغة الأمر","level":3,"page":128},{"title":"الأول: أن يكون أمرا ومعناه الوجوب","level":4,"page":128},{"title":"الثاني: أمر ومعناه الاستحباب","level":4,"page":129},{"title":"الثالث: أمر ومعناه الإرشاد","level":4,"page":129},{"title":"الرابع: أمر ومعناه التأديب","level":4,"page":129},{"title":"الخامس: أمر ومعناه التخيير","level":4,"page":129},{"title":"السادس: أمر ومعناه الإباحة","level":4,"page":130},{"title":"السابع: أمر ومعناه التسخير، وبعضهم يقول","level":4,"page":130},{"title":"الثامن: أمر ومعناه التحقير","level":4,"page":130},{"title":"التاسع: أمر ومعناه التعجيز","level":4,"page":130},{"title":"العاشر: أمر ومعناه التكوين","level":4,"page":130},{"title":"الحادي عشر: أمر ومعناه الوعيد والتهديد","level":4,"page":130},{"title":"الثاني عشر: أمر ومعناه التفكر والاعتبار","level":4,"page":130},{"title":"الثالث عشر: أمر ومعناه الصيرورة","level":4,"page":131},{"title":"الرابع عشر: أمر ومعناه الدعاء","level":4,"page":131},{"title":"الخامس عشر: أمر ومعناه التفويض والتسليم","level":4,"page":131},{"title":"السادس عشر: أمر ومعناه التعجب","level":4,"page":131},{"title":"السابع عشر: أمر ومعناه الإنعام","level":4,"page":131},{"title":"الثامن عشر: أمر ومعناه التمني","level":4,"page":131},{"title":"التاسع عشر: أمر ومعناه التلهف","level":4,"page":131},{"title":"العشرون: أمر ومعناه الخبر","level":4,"page":131},{"title":"فصل","level":4,"page":132},{"title":"إحداهما: النهي يقتضي التحريم","level":5,"page":132},{"title":"المسألة الثانية: النهي هل تقتضي الفساد؟ فيه أقوال","level":5,"page":134},{"title":"القول في الخبر","level":2,"page":136},{"title":"القول في القرائن","level":2,"page":138},{"title":"القول في معرفة المتشابه والمتعارض","level":2,"page":142},{"title":"القول في الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":154},{"title":"الفصل الأول في معنى النسخ وحقيقته","level":3,"page":154},{"title":"الفصل الثاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ","level":3,"page":157},{"title":"الفصل الثالث فيما يجوز نسخه وما لا يجوز","level":3,"page":160},{"title":"الفصل الرابع فيما يجوز أن يكون ناسخا، وما لا يجوز","level":3,"page":161},{"title":"الأول: نسخ القرآن بالقرآن","level":4,"page":161},{"title":"الثاني: نسخ السنة بالسنة","level":4,"page":162},{"title":"الثالث: نسخ القرآن بالسنة","level":4,"page":163},{"title":"الرابع: نسخ القرآن بالإجماع","level":4,"page":164},{"title":"الخامس: نسخ السنة بالقرآن","level":4,"page":164},{"title":"السادس والسابع: نسخ الإجماع بالقرآن، ونسخ الإجماع بالسنة: مستحيل وغير جائز اتفاقا.","level":4,"page":167},{"title":"الفصل الخامس في الطريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ","level":3,"page":167},{"title":"القول في السنة وأنواعها وترتيبها وتقديم بعضها على بعض","level":2,"page":173},{"title":"الفصل الأول في السنة","level":3,"page":173},{"title":"الفصل الثاني في بيان أنواع السنة","level":3,"page":179},{"title":"الفصل الثالث في ترتيب بعضها على بعض","level":3,"page":190},{"title":"الفصل الرابع تقديم بعضها على بعض","level":3,"page":190},{"title":"القول في القياس","level":2,"page":194},{"title":"خاتمة المقدمة","level":2,"page":204},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":207},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":208},{"title":"من أحكام الحج","level":2,"page":225},{"title":"من أحكام الأطعمة","level":2,"page":230},{"title":"من أحكام القصاص","level":2,"page":240},{"title":"أحكام الوصايا","level":2,"page":257},{"title":"من أحكام الصيام","level":2,"page":263},{"title":"من أحكام القضاء","level":2,"page":315},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":318},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":341},{"title":"من أحكام الحج","level":2,"page":344},{"title":"من أحكام النفقة","level":2,"page":407},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":408},{"title":"تحريم شرب الخمر","level":2,"page":419},{"title":"معاملة اليتامي","level":2,"page":425},{"title":"حكم نكاح المشركات والكتابيات","level":2,"page":427},{"title":"من أحكام الحيض","level":2,"page":434},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":440},{"title":"من أحكام الأيمان","level":2,"page":451},{"title":"من أحكام الطلاق","level":2,"page":455},{"title":"عدد الطلاق التي يملك الزوج فيها الرجعة","level":2,"page":478},{"title":"أحكام الخلع","level":2,"page":490},{"title":"النهي عن مضارة المطلقة","level":2,"page":505},{"title":"النهى عن عضل المطلقات","level":2,"page":509},{"title":"من أحكام الرضاع","level":2,"page":519},{"title":"عدة المتوفى عنها زوجها","level":2,"page":531},{"title":"التعريض بخطبة المعتدة","level":2,"page":542},{"title":"طلاق المفوضة","level":2,"page":549},{"title":"حكم المطلقة قبل المس وبعد الفرض","level":2,"page":558},{"title":"الصلاة الوسطى، وصلاة الخوف","level":2,"page":566},{"title":"عدة المتوفى عنها","level":2,"page":578},{"title":"متعة المطلقة","level":2,"page":586},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":588},{"title":"من أحكام الزكاة","level":2,"page":590},{"title":"صدقة التطوع","level":2,"page":592},{"title":"تحريم الربا","level":2,"page":594},{"title":"وجوب ترك التعامل بالربا","level":2,"page":603},{"title":"المداينة","level":2,"page":606},{"title":"الرهن","level":2,"page":632},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":636},{"title":"النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء","level":2,"page":637},{"title":"فرض الحج","level":2,"page":639},{"title":"الشوري","level":2,"page":651},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":654},{"title":"من أحكام اليتامي","level":2,"page":655},{"title":"من أحكام المواريث","level":2,"page":689},{"title":"من أحكام الوصية","level":2,"page":694},{"title":"من أحكام المواريث","level":2,"page":698},{"title":"من أحكام الحدود","level":2,"page":732},{"title":"من أحكام التوبة","level":2,"page":746},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":748},{"title":"من أحكام البيوع","level":2,"page":806},{"title":"من أحكام القضاء","level":2,"page":811},{"title":"من أحكام المواريث","level":2,"page":818},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":821},{"title":"من أحكام الطهارة والصلاة","level":2,"page":829},{"title":"من أحكام الإمامة","level":2,"page":859},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":862},{"title":"من أحكام السلام","level":2,"page":863},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":874},{"title":"من أحكام القصاص والديات","level":2,"page":885},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":925},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":956},{"title":"من أحكام الشهادات","level":2,"page":960},{"title":"من أحكام المواريث","level":2,"page":962},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":974},{"title":"من أحكام المعاملات","level":2,"page":975},{"title":"من أحكام الأطعمة","level":2,"page":978},{"title":"من أحكام المعاملات","level":2,"page":980},{"title":"من أحكام الحج","level":2,"page":983},{"title":"من أحكام الصيد والذبائح","level":2,"page":991},{"title":"من أحكام الطهارة","level":2,"page":1017},{"title":"من أحكام الحدود","level":2,"page":1043},{"title":"الحرابة","level":3,"page":1043},{"title":"السرقة","level":3,"page":1054},{"title":"من أحكام أهل الكتاب","level":2,"page":1064},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":1073},{"title":"من أحكام الأيمان","level":2,"page":1085},{"title":"من أحكام الأشربة","level":2,"page":1104},{"title":"من أحكام الهدي","level":2,"page":1114},{"title":"من أحكام الشهادات","level":2,"page":1140},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":1150},{"title":"من أحكام الذبائح","level":2,"page":1151},{"title":"من أحكام الزكاة","level":2,"page":1152},{"title":"من أحكام الذبائح","level":2,"page":1160},{"title":"من أحكام اليتامى","level":2,"page":1166},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1167},{"title":"من أحكام اللباس والزينة","level":2,"page":1168},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":1175},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":1177},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1178},{"title":"من أحكام الهجرة","level":2,"page":1211},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":1213},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1214},{"title":"من أحكام الزكاة","level":2,"page":1247},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1253},{"title":"من أحكام الصدقة","level":2,"page":1259},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1272},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":1273},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1281},{"title":"من أحكام الزكاة","level":2,"page":1282},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1294},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":1296},{"title":"من أحكام المعاملات","level":2,"page":1297},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":1299},{"title":"من أحكام الطهارة","level":2,"page":1300},{"title":"من أحكام الأيمان","level":2,"page":1305},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":1307},{"title":"من أحكام المعاملات","level":2,"page":1309},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":1314},{"title":"من أحكام البر والصلة","level":2,"page":1315},{"title":"من أحكام القصاص","level":2,"page":1318},{"title":"من أحكام البيوع","level":2,"page":1321},{"title":"من أحكام الصلاة","level":2,"page":1322},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":1330},{"title":"من أحكام المعاملات","level":2,"page":1331},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":1340},{"title":"من أحكام البيت الحرام","level":2,"page":1341},{"title":"من أحكام الحج","level":2,"page":1348},{"title":"سورة النور","level":1,"page":1371},{"title":"من أحكام الحدود","level":2,"page":1372},{"title":"من أحكام السلام والاستئذان","level":2,"page":1399},{"title":"من أحكام النظر","level":2,"page":1406},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":1416},{"title":"من أحكام الاستئذان","level":2,"page":1425},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":1432},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":1433},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":1434},{"title":"من أحكام المواريث والولاية","level":2,"page":1435},{"title":"من أحكام الطلاق","level":2,"page":1446},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":1452},{"title":"من أحكام الاستئذان","level":2,"page":1460},{"title":"من أحكام الصلاة على النبي - ﷺ -","level":2,"page":1463},{"title":"من أحكام اللباس","level":2,"page":1470},{"title":"سورة ص","level":1,"page":1471},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":1472},{"title":"سورة محمد - ﷺ -","level":1,"page":1474},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1475},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":1483},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1484},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":1486},{"title":"من أحكام الأضحية","level":2,"page":1487},{"title":"من أحكام الردة","level":2,"page":1490},{"title":"من أحكام الشهادات","level":2,"page":1492},{"title":"من أحكام البغاة","level":2,"page":1493},{"title":"آداب وفضائل","level":2,"page":1496},{"title":"من أحكام النكاح","level":2,"page":1497},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":1500},{"title":"من أحكام النيابة في العبادات","level":2,"page":1501},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":1508},{"title":"من أحكام مس المصحف","level":2,"page":1509},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":1514},{"title":"من أحكام الظهار","level":2,"page":1515},{"title":"من أحكام الزكاة","level":2,"page":1529},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":1531},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1532},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":1543},{"title":"من أحكام الجهاد","level":2,"page":1544},{"title":"من أحكام الطلاق","level":2,"page":1551},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":1556},{"title":"من أحكام صلاة الجمعة","level":2,"page":1557},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":1573},{"title":"من أحكام الطلاق","level":2,"page":1574},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":1588},{"title":"من أحكام الأيمان","level":2,"page":1589},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":1598},{"title":"من أحكام قيام الليل","level":2,"page":1599},{"title":"تراجم الأعيان في تيسير البيان","level":1,"page":1605}],"ٛ":{"مقدمة,2":2,"مقدمة,3":3,"مقدمة,4":4,"مقدمة,5":5,"مقدمة,6":6,"مقدمة,7":7,"مقدمة,8":8,"مقدمة,9":9,"مقدمة,10":10,"مقدمة,11":11,"مقدمة,12":12,"مقدمة,13":13,"مقدمة,14":14,"مقدمة,15":15,"مقدمة,16":16,"مقدمة,17":17,"مقدمة,18":18,"مقدمة,19":19,"مقدمة,20":20,"مقدمة,21":21,"مقدمة,22":22,"مقدمة,23":23,"مقدمة,24":24,"مقدمة,25":25,"مقدمة,26":26,"مقدمة,27":27,"مقدمة,28":28,"مقدمة,29":29,"مقدمة,30":30,"مقدمة,31":31,"مقدمة,32":32,"مقدمة,33":33,"مقدمة,34":34,"مقدمة,35":35,"مقدمة,37":36,"مقدمة,38":37,"مقدمة,39":38,"مقدمة,40":39,"مقدمة,41":40,"مقدمة,42":41,"مقدمة,43":42,"مقدمة,44":43,"1,3":45,"1,4":46,"1,5":47,"1,6":48,"1,7":49,"1,8":50,"1,9":51,"1,10":52,"1,11":53,"1,12":54,"1,13":55,"1,14":56,"1,15":57,"1,16":58,"1,17":59,"1,19":60,"1,21":61,"1,22":62,"1,23":63,"1,24":64,"1,25":65,"1,26":66,"1,27":67,"1,28":68,"1,29":69,"1,30":70,"1,31":71,"1,32":72,"1,33":73,"1,34":74,"1,35":75,"1,36":76,"1,37":77,"1,38":78,"1,39":79,"1,40":80,"1,41":81,"1,42":82,"1,43":83,"1,44":84,"1,45":85,"1,46":86,"1,47":87,"1,48":88,"1,49":89,"1,50":90,"1,51":91,"1,52":92,"1,53":93,"1,54":94,"1,55":95,"1,56":96,"1,57":97,"1,58":98,"1,59":99,"1,60":100,"1,61":101,"1,62":102,"1,63":103,"1,64":104,"1,65":105,"1,66":106,"1,67":107,"1,68":108,"1,69":109,"1,70":110,"1,71":111,"1,72":112,"1,73":113,"1,74":114,"1,75":115,"1,76":116,"1,77":117,"1,78":118,"1,79":119,"1,80":120,"1,81":121,"1,82":122,"1,83":123,"1,84":124,"1,85":125,"1,86":126,"1,87":127,"1,88":128,"1,89":129,"1,90":130,"1,91":131,"1,92":132,"1,93":133,"1,94":134,"1,95":135,"1,96":136,"1,97":137,"1,98":138,"1,99":139,"1,100":140,"1,101":141,"1,102":142,"1,103":143,"1,104":144,"1,105":145,"1,106":146,"1,107":147,"1,108":148,"1,109":149,"1,110":150,"1,111":151,"1,112":152,"1,113":153,"1,114":154,"1,115":155,"1,116":156,"1,117":157,"1,118":158,"1,119":159,"1,120":160,"1,121":161,"1,122":162,"1,123":163,"1,124":164,"1,125":165,"1,126":166,"1,127":167,"1,128":168,"1,129":169,"1,130":170,"1,131":171,"1,132":172,"1,133":173,"1,134":174,"1,135":175,"1,136":176,"1,137":177,"1,138":178,"1,139":179,"1,140":180,"1,141":181,"1,142":182,"1,143":183,"1,144":184,"1,145":185,"1,146":186,"1,147":187,"1,148":188,"1,149":189,"1,150":190,"1,151":191,"1,152":192,"1,153":193,"1,154":194,"1,155":195,"1,156":196,"1,157":197,"1,158":198,"1,159":199,"1,160":200,"1,161":201,"1,162":202,"1,163":203,"1,164":204,"1,165":205,"1,166":206,"1,167":207,"1,169":208,"1,170":209,"1,171":210,"1,172":211,"1,173":212,"1,174":213,"1,175":214,"1,176":215,"1,177":216,"1,178":217,"1,179":218,"1,180":219,"1,181":220,"1,182":221,"1,183":222,"1,184":223,"1,185":224,"1,186":225,"1,187":226,"1,188":227,"1,189":228,"1,190":229,"1,191":230,"1,192":231,"1,193":232,"1,194":233,"1,195":234,"1,196":235,"1,197":236,"1,198":237,"1,199":238,"1,200":239,"1,201":240,"1,202":241,"1,203":242,"1,204":243,"1,205":244,"1,206":245,"1,207":246,"1,208":247,"1,209":248,"1,210":249,"1,211":250,"1,212":251,"1,213":252,"1,214":253,"1,215":254,"1,216":255,"1,217":256,"1,218":257,"1,219":258,"1,220":259,"1,221":260,"1,222":261,"1,223":262,"1,224":263,"1,225":264,"1,226":265,"1,227":266,"1,228":267,"1,229":268,"1,230":269,"1,231":270,"1,232":271,"1,233":272,"1,234":273,"1,235":274,"1,236":275,"1,237":276,"1,238":277,"1,239":278,"1,240":279,"1,241":280,"1,242":281,"1,243":282,"1,244":283,"1,245":284,"1,246":285,"1,247":286,"1,248":287,"1,249":288,"1,250":289,"1,251":290,"1,252":291,"1,253":292,"1,254":293,"1,255":294,"1,256":295,"1,257":296,"1,258":297,"1,259":298,"1,260":299,"1,261":300,"1,262":301,"1,263":302,"1,264":303,"1,265":304,"1,266":305,"1,267":306,"1,268":307,"1,269":308,"1,270":309,"1,271":310,"1,272":311,"1,273":312,"1,274":313,"1,275":314,"1,276":315,"1,277":316,"1,278":317,"1,279":318,"1,280":319,"1,281":320,"1,282":321,"1,283":322,"1,284":323,"1,285":324,"1,286":325,"1,287":326,"1,288":327,"1,289":328,"1,290":329,"1,291":330,"1,292":331,"1,293":332,"1,294":333,"1,295":334,"1,296":335,"1,297":336,"1,298":337,"1,299":338,"1,300":339,"1,301":340,"1,302":341,"1,303":342,"1,304":343,"1,305":344,"1,306":345,"1,307":346,"1,308":347,"1,309":348,"1,310":349,"1,311":350,"1,312":351,"1,313":352,"1,314":353,"1,315":354,"1,316":355,"1,317":356,"1,318":357,"1,319":358,"1,320":359,"1,321":360,"1,322":361,"1,323":362,"1,324":363,"1,325":364,"1,326":365,"1,327":366,"1,328":367,"1,329":368,"1,330":369,"1,331":370,"1,332":371,"1,333":372,"1,334":373,"1,335":374,"1,336":375,"1,337":376,"1,338":377,"1,339":378,"1,340":379,"1,341":380,"1,342":381,"1,343":382,"1,344":383,"1,345":384,"1,346":385,"1,347":386,"1,348":387,"1,349":388,"1,350":389,"1,351":390,"1,352":391,"1,353":392,"1,354":393,"1,355":394,"1,356":395,"1,357":396,"1,358":397,"1,359":398,"1,360":399,"1,361":400,"1,362":401,"1,363":402,"1,364":403,"1,365":404,"1,366":405,"1,367":406,"1,368":407,"1,369":408,"1,370":409,"1,371":410,"1,372":411,"1,373":412,"1,374":413,"1,375":414,"1,376":415,"1,377":416,"1,378":417,"1,379":418,"1,380":419,"1,381":420,"1,382":421,"1,383":422,"1,384":423,"1,385":424,"1,386":425,"1,387":426,"1,388":427,"1,389":428,"1,390":429,"1,391":430,"1,392":431,"1,393":432,"1,394":433,"1,395":434,"1,396":435,"1,397":436,"1,398":437,"1,399":438,"1,400":439,"1,401":440,"1,402":441,"1,403":442,"1,404":443,"1,405":444,"1,406":445,"1,407":446,"2,2":448,"2,3":449,"2,4":450,"2,5":451,"2,6":452,"2,7":453,"2,8":454,"2,9":455,"2,10":456,"2,11":457,"2,12":458,"2,13":459,"2,14":460,"2,15":461,"2,16":462,"2,17":463,"2,18":464,"2,19":465,"2,20":466,"2,21":467,"2,22":468,"2,23":469,"2,24":470,"2,25":471,"2,26":472,"2,27":473,"2,28":474,"2,29":475,"2,30":476,"2,31":477,"2,32":478,"2,33":479,"2,34":480,"2,35":481,"2,36":482,"2,37":483,"2,38":484,"2,39":485,"2,40":486,"2,41":487,"2,42":488,"2,43":489,"2,44":490,"2,45":491,"2,46":492,"2,47":493,"2,48":494,"2,49":495,"2,50":496,"2,51":497,"2,52":498,"2,53":499,"2,54":500,"2,55":501,"2,56":502,"2,57":503,"2,58":504,"2,59":505,"2,60":506,"2,61":507,"2,62":508,"2,63":509,"2,64":510,"2,65":511,"2,66":512,"2,67":513,"2,68":514,"2,69":515,"2,70":516,"2,71":517,"2,72":518,"2,73":519,"2,74":520,"2,75":521,"2,76":522,"2,77":523,"2,78":524,"2,79":525,"2,80":526,"2,81":527,"2,82":528,"2,83":529,"2,84":530,"2,85":531,"2,86":532,"2,87":533,"2,88":534,"2,89":535,"2,90":536,"2,91":537,"2,92":538,"2,93":539,"2,94":540,"2,95":541,"2,96":542,"2,97":543,"2,98":544,"2,99":545,"2,100":546,"2,101":547,"2,102":548,"2,103":549,"2,104":550,"2,105":551,"2,106":552,"2,107":553,"2,108":554,"2,109":555,"2,110":556,"2,111":557,"2,112":558,"2,113":559,"2,114":560,"2,115":561,"2,116":562,"2,117":563,"2,118":564,"2,119":565,"2,120":566,"2,121":567,"2,122":568,"2,123":569,"2,124":570,"2,125":571,"2,126":572,"2,127":573,"2,128":574,"2,129":575,"2,130":576,"2,131":577,"2,132":578,"2,133":579,"2,134":580,"2,135":581,"2,136":582,"2,137":583,"2,138":584,"2,139":585,"2,140":586,"2,141":587,"2,142":588,"2,143":589,"2,144":590,"2,145":591,"2,146":592,"2,147":593,"2,148":594,"2,149":595,"2,150":596,"2,151":597,"2,152":598,"2,153":599,"2,154":600,"2,155":601,"2,156":602,"2,157":603,"2,158":604,"2,159":605,"2,160":606,"2,161":607,"2,162":608,"2,163":609,"2,164":610,"2,165":611,"2,166":612,"2,167":613,"2,168":614,"2,169":615,"2,170":616,"2,171":617,"2,172":618,"2,173":619,"2,174":620,"2,175":621,"2,176":622,"2,177":623,"2,178":624,"2,179":625,"2,180":626,"2,181":627,"2,182":628,"2,183":629,"2,184":630,"2,185":631,"2,186":632,"2,187":633,"2,188":634,"2,189":635,"2,191":636,"2,193":637,"2,194":638,"2,195":639,"2,196":640,"2,197":641,"2,198":642,"2,199":643,"2,200":644,"2,201":645,"2,202":646,"2,203":647,"2,204":648,"2,205":649,"2,206":650,"2,207":651,"2,208":652,"2,209":653,"2,211":654,"2,213":655,"2,214":656,"2,215":657,"2,216":658,"2,217":659,"2,218":660,"2,219":661,"2,220":662,"2,221":663,"2,222":664,"2,223":665,"2,224":666,"2,225":667,"2,226":668,"2,227":669,"2,228":670,"2,229":671,"2,230":672,"2,231":673,"2,232":674,"2,233":675,"2,234":676,"2,235":677,"2,236":678,"2,237":679,"2,238":680,"2,239":681,"2,240":682,"2,241":683,"2,242":684,"2,243":685,"2,244":686,"2,245":687,"2,246":688,"2,247":689,"2,248":690,"2,249":691,"2,250":692,"2,251":693,"2,252":694,"2,253":695,"2,254":696,"2,255":697,"2,256":698,"2,257":699,"2,258":700,"2,259":701,"2,260":702,"2,261":703,"2,262":704,"2,263":705,"2,264":706,"2,265":707,"2,266":708,"2,267":709,"2,268":710,"2,269":711,"2,270":712,"2,271":713,"2,272":714,"2,273":715,"2,274":716,"2,275":717,"2,276":718,"2,277":719,"2,278":720,"2,279":721,"2,280":722,"2,281":723,"2,282":724,"2,283":725,"2,284":726,"2,285":727,"2,286":728,"2,287":729,"2,288":730,"2,289":731,"2,290":732,"2,291":733,"2,292":734,"2,293":735,"2,294":736,"2,295":737,"2,296":738,"2,297":739,"2,298":740,"2,299":741,"2,300":742,"2,301":743,"2,302":744,"2,303":745,"2,304":746,"2,305":747,"2,306":748,"2,307":749,"2,308":750,"2,309":751,"2,310":752,"2,311":753,"2,312":754,"2,313":755,"2,314":756,"2,315":757,"2,316":758,"2,317":759,"2,318":760,"2,319":761,"2,320":762,"2,321":763,"2,322":764,"2,323":765,"2,324":766,"2,325":767,"2,326":768,"2,327":769,"2,328":770,"2,329":771,"2,330":772,"2,331":773,"2,332":774,"2,333":775,"2,334":776,"2,335":777,"2,336":778,"2,337":779,"2,338":780,"2,339":781,"2,340":782,"2,341":783,"2,342":784,"2,343":785,"2,344":786,"2,345":787,"2,346":788,"2,347":789,"2,348":790,"2,349":791,"2,350":792,"2,351":793,"2,352":794,"2,353":795,"2,354":796,"2,355":797,"2,356":798,"2,357":799,"2,358":800,"2,359":801,"2,360":802,"2,361":803,"2,362":804,"2,363":805,"2,364":806,"2,365":807,"2,366":808,"2,367":809,"2,368":810,"2,369":811,"2,370":812,"2,371":813,"2,372":814,"2,373":815,"2,374":816,"2,375":817,"2,376":818,"2,377":819,"2,378":820,"2,379":821,"2,380":822,"2,381":823,"2,382":824,"2,383":825,"2,384":826,"2,385":827,"2,386":828,"2,387":829,"2,388":830,"2,389":831,"2,390":832,"2,391":833,"2,392":834,"2,393":835,"2,394":836,"2,395":837,"2,396":838,"2,397":839,"2,398":840,"2,399":841,"2,400":842,"2,401":843,"2,402":844,"2,403":845,"2,404":846,"2,405":847,"2,406":848,"2,407":849,"2,408":850,"2,409":851,"2,410":852,"2,411":853,"2,412":854,"2,413":855,"2,414":856,"2,415":857,"2,416":858,"2,417":859,"2,418":860,"2,419":861,"2,420":862,"2,421":863,"2,422":864,"2,423":865,"2,424":866,"2,425":867,"2,426":868,"2,427":869,"2,428":870,"2,429":871,"2,430":872,"2,431":873,"2,432":874,"2,433":875,"2,434":876,"2,435":877,"2,436":878,"2,437":879,"2,438":880,"2,439":881,"2,440":882,"2,441":883,"2,442":884,"2,443":885,"2,444":886,"2,445":887,"2,446":888,"2,447":889,"2,448":890,"2,449":891,"2,450":892,"2,451":893,"2,452":894,"2,453":895,"2,454":896,"2,455":897,"2,456":898,"2,457":899,"2,458":900,"2,459":901,"2,460":902,"2,461":903,"2,462":904,"2,463":905,"2,464":906,"2,465":907,"2,466":908,"2,467":909,"2,468":910,"2,469":911,"2,470":912,"2,471":913,"2,472":914,"2,473":915,"2,474":916,"2,475":917,"2,476":918,"2,477":919,"2,478":920,"3,2":922,"3,3":923,"3,4":924,"3,5":925,"3,6":926,"3,7":927,"3,8":928,"3,9":929,"3,10":930,"3,11":931,"3,12":932,"3,13":933,"3,14":934,"3,15":935,"3,16":936,"3,17":937,"3,18":938,"3,19":939,"3,20":940,"3,21":941,"3,22":942,"3,23":943,"3,24":944,"3,25":945,"3,26":946,"3,27":947,"3,28":948,"3,29":949,"3,30":950,"3,31":951,"3,32":952,"3,33":953,"3,34":954,"3,35":955,"3,36":956,"3,37":957,"3,38":958,"3,39":959,"3,40":960,"3,41":961,"3,42":962,"3,43":963,"3,44":964,"3,45":965,"3,46":966,"3,47":967,"3,48":968,"3,49":969,"3,50":970,"3,51":971,"3,52":972,"3,53":973,"3,55":974,"3,57":975,"3,58":976,"3,59":977,"3,60":978,"3,61":979,"3,62":980,"3,63":981,"3,64":982,"3,65":983,"3,66":984,"3,67":985,"3,68":986,"3,69":987,"3,70":988,"3,71":989,"3,72":990,"3,73":991,"3,74":992,"3,75":993,"3,76":994,"3,77":995,"3,78":996,"3,79":997,"3,80":998,"3,81":999,"3,82":1000,"3,83":1001,"3,84":1002,"3,85":1003,"3,86":1004,"3,87":1005,"3,88":1006,"3,89":1007,"3,90":1008,"3,91":1009,"3,92":1010,"3,93":1011,"3,94":1012,"3,95":1013,"3,96":1014,"3,97":1015,"3,98":1016,"3,99":1017,"3,100":1018,"3,101":1019,"3,102":1020,"3,103":1021,"3,104":1022,"3,105":1023,"3,106":1024,"3,107":1025,"3,108":1026,"3,109":1027,"3,110":1028,"3,111":1029,"3,112":1030,"3,113":1031,"3,114":1032,"3,115":1033,"3,116":1034,"3,117":1035,"3,118":1036,"3,119":1037,"3,120":1038,"3,121":1039,"3,122":1040,"3,123":1041,"3,124":1042,"3,125":1043,"3,126":1044,"3,127":1045,"3,128":1046,"3,129":1047,"3,130":1048,"3,131":1049,"3,132":1050,"3,133":1051,"3,134":1052,"3,135":1053,"3,136":1054,"3,137":1055,"3,138":1056,"3,139":1057,"3,140":1058,"3,141":1059,"3,142":1060,"3,143":1061,"3,144":1062,"3,145":1063,"3,146":1064,"3,147":1065,"3,148":1066,"3,149":1067,"3,150":1068,"3,151":1069,"3,152":1070,"3,153":1071,"3,154":1072,"3,155":1073,"3,156":1074,"3,157":1075,"3,158":1076,"3,159":1077,"3,160":1078,"3,161":1079,"3,162":1080,"3,163":1081,"3,164":1082,"3,165":1083,"3,166":1084,"3,167":1085,"3,168":1086,"3,169":1087,"3,170":1088,"3,171":1089,"3,172":1090,"3,173":1091,"3,174":1092,"3,175":1093,"3,176":1094,"3,177":1095,"3,178":1096,"3,179":1097,"3,180":1098,"3,181":1099,"3,182":1100,"3,183":1101,"3,184":1102,"3,185":1103,"3,186":1104,"3,187":1105,"3,188":1106,"3,189":1107,"3,190":1108,"3,191":1109,"3,192":1110,"3,193":1111,"3,194":1112,"3,195":1113,"3,196":1114,"3,197":1115,"3,198":1116,"3,199":1117,"3,200":1118,"3,201":1119,"3,202":1120,"3,203":1121,"3,204":1122,"3,205":1123,"3,206":1124,"3,207":1125,"3,208":1126,"3,209":1127,"3,210":1128,"3,211":1129,"3,212":1130,"3,213":1131,"3,214":1132,"3,215":1133,"3,216":1134,"3,217":1135,"3,218":1136,"3,219":1137,"3,220":1138,"3,221":1139,"3,222":1140,"3,223":1141,"3,224":1142,"3,225":1143,"3,226":1144,"3,227":1145,"3,228":1146,"3,229":1147,"3,230":1148,"3,231":1149,"3,233":1150,"3,235":1151,"3,236":1152,"3,237":1153,"3,238":1154,"3,239":1155,"3,240":1156,"3,241":1157,"3,242":1158,"3,243":1159,"3,244":1160,"3,245":1161,"3,246":1162,"3,247":1163,"3,248":1164,"3,249":1165,"3,250":1166,"3,251":1167,"3,253":1168,"3,254":1169,"3,255":1170,"3,256":1171,"3,257":1172,"3,258":1173,"3,259":1174,"3,260":1175,"3,261":1176,"3,263":1177,"3,265":1178,"3,266":1179,"3,267":1180,"3,268":1181,"3,269":1182,"3,270":1183,"3,271":1184,"3,272":1185,"3,273":1186,"3,274":1187,"3,275":1188,"3,276":1189,"3,277":1190,"3,278":1191,"3,279":1192,"3,280":1193,"3,281":1194,"3,282":1195,"3,283":1196,"3,284":1197,"3,285":1198,"3,286":1199,"3,287":1200,"3,288":1201,"3,289":1202,"3,290":1203,"3,291":1204,"3,292":1205,"3,293":1206,"3,294":1207,"3,295":1208,"3,296":1209,"3,297":1210,"3,298":1211,"3,299":1212,"3,301":1213,"3,303":1214,"3,304":1215,"3,305":1216,"3,306":1217,"3,307":1218,"3,308":1219,"3,309":1220,"3,310":1221,"3,311":1222,"3,312":1223,"3,313":1224,"3,314":1225,"3,315":1226,"3,316":1227,"3,317":1228,"3,318":1229,"3,319":1230,"3,320":1231,"3,321":1232,"3,322":1233,"3,323":1234,"3,324":1235,"3,325":1236,"3,326":1237,"3,327":1238,"3,328":1239,"3,329":1240,"3,330":1241,"3,331":1242,"3,332":1243,"3,333":1244,"3,334":1245,"3,335":1246,"3,336":1247,"3,337":1248,"3,338":1249,"3,339":1250,"3,340":1251,"3,341":1252,"3,342":1253,"3,343":1254,"3,344":1255,"3,345":1256,"3,346":1257,"3,347":1258,"3,348":1259,"3,349":1260,"3,350":1261,"3,351":1262,"3,352":1263,"3,353":1264,"3,354":1265,"3,355":1266,"3,356":1267,"3,357":1268,"3,358":1269,"3,359":1270,"3,360":1271,"3,361":1272,"3,362":1273,"3,363":1274,"3,364":1275,"3,365":1276,"3,366":1277,"3,367":1278,"3,368":1279,"3,369":1280,"3,370":1281,"3,371":1282,"3,372":1283,"3,373":1284,"3,374":1285,"3,375":1286,"3,376":1287,"3,377":1288,"3,378":1289,"3,379":1290,"3,380":1291,"3,381":1292,"3,382":1293,"3,383":1294,"3,384":1295,"3,385":1296,"3,387":1297,"3,388":1298,"3,389":1299,"3,391":1300,"3,392":1301,"3,393":1302,"3,394":1303,"3,395":1304,"3,396":1305,"3,397":1306,"3,398":1307,"3,399":1308,"3,400":1309,"3,401":1310,"3,402":1311,"3,403":1312,"3,404":1313,"3,405":1314,"3,407":1315,"3,408":1316,"3,409":1317,"3,410":1318,"3,411":1319,"3,412":1320,"3,413":1321,"3,414":1322,"3,415":1323,"3,416":1324,"3,417":1325,"3,418":1326,"3,419":1327,"3,420":1328,"3,421":1329,"3,423":1330,"3,425":1331,"3,426":1332,"3,427":1333,"3,428":1334,"3,429":1335,"4,2":1337,"4,3":1338,"4,4":1339,"4,5":1340,"4,7":1341,"4,8":1342,"4,9":1343,"4,10":1344,"4,11":1345,"4,12":1346,"4,13":1347,"4,14":1348,"4,15":1349,"4,16":1350,"4,17":1351,"4,18":1352,"4,19":1353,"4,20":1354,"4,21":1355,"4,22":1356,"4,23":1357,"4,24":1358,"4,25":1359,"4,26":1360,"4,27":1361,"4,28":1362,"4,29":1363,"4,30":1364,"4,31":1365,"4,32":1366,"4,33":1367,"4,34":1368,"4,35":1369,"4,36":1370,"4,37":1371,"4,39":1372,"4,40":1373,"4,41":1374,"4,42":1375,"4,43":1376,"4,44":1377,"4,45":1378,"4,46":1379,"4,47":1380,"4,48":1381,"4,49":1382,"4,50":1383,"4,51":1384,"4,52":1385,"4,53":1386,"4,54":1387,"4,55":1388,"4,56":1389,"4,57":1390,"4,58":1391,"4,59":1392,"4,60":1393,"4,61":1394,"4,62":1395,"4,63":1396,"4,64":1397,"4,65":1398,"4,66":1399,"4,67":1400,"4,68":1401,"4,69":1402,"4,70":1403,"4,71":1404,"4,72":1405,"4,73":1406,"4,74":1407,"4,75":1408,"4,76":1409,"4,77":1410,"4,78":1411,"4,79":1412,"4,80":1413,"4,81":1414,"4,82":1415,"4,83":1416,"4,84":1417,"4,85":1418,"4,86":1419,"4,87":1420,"4,88":1421,"4,89":1422,"4,90":1423,"4,91":1424,"4,92":1425,"4,93":1426,"4,94":1427,"4,95":1428,"4,96":1429,"4,97":1430,"4,98":1431,"4,99":1432,"4,101":1433,"4,103":1434,"4,105":1435,"4,106":1436,"4,107":1437,"4,108":1438,"4,109":1439,"4,110":1440,"4,111":1441,"4,112":1442,"4,113":1443,"4,114":1444,"4,115":1445,"4,116":1446,"4,117":1447,"4,118":1448,"4,119":1449,"4,120":1450,"4,121":1451,"4,122":1452,"4,123":1453,"4,124":1454,"4,125":1455,"4,126":1456,"4,127":1457,"4,128":1458,"4,129":1459,"4,130":1460,"4,131":1461,"4,132":1462,"4,133":1463,"4,134":1464,"4,135":1465,"4,136":1466,"4,137":1467,"4,138":1468,"4,139":1469,"4,140":1470,"4,141":1471,"4,143":1472,"4,144":1473,"4,145":1474,"4,147":1475,"4,148":1476,"4,149":1477,"4,150":1478,"4,151":1479,"4,152":1480,"4,153":1481,"4,154":1482,"4,155":1483,"4,157":1484,"4,158":1485,"4,159":1486,"4,161":1487,"4,162":1488,"4,163":1489,"4,164":1490,"4,165":1491,"4,166":1492,"4,167":1493,"4,168":1494,"4,169":1495,"4,170":1496,"4,171":1497,"4,172":1498,"4,173":1499,"4,175":1500,"4,177":1501,"4,178":1502,"4,179":1503,"4,180":1504,"4,181":1505,"4,182":1506,"4,183":1507,"4,185":1508,"4,187":1509,"4,188":1510,"4,189":1511,"4,190":1512,"4,191":1513,"4,193":1514,"4,195":1515,"4,196":1516,"4,197":1517,"4,198":1518,"4,199":1519,"4,200":1520,"4,201":1521,"4,202":1522,"4,203":1523,"4,204":1524,"4,205":1525,"4,206":1526,"4,207":1527,"4,208":1528,"4,209":1529,"4,210":1530,"4,211":1531,"4,213":1532,"4,214":1533,"4,215":1534,"4,216":1535,"4,217":1536,"4,218":1537,"4,219":1538,"4,220":1539,"4,221":1540,"4,222":1541,"4,223":1542,"4,225":1543,"4,227":1544,"4,228":1545,"4,229":1546,"4,230":1547,"4,231":1548,"4,232":1549,"4,233":1550,"4,234":1551,"4,235":1552,"4,236":1553,"4,237":1554,"4,238":1555,"4,239":1556,"4,241":1557,"4,242":1558,"4,243":1559,"4,244":1560,"4,245":1561,"4,246":1562,"4,247":1563,"4,248":1564,"4,249":1565,"4,250":1566,"4,251":1567,"4,252":1568,"4,253":1569,"4,254":1570,"4,255":1571,"4,256":1572,"4,257":1573,"4,259":1574,"4,260":1575,"4,261":1576,"4,262":1577,"4,263":1578,"4,264":1579,"4,265":1580,"4,266":1581,"4,267":1582,"4,268":1583,"4,269":1584,"4,270":1585,"4,271":1586,"4,272":1587,"4,273":1588,"4,275":1589,"4,276":1590,"4,277":1591,"4,278":1592,"4,279":1593,"4,280":1594,"4,281":1595,"4,282":1596,"4,283":1597,"4,285":1598,"4,287":1599,"4,288":1600,"4,289":1601,"4,290":1602,"4,291":1603,"4,292":1604,"4,317":1605,"4,319":1606,"4,320":1607,"4,321":1608,"4,322":1609,"4,323":1610,"4,324":1611,"4,325":1612,"4,326":1613,"4,327":1614,"4,328":1615,"4,329":1616,"4,330":1617,"4,331":1618,"4,332":1619,"4,333":1620,"4,334":1621,"4,335":1622,"4,336":1623,"4,337":1624,"4,338":1625,"4,339":1626,"4,340":1627,"4,341":1628,"4,342":1629,"4,343":1630,"4,344":1631,"4,345":1632,"4,346":1633,"4,347":1634,"4,348":1635,"4,349":1636,"4,350":1637,"4,351":1638,"4,352":1639,"4,353":1640,"4,354":1641,"4,355":1642,"4,356":1643,"4,357":1644,"4,358":1645,"4,359":1646,"4,360":1647,"4,361":1648,"4,362":1649},"ٜ":{"مقدمة":[2,44],"1":[3,407],"2":[2,478],"3":[2,429],"4":[2,362]},"ٝ":[null,"مقدمة,2","مقدمة,3","مقدمة,4","مقدمة,5","مقدمة,6","مقدمة,7","مقدمة,8","مقدمة,9","مقدمة,10","مقدمة,11","مقدمة,12","مقدمة,13","مقدمة,14","مقدمة,15","مقدمة,16","مقدمة,17","مقدمة,18","مقدمة,19","مقدمة,20","مقدمة,21","مقدمة,22","مقدمة,23","مقدمة,24","مقدمة,25","مقدمة,26","مقدمة,27","مقدمة,28","مقدمة,29","مقدمة,30","مقدمة,31","مقدمة,32","مقدمة,33","مقدمة,34","مقدمة,35","مقدمة,37","مقدمة,38","مقدمة,39","مقدمة,40","مقدمة,41","مقدمة,42","مقدمة,43","مقدمة,44",null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407",null,"2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,191","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,211","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478",null,"3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,55","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,233","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,263","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,301","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,387","3,388","3,389","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,423","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429",null,"4,2","4,3","4,4","4,5","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,101","4,103","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,143","4,144","4,145","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,157","4,158","4,159","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,175","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,185","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,193","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,225","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,285","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,317","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362"],"ٞ":{"5":[1],"8":[2],"11":[3],"16":[4,5,6,7,8],"17":[9],"18":[10],"19":[11],"20":[12,13],"21":[14,15],"23":[16,17],"24":[18],"27":[19,20,21],"28":[22],"29":[23,24],"30":[25],"31":[26],"45":[27],"50":[28],"53":[29],"54":[30],"60":[31],"61":[32],"66":[33],"68":[34],"79":[35,36,37,38,39,40],"80":[41],"87":[42,43],"94":[44],"98":[45],"101":[46],"103":[47],"113":[48],"115":[49,50,51],"117":[52],"120":[53,54],"121":[55],"122":[56,57],"123":[58,59,60],"124":[61],"125":[62],"126":[63],"128":[64,65],"129":[66,67,68,69],"130":[70,71,72,73,74,75,76],"131":[77,78,79,80,81,82,83,84],"132":[85,86],"134":[87],"136":[88],"138":[89],"142":[90],"154":[91,92],"157":[93],"160":[94],"161":[95,96],"162":[97],"163":[98],"164":[99,100],"167":[101,102],"173":[103,104],"179":[105],"190":[106,107],"194":[108],"204":[109],"207":[110],"208":[111],"225":[112],"230":[113],"240":[114],"257":[115],"263":[116],"315":[117],"318":[118],"341":[119],"344":[120],"407":[121],"408":[122],"419":[123],"425":[124],"427":[125],"434":[126],"440":[127],"451":[128],"455":[129],"478":[130],"490":[131],"505":[132],"509":[133],"519":[134],"531":[135],"542":[136],"549":[137],"558":[138],"566":[139],"578":[140],"586":[141],"588":[142],"590":[143],"592":[144],"594":[145],"603":[146],"606":[147],"632":[148],"636":[149],"637":[150],"639":[151],"651":[152],"654":[153],"655":[154],"689":[155],"694":[156],"698":[157],"732":[158],"746":[159],"748":[160],"806":[161],"811":[162],"818":[163],"821":[164],"829":[165],"859":[166],"862":[167],"863":[168],"874":[169],"885":[170],"925":[171],"956":[172],"960":[173],"962":[174],"974":[175],"975":[176],"978":[177],"980":[178],"983":[179],"991":[180],"1017":[181],"1043":[182,183],"1054":[184],"1064":[185],"1073":[186],"1085":[187],"1104":[188],"1114":[189],"1140":[190],"1150":[191],"1151":[192],"1152":[193],"1160":[194],"1166":[195],"1167":[196],"1168":[197],"1175":[198],"1177":[199],"1178":[200],"1211":[201],"1213":[202],"1214":[203],"1247":[204],"1253":[205],"1259":[206],"1272":[207],"1273":[208],"1281":[209],"1282":[210],"1294":[211],"1296":[212],"1297":[213],"1299":[214],"1300":[215],"1305":[216],"1307":[217],"1309":[218],"1314":[219],"1315":[220],"1318":[221],"1321":[222],"1322":[223],"1330":[224],"1331":[225],"1340":[226],"1341":[227],"1348":[228],"1371":[229],"1372":[230],"1399":[231],"1406":[232],"1416":[233],"1425":[234],"1432":[235],"1433":[236],"1434":[237],"1435":[238],"1446":[239],"1452":[240],"1460":[241],"1463":[242],"1470":[243],"1471":[244],"1472":[245],"1474":[246],"1475":[247],"1483":[248],"1484":[249],"1486":[250],"1487":[251],"1490":[252],"1492":[253],"1493":[254],"1496":[255],"1497":[256],"1500":[257],"1501":[258],"1508":[259],"1509":[260],"1514":[261],"1515":[262],"1529":[263],"1531":[264],"1532":[265],"1543":[266],"1544":[267],"1551":[268],"1556":[269],"1557":[270],"1573":[271],"1574":[272],"1588":[273],"1589":[274],"1598":[275],"1599":[276],"1605":[277]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تيسير البيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nالإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي\nالمشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى -\n\nبعناية\nعبد المعين الحرش\n\nدار النوادر","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"مقدمة","page":2},{"text":"تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ\n[١]","vol":"مقدمة","page":3},{"text":"جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة\nالطَّبْعَةُ الأُولَى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n\nردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨:  ISBN\n\nدَارُ النَّوادِرِ\nسورية - لبنان - الكويت\nمُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت\nسورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)\nلبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nالكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦\nهَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)\nwww.daralnawader.com\ninto@daralnawader.com\nأسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي","vol":"مقدمة","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تَقْدِيم\nبِقَلَمِ فَضِيلَةِ الدّكتور مُصْطَفَي سَعِيد الخَن رَحِمَهُ الله تَعَالى</span>\nبِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيمِ\nالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الذي نوَّر به القلوب، وأحكمه بأوجز لفظ وأعجز أسلوب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨].\nوالصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن الله جلَّ ذكره قد أودع في القرآن الكريم علمَ كلِّ شيء ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وجعله العصمة من الزلل، والمخرج من الفتن والمحن، لا يضل من اهتدى بهديه، ورشف من مَعينه، ويكفي في وصفه قول الرسول - ﷺ -: \"فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق على كثرة الرد ... \" (١).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: في فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن: (٢٩٠٦) عن علي ﵁، وقال: غريب.","vol":"مقدمة","page":5},{"text":"فلا عجب بعد ذلك أن نرى المسلمين -بل وغيرهم- على تعدد طبقاتهم، وتنوع ثقافاتهم يهتمون بهذا الكتاب المبين، حفظًا وتدريسًا، وقراءةً وتجويدًا، وكتابة وإتقانًا، وتعلمًا وتعليمًا، منهم من يهتم بلغته وبيان وجوه إعجازه، ومنهم من يقف على أخباره وقصصه، ومنهم من يَلِجُ إلى فهم أسراره واستنباط أحكامه وتفسيره.\nوقد ظهر في حياة المسلمين منذ فجر الإسلام إلى يوم الناس هذا الكثير الكثير من التفاسير، تعددت أساليبها وكيفياتها، وبذل فيها أصحابها جهدَهم في الوصول إلى مراد الله تعالى من آياته ليحولوها إلى واقع حياتهم عملًا، فيتأدبوا بآداب القرآن، ويتخلقوا بأخلاقه أسوةً بالنبي المصطفى - ﷺ -.\nوقد أشار الإمام الزمخشري -صاحب تفسير \"الكشاف\"- إلى كثرة التفاسير بقوله:\nإنَّ التَّفَاسيْرَ في الدُّنْيَا بلا عَدَدٍ ... وَلَيْسَ فيْهَا لَعَمْريْ مثْلَ كَشَّافِيْ\nإنْ كُنْتَ تَبْغِي الهُدَى فَالْزَمْ قِرَاءَتَهُ ... الجَهْلُ كَالْدَّاءِ وَالكَشَّافُ كَالشَّافِى\nولعمري إن هذا الكلام ليصدق أيضًا على هذا الكتاب الذي بين أيدينا (تيسير البيان لأحكام القرآن) للعلامة الموزَعي اليمني، وذلك لِمَا امتاز به هذا الكتاب من مزايا تجعله مقدَّمًا على كتب تفسير آيات الأحكام.\nولعل أهم مزايا الكتاب تلك المقدمة الرائعة التي استهلَّ فيها الموزَعي كتابه؛ حيث ذكر فيها القواعد والمسائل الأصولية واللغوية التي يرتكز عليها عملُ المفسِّر لكتاب الله تعالى، وخصوصًا آيات الأحكام الفقهية والفروع العملية.\nوالكتاب اسم على مسمَّى فهو مُيَسَّر بيِّن، وذلك لسلاسة أسلوبه،","vol":"مقدمة","page":6},{"text":"وروعة منهجه، ودقة بيانه، حيث نجده يلج مع القارئ مباشرة إلى مضمون الآية، وبيان ما يستنبط منها من أحكام، عارضًا لوجوه الاستنباط، موضحًا لمذاهب الفقهاء في كل مسألة من المسائل وفق ترتيب منطقي، وبعبارة ناصعة مشرقة، تدل على وضوح المعنى، وجلاء الفكرة.\nثم لا يقف المؤلف عند عرض الأقوال والآراء، وذِكْر المذاهب والاختلاف، بل نجد عنده وقفات موفَّقة عند الكثير من ذلك مناقشًا ومستدلًا، مصوِّبًا ومصححًا ومختارًا، مما يثري مادة الكتاب العلمية، ويساعد القارئ على تلمُّس وجه الحق في حال الخلاف.\nهذا، ولقد وفَّق الله ﷿ الأخ الكريم الفاضل عبد المعين الحرش (أبا بكر) للقيام بعبء إخراج هذا الكتاب المانع بهذه الحلة القشيبة، التي تليق بالكتاب ومؤلفه، بعد أن بقي حبيسَ الخزائن والمكتبات دهرًا من الزمن، فجزاه الله عن العلم وطلابه، والتفسيرِ وأهله خيرَ الجزاء، ولقد قام بالتحقيق وفق القواعد الموضوعية، فجاء تحقيقه وتعليقه حسب المطلوب، فجزاه الله خير الجزاء.\nوالله الموفق\nمصطفي سعيد الخن\nدمشق\n١٤/ ٧/ ٢٠٠٤ م\n٢٧/ ٥/ ١٤٢٥ هـ","vol":"مقدمة","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تَقْدِيم\nبِقَلَمِ الأسْتَاذِ الدّكتور وَهْبَة مُصْطَفَي الزُّحَيلِيِّ</span>\nبِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيمِ\nالحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، أنزل القرآن والمجيد فهو أعظم النعم على الناس قاطبة، والصلاة والسلام على رسولنا النبي الخاتم ومنقذ الأمم، وعلى آله وصحبه ذوي الأقدار العالية والهمم، وبعد:\nفإن حقل تفسير القرآن الكريم خصب واسع وشامل كل ما تضمنه من عقيدة وإيمان، وشرائع وأحكام، وآداب وقيم تبني كيان الإنسان، وتنهض بالجماعات والإنسانية، ولغة عربية في أعلى درجات الفصاحة وبلاغة اللسان، وإيراد قصص الأنبياء الكرام الذين كانت حياتهم المثل الأعلى للتضحية والوفاء، وبذل الجهود الكبرى من أجل ترسيخ معالم الهدي الإلهي، ليكون ذخيرة وافية بكل متطلبات الحياة، وبناء المجتمعات، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوتُوِّجت رسالات الرسل الكرام بالرسالة الخاتمة وبالقرآن الخالد الذي لم يبق ولن يدوم في الوجود سواه صوت الحق الإلهي، ومَعْلم الوحي الرباني الثابت القطعي، فتعددت آفاق دراسته واستكناه مضامينه، في كل جانب من جوانب المعرفة والثقافة، وأصول الشريعة، ومنها التعرف على أحكام القرآن التي ينبغي عرضها بحيدة وموضوعية، وموازنة، ودقة،","vol":"مقدمة","page":8},{"text":"وتبيان لكل ما يؤصل مباني كل موضوع على حدة، وليكتمل نسيج المعرفة، وتتحدد معالم الأحكام بمبانيها وضوابطها ومقاصدها، من أجل سلامة الفهم والتطبيق والالتزام.\nومن أفضل وأمتع ما خلَّفه علماؤنا الأماثل: دراسة أحكام القرآن لحنفي، ومالكييَّن، وشافعييَّن، وهي ما يأتي:\n\n١ - \"أحكام القرآن\" للجصاص الرازي الحنفي (٣٧٠ هـ) المتميز ببيانه المشرق وطول النَّفَس، في تقرير الحكم الشرعي المقارن بين المذاهب الفقهية الأربعة.\n\n٢ - \"أحكام القرآن\" لعلي بن محمد بن علي المعروف بـ \"إِلكيا الهراسي\" (٥٠٤ هـ) لإلقاء الضوء على مشتملات المذهب الشافعي وأصول استنباطها.\n\n٣ - \"أحكام القرآن\" لابن العربي المالكي (٥٤٣ هـ) الذي فاق غيره ببيان مختلف متعلقات الأحكام الشرعية ودقائق المسائل العلمية.\n\n٤ - \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي المالكي (٦٧١ هـ) الذي هو موسوعة كبيرة في التفسير مع العناية بالمسائل الفقهية العديدة.\n\n٥ - \"تيسير البيان لأحكام القرآن\" لجمال الدين محمد بن علي المَوْزعي (٨٢٥ هـ) وهو من بدائع الكتب المقارنة في الفقه المقارن واللغة، والأصول والتفسير والحديث النبوي، وهذا ما يميزه عن الكتب المشابهة، ويجعله في قمة العلم والاعتدال والإنصاف بل والاجتهاد، كما يبدو في ترجيحاته ومناقشاته وميله لرأي قد يخالف مذهب الإمام الشافعي ﵀، وذلك بسبب تمكنه الفقهي وإحاطته بدقائق العلم واللغة والبيان.\nوقد قيض الله تعالى لهذا الكتاب الأخ الفاضل السيد عبد المعين الحرش من متخرجي كلية الشريعة بجامعة دمشق، فخدم الكتاب خدمة","vol":"مقدمة","page":9},{"text":"متميزة من تحقيق علمي، وضبط للكلمات، وبيان لمعاني المفردات اللغوية، وترجمة الأعلام، والتعقيب والتعليق على مختلف المسائل الفقهية التي تحتاج لإلقاء الضوء عليها، بعد إيراد المؤلف العلامة الموزعي لها بنحو موجز، ثم توثيق المعلومات بالمصادر المعتبرة، وتخريج الآيات والأحاديث، حتى صار هذا الإنجاز العلمي متفوقًا إذا قورن بأمثاله من الدراسات العلمية في كتاب الموزعي نفسه، فوفقه الله لكلِّ خير، ومتَّعه بنور العقل والبصيرة، وجزاه الله تعالى عن العلم والعلماء خير الجزاء.\nأ. د. وهبَة مصطفي الزَّحيلي\nعميد ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق سابقًا","vol":"مقدمة","page":10},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مُقَدِمَة التَّحقِيْق</span>\nإنَّ الحمد لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.\nأما بعد:\nفإنَّ علم التفسير من أجلِّ علوم الشريعة، وأرفعِها قدرًا، وهو من أشرف العلوم غرضًا، وحاجة إليه؛ لأن موضوعه كلام الله تعالى، الذي هو ينبوع كلِّ حكمة، ومعدِن كلِّ فضيلة.\nوفي ذلك يقول الإمام البيضاوي في \"تفسيره\": إن أعظم العلوم مقدارًا، وأرفعها شرفًا ومنارًا: علم التفسير، الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها (١).\nويقول إمام المفسرين الطبري في \"تفسيره\": اعلموا عباد الله -رحمكم الله- أنَّ أحقَّ ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضَى، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدىً، وأنَّ أجمعَ ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرْية\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩).","vol":"مقدمة","page":11},{"text":"فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنيِّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطِلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ (١).\nولقد كان الصحابةُ في عهد رسول الله - ﷺ - يفهمون القرآن بسليقتهم العربية، وإن التبسَ عليهم فهمُ آيةٍ رجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فبينها لهم، ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله - ﷺ - استنباطَه، ما نبّه إلى معانيه، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد فيه إلى علم المراد، فيمتازوا بذلك عن غيرهم، ويختصوا بثواب اجتهادهم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فصارَ الكتاب أصلًا، والسنُّةُ له بيانًا، واستنباطُ العلماء له إيضاحًا وتبيانًا (٢).\nوكان من البدهي أن تَجِدَّ قضايا لم يسبق لها مثيلٌ في عهد النبي - ﷺ -، فكان القرآن للصحابة ملاذًا لهم لاستنباط الأحكام الشرعية للقضايا الجديدة، فيُجمعون على رأي فيها، وقلما يختلفون عند التعارض، كاختلافهم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجُها، أهي وضع الحَمْل، أم مُضِيُّ أربعة أشهر وعشر، أم أبعدُ الأجلين منهما؟ حيث قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فكانت هذه الأحوال على قِلَّتها بدايةَ الخلاف الفقهي في فهم آيات الأحكام.\nفلما كان عهد الأئمة الأربعة، واتَّخذ كل إمام أصولًا لاستنباط الأحكام في مذهبه، وكثرت الأحداث، وتشعبت المسائل، ازدادت وجوه الاختلاف في فهم بعض الآيات لتفاوت وجوه الدلالة فيها، دون تعصب لمذهب، بل\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٢٦).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢).","vol":"مقدمة","page":12},{"text":"استمساكًا بما يرى الفقيه أنه الحقُّ، ولا يجد غَضَاضةً إذا عرفَ الحقَّ لدى غيره أن يرجع إليه.\nوبقي الأمر هكذا حتى جاء عصرُ التقليد المذهبي، فقَصَر أتباع الأئمة جهودهم على توضيح مذهبهم والانتصار له، وأحيانًا حتى لو كان ذلك بحمل الآيات القرآنية على المعاني المرجوحة البعيدة، ونشأ من هذا تفسير فقهيٌّ خاصٌّ لآيات الأحكام في القرآن، يشتد التعصب فيه أحيانًا، ويَخِفُّ أخرى (١).\nوهذا المنهج هو ما يسمى بـ \"التفسير الفقهي\"، وقد برزت فيه كتب كان لها الأثرُ البارزُ في إثراء مكتبة الفقه الإسلامي، فمن هذه الكتب:\n\n١ - \"أحكام القرآن\" للجصاص، وهو من المراجع المهمة في آيات الأحكام والمسائل الخلافية، لكنه مليء بميله المُفْرِطِ إلى مذهبه الحنفي، وذلك في الانتصار له، ومحاولته إبطالَ أدلة المخالفين.\n\n٢ - \"أحكام القرآن\" لإلكيا الهَرَّاسِي الشافعي، وهو مرجع هام ومفيد في آيات الأحكام، لكنه اقتصر فيه على إيراد مذهب الشافعي -﵀- دون التعرض لمذاهبِ غيره من الأئمة.\n\n٣ - \"أحكام القرآن\" لابن العربي المالكي: وهو من أحسن الكتب المؤلفة في آيات الأحكام، وعليه اعتمد مَنْ جاء بعده كالقرطبي، لكنه يهجم على المخالف بشدة، ويتحامل على بعض الأئمة المخالفين لمذهبه.\n\n٤ - \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي، وهو من أفضل الكتب في التفسير وأكثرها جمعًا لآيات الأحكام، ومسائل الخلاف، دون التعصب والتحيز\n_________\n(١) انظر: \"مباحث في علوم القرآن\"، لمنّاع القطّان، (ص: ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"مقدمة","page":13},{"text":"لمذهب من المذاهب الفقهية، فجاء الكتاب فريدًا في بابه، عظيمًا في نفعه وفائدته.\n\nوقد جاء بعد هؤلاءِ الإمامُ العلامةُ الفقيه المفسر اللغوي محمد بن علي المَوْزعيُّ الشافعيُّ، فألف كتابه \"تيسير البيان لأحكام القرآن\" مقتفيًا أثرهم في مناقشته للآراء الفقهية، مع الرد على المخالف، وذكر أوجه الاستدلال، والمسائل الفرعية.\nوقد اكتسب هذا الكتاب أهمية على غيره من كتب أحكام القرآن لأسبابٍ، منها:\n١ - أن مؤلفه شافعيَّ المذهب، حيث إن الكتب المشتهرة قبله إما أن تكون لمؤلف حنفي؛ كالإمام الجصاص، أو لمؤلفٍ مالكي؛ كالإمامين ابن العربي والقرطبي.\n٢ - مناقشات المؤلف وردوده في مسائل كثيرة من كتابه هذا، وعدم جموده على التقليد المحض، وذلك بالنظر في أدلة المذاهب الأخرى، وترجيحه في مواطن كثيرة غير مذهب إمامه الشافعي، مما يجعل لكتابه هذا قبولًا لدى أتباع المذاهب الأخرى.\n\n٣ - طريقة عَرْضه للأحكام الفقهية، وحُسْن جمعه واختصاره لكلام الأئمة.\nلهذه الأسباب -وغيرها مما سيأتي- اتجهت الرغبة لخدمة هذا الكتاب، وتحقيقه، وطبعه لنشره بين الناس؛ علماءَ وطلبةَ علمٍ.\nوقد تم التقديم بين يدي الكتاب بفصلين -كمدخلٍ له- هما:\nالفصل الأول: في ترجمة المؤلف.\nالفصل الثاني: في دراسة الكتاب.","vol":"مقدمة","page":14},{"text":"هذا، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا صالح القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوالحمد لله رب العالمين\nعبد المعين الحرش","vol":"مقدمة","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفَصْلُ الأَوَّلُ ترجمة المؤلف الإمام الموزعي</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-5> اسمه ونسبه:</span>\nهو محمدُ بنُ عليِّ بنِ عبد الله بن إبراهيمَ بن أحمدَ بن أبي بكر بن الخطيب، جمال الدين، الشعبيُّ، النَّمريُّ، المَوزَعِيُّ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-6> لقبه وكنيته:</span>\nيعرف بابن نور الدين، ويعرف أيضًا بابن الخطيب، نسبةً إلى أحد أجداده عبد الله بن أبي بكر الذي عُرِف بابن الخطيب، وإليه ينسب بنو الخطيب الذين بموزع وغيرهم، ويكنَّى بأبي عبد الله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-7> ولادته:</span>\nولد المؤلف في بلدة موزَع -بفتح الزاي- التابعة لمدينة تعزّ في اليمن، وتقع غربها، وتبعد عنها مسافة (٩٠ كم) كم تقريبًا، ولم تذكر سنة ولادة المؤلف في المصادر التي ترجمت له، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-8> أسرته:</span>\nعرف آل الخطيب بالعلم والتقوى والفضل، فلا يكاد يخلو فردٌ من هذه الأسرة إلا وهو على جانب كبير من العلم والورع والصلاح، والمستعرض لتاريخ علماء اليمن يجد الكثير من آل الخطيب قد حازوا قَصَبَ السَّبقْ في العلم والزهد والورع.","vol":"مقدمة","page":16},{"text":"فالجد عبد الله الذي ينسبون إليه كان خطيبًا في (أبين) وكان ذا زهد وعبادة.\nومن ذريته: الفقيه رضي الدين أبو بكر بن أحمد الذي أجمع أهل بلاده على صلاحه.\nوله أولاد منهم: محمد بن أبي بكر الذي كان فقيهًا مقربًا من العلماء، ومدرِّسا ومفتيًا.\nوإسماعيل، وقد اشتهر بالعبادة، وغيرهم.\nفالمؤلف إذًا من أسرة عريقة، ضاربةٍ جذورها، راسخةٍ معالمُها بشرف العلم والدين، فكان لذلك أثرٌ في طلب المؤلف للعلم منذ نعومة أظفاره، ومساعدٌ له في تكوينه العلمي، حتى أصبح عالمًا بارعًا، بزَّ الأقران، وفاق الكثيرَ من الأعيان.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-9> أخلاقه وصفاته:</span>\nكان الإمام الموزعي عالمًا زاهدًا، وتقيًا ورعًا، مقبلًا على العلم والتحصيل، فلم يشغل نفسه بشيء من مشاغل الدنيا، وكان محبًا للخير، كريمًا، ينفق كلَّ ما عنده، ولم يدخر شيئًا، ولذا مات فقيرًا مَدِينًا، فقام ابنه من بعده بسداد دينه، وكان من ورعه تورعُه عن أموال الناس، وعن قبض شيء من الوقف المعدِّ لأهل الأسباب، وغير ذلك، وكان مدة قراءته بمدينة زَبيد تصله نفقةٌ من بلده من شيء يعتقد حلَّه، فانقطعت عليه نفقته أيامًا، فأمر الإمام جمال الدين الريمي (١) نائبَه أن يصرف له من الطعام في كل يوم شيئًا معينًا، فأعطاه ذلك في ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع جاء إليه النائب بنفقته، فامتنع من قبضها، فلما علم الإمام الريمي بذلك، وسأله عن\n_________\n(١) ستأتي ترجمته قريبًا.","vol":"مقدمة","page":17},{"text":"السبب لامتناعه عن قبض النفقة، فاعتذر إليه، فلم يقبل عذره، وألحَّ عليه في تبين سبب الامتناع، فقال الإمام نور الدين: إنه أظلمَ قلبي من يوم قبضت النفقة من نائبك، فلا حاجة لي بها.\nوكان -﵀- ذا صدقةٍ وأفعالٍ للخير، يبدأ بأقاربه وجيرانه، ثم يعمم كلَّ محتاج عَلِمَ به أو وصل إليه، ولا يدخر في بيته إلا ما يَسُدُّ به خلته في وقتهم، وهو الذي ابتدأ بعمارة جامع موزَع، وظهرت له كراماتٌ في حياته وبعد موته، وكان مجابَ الدَّعوةِ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-10> مشايخه:</span>\n١ - جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الحثيثي الصردفي الريمي -نسبة إلى ريمة ناحية باليمن- الإمام العلامة، وأحد كبار الشافعية، اشتغل بالعلم وتقدم في الفقه، فكانت إليه الرحلة في زمانه، وصنف التصانيف النافعة، منها: \"شرح التنبيه\"، توفي سنة (٧٩٢ هـ)، وقد قرأ عليه المؤلف الفقهَ والأصول كاللمع للشيرازي، وغيرَ ذلك من العلوم.\n٢ - تاج الدين الهندي، الدَّلَّي، الشيخ الفقيه، قرأ عليه المؤلف: \"منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل\" لابن الحاجب.\n٣ - غياث الدين محمد بن جعفر الهندي الدَّلي، الشيخ العلامة الفقيه.\n٤ - علي بن قمر، الشيخ الفقيه المذكور في أهل زبيد.\n٥ - أبو عبد الله موسى الذوالي، شيخ القاضي الريمي، الإمام الفقيه الحافظ، قرأ عليه: \"منهاج البيضاوي\".\n٦ - ومن شيوخه عدد من \"آل الناشري\"، لم تذكر أسماؤهم كما ذكر البُريهي.","vol":"مقدمة","page":18},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-11> تلامذته:</span>\n١ - الحسين بنُ عبدِ الرحمن بن محمد بن علي الحسينيُّ العلويُّ الشافعيُّ المعروف بالأهدل، صاحب \"تحفة الزمن\"، مفتي الديار اليمنية، وأحد علمائها المتفننين، وهو أشهر تلامذة الموزعي، توفي سنة (٨٥٥ هـ).\n٢ - أبو بكر محمد بن رضي الدين أبو بكر بن أحمد الخطيب، وكان عالما زاهدًا مُجْمَعًا على جلالته، درس وأفتى، وقرأ عليه وعلى غيره الفقه والنحو الحديث واللغة والتفسير، وقد تقلد الرئاسة بعد وفاة شيخه جمالِ الدين محمدِ بن علي بن نور الدين الموزعيِّ، وتوفي في المئة التاسعة.\n٣ - رضي الدين أبو بكر أحمد بن دعسين القرشي -نسبة إلى القرشية قبيلة في اليمن-، كان إمامًا عالمًا، أفتى ودرس، وتولى القضاء بموزع، ثم عزل نفسه، واجتهد في العبادة ونشرِ العلم، توفي (٨٤٢ هـ).\n٤ - جمال الدين محمد بنُ عمرَ الحجاري، الفقيه القاضي، كان عالمًا ورعًا، ذا فضل عظيم وعبادة وزَهادة، مما يعجز عنه الكثير، تولى القضاء بموزع، فكان يصدع بالحق ولا يخافُ في الله لومة لائم، وقد قرأ عليه العلوم الشرعية والعربية، وتزوج بابنة الإمام الموزعي خديجة، توفي قريبًا من سنة (٨٢٠ هـ).\n٥ - سعيد بن سحر، الفقيه، صاحب الفازة، تزوج بنت الإمام الموزعي، وتفقه عليه.\n٦ - ولده الطيبُ ابن الإمامِ محمدِ بن علي الموزَعي، قرأ على والده كثيرًا من العلوم وتفقه عليه، كما قرأ على غيره من علماء عصره، ودرَّس وأفتى في عهد والده، واشتُهر بعد وفاته.","vol":"مقدمة","page":19},{"text":"٧ - ولده شمس الدين علي، قرأ على والده شيئًا من العلوم، وتفقه عليه، وخلف والده في الإحسان إلى من قصده، وكان ذا مال جزيل، قضى منه دين والده.\n٨ - ولده إبراهيم، وقد قرأ على أبيه القرآن، ولم يتفقه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-12> مكانته وثناء العلماء عليه:</span>\n١ - قال البريهي في \"تاريخه\": \"الإمام العلامة الصالح الزاهد العابد، كان إمامًا عالمًا، علمه كالعارض الهاطل، المتحلي بتصانيفه، جِيْدُ الزمان العاطل، مُسْتَقَرُّ المحاسن والبيان، ومستودع البيان والإحسان، فخر اليمن، وبهجة الزمن، الصبور، الواصل للرحم، الخَشُوع، له الباع الطويل في لحم الفقه والأصول والنحو والمعاني والبيان واللغة، درَّس وأفتى، واشتهر، ورُزق القبول عند الخاصة والعامة\".\n٢ - وقال السخاوي في \"الضوء اللامع\": \"الإمام الأصولي، جرت له أمور بان فيها فضلُه\".\n٣ - وقال الزركلي في \"الأعلام\": \"مفسر عالم بالأصول\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-13> مؤلفاته:</span>\nصَنَّفَ الإمام الموزعي مؤلفات عدة في فنون مختلفة، مما يدل على تمكنه في هذه العلوم التي ألف فيها، ومنها:\n١ - \"تيسير البيان لأحكام القرآن\"، وهو كتابنا هذا.\n٢ - \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\"، وهو كتاب عظيم النفع في علم أصول الفقه، وقد سبق لي العناية به.","vol":"مقدمة","page":20},{"text":"٣ - \"مصابيح المغاني في معاني حروف المعاني\" (١)، مخطوط، يقع في (١٨١) ورقة كتب في آخره: فرغ من نسخه سنة (٨٤٨ هـ)، بخط الصديق عمر شماخ. توجد منه نسخة في مكتبة أحمد عبد القادر الأهدل بزبيد، وهي مصورة بمعهد المخطوطات التابع للجامعة العربية بالقاهرة، ومصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة برقم (٣٥٠ - نحو).\n٤ - \"كنوز الخبايا في قواعد الوصايا\"، ذكره الأهدل في \"تحفته\".\n٥ - \"جامع الفقه\"، ذكره الأهدل في \"تحفته\"، وقال: لكنه توفي قبل تمامه، ويقع في ثلاثة مجلدات.\n٦ - \"المطرب للسامعين في حكايات الصالحين\"، اختصر فيه \"روض الرياحين\" لليافعي.\n٧ - \"كشف الظلمة عن هذه الأمة\"، ذكره البريهي في \"تاريخه\"، توجد منه نسخة خطية في المكتبة الغربية لجامع صنعاء (رقم ٣٩١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-14> وفاته:</span>\nتوفي الإمام الموزعي أوائل ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمان مئة على ما ذكره الأهدل تلميذه، وهو المعتمد.\nوذكر البريهي أنه توفي بعد سنة عشر وثمان مئة.\nوذكر السخاوي في \"الضوء اللامع\" أنه توفي في حدود العشرين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-15> مصادر الترجمة:</span>\n١ - \" طبقات صلحاء اليمن\" المعروف بـ \"تاريخ البريهي\" (ص: ٢٧٢ - ٢٧١).\n_________\n(١) وقد ذكره المؤلف في كتابه هذا.","vol":"مقدمة","page":21},{"text":"٢ - \"الضوء اللامع\" للسخاوي (٨/ ٢٢٣).\n٣ - \"شذرات الذهب\" لابن العماد (٦/ ٢٤٨).\n٤ - \"هدية العارفين\" للبغدادي (٢/ ١٧٨).\n٥ - \"إيضاح المكنون\" للبغدادي (١/ ٣٤٣).\n٦ - \"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٢٨٧).\n٧ - \"معجم المؤلفين\" لكحالة (٣/ ٥٢٠).\n٨ - \"مصادر الفكر العربي الإسلامي\" لعبد الله محمد الحبشي (ص: ١٩٦).","vol":"مقدمة","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفَصْلُ الثَّاني دِرَاسَة الكِتَاب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-17> أولًا: تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته إلى مؤلفه:</span>\nذكر المؤلف -﵀- في مقدمة كتابه هذا اسم الكتاب فقال: وسميته: \"تيسير البيان لأحكام القرآن\".\nوكذا جاء على طرة النسخة الخطية لمكتبة برنستون والمرموز له بـ \"أ\"، وكذا سماه كلٌّ من البغدادي في \"هدية العارفين\" (١) و\"إيضاح المكنون\" (٢)، والزركلي في \"الأعلام\" (٣).\nوقد جاء اسمه على طرة النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض والمرموز لها بـ \"ب\": \"تيسير البيان في أحكام القرآن\". وكذا جاء في خاتمة الجزء الأول من النسخة.\nوكذا سماه البريهي في \"تاريخه\" (٤).\nوقد تم اعتماد تسمية المؤلف التي نصَّ عليها في مقدمته وهي: \"تيسير البيان لأحكام القرآن\".\n_________\n(١) انظر: \"هدية العارفين\" (٢/ ١٧٨).\n(٢) انظر: \"إيضاح المكنون\" (١/ ٣٤٣).\n(٣) انظر \"الأعلام\" (٦/ ٢٨٧).\n(٤) انظر: \"تاريخ البريهي\" (ص: ٢٧٢).","vol":"مقدمة","page":23},{"text":"هذا، وقد جاء نسبة الكتاب إلى المؤلف -﵀- على طرة النسختين الخطيتين المشار إليهما آنفًا، ففي النسخة \"أ\" جاء فيها: \"تصنيف الشيخ الإمام العالم محمد بن علي بن عبد الله الخطيب المعروف بابن نور الدين اليمني الموزعي\".\nوفي النسخة \"ب \": \"تأليف الشيخ الإمام العلامة المتقن الفهامة جمال الدين محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب، عرف بابن نور الدين الموزعي اليمني. وكذا نسبه إليه كلُّ من ترجم له وذكره.\nهذا، وقد ذكر كتابه الآخر الموسوم بـ \"مصابيح المغاني في حروف المعاني\" في أكثر من موضع من كتابه هذا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-18> ثانيًا: منهج المؤلف في الكتاب:</span>\nذكر المؤلف -﵀- في مقدمة كتابه هذا: أنه استخار الله تعالى في تصنيف صغير حجمه، خفيف حمله، كثير نفعه، كبير قدره، يكون تنبيهًا للطالبين، على مناهج العلماء السالفين، في استخراج الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، ليتعلموا صنيعهم، ويقتفوا أثرهم بسابق فضل الله عليهم ورحمته لهم (١).\nوقد بدأ المؤلف -﵀- كتابه هذا بمقدمة أصولية قيمة، ضمت مباحث نافعة وفوائد ماتعة، شملت معظم أبواب أصول الفقه، وهي مقدمة مختصرة حقيقةٌ بالحفظ والدراسة.\nثم شرع في شرح آيات الأحكام حسب التسلسل القرآني للسور والآيات، فيبدأ بشرح غريب الألفاظ منها، ثم يستنبط الأحكام الفقهية،\n_________\n(١) انظر: (١/ ٤).","vol":"مقدمة","page":24},{"text":"ويذكر مسائل الخلاف بنسبة كل قول إلى قائله، وذكر المأثور عن النبي - ﷺ - والصحابة ﵃، وعن التابعين وغيرهم، ثم يرجح ما يراه راجحًا من الأقوال حسب ما يؤديه إليه اجتهاده معتمدًا على المعقول والمنقول في المناقشة والترجيح.\nوقد سار -﵀- على طريقة الإمام القرطبي في \"تفسيره\" بتقسيمه الآية إلى جمل وفقرات حسب ما تضمنته من أحكام، إلا أن القرطبي يقول: في هذه الآية كذا من المسائل، والمؤلف يقول: الجملة الأولى، أو يقسم الآية ويتكلم عن الأحكام الموجودة فيها مراعيًا ترتيب الأحكام حسب وجودها وتسلسلها في الآيات، وهو لا محالة تأثر بالقرطبي في هذا.\nإلا أنه استقل -﵀- في تقرير المسائل، واختار طريقة تدل على قِدمه في هذا الباب لسوقها، وانتهج منهجًا متميزًا في الاستدلال والترجيح.\nوقد ضمَّ الكتاب معظم أبواب الفقه من أحكام الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والمعاملات وغيرها، والتي أتى ذكرها في الآيات القرآنية الكريمة، إلا أنه لم يستوعب كل آيات الأحكام التي أوصلها بعضهم إلى خمس مئة آية، بل ترك آياتٍ كثيرةً تتعلق بالأحكام طلبًا للاختصار، وذلك إما لاندراجها في أحكام الناسخ، أو في أحكام المنسوخ، أو لذكر أحكامها في غيرها، أو لغير ذلك (١).\n* وقد عرض المؤلف -﵀- لفقه الأئمة الأربعة ومذاهب الصحابة والتابعين في أكثر المسائل التي تناولها في كتابه هذا، معتمدًا على أمهات كتب التفسير والفقه والناسخ والمنسوخ، مقدمًا فقه إمامه الشافعي\n_________\n(١) انظر: (٤/ ٢٩١).","vol":"مقدمة","page":25},{"text":"-﵀- في العرض، وتاليه بذكر المذاهب الأخرى، مصوِّبًا ومرجحًا ما يراه، فيجد مطالع الكتاب ترجيحات كثيرة لمذاهب أخرى على مذهب إمامه الشافعي؛ فيرجح القول المخالف للشافعي في كون الإحرام بالحج في أشهره لا يصح، ويرجح قول الإمام مالك في كون الرزق والكسوة للمرضعة لأجل الزوجية لا لأجل الرضاعة، ويرجح قول مالك وأبي حنيفة في كون الرشد يكون بإصلاح المال فقط، ويرد ويتعجب من الشافعية في استحبابهم التكميل بالعمامة في مسألة المسح عليها، ويبطل تفريع الشافعية في مسألة أخرى، وغير ذلك.\nبل لم تقتصر ترجيحاته ومناقشاته في ذلك فحسب، بل كان له مع الأئمة الآخرين نصيب من المناقشة والاستدلال، فتراه يرد على النحَّاس في مسألة النسخ وإبطاله له، ويرد بنقد لاذع على ابن خُويز مِنْداد المالكي، وعلى أبي الفتوح بن أبي عقامة، ومكي بن أبي طالب، وابن العربي، وابن رشد، والنووي، وغيرهم.\nوكل هذا يأتي بأسلوب علمي ومنهجي رفيع، يزينه تواضع بلغة عالية، وانظر قوله في مسألة الكلالة: \"هذا ما انتهى إليه فهمي وبحثي في الكلالة، والله أعلم، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم\".\n* كما ظهر في هذا التأليف النفيس عناية المؤلف بسوق الروايات الحديثية مشفوعة في الغالب بـ (روينا) التي تدل على اشتغاله بالرواية وعلم الحديث.\n* وظهر أيضًا كثرة الاستشهادات الشعرية التي يحشدها المؤلف للدلالة على المعنى المراد لديه.","vol":"مقدمة","page":26},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-19> ثالثًا: موارد المؤلف في الكتاب:</span>\nلم يذكر المؤلف -﵀- مصادره التي كان ينقل عنها كلامه، ويكاد يكون هذا سِمَةً عامة في هذا الكتاب، وشذَّ عن هذا النزر القليل الذي صرَّح بالنقل عنه، وقد تمَّ الوقوف -بفضل الله تعالى- على أهم مصادره التي نقل عنها بعد طول التفتيش والبحث عن المسائل والأحكام التي كان يسوقها، وهي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-20> كتب التفسير والناسخ والمنسوخ:</span>\n١ - \" تفسير الطبري\".\n٢ - \"معالم التنزيل\" للبغوي.\n٣ - \"التفسير الكبير\" للرازي.\n٤ - \"أحكام القرآن\" لابن العربي.\n٥ - \"أحكام القرآن\" للجصاص.\n٦ - \"الوسيط في التفسير\" للواحدي.\n٧ - \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي.\n٨ - \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس.\n٩ - \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي بن أبي طالب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-21> كتب الفقه والشروح:</span>\n١٠ - \" معرفة السنن والآثار\" للبيهقي.\n١١ - \"الأم\" للإمام الشافعي.\n١٢ - \"الرسالة\" للإمام الشافعي.\n١٣ - \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي.\n١٤ - \"الاستذكار\" لابن عبد البر.","vol":"مقدمة","page":27},{"text":"١٥ - \"التمهيد\" لابن عبد البر.\n١٦ - \"المحلى\" لابن حزم.\n١٧ - \"الحاوي الكبير\" للماوردي.\n١٨ - \"الأحكام السلطانية\" للماوردي.\n١٩ - \"البيان\" للعمراني.\n٢٠ - \"بداية المجتهد\" لابن رشد، وقد أكثر في النقل عنه كثيرًا.\n٢١ - \"المجموع شرح المهذيب\" للنووي.\n٢٢ - \"شرح مسلم\" للنووي.\n٢٣ - \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" لابن دقيق العيد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-22> رابعًا: أهمية الكتاب ومنزلته العلمية:</span>\nيعدُّ هذا الكتاب نسيج وحدِه، وفريد عقده، ضمَّنه بدائع الفوائد، وروائع الفرائد، بأسلوب جزل رصين، واستنباط للأحكام بفهم دقيق متين، دون حشو أو تطويل، مقويًا حججه بالقرآن والسنة والإجماع والقياس، مستعينًا على الترجيح بعقل ثاقب، وذهنٍ صافٍ، بعيدًا عن التعصب والجمود، والتعسف والاشتطاط.\nوقد استفاد -﵀- من علوم السابقين، وزاد مؤلِّفه على ذلك سلوكه طريقة المجتهدين في الاستنباط والاستدلال، فكان ذلك ميزة مهمة أضْفَتْ على الكتاب أهمية كبرى، خاصة عندما ترى المؤلف يفتخر بتحقيقاته وترجيحاته من غير كِبْر ولا غَمْط للآخرين (١).\n_________\n(١) انظر مثلًا في تحقيقه الكلام عن أقسام الهجرة وأحكامها بما لم يسبق إلى مثله في \"سورة النساء\".","vol":"مقدمة","page":28},{"text":"فحقيق أن يجعل هذا الكتاب في مصافِّ كتاب \"أحكام القرآن\" لابن العربي، أو \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي، لما اشتمل عليه من صنوف العلم المبسوطة بجمل ميسَّرة يفقهها كلُّ مطالع، ولعلَّ ذلك سرّ تسميته كتابه بـ \"تيسير البيان\"، وقد قال -﵀- عن أهمية كتابه هذا: \"ولا ينكر شرف ما وضعته في كتابي هذا، في زمني هذا، في بلدي هذا، إلا جاهل عاند، أو متحامل حاسد، فنعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد\" (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-23> خامسًا: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق:</span>\nتم الاعتماد في تحقيق هذا الكتاب الحافل على نسختين خطيتين هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>النسخة الأولى: </span>وهي النسخة الخطية المحفوظة بجامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية، برقم (٢٣٧٧)، وتقع في (١٦٧) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه أربعون سطرًا تقريبًا.\nتبدأ بقوله: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، وحسبي الله وكفى ونعم الوكيل، يقول العبد الفقير إلى الله الكريم محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب المعروف بابن نور الدين اليمني الشعبي الموزعي: الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه القرآن ... \".\nوتنتهي بقول المؤلف: \"وكان الفراغ من تعليقه صبيحة يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وثمان مئة، وأرجو من فضل الله الكريم وتمام نعمته أن ييسِّر لي وضع الكتاب الذي أهمُّ به في \"أحكام القرآن المجيد المتعلقة بأصول الديانات، وصحيح الاعتقادات\" بطريقٍ قد دَرَسَت، وآثار قد طُمست، ألا وهي طريق السلف الصالح، والأئمة الناصحين، الخالية من أضاليل الضالين، وزخرفة المبتدعين\".\n_________\n(١) انظر: (١/ ٥).","vol":"مقدمة","page":29},{"text":"وجاء في آخرها اسم الناسخ وهو القاسم بن الحسين الحجي، وذلك صبح الجمعة، ثالث عشر شهر ذي القعدة سنة (١١٥٧ هـ).\nوهذه النسخة نسخة جيدة تامة، معتمدة في مجملها في الضبط والتوثيق.\nوتم الرمز لهذه النسخة بالرمز \"أ\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>النسخة الثانية: </span>وهي النسخة المحفوظة بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، تحت رقم (١٧٦٥) وهي مؤلفة من جزأين، وتقع في (٢٠١) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٣٠) سطرًا تقريبًا.\nالجزء الأول منها يبدأ بقوله: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الفقيه الأجل الأوحد العلامة جمال الدين محمد بن علي بن عبد الله بن الخطيب، عرف بابن نور الدين الموزعي اليمني الشعبي: الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلَّمه القرآن ... \".\nوينتهي بقوله في آخر آية من تفسير سورة النساء: \"وهذا ما انتهى إليه فهمي وبحثي في الكلالة، والله أعلم، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم\".\nوفي نهايته قوله: \"انتهى الجزء الأول من كتاب \"تيسير البيان في أحكام القرآن\" تأليف الشيخ الإمام العلامة المدقق المحقق أبي عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم الخطيب رحمه الله تعالى ونفع به\".\nأما الجزء الثاني: فيبدأ بقوله: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، قوله ﷻ: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... \".\nوينتهي بقوله: \"قال مؤلفه: وكان الفراغ من تعليقه صبيحة يوم الثلاثاء لخمس بقين من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وثمان مئة ... \".","vol":"مقدمة","page":30},{"text":"وفي آخره: \"تم الجزء الثاني من تيسير البيان في أحكام القرآن\".\nولم يظهر في آخر هذا الجزء اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ.\nوهذه النسخة سيئة الخط، رديئة التصوير، وقد وقع في آخرها سقطان بمقدار أربع لوحات\nوتم الرمز لهذه النسخة بالرمز \"ب\"\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-26> سادسًا: بيان منهج التحقيق:</span>\n١ - نسخُ المخطوط وكتابته وفق الإملاء الحديث، وتصحيح الأخطاء الإملائية في صلب الكتاب، من غير إشارة إلى الفروق في الهامش.\n\n٢ - مقابلة النسختين (أ) و(ب)، وإثبات الأصح منهما في النص، مع الإشارة إلى الفرق في الحاشية.\n\n٣ - إدخال علامات الترقيم، وتفصيلُ فِقْرات الكتاب، والعناية التامة ببدء كل مسألة في سطر جديد، مع الإشارة أمامها إلى علامة (*)، فإن كانت الآية تتضمن عدة مسائل تحتها فروعٌ متعددة، وذلك بجعل علامة رأس المسألة الأم (•)، وعلامة المسائل الفرعية (*)، وكذلك الأمر في ذكر الأقوال، فإما الاكتفاء بتسويد رأس القول، أو بوضع علامة (-) قبله، إشارة إلى أنه قول مستقل.\n\n٤ - تفصيل الكتاب إلى وحدات موضوعية، بجعل كل جملة من الآيات ذات الموضوع الواحد ضمن وحدة مستقلة، وعنون لها بعنوانٍ دالٍّ عليها، بذكر -مثلًا- تحت عنوان (من أحكام الصلاة) جملة الآيات التي تم بيان أحكامها وتفسيرها، مع الاكتفاء بالإشارة هنا عن الإشارة في كل موضع بأن العنوان زيادةٌ منا للإيضاح.","vol":"مقدمة","page":31},{"text":"٥ - ترقيم الآيات المفسرة في كامل الكتاب، وذلك بإعطاء الرقم الأول الخالي من التقويس للرقم المتسلسل لآيات الكتاب قاطبة، والرقم الثاني المقوس لرقم الآية في السورة نفسها، مثاله رقم: ٨٦ - (٢٦)، فالرقم: ٨٦ يعني أن هذه الآية السادسة والثمانين المفسرة من أول الكتاب، ورقم: (٢٦) يعني أن هذه الآية هي الآية السادسة والعشرين المفسرة من سورة النساء، فإن كان المُفَسَّر أكثر من آية يتم إعطاء الآيات أرقامًا حسب عددها.\n\n٦ - ضبط الكلمات المشكلة والغريبة وشرحها، وردّ ذلك إلى المصادر التي تم اعتمادها من معاجم وغيرِها.\n\n٧ - توثيق جميع النصوص التي ذكرها المؤلف -﵀-، بالرجوع إلى مصادرها، سواء ذكر المؤلف مصدره في ذلك أم لا.\n\n٨ - عزو الآيات القرآنية إلى أماكنها في المصحف الشريف، بذكر اسم السورة، ورقم الآية في متن الكتاب، وقد تمَّ إتمام جميع الآيات المفسرة تسهيلًا على القارئ، حتى لا يرجع إليها في المصحف الشريف، وقد اضطرنا ذلك لحذف كلمة (الآية) من كلام المؤلف بعد طرف الآية المختصرة، لأن المقصود منها قد تحقق.\n\n٩ - تخريج الأحاديث النبوية والآثار الموقوفة والمقطوعة، فإن كان ذلك في \"الصحيحين\" فإنه يكتفى بالعزو إليهما دون غيرهما، وكذلك إن كان في أحدهما، وإلا فيقتصر على كتب السنة الأربعة، وذلك بذكر رقم الحديث، والكتاب، والباب، فإن لم يكن فيتم تخريجه من بقية كتب الحديث المشهورة المعتمدة، وفي كل ذلك يتم ذكر اسم الصحابي الذي روى الحديث.\n\n١٠ - تخريج الشواهد الشعرية، بعزو الشاهد إلى ديوان صاحبه، مع ذكر رقم القصيدة، ورقم البيت، والصفحة من الديوان، فإن لم يكن، ففي كتب","vol":"مقدمة","page":32},{"text":"الأدب المعتمدة، كخزانة الأدب للبغدادي، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وغيرهما.\n\n١١ - ترجمة الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب، وذلك بذكر اسم العلم ونسبه ولقبه، وما اشتهر فيه من فقه أو أدب أو أصول أو غيرها من العلوم، وما كان عليه حاله من الدين والورع والزهد وغير ذلك، ثم سنة وفاته، بإحالة ذلك كله إلى المراجع الأساسية في ترجمة كل علم:\nفإن كان من الصحابة: ذكرت ترجمته من كتب التراجم الخاصة بالصحابة، وإن كان من الحفاظ المحدِّثين ذكرت ترجمته من الكتب المختصة بتراجمهم، وكذلك إن كان من الفقهاء، أو من الشعراء، وجعلت لكل عَلَمٍ ثلاثةَ مراجع أو أربعةً للتوثيق.\nوذلك كله في (ملحق) تم في آخر هذا الكتاب تحت عنوان: \"تراجم الأعيان في تيسير البيان\".\n\n١٢ - تخريج القراءات القرآنية المذكورة في الكتاب، وذلك بالإشارة إلى من قرأ بها، ثم الدلالة على موضع تخريجها في الكتب المعتمدة في التفسير والقراءات.\n\n١٣ - تذييل الكتاب بفهارس علمية متعددة اشتملت على:\n\n١ - فهارس الموضوعات التفصيلية، وما انطوت عليه السور والآيات من المباحث والمسائل.\n٢ - ملحق بتراجم الأعيان في تيسير البيان، تمَّ تضمينه بالأعلام الواردة في الكتاب، وقد قارب المئتي علم.\n٣ - فهرس آيات الأحكام (على ترتيب السور).\n٤ - فهرس آيات الأحكام (على الأبواب الفقهية).","vol":"مقدمة","page":33},{"text":"٥ - فهرس الآيات القرآنية الكريمة.\n٦ - فهرس الأحاديث النبوية الشريفة.\n٧ - فهرس الآثار والأقوال.\n٨ - فهرس القراءات.\n٩ - فهرس أسباب النزول.\n١٠ - فهرس الأشعار والأرجاز.\n١١ - فهرس ترجيحات المؤلف واختياراته.\n١٢ - فهرس الأعلام.\n١٣ - فهرس موضوعات الكتاب العامة.\nهذا، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"مقدمة","page":34},{"text":"صُورَ المخْطُوْطَاتَ","vol":"مقدمة","page":35},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ \"أ\"","vol":"مقدمة","page":37},{"text":"صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ \"أ\"","vol":"مقدمة","page":38},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة برنستون بأمريكا، والمرموز لها بـ \"أ\"","vol":"مقدمة","page":39},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ \"ب\"","vol":"مقدمة","page":40},{"text":"صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ \"ب\"","vol":"مقدمة","page":41},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ \"ب\"","vol":"مقدمة","page":42},{"text":"صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ \"ب\"","vol":"مقدمة","page":43},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الخطية لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، والمرموز لها بـ \"ب\"","vol":"مقدمة","page":44},{"text":"تيسير البيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nالإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي\nالمشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى -\n\nبعناية\nعبد المعين الحرش\n\n[المجلد الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوبه نستعينُ، وحَسْبِيَ اللهُ وكفى، ونِعْمَ الوكيلُ (١)\nيقول العبدُ الفقيرُ إلى اللهِ الكريمِ محمدُ بنُ علىِّ بنِ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ ابنِ الخطيبِ، المعروفِ بابْنِ نورِ الدينِ، اليَمَنِيُّ الشَّعْبِيُّ المَوْزَعيُّ (٢):\nالحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسان، وعَلَّمَهُ القرآن، وفَهَّمَهَ البَيان، ورَزَقَهُ الفَهْمَ والعِرْفان، أحمدُهُ بجميع محامدِهِ، ما علمْتُ منها وما لم أعلَمْ، وأشكرهُ على ما مَنَحَ وفهَّمَ وعَلَّم (٣).\nوأشهدُ أن لا إله إلا الله الَّذي لا إِله إلا هُوَ، الفَرْدُ الصَّمَدُ، الواحِدُ الأحدُ، الذي لم يلِدْ ولم يولَدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أَحَد، وأنه اللهُ الَعِليُّ الكَبير، العليمُ الخَبير، الذي ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ، وهو السميعُ العليمُ البَصير.\nوأشهدُ أن اللهَ بعثَ عبدَه وصَفِيَّهُ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ في العالَمين سِراجًا مُنيرًا، وأرسلَهُ إليهم بَشيرًا ونذيرًا، وأنزلَ عليهِ القُرآن الكريم هدًى للمتَّقين، ورَحْمَةً للعالمين، فلم يزل -﵌- للعالَمين ناصِحًا، ولأَعدائِهِ مُكافِحًَا، حتى أقامَ (٤) المِلَّةَ الحَنيفيَّةَ\n_________\n(١) \"وبه نستعين، وحسبي الله وكفى، ونعم الوكيل\" ليس في \"ب\".\n(٢) في \"ب\": \"قال الفقيه الأجل الأوحد العلامة، جمال الدين محمد بن علي بن عبد الله بن الخطيب، عرف بابن نور الدين الموزعي اليمني الشعبي\".\n(٣) في \"ب\": \"وعلم وفهّم\".\n(٤) في \"ب\": زيادة \"الله\".","vol":"1","page":3},{"text":"على المَنْهَجِ القَويم، والصِّراطِ المُستقيم، مُبيِّنًا شرائعَ الإسلام، وقواعدَ الأَحكام؛ منَ الواجبِ والحَلالِ والحَرامِ، حَتَّى أَتاهُ اليَقين.\nوقد أتمَّ الله بهِ الدينَ المُبينَ، فجزاه اللهُ عَنّا أَفْضَلَ الجزَاءِ، وجَمَعَ شَمْلَنا به في دارِ البقاءِ.\nثمَّ خَلَفَ من بعدِهِ خُلَفاءُ حَقٍّ، وأُمَنَاءُ صِدْقٍ، فنصحوا لأُمَّتهِ (١)، فعلَّموهُمْ من حكمتهِ ما عَلِموهُ، وفَهَّموهم من بيانِهِ ما فَهِموهُ، وأَظْهروا لهمِ ما اجْتَهدوا فيه واستَنْبَطوهُ، فرضيَ اللهُ عنهُمْ وأَرضاهُمْ، وفي أَعْلى الجِنان بَوَأَهُمْ.\nثمَّ لم يَزَلْ بفضلِ اللهِ ورَحْمَتِه في هذه الأمَّةِ في جَميعِ أعصارها، واخْتِلافِ أَطوارِها مَنْ ينقُلُ لِخَلَفِها عن سَلِفها مِنْ وِفاقِها وخِلافِها، ويُظهرُ بالبحثِ أنوارَها، بالاستِنْباطِ أسرارَها، حَتَّى جَعَل (٢) اللهُ سبحانَهُ القائِمَ بذلكَ في عصرِهِ نورًا للأَنامِ، وعَلَمًا للأَعْلام، وإِمامًا للأَئِمَّةِ الكرامِ؛ لقيامِهِ بهَذا الدينِ المتينِ، ونصيحته للهِ رَبِّ العالَمين.\nولَمَّا كانَ القيامُ يَفي بهذهِ النَصيحةِ العَظيمةِ، والوَظيفَةِ الكَريمَةِ، بهذا المنصِبِ الأَسْنى، والمَحَل الأَعْلى، إِمّا دِيْنًا لا يَسَعُ تَرْكُهُ، أو فَريضةً لا يدعُها إلا من سَفِه نفسَهُ، استَخَرْتُ اللهَ الكريمَ الحكيمَ (٣) العليمَ في تصنيفٍ صغيرٍ حجمُه، خفيفٍ حَمْلُه، كثيرٍ نَفْعُهُ، كبير قَدْرُهُ، يكونُ تَنْبيهًا للطالبينَ، على مَناهِجِ العُلماءِ السَّالفينَ؛ في استخراجِ الأَحْكامِ، ومعرفةِ الحَلالِ والحَرامِ، ليتعلموا صَنيعَهُمْ، ويَقتْفوا أَثَرَهُمْ بسابقِ فَضْلِ اللهِ عليهِمْ، ورحمتِهِ لهُمْ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"لأهل ملته\".\n(٢) في \"ب\": \"وجعل\".\n(٣) في \"ب\": \"الحليم\".","vol":"1","page":4},{"text":"ولَعَمْري إِنَّها طريقةٌ دَرَسَتْ آثارُها، وأَفَلَتْ أنوارُها، وعُطِّلَتْ أعلامُهَا، وعَدِمَتْ قُوّامُها.\nولقد طَلَبْتُها زمنًا طويلًا، فلم أجدْ لها دَليلًا، ولا بها كفيلًا، إلا كما قالَ الأوّل (١): [البحر البسيط]\nفَمَا وَجَدْتُ بِهَا شَيئًا أَلُوذُ بِهِ ... إلاّ الثُّمَامَ وَإلّا مَوقِدَ النَّارِ\nفحينئذٍ جعلتُ أدعو اللهَ الكريمَ، البَرَّ الرَّحيم، في الاهتداءِ لسبيلِهِمْ، والاقْتِفاءِ لِطريقِهمْ، والاغْتِرافِ منْ بَحْرِهمْ، والاعْتِلالِ منْ نَهرِهِمْ، وابْتَهَلْتُ إليه -سُبْحانه- في مَظانِّ الإِجابَةِ للدَّعَواتِ، وإنْزالِ الرَّغَباتِ، فَرَحِمَني اللهُ الكريمُ بفضلِهِ، فَبيَّنَها لي بعدَ درُوسها، وأَوْضَحَها بعدَ طُموسها، فللَّهِ الحَمْدُ ربِّ العالمين، وأرجو مِنْ فضلِ (٢) اللهِ الكريمِ ورحمتِهِ أن يُظْهِرَ في الآفاقِ هذهِ الطريقةَ، ويقطعَ منها الاْنْقِطاعَ والتَّعويقَ، وتُدْرَكَ بعدَ فَوتها، وتُحيا بعدَ موتها، أليسَ اللهُ بقادرٍ على أَنْ يُحْيِيَ المَوْتى؟!\nولا يُنْكِرُ شَرَفَ ما وضعتُهُ في كتابي هذا، في زَمني هذا، في بلدي هذا، إلا جَاِهلٌ عَانِدٌ، أو مُتَجامِلٌ (٣) حاسِدٌ، فنعوذُ بالله من شَرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ.\nوإنِّي في خيرِ حالاتي؛ بل في جَميعِ أوقاتي قَدِ امتلأَ القلبُ والقالَبُ شُغْلًا وهَمًّا، ودَينًا (٤) وغُرْمًا، وظُلْمًا وهَضْمًا: [البحر الطويل]\nخَليِليَّ رِفْقًا رَيْثَ أَقْضي لُبانةً ... من العَرَصاتِ المُذْكِراتِ عُهودا (٥)\n_________\n(١) هو النابغة الذبياني، انظر: \"ديوانه\" (ق ٦٥/ ٥)، (ص: ٢٣٤).\n(٢) \"فضل \"ليست في \"ب\".\n(٣) في \"ب\": \"متجاهل\".\n(٤) في \"ب\": \"وذنبًا\".\n(٥) لُبانة: هي الحاجةُ من غير فاقةٍ، ولكن من هِمة، يقال: قضى فلانٌ لُبانته،=","vol":"1","page":5},{"text":"أما واللهِ الأَعَزِّ الأَكْرَمِ، اللَّطيفِ الأَرْحَمِ، لولا أَلْطافُهُ الخفِيَّةُ، ومراميه الحَفِيَّة، التي أخرها وسَهَّلَ مَجْراها على يدِ عبدِهِ الذي مَلَّكَهُ في أَرْضِهِ، واستَوْدَعَهُ دينَهُ، واستأْمَنَهُ على خَلْقِهِ، أَلَا وهوَ الإمامُ الأَعْلَمُ، القاِئمُ الأَقْوَمُ، المُسْتَمْسِكُ بحبلِ اللهِ الأَعْصمِ، ذو المَجْدِ الأَشْرَفِ، والمُلْكِ الأَصيلِ الأَعْرفِ: أبَو العَبَّاسِ، ذو النَّجْدَة والبأسِ، صلاحُ الدُّنيا والدِّين، المَلِكُ النّاصِرُ أَحْمَدُ بْنُ المَلِكِ الأَشْرَفِ إِسماعيلَ بْنِ المَلِكِ الأَفْضَلِ هو العَبَّاسُ بنُ المَلِكِ المُجاهِد عَليِّ بْنِ المَلِكِ المُؤَيَّدِ داودَ بْنِ المَلِكِ المُظَفَّرِ يوسُفَ بْنِ المَلِكِ المَنْصورِ عُمَرَ، بَرَّد اللهُ مَضَاجِعَهُم، وآنسَ برحمتِهِ مَهاجِعَهُمْ، ألا وهوَ مَلِكُ اليَمَنِ، رَفيعُ الفَنَنِ، رحَيبُ العَطَنِ (١)، عَيْنُ مُلوكِ الزَّمَن، ضاعفَ اللهُ الكريمُ صَلاحَهُ وفلاحَه، وأصلحَ اللهُ لنا بدولتِه الظاهِرَةِ، وصولَتِهِ القاهِرَةِ دِينَنَا ودُنْيانا، وأتمَّ بهِ نِظامَ أُولانا وأُخرانا.\nولَمّا أوجبَ اللهُ -سُبْحانه- على الكافَّةِ مِنْ خلقِهِ أَداءَ شُكرِهِ، والقِيامَ بواجبِ حَقِّهِ، رأيْتُ إتحافَ هذا المَلِكِ الجَليلِ السَّيَدِ الأصيلِ بهذهِ التُّحْفَةِ السَّنِيَّةِ، والزُّلْفَةِ الهَنِيَّةِ (٢)، فَعَلْتُ ذلكَ لِذلِك، ورَغْبَةً فيما هنُالِك، وتَحَبُّبًا\n_________\n= والجمعُ لبانٌ؛ كحاجةٍ وحاج. \"لسان العرب\" (مادة: لبن) (١٣/ ٣٧٧).\nقلتُ: قال امرؤ القيس:\nخليلىَّ مُرَّا بي على أمِّ جُندبِ ... لنقضي لُبانات الفؤاد المعذّبِ\nفجمع لبانة على لبانات.\nوالعرصات: جمع عَرْصَة: وهي كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء، وتُجمع أيضًا على عِراص وأعراص. \"القاموس\" (مادة: عرص)، (ص: ٥٥٩). وانظر \"مغني اللبيب\" لابن هشام (ص: ٥٥١).\n(١) رحيب العَطَن: كثير المال، واسع الرحل، رحب الذراع. \"القاموس\" (مادة: عطن) (ص: ١٠٩٦).\n(٢) الزلفة: وهي القُربةُ، والدرجة والمنزلة، ومثلها الزُّلفى. قال تعالى: ﴿وَمَا=","vol":"1","page":6},{"text":"إلى قلبِه، وتأديةً لِحَقِّ ربِّنا وحَقِّه (١).\nوأسألُكَ -اللَّهُمَّ- تيسيرَ ذلكَ وتسهيلَهُ، وتحقيقَهُ وتكميلَهُ، وأَرْغَبُ إليكَ في إخلاصِ العملِ لكَ، وصِدْقِ الإيمانِ بكَ، وما توفيقي إلا باللهِ، عليهِ تَوَكَّلْتُ، وإليهِ أُنيبُ.\nوها أنا مُقدِّمٌ، في أوَّلِ كتابي هذا الذي قصدتُ به بيانَ أحكامِ القرآنِ، وسمَّيْتُهُ:\n\"تَيْسِيْرُ البيانِ (٢) لِأحْكَامِ القُرْآنِ\"\nما رويته في \"صحيح مسلم\" عن تَميمٍ الدَّارِيِّ -﵁-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"الدينُ النصيحةُ؛ للهِ، ولرسولهِ، ولكتابِهِ، ولأئمةِ المسلمينَ، وعامَّتِهمْ\" (٣).\nفإذا كانَ ذلكَ كذلكَ (٤)، فاعلَمُوا أنَّ النصيحةَ للهِ -ﷻ- هيَ توحيدُه وتنزيهُه، وتعظيمُه وشكرُه، والقيامُ بعبوديتِه في مُلْكِهِ ومَلَكوتِهِ، واجتنابُ نَهْيِهِ، وامْتثالُ أَمْرهِ، وقَبولُ إرشادِهِ وتأديبِهِ، ولكنْ لا يقومُ العَبْدُ بطاعتِه إلاّ بعدَ الاهْتِداءِ بكتابهِ العَزيز.\nقال اللهُ -ﷻ-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\n_________\n= وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾. انظر: \"اللسان\" (مادة: زلف) (٩/ ١٣٨).\n(١) من قوله: \"أما والله الأعز الأكرم ... \" إلى هنا ليس في \"ب\".\n(٢) في \"أ\": \"تيسير إحكام البيان لأحكام القرآن\"، وما جاء في \"ب\" هو الأحسن والأظهر في اسم الكتاب.\n(٣) رواه مسلم (٥٥)، كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة.\n(٤) \"كذلك\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":7},{"text":"وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nوقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].\nواعلموا أنَّهُ لا اهْتِداءَ بِكتابِ الله -﵎- إلَّا بعدَ عِلْمِهِ، وعِلْمِ سُنَّةِ رسولِ اللهِ -﵌-. قال ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nوقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].\nواعلَموا أنهُ لا معرفةَ لكتاب اللهِ تَعالى، ولا لِسُنَّةِ رسولِ اللهِ -﵌- إلَّا بعدَ معرفةِ اللِّسانِ العربِيَّةِ، والسَّجيَّةِ القُرَشِيَّةِ، ألاَ وهِيَ لُغَةُ رسَولِ اللهِ، ﵌.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>فصل</span>\nواعلموا -أَرْشَدَكُمُ اللهُ الكريمُ-: أَنَّ الله -ﷻ، وتَقَدَّسَتْ أسماؤهُ- اصْطَفى عبدَهُ ورسولَهُ مُحَمدًا -﵌- مِنْ أَزْكى العَرَبِ أَصْلًا، وأَعْظَمِهِمْ فَضلًا، وأَشْرَفِهِمْ قَدْرًا، وأَفْضَلِهِمْ دارًا، ولم تَزَلِ العربُ في سالِفِ الأَزْمانِ تَعْرِفُ ذلكَ لِقُرَيْشٍ، وتُعَظِّمها وتَعُزِّزُها وتُوَقِّرُها، وتَتَحاكمُ إِليها في أمُورها، وتتعلمُ منها مناسِكَها وآدابَها، وتُسَمِّيها آلَ اللهِ.","vol":"1","page":8},{"text":"روينا في الصَّحيحَينِ عن أَبي هريرةَ -﵁-: أَنَّ النبيَّ -﵌- قال: \"النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في هذا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وكِافرُهُمْ تَبَعٌ لِكافِرِهْم\" (١).\nوروينا في صحيحِ مسلمٍ عن واثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ -﵁- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"إنَّ اللهَ اصْطَفى كَنِانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسماعيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصْطَفى مِنْ قريشٍ بني هاشِمٍ، واصْطفاني منْ بني هاشِمٍ\" (٢).\nوأَجْمَعَ أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ ولغاتِها، وخُطَبها وأشعارِها وأَيّامِها وأَحْوالِها (٣) أَنَّ قريشًا أَفْصَحُ العربِ لِسانًا، وأحسنُهم بَيانًا، وأصفاهُم لغةً، وألطفهم بِنَاءً، وما ذاك إلا لِمَكانَتِهم (٤) من نبيِّ اللهِ وصَفِيِّهِ مُحَمَّدٍ -﵌- فجعلَهُمْ حَضَنَةَ بيتِهِ، وسُكَّانَ حَرَمِه، حَتَّى وردَتْ عليِهم وفُودُ العَرَبِ وفُصحاؤها، وتَخَيَّروا (٥) من كلامِها وبيانِها أحسنَ لُغاتِها، وأَصْفى كَلامِها، مع ما طُبعوا عليهِ منْ لسانِهِمُ الفصيحَةِ، وسَجِيَّتِهم البَليغةِ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٠٥) كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...﴾ وما ينهى عن دعوى الجاهلية، ومسلم (١٨١٨) كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش.\n(٢) رواه مسلم (٢٢٧٦) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.\n(٣) \"وأحوالها\" ليس في \"ب\".\n(٤) في \"ب\": \"لمكانهم\".\n(٥) في \"ب\": \" فتخيروا\".","vol":"1","page":9},{"text":"ثم (١) إِنَّ اللهَ أَنشْأَ مُحَمَّدًا -﵌- ورَبَّاه في القَومِ الفُصَحاءِ، والعَرَبِ البلُغاءِ: بَني سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.\nقال النَّبيُّ -﵌-: \"أنا أَفْصَحُ العَرَب، بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وإِنِّي نَشأْتُ في بنَي سَعْدِ بْنِ بكْرٍ\" (٢).\nوهؤُلاءِ منَ الذينَ قالَ فيهم أبو عَمْرِو بْنُ العَلاء: أَفْصَحُ العَرَبِ: عُليا هَوازِنَ، وسُفلى تَميمٍ (٣).\nثم أنزلَ اللهُ -ﷻ- عليهِ القُرآنَ المَجيدَ باللَّسانِ العربيِّ المُبينِ.\nقال اللهُ ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\nوأنزلَهُ على سبعة أحرُفِ من قبائلِ العرب المَجْبولين على الفَصاحَة واللَّسَنِ والكَيْس (٤) والبَلاغَةِ؛ لُطْفًا منُه بهِم؛ لِكَيْ يَفهموهُ، ورِفْقًا بهم ليَتْلوهُ\n_________\n(١) \"ثم\" ليست في \"أ\".\n(٢) قال ابن الملقن في \"البدر المنير\" (٨/ ٢٨١): هذا الحديث ذكره الفقيه نجم الدين بن الرفعة في \"مطلبه\"، ولم يعزه إلا إلى الفقهاء، ثم قال ابن الملقن: الذي ألفيته في كتب الحديث بعد الفحص البليغ والتتبع الشديد ما رواه الطبراني في أكبر \"معاجمه\"، من حديث بقية، عن مبشر بن عبيد، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا أعرب العرب، ولدتني قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر، فأنَّى يأتيني اللحن\". وهذا سند ظاهر الضعف، انتهى.\nوانظر \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٤/ ٦).\n(٣) \"عُليا هوازن\": هم سعد بن بكر، وجثم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف.\nو\"سُفلى تميم\": يعني بني دارم. انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٧).\n(٤) \"والكيس\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":10},{"text":"ويَقْرؤوهُ، وحُجَّةً عليهِمْ لِئَلًا يَجْحَدوهُ، فبيّنَ لَهُمْ -ﷻ- ما فيهِ صَلاحُهُمْ ورُشْدُهم، وفلاحُهم في دِينِهم ودُنْياهُم؛ مِنْ صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِم وحَجِّهِم وصِيامِهم، ومُناكَحَتهِم ومعُاملاَتهم، وأَكْلِهم وعاداتهم، ومكارِم أخلاقِهم التي شَرُفوا بها على أمثالهم، وبيّن الله -﷾- فيهِ منَ المباحِثِ القُدْسِيّاتِ، والبَراهينِ القَطْعِيّاتِ، والأَحْكامِ الَبيِّناتِ، والسِّياساتِ القَيِّمات، وتَهْذيبِ النفسِ من النقائِصِ المُسْتَقْذَراتِ، وتَزْكِيتها بالأخلاقِ الزَّكِيّاتِ، وغيرِ ذلك منَ العلومِ الغَزيراتِ، فعملوا منهُ بما عَلِموا (١)، وتَفَهَّموا من رسولِ اللهِ (٢) -﵌- ما لم يفهموا، إذْ جعلَ اللهُ -سُبْحانهُ- إليه بيان القرآنِ العَظيم، فَمَنْ قبِلَ عنهُ -﵌- فَعَنِ اللهِ قَبِل.\nقال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>فصل</span>\nواعلموا أنَّ اللهَ تَعالى أوجبَ على نبيِّه -﵌- بيانَ ما أَنْزَلَ عليهِ، وجَعلَ بيانَ ذلكَ إليهِ، وخَصَّه بهذا المَنْصِبِ الشَّريفِ الأَعْلى، زادَهُ الله الكريمُ شَرَفًا وفَضْلًا، وقالَ -جَلَّ وعلا- ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nثمَّ اعلَموا أَنَّ بيانَه لأمتهِ مِنْ ثلاثةِ أَوْجُهٍ، فَوَجْهانِ مُتَّفَقٌ عليهما عندَ أهلِ العِلم، وفي الثِالثِ اختلافٌ عندَهُمْ:\n_________\n(١) في \"ب\": \"فعلموا منه ما علموا\".\n(٢) في \"ب\": \"وتفهموا منه\".","vol":"1","page":11},{"text":"الوجه الأول: ما نصَّ اللهُ -ﷻ- عليه، وأَحْكَمَ فَرْضَهُ، وَبَيَّنهُ بأوضَحِ بَيانٍ، ثُمَّ بَيَّنه النبيُّ -﵌- إِمَّا بقَوْلٍ، أَو فِعْلٍ، كَما بَيَّنه اللهُ -ﷻ-.\nالوجه الثاني: ما نصَّ اللهُ تَعالى عليهِ جُمْلَةً، وأَحْكَمَ فَرْضَهُ، وجعلَ إلى نبيِّه -﵌- بيانَ تِلْكَ الجُمْلَةِ، فبيَّنَ مَواقيتَها وأَحْوالَها، وفَرائِضَها، وآدابَها، ومقدَّماتِها، ولَواحِقَها، وبيَّنَ على مَنْ تَجبُ، وعَمَّن تَسْقُطُ، وكيفَ يأتي بها العبدُ، وغيرَ ذلكَ مِنَ الأحوال.\nالوجه الثالث: ما سَنَّ رسولُ اللهِ مِمَّا لمْ يردْ فيه كتابٌ، وهذا هو المختلَفُ فيه، فمنهُمْ من قال: جعلَ اللهُ لهُ ذلك؛ لِما خَصَّه منْ وجُوبِ طاعَتِه، وتوفيقِه لِما يرضاه، وعصمَتِه لهُ عن الخَطَأ أَنْ يَسُنَّ فيما لمْ يردْ فيه كتابٌ، وإليهِ ميلُ الإمامِ أبي عبدِ الله الشافعي -﵁ (١) -، ومنهمْ من قالَ: لم يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ (٢) إلا ولَها أصلٌ في كتاب الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>فصل</span>\nوَلمّا كانَ خِطابُ اللهِ -﵎- وبيانُ رسولِه -﵌- معَ العربِ بلسانِهمْ وسُنَّتِهم في كَلامِهِمْ، فلا سبيلَ إلى معرفةِ خِطابِ اللهِ -ﷻ- وبيانِ رسولهِ -﵌- إلا بعدَ معرفةِ لُغَتِهم، وصنوفِ معَانيهم، وأسرارِ مبَانيهم.\nفواجبٌ عليكَ أَيُّها الأَخُ تَعَلُّمُ لُغَةِ العَربِ؛ لتعلمَ بها خطابَ الله -ﷻ- وبيانَ رَسولهِ -﵌-.\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٩١ - ٩٢).\n(٢) \"قط\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":12},{"text":"قال أبو عبدِ اللهِ الشافِعُّي -﵁-: ولا يَعلمُ مِنْ إيضاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكتابِ أحدٌ جهلَ سَعَةَ لسانِ العربِ وكثرةَ وجُوهِه، وجِماعَ مَعانيهِ، ومَنْ علمَ ذلكَ انتفتْ عنه الشُّبَهُ التي دخلتْ على من جَهِل لسانَها (١).\nثم اعلَموا أن أهلَ العلمِ قد قَسَّموا لغةَ العربِ إلى أربعةِ أقسامٍ، وأفردوا كلَّ قسمٍ منها بتصنيفٍ:\nفالقسمُ (٢) الأولُ: علمُ الغَريبِ؛ كالعلمِ بالأسماءِ؛ كأسماءِ الأسَدِ والذِّئبِ والإِبِلِ والخَيْل، وأسماءِ السِّلاحِ والفَيافي والقِفارِ (٣)، وغيرِ ذلكَ، وكالعِلْمِ بالأفعالِ وتصاريفِها، ويكفي أَهْلَ النَّظَرِ والفُتْيا (٤) منهُ طَرَفٌ يعرفونَ بهِ الألفاظَ الدائرة في الكتاب والسُّنَّةِ، ولا يضرُّهُمْ جَهْلُ ما وراءَ ذلكَ من حُوشِيِّ اللُّغَةِ وغَريبها؛ لسهولةِ ألفاظِ القرآنِ والسُّنَّةِ، وسَماحتِها، وخُلُوِّها عنِ الألفاظ الحُوشِيَّةِ غالِبًا.\nوقد أفردَ أهلُ العلمِ غريبَ القرآنِ والسُّنَّةِ بالتَّصانيفِ الكافيةِ المفيدةِ (٥).\nوالقسمُ الثاني: علمُ النَّحْوِ، وهو: معرفةُ قوانينَ كُلِّيَّةٍ نتوصَّلُ بها إلى\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٠).\n(٢) في \"ب\": \"القسم\".\n(٣) الفيافي: مفردها الفيف، والفيفاةُ، وهي المفازة التي لا ماء فيها، قال الليث: الفيفُ: المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسعة، وإذا أُنِّثت فهي الفيفاة.\n\"اللسان\" (مادة: فيف) (٩/ ٢٧٤).\nوالقفار: جمعٌ مفردُه قَفْر وقَفْرةٌ، وهي الخلاء من الأرض، يقال: أرض قفرٌ، ومفازةٌ قَفْر وقفرةٌ، وقيل: القفر: مفازة لا نبات بها ولا ماء. \"اللسان\" (مادة: قفر)، (٥/ ١١٠).\n(٤) في \"ب\": \"الفتيا والنظر\".\n(٥) من أبدعها: \"مفردات القرآن\" للراغب الأصفهاني، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير.","vol":"1","page":13},{"text":"معاني الكلامِ، [ومعرفة الصوابِ من وُجوه الخِطابِ.\nوذلكَ كتقسيم الكلامِ] (١) إلى: اسمٍ وفِعْلٍ وحَرْفٍ جاءَ لِمَعْنًى.\nوتقسيمِ الاسمِ إلى: مُعْرَبٍ وَمبْنِيٍّ، ومَقْصورٍ ومَنْقوصٍ، وغيرِ ذلكَ من الأنواعِ.\nوتقسيم الفعلِ إلى: ماضٍ ومستقبلٍ وأمرٍ، ومُتَعَدٍّ وغَيْرِ مُتَعَدٍّ، وغَيْرِ ذلك من الأَقسام.\nوتقسيمِ الحُروفِ إلى عَوامِلَ وغيرِ عَواملَ، وإلى رافعةٍ وجارَّةٍ وناصِبَةٍ، وبهذا العلمِ أيضًا تتميز بعضُ المعاني من بَعْضٍ.\nوقَدْ نصبَ اللهُ الكريمُ أقوامًا دَوَّنوا هذا الفنَّ، وحفِظوا بهِ كتابَ اللهِ -﵎- منَ التَّحْريفِ والتَّخْليطِ، وإمامُهم أَبو الحَسَنِ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ -﵁ (٢) -.\nويَكفي أهْلَ النظرِ (٣) والفُتْيا منهُ طَرَفٌ يعرفونَ بهِ وجُوهَ الإعرابِ الدائِرَةَ في الخِطابِ، ويعرفونَ منهُ المعانيَ المتعلقَةَ بالحروفِ، وما أشبَهَها منَ الأسماءِ والظُّروفِ.\nوقدْ وضعْتُ في مَعاني الحُروفِ \"جُزْءًا\" (٤) في نحوِ مِئَةِ وَرَقَةٍ بما فيه مَقْنَعٌ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- ولا يضرُّ المُفْتِيَ جَهْلُ ما وراءَ ذلكَ، وإن كانَ علمُه فضيلَةً، لا يَجْهَلُها إلَّا من ضَلَّ رأيُه، وذهبَ نورُه.\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"وعنهم أجمعين\".\n(٣) \"النظر\" ليس في \"ب\".\n(٤) هو كتابه المسمى: \"مصابيح المغاني في معاني حروف المعاني\". وقد أسلفنا الكلام عنه في مقدمة هذا الكتاب.","vol":"1","page":14},{"text":"والقسمُ الثالثُ: العلمُ بما يتعلقُ بتركيب الكلامِ وتأليفِه، وتَحْسينِه وتَرْصيفِه، على مُقْتَضى الخَصائِصِ ومَقاماتِ الأحوالِ؛ إذْ مقاماتُ الكلامِ متفاوِتَةٌ.\nفَمَقامُ التَّنْكيرِ يُباينُ مقامَ التَّعريفِ، ومقامُ الإِطلاقِ يُباينُ مَقَامَ التَّقييدِ، ومقامُ الذِّكْرِ يُباينُ مَقامَ الحَذْفِ، ومقامُ الإيجازِ يُباينُ مقامَ الإِطْنابِ.\nوهذا يُسَمَّى: عِلْمَ المعَاني والبَيان.\nوهذا لا يَحتاجُ إليهِ أهلُ النظرِ والفُتْيا، وإنَّما يَحْتاجُ إليهِ الذي يطلبُ الكَشْفَ عن وجهِ إِعْجازِ القرآنِ، وضَروَرةُ الأدباِء والشعراءِ إليهِ شديدةٌ، بلْ هوَ عُدَّتُهم العَتيدَةُ.\nوالقسم الرابع: وإليهِ ضَرورةُ أهلِ النَّظَرِ والفُتْيا والمُفَسِّرينَ وسائرِ العُلماءِ، وهو معرفة رُسُومِ العرَبِ في خِطابِها، وسُنَنِها في كلامِها، واتِّساعِ معانيها، وأسرارِ مَبانيها، ودَقيقِ إشارتها، ولطيفِ عِبارتِها.\nفمنْ سُنَّةِ العَرَبِ فِي كلامِها أنها تُسَمِّي الشيءَ الواحدَ بالأسماءِ الكثيرةِ، وتسمي بِالاسمِ الواحدِ المَعانِيَ الكَثيرةَ، وتأتي بالكلام بَيِّنًا، وتأتي بهِ مُشْكِلًا، وتخاطبُ باللَّفْظِ العامِّ (١) وتريدُ بِه العامَّ، وتخاطبُ بالعامِّ وتريدُ بهِ الخاصَّ، وتخاطبُ بالخاصِّ وتريدُ به الخاصَّ، وتخاطبُ بالخاصِّ وتريدُ بهِ العامَّ، وتُطْلِقُ الكلامَ وتقُيِّدُهُ، وتذكرُ الاسمَ مَقْرونًا ببعضِ صِفاته، وتريدُ نَفْيَ ما عداهُ، وقدْ لا تريدُ، بلْ هو وغيرُه سَواءٌ، وتأتي بالكلامِ على حقيقتِه، وعلى غيرِ حقيقتِه، فتزيدُ وتَنْقُص، وتُظْهِرُ وتُضْمِرُ، وتقدِّمُ ما يَنبغي تأخيرُه، وتؤخِّرُ ما يَنبغي تقديمُه، وتستعملُ في كلامِهَا الاستعارةَ والتشبيهَ، والمُحاذاة والمُقابَلَةَ كَثيرًا، وتأتي بالأمرِ على وَجْهِهِ، وتَأتي بهِ\n_________\n(١) في \"ب\": \"وتخاطب الخاص باللفظ العام\".","vol":"1","page":15},{"text":"على غيرِ حقيقَتِهِ، وكذلكَ تفعلُ في النَّهْيِ والخَبَرِ أيضًا، وتأتي بالكلامِ يُعْرَفُ من سِياقِهِ أنهُ أُريدَ بهِ غيرُ ظاهرِهِ، وقَدْ يُعرفُ ذلك في أولِ كلامِها وآخِره ووسطِه، وتبَتدِئُ بالكلامِ ويُنْبِئُ (١) أولُ لفظِها فيه عن آخره، وتَبْتدئُ بالكَلام وينبئُ (٢) آخرُ لفظِها عن أوَّلِهِ، وهو أكثرُ منْ ضِدِّهِ، وقد يكونُ البيانُ مُتَّصِلًا بالكلامِ الأَوَّلِ، وقد يكونُ مُنْفَصِلًا، وتتكلمُ بالشيءِ تعرفهُ بالإيماءِ دونَ الإيضاحِ باللَّفظِ.\nقال الشافعيُّ: ويكون ذلكَ عندَها من أعلى كلامِها؛ لانفرادِ أهلِ عِلْمِها به (٣).\nوجميعُ هذهِ الأقسامَ بَيّنةٌ متقاربةُ الاستواءِ عندَ العربِ، وإن كانَ بعضُها أَشَدَّ بيانًا من بَعْضِ، مُتفاوِتَةٌ عندَ مَنْ يَجْهَلُ لِسانَها؛ لأنَ أقلَّ البيانِ عندَ العربِ كافٍ، إنَّما يريدُ بهِ السامعُ فَهْمَ قولِ القَائلِ، فأقلُّ ما يُفْهِمُ بهِ كافٍ عندَهُ.\nوهذا هو الذي اعتمدَهُ أهلُ النَّظَرِ والفُتْيا في اسْتِنباطِ الأحْكام، ومَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرام، فَسمَّوْهُ (٤): أصولَ اللُّغَةِ.\nوأولُ منْ أبرزَ ذلكَ وأظهرَهُ الإمامُ أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إدريسَ الشافِعِيُّ -﵁- لا منازَعَةَ في ذلكَ؛ ولا مِرْيَة؛ ولأجل مَعْرِفتهِ بلسان العربِ واتِّساعِ معانيها صارَ إِمامًا للأئمةِ الهادين والعلماءِ المجتهدين -رضي اللهُ تعالى عنهمْ أجمعين-.\nوقد سَمَّى بعضُ عُلماءِ اللسانِ -وهو الإمامُ أبو الحسين أحمدُ بنُ فارسٍ-\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويبين\".\n(٢) في \"ب\": \"ويبين\".\n(٣) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٢).\n(٤) في\"ب\": \"وسموه\".","vol":"1","page":16},{"text":"- هذا النوعَ من اللغةِ: أصولَ اللُّغَةِ، وسَمَّى غيرَهُ: فَروعَ اللغةِ.\nولما كانَ لاَ تَتِمُّ معرفةُ خِطابِ اللهِ -جَلَّ جلاَلهُ- إلا ببَيانِ رَسولِ الله -﵌- كَمَا قَدَّمْتُ، وكان فِي السُّنَّةِ علَلٌ لا تَتَعَلَّقُ باللُّغَةِ= وضعَ أهلُ العلمِ للمعارَضَةِ الصحيحة (١) عِلمَ النَّسْخِ، وَبيَّنوا عِلَل السُّنَّةِ، وقَسَّموها أَقْسامًا وأنواعًا.\nولما كانتِ الألفاظُ لا تَفي بالحوادِثِ، نَصبَ الشارعُ علاماتٍ وأَماراتٍ يَهتدي بها أهلُ العِلم إلى اسْتِنْباطِ الأَحكامِ، فوضعوا لذلك عِلْمَ الِقياسِ، وبينوا قَوِيَّهُ وضَعيِفَهُ، وصَحيحَهُ وفاسِدَهُ، ورِاجحَهُ وأَرْجَحَهُ، وصَحيحَهُ وأَصَحَّهُ، وسَمَّوا جميعَ هذهِ الجُملِ المذكورةِ: أَصولَ الفِقْهِ.\nوحقيقته حينَئِذٍ أنه: قوانينُ كلِّيَّة يُتَوَصَّلُ بها إلى استخراجِ الأحكامِ الشرعيةِ.\n* وسأُبيِّنُ ما أَشَرْتُ إليهِ من صنوفِ هذهِ اللُّغَةِ الشريفة بمقدمةٍ ينتفعُ بها طالبُ هذا النحوِ، ويستدلُّ بها على ما وراءها من معاني اللغةِ، فوراءَ ذلكَ ما لا يُحْصَى.\nقالَ الشافعيُّ: ولا نعلمُ أحدًا يُحيطُ بجميعِ علم (٢) لسانِ العربِ غيرَ النبيِّ -﵌- ولكنَّه لا يذهبُ منه شيءٌ على عامتها، حَتَّى لا يكونَ فيها موجودٌ من لا يعرفها، كما نَقولُ في عِلْمِ السُّنَّةِ (٣).\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"الصريحة\".\n(٢) \"علم\" ليست في \"أ\".\n(٣) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٤٢).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>مقدِّمة جَامِعَة في أصول الفقه والتَّفسِيْر</span>","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>القولُ في الأسماءِ المُفْرَدَةِ</span>\n* اعلموا -رحمكمُ الله تعالى- أنَّ من سُنَّةِ العَرَبِ أن تُسَمِّيَ الأشياءَ المختلفةَ بالأسماءِ المُخْتَلفَةِ؛ كالرَّجُل، والفَرَس، والحِمار، والبُرِّ، والشّعيرِ؛ لاختلافِ مُسَمَّياتها.\nويُسمِّي الأُصوليّونَ هذا النوعَ: الأسماءَ المُتبايِنَةَ (١).\nوتُسَمَّى الأشياءُ الكثيرةُ بالاسم الواحِد:\n\n١ - فقْد تكونُ تلكَ الأشياءُ متفقَةً من جميعِ الوُجوه؛ كالإِنسان، والمُشْرك (٢)، واللونِ، والثَّمَر (٣)، وغيرِ ذلكَ من أَسْماءِ الأجناسِ، ويسمُّونها: الأسماءَ المتُواطِئَةَ؛ لِتَواطُئِها على معانيها (٤).\nوحكمُ هذا النوعِ إذا وَرَدَ في كتابِ اللهِ -﵎- أو سُنَّةِ نبيّه -﵌- أن يُحْمَل على ما يقْتضيهِ اللَّفْظُ.\n_________\n(١) انظر: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ٧٦)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ٣٢)، و\"غاية الوصول\" للشيخ زكريا الأنصاري (ص: ٤٢).\n(٢) في \"ب\": \"المشترك\".\n(٣) في \"ب\": \"الثمن\".\n(٤) التواطؤ: هي نسبة وجود معنى كلي في أفراد؛ بحيث يكون وجوده في الأفراد متوافقًا غير متفاوت؛ كإطلاق اسم \"اللون\" على السواد والبياض والحُمرة، فإنها متفقة في المعنى الذي به سُمِّي اللون لونًا.","vol":"1","page":21},{"text":"فإنْ كانَ اللَّفْظُ يقتضي العُمومَ، حُمِلَ عليهِ؛ كقولِك: اقْتُلِ المُشْرِكَ، فيُحمل على كلِّ مشركٍ، يَهوديًّا كانَ أو نَصْرانيًا أو وَثَنِيًّا.\nوإن كانَ اللفظُ يَقتضي التَّخصيصَ، حُمِل عليهِ؛ كقولك: اقْتُلِ المُشْرِكَ النَّصْرانِيَّ، أو: اقتلْ مُشْرِكًا نَصْرانِيًّا (١).\n\n٢ - وقدْ تكونُ تلكَ الأشياءُ مختلفةَ المعاني: كالبيْضَةِ، فإنَّها تقعُ على بَيْضَةِ الدَّجاجِ والنَّعامِ، وبيضَةِ الحَديد.\nوكالعَيْنِ؛ فإنَّها تقعُ على العَيْن الناظِرَةِ، وعلى عَيْنِ الذَّهَبِ، وعَيْنِ الماءِ، وعَيْنِ المِيزانِ.\nوكالجَوْن (٢)، فإنَّهُ يُطلَقُ (٣) على الأبيضِ والأسودِ، ويُسَمَّى هذا النوعُ: الأسماءَ المُشْتَرَكَةَ (٤).\nوأنكرَ قومٌ (٥) لا يُعْتَدُّ بهم هذا النوعَ منَ الأسماءِ، وقالوا: لا تأتي (٦) العَرَبُ باسمٍ واحدٍ للشيءِ وضِدِّهِ.\nوالدليلُ على ما قُلناهُ أنَّ الذينَ رَوَوْا عنِ العربِ الأسماءَ المُتباينَةَ\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٤٢).\n(٢) أي: كإطلاق كلمة \"الجون\" في اللغة على كلٍّ من الأبيض والأسود والأحمر. انظر: \"القاموس المحيط\" للفيروزأبادي (مادة: جون).\n(٣) في \"ب\": \"فإنها تقع\".\n(٤) انظر: \"المستصفى\" (١/ ٧٦)، و\"تقريب الوصول\" (ص: ١٠٣)، و\"شرح الأخضري على السلّم\" (ص: ٢٧).\n(٥) نُسِبَ نفي وقوع المشترك في اللغة إلى ثعلب، وأبي زيد البلخي، والأبهري. انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٢٢).\n(٦) \"تأتي\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":22},{"text":"والمُتواطِئَةَ، همُ الذين رَوَوْا عنهمْ تَسمية المُتَضادَّةِ باسمٍ واحد، وهم الواسطةُ بينَنا وبينَ العرب (١).\nوحكمُ هذا النَّوع أن يُحْمَلَ على ما يَقتضيهِ اللفظُ:\nفإن كانَ اللفظُ يقتضي التَّخْصيص؛ حُمِلَ عليه؛ كما إذا قال: أَعْطِني بَيْضَةَ الحَرْبِ، أو عَيْنًا أَشتري بها مَتاعًا، أو الجَوْنَ الأبيضَ.\nوإن كانَ اللفظُ يقَتضي العُمومَ والإطْلاَق؛ كما لو قالَ لعبدِهِ: أَعْطِني البَيْضَةَ، وأَعْطِني العَيْنَ، وأَعْطِني الجونَ، حُمِل عليهِ عِنْدَ الشافِعيِّ -رحمهُ اللهُ تَعالى- وعِدَّةٍ يسيرة منَ الأُصولِيِّين (٢)، والجمهورُ على خلافِهِ.\nفلا يصيرُ العبدُ مُمْتَثِلًا عندَهُ إِلاّ إذا أتى بجميع ما يقعُ عليه اسمُ البَيْضَةِ، وبِجميعِ ما يقعُ عليهِ اسمُ العَيْنِ والجَوْنِ، والدليلُ عليهِ أنَّ الحَمْلَ على الجَميع غيرُ مُسْتَحيلٍ، واللَّفْظُ يصلُح لهُ، فَحُمِلَ عليه بِمُقْتَضى اللُّغَةِ.\nنَعَمْ إذا دَلَّ العقلُ أو الشرعُ على أنَّ المرادَ بهِ شيءٌ بعَيْنِهِ، ولم نَتَبَيَّنْهُ في اللفظِ؛ كقولِهِ -تعالى-: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد دلَّ الدليلُ على أن المرادَ واحدٌ بعينه، إمّا الحَيْضُ، أو الطُّهْرُ،\n_________\n(١) انظر مبحث وقوع المشترك في اللغة أو عدم وقوعه في المراجع التالية:\n\"المحصول\" للرازي (١/ ٢٦١)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٤١)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٢٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٢٢)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (١/ ٢٩٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص:١٩).\n(٢) قد وافق الإمام الشافعيَّ على حمل المشترك على جميع معانيه: الباقلانيُّ، والجُبَّائيُّ، وعبد الجبار، وابن الحاجب، والبيضاوي، وغيرهم، ونُقل عن الإمام مالك.\nانظر: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٦١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٦١)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص: ١٧٥).","vol":"1","page":23},{"text":"فهذا يكون مُشكِلًا مُجْمَلًا، لا يُعَرفُ مَعْناه من لفظِهِ، وإنما يعُرفُ المرادُ منهُ بِغيرهِ، إمّا من دليلٍ، أو قرينةٍ، أو شاهدِ حالٍ (١).\n* ومن سُنَّةِ العَرَبِ في كلامِها -أَيْضًا- أَنْ تسميَ الشيءَ الواحدَ بالأسماءِ المختلفةِ؛ نحو: السَّيْفِ والمُهَنَّدِ والصّارِمِ والحُسامِ، وأَكْثَرُ أسماءِ الغَريب على ذلك، ويُسمَّى هذا الصنفُ: الأسماءَ المترادِفَةَ (٢).\nفمذهبُ الأُصوليِّين واللُّغَويين أَنَّها أسماءٌ لمعنَى واحِدٍ.\nوقال ثَعْلَبٌ: إنَّ الاسمَ منها واحدُ، وهو السيفُ مَثَلًا، وما بعدَهُ من الأسماءِ صفاتٌ لهُ باعتباراتٍ زائدةٍ على الاسمِ، وفي كلِّ صفَةٍ منها مَعْنًى غيرُ مَعْنى الصِّفةِ الأُخْرى.\nواحتجَّ مَنْ خالَفَ ثَعْلَبًا بأنهُ لو كانَ الأمرُ كما ذَكَر، لَما أمكَن أن يُعَبَّرَ عن شيءٍ بغيرِ عِبارَتِهِ، ولو كانَ ذلكَ كذلكَ، لم تُفْهَمِ اللغةُ، ولَمَّا رأيناهمْ يعبرونَ بِبَعْضها عن بَعْضٍ، دَلَّ على ما قلناهُ.\nوأجيبَ بأنَّ هذه الأسماءَ ليستْ مختلِفةً متبايِنةً، فيلزمُ ما قالوه، وإنَّما في كلِّ واحدٍ منها مَعْنًى ليسَ في الآخَرِ، فَمِنْ أَجْلِ ذلكَ جازَ التعبيرُ ببعضِها عن بعضٍ من طريقِ المُشاكَلَةِ والاتفِّاقِ.\n_________\n(١) انظر مبحث حمل المشترك على جميع معانيه أو عدم جوازه:\n\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٦١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٦١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٣٢)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص:١٧٥)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (١/ ٢٩٦)، و\"أصول السرخسي\" (١/ ١٢٦).\n(٢) انظر: \"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٣٠)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٣٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":24},{"text":"واختار أبو الحسَينِ أحمدُ بنُ فارسٍ قولَ ثَعْلَبٍ، وبالَغَ في نُصْرَتِهِ (١).\n* ومن سُنَّتِها -أيضًا- أنها تسميَ الشيءَ باسمٍ إذا كانَ مُتَّصِفًا بصفةٍ، فإنْ فُقِدَتْ تلكَ الصِّفَةُ، فلا يُسَمَّى بذلكَ الاسمِ.\nفمنْ ذلكَ: المائِدَةُ، لا يُقال لها: مائدةً، حتى يكونَ عليها طَعامٌ، وإلَّا فاسمُها خِوانٌ.\nوكذلكَ الكأسُ، لا يكونُ كأسًا حتى تكونَ فيها شرابٌ، وإلاّ فهوَ قَدَحُ.\nوكذلك القَلَمُ لا يكونُ قَلَمًا إلا وقد بُريَ وأُصْلِحَ، وإلاَ فهُوَ أُنْبوبَةٌ.\nويُحكى أنه قيلَ لأَعْرابيٍّ: ما القَلَمُ؟ فقالَ: لا أَدري، فقيلَ: تَوَهَّمْهُ، فقالَ: عودٌ قُلِّم من أحدِ جانبيهِ كَتَقْليمِ الأظفارِ فَسُمِّيَ قَلَمًا.\n* * *\n_________\n(١) استغرب الشوكاني نسبة ذلك إلى ثعلب وابن فارس، فقال: العجب من نسبة المنع من الوقوع إلى مثل ثعلب وابن فارس مع توسعهما في العلم. انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص: ١٩).\nوانظر مسألة وقوع المترادف في اللغة: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٤٦)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٣٠)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٢٤٨)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (١/ ٢٩٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>القولُ في البَيِّنِ والمُشْكِلِ</span>\n* واعلموا -رحمكمُ اللهُ الكريمُ- أَنَّ الكلام الَبيِّنَ في لغةِ العربِ: ما استَقَلَّ بنفسهِ في الكشفِ عنِ المرادِ به.\nوهو اسمٌ جامعٌ لأشياءَ مُتَّفِقَةِ الأصول، مُتَّسِعَةِ (١) الفُروع، وبعضُها أَجْلى من بَعْض، وهيَ مُتَقارِبَةُ الاستواءِ عندَ العربِ، وإنْ كانَ بعضُها أَجْلى من بعضٍ؛ لأنَّ أقلَّ البيانِ عندَهم كافٍ، وهي متفاوتة عندَ من يجهلُ لِسانَ العربِ.\n* والبيانُ واقعٌ في جميعِ أنواعِ الكلامِ منَ الأَمْرِ والنَّهْيِ، والحَقيقَةِ والمَجاز، والعُمومِ والخُصوصِ، والإطْلاقِ والتَّقييدِ، وسائرِ صُنوفِ لُغاتِ العربِ.\nولولا خوفُ الإطالَةِ لَمَثَّلْتُ لكمْ جميعَ ذلكَ منَ الكتابِ العَزيز، ولكنِّي أذكرُ لكمْ آيةً واحدةً من الكِتابِ العزيزِ، وما انتهى إليه فَهْمي لِيُستَدلَّ بها على أمثالها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.\nقال اللهُ -﵎-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n_________\n(١) في \"ب\":\"متشعبة\".","vol":"1","page":26},{"text":"فأقول: جمعتْ هذهِ الآيةُ أنواعًا من البَيانِ، وبعضُ هذهِ الأنواعِ أَجْلى من بعضٍ:\nفأجْلاها: بَيانُ العِدَّةِ التي أوجبَها اللهُ منَ الثَّلاثِ والسَّبْع، وكانَ الأمرُ بَيِّنًا مفهومًا أنَّ السَّبْعَ إذا ضُمَّتْ إلى الثلاثِ، كانَتْ عَشْرًا، فزادَ اللهُ -سَبُحْانَهُ- في البيانِ تأكيدًا ثانيًا لدَفْعِ تَوَهُّمِ إيجابِ أحدِ العِدَّتَيْنِ، وأَنَّ الأُخْرى تَطَوُّعٌ، فَقَصَدَ التأكيدَ في البَيانِ، ولم يَقْصِدْ تعليمَ العربِ العَدَّ؛ إذْ لم يزالوا يعرفونَ أنَّ الثلاثَ إذا ضُمَّتْ إلى السَّبْعِ كانتْ عَشْرًا.\nويليهِ في البَيانِ: ترتيبُ الهَدْي على التَّمَتُّعِ، والصِّيامِ على فقْدانِ الهَدْي؛ فإنَّ ترتيبَ الجَزاءِ على الشرطِ بَيِّنٌ في لسانِ العربِ (١)، وإنْ تخلَّف (٢) في بعضِ الأحوالِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وتراجُعُهُما جائزٌ وإنْ ظَنَّا أَلَّا يُقيما حدودَ اللهِ، ولكنَّ الشرطَ خرجَ على غالبِ الوُجودِ؛ فإنَّ المتفارِقَيْنِ لِعِلَّةٍ لا يَجْتمعان معَ وُجودها غالبًا.\nويليهِ في البيَان: تخصيصُ هذا الحُكْمِ المذكور لغيرِ الحاضري المسجد الحرام؛ فإنه بيِّنٌ في لسانِ العربِ أن الأَلِفَ واللامَ يَقْتَضيان التَّخصيصَ، وبَيِّنٌ عندهم أنَّ ذلك إشارةٌ إلى الحكم المرتَّب على قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] من وجوب الهَدْيِ، والصِّيامِ عندَ العَجْزِ.\nويليهِ في البيانِ: التَّعْميمُ في كُلِّ مَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرة؛ فإنهَ بَيِّنٌ في لِسانِ العربِ أَنَّ \"مَنْ\" تَصْلُحُ للعُمومِ والاسْتِغراقِ، ولولا صَلاحِيَةُ استغراقه، لَما\n_________\n(١) في \"ب\": \"العربية\".\n(٢) في \"ب\": \"تختلف\".","vol":"1","page":27},{"text":"حَسُنَ تخصيصُه بغير الحاضري المَسْجِدِ الحَرامِ، وهذا منَ العامِّ الذي أريدَ بهِ الخاصُّ، ومِنَ الصّنفِ الذي يُبَيِّنُ آخرُه أوَلَهُ.\nويليه في البيانِ: تخصيصُ ثلاثةِ أيامٍ بالحجِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ في لِسانهم، وإنْ كانَ فيه شيءٌ من لَطيف الاسْتِعارة، وعلى ذلك أكثرُ كلامِ العربِ، وقد قال بهِ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تَعالى- ولم يُجَوِّزِ الصِّيام إلَّا بعدَ الإِحْرام بالحجِّ، وحَمَلَهُ أبو حَنيفةَ -رحمهُ اللهُ تَعالى- على أشهرِ الحَجِّ، وجوّزَ الصيامَ قبلَ الإحرامِ بالحجِّ، وكذلك في قوله -تعالى-: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقولُ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تَعالى- أَبْيَنُ وأَقْرَبُ إلى مُقْتَضى حقيقةِ اللُّغة.\nوقولُ أبي حنيفةَ مُحْتَملٌ، ولكنهُ خِلاف البيِّنِ، وأبعدُ منَ الحقيقةِ؛ لما فيه منَ الحَذْفِ والإضْمَارِ.\nوفي الآية مباحثُ أُخَرُ، وسأعيدُ الكلام عليها حينَ أتكلمُ على الأحكامِ -إن شاء الله تعالى- وبهِ العَوْنُ والعِصْمَةُ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>فصل (المُشْكِلُ)</span>\nوأما المُشْكِلُ، وهو الذي تسميه الشافعيةُ: \"المُجْمَل\"، فنوعٌ حَسَنٌ في اللَّسان في بعضِ الأَحْوال، إذْ هوَ من مَقاصِدِ العقلاء، ومُسْتَحْسَناتِ الفُضَلاء.\nكما رُويَ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ اخْتَصموا في بَغْدادَ في تَفْضيلِ أبي بَكْرٍ وعَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُما- فرضُوا بما قال أبو الفَرَج بنُ الجَوْزِيِّ، فَسُئِلَ عنْ ذلك؛ فَقَالَ: مَنْ كانَتِ ابنتُه تَحْتَه؛ ونزلَ من كُرْسيِّ وَعْظِهِ،","vol":"1","page":28},{"text":"فادَّعى كلُّ فريق أن الجواب له، وعدَّ أهلُ الفضلِ ذلكَ من بَديعِ الأجوبةِ، ومن أحسنِ المَقَاصدِ (١).\nومثله قولُ الشاعر (٢) في عَمْرٍو الأعورِ: [من مجزوء الرمل]\nخَاطَ لِيْ عَمْرٌو قَبَاءْ (٣) ... لَيْتَ عَيْنَيهِ سَوَاءْ\nوَحَدُّهُ: الكلامُ الذي لا يَسْتَقِلُّ بنفسِه في الكَشْفِ عن المُرادِ، وإنما يكشفُهُ ويُبَيِّنُهُ غيرُهُ (٤).\nوهوَ -أيضًا-: اسمٌ لأشياءَ مجتمعةِ الأُصولِ، مُتَّسِعَةِ الفُروعِ، وذلك على وجوه:\nأحدها: أن تُحذفَ القِصَّة أو بعضُها، معَ الإشارة إليها، فيتوقفُ فَهْمُ الكلامِ على معرفةِ القِصَّةِ (٥)، وذلك كثيرٌ في الكتابِ والسنَّةِ، وبيان هذا المُشْكِلِ يكونُ بذكرِ القِصَّةِ واستيفائِها.\nثانيها: أن يذكرَ المتكلمُ شيئًا مَجْهولًا عندَ السامع لا يعرفُ كيفيتَهُ ومَعْناه.\nوذلك كالصلاةِ والزكاةِ عندَ العربِ في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\n_________\n(١) انظر الحكاية في: \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي (٤/ ١٣٤٥).\n(٢) هو بشار بن برد. انظر: \"مقدمة ديوانه\" (ص: ١٤).\n(٣) قباء: بفتح القاف: من الثياب، جمعه أقبية، يقال: قبَّى ثوبه: قطع منه قباءً. وتقبَّى قباءه: لبسه. \"اللسان\" (مادة: قبو)، (١٥/ ١٦٨).\n(٤) انظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ١٥٣)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١١)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٩١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٥٤)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (٢/ ٥٨).\n(٥) في \"ب\" زيادة: \"واستيفائها\".","vol":"1","page":29},{"text":"فإنها كانت تَجْهل كيفيةَ الصلاةِ ومعناها في الشرع، فهذا مِمَّا أحكمَ اللهُ -تعالى- فرضَه، وجعلَ بيانَه إلى نبيِّهِ مُحَمَّدٍ -﵌-، فلا يُعْرَفُ بيانُه إلَّا من جِهَتِهِ -﵌ (١).\nثالثها: أن يعلَّقَ الحُكْمُ على الأسماءِ، التي لا تُعْرَفُ حقيقةُ معناها إلا بضربٍ من الاحتمالِ والتَّقريبِ؛ كالحِينْ، والزَّمانِ، والدَّهْر، والغِنى، والفَقْر، والمَسْكَنَةِ.\nفإنه لا يُعرف الحدُّ الذي ينبغي أن يُسَمَّى به فقيرًا أو مسكينًا معرفةً حقيقية، وإنما يُعرف بضربٍ من التقريب، ولهذا بيَّن النبيُّ -﵌- لأصحابه، وهمْ أفصحُ العربِ وأعرفُهم بلسانِها، فقالَ: \"ليس المسكينُ بهذا الطَّوَّافِ الذي يَطُوفُ على الناس، فتردُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ\"، فقالوا: وما المسكين؟ قال: \"الَّذي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عليهِ، ولا يَسْألُ النَّاسَ شَيْئًا\" (٢).\nولأجل هذا اختلف الفقهاء في حقيقةِ الفقيرِ والمسكين، ولو كان لَهُ حَدٌّ في اللغةِ، لَرَجَعوا إليه، ولم يَخْتَلفوا.\nوبيان هذا الصِّنفِ يُؤْخَذُ من بيانِ الصِّنْفِ الذي يليه.\nرابعها: أن يَذْكُرَ المتكلمُ شيئًا معلومًا، ولكنْ أجزاؤه مُتَفاوِتَةٌ، ويُعلِّقَ\n_________\n(١) كبيانه - ﷺ - قولَه تعالى -مثلًا-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] بقوله: \"فيما سقت السماء العشر\"، وكبيانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] بحجه - ﷺ -، وقوله: \"لتأخذوا عني مناسككم\".\n(٢) رواه البخاري (٤٢٦٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه. عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم، وعنده: \"قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ \".","vol":"1","page":30},{"text":"عليه حُكْمًا، ولا يُدْرَى هل المُرادُ بالحكم أدنى دَرَجاتِه أو أَقْصاها.\nوذلكَ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والرجوعُ (١) شيءٌ معلومٌ، ولهُ بِدايةٌ ونِهاية، ولم يُعْقَل من اللفظ أن المرادَ بالرجوعِ ابتداؤه أو انتهاؤه.\nومثل ما قد عُلِمَ الفَرْقُ بين قليله وكثيرِهِ، وعُلِّقَ الحكمُ بأحدِهما، ولكن لا يعلم ما حدُّ ذلكَ القليلِ والكثيرِ.\nوبيانُ هذا النوعِ والنوعِ الذي قبلَه أن يُصارَ فيه إلى حدِّ شيءٍ من أنواع الدّلالة:\n\n١ - إمَّا بأن يوجَدَ فيه قولٌ أو فعل من النبيِّ -﵌-.\n\n٢ - أو قولٌ أو فعلٌ من الصَّحابة -﵃-، أو قولُ واحدٍ لا يُعلَمُ له مخالفٌ، ولو قلْنا: إنه ليسَ بحجَّةٍ على القولِ الجديدِ للشافعيِّ رضيَ اللهُ تَعالى عنه.\n\n٣ - أو اعتبارِه ببعضِ الأُصول التي قد ثبتَتْ فيها التقديراتُ والحدودُ إذا لم يوجَدْ شيءٌ يُردّ إليه أدلّ منه، وإن خرجَ ذلكَ عنْ تحقيقِ القياسِ؛ لأن التقريبَ والإعمالَ خيرٌ من التَّعْطيِل والإهمال.\n\n٤ - وإن لم يوجد في الأصول ما يُرْجَعُ إليه، رُجِع في بيانه إلى النظر فيما قُصِدَ له ذلك الشيءُ، فما أدَّى إلى إسقاطِ المعنى المقصودِ تُرك، وما لمْ يُسْقِطْه، اعتُبر.\n\n٥ - وإن لم يوجدْ بيانُه فيما قصد له من ذلك القصد، رُجِع (٢) في بيانِه إلى ضَرْبٍ من التقريبِ مِمَّا يُعْقَل ويُعْرَف.\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"وذلك الرجوع\".\n(٢) \"رجع\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":31},{"text":"وسأبين ذلك كلَّه هاهنا بأمثلةٍ؛ لتعتبرَ بها أيُّها الأخ فيما يَرِدُ عليك إن شاء الله تعالى:\n\n١ - فمثالُ ما وُجد فيه القولُ عن النبيِّ -﵌- بيانُ حَدّ الرُّجوع:\nروى مسلم في صحيحه: أنَّ النَّبيَّ -﵌- قال للمتمتِّعين: \"مَنْ كانَ معهُ هَدْيٌ فَلْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ فَصِيامُ ثلاَثةِ أيامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ\" (١).\nووجِدَ أيضًا بيانُ حدِّ المِسكينِ مِنَ النَّبِيِّ -﵌- وهو قوله: \"الذي لاَ يِجدُ غنًى يُغْنِيْهِ\" (٢).\n\n٢ - ومثالُ الذي وُجِدَ فيه حَدٌّ من الصَّحابيِّ: قول الله -تبارك تعالى-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] فرجعَ الشافعيُّ في بيانِه إلى قولِ ابن عُمَرَ وابنِ عَبّاس -﵃-: القَصْرُ في أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦٠٦)، كتاب: الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم (٢٢٧) كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع. عن ابن عمر ﵄، في حديث طويل.\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٣٨٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٧)، وعلَّقه البخاري في \"صحيحه\" (١/ ٣٦٨).\nوالبُرُد: جمع بريد، وسكك البريد: كل سكة منها اثنا عشر ميلًا، والأربعةُ البرد: هي ستة عشر فرسخًا والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف ذراع، والسفر الذي يجوز فيه القصر: أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية التي في طريق مكة. \"اللسان\" (مادة: برد) (٣/ ٨٦).","vol":"1","page":32},{"text":"٣ - ومثالُ الذي وُجِدَ فيه الاعتبارُ ببعض الأصولِ والنظائِرِ: قولُ اللهِ﷿-: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاضرو المسجد الحرام مَن قَرُبَ منه.\nولَمّا كانَ حَدُّ الحُضورِ والقُرْبِ غيرَ مذكورٍ، ولا معلوم، رُجِعَ في بيانِه إلى أَقَل ما وُجِدَ في الشرعِ من المَسافاتِ القريبةِ التي تَتَعَلَّق بها الأحْكامُ، فلم يوجد أقلُّ من مَسافَةِ القَصْرِ.\nومثالُه أيضًا قولُ اللهِ -﵎-: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] فألْزَمَ اللهُ -﵎- كُلَّ أَحَدٍ على قَدْرِ حالِه، وذلكَ غيرُ مَحْدودٍ، فرُجِعَ في نفقةِ المُعْسِرِ إلى أقلِّ ما وُجِدَ منْ وُجوهِ الإطْعامِ، وهو مُدٌّ (١)، وذلك في كَفَّارَةِ\n_________\n(١) المُدُّ: بالضم: مكيال، وهو رِطْلٌ وثلث عند أهل الحجاز والشافعي، ورِطْلانِ عند أهل العراق وأبي حنيفة، والصاع أربعة أمداد. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٠٨)، و\"لسان العرب\" (٣/ ٤٠٠)، (مادة: مدد).\nثم إن الصاع يزن (٢٠٤٠) غرامًا، فيكون المد (٥١٠) غرامًا.\nوللتوضيح أكثر عن الأكيال المستعملة شرعًا، أقول: قال أبو عبيد في كتابه \"الأموال\" (ص: ٦١٧): وجدنا الآثار قد نقلت عن النبي - ﷺ - وأصحابه والتابعين بعدهم، بثمانية أصناف من المكاييل؛ الصاع، والمد، والفَرَق، والقسط، والمدي، والمختوم، والقفيز، والمكوك، إلا أنه عظم ذلك في المد والصاع، انتهى.\nفالصاع يساوي: (٢٠٤٠) غرامًا.\nوالمد: ربع صاع، ويساوي (٥١٠) غرامًا.\nوالفَرَق: ثلاث أصوع، أي: (٦٢١٠) غرامًا.\nوالعَرَق: يساوي ما بين (١٥) إلى (٢٠) صاع.\nوالوَسَق: يساوي ستين صاعًا؛ أي: (٤٠٠ و١٢٢) غرامًا.","vol":"1","page":33},{"text":"المُفْطِرِ في رَمَضانَ، وفي الشَّيخِ الكبيرِ الذي لا يُطيقُ الصَّومَ.\nورُجِعَ في نَفَقَةِ المُوسِرِ إلى أَكْثَرِ ما وُجِدَ في ذلك، وهو مُدَّان في فِدْية الأَذى.\nويُرْجَعُ في نفقةِ المتوسِّط إلى مُدٍّ ونصْفٍ؛ ليكون ما زاد على المدِّ مقسومًا بين الحالين، لارْتِفاعِهِ عن درجةِ المُعْسِرِ، ونُزولِهِ عن درجةِ المُوسِرِ.\nولَمَّا كانَ لخادِمِ الزوجةِ نفقةٌ، جُعِلَتْ نفقةُ الخادِمِ على المُعْسِرِ مُدًّا؛ كنفقةِ الزوجةِ نَفْسِها؛ لأَنَّ ذلكَ أَقَلُّ الكِفاية، ولا بدَّ منهُ، ولم يُقَدَّرْ في الشرعِ مِقدارٌ أَقَلُّ منهُ، ولم يُلْتَفَتْ إلى كَمالِ الزَّوْجَةِ ونُقْصانِ الخادِمِ في حال الضِّيقِ؛ اعتِبارًا بتسويةِ الله -تعالى- بينَ الأبِ الذي له ثُلُثا المالِ، وبينَ الأُمِّ التي لَها ثُلُثُ المالِ، في حالِ الضِّيقِ (١) حينَ تساويا في السُّدُسِ.\nوإنْ كانَ الزوجُ مُوسِرًا، احْتِيجَ إلى الزِّيادَةِ كما احْتيجَ إلى ذلك في نفقةِ الزوجة، ولم يُمْكِنِ التَّسْوِيَةُ بينَهما في الزيادةِ؛ لكمال الزوجةِ، ونُقصانِ الخادِم، فاعتبر ذلك بدور التَّفْضيلِ من أَصْحابِ الكمالِ وغيرِهم إذا اجْتَمعوا، فوُجِدَ للابْنِ الثُّلُثانِ، وللبنْتِ الثُّلُثُ إذا اجتمعا؛ لكمال الابن، ونقصانِ البنتِ، وكذلك وُجد الأبُ والأمُّ، للأبِ الثُّلُثان، وللأُمِّ الثُّلُثُ إذا\n_________\n= والمكوك: يساوي صاعًا ونصف الصاع؛ أي: (٣٠٦٠) غرامًا.\nوالقفيز: يساوي ثمان مكاكيك؛ أي: (٤٨٠، ٢٤) غرامًا.\nوللاستزادة أكثر عن الأكيال الشرعية، ينظر كتاب أبي العباس المقريزي \"الأوزان والأكيال الشرعية\".\n(١) المراد بالضيق: هو ضيق التركة إذا وجد معهما ولد ذكر؛ فإنه عاصب، فزاحمهما وضيَّق عليهما، فأخذ كلٌّ منهما السُّدسَ فقط.","vol":"1","page":34},{"text":"اجْتَمَعا، فَفُضِّلَ الأَبُ والابْنُ بِثُلُثَيِ الميراثِ لِكمالِهِمْ، فَكَذلكَ فُضِّلَتِ الزوجةُ على الخادِمِ.\nومن هذا النوع تقديرُ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- في حَلْقِ الشَّعْرَةِ الواحِدَةِ مُدًّا، وفي الشَّعرتين مُدَّيْنِ، وفي الثَّلاثِ فصاعِدًا دَمٌ، كأنَّه رَأى أنَّ الثَّلاثَ جماعُ الشَّعْرِ، فهو حدُّ الكَثْرَةِ، ففيها ما في أَكْثَرِ الكَثيرِ، ورأَى أن الشعرةَ الواحدةَ لا يُمْكِنُ إبْطالُ حُكْمِها؛ إذْ إتلافُها في الإحرامِ محظورٌ كإتلافِ الشَّعرِ الكثيرِ، ولا يمكنُ تسويتُها بالكثير، فاحْتيجَ إلى ما يُفرِّقُ بينَ القليلِ والكثيرِ، فرَجَعَ في القليلِ إلى أقلِّ ما وُجِدَ مُقَدَّرًا، وذلك مُدٌّ، وعلى هذا تَرْكُ حَصاةٍ ومبيتِ ليلة من ليالي منى ورمي الجمار.\n\n٤ - ومثالُ ما لم يوجَدْ له أصلٌ في التقدير يُرَدُّ إليه، وأُخِذَ بيانهُ من الأمرِ الذي قُصِدَ لهُ: قولُ اللهِ -﵎- ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].\nفذهبَ الجُمهورُ إلى أن المَعيبَ (١) لا يُجْزئ، فقيَّدوا إطلاقَ الآيةِ، واتفقوا على الفرقِ بينَ العيب الكثيرِ، فيضُرُّ، واليسير، فلا يَضُرُّ، وإنِ اختَلَفوا في تعيينهِ، وليسَ لذلكَ نظير في المُقَدَّراتِ فيرجعُ إليهِ، فأُخِذَ بيانهُ من مَعْناه، فنُظِرَ (٢) إلى العتقِ، فوُجد معناهُ أنه يملكُ العبدُ منافعَ نفسِه، فدلَّهم ذلكَ على أنَّ كلَّ عَيْبٍ يَضُرُّ بالمنافِعِ إضرارًا بَيِّنًا، فإنه لا يُجْزِئُ؛ لأنه يُسْقِط فائِدَةَ العِتْقِ، وما لاَ يَضُرُّ بالعَمل إِضرارًا بيِّنًا، فإنه يُجزئُ؛ لوجود معنى العتقِ.\nولنا أن نقولَ: بل لهُ نَظَيرٌ يعتبرُ بهِ، وهو الهَدايا والضَّحايا.\n_________\n(١) المراد بالمعيب: هو الرقبة التي تعتق في هذا الحكم، فإنها لا تجزئ أن تكون معيبة.\n(٢) في \"ب\": \"فنظروا\".","vol":"1","page":35},{"text":"٥ - ومثالُ ما لم يُوجَدْ له أصلٌ يُرَدُّ إليهِ، ولا يُؤْخَذُ بيانُه من مَعْناه، وإنُّما يُرْجَعُ إليهِ بِضَرْبٍ منَ التَّقْريبِ لِعُرْفِ الناسِ وعادتِهِم: العَفْوُ عن دَمِ البراغيثِ، واليَسيرِ من سائِرِ الدِّماء، عُفي عن قليلِها لمشقَّةِ الاحْترازِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولم يُعْفَ عن الكثيرِ؛ إذ لا مَشَقَّةَ في اجْتِنابِهِ، فرُجِعَ في بيانِ القليلِ إلى عُرْفِ الناسِ وعادتِهم.\nولهذا نظائر (١) كثيرةٌ.\nوعلى هذا فاعملْ في جميعِ ما يَرِدُ عليكَ من هذا البابِ، وَقدِّمْ من الأدلَّةِ أَقواها، فإن لم تجدْ، فارجع إلى الأصول والاعتبار.\nوهذا فصل نفيس، فاحتفظْ به تستفدْ منه علمًا كثيرًا، وتطلعْ على سِرِّ الفقه ولطائفه، وعلى هذا السبيلِ جميعُ الفقهاءِ وإنَّما يختلفونَ في تفاصيلِ المسائل.\nخامس الوجوهِ (٢): الاشتراكُ في المَعْنى، وهو على وجوه:\nأحدها: أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشترَكٍ، ويَدُلَّ الدليلُ على أن المرادَ به أحدُ معانيه، لا بِعَيْنِهِ (٣).\nكقول الله -﵎-: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد اتفقوا على أن المرادَ بهِ الطُّهْرُ، أوِ الحَيْضُ (٤)، وإنَّما اختلفوا في تعيينه، فهذا يُؤْخَذُ بيانُه من الأَدِلَّةِ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"أنظار\".\n(٢) يعني: من أوجه المُشْكِل.\n(٣) انظر هذا الوجه في: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٣٦)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٥٦)، والإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٣).\n(٤) انظر: \"لسان العرب\" (١/ ١٣٠) (مادة: قرأ).","vol":"1","page":36},{"text":"وإن لم يدلَّ الدليلُ على أن المرادَ به أحدُهما، لا بِعَيْنْهِ، ففيه مذهبان:\nأحدُهما، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأكثرِ أصحابِه: أَنَّهُ بَيِّنٌ ظاهرٌ، فيُحمل على الجميع لغة وخطابًا، وقال القاضي أبو بكر: يحمل على الجميع احتياطًا.\nوالثاني (١): -وبه قالَ أبو حنيفةَ وأكثرُ الأصوليِّينَ- إنه مُشْكِلٌ، فلا يُحْمَل على شيءٍ منها إلا بِدليلٍ.\nوالكلامُ في تقرير المَذْهَبَيْنِ مذكور في كتبِ الأصول.\nثانيها: أن يُنقلَ فِعْلٌ، وذلك الفعلُ يحتمل حالينِ؛ فإنه مُشْكِلٌ لا يُعْقَلُ المُرادُ منهُ (٢).\nكما رويَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - جمعَ بينَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفر (٣)، والفِعْلُ لا يقع إلا في حالٍ واحدٍ من الحالَيْنِ، إمَّا أن يكونَ السَّفرُ طويلًا، أو قَصيرًا، فهذا يُرجع في بيانِه إلى الأدِلَّةِ السمعيةِ.\nثالثها: أن يُنقل أَنَّه قَضى في واقعةٍ بحُكْمِ، والواقعةُ تحتملُ حالَيْنِ، فهو\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"أي: المذهب الثاني\".\n(٢) هذه المسألة هي: أن الفعل لا عموم له في أقسامه، لأنه يقع على صفة واحدة منها.\nانظر ذلك في: \"المحصول\" للرازي (٢/ ٣٩٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٧٢)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٦٦)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (١/ ٣٤٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١١٤).\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٥١)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٦٩٦).","vol":"1","page":37},{"text":"مُشْكِلٌ لا يستقلُّ بنفسِهِ في الكشفِ عن المُرادِ؛ لأنَّ القضاءَ واحدٌ، والواقعةُ تحتملُ أحوالًا (١).\nوذلك كما رُوِيَ: أَنَّ النبي - ﷺ - قضى بالشُّفْعَةِ (٢) للجارِ (٣)، فالقَضِيَّةُ واحِدَةٌ، والجارُ الذي قَضى له يُحتمل أن يكونَ جُنُبًا أو مُلاصِقًا أو مشايعًا، فهذا يُرْجَعُ في بيانِه إلى الأدلَّةِ، فإنْ لم يوجَدْ دليلٌ، فيؤخذُ بأقلِّ ما قيلَ (٤)، فيُحملُ على الجارِ المُشَايعِ؛ كما فعل الشافعيُّ رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) هذه المسألة مشابهة لما قبلها وهي: هل أنَّ ما يجري مجرى الفعل، يعم أولا يُعم؟ قال العمريطي في \"نظم الورقات\":\nثم العموم أبطلت دعواه ... في الفعل بل وما جرى مجراه\nوانظر: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٧٤)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٨٨)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥١٨)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٤٦٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٦٨).\n(٢) الشفعَة: الشُّفعة في الدار والأرض: القضاءُ بها لصاحبها. قال القتيبي في تفسير الشفعة: كان الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزل أتاه رجل فشفع إليه فيما باع فشفّعه وجعله أولى بالمبيع ممن بعُد بيته، فسُميت شفعةً وسمي طالبها شفيعًا. \"اللسان\" (مادة: شفع) (٨/ ١٨٤).\nوالمعنى في الحديث أن الجار أولى من غيره بشراء ما يباعُ مما في جواره.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٥١٨) عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ورواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١١١) عن سعيد بن المسيب، مرسلًا.\n(٤) الأخذ بأقل ما قيل: وهو أن توحَّد الأقوال في المسألة دون ترجيح لأحدها، ويكون بعضها داخلًا في بعض، متفقًا على حكمه ضمن الأقوال، ومختلفًا فيما زاد على الأقل. وهو قول الإمام الشافعي والباقلاني، ونسب إلى غيرهما.\nانظر: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ٣٧٥)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ٤٥٢)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص: ٤٣٠)، و\"غاية الوصول\" للشيخ زكريا الأنصاري (ص: ١٠٨).","vol":"1","page":38},{"text":"وهذا الاشتراك في المفردات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>وأَمَّا المركَّباتُ، فيأتي على وُجوهٍ -أيضًا</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>منها: الاشتراكُ بين الأمرِ والخَبَر:</span>\nكقول الله -ﷻ-: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩]، فإنه يَحْتَمِل أن يكون أخبرها إلهامًا منه -سبحانه- أن اليمَّ يُلقيهِ، ويَحْتَملُ أن يكون أخبرها أنه أمرَ البحرَ بإلقائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ومنها: الاشتراك بين السؤال والتَّنْبيهِ:</span>\nكقولك: أرأيتَ إنْ صَلَّى الإمامُ قَاعدًا، كيفَ يُصلِّي مَنْ خلفه؟ فإنَّه يَحْتَمِل أن (١) يكون سؤالًا منكَ، ويَحْتَمِل أن يكونَ تنبيهًا على المنع من الصلاةِ خلفَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ومنها: الاشتراك بينَ السؤالِ والدُّعاء </span>(٢):\nكقولِ اللهِ -ﷻ-: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وحملَهُ على الدُّعاء أبو زكريا الفَرَّاء، وعلى السؤالِ غيرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ومنها: الاشتراك في المَفْعولِ إذا تنازعَه فِعلان يَقْتضيانِ مُقْتَضًى واحدًا:</span>\nكقولِ الله -تعالى-: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، فإنه يحتمل أن يكون ﴿قِطْرًا﴾ مفعولَ ﴿آتُونِي﴾، ويحتمل أن يكونَ مفعولَ ﴿أُفْرِغْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ومنها: الاشتراك في الإبهام:</span>\nكقول الله -﵎-: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] على أحدِ الأقوالِ في الآيةِ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"أنه\".\n(٢) في \"ب\": \"بين الدعاء والسؤال\".","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>واختلفَ علماؤنا في مسائلَ:</span>\nالأولى: الأسماءُ الإسلاميةُ؛ كالصَّلاة والزكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ، والمُؤْمِنِ والفاسِقِ.\nفقالَ بعضُهُمْ: هيَ بَيّنَةٌ، وقال بَعْضُهُمْ: هي مُشْكِلَةٌ؛ لأنَّهُمْ لم يكونوا يَعْرِفونها (١).\nوالحَقُّ أَنَّها مُشْكِلَةٌ عندَ مصادَمَةِ الخِطابِ الأَوَّلِ لأهلِ الزَّمَنِ الأَوَّلِ، بَيِّنَةٌ في الزمنِ الأخيرِ عندَ استقرارِ بَيانِ الشرعِ.\nثانيها: قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والربا في لسانِهم هو الزيادَةُ (٢).\nوقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: الآية بَيِّنَةٌ، وليستْ مُشْكِلَةً؛ لأن البيعَ مَعقولٌ في اللغةِ، فيُحْمَلُ على كلِّ ما يصلُحُ لهُ، ولا يُتْرَكُ بعضُه إلَّا بدليلٍ يدلُّ على أَنُّه رِبًا، أو مَنْهِيٌّ عنه.\nوقالَ بعضُهم: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأن اللهَ -تَعالى- أحلَّ البيعَ وحَرَّمَ الرِّبا، والرِّبا هو الزيادَةُ، وما من بيعٍ إلا وفيه زِيادَةٌ، فافتقَر إلى بيانِ ما يَحِلُّ منها مِمّا يَحْرُمُ (٣).\nوالذي أراه الصوابَ -إن شاءَ الله تعالى- أَنَّ لفظَ البيعِ غيرُ مُشْكِلٍ؛ فإنه\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١١٣)، و\"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٣٤)، و\"مفتاح الأصول\" للتلمساني (ص: ٩٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٧٢).\n(٢) في \"ب\": \"والربا: هو الزيادة في لسانهم\".\n(٣) انظر ذلك في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١١٣)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٤٢١)، و\"المسوَّدة\" لآل تيمية (١/ ٣٨٦)، و\"كشف الأسرار\" لعبد العزيز البخاري (١/ ٨٦)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٦٠).","vol":"1","page":40},{"text":"معلومٌ عندَ العربِ، وعليه جرتْ عادتُهم، وقامتْ به دُنياهمِ، وأما لفظُ الرِّبا فَمُشْكِلٌ؛ لاشتباهِهِ عليهم، وإن كانت حقيقةُ وَضْعِهِ مَعْروفَةً عندهم؛ لأنهم عَلِموا أنَّ اللهَ لا يأمرهم بترك جميعِ البيُوعاتِ والزياداتِ؛ لأن الله -﵎- لا (١) يأمرهُمْ بما فيه هلاكُهم وتركُ معاشِهِم (٢) وهَدْمُ دُنياهم، فعلموا حِلَّ كُلِّ بَيْع ومُبادلة، وعلموا حقيقةَ المنهيِّ عنهُ أنه الزيادةُ، وعلموا أن المرادَ بعضُ الزيادةِ دونَ بعضٍ، ولم يعرفوا على أيِّ صفةٍ يكون تحريمُها، ولا مبلغُ حدِّها، ولهذا بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أعيانَ الرِّبا، وبَيَّنَ صِفَتَهُ وشرائِطَهُ في مَقامٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ مُتَّصِلًا به في أَثَرهِ، ولو كانَ بيِّنًا، لَما احتاجَ النبيُّ - ﷺ - إلى بيانِهِ لهم، وأَمَّا البيعُ، فلم يُبَيِّنْهُ كذلكَ، وإنَّما بَيَّنَ مَضارَّهُ ومُفْسِداتِهِ مُنْفَصِلًا، وذلك إمَّا تخصيصٌ لعمومِهِ، أو تقييدٌ لمُطْلَقِهِ، أو تَبيينٌ لِشَرْطِهِ (٣).\nثالثها: الأعيانُ التي عُلِّقَ التَّحْليلُ أو التحريمُ عليها؛ كقول الله -ﷻ-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nفقال بعضهم: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأن الأعيانَ لا تُوصَفُ بالتحليلِ والتحريِم، وإنما تُوصفُ بذلك أفعالُنا، وأفعالُنا غيرُ مذكورة، وهيَ متنوعَةٌ، وليسَ على ما يَحْرُمُ منها ولا ما يَحِلُّ دليلٌ يخصُّه ويُبَيِّنُهُ.\nومنهم من قالَ: إنها ليستْ بِمُجْمَلَةٍ، بَلْ هي بَيِّنَةٌ (٤)، وهو الصَّوابُ\n_________\n(١) في \"ب\": \"لم\".\n(٢) في \"ب\": \"معايشهم\".\n(٣) سيأتي ذكر حديث النبي - ﷺ - في هذا وتخريجه.\n(٤) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١١٤)، و\"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٢٨)، و\"مفتاح الأصول\" للتلمساني (ص: ٩٠)، و\"غاية الوصول\" للأنصاري (ص: ٨٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٦٩).","vol":"1","page":41},{"text":"عندي إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنه بَيِّنٌ في لسانِ العربِ أنهم إذا قالوا مثلَ ذلكَ في الأعيانِ، فما الممنوعُ المحرَّم إلا الأمرُ المَقْصودُ المُنْتَفَعُ بِه من تلكَ العَيْنِ، فلو قالَ: حَرَّمْتُ عليكمُ هذهِ الفَرَسَ، عُقِل منهُ أن المرادَ تحريمُ الرُّكوبِ واللَّحْمِ، لا تحريمُ البيعِ. وكذلكَ إذا قال: حَرَّمْتُ عليكُمُ المَيْتَةَ، عُقِل منهُ أن المرادَ (١) تحريمُ أكلِها الَّذي هو مقصودٌ منها، ولم يُعْقَلْ منهُ غيرُ ذلكَ.\nونقولُ لهذا القائِل: هل تَرى العربَ لمّا خاطبهُم اللهُ تعالى بهذهِ الآيةِ، لَمْ يعرفوا مُرادَ اللهِ ﵎، فاحْتاجوا إلى سؤالِ النبيِّ - ﷺ - عن بَيانِ ذلك الشيءِ المُحَرَّمِ؟ كَلاّ، بل عَقَلوا عن اللهِ تَعالى مُرادَهُ، وعلموا أَنَّه أرادَ تَحريمَ نِكاح أُمَّهاتِهم وبَناتِهم. فمن قالَ: إنهم لم يَعْقِلوا مرادَ الله -تَعالى- في هذا الخِطاب، فقدْ جَهَّلَ العربَ بِلُغتهم، وإنما هذا من أوضح البيان عندَهُم إن شاء الله تعالى.\nرابعها: الخطابُ الذي يَتَضَمَّنُ نفيًا وإثباتًا في الأَعْيان؛ كقولِ النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ\" (٢)، وكقوله - ﷺ -: \"لا نِكاحَ إلا بوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلِ\" (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"أنه أراد\" بدل \"أن المراد\".\n(٢) رواه البخاري (١)، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومسلم (١٩٠٧)، كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنية\" عن عمر بن الخطاب -﵁-، وهذا لفظ البخاري.\n(٣) رواه ابن الجوزي في \"التحقيق في أحاديث الخلاف\" (١٧٠٢) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. ورواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٢٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١١٢) عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله، وهو المشهور. وانظر: \"خلاصة البدر المنير\" لابن الملقن (٢/ ١٨٩)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ١٦٢).","vol":"1","page":42},{"text":"فقال بعضهم: هي مُجْمَلَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ لأن الذي نفاهُ هو العملُ والنِّكاحُ، وذلك موجودٌ مشاهَدٌ، والشرعُ لا ينفي المُشاهَداتِ، فدلَّ على أن النفيَ صفةٌ غيرُ مذكورةٍ، ولم تُبَيَّنْ تلكَ الصفةُ، وكانَ مُشْكِلًا.\nوقال بعضُهم: هي بَيِّنَةٌ غيرُ مُشْكِلَةٍ (١)، وهوَ الصَّوابُ عِنْدي إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإن المتكلمَ إذا قصدَ بالنفي شيئًا متنوِّعًا، حُمِلَ لفظُه على ما يليقُ بقَصْدِهِ، فالنبيُّ - ﷺ - ليسَ قَصْدُهُ إلَّا التشريعَ والبيانَ، فإذا نَفَى شيئًا، حُمِل على ما قَصَدَه (٢)، وهُوَ التشريعُ، فكأنه قالَ: لا عملَ في الشَّرْعِ إلا بالنِّيَّةِ، ولا نكاحَ في الشرعِ (٣) إلا بِوَليٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، ويكونُ نفيُه على عُمومِه، فإذا وجدناه اعتبرَ ذلكَ الأمرَ المَنْفِيَّ معَ عدَمِ الصِّفةِ المَذْكورَةِ، كما إذا اعتبرَ عَمَلًا بغير نِيَّةٍ، واعتدَّ بهِ، جَعَلْناه تَخْصيصًا لِعُموم نَفْيِه.\nخامسها: قوله - ﷺ -: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسيانُ وما اسْتُكْرِهوا عليهِ\" (٤).\nفمنهم مَنْ قالَ: هو مُشْكِلٌ؛ للإضْمارِ الذي فيه؛ إذْ لم يعيَّنْ ما هو المَعْنِيُّ من الأشياءِ المُرادةِ بالرَّفْعِ.\n_________\n(١) انظر هذه المسألة في: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٣١)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٩)، و\"مفتاح الأصول\" للتلمساني (ص: ٩١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٦٦)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٧٠).\n(٢) في \"ب\": \"حمل على قصده\".\n(٣) في \"ب\": \"بالشرع\".\n(٤) لا يوجد هذا الحديث بهذا اللفظ، وإنما وقع هكذا في كتب كثير من الفقهاء والأصوليين. انظر: \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (٥٢٨)، و\"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" لابن حجر (١/ ١٧٥)، و\"كشف الخفاء\" للعجلوني (١/ ٥٢٢).\nقلت: وقد رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، لكن بلفظ \"وضع\" بدل \"رفع\". من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":43},{"text":"ومنهُمْ من قالَ: إنَّه بَيِّنٌ (١)، وعَزاه إلى نَصِّ الشِّافعيِّ (٢) رضي اللهُ تَعالى عنهُ، وهو الصوابُ عندي -إن شاءَ اللهُ تَعالى-؛ لأنه معقولٌ في لسانِ العرب، أي (٣): رَفْعُ المُؤَاخَذَةِ، ألا تَرى أن العربيَّ إذا قالَ لعبدِهِ: رفعْتُ عنكَ خَطَأَكَ، فُهِمَ منهُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ بالخَطَأ؟\nسادسها: قول اللهِ -﵎-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nنُقِلَ عن الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في كتابِ \"الأُمِّ\" (٤) أَنَّ في الآيةِ إِضمْارًا، والمَقْصود منها بيِّنٌ غيرُ مُجْمَل، فكأنه قال: فمنْ كانَ منكمْ مريضًا، أو به أذًى من رأسِه، فحَلَقَ، أو دَهَنَ، أو لَبِسَ، أو تطيَّبَ، فَفِدْيةٌ، وذلك ظاهر من قصدِهِ في رَفْعِ تَحريمِ المُحَرَّماتِ عنهُ، وتعليقِ الكفارةِ بهِ، هذا معنى قوله، رحمهُ اللهُ تعالى.\nونُقِلَ عنهُ أنه قالَ في كتابِ \"الإملاء\": إِنَّ ذلكَ المُضْمَرَ غَيْرُ بَيِّنٍ.\nوالصَّحيحُ عندي هوَ الأَوَّلُ.\nفإنْ قيلَ: فهل بَيْن هذه المسألةِ وبين (٥) المسائلِ المتقدمةِ فَرْقٌ أو لا؟ ففي الكُلِّ إضماراتٌ؟\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١١٥)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٨)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٩٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٧١)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٧١).\n(٢) لم أجد من عزا ذلك إلى الإمام الشافعي -﵀- رغم طول البحث عنه.\n(٣) \"أي\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"الأم\" (٢/ ١٨٨) وما بعدها، و(٦/ ١٩٠) وما بعدها.\n(٥) \"وبين\" ليس في \"أ\".","vol":"1","page":44},{"text":"فالجوابُ: أَنَّ بينهما فَرْقًا لطيفًا، وهو أن الآياتِ المتقدِّماتِ فارغةٌ مِنَ الإضماراتِ والحذفِ.\nفأما الآيةُ الأولى، وهي قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فإنه بيِّنٌ عندهم أنَّ الله -تعالى- إنما قصدَ تحريمَ نِكاحِهِنَّ لا غَيْر. واللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ والتقبيلُ من توابعِهِ ولوازِمِهِ، فَمَنِ ادَّعى أنه أُضْمِرَ شيءٌ آخَرُ، فقدْ أَخْطَأ.\nوأَمّا التي تتضمَّنُ النفيَ والإثبات في الأعيان، فقد قُلْتُ (١): إنَّ الشارعَ إنما يَنْفي ويُثْبتُ الشَّرْعِيّاتِ، فكأنه قالَ: لا عملَ عندي إلا بالنيّةِ، فيكون عامًّا ظاهِرًا فيَ النَّفْي، فلا إضمارَ فيه.\nوأما قوله - ﷺ -: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهوا عليهِ (٢) \" (٣)، فقد ثبتَ أنَّه معقولٌ في لِسانِ العربِ أَنَّهُ إنَّما قصدَ رَفْعَ عُقوبةِ الخَطَأ، وذلكَ مُطْلَقٌ في كُلِّ عُقوبةٍ، فإن تخلفتْ عقوبةٌ عن هذا الإطلاقِ، وأُخِذَ بها المخطِئُ أو النَّاسي، كَغَرامَةِ المُتْلَفاتِ، فذلكَ كالتَّقييدِ لهذا المُطْلَقِ، ولا إضمارَ فيها، وإنّما فيه إقامةُ المُضاف إليهِ مقامَ المُضافِ، على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].\nوأَمّا هذهِ المسألةُ، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ففيها إضماراتٌ كثيرةٌ، لكنَّه قال في \"الأم\": تلكَ الإضْماراتُ ظاهرةٌ معقولةٌ من فَحْوى قصدِ المُتكلِّم، فكأنها مذكورَةٌ. وقال في \"الإملاء\" بخلافه، وقول \"الأُمِّ\" أقربُ وأصوبُ إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) في \"ب\": \"بينت\".\n(٢) \"وما استكرهوا عليه\" ليس في \"ب\".\n(٣) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":45},{"text":"وظَنِّي أَنَّ أصحابَ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- إِنَّما أخذوا الخِلاف في المسائل المتقدِّمَةِ من قولِه هاهنا في \"الإِملاء\"، فافهم هذه النُّكْتَةَ، فإنَّها في نهايةٍ من التحقيق إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>القَولُ في العَامِّ والخَاصِّ</span>\nالعمومُ في اللُّغَةِ: الإحاطَةُ والشُّمول، ومن ذلكَ (١) قولُهم: العامَّةُ.\n\nوالخُصوص: التمييزُ والانفِرادُ، ومن ذلك قولُهم: الخاصَّةُ، لتميُّزهِمْ عنِ العامَّةِ بأشياءَ.\nوالعامُّ والخاصُّ من أوسعِ لغةِ العربِ مَجالًا، وأكثرِها استعمالًا، والكلامُ فيه يَسْتَدْعي أربعةَ فُصول:\nالفصل الأول: في بيان ألفاظه.\nوالثاني: في كيفية استعمال العرب للعامِّ، وتصرُّفِها فيه.\nوالثالث: في التخصيص.\nوالرابع: في ترتيب العامِّ على الخاصِّ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الأول في الألفاظ</span>\nالأول وهو على وجوه: الجَمْعُ المعَرَّفُ بالأَلِفِ واللَّامِ؛ كالمُسلمين والمُشركين، والأَبْرار، والفُجَّار.\n_________\n(١) \"ذلك\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":47},{"text":"وأما المُنَكَّرُ منُه كقولك (١): مُسلمون، وأبرارٌ، فواضحٌ في لسان العربِ عمومُه على سبيل الإطْلاقِ، وأمّا على سبيلِ الاسْتِغراق والشُّمولِ، فَلا، فمن (٢) قال بعمومه بهذه الطريقِ، فقدْ أَخْطَأَ.\nوقد أوضحتُ هذهِ المسألةَ في كتابي \"مصابيح المَغاني في مَعاني حروفِ المَعاني\".\n\nالثاني: الأسماءُ المُبْهَمَةُ، وهيَ \"مَن\" فيَمْن يعلَمُ، و\"ما\" فيما لا يعلَمُ في الاستِفْهام والجَزاءِ و\"أَيّ\" فيمن يعلَمُ وفيما لا يَعْلَمُ في حالِ الاسْتفِهامِ والجَزاء، و\"أَيْنَ\" في الاستِفْهام عنِ المكان، و\"أَيْنَما\" في الجَزاء دون الاسْتِفهام، و\"أَيَّانَ\" و\"مَتى\" في الزَّمان، في الجَزاءِ والاستفِهام، و\"حَيْثُ\" في المَكانِ، هكذا ذكرهُ عُلماؤنا، وهذه عامةٌ مستغرقةٌ كالذي قَبْلَها، ولكنها تفُارِقُها في أنها تقعُ على الفردِ الواحدِ حقيقةً، بخلافه.\n\nالثالث: النَّفْيُ في النكرة بدون \"مِنْ\" عامٌّ ظاهِرٌ في العموم، كقولك: ما عندي شيء، ولا رجلٌ في الدار، وأما مَعَ \"مِنْ\" فإنه يكون نَصًّا في العموم (٣)؛ كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] فلا يدخله التخصيص، بخلاف العامِّ الظاهرِ؛ فإنه يدخُلُه التخصيصُ.\n_________\n(١) في \"ب\":\"مثل قولك\".\n(٢) في \"ب\": \"ومن\".\n(٣) وقد صحح الشوكاني -﵀-: أن دخول \"مِنْ\" هو لتأكيد الاستغراق فقط. وقال: لو لم تكن من صيغ العموم قبل دخول \"من\"، لما كان نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ و﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ مقتضيًا للعموم. انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص: ١١٩).","vol":"1","page":48},{"text":"الرابع: ضمائرُ الجُموع، كقولِ اللهِ -﵎-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبَهَ ذلك.\n\nالخامس: لفظة \"كُلّ\" و\"أَجْمَع\" و\"عامَّة\" وكذا \"سائر\" عندَ الجَوْهَرِيِّ.\nووراء هذه مسائلُ شرعيةٌ اختلف فيها علماؤنا:\n\nالمسألة الأولى: الرسولُ - ﷺ - يدخلُ في خِطابِ الأمَّةِ على الصَّحيحِ عندَ أصحابِ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- وإنْ صَحِبتهُ كَلِمَةُ: ﴿قُلْ﴾، خلافًا للحُليمي، فإنَّه قالَ: إن صَحِبَتْهُ كلمةُ ﴿قُلْ﴾ لم يدخل (١)، نحو: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٢) [الأعراف: ١٥٨].\n\nالثانية: إذا خُوطِبَ النبيُّ - ﷺ - بخِطابٍ خاصٍّ، مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، لم يدخلْ معهُ غيرُهُ إلَّا بدليلٍ؛ خلافًا لَأبي حَنيفةَ وأحمدَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما-؛ لأنَّ الخطاب مقصورٌ عليه، غيرُ صالِحٍ لغيرِه (٣).\nقالوا: جرتْ عادةُ العربِ أنهم يخاطِبونَ الخَاصَّ (٤)، ويُريدون بهِ العامَّ، فيخاطِبونَ الرئيسَ، ومقصودُهم بهِ (٥) أتباعُه، كقول الله تعالى:\n_________\n(١) انظر ذلك في: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ١٤٥)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٩٧)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص: ٢٣٤)، و\"غاية الوصول\" للأنصاري (ص: ٧٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٢٩).\n(٢) من قوله: \"وإن صحبته كلمة ... \" إلى هنا زيادة من \"ب\".\n(٣) انظر: \"المحصول\" للرازي (٢/ ٣٧٩)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٧٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٨٩)، و\"غاية الوصول\" للأنصاري (ص: ٧٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٢٩).\n(٤) في \"أ\": \"بالخاص\".\n(٥) \"به\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":49},{"text":"﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣] أي: على خَوْفٍ من آلِ فِرْعون، وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وكقولهم: دخلَ الأميرُ البلدَ قَهْرًا، ويريدونَه مَعَ جُنْدِه.\n\nالثالثة: المتكلمُ هلْ يدخلُ في كلامِهِ؛ كالرَّسولِ - ﷺ -؟ فيهِ مذهبانِ للشافعيَّةِ (١).\n\nالرابعة: الكفارُ هل يَدْخُلون في الخِطاب بِفُروعِ الشَّرْعِ؟ فيه مذاهب، يُفَرَّقُ في الثالثِ بينَ المَنْهِيّات، فيدخلونَ فيها، وبينَ المأموراتِ، فلاَ يَدْخُلون فيها، والظاهرُ دُخولُهم؛ لظاهِرِ الآياتِ الواردَةِ في القرآن، ولِصَلاحِيَةِ اللفظِ لهم (٢).\n_________\n(١) توضيح هذه المسألة أن يقال: المخاطِب -بكسر الطاء- هل يدخل في عموم خطابه أم لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه يدخل في خطابه، ولا يخرج عنه إلا بدليل، وهو الصحيح من مذهب الشافعية.\nوقال الغزالي: قال قوم: لا يندرج تحت خطابه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَئٍ﴾، ولا يدخل هو تعالى تحته. قال الغزالي: وهذا فاسد؛ لأن القرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه.\nانظر: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ١٤٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٩٦)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (٢/ ٤٢٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٩٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٣٠).\n(٢) اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بأصول الشرع، وهو الإيمان.\nواتفقوا على خطابهم بالمعاملات، كالبيع والشراء والرهن وغيرها.\nواتفقوا على أنهم مخاطبون بالعقوبات، كالحدود والقصاص.\nواختلفوا في غير ذلك؛ كالصلاة والصيام والحج وإيقاع الطلاق والكفارات وغيرها، فذهب جمهور العلماء إلى أنهم مخاطبون بها، وخالف في ذلك جمهور الحنفية.\nانظر: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ١٧)، و\"المحصول\" للرازي (٢/ ٢٣٧)،=","vol":"1","page":50},{"text":"الخامسة: العبيدُ يَدْخلون في الخِطاب للأحرار؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] بِوَضْعِ اللُّغَةِ؛ لصلاحِ اللَّفْظِ لهمْ.\nوهل يَدْخلون بعُرْفِ الشرع؟ اختلفَ أهلُ العِلمِ في ذلك (١):\nفقال قوم: يَدْخلون، وصحّحَ في \"جَمْعِ الجَوامِعِ\" (٢) دخُولَهُمْ في مَحَلِّ الإطلاقِ، ولا يَخْرُجون إلا بدليل.\nوقال قَومٌ: لا يدخلونَ إلا بِدليل (٣).\nوقال أبو بكرٍ الرَّازِيُّ منَ الحَنَفِيَّةِ: إنَ كانَ الخطابُ لحقِّ الله تعالى، دخلوا، وإن كانَ لحقِّ العِباد، فلا يَدْخُلون (٤).\nوالصَّحيحُ هو الأَوَّلُ، والدَّليُل عليه بعدَ اللغةِ استقراءُ آياتِ القرآنِ الكريمِ، فكلُّ حكمٍ أَطْلَقَ الكِتابُ الخِطَابَ، دَخَلوا فيه، ولم يُفْرَدوا فيه بالذِّكْرِ.\n_________\n= و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٦٢)، و\"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول\" للإسنوي (ص: ١٢٦)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص: ١٥١)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٣٩٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٠).\n(١) انظر هذه المسألة في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٦٠)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٣٥٦)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٨٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٨١)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٢٨).\n(٢) انظر: \"جمع الجوامع مع المحلي وحاشية البناني\" (١/ ٤٢٧).\n(٣) قال أبو إسحاق الشيرازي في \"اللمع\" (ص: ٢١) وهذا خطأ؛ لأن الخطاب يصلح لهم، كما يصلح للأحرار.\n(٤) نسبه إليه الآمدي في \"الإحكام\" (١/ ٢/ ٢٨٩)، والأصفهاني في \"بيان المختصر\" (٢/ ٥٣٠)، والزركشي في \"البحر المحيط\" (٣/ ١٨٢)، والشوكاني في \"إرشاد الفحول\" (ص: ١٢٨).","vol":"1","page":51},{"text":"كقولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨].\nوكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وغيرِ ذلكَ من الآياتِ الكريماتِ.\nوأَيُّ موطِنٍ لا يَدْخلونَ فيه، فإنَّهُ لا بُدَّ من بيانِ تَخْصيصِهم بالحُكمِ، إما في (١) الكِتاب، أو السنة؛ كقولِ الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكبيانِ النبيِّ - ﷺ - عدَمَ وجوبِ الجُمُعَةِ على العَبْد (٢)، وغيرِ ذلك.\nوكلام الشافعي في \"الأم\" (٣) يدل على ما قلته.\nالسادسة: النِّساءُ لا يَدْخُلْن في جَمْع الرّجالِ؛ لأنَّ لهنَّ لَفْظًا مَخْصوصًا، كَما أَن للرّجالِ لَفْظًا مَخْصوصًا. وقال الحنفيةُ وابنُ داودَ: يَدْخُلْنَ؛ لكثرةِ استعمالِ ذلكَ (٤)، ورجَّحَهُ بعضُ أهلِ اللُّغة (٥).\n_________\n(١) \"في\" ليس في \"ب\".\n(٢) انظر تخريجه فيما يأتي.\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ١٨٩) وما بعدها.\n(٤) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٢١) قال: وهذا خطأ؛ لان للنساء لفظًا مخصوصًا، كما أن للرجال لفظًا مخصوصًا، فكما لم يدخل الرجال في خطاب النساء، لم تدخل النساء في خطاب الرجال.\n(٥) تفصيل ذلك أن يقال: اللفظ الدال على الجمع بالنسبة لدلالته على المذكر والمؤنث أنواع:\n\n١ - ما يختص بأحدهما: كلفظ \"رجال\" للمذكر، ولفظ \"نساء\" للمؤنث، فلا=","vol":"1","page":52},{"text":"السابعة: ذهبَ أكثرُ أهل اللُّغَةِ إلى أَنَّ النِّساءَ لاَ يدْخلْنَ في لَفْظِ \"القَوْمِ\" حقيقةً (١)، ولا يُطْلَقُ على النِّسَاء إلاّ إذا كانَ فيهنَّ رجُلٌ، واختص الرِّجال بهذا اللفظ (٢)؛ لأنهم يقومون في الأمور عند الشدائد (٣)، قال زهير: [البحر الوافر]\nوَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٤)\n_________\n= يدخل أحدهما في الآخر إلا بدليل، وذلك بالاتفاق.\n\n٢ - ما يعم الفريقين بوضعه اللغوي؛ كـ: الناس، والإنس، والبشر، فيدخل فيه كل منهما، وذلك بالاتفاق.\n\n٣ - ما يشملهما من غير قرينة ظاهرة في أحدهما؛ كلفظ: (ما، من)، فهذا قد وقع الخلاف فيه، والصحيح أنه يتناولهما.\n\n٤ - الجمع الذي ظهرت فيه علاقة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين. فهذا قد وقع الخلاف فيه أيضًا؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل النساء فيه إلا بدليل، ولا يدخل الرجال في \"المؤمنات\" و\"المسلمات\" إلا بدليل.\nلكن لما كثر استعمال الخطاب الشرعي بلفظ الذكور، فإن الإناث يدخلن فيه، ولا تقصر الأحكام على الذكور إلا بدليل.\nانظر: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٨٤)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٤٦٦)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٧٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢٨٩)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٢٦).\n(١) انظر: \"المحكم\" لابن سيده (٦/ ٥٩٣)، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري (٩/ ٢٦٦)، و\"الصحاح\" للجوهري (٥/ ٢١٦)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١٢/ ٥٥)، (مادة: قوم).\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"بهم\".\n(٣) قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. وانظر عنها: \"الكشاف\" للزمخشري (٤/ ٣٦٩)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٨/ ١١١).\n(٤) انظر: \"ديوانه\" (ق ١١/ ٣٥)، (ص: ١٣٦). ويروى البيت: (ولست) بدل: (وسوف).","vol":"1","page":53},{"text":"وكذلك \"النَّفَرُ\"؛ لأنهم ينفرون إذا استُنْفروا، بخلاف النساء (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفصل الثاني في كيفيةِ استعمالِ العرب للعامِّ واتِّساعها فيه</span>\nفمِنْ ذلك:\n\n١ - أَنّها قدْ تأتي باللَّفْظِ عامًّا ظاهِرًا، وتريدُ بهِ العامَّ الظاهِرَ، ولا خصوصَ فيه.\n\n٢ - وعامًا ظاهرًا يُعْرَفُ منه العمومُ، ويدخُلُه التَّخْصيصُ.\n\n٣ - وعامًا ظاهرًا يُعْرَفُ منهُ أنه يُرادُ بهِ الخاصُّ.\nوقد تأتي بكلامَيْنِ مُتَّصِلَينِ، ويكونُ أحدُهما خاصًّا، والآخرُ عامًّا.\n\n٤ - فقدْ يكونُ العامُّ في أَوَّلِ الكَلامِ، والخاصُّ في آخِرِهِ.\n\n٥ - وقد يكونُ الخاصُّ في أَوَّلِ الكَلامِ، والعامُّ في آخِرِه، وبجميع ذلك قد (٢) جاءَ التنزيلُ، وسأبينُ ذلكَ بأمثلةٍ يُستدَلُّ بها على ما وراءَها:\n\n١ - فمثالُ العامِّ الظاهِرِ الذي يُرادُ بهِ العامُّ الظاهِرُ، ويمتنعُ تَخْصيصه: قولُ اللهِ -ﷻ-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقولُ اللهِ -﵎-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦].\n\n٢ - ومثالُ العامِّ المَخْصوص: قولُ اللهِ -ﷻ-: ﴿وَالسَّارِقُ\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٦٧٤)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٦/ ١٢٠)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.\n(٢) \"قد\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":54},{"text":"﴿وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فيعرَفُ من لفظِه أنه عامٌّ في كل سارق، ولكنه خُصَّ منه سارقُ الشيءِ التّافِهِ، والسارقُ من غيرِ حِرْزٍ (١)، ومَنْ سَرَقَ ما لَهُ فيه شُبْهَةٌ، وغيرُ ذلك. ومثلُه أيضًا قولُ الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وخُصَّ منه القريبُ المُخالِفُ في الدِّينِ بالقُرْآن، والقاتِلُ بالسُّنَّةِ (٢) وأولادُ الأنبياءِ -﵈-، والمَمْلوكُ بالإجْماع، وهذا النوعُ كثيرٌ في القرآنِ.\n\n٣ - ومثال الذي يَرِدُ عامًّا، ويُرادُ به الخاصُّ: قولُ الله -﵎-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية، وقد عُلِمَ ضرورةً: أنه إنما قالَ ذلكَ فريقٌ منَ الناسِ لفريقٍ منَ الناسِ تَخْويفًا بفريقٍ منَ الناس، ولكنه لمَّا كانَ اسمُ \"الناس\" يقعُ على ثلاثَةِ نَفَرٍ، وعلى جَميعِ الناسِ، وعلى مَن بَيْنَ جَميعِهِم؛ ومَنْ بينَ ثلاثَةٍ منهم، كانَ صحيحًا في لِسانِ العربِ أن يُقالَ: الذينَ قالَ لهُمُ الناسُ، وإن كانوا أربعةً، وما أشبهَ ذلكَ من هذا النوع، وهو أكثرُ منْ أن يُحْصى في كلامِهم.\n\n٤ - ومثالُ ما ورد (٣) أَوَّلُهُ عامًا ظاِهرًا يُراد بهِ العُموم، وآخِرُهُ خاصًّا يرادُ بهِ الخُصوصُ (٤): قَوْلُ اللهِ -﵎-: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ\n_________\n(١) الحرز: الموضع الحصين، يقال: هذا حِرْز حريز. \"اللسان\" (مادة: حرز) (٥/ ٣٣٣).\n(٢) كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس للقاتل من الميراث شيء\". رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٣٦٧)، كتاب: الفرائض، باب: توريث القاتل.\n(٣) في \"ب\" زيادة \"في\".\n(٤) هذه المسألة يعبر عنها الأصوليون بقولهم: إذا ورد لفظ عام، ثم ورد عقبه تقييد بضمير، أو حكم، أو صفة، أو شرط، أو استثناء يختص ببعض أفراد ذلك العام،=","vol":"1","page":55},{"text":"﴿تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فكانَ (١) مَعْلومًا أَنَّ فَرْضَ النِّصْفِ لِكُل مُطَلَّقَةٍ، ومعلومًا أن العفوَ إنَّما يصحُّ من بعضِ المُطَلَّقات، وهُنَّ البالِغاتُ الرشيداتُ (٢).\nومثلُه (٣) قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فأولُها عامٌّ في كُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخولٍ بها طَلاقًا بائِنًا أو رَجْعِيًا، والرَّجْعَةُ (٤) خاصَّةٌ بالمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.\n_________\n= فهل يكون المراد بذلك العام ما ذكر من الخاص أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يوجب تخصيصه. وقال الحنفية وأبو الحسين البصري: يوجب تخصيصه، ونسب إلى إمام الحرمين أيضًا، كما نسب إليهما الوقف.\nانظر: \"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٨٢)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٤٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٣٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٩١).\n(١) في \"ب\": \"وكان\".\n(٢) الآية السابقة هي تمثيل لذكر اللفظ ثم تعقيبه باستثناء.\nانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٣٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٩٢).\n(٣) هذه الآية تمثيل لذكر العام ثم تعقيبه بضمير يرجع إلى بعض أفراد العام.\nانظر: \"المحصول\" للرازي (٢/ ٣٨٨)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٤٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٣٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٩٢).\n(٤) في \"أ\": \"والرجعية\".\nوالرَّجعة: بالفتح والكسر، والفتح أفصح: وهي أن يرجع الرجل امرأته الى نفسه بعد الطلاق. يقال: طلّق فلانٌ فلانة طلاقًا يملك فيه الرجعة. \"اللسان\" (مادة: رجع) (٨/ ١١٤).","vol":"1","page":56},{"text":"ومثلُه (١) أيضًا قولُه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وذلك عامٌّ في المؤمِنَيْن والكافِرينَ، ثم قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] وذلك خاص بالكافِرينِ.\n\n٥ - ومثالُ ما وردَ أولُه خاصًّا، وآخرُه عامًّا (٢): قولُ اللهِ -ﷻ-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩] فأولُ الكَلامٍ في صِنْفٍ منَ الظالِمينَ، وهُمُ السُّرّاقُ، وآخرُها لِجَميعِ الظالِمين بالسَّرِقَةِ وغيْرِها.\nومثلُه قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فهذا خاصٌّ بالمطلَّقاتِ، ثم قال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذا عامٌّ في المُطَلَّقاتِ، والمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ، والمُسْتَوْلَداتِ من الإِماء.\n\nفكلُّ جملةٍ من الجمل في هذا القسم والذي قبلَهْ تُحْمَلُ على مُقْتَضاها من عُمومٍ وخُصوصٍ، تَقَدَّمَتْ أو تأخَّرَتْ، ولا (٣) يُخَصُّ بها الجُمْلَةُ الأخرى؛ خلافًا لبعضِ مُحَقِّقي الأُصوليينَ (٤)؛ لأنَّ ذلكَ مُقتضى صيغةِ\n_________\n(١) هذه الآية تمثيل لنفس ما ذكر في التعليق السابق. انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٣٦).\n(٢) هذه المسألة يعبر عنها الأصوليون بقولهم: عطف العام على الخاص لا يجب أن يكون مخصوصًا بما عطف عليه من الخاص، بل يبقى على عمومه.\nانظر: \"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٤٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٣٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٩٥).\n(٣) في \"ب\": \"فلا\".\n(٤) لعله يعني: إمام الحرمين وأبا الحسين البصري، كما تقدم.","vol":"1","page":57},{"text":"الخِطاب واللُّغَةِ (١)، ولأنَّ الآيةَ من القرآنِ قد تنزِلُ مَتفَرِّقَةً في أوقاتٍ متفرقةٍ (٢)، خلافًا لما توهمه الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعي -رضيَ اللهُ تَعالى عنُه- فقد ثبتَ ذلكَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ، وبينتُ وهمَهُ في الكلام على آية الصّيامِ، وستراهُ إن شاءَ الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصلُ الثالِثُ في الخَاصِّ</span>\nوهو تمييزُ بعضِ الجُمْلَةِ بحُكْمٍ (٣)، وهو على ضربين (٤):\n_________\n(١) قال المؤلف ﵀ في كتابه: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" (١/ ٢٨١): الجمل إذا عطف بعضها على بعض، فلكل جملة حكمها وما يعطيه وضع لفظها، فلا يعم أخراها لعموم أولاها، ولا يخص أخراها بخصوص أولاها، إلا أنه تكون الجملة المعطوفة غير مستقلة، فحينئذ يكمل استقلالها بما، كملت به الجملة المعطوف عليها، ولا يوجد ذلك في الكلام؛ لأن العطف في نية تكرار العامل، فكل معطوف كلام مستقل بنفسه، انتهى. وانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٩٢).\n(٢) قال متفرقة\" ليست في \"ب\".\n(٣) قلت: هذا تعريف التخصيص، وليس تعريف الخاص. انظر \"الأحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٩٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٥٣٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٤٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٠٢).\nوقد عرفوا الخاص بقولهم: هو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيِرين فيه؛ كأسماء الأعلام.\nانظر: \"الأحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢١٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٤٨٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٤٠)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٤١).\n(٤) في \"ب\": \"وهو ضربان\".","vol":"1","page":58},{"text":"أحدُهُما: خاصٌّ لا عامَّ فيه؛ كقولهِ تَعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\nوالثاني: خاصٌّ بالإضافةِ إلى غيره، وأما حقيقةُ لفظِهِ، فَعامٌّ، وذلك مثلُ قولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ فإنه خِطابٌ خاصّ مع أهلِ العقولِ خاصَّةً، وإنْ كانَ اللفظُ عامّا في ذاتِهِ وحقيقَتِه.\nومثلُه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] كما تقدم (١).\nوالخاصُّ (٢) قد يكون نُطْقًا، وقد يكون مَفْهومَ نُطْقٍ، وقد يكون مَعْنى نُطْقٍ (٣).\n_________\n(١) انظر: (ص: ٥٥).\n(٢) المراد بالخاص هنا ليس المعنى الاصطلاحي، وإنما المراد ما يطلق على شيء، ولا يطلق على غير ذلك الشيء؛ كقولنا: زيد، وقولنا: المؤمنين، فهو يدل على زيد دون غيره، ويتناول المؤمنين خاصة دون غيرهم، وإن كان لفظ \"المؤمنين\" لفظًا عامًا، فهو عام فيما يتناوله واشتمل عليه، خاص من حيث إنه لم يتناول غيره مما يلحقه الاسم. انظر: \"التقريب والإرشاد\" للباقلاني (٣/ ٦).\n(٣) المراد بالنطق هنا: هو اللفظ الذي يفيد العموم؛ كالناس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وغير ذلك من ألفاظ العموم.\nوالمراد بـ \"مفهوم النطق\": هو مفهوم الموافقة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ومفهوم المخالفة؛ كحديث: \"في صدقة الغنم في سائمتها ... \".\nوالمراد بـ \"معنى النطق\": هو ما نُصَّ على تعليله يقول جارٍ مجرى النص على ذلك؛ مثل: تعليل النهي عن بيع الرطب بالتمر؛ بعلة النقصان عند الجفاف.\nفأما مفهوم الموافقة: فأجاز الجمهور تخصيصه، ومنعه بعضهم؛ كالباقلاني وأبي إسحاق الشيرازي.\nوأما مفهوم المخالفة: فالجماهير على جواز تخصيصه أيضًا.=","vol":"1","page":59},{"text":"والذي يجوز تخصيصُه نطقُ الكتابِ والسُّنَةِ، والذي يجوزُ التَّخصيصُ بهِ الكتابُ والسُّنَةُ والإِجماع، وقد مضى في الفَصْل الذي قبل هذا أمثلةُ التَّخصيصِ بالكتاب والسُّنَةِ والإجْماعِ (١).\n\nوأما التَّخصْيصُ بالقِياسِ، ففيِه خِلافٌ بين الأُصوليينَ، والصحيحُ جَوازُ التَّخصيصِ بهِ؛ لأنه دليلٌ، فَجازَ التخصيصُ بهِ كسائر الأدِلَّةِ (٢)، ومثالُه قولُ اللهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى في الإماءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فهذا تخصيصٌ للأَمَةِ يُخْرِجُها منْ عُموم آيةِ الجَلْدِ، ثمَ قِيسَ العَبْدُ على الأَمَةِ، فَجُعِلَ حده خَمسينَ كَحَدها، فالآية مخصوصَةٌ بالأمَةِ باللَّفظ، ومخصوصَةٌ بالعبدِ بالقِياس على الأَمَةِ (٣).\n_________\n= أما تخصيص العلة: ففيه مذاهب كثيرة، وقد منعه جمهور المحققين.\nانظر: \"التقريب والإرشاد\" للباقلاني (٣/ ٨٥)، و\"اللمع\" للشيرازي (ص: ٧٩)، و\"الأحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٣٠٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٥٢).\n(١) انظر: (ص: ٥٥).\n(٢) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٩١): و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٣٦١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٢٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٣٦٩)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٨٣).\n(٣) بقيت مخصصات أخرى يقول بها الجمهور؛ فالتخصيص بالحس، وبالمفهوم بنوعيه، وفعل النبي - ﷺ - وإقراره.\nوهناك مخصصات أخرى اختلف العلماء فيها؛ كالتخصيص بمذهب الراوي، وقول الصحابي، والعادة، والسياق، وغيرها.\nانظر: \"التقريب والإرشاد\" للباقلاني (٣/ ١٧٢)، و\"اللمع\" للشيرازي (ص: ٨٤)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٣٢)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٣٨١)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٧٦) و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص:١٦٠).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصلُ الرابُع في ترتيبِ العامِّ على الخاص </span>(١)\nوذلك على ضربين:\n\nأحدُهما: أن يكونَ حُكْمُ الخاص دافِعًا الحكمَ العامَّ، فالعامّ مرتَّبٌ على الخاصِّ؛ لأن العامَّ لا يمكنُ استعمالُه في جميع أفرادِهِ إلا بإبطال الخاصِّ، وذلك لا يجوز، ومثاله آية السرقة، والميراث، وغير ذلكَ ممَّا قَدَّمْتُهُ (٢).\n\nالثاني: أن يكون الخاصّ لاَ يَدْفَعُ حُكْمَ العامِّ، وإنما خُصَّ بعضُ أفرادِه بالذِّكْر، فهذا لا يُخَصّ بهِ العامّ؛ لأن استعمالَهما مُمْكِنٌ، وليس بينهما تنافٍ، ولا اختلافٌ، وكأنَّ المخصوصَ وردَ فيه خَبَرانِ: خبرٌ يشتملُ عليهِ مع غيرِه، وخبرٌ ينفرِدُ بذكرِه (٣).\nمثالُ ذلكَ: قولُ الله -﵎-: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] وقولهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ\n_________\n(١) المراد بالترتيب هنا: هو أن يذكر الخاص، ثم يذكر بعده العام؛ ففي هذه الحال لا يخص العام بذلك الخاص، والله أعلم.\n(٢) انظر: (ص:٥٤).\n(٣) وذلك لا يوجب التخصيص؛ لأن ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم، لا يقتضي التخصيص، بل الأول باقٍ على عمومه؛ لأن المخصِّص لا بد أن يكون منافيًا للعام، وذكر بعض الأفراد ليس بمنافٍ، فذكر الحكم ليس بمخصص.\nانظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ١٢٩) و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٨١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٤٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٢٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":61},{"text":"طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا﴾ [البقرة: ٢٣٦].\nفذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ لكلِّ مطلقة مُتْعَةً، وتمسَّك بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال: وليسَ في تركِ ذِكْرِ التَّمَتعُّ في المُطَلَّقَةِ المَفْروضِ لَها قبلَ الدُّخولِ بها دليلٌ على أنه لا مُتْعَةَ لَها، بل لها نِصْف الفَرْضِ بهذهِ الآيةِ، ولَها المُتْعَةُ بالأخْرى، وتخصيصُها بالذكر في نصفِ الفرضِ لا يُخْرجها منْ عُمومِ الآية الأخرى. قال: وليسَ في الأمرِ بتمتيع المُطَلَّقَة قيلَ المَسيس -إذا كانَتْ غَيْرَ مَفروض لَها- دليل على أنَّ المُرادَ بالعُموم هؤلاءِ المطلقاتُ دونَ غَيْرِهِن.\nوذهبَ بعضُهم إلى أنه لا مُتْعَةَ إلا للتي لم يُفْرَضْ لها إذا طُلِّقَتْ قبلَ المَسيسِ، وجَعلوا الآيةَ فيها مفسِّرةَ للآيةِ العامة.\nوذهبَ بعضُهم إلى أن لِكُلّ مطلقةِ متعةً، إلا المفروضَ لها إذا طُلقَتْ قبلَ الدُّخول؛ لأن (١) الله -ﷻ- لم يجعلْ لها إلا نِصْفَ المَهرِ، واستدَلُّوا (٢) على سقوطِ المُتعةِ بالسكوتِ عن ذِكْر ما تَسْتَحِقُّهُ بالطَّلاقِ، وكأنه قيلَ: لا متعةَ لهَا، وخَصُّوا بها آيةَ المَتاعِ للمُطَلّقات (٣).\nوالأصلُ الصحيحُ أن جميعَ ذلكَ ليسَ بدليلٍ، بل يُنظَرُ في غيرِ ذلكَ من الأدِلَّةِ، فَيُقْضى بهِ لأحَدِ هذه الأقاويل، وأما السكوتُ عن ذكرهِ (٤)، فليسَ بدليلٍ، وسنزيدُ ذلك وضوحًا إن شاء اللهُ تَعالى.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"فإن\".\n(٢) في \"ب\": \"واستدل\".\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٨٤).\n(٤) في \"ب\": \"ذلك\" بدل \"ذكره\".","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>القولُ في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ</span>\nالمطلق (١): أن يَذْكُرَ اللَّفْظ مُجَرَّدًا، ولا يَقْرِنَ به صِفَة، ولا شَرْطًا، ولا زَمانًا، ولا عَدَدًا، ولا ما أشبهَ ذلكَ من الصِّفات.\nوهو نوعٌ من أنواعِ العُموم على سبيلِ البَدَلِ، لا على سبيل الاستِغْراق.\n\nوالمقيد: أن يَذْكُرَ اللَّفْظَ مَقْرونًا بشيء من ذلكَ (٢).\nوهو نوعٌ من الخُصوص.\n\nوالإطلاقُ والتقييدُ عندَ العربِ من أحسنِ لِسانها، وأَعْلى كلامها.\nمثالُ الإطلاقِ: قولُ امْرِئِ القيس: [البحر الطويل]\nمُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ... تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ (٣)\nفَشَبَّه ترائِبَهَا بالِمرْآةِ مطلقًا.\n_________\n(١) في \"أ\": \"الإطلاق\".\n(٢) انظر تعريف كلٍّ من المطلق والمقيد في: \"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ١٠١)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤١٣)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (٢/ ٤٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٦٤).\n(٣) انظر معلقته: البيت (٣١)، (ص: ٥١) من شرح المعلقات السبع\" للزوزني.","vol":"1","page":63},{"text":"وقال آخر (١): [من الطويل]\nوَوَجْهٌ كمرآةِ الغَريبة أَسجح\nفَقَيَّدَ المِرْآة بالغريبةِ؛ لأن مِرْآتها أصفى وأنقى من غيرها؛ لضرورتها إليها حتى تُرِيَها ما تحتاجُ إليه؛ إِذْ ليسَ للغريبةِ منْ يتفقدُ مساوِئَهَا (٢).\n\nوحكمه: أنه متى وردَ اللفظُ في كتابِ الله مُقَيدًا، فهو على تقييده إلَّا أن يَدُلَّ دليلٌ على التسوية بينهُ وبين ما قُيدَ منهُ، وإذا وردَ مُطْلَقًا، فإنْ وُجِدَ دليل يقيدُه، وجبَ تقييدُه، وإلَّا فهو على إِطْلاقِهِ، وما جازَ أن يُخَصَّ بِه العامُّ، جازَ أن يُقَيَّدَ بهِ المُطْلَقُ (٣).\nلكنْ بقيَ هنا نوعٌ آخَرُ من التَّخْصيص، ويعبَّرُ عنهُ عندَ الأُصوليين (٤) بـ \"حَمْل المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ\"، وهو في الحقيقَةِ غيرُ القِياس.\n\nوحكمُهُ: أنه إذا وردَ أحدُ اللَّفْظَيْنِ مُطْلَقًا؛ والآخرُ مُقَيَّدًا، نُظِرَ فيهِ:\n\nفإنْ كانَ الحُكْمُ مُختلِفًا، لم يُحْمَلْ أحدُهما على الآخَرِ، مثلُ إيجابِ اللهِ -تعالى- غَسْلَ الأعضاءِ (٥) الأربعةِ في الوُضوءِ، وتركِهِ لذكرِ الرأسِ والرِّجْلَيْنِ في التَّيَمُمِ، فلا يُحْمَلُ أحدُهما على الآخَرِ (٦).\n_________\n(١) هو ذو الرمة، ورواية البيت:\nلها أذن حشر وذفرى أسيلة ... وخد كمرآة الغريبة أسجح\n(٢) انظر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٣٤).\n(٣) انظر: \"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٦)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٨٧)، و\"المحلي مع حاشية البناني\" (٢/ ٤٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٦٧).\n(٤) في \"ب\": \"عنه الأصوليون\".\n(٥) \"الأعضاء\" ليست في \"أ\".\n(٦) وهو متفق عليه بين العلماء. انظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ١٤١)، و\"الإحكام\" =","vol":"1","page":64},{"text":"فإنْ كانَ ذلكَ في حكمٍ واحدٍ، وسببٍ واحدٍ، حُمِلَ المطلَقُ على المقيَّدِ بالاتفاق (١)، وذلكَ كتقييدِ اللهِ تعالى العدالةَ في شُهودِ الطَّلاقِ (٢) والوَصية (٣)، وإطلاقِها في البيع (٤)، فالعدالةُ شرطٌ في الجميع (٥).\nوإنْ كانا في حكمٍ واحدٍ وسببينِ مختلفَيْنِ، نُظِرَ في المقيدِ:\n\nفإن عارضَهُ مقيَّدٌ آخَرُ في ذلكَ الحُكْمِ، لم يُحْمَلِ المُطْلَقُ على المقيَّدِ في واحدٍ منهما؛ إذْ ليسَ أحدُهما أولى منَ الآخَرِ، وذلك مثلُ الصَّومِ في الظِّهارِ، قيده بالتَّتَابُعِ (٦)، وفي المُتَمَتِّع (٧) قَيَّدَهُ بالتفريقِ (٨)، وأطلقَهُ في كَفّارة اليَمين (٩)، فلا يُحملُ المطلَقُ في اليمينِ على واحدة منهما.\nوكذلكَ إذا تجاذبَ المُطْلَقَ ثلاثُ تقييداتٍ؛ كما ورد في نجاسَةِ الكلب، قيدهُ في رواية: بالأُولى، فقال: \"أُولاهُنَّ بالتُّرابٍ\" (١٠)، وفي\n_________\n= للآمدي (٢/ ٣/ ٦)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٥٨٨)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٥٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٢٨).\n(١) انظر: \"الأحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٧)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٥٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤١٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٢٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٦٤).\n(٢) في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].\n(٣) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].\n(٤) في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n(٥) لأن الحكم واحد وهو الإشهاد، والسبب واحد وهو ضبط الحقوق، والله أعلم.\n(٦) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤].\n(٧) في \"ب\": \"التمتع\".\n(٨) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n(٩) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩].\n(١٠) رواه مسلم (٢٧٩)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. عن أبي هريرة =","vol":"1","page":65},{"text":"رواية: بالأخرى، فقال: \"أخْراهُنَّ بالتُّرابِ\" (١)، وفي روايِة: \"أولاهُنَّ أَوْ أخْراهُنَّ\" (٢)، وأطلق في روايةٍ فقالَ: \"إحْداهُنَّ\" (٣)، عُمِلَ بهذا المُطْلَقِ، ولم يُحْمَلْ على واحدٍ من المقيداتِ (٤)، ولا التفاتَ إلى ما توهَّمه الأسنوي (٥) واعتقده في هذه المسألة (٦).\n_________\n= بلفظ: \"طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب\".\n(١) ذكره ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٨/ ٢٦٥) فقال: رواه خلاس عن أبي هريرة.\n(٢) رواه الترمذي (٩١)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الكلب، وقال: حسن صحيح، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٨)، وأبو عوانة في \"مسنده\" (٥٤٢)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٩/ ١٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٤٨) عن أبي هريرة.\n(٣) رواه النسائي (٣٣٧، ٣٣٨)، كتاب: المياه، باب: تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، والنسائي أيضًا في \"السنن الكبرى\" (٦٩)، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٣٩)، والبزار في \"مسنده\" (١/ ٢٨٧ - مجمع الزوائد)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٥٢) عن أبي هريرة.\n(٤) انظر المسألة في: \"المحصول\" للرازي (٣/ ١٤٧)، و\"نهاية السول\" (١/ ٥٥٣)، و\"التمهيد\" كلاهما للإسنوي (ص: ٤٢٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٢٦)، و\"المحلي مع البناني\" (٢/ ٥١).\nقلت: وقد اختار المؤلف -﵀- في كتابه الآخر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" (١/ ٤٣٧) وجوب العمل على القيدين معًا إذا أمكن ذلك؛ لما فيه من العمل بالدليلين، وجعله من باب تعارض النصين، وليس من باب تعارض المطلق والمقيد.\n(٥) في \"أ\": \"الأسنائي\".\n(٦) قال في \"نهاية السول\" (١/ ٥٥٣): لك أن تقول: ينبغي في هذا المثال أن يبقى التخيير في الأولى والأخرى فقط؛ للمعنى الذي قالوه، وأما ما عداهما، فلا يجوز فيه التعفير؛ لاتفاق القيدين على نفيه من غير معارض. وانظر: \"التمهيد\" له أيضًا (ص: ٤٢٤).","vol":"1","page":66},{"text":"وإن لم يعارض المقيَّدَ مقيَّد آخرُ؛ كالرَّقَبَةِ في كَفّارة القَتْل (١)، والرَّقَبةِ في كَفّارةِ الظِّهار (٢)، قُيِّدَتْ بالإيمانِ في القَتْلِ، وأُطْلِقَتْ في الظِّهار، حُمِلَ المُطْلَقُ على المُقيَّدِ عندَ الشافعيَّةِ، ولا يُحْمَلُ عليهِ عندَ الحَنَفِيَّةِ (٣).\nوقد (٤) أعرضتُ عن ذكرِ الحُجَجِ والأدلَّةِ هُنا، وفي غيرهِ من المواضِعِ إلا قليلًا؛ لأنَّ قصدي بيانُ تصَرُّف العربِ في لُغَتِها واتِّساع معانيها.\nوهذا الكلامُ في الإطلاقِ والتقييد في الحكم المتعلق بخطابَيْنِ.\n\n* وأما الحكمُ المُعَلَّقُ بخطابٍ مقيَّدٍ بصفةٍ من الصفات، أو بشرطٍ من الشروطِ، ففيهِ أيضًا خِلافٌ عندَهُم (٥).\n- أمّا الحكمُ المعلَّق على الشرطِ، فإنه يدلُّ على أنَّ ما عَداهُ بخلافِهِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ بشرائطِ الاستدلالِ (٦).\n_________\n(١) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\n(٢) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].\n(٣) وقد وافق الحنفيةَ أكثرُ المالكية وبعضُ الشافعية. انظر: \"التقريب والإرشاد\" للباقلاني (٣/ ٣٠٨)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٤٤)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٧)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٥٢)، و\"المحلي مع البناني\" (٢/ ٥١)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٣١)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٦٥).\n(٤) \"قد\" ليس في \"أ\".\n(٥) وهذا ما يسمى بمفهوم المخالفة.\n(٦) التعليق على شرطٍ نوعٌ من أنواع مفهوم المخالفة، وقد قال به أكثر أهل العلم.\nانظر: \"التقريب والإرشاد\" للباقلاني (٣/ ٣٦٣)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٩٦)، و\"روضة الناظر\" لابن قدامة (٢/ ١٣١)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٤١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٣٦٨)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":67},{"text":"- وأما المعلق على الصفَةِ، فإنه يدلُّ على أن ما عَدا الموصوفَ بخلافِهِ عندَ الشافعي وجماهيرِ أصحابه وغيرِهم، ولا يدلُّ عندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ (١).\n\nوالتحقيقِ ما ذكرهُ بعضُ محققي الشافعيَّةِ (٢)، وهو أنَّ الواجبَ على الناظرِ أن يتأملَ مخرجَ الخطابِ وسياقَهُ، وما تقدّمَهُ من القرائنِ والكلام:\nفإنْ وجدَ دليلًا يستدلُّ به على الجمعِ بين المسكوتِ عنهُ والمذكورِ، صارَ إليه.\nوإنْ لم يجدْ دليلًا، أمضى (٣) الحُكْمَ في المذكور على مُقْتَضى الخطابِ، ثم نَظر في حكمِ المسكوتِ عنه على سبيل ما يَنْظُر في الحوادثِ التي تُعْدَمُ (٤) فيها النصوص:\nفإن وجدَ دليلًا يَجْمَعُ بينَ المذكورِ والمسكوتِ عنه، جمعَ بينَهما في الحكم.\nوإنْ وجدَ دليلًا يدلُّ على الفَرْقِ بينهما، فَرَّقَ بينهما (٥).\nفمثالُ ما دل عليه الدليلُ في مخالفةِ المسكوتِ عنه للمذكور: قولُه:\n_________\n(١) وهذا ما يسمى مفهوم الصفة. انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٠٥)، و\"المحصول\" للرازي (٢/ ١٣٦)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٨٠)، و\"التمهيد\" للإسنوي (ص: ٢٤٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ١٩٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٠).\n(٢) لم أجد من المقصود رغم طول البحث، والله أعلم بحقيقة الحال.\n(٣) في \"أ\": \"مضى\".\n(٤) في \"ب\": \"الذي يقدم\".\n(٥) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٤٥)، و\"البرهان في أصول الفقه\" للجويني (٢/ ٨٠٧).","vol":"1","page":68},{"text":"\"في سائِمَةِ الغَنَمِ زكاةٌ\" (١)، فهذا نظرَ فيه الناظرُ، ونظرَ في سائرِ الأموالِ الزَّكاتِيَّةِ، وجدَ الزكاةَ قد عُفي عنها فيما اتُّخذَ للبَذْلَةِ وللعَمَلِ، ولم يكنْ للتَّنْمِيَةِ، عَلِمَ بذلكَ أن ذكرَ السوم شرطٌ؛ لأنَّ المعلوفَةَ يُحْبِطُ علفُها نماءَها.\nومثله أيضًا: قوله - ﷺ -: \"أيُّما رَجُلٍ باعَ نَخْلا قَدْ أبّرَتْ، فَثَمَرَتُها للبائِعِ، إلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ\" (٢)، فإذا نَظَرَ الناظِرُ، وَوَجَدَ الَّذي لم يُؤَبَّرْ مُسْتكنًّا غيرَ ظاهرٍ، فهو كالجَنينِ في بَطْنِ الجاريةِ، والَّذي أُبِّر غيرُ مُسْتكنٍّ، فهو كظهورِ الجنينِ بالوِلادة، فعلمَ أن الإبّارَ حَدٌّ (٣)، وأن الذي لم يُؤَبَّرْ يدخلُ في المبيع (٤).\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٥٧): \"قال ابن الصلاح: أحسب أن قول الفقهاء والأصوليين: \"في سائمة الغنم زكاة\" اختصار منهم\".\nوقد ذكر في \"الإصابة\" (٢/ ٥٦): أن ابن قانع رواه في \"مسنده\" عن حريث العذري هكذا.\nقال ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٢٩١): \"لا أعرفه هكذا، نعم معناه موجود في حديث أنس: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ... \".\nقلت: وما أشار إليه ابن الملقن قد رواه البخاري (١٣٨٦)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم، في حديث أنس الطويل.\n(٢) رواه البخاري (٢٠٩٠)، كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا قد أُبِّرت، أو أرضًا مزروعة، أو بإجارة، ومسلم (١٥٤٣)، كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا عليه ثمر، عن عبد الله بن عمر بلفظ: \"من باع نخلًا قد أبرت، فثمرتها للبائع ... \".\nيقال: أبو النخل وأبَّره: إذا لقحه. انظر: \"أساس البلاغة\" (ص: ٩)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ١٣)، و\"لسان العرب\" (٤/ ٤) (مادة: أبر).\n(٣) في \"أ\": \"الأبار جذ\".\n(٤) في \"ب\": \"البيع\".","vol":"1","page":69},{"text":"ومثالُ (١) ما دلَّ الدليلُ على إلحاقِ المسكوتِ عنهِ بالمذكورِ: قولُه تَعالى في الصَّيْدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإذا نظرَ فيهِ الناظرُ، وجدَ القتلَ إِتْلافًا، ووجدَ (٢) الإتلافَ يَسْتَوي فيهِ العَمْدُ والخَطَأُ، استدلَّ بهِ على أن العَمْدَ ليسَ بشَرْطٍ، وإِنَّما هو تعريفٌ لا تقييدٌ.\nومثلُه أيضًا إذا اختلف البَيِّعانِ، والسلْعةُ قائِمَةٌ، تَحالفا وتَرادّا، فإذا نظرَ النَّاظِرُ، وجَدَ البُيوعَ مَتى فُسِخَتْ عُقودُها، رَجَعَ كُلٌّ من المُتبايِعَيْنِ إلى أصلِ مالِهِ، فأخذهُ منْ صاحِبه إنْ كانَ قائِمًا، وإلاّ رجعَ بقيمَتِه إن كانَ فائِتًا، علمَ بذلكَ أَن ذكرَ قيامِ السلْعَةِ ليس بشرط في التحالُفِ والتَّرَادِّ.\nوإنما بيَّنا هذا وبسَطَنْاه لتعلَموا أَنَّ المُعْتَمَدَ في هذا الباب هو الاسْتِدْلال والنَّظَرُ.\n\nويزيدُهُ تأكيدًا ووُضوحًا أَنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على إحْدى صِفَتي الشَّيء يكونُ في مَسْكوتهِ ما يساوي منطوقَهُ، وفيهِ ما يُخالِفُهُ.\nمثالُ ذلكَ: قولُ اللهِ -﵎-: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فاشتراطُ الأَصْلاب يَنْفي تَحريم حلائِلِ أبناء التبنِّي، وأما بَنو البَنينَ، فلم تُفَرِّقِ الأصولُ بينَهم في إرثٍ ولا وِلاَيةٍ، فكانوا في معناهُمْ.\nوكذلكَ من وَطِئَها الابنُ بملكِ اليمين لم يأتِ ذكرُ الحَلائِلِ لنَفْيِهم.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، فيه وقوعُ الحَرَجِ في إبداءِ الزينة لِمَنْ عدا المذكورين منَ الأجانِب،\n_________\n(١) في \"ب\": \"ومثل\".\n(٢) في \"ب\" زيادة \"مثله\".","vol":"1","page":70},{"text":"ولم يكنْ فيه نفيٌ لرفع الجُناح في إبدائِها لِقَرابَةِ الرَّضاعِ.\nفهذا كُله دليلٌ على هذا الأصلِ الذي أصَّلناه؛ لتعلموه، ولتعتبروا به.\nوقد يختلف الفقهاءُ في الأدلَّةِ المؤدّيةِ إلى المُرادِ معَ اتِّفاقِهِمْ على العملِ بالنظر والاجتهاد.\n* واعلموا أن العربَ قد تَخُصُّ بالذكرِ شيئًا لأسبابٍ ومَقاصِدَ، وهو وغيرهُ سواءٌ، ووردَ في القرآنِ والسُّنَّةِ من ذلك أنواعٌ (١):\nأحدُها: أن يكونَ الشيءُ جوابًا لسؤالِ سائلٍ سألَ بكلامٍ مَخْصوصٍ بإحْدى صِفَتَيِ الاسمِ، فيحصلُ الجوابُ على وَفْقِ سؤالِهِ، وعلى هذا تحملُ الشافعيةُ قوله - ﷺ -: \"لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ والرَّضْعَتانِ\" (٢).\nالثاني: أن يَخُصَّهُ بالذِّكْرِ لأجلِ التَّفْضيلِ والتَّعْظيم، ومنهُ قولُ اللهِ - ﵎-: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] ومنهُ قوله - ﷺ -: \"والزِّنا بِحَليلَةِ الجار\" (٣)، ومنه:\n_________\n(١) يعني: أن ذلك القيد المذكور لا يفيد نفي الحكم عما سوى ذلك القيد؛ لأنه خرج لمقصد معين، وعند ذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة.\nانظر ذلك في: \"البرهان\" للجويني (١/ ٤٧٤)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٠٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٢٩)، و\"المسودة في أصول الفقه\" لآل تيمية (٢/ ٧٠٠)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٣٦٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٩)، و\"المحلي مع البناني\" (٢/ ٢٤٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٧٩).\n(٢) رواه مسلم (١٤٥١)، كتاب: الرضاع، باب: في المصة والمصتان، عن أم الفضل.\n(٣) رواه البخاري (٤٢٠٧)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومسلم (٨٦)، كتاب الإيمان، باب: كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، من حديث عبد الله بن مسعود، بلفظ: سألت =","vol":"1","page":71},{"text":"﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) [البقرة: ١٩٧].\nالثالث: أن يُخَصَّ بالذكْرِ لكونهِ الغالبَ عليه؛ كقولِ الله -﵎ -: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ إذِ الغالبُ على الربيبَةِ (٢) كونُها في حِجْر زَوْجِ أُمِّها. ومثلهُ (٣) قولهُ -تَعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ إذِ الغالبُ أن القتلَ إنما يكون عن عَمد.\nالرابع: أن يُخَصَّ بالذكرِ لكونهِ مَحَلًّا صالحًا للمذكور، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] فخُصَّ الحَيُّ لِصَلاحيتِهِ لِقَبولِ النِّذارَةِ.\nومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥].\n* * *\n_________\n= النبي - ﷺ -: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك .... \"\nقلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\".\n(١) سقطت الآية في \"ب\".\n(٢) الربيبة: بنت الزوجة \"القاموس\"، (مادة: ربب) (ص: ٨٢).\n(٣) \"ومثله\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>القول في الحقيقة والمجاز</span>\nوالحقيقةُ: هي: الكلامُ الباقي على وَضْعِه الذي وُضِعَ له، ولم يُعْدَلْ بهِ عنه.\nوهي مأخوذةٌ من الحَقِّ، وهو الشيءُ الثابتُ الواجب، وهو أكثرُ القرآنِ العظيمِ (١)؛ يقول الله الكريم ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].\n\nوالمَجازُ: مأخوذ من الجَواز، وهو العُبورُ، فتأويل قولنا: مجازٌ، أَي: إن الكلامَ الحقيقيَّ يمضي لسبيلهِ، ولا يعترضُ عليه، وقد يكون غيرهُ يجوزُ جوازَهُ لقربهِ منه، وهو من أوسَعِ لِسانِ العربِ مجالًا، وأحسنِها اسْتِعْمالًا، فلا يوجد لهمْ شعرٌ ولا نثرٌ إلا وفيهِ المجازُ، ولا يَحْسُنُ الكلامُ في استعمالهم إلَّا به (٢).\n_________\n(١) في \"ب\": \"الكريم\" بدل \"العظيم\".\n(٢) وقد أنكر وقوع المجاز في لغة العرب: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ونُسب إلى أبي علي الفارسي أيضًا. ولعله لا يصح عنه، والله أعلم.\nانظر: \"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٥٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٨٠)، و\"المحلي مع البناني\" (١/ ٣٠٨)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢١٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٣).","vol":"1","page":73},{"text":"ولكن الحقيقةَ أكثرُ استعمالًا منه (١)، خلافًا لابن رَشيقٍ وابْنِ جِنِّي (٢)، وقد وردَ القرآنُ العظيمُ (٣) بالمَجاز (٤) ليكونَ حُجةً على العربِ؛ إذ خاطبهُمْ بجَميع أنواعِ كلامِهم، ثم تحداهم بسورَةٍ من مثلِه (٥)، وعجَزوا عنِ الإتيانِ بمثلِها، معَ قيام دواعيهم وتوفُرها على المُعارَضَةِ له؛ لِكَيْلا يقولوا: إنَّما عَجَزنا عن الإتيانِ بمثلِه لكونهِ بغير سُنَتِنا وخلافَ عادَتِنا؛ إذْ لمْ يجمعْ صنوفَ كلامِنا.\nولا نَظَرَ إلى خلافِ ابن داودَ؛ حَيثُ أنكرَ المَجاز في القُرآن، فالقرآنُ مَشْحونٌ بذلكَ (٦)، وإنِ (٧) اعترفَ بهِ وادَعى تأويلَه، كانَ الخلافُ في التسمية والعبارة.\n_________\n(١) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٨١)، و\"المحلي مع البناني\" (١/ ٣١٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢١٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٣).\n(٢) انظر: \"الخصائص\" له (٢/ ٤٤٧).\n(٣) في \"ب\": \"العزيز\" بدل \"العظيم\".\n(٤) وهو قول الجمهور خلافًا لداود الظاهري ومن قال بقوله. انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٣٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٧٤)، و\"المسودة\" لآل تيمية (١/ ٣٦٧)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٦٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٨٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢١٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٣).\n(٥) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\n(٦) انظر أمثلة لذلك في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٣٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ١٦٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٨٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢١٥).\n(٧) في \"ب\": \"فإن\".","vol":"1","page":74},{"text":"* والمجازُ على أنواعٍ كثيرةٍ (١)، ولْنَذْكُر منها هاهنا -أيضًا- تسعةَ أنواعٍ؛ لكثرةِ دورها ودلالتِها على غيرها:\n\nالنوع<span data-type=\"title\" id=toc-49> الأول: الاستعارةُ: </span>وهو أن يضعَ الكلمةَ للشيء يستعيرُها له من مَواضِعَ أُخَرَ لِمُشابَهَةٍ بينَهُما؛ كقولِه تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥]، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكقولهم: انشقَّتْ عَصا القوم؛ إذا تفرقوا، وذلك غير منحصر في كلامهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الثاني: التّشبيهُ: </span>كقوله تَعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وكقولِ الشاعِر (٢): [البحر الطويل]\nدُفِعْتُ إلى شَيْخٍ بِجَنْبِ فَتَاتِهِ ... هو العَيْرُ (٣) إلا أنّه يَتكلَّمُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الثالثُ: الزيادَةُ: </span>قالَ بعضُ أهلِ اللِّسانِ: إن العربَ تَزيد في كلامِها أسماءً وأَفْعالا وحُروفًا:\n- أمّا الأسماءُ، فثلاثة: الاسمُ والوَجْهُ والمِثْلُ.\nفالاسمُ، في قولِ القائلِ: باسمِ الله، إنما أراد: بالله، ولكنّه لما أشبهَ القسمَ، زِيدَ فيه الاسْمُ.\n_________\n(١) وهي ما يسمى في علم البلاغة: علاقة المجاز المرسل. انظر ذلك في المصادر التالية: \"المحصول\" للرازي (١/ ٣٢٣)، و\"المسودة\" لآل تيمية (١/ ٣٧٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ١٩٨)، و\"المحلي مع البناني\" (١/ ٣١٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٢١٩).\n(٢) هو ابن الأعرابي كما أسنده إليه الرامهرمزي في \"أمثال الحديث\" (ص: ٩٠).\n(٣) في \"ب\": \"القبر\".","vol":"1","page":75},{"text":"والوجهُ، كقولِ القائِل: وَجْهي إليه، وفي كتابِ الله -﷿-: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، قال الشاعر: [البحر البسيط]\nأستغفرُ الله ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (١)\n\nوالمِثْل، في كتابِ الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقولُه تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، قال الشاعر: [البحر السريع]\nيا عاذِلي دَعْنِيَ مِنْ عَذْلِكا ... إذْ مِثْلِي لا تقْبَلُ مِنْ مِثْلِكا\n\n- وأما الأفعالُ، فقولُهم: كادَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، قال الشاعر (٢): [البحر البسيط]\nحتى تبادل كلبًا في دِيارِهِمُ ... وكادَ يَسمو إلى الجُرْفَيْنِ فارْتَفَعا\nأراد: وَسَما، ألا ترى أنه قال: فارتفعا.\n\n- وأما الحروفُ، فزيادَتُها مشهورةٌ، وربما قيل باختصاصِ الزيادِة بها، فمنها حروف المعَاني، وزيادتُها كثيرةٌ منتشرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n_________\n(١) استشهد به سيبويه (١/ ١٧) على أن الأصل (من ذنبٍ) فحذفَ (من)، و(استغفر) يتعدى إلى المفعول الثاني بـ (من)، والبيت من الأبيات الخمسين في سيبويه التي لا يعرف قائلها، وانظر: \"خزانة الأدب\" (١/ ٤٨٦).\n(٢) هو الأعشى كما نسب إليه في \"المقاييس\" (١/ ٤٤٩). وروايته فيه:\nحتى تناول كلبًا في ديارهم ... وكان يسمو إلى الجُرفين فارتفعا","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الرابع: النّقصان: </span>وهو أن تنقصَ منَ الكلامِ اسما أو فِعْلًا أو حَرْفًا، فَتُضْمِرُهُ وتخفيهِ.\n- فأما الاسمُ، فمثلُ قراءة الكِسَائي: (ألا يا اسجدوا) (١)، ومعناه: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومثل قول الشاعر (٢): [البحر الطويل]\nألا يا اسْلَمي يا دَارَ مَيَّ على البِلَى ... ولا زَالَ مُنْهَلًّا بَجَرْعائِكِ القَطْرُ\nويُضمِرونَ \"مَنْ\" فيْقولون: ما في حَيّنا إلَّا لَهُ إِبلٌ، أَيْ: مَنْ لَهُ إِبلٌ. وفي كتاب الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].\nويضمرون \"هذا\"، قال الشاعر: [البحر الطويل]\nأأنتَ الهِلاَليُّ الذي كنت مَرَّةً ... سَمِعْنا بِهِ والأَرْحَبيُّ المُعَلَّفُ\nأيْ: وهذا الأَرْحبِيُّ المُعَلَّفُ (٣).\n- وأما الأفعال، فنحو قولهم: أَهْلًا وسَهْلًا، ورعْيا وسَقْيًا، وقولهم:\n_________\n(١) قرأ بها الكسائي، ورويس، وأبو جعفر، والحسن، والشنبوذي، والمطوعي، وابن عباس، وأبو جعفر، والزهري، والسلمي، وحميد، وطلحة، ويعقوب، وقرأ الباقون: ﴿ألّا يسجدوا﴾ انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٥١٧)، \"والتيسير\" للداني (١٦٧)، و\"تفسير الطبري\" (١٩/ ٩٣)، و\"الحجة\" لأبي زرعة (٥٢٦)، و\"السبعة\" لابن مجاهد (٤٨٠)، و\"النشر في القراءات العشر\" لابن الجزري (٢/ ٣٣٧)، و\"معجم القراءات القرآنية\" (٤/ ٣٤٦).\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٣/ ٣٦٢): وقرأ بعض القراء: (ألا يا سجدوا) جعلها ألا الاستفتاحية، ويا للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده: ألا ياقوم اسجدوا لله.\n(٢) هو ذو الرّمة. انظر \"ديوانه\": (ق ١٥/ ١)، (١/ ٥٥٩).\n(٣) يعني: بعيره؛ انظر: \"الصاحبي في فقه اللغة\" لابن فارس (ص: ٣٨٧)، ونسبه إلى حميد بن ثور.","vol":"1","page":77},{"text":"أثَعْلَبًا وَبَقَرًا، أَيْ: صادَفْتَ أَهْلا و[نزلت] سَهْلًا، وسَقاكَ اللهُ سَقْيًا، ورَعاك الله (١) رَعْيًا، وأَترى ثَعْلَبًا وَتقَرَأ، ونحوُ قولِ الله -﵎-: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فَضَرَبَ فانفجَرَتْ. فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ.\n- وأما الحروفُ، فنحوُ قولهم: واللهِ لَكَانَ كَذا، أي: لقد كان كذا، وفي كتاب الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] قيل: معناها لقد غُلبت الرومُ (٢)، فلما أُضْمِرَتْ \"قَدْ\" أُضْمِرَتِ اللامُ، وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي: مِنْ قَوْمِهِ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أي: يسمعونَ لَكُمْ. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فعليهِ ما استيسرَ منَ الهَدْي. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] أي: عَنْ أَنْ تنكِحوهُنَّ، عِنْدَ قومٍ، وقومٌ يُضمرونَ \"في\"، ويقولون: في أن. وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] أي: بِيَومِ الجَمْع.\nوقد ينقصونَ الكلمةَ، ويكتفونَ ببعضِها، يقول الشاعر (٣): [بحر الرجز]\nقَلتُ لها قِفي قَالتَ: قَاف ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...\n_________\n(١) لفظ الجلالة \"الله\" ليست في \"أ\".\n(٢) \"الروم\" ليست في \"أ\".\n(٣) البيت غير منسوب، وقد ذكره ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٩٠)، وابن منظور في \"لسان العرب\" (٩/ ٣٥٩)، وغيرهما، وروايته عندهم:\nقلت لها قفي قالت قاف ... لا تحسبي أنَّا نسينا الإيجاف\nقال ابن جرير: يعني بقوله: (قالت قاف): قالت: قد وقفت، فدلت بإظهار القاف من وقفت على مرادها من تمام الكلمة التي هي وقفت.","vol":"1","page":78},{"text":"أي: قد وقفتُ (١).\nوفي كتاب الله من هذا النوع: فواتحُ السور، على قولٍ مشهورٍ مرويٍّ عنِ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قوله: ﴿الم﴾ [البقرة: ١]؛ أي: أنا الله أعلم (٢)، وكذا بقية الفواتح، وفيها أقوال كثيرة عن العلماء (٣) -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-.\nوأوضحُ من هذا النوعِ حذف المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مقامَهُ، وهو الذي يُسمِّيه الأصوليونَ: لَحْنَ الخِطاب (٤)؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) [يوسف: ٨٢]، وقوله (٦): ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقولهم: بنو فلان يَطَؤُهُمُ الطريق.\nوهذا النوعُ واسع في اللغةِ، لا يُحصى لكثرته، وهوَ من الكلامِ الذي يبينُ آخرُهُ أَوَّلَهُ.\nومن الكَلام الذي أُريدَ بهِ غَيْرُ ظاهره؛ كقولهِم: قاتلَهَ اللهُ ما أَفْصَحَهُ! وتَرِبَتْ يَمينُكَ! وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) \"قد\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٨٨).\n(٣) انظر أقوال الصحابة والعلماء في تفسيراتهم لفواتح السور، في: \"تفسير الطبري\" (١/ ٨٨) وما بعدها، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧) وما بعدها، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٥٦) وما بعدها، وغيرها.\n(٤) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٠٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٧).\n(٥) \"واسأل القرية\" ليس في \"أ\".\n(٦) \"وقوله\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الخامس: التقديمُ والتأخيرُ: </span>وذلك مشهورٌ في لسانِ العرب. قال ذو الرُّمَّةِ: [البحر البسيط]\nما بالُ عَيْنِكَ مِنْها الماءُ يَنْسَكِبُ (١)\nأي: ما بال عينك يَنْسَكِبُ منها الماءُ.\nويرد به القرآنُ العزيزُ، قال اللهُ -ﷻ-: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا﴾ [سبأ: ٥١]؛ لأنَّ الفوت يكون بعد الأَخْذِ، وقال تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] وغير ذلك من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>السادس: المحاذاةُ والمُقابَلَةُ للشيءِ بمثلِ لَفْظِهِ معَ اختِلاف المعنى: </span>وهو مشهور في لسان العرب، قال عَمْرُو بنُ كُلْثوم: [البحر الوافر]\nأَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فنجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلينا (٢)\nومنه في كتاب الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] وقولُه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nومن اتساعِ العربِ في هذا النوع استعمالُهم المُحاذاة في الألفاظِ\n_________\n(١) انظر \"ديوانه\": (ق ١/ ١)، (ص: ٩). وعجزه:\nكأنه من كُلى مَفْرِيَّةِ سَرِبُ\n(٢) البيت في معلقته برواية أبي زيد القرشي في \"جمهرة أشعار العرب\" (ص: ١٤٧)، وهو غير موجود في رواية الزوزني في \"المعلقات السبع\".","vol":"1","page":80},{"text":"والصِّيَغِ، فقالوا: إني لآتيه بالغَدايا والعَشايا، وهنَّأني ومَرَّأَني (١)، جَعَلوا إحدى الكلمتينِ كلفظِ الأُخْرى، معَ اختلافِهِما في صورةِ الجَمْعِ والوَضْع، فجمعُ غُدْوَةٍ: غُدُواتٍ، وصيغةُ الفعل: أَمْرَأَني.\nومنه قوله - ﷺ - في الحَديث الصحيحِ المشهور: \"فيقولُ: لا دَرَيْتَ ولا تليتَ\" (٢) وأصلُه: تَلَوْتَ.\nومنهُ قولُهم: عندي ما سَاءَه ونَاءَهُ، أي أَنَاءَهُ، ومعناه: أثقَلَهُ.\nوقولهم في الدعاء: لا ذَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وأصلُه: أَتليْتَ، ومعناهُ: لا نما له بالذُّرِّيَّةِ، ولا عاش حتى تتلوَ البناتُ الأُمهات.\nوذكر بعض أهل العلم أن الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- استعملوا المُحاذاة في رَسْمِ المُصْحَف، فكتبوا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] بالياء، وهو من ذَواتِ الواوِ، وقُرِنَ بغيرِهِ من ذَواتِ الياء، ومنْ هذا النوعِ قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] فاللَّامان لاما قسَمٍ، ثم قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] وليسَ هوَ قَسَمًا، بلْ هُوَ عُذرٌ للهُدْهُدِ، لكنهُ لَمّا أتى به على أَثَرِ ما يجوزُ فيه القَسَمُ، أجراه مُجْراهُ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠].\n\nالسابعُ: أن يُسمَّى الشيءُ باسمِ (٣) ما يَؤُولُ إليهِ: كقولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(١) هنأني ومرَّأني: الهنيء من الطعام: السائغ، والمريء منه الطيب السائغ، يقال أكلتُ الطعام هنيئًا مريئًا، أي: طيبًا لذيذًا سائغًا بلا مشقة. انظر: \"الإتباع والمزاوجة\" لابن فارس (ص: ١٣١).\n(٢) رواه البخاري (١٢٧٣)، كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، عن أنس بن مالك بلفظ: \"فيقال: لا دريت ولا تليت\"، ورواه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣) عن أبي سعيد الخدري، باللفظ الذي ساقه المؤلف.\n(٣) \"باسم\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":81},{"text":"يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله تَعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الثامنُ: أَنْ يُسَمَّى الشيءُ بما كانَ عليهِ: </span>كقولِه - ﷺ -: \"لا يَحِلُّ دَمُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثلاث: كُفْرٌ بعدَ إيمانٍ\" (١)، وقد سَمَّاهُ: مُسْلِمًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>التاسع: تسميتُهم الشيءَ بما يَستحيلُ وُجودُه: </span>كقولهم للأعمى: بصيرٌ، وللأحدب: غُصْنٌ، وللطويل: نَخْلَةٌ، وللأَبْلَهِ: كَيِّس، وللَّديغِ: سليمٌ، وللخبت (٢) الواسعِ: مفازةٌ.\nوللتمييز بين الحقيقةِ والمَجاز -عندَ الاشتباهِ- طُرُقٌ ذكرهَا النُّظَّارُ، وليسَ ذكرُها من غرضي.\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، كتاب: الديات، باب: الإِمام يأمر بالعفو في الدم، والنسائي (٤٠١٩)، كتاب: تحريم الدم، باب: ذكر ما يحل به دم المسلم، والترمذي (٢١٥٨)، كتاب: الفتن، باب: لا يحل دم امرئ مسلم، وابن ماجه (٢٥٣٣)، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وهذا لفظ أبي داود.\n(٢) الخَبْت: ما اتسع من بطون الأرض، وجمعه أخبات وخبوت. قال القتيبي: سألت الحجازيين، فأخبروني أن بين المدينة والحجاز صحراء؛ تُعرَف بالخبت. انظر: \"اللسان\" (مادة: خبت) (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>القول في الأمر والنهي</span>\nالأمرُ في لسانِ العَرَبِ: ما أَوْجَبَ طاعَةَ الآمِرِ، وإذا لم يَفْعَلْهُ المَأْمورُ كان عاصيًا، كَما عُقِل ذلكَ من عادتِهم إذا أمَرَ السيدُ عبدَه.\n\nومعناهُ عندهم: الاستدعاءُ والطَّلَبُ، وسواءٌ كان بصيغة افْعَلْ، أو لِيَفْعلْ، أو غيرِهِما، وما ليسَ معناهُ الطلبَ فليسَ بأمرٍ حقيقةً، وإنْ كانَ بصيغةِ افْعَل.\nوالكلامُ فيه يتمُّ في فَصْلَينِ:\nأحدُهما: في مُقْتَضى الأمرِ عندَ أهلِ العِلْمِ.\nوالثاني: في كيفيةِ تَصَرُّفِ العربِ في استعمالِه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصلُ الأولُ وفيه أربعُ مسائلَ:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-60> الأولى: الأمر هَلْ يقْتَضي الوُجوبَ</span>؟\nفيه خلافٌ كثيرٌ بينَ أَهْلِ العِلْمِ (١).\n_________\n(١) في هذه المسألة سبعة أقوال: الوجوب، الندب، للقدر المشترك، اللفظ مشترك بين الوجوب والندب، لأحدهما، لا يعلم حاله، للإباحة، للوقف في ذلك كله.=","vol":"1","page":83},{"text":"والصحيحُ عندَ الجُمهورِ أنهُ على الوجوبِ.\nوالدليلُ عليهِ قولُ اللْهِ - ﷿-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]، وقولُ النبيّ - ﷺ -: \"لَوْلا أَنْ أَشُق عَلَى أمتي لأَمَرتُهُمْ بالسّواكِ عِنْدَ كُلّ صلاةٍ\" (١)، وما أشبَهَهُ من الأخبار.\nوالواجبُ على الناظر إذا ورد الأمرُ أن يَنْظُرَ، فإنْ وجدَ معَهُ شيئًا يَدُلُّ على الحَتْمِ، حَمَلهُ عليهِ، وإن وجد ما يَدُلُّ على النَّدْبِ أو غيرهِ، حَمَلَهُ عليه، وإلا حَمَلَهُ على الوُجوب.\nوكُلُّ ما جاز أن يُسْتَدَلَّ بهِ على تَخْصيصِ العامِّ، جازَ أن يُسْتَدَلَّ بهِ على أنَّ الأمرَ ليسَ على الوُجوب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-61> الثانية: إذا وردَ لفظُ الأمرِ، وفي الصيغةِ ما يدلُّ على التكْرارِ</span>، حُمِلَ على التّكْرار، وإنْ كانَ مُجَرَّدًا، ففيهِ خلاف بينَهُمْ:\nفَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: يجبُ التكرارُ على حَسَبِ الطاقةِ؛ لقوله - ﷺ -: \"إذا أَمَرْتكمْ بأَمْرٍ فَأتوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ\" (٢)، وهذا داخِل في الاستِطاعَة.\n_________\n= انظر: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٧٠)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٢٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٤٨)، و\"غاية الوصول\" لزكريا الأنصاري (ص: ٦٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٩٤).\n(١) رواه البخاري (٨٤٧)، كتاب: الجمعة، باب: السواك يوم الجمعة، ومسلم (٢٥٢)، كتاب: الطهارة، باب: السواك، عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.\nقال القرافي في \"شرح تنقيح الفصول\" (ص: ١٢٧): لفظة \"لولا\" تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب، بل ما فيه مشقة، وذلك إنما يتحقق في الوجوب.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٤٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٩٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٨٥٨)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن =","vol":"1","page":84},{"text":"ومنهمْ من قال: لا يَجِبُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة واحِدَة؛ لأنهُ مُقْتَضى لَفْظِ الأَمْر (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-62> الثالثةُ: الأَمْرُ هَلْ تقتَضي الفِعْلَ على الفَوْرِ، أوْ لا</span>؟\nإنْ قُلْنا: إنَّ الأمرَ يَقْتَضي وجوبَ (٢) التكرارَ على حَسَبِ الاستِطاعَةِ، وجَبَ الفِعْلُ على الفَوْرِ؛ لأنَّ الحالة الأُولى داخلةٌ في الاستِطاعة، فلا يجوزُ إِخْلاؤها من الفِعْلِ (٣).\nوإنْ قُلْنا: إن الفعلَ يَقْتَضي مَرَّةً واحِدَة، فَهَلْ يَقْتضي الفَوْرَ؟ فيهِ مذهبان (٤).\n_________\n= رسول الله - ﷺ -، ومسلم (١٣٣٧)، كتاب: الحج، باب: توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله مما لا ضرورة إليه، عن أبي هريرة، وهذا لفظ البخاري.\n(١) الأصح في ذلك أن يقال: إن الأمر الخالي عن قرينة المرة أو التكرار إنما هو لطلب الماهية، فلا يدل على مرة ولا على تكرار، إلا أن المرة ضرورية؛ لأن الماهية لا توجد إلا بها، والله أعلم.\nانظر \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٤٩)، و\"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٨٢)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٣١)، و\"الإبهاج\" للسبكي (١/ ٢/ ٥٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٥٤٢)، و\"غاية الوصول\" لزكريا الأنصاري (ص: ٦٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٩٧).\n(٢) \"وجوب\" زيادة من \"ب\".\n(٣) وهذا مذهب القائلين بأن الأمر يقتضي التكرار، وهو لازم لهم، أعني: اقتضاء الفورية، لاستغراق الأوقات بالفعل المأمور به.\n(٤) تفصيل المسألة: إن الذين قالوا بأن الأمر يفيد التكرار، قالوا بأنه يفيد الفور؛ لأن ذلك لازم عن قولهم، أما الذين لم يقولوا أنه للتكرار اختلفوا على مذاهب: الأول: لا يدل على فور ولا على تراخٍ.\nالثاني: يدل على التراخي.\nالثالث: أنه للفور.=","vol":"1","page":85},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-63> الرابعةُ: إذا وَرَدَ الأمْرُ بعدَ الحَظْرِ والمنعِ، فهل يقْتَضي الوُجوبَ؟ فيه مذهبان:</span>\nأحدهما: يقتضي الوُجوبَ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، ولأن كل لفظ اقتضى الوجوبَ إذا لم يتقدمْهُ حَظْرٌ، اقْتَضى الوجوبَ وإنْ تقدَّمَهُ حَظْرٌ؛ كقولكَ: أوجبْتُ، أو فَرَضْتُ.\nوالثاني: لا يَقْتَضي الوُجوبَ (١)، ويكون الحَظْرُ قرينة صارفَةً لهُ عن الوجوبِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وبهذا قال مالِكٌ وكَثْرَةٌ من أصحابِ الشافعيِّ -رضي الله تعالى عنهم-.\n\nوالذي أراهُ سديدًا - إن شاءَ اللهُ- أنَّ الأمرَ والطلَب يرفعُ ذلكَ الحَظْرَ والمَنع، وينسَخُهُ، ويعودُ الأمرُ إلى ما كانَ قبلَ الحَظْرِ، فإن كانَ واجبًا، وجبَ المأمورُ به، وإن كانَ مُباحًا، كانَ المأمورُ به مُباحًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] الآية، كانَ قتلُ المشركينَ واجبًا قبلَ الأشهُرِ الحُرُمِ، فَرَجَعَ واجبًا بالأمْرِ الثاني وتقويةِ الأمْرِ الأولِ له، كقوله\n_________\n= الرابع: الوقف؛ إما لعدم العلم بمدلوله، وإما لأنه مشترك بينهما.\nانظر: \"للمع\" للشيرازي (ص: ٥١)، و\"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٨٨)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٢٨)، و\"الإبهاج\" للسبكي (١/ ٢/ ٥٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٤٥)، و\"غاية الوصول\" لزكريا الأنصاري (ص: ٦٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٩٧).\n(١) وفيه مذهب ثالث، وهو التوقف.\nانظر: \"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٣٩)، و\"الإبهاج\" للسبكي (١/ ٢، ٤٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٦٢)، و\"غاية الوصول\" لزكريا الأنصاري (ص: ٦٥).","vol":"1","page":86},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وكانَ الإتيانُ والاصطيادُ مُباحَيْنِ قبلَ الحَيْضِ والإحْرامِ بالخِطاب المتقدم، وكذلك قوله - ﷺ -: \"كُنْتُ نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبورِ، فَزوروها\" (١).\nفإن قيلَ: كانَ حَلْقُ الرأسِ مُباحًا قبلَ الإحرامِ، وكان النَّظَرُ إلى الأجنبيةِ حَراما قبلَ الخِطْبَةِ، ثُمَ أُمِرَ بذلكَ، فاستُحِبَّ هذا، ووَجَبَ ذلكَ.\nقلنا: إنما وَجَبَ ذلكَ للقرينةِ الدّالَّةِ الزَّائِدَةِ على صيغةِ الأمر، وكلامُنا في الأَمْرِ المُجَرَّدِ عن الأدِلَّةِ والقرائِنِ، ألا تَرى إلى قوله - ﷺ -: \"رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقينَ\" قالوا: والمُقَصِّرينَ، قالَ: \"رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقينَ\" (٢) الحديث.\nويزيده وضوحًا وإيجابًا قوله - ﷺ -: \"لَيْسَ على النِّساءِ حَلْقٌ، إنَّما على النِّساء التَّقْصيرُ\" (٣)، وعلى الإيجابِ، ثمَّ الدلاَلةِ على استِحْبابِ (٤) نَظَرِ الأجنبيةِ ما رُوِيَ عنه - ﷺ - من قوله: \"فإنَّه أَحْرى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُما\" (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٧)، كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه -﷿ - في زيارة قبر أمه. عن بريدة بلفظ: \"نهيتكم عن زيارة ... \". وقد رواه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٦١) عن بريدة أيضًا بلفظ: \"كنت نهيتكم عن زيارة ... \".\n(٢) رواه البخاري (١٦٤٠)، كتاب: الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، ومسلم (١٣٠١)، كتاب: الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير، عن عبد الله بن عمر.\n(٣) رواه أبو داود (١٩٨٥)، كتاب: الحج، باب: الحلق والتقصير، والدارمي في \"سننه\" (١٩٠٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣٠١٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٧١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٠٤)، عن ابن عباس.\n(٤) \"استحباب\" ليس في \"ب\".\n(٥) رواه النسائي (٣٢٣٥)، كتاب: النكاح، باب: إباحة النظر قبل التزويج، والترمذي (١٠٨٧)، كتاب النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة، وقال: حسن، وابن ماجه (١٨٦٦)، كتاب: النكاح، باب: النظر إلى المرأة إذا =","vol":"1","page":87},{"text":"وحاصِلُ هذا البَحْثِ راجِعٌ إلى أنَّ تَقَدُّمَ الحَظْرِ (١) قرينة صارفة للأمرِ عنِ الوجوبِ والندبِ، ولم أَرَ أحدًا بينَ هذا المُشْكِلَ حتى وَجَدْتُ الإمَام أبا بكرٍ الشاشِيِّ الكبيرَ قدْ سَبَقَ إلى هذا (٢)، وهو من أكبرِ الشافعيَّةِ، ومن شارِحي رسالةِ الإمامِ الشافعي، رضيَ اللهُ تَعالى عنهم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الثاني في تَصَرُّفِ العَرَبِ بِصيغَةِ الأمرِ </span>(٣)\nولذلكَ وجوهٌ كَثيرةٌ، وكلُّها تُعْرَفُ بِمخرَجِ الكلامِ وسِياقه، وبالدّلاَلةِ القائِمَةِ من قرائنِ الأحوالِ ومُناسباتِ المقام.\n\nالوَجْهُ<span data-type=\"title\" id=toc-65> الأولُ: أن يكون أمرًا ومعناهُ الوجوبُ</span>، وهو الأصلُ والحَقيقَةُ\n_________\n= أراد أن يتزوجها، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٤٦) عن المغيرة بن شعبة، وهذا لفظ الترمذي وأحمد.\n(١) أي: على الأمر الثاني، والله أعلم.\n(٢) وقد ذهب إلى ما اختاره المصنف -﵀أيضًا: ابن كثير، ونَسَبَ ذلك الطُوفي إلى الأكثرين، وفي \"القواعد\" لابن اللحام: أن ذلك هو المعروف عن السلف والأئمة.\nانظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٩)، و\"القواعد والفوائد الأصولية\" لابن اللحام (٢/ ٥٧٩)، و\"البلبل في أصول الفقه\" للطوفي (ص: ٨٦).\n(٣) المراد بذلك: أن صيغة الأمر ترد لمعانٍ كثيرة، أوصلها السبكي إلى ستة وعشرين معنى في \"جمع الجوامع\".\nانظر للتوسع: \"المستصفى\" للغزالي (٢/ ٦٦)، و\"البلبل\" للطوفي (ص: ٨٤)، و\"الإبهاج\" للسبكي (١/ ٢/ ١٤)، و\"مختصر المعاني\" للتفتازاني (ص: ٢٦٥)، و\"غاية الوصول\" لزكريا الأنصاري (ص: ٦٤)، و\"شرح عقود الجمان\" للسيوطي (ص: ٥٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٩٧).","vol":"1","page":88},{"text":"كَقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الثاني: أمرٌ ومعناه الاسْتِحْبابُ</span>، وهو يشاركُ الأمرَ الحقيقيَّ في الطلبِ والصِّيغَةِ؛ كقولِ النبيِّ - ﷺ -: \"صُمْ وأَفْطِرْ، ونَمْ وقُمْ\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الثالث: أمرٌ ومعناه الإرشاد</span>؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الرابع: أمرٌ ومعناهُ التأديبُ</span>؛ كقوله - ﷺ - للصبيِّ: \"كُلْ مِمّا يَليكَ\" (٢)؛ بدليلِ كونِ الصبيِّ مَحَلًاّ للتأديبِ، لا للوُجوبِ، ولا للاستِحْبابِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الخامس: أمرٌ ومعناهُ التخييرُ</span>؛ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أَي: إِنْ شِئْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وكلُّ ما وردَ من الأمرِ في حُقوقِ الآدميينَ؛ كالمُعامَلاتِ والمُعاوَضاتِ التي لبعضٍ على بعض، فإنَّها إِمَّا على التخييرِ، أو الإرشاد؛ لقيامِ الدليلِ على أنه لا يجبُ على العبادِ أخْذُها واستيفاؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وغير ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٧٤)، كتاب: الصوم، باب: حق الجسم في الصوم، ومسلم (١١٥٩)، كتاب الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، عن عبد الله بن عمرو بن العاص في حديثه الطويل.\n(٢) رواه البخاري (٥٠٦٢)، كتاب: الأطعمة، باب: الأكل مما يليه، ومسلم (٢٠٢٢) كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، عن عمر بن أبي سلمة.","vol":"1","page":89},{"text":"ولكن الفرقَ بينَ التخييرِ والإرشادِ أن الإرشادَ فيه تنبيهٌ على طريقِ الجَزْمِ والتَّوثُّقِ، بخِلاف التَّخْييرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>السادس: أمر ومعناهُ الإباحَةُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهو كالتخيير، لكنهُ يفارقُ التخييرَ في أنه لا يكونُ إلا بعدَ مَنع وحَظْرٍ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>السابع: أمرٌ ومعناهُ التَّسخيرُ، وبعضُهم يقولُ: </span>التَّحْقيرُ؛ كقولِه تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]، المَعْنى: فإنَّ القضاءَ والقُدْرَةَ جارِيَةٌ عليكمْ، وأنتم مُسَخَّرونَ لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الثامنُ: أمر ومعناهُ التَّحْقيرُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>التاسع: أمر ومعناهُ التَّعْجيزُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>العاشرُ: أمرٌ ومعناهُ التَّكوينُ</span>؛ ولا يكونُ ذلكَ إلا مِنَ اللهِ (١) -﷿- كَقوله تعَالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فلما كانَ الحالُ حالَ عَدَمٍ، عَلِمْنا أنهُ للتكوينِ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الحادي عَشَرَ: أمر ومعناهُ الوَعيدُ والتَّهديدُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الثاني عَشَرَ: أمر ومعناهُ التَّفَكرُ والاعْتِبارُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].\n_________\n(١) في \"ب\": \"إلَّا الله\" بدل \"إلا من الله\".","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الثالثَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الصَّيْرورَةُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [المعارج: ٤٢]، وكقوله تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، أي: وانظُرْ إلى ماذا يصيرون إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الرابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الدُّعاء</span>؛ كقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الخامسَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّفْويضُ والتَّسليمُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>السادِسَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناه التعجُّبُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨].\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>السابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الإِنْعامُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وقولهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧].\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الثامِنَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ التَّمَنِّي</span>، ولا يكونُ من الله؛ يقول الشاعر (١): [البحر الطويل]\nألا أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألا انجلي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>التاسِعَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّلَهُّفُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩].\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>العِشرونَ: أمرٌ ومعناهُ الخَبَرُ</span>؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] ولهُ من الوجوهِ غيرُ ذلكَ مِمَّا لا (٢) يَحْضُرني الآنَ.\nوفيما ذكرتُه من تَعْريفِ موارِدِ الخِطاب كِفايَةٌ.\n_________\n(١) هو امرؤ القيس، والبيت في \"معلقته\" (برقم: ٦٤)، (ص: ٥٩)، وعجزه:\nبِصُبحِ وما الإصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ\n(٢) في \"أ\": \"لم\".","vol":"1","page":91},{"text":"وقد يردُ الخطابُ بأمرَينِ على مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فالإيتاءُ واجِبٌ، والأَكْلُ مُباحٌ، وكقولهِ تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وهوَ في الحُكْمِ كالآيةِ الواحدةِ التي يَرِدُ بعضُها على العُموم، وبعضُها على الخصوص (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>فصل</span>\n* ويتِمُّ بيانُ النَّهي في مَسْألتينِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>إحداهُما: النَّهْيُ يقْتَضي التَّحْريم </span>(٢)، وليسَ له إلا وَجْهٌ واحِدٌ عندَ الإمامِ أبي عبدِ الله الشافعي -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -، والمَنْهِي عنهُ ضَرْبانِ:\nأحدُهما: أن يكونَ أصلُ الذي وقعَ فيه النَّهْيُ التَّحْريمَ والمَنْعَ، ثُمَ أَحَلّه الشرعُ بِشُروطٍ، ونُهِيَ الإنسانُ أنْ يَفْعَلَهُ على وَجْهٍ مِنْ وجوه النهي، فإذا فَعَلَهُ على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنهُ، فهو عاصٍ، وفعلُه فاسدٌ مَنْقوضٌ، وذلكَ كالنَّهْي عن بَيع الغَرَر، وبَيْعٍ وشَرْطٍ، وما أَشْبَهَ ذلكَ، وكالنكاحِ المَنْهِيِّ عنه؛ كَنِكاح المُتْعَةِ، ونكاح الشغارِ (٣)، فهوَ عاصٍ بفِعْلِهِ، وفعلُهُ فاسِدٌ.\n_________\n(١) كما تقدم في (ص: ٧٩) وما بعدها.\n(٢) الخلاف في هذه المسألة هو نظير الخلاف في مسألة: الأمر للوجوب أم لا، المتقدمة، فما قيل هناك يقال هنا.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٦٦)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ١٦٨)، و\"الإبهاج\" للسبكي (١/ ٢/ ٦٥)، و\"مفتاح الأصول\" للتلمساني (ص: ٦٨)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٨٣)، \"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٠٩).\n(٣) نكاح الشغار: هو أن يزوِّج الرجل حريمته على أن يزوِّجه المزوَّجُ حريمة له أخرى، ويكون مهر كل واحدة منهما بُضْع الأخرى، كأنهما رفعا المهر، وأخليا البضع عنه. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٨٢)، و\"أساس البلاغة\" =","vol":"1","page":92},{"text":"والضربُ الثاني: أن يكونَ أصلُ الذي وقعَ فيهِ النَّهْيُ الحِلَّ والإباحَةَ، فهو على التَّحْريمِ أيضًا عندَ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - وذلكَ (١) كالأكلِ واللُّبْس، أصلُهما الحِلُّ والإباحَةُ، ونَهَى النبيُّ - ﷺ - عن اشْتِمالِ الصَّمّاءِ (٢)، ونَهى أنْ يَحْتَبِيَ الرجلُ بثوبٍ ليس على فَرْجهِ منهُ شيءٌ (٣)، ونهى أن يأكلَ الإنسانُ ممّا لا يليهِ (٤)، ومنْ وَسَط الطعامِ (٥).\nقال الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- في كتابِ \"الرِّسالَةِ\": فإذا عَلِمَ بالنَّهْي، وفَعَلَهُ على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنهُ، فهو عاصٍ بِفِعْله ما نُهِيَ عنه، فَلْيَسْتغفِرِ الله، ولا يَعُدْ.\nقال: ولا فرقَ بينهُ وبينَ القِسْمِ الأولِ في المعصيةِ، بل أُحِلَّ لهُ ما أُحِلَّ لَهُ، وحُرِّمَ عليهِ ما حُرِّمَ عليهِ، وما حُرِّمَ عليهِ غيرُ ما أُحِلّ لهُ، وما أُحِلّ لهُ\n_________\n= (٣٣٢)، و\"لسان العرب\" (٤/ ٤١٧) (مادة: شغر).\n(١) \"وذلك\" زيادة من \"ب\".\n(٢) اشتمال الصَّماء: أن يردَّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يردُّه ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيعطيهما جميعًا. أو: الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يضعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. \"القاموس\" (مادة: صمم) (ص: ١٠١٩).\n(٣) روى البخاري (٣٦٥)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: ما يستر العورة، عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن اشتمال الصَّمَّاء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) روى الترمذي (١٨٠٥)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية الأكل من وسط الطعام، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٢٤٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧١١٨)، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: \"البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه\".\nوانظر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":93},{"text":"غيرُ ما حُرِّمَ عليهِ، ومَثَلُهُ الزوجةُ والجاريةُ إذا كانتا حائِضَتينِ، فَوَطْؤُهما حرامٌ في حالِ الحَيْض، وليسا بِحَرام على مالِكِهِما في غيرِ تلكَ الحالِ، بِخِلافِ القِسْمِ الأَوَّلِ (١). هكذا ذكرهُ في \"الرِّسالة\"، وبَسَطَ القَوْلَ فيهِ، ومعنى كلامِهِ ومراده: أنَّ النَّهْيَ يُحْمَلُ على التَّحريمِ مُطْلَقا، سواءٌ صادَفَ النَّهْيُ مَحَلا حَرامًا أو حَلالًا، فقدْ يكونُ الشيءُ حَلالًا من وجهٍ، وحَرامًا من وجهٍ، فلا تكونُ حلالِيةُ المَحَلِّ قرينةً صارفَةً للنَّهْي عن التَّحْريمِ إلى الكَراهَةِ، ولا يُنْكِرُ الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - أَنَّ النَّهْيَ قد ينزلُ عنْ دَرَجَةِ التَّحْريمِ إلى الكَراهَةِ، وإلى دونها، إذا دَلَّ عليهِ الدَّليل، وقدْ صَرَّحَ بذلكَ في غيرِ مَوْضِعِ من رسالتِهِ، فمنْ ظَنَّ بهِ غيرَ ذلكَ، فقد غَلِطَ عليه، وربَّما قَدْ ظَن من ضعُفتْ بصيرَته منَ المُتَأَخريَن عن إدْراكِ مُراده لَمّا أَنْ وَقَفَ على هذه المقالةِ في كِتابِ \"الرسالة\" أَنْ يَقولَ بتحريمِ اشْتِمالِ الصَّمّاءِ والأكلِ من وسَطِ الإناءِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ وليس الأمرُ على ما ظَنَّ، فَلْيُنْتبَهْ لِذلكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثانية: النَّهْيُ هل تقْتَضي الفَساد؟ فيه أقوالٌ:</span>\nأحدُها: يقتضي.\nوالثاني: إنْ أخلَّ بشرطِ المَنْهِي عنهُ، اقْتَضى الفساد، وإلَّا لم يَقْتَضِ.\nوالثالثُ: إنْ كانَ النهيُ يَخْتَصُّ الفِعْلَ المَنْهِيَّ عنه؛ كالصلاةِ في المكانِ النَّجِسِ، اقْتَضى الفَسادَ، وإن لمْ يَخْتَصَّ المنهيَّ عنهُ؛ كالصَّلاةِ في الدَّارِ المَغْصوبة، لم يَقْتَضِ الفَساد (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (٣٥٣ - ٣٥٥) وفي كلامه بعض اختلاف عمّا ذكره المؤلف، فلينظر في موضعه.\n(٢) اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال أهمها:\nالأول: أنه يدل على الفساد مطلقًا.=","vol":"1","page":94},{"text":"ولم يَظْهَرْ مَيْلُ الشافِعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- إليه في كتابِ \"الرِّسالةِ\".\n* * *\n_________\n= الثاني: لا يدل على الفساد مطلقًا.\nالثالث: يدل على ذلك في العبادات دون المعاملات.\nالرابع: يدل على الفساد فيهما إلا إذا كان النهي في المعاملة راجع إلى أمر مقارن غير لازم؛ كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فلا يدل على الفساد.\nانظر: \"الأحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٠٩)، و\"القواعد\" لابن اللحام (٢/ ٦٩٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ٤٤٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٤٩٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١١٠).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>القول في الخبر</span>\nالخَبَرُ في لسانِ العربِ: هو الإعْلامُ.\nوعندَ النظارِ: ما احتَمَل التصْديقَ والتكذيبَ (١)، وهوَ: إفادَةُ المُخاطَب مَعْنًى في زَمَنٍ ماضٍ أو مُسْتَقْبَلِ أو دائِمٍ، نحو: قامَ زيدٌ، وزيدٌ يقومُ، وزيَدٌ قائِمٌ.\nفمنهُ ما يُقْطَعُ بِصِدْقِه؛ كالخَبَرِ المُوافِقِ لما أَوْجَبَهُ الحِسُّ.\nومنه ما يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ كالذي يُخالِف الحِسَ والعَقْلَ.\nومنهُ الجائِزُ المُحْتَمل، وهو ما عَدا ذلك (٢).\n\nوالوجوهُ التي يَرِدُ بِها لفظُ الخَبَرِ كثيرةٌ:\nفمنها: التعجُّبُ، نحو: ما أحسن زيدًا!\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥١)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٥٦٤)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ٢١٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢١٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٣٥).\n(٢) انظر: \"المحصول\" للرازي (٤/ ٢٢٦)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ١٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٥٥)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٦٦٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٣٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٤١)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٤٥).","vol":"1","page":96},{"text":"والتَّمَنِّي، نحو: وَدِدْتُكَ عندَنا.\n\nوالإنكارُ، نحو: مالَكَ عندي شيءٌ.\n\nوالنَّفْيُ، نحو: لا بأسَ عليكَ.\n\nوالنهْيُ، نحو ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩].\n\nوالتعظيمُ: سُبَحانَ الله.\n\nوالدُّعاءُ، نحو: عفا اللهُ عنكَ.\n\nوالوعيدُ، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].\nوالتبكيتُ، نحو قولهِ ﷿: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩].\n\nوالشرطُ والجزاءُ، نحو قوله تَعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فظاهرُهُ خَبَرٌ، والمعنى: إنَّا إنْ نَكْشِفِ العَذابَ عَنْكُمْ، تَعودوا لمثلِهِ.\n\nوالأمر؛ كقوله تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n* * *","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>القول في القرائن</span>\nاعلموا -أَرْشَدَكُمُ اللهُ الكَريمُ وإيَّايَ- أَن القرائِنَ المُحْتَفةَ بالكَلام- منْ قَضايا الأحوالِ وموارِدِ الخِطاب ومقاصِدِ الأقوالِ - تَصرِف الألفاظَ عن حَقائقِها المَوضوعَةِ لها.\nويكونُ بَيِّنا عندَ مَنْ وقفَ على القَرائِنِ، مُشْكِلًا عندَ مَنْ جَهِلَها.\nولو نُقِلَتِ القَرائِنُ بأجْمَعِها، لَتوارَدَتِ الأَفْهامُ على كثيرِ من مَعاني خِطابِ الله تعالى، وخطابِ رسوله - ﷺ -، لكنْ بينَها ما لم يُمْكِنْ نقلُه عندَ نَقْلِ الخبر، ومنها ما يَتْرُكُه الرَّاوي اخْتِصارًا، ومنْها ما لم يسمعْه؛ بأنْ يأتيَ في حالِ سَماعِ الحَديثِ، ولمْ يعلمْ سبَبَ الحَديث، وغيرُ ذلكَ منَ الأمور.\nوقَصْدُ المُتكلمِ من أقوى القرائنِ التي يَقِلُّ نَقْلُها، وَيْكثُرُ خَفاؤها، معَ كثرةِ لُزومها للخطابِ الذي لم يردْ على سبَبٍ، وسأذكرُ من ذلكَ جملةً نافعةً لتعلموها، وتنتفعوا بها إن شاء الله تعالى.\nقال اللهُ -﵎-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nفهذا حَصْرٌ بالنَّفْيِ والإثباتِ، فقالَ -من لمْ يعلمْ بالقرينةِ، ولم يطلِعْ على القَصْدِ-: بتَحْليل ما عَدا المذكورَ المَحْصورَ، واعتقدَ أن الآية سيقت للحَصْرِ في المُحَرَّمات، وليسَ كذلكَ، بلْ قصدُ اللهِ -﷾- بهذهِ","vol":"1","page":98},{"text":"الآيةِ الرَّدُّ على المُشركين، وذلكَ أَنَّهم كانوا يُحِلُّون المَيْتةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزيرِ وما أُهِلَّ بهِ لغيرِ اللهِ، ويتحرَّجونَ عنْ أشياءَ كثيرةٍ منْ مُباحاتِ الشرعِ، ويرونَها حَراما، فقصدَ الرَّدَّ عليهم بالخطابِ المُتَضَمّنِ للنَّفْي والإثباتِ لِيكونَ أَبْلَغَ في الرَّدِّ، فكأنهُ قال: قُلْ لا أجِدُ حَرامًا إلا ما حَلَّلْتُموه، ولا أجِدُ حَلالًا إلَّا ما حَرَّمْتُموه، وأَكَّدَهُ بالنَّفْي والإثباتِ، ولم يَقْصِدْ حقيقةَ النفيِ والإثباتِ مُطْلَقًا، ولو قصدَ ذلكَ، لوجبَ أَنْ يُحِلَّ كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلَّ ذي مِخْلَب من الطَّيْرِ، وغيرَ ذلك من الخبائِثِ، وقَدْ نهى عنهُ - ﷺ - (١).\nومثلُهُ قولُ اللهِ -﵎-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].\nالقَصْدُ من هذهِ الآيةِ الذَّمُّ للكافِرينَ والتهديدُ لهم، لا بيانُ حُكْمِ الإنْفاقِ، فلو تَمَسَّكَ مُتَمَسِّكٌ بوُجوبِ الزكاةِ فيما دون النِّصابِ، واحتجَّ بهذهِ الآيةِ، وقال: هي عامَّةٌ في القليلِ والكثيرِ؛ لأَنَّ لفظَها عامٌّ، لَمْ يَجُزْ؛ لأنَّ ذلكَ لمْ يُقْصَدْ بالآية؛ خِلافًا لبعض أصحابِ الشافعيِّ في هذهِ الآيةِ؛ وفي نظائِرِها من الآياتِ اللاتي يَقْتَضين المَدْحَ والذَّمَّ؛ كقوله تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥].\nومثلُهُ قولُه - ﷺ -: \"فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ\" (٢)، القَصْدُ بِه بيانُ مِقدارِ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٩٣٤)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، عن ابن عباس.\n(٢) رواه البخاري (١٤١٢)، كتاب: الزكاة، باب: العشر فيما يُسقى من ماء السماء، وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر بلفظ: \"فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَريا، العُشْر، وما سقي بالنضح نصف العشر\".","vol":"1","page":99},{"text":"الزكاة، لا بيانُ ما تَجِبُ فيهِ الزكاة، فلو تمسكَ بهِ متمسكٌ في وجوبِ الزكاةِ في القليلِ، لم يَصِحَ.\nومثلهُ قولُه - ﷺ -: \"إن صَلاتَنا هذهِ لا يَصْلُحُ فيها شَيء مِنْ كَلامِ الآدَمِيِّينَ، إنَّما هِيَ التسبيحُ والتهْليلُ\" (١)، القَصْدُ بذلكَ تعليمُهُ أنَّ الخطابَ بالكَلام في الصَّلاةِ لا يَصْلُحُ، فلو تمسّكَ به متمسك بانَّ الدعاءَ بأمورِ الدُّنيا في الصَّلاةِ يُبْطِلُها؛ كقولِ السائِل: اللَّهُمَ ارْزُقْني زَوْجَة حَسَنَة، أو دارًا واسعة؛ لأنَّ هذا يُشْبِهُ كَلامَ الآدميينَ، لَمْ يصحَّ.\nفلو قالَ أيضًا: هُنا حَصْرٌ، وهو قولُه - ﷺ -: \"إنَّما هيَ التَّسبيحُ والتَّهْليلُ\" لم يَصِحَّ؛ لِمَا ذكرتُ من أنه قصدَ تعليمَه تحريمَ خِطاب الآدميينَ بَعْضِهم مَعَ بعضٍ في الصَّلاةِ، كَما هو السَّبَبُ الذي وردَ عليهِ الخِطابُ.\nوهذا كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَة لا ينتبه لهُ إلا منْ هداهُ اللهُ الكريمُ، ورسخَتْ قدمُهُ في العِلْم، فنسألُ الله الكريمَ الهِداية والرحمةَ بفضلِه، إنه ذو الفَضْلِ العظيمِ.\n* ثم اعلموا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أنِّي لا أقولُ بقَصْر الأَلفاظِ على أسبابها، وإن كانَ قدْ ذهبَ إليهِ جَماعَةٌ منْ أهلِ العلمِ؛ فإنَّ أكثرَ أَحكامِ الشرعِ وردَتْ\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٧): كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، عن معاوية بن حكم السلمي في حديث طويل، ولفظه: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن\".\nقلت: قد نسب ابن الملقن هذا الحديث باللفظ الذي ذكره المؤلف في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ١٥٤)، وتبعه ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٨٠) في عزوه إلى مسلم، ولم يروه مسلم بهذا اللفظ، وإنما لفظه فيه ما قد قدمته، وعليه اقتضى التنويه.","vol":"1","page":100},{"text":"على قَضايا وأسبابٍ، ولم تُخَصَّ بها أَسْبابُها، ولم تقصرْها عليها، وذلكَ كآيةِ القَذْفِ (١) واللِّعانِ (٢) والظّهار (٣)، وغيرِ ذلك، وكقوله - ﷺ -: \"الوَلدُ للفِراشِ، ولِلعاهِرِ الحَجَرُ\" (٤)، وكقوله - ﷺ - في بئر بُضَاعَة: \"الماءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ؛ إلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو ريحَهُ\" (٥)، وغيرِ ذلك.\nولكنْ ينبغي للناظِرِ أن ينظرَ في قرائنِ الألْفاظ، وشواهِدِ الأحْوالِ، فإنْ لم يجدْ ما يدلُّ على تَعْدِيَةِ الحُكْمِ، أو قَصْرِهِ، نظرَ في الأدِلَّةِ الخارجَةِ، فإنْ لم يجدْ أُمْضِيَتِ الأَلْفاظُ على حَقائِقِها وأَوْضاعِها؛ كما هوَ مذهبُ الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (٦).\n* * *\n_________\n(١) هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].\n(٢) هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦].\n(٣) هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢].\n(٤) رواه البخاري (١٩٤٨)، كتاب: البيوع، باب: تفسير الشبهات، ومسلم (١٤٥٧)، كتاب الرضاع، باب: الولد للفراش وتوقي الشبهات، عن عائشة.\n(٥) رواه ابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٣/ ١٥٦)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٨) عن أبي أمامة الباهلي بهذا اللفظ. وإسناده ضعيف.\n(٦) قلت: الصحيح عن الإِمام الشافعي -﵀- في هذه المسألة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان قد نُقل عنه التخصيص بالسبب؛ كما نقله إمام الحرمين، والرازي، والآمدي، وغيرهم، لكن الصحيح عنه الأول.\nانظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ٦٥٤)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٣٧٢)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٢٥)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٥٨)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٤٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٢٠٢)، و\"سلاسل الذهب\" للزركشي (ص: ٢٧٠).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض</span>\nأما المُتشَابه (١)، فإنَّه ورَد على معنيينِ مختلفينِ في آيتينِ من كتاب اللهِ ﷻ:\nإحداهما: قولُه -ﷻ-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] فهذه الآية قد كَثُر فيها كلامُ أهلِ العِلْمِ من الخَلَفِ والسَّلَفِ؛ لعِظَمِ شأنِها، فاختلفوا في حقيقةِ المُتَشابهِ، وفي موضِع الوَقْفِ منها عندَ التّلاَوةِ.\n\nأما المحكم، فقالَ ابنُ عَبّاسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: المُحْكَماتُ\n_________\n(١) اختلف العلماء في كون القرآن كله محكم، أم كله متشابه، أم يجمع الأمرين؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: القرآن كله محكم؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾.\nالقول الثاني: القرآن كله متشابه؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾.\nالقول الثالث: فيه المحكم والمتشابه، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.\nانظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٧٩)، و،\"الإتقان\" للسيوطي (١/ ٦٣٩).","vol":"1","page":102},{"text":"اللَّواتي هُنَّ أُمُّ الكِتاب مثلُ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ الثلاثِ الآياتِ، وهُنَّ أُمُّ كل كتاب نزلَ (١).\n\nوالمُتشابِهاتُ: ما اشْتبَهَ على اليَهودِ حينَ سَمِعوا ﴿آلم﴾ فقالوا: هذا بالجُمَّلِ أَحَدٌ وسبعونَ، وهذا غايةُ أَجَلِ هذهِ الأُمَّة، فلما سمعوا ﴿آلر﴾ وغيرَها، اشْتبَهَتْ عليهم (٢).\nوقال جابرٌ -﵁ -: المُتشابهُ ما لا يُعلم تعيينُ تأويلِه؛ كقيامِ الساعةِ، وخُروجِ دابّهِ الأرضِ، ويأجوجَ ومَأجوجَ.\nوقال عبد الملك بن جُريج: هو ما لا سبيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، والمَرْءُ مُبتلًى باعتقادِ حَقيقَتِهِ لا غَيْر، كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ والاسْتِواءِ؛ لأنَّه تَخَالَفَ فِيهِ السَّمْعُ والعَقْلُ (٣)؛ لاشْتِباهِ لَفْظِهِ بما لا يَليقُ بمعناهُ، والحِكْمَةُ فيهِ اعترافُ العبدِ بعَجْزِهِ، فَيَذِلُّ لمَولاه، فالحكيمِ إذا صَنَّفَ كِتابًا؛ ربَّما أَبْهَمَ فيما أَفْهَمَ؛ ليرجِعَ الطالبُ في ذلكَ إليهِ، فيأخَذ مِمَّا لَدَيهِ، ويعترفَ بِعَجْزِهِ وافْتِقارهِ إليه.\nوقال بَعْضُهُمْ: المُتَشابِهُ: هو القصصُ والأَمْثالُ، والمُحْكَمُ: هوَ الحلالُ والحَرامُ (٤).\nوهذا ضعيف جدًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٥٩٢)، و\"المستدرك\" للحاكم (٣١٣٨).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ١٠٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٦٤).\n(٣) في \"أ\" و\"ب\": \"لأنه مخالف فيه السمعَ والعقل\" وهو غير واضح، ولعل الصواب ما أثبته لاتضاح معناه.\n(٤) حكاه الآمدي في \"الأحكام\" (١/ ٢١٩) وقال: وهو بعيد عمَّا يعرفه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة.\n(٥) قلت: للعلماء في تعريف المحكم والمتشابه أقوال كثيرة؛ لعل أحسنها قول من =","vol":"1","page":103},{"text":"وأَمَّا الوَقْفُ على المَوضِعِ الذي تَمَّ بهِ المَعْنى (١)، فهوَ على قوله سبحانَه: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ على قولِ منْ زَعَم أنَّ الراسخينَ لم يعلموا تأويلَهُ، وهمْ أكثرُ أهلِ العلمِ منَ المُفَسِّرينَ وغَيْرِهم، ويكونُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُبْتَدَأَّ بَعدَ وَقْفٍ، ويشهدُ له قراءةُ عبدِ اللهِ: (إنْ تأويلُه إلَّا عندَ اللهِ) (٢)، وقراءَةُ أُبَيٍّ وابنِ عباس -﵄-، (ويقولُ الرَّاسخونَ) (٣) الآية.\nالثانية: قوله -ﷻ-: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ\n_________\n= قال: المحكم: كل ما اتضح معناه، والمتشابه: ما خفي معناه.\nانظر: \"البرهان في أصول الفقه\" للجويني (١/ ٤٢٢)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢١٨)، و\"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٧٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٤٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ١٢٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣١).\n(١) انظر أقوال العلماء في الوقف عند هذه الآية: المصادر التالية:\n\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٥٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦٢)، و\"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٨٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ١٣٠)، و\"التمهيد في علم التجويد\" للجزري (ص: ١٨٢)، و\"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (١/ ٦٤٩)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٢)، و\"مذكرة في أصول الفقه\" للشنقيطي (ص: ٧٥).\n(٢) قرأ بها ابن مسعود، وقرأ الباقون: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٠٤)، و(معاني القرآن) للفراء (١/ ١٩١)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٧٦)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٣٨٤). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ٧).\n(٣) قرأ بها أُبي وابن عباس وطاوس، وقرأ الباقون: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا ...﴾. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٠٢، ٢٠٤)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٣١٠)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٧٦)، و\"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٩١). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ٧).","vol":"1","page":104},{"text":"تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] فقيلَ: متشابِهًا في العَدْلِ والإِعجاز، وقيل غيرُ ذلك مِمّا هو في معناهُ (١).\nو﴿مَثَانِيَ﴾ قال ابنُ عَبّاسٍ -﵁-: يُحْمَلُ بعضُها على بعضٍ (٢).\nوهذانِ النوعانِ -أعني نَوعَي المُتَشابِهِ- مِمّا اخْتَصَّ بهما القرآنُ، وكذا السُّنَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ -على صاحبِها أفَضلُ الصلاة والسلام-.\n\nوهذا النوعُ الثاني من المتشابِهِ على قسمين:\n\nأحدهما: الاقْتِصاصُ (٣)، وهو الاتِّباعُ، مأخوذٌ من قولِهِم: اقْتَصَّ الأَثَرَ إذا اتّبَعَهُ (٤)، وهو أن يكونَ كلامٌ في سورةٍ مَقْرونا بلامِ الذكْرِ، فيقتصُّ العالِمُ ذلكَ من كلامٍ آخَرَ، إمّا في تلكَ السورةِ، وإمّا في سورةٍ أخرى؛ كقولِ اللهِ -ﷻ-: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] والآخرةُ دارُ ثوابٍ وجَزاءٍ لا عَمَلَ فيها، فهذا مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].\nومثلُه قولُ اللهِ -﷿-: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٧]، والمُحْضَرُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ\n_________\n(١) انظر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ١٢٣)، و\"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (١/ ٦٣٩)، و\"التحرير والتنوير\" لابن عاشور (١١/ ٣٨٥)، و\"مذكرة في أصول الفقه\" للشنقيطي (ص: ٧٥).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٥١)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٧/ ٢٢١).\n(٣) انظر هذا المبحث في: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٣/ ٣٤٣)، و\"الإتقان\" للسيوطي (٢/ ٩١٣).\n(٤) انظر: \"لسان العرب\" (٧/ ٧٣)، (مادة: قصص).","vol":"1","page":105},{"text":"مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]، ومن قوله تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨].\nومن الاقتصاصِ قولُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] فيقال: إنها مقتصَّة من أربعِ آياتٍ:\nإحداهن: قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، فهم في هذه الآيةِ الملائكةُ -عليهمُ الصلاةُ والسلامُ-.\nالثانية: قولُه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فهم في هذه الآيةِ الأنبياءُ -عليهمُ الصَّلاة والسلامُ-.\nالثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فهم في هذهِ الآيةِ أمةِ محمدٍ - ﷺ -.\nالرابعة: قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] فهم في هذه الآيةِ الأعضاءُ.\nومنَ الاقتصاصِ قولُه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢]، قُرِئَ بتخفيفِ الدالِ، وقُرِئ بتشديدها في غيرِ السَّبعْ (١)، فَمَنْ شَدَّدَ، فهو\n_________\n(١) قرأ ورش وابن وردان وعبد الوارث وقالون: (التنادي) وصلًا. انظر: \"التيسير\" للداني (١٩٢)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣١٢)، و\"البحر المحيط\" (٧/ ٤٥٥)، و\"النشر في القراءات العشر\" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦).\nوقرئت: (التنادي) وصلًا ووقفًا، قرأ بها أبو عمر وعلي بن نصر. انظر: \"البحر المحيط\" لأبي حيان (٧/ ٤٦٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣١٢).\nوقرئت: (التنادّ) (بالتشديد): قرأ بها ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح، والكلبي، والزعفراني، وابن مقسم، وعكرمة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٤٠)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (٣/ ١٠)، و\"معاني القرآن\" للفراء (٣/ ٨)، =","vol":"1","page":106},{"text":"مِنْ: نَدَّ إذا انْفَرَدَ، وهذا المعنى مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] ومَنْ خَفَّفَ فهو من تَفاعَلَ منَ النِّداءِ، وهذا المعنى مُقْتَصّ من قوله تَعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وما أشبه هذا من الآيات التي فيها ذكر النداء.\nومنهُ قولُه تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، فالبشرى: الجَنَّةُ، مُقَتصَّة من قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].\nوقد يكونُ الاقتصاصُ مُتَّصِلًا؛ كقولِ اللهِ ﷿: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، فبيانُ الرسول مُقْتَصٌّ منَ الآيةِ الأولى المُتَّصِلَةِ بهذه، وهي قولُه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥].\n\nالقسمُ الثَّاني: التَّفسيرُ والبيانُ (١)، ويسميهِ بعضُ أهلِ العلم بالقُرْآنِ: الجَوابَ، وهو شديدُ الشَّبَهِ بالنوعِ الأولِ، وهو متصلٌ ومنفصلٌ كالقِسْم الأولِ.\n\nفالمتصل: كقولِ اللهِ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، فبيان هذا قولُه تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ومثْلُه قولُ اللهِ\n_________\n=و\"تفسير الرازي\" (٢٧/ ٦١). وانظر لما سبق جميعًا في: \"معجم القراءات القرآنية\" (٦/ ٤٤).\n(١) انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٣/ ٤١)، و\"الإتقان\" للسيوطي (٢/ ٨٦٤).","vol":"1","page":107},{"text":"تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\n\nوأمَّا المُنْفَصِلُ، فقد يكونُ في تلكَ السُّورَةِ، وقد يكونُ في سورةٍ أخرى؛ يقول اللهِ ﷻ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، فبيانه: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].\nومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥]، فتفسيرُ هذا الاخْتِصامِ ما قالَ سُبْحانَهُ في سورَة أخرى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٧٥] الآيات.\nومنه قولُه تعالى: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، فقيل لهم في الجَواب والردِّ عليهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nومنه قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، فقيل لهم في الجواب: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤].\nومنه قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣]، فردَّ عليهم مُتَّصلًا بقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣]، وردَّ علهيم منفصلًا بقوله ﷿: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٥].\nومنه قولُه ﷿: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، فردَّ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].\nوهذا البابُ واسعٌ منتشرٌ، وقد أفردَ ذلكَ بتصنيفٍ بعضُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ.","vol":"1","page":108},{"text":"فصل\nوأمَّا المُتَعارِضُ، فمعرفتُه مُهِمَّةٌ عندَ أهلِ العِلْم، وبسببها تتفاوتُ العُلماء في دَرَجاتِهم، وسأذكرُ من ذلكَ جُمْلَةً نفيسةً إنْ شاءَ اللهُ تعَالى.\n\nفأقول: التعارُضُ (١) على ثلاثةِ أقسامٍ:\n\nالأول: تعارضُ العامِّ والخاصِّ، والمُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، والمُجْمَلِ والمُبَيَّنِ (٢).\nفهذا يُقضى فيه بالخاصِّ على العامِّ، والمُقَيَّدِ على المُطْلَقِ، والمُبَيَّن على المُجْمَل، ويُعْمَلُ بالدليلَينِ كما قَدَّمْتُ أمثلةَ ذلك، وفي الحقيقةِ ليسَ بِمُتعارضٍ، ولا بِمُخْتَلِفٍ (٣).\n_________\n(١) التعارض اصطلاحًا: أن يقتضي أحد الدليلين حكمًا في واقعة خلاف ما يقتضيه دليل آخر فيها.\nانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٠٩)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٧٣)، و\"أصول الفقه\" للخضري (ص: ٣٥٨)، و\"أصول الفقه الإسلامي\" لوهبة الزحيلي (٢/ ١١٧٣).\n(٢) لا يمكن أن نحكم بأنَّ الدليلين متعارضان إلَّا بشروط:\nأولها: التساوي في الثبوت، فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلَّا من حيث الدلالة.\nثانيها: التساوي في القوة، فلا تعارض بين المتواتر والآحاد، بل المتواتر مقدَّم بالاتفاق.\nثالثها: الاتحاد في الموضوع والمحل والزمان.\nانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٠٩)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٧٣)، و\"أصول الفقه\" لعبد الوهاب خَلَّاف (ص: ٢٣٠)، و\"الوجيز في أصول الفقه الإسلامي\" لمحمد الزحيلي (٢/ ٤٠٨).\n(٣) وإنَّما ذلك فيما يظهر لمجتهد؛ لأنَّه لا تناقض في الشريعة، فمن المحال على الله =","vol":"1","page":109},{"text":"الثَّاني: تعارضُ العامِّ والعامِّ.\nفإنْ كانا عامَّينِ من كُل الوجوه؛ فهو كَتَعارُضِ النَّصَّينِ، وسيأتي بَيانُ حُكْمِهِ.\nوإنْ أمكنَ أن يُخَصَّ عُمومُ كُلِّ واحدٍ منهما بالآخَر، فهذا لا يُقْضَى بأحدِهما على الآخر، إلَّا بدليل يَدُل على المَخْصوصِ منهُما، أو ترجيع لأحدِهما على الآخَرِ، وهذا كثيرٌ موجودٌ في الكِتاب والسُّنَّة، لكنْ دون الأَوَّلِ (١).\nومثالُهُ من الكِتابِ (٢): قولُه -﷿-: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا عامٌّ في النكاحِ وفي مُلْكِ اليَمينِ، معَ قولهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا عام في الأَجْنَبياتِ والقَريباتِ، فَيَحْتَمِلُ تحريمَ الجَمْع بين الأختين بملكِ اليمين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، ويَحْتَمِلُ تحليلَهُما؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والتحريمُ أَحْوَطُ، فكانَ أَرْجَحَ، ولهذا قالَ عثمانُ وعلى -﵄-: أحلَّتْهُما آيةٌ، وحَرَّمَتْهُما آية، والتحريمُ أولى (٣). ونحو هذا من الكِتابِ العزيز.\n_________\n= تعالى أنْ يَصْدُرَ عنه حكمان متناقضان في حكم واحد، في وقت واحد.\nانظر: \"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٩٦٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٠٨)، و\"أصول الفقه\" للخضري (ص: ٣٥٨)، و\"أصول الفقه الإسلامي\" لوهبة الزحيلي (٢/ ١١٧٤)، و\"الوجيز في أصول الفقه الإسلامي\" لمحمد الزحيلي (٢/ ٤١٠).\n(١) هذه حالة أن يكون كل من الدليلين عامًا من وجه، خاصًا من وجه.\n(٢) هذا المثال للترجيح في حالة العموم والخصوص الوجهي.\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٣٨)، ومن طريقه: الإمام الشَّافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٨٨)، وعبد الرَّزاق في \"المصنف\" (١٢٧٢٨)، والدارقطني في =","vol":"1","page":110},{"text":"ومثْلُه منَ السنَّةِ (١) ما رُوِي عنهُ - ﷺ - من النَّهْي عنِ الصلاةِ في الأوقاتِ المكروهةِ (٢)، مع قوله - ﷺ -: \"مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أَو نَسِيَها، فَلْيصَلِّها إذا ذَكَرَها\" (٣).\nفإنَّه يَحْتَمِلُ أنهُ أرادَ بالنَّهْيِ عنِ الصَّلاةِ في الأوقاتِ المذكورةِ الصَّلاةَ التي لا سَبَبَ لَها؛ بدليل هذا الحديثِ.\nويَحْتَمِلُ أنهُ أرادَ بالصَّلاة عندَ الذِّكْرِ إذا ذَكَرَها في غيرِ وقْتِ الكَراهَة؛ بدليل نَهْيِهِ - ﷺ -، فقضى الشافعيّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- بِجَوازِ ما لها سَبَبٌ (٤)؛ بدليل ما رُوِيَ أَنَّ النبيَّ -ﷺ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي بعدَ الصُّبْحِ رَكْعَتينِ، فسألَهُ فقالَ: هما رَكْعَتا الفَجْرِ، فأقرَّهُ - ﷺ - على ذلك (٥).\n_________\n= \"سننه\" (٣/ ٢٨١)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٦٣)، عن قبيصة بن ذؤيب.\n(١) وهو مثال لإمكان الجمع في حالة العموم والخصوص الوجهي.\n(٢) روى مسلم (٨٣١)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصَّلاة فيها، من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشَّمس بازغة حتَّى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتَّى تميل الشَّمس، وحين تَضيَّفُ الشَّمس للغروب حتَّى تغرب.\n(٣) رواه ابن الجارود في \"المنتقى\" (٢٣٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٣٠٨٦)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦١٢٩) عن أنس بن مالك بهذا اللفظ. وقد رواه مسلم (٦٨٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصَّلاة، باب: قضاء الصَّلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، عن أنس بن مالك -أيضًا- بلفظ نحوه.\n(٤) انظر: \"الوسيط\" للغزالي (٢/ ٣٦).\n(٥) رواه أبو داود (١٢٦٧)، كتاب: الصَّلاة، باب: من فاتته الصَّلاة، متى يقضيها؟، وابن ماجه (١١٥٤)، كتاب: الصَّلاة، باب: ما جاء فيمن فاتته الركعتان قبل صلاة الفجر متى يقضيها؟، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٤٧)، وابن =","vol":"1","page":111},{"text":"هذا في تقديم أَحَدِ المُتَعارِضَيْنِ على الآخَرِ (١).\nوقد يُقضى لِكُلِّ واحدٍ من المُتعارِضَينِ على معارضه من الطَّرَفَينِ جَميعًا؛ لقيامِ الدليلِ (٢)، وذلكَ كما رُوي عنه - ﷺ -: \"خَيرُ الشُّهودِ مَنْ شِهَد قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ\" (٣)، مع ما رُويَ عنهُ: \"شَرُّ الشُّهودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ\" (٤)، فقال أصحابُه:\n_________\n= أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٥٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٩٣٧)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٣٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٠١٨) عن قيس بن عمرو بلفظ: \"رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلِّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله -ﷺ -: \"صلاة الصبح ركعتان\"، فقال الرجل: إنِّي لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله -ﷺ -.\n(١) قلت: في هذا نظر؛ لأنَّ المثال الثَّاني لا تقديم فيه، وإنَّما هو للجمع.\nوانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٨٧)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٧٣٣).\n(٢) هذه حالة كون كل من الدليلين عامًا من كل وجه، انظر تطبيق المثال في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٨٥)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٩٧٤)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٧٣٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٦٠)، و\"مذكرة في أصول الفقه\" للشنقيطي (ص: ٢٦٩).\n(٣) رواه مسلم (١٧١٩)، كتاب: الأقضية، باب: بيان خير الشهود. عن زيد بن خالد الجهني: أن النَّبي - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها\"، ورواه ابن ماجه عن زيد بن خالد أيضًا (٢٣٦٤)، كتاب: الأحكام، باب: الرجل عنده الشهادة لا يعلم بها صاحبها، بلفظ: \"خير الشهود من أدَّى شهادته قبل أن يسألها\".\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٦)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٤٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٥٥٨٦)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٨٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١١/ ٢٠٢) عن جابر بن سمرة قال: خطب عمر النَّاس بالجابية، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قام في مثل مقامي هذا فقال: \"أحسنوا =","vol":"1","page":112},{"text":"الأولُ: محمولٌ إذا شهدَ وصاحِبُ الحَقِّ لا يعلَمُ أنَّ لهُ شاهدًا، فإن الأَولى أن يشهدَ، وإن لم يُسْتشهَدْ؛ لِيَصِلَ المَشْهودُ له إلى حَقِّهِ.\nوالثاني: مَحْمولٌ عليهِ إذا عَلِمَ مَنْ لَهُ الحَقُّ أَنَّ له شاهِدًا، فلا يجوزُ للشاهدِ أن يبدأَ بالشهادةِ قبلَ أن يستشهدَ؛ لما فيهِ منَ الحِرْصِ (١).\nالثالثُ (٢): تَعارُضُ النَّصَّين: ومن ضرورةِ تعارُضِهِما ولوازمِه أنهُ لا يقعُ إلَّا في وَقْتَينِ؛ أحدُهما بعدَ الآخَر، وحُكْم ذلكَ أن يُنْسَخَ الأولُ بالثاني (٣). والنَّسْخُ واقعٌ في السُّنَّةِ (٤)، وفي القرآنِ المَجيدِ؛ خلافًا لأبي مُسْلِمٍ الأَصْفَهانِيِّ، ولا الْتِفاتَ إلى مقالتهِ، فلا يُشْتَغَلُ بالرَّدِّ عليهِ مع وُرودِ النَّصِّ بذلكَ في الكتاب العزيز، قال اللهُ تَعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\n* * *\n_________\n= إلى أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستحلف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد ... \".\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٣٤).\n(٢) يعني: القسم الثالث من أقسام التعارض.\n(٣) انظر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (١/ ٣٦٠).\n(٤) انظر ذلك في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٠)، و\"البرهان في أصول الفقه\" للجويني (٢/ ١٣٠١)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٢٧)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٢٦٦)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٨٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٧٦)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٥).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>(القول في الناسخ والمنسوخ)</span>\nثم اعلموا أَنَّ عِلْمَ النَّسخِ جليلٌ، وقدرَهُ عظيمٌ لا يَسْتغني عنهُ حامِلُ القرآنِ العزيزِ، ولا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الِعْلمِ والفَتْوى الخَوضُ في الأحكامِ قبلَ معرفتهِ؛ كما ورد ذلكَ عنِ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ تَعالى عنهم.\nولهذا أفردَهُ أهلُ العِلم بالذِّكْرِ والتَّصنيفِ، وها أنا أذكرُ في كتابي هذا قواعِدَهُ التي يُبْتَنى عليها، وأُصولَهُ التي يَسْتَنِدُ إليها؛ ليكْمُلَ نَفْعُهُ، وتظهرَ بركتُه -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، وأشرحُه في خمسةِ فصولٍ مع الإيجازِ والاختصارِ، وأبينهُ بيانًا شافيًا، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الأول في معنى النسخ وحقيقته</span>\nاعلموا أن النسخَ في لسانِ العربِ اسمٌ مُشْتَرَكٌ بينَ معنيينِ (١).\n_________\n(١) اختلف العلماء في هذا المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن النسخ حقيقة في الإزالة والرفع، مجاز في النقل، وهو قول الأكثرين.\nالثَّاني: أنَّه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال الشاشي.\nالثالث: أنَّه مشترك بين المعنيين، وبه قال الباقلاني، والغزالي، والفاضي عبد الوهاب.\nانظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ٢٧٩)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١١٢)، =","vol":"1","page":114},{"text":"أحدُهما: النَّقْلُ؛ كقولكَ: نسختُ الكتابَ، إذا نقلتَ ما فيهِ، قالَ اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].\nقال ابنُ عباسٍ وغيرُه -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: إنَّ أعمالَ العِباد تكتبُها الحَفَظَةُ منَ اللَّوحِ المَحْفوظِ قبلَ عَمَلِهِمْ لَها، ثم يقابَلُ بذلكَ ما يَحْدُثُ منْ عملِهم وحركاتِهم في الدُّنيا، فيجدونَ الأمرَ على ما اسْتَنْسَخوا من اللَّوحِ المحفوظِ (١).\nوالنسخُ الذي نريدُ بيانَه ليسَ منْ هذا المَعْنى؛ خلافًا للنَّحّاسِ؛ حيثُ تَوَهَّمَهُ (٢)، وقدْ غَلَّطوهُ فيه.\nالمعنى الثَّاني: الإزالَةُ؛ كقولهِم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، ونَسَخَتِ الرِّياحُ الآثارَ، وهذا المعنى هو المُرادُ بالنَّسْخِ (٣).\nوأَمّا حقيقَتُه، فاعلموا -رَحِمَكُم اللهُ الكَريم وإيَّايَ-: أَنَّ القرآنَ المجيدَ كلامُ اللهِ -ﷻ-، وصِفَةٌ من صفاتِهِ القديمةِ، غيرُ مُحْدَثٍ ولا مَخْلوقٍ، وأَنَّ اللهَ -ﷻ- حكيمٌ يحكم لا مُعَقِّبَ لحُكْمِهِ، عليمٌ يعلمُ جميعَ الكائِناتِ قبلَ أنْ تكونَ على ما تكونُ بعدَ أنْ تكونَ، ويعلمُ مُبْتَدَأَها ومُنْتَهاها، وصفَتَها على ما قَدَّرَها بحِكْمَتِهِ، أحاطَ بكُلِّ شَيءِ عِلْمًا، وأَحْصى كُلَّ شيءٍ عَدَدًا، فهو عالِمٌ بخلقِهِ قبلَ إيجادِهم، وعالمٌ بما يتعبَّدُهُم به، وما يَنْهاهُمْ عنهُ، وما يُقِرُّهم عليهِ من التعبُّدات، وما ينقُلُهم عنه، ويعلمُ مُدَّةَ تعبُّدِهم، وابتداءَ نَقْلِهِم.\n_________\n= و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٢٥٢)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٨٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٦٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٧٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٣).\n(١) انظر:\"الدر المنثور\" للسيوطي (٧/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٠).\n(٣) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١١٩).","vol":"1","page":115},{"text":"فأمر اللهُ -ﷻ- عبادَه بفرائضَ في وَقْتٍ، ثم نَقَلَهُمْ عنْها في وقتٍ آخَرَ، وقدْ عَلِم ذلكَ -ﷻ- في الأَزَلِ، لا أَؤلِيَّةَ لعلمِه، ولا مُعَقّب لحُكْمِه، فعَل ذلك بهم بحكمةٍ عَلِمَها، ولقدرة ابتدَعَها (١)، ولُطْفًا بعباده، إمَّا لتخفيفِ المَشَقَّةِ عليهم، أو لتَضْعيف الحَسَناتِ لهم، سبحانَ اللهِ ﷻ، وتقدَّسَتْ أَسْماؤُه، وتَعالى عَمَّا يقولُ الظَّالِمون عُلُوًّا كبيرًا.\nولَمَّا طبعَ اللهُ الحكيمُ (٢) على قلوبِ قومٍ بقدرتهِ ولطيفِ حكمتهِ، أَذْهَبَ أَنْوارَها، وأعمى أبصارَها عَنْ جَلِيِّ قدرتهِ وبديع حكمتهِ وعظيمِ علمهِ، فاعتقدَ قومٌ أنَّ النسخَ بَداءٌ (٣)؛ لِتَقَلُّبهِ وتنَقُّلِهِ، وأَطْلقَوا ذلكَ على اللهِ تعالى، وإنْ كانوا أرادوا بالبَداءِ هو أن يَظْهَرَ لهُ ما كانَ خَفِيًّا عليهِ؛ كما هُوَ حَقيقَةً في اللّسانِ، فذلكَ كُفْرٌ، تَعالَى اللهُ عَمَّا يَقولونَ (٤) عُلُوًّا كَبيرًا، وإنْ كانوا أَرادوا تأويلًا آخَرَ، فهوَ ضَلالٌ مُبينٌ، نَسْألُ اللهَ الكَريمَ السَّلامَةَ مِنَ الزَّيغِ والضَّلالِ، والهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفَضْلِه ورَحْمَتِه.\nودَخَلَتِ الشُّبْهَةُ على قومٍ آخَرينَ، فاعتقدوا أنَّ القرآنَ مَخْلوقٌ، فنسألُ اللهَ الكريمَ الهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفضلِه ورحمتِه، إنهُ ذو الفَضْل العظيمِ.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\" \"أظهرها\" بدل \"ابتدعها\".\n(٢) \"الحكيم\" ليس في \"ب\".\n(٣) انظر الفرق بين النسخ والبداء في المصادر التالية: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٠)، و\"البرهان في أصول الفقه\" للجويني (٢/ ١٣٠١)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٢٠)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٥٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٧٠٦٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٥).\n(٤) في \"ب\": \"يقول الظالمون\".","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الفصل الثَّاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ</span>\nأمَّا النَّسْخُ فإنَّه على ضَرْبَينِ:\nأحدُهما: أن تنُسخ الآيةُ وتُرفَعَ، ولا يُعْرَفَ لها ناسِخٌ منَ الكِتابِ، وذلكَ لا يُعْرَفُ إلَّا من طَريقِ الأخبارِ؛ كما رُوِيَ أنَّه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ (البقرةِ) (١)، وأنهُ نزلَتْ سورةٌ نَحْوٌ من (براءة) (٢)، ثم رُفِعَ ذلكَ، ونُسِخَ حِفْظُهُ منَ الصدورِ، وهذا النسخُ يدخُلُ الأحكامَ والأخبارَ والقَصَصَ والصِّفاتِ والأسماءَ، فللهِ سبحانَه أن ينسخَ ذلكَ كُلَّهُ بإزالَةِ حِفْظِه، ويفعلَ ما يشاءُ (٣).\nالثَّاني: أن تُنْسَخَ الآيةُ، ويُعْرَفَ ناسِخُها.\n* وأمَّا الناسخ: فعلى ضَرْبين:\n\nأحدُهما: أن ينسخَ حُكْمًا إلى حُكْمٍ؛ كنسخِ العَفْوِ والصَّفْحِ عن المشركينَ إلى وجوبِ قِتالهم (٤)، وكنسخِ المُصابَرَةِ من العَشَرَةِ إلى الاثنينِ (٥).\n_________\n(١) رواه النَّسائيّ في \"السنن الكبرى\" (٧١٥٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٤٢٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٤٣٥٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (١١/ ٢٣٤)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١١٦٤)، عن أُبيِّ بن كعب.\n(٢) رواه مسلم (١٠٥٠)، كتاب: الزكاة، باب: لو أنَّ لابن آدم واديين، لابتغى ثالثًا، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٥/ ٢٧٥)، والبيهقيّ في \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٥٦).\n(٣) انظر: \"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (٥/ ٢٧١)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٣٣).\n(٤) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٦٣٩)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٤)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٠).\n(٥) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز =","vol":"1","page":117},{"text":"والثاني: أنْ يَنْسَخَ حُكْمًا إلى غيرِ حُكْمٍ؛ تَخْفيفًا ورِفْقًا بالعباد، وذلكَ كنسخِ قِيامِ الليلِ (١).\n* وأمَّا المنسوخُ: فعلى أربعةِ أقسامٍ (٢):\n\nالأول: ما نُسِخَ حكمُه وبقيَ رسمُه؛ كآية العِدَّةِ (٣) حَولًا كامِلًا (٤)، وآيةِ الصَّفْحِ والإعراضِ، وآيةِ المُصابَرَة للعَشَرَةِ إلى الاثنينِ (٥)؛ خلافًا لشذوذٍ منَ النَّاس (٦)، وهذا أكثرُ المنسوخِ (٧).\n\nوالثاني: ما نُسخَ (٨) رسمُه، فلا (٩) يُتلى على أنَّه قرآنٌ، لكنْ بقيَ حُكْمُه\n_________\n= ومنسوخه، (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٣).\n(١) قلت: أي: نسخ فرضية قيام الليل إلى استحبابه، وعلى هذا لا يصح التمثيل به، فهو ليس نسخًا إلى غير حكم، بل إلى حكم أدنى، والمثال الصَّحيح هو: نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول - ﷺ -.\n(٢) انظر هذا المبحث في المصادر التالية: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٤)، و\"نواسخ القرآن\" (ص: ٣٣)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٢٢)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٥٩٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٠٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٧٩)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٩).\n(٣) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\n(٤) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢١)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٢٧)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٨٤).\n(٥) في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ...... يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥].\n(٦) نسبه الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٣/ ١٥٤) إلى طائفة شاذة من المعتزلة.\n(٧) قال السيوطي في \"الإتقان\" (٢/ ٧٠٦): وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهو على الحقيقة قليل جدًا، وإن أكثر النَّاس من تعداد الآيات فيه.\n(٨) في \"أ\": \"ما ينسخ رسمه\".\n(٩) في \"ب\": \"ولا\".","vol":"1","page":118},{"text":"في الدِّين، وحِفْظُهُ في الصُّدورِ؛ كآيةِ الرَّجْمِ، (والشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارْجُموهما البتَّةَ نكالًا منَ اللهِ واللهُ عزيزٌ حَكيمٌ)؛ خلافًا لشُذوذٍ من النَّاسِ أيضًا.\n\nالثالث: ما نُسِخَ رَسْمُه وحُكْمُه مَعًا (١)، ولكن بقيَ حفظُه في الصّدور.\nوهذا والذي قبلَهُ طريقُهما الأخبارُ، مثائه ما نُقِلَ عن عائِشَةَ -﵂-: أَنَّها قالَتْ: \"كانَ فيما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ) يُحَرِّمْنَ\" (٢). قالتْ عائشةُ -﵂- \"فَنَسَخَهُنَّ: (خَمْسُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، فتوفِّيَ رسولُ اللهِ -ﷺ -، وهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ في القُرْآنِ\" (٣).\nالرابعُ: ما نُسِخَ رَسْمُه وحُكْمُه، وزالَ حِفْظُه منَ الصُّدور، وذلكَ كما يُروى من سورة الأحزاب، وهذا أيضًا طريقه الأخبار (٤).\n_________\n(١) في \"أ\": \"ما يجوز نسخ رسمه وحكمه معًا\"، وهو خطأ.\n(٢) في \"أ\" زيادة لفظ \"تريد: يحرمن\"، والصَّواب ما أثبت؛ لموافقته نص الرّواية.\n(٣) رواه مسلم (١٤٥٢)، كتاب: الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات، وفيه: \" .. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ... \".\nقال الإمام النووي في \"شرح مسلم\" (١٠/ ٢٩): معناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا، حتَّى إنه - ﷺ - توفي وبعض النَّاس يقرأ: \"خمس رضعات\" ويجعلها قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك، رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى، انتهى.\nقلت: وهذا المثال لا يصلح للاستشهاد على ما نسخ رسمه وحكمه معًا؛ لأنَّ حكم الخمس رضعات بقي معمولًا به، فلو أضاف إلى قوله السابق -\"ما نسخ رسمه وحكمه معًا\"- عبارة: \"ونسخ رسمه وبقي حكمه\"، لانطبق المثال عليه، والله أعلم. وانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٠٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٨٩).\n(٤) في \"أ\": \"طريقته الأخبار\".","vol":"1","page":119},{"text":"* وينقسمُ المنسوخُ أَيضًا إلى ثلاثةِ أقسامٍ بتقسيمٍ آخرَ:\nأحدُها: أن يُنْسَخَ الحُكْمُ إلى غيرِ حُكْمٍ؛ تَخْفيفًا ورِفقًا بالعبادِ، وذلكَ كنسخِ قيامِ الليلِ.\n\nثانيها: أن يَنْسَخَ حُكْمًا إلى حكمٍ، ونحن مُخيَّرون في فعلِ المنسوخ وتركِه، وذلكَ كآيةِ المُصابَرَةِ للعشرةِ إلى الاثنينِ (١).\n\nثالثها: أن يَنْسَخَ حكمًا إلى حُكْمٍ، ولا يَجوزُ فِعْلُ المَنْسوخِ، كالصَّفْح والإعراضِ (٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفصلُ الثالث فيما يَجوزُ نسخُه وما لا يجوزُ </span>(٣)\nفالذي يجوزُ نسخُهُ: الأمرُ والنهيُ، وما يجوزُ وقوعُه على وَجْهَين (٤)؛ كسائرِ الأحكام.\n\nوالذي لا يجوزُ نسخُه: الأخبارُ، وكل ما أخبرَ اللهُ -تعالى- أنهُ كانَ أو\n_________\n(١) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٣).\n(٢) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٦)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٠).\n(٣) انظر هذا المبحث في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٢)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٢٥)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٦٠١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٩٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٨٢).\n(٤) أي من احتمال الوجود والعدم؛ كالبيع والنكاح وغيرهما. انظر: \"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٨٢).","vol":"1","page":120},{"text":"سيكونُ؛ كأخبارِ الجَنَّةِ والنارِ، والبَعْثِ، وتخليدِ الكافرينَ في النَّارِ، وتخليدِ المؤمنينَ في الجنةِ، وكلُّ ما لا يجوزُ أن يقعَ إلَّا على وجهٍ واحدٍ؛ كإخبارِ اللهِ -تَعالى- عن صِفاتِه، من العلمِ والحكمةِ والقدرةِ، وغيرِ ذلك (١).\nوكذلكَ الإجماعُ لا يجوزُ أن يُنسَخَ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا بعدَ موتِ النبيِّ - ﷺ - (٢)، فإذا وجدنا الإجماعَ على خلافِ النصّ، علمنا أن ثَمَّةَ دليلًا نَاسخًا، وهو الناسخُ، لا الإجماعُ، وإنَّما يكونُ الإجماعُ دليلًا على الناسخ (٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصلُ الرابعُ فيما يجوزُ أن يكونَ ناسخًا، وما لا يجوز</span>\nوله سبعة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الأولُ: نسخُ القرآنِ بالقرآنِ: </span>وذلك جائزٌ بالإجماعِ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٨٢).\n(٢) انظر \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٣)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٥٤)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٣٠)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٧١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٦٠٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٢٨)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٨٨).\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٢٩)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٩٠).\n(٤) انظر \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٥٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣١٥٦٢)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٦٥)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٦٠٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٠٤).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الثَّاني: نسخ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ: </span>وذلكَ جائزٌ بالإجماع (١).\nوهو كثيرٌ في الحديثِ يميزهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ بأوقاته، وأهلُ العلمِ بالفقهِ وأصولهِ.\nوربَّ حديثين تَعارضا، يجوزُ أنْ يكونَ كل واحدٍ منهما ناسِخًا للآخَرِ يميزُ الناسخَ منهما بالتأحُّر أهلُ العلمِ بالحديث.\nوربَّ حديثين تعارَضا يُظَنُ أحدُهما ناسخًا للآخر، وهما في الحقيقة متَّفقان غيرُ متعارضَينِ؛ لإمْكانِ تنزيلِهما على حالينِ، أو يكونُ (٢) أحدُهما مُبيِّنًا للآخَرِ، يبيِّن ذلكَ وينزلُه منازلَهُ أهلُ العلم والفَتْوى (٣).\nوقد غَلِطَ فيهِ مِنَ العلماءِ منْ أدخلهُ في الناسِخِ والمَنْسوخِ؛ لِظَنِّهِم\n_________\n(١) اتفق العلماء على جواز نسخ السنة الآحاد بالآحاد، والمتواترة بالمتواترة، والآحاد بالمتواترة.\nأما المتواترة بالآحاد: فالكلام فيه من وجهين؛ الأول: في الجواز، والثاني: في الوقوع.\nأما الجواز عقلًا: فجوزه الأكثرون، ومنهم من نقل فيه الاتفاق.\nوأمَّا الوقوع: فذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك لم يقع شرعًا، وذهب جماعة من أهل الظاهر إلى وقوعه.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٨)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٣٣)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٢٥)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٦٦)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٦٠٦)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٠٨)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٠٧)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٩٠).\n(٢) في \"ب\": \"لكون\".\n(٣) وممن ألَّف في هذا النوع من العلم: الإمام الشَّافعي في كتابه: \"اختلاف الحديث\"، ثم بعده ابن قتيبة في كتابه: \"تأويل مختلف الحديث\"، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" وكذلك الخطابي، وابن عبد البر، وغيرهم. انظر: \"نزهة النظر\" للحافظ ابن حجر (ص: ٧٧، ٩٩).","vol":"1","page":122},{"text":"اختلافَهُ، وليس عندَ أهلِ العلمِ بمختَلِفٍ؛ وفي هذا يتفاوتُ نظرُ العُلماء -رضيَ اللهُ تَعالى عنهمْ- ولهذا قالَ الإمامُ أبو عبد اللهِ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ - رضي اللهُ تَعالى عنهُ-: ما عَرَفْنا ناسِخَ الحَديثِ ومنسوخَهُ حتَّى صَحِبْنا محمدَ بنَ إدريس- رضي الله تعالى عنه (١) -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الثالث: نسخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ: </span>وفيهِ اختلافٌ بينَ أهلِ العلم (٢):\nفقالَ أهلُ الظَّاهرِ: يجوزُ مُطْلَقًا (٣)؛ بدليل ما رُوي أنَّ أهلَ قُباءٍ تركوا استقبالَ بيتِ المقدسِ لَمَّا أخبرَهُمْ رجل أنَّ القبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكعبةِ (٤)،\n_________\n(١) رواه ابن الصلاح في كتابه \"علوم الحديث\" (٢٧٧) عن محمد بن مسلم بن وارة: أن أحمد بن حنبل قال: ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ حديث رسول الله -ﷺ - من منسوخه حتَّى جالسنا الشَّافعي.\n(٢) انظر هذا المبحث في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٩)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٤٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٦٥)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٢٥)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٦٩)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (١/ ٦٠٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٠٩)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٤٥٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٠٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٩١).\n(٣) قلت: نُسب هذا القول إلى بعضهم فقط؛ كما في \"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٢٥).\nونسب الآمدي في \"الإحكام\" (٢/ ٣/ ١٦٥) إلى أكثر الظاهرية أنهم يمنعون نسخ القرآن بالسنة المتواترة.\nونسب ابن حزم في \"الإحكام\" له (٤/ ٥٠٥) إلى جميع الظاهرية القول بجواز نسخ القرآن بالسنة مطلقًا.\n(٤) روى مسلم (٥٢٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصَّلاة، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، عن أنسِ بن مالك؛ أن رسول الله - ﷺ - كان يصلِّي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا﴾ الآية، فمر رجل من بني =","vol":"1","page":123},{"text":"وهوَ من أخبارِ الآحادِ، وهذا لا يستقيمُ إلَّا على قولِ من يقولُ: إن استقبالَ بيتِ المقدسِ كان بِقُرآنٍ.\nوقال قوم: يجوزُ بالسُّنَّةِ المُتواتِرَةِ، دونَ الآحادِ، وهو قولُ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ؛ لأنَّ القرآنَ دليل قاطِعٌ، والمتواتِرُ كذلكَ، فاستَوَيا، وتعادَلا؛ بخِلافِ الآحاد.\nوقالتِ الشافعيَّةُ: لا يجوزُ مُطْلقًا؛ لقول الله -﵎-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والسُّنَّةُ ليستْ مثلَ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ مُعْجزٌ، والسنةُ غيرُ معجزةٍ، والقرآنُ قديمٌ، والسنةُ حديثةٌ، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الرابع: نسخُ القرآنِ بالإجماعِ: </span>وهو غيرُ جائزٍ (١)؛ خلافًا لشذوذٍ من النَّاس (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الخامس: نسخُ السُّنَّةِ بالقُرآنِ </span>(٣): جوَّزَهُ الجُمْهورُ، ومنعَهُ الشافعيُّ\n_________\n= سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حوّلت، فمالوا كما هم نحو القبلة.\n(١) انظر ذلك في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٢٩)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٥٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٧٤)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٣١)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٧٢)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٢٩)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٩٠).\n(٢) نسب هذا القول إلى بعض المعتزلة وعيسى بن أبان. انظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٥٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٧٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٧٩٥).\n(٣) انظر هذا المبحث في: =","vol":"1","page":124},{"text":"-﵁-؛ لأنَّ السُّنَّةَ مبينةٌ للقرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا يجوز أن يكون المبيَّن ناسخًا للمبيِّنِ.\nوأُجيبَ عن ذلكَ: بأنَّ المنسوخَ من السُّنَّةِ بالكتابِ ليسَ هو المُبيِّنَ للكتابِ والمُفَسِّرَ له، إنَّما المنسوخُ الأمرُ والنَّهْيُ الواردُ في السُّنَّةِ. هكذا نُقِلَ المنعُ عنِ الشافعيِّ، وأطلقه جماعةٌ، وليسَ الأمرُ على الإطلاقِ؛ فالشافعيُّ -﵁- لا يقولُ: إِنَّ السُّنَّةَ لا تُنْسَخُ بالقُرْآنِ مُطْلَقًا، بل يجوزُ أن تنُسخَ بالقرآنِ؛ بشرطٍ، وهو أن يكونَ معَ القرآنِ سُنَّةٌ أخرى تخالِف السُّنَّةَ المنسوخةَ، وتوافقُ الآيةَ الناسِخَةَ (١)؛ ليتمَّ بيانُه -ﷺ - وموافقتُه أمرَ الله -ﷻ-، ولا يوجدُ ناسِخٌ من القُرآنِ (٢) إلَّا ومعهُ سُنَّةٌ منَ النبيِّ - ﷺ - مقارِنةٌ لهُ، إمَّا قولٌ، أو فِعْلٌ، أو إِقرارٌ.\nومثالُ ذلكَ معاهَدَةُ النبيِّ -ﷺ - المُشْركينَ عامَ الحُدَيْبيَةِ أن يَرُدَّ إليهمْ مَنْ جاءهُ منهمْ، فأنزل اللهُ -﷿- مَنع رَدِّ النساءِ، فقَالَ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ\n_________\n= \"الرسالة\" للإمام الشَّافعي (ص: ١٠٨)، و\"البرهان\" للجويني (٢/ ١٣٠٧)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٤٠)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٦٢)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٦٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١١٨).\n(١) قال الإمام الشَّافعي في \"الرسالة\" (ص: ١٠٨): وهكذا سنة رسول الله، لا ينسخها إلَّا سنةٌ لرسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنَّ فيه غير ما سنَّ رسولُ الله فيما أحدث الله إليه، حتَّى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها ممَّا يخالفها.\nوقال أيضًا: (ص: ١١٠): فإن قال قائل: هل تنسخ السنةُ بالقرآن؟ قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي - ﷺ - فيه سنة تبيّن أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتَّى تقوم الحجة على النَّاس بأن الشيء ينسخ بمثله.\n(٢) \"من القرآن\" زيادة من \"ب\".","vol":"1","page":125},{"text":"مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فامتنعَ النبيُّ - ﷺ - من رَدِّ النساءِ إليهم (١).\n\nفالجُمهور يقولونَ: نَسَخَ القرآنُ ما فَعَلَهُ مَعَهُمْ منَ العَهْدِ، واستقلَّ القرآنُ ببيانِ النَّسْخ.\n\nوالشافعيُّ يقولُ: نَسَخَهُ القُرْآنُ، ولم يستقلَّ وَحْدَهُ ببيانِ النسخِ، بل استقلَّ بانضمامِ السُّنَةِ إليه، وهو مَنْعُ النبيّ - ﷺ - للنِّساءِ منَ الرُّجوعِ.\nفافهموا مذهبَ الشَّافعي -﵁- المذهبَ المَرْضِيَّ الذي أَرْتَضيهِ وأختارُه مذهبًا؛ فإنَّه لو جازَ أن يَنْسَخَ القُرْآنُ السُّنَّةَ من غيرِ أن تصحَبَهُ سُنَّةٌ أُخرى، لم يعرف بيانُ السُّنَّةِ للكِتاب أصلًا، ولا موقعُها منه، ولَجاز أن يُرَدَّ كثيرٌ من السُّنَن (٢).\nفإذا قلنا: لا تقطَعُ يدُ السارق في الشيءِ التّافِهِ؛ للسُّنَّة؛ قالَ القائلُ: السُّنَّةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nولجاز أن يقولَ: إنّما رجمَ النَّبِيُّ -ﷺ - الزانيَ الثَّيِّبَ قبلَ نزولِ آيةِ الجَلْدِ (٣)، وإنَّما مَسَحَ على الخُفِّ قبلَ نزولِ آيةِ الوُضوءِ (٤)، وغيرَ ذلكَ من\n_________\n(١) ينظر خبر معاهدة النَّبي -ﷺ - المشركين عام الحديبية: البُخاريّ (٢٥٦٤)، كتاب: الشروط، باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة، عن مروان، والمسور بن مخرمة.\n(٢) انظر تحرير قول الإمام الشَّافعي في: \"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١١٨).\n(٣) في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\n(٤) في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].","vol":"1","page":126},{"text":"الآياتِ، وإلا فَبيِّنوا الدليلَ على أنَّ السُّنَّةَ بعدَ ذلك (١).\nولأجلَ هذا قالَ أبو عبد الله الشافعيُّ -﵁- هذهِ المقالَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>السادس والسابع: نسخُ الإجماع بالقرآنِ، ونسخُ الإجماعِ بالسُّنَّةِ: مستحيلٌ وغيرُ جائزٍ اتّفاقًا </span>(٢).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الفصل الخامس في الطَّريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ</span>\nويعلمُ ذلكَ في كتابِ اللهِ -ﷻ- من وجُوهٍ:\nأحدها: الإجماعُ على خِلافِ النَّصِّ (٣)؛ لقيامِ الدليلِ القاطعِ على عِصْمَةِ الأُمَّة.\nالثَّاني: يُعْلَم بصريحِ النُّطق؛ كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦].\nالثالث: يُعْلَمُ ببيانِ النبيِّ - ﷺ -؛ كقوله تَعالى في الزَّواني: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ\n_________\n(١) انظر هذه التجويزات في \"الرسالة\" (ص: ١١١).\n(٢) انظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٥٥)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٧٣)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٣٠)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٧١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٢٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٩٢).\n(٣) قلت: تقدم عند المؤلف - ﵀ - (ص: ١٢٤): أن نسخ القرآن بالإجماع غير جائز، فالمراد هنا: أن الإجماع على خلاف النص إنَّما هو دال على الناسخ ومبين له، لا أنَّه هو الناسخ، ولا يوجد له مثال في القرآن الكريم؛ أعني: أن يجمع العلماء على خلاف آية، ويكون إجماعهم هذا دالًا على ناسخ لها، كما يعلم ذلك من كتب الناسخ والمنسوخ، والله أعلم.","vol":"1","page":127},{"text":"فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فقال النَّبي -ﷺ -: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلًا\" (١)، الحديث، عندَ مَنْ جَعل آيةَ الإمساك مَنْسوخَةً بالحُدودِ، وسيأتيَ بيانُ ذلكَ وتحقيقُهُ عندَ الكَلامِ على الأَحْكام- إن شاءَ اللهُ تعالى-.\nالرابعُ: يُعْلَمُ بتأخُّرِ أحدِ اللَّفْظَينِ عنِ الآخَرِ، فالآيةُ المَدَنِيَّةُ تنسَخُ المَكِّيَّةَ، وهو كثيرٌ في القرآنِ، والمدنيةُ المتأخّرَةُ تنسخُ المدنيةَ المتقدِّمَةَ، وهو أكثر منسوخِ القرآن، والمكية المتأخرة تنسخ المكية المتقدمة، وقلَّ أنْ يوجَدَ هذا النوعُ ظاهِرًا مُتَّفقًا عليهِ عندَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ نُزولَ ذلك قبلَ تشريعِ الأَحْكامِ.\nويجبُ على طالبِ علمِ القرآنِ أن يعلمَ (٢) المَكِّيَّ من المدني.\nوقد مَيَّزَ أهلُ العلمِ ذلكَ، وبيَّنوه بَيانًا خاصًّا، وذكروا لهُ أيضًا علاماتٍ ودَلائِلَ.\nقالوا: كُلُّ سورَة فيها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي مكية، وفي \"الحَجِّ\" اخْتلافٌ.\nوكلُّ سورة فيها: ﴿كلا﴾ فهي مكية؛ لأنه ردٌّ ورَدْع.\nوكلُّ سورةٍ في أولها حروف المُعْجَمِ مثل ﴿الر﴾، و﴿حم﴾ وشِبْهُهُ، فهي مكية، سوى \"سورة البقرةِ\" و\"آلِ عِمرانَ\"، وفي \"الرعدِ\" اختلافٌ.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٦٩٠)، كتاب: الحدود، باب حد الزنا، عن عبادة بن الصَّامت، وتمامه: \" .. البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم\".\n(٢) في \"ب\": \"تعلم\" بدل \"أن يعلم\".","vol":"1","page":128},{"text":"وكلُّ سورةٍ فيها قصةُ آدمَ - ﵊- وإبليسَ -عليه لعنةُ اللهِ- فهي مكية، سوى \"سورةِ البقرةِ\".\nوكلُّ سورةٍ فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي مدنية.\nوكلُّ سورةٍ فيها ذِكْرُ المنافقينَ، فهي مدنية، سوى \"سورة العنكبوت\". قال هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيهِ: ما كانَ من السُّوَرِ فيه حَدٌّ أو فريضَةٌ، فهي مدنيةٌ، وما كان فيها ذِكْرُ الأُمَمِ الخاليةِ والقُرونِ الماضيةِ، فهي مكيةٌ (١).\n* ويعرف التأخُّرُ بينَ المَدَنِيِّ بإخبارِ الصَّحابي أَنَّ هذا نَزَلَ بعدَ هذا.\nأما إذا قالَ الصحابيُّ: هذهِ الآيةُ منسوخة، لم يُقبَلْ قولُه حتَّى يُبيِّنَ الناسخَ، فينظر فيه (٢).\nومنَ النَّاسِ من قالَ: ينسخُ بخبرهِ، ويقلَّدُ فيه.\nومنهم مَنْ قالَ: إذا ذكرَ الناسِخَ، لم يُقَلَّدْ فيهِ، بلْ يُنْظَرُ فيه، فإن لمْ يذكُرِ الناسِخَ، قُبِل، وقُلِّدَ فيه؛ لأنَّه لا يُهْمَلُ ذكرُ الناسِخِ إلَّا عندَ حُصولِ القَطْعِ لهُ بأنه ناسخٌ، وأن الآية المعارِضَةَ له منسوخةٌ. وأمَّا إذا ظَنَّ النَّسْخَ، ولم يَقْطَعْ، ذكرَ الناسِخَ لينظرَ فيه غيرُه.\nوالصحيحُ هو الأولُ، والدليلُ عليه أنَّه يجوزُ أن يكونَ قد اعتقدَ النَّسخَ بطريقٍ لا توجبُ النسخَ، فلا يجوزُ أن يُتْرَكَ الحكمُ الثابتُ من غيرِ نظرٍ واستدلالٍ.\n* ويُعرفُ الناسخُ من المنسوخِ في الحديث بهذه الطَّريق المذكورة (٣).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠١٤٠)، وابن مردويه في \"تفسيره\" (١/ ٨٤ - الدر المنثور).\nولفظه: \"ما كان من حج أو فريضة ... \".\n(٢) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٣٣)، و\"المسودة\" لآل تيمية (١/ ٤٦٠).\n(٣) انظر هذا المبحث في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٣١)، و\"المحصول\" للرازي=","vol":"1","page":129},{"text":"فيُعلمُ بالإجماعِ (١)؛ كما أجمعوا على جَلْدِ شاربِ الخَمْرِ، وإنْ عادَ مِرارًا كثيرة.\nويُعلمُ بصريحِ النُّطق؛ كقولِ النبيَّ - ﷺ -: \"كُنْتُ نَهَيتكمْ عنْ زِيارَة القُبورِ، فَزوروها\" (٢).\nويُعلمُ بإخبارِ الصَّحابيِّ أنَّ هذا وردَ بعدَ هذا؛ كما رُوِيَ أنَّهُ كانَ آخِرُ الأمرينِ من رسولِ اللهِ - ﷺ - تَرْكَ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ (٣).\nوأمَّا إذا أسلمَ راوي أَحَد الخَبَرَينِ بعدَ موتِ راوي الخبرِ الآخَرِ، أو بعدَ قِصَّتِه التي رواها، ففيه احتمالان عندَ الشيخِ أبي إسحاقَ الشيرازِيِّ رحمهُ اللهُ تَعالى (٤).\nومثالُه ما روى طَلْقُ بنُ عَلِي -﵁-: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ\n_________\n= (٣/ ٣٧٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ١٩٧)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٣٤٠)، و\"بيان المختصر\" للطوفي (٢/ ٦٦٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٥٢)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ١٩٧).\n(١) أي: إن الإجماع يدل على الدليل الناسخ، لا أنَّه هو الناسخ، والله أعلم.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه أبو داود (١٩٢)، كتاب: الطهارة، باب: في ترك الوضوء ممَّا مسّت النَّار، والنَّسائيُّ (١٨٥)، كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء ممَّا غيرت النَّار، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٢٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١٣٤)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٩٧٣) عن جابر بن عبد الله.\n(٤) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٣٢). وانظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٧٨)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (٢/ ٦٦٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٥٧)، و\"نزهة النظر\" لابن حجر (ص: ٧٨).","vol":"1","page":130},{"text":"مَسِّ الذَّكَرِ، وهو يَبني مسجدَ المدينةِ، فلم يوجِبْ منهُ الوضوءَ (١).\nمع ما رَوى أبو هُريرةَ -﵁- منْ إيجابِ الوُضوءِ بِمَسِّهِ (٢)، وأبو هريرةَ أسلمَ عامَ خَيْبَر بعدَ بناءِ المسجدِ، فَيُحْتَملُ أن يُنْسَخَ حديثُه بحديثِ أبي هُريرةَ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لم يسمعْ ما رواه إلَّا بعدَ هذهِ القِصَّةِ فيه، ويُحْتَمَلُ ألاّ يُنْسَخَ؛ لجوازِ أن يكونَ سمعَه قبلَ أن يُسْلِمَ، أو أرسلَهُ عَمَّن قَدُم إسلامُه. ولا خِلافَ في أَنَّ خبرَ أبي هُريرة (٣) أرجحُ في مَتْنهِ وسندِه من حديث طَلْقٍ بوُجوهٍ:\nأحدُها: تأخُّرُ إسلامِ راويهِ.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٨٢)، كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، والنَّسائيُّ (١٦٥)، كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك، والترمذي (٨٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، وابن ماجه (٤٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، عن طلق بن علي قال: قدمنا على نبي الله - ﷺ -، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يانبي الله! ما ترى في مسّ الرجل ذكره بعدما يتوضّأ؟ فقال: \"هل هو إلَّا بضعة منك؟ \" أو قال: \"بضعة منه\". وإسناده حسن صحيح.\n(٢) في \"ب\": \"عند مسّه\".\nروى الإمام الشَّافعي في \"مسنده\" (ص: ١٢)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٣٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١١٨)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١٨٥٠)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٤٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٣)، وغيرهم من حديث أبي هريرة -﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ -: \"إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب، فليتوضأ\". وفي إسناده يزيد النوفلي، وهو ضعيف. وانظر: \"الدراية\" للحافظ ابن حجر (١/ ٣٩).\n(٣) \"أبي هريرة\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":131},{"text":"ثانيها: الاحتياطُ، فخبر أبي هريرة أَحْوَطُ.\nثالثها: النَّقْلُ، فخبرُ أبي هريرة ناقل من العادَةِ إلى العِبادَةِ.\nرابعُها: الإثباتُ، فخبرُ أبي هريرة مُثْبِتٌ للوضوءِ، وخبرُ طَلْقٍ نافٍ له.\nوللترجيحِ وُجوهٌ أُخَرُ ذكرَها أهلُ العلمِ بالفقهِ وأصولِه، وسأذكرُ منها جملة نافعة عندَ الكَلامِ على السُّنَّةِ إن شاء الله تعالى.\n* * *","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>القول في السُّنَّة وأنواعها وترتيبها وتقديم بعضها على بعض</span>\nوفي ذلك أربعةُ فُصولٍ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الفصلُ الأولُ في السُّنَّة</span>\nوالسُّنَّة: هي الطريقةُ (١)، وحَدُّها: ما رُسِم ليُحْتَذى به (٢).\nوسُنَّتُهُ -ﷺ- متشعِّبةُ الأطراف، مُتَّسِعَةُ العُلوم، وهي ما شَرَعَهُ النبيُّ -ﷺ - وَبيَّنَهُ ونَصَحَ بهِ لأمَّتِهِ منَ الأحكامِ والآدابِ، وتصفيةِ الباطنِ، ومكارمِ الأخلاقِ، والإرشادِ إلى صحيحِ التدبيرِ والسياساتِ، والتنبيهِ على حكمِها، والإخبارِ عَمَّا كانَ وما يكونُ، وغيرِ ذلك مِمَّا نُقِلَ إلينا من أقوالِهِ وأفعالِهِ وإقرارِه ومعجزاتِه وجميعِ أحوالِه، فكلُّها حَقٌّ مِنْ عندِ اللهِ ﷻ.\nقال اللهُ -سُبْحانَهُ-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ\n_________\n(١) هذا تعريفها لغة. انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ٢٢٦)، (مادة: سنن).\n(٢) وهذا تعريفها اصطلاحًا؛ أي: ما رسمه رسول الله -ﷺ - ليحتذى به فيها؛ من أقواله، وأفعاله، وتقرير أنَّه، وسائر أحواله.\nانظر لذلك: \"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢٢٣)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٦٠)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٦٤١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٦٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨١٣)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٣)، و\"مراقي السعود\" (ص: ٢٥٥).","vol":"1","page":133},{"text":"فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال -ﷻ-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقالَ -ﷻ-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].\nوغَرَضي في كتابي هذا بيانُ أحكامِ السُّنَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بالأحكامِ، وهي تنقسمُ إلى أفعالٍ وأقوالٍ وإقرارٍ منهُ - ﷺ -.\nفأمَّا أقوالُه، فإنها تنقسمُ إلى جميعِ الأقسامِ الواردَةِ في كتابِ اللهِ -ﷻ- من العُمومِ والخُصوصِ، والحَقيقَةِ والمَجازِ، وغيرِ ذلك؛ لاتِّحادِ طريقِ بيانِهما الذي هو الخِطاب.\nثُمَّ منها ما يكونُ بَيانًا للكتابِ؛ مِنْ تخصيصِ عُمومِه، وتقييدِ مُطْلَقِهِ، وتبيينِ مُجْمَلِهِ، وتَكْميلِ سُنَّتِهِ وآدابِه، وغيرِ ذلك من الوجوه.\nومنها ما يكونُ اتِّباعًا لنصِّ الكتابِ من غيرِ زيادَةٍ.\nومنها ما يكونُ ابتداءً مِمّا لم يكنْ لهُ أصلٌ في الكِتاب (١)، ومنْ أهلِ العلمِ من خالفَ في هذا (٢).\n_________\n(١) فهي إذن ثلاث حالات: إما أن تكون مؤكدة، وإما مبينة مفسِّرة، وأمَّا مشرعة منشئة.\nانظر ذلك في \"الرسالة\" للإمام الشَّافعي (ص: ٩١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٦٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٢٠)، و\"أصول الفقه\" لخلاَّف (ص: ٣٩)، و\"أصول الفقه الإسلامي\" لوهبة الزحيلي (١/ ٤٦١)، و\"الوجيز في أصول الفقه الإسلامي\" لمحمد الزحيلي (١/ ٢٢١).\n(٢) وقد نقل الإمام الشَّافعي - ﵀ - هذا في \"الرسالة\" (ص: ٩٢) فقال: ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب.\nوقد سار على هذا الإمام الشاطبي في \"الموافقات\" (٢/ ٤/ ٦) فقال: فلا تجد في السنة أمرًا إلَّا والقرآن قد دلَّ على معناه دلالةً إجماعية أو تفصيلية.","vol":"1","page":134},{"text":"وجميعُ الأقسامِ حَقٌّ مِنَ اللهِ -سُبْحانَهُ- منسوبٌ علمُها إلى الكتابِ (١) العزيز.\nقال الشافعيُّ -﵁-: وليستْ تنزِلُ بأحدِ من أهلِ دينِ اللهِ نازِلَةٌ إلَّا وفي كتاب اللهِ الدَّليلُ على سَبيلِ الهُدى فيها، قالَ اللهُ -﷾ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وذكرَ جملةَ من الآياتِ البَيِّناتِ (٢).\nوالشافعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالى- أخذَ هذا مِمَّا رَوى عَلْقَمَةُ، عنْ عبدِ اللهِ -﵁- أنَّه قالَ: لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُسْتَوشِماتِ والمُتَفَلِّجات للحُسْنِ المُغَيِّراتِ لِخَلْقِ اللهِ، فبلغَ ذلك امرأةً من بني أَسَدِ يُقال لَها: أُمُّ يَعْقوبَ، فجاءَتْ فقالتَ: إنَّهُ قدْ بَلَغَني أنَّكَ لعنتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: وما لي لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -، ومَنْ هُو في كِتابِ اللهِ؟! فقالتْ: لقدْ قرأتُ ما بينَ اللَّوحَيْنِ، فما وَجَدْتُ فيهِ ما تقولُ، فقالَ: لَئِنْ كنتِ قَرَأْتِهِ، لَقَدْ وَجَدْتِهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، قالت: بلى، فإنَّهُ قدْ نهى عنه (٣).\nوأَمّا أفعالُه - ﷺ -، فإنَّها يقعُ بها جميعُ أَنواع البيانِ؛ منَ المُجْمَلِ، وتَخْصيصِ العُمومِ، وتقييدِ المُطْلَق، وتأويلِ الظّاهر، والنَّسْخِ، وغير ذلك (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"القرآن\".\n(٢) انظر كلامه هذا في: \"الرسالة\" (ص: ٢٠).\n(٣) رواه البُخاريّ (٤٦٠٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومسلم (٢١٢٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة.\n(٤) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٤٤)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٨٠)، =","vol":"1","page":135},{"text":"وهي على ضربين (١):\n\nفِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ -ﷺ -، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو (٢) لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.\nفهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحًا، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه -ﷺ - فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.\nوقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة -﵃- وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ (٣)، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.\n\nوالضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.\nوقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:\nوجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من\n_________\n= و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٦٧٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٩١)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٢٤).\n(١) انظر دلالة أفعاله - ﷺ - في المصادر التالية: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٤٣)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٤٨٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢٢٧)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٢٧٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٧٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٢٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٥)، و\"أصول الفقه الإسلامي\" لوهبة الزحيلي (١/ ٤٧٨).\n(٢) في \"ب\": \"و\".\n(٣) وقد نقله الباقلاني عن قوم؛ كما حكاه الغزالي في \"المنخول\". وانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٧٧).","vol":"1","page":136},{"text":"الوجْهَين، إن كانَ بيانًا لنصٍّ في واجبٍ، كان واجبًا، وإن كان بَيانًا لنصٍّ في مُسْتَحَبٍّ، كانَ مُسْتَحبًا، وإن كانَ بيانًا لمُجْمَلٍ مأمورٍ بهِ حَتْمًا، كان واجِبًا، وإن كانَ المأمورُ بهِ نَدْبًا، كانَ مُسْتَحبًا (١).\nوأمَّا الوجهُ الثالثُ الذي قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، وهوَ أن يَفْعَلَ الشيءَ ابتداءً من غيرِ سَبَبٍ (٢)، فاختَلفَ أهلُ العلمِ فيهِ أيضًا على أربعة مذاهبَ (٣):\nفمذهبُ مالِكٍ وأكثرِ أهلِ العراقِ وأبي سعيد الإصْطَخْريّ وأبي العباس ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُحْمَلُ على الوُجوب.\nوقالَ قومٌ: يُحْمَلُ على النَّدْب، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.\nوقال قومٌ: يُحْمَلُ على الإباحَةِ، ويُروى عن مالكٍ.\nوقالَ قومٌ بالوقفِ، فلا يُحْمَلُ على الوجوبِ ولا على النَّدْبِ إلَّا بِدليلٍ، وهو قَوْلُ الصَّيْرَفيِّ، واختيارُ أبي إِسْحاقَ الشِّيرازِيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- (٤).\n_________\n(١) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٤٣)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٤٨٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢٢٨)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٢٧٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٨٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٢٤)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٦).\n(٢) أي: ولم تعلم الشرعيّة من وجوب أو ندب أو إباحة، وظهر فيه قصد القربة، والله أعلم.\n(٣) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٤٣)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٤٨٨)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ٢٢٩)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٦٤٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٨١)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٢٥)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٦)، و\"مراقي السعود\" (ص: ٢٦٠).\n(٤) قلت: وقد بقي نوع من أنواع الأفعال لم يذكره المصنف وهو: الفعل الذي لم تعلم صفته الشرعيّة، ولم تظهر فيه قصد القربة.=","vol":"1","page":137},{"text":"وأمَّا إقراره - ﷺ - فإنَّه على ضربين (١):\n_________\n= وهذا النوع اختلف فيه العلماء على أقوال:\nالأول: الوجوب، ونسب إلى ابن سريج وغيره.\nالثَّاني: أنَّه يدل على الندب، وهو قول أكثر الحنفية والمعتزلة، ونسب إلى الشَّافعي.\nالثالث: الإباحة، ونسب إلى مالك، وهو الراجح عند الحنابلة.\nالرابع: التوقف حتَّى يظهر دليل الترجيح، وهو قول جمهور الشَّافعية.\nانظر: \"البرهان\" للجويني (١/ ٤٩٣)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢٢٩)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٦٤٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ١٨١)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٣٨).\n(١) انظر هذا المبحث في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٤٧)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٤٩٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٢٤٤)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٢٨٦)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٠١)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨١٧)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٤١).\nوقد وقفت للإمام ابن دقيق العيد في كتابه: \"شرح الإلمام\" (١/ ٩٢): على قاعدة عظيمة في التقرير والسكوت، وأذكر هنا أكثر كلامه الذي ذكره، قال ﵀: ذكر في فن الأصول: أن الرسول -ﷺ - إذا سئل عن واقعة، فسكت عن جوابها، فيدل ذلك على أنَّه لا حكم لله تعالى فيها، فأمَّا إن فُعِلَ فعل عنده أو في عصره، وعَلِمَ به قادرًا على الإنكار، فلم ينكره؛ فإن كان معتقدًا لكافر، كالمصلي إلى الكنيسة، فلا أثر للسكوت إجماعًا، وإلا دلَّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلى النسخ إن سبق؛ لأنَّ في تقريره مع تحريمه ارتكاب محرم، وأيضًا فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة لإبهام الجواز والنسخ.\nوقد تصدى النظر وراء ذلك في صور:\nأحدها: أن يخبر عن وقوع فعل في الزمن الماضي على وجه من الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم من الأحكام، هل هو من لوازم ذلك الفعل؟ فإذا سكت عن بيان كونه لازمًا، دلَّ على أنَّه ليس من لوزام ذلك الفعل، وله أمثلة. ثم ذكرها.=","vol":"1","page":138},{"text":"أحدُهما: أن يقولَ أحدٌ قولًا، أو يفعلَ فِعْلًا بِحَضْرَتِهِ، ولا يُنْكِرُهُ عليهِ، فهذا يَدُلُّ على جوازِ ذلكَ الشيءِ.\nوالثاني: أن يَفْعلَ فِعلًا بغيرِ حَضْرَتِهِ، لكنَّ مثلَ ذلكَ لا يَجوزُ أن يَخْفى عليهِ في العادَةِ، ولم يُنْقَلْ أنَّه -﵊- أنكرَهُ، فهذا أيضًا يُسْتَدَلّ بهِ على جوازِ ذلكَ الشيءِ، ولكنهُ أضعفُ دَلالةً مِنَ الأولِ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الفصل الثَّاني في بيانِ أنواعِ السُّنَّةِ</span>\nوهي تنقسم إلى مُتَّصِلٍ وغيرِ مُتَّصِلٍ.\n\nوالمُتَّصِلُ ينقسِمُ إلى مُتواتِرٍ وآحادٍ، وبعضهم يقسمُهُ إلى مُتَواتِرٍ ومُسْتَفيضٍ وآحادٍ (١).\n_________\n= وثانيها: أن يسكت رسول الله - ﷺ - عن قول أو فعل، لا يلزم من سكوته عنه مفسدة في نفس الأمر، لكن قد يكون ظن الفاعل أو القائل يقتضي أن يترتب عليه مفسدة على تقدير امتناعه، فهل يكون هذا السكوت دليلًا على الجواز بناء على ظن المتكلم، أو لا؛ لأنَّه لا يلزم منه مفسدة في نفس الأمر؟. وضرَبَ مثالين على ذلك.\nوثالثها: أن يخبر عن حكم شرعي بحضرته - ﷺ -، فسكت عنه، فيدل ذلك على ذلك الحكم.\nورابعها: أن يخبر بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي يحتمل أن يكون مطابقًا، ويحتمل أن لا يكون، فهل يكون سكوته دليلًا على مطابقته؟ انتهى.\nوقد عرض الإمام ابن دقيق أمثلة عدة لكل نوع، فلتنظر في موضعها، وهي حقيقة بالوقوف عليها، والتأمل فيها، وبالله التوفيق.\n(١) وهم الحنفية؛ انظر: \"كشف الأسرار\" للبخاري (٢/ ٥٣٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٤)، و\"أصول الفقه\" للخضري (ص: ٢١٣).","vol":"1","page":139},{"text":"فالمتواتر: ما استوى طرفاهُ ووسَطُهُ في الروايةِ عَنْ جَمْع لا يُمْكِنُ تَواطُؤُهُمْ على الكذبِ، وأن يكونَ مُسْتَنَدُهُ غيرَ النَّظَرِ والاسْتِدلالِ (١).\nوهذا يفيدُ العلمَ الضَّرورِيَّ (٢)؛ خِلافًا للبَلْخِيِّ منَ المُعْتَزِلَةِ، والدَّقَّاقِ منَ الأَشْعَرِيَّةِ.\nوهو قليلٌ جِدًّا (٣).\n\nوالمستفيض: ما كانَ من أخبارِ الآحادِ، ولكنْ تلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبول، فَعَمِلوا بهِ كُلُّهُمْ، أو عَمِلَ بهِ البَعْضُ، وتَأَوَّلَهُ الباقونَ (٤)، وذلكَ كقولهِ - ﷺ -:\n_________\n(١) انظر تعريف المتواتر في: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٢)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ٢٢٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٢٥)، و\"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص: ٢٦٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٣١)، و\"نزهة النظر\" لابن حجر (ص: ٤١)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (٤/ ١٣)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٤٦).\n(٢) وهو مذهب جماهير العلماء، لم يخالف في ذلك إلَّا قلة.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٢)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ٢٣٠)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٦٠)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٦٧٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٣٩)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٠).\n(٣) وهذا قول ابن الصلاح في \"علوم الحديث\" (ص: ٢٦٨)؛ حيث قال: ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبُه. ثم قال: نعم حديث: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النَّار\" نراه مثالًا لذلك. انتهى.\nإلَّا أن هذه الدعوى رَدَّها الحافظ في \"نزهة النظر\" (ص: ٤٥). وقد ذكر السخاوي في \"فتح المغيث\" (٤/ ٢٠) أمثلة كثيرة للحديث المتواتر.\n(٤) انظر تعريف المستفيض، واختلاف العلماء فيه: \"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٦٦)، و\"كشف الأسرار\" للبخاري (٢/ ٥٣٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٤٩)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٤)، و\"نزهة =","vol":"1","page":140},{"text":"\"إنَّما الأَعْمالُ بالنّيَّاتِ\" (١)، وما أشْبَهَهُ.\n\nوالآحاد: ما عدا ذلكَ (٢).\nوهو يُوِجِبُ العَمَلَ مُطْلَقًا (٣)، خالفَتِ القِياسَ مُطْلَقًا، أو قياسَ الأُصولِ، عَمَّتِ البَلْوى بالحادثة، أو لمْ تَعمَّ.\nولا عِبْرَةَ بخِلاف ابنِ داودَ وشُذوذٍ منَ النَّاسِ؛ حيثُ مَنَعوا العَمَلَ بِها (٤).\nومنعَ مالكٌ العَمَلَ بِها إذا خالفَتِ القياسَ (٥).\n_________\n= النظر\" لابن حجر (ص: ٤٦)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (٤/ ٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٤٩).\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر تعريف خبر الواحد: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٣)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٥٩٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٤٨)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٦٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٥)، وغيرها.\n(٣) انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٧)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٥٩٩)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ٦٥)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٧٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٧).\n(٤) منهم الشيعة والقاساني من الظاهرية. انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٤)، و\"البرهان\" للجويني (١/ ٥٩٩)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٣٧٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٨٥٨).\n(٥) قلت: نقل عن الإمام مالك في هذه المسألة قولان؛ قول أنَّه يقدم الخبر على القياس، وقول أنَّه يقدم القياس على الخبر، إلَّا أن الرّواية الصحيحة عنه: أنَّه يقدم الخبر على القياس، وهو الذي رجَّحه الباجي. وقال الشنقيطي: هي الرّواية الصحيحه عن مالك.\nوقد طعن ابن السمعاني في نسبة القول إلى مالك بأنه يقدم القياس على الخبر، فقال: وهذا القول بإطلاقه سمج مستقبح عظيم، وإنما أُجِلُّ منزلة مالك عن مثل =","vol":"1","page":141},{"text":"ومنعَ أبو حنيفةَ (١) إذا خالَفَتْ قِياسَ الأُصولِ (٢)، أو كانَتْ فيما تعُمُّ به البَلْوى (٣).\n_________\n= هذا القول، وليس يُدرى ثبوت هذا منه.\nانظر: \"قواطع الأدلة\" للسمعاني (١/ ٣٥٨)، و\"إحكام الفصول\" للباجي (ص: ٥٩٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٤٧٠)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ٣٨٧)، و\"نثر الورود على مراقي السعود\" لمحمد أمين الشنقيطي (ص: ٤٤٣).\n(١) قلت: الصواب: أن تقديم القياس على الخبر إذا كان الراوي غير فقيه: هو مذهب عيسى بن أبان، وتبعه أكثر المتأخرين من الحنفية.\nأما الإمام أبو حنيفة: فكان يقدم الخبر على القياس مطلقًا؛ لذلك نقل عبد العزيز البُخاريّ عن أبي حنيفة قوله: ما جاءنا عن الله وعن رسوله، فعلى الرأس والعين. انظر: \"كشف الأستار\" للبخاري (٢/ ٥٥٨)، و\"شرح المصنف\" للمنار (٢/ ٢٣)، و\"شرح ابن ملك على المنار\" (ص: ٢١٠).\n(٢) قال أبو إسحاق الشيرازي: أما أصحاب أبي حنيفة: فإنهم أرادوا بالأصول: القياس على ما ثبت بالأصول، فهو الذي قاله أصحاب مالك، وقد دلَّلنا على فساده، وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فليس معهم في المسائل التي ردوا فيها خبر الواحد كتاب ولا سنة ولا إجماع، فسقط ما قالوه.\nانظر: \"اللمع\" له (ص: ١٥٨). وانظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٣٤٩).\nوقال الشَّيخ أبو زهرة: خبر الآحاد قد يكون معارضًا لقياس شهدت له عدة أصول، ولم تكن علته مأخوذة من أصل واحد، بل من مجموعة نصوص لأحكام مختلفة؛ كعلة دفع الحرج في كونها سببًا للتيسير. انظر: \"أصول الفقه\" له (ص: ٢٢٨).\n(٣) خبر الواحد فيما تعم به البلوى: يجب العمل به عند أكثر العلماء. وقال عامة الحنفية: لا يجوز العمل به في ذلك. وقال بقولهم ابن خُويز مِنداد من المالكية، وابن سُريج من الشَّافعية.\nانظر: \"أصول السرخسي\" (١/ ٣٦٨)، و\"إحكام الفصول\" للباجي (ص: =","vol":"1","page":142},{"text":"وهي لا توجبُ القَطْعَ واليقينَ؛ خلافًا لبعضِ أصحابِ الحديثِ.\nفإنَّ منهم من قال: ما تَجَلّى إسنادُه، أوجبَ العِلْمَ؛ كَمالِكٍ، عن نافعٍ، عنِ ابن عُمَرَ﵃-.\nومنهم منْ قالَ: ما حواه صحيحًا البُخاريِّ ومُسْلِمٍ يفيدُ العِلْمَ.\nقال الشيخُ أبو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ وغيرُه: يُفيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرورِيَّ؛ لأنَّ الأمةَ أجمعتْ على أن ما فيهما ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -، والأُمَّةُ مَعْصومَةٌ مِنَ الخَطَأ (١).\n\nوأكثرُ المحقِّقينَ منَ الأصوليين وغيرهم على أن ذلكَ لا يفيد العلم (٢). وإحدى المُقَدّمتينِ في الاستدلالِ غيرُ مُسَلَّمَةٍ، فكأنهم يقولونَ: أجمعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ العَمَلِ بالظَّنِّ، وقد غلب على ظَنِّهِمْ أنَّ ما فيهما صحيحٌ،\n_________\n=٢٢٦)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ٣٧٢)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٣٤٧)، و\"التقرير والتحبير\" لابن أمير الحاج (٢/ ٣٨١)، و\"شرح الكوكب المنير\" للفتوحي (٢/ ٣٦٧).\n(١) انظر: \"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص: ٢٨).\n(٢) اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:\nالأول: يفيد العلم مطلقًا، وهي رواية عن أحمد، ونسب إلى الظاهرية، وقالت به طائفة من المحدثين وأهل الأثر، وبعض الحنابلة.\nالثَّاني: لا يفيد العلم مطلقًا، بل يفيد الظن، وهو قول أكثر العلماء، وهي الرّواية الصحيحة عن أحمد.\nالثالثْ يفيد العلم بالقرائن، ومن القرائن أن يخرِّجه البُخاريّ ومسلم، وبه قال الغزالي والرازي والطوفي وابن حجر، وغيرهم.\nانظر: \"المستصفى\" للغزالي (١/ ٢٧٢)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ٢٨٢)، و\"شرح تنقيح الفصول\" للقرافي (ص: ٣٥٤)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٢٦٢)، و\"نزهة النظر\" لابن حجر (ص: ٥٢)، و\"شرح الكوكب المنير\" للفتوحي (٢/ ٣٤٨).","vol":"1","page":143},{"text":"فنتيجةُ هذا أَنَّ ما فيهما يَجِبُ العَمَلُ به.\nولمُخالِفِهم أن يقولَ: قَدْ ظَنَّتِ الأُمَّةُ بثبوتِ جميعِ ما فيهما عَنْ رَسولِ اللهِ - ﷺ -، والأُمَّةُ معصومة عن الخَطأ في ظَنِّها، فينتجُ ذلكَ أنَّ ما فيهما ثابِتٌ قَطْعًا ويَقينًا، فالظنُّ في طريقِ إفادَتِهما العِلْمَ، لا في إفادَتِهما العمل.\nوهُوَ عندي مَذْهَبٌ قَوِيٌّ، ولكنَّه لا يَخْتَصُّ بالصَّحيحينِ، بلْ كلُّ حديثٍ غلبَ على ظنِّ عامَّةِ أهلِ العلمِ بالحديثِ ثبوتُه وصِحَّتُهُ، فهو كَذلكَ، واللهُ أعلمُ.\n\nثم المُتَّصِلُ ينقسم إلى: صَحيحٍ، وحَسَنٍ، وضعيفٍ.\nفالأَوَّلانِ حُجة على ما قاما عليه، وإن تفاوتا في الصِّحَّةِ والحُسْن.\n\nوأمَّا الضَّعيفُ، وإن تنوعتْ أنواعُه، فلا يجوزُ إقامةُ الحجةِ به (١).\n_________\n(١) اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث الضعيف على ثلاثة مذاهب:\nالأول: يعمل به مطلقًا في الحلال والحرام وغيرها، بشرط أن لا يوجد غيره، ذهب إلى هذا أحمد، وأبو داود، وغيرهما.\nالثَّاني: لا يعمل به مطلقًا؛ لا في الحلال والحرام ولا في الفضائل، وقد قال بهذا القول: ابن العربي، والشهاب الخفاجي، وغيرهما.\nالثالث: أنَّه يعمل به في الفضائل والترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحوها بشروط:\nالشرط الأول: أن لا يشتد ضعفه.\nالشرط الثَّاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.\nالشرط الثالث: أن يعتقد عند العمل به الاحتياط لا ثبوته.\nوهذه الشروط الثلاثة نقلها كل من السخاوي والسيوطي عن الحافظ ابن حجر.\nوانظر: \"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص: ١٠٣)، و\"القول البديع في الصَّلاة على الحبيب الشفيع\" للسخاوي (ص: ٣٦٣)، و\"تدريب الراوي\" للسيوطي (١/ ٢٩٨)، و\"قواعد التحديث\" للقاسمي (ص: ١١٦)، و\"الأجوبة الفاضلة\" للكنوي (ص: ٣٦)، و\"منهج النقد\" للدكتور عتر (ص: ٢٩١).","vol":"1","page":144},{"text":"وأمَّا غيرُ المتصل، فإنَّه يقعُ على المُرسَل، والمُعْضَل، والمُنْقَطع، والموقوف (١).\n\nفالمُرْسَل: قولُ التابعيِّ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -.\n\nوالمُعْضَلُ والمُنْقَطعُ في معناهُ (٢) عندَ قومٍ، ومنهم مَنْ فرَّقَ بينهما بأحوالٍ مخصوصةٍ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بالحديث (٣) في كتبهم (٤)، وقد أَوَّلوها في اصطلاحاتِهم.\n_________\n(١) لكن الموقوف لا يكون غير متصل دائمًا؛ فقد يكون متصلًا، وقد لا يكون. قال ابن الصلاح: إن منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابي، فيكون من الموقوف الموصول، ومنه ما لا يتصل إسناده، فيكون من الموقوف غير الموصول.\nانظر: \"علوم الحديث\" (ص: ٤٦).\n(٢) أي: في معنى المرسل.\n(٣) \"بالحديث\" زيادة من \"ب\".\n(٤) اختلف العلماء في الفرق بين الحديث المرسل، والحديث المنقطع الشامل للمعضل على مذاهب:\nالأول: أن المرسل ما كان الانقطاع فيه بعد التَّابعي، والمنقطع ما كان الانقطاع فيه قبل ذلك.\nالثَّاني: المرسل مخصوص بالتابعين، والمنقطع شامل له ولغيره.\nالثالث: المنقطع مثل المرسل، وكلاهما شامل لكل ما لم يتصل إسناده، لكن أكثر ما يوصف بالإرسال ما رواه التَّابعي عن النَّبي - ﷺ -، وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التَّابعي عن الصّحابة.\nالرابع: المنقطع ما روي عن التَّابعي أو من دونه، من قوله أو فعله. وهو غريب بعيد.\nانظر: \"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص: ٥٦)، و\"فتح المغيث\" للعراقي (ص: ٧١)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (١/ ١٨٢)، و\"تدريب الراوي\" للسيوطي (١/ ٢٠٨)، و\"ظفر الأماني\" للتهانوي (ص: ٣٥٣).","vol":"1","page":145},{"text":"وكلُّها (١) لا تقومُ بها حُجَّةٌ، ولا يثبتُ لها حكمٌ عندَ جماهيرِ أهلِ العلم.\nوذهب مالكٌ وأبو حَنيفةَ في آخرين إلى صِحَّةِ الاحتجاجِ بالمرسَلِ.\nوأمَّا الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنُه- فقالَ في كتابهِ الجديدِ: المنقطعُ مختلِفٌ، فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - من التّابعين، فحدَّثَ حديثًا منقطِعا عنِ النَّبي - ﷺ -، اعتُبِرَ عليهِ بأمور.\nمنها: أن يُنْظَرَ إلى ما أرسلَ من الحديثِ، فإن شاركه فيه الحُفَّاظُ المأمونونَ، وأَسْنَدوه إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - بمِثْلِ معنى ما رَوى، كانتْ هذهِ دلالةً على صحَّةِ حفظِه.\nوإن انفردَ بإرسالِ حديثٍ لم يشاركْهُ فيه غيرُه، قُبِل ما ينفردُ به، ويُعْتبَرُ عليه بأن يُنْظَرَ هلْ يوافِقُه مرسَلُ غيره ممَّن قُبِلَ عنهُ العلمُ في غيرِ رجالِه الذين قُبِلَ عنهم، فانْ وُجِدَ ذلك، كانتْ دلالةً تقوِّي مُرْسَلَهُ، وهي أضعفُ منَ الأُولى.\nوإن لم يُوجَدْ ذلكَ، نُظِر إلى بعضِ ما رُوِيَ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - قولًا لَهُ، فإن وُجِدَ موافقًا ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، كانتْ في هذهِ دلالةٌ على أنَّه لم يأخذْ مُرْسَلَه إلَّا من أَصْلٍ يَصِحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\nوكذلكَ إن وُجِدَ عَوامٌ من (٢) أهلِ العِلْمِ يُفتون بمثلِ معنى ما رُوي عن النبيِّ - ﷺ -، ثم يعتبرُ عليهِ بأنْ يكونَ إذا سَقَى مَنْ روى عنهُ، لم يكنْ مجهولًا، ولا مَدْفوعًا من الروايةِ عنه، فَلْيُستدلَّ بذلك على صِحَّة ما رواهُ، أو يكونَ إذا شاركَ أحدًا من الحفَّاظ في حديثٍ لم يخالِفْهُ، وإنْ خالفهُ،\n_________\n(١) أي: المعضل، والمنقطع، والمرسل.\n(٢) \"من\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":146},{"text":"وُجِدَ حديثُه أنقصَ، ففي هذهِ دلائلُ على صِحَّةِ مخرجِ حديثهِ.\nومتى خالفَ ما وَصَفْتُ، أضرَّ بحديثه حتَّى لا يسع أحدًا قَبولُ مُرْسَلِهِ.\nثم قالَ بعدَ كلامٍ: فأمَّا مَنْ بعدَ كِبارِ التَّابعينَ الذين كَثُرَتْ مشاهدتُهم لبعضِ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، فلا أعلمُ منهمْ واحدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ لأمورٍ:\nأحدُها: أنَّه أشدُّ تجوُّزًا فيما يروون عنه.\nوالآخَرُ: أنَّه يُؤخَذُ عليهم الدلائلُ فيما أرسلوه بضَعْفِ مخرجهِ بكثرةِ الإحالةِ في الأخبارِ، وإذا كَثُرَتِ الإحالةُ، كانَ أمكنَ للوَهْم وضعفِ مَنْ يُقبلُ عنهُ.\nثم قال أيضًا بعد كلامٍ آخَرَ: ومن نَظَر في العلم بِخِبرَةٍ وقلةِ غفلةٍ، استوحشَ من مُرْسَلِ كلِّ مَنْ دونَ كبار التَّابعينَ بدلائِلَ ظاهرةٍ فيها، فإن قالَ قائِلٌ: فَلِمَ فَرَّقْتَ بينِ التَّابعينَ المتقدِّمينَ الذين شاهدوا أصحابَ النبيِّ - ﷺ -، وبينَ مَنْ شاهدَ بعضهَم دون بعض؟ قلتُ له: لِبعدِ إحالَةِ مَنْ لم يشاهدْ أكثرَهُم (١).\n_________\n(١) انظر كلام الإمام الشَّافعي في: \"الرسالة\" (ص: ٤٦١ - ٤٦٧).\nوقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالمرسل إذا كان مُرسِلُه ثقة، على مذاهب:\nالأول: أنَّه يحتج به، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والصحيح عن أحمد.\nالثَّاني: أنَّه لا يحتج به، فهو ضعيف، وهو قول المحدثين، والكثير من الفقهاء والأصوليين.\nالثالث: أنَّه يحتج به بأحد شروط، بعد أن يكون الراوي من كبار التّابعين، ولا يروي عن الضعفاء:\n\n١ - أن يُروى مسندًا من وجه آخر.\n\n٢ - أن يروى مرسل نحوه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول.\n\n٣ - أن يوافقه قول بعض الصّحابة.\n\n٤ - أن يقول به عوام أهل العلم.=","vol":"1","page":147},{"text":"وأمَّا الموقوفُ على بعضِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهمْ- مثلَ أَنْ يقولَ بعضُهم قولًا؛ أو يفعلَ فِعْلًا، فإنِ انتشرَ قولُه أو فعلُه في علماءِ الصحابةِ، وسكتوا عن مخالفتهِ والإنكارِ عليه، فهو حُجة يجبُ العملُ بها؛ خِلافًا لداودَ؛ لأنَّ العادَةَ في أهلِ الاجتهاد إذا سمعوا جَوابًا في حادثةٍ حَدَثَتْ، اجتهدوا، وأَظْهروا ما عندَهُم، فإذا لم يُظهروا الخِلافَ، دَلَّ على أنهم قد رَضُوا بذلك.\nواختلفوا فيه: هلْ يكونُ إجماعًا؟\nفقالَ فريقٌ من الشافِعِيَّةِ: يكونُ إجماعًا.\nويروى عن أبي حنيفةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى.\nوقال فريقٌ منهمْ: لا يكونُ إجماعًا، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تَعالى- في قوله الجديدِ (١).\n_________\n= انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٥٩)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ٤٥٤)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ٢/ ١٣٦)، و\"علوم الحديث\" لابن الصلاح (ص: ٥٣)، و\"بيان المختصر\" للأصفهاني (١/ ٤٢٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٤٠٤)، و\"شرح علل التِّرمذيُّ\" لابن رجب (١/ ٢٩٢)، و\"فتح المغيث\" للعراقي (ص: ٦٥)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (١/ ١٦١)، و\"ظفر الأماني\" للتهانوي (ص: (٣٤٧)، و\"منهج النقد\" للدكتور عتر (ص: ٣٧١).\n(١) إن هذه الحالة من قول الصحابي، وهو إذا قال قولًا واشتهر، ولم يعرف له مخالف، وكذلك إذا كان من مجتهدي غير الصّحابة، وهو ما يسمى بالإجماع السكوتي، فالخلاف فيها على مذاهب، أهمها:\nالأول: أنَّه ليس حجة ولا إجماعًا، وقد حكي هذا عن داود، وعن الإمام الشَّافعي.\nالثَّاني: هو إجماع وحجة، وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، والكثير من أصحاب الشَّافعي.=","vol":"1","page":148},{"text":"وأمَّا إذا لم ينتشرْ، ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ:\nفَذَهَبَ الشافعيُّ في قولهِ الجديد إلى أنَّه ليسَ بِحُجَّةٍ.\nوقالَ قومٌ من الفُقهاء: هو حُجَّةٌ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ في القديم.\nوقالتِ الحنفيةُ: إذا خالفَ القِياسَ، كان توقيفًا عنْ رسول الله -ﷺ -، ويُقَدَّمُ على القِياس؛ لأنَّ فَتْوى الصَّحابيِّ بما يخالِف القياسَ دليلٌ على أنَّه إنَّما قالَ بذلكَ عن توقيفٍ عن رسولِ الله -ﷺ - (١).\n_________\n= الثالث: هو حجة وليس إجماعًا، ونُقل عن الصَّيْرفيُّ.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٨٥)، و\"المحصول\" للرازي (٤/ ١٥٣)، و\"الإحكام\" للآمدي (١/ ١/ ٣١٢)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٧٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٤٩٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٩٣٠).\n(١) هذا ما يعرف في أصول الفقه بقول الصحابي، أو: مذهب الصحابي، وقد اختلف العلماء في كونه حجة على من بعد الصّحابة أم لا؛ على مذاهب:\nالأول: ليس بحجة مطلقًا، وهو قول الشَّافعي في الجديد، وذهب إليه جمهور الأصوليين.\nالثَّاني: هو حجة مقدم على القياس؛ وهو قول الشَّافعي القديم، وأكثر الحنفية، ونقل عن مالك.\nالثالث: حجة إن خالف القياس؛ لأنَّه حينئذ هو توفيق، ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أيضًا.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٩٣)، و\"المحصول\" للرازي (٦/ ١٢٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ١٨٥)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٩٥١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ٥٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١١٧٩)، و\"مراقي السعود\" (ص: ٤٠١).\nهذا إذا قال الصحابي قولًا عن رأي واجتهاد، أما إذا قال قولًا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنَّما يعرف بالتوقيف فقط، فذلك حجة؛ لأنَّه في حكم المرفوع، بشرط أن لا يعرف أنَّه يأخذ عن الإسرائيليات.=","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفصلُ الثالثُ في ترتيبِ بعضِها على بعضٍ</span>\nوالسُّنَّةُ تنقسمُ إلى جميعِ الأقسامِ الواردةِ في الكِتاب؛ مِنَ الحقيقةِ والمَجاز، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُبيَّنِ، والمُقَيَّدِ والمُطْلَقِ، والنّاسِخِ والمَنْسوخ.\nفالمَجازُ مرتَّبٌ على الحقيقةِ، والعامُّ مرتَّبٌ على الخاصِّ، والمُجْمَلُ مرتَّبٌ على المُفَسَّرِ، والمُطْلَقُ مرتَّبٌ على المُقَيَّدِ، والمنسوخُ مرتَّبٌ على الناسخِ.\nولولا طَلَبي للاختصارِ وخَوفُ الإطالةِ، لَبيَّنْتُ جميعَ هذهِ الأقسامِ وغيرِها، ولكنْ فيما مضى من هذه المقدِّمَةِ كفايةٌ لذوي الاعْتبار والاسْتِبْصار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الفصلُ الرابعُ تقديمُ بعضِها على بعضٍ</span>\nوذلك لا يكون إلَّا بعد تعذُّر الجَمْع بينها والعَمَلِ بجميعها (١)، وترتيبِ بعضِها على بعض، وذلكَ بأنْ يكونَ لفظُ الشَّيئينِ المتعارِضَيْنِ نَصًّا: بيِّنًا، ولم يُعْلَمِ الناسخُ منهما، فحينئذِ يصيرُ المجتهِدُ إلى تقديمِ بعضِها على بعضٍ بوجه من وجوهِ الترجيح، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بالنَّظَر والفَتْوى.\n_________\n=انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ٦٣)، و\"نزهة النظر\" لابن حجر (ص: ١٠٦)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (١/ ١٤٨)، و\"ظفر الأماني\" للتهانوي (ص: ٣٢٣)، و\"منهج النقد\" للدكتور عتر (ص: ٣٢٨).\n(١) \"والعمل بجميعها\" ليست في \"ب\".","vol":"1","page":150},{"text":"فمنها وجوهٌ مرجِّحَةٌ من قِبَلِ الإسناد، ووجوه مُرَجِّحَةٌ من قبلِ المتنِ.\nفالذي من قبلِ الإسنادِ (١): مثل أنْ يكونَ أحدُ الراويَينِ صغيرًا، والآخرُ كبيرًا، فتقدَّمُ (٢) روايةُ الكبيرِ؛ لأنَّه أضبطُ، أو يكون أحدُ الراويينِ أفقَهَ أو أقربَ إلى رسول الله -ﷺ -، أو يكونَ مباشِرًا للقصةِ، أو تتعَلَّقُ (٣) القصةُ به، أو يكونَ أكثرَ صحبةً، أو يكونَ أحسنَ سياقًا للحديثِ، أو يكونَ متقدِّمَ (٤) الإسلام، أو يكون أورعَ وأشدَّ احتياطًا، أو يكونَ من أهل المدينةِ، أو لم يضطربْ لفظُه، و(٥) لم تختلفِ الروايةُ عنه، مع كونِ مقابِلِهِ ليس من أهلِ المدينة، و(٦) اضطربَ لفظُه، أو اختلفتِ الروايةُ عنه. والأصحُّ: أن كثرةَ الرواةِ موجِبٌ للترجيح، بخلافِ الشهادةِ، خلافًا لبعض الشَّافعية (٧).\n_________\n(١) إن وجوه الترجيح من حيث الإسناد كثيرة متشعبة، تنظر في: \"البرهان\" للجويني (٢/ ١١٧٦)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٤١٤)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٦٩٠)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٥٠)، و\"التّقييد والإيضاح\" للعراقي (٢/ ٨٤٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١١٠٠)، و\"تدريب الراوي\" للسيوطي (٢/ ١٩٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٧٦).\n(٢) في \"ب\": \"فقدم\".\n(٣) في \"أ\": \"تعلق\".\n(٤) في \"ب\": \"متأخر\".\n(٥) في \"ب\": \"أو\".\n(٦) في \"ب\": \"أو\".\n(٧) الترجيح بكثرة الرواة، قال به جمهور العلماء، خلافًا لبعض المعتزلة، وبعض الشافعية، وخلافًا للحنفية.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٧٤)، و\"البرهان\" للجويني (٢/ ١١٦٢)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٤٠١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٩٨٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٥٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١١٠٥).","vol":"1","page":151},{"text":"والذي من قبلِ المتينِ مثل (١): أن يكونَ أحدُهُما نُطْقًا، والآخرُ دليلَ النطقِ (٢)، فالنطق أولى، أو أن (٣) يكونَ أحدُهما يجمعُ النطقَ والدليلَ، والآخرُ يختصُّ بأحدهما، فالجامعُ أولى؛ لأنَّه أَبْيَنُ، أو يكونَ أحدُهما موافقًا لدليلٍ من كتابٌ أو سنةٍ أو قياس، ويكونَ أحدهُما عملَ بِه الأئمةُ الأربعةُ وأهلُ الحرمينِ، ويكون أحدُهُما قولًا وفعلًا، والآخر أحدهما، فهو أولى، أو يكون قُصِد بأحدِهما الحكمُ، والآخرُ لم يقصدْ به، أو يكونَ أحدُهما وردَ على غيرِ سبب، فهو أولى ممَّا وردَ على سبب؛ لأنَّه مختلَفٌ في عمومِه، أو يكون أحدُهما (٤) مُثْبتًا أو ناقلًا من العادة إلى العبادة، أو يكونَ فيه احتياط، فيقدَّم على مقابلِهِ، والأصحُّ: أن الذي يقتضي الحَظْرَ مقدمٌ على الذي يقتضي الإباحة؛ لأنَّه أَحْوَطُ (٥).\n_________\n(١) انظر المرجحات من قبل المتن في المصادر التالية:\n\"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٧٦)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٤٢٨)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤/ ٢٥٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٦٩٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٦٥)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١١٠٧)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٧٨).\n(٢) المراد بدليل النطق هنا، هو مفهوم المخالفة، فإن المنطوق يقدم على المفهوم؛ لأنَّ المنطوق متَّفقٌ عليه، والمفهوم مختلف فيه، ودلالة المنطوق على الحكم، أقوى من دلالة المفهوم عليه.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص، ١٧٧)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٤٣٣).\n(٣) \"أن\" ليست في \"ب\".\n(٤) \"أحدهما\" ليس في \"ب\".\n(٥) إذا تعارض خبران، أحدهما يدل على الحظر، والآخر يدل على الإباحة: فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الحظر مقدم على الإباحة؛ لأنَّ اعتناء الشرع بدفع المفاسد أكثر من اعتنائه بجلب المصالح، وذهب عيسى بن أبان وأبو هاشم إلى التساوي والتساقط.=","vol":"1","page":152},{"text":"وقد مضى الكلامُ على وجوهِ الأدلةِ وشرائطِ الاستدلال في الخطاب، وبقي الكلامُ في معناها الذي هو القياسُ.\nوها أنا أذكر فيه جملةً نافعةً ليتمَّ نفع كتابي هذا (١) إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n=انظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٧٨)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٤٣٩)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٤/ ٢٦٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٧٠١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ١٠٠١)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٦/ ١٧٠)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١١١٣).\n(١) \"هذا\" زيادة من \"ب\".","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(القول في القياس)</span>\nفصل: اعلموا (١) -رحمكمُ اللهُ الكريم وإياي-: أن اللهَ سبحانه أنعمَ على عِباده، ومَنَّ عليهم، فركَّبَ فيهم عقولًا دلَّهم بها على الفرقِ بين المُخْتَلِفِ، والجَمْعِ بين المُؤْتَلِفِ، ونصبَ لهم إلى دَرْكِ الصوابِ علاماتٍ يأتمُّون بها، بدلالاتٍ (٢) يهتدون بها، فقال ﷻ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ليبتليهم (٣)، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجز واحدٌ، فما أعظمها (٤) من نعمةٍ يثابُ العبد مع (٥) الخطأ فيها! فلله الحمدُ والشكرُ عليها.\nوقد كثرت أقوالُ العلماءِ في حدِّ القياس.\nفقال الشافعيُّ: هو الاجتهادُ (٦).\nوقال غيره (٧): هو فعلُ القياس (٨)، وقيلَ غيرُ ذلك.\n_________\n(١) في \"ب\": \"ثم اعلموا\".\n(٢) في \"ب\": \"ودلالات\".\n(٣) في \"ب\": \"ليبتلينّهم\".\n(٤) في \"ب\": \"فأعظم بها\".\n(٥) في \"أ\": \"على\".\n(٦) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشَّافعي (ص: ٤٧٧).\n(٧) هو الصَّيْرفيُّ، انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٦).\n(٨) كذا في \"أ\" و\"ب\"، والصَّواب: هو فعل القائس. كما في \"اللمع\" للشيرازي =","vol":"1","page":154},{"text":"وفي الحقيقة: ردُّ الحادثةِ إلى حكمٍ بمعنًى فيه هو فيها، أو إلى أشبهِ الأمورِ بها (١).\n* ثم اعلموا -رحمكمُ اللهُ- أن الألفاظ كما هي متفاوتةٌ في البيان، كذلك القياسُ متفاوتٌ أيضًا.\n\nفأَبْيَنُهُ وأوضحُهُ أن يُحرّم الله سبحانَه، أو رسولُه -ﷺ - القليلَ من الشيء، فيُعْلَمَ أن كثيرَهُ مثلُ قليلِه في التحريمِ، وأولى منه؛ لفضلِ الكَثْرَةِ.\nوكذا إذا حَمِد على اليسيرِ من الطاعةِ، أو ذمَّ على القليلِ من المَعْصِيَةِ. وذلك كما حرّم اللهُ سبحانه التأفيفَ للوالدَيْنِ، فالضربُ مثلُه، أو أولى منه.\nوقد يمتنعُ (٢) بعضُ أهل العلم من تسميةِ هذا قياسًا (٣)، ويقول: هذا\n_________\n= (ص: ١٩٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٩٥٩).\n(١) انظر في تعريف القياس: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٩٨)، و\"البرهان\" للجويني (٢/ ٧٤٥)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٥)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٢٠١)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٢١٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٦)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٩٥٩).\n(٢) في \"أ\": \"منع\".\n(٣) أكثر العلماء على أن هذا النوع من إلحاق المسكوت بالمنطوق يسمى عندهم قياسًا، وذهب الحنفية وبعض الشَّافعية وأكثر المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة: إلى أن حكم المسكوت عنه لا يستفاد من القياس، وإنَّما من النطق واللفظ، فكل من يعلم اللغة يدرك حكم المسكوت عنه بمجرد اللفظ ولا حاجة إلى القياس، وهو عندهم نوع من مفهوم الموافقة، وهو فحوى الخطاب، ومنهم من يسميه دلالة النص.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ١٠٤)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ١٢١)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٢/ ٧١٤)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٨١٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٧)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" =","vol":"1","page":155},{"text":"معنى ما أحلَّ الله وما حَرَّمَ، وما حَمِدَ وما ذَمَّ؛ لأنَّه داخل معه (١) في جملته، فهو هو بعينِه، لا قياسَ عليه.\n\nويليه في ذلك (٢) الوضوح ما صُرِّحَ بهِ بلفظِ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] الآية، وكقوله -ﷺ -: \"إنَّما نهيتكم من أجل الدافَّةِ\" (٣).\nويليهِ في الوضوحِ ما كان ذكرُه لا يفيدُ غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية، وهذا المعنى المذكورُ موجودٌ في النبيذ، فيكونُ حرامًا.\n\nويليه في الوضوحِ كونُ الفرعِ مساويًا للأصلِ في المعنى، وذلك كإيجاب نفقةِ الوالدِ عندَ العجزِ عن الاستقلالِ؛ قياسًا على نفقةِ الولدِ عندَ العجزِ عن استقلاله بنفسه.\n\nويليهِ في الوُضوح ألَّا يكونَ فيه شبَهٌ (٤) منهُ، وإنَّما فيه خَصيصةٌ من خصائِصِه، وذلك كسجودِ التلاوةِ يجوزُ فعلُهُ على الراحِلَةِ، وذلكَ من\n_________\n= للمؤلف (٢/ ٩٧٧)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص ١٧٨٠).\n(١) \"معه\" ليس في \"ب\".\n(٢) \"ذلك\" ليس في \"ب\".\n(٣) رواه مسلم (١٩٧١)، كتاب: الأضاحي، باب: بيان ما كان من النَّهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، عن عائشة، وتمامه: \" .. التي دفَّت، فكلوا وادّخروا وتصدَّقوا\".\nوالدافّة: قال ابن دريد: هي الجماعة من النَّاس تقبل من بلد إلى بلد، وقال أبو عمرو: الدافة: القوم يسيرون جماعةً، ليس بالشديد. انظر: \"اللسان\" (مادة: دف ف) (٩/ ١٠٥).\n(٤) في \"ب\": \"شبيهًا\".","vol":"1","page":156},{"text":"خَصائِصِ النَّوافلِ، فيكونُ غيرَ واجبٍ مثلَها.\n\nويليهِ في الوضوح كونُ الفرع فيه شَبَهٌ منْ معنَيينِ، وهو في أحدِهما (١) أكثُر شبهًا، فيردُّ إليه (٢)، وذلك كالعبدِ يشبهُ الحرَّ في أنَّ عليهِ صومًا وصلاةً وحدًّا، ولهُ نكاحٌ وطلاقٌ، وقتلُهُ حَرامٌ، وفيهِ الكفارةُ، ويشبهُ البهيمةَ في أنُه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فجعلَ الحكم في قيمته عنَد قتلِهِ خطأً على عاقِلَةِ الجاني؛ قياسًا على الحُرِّ، وجعل جراحَهُ من قيمتِهِ كجراحِ الحُرِّ من دِيَتِه.\nويليه في الوضوح أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشتَقٍّ من صِفَةٍ، فيغلبُ على (٣) الظَّنِّ أَنه عِلَّةُ الحُكْم، فيقاسُ علَيه، كقوله - ﷺ -: \"لا تَبيعوا الطعامَ بالطعامِ إلا مِثْلًا بمِثْلٍ\" (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ\n_________\n(١) في \"ب\": \"بأحدهما\".\n(٢) وهذا ما يسميه علماء الأصول: التعليل بالشبه، ويطلقون عليه: قياس الشبه، وقد اختلف في حجيته على مذاهب:\nالأول: أنه حجة، وإليه ذهب الأكثرون.\nالثاني: ليس حجة، وهو قول أكثر الحنفية.\nالثالث: إن تمسك به المجتهد وحصل عنده غلبة الظن، كان حجة في حقه، وإلا فلا.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٢٠٩)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٤٣١)، و\"نهاية السول\" للإسنوي (٢/ ٨٦٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٢٣٤)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ٩٧٣)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢١٩).\n(٣) \"على\" ليس في \"ب\".\n(٤) رواه مسلم (١٥٩٢)، كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل، عن معمر بن عبد الله، بلفظ: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\".\nقلت: لفظة \"الطعام\" في الحديث ليست مشتقة، وإنما هي اسم جامد، ورأيت عبارة الشيرازي في \"اللمع\" (ص: ٢٢٦) - وأظن أن المؤلف أخذ أغلب هذا =","vol":"1","page":157},{"text":"وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\n\n* وللقياس أمورٌ تفسدهُ، وأمورٌ أخرى تعارِضُه، كما في الألفاظِ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بِصَنْعَةِ القياسِ.\nوعلى الجملة، فهو ميزانُ العقولِ، ومَيْدانُ الفُحولِ.\nقال أبو عبدِ الله الشافعيُّ: ولا يقيسُ إلَّا من جمعَ الآلةَ التي لهُ القياسُ بها، وهي العلمُ بأحكامِ كتابِ الله تعالى: فرضِه، وآدابِه، وناسخِه، ومنسوخِه، وعامِّه، وخاصِّه، وإرشادِه.\nويستدلُّ على ما احتملَ التأويلَ منه بسننِ رسولِ الله - ﷺ -، فإن (١) لم يجدْ سنَّةً، فبإجماعِ المسلمينَ، فإن لم يمكنْ إجماع، فبالقياسِ.\nولا يكونُ لأحدٍ أن يقيسَ حتى يكونَ عالِمًا بما مضى قبلَهُ من السُّنَنِ، وأقاويلِ السَّلَفِ، وإجماعِ الناسِ واختلافِهم، ولسانِ العرب.\nولا يكونُ له أن يقيسَ حتى يكونَ صحيحَ العقلِ، وحتى يفرِّق بينَ المُشْتَبهِ، ولا يَعْجَل بالقولِ به دونَ التثبُّتِ، ولا يمتنعَ من الاستماعِ ممَّن خالفَه؛ لأنه قد يلقنه بالاستماع لترك الغفلةِ، ويزدادَ به (٢) تثَبُّتًا فيما اعتقدَ منَ الصواب. وعليهِ في ذلك بلوغُ جهدهِ، والإنصافُ من نفسِه حتى يعرفَ مِنْ أينَ قالَ ما يقول، وتركَ ما يترك. ولا يكونَ بما قالَ أعنى منه بما خالفَهُ حتى يعرفَ فضلَ ما يصيرُ إليه على ما يُتركُ إنْ شاءَ الله تعالى.\nقال: فأمَّا مَنْ تَمَّ عقلُهُ، ولم يكنْ عالِمًا بما وَصَفْنا، فلا يَحِلُّ له أن يقولَ\n_________\n= المبحث منه-: \"ويليه في البيان: أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة، فالظاهر أن تلك الصفة علة\" ثم جاء بالحديث نفسه الذي ساقه المؤلف هنا.\n(١) في \"ب\": \"فإذا\".\n(٢) \"به\" زيادة من \"ب\".","vol":"1","page":158},{"text":"بقياسٍ، وذلك أنه لا يعرفُ ما يقيسُ عليه، كما لا يحلُّ لفقيهٍ عاقلٍ أن يقولَ في ثمنِ درهم ولا خبرةَ لهُ بسوقهِ. ومنْ كانَ عالِمًا بما وصَفْنا بالحفظِ، لا بحقيقةِ المعرفةِ، فليس لهُ أن يقولَ أيضًا بقياسٍ؛ لأنه قد يذهبُ عليه عَقْلُ المَعاني.\nوكذلك لو كان حافظٌ مقصرَ العقل، أو مقصرًا عن (١) لسانِ العربِ، لم يكنْ له أن يقيسَ؛ من قِبَلِ نقصِ عقله عن الآلةِ التي يجوزُ بها القياس، ولا نقول: يسع هذا، -والله أعلم- أن يقول أبدًا إلا اتّبَاعًا لا قياسًا (٢).\nفإنْ قلتُمْ: فبيّنْ لنا كيفَ صِفَةُ القياسِ، ولقد كَبُرَ علينا أَمْرُهُ وعَظُمَ لدينا خَطْبُهُ.\nقلتُ: هو كما ذكرتُمْ، وهو سَهْلٌ على من أعطاه اللهُ عقلًا وفَهْمًا، فكل عِلْم عَطاءٌ من الله الكريمِ، فنسأله عطاءً مؤدِّيًا لحقِّه، موجبًا لمزيدِه.\nوها أنا أذكُر لكم صفَتَه، وأبينُ لكم طريقَهُ بأسهلِ بيانٍ وأوضَحِهِ إنْ شاءَ الله تعالى.\nفاعلموا -رحمكمُ اللهُ تعالى- أَنَّ الله -﷾-، وكذا رسولُه - ﷺ - إذا خاطَبَ الِعبادَ بحُكْمٍ، فالغالبُ أن يكونَ هناك مَعْنىً وعلاَمةٌ للحُكْمِ تدلُّ على أنَّ ما لم يذكر، و(٣) فيه ذلكَ المَعْنى أنه في مَعْناهُ، وقد لا يكون للحُكْمِ المَذْكورِ مَعْنًى، وذلك في القليل النادرِ، فتعرّفوا أولًا معنى الحكمِ وعلَّتَهُ، ثم قيسوا عليه الحوادث التي لم تذكر إذا وجدتُم ذلكَ المعنى فيها، فإنْ بيَّن الله سبحانَهُ، ورسولهُ - ﷺ - علَّةَ الحُكْمِ ومعناهُ في ذلك\n_________\n(١) \"علم\" زيادة من \"ب\".\n(٢) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٠٩ - ٥١١).\n(٣) الواو ليست في \"ب\".","vol":"1","page":159},{"text":"الخِطابِ، أو في خطاب آخَرَ، أو وُجدَ إجماعٌ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أنَّ عِلَّةَ الحُكْمِ كَذا، أَلْحَقْتُمْ بذلكَ الحُكمِ الحادثةَ التي لم يُنَصَّ على حُكْمِها، وإن لم تجدوا شيئًا من ذلك، فاستدلُوا على إدراكِ المعنى الذي حكمَ الله سُبحانَه ورسولُهُ - ﷺ - لأجله.\n\nوالدلالةُ عليهِ من وجوهٍ:\nمنها: أن يذكرَ اللهُ سبحَانهُ عندَ ذكر الحُكْمٍ صفةً لا يفيدُ ذكرُها غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وكقوله - ﷺ - في الهرة: \"إنَّها من الطَوّافين عليكم (١) والطَّوّافات\" (٢).\n\nومنها: أن يكونَ الحكمُ في عَيْنٍ، ويذكرَ من صفتِها ما يميزُها عن سائر صِفاتها، فيغلبُ على الظن أن تلكَ الصفةَ علَّةُ الحُكْم ومعناه. فقدْ تكونُ نفسُ الصفةِ علَّةَ الحكمِ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nوقد تكونُ الصفةُ (٣) مشتملةً على العِلَّةِ؛ كقوله - ﷺ -: \"من باعَ نَخْلًا بعدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فثمرتُها للبائعِ، إلَّا أنْ يشترطَها المُبْتاع\" (٤)، فالتأبيرُ الذي هو يشتمل\n_________\n(١) في \"ب\": \"أو\"، وهو خطأ.\n(٢) رواه أبو داود (٧٥)، كتاب: الطهارة، باب: سؤر الهرة، والنسائي (٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: سؤر الهرة، والترمذي (٩٢)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الهرة، وابن ماجه (٣٦٧)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بسؤر الهرة، والرخصة في ذلك، من حديث أبي قتادة، وتمامه: \"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين ... \".\n(٣) \"الصفة\" ليس في \"ب\".\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":160},{"text":"على الظهور علَّةُ الدخول والخروج، فيلحقُ بهِ ما في معناه، كما إذا بيعتِ الدابَّةُ، فإنْ ظَهَرَ ولدُها، فهو للبائع، إلا أن يشترطَ المُبتاعُ.\nوكذا قولُه - ﷺ -: \"لا يَقْضي القاضي وهُوَ غَضْبانُ\" (١)، فالغضبُ مشتملٌ على معنى شغلِ القلبِ وتَشَوُّشِهِ، وفي معناهُ الجوعُ والعطشُ والخوفُ، وما أشبهه.\nومنها: أن يكونَ في العينِ التي يُحْكَم فيها مَعْنًى يقارِنُ الحكمَ، لا يُوجَدُ الحكم إلا وجد (٢) معه، ولا يزولُ الحكمُ إلا يزولُ معه (٣)، وذلك كالشِّدَّةِ\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٣١٦)، كتاب: الأحكام، باب: لا يحكم الحاكم وهو غضبان، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٩٦٢)، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٣٧٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٩٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٠٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٠٥)، عن أبي بكرة بهذا اللفظ. وقد رواه أيضًا عن أبي بكرة بلفظ آخر: البخاري (٦٧٣٩)، كتاب: الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟، ومسلم (١٧١٧)، كتاب: الأقضية، باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان.\n(٢) في \"ب\": \"ويوجد\".\n(٣) وهذا مسلك من مسالك العلة، يسميه علماء الأصول: الدوران، وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويرتفع بارتفاعه.\nوقد اختلف في إفادته العِلِّيَّة على أقوال:\nالأول: يفيد العلية ظنًا، وهو قول الجمهور.\nالثاني: يفيدها قطعًا، وهو قول بعض المعتزلة.\nالثالث: لا يدل على العلية لا قطعًا ولا ظنًا، واختاره جماعة من الأصوليين.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٢٢٩)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٢٠٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٣٣٠)، و\"شرح مختصر الروضة\" للطوفي (٣/ ٤١٢)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٢٤٣)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١٠٣٧)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢٢١).","vol":"1","page":161},{"text":"المُطْرِبَةِ في الخَمْر، فيلحقُ بها سائرُ الأَنْبِذَةِ.\n\nومنها: أن تكونَ العينُ التي وقع الحكم فيها تحتملُ معانيَ، فيدلُّ الدليلُ على بُطْلانِ تلكَ المعاني، إلا واحدًا (١)، فيغلبُ على الظَّنِّ أنه عِلَّةُ الحُكْم، وذلكَ كما يقولُ الشافعيُّ للحنفيِّ: الخُبْزُ يحرم فيه الربا، فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للوزنِ أو للطُّعْمِ، وباطلٌ أن يكونَ للكيلِ؛ لأنه غيرُ مَكيلٍ، وباطلٌ أن يكونَ للوزنِ؛ لأنه لو كان للوزن لما جاز إسلام الدراهمِ في الموزونات (٢)، فعلمنا أنه للطُّعم.\n_________\n(١) وهذا -أيضًا- مسلك من مسالك العلة، ويسميه علماء الأصول: السَّبْر والتقسيم، وهو حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، ثم إبطال ما لا يصلح منها، وإبقاء ما يصلح منها للتعليل.\nفإن كان السبر والإبطال قطعيًا، فالتعليل بالوصف الباقي قطعي، والحكم المعلق به قطعي، وإن كان ذلك ظنيًا، فقد اختلف العلماء فيه على أقوال:\nالأول: ليس حجة مطلقًا، لا في القطعيات ولا في الظنيات، وهو قول بعض الأصوليين.\nالثاني: حجة في العمليات فقط؛ لأنه يفيد الظن لا القطع، وهو قول الأكثرين.\nالثالث: أنه حجة للمجتهد دون غيره، وهو اختيار الآمدي.\nانظر: \"اللمع\" للشيرازي (ص: ٢٣٠)، و\"البرهان\" للجويني (٢/ ٨١٦)، و\"المحصول\" للرازي (٥/ ٢١٧)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٣/ ٢٨٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٥/ ٢٢٢)، و\"الاستعداد لرتبة الاجتهاد\" للمؤلف (٢/ ١٠٣٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٢١٣).\n(٢) المراد بالإسلام هنا: هو عقد السَّلَم؛ وهو بيع موصوف في الذمة ببدل عاجل، يدفع في مجلس العقد.\nوالمراد من قول المصنف: أنه لو كانت العلة هي الوزن، لما جاز السلم في الدراهم -مثلًا- مع الحديد والنحاس مما يوزن؛ لأنه يشترط حينئذٍ التقابض في المجلس، والسلم فيه تأجيل أحد البدلين، وهذا لا يصح؛ لوجود الربا بالتأخير.","vol":"1","page":162},{"text":"فإن لم تجدوا شيئًا من المعاني، فردُّوا الحادثةَ إلى أشبهِ الأَحْكامِ فيها (١)، وذلكَ قد يكون بالشبهِ لبعضِ الأصولِ، وقد يكونُ بوجودِ خصيصة من خصائصِ بعضِ الأصولِ كما قَدَّمْتُ، واللهُ أعلم.\nوبهذهِ الطرقِ استنبطَ الفقهاءُ الأحكامَ، وإنَّما اختلفوا في تعيينِ المعاني التي قاسُوا، فرحِمَهُمُ الله، ورضيَ عنهم.\n_________\n(١) في \"ب\": \"بها\".","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>(خاتمة المقدِّمة)</span>\nولما انتهى بنا القولُ إلى فراغِ هذه المُقَدَّمَةِ الكريمةِ التي ذكرنا فيها أصولَ الفقهِ وقواعدَه، وشرحْنا فيها صفةَ لِسانِ العرب، واتِّساعَ معانيها.\nمن أنها تأتي بالكلامِ عامًّا تريدُ به العامَّ، وتأتي به عامًّا تريدُ به الخاصَّ، وتريدُ بالكلامِ ظاهرَه دونَ باطنِه، وتريدُ بهِ باطنَه دونَ ظاهرِه، وتريدُ بالأمرِ الوجوبَ والإلزامَ، وتريدُ به النَّدْبَ والاختيارَ، وتريدُ بهِ الإرشادَ، وغيرَ ذلكَ من صُنوفِ كلامِها.\nفإنَّ الله -﷿- أنزلَ على نبيِّه محمَدٍ - ﷺ - كتابَهُ العزيزَ باللِّسانِ العربيِّ المُبين، وجعلَ إليه بيانَ جميعِ ذلك، فقالَ ﷻ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فلا نعلمُ أنَّ خِطابًا عامًّا في كتابِ الله -ﷻ- يُرادُ به العُمومُ، أو يرادُ به الخُصوصُ، أو يرادُ به ظاهرُه دونَ باطنِه، أو باطنُه دونَ ظاهرِه إلَّا من بيانِه - ﷺ -، وقد وصفَهُ -اللهُ ﷻ- بأنه يَهْدي إلى صِراطٍ مستقيمِ، فقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، وأوجب على الكافَّةِ من خَلْقِهِ طاعَتهُ، وجعلَ طاعتَه سبحانَه في طاعَتِه - ﷺ -، فقالَ تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فبيَّنَ عنِ اللهِ -جَلَّ","vol":"1","page":164},{"text":"جَلالُهُ- كما ذكره، وهدى إلى صِراطٍ مستقيمٍ كما وصف.\nفلا تجدُ في القرآن فرضًا ولا حكمًا إلَّا وقد بينه - ﷺ -، فإنْ كان نصًّا، بيَّنَهُ كما نصَّه الله تعالى له، فإن كانَ أحكمَ اللهُ فرضَهُ، وجعل إليهِ بيانَه، فقد بينه، وبيَّن صفتَه، وكيفيته، وبين لنا سننًا وآدابًا تُكَمِّلُهُ، كفرض الصلاةٍ، والزكاةِ، والحجِّ، والنكّاحِ، والعدَّةِ، والرَّضاعِ. وبَيَّنَ عنِ الله تعالى فرضهُ ونَدْبَهُ وإرشادَهُ، وبيّنَ ناسخَ الكتابِ من منسوخِه، وغير ذلك.\nولما كان النبيُّ - ﷺ - في البيانِ عن الله، بهذا المَنْصِبِ الأعلى، ذهب أبو عبد الله الشافعيُّ -﵁- مذهبًا حسنا اخترناهُ لأنفسنا، وارتضَيناه لغيرنا، وهو أنه لا يوجد له سُنَّةٌ منسوخَةٌ بالكتِابِ العزيزِ إلا ومع الكتابِ سُنَّةٌ أخرى تبينُ أن سنَّته الأولى منسوخةٌ (١)؛ لما فرضَ عليه من البيانِ والاتّباع، فقال ﷻ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢]، ولئلَّا تدخُلَ الشُّبْهَةُ على أحدٍ من الناسِ إذا تعارضَتْ عندهُ السنةُ والكتابُ؛ كما أمرَ اللهُ سبحانَه بَغْسل الرِّجلينِ في الوضوء، ومسحِ النبيُّ - ﷺ - على الخُفَّيْنِ (٢)، فنقولُ: لعلَّ مسحَ النبيِّ - ﷺ - على الخفينِ كان قبلَ الأمرِ بَغْسلِ الرجلين، فتكونُ السُّنَّةُ (٣) منسوخةً بالكِتاب، فأقدِّمُ المقطوعَ بهِ على المَظْنون؛ فنقولُ: لو كانتِ السُّنَّةُ في ذلك منسوخةً بالكتاب، لبيَّنَ النبيُّ - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" (ص: ١١٠)، و\"اختلاف الحديث\" (ص: ٤٨٥).\n(٢) روى البخاري (٢٠٠)، كتاب: الوضوء، باب: المسح على الخفين، ومسلم (٢٧٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله -ﷺ-: أنه خرج لحاجته، فاتبّعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين.\n(٣) في \"ب\" زيادة \"في ذلك\".","vol":"1","page":165},{"text":"ذلك عن الله تعالى بالقولِ كما أمَرهُ بالبيان، فلا يتخلفُ - ﷺ - عنْ أمر ربه سبحانه.\nفإن قيل: فقد بين بالفعل، فغسلَ قدميهِ.\nقلت: الفعلُ لا يكون بيانًا لرفع الفِعْلِ الأولِ في مقامِ النسخِ.\nفإن قيلَ: فإذا كان الكتابُ العزيزُ لا يبينُه إلاّ النبيُّ -ﷺ-، والسُّنَّةُ كالقرآن في اتِّساعِ المعاني المذكورةِ في اللسانِ العربيةِ، فمن يُبينُ لنا عمومها أنه على عُمومِه، أو على غير عُمومِه؟ وأن ألفاظَ السنَّةِ على ظواهرِها، أو على غيرِ ظواهرِها؟\nقلنا: إمَّا أن تبُينها سنةٌ أخرى مثلُها، أو قولُ عامَّةٍ من أهلِ العلمِ، أو الراوي الذي حملَ الحديثَ سماعًا منه - ﷺ -، وإلا فُتتركُ على عُمومها، ولا يعدلُ بها عن ظواهرها إلا بدليلٍ ممَّا ذكرنا، هكذا ذكر الإمام أبو عبد الله الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه (١).\nوها أنا أبينُ -إن شاء الله تعالى- في مقاصد كتابي هذا فرائضَ القرآنِ وأحكامَهُ، وحلاَلَهُ وحرامَهُ، على مَبْلَغِ عِلْمي، ومُنْتَهى فَهْمي، وأوثرُ فيهِ الاختصارَ على التطويلِ والإكثارِ؛ لكونه عِلْمًا لا تُدْرَك غايتُه، ولا تُنال نهايتُه، وقد يُنالُ بقليل القول ما لا يُدْرَكُ بكثيرهِ.\nوأسألُ الله الكريمَ المَنَّانَ الهِدايَة والرِّعَايةَ والعِصْمةَ والوقايةَ، بفضلهِ ورحمتهِ، آمين.\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" (ص: ٢٢٠).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>سُوْرَةُ البَقَرَةِ</span>","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>(من أحكام الصَّلاة)</span>\n(القبلة)\n\n١ - (١) قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].\nأقول:\n\nاختلفَ أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ اختلافًا كثيرًا، فمنهم من أَوَّلَها، ومنهم منْ خَصّصَها، ومنهم من جَعَلَها ناسِخَةً، ومنهم من جعلها منسوخةً:\n- فقال مالك وأصحابه: هي منسوخةً بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nورويَ القولُ بهذا عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-، رواه الترمذي، وأنه كان يجوزُ للرجلِ أن يصليَ حيثُ (٢) شاءَ (٣).\n_________\n(١) لم أقف على هذا القول عند المالكية، ولا من ذكر ذلك عنهم من المفسرين. ثم رأيت مكي بن أبي طالب ينقل عن الإمام مالك وأصحابه أنها منسوخة، كما ذكره المصنف، ولعله نقل ذلك عنه. انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ١٣١).\n(٢) في \"ب\": \"أين\".\n(٣) رواه الترمذي (٢٩٥٨)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة. لكن عن ابن عمر، ودون ذكر النسخ. وروى النسخ عن ابن عباس: الحاكم في \"المستدرك\" (٣٠٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٢).","vol":"1","page":169},{"text":"وأما المُؤَوِّلونَ،- فاختلفوا أيضًا:\nفقال مجاهد والحسنُ: لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: أينَ ندعوهُ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١١٥]، هكذا نقل البَغَوِيُّ (٢).\nوقال بعضهم (٣): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ معناه: فأيَّ مكانٍ تصلون فيه، فثمَّ وجهُ الله، فقد جُعِلَتْ لكمُ الأرضُ مسجدًا.\nوقال بعضُ أصحابِ المعاني (٤): هيَ مخصوصةٌ بالنَّبيِّ - ﷺ - حين صَلَّى على النجاشِي، واستقبلَ جهتَهُ (٥).\nوأما المخصصون بالمصلين، فقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٥٩)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٧ - الدر المنثور).\n(٢) انظر: \"معالم النزيل\" للبغوي (١/ ١٥٨). وانظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٧٩).\n(٣) هذا قول الزمخشري والبيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٤)، و\"أنوار التنزيل\" (١/ ١٣٠).\n(٤) نقله المؤلف -﵀- عن مكي بن أبي طالب في \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ١٣٢). وإليه ذهب القرطبي في \"تفسيره\" (١/ ١/ ٧٨) ونسبه إلى علماء المالكية، قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: النبي بذلك مخصوص، لثلاثة أوجه ... إلخ.\n(٥) روى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥٠٤)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٧ - الدر المنثور) عن قتادة: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه\"، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟! قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾.","vol":"1","page":170},{"text":"عنهما-: خرجَ نفرٌ من أصحاب رسولِ الله - ﷺ - في سَفَر قَبْلَ تحويلِ القِبْلَةِ إلى الكعبةِ، فأصابَ الناسَ ضبابٌ، وحضرتِ الصلاةُ، فتحرَّوا القبلةَ وصلَّوا، فلما ذهبَ الضبابُ، استبانَ لهم أنهم لم يُصيبوا، فلما قَدِموا، سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فنزلت هذه الآية (١).\nورُوي نحوُه عن عامرِ بنِ ربيعةَ، ولكنَّه لم يقل: قَبْلَ تحويلِ الِقْبَلةِ، وذكر أن فيهم رسولَ الله - ﷺ - (٢)، ويُروى هذا القولُ عن النَّخَعِيِّ (٣)، لكنْ قالَ الترمذيُّ في حديث عامرِ بنِ ربيعةَ: ليس إسنادهُ بذلك القويِّ (٤)، لا نعرفهُ إلا من حديثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وأشعثُ بنُ سعيدٍ أبو الربيعِ يُضَعَّفُ في الحديث (٥).\nوثبتَ في \"صحيح مسلمٍ\" عن ابنِ عمر -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنها نزلتْ في المسافِرِ يُصلي التطوُّعَ حيثما توجهتْ به راحلتُه (٦). قالَ البيهقيُّ: هذا أصحُّ ما رُويَ في نزول هذه الآية (٧).\n_________\n(١) رواه ابن مردويه في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٧ - الدر المنثور) عن ابن عباس.\n(٢) رواه الترمذي (٣٤٥)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، وابن ماجه (١٠٢٠)، كتاب: الصلاة، باب: من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، والطيالسي في \"مسنده\" (١١٤٥)، وعبد بن حميد في \"مسنده\" (٣١٦)، والبزار في \"مسنده\" (٣٨١٢)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١١).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٠٣). وقد ذهب إلى ذلك -أيضًا-: جابر بن عبد الله، وعطاء. انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٤) في \"ب\": \"بالقوي\" بدل \"بذلك القوي\".\n(٥) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ١٧٦).\n(٦) رواه مسلم (٧٠٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.\n(٧) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٤) وما بعدها.","vol":"1","page":171},{"text":"* فعلى قولِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليلٌ على أنْ المصليَ إذا صلَّى بالاجتهادِ، ثم تبينَ لهُ الخطأ، لا إعادةَ عليه. وبهذا قال جمهورُ أهلِ العلم.\nوقال قومٌ (١): عليهِ الإعادةُ قياسًا على من أخطأ في الوقت، وصلَّى قبلَهُ؛ إذْ عليهِ الإعادةُ اتِّفاقًا.\nوللشافعيِّ قولٌ -مع هذا- أَنَّهُ إذا تيقَّنَ الخطأَ، وتيقَّنَ الصَّوابَ، فعليه الإعادةُ (٢).\n* وعلى قولِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليل على جوازِ صلاةِ التطوُّعِ إلى غيرِ جِهَةِ الِقبْلَةِ للمسافِرِ، وقد ثبَتَ ذلكَ من فِعْلِهِ - ﷺ - (٣).\nوأما من قالَ: إنها ناسخةٌ (٤)، قال: هي ناسخةٌ للصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لأن اليهودَ أنكروا رُجوعَ النبيِّ - ﷺ - إلى الكَعْبَةِ، وتركَه بيتَ المقدسِ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]،\n_________\n(١) هم الشافعية، إلا أن المعتمد عندهم: أنه لا بدَّ أن يتيقن الخطأ ويتيقن الصواب، فعندها تجب عليه الإعادة.\nانظر: \"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٣/ ٢٠٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٣٨).\nوقال المالكية: يعيد وجوبًا إن تبين له الخطأ ما دام في الوقت. انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ٥٥٤).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ١٩١).\n(٣) انظر تخريج الحديث المتقدم عند مسلم.\n(٤) وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄، وهو قول مجاهد والضحاك، وبقولهم قال ابن زيد.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ١/ ٧٩)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٣١).","vol":"1","page":172},{"text":"فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وأنزلَ (١): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\nوفي هذا ضَعْفٌ؛ لأن الناسخَ للصّلاة إلى بَيْتِ المقدسِ إنما هو قولُه ﷿: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فإذا جاء بعده نصٌّ أو ظاهرٌ على وفقه، لا يكونُ ناسِخًا، وإنما يكون مبيِّنًا ومؤكِّدًا.\nوجملة هذه الأقاويل سبعةٌ (٢)، وما ثبت أنه السببُ في نزولها، تعيَّن حَمْلُها عليه، ولا حاجةَ إلى التأويلِ مع وجودِه، ولا يجوزُ القول بالنَّسْخِ حينئذ مع ثبوت السببِ المخصِّصِ للآية لبعض الأحوال، والله أعلم.\n\n٢ - (٢) قوله﷿-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ\n_________\n(١) \"وأنزل\" ليست في \"ب\".\n(٢) قلتُ: خلاصتها:\n١ - أنها نزلت في صلاة النبي - ﷺ - قِبَل بيت المقدس، ثم عاد وصلى إلى الكعبة، فاعترضت عليه اليهودُ، فأنزلها الله -تعالى- كرامةً له.\n٢ - أنها نزلت في تخيير النبي -ﷺ- وأصحابه ليصلوا حيث شاؤوا من النواحي.\n٣ - أنها نزلت في صلاة التطوع، يتوجه المصلي في السفر إلى حيث شاء فيها راكبًا.\n٤ - أنها نزلت فيمن صلى الفريضة إلى غير القبلة في ليلة مظلمة.\n٥ - أنها نزلت في النجاشي، آمن ولم يصلِّ إلى القبلة.\n٦ - أنها نزلت في الدعاء، يتوجه الداعي حيث شاء.\n٧ - أن معناها: أينما كنتم من مشرقٍ ومغربٍ فلكم قبلة واحدة تستقبلونها. وانظر - أيضًا-: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٢).\nوقد أوصلها القرطبي في \"تفسيره\" (١/ ١/ ٧٦) إلى عشرة أقوال.","vol":"1","page":173},{"text":"وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nأقولُ: أمرَ اللهُ -ﷻ- نبيَّه - ﷺ -، وجميعَ المؤمنينَ بالتوجُّه إلى شطرِ المَسْجِدِ الحرامِ.\n* والمسجدُ الحرامُ يقعُ على البيت (١)، ويقعُ على مَكَّةَ.\nقال اللهُ ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان مَسْراهُ من بيتهِ (٢)، كَما ورد في رواية أبي ذَرٍّ ﵁ (٣).\nويقع على جميعِ الحَرَمِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nوالمرادُ بالمسجدِ الحرام هنا (٤) الكعبةُ باتِّفاقِ المسلمين؛ لِما روى ابنُ عبّاسٍ -﵄-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما دخلَ البيتَ (٥)، دعا في نواحيه كُلِّها، ولمْ يُصَلِّ فيهِ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتينِ في قبلِ الكعبةِ، ثم قال: \"هذهِ القِبْلَةُ\" (٦).\n_________\n(١) يعني: الكعبة المشرفة.\n(٢) أي: وبيته كان في مكة.\n(٣) رواه البخاري (٣١٦٤)، كتاب: الأنبياء، باب: ذكر إدريس ﵇، ومسلم (١٦٣)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات. عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل - ﷺ - ففرج صدري ... \" الحديث.\n(٤) يعني: في الآية التي يريد تفسيرها.\n(٥) في \"ب\": \"المسجد\".\n(٦) رواه البخاري (٣٨٩)، كتاب: القبلة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ومسلم (١٣٣٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة=","vol":"1","page":174},{"text":"والشَّطْرُ يقعُ في لسانِ العرب على النِّصْفِ (١)، ويقعُ على الجِهَةِ، والنَّحْوِ (٢)، قال خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ: [البحر الوافر]\nأَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رسولا ... وما تُغْني الرسالَةُ شَطْرَ عمرِو (٣)\nوقال ساعِدَةُ بن جُؤَيَّةَ: [البحر الوافر]\nأقولُ لأُمِّ زِنباعٍ أقيمي ... صدورَ العِيْسِ شَطْرَ بني تميمِ (٤)\nوقال لقيطٌ الإياديُّ: [البحر البسيط]\nوقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطَعَا (٥)\nوقال قيسُ بنُ العيزارة يصفُ لقْحَتَهُ (٦): [البحر البسيط]\nإنَّ النُّفوسَ بها داءٌ يُخامِرُهَا ... فَشَطْرُها بَصَرُ (٧) العَينينِ مَحْسُورُ (٨)\n_________\n= للحاج وغيره، والصلاة فيها. عن ابن عباس ﵄.\n(١) كقوله - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان\".\n(٢) \"والنحو\" ليست في \"ب\". وانظر: \"لسان العرب\" لابن منظور (٤/ ٤٠٧) (مادة: شطر).\n(٣) لم أجد هذا البيت في ديوانه المطبوع، جمع: حمودي القيس. وانظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ٢٢٢).\n(٤) البيت في \"الأغاني\" (٢١/ ٢٤٩).\n(٥) انظر: \"ديوانه\": البيت (٢٥)، (ص: ٨١).\n(٦) لقحة: اللَّقْحةُ: هي اللَّقوح على وزن صبور؛ وهي الناقة الحلوب أو التي نتُجت. انظر: \"القاموس\" (مادة: لقح) (ص: ٢١٨).\n(٧) في \"أ\": \"بَصيرُ\" وهو خطأ.\n(٨) رواية البيت في \"الكامل\" للمبرد (١/ ٢٤٩):\nإن النفوسَ بها داء يخامرها ... فنحوَها نظرُ العينين محسورُ\nوقد أنشد أبو عبيدة البيت على هذه الرواية في \"مجاز القرآن\" (١/ ٦٠) و(٢/ ٦٠) ونسبه إلى قيس بن العيزارة الهذلي. وهذا البيت أول أربعة أبيات في=","vol":"1","page":175},{"text":"قال الشافعي: يريدُ تلقاءها: بَصَرُ (١) العينين (٢).\nوهذا المعنى هو المرادُ باتِّفاقِ المسلمين، فعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ -﵁-: أنهُ قالَ: شَطْرُهُ: قِبَلُهُ (٣).\nوعن ابنِ عباسِ ومجاهد: شطرُه: نَحْوُهُ (٤).\nوفي حرف ابن مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (٥).\nوهذا كلُّه مع غيرِه من أشعارِ العربِ وأصحابِ الأدِلَّة يبينُ أن توليةَ (٦) شطرِ الشيءِ قصدُ عينِ الشَّيءِ، قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- إذا قلت: اقصد شطر كذا، كأنك قلت: اقصدْ معروفَ قصدِ عينِ كذا (٧).\n_________\n= \"شرح أشعار الهذليين\" (٢/ ٨٠٧) وروايته:\nإن النفوس بها داء يخامرها ... فنحوها بصر العينين مخزور\n(١) في \"أ\": \"تلقاها بصير\".\n(٢) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٣٧).\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٠٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣). وانظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٣٩)، و\"الدر المنثور\" (١/ ٣٥٥).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٣٩).\n(٥) قرأ بها عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب. انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ١٦)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (١/ ٤٢٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١/ ٢/ ١٤٩).\nوانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٢٤).\n(٦) \"تولي\" ليس في \"ب\".\n(٧) نقل المؤلف -﵀- كلام الإمام الشافعي بالمعنى، فأخلَّ بالمراد، ولفظ الشافعي؛ كما في \"الرسالة\" (ص: ٣٤): \"وشطره\": جهته في كلام العرب؛ إذا قلت: أَقصد شطر كذا، معرف أنك تقول: أَقصدُ قصدَ عينِ كذا، يعني: قصد نفس كذا.","vol":"1","page":176},{"text":"* - وقد اتفقَ المسلمون على أن الواجبَ على من كان معاينًا للكعبةِ إصابةُ عينِها.\n* واختلفوا فيمن كانَ غائبًا عنها.\nفقال قومٌ (١): الواجب إصابة عينها في ظَنِّ المصلي.\nوقال قومٌ (٢): الواجب استقبالُ الجهةِ التي فيها المسجدُ، وجعلوا التولِّيَ المأمورَ بهِ مشترَكًا بين اليقينِ والتخمين.\nوالقولُ الأولُ أصحُّ قَولَي الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، وأنا (٣) أختارُه؛ لظاهرِ الخِطابِ المفسّر بتفسيرِ الصَّحابَةِ -﵃-، ويحملُ اللفظُ على حقيقتهِ وسلامَتهِ من الاشتراكِ والحذفِ والإضْمار، وعدمُهما خيرٌ منهما (٤)، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي - ﷺ -: \"إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتوا منُه ما اسْتَطَعْتُم\" (٥)، وإصابةُ عيِنها في ظَنِّ المُصَلّي داخلٌ في الاستطاعَةِ منْ غيرِ مشقةٍ ولا حَرَج. وما روي عنهُ - ﷺ -: \"البَيْتُ قِبْلَةٌ لأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الحَرَمِ،\n_________\n(١) هم الشافعية؛ انظر: \"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣) و\"الإقناع\" للشربيني (١/ ١٧٠).\n(٢) هم الحنفية والمالكية، والحنابلة؛ انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٩٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ١١٧)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ١٤٣).\n(٣) في \"ب\": \"وإيّاه\".\n(٤) فإن الأصل عدم المجاز والاشتراك والحذف والإضمار، فإذا تردد الكلام بين الحقيقة والمجاز، قدمت الحقيقة، أو بين النصوصية والاشتراك قدمت النصوصية، أو بين الذكر والحذف قدِّم الذكر، أو بين الإظهار والإضمار قدِّم الإظهار.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":177},{"text":"والحَرَمُ قبلةٌ لأَهْلِ الأَرْضِ\" (١)، فَضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به.\n* فإن قلتُمْ: فَبَيِّنْ لنا صفةَ الاستقبالِ للمسجدِ الحرام، فإنّ المصلِّيَ لا يخلو إمّا:\nأن يستقبلَ بجميعِ بدنِهِ جميع (٢) ساحَةَ البيتِ التي هي قِبَلَ وَجْهِهِ.\nأو يستقبلَ بجميعِ بدنهِ بَعْضَ ساحةِ البيتِ، كما إذا صَلَّى داخلَ البيتِ.\nأو يستقبلَ ببعضِ بدنِه جميعَ ساحةِ البيتِ التي تُحاذيه.\nقلنا:\nأما الصورةُ الأولى، فمتفَقٌ عليها؛ لوقوعِ اسمِ الاستقبالِ على مُسَمَّى البيتِ.\nوأما الصورةُ الثانيةُ، فمختلَفٌ فيها بينَ أهلِ العلمِ:\nفمنهم مَنْ منعَ الصَّلاةَ داخلَ البيتِ (٣)، واستقبالَ بعضِ ساحتِه؛ لظهورِ الأمرِ باستقبالِ جميعِه، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ - رضي اللهُ تعالى عنهما- قال: لما دخلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - البيتَ، دعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتين قِبَلَ الكعبةِ، قال: \"هذهِ القِبْلَةُ\" (٤).\nومنهم من جَوَّزَ الصلاةَ مُطْلَقًا (٥)، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٩) عن ابن عباس.\n(٢) \"جميع\" ليست في \"أ\".\n(٣) قال به ابن جرير، وأصبغ المالكي، وجماعة من الظاهرية، وحكي عن ابن عباس ﵄.\nانظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٥/ ٣١٩)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٣/ ١٩٦).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) أي: سواء كانت فرضًا أو نفلًا، وهو قول الحنفية والشافعية. =","vol":"1","page":178},{"text":"عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - دخَلَ الكعبةَ، فأقبلَ والنبيُّ - ﷺ - قَدْ خرجَ، قالَ: فسألتُ بِلالًا، قلتُ: أصلَّى النبيُّ - ﷺ - في الكعبةِ؟ قالَ: نعم، رَكْعتينِ بين الساريتينِ اللتينِ على يساركَ إذا دخلْتَ، ثم خرجَ فصلَّى في وجهِ الكعبةِ ركعتينِ (١).\nوحملَ هؤلاءِ الاستقبالَ على غيرِ الأَظْهَرِ منَ المعنيين (٢)؛ لبيانِ النبيِّ - ﷺ -، وقدَّموه على حديثِ ابنِ عباس؛ لكونه مُثْبِتًا، والمُثْبِتُ أولى من النَّافي.\nومنهم منْ فَرَّقَ، فجوَّزَ النفلَ، ومنعَ الفَرْضَ (٣)، فحملَ حديثَ ابنِ عَبّاسٍ على الفرضِ، وحديثَ ابنِ عُمَرَ على النَّفْل.\nوفي هذا المذهبِ ضَعْفٌ؛ فإنَّ الصلاةَ التي رواها ابنُ عَبّاسٍ نَفْلٌ أيضًا. وهو وإنْ (٤) كانَ الجمعُ بينهما يمكنُ بهذهِ الطريقِ؛ فإنه إذا جازَ النفلُ\n_________\n= انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ١٥٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٣٥).\n(١) رواه البخاري (٣٨٨)، كتاب: القبلة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\n(٢) قلت: لأن الأظهر في معنى الاستقبال: أن يستقبل عين الكعبة، ويجعلها قبالة وجهه، أما في حالة الصلاة في جوف الكعبة: فإنه لم يجعلها قِبلَ وجهه، وإنما هو في جوفها، وذلك لأن النبي -ﷺ- بيَّن معنى الاستقبال، فصلى خارجها وفي جوفها؛ ليبين أن استقبال جزء منها ولو في داخلها كافٍ، والله أعلم.\n(٣) وهو مذهب المالكية والحنابلة؛ انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٥/ ٣١٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ١١٤)، و\"الروض المربع شرح زاد المستقنع\" للبهوتي (ص: ٦٣).\n(٤) في \"أ \": \"وإذا\".","vol":"1","page":179},{"text":"خارجَ (١) البيتِ (٢)، جاز الفرض أيضًا بالإجماع، وأما داخل البيت، فلم يصلِّ فيه النبيُّ - ﷺ - إلا النَّفْلَ. لكنْ يُضَعِّفُه (٣) شهادةُ الأصولِ بالتسويةِ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ في جميعِ الشرائِطِ والأَحْكام؛ من الطهارةِ والسِّتارةِ والاستقبالِ، وإيجابِ الفرضِ من القراءةِ والركوعِ والسجودِ، إلا ما أخرجَهُ الشارعُ - ﷺ - المشقة، كتركِ الاستقبالِ في حالةِ السفرِ خاصَّةً، وتركِ القيامِ في صلاتها.\nوالذي أراه أنهُ لا تعارُضَ؛ لاحتمالِ كونِ ذلك منه - ﷺ - في وقتينِ (٤)، وإن ثبتَ أنَّ مَحَلَّ الروايتينِ في وقتٍ واحدٍ، فليس في حديثِ ابنِ عباس أكثرُ من نفي الصلاة في البيتِ، ونفيُ الصلاةِ لا يمنعُ جوازَها. وقوله - ﷺ -: \"هذه القبلة\" بيان للقبلةِ لجملتها، لا لصفةِ استقبالِها.\nوأما الصورةُ الثالثةُ، فهي فرع للصورةِ الثانية، فمن منعَ الصلاةَ داخلَ البيت، منعَ هذه الصورة، ومن أجازَ تلكَ، أجازَ هذه. وربَّما خالفَ بعضُهم في جوازِ هذهِ الصورةِ مع إجازتِه لتلكَ (٥).\nإذا تمَّ هذا، فقد فرضَ اللهُ سبحانَه على نبيِّه - ﷺ - وعلى أُمَّتِه التوجُّهَ إلى\n_________\n(١) \"خارج\" ليس في \"ب\".\n(٢) قلت: هذا استدلال لهم على ما ذهبوا إليه من التفرقة بين الفرض والنفل، والله أعلم.\n(٣) أي: القول بالتفرقة بين الفرض والنفل.\n(٤) قلت: إلا أنه يرِد عليه معرفة السابق واللاحق منهما.\n(٥) هذه الصورة هي أن يستقبل المصلي ببعض بدنه الكعبة، وقد اختلفوا فيها:\nفذهب الحنفية إلى أن ذلك جائز، وأن الصلاة صحيحة، ومنع ذلك المالكية والشافعية والحنابلة، وقالوا بأن الصلاة غير صحيحة.\nانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٩٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٠٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ١٩٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٣٥).","vol":"1","page":180},{"text":"البيت حيثما كانوا، فَرْضًا عامًّا مؤكَّدًا، وكَرَّرَهُ مِرارًا، وذلك تعظيمٌ لشأنِه، وتأكيدٌ لنسخ القبلةِ التي كانوا عليها؛ إكرامًا له - ﷺ - حينَ رأى تقلُّبَ وجههِ في السّماءِ، وحكمةٌ منه ﷻ، لا معقِّبَ لحُكْمِهِ.\n* وفي هذا التعميمِ والتأكيدِ دليل على أن المصليَ لا بُدَّ أن يستقبلَ المسجدَ الحرام على أيِّ حالٍ كانَ منْ خوفٍ أو سَفَرٍ أو مَرضٍ.\nوقد أجمعَ على هذا المسلمون، إلا في حالين:\n- صلاةِ شدةِ الخوفِ، وسيأتي بيانُها -إنْ شاءَ الله تعالى- عندَ قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\n- وصلاةِ النافلةِ في السفر؛ لقولِ ابنِ عمرَ -﵁-: كانَ رسولُ الله -ﷺ- يصلِّي، وهو مقبل من مَكَّةَ إلى المدينةِ على راحلتهِ (١).\nوعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ، لكنهمُ اختلفوا في تقييدِ حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ تَعالى عنهما:\nفذهبَ مالكٌ إلى العَمَلِ بإطلاقه (٢).\nوذهب الشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤)، وأبو ثورٍ إلى تقييدِه بما رواهُ أنسُ بنُ\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٠٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت. وتمامه: \" ... حيث كان وجهه\" قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\n(٢) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ١٢٢)، و\" مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ١٩٦).\n(٣) إلا أنه عند الشافعي مقيد بسهولة الاستقبال، فإن عسر ذلك، فلا يجب.\nانظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ١٩٧)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ٢١٥)، و\"نهاية المحتاج\" للرملي (١/ ٣٣٢).\n(٤) وهو مقيد -أيضًا- بإمكان افتتاحها متوجهًا إلى القبلة، ومع ذلك، فهناك =","vol":"1","page":181},{"text":"مالك -رضيَ الله تَعالى عنهُ- قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا كانَ في سَفَرٍ، فأراد أن يصلِّيَ على راحلتِه، استقبلَ القِبْلَةَ، وكَبَّرَ، ثمَّ صلَّى حيث تَوَجَّهَتْ به (١).\n* واختلفَ أهلُ العلمِ في القبلةِ التي كانَ النبيُّ - ﷺ - يصلي إليها، وهي بيتُ المَقْدِسِ، هل كانَ تَوَجُّهُهُ إليها بقرآنٍ؟ أو بغيرِ قرآن؟ وبعضُ المصنفين يقولُ: بوحيٍ من الله، أو باجتهادٍ منه؟\nفقال قوم (٢): كان ذلكَ بقرآنٍ، ولهم من الأدلَّةِ قولُ الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قيل: نزلت لما هاجر النبيُّ - ﷺ - إلى المدينة، وقال: \"لا ندري أينَ نتوجَّهُ\"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١١٥].\nقال عطاءٌ عن ابن عباس -﵄- قال: أولُ ما نُسِخَ منَ القُرآنِ فيما ذكروا- واللهُ أعلمُ- شأنُ القِبْلَةِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ\n_________\n= روايتان عنه:\nالأولى: يلز مه؛ للحديث المذكور.\nوالثانية: لا يلزمه؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فأشبه سائر أجزائها.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٣ - ٩٥).\n(١) رواه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٣٩٦) بهذا اللفظ.\nوقد رواه مسلم أيضًا (٧٠٢)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.\n(٢) هو قول ابن عباس، وابن جريج، وعليه الجمهور. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٣٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٤٠).\n(٣) لم أجده هكذا، وقد روى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥٠٥)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (١/ ٢٦٧ - الدر المنثور) عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فأنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.","vol":"1","page":182},{"text":"فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١١٥]، استقبلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، فصلى نحوَ بيت المَقْدِسِ (٢)، وتركَ البيتَ العتيقَ، فقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنون (٣): بيتَ المَقْدِسِ، فنسخَها، وصرفَهُ إلى البيتِ العتيق، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) [البقرة: ١٥٠].\nولهمْ (٥): قولُه تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وكان ذلك قِبلةَ الأنبياءِ- صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم-.\nولهم: (٦) قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقالَ قومٌ (٧): صَلَّى النبيُّ - ﷺ - إلى بيت المقدسِ؛ ليتأَلَّفَ بذلك اليهودَ،\n_________\n(١) من قوله: \"عطاء، عن ابن عباس ... \" إلى هنا سقط من \"ب\".\n(٢) في \"ب\": \"فاستقبل بيت المقدس فصلى نحوه\".\n(٣) في \"ب\": \"يعني\".\n(٤) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٢١٢)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٤١٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٠٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٢).\nوانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٢)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ١٦)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧١).\n(٥) أي: من احتج بذلك.\n(٦) \"ولهم\" ليست في \"ب\".\n(٧) هو قول الحسن البصري، وعكرمة، وأبي العالية، وبه قال ابن جرير الطبري.\nوهذا الكلام مبني على قول هؤلاء: إن النبي - ﷺ - كان مخيرًا. ثم لماذا اختار بيت المقدس؟ قالوا: ليتألف اليهود.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٣٧)،=","vol":"1","page":183},{"text":"وذلك أنهُ (١) هاجرَ إلى المدينةِ، فكانَ أَكْثَرُ أهلِها ومَنْ حَوْلَها اليهودَ، فَطَعنوا في ذلكَ، وتكلموا فيه بما يَشُقُّ على النبيِّ - ﷺ - وأصحابهِ، فأمرهُ اللهُ تَعالى بالصلاةِ نحوَ الكَعْبَةِ (٢).\nوالحَق -إن شاءَ الله تعالى- أن استقبالَ النبيِّ - ﷺ - بيتَ المقدسِ ليسَ باجتهادٍ منهُ، بلْ بوحي من اللهِ سُبْحانه، ولو قلنا بالمذهبِ الصَّحيحِ أَنَّهُ يجوزُ لهُ الاجتهادُ؛ لقولِ اللهِ ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، فلو كان توجُّهُهُ إليها باجتهادِه، لتحوَّلَ عنها باجتهاده، كما استقبلَ باجتهِاده (٣)، فلمّا سألَ ربَّهُ التحويلَ إلى قبلةِ أبيهِ إبراهيمَ -﵊- وانتظر إذْنَ ربِّهِ سبحانَه، علمْنا أنه لم يتوجَّهْ إلى بيتِ المقدسِ إلَّا بأمرِ اللهِ سبحانَهُ. وأما كونُ ذلكَ الأمرِ قرآنًا، فليسَ عليه دليلٌ.\nأما قولهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فإنها نزلتْ في قومٍ مخصوصين كما سبقَ بيانُه (٤).\nوأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فالظاهر أن المراد به التوحيد والإيمان.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فليس\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٤٠).\n(١) في \"ب\": \"وقد كان\".\n(٢) رواه البخاري (٣٩٠)، كتاب: القبلة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم (٥٢٥)، كتاب: الصلاة، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، عن البراء بن عازب ﵄.\n(٣) أي: بعد أن خُيِّر فاختار، وكان ذلك الاختيار باجتهادٍ منه - ﷺ -، والله أعلم.\n(٤) انظر -ما تقدم-: (ص: ١٨١).","vol":"1","page":184},{"text":"فيهِ دَلالةٌ على أنه سبحانه حمله عليها (١) بقرآنٍ، بل الظَّنُّ أنه (٢) بوحيٍ من اللهِ سبحانَهُ، فإنه إذا أوحى إليه بها، فقد جعله عليها.\nوهذا الجواب أحسنُ من جوابِ من أجابَ: بأنَّ (كان) زائدة، وجعلَ القبلةَ هي الكعبةَ، والتقديرُ عنده: وما جعلنا القبلةَ التي أنتَ عليها (٣)، فاحتاجَ إلى القولِ بالمجاز، وتقديرِ الزيادة، ومخالفةِ الظاهرِ، وغيرُه خيرٌ منه.\nوعلى هذا يكون هذا من نسخ السنّةِ بالقرآن (٤)، قالَ أهلُ العلمِ بالقرآن: وهذا أولُ ناسخٍ ومنسوخٍ بعدَ نسخِ الصلاةِ (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"جعله عليه\".\n(٢) \"أنه \"ليست في \"أ\".\n(٣) نسب هذا القول إلى ابن عباس: أبو حيان في \"البحر المحيط\" (٢/ ١٥).\nوانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ١٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٤٦)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي بن أبي طالب (ص: ١٢٧).\n(٤) قال القرطبي: دلت الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي - ﷺ - صلَّى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة، ثم نسخ ذلك بالقرآن. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢/ ١٤١).\n(٥) قال القرطبي: أجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢/ ١٤١)، وانظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ١٤٣) و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٤٩).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>(من أحكام الحج)</span>\n٣ - (٣) قوله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].\n\n* اختلفَ أهلُ العلم في السَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ.\n- فقالَ قومٌ: هو تطوُّعٌ وليس بواجبٍ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ وأنسِ بنِ مالك ومجاهدٍ وابنِ سيرينَ، وإليه ذهبَ سفيانُ الثوريُّ (١)، وأخذوا بظاهر الآية، وبقراءة ابن مسعود: (فلا جُناحَ عليه ألاَّ يَطَوَّفَ بهما) (٢).\n\n- وقالَ أبو حنيفةَ: هو واجبٌ، وليس برُكْنٍ، فأوجبَ في تركِهِ الدَّمَ.\nوهو روايةٌ عن مالِكٍ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٩ - ٥٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ١٩١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٧٠).\n(٢) قرأ بها ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وأُبي، وأنس، وابن سيرين، وميمون، وعطاء. انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٠٤)، و\"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٩٥)، و\"تفسير الرازي\" (٢/ ٤٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٨٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (١/ ٤٥٦). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٢٨).\n(٣) انظر: \"البناية في شرح الهداية\" للعيني (٣/ ٥٠٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي=","vol":"1","page":186},{"text":"- وذهب ابنُ عمر وجابرٌ وعائشةُ إلى وجوبه (١)، وبه قالَ الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (٢)، وبه أقول.\nوالدليل له ما روته بنتُ أبي تَجْراةَ إحدى نساءِ بني عبدِ الدارِ، قالت: دخلتُ مع نسوةٍ من قريشٍ دارَ أبي حسينٍ ننظرُ إلى رسول الله - ﷺ - وهو يسعى بينَ الصفا والمروةِ، فرأيتُه (٣) يَسْعى، وإن مِئْزَرهُ ليدورُ من شدةِ السَّعْي، حتى إِني لأقولُ: إني لأَرَى رُكْبتيهِ، وسمعتُه يقولُ: \"اسْعَوا، فإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ\" (٤).\nوالدليل -أيضًا- ما ثبت في \"الصحيح\" (٥): أنَّ عروةَ بنَ الزُّبير (٦) قال لعائشةَ﵂: أرأيتِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما أرى على أحد بأسًا ألاَّ يطَّوفَ بهما، قالتْ: إنما نزلَتْ هذه في\n_________\n= (١/ ٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٧١).\n(١) كذا في \"أ\" و\"ب\"، ولعلها: \"ركنيته\"، حتى يختلف عن القول السابق؛ إذ يفرق في الجمع بين الركن والواجب، والله أعلم.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٩٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ١٩١) و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٤٨)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٨/ ١٠٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٥٠)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ٥٨).\n(٣) في \"ب\" زيادة \"وهو\".\n(٤) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٣٧٢)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٢١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٤/ ٥٧٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٥٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٩٨) وفيه ابن المؤمل، وضعفه أحمد والنسائي وابن معين وأعله به ابن عدي.\n(٥) في \"أ\": \"الصحاح\".\n(٦) \"ابن الزبير\" ليس في \"ب\".","vol":"1","page":187},{"text":"الأنصارِ، كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يتحرَّجون بأن يطوفوا بينَ الصفا والمروةِ، فلما جاءَ الإسلامُ، سألوا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلك، فأنزل اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١٥٨].\nولأنَّ الأصلَ في أفعالِه - ﷺ - في هذه العبادة الوجوبُ، إلا ما أخرجَهُ الدليلُ، لقوله - ﷺ -: \"خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ\" (٢).\nوأما قِراءة ابنِ مسعودٍ، فيُجاب عنها: بأنها قراءة شاذة مخالفة للمُصحفِ، ولا يقومُ بمثلها حُجَّةٌ (٣)، وسيأتي الكلام على مثلهِا في \"سورةِ النِّساءِ\" إن شاءَ اللهُ تعالى.\nويجاب أيضًا بأن (لا) زائدة كما (٤) في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وكقول أبي النجم: [من بحر الرجز]\nوما ألوم البيضَ ألاَّ تَسْخَرا (٥)\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦٩٨)، كتاب: العمرة، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج.\n(٢) رواه مسلم (١٢٩٧)، كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٢٥)، عن جابر بن عبد الله، واللفظ للبيهقي، ولفظ مسلم: \"لتأخذوا مناسككم ... \".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٧٠).\n(٤) \"كما\" ليست في \"أ\".\nانظر الرد على هذا الجواب: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧١).\n(٥) البيت في \"العمدة\" لابن رشيق (٢/ ٢٦٣)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٢٦)، و\"تفسير الطبري\" (١/ ٦٢)، و\"الخصائص\" لابن جني (٢/ ٢٨٣)، و\"لسان العرب\" (٦/ ٤٢٥). وبعده:\nلما رأين الشَّمَط القَفَنْدَرا\nوالشمط: هو بياض الشعر يخالطه سواد، والقفندر: القبيح المنْظر.","vol":"1","page":188},{"text":"وكقول الآخر: [البحر الطويل]\nوتَلْحينَنِي (١) في اللهو ألاّ أحِبَّهُ ... وللهوِ دَاعٍ دَائِب غيرُ غَافِلِ\nوأما ظاهر الآية، فقد أجابت عنهُ عائشةُ -﵂- عروةَ حينَ سألها، لما علم أن رفعَ الجُناح مستعمَلٌ في رَفْع الحَرَجِ، فلا يكونُ الرفعُ سببًا للوجوبِ، وإنما يومئ إلى عَدَمِ الوُجوبِ، فقالتْ -رضيَ الله تعالى عنها-: لو كان كما تقولُ، كانَتْ فلا جُناحَ عليهِ ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما، ثم بَيَّنَتْ لهُ وجهَ العُدول من (٢) الظاهر، وأنه هو القصدُ إلى إباحة هذا الطوافِ لمنْ كانَ يتحرَّجُ منه في الجاهليةِ (٣).\n* واتفقَ العلماءُ على أن البدايةَ (٤) بالصَّفا واجبةٌ؛ لقوله - ﷺ -: \"نبدأُ بما بدأ اللهُ بهِ\" (٥)، إلا ما يروى عن عطاءٍ أنه إذا بدأ بالمَرْوَةِ جاهلًا أَجْزَأهُ ذلك، واعتدّ بذلك الشوطِ (٦).\n_________\n(١) في \"أ\": \"تلحيني\"، وهو خطأ.\n(٢) في \"ب\" زيادة \"هذا\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ١٦٧)، و\"الذخيرة \" للقرافي (٣/ ٢٥٠).\n(٤) في \"ب\": \"البدأة\".\n(٥) رواه أبو داود (١٩٠٥)، كتاب: الحج، باب: صفة حجة النبي - ﷺ -، والنسائي (٢٩٦٩)، كتاب: الحج، باب: ذكر الصفا والمروة، والترمذي (٨٦٢)، كتاب: الحج، باب: ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، وابن ماجه (٣٠٧٤)، كتاب: المناسك، باب: رفع اليدين في الدعاء بعرفة، عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل، بهذا اللفظ.\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٤/ ٢٢٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٥٢).\nوانظر: \"البناية\" للعيني (٣/ ٥٠٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٥١)، =","vol":"1","page":189},{"text":"* وفي الآية دلالةٌ ظاهرةٌ على أن السعيَ لا يفعلُه إلَّا من حَجَّ البيتَ أو اعتمرَ، وأنه لا يفعله الرجلُ ابتداءً، وعلى هذا اتفق العلماء.\nواتفقوا أيضًا على أنه لا يفعله الحاجُّ والمعتمرُ إلا بعدَ أن يفعلَ الطوافَ (١).\n_________\n= و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٨/ ٩٤)، و\"شرح الزركشي على الخرقي\" (٣/ ٢٠٩).\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٧٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٤٠)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٨/ ٩٧).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>(من أحكام الأطعمة)</span>\n٤ - (٤) قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].\n* أقولُ: ذكَر اللهُ -ﷻ- في هذه الآية (١) أعيانًا من المُحَرَّمات، وخاطب العربَ بتحريمِها على ما يتعارفونَ من عادتِهم في استعمالِ هذهِ الأعيانِ، وسيأتي تفصيلُهُ وبيانُه في \"سورةِ النَّحْل\" -إن شاء الله تعالى-\nوخُصّ لحمُ الخِنزير بالذِّكْرِ، وإنْ كانَ شحمُه وعظمُه وشعرُه محرمًا كلحمِه؛ لأنه المقصودُ منه غالبًا (٢).\n* وأطلقَ اللهُ تحريمَ الدَّمِ هنا، وقيَّدَهُ في \"سورةِ الأنعامِ\". فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n- فمنهم من خَصَّصَ هذا العُمومَ بمفهومِ التقييد (٣).\n_________\n(١) \"الآية\" ليست في \"أ\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٩٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٠٩).\n(٣) نُقل الإجماع على تخصيص هذا العموم بذلك المفهوم، وهناك من لم يذكر فيه خلافًا.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص =","vol":"1","page":191},{"text":"- ومنهم من أبقاهُ على إطلاقه وعمومه، ورأى أن مفهوم الخطاب لا يقاوِمُ العمومَ (١)، وسيأتي الكلامُ على هذا في \"سورة المائدة\" إن شاء الله تعالى.\n* ثم بينَ رسولُ الله - ﷺ - أن اللهَ لم يُرِدْ جميعَ الميتةِ، فقال: \"أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، المَيْتَتانِ: الحوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطِّحالُ\" (٢) وقال -وقد سُئلَ عن ماءِ البحرِ فقال-: \"هو الطهورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ\" (٣).\nوإلى التخصيصِ ذهبَ عامةُ أهلِ العلمِ، وإن (٤) اختلفوا في تفصيله:\nوذهبَ أبو حنيفةَ إلى تحريم الميتةِ مطلقًا (٥)، عملًا بالقياس المقصود\n_________\n= (١/ ١٥١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٠٩)، و\"تفسير ابن كثير (٢/ ٤٧٨).\nقال ابن رشد: فمن ردَّ المطلق إلى المقيد، اشترط في التحريم السفح، ومن رأى أن الإطلاق يقتضي حكما زائدًا على التقييد، وأن معارضة المقيد للمطلق إنما هو من باب دليل الخطاب، والمطلق عام، والعام أقوى من دليل الخطاب، قضى بالمطلق على المقيد، وقال: يحرم قليل الدم وكثيره. انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٩٠٤).\n(٢) رواه ابن ماجه (٣٣١٤)، كتاب: الأطعمة، باب: الكبد والطحال، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٣٤٠)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٩٧)، وعبد بن حميد في \"مسنده\" (١/ ٢٦٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٧١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٥٤)، عن عبد الله بن عمر.\n(٣) رواه أبو داود (٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والنسائي (٥٩)، كتاب: الطهارة، باب: ماء البحر، والترمذي (٦٩)، كتاب: أبواب الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وابن ماجه (٣٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، عن أبي هريرة.\n(٤) \"وإن\" ليست في \"أ\".\n(٥) قلت: هذا الإطلاق عن الحنفية غير سديد؛ لأن الحنفية إنما يحرمون السمك =","vol":"1","page":192},{"text":"بالعموم، واستثنى ما لا نفس له سائلةً (١)، وسيأتي الكلام على هذا في \"سورة المائدة\" إن شاءَ اللهُ تعالى.\n* وبَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن غيرَ هذه المحرمات في معناها، فبينها عن اللهِ -سبحانه-، كما أمره الله تعالى، فحرَّمَ الحُمُرَ الأهليَّةَ، وكلَّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلَّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّيْر (٢).\nفإن (٣) قال القائل: فقد نصَّ اللهُ -سبحانه- على تحريم هذه الأعيان بلفظ يوجبُ الحَصْرَ هنا، وذكرها في \"سورة الأنعام\" بلفظٍ أوضحَ من هذا الحَصْرِ والتنصيص، وهو النفي بـ (لا)، والإثبات بـ (إِلا) (٤)، والمذهبُ الصحيحُ عند محقًّقي الأصوليين أنُه لا يجوزُ نسخُ الكتابِ بالسّنَّةِ.\nقلنا:\n- ذهبَ قومٌ من أهلِ العلم إلى التعارضِ بينَ الآيةِ والآثارِ الواردَةِ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من نسخ الآية بها (٥)، ومنهم مَنْ أحكَمَها وعَمِلَ\n_________\n= الطافي فقط، أما الجراد فهو عندهم حلال، ولو كان ميتًا.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٣٢)، و\"البناية\" للعيني (٩/ ٩٧).\n(١) كالجراد مثلًا.\n(٢) تقدم تخريج حديث النبي - ﷺ - في هذا.\n(٣) في \"أ\": \"وإن\".\n(٤) في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ ...﴾.\n(٥) لم تذكر المصادر من قال بذلك. وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٠٥). وانظر أيضًا: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٣٣٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ١٣٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (ص: ٢١٨).","vol":"1","page":193},{"text":"بخصوصِها (١)، وسيأتي الكلام معهم في \"سورة الأنعام\" إن شاء الله تعالى.\nوذهبَ قومٌ إلى الجمعِ بين الآية والآثار (٢).\nفإن قيلَ: فما وجهُ الجَمْعِ؟\nقلنا: له وجوهٌ:\nأحدها: قال الشافعيُّ -رحمه اللهُ تعالى- وأهلُ التفسيرِ، أو مَنْ سمعتُ منهم يقول في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يعني: مما كنتم تأكلون؛ فإن العرب قد كانت تحرم أشياءَ على أنها من الخبائِثِ، وتُحِلُّ أشياءَ على أنها من الطيباتِ عندهم (٣)، إلا ما استثني، وحُرِّمتْ عليهمُ الخبائثُ عندهم. قال اللهُ -﷿-: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ\n_________\n(١) وقال: لا يحرم إلا ما ذكر في هذه الآية، وروي هذا عن ابن عباس وعائشة وابن عمر والشعبي وسعيد بن جبير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٨٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٠٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٨١٨)، و\"سبل السلام\" للصنعاني (٤/ ١٤٤).\n(٢) يعني: عمل بالآية، وأضاف إليها ما جاءت به السنة من المحرمات؛ لعدم التعارض.\nوهو قول الجمهور من السلف وغيرهم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك في أصح الروايتين عنه، وهو ما ذكره في \"الموطأ\".\nانظر: \"الموطأ\" (١/ ٢/ ٤٩٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٨٥)، و\"المفهم\" للقرطبي (٥/ ٢١٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٠٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٨١٨).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٨٥).","vol":"1","page":194},{"text":"الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) [الأعراف: ١٥٧].\nثانيها: يجوز لقائل أن يقولَ: إن الله -سبحانه- لم يُرِدِ الحصرَ في كتابه العزيز، وإنما قصدَ التعظيمَ والتفخيمَ لتحريمِ هذه الأعيانِ، والمبالغة في الزَّجْرِ عنها، وهذا معروف في لسان العرب؛ كما نقول: إن الجواد حاتمٌ، ولا سيف إلا ذو الفقار، وأنتَ لا تريدُ نفيَ ذلك عن غيرهما، وإنما تريد تفخيمَ أمرِهما، وتعظيمَ شأنهما.\nثالثها: أن يُقالَ: إنما قصدَ اللهُ -سبحانه- الردَّ على المشركين، وذلك أنهم كانوا يحللون هذه الأشياء، ويحرمون غيرها؛ مثل البَحيرةِ (٢) والسائبةِ (٣) وغيرِهما، فرد عليهم فقالَ: قُلْ يا محمد (٤): لا أجدُ فيما أُوحيَ إلىَّ مُحَرَّمًا إلَّا كذا أو كذا (٥)، فلا حرامَ فيما أوحي إليَّ إلا\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٤١)، و\"أحكام القرآن\" للكياالهراسي (٢/ ٨٨).\n(٢) البحيرة: البحرُ هو شقُّ الأذن، والبحيرةُ: هي الناقة أو الشاة المشقوقة الأذن، وقد كان الجاهليون إذا نتجت الناقة أو الشاةُ عشرة أبطن بحروها، وتركوها ترعى، وحرَّموا لحمها إذا ماتت على نسائهم، وأكلها الرجال أو التي خُليت بلا راع، أو التي إذا أنتجت خمسة أبطن والخامس ذكرٌ نحروه، فأكله الرجال والنساء وإذا كانت أنثى نحروا أذنها، فكان حرامًا عليهم لحمها ولبنها وركوبها، فإذا ماتت حلت للنساء، أو هي ابنة السائبة وحكمها حكم أمها.\nانظر: \"القاموس\" (مادة: بحر) (ص: ٣١٢).\n(٣) السائبة: هي المهملة، وكانت الناقة تُسيَّب في الجاهلية لنذر أو نحوه، أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهنَّ إناث سُيبتْ. انظر: \"القاموس\" (مادة: سيب) (ص: ٩٢).\n(٤) في \"ب\" زيادة \"قل\".\n(٥) \"كذا\" ليست في \"أ\".","vol":"1","page":195},{"text":"ما حَلَّلْتموهُ، ولا حلالَ إلا ما حَرَّمْتُموه (١).\nوهذا أرجحُ المعاني وأقربُها.\nويدلُّ عليهِ أنَّ الله -ﷻ- ذكرَ هذهِ الأعيانَ المذكورةَ في مواضِعَ أُخَرَ من كتابه بِمِثْل ما ذكره هنا، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].\nثم قال عقبه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، الآية.\nويدلُّ عليه -أيضًا- أن الآيةَ من \"سورةِ الأنعام\"، وهي مكيةٌ نزلت قبل تشريع الأحكام (٢).\nفإن قلتَ: قد عرفتُ وجهَ الجمع، فهل تجدُ دليلًا في الكتابِ على ما ادَّعَيتَ من عدمِ الحصرِ؟\nقلتُ: نعم، ذكر الله -تعالى- هذهِ الأعيانَ في \"سورةِ المائدةِ\"، وزاد عليها: المنخنقةَ، والموقوذةَ (٣)، والمتردِّيَةَ، والنطيحةَ، وما أكلَ السَّبُعُ (٤)، فلو كانتْ آيةُ البقرةِ للحصرِ، لعارضَتها هذه، ووجبَ نسخُ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٠٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٨٢٠).\n(٢) وذلك في قول أكثر أهل العلم. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ١٠٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٨٢٠)، و\"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (١/ ٣٨).\n(٣) الموقوذة: هي الشاةُ التي قُتلت ضربًا بالخشب. انظر: \"القاموس\" (مادة: وقذ) (ص:٣٠٧)\n(٤) في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ...﴾ [المائدة: ٣].","vol":"1","page":196},{"text":"إحداهُما بالأخرى، ولا قائلَ بذلكَ من أهلِ العلمِ بالقرآنِ.\nفإن قال: هذهِ الأعيانُ المذكورةُ في سورةِ المائدةِ هي أفراد المَيْتَةِ، فذكر اللهُ -سبحانه- المَيْتَةَ في إحدى المواضِع مُجْمَلَةً، وفي الأخرى مفصلةً، بدليل أن إنهارَ الدمِ علَّةٌ للتحليل، توجدُ بوجوده، وتعدم بعدمه، وخصت هذه الأعيان بالذكر دفعًا لتوهم متوهِّمٍ أنَّ علَّةَ تحريمِ لحمِ الميتةِ فسادُ لحمها وتغيُّرهُ عندَ الموت، وهذه (١) لا تغيُّرَ في لحمِها ولا فساد، والذي أَكَلَهُ السَّبُعُ هُريقَ دمُهُ بالسِّنِّ، وما ذُكِّيَ بالسِّنِّ، فقد ألحقه الشارعُ بالميتةِ في التحريم (٢).\nقلتُ: قد حَرَّم اللهُ -سبحانه- الخَمْرَ بعد أن كانَ حلالًا عندَ نُزولِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد اتفق أهلُ العلم بالقرآن والنظر والاستدلال على (٣) أنه لا تَعارُضَ بين هاتين الآيتينِ، وإذا جاز أن يضاف إليها تحريمُ عينٍ غيرِها، ثبتَ أنها ليستْ للحصر والتعيين، وعلمنا أن الله -سبحانَه- ذكر المُحَرَّماتِ بعضَها في كتابهِ نَصًّا، ووَكَلَ بيانَ بعضِها إلى نبيه - ﷺ -، فمن قَبِلَ عنه - ﷺ -، فعنِ الله قَبِلَ؛ لِما فرضَ اللهُ تعالى من طاعته، وقَبولِ ما جاء به - ﷺ -، وسيأتي الكلام في \"سورة المائدة\" على ما أهِلَّ به لغيرِ اللهِ إن شاءَ الله تعالى.\n* قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.\nأي: غير خارج على السلطان، ولا عادٍ، أي: مُتَعَدٍّ عاصٍ بسفره؛ بأن يخرج لقطع الطريقِ، أو لفسادٍ في الأرض.\n_________\n(١) في \"أ \": \"وهذا\".\n(٢) كما قال ذلك ابن العربي دفاعًا عما ذهب إليه من كون المحرمات هي ما ذكر في الآية، وغيرها يرجع إليها. انظر: \"أحكام القرآن\" له (٢/ ٢٩٣).\n(٣) \"على\" ليست في \"أ\".","vol":"1","page":197},{"text":"وقيل: فيه تأويلاتٌ أُخَرُ (١)، وكلُّها راجعةٌ إلى مَعْنًى واحدٍ، وهو مَعْنى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣].\n* وقد أجمعت الأمةُ على جوازِ أكل المَيْتَةِ للمضطرِّ، وربما اختلفوا في وجوبِ أَكْلِها، والأصَحُّ عندَ الشافعيَّة الوجوبُ؛ لما فيه من حفظِ النفسِ (٢) المَعْصومة عن الهلاكِ والتلفِ (٣).\n* وفي الآية دليلٌ على أن العاصيَ بسفرِهِ لا يَتَرَخَّصُ بأكل الميتة، وبه قال مالك والشافعي (٤).\nوقالَ أبو حنيفةَ: لهُ أَنْ يأكلَ، وهو المشهورُ والصحيح عند المالكية (٥).\n_________\n(١) انظر هذه التأويلات في: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٨٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢١٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦١).\n(٢) \"النفس\" ليس في \"ب\".\n(٣) اختلف العلماء في حكم أكل الميتة عند الاضطرار على ثلاثة أقوال:\nالأول: الوجوب، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية، وقول عند المالكية، والشافعية على الأصح، والحنابلة على الصحيح.\nالثاني: الإباحة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وسحنون من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، ووجه عند الحنابلة.\nالثالث: الندب، وهو قول بعض الحنابلة.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٧٥)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١١٠) و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٨٢)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٤٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣٣١)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١٠/ ٣٧٠).\n(٤) وهو قول الحنابلة؛ انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢١٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣٣٣)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٥٣).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"1","page":198},{"text":"وربَّما استدلُوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فإن إتلافَهُ لنفسه أعظمُ عصيانًا من ارتكابِ أكل الميتة (١)، ولا حجّة لهم؛ فإنهُ مكلَّفٌ باجتناب ما نهى الله -سبحانه-، ويُمْكِنهُ حفظ نَفْسِه بأنْ يتوبَ ويأكلَ، وإذا لم يتبْ، فلا يمتنع أن يكونَ مكلفًا بالأمرينِ جميعًا.\nوغير ﴿غَيْرِ﴾ تحتمل (٢) أن يكون معناها الاستثناء، فتكونُ دلالتُها نصًّا، ويحتمل أن يكونَ معناها الحالَ والصفةَ، فتكون دلالتها ظاهرة بطريق المعهود (٣).\nوإذا تمَّ هذا، فجائر أن يقاسَ عليهِ جميعُ رُخَصِ السفرِ وفاقًا وخلافًا؛ لوجود المَعْنى.\n* واختلف العلماء في مقدارِ ما يَحِلُّ للمضطرِّ أَكلْهُ من الميتةِ.\n- فقالَ بعضُهم: مقدار ما يسدُّ رَمَقَهُ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٤).\n- وقال بعضهم: مقدار الشِّبَع، وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ في القول الآخر (٥).\n_________\n= للقرطبي (١/ ٢/ ٢١٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١١٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٨٢).\n(١) انظر وجه الاستدلال لذلك: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢١٩).\n(٢) في \"ب\": \"محتمل\".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢١٧).\n(٤) وهو قول الحنابلة أيضًا؛ انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٢)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٤٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣٣٠).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٠٩) و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٤٤).","vol":"1","page":199},{"text":"والأول أقرب إلى المعنى؛ لأنَّ الله -سبحانه- عَلَّقَهُ على الضَّرورةِ، ومتى زالت الضرورةُ زالتِ الإباحة، فهو (١) كتعليقِ المَعْلولِ بعلَّتِهِ.\nوحينئذٍ فالخلافُ آيِلٌ إلى أن الميتة هل تصيرُ في حال الضرورةِ مباحةً، ويرتفعُ التحريمُ حتى يحلَّ الشبعُ (٢)، أو أنها مُحَرَّمَةٌ والتحريمُ باقٍ، وإنما المرتفعُ الإثمُ، فلا يحلُّ الشبع؟ وإلى هذا يرشدُ قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.\n* واختلفوا -أيضًا- هل يقاسُ على ضرورة التغذِّي ضرورةُ التداوي؟\n- فمنهم من جَوَّزَهُ؛ للقياسِ (٣)، ولأن النَّبيَّ - ﷺ - أباح لعبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ لُبْسَ الحرير للحكَّة (٤).\n- ومنهم من منعه (٥)؛ لقوله - ﷺ -: \"إن اللهَ لم يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتي فيما حرّمَ عليها\" (٦).\n_________\n(١) \"فهو\" ليس في \"ب\".\n(٢) انظر هذا التعليل في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣٣٠).\n(٣) وهو المعتمد عند الحنفية والشافعية، واستثنى الشافعية من التداوي بالنجس: الخمر، فلا يتداوى بها. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٣٢٥)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٥٤).\n(٤) رواه البخاري (٢٧٦٢)، كتاب: الجهاد، باب: الحرير في الحرب، ومسلم (٢٠٧٦)، كتاب: اللباس والزينة، باب: إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة. عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - رخَّص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير؛ من حكة كانت بهما.\n(٥) وهو قول المالكية والحنابلة. انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٤٠٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣٤٣).\n(٦) رواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٩١٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\"=","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>(من أحكام القصاص)</span>\n٦ - (٦) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].\nأقولُ: أنزل الله -سبحانَه- في القصاص آيتينِ: هذهِ الآيةَ، وآيةَ المائدةِ (١)، وإحداهما أخصُّ من الأخرى، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في العمل بهما.\nفالشافعيُّ ومالكٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحسنُ وعطاءٌ وعكرمةُ والليثُ بنُ سعدٍ وأبو ثَوْرٍ عملوا بخصوصِ آيةِ البقرةِ، فَخَصُّوا بمفهومِها عُمومَ آيةِ المائدةِ، فلم يقتُلوا الحرَّ بالعبدِ، واستدلوا بما يأتي ذكرهُ إن شاء الله تعالى.\n_________\n= (٢٣/ ٧٤٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٠) عن أم سلمة، بلفظ: \"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم\".\n(١) في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].","vol":"1","page":201},{"text":"وعَمِلَ بآيةِ المائدةِ سعيدُ بنُ المسيِّبِ والشعبيُّ والنَّخَعِيُّ وقَتادةُ والثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه، فأوجبوا قتلَ الحُرِّ بالعبدِ (١)، واستدلوا أيضًا بقوله - ﷺ -: \"المسلمونَ تَتكافَأُ دِماؤُهُمْ\" (٢).\nوقد اختلفوا في هذه الآية: هل هي محكمةٌ أو منسوخةٌ أو مَخْصوصة ببعض الأحوالِ، على خمسةِ أقوالٍ:\nالأول: قالهُ الشعبيُّ والكلبيُّ وقَتادةُ،\nفقالوا (٣): أنزلتْ في قومٍ تقاتلوا، فَقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ، وذلك قبيل الإسلام (٤).\nوقال مقاتلُ بن حيان: كان بين قريظة والنضير.\nوقال سعيدُ بن جُبير: كان بينَ الأوسِ والخزرج، وكانت إحدى الطائفتين أعزَّ من الأخرى، فقالتِ العزيزة: لا نقتلُ بالعبدِ مِنَّا إلا الحُرَّ\n_________\n(١) انظر طرفًا من الكلام عن تطبيق خصوص آية البقرة وعموم آية المائدة في:\n\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢٤٤)، و\"سبل السلام\" للصنعاني (٣/ ٤٧٧)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٥٢٤).\nوستأتي مسألة الخلاف في القصاص بين الحر والعبد قريبًا.\n(٢) رواه أبو داود (٢٧٥١)، كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أهل العسكر، وابن ماجه (٢٦٨٥)، كتاب: الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢١٥)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٧١)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٣) في \"ب\": \"قالوا\".\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":202},{"text":"منكم، ولا بالأنثى منّا إلا الذَّكَرَ منكم، فنزلتْ هذه الآيةُ، فهي محكمةٌ لمن أراد أن يفعل مثلهم (١).\nوالثاني: قالهُ السُّدِّيُّ، قال: هي مخصوصةٌ في فرقتينِ تَقاتَلتَا على (٢) عهدِ رسول الله - ﷺ -، وقعَ بينهما قتلى، وأمر (٣) النبيُّ - ﷺ - أن يُفادى (٤) بينهم دياتُ النِّساءِ بدِياتِ النِّساء، ودياتُ الرجالِ بدياتِ الرجالِ، فهي في شيءٍ بعيِنهِ (٥).\nالثالث: قاله الحسنُ البَصْرِيُّ، قال: نزلت في نَسْخِ التراجُعِ الذي كانوا يفعلونه، وذلك أنهم كان يَحْكُمون فيما بينهم أنَّ الرجلَ إذا قتلَ امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخِيار، إن شاؤوا قتلوا الرجلَ، وأَدَّوا نصفَ الدِّيةِ، وإن شاؤوا أخذوا نصفَ ديةِ رجلٍ. وإذا قتلت المرأةُ رجلًا، كان أولياءُ الرجل مخيَّرين، إن شاؤوا قتلوا المرأة، وأخذوا نصفَ دية رجلٍ، وإن شاؤوا أخذوا الدية الكاملة، ولم تقتل المرأة، فنُسخ ذلك من فعلهم.\nوقد روي هذا القولُ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٦).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٢٩٣).\nوانظر هذا القول في: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٠٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٨٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٨).\n(٢) في \"ب\": \"في\".\n(٣) في \"ب\": \"فأمر\".\n(٤) في \"ب\": \"يقاد\".\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٠٤). وقال بذلك الشعبي أيضًا؛ انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٠٤).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":203},{"text":"الرابع: ورُويَ (١) عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة (٢)، فيجب قتلُ الرجلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرجل، والحرِّ بالعبدِ، والعبدِ بالحرِّ (٣). وفي هذا نظر؛ فإنه لا شَكَّ في أن نطق الآية غير منسوخ، وإنما الذي ادُّعي نسخه هو المفهومُ (٤)، وفي نسخ المفهومِ خلافٌ بينَ أهلِ العلم بالنظر. فإذا قلنا: يصح، استقامَ القولُ بنسخه إذا قلنا: إن المفهومَ لا يَخُصُّ العُمومَ. والصحيحُ عندَ أهلِ العلم بالنظر والاستدلال أنَّهُ يخص العموم -أيضًا-.\nثم اعترضَ على هذا القولِ بعضُ العلماء، وقال: هذا لا يجوز عند جماعة من العلماء؛ لأن ما فرض الله -تعالى- لنا لا ينسخُه ما حكى الله تعالى لنا من شريعةِ غيرنا، واللهُ -سبحانه- أخبرَنا بما في سورةِ المائدةِ، أنها شرعةٌ لغيرِنا، ولم يفرضْها علينا (٥).\nوهذا الاعتراضُ غير مستقيمٍ؛ لأن الله تعالى قدْ بيَّنَ أَنَّ ذلك شُرِعُ لنا\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٢) رواه النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (١/ ٤١٩ - الدر المنثور) عن ابن عباس قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال: نسخته: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\nوانظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ١٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٢٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧٤ - ٧٥).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٩).\n(٤) ادَّعى النسخ جماعة من المفسرين؛ انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٦٤) و\"الدر المنثور\" للسيوطى (١/ ٤١٩).\n(٥) انظر: \"سبل السلام\" للصنعاني (٣/ ٤٧٧)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٥٢٥).","vol":"1","page":204},{"text":"-أيضًا- بطريق الإشارةِ، فقالَ في آخرِ الآية: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] يعني: القصاصَ، وشريعةُ بني إسرائيل لا تصدُّقَ فيها بالدم، ولا عفوَ، بل القصاصُ عليهم متحتِّمٌ (١)، ثبت ذلكَ في \"الصحيحِ\" عن ابنِ عباس -رضي اللهُ تعَالى عنهما- في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢) [البقرة: ١٧٨]، وعلى الجملةِ، فبعيدٌ أن يصحَّ القولُ بالنسخِ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.\nالخامس: قالهُ أبو عُبَيْدٍ، قال: آية المائدة مُفَسِّرة لآية البقرة؛ لأن أَنْفُسَ الأحرار متساويةٌ فيما بينهم، يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ والأنثى بالأنثى بآيةِ البقرةِ وآيةِ المائدةِ، ويقتلُ الرجلُ بالمرأةِ والمرأةُ بالرَّجلِ بآيةِ (٣) المائدة (٤).\nوفي هذا نَقْضٌ -أيضًا-؛ فإنَّ قتل المرأة بالرجل ثابتٌ بآية البقرة -أيضًا- بطريق الفحوى (٥).\nوهذا القولُ لا يستقيم، إلَّا عندَ مَنْ لا يرى مفهومَ الخطابِ حُجَّةً، وأما من يراهُ حُجَّةً كالشافعيِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- فإنه يجعلُ آية البقرة مفسِّرةً ومبيِّنةً لآيةِ المائدة؛ لعموم آية المائدة، وخصوصِ آية البقرة، ثم يخص آيةَ البقرةِ ويُبَيِّنُها بالسنَّةِ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١١٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٠).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٢٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ...﴾.\n(٣) \"آية\" ليست في \"ب\".\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢٠٩).\n(٥) يعني: مفهوم الموافقة.","vol":"1","page":205},{"text":"* فإن قال قائل (١): فبيِّنْ لنا كيفَ نجمعُ بين هاتين الآيتين؟ وكيف نَجعلُ آيةَ البقرةِ مبيَّنَةً لآيةِ المائدة بهذه الصيغة العزيزة؟\nقلت: قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فكتب الله تعالى القِصاصَ على المؤمنينَ في القتلى، ثم بيَّنَ ذلك القصاصَ والمساواةَ، فقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فدلَّ الخِطاب بفحواه على أن العبدَ يُقْتَلُ بالحرِّ، و(٢) أن الأنثى تُقتلُ بالذَّكَرِ؛ لأنه إذا قُتل الحرُّ بالحُرِّ، فأولى أن يقتل به العبدُ، وإذا قُتِلتِ الأنثى بالأنثى، فأولى أن تُقْتَل بالذَّكَرِ، و(٣) لكن تخصيص هذه الأفرادَ الثلاثةَ، وهي الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، يدلُّ بطريقِ المَفْهوم على أنَّ الحُرِّ لا يُقتلُ بالعبد، و(٤) أن الذَّكَرَ لا يُقتل بالأنثى، ولكنَّ عمومَ آيَة المائدةِ تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نَقْضي بالمَفْهومِ على العمومِ؟ أو نقضي بالعمومِ ويُتْرَكَ المفهومُ؟ هذا محلُّ نظرِ المجتهدِ، فحينئذ يَفْزَع المجتهدُ إلى دلائلِ السنَّةِ والقياسِ والأصولِ والتَّرْجيحاتِ عند التعارض.\nفنقول:\nأما الحرُّ فلا يُقتلُ بالعبد؛ لما رَوَى عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أن أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما- كانا لا يقتلان الحرَّ بقتل العبد (٥)،\n_________\n(١) في \"ب\": \"قيل\".\n(٢) في \"ب\" زيادة \"على\".\n(٣) الواو ليست في \"ب\".\n(٤) في \"ب\" زيادة \"على\".\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٥١٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤).","vol":"1","page":206},{"text":"ولما رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ -﵁-: أنه قال: من السُّنَّةِ ألاَّ يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ (١).\nوإلى هذا ذهبَ عَطاءٌ والحسنُ والزُّهْريُّ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وبهِ قالَ الشافعيُّ وجمهورُ أهلِ العلم رضي الله تعالى عنهم (٢).\nوذهب أبو حَنيفةَ والثَّوْرِيُّ وابنُ أبي لَيْلَى وداودُ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ إلى أنَّ الحرَّ يقتل به، وروي -أيضًا- عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ -﵃ - (٣)، حتى ذهبَ قومٌ إلى أن الحرَّ يُقتلُ بعبدِه (٤).\nولهم (٥) من الدليلِ عمومُ آيةِ المائدة. وما خرَّجه أبو داودَ عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"من قتلَ عبدَه قتلناهُ، ومَنْ جَدَعَهُ\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٤٧٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤).\n(٢) منهم المالكية والحنابلة؛ انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٧٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٤١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٩)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢٤٤).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٠٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٩)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢٤٤)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣١).\n(٤) ذهب إلى ذلك النخعي، والثوري في رواية عنه. وكذا البخاري، وعلي بن المديني.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٩).\n(٥) أي: من قال بقتل السيد بعبده.","vol":"1","page":207},{"text":"جَدَعْناهُ، ومن أَخْصاه أَخْصيناه\" (١). وبه أخذ البخاريُّ، قال البخاريُّ عن عليِّ بنِ المدينيِّ: سماعُ الحَسَنِ (٢) عن سَمُرَةَ صَحيحٌ (٣).\nوقيل: إنَّ الحَسَنَ لم يسمعْ من سَمُرَة إلَّا حديثَ العقيقَةِ (٤).\nواستدلَّ منْ قالَ بخلافِه بما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ رجلًا قتلَ عبدَهُ متعمِّدًا، فجلده النبيُّ - ﷺ -، ونفاه سنةً، ومحا سهمَه من المسلمين، ولم يُقِدْهُ منه (٥).\n* وأما الذكر فُيقتل بالأنثى عندَ عامةِ أهلِ العلم؛ لعمومِ آيةِ المائدةِ،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٥١٥)، كتاب: الديات، باب: من قتل عبده أو مثَّل به، أيقاد منه؟، والنسائي (٤٧٣٦)، كتاب: القسامة، باب: القود من السيد للمولى، والترمذي (١٤١٤)، كتاب: الديات، باب: الرجل يقتل عبده، وابن ماجه (٢٦٦٣)، كتاب: الديات، باب: هل يقتل الحر بالعبد؟ عن سمرة بن جندب، وعندهم \"عبده\" بدل \"عبدًا\".\n(٢) في \"ب\": \"من\".\n(٣) ذكره الترمذي في \"سننه\" (١/ ٣٤٢) عن البخاري، وقد ذكره البخاري في \"التاريخ الأوسط\" (١/ ٢٤٧)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٨٩).\n(٤) انظر: \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٨٤٧)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (١٦٨٤)، و\"المجتبى\" (١٣٨٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢٨٨).\nوانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٧١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ١٥٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٥٠٠).\n(٥) رواه ابن ماجه (٢٦٦٤)، كتاب: الديات، باب: هل يقتل الحر بالعبد؟، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٣٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٦)، وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٤٦٢)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٨/ ١٧٧).","vol":"1","page":208},{"text":"ولما رَوى أبو بكرِ بن (١) محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كتب إلى أهل اليمنِ: \"يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ\" (٢).\nوروي أنَّ عمرَ قتلَ ثلاثةَ نفرٍ بامرأةٍ قادهم بها (٣). ولأنهما شخصان يُحَدُّ كل واحد منهما بقذف الآخر، فجرى القصاص بينهما كالرجلينِ والمرأتين.\nقال الشافعيُّ: ولستُ أعلمُ ممَّنْ لقيتُ من أهلِ العِلْمِ مُخالفًا في أن الدَّمَيْنِ متكافئان في الحرية والإسلام، فإذا قَتَلَ الرجلُ المرأةَ، قُتل بِها، وإذا قتلته، قُتلتْ به، ولم يؤخذ شيء (٤).\nوكذا ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماع على قتل الرجل بها، وأنه لا شيء لأولياء المقتول قصاصًا.\nوحُكي عن الحسن أنه لا يُقتلُ الذكرُ بالأنثى (٥)، وهو شاذ.\nوأما ما يُروى عن عليٍّ والحَسَنِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- من أنه إذا قَتلتِ المرأةُ الرجلَ، كانَ على أوليِاء المرأةِ نصفُ الدِّيةِ (٦)، فمنقطع، وقد رُوي عنهما خِلافُ ذلك.\n_________\n(١) في \"أ\": \"عن\"، وهو خطأ.\n(٢) رواه النسائي (٤٨٥٣)، كتاب: القسامة، باب: ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول، واختلاف الناقلين له، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٨)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢٢٨)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٢/ ٣٠٥). عن عمرو بن حزم في حديثه الطويل.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٤٧٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ٢١).\n(٥) وحكي هذا القول عن عطاء أيضًا؛ انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٦٩).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٧١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٥٠٠).","vol":"1","page":209},{"text":"* ولما واجهَ اللهُ -ﷻ- بالخطاب المؤمنين، وقالَ: يا أيهُّا الذين آمنوا! ولم يقلْ: يا أيها الناس! يا بني آدم! استدلَلْنا به على اخْتِصاصِ القِصاصِ بالمُؤْمنين، وأنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، وتأيد الاستدلالُ عندنا بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولا أُخُوَّةَ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ. ثم وجدْنا النبيَّ - ﷺ - بيَّن ذلكَ عن اللهِ سبحانه؛ كما أشار إليه.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن أبي جُحَيْفَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- قالَ: سألتُ عليًا -رضي الله تعالى عنه-: هل عندَكُم من النبيِّ - ﷺ - شيء سوى القرآن؟ قالَ: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ إلَّا أَنْ يؤتيَ اللهُ عبدًا فَهْمًا في القرآن، وما في الصَّحيفةِ. فقلت: وما في الصحيفة؟، قالَ: العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، ولا يقتلُ مؤمنٌ بكافر (١).\nوذهبَ قومٌ من الكوفيين إلى أن المسلمَ يُقتل بالذِّمِّيِّ، واحتجوا بأحاديثَ ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تثبتُ بمثلها حُجَّةٌ في سفكِ دم رجلٍ مؤمنٍ، ولولا طلبي للاختصار، لذكرتها وبينت عن الحفاظ ضَعْفَها (٢).\n* ثم بيَّنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أن اللهَ -سبحانَهُ- أرادَ قتلَ الحُرِّ بالحُرِّ ما لم يكنِ القاتلُ والدًا للمقتول، فثبت عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- أنهُ\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٨٢)، كتاب: الجهاد، باب: فكاك الأسير.\n(٢) ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا يقتل مسلم بكافر مطلقًا، وخالف في ذلك الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه.\nانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٠٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٧٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ١٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٦٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":210},{"text":"قالَ: لولا أني سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - أنه قالَ: \"لا يُقادُ الأَبُ مِنِ ابنِه\"، لقتلتُه، هَلُمَّ ديتَةُ، فأتاه بها، فدفعها إلى ورثته، وترك أباه (١).\nوروي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: \"لا تقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يقادُ بالولدِ الوالِدُ\" (٢). ولأنَّ الأبَ سببٌ لوجودِ الابنِ، فلا يكونُ الابنُ سببًا لعدمه.\nوإلى هذا ذهب أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (٣)، وهو المختارُ عندي.\nوذهب مالكٌ إلى أنَّ الأبَ يُقادُ بابنه إذا قتلَهُ متعمِّدًا لا شُبْهَة له في دعوى الخطأ؛ كما إذا أضجعه وذبحه، وأما إذا رماه بالسلاح أدبًا أو غيظًا، فماتَ، فلا يُقتل، ويكونُ شبهةً للأب (٤)، بخلافِ الأجنبيِّ؛ فإنه يقتل بمثل\n_________\n(١) رواه ابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٨٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٨).\n(٢) رواه الترمذي (١٤٠١)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا؟، وابن ماجه (٢٥٩٩)، كتاب: الحدود، باب: النهي عن إقامة الحدود في المساجد، والدارمي في \"سننه\" (٢٣٥٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠٨٤٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٤١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٨١٠٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٩)، عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٧٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٤٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٨٣).\n(٤) الأصل في مذهب مالك: أن الأب لا يقتل بابنه؛ لأن شفقة الأب شبهة شاهدة بعدم قصد القتل، فإن فعل ما لا شبهة معه؛ كشق جوفه أو ذبحه أو وضع أصبعه في عينه فأخرجها، فالواجب هو القصاص.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٤)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":211},{"text":"هذا، واختاره ابنُ المنذرِ (١)؛ لعمومِ الكتاب العزيز، ولقولهِ - ﷺ -: \"المُسلمون (٢) تتكافأُ دِماؤهم\" (٣).\nوأجابوا: بأن الحديثَ باطلٌ غيرُ معروفٍ، وبأن عمر تَأَوَّلَ لأجلِ الشُّبهةِ، وأفسدوا القياس بما إذا زَنى الأبُ بابنته؛ فإته يُرْجَمُ، وتكونُ سَبَبًا لعدمه.\nوالجوابُ ضعيفٌ؛ أما العُمومُ فَمَخْصوصٌ. وأما دعوى التأويل من عمر، فخلاف الظاهر. وأما الاعتراض بالزنى بابنته، فإنه فعلٌ يوجبُ القتلَ، ولا يَسْقُطُ في هذا المَحَلِّ بحالٍ، بخلاف قتلِ الوالدِ، ولأنَّ عقوبةَ الزنى حَقٌّ لله -سبحانه-، وعقوبةَ القتل حقٌّ للمقتول، وكان الأب أَولى به، ولكن انتقل عنه لعدوانِه.\n* وفي الآيةِ دلالةٌ بَيِّنَةٌ على أن العبيدَ يَجْري بينهمُ القِصاصُ، وهو كذلكَ عندَ الشافعيِّ ومالكٌ، وروي عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٤).\nوقال قوم: لا يجري بينهم القصاص؛ لأنهم أموال كالبهائِم، وهو قولُ الحسنِ وابنِ شُبْرُمَةَ (٥).\n_________\n(١) وقد قال بقتل الوالد بولده مطلقًا: ابن نافع، وابن عبد الحكم، وابن المنذر. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٨٣).\n(٢) في \"ب\": \"المؤمنون\".\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) وهو قول أحمد وأكثر أهل العلم. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٧٥).\nوانظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٦)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٣٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٤٢).\n(٥) وقد روي ذلك عن ابن عباس -﵄- أيضًا. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٧٦).","vol":"1","page":212},{"text":"وفرَّق أبو حنمفةَ والثوريُّ بين النَّفْس وما دُونَها، فيُقاد في النَّفْس، ولا يُقاد فيما دونها، وروي (١) عن ابن مسعودٍ ﵁ (٢).\n* ولمَّا ذكرَ اللهُ -سبحانَهُ- القِصاصَ في القَتْلى، بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - صِفَتَهُ، فرضَخَ رأسَ يهوديٍّ بينَ حَجَرَيْنِ، كما رضخَ رأسَ جاريةٍ بحَجَرٍ (٣).\nوبهذا أخذ مالكٌ والشافعيُّ (٤)، خلافًا لقوم؛ حيث اعتبروا السيف مطلَقًا (٥).\n* ثمَّ إن اللهَ سبحانَهُ رَحِمَنا -أيتها الأمَّةُ الكريمةُ- فجوَّز لنا العَفْوَ، ولم يُحَتِّمْ علينا القَتْلَ، فقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فليكن اتباع بالمعروف من وليِّ الدمِ، فلا يُعَنِّفْ، ولا يطلبْ أكثرَ من حَقِّهِ.\nوكذلك من الجاني، فلا يُحْوِجْهُ إلى العنفِ وسوءِ المطالَبَة.\nواختلفَ أهلُ العلم في هذه الآية، منْ هُو المعفوُّ لَهُ؟\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٢) وهو قول الشعبي والنخعي أيضًا. انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١٨١٦٧ - ١٨١٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٧٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٨٢)، كتاب: الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي، ومسلم (١٦٧٢)، كتاب: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة، عن أنس بن مالك.\n(٤) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٤٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ٢٢٩).\nوللإمام أحمد في هذا روايتان؛ إحداهما: يُقتل بما قَتل به، والثانية: لا قصاص في النفس إلا بالسيف، وهذه هي المعتمدة المشهورة.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٥١٢)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٤٩٠).\n(٥) وهو قول الحنفية، والرواية المعتمدة عند الحنابلة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ١٣٧)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٤٩٠).","vol":"1","page":213},{"text":"هل هو الجاني عُفي له عن جنايته، والعافي وليُّ الدَّمِ؟ وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ ومُجاهدٍ وجُمهورِ أهلِ العلمِ.\n- أو المعفوُّ لهُ هو الوَلِيُّ عفي له بِديَةٍ أُعْطِيَها، والعافي هو الجاني؟ وهو تأويل مالكٍ وأبي حنيفةَ، وهذا ثمرةُ اختلافهم في أن القاتل هل يُفْتَقَرُ إلى رِضاهُ في العَفْوِ عن الدية؟ أو لا يفتقر إلى رِضاهُ؟.\nفمن قالَ: لا يُفتقر إلى رضاهُ، كان العافي وليَّ الدَّمِ.\nومن قال: يُفتقر إلى رِضاهُ، جعل العافيَ هو الجاني إذا رَضِيَ ولِيُّ الدَّمِ بقبول الدِّيةِ.\nوقدْ ذهبَ أكثرُ العلماءِ من الصحابةِ والتابعين إلى أنه لا يُفتقر إلى رضاه. وبه قال مالكٌ والشافعيُّ (١).\nوقال قوم: يُفتقر إلى رضاهُ، وهو قولُ الحسنِ والنَّخَعِيِّ، وبه قالَ أبو حنيفةَ (٢)، ومالكٌ في أضعفِ الروايتين عنه (٣).\nوالأولُ أقوى؛ لكثرةِ الاستعمالِ في لسانِ العرب؛ فإن أكثرَ استعمالِهم\n_________\n(١) وهو المعتمد عند الحنابلة. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٤١٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٨٨)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١٠/ ٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٨)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ٢٨٤).\n(٣) قلت: الصواب أن هذه الرواية هي المشهورة عن الإمام مالك، وهي المعتمدة.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٦)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٤١٣)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٨/ ٢٩٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٣٦٨).","vol":"1","page":214},{"text":"للعفو إنما هو عن الجنايِة، وذلكَ -أيضًا- شائعٌ مستفيضٌ في ألفاظِ الكتابِ والسنَّةِ.\nفإن قلتَ: فهلْ تجدُ في الكتابِ والسُّنَّةِ دليلًا على ترجيحِ المعنى الأولِ غيرَ الاستعمالِ؟\nقلتُ: نعم، قالَ اللهُ تعالى في مثلِ حكمِ هذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. والمتصدِّقُ هو المجروحُ، أو وليُّ الدمِ، لا الجاني، بل الجاني متصدَّق عليه، فهوَ معفوٌّ له، بدليل قراءة أُبيٍّ (١) -﵁:- (فهو كفارته له) (٢). وبما روي عنه - ﷺ -: \"من تَصَدَّقَ من جَسَدِه بشيءٍ، كَفَّرَ اللهُ عنهُ بقَدْرِهِ من ذنوبه\" (٣). وثبت عنه - ﷺ - أنه قال: \"ثمَّ أنتمْ يا خُزاعَةُ قد قتلتمْ هذا القتيلَ من هُذَيْلٍ واللهِ عاقِلُهُ، مَنْ قتلَ بعدَهُ قتيلًا، فأهلُهُ بين خِيْرَتَيْنِ: إن أحبُّوا أخذوا العَقْلَ، وإنْ أَحَبُّوا قَتَلوا\" (٤).\n_________\n(١) في \"أ\": \"أبي هريرة\".\n(٢) \"له\" ليست في \"أ\". وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣٣٠)، و\"روح المعاني\" للألوسي (٦/ ١٤٩).\n(٣) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١١١٤٦)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٣٦٦)، عن عبادة بن الصامت.\n(٤) رواه أبو داود (٤٥٠٤)، كتاب: الديات، باب: ولي العمد يرضى بالدية، والترمذي (١٤٠٦)، كتاب الديات، باب: ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٠٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٤٨٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٩٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٥٢)، عن أبي شريح الكعبي، وهذا لفظ البيهقي.","vol":"1","page":215},{"text":"* وفي (١) الآية دليلٌ على (٢) أنه إذا عُفي عن بعضِ الدَّم، سقطَ القِصاص، وقد فعلَ ذلك عمرُ وابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٣).\n* ثم توعّدَ اللهُ سبحانه مَنِ اعْتَدى فَقَتَل القاتِلَ بعدَ العَفْوِ وقَبولِ الديةِ بعذابٍ أليمٍ، وهو أن يُقْتَلَ قِصاصًا.\nقالَ قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ: يتحتَّمُ قتلُه حتى لا يُقْبَلَ العَفْوُ (٤)؛ لِما رَوَى أبو داودَ عن جابرٍ -﵁- عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: \"لا أعافي أَحَدًا قَتَلَ بعدَ أَخْذِ الدِّيَةِ\" (٥). وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: أمرُهُ إلى الإمامِ، يفعلُ فيه ما رَأى (٦).\n* وبيَّنَ -سبحانَه- وَجْهَ الحِكْمَةِ في القِصاصِ، وأنهُ حياةٌ للناسِ، وحقنُ\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"هذه\".\n(٢) \"على\" ليست في \"أ\".\n(٣) هذه المسألة هي: إذا عفا بعض الورثة عن حقه في القصاص، فإن القصاص يسقط، وقد قال بذلك جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة.\nانظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٠/ ١٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ٢٩٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٤١٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ٢٣٩)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٤٨١).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١١٢) عن قتادة والسدي، ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ١٦) عن ابن جريج.\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٢٠٠)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٦/ ٣٩٦) عن قتادة مرسلًا.\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٢٠٤).\nوقال جماعة من العلماء؛ إنه كمن قتل ابتداء، فللولي قتله، أو أخذ الدية بعد العفو. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٠٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٣٩)، و\"فتح القدير\" للشوكاني (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":216},{"text":"دمائهم فقالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقد اسْتَنْبَطْنا من هذا أنَّ الجماعةَ يُقتلون بالواحِد؛ كما فعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (١) - فإنَّهُمْ لو لم يُقتلوا به، لم يحصل لنا حياة، وكان التعاون والاشتراك ذريعةً إلى سقوط القِصاص، ووقوعِ الفَسادِ في الأرض (٢).\nوالعَجَبُ من الإمامِ أحمَدَ حيث تعلَّقَ بشبهةِ المساواةِ في القِصاص، وغَفَلَ عن وَجْهِ الحكمةِ (٣)، معَ فعلِ عمرَ بمحضرٍ من الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، ولم يخالفهُ منهمْ أحدٌ علمناهُ.\n* * *\n_________\n(١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٧١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٠٧٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٦٩٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤١): أن عمر -﵁- قتل سبعة من أهل صنعاء اشتركوا في دم غُلامٍ، وقال: \"لو تَمَالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا\".\n(٢) وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ٢٨٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٩/ ١٥٩)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٤٥٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٨٠).\n(٣) حكي ذلك عن الإمام أحمد في رواية، والرواية المعتمدة وعليها الأصحاب كقول الجمهور، وقد حكاه ابن المنذر عن معاذ، وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت. وهو مذهب داود الظاهري. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٩٥)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣١٩)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٤٥٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٢١١).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>(أحكام الوصايا)</span>\n٦ - (٦) قوله جل ثناؤه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].\nأقول: اختلفَ أهلُ العلمِ في تأويلِ هذه الآية اختلافًا كثيرًا، فاختلفوا في نسخها، وفي الناسخ لها، وفي المَنْسوخِ منها (١).\n* فذهبَ فريقٌ من الناسِ إلى عَدَمِ نَسْخهِا، ثم اختلفتْ بهمُ الطرقُ:\nفقال بعضُهم (٢): يجمع للوارثِ بين الوصيَّةِ والإرثِ بهذه الآية، وبآيةِ المواريث. وهذا القولُ بعيد جدًا، مخالف للإجماع.\nوتأوَّلَ بعضُهم فقال: معنى الآية: كتبَ عليكمْ ما أوصى من توريثِ الوالدينِ والأقربينَ من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ الآية [النساء: ١١]. وكتب على المُحْتَضَر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٥)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ١٧ - ١٨)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٢٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧٥ - ٧٦).\n(٢) هو قول الجصاص من الحنفية، وأحد التقريرات الثلاثة التي وجه بها الرازي قول أبي مسلم الأصفهاني في كون الآية غير منسوخة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٠٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٦٧)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":218},{"text":"ما أوصى الله -تعالى- لهم، ولا ينقص من أَنْصِبائهم، بالمعروفِ: بالعدلِ. وهذا -أيضًا- بعيدٌ جدًا (١).\nوحكي عن الشعبيِّ والنخعيِّ أنَّ الوصيةَ للوالدينِ والأقربينَ في هذه الآية على الندب لا على الفرض، فنسخت السنَّةُ جوازَ الوصيةِ للوالدين، وبقيتِ الوصيةُ للأقربينَ على الندبِ (٢). وهو بعيد جدًا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، إلا أن يريدَ أنها صارَتْ على الندبِ بعدَ أَنْ نُسِخَ وُجوبها، ثُمَّ نسخت السنةُ جوازَ الوصية، فهذا معنى قولِ أكثرِ العلماء الذي سأحكيهِ، إن شاء الله تعالى.\nوإنما حكيت هذه الأقوال مع ضعفها؛ لئلًا يُغْتَرَّ بها.\n- وقال أكثرُ أهلِ العلمِ أو عامَّتُهم: هي منسوخةٌ، وهو الحق (٤).\n_________\n(١) هذا التأويل مبني على قول أبي مسلم الأصفهاني، قال الرازي -﵀- في \"تفسيره\" (٣/ ٦٧): وتقرير قوله -أي: أبي مسلم- من وجوه:\nأحدها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث، ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم.\nثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث، عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، انتهى.\nقلت: وبهذا يتبين أن القول الأول داخل في هذا القول وراجع إليه، والله أعلم.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٢٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٦)، و\"فتح القدير\" للشوكاني (١/ ٢٠٥).\n(٣) \"جدًا\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١١٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي =","vol":"1","page":219},{"text":"* ثم اختلفوا في الناسخِ لها.\nفقال أكثرُهم: كانت الوصيةُ واجبةً في صدر الإسلام، ثم نسختها آية المواريث. روي ذلكَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهم (١).\nواستشكل هذا قومٌ فقالوا: الفرضُ في آيةِ المواريثِ مطلَقٌ، لم يقل اللهُ سبحانه: لا شيءَ لوالديه إلا كذا أو كذا فرضًا من بعدِ وصيَّةٍ، فقدْ كانَ يجوزُ أن يثبت لهمُ الفرضُ المذكور من بعدِ ما يوصى لهُم بنصِّ القرآن المتصل بفريضة الميراث.\nولأجل هذا الإشكال، قال قومٌ (٢): هي منسوخة بقوله - ﷺ - في حجَّةِ الوداع: \"إن اللهَ قَدْ أَعْطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ\" (٣). وقالوا: هذه سنَّةٌ تلقَّتْها الأمةُ بالقبول، فجاز نسخُ القرآن بها، وهؤلاء هم القائلونَ بجوازِ نسخِ السُّنَّةِ للقرآن.\nوهذا الاستشكالُ باطلٌ، والنظرُ إليه غَفْلَةٌ. فقدِ اتفقَ المُفَسِّرونَ وغيرُهم\n_________\n= (١/ ٢/ ٢٤٥)، و\"تفسر ابن كثير\" (١/ ٣٧٣).\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٦٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٣).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٥) وقد صحح القرطبي هذا القول، وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٠٥)، و\"تفسير الرازي (٣/ ٦٨).\n(٣) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، والترمذي (٢١٢٠)، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، وابن ماجه (٢٧١٣)، كتاب: الوصايا، باب: لا وصية لوارث، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٧)، عن أبي أمامة الباهلي.","vol":"1","page":220},{"text":"من أهل العلمِ -واللهُ أعلم- على أن آية (١) الوصية نزلت قبل آية المواريث، وثبت أن النبيَّ - ﷺ - قال \"إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارثٍ\" (٢)، فالسنَّةُ مبيِّنَةٌ أن آيةَ المواريث ناسخة لآية الوصية، لا أن السنَّةَ هي الناسخة لها (٣).\n* وأما المنسوخُ منها؛ فذهبَ طاوس، وقليلٌ من أهلِ العلمِ إلى أنها منسوخة في حَقِّ الأقارب الذين يرثون، وبقي وجوبُها في الأقارب الذين لا يرثون؛ كالأبوين الكافرين، والعبدين.\nويحكى هذا القولُ عن الحسنِ وقَتادةَ والضَّحّاك وابنِ راهويه، ويروى عن ابنِ عباسٍ ﵄ (٤).\nقال طاوس: إن الوصية كانتْ قبلَ الميراثِ، فلما نزل الميراثُ، نُسِخَ من يرثُ، وبقيتِ الوصيةُ لمن لا يرثُ، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة، لم تجز وصيته (٥).\n_________\n(١) \"آية\" ليست في \"ب\".\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) وذهب عدة من أهل العلم إلى أن الآية منسوخة بآية المواريث مع انضمام الحديث إليها. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (١/ ٢٤٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٥).\n(٤) كما قال به أيضًا: مسروق، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١١٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٦)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١٦٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٢).\n(٥) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ١٣٥)، ومن طريقه: البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٥).","vol":"1","page":221},{"text":"وقال الحَسَنُ: إذا أوصى الرجلُ لغير ذي قرابة بثلثه، فلهم ثلثُ الثلث، والباقي لقرابته (١).\nوقال أكثرُ أهلِ العلمِ: نُسخ وجوبُ الوصيةِ في جميع الأقربين، ثم مُنِعَ من الوصيةِ للوارِثين، واستُحِبَّتْ لغيرِ الوارِثين، وهو قولُ ابنِ عمرَ ومجُاهدٍ والشعبيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ ومالكٍ والشافعيِّ (٢).\nوفي البخاري عن ابن عباسٍ -﵄- قال: كانَ المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ، فنسخَ اللهُ من ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيين، وجعل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع (٣).\nفإن قال قائل (٤): فالآية محتملة لما قالَ طاوس، فهل تجدُ دليلًا على موافقته أو مخالفته، وأنَّ الأقربينَ غيرُ الوارثينَ لا تجبُ لهمُ الوصيةُ؟\nقلت: الدلالة على خلافِ قولهِ مِن وَجْهين:\nأحدهما: ما رواه عِمرانُ بنُ الحُصَيْنِ -﵁-: أنَّ رجلًا أعتقَ ستةَ عبيدٍ في مرضِهِ عندَ موته، لا مالَ له غيرُهم، فأقرعَ رسولُ اللهِ بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة (٥).\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١١٧).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١١٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٢)، و\"فتح القدير\" للشوكاني (١/ ٢٠٥).\n(٣) رواه البخاري (٢٥٩٦)، كتاب: الوصايا، باب: لا وصية لوارث.\n(٤) في \"أ\": \"القائل\".\n(٥) رواه مسلم (١٦٨٨)، كتاب: الأيمان، باب: من أعتق شركًا له في عبد.","vol":"1","page":222},{"text":"ومعلومٌ أنَّ العبيدَ ليسوا بذي قَرابةٍ؛ لأن المعتِقَ عربيٌّ، وإنما يملكُ مَنْ لا قرابةَ بينَهُ وبينَهُ من العَجَمِ، والعتقُ: وصيةٌ للعبيدِ بالعتقِ، أو كالوَصِيَّةَ.\nوالثاني من الوجهين: أنَّ اللهَ -سبحانه- لم يَضَعِ الفَرائِضَ إلا في الأقربين، فجعلها في الأُصول والفُروع، وأولِ فصلٍ منْ كلِّ أصل، وهو -سبحانه- لم يجعلِ الوصيَّةَ المنسوخَة -أيضًا- إلَّا للأقربين دون القريبين، إلَّا أن يدَّعِيَ مُدَّع أنهُ كانَ واجبًا في صدرِ الإسلام أَنْ يوصيَ الرجلُ لجميعِ عشيرتِهِ وقَرابتِه وأرحامِهِ، فحينئذٍ يجبُ عليه إثباتُه حتى يُنْظَرَ فيه، واللهُ أعلم.\n* وأمرَ اللهُ -سبحانه- المُوصيَ أنْ يوصِيَ بالمَعْروف، وجعل هذا الذي هو المعروفُ إلى اجتهاده. ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١ - ١٨٢]. ولما نسخ اللهُ -سبحانَه- وجوبَ هذهِ الوصية، وأعطى الوالدينِ والأقربين حقوقَهم، وندب إلى الوصيةِ، جعلَ بيانَ المعروفِ إلى نبيِّهِ محمدٍ - ﷺ - (١)، فقال لِسَعْد لمّا أرادَ أن يوصيَ بنصفِ مالِهِ: \"الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثيرٌ\" (٢) حتى جعلَهُ الحَسَنُ حدًّا لا تجوزُ الزيادةُ عليه (٣).\n_________\n(١) أنظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٤٩).\n(٢) رواه البخاري (٢٥٩١)، كتاب: الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم (١٦٢٨)، كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٧١).\nوقد ذهب جماهير العلماء إلى أنه ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث، وهو قول أكثر التابعين، وخالف في ذلك الحنفية، فأجازوا الوصية بالمال كله إن لم يترك وارثًا.\nانظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٠/ ٤٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي =","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>(من أحكام الصِّيام)</span>\n٧ - ٨ (٧ - ٨) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].\nأقول:\nأما الأولى فبيِّنة في مكتوبية الصيام مُجْمَلةٌ، في أصل الصِّيام ووَضْعِه، ولكنه قد اتفقَ أهلُ العِلْمِ بالقرآنِ -واللهُ أعلمُ- على أن الآيتين نزلتا في فريضة صوم رمضان.\n* واختلفوا في المَعْنيِّ بالذين مِنْ قبلِنا.\n- فقال قوم (١): الإشارةُ إلى الأمم الخاليةِ، وذلكَ أَنَّ الله- سبحانه -\n_________\n= (١/ ٢/ ٢٤٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ٤٨٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٧/ ٣١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠٤).\n(١) هو قول الحسن البصري، والسدي، ومجاهد، وقتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ١٢٩)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":224},{"text":"ما أرسلَ نبيًا إلا افترضَ عليهِ وعلى أُمَّتهِ صِيامَ شهرِ رَمضانَ، فكَفَرت بهِ الأممُ كُلُّها، وآمَنَتْ بهِ أُمَّةُ محمدٍ - ﷺ -.\n- وقال قوم: المعنيُّ بالذين مِن قبلنا: هُمُ النَّصارى، ويروى عن الشعبيِّ والحَسَنِ ومجاهدٍ أَنَّهُمْ قالوا: إنَّ اللهَ -ﷻ- كانَ قدِ افترضَ على مَنْ كانَ قبلَنا مِنَ النَّصارى في صومِ رمضانَ، فحوَّلوه عن وقتِه، ثُمَّ زادَ كلُّ قرنٍ يومًا في أولهِ للاستبراء والاحتياطِ، ويومًا في آخره، حتى صار إلى الخمسين يومًا، ففرض الله علينا صومَهُ خاصَّةً، كما كان فرضًا عليهم بقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٨٣].\n* ثم قال آخرونَ (٢): والمعنيُّ بقوله: \"كما كتب\": صفةُ الصوم، وذلك أن النصارى كانوا إذا أفطروا، أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يناموا، وكانَ المسلمونَ كذلكَ في التحريم ما لم يناموا، أو يصلُّوا العِشاءَ الآخرةَ. ثم نزلَ قولُه ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧].\n* فهذه الآيةُ منسوخةٌ على هذا القول (٣).\n_________\n(١) انظر الروايات في: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٤٢٨) وما بعدها.\nوانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٢٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢١٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٦).\n(٢) هو قول ابن عباس، وأبي العالية، وابن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والسدي، والربيع بن أنس، وغيرهم.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢١٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٦).\n(٣) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ١٨)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧٧).","vol":"1","page":225},{"text":"روينا في \"صحيح البخاري\" عن أبي إسحاق قال: سمعتُ البراءَ يقولُ: لما نزلَ صومُ رمضانَ، كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كُلَّه، فكانَ رجالٌ يخونونَ أنفسَهُم، أنزل اللهُ ﷿: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) الآية [البقرة: ١٨٧]، وهي -أيضًا- مع ذلك ناسخة.\nواختلفوا في المنسوخ بها.\nفقيلَ: صومُ يومِ عاشوراء، روي في \"صحيحِ البخاري\"، عن عائشةَ -﵂- قالت: كانَ يومُ عاشوارءَ تصومُهُ قريشٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكان النبيُّ - ﷺ - يصومُهُ، فلما قدمَ المدينةَ صامَهُ، وأمرَ بصيامِهِ، فلما نزلَ رمضانُ، كان رمضانُ الفريضَةَ، وترك عاشوراء، فمنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ لم يَصُمْهُ (٢).\nوروينا نحوَهُ عنِ ابنِ عُمَرَ وابنِ مسعودٍ، رضيَ اللهُ تعَالى عنهم (٣).\n- وقيل: المنسوخُ بها صومُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ، كانَ أمرَ بهِ النبيُّ - ﷺ - في أولِ قدومِهِ المدينةَ (٤)، ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ ومُعاذٍ، رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٣٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ...﴾.\n(٢) رواه البخاري (١٨٩٨)، كتاب: الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء.\n(٣) وانظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٨).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٣٣)، عن عمرو بن مرة.\n(٥) وكذا روي عن ابن مسعود ﵁، وهو قول عطاء، وقتادة، والضحاك.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٣٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢١٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٧٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":226},{"text":"روينا في \"سُنَنِ البَيْهَقِيِّ\" عن عمرِو بنِ مُرَّةَ يقولُ: سمعت ابنَ أبي ليلى يقول: أُحيلَتِ الصلاةُ ثلاثةَ أحوالٍ، والصَّوْمُ ثلاثةَ أحوال، فحدَّثَنَا أصحابُ النبيِّ - ﷺ -: لمّا قدمَ عليهم أَمَرَهُمْ ليصوموا ثلاثةَ أيام من كل شهر تطوعًا غيرَ فريضةٍ، ثم نزل صيامُ رمضانَ، وكانوا قومًا لم يتعوَّدوا الصِّيامَ، فكان يشتدّ عليهم الصيامُ، فكان مَنْ لم يصمْ، أطعم مسكينًا، ثم نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكانت الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، قال: وكان الرجلُ إذا أفطرَ، فنامت امرأتهُ، لم يأتِها، فإذا نام ولم يَطْعَمْ، لم يَطْعَمْ إلى مثلِها من القابِلَةِ، حتى جاءَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- يريدُ امرأتَهُ، فقالت: إني قد نمتُ، فقال: إنَّما تَعْتَلِّين، فوقع بها، وجاء رجلٌ من الأنصار فأراد أن يَطْعَمَ، فقالوا: حتى نُسَخِّنَ لك شيئًا، فنام، فنزلت هذه الآية (١).\n* وأما الآيةُ الثانيةُ، فأولُها مُحْكَمٌ، وباقيها (٢) منسوخٌ على المشهورِ عندَ أهلِ العلم (٣).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٠)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٢٤٣٦)، من طريق أبي داود (٥٠٦)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان. ورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٤٦)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٨٣).\n(٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.\n(٣) اختلف العلماء فيها، هل هي محكمة أم منسوخة، على قولين:\nالأول: هي منسوخة، وهو قول أكثر العلماء.\nالثاني: هي محكمة وليست منسوخة،، إنما هي خاصة بالشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والسدي، وغيرهم.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٣٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢١٨)، و\"الجامع =","vol":"1","page":227},{"text":"* فأباحَ اللهُ -سبحانَهُ- بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] الفطرَ للمريضِ والمسافِر، وأكَدَ حُكْمَهُ بالذكر، فأعاده في الآية التي تلي هذهِ الآيةَ، وأوجبَ عليهما العِدَّةَ منْ أيامٍ أُخَرَ، ولم يوجبْ عليهما فِدْيَةً.\nوبين النبيُّ - ﷺ - أنَّ الحائِضَ في معناهُما، قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: كنا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصلاة (١).\nوقِسْنا النُّفَساءَ على الحائِضِ؛ لكونها في معناها؛ لأن النّفاسَ حَيْضٌ مجتمعٌ.\n* فإنْ قلتُم: فهل فِطرُ المسافر على سبيل الرُّخْصَةِ أو على سبيل العزيمةِ؛ فإنَّ (٢) اللفظ يحتملُ ألاَّ يجعلَ لهم صومَ رمضانَ، ويجعلَ عليهم عددًا آخر، ويحتملُ أن يكونَ أَمَرَهُمْ بالفطر في هاتين الحالتين على الرخصة، إن شاؤوا؛ لئلاّ يحرجوا إن فعلوا، واللَّفْظُ في العَزْمِ أظْهَرُ؛ لترتُّبِ المَشْروطِ على الشَّرْطِ؟\nقلتُ: الذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أَنَّهُ بطريقِ الرُّخْصَةِ، واحتجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: كنا نسافرُ مع النبيِّ - ﷺ -، فمنّا الصائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعيبُ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِمِ (٣).\n_________\n= لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٨).\n(١) رواه مسلم (٣٣٥)، كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض.\n(٢) في \"أ\": \"إن\".\n(٣) رواه مسلم (١١١٦)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.","vol":"1","page":228},{"text":"ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعُروةَ بن الزُّبيرِ وعلي بنِ الحُسَينِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- أنهم قالوا: لا يجوزُ الصومُ في السَّفَرِ، ومنْ صامَ فعليهِ القضاءُ، وجعلوهُ كالعاصي بصومِه، وبه قال داودُ وأهلُ الظَّاهِرِ.\nولهم من الحجَّةِ: ظاهِرُ الآيةِ، وقولُه - ﷺ -: \"ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ\" (١). وما روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -﵁-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - خرجَ إلى مكَّةَ عامَ الفتحِ في رَمَضانَ، فصامَ حتى بلغِ كُراعَ الغَميمِ (٢)، فصامَ الناسُ، فقيلَ له: يا رسولَ الله! إنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ، فدَعا بقَدَحٍ من ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشربَ، والناسُ ينظرون، فأفطرَ بعضُ الناس، وصامَ بعضُهم، فبلغه أنَّ ناسًا صاموا، فقال: \"أولئكَ العُصاةُ\" (٣)، وما روى ابنُ عباسٍ -﵄-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - خرجَ عامَ الفتح في رَمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَديدَ (٤)، ثم أفطر فأفطر الناسُ\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٤٤)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر: \"ليس من البر الصوم في السفر\"، ومسلم (١١١٥)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ..، عن جابر بن عبد الله، بلفظ \"الصوم\" بدل \"الصيام\". وقد رواه أبو داود (٢٤٠٧)، كتاب: الصوم، باب: اختيار الفطر. وغيره عن جابر بن عبد الله -أيضًا- بهذا اللفظ.\n(٢) كُراع الغَميم: بضم الكاف، والغَميم: بفتح الغين وكسر الميم، وهو واد بين مكة والمدينة، بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو أمام عسفان بثمانية أميال، يضاف هذا الكراع إليه، وهو جبل أسود بطرف الحرة يمتد إليه.\nانظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٣٥٠)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٢٤٦).\n(٣) رواه مسلم (١١١٤)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.\n(٤) الكَدِيد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة، موضع بين عسفان وقديد، على اثنين وأربعين ميلًا من مكة. انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٣٥١)، =","vol":"1","page":229},{"text":"معه (١). وإنَّما كانوا يأخذون بالأحْدَثِ مِن أَمْرِ رسول الله - ﷺ -، وما روي: أنَّ عمرَ -﵁- أمرَ رَجُلًا صامَ في السفرِ أن يقضيَ الصِّيامَ (٢).\nفإن قلتم: فما اختيارُك؟\nقلت: ما عليه الأكثرُ من أهل العلم.\nفإنْ قلتُم: فما الجوابُ عنْ هذه الأدلَّةِ القويَّةِ؟\nقلت: أما الآيةُ، فإنها تحتمل الأمرين، فقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] يحتملُ أن يكونَ للعزيمةِ، ويحتملُ أن يكونَ للرُّخْصَةِ، ودلَّ على أنه للرُّخْصَةِ تخييره لذوي الطاقة في الإفطار والصوم؛ فإن ذلك لمّا كانَ في آيةٍ واحدةٍ، دلَّنا على التَّخْييرِ والرُّخْصَةِ.\n- وأما قوله - ﷺ -: \"ليس من البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ\"، فالجوابُ عنهُ: أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ الله -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- روى هذا الحديث مفسّرًا بسببهِ، وذكر أنَّ النبيَّ - ﷺ - رأى زِحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فسأل عنهُ، فقيل له: صائم، فقال: \"ليسَ من البرِّ الصيامُ في السَّفَر\" (٣)، ويحتمل أن مرادَهُ ليسَ من الِبرِّ المفروضِ الذي مَنْ خالفه أَثِمَ.\n_________\n= وانظر: \"معجم ما استعجم\" لأبي عبيد البكري (٤/ ١١١٩).\n(١) رواه البخاري (١٨٤٢)، كتاب: الصوم، باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، ومسلم (١١١٣)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ...، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) انظر المسألة في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦٥)،، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٠).\n(٣) رواه مسلم (١١١٥)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .... وعنده: \"أن تصوموا\" بدل \"الصيام\".","vol":"1","page":230},{"text":"- وأما قوله - ﷺ -: \"أولئك العصاة\"؛ فإنه - ﷺ - إنما أفطرَ لَمّا قيلَ لَهُ: شَقَّ على الناسِ الصِّيامُ، وكانتِ المَشَقَّةُ أَفْضَتْ بهمْ إلى حَدِّ الضَّرَرِ، وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ، حَرُمَ الصوْمُ، وذمَّهُمْ لمَّا خالفوهُ ورَغبِوا عن سُنَّتِهِ وقَبول رُخْصَتِه، ولهذا لم يُنْقَلْ أنه عَيَّرهُم، أو أمرهم بالقضاءِ والتَّدارُكِ.\n- وأمّا قولُ عمرَ -﵁-، فقال الشافعيُّ: لا أعرفُه عنه، وإنْ عرفتهُ، فالحجَّةُ ثابتةٌ بما ثبتَ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - (١).\n- وأما قولُ ابنِ عباسٍ: يؤخذ بالأحدثِ فالأَحدث، فالظاهرُ أَنَّهُ من قوله، ويحتمل أنْ يقولَهُ من روى عنهُ برأيهِ واجتهادِه، فقد يسمعُ الراوي الشيءَ، فيتأوَّلُه، ولا يسمعُ غيرَه، ولا يمتنعُ على من علم الأمرين أن يقول بهما.\n* فإن قلتم: فما الأفضلُ عندَ من يقولُ بالرخصةِ؟\nقلت: قالت طائفة: الفِطْرُ في السفرِ أفضلُ، رُوِيَ ذلكَ عنِ ابنِ عُمَرَ وابن عَباسٍ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ ومُجاهدٍ وقتادَةَ والشَّعْبِيِّ والأوزاعِيِّ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأحمدَ وإسحاقَ (٢)، وإيَّاهُ أَختارُ؛ لما فيه من التأسّي والاقتداءِ برسولِ الله - ﷺ - الذي مَنْ خالفَهُ رَغْبَةً عنهُ، استَحقَّ أن يُسَمَّى عاصِيًا، وللخروج من الخلاف.\n- وذهبَ قومٌ إلى أن الصومَ أفضلُ، رويَ ذلك عنِ ابنِ عباسٍ (٣) ومعاذٍ\n_________\n(١) انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (ص: ٤٩٣).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦١).\n(٣) في \"ب\": \"أنس\" بدل \"ابن عباس\".","vol":"1","page":231},{"text":"وعثمانَ بن أبي العاصِ الثقفيِّ، وبه قالَ إبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جبير، ومالكٌ في رواية، وإليه يؤولُ مذهبُ الشافعيِّ ﵁ (١).\n- والمشهورُ عندَ المالكيةِ التخييرُ (٢)؛ لما روى أَنَسٌ -﵁- قالَ: سافرْنا مع رسولِ الله - ﷺ - في رمضانَ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِم (٣).\n* فإن قلتُم: فبيِّنْ لنا حَدَّ السفرِ والمرضِ عندَ إمامِنا الشافعيِّ وغيرِه من أهل العلمِ، وبيِّنْ لنا مُسْتَنَدَ الشافِعيِّ في التحديد.\nقلتُ: أما السفرُ، فذهبَ قومٌ إلى أنه مسيرةُ يومٍ واحدٍ (٤)، وذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ ثلاثةُ أيامٍ، وهوَ قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ (٥).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية، ومشهور مذهب المالكية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦٧)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٦١)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣١٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٢/ ٣٧٠).\n(٢) قلت: لكن المشهور عند المالكية هو القول بأن الصوم في السفر أفضل.\nانظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٠٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥١٢)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣١٠).\n(٣) رواه البخاري (١٨٤٥)، كتاب: الصوم، باب: لم يعب أصحاب النبي - ﷺ - بعضهم بعضًا في الصوم والإفطار، ومسلم (١١١٨)، كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.\n(٤) وروي عن ابن عباس ﵄، وهو قول الأوزاعي وابن المنذر. انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٨١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١٠٦)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٤/ ٢١٢).\n(٥) وهو قول ابن مسعود، وسويد بن غَفَلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١١)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٩)، و\"المغني\" لابن =","vol":"1","page":232},{"text":"وأما الشافعيُّ، فلمّا قامَ الدليلُ عندَهُ على الفرقِ بينَ قليلِ السفرِ وكثيرِهِ، طلبَ دليلًا في التحديدِ، فلم يجدْ إلاّ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-: أنهم قَصَروا وأفطروا في أربعةِ بُرُدٍ (١)، فقضى به (٢)؛ إذْ لم يجدْ أقل منهُ في التحديد، ومثلُه تقوم به حجَّة في مثلِ هذا المقامِ.\n- وأما المرضُ، فإنه لما قامَ الدليلُ -أيضًا- على أنه لا بدَّ من فرقٍ بين قليلهِ وكثيرِهِ؛ إذْ لا عبرَةَ بالمشقَّةِ اليسيرةِ؛ كالسفر القريب، طلبَ دليلًا على التحديد، فلم يجدْ، فنظرَ في المعنى المقصودِ بالرخصةِ، فوجدهُ المشقَّةَ، فجوز للمريض الفِطْرَ إذا جَهَدَهُ الصومُ جَهْدًا غير مُحْتَمَلٍ، ومنعه إذا لم يَجْهَدْهُ؛ إذ هو كالصحيح، ولو جَوَّزَ له الإفطارَ بغير مَشَقَّةٍ، لوُجِدَ المعلولُ ولا عِلَّةَ معهُ، وبطلَ المعنى الذي لأجله رُخِّصَ في الفِطْر.\nوذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى أنَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ المَرضِ يبيحُ الفِطْرَ، وهو قول ابن سيرينَ، ورويَ عن الحَسَنِ أيضًا، وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إنه المرضُ الذي تجوزُ معه الصلاةُ من قُعودٍ.\n_________\n= قدامة (٣/ ١٠٦)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٤/ ٢١٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٥٢٥).\n(١) ذكره البخاري في \"صحيحه\" تعليقًا بصيغة الجزم (١/ ٣٨٦)، وأسنده البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٧) عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ.\n(٢) وهو قول المالكية والحنابلة وغيرهم. وبه قال ابن عباس وابن عمر ﵃.\nانظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٣٥٨)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٤/ ٢١٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١٠٦).","vol":"1","page":233},{"text":"وذهبَ الأكثرون إلى أنه ما يُخافُ من الصوم معهُ زيادةُ عِلَّةٍ غيرِ محتمَلَةٍ (١).\n* إذا تقررَ هذا، فقد اشتملتِ هذه الآية على أربعِ جُمَلٍ:\nالجملة الأولى: قولُه -﷿- ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قرأ أُبَيٌّ: (فعدةٌ من أيامٍ أُخَرَ مُتَتابعاتٍ) (٢)، وروي عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أَنها قالت: نزلت: (من أيامٍ أخرَ متتابعاتٍ) سقطتْ مُتتابعاتٍ (٣)، أَيْ: نُسخت (٤).\n* واختلفَ العلماءُ في هذهِ الأيامِ.\nفقال أكثرُهم: هي على التخييرِ، إن شاءَ جاء بها متتابعةً، وإن شاءَ جاء بها متفرقةً، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأنسٍ ومعاذٍ وأبي حنيفةَ ومالك والأوزاعيِّ والشافعيِّ، ويروى عن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنهُ قالَ: إنّ اللهَ تَعالى لم يرخِّص لكم في فِطْرِهِ، وهو يريدُ أن يَشُقَّ عليكمْ في قَضائِهِ (٥).\n_________\n(١) انظر هذه المذاهب في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢١٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٥٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٦٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٩٦)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٢٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٣).\n(٢) قرأ بها أُبي بن كعب. انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١١٣)، و\"تفسير الرازي\" (٢/ ١٢٠)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٥). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٤١).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٦٥٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٩٢) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٥٨).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ١٨٩).\n(٥) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٩٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٥٨). =","vol":"1","page":234},{"text":"- ويروى عن عليٍّ وعائشةَ وابن عمرَ والشعبيِّ ومالكٍ أَنَّه يقضي كما فات متتابعًا (١).\n* وفي هذهِ الجُمْلَةِ دليلٌ على أَنه إذا أفطرَ في (٢) الأيامِ الطِّوالِ كأيام الصيفِ، جاز له أن يقضيَ في أيام الشتاء (٣)؛ فإنها عدَّةٌ من أيام أُخَرَ، ولا أعلمُ أحدًا خالفَ في هذا.\n* وفيها دليلٌ على أنه إذا أفطرَ بالمَرَضِ جميعَ شَهْرِ رمضانَ، وكانَ تسعةً وعشرين يومًا، أنه يقضي تسعةً وعشرين يومًا (٤).\n_________\n= وهو قول الحنابلة أيضًا. وعليه الجمهور من السلف والخلف. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥٩)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٢٣)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٤١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٨).\n(١) وروي عن الحسن البصري، وعروة بن الزبير، والنخعي. وبه قال داود الظاهري. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥٩)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٥)، و\"الجامع الأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٤١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٩).\nقلت: ما نقله المؤلف -﵀- عن الإمام مالك هنا من أنه يقول بلزوم التتابع في قضاء رمضان، فيه نظر، فقد نَقَلَتْ كتبُ المذهب أن التفريق له مجزئ، وإن كان يستحب التتابع. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٢٣)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ٨٠٥)، و\"شرح مختصر خليل\" للخرشي (١/ ٢/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٣).\n(٢) في \"ب\" زيادة \"هذه\".\n(٣) انظر: \"الموسوعة الفقهية\" (٢٨/ ٧٦).\n(٤) \"يومًا\" ليست في \"أ\".\nانظر: \"المدونة\" (١/ ٢٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٦٦)، =","vol":"1","page":235},{"text":"وخالف في هذا الحسنُ بنُ صالحٍ، فأوجَبَ شهرًا بالهِلال (١).\n* وفيها دليلٌ على أنه لا يجبُ المُسارَعَةُ إلى قضاءِ رمضانَ بعدَ زوالِ العُذْرِ من المرضِ والسَّفر.\nوإلى هذا ذهبَ عامَّةُ أهلِ العِلْم (٢)، ويدل لهم ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- قالت: يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ، فما أستطيعُ أن أقضيَهُ إلا في شعبانَ؛ لشُغْلي برسولِ اللهِ - ﷺ - (٣).\nوقال داودُ: يجب عليه القضاءُ من ثاني شَوَّالٍ (٤).\n* وفيها دليل على أنه إذا أخَّرَ القضاءَ إلى سنةٍ أخرى حتى أدرَكهُ رمضانُ الثاني لعذرٍ أنَّ عليهِ العِدَّةَ (٥).\nوقال قوم من أهل العلم: ليسَ عليهِ إلَّا الإطعامُ، وحُكيَ عنِ ابنِ عباسٍ\n_________\n= و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٣٣)، و\"جواهر الإكليل\" للأزهري (١/ ١٥٣).\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦١).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٢٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٠).\n(٣) رواه البخاري (١٨٤٩)، كتاب: الصوم، باب: متى يقضى قضاء رمضان؟ ومسلم (١١٤٦)، كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان في شعبان. وعندهما: \"الشغل من رسول الله - ﷺ -، أو برسول الله - ﷺ - \" بدل: \"لشغلي برسول الله - ﷺ - \".\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٣). وبه قال ابن حزم، كما في \"المحلى\" (٣/ ٦/ ٢٦٠).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٣)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣١٠)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٤١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٠).","vol":"1","page":236},{"text":"وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وقتادةَ وسعيدِ بن جبير (١).\nوالجمهورُ على خِلافهم.\nوأما إذا أَخَّرَهُ بغيرِ عذرٍ، فإن العِدَّةَ تجب بالآية، إما نطقًا، أو قياسًا، وتجب مع العِدَّةِ الكَفّارةُ، لكلَ يوم مدٌّ من طَعامٍ؛ لقضاءِ الصحابةِ بالكَفَّارِة، روي ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وابن مسعودٍ وجابرٍ والحسنِ بنِ عليٍّ ﵃، وبه قالَ مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ.\nوقال أبو حنيفةَ: يقضي، ولا شيءَ عليه، ويروى عن الحسنِ وإبراهيمَ وداودَ، وأشارَ البخاريُّ إلى اختياره في \"جامِعِه\" (٢).\nالجملةُ الثانية: قولهُ ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].\n* واختلفَ أهلُ العلمِ في هذهِ الجُملةِ، فالمشهورُ أنها منسوخةٌ (٣)، وهو\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٥٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٤)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٣/ ١٧٧).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\"، كتاب: الصوم، باب: متى يقضى قضاء رمضان؟ (١/ ٦٣٩).\nوانظر هذه المسألة في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٢٤)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٤١٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٠٠)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٣/ ١٧٧)، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" للزحيلي (٣/ ١٧٣٥).\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ١٨)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٢٥ - ٢٦)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧٧ - ٧٨).","vol":"1","page":237},{"text":"قول ابنِ عمرَ وسلمةَ بن الأَكْوَع ومعاذِ بنِ جبلٍ وعكرمةَ والحَسَنِ وعَطاءٍ، وهي منسوخةٌ بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، رواه البخاريُّ عن سلمةَ بنِ الأكْوَعِ وابنِ عمرَ (١).\nفإن قلتم: قد روى البخاريُّ عن ابنِ أبي ليلى: أنه قالَ: حدثنا أصحابُ رسول الله - ﷺ -: نزلَ رمضانُ، فشق عليهم، فكانَ كل من أطعم كلَّ يومٍ مسكينًا، ترك الصومَ ممَّنْ يطيقُهُ، ورخصَ لهم في ذلك، فنسخَها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وأمروا بالصوم (٢)، وهذا نسخٌ لأول هذه الآية بآخِرِها، فهل في القرآنِ يجوزُ أن يُنْسَخَ أولُ الآيةِ بآخرها (٣).\nقلت: قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ -﵀-: لم أعلم أحدًا من أهلِ العلمِ بالقرآن يخالفُ في أن الآية كلامٌ واحد، وأنها لم تنزل [إلا] مجتمعةً [بل اتفقوا على أن الآية كلامٌ واحد، نزلت مجتمعةً] (٤) غير متفرقةٍ، وإن كان الآيتان قد تنزلان متفرقتين في سورة واحدة (٥).\nوعلى سياقِ كلامِه -رحمهُ اللهُ تعالى- يجب ألا ينسخ آخرُ الآيةِ أوَّلَها؛ لأن النسخ لا يكونُ مع تراخي الناسخِ عن المنسوخِ، فواجبٌ حينئذٍ أن يُؤَوَّلَ كلامُ ابن أبي ليلى على أن الناسخَ قولهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولهذا قال في آخر كلامه: وأُمروا بالصومِ.\n_________\n(١) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (٢/ ٦٨٧)، كتاب: الصوم، باب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾.\n(٢) رواه البخاري (١٨٤٧)، كتاب: الصوم، باب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾.\n(٣) في \"ب\": \"بآخره\".\n(٤) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٥) لم أقف على كلام الإمام الشافعي -﵀- الذي ذكره المؤلف هنا، بعد طول بحث، فالله أعلم.","vol":"1","page":238},{"text":"ويدلُّ على هذا ما رويناهُ في \"سننِ البيهقيِّ\" عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلى، وقد تقدمَ ذكرُه قريبًا [في صدر الكلامِ على أول الآيَة] (١).\nلكن ما ذكرَهُ الشافعي عن أهلِ العلمِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وإنما وَهِمَ أبو عبد الله، بلِ الآيةُ تنزلُ متفرقةً، وينزل بعضُها دون بعضٍ، وقد رويَ في \"صحيح البخاري\" عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: أنزلت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم ينزلْ ﴿مِنَ الْفَجْر﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربطَ أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزالُ يأكلُ حتى يتبينَ له رؤيتُهما، فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ (٢).\nوروي أنه لما أُنزلَ قولُه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ... وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) [النساء: ٩٥] شقَّ على أُولي الضَّرَر، فأنزلَ اللهُ سبحانه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].\nقال ابنُ عباسٍ: ليستْ منسوخةً، بل هو للشيخِ الكبيرِ والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا (٤)، وكان يقرأ:\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٢) رواه البخاري (١٨١٨)، كتاب: الصوم، باب: قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ...﴾، ومسلم (١٠٩١)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. وتمامه: \"فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار\".\n(٣) رواه البخاري (٤٢٣٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ ...﴾.\n(٤) رواه البخاري (٤٢٣٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ ...﴾.","vol":"1","page":239},{"text":"(وعلى الذين يُطَيَّقونَهُ) (١) أي: يُكَلَّفونه. ويتأوَّلهُ على الشيخِ الكبير، والمرأةِ الكبيرة، وهو قولُ قَتادةَ، وقال: هي غيرُ منسوخة أبدًا (٢)، ومعناهُ: وعلى الذينَ كانوا يطيقونَهُ في حالِ الشبابِ، فعجزوا عنهُ بعد الكِبَر، فعليهم الفديةُ بدلَ الصومِ.\nوذكر بعضُهم قولًا أغربَ من هذا، فقال: هي محكمةٌ، والمعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقون الإطعام، ويعجزون عن الصيام، فديةٌ طعامُ مساكين (٣).\nقال قائله: وهذا يُروى عن السلفِ، ورجَّعَ الضميرَ إلى (٤) الفداء، وإن لم يتقدم ذكرُه؛ لأنه يَدُلُّ على صاحبِ الإضمار، وذلك جائزٌ في لسان العرب.\nوحكى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ قال: قال لي مالك في الآية: إنما ذلك في الرجلِ يمرضُ، فيفطرُ، ثم يَبْرَأُ، فلا يَقْضي ما أفطرَ حتى يدركَهُ رمضانُ منْ قابِلٍ، فعليهِ أن يبدأَ برمضانَ الذي أَدْرَكَهُ، ثم يقضي الذي فاتَهُ بعدَ ذلك، ويُطْعِمُ عن كلِّ يومٍ مُدًّا منْ حِنْطَةٍ.\nوهذا التأويلُ من مالكٍ يدلُّ على أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ عندهُ، ويكون المعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقونَ قضاءَ ما عليهم، فلا يقضون حتى يأتيَ رمضانُ الثاني.\nوهو مناقضٌ لما سأحكيهِ عنهُ إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: \"المحتسب\" لابن جني (١/ ١١٨)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٣٥)، و\"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٤٢).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٥٨٤).\n(٣) ذكره البيهقي في \"القضاء والقدر\" (ص: ٢٣٦).\n(٤) في \"ب\": \"على\".","vol":"1","page":240},{"text":"ويروى هذا القولُ عن زيدِ بنِ أسلمَ وابنِ شهابٍ (١).\nوالقول بالنسخ هو الصحيحُ والمُعَوَّلُ عليه.\n* فإن قلتُم: فما حكم الَّذينَ لا يُطيقون الصومَ قبلَ النسخِ، وما حكمُهم بعدَ النسخِ؟\nقلت: أوجبَ اللهُ الصيامَ على الجميع من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهم من جُملةِ المؤمنين، ثم خَصّ المريضَ والمسافرَ بحُكْمٍ، وهو وجوبُ العِدَّةِ من أيامٍ أُخَرَ، وخصَّ الذين يُطيقونَ الصومَ بالذِّكرِ -أيضًا- لأجْلِ الرخصةِ لهم بالإفطار، وتركَ الذينَ لا يطيقونا على أصلِ الوُجوب، ولم يذكر الفديةَ في حَقِّهم؛ لأنها معلومةٌ بينةٌ من طريق الأَوْلى والأَحرى، إما نُطْقًا، أو قياسًا فيها؛ لأنها إذا قُبلَتْ من الذي يطيقُ الصومَ، فالذي لا يطيقُهُ أولى بالقبولِ. ثم نسخَ اللهُ سبحَانَهُ حكمَ التَّخْيير عن الذين يطيقونَ الصومَ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبين الله في الآية الثانية أن المريضَ والمسافرَ باقيان على حكمهما لمَّا كان يتطرَّقُ الظنُّ إلى نسخِ حكمِهما عندَ نسخِ حُكْمِ قرينتِهما، وتَرَكَ ذكرَ الذين لا يُطيقون الصومَ؛ لعدمِ تطرُّقِ الظنِّ إلى نسخِ حكمهم؛ فإنه معلوم أنّ اللهَ -سبحانَهُ- لم يحتِّمْ عليهمُ الصيامَ؛ لأنهم لا يطيقونه، وقد قال في آخر الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وتبيينُ آخرِ الكلام لأولهِ كثيرٌ في القرآن الكريم.\nويعضدُ هذا ما رُوي عن معاذٍ -﵁- قال: لما قال الله ﷿ ذكرُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كان\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (١/ ٢٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":241},{"text":"من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ مسكينًا، عن كلِّ يومٍ مُدًّا. قال: ثم أوجبَ اللهُ الصيامَ على الصحيح المقيمِ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبتَ الإطعام على من لا يُطيق الصومَ إذا أفطرَ مِنْ كِبَرٍ.\nوإن قلتم: فما الدليلُ على أن الصومَ كان واجبًا على من لا يطيقُ الصومَ قبل النسخِ حتى تكونَ الفديةُ بدلًا عنه؟\nقلت: قولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nفإن قلتم: فالذي كُتِبَ على الذين مِنْ قبلنا مُجْمَلٌ، والناسُ يختلفون فيه؟\nقلت: قد ذكرتُ الاتفاقَ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بذلكَ فريضةُ شهرِ رمضانَ، والشيخُ الكبيرُ داخلٌ في جُمْلَةِ المؤمنين، صالحٌ لقبول الخطاب. وروينا في \"صحيح البخاري\": أن أَنَسًا أطعم بعد ما كَبِرَ، عامًا أو عامين، كلّ يومٍ مسكينًا خُبْزًا ولَحْمًا، وأفطر (١).\nوما قدمْتُه عن ابنِ عباسٍ ومعاذٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهم.\nوقال مالكٌ في غيرِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ: الآيةُ منسوخةٌ، ولا إطعامَ على الكبيرِ إذا أفطر ولم يُطِق الصومَ (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٦٣٨) معلقًا بصيغة الجزم، وقد رواه موصولًا: أبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٤١٩٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٠٧).\n(٢) اختلف العلماء في الشيخ الهرم إذا أفطر، ما يجب عليه؟\nفقال الشافعية: يلزمه الفدية، وهو مذهب طاوس، وابن جبير، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد، على اختلاف بينهم في تقديرها.=","vol":"1","page":242},{"text":"ولا يخلو مالكٌ من أحدِ أمرين:\n- إما أنه اعتقدَ أن الشيخَ غير داخلٍ في الخطابِ المنسوخِ؛ لعدمِ استطاعتِه على الصّومِ، وخَصَّ أولَ الآيةِ بآخرها، وجعلَ المُرادَ بالمؤمنينَ المريضَ والمسافرَ والذي يطيقُ الصومَ، وهذا ضعيفٌ جِدًا؛ لِما قَدَّمْتُه من أنه داخلٌ في حُكمِ الخطابِ؛ لكونِه من المؤمنينَ، وشهدَ لذلكَ اللغةُ والآثار التي قدمتُها، وشهادةُ الأصولِ في العاجزِ عن المُبْدَلِ إذا قدرَ على البَدَلِ وجبَ عليهِ الإِتيانُ به؛ كالرَّمْي في الحجِّ (١)، والعادمِ للماء، والعاجز عن القيام في الصلاة.\n- وإما أن يكونَ اعتقدَ أن حكمُ الشيخِ قد نُسِخَ كما نُسِخَ حكم الذين يطيقونَ الصومَ من التَّخْييرِ إلى الحَتْم كما نُسِخَتِ الفِدْيةُ في حقهم، فكذلك نسخ (٢) الفديةُ عن هذا؛ إذ هو غيرُ مكلَّف بالحتمِ، فهذا غير مكلف بالصوم؛ لتعذره منه عند شهود الشهر، وغيرُ مكلفٍ بالفديةِ لكونها منسوخةً.\nولهذا وجهٌ في القياسِ؛ لأن الفدية تجب عوضًا عن الصومِ الواجبِ في الذمَّة، وهو لم يجبْ عليه؛ لعدم تكليفه الصومَ، فإذا أُبطلَ المُبْدَلُ، بطلَ البَدَلُ (٣).\n_________\n= وقال المالكية: لا فدية عليه، وهو قول أبي ثور، وربيعة، ومكحول، واختاره ابن المنذر.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢٦٩/٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٦٥)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥١٦)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٦٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٩٥).\n(١) بتوكيل العاجز من يرمي عنه.\n(٢) في \"أ\": \"تنسخ\".\n(٣) قال القرطبي: الدليل لقول مالك: أن هذا مفطر، لعذر موجود فيه، وهو =","vol":"1","page":243},{"text":"ويشهدُ لهُ الأصولُ أيضًا؛ فإنه مفطرٌ بعذرٍ، فلا يجبُ عليه الفِدْيَةُ؛ كالمسافرِ والمريضِ. وهذا هو الظاهرُ عنهُ في مُرادِه، رحمه اللهُ تعالى.\nوخلاصةُ الأمرِ عندَ من يقولُ بالنسخِ: هل النسخُ وردَ على التخييرِ وحدَهُ، وانتسخَ حكمُ الفدية تبعًا، أو وردَ النسخُ على التخييرِ والفدية؟\nفمنْ قالَ بالأولِ قال: لا تخييرَ في حقِّ الشيخ، فهوَ غيرُ داخلٍ في النسخ.\nومن قال بالثاني، قال: نُسِخا جميعًا، ووجبَ الصومُ على المطيقِ، وارتفعَ الوجوبُ عَمَّنْ لم يطق الصوم.\n* فإن قلتم: فما قَدْرُ طعامِ المسكين؟\nقلت: مُدٌّ عندَ أهلِ الحجاز، ونصفُ صاعٍ (١) عندَ أهلِ العِراقِ (٢).\nومستندُ فقهاءِ الحجازِ أنهم وَجَدوا (٣) أقلّ شيءٍ أُخْرِجَ وأُطْعِمَ، فجعلوه\n_________\n= الشيخوخة والكبر، فلم يلزمه إطعام؛ كالمسافر والمريض. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢/ ٢٦٩).\n(١) الصاع: الذي يُكال به، وتدور عليه أحكام المسلمين، وهو: أربعة أمداد كلُّ مد رطل وثلث.\nقال الداودي: معيارُه الذي لا يختلف: أربع حفنات بكفَّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما. انظر: \"القاموس\" (مادة: صوع) (ص: ٦٦٦).\n(٢) انظر الاختلاف في تقدير الفدية في المصادر التالية:\n\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٢١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٦٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٢٦)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٦٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٨٢)، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" للزحيلي (٣/ ١٧٤٣).\n(٣) في \"ب\": \"وجدوه\".","vol":"1","page":244},{"text":"حَدًّا ومِقدارًا، ويستأنسون بما ورد في بعضِ طرقِ حديثِ الكَفَّارةِ على المُجامِع في نَهارِ رمضانَ: أَنَّ العَرَقَ (١) الذي أُتِيَ بهِ النبيُّ - ﷺ - كانَ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقالَ له: \"خذهُ وتصدقْ بهِ\" بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكينًا (٢).\nومستندُ أهلِ العراقِ: فدية الأذى (٣)، رأوها أقرب الأشياء شَبَهًا به، من حيثُ إنه يحرمُ فِعْلُهما من غير عذر (٤)، ويجوزُ فِعْلُهما مع العذر، فدل على أنه مثله.\nالجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: زاد على مسكين واحد، قاله مجاهدٌ وعطاءٌ (٥)، وقيلَ: زاد عَلى القدرِ الواجبِ عليهِ، فأعطى صاعًا أو مدَّين (٦).\n_________\n(١) العَرَق: هو زبيل منسوج من نسائج الخوص، ويقال: إنه يسع خمسة عشر صاعًا. انظر: \"اللسان\" (مادة: عرق) (١٠/ ٢٤٦).\n(٢) رواه أبو داود (٢٣٩٢، ٢٣٩٣)، كتاب: الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في رمضان، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٥١٦)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٢١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٤٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٥٢٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٢٣)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٧٣)، عن أبي هريرة.\n(٣) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ...﴾ الآية، وقال - ﷺ -: \"أطعم فرقًا بين ستة\"، والفرق ستة آصع. وحينئذ يكون عندهم: لكل مسكين نصف صاع.\n(٤) فهي لا تفعل إلا إذا كان بالإنسان أذى، فيحلق، ثم يفدي.\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٤٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١٤)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٨٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":245},{"text":"* وفي هذا دليلٌ على أن الرجلَ إذا أخرجَ أكثرَ من الواجبِ عليهِ أنَّ الزائدَ يكونُ تطوُّعًا.\nوفي ذلك خلافٌ بين العلماء، والصحيحُ أنه تطوُّعٌ (١).\nالجملة الرابعة: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nفيه دليلٌ لمن يقولُ بنسخ الآيةِ؛ لأنه لا يندبُ إلى الصيام وأنه خيرٌ له، إلاّ من يطيقهُ، لا من يُطَوَّقُهُ وهو غيرُ مطيق له (٢).\n* * *\n\n٩ - (٩) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوفيها خمس جملٍ:\nالأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nاستنبطَ أهلُ العلم من هذا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: أن ليلة القدر في شهرِ رمضان.\nواتفقَ (٣) أهلُ العلمِ بالقرآنِ على أن اللهَ -سبحانَهُ- أنزلَ القرآنَ من اللوحِ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٢٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٠).\n(٣) في \"ب\": \"وقد اتفق\".","vol":"1","page":246},{"text":"المحفوظِ إلى سماءِ الدنيا جملةً واحدةً، ثم أنزلهَ على محمدٍ - ﷺ - إلى الدنيا نُجومًا (١).\nالجملة الثانية: قولهُ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nأوجب بها علينا صوم شهر رمضان، وحَتَّمَهُ على من شَهِدَ الشهرَ، والشهودُ هنا هو العلمُ والحُضور، وذلك يحصل إما برؤيةِ الصائمِ وحدَه، وإما برؤيةِ غيرِه.\n* أما رؤيتهُ وحدَهُ، فموجبةٌ للصيام في حقِّهِ؛ خلافًا لعطاءِ بنِ أبي رباح وإسحاق؛ فإنه حُكِيَ عنهما أنهما قالا: لا يصومُ إلا برؤيةِ غيرِهِ معه (٢)، وهما محجوجان بنصِّ القرآن.\n- ثم اختلفوا، هل يفطر وحده إذا رأى هِلال شَوّال؟ فقال الشافعيُّ: يُفْطِرُ، ولْيُخْفِ فِطْرَهُ، ولا يُعَرِّضْ نفسَهُ لعقوبة السلطان (٣).\nوقال مالك: لا يفطر، سدًا للذَّريعةِ؛ لئلًا يقول له (٤) مَنْ لا أمانةَ له (٥): رأيتُ الهلالَ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٤٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٦)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٩٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٨٠)، و\"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (١/ ١١٦).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٨) وفيه: أن هذا هو قول عطاء بن أبي رباح وحده. وانظر المسألة في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١٩)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٩٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٤)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣١٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٨٨)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤١٦).\n(٣) انظر: \"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٢٩٠).\n(٤) في \"أ\": \"لئلا بعد ليلٍ يقول\".\n(٥) في \"ب\" زيادة \"لقد\".","vol":"1","page":247},{"text":"وهذا منْ أصولِه، وهو من عملِه بالمَصالحِ المُرْسَلَةِ، وقولهِ بِسَدِّ الذرائع.\nوإلى مثلِ هذا ذَهَبَ أحمدُ والليثُ (١).\n- وهل توجبُ رؤيةُ الواحدِ الصيامَ على غيره؟\nاختلف أهلُ العلم، فقال الشافعي في رواية المزني (٢): يجبُ الصيام برؤيته (٣).\nوبه قال أبو حنيفةَ (٤)؛ لما روى ابنُ عباسٍ -﵁- أنه جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: أبصرتُ الهلالَ الليلة، فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ \" قال: نعم، قال: \"يا بلال أذِّنْ في الناس فليصوموا غدًا\" (٥).\n_________\n(١) وهو قول الحنفية أيضًا. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٢٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٩٢).\n(٢) \"المزني\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر مذهب الشافعية في: \"الأم\" (٢/ ٤/ ٣٤٠)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٢٨٥)، وهذا هو الصحيح المعتمد.\n(٤) لكن أبا حنيفة وأصحابه اشترطوا لقبول شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان أن تكون السماء مغيمة، وإلا فلا يقبل إلا شهادة جماعة كثيرة يقع العلم بخبرها. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥١).\n(٥) رواه النسائي (٢١١٣)، كتاب: الصيام، باب: قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان، وابن ماجه (١٦٥٢)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٩٤٣، ١٩٢٤)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٥٢٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٤٤٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١١٠٤).","vol":"1","page":248},{"text":"وقالَ في روايةِ البويطي: لا يجبُ إلا بشاهدين (١)، وبه قال مالك (٢)؛ لما رويَ عن عبدِ الرحمنِ بِن زيدِ بنِ الخَطَّابِ: أنه خاطبَ الناس في اليومِ الذي يُشَكُّ فيه، فقال: إني جالستُ أصحابَ رسولِ الله - ﷺ -، وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فأتموا ثلاثين، فإن شهدَ شاهدانِ فصوموا وأفطروا\" (٣).\nوالعملُ بحديثِ ابنِ عباسٍ أَحْرى وأَولى؛ لأن دلالته نَصٌّ من النبيِّ - ﷺ -، ودلالةَ حديثِ عبدِ الرحمن مفهومٌ، ودلالةُ المفهومِ من أضعفِ الظواهر (٤)، فلا يُعارضُ بدلالةِ النصِّ؛ وللإجماع على العمل بخبرِ العدلِ في الأمور العامَّةِ والخاصَّةِ.\n- ثم اختلفوا في آخره، هل هو كأوله، أو لا؟\nفذهب عامَّتُهم إلى التفريقِ بينَ أولهِ وآخرِه، وأنهُ لا يُقْبَل في آخِره إلاّ عَدْلان.\nوذهبَ أبو ثورٍ إلى أنه يُقبل فيه عدلٌ كأوَّله.\nواختارهُ أبو بكرِ بنُ المنذرِ (٥)؛ وبه أقولُ؛ لما فيه من العملِ بقولِ الثقةِ،\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٤/ ٣٤٠)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٨٥).\n(٢) انظر مذهب الإمام مالك في \"المدونة\" (١/ ٢٦٧)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٧٩).\n(٣) رواه النسائي (٢١١٦)، كتاب: الصيام، باب: قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان، ورواه النسائي -أيضًا- في \"السنن الكبرى\" (٢٤٢٦)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٢١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣٤/ ٣٦٥)، وانظر: \"البدر المنير\" لابن الملقن (٥/ ٦٤٣)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/ ١٨٦).\n(٤) في \"أ\":\"ودلالة المفهوم أضعف من الظواهر\".\n(٥) انظر هذه المسألة في: \"المدونة\" (١/ ٢٦٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي =","vol":"1","page":249},{"text":"فقد عمل أهل قُباءٍ بخبرِ العدلِ، وتحوَّلوا من قبلةٍ إلى قبلةٍ، ولصحته في القياس؛ فإنه إذا قُبِل قولُ العدلِ في دخول (١) العَلاَمةِ الفاصلةِ بينَ زمنِ الفِطرِ والصومِ، قُبِلَ قولُه في خُروجِه أيضًا؛ إذْ لا فرقَ.\nفإن قيل: هذا طريقة الشهادة، فلا بد فيه من شاهدين.\nقلت: هذا يبطل بقبول الواحد في أوله، فدلّ على أن طريقه الإخبار، وإن سُلِّمَ، فقد قضى النبي - ﷺ - بشهادة الواحد كما قضى في هلال رمضان، وكما قضى باليمين مع الشاهد، واليمينُ في الحقيقةِ إنما هي تحقيق للدعوى، وقولِ الشاهد، وَليستْ بقولِ رجلٍ أجنبيٍّ، فوجودُ اليمينِ دليلٌ على صِدْقِ الشاهد الواحد، وعدمُها دليلٌ على وَهْمِ الشاهدِ أو كَذِبه، وليس يوجد هنا دليل يدلُّ على وَهْمِهِ أو كَذِبه، فيكون قادحًا في خبره وشهادته.\n* واختلفوا -أيضًا- هل يتعدَّى حكم الرؤية من بلد إلى أخرى، أو لا؟\n- فذهبَ قومٌ إلى أنه يلزمُ أهلَ البلدِ الأخرى الصومُ؛ لاستواءِ الأفق في حقهم (٢).\n- وذهب آخرون إلى أنه لا يلزم (٣)، حتى اعتبر بعضُ الشافعية مسافةَ\n_________\n= (١/ ١١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤١٩)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٢٩٠)، و\"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٢٥٢)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٨٠).\n(١) \"دخول\" ليست في \"أ\".\n(٢) وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٢٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٢٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٢٤).\n(٣) وهو مذهب الشافعية. انظر: \"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٢٨٠).","vol":"1","page":250},{"text":"القَصْر (١)، واستدلوا بما أخرجه مسلمٌ عن كُرَيْبٍ: أنَّ أمَّ الفَضْل بنتَ الحارث بعثته إلى مُعاويةَ بالشامِ. قال: فقدمتُ الشامَ، وقضيتُ حاجتَها، واستهلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشامِ، فرأيتُ الهِلالَ ليلةَ الجمعة، ثم قدمتُ المدينةَ في آخِر الشهرِ، فسألني عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، ثم ذكرَ الهلالَ فقال: متى رأيتم الهلالَ؟ فقلتُ، رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنتَ رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناسُ، وصاموا، وصامَ معاويةُ، قال: لكنْ رأيناه ليلةَ السبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نكملَ ثلاثينَ يومًا، أو نراه، فقلتُ له: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسولُ الله - ﷺ - (٢).\nوالقولُ الأول أولى.\nفلقائلٍ أن يقول: حديثُ كريبٍ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فقد نقلَ ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما تباعدَ من البلدان (٣). والشامُ والحجازُ في غايةٍ من التباعدِ. وقولُ ابنِ عباسٍ: هكذا أمرنا رسولُ الله - ﷺ - يحتملُ أن تكونَ الإشارةُ إلى الحُكْمِ المعيَّن في القصة المذكورةِ، ويكون الأمرُ صريحًا منه - ﷺ -، ويحتمل أن تكونَ الإشارةُ إلى قوله: فلا نزال نصومُ حتى نكمل ثلاثين يومًا أو نراه؛ أي: في مثل هذا أمرنا رسول الله - ﷺ -، فيكون أمرًا ظاهرًا، لا نصًّا، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم.\n* ولما أمرنا الله -سبحانه- بالصيام عند شهادةِ الشهرِ، كانَ علينا واجبًا امتثالُ أمرِه، ولا نمتثله إلا بالقصد إليه، فكان بَيِّنًا ظاهرًا أنه لا يصحُّ الصومُ\n_________\n(١) به قال إمام الحرمين، والغزالي، والبغوي. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(٢) رواه مسلم (١٠٨٧)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٨٣).","vol":"1","page":251},{"text":"إلا بالنية، وبهذا قال جمهور أهل العلم (١)، إلا زُفَرَ (٢)؛ فإنه قالَ: لا يحتاج في رمضان إلى نية، إلَّا أن يكونَ مُسافرًا أو مَريضًا ويريدُ الصومَ.\n* ثم اختلف الجمهور في صفة النية.\n- فقالَ أبو حنيفةَ: يجبُ تعيين جنس العبادة، فإنْ نوى الصومَ مطلقًا، أو نوى صيامَ غيرِ رمضان، أجزأه، وانقلبَ إلى صيامِ رمضان (٣).\n- وقال مالكٌ والشافعيُّ: يجبُ تعيينُ العِبادَة، ولا بدَّ من تعيينِ صومِ رمضانَ (٤).\n* ولما كانت هذه العبادةُ متعلقةً بزمنٍ مخصوصٍ، وجبَ علينا استيفاؤه، ولا يمكن استيفاؤه إلا باستيفاء جزءٍ من غيره، وجبَ أن يكونَ محلُّ النيةِ قبلَ الفجر.\nوبهذا قال مالكٌ، سواءٌ كانت العبادةُ فرضًا أو نفلًا (٥)؛ لقوله - ﷺ -: \"لا صِيامَ لمَنْ لا يبيِّتُ الصيامَ منَ اللَّيل\" (٦)، ولاستواء الفرض والنفل في شروطِ العبادة.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٤٣). وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٠٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٩٨)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٠٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٣٣).\n(٢) انظر قول زفر في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٤٤)، \"وفتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٢٣٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٠٧).\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٢٣٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٠٥).\n(٤) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٩٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٣٨)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (١/ ٣١٥).\n(٥) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٠٣)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٣٦).\n(٦) رواه النسائي (٢٣٣٠)، كتاب: الصيام، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، ورواه النسائي أيضًا في \"السنن الكبرى\" (٢٦٤٣)، والبيهقي في =","vol":"1","page":252},{"text":"وفرق الشافعيُّ بينهما، فأوجَبَ التَّبييتَ في الفرض دونَ النَّفْل (١)، واستدلَّ بما أخرجه مسلمٌ في \"صحيحه\" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يومٍ: \"يا عائشةُ هل عندكم شيءٌ؟ \"، قالت: قلت: يارسول الله! ما عندنا شيء، قال: \"فإني إذًا صائمٌ\" (٢).\nوفي هذا جمع بين الأحاديث، وتنزيلها على اختلاف الأحوال؛ ولأنَّ الأصول تشهد بالتفرقة بين الفرضِ والنَّفْلِ، وأنّ النفلَ (٣) أخفُّ من الفرض، فيجوز فعلُه من قعود، وفعلُه على الراحلِة، وإلى غير القبلةِ.\nوخصَّ أبو حنيفةَ وجُوبَ التبييتِ بالصوم الواجب في الذمة دون النافلة، والصوم (٤) الواجبِ المعيَّنِ في وَقْتٍ مَخْصوص (٥). وقولُ غيرِه أولى، وقولُ الشافعيِّ أرجح.\n_________\n= \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٢)، وفي \"فضائل الأوقات\" (١٣٤)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ١٦٢)، عن حفصة.\n(١) وهو مذهب الحنابلة أيضًا. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٢/ ٣٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٣٣).\n(٢) رواه مسلم (١١٥٤)، كتاب: الصيام، باب: جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.\n(٣) \"وأن النفل\" ليس في \"أ\".\n(٤) \"والصوم\" ليس في \"أ\".\n(٥) يعني: إذا كان الصوم ثابتًا في الذمة؛ كقضاء رمضان، والنذر المطلق، فإنه لا بد من تبييت النية؛ لأنه غير معين، فلا بد من التبييت، أما إذا كان أداء لفرض رمضان أو نذرًا مَعينًا، فيجوز أن ينوي بعد الفجر، بشرط أن تكون قبل الزوال.\nقلت: وبهذا يتبين وهم المصنف -﵀- في نسبته اشتراط تبييت النية في الصوم المعين إلى الحنفية.\nانظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٢٣٣)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٠٤)، و\"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح\" (ص: ٤٢٦).","vol":"1","page":253},{"text":"* وبقي مسائلُ تتعلق بشهادة الشهر اختلفَ فيها أهلُ العلم:\nالمسألة الأولى: من أدركه الشهرُ، وهو مقيم، ثم سافرَ:\n- روي عن علي وعائشة وابن عباس وسُويد بن غَفَلة -رضي الله تعالى عنهم-: أنهم قالوا: لا يجوزُ له الفطرُ في بقية الأيام، وبه قال عَبِيدة (١) السَّلْمَانيُّ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: كله (٣).\n- وذهب أكثرُ الصحابةِ إلى أنه يجوز له أن يُفطر (٤)، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهرَ كلَّه، فليصمْهُ كُلَّه. أو فمنْ شهدَ منكمُ الشهرَ، فليصمْ ما شهدَ منه، فلا تقييد في الآية، والدليلُ على ذلكَ من السنَّةِ: ما روى ابنُ عبّاسٍ -رضيَ اللهُ تَعَالى عَنْهما-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - خرجَ إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَدِيدَ، ثم أفطرَ، وأفطرَ الناسُ معه، وكانوا يأخذُون بالأَحْدَثِ فالأَحْدَثِ من فِعْلِ رَسولِ الله - ﷺ - (٥).\nالثانية: من أصبح صائمًا، ثم سافر:\n- قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا يجوزُ له أن يفطرَ في هذا اليوم؛ لأنه اجتمع ما يوجب الرُّخْصَةَ وما يوجبُ العزيمةَ، فغلبتِ العزيمةُ، ولأنَّ الأصولَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"أبو عبيدة\"، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٤٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢١٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٧٩)، و\"البيان\" للعمراني (٣/ ٤٧٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٤٥).\n(٣) انظر أثر علي، وعائشة، وابن عباس، وعَبيدة السَّلْماني في \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٤) وهو قول عامة أهل العلم. انظر المصادر السابقة.\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":254},{"text":"تشهدُ بأنَّ مَنْ تَلَبّس بعبادةٍ، لزمه إتمامُها؛ كالحَجِّ والصَّوْمِ (١)؛ ولقولهِ (٢) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\n- وقالت طائفةٌ: له أن يفطر، وهو قول الشَّعْبِيِّ، وإليه (٣) ذهب أحمدُ وإسحاقُ وداودُ والمُزَنِيُّ وابنُ المنذرِ، ولفظُ الكتابِ العزيزِ يحتملُ الأمرين، ويترجَّحُ الآخرُ منهما بما خَرَّجه أبو داودَ عن أبي بصْرَةَ الغِفاري: أنه لما تجاوزَ البيوت دعا بالسُّفرةِ، فقال راوي الحديث: فقلت: نرى البيوتَ، فقال: أترغبُ عن سنةِ رسول الله - ﷺ -؟ قال جعفرٌ: فأكلَ (٤).\nالثالثة: -وهي عكسُ الثانيةِ-: منْ أصبحَ مُسافرًا ثُمَّ أقام:\n- ذهب الشافعيُّ ومالك إلى جواز تماديه على فِطرِه؛ لوجودِ السببِ (٥) المُبيح للفطر (٦).\n- وذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجُوبِ الإمساك؛ تغليبًا للحَظْر على الإباحة، والعزيمةِ على الرخصة (٧).\n_________\n(١) في \"ب\": \"والصلاة\" بدل \"والصوم\".\n(٢) في \"أ\": \"لقوله\".\n(٣) في \"ب\": \"وإلى هذا\".\n(٤) رواه أبو داود (٢٤١٢)، كتاب: الصوم، باب: متى يفطر المسافر إذا خرج، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٤٦) عن جعفر بن جبر.\nانظر هذه المسالة في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٦٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٧٠)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٠٤)، و\"البيان\" للعمراني (٣/ ٤٧١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٤٦).\n(٥) في \"ب\": \"المسبب\".\n(٦) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٠٥)، و\"البيان\" للعمراني (٣/ ٤٧٢).\n(٧) وهو قول الحنابلة. انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٢٨٩)، و\"المحرر في =","vol":"1","page":255},{"text":"* إذا تمَّ هذا فقد بيَّنَ لنا النبيُّ - ﷺ - أنّا إذا لم نر الهِلالَ، أكملْنا عدةَ شعبانَ ثلاثين يومًا، ثم نصومُ رمضانَ، وحَرَّمَ علينا أن نتقدَّمه بيوم أو يومين (١)، وقال: \"إذا انتصفَ شعبانُ، فلا صيامَ حتى يكونَ رمضان\" (٢)، وحرَّمَ علينا صومَ يومِ الشَّكِّ، وقال: \"من صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، فقدْ عَصى أبا القاسِم\" (٣).\nالجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد مضى الكلام عليها قريبًا.\nالجملة الرابعة: قولهُ -﷿-: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ لتكملوا عدد أيام الشهرِ بقضاءِ\n_________\n= الفقه\" للمجد بن تيمية (١/ ٢٢٧)، و\"منار السبيل\" لابن ضويان (١/ ٢٨٨).\n(١) روى البخاري (١٨١٥)، كتاب: الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (١٠٨٢)، كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه\"، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) رواه أبو داود (٢٣٣٧)، كتاب: الصوم، باب: في كراهية ذلك، والترمذي (٧٣٨)، كتاب: الصوم، باب: كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان، وابن ماجه (١٦٥١)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦٨٦٣)، وفي \"مسند الشاميين\" (١٨٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠٩)، عن أبي هريرة.\n(٣) رواه أبو داود (٢٣٣٤)، كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، والنسائي (٢١٩٠)، كتاب: الصوم، باب: صيام يوم الشك، والترمذي (٦٨٦)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، وابن ماجه (١٦٤٥)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، عن عمار بن ياسر، وهذا لفظ الترمذي.","vol":"1","page":256},{"text":"ما أفطرتم في صومِكم وسفركم (١).\nقال الشافعيُّ: سمعتُ من أرضاهُ من أهلِ العلم يقولُ في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: عدة رمضان، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عند إكماله (٢)، وقال عطاء: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: عددَ أيام الشهر (٣)، وهو كالتأويل الذي رواه الشافعيُّ، ويستأنسُ له بما روى ابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"الشهر تسعٌ وعشرون يومًا، فلا تَصوموا حَتَى تَرَوُا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تَروهُ، فإنْ غُمَّ عليكم، فأكملوا العدَّةَ ثلاثين\" (٤).\nالجملة الخامسة: قولهُ -﷿-: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.\nقال ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: هي تكبيراتُ ليلةِ الفِطْر (٥).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس والضحاك وابن زيد. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٥٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٧١).\n(٢) في \"أ\": \"كماله\".\nوقد ذكره الكيا الهراسي في \"أحكام القرآن\" (٩٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٣١٤) عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال: عدة رمضان.\n(٣) انظر قول عطاء في: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٢٠).\n(٤) رواه البخاري (١٨٠٨)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا\"، ومسلم (١٠٨٠)، كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٥٧) عن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.","vol":"1","page":257},{"text":"* وقد اختلفَ أهلُ العلم فيها.\n- فذهبَ داودُ إلى وُجوبها (١).\n- وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: هو مستحبٌّ، وليس بواجب (٢).\n- وعن ابنِ عباسٍ: يكبرُ مع الإمامِ ولا يكبِّر (٣) المنفردُ (٤).\n- وعن أبي حنيفةَ: يكبِّرُ في الأضحى، ولا يكبِّر في الفطر (٥)، وهو محجوجٌ بالآية.\n* واختلفَ القائلونَ بالتكبير في ابتدائهِ.\n- فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: لا يكبرُ ليلةَ الفطرِ، وإنما يكبرُ عندَ ذهابه إلى المُصَلَّى (٦)؛ لما روى ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما-: أنَّ\n_________\n(١) وهو قول ابن حزم؛ حيث قال: والتكبير ليلة عيد الفطر فرض. انظر: \"المحلى\" (٣/ ٥/ ٨٩).\nوانظر قول داود في: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٨٤).\n(٢) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٧١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٢٣٤)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٤٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٥٥).\n(٣) في \"ب\" زيادة \"مع\".\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٥٦٧٣)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٤٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٦٣).\n(٥) انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٤٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٧).\nوقد صحح بعض الحنفية أن تكبير التشريق واجب. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٧).\n(٦) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٢٣٤)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ٥٧٧)، وهو قول علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وآخرين من الصحابة، وقال به ابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأبو الزناد، وعمر بن =","vol":"1","page":258},{"text":"النبيَّ - ﷺ - كانَ يخرجُ يومَ الفِطر، والأضحى رافعًا صوتَهُ بالتهليل والتكبيرِ، فيأخذُ طريقَ الحدّادينَ حتى يأتيَ المُصلَّى (١).\nوفي لفظٍ آخرَ عنه: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كانَ يكبرُ يومَ الفطرِ منْ حينِ يخرجُ من بيتهِ حتى يأتيَ المُصَلَّى (٢).\nوفي لفظٍ آخرَ: أنه كان إذا غَدا إلى المُصَلَّى يومَ العيدِ، كَبَّرَ فرفَعَ صوتَه بالتكبير (٣).\n- وقال الشافعي: يكبرُ بعدَ غروبِ الشمسِ ليلةَ الفطرِ (٤)، ورواهُ عن ابنِ المسيِّبِ وعروةَ وأبي سَلَمَةَ، و(٥) أنهم كانوا يكبرون ليلةَ الفطرِ، يجهرون بهِ (٦)، وبه قال سائرُ فقهاءِ المدينةِ. وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- رأى\n_________\n= عبد العزيز، وبه قال جمهور أهل العلم. انظر: \"المجموع\" (٥/ ٤٨).\nقلت: ما نقله المؤلف - ﵀ - عن الإمام أحمد أنه لا يكبر ليلة الفطر، هو خلاف ما ذكره أئمة المذهب، ولم يذكروا فيه خلافًا، قال في \"الإنصاف\" (٢/ ٤٣٤): أما ليلة عيد الفطر، فيسن التكبير فيها بلا نزاع أعلمه، ونص عليه. وقد قال قبله الخرقي: ويظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفطر آكد. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٥٥)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٢/ ١٤٦).\n(١) رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٤٣١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٣٧١٤)، وفي \"فضائل الأوقات\" (١٥٣).\n(٢) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٤٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (١١٠٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧٩)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣٨/ ١٠٠)، عن عبد الله بن عمر.\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٧٣)، وفي \"الأم\" (١/ ٢٣١)، عن عبد الله بن عمر.\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٨).\n(٥) الواو ليست في \"ب\".\n(٦) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٢٣١)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":259},{"text":"النبيَّ - ﷺ - يكبرُ عندَ خروجهِ، فأخبر بذلك، وذلك لا ينفي أنه كان لم يُكَبِّرْ قبلَ ذلك.\n* وأما انتهاءُ وقتِ التكبير، ففيه اختلافٌ أيضًا (١).\n* * *\n\n١٠ - (١٠) قوله جَلَّ ثنَاؤه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]\n_________\n(١) أما تكبيرات عيد الفطر؛ فاختلف فيها العلماء على أقوال:\nالأول: قول الشافعية، وهو أن يكبر حتى يحرم الإمام بصلاة العيد في الأصح.\nالثاني: قول المالكية؛ وهو أن يستمر التكبير حتى يأتي المصلى.\nالثالث: قول الحنابلة؛ يكبر حتى تفرغ الخطبة، على الصحيح من المذهب.\nانظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٢٣٤)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٨)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٢/ ٤٣٤).\n* وقد اختلف العلماء في التكبير عقب الصلوات أيام التشريق متى ينتهي، على أقوال:\n\n١ - قول الشافعية: أنه ينتهي في عصر آخر أيام التشريق، وهو مذهب الحنابلة أيضًا.\n\n٢ - قول المالكية: أنه ينتهي في صبح آخر أيام التشريق.\n\n٣ - قول الحنفية: ينتهي عقب صلاة العصر من يوم النحر.\nانظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٤٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٢٣٥)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٤١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٨٨).","vol":"1","page":260},{"text":"وفي هذه الآية، ثلاثُ جمل:\nالجملة الأولى: أن الرفثَ في هذه الآية هو الجِماع بالاتِّفاق (١)، أحَلَّه اللهُ تَعالى باللَّيْل، وقد كانَ حرامًا في صَدْرِ الإسلام بعدَ النومِ، وحَرَّمه بالنهار (٢)، وبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أنَّ منْ جامعَ في نَهارِ رمضانَ أنَّ عليه الكفّارةَ، وصفتُها في حديث الأعرابي المخرج في \"الصحيحين\" (٣).\n* والمباشرةُ التي أباحها الله بالليل، وحَرَّمها بالنهار، هي الجماع بالاتِّفاق (٤).\n* واختلفوا فيما ما دونه؛ كالقُبلة:\n- فذهب الشافعي إلى جوازه (٥)، واستدل برواية عائشةَ -رضي اللهُ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٦١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٢٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٩٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٣٨٨).\n(٢) في \"ب\": \"في النهار\".\n(٣) رواه البخاري (١٨٣٤)، كتاب: الصوم، باب: إذا جامع في رمضان، ولم يكن له شيء، فتُصدق عليه، فليكفر، ومسلم (١١١١)، كتاب: الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، عن أبي هريرة -﵁-، وفيه: \"هل تجد رقبة تعتقها\" قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \" فقال: \"فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ \"، الحديث.\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٦٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٨٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٩٦).\n(٥) اختلف العلماء في القُبلة على مذاهب:\nفقال المالكية: إن علم السلامة من نزول المذي، كرهت له القبلة، وإلا حرمت.\nوقال الشافعية والحنابلة: تكره له القبلة، وإن حركت شهوته.\nوأقال الحنفية: تكره له إن لم يأمن المُفْسِدَ من إنزالٍ أو غيره، فإن أمن، فلا بأس. =","vol":"1","page":261},{"text":"تعالى عنها- ذلك من فعلِ النبيِّ - ﷺ -، قالت: ولكنْ كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (١).\n- ومنهم من حَرَّمها مطلقًا، وروي عن الشافعيِّ -أيضًا (٢)، وحملَ الحديثَ على خصوصيته - ﷺ -، ولهذا قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: ولكنَّه كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ.\n- ومنهم من فَرَّقَ بينَ الشيخِ والشّابِّ، [فأحلَّها للشيخ دونَ الشَّابِّ؛ لكونهِ أملكَ لإرْبِهِ، بخلافِ الشَّابِّ] (٣).\nوالصحيحُ هو الأولُ؛ لما روى مالكٌ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يسار: أنَّ رجلًا قَبَّلَ امرأتَهُ وهو صائِم، فوجد من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسلَ امرأتَهُ تسألُ عن ذلك، فدخلت على أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، فأخبرتْها، فقالتْ أمُّ سلمةَ -﵂-: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - يقبِّلُ وهو\n_________\n= انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٥٣)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٣٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٩٧)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٢٨).\n(١) رواه البخاري (١٨٢٦)، كتاب: الصوم، باب: المباشرة للصائم، ومسلم (١١٠٦)، كتاب: الصيام، باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة.\nوالإرب: العضو، والحاجة، ومعنى \"أملككم لإربه\"؛ أي: لحاجته، تعني أنه - ﷺ - كان أغلبكم لهواه وحاجته، أي كان يملك نفسه وهواه. انظر: \"اللسان\" (١/ ٢٠٨)، و\"القاموس\" (ص: ٥٦) (مادة: أرب).\n(٢) وممن نهى عنها ابن مسعود، وابن عمر، وابن المسيب، وابن الحنفية، وابن شبرمة.\nانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٠٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٩٧).\n(٣) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\nوقد نسب ذلك إلى مالك، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة. انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢٣٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٩٧).","vol":"1","page":262},{"text":"صائِمٌ، فرجعتِ المرأةُ إلى زوجِها، فأخبرتهُ، فزاده ذلك شَرًّا، وقال: لَسْنا مثلَ رسول الله - ﷺ -، يُحِلُّ الله لِرَسولهِ ما شاء، فرجعت المرأةُ إلى أم سلمةَ، فوجدت رسولَ الله - ﷺ - عندها، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"ما بالُ هذهِ المرأة؟ \"، فأخبرته أمُّ سلمةَ، فقال: \"ألا أخبرتيها أَنِّي أفعلُ ذلكَ؟ \"، فقالت (١) أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله - ﷺ -، يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء، فغضبَ الرسولُ - ﷺ -، ثم قال: \"واللهِ إنِّي لأَتقاكُم لله، وأَعْلَمُكُم بحُدودِه\" (٢).\nقال الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: وقد سمعتُ من يصلُ هذا الحديثَ، ولا يحضرُني ذكرُ من وَصَله (٣).\nالجملة الثانية: أحل الله -سبحانه- لنا الأكل والشربَ في ليلةِ الصيام بعد أن كانَ حَرامًا إلى أن يتبيَّنَ لنا طلوعُ الفجرِ الثاني، بل طلبهُ من فعلِنا ابتداءً من غير أن يتقدمَ الطلبَ تصريحٌ بقصدِ التحليلِ والإباحة كما فعل في تحليل الرفث. ئم بيَّنَ - ﷺ - عن الله ﵎ أنّ أمرَهُ وطلبه على الندب، فَكَرِهَ الوِصالَ (٤)، وحثَّ على تعجيل الإفطار، وحث على السَّحورِ، وعلى\n_________\n(١) في \"ب\": \"قالت\".\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٩١)، ومن طريقه: الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٤٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٩٤).\n(٣) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٤٠٥). قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ١٠٨): هذا الحديث مرسل عند جميع رواة الموطأ عن مالك. وهذا المعنى: أن رسول الله - ﷺ - كان يقبل وهو صائم، صحيح من حديث عائشة، وحديث أم سلمة، وحديث حفصة، يروى عنهنَّ كلهن، وعن غيرهن عن النبي - ﷺ - من وجوه ثابتة.\n(٤) روى البخاري (١٨٦٤)، كتاب: الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال، ومسلم (١١٠٣)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن الوصال في الصوم، من=","vol":"1","page":263},{"text":"تأخيرهِ، فقال: \"لا تزالُ أمتي بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ (١) وأخَّروا السّحورَ\" (٢).\n* وفي هذه الآية دليل على جواز الصوم لمن أصبح جنبًا، ووجه الدلالة من طريق الإشارة والاستلزام، وذلك أن الله -﵎- أباحَ الجِماع إلى أن يتبين الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود، ومعلوم أن من جامعَ قبلَ الفجرِ بلحظةٍ أنه لا يُدرِكُ فيها الاغتسال، وإنما يقعُ غسلُه بعدَ الفجر.\nوقد روى ذلكَ من فعلِ رسول الله - ﷺ - عائشةُ وأمُّ سلمةَ -رضي الله تعالى عنهما (٣) - وبذلك قال أكثرُ العلماء، واتفق عليه الفقهاءُ حتى صار إجماعًا، أو كالإجماعِ (٤).\n_________\n= حديث أبي هريرة -﵁- قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! قال رسول الله - ﷺ -: \"وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني\"، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: \"لو تأخر الهلال لزدتكم\"؛ كالمنكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا.\nوفي الباب عن غير واحد من الصحابة ﵃ أجمعين.\n(١) في \"ب\": \"بالفطر\".\n(٢) رواه البخاري (١٨٥٦)، كتاب: الصوم، باب: تعجيل الإفطار، ومسلم (١٠٩٨)، كتاب: الصيام، باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه ...، عن سهل بن سعد بلفظ: \"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر\". وقد رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٤٧) عن أبي ذر، باللفظ الذي ذكره المؤلف.\n(٣) رواه البخاري (١٨٢٥)، كتاب: الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا، ومسلم (١١٠٩)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٣٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٠٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٩١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٢٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ١٨٤).","vol":"1","page":264},{"text":"وقال الحسنُ وإبراهيمُ وسالمُ بنُ عبد الله وعروةُ وعطاءُ وطاوسٌ: يصومُ ويقضي (١).\nوروي عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه كانَ يقولُ: من أصبحَ جُنُبًا في رَمضانَ، أفطرَ (٢)، وقال: ما أنا قلتُه، قالَهُ رسول الله - ﷺ - ورَبِّ الكعبةِ! (٣)\nويروى (٤) عنه أنه قال: لا عِلْمَ لي بذلكَ، إِنَّما أخبرَني مُخْبِرٌ (٥).\nوخرَّجَ مسلم في \"صحيحه\": أن أبا هريرة رجعَ عَمَّا كان يقول في ذلك (٦).\nوالعملُ بحديثِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ أَولى؛ لأنَّ روايةَ اثنين أرجحُ من رواية واحدٍ، ولتقدمِ عائشةَ في الحفظِ والفِقْه، ولكونِ أزواج النبي - ﷺ - أعرفَ بهذا من رجلٍ إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، وبشهادة الأصول لحديثهما في غسل الطِّيبِ للمُحْرِمِ بعد الإحرام؛ إذ لا يجب تقدُّمه قبل الإحرام، ولاتِّفاقِ روايتهِمِا واختلافِ روايتِه.\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٢٢)، و\"المجموع\" له أيضًا (٦/ ٣٢٧)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٠٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٩٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ١٨٤).\n(٢) رواه مسلم (١١٠٩)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٧٦)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٣/ ٢٨٩)، وفي \"التمهيد\" (١٧/ ٤٢١).\n(٤) في \"ب\": \"وروي\".\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٤).\n(٦) رواه مسلم (١١٥٩)، كتاب: الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. عن أبي بكر بن عبد الرحمن.","vol":"1","page":265},{"text":"- ثم اختلف القائلون بقول أبي هريرة، فرويَ عن أبي هريرةَ أنه قالَ: إذا عَلِمَ بجنابته، ثم نام حتى يصبحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يعلمْ حتى يصبحَ (١)، فهو صائم (٢).\nورويَ عن عطاءٍ وطاوس وعروةَ.\nومنهم من قال: إنه يقضي في الفرضِ دون النفل. ورويَ (٣) عن الحَسَنِ وإبراهيمَ (٤).\nوالجميع محجوجونَ بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يدركُه الفجرُ في رمضانَ وهو جُنُبٌ من غير حُلُمٍ، فيغتسلُ ويصومُ (٥).\n* وفي الآية دليلٌ على أن الحكم معلقٌ بالفجرِ الثاني المُسْتَطِيرِ الأبيضِ لا الأحمرِ (٦). وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين. ورويَ عن حذيفةَ: أنه لما طَلَعَ الفجرُ، تسحَّرَ ثم صَلَّى.\nوروى النسائي: أنه قيل لحذيفة: أيَّ ساعةٍ تسحرتَ معَ رسولِ الله - ﷺ -؟ قال: هو النهارُ، إلا أن الشمسَ لم تطلُع (٧).\n_________\n(١) في \"ب\":\"أصبح\".\n(٢) ذكره عنه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٧/ ٤٢٤).\n(٣) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٢٢).\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) في \"ب\": \"الأحمر لا الأبيض\"، وهو خطأ.\n(٧) رواه النسائي (٢١٥٢)، كتاب: الصيام، باب: تأخير السحور، وابن ماجه (١٦٩٥)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في تأخير السحور، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٠٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٥٢)، والمحاملي في \"أماليه\" (٣٢٠).=","vol":"1","page":266},{"text":"وروي مثلُ قولهِ عن عثمانَ وابنِ عباس وطَلْقِ بِنِ عَلِيٍّ.\nورويَ معني ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ، وعنْ مسروقٍ أنه قالَ: لم يكونوا يَعُدُّون الفَجْرَ فجْرَكُمْ هذا، إنما كانوا يَعُدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ (١).\nوحكيَ عنِ الأعمشِ وإسحاقَ: أنهما قالا بجواز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس (٢).\n_________\n= قلت: وقد ذكر الإمام ابن القيم في \"حاشية السنن\" (٦/ ٣٤١) أنه حديث معلول، وعلته الوقف، وأن زرًّا -يعني: ابن حبيش- هو الذي تسحر مع حذيفة.\nوكذا ذكر الذهبي في \"معجمه المختص\" (ص: ٦٤): أن الصحيح وقفه، وذكر ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٢٢٣) أنه تفرد به عاصم بن أبي النجود.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩٠٧٥)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٧٣)، لكن من حديث الأعمش عن مسلم.\n(٢) اختلف العلماء في المقصود من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ على أقوال:\nالأول: أن المراد به هو حصول ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وهو قول جماهير أهل العلم من الصحابة، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار، وهؤلاء قالوا: يمسك عن الطعام والشراب والجماع بمجرد طلوع الفجر.\nالثاني: أن المراد به انتشار البياض واستفاضته في السماء، فيملأ بياضه الطرق، وهذا يكون بعد طلوع الفجر بمدة، وهو قول أبي مجلز، ومسروق، وابن عباس، وسمرة بن جندب، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.\nالثالث: أن المراد بالخيط الأبيض هو ضوء الشمس، وهو قول حذيفة، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وإبراهيم النخعي، والأعمش.\nوقد تتداخل أقوال من قال بالقول الثالث مع الثاني.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٧١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد=","vol":"1","page":267},{"text":"* وفيها دليلٌ على أن الحكمَ مُعَلَّقٌ (١) في المواقيتِ بالإدراكِ الحِسِّيِّ، لا الإدراك العقلي؛ فإنَّ وقتَ الفجرِ يدخُلُ قُبيلَ التبيُّنِ قَطْعًا ويقينًا، ولم يعلِّقِ اللهُ -سبحانَهُ- الحُكْمَ به، وإنما علَّقه بالتبيُّنِ؛ لُطْفًا بعباده (٢).\nوذهب بعضُ المالكية إلى أنه يجب الإمساكُ قبيلَ الطُلوع (٣)، وهو محجوجٌ بالآية، وبما رويناه في \"صحيح البخاري\": أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"كلوا واشربوا حتى يُنادِيَ ابنُ أُمِّ مكتوم\" (٤)، وقد عُلم أنه لا يُنادي إلا حينَ يطلعُ الفَجْر.\n_________\n= (٢/ ٥٦٤)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٢٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٢٥)، و\"حاشية السنن\" لابن القيم (٦/ ٣٤١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ١٣٦)، و\"عمدة القاري\" للعيني (١٠/ ٢٩٦).\n(١) \"معلق\" ليست في \"أ\".\n(٢) قال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٦٥٦): وسبب الاختلاف في ذلك الاحتمال الذي في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ هل على الإمساك بالتبيين نفسه أو بالشيء المتبين؛ لأن العرب تتجوَّز، فتستعمل لاحق الشيء بدل الشيء على وجه الاستعارة؛ فكأنه قال: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ لأنه إذا تبيَّن في نفسه، تبين لنا. فإذًا إضافة التبيين لنا هي التي أوقعت الخلاف؛ لأنه قد يتبين في نفسه ويتميز ولا يتبين لنا. وظاهر اللفظ يوجب تعلق الإمساك بالعلم، والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه، انتهى. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٢٩٦).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٦٦). وقد نقل الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٧٠) عن ابن بزيزة في \"شرح الأحكام\" قوله: واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا؛ بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب.\n(٤) رواه البخاري (١٨١٩)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي - ﷺ -: \"لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال\"، عن عائشة، وعنده \"يؤذن\" بدل \"ينادي\".","vol":"1","page":268},{"text":"* وفيها دليلٌ على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشكُّ في طُلوعِ الفَجْر، ولم يتبينْ لهُ الحالُ، بل استمرَّ على شَكِّه: أنّه لا يضرُّهُ الشَّكُّ، لأن اللهَ -تعالى- أباحَ الأكلَ والشربَ إلى أن يتبينَ لنا الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، وعلق الحكم على التبيُّنِ لنا، لا على التبيُّن في نفس الأمر (١).\nوقال قومٌ: الحكمُ معلَّقٌ على التبيُّنِ نفسِهِ من غيرِ تعليقٍ بنا، فلا يجوز لهُ الأكلُ، وإنْ أكلَ لَزِمَهُ القضاءُ، وبه قال مالكٌ قياسًا على غُروبِ الشمسِ وعلى سائرِ الأوقاتِ الشرعيَّةِ (٢)؛ كالزوالِ وغيرِه، وهو ضعيفٌ؛ لوضوحِ الفرق؛ فإن هذا مستديمٌ لحالِ (٣) الإباحة والإذن؛ كالذي غُمَّ عليه هِلالُ رَمضان، والآخرُ مستديمٌ لحال النَّهْيِ والمنعِ.\n* وفيها دلالةُ نَصٍّ على أن اللهَ -﷾- أوجبَ علينا إتمامَ الصومِ إلى الليلِ، وهو إجماعٌ (٤)، ويحصلُ بغروب الشمس (٥).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٣٩)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٣٢٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣١٠).\n(٢) انظر: \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٢٤٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١١٨).\n(٣) في \"ب\": \"بحال\".\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٦٤)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٣٢٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٢٥).\n(٥) وذلك إذا غربت وتكامل غروبها، والاعتبار سقوط قرصها بكامله، وذلك ظاهر في الصحراء. قال الشيخ أبو حامد والأصحاب: ولا نظر بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه، وأما في العمران وقُلَل الجبال، فالاعتبار بألا يُرى شيء من شعاعها على الجدران وقُلَل الجبال، ويُقبل الظلام من المشرق. انظر: \"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٣/ ٣٣).","vol":"1","page":269},{"text":"* وفيها دليل على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشُكُّ في غروبِ الشمس أنّهُ يبطُلُ صومُهُ؛ لأنه لم يَتيقَّن إتمامَ الصِّيامِ إلى الليل، وهو مستصحبٌ حالَ النهيِ عن الأكل والشربِ، وسواءٌ تبيَّنَ له الغروبُ أو (١) لم يتبين (٢).\n* وفيها دليلٌ على أنه إذا اعتقد دخولَ الليل، فأفطر، ثم ظهرتِ الشمسُ، أنَّه يبطل صومُه وعليهِ القضاءُ؛ لأنه لم يتمَّ الصِّيام إلى الليل. وبهذا قال أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفةَ.\nومنهم من ألحقهُ بالناسي، وبه قال الحسنُ وإسحاقُ وأهلُ الظاهر (٣)، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه (٤).\nالجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقد اشتملت هذه الآيةُ على ثلاث مسائل:\nالأولى: نهانا الله تعالى عن المباشرةِ في حالِ الاعتكافِ، والمباشرةُ تقع على الوِقاع، وعلى ما دونهُ بشهوة وبغير شهوة، إما اشتراكًا، وإما حقيقة ومجازًا، وقد (٥) بيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أَنَّ المباشرةَ بغيرِ شَهْوَةٍ غيرُ مُرادةٍ للهِ -تباركَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"أم\".\n(٢) وهو مذهب الأئمة الأربعة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٣٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١١٨)، و\"البيان\" للعمراني (٣/ ٥٠٠)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣١٠).\n(٣) وبه قال الحنابلة أيضًا. انظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ١٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٠٦)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٣٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٨٩).\n(٤) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٠٣)، وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٢١٧).\n(٥) في \"ب\": \"فقد\".","vol":"1","page":270},{"text":"وتَعالى- فقدْ كانَ يُدني رأسَه إلى عائشةَ فَتُرَجِّلُه (١). ولاشكَّ أَنَّ الوِقاعَ مُرادُ اللهِ ﵎.\n* واختلف أهل العلم في المباشرة بشهوة (٢).\n- فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تفسد، إلا أن يُنْزِلَ (٣)، وحمل اللفظ إما على أحد معانيه، وإما على حقيقته دون مجازه.\n- وذهب مالكٌ إلى أنه يفسد الاعتكاف سدًا للذَّريعة (٤)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه (٥)؛ لجوازِ حمل اللفظِ المشترَكِ على جميع معانيه.\nالثانية: وفيها دليلٌ على أنه لا يجوز الاعتكافُ إلا في المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولبيان النبيِّ - ﷺ - ذلك، فلم يعتكف إلا في المسجد، وعلى هذا اتفق أهل العلم (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٢)، كتاب: الحيض، باب: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، ومسلم (٢٩٧)، كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، عن عائشة.\n(٢) في \"أ\": \"لشهوة\".\n(٣) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٩٣).\n(٤) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٩٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٢٣).\n(٥) والقول الآخر له: أن اعتكافه لا يبطل إلا إذا أنزل، وهذا هو الأظهر من القولين في هذه المسألة. انظر: \"البيان\" للعمراني (٣/ ٥٩٥)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٢/ ١٩٢).\nوهذا القول الأظهر للشافعية هو المعتمد عند الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٧٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٨٢).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٧٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦١٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":271},{"text":"وقال بعضهم: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها (١).\nوَشذ بعضهم، فروي عنه أنه يصح (٢) في غير مسجدٍ (٣)، والمخصوصُ بالمساجدِ إنَّما هو منعُ المباشرةِ المنافيةِ لحُرْمَةِ المسجد، وهو مَحجوجٌ بالسنَّةِ والإجماع.\n* ثم اختلفوا في تعميم المساجد وتخصيصها، فحكي عن عليٍّ -﵁- وحمَّاد: أنهما قالا: لا يصح إلّا في المسجد الحرام (٤).\n[وقال عطاء: لا يصحُّ إلا في المسجدِ الحرام] (٥) ومسجدِ المدينةِ (٦).\nوقال حذيفةُ وسعيدُ بن المسيِّب: لا يصحُّ إلا في مسجدِ بناه نبيٌّ من الأنبياء؛ كالمسجد الحرام، ومسجدِ المدينة والمسجدِ الأقصى (٧).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية؛ انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٨١).\n(٢) \"يصح\" ليس في \"أ\".\n(٣) وهو قول محمد بن عمر بن لُبابة المالكي. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦١٠)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٢٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٣٤٢).\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٤/ ١٤٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١١)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٥٠٧): أنهما قالا: لا اعتكاف إلا في مسجد يجمَّع فيه.\n(٥) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٠١٨).\n(٧) انظر أثر حذيفة ﵁ في \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٠١٤). وأثر سعيد بن المسيب في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩٧٦٠). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٧٣)، و\"المجموع في شرح المهذب\" للنووي (٦/ ٥٠٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٦٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٣٤٢).","vol":"1","page":272},{"text":"وقال ابن مسعود والزهري وعروة وابن عُتَيبة (١) وحمّاد لا يصحُّ إلَّا في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، وبه قال مالك في رواية ابن الحكم عنه، ويروى عن علي ﵁ (٢).\nوقال أحمد: لا يصحُّ إلا في مسجدٍ تقام فيه الجماعة (٣).\nوقال قومٌ: يصحُّ في جميع المساجد، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومالكٌ (٤) وداود، واختاره ابنُ المنذر، ويروى عن سعيدِ بن جبير وأبي قِلابة (٥).\nوالخِطابُ يدل عليه؛ فإنه عمَّ المساجدَ، ولم يخصَّ مسجدًا بعينه.\nويحتملُ أن الخطابَ من العامِّ الذي أُريِد به الخاصُّ، وهو معهودٌ في الشرعِ (٦)، بدليلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، وأراد المسجد الحرام.\nالثالثة (٧): ذكر الله -سبحانه- الاعتكافَ مقرونًا بذكر الصيام، وكان\n_________\n(١) يعني: الحكم.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١١)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٥٠٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٣٤٢).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٦١)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٦٤).\n(٤) وهو المعتمد عند المالكية. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٣٥)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٩٦)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٢٢).\n(٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩٧٤٨، ٩٧٥٦). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٧٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٣٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٨١).\n(٦) في \"ب\": \"بالشرع\".\n(٧) في \"ب\": \"والثالثة\".","vol":"1","page":273},{"text":"النبيُّ - ﷺ - يعتكفُ في شهرِ رمضانَ العَشْرَ الوسطَى (١)، ثم اعتكفَ العشرَ الأخير (٢).\n- فمن أهلِ العلم من اشترطَ الصومَ في الاعتكاف، واسْتَأنسَ بكونهِ مقرونًا بذكر الصوم، وبأن النبيَّ - ﷺ - اعتكفَ صائمًا، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ، والشافعيُّ في القولِ القديم، ويروى عن عائشة وابنِ عباس وابن عُمَرَ (٣).\n- ومنهم من لم يشترطِ الصِّيامَ، ورأى أن صومَ النبيِّ - ﷺ - جرى بحكم الاتِّفاقِ؛ فإن صومَ رمضانَ لا يصلح لغيره، واستدلَّ بما خرَّجه البخاريُّ في \"صحيحه\": أن عمرَ -﵁- قال: يا رسول الله! إني نذرتُ أنْ أعتكفَ ليلةً في الجاهليَّةِ، فقال له: \"أَوْفِ بِنَذْرِكَ\" (٤).\n_________\n(١) في \"أ\": \"الوسط\".\n(٢) في \"ب\": \"الآخرة\". والحديث رواه مسلم (١١٦٧)، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، عن أبي سعيد الخدري.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١١)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٥١١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٥٩)، \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٩٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٨٤).\nقلت: والصحيح المشهور عند الحنابلة: أن الصوم ليس شرطًا، وإنما يصح دون صيام. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤٥٩)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٥٨).\nوالصحيح المعتمد عند الشافعية: أن الصوم مستحب وليس شرطًا. انظر: \"المجموع\" للنووي (٦/ ٥٠٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ١٩٣).\n(٤) رواه البخاري (١٩٣٨)، كتاب: الاعتكاف، باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، وعنده: \"أن يعتكف في المسجد الحرام\".","vol":"1","page":274},{"text":"والليلُ ليسَ مَحَلًا لصيامٍ، وبهذا قالَ الشافعيُّ وأحمدُ في أحد قوليه (١)، وروي (٢) عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما (٣).\nوأما الاقترانُ، فلا يوجب للقرين حكمَ قرينه (٤)؛ كما قرره أهل النظر.\n* ولأجلِ اختلافِهم في (٥) اعتكافِ النبيِّ - ﷺ - العشرَ الأواخرَ، هل جرى بحكم الاشتراط أو الاتفاق، اختلفوا في أقلِّ الاعتكافِ: فقال بعضُ المالكية: أقلُّهُ يوم. وقال بعضهم: أقلُّه عشرة أيام (٦).\nوعامةُ الفُقهاء على (٧) أنه لا حَدَّ لهَ (٨).\n* * *\n_________\n(١) وهو الصحيح عند الحنابلة والشافعية، كما تقدم. وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن عُلَيَّة، وإسحاق، وداود. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٢٩٢).\n(٢) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٣) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٩٧١١).\n(٤) يعني: أنه لا يلزم من مجرد الاعتكاف في رمضان اشتراط الصوم.\n(٥) في \"ب\" زيادة \"مدة\".\n(٦) الخلاف في هذا هو عن الإمام مالك ﵀؛ فإنه روي عنه: أن أقله يوم وليلة، وروي عنه: أن أقله ثلاثة أيام، وروي عنه: أنه عشرة أيام. والمعتمد في المذهب: أن أقله يوم وليلة، وأعلاه في الاستحباب عشرة أيام.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٣١٣)، و\"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٢٥٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٥٤٢)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٢٣).\n(٧) \"على\" ليست في \"ب\".\n(٨) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٠/ ٣١٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١١)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٥١٥)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ١٦٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٨٥).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>(من أحكام القضاء)</span>\n١١ - (١١) قوله ﷻ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].\n* حرَّم اللهُ -ﷻ- في هذه الآية أَكْلَ المالِ بالباطلِ، وحرَّمَ المُخاصَمَةَ فيهِ، والرشوةَ عليه.\n* وفي الآية دليل على أن حكم الحاكم لا يُحِل حَرامًا، ولا يُحرِّمُ حَلالًا، وإنما ينفُذُ في الظَّاهِرِ، ولا يغير حُكما شرعيًا في الباطن.\nقال الشافعيُّ: فحُكْمُ القاضي لا يجعلُ الحلالَ على واحدٍ من المَقْضِيِّ له والمَقْضِيِّ عليه حرامًا، ولا الحرامَ حلالًا، فالحلالُ والحرامُ على ما يعلمُ الله، والحكمُ على ظاهر الأمر (١).\nوكان القاضي شريح يقول للرجلِ: إني لأقضي لك، وإنِّي لأَظُنُّك ظالمًا، ولكن لا يسعُني إلا أن أقضيَ بما يحضرني من البيِّنة، وإن قضائي لا يُحِلُّ لك حرامًا (٢).\n_________\n(١) نقله البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٣٧٩) عن الإمام الشافعي في رواية أبي سعيد.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٢٩٧٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥٠). وانظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٣٨٠).","vol":"1","page":276},{"text":"وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماهيرُ علماء الإسلامِ من الصحابة والتابعين (١)، فإذا شهدَ شاهدانِ بالزورِ أنَّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ، لم يَحِلَّ لمنْ علمَ كَذِبَهُما أنْ يتزوَّجَها بعد حكمِ الحاكم بالطلاق.\nوقال أبو حنيفةَ: يُحِلُّ حكمُ القاضي الفروجَ دونَ الأموال (٢)، وقال: يحلُّ (٣) المذكورةَ؛ كالمُلاعَنَةِ؛ فإنه لما حكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، فرَّقَ بينهما، وحلَّت للأزواج، وإن كانتْ كاذبةً في الباطن الذي لو لم تُدْلِ (٤) به، لَوَجَبَ عليها الحَدُّ، ولَم تثبتِ الفرقةُ لها على زوجها.\n* واختلفتِ الشافعيَّةُ فيما إذا وقع حكمُ الحاكمِ في أمرٍ يسوغُ فيه النظرُ والاجتهادُ، هل ينفُذُ في الظاهرِ والباطن؟ وذكروا ذلك فيما إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعةِ الجوار (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٣٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣١٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ١٥٢)، و\"أدب القضاء\" لابن أبي الدم (ص: ١٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ٣٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٠/ ١٤٦).\n(٢) وقد خالفه في ذلك الصاحبان، موافِقَيْنِ بذلك الجمهور. انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٦/ ٣٩٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣١٤).\n(٣) في \"ب\": \"تحل\".\n(٤) في \"ب\": \"تُدلي\".\n(٥) قال الشافعية: إذا كان القضاء في الأمور الاجتهادية الإنشائية، فإنه ينفذ ظاهرًا، أما باطنًا؛ ففيه عندهم ثلاثة أقوال: الصحيح أنه ينفذ باطنا أيضًا. والثاني: لا ينفذ، والثالث: إن اعتقده الخصم نفذ باطنًا أيضًا، وإلا فلا. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ١٥٣)، و\"أدب القضاء\" لابن أبي الدم (ص: ١٦٩).\nوقد ذكر الإمام ابن دقيق في \"إحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ١٦٦) في حديث النبي - ﷺ -: \"إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ... . \": أن الحديث يَستدِل به من يرى أن القضاء لا ينفذ في=","vol":"1","page":277},{"text":"* والإثمُ: قال فيه ابن عباس -﵄-: هو اليمينُ الكاذبة (١). وقيل: الرشوة. وقيل: شهادةُ الزور أقيم المسبَّبُ مقامَ السبب في ذلك.\nوكلُّه حرامٌ بالاتَفاق.\nروينا (٢) في \"الصحيحين\": أنَّ رسولَ الله - ﷺ - سمع جَلَبَة (٣) خَصْمٍ بباب حُجرته، فخرج إليهم، فقالَ: \"ألا إنما أنا بشرٌ، وإنما يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ أبلغَ من بعضٍ، وأَحْسَبُ (٤) أنه صادِقٌ، فأقضيَ له، فمنْ قضيْتُ لهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْها أو يَذَرْها\" (٥)\n* * *\n_________\n= الظاهر والباطن معًا مطلقًا، وأنَّ حكم القاضي لا يغير حكمًا شرعيًا في الباطن. واتفق أصحاب الشافعي على أن القاضي الحنفي إذا قضى بشفعة الجار للشافعي أخذها في الظاهر. واختلفوا في حل ذلك في الباطن له على وجهين، والحديث عام بالنسبة إلى سائر الحقوق. والذين يتفقون عليه -أعني: أصحاب الشافعي-: أن الحجج إذا كانت باطلة في نفس الأمر؛ بحيث لو اطلع عليها القاضي لم يجز له الحكم بها: أن ذلك لا يؤثر، وإنما وقع التردد في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقادُ القاضي اعتقادَ المحكوم له، كما قلنا في شفعة الجار، انتهى.\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٨٣).\n(٢) في \"ب\": \"وروينا\".\n(٣) الجَلَبَةُ: اختلاط الصوت. \"القاموس\"، (مادة: جَلَب)، (ص: ٦٤).\n(٤) في \" أ \": \"وأحتسب\".\n(٥) رواه البخاري (٢٣٢٦)، كتاب: المظالم، باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، ومسلم (١٧١٣)، كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، عن أم سلمة، وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٢ - (١٢) قوله ﷻ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].\n* أحسنُ القولِ في هذه الآيةِ قولُ ابن عباسٍ ومجاهدٍ وعمرَ بنِ عبد العزيزِ -رضيَ الله تعالى عنهم-، وهو أن اللهَ -﷾- أوجبَ على المؤمنين قِتَال المُخالفين لهم في الدِّين الذين فيهم مقدرةٌ على القِتال، ونهاهم عن الاعتداء بقتلِ الذينَ لا قِتالَ فيهم؛ كالصبيانِ والنساءِ والشيخِ الكبير. وقد بيَّنه النبيُّ - ﷺ -، فنهى عن قتل النِّساء والولدان لمَّا بعثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ (١).\nفالآيةُ على هذا القول محكَمَة لا نسخَ فيها.\nوقال قومٌ: هذه الآية (٢) أولُ آيةٍ نزلتْ في القتال، أبيح لهم أن يُقاتلوا مَنْ قاتلهم، ولا يَعْتَدوا فيقاتلوا من لم يقاتلْهم، ثم نُسِخَ النهيُ عن\n_________\n(١) رواه أبو عوانة في \"مسنده\" (٦٥٨٧)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٧٦٠)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١١/ ٦٦) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٨٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٣).\n(٢) \"الآية\" ليست في \"أ\".","vol":"1","page":279},{"text":"قتالِ من لم يقاتلهم بالأمرِ بالقتل والقتال (١).\nوالقولُ بالنسخِ مع وجودِ التأويلِ ضعيفٌ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ عن رسول الله - ﷺ - (٢).\nوتحتملُ الآيةُ عندي تأويلًا حسنًا ظاهرًا، وهو أن يكونَ أمرَهُم اللهُ -﵎- بقتالِ الذين يُقاتلونهم عند المسجِد الحَرام إذا قاتلوهم فيه، ولا يعتدوا فيقتلوا (٣) من لم يقاتلْهم ابتداءً.\nويشهد لهذا التأويلِ ويقوِّيه قولُه -﷾-: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقولهُ ﷿: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ويكون المرادُ بـ \"سبيلِ الله\": المسجدَ الحرام؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nثم وجدتُ -بعد وضعي لهذا الكتابِ بأحوال- بعضَ المفسرينَ الحُفَّاظ قدْ جعلَ هذا التأويلَ تفسيرًا، وقال: نزلت هذه الآيةُ في عُمْرَةِ القَضاء لمّا خاف المسلمون غَدْر الكُفار لمَّا شَرَطوا أن يُخْلوا لهم مكةَ في العامِ القابل\n_________\n(١) وهو قول الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٨٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٠٠).\n(٢) قال أبو جعفر الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٩٠): دعوى المدَّعي نسخ آية، يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه، تحكُّمٌ والتحكُّم لا يعجز عنه أحد.\n(٣) في \"ب\": \"فيقاتلوا\".","vol":"1","page":280},{"text":"بعد عام الحُدَيْبيَةِ، وكرهوا (١) القتالَ في الشهر الحرام. ولكنه لم يسنِدهُ ولم يَعْزُ إلى أحَدٍ (٢).\n* * *\n\n١٣ - ١٤ (١٣ - ١٤) قوله ﷿: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩١، ١٩٢].\n-: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيثُ وجدتموهم.\n- ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني: مكة المشرَّفةَ، شرفَها اللهُ الكريمُ وعظَّمها.\n﴿والفتنة﴾ هنا هي الشرك، مُقْتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* ثم اعلموا -يرحمكم اللهُ الكريم وإياي-: أنَّ القولَ في هذه الآية من أشدِّ الأمورِ وأصعبِها وأكربها. وها أنا أحكي أقوال أهل العلم، وأتكلمُ على منتهى فَهْمي، وأستعين اللهَ الكريَم وأستهديه؛ إنه وليُّ ذلك، والقادر عليه.\nفأقول: اعلموا أنَّ العرب كانت تحرم القتل والقتال في المسجد\n_________\n(١) في \"ب\": \"فكرهوا\".\n(٢) قد ذكر هذا كلٌّ من الواحدي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي. فعزوه جميعًا إلا القرطبي إلى ابن عباس ﵄. انظر: \"أسباب النزول\" (ص: ٤٩)، و\"معالم التنزيل\" (١/ ٢٣٧)، و\"زاد المسير\" (١/ ١٧٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":281},{"text":"الحرام، وفي الأشهر الحُرُمِ، وكان ذلك مِمَّا تَمَسَّكوا به، وبَقُوا عليه من دين إبراهيم -﵊-.\nوكان الأمرُ كذلكَ في صدرِ الإسلامِ بشرعٍ من الله -جل جلاُله- فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢].\nثم أمر الله سبحانه المؤمنين بقتل المشركين حيث ثَقِفوهم (١)، وذلك عامٌّ في جميع الأمكنة؛ المسجدِ الحرامِ وغيرِه، وأمرهم بإخراجهم من حيثُ أخرجوهم، وذلك نصٌّ في مكان مكة المعظمة -شرَّفَها الله العظيمُ وعظَّمها- ولكن الأمر بالقتل والإخراج مطلَقٌ في الأزمان والأحوال.\nثم بيَنَ اللهُ سبحانَه للمؤمنين هذا الإطلاق، فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، فحرم الابتداء بقتالهم عند المسجد الحرام حتى يقُاتِلوا فيه ويَهْتِكوا حُرْمَته، فيُقتصُّ منهم فَتُهتك حُرْمَتُهم فيه؛ كما قال سبحانه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n* فإن قلتم: فما الحكم في القتال في المسجد الحرام مع الكفار والبغاة -حرسه اللهُ الكريمُ وطهَّره- فهل (٢) يجوز الآن إذا تغلبوا، أو لا يجوز كما كان في صدر الإسلام؟\nقلت: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ:\n_________\n(١) في \"ب\": \"ثقفتموهم\".\n(٢) في \"ب\": \"هل\".","vol":"1","page":282},{"text":"- فقال مجاهدٌ وطاوسٌ وقومٌ من الفقهاء: لا يجوزُ قتالُهم في الحَرَم (١).\nوبهِ قالَ القَفَّال شارحُ \"التلخيص\" من الشافعيّة (٢).\nوحَكى الماورديُّ من الشافعيَّةِ أَنَّ من خصائصِ الحَرَم ألّا يحارَبَ أهلُهُ، وإن بَغَوْا على أهل العدل، فقد قال بعضُهم: يحرُمُ قتالُهم، بل يُضَيَّقُ عليهم حَتَّى يرجِعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل (٣).\nولهم من الدليل: هذه الآية، وما في معناها، ومن السنَّةِ ما رويناه (٤) في \"الصحيحين\" عن أبي شريح العَدَويِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قال لعمروِ بنِ سعيدِ بنِ العاص، وهو يبعثُ البُعوثَ إلى مكة-: اِئْذَنْ لي أيُّها الأمير أن أُحدِّثَكَ قولًا قام به رسول الله - ﷺ - الغدَ من يومِ الفتحِ، فسمعته أُذنايَ، ووعاهُ قلبي، وأَبْصَرَتْهُ عيناي حينَ تكَلَّمَ به؛ إنه حَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: \"إن مَكَّةَ حَرَّمَها اللهُ ولم يُحَرِّمْها الناسُ، فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَسْفِكَ فيها (٥) دمًا، ولا يَعْضِدَ (٦) بها شجرةً، فإنْ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٩٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٥١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٧).\n(٢) نقله عن القفال: النووي في \"المجموع\" (٧/ ٤٦٧).\n(٣) انظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي (ص: ٢٦٠). وانظر: \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" لابن دقيق (٣/ ٢٤ - ٢٥).\n(٤) في \"ب\": \"روينا\".\n(٥) في \"ب\": \"بها\".\n(٦) يعضد: عَضَدَ يعضِدُ من باب ضرب يضرب: معناها: قطع يقطع. انظر: \"القاموس\" (مادة: عضد) (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":283},{"text":"أحدٌ تَرَّخص لقتالِ رسولِ الله - ﷺ -، فقولوا (١): إن الله قد (٢) أَذِنَ لرسوله، ولم يأذنْ لكم، وإنما أَذِنَ لي ساعةً (٣) من نَهارٍ، وقد عادتْ حرمتُها اليومَ كحرمتِها بالأمسِ، فَلْيُبلِّغِ الشاهدُ (٤) الغائبَ\" فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرمَ لا يُعيذُ عاصيًا ولا فارًّا بدم، ولا بخربة (٥).\nوهذا نصٌّ مكررٌ مؤكَدٌ في هذا الحديث الصحيح يدلُّ على تحريمِ قتالِ أهلِ مكَّةَ، وقتالُ النبيِّ - ﷺ - إنما كان مع المشركين.\nوأما قولُ عمرٍو: أنا أعلمُ بذلك منك، إن الحرَم لا يعيذُ عاصِيًا ولا فارًّا بدمٍ، ولا بخربة، فمن كلامه (٦).\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"له\".\n(٢) \"قد\" ليست في \"أ\".\n(٣) في \"ب\" زيادة \"واحدة\".\n(٤) في \"ب\" زيادة \"منكم\".\n(٥) رواه البخاري (١٠٤)، كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ومسلم (١٣٥٤)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها.\nوالخربة: الجناية والبلية. وانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ١٧).\n(٦) قال ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\" (٣/ ٤٤٦): يردُّ -يعني: عمرو بن سعيد الأشدق- به حديثَ رسول الله - ﷺ -، حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبيَّنًا في \"الصحيح\".\nقال ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٤٩٨)؛ ولا كرامة للطيم الشيطان، يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله - ﷺ -، بما سَمعِه ذلك الصاحبُ -﵁- من رسول الله - ﷺ -، وإنا لله وإنا إليه راجعون على عظيم المُصاب في الإسلام.","vol":"1","page":284},{"text":"- وقال أكثرُ أهلِ العلم: يقاتَلون (١)، وأجابوا عن الآية الكريمة بأنها منسوخةٌ.\nواختلفوا في الناسخ لها: (٢)\nفقال قَتَادَةُ: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: [﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٣].\nوقال قوم (٤)، هي منسوخة بقوله تعالى] (٥): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) [التوبة: ٥]، و(براءة) نزلتْ بعدَ البقرةِ بِمدَّةٍ طويلةٍ.\n_________\n(١) انظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي (ص: ٢٦٠)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٤٦٧).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٣ - ٣٤)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ١٩ - ٢٠)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٢٦)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٧٨ - ٧٩).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٧). وقد نقل ابن الجوزي عنه في \"زاد المسير\" (١/ ١٨١) أنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٧).\n(٤) النسخ بهذه الآية قد نسب إلى قتادة كما تقدم. أما النسخ بقوله تعالى: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، فقد نسبه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (١/ ١٨١) إلى الربيع بن أنس وابن زيد. وقد ذكر القولان عن قتادة الطبريُّ في \"تفسيره\" (٢/ ١٩٢).\n(٥) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"تفسيره\"، وعبد بن حميد في \"تفسيره\"، وأبو داود والنحاس معًا في \"الناسخ والمنسوخ\". انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٤٩٥).","vol":"1","page":285},{"text":"وما ذكر هؤلاءِ من النسخِ بآية (براءة) غيرُ مستقيم، لوجوهٍ:\nأحدها: أنَّ قولَ الله سبحانه في سورةِ المائدة: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] يوافق آيةَ البقرة، والمائدة (١) نزلت بعد (براءة) في قولِ أكثر أهل العلم بالقرآن.\nوثانيها: أن آيةَ (براءة) تدلُّ على تعظيم الأشهر الحرم، فقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وما شأن الشهرِ الحرامِ والبلدِ الحرام إلا واحد.\nوثالثها: أن (حَيْثُ) كلمةٌ تدلُّ على المكان، ولكنها عامةٌ في أفراد الأمكنة، فتكونُ على عمومها، وآية البقرة نَصٌّ في النهي عن القتال في مكانٍ مخصوص، وهو المسجدُ الحرام، فيقضى بخصوصها على عموم آية (براءة)، وإن تأخر نزول (براءة) عن سورة البقرة، فلا تعارضَ بين الآيتين، فلا نسخَ، بل كل آية منهما حكمها في حالٍ غيرِ الحالِ الذي فيه حكمُ الآية الأخرى، ويكونُ التقدير: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، إلا أن يكونوا في المسجد الحرام، فلا تقاتلوهم (٢) فيه حتى يقاتلوكم فيه. ألم يرَ هؤلاء إلى صدرِ آية البقرةِ كيفَ يوافقُ لفظُها لفظَ آية (براءة)، ويزيد عليه في التصريح والبيان قوله -سبحانه-: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ولم يكنْ أولُ الآيةِ مُناقِضًا لآخرها، فلا يجوز أن تكون آيةُ (براءة) ناسخةً لهذه الآية.\n- وأما قولُ قتادة، فإن صحَّ له النقلُ عن النبي - ﷺ - بأنها ناسخةٌ له (٣)،\n_________\n(١) في \"ب\": \"يوافق آية المائدة، والبقرة\"، وهو خطأ.\n(٢) في \"ب\": \"تقتلوهم\".\n(٣) في \"ب\": \"لها\".","vol":"1","page":286},{"text":"فهو المعتمَدُ، ولا يصحُّ ذلكَ مع قوله - ﷺ -: \"فهو حَرامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ\" (١)، إلَّا على قولِ بعضِ أهل العلم بالنظرِ والاستدلَال (٢).\n- وأما الجمعُ بين الآيتين فظاهرٌ، وذلك أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال، وآية (٣) البقرة مقيَّدَةٌ ببعضِ الأمكنةِ، فيقضى بالمُقَيَّدِ على المُطْلَقِ، ويكون التقدير: فقاتلوهم في غيرِ المسجدِ الحرامِ حتى لا تكونَ فتنة. وإذا أمكن الجمعُ فلا نسخ.\n- وأما الجوابُ عن حديث أبي شريحٍ -رضي الله تعالى عنه- فقيل: إنَّ الشافعيَّ -رحمه اللهُ تعالى- أجابَ عنه وعن مثله بأنَّ معناهُ تحريمُ قِتالهم بما يَعُمُّ؛ كالمنجنيقِ، وغيره، إذا لم يكنْ إصلاح الحال إلا (٤) بذلك، بخلاف ما إذا اتحصَّن (٥) الكفارُ في بلدٍ آخرَ؛ فإنه يجوزُ قتالُهم على كلِّ وجهٍ و(٦) بكلِّ شيء (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٧٣٧)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، ومسلم (١٣٥٣)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، عن ابن عباس.\n(٢) قلت: يعني بذلك أن في الحديث مذكورٌ قولُه: \" ... . إلى يوم القيامة\"، فكيف يجوز نسخه مع هذا؟! وهي مسألة مشابهة لقولهم: إذا قرن الحكم بلفظ التأبيد، هل يجوز نسخه؟ فالجمهور على جوازه، وخالف فيه بعض العلماء؛ كالجصاص، وحكاه عن أصحاب أبي حنيفة. انظر: \"المحصول\" للرازي (٣/ ٣٢٨)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٩٨).\n(٣) في \" أ\": \"وأن\".\n(٤) \"إلا\" ليس في \"أ\".\n(٥) في \"أ\": \"انحصر\".\n(٦) الواو ليست في \"أ\".\n(٧) هذا الجواب ذكره النووي في \"المجموع\" (٧/ ٤٦٨).","vol":"1","page":287},{"text":"وهذا التأويلُ فاسدٌ؛ لمعارضةِ النصِّ الصَّريحِ في بيانِ النبيِّ - ﷺ - الخصوصية (١) بإحلالها لهُ ساعةً من نَهار، وتحريم ذلكَ على غيرهِ تحريمًا مطلقًا. فقال: \"وإن أحدٌ ترخَّصَ لقِتال رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقولوا: إن اللهَ أذِنَ لرسولهِ، ولم يأذنْ لكمْ\" (٢)، والذي أذن فيه للرسول - ﷺ - إنَّما هو مطلقُ القتال لا القِتالُ المخصوص بالذي يَعُمُّ.\nوأيضًا لم يكنْ قتالُهُ - ﷺ - لأهل مكة بما يَعُمُّ. وليس له في تأويله دليلٌ على تخصيص الحديث بما ذكر، بل الحديثُ نصٌّ في أنّ لمكَّةَ المعظَّمَةِ -عظَّمها اللهُ سبحانه- حرمةً مطلقة لا تقييد فيها، وبعيدٌ أن يصحَّ مثلُ هذا عن الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعي -رحمَهُ اللهُ تعالى-، وفي ظَنِّي أنه أجابَ عن الأحاديثِ في قتله للملتجئ إلى الحرم: بأن الذي نُهِيَ عنهُ القِتالُ العامُّ، لا القَتْلُ الخاصُّ بِحَقٍّ، فنُقِل مِن ثَمَّ إلى هُنا بالمعنى، ونُسِب إليه، والله -سبحانه- أعلم بذلك.\nثمَّ بعد كتبي (٣) لهذا الكتاب بثلاثة أحوال وجدْتُ قولَ الشافعيِّ كما ظننتُهُ، وبخلافِ ما نُقِلَ عنه، قال الربيعُ: قالَ الشافعيُّ: فلو أن قومًا من أهل دار الحرب لجؤوا إلى الحرم، أخِذوا كما يؤخَذون في غير الحرم، يُحْكم فيهم من القتلِ أو غيرِه كما يُحْكَم فيمن كان في غيرِ الحرم.\nفإن قال قائل: فكيفَ زعمتَ أنَّ الحرم بحالي لا يمنعُهم، وقدْ قالَ رسولُ الله - ﷺ - في مكة: \"هي حرامٌ بحرمة الله، لم تَحِلَّ لأَحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، ولم تحلَّ لي إلا ساعةً من نهار، وهي ساعتنا هذه\"؟ (٤)\n_________\n(١) في \"أ\": \"لخصوصه\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) \"كتبي\" زيادة من \"أ\".\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":288},{"text":"قيل: إنما معنى ذلك -والله أعلم- أنها لم تحلَّ (١) أن ينصب عليها الحرب حتى تكونَ كغيرها.\nفإن قيل (٢): ما دلَّ على ما وصفتَ؟\nقيل: أمرُ رسولِ الله - ﷺ - عندما قُتِل عاصمُ بنُ ثابتٍ وخُبْيبٌ -﵄- بقتل أبي سفيان في داره بمكة، إنْ قُدِرَ عليه، وهذا في الوقت الذي كانت فيه مُحَرَّمَةً يدلُّ (٣) على أنها لا تمنعُ أحدًا من شيء وجبَ عليه، وإنما تمنعُ من أن يُنْصَب عليها الحربُ كما ينصَبُ على غيرها (٤).\nفقد بان لنا من كلامِ أبي عبد الله أَنَّ مذهَبُه تحريمُ نَصْبِ الحربِ والقتالِ على مكةَ المشرَّفةِ -شَرَّفَها اللهُ تعالى-.\nفالحمدُ لله الذي بَرَّأَ أبا عبدِ الله مِمّا نسبوه إليه، فهم قومٌ لم يفرِّقوا بين المُتَغَلِّبِ والملتجئ، وأما كلامُ أبي عبدِ الله في هذه الآية، فإنه (٥) يدلُّ على خِلافِ هذا، وذلك أنه قال -رحمه الله تعالى-: يُقال: نزل هذا في أهل مكة، وكانوا أشدَّ العدوِّ على المسلمين، ففرضَ اللهُ في قِتالهم ما ذكر سبحانه.\nثم قال: يقال نزل نسخُ هذا كلِّه، والنهيُ عن القِتال حتى يقاتِلوا، والنهيُ عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، انتهى (٦).\n_________\n(١) في \"أ\": \"يحتمل\".\n(٢) في \"ب\": \"قال\".\n(٣) في \"ب\": \"فدلّ\".\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٣٠٩).\n(٥) في \"ب\": \"لا يدل\".\n(٦) انظر: \"الأم\" (٤/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"1","page":289},{"text":"وقد دللت قريبًا على ضعف هذا القول، والله أعلم.\nفإن قلتم: فما اختيارُك في ذلك؟\nقلتُ: الذي أَختاره وأقوله وأدين الله -سبحانه- تحريمَ المسجدِ الحرامِ كما حَرَّمَهُ اللهُ -ﷻ- فلا يجوزُ فيه القتال حتى يَبْدَأَ أهلُه بالقِتال، فيقاتَلون (١)؛ للنصِّ الصريح في الآية المذكورة، وفي حديث أبي شريح، ولما روي عن (٢) ابن عباسٍ -﵄- قال: قال رسولُ الله - ﷺ - يومَ فَتْحِ مَكَةِ: \"إن هذا البلد حرّمه الله يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرْمَةِ الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحلَّ لَي (٣) إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمة اللهِ إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَها، ولا يُخْتَلى خَلاَها\"، فقال العباسُ: يا رسول الله! إلا الإذْخِرَ (٤)؛ فإنه لِقَيْنهم (٥) وبُيوتهم (٦)، فقال: \"إلا الإذْخِرَ\" (٧)، فهذا -أيضًا- نصٌّ صريح في حرمتِها كما حرمها الله\n_________\n(١) في \"ب\": \"فيقتلون\".\n(٢) \"عن\" ليست في \"ب\".\n(٣) \"لي\" ليست في \"أ\".\n(٤) الإذْخِر: الحشيش الأخضر، وحشيشٌ طيِّبُ الريح. انظر: \"القاموس\" (مادة ذخر) (ص: ٣٥٧). \"اللسان\" (مادة: ذخر) (٤/ ٣٠٣).\n(٥) القينُ: العبدُ، جمعُه قِيان، انظر: \"اللسان\" (١٣/ ٣٥٢)، \"القاموس\" (ص: ١١٠٥) (مادة قين).\n(٦) قال النووي في \"شرح مسلم\" (٩/ ١٢٧): قينهم -بفتح القاف-: هو الحداد والصانع، ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لِتُسَدَّ به فُرَج اللَّحد المتخللة بين اللَّبنَات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت، تجعل فوق الخشب.\n(٧) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":290},{"text":"-تعالى-، وأنَّ حرمتَها مُؤَبَّدَةٌ إلى يومِ القيامة.\nوأما استدلالُ مَنْ أباحَ القِتال بالمعنى: بأنَّ قتالَ الكفارِ والبُغاةِ من حُقوقِ اللهِ -سبحانه-، فيجب حفظُها، ولا يجوز إضاعتُها، وحفظُها في المسجدِ الحرامِ أولى، ولأنه إذا جازَ قتلُ الفواسِقِ الخَمْسِ لفسقها، وهي لا تكليف عليها، فقتلُ الفاسقِ المُكَلَّفِ أَوْلى، فلا حُجَّةَ فيه مَعَ وجودِ نَصِّ الكتاب والسُّنَّةِ.\nوأما حفظُ حقِّ اللهِ -سبحانَهُ- في المسجدِ الحَرامِ، فَمُمْكِنٌ، وهو أن نقاتِلَهُم إنْ وجدناهم خارجَ المسجدِ الحَرامِ، ونأخذَهُم بالأسر من المَسْجدِ الحَرامِ من غيرِ قتلٍ ولا سفكِ دمٍ إنْ أمكنَ، وإلا فَنُضيِّقُ (١) عليهم حتى يبدؤوا بالقتال، فحينئذٍ نَقتلهم؛ كما أحلَّ اللهُ -سبحانه- ذلك، ثم نطَهِّرُ المسجدَ الحرامَ منهم، ونحرسُه فلا يقربونه؛ كما قالَ -ﷻ [﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].\nوَكما قال ﷻ] (٢) -: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nوأما قتلُ الفواسقِ الخمس، فإنَّ قتلَها مباح في الأصلِ؛ لأنها غيرُ صيدٍ، وكذلك يجوزُ قتلُ غيرِها مِمَّا ليس بصيد، ما لم يُنْهَ عنه. وتخصيصُ الفواسِقِ بالذكر؛ لفِسقها، فقتلُها مستحبٌّ، وليس بواجب، وغيرها مِمّا لا فسق فيه قتلُهُ جائز، وليس بمستحبٍّ، فهذا فائدةُ\n_________\n(١) في \"ب\": \"فيضيق\".\n(٢) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".","vol":"1","page":291},{"text":"التخصيص بالفسق (١)، وهذا ما انتهى إليه فَهْمي.\nوقد ظهر لكم ممّا ألحقته في كتابي من قول أبي عبدِ الله الشافعي أنه يوافق ما ذهبتُ إليه. وإن كانَ جميعُ منْ لقيتهُ من متفقهة الشافعية يعتقدُ خِلافَ ذلك عنه استحسانًا من نفسِه بغيرِ نَقْلٍ ولا دَليلٍ، كما اعتقده ابنُ خوازمنداد المالكي، وادَّعى ما ليسَ له عليه برهانٌ ولا دليل، فقال: الآيةُ منسوخةٌ؛ لأن الإجماعَ قد تقررَ بأن عدوًّا لو استولى على مكة، وقال: لا أُقَاتلكم، وأمنعكم من الحج، ولا أبرح (٢) من مكة، لوجب قتالُهُ، وإن لم يبدأْ بالقتال، فهي وغيرها من البلاد سواء، وإنما قيلَ فيها هي حرامٌ؛ تعظيمًا لها، ألا ترى أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - بعثَ خالدَ بنَ الوليدِ يومَ الفتحِ فقالَ: \"احْصُدْهُمْ (٣) بالشَّيفِ حَتى تَلْقاني على الصَّفا\"، حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله! هلكت قريش، فلا قريش بعد اليوم (٤).\nألا ترى أنه قال في تعظيمها: \"فلا يلتقطُ لُقَطَتَها إلا منشدٌ\" (٥)؟ (٦) اللُّقَطَةُ\n_________\n(١) قال ابن قدامة في \"المغني\" (١٢/ ٤١٢): والقياس على الكلب العقور غير صحيح، فإن ذلك طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأما الأذى فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنما أبيحَ لعارض، فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها.\n(٢) في \"أ\": \"أخرج\".\n(٣) في \"ب\": \"اجهدهم\".\n(٤) رواه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، عن أبي هريرة في حديث طويل. وقد ذكره المؤلف هاهنا بالمعنى.\n(٥) رواه البخاري (٢٣٠١)، كتاب: اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة، عن ابن عباس. وعنده \"ولا تحل لقطتها إلا لمنشد\".\n(٦) في \"ب\" زيادة \"و\".","vol":"1","page":292},{"text":"بها وبغيرها سواء، ويجوز أن تكون منسوخةً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (١) [البقرة: ١٩٣].\nفانظر كيفَ ادَّعى الإجماع في موضع الخلاف! وهذا مجاهدٌ وطاوس من كبارِ التابعينَ، والشافعيُّ من راسخي العلماءِ يُخالفون في ذلك معَ معارضَةِ نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادّعى مُساواتَها لسائِرِ البلادِ، وجَعل لفظ الشارعِ في تعظيمها وتخصيصها مهملًا فارغًا من المعنى. فحينئذٍ لا يُوثَقُ بجميع خطابه، وهذا فساد في الدين.\nوأمَّا إذنُ النبيِّ - ﷺ - لخالدٍ، فإنما كان في الساعة التي حَلَّت لهُ، فاستدلَّ بموضع التحليل على موضع التحريم.\nوأما تحليلُه لِلُقَطَتِها، فليس بِمُجْمَعٍ عليه، فكيف يستدلُّ بموضعِ الخلافِ على موضعِ الإجماع؟ فانظر إليه كيف جعل النسخ في كتاب الله بالتجويز والإمكان من غير دليل.\nوإنما أوردتُ مقالتهُ وأوضَحْتُ فسادَها، وإنْ كانتْ مُسْتَحِقَّةً لعدمِ الالتفاتِ إليها؛ لئلا يَغْتَرَّ بها الضعفاءُ. والحمد الله رب العالمين.\n* ثم اختلفت الفقهاءُ أيضًا في الملتجئ إلى الحرم.\n- فمنهم من قال: لا يُقتلُ (٢)، واستدلَّ بقراءة من قرأ: (لا تقتلوهم) (٣)، وبعُمومِ الحديث.\n_________\n(١) نقله عنه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (١/ ٢/ ٣٢٧).\n(٢) وهو قول ابن عباس، وعطاء، والزهري، ومجاهد، والشعبي، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٥٢)، و\"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (١/ ١٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٤٠٩ - ٤١٢).\n(٣) قرأ بها حمزة والكسائي والأعمش. انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٦٨)، =","vol":"1","page":293},{"text":"- وقال الشافعيُّ: يُقتل (١)؛ لما ذكرتُه عنهُ من التخصيصِ.\nويجاب عن هذه القراءة بأنه عَبَّرَ بالقتلِ عن القِتال؛ لأنه مسببُه، فهو من باب التعبير بالمسبَّبِ عن السَبَبِ (٢).\nفإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾؟ قلنا: معناه -والله أعلم- انتهوا بتركِ الكفر (٣)، لا بتركِ القتالِ، استدلالًا بوعدِه بالمغفرة والرحمة، ولا يكونانِ إلا بتركِ الكفر، واقتصاصًا من قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، واستدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وبقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ولأن النبيّ - ﷺ - لم يقرَّ أحدًا من قريش على الكفر بعدما انتهوا عن القتال.\n* * *\n\n١٥ - (١٥) قوله ﷻ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].\n_________\n= و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٢٤٣)، و\"التيسير\" للداني (٨٠)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١١٨)، و\"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١١٦)، و\"النشر\" لابن الجزري (٢/ ٢٢٦). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٤٩).\n(١) وهو مذهب الإمام مالك. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٣٠٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٤١٠)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٧).\n(٢) في \"أ\": \"بالسبب من المسبب\".\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ١٣٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٥٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٣٢٩/٢).","vol":"1","page":294},{"text":"أمر الله سبحانه في هذه الآية وفي غيرِها بقتالِ المشركين حتى لا تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لله.\n- والفتنَةُ هنا تَحْتملُ أن يكونَ المرادُ بها فتنةَ الرجلِ في دينِه، ويدلُّ عليه ما رويناه في \"صحيح البخاري\" عن نافعٍ: أنَّ رجلًا أتى ابن عمرَ (١) وقال: يا أبا عبد الرحمن! ما حملك على أن تَحُجَّ عامًا وتعتَمِرَ عامًا، وتتركَ الجِهَاد في سبيلِ الله -﷿- وقد علمتَ ما رَغَّبَ اللهُ فيه؟ قال: يابن أخي! بُنِي الإسلامُ على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلواتُ الخمس، وصيامُ رمضان، وأداءُ الزكاة، وحَجُّ البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمعُ ما ذكرَ اللهُ في كتابهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ قال: قد فعلْنا على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، وكان الإسلام قليلًا، وكان الرجلُ يُفْتَنُ في دينه؛ إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلامُ، فلم تكنْ فتنةٌ (٢)، الحديث.\n- ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالفتنةِ الشِّرْكَ (٣)، ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ - ﷺ - \"لا أزالُ أقاتلُ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصموا\n_________\n(١) في \"أ\": \"أتى عمر\" وهو خطأ. وذلك في فتنة ابن الزبير. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٤٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ...﴾.\n(٣) وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٩٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":295},{"text":"مِنِّي دِماءهم وأموالَهم إلا بِحَقِّها، وحسابُهُمْ على الله\" (١).\n* فإن قلتُم: فقد وردَ في كتاب الله -﷿- وسنَّةِ رسولهِ - ﷺ - آيةٌ وسنةٌ تناقِضُ هذه الآية، وهذه السنةَ.\n- أما الآيةُ، فقولُ اللهِ سبحانَهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\n- وأما السنَّةُ، فما روى علقمةُ بن مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريَّةٍ، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، وبمَنْ معهُ من المسلمين خيرًا، ثم قال: \"اغزوا بسم الله، و(٢) في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا (٣) تَغُلُّوا، ولا تعتدوا (٤)، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وَليدًا، وإذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المُشْركين، فادْعُهم إلى ثلاثِ خِلال -أو ثلاثِ خِصال- شَك عَلْقَمَةُ. ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوك، فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحَوّلِ من دارِهم إلى دارِ المُهاجرين، وأَخْبِرْهُمْ، إنْ فَعَلُوا أَنَّ لهم ما لِلْمُهاجرين، وأن عليهم ما عليهم، فإن اختاروا المُقامَ في دارهم، فأَخْبرهم أَنهم كأعرابِ المسلمين، يجري عليهم حُكْمُ الله كما يَجْري على المسلمين، ليسَ لهم في\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ١٦٩)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣١٤)، وغيرهما عن أبي هريرة بهذا اللفظ. وقد رواه البخاري (٢٥)، كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، ومسلم (٢٢)، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، عن عبد الله بن عمر.\n(٢) الواو ليست في \"ب\".\n(٣) في \"ب\": \"ولا\".\n(٤) في \"ب\": \"ولا تغدروا\".","vol":"1","page":296},{"text":"الفَيءِ شَيءٌ إلا أَنْ يجاهدوا معَ المسلمين، فإنْ لم يجيبوك إلى الإسلام، فادعُهُم إلى أن يُعْطُوا الجِزْيةَ، فإن فَعلوا، فاقبلْ منهم ودَعْهُم، فإن أَبَوا، فاستعِن باللهِ وقاتِلْهم\" (١).\nقلت: ليسَ واحدٌ من الحديثينِ ولا من الآيتين معارضًا للآخر، بل آيةُ البقرة من العامِّ الذي أُريد (٢) به الخاصُّ، وذلك أن لفظَهُ عامٌّ في المشركين، والمرادُ به المشركونَ من أهلِ الأوثان، وهم أكثر من قاتل رسول الله - ﷺ -.\nوكذلك الحديثُ مثلُه، فالأمرُ خاصٌّ ببعضِ المشركينَ، وهم عَبَدَةُ الأوثان.\nوآيةُ (براءة) خاصَّةٌ ببعضِ المُشركينَ، وهم أهلُ الكتاب.\nوكذلك حديثُ ابنِ بُرَيْدَةَ مثلُه.\nفالفرضُ في قتال مَنْ كانَ هو أو أبوه (٣) من أهل الأوثان: أن يقاتَلُوا حتى يُسْلِموا، ولا يحلُّ لنا أن نقبل منهم جِزْيَةً (٤)، لما وردَ في سورة\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٣١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها.\n(٢) في \"ب\": \"يراد\".\n(٣) في \"ب\": \"آباؤه\".\n(٤) اختلف العلماء في أخذ الجزية من المشركين؛ فقال مالك والأوزاعي: إنها تقبل، وتؤخذ من كل عابد وثن، أو نار، أو جامد، أو مكذب.\nوقال جمهور العلماء: إنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب أو المجوس.\nوقال أبو حنيفة: تؤخذ من جميع الأعاجم ولو كانوا مشركين.\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ٢/ ٤٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٢٤١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٦٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٣١).","vol":"1","page":297},{"text":"البقرة، ولما رواه أبو هريرة (١) والفرضُ في أهل الكتابِ ومَنْ دانَ دينهم قبل نُزول الفرقان (٢) أن يقاتَلوا حتى يُسلموا، أو يُعْطوا الجِزْيَةَ؛ لِما ورد في سورة (براءة)، ولحديث ابنِ بريدة.\nفإن قلتم: حديثُ ابنِ بريدةَ كانَ قبلَ الفتحِ؛ بدليل قولهِ - ﷺ -: \"ثم ادعُهُمْ إلى التَّحَوُّلِ من دارِهِمْ إلى دار المُهاجرين\"، فهل يجوزُ أن يكونَ منسوخًا بحديث أبي هريرة، وأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام؛ لكون إسلام أبي هريرة بعد الهجرة؟\nقلت: قد أجمع المسلمون على قبول الجزية كما ورد في كتاب الله -سبحانه-، وفي سنة رسوله - ﷺ -، وفي عمل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم -، فلا يجوز نسخُهُ، ولأنه يؤدي إلى إبطال آية (براءة)، ولا دليل على نسخها.\nوأما تأخر إسلام أحد الراويين، فلا يكون دليلًا على النسخ؛ لجواز أن يكونَ رواهُ عمَّن قَدُم إسلامُه، ثم أرسله عنه.\nفإن قلتم: فهل يجوز لقائل أن يقولَ: يجوزُ أخذُ الجزيةِ من عبدَةِ الأوثان بحديثِ ابنِ بُريدةَ؛ بدليل أنَّ الذين كانَ يبعثُ إليهمُ السرايا كانوا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ، ويجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتاب بآية (براءة)؟\nقلت: لا يجوزُ -والله أعلم- القولُ بذلك (٣)؛ لما فيه من إبطالِ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] من غير دليل يدُّل على\n_________\n(١) وهو قوله - ﷺ - السالف: \"لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... \" الحديث.\n(٢) أي: من اتبع دين النصارى قبل النسخ ونزول القرآن، أو دين اليهود قبل نسخه بالإنجيل، والله أعلم. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٦٣).\n(٣) تقدم أن هذا هو قول الإمامين مالك والأوزاعي.","vol":"1","page":298},{"text":"النسخ لها، ودعوى كونِ الَّذينَ يبعثُ إليهم أهلَ أوثانٍ، باطِلَةٌ لا بُرهانَ لها، فقدْ كان النبيُّ - ﷺ - يبعثُ الأُمراءَ إلى أهلِ الكتابِ، فبعثَ معاذًا وأبا موسى وعليًا إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب. وبعثَ خالدًا إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ، وكانوا أهلَ كتابٍ. والله أعلم.\n* * *\n\n١٦ - (١٦) قوله جل ثناؤه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n* حرَّمَ اللهُ -سبحانه- علينا في غيرِ هذهِ الآيةِ القِتالَ في الشَّهرِ الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- قريبًا.\nوأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم (١) في الشهرِ الحرامِ إنْ قاتلونا (٢) في الشهرِ الحرام، كما أباحَ لنا مُجازاتَهم بذلك في المسجدِ الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nقال ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-في روايةِ عَطاء: يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله. ثم عقبه الله سبحانه بلفظٍ يشملُ المسجدَ الحرامَ والشهرَ الحرام، فقال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n* ثم بيَّنَ ذلكَ القِصاصَ بيانًا عامًا، فقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ويندرج في هذا العموم جملة من المسائل:\n_________\n(١) في \"ب\": \"نقتلهم\".\n(٢) في \"ب\": \"قتلونا\".","vol":"1","page":299},{"text":"الأولى: اعتبار المماثلة في القصاص، وفي الآلة التي يُقْتَصُّ بها، وقد قال بهذا عامة أهل العلم (١)؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ وبفعلِ النبيِّ - ﷺ - في اليهوديِّ الذي قتلَ الجاريَة (٢)، وإن اختلفوا في التفاصيل.\nالثانية: إيجابُ القِصاصِ في القَتْل بالمثقلِ.\nوقد قال به مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما من أهلِ العلمِ.\nومنعه أبو حنيفةَ والشعبيُّ والنَّخَعِيُّ (٣).\nوهم محجوجون بهذه الآية، وبقتل النبيِّ - ﷺ - اليهوديَّ بالحَجَر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولأنَّ في تركِ القِصاص بالمثقلِ ذريعةً إلى إزهاقِ الأرواح، فيؤدي إلى فَسادٍ عظيمٍ.\nالثالثة: فيها دلالة على أن للرجل أن يقْتل منِ اعتدى عليه متى شاءَ، لكن عارضَهُ الإجماعُ على أنه لا يجوزُ إلّا بحَضْرةِ السلطانِ، لكن اختلفوا فيما إذا لم يمكنْهُ الاستيفاءُ بالسلطان؛ لعدمِ البيِّنَةِ، هل له أن يقتصَّ حَقَّهُ في (٤) مالٍ أو دم؟\nفذهب الشافعيُّ إلى أنَّ له ذلكَ (٥)، وروي عن مالك، وأجازهُ (٦) ابنُ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٣٣).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) تقدم التحقيق في هذه المسألة.\n(٤) في \"ب\": \"من\".\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٥٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٣٠).\n(٦) في \"ب\": \"واختاره\".","vol":"1","page":300},{"text":"المنذرِ، ويدلُّ لهُ قولهُ - ﷺ - لِهنْدٍ بنتِ عُتبةَ لمّا قالتْ لهُ: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ووَلَدي، إلا ما أخذتُ من مالِه (١) بغيرِ علمِه، فهل عليَّ من جُناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"خُذي ما يكْفيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْروف\" (٢).\nوالمشهورُ عن مالكٍ المنعُ، وبه قالَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (٣).\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"بيدي\".\n(٢) رواه البخاري (٥٠٤٩)، كتاب: النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، عن عائشة.\nقلت: وجه دلالة الحديث: أن من وجد ماله عند غيره، فله أخذه؛ لأنه حقه، وكذلك هنا، فحقٌّ على الزوج أن ينفق على زوجه وأولاده، وإلا أخذت منه النفقة دون علمه، لأن ذلك حقها.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٦٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٣٨).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٧ - (١٧) قوله ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n* والإنفاقُ في سبيل اللهِ قد يكونُ واجبًا، وقد يكونُ مُسْتَحبًّا، فيجبُ حيثُ يتعيَّنُ الجِهادُ والحَجُّ، ويستحبُّ إذا لم يتعيَّنْ ذلك. والأمرُ بالإنفاقِ في الآية مشتَركٌ بين المعنيينِ.\n* ونهانا اللهُ سبحانه أن نُلْقِيَ بأيدينا إلى التَّهْلُكَةِ.\nوذلكَ قاعدةٌ عامَّةٌ في كلِّ فعلٍ (١) جائز أو واجبٍ. فإذا كانَ يخافُ من فعلِ الواجبِ التهلكةَ، وجبَ عليه تركهُ، إلا في مواضعَ استُثْنيت:\nمنها: أن يغرِّرَ (٢) بِنَفْسِهِ في طلبِ الشهادةِ.\nومنها: أن يأمرَ بمعروفٍ أو ينهى عن منكرٍ.\nوأما في فعل المنهيِّ عنه، فإنَ المكلَّف مخيرٌ بينَ فعلِ المنهيِّ عنه، وبين الكفِّ والوقوع في الهَلَكَة (٣)؛ كما إذا أُكْرِهَ على الرِّدَّةِ -نعوذُ باللهِ\n_________\n(١) في \"أ\": \"فعل كل\".\n(٢) في \"ب\": \"يغزو\".\n(٣) في \"ب\": \"التهلكة\".","vol":"1","page":302},{"text":"العظيم من ذلك-، وكذا سائرُ المنهيّات (١).\nوالآية نزلتْ على سببٍ في النفقةِ (٢).\nروى يزيدُ بن أبي يزيد، عن أبي عمران قال: غزونا القسطنطينيةَ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ الوليد، والرومُ مُلْصِقونَ ظُهورَهم بحائط المدينةِ، فحملَ رجلٌ على القومِ، فقال الناسُ: مَهْ مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيدهِ إلى التهلكة، فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا -معاشرَ الأنصارِ- لمَّا نصرَ اللهُ نبيَّهُ، وأظهرَ دينَه، قلنا: هَلُمَّ (٣) نُقيمُ في أموالِنا (٤) ونُصْلِحُها، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء إلى التهلكة أنْ نقيمَ في أموالنا ونصلحها وندعَ الجهاد، فلم يزلْ أبو أيوبَ مُجاهدًا حتى دُفِنَ بالقسطنطينية، فقُبر (٥) هناك (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص: ١٧٣، ٣٦٦)، و\"الأشباه والنظائر\" لابن نجيم (ص: ٩٥).\n(٢) في سبب نزول هذه الآية أقوال عدة:\nأولها: أن الأنصار كانوا ينفقون، فأصابتهم سنة فأمسكوا، فنزلت.\nثانيها: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزلت الآية.\nثالثها: نزلت في الأنصار حين أرادوا الانصراف على إصلاح أموالهم وضياعهم، فنزلت الآية.\nانظر: \"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٢٨٤)، و\"لباب النقول\" للسيوطي (ص: ٨٤).\n(٣) في \"ب\": \"هل\".\n(٤) في \"ب\": \"بأموالنا\".\n(٥) في \"ب\": \"فقبره\".\n(٦) رواه أبو داود (٢٥١٢)، كتاب: الجهاد، باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، والترمذي (٢٩٧٢)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن =","vol":"1","page":303},{"text":"والعِبْرَةُ بعموم اللَّفْظِ لا بخُصوصِ السبب، ما لم يَخْرُجِ السبب، ولهذا أنكر عليهم أبو أيوبَ تأويلَهم لما أخرجوا المُجاهدَ الطالبَ لإعزاز دينِ اللهِ سبحانه، وإغاظَةِ عَدُوِّ الله ﵎.\n* * *\n_________\n= سورة البقرة، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٠٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٤٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٩٩).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>(من أحكام الحج)</span>\n١٨ - (١٨) قوله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nأقول: اشتملت هذه الآية على جُمَلٍ من الأحكام والمناسك.\nالجملة الأولى: أمرنا اللهُ سبحانه بإتمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ.\nفيحتملُ أن يكونَ المرادُ بإتمامهما أداؤهما (١)؛ بدليل ما روي من قراءة ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ -﵃-: أنهما كانا يقرأان: (وأقيموا الحَجَّ والعمرة لله) (٢).\nفتدلُّ الجملة -حينئذٍ - على وجوبِ الحَجِّ والعمرةِ.\n_________\n(١) انظر ما ذكر في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٤١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٦٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٤٠).\n(٢) أخرج الطبري هذه القراءة عن ابن عباس وعلقمة وإبراهيم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":305},{"text":"وقد قالَ بوجوبِ العُمْرَةِ: عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمر، وجابرٌ، وعطاءٌ، وابنُ المسيب، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ في الجديد وأحمدُ، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ (١).\nواستدلُوا بالحديثِ الثابتِ عنْ عمرَ بنِ الخَطابِ -﵁-: أن النَّبي - ﷺ - سُئِل عن الإسلام فقال: \"أن تشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، وأن تُقيمَ الصلاةَ، وتُؤتيَ الزكاةَ، وتحجَّ البيتَ، وتَعْتَمِرَ، وتَغْتَسِلَ من الجَنابةِ، وتُتِمَّ الوُضوءَ\" (٢)، وبما رويناهُ في \"سُنَنِ البيهقيِّ\" عن أبي رَزينٍ العُقَيْلى، قال: سألتُ النبيَّ - ﷺ -، فقلت: إن (٣) أبي شيخ كبيرٌ لا يستطيعُ الحجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعنَ (٤)، قال: \"حُجَّ عن أبيكَ واعتمرْ عنه\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٠٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٤١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٠٦)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٣٨٧).\n(٢) رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٨٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٣٩٧٣). قال الدارقطني: إسناده صحيح ثابت، أخرجه مسلم بهذا الإسناد، انتهى.\nقلت: ليس هذا اللفظ موجودًا على هذا الوجه في \"صحيح مسلم\" فتنبه. وانظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ٥).\n(٣) \"إن\": ليست في \"أ\".\n(٤) الظَّعْنُ: سيرُ البادية لنُجعةٍ أو حضور ماء، أو طلب مربع، أو تحوّل من ماء إلى ماء، أو من بلد إلى بلد، وقد يقال لكل شاخصٍ لسفر في حج أو عزوٍ أو مسير من مدينة إلى أخرى: ظاعنٌ. انظر: \"اللسان\" (مادة: ظعن) (١٣/ ٢٧١).\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٢٤)، وأبو داود (١٨١٠)، كتاب: =","vol":"1","page":306},{"text":"قال البيهقيُّ: وقد روينا (١) عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: أنه قال: لا أعلمُ في إيجاب العُمْرَةِ حديثًا أجودَ من هذا، ولا أصحَّ منه (٢).\nواستأنس الشافعيُّ بأن الله - سبحانه - قرنَها مع الحَجِّ، وتَبِعَ في الاستئناس قولَ ابنِ عبَّاس: والذي نفسي بيده! إنها لَقَرِيْنَتُها في كتابِ اللهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٦].\n- ويحتملُ أن يكون المراد بإتمام الحجِّ والعمرة إتمامُ ما دخلنا فيه وعقدناه على أنفسنا من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، وهو الظاهرُ؛ لأن اللهَ - سبحانه - ذكرَ بعده حُكْمَ (٤) المُحْصَرِ الذي لم يُتِمَّ الحجَّ والعمرةَ.\nفلا يكونُ فيها دليلُ وجوبِ الحجِّ والعمرةِ (٥)، فقد تكونُ العبادة غيرَ\n_________\n= الحج، باب: الرجل يحج مع غيره، والنسائي (٢٦٣٧)، كتاب: الحج، باب: العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، والترمذي (٩٣٠)، كتاب: الحج، باب: الحج عن الشيخ الكبير، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٩٠٦)، كتاب المناسك، باب: الحج عن الحي إذا لم يستطع.\n(١) في \"ب\": \"رويناه\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٣٥٠).\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٢/ ١٣٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥١)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٢٧٨)، وعلَّقه البخاري في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٩).\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٥٩٨): والضمير في قوله: \"لقرينتها\" للفريضة، وكأن أصل الكلام أن يقول: لقرينته؛ لأن المراد الحج.\n(٤) \"المحصر\" ليس في \"ب\".\n(٥) قلت: فالآية واردة حينئذ على وجوب قضاء الحج والعمرة للمحصر بعد الشروع فيهما، ولا دلالة فيها على فرضية الحج والعمرة، وإنما تؤخذ الفرضية من أدلة أخرى واردة في هذا الباب.","vol":"1","page":307},{"text":"واجِبَةٍ، فإذا عقدَها الرجلُ، وجبَ عليه إتمامُها؛ بدليلِ وجوبِ إتمام حَجِّ التطوُّعِ.\nوبهذا قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشعبيُّ (١)، والشافعيُّ في قولِه القديمِ (٢).\nواستدلوا بقولِه - ﷺ -: \"بُني الإسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، والحَج\" (٣).\nوبما روى جابرُ بنُ عبدِ الله -رضيَ الله تعالى عنهما -: أنَّ رجُلًا سألَ رسولَ الله - ﷺ - عنِ العُمْرَةِ أهي واجبة؟ قال: \"لا، وأنْ تعتمرَ خيرٌ لكَ\" (٤)، ولكن اتفق الحُفّاظُ على ضعفه (٥).\n_________\n(١) وهو قول ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، والنخعي، وسعيد بن جبير. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢١٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٤٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٨). وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٢١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٥٢).\n(٢) قلت: الصحيح عند الشافعية في العمرة هو القول الجديد بوجوبها. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١١).\n(٣) رواه البخاري (٨)، كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، وقول النبي - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس\"، ومسلم (١٦)، كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، عن ابن عمر.\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣٦٤٦)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٩٣٨)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" (١٠١٥)، وفي \"المعجم الأوسط\" (٦٥٧٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٨٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٨)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٨٠/ ٣٣).\n(٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٥٩٧): ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء.","vol":"1","page":308},{"text":"* فإن قيل: فقد أوجبَ الله - تعالى - علينا (١) إتمامَ الحجِّ والعمرةِ إذا دخَلْنا فيهما، ولا يجوزُ لنا الخروجُ منهُما؛ كما وردَ في كتابِ الله ﷻ، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ أمرَ أصحابَه الَّذينَ لم يكنْ معهم هَدْيٌ بِفَسْخِ الحَجِّ إلى العُمرةِ (٢)، فما الحكمُ في ذلكَ، وكيفَ الجمعُ بين الآيةِ والحديث؟\nقلت: ذهبَ بعضُ أهل المعاني والتفسير إلى أَنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ (٣)؛ لِما رُوي أن النبيَّ - ﷺ - (٤) أمرَ أَصحابه بعد أن أحرموا بالحجِّ أن يفسخوهُ في عمرة (٥)، فالآية محكمةٌ مستمرةٌ على عمومها.\nودعوى هذا القائل بالنسِخ باطلةٌ؛ فإن المتقدِّمَ لا ينسخُ المتأخِّرَ، فَحَجُّ النبيِّ - ﷺ - وأمرُه أصحابَهُ كان في سنةِ عَشْرٍ، والآيةُ نزلتْ في سنة سِتٍّ عامَ الحُدَيبية حينَ صدَّه كفارُ قريشٍ عن البيتِ الحرامِ.\nوكأنّ (٦) هذا القائل سمعَ قولَ عمرَ -﵁ - فتوهَّمَهُ يدلُّ على النسخ، وليس كذلك.\nوذلك أن عمر -﵁ - كان ينهى عن هذه المتعةِ (٧)، ويضربُ\n_________\n(١) \"علينا\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه البخاري (١٦٩٦)، كتاب: العمرة، باب: المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج، هل يجزئه من طواف الوداع؟ ومسلم (١٢١١)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، عن عائشة.\n(٣) انظر: \"قلائد المرجان\" (ص: ٧٩).\n(٤) في \"ب\": \"عن النبي أنه\".\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٨٩).\n(٦) في \"أ\" زيادة \"وقد\"، وهو خطأ.\n(٧) يعني: أن يحرم بالتمتع.","vol":"1","page":309},{"text":"الناس عليها، وقال: \"إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاءَ بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازلَه، فأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ كما أمركم اللهُ - تَعالى -، فافْصِلوا حجَّكم عن عُمْرتكم؛ فإنه أَتَمُّ لحِجِّكُمْ، وأتَمُّ لعمرتكم\" (١).\nفتوهَّمَ نزول القرآن منازله ناسخًا للسنَّةِ، وليسَ كذلك.\nوإنما أرادَ عمر -رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّ اللهَ - سبحانه - أباحَ ذلك لنبيِّهِ محمدٍ - ﷺ - لأجلِ مخالَفَةِ الجاهليَّةِ من تحريمِهم العمرةَ في أشهرِ الحَجِّ، وَجَعْلَهم ذلكَ من أفجر الفجور، فأمَر النبيُّ - ﷺ - أصحابَه بفَسْخ الحَجِّ إلى العمرة؛ ليعلموا جَوازَ ذلك، ففِعْلُهُ - ﷺ - لعِلَّةٍ، وقد زالتِ العِلَّةُ، فزال هذا الحكمُ لزوالها، وبقي ظاهرُ القرآن على إطلاقه ومقتضاهُ، فلا يجوزُ لمن بعدهم أن يفسخَ الحجَّ إلى العمرةِ.\n- وقد منعَ فسخَ الحجِّ إلى العمرةِ: أبو بكرٍ وعثمانُ وعليٌّ -رضي الله تعالى عنهم -، وتبعَهم جماهيرُ أهلِ العلم من السلف والخلف.\nوبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (٢).\nولهم من الدليل: حديثُ أبي ذَرٍّ -﵁ -: كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحاب محمد - ﷺ - خاصَّةً. وفي رواية: \"رُخْصَةً\"، يعني: فسخ الحج إلى العمرة (٣).\nوفي النسائي، عن الحارث بن بلالٍ، عن أبيه قال: قلت:\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٧)، كتاب: الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ١٦٩)، و\"المجموع\" له أيضًا (٧/ ١٦٢)، وانظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٨/ ٣٥٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٥٢).\n(٣) رواه مسلم (١٢٢٤)، كتاب: الحج، باب: جواز التمتع.","vol":"1","page":310},{"text":"يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصَّةً أم للناسِ عامَّةً؟ فقال: \"بل لنا خاصَةً\" (١).\n- وقال أحمد وطائفةٌ من أهلِ الظاهر (٢): ليس خاصًّا بالصحابة، بل هو باقٍ إلى يوم القيامة، فيجوزُ لكلِّ من أحرم بحجٍّ، وليس معه هَدْيٌ، أن يقلبَ إحرامَهُ عمرةً، ويتحلَّل بأعمالها.\nوقال أحمدُ: لا أردُّ تلكَ الآثار الواردةَ المتواترةَ الصِّحاحَ في فسخِ الحَجِّ إلى العمرةِ بحديثِ الحارثِ بنِ بلالٍ عن أبيهِ، وبقولِ أبي ذزٍّ، ولم يُجْمِعوا على ما قال أبو ذَرٍّ، ولو أجمعوا لكان حُجَّةً، وقد خالف ابنُ عباسٍ أبا ذرٍّ -رضيَ الله تعالى عنهما -، ولم يجعلْه خصوصًا (٣).\nالجملة الثانية: قوله - ﷿ -: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n* أباحَ الله - سبحانه - لنا الخروجَ من هذا النسك الذي أوجبَ علينا إتمامَهُ بعذرِ الإحصار.\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٨٠٨)، كتاب: الحج، باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، والنسائي (٢٨٠٨)، كتاب: المناسك، باب: إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وابن ماجه (٢٩٨٤)، كتاب: المناسك، باب: من قال: كان فسخ الحج لهم خاصة، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٦٩)، والدارمي في \"سننه\" (١٨٥٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٣٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٦٢٠١)، عن بلال بن الحارث المزني.\n(٢) وهو قول الحسن ومجاهد. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٩٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٥١)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٦٢).\n(٣) وانظر هذا الكلام وما ذكر من خلاف العلماء في: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٨/ ٣٥٨)، وانظر سؤال الإمام أحمد عن ذلك وجوابه في \"المغني\" (٥/ ٢٥٣).","vol":"1","page":311},{"text":"والإحصارُ هو المنعُ، وهو اسمٌ مشترَكٌ يقع على المنعِ من العدوِّ، وعلى المنع بغيره.\nفقال الأزهريُّ: قال أهل اللغة: يقالُ لمنْ منعهُ خوفٌ أو مرضٌ من التصرفِ: أُحْصِرَ، فَهُو مُحْصَرٌ، ولمن حُبِسَ: حُصِرَ، فهو مَحْصورٌ (١).\nوكذا قاله الزَّجّاجُ عن أهل اللغة (٢).\nوقال - أيضًا - هو وثعلبٌ والفَرَّاءُ: أُحْصِرَ وحُصِرَ، لغتان (٣).\nوالمرادُ بهِ في هذه الآيةِ حَصْر العَدُوِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذكْر المرضِ بعده.\nقال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه -: لم أسمعْ ممَّنْ حفظتُ عنهُ من أهلِ العلمِ في التفسيرِ مُخالفًا أَنَّ هذه الآيةَ نزلتَ بالحديبيةِ حين أُحْصِرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بالحديبية، وحلقَ ورجعَ ولم يَصِلْ إلى البيتِ، ولا أصحابُه، إلا عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ الله تعالى عنهم (٤).\nوزعم قومٌ أنَّ المرادَ به حَصْرُ المرضِ، وزعموا أنه لا يُقال: أُحْصِر، في العدوِّ، وإنما يقالُ ذلك في المرضِ، فيقال: أَحْصَرَهُ المرضُ، وحَصَرَهُ العدوُّ، وهذا قولُ الأخفشِ وابنِ السِّكِّيتِ من علماءِ اللغة (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٤/ ٢٣٢).\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ٢٦٧).\n(٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١١٧)، وانظر ما ذكر في معاني الإحصار: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢١٣)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (١/ ٣٩٥)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٤/ ١٩٣) (مادة: حصر).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ١٥٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢١٤).\n(٥) انظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت (ص: ٢٣٠). وانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٤/ ١٣٣)، و\"تاج العروس\" للزبيدي (١١/ ٢٥).","vol":"1","page":312},{"text":"وأجابوا عن ذكرِ المرضِ بأنه يتنوَّعُ إلى مرضٍ مُحْصرٍ، ومرضٍ غيرِ مُحْصِرٍ، وأن المرادَ بالأَمانُ: الأمانُ من المرضِ.\nوهذا تكلُّفٌ واعتسافٌ، وقد قدَّمْتُ عن أهلِ اللغةِ ما يَدْفَعُ دعواهُم.\nوالجوابُ عَمّا ادَّعَوْهُ من اللغةِ سَهْلٌ، فيجوزُ استعمالُ (أفعلَ) في غيرِ بابه مَجازًا للعلاقةِ التي بينَهُما، وهي المنع؛ لأنَّ (فُعِلَ به) إذا أوقع به الفِعْلُ، ويجوز أن يقال: (أُفْعِلَ به) (١)، ويكون معناه أنُه عَرَّضَهُ للفعل، ولم يوقعْه به، ويقال (قَتَله) إذا أوقِع به القتل، و(أَقْتَلَهُ) إذا عَرَّضَهُ للقتل (٢)، فاستعمال أَحْصَرَهُ في العدوِّ الذي عَرَّضَهُ للمنعِ أحسنُ منهُ في حَصر المرض الذي أوقع به المنع.\n* إذا تقرر هذا، فإنَّ الله - سبحانه - قد أحلَّ تركَ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ لعذرِ إحصار العدوِّ بهذهِ الآية، وبيَّنه النبيُّ - ﷺ - عام الحُدَيبية، وكان مُحْرِمًا بعمرةٍ.\nوالحجُّ في مَعْنى العُمرةِ؛ بدليلِ أنَّ ابنَ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما - لمّا أحرمَ عامَ الفِتْنَةِ بالعُمرةِ، وقالَ: إن صُدِدْتُ عنِ البيتِ، صنعتُ كما صنعَ رسولُ الله - ﷺ -، ومشى ثم قال: ما أرى شأنَ الحَجِّ والعُمرة إلا واحدًا، فَأَهَلَّ بالحَجِّ (٣)، وعلى هذا أجمع أهلُ العلم (٤).\n_________\n(١) في \"أ\": \"له\".\n(٢) قال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٣٣٤) نقلًا عن المبرد والزجاج: إنما هذا كقولهم: حبسه، إذا جعله في الحبس، وأحبسه؛ أي: عرضه للحبس، وقتله: أوقع به القتل، وأقتله؛ أي: عرضه للقتل، وقبره: دفنه في القبر، وأقبره: عرضه للدفن في القبر، وكذلك حصره وحبسه، وأوقع به الحصر، وأحصره، عرضه للحصر.\n(٣) رواه البخاري (١٧١٢، ١٧١٣)، كتاب: الإحصار، باب: المحصر وجزاء الصيد، ومسلم (١٢٣٠)، كتاب: الحج، باب: بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران. عن ابن عمر.\n(٤) وخالف في ذلك ابن سيرين، فقال: لا إحصار في العمرة. انظر: \"أحكام =","vol":"1","page":313},{"text":"* واتففوا - أيضًا - على أنه يتحلَّلُ متى أحْصِر، ولم يخالفْ إلا الثوريُّ والحسنُ بنُ صالح؛ فإنهما قالا: لا يتحلَّلُ إلَّا يومَ النَّحْرِ (١). وهذا خَطَأٌ مخالِفٌ لإطلاقِ الكتابِ العزيز، ولأنَّ تحللَ النبيِّ - ﷺ - كان في ذي القعدة.\n* واختلفوا في إلحاقِ الإحصارِ بالمرضِ بإحصار العدو، وإن لم يكنْ مَقْصودًا ومرادًا بالحكم، فألحقه أهلُ العراق بإحصار العدو.\nوهو مذهبُ ابن مسعود رضي اللهُ تعالى عنه (٢).\nوقالوا: يُرْسِلُ هَدْيَهُ، وَيُقَدِّرُ يومَ نَحْرِه، ويُحِلُّ في يوم ميعادِهِ (٣).\nواستدلُوا بحديثِ الحَجَّاج بن عمرو الأنصاريِّ قال: سمعت رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: \"منْ كُسِرَ أو عَرِجَ، فقدْ حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى\" (٤).\n_________\n= القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٣٨).\n(١) وهو قول محمد وأبي يوسف. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٤٨). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٩٨ - ١٠٠).\n(٢) وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وأبي ثور، وروي عن زيد بن ثابت وابن عباس، وهو قول جمهور العلماء.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٩٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٣٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٣٤٨/٢).\n(٣) وهو أن يقدر المدة التي يبقى فيها الهدي حتى يصل إلى الحرم، فإذا انتهت المدة حلَّ من إحرامه. قال ابن مسعود ﵁: المحصر يمرض. إذا بعث بهدي وواعد صاحبه، ثم يوم ينحره جاز له أن يحل وهو بموضعه. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٩٦).\n(٤) رواه أبو داود (١٨٦٢)، كتاب: المناسك، باب: الإحصار، والنسائي (٢٨٦١)، كتاب: المناسك، باب: فيمن أحصر بعدو، والترمذي (٩٤٠)، =","vol":"1","page":314},{"text":"ومنع أهلُ الحجاز إلحاقه بالمُحْصَر، ولا يتحللُ إلا بعمرةٍ (١).\nوبه قالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ (٢).\nواحتجوا بما روى عمرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عباسٍ: أنه قال: لا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ العَدُوِّ (٣). وبما رُوي عن عائشةَ وابنِ عمر: أنهما قالا: لا يحل المريضُ دونَ البيتِ (٤)، وحملوا الحديثَ -إن صَحَّ على من شرطَ ذلكَ في إحرامه؛ بدليل حديث ضُباعَةَ بنتِ الزبيرِ بنِ عبدِ المطلب المخرَّجِ في \"صحيح مسلم\"، وهو أنها قالت لرسول الله - ﷺ -: إني امرأةٌ ثقيلةٌ، وإني أريدُ الحجَّ، فما تأمرني؟ قال: \"أَهِلِّي بالحَجِّ، واشترطي أَن محلِّي حيثُ حَبَسْتَني\" (٥).\nوإيَّاه أختارُ؛ فإنه لو كان حصرُ المرضِ مُبيحًا للتحليل، لما أمرها النبيُّ - ﷺ - باشتراط التحليل دون لقاء البيت.\n_________\n= كتاب: الحج، باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٣٠٧٧)، كتاب: المناسك، باب: المحصر.\n(١) في \"ب\": \"بعمل عمرة\".\n(٢) وهو قول أكثر الصحابة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٩٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٤٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٣٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٤٨). وانظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٥٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٣١٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٠٣).\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٦٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢١٩).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢١٩)، عن ابن عمر.\n(٥) رواه مسلم (١٢٠٨)، كتاب الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، عن ابن عباس.","vol":"1","page":315},{"text":"فإن قيل: فإذا تحلَّلَ المُحْصَرُ كما أباحَ اللهُ - سبحانه - له، فهل يجبُ عليه القضاءُ، أولا يجبُ إلَّا قضاءُ حجَّةِ الإسلامِ؟\nقلت: الظاهرُ من الآية أنه لا قضاءَ عليه؛ لأن الله - سبحانه - لم يذكر قضاءً، والقضاءُ لا يجبُ إلا بأمر ثانٍ عند الأكثرينَ من أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائِط الاستدلال.\nقال الشافعيُّ: والذي عُقِلَ في أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرتُ من ظاهر الآية، وذلك أَنّا قد علمْنا في متُواطئ أحاديثِهم أنه كان مع رسول الله - ﷺ - (١) عام الحُدَيبيةِ رجالٌ معروفونَ بأسمائهم، ثم اعتمرَ رسولُ الله - ﷺ - عمرةَ القضية، وتخلَّف بعضُهم بالمدينة من غير ضرورةِ نفسٍ ولا مالٍ علمتُه، ولو لزمهم القضاءُ لأمرهم رسولُ الله - ﷺ - إن شاء الله تعالى - ألاّ (٢) يتخلفوا عنه (٣).\nوأيضًا (٤) لم نعلم أن رسولَ الله - ﷺ - أمرَ أحدًا ممَّن كان معه أن يقضيَ شيئًا، ولو كانَ لنقِلَ وعُلم.\nوهذا مذهبُ ابنِ عبّاس وابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهم - وبه قالَ مالكٌ (٥).\nوهو أحبُّ إليَّ؛ لما قدمتُه، ولكونه أشبهَ بالأصول؛ فإنه من دخل في\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"في\".\n(٢) في \"ب\": \"بألاّ\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ١٥٩)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢١٨).\n(٤) \"أيضًا\" زيادة من \"ب\".\n(٥) وهو قول الحنابلة. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٤٨)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٩٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٠٠). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٠).","vol":"1","page":316},{"text":"عبادةٍ، ثم مُنِعَ من إتمامها، لا يجب عليه قضاؤها، إلا أن تكونَ واجبةً، ولا يجب إلا قضاءٌ واحدٌ لذلك الواجب؛ كالصلاة والصوم، ولكونه أَوْفَقَ لقوله - ﷺ -: \"رُفِعَ عن أمتي الخَطَأ والنِّسيانُ وما استكرِهوا عليه\" (١).\nوذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجوبِ القضاء، فإن كانَ مُحْرِمًا بالحجِّ، فعليهِ حجةٌ وعمرةٌ؛ لأنه فسخَ حجَّهُ إلى عُمْرةٍ، ولم يتمَّ واحدًا منهما، وإن كانَ محرمًا بعمرة، قضى عمرتَه، وإن كانَ قارنًا، قضى حجةً وعمرتين (٢).\nواحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري (٣) بأن النبيَّ - ﷺ - اعتمرَ في العام المُقْبل (٤)، ولذلكَ قيلَ لها: عمرةُ القضاءِ، وبالقياس على المُحْصَر بالمَرضِ؛ فإنه يجبُ عليه القضاءُ إجماعًا.\nوأجابَ الآخرون بأن النبيَّ - ﷺ - لم يقضِ، وإنما سُميت عمرة القَضاءِ وعمرةَ القضية؛ لأنَّ الله - سبحانه - اقتصَّ لرسوله - ﷺ -، فدخل عليهم كما منعوه.\nوروي عن ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: لم تكن هذه العمرةُ قضاءً، ولكن كان شرطًا على المسلمين إن اعتَمروا من قابلٍ أن يكون في الشهر الذي صَدَّهم المشركون فيه (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعلقمة، والحسن، والنخعي، وابن سيرين، وروي عن ابن عباس وابن مسعود. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٤٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٤٥)، و\"اللباب في شرح الكتاب\" للغنيمي (١/ ١/ ١٩١).\n(٣) \"بن عمرو الأنصاري\" ليس في \"ب\".\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢١٩)، من طريق الواقدي.","vol":"1","page":317},{"text":"* ولما أحلَّ الله - سبحانه - لنا تركَ إتمام الحجِّ لعذر الإحصار، أوجبَ علينا ما استيسرَ من الهَدْي.\nوقد نحر النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه هديَهم بالحُدَيبية.\nوعلى هذا اتفقَ أهلُ العلمِ (١)، ولم يخالفْ في وجوبِ الهَدْيِ - فيما علمت - إلا مالكٌ؛ فإنه قال: لا يجبُ (٢)، وكان يقول: إن الهديَ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو بعينِه الذي في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٦]. وفيه بُعْدٌ بالتأويل.\nويلزمه أن يمنع المتمتع من الحلق قبل الذبح، وهو لم يمنعه.\nوأجاب موافقوه عن ذبح الهدي يوم الحُدَيبية بأنه ليسَ بهديِ تَحلُّلٍ، بل هو هدي سيق لله - تعالى - ابتداءً من غيرِ سبب.\n* والمُسْتَيْسِرُ من الهَدْي إما بَدَنَةٌ، أو سُبْعُها، أو بقرةٌ أو سُبْعُها، أو شاةٌ (٤).\n(٥) قال جابرُ بن عبد الله (٦) -رضي الله تعالى عنه - أُحْصِرْنا مع\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٤٨).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٥١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٣٨).\n(٣) وهو قول جمهور العلماء، وعليه جماعة أهل الفتوى بالأمصار؛ منهم الأئمة الأربعة.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٨٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٤٤٧).\n(٥) في \"ب\" زيادة \"و\".\n(٦) \"بن عبد الله\" ليس في \"أ\".","vol":"1","page":318},{"text":"رسول الله - ﷺ - بالحديبية، فنحرنا البَدَنَةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعةٍ (١).\nوأمرَ النبيُّ - ﷺ - كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ أن يذبحَ شاةً، أو يطعم ستةَ مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام (٢).\nوكان ابنُ عمرَ وعائشةُ وابنُ الزبير يقولون: ما استيسر من الهَدْي: بعير أو بقرة، أي: بعير دون بعير، وبقرة دون بقرة، وأَبَوْا أن يقعَ اسمُ الهدي على الشاةِ (٣).\nهذا الحكمُ ورد في الحصر من الكفار، وكذا إذا صدر من المسلمين، والحكمُ واحدٌ لا افتراقَ بينهما؛ إذ العبرةُ بعمومِ الخِطاب لا بخصوصِ السبب، ويدلُّ عليه ما قدمته من فعلِ ابنِ عمرَ، ولا أعلمُ مخالفًا في ذلك، والله أعلم (٤).\nالجملة الثالثة: قوله ﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n* حرم الله - سبحانه - فيها على المحرم حلقَ شعرِ رأسِه تحريمًا مطلقًا\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣١٨)، كتاب: الحج، باب: الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة. لكن بلفظ \"نحرنا\" بدل \"أحصرنا\".\n(٢) رواه البخاري (١٧١٩)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ...﴾، ومسلم (١٢٠١)، كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إن كان به أذى.\n(٣) انظر الآثار المنقولة عنهم في: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢١٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٨٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٨٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٥١٢ - ٥١٣).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥١). وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٩٤)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٨٦).","vol":"1","page":319},{"text":"حتى يبلغ الهديُ محلَّه، سواء كانَ محصَرًا أو غير محصَر، واجدًا للهدي أو عادمًا له، ساقَ معه هديًا أو لم يَسُقْ. وهنا أربع مسائل:\nالأولى: المحصر الواجد للهدي، فيذبحُ هديه، ثم يحلق رأسه.\nوللشافعيِّ قولٌ أنه يجوز أن يحلق ثم يذبح، وكأنه قائم على تقديم الحلق على الذبح في يوم النحر.\nوالراجحُ عندي عدمُ الجواز (١)؛ لظاهر القرآن، وإن كان الراجحُ عند متأخري أصحابه الجوازُ (٢).\nالمسألة (٣) الثانية: المحصر العادم للهدي: اتفقوا على أنه يجوزُ له أن يحلق ويتحلل، وإن لم يبلغ الهدي محله، ويقيد إطلاق الآية بما عداه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فقد يستمر العدم أبدًا.\nثم اختلفوا هل يبقى الهديُ في ذمته إلى أن يجده؛ لأن اللهَ سبحانه لم يذكر له بدلًا، ولو (٤) كان له بَدَلٌ لبينه كما فعل في التمتعِ وكفارةِ اليمينِ والقَتْلِ والظِّهارِ، أو له بدلٌ قياسًا على المتمتع؟\n_________\n(١) وهذا هو المعتمد عند الشافعية. انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٩٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٣١٦).\nوهو مذهب المالكية والحنابلة. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٤٧)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٥٠٣).\n(٢) أما الحنفية فلم يشترطوا الحلق للتحلل، فقالوا: يتحلل بذبح الهدي ولو لم يحلق ولم يقصر. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ٧).\n(٣) \"المسألة\" ليست في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"فلو\".","vol":"1","page":320},{"text":"وبالأول قال أبو حنيفة (١).\nبالثاني قال أحمد (٢).\nوللشافعيِّ قولان، والراجحُ (٣) منهما عندي عدمُ الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا عليه، لبيَّنَهُ رسولُ الله - ﷺ -؛ لِما فرض الله - سبحانه - عليه من بيان كتابه الذي أنزله عليه، والعلم يحيط بأن أكثرَ أصحابه الذين كانوا معه - وكان عددهم معه أربع عشرة مئة - أن فيهم المُعْسِرَ العادمَ للهديِ، بل أكثرُهم عادمون، ولم ينقل أن النبيَّ - ﷺ - في ذلك الوقتِ، ولا في الوقت الثاني، بيَّنَ وجوبَ هديٍ عليهم.\nوأما القياس في الكفارات والمناسك، فضعيف عند أهل النظر.\nالمسألة الثالثة: غير المحصر إذا لم يسق الهدي.\nولا يخفى على أحد أن حلقَ شعرِ رأسه حرامٌ إلى الوقتِ الذي يبلغُ الهدي منه (٤) مَحِلَّهُ، وهو وقتُ التحلُّل، وهذا إجماع (٥)، وإنما اختلفوا في المعنى الذي لأجله مُنع من حلق شعره، فمنهم من رأى منعَه لما فيه من النَّظافَةِ والتزيُّنِ والاستراحة، فعُفي عن اليسير من الشعر، وإليه ذهبَ مالكٌ\n_________\n(١) فيبقى محرمًا حتى يجد الهدي. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٤٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ٦).\n(٢) قلت: وعدم بقاء الهدي في الذمة هو المعتمد عند الشافعية، ويقام ببدله وهو: طعام بقيمة الشاة؛ فإذا عجز صام عن كل مدٍّ يومًا. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٣١٦).\n(٣) في \"ب\": \"والصحيح\".\n(٤) في \"ب\": \"فيه\".\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٨). وانظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ٢٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٤٥).","vol":"1","page":321},{"text":"رحمه الله تعالى (١)، ومنهم من رأى المنعَ تعبُّدًا، فمنع قليلَ الشعر وكثيرَه، وإليه ذهبَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى (٢).\nالمسألة الرابعة: غير المُحْصَرِ إذا ساق الهديَ: -فإن أحرم بحجٍّ: فلا يحلُّ حتى يبلغ الهديُ محلَّه (٣)، وليس (٤) له فَسْخُ الحجِّ إلى العمرةِ بالاتِّفاق؛ للآية (٥)، ولقولهِ - ﷺ -: \"لو استقبلتُ من أمري ما اسْتدْبَرْتُ، ما أهديت، ولولا أن معي الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ\" (٦)، ولقوله - ﷺ - لأصحابه: \"اجعلوا إهلالَكُم بالحجِّ عمرةً، إلَّا من قَلَّدَ الهَدْيَ؛ فإنَّهُ لا يحلُّ حتى يبلغَ الهديُ مَحِلَّهُ\" (٧).\n- وإن أحرم بعمرة، فكذلك لا يحلُّ حتى ينحرَ هديَهُ يومَ النحرِ عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ -﵄ -، ولهم من الحُجّةِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(١) وعليه عند المالكية أن يطعم شيئًا، والعفو عن قليل الشعر بما دون الربع هو مذهب الحنفية، ويلزمه عندهم صدقة. انظر: \"اللباب\" للغنيمي (١/ ١/ ١٨٢)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٤/ ٢٢٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٩٥).\n(٢) والقليل عند الشافعية والحنابلة هو دون ثلاث شعرات. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٨٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٩٧).\n(٣) قلت: لعل المراد بالهدي هو هدي القِران؛ لأن ما ساقه المفرد من الهدي هو تطوع لا يمنع شيئًا، كما قال ابن عبد البر، ولذلك قال: وهدي القران يمنع من الإحلال عند جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٨٨).\n(٤) في \"ب\": \"فليس\".\n(٥) تقدمت هذه المسألة قريبًا.\n(٦) رواه البخاري (١٥٦٨)، كتاب: الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، عن جابر بن عبد الله.\n(٧) رواه البخاري (١٤٩٧)، كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، عن ابن عباس.","vol":"1","page":322},{"text":"تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله - ﷺ -: \"من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليحللْ (١)، ومَنْ أحرمَ بعُمْرَةٍ وأهدى فلا يحللْ (٢) حتى ينحرَ هديَهُ يومَ النحر\" (٣).\nوقال مالكٌ والشافعيُّ -﵄ -: إذا طافَ وسعى، حَلَّ من عمرته (٤).\nواحتجوا بالقياس على من لَمْ يَسُقِ الهديَ.\nوأجابوا عن الحديثِ بأن فيه محذوفًا، والمراد: من أحرم بعمرة وأهدى، فليهلَّ بالحجِّ، ولا يحل حتى ينحرَ هديَه؛ بدليل حديث عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - قالت: خرجنا مع رسول اللهِ - ﷺ - عام حجَّة الوداعِ، فأهللنا بعمرة، ثم قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"من كان معه هديٌ فليهللْ بالحجِّ معَ العُمْرَةِ، ثم لا يحلّ حتى يحلَّ منهما جميعًا\" (٥).\nوالقول الظاهر عندي قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ؛ لعموم الآية، ولقوله - ﷺ -: \"لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرتُ، ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأَحللت\" (٦)، ولم يقل: ولولا أني أحرمت بالحجِّ وسقت الهدي\n_________\n(١) في \"ب\": \"فيلتحلل\".\n(٢) في \"ب\": \"يحل\".\n(٣) رواه البخاري (٣١٣)، كتاب: الحيض، باب: كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟، ومسلم (١٢١١)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، عن عائشة.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٨٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ١٤٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٥٤٤).\n(٥) رواه البخاري (١٤٨١)، كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء؟، ومسلم (١٢١١)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":323},{"text":"لأحللتُ، فدلَّ على أن سوقَ الهديِ وحدَهُ سببٌ لمصابرة الإحرام، سواءٌ كانَ بحجٍّ كفعله - ﷺ -، أو بعمرة كفعلِ بعضِ أصحابه -رضيَ الله تعالى عنهم أجمعين - الذين أرشدهم إلى الإهلالِ بالحج مع العمرة؛ ليحصِّلوا النسُكين المُعَظَّمينِ (١): الحجَّ والعمرة، ولو لم يرشدْهم إلى الإهلالِ بالحج، واقتصروا على العمرةِ، لصحَّتْ لهم دون الحج، ولكان لا يصحُّ لهم الحجُّ الذي هو النسكُ الأعظمُ إلا منْ عام قابل (٢).\nوقوله - ﷺ - في حديثِ عائشةَ -﵂ -: \"فليهللْ بالحَجِّ معَ العمرةِ\" أمرُ إرشادٍ ليحوزوا فضيلة النُّسكين؛ لأن إحرامه (٣) بالحجِّ علةٌ لمصابرة الإحرامِ؛ بدليل سياق كلامه - ﷺ -: \"من كانَ معه هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بالحَجِّ معَ العمرةِ\"، فلو لم يكنِ الهديُ شَرْطًا، لما علق عليه الجواب (٤).\n* والمَحِلُّ يقعُ على المكانِ الذي ينزل فيه، ويقعُ على الزمانِ الذي ينزل فيه أيضًا.\n\n١ - فيحتمل أن يكون المرادُ به اسمَ المكان.\nبدليلِ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\n_________\n(١) في \"ب\":\"العظيمين\".\n(٢) قلت: إن النبي - ﷺ - مع أصحابه في حجة الوداع كانوا على الإحرام بالحج، ثم أمرهم النبي - ﷺ - أن يحلوا بعمرة حتى إذا كان يوم التروية لبَّوا بحجة، والنبي - ﷺ - كان قارنًا وسائقًا للهدي، فلم يحل، وهناك من أحرم كإحرام النبي - ﷺ -؛ كعليٍّ ﵁. ولم يكن فيهم من أحرم بعمرة فقط ثم لم يهل بالحج، فكلام المصنف هنا محمول على أنه لو فرض أن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بالحج بعد العمرة حتى خرج وقت الحج، لرجعوا بعمرة فقط دون حج.\n(٣) في \"ب\": \"لا إن إحرامهم\".\n(٤) المراد به: سوق الهدي شرط للبقاء على الإحرام قارنًا.","vol":"1","page":324},{"text":"وسياقُ الخِطاب يقتضي بظاهره أن المحرمَ لا يحلُّ حتى يبلغ الهديُ محلَّهُ، ولو كانَ مُحْصَرًا، بهذا قال أبو حنيفةَ، واستدلَّ بأن نحرَ رسولِ الله - ﷺ - عامَ الحُدَيبية وقعَ في الحَرَم، على ما قاله ابنُ إسحاق.\nوذهبَ الشافعيُّ إلى أنه ينحرُ هديَهُ حيثُ حَلَّ، وتقديرُ الآية: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إن قدرتم على إيصاله محله.\nواستدلَّ بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].\nقال: ونحرَ رسولُ الله - ﷺ - في الحِلِّ، وقد قيل: نحرَ في الحَرَم، وحكاه عن عطاء.\nثم قال: وإنما ذهبنا إلى أنه نحرَ في الحِلِّ، وبعضُ الحديبيةِ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَم؛ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، والحرم كلُّه مَحِلُّه عند أهلِ العلم (١).\nويدلُّ عليه - أيضًا (٢) - النظر والقياسُ، وإن كانَ ضعيفًا في هذا المقام، فإنه كما يجوز له ذبحُ الهَدْي قبلَ وقتِه للعذر، يجوز ذبحه قبل مكانِه - أيضًا -، ولأنه يشقُّ عليه مصابرة الإحرام، وربَّما وقف أبدًا لا يقدر على إيصال الهدي إلى الحَرَمِ، ولم يجعلِ الله عليه في الدِّين حرجًا، فجاز نحرُه قبلَ مكانه لعذرِ المشقة (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢١٨)، و(٢/ ١٥٩)، و\"أحكام القرآن\" للكيا الهراسي (١/ ١٣١)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٢١٧).\n(٢) \"أيضًا \"ليست في \"أ\".\n(٣) تقدمت هذه المسألة سابقًا.\nوانظر وجه الاحتجاج للقولين في \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٤٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٣).","vol":"1","page":325},{"text":"وسيأتي مزيدُ كلامِ على بيان المَحِلِّ (١) في \"سورة المائدة\"، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n\n٢ - ويحتمل أن يكونَ المرادُ بالمَحِلِّ اسمَ الزمانِ، إمَّا وَحْدَهُ، وإمَّا مع المكانِ إذا أوقعنا المشترَكَ على جميعِ معانيه.\nبدليل ما روى ابنُ عباسٍ -: ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قيل له في الذبحِ والحلقِ والرمي، والتقديم والتأخيرِ، فقال: \"لا حَرَجَ\" (٢)، ولعلَّ هذا هو سببُ الشبهةِ التيَ ألجأتِ الثوريَّ، والحسنَ بنَ صالحٍ إلى أن قالا: المُحْصَرُ لا يحلُّ إلا في يومِ النحر (٣).\n* وقد ذهبَ إلى جوازِ تقديم الحلقِ على الذبحِ مالكٌ والشافعيُّ وداودُ وأبو ثور وأحمدُ -في إحدى الروايتين عنه- في العامد (٤). إلا أن مالكًا قالَ: إن قدم الحلقَ على الرمي، لزمه الدمُ (٥)؛ لأنه حلق قبلَ الشروعِ في\n_________\n(١) في \"ب\": \"محل الهدي\".\n(٢) رواه البخاري (١٦٤٧)، كتاب: الحج، باب: إذا رمى بعدما أمسى، أو حلق قبل أن يذبح، ناسيًا أو جاهلًا، ومسلم (١٣٠٧)، كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٦).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٢٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٧١)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ٤٢).\nوقد خالف في ذلك الحنفية فقالوا: إن قدَّم الحلق على الذبح فعليه دم. انظر: \"اللباب\" للغنيمي (١/ ١/ ١٨٦).\nوما ذكره المصنف رواية عن الإمام أحمد هي المعتمدة عند الحنابلة. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ٤٢).\n(٥) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٣)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":326},{"text":"التحلُّل، مع أنه لم يأتِ ذكرُ تقديمهِ في السنَّة، فبقي على أصل ترتيبه.\nودعوى عدمِ ذكرهِ في السنَّةِ غيرُ مسلمةٍ، فقد أخرجه مسلمٌ في \"صحيحه\" عن عبد الله بن عمرِو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ -، وأتاه رجلٌ يومَ النَّحْر وهو واقفٌ عند الجمرةِ، فقال: يارسولَ الله! إني حلقتُ قبلَ أن أرميَ، فقال: \"ارم ولا حرج\"، وأتاه آخرُ وقال: إني ذبحتُ قبلَ أن أرميَ، فقال: \"ارمِ ولا حَرَج\"، وأتاه آخرُ، فقال: إني أَفَضْتُ (١) إلى البيت قبل أن أرمي، فقال (٢): \"ارم ولا حَرَج\"، فما رأيته سئل يومئذ عن شيءٍ إلا قالَ: \"افعلوا (٣) ولا حرج\" (٤).\nوذهب قومٌ كالحسن وسعيدِ بنِ جبير والنخعيِّ وقتادةَ إلى وجوب الدمِ على من قَدَّم إحدى (٥) الثلاثةِ التي هي الرميُ، ثم الذبحُ، ثم الحلقُ، بعضَها على بعضٍ (٦).\n_________\n(١) في \"أ\": \"أفضيتُ\"، وهو خطأ.\n(٢) في \"ب\": \"قال\".\n(٣) في \"ب\": \"افعل\".\n(٤) رواه مسلم (١٣٠٦)، كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي.\n(٥) في \"أ\": \"أحد\".\n(٦) قلت: هذا النقل بهذه الصورة فيه نظر؛ فقد ذكر ابن عبد البر: أن من قدم نسكًا على نسك لا حرج عليه عن: عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة.\nومن حلف قبل أن يذبح نقل عن: عطاء، وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وقتادة: أنه لا شيء عليه. إلا إبراهيم النخعي فإنه قال: من حلق قبل أن ينحر فعليه دم، وروي عن ابن عباس، ولا يصح. انظر: \"الاستذكار\" (١٣/ ٣٢٣)، و\"التمهيد\" (٧/ ٢٧٧).","vol":"1","page":327},{"text":"وحملوا الحديث على نفي الإثم عن الجاهلِ والناسي؛ بدليل ما رواه عبدُ الله بنُ عمرٍو -رضيَ الله تعالى عنهما - قال: وقفَ رسولُ اللهِ - ﷺ - للناس بِمِنًى، والناسُ يسألونه، فجاءه رجلٌ وقال: يا رسول الله! لم أكنْ أشعُرُ أن الرَّميَ قبلَ النحرِ، فنحرت قبلَ الرمي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ارمِ ولا حَرَجَ\"، قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعرْ أن النحرَ قبل الحلق، فحلقتُ قبلَ أن أنحر، فقال: \"انحَرْ ولا حَرَجَ\" قال: فما سمعتُهُ سُئِل يومئذٍ عن أمرِ شيءٍ ممّا يَنْسى المرءُ ويجهلُ من تقديمِ بعض الأمورِ قبل بعضٍ وأشباهها إلا قال رسول الله - ﷺ -: \"افعلوا ذلك ولا حرج\" (١).\nوذهب أبو حنيفةَ إلى أنه إن حلقَ قبلَ أن يذبحَ أو يرميَ، لزمَهُ دمٌ إنْ كانَ مُفْرِدًا، و(٢) دَمانِ إن كانَ قارِنًا ومُتَمَتِّعًا (٣).\nوالصحيحُ هو الأولُ؛ لأنه لو وجبَ الدمُ لبيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ -؛ لأنه وقتُ الحاجةِ، وتأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ غيرُ جائزٍ.\nوأما حديثُ عبد الله بنِ عَمرٍو، فإنه، وإن وردَ في الناسي والجاهل، فلا يدلُّ على منعِه في العامدِ، والله أعلم.\n* وخص اللهُ سبحانه النهيَ بحلقِ الرأسِ:\nفيحتمل أن يكونَ التخصيصُ للتقييد، فيدل الخطابُ بمفهومه على إباحة سائِرِ شعرِ البدنِ.\nويحتمل أن يكونَ للتعريفِ لا للتقييد، فيلحق بشعر الرأس سائرُ الشعور.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٣٠٦)، كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، بهذا اللفظ.\n(٢) في \"ب\": \"أو\" بدل \"و\".\n(٣) وهو المذهب. انظر: \"اللباب\" للغنيمي (١/ ١/ ١٨٦).","vol":"1","page":328},{"text":"وفي ذلك خلافٌ بين العلماء، فمنهم من قال بالأول (١)، ومنهم من قال بالثاني (٢).\nالجملة (٣) الرابعة: قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n* استثنى (٤) الله - ﷾ - بفضلهِ ورحمتهِ المريضَ، ومَنْ برأسِه الأذى منَ النَّهْيِ، فأباح له حلقَ رأسهِ، وأوجب عليه الفِديةَ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، وخَيَّره بين أنواعِها، وأطلق الفِديَةَ في كتابه - سبحانه -، ووكَلَ بيانَها إلى نبيِّه - ﷺ -.\nروينا في \"الصحيحين\" عن عبدِ الله بنِ مَعْقِلٍ (٥) قال: جلستُ إلى كَعْب بنِ عُجْرَةَ، فسألتُه عن الفِدية، فقال: نزلتْ فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةً؛ حُمِلْتُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، والقملُ يتناثرُ على وجهي، فقال: \"ما كنتُ أرى الوجعَ بلغَ بكَ ما أرى، أو: ما كنتُ أرى الجهدَ بلغَ بكَ ما أرى، تجدُ شاةً؟ \"، فقلتُ: لا، قال: \"فصم ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستةَ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصْفُ صاع\" (٦).\n_________\n(١) وهو قول داود الظاهري. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٩).\n(٢) وهو قول جمهور الفقهاء الأربعة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٤١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٤٢٤)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٩٧)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٤٥٥).\n(٣) \"الجملة\" ليست في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"فاستثنى\".\n(٥) في \"ب\": \"مغفل\"، وهو خطأ.\n(٦) رواه البخاري (١٧٢١)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: الإطعام في =","vol":"1","page":329},{"text":"وروينا (١) في \"صحيح مسلم\": \"أو أَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ منْ تَمْرٍ على ستةِ مساكين\" (٢).\nوحكي عن قوم أقوالٌ تخالف السنَّة وتنابذها.\nفَحُكيَ عن أبي حنيفةَ والثوريِّ أن نصفَ الصاع لكلِّ مِسكينٍ إنَّما هو في الحنطةِ، فأما التمرُ والشعيرُ وغيرُها، فيجبُ صاعٌ لكلِّ مسكينٍ (٣).\nوحُكي عن الحسنِ البصريِّ وبعضِ السلفِ أنه يجبُ إطعامُ عشرةِ مساكينَ، أو صومُ عشرةِ أيامٍ (٤).\n* فإن قلتم (٥): سمِّى اللهُ سبحانَه الدَّمَ في صدر هذه الآيةِ هَدْيًا، وسمَّاهُ\n_________\n= الفدية نصف صاع، ومسلم (١٢٠١)، كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، وهذا لفظ البخاري.\n(١) في \"ب\": \"ورويناه\".\n(٢) رواه مسلم (١٢٠١)، كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، عن كعب بن عجرة.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٠٣).\nقلت: الذي في كتب الحنفية النص على ثلاثة آصع من طعام؛ أي: لكل مسكين نصف صاع، والطعام هو الحنطة، وليس فيها ذكر أنه إن كان من غير الحنطة فيجب ستة آصع؛ يعني: لكل مسكين صاع.\nانظر: \"المبسوط\" (٤/ ٧٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٢٠)، و\"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٤٥١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٢٣).\nثم وجدت ما نقله المصنف هنا عن الحنفية في \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٥١). ولعل المصنف قد أخذه عنه، والله أعلم.\n(٤) وروي ذلك عن عكرمة ونافع. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٣٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ١٩).\n(٥) في \"ب\" زيادة \"لِمَ\".","vol":"1","page":330},{"text":"هنا نسكًا، فهل بين التسميتين فرقٌ أو تأثيرٌ في الحُكْم، أو لا؟\nقلنا: أما الهَدْي فيطلَقُ في عُرْفِ الشرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ من بهيمةِ الأنعامِ ابتداءً.\nوالنسكُ يطلق في العُرْفِ على الدَّمِ الذي يُذْبَحُ إمَّا كفارةً، وإما فديةً، وإما جُبرانًا، وقد يطلَقُ عليه (١) اسمُ الهديِ أيضًا (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\nوأما الحكمُ فواحدٌ عندَ الشافعيِّ وأبي حنيفة، فأوجبا الذبح بمكةَ كالهدي (٣)، إما لوقوع اسم الهدي عليه عندهما، وإما لحمل المطلَقِ في الفديةِ على المقيَّدِ في هَدْيِ الإحصار عند الشافعي.\nوقال مالكٌ في إحدى الروايات عنه (٤): يذبحُ أين شاءَ، بمكة أو غيرها، وكأنَّ الشرعَ إنما خالف بين اسميهما لاختلافِ حُكْمَيْهما (٥)، مع ذكرِه للبيانِ في إحداهما (٦)، وتركه له في الأخرى (٧).\n_________\n(١) في \"أ\": \"عليها\".\n(٢) انظر ما جاء في معاني النُّسُكِ: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ٢٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٥/ ٤٧)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١٠/ ٤٩٨).\n(٣) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٣١١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٢٣).\n(٤) وهذه الرواية هي المذهب. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٠٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٢٦)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٠٦).\n(٥) فعند الإمام مالك: الهدي لا يذبح إلا بمكة، أما غيره من النسك فيكون حيث شاء. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٩).\n(٦) في \"ب\": \"أحدهما\".\n(٧) في \"ب\": \"الآخر\".","vol":"1","page":331},{"text":"وقد استنبطَ الأوزاعيُّ من إطلاق الفديةِ في الأذى، وترتُّبُ (١) الحلقِ على بُلوغِ الهدي محلَّه: أنه يجوزُ للمُحْرِم أن يكفرِ بالفِدْيَةِ قبل الحَلْقِ.\nوله وجهٌ في القياسِ على كفارةِ اليمين، وأبى ذلك الجمهورُ، وقاسوه على المُحْصَر (٢).\n* ثم استنبطَ أهلُ العلمِ من ترخيصِ الله -سبحانَهُ - للمريضِ في حلقِ رأسه مع إيجاب الفدية وجوبَ الفديةِ على من حَلَقَ ناسيًا؛ لأنه عذز في رَفْع الحرج، فلا يكونُ عذرًا في ترك الفداءِ؛ كالمريض، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ (٣)، وداودُ وإسحاقُ (٤).\nثم استنبطوا أن كلَّ ما يُضْطَرُّ إليه المُحْرِمُ بسبب المرضِ، أو دفعِ الأذى؛ كالطيبِ واللُّبْس والستر أنه كالحَلْقِ؛ لأنه (٥) في معناه (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"ترتيب\".\n(٢) قلت: المراد بهذه المسألة: أنه إذا أصابه أذى في رأسه، هل يحلق ثم يفدي، أم يجوز له أن يفدي ثم يحلق؟ فالجمهور قالوا: يحلق ثم يفدي. ولم يظهر لي وجه القياس على المحصر عندهم.\nوقال الأوزاعي: يجوز أن يفتدي ثم يحلق، قياسًا على كفارة اليمين، فإنه يجوز أن يكفر، ثم يفعل ما حلف عليه. انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ١٦٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٧).\n(٣) وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٨). وانظر \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٠٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣١١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٩٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٨١).\n(٤) الذي نُقل عن إسحاق وداود: أنه لا فدية على من حلق ناسيًا. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٨)، و\"المغنى\" لابن قدامة (٥/ ٣٨١).\n(٥) في \"ب\": \"إلا أنه\".\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٨). وانظر: \"رد المحتار\" =","vol":"1","page":332},{"text":"الجملة (١) الخامسة: قوله ﷻ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nفأقول: أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ وُجوهَ النسكِ ثلاثةٌ: الإفرادُ، والتَّمَتُعُّ، والقِرانُ، واتفقوا على أن فعلَ جميعِها جائز، فقد صحَّ وثبتَ جميعُ ذلكَ مِنْ بَيَانِ رسولِ اللهِ - ﷺ - من قولِه وفِعله (٢).\nروينا في \"صحيح مسلم\" عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها - قالت: خَرجْنا مع رسولِ الله - ﷺ -، فقال: \"مَنْ أرادَ منكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أرادَ أَنْ يُهلَّ بِحَجٍّ فليفعلْ، ومن أرادَ أن يهلَّ بعُمْرَةٍ فليفعل\"، قالتْ عائشةُ: فأهلَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - بحجٍّ، وأهلَّ بهِ ناسٌ معهُ، [وأهلَّ ناسٌ بالعُمرةِ والحجِّ، وأهلَّ ناسٌ] (٣) بعمرةٍ، وكنتُ فيمن أهلَّ بعُمْرَةٍ (٤).\nوقد روي: أنه - ﷺ - كان مُفْرِدًا، ورُوي أنهُ كانَ مُتَمَتِّعًا، ورُوي أنه كانَ قارِنًا (٥).\n_________\n= لابن عابدين (٣/ ٤٣٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٠٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٩٢)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٤٥٥).\n(١) \"الجملة\" ليست في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ١٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٦٠)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ١٣٤).\n(٣) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٤) رواه مسلم (١٢١١)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.\n(٥) تنظر روايات الإفراد والتمتع والقران في: \"صحيح البخاري\" (١/ ٥١٨)، كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، و\"صحيح مسلم\" (٢/ ٨٧٠)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران.","vol":"1","page":333},{"text":"* وإنما اختلفوا في الأفضل منها:\n- فقال أحمدُ (١)، والمَكِّيُّونَ (٢)، والشافعيُّ في أَحَدِ قَوْليه: التمتعُّ أفضلُ (٣).\nقال أحمدُ: ولا شَكَّ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كانَ قارِنًا، والتمتُّعٌ أَحَبُّ إليَّ، واحتجَّ بقوله - ﷺ -: \"لو استقبلتُ من أمري ما استدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعلتُها عُمْرَةً\" (٤).\nقال الشافعيُّ عندَ اختياره الإفراد: هذا وجهٌ لولا أنه يحتمل أنه قالَ هذا لِتكرُّهِ الناسِ الإحلالَ حينَ أمرهم به (٥)، وإقامته مُفْرِدًا - ﷺ -، فلما احتملَ هذا، اخترتُ الإفراد، وهذان الوَجْهان أَحَبُّ إليَّ منَ القِران (٦).\n- وذهبَ مالكٌ (٧)، والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٨)، وكثيرون (٩)،\n_________\n(١) انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٤٣٤).\n(٢) وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، وغيرهم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ١٢٩)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٧٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨٢).\n(٣) إلا أن المعتمد في المذهب: أن الإفراد أفضل. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٨٧).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) يوضحه قول القرافي في \"الذخيرة\" (٣/ ٢٨٦): إنما قال ذلك لتطييب قلوب أصحابه لمَّا أمرهم بفسخ الحج من العمرة؛ ليظهر جواز العمرة في أشهر الحج، خلافًا للجاهلية.\n(٦) نقله البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٧٩).\n(٧) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٨٥).\n(٨) وهو المعتمد. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢٨٧).\n(٩) وهو قول ابن مسعود، وعمر، وعثمان، وعائشة، وجابر، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، وأبي ثور. انظر: \"الاستذكار\" =","vol":"1","page":334},{"text":"إلى تفضيلِ الإفراد؛ لفعل رسولِ الله - ﷺ -.\n- وذهب أبو حنيفةَ إلى تفضيلِ القِران (١)، وهو قولُ الشافعيِّ - أيضًا -، واختار المُزَنِيُّ (٢).\nقال ابنُ عبدِ البَرِّ: ولا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ التَّمَتعُّ المُرادَ بقولِ اللهِ -تعالى-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهرِ الحجِّ، والحجُّ من عامِه (٣).\nوما أظنُّ (٤) دعواهُ سالمةً، فقدْ كانَ ابنُ الزبير -رضي الله تعالى عنهما - يذهبُ إلى أنَّ التمتعُّ الذي ذكرهُ اللهُ - تعالى - هو تمتعٌّ المُحْصَرِ إذا حبسه العدوُّ حتى ذهبتْ أيامُ الحَجِّ، فيأتي بأفعالِ العُمرة، ثم يتمتعُ بحلِّه، إلى العامِ المقبلِ، ويهدي (٥).\n_________\n= لابن عبد البر (١١/ ٢٧١)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٧٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨٣).\n(١) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٩٠). وهو قول الثوري، كما في \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨٣). وقول علي بن أبي طالب وجماعة من التابعين، وإسحاق، والمزني، كما في \"الاستذكار\" (١١/ ١٣٣).\n(٢) قلت: الذي في \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٤٤) أن للشافعي في ذلك قولين فقط، وليس ثلاثة، وأن القول بتفضيل القران هو قول المزني، وإنما نقل المصنف هذا القول من \"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ١٣٥).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" (٤/ ٩٣)، و\"التمهيد\" (٨/ ٣٤٢).\nقلت: وكأن ابن عبد البر يقصد أن هذا النوع من التمتع المفهوم من هذه الآية متفق عليه بين العلماء، وهناك أنواع أخرى مختلف فيها، هل هي مرادة بالآية أم لا؟ أما هذا النوع فهم متفقون على أنه مراد منها، بدليل أنه ذكر أربعة أنواع للتمتع.\n(٤) في \"ب\" زيادة \"أن\".\n(٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤٤)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٨/ ٣٦٠).","vol":"1","page":335},{"text":"فإن قلتُم: وقد (١) كان عمرُ وعثمانُ -رضيَ الله تعالى عنهما - ينهيان عن متعةِ الحَجِّ (٢).\nقلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في المتعةِ التي نَهَيا عنها، هلْ هيَ فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة، أو التمتعُ في أشهرِ الحجِّ؟ فقال القاضي عياضٌ بعدَ ذكرِ أحاديث وآثار: الظاهرُ منها أنَّ المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخُ الحجِّ إلى العُمرة، قال: ولهذا كانَ عمرُ يضربُ الناسَ عليها، ولا يضربُهم إلَّا على ما اعتقدَهُ من اختصاصِ هذه المتعةِ بتلك السنة؛ لمخالفة الجاهلية، وأن ذلك غيرُ جائزٍ في غيرها، وذلكَ اعتقادُ أكثرِ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم - (٣).\nواختار أبو زكريا النوويُّ أنه التمتعُ في أشهرِ الحجِّ، وإنما نهيا (٤) عنه؛ لأن الإفرادَ أفضلُ، فنهيا عن (٥) التمتع نهيَ تنْزيهٍ، وضربَ عليه عمرُ؛ لأنه مأمورٌ بصلاحِ رَعِيَّته، وكان يرى الأمرَ بالإفراد من جملةِ صلاحهم (٦).\nوالمختارُ عندي: أَنَّ الذي نهى عنه عمرُ إنما هو فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة لا التمتع (٧)؛ لما روى أبو موسى - ﵁ - قال: قدمتُ على\n_________\n(١) في \"ب\": \"فقد\".\n(٢) رواه مسلم (١٢١٧)، كتاب: الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة، عن عمر ﵁. ورواه مسلم (١٢٢٣)، باب: جواز التمتع، عن عثمان ﵁.\n(٣) انظر: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٤/ ٢٦٤). ونقله عنه النووي في \"شرح مسلم\" (٨/ ١٦٩)، وعن النووي نقل المؤلف - ﵀ - كلام القاضي.\n(٤) أي: عمر وعثمان ﵄.\n(٥) في \"أ\": \"فيها من التمتع\".\n(٦) انظر: \"شرح المسلم\" للنووي (٨/ ٢٠٢).\n(٧) \"لا التمتع\" ليس في \"أ\".","vol":"1","page":336},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وهو بالبَطْحاءِ (١) فقال: \"أحَجَجْتَ؟ \" قلتُ: نعم، قال: \"بم أهللتَ؟ \" قلت: لبيكَ بإهلالٍ كإهلالِ رسولِ الله - ﷺ -، قال: \"أحسنْتَ، انطلقْ فطفْ بالبيتِ وبالصفا والمَرْوَةِ\"، ثم أتيتُ امرأة من نِساء بني قَيْسٍ، فَفَلَّتْ لي رأسي، ثم أهللتُ بالحجِّ، فكنتُ أُفتي بهِ الناسَ حتى خِلافةِ عمرَ، فذكرته له، فقال: إن نأخذْ بكتابِ الله، فهو يأمرُنا بالتَّمام، وإن نأخذْ بسنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فإنَّ رسول الله - ﷺ - لم يحلّ حتى يبلغَ الهديُ محلَّه (٢).\nوهذا صريحٌ في أن الذي منع منهُ إنما هو فسخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ (٣)، لا التَّمَتُّعُ المَعْروفُ؛ لأنه مذكورٌ في كتاب الله تعالى، وعمرُ أخذ بكتاب اللهِ، وبه احتجَّ على من خالفه، وقال (٤): إن اللهَ -سبحانَه- يُحِلُّ لنبيِّهِ ما شاءَ، لما شاء، وإنَّ القرآنَ قد نزلَ منازِلَهُ، فأتموا الحجَّ والعمرةَ كما أمركمُ الله - تعالى -، وافْصِلوا حَجَّكُمْ من عُمْرَتِكُمْ؛ فإنه أَتمُّ لحجِّكم، وَأتَمُّ لعُمرتكم.\n_________\n(١) البطحاء: مسيلٌ فيه دقاق الحصى، \"اللسان\" (مادة: بطح) (٢/ ٤١٣).\n(٢) رواه البخاري (١٦٣٧)، كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الحلق، ومسلم (١٢٢١)، كتاب: الحج، باب: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.\n(٣) قلت: لكن وقع التصريح من عمر -﵁ - بأن المراد بما نهى عنه هو التمتع المعروف، فقد روى مسلم في \"صحيحه\" (١٢٢١)، كتاب: الحج، باب: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام: أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد. حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي - ﷺ - قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا مُعْرِسين بهنَّ في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.\n(٤) في \"ب\": \"فقال\".","vol":"1","page":337},{"text":"وأرشدَ الناسَ عمرُ في آخرِ (١) كلامهِ إلى أفضلِ مراتبِ النُّسُكِ، وهو الإفرادُ، فجمعَ بين الحَثِّ على المنعِ من المتعةِ، وبينَ الترغيبِ في الفضيلة (٢)، ولقول عمر -رضي الله تعالى عنه -: متعتانِ كانَتا على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، وأنا أنهى عنهما، وأعاقبُ عليهما: متعةُ النساءِ، ومتعةُ الحجِّ (٣).\nوأما الذي نهى عنه عثمانُ -رضي الله تعالى عنه -، فالظاهر أنه التمتعُ والقِران (٤)؛ لما روى مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعَلِيًّا، وعثمانُ ينهى عن المتعة، وأن يُجْمَع بينَهُما، فلما رأى ذلك عليٌّ، أهلَّ بهما، وقال: لبيك بعمرةٍ وحجةٍ، وقال: ما كنتُ لأدعَ سنةَ النبيِّ - ﷺ - لقولِ أحدٍ (٥).\n* واتفق العلماءُ على وجوبِ الهَدْي على المُتَمَتِّعِ؛ للآية (٦).\n* وإنما اختلفوا في وقت وجوبه.\n_________\n(١) في \"ب\": \"بآخر\".\n(٢) في \"أ\": \"الفضل\".\n(٣) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ٢٥٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٤٦)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١١٢ - ١١٣).\n(٤) قلت: وقد يقال: إنه كان ينهى عن التمتع مطلقًا، وقد ثبت هذا في \"صحيح مسلم\" (١٢٢٣)، باب: جواز التمتع، عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وعن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة.\n(٥) رواه البخاري (١٤٨٨)، كتاب: الحج، باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي.\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٣٨٦).","vol":"1","page":338},{"text":"فقال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ: يجبُ بالإحرام بالحجِّ (١).\nوقال مالكٌ: لا يجبُ حتى يرميَ جمرةَ العقبة، فاعتبرَ كمالَ الحجّ (٢).\nوقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفة، فاعتبر معظم الحجِّ (٣)؛ لقوله - ﷺ -: \"الحَجُّ عَرَفَةُ\" (٤).\nوقول الشافعيِّ أولى؛ لأن ما جُعِلَ غايةً، فأوله كآخره؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا يلفت إلى قاعدة، وهي: هل العبرةُ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟\n* وكذلكَ اختلفوا في صِفةِ التَّمَتُعِّ، فاشترطَ جمهورُهم وقوعَ العُمرةِ في أشهر الحجِّ، ثم اختلفوا.\n- فمنهم من اشترطَ وقوعَ جميعِها تحلُّلًا وإحرامًا، وهو قولُ أبي ثورٍ وأحمدَ وإسحاقَ والشافعيِّ في \"الأم\" (٥)، وهو المشهورُ من قوله (٦).\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٨٦)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٣٨٦)، وفيه أن هذا قول زفر من الحنفية.\nثم المعتمد عند الحنفية: أن ذلك يجوز من حين يحرم بالعمرة. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٣٨٦).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٥٢).\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٨٦). والمعتمد عند الحنابلة: أنه يلزم بطلوع فجر يوم النحر. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٤٤٤).\n(٤) رواه أبو داود (١٩٤٩)، كتاب: الحج، باب: من لم يدرك عرفة، والنسائي (٣٠١٦)، كتاب: المناسك، باب: فرض الوقوف بعرفة، والترمذي (٨٨٩)، كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، وابن ماجه (٣٠١٥)، كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي.\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٢٥٣).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢٢)، و\"المغني\" لابن قدامة =","vol":"1","page":339},{"text":"- ومنهم من اكتفى بوقوعِ التحلُّلِ، وهو قولُ مالكٍ (١).\n- ومنهم من اكتفى بحُصول الطَّواف في شَوَّال، وهو قولُ الثوريِّ والحَكَم وابنِ شُبْرُمَةَ (٢)، والشافِعِيِّ في أَحَدِ قولَيْه (٣).\n- ومنهم منِ اكتفى بمُعْظَمِ الطَّوافِ، وقال: إن طافَ ثلاثةَ أشواطٍ في رمضانَ، وأربعةً في شَوّال، كانَ متمتِّعًا، وإنْ كانَ بالعَكْسِ لمْ يكُنْ متمتِّعًا، وهو قولُ أبي حَنيفَة (٤).\n- وحُكي عن طاوس: أنَّ من اعتمرَ في غيرِ أشهر الحَجِّ ثم أقامَ حتى أتى الحاجُّ، وحجَّ من عامِه أنه متمتِّعٌ (٥).\nوكلهم شرطوا أن الحجَّ من عامِهِ، إلا الحَسَنَ؛ فإنه روي عنه أنه متمتِّعٌ، وإن لم يحجَّ، وكان يقولُ: عمرةٌ في أشهر الحَجِّ متعةٌ (٦). ويكون - على قوله -:\n_________\n= (٥/ ٣٥٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٧٤)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٤٤١).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٩٤). وبهذا قال عطاء؛ انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٣).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٨٢).\n(٣) لكن الصحيح من المذهب: أنه لا بد أن تقع كلها في أشهر الحج. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٧٤).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٩٨).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١١/ ٢٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٣).\n(٦) انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٣٤٥)، و\"الاستذكار\" (١١/ ٢٢٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٣).","vol":"1","page":340},{"text":"(إلى) (١)، بمعنى (في). وهو جائزٌ في اللِّسانِ، قال النابغة: [البحر الطويل]\nفلا تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كَأَنَّني ... إلى الناس مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٢)\nوقال طَرَفَةُ: [البحر الطويل]\nوإنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الكريمُ تُلاقِني ... إلى ذُرْوَةِ البَيْتِ الكَريمِ المُصَمَّدِ (٣)\nوالمستيسر من الهدي إما بَدَنَةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو يشتركُ (٤) في دمٍ (٥).\nقال ابنُ عُمَر: بدنةٌ أو بقرةٌ (٦).\n* ومن (٧) لم يجدِ الهَدْي في وقتهِ، جازَ له أن ينتقل إلى الصَّوم؛ كما بيَنَ اللهُ - سبحانه - ذلك.\nولم أعلمْ أحدًا يخالِفُ (٨) في ترتيبِ هذهِ الكفَّارة (٩).\n* وواجبُ الصيامِ ثلاثةُ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٌ إذا رجع؛ كما ذكره الله -\n_________\n(١) \"إلى\" ليست في \"ب\".\n(٢) نظر: \"ديوانه\" (ق ٦/ ٢٣)، (ص: ٧٨).\n(٣) انظر: \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة (١/ ١٨٥)، و\"طبقات فحول الشعراء\" لابن سلاَّم (١/ ١٣٧)، و\"خزانة الأدب\" للبغدادي (١/ ٤١٢)، في معلقته، البيت (٤٧). وروايته: وإن يلتق الحي الجميع ... .\n(٤) في \"ب\": \"شرك\".\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٧٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٥٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٢)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٨٥).\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) في \"ب\": \"فمن\".\n(٨) في \"ب\": \"مخالفًا\".\n(٩) نقل الإجماع على ذلك النووي في \"المجموع\" (٧/ ١٨٦)، ونفى الخلاف فيها ابن قدامة في \"المغني\" (٥/ ٣٦٠).","vol":"1","page":341},{"text":"﷾ -، فلا يجوزُ للمتمتع صومُ ثلاثةِ الأيامِ في غير الحجِّ؛ لظاهر الآية، وبهذا قال ابنُ عمرَ وعائشةُ -رضي الله تعالى عنهم - (١).\nوإليه ذهب الشافعيُّ (٢).\nوقال أبو حنيفةَ وعطاءٌ وأحمدُ بجوازه قبلَ الحجِّ (٣)؛ قياسًا على تكفيرِ اليمينِ قبلَ الحِنْثِ، وتأويلُ الآيةِ عندهم: فمنْ لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في وقت الحج.\n* والأفضل أن يفرغَ من صِيامها قبلَ يومِ عرفةَ (٤)؛ لأن الأفضل للحاجِّ الفطرُ يوَم عرفة اقتداءً برسولِ الله - ﷺ -.\n* فإن لم يَصُمِ الثلاثةَ قبلَ يومِ عرفةَ، فهل له أن يصومَ في أيامِ التشريق؟\nاختلف فيه أهلُ العلم - أيضًا -، فقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ في قولهِ الجديدِ: لا يجوزُ (٥)، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (٦)؛ لقوله - ﷺ -: \"أيامُ التَّشْريقِ أيامُ\n_________\n(١) رواه البخاري (١٨٩٥)، كتاب: الحج، باب: صيام أيام التشريق، عن عائشة وابن عمر ﵄.\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٨٥). وهو مذهب المالكية؛ انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٨).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٦١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٠١).\n(٤) وهذا مذهب الشافعية؛ انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٨٦).\nوهناك من قال: يكون آخر الثلاثة يوم عرفة، وهو قول المالكية والحنفية والحنابلة؛ وقال به طاوس، والشعبي، ومجاهد، والحسن، والنخعي، وابن المسيب، وعلقمة، وعمرو بن دينار. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٦٠)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٩٥). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٠).\n(٥) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٩٥). وما نقله عن الشافعي هو الصحيح في المذهب؛ انظر: \"المجموع\" للنووي (٦/ ٤٨٥).\n(٦) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤).\nوانظر: =","vol":"1","page":342},{"text":"أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله -﷿ (١) \".\nوقال مالكٌ والأوزاعيُّ وإسحاقُ: يجوزُ صومُها للمتمتعِّ (٢)؛ لما رُوي عن عائشةَ وابنِ عُمر -رضيَ الله تعالى عنهم -: أنهما قالا: لم يرخّصْ في أيامِ التشريقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لمنْ لَمْ يجدِ الهَدْيَ (٣).\nويوافقهم النظرُ وظاهرُ القرآن.\nأما النظرُ، فإنه لا يتحققُ عدمُ الهدي إلا يومَ النحر؛ لأنه محلُّه، فيتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي.\nوأما ظاهرُ القرآن، فإنَّ هذه الأيام من أيام الحج، وأفعالَها من أفعال الحج.\n* وبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أنَّ المرادَ بالرُّجوع في كتابِ الله -﷿ - هو رجوعُ المسافرِ إلى أهله، فقال: \"ومن لم يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ، وسبعةً إذا رجعَ إلى أهلهِ\" (٤) وفي رواية: \"وسبعةً إذا رجعتم إلى أمصارِكم\" (٥).\n_________\n= \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٢).\n(١) رواه مسلم (١١٤١)، كتاب: الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق، عن نبيشة الهذلي.\n(٢) وهذا قول عائشة، وابن عمر، وعروة والزهري وغيرهم، وقال به أحمد. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٦٣)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٨).\n(٣) رواه البخاري (١٨٩٤)، كتاب: الصيام، باب: صيام أيام التشريق. وانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٤٩).\n(٤) رواه البخاري (١٦٠٦)، كتاب: الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم (١٢٢٧)، كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع، عن عبد الله بن عمر.\n(٥) رواه البخاري (١٤٩٧)، كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ =","vol":"1","page":343},{"text":"وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا فرغَ من أعمالِ الحجِّ (١).\nوقال مالكٌ: إذا سار (٢).\nوهما قولان للشافعيِّ -أيضًا- (٣)، والأول أولى.\nالجملة السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوفيها ثلاثُ مسائل:\nالأولى: اختلفوا في الحكم المُشار إليه بهذا التخصيص، هل هو صحة التمتُّع، أو وجوبُ الدم على المتمتِّع؟\nفذهب أبو حنيفة بالإشارة إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفّارةُ، فلا يصحُّ لحاضِري المسجدِ الحَرام تمتُّعٌ، ولا قِرانٌ (٤).\n_________\n= أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، عن ابن عباس.\n(١) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٩٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٣/ ٥١٤).\n(٢) قال الإمام مالك كما في \"المدونة\" (٢/ ٤١٥) في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع من منى، فلا أرى بأسًا أن يصوم. قال ابن القاسم: يريد أقام بمكة أم لم يقم. وانظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٥٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٣٣).\n(٣) قلت: قولا الإمام الشافعي اللذان ذكرهما النووي في \"المجموع\" (٧/ ١٨٥ - ١٨٧) إنما هما: إذا رجع إلى أهله، وثانيهما: إذا فرغ من الحج وأخذ في المسير من مكة، والأول هو الأصح.\n(٤) في هذه المسألة عند الحنفية كلام طويل؛ فمنهم من يقول: لا تمتع ولا قران لأهل مكة، ولا يصح منهم ذلك، ومنهم من يقول: يصح منهم وعليهم دم، ومنهم من يقول: لا يصح التمتع، ويصح القران. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٠٢)، و\"اللباب\" للغنيمي (١/ ١/ ١٧٩).","vol":"1","page":344},{"text":"ويدلُّ له ما رواه البخاري في \"صحيحه\" عن ابنِ عباسٍ -﵄ - قال ابن عباس في آخر حديث رواه: فجمعوا نسكين في عام بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ فإن اللهَ أنزلَهُ في كتابه وسنَّةِ نبيِّه - ﷺ -، وأباحه للناس غير أهلِ مَكَّة، قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) [البقرة: ١٩٦].\nوقال مالكٌ والشافعيُّ: التخصيصُ يرجعُ إلى سقوطِ الدمِ عن المتمتَعِّ (٢).\nفدمِ المتمتعِّ عند أبي حنيفةَ دَمُ شُكْرٍ للهِ تَعالى على الجَمْعِ بين العبادَتيْنِ في سَفرٍ واحدٍ، وعندَ مُخالفيهِ دَمُ جُبْرانٍ؛ لتركِ الإِحرام بالحَجِّ من الميقات (٣).\nالمسألة (٤) الثانية: اختلفوا في ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾:\n- فقال ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: من كانَ بالحَرمِ خاصَّةً، لا غير (٥).\nوبه قالَ أهلُ الظاهر (٦).\n- وقال الثوريُّ: هم أهلُ مكةَ (٧).\n_________\n(١) انظر تخريج الحديث السابق، إذ هو قطعة منه.\n(٢) وهو مذهب الحنابلة أيضًا. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٧٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٥)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٨).\n(٣) نظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٧).\n(٤) \"المسألة\" ليست في \"أ\".\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٥٥).\n(٦) قلت: هو قول ابن حزم خاصة، انظر: \"المحلى\" (٧/ ١٤٧).\n(٧) وهو قول داود الظاهري، وبه قال نافع، والأعرج، وعطاء، وطاوس، انظر: =","vol":"1","page":345},{"text":"- وقال مالكٌ: أهلُ مكةَ ومنْ كانَ بذي طُوىً (١)، وما كان (٢) مِثْلَ ذلكَ من مكَّةَ (٣).\n- وقال أبو حنيفةَ ومكحولٌ: منْ كانَ دارُه دونَ الميقاتِ (٤).\n- وقال الشافعيُّ: مَنْ كان (٥) بينَه وبينَ مكةَ مسافةٌ لا تُقصر فيها الصلاةُ (٦)، وذلك أنه معروفٌ في لسانِ العربِ أنَّ من قَرُبَ من الشئِ يُسَمَّى حاضرًا له، يقال: فلانٌ بحَضْرَةِ الماءِ: إذا كانَ قريبًا منه (٧).\nولما كانَ القربُ مُطْلَقًا، احتاجَ الشافعيُّ إلى تقديره، فلم يجدْ دليلًا يدلُّ عليه إلا القياسَ على المسافةِ التي اعتبرَها الشرعُ، وهي المسافةُ التي تُقْصَرُ فيها الصلاةُ وتُجْمعُ (٨).\nوقولُ غيرِ الشافعيِّ أقربُ إلى حقيقةِ الحضور، لكنْ لمّا كان هذا\n_________\n= \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٥٥)، و\"المحلى\" (٧/ ١٤٦).\n(١) موضع عند مكة. انظر: \"معجم البلدان\" لياقوت (٤/ ٥١)، و\"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٤/ ٣١٩).\n(٢) في \"ب\" زيادة \"من\".\n(٣) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٩١). وانظر \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ١٤٦)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١٧٣).\n(٤) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٠٢)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٥٦)، و\"المحلى\" لابن حزم (٧/ ١٤٦).\n(٥) \"كان\" ليست في \"أ\".\n(٦) وهو قول الإمام أحمد. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٨٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٥٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٥٥٣). وانظر ما نقله المصنف هنا من آثار عن ابن عباس والثوري ومكحول وغيره في: \"الاستذكار\" (٤/ ٩٧)، و\"التمهيد\" (٨/ ٣٤٣).\n(٧) انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٣٢٩).\n(٨) انظر ترجيح قول الشافعي في \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":346},{"text":"التخصيصُ عندهُ لأجلِ مجاورةِ البقْعَةِ الشريفةِ، عدلَ الشافعيُّ إلى المَجاز.\nويقوَّى ذلكَ عندَه بأنَّ أكثرَ المواقيتِ على مرحلتينِ (١) من مَكَّةَ، فَدَلَّ (٢) على أن المرحلتينِ حَدٌّ بينَ القريبِ والبعيد، فهي غاية درجاتِ القريبِ، وأولُ درجاتِ البعيد.\nولفظُ الحضورِ يصلُح لكلٍّ مِنَ الأقوالِ، إلَّا قولَ أبي حنيفةَ؛ فإنَّ الحُضورَ لا يصلُحُ أن يُطْلَقَ على ميقات ذي الحُلَيْفَةِ؛ لبعدها؛ فإنَّ ذا الحليفة على تسعِ مراحلَ (٣).\nالمسألة (٤) الثالثة: قد بينتُ في كتابي هذا أنَّ المسجدَ الحرامَ يقع على مكَّةَ، ويقعُ على الحَرَمِ (٥).\nواختلفتِ الشافعيَّةُ هنا في المراد به، بحسْبِ اخْتِلافهم في اعتبار المرحلتين: مِنَ الحرمِ، أم من مكةَ؟ (٦)\nوالراجحُ عندي اعتبارُ الحضورِ من مكةَ؛ لقربِ الحُضور من الحقيقةِ، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) المرحلتان: هما مسيرة يوم وليلة معتدلَيْن بسير الأثقال، وهي ستة عشر فرسخًا، وهي أربعة بُرُد. انظر: \"فتح الوهاب\" للشيخ زكريا الأنصاري (١/ ١٢٥).\n(٢) في \"أ\": \"فَدَلَّهُ\".\n(٣) وانظر تعقب ابن حزم عليه في \"المحلى\" (٧/ ١٤٦).\n(٤) \"المسألة\" ليست في \"أ\".\n(٥) وذلك (ص:).\n(٦) حكى ذلك النووي في \"المجموع\" (٧/ ١٧٢). وصحح كون المسافة من الحرم لا من مكة، ونسبه إلى الجمهور من الشافعية.","vol":"1","page":347},{"text":"١٩ - ٢٠ (١٩ - ٢٠) قوله ﷻ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٧ - ١٩٨].\nأقول: اشتملت هذه الآيةُ (١) على جُمَلٍ من المناسِك.\nالجملة الأولى: قولُه تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ومعلوم أن في الكلام حذفًا وإضمارًا.\nقال أبو زكريا الفرَّاءُ: معناه: وقتُ الحجِّ هذه الأشهُرُ (٢).\nقال ابنُ المنذرِ: وقالَ غيرُ الفراءِ: يريدُ أن الحجَّ في أشهرٍ معلوماتٍ (٣).\n* وقد خصَّ اللهُ -سبحانَه - في هذه الجملة الحجَّ بزمنٍ مخصوص كما خصَّ الصلاةَ والصيامَ بزمنٍ مخصوص.\nوعلى هذا أجمع المسلمون.\n* وإنما اختلفوا في تحديد أشهرِهِ المعلومةِ:\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"أيضًا\".\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" له (١/ ١١٩).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٣/ ١٩٧). وانظر القولين معًا، وكيفية التقدير في ذلك في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١٧٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٧٤)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٢٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٠٤).","vol":"1","page":348},{"text":"فقالَ جمهورُ العُلماء: أشهر الحج: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ. ورويَ عن عُمَر، وابن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزبير -رضي اللهُ تعالى عنهم -. وإليه ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة (١).\nواختلفوا في يوم النحر، فعدَّهُ أبو حنيفة منها (٢)، ولم يعدَّهُ الشافعيُّ (٣).\nوقال قومٌ (٤): أشهُرُ الحَجِّ: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وجميعُ ذي الحِجَّة، ورويَ (٥) عن عَلِيٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنه (٦).\n* واتفقوا على وجوب فِعْل الحجِّ في أشهُره.\n* واختلفوا هل يجوزُ فرضُه قبلَ أشهُره؟\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٩٠)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤١٩). وهو قول الحنابلة؛ انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١١٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٧٦)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤١٩). وهو قول الحنابلة؛ انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١١٠ - ١١١).\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣١، ١٣٦).\n(٤) وهو قول الإمام مالك، وبه قال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والربيع، وروي عن عمر وابن عباس ﵃. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٥٨)، و\"الإشراف\" لابن المنذر (٣/ ١٩٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٨٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١١٠)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٦)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٠٣).\n(٥) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٦) لم أقف عليه عن علي -﵁ - فيما بين يدي من المصادر، والله أعلم.","vol":"1","page":349},{"text":"- فذهبَ الشافعيُّ إلى أنه لايجوز؛ كما لا تجوز الصلاةُ قبل وَقْتِها (١).\nولقولِ ابنِ عباس -رضيَ الله تعالى عنهما-: لا يُحْرِمُ بالحجِّ إلا في أشهر الحجِّ؛ فإنَّ من سُنَّةِ الحَجِّ أنْ يُحْرِمَ بالحجّ في أشهر الحج (٢). ولقولِ جابرٍ: لا يُهِلُّ أحدٌ بالحجِّ؛ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٣).\nوهوَ قولُ عطاءٍ وعِكْرمةَ، فعنْ عِكْرِمَةَ أنه قال: لا ينبغي لأحدٍ أن يحرم بالحجِّ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٤)؛ من أجلِ قولِ الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٥) [البقرة: ١٩٧].\nوللاستدلال بالآيةِ عندي وجهٌ قويٌّ:\nفأما على تأويل الفَرّاءِ فظاهرٌ.\nوفأما على تأويلِ غيرِه، فإنَّ الإحرامَ من جملةِ الحَجِّ، ولم يقعْ إلا في الأشهر المعلومات.\n- وذهب مالكٌ والثوريُّ وأبو حنيفةَ إلى صِحَّةِ الإحرام بالحجِّ قبل أشْهُرِه (٦).\n_________\n(١) وبه قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، وأبو ثور. انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٧٤).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤٦١٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٥٩٦).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤٦١٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٣).\n(٤) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٢/ ١٥٥).\n(٥) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٤٤).\n(٦) وهو مذهب الحنابلة أيضًا. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٧٤)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٠٣)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٢٠).","vol":"1","page":350},{"text":"* وتخصيصُ الله - سبحانه - الحجَّ بالتوقيتِ يُفْهِمُ أَنَّ العُمْرَةَ ليستْ مثلَهُ، وليس لها وقتٌ مخصوصٌ.\nوعلى هذا القولِ (١) اتفقَ أهلُ العلم، فأجازوها في جَميع السنة (٢)؛ لأنها كانت في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج، وهو معنى قوله - ﷺ -: \"دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَة\" (٣).\nوإنما اختلفوا في تكريرها في السَّنَةِ، فكرههُ مالكٌ (٤)، واستحسنه الشافعيُّ وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى (٥).\n* وبيَّن النبيُّ - ﷺ - الميقاتَ المَكانيَّ، فروى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - وَقَّتَ لأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشامِ الجُحْفَةَ، ولأهل نجدٍ قَرْنَ المنازلِ، ولأهل اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ ولمنْ أَتى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحجَّ والعمرةَ، ومنْ كان من دونِ ذلك فمِنْ حيثُ أَنْشَأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ (٦).\n_________\n(١) \"القول\" ليس في \"ب\".\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٣٥)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٩).\n(٣) رواه مسلم (١٢٤١)، كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج، عن ابن عباس.\n(٤) وهو قول الحسن، وابن سيرين، وابن جبير، والنخعي. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٦٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٣٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٦)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٥٢)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٤٠).\n(٥) وهو قول الحنابلة، والجمهور من أهل العلم من السلف والخلف. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٦)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٤٠)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٢١).\n(٦) رواه البخاري (١٤٥٢)، كتاب: الحج، باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة، ومسلم (١١٨١)، كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة.","vol":"1","page":351},{"text":"* وقد اتفق العلماء على اعتبارِها، وإنما اختلفوا في صفته، وموضعُ تفصيلِ ذلك كتبُ الفقهِ، والله أعلم.\nالجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\n* حرم الله - سبحانه - فيها الرَّفَثَ، وهو الجِماعُ؛ كما قالَه ابنُ عباسٍ -﵄ - على من فرضَ الحَجَّ في أشهُره (١)، وقد أجمعت الأمةُ على تحريمِه، وعلى أنه مفسدٌ للحجِّ، وعلى وُجوبِ الكَفَّارة فيه، والمضيِّ في فاسدِه (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n* وإنما اختلفوا في الوقتِ الذي يُفْسِدُهُ؟\nفقال قوم: يفسد الحجَّ مطلقًا (٣).\nوقال قوم: لا يفسدُه إلا إذا وقعَ قبلَ التَّحَلُّل الأصغر (٤).\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٦٣)، وانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٥١)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٢٩).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٤١، ٧١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٦٦)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٧٧).\n(٣) هذا قول ابن حزم؛ فقد قال في \"المحلى\" (٧/ ١٨٦): كل من تعمد معصية، أي معصية كانت، وهو ذاكر لحجه مُذْ أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة، ويرمي الجمرة، فقد بطل حجه.\n(٤) وهو قول مالك والشافعي وأحمد. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٢٩٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧١٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٤١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٧٢).\nأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: إن وطئ قبل عرفة فسد حجه، فإن وطئ بعد عرفة لم يفسد حجهُ وعليه بدنة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٢٤).","vol":"1","page":352},{"text":"* وبَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن ما كانَ من أسبابِ الرفثِ ودواعيه، فهو حرامٌ، فقالَ: \"لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطِبُ\" (١).\n* ومفهومُ هذا الخِطاب يقتضي أنَّ من فرضَ الحجَّ في غيرِ أشهُره، فله أن يرفُثَ، وذلك يستلزمُ عدمَ صِحّةِ فرضِه، وبهذا قال بعضُهم (٢).\nوقال الشافعيُّ: لا يصحُّ فرضُه للحج، لكنه يكونُ عُمْرَةً (٣)، وأقاسَهُ على الصَّلاةِ قبلَ وقتِها؛ فإن المكتوبةَ لا تصحُّ مكتوبةً، وتصحُّ نافلةً.\nويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمر بإتمامِ الحجِّ، ولم يمكنْ إتمامه، فانقلبَ عُمْرَةً، وهيَ العبادةُ التي يمكنُ إتمامُها، فعارضَ هذا المفهومُ هذا العمومَ، وترجَّحَ العُمومُ بالقياسِ.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٠٩)، كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته، عن عثمان بن عفان.\nوهو قول مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٤٥)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٢٩٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٦٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٤٤).\nوقال الثوري، والحكم، وأبو حنيفة، وصاحباه، وآخرون: يجوز أن يتزوج وأن يزوِّج، وإن تزوج فلا يدخل بها حتى يحل. انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٢/ ٢٦٨)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٠٢)، و\"عمدة القاري\" للعيني (١٠/ ١٩٥).\n(٢) وهو قول داود وابن حزم. انظر: \"المحلى\" (٧/ ٦٥)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٣).\n(٣) وهو قول عطاء، ومجاهد، وطاوس، والأوزاعي، وأبي ثور. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٥١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٧٤)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٧٤).","vol":"1","page":353},{"text":"ولا يخلو قياسُ الشافعيِّ من نِزاعٍ؛ فإنَّ الصحيحَ عندَ أصحابِه أَنَّ المكتوبةَ قبلَ وقتِها لا تنعقدُ أصلًا (١).\nوقولُ مخالِفِهِ أصحُّ؛ للمفهوم المستنبَطِ من هذه الآية، ولقوله - ﷺ -: \"إنما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكل امْرِئٍ (٢) ما نَوى\" (٣).\nوأما الاستدلالُ بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فباطلٌ؛ لأن الله - سبحانه - إنما أمرَ بإتمام ما دخل فيه، ولم يأمرْهُ أن يتم بغيره، والله أعلم\n* والنهيُ عن الرفثِ مختصٌّ ببعضِ الأحوالِ؛ كالصومِ والاعتكافِ والحجِّ، وأما النهيُ عن الفُسوقِ والجِدالِ، فلا يختصُّ بحالٍ، وإنما خصَّه اللهُ -سبحانَهُ - بمن فرضَ الحجَّ؛ تعظيمًا وتفخيمًا لشأنِ الحجِّ (٤)؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].\nالجملة الثالثة: ينبغي للحاجِّ أن يتزوَّدَ؛ لأمرِ الله - سبحانه - بذلك.\nفإنْ تركَ الزَّادَ واعتمدَ على المسألةِ؛ فإن كانَ غَنِيًّا، حَرُمَ عليهِ (٥)، وإن كان فقيرًا، أو (٦) لا كَسْبَ له، كُره له ذلك (٧)، ولم يَحْرُمْ عليهِ فِعْلُه (٨).\n_________\n(١) وذلك إذا كان عالمًا أن الوقت لم يدخل، فإن كان جاهلًا انعقدت نفلًا. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣٠).\n(٢) في \"ب\": \"لامرئ\".\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٨٤).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩١)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١٨٤).\n(٦) في \"ب\": \"و\".\n(٧) \"ذلك\" ليست في \"ب\".\n(٨) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩١).","vol":"1","page":354},{"text":"قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُّونَ، ولا يَتَزَوَّدونَ، ويقولون: نحنُ المُتَوَكِّلون، فإذا قَدِموا مَكَّةَ، سألوا الناسَ، فأنزلَ اللهُ سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) [البقرة: ١٩٧].\n* ويجوز للحاجِّ أن يحملَ معه مالَ التجارة، من غيرِ كراهةٍ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقرأ ابن الزبير -رضي اللهُ تعالى عنهما -: (في مواسم الحج) (٣)، ولقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].\nقال ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: كان ذو المَجاز وعُكاظٌ مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليةِ، فلما جاءَ الإسلام، كأَنَّهم كرهوا ذلك حتى نزلت: (ليسَ عليكُمْ جُناحٌ أنْ تبتَغُوا فضلًا من رَبِّكُمْ في مَواسِمِ الحَجِّ) (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٥١)، كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٨٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٧٤).\nوقد روي عن سعيد بن جبير المنع من التجارة للحاج، وقد وُصف هذا القول بالشذوذ. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٨٦).\n(٣) قرأ بها ابن الزبير، وابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وطلحة بن عمرو، وعطاء، ووكيع. انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٦٥ - ١٦٩)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٢٣)، و\"تفسير الرازي\" (٢/ ١٧٢)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٩٤)، وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٥٤).\n(٤) رواه البخاري (١٦٨١)، كتاب: الحج، باب: التجارة أيام المواسم، والبيع في أسواق الجاهلية.","vol":"1","page":355},{"text":"الجملة الرابعة: قوله ﷻ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nقال جماهير المفسرين وأهل السِّيَرِ والحَديث: المشعرُ الحرامُ: جميعُ المُزْدَلِفَةِ (١).\n* وذكرُ الله - سبحانه - يقعُ على التلبيةِ والصَّلاةِ والمبيتِ، وإن لم يصحبه ذِكْرٌ؛ لأنه من مناسكِ الحجِّ، والمناسكُ ذِكْرٌ؛ لأنها انقيادٌ وتسليمٌ لله - سبحانه -، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والذكرُ في هذه الأيام هو الرميُ، وأما التلبيةُ، فهي مشروعةٌ في مواطنِ الحجِّ كلِّها، ولا تختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، وأما الصَّلاةُ والمبيتُ، فقد خَصَّ النبيُّ - ﷺ - المَشْعَرَ الحرامَ بالصلاةِ والمبيتِ.\n- أما الصلاةُ، فقد روينا في \"الصحيحين\" عن أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - دَفَعَ من عرفةَ، فنزلَ الشِّعْبَ، فبالَ، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوءَ، فقلت له: الصلاة؟ قال: \"الصلاةُ أمامكَ\"، فجاء المزدلفة، فتوضأَ، فأسبغ، ثم أقيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى المغربَ، ثم أناخَ (٢) كلُّ إنسانٍ بَعيرَهُ في منزلِه، ثم أقيمتِ الصلاةُ، فصلَّى، ولم يُصَلِّ بينهما (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ١٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٩٠). قال ابن عبد البر: المزدلفة عند العلماء مما يلي عرفة، إلا أن يأتي وادي مُحسِّر عن اليمين والشمال من تلك البطون والشعاب والجبال كلها، وليس المَأْزَمَانِ من المزدلفة، وأما وادي محسر فهو من المزدلفة.\n(٢) أناخ: أَبْرك.\n(٣) رواه البخاري (١٣٩)، كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، ومسلم (١٢٨٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية.","vol":"1","page":356},{"text":"- وأما المبيتُ، فإن النبيَّ -ﷺ- باتَ بِجَمْعٍ، وصَلَّى بِها الصُّبْحَ بِغَلَسٍ (١) ثم وقفَ حتى أَسْفَرَ (٢)، ثم دَفَعَ قبل أن تطلُعَ الشمسُ إلى مِنًى.\nقال الشافعيُّ: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: خطبَ رسولُ الله -ﷺ-، فقالَ: \"إن أهلَ الجاهليةِ كانوا يدفعون من عَرَفَةَ حين تكونُ الشمسُ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم، قبلَ أن تَغْرُبَ، ومنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أن تطلُعَ الشمسُ حتى تكونَ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم (٣)، وإنّا لا نَدْفَعُ من عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ منْ مزدلفةَ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ. هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أهلِ الأوثانِ والشِّرْكِ\" (٤).\nوروى عروةُ بنُ مُضَرّسٍ حديثًا متَّفَقًا على صحته، قال: أتيتُ النبيَّ -ﷺ- بِجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي من حَجٍّ؟ فقال: \"مَنْ صَلَّى هذهِ الصَّلاةَ مَعَنا، ووقفَ هذا المَوْقِفَ حتى يُفيضَ، وأفاضَ قبلَ ذلكَ من عَرَفاتٍ ليلًا أو نَهارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ\" (٥).\n_________\n(١) الغَلَسُ: ظلمةُ آخر الليل. \"القاموس\" (مادة: غلس) (ص: ٥٠٥).\n(٢) سَفَرَ الصبحُ يَسْفِرُ، وأسفر يُسْفِرُ: أضاء وأشرق. \"القاموس\" (مادة: سفر) (ص: ٣٦٨).\n(٣) قال الطيبي -﵀-: شبه ما يقع عليه من الضوء على الوجه طرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة؛ لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة. انظر: \"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح\" لعلي القاري (٥/ ٥٢٥).\n(٤) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٣٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٢٥)، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلًا.\n(٥) رواه أبو داود (١٩٥٠)، كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفة، والنسائي (٣٠٤٢)، كتاب: الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام =","vol":"1","page":357},{"text":"* إذا تقررَ هذا، فقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الصلاةِ بالمَشْعَرِ الحرامِ:\n- فذهبَ أبو حنيفةَ وغيرُه من الكوفيينَ، وبعضُ الشافعيةِ إلى وجوبِ الصَّلاةِ به، وإن النبيَّ -ﷺ- فعلَهُ نُسكًا، لا لأجل السفر، فيجبُ الجَمْعُ على الآفاقِيِّ والمَكِّيِّ، ولا يجمعُ بينَ الصلاتين إلا بالمُزْدَلِفَةِ (١).\n- وذهب الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأبو يوسفَ وأحمدُ وفقهاءُ أهلِ الحديثِ إلى استحبابِ الجمعِ بالمزدلفةِ، وأنه لا يجوزُ للمَكِّيِّ، ويجوزُ أن يصلي في غير المزدلفة، ورأوا أنَّ فعلَ النبي -ﷺ- كانَ لأجلِ السفر (٢).\nوقولُ أبي حنيفةَ أَشْبَهُ بالقرآنِ والسُّنَّةِ، وأَوفَقُ للنظرِ.\nوذلكَ أنه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -ﷺ- أنه جمعَ بينَ الصلاتينِ في سفره مثلما نُقِل هنا، إنما نُقِلَ عنهُ -ﷺ- أنه إذا كان نازلًا، فَّقدمَ الثانيةَ إلى الأولى، وإذا كانَ سائرًا أخَّرَ الأولى إلى الثانية، وهذا يدخلُه التأويل، وعلى تسليمه، فقد كانَ النبي -ﷺ- نازلًا بعرفةَ في وقتِ المغرب.\n- وقال مالك: لا يجوزُ أن يصلِّيَها قبل المزدلفة إلاّ مَنْ بهِ أو بِدائتِهِ\n_________\n= بالمزدلفة، والترمذي (٨٩١)، كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، وابن ماجه (٣٠١٥)، كتاب: الحج، باب: من أتى عرفة قبل الفجر.\nوالتَّفَثُ في المناسك: ما كان من نحو قصِّ الأظفار والشارب وحلق الرأس والعانة ورمي الجمار ونحر البدن وأشباه ذلك. انظر: \"القاموس\" (مادة: تفث) (ص:١٥٢).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ١٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٨٢)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٦٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٣٦٥).\n(٢) وهو قول أكثر المالكية. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ١٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٨١)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٦٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٢٦٢).","vol":"1","page":358},{"text":"عذرٌ، فلهُ أن يصليَها قبلَ المزدلفةِ، بشرط كونهِ بعدَ مغيبِ الشفقِ (١).\n* وكذلك اختلفوا في المبيتِ بمزدلفة:\nفقال الشعبيُّ والنَّخَعِيُّ والأَوزاعِيُّ والحسنُ البصريُّ وعَلْقَمَةُ والأسودُ: هو ركنٌ من أركانِ الحجِّ، لا يصحُّ الحجُّ إلَّا به؛ كالوقوفِ بعرفةَ، واختارَهُ أبو عبدِ الرحمن ابن بنتِ الشافعيِّ، وأبو بكر بنُ خزيمةَ من الشافعية.\n- وقال أكثرُ أهلِ العلم: ليسَ بركْنٍ في الحجِّ (٢).\n* ثم اختلفوا هل هو واجب يجب بتركه الدمُ، أو سُنَّةٌ لا يجبُ فيه الدمُ؟\n- فقال أصحابُ الحديثِ وأهلُ الكوفة: هو واجب، وفيه دم (٣)، وهو الصحيحُ من قولِ الشافعيِّ (٤).\n- وقالت طائفة: هو سنة (٥)، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضًا (٦).\n- وحكي عن بعض السَّلَف أن المبيتَ ليس بِنُسُكٍ، وإنما هو مَنْزِلٌ، إن\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ١٥٩)، قال: قال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر، فإن صلاهما من غير عذر، لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. ومؤداه: أنه يجيز أن يليهما قبل المزدلفة.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٥٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٩٣)، و\" المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٨٤)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٦٣).\n(٣) في \"ب\": \"الدم\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٥٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٩٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٨٤)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٥٢).\n(٥) وهو قول الحنفية. انظر: \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٣٨١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٦٨).\n(٦) الراجح عند الشافعية أنه واجب. انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ١٥٢).","vol":"1","page":359},{"text":"شاءَ نزلَهُ، وإن شاءَ تركَه (١). وهذا ضعيفٌ جدًا، بل غلط ظاهرٌ؛ لمخالفةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.\nوالقولُ الأولُ عندي أقوى دليلًا؛ لموافقتِه القرآنَ، ولحديثِ عروةَ بنِ مضرّسٍ -رضي الله تعالى عنه-.\nوقد أجيب عنه بأنه - ﷺ - علَّقَ تمامَ الحَجّ:\n\n١ - على الصَّلاةِ معه، وهي صلاةُ الصُّبْحِ.\n\n٢ - وعلى وقوفِ هذا الموقفِ حتى يُفيضَ، ولم يُفِضْ إلا بعدَ صلاةِ الصبح بزمنٍ.\n\n٣ - وعلى الإفاضة قبل ذلك من عرفاتٍ.\nوقد أجمعَ العلماءُ على أن من وقفَ و(٢) لم يصلِّ الصُّبْح، إما لعصيانٍ، أو نوم، أو نسيانٍ، فحجُّه تامٌ (٣).\nوقد ثبَّتَ أَنَّ النبيَّ -ﷺ- أرسلَ بعضَ أزواجه للإفاضَةِ بِلَيْلٍ (٤)، فدلَّ على أن التَّمامَ معلَّق على الإفاضة من عرفاتٍ.\nوفي هذا الجوابِ نظرٌ؛ لأنَّ الأمرَ إذا عُلّقَ على أوصافٍ، وأمكنَ اعتبارُ\n_________\n(١) قلت: حكى ابن المنذر في \"الإشراف\" (٣/ ٣١٨ - ٣١٩) أربعة أقوال للعلماء في المبيت بمزدلفة، ليس فيها من قال أن المبيت ليس بنسك، ولم أعثر على قائل ذلك فيما بين يدي من المصادر، والله أعلم.\n(٢) في \"أ\": \"ولو\".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٩٤).\n(٤) رواه البخاري (١٥٩٧)، كتاب: الحج، باب: من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ومسلم (١٢٩٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليالي قبل زحمة الناس، من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":360},{"text":"كلِّها، وجبَ اعتبارُها، ولا يخرجُ عن الاعتبارِ إلا ما أخرجَهُ الدليلُ (١).\n\n١ - فأمّا التعليقُ بالصلاةِ مَعَهُ، فقد دلَّ الدليلُ على عدم اعتبارِها؛ لأن العباداتِ لا تفسدُ بالمعاصي، ولأنّ الوقوفَ بعرفة كافٍ مع النومِ والنسيانِ، وليس هذا الموقفُ بِآكَدَ من عرفةَ، وهذا لا يمنعُ الوقوفَ برفةَ، فكذلكَ بالمزدلفة.\n\n٢ - وأما التعليقُ بالإفاضة معهُ معَ عدمِ إفاضَتِه لبعضِ أزواجِه، فإنه يدلُّ على أن للإفاضةِ جوازًا وفضيلة (٢)، فعمل بالأفضل، وعَمِلَ بعض أزواجه بغير الأفضل.\nوأفعالُه وأقوالُه -ﷺ- في البيان واحدٌ، فقدْ بيَّنَ هذا الموقف، كما بين - ﷺ - في عرفات، فقال في حديث عروة: \"وأفاض قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تَمَّ حجُّه\" (٣): مع وقوفه -ﷺ- إلى غروب الشمسِ وقوله -ﷺ-: \"وإنا لا ندفعُ من عرفة حتى تغرب الشمسُ \" (٤).\nولهم أن يقولوا -أيضًا-: جميعُ ما علّق عليه معتبر، والمعنى: من صلَّى هذه الصلاةَ معنا، أو وقفَ هذا الموقفَ حتى نفيض، وتكون الواو بمعنى (أو)، ويكون في الخِطاب إشارةٌ إلى حالةِ الكَمال في هذا الموقف (٥)، وإلى حالةِ الإجزاء (٦)، أو يكون فيهِ حينئذٍ دليل على وجوب هذين الوقوفين،\n_________\n(١) لذلك ذهب ابن حزم إلى أن حج من فاتته الصبح ولو بنوم، باطلٌ. انظر: \"المحلى\" (٧/ ١٩٢).\n(٢) في \"أ\": \"الإفاضة جواز أو فضيلة\".\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) في \"ب\": \"الوقوف\".\n(٦) في \"أ\": \"الأمر\".","vol":"1","page":361},{"text":"إما جميع الليل، وإما وقت هذه الصلاةِ لمن ضاقَ وقتُ وقوفه؛ بدليل قوله - ﷺ -: \"فمن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يطلعَ الفجرُ، فقدْ أدركَ الحَجَّ\" (١)؛ إذ علَّق تمامَ الحَجِّ عليهما، وهذا تأويل حسن قوي -إن شاء الله تعالى-، والواو تُستعملُ بمعنى (أو) كثيرًا في اللسان، قال الشاعر (٢): [البحر الطويل]\nوَقَالوا نَأَتْ فَاخْتَرْ مِنَ الصبْرِ والبُكَا\nومنه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\n* وقال قوم: المشعرُ الحرامُ اسمٌ لجبلٍ من جِبال المزدلفةِ خاصَّةً يُسَمى: قُزَحَ (٣).\nواحتجوا بقولِ جابر -رضيَ الله تعالى عنه- في حديثه: فلما أجاز رسولُ الله - ﷺ - منَ المزدلفة بالمشعرِ الحرام، لم تشُكَّ قريشٌ أنهُ سيَقتصرُ عليه، ويكونُ منزلُه ثَم (٤).\nولا شكَّ في استحبابِ الوقوفِ به (٥)، وقد أجمع المسلمونَ على عدمِ\n_________\n(١) تقدم تخريجه في حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: \"الحج عرفة\".\n(٢) هو كثير عزّة، كما في \"ديوانه\" (ق ٤/ ٤٢)، (ص: ١١٤).\nوتمام البيت:\nفقلتُ البُكا أشفى إذًا لغليلي\n(٣) قال النووي: المراد به -أي: المشعر الحرام- هنا هو: قُزَح -بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة-، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح. انظر: \"شرح مسلم\" (٨/ ١٨٩)، و\"المجموع\" (٨/ ١٥٧).\n(٤) رواه مسلم (١٢١٨)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.\n(٥) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٣٠١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٨٢)، و\"شرح مسلم\" (٨/ ١٨٩)، و\"المجموع\" كلاهما للنووي (٨/ ١٦٣).","vol":"1","page":362},{"text":"وجوبِ تعيينهِ (١)، وأنه لا يجب بتركه دم؛ كما نقله القاضي أبو الطَّيِّبِ الطبريُّ من الشافعية (٢).\n* * *\n\n٢١ - (٢١) قوله ﷻ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].\nأقول: الوقوف بعرفةَ أعظمُ أركانِ الحَجِّ؛ لقوله ﷻ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nولما رَوى عبدُ الله بنُ عمرو الديليُّ قال: سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقولُ: \"الحَجُّ عَرَفات، فمن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطْلُعَ الفَجْرُ فقدْ أدركَ الحَجَّ\" (٣).\nوهذا الحديث، وإن انفرد بروايته هذا الصحابيُّ من بين الصحابةِ، فهو متَّفَقٌ عليهِ.\nوهذه الآيةُ أصرحُ وأبيَنُ في الدلالةِ على الوجوبِ من التي قبلَها؛ فإنَّ اللهَ -سبحانه- أمرَنا (٤) بالإفاضَةِ منْ حيثُ أفاضَ الناسُ، فأوجبَ (٥) الحصولَ في مكان ابتداءِ الإفاضَةِ الذي (٦) يفيضُ منهُ الناسُ، وهو عَرَفاتُ (٧).\n_________\n(١) ذكر القرطبي في \"المفهم\" (٣/ ٣٣٩) عن أبي عبيد القول بوجوبه.\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ١٥٨).\n(٣) تقدم تخريجه، وهذا لفظ الترمذي.\n(٤) في \"ب\": \"أمر\".\n(٥) في \"ب\": \"وأوجب\".\n(٦) في \"ب\": \"التي\".\n(٧) القول بأن الإفاضة المذكورة في الآية المصدَّر بها البحث هي الإفاضة من عرفات هو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلا=","vol":"1","page":363},{"text":"وكانَ الناسُ، وهم العربُ ما خلا قُرَيْشًا، تتجاوزُ المزدلفة، وتَقِفُ بعرفات، وتفُيض منها، وكانت الحُمْسُ، وهم قريشٌ، تقفُ عندَ المشعرِ الحَرام، وتفُيض منهُ، ولا تتجاوزُه؛ لأن المزدلفةَ من الحَرَمِ، وتَقولُ: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا نَخْرُجُ منهُ، فأمر اللهُ نبيَّه -ﷺ- أن يُفيض من حيثُ أفاضِ الناسُ، وكانتْ قريش تظنُّ أن يقفَ بالمَشْعَرِ الحَرام على عادتهم، فتجاوَزهُ لأمرِ اللهِ سبحانه.\nفإن قلتم: (ثُمَّ) كلمة موضوعة للترتيب في لسانِ العرب، وذَكرَ اللهُ -سبحانه- الإفاضة من حيثُ أفاضَ الناسُ بعدَ الذّكْرِ عندَ المشعرِ الحَرام، والذكْرُ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ لا يكونُ إلا بعدَ الإفاضة.\nقلت: هي هُنا لترتيبِ الذّكْرِ، لا لِترتيبِ الحُكْمِ، فلم تخرج (ثم) عن موضوعها (١)؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، ولذلك نظائرُ في القرآنِ واللُّغَةِ يطولُ ذكرُها (٢).\n_________\n= الضحاك، وهو محجوج بالإجماع. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٩٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٥٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٩٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٨٧).\n(١) وقد ذكر هذا الاعتراض ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (١/ ١٩٦)، وأجاب عنه بأجوبة، منها قوله: أن معناه: ثم ذكرنا لكم: أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب إلى ذكر وجود الشيء إلى نفس الوجود؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، المعنى: ثم أخبرناكم: آتينا موسى الكتاب؛ فيكون التعقيب في الإخبار لا في الإيتاء\"، انتهى. وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٩٥).\n(٢) انظر أمثلة أخرى في: \"مغني اللبيب\" لابن هشام (ص: ١٥٩).","vol":"1","page":364},{"text":"٢٢ - (٢٢) قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\n* اتفق العلماءُ على أن الأيام المَعْدوداتِ ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يوم النَّحْرِ (١)، وتُسَمَّى أيامَ التَّشريقِ، وأيامَ مِنًى (٢)، وفيها تتمُّ مناسِكُ الحَجِّ، وأمرَ اللهُ -ﷻ- بذكرِه فيها لِشَرَفِها، وأجمع السَّلَف على شَرْعيَّةِ التكبيرِ فيها (٣)، وعلى شرعيَّةِ التقرُّبِ فيها بالدَّمِ للحاجِّ وغيره، قال النبيُّ - ﷺ -: \"أيام التشريقِ أيامُ أَكْلٍ وشُرْب وذِكْرٍ للهِ -﷿- \" (٤).\n* وشرعَ اللهُ لنا فيها رَمْيَ الجِمارِ، ورَخَّصَ لنا في التعجُّلِ (٥) في يومين من غَيْرِ إِثْمٍ؛ رِفقًا منهُ بعباده، والظاهرُ أنه لم يَخُصَّ بهذهِ الرَّحْمَةِ ناسًا دونَ ناسٍ، وبهذا قالَ جمهورُ أهلِ العلم (٦).\nوقال مالكٌ: إن كانَ للمَكِّىِّ عُذْر، فَلَهُ أن يتعجَّل، وإن كانَ يريدُ التّخفيف عن نفسِه، فليس له (٧).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٠٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٩٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣).\n(٢) وهناك من قال بأن المعدودات هي أيام العشر، وبه قال ابن جبير، والنخعي، وروي عن علي وابن عمر: أنها يوم النحر ويومان بعده. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٩٨).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١/٢).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) في \"ب\": \"فيها التعجيل\".\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٣١)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣).\n(٧) في ذلك روايتان عن مالك، المعتمد منهما: أنه يجوز للمكي أن يتعجل كغيره=","vol":"1","page":365},{"text":"وهو غيرُ سديدٍ؛ لأن الله -سبحانه- صَرحَ برفعِ الإثم، ولا يكونُ الإثمُ إلا عندَ عدمِ العُذْرِ، وأَمّا مع العُذْرِ، فلا إثمَ.\nولأنَّ اللهَ -سبحانَهُ- أبطل بهذا ما كانتْ عليهِ العربُ من الاخْتلافِ في الدم للتعجيلِ، والدَّمِ للتأخيرِ، فَسَوّى اللهُ سبحانَهُ بين القِسمين، ولا فرقَ في هذا بينَ المَكِّيّ وغيره.\n* وبيَّنَ رسولُ اللهِ -ﷺ- شَرْعَهُ، فَبيَّنَ صِفَةَ الرَّمْيِ وكيفيتَه (١)، ووقتَه (٢)، وأن المَبيتَ في مِنًى مشروع، ورخصَ في تركِهِ لأهلِ السِّقايةِ (٣).\n* وقد أجمعَ المسلمونَ على مشروعيةِ الرمْي والمبيتِ.\n* واتفقوا على وجوب الرمْي (٤).\n* واختلفوا في وجوبِ المبيت:\n- فقال ابنُ عباسٍ والحسنُ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحدِ قوليه: هو سُنَّةٌ لا يَجِبُ بتركِهِ الدَّمُ.\n_________\n= مطلقًا. انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣٤٧)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٧).\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٢٩)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢١٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢ - ١٣).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٢٦)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٠٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١/٢).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ٦٣).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٢٢٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٧٣٩).","vol":"1","page":366},{"text":"- والصحيحُ من قوليه أنه واجِبٌ، وبه قالَ مالكٌ وأحمدُ.\nلما روى ابنُ عمرَ -رضي اللهُ تَعالى عنهما- أن العباسَ -رضي الله تعالى عنه- استأذَنَ النبيَّ -ﷺ- ليبيتَ بمَكَّةَ لياليَ مِنًى منْ أَجْلِ سقايته، فأذنَ لهُ (١)، ولا يستأذنه إلَّا في واجب، ولَأنَ النبيَّ -ﷺ- بات بها.\n* ولا يجوز التعجيلُ لمن أراده حتى يرميَ في اليوم الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اَتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] والرمْيُ من عملِ التقوى، وكذا من تأخرَ إلى اليومِ الثالثِ لا يجوزُ له السفرُ حتى يرمي رميه؛ لقوله سبحانه: ﴿لِمَنِ اَتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والله أعلم (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥٥٣)، كتاب: الحج، باب: سقاية الحاج، ومسلم (١٣١٥)، كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>(من أحكام النفقة)</span>\n٢٣ - (٢٣) قولُه جَلَّ ثناؤهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].\nنزلتْ في عمرِو بنِ الجَموحِ، وكان شيخا كبيرًا، وعنده مالٌ عظيمٌ، فسأل النبيَّ -ﷺ- ماذا ننفقُ من أموالِنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية (١).\nقال كثيرٌ من أهل التفسير: هذا كانَ قبلَ أن تُفْرَضَ الزَّكاةُ، فلما فُرضتِ الزكاة بالآيةِ التي في (براءة) (٢)، نُسِخَتْ هذه الآية (٣).\nوقال بعضُهم (٤): المرادُ ما يتقربُ بهِ الإنسانُ إلى الله -تعالى-، فأخبر اللهُ -سبحانَهُ- أنَّ من قَصَدَ ذلكَ ينبغي أَنْ يبرَّ بذلكَ المذكور، فلا نَسْخَ في الآية.\n_________\n(١) رواه ابن المنذر في \"تفسيره\" (١/ ٥٨٥ - الدر المنثور)، عن مقاتل بن حيان. وانظر: \"لباب النقول\" للسيوطي (ص: ٤١).\n(٢) قال ابن العربي في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٧٢): وقال قوم: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...﴾ الآية.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٤٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٧٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٩٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦).\n(٤) روي ذلك عن الحسن البصري وابن زيد. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>(من أحكام الجهاد)</span>\n٢٤ - (٢٤) قولُه -ﷻ-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقر ة: ٢١٦].\nأقولُ: لمَّا أرادَ اللهُ -سبحانَهُ- إنقاذَ عبادِهِ من الهَلَكَةِ، وهُداهُم من الضَّلال، بعث نبيَّهُ مُحَمَّدًاﷺ- إلى قومه خاصَّةً، وإلى الناسِ عامَّةً بشيرًا ونذيرًا.\nفقال -﷿-: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].\nوقال -﷿-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، فقال: \"يابني عبدِ مَناف! إن الله بعثني أن أنذرَ عَشيرتي الأَقْرَبينَ، وأنتم عَشيرتي الأقربون\" (١).\nوقال -﷿-: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nفلما صَدُّوا عنه، وأَعْرَضوا، أَمَرَهُ اللهُ -سبحانَهُ- بالصَّدِّ عنهم، والإعراض كما أعرضوا.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٧)، كتاب: الإيمان، باب: في قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقَرَبِينَ﴾، عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو، بلفظ نحوه.","vol":"1","page":369},{"text":"فقال -ﷻ-: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩].\nوقال -ﷻ-: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].\nولما هدى اللهُ -سبحانَهُ- قومًا من عبادِه، واختارَهُم لدينه، واصطفاهُم لنفسِه، فآمنوا به، واتبعوا النورَ الذي أُنزلَ معه، فتنتهم قريشٌ، وصدُّوهم (١) عن دينِ اللهِ -سُبْحانه-، وعذَّبوهم، وظلموهم، ليرجعوا عن دينِ الله -سُبحانه- حَتَّى كَثُرَ تأذِّي رسولِ اللهِ - ﷺ - والمؤمنين، فحينئذٍ أَذِنَ اللهُ -تَعالى- لهم في الهجرة، ولَمْ يوجبْها، فقال -ﷻ-: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، فهاجر إلى أرضِ الحبشةِ قومٌ، وبقيَ قومٌ فيهم رسولُ الله - ﷺ -، فهاجروا إلى المدينةِ الشريفة -شَرَّفَها اللهُ الكريم-.\nووجبت الهجرةُ على كلِّ مفتونٍ لا يقدرُ على إظهارِ دينهِ.\nوسيأتي إنْ شاءَ الله تعالى بيانُ الهجرةِ وأحكامُها في \"سورةِ النساءِ\" عند قوله -تعالى-: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨].\nفلما عَمَّرَ اللهُ الكريمُ طَيْبَةَ بالإيمانِ، وجعلَها دارَ الإسلام، أذِنَ للمؤمنين في القِتال، ولم يفرضْه عليهم، فقالَ -ﷻ-: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].\nولما قويَ المؤمنون، وكَثُرَ عددُهم، واشْتَدَّت شَوكَتُهُم، كتبَ اللهُ عليهمُ القِتالَ، فقال -ﷻ-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، واستمرَّ فرضُ الجِهاد حتى تَضَعَ الحربُ أوزارها (٢).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فصدوهم\".\n(٢) الوِزْرُ: أحمل الثقيل، والذنبُ لثقله، وجمعها أوزار، وأوزار الحرب وغيرها:=","vol":"1","page":370},{"text":"* وقد أجمعَ المسلمون على فريضَةِ الجِهادِ، إلَّا ما حُكيَ عن عبيدِ اللهِ ابنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ أنه قال: إنَّهُ تطوُّع، وهذا من جُمْلَة شُذوذهِ (١).\n* واختلفوا هل (٢) فُرضَ على الأعيانِ، أو على الكِفاية؟\n- فقال قومٌ: هو فرض على الكِفاية، في جميع الأزمان (٣)، في أولِ الإسلام وآخره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ولقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥]\n_________\n= الأثقال والآلات، قال الأعشى:\nوأعددتَ للحرب أوزارها ... رماحًا طِوالًا وخيالا ذكورا\nانظر: \"اللسان\" (مادة: وزر) (٥/ ٢٨٢).\n(١) وروي ذلك عن عطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، وابن شبرمة في آخرين. وقال ابن العربي: قال جماعة من الفقهاء: إن الجهاد بعد فتح مكة ليس بفرض، إلا أن يستنفر الإمام أحدًا منهم ... ومال إليه سحنون، انتهى.\nوقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك، وإن كان مختلفًا في صحة الرواية عنه. قال الجصاص: وجائز أن يكون قول ابن عمر، وعطاء، وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض؛ يعنون به: أنه ليس فرضه متعينًا على كل أحد؛ كالصلاة والصوم، وأنه فرض على الكفاية.\nانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٧٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٤٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣١١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧).\n(٢) \"هل\" ليست في \"أ\".\n(٣) وهو قول الجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٤٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٤/ ٢٩٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١١١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧).","vol":"1","page":371},{"text":"بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].\n- وقال قومٌ: كانَ فرضًا على الأعيانِ في أولِ الإسلام (١)، واستدلُوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وبقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ثم صارَ فرضًا على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ [التوبة:١٢٢] الآية.\nوهذا القولُ حَسَن، لكنَّه يَحتاجُ إلى نَقْلٍ وتوقيفٍ في الترتيب.\n- وقالَ قومٌ: هو فرضٌ على البَعْض دون البَعْضِ، ما لم يَنْفِرْ رسولُ الله - ﷺ -، فإذا نَفَرَ وَجَبَ على الجَميع النَّفْرُ (٢).\nوهو مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادة (٣).\nوهذا قولٌ حَسَنٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ولما فيه من الجَمْع بين الآيات، ونفي المعارَضات، ولأنَّ اللهَ -سُبحانه- عاتَبَ المُتَخَلِّفين عنهُ في غزوة تَبوكَ حتى (٤) نزلَتْ توبتُهُ على الثلاثَةِ المُخَلَّفينَ (٥).\n_________\n(١) وهو قول عطاء والأوزاعي. وقاله الماوردي والسهيلي. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٤٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١١٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٤٦).\n(٢) نسب القرطبي هذا القول إلى الجمهور، وصدَّره ابنُ حجر بقوله: \"قيل\". انظر: \"الجامع الأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٤٧).\n(٣) لم أقف على من عزا ذلك إليهم، والله أعلم.\n(٤) في \"أ\": \"حين\".\n(٥) في \"ب\":\"المتخلفين\".","vol":"1","page":372},{"text":"فإن قيل: فقدْ بعثَ النبيُّ -ﷺ- إلى بني لِحْيانَ، وقال: \"ليخرُجْ من كلِّ رَجلينِ رَجُلٌ\"، ثم قال للقاعدين: \"أيُّكمْ خَلَفَ الخارِجَ في أهلِهِ ومالِهِ بخيرٍ، كانَ له مثلُ نصفِ أجرِ الخارجِ\" (١).\nقلت: إنما تَخَلَّفوا بإذنه - ﷺ -؛ ليقوموا على نسائِهم وأموالِهم، وليحفظوها من كيد العدوِّ والمنافقين.\nولكن المذهبَ الأولَ أحسنُ وأصحُّ؛ بدليلِ أَنَّ النبيَّ -ﷺ- كانَ يَنْفِرُ في أَوَّلِ الإسلام، ويتخلَّف عنهُ بعضُ أصحابه.\nوأما معاتبةُ اللهِ -سُبْحانه- للمتخَلِّفين، فإنَّما هو لأجلِ الحاجةِ إلى نُفورهم؛ لكثرةِ العدوِّ وبعدِهم.\nوهذهِ الحالُ كما إذا وَطِئ الكفارُ بلادَ الإسلام -ونعوذُ باللهِ من ذلك- فليسَ لأحدٍ أَنْ يتخلفَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، وحُرٍّ وعَبْدٍ (٢)؛ كَما فعلَ المسلمونَ يومَ الخندقِ، والله أعلم.\n* * *\n\n٢٥ - (٢٥) قوله ﷻ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٨٩٦)، كتاب: الإمارة، باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير، عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٤/ ٢٩٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١١٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧).","vol":"1","page":373},{"text":"أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* نزلت هذه الآيةُ في سَرِيَّة بَعَثَها رسولُ الله -ﷺ-، وأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بْنَ جَحْشٍ، فانطلقوا حتى هبطوا نَخْلَةَ، فوجدوا بها عَمْرَو بنَ الحَضْرميِّ في عِيرٍ بِتجارَة لقريش في آخِر يوم من جُمادى الآخرة، أو في أولِ يوم من رَجَب، على اختلاف فيه، فقتلوا ابْنَ الحَضْرَميَ، وأخذوا العِيْرَ، فعيرَّ المشركونَ المسلمينَ، فأنزلَ اللهُ -سبحانه- هذه الآية (١).\nوكان القتالُ في أولِ الإسلام مُحَرمًا في الشَّهْرِ الحَرام، وفي البلدةِ (٢) الحَرام، إلَّا أن يُبْدَؤوا بالقِتال.\n* واختلفَ أهلُ العلم هلْ هذا الحُكْمُ باقٍ إلى الآن لم ينسخْ، أولا؟ (٣)\nفقال عطاءٌ ومُجاهِدٌ: هوَ باق لمْ يُنْسَخْ، ولا يجوزُ القِتالُ في الشهرِ الحَرام (٤)، ويُروى عن الشعبيِّ والحكمِ، ولهم هذه الآية، وغيرُها، وكان عطاء يقول: لا يجوزُ القتال في الشهرِ الحرامِ، ولا البلدِ الحَرامِ، ويحلفُ على ذلك.\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٢)، عن عروة بن الزبير، بهذا السياق، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٥٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٤) عن مقسم مولى ابن عباس -﵄- نحوه.\n(٢) في \"ب\":\"البلد\".\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٣ - ٣٤)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٠)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٨٠).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٥٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٠٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٤)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص:١٦٠).","vol":"1","page":374},{"text":"ونُقل عن أكثر العُلماءِ خلافُهم، وقالوا: هذهِ الآيةُ منسوخةٌ (١) بقوله سبحانَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ كما قاله الزهريُّ (٣).\nوما ذكرهُ هؤلاءِ الجَماعةُ لا يجوزُ أن يكونَ ناسِخًا لآية البقرة؛ لأن (حيثُ) كلمةٌ معناها عمومُ الأمكنةِ، والأمكنةُ لا تُعارضُ الشُّهورَ والأزمانَ، ولا نسخَ معَ عدمِ التعارض.\nوأما قولُه تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فإن الأمرَ بالقتال مُطْلَقٌ في جميع الأحوال، مقيَّدٌ بإعطاءِ الجزية، والنهيُ عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ خاصٌ ببعض الأزمان، فلا تَعارُضَ بينَهُما، فلا يجوزُ القولُ بالنسخِ، بل يجوزُ تَخصيصُ إطلاق قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ بالنهيِ عن القِتال في الشَّهْرِ الحَرام؛ لخصوص هذا، ولعموم ذلك، ولقوله تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوأما قولُه تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]،، فقد تقدَّمَ بيانُه أيضًا.\nوأما قولُه تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، فإنَّها\n_________\n(١) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٢٧)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ١٩٧).\n(٢) في \"ب\" زيادة \"ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ \".\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٥٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٤).","vol":"1","page":375},{"text":"عامَّة في المشركين، مطلَقَةٌ في الزمانِ والمكانِ، وهذه الآيةُ خاصَّة مقيَّدَةٌ، والمطلَقُ لا يَنْسَخُ المقيَّدَ.\nوالمختارُ عندي بقاءُ حرمَتِه كما حَرمَهُ اللهُ سبحانَه في غيرِ مَوْضِع من كتابهِ العزيزِ، فحرَّمَهُ في هذه السورة، وقال في سورةِ المائدةِ، وهي من آخِرِ ما نَزَلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وقال أيضًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧].\nواستدل الآخرونَ (١) بأنَ النبي - ﷺ - غزا هوازنَ بِحُنَيْنٍ، وأَنْفَذَ سَرِيَّةً إلى أَوْطاسٍ، وحاصَرَ ثقيفًا بالطَّائِفِ في الشهر الحَرام، وبايع أصحابه بالحُدَيبيَةِ بيعةَ الرّضوانِ على القِتال في ذي القعدة (٢).\nولا حُجَّةَ لهم في ذلكَ:\nأَمَّا بيعةُ الرضْوانِ، فإنَ النبي - ﷺ - إنما بايَعَ المُسلِمين لمَّا بلغَهُ الخَبَرُ بقتل عُثمانَ، وأَنَّ قريشًا عازمون على قتاله (٣).\nوأمّا غزوةُ هَوازنَ، وأُوطاسٍ، والطَّائِفِ، فلم تكنْ في الشهر الحرام؛\nفإنَّ فتحَ مكةَ كانَ في شهرِ رمضانَ، وأقامَ النبي - ﷺ - بمكةَ عشرةَ أيامٍ، أو تِسْعَةَ عَشَرَ يومًا؛ كما قالَ ابنُ عباسٍ (٤)، ثم خرجَ إلى حُنَيْنٍ في رمضان؛ كما ذكرهُ البخاري عن ابنِ عباس قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - في رَمَضانَ إلى\n_________\n(١) يعني: من قال بالنسخ.\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٣)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٤١).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٠٦).\n(٤) رواه البخاري (٤٠٤٧)، كتاب: المغازي، باب: مقام النبي -ﷺ- بمكة زمن الفتح.","vol":"1","page":376},{"text":"حُنينٍ (١)، وأنفذ السرية إلى أَوْطاسٍ لَمَّا فرغَ من حُنَيْنٍ (٢).\nوكان حِصارُ الطائِفِ في شَوَّالٍ؛ كما ذكرهُ البُخاريُّ عن موسى بنِ عُقْبَه (٣).\nولعلَّهُ إنما أوهم هؤلاءِ ما رواهُ البخاريُّ: أَنَّ النبيَّ -ﷺ- اعتمرَ عُمْرَةً من الجعْرانَةِ (٤) حيثُ قَسَمَ غنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ (٥)، والله أعلم.\nوسيأتي تعريفُ الشَّهر الحَرام في سورة (براءة) - إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n\n* قوله ﵎: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].\n* فيها دليلٌ على أن العملَ الأخرويَّ لا يحْبَطُ بنَفْسِ الرِّدَّةِ، بل يكونُ العملُ موقوفًا على الموت، فإن ماتَ على الردَّةِ، حبطَ عملُه، وإنْ عادَ إلى\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٠٢٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان.\n(٢) رواه البخاري (٤٠٦٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أوطاس، ومسلم (٢٤٩٨)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين، عن أبي موسى.\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٥٧٢)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف.\n(٤) الجعْرانَة: موضع بين مكة والطائف، وهي بتسكين العين والتخفيف، وقد تكسر العين وتشدَّد الراء.\n\"القاموس المحيط\" (مادة: جعر) (ص: ٣٣٠). \"اللسان\" (مادة: جعر) (٤/ ١٠٤).\n(٥) رواه البخاري (٢٩٠١)، كتاب: الجهاد، باب: من قسم الغنيمة في غزوه وسفره، عن أنس بن مالك. والبخاري أيضًا (٣٩١٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية.","vol":"1","page":377},{"text":"الإسلام، لم يحبطْ عملُه قبلَ الرِّدَّةِ، ولم يجبْ قضاؤه، وبهذا قال الشافعي (١).\nوذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفَة (٢) إلى أن العمل يَحْبَطُ بنَفْسِ الردَّةِ، فإنْ عادَ إلى الإسلام، كان عليه قضاءُ الحج دونَ الصَّلاةِ والصِّيامِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] [ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) [الزمر: ٦٥].\nودليلُ الشافعيِّ أظهرُ؛ لأنَّ الردَّةَ فيهِ مقيدَة بالمَوتِ، وفي غيرهِ مطلَقَةٌ، والمطلقُ مُرَتَّب على المُقَيَّدِ، ولا يجوزُ أنْ يُقالَ: التقييدُ ذُكِرَ ليترتَّبَ عليهِ العقابُ والخُسرانُ؛ لأنَّ الخُسرانَ مذكور في آياتِ الإطلاق.\n* وفيها دليلٌ على عدمِ إبطالِ العملِ الدُّنْيَوِيِّ؛ كإبطالِ بَيْعهِ ونِكاحه وسائرِ تصرفاتِه، وإزالة ملكه، إلا أنْ يموتَ على غيرِ الإسلام، وهو الصحيحُ من أقوال الشَّافعيّ (٤).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٤٠)، و\"السراج المنير\" للشربيني (١/ ٢٢٢)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١٠/ ٣٣٨).\n(٢) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (١/ ١٦١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٠٧)، و\"شرح شرح النخبة\" للقاري (ص: ٥٧٦). وانظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٣٧)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٣٠٣).\n(٣) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٤) وبه قال الحنفية والحنابلة. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٧٨)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١٠/ ٣٣٩)، و\"الاختيار لتعليل المختار\" للموصلي (٢/ ٤١٩).\nأما المالكية فقالوا: يسقط عنه ما تركه من حقوق الله تعالى؛ بمعنى: أنه لا يطالب بها بعد عودته إلى الإسلام؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحد والنذر=","vol":"1","page":378},{"text":"وله قولٌ أنه بِنَفْسِ الردَّة يزولُ ملكُهُ، ولا تصحُّ تصرفاتُهُ.\nولهُ قولٌ آخرُ أنه لا يزولُ ملكُهُ، وتصحُّ تصرفاتُه (١)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n= واليمين وغيرها، أما حقوق العباد فلا تبطل، وهي مبطلة للنكاح والوصية.\nانظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٣٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٤٧٤).\n(١) انظر هذين القولين في: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٧٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٤٤٠).","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>(تحريم شرب الخمر)</span>\n٢٦ - (٢٦) قوله ﷻ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].\nأقول: حَرَّمَ اللهُ سبحانه الخَمْرَ بعدَ أن كانَتْ حَلالًا، وأنزلَ فيها ثلاثَ آيات في كتابهِ العزيز.\nروى بعضُ أهلِ العلمِ قال: خرجَ حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وقدْ شربَ الخَمْرَة، فَلقِيَهُ رجلٌ من الأنصارِ، ومعهُ ناضِحٌ لَهُ، والأنصاريُّ يتمثَّلُ ببيتين لكعبِ بنِ مالكٍ في مدحِ قومِه، ويقول: [البحر الطويل]\nجَمَعْنا معَ الإيواءِ (١) نَصْرًا وهِجْرَةً ... فلم يُرَ حَيٌّ مثلُنا في المَعاشِرِ\nفَأَحْياؤُنا من خَيْرِ أحياءَ مَنْ مَضَى ... وأمواتُنا مِنْ خيرِ أهلِ المَقابِرِ\nفقال حمزة (٢): أولئك المهاجرون، فقال له الأنصاري: بل نحن الأنصار، فتنازَعا، فجرَّدَ حمزةُ سيفَه، وعَدا على الأنصاريِّ، فلم يُمَكِّن الأنصاري أن يقومَ له، فترك ناضحَه (٣) وهرب، فظفر به حمزةُ، فجعلَ\n_________\n(١) الإيواء: مصدر آوى يؤوي. والنصر والهجرة معروفان.\n(٢) في \"ب\" زيادة \"له\".\n(٣) الناضح: البعير أو الثور أو الحمار الذي يُستقى عليه الماء، والأنثى ناضحةٌ وسانية. \"للسان\" (مادة: نضح) (٢/ ٦١٩).","vol":"1","page":380},{"text":"يقطعُهُ، وجاءَ الأنصاريُّ إلى رسولِ الله -ﷺ- مُسْتَعْدِيًا، فأخبرَهُ بخبرِ حَمْزَةَ وفِعْلِهِ بالنَّاضِحِ، فغرم له رسولُ الله -ﷺ- ناضحًا، فقال عمرُ بنُ الخطاب: يارسول الله! ما ترى ما لقينا من أمر الخَمْرةِ (١)، إنَّها مُذهِبَة للعقلِ، مُتْلِفَة للمال، فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فكره شربَها قومٌ؛ لما فيها من الإثم، وشَرِبَها قومٌ آخرونَ (٢) للمنافعِ (٣).\nقال قتادَةُ: ذمَّها الله سبحانه في هذه الآية، ولم يُحَرِّمْها، وهي يومئذٍ حلال (٤).\nوأضاف عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قومًا، فأطعمهم وسقاهم الخمرَ، فلما حضرَ وقتُ صَلاةِ المَغْرِب، قدَّموا رجلًا منهم يصلِّي بهم، فقرأ بفاتحةِ الكتاب، وقُلْ يا أَيُّها الكافرون، فخلط، فحذف كلمات (لا)، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية. فتجنبوا الشُّرْبَ (٥) أوقاتَ الصلاةِ، فكان الرجلُ منهم يشربُ بعدَ صلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، ثم يرقُدُ فيقومُ عندَ صَلاةِ الفَجْرِ، وقد صَحا، ثم يشربها إن شاءَ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، فيصحو منها عندَ الظهْرِ إلى العشاءِ الآخِرَةِ، حتى دعا سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ -وقد عملَ وليمةً\n_________\n(١) في \"ب\": \"الخمر\".\n(٢) \"آخرون\" ليس في \"ب\".\n(٣) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٨)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٤٤).\n(٤) رواه عبد بن حميد، وابن جرير الطبري في \"تفسيريهما\" كما نسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧٣). قلت: رواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٩٥)، عن علي ﵁.\n(٥) في \"ب\" زيادة \"في\".","vol":"1","page":381},{"text":"على رأسِ جَزورٍ لهُ- ناسًا منَ المُهاجرين والأنصارِ، فأكَلُوا وشَرِبوا فافتخروا (١)، فعمدَ رجل منَ الأنصارِ، وأخذَ (٢) أحدَ لَحْيَيِ الجَزورِ (٣)، وضرب بهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وجاءَ سعدٌ مُسْتَعْديًا إلى رسولِ الله - ﷺ - فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾: [المائدة:٩٠ - ٩١]، فقالوا: انتهينا يارسول الله (٤).\n* وبين رسولُ اللهﷺ- أنَّ اجتنابَ الخَمْرِ هو اجتنابُ شُرْبها وبَيْعِها، فروى جابرُ بنُ عبدِ الله -رضي الله تعالى عنهما-: أنه سمعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - حَرمَ بيعَ الخَمْرِ والمَيْتةَ والخِنْزيرِ والأصنام، فقيل: يارسول الله! أرأيتَ شُحومَ المَيْتة؛ فإنها تُطلى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلود، ويُسْتَصْبَحُ بها، فقال: \"لا، هو حرام\"، ثم قال عند ذلك: \"قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ إن اللهَ لمّا حَرَّمَ شُحومَها، جَمَلوهُ ثمَّ باعوهُ، فأكلوا ثَمَنَهُ\" (٥).\n* وشَرَعَ فيه الحَدَّ عن اللهِ -سُبحانه-، فأتيَ برجلٍ قد شربَ الخَمْرَ، فجلدَهُ بجريدةٍ نحوَ أربعين، وفعلَه أبو بكرٍ. فلمّا كانَ عُمَرُ، استشارَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"وافتخروا\".\n(٢) في \"ب\": \"فأخذ\".\n(٣) اللحْيُ: هو منبتُ اللحية. \"القاموس\" (مادة: لحى) (ص: ١١٩٧). والجزور: البعير، أو خاص بالناقة. \"القاموس\" (مادة: جزر) (ص: ٣٢٩).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٦٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٧٧)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٤٤). وقد روى مسلم في \"صحيحه\" (١٧٤٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، قصة سعد -﵁- فقط.\n(٥) رواه البخاري (٢١٢١)، كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١)، كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.","vol":"1","page":382},{"text":"الناسَ، فقالَ عبدُ الرحمنِ: أخفُّ الحدودِ ثمانون (١).\nوقالَ عليٌّ: إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذى افْتَرى، وأرى أَنْ يُحَدَّ حَدَّ المُفْتري، فأمر به عمرُ -رضي اللهُ تعالى عنهم- (٢).\n* وكذلك المَيْسِرُ، وهو القِمار، حَرامٌ بالإجماع كالخمرِ (٣)؛ لما فيه من إتلاف المالِ وأكلِه بالباطل، وكلُّ ما يدلُّ على الخطر فهو قِمار كالمَيْسِر.\n* * *\n\n* واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].\nفقال بعضُ مصنِّفي الناسِخِ والمَنْسوخِ (٤): فرضَ اللهُ قبلَ فرضِ الزكاةِ\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٧٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٢٧٥)، وأبو عوانة في \"مسنده\" (٦٣٣٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣١٩)، عن أنس بن مالك، بهذا اللفظ.\nوقد رواه أيضًا عن أنس بن مالك: البخاري (٦٣٩١)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في ضرب شارب الخمر، ومسلم (١٧٠٦)، كتاب: الحدود، باب: حد الخمر، بلفظ نحوه.\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٤٢)، ومن طريقه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٨٦)، عن ثور بن زيد الديلي.\nوالجمهور من السلف والخلف على أن حد الخمر ثمانون جلدة، وخالف في ذلك الشافعية فقالوا: إن الحد أربعون على الحر، ويجوز للإمام أن يبلغ به الثمانين.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٤/ ٢٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٤٩٨)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ١٧١).\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٦).\n(٤) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٠)، و\"نواسخ القرآن\"=","vol":"1","page":383},{"text":"إذا كانَ للإنسان مالٌ أنْ يُمْسِكَ أَلْفَ درهمٍ، أو قيمتَه منَ الذهبِ، ويتصدَّقَ بما بقيَ.\nوقالَ آخرون: فرضَ عليهم أَنْ يُمْسكوا ثُلُثَ مالِهم، ويتصدقوا بما بقي، وإنْ كانَ من أهلِ زِراعةِ الأرضِ وعِمارتها أنْ يُمْسِكوا نَفَقَتَهُمْ حَوْلًا، ويتصدَّقوا بما بقيَ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يكدُّ بيدِه، أمسَكَ ما يَقوتُهُ يَوْمَهُ، ويتصدَّقَ بما بقي، فَشَقَّ ذلكَ عليهم حتَّى أنزلَ اللهُ الزكاةَ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أعيانَ الزكاةِ، وصارَتْ ناسِخَةً لذلك (١).\nوبالنسخ قالَ ابنُ عباسِ رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٢).\nوقال قومٌ: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ (٣).\n* واختلفوا في المرادِ بالعفوِ، فقيل: العفوُ: الزكاةُ بعينِها، وقيل: المرادُ بهِ التَّطَوع (٤).\n* واختلفوا أيضًا في حقيقةِ العَفْوِ:\n_________\n= (ص: ٢٠١)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٨٠).\n(١) نقل هذا القول ابن الجوزي وابن حجر عن مقاتل بن حيان، ونقله القرطبي عن الكلبي. انظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٠١)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٣٥٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٥٨).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٧)، وهو قول السدي والضحاك؛ انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٦٧)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٩).\n(٣) وهو قول مجاهد؛ انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٦٧).\n(٤) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٨)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٢). و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٠٠).","vol":"1","page":384},{"text":"فَروي عن ابنِ عباسٍ: أنه القليل الذي لا يتبينُ خروجُه من المالِ (١).\nقال الحسنُ: العفو: ما لا يكون إسرافًا، ولا إقتار فيه على العيالِ (٢).\nوقال قتادةُ: العفوُ أَفضلُ المالِ وأطيبُه (٣).\nوقيل: نزلتِ الآيةُ في شأنِ عَمْرِو بنِ الجَموحِ (٤)؛ فإنه لمّا نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، قال: كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ العَفو﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعَفْوُ: ما سَهُل وَتَيسَّر؛ كما قالَ تعالى: ﴿خذِ العَفوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وكما قال الشاعرُ (٥): [من الطويل]\nخُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي (٦) حينَ أغضَبُ\nوكل هذه الأقوالِ، وإن اختلفتْ، فإنها ترجعُ إلى معنىً واحدٍ، وهو هذا، واللهُ أعلم.\n* * *\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٤).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٥).\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٥).\nوانظر أقوال العلماء في معنى \"العفو\" في: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٦٤)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢١٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٥٨).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٥٨)، و\"الباب النقول\" للسيوطي (ص:٥٥).\n(٥) هو أسماء بن خارجة الفزاري، وقيل: لأبي الأسود الدؤلي، وليس ذلك بصحيح. وانظر: \"الأغاني\" (٢٠/ ٣٣٢).\n(٦) السَّوْرةُ: الحِدَّةُ. \"القاموس\" (مادة: سور) (ص: ٣٧١).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>(معاملة اليتامي)</span>\n٢٧ - (٢٧) قوله ﷻ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\n* أقول: عظم اللهُ سبحانَهُ أمرَ اليتامى، وشدّدَ فيه، وأنزلَ في شأنهم آيات كثيرةً، بعضُها يفسِّرُ بعضًا، وهذه الآيةُ مِنْ أَجْمَعِها وأَبْيَنِها، فقالَ ﷻ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، وقال سبحانَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال سبحانهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، وقالَ ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].\nفنهى الله -﷾- عن قهرهم، وحَرَّمَ أكلَ مالِهم في بعض الآيات تحريمًا مطلقًا، وقيدَهُ في بعضِ الآيات بما إذا كان على جهةِ الظُّلم والتَّعَدِّي والإسراف، وأما إذا كانَ على جهةِ الإصلاح بالمعروف، وبالتي هي أحسنُ، فالأكلُ مُباح للفقير؛ لِما فيه من إصلاح القَيِّمِ لماله.","vol":"1","page":386},{"text":"وكذا يجوز ضربه للتأديبِ والتعليمِ؛ لِما فيه من الإصلاح (١).\nوأباح الله تعالى خُلْطتَهُمْ ومُشاركتَهم مخالفةً لتحريجِ (٢) الجاهليّةِ بذلك.\n* وفي الآيةِ دليلٌ على أن القيّم (٣) أمينٌ على ما يدَّعيه بالمَعْروفِ، ولقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فوكل اللهُ الأمرَ إلى تقوى القَيمِ وأمانتِه (٤).\nوسيأتي مزيدُ كلامٍ فيهم في سورة النساءِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٥٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣).\n(٢) في \"ب\": \"لتحرج\".\n(٣) في \"أ\": \"الفقير\".\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦١).","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>(حكم نكاح المشركات والكتابيات)</span>\n٢٨ - (٢٨) قوله ﷻ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٢١].\n* اختُلِفَ في حقيقة النكّاحِ على ثلاثةِ أوجهٍ للشافعيَّةِ:\nوأَصَحُّها عندهم أنهُ حقيقة في العَقْدِ، مَجازٌ في الوَطْءِ (١)، وإياهُ أختارُ، لغلبةِ عُرْفِ الكتابِ والسُّنَّةِ واللسانِ فيه.\nوقيل: حقيقةٌ في الوَطْءِ، مجازٌ في العَقْدِ؛ كما هو أصلُ وضع اللُّغة، وبه قالَ أبو حنيفةَ (٢).\nوقيل: إنه مشتركٌ بينهما (٣).\n_________\n(١) وهو قول الحنابلة. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٧٢)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ١٤٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٢٨).\n(٢) وهو قول المالكية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٠٨)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٠٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٨٨).\n(٣) وهو قول الزجاجي، كما نسبه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٠٣). قال الحافظ: وهذا الذي يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. وانظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٧٢)، وعنه نقل المصنف هذا الاختلاف.","vol":"1","page":388},{"text":"- * وقد أنزل اللهُ سبحانَه في نِكاح المُشركاتِ آياتٍ يعارضُ بعضُها بعضًا، وها أنا أتكلمُ فيها على مَبْلَغِ عِلمي، ومُنْتَهى فَهْمي، وأستعينُ باللهِ وأستهديه.\nفأقول: حَرّمَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنين نِكاحَ المُشْركاتِ ابتداءً ودوامًا، فقال هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وهذا الخطابُ عامّ في الوَثَنِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، الذِّمِّيَّاتِ منهنَّ والحَرْبِيّاتِ، وسمَّى اللهُ سبحانَهُ الكِتابيَّ مُشْرِكًا؛ لقوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولقوله: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه﴾ [التوبة: ٣٠]، وقوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكانَ ابنُ عمرَ﵄- إذا سُئِل عن نكاحِ الرجلِ اليهوديَّةَ أو (١) النصرانيَّةَ، قال: حَرَّمَ اللهُ المُشْركاتِ على المؤمنينَ، ولا أعرفُ شيئًا من الشِّرْكِ أعظمَ من أن تقولَ المرأةُ: ربُّها عيسى، أو عبدٌ من عبادِ اللهِ (٢).\nوأحلَّ اللهُ لهم نِكاحَ الكِتابياتِ في سورة المائدةِ، فقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\nوهذا الخِطابُ لهم عامّ من وجهٍ، وخاصٌّ من وجهٍ، فخصوصُه في الكِتابياتِ دون الوَثنياتِ، فيقضى بخُصوص آيةِ المائدةِ على آية البقرة، وعمومُه في الذمِّياتِ والحربياتِ، في (٣) الحرائر منهنَّ والإماءِ، ولكنَّ اللهَ\n_________\n(١) في \"أ\": \"و\".\n(٢) رواه البخاري (٤٩٨١)، كتاب: الطلاق، باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ...﴾، عن نافع.\n(٣) في \"ب\": \"من\".","vol":"1","page":389},{"text":"سبحانَهُ حَرَّمَ الإِماء منهن، فقال في سورة النساء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فشرط فيهنَّ الإيمان، فيقضى بخُصوص آية النساءِ على عُموم آية المائدة، وبخصوصِ آية المائدةِ على عموم آيةِ البقرة، هكذا ترتيبُ هذه الآيات بعضِها على بعضِ، ويُعْمَلُ بجميعِها.\nوقد اتفقَ العلماءُ على ترتيبِ آية البقرة على آية المائدة (١)، إلا ما يُروى عن ابنِ عمرِ -رضي الله تعالى عنهما- من تحريم نكاح الكتابيات (٢)، وأن آية البقرة ناسخة لآيةِ المائدةِ (٣)، وقيل: إنه كَرِهه، ولم يحرِّمْه (٤).\nقال بعضُهم: ولا تصح عَنْهُ روايةُ التحريمِ (٥).\nقلت: أو تُحْمَل على الكِتابيات الحَرْبيات؛ كما هو قولُ ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٦٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦٤).\n(٢) كما تقدم عنه قريبًا.\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٥)، وقد نسبه إلى قوم.\n(٤) وكرهه عطاء أيضًا. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٥٧).\n(٥) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٧٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٥).\n(٦) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٩)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦٥).","vol":"1","page":390},{"text":"* واختلفوا في صفةِ ترتيبِ آية البقرة على آية المائدة (١).\nفقال مجاها وقتادةُ وابنُ جُبيرٍ: آيةُ البقرةِ مخصوصة مبيَّنة بآية المائدة (٢).\nوقال الحَسَنُ وعِكرمةُ: نسخ الله سبحانَهُ من آيةِ البقرةِ تحريمَ نساءِ أهلِ الكِتاب، ويُرْوى عن ابنِ عباسٍ ومالكٍ وسفيانَ الثوريِّ (٣).\nوالقولُ بالنَّسخِ لا يستقيمُ إلا أنْ يكونَ قدِ استقرَّ تحريمُ المشركاتِ، الوثنيَّاتُ منهنَّ والكتابياتُ، ثم نُسِخَ بآيةِ المائدةِ.\nوقول هؤلاء الجماعةِ محمولٌ على ذلك، ولكن هذا يحتاج إلى صِحَّةِ نقلٍ لحكمِ الاستقرارِ في أثناءِ الإسلام (٤)، ولعل الإشارة إلى اليوم بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] هي التي دلَّتهُمْ على استقرارِ الحكم، ثم نسخِه، أو لعل هذا بناء على أن تأخير البيانِ عن وقتِ الخِطاب لا يجوز.\n* واتفقوا على حِلِّ نكاح الكتابياتِ المُحْصَنات (٥) المُعاهَداتِ كما\n_________\n(١) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٠)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ٨٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٦٩).\n(٣) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ١٧١ - ١٧٢)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٤ - ٥٥)، وقد أخرج أثر ابن عباس وعكرمة والحسن: الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٧٦).\n(٤) المراد بالمحصنات هنا: الحرائر.\n(٥) قال الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٧٧): كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجيئه، وذلك غير موجود؛ يعني في هذا الموضع.","vol":"1","page":391},{"text":"تَقَدَّمَ، واختلفوا في الحربيّاتِ منهنَّ:\nفقال قومٌ من أهلِ العلمِ بتحريمه (١)؛ لأنهنَّ (٢) لسن (٣) من أهل ذمة المسلمين. وبه قال ابنُ عباس -رضيَ الله تعالى عنهما- ولما سُئِل عن ذلك تلا قولَه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤).\nوقال قومٌ بكراهيته، ولم يُحَرِّموه (٥)؛ لعموم قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وغلَّبوا الكِتاب على الدار، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٦).\n* واتفقوا على حلِّ غيرِ المُحصَناتِ منهنَّ (٧)، وهنَّ الإماء بملك اليمين (٨)؛ لعموم قوله سُبْحانه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].\n_________\n(١) وهو قول جماعة من العلماء؛ كابن عباس والنخعي. انظر: \"الإيضاح لناسخ القراَن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٧١)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦٥).\n(٢) في \"أ\": \"لأنهم\".\n(٣) في \"ب\": \"ليسوا\".\n(٤) رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وابن مردويه في \"تفسيريهما\"، كما نسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٠).\n(٥) في \"أ\": \"يحرموا\".\n(٦) وهو مذهب الحنابلة على تفصيل عندهم في ذلك، انظر: \"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١١٨)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٤٢١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣١١)، و\"شرح الزركشي على الخرقي\" (٥/ ١٧٦).\nوقد كرهه الحنفية والمالكية والشافعية. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٤٢١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣١١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧).\n(٧) في \"أ\":\"منهم\".\n(٨) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٧).","vol":"1","page":392},{"text":"* واختلفوا في حِلِّه بالنكّاحِ:\nفقال أبو حنيفةَ بجوازه (١).\nوقال مالكٌ والشافعيُّ بتحريمِه (٢)؛ لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فَسَّره عمر، وابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- بالحرائر (٣)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فقيدهن بفتياتنا المؤمنات، فدلَّ على أن فتياتنا الغير المؤمنات حرامٌ.\nوأجاب الحنفية بأن المرادَ بالمُحْصنات العفائف، وقد فسره (٤) بذلك غير (٥) ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما (٦)، وبأن المفهومَ ليس بدليلٍ عندهم، وبأن التقييد للاستحباب؛ لأنها خيرٌ من الحُرَّةِ الكِتابية، وقد أُبيحَ نكاحُها، وإن كانت دونها، وبأن الخطابَ واردٌ على التغليب، لا على التقييد، والغالب على الإماء الإسلام (٧).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٦)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١١٨).\n(٢) وهو قول الحنابلة أيضًا. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٤٢٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٠٤)، و\"شرح الزركشي على الخرقي\" (٥/ ١٨٨).\n(٣) قال البيهقي: روينا في إباحة ذلك عن عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وابن عباس. انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ١٢١).\n(٤) في \"أ\": \"فسر\".\n(٥) \"غير\" ليست في \"ب\".\n(٦) وقد قال بكون المحصنة هنا هي العفيفة كلٌّ من مجاهد، والشعبي، وسفيان، والضحاك. انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ١٠٥)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٢٥).\n(٧) انظر أدلة الحنفية وما أجابوا به عن أدلة الجمهور في: \"أحكام القرآن\" للجصاص=","vol":"1","page":393},{"text":"وبقولِ مالكٍ والشافعي أقولُ؛ لما فيه من الاحتياط، والتحريمُ أولى؛ لظهور التقييد على التغليب في سائرِ آيِ القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وغير ذلك، ولموافقته عُمومَ القرآنِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n* وحرّمَ اللهُ سُبْحانه على المؤمنينَ أن يُنكِحوا المشركين (١)، فلن يجعلَ الله للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلًا.\n* وربَّما استدل بهذه الآية من يقولُ باشتراط الوليِّ في النكاح (٢)؛ اعتقادًا منهُ أنَّ الخِطابَ مع الأولياءِ، ولا دلالةَ فيه؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإن سلم فالخِطابُ واردٌ بالمَنع للأولياءِ من إنكاحِ المشركِ، ومنعُ الوليِّ لا (٣) يوجبُ لهُ ولايةً، وسيأتي الكلامُ على هذا إنْ شاءَ الله تعالى.\n* * *\n_________\n= (٣/ ١١٦)، و\"فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ١٣٥ - ١٣٦، ١٤٠ - ١٤١).\n(١) وهذا بالإجماع. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٨٤)، و\"تفسير الرازي\" ٣/ ٢/ ٦٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦٧).\n(٢) قال بذلك أبو جعفر محمد بن علي؛ كما أخرجه عنه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٧٩).\n(٣) في \"ب\" زيادة \"لا\".","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>(من أحكام الحيض)</span>\n٢٩ - (٢٩) قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\n* السائلُ أبو الدَّحْداح، وقيل: غيرُه، سألَ رسولَ اللهِ -ﷺ- وقال (١): يا رسولَ الله! كيف نصنِعُ بالنساءِ إذا حِضْنَ؟ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ (٢)، ونهى عن قُرْبانِهِنَّ حتى يَطْهُرْن، وبيَّنَ أَنَّ العِلَّةَ هي الأَذى.\n* فاستنبط قومٌ من أهلِ العلمِ كالنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ وابنِ سيرينَ: أَنَّ المُسْتحَاضَةَ لا يقربُها زوجُها ما دامَ معَها الدَّمُ، ويُروى عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها-، وبه قالَ بعضُ أصحابِ مالكٍ (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فقال\".\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨١)، عن السدي، ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠٠)، عن مقاتل بن حيان قالا: نزلت في ثابت بن الدحداح، أبو الدحداح.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٤٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤٢٠)، و\" المجموع\" للنووي (٢/ ٤٠٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨١). وبه قال من المالكية: المغيرة بن عبد الرحمن، وابن علية، وأبو مصعب. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٢).","vol":"1","page":395},{"text":"وقال جُمْهورُهم: يجوز وَطْؤُها، وبه قالَ مالكٌ والشافعي وأبو حنيفةَ وأحمدُ (١)، كما يجوزُ لها أن تصليَ، ولقوله - ﷺ -:\"إنَّما ذلكَ دمُ عِرْقٍ، وليستْ بالحَيْضَةِ\" (٢).\nوعن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: لا بأسَ أن يصيبَها زوجُها، وإن كان الدَّمُ يسيلُ على عقبيها (٣).\n* والحيضُ والمَحيضُ (٤) مَصْدَران، يقال: حاضَتِ المرأةُ تحيضُ حَيْضًا و(٥) مَحيضًا.\nوالمَحيضُ أيضًا اسمٌ لموضِع الدَّمِ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤٢١)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٩٥)، و\"الاختيار\" للموصلي (١/ ٣٧). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٢).\nوللحنابلة في هذه المسألة قولان؛ أولهما: يباح، والثاني: لا يباح له أن يطأ المستحاضة إلا إذا خاف على نفسه العنت، والثاني هو المعتمد في المذهب. انظر:\"الإنصاف\" للمرداوي (١/ ٣٨٢).\n(٢) رواه البخاري (٣١٤)، كتاب: الحيض، باب: إقبال المحيض وإدباره، ومسلم (٣٣٣)، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها. عن عائشة. بلفظ: \"إنما ذلك عرق ... \".\n(٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١١٨٨)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٦/ ٧٠)، و\"الاستذكار\" (٣/ ٢٤٧) له أيضًا، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٢).\nوالعَقِبُ: هو مؤخر القدم، وجمعه أعقاب.\n(٤) في \"ب\": \"والحيضة\".\n(٥) في \"ب\": \"أو\".\n(٦) انظر: \"لسان العرب\" لابن منظور (٧/ ١٤٢)، و\"تاج العروس\" للزبيدي (١٨/ ٣١١).","vol":"1","page":396},{"text":"فالمحيضُ الأَولُ هو الدَّمُ، وهو الأذى، والمَحيضُ الثاني قيل: هو مَوضِعُ الدمِ، ويُروى عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما (١).\nوهو إجماع من أهلِ العلمِ (٢)، لكنه يدلُّ بمفهومِه على تحليلِ ما عدا موضعَ الدَّمِ.\nوقيل (٣): إن المُرادَ بالمَحيضِ هو الحَيْضُ (٤).\nفأمر (٥) اللهُ سبحانه باعتزال الحُيَّضِ في حال حَيْضِهِنَّ، ونهى عن قُربانِهِنَّ حتى يَطْهُرْنَ.\n* وقد أجمعَ أهل العلم (٦) على جوازِ قُربانهنَّ فيما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الركبةِ (٧).\nواختلفوا فيما وراءَ ذلك.\n- فمَنَعَهُ مالك وأبو حنيفةَ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وشريحٌ وطاوسٌ، واختاره أكثرُ الشافعيةِ (٨)، واستدلُوا بقولِه -ﷺ- لَما سُئل عَمَّا يحلُّ للرجلِ من امرأتِه،\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٧٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤١٤)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٨٩).\n(٣) في \"ب\": \"وقد\".\n(٤) انظر في بيان معنى الحيض: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٢١٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٧٢)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٤٦٩)، و\"لسان العرب\" (٧/ ١٤٢)، (مادة: حيض).\n(٥) في \"أ\": \"يأمر\".\n(٦) في \"أ\": \"النظر\".\n(٧) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤١٤)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٣).\n(٨) انظر:\" المجموع\" للنووي (٢/ ٤٩٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٢).","vol":"1","page":397},{"text":"فقال: \"ما فَوقَ الإزارِ\" (١)، وبما روته عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- من فعله - ﷺ - (٢).\n- وجَوَّزَهُ قوم منهم عِكْرِمَةُ ومجاهد والشعبي والنخعيُّ والثوري والأوزاعيُّ والشافعيُّ (٣) وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وابنُ المنذرِ وداودُ (٤)، وإيّاه أختار؛ لقوله -ﷺ-: \"جامِعوهُنَّ في البُيوت، واصنَعوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النكّاحَ\" (٥).\nوالجوابُ عن قوله - ﷺ -: \"ما فوق الإزار\"، أي: يحلّ حلًاّ لا منعَ فيه، ولا كراهةَ، أو يحملُ على الإزار الصغيرِ الذي تجعلهُ الحائضُ تحتَ إزارها.\nوأما فعلُه - ﷺ -، فإنه يدلُّ على جوازِ مباشرةِ الحائضِ فيما فوق السُّرَّةِ، ولا يدلُّ على المَنعْ فيما تحتَها (٦).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٢)، كتاب: الطهارة، باب: في المذي، من حديث حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁. وإسناده جيد، كما قال النووي في \"خلاصة الأحكام\" (١/ ٢٢٨).\n(٢) روى البخاري (١٩٢٦)، كتاب: الاعتكاف، باب: غسل المعتكف، عن عائشة قالت: \"كان النبي - ﷺ - يباشرني وأنا حائض .. \".\n(٣) قال النووي: جمهور الأصحاب أنه حرام، وهو المنصوص للشافعي في \"الأم\"، والبويطي، و\"أحكام القرآن\". انظر: \"المجموع\" (٢/ ٣٩٢).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ١٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤١٥)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٤)، و\"الاختيار\" للموصلي (١/ ٣٩).\n(٥) رواه مسلم (٣٠٢)، كتاب: الحيض، باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، وأبو داود (٢٥٨)، كتاب: الطهارة، باب: في مؤاكلة الحائض ومجامعتها، عن أنس بن مالك.\n(٦) انظر هذا الجواب في: \"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":398},{"text":"* وفي الآية دلالة على أن الحائض إذا انقطع دمُها لا يحلُّ غِشْيانُها، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وجماهيرِ أهل العلم (١).\n- وقال أبو حنيفةَ: يحلُّ، وإن لم تغتسلْ (٢)، والمراد عندهُ: صِرْنَ أهلًا للصلاة، وهو خِلافُ الظَّاهِرِ من لفظِ الآيةِ؛ فإنها تدلُّ لغيرِه من أربعةِ أوجهٍ:\nأحدها: قراءةُ مَنْ قرأ: (حتَّى يَطَّهَّرْنَ) (فإذا تطهَّرْنَ)، كلتاهما بالتشديد (٣).\nثانيها: قراءَةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (حتى يطهرن) (٤)، فلا يقوم الوقتُ مقامَ الفعلِ المنسوبِ إليهن.\nثالثها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرنَ﴾ أي: اغتسلْنَ، وبهذا فسر ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وغيرُهما (٥).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٨٩)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٧٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤١٩)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٧٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٤).\n(٢) لكنه اشترط أن ينقطع الدم لعشرة أيام، فإن كان قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة. انظر: \"الاختيار لتعليل المختار\" للموصلي (١/ ٣٩).\n(٣) قرأ بها حمزة، والكسائي، وعاصم الجحدري، وخلف، والفضل، وشعبة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٨٣)، و\"التيسير\" للداني (٨٠)، و\"السبعة\" لابن مجاهد (١٨٢)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٣٤)، و\"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٤٣)، و\"النشر\" لابن الجزري (٢/ ٢٢٧). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٧١).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٣).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٨٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٦٢٤).","vol":"1","page":399},{"text":"رابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٢].\nفإن قلتم: فهل نجدُ ما يدل على أنَّ المرادَ بالمتطهرين المتطهرين بالماء؟\nقلت: نعم، قوله تعالى في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].\nوكلمة (من) في قوله تعالى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قيل: إنها بمعني (في) أي: في حيث أمركم الله، وهو الفرج؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، فالإتيان مستحب، وكونُه في المحلِّ المَخْصوصِ واجب بإجماع المسلمين، فلا يحل لمؤمن إتيانُ امرأته في دُبُرِها.\nوقيل: إن (من) على حقيقةِ وضعِها، والمعنى: مِنْ حيثُ نهاكُم اللهُ عنهُ، وأَمَرَكُم باعتزاله، وهو أحسنُ؛ لأن الله سبحانه عَقَبَهُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٢].\nفعن مجاهد: المتطهرين من إتيانِ النساءِ في (٣) أدبارهن (٤).\nوالمتنزِّهُ عن المحل المكروهِ مُتَطَهِّرٌ، كما حكى الله سبحانه عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤١٩)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٩٧).\n(٢) انظر معنى \"من\" في الآية في: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٨٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٣٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٧٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٦).\n(٣) في \"ب\": \"من\".\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٨٣).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>(من أحكام النكاح)</span>\n٣١ - (٣١) قوله ﷻ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\n* هذه الآية رَدٌّ على اليهودِ، وكانت تقول: إذا أتى الرجلُ امرأته مِنْ دُبُرِها في قُبُلِها، كانَ الولدُ أحولَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٣].\nوالحَرْثُ من المرأةِ: الموضِعُ الذي يوضع (٢) فيه المَنِيُّ لابتغاء الولد.\nو(أنّى) كلمةٌ لها معنيان:\n- تكون بمعنى (كيف)، وبهذا أخذ أهل العلم (٣)؛ لما دلَّ عليه سببُ الآية من عيب اليهود على المسلمين، فردَّ اللهُ سبحانه عليهم.\nقال جابر -رضيَ الله تعالى عنه-: أنزل اللهُ ﷾: ﴿نِسَاؤُكُمْ\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٦٢)، كتاب: النكاح، باب: في جامع النكاح، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٦)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٥٧١)، وأبو عوانة في \"مسنده\" (٤٢٩٠)، عن جابر بن عبد الله.\n(٢) في \"ب\": \"يزرع\".\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٩٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٧٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٨٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٢٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٦).","vol":"1","page":401},{"text":"حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، من بَيْنِ يَدَيْها، ومِنْ خَلفِها، ولا يأتيها إلاّ في المَأْتَى (١).\n- وتكون في اللسانِ بمعنى (حيث)، ويُروى القولُ بهذا عن بعض علماء المدينةِ، وأنه ذهبَ إلى إباحةِ وَطْءِ المرأةِ في دُبُرها، حتى نسب ذلك إلى ابنِ عمرَ، ونافعٍ (٢)، وابن المسيّبِ (٣)، ومالكٍ (٤)، ومعاذَ اللهِ سبحانه أن يصحَّ هذا عنهم.\nويدلّ عليه ما رواه النَّسائي عن أبي النضر أنه قال لنافعٍ مولى ابنِ عمرَ: قد أُكْثِرَ عليك القولُ أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تُؤْتى النساءُ في أدبارهن، قال نافعٌ: لقد كذبوا عليَّ، سأخبركَ كيفَ كانَ الأمر: إن ابنَ عمرَ\n_________\n(١) رواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤١٩٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٠٣٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٩٥)، وهذا لفظ البيهقي.\n(٢) قلت: ولم يثبت ذلك عنهما، فقد قال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٦٤) وما بعدها، وبعد أن صحح إسناد حديث النسائي الذي سيذكره المؤلف، قال: وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل.\nوانظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٣٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٠).\n(٣) وقد نسب ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٧٠) إلى ابن المسيب: أنه يقول بحرمة ذلك.\n(٤) قال القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ٨٨): وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى \"كتاب السر\"، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سِرّ، ووقع هذا القول في \"العتبية\" وقال فيه: وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل، وهم مبرؤون من ذلك، انتهى.\nوقال القرافي في \"الذخيرة\" (٤/ ٤١٦): ونسبته إلى مالك كذب.","vol":"1","page":402},{"text":"عرض عليَّ المصحفَ يومًا، وأنا عنده، حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال: يا نافع! هل تدري ما أمرُ هذه الآية؟ إنّا كُنَّا -معشرَ قريشٍ- نَجيءُ النساءَ منْ قِبَل أدبارهنّ، فلما دخلنا المدينةَ، ونكحنا نساءَ الأنصارِ، أردنا منهنَّ ما كنا نريدُ من نسائِنا، فإذا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذلك، وأَعْظَمْنَهُ، وكان نساءُ الأنصارُ يُؤْتينَ على جُنوبِهِنَّ، فأنزل اللهُ سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ الآية (١).\nوالقولُ بهذا أيضًا باطلٌ؛ لأنه قد دلَّ الدليل على حَمْل هذا اللفظِ على أحدِ مَعْنَييه، فلا يجوز العُدول عنه (٢).\nفإن قلتم: فقد ذهبَ الشافعي، والمالكيَّةُ، وجماعةٌ من الأصوليين إلى حمل المشترك على معانيه (٣)، بل قال الشافعيُّ: يجب حملُه كالعموم، والعبرةُ بعمومِ اللفظ لا بخصوصِ السببِ.\nقلنا: إنما يحمل على معانيه حيث لا قرينةَ تدلُّ على أن المرادَ أحدُهما، والقرينةُ دالةٌ عليه من وجوه:\nأحدها: السببُ الذي ذكرناه قرينةً في إرادةِ أحدِ المعنيين وصرفِه عن المعنى الآخر.\n_________\n(١) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٩٧٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٤٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٦٩).\n(٢) انظر الأدلة التي استدل بها العلماء على منع إتيان النساء في الأدبار في: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٧٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٠). وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٢٧)، و\"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٣٢/ ٢٦٥)، و\"زاد المعاد\" لابن القيم (٤/ ٢٥٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٨/ ٢٤٢).\n(٣) تقدم ذكر مسألة حمل المشترك على معانيه في مقدمة الكتاب.","vol":"1","page":403},{"text":"وثانيها: نهى (١) الله سبحانه عن قربان النساء في حال الحَيْض، وأمر (٢) بإتيانهنَّ عند الطُّهْر (٣)، ولو كان وَطْؤُهُنَّ في الدُّبُرِ حَلالًا، لما كانَ لنهيِهِ عن قربانهن معنًى.\nوثالثها: التشبيه بالحَرْث قرينةٌ دالة على أحد المَعْنيين؛ بدليل أن الحَرْثَ لا يكونُ إلا في موضعِ الزرعِ، قال الشاعر: [من مجزوء الرمل]\nإنَّما الأَرْحامُ أَرَضُو ... نَ لنا محترثات\nفَعَلَينا الزَّرْعُ فيها ... وعلى اللهِ النَّباتُ (٤)\nوهذا تأويلُ الإمامِ مالك رضيَ الله تعالى عنه.\nروى يونسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، عن ابنِ وهبٍ: أنه قال: سألتُ مالكَ بنَ أنس، فقلت: إنهم حَكَوْا عنكَ أنك تَرى إتيانَ النساءِ في أدبارهن، فقال: معاذَ اللهِ! أليسَ أنتم قومًا عرَبًا؟ فقلت: بلى، فقال: قال اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهل يكونُ الحرثُ إلا في مَوْضِعِ الزرعِ أو موضع المنبت؟\nوروى الدارَقُطْنِيُّ عن رجاله، عن إسرائيلَ بنِ رَوْح: أنه قال: سألتُ مالِكًا فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: ما أنتم عرب؟ هل يكونُ الحرثُ إلا في موضعِ الزرع، ألا تسمعونَ اللهَ تعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قائمة\n_________\n(١) في \"ب\": \"نهي\".\n(٢) في \"ب\":\"وأمره\".\n(٣) في \"ب\": \"التطهر\".\n(٤) أنشده ثعلب؛ كما ذكر أبو حيان في \"البحر المحيط\" (٢/ ١٨٠)، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ٨٨)، والثعلبي في \"تفسيره\" (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":404},{"text":"وقاعدةً، وعلى جَنْبِها، ما (١) لا يتعدَّى الفَرْجَ. قلت: يا أبا عبد الله! إنهم يقولون: إنك تقول بذلك، فقال: يكذبون علي، يكذبون عليّ، يكذبون عليّ (٢).\nفإن قيل: فقد قالَ محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد الحَكَم: سمعتُ الشافعيَّ يقول: ليس فيه عن رسول الله -ﷺ- في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياسُ أنه حلالٌ (٣)، وقد غلط سفيان في حديثِ ابنِ الهاد (٤).\nفالجوابُ: أن هذه الروايةَ مختصرةٌ من حكايةِ مناظرةٍ جرتْ بينَ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ، وفي سياقِها دلالة على أنه إنما قَصَدَ بما قالَ الذَّبَّ عن بعضِ أهلِ المدينةِ على طريقِ الجَدَلِ، وأما مذهبُه، فقدْ قال الربيعُ: كان الشافعيُّ يحرّمُ إِتيان النساءِ في (٥) أدبارهن (٦).\n_________\n(١) \"ما\" ليست في \"ب\".\n(٢) رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٨/ ٣٢٤) من طريق الخطيب البغدادي، ورواه أيضًا (٨/ ٤٠٥) من طريق البيهقي به إلى إسرائيل بن روح. وقد رواه الخطيب في \"رواه مالك\" من طريق إسماعيل بن حصن، عن إسرائيل بن روح، به.\nقال الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٨٧): والعهدة في هذه الحكاية على إسماعيل، فإنه واهي الحديث.\n(٣) رواه الإمام الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٦/ ٢١٩)، ونسبه ابن القيم في \"حاشيته على سنن أبي داود\" (٦/ ١٤٣) للبيهقي. ثم أورد كلام البيهقي في هذا، وهو ما ذكره المصنف هنا من قوله: وقد غلط سفيان في حديث ابن الهاد ... إلخ.\n(٤) قال الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٨١): هذا سمعه -يعني: قول الشافعي- ابن أبي حاتم من محمد، وكذلك الطحاوي، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في \"مناقب الشافعي\" له، وأخرجه الحاكم في \"مناقب الشافعي\" عن الأصم، عنه، وأخرجه الخطيب عن أبي سعيد بن موسى، عن الأصم.\n(٥) \"في \"ليست في \"أ\".\n(٦) وقال الحاكم: لعلَّ الشافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في الجديد:=","vol":"1","page":405},{"text":"وقال: قال الشافعيُّ: قال الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وبين أن موضعَ الحرثِ موضعُ الولد؛ فإن الله تعالى أباح الإتيان فيه إلاّ في وقت الحيض (١)، وَ﴿أنَّى شِئْتُمْ﴾: من أين شئتم. قال: وإباحةُ الإتيان في موضعِ الحرث يشبهُ أن يكون تحريمَ إتيانِ غيره، فالإتيانُ في الدُّبُرِ حتى يبلغَ مبلغَ الإتيان في القُبُلِ مُحَرَّم بدلالةِ الكتابِ، ثم السنَّة.\nثم قال: أخبرني عَمِّي محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، قال: أخبرني عبدُ الله ابن علي بن السائب، عن عمروِ بنِ أجحد بن الجلاح، أو عن عمرو بن فلان بن أجحد -أنا شككت- عن خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ: أنَّ رجلًا سألَ النبيَّ - ﷺ - عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجلِ امرأته في دبرها، فقال النبي -ﷺ-: \"حلال\"، فلما ولّى الرجلُ دَعاه، أو أمرَ بهِ فدُعي، فقال: \"كيف قلتَ؟ في أي الحرثين أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصعتين، أَمِن دُبرها في قُبلها، فنعم، أمن دُبُرِها في دُبرها، فلا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا تَأتوا النساءَ في أَدْبارهنّ\" (٢).\nعمي ثقةٌ، وعبدُ الله بنُ عليّ ثقةٌ، وخُزيمة مِمَّنْ لا يَشُك عالِمٌ في ثقتِهِ،\n_________\n= فالمشهور أنه حرمه.\nوذكر الربيع: أن الشافعي قد نص على تحريمه في ستة كتب. وانظر: \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ١٨٢).\n(١) في \"ب\": \"المحيض\".\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٧٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٩٦)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ١٩٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٥/ ١٣١).","vol":"1","page":406},{"text":"فلستُ أُرَخِّصُ فيه بدليل (١)، بل أنهى عنه (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"بدليل\" ليس في \"ب\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٧٣ - ١٧٤).\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٤/ ٢٦١): قلت: ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع \"من\" بـ \"في \"، ولم يظن بينهما فرقًا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغَلِطَ عليهم الغالطُ أقبح الغلط وأفحشه.","vol":"1","page":407},{"text":"تيسير البيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nالإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي\nالمشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى -\n\nبعناية\nعبد المعين الحرش\n\n[المجلد الثاني]","vol":"2","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ\n[٢]","vol":"2","page":3},{"text":"جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة\nالطَّبْعَةُ الأُولَى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n\nردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨:  ISBN\n\nدَارُ النَّوادِرِ\nسورية - لبنان - الكويت\nمُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت\nسورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)\nلبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nالكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦\nهَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)\nwww.daralnawader.com\ninto@daralnawader.com\nأسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>(من أحكام الأيمان)</span>\n(اليمين المنعقدة واليمين اللغو)\n\n٣٣ - (٣٣) قوله ﷻ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤].\nقال ابنُ عباسٍ: لا تجعلوا اللهَ حُجَّةً إذا (١) كانَ الحِنْث خيرًا (٢)، قال النبيُّ - ﷺ -: \"إنِّي واللهِ، إنْ شاء اللهُ، لا أَحْلِفُ على يَمينٍ، فأَرى غيرَها خيرًا منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتَحَلَّلْتُها\" (٣).\nوهذا الحكمُ مُتفَقٌ عليه (٤).\nوقيل: معنى الآية: ولا تجعلوا اللهَ بِذْلةً (٥)، فتحلفوا به في كلِّ باطلٍ\n_________\n(١) في \"أ\": \"حيث\".\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠١). وهو قول مجاهد وعطاء والربيع والنخعي وابن جبير والجمهور.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٣٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٢).\n(٣) رواه البخاري (٥١٩٩)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحم الدجاج، ومسلم (١٦٤٩)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا ...، عن أبي موسى الأشعري.\n(٤) قال ابن قدامة: أجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها. انظر: \"المغني\" (١٣/ ٤٣٥)، وانظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ٢٥٥).\n(٥) البذلة -بالكسر-: ما يلبس ويمتهن، ولا يصان من الثياب. انظر: \"تاج العروس\" للزبيدي (٢٨/ ٧١).=","vol":"2","page":5},{"text":"وحقٍّ (١)، ويروى عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-.\nوهذا الحكمُ متفق عليه أيضًا، فيُكْرَهُ للرجل أن يُكْثِرَ الحَلفَ باللهِ في كلِّ شيء، وإن بَرَّ واتَّقى (٢)، والله أعلم.\n* * *\n\n٣٣ - (٣٣) قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\n* اللغو: هو ما يجري على اللسانِ من غير قصدٍ، نحو: لا والله، وبلى والله، وهكذا يروى تفسيرهُ عن عائشة -رضي اللهُ تعالى عنها- (٣)، وبه أخذ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- (٤).\n- وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: هو أن يحلفَ على شيءٍ ظَنَّهُ كذلك، وأنه صادق فيه، فتبين له خلافه، فهو خطأ منه (٥)، ولا إثم عليه، وروي هذا عن\n_________\n= ووجه المنَاسبة بين المعنى اللغوي وما هنا: هو أنهم لم يصونوا الله تعالى، ولم يعظموه، فيحلفوا به كيفما كان.\n(١) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ٩٢)، ولم ينسبه لأحد.\n(٢) قلت: لم أجد من نقل الاتفاق على كراهة كثرة الحلف، إلا أن ابن قدامة ذكر في \"المغني\" (١٣/ ٤٣٩): يكره الإفراط في الحلف بالله تعالى.\n(٣) رواه البخاري (٤٣٣٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٠٤).\n(٤) وهو قول ابن عمر وابن عباس في رواية عنه، وسالم والشعبي وعطاء وأبي قلابة والنخعي وعكرمة والزهري والأوزاعي. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٦١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٤٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٩٤/١).\n(٥) في \"ب\" زيادة: \"غير عمد\".","vol":"2","page":6},{"text":"ابنِ عباسٍ والحسنِ والنخعيِّ والزُّهْري ومُجاهدٍ وقَتادةَ والرَّبيعِ والسُّدِّيِّ -رضي اللهُ تعالى عنهم- (١).\n- ويروى عنِ ابنِ عباسٍ: أنه اليمينُ في حالِ الغضبِ والضَّجَرِ من غيرِ عَقْدٍ ولا عَزْمٍ. وهو قولُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-، وطاوسٍ -رحمه الله تعالى- (٢)؛ لما روي عنه - ﷺ -: \"لا يَمينَ في إغلاقٍ\" (٣).\n- وقال بعضُ أهل العلم: هو ما يجبُ نقضُه؛ لأن اللغوَ واجبُ الرفع، فقال الشعبيُّ ومسروقٌ: هو أن يحلفَ على معصيةٍ، فلا يُكَفِّر، ويروى عن ابنِ عباس أيضًا (٤).\n_________\n(١) وهو قول الحنابلة أيضًا. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٠٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٦٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٤).\nوانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٣٧٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٤٥١)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١١/ ١٨).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٠٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٦٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٨).\n(٣) لم أره هكذا. وقد روى ابن ماجه (٢٠٤٦)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢٧٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٨٠٣٨)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٤٤٤٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٣٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٧)، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٦٩٢): وللطبراني في \"الأوسط\" عن ابن عباس رفعه: \"لا يمين في غضب\"، وسنده ضعيف.\n(٤) وهو قول ابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابني الزبير. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤١١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٦٤)، =","vol":"2","page":7},{"text":"- وقال ابنُ جُبَيْرٍ: هو أن يُحَرِّمَ حَلالًا، فلا يَأْثَمُ بِحِنْثِهِ، وسيأتي الكلامُ على مثلِه بهذه الآيةِ -إن شاءَ اللهُ تعالى- (١).\n* * *\n_________\n= و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٦) و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٥).\n(١) قلت: قول ابن جبير يرجع إلى القول السابق. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٠٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٦٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>(من أحكام الطلاق)</span>\n(الإيلاء)\n\n٣٤ - ٣٥ (٣٤ - ٣٥) قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].\n* أبطل الله -سبحانه- بهذه الآية (١) ما كانوا عليه من الضرارِ، كان الرجل يُؤْلي (٢) من امرأته السَّنَةَ والسنتينِ وأكثرَ، ولا تَطْلُق عليه، فنسخ اللهُ ذلك، وأَنْظَرَ المُؤالي أربعة أشهر، فإما أن يَفيءَ، أو يُطَلِّقَ (٣).\n* وليس في السُّنَّةِ -والله أعلمُ- ما يدلُّ على المُدَّةِ التي يؤلي عليها، ولا على صفة الفَيْئَة، ولا على عزيمة الطلاقِ (٤)، ولذلك اختلفَ أهلُ العلمِ من الصَّحابةِ وغيرِهم في ذلك.\n_________\n(١) في \"ب\": \"الآيات\".\n(٢) آلى من امرأته: أي حلف لا يدخل عليهن، وإنما عدَّاه بـ \"من\" حملًا على المعنى، وهو الامتناع من الدخول. \"اللسان\" (مادة: ألا)، (١٤/ ٤١).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٧). وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٧٢)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٣٩١).\n(٤) قال الإمام الشافعي: لم يحفظ عن رسول الله في هذا -بأبي هو وأمي- شيئًا. انظر: \"الرسالة\" (ص: ٥٧٨).","vol":"2","page":9},{"text":"- فروي عن بضعةَ عشرَ من الصَّحابةِ، منهم عثمانُ وعليٌّ وعائشةُ وابنُ عمرَ، ويروى عن عُمَرَ أيضًا -رضي اللهُ تعالى عنهم-: أنه إذا مضتْ أربعةُ أشهر وُقِف المُؤْلي، فإما أن يَفيءَ، وإما أن يطلق.\nوبهذا أخذَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ -رحمهم الله تعالى- (١).\n- وروي عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم-: أن عزيمةَ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر. والفيئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى انقضاء أربعة أشهر، فإن فاءَ، وإلاّ فعزيمة الطلاق انقضاءُ المدة.\nوبهذا أخذَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (٢)، وشَبَّهَ الإيلاءَ بالطَّلاقِ الرَّجْعيِّ، وشَبَّهَ هذه المُدَّةَ بمدَّة العِدَّةِ.\nوالقول الأولُ أشبَهُ بظاهرِ القرآنِ من أربعةِ أَوْجُهٍ:\nأحدها: قال الشافعيُّ: في سياقِ الآيةِ ما يدلُّ على ما وصفتُ، وذلك لما ذكر اللهُ تعالى أن للمؤلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فذكر الحُكْمَيْنِ معًا بلا فَصْلٍ بينهما، فدلَّ على أنهما يَقعان بعدَ الأربعة الأشهر؛ لأنه إنما جعل عليه الفيئةَ والطلاقَ، وقد جُعِلَ له الخِيار فيهما في وقتٍ واحدٍ،\n_________\n(١) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٨٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٤٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٠).\n(٢) انظر: \"الاختيار لتعليل المختار\" للموصلي (٢/ ٢٠٠). وانظر من قال بذلك في: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٨٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٩٩/١).","vol":"2","page":10},{"text":"ولا يتقدمُ واحدٌ منهما صاحبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحدٍ؛ كما يقال في الرَّهْنِ: افدِهِ أو نبيعُه عليكَ، بلا فصلٍ، وفي كلِّ ما خُيِّرَ فيه عليه افعل كذا أو كذا، بلا فصلٍ، فلا يجوز أن يكونا ذُكِرا بلا فَصْلٍ، ويقال: الفَيْئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى أربعة أشهر، وعزيمةُ الطلاقِ -أيضًا- انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ، فيكونانِ حكمين ذُكِرا معًا، يُفْسَحُ في أَحدهما، ويُضَيَّقُ في الآخر (١).\nولمخالفه أن يقول: لم يفسخ في أحدِهما ويُضَيَّقْ في الآخر، بل هو مخيَّرٌ بينهما في مدة الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ويتحقق التخيير بين الخصلتين عندَ انقضاءِ المدة، وجعلنا انقضاءَ المدةِ قائمًا مقام اللفظ (٢) بالطلاق وقبل (٣) انقضاءِ المدة إذا لم يبق بعدَ الأربعةِ الأَشْهُر زمانٌ يملك فيه الطلاق.\nالوجه الثاني: أنَّ منْ أَنْظَرَهُ اللهُ تعالى أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، لم يكنْ عليهِ سبيلٌ حتَّى يمضيَ أربعةُ أشهرٍ، فإذا مَضَتْ، كان عليه السبيل، وهو إما أن يفيء، وإما أنْ يطلِّق؛ كما لو قال: أُخَلِّيكَ (٤) أربعةَ أشهرٍ، لم يكنْ لهُ الأخذُ منكَ إلا حتى تنقضيَ الأربعةُ الأشهرِ (٥).\nفإن قيل: أنظرَ اللهُ سبحانه أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، وخَيَّرَهُ فيه إلى انقضائها، فأما أن يفيء، أو يلزم الفراقُ بانقضائها.\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٨١).\n(٢) في \"ب\": \"التلفظ\".\n(٣) في \"أ \": \"وقيل\"، وهو خطأ.\n(٤) في مطبوعة \"الرسالة\" للإمام الشافعي: \"أجَّلتك\".\n(٥) هذا الوجه هو من كلام الإمام الشافعي في \"الرسالة\" (ص: ٥٧٩)، وقد تصرف فيه المصنف قليلًا. وانظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي (ص: ٢٤٧).","vol":"2","page":11},{"text":"قلت: ذلك خِلافُ المفهومِ من الخِطاب؛ فإنّ اللهَ ﷾ يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، ومفهومهُ أنَّ منْ لم يعزم الطلاقَ في المدة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاءِ المدَّةِ أن يخالف حكمُه حكمَ العازمِ على الطَّلاق إذا لم يُطَلِّقْ بلسانه، ولم يعزمْ عليه (١)، وأبو حنيفة لا يفرِّق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمةُ الطلاقِ بعدَ مُضِيِّ المدة، لكنَّ مفهومَ الخِطابِ عندَهُ ليسَ بِحُجَّةٍ.\nوالوجه الثالث: من وُجوهِ الدلالة أن الفاءَ تكون جوابًا للشرط، وما هو في معنى الشرط، وفي هذه الآية معنى الشرط.\nفكأنه قيل لمَنْ آلى من امرأتِه: يتربَّصُ أربعةَ أَشهرٍ، فإن فاءَ، فإنّ اللهَ غفور رحيم، وإن عَزَمَ الطلاقَ، فإن اللهَ سميعٌ عليمٌ.\nفَفُهِمَ من هذا أنَّ مرادَ المتكلم ترتيبُ الفيئة والعزيمة على ذلك، كما يترتَّبُ الجزاءُ على الشرطِ.\nولو لم تدخلِ الفاءُ في الجوابِ، لاسْتَوى الاحتمالان، فلما دخلتْ، كان هذا هو الظاهر.\nفإن ادَّعى الحنفيةُ الإضمارَ، وقالوا: التقديرُ: (فإن فاء فيها)، أي: في المدة.\nقلنا: تركُ الإضمار خيرٌ من الإضمار، إلَّا أن يَدُلَّ الدليلُ على وجوبِ الإضمار، فيضمر، ولا دلالةَ هنا.\nالوجه الرابع: أضافَ اللهُ -سبحانَهُ- إرادة الطلاق إلى الزَّوْجِ، وقد أجمعتِ الناسُ على أنَّ صريحَ الطلاقِ ثلاثة، وليسَ انقضاءُ المُدَّةِ واحدًا من الثلاثة، ولهذا كانتْ عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- إذا ذُكر لها الرجلُ\n_________\n(١) \"عليه\" ليس في \"أ\".","vol":"2","page":12},{"text":"يحلفُ أَلَّا يأتيَ امرأتَهُ، فَبَعُدَ عنها خمسةَ أشهرٍ، لا ترى ذلك شيئًا حتى يوقَفَ، وتقول (١): كيفَ قالَ اللهُ سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩].\n- والإيلاءُ: هو اليمينُ والقسمُ على تركِ الجماع:\n- فمن أهل العلم من لم يشترطْ في الجماع مُدَّةً، بل إذا حلفَ على قليل الزَّمانِ وكثيره كانَ مؤليًا.\nوبه قال الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وابنُ أبى ليلى، ويروى عن عبدِ الله بنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهم- (٣).\nوتمسكوا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا مُتَمَسَّكَ لهم في الآية؛ لأن الله سبحانه ضربَ هذهِ المدَّةَ ليرجِعَ فيها المُؤلي عن المضارَّةِ، والعملِ بمقتضى يمينه، وذلك يقتضى أن تزيدَ المدةُ على أربعةِ أشهرٍ.\n- وروي عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أَنَّ المُؤْليَ مَنْ حلفَ ألاَّ يصيب امرأته أبدًا (٤).\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"أي عائشة\".\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٤٨)، وفي \"الأم\" (٥/ ٢٦٥)، ومن طريقه: البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٧٨).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٠٤)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٠) و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٩).\nقال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. كذا نقله القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ٩٩/١).\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٩٩/١).","vol":"2","page":13},{"text":"- وقال أبو حنيفة: أن يحلفَ على أربعةِ أشهرٍ فصاعدًا (١)؛ لكونه من لوازم قولهِ في المسألة الأولى.\n- وقال الشافعي وموافقوه: هو أن يحلفَ على أكثرَ من أربعةِ أشهر (٢)؛ ليوافقَ مذهبَهُم في المسألة الأولى (٣).\n* والفَيْئَةُ في اللغة هي الرجوعُ، والمرادُ بها الوَطْءُ في حقِّ القادر (٤). وأما المعذورُ، فيبينُ عذرهُ، ويقول: لو قدرت لفئت (٥).\n_________\n(١) وهو قول عطاء والثوري؛ انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٩). وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٨).\n(٢) وهو قول طاوس وابن جبير والأوزاعي ومالك وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور. انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٩٩)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٧٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٨).\n(٣) أي: ما قاله الشافعي ومن معه في كون المؤلي إذا مضت أربعة أشهر وانتهت، فإنه يفيء أو يطلق.\n(٤) قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ هو الجماع لمن قدر عليه. انظر: \"الاستذكار\" (١٧/ ١٠١).\nوانظر في بيان معنى الفيئة: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ١٤٥)، و(٢/ ١٦٥)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ٤٨٢) وما بعدها، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١/ ١٢٥) (مادة: فيأ).\n(٥) وهو قول ابن مسعود وجابر بن عبد الله والنخعي والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وعكرمة وأصحاب الرأي، والمالكية والشافعية والحنابلة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٢٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٠٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٣). =","vol":"2","page":14},{"text":"وقال عكرمة: فَيْئَةُ المعذور بالنِّية، وإليه ذهبَ أبو ثورٍ وأحمدُ (١).\nوالأولُ أولى؛ لأنه وإن كانت الفيئة توبة، والتوبةُ لا يُطْلَبُ فيها القَوْلُ، لكنَّها هنا تعلَّقَ بها حَقُّ الغيرِ، فاشْتُرِطَ بيانُ تركِ الظُّلْمِ والضّرر، ولا يحصل عِلْمُهُ إلا بالقول.\n* والفيئة توجب الكفارةَ عند أكثر أهل العلم (٢).\nويُروى عنِ ابنِ عباس وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٣)، وهو القولُ الجديدُ للشافعيِّ (٤)، والغفرانُ يختصُّ بالذنب لا بالكفّارة؛ بدليل قوله - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فَرأى غيرَها خيرًا منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يمينِهِ، ولْيَأتِ الذي هوَ خَيْرٌ\" (٥).\n_________\n= وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥٩)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٨٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٢).\n(١) وهو قول علقمة والنخعي والحسن وابن المسيب: انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٢٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٥٣٢).\nقلت: والمنصوص عليه عند الحنابلة: أن الفيئة عند العذر لا تكون بالنية، بل بالقول على كل حال، ولم يذكروا فيها خلافا في المذهب. انظر: \"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ٤٨٣)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ١٨٦).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٣) و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٨).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٢٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١١٢/ ١١).\n(٤) وهذا هو المعتمد في المذهب. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٢٨).\n(٥) رواه مسلم (١٦٥٠)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها ..، عن أبي هريرة.","vol":"2","page":15},{"text":"- وقال الحسن والنخعيُّ: لا تجبُ الكفارةُ (١)، وهو القديمُ من قولِ الشافعيِّ.\n* وعمومُ الآية يقتضي أن للعبد إذا آلى تربصَ أربعةَ أشهرٍ؛ لدخولِه (٢) في خِطاب الأحرارِ؛ كما قدمتُه في مقدمة كتابي هذا، وبهذا قال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر (٣).\n- وذهب مالكٌ إلى تنصيف مُدَّتِهِ قياسًا على تنصيف حَدِّهِ وطَلاقه.\nويروى عن الزهريِّ وعطاءٍ وإسحاقَ (٤).\n- وذهب أبو حنيفة إلى اعتبارِ نُقْصانِ المُدَّة بالنساءِ لا بالرجال؛ قياسًا على العِدَّةِ (٥)، وبه قال الحسنُ والنخعيُّ (٦).\n_________\n(١) وهو قول قتادة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٢٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٣). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٠٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٨).\n(٢) في \"ب\": \"لأن العبيد يدخلون\".\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٠٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٤٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٦).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٠٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٢٩٦/ ١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠١).\n(٥) يعني: أن أبا حنيفة يقول: إذا كانت الزوجة مملوكة، فإيلاؤها شهران، سواء كان الزوج حرًّا أم عبدًا، وإن كانت حرة، فإيلاؤها أربعة أشهر من الحر والعبد، ولا اعتبار بالزوج؛ لأن الطلاق والعدة جميعًا بالنساء.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١١٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٧١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥١).\n(٦) وهو قول الحكم وحماد والشعبي وقتادة والثوري. انظر: \"الاستذكار\" لابن =","vol":"2","page":16},{"text":"فأما (١) اعتبارُ مالكٍ بالحَدِّ، ففاسدٌ؛ لأن الحدَّ حَقّ لله تعالى، ومبناه على الدَّرْءِ والإسقاط، والإيلاءُ حقّ للآدمي، ومبناه على التغليظ والاحتياط.\nوأما اعتبارهُ بالطلاق، فأولى منه الاعتبار بمدة العُنَّة؛ لأن الشرع ضرب المدتين توسعةً للأزواج في إذا ما وجب (٢).\nوأضعف منه اعتبار أبي حنيفة بالعِدَّةِ؛ لأن الله سبحانه علَّق هذا الحكم بالرِّجالِ، وضرب هذا الأجل إنظارًا وتوسعةً، وعلَّقَ حكمَ العِدَّةِ بالنساء، فكيف يُعْتبرُ حكمٌ وجبَ للرجالِ بحُكْمٍ وجبَ على النساء (٣)؟\n* وعموم الآية أيضًا يقتضي صِحَّةَ الإيلاءِ من الرَّتْقاءِ (٤) والقَرْناءِ (٥)،\n_________\n= عبد البر (١٧/ ١١٠)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٤٩).\n(١) في \"ب\": \"وأما\".\n(٢) قلت: يعني: إن مالكًا قال بأن مدة إيلاء العبد على النصف من مدة إيلاء الحر وهي شهران، وذلك قياسًا على كون طلاق العبد على النصف من طلاق الحر، فكان الأولى أن يقيسه على أجَلِ العُنَّة، لأن كلًا من الحر والعبد إذا لم يُطِق جماعًا، فإنه يُضرب لكل منهما مدة، وهذه المدة متساوية بين العبد والحر، فكذلك كان ينبغي هنا أن يقول: مدة إيلاء العبد مثل مدة إيلاء الحر.\n(٣) قلت: يعني: إن قياس أبي حنيفة حال الإيلاء على حال العدة ضعيف، لأن الإيلاء هو حكم للرجال ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، أما العدة فهي معلقة بالنساء ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فكيف يقاس ما هو للرجال على ما هو للنساء، فهذا قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق لا يصح، فَضَعُفَ ما يقول به الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى.\n(٤) الرَّتَقُ: بالتحريك، مصدر قولك: رتقت المرأة رتقا، وهي رتقاء بينة الرتق: التصق ختانها فلم تنُل لارتقاق ذلك الموضع منها، فهي لا يستطاع جماعها، وفرجٌ أرتقُ: ملتزقٌ. انظر: \"لسان العرب\" (١٠/ ١١٤)، مادة (رتق).\n(٥) القرناء من النساء: التي في فرجها مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما لغدة =","vol":"2","page":17},{"text":"والصغيرِة، والمريضةِ المضناة (١)، وفي ذلك خِلافٌ بين الفقهاء (٢).\n- فمنهم من أخذ بالعموم.\n- ومنهم من أخذ بالمعنى، وهو عدمُ المُضارَّةِ في حَقِّهن.\nحتى ذهبَ مالك إلى أن مَنْ قصدَ المُضارَّةَ بتركِ الوطء ولم يؤلِ بلسانه يعتبر مؤليًا، والجمهورُ على خلافِه (٣).\n_________\n= غليظة، أو لحمة مرتتقة، أو عظم، يقال لذلك كله القرن. انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ٣٣٥) مادة (قرن).\n(١) المرأة المضناة: هي المرأة التي أثقلها المرض حتى إنها لا تستطيع القيام بحق الزوجية.\n(٢) أما الإيلاء من الرَّتقاء: فذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم صحته؛ لأن الوطء متعذر دائمًا.\nوذهب المالكية والحنفية إلى صحته؛ لاحتمال زوال الرتق والقرن.\nانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥٩)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٤).\nوأما الإيلاء من الصغيرة: فيصح عند الأئمة الأربعة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥٩)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٧١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٤).\nوأما الإيلاء من المريضة: فيصح -أيضًا- عند الأربعة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥٩ - ٦٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٤).\n(٣) إذا ترك الزوج وطء زوجته بغير يمين قاصدًا المضارة: فلا يكون موليًا عند الشافعية والحنابلة والأصح عند المالكية. وذهب الحنابلة في راوية عندهم: أنه يكون موليًا، وهذا هو المرجح عندهم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٤٦)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٧٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢٣٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٥٣)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ١٦٩). =","vol":"2","page":18},{"text":"* وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وليس في الإماء طلاق، ولأنه لا يجب للمَمْلوك على مالكه شيءٌ غيرُ المؤنة.\n* إذا تمَّ هذا فالإيلاء في لسانِ العربِ هو الحلفُ مطلقًا، قال الشاعر: [البحر الطويل]\nفآليتُ لا أنفك أحدو (٢) قَصِيدةً ... تكون وإياها بها مثلًا بعدي\n- فمن أهل العلم من جعل الحلفَ على الامتناعِ من الوَطْءِ بكلِّ شيءٍ مَحْلوفٍ به، سواءٌ حلف بالله، أو بغيره، وبه قال الجمهورُ، والشافعيُّ في الجديد، ويروى عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.\n- ومنهم من نظرَ في الإيلاء إلى عرفِ الشرعِ، فإنْ حلفَ باللهِ، فهو مُؤلٍ، وإنْ حلف بغيره، فليس بِمُؤْلٍ (٣)، وهو قولُ الشافعيِّ في القديم.\n_________\n= قلت: وما أطلقه المصنف هنا عن الإمام مالك: أنه يعتبر موليًا، قد صحح خليلٌ خلافَه، ومشى عليه شراحُه. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٦٧٧)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٥/ ٤١٦).\n(١) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٢٥).\n(٢) الحَدْو: هو سَوْق الإبل والغناء لها. \"اللسان\" (مادة: حدو)، (١٤/ ١٨٦).\n(٣) القول بكون من حلف بالله أبو بغيره، كأن يحلف بطلاق أو عتاق أو صدقة، وكل يمين منعت جماعًا = هو الذي عليه الجمهور، وبه قال الشعبي والنخعي، وأهل الحجاز والعراق والثوري، وأبو عبيد وأبو ثور، وبه قال مالك والشافعي في الجديد، وأبو حنيفة، وغيرهم.\nوأما من قال بأن الإيلاء لا يكون إلا في الحلف بالله تعالى، فإن حلف بغيره، فإنه لا يكون موليًا = هو رواية عن أحمد، وهي المنصورة في المذهب.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٩٨). وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٥٣)، و\"حاشية =","vol":"2","page":19},{"text":"٣٦ - (٣٦) قوله ﷻ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n* أقول: المطلقةُ لا تخلو (١):\n- إما أن تكون مدخولًا بها، أو لا.\n- والمدخولُ بها لا تخلو إمّا أن تكونَ حاملًا، أو لا.\nوغيرُ الحامل لا تخلو إما أن تكون من ذوات الحَيْضِ، أو لا.\nوالخالية من الحيضِ لا تخلو إما أن تكونَ لا تعرفه أصلًا، وهي الصغيرة، أو تعرفه، ثم انقطع.\nوالمنقطعُ دمُها لا تخلو إما أن تكونَ انقطع دمُها لإياسٍ، أو غيره.\nوقد ذكر اللهُ سبحانه جميعَ ذلك في كتابِه، وبيَّنه نَصًّا وعمومًا، فقال في هذه السورة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا عامّ في كل مُطَلَّقة، وقال في سورةِ الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهي مخصِّصة ومبيِّنة لآية البقرة.\nوقال بعضهم: آية الأحزاب ليست مخصصة لآية البقرة؛ لأن الله سبحانه قال في أثنائها: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فدلَّ\n_________\n= الدسوقي\" (٢/ ٦٧٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢٣٠)، و\" المغني\" لابن قدامة (١١/ ٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ١٧٣).\nفي \"أ\": \"الجديد\"، وهو خطأ. وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٥٣).\n(١) في \"ب\" زيادة: \"هي\".","vol":"2","page":20},{"text":"على أن المراد بآية البقرة: المطلقاتُ المدخولُ بهنَّ.\nوما قاله هذا القائل لا يستقيمُ إلا على قولِ بعض الأصوليين: إن أول الآية يُخَصُّ بآخرها، وقد بينتُ ذلك في مقدمة كتابي هذا.\nوقال الله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فيُخصّ بها عمومُ آيةِ البقرةِ.\n- * وأمّا الخالياتُ عن (١) الحيضِ؛ لصغر، ومن انقطع دمُها لإياسٍ، فقال الله سبحانه فيهنَّ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].\nفمنهم من قال: يُخَصُّ بها عموم آية البقرة؛ فإنها عامَّة فيهن.\n- وقال بعضهم: إن آيةَ البقرة لا تتناولُهنَّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرَ المطلقاتِ في سورة البقرةِ أن يتربَّصْنَ بالأقراء، وهي مفقودةٌ منْ هؤلاءِ، فدل على أنهنَّ لم يُرَدْنَ (٢).\nوهذا القولُ حسن وصواب إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأن ذلك ليسَ في استطاعتهنَّ عادةً، ولا فِعْلًا، حتى يؤمرْنَ به، فلا نزاع في هذا، والله أعلم.\n* وأما التي انقطع دمها.\nفإن كانَ لعارضٍ معروفٍ كرَضاعٍ أو مرضٍ، تَرَبَّصَتْ عَوْدَه، واعتدَّتْ بالأقراء؛ لعمومِ قولهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولمفهومِ قوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، وروي ذلكَ عن عثمانَ وعليٍّ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ مسعودٍ\n_________\n(١) في \"ب\": \"من\".\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٣).","vol":"2","page":21},{"text":"-رضي الله تعالى عنهم- (١).\nوإن كان لغيرِ عارضٍ معروفٍ، فقد اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك:\n- فقال عُمَرُ -رضي الله تعالى عنه-: أيُّما امرأةٍ طلقتْ، فحاضَتْ حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها (٢)، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حَمْلٌ، فذلك، وإلا اعتدَّت بعدَ التسعةِ ثلاثةَ أَشْهُرِ، ثم حَلَّتْ (٣)، وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ قديمًا (٤)؛ لأن العِدَّة تُزاد لبراءة الرحمِ، فإذا علم براءته (٥)، فلا معنى للتربصِ، ولما في ذلك من الإضرار.\n- وقال علي وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما-: تقعدُ إلى الإياس،\n_________\n(١) وهو قول الأئمة الأربعة، وأكثر أهل العلم. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٥/ ١١٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٩/ ١٨/ ١٥٣)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٣٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٨٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢١٦).\nوقد خالف المالكية في انقطاع الحيض بسبب المرض فقالوا: تتربص تسعة أشهر -مدة الحمل غالبًا-، ثم تعتد بثلاثة أشهر. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٩/ ١٨/ ١٥٣)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٣٩).\n(٢) كذا في رواية \"الموطأ\"، ورواية عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٠٩٥) أوضح، وفيها: \"فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت\"، وبرقم (١١٠٩٦) وفيها: \"حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها\".\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٨٢)، ومن طريقه: الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٩٨)، وفي \"الأم\" (٥/ ٢١٣)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤١٩).\n(٤) انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٣٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٨٢) و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢١٧). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٩٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٨/ ٤٢٠).\n(٥) في \"ب\": \"براءة الرحم\".","vol":"2","page":22},{"text":"ثم تعتدُّ بالشُّهورِ (١)، وبه قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٢)؛ كالتي انقطع دمها لعارِضٍ، ولِمَا قدَّمْنا من العموم والمفهوم.\n* وأما الحائضُ المدخولُ بها:\nفقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن عِدَّةَ الحرائرِ منهن ثلاثةُ قروء (٣).\nوإنَّما اختلفوا في الإماء:\n- فذهبَ داود وأهلُ الظاهر وابنُ سيرينَ إلى إلحاقهن بالحرائر؛ لتناولِ العُموم لهنَّ (٤).\n- وذهبَ الجمهورُ إلى نُقصانِهِنَّ عن الحرائرِ؛ قياسًا على نقصانهنَّ عنهنَّ (٥) في الحَدِّ، فعدَّتهن قَرْآنِ (٦)؛ لأن القَرْءَ لا يَتبَعَّضُ، فكمل لها قَرآنِ، ولهذا روي عن عُمر -﵁-: أنه قال: لو استطعْتُ أن أجعل عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَةً ونصْفًا، لفعلتُ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٩٦).\n(٢) أي: في الجديد. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٨٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ١٤٧). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٩٥)، و\"أحكام القرآن \" للجصاص (٥/ ٣٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٥٣/ ١٨/٩).\n(٣) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٣٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٩٩/ ١١).\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٠٦)، و\"المغني \"لابن قدامة (١١/ ٢٠٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١١٠).\n(٥) \"عنهن\" ليست في \"ب\".\n(٦) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٠٦)، \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٨)، و\"المغني \"لابن قدامة (١١/ ٢٠٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١١٠).\n(٧) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٢٧٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" =","vol":"2","page":23},{"text":"فإن قيل: الحَدُّ مَبْناهُ على الدَّرْءِ والإسقاطِ، والعِدَّةُ مبناها على اللزوم والاحتياطِ، فلا يصلح الاعتبار.\nقلت: لما شهد الشرع بالتفرقة بين الحرَّةِ والأمَةِ في براءة الرَّحِمِ؛ لنقصان الأمةِ وكمالِ الحُرَّةِ، فاكتفى في براءةِ رحمِ الأمة بحيضة في بعض الأحوال، ولم يكتف بذلك في الحرةِ أصلًا، صحَّ اعتبارُ النقصانِ بالنقصان، فالاعتبار في مقدار النقصان، لا في أصل النقصان.\n* واتفق أهلُ اللسانِ كالأَصْمَعِيِّ وأبي عبيدة وغيرِهما على أن القَرْءَ يقع على الطُّهْرِ وعلى الحيض؛ لأنه اسم للوقت، فوقع على الطُّهْر والحيض، يقال: قَرَأَتِ المرأة: إذا دنا حَيْضُها، وقَرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها (١)، فقال الشاعر: [البحر المتقارب]\nإذا ما الثُّريّا وقَدْ أَقْرَأَتْ ... أَحَسَّ السِّماكانِ منها أُفولا (٢)\nوالوقتُ هنا علامة تَمُرُّ على المُطَلَّقة تُحْبَسُ فيها عن النكاح حتى تستكملها.\n* واتفقوا على أنَّ المرادَ به أَحدُهُمَا، إما الطُّهر، وإما الحيضُ، واختلفوا في تعيينه:\n- فقالت عائشةُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ: الأقْرَاءُ: الأطْهارُ (٣). وبه قال\n_________\n= (١٨٧٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٢٦).\n(١) انظر في بيان معنى القرء: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٢٦٤)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ٣٢)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١/ ١٣٠ - ١٣١)، و\"تاج العروس\" للزبيدي (١/ ٣٦٦)، (مادة: قرأ).\n(٢) ذكره ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٤) دون نسبة.\n(٣) انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٦٥٦).","vol":"2","page":24},{"text":"فقهاءُ المدينة، والزهريُّ، وربيعةُ ومالًا، والشافعيُّ (١).\nقال الزهريُّ: ما رأيتُ أحدًا من أهل بلدنا إلَّا يقول: الأقراءُ: الأَطهارُ، إلا سعيدَ بنَ المسيِّب (٢).\n- وقال عمرُ وعلي وابنُ مسعودٍ وأبو موسى: الأَقراء: الحِيَضُ (٣).\nوبه قال الأوزاعيُّ وأهلُ الكوفة والثوريُّ وأبو حنيفة (٤).\nوعن أحمد روايتان (٥).\nواحتجَّ أصحابُ القولِ الأولِ بالحديث الثابتِ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: أنه طلقَ امرأتَه وهي حائِضٌ على عهدِ رسول الله - ﷺ -، فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فَتغَيَّظَ رسولُ الله - ﷺ -، ثم قال: \"مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثُمَ تَحيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاءَ أَمْسكَهَا بعدُ، وإن شاءَ طَلَّق قبل أَنْ يمسَّ؛ فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساء\" (٦).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٦، ٣٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٥٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٠٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٣٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٧٩).\n(٢) انظر: \"تفسير السمعاني\" (١/ ٢٢٩).\n(٣) انظر: \" الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٦٥٧ - ٦٥٨).\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٣٤)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٥٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٠٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٠٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ١٤٥).\n(٥) قلت: الراجح الذي عليه جماهير أصحابه أن المراد من القرء في الآية هو: الحيض. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ١٩٩ - ٢٠٠)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٢٧٩).\n(٦) رواه البخاري (٤٩٥٣)، كتاب: الطلاق، في أوله، ومسلم (١٤٧١)، كتاب: =","vol":"2","page":25},{"text":"فإذا ثبت أن الطُهْرَ مَحَلُّ الطلاق، ثبتَ أنه محلُّ العدة (١). وهذا دليل واضح من جهة السمع.\nأما من جهة المعنى المتعلق بالوضع:\n- فإنهم احتجُّوا بأن هذا الجمع خاصٌ بالقَرْءِ الذي هو الطُّهر، وأما القُرْءُ الذي بمعنى الحَيْض، فإنه يجمع على أقراء، لا على قروء، وحكوا هذا عن ابن الأنباري -واستدلوا بتذكير العدد على تذكير المعدود، والطُّهْر مذكَّرٌ، والحيضة مؤنثة، ولو كانت مرادة لأَنَّثَ العَدَدَ.\n- واستدلوا بالاشتقاق؛ لأنه مشتق من قولهم: فلان يُقْرِئُ الماءَ في حوضه، أي: يجمعه، فالقَرء هو الحبس والجمعُ، والطهر إذا كان وقتًا فهو أولى في اللسان بمعنى القَرء، ولأنه حَبْسُ الدم.\nواحتج القائلون بالثاني:\n- بأن النبيَّ - ﷺ - أمر في سَبْيِ أَوْطاسٍ أَنْ يُسْتبرأْنَ قَبلَ أَنْ يُوطَأنَ بحيضة (٢)، والعِدَّةُ استبراءٌ، فاستبراءُ الحُرَّةِ بثلاث حِيَضٍ كَوامِلَ، تخرج منها إلى الطُّهرِ، كما تستبرئ الأمةُ بحيضةٍ كاملةٍ، تخرج منها إلى الطهر.\n- ولأن الحيضَ ممّا يجيء لوقتٍ، وأما الطهرُ فأصلٌ، فكان الحيض في اللسان أولى بمعنى القَرء؛ لأن المواقيتَ والعلاماتِ أقلُّ ممّا بينهما، والحيضُ أقلُّ من الطُهر فهو في اللغة أولى للعدة أن تكون وقتًا؛ كما يكونُ الهلالُ وقتًا فاصلًا بين الشهرين.\n_________\n= الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.\n(١) في \"أ\": \"العدد\".\n(٢) روى الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٢٤)، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - قال في سبي أوطاس: \"لا يقع على حامل حتى تضع، وغير حامل حتى تحيض حيضة\".","vol":"2","page":26},{"text":"ومن أجل هذا المعنى حكى بعضُ الشافعية (١) قولًا أن القرء هو الانتقالُ من الطهرِ إلى الحيض؛ لأنه أقل الأوقات والعلامات، وإنما لم يجعل الانتقال من الحيض إلى الطهر مرادًا بالكتاب، وإن كان معنى التسمية واقعًا عليه؛ لأن الحيضَ ليس بوقتٍ مشروعٍ للطلاق، فلا يكون الانتقالُ منه إلى الطهرِ مُرادًا لله ﷿ (٢).\n* وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: دلالةٌ على أنها مأمونةٌ على العِدَّة (٣)، فإذا ادعت انقضاءها لمدةٍ يمكن أن تنقضيَ فيها، قُبِل قولُها، وهو اثنان وثلاثون يومًا عند الشافعيِّ (٤)، وأربعة وخمسون يومًا عند بعض أهل العراق (٥).\n_________\n(١) حكاه الغزالي في \"الوسيط\" (٦/ ١١٨)، والماوردي في \"الحاوي الكبير\" (١١/ ١٦٥). وانظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٨٠).\n(٢) انظر الاحتجاج لكلا القولين في: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ١٦٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٩٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٥٠)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٥٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١٠٧/١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٠٠).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٥٣)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ٩٩).\n(٤) قال الرازي في \"تفسيره\" (٣/ ٢/ ٩٩): لأن أمرها يحمل على أنها طلقت طاهرة، فحاضت بعد ساعة، ثم حاضت يومًا وليلة وهو أقل الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يومًا وهو أقل الطهر، ثم حاضت مرة أخرى يومًا وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوما، ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا، قبل قولها، انتهى.\nوانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ١٧٦)، فقد قال: أقله اثنان وثلاثون يومًا وساعتان.\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ١٩٩).","vol":"2","page":27},{"text":"قال قتادةُ: كانت عادتهنَّ في الجاهليةِ أن يَكْتُمْنَ الحَمْلَ ليلحقَ (١) الوليدُ بالزوجِ الجديدِ، ففي ذلك نزلت الآية (٢).\nوقال الشافعي: أنا (٣) سعيدٌ -هو ابنُ سالم-، عن ابنِ جريجٍ: أن مُجاهدًا قال في قول الله ﷿: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: المرأةُ المطلَّقَةُ لا يحلُّ لها أن تقولَ: أنا حُبْلى، وليستْ بحبلى، ولا: لستُ بِحُبلى، وهي حُبْلى، ولا: أنا حائضٌ، وليست بحائضٍ، ولا: لستُ بحائضٍ، وهي حائضٌ (٤).\nوهذا -إن شاءَ الله تعالى- كما قال مجاهدٌ لمعانٍ منها:\nأنه لا يحلّ الكذب، والآخر ألاَّ تكتم الحملَ والحيضةَ لعلَّهُ يَرْغَبُ، فيراجعَها، ولا تَدَّعيها لعلَّهُ يُراجِعُ، وليست له حاجة بالرجعةِ لولا ما ذَكَرَتْ، فتغرَّهُ، والغرور لا يحلُّ.\nوالنهي يحتمل أنه لا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن إذا سُئلن (٥)، ويحتمل ألاّ يكتمن، وإن لمْ يسألْهُنَّ الزوج.\nقال ابنُ جريجٍ: سئل عطاءٌ: الحَقُّ عليها أن تخبرَهُ بحَمْلِها، وإن لم يرسل إليها يسألها عنه؛ ليرغَبَ فيها؛ قال: تظهره، وتخبرُ به أهلها، فسوف يبلُغُه (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"ليلحقن\".\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٩) وليس فيه: أنه نزلت بسبب ذلك، وإنما ذلك في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١١١).\n(٣) أي: أخبرنا.\n(٤) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢١٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٠٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٢٠).\n(٥) في \"ب\": \"سألهن\".\n(٦) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢١٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٠٥٨).","vol":"2","page":28},{"text":"* وقيل (١): كان في مبدأ صدر الإسلام للرجلِ أن يراجعَ امرأته في الحملِ، وإن طلقها ثلاثًا.\nوقيل -والله أعلم-: إن قوله سبحانه ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي (٢): في العِدَّةِ، وهي حامل، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوقال قوم (٣): نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nفإن قيل: فمفهومُ قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] يدلُّ على أن البُعولَةَ لا تستحقُّ الردَّ إذا لم يريدوا الإصلاح.\nقلنا: هذا المفهوم يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- قريبًا، فلا مفهوم لهذا الشرط، بل فيه إيماءٌ إلى أن المراجعة في هذا الحال أحسنُ وأولى؛ لما فيه من إصلاح حالهما، وإزالة الوحشة بينهما (٤).\n_________\n(١) القائل هو ابن أبي أويس: انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٧٧).\n(٢) \"أي\" ليست في \"ب\".\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٤)، وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٥)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٧٨)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٨٧).\n(٤) قال القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ١١٥): الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل القطع، والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح، فمحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، ثم من فعل ذلك، =","vol":"2","page":29},{"text":"* وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مُجْمَلٌ يحتمل أن يريد: ولهن النفقةُ والكسوةُ والسكنى؛ كما عليهن الرجعةُ، أو لهنَّ من حسنِ العشرةِ والصحبةِ مثلُ ما عليهنَّ من الطاعة.\n* وقد اتفق أهلُ العلم على أن الذي يجبُ لهن (١): النفقةُ والكُسْوَةُ وحُسْنُ العِشْرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [[النساء: ٥].\n* واتفقوا على أن الواجب عليها: طاعةُ الزوجِ إلى الفراش، وحسنُ العشرةِ والصحبةِ.\n* واختلفوا هل يجبُ عليها الخدمةُ؟\n- فمذهب (٢) الجمهور أنه لا يجب عليها الخدمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ ولأن المقصود بالعقد الاستمتاعُ، لا الخدمةُ (٣).\n- وقال بعض المالكية: يجب عليها خدمةُ زوجِها بالمعروفِ من عادة أمثالها؛ كما جرى عُرْفُ المسلمين في قديم الأمر وحديثه، ويجبُ عليه أن\n_________\n= فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه.\nوانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٥٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٣).\n(١) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٤١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٠٢٧).\n(٢) في \"ب\": \"فذهب\".\n(٣) قال الجمهور: ليس على المرأة خدمة الزوج من العجن والخبز والكنس وأشباهه؛ لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع، فلا يلزمها غيره؛ كسقي دوابه، وحصاد زرعه وأمثاله. انظر: \"الخانية على الفتاوى الهندية\" (١/ ٤٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (١٦/ ٤٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٢٥).","vol":"2","page":30},{"text":"يُخْدِمها إخدامَ مثلِها، فإن كانت لا تكتفي بخادم واحد؛ لكونها من بناتِ الملوك، وجبَ إخدامُها بقدر كفايتها؛ لأنه المعروفُ (١)، خلافًا لأبي حنيفةَ والشافعيِّ (٢).\nوهذا على أصلهم من التخصيص والتقييدِ بالعادة.\n* * *\n_________\n(١) قلت: هذا هو المذهب عند المالكية، وليس قولًا لبعضهم. قال المالكية: إن كانت الزوجة ذات قدر، ليس شأنها الخدمة، فيجب عليه إخدامها بواحدة، وإن لم تكف الواحدة، زاد عليها، فإن لم تكن أهلًا للإخدام، وجب عليها الخدمة الباطنة من عجن وخبز وكنس وطبخ له وغسل ثيابها، بخلاف الخدمة الظاهرة؛ كالنسخ والغزل والخياطة ونحوها مما هو من التكسب عادة، فهي واجبة عليه لها، لا عليها له. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٨٠٢)، و\"الموسوعة الفقهية\" (٢٤/ ٥٩).\n(٢) فقد قال الحنفية والشافعية: لا يلزمه أكثر من خادم. وهو قول الحنابلة.\nانظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٦٤٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>(عدد الطلاق التي يملك الزوج فيها الرجعة)</span>\n٣٧ - (٣٧) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوالكلام في جملتين:\nالجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ معناه: الطلاق الذي يملكُ فيه الرجعةَ مَرّتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو الثالثة.\nويروى عن النبيِّ - ﷺ - أنه سئلَ عن الثالثةِ فقالَ: \"تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ\"، أو كما قال (١).\nوهذه الآية قال قومٌ: هي ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] كما قدمناه، وقال قومٌ غير ذلك (٢).\n_________\n(١) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٤٠)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٦)، عن أنس بن مالك. وفي الباب، عن أبي رزين العقيلي.\n(٢) انظر: \"ص:٤١٢\".","vol":"2","page":32},{"text":"* وقد جعل الله -سبحانه- عَدَدَ الطلاق ثلاثًا، وأجمع عليه المسلمون في حق الأحرار (١).\nوأما العبيدُ:\n- فذهب أبو محمدِ بنُ حَزْمٍ وجماعةٌ من أهلِ الظاهرِ إلى أنهم كالأحرار وتمسكوا بالعموم (٢)؛ كما تمسَّكوا بالعموم في إلحاق عِدَّةِ الإماءِ بعدة الحرائر (٣).\n- وذهب جمهورُ أهل العلم إلى أن للرقِّ تأثيرًا في نُقْصان العدد في الطلاق.\n* ثم اختلفوا في تعيينه.\nفاعتبره قومٌ بالرجال دون النساء، فإن كان الزوجُ رقيقًا ملكَ طَلْقتين، سواء كانتِ الزوجةُ حُرَّةً أو أَمَةً، وإن كان حُرًّا، ملكَ ثلاثا، ولو كانت الزوجة أَمَةً.\nوبه قال عثمانُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عباسٍ. وإليه ذهبَ مالك والشافعيُّ -رضي الله تعالى عنهم- (٤).\n_________\n(١) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٢٨).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٣٠).\n(٣) المرجع السابق (١٠/ ٣٠٦).\n(٤) وهو قول قبيصة بن ذؤيب وعكرمة وسليمان بن يسار والشعبي ومكحول وابن المسيب وإسحاق وابن المنذر، وهو قول الإمام أحمد، لكنهم قالوا: الطلاق بالرجال؛ وإن كان الزوج حرًا ملك ثلاث طلقات، وإن كان عبدًا ملك طلقتين، سواء كانت الزوجة حرة أم أمة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨٩، ٢٩١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٣٣).","vol":"2","page":33},{"text":"- واعتبره قومٌ بالنساء، وبه قال عليٌّ وابنُ مسعودٍ، وإليه ذهبَ أبو حنيفة -رضي الله تعالى عنه- (١).\n- واعتبره قومٌ بأيِّ الجانبين كان، وبه قال عثمانُ البَتِّيُّ، ويروى عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- (٢).\nومستندهم (٣) القياسُ على نقصان حَدِّ الأمة عن الحُرَّةِ.\nويظهر لي قوةُ مذهبِ المُلْحِقين (٤)؛ لأن الحكمةَ التي شرعَ لها هذا العددُ موجودةٌ في نفوس العبيد؛ لأن (٥) الله ﷾ لم يُضيِّقْ على الرجال بتحديد طَلْقتين خشيةَ المشقةِ عندَ الندم، ولم يسمح لهم بأكثرَ من ذلك خشيةَ المشقةِ على النساء بالتضرُّر.\nوأما استدلالُ الجمهورِ، ففيه ضعفٌ؛ لأن القياس لا يُخَصِّصُ العمومَ\n_________\n(١) وبه قال أصحاب أبي حنيفة والكوفيون، والثوري والحسن بن حي وإبراهيم والحسن وابن سيرين ومجاهد وطائفة، وروي عن علي وابن مسعود وابن عباس، فهؤلاء قالوا: طلاق الأمة طلقتان سواء كان زوجها حرًا أم عبدًا، وطلاق الحرة ثلاث، سواء كان زوجها حرأ أم عبدًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٩٠)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٥٣٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٣٤).\n(٢) وروي عن ابن عباس -أيضًا- فهؤلاء قالوا: أيهما رق نقص طلاقه، فطلاق العبد طلقتان وإن كانت تحته حرة، وطلاق الأمة اثنتان وإن كان زوجها حرًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٣٣).\n(٣) أي: الجمهور على اختلاف أقوالهم المتقدمة.\n(٤) أي: من ألحق الأمة بالحرة في عدد الطلاق ولم يفرقوا بينهما، وهم أهل الظاهر، كما تقدم.\n(٥) في \"ب\": \"فإن\".","vol":"2","page":34},{"text":"على قولِ جماعةٍ من أهلِ العلمِ بشرائِط الاستدلال.\nوإن سلموا، فهذا القياسُ ضعيفٌ؛ لاعتبار ما بُني على التغليظ في حقِّ العبيدِ، وهو تقليل عَدَدِ الطلاق بما بُني على التخفيفِ في حقِّهَم وحقِّ غيرهم من الأحرار.\nوكان الأولى أن يقال: هذا الزوجُ رقيقٌ، ولم يضيقِ الشرعُ عليه في عَدَدِ الحَدِّ، فلِمَ يُضَيَّقُ عليه في عدد الطلاق.\nنعم، قد يقال: في الرجعة ملكٌ وسلطانٌ على الزوجة، والعبيدُ لا سلطانَ لهم ولا ملك، فمن لُطْفِ الشارع بهم أنْ جعلَ لهم سلطانًا أضعفَ من سلطانِ الأحرار وأَنْقَصَ، فجاز لنا حينئذ أن نعتبر النقصانَ بالنقصان، فالاعتبارُ في مقدارِه لا في أصله، ولولا هذا لما اخترتُ مذهبَ الجمهورِ، والله أعلم.\n* فإن قلتم: فقولُ الله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيه إيماءٌ إلى أن الثلاثَ إنما يقعْنَ في ثلاثِ كلماتٍ بثلاثِ مرات، فإن لفظ المرتين يقتضي التكرار، ولأن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يقتضي التكرار أيضًا؛ لما فيه من معنى الترتيب، فما الحكم فيما إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا بكلمةِ واحدة، هل تقع عليها الثلاث، أو لا يقعُ عليها إلا واحدةٌ؟\nقلت: اختلف أهلُ العلمِ في ذلك.\n- فأخذ بهذا الظاهرِ أهلُ الظاهر، وقومٌ من أهل العلم لم يوقعوا إلا طلقةً واحدةً (١).\n_________\n(١) وقال به طاوس ومحمد بن إسحاق والحجاج بن أرطأة. وحكي عن علي وابن مسعود وابن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس. انظر: \"الاستذكار\" لابن =","vol":"2","page":35},{"text":"وعمدتُهم في ذلكَ ما رواه ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: إنما كانت الثلاثُ على عهدِ رسول الله - ﷺ - تُجْعَلُ واحدةً، وأبي بكر، وثلاثٍ من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم (١).\nواحتجوا أيضًا بما رواه عِكرمةُ، عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، قال: طلق رُكانَةُ زوجته ثلاثًا في مجلسٍ واحد، فحزِن عليها حزنًا شديدًا، فسألهُ رسولُ الله - ﷺ -: \"كيفَ طَلَّقْتَها؟ \" قال: طلقتُها ثلاثًا في مجلس واحد، قال: \"إنَّما تلكَ طلقةٌ واحدةٌ، فارْتَجِعْها\" (٢).\n- وذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ إلى وقوعِ الثلاثِ (٣).\nواعتمدوا ما رواه أصحابُ ابنِ عباسٍ؛ كمجاهدٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاءٍ وعمرو بن دينارٍ ومالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ (٤) ومعاويةَ (٥) بنِ أبي عياشٍ الأنصاري، وغيرِهم: أن ابنَ عباس -رضي الله تعالى عنهما- كان يفتي بوقوع الثلاث (٦).\n_________\n= عبد البر (١٧/ ١٩، ٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٣٣٤)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٠).\n(١) رواه مسلم (١٤٧٢)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق الثلاث.\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٦٥)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٥٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٣٩).\n(٣) وهو قول الأئمة الأربعة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٨ - ١٩)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٨٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٣٣٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٠).\n(٤) في \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١١/ ٣٨): \"الحارث\" بدل \"الحويرث\".\n(٥) في \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٥): \"النعمان\" بدل \"معاوية\".\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي =","vol":"2","page":36},{"text":"فعن سعيدِ بن جُبيرة أنَّ رجلًا جاءَ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: طلقتُ امرأتي ألفًا، فقال: تأخذُ ثلاثًا، ودعْ تسع مئة وسبعة وتسعين (١).\nوعن مجاهد: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ: طلقت امرأتي مئة، فقال: ثلاثًا، ودع سبعًا وتسعين (٢).\nوكلهم حكى أنه أجاز الثلاثَ، وأمضاهُنَّ.\nفإن قلتم: فكيف جاز اعتمادُ قولِ ابنِ عباسٍ مع صِحَّةِ ما رُوي عن رسول الله - ﷺ -؟\nقلنا: قال الشافعيُّ: يشبه -والله أعلم- أن يكونَ ابنُ عباس قد علم أن كان شيئًا فنسخ.\nفإن قيل: فما دلَّ على ما وصفت؟\nقلتُ: لا يشبه أن يكونَ يروي عن النبيِّ - ﷺ - شيئا، ثم يخالفُه لشيء لم يعلمْهُ كانَ من النبي - ﷺ -.\nفإن قيل: فلعل هذا شيءٌ روي عن عمر، فقال فيه ابنُ عباس بقولِ عمر.\nقلنا: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمرَ في نِكاح المُتْعَةِ وبيع الدينارِ\n_________\n= (١١/ ٣٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٠).\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٣٥٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٨٠٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٥٠)، والإمام الشافعي في \"المسند\" (١٩٢)، وفي \"الأم\" (٥/ ١٣٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٨٠٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٧).","vol":"2","page":37},{"text":"بالدينارينِ، وفي بيع أمهاتِ الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبيِّ - ﷺ - فيه خلافه؟\nفإن قيل: فلمَ لمْ يذكره؟\nقيل: قد يسأل الرجلُ عن شيء، فيُجيب فيه، ولا يتقصَّى الجوابَ، ويأتي على الشيء كله، ويكون جائزًا له، كما يجوز له لو قيل: أصلِّى الناسُ على عَهْدِ النبي - ﷺ - إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم، وإن لم يقلْ: ثم حُوِّلَتِ القِبْلَةُ.\nقال: فإن قيلَ: فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر.\nقيل -الله أعلم-: وجوابُه يخالف ذلك كما وصفت (١)، انتهى.\nقلت: ولا يخفى على ذي نظر صافٍ ما في هذا الجوابِ من التكلُّفِ والتعسف، ومن تجويزِ النسخِ بالظَّنِّ والاحتمال، وهذا من الشافعيِّ خلافُ مذهبه وأصوله.\nوقال غيرُ الشافعيِّ: يشبه أن يكونَ الحديثُ منصرفًا إلى طلاق البَتَّةِ الذي معناها الثلاثُ (٢)، وذلك أنه قد رويَ عن النبي - ﷺ - في حديث رُكانَةَ أنه جعل البَتَّةَ واحدةً، وكان عُمر يراها واحدة، ثم تتابع الناسُ في ذلك، فألزمَهُمُ الثلاثَ (٣).\nوبه عمل عمرُ بنُ عبد العزيز، وقال: لو كان الطلاقُ ألفًا ما أبقتِ البتَّةُ\n_________\n(١) انظر: \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (ص: ٥٤٩)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٣٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١١/ ٣٨).\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١١/ ٤٠)، و\"السنن الكبرى\" كلاهما للبيهقي (٧/ ٣٣٨).\n(٣) رواه مسلم (١٤٧٢)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق الثلاث، عن ابن عباس.","vol":"2","page":38},{"text":"منه شيئًا، من قال البتة، فقد رمى الغايةَ القصوى (١).\nوهذا أيضًا باطلٌ؛ لما رويناه عن الشافعي قال: أخبرني عمِّي محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، عن عبد الله بنِ (٢) السائبِ، عن نافعِ بن عجيرة بن عبد يزيد: أن رُكانةَ بن عبد يزيد طلَّق امرأته سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، ثم أتى رسولَ اللهِ - ﷺ -، فقال: يارسول الله! إني طلقتُ امرأتي سهيمةَ البتة، واللهِ ما أردت إلاّ واحدة، فقال رسولُ الله - ﷺ - لركانةَ: \"واللهِ ما أردتَ إلا واحدة؟ \"، فقال رُكانةُ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً، فردَّها رسولُ الله - ﷺ -، فطلقها ثانيةً في زمن عمر، والثالثةَ في زمن عثمان (٣).\nفلو كانت البتةُ في عهده واحدةً، لما حَلَّفَهُ رسولُ الله - ﷺ -.\nوأما قوله: إن عمر كان يرى البتةَ واحدةً، فلما رأى تتَابُعَ الناسِ، جعلها ثلاثًا، فليس بصحيحٍ؛ فقد أمر من طلق البتةَ أن يمسك أهله، ولم يحلفه وتكرر ذلك منه.\nوإنما الذي حَمَلهم عليه عمرُ -﵁- ما روى أيوبُ السَّخْتِيانيُّ عن غير واحد، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في قصة أبي الصَّهْباء قال: بلى، كان الرجلُ إذا طلقَ امرأته ثلاثًا قبلَ أن يدخلَ بها، جعلوها واحدةً على عهدِ رسول الله - ﷺ - وأبي بكرٍ، وصدرًا من إمارة\n_________\n(١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٥٠)، ومن طريقه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٣٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٨١٤٨).\n(٢) في \"ب\": \"بن علي بن\".\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ١٥٣)، وأبو داود (٢٢٠٦)، كتاب: الطلاق، باب: في البتة، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٣٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٠٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٤٢).","vol":"2","page":39},{"text":"عمر، فلما أن رأى الناسَ تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنَّ عليهم (١).\nفإن قيل: فهذا مثلُ ما رويت عنه أولًا، ولم يختلفِ الحالُ إلا في المدخولِ بها، فلا يتمُّ جوابُك.\nقلنا: ويشبه أن يكون المرادُ بالثلاث في غير المدخولِ بها الثلاث التي تترى وتتابع (٢)؛ كقوله: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق.\nفقد روى الشعبيُّ عن ابن عباسٍ في رجلٍ طلقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبلَ أن يدخُلَ بها، قال: عقدة كانت بيده، أرسلها جميعًا، فإذا كانت تترى، فليس بشيء (٣).\nوقال عكرمةُ: شهدتُ ابنَ عباس جمعَ بينَ رجلٍ وامرأتِه طَلَّقها ثلاثًا، وفَرَّقَ بين رجل وامرأته طلقها ثلاثًا، أُتي في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق، فجعلها واحدة، وأُتي في رجل قال لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ففرق بينهما.\nفإن قلت: فكيف يمكنُ الجمعُ بين حديث ابنِ عباسٍ وحديثِ رُكانَة، وأن حديث ركانة يقتضي أن البتةَ توجبُ الثلاثَ، إلا أن يريدَ واحدةً، وحديثُ ابن عباسٍ يقتضي أن الثلاثَ كانت واحدة، وهنَّ أولى بإيجاب الثلاث من البتَّة؟\nقلت: أما الجمع على مذهب مالكٍ فبيِّن، وذلك أنه لا يوقع الثلاثَ باللفظِ الصريح (٤)، ويوقعها بالكنايات الظاهرة؛ كقوله: أنتِ طالقٌ البتةَ،\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢١٩٩)، كتاب: الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث.\n(٢) هذا كلام البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٨).\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٩)، عن الشعبي.\n(٤) أي: اللفظ الصريح المفرد، لكن إن قال: هي طالق ونوى ثلاثًا وقع ما نوى.=","vol":"2","page":40},{"text":"ولا سبيل لي عليكِ، وأنتِ عليَّ حرامٌ (١)، لأن الظاهر من هذه الألفاظ البينونة، والبينونةُ لا تحصلُ إلا بالثلاث، أو بِعِوَضٍ، ولا عِوَضَ هنا.\nوأما على مذهب الشافعيِّ، فيُحمل حديثُ ابن عباسٍ على غيرِ المدخول بها؛ كما قدمته من رواية أيوبَ السَّخْتِيانيّ، ويكون الصريحُ والبتةُ في إيجاب الثلاثِ سواءً (٢)، والله أعلم.\nوأما الجوابُ عمّا احتجوا به من حديث رُكانة.\nفقيل: إنه وهم، وإنما روى الثقاتُ: أن رُكانةَ طلَّق زوجتَه البتةَ كما قدمناهُ من رواية الشافعيّ (٣).\nثم قال الشافعيُّ: فإن قال قائلٌ: فهل من سُنَّةٍ تدلُّ على هذا؟ قيل: نعم، أنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزُّبير، عن عائشة: أنه سمعها تقول: جاءت امرأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقالت: إني كنت عندَ رفاعةَ، فطلقني، فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما (٤) معه مثل هُدْبَةِ الثوب، فتبسَّمَ رسولُ الله - ﷺ -، وقال: \"أتريدينَ أن ترجِعي إلى رفاعة؟ لا حتَّى يذوقَ عُسَيْلَتَكِ، وتَذوقي عُسَيْلَتَهُ\" قال: وأبو بكرٍ عند النبيِّ - ﷺ -، وخالدُ بنُ سعيدٍ بالبابِ ينتظرُ أنْ يؤذَنَ له، فنادى: يا أبا بكر! ألا تسمعُ ما تجهرُ به هذهِ عندَ رسول الله - ﷺ - (٥)؟\n_________\n= انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٤).\n(١) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٤).\n(٢) انظر رواية عكرمة والجواب عنها في: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١١/ ٤٠ - ٤١).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٣٩).\n(٤) في \" أ\": \"وأنا\".\n(٥) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ١٩٢)، وفي \"اختلاف الحديث\" (ص:=","vol":"2","page":41},{"text":"قال: فإن قيل: فقد يحتملُ أن يكونَ رفاعةُ بَتَّ طلاقَها في مَرّاتٍ.\nقلت: ظاهره في مرة واحدة، وبتَّ إنَّما هي ثلاثٌ إذا احتملَتْ ثلاثًا، وقال رسول الله - ﷺ -: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ\"، ولو كانت حَسَبَتْ طلاقَها بواحدة، كان لها أن ترجعَ إلى رفاعةَ بلا زوج.\nفإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثًا على عهد رسول الله - ﷺ -؟\nقيل: نعم، عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ طلقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبلَ أن يخبره النبيُّ - ﷺ - أنها تحرم عليه باللّعانِ، فلما أعلمَ النبيَّ - ﷺ - نهاه (١).\nوفاطمةُ بنتُ قيسٍ تحكي للنبيِّ - ﷺ - أنَّ زوجَها بتَّ طلاقها، تعني -والله أعلم-: أنَّه طلقها ثلاثًا، فقال النبي - ﷺ -: \"ليسَ لكِ عليهِ نفقة\" (٢)؛ لأنها -والله أعلم- لا رجعةَ لهُ عليها، ولم أعلمْه عابَ طلاقَ ثلاثٍ معًا.\nقال: فلما كان حديثُ عائشةَ في رِفاعَةَ موافقًا ظاهرَ القرآن، وكانَ ثابتًا، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبيِّنِ فيه جدًا.\nقيل (٣): ولو كان الحديثُ الآخر له مخالفًا، كان الحديثُ الآخر يكون\n_________\n= ٥٥٠)، والبخاري (٤٩٦٠)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، ومسلم (١٤٣٣)، كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره. وهذا لفظ مسلم.\n(١) رواه البخاري (٤٩٥٩)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، ومسلم (١٤٩٢)، في أول كتاب اللعان، عن سهل بن سعد الساعدي.\n(٢) رواه مسلم (١٤٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، عن فاطمة بنت قيس.\n(٣) \"قيل\" ليست في \"أ\".","vol":"2","page":42},{"text":"منسوخًا (١)، والله أعلم، وإن كان ذلكَ ليس بالبيّن فيه جدًا (٢). انتهى كلامه، رحمة الله تعالى عليه.\nقلت: ولا يخفى علي ذي نظر صحيح وقلبٍ سَلِمَ من الهَوى ما في استدلالِ أبي عبدِ الله من ضعْفٍ (٣)، وما في تأويله من الوهن؛ حيث جعل ظاهر القرآن خلافَ الظاهر منه، وحيث ادَّعى النسخَ بالاستدلال والاجتهاد معَ ظهورِ الاحتمال، وحيث جعل الحُجَّةَ في فتوى الصحابي إذا خالفت روايته، وذلك بخلاف أصوله وأصول أصحابه وأتباعه، وكلُّ هذا غَفْلَةٌ منه -رحمه الله تعالى-، ولو وقع على الجواب الذي قدمته، لما عَدَل عنه، ولا استقام له حينئذ الاستدلال بإجماع عمر وأهل عصره -رضي الله تعالى عنهم-.\n* * *\n_________\n(١) في \" الأم\": \"ناسخًا\" بدل \"منسوخًا\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٨/ ٦٦٠ - ٦٦١).\n(٣) في \"ب\": \"الضعف\".","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>(أحكام الخلع)</span>\nالجملة الثانية: حَرَّم الله -سبحانه- على المؤمنين أن يأخذوا مما آتوا الأزواج شيئًا، فقال ﷻ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال ﵎: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]، وقال ﵎: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، وهذا التحريم مطلق في جميع الأحوال.\n* وأباح اللهُ سبحانه للرجل أن يأخذَ مما آتى امرأته في حالٍ واحدة، وهي أن يخافا ألاّ يقيما حدودَ الله، فلا تؤدِّي حقَّه، ولا يؤدي حقَّها (١)، فقال ﷻ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n_________\n(١) قال القرطبي: حرَّم الله تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدَّى الحد، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ١٢٧).","vol":"2","page":44},{"text":"وقال ﷻ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: ١٩]، والمراد: إذا جاءت بفُحْشٍ، أو نشُوزٍ، أو بفاحشة من زنى ....، فهي لم تقم حدود الله، وهذا تخصيص يقيد إطلاق الآيتين.\nوقد جاءت السنة ببيان ذلك وتحليله أيضًا؛ كما روت عَمْرَةُ بنتُ عبد الرحمن، عن حَبيبةَ بنتِ سهل: أنها أتتِ النبيَّ - ﷺ - في الغَلَس، وهي تشكو شيئا ببدنها، وهي تقول: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قَيْس، قال رسول الله - ﷺ -: \"يا ثابتُ! خُذْ منها\" فأخذ منها، وجلست (١).\n* واختلفوا فيما إذا كانت الحال مستقيمة بين الزوجين، وتراضيا على الخُلْع (٢).\n- فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأكثرُ أهل العلم: يصحُّ الخُلْع (٣)، ويحل له ما بذلَتْ له؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولم يفرق.\n- وقال النخعيُّ والزهريُّ وعطاءٌ وداودُ وأهلُ الظاهرِ وبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ: لا يصحُّ الخُلْعُ، ولا يحلُّ له ما بذلت، واختاره ابنُ المنذرِ (٤)؛ لما في الآيةِ من الحصر والتقييد.\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٦٣)، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٢٢٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣١٣).\n(٢) الخُلْع: هو طلاق المرأة ببدلٍ منها أو من غيرها. ومثله المخالعة والتخالع. \"القاموس\" (مادة: خلع) (ص: ٦٤٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٠).\n(٤) وروي عن ابن عباس، وروي عن الإمام أحمد أنه يحرم في هذه الحال ويصح، =","vol":"2","page":45},{"text":"وهذا المذهبُ وإن كان قويَّ الدِّلالة، فقولُ الجمهور أرجحُ دليلًا؛ لأن الله -سبحانه- حَرمَ الأخذَ من الأزواج مطلقًا، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] وبيَّنَ أن الأخذَ إنما يكونُ حرامًا إذا كان على سبيل العَضْل (١) والمنعِ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساه: ١٩]، فدليلُ هذا التخصيص يقتضي جوازَ الأَخذ إذا كان على غير (٢) جهة المَنعْ والعَضْل، مع موافقةِ عموم (٣) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولأنه إذا جاز الأكلُ من الذي تهبه وتَصَّدَّقُ بهِ من صَداقها، ولم يحصل لها به عوضٌ، فَلأَنْ يجوزَ الأكلُ منهُ مع حصولِ العِوَضِ أولى.\n* ثم بيَّن الله سبحانه في سورة النساء أنه يجوزُ الأخذ على جهةِ العَضْل عندَ الإتيان بالفاحشة، فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].\n_________\n= لكن المذهب على أنه يصح مع الكراهة. انظر \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٧)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٣٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧١)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ٣٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٩).\n(١) عضَل المرأة عن الزوج: حبسها. وعَضَل الرجلُ أيِّمَه: يعضُلها ويعضِلها عَضْلًا، وعضّلها: مَنَعها الزوج ظلمًا، وأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، فإن العَضْل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يضارَّها ولا يحسن عِشْرتها ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها. \"اللسان\" (مادة: عضل) (١١/ ٤٥١).\n(٢) \"غير\" ليست في \"أ\".\n(٣) \"عموم\" ليست في \"أ\".","vol":"2","page":46},{"text":"وبهذا الحصر أخذ الحسنُ وأبو قِلابةَ، فقالوا: لا يجوز الخُلْعُ حتى يراها تزني (١)، وجعلا الفاحِشَةَ المبينةَ هي التي يعلم بها تركُ إقامة حدود الله.\nوالجمهور إما أن يحملوا الفاحشة المبينة على النشوز، أو يرون النشوز في معنى الفاحشة المبينة (٢)؛ لأن في الجميع ترك إقامة حدود الله تعالى؛ بدليل فعلِ النبيِّ - ﷺ - في امرأة ثابتِ بنِ قيسٍ، وسيأتي مزيد الكلام إن شاءَ اللهُ تعالى.\n* والخوف يحتمل أن يراد به حقيقةُ الخوفِ الذي هو الظَّنُّ والحُسبان، فيدل حينئذٍ على جواز الخُلْع، وإن كان الحالُ بينهما مستقيمًا يقيمان حدود الله تعالى، يؤدّي حقها، وتؤدِّي حَقَّه، لكنها كارهةٌ لصحبته، ويخافُ أن تمنعَهُ بعضَ حقِّه؛ لكراهيةِ صحبتهِ؛ كما قال الجمهور.\nويحتمل أن يُراد به العلمُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أي: علمتم، فلا يدلُّ على جواز الخُلْع في الحال المستقيمة بينهما؛ كما اختاره ابن المنذر.\n* ثم يحتمل أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] خِطابًا للمؤمنين، ويحتمل أن يكونَ خِطابًا للوُلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وذلك خطابٌ للولاة بالاتِّفاق، وبهذا قال الحسنُ وسعيدُ بنُ جُبير\n_________\n(١) وهو قول ابن سيرين وجماعة من العلماء. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٨٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٠١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٨).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٨٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٠١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٨٤).","vol":"2","page":47},{"text":"وابنُ سيرين، فشرطوا في جواز الخُلْعِ حضورَ السلطان (١)، كما (٢) شُرِطَ في بَعْثِ الحَكَمينِ. والجمهورُ على خلافهم؛ قياسًا على الطلاق. وبه قال عمر (٣) وعثمانُ وابنُ عمر وعامةُ الفقهاء (٤).\n* وأحلَّ الله -﷾- للرجل أن يمسكَ امرأته بعدَ المَرَّتينِ، وهذا إجماع (٥)؛ لأنها كالزوجة، فيرثها وترثه (٦).\nولم يكن في السنة -والله أعلم- ما يدلُّ على بيان صفة الإمساك.\nولا شَكَّ أنه يحصل بالقول بأن يقول: رددتُها إليَّ، وأمسكتُها.\nوأمَّا بالفعل الذي هو الوَطْءُ.\nفذهب الشافعيُّ إلى أنه لا تحصل به الرجعة (٧).\nوذهب مالك وأبو حنيفةَ إلى حصولها بالوطء (٨).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٨).\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"ذلك\".\n(٣) \"عمر\" ليس في \"ب\".\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٨).\n(٥) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٣٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١١٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٣).\n(٦) انظر نقل الإجماع في هذه المسألة: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٤).\n(٧) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣١٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٦).\n(٨) وهو مذهب الحنابلة، وهو قول ابن المسيب والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس والزهري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وقال به الجمهور.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٩)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ٤٦٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٦)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٢٢).=","vol":"2","page":48},{"text":"واشترط مالكٌ النيةَ (١)، ولم يشترطْها أبو حنيفة (٢)، وجعله كالمُؤْلي، وسيأتي مزيدُ كلام على هذا -إن شاء الله تعالى- عندَ قوله في سورة الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].\n* وجعل الله سبحانه للرجل أن يسرِّحها، وقد أجمع أهلُ العلم (٣) أن الرجعيَّةَ يلحقُها الطلاقُ (٤).\nوجعل له أيضًا أن يخالعَها، وعلى هذا إجماعُهُمْ، نعم، للشافعيِّ قولٌ أنه لا يصحُّ خُلْعُها (٥).\nفإن قلتم: فترتيبُ الأحكام في هذه الآية يقتضي أن المُخْتَلِعَةَ يلحقها الطلاقُ؛ لأن الله سبحانه رتَّبَ بالفاء التي للترتيب الإمساكَ والتسريحَ على الطلاق، ورتَّب الافتداءَ على الطلاق، ورتب الطلاقَ على الافتداء، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nقلت: ما فهمتموه واستنبطتموه قد قالَ به قومٌ من أهل العلم، منهم أبو حنيفةَ والثوريُّ -رحمهما الله تعالى-، واستدلوا بآثار ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تقومُ بمثلها حجَّةٌ (٦).\n_________\n= وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦).\n(١) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٢٢ - ٢٣).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"على\".\n(٤) انظر نقل الإجماع في: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٤).\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٤). لكن الأظهر عند الشافعية: أنه يصح خلع الرجعية. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢٢٢).\n(٦) وهو قول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد وأصحاب الرأي. انظر: \"البحر الرائق\" لابن نجيم (٤/ ٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦).=","vol":"2","page":49},{"text":"وقال قومٌ: لا يلحقها طلاق، كما لا يلحقها إيلاءٌ ولا ظهار، ولا ترث، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، واحتجوا بما رواه عطاءٌ عن ابن عباس وابن الزبير: أنهما قالا في المختلعة: لا يلزمها طلاق؛ لأنه طلاقُ ما لا يملك، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور (١).\nفإن قلتم: فهذا الترتيبُ يقتضي أن المفاداةَ الواقعةَ بين الطلقتين لا تُحرِّم، ولا تجعل ثالثة؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولم يحرمها بالافتداء.\nقلنا: ما فهمتموه قد قال به -أيضًا- قومٌ من أهل العلم؛ كأحمدَ وداودَ، والشافعيِّ في أحد قوليه، وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - (٢).\nفعن إبراهيمَ بنِ سعدٍ بنِ أبي وقاص: أن رجلًا سألَ ابنَ عباس عن رجلٍ طلَّق امرأتَه طلقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، لِينكحْها، ليس الخُلْعُ بطلاق، ذكرَ الله ﷾ الطلاقَ في أولِ الآيةِ وآخرِها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلعُ بشيء (٣)، ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ\n_________\n(١) وهو قول عكرمة وجابر بن زيد والشعبي، وروي عن ابن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد. انظر: \"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص: ٢٨٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٧٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦).\n(٢) يعني: أن الخلع فسخ وليس طلاقًا. وقال به -أيضًا- طاوس وعكرمة وإسحاق وأبو ثور. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٨٧ - ١٨٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧٤).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٧٧١).","vol":"2","page":50},{"text":"حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٠].\nقالوا: ولأنه لو كان طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ بعد ذلك رابعًا دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريمُ متعلقًا بأربع تطليقات.\nواستدلوا بما رواه أبو داود والترمذي: أن النبيَّ - ﷺ - أمرَ امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ حين اختلعتْ أن تعتدَّ بحيضة (٢)، ولو كان طلاقًا لاعتدَّتْ بثلاثة أقراء.\nوقال الترمذيُّ: وقد قالَ بعضُ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -: عدةُ المُخْتلعةِ حيضةٌ (٣)، ولو كانَ طلاقًا لما اكتفي فيه بحيضة كسائر المطلقات، وكأنهم شبهوه بالإقالة وفسخِ العقود.\nوقال قوم: الخُلع طلاقٌ يُحْسَبُ من الثلاث، ولا يملك فيه الرجعة.\nوبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ (٤)، وأظنهُ الجديدَ من قوليه، ويروى عن عليٍّ وعثمانَ وابنِ مسعودِ -رضي الله تعالى عنهم- (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٣/ ٣٧٢)، و\"الاستذكار\" له أيضًا (١٧/ ١٨٤).\n(٢) رواه الترمذي (١١٨٥)، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٥٠)، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء.\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٩٢) وكلامه -أي: الترمذي-: \"قال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: إن عدة المختلعة حيضة\".\n(٤) قول الشافعي هذا هو الجديد. وهو المعتمد. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٧٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٤٣٩).\n(٥) وهو قول جمهور العلماء، وبه قال عمر وابن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي والنخعي وابن جبير ومجاهد ومكحول والزهري، والثوري والبتِّي والأوزاعي وغيرهم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٨٤)، و\"معالم =","vol":"2","page":51},{"text":"وقال أبو ثور: إن كان بلفظ الطلاقِ، فهو طلاق، وإن كان بلفظ المفاداة، فهو فسخ (١).\nوأجابوا عن الحديث بأنه مُرْسَلٌ ومضطربٌ، فإنه يروى (٢) أنَّه جعل عدَّتها حيضةً ونصفًا (٣).\nوأما الجوابُ عن الآية، فسهل (٤).\n* وتخصيصُ اللهِ -سبحانَه- تحريم الأخذِ وحِلَّه بما آتيناهنَّ يحتمل أن يكون للتقييد، ويحتمل أن يكون للتعريف، وإنما ذكر على غالب الحال في الافتداء.\nوقد اختلف أهل العلم في ذلك.\n- فقال عطاءٌ وطاوسٌ والزهريُّ وأحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيُّ: لا يجوز الخلع بأكثرَ من المهرِ المسمى (٥)، لتخصيص الأخذِ بالذي آتيناهُنَّ في\n_________\n= التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٠٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٧٤)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٨١)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٧٧/ ٤)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٣٩).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٢).\n(٢) في \"ب\": \"روي\".\n(٣) انظر الكلام على الحديث في \"التمهيد\" (٢٣/ ٣٧٣)، و\"الاستذكار\" كلاهما لابن عبد البر (١٧/ ١٩٣).\n(٤) انظر الجواب عن الآية في: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٣/ ٣٧٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٦٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٣).\n(٥) وهو قول عمرو بن شعيب، وروي عن علي ﵁. وهو قول سعيد بن =","vol":"2","page":52},{"text":"المواضع كلِّها، ولما روي أن امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ كانت تبغضُه، وكان هو يحبُّها، فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"أَتّرُدّينَ عليه حَديقَتَهُ؟ \"، قالت: نعم وزيادة، فقال النبي - ﷺ -: \"أما الزِّيادَةُ، فَلا\" (١).\n- وقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ والثوريُّ وأبو ثورٍ وأكثرُ أهل العلم: يجوزُ الخُلع بأكثرَ من المَهْرِ المُسَمَّى (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيْمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه قال: كانتْ أختي تحتَ رجل من الأنصار، تزوجها على حديقةٍ، وكان بينهما كلامٌ، فارتفعا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"تَرُدِّين عليهِ حَديقتَهُ ويُطَلِّقُكِ؟ \" قالت: نعم، وأزيده، قال: \"رُدِّي عليه حديقته وزيديهِ\" (٣).\n_________\n= المسيب والشعبي وابن جبير. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٧٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٠٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٦٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٩).\nقلت: وما ذكر عن الإمام أحمد: أنَّه لا يجيز الأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها، هو قول أبي بكر بن الأثرم. إلا أن المذهب أن ذلك يجوز مع الكراهة.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٩)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ١٠٥)، و\"منار السبيل\" لابن ضويان (٣/ ١٠٤).\n(١) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٥٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣١٤). عن أبي الزبير، بهذا السياق.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ١٧٨ - ١٧٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٠٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٩١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٠)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٤/ ٨٣)، \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٨٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٧٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢٦٩).\n(٣) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٥٤)، وابن الجوزي في \"التحقيق في أحاديث\" الخلاف\" (٢/ ٢٨٨).","vol":"2","page":53},{"text":"ولما رُوي أنَّه اختلعَتْ رُبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ ناشِزةً بما تملكه، فأجازه عثمان -رضي الله تعالى عنه - بما دون عِقاصِها (١).\nوحكي عن الشعبيِّ أنَّه إنما يجوز الافتداءُ ببعضِ المَهْر؛ لكون الباقي عوضَ الاستمتاع (٢)، وكأنه -والله أعلم- تمسَّكَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] فعلق الذهاب بالبعض.\nفإن قلتم: فما التسريحُ بالإحسان؟\nقلت: سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى (٣).\nفإن قلتم: فهل التسريحُ صريح كلفظ الطلاق، أو (٤) لا؟\nقلت: لما ذكر الله - سبحانه - في كتابه العزيز، لِفُرقةِ الطلاق ثلاثةَ ألفاظٍ، وهي: الطلاقُ والسَّراحُ والفِراق، احتملَ أن يكون ذَكَرَها في القرآن تنبيهًا على أنها ألفاظٌ موضوعةٌ للفراق في عرف الشرع كلفظ الطلاق، ويحتمل أن يكون استعملَها (٥) على موضوعها اللغوي؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه لفظ موضوع للفراقِ في وضعِ اللغة، وعُرْف اللسان، وعرف الشرع.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥/ ٢٠٢١) تعليقًا، كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٨٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣١٥)، عن الربيع بنت معوذ. وعندهم: \"دون عقاص رأسها\" بدل \"دون عقاصها\".\nوالعِقاص: جمعُ عقيصة، وهي: الضفيرة. \"القاموس\" (مادة: عقص) (ص: ٥٦٠).\n(٢) لم أجد قول الشعبي هذا، وقد تقدم أنَّه يقول بأنه لا يجوز أخذ أكثر من المهر.\n(٣) في الآية (٢٣١) من سورة البقرة.\n(٤) في \"ب\": \"أم\".\n(٥) في \"ب\": \"استعمالها\".","vol":"2","page":54},{"text":"وبهذا قال أبو حنيفة ومالكٌ في أحد قوليه، فليس للطلاقِ عنده لفظٌ صريحٌ إلَّا لفظ واحدٌ، وهو الطلاق (١).\nوبالأول قال الشافعيُّ في قوله المشهور عنه (٢).\nوسيأتي الكلام على الكِنَايَةِ عند الكلام على التحريم - إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n\n٣٨ - (٣٨) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].\nشرع الله - سبحانه - أن الرجل إذا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، لا تحلُّ له حتَّى تنكحَ زوجًا غيره، وحيث أُطْلِقَ النكاُح في كتاب الله - سبحانه -، فالمرادُ به العَقْدُ، إلا في هذا المقام؛ فإن النبيَّ - ﷺ - بيَّن عن الله سبحانه أن المراد به (٣) الوَطْء، لا العقد (٤).\n_________\n(١) انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٤)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ٣٣٨).\nقلت: وقد اختلف قول الإمام مالك في التسريح، هل هو صريح أم كناية؟ والمذهب أنَّه من الكناية الظاهرة، وهي: ما كانت في العرف طلاق، كلفظ السراح والفراق. انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٧٤)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص: ٢٩٦)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٣٠).\n(٢) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ١٥٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٥٧). وهو قول الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٣٥٥).\n(٣) في \"أ\": \"مراده\".\n(٤) تقدم معنى هذا في مسألة المراد بالنكاح هل هو العقد أو الوطء.","vol":"2","page":55},{"text":"روينا في \"الصحيحين\": أن امرأة رِفاعة القُرَظِيِّ جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: كُنْتُ عند رفاعةَ القرظيِّ، فطلَّقني فبتَّ طلاقي، فتزرجتُ بعده عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوبِ (١)، فتبسم النبيُّ - ﷺ -، وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ\" (٢).\nوبهذا قال عامة أهل العلم (٣)، إلَّا سعيدَ بنَ المسيِّب؛ فإنه حُكي عنه أنَّه قال: تحل لزوجها بنفسِ العقد، ولعلَّ الحديثَ لم يبلغ سعيدًا (٤).\nوالمرادُ بالعُسيلة حصولُ اللذة بالتقاء الخِتانين عندَ عامةِ أهلِ العلم، إلا الحسن البَصْري، فإنه اشترطَ الإنزال (٥)، وأطلق العُسيلة على النطفة (٦).\n_________\n(١) هُدْبَةِ الثوبِ، وكذلك هُدْبُه وهُدَّابُه: طرف الثوب مما يلي طُرَّته. وفي قولها (إن ما معه مثل هُدْبة الثوب)، أرادت مَتاعَه، وأنه رِخْوٌ مثل طرف الثوب، لا يغني عنها شيئًا. \"اللسان\" (مادة: هدب) (١/ ٧٨٠).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٧٥)، و\"التمهيد\" (١٣/ ٢٣٠)، و\"الاستذكار\" كلاهما لابن عبد البر (١٦/ ١٥٦)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦).\n(٤) وهو قول سعيد بن جبير. انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٣/ ٢٣٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٥٨٣).\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٣/ ٢٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٦).\n(٦) العسيلة في هذا الحديث: كناية عن حلاوة الجماع الَّذي يكون بتغييب الحشفة في فرج المرأة، ولا يكون ذواق العسيلتين معًا إلا بالتغييب، وإن لم ينزلا، ولذلك اشترط عسيلتهما، وأنث العسيلة؛ لأنه شبهها بقطعة من العسل، فشبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وقالوا لكل ما استحلوا: عسل =","vol":"2","page":56},{"text":"وقد فهمنا من اشتراط كونِ النكاح من زوجٍ أن النكاحَ من غيرِ الزوجِ لا يُحلُّها، ويندرجُ في ذلك ثلاث مسائل:\nالأولى: وطءُ السيدِ لأمته لا يُحلها؛ لأنه ليس بزوج. وبهذا قالَ عامةُ أهلِ العلم (١)، إلا ما رُوي عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير (٢).\nالثانية: السيِّد (٣) إذا وهب الجاريةَ المبتوتةَ لزوجها، أو باعَها منه، فلا (٤) تحلُّ للزوج، وبهذا قال زيدُ بن ثابت وعامةُ أهلِ العلم (٥)، إلا ما روي عن ابن عباسِ وعطاءٍ وطاوسٍ أنَّه إذا اشتراها حلَّتْ له بملك اليمين (٦).\nالثالثة: إذا تزوجَتْ ذِمِّيًّا، فهل يحلّها (٧) لزوجها المسلم (٨)؟\n_________\n= ومعسول، على أنَّه يستحلى استحلاء العسل. وقيل عن العسيلة: ماء الرجل، والنطفة تسمى العسيلة. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ٢٣٧)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١١/ ٤٤٥).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٤٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٩).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٤٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٩).\n(٣) \"السيد\" ليس في \"ب\".\n(٤) في \"ب\": \"لا\".\n(٥) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٩).\n(٦) وهو قول الحسن أيضًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(٧) في \"ب\": \"تحل\".\n(٨) يعني: إذا طلق المسلم زوجته الذمية، فتزوجها الذمي، فهل يحلها لزوجها الأول المسلم؟","vol":"2","page":57},{"text":"فقال الجمهور من أهل العلم: هو زوج، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري (١).\nوقال مالكٌ وربيعةُ: لا يحلُّها (٢).\nومتى طلقها الزوج الثاني حلَّ للزوج الأول ارتجاعها (٣).\n* وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ﴾، ذكره على سبيل التغليب، لا على سبيل الاشتراط (٤)، فيحق (٥) له نكاحُها وإن ظَنّا ألّا يقيما حدود الله - سبحانه -، وكان له عدد الطلاق (٦)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) وهو قول الأوزاعي والكوفيين وابن الماجشون وطائفة من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم، وهو قول الحسن والزهري وأبي عبيد، وبه قال أحمد. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٥٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٢)، و\"البناية\" للعيني (٥/ ٢٥٨). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٤٠).\n(٢) انظر: \"المدونة\" (٢/ ٢٠٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٤٠).\n(٣) أي: بعقد جديد بعد انتهاء العدة من الزوج الثاني.\n(٤) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١١٦)، و\"السراج المنير\" للشربيني (١/ ٢٣٨).\n(٥) في \"ب\": \"فيجوز\".\n(٦) أي: يملك ثلاث تطليقات.","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>(النَّهي عن مضارَّة المطلقة)</span>\n٣٩ - (٣٩) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١].\nبلوغ الأجل هنا هو مقارَبَةُ انقضاء العدة (١)، وذلك معروف في اللسان.\n* نهى الله - سبحانه - المطلِّقين عن إمساك النساء عندَ قربِ انقضاء العِدَّة، ثم طلاقِهنَّ؛ ضرارًا لهن بتطويل العِدَّة عليهن إلا بالمعروف، فإن لم يكن لهم إليهن رغبةٌ، سرَّحوهن بالمعروف، وهو إبقاء التسريح الأول على حاله، لا استئنافُ تسريحٍ آخرَ؛ لأنه هو المنهيُّ عنه.\nفإن قِيل: فلِم جعلتَ بلوغَ الأجل مقاربَتَهُ، وهَلَّا حَمَلْتَهُ على حقيقتِه من البلوغ، ويكون للزوج الرجعةُ ما لم تغتسل عندَ من يقول: إن الأقراء الحيضُ، وقد ذهبَ إلى نحو هذا شريكٌ فقال: إذا فرَّطَتِ المرأةُ في الغُسْلِ عشرين سنة، فلزوجِها عليها الرجعةُ ما لم تغتسل (٢)؟\n_________\n(١) وهو محل إجماع بين العلماء. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١٤٣/١).\n(٢) أي: إن المرأة عندما يطلقها زوجها، فإنها تعتد ثلاثة قروء، فإذا قلنا: إن القرء هو الحيض، فإنها تنتهي عدتها بالغسل عند انقطاع الدم من الحيضة الثالثة. وقد =","vol":"2","page":59},{"text":"قلنا: لو حملناه على حقيقته، لوجب للزوج أن يوقعَ التسريحَ عليها بعد الأَجَل ما لم تغتسل، كما له أن يراجعها؛ لأن الله - سبحانه - سوّى بينهما، ولا قائل بذلك من أهل العلم.\n* - وفي الآية دليلٌ على أن المرأة إذا راجعها زوجُها، ثم طلَّقها مرة أخرى قبل الوَطْءِ أنها تستأنفُ العِدَّةَ من الطلاقِ الثاني؛ لوجودِ العلَّةِ التي نهى الله لأجلها، وهو الإضرار بطول العدة (١)، ولو كانتْ لا تستأنف لما أصابها ضررٌ، ولفقدت العلّةُ وبقيَ المعلولُ، ولا عذرَ، وهذا هو القولُ الجديدُ للشافعيِّ -﵁ (٢).\nوقال داودُ، والشافعيُّ في القديمِ: لا تستأنفُ العدَّ (٣)؛ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنه لو عقد النكاح على المُخْتَلعَةِ في عِدَّتها، ثم طلَّقها، لم تستأنف العِدَّةَ.\nوهو ضعيف؛ لأنه لو كانت لا تستأنف العدة، لم يحصل بها ضررٌ ولم\n_________\n= ذهب إلى هذا كثير من العلماء. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٥٤).\nوانظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٥٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٠٤).\n(١) في \"ب\": \"المدة\".\n(٢) وهو قول المالكية، وأبي حنيفة وأبي يوسف، والمعتمد عند الشافعية، وعند الحنابلة قولان دون ترجيح؛ الأول: تستأنف، الثاني: تبين علي ما مضى.\nانظر: \"البناية\" للعيني (٥/ ٤٢٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١١٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٩٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٤٤)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٣٠٠).\n(٣) وهو قول ابن حزم أيضًا. انظر: \"المحلى\" (١٥/ ٢٦٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ٩٣).","vol":"2","page":60},{"text":"يوجد المعنى الَّذي لأجله وردَ النهي، ولَخَلا المسبَّبُ عن سببه؛ فإنه روي أن الآية نزلت في ثابتِ بن يسار، طلَّقَ، فراجعَ، فطلق، لتطول العدةُ، إضرارًا (١)، والعملُ بالمسبَّبِ وإخراجُ سببه غيرُ جائز باتِّفاق أهلِ النظر والأصول.\n* وفيها دليلٌ على أنَّه إذا طلَّقها، ثم طلقها من غير مراجعة وإمساك أنها لا تستأنفُ العدَّةَ، بل تبني على العدَّةِ الأولى (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فدل (٣) على أن الضرر لا يحصل من غير إمساك، وفي ذلك خلافٌ عند الشافعية (٤).\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨١) عن السدي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته، حتَّى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثًا، راجعها، ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتَّى مضت لها تسعة أشهر مضارة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾. وانظر: \"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٤٠٤)، و\"أسباب النزول\" للسيوطي (ص: ٦٤).\n(٢) وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٣١٣)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١١٩)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٣٠٠).\n(٣) في \"ب\": \"ودلّ\".\n(٤) المذهب عند الشافعية: أنها تبني على العدة الأولى، لكن الخلاف موجود عندهم إذا كان الطلاق الثاني بائنًا؛ كأن يستكمل الثلاث أو يخالع، ففي ذلك وجهان: الأول: هو قول الإصطخري وابن خيران: أنها كالتي طلقت بعد الرجعة، فتستأنف العدة، أو تبني على قولين.\nوالثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تبني على العدة، ولا تستأنف، قولًا واحدًا، وهو اختيار المزني. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٣١٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٩٧).","vol":"2","page":61},{"text":"* وفيها دليل على أن المطلقةَ قبلَ الدخولِ لا رجعةَ عليها (١)؛ لأنه لا عدَّةَ عليها، فلا أجل لها فتبلغه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقد نقل ابن قدامة فيه الإجماع. انظر: \"اللباب\" للغنيمي (١/ ٢/ ١٨٠)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ٢٢٤)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٢٩١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٣٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢١٤)، و\"الكافي \" لابن قدامة (٣/ ١٥٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٥٤٧ - ٥٤٨).","vol":"2","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>(النهى عن عَضْل المطلقات)</span>\n٤٠ - (٤٠) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].\n* الخطاب للمؤمنين، والأولياءِ منهم، وإن كان الأولياءُ لا يُطَلِّقون؛ فالمؤمنون كنفس واحدة.\nقال أبو الحسن الواحديُّ: وأجمع المفسرون على أن هذا الخطابَ للأولياء (١) وبلوغ الأجل هاهنا هو انقطاع العدة (٢)؛ لأن النكاح لا يكون إلا بعدها، فنهى اللهُ -ﷻ - الأولياء عن عَضْل النساء عن أن يَنْكِحْنَ أزواجَهن، وكذا غيرُ الأزواج في معنى الأزواج.\nوالآية نزلت في مَعْقِل بنِ يسارٍ المُزَنِيِّ قال: كانت لي أختٌ اسمها جمل (٣) تُخْطَبُ إليَّ، وأنا (٤) أمنعها الناس، حتَّى ... ... ... ... ... ... ... ... ... .\n_________\n(١) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ٣٣٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٣٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٤٦).\n(٣) في \"أ\": \"جبع\". قال الحافظ ابن حجر: اسمها جميل - بالجيم مصغر - بنت يسار، وقع في \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٨٥) من طريق ابن جريج، وبه جزم ابن ماكولا، وسماها ابن فتحون كذلك لكن بغير تصغير. انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٣٣).\n(٤) في \"ب\": \"وكنت\".","vol":"2","page":63},{"text":"أتاني (١) ابنُ عَمٍّ لها (٢)، فخطبها إليّ، فزوجتُها إياه، واصطحبا ما شاء الله أن يصطحبا، ثم طلَّقها طلاقًا له عليها رجعةٌ، ثم تركها حتَّى انقضتْ عِدَّتُها، فخطبها مع الخُطَّابِ، فقلت: يا لُكَعُ (٣)! خُطِبَتْ إليَّ أختي، فمنعتُها الناسَ، وخطبتَها إليَّ، فآثرتك بها، وأنكحتُكَ، فطلقتَها، ثم لم تخطِبْها حتَّى انقضت عدَّتُها، فلما جاءني الخاطب يخطبها، جئْتَ تخطبها! لا واللهِ الَّذي لا إله إلا هو ما أنكحتُكَها أبدًا.\nوقال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فقلت: سمعًا وطاعة، فزوجتها إياه، وكَفَّرْتُ عن يمينى (٤).\n* فإن قلتم: فهل في الآية دليلٌ على أن أمر النكاح إلى الأولياء؛ لأن اللهَ سبحانَه نهاهم عن عَضْلهن، ولو تُصُوِّر نكاحٌ بدون وليٍّ، لم يتصور عَضْلٌ؟\nقلنا: نعم، قال الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-: إنما يؤمر بألّا يعضلَ المرأةَ من له سببٌ إلى العَضْل؛ بأن يتمَّ به نكاحُها، وهذا أبين ما في القرآنِ أنَّ للأولياءِ مع المرأةِ في نفسِها حقًا، وأن على الوليِّ ألَّا يعضلها إذا رضيت أن تنكَحَ بالمعروف (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"أتى\".\n(٢) في \"ب\": \"لي\".\n(٣) اللُّكَعُ: اللئيم، والعبد، والأحمق، ومَنْ لا يتّجه لمنطقٍ ولا غيره، والمهر، والصغير، والوسخ، ويقال في النداء: يا لُكَع، وللاثنين: يا ذَوَيْ لُكَع. \"القاموس\" (مادة: لكع)، (ص: ٦٨٥).\n(٤) رواه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٩٣٠)، ومن طريقه النسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٠٤١). وقد رواه البخاري (٤٨٣٧)، كتاب: النكاح باب: لا نكاح إلا بولي، بلفظ نحوه.\nوانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٧٤ - ٧٦)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٤٠٥ - ٤٠٧).\n(٥) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٢)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٠/ ٢٧).","vol":"2","page":64},{"text":"فإن قلتم: فقد قيل: إن هذه الآية لا دليلَ فيها؛ لأنه ليس فيها أكثر من نهي قرابة المرأة عن منعها النكاحَ، وذلك لا يقتضي اشتراط إذنهم في صحة العَقْد، بل يفهم من النهي أن الأولياء ليس لهم سبيلٌ على من يلونهم، فهل نجد في السنَّةِ دليلًا يبيِّن ما قلت؟\nقلت: نعم، حديثُ مَعْقِلِ بنِ يسارٍ؛ لأنه لو كان بيدها عقدُ النكاح، لم يكن ليمينه فائدة، ولكان لها أن تزوج نفسها، ولم يحتجْ إلى الحِنْثِ والتكفير.\nفإن قلتم: فهل نجد في السنةِ دليلًا أبينَ من هذا؟\nقلت: نعم، قال الشافعي: أنا سعيد بن سالم وعبد المجيدِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سليمانَ بنِ موسى، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أَيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذْنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فإنْ أصابَها، فلها الصَّداقُ بما استحلَّ من فرجها\" (١).\nقال الشافعيُّ: قال بعضهم في الحديث: فإن اشتجروا، وقال غيره منهم: فإن اختلفوا، فالسلطان وليُّ مَنْ لا وليَّ له (٢)، فهذا حديثٌ رواته كلُّهم ثقات.\nقال شعيبُ بن أبي حَمْزَة: قال لي الزهريُّ: إن مكحولًا يأتينا،\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٧٥) وفي \"الأم\" (٥/ ١٣)، والترمذي (١١٠٢)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، وابن ماجة (١٨٧٩)، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٧)، والدارمي في \"سننه\" (٢١٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٧٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٥).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٣).","vol":"2","page":65},{"text":"وسليمان بن موسى، وايم الله! إن سليمانَ بنَ موسى لأَحفظ الرجلين (١).\nفإن قلتم: قد (٢) طعن في هذا الحديث قومٌ، وضعفوه بأنَ ابنَ عُلَيَّة حكى عن ابن جريج: أنَّه سأل الزهريَّ عنه، فأنكر معرفته (٣).\nقلنا: هذا الطعنُ غيرُ مقبولٍ مع عدالةِ رواة الحديث، ونسيانُ الراوي لا يَقْدَحُ في الحديث، وكذا فتواه بخلافه.\nوإن سلم، فقد قال جعفرٌ (٤) الطيالسيُّ: سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يوهِّن رواية ابنِ عُلَيَّةَ، عنِ ابنِ جريجٍ، عن الزهريِّ: أنَّه أنكرَ معرفةَ سليمان بنِ موسى، ولم يذكر ذلك عن ابن جريج غيرُ ابن علية، وإنما سمعَ ابنُ عليةَ من ابنِ جريج سماعًا ليس بذاك، إنما صحَّح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز، وضعَّف (٥) يحيى بنُ معين روايةَ إسماعيلَ عن ابنِ جُريج جدًا، فقالَ يحيى بنُ معين أيضًا: ليس يصحُّ في هذا الباب شيء إلَّا حديثُ سليمانَ بنِ موسى (٦).\nوكذلك أحمدُ بنُ حنبل ضَعَّفَ حكايةَ ابنِ عليةَ هذهِ عن ابن جريج، وقال: ابنُ جريجٍ له كتبٌ مدونة، وليس هذا في كتبه (٧).\n_________\n(١) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢٧٠٩)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٦/ ٨٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٢/ ٣٨٤).\n(٢) في \"أ\": \"قد\".\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٠/ ٣٠).\n(٤) في \"ب\": \"أبو جعفر\".\n(٥) في \"ب\": \"وهَّى\".\n(٦) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٧).\n(٧) رواه الحاكم في \"المستدرك\" عقب حديث (٢٧٠٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٠٥). وقوله: \"وليس هذا في كتبه\" يعني: حكاية ابن علية، عن ابن جريج.","vol":"2","page":66},{"text":"فإن قالوا: هذا أمر تعمُّ به البلوى، ولو كان الوليُّ شرطًا في صحة النكاح، لنُقِلَ عن النبي - ﷺ - بطريق التواتر، وهو لم ينقل، والأصل عدم الاشتراط حتَّى يقومَ الدليل.\nقلنا: اشتراط التواتر في مقام البلوى غير مُسَلَّمٍ، وإن سُلِّم، فالأصل تحريم الأبضاع إلا بشرطها، فلا يجوز الإقدامُ عليها إلا بشرطها، ولو أنكحت امرأة نفَسها بغير وفي، لنقل إلينا إما تواترًا أو آحادًا، ولم ينقل.\nنعم نقل إلينا أن امرأةً نكحتْ بغير وليٍّ، فردَّ نكاحَها عُمر -رضي الله تعالى عنه -.\nوعن مالك أنَّه بلغه أن ابن المسيِّبِ كان يقول: قال عمرُ بنُ الخَطَّاب: لا تُنْكَحُ (١) المرأةُ إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان (٢).\nفإن قلتم: فهل نجدُ بيانًا في السنَّةِ يعضِدُ ما ذكرتَ؟\nقلت: نعم، روينا في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا البكْرُ حتَّى تُسْتأذَنَ\" قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال: \"إذا سكتتْ فهو رضًا (٣) \" (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"تنكحوا\".\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٢٥)، ومن طريقه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٧/ ٢٢٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٢٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١١١).\n(٣) في \"ب\": \"رضاها\".\n(٤) رواه البخاري (٤٨٤٣)، كتاب: النكاح، باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، ومسلم (١٤١٩)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق ... عن أبي هريرة بلفظ: لا تنكح الأيم حتَّى تستأمر، ولا تنكح البكر حتَّى تستأذن\" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: \"أن تسكت\".","vol":"2","page":67},{"text":"فلما نهى الأولياء عن الاستبداد عليهن حتَّى يؤامروهنَّ في أنفسهن دلَّ (١) ذلك بطريق الإشارة على أن للأولياء حقًّا في نكاحِهن عند إذنهن؛ إذ لا مُنْكِحَ لهن غيرُهم، ولا يجوز أن يُحمل على الخاطِب؛ لأنه لا يتصور منه بغير إذن المرأة بحال، فلم يتصور النهيُ عنه، ولا نفيه أيضًا.\nوثبتَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الجارية يُنْكِحُها أهلُها، أتستأَمرُ أم لا؟ فقال لها رسولُ الله - ﷺ -: \"نَعَمْ تُسْتأمَرُ\"، قالت عائشة: فإنها تستحيي فتسكتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذنُها إذا سَكَتَتْ\" (٢)، فأسندت الإنكاح إلى أهلها، ولم يعترضْ عليها رسول الله - ﷺ - بشيء.\nومن استقرأ السُّنَنَ والسِّيَرَ، وجدَ ذلك أمرًا متقررًا من عادتهم، فقد أنكح أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- بنتيهما من رسول الله - ﷺ -، وأقرَّهم رسولُ الله - ﷺ - على عادتهم؛ لكونها من مكارم أخلاقهم.\nفإن قلتم: لو كان الأمر كما قلتَ، لبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - مراتب الأولياءِ ودرجاتِهم وصفاتِهم المعتبرة؛ فإن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، وتأخير البيانِ عن وقت الحاجةِ غيرُ جائز.\nقلت (٣): البيان في ذلك موجودٌ من فعلهِ - ﷺ -، وإقرارهِ لما كانوا عليه، فمعلومٌ أنَّه لا يُنكحُ رجل منهم امرأةً، وهناك من هو (٤) أقربُ منه، فلا يُقْدِم الابنُ على نكاح أخته وهناك أبوه، ولا ابنُ العم مع وجود أبيه، ولا الأبعدُ\n_________\n(١) في \"ب\": \"دلَّنا بذلك\".\n(٢) رواه أبو عوانة في \"مسنده\" (٤٢٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٢).\n(٣) في \"ب\": \"قلنا\".\n(٤) \"من هو\" ليس في \"أ\".","vol":"2","page":68},{"text":"مع وجود الأقرب، كلُّ ذلك كان سبيلَهم في كلِّ (١) مقام عظيم؛ كوراثة الأموالِ وطلبِ الدماء، وقد أنكح خالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أمية. أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ بنِ حَرْبِ بن أُمَيَّةَ من رسول الله - ﷺ - (٢).\nوكذلك رُويَ عن عُمَرَ بنِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الأسدِ بنِ هلالِ بنِ عبد اللهِ بنِ عمرَ بنِ مخزوم: أنَّه أنكح أُمَّهُ أُمَّ سلمةَ هِنْدًا بنتَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر بنِ مخزومٍ من رسول الله - ﷺ -، مع صِغر سِنِّه؛ لكونهِ أقربَ الناسِ إليها (٣).\nفإن قلتم: فقد روى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"الأَيِّمُ أحق بنفسها من وليِّها، والبِكْرُ تُسْتأذَنُ في نَفْسِها، وإذْنُها صُماتُها\" (٤)، ففرق بين الثيّب والبكر، مع وجوب استئذانهما في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، فدلَّ على أن الَّذي تميَّزَتْ به الثيِّبُ هو الاستقلال بنفسها.\nقلت: قد أخذ بهذا الظاهرِ أهلُ الظاهر (٥)، وهو قويٌّ، لكنه يعارضُه قوله - ﷺ -: \"أَيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذن وليِّها فنكاحُها باطل، فنكاحُها باطل،\n_________\n(١) \"كل\" ليست في \"أ\".\n(٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٩٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٦٧٧٠)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٦٩/ ١٤٣)، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص.\n(٣) انظر: \"التحقيق في أحاديث الخلاف\" لابن الجوزي (٢/ ٢٦٦).\n(٤) رواه مسلم (١٤٢١)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت.\n(٥) الَّذي في \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٥١): لا يحل للمرأة نكاح، ثيبًا كانت أو بكرًا إلا بإذن وليها ...، ومعنى ذلك أن يأذن لها في الزواج، فإن أبي أولياؤها من الإذن لها، زوَّجها السلطان.","vol":"2","page":69},{"text":"فنكاحها باطل\" (١)؛ فإنه لفظ عامٌّ مستغرق و(٢) مؤكَّد بما يقتضي أن يقع على جميع أفراد النساء، ولا يجوز حملُه على الأبكار فقط، فعلمنا أن أحقية الثيب هو ألا يُعْقَدَ النكاحُ عليها إلا بأمرها، ولا يجوز بغير أمرها في حال من الأحوال؛ بدليل أن البِكْرَ قد تنُكح بغير إذنها؛ كما أنكح أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- من رسول الله - ﷺ -، وهي بنتُ ست سنين (٣)، أو سبعِ سنين، وهي لا إذن لها حينئذِ، فعلمنا أن قوله: \"والبِكْرُ تُسْتأذَنُ في نَفْسِها\" أنَّه لفظ عامٌّ أريدَ به الخُصوص ببعض الأبكار؛ بدليل قوله - ﷺ - في بنتِ عثمانَ بنِ مَظْعون: \"إنها يتيمةٌ، ولا تنكح إلا بإذنها\" (٤)، فمفهومه أن غيرَ اليتيمة تنكحُ بغير إذنها.\nفإن قلتم: دلالته ضعيفة؛ لأنها:\n- إما تخصيصٌ لبعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يخصِّصُ العمومَ عند الجمهور؛ خلافًا لأبي ثور.\n- أو مفهوم خطاب، وقد خالف في دلالته بعضُ أهل العلم بالاستدلال، فلا يخصّ بهذا المفهوم العمومُ.\nقلنا: قد ثبت في بعض طرق حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: \"اليتيمة تُستأمرُ في نفسها، فإن سكتَتْ، فهو إذْنُها، وإن أبتْ، فلا جوازَ عليها\" (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) الواو ليست في: \"ب\".\n(٣) \"سنين\" ليس في \"ب\".\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٣٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٣٠)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٠)، وابن الجوزي في \"التحقيق في أحاديث الخلاف\" (٢/ ٢٦٥)، عن ابن عمر.\n(٥) رواه أبو داود (٢٠٩٣)، كتاب: النكاح، باب: في الاستئمار، والنسائي =","vol":"2","page":70},{"text":"وكذلك روي من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تُسْتَأُمَرُ اليتيمةُ في نَفْسِها، فإنْ سَكَتَتْ فقد أَذِنَتْ، وإن كَرِهَتْ، لم تُكْرَهْ\" (١).\nوكذلك روي من حديث ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"الأَيِّمُ أولى بأمرها، واليتيمةُ تُستأمر في نفسها، وإذنُها صُماتُها\" (٢).\nفعلمنا بمجموع هذه السنن وما أشبهها: أن للوليِّ حقًّا مع الثيِّبِ؛ بدليل حديث أبي هريرة، وأن الثيِّبَ لا بدَّ من إذنها، ولا تُجبر بحالٍ من الأحوال؛ بدليل حديث ابنِ عباس، وأن اليتيمةَ لا بدَّ من استئذانها كالثيِّبِ؛ بدليلِ حديثِ بنتِ عُثمان بنِ مظعون، وأحاديث أبي هريرة، وأبي موسى، وابن عباس التي قدمتها قريبًا، وأن البكرَ الصغيرةَ التي ليست يتيمةً لا تستأذن أصلًا؛ بدليل زواج عائشةَ.\nواحتملت البِكْرُ البالغةُ التي لها أبٌ أن تلحق بالصغيرة، فلا يفتقر إلى إذنها؛ بدليل مفهومِ قوله - ﷺ -: \"تُستأمر اليتيمةُ في نفسها\"، وإن (٣) احتملت أن تلحق بالبالغة اليتيمة لكمالها، وفي هذا المقام وقفةٌ للمجتهد.\n_________\n= (٣٢٦٥)، كتاب: النكاح، باب: استئمار الثيب في نفسها، والترمذي (١١٠٩)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج، وهذا لفظ الترمذي.\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٩٤)، والدارمي في \"سننه\" (٢١٨٥)، والبزار في \"مسنده\" (٣١١٨)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٧٣٢٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٠٨٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٤١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٧٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٠).\n(٢) رواه النسائي (٣٢٦٢)، كتاب: النكاح، باب: استئذان البكر في نفسها، ورواه أيضًا الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٦١)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٣٨).\n(٣) \"إن\" ليست في \"ب\".","vol":"2","page":71},{"text":"وأما ما رواه سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في حديثِ ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْرُ يستأذنها أبوها في نفسِها، وإذنُها صُماتُها\" (١)؛ فإنَّ الحافظَ أبا الحسنِ علي بنَ عُمرَ الدَّارَقُطْنِي قال: لا نعلمُ أحدًا وافق ابنَ عُيينةَ على هذا اللفظ، ولعله ذكرهُ من حفظِهِ، وسبقَ إليه لسانُه (٢).\nوقال أبو داود: \"أبوها\" ليسَ بمحفوظ (٣)، وهذا مسلكٌ سلكتُهُ في تقريرِ الوِلايةِ للرجلِ في النِّكاحِ، وفي الجَمْعِ بين حديثِ ابن عباسٍ الَّذي أخذ به أهل الظاهر وغيره.\nوسلك الشافعيُّ في الاستدلال مَسْلكًا آخر، فخصَّصَ الوليَّ المذكورَ في قوله - ﷺ -: \"الثيِّبُ أَحَقُّ بنفسِها من وليِّها\" بالأب، وحمل استئذان البكْرِ على الاختيار، لا على الفرض؛ لأجل استطابةِ نفسِها، قال: لأن النبي - ﷺ - فَرَّقَ بين الثَّيِّبِ والبِكْرِ، ولم أعلم أن أهلَ العلمِ اختلفوا في أنَّه ليسَ لأحدٍ من الأولياءٍ غير الأب أن يزوجَ بِكرًا ولا ثَيِّبًا إلا بإذنها، فإذا كانوا لم يفرِّقوا بين البكرِ والثيِّبِ البالِغَتَيْنِ -يعني: في غير الأب - لم يجز إلا ما وصفتُ (٤).\nولكنَّ هذا الاستدلالَ يبطلُه قولُه - ﷺ -: \"لا تُنْكَحُ الثيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ، ولا البِكْرُ حَتَّى تُسْتأذنَ\" (٥)، وتخصيصهُ بالأب لا دليلَ عليه، وكذلك حملُهُ الاستئذانَ على الاختيارِ لا على الفرض قد ثبتَ الدليلُ على بطلانه.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٢١)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت.\n(٢) انظر: \"السنن\" للدارقطني (٣/ ٢٤١).\n(٣) انظر: \"سنن أبي داود\" (٢/ ٢٣٢).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٩).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>(من أحكام الرضاع)</span>\n٤١ - (٤١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nأقول: أنزل اللهُ -سبحانَه- في شأنِ المُرْضِعاتِ آيتين:\nإحداهما خاصَّة بالوالداتِ المُطَلَّقاتِ، وهي التي في سورة الطَّلاقِ (١)، وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء الله تعالى.\nوالأخرى هذه، ويحتملُ أن تكونَ عامَّةً في المطلقاتِ والمُزَوَّجاتِ، ويحتمل أن تكونَ خاصَّةً بالمزوَّجات، وهو أظْهر الاحتمالين (٢)، والله أعلم.\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٢٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١٤٧/١).","vol":"2","page":73},{"text":"فإن قلتم: فما الدليلُ (١) على أن هذه في المزوَّجات؟\nقلت: إيجابُه فيها ما يجبُ للزوجةِ من النفقةِ والكسْوَةِ؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأباح الاسترضاع للآباءِ مُطْلَقًا، ولم يبحه في آيةِ الطلاق إلا عند التَّعاسرِ.\nوقد اشتملتْ هذه الآيةُ على جُمَلٍ من الأحكام:\nالجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب الله سبحانه على الوالدات أنْ يُرضعْنَ أولادهُنَّ، فورد الوجوب مصادمًا لهنّ.\n- فمنهم من أَخَذ بظاهرِ الخِطاب، فأوجبَ على الوالدةِ المزوَّجَةِ أن ترضعَ للزوجِ ولدَهُ، وهو قول أبي ثور (٢)، ومالكٍ في أحدِ قوليه (٣)، وأحسبه مذهبَ أبي حنيفة (٤)، وكان هذا من جملة منافعِها المستحقة للزوج؛ بدليل أنَّه لم يوجب على الزوج إلا النفقةَ والكُسوةَ التي هي من خصائص الزوجيَّةِ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"دلَّك\".\n(٢) وهو قول ابن حزم والظاهرية، وابن أبي ليلى والحسن بن حي. انظر \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٣٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٣٠).\n(٣) لم أجد هذا القول عن مالك ولا في المذهب هكذا مطلقًا إلا عن القاضي عبد الوهاب، كما يأتي بعد قليل، ولكن حكاه ابن حزم وابن قدامة. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٣٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٣٠).\n(٤) مذهب الحنفية: أن الأم لا يجب عليها إرضاع ولدها قضاءً، أما ديانة فيجب عليها، لهذا قالوا: لا يجوز لها أن تأخذ أجرة الإرضاع. انظر: \"البناية\" للعيني (٥/ ٥٣٥ - ٥٣٤).","vol":"2","page":74},{"text":"- ومنهم من حمل هذا الأمر على الاختيار، واستدلَّ عليه بآية الطلاق، وسوَّى بين المطلَّقة والمزوَّجة.\nفإما أنَّه جعل آية الطلاق مبيِّنةً لآية البقرة، أو (١) أنَّه رأى سياق الآية لبيانِ مدَّةِ الرَّضاعِ، لا لبيانِ إيجابه، وهو مذهب الشافعي (٢).\nوله أن يقول: إنما ذكرتِ (٣) النفقةُ والكسوةُ مَثَلًا وَتنبيهًا عَلى أن غالب كسب المرأة هو (٤) منفعة بُضْعِها، وإذا اشتغلت برضاع ولدها وحضانته انقطعتْ عن (٥) النكاحِ غالبًا، وفاتَ كَسْبُها؛ فضرب الله سبحانه هذا مثلًا يُحتذى به في تقدير الأجرة على ذوي اليَسار.\n- ومشهور مذهب مالكٍ أنَّه يجب على الدَّنِيَّةِ إرضاعُ ولدِ زَوْجها، ولا يجبُ على الشريفة (٦)؛ نظرًا إلى عادة الناس وعُرْفِهم، ولهذا وجه قويٌّ، وهو من المعاشرة والائتمار بالمعروف.\nالجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]\n_________\n(١) \"ب\": \"و\".\n(٢) وهو مذهب الحنابلة، وهو قول الثوري. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٤٩٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ٨٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٣٠).\n(٣) في \"ب\": \"ذكر\".\n(٤) في \"ب\": \"وهو\".\n(٥) في \"ب\": \"من\".\n(٦) وهذا هو المذهب. وهناك من قال منهم؛ كالقاضي عبد الوهاب: لا يلزمها، إلا أن لا يقبل غيرها. وقال ابن رشد: يستحب للأم أن ترضع ولدها.\nانظر: \"المدونة\" (٢/ ٣٠٤)، و\"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٤٩٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٢٧٠).","vol":"2","page":75},{"text":"* بيَّن الله - سبحانه - أن تمامَ مدةِ الرَّضاع حَوْلان كامِلان (١)، فلو أرادتِ الوالدةُ أن تُرْضِعَ الولدَ أكثرَ من حَوْلَيْنِ، لم تستحقَّ أجرةً، وإن كانت مُطَلَّقَةً؛ لأنه فوقَ تمامِ مُدَّةِ الرَّضاعِ، وإن أراد أَحَدُ الأبوين أن يفطمَه لدونِ الحولين، لم يجزْ إلا عن تشَاور (٢).\n* ثم ظاهرُ الخطابِ أنَّه عامٌّ في جميع الأولاد.\n- وبه قال عامَّةُ أهلِ العلم بالقرآن (٣).\n- وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّه قال: هذه الآية في الولد يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعُهُ ثلاثةٌ وعشرون شهرًا، فإن مكثَ ثمانيةَ أشهر، فرضاعهُ اثنان وعشرون شهرًا، فإن مكثَ تسعةَ أشهرٍ، فرضاعهُ أَحَدٌ وعشرون شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٤) [الأحقاف: ١٥].\n[وقد استنبط أهل العلم من هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر] (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"حولين كاملين\" وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ١/ ١٢٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٤٨).\n(٣) وقد نسب هذا إلى الجمهور. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١/ ١٢٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٠).\n(٤) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس. ونسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٧/ ٤٤٢) إلى عبد بن حميد في \"مسنده\"، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\".\n(٥) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".","vol":"2","page":76},{"text":"قال (١) أَبو الأسود الدُّؤَلِيُّ: رُفِعَتْ إلى عُمَرَ -﵁ - امرأةٌ ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فأبى عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- ذلك، فقال: لا رجمَ عليها، فبلغ ذلك عمرَ، فأرسل إلى عليٍّ فسأله عن ذلك، فقال: لا رجمَ عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال (٢) الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ستة أشهر وحولان كاملان، لا رجم عليها، فخلَّى عنها عمر -رضي الله تعالى عنه - (٣).\n* وكذلك استنبطوا منها أن الرضاعَ المُحَرِّمَ ما كان في مدة الحولين (٤)، واستدلوا (٥) بقوله - ﷺ -: \"إنَّما الرضاعةُ من المجاعة\" (٦).\nوسيأتي الكلام على هذا في سورة النساء - إن شاء الله تعالى -.\nالجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾\n_________\n(١) في \"أ\": \"وقال\".\n(٢) في \"أ\": \"قال\".\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٤٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٢).\n(٤) وهو قول جماهير أهل العلم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٥٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٤٩).\n(٥) في \"ب\": \" فاستدلوا\".\n(٦) رواه البخاري (٢٥٠٤)، كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب، ومسلم (١٤٥٥)، كتاب: الرضاع، باب: إنما الرضاعة من المجاعة، عن عائشة.","vol":"2","page":77},{"text":"* أوجب الله سبحانه فيها للمرضِع على والد الطفل رزقَ المرضعةِ وكسوتَها (١):\nفيحتمل أن يكون ذلك لأجل الزوجية كما رآه (٢) مالك (٣).\nويحتمل أن يكون لأجل الرضاع - كما رآه الشافعي - فهو أجرة المرضعة (٤).\nويترجَّح قول مالك؛ لأن الأجر لا يقدَّرُ بالنفقة والكسوة، وإنما يقدر بالنفقة والكسوة حقوقُ الزوجية.\nومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥].\nوقول النبي - ﷺ -: \"وَلَهُنَّ عليكُم رزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْروفِ\" (٥).\nوقوله - ﷺ -: \"خُذي ما يَكْفيكِ ووَلَدَكِ بالمَعْروفِ\" (٦).\nوللشافعي أن يقول: إنما ضربه الله مثلَا يهتدى به في تقدير الأجرة كما قَدَّمْتُه، وإنما ذكرَ اللهُ -سبحانَهُ - النفقةَ؛ لأنَّ المرضعةَ تتغذَّى بالنفقة، والمولودُ يتغذى بِلِبانِها، فبتمامِ بِنْيَتهِا تتمُّ بِنيةُ المولود، وبصلاحِ جسدهِا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٠).\n(٢) في \"ب\": \"رواه\".\n(٣) وهو مقضى قوله المتقدم بوجوب الرضاع بشرطه.\n(٤) وهو مقتضى قول من يقول بأن الرضاع لا يجب على الأم، كما تقدم.\n(٥) رواه مسلم (١٢١٨)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -، عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل.\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":78},{"text":"يصلُح جسدُه، والكِسوة من تمامِ صلاح الجسد، وتوابعِ النفقة، فجُحل قدرًا للاعتبار به (١).\n* وكما أوجبَ اللهُ سبحانه نفقةَ المولودين على الوالدين، أقاس أهل العلم وجوب نفقة الوالدين على المولودِين (٢) إذا احتاجوا وعجزوا عن الاستقلال بأنفسهم، وعلى هذا حصلَ الإجماعُ (٣)، والله أعلم\nالجملة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n* نهى الله سبحانه الوالدِينَ عن المُضارَّةَ لبعِضهم بعضًا بالمَوْلودِ، فلا يجوزُ للوالدة أن تمتنعَ من رَضاعِه إذا لم يوجد غيرُها، أولم يَقبل إلا ثديَها، ولا يجوز للوالد أن ينزعَهُ عنها إلى مرضعةٍ غيرِها، ولا يسافرَ به عِنادًا، فهما فيه على السواء (٤)، ولهذا خَيَّرَ النبيُّ - ﷺ - غلامًا اختصم فيه أبوه وأمُّه، فقال: \"هذا أبوكَ، وهذِه أمُّكَ، فاخْتَرْ أَيَّهُما شِئْتَ\" (٥).\n_________\n(١) في \"أ\": \"قدر الاعتبار به\".\n(٢) في \"ب\": \"المولود\".\n(٣) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٤٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٧٣).\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١٥٣/١).\n(٥) رواه أبو داود (٢٢٧٧)، كتاب: الطلاق، باب: من أحق بالولد؟ والنسائي (٣٤٩٦)، كتاب: الطلاق، باب: إسلام أحد الزوجين وتخيير الولد، والترمذي (١٣٥٧)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، وابن ماجة (٢٣٥١)، كتاب: الأحكام، باب: تخيير الصبي بين أبويه، عن أبي هريرة.","vol":"2","page":79},{"text":"الجملة الخامسة: قولهُ ﷿: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] * هذه الجملة مُشْكِلَةٌ من وَجْهين، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في المَعْنِيِّ بالإشارة، وفي المعنيِّ بالوارث.\nفقال قوم: المعنيُّ بالوارث كلُّ من يرثُ المولودَ، والمعنيُّ بالإشارة ما وجب على المولود له من النفقة.\nويروى عن إبراهيمَ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وأحمدَ، وإسحاقَ. وروي عن مالكٍ، وسُفيَانَ، وأهلِ العراق أيضًا (١).\nثم اختلفوا: فقالَ قتادةُ: هو وارثُ الصبيِّ، رجلًا كان أو امرأةً، ويلزمهم على قدر مواريثهم، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ (٢).\nوقال غيرُه: يختص بالوارث من الرجال (٣)، واستدلوا بأن عمر -﵁ - أجبر (٤) عَصَبَةَ صَبِيٍّ أن ينفقوا عليه، الرجالَ دونَ النساء (٥).\n_________\n(١) ويروى عن عمر بن الخطاب وابن جبير وابن أبي ليلى ومقاتل في آخرين. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢).\n(٢) وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٠٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٤).\n(٣) وهو قول عطاء والحسن ومجاهد والنخعي. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٠ - ٥٠١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٤).\n(٤) في \"ب\": \"خيَّر\".\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢١٨٣)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠٠)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٣٢)، عن سعيد بن المسيب: أن =","vol":"2","page":80},{"text":"ولكن الحنفية خَصُّوا الوجوبَ بكل ذي رَحِمٍ محرمٍ، وإن لم يرثْ (١)، ويلزمُ منه أنَّ من ليس له ذو رَحِمٍ محرمٍ يتركُه ضائعًا، وإن كان له عَصَبَة وَرَثةٌ، ولا يجب عليهم شيء، فهم لم يوافقوا ظاهر القرآن، ولا ما فعل عمرُ -﵁ (٢).\nوقال مالكٌ في روايةِ ابن القاسم: إنها منسوخة (٣).\nقال النحاس: والذي يشبه أن يكون الناسخُ لهذا عنده -والله أعلم- أنَّه لما أوجب الله تعالى للمتوفَّى عنها زوجُها من مال المتوفَّى نفقةَ حولٍ والسُّكنى، ثم نسخ ذلك، ورفعه، فنسخ ذلك أيضًا عن (٤) الوارث (٥).\n_________\n= عمر بن الخطاب حبس بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة. وروى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠١)، عن الزهري: أن عمر بن الخطاب -﵁- أغرم ثلاثة كلهم يرث الصبي أجر رضاعه.\n(١) حكاه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠١) عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: الوارث الَّذي يلزمه الإرضاع هو من كان ذا رحم محرم للمولود، فأما من كان ذا رحم منه وليس بمحرم، كابن العم والمولى ومن أشبههما، فليس من عفا الله بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. وانظر: \"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (١/ ١٨٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٤).\n(٢) نقل القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ١٥٤) عن أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق قوله: قالوا قولًا ليس في كتاب الله، ولا نعلم أحدًا قاله. وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٩).\n(٣) ذكر ذلك عنه: ابن العربي في كتابيه: \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٧٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" (٢/ ٩٧)، والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ١٥٥).\n(٤) في \"ب\": \"على\".\n(٥) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٨ - ٦٩).\nقال ابن العربي: وجهه: أن علماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون =","vol":"2","page":81},{"text":"وهذا قولٌ باطل وتأويلٌ فاسد؛ فإن النسخَ لا يكونُ إلا بالتوقيف، ولا يجوز بالتأويل والقياس (١) على منسوخ آخر، وليته إذا (٢) لم يعلم سكتَ عمَّا لم يعلمْ؛ إذ السكوتُ بمن لم يعلمْ أوجبُ وأسلمُ (٣).\n- وقال قوم: المعنيُّ بالإشارة تركُ المضارَّة.\nقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: [البقرة: ٢٣٣] على الوارثِ ألا يضارَّ والدةً بولدها (٤).\nوبه قال الشافعي، وكذا مالكٌ في روايةِ ابنِ وَهْب وأَشْهَبَ عنه (٥).\n_________\n= التخصيص نسخًا؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم، وجرى ذلك في ألسنتهم حتَّى أشكل ذلك على من بعدهم. انظر: \"أحكام القرآن\" له (١/ ٢٧٦).\nوقال أيضًا: قول مالك إنه منسوخ هو تسامح في تسمية المخصوص منسوخًا؛ لأن التخصيص نسخ لغة، ولكنه ليس به عرفًا، فأجراه مالك على الأصل في الاقتضاء اللغوي. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" له (٢/ ٩٨).\n(١) في \"ب\": \"ولا القياس\".\n(٢) في \"ب\": \"إذ\".\n(٣) قلت: قد ذكر ابن العربي معنى ما ذكره النحاس، ولم يشنع على ذلك، بل وجد له أصلَا فقال: فإذا ارتفع ذلك عن الأصل، فارتفاعه عن الوارث الَّذي هو فرعه أولى، وهذا أصل محقق في مسائل الأصول. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" له (٢/ ٩٨ - ٩٩).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٩١٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٧٨).\n(٥) وهو قول الشعبي والزهري ومجاهد والضحاك وجماعة من العلماء. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٠٨)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٨٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٦)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٣٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٤).","vol":"2","page":82},{"text":"وهذا التأويلُ أرجحُ؛ لكون ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أعلمَ بالقرآنِ وتأويلِه، ولكونِ الأمِّ وارِثَه، ولا يجبُ لها على نفسها شيءٌ من النفقةِ والكِسْوَةِ في مقابلة رَضاعِهِ، ولأن وجوبَ النفقة والكِسوةِ خاصٌّ بالزوج الَّذي هو أبو المولود، والوارثُ لا يجبُ عليه نفقةٌ ولا كِسوةٌ، وإنما يجب عليه الأجرةُ، وهي لا تقدَّرُ بالنفقة والكِسوة.\n- وذهب قومٌ إلى التأويل:\nفقالَ بعضُهم: الوارثُ هو الطفلُ، عليه نفقتهُ ونفقةُ الوالِدَيْنِ الفقيرينِ (١)، واختار هذا محمدُ بن جَريرٍ الطَّبَرِيُّ (٢).\nوقال بعضهم: هو وارثُ الوِلايةِ على الطفلِ، تكون نفقةُ الوالدةِ من ما المولود (٣).\nوهذان التأويلان ضعيفان.\nالجملة السادسة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n* أباح الله سبحانه للوالدين فِصالَ المولود قبل الحَوْلين، إذا أطاقَ، بعدَ التشاور من الوالدين، والتراضي منهما.\nومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن الوالدة، إذا فصلَتْ ولدَها من غير\n_________\n(١) وهو قول الضحاك وقبيصة بن ذؤيب وبشر بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٢)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٤).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٥).\n(٣) حكى هذا القول: مكي في \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ٨٠) دون نسبته لأحد.","vol":"2","page":83},{"text":"مَشُورة على الأبِ أنَّه لا يجوزُ، وهو كذلك (١)، والله أعلم.\nالجملة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n* أباح الله سبحانه للآباء أن يسترضعوا أولادهم، ولم يجعل ذلك من المضارَّةِ للوالدة، وهو كذلك في المزوَّجةِ؛ لأنها مستحقة المنفعةِ للزوج، والرضاعُ يقطع على الزوج منفعتَه، فله أن يجمع بين مصلحته ومصلحة ولده بما لا ضررَ فيه على الوالدة (٢).\nومعنى الشرط: إذا سلمتم أجرةَ ما مضى بالمعروف (٣).\nوأما في المطلَّقة، فلا يسترضعُ الوالدُ الولَد إلا عند التعاسُر.\nوسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٧)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٣٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٧).\n(٢) انظر بعض هذه المعاني في: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٧٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٤)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٣٥).\n(٣) أي: سلّمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعت إلى وقت إرادة الاسترضاع، وهذا قول مجاهد والسدي وابن جريج.\nوهناك تأويل آخر وهو: إذا سلمتم ما آتيتم من أجرة بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء الأم. وهو قول ابن جبير ومقاتل وسفيان.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٠٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٥٨).\n(٤) في سورة الطلاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>(عدة المتوفى عنها زوجها)</span>\n٤٢ - (٤٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].\n* الآية هذه ناسخة للآية التي بعدها (١)، ويبيِّن أنها ناسخةٌ لها الإجماعُ، وقولُ النبيِّ - ﷺ -: \"إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكنَّ في الجاهليةِ ترمي بالبَعْرَة (٢) عند رأسِ الحول\" (٣).\nفدل هذا على أن أمر الحَوْلِ كان متقدمًا على الأربعة الأشهر والعشر (٤).\n_________\n(١) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٩)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٨٢)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢١٤).\n(٢) قال ابن الجوزي: قال المفسرون: كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم مكثت زوجته في بيته حولًا ينفق عليها من ميراثه، فإذا تم الحول خرجت إلى باب بيتها ومعها بعرة فرمت بها كلبًا، وخرجت بذلك من عدتها. انظر: \"نواسخ القرآن\" (ص:٢١٤).\n(٣) رواه البخاري (٥٠٢٤)، كتاب: الطلاق، باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ومسلم (١٤٨٨)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة، عن أم سلمة.\n(٤) قلت: وجه الاستدلال بالإجماع والحديث غير واضح هنا، لذا أنقل ما ذكره =","vol":"2","page":85},{"text":"* ولفظ الآية عام يشمل الكبيرةَ والصغيرةَ، والحرةَ والأمَةَ، والمسلمةَ والكافرةَ، والمدخول بها وغيرها (١)، ومن انقطع دمُها لإياسٍ أو غيرهِ.\nوقد أخذ بعموم الآية عامة أهل العلم (٢).\nوعن مالك روايةُ قولٍ في المنقطع دمُها لعارض: أنَّها تنتظر الحيضَ؛ لأنها تكون مرتابةً (٣).\n* وكذلك لفظُ الآية أيضًا (٤) عامٌّ يشملُ الحاملَ وغير الحامل، لكنه يعارضه عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\n_________\n= مكي في \"الإيضاح\" (ص: ١٨٣ - ١٨٤)، ولعل المؤلف أخذه منه، قال مكي: إنما حكم في هذا بأن الأول - أي: المتقدم تلاوته في السورة - نَسَخ الثاني - أي: المتأخر تلاوته في السورة - دون أن ينسخ الثاني الأول، على رتبة الناسخ والمنسوخ، بالإجماع على أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد سنة، وأن عدتها أربعة أشهر وعشرًا، ولحديث النبي - ﷺ - إذ قال: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول\"، فبيّن أن الحول أمر كان في الجاهلية، وأن العدة في الإسلام أربعة أشهر وعشر ...، فعلم أن الأول ناسخ للثاني، وعلم أن الأُولى في التلاوة نزلت بعد الثانية ناسخة لها.\n(١) \"والمدخول بها وغيرها\" ليست في \"أ\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨٣)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٣٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٨).\n(٣) وهذا القول هو المذهب، وهو أشهر الأقوال فيه، وليس هو رواية فقط، وذلك بعد تمام عدة الوفاة. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨٣)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٣٧)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧).\n(٤) \"أيضًا\" ليس في \"ب\".","vol":"2","page":86},{"text":"فإن قلتم: هذه الآيةُ خاصَّةٌ بالمطلَّقات؛ لأن سياقَ الخطابِ في المطلقات.\nقلنا: قد قدمتُ في مقدمةِ كتابي هذا: أن المختارَ عندَ أكثرِ الأصوليين ألَّا يُخَصَّ آخرُ الآية بأولها (١)، وينبغي للمجتهد في مثل هذا المقام أن يفزع إلى الأدلة، ولا يقدم أحد العمومين؛ إذ لم يمكن الجمع بينهما إلا بدليل.\nوقد اختلف أهل العلم في هذا:\nفقال بعضُهم (٢): ذكر الله سبحانه في المطلقات: أن عدة الحوامل أن يضعن حملَهن، وذكر في المتوفَّى عنهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، فعلى الحامل المتوفَّى عنها أن تعتد أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، وأن تضعَ حملَها؛ حتَّى تأتيَ بالعدَّتين معًا؛ إذ لم يكن انقضاء العدة بوضع الحمل نصًّا إلا في الطلاق.\nقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: وكأنه يذهب إلى أن وضع الحمل براءة، وأن الأربعة الأشهر والعشر تَعَبُّدٌ؛ كما أن المتوفَّى عنها تكون غيرَ مدخولٍ بها، فتأتي بأربعة أشهر وعشر، ولأنه وجبَ عليها شيء من جهتين، فلا يسقط بإحداهما؛ كما لو وجب عليها حقان لرجلين، لم يُسْقِط أحدُهما حقَّ الآخر، وكما (٣) إذا نكحت في عدتها، وأُصيبت، اعتدَّتْ من الأول، ثم تعتدُّ من الثاني (٤).\n_________\n(١) قلت: لعل هذا سهو من المؤلف؛ لأنه لا يوجد عندنا عام وخاص. وإنما هما عامَّان آية البقرة وآية الطلاق، وليس عندنا آية واحدة أولها خاص وآخرها عام، بل عندنا آيتان في سورتين مختلفتين.\n(٢) في \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٧٣): \"قال بعض أصحاب رسول الله\".\n(٣) في \"ب\": \"وكذا\".\n(٤) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٥٧٣).","vol":"2","page":87},{"text":"ويروى هذا القول عن علي وابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (١).\nوبه قال سحنون المالكيُّ (٢)؛ لما فيه من العملِ بالآيتين، وعدمِ الإسقاط فيهما.\n- وقال جماهيرُ الصحابةِ وغيرُهمِ من فقهاء الأمصار: إذا وَضَعَتْ ما في (٣) بطِنها، فقدْ حَلَّتْ، وإن كان زوجُها على السريرِ (٤)؛ للحديثِ الثابت: أن سُبَيْعَةَ الأَسْلَميَّةَ كانت تحت سعدِ بنِ خَوْلَةَ، وهو من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، وكان ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، فتوفِّي عنها في حجَّةِ الوَداع، وهي حاملٌ، فلم تنشَبْ (٥) أن وضعتَ حملَها بعد وفاته، فلما تعلَّتْ (٦) من نفاسها، تجمَّلتْ للخُطَّاب، فدخلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكٍ (٧) - رجلٌ\n_________\n(١) وقد قال هذا أبو السنابل لسبيعة، فردّه عليه النبيُّ - ﷺ -.\nوقد ذكر عن ابن عباس أنَّه رجع عن ذلك، وما روي عن علي فهو منقطع، ولو فرض صحته - وقد صححه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٥٩٢) - يقال: إن حديث سبيعة لم يبلغ عليًّا، ولو بلغه لقال به. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٧٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٠).\n(٢) انظر: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٥/ ٦٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٠).\n(٣) \"ما في \" ليست في \"أ\".\n(٤) ويكاد يكون هذا إجماعًا، كما نقله غير واحد. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٧٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٠).\n(٥) في \"ب\": \"تلبث\".\n(٦) تعلّت من نفاسها؛ أي: خرجتْ منه. انظر: \"القاموس\" (مادة: علل) (ص: ٩٣٢).\n(٧) بعكك: بموحدة مفتوحة ثم عين ساكنة ثم كافين الأولى مفتوحة.","vol":"2","page":88},{"text":"من بني عبد الدار - فقال: ما لي أراك متجمِّلَةً، لعلكِ تَرْجِينَ النكاحَ؟ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى يمرَّ عليكِ أربعةُ أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال (١) ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيت رسولَ الله - ﷺ -، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلْتُ حين وضعت حَمْلي، وأمرني بالتزويج، إن بدا لي (٢).\nرَوينا في \"صحيح البخاري\" عن محمد بن سيرين قال: جلستُ إلى مجلسٍ فيه عُظْمٌ (٣) من الأنصار، وفيهم عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، فذكرتُ (٤) حديثَ عبدِ الله بنِ عتبةَ في شأنِ سُبيعة بنتِ الحارث، فقال عبد الرحمن: ولكنَّ عَمَّهُ كان لا يقولُ ذلك، فقلتُ: إني لجريءٌ إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، ورفع صوته، قال: ثم خرجتُ فلقيتُ مالكَ بنَ عامرٍ، ومالكَ بنَ عوفٍ، قلت: كيفَ كانَ قولُ ابن مسعود في المتوفَّى عنها زوجُها وهي حامل؟ فقالا: قال ابن مسعود أتجعلونَ عليها التغليظَ، ولا تجعلونَ لها الرخصةَ؟! أنزلتْ سورةُ النساء القُصْرى بعدَ الطُّولى (٥).\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"لي\".\n(٢) رواه البخاري (٣٧٧٠)، كتاب: المغازي، باب: فضل من شهد بدرًا، ومسلم (١٤٨٤)، كتاب: الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها.\n(٣) عُظْم الشي: أكثُره ومعظمه. ومعنى (عظم من الأنصار) أي: جماعة كبيرة منهم. \"القاموس\" (ص: ١٠٢٧). \"اللسان\" (١٢/ ٤١٠) (مادة: عظم).\n(٤) في \"ب\" زيادة \"له\".\n(٥) رواه البخاري (٤٢٥٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.\nقال القرطبي: قال علماؤنا: وظاهر كلامه أنها ناسخة لها. وليس ذلك مراده، والله أعلم، إنما يعني أنها مخصصة لها؛ فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. =","vol":"2","page":89},{"text":"وروي عن الشعبيِّ، والحسنِ، وإبراهيمَ، وحَمَّادٍ: أنهم قالوا: لا يصحُّ زواجُها حتَّى تطهرَ من نِفاسها (١)، ولست أعلمُ لهم دليلًا مع قولها: \"فأفتاني أني قد حللتُ حين وضعتُ حملي\".\n* ثم اختلفوا في العشرِ.\n- فقال الأوزاعيُّ والأصمُّ (٢): تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشرَ ليال، دونَ اليومِ العاشرِ (٣)؛ لظاهر اللفظ (٤).\n- وقال سائرُ أهل العلم: هي عشرةُ أيام (٥)، وأثبت العشر لسبقِ الليالي على الأيام، وتغليبُ التأنيثِ في العددِ معروف في اللسان (٦).\n* وهذا في الزوجة الحرة، وأما الأَمَةُ، فتتربص شهرين وخمسةَ أيام (٧).\n_________\n= انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" له (٢/ ١/ ١٦٠).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٧٨)، و\"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٥/ ٦٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦١).\n(٢) يعني: أبا بكر الأصم.\n(٣) وهو قول يحيى بن أبي كثير أيضًا. انظر: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٥/ ٦٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧١).\n(٤) في \"ب\": \"القرآن\".\n(٥) انظر: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٥/ ٦٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧٠).\n(٦) قال ابن قدامة: العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصة على المذكر، فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها؛ كما قال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾، يريد بأيامها، بدليل أنَّه قال في موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾؛ يريد بلياليها. انظر: \"المغني\" (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(٧) وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم. انظر: \"الاستذكار\" لابن =","vol":"2","page":90},{"text":"وقال أهلُ الظاهر: الأمةُ كالحرة، فتتربص أربعة أشهر وعشرًا (١)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه (٢)، وقد مضى القولُ معه في عدة الطلاق.\n* فإن قلتم: فما الحكمُ في الأمة الموطوءة بملك اليمين إذا مات عنها سيدها؛ فإن الله سبحانه لم يذكر إلا حكمَ الأزواج، وتخصيصُ الأزواجِ يفهمُ أن غيرهم ليسوا كمثلهم في الحكم، فهل روي في ذلك سُنَّةٌ أو أثرٌ؟\nقلت (٣): الأمةُ لا تخلو إما أن تكون أمَّ ولدٍ، أو لا.\nفأما غيرُ أمِّ الولد، فإن العلماء اتفقوا على وجوب استبراء رَحِمها بحَيضَةٍ (٤).\nوأما أمُّ الولد:\n- فمنهم من ألحقَها بالزوجة الحرةِ (٥)، واستُدل بحديثِ قَبيصةَ بن\n_________\n= عبد البر (١٨/ ١٩٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٨).\n(١) وروي عن ابن سيرين، وقال به الأصم أيضًا. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٠٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٩٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٢٤).\n(٢) هذا القول حكاه العمراني في \"البيان\" (١١/ ٣٧).\n(٣) في \"ب\": \"قلنا\".\n(٤) قال ابن عبد البر: لا خلاف علمته بين السلف والخلف بين علماء الأمصار أن الأَمة لا عدة عليها إذا مات سيدها، وإنما عليها عند الجميع الاستبراء بحيضة. انظر: \"الاستذكار\" (١٨/ ١٩٢).\n(٥) وهو قول ابن المسيب وابن جبير وابن سيرين ومجاهد والزهري ويزيد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وابن راهويه والشعبي.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة =","vol":"2","page":91},{"text":"ذُؤيبٍ، عن عمرِو بنِ العاص: أنَّه قال: لا تُلبِّسوا علينا سُنَّةَ نَبيِّنا، عِدَّةُ أمِّ الولد إذا تُوُفَّي عنها سيدُها أربعةُ أشهر وَعْشرٌ (١)، ولكنه ضعَفه أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وقال: هو مُنْكَرٌ (٢).\n- ومنهم من ألحقَها بالزوجة الأَمَةِ، فأوجب (٣) عليها شهرين وخَمْسَ ليالٍ، وبه قال طاوسٌ وقتادةُ (٤)، وهذا أضعفُ من الَّذي قبله.\n- وذهب سائر العلماء إلى عدم إلحاقها بالحرَّةِ، ثم اختلفوا:\n- فذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، والليثُ، وأبو ثَوْرٍ إلى أن الواجب استبراءُ رحمِها كالأمَةِ (٥)؛ لأنها ليست زوجةً (٦)، فتتربَّصَ\n_________\n= (١١/ ٢٩٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٨).\n(١) رواه أبو داود (٢٣٠٨)، كتاب: الطلاق، باب: في عدة أم الولد، وابن ماجة (٢٠٨٣)، كتاب: الطلاق، باب: عدة أم الولد، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٠٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٦٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٣٠٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٣٠٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٣٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٧).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٤٤٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٨٨)، و\"حاشية ابن القيم على سنن أبي داود\" (٦/ ٢٩٩)، و\"الدراية\" لابن حجر (٢/ ٧٩).\n(٣) في \"ب\": \"وأوجب\".\n(٤) وهو قول عطاء أيضًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٦٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٩).\n(٥) أي: بحيضة، وهو قول عمر وعثمان وعائشة وزيد بن ثابت وابن عمر وعبادة بن الصامت، والحسن والشعبي وغيرهم، واختاره ابن المنذر. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٣٢٩)، و\"البيان\" للعمراني (١١/ ١٢٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٨٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٩).\n(٦) في \"ب\": \"بزوجة\".","vol":"2","page":92},{"text":"أربعةَ (١) أشهرٍ والعشرَ، وليست مطلَّقَةً فتتربصَ الأقراء، فلم يبق إلا براءةُ رحمِها.\nويروى هذا القول عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - (٢).\n- وذهب أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والنَّخَعِيُّ إلى أن عِدَّتها ثلاثُ حِيَضٍ (٣)؛ لأن العدةَ وجبت عليها وهي حُرّةٌ، وليست بزوجةٍ فتعتدَّ عِدَّةَ الوفاة، ولا بأمةٍ فتعتدَّ عدةَ الأمةِ، فوجب أن يُسْتبرَأَ رحِمها بعدَّةِ الحرائرِ.\n- ويروى هذا القول عن عليٍّ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما - (٤).\n* ثم رفع الله سبحانه الجُناحَ عن المرأة إذا بلغتِ الأجلَ، وأحلَّ لها أن تفعل في نفسها ما شاءت بالمعروف.\nوقد تمسك بهذا من يقول باستقلالها بعَقْد النكاح على نفسها، إلا أن تفعلَ بغير المعروف من تزوجِ غير الأَكْفاء، وقد تقدمَ الكلامُ في ذلك.\nومفهومُ هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجُناح إذا فعلتْ في نفسها\n_________\n(١) في \"ب\": \"الأربعة\".\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٨٩٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٧).\n(٣) وهو قول ابن سيرين والحسن بن حي، ويروى عن عطاء. انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٥٤٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٨٩ - ١٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٦٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٩) و\"البناية\" للعيني (٥/ ٤١٩).\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٢٨٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٨٩٥٢)، عن علي ﵁.\nورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٢٨٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (١/ ٣٠٤) عن ابن مسعود ﵁.\nورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٨) عن عثمان ﵁.","vol":"2","page":93},{"text":"قبلَ بلوغِ الأجلِ، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظٍ أوضحَ من هذا فقال ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\n* وفي الآية دليل على إبطال قول شريك في أن للزوجِ الرجعةَ على زوجته ما لم تغتسلْ، وعلى إبطال قول إسحاقَ في أن المرأةَ المعتدَّةَ بالأقراء لا يحلُّ لها (١) أن تتزوج حتَّى تغتسلَ (٢) من حَيْضتِها (٣)؛ لأن الله سبحانه ضربَ الأَجَلَيْنِ أمدًا للعِدّتين، فلا فرق بين المعتدَّتينِ.\nولستُ أعلمُ لقول إسحاقَ وجهًا إلا ما يروى أنَّه مذهبُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - (٤).\n\" ثم بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - صفةَ التَّربُّصِ، فنهى المعتدةَ عن مسِّ الطِّيبِ، وعن الكُحْل، وعن لبسِ المصبوغ، إلا ثوبَ عَصْبٍ (٥).\n_________\n(١) \"لها\" ليس في \"ب\".\n(٢) في \"ب\": \"تطهر\".\n(٣) انظر قولهما في: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧١).\n(٤) قال ابن عبد البر: ولو صحَّ احتمل أن يكون منه على وجه الاستحباب. انظر: \"الاستذكار\" (١٨/ ٣٧).\n(٥) رواه البخاري (٣٠٧)، كتاب: الحيض، باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، ومسلم (٩٣٨)، كتاب: الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز، عن أم عطية.\n* والعَصْبُ: برود يمنيَّة يُعصَب غزلُها، أي: يُجْمَع وُيشَدُّ ثم يُصبَغ ويُنسج، فيأتي موشيًّا لبقاء ما عُصب منه أبيض، لم يأخذه صبغ، وقيل: هي برودٌ مخططة. \"اللسان\" (مادة: عصب) (١/ ٦٠٤).\n* وهذا يسمى الإحداد، وهو أن تترك المرأة المتوفى عنها زوجها الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها. انظر: =","vol":"2","page":94},{"text":"وسيأتي تمامُ أحكام عدة المعتدةِ في الآيةِ المنسوخةِ قريبًا - إن شاء الله تعالى -.\n* * *\n_________\n= الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٣٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٦).\n* وهذا الحكم هو موضع إجماع بين العلماء. ولم ينفرد عنهم إلا الحسن البصري فقال: لا يجب الإحداد. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٦).","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>(التعريض بخطبة المعتدَّة)</span>\n٤٣ - (٤٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].\n* عفا اللهُ - ﷾ - في هذه الآية عَمَّا يكتمه الرجل ويُكِنُّه في نفسه من نكاح المعتدَّةِ، وأحلَّ التعريضَ بخِطبة (١) النساء في حالِ العدَّةِ، وذلك عامٌّ فيهن، ما خلا الرجعيةَ؛ فإنه لا يجوز (٢) التعريضُ بخطبتِها؛ لأنها في معنى الزوجة (٣).\nفإن قلتم: فما دَلَّكَ على ذلك؟ ولعل الخطابَ خاصٌّ بالمتوفَّى عنهن (٤)؛ كما قاله الشافعي؛ حيث قال: العدةُ التي أذن الله سبحانه بالتعريض بالخطبة فيها العدةُ من وفاة الزوج، فلا أحب ذلك في العدَّة من\n_________\n(١) في \"أ\": \"لخطبة\".\n(٢) في \"أ\": \"يجوز\" وهو خطأ.\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٣٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٥٧٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧٢).\n(٤) في \"أ\": \"عنهن\".","vol":"2","page":96},{"text":"الطلاق (١)، احتياطًا (٢). ولعله استأنسَ بتعقيب ذكر الخِطْبة بعد ذكر عدتهنَّ.\nقلت: دلَّني في المبتوتة ما رويناه في \"الصحيحين\": أن فاطمةَ بنتَ قيسٍ طلقها زوجُها عمرُ بنُ حفصٍ البْتَّةَ، وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيء، فجاءت رسولَ الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: \"ليسَ لكِ عليهِ نفقة\"، فأمرها أن تعتدَّ في بيتِ أم شريكٍ، ثم قال: \"تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ، فإنه رجلٌ أعمى، تضعينَ ثيابَكِ عنده، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني\"، قالت: فلما حللتُ، ذكرتُ له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جَهْمٍ، خَطَباني، فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"أما أبو جَهْمٍ، فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأما معاويةُ فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أسامةَ بنَ زيدٍ\"، فكرهته، ثم قال: \"انْكِحي أُسامَةَ\"، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيرًا، فاغتبطتُ (٣) (٤).\n* وأما البائنُ فالقياسُ على المَبْتوتَةِ (٥)، لانقطاع عصمة النكاح منها.\nوبهذا قال الشافعيُّ في أَصَحِّ قَوْلَيهِ (٦).\n_________\n(١) أي: الَّذي لا يملك فيه الرجعة، كما في \"الأم\" (٥/ ٤٠).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٣٩ - ٤٠).\n(٣) في \"ب\": \"فاغتبطت به\".\n(٤) رواه مسلم (١٤٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، عن فاطمة بنت قيس.\n(٥) البائن: من انتهت عدتها بطلقة أو طلقتين، أو المخالعة، ويحل للزوج نكاحها بعقد جديد.\nأما المبتوتة: فهي من بتَّ الزوج - أي: قطع - نكاحها منه، وهي المطلقة ثلاثًا.\n(٦) وهذا هو المعتمد عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.\nانظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٦٣١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٥٩)، =","vol":"2","page":97},{"text":"* والتعريضُ: أن يقول: رُبَّ راغب فيكِ، وإذا حَلَلْتِ فآذِنيني، وما أشبهه.\n* ونهى عن (١) مواعدتهنَّ سِرًّا.\nوقد اختلفَ أهلُ العلمِ في تفسيره؛ لتعارض المفاهيم:\n- فقال بعضهم: هو التصريحُ بالخِطبة، والمواعدةُ على النكاح بأخذِه ميثاقَها في خُفْيَةٍ على أن تنكحَه، ولا تنكِحَ غيره (٢)، فلا (٣) يصرح بخطبتها؛ لأن الله سبحانه أحلَّ التعريضَ، ورفعَ الجُناح (٤) فيه، فدلَّنا على أن التصريح غيرُ جائز (٥).\nولكن هذا المفهومَ يعارضه مفهومُ قوله: ﴿سِرًّا﴾ فإنه يقتضي جوازَ المواعدةِ جَهْرًا، وبهذا (٦) فسره داود، فحرَّمَ الخِطبة سرًّا، وأباحها علانيةً (٧).\n_________\n= و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢١٩)، و\"شرح الزركشي على الخرقي\" (٥/ ١٩٨).\n(١) \"عن\" ليست في \"أ\".\n(٢) وهو قول جمهور أهل العلم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧٤).\n(٣) في \"ب\": \"ولا\".\n(٤) في \"ب\": \"الحرج\".\n(٥) كأن المعنى: قد منعتم التصريح بالنكاح وعقدِه، وأذن لكم في التعريض، فإياكم أن يقع بينكم مواعدة في النكاح، حين منعتم العقد فيه. كما قاله ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٨٧).\n(٦) في \"ب\": \"وهكذا\".\n(٧) نسبه إلى داود وأهل الظاهر الماورديُّ في \"الحاوي\" (٩/ ٢٤٩)، لكن الَّذي قاله ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٣٥): ولا يحل التصريح بخطبة امرأة في عدتها، =","vol":"2","page":98},{"text":"- وفسره الحسنُ، وقتادةُ، والضحاك، والربيعُ والنخعيُّ، بالزنى (١)، وربما أعطاه كلام الشافعي.\n- وذكر بعضُهم أن الشافعيَّ فسره بالجِماع مثل أن يصف نفسه به، فيقولَ: عندي جماعٌ يصلح لمَنْ جومِعَتْ، وأنشد فيه قولَ امْرِئ القيسِ: [البحر الطويل]\nلَقَدْ زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَومَ أَنَّني ... كبِرْتُ وأَنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أَمثْالي (٢)\nوكأنه أراد ذكره مع التصريح بالخِطبة، وأما مجردُ ذكرِه، فليس بحرامٍ، ولا مُواعَدَة.\nوأشهرُ هذه الأقوال هو الأولُ (٣)؛ لأن الله سبحانه حظرَ ذلك خشيةَ الحِرْصِ منها على الإخبارِ بانقضاء العدَّة قبل أَجَلِها، وهو تفسيرُ ابنِ عباس، وابنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهدٍ، وعِكرمةَ، والسدِّي، وبه قال الشعبيُّ ومالكٌ (٤)، ويكون الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]\n_________\n= وجائز أن يعرض لها بما تفهم به أنَّه يريد نكاحها ...، فأباح تعالى التعريض ومنع من المواعدة سرًا.\n(١) وهو قول السدي وجابر بن زيد وأبي مجلز، واختاره الطبري، وروي عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٢٣)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٤٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٧٤).\n(٢) انظر: \"خزانة الأدب\" للبغدادي (١/ ٢٨)، ويروي البيت:\nألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي\nوهو قوله في \"الأم\" (٥/ ٣٩). وقد نقله عنه الماوردي في \"الحاوي\" (٩/ ٢٤٧)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ١٣٠).\n(٣) ورجحه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ١٣١).\n(٤) كما مرَّ قريبًا.","vol":"2","page":99},{"text":"على هذا متصلًا؛ لأن القولَ بالمعروفِ هو التعريضُ الذي أحلَّه الله تعالى.\nوأما على قول من فسره بالزنى، أو فسره بذِكْر الجماع، فيكون منقطعًا؛ لأنه ليس بقولٍ معروفٍ حتى يستثنى منه معروفٌ (١).\n* ثم حَرَّم الله سبحانه عقدَ النكاح حتى يبلغ الكتابُ أجله، فلا يجوز أن يعقدَ، ويعلق (٢) الإجازةَ على انقضاء الأجل، وهذا إجماع من المسلمين (٣).\n* فإن قلتم: فإذا خالفَ نهيَ الله سبحانه، وخطب في العِدَّة، ونكحَ بعدَها، أو نكحَ في العِدَّةِ، فما الحكمُ؟\nقلنا: اختلفَ العلماء (٤) في ذلك.\n- أما إذا خطب في العِدَّة، ونكحَ بعدها، فالنكاحُ صحيحٌ عند الشافعيِّ وأبى حنيفةً (٥).\nوقال مالكٌ في روايةِ ابنِ وهبٍ: فراقُها أحبُّ إلي، دخلَ بها أو لم يدخلْ.\n_________\n(١) وقد جعله الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٦) استثناء منقطعًا؛ لأنه استثنى القول المعروف مما نهى عنه من مواعدة الرجل امرأة السر، وهو من غير جنسه.\nوأبى ذلك الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٦٠) فقال: ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعًا من ﴿سِرًّا﴾؛ لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعرض.\nوردَّ عليه أبو حيان في \"البحر المحيط\" (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٥)، وقرَّر أنه استثناء منقطع.\n(٢) \"ويعلق\" زيادة من \"ب\".\n(٣) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٣٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣٣).\n(٤) في \"ب\": \"أهل العلم\".\n(٥) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٥٧٤).","vol":"2","page":100},{"text":"وقال في رواية أَشهبَ: إنه يفرَّقُ بينهما وجوبًا (١)، وهذه قاعدة مَذْهبِه (٢)، فالنهيُ يقتضي الفسادَ عندَه مُطْلَقًا.\n- وأما إذا نكحها في العِدَّةِ، فيفرق بينَهما عند الشافعيِّ، حتى إذا انقضتْ عِدَّتُها، كان خاطبًا من الخُطَّاب، وحلَّت له.\nوبه قال أبو حنيفةَ والثوريُّ (٣)، سواءٌ دخل بها، أو لا؛ قياسًا على ما لو زنى بها، فإنه يحلُّ له نكاحها، وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- (٤).\nوقال مالك: إن دخل بها في العدَّة، فإنها لا تحلُّ له أبدًا، وبه قال الليثُ والأوزاعيُّ وأحمدُ (٥)، واستدلوا يقول عمرَ -رضي الله\n_________\n(١) حكى هاتين الروايتين ابنُ رشد في \"المقدمات الممهدات\" (١/ ٥٢٠)، وابن العربي في \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٨٩)، والقرافي في \"الذخيرة\" (٤/ ١٩٥).\nورواية أشهب هي العمدة في المذهب. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٤٣).\n(٢) وهي أن الوسائل لها حكم المقاصد، فالمحرم المقصود هنا هو اختلاط الأنساب باجتماع المائين من الزوج السابق واللاحق، والعقد حرام تحريم الوسائل؛ لإفضائه إلى الوطء، والتصريح كذلك؛ لإفضائه للعقد، فهو وسيلة الوسيلة.\nإذن فهو من باب سد الذرائع الذي اشتهر به المالكية. وانظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٩٣).\nأو يقصد قوله الآتي: فالنهي يقتضي الفساد عنده مطلقًا.\n(٣) وهو قول الحنابلة والجمهور. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ١٦٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٠١٤)، و\"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٢٨٨)، و\"البيان\" للعمراني (١١/ ١٠١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٣٩).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٥٣٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٩٠٠٦)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١١/ ٢٢٦) عن علي ﵁.\nورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٥٣٣) عن ابن مسعود ﵁.\n(٥) وبه قال جماعة من أهل المدينة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢١٨)،=","vol":"2","page":101},{"text":"تعالى عنه-: لا يجتمعان أبدًا (١).\n- وإن دخلَ بها بعدَ انقضاء العدةِ، فقال قومٌ بتأبيد التحريم، وقال آخرون: لا يتأبد، وعن مالك قولان (٢).\n_________\n= و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٠١٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٩٣)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٤٥).\nوالمعتمد عند الحنابلة هو القول الأول الموافق للشافعي. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٩/ ٢٩٩).\n(١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٣٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٥٣٩) عن سعيد بن المسيب، وعن سليمان بن يسار: أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي، فطلقها، فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة ضربات، وفرق بينهما، ثم قال عمر بن الخطاب: \"أيما امرأة نكحت مع عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطّاب. وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا\".\nوروي عن عمر أنه رجع إلى قول علي، كما ذكر ذلك البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١١/ ٢٢٦)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٦/ ٢٢٢).\n(٢) هذه المسألة مشابهة للمسألة السابقة لها، والحكم فيهما واحد، بل هذه أولى بالحل عند من يقول بأنها تحل لمن نكحها في العدة إذا فرق بينهما ثم أراد أن ينكحها بعد العدة، وهو قول الجمهور كما تقدم.\nولم أجد من قال بتأبيد التحريم في هذه الصور ما عدا الإمام مالك، فإن له قولين:\nالأول: أنه يفرق بينهما، ويتأبد تحريمها عليه.\nوالرواية الأخرى: أنه لا يتأبد تحريمها وينكحها إن شاء. كما في \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٦٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٩٣).\nوالرواية الأولى -وهي تأبيد التحريم- هي المعتمدة في المذهب. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٤٦).","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>(طلاق المفوّضة)</span>\n٤٤ - (٤٤) قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦].\n* هذه الآيةُ نزلتْ في رجلٍ من الأنصار تزوجَ امرأةً، ولم يُسَمِّ لها مَهْرًا، ثم طلقها قبلَ أن يمسَّها (١).\nقال أهلُ المعاني وغيرُهم من أهل العلم بالقرآن: (أو) في الآية بمعنى الواو (٢)؛ كقول الشاعر يصف السَّنَة (٣): [البحر البسيط]\nوكانَ سِيّان ألا يسرحوا نعمًا ... أو يسرحوهُ بها واغْبَرَّتِ السُّوحُ (٤)\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣١٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٦)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٤١٢).\n(٢) وهو أحد المعاني فيها. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٥٢٩)، و\"مغني اللبيب\" لابن هشام (ص: ٩٣ - ٩٤).\n(٣) المراد بها هنا هي الجدب والقحط، وهو أكثر استعمال لفظ السنة، يقال: أخذهم الله بالسنة وبالسنين؛ أي: بالجدب والقحط. انظر: \"تاج العروس\" للزبيدي (٣٨/ ٣٢٠)، (مادة: س ن و).\n(٤) هو لأبي ذؤيب الهذلي كما في \"ديوان الهذليين\" (١/ ١٠٧). وفي \"خزانة الأدب\" (٢/ ٣٤٢) أنه ملفق من بيتين.","vol":"2","page":103},{"text":"وإنما حملوا (أو) على غير حقيقتها؛ لأن الله سبحانه جعل تعليقَ الحكم على أحدهما؛ بخلافه هنا، فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧].\n* وقد دلت الآيةُ بطريقِ التضمُّنِ والالتزام على أن النكاحَ بغيرِ صَداقٍ جائز؛ لأنه لا يصحُّ الطلاقُ إلا من زوجٍ، ولا تجبُ المُتْعَةُ إلا لزوجةٍ، وهو إجماع (١)، إلا أنه يجب ألا يَخْلُوَ النكاح منه، فلم يكن ذلك إلا لرسول الله - ﷺ - (٢)، ولهذا اتفقوا -فيما أعلم- على (٣) أنه لا يجوز التواطؤ على تركه في المستقبل (٤)، ولم يخالف فيه إلا بعضُ أصحاب الشافعي، فقال: يصحُّ العقد، ويلغو الشرط، ويجب المهر (٥).\nولأجل هذا المعنى ذهب الشافعيّ في أحد قوليه إلى أنه يجب بالعَقْدِ، والصحيح من قوليه أنه لا يجبُ إلا بالفرْضِ أو بالمَسيس (٦)؛ لأنه لو كان\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨٠). وذكر ابن حزم في \"مراتب الإجماع\" (ص: ١٢٣): أن النكاح بغير صداق لم يتفق عليه العلماء. قال ابن قدامة في \"المغني\" (١٠/ ١٣٧): النكاح يصح من غير تسمية صداق في قول عامة أهل العلم.\n(٢) يعني: لا يجوز لأحد أن يتزوج بدون مهر إلا رسول الله - ﷺ -. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٦٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٩)، و\"الخصائص الكبرى\" للسيوطي (٢/ ٢٤٦).\n(٣) \"على\" ليست في \"ب\".\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٦٥ - ٩٦٦).\n(٥) وهو قول أبي إسحاق المروزي. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٧٣).\n(٦) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٨٣)، و\"كفاية الأخيار\" للحصني (ص: ٣٣٩).","vol":"2","page":104},{"text":"واجبًا، لما سقطَ بالطلاق (١)، ولقوله (٢) تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولم يقل: فنصف المَهْرِ (٣).\n* فإن قلتم: فهل في الآية دلالة على سقوط المهر بالطلاق قبل الفرضِ والمَسيس أو لا؟ وما الحكمُ في ذلك؟\nقلت:\n- أما الدلالةُ فموجودةٌ من طريق النظر، وهو أن الله سبحانه ذكرَ المفوِّضَةَ (٤)، وذكر لها حكمًا مخصوصًا، وهو وجوبُ المُتْعَةِ.\nوذكرَ المفروضَ لها، وذكر لها حُكمًا مخصوصًا، وهو وجوبُ نصفِ المفروض، فلما خالفَ بينَ تخصيص أحكامهن، استدللنا بذلك على اختلاف أحكامِهن.\nوأما من جهة الخطابِ فلا دلالةَ إلا على جواز طلاقِهنَّ قبلَ الفرضِ والمَسيسِ كسائر النساء، لأن رفع الجُناح يستعمل في رفع الحرج.\n- وأما الحكمُ، فقد اتفق أهلُ العلم على سقوط المهر بالطلاق قبل الفرضِ والمسيسِ، ولست أعلمُ فيه خلافًا لأحد (٥)، إلا فيما إذا طلقها بعد الطلب للفرض.\n_________\n(١) يعني: لو وجب المهر بالعقد لما سقط كله بالطلاق، بل يتنصَّف.\n(٢) في \"أ\": \"وقوله\".\n(٣) إن المهر يجب بالفرض، فعندما يفرض من الزوجين يصبح مهرًا واجبًا، فإن لم يفرض شيئًا لا يكون هناك مهر حتى يدخل بها، فلها مهر المثل وليس المهر المفروض، لأنه لا فرض.\n(٤) المفوِّضة: هي التي ترضى بأن يتزوجها شخص بدون مهر، أو يقول لها: أتزوجك على أن لا مهر لك.\n(٥) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٢٧٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٩).","vol":"2","page":105},{"text":"فمنهم من أوجب لها النصفَ، وأظنه قولَ أبي حنيفة.\nومنهم من لم يوجب لها شيئًا، بل هو مُخَيرٌ بين أن يفرضَ، أو يطلِّقَ، وهو قول مالكٍ والشافعي (١)؛ لعموم الآية، ولأن أصل الفرض لم يكن في عقد النكاح.\n* فإن قلتم: فما الحكمُ فيما إذا توفي عنها قبل الفرض والمسيس، هل تُلْحَقُ الوفاةُ بالطَّلاقِ، أو لا؟\nقلنا: ذهب مالكٌ، والزهريُّ، والأوزاعيُّ إلى إلحاق الوفاة بالطلاق، فأوجبا لها الميراثَ دون الصَّداقِ (٢).\n_________\n(١) قلت: صَوغ هذه المسألة بهذه الطريقة فيه غموض ولبس، والأفضل فيها أن يقال:\nإذا طلبت المفوضة من زوجها أن يفرض لها مهرًا، فلم يجبها إلى ذلك:\nفالشافعية يقولون: لا يجب لها شيء بطلبها حتى يعينه الزوج أو الحاكم، أو يدخل بها أو يموت عنها.\nوقال الحنابلة: لا تستحق شيئًا كقول الشافعية.\nوقال المالكية: هو مخير بين ثلاثة أشياء: إما أن يبذل لها صداق المثل، وإما أن يرضى بما تطلبه المرأة، وإما أن يطلق.\nأما الحنفية فقالوا: لا شيء لها ولو تراضيا بعد ذلك على تسمية المهر، فإن طلقها، فلا تستحق سوى المتعة.\nوعلى قول الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا طلقها عند ذلك، فلا شيء لها سوى المتعة.\nانظر: \"البناية\" للعيني (٤/ ٦٦٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٨)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٠٧)، و\"البيان\" للعمراني (٩/ ٤٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٥).\n(٢) وهو قول أكثر الصحابة، وقول ربيعة والليث وعطاء وجابر بن زيد. وهو الصحيح عند الحنابلة والشافعية في الراجح عندهم. انظر: \"الاستذكار\" لابن=","vol":"2","page":106},{"text":"واستدلوا بما رواه نافعٌ: أن ابنةَ عبيد الله بن عمر، وأمُّها ابنةُ زيدِ بنِ الخطاب، كانت تحت ابنٍ لعبدِ الله بن عمر، ومات ولم يدخل بها، ولم يسمِّ لها صداقًا، فبعثت إليه أمُّها تطلب صَداقَها، فقال ابنُ عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نَمنَعكُموهُ، ولم نَظلمها، فأبتْ أن تقبلَ، فجعل بينهمْ زيدَ بنَ ثابت، فقضى ألاَّ صداق لها، ولها الميراثُ (١).\nوبما روي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- من نحو ذلك (٢).\nوذهب أبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ إلى إيجاب الصداق (٣)، وهو المختار عندي من قولي الشافعي (٤).\nلما روي أن عبدَ الله بنَ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- سئل عن رجل تزوجَ امرأة، فمات عنها، ولم يكنْ فرضَ لها شيئًا، ولم يدخل بها، فقال:\n_________\n= عبد البر (١٦/ ١٠٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٩)، و\"الحاوي \" للماوردي (٩/ ٤٧٩)، و\"البيان\" للعمراني (٩/ ٤٤٨)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٨٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨١).\n(١) رواه الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٦).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٨٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٧).\n(٣) وهو قول الحسن بن حي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي ثور والثوري وداود والطبري. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٠٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٧٩)، و\"البيان\" للعمراني (٩/ ٤٤٧)، و\"البناية\" للعيني (٤/ ٦٥٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٩). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨١).\n(٤) وهو الراجح المعتمد عند الشافعية. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٨٢)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٨٣).","vol":"2","page":107},{"text":"أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني، أرى لها صداقَ امرأة من نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ، ولها الميراثُ، وقال مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ (١) -: أشهدُ لقد قضيتَ (٢) فيها بقضاءِ رسول الله - ﷺ - في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وصححه (٣).\nقال الشافعي في حديث بَرْوَعَ: فإن ثبتَ عن النبي - ﷺ -، فهو أولى الأمور بنا، ولا حجَّةَ في قولِ أحدٍ دون النبيِّ - ﷺ -، وإن كَثُروا، ولا قياسَ، ولا شيءَ في قوله إلاّ طاعةُ الله بالتسليم له (٤).\n* ثم أمرنا الله سبحانه بإمتاعهنَّ، على المُوسِعِ قَدَرُهُ، وعلى المُقْتِر قَدَرُ.\nوقد اتفق أهل العلم على تشريع المتعة، ولكن اختلفوا هل الأمر على الفرض، أو على الاستحباب؟\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"الأشجعي\".\nقلت: رجح ابن عبد البر أن الصواب هو معقل بن سنان لا معقل بن يسار. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٠٥). وهو كذلك عند الترمذي. وانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٤٥).\n(٢) في \"ب\": \"لقضيت\".\n(٣) رواه أبو داود (٢١١٤)، كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات، والنسائي (٣٣٥٤)، كتاب: النكاح، باب: إباحة التزوج بغير صداق، والترمذي (١١٤٥)، كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وابن ماجه (١٨٩١)، كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها، فيموت على ذلك، عن ابن مسعود، وهذا لفظ النسائي.\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٦٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٤٤). وقد صحيح الحديثَ البيهقي وابن التركماني والنووي. انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٨٢).","vol":"2","page":108},{"text":"- فقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم بوجوبها؛ لأمر الله سبحانه بها لهن هُنا، وفي سورة الأحزاب (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فجعل ذلك ملكًا للمطلقات بلام التمليك، وسمَّاه حقًا، والحَقُّ الواجِبُ.\nوبه قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما (٢).\n- وقال قوم: إنها مستحبةٌ، وليستْ بواجبةٍ، وبه قال مالك وشُرَيْح القاضي (٣)، قالوا: ولو كانت واجبةً، لم يخصَّ الله سبحانه المحسنين والمتقين دونَ غيرهم، ولكان يقول: حقًا عليكم، وكان شُرَيْحٌ يقول: مَتع إن كنت من المحسنين، ألا تحبُّ أن تكونَ من المتقين (٤)؟\nواستدلوا بأنها غير محدودةٍ ولا مقدرة في كتاب ولا سُنَّةٍ ولا إجماع، وليس لها في الفروض (٥) نظيرٌ تُحْمَلَ عليه، فهيَ بالندبِ أولى منها بالفرض.\n_________\n(١) الآية (٤٩) من سورة الأحزاب.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٧٥)، و\"مغني المحتاج \" للشربيني (٤/ ٣٩٨)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٣٧). وانظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨٢).\n(٣) وبه قال الليث وابن أبي ليلى والحكم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٤٤٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٧٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨٢).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨١).\n(٥) في \"ب\": \"الفرض\".","vol":"2","page":109},{"text":"واستدلُّوا بأن المطلقةَ قبلَ الدخول لا تَضْرِبُ (١) مع الغُرماء بالمُتْعَةِ، سواءٌ كان قد فُرضَ لها، أو لم يُفْرَضْ، وتَضْرِبُ بنصفِ ما فُرض لها.\nوادَّعى بعضُ المالكية المتأخرين الإجماع على ذلك (٢).\nولا حُجَّةَ فيما ذكروه، فقد ذكر اللهُ -﷾- نظيرَ ذلك، ولم يقدرْه، ووَكَلَ تقديرَه إلى نبيّه محمد - ﷺ -، وإلى أولي الاستِنْباطِ من أهل العلم، فقال ﷾: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وقال ﷾: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\nوالمتعةُ تقديرها إلى الحاكم عند التشاجُرِ والتنازع.\nوأما المحسنون والمتقون، فأراد بهم المؤمنين المحسنين بالإيمان، المتقين للشّرك (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"يضرب لها\".\n(٢) يعني به: مكي بن أبي طالب، فمن قوله: \"شرح\" إلى قوله: \"وتضرب معهم بنصف ما فرض لها\" هو في \"الإيضاح\" لمكي (ص: ١٨٨). وهو الذي قال في الصفحة نفسها: وقد أجمعوا على أن المطلقة قبل الدخول لا تضرب مع الغرماء. وقال في كون المتعة للندب: وهو قول عامة الفقهاء والصحابة والتابعين إلا اليسير منهم.\nوفي (ص: ٣٨٥): وعليه كل الناس.\n(٣) انظر شيئًا من الاستدلال للفريقين في: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٨٢/ ١٧)، و\"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٥٤٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤٤٨/ ٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٩). وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٦٢٠).","vol":"2","page":110},{"text":"* و(١) في الآية دليلٌ على أن قدرَ المتعةِ معتبرٌ بالزوجِ لا بالزوجة، وهو كذلك على المذهب الصحيح عند الشافعية (٢).\nواعتبر بعضُهم حالَ الزوجةِ (٣)، ففرق بين الشريفةِ والدَّنِيَّةِ، فقال: لو لم يعتبر حالُ الزوجة، لتساوت الشريفةُ والدَّنِيَّةُ، وهو خلافُ المعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ولأنه يؤدي إلى أن تفوز الدنيةُ بمتعةٍ تزيد على مهر مثلها.\nوقالت الحنفيةُ: يُقدَّرُ بنصف (٤) مهر المثل (٥).\nوكل هذا خلاف القرآن (٦).\n_________\n(١) الواو ليست في \"ب\".\n(٢) وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة. انظر: \"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٣٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٤٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٣).\nوالذي صححه النووي أنه يعتبر حالهما معًا، وكذلك صححه الغزالي قبله. انظر: \"الوسيط في المذهب\" (٥/ ٢٦٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٢٣).\n(٣) وهذا أحد الوجوه الثلاثة عند الشافعية. انظر: \"البيان\" للعمراني (٩/ ٤٧٧).\n(٤) في \"أ\": \"يتقدر نصف\".\n(٥) الصواب عند الحنفية: أن المتعة لا تقدر بقدر، لكن إذا طلقها قبل الدخول، ولم يسم لها مهرًا وكانت متعتها أكثر من نصف مهر مثلها: أنها لا يتجاوز بها نصف مهر مثلها. انظر: \"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٣٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٤).\n(٦) وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.","vol":"2","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>(حكم المطلقة قبل المس وبعد الفرض)</span>\n٤٥ - (٤٥) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية.\n* أوجب الله سبحانه في هذه الآية للمرأة إذا طُلِّقت بعد الفرض، وقبلَ المَسيس نصفَ المفروض (١).\nواختلفَ القائلون بوجوبِ المُتعة هلْ تجبُ لها المتعةُ مع نصفِ المفروض؟\n- قال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم-: لها نصفُ صَداقِها، ليس لها أكثرُ من ذلك (٢).\nوبه قال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه - (٣).\n_________\n(١) وهو إجماع. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١١٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٨٦).\n(٢) روى أثر ابن عباس: سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٧٨٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٢٤٦).\nوروى الإمام مالك في \"الموطأ\" أثر ابن عمر ﵄.\n(٣) وهو قول القاسم بن محمد وشريح والنخعي وقتادة ومجاهد وعطاء ونافع، =","vol":"2","page":112},{"text":"- وقال بعضُ أهل الظاهر: لها المتعةُ (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وتخصيصُ بعضِ أفراد العموم بالذكرِ لتعليقِ حكمٍ آخرَ لا يكون تخصيصًا لعمومه، بل يجب لها نصفُ المفروضِ بهذه الآية، والمتعةُ بالآية (٢) الأُخرى.\nولمخالفه أن يقول: ليس هذا تخصيصًا لبعض أفراد العموم [بالذكر مع السكوت عن باقيه، بل هو تخصيص لبعض أفراد العموم] (٣) بوجوبِ نصفِ المفروض.\nوالمُفَوِّضَةُ التي لم يُفْرَضَ لها مخصوصةٌ بذكرِ وجوبِ المُتْعَةِ، وتَخَصصهما بحكمينِ مختلفين يدلُّ على تغايُرِهما (٤).\n_________\n= وأبي حنيفة ومالك وأحمد. وهو قول جمهور العلماء. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٧٩)، و\"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٥٥٠)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٣٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٣١) و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٧).\n(١) وهو قول الحسن وابن المسيب والزهري وأبي العالية وأبي قلابة وقتادة والضحاك وأبي ثور، وروي عن علي بن أبي طالب، وهو رواية عن أحمد، وهو قول ابن حزم.\nانظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٤٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٠).\n(٢) \"بالآية\" ليست في \"ب\".\n(٣) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٤) هذه الحجة في كلام ابن قدامة أوضح فقد قال: لنا قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُم ... وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَإن طَلَّقتُمُوهُن مِن قَتلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ... فَنِصْفُ مَا فَرضْتُم﴾ فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، مع تقسيمه للنساء قسمين وإثباته لكل قسم حكمًا، فيدل ذلك على اختصاص كل=","vol":"2","page":113},{"text":"وتخصيصُ العموم بمن خالفه منهما.\nومما يدل لبعض أهل الظاهر قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٩]، فذكر لهن المتعة في هذه الآية.\nإلا أن يصحَّ ما رُوي عن ابن المسيّبِ بتوقيفٍ عن رسولِ الله - ﷺ -، وذلك أنه روي عنه: أنه قال: كانَتِ المتعةُ لمنْ لم يُدخَلْ بها من النساء؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فنسخ ذلك بقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٧]، فيبطل هذا الدليل (٣).\nوبعيد أن يثبتَ مثلُ هذا النسخِ بتوقيفٍ عن رسول الله - ﷺ - (٤).\nفإن قلتم: فما الجوابُ عن آيةِ الأحزاب؟\nقلنا: لا تَعارضَ بينها وبين آية البقرة؛ فإن آية الأحزاب عامة، والمرادُ\n_________\n= قسم بحكمه. انظر: \"المغني\" (١٠/ ١٤٠).\n(١) انظر الاستدلال بها في \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٥٥٠).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٣). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٦٩٨) وفيهما: أن سعيد بن المسيب قال في التي طلقت قبل الدخول وقد فرض لها: كان لها المتاع في الآية التي في سورة الأحزاب، فلما نزلت الآية التي في البقرة، جعل لها النصف من صداقها، ولا متاع لها، فنسخت آية الأحزاب.\nوانظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٨٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٥)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٤٢٩).\n(٣) أي: الاحتجاج به، وإلا فهو لا يبطل؛ لأنه آية قرآنية.\n(٤) وقد ردَّ كلٌّ من النحاس وابن العربي أن يكون بين الآيتين نسخ. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٥)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":114},{"text":"بها المُفَوِّضَةُ؛ إذا طُلِّقَتْ قبلَ الفَرْضِ والمَسيس؛ بدليلِ البيانِ والتقييدِ في آية البقرة، والمرادُ بآية البقرة مَنْ سُمِّي لها مَهرٌ أو فَرْضٌ (١).\nفإن قلتم: فما الحكمُ فيما إذا طُلِّقَتْ قبلَ المسيسِ، ولكنه قَدْ سمَّى لها مهرًا صحيحًا، وفيما إذا طُلِّقَتْ بعدَ المسيس؟\nقلنا: سيأتي الكلام عليها (٢) قريبًا إن شاء الله تعالى.\n* وفي الآية دليلٌ على أن المهرَ يستقرُّ بالدخولِ والمَسيسِ، وذلك إجماعُ (٣)، وعلى أنه لا يستقرُّ قَبلَ المَسيسِ.\n* والمسيسُ يقع في وضع اللغة على المَسِّ (٤) مُطْلَقًا، ويقع في العرْفِ على الجِماع (٥).\nواختلفوا في المراد به:\n- فقال قوم: الخَلْوَةُ كالإصابَةِ.\n- وروي عن عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: إذا أُرخيَ السترُ، وأُغلقَ البابُ، فقد وجبَ المَهْرُ، ما ذنبهنَّ إن جاءَ العجزُ من قِبَلِكم؟ (٦)\nوهو قول عليٍّ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنهم- (٧)،\n_________\n(١) وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ٩٩).\n(٢) \"عليها\" ليست في \"أ\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٢).\n(٤) في \"ب\": \"اللمس\".\n(٥) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٣٨٨)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ٣٢٩)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٦/ ٢١٩).\n(٦) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٤٤)، و(٧/ ٢٣٣)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (١٠٨٧٣)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٥٦).\n(٧) روى أثر علي -﵁-: عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٨٦٣).=","vol":"2","page":115},{"text":"والزّهْرِيِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القديم (١).\n- وقال قوم: لا تأثيرَ للخَلْوَة، وهو قولُ ابن عباسٍ وابنِ مسعود، -رضي الله تعالى عنهم-.\nقال ابن مسعود: لها نصف الصَّداقِ ما لم يُجامِعها، وإن جَلَسَ بين رِجْليها (٢).\nوروى طاوسٌ عن ابن عباس: أنه قالَ في الرجل يتزوجُ المرأة، فيخلو بها، ولا يمسُّها، ثم يطلقُها: ليس لها إلا نصفُ الصَّداقِ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٣٧].\nقال الشافعي: وبهذا أقول (٤).\n_________\n= وروى أثر ابن عمر -﵄-: البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥٥).\nوروى أثر زيد -﵁-: الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥٥).\n(١) وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وهو قول على بن الحسين وعروة وعطاء وإسحاق وقتادة وابن أبي ليلى، وهو مذهب الحنابلة.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٢٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٩٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٥٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٩٠)، و\"الاختيار\" للموصلي (٢/ ١٣٨).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٧٠٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٨٤).\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٩٨)، وفي \"الأم\" (٥/ ٢١٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥٤).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢١٥). =","vol":"2","page":116},{"text":"وهو ظاهرُ الكتاب.\nوصحَّ عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: يُحْمَلُ اللمسُ والمسُّ في كتاب الله تعالى على الجماع (١).\nوهذا القولُ أختاره؛ لموافقته ظاهرَ القرآن، وشهادة الأصول، فإنه عاقدٌ لم يستوفِ المنفعةَ المقصودةَ بالعَقْدِ، فلم يجبْ عليه عِوَضُها (٢) كسائرِ العُقود.\n* ثم استثنى الله سبحانه من نصفِ المفروض، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وهنَّ النساء، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\n* وقد اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح:\n- فقال عليّ، وجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وابن عَبّاسٍ في روايةِ عَمّارِ بنِ أبي عامرٍ، ومجاهدٌ، والضحاكُ، وابنُ سيرين، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وابنُ جُبَيْرٍ، والشعبيُّ، ومقاتلُ بن حَيّانَ، وشُرَيْح، وأهلُ الكوفة، والشافعيَّ في الجديد: هو الزوجُ.\n_________\n= وهذا هو قول الجديد المعتمد عند الشافعية، وهو قول جماعة من التابعين، وقال به الإمام مالك إن ادعت أنه قد مسها وكانت الخلوة خلوة بناء.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٢٩)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٠/ ٢٤٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٧٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٥٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٩٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٧٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٧٣).\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٧٠)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٢٤).\n(٢) في \"ب\": \"عوضًا\".","vol":"2","page":117},{"text":"وروي (١) عن الحسنِ وطاوس (٢)؛ لأن الذي بيده إمساكُ العقدة وحلُّها بالطلاق هو الزوجُ، ولأن الوليَّ لا يعفو عن أموالها، فكذلك صداقُها، ولأنَّ الولي لو أُبْرِئَ من صَداقها قبل الطلاقِ، لم يَجُزْ، فكذلك بعدَه، ولأن في الأولياء مَنْ لا يجوز عفوُه؛ كابن العمِّ.\n* وعفوُ الزوجِ هو أن يعطيَها الصَّداقَ كاملًا من عَفْو المُساهلَة.\nوقيل: الذي بيده عُقدةُ النكاح هو الوليُّ، وبه قال ابنُ عباسٍ، والزهريُّ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعطاءٌ؛ وعلقمةُ، وإبراهيمُ، وربيعةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، والشافعيُّ في القديم؛ لأن ذكر العفو وردَ بعدَ الطلاق، والذي بيده عقدةُ النكاحِ عليها حينئذٍ هو الوليُّ دونَ الزوج (٣).\n* واتفقوا -واللهُ أعلمُ- أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] خطابٌ للأزواج خاصَّةً (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٢) \"وطاوس\" ليس في \"ب\".\n(٣) انظر القولين في المصادر التالية: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١١٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٠/ ٢٤٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٣)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٥٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٥١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١٨٨/١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٦٠).\n(٤) قلت: ليس في هذه المسألة اتفاق، بل في ذلك اختلاف؛ فهناك من قال: المراد بالخطاب: الزوجان جميعًا. قاله ابن عباس ومقاتل. وهناك من قال: الخطاب للزوج وحده، قاله الشعبي.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٥١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٥٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٨٩). =","vol":"2","page":118},{"text":"ويدلُّ له ما روي: أن جبيرَ بنَ مطعم طلق امرأةً تزوجَها، وأرسلَ إليها بالمَهْرِ تامًا، فقيلَ لهُ: ما دعاكَ إلى هذا، إنما عليكَ نصفُ المَهْرِ؟ فقال: وأينَ (١) قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nوفي رواية: أنا أولى بالعفو (٢).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فأين\".\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٥/ ٧٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٥١)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ٢٤٠).","vol":"2","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>(الصلاة الوسطى، وصلاة الخوف)</span>\n٤٧ - ٤٦ (٤٧ - ٤٦) قوله ﷻ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩].\nوفيها جملتان:\nالأولى: أمرنا الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات، والمحافظةُ عليها تأديتُها في أوقاتها بأركانها على الدوام.\nوخصَّ الوسطى بالذكر والتأكيد لشرفِها، وسماها الله (الوسطى) إما من التوسُّطِ بين الشيئين، أو من الوَسَط الذي هو بمعنى الخِيار (١).\n* واختلف الناس في تعيينها:\n\n١ - فقال عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وابن عُمَرَ، وجابرٌ، ومعاذٌ، وطاوسٌ، وعكرمةُ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، والربيعُ بنُ أَنسٍ: هي صلاةُ الفَجْر (٢).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩٠).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٢٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩١).","vol":"2","page":120},{"text":"وهو اختيارُ مالكٍ والشافعيِّ (١)، واستدلوا بما ورد عن النبيِّ - ﷺ - في فضلِ صلاة الصبحِ (٢).\nولأنها تأتي في وقتِ مشقَّةٍ بسبب بردِ الشتاءِ، وطيبِ النومِ في الصيفِ (٣)، وفتورِ الأعضاء، فخصَّتْ بالمحافظةِ؛ لأنها معرَّضَةٌ للضَّياع.\nولأنها توسَّطَتْ بين صلاتيَ الليلِ وصَلاتيَ النَّهار، فَتُصَلَّى (٤) في سَوادٍ من (٥) الليل، وبيَاضٍ من النهارَ.\nولأن الله سبحانه أمرَ فيها بالقُنوتِ، ولا قنوتَ إلا في الصبح.\nوقال أبو رجاء: صلى ابنُ عباس بالبصرةِ صلاةَ الغداةِ، فقنتَ قبلَ الركوعِ، ورفعَ يديه، فلما فرغَ قال: هذَّة الصلاةُ الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين (٦).\n\n٢ - وقال زيدُ بن ثابت، وأسامةُ بن زيد، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعائشةُ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، وعبدُ الله بنُ شداد: إنها الظهر (٧).\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٣٠٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٢٨).\n(٢) سيأتي تخريج حديث النبي - ﷺ - في هذا.\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"والنعاس\".\n(٤) في \"أ\": \"فيصلي\".\n(٥) \"من\" ليست في \"ب\".\n(٦) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٦١).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦١)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٣٠٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٢٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩٠)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١٢٨).","vol":"2","page":121},{"text":"وبه قال أبو حنيفةَ في رواية عنه (١).\nوروي أن زيدَ بن ثابت احتج في ذلك بأن النبيَّ - ﷺ - كان يصلي الظهر بالهجيرِ (٢)، فلا يكون وراءَه إلا الصفُّ والصفّانِ، والناسُ في قائِلَتِهم وتِجارَتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣)، ولأنها تُفْعَلُ في وسَطِ النهار.\n\n٣ - وقال أيضًا عليُّ بنُ أبي طالب -في أصحَّ الرواياتِ عنه-، وابنُ مسعودٍ، وأبو أيوبَ، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وعبد الله بنُ عمرِو بنِ العاص، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، وابنُ عباس، وكذا أبو سعيد الخدريُّ، وعائشةُ (٤): إنها العصرُ.\nوبه قال النخعيُّ، وقتادةُ، والحسنُ، والضحاك، والكلبيُّ، ومقاتلٌ.\nوهو اختيارُ أبي حنيفةَ، وأحمدَ، وابنِ المنذر، ومتأخِّري الشافعية (٥)؛\n_________\n(١) كذا نقله النووي في \"شرح مسلم\" (٥/ ١٢٩). وفيا شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ١٧٦): أنها صلاة العصر.\n(٢) الهجيرةُ والهجْرُ والهاجرةُ: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظُّهر، أو من عند زوالها إلى العصر، لأن الناس يستكنون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجرواه \"القاموس\" (مادة: هجر) (ص: ٤٤٦).\n(٣) رواه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٣٥٦)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٦٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤٨٠٨)، عن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد.\n(٤) في \"ب\" زيادة \"أيضًا\".\n(٥) وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٥٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٢٨)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٢/ ٢٣٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\"=","vol":"2","page":122},{"text":"لقوله - ﷺ - يومَ الخندق، وقد فاتتهُ صلاةُ العصر: \"حَبَسونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ قُبورَهم وبُيوتَهُم وأجوافَهُم نارًا\" (١).\nواحتجوا بأن حفصةَ قرأت: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر) (٢).\nوبما روى ابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الصلاةُ الوُسْطَى صَلاةُ العَصرِ\" (٣)، أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، ولأنها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعاشِهم وأعمالهم، ولأنها قد توسطت صلاتي ليلٍ، وصلاتَيْ نهارٍ.\n_________\n= للقرطبي (٢/ ١/ ١٩١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١٢٩).\n(١) رواه البخاري (٦٠٣٣)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء على المشركين، ومسلم (٦٢٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وأبو داود (٤٠٩)، كتاب: الصلاة، باب: في وقت صلاة العصر، عن علي بن أبي طالب، وهذا لفظ أبي داود.\n(٢) قرأت بها حفصة وأم سلمة، كما قرأ بها أُبي، وابن عباس، وعبيد بن عمير، وعبد الله بن رافع. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٧٦)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٢٧٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٢٤٠).\nكما قرئ: \"حافظوا على الصلاة الوسطى وصلاة العصر\"، وقد قرأت بها عائشة، وحفصة، وابن عباس، وعبيد بن عمير. انظر: و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٠٥)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٤٦)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٢٤٠). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٨٥). وانظر ما سيأتي قريبًا عن عائشة.\n(٣) رواه الترمذي (١٨١)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر، وقد قيل: إنها الظهر، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨٦٢٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٤٦).","vol":"2","page":123},{"text":"٤ - وقال قَبيصةُ بن ذُؤيب في جماعة: إنها المَغْرِبُ (١)؛ لأنها وَسَطٌ في الطولِ والقِصَر من بينِ الصلاة، ولأنها لا تقصَرُ في السفر، ولأنها تُفعل في وقت واحد، ولم تؤخرْ عن وقتها بحال، ولأنها متوسطة بين صلاتي سِرٍّ وصلاتي جَهْر (٢).\nوروي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن أفضلَ الصلاةِ عندَ الله صلاةُ المَغْرِبِ، لم يَحُطها عن مُسافِرٍ ولا مُقيم، فَتَحَ اللهُ بها صَلاةَ اللَّيْلِ، وخَتَمَ بها صلاةَ النَّهارِ، فَمَنْ صَلَّى المَغْرِبَ، وصَلى بعدَها رَكعَتَيْنِ، بَنَى اللهُ لَهُ قصرًا في الجَنةِ، ومَنْ صَلَّى بعدها أَربَعَ رَكَعاتٍ، غَفَرَ اللهُ لهُ ذُنُوبَ عِشْرينَ سَنَةً، أو أَربعينَ سَنَةً\" (٣).\n\n٥ - وقيل: إنها صلاةُ العشاء، ولعلَّه يستدلّ (٤) بما ورد في فضلِ صلاةِ العشاءِ، ولأنها بين صلاتينِ لا تقصَرانِ، ولأنها توسَّطتْ وِتْرينِ، وهو ضعيف (٥).\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٤). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٧٢٩).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٣١)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٢/ ٢٣٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٩٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٤٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٥٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩١).\n(٣) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦٤٤٩).\n(٤) في \"أ\": \"استدل\".\n(٥) قال البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٣٧): لم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء، وذكره بعض المتأخرين.\nوقال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (١/ ٢٤٩): ذكره علي بن أحمد النيسابوري في \"تفسيره\".","vol":"2","page":124},{"text":"٦ - وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والربيعُ بنُ خُثَيْمِ: هي مُبْهمَةٌ كيرُ مُعَيَّنَةٍ (١)؛ كليلةِ القدرِ، وساعةِ الجمعةِ؛ ليحفظوا الكلَّ (٢).\nويروى عن ابن عمر أيضًا -رضي الله تعالى عنهما- (٣)، واختاره بعضُ المتأخرين (٤)، واستدلوا بما رواه مسلمٌ عن البَراءِ بن عازِبٍ قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسطى صلاةِ العصرِ)، فقرأناها ما شاء الله تعالى، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فقال رجل: هي إذًا صلاةُ العصر، فقال البراءُ: أخبرتُكَ كيف نزلَتْ، وكيف نسخَها اللهُ (٥).\nقالوا: ووجه الدلالةِ أن الله سبحانه نسخَ التعيينَ إلى الإبهام، والجوابُ عن قراءة حفصةَ أنها جاءَتْ تفسيرًا لا قرآنًا (٦)، والقرانُ لا يَثْبُتُ بخبر الواحد، وسيأتي مزيدُ الكلامِ على مثلِ (٧) هذا في سورة النساء، وبأنها\n_________\n= وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٩٩٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١٢٩).\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦٦)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٢/ ٢٣٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩٣).\n(٢) انظر الآثار المنقولة في هذا في: \"الدر المنثور\" للسيوطي (١/ ٧٢٩).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٦٦).\n(٤) وقد اختاره ابن العربي والقرطبي وقال: قال به غير واحد من العلماء والمتأخرين، وهو الصحيح. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٠٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩٤).\n(٥) رواه مسلم (٦٣٠)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.\n(٦) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٩٤).\n(٧) \"مثل\" ليست في \"ب\".","vol":"2","page":125},{"text":"يروى عنها مضطربًا، فروي: (وصلاة العصر)، كما روي عن عائشة (١)، ويروى (٢) بغير واو.\nوالراجح عندي أنها صلاة العصر؛ لما قدمناه من بيان النبيِّ ونصِّه على أنها صلاة العصر، ولما رواه البَراءُ من أنها كانت معينةً في كتاب الله سبحانه، ثم نُسِخَ تعيينُها، وإخبارُ الصحابي بمثلِ هذا النسخِ مقبولٌ.\nوما ذكروه من وَجْهِ الدَّلالَةِ باطلٌ؛ فإن هذا مِمَّا نُسخ لفظُه، وبقيَ حكمُه (٣)، ألم تر إلى قولِ القائلِ للبراءِ: فهي إذًا (٤) صلاةُ العصر، كيف فهم أن التعيينَ باقٍ لم يَزُلْ، وكيف لم يردَّ عليه البراءُ مقالته، وإنما قال: أخبرتُك كيف نزلَتْ، وكيف نسخها الله.\n* وأما قولُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فقال البخاري: أي: مطيعين (٥)، وخرَّجَ عن زيدِ بنِ أرقم -رضي الله تعالى عنه- قال (٦): كنا نتكلمُ في الصلاة، يكلمُ أحدُنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسُّكوتِ (٧).\nوالظاهرُ أن نزول هذه الآية كان بالمدينة (٨)؛ لما فيها من ذكر صلاة\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٢٩)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، عن أبي يونس مولى عائشة.\n(٢) في \"ب\": \"وروي\".\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" (٥/ ٤٢٠)، و\"التمهيد\" كلاهما لابن عبد البر (٤/ ٢٧٧).\n(٤) \"إذًا\"، ليست في \"ب\".\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٦٤٨).\n(٦) \"قال\": ليست في \"أ\".\n(٧) رواه البخاري (٤٢٦٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.\n(٨) سورة البقرة كلها مدنية. انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (١/ ٢٨١)،=","vol":"2","page":126},{"text":"الخوف، وصلاةُ الخوف لم تُشْرَعْ إلا بعدَ الخَنْدَقِ.\nويُشْكِلُ عليهِ قولُ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى-: تحريم الكلام كان بمكة (١)، وروى حديثَ عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نسلمُ على رسول الله - ﷺ -، وهو في الصلاةِ قبل أن نأتيَ أرضَ الحبشة، ويردُّ علينا وهو في الصلاة، فلما رجعنا من أرض الحبشة، أتيته لأسلمَ عليه، فوجدتُهُ يصلِّي، فسلمتُ عليه فلم يردَّ، فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلست، حتى إذا قضى صلاتَهُ، أتيتُهُ، فقال: \"إن الله يُحْدِثُ منْ أمْرِهِ ما يَشاءُ، وإنَّ مِمَّا أحدَثَ أَلأَ تَتَكَلَّموا في الصَّلاةِ\" (٢).\nقال: المحفوظُ في حديث ابنِ مسعود هذا أن ابنَ مسعودٍ مرَّ على النبيِّ - ﷺ - بمكةَ، فوجده يصلي في فِناء الكعبة، وأن ابنَ مسعودٍ هاجرَ إلى الحبشةِ، ثم رجعَ إلى مكةَ، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأهلُ الحبشةِ لم يقدَموا إلا أيامَ خيبر (٣).\nوالجوابُ عن هذا الإشكال ممكنٌ، وذلك أنه يجوز أن يكون التحريمُ للكلام كان متقدِّمًا على نزول الآية، ولم يعلف به (٤) ابنُ أَرْقَمَ، واستصحَبَ\n_________\n= و\"الإتقان\" للسيوطي (١/ ٢٦).\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٥٩) وما بعدها.\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (١/ ١٤٦)، والبخاري (٦/ ٢٧٣٥)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ تعليقًا بصيغة الجزم، وأبو داود (٩٢٤)، كتاب: الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٢٢٤٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤٨٠٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢٢٤٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠١٢٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٦٠).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ١٤٨).\n(٤) في \"ب\" زيادة \"زيد\".","vol":"2","page":127},{"text":"حالةَ حِلِّ الكلام حيث قال: وكان أحدُنا يكلمُ أخاه في حاجته حتى نزلتْ هذه الآيةُ، وقد كانت بعضُ الأحكام تثبُتُ بقولِ النبيِّ - ﷺ -، ثم تنزلُ الآية على وفْقِ قَوْلهِ - ﷺ -؛ تأكيدًا؛ كما كان فرضُ الوضوء ثابتًا زمانًا من دَهْرْ، ثم نزلت الآية تأكيدًا (١).\nالجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\n* أمرنا الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات، ولم يبح تأخيرَها عن وقتها لعذر الخوف على النفس، بل قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: مشاة على أقدامكم، ورُكبانًا على ظهور دَوابَكُمْ.\nوروى نافع عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه ذكر صلاة الخوف، فقال: فإنْ كان خوفٌ أشدُّ من ذلك، صَلُّوا رِجالًا قِيامًا على أَقْدامِكم، أو رُكْبانًا، مُسْتَقْبِلي القبلةِ وغيرَ مستقبليها.\nقال نافع: لا أرى عبدَ الله ذكرَ ذلك إلا عَنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - (٢).\nوأكثرُ العلماء على العملِ بتفسير ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- (٣).\nوخالف أبو حنيفة فقال: لا يصلِّي الخائفُ إلا إلى القبلة (٤)، ولا يصلِّي\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٣/ ٣١٥).\n(٢) رواه البخاري (٤٢٦١)، كتاب: التفسير، باب: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا .......﴾.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٧٥، ٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٦٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٠٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٣١٦).\n(٤) قال العيني في الرد على نسبة هذا إلى أبي حنيفة: قال عياض في \"الإكمال\": لا يجوز ترك استقبال القبلة فيها عند أبي حنيفة، وهذا غلط. انظر: \"البناية\" (٣/ ٢٠١).\nونص \"الهداية\" (١/ ٢٢٤) واضح في كون شدة الخوف ضرورة لترك الاستقبال،=","vol":"2","page":128},{"text":"في حال المسايَفَة (١)؛ لمخالفة الأصول.\nوفي قوله نظر؛ لأن صلاة الخوف إنما جازت مخالفتُها للأصولِ للضرورة، والضرورة موجودةٌ في شدة الخوف، بل أقوى، ولأن الأصول شاهدةٌ بأنه لا يجوزُ تأخيرُ العبادة عن وقتها المعيَّن لها؛ كما فعل في منع الجمع بين الصلاتين.\nوالحجةُ في بيانِ النبيِّ - ﷺ - عن الله ﷾، فإن كانَ ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال ذلك عن رسول الله - ﷺ -، كما ظنه نافعٌ، فالحجةُ في قوله ظاهرةٌ، وإن كان من تفسير ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-، فتفسير الصحابيِّ مقبولٌ معمولٌ به؛ لأنه أعرَفُ بمواردِ كتابِ الله ﷿.\n* ثم عندي إشكالٌ آخرُ، وهو أن أهل العلم بالحديث والسِّيَرِ اتفقوا، أو أكثرُهم، على أن صلاةَ الخوف إنما فرضَتْ بعدَ الخندق (٢)؛ كما سيأتي ذكر ذلك وإيضاحُه -إن شاء الله تعالى- في \"سورة النساء\".\n_________\n= قال فيها: فإن اشتدَّ الخوف صلوا ركبانًا فرادى، يومِئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وسقط التوجه للضرورة.\n(١) فإن صلوا حال المقاتلة، بطلت صلاتهم عند الحنفية. انظر: \"البناية\" للعيني (٣/ ١١٩).\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ١١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٨٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١٣٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٧/ ٥٣١) وصححه، وقال في (٧/ ٥٣٩): إذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف في عسفان، وكانت في عمرة الحديبية وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع وهي بعد عسفان، فتعيَّن تأخرها عن الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضًا.","vol":"2","page":129},{"text":"وقد ثبت في الحديثِ الصحيحِ المتفق على صحته: أن النبيَّ - ﷺ - قال يوم الخندق: \"شَغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُمْ وبُيوتَهم نارًا\" (١)، وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن بيانَ (٢) الصلاةِ الوسطى معروفٌ عندهم، وهي لم يذكرها في كتابه إلا في هذه الآية، وقد ذكر فيها حكم صلاةِ شدةِ الخوف، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\nثم يُقال حينئذٍ: لِمَ أَخَّرَ رسولُ الله - ﷺ - الصلاةَ يومَ الخندقِ مع بيانِ الله سبحانه لصلاةِ الخوف (٣)؟\nفإن قيل: إنما بيَنَ اللهُ سبحانه صلاةَ شدةِ الخَوْفِ، ولم يكنْ يومَ الخندقِ إلا مُجَرَّدُ الخوف؟\nقلنا: إذا أباح الله سبحانه صلاةَ شدةِ الخوف مع كثرة مخالفتها لصورة الصلاة، فأولى أن يبينَ النبي - ﷺ - حكمَ اللهِ سبحانَهُ في صلاة الخَوْفِ؛ لأنه كان يمكِنُهم في الخَنْدَقِ التَّناوُبُ.\nفلم يبقَ إلا أن يقال: لعلَّ الصلاةَ الوسطى كانت معروفةً عندهم، وموقعُ شرفها موجود في صدورهم قبلَ نزولِ الآية، ثم أَمَرَهُم اللهُ سبحانَهُ بالمحافظة على ما هو مَعهودٌ عندهم، ومتقرَّر في نفوسِهم من النبيِّ - ﷺ -؛ تأكيدًا لشأنِها؛ كما أجبنا بمثل هذا في الجمع بين حديثي عبدِ الله بنِ مسعود، وزيدِ بن أَرقَمَ -رضي الله تعالى عنهما-.\nأو يقال: لعلَّ قولَه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] نزل عند الخندق، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"شأن\".\n(٣) إن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت يوم الخندق.","vol":"2","page":130},{"text":"قبل الخندق، ونزولُ بعضِ الآية دونَ بعضٍ جائزٌ؛ كما قدمت ذلك (١).\nوإن كان أبو عبد الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- قال: إنه لا يجوز، وبينتُ (٢) وَهْمَهُ في ذلك، وأن السنَّةَ دالَّة على خلافه.\nوالأولُ أقرب الجوابين، والقولُ بكلِّ واحد منهما عسيرٌ.\n* ثم امتثلَ النبيُّ - ﷺ - أَمرَ الله ﷾ بالمحافظة، وبيَّنَ المحافظةَ على الصَّلاةِ في حالِ الخوفِ على اختلافِ أحواله، وسيأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله تعالى.\n* ثم ندب - ﷺ - إلى تعجيلها، فسئل: أَيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ فقالَ: \"الصَّلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِها\" (٣).\n* ثم أمر الله سبحانه عندَ الأمنِ بعدَ (٤) الخوف أن نصليَ كما علمنا، ولو ظفرْنا بالعدو، وأمكنَنا الله سبحانه منه، فلا نغير هيئةَ الصلاةِ لغيرِ ضرورةٍ، والله أعلم.\n_________\n(١) قلت: هذا الجواب مبني على أن هذه آية واحدة، والواقع أنهما آيتان؛ فـ ﴿حاَفِظوا ... قَانِتِينَ﴾ آية (٢٣٨)، و﴿فإِنْ خِفْتمْ ... تعَلَمُون﴾ نهاية (٢٣٩)، وإذن لا يرد ما اعترض به المؤلف على الإمام الشافعي.\n(٢) في \"ب\": \"وقد\".\n(٣) رواه البخاري (٥٠٤)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها، ومسلم (٨٥)، كتاب: الإيمان، باب: كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، والحاكم في \"المستدرك\" (٦٧٤)، عن عبد الله بن مسعود، وهذا لفظ الحاكم.\n(٤) في \"ب\": \"من\".","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>(عدَّةُ المتوفَّى عنها)</span>\n٤٨ - (٤٨) قوله ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\n* فرض الله سبحانه في هذه الآية في المتوفَّى عنها زوجُها (١) حكمين:\nأوجبَ عليها التربصَ حولًا كاملًا.\nوأوجبَ لها الوصيةَ بالمتاع إلى آخرِ ما أوجب عليها من المدة.\nوالمتاعُ يقع على النفقةِ والكسوة والسُّكنى.\n* ثم بَيَّنَ اللهُ سبحانه أنها إذا خرجتْ من المنزل وأبطلَتْ حقَّها، فلا جُناح على الوارثِ في ترك النفقةِ، فَفُهِمَ من هذا أن النفقةَ تابعة للسُّكنى كما وجبتْ للزوجةِ وللرجعيةِ (٢)، ولهذا المعنى قال قومٌ بوجوب النفقةِ للمَبْتوتَةِ لمَّا وجبتْ لها السُّكْنى (٣).\n_________\n(١) \"زوجها\" ليس في \"ب\".\n(٢) انظر هذه الواجبات في: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٢٨)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٧١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٢٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٨).\n(٣) المبتوتة إما أن تكون حاملًا أو حائلًا، فإن كانت حاملًا فإن لها النفقة والسكنى بإجماع أهل العلم، وإن كانت حائلًا فلا نفقة لها أيضًا، إلا عند الحنفية فقد=","vol":"2","page":132},{"text":"فإن قلتم: فهل كان الخروجُ لها جائزًا، فَعِدَّتُها على التخيير؟\nقلت: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].\nقال عطاء: إن شاءت اعتدَّتْ عندَ أهلهِ، وسكنتْ في وَصِيتَّهِا، وإن شاءت خرجتْ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٤].\nودلَّنا هذا على أن كلَّ من وجب له حقّ، ثم تركه، فلا جُناحَ عليه.\n* إذا تمَّ هذا، فقد اتفقَ أهلُ العلم بالقرآن على أن الحَوْلَ منسوخٌ بالآية الأولى (٢)، إلَّا ما يروى عن مجاهدٍ (٣).\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن ابن الزبير: قلتُ لعثمانَ بنِ عَفَّانَ -رضي الله تعالى عنه-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] قد نسختها الأخرى، فَلِمَ تكتُبها، أو تَدَعُها (٤)؟ قال: يا ابْنَ أَخي!\n_________\n= قالوا: لها النفقة والسكنى، وقال بهذا القول أيضًا: ابن شبرمة وعثمان البتي وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح والعنبري. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٦٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٤٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٩/ ٢/ ١٥٥).\n(١) رواه البخاري (٤٢٥٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٤٦) أنه موصول وليس معلقًا.\n(٢) يعني الآية: (٢٣٤). وقد تقدم ذلك.\n(٣) ستأتي الرواية عن مجاهد قريبًا عند البخاري.\n(٤) فهذا شك من الراوي، والمعنى: لِمَ تكتبها وقد عرفت أنها منسوخة، أو قال: لِمَ تدعها؛ أي: تتركها مكتوبة. انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٨/ ٢٤٥).","vol":"2","page":133},{"text":"لا أُغَيِّرُ شيئًا من مَكانِه (١).\nوروينا فيه أيضًا عن أبي نَجيح عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: كانت هذه العِدَّةُ عندَ أهلِ زَوْجها واجب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها (٢) تمامَ السنة سبعة أَشْهُرٍ وعِشرين ليلةً، وَصِيَّةً، إن شاءتْ سكنتْ في وَصِيّتِها، إن شاءتْ خرجتْ، وهو قول الله ﷿: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعِدَّة كما هي واجب عليها.\nثم قال البخاري: زعم (٣) ذلك عن مُجاهدٍ (٤).\nوكلامُ مجاهدٍ هذا يقتضي أن هذه الآية نزلت بعد الأولى، فهي بعدَها في النزول، كما هي بعدها في الترتيب، وأن الأربعةَ الأشهرِ والعَشْر حَتْمٌ، وأنَّ ما زاد عليها إلى تمام الحولِ مشروعٌ على التخيير، لم يُنْسَخْ، فهذه الآيةُ إما ناسخةٌ لِحَتْمِ الآيةِ الأولى، أو مبيِّنَةٌ لِما زاد من تمامِ السُّنةِ بعدَ الحَتْم.\nولكنَّ ما قاله لم يتابعْه عليه أحدٌ من أهل العلم (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٥٦)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ....﴾، عن ابن أبي مليكة.\n(٢) \"لها\" ليست في \"أ\".\n(٣) أي: شِبْل -أحد رواة هذه الحديث-، كما قاله الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٤٦).\n(٤) رواه البخاري (٤٢٥٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ...﴾.\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٢٥)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٧١)،=","vol":"2","page":134},{"text":"وقد روي عن ابن جُرَيْج عن مجاهدٍ مثلُ ما عليه الناس، فهو إِمَّا رجعَ إلى أهل الإجماع (١)، وإلَّا فقدِ اضطربتِ الروايةُ عنهُ، وسقطتْ.\n* وأما المَتاعُ، فليس في الآية الأولى دَلالةٌ صريحةٌ على نَسْخِ المَتاع، وإنما تعارضُه آيةُ الميراث.\nقال ابن عباس في رواية عِكْرِمَةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فنسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لهن من الرُّبُعِ أو الثُّمُنِ، ونُسخ أَجَلُ الحَوْل بأن جُعِلَ أَجَلُها أربعةَ أشهر وعشرًا (٢).\nوكلامُ ابن عباس هذا يحتمل أن يدلَّ على نسخ السُّكنى.\nقال عطاء: ثم جاء الميراثُ، فنسخ السكنى، فتعتدُّ حيث شاءت، ولا سكنى لها (٣).\nوروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثلُ هذا (٤).\nويحتمل أن يكونَ النسخُ خاصًّا بالمتاع دونَ السكنى، ويدل له ما روى\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٠٧).\n(١) وهو الذي ذكره ابن عبد البر والقرطبي. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٠٧).\n(٢) رواه أبو داود (٢٢٩٨)، كتاب: الطلاق، باب: نسخ متاع المتوفى عنها زوجها بما فرض لها من الميراث، والنسائي (٣٥٤٣)، كتاب: الطلاق، باب: نسخ متاع المتوفى عنها بما فرض لها من الميراث، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٢٧).\n(٣) رواه البخاري (٤٢٥٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ .....﴾.\n(٤) ذكره البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٦٤٦).","vol":"2","page":135},{"text":"مالك عن سعيدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بن عُجْرَةَ عن عَمَّتِهِ زينبَ بنتِ كعبٍ: أن الفُرَيْعَةَ بنتَ مالكِ بنِ سنانٍ أخبرتها: أنها دخلتْ إلى النبي - ﷺ - تسألهُ أن ترجعَ إلى أهلها في بني خُدرَةَ؛ فإن زوجَها خرج في طلبِ أَعْبُدٍ له أَبَقوا، حتى إذا كان بطرف (١) القدُّوم، لحقهم، فقتلوه، فسألتُ رسولَ الله - ﷺ - أن أرجعَ إلى أهلي في بني خُدرَةَ؛ فإن زوجي لم يتركْني في مسكن يملكُه، ولا نفقةٍ، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم\"، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله - ﷺ -، أو أمرَ بي فنوديت (٢)، فقال: \"كيف قلت؟ \"، فرددت عليه القصةَ التي ذكرتُ له من شأن زوجي، فقال: \"امكثي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ\"، قالت: فاعْتَدَدتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، قالت: فلما كان عثمانُ بنُ عفانَ، أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك، فأخبرتُه، فاتبَّعه، وقضى به (٣).\nوقال الشافعي: -رحمه الله تعالى-: ثم حَفِظْتُ عَمَّنْ أرضى (٤) من أهل العلم: أن نفقةَ المتوفَّى عنها زوجُها وكسوتَها حولًا منسوخةٌ بآية الميراث، ولم أعلم مخالفًا فيما وصفتُ من نَسْخِ نفقةِ المتوفَّى عنها زوجُها وكسوتها سنةً أو أقلَّ من سنة.\n_________\n(١) في \"ب\": \"بطرق\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"له\".\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٩١)، ومن طريقه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٢٤١)، وأبو داود (٢٣٠٠)، كتاب: الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي (١٢٠٤)، كتاب: الطلاق، باب: أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٢٩٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٤).\n(٤) في \"ب\" زيادة: \"به\".","vol":"2","page":136},{"text":"ثم قال: ثم احتمل سكناها إذا كان مذكورًا مع نفقتها بأنه (١) يقع عليه اسمُ المتاع أن يكونَ منسوخًا في السُّنةِ وأقلَّ منها، كما كانت النفقةُ والكسوةُ منسوختين في السَّنَةِ وأقلَّ منها، واحتملت أن تكونَ نُسخَت في السَّنة، وأثبتت في عِدَّة المتوفَّى عنها حتى تنقضي بآخر هذه الآية، يعني قولَه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وأن تكون داخلةً في جملة المُعْتَدّات؛ فإن الله تعالى يقولُ في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، فلما فرضَ اللهُ سبحانَه في المتعدَّة من الطلاقِ السكنى، وكانت المعتدَّةُ من الوَفاة في معناها، احتملت أن يكونَ جعلَ لها السكنى، لأنها في معنى المعتدَّات، فإن كان هذا هكذا، فالسكنى لها في الكتابِ منصوصٌ، أو في معنى من نُصَّ لها السكنى، وإن لم يكن هذا، ففرضُ السكنى لها في السُّنةِ (٢).\nوهذا أصحُّ قوليه -رحمه الله تعالى-، وإيَّاه أختارُ، لأن السُّكْنىَ ثابتة في الكتاب، فلا يجوزُ نسخُها بالاحتمال والتجويز لأجل نسخِ ما جاورها من الأحكام، فنسخُ المدةِ من حول إلى ما دونه لا يدلُّ على نسخِ السكنى فيما دون الحول، ونسخُ المتاعِ بايةِ الميراثِ على روايةِ ابنِ عباسٍ يحتملُ أن تعود الإشارة في قوله: فنسخ ذلك إلى (٣) المَتاع دونَ الإخراج، ويحتمل أن يعودَ إلى المتَاع والإخراجِ، ولكنَّ الاحتمالَ الأولَ متعيِّن؛ لحديث الفُرَيْعَةِ بنتِ مالكٍ.\nوهذا هو مذهبُ عمرَ، وابنِ عمر، وابنِ مسعودٍ، وبهِ قال فقهاءُ الحجازِ\n_________\n(١) في \"ب\": \"بأن\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(٣) في \"ب\": \"في\".","vol":"2","page":137},{"text":"والعراقِ وأكثرُ فقهاءِ الأمصار؛ كمالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمدَ (١).\nقال الشافعيُّ في كتاب \"العِدَد\": الاختيارُ لورثته أن يُسكنوها، وإن لم يفعلوا، فقد ملكوا المال دونه (٢).\nوقول النبيِّ - ﷺ -: \"امكُثي في بيتِكِ\" يحتملُ: ما لم تُخْرَجي منه إن كان لغيرك؛ لأنها قد وصفتْ أن المنزلَ ليس لزوجها، وهذا التأويل حُجَّة لمن أوجب السُّكنى؛ لأنه إذا أمرها النبي - ﷺ - أن تمكُثَ في بيتٍ ليسَ لزوجِها ما لم تُخْرَجُ عنه، فأولى أن تمكُثَ في بيتٍ لزوجِها لا تخرج عنه.\nوروي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أنه كان يُرَحِّلُ المتوفَى عنها، لا ينتظر لها، ونقل أمَّ كُلْثومٍ بعدَ قتلِ عمرَ بسبعِ (٣) ليال (٤).\nوعن عائشة: أنها كانت تُرحِّلُ المرأةَ وهي في عِدَّتِها من وفاةِ زوجها (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٨١)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٧٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٢)، وانظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٦٣٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١٢٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٢٥٦)، و\"المغنى\" لابن قدامة (١١/ ٢٩٠).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٤٣)، وانظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١١/ ٢١٤).\nوالقول الأول هو المعتمد عند الشافعية. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٤٠٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٥/ ١٠٥).\n(٣) في \"أ\": \"بتسع\".\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٩٠٨٦)، (١٩٠٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٦).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٠٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٦).=","vol":"2","page":138},{"text":"وبه قال أهلُ الظاهر، وعطاءٌ، والحسنُ (١)، ويروى عن ابن عباسٍ (٢)، وجابرٍ (٣)، رضي الله تعالى عنهم.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ١٨٢)، و\"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٢٥٦)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٢/ ١٧٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٢٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ١٦٢).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٠٥١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٥).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٠٥٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٩٠٨٩).","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>(متعة المطلقة)</span>\n٤٩ - (٤٩) قوله ﷻ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].\n* لفظُ هذه الآيةِ عامٌّ في إيجاب المُتعةِ لكلِّ مُطَلَّقة، سواءٌ كانتْ مدخولًا بها، أو لا، طُلِّقت قبلَ الفرض والمَسيس، أو بعدَ الفرضِ وقبلَ المسيس.\nوقد مضى حكمُ التي طُلقت قبلَ الفرض والمَسيس، وأنها مرادةٌ في العموم (١)، ومضى حكم التي طُلقت بعد الفرض وقبلَ المسيس، وأنها غيرُ داخلة في العموم، إلا على قولِ بعضِ أهل الظاهر، ومثلُها التي طُلِّقت قبل المسيس، وكان قد سُمِّي لها مهرٌ صحيحٌ؛ لعدم الفرقِ بينهما، وبقي حكمُ المدخول بها.\n* وقد اختلف أهلُ العلم في إيجاب المتعة لها.\nفقال عمرُ، وعليٌّ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ عمرَ، والقاسمُ بن محمدٍ وابنُ شهابٍ، وسعيدُ بنُ جبير، وأبو العاليةِ، والحسنُ -رضي الله تعالى عنهم-: لها المتعة (٢)؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ\n_________\n(١) في \"ب\": \"بالعموم\".\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٣/ ١/ ١٥٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤٠).","vol":"2","page":140},{"text":"سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وأزواجُه - ﷺ - مدخولٌ بهن.\nوبهذا قال الشافعيُّ في الجديد (١)، وكذا أحمدُ في إحدى الروايتين (٢)،وبه أقول.\n- وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديم: لا متعةَ لها (٣)؛ قياسًا على المفروضِ لها.\nوهذا فاسدٌ، لأنه لا يجوز قياسُ المدخولِ بها على غيرِ المدخول بها، ولا يجوز القياسُ مع وجود النصّ.\nفإن قيل: النصُّ في إمتاعه - ﷺ - خاصٌّ به.\nقلنا: دعوى التخصيص بغير دليل مردودةٌ، بدليلِ حديث أمِّ سلمةَ -رضي الله تعالى عنها- الذي قدمته في تقبيلِ الصائم (٤).\nفإن قيل: محمولٌ على الاستحباب (٥).\nقلنا: خلاف الظاهر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].\n_________\n(١) وهو الأظهر عند الشافعية. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٢١).\n(٢) والمعتمد عند الحنابلة: أن المطلقة بعد الدخول لا متعة لها. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤١)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ٢٨٨).\n(٣) وهو قول الثوري والحسن بن حي والأوزاعي وأبي ثور. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٧/ ٢٨٥) و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٥٤٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣٧)، و\"البناية\" للعيني (٤/ ٦٦٢).\n(٤) في آية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ......﴾.\n(٥) وهو مذهب الثلاثة غير الشافعية. انظر: \"البناية\" للعيني (٤/ ٦٦٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٤١).","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>(من أحكام الجهاد)</span>\n٥٠ - (٥٠) قولُه ﷻ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nهذه الآية (١) وما شابهها من آيات الصفح والإعراض عن المشركين منسوخاتٌ بآية السيف بالاتفاق (٢)، وآيةُ السيف مثل قوله تعالى: ﴿فَاَقتُلُوا\n_________\n(١) \"الآية\": ليس في \"أ\".\n(٢) قلت: هذه الآية ليست منسوخة بالاتفاق، وإنما فيها أقوال للعلماء ترجع إلى قولين:\nالأول: هي منسوخة بآية القتال، وهو قول الضحاك والسدي وابن زيد وسليمان بن موسى، وروي عن ابن مسعود، وكثير من المفسرين.\nولم يرتض هذا القول ابن العربي فقال: إن بينهما من التعارض في وجه ما يوجب أن يكون نسخًا لو تحققنا تاريخيهما، وإذا جهل التاريخ بطلت دعوى النسخ بكل حال، فلا معنى لتتبع ذلك فيها. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" له (٢/ ١٠٠)، و\"أحكام القرآن\" له (١/ ٣١١).\nالثاني: ليست منسوخة، وإنما هي في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون هم الوثنيون، وهو قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك، وروي عن ابن عمر.\nأو هي محكمة مخصوصة، نزلت في أبناء الأنصار: أن آباءهم أرادوا أن=","vol":"2","page":142},{"text":"الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n_________\n= يكرهوهم على الإسلام بعد أن كانوا قد هودوهم قبل الإسلام، وهو قول ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد.\nورجَّحَ قولَ ابن عباس ومن معه: مكيُّ بن أبي طالب والنحاسُ وابنُ العربي والقرطبيُّ.\nانظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٩٣)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ١٠٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣١٠)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٥٥).","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>(من أحكام الزكاة)</span>\n٥١ - (٥١) قولُه ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].\n* تمسكَ الحنفيةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوب الزكاة ممَّا أخرجت الأرضُ من غير المُقْتات (١).\nوسيأتي الكلام معهم في سورة الأنعام -إن شاء الله تعالى-.\nوللجمهور أن يتمسكوا بها في إيجاب الزكاةِ في عُروض الكَسْبِ؛ خلافًا لداود (٢).\n* وحرم الله ﷾ الإنفاق من الخبيث.\nفروي أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن لونين من التَّمرِ: الجعرورِ (٣)، ولونِ\n_________\n(١) انظر وجه استدلالهم بالآية في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣١٣)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ٦٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٢٩٣).\n(٢) وهو قول ابن حزم. انظر: \"المحلى\" (٥/ ٢٠٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٦٦)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ٦٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧٤)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٤).\n(٣) الجعرور: تمرٌ رديْ. \"القاموس\" (مادة جعر) (ص: ٣٣٠).","vol":"2","page":144},{"text":"الحُبَيْقِ (١). قال الراوي: وكان أناس يَتيمَّمُونَ سَرَّ ثمارِهم، فيخرجونها في الصدقة، فَنُهوا عن لونين من التمر، ونزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٦٧].\n* ولمّا أمرنا اللهُ سبحانه بالإنفاق من طيبات ما كسَبْنا، ونهانا عن تَيَمُّمِ الخبيث، استدلَلْنا بهذا على أن كل خَبيث ومَعيبٍ لمرضٍ أو هُزال أو غيرِه لا يجوزُ إنفاقه، إلا أن يكون جميعُ المال المزكَّى خبيثًا، أو مَعيبًا؛ فإنَّا ننفق منه؛ لأنَّا لم نتيمَّمِ الخبيثَ للنفقة، وإن كانَ المالُ طيبًا وخبيثًا، فلا يجوزُ لنا أن ننفق إلا من الطيِّبِ، لأمر الله سبحانه بالإنفاق منه، لكن يجبُ مراعاة العدلِ والقسط (٣).\nوتفصيلُ ذلك مذكورٌ في كتبِ الفقه.\n_________\n(١) حُبيق: على وزن زُبير: نوع من التمر ردي، منسوب إلى ابن حُبيق، وهو تمرٌ أغبر صغير مع طولٍ فيه. \"اللسان\" (١٠/ ٣٨)، \"القاموس\" (مادة: حبق) (ص: ٧٨٥).\n(٢) رواه أبو داود (١٦٠٧)، كتاب: الزكاة، باب: ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة، والنسائي (٢٤٩٢)، كتاب: الزكاة، باب: قوله -﷿-: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الخَبِيثَ مِنهُ تُنفِقُونَ﴾، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٣١١)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٨٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٥٥٦٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٣١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٦)، عن أبي أمامة الباهلي.\nوانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٨٢)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٤٤٤).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٨٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٧٢)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ٦٨).","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>(صدقة التطوع)</span>\n٥٢ - (٥٢) قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].\n* فضَّل الله سبحانَه في هذه الآية الإخفاءَ في الصدقةِ على الإبداء، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، وهذا في صدقةِ التطوُّع (١)، وأما صدقةُ الفرضِ، فإظهارُها أفضلُ من إخفائِها (٢).\n* وفيها دليل على جواز الصدقة على الأغنياء، وذلك جائزٌ في التطوع (٣).\n_________\n(١) وهو قول جمهور المفسرين. انظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ٧٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٨٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٠٢).\n(٢) قال الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٩٣): الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها، مع إجماعهم جميعهم على أنها واجبة، انتهى. وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧٨).\n(٣) أي: إذا تصدق بصدقة تطوع على غني فإنه يجزئه، وبوب لها البخاري بقوله: \"إذا تصدق على غني وهو لا يعلم\"، ومفهومه: إذا كان لا يعلم لا تجزئ. انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٣٧٠).\nقال النووي: تحل صدقة التطوع للأغنياء بلا خلاف، فيجوز دفعها إليهم، ويثاب =","vol":"2","page":146},{"text":"* وجوز اللهُ سبحانه في تِلْوِ هذه الآية الصدقةَ على الكافر (١)، وذلك جائزٌ (٢) في التطوع، وأما الفرض، فلا يجوز صرفُه إلى الكافر (٣)؛ لقوله - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أن آخذَ الزكاةَ من أغنيائِكم، وأَرُدَّها على (٤) فُقَرائِكم\" (٥).\n_________\n= دافعها عليها. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٣٦).\n(١) المراد بها الآية التي بعد هذه وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ....﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢].\nفقد قال القرطبي: هذا الكلام متصل بذكر الصدقة على المشركين. \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ٣٠٦).\nفقد ذكر في سبب نزولها: أن المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين فنزلت الآية. وهذا قول الجمهور.\nوالثاني: أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم\"، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام.\nوقد ذكر في سبب نزولها غير هذا مما هو في معناه.\nانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٠٦)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (ص: ٤٥١).\n(٢) \"جائز\" ليس في \"ب\".\n(٣) وهو إجماع. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣١٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٧٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٧٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٠٧)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٢١).\n(٤) في \"ب\": \"في\".\n(٥) رواه البخاري (١٣٣١)، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ومسلم (١٩)، كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، عن ابن عباس في حديث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن ولفظه: \" ... فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم\"، وكذا لفظ الحديث في سائر الكتب، مشهور بهذا السياق.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>(تحريم الرِّبا)</span>\n٥٣ - (٥٣) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nأقول:\n* أحلَّ اللهُ سبحانه البيعَ لعباده، وبينَ رسولُ الله - ﷺ - أشياءَ من البيع أنّها لا تجوزُ، فنهى عن بَيع وشرْطٍ (١)، وعن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ (٢)، وعن بيع المُلامَسة والمُنابَذَةِ (٣)، وعن بيعِ الغَرَر (٤)، وغير ذلك.\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٤٣٦١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وانظر: \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ١٢).\n(٢) رواه البخاري (٢٠٣٦)، كتاب: البيوع، باب: بيع الغرر وحبل الحبلة، ومسلم (١٥١٤)، كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع حبل الحبلة، من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) رواه البخاري (٢٠٣٩)، كتاب البيوع، باب: بيع المنابذة، ومسلم (١٥١١)، كتاب: البيوع، باب: بيع الملامسة والمنابذة، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) رواه مسلم (١٥١٣)، كتاب، البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":148},{"text":"وسيأتي الكلام على البيع في \"سورة النساءِ\" -إن شاء الله تعالى-.\n* والربا في اللغة هو الزيادةُ (١)، وهو يقع على ضربين:\nأحدهما: ربا الجاهلية، وسيأتي ذكره قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\nوالثاني: ربًّا بيَنَهُ الشارعُ - ﷺ -، وهو على ضربين أيضًا: أحدهما: ربا الفَضْل، كبيعِ الدينار بالدينارين، والدرهمِ بالدرهمين.\nوالثاني: ربا النَّسِيئَةِ، كبيع دينارٍ ناجزًا بدينارٍ غائبًا (٢)، فهذا متفق عليه بين المسلمين (٣).\n* وأما ربا الفَضْل، فخالف فيه (٤) ابنُ عباسٍ وابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهم- (٥)، وكانا لا يريان بأسًا في بيع الدرهم بالدرهمين ناجزًا، ويروى عن عروة بنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهما- (٦)، واحتج ابنُ عباس فقال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّما الربا (٧) في النَّسيئَةِ\" (٨).\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٢٨٠)، و\"التعريفات\" للجرجاني (١٤٦)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ١٩١)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١٤/ ٣٠٤).\n(٢) في \"أ\": \"ناجز بدينار غائب\".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣١٧).\n(٤) \"فيه \"ليست في \"أ\".\n(٥) كما في \"صحيح مسلم\" عنهما. انظر: (١٥٩٤).\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٢) وفيه: ابن الزبير، ولعل المراد به: عبد الله لا عروة كما هنا، والله أعلم.\n(٧) في \"أ\": \"الزيادة\".\n(٨) رواه البخاري (٢٠٦٩)، كتاب: البيوع، باب: بيع الدينار نَساء، ومسلم (١٥٩٦)، كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل.\nقال ابن عبد البر: لم يتابع ابن عباس على تأويله في قوله في حديث أسامة هذا=","vol":"2","page":149},{"text":"وروي عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: كنت أُفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - ينهى (١) عنه، فأنا أنهاكم عنه (٢).\nوكذلك رجعَ ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما (٣).\nوالذي عليه أمرُ الصحابةِ وسائرِ السَّلَف، واستقرَّ عليه أمرُ المسلمين تحريمُ رِبا الفَضل (٤)؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله - ﷺ - من رواية عمر، وأبي سعيد الخدريِّ، وعثمانَ، وأبي هريرةَ، وأبي الدرداء، وعبادةَ بنِ الصامت، وغيرهم -رضي الله تعالى عنهم-.\nروينا في \"صحيح مسلم\" عن أبي الأشعث الصَّنعْانيِّ قال: كُنا في غَزاةٍ علينا معاويةُ، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاويةُ رجلًا أن يبيعَها الناسَ في\n_________\n= أحدٌ من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك. انظر: \"الاستذكار\" (١٩/ ٢٠٩).\n(١) في \"ب\": \"النهي\".\n(٢) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٨٢)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٤/ ٢٩٢)، وفيه: \" .. حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر: أن النبي - ﷺ - ينهى ... \".\n(٣) رجوع ابن عباس وابن عمر -﵃- عن ذلك هو في \"صحيح مسلم\" برقم (١٥٩٤).\n(٤) قال ابن عبد البر: ولا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين، ولا بأكثر منه وزنًا، ولا الدرهم بالدرهمين ...، إلا ما كان عليه أهل مكة قديمًا وحديثًا من إجازتهم التفاضل في ذلك إذا كان يدًا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس. انظر: \"الاستذكار\" (١٩/ ٢٠٧). وانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١١٦٧).","vol":"2","page":150},{"text":"أعطانهم (١)، فتسارع الناس فيها، فقام عُبادةُ بنُ الصامتِ، فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجلُ مُعاوية، فشكا إليه، فقامَ معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يحدِّثونَ عن رسول الله - ﷺ - أحاديثَ يكذبون عليه فيها، ولم يسمعوها؟ فقامَ عبادةُ فقال: والله لنحَدِّثَنَّ (٢) عن رسولِ الله - ﷺ -، وإن كرهَ معاوية، قال (٣) رسولُ الله - ﷺ -: \"لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءً\"، وفي بعض الروايات: \"يَدًا بيِدٍ، عَيْنًا بِعيْنٍ\"، وفي بعض الروايات: \"فَمَنْ زادَ أَوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أَرْبى\"، وفي بعض رواياته: \"فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هذهِ الأصنافُ (٤)، فَبيعُوا كيفَ شِئْتمُ، إذا كانَ يَدًا بِيدَ\" (٥).\nفنصّ في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه- على ستة أعيان، فحرم فيها النَّساءَ تحريمًا مطلقًا، وحرم فيها التفاضُلَ إذا اتفقَ الجنسانِ، وأحلَّه إذا اختلف الجِنْسان.\nوعلى هذا اتفق أهلُ العلم، إلا ما حكيَ عن ابنِ عُلَيَّةَ أنه قال: إذا اختلفَ الصِّنفانِ، جاز التفاضُلُ والنسيئةُ، ما عدا الذهبَ والفضةَ في النسيئة (٦).\n_________\n(١) العَطَن للإبل: كالوطن للناس، وقد غَلَب على مبركها حول الحوض، والمعطن كذلك، والجمعُ أعطان. \"اللسان\" (مادة: عطن) (١٣/ ٢٨٦).\n(٢) في \"ب\": \"لنحدث\".\n(٣) في \"ب\": \"قاله\".\n(٤) في \"ب\": \"الأوصاف\".\n(٥) رواه مسلم (١٥٨٧)، كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.\n(٦) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١١٦٨). ونقل ابن عبد البر والنووي =","vol":"2","page":151},{"text":"وقد اتفق أهلُ العلم على العمل بحديث عبادةَ، إلا ما ذهب إليه مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، ومعظمُ علماءِ المدينة والشام: أن البُرَّ والشعيرَ جنسٌ واحدُ، فلا يجوز فيهما التفاضُلُ (١).\nواحتج بعَمَل أهل المدينة (٢).\nوفي بعض رواياتِ حديثِ عبادة: \"فَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ\"، وصححها التِّرمذيُّ (٣).\n* ثم اختلف أهلُ العلم.\n- فمنهم من قَصَرَ صِنْفَيِ الربا الفَضْل والنسيئة على هذه الأعيان الستة، ولم يُلْحِقْ بها غيرَها، فمهما اتفقَ الجنسان، حَرُمَ الفضلُ والنسيئةُ، ومهما اختلف الجنسانِ، حَرُمَ النسيئةُ، وجازَ الفضلُ.\nوبهذا قال أهلُ الظاهر (٤)، وذلك لمنعهم القولَ بالقياس.\n_________\n= الإجماع على ذلك مطلقًا. انظر: \"الاستذكار\" (١٩/ ٢١٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٣).\n(١) وهو محكي عن عمر وسعيد وسعد بن أبي وقاص وسليمان بن يسار والحكم وحماد وابن معيقيب. انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ٣١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١١٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٨٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣١٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٣).\n(٢) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ٣٣).\n(٣) رواه الترمذي (١٢٤٠)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلًا كراهية التفاضل فيه، وقال: حسن صحيح، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٦٥٥).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٩/ ٢٢١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١١٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٤).","vol":"2","page":152},{"text":"- وذهب الجمهورُ إلى إلحاق غيرها بها (١)، فنظروا في الأعيانِ الستةِ، فوجدوها ترجعُ إلى شيئين: نَقْدٍ وغيرِ نقدٍ.\nواختلفوا في عِلَّةِ النقدين.\n- فذهبَ مالك والشافعيُّ إلى أن علةَ صِنْفي الربا فيهما كونُهما قيمَ الأشياء، فمعناهُما قاصر عليهما لا يتعدَّاهما، بل يمنع أن يلحقَ بهما غيرُهما (٢).\n- وذهب أبو حنيفةَ إلى أن علةَ الربا كونُهما موزونَيْنِ (٣)، فلا يجوز التفاضُلُ ولا النساء في مُتَّحِدِ الصنفِ، كالحديد بالحديد، ولا يجوز النَّساءُ في مختلف الصنف؛ كالحديد بالرصاص وإن جاز التفاضل، إلا في الذهب والفضة مع غيرهما، فإنه يجوز فيهما النَّساء والتفاضُل، لانعقاد الإجماع على جواز إسلامهما في غيرهما من الموزونات، فالمعنى عنده متعدّ، لكنه مخصوصٌ.\nثم اختلفوا في علة غيرِ النَّقْد.\n- فقال سعيدُ بن المسيِّب: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزَن ممّا يؤكل أو يشرب (٤)، فجعل العلةَ في النقدين قاصرةً، والعلةَ في غيرهما معتبرةً بوصفين: الطُّعْم مع الكيل أو الوزن.\n_________\n(١) المراجع السابقة. وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٨٧).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١١٦٩)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص: ٣٤٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٣٧٨).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٤/ ٤٠١). قلت: وهو المشهور الصحيح عند الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٤)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ١١).\n(٤) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٣٥)، ومن طريقه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٤١٣٩).","vol":"2","page":153},{"text":"وبه قال أحمدُ، والشافعيُّ في القديم (١).\n- وقال الشافعي في الجديد: العِلَّةُ لِصِنْفَي الربا من الفَضْلِ والنسيئةِ، وَصْفٌ واحدٌ، وهو الطُّعْمُ فقط (٢)، فتعدَّتْ علتُه إلى المطعوم الذي لا يُكال ولا يوزن، واستدل بقوله - ﷺ -: \"لا تَبيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلا مِثْلًا بمِثْل\" (٣)، فعلق الحكم باسم الطعام، فدل على أنه علَّة الحكم.\n- وقال أبو حنيفة: العلة لصنفي الربا وَصْفٌ واحدٌ، وهو الكَيْلُ (٤).\nويدل له ما روي في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه-: \"والبُرَّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ كَيْلًا بكَيْلٍ\" (٥) وقولُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: الدينارُ بالدينارِ، والدرهُم بالدرهمِ، والصَّاعُ بالصَّاع (٦).\n- وأما مالكٌ، فجعل الطُّعْمَ عِلَّةً لتحريم النَّساء، وجعلَ القوتَ والادِّخارَ علةً للتفاضُل، فإذا اتحد الصنفُ المُقتاتُ، حَرُمَ فيه صِنْف الربا من الفَضْل والنسيئة، وإذا اختلفا، جاز فيه (٧) التفاضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ، وإذا اتَّحَدَ الصنفُ من المطعومِ غيرِ المُقْتاتِ كالفاكهة، حَرُمَ النَّساءُ، وجازَ التفاضُلُ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ١١)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٣٧٧).\n(٢) وهذا القول هو الأظهر. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٣٧٧).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٨٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٤٠١/ ٤).\n(٥) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٩١) وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٩/ ١٧٩).\n(٦) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٣٥).\n(٧) في \"ب\": \"فيهما\".\n(٨) قلت: العلة عند الإمام مالك في غير الذهب والفضة - أي: المطعومات-: =","vol":"2","page":154},{"text":"ولم يتبين (١) لي دليلُ التفرقة بين صِنْفَي الربا (٢).\n* وبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن التفرُّقَ من المجلس قبل القَبْض في معنى (٣) النَّساء.\nروينا في \"صحيح البخاري ومسلم\" عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ ربًا، إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعير رِبًا، إلا هاءَ وهاءَ\" (٤).\n_________\n= ربا الفضل: العلة فيه الاقتيات والادخار.\nربا النسيئة: العلة فيه هي مجرد الطعم، سواء كان يقتات أم لا.\nفإذا كان المأكول مقتاتًا مدخرًا، فإنه يحرم فيه التفاضل إذا كان من جنس واحد، ويحرم فيه النسيئة.\nفإن لم يكن مقتاتًا ولا مدخرًا، فإنه يجوز فيه التفاضل ويحرم النَّساء.\nقال ابن الجلاب في \"التفريع\" (٢/ ١٢٥) ما نصه: ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد من المأكولات المقتاتة، ولا بأس بالتفاضل في الجنسين منها يدًا بيد، ولا يجوز النَّساء في المأكولات كلها، المقتاتة منها وغير المقتاتة.\nوفي: \"الاستذكار\" (١٩/ ١٨١): الذي ذهب إليه مالك وأصحابه في ذلك هو أن كل ما يؤكل أو يشرب إذا كان يدخر وييبس في الأغلب، فإن الربا يدخله إذا كان واحدًا من وجهين، وهما التفاضل والنسيئة، فإن كانا جنسين مختلفين، فلا ربا فيهما إلا في النسيئة، وجائز بيع بعض ذلك ببعض متفاضلًا يدًا بيد.\nوأما ما لا ييبس ولا يدخر؛ مثل التفاح والأجاص والكمَّثرى والرمان والخوخ والموز والبطيخ وما أشبه ذلك مما اختلفت أسماؤه، فلا بأس بالتفاضل فيه يدًا بيد، جنسًا واحدًا كان أو جنسين، انتهى. وانظر: \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٧٠).\n(١) \"يتبين\" ليس في \"أ\".\n(٢) قلت: ظهر من التعليق السابق دليل التفرقة، ولعله لم يتنبه له المصنف -﵀-؛ لأنه نقله من \"بداية المجتهد\" (٣/ ١١٦٩)، فإنه غير واضح فيه.\n(٣) في \"ب\" زيادة \"حكم\".\n(٤) رواه البخاري (٢٠٢٧)، كتاب: البيوع، باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، =","vol":"2","page":155},{"text":"واقتصرت على هذا القدر، فإنه كافٍ في معرفة أصول الربا، وهو اللائق بكتابي هذا.\n* وفي الآية دليل على أن من استحل ما حَرَّمَ اللهُ سبحانه ممَّا اتفقتْ عليه الأمةُ، وشاع تحريمُه فيها: أنه يكفُر بذلك (١)، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nولا يخلد في النار إلا من هو كافرٌ (٢).\n* وفيها دليل على أنه إذا استحل ذلك جاهلًا، فلا يَكْفُر؛ فإن الخطابَ يدلُّ على أن من لم تأتِهِ موعظةٌ من ربه، فلا حَرَجَ عليه.\n* * *\n_________\n= ومسلم (١٥٨٦)، كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، وهذا لفظ مسلم.\n(١) قال ابن قدامة في \"المغني\" (١٢/ ٢٧٦): من اعتقد حلَّ شيء أُجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه؛ كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كَفَر.\nوانظر: \"المجموع\" للنووي (٣/ ١٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٩٢)، و\"شرح الطحاوية\" لابن أبي العز (٢/ ٤٣٢).\n(٢) هذا إذا قلنا إن الآية فيمن عاد إلى قوله ﴿إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ مستحلًا ذلك، لأنه بذلك يكفر، فيكون الخلود خلود تأبيد. وإن قلنا: إنها فيمن فعل الربا غير مستحل له، فإن ذلك لا يكفر، فيكون الخلود خلود مستعارًا على معنى المبالغة؛ لأن الربا حينئذ كبيرة، ومرتكب الكبيرة إذا مات دون توبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وإن عذبه فلا يخلد في النار.\nانظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٠٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٤٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٣٢٩/١).","vol":"2","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>(وجوبُ تركِ التَّعامُل بالرِّبا)</span>\n٥٤ - (٥٤) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\n* المراد بالربا هنا هو ربا الجاهلية.\nروى جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال في خطبته بعرفات: \"وربا الجاهِليةِ مَوْضوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا أضعُه رِبا العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضوعٌ كلُّه\" (١).\nوكان من ربا الجاهلية أن يكونَ للرجل على الرجل الدَّيْنُ، فَيَحُلُّ الدَّيْنُ، فيقولُ له صاحبُ الدَّيْنِ: تقضيني (٢) أو تُرْبي؟ فإنْ أَخَّرَه، زاد عليه وأَخَّرَهُ (٣)، فَأبطلهَ اللهُ سبحانه، وردَّ الناسَ إلى رؤوس أموالهم، فإن كانت باقية بعينها أخذوها، وإن كانت تالفةً أخذوا من الغريم عِوَضَها إن كان موسِرًا، وإن كان ذا عُسْرَةٍ وجب إنظارهُ إلى مَيْسَرَةٍ، وحَرُمَ مطالبتُه وملازمته\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٨)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -، عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل.\n(٢) في \"ب\": \"تقضي\".\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٢٨٥). وقد رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٧٣) عن زيد بن أسلم نحوه.","vol":"2","page":157},{"text":"البَتَّة (١)، والصَّدَقَةُ أفضلُ من الصَّبْر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\nوقد اتفق المسلمون على إبطال هذا الربا كما أبطله اللهُ سبحانه (٢)، وأنا أظنه أنه المَعْنِيُّ بقوله - ﷺ -: \"إنَّما الرِّبا النَّسِيئةُ\" (٣)؛ أي: معظمُ الرِّبا وأَغْلَظُه (٤)؛ كقوله - ﷺ -: \"الحَجُّ عَرَفَةُ\" (٥).\nونكتةُ التحريمِ أنَّ المُرْبيَ جعلَ للزمانِ عِوَضًا منَ المالِ، فَحَرَّمَ الشرعُ أن يُقابَلَ الزمانُ بعوضٍ في عَقْدٍ ابتداءً، وإن جازَ أن يُقابل به تَبَعًا؛ كما إذا باعه سِلْعةً تساوي ألفًا ناجزًا بألفين نَسيئةً (٦).\n_________\n(١) \"البتة\" ليس (ب).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٠/ ٢٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٢).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) اختلف العلماء في تأويله على أقوال:\nالأول: أنه منسوخ بأحاديث النهي عن ربا الفضل، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، كما قال ابن حجر، وقال النووي: أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره، وهذا يدل على نسخه.\nالثاني: أنه محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدين بالدين مؤجلًا.\nالثالث: محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل.\nالرابع: مجمل بينته الأحاديث الأخرى.\nالخامس: المراد به، الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل. انظر: (شرح مسلم) للنووي (١١/ ٢٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٤٨١).\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) هذا ما يسمى ببيع التقسيط، وقد ذهب جمهور الأئمة الأربعة إلى جوازه، ونقل ابن قدامة فيه الاتفاق فقال: البيع نسيئة ليس بمحرم اتفاقًا، ولا يكره. انظر: =","vol":"2","page":158},{"text":"* واختلفَ أهلُ العلم في قول المديونِ لصاحبِ المالِ: ضَعْ من مالِك، وتعجل قبل الأَجَلِ.\n- فمنعه قومٌ؛ لأنه جعلَ للزمانِ عوَضًا من المال، فهو كما لو أَخَّرَ عليه الأجلَ، وزادَه في المال.\nوجوَّزه ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما-، ومالكٌ، وزُفَرُ، وبعضُ الشافعية (١).\nواحتجوا بما روى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ - ﷺ - لما أَمَر بإخراج بني النَّضيرِ، جاء ناس منهم فقالوا: يا نبيَّ الله! إنك أمرتَ بإخراجِنا، ولنا على الناس ديونٌ لم تَحُلَّ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ضَعُوا وتَعَجَّلُوا\" (٢).\n* * *\n_________\n= \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٦٢)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٣/ ٥٣٢).\n(١) ضع وتعجل: وهو أن يكون له عليه دين لم يحل أجله، فيعجله قبل حلول الأجل على أن ينقص منه: منعه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسالم وابن المسيب والحكم والحسن وحماد، وأبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري، وهو قول الحنابلة. وأجازه ابن عباس وزفر والنخعي وأبو ثور.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٠/ ٢٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٠٩)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١٦٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٥٣)، و\"فتح القدير\" لابن الهمام (٧/ ٣٩٦).\n(٢) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦٧٥٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٤٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٣٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٨) وعنده: \"يا نبي الله\" إنك أمرت بإخراجهم، ولهم على الناس ... \".","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>(المُداينة)</span>\n\n٥٥ - (٥٥) قولُه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nأقول:\n* أحَلَّ اللهُ سبحانَهُ المُدايَنَةَ إلى أَجَل مُسَمًّى.\n\nوالمداينةُ من الدَّيْنِ المُفاعَلَة (١)، وهي اسمٌ لكل دَيْنٍ في الذِّمَّةِ، فيدخلُ\n_________\n(١) في \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٢٧)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١١٨): \"المداينة: المفاعلة، من الدين\".","vol":"2","page":160},{"text":"في ذلك بيعُ السِّلْعَةِ المُعَيَّنَةِ بثمنٍ إلى أجلٍ مُسَمًّى، وبيعُ السلعةِ في الذمةِ إلى أجل مُسَمًّى، وهو السَّلَمُ والسَّلَفُ (١).\nوقد بين ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه (٢) مرادُ الله سبحانه، فقال: أشهدُ أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مُسَمًّى قد أحلَّه اللهُ في كتابه، وأَذِنَ فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) [البقرة: ٢٨٢].\n_________\n(١) قال الرازي: البياعات على أربعة أوجه: أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة البتة، والثاني: بيع الدين بالدين، وهو باطل، فلا يكون داخلًا تحت الآية؛ بقي هنا قسمان: بيع العين بالدينِ وهو ما إذا باع شيئًا بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية. انظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١١٨).\n* أما السَّلم، فقال النووي: ذكروا في حده عبارات، أحسنها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا. انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ٣). وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٤). وقال أبو البقاء الكفوي: السَّلَم -محركة-: السلف، هو أخذ عاجل بآجل. انظر: \"الكليات\" (ص: ٥٠٧).\nوقال الجُرجاني: اسم العقد الملك للبائع في الثمن عاجلًا، وللمشتري في المثمَنِ آجلًا، فالمبيع يسمى مُسلمًا فيه، والثمن يسمى رأس المال، والبائع يسمى مُسْلَمًا إليه، والمشتري يسمى رب السلم. انظر: \"التعريفات\" (ص: ١٦٠).\nواختلاف تعريف السَّلَم يرجع إلى اختلاف المذاهب في بعض شروطه.\n(٢) في \"ب\" زيادة \"\"إنما\".\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ١٣٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٤٠٦٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٢٣١٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣١٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٨).\nوانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٠/ ٢١)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١١٨)، =","vol":"2","page":161},{"text":"* وقد اتفقَ على جواز السَّلَمِ جميعُ أهلِ العلم (١)؛ لثبوته عن رسول الله - ﷺ -.\nروى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ - ﷺ - قدم المدينة، وهم يُسْلِفون في التَّمْرِ السنةَ والسنتينِ، وربما قال: السنتينِ والثلاثَ، فقال: \"مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعلوم ووَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلومٍ\" (٢).\nفإن قيل: فقد قال النبيُّ - ﷺ - لحَكيم بنِ حزامٍ: \"لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ\" (٣).\nقلنا (٤): يحتمل أن يكون المعنى: لا تبعْ ما ليس عندك، أي: ما ليسَ مُلْكَكَ، ويحتمل أن يكونَ المعنى: ما ليس عندك، أي: ما كان غائبًا عنك؛ مِمَّا ليسَ يُسْلَمُ (٥)، ويكون الحديثُ مرتبًا على الآية، ومخصوصًا بها.\n_________\n= و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٣٤).\n(١) قال ابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٨٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٤).\n(٢) رواه البخاري (٢١٢٥)، كتاب: السلم، باب: السلم في وزن معلوم، ومسلم (١٦٠٤)، كتاب: المساقاة، باب: السلم. ورواه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٨/ ١٨٤) بهذا اللفظ.\n(٣) رواه أبو داود (٣٥٠٣)، كتاب: البيوع والإجارات، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، والنسائي (٤٦١٣)، كتاب البيوع، باب: بيع ما ليس عند البائع، والترمذي (١٢٣٢)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، وابن ماجه (٢١٨٧)، كتاب: التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن.\n(٤) في \"ب\": \"قلت\".\n(٥) قال الشافعي: السلف قد يكون بيع ما ليس عند البائع، فلما نهى رسول الله - ﷺ - =","vol":"2","page":162},{"text":"وبيَّن النَّبي - ﷺ - أنه يجبُ إحضار الثمنِ (١) المُسْلَفِ، فنهى عن بيع الكالِئِ بالكالِئِ (٢)، وعلى هذا أيضًا أجمعَ أهلُ العلم (٣).\n* وفي الآية تنبيهٌ على أنه لا يجوز المداينةُ إلا إلى أجل مُسَمًّى، فأما الأجلُ المجهولُ، فلا يُكْتَبُ؛ لعدم صِحَّته؛ لما فيه من الغَرَرِ العظيم، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (٤).\n* وإنَّما اختلفوا في التوقيتِ بالأوقاتِ المعلومةِ الوقتِ، المجهولةِ المقدارِ (٥)؛كالتأجيل بالحَصاد والعَطاء والمَوْسم، فمنعه أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٦)، وجَوَّزَه مالكٌ (٧)، ورأى غَرَرَهُ يسيرًا؛ كنقصان الشهور.\n_________\n= حكيمًا عن بيع ما ليس عنده وأذن في السلف، استدللنا على أنه لا ينهى عما أمر به، وعلمنا أنه إنما نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا عليه، وذلك بيع الأعيان. انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٨/ ١٨٧).\n(١) في \"ب\" زيادة: \"من\".\n(٢) رواه الحاكم في \"المستدرك \" (٢٣٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٩٠)، عن ابن عمر.\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٦).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٣٤٦/١).\n(٥) في \"ب\": \"المجهول القدر\".\n(٦) وهو قول ابن عباس، وهو الصحيح عند الحنابلة. انظر: \"البناية\" للعيني (٧/ ٤٣٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٠٢)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ٩٩).\n(٧) وبه قال ابن عمر وابن أبي ليلى وأبو ثور. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٣٠٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٥/ ٢٥٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٠٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٢/ ٣٢٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٤/ ٥٤٧). =","vol":"2","page":163},{"text":"* وأمر الله سبحانه بكتابةِ الدين إلى أجل مُسَمّى:\n\n١ - فتركه قومٌ على ظاهره، وحملوه على الوجوب والحَتْم، فيجب (١) على من له أو عليه الدين أن يكتبَهُ إذا وجدَ كاتبًا، وأن يُشْهِدَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلما رخَّص في ترك (٢) الكتابة عند حضورِ التجارةِ برفع الجُناح، دلَّ على أن الأمر على الحَتْم (٣).\nثم اختلف هؤلاء:\nفقال قومٌ: الحتمُ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وحكى هذا مَكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ عن الحسنِ والحكمِ والشعبيّ ومالك (٤).\nوروي أن أبا سعيد الخدريَّ تلا: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٢ - ٢٨٣] الآية، فقال: هذه الآيةُ نسختْ ما قبلها (٥).\n_________\n(١) في \"أ\": \"فيحل\".\n(٢) \"ترك\": ليس في \"أ\".\n(٣) وهو قول جماعة من التابعين، والطبري وأهل الظاهر. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٨٠)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٧)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٧٢٣).\n(٤) وهو قول ابن زيد ومالك، وجماعة من العلماء. انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ١٩٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٨٠)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٢٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٧).\n(٥) رواه ابن ماجه (٢٣٦٥)، كتاب: الأحكام، باب: الأشهاد على الديون، وابن =","vol":"2","page":164},{"text":"- وقال قومٌ: الأمرُ محكَمٌ غيرُ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأنه إنما ذلك عندَ عدمِ الكاتبِ والشهودِ في السفر.\nوحكى هذا القولَ مكيُّ بنُ أبي طالبٍ عن ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سيرينَ، وأبي قِلابةَ، والضحاكِ، ومجاهدٍ، والشعبيِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ (١).\n\n٢ - وقال أكثر أهل العلم: الكتابةُ والإشهادُ بالدَّيْنِ غيرُ واجبَيْن، ورُوِي (٢) عن ابن عباس أيضًا، والأمر في ذلك على النَّدْبِ والإرشادِ (٣).\nوالدليلُ على ذلكَ: قولهُ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وهذا إرشاد إلى دفع التظالم، وحفظ المال، وعدم الرِّيْبَةِ في حفظِه بالشهادةِ، وتقويم الشهادة على وجهها، وقوله تعالى:\n_________\n= جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ١١٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره \" (٢/ ٥٧٠)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٦/ ٢٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٤٥). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ١٢٦).\n(١) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٩٧)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٢٢)، و\"زاد المسير\" له أيضًا (١/ ٢٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٥).\nوقد رجح عدمَ النسخ كلٌّ من النحاس وابن العربي وابن الجوزي. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٨٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ١٠٥)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٢٣).\n(٢) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٨٠)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ١٩٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٣)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٣٤٧/١).","vol":"2","page":165},{"text":"﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.\nوالجوابُ عَمّا قاله الأولون (١): أن الأمر بالرهن عند عدم الإشهاد محمولٌ على الندب والإرشاد أيضًا لأصحاب الأموال إلى حفظ أموالهم، فهو كالكتابة (٢)، وأما حصولُ الجُناح إذا لم يُكْتَبْ، فليس على حقيقته، بل قد يُستعمل الجُناح في تركِ قبول الإرشاد (٣)، كما يقول القائل: إن قبلتَ مشورتي فلا جناح عليك، ومفهومه إنْ تركتَ قبولَها فعليك الجُناح.\nفإن قلتم: هل (٤) نجد على هذا دليلًا من السُّنَةِ غيرَ هذا؟\nقلت: نعم، روي أن النبيَّ - ﷺ - ابتاعَ فَرَسًا من أعرابيٍّ، فاستتبعَهُ النبيُّ - ﷺ - ليقضيَه ثمنَ فرسِه، فأسرعَ رسولُ الله - ﷺ -، وأبطأ الأعرابي، فطفقَ رجالٌ يتعرَّضونَ للأعرابيِّ، فيساومونه بالفَرَسِ، لا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي - ﷺ -، فقال: إن كنتَ مُبتاعًا هذا الفرسَ، وإلا\n_________\n(١) أي: من قال بأن الكتابة والإشهاد في الدين واجبان.\n(٢) قال ابن العربي في \"الناسخ والمنسوخ\" (٢/ ١٠٥): الله تعالى بيَّن حكمَ المداينة، وحضَّ فيها على الكتابة والشهادة عند الكتابة معينًا، وعند الابتياع مطلقًا؛ تحصينًا للحقوق، ونظرًا إلى العواقب ثم قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فالمعنى: إذا تعذَّر الكَتْبُ وابتغينا المعاملة، فليأخذ صاحب الدين رهنًا بإزاء دينه وثيقة له، نظرًا إلى العواقب، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فلم يكتب ولم يشهد ولم يرتهن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فبين الله تعالى أن ما تقدم من لفظ الأمر بالكتابة والإشهاد ليس على الحتم والوجوب، وإنما هو للإرشاد والتخصيص.\n(٣) وقال ابن العربي: الجناح ها هنا ليس الإثم، إنما هو الضرر الطارئ بترك الإشهاد من التنازع. انظر: \"أحكام القرآن\" له (١/ ٣٤٢). وانظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٨).\n(٤) في \"ب\": \"فهل\".","vol":"2","page":166},{"text":"بعتُهُ، فقال (١) النبيُّ - ﷺ -: \"أَوَليسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ \"، فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتُكهُ، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ\"، فطفق الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خُزَيْمَةُ: أنا أشهد أنكَ قد بايعته، فأقبل النبيُّ - ﷺ - على خزيمةَ وقال: \"بمَ تَشْهَدُ؟ \" فقال: بتصديقك يا رسول الله! فجعلَ رسولُ الله - ﷺ - شهادةَ خُزَيْمَةَ شهادَةَ رجلين (٢).\nفلو كان الإشهادُ واجبًا، لما بايع رسولُ الله - ﷺ - من غيرِ شهود، ولَبَيَّنَ ذلك بفعله.\n* ثم كرر اللهُ سبحانه الأمرَ بالكتابة، ونهى الكاتبَ عن الامتناع من أن يكتبَ كما علَّمه الله، فقال: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.\nولا يخفى أن القيامَ بالكتابة للصُّكوك وحفظ الحقوق فرضٌ على الكفاية؛ كالقيام بالشهادة (٣)، وقد جعلها الله سبحانه قرينةً للشهادة، وإن\n_________\n(١) في \"ب\": \"فقام النبي - ﷺ - فقال\".\n(٢) رواه أبو داود (٣٦٠٧)، كتاب: الأقضية، باب: إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، والنسائي (٤٦٤٧)، كتاب: البيوع، باب: التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢١٥)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٣٧٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٦٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٦/ ٣٦٧).\n(٣) اختلف العلماء في حكم الكتابة على الكاتب على أقوال:\n\n١ - هي فرض على الكفاية، كالجهاد والصلاة على الجنائز. قاله الشعبي.\n\n٢ - فرض على الكاتب في حال فراغه. وهو قول السدي وبعض أهل الكوفة.\n\n٣ - واجبة عليه. قاله عطاء ومجاهد. ونسب إليهما ابن العربي القول بالندبية.\n\n٤ - ذلك منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قاله الضحاك.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٢٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي =","vol":"2","page":167},{"text":"كانتِ الشهادةُ آكَدَ؛ بدليل شَرْطِيتِها في النِّكاح، وبأنه يجبُ على الحاكم الإشهادُ بما تقرر عنده من الحقّ.\n* وفي وجوبِ الكتابة خلافٌ، والأَصَحُّ عند الشافعية عدمُ الوجوب (١).\n* وأوجب اللهُ سبحانَه على الكاتبِ العدلَ فيما يكتبُ (٢)، وبيَّنَ اللهُ سبحانه طريقَ العدل، فأمر الرشيدَ الكاملَ أن يُمْلِيَ بنفسِه ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وأمر الوليَّ أن يُمِلَّ عن المُوَلَّى عليه إذا كان سفيهًا مبذِّرًا مفسِدًا للمال، أو ضعيفًا غبيًّا أَحْمَقَ، أو لا يستطيع الإملاء؛ لجنونٍ أو صِغَرٍ أو عِيٍّ (٣)، وأقام القَيِّمَ عليهم مقامَهم.\n_________\n= (١/ ٣٩٣)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٩).\n(١) كما تقدم عنهم قريبًا.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٢٩)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٣)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٠٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٤٨).\n(٣) المراد بالسفيه في الآية أربعة أقوال:\n\n١ - الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء. قاله مجاهد وابن جبير.\n\n٢ - أنه الصبي والمرأة. قاله الحسن.\n\n٣ - أنه الصغير. قاله الضحاك والسدي.\n\n٤ - المبذر. قاله الشافعي والقاضي أبو يعلى.\nوأما الضعيف ففيه ثلاثة أقوال:\n\n١ - هو العاجز والأخرس ومن به حمق. قاله ابن عباس وابن جبير.\n\n٢ - الأحمق. قاله مجاهد والسدي.\n\n٣ - الصغير. قاله أبو يعلى.\nوالذي لا يستطيع أن يمل: هو ما كان بسبب خرس أو عِيٍّ أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكن حضور الكتابة، أو جهل بما له وما عليه، أو جنون.=","vol":"2","page":168},{"text":"* وهذا الخطابُ ظاهرٌ في أن السفيهَ الذي لا يصلح للمال يكونُ أَمْرُهُ إلى وَلِيِّه، وأنه يَرِدُ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ، إما ابتداءً، أو دواما مع حَجْر الصِّبا.\nوبهذا قال مالك والشافعيُّ، وهو قولُ ابنِ عباس وابنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهم (١).\nوذهب أبو حنيفةَ وجماعةٌ من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ رشيدًا، وإن بذَّرَ (٢).\n_________\n= انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٣٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٣)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٩٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٠).\n(١) وهو قول جمهور الفقهاء، وقول أبي يوسف ومحمد، وهو المفتى به عند الحنفية، فهؤلاء يقولون: يحجر على الصبي حتى يبلغ رشيدًا، فإن بلغ على غير رشد لم يسلم إلى المال، فإن بلغ رشيدًا أعطي إليه ماله، فإن بلغ رشيدًا ثم عاد إلى السفه، فإنه يحجر عليه. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٢٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٨). وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٩/ ١٧٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٥٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٩٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٤٠).\n(٢) عند أبي حنيفة لا حجر على الحر العاقل البالغ السفيه ابتداءً؛ أي: بعد أن كان رشيدًا ثم سفه. وإذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإن بلغها سُلِّم إليه ماله وإن لم يؤنس منه رشد. وروي مثل قول أبي حنيفة عن عبيد الله بن الحسن والنخعي وابن سيرين والحسن البصري. انظر: \"البناية\" للعيني (١٠/ ١٠٠)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٩/ ١٧٦). وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢١٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠٩).","vol":"2","page":169},{"text":"واستدلوا بحديث حَبَّان بنِ مُنْقِذٍ، وكان يُخْدَعُ في البيع والشراء، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"قُلْ: لا خِلابةَ، وأَنْتَ بالخِيار ثَلاثًا\" (١)، ولم يمنعْه من التصرُّف (٢).\nوسيأتي الكلام على استدامةِ الحَجْر على السفيه في أوائل \"سورة النساء\" -إن شاء الله تعالى-.\n* ثم أمرنا الله سبحانه بالاستشهاد (٣)، وبيَّنَ لنا صفتَهُ، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.\nوقد اشتملت هذه الجملة على ثمانِ مسائلَ:\nالأولى: الأمرُ بالاستشهاد (٤)، هل هو على الوجوب والحَتْم، أو على النَّدْبِ والإِرشاد؟ فيه ما مضى من الاختلاف في الكتابة.\nالثانية: تخصيصُ الشهادةِ برجالنا يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ غيرِ رجالنا.\n* وقد اتفقَ أهلُ العلم على أن شهادةَ الكافر غيرُ جائزة في الديونِ والمعاملاتِ (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) وقد جعله القرطبي خاصًا به. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥١).\nوانظر الاستدلال بالحديث للفريقين في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢١٧).\n(٣) في \"ب\": \"بالإشهاد\".\n(٤) في \"أ\": \"بالإشهاد\".\n(٥) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٧٨)، و\"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ٩١)، و\"بداية المجتهد \"لابن رشد (٤/ ١٧٧٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٧٣).","vol":"2","page":170},{"text":"لكنهم اختلفوا في جوازِ شهادةِ أهل الذمَّةِ على مثلهم.\nفأجازها شُرَيْحٌ القاضي، ويروى عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (١).\nوكذلك (٢) اختلفوا في قبولها في حقِّ المسلمين في الوصية في السفر خاصَّةً، وسيأتي ذكرُ ذلك في آخر \"سورة المائدة\" -إن شاء الله تعالى-.\nالثالثة: تخصيصُ الشهادة بالرجال، يقتضي أن الصبيانَ لا تجوزُ شهادتُهم. وعلى هذا اتفق أهل العلم إلَّا (٣) في شهادةِ بعضِهم على بعضٍ في القتلِ والجراح.\nفإن ابن الزبير أجازه (٤) ما لم يتفرقوا، وبه قال قومٌ من التابعين، وإليه ذهب مالكٌ (٥).\n_________\n(١) وهو قول الحنفية، وبه قال قتادة وحماد وسوَّار والحكم والبتي والثوري وأبي عبيد وإسحاق، وهؤلاء بعضهم جعل غير ملة الإسلام كلهم ملة واحدة، ومنهم من قال: أهل كل دين ملة، فتقبل شهادته على أهل ملته دون غيره.\nانظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٤/ ٢٧٧)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٦١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٧٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٣٦٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٦٧).\n(٢) في \"ب\": \"وقد\".\n(٣) \"إلا\" ليست في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"أجازها\".\n(٥) وهو رواية عن الإمام أحمد. وهو قول جماعة من التابعين، وعليه عمل أهل المدينة.\nانظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٤/ ٢٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٢/ ٧٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٥٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٤٦)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٣٤٧).","vol":"2","page":171},{"text":"وردها ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، روى ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في شهادةِ الصبيان لا تجوز؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١)، وبهذا أخذ الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه- (٢).\nالرابعة: تخصيص الشهادة بالمَرْضِيِّ من الشهداء يقتضي أنه لا يجوز غيرُه.\n* وقد أجمع أهل العلم على قبول شهادة العدلِ؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى ردِّ شهادة الفاسق (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].\n* وإنما اختلفوا في تفصيل العدالة.\n- فذهب الجمهورُ إلى أنها امتثالُ أوامرِ الله ﷿، واجتنابِ نواهيه (٤).\n_________\n(١) رواه ابن الجارود في (المنتقى) (٥٦٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٧٣). وقد رواه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٧/ ٨)، عن واسع بن حبان بهذا اللفظ.\n(٢) وهو قول الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة، وعليه الجمهور. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٢/ ٧٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٥٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٢٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٧٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٦٠).\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٧٦)، و\"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ٨٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧١).\n(٤) مع المحافظة على المروءة. انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٤/ ٣١٤)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ١٤٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٢)، و\"الوسيط\" للغزالي (٧/ ٣٤٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي =","vol":"2","page":172},{"text":"- وذهب أبو حنيفةَ إلى أنها ظاهرُ الإسلامِ ما لم يُعْلَمْ جَرْحُه وفِسْقُهُ (١).\nوهو محجوج بهذه الآية؛ لأن الله سبحانه شرطَ في الشهيدين من رجالِنا أن يكونا ممَّنْ نرضاهُما، والرضا صفةٌ زائدةٌ عليهما، فلا بدَّ من اشتراطها (٢)، ثم ناقض أبو حنيفةَ أصلَه، وجَوَّزَ انعقادَ النكاحِ بشهادة الفاسِقَيْن (٣)، وكان هذا أولى بعدم الجواز (٤).\nالخامسة: تخصيصُ الشهادةِ بالرجلين، أو المرأتين مع الرجل يقتضي حَصْرَ الحُجَّةِ في ذلك، وأن اليمينَ مع الرجل الواحد لا يقوم بها الحقُّ.\n_________\n= (٢/ ١/ ٣٥٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٥٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٠/ ٢٠١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٤١).\n(١) هذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكتفى بالعدالة الظاهرة، بل لا بد من السؤال عن حال الشاهد سرًا وعلانية في سائر الحقوق. والفتوى على قولهما في هذا الزمان. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ١٠٩٦)، و\"بدائع الصنائع \" للكاساني (٥/ ٤٠٥)، و\"البناية\" للعيني (٨/ ١٣٦)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٥٩).\n(٢) قال العيني في \"البناية\" (٨/ ١٣٩) بعد سَوق قول أبي حنيفة وقول الصاحبين: وقيل هذا -أي: الخلاف- اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، وبيانه: أن أبا حنيفة كان في القرن الثالث الذي شهد النبي - ﷺ - بالخيرية لأهله حيث قال: \"خير القرون رهطي الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد\"، وهما كانا في القرن الرابع الذي شهد النبي - ﷺ - بفشو الكذب في أهله، فلهذا شرطا الاستكشاف، ولو شاهد أبو حنيفة ذلك لقال بقولهما.\n(٣) في \"الفتاوى الخانية\" (٢/ ٤٦٠) ما نصه: الفسق لا يمنع أهلية الشهادة عندنا، فينعقد النكاح بحضرته، وإنما يمنع أداء الشهادة لتهمة الكذب. وانظر: \"البناية\" للعيني (٤/ ٤٩٤).\n(٤) انظر شيئًا من التعقب على أبي حنيفة في \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٣٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٠).","vol":"2","page":173},{"text":"وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والنخعيُّ، والأوزاعيُّ، والزهريُّ، والحَكَمُ، والليثُ، وأهلُ الأندلس من أصحاب مالكٍ، فلا يحكم بالشاهد واليمين عندهم في شيء (١).\nوعُمْدَتُهم هذا التقسيمُ المُؤْذِنُ بالحصر.\nوما خرَّجه البخاريُّ ومسلم عن الأشعثِ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في شيء فاختصمنا إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: \"شاهِداكَ أو يَمينُهُ\"، فقلت: إذًا يحلفُ ولا يبالي، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِق بِها مالًا، وهُوَ فاجِر، لقيَ اللهَ وهُوَ عَلَيْهِ غضْبانُ\" (٢).\nقالوا: ولا يجوزُ عليه - ﷺ - ألاَّ يستوفي أقسامَ الحُجَّةِ للمدَّعي؛ لأنه وقتُ البيان (٣).\n- وذهبَ جمهورُ أهلِ العلم من الصحابة والتابعين إلى إثبات الحقِّ\n_________\n(١) وهو قول عطاء وابن شبرمة، وجمهور أهل العراق. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٢/ ٥٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٣٣٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٥).\n(٢) رواه البخاري (٢٣٨٠)، كتاب: الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، ومسلم (١٣٨)، كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.\n(٣) انظر وجه الاستدلال للحنفية في: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٣٣٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٦٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤٨)، و\"المغني، لابن قدامة (١٤/ ١٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":174},{"text":"بالشاهدِ واليمينِ في المال، وما يقصد به المالُ، فقال به أبو بكرٍ، وعليّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وفقهاءُ المدينة، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وسائرُ فقهاء الحجاز (١).\nواستدلُوا بحديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- المُخَرَّجُ في \"صحيح مسلم\": أن رسولَ الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد (٢).\nوبما أرسله جعفرُ بنُ محمدٍ عن أبيه: أن رسولَ الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد (٣).\n* ثم اختلف مالكٌ والشافعيُّ في القضاء باليمين مع الامرأتين:\nفجوزه مالكٌ؛ لأنهما قد أقيمتا (٤) مقام الرجل الواحد (٥)، ومنعه الشافعيُّ (٦)، ورأى أنهما إنما أقيما مقامَ رجلٍ آخرَ؛ بدليل أنَّ الأربعَ لم يقمن مقامَ الرجلين (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٢/ ٥٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٩٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٨١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٠)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٧٠).\n(٢) رواه مسلم (١٧١٢)، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين وشاهد.\n(٣) رواه الترمذي (١٣٤٥)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في اليمين مع الشاهد، والإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٢١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٦٣١٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٦٩).\n(٤) في \"أ\": \"أقيما\".\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٢/ ٦٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٨٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٨).\n(٦) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٧٠). وهو قول الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٢).\n(٧) يعني: أن الله تعالى أقام المرأتين مقام رجل واحد ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، فلا بد من =","vol":"2","page":175},{"text":"* فإن قيل: فترتيبُ المرأتين على الرجلين يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ النساء إلا بعد عَدَمِ الرجال.\nقلت: قد قال بذلك قومٌ، والحقُّ الذي عليه الجمهورُ أن الشرطَ للتقسيم لا للترتيب، والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مرادًا لقال: فإنْ لم تجدوا (١).\n* فإن قيل: إذا كان الشرطُ لبيان التقسيمِ لا للترتيب، فيجب ألَّا تكون حجة الرجلين أقوى من حُجَّةِ رجل وامرأتين.\nقلت: الأمرُ كذلك على المذهبِ الصحيح عند الشافعية (٢)، لأنهما حجتان مذكورتان في كتابِ الله ﷻ، فلم تُسْقِط إحداهما الأخرى، بخلاف حجة اليمين مع الشاهد مع حجة الشاهدين، فإن حجة الشاهدين أقوى وأقدم؛ لذكرها في كتاب الله تعالى، والإجماع عليها دون الأخرى (٣).\n_________\n= وجود رجل شاهد معهما، ولا يصح أن تكون امرأتان أخريتان معهما، فيصير مجموعهن أربع نسوة، وذلك في الأموال خاصة، أما غير المال فيمكن أن تكون هناك أربع نسوة كالشهادة على ما يختص النساء بالاطلاع عليه.\nانظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ١٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٧٠).\n(١) انظر هذه المسألة في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٣٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٥)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٥٠٧)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٧٢٨). قلت: وقد نقلها المؤلف -﵀- عن القرطبي.\n(٢) انظر: \"المنهاج مع مغني المحتاج\" (٦/ ٣٦٧).\n(٣) فالعلماء اتفقوا على الحكم بالشاهدين، لكنهم اختلفوا في الحكم بالشاهد واليمين كما تقدم.","vol":"2","page":176},{"text":"السادسة: تعميم الخِطاب يقتضي أن العبيدَ تُقبل شهادتُهم، وبه قال محمدُ بنُ سيرين، وشُرَيْحٌ، وأهلُ الظاهر (١)؛ كما قالوا بدخول العبيدِ (٢) في خطاب الأحرار.\nوروى ابنُ المنذر قبولَ شهادة العبيد (٣) عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (٤).\nوقاله أنسُ بن مالكٍ، وقال: ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبيد (٥).\nوالجمهورُ؛ كمجاهدٍ، والحسنِ، والنخعيِّ، والزهريّ، وعطاءٍ، وسائرِ فقهاءِ الأمصار على خلافهم، وروي عن علي -رضي الله تعالى عنه- (٦).\n_________\n(١) وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الحنابلة. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٢)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ١٢٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٢٢)، و\"البيان\" للعمراني (١٣/ ٢٧٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٣٣٥).\n(٢) في \"أ\": \"العبد\".\n(٣) في \"ب\": \"عبد\".\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٣٩٢).\n(٥) في \"ب\": \"العبد\".\nوانظر: المرجع السابق (٧/ ٣٩٣).\n(٦) وهو قول جمهور فقهاء الأمصار منهم الثلاثة غير أحمد. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٢٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٥٤)، وانظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ١١٠٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٧)، و\"البيان\" للعمراني (١٣/ ٢٧٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٣٣٥).","vol":"2","page":177},{"text":"السابعة: تعميمُ الخطاب يقتضي قبولَ شهادة العدل معَ قيام التهمة؛ كشهادة الوالدِ لولده، والعدوِّ على عدوه، وبالتعميمِ قال داودُ، وأبو ثورٍ، وشريحٌ القاضي، فقبلوا شهادةَ الوالدِ لولدهِ (١)، والجمهورُ على خلافهم (٢).\n* نعم اختلفوا في شهادةِ العدوِّ على عدوِّه، فقبلها أبو حنيفةَ (٣)، وردَّها مالكٌ والشافعيُّ (٤)؛ لما روى عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - ردَّ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ، وذي الغِمْرِ (٥) على أخيهِ (٦).\n_________\n(١) وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والزهري وإسحاق والمزني وابن المنذر. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ١٦٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٥)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ١٢٩)، و\"البيان\" للعمراني (١٣/ ٣١١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨١).\n(٢) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٧/ ١٦٣)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ١٢٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٤)، و\"البيان\" للعمراني (١٣/ ٣١١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨١).\n(٣) في هذه المسألة خلاف بين الحنفية؛ فمنهم من قال: لا تقبل شهادة العدو إذا كانت العداوة بسبب الدنيا، ومنهم من قال: العداوة بسبب الدنيا لا تمنع ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع عن نفسه مضرة، وهذا هو الصحيح والمعتمد عندهم. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٤١٠)، و\"البحر الرائق\" للزيلعي (٧/ ٨٥)، و\"الفتاوى الخانية\" (٢/ ٤٦١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٧٦).\n(٤) وهو قول الحنابلة وأكثر أهل العلم. انظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٥٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٧٤).\n(٥) الغِمْرُ والغَمْرُ: الحقدُ والغل.\n(٦) رواه أبو داود (٣٦٠٠)، كتاب: الأقضية، باب: من ترد شهادته، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٢٥)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٦/ ٢٠٢)، =","vol":"2","page":178},{"text":"* واختلفوا في شهادةِ أحدِ الزوجين لصاحبه، فردَّها مالكٌ وأبو حنيفةَ (١)، وقبلها الشافعيُّ (٢).\n* وأجاز قومٌ شهادةَ الزوجِ لزوجته (٣)، ومنعوا شهادتَها له، وبه قال النخعي (٤).\nالثامنة: وَرَدَ تحديدُ نصابِ الشهود في الزنا بأربعة في غير موضع من كتاب الله تعالى.\nوورد تحديدُه في التحليل والتحريم فيما لا مال فيه ولا يقصدُ به المالُ شاهدين، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعنه - ﷺ -: \"لا نِكاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ\" (٥).\n_________\n= والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٤٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٠٠)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٥٣/ ٥).\n(١) وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والليث وإسحاق، وهو قول الحنابلة. انظر: \"شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ١٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ١٨٣).\n(٢) وهو قول شريح والحسن وأبي ثور، والظاهرية. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٥٧).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"رد\".\n(٤) وهو قول ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٤٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٨٤).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":179},{"text":"وورد تحديدهُ هنا برجلين، أو رجل وامرأتين، فالحق به أهلُ العلم كلَّ ما كانَ من بابِ الأموال (١)، حتى ألحق بها الجمهور إثباتَ القتلِ (٢)، وألحقَهُ الحسنُ بالزنا، وجعلَ النصابَ فيه أربعةً (٣).\nومنع (٤) الجمهورُ أن تُلحقَ الحدودُ بالمداينات (٥)، وجوَّزها أهلُ الظاهر (٦).\nفإن قلتم: فقد جعل الله سبحانه النصابَ في الوصية شاهدين (٧)، وهو\n_________\n(١) وهو قول الأئمة الأربعة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٥٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٦٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٢٩).\n(٢) في ثبوت القتل بشهادة رجل وامرأتين: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين.\nوذهب المالكية إلى أن شهادة الرجل والمرأتين يثبت بهما القصاص في الجروح فقط.\nوأجاز الحنفية إثبات قتلِ لا يوجب قصاصًا بشهادة الرجل والمرأتين.\nانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٥٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٦٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ١٢٦).\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ١٥٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٢٧).\n(٤) في \"أ\": \"ويمنع\".\n(٥) أي: منع الجمهور أن تقاس الحدود على المداينات التي يقصد بها المال، فلم يكتفوا في الحدود برجل وامرأتين، بل لا بد من رجلين في غير الزنا، وفي الزنا أربعة.\n(٦) وبه قال عطاء وحماد. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٣٩٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٢٦).\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٣٢)، و\"المغنى\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٤).","vol":"2","page":180},{"text":"يقتضي المعارضةَ لآيةِ المداينات.\nقلت: لا تعارضَ بينهما؛ لأنها في إثبات الوصاية والولاية، وهي ليست من جنسِ الأموال والمداينات، ولأن آية الوصية نزلت في أمر مخصوص، وسيأتي الكلام عليها هنالك -إن شاء الله تعالى-.\n* ثم أجمع أهل العلم على أن شهادة النساء وحدهُنَّ في الولادةِ وعيوبِ النساء جائزةٌ (١).\nوإنما اختلفوا في نصابهنَّ، فقال الجمهورُ: أربعُ نسوة (٢)، وأجاز بعضُهم شهادةَ المرأة وحدَها، واحتجَّ بأن عليًا -رضي الله تعالى عنه- قبل شهادة القابلة وحدَها (٣) (٤)، ورُدَّ بأنه أثرٌ غيرُ ثابت عندَ أهل النقل.\n* قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.\n- يحتمل أن يكون المرادُ إذا ما دُعوا لتحمُّل الشهادة؛ كقوله تعالى:\n_________\n(١) وهو قول عطاء وقتادة والشعبي والشافعي وأبي ثور. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٦/ ٣٦٩).\n(٢) وهو قول الحنفية والحنابلة. انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٥٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٤).\nأما المالكية فقالوا: لا بد من شهادة امرأتين. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٧٧٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٣٨).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"ولم يردها\".\n(٤) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥١).\nوانظر الكلام على الحديث في المصدرين السابقين، وفي \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ٢٥٠)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٨٠).","vol":"2","page":181},{"text":"﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وسُمُّوا شهداء تجوُّزًا باسمِ ما يؤولون إليه.\nوالتحمُّل فرضٌ على الكفاية، فيجب (١) على المسلمين أن يتحمَّلوا الشهادة، فإن أَبَوا ذلك كلُّهم أَثِموا (٢).\n- يحتمل أن يكون المراد: إذا ما دُعوا لأداءِ الشهادة، وذلك فرضُ عينٍ إذا كانوا اثنين (٣)، وسُمُّوا شهداءَ على سبيلِ الحقيقة.\nقال الشافعي: وهذا أشبه معانيه (٤)، والله أعلم.\n- ويحتمل أيضًا أن يريد المعنيين جميعًا، ويكون منْ بابِ حمل المُشْتَرَكِ على جميع معانيه.\nقال الحسن: جمعت هذه الآيةُ أمرين، وهُمَا: أَلَّا تأبى إذا دعيتَ إلى تحصيلِ الشهادة، ولا إذا دُعيتَ إلى أدائها، وقد حصلت عندك (٥).\nوأسند النَّقاشُ هذا التفسيرَ إلى النبي - ﷺ - (٦).\n* قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويجب\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٣٩)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٥)، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٧/ ٥٠)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ١/ ١٢٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٣٧).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي (ص: ٤٨٥).\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ١٢٧)، عن معمر قال: كان الحسن يقول: جمعت أمرين، لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة.\n(٦) ذكر هذا ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٥١٣).","vol":"2","page":182},{"text":"أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، فيه دليل على أن الرجل لا يُرجع في الشهادة إلى خَطِّهِ ويُعتمدُ عليه إلَّا إذا تَيَقَّنَهُ، ولم يَرْتَبْ فيه؛ لأن الله سبحانه إنما ندب إلى الكتاب لإقامة الشهادةِ ودفعِ الرِّيْبَةِ.\nوعلى هذا جمهورُ أهل العلم. قال ابنُ المنذر: أكثرُ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلم يمنعُ أن يشهدَ الشاهدُ على خَطِّهِ إذا لم يذكر الشهادة (١).\nوذهب مالكٌ إلى جواز الشهادة اعتمادًا على الخَطّ (٢).\nوروى ابن المبارك عن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوس، عن أبيه: في الرجل يشهد على شهادة، فينساها، قال: لا بأس أن يشهد إن وجدَ علامتَهُ في الصَّكِّ، أو خطَّ يده، واستحسنه ابنُ المبارك (٣).\n* قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، رفع الله سبحانه عنا الجُناح في هذه الآية إذا كانتِ الحالةُ هذه، ومفهومُ الخطاب أنَّ علينا الجُناحَ في غيرِ هذه الحالة إذا لم نكتب.\nوقد قدمتُ الجوابَ عن هذا.\n* ومفهومُ الخطابِ يقتضي أن التجارةَ الحاضرةَ إذا كانت لا تُدار بيننا؛ كالدُّورِ والضِّياعِ، ألا نتركَ الكتابةَ فيها، وأنها تلحقُ بالدَّيْن، وهو كذلك؛\n_________\n(١) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٧٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٤٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ١٤٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٤١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٠/ ١٦١)، و\"تبصرة الحكام\" لابن فرحون (١/ ١/ ٤٦١).\n(٣) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ١/ ٣٦٤).","vol":"2","page":183},{"text":"لما فيه من حفظ الأموالِ والقلوبِ من التشاجرِ والتنازع (١).\nوروي أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان إذا باعَ بنقدٍ أشهدَ، وإذا باعَ بنسيئةٍ كتب (٢).\n* قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.\nأمر الله سبحانه بالإشهاد عند التبايع مرَّةً أخرى، وفيه ما مضى من الاختلاف.\nقال عطاء: أَشْهِدْ إذا بعتَ وإذا شَرَيْتَ (٣) بدرهمٍ أو بنصفِ درهمٍ أو بثلثِ درهمٍ (٤).\nوبه قال داودُ وابنهُ، ويروى عن أبي موسى الأشعري، وابنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وجابر بنِ زيدٍ ومُجاهدٍ.\nوذهب جمهورُ أهلِ العلم إلى (٥) أن الأمرَ للنَّدْبِ والإرشاد، لا للحتم، وقد مضى الدليلُ عليه قريبًا.\n* ثم نهى الله سبحانه عن مضار الكاتِب والشاهدِ، فقال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.\nفيحتمل أن يكونَ إسنادُ الفعل إليهما حقيقةً، فيكون قد نهى الله سبحانه الكاتبَ والشهيدَ عن المضارَّةِ، وهو أن يزيدَ الكاتبُ في المالِ والأَجَل، أو\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٤).\n(٢) رواه ابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ٣٤٥).\n(٣) في \"ب\": \"اشتريت\".\n(٤) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٦٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٥).\n(٥) في \"ب\": \"على\".","vol":"2","page":184},{"text":"ينقصَ منهما، أو أن يمتنع الشاهدُ من إقامةِ الشهادة، أو يشهدَ بما لم يُستشهدْ عليه.\nوهذا تأويل طاوسٍ، والحسن، وقَتادة، وابنِ زيد (١)، ودليلهُ قراءة عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢).\n- وروي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية قال: أن يجيء فيدعو الكاتبَ والشهيدَ، فيقولان: إنا على حاجة، فيضارَّ بهما، فقال: قد أُمِرْتما أن تجيبا، فلا يضارهما (٣).\nوقيل: أن يُكَلَّفا ما لا يَحِلُّ (٤)، ودليله قراءة أُبَيِّ: (ولا يضارَرْ) (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١/ ٣٤٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٥١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٧).\n(٢) قرأ بها عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي إسحاق. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٣٠١)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٦٩)، و\"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٦٧/١)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٣٥٤). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ٢٢٦).\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ١٣٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٦٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٦٠).\nوقال بقول ابن عباس: مجاهد والضحاك والسدي، وروي عن طاوس أيضًا وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٣٤٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٥١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٧).\n(٤) ذكر الرازيُّ معنى هذا القول احتمالًا. انظر: \"تفسيره\" (٤/ ١/ ١٢٩).\n(٥) لم أجد من نسب القراءة إلى أبي بن كعب؟! وقد قرأ بها عمر بن الخطاب، وابن=","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>(الرَّهن)</span>\n\n٥٦ - (٥٦) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n* أمر الله سبحانه بالرَّهْنِ وقَبْضِه عندَ عدمِ الكاتبِ في السفر.\nوعلى هذا اتفق أهلُ العلم (١).\nولكنهم اختلفوا في شَرْطَيِ السفرِ وعَدَمِ الكاتب، هل جاءَ على التغليب؛ فإن السفرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الكاتبِ في الغالبِ، أو جاء على التقييد؟\n\n- فذهب أهلُ الظاهر إلى أنهما للتقييد، ولا يجوز الرهنُ عندَ وجودِ الكاتب، ولا يجوزُ في الحضر (٢).\n_________\n= مسعود، والحسن، والضحاك، ومجاهد، وابن كثير. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٨٧)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٣٠١)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٦٩)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٢/ ٣٥٣). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ٢٢٦).\n(١) فالرهن جائز بإجماع العلماء. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٤٣).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٨٧).","vol":"2","page":186},{"text":"ويروى اشتراطُ السفر عن مجاهدٍ والضَّحّاك (١).\n- وخالفهم الجمهورُ في ذلك (٢)، وتمسكوا بما وردَ: أن النبيَّ - ﷺ - رَهَنَ في الحَضَرِ.\nوهذا يدلُّ على أنَّ الشرطَ للتغليب، وأنَّ ذِكْرَ هذهِ الخِصال: الكتابةِ والإشهادِ والرهنِ، على سبيل الإرشاد والحَزْمِ، لا على سبيل العَزْمِ، وإلَّا لَما جازَ الرهنُ في الحَضَر.\n* واتفق أهلُ العلم على اشتراط قبضِ الرهن (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فيصحُّ الرهنُ حيثُ يتصورُ القبضُ من المرتهن، ويبطُلُ حيثُ يمتنعُ القبضُ؛ كرهن المُصْحفِ والعبدِ المُسْلِمِ من الكافر (٤)، حتى قال أبو حنيفة: لا يصحُّ رهنُ المَشاع (٥)؛ لأنه لا يتصَوَّرُ عندَه قبضُه، وخالفه الشافعيُّ ومالكٌ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ١٣٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٨٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٩)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ١٧٥).\n(٢) وهو قول فقهاء الأمصار وعامة السلف. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٤٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٣٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٤٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٦٩).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٣٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٣٥).\n(٤) انظر: \"الوسيط\" للغزالي (٣/ ٤٧٠)، و\"البيان\" للعمراني (٦/ ٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٧٠).\n(٥) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ١٥٦٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٦٠).\n(٦) وهو قول ابن أبي ليلى والبتِّي وسوَّار والعنبري والأوزاعي وأبي ثور، وهو قول =","vol":"2","page":187},{"text":"* ثم اختلفوا في وجه الاشتراط.\n- فذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى أنه شرط في لزومِ الرهنِ وصحتِه (١).\n- وذهب مالكٌ إلى أن الرهنَ صحيحٌ لازمٌ، ولكنه لا يتمُّ إلا بالقبض، فيُجبر السلطانُ الراهنَ على الإقباض عندَ الامتناع (٢)، وهو خلاف الظاهر.\nقال الشافعي: لم يجعل الله تعالى الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عُدمت الصفةُ، وجب أن يعدم الحكم (٣).\nثم عمل مالكٌ بظاهر الآية، فأوجب استدامةَ القبضِ، فمتى خرجَ إلى يدِ الراهن بعاريَّةٍ أو غيرها، خرج الرهنُ عن اللزوم (٤).\nولم يشترطِ الشافعيُّ استدامةَ القبض (٥).\n_________\n= الحنابلة. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٨٨)، و\"البيان\" للعمراني (٦/ ٣٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٥٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٤٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧٢).\n(١) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ١٥٥٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٥٨). وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧١).\nوهو قول الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٤٥).\n(٢) انظر: \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد الجد (٢/ ٣٦٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد الحفيد (٤/ ١٤٣٥).\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٨/ ٢٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٣٧١).\n(٤) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٤٤٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٦٣).\n(٥) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٦/ ٣٢)، و\"البيان\" للعمراني (٦/ ٢١).","vol":"2","page":188},{"text":"* ويستنبطُ (١) من الآية أن صاحبَ الدَّينِ إذا لم يكن له شاهدٌ أنه يجوزُ له أخذُ حقِّه من الرهنِ من غيرِ إذن السلطان، سواءٌ كان الرهن من جنس حقِّه، أو من غيرِ جنس حقه؛ إذ هو فائدة الرهن، لا فائدة له في هذا المكان غير الاستيفاء (٢).\n* إذا تمَّ هذا، فقد ذكر الله سبحانه الرهن في آية المُداينة، ووصله بدين السَّلَم، وألحقَ أهلُ العلم بدين السّلَم كلَّ دينٍ ثابت في الذمة (٣)، إلا أهلَ الظاهر، فإنهم خَصُّوا جوازَ الرهنِ بدين السَّلَم (٤)، وذلك لمنعهم القياس.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"واستنبط\".\n(٢) هذا الاستنباط لم أعثر عليه بعد بحث وتفتيش طويلين، لكن صورة المسألة هي في إيفاء الدين عند حلول الأجل؛ فإذا حلَّ الأجل وجب على المدين إيفاء الدين، فإن وفى انفكَّ الرهن ورجع إلى صاحبه، فإن لم يوف الدين عند حلول الأجل، فإن المرتهن يرفع الأمر إلى القاضي، فيكلف القاضي الراهن بقضاء الدين، فإن لم يفعل وأصرَّ، باعه القاضي ووفى دين المرتهن. وقال الحنفية: لا يبيعه القاضي، بل يحبس الرهن حتى يبيعه الراهن.\nانظر: \"الوسيط\" للغزالي (٣/ ٥١٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٣٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٣١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ٦٩)، و\"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٣٨٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٦٩).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٣٣)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ٦٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٣٥٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٥٥)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ١٣٧).\n(٤) في \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٨٧) ما نصه: لا يجوز اشتراط الرهن إلا في البيع إلى أجل مسمى في السفر خاصة، انتهى.\nولعلَّ المصنف -﵀- نقل مذهب أهل الظاهر عن \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٤٣٣)، أو يكون ابن حزم قد خالف جمهور الظاهرية فيما ذهبوا إليه، والله أعلم.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>سُورَةُ آلَ عِمْرَانَ</span>","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>(النَّهي عن اتخاذ الكافرين أولياء)</span>\n٥٧ - (١) قوله ﷿: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].\n* نهى الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا الكافرين الذين هم أعداءُ الله أولياءَ أصدقاءَ وأَخِلّاءَ وأنصارًا وحلفاءَ من دون المؤمنين، في هذه الآية، وفي آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] الآية، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣] الآيتان.\n* ولم يُحِلَّ اللهُ تعالى ولايةَ المؤمنينِ للكافرين إلا في حالةٍ واحدةٍ، وهو أن يَتقوا منهم تُقاةً، فيخافوا من كيدهم إن لم يُوالوهم، وهذا من لطف الله سبحانه بالمؤمنين، فما جعل عليهم في الدين من حَرَج (٢).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" (٤/ ٢/ ١٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٢٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٨٨)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٥٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٧).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٥١)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ٢/ ١٤)،=","vol":"2","page":193},{"text":"وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانُ الإكراهِ وأحكامُهُ في \"سورة النحل\".\nوبين الله سبحانه الولايةَ التي نَهى الله عنها في \"سورة المودَّة\" (١)، وبين ما يَحِلُّ منها، وما يَحْرُمُ، وسيأتي الكلام على ذلك هناك -إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n_________\n= و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٢٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٨٩)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٥٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٧).\n(١) ويقال لها: سورة الامتحان، والممتحنة. انظر: \"بصائر ذوي التمييز\" (٤٦٠/ ١).","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>(فَرضُ الحجِّ)</span>\n٥٨ - (٢) قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nأقول:\n* أوجب الله سبحانه في هذه الآية على الناس حَجَّ البيتِ (١).\nولا خَفاءَ في (٢) أنه ركنٌ من أركان الإسلام، فمن جحدَ وُجوبَهُ فهو كافرٌ مرتَدٌّ (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\nقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: المعنى: ومَنْ كفر بفَرْضِ الحج، ولم يَرَهُ واجبًا (٤).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٧٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٧٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٣٤).\n(٢) \"في \" ليست في \"ب\".\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٧٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣١٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٤٥).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٩).","vol":"2","page":195},{"text":"ويؤخذ من هذا (١) أن كُل من جَحَدَ حُكْمًا معلومًا من (٢) دينِ الله ضَرورةً، فهو كافرٌ.\nوأما من ترك الحجَّ مع الاستطاعةِ تَهاوُنًا أو بُخْلًا أو تسويفًا، فهو عاصٍ بفعله، وليس بكافرٍ، بإجماع المسلمين، إلا الحسنَ؛ فإنه قال بتكفيره (٣)، واستدل بقوله - ﷺ -: \"مَنْ مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبْلِغُهُ إلى بَيْتِ اللهِ، ولم يَحُجَّ، فَلا عليهِ أَنْ يَموتَ (٤) يَهودِيًا أو نَصْرانِيًا، وذلك لأن الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ \" (٥).\nوأجيبَ عن الحديث بأنه ضعيف، وإن صحَّ فهو متروكُ الظاهر،\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"كله\".\n(٢) في \"ب\": \"في \".\n(٣) قلت: كذا نقله المصنف -﵀- عن القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٤٥)، والله أعلم.\nونَقْلُ القرطبي مخالفٌ لنقلِ من سبقهُ من المفسرين؛ فقد روى الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢/ ١٩) عن الحسن أنه قال: من أنكره ولا يرى أن ذلك عليه حقًا، فذلك كفر.\nوكذا نقله عن الحسنِ البغويُّ في \"معالم التنزيل\" (١/ ٤٧٦)، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٣/ ٩)، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٣٨).\nنعم القول بتكفير من ترك الحج مع الاستطاعة منقول عن السدي، كما رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" (٣/ ٢/ ٢١). وكذا نقل عنه ابن عطية وعن جماعة من أهل العلم أن معنى الآية: ومن كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو كافر.\n(٤) في \"ب\" زيادة \"إما\".\n(٥) رواه الترمذي (٨١٢)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحج، والبزار في \"مسنده\" (٨٦١)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٤٨)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٧/ ١٢٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٩٧٨)، عن علي بن أبي طالب.","vol":"2","page":196},{"text":"محمولٌ على الغالب؛ فإن المؤمن إذا استطاع الفريضةَ لا يترُكها، ولا سيما إذا كانتْ من دعائمِ الإسلامِ، إلا إذا اتصف باليهودية والنصرانية من عدم الإيمان، منافقًا بالإسلام، وقد كان المؤمنون في العصرِ الأول خيرُهم محضٌ، إلا المنافقين؛ فإنهم يشوبون الحقَّ بالباطل، فجعلَ تَرْكَ الحجِّ عنوانًا لهم، وخَصَّ اليهود والنصارى بالذكر؛ لأنهم لا يُعَظِّمونَ المسجدَ الحرامَ، وإنما يعظِّمونَ المسجدَ الأقصى خاصَّةً، بخلاف مشركي العرب.\n* وذكر الله سبحانه في هذه الآية الحَجَّ مُجْمَلًا، وذكر أركانَهُ مفرَّقَةً.\nفقال ﷾ في الإحرام: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nوقال في الطواف: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\nوقال في السعي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].\nوقال في الوقوف: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nوبين النبيُّ - ﷺ - كيفية هذه الأركان، ومواقيتَها وواجباتِها ومسنوناتِها، وما يحلُّ في الحج وما يحرُم.\nثم خصَّ اللهُ سبحانه عمومَ أولِ الآية في آخرِها، فشرطَ الاستطاعةَ في وُجوبِ الحج؛ لطفًا بعباده، ورحمة لهم؛ لأنه يجمع فيه مشقة الأبدان، وبذل الأموال.\nوالاستطاعةُ تقع على حالين: استطاعة مباشرة، واستطاعة نيابة.\nفأما المباشرة، فقد اتفق عليها أهلُ العلم، واختلفوا في تفصيلها،","vol":"2","page":197},{"text":"فخصها الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ بالزاد والراحلة (١)، ولم يوجبوا الحج على المستطيع بالمشي، أو بالاكتساب في الطريق؛ لما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال: قام رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: ما يوجبُ الحَجَّ؟ قال: \"الزاد والراحلة\" (٢)، خَرَّجَهُ الترمذيُّ وحَسَّنه.\nوعمَّمَ مالكٌ وُجوبَ الحَجِّ على كل مستطيع بالقوةِ والاكتساب، ولو بالسؤال (٣)، وتمسَّكَ بعُموم الآيةِ، وجعله مخصِّصا لعُموم الحديثِ، فخصَّه بمنْ لا يستطيع المشيَ أو الاكتسابَ؛ بدليلِ عموم قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.\nوهذا ضعيف؛ فإن العُمومَيْنِ إذا تعارضا، وأمكن أن يُخَصَّ بكل واحدٍ منهما عُمومُ الآخر، لم يجز أن يخص بأحدِهما الآخرُ إلا بدليلٍ آخر،\n_________\n(١) وهو قول الحسن ومجاهد وابن جبير وعطاء وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن حبيب وإسحاق، وروي عن عمر وابنه عبد الله، وابن عباس ﵃، وهو قول أكثر العلماء. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٢٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٤٠)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٦١)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٢٧٦)، و\"البناية\" للعيني (٤/ ١١).\n(٢) رواه الترمذي (٨١٣)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة، وابن ماجه (٢٨٩٦)، كتاب: المناسك، باب: ما يوجب الحج، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٧١٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٧)، وهذا لفظ الترمذي، وابن ماجه.\n(٣) وهو قول ابن الزبير والشعبي وعكرمة والضحاك. انظر: \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٣٨٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٨)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣١٥)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٤٠).","vol":"2","page":198},{"text":"والأولى أن يخصَّ بالحديث عمومُ الآية؛ لأنه لو كان الزادُ والراحلة مختصين بغير المستطيع، لبيَّنه النبيُّ - ﷺ - عندَ السؤال، لأن تأخير البيان في هذه الحالة غيرُ جائز.\nولهم أن يقولوا: الحديثُ ضعيفٌ عندُ جمهورِ أهل العلم بالحديث، فتضعفُ معارضتهُ لعمومِ الآية.\nويحكى القولُ بمثل مذهبِ مالك عن عبد الله بن الزبير، والشعبيِّ.\nوقال الضحاك: إن كان شابًا قويًّا صحيحًا، ليس له مال، فعليه أن يُؤَاجِرَ نفسَهُ بأَكْلِهِ أو عَقِبهِ (١)، حتى يقضيَ حَجَّهُ، فقال له مقاتل: كلفَ اللهُ الناسَ أن يمشوا إلى البيت؟، فقال: لو أن (٢) لبعضِهم ميراثًا بمَكَّة (٣)؟ أكانَ تارِكَهُ؟ بل ينطلقُ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ (٤).\nوقولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ عندي أولى؛ لوجوه:\nأحدها: لما فيه من التيسير والسماحة الموافق لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولقوله - ﷺ -: \"بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَة\" (٥).\n_________\n(١) العُقْبة: الموضع الذي يركب فيه، وتعاقب المسافران على الدابة: ركب كل واحد منهما عقبه، وفي الحديث: \"فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة\"؛ أي: يتعاقبون في الركوب واحدًا بعد واحد. انظر: \"تاج العروس\" للزبيدي (٣/ ٤٠١)، (مادة: عقب).\n(٢) في \"ب\": \"كان\".\n(٣) في \"ب\": \"في مكة\".\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٧).\n(٥) رواه الخطيب البغدادي في \"تاريخه\" (٧/ ٢٠٩)، عن جابر بن عبد الله، بهذا =","vol":"2","page":199},{"text":"ثانيها: فتوى ابنِ عباس وابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم-، وهي مقبولة في مثل هذا المَقام التعبديِّ اتفاقًا.\nثالثها: موافقة سائر أصول العبادات؛ كالطهارة والصلاة والصيام؛ فإن المشاقَّ والسَّفرَ يبيح فيها التأخير والتخفيف.\n\n٢ - وأما استطاعة النيابة، وذلك في حقِّ المعضوب (١) إذا وجد قريبًا أو أجيرًا يحج عنه، وفي حقِّ المَيِّتِ إذا مات وقد وجب عليه الحجُّ.\n- فأوجب الشافعيُّ معها الحج (٢)؛ لبيان النبيِّ - ﷺ -.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: جاءت امرأةٌ من خَثْعَمٍ، فقالت: يا رسول الله! إن فريضةَ الله على عباده في الحجّ أدركَتْ أبي شيخًا كبيرًا، لا يَثْبُتُ على الراحلة، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: \"نعم\"، وذلك في حجة الوداع (٣).\n_________\n= اللفظ، ورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧٨٨٣)، والروياني في \"مسنده\" (٢/ ٣١٧)، عن أبي أمامة، دون قوله: \"السهلة\".\n(١) المعضوب: من كان به علة لا يرجى زوالها؛ لكبر أو مرض لا يرجى زواله، أو زمانةٍ، أو كان كبيرًا لا يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة، أو كان شابًا نِضْوَ -نحيل- الخَلْق لا يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٦٢)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ٢٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٩)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٧٦).\n(٢) وهو قول جمهور العلماء منهم الحنفية والحنابلة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٨٤)، و\"البناية\" للعيني (٤/ ١٠).\n(٣) رواه البخاري (١٤٤٢)، كتاب: الحج، باب: وجوب الحج وفضله، ومسلم=","vol":"2","page":200},{"text":"وروينا فيه -أيضًا- عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أن امرأة من جُهينةَ جاءت إلى النبي - ﷺ -، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحجُّ عنها؟ فقال: \"حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ؛ فإنَّ اللهَ (١) أَحَقُّ بالوفاء\" (٢).\n- وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجبُ الحَجُّ على المستطيع بغيرهِ (٣)؛ أخذًا بالقياسِ على سائر الأصولِ في منع النيابة في العبادات، والخبرُ مخصوصٌ بحالةِ الموتِ، ومقصورٌ عليها؛ ولأن الخبرَ إذا خالفَ القياسَ أو قياسَ الأصول، فهو مردودٌ عندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ (٤).\nواختلف قولُ الشافعيِّ -رضي الله تعالى عنه- في جواز النيابة في حَجِّ\n_________\n= (١٣٣٤)، كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، أو للموت.\n(١) في \"ب\": \"فالله\".\n(٢) رواه البخاري (١٧٥٤)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٢/ ٦٢)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (١/ ٣١٥).\nوقد اختلف الحنفية في وجوب الحج على المعضوب الذي يستطيع الحج بغيره: فروي عن أبي حنيفة: أنه يجب عليه الحج، وينيب غيره في ذلك، وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف ومحمد، وهو الذي نقله عنه أصحاب المذاهب الأخرى، كما تقدم.\nوروي عنه في المشهور: أنه لا يجب عليه، وهو رواية عن أبي يوسف ومحمد، وهو الذي مشى عليه أكثر الحنفية، كما أن القول الأول قد رجحه الكثير منهم.\nانظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٩٥)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٢/ ٣٣٥)، و\"البناية\" للعيني (٤/ ١٠)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٠٥).\n(٤) قلت: فيما نقله المصنف -﵀- عنهما نظر.","vol":"2","page":201},{"text":"التطوُّعِ، والأصحُّ الجواز (١).\n* وفي الآيةِ عندي دليلٌ على وجوب الحَجِّ على الكافرِ المستطيعِ؛ لتناولِ العُموم له، وظهوره فيه، وتعقيبه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقد قدمت الخلاف فيه في مقدمة هذا الكتاب، والصحيحُ وقوعُ التكليفِ عليه (٢)، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ الإسلامَ شرطٌ للصحة، وإن اختلفوا في كونِه شَرْطًا للوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فخطابه سبحانه بكونه غنيًا عن عباده في مَعْرِضِ الإهانةِ والتوبيخ دليلٌ على بطلانها (٣).\n* وتمسكَ بعضُ أهل الظاهر في وجوب الحجِّ على العبد بالآية (٤)، وخالفهم (٥) عامة أهلِ العلم؛ لأنه غير مستطيع، بدليل قوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، وللإجماع (٦).\n_________\n(١) الاستنابة في حج التطوع عن حي ليس بمعضوب: لا تجوز عند الشافعية بلا خلاف.\nأما النيابة عن المعضوب: ففيه قولان عندهم، أصحهما الجواز. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ٩٦).\n(٢) الكافر في حال كفره لا يطالب بفعل الحج، لكنه واجب عليه، متوجه التكليف عليه به، وهذا مبناه على مسألة أصولية وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ والصحيح أنهم مخاطبون بذلك. وقد تقدمت المسألة والتحقيق فيها في مقدمة الكتاب.\n(٣) أي: بطلان عبادته.\n(٤) انظر: \"المحلي\" لابن حزم (٧/ ٣٦).\n(٥) في \"ب\": \"وخالفه\".\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٤٤)،=","vol":"2","page":202},{"text":"* ولا خلافَ في تناولِ العمومِ للمرأة الحرَّة (١)، وإنما اختلفوا في حقيقةِ استطاعتها.\n- فجعل مالكٌ والشافعيُّ -في أحد قوليه- استطاعَتَها كاستطاعة الرجل، فيجب عليها الحجُّ إذا وجدت رُفْقَةً تأمنُ معها على نفسها (٢).\n- وشرطَ أبو حنيفةَ وأحمدُ للوجوب مصاحبةَ زَوْجٍ أو مَحْرَمٍ (٣)، واحتجوا بما رويناه في \"صحيح البخاري\" من قوله - ﷺ -: \"لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ أنْ تسافرَ مسيرةَ يومٍ إلا مع ذي مَحْرَمٍ\" (٤).\nويظهر ترجيحُ قولِ مالكٍ وصاحبه؛ لأن الدليلين إذا تعارضا، وكان كلُّ واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصّا من وجه، وأمكن أن يخصَّ بكل واحد منهما عمومُ الآخر، كان الحكم للدليل الخارجي.\nوبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ عامٌّ في الرجال والنساء،\n_________\n= و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٤٠).\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٦٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٣٧).\n(٢) وهو مذهب عائشة ﵂. وهو قول ابن سيرين والأوزاعي. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٦٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٢٨)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٦٨)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٣).\n(٣) وهو قول الحسن والنخعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٣/ ٣٦٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٢٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٠٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٩٩).\n(٤) رواه البخاري (١٠٣٨)، كتاب: تقصير الصلاة، باب: في كم يقصر الصلاة؟ ومسلم (١٣٣٩)، كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.","vol":"2","page":203},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ خاص في السفر الواجب إلى البيت، وقوله - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة\" خاصٌّ بالنساء، وقوله: \"أن تسافر مسيرة يوم\" عامٌّ في سفرِ الحج وغيره، فيفزع الناظر حينئذ إلى الأدلة الخارجة؛ إذ ليس أحدُ التخصيصين أولى من الآخَرِ.\nفنظرنا فوجدنا حديثًا رواه عديُّ بنُ حاتمٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"لَتوشِكُ الظعينةُ (١) أن تَخْرَجَ مِنْها- أي: الحِيْرةِ (٢) - بغير جِوارٍ حَتَّى تَطوفَ بالكَعْبَةِ\"، قال عديٌّ: فلقد رأيتُ الظعينةَ تخرجُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ بغير جوارٍ (٣).\nوتأوله مخالفُهما على أن ذلك شرطٌ للجواز، لا للوجوب، والمعنى يردُّ هذا التأويلَ؛ لأنه إنما نهى النبي - ﷺ - عن سفرها بغير محرم؛ للخوفِ عليها، فإذا أمنتْ على نفسها، وزال خوفُها، جاز لها السفرُ، ووجب عليها الحجُّ.\nفإن قلت: فما حكمُ السفر الجائزِ عندَ الأمنِ، هل يكونُ كسفرِ الحجِّ الواجبِ أو لا؟\n_________\n(١) أصل الظعينة: الراحلةُ التي يُرحَلُ ويُظعَنُ عليها أي يُسَارُ، وقيل: الظعينةُ هي المرأَةُ في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، وللمرأة بلا هودجٍ: ظعينة. \"اللسان\" (مادة: ظعن) (١٣/ ٢٧١).\n(٢) \"أي الحيرة\" ليست في \"ب\".\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٧٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٦٦٠٦)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦٦١٤)، وفي \"الأحاديث الطوال\" (١٩٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٦٧٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٢٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٨٥٨٢)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٠/ ٧٤).","vol":"2","page":204},{"text":"قلت: قد سوى بعضُهم بينهما، فجوَّزَ لها السفرَ عندَ الأمنِ (١).\nوجمهورُ أهل العلمِ على إيجاب المَحْرَمِ في السفرِ الجائزِ دون السفرِ الواجبِ؛ جمعًا بين الآية والأحاديث (٢).\nوادعى القاضي عياضٌ الاتفاقَ عليه (٣).\nوأما سفرُ الهجرةِ فيجبُ على المرأةِ بكلِّ حالٍ؛ لما في الوقوف من فساد الدينِ (٤)، والله أعلم.\n* وخص الله سبحانه الوجوبَ بالحجِّ، وأطلقهَ، فبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - بقوله: \"إنَّهُ لِلأبَدِ\" (٥)، فلا يجب أكثر من مرة، وذلك إجماع (٦).\nوبَيَّنَ بفعلِه أن وجوبَهُ على التراخي؛ لأنه لم يحجَّ إلا بعد سنتين من\n_________\n(١) نقله النووي عن بعض الأصحاب. انظر: \"شرح مسلم\" (٩/ ١٠٤)، و\"المجموع\" (٨/ ٣١١).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" (٩/ ١٠٤)، و\"المجموع \" (٧/ ٧٠)، (٨/ ٣١١).\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢١/ ٥٥): ويجمع معاني الآثار في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها: الحظر على المرأة أن تسافر سفرًا يخاف عليها الفتنة بغير محرم قصيرًا كان أو طويلًا. وانظر: \"الاستذكار\" (٢٧/ ٢٧٤).\n(٣) انظر نقل الاتفاق على ذلك في: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٤/ ٤٤٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٠٤)، و\"المفهم\" للقرطبي (٣/ ٤٥٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٢/ ٧٢٣).\n(٤) وهذا متفق عليه بين العلماء، وكلام الحافظ ابن حجر يوهم أنه فيه خلافًا. انظر: \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٤/ ٤٤٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٠٤)، و\"المفهم\" للقرطبي (٣/ ٤٥٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٢/ ٧٢٣).\n(٥) رواه البخاري (١٦٩٣)، كتاب: العمرة، باب: عمرة التنعيم، ومسلم (١٢١٦)، كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام، عن جابر بن عبد الله.\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٦)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٣٥).","vol":"2","page":205},{"text":"فريضة الحج، ولو كان تأخيرُه لعذرٍ، لَبَيَّنَهُ ونُقِل إلينا، وبه أخذ الشافعي (١)، واختلف قولُ مالكٍ وأبي حنيفة.\nوالصحيحُ عند الحنفيةِ أنه على الفَوْرِ (٢).\nوالصحيحُ عند متأخري المالكية أنه على التراخي (٣).\nوأما تخصيصُ الوجوب بالحجِّ دون العُمْرَةِ، فقد مضى الكلامُ عليه.\n* * *\n_________\n(١) وهو متفق عليه بين الشافعية إلا المزني فإنه قال بالفور.\nوالقول بالتراخي قول الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقل عن ابن عباس وأنس وعطاء وطاوس. انظر: \"المجموع\" (٧/ ٨٦)، و\"روضة الطالبين\" كلاهما للنووي (٣/ ٣٣).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٩٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٤٠٢) وهو قول الحنابلة. انظر \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٦).\n(٣) اختلف المالكية في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ فرجح بعضهم الفور، وبعضهم التراخي، لكن الذي رجحه المتأخرون من شراح خليل وغيرهم هو كون الحج على الفور لا على التراخي.\nانظر: \"المقدمات الممهدات\" لابن رشد (١/ ٣٨١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ١٨٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ١٣٦)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٤٢٠)، و\"جواهر الإكليل\" (١/ ١٦٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣).","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>(الشوري)</span>\n٥٩ - (٣) قوله ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nأقول:\n* أمر الله ﷾ نبيَّه محمدًا - ﷺ - بمشاورة ذوي الأحلام والنّهَى، ومدح اللهُ سبحانه المؤمنينَ بالمشاورة، فقال: ﴿وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم﴾ (١) [الشورى: ٣٨]، ولا خلاف في استحبابِها في حقِّ الرعيَّة (٢)؛ لما فيها من البحث وزيادةِ النظرِ في عواقب الأمور، وحصول البركة، ففي الحديث: \"ما شقِيَ عَبْدٌ قَطٌّ بَمَشورَةٍ، وما سَعِدَ باسْتِغْناءٍ بِرَأْيٍ\" (٣).\nوقد كان عمرُ -رضي الله تعالى عنه- يجمع الصحابةَ، ويستشيرُهم في الأحكام وغيرها.\n* وإنما اختلفوا في وجوبها على النبيِّ - ﷺ -، وعلى ولاة المسلمين.\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٢٣٥).\n(٢) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٦/ ٤٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٦٣).\n(٣) رواه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٧٧٣)، عن سهل بن سعد الساعدي.","vol":"2","page":207},{"text":"- فذهب المالكية إلى وجوبِها على النبيِّ - ﷺ - وعلى غيرِه من الوُلاة، قال ابن عطيةَ منهم: والشورى من قواعدِ الشريعةِ وعزائمِ الأحكام، ومن لا يستشيرُ أهلَ الدين والعلمِ فعزلُه واجبٌ (١). وعن (٢) ابن خُويزمِنْداد مثلُه (٣)، وذهبت الشافعيةُ إلى استحبابه في حَقِّ الوُلاة (٤).\nوأَمّا في حَقِّ النبيِّ - ﷺ -؛ فقيلَ بوجوبها؛ حَمْلًا لمطلقِ الأمر على ظاهره، ولما في تخصيصِه - ﷺ - بالوجوب مِنْ رَفْعِ درجته، وتكثيرِ ثوابه، وتكريمِه، وهو الصحيح عند الشافعية.\nوقيل باستحبابها قياسًا على الأُمة، والأمرُ محمولٌ على الاستحباب (٥)، ونُقل هذا عن نص الشافعي- رحمه الله تعالى (٦).\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٣٩٧).\n(٢) في \"ب\": \"وقال\".\n(٣) نقله عنه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/ ٢/ ٢٣٥).\n(٤) للعلماء في حكم الشورى من حيث هي قولان: الأول: الوجوب، وقال به ابن خويز منداد والرازي وابن عطية والنووي.\nالثاني: الندب، وبه قال قتادة والربيع وإسحاق وهو قول الشافعي.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٣٤١): واختلفوا في وجوبها: فنقل البيهقي في \"المعرفة\" الاستحباب، وبه جزم القشيري في \"تفسيره\".\nوانظر: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ٧٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٢٣٥).\n(٥) أما حكم الشورى في حق النبي - ﷺ -: فذكر الرازي وابن كثير فيها قولين: الوجوب والندب، ونسب الرازي إلى الشافعي الندبَ.\nانظر: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٤٢).\nوقال النووي في \"شرح مسلم\" (٤/ ٧٦): واختلف أصحابنا هل كانت الشورى واجبة على رسول الله - ﷺ - أم كانت سنة في حقه كما في حقنا، والصحيح عندهم وجوبها. وهو المختار.\n(٦) قال الإمام الشافعي في \"الأم\" (٦/ ٢١٩): أحب للقاضي أن يشاور، ولا يشاور =","vol":"2","page":208},{"text":"ونُدِبَ - ﷺ - إلى مشاورتهم، مع كمالِ عقله، وجزالةِ رأيه، وعصمةِ الله سبحانه له؛ تطييبًا لقلوبِ أصحابه -رضي الله تعالى عنهم-؛ كما روي عن قتادةَ والشافعيِّ (١). وقيل: بل نُدِبَ حَثًّا لهم على الاقتداء به (٢).\nقال الحسنُ: علم اللهُ سبحانه أنه ما بهِ إليهم من حاجة، ولكن أرادَ أن يَسْتَنَّ به مَنْ بعده (٣).\nونحو هذا قال الشافعي أيضًا (٤).\nوقيل: تحصيلًا لبركة التشاور (٥).\n* * *\n_________\n= في أمره إلا عالمًا بكتاب وسنة وآثار وأقاويل الناس، وعاقلًا يعرف القياس.\nوقال في (٧/ ١٠٠): إذا نزل بالحاكم الأمر يحتمل وجوهًا، أو مشكل، انبغى له أن يشاور، ولا ينبغي له أن يشاور جاهلًا.\n(١) وهو قول مقاتل والربيع بن أنس وابن إسحاق. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٢٣٥).\n(٢) وهو قول الحسن والضحاك وابن عيينة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٠٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٢٣٥).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٠١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٠٩).\n(٤) إلا أن الشافعي نقله عن الحسن. انظر: \"الأم\" (٧/ ١٠٠).\n(٥) في \"ب\": \"المشاورة\".\nوهو قول الضحاك أيضًا. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢/ ٢٣٥).","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>سُورَةُ النِّسَاءِ</span>","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>(من أحكام اليتامي)</span>\n٦٠ - (١) قوله ﷻ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].\nأقول:\n* لمَّا علم اللهُ ﷻ ضعفَ اليتامى وعجزَهُمْ عن دفعِ بأس الظالمين لهم، نهى العبادَ عن أخذ أموالهم، وتواعدَ على ذلك بما لم يتواعدْ به على غيره، فجعل آكلَها إنما يأكلُ نارًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].\nوسماها في هذه الآية (خبيثة)؛ لتنفر القلوبُ عن تناولها؛ استقذارًا لها من (١) خبثها، ولا ينبغي أن يُحمل الطَّيِّبُ والخبيثُ على حقيقتهما؛ إذ لو حمل على ذلك، لكان قد زادهم خيرًا حين أخذ الزيف بالجيد، والمهزولَ بالسمين، ولَكَان معارضًا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) [الإسراء: ٣٤].\n_________\n(١) في \"أ\": \"عن\".\n(٢) أي: لو حمل الخبيث على حقيقته، والطيب على حقيقته، فيكون مال اليتيم خبيثًا ومال الوصي طيبًا، فإذا بدَّله، فيكون قد أخذ الخبيث الزيف والهزيل له، وترك لليتيم الطيب الجيد السمين، وفي هذا زيادة خيرٍ لليتامى، فكيف ينهى عنه، ثم هو معاملة بالحسنى، فيكون معارضًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، والله أعلم.","vol":"2","page":213},{"text":"والمعنى (١) -والله أعلم-: ولا تتبدلوا الخبيث الحرام، الذي ترونه بزعمكم طيبًا سمينًا، بالطيب الحلال من أموالكم، الذي ترونه بزعمكم رديئًا مهزولًا (٢).\n* وأمر بإيتائهم أموالهم:\nوذلك يقع على حقيقة الإيتاء؛ ببذل مُؤَنِهم، والإنفاقِ عليهم.\nويقع على الإيتاء الذي هو الحِفْظُ مجازًا؛ فإنه إذا حَفِظَ أموالَهم حقَّ حفظِها، فكأنه قد آتاها أربابَها.\nولا يجوز أن يُحمل على حقيقةِ دفعِ جُمْلَةِ المال إليهم؛ فإن الله سبحانه لم يأمرْ به إلا عند بلوغِ النكاح، وإيناسِ الرُّشْد.\nنعم يجوز أن يرادَ بهِ حقيقةُ الإيتاءِ والدفعِ، ويكونُ إطلاقُ اليتامى على البالغين مجازًا من باب تسميةِ الشيء بما كان عليه؛ كقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ (٣) [طه: ٧٠]، وهذا أولى؛ لأنه سبب الآية، في قول الكلبي ومقاتل (٤).\n* ثم من لُطْفِ الله تعالى بهم (٥) أن أباحَ مخالطَتَهم ومبايعتَهم، فقال\n_________\n(١) \"والمعنى\" ليست في \"ب\".\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٦٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٠).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٦٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٧٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٠).\nوقال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٣٣٨): أطلق عليهم اسم الأيتام؛ لقرب عهدهم باليتيم.\n(٤) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٣٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٧٩).\n(٥) في \"ب\": \"لطفه بهم تعالى\".","vol":"2","page":214},{"text":"سبحانه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، فعلَ اللهُ تعالى ذلك بهم لئلًا يتعطَّلِ تثميرُ أموالهم، وحَفِظَها بالبيع والشراءِ لئلَّا يتحرَّج القُوَّامُ عليها (١)، وجَوَّز للقيِّم أن يأكلَ منها إن كانَ فقيرًا، وأمرَهُ بالاستعفاف إنْ كان غنيًا، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.\n* وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.\nقيل: منسوخ (٢) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٠]، والصحيحُ عدم النسخُ.\nثم قيل (٤): إن (إلى) بمعنى (مع)، أي: ولا تأكلوا أموالَهُم مع أموالكم ظلمًا.\nوهو مذهبُ نحاة الكوفةِ، وبعض أهل (٥) البصرة، قال امرؤ القيسِ يصفُ فرسًا: [البحر الطويل]\nلَهُ كَفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حَارِكٍ مِثْلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ (٦)\nويحتمل عندي ثلاثَ تأويلات أُخَرَ:\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٠٣)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٢٨٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ٢٢٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦٠).\n(٢) في \"ب\": \"منسوخة\".\n(٣) وهو قول مجاهد. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١١).\n(٤) \"قيل\" ليست في \"أ\".\n(٥) \"أهل\" ليست في \"أ\".\n(٦) انظر: \"ديوانه\" (رقم البيت ٢٦٠).","vol":"2","page":215},{"text":"أحدها: أن يكون بمعنى (إلى): ولا تأكلوا أموالهم مقترضين لها إلى حصول أموالكم؛ فإنه ليس قُرْبا بالتي هي أحسن؛ لفوات تنميتِها وتثميرها.\nثانيها: أن تكون بمعنى (في)؛ فإنه إذا خلطَ (١) بمالِه مُفْسِدًا، كان الجميعُ حرامًا، وشاهد هذا المعنى قولُ النابغة: [البحر الطويل]\nفلا تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كَأَنَّنِي ... إلى الناسِ مَطْلِيٌّ بهِ القارُ أَجْرَبُ (٢)\nثالثها: وهو أرجحُها، أن تكون بمعنى (إلى)، ويكون المعنى: ولا تأكلوا أموالهم ضامِّين لها إلى أموالكم؛ لأنهم إذا أكلوها، فقد ضمُّوها إلى أموالهم التي يأكلونها (٣).\n* ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ أي: إثمًا (٤)، وقيل: ظلمًا كبيرًا (٥).\n* * *\n\n٦١ - (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن عروةَ بنِ الزبير: أنه سألَ عائشةَ-\n_________\n(١) في \"ب\": زيادة \"ماله\".\n(٢) تقدم ذكر البيت وتخريجه.\n(٣) انظر معاني \"إلى\" في الآية في: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٧٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١١)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٨٧)، و\"\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٥٠٢).\n(٤) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١١)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٨٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٩٨).\n(٥) ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٣١) عن قتادة.","vol":"2","page":216},{"text":"رضي الله تعالى عنها -، فقال: يا أُمَّتاه (١)! قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قالت: يا بنَ أُختي! هذه اليتيمةُ تكونُ في حِجْرِ وليِّها، فيرغبُ في جمالها ومالها، ويريد أن يَنْتَقِصَ صَداقَها، فنُهوا عن نكاحِهِنَّ إلَّا أن يُقْسِطوا لهنَّ في إكْمالِ الصَّداقِ، وأُمروا بنِكاحِ من سِواهُنَّ من النساءِ.\nقالتْ عائشةُ: استفتى الناسُ رسولَ الله - ﷺ - بعدَ ذلكَ، فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، فأنزل اللهُ لهم في هذه الآيةَ:\nأنَّ (٢) اليتيمة إذا كانت ذاتَ مالٍ وجَمال، رغبوا في نِكاحها، وسنتها في الصَّداق (٣)، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلة المالِ والجمالِ، تركوها وأخذوا غيرَها. قالتْ: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلَّا أن يُقْسطوا لها، ويُعطوها حَقَّها الأوفى من الصَّداق (٤).\n* ومضمونُ الآيةِ والأَثَر تجويزُ نكاح اليتيمةِ عندَ حصولِ القِسْط.\nوقد اختلف أهلُ العلم بالفتوى في نكاحِها (٥).\n- فجوَّزَه أبو حنيفة مُطْلَقًا (٦)، وله من الدليل ما قدمتهُ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"أمّاه\".\n(٢) في \"أ\": \"أي\".\n(٣) يعني: إعطاءها حقها من الصداق كاملًا دون نقصان.\n(٤) رواه البخاري (٤٨٤٦)، كتاب: النكاح، باب: تزويج اليتيمة.\n(٥) أي: تزويجها وهي صغيرة.\n(٦) وهو قول علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة، والحسن وعطاء وطاوس في آخرين. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٥٩)، و\"أحكام=","vol":"2","page":217},{"text":"- ومنعه مالكٌ مطلقًا إلا عند خوفِ الضَّيْعَةِ والفَسادِ.\n- ومنعه الشافعيُّ إلا عندَ وجودِ الجدّ (١).\nوحَمَلا ظاهر الآية والأثر على البالغة التي أطلق عليها اسم اليتيمة تجوُّزًا؛ بدليل ما روى ابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: زوجني خالي قدامةُ بن مَظْعونٍ ابنةَ أخيهِ عثمان بن مظعون، فجاء المغيرة بن شعبة إلى أمِّها، فأرغَبها في المالِ، فمالَتْ إليه (٢)، وزَهِدَتْ فيَّ، فقالتْ أُمُّها: يا رسول الله! بنتي تكره ذلك (٣)، فقال قدامةُ: يا رسولَ الله! أنا عمُّها، ووصيُّ أبيها، وقد زوجتُها من عبد الله بنِ عمرَ، وقد عرفتَ فضلَهُ وقرابته، وما نَقِموا منه إلا أنه لا مالَ له، فقال - ﷺ -: \"إنَّها يتيمةٌ، ولا تُنْكَحُ إلا بإذنِها\" (٤)، وفي رواية: \"ولا تُنْكِحُوا اليتامى حتى تَسْتأْمِروهُنَّ، فإن سكتْنَ، فهو إذن (٥) \" (٦)، وموضعُ الدليل قوله - ﷺ -: \"ولا تنكح إلا بإذنها\"، \"ولا\n_________\n= القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٠٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ١٢٧).\n(١) والقول بمنع تزويجها هو أيضًا قول الحنابلة، وهو قول الجمهور: انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٥٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٤). وانظر: \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٣٠)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٥٥)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٥٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٥٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٠٢).\n(٢) \"إليه\" ليست في \"أ\".\n(٣) قلت: يحتمل أنها لا تحب الزواج من ابن عمر، أو أنها لا تحب عدم استئذانها، أو لا تحب الزواج من فقير لا مال له.\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٣٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٧/ ١١٣).\n(٥) في \"ب\": \"إذنهن\".\n(٦) رواه المحاملي في \"أماليه\" (٣٤٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٢٩)، =","vol":"2","page":218},{"text":"تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن\"؛ فإن الصغيرة ليستْ من أهلِ الاستئمار بالاتّفاقِ، والبالغةُ من أهلِ الاستئمار بالاتفاق (١)، والبلوغ هو الفارق بينَ الحدَّين، فيكون السنُّ الذي قبلَ البُلوغِ كحالِ الصِّغَرِ، فحينئذٍ يمتنعُ النكاحُ؛ لفقدان الاستئمار (٢).\nويظهر لي قوةُ قول أبي حنيفة؛ لما فيه من حمل اللفظ على حقيقته، والحقيقةُ خيرٌ من المجاز (٣).\nوأما حديثُ ابنِ عمرَ، فلا دلالةَ فيه، فللحنفيةِ أن يقولوا: الحديثُ وارد في اليتيمةِ الكارهةِ للنكاح، فالحديثُ مختصٌّ بسببه في اليتيمةِ التي من أهلِ الاستئمار، فلا تزوجُ حتى تستأمَرَ، والعبرةُ عندَ قومٍ منهم بخصوصِ السببِ، لا بعموم اللفظ.\nوأما إذا لم تكنِ اليتيمةُ من أهل الاستِئْمار، فهي في مَحَلِّ السكوت، فلا يتناولُها الحديثُ الوارد على سببٍ مخصوص، أو لأن الخطابَ ورد عنه - ﷺ - على الغالب؛ فإن الغالبَ أنه لا تُنْكَح إلا من قد صارت من أهل الاستئمار، والله أعلم.\nفإن قيل: مفهومُ الشرط يقتضي أنه لا يجوز نكاحُهنَّ إلا عندَ وجودِ القسطِ والعدلِ؛ لأن الله سبحانه أمر بنكاح مَنْ سواهُنَّ عند خوفِ الجَوْرِ عليهن.\n_________\n= والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢١).\n(١) في \"أ\": \"باتفاق\".\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٤).\n(٣) انظر استدلال الحنفية في: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٣).","vol":"2","page":219},{"text":"قلت: لا مفهومَ له (١)؛ فإنه لو كان كذلك؛ لما جاز لنا أن ننكحَ ما طابَ لنا من النساء مثنى وثُلاثَ ورُباع عند عدمِ خَوفِ الجَوْرِ، ولا يجوزُ القولُ بذلك، بل ذلك إرشادٌ من الله ﷾ للمتَّصفين بذلك إلى ما فيه صلاحُهم من فراقِ اليتيمة والتزوجِ بسواها.\nيدلُّ على ذلك ما روينا (٢) في \"صحيح البخاري\" عن عروةَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أن رجلًا كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عَذْقٌ (٣)، وكان يُمْسِكُها عليه (٤)، ولم يكن لها من نفِسه شيءٌ (٥)، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٦).\n* وفي الآية والحديث دَلالةٌ من طريق التضمُّن والمفهوم أنَّ للوليِّ إذا أقسط في اليتيمة، أن يُنْكِحَها من نفسه؛ إذ لو كان الأمرُ في ذلك إلى غيره، لما كان لنهيه عمّا هو إلى غيره معنى، وبهذا قال أبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ،\n_________\n(١) قال ابن العربي: فإن دليل خطاب هذه الآية ساقط بإجماع؛ فإن كل من علم أنه يقسط لليتيمة جاز له أن يتزوج سواها، كما يجوز ذلك له إذا خاف ألا يقسط. انظر: \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٠٥).\n(٢) في \"ب\": \"رويناه\".\n(٣) قال الحافظ ابن حجر: عَذْق -بفتح العين المهملة وسكون المعجمة-: النخلة، وبالكسر: الكباسة والقنو، وهو من النخلة كالعنقود من الكرمة، والمراد هنا الأول. انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٢٣٩). وانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ١٩٩).\n(٤) قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٣٩): \"وكان يمسكها عليه\"؛ أي: لأجله، وفي رواية الكشميهني: \"فيمسك بسببه\".\n(٥) أي: لم يكن راغبًا فيها، ولم يكن يعجبه شيء من أمرها.\n(٦) رواه البخاري (٤٢٩٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.","vol":"2","page":220},{"text":"والثوريُّ، وأبو ثورٍ، والليثُ (١).\nوقال الشافعيُّ: لا يجوزُ أن يزوِّجَها منهُ إلا وليٌّ آخرُ من سلطانٍ أو عَصَبَة (٢).\nوالخلاف بينهم في بيعهِ مال اليتيمِ من نفسِه؛ كما في النكاح، إلا أن أبا حنيفة وافقَ الشافعيَّ (٣).\n* وأمر الله سبحانه في هذه الآية بنكاح ما طابَ لنا من النساء:\nفحمل أهلُ الظاهر الأمرَ في هذا على الوجوب (٤).\nوحمله جمهورُ أهل العلم على الاستحباب مطلقًا (٥).\nوذهب بعضُ متأخِّري المالكية إلى تقسيمه إلى: واجبٍ، ومستحبٍّ،\n_________\n(١) وهو قول الحسن وابن سيرين وربيعة ومالك وإسحاق وابن المنذر، وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٤٨٧)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٣٢)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ١٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٧٤)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٨/ ٩٦). وانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٥).\n(٢) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٧١).\n(٣) شراء ولي اليتيم مال اليتيم لنفسه: قال أبو حنيفة ومالك: بجوازه، ومنعه الشافعي وأحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢١٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ١/ ٦١).\n(٤) المراد به قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ﴾. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٤٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٤١).\n(٥) قال ابن قدامة في \"المغني\" (٩/ ٣٤٠): المشهور في المذهب أنه ليس بواجب إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه، وهذا قول عامة الفقهاء. وانظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٣١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٣٦).","vol":"2","page":221},{"text":"ومباحٍ؛ بحسب ما يخشى من العَنَتِ.\n* وأحل الله سبحانه أربعًا من النساء (١)، وأما الزيادة فممنوعةٌ؛ لبيانه - ﷺ - في غَيْلانَ لَمّا أسلم وتحته عَشْرُ نِسْوَةٍ: \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وفارِقْ سائِرَهُنَّ\" (٢).\nوقال (٣) الشيعةُ: يجوز نكاحُ تِسعِ نِسْوَةٍ؛ لأن الواو موضوعةٌ للجمع.\nوقد تمسك بهذا الظاهرِ بعضُ أهل الظاهر، فأباحَ ثماني عَشْرةَ (٤)، وذلك زيادة على ما خصّ به المصطفى المكرَّم - ﷺ -، فلا التفاتَ إليه.\nفقيل: لا متمسكَ لهم؛ لأن معنى (مَثْنى مَثْنى): ثنتان ثنتان إلى ما لا نهاية له؛ كما تقولُ: جاء القومُ مَثْنى مَثْنى، إذا جاؤوا اثنين اثنين، وإن كانوا ألفًا، وكذا معنى (ثُلاثَ ورُباع)، فهذا اللفظ موضوعٌ لتفريق الأعداد، فوقفهم على هذا العدد تَحَكُّم يُخالِفُ لسانَ العرب.\nوهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ فإن ذلك ليس من خصائص هذا اللفظِ، بل لو قال: ادخلوا واحدًا واحدًا، لفُهم منه التفريقُ أيضًا، وليس هذا المثالُ محلَّ النزاع؛ لخلوِّه عن (٥) الواو، وإنما مثاله لو قال: خُذْ من الدراهم ثلاثَ\n_________\n(١) وهذا بالإجماع من الصحابة والتابعين إلا ما يحكى عن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعًا. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٤١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٠٠٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٧).\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٧٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤١٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٨١)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٢/ ٥٥ - ٥٤)، عن عبد الله بن عمر، بهذا اللفظ.\n(٣) في \"ب\": \"وقالت\".\n(٤) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ١٧).\n(٥) في \"ب\": \"من\".","vol":"2","page":222},{"text":"وثلاثَ، وهذا مما يجوز حملُه على الجمع، وليس موضوعًا للتفريق.\nوالذي أراه مَخْلَصًا (١) من شُبْهَتهم: أنَّ (مثنى وثلاث ورباع) أحوالٌ من قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) [النساء: ٣]، والحال لا يتعدَّدُ مع واوِ العطف الموضوعةِ للجمع، وإنما يتعدد بدونها، ومتى دخلت الواو على الأحوال المتعددة، كان من باب النعت؛ كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ (٣) [آل عمران: ٣٩] والنعت غير متصوَّرٍ هاهنا، فتعين حينئذ مجيءُ الواو للتخيير (٤)؛ كقولِ\n_________\n(١) في \"ب\": \"ملخصًا\".\n(٢) وأعربها أحوالًا كلٌّ من الزمخشري والبيضاوي والقرطبي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ١٦).\n(٣) قال الأزهري في \"التصريح على التوضيح\" (١/ ٣٨٥): وليس منه -أي: من تعدد الحال المفرد- نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾؛ لأن من شرط التعدد عدم الاقتران بالعاطف عند الموضِّح -يعني: ابن هشام.\n(٤) ذكر ابن هشام في \"مغني اللبيب\" (ص: ٨٥٧ - ٨٥٩) في توجيه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، كلامًا حقُّه أن يثبت هنا، قال -﵀-: قولهم في نحو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا ... مَثنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾: إن الواو نائبة عن \"أو\"، ولا يعرف ذلك في اللغة، وإنما يقوله ضعاف المعربين والمفسرين، وأما الآية، فقال أبو طاهر حمزة بن الحسين الأصفهاني في كتابه المسمى بـ \"الرسالة المعربة عن شرف الإعراب\" القول فيها بأن الواو بمعنى \"أو\"، عجز عن درك الحق، فاعلموا أن الأعداد التي تجمع قسمان: قسم يؤتى به ليضم بعضه بعضًا ...، وقسم يؤتى به لا ليضم بعضه إلى بعض، وإنما يراد به الانفراد لا الاجتماع، وهو الأعداد المعدولة؛ كهذه الآية، وآية سورة فاطر -يعني قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، وقال: أي: منهم جماعة ذوو جناحين، وجماعة ذوو ثلاثة ثلاثة، وجماعة ذوو أربعة أربعة، فكل جنس مفرد يعدد. وقال الشاعر: =","vol":"2","page":223},{"text":"الشاعر (١): [من الطويل]\nوقالوا نأَتْ فاخْتَرْ بها الصبر والبُكا\nأو للتقسيم كقولك: الكلمةُ اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، وكقول الشاعر (٢): [من الطويل]\nكما الناسُ مَجْرومٌ عليه وجارِمُ\n_________\n= ولكنَّما أهلي بوادٍ أنيسه ... ذناب تبغي الناسَ مثنى ومَوحَدُ\nولم يقولوا: ثلاث وخماس، ويريدون ثمانية.\nثم قال: قال الزمخشري: فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع، فوجب التكرير، ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراده من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون أو؛ قلت: كما جاء بها في المثال المذكور، ولو جئت فيه بأو لأعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسمة على تثنية، وبعضها على تثليث، وبعضها على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو، وتحريره: أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظورًا عليهم ما وراء ذلك، انتهى.\nوانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٠٨)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٩٩)، و\"التحرير والتنوير\" لابن عاشور (٤/ ١٧).\n(١) هو كثير عزة، وقد تقدم.\n(٢) هو عمرو بن الرّاقة، وصدر البيت:\nوننصر مولانا ونعلم أنه","vol":"2","page":224},{"text":"* إذا تَمَّ هذا، فالخطابُ عامٌّ في الأحرارِ والعبيد، وقد قدمتُ اندراجَ العبيدِ في خطاب الأحرارِ في قولِ أكثرِ أهل العلم. وعارضَ العمومَ قياسُ تشطيرِ العددِ على تشطير الحَدِّ.\nوبالعموم أخذَ مالكٌ، وأبو ثورٍ، وأهلُ الظاهر (١).\nوذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والليثُ، ومالكٌ -في روايةِ ابنِ وَهْبٍ-، وجمهورُ أهلِ العلم إلى تخصيص هذا العمومِ، فلم يجوِّزوا للعبدِ إلا اثنتين، وهو قول عُمر، وعليٍّ، وعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (٢).\n* ثم بيَّن الله سبحانه أن الاقتصارَ على واحدة، أو على ملكِ اليمين أولى وأفضل؛ لخلوِّه من الجَوْر، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: لا تَميلوا ولا تَجوروا، قاله مجاهد وغيرُه (٣)، وهو المعروف في اللغة، قال\n_________\n(١) وهو قول جماعة من التابعين، وهو المعتمد عند المالكية. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٤١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٣٠٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٧٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢١)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٩٩)، و\" التحرير والتنوير\" لابن عاشور (٤/ ١٨).\n(٢) ولم يكن في هذا خلاف بين الصحابة، كما قاله ابن عبد البر، وهو قول أكثر الفقهاء.\nانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٣٠٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٠٩)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢١)، وانظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ١٠٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ١٢٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٧٢).\n(٣) وهو قول ابن عباس والحسن وأبي رزين والشعبي وعكرمة وقتادة وغيرهم.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤١٠)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨٤)، =","vol":"2","page":225},{"text":"أبو طالبٍ: [البحر الطويل]\nبميزانِ صِدْقٍ ما يعولُ شعيرةً ... ووزَّانِ صدقٍ وَزْنُه غيرُ عائِلِ (١)\nوقال آخر: [البحر البسيط]\nإنا تَبِعْنا رسولَ الله واطَّرَحوا ... قولَ الرسولِ وعالُوا في المَوازينِ (٢)\nولا شك أن العدلَ بين الأزواجِ واجبٌ بالإجماع (٣)، وتفاصيلُه مذكورةٌ في كتب الفقه.\n_________\n= و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ١٩).\n(١) روى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٢٣٩ - ٢٤٠) عن عكرمة في قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: ألا تميلوا، ثم قال: أما سمعت قول أبي طالب: بميزان قسط وزنه غير عائل ثم رواه ابن جرير من وجه آخر عن عكرمة: وقال: وأنشد بيتًا من شعر زعم أن أبا طالب قاله:\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... ووزان صدق وزنه غير عائل\nثم قال ابن جرير: ويروى هذا البيت على غير هذه الرواية:\nبميزان صدق لا يغل شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل\nكما روى البيت ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٦٠). وانظر: \"غريب الحديث\" للخطابي (٢/ ٤٥٠)، وفيه نسبته للرياشي، و\"لسان العرب\" (١١/ ٤٨٩).\n(٢) قال السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٣٠): أخرج الطستي في \"مسائله\" عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: أجدر ألّا تميلوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:\nإنّا تبعنا رسول الله واطَّرحوا ... قول النبي وعالوا في الموازين\n(٣) قال ابن قدامة في \"المغني\" (١/ ٢٣٥): ولا نعلم بمِن أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القَسْم خلافًا.\nوقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٠٣١): اتفقوا على أن من حقوق الزوجات العدل بينهن في القَسْم.","vol":"2","page":226},{"text":"وقال الشافعي: أي لا يكثر عيالُكم (١). ونُسِبَ إلى الشذوذ (٢)، أو خَرْقِ اللغة (٣).\nوليس كما قيل.\nأما الشذوذُ: فقد أسنده (٤) الدَّارقُطْنِيُّ في \"سننه\" عن زيد بن أسلم (٥)، ويروى عن جابر بن زيد (٦).\nوأما اللغة: فلقوله وجهٌ في اللغة، يقال: عالَ عِيالَهُ يعولُهم، أي: قاتَهُمْ وأنفقَ عليهم، ومنه قوله - ﷺ -: \"ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعولُ\" (٧).\nقال الكُميتُ:\n_________\n(١) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٤٦٦).\n(٢) نقله القرطبي عن الثعلبي. قال: قال الثعلبي: وما قال هذا غيره. انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ٢٠). وانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٥٠).\n(٣) نُقل هذا القدح عن الزجاج وغيره. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤١١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٥٠)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٩٤).\n(٤) أي: أسند القول بأن ﴿تَعُولُوا﴾؛ معناه: تكثير عيالكم عن غير الشافعي.\n(٥) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٣١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦٦)، عن زيد بن أسلم في قوله -﷿-: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: ذلك أدنى ألّا يكثر من تعولونه.\n(٦) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٢)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٩٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٠).\n(٧) قال ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٣١٤): لم أره كذا مجموعًا في رواية، بل في مسلم من حديث جابر: \"ابدأ بنفسك\"، وفي \"الصحيحين\" من حديث أبي هريرة: \"وابدأ بمن تعول\" ا. هـ. وكذا ذكر ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٨٤).","vol":"2","page":227},{"text":"كما خامَرَتْ في حِصْنِها أُمُّ عامرٍ ... لدى الحَبْلِ حتى عالَ أوسٌ عيالَها (١)\nيقول: إن الضَّبُعَ إذا صادَها الصائدُ ذو الحَبْلِ المتعلقِ بعُرْقوبها (٢)، ولها وَلَدٌ من الذئبِ، لم يزلِ الذئبُ بطعمُ ولدها إلى أن يكبر.\nفتأويلُ الشافعىِّ من باب التعبير عن الشيء بسببه، فإنَّ من كثرَ عيالُه، كثر عَوْلُهُ، أي: نفقته.\nوقد حكى هذه اللغةَ الكسائيُّ، وابنُ الأعرابى، وأبو عمرو الدُّوريُّ.\nقال الكسائي: العربُ تقول: عالَ يعولُ، وأَعال يعيلُ، أي: كثر عيالُه.\nوسئل الدوريُّ عن هذا، فقال: هو لغةُ حِمْيَرٍ، وأنشدَ: [البحر الوافر]\nوإن الموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ ... بلا شَكٍّ وإنْ أمشى وعالا\nأي: وإن كثرتْ ماشيتُه وعيالُهُ (٣).\nفإن قيل: سياقُ الخطابِ يمنعُ من هذا، أو يدلُّ على أن المرادَ الجَوْرُ؛ بدليل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.\nقلت: فللشافعيِّ أن يقول: فإن خفتم ألا تعدلوا في اكتسابكم، أو في ولايتِكُم أمرَ الأيتام إن وَلِيتُموهم.\n_________\n(١) انظر \"ديوانه\": (بيت: ٥٦٠)، (ص: ٣٨٣).\n(٢) العرقوب: عصبٌ غليظ فوق عقب الإنسان.\n(٣) انظر أقاويل أهل اللغة التي ذكرها المؤلف وأقاويل غيرهم في معنى العول في الآية وفي اللغة: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٣٩)، و\"غريب الحديث\" للخطابي (٢/ ١٣٨)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ٣٢١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢١)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٤٨٩)، و\"القاموس\" (١٣٤٠)، مادة (عال).","vol":"2","page":228},{"text":"فإن قيل: فقوله يبطُلُ بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن التَّسَرِّيَ (١) غير محصورِ فإنه إذا تسرى ما أبيح له، كان أكثر عَوْلًا.\nقلت: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإماء أموالٌ يُسْتَغنى عنهنَّ، فإنهنَّ متى شاء يبيعُهُنَّ، واستمتاعُه بهنَّ رِبْحٌ؛ إذْ لا مُهورَ لهنَّ، ولا إخدامَ.\nوهذا قلتُه على سبيل الردِّ لمن نسبَ إمامَ الأئمة إلى الشذوذِ وخَرْقِ اللغةِ، وهو أعرفُ بها وبمَقاصدِها، وأعلمُ بوجوه التأويل، ولا يُظَنُّ بأبي عبد الله أنه يَجْزم أنَّ ما ذَكَرَهُ مُرادُ الله -سبحانه- فقط، بل ذَكَرَه على وجه التأويل؛ لاحتمال اللفظ له، ولم يزل العلماء يبدون من التأويلات التي يحتملُها الخِطاب في المآل بضربٍ من النظرِ والاستدلال ما لا تُحصى كثرتُه على تعاقُب الدهور والأعصار، ولا حَجْرَ إلا في التفسير المنصوص الذي بيَّنَ الشارعُ - ﷺ - مرادَ اللهِ ﷻ (٢).\nولا شكَّ أَنَّ قولَ الجَماعةِ أرجَحُ من قولِ الشافعيِّ، ورُجحانُ غيرِه لا يمنعُ من ذكره (٣).\n* ثم أمرَ (٤) اللهُ سبحانه بإيتاءَ النساءِ صَدُقاتِهِنَّ.\n_________\n(١) السُرِّيّه: هي الأمة التي بوَّأتها بيتًا، وهي منسوبة إلى السرّ وهو الإخفاء؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يُسرّها ويسترُها عن حُرَّته، وقال الأخفش: هي مشتقة من السرور لأنه يُسرُّ بها.\n\"أساس البلاغة\" للزمخشري (ص: ٢٩٤).\n(٢) وانظر دفاع كلِّ من الرازي وابن عطية والقرطبي عن قول الإمام الشافعي في: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٩٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ٢٥).\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨٥).\n(٤) في \"ب\": \"أمرنا\".","vol":"2","page":229},{"text":"فقيل بتخصيص الخطابِ للأزواج، وهو الظاهرُ؛ لسياقِ الخطاب معهم (١).\nوانتصبَ (نِحلَةً) على المصدر؛ لأن النَّحْل في معنى الإيتاء (٢)، أي: عَطِيَّةً من الله سبحانه.\nويظهرُ لي انتصابُه على التمييز لنسبة الإيتاء؛ فإن النِّحْلَةَ: العطاءُ بغيرِ عِوَضٍ عن طيبِ نفسٍ من غيرِ مطالبةٍ، فالزوجُ مأمورٌ بإيتاءِ الصَّداقِ عن طيبِ نَفْسٍ، ومن غيرِ مطالَبةٍ، فإذا فعلَ ذلك، فكأنه أَنْحَلَها إيّاه، وأما ما يؤخذ بالخِصام، فلا يقال له: نِحْلة.\nويحتمل انتصابُه على المفعول لأجله، فالنِّحْلَةُ: الدِّيانَةُ، أي: تديُّنًا؛ لأجل الدِّينِ.\nويحتمل انتصابه على هذا التأويل على التمييز (٣)، ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه -رضي الله تعالى عنهم- في قوله: نِحْلَةً: فريضةً (٤).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد، وبه قال الجمهور.\nانظر: \"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٨٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٢).\n(٢) في \"أ\": \"الإتيان\".\n(٣) ذكر الزمخشري لـ \"نحلة\" عدة وجوه من الإعراب:\nالأول: النصب على المصدر؛ كأنه قيل: انحلوا النساء صدقاتهن نحلة.\nالثاني: النصب على الحال من المخاطبين؛ أي: آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو: من الصدقات؛ أي: منحولة معطاة عن طيبة النفس.\nالثالث: مفعول لأجله؛ أي: آتوهن مهورهن ديانةً.\nانظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٧)، وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٣٢).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٤١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٦١)، عن قتادة وابن جريج أنهما قالا: \"فريضة\"، وانفرد ابن جرير =","vol":"2","page":230},{"text":"وقيل: إن الخطابَ مختصٌّ بالأولياء (١)؛ لأن العربَ كانتْ لا تعطي النساءَ من المهورِ شيئًا إن كان الزوجُ من القبيلة، وإن كان غريبًا حملوها على بعيرٍ فقط، حتى يُمدَحَ كِرامُهم بتركِ الأخذِ، فقال: [من بحر الرجز]\nلا يأخذُ الحُلْوانَ من بَناتِنا (٢)\nوالأمرُ يقتضي الوجوبَ على كل من التقديرات، فلا يجوزُ المواطأة على تركِه (٣).\n* ثم أباحَ اللهُ لنا ما طابتْ عنهُ نفوسهُنَّ، وجعلَهُ هنيئًا مريئًا، فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].\nقال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه-: إذا اشتكى أحدُكم، فليسألِ امرأتَهُ ثلاثةَ دراهِمَ منْ صَداقِها، ثم لْيَشْتَرِ بها عَسَلًا، فيشربُه بماءِ السماءِ، فيجعلُه الله هنيئًا مريئًا وشفاءً مباركًا (٤).\n_________\n= بالرواية عن عبد الرحمن بن زيد أسلم في قوله: \"فريضة\" كما انفرد ابن أبي حاتم بالرواية عن عائشة ومقاتل أنهما قالا: \"فريضة\"، وقد رويا عن ابن عباس في \"تفسيريهما\" أنه قال: يعني بالنحلة: المهر.\n(١) وهو قول أبي صالح. واختاره ابن قتيبة والفراء. انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٤١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٢)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٤٩٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٢).\n(٢) قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان على من أخذ مهر ابنته لنفسه، قال: وهذا عار عند العرب، قالت امرأة تمدح زوجها:\nلا يأخذ الحلوان من بناتنا\nانظر \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (١/ ٥٣).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٦٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ٩٦٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٢).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٣٦٨٧)، عن علي بن أبي طالب، وفيه: =","vol":"2","page":231},{"text":"ثم قال شريحٌ القاضي فيما رويَ عنه: إن المرأة إذا وهبتْ صداقَها لزوجها، ثم رجعتْ، أنه لا يحلُّ للزوج أن يأكلَهُ، وينفذُ رجوعُها؛ لأنها لم تطبْ به نفسًا (١).\nوخالفه عامةُ أهلِ العلم (٢).\n* * *\n\n٦٢ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].\n* أرشد الله سبحانه ذوي الكمال من عباده إلى ما تقوم به مصالحُهم، فنهاهم عن إيتاءِ أموالِهِمُ السفهاءَ؛ من النساءِ والصِّبيانِ والبالغينَ المُفْسدين (٣)؛ تحذيرًا لهم من الاسترسالِ معهم، وتركِ الحَزم منهم، مع كَثْرِ مُلابستهم، وشدَّةِ الميل إليهم.\nوقال ﷾ في موضع آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].\n* وأوجب الله سبحانه عليهم رزقَهُم وكِسْوَتَهم، فأمرهم بذلك أمرًا\n_________\n= \" ... فيجمع الله الهنيء المريء، والماء المبارك والشفاء\" بدل \" ... فيجعله الله هنيئًا ... \".\n(١) وروي مثله عن عمر وعبد الملك بن مروان. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤١٥)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٣)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٥١٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ١٤٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٣).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤١٦)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٩١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٢٦).","vol":"2","page":232},{"text":"مُجْمَلًا غيرَ مبيَّن الوقتِ والمقدار، فالواجبُ ما يقتضيه حالُ الرجل، ويَخْتلفُ ذلك بحسبِ اختلاف الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوال؛ كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].\n* وقد اتفق أهل العلم على عدم تحديدِ الكِسْوَةِ.\n* وأما النفقةُ، فاختلفوا في تحديدها:\nفذهب مالكٌ وأبو حنيفة إلى تركِ التقديرِ كما هو ظاهرُ الكتاب (١).\nوذهب الشافعيُّ إلى تقدير النفقة اعتبارًا بالكَفّارة في اليمين (٢)؛ حيث قَدَّرَ فيها الإطعام، ولم يقدرِ الكِسوةَ.\nوقد قدمتُ (٣) كيفية هذا الاعتبار في مقدمةِ هذا الكتاب، والمختارُ عندي تركُ التقديرِ، والرجوعُ فيه إلى العرف والعادة؛ لقوله - ﷺ - لهِنْد بنتِ عُتْبَةَ: \"خُذِي ما يَكْفِيك ووَلَدَكِ بالمَعْروفِ\" (٤)، فَحَكَم النبيُّ - ﷺ - في أمرها المعروف، وذلك يختلفُ باختلافِ الأحوال والأماكن والأزمان (٥).\n_________\n(١) وهو قول أكثر العلماء منهم الحنابلة. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٦٤٣)، و\"إكمال المعلم\" للقاضي عياض (٥/ ٥٦٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٣/ ١٠٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٤٩)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ١١١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٥١٠).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" (١٢/ ٧). قال النووي: مذهب أصحابنا: أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية، كما هو ظاهر هذا الحديث -يعني حديث: \"خذي ما يكفيك\"، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد؛ على الموسر كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف. وانظر: \"روضة الطالبين\" له (٩/ ٤٠، ٨٥).\n(٣) في \"ب\": \"بينت\".\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) واختاره النووي، فقال: وهذا الحديث يرد على أصحابنا. انظر: \"شرح مسلم\" (١٢/ ٧).","vol":"2","page":233},{"text":"* ثم نَدَبهم إلى حسنِ الخُلُق معهم، وطيبِ المعاشرة لهم، فقال: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: عِدَةَ واعتذارًا (١).\n* * *\n\n٦٣ - (٤) قوله ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].\nالابتلاء: الاختبارُ، مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].\nفأمر اللهُ سبحانه بابتلاء اليتامى؛ ليُعْلَم رُشْدُهُم، والأمرُ للوجوب، ومحلُّه قبلَ البلوغِ عند المالكية (٢)، وهو الصحيحُ عند الشافعية (٣)؛ للآية.\n_________\n(١) انظر زيادة معانٍ أخرى للقول المعروف في: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤١٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٦٧)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٩٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص\" (٢/ ٣٥٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣١).\n(٢) حكي القرافي في \"الذخيرة\" (٨/ ٢٣٠) قولين للمالكية، قبل البلوغ وبعده.\nويفهم من \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٤٥٧): أن الاختبار يكون بعد البلوغ.\nأما الحنفية: فيكون ذلك قبل البلوغ، كما في \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٧٥).\nوعند الحنابلة: قولان، المعتمد قبل البلوغ، كما في \"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ٣٢٣).\n(٣) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٨١).","vol":"2","page":234},{"text":"وقد ذكروا في كتبهم كيفيتَهُ وتفصيلَه (١).\n* وجعل اللهُ سبحانه في هذه الآية ميقاتَ دفعِ أموالهم إليهم بلوغَ النكاح مع إيناسِ الرشد، وجعلَه في آية أخرى بلوغَ الأَشُدِّ، فقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ حذفٌ وإضمارٌ، تقديره: حالَ النكاح، وذلك مُجْمَلٌ يؤخذُ بيانُه من قوله سبحانَه في موضع آخر: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، وقال ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: قُوَّتهُ.\n* وبيَّن النبيُّ - ﷺ - وقتَ الأَشُدِّ الذي لم يفهم من لفظه: أن المراد به أدنى درجاته أو أقصاها: أنه خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً.\nروينا في \"الصحيحين\" عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال: عُرِضْتُ على النبيِّ - ﷺ - عامَ بَدْرٍ، وأنا ابنُ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ أُحُدٍ، وأنا ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ الخندق، وأنا ابنُ خَمْس عَشْرَةَ سنةً، فأجازني في المُقَاتِلَة (٢).\n_________\n(١) يختلف الاختبار باختلاف طبقات الناس؛ فولد التاجر يختبر في البيع والشراء والمماكسة فيهما، فإن تكرر منه ولم يغبن ولم يضيع ماله فهو رشيد. وولد الزارع في أمر المزارعة، والمحترف فيما يتعلق بحرفته، وأولاد الكبراء تدفع إليه نفقة مدة لينفقها في مصالحه، فإن كان قيمًا بذلك يصرفها في مواقعها فهو رشيد.\nوأما المرأة فتختبر في أمر القطن والغزل وصون الأطعمة وحفظ الأقمشة وشبهها من مصالح البيت، فإن وجدت ضابطة لما في يديها فهي رشيدة.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٣٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣١).\n(٢) رواه البخاري (٢٥٢١)، كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، =","vol":"2","page":235},{"text":"ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه جعلَ هذا حدًّا لَمَّا بلغَهُ هذا الحديثُ (١).\nوبيانُ الدليلِ منه أنه لا يُعْرَضُ للقتال في ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وأَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، إلا من فيه قدرة على القتال، ولَمَا ردَّهُ النبيُّ - ﷺ - في هذا الحال، وأجازه وهو ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، دلَّ أن العبرة بِالسِّنِّ المذكورةِ، ولو كان - العبرةُ بغير السن، لنقله ابنُ عمرَ صاحبُ القصة.\nوبهذا البيانِ أخذَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وصاحبا أبي حنيفة، وبعضُ أصحابِ مالك (٢).\nوقال أبو حنيفة: هو ابن سَبْعَ عَشْرَةَ سنةً، وروي عنه: ثماني عشرة سنة (٣)، وهو تفسيرُ أهل اللغة.\n_________\n= ومسلم (١٨٦٨)، كتاب: الإمارة، بيان سن البلوغ، عن ابن عمر، ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير، وكتب إلى عماله: أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة.\n(١) انظره في تخريج الحديث الذي قبله.\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٧٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٣٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٧٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٩٨)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٢).\n(٣) الذي في كتب الحنفية: أن الغلام يبلغ بثمانية عشر سنة، والجارية سبعة عشر، وفي رواية عنه في الغلام: تسعة عشر. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ١٣٥١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٧٧)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٩/ ١٨٥).\n* وقد ذكر الكاساني في \"بدائع الصنائع\" (٦/ ١٧٨) دليل أبي حنيفة في تحديده السن بثمانية عشر سنة فقال: لأبي حنيفة: أن الشرع لما علق الحكم والخطاب بالاحتلام بالدلائل التي ذكرناها، فيجب بناء الحكم عليه، ولا يرتفع الحكم عنه =","vol":"2","page":236},{"text":"وقال مالكٌ: هو أن يَغْلُظَ صوتُهُ، وتَنْشَقَّ أَرْنَبَتُهُ (١).\nوقال أهلُ الظاهرِ: ليس لسنٍّ حدٌّ في البلوغ، فلا يبلغُ حتى يحتلمَ، ولو بلغَ أربعين سنةً (٢).\nواختلفوا في نباتِ العانةِ:\nفقال الشافعيُّ في أحدِ القولين: هو دلالة على البلوغ، وهو الصحيحُ عند أصحابه، وبه قالَ أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وروي عن مالك (٣).\n_________\n= ما لم يتيقن بعدمه، ويقع اليأس عن وجوده، وإنما يقع اليأس بهذه المدة؛ لأن الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة، فلا يجوز إزالة الحكم الثابت عنه مع الاحتمال، على هذا أصول الشرع، فكذلك هنا ما دام الاحتلام يرجى يجب الانتظار، ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة، بل هو مرجو، فلا يقطع الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع رجاء وجوده، بخلاف ما بعد هذه المدة، فإنه لا يحتمل وجوده بعدها فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن وجوده.\n(١) الأرنبة: طرفُ الأنف. \"القاموس\" (مادة: رنب) (ص: ٨٦).\nنقل المصنف هذا عن القرطبي، لكن هذا أحد أقوال مالك في ذلك، فقد قال القرطبي: وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم وذلك سبع عشرة سنة، وقال مالك مرة: بلوغه بأن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. انظر: \"الجامع\" (٣/ ١/ ٣٣).\nوفي مذهب المالكية في السن الذي إذا وصله الصبي عدَّ بالغًا، خمسة أقوال:\n\n١ - ثمانية عشر، وهو المعتمد المشهور، ٢ - سبع عشرة، ٣ - ست عشرة، ٤ - تسع عشرة، ٥ - خمس عشرة. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٤٥١)، و\"منح الجليل\" لعليش (٦/ ٨٧).\n(٢) نقله المصنف -﵀- عن القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ٣٣) الذي نقله عن داود الظاهري. إلا أن ابن حزم في \"المحلى\" (١/ ٨٨) ذكر أنه إذا لم توجد علامات البلوغ، كالاحتلام أو الحيض، فإنه يحكم عليه بالبلوغ باستكمال التسعة عشر عامًا.\n(٣) انظر: \"البيان\" للعمراني (٦/ ٢٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٥٩٧)، =","vol":"2","page":237},{"text":"وقال في القول الثاني: هو نفسُ البلوغ، وبه قالَ مالكٌ (١).\nويظهر لي قُوَّتُه؛ لقول النبيِّ - ﷺ - لسعدِ بنِ مُعاب -رضي الله تعالى عنه-: \"لقد قضيتَ بحكم الله\"؛ حيثُ قضى في بني قريظة بقتل مقاتلتهم، وسبيِ ذراريهم (٢)، مع رواية عطية القرظي قال: عُرِضْنا على رسول الله - ﷺ -، فمن كان مِنّا مُحْتَلِمًا، أو نَبَتَتْ عانتُه، قُتل (٣).\nففرق سعا بين الذرارِيِّ والمقاتِلة، وبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - بفعلهِ أنَّ من نبتَتْ عانتُه من المقاتِلة، لا من الذراري، وأنه حكمُ الله، ولو لم يكنْ بالغًا لما قتله.\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٣).\nوفي \"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٣٧): \"أن البلوغ بالاحتلام أو الإنبات\".\nمما يدلُّ على أن البلوغ يحصل بالإنبات لا أنه يدل على البلوغ، وفي \"مختصر خليل\": \"والصبي ببلوغه بثمان عشرة أو الحلم أو الحيض أو الحمل أو الإنبات\". مما يدل على أن البلوغ يحصل بالإنبات أيضًا.\nلكن الدردير في شرحه له والدسوقي في حاشيته قررا أن تلك علامات البلوغ وليست هي البلوغ نفسه، إلا أن نقول: العلامة معناها: إذا وجدت فقد بلغ الغلام. انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٣/ ٤٥١)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٦٣٤). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٣).\n(١) الأظهر من قولي الشافعي: أن الإنبات هو دلالة على البلوغ. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٧٩). وانظر عن المذهب المالكي المصادر السابقة.\n(٢) رواه البخاري (٣٨٩٥)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، ومسلم (١٧٦٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد، عن أبي سعيد الخدري.\n(٣) رواه النسائي (٣٤٢٦)، كتاب: الطلاق، باب: متى يقع طلاق الصبي، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٤١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢١٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ٤٣٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٣٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٦/ ٥٨)، عن عطية القرظي، وأخيه.","vol":"2","page":238},{"text":"وقال أبو حنيفةَ: ليس ببلوغٍ، ولا بدليلٍ عليه (١).\n* وإيناسُ الرشدِ؛ علمُه وتحققُه، مُقْتَصٌ من قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، أي: أَبْصَرَ، فلا يُدفَع إليه المالُ مع ظَنِّ الرشد دون تيقُّنه، والرشدُ هو الصَّلاحُ، ويقع على الصلاحِ في العقلِ وحفظِ المال، ويقع على الصلاحِ في الدينِ والمال، ويقع على الصلاحِ في المالِ فقط، ويقع على الصلاح في الدين فقط، وبكلِّ واحدٍ قال ناسٌ (٢) من المفسرين (٣).\nوقيل: الرُّشْدُ -بالضم- يقع على الصلاح في المال، والرَّشَدُ (٤) -بالفتح- يقع على الصلاح في الدين، ونقل عن أبي عمرو (٥).\nأما الفقهاءُ، فاختلفوا في المعنى المرادِ به، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ:\n_________\n(١) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٩/ ١٨٥).\n(٢) في \"ب\": \"أناس\".\n(٣) اختلف المفسرون في معنى الرشد على أقوال:\nالأول: هو الصلاح في الدين وحفظ المال؛ قاله ابن عباس والحسن.\nوالثاني: الصلاح في العقل وحفظ المال؛ روي عن ابن عباس والسدي والثوري.\nالثالث: هو العقل؛ قاله مجاهد والنخعي.\nالرابع: العقل والصلاح في الدين؛ روي عن السدي والحسن وقتادة وغيرهم.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٥٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٥٨)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٥٠٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٣٤/١).\n(٤) \"والرشد\" ليس في \"أ\".\n(٥) ذكر الزبيدي في \"تاج العروس\" (٨/ ٩٥): أن جماعة فرقوا بين المضموم والمحرك، فقالوا: الرشد -بالضم- يكون في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالتحريك إنما يكون في الأخروية خاصة.","vol":"2","page":239},{"text":"المرادُ: الصلاحُ في المال فقط (١).\nوقال الشافعي: الصلاحُ في المال والدين (٢).\nولا شكَّ أنه أحوطُ، ولكنه أضيقُ وأَحْرَجُ؛ لقلة الصلاحِ في الدين في أكثرِ الناس من قديمِ الزمان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nفإن قيل: فقد أمرنا الله سبحانه أن ندفعَ إليهم أموالَهم عند إيناسِ رشدٍ منهم، وذلك يقع على رشدٍ ما، فما وجه اشتراطِ الشافعي الرُّشْدَ في الدينِ والمال؟\nقلنا: إن الله عَلَّقَ الدفعَ على إيناسِ رشدٍ ما، وكان ينبغي أن يُدفع إليه المالُ عند وجود الشرط، سواءٌ كان رشيدًا في ماله دون دينه، أو في دينه دون ماله، ولما اتفقوا على أنه لا يُدفع إليه في هذه الحالة، وهي إذا رَشَدَ في دينه دون ماله، جعل الشافعيُّ الحالةَ الأخرى مثلَها؛ إذ ليس إحدى الحالتين أَوْلى من الأخرى، ولِما فيه من حملِ اللفظِ المشتَركِ على جميع معانيه؛ إما لغةً، وإما احتياطًا.\nولكن يردُّ هذا الاستدلالَ مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة أن الخطابَ مع الأولياء جاء بصدد المال، ولم يُقصد به شيءٌ بلا من أمر الدين، فينبغي أن يصرفَ الرشدُ إلى الصلاح في المال؛ لقرينة القصد.\nوقد بيَّنتُ أن القصدَ قرينةٌ قوية تخصُّ الأسماء ببعض مُسَمَّياتها، بل\n_________\n(١) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٣٠)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٩/ ١٨١).\n(٢) وهو قول الحسن وابن المنذر، وابن المواز من المالكية. انظر: \"البيان\" للعمراني (٦/ ٢٢٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٨١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٣١).","vol":"2","page":240},{"text":"يُعْدَلُ بها عن حقائقها إلى مجازاتها، ولأجل هذا أقولُ بقول مالك وأبي حنيفةَ، وأفتي به.\n* ثم مفهومُ هذا الخطاب أنه إذا لم يبلغ النكاحَ، لا يُدفع إليه المالُ، وذلك إجماعُ المسلمين (١).\n* ومفهومُه أيضًا أنه إذا بلغَ النكاح غيرَ رشيدٍ أنه لا يُدفع إليه المالُ، وهو كذلك عند الشافعي ومالك وغيرهما.\nقال سعيدُ بن جبير: إن الرجلَ لَيَأْخُذَ بلحيته، وما بلغ رشده، فلا يدفع إليه مالُهُ، وإن كان شيخًا، حتى يُعلم منه إصلاحُ ماله (٢).\nوقال الضَحَّاك نحوه.\nوقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً، يُعطى المال، وإن كان غيرَ رشيد (٣).\nوهو استحسانٌ لا دليلَ عليه.\n* ثم عمومُ اللفظ يتناول ذكورَ اليتامى وإناثَهم، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الأمر فيهم واحد (٤)، لكنْ مالكٌ خالفَ في سن رشدِ المرأة،\n_________\n(١) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ٩٩).\n(٢) روى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٥٣)، عن مجاهد قال: لاندفع إلى اليتيم ماله وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخًا، حتى يؤنس منه رشد العقل.\nوانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٥) حيث نقل عن سعيد بن جبير والضحاك قولهما.\n(٣) وتقدم بحث إعطاء المال إلى البالغ غير الرشيد، والحجر على الكبير.\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٤٥)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٢٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٥).","vol":"2","page":241},{"text":"فقال: لا يُتصور إيناسُ الرشدِ من المرأةِ إلا بعد اختبار الرجل (١)، فهي في حِجْر وليِّها، وإن بلغت حتى تتزوجَ ويدخلَ بها زوجُها، ويؤنسَ رشدَها، فهو موافقٌ لهم في الشرط، مخالف في التفصيل (٢).\nوروي عنه مثلُ قول الجمهور (٣).\n* وحرَّم الله سبحانه على الأولياء أكلَ أموالِهم مسرفين متجاوزينَ الحدَّ ومُبادرة لبلوغهم، وأباحه بالمعروفِ للفقير دونَ الغني (٤)، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nفأخذ الشافعيُّ بظاهر الآية، وحقق التأويلَ بالنظر من القياس، فأوجبَ العفَّةَ على الغني، وإن عمل في مال اليتيم عملًا لمثلِهِ أجرةٌ، وأباحَ للفقير إذا عملَ عملًا له أجرٌ أن يأخذ أقلَّ الأمرين من أجرةِ عملِه أو كفايتِه، فذلك الأكل بالمعروف (٥).\n* واختلف قوله هل يجبُ ردُّ البدلِ إذا أيسرَ، أو لا؛ لأنه في مقابلة عمله؛ وهو الصحيح (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"الرجال\".\n(٢) وقال بقول مالك عمومًا: شريح والشعبي وإسحاق، وروي عن عمر ﵁.\nانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٤٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٦٠١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٥).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٤٤٦)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٨/ ٢٢٩)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٦٤٦).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٧).\n(٥) انظر: \"البيان\" للعمراني (٦/ ٢١٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٤/ ١٨٩).\n(٦) المرجعان السابقان.","vol":"2","page":242},{"text":"أما إذا لم يعمل على مال اليتيم، فلا يجوز له الأكلُ، وإن كان فقيرًا؛ لأنه أكل بغير المعروفِ (١).\nفإن قيل: إنما أبيح له الأكلُ لأجل الفقر، لا لأجل العمل، ولو كان لأجل العمل، لجاز للغنيِّ (٢)، ولم يجب عليه الاستعفافُ، ولَمَا كان لذكر الفقر فائدةٌ.\nقلت: وإنما لم يأخذ الغنيُّ في مقابلة عمله؛ لبيان النبيِّ - ﷺ -، فقد روينا في \"صحيح البخاري\" عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أنها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكلُ منه مكانَ قيامِه عليه بالمعروف (٣) (٤)،\n_________\n(١) اختلف العلماء فيما يجوز للولي من الأكل من مال اليتيم على أقوال كثيرة من أهمها: الأول: أنه الأخذ على وجه القرض، ويقضي إذا أيسر، وهو قول عمر وابن عباس وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبي العالية وعبيدة والأوزاعي.\nالثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إسراف، وروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة وعطاء وقتادة والنخعي والسدي. قال القرطبي: وعليه الفقهاء.\nالثالث: الأخذ بقدر الأجرة إذا عمل لليتيم عملًا، روي عن ابن عباس وعائشة وعطاء.\nالرابع: أنه الأخذ عند الضرورة، فإن أيسر قضاه، وإن لم يوسر فهو في حل، وهو قول الشعبي.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٥٦)، و\"الحاوي\" للماوردي (٦/ ٣٤٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٢٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٧١)، و\"تفسير الرازي\" (٥/ ١/ ١٩٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٥٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٣٨).\n(٢) \"للغني\" ليست في \"ب\".\n(٣) في \"ب\": \"بمعروف\".\n(٤) رواه البخاري (٤٢٩٩)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ... ... . .﴾، =","vol":"2","page":243},{"text":"ولأن القيامَ على مال اليتيم فرضُ كفايةٍ لإصلاح حاله، وفرضُ الكفاية لا يجوزُ أخذ الرزق عليه إلا للفقير دون الغني؛ كولاية القضاء (١).\n* إذا تمَّ هذا، فقد انقسم العلماء في هذه الآية على ضربين:\nفقال بعضهم: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، ويروى عن ابن عباسٍ وزيدِ بنِ أسلم (٢).\nوهذا ضعيفٌ باطلٌ لا يصحُّ عنهما؛ فإن الله سبحانه حرم أكلَ أموالِهم بالظلم، وأباحه (٣) بغير الظلم، والمعروفُ غيرُ الظلمِ؛ لأنه في مقابلة عمله، فلا تعارض بينهما، فلا نسخ.\nوقال جمهورهم: هي محكمةٌ (٤).\n_________\n= ومسلم (٣٠١٩)، في أوائل كتاب: التفسير.\n(١) فقد ذهب المالكية والشافعية إلى أنه إذا تعين عليه القضاء وعنده ما يكفيه: لا يجوز له أخذ أجرة على القضاء، فإن كان محتاجًا لا يكفيه ما يملكه: جاز له أن يأخذ عليه قدر كفايته.\nأما الحنفية فقالوا: إن كان محتاجًا جاز له الأخذ، وإن كان غنيًا فقد اختلفوا فيه: فقال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ؛ لأن الأخذ للحاجة، ولا حاجة هنا، وقال بعضهم: له الأخذ وهو الأفضل.\nوذهب الحنابلة إلى أنه يحل له الأخذ، سواء كان غنيًا أم فقيرًا.\nانظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٤/ ٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٤٥٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ١٣٧)، و\"أدب القضاء\" لابن أبي الدم (ص: ١٠١)، و\"تبصرة الحكام\" لابن فرحون (١/ ٣٣).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٨٩)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢٥٨)، و\"نواسخ القرآن\" (ص: ٢٥١)، و\"زاد المسير\" كلاهما لابن الجوزي (٢/ ٨٧).\n(٣) في \"ب\": \"وأباحها\".\n(٤) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٨٩)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن =","vol":"2","page":244},{"text":"واختلفوا في تفسير المعروف، فقيل: هو الأكل قرضًا يؤديه إذا أَيْسَرَ.\n* وقوله تعالى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ معناه: في رَدِّ ما استقرضتُم من أموالهم، ويروى هذا القولُ عن عمر، وابن عباسٍ، والشعبيِّ، ومجاهدٍ، وابن جبيرٍ، وأبي العالية، والأوزاعيِّ، وهو أحد قولَي الشافعي.\nوقيل: هو ما يسدُّ جوعه إذا احتاج، وليس عليه ردُّه، وهو القولُ الصحيحُ للشافعيِّ، ويروى عن الحسنِ، وقتادةَ، والنخعيِّ، وعطاءِ بنِ أبي رباح.\nوقيل: هو الأكلُ من الغَلَّةِ والربحِ، دونَ الأكلِ من الناضِّ (١)، ويروى عن الشعبيِّ، والضَّحّاكِ، وأبي العاليةِ أيضًا.\nوقيل: هذا خاصٌّ بالسفرِ من أجلِ مالِ اليتيم، وأما في الحَضر، فيمتنع مطلقًا، قاله أبو حنيفةَ وصاحباه (٢).\nوأمر الله سبحانه الأولياءَ بالإشهادِ على الدفع إليهم إرشادًا لا إيجابًا (٣)؛ خوفًا من الاختلاف فيما بعد.\n_________\n= ومنسوخه\" (ص: ٢٠٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٦).\n(١) الناضُّ من المتاع؛ هو ما تحوَّل وَرِقًا أو عينًا.\nقال الأصمعي: اسم الدراهم والدنانير عند أهل الحجاز: الناضُّ والنضُّ، وإنما يسمونه ناضًّا إذا تحول عينًا بعدما كان متاعًا؛ لأنه يقال: ما نضّ بيدي منه شيء. \"اللسان\" (مادة: نضض) (٧/ ٢٣٧).\n(٢) انظر: \"أدب القضاء\" لابن أبي الدم (ص: ١٠١ - ١٠٢)، و\"تبصرة الحكام\" لابن فرحون (١/ ٣٣).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٢٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٧١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٦٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٤٠).\nقال القرطبي: وقالت طائفة: هو فرض، وهو ظاهر الآية. انظر: \"الجامع=","vol":"2","page":245},{"text":"* وفيه إشارةٌ إلى أن قول القَيِّمِ من غيرِ شهودٍ غيرُ مقبولٍ في الدفع، وإلا لَما أمر (١) بالإشهاد عليه، وهو كذلك، ولم أعلم فيه مخالفًا (٢)، والله أعلم وأحكم.\n* * *\n_________\n= لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ٤٠). وانظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٣/ ٥٠٢).\n(١) في \"ب\": \"أمرنا\".\n(٢) لم أقف على هذه المسألة ولا الاتفاق عليها، إلا ما ذكره ابن العربي والقرافي والقرطبي: أنه لا بد أن يشهد إذا دفع إليه المال وإلا فهو ضامن.\nانظر: \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٢٥)، و\"الذخيرة\" (٨/ ٢٤١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ١/ ٤٠).\n* أما قول المصنف -﵀: \"ولم أعلم فيه مخالفًا\"، فقد قال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (٢/ ٣٦٥): \"قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادَّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه: أنه يصدق\"، انتهى. وهذا ينقض إطلاق المصنف -﵀- عدم العلم بالمخالف.\nثم نسب الجصاص في الموضع نفسه عن مالك أنه قال: لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم، وهو قول الشافعي.\nوقال الرازي في \"تفسيره\" (٥/ ١/ ٢٠٠): قال مالك والشافعي: لا يصدق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق. وكذلك في \"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٥٢٣) وقول المالكية -كما نص عليه الرازي- في \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢٥٧).\nوقال الحنابلة: إذا ادعى أنه دفع إليه ماله بعد بلوغه ورشده، فإن القول قول الولي دون بينة. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٥/ ٣٤١).","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>(من أحكام المواريث)</span>\n٦٤ - (٥) قوله ﷻ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].\n* بيَّن الله سبحانه في هذه الآية أن للرجالِ وللنساء نصيبًا، ولم يبينْ مقداره.\nفروي عن يونسَ بنِ عبدِ الأعلى قال: قال لي الشافعي في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نُسخ بما جعل للذكر والأنثى من الفرائض (١).\nوهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأن الحكمَ لم يتقررْ بالنصيب، ومقداره لم يَرِدْ حكمٌ آخرُ يناقضه، وإنما هو مجملٌ في المقدار، ثم بَيَّنه الله تعالى في آية المواريث (٢).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للكياالهراسي (١/ ١٤٦ - ١٤٧). وانظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ١٤٦)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٥٣).\n(٢) في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... ... ... ... .﴾ الآية. [النساء: ١١]، وانظر ردًا مشابهًا لهذا في: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (٢/ ١٤٦)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٥٣).","vol":"2","page":247},{"text":"قال ابن عباسٍ في رواية الوالبي: إن أوسَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ تُوفي وتركَ ثلاثَ بناتٍ وامرأةً يقال لها أم كُجَّة، فقام رجلان من بني عمه، فأخذا المالَ ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئًا، فجاءت أُمُّ كُجَّةَ (١) إلى رسول الله - ﷺ -، وذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية (٢).\nويروى: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا تُفَرِّقا مالَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بَيانُ النَّصيب\"، فنزل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).\n* * *\n\n٦٥ - (٦) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].\n* لمَّا أمرنا اللهُ سبحانه برزق ذَوي القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا القسمةَ رزقًا غيرَ مقدَّرٍ، اختلف العلماء في العملِ بهذه الآيةِ والجوابِ عنها، وتشعبت بهم الطرقُ:\n\n١ - فقال قوم: هي منسوخة (٤)، واختلفوا في الناسخ لها:\n_________\n(١) أم كُجَّة: بضم الكاف وتشديد الجيم. انظر: \"الإصابة\" لابن حجر (٨/ ٢٨٦).\n(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٨/ ٢٨٤)، ونسبه إلى الكلبي في تفسيره. وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٣٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٧)، و\"لباب النقول\" للسيوطي (ص: ٩٧).\n(٣) رواه أبو نعيم وأبو موسى المديني، وفي إسناده ضعف، كما قال الحافظ في \"الإصابة\" (٨/ ٢٨٤). وانظر الكلام عن وجوه الحديث الأخرى عنده، فقد أطال -﵀- في بيانه.\n(٤) وهو قول ابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة في آخرين: انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٩١)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٠)، و\"نواسخ القرآن\" (ص: ٢٥٥)، و\"زاد المسير\" كلاهما لابن الجوزي (٢/ ٨٩).","vol":"2","page":248},{"text":"- فقيل: إنها منسوخةٌ بآية المواريث (١).\nوقيل: نسختها آيةُ المواريثِ والوصية (٢)، ويروى عن ابنِ عباسٍ، وعطاءٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، وعكرمةَ، وابنِ المسيِّب.\n- وقيل: نسختها آية (٣) الزكاةُ، ويروى (٤) عن الحسنِ (٥).\nوالقولُ بالنسخ ضعيفٌ؛ لعدم العلم بتقدم هذه الآية على الناسخ الذي ذكروه (٦)، وتقدمُه في الترتيبِ لا يوجبُ تقدمَه في التنزيل، ولعدمِ المعارضَةِ بينهما وبين الناسخ (٧) الذي ذكروه (٨)، نعم إن ثبت النسخُ بنقلٍ عن الشارع - ﷺ -، فحينئذ يعلم أن الأمرَ على الوجوب، وأنه قد استقرَّ حكمُه حتى ورد عليه ما نسخه.\n\n٢ - وقال جمهورُهم؛ كعائشةَ وأبي موسى: هي محكَمَةٌ غيرُ منسوخة (٩).\n_________\n(١) وهو قول ابن عباس وأبي مالك والضحاك والسدي وعكرمة. انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخة\" لمكي (ص: ٢١٠)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص:٢٥٥).\n(٢) وهو قول ابن المسيب. انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخة\" لمكي (ص: ٢١٠)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٥٦).\n(٣) \"آية\" ليست في \"أ\".\n(٤) في \"أ\": \"وروي\".\n(٥) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٠).\n(٦) في \"أ\": \"ذكره\".\n(٧) في \"أ\": \"النسخ\".\n(٨) وانظر الردَّ على القول بالنسخ في: \"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (١/ ١٤٧).\n(٩) وهو قول ابن عباس -فيما صحَّ عنه- والحسن وأبي العالية والشعبي وعطاء وابن جبير ومجاهد والنخعي والزهري وغيرهم. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس =","vol":"2","page":249},{"text":"وهو الصحيحُ في النقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن عكرمةَ عن ابنِ عباس قال: هي محكمةٌ وليست بمنسوخة، وتابعه سعيدٌ عن ابنِ عباسٍ (١).\nثم اختلف هؤلاءِ:\n- فذهب قومٌ إلى التأويل: عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: هي مخاطبة للمُوصي يقسم وصيته بيده على الندب والترغيب في ذلك (٢).\n- وتركه قومٌ على ظاهره.\nثم اختلف هؤلاء أيضًا:\nفحمله قومٌ على الوجوب بظاهرِ الأمرِ، فقالوا: تجب الصلةُ بما طابتْ به أنفسُ الورثةِ عند القسمة، وروي عن مجاهدٍ، والحسنِ، والزهري (٣).\nوروي أن ابن عُلَيَّةَ نُصِّبَ وصيًا ليتيم، فذبح لمن حضره شاةً، وقال: لولا هذه، لكانت في مالي (٤).\n_________\n= (ص: ٩٢)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٩).\n(١) رواه البخاري (٤٣٠٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.\n(٢) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٠).\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٩٢)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١١)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٥٥).\n(٤) رواه ابن جرير الطبري (٤/ ٢٦٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٧٤)، عن ابن علية، عن يونس في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ...﴾، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: أنه ولي وصيته، فأمر بشاة فذبحت، وصنع طعامًا لأجل هذه =","vol":"2","page":250},{"text":"وهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأن ما يجب لا يشترط فيه طيبةُ أنفسِ الوَرَثَةِ، فقد لا تطيبُ أصلًا، وقد يكونون أيتامًا لا يتصور طيبُ أنفُسِهم، بل هذا من خصائصِ المندوبِ إليه.\nوالذي ذهب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأكثرُ أهل العلم أن الآيةَ مُحكَمَة محمولةٌ على الندبِ والاستحبابِ، لا الحَتْم والإيجاب، وهو قولُ ابنِ جُبير وعطاءٍ، ويروى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ -رضي الله تعالى عنهم (١) -.\nوالدليل على صحته إجماعُ الأمةِ على أنهم إذا لم يحضروا القسمة لا يُرزقونَ شيئًا؛ كما اقتضاهُ الخطابُ في الآية، ولو كان واجبًا لوجبَ لهم، وإن لم يحضروا؛ كسائر الفرائضِ الواجباتِ، ولأنه لو كان واجبًا لكان مُقَدَّرًا محدودًا؛ كسائر الفرائض، فدلَّنا ذلك أنه على الندب (٢).\n_________\n= الآية، وقال: لولا هذه الآية، لكان هذا من مالي، وقد رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٨٩٠) من غير طريق ابن علية، عن عبيدة. فالكلام هو لعبيدة السلماني، وليس لابن علية كما ذكر المصنف، والله أعلم.\n(١) وهو قول عبيدة وعروة ومجاهد والشعبي وغيرهم. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٩٢)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٠)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٥٥).\n(٢) وانظر ما يؤيد قول المصنف -﵀- في: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١١)، و\"الناسخ والمنسوخ\" لابن العربي (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>(من أحكام الوصية)</span>\n٦٦ - (٧) قوله ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].\n* أمر الله سبحانه حاضرَ المُوصي أن يعدلَ في تلقينه بالوصية كما يعدل هو في وصيته لو كان هو الموصي (١) يورثُ ولدَه، وليتقِ الله سبحانه، فلا يتجاوزِ الثلثَ، وليقلْ قولًا سديدًا، أي: صوابًا، وهو التلقين (٢) بما دونَ الثلث، فالمقصودُ بالخطابِ الحاضرون (٣).\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"لسرّه أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم\". قلت: وهذه الزيادة منقولة عن \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٧٣) بحروفها.\n(٢) في \"ب\": \"التعيين\".\n(٣) هذا أحد الأقوال الثلاثة في المسألة:\nفأول الأقوال: ما ذكره المصنف على اختلاف بينهم فيما هو المراد بالوصية، وهذا القول هو قول ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل في آخرين.\nثانيها: هو خطاب لأولياء اليتامى؛ فالمعنى: أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى، كما تحبون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم. وروي عن ابن عباس وابن السائب.\nوثالثها: خطاب للأوصياء، أمروا بأداء الوصية على ما رسم الموصي، مثلما ترعى الذرية الضعاف من غير تبديل. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي =","vol":"2","page":252},{"text":"قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في رواية عطاء: كان الرجلُ إذا حضرته الوفاةُ، قعدَ عنده أصحابُ رسولِ الله -ﷺ-، فقالوا: انظر لنفسك؛ فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئًا، فيقدم جُلَّ ماله، ويحجُبُ ولدَه، وهذا قبل أن تكونَ الوصيةُ في الثلث، فكرهَ اللهُ ذلك منهم، فأنزل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ (١).\nفإن قلتم: إذا كان الخطابُ مع حاضري الموصي، والنهيُ لهم، فمقتضى هذا أن الموصيَ إذا جاوزَ الثلثَ بوصيته لا إثم عليه؛ لأن النهي لم يواجهه، وإن وصيته صحيحة؛ إذ لو لم يصحَّ لما حذر الحاضرين من ذلك.\nقلنا: إذا فعل ذلكَ، فهو مأثومٌ، ووصيتُه غيرُ صحيحة؛ لبيان النبي -ﷺ-.\nروينا في \"الصحيحين\" عن سعد بن أبي وَقّاصٍ قال: جاءني رسولُ الله - ﷺ - يعودُني عامَ حجةِ الوداع من وَجَعٍ (٢) اشتدَّ بي، فقلت: يا رسول الله! قد بلغَ بي من الوجَعِ ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثنُي إلا ابنةٌ، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\" قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال (٣): \"لا\"، قلت: فالثلث؟ قال: \"الثُّلُثُ، والثلُثُ كثير، إنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ خير مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عاَلة يَتكفَّفُونَ النَّاسَ\" (٤).\n_________\n= (١/ ٤٢٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٨٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١/ ٤٦).\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٦٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٧٦ - ٨٧٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٨٠).\n(٢) في \"ب\": \"ألم\".\n(٣) في \"ب\": \"قال\".\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":253},{"text":"والنهي يقتضي التحريمَ والفسادَ على قولِ أكثرِ الأصوليين، ولأنه - ﷺ - لما بلغ الثلث، وأجازه مع استكثاره له وكراهته الوصية به، ومحبته لِما هو دونه؛ حيث قال: \"الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم (١) عالَه يتكففُونَ الناسَ\"، دلَّ ذلك على أنه محلُّ الجَواز، وأن ما فوقه غيرُ مَحَل للجواز، ولأنه روي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن الخطابَ واردٌ مع الموصي أيضًا.\nفإن قلتم: هذا الحكمُ قيده الله سبحانه بوصفين، فما الحكمُ لو لم يترك ذريةً (٢)، أو ترك ذريةً بالِغينَ غيرَ ضعفاءَ؟\nفالجواب:\n* أنه اختلفَ أهلُ العلم فيما إذا لم يتركْ ورثةً:\nفمنعه مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ المدينة، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في أحد قوليه (٣).\nوجوّزَه أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأحمدُ في قوله الآخر (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"تدعهم\".\n(٢) في \"ب\": \"ورثة\".\n(٣) وهو قول جمهور أهل العلم، وإليه ذهب جماعة فقهاء الأمصار. انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٣٨٠)، و\"الاستذكار\" كلاهما لابن عبد البر (٢٣/ ٣٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٥١٦)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٣٢٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٦/ ١٠٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٤٦٤).\n(٤) وقال به غير واحد من الصحابة والتابعين. انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٣٨١)، و\"الاستذكار\" (٢٣/ ٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٥١٦)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١٠/ ٢٨١).\nوهذا القول هو المذهب عند الحنابلة. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٧/ ١٩٢).","vol":"2","page":254},{"text":"وروي عن عبد اللهِ بن مسعود (١) رضي الله تعالى عنه.\nويدلُّ لهؤلاء (٢) المفهومُ من الآيةِ والحديث؛ لذكر الذريةِ والورثةِ فيهما.\nومُخالِفُهُ (٣) لا يسلِّم أنَّه مفهومٌ مخالفٌ للنطق، بل يقول: هو مسكوتٌ عنه، موافقٌ للمنطوقِ به بالنظرِ والقياس؛ لأنَّ المسلمينَ ورثتُه، وفيهم الأيتامُ والضعفاءُ، فلا يجوزُ له الحَيْفُ عليهم، والتخصيصُ بأحدهم.\nوأما إذا كان ورثتُه بالغينَ غيرَ ضعفاء، فقد اتفق أهلُ العلم على منعه أيضًا كالضعفاء؛ لحديث سعدٍ -رضي الله تعالى عنه -.\nوذكرُ الضعفِ جاءَ على سبيل الترقيقِ لقلوبِهم، والتلطفِ بهم في تركِ الحَيْفِ؛ بدليل المخاطبةِ بالذريَّةِ، والذريَّةُ وسائرُ الورثةِ في ذلكَ سواءٌ؛ لحديثِ سعدٍ، ولأجلِ الاتفاقِ على مَنعْ الحَيْف.\nقال الشيخُ أبو حامد الإسفرايينيُّ من الشافعية: لا تَصِحُّ الوصيةُ بما زادَ على الثلث، قولًا واحدًا، فإن أجازه الورثةُ، فهل يكونُ ذلك تنفيذًا لما فعله المُوصي، أو ابتداءَ عطية من الورثة؟ على قولين.\nوقال غيره: هل تصحُّ الوصية؟ فيه قولان.\nأحدهما: أنها باطلة.\nوالثاني: أنها صحيحةٌ؛ لمصادفتها ملكه، وتعلقُ حقِّ الوارثِ لا يمنع الصِّحَّةَ؛ كالشُّفْعَةِ (٤).\n_________\n(١) في \"أ\": \"عباس\" وهو خطأ.\n(٢) إلا أن يجيز الورثة. انظر الاتفاق في: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢٣/ ٣٣)، و\"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٩٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠٤).\n(٣) في \"ب\": \"ومخالفهم\".\n(٤) نقله المصنف -﵀- عن \"البيان\" للعمراني (٨/ ١٥٧).","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>(من أحكام المواريث)</span>\n٦٧ - (٨) قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].\n* ذكر اللهُ سبحانه في هذه الآية ميراثَ الأولادِ الذكورِ والإناثِ، فإن كانتْ واحدة، فلها النصفُ، وإن كنَّ فوق اثنتين، فلهنَّ ثُلُثَا ما تركَ، وقد علم بهذا ميراثُ المذكور إن تمحَضوا، فإن كانَ ابنا واحدًا فله الكلُّ؛ لأنه مثلُ حظِّ الأنثيين عند انفرادهما بأبوين، وإن كانوا أكثرَ من ذلك، فالمالُ بينهم بالتَّعْصيب، وهذا إجماعٌ من الأمة (١).\nويزيدُه بيانًا ما رويناه في \"الصحيحين\" عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي -ﷺ- قال: \"أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فما بقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\" (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٣٨٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ١٥٥٨).\n(٢) رواه البخاري (٦٣٥١)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه، =","vol":"2","page":256},{"text":"فالبنون (١) أولى الرجال بالميت (٢).\n* وأجمعتِ الأمةُ أيضًا على أن للبنتين الثُّلُثين (٣)، إلا ما رُوي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: للبنتين النصفُ، والثلثان مختصٌّ بالثَّلاثِ، فصاعدًا؛ أخذًا بَظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٤) [النساء: ٦]، وأقلُّ الجمع عنده وفي لسانِ قومه ثلاثٌ، ولهذا لم تُحجَبُ الأمُّ من الثلثِ إلى السدسِ بالأخوين؛ لأنهما ليسا عنده بإخوة.\nفإن قلتم: فكيف المَخْلَصُ من شبهته؟\nقلت (٥): يكون المخلصُ من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن المراد بالنساء الاثنتين إما حقيقةً، وإما (٦) مجازًا، وكلمة (فوق) صلة و(٧) زيادةٌ (٨)؛ لما روى عبدُ الله بنُ محمدِ بن عقيلٍ، عن جابر\n_________\n= ومسلم (١٦١٥)، كتاب: الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها.\n(١) في \"ب\": \"فالبنين\".\n(٢) قال النووي في \"شرح مسلم\" (١١/ ٥٣): وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال والضِّيفان والأرقَّاء والقاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٢٣)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ١٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٠). قال ابن عبد البر: وما أعلم في هذا خلاف بين علماء المسلمين إلا رواية شاذة لم تصح عن ابن عباس.\n(٤) المراجع السابقة.\n(٥) في \"ب\": \"قلنا\".\n(٦) في \"ب\": \"و\".\n(٧) في \"ب\": \"أو\".\n(٨) قال القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ٦٣): وقيل: \"فوق\" زائدة؛ أي: إن كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ أي: الأعناق. وردَّ هذا القولَ النحاسُ وابنُ عطية وقالا: هو خطأ؛ لأن الظروف وجميع الأسماء=","vol":"2","page":257},{"text":"-رضي الله تعالى عنه -: أن رسولَ الله - ﷺ - أعطى البنتين الثلثين (١).\nوثانيها: أنه من مجاز التقديم، والتقدير (٢): (فإن كنَّ نساءً اثنتين فما (٣) فوقَ ذلك)، و(فوق) كلمة تستعمل في ذلك كثيرًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها، فأرشدَ إلى ضربِ الرأسِ والعنقِ؛ لما فيه من النكاية فيهما؛ لضعفهما، واجتماعِ العروق فيهما، وخفةِ لباسهما، وسكونِ العقل فيهما، وهذا أحسنُ مِنْ مجازِ الزيادةِ والصلة؛ لما ذكرتُه، ولما فيه من الدلالةِ على حكمِ الثلاث.\nوثالثها: وهو أسدُّها -إن شاء الله تعالى-، وهو أن الألفاظَ باقية على حقائقِها من وقوعِ جميع النساءِ على الثلاث، ومن استعمال كلمة (فوق)\n_________\n= لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ هو الفصيح، وليست \"فوق\" زائدة، بل هي محكمة المعنى، انتهى.\nقلت: ويظهر أن المؤلف -﵀- قد جعل كلام القرطبي الذي ذكرته آنفًا مفرعًا على قولين؛ حيث جعل منه القول الثاني، وأنه من مجاز التقديم.\nوانظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٤٣٩)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ١٥).\n(١) رواه أبو داود (٢٨٩١)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث البنات، وابن ماجه (٢٧٢٠)، كتاب: الفرائض، باب: فرائض الصلب، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٥٢)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٠٣٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٩٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٩٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٩)، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل.\n(٢) في \"أ\": \"والتأخير\" وهو خطأ.\n(٣) \"اثنتين فما\": ليس في \"أ\".","vol":"2","page":258},{"text":"فيما زاد على اثنتين من غيرِ تقديم وتأخير، وأن حكم الثنتين (١) مأخوذٌ من فَحوى الخطاب، لا من نصِّ الخطاب، فذكر (٢) الله سبحانه أن فرضَ البنتِ الواحدة النصفُ، وذكر أن فرض البنات اللاتي هن فوق الاثنتين الثلثانِ، وأكد جَمْعَ النساء بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن المرادَ بالجمعِ اثنتان فقط، فيتوهم أن للثلاثِ والأربعِ وما زادَ كلَّ المال؛ لكونهم زادوا على ضعف الواحدة، ولقوة البنوة، ولهذا قدَّمه في الذِّكر على الواحدة، اهتمامًا به، ولم يقصد به مخالفةَ حكمِ الثلاثِ حكمَ الاثنتين في مقدار النصيب، بل حكمُ اثنتين ملحقٌ بحكمِ الثلاثِ؛ لمفهوم قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ فإنَّه يدلُّ على أن الاثنتين لهما أكثرُ من النصف، فألحقنا الاثنتين بالثلاث؛ كالأخوات، بل البنتين (٣) أولى بأخذ الثلثين من الأختين، ولأن إلحاقَ البنتينِ (٤) بالثلاثِ أولى من إلحاقهما بالواحدة؛ لمشاركتهما في وقوع الجمع عليهما، إما مجازًا، وإما حقيقة كالثلث.\nوهذا أحسنُ جوابٍ؛ لما فيه من إبقاء الألفاظ على حقائقها، والسلامةِ من الوقوع في المجاز من غير ضرورة، ولما فيه من العمل بالمفهوم المعضود بالقياس، ولا شك أنَه خيرٌ من المجاز في الاستعمال، وأقوى في الاستدلال.\nوظنِّي أن هذا النقلَ عن ابن عباسٍ غيرُ صحيحٍ (٥)؛ فإنّ لا يُظَنُّ به أن\n_________\n(١) في \"ب \": \"البنتين\".\n(٢) في \"أ\": \"وذكر\".\n(٣) في \"أ\": \"البنتان\".\n(٤) في \"ب\": \"الثنتين\".\n(٥) قال ابن عبد البر \"الاستذكار\" (٥/ ٣٢٣): وهذه الرواية منكرة عند أهل العلم قاطبة، كلهم ينكرها ويدفعها بما رواه ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بيع مسعود، عن ابن عباس: أنه جعل للبنتين الثلثين، انتهى. =","vol":"2","page":259},{"text":"يجعل نصيبَ البناتِ دونَ نصيبِ الأَخَوات، ولا أنه يجعلُ إلحاقَ الاثنتين بالواحدة أولى من الثلاث، ولكنه لما كان مذهبُه في الإخوة في نقصان الأم أنهم لا يقعون على الاثنتين؛ لكونهما ليسا بجمعٍ عنده وفي لسان قومه، اعتقد من اعتقد أن مذهبه هنا كذلك؛ لكون النساء جمعًا لا (١) يقعُ على الاثنتين؛ فنقل مَذْهبًا له، وليس كذلك، فالطريق هنا غير الطريق هناك، والله أعلم.\n* ثم ذكر الله سبحانه ميراث الأبوين، ففرض لهما السدس عند وجود الولد، وفرضَ للأم وحدَها الثلثَ عند عدم (٢) الولد، وسكت عن الأب، ولا شك أنه يفهم من سياق ذلك أن له الباقي، مع ما روينا في \"الصحيحين\" عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: \"اقْسِموُا المالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ على كتابِ اللهِ تَعالى، فما تَرَكَتْ فَلأِوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ\" (٣).\nفإن قلتم: فإذا كانَ الولد بنتًا، فإنَّه يقتضي أنه ليس للأب إلا السدسُ فقط، وهو يأخذ الجميع.\nفالجواب: أنه يأخذ الجميع بجهتين مختلفتين، يأخذُ السدسَ بالفرضِ المذكور في الآية، والباقي بالتعصيب؛ للحديث السابق (٤).\n_________\n= قلت: وذهب القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ٦٣) إلى تصحيح الرواية عن ابن عباس، وهو في ذلك تبعٌ للنحاس في \"إعراب القرآن\" (١/ ٤٣٩).\nإلا أن الصحيح ما قدمته عن ابن عبد البر، والله أعلم.\n(١) في \"ب\": \"فلا\".\n(٢) في \"ب\": \"وجود\".\n(٣) تقدم تخريجه بلفظ: \"ألحقوا الفرائض ... \". وبلفظ: \"اقسموا المال ... \" رواه مسلم (١٦١٥)، كتاب: الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها، عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٦).","vol":"2","page":260},{"text":"ولهذا قال رجل للشعبيِّ لَمّا سأله عن رجل ماتَ وخلَّفَ بِنْتًا وأبًا، فقالَ: للابنةِ النصفُ، والباقي للأب: أصبتَ المعنى، وأخطأتَ العبارةَ، قل: للأبِ السدسُ، وللابنةِ النصفُ، والباقي للأب (١).\nفإن قلتم: فهذا يؤدي إلى أن الأب لا يأخذ مِثْلَيْ ما تأخذ الأمُّ فيما إذا تركَ زوجةً وأَبَوَيْنِ، بل يؤدِّي إلى أنها تأخذُ أكثر من الأبِ فيما إذا تركتْ زوجًا وأبوين (٢)، وجميعُ ذلك مخالفٌ لقياسِ الأصول.\nوالجوابُ (٣) أن هذا سؤال قويٌّ ظاهرٌ، وقد أخذ به ابنُ عباس، فجعل (٤) في الأولى للزوجة الربع، وللأم الثلث من رأس المال؛ لأنهن ذواتُ الفرض، وللأب ما بقي؛ لأنه ذو تعصيب، وجعل في الثانية للزوجِ النصف، وللأمِّ الثلث من رأس المال، وللأب ما بقي (٥)، وتابعه شريحٌ القاضي، وداودُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وجماعةٌ، واختاره ابنُ اللَّبّان.\nوالذي عليه جمهورُ الصحابةِ وسائرُ الفقهاء أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي بعدَ فرضِ الزوجِ والزوجة بالفرض، والثلثان للأب بالتعصيب؛ لشهادة الأصول\n_________\n(١) ذكرها ابن مفلح في \"المبدع\" (٦/ ١١٩)، والبهوتي في \"كشاف القناع\" (٤/ ٤٠٧).\n(٢) وهاتان الفريضتان تسمَّى بـ \"الغراوان\" وهما:\n\n١ - امرأة تركت زوجها وأبويها.\n\n٢ - ورجل ترك امرأته وأبويه.\nوإنما قيل لهما \"الغراوان\"؛ لأن الأم غرت بإعطائها الثلث لفظًا لا حقيقة.\nانظر: \"شرح آيات الوصية\" للسهيلي (ص: ٥٨)، و\"شرح الزرقاني على الموطأ\" (٣/ ١٣٧).\n(٣) في \"ب\": \"فالجواب\".\n(٤) في \"أ\": \"جعل\".\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٠١٨)، والدارمي في \"سننه\" (٢٨٧٦).","vol":"2","page":261},{"text":"بذلك؛ كالابن والابنة، والأخ والأخت إذا انفردوا، للذكر مثلُ حَظ الأنثيين، وكذلك إذا اجتمعا مع الزوج والزوجة (١)، ونهاية ما استدلوا به أن يكون مطلقًا، وتقييدُ المطلَقِ جائزٌ في القياس والاستدلال؛ بشهادة الأصول.\nروى (٢) عكرمةُ قال: أرسل ابنُ عباسٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فسأله عن امرأة تركَتْ زوجَها وأبويها، فقال: للزوجِ النصفُ، وللأم ثلث ما بقي، قال: تجدُه في كتاب الله، أو تقوله برأي؟ قال: لا أُفَضلُ أُمّا على أب (٣) (٤).\n_________\n(١) انظر \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٥٦).\n(٢) في \"ب\": \"وروى\".\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٠٢٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٠٦٣)، والدارمي في \"سننه\" (٢٨٧٥)، والخطابي في \"معالم السنن\" (٤/ ٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٨).\n(٤) قال الخطابي في \"معالم السنن\" (٤/ ٩٠): فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فلما وجد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال وهو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم، فقسمه بينهما على ثلاثة أسهم: للأم سهم، والباقي وهو سهمان للأب، وكان هذا أعدل في القسمة من أن يعطي الأم من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، فيفضلها عليه، فيكون لها وهي مفضولة أصل المورث أكثر مما للأب، وهو المقدم والمفضل في الأصل، وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله عليه، وصار عامة الفقهاء، إلى قول زيد، انتهى.\nقال السهيلي في \"شرح آيات الوصية\" (ص: ٥٩ - ٦٠): وهذه إحدى المسائل=","vol":"2","page":262},{"text":"وهذه عبارةُ أهلِ العلمِ من الخلفِ والسلف؛ اتباعًا لكتاب الله، وعملًا بالأصول.\nولقد أخطأ القاضي أبو الفتوح بنُ أبي عقامة حيث قال: لا يُقال: للأم ثلثُ ما بقي، وإنما يقال: لها سدسُ جميع المال، أو ربُعه؛ لمخالفة عبارة\n_________\n= الخمس التي خالف فيها ابن عباس الصحابة.\nوالعجب أن الله جعل لها الثلث، كما جعل للزوج النصف، وزيد بن ثابت يقول بالعول خلافًا لابن عباس، ولم يجعلها عائلة ولا حط الأب، فيكون خلافًا لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فلا هو نقص الزوج مما جعل لها، ولا هو سوّى الأم معه، فيعطيها من رأس المال كما أعطاه.\nولكن قوله منتزع من كتاب الله انتزاعًا تعضده الأصول، وذلك أن الأم تقول: لِمَ حططتموني عن الثلث الذي جعل الله لي؟ فيقال لها: ما أخرجت عن الثلث؛ لأن ميراثك مع أحد الزوجين الثلث مما يبقى، فلم تخرجي عن الثلث.\nفتقول الأم: هلا أعطيتموني الثلث من رأس المال، فيكون للزوج نصف ما بقي، أو هلَّا جعلتموها عائلة فيدخل النقص عليه وعلى الأب كما دخل عليَّ؟ فيقال لها: إنما قال الله سبحانه: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولم يقل مما ترك كما قال في الزوجين وفي الأخت والأختين وفي الأبوين مع وجود الولد، ولفظ \"ما\" صيغة من صيغ العموم، فأعطى الزوج فرضه من كل ما ترك الميت، ولم تكوني أنت كذلك إلا مع عدم الزوجين وعند إحاطة الأبوين بالميراث.\nفتقول الأم: أليس قوله سبحانه: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ معناه: مما ترك الولد؟ فيقال لها: صيغة العموم لا تؤخذ من المعنى، وإنما تؤخذ من اللفظ، وقد تقدم أن الدليل اللفظي أقوى من المعنوي: لأنه معقول ومسموع، فله مزية على المعقول غير المسموع، وهذا أصل متفق عليه عند حذاق الأصوليين.\nوقد وفَّق الله زيد بن ثابت وفهمه عن الله.\nفتأمل هذا الأصل، فقلَّ من يفطن له، وإنما المسألة تقليدية لا برهانية، وقد أوضحناها برهانية، والحمد لله.","vol":"2","page":263},{"text":"القرآن، فهو نظر إلى المتحصَّل، ولم ينظر إلى الطريق المؤدية إليه.\n* ثمَّ بيَّن اللهُ سبحانه أن فرضَ الأم مع الأخوة السدسُ، وذلك إجماعٌ من الأمة (١).\n* واختلفوا في مقدار الإخوة.\nفقال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: هم ثلاثة؛ لأن الأخوين ليسا بإخوةٍ.\nوقال سائرُ الصحابةِ وغيرُهم من الفقهاء: مقدارهم اثنان، إما لأنهما أقلُّ الجمعِ حقيقةً، وإما لأنه محمول عليهما مجازًا للدليل.\nروي أن أبنَ عباسٍ دخل على عثمانَ -رضي الله تعالى عنهم-، فقال له: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وليس الأخوان إخوةً بلسانِ قومك، فقال له عثمانُ: لا أستطيع أن أردَّ ما كان قبلي، وانتشرَ في الأمصار، وتوارثَ به الناس (٢). فاعتذرَ منهُ بالإجماع (٣).\n* إذا تمَّ هذا، فالإخوةُ في الآية تقع على الذكور والإناث، إلا عند بعض المتأخرين ممَنْ لا يرى دخولَ الإناث في خطاب الذكور، فقال: لا تنقصُ\n_________\n(١) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٠١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (مسألة ١٩)، و\"شرح الرحبية\" لسبط المارديني (ص: ٦٥).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٩٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٧).\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٦٠): وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة مولى ابن عباس -الراوي للخبر- تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصّاء به، والمنقول عنهم خلافه.\n(٣) انظر: \"تفسير الرازي\" (٩/ ١٧٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٢).","vol":"2","page":264},{"text":"الأم بالأخوات، إلا أن يكون معهنَّ أخ؛ لتغليب العربِ المذكرَ على المؤنث (١).\n* وبيَّن الله سبحانه أنه لا يرثُ ولا يورث إلَّا من كانَ موافقًا في الدين، ولم يكنْ عبدًا، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) [الأنفال: ٧٣].\nوروى أسامةُ بنُ زيدٍ: أَنَّ النبي -ﷺ- قال: \"لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولا المُسْلِمُ الكافِرَ\" (٣)، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ولأن توريثه يؤدي إلى توريثِ الأجنبي؛ لأنَّ السيدَ يملك العبدَ واكتسابَه، والأجنبيّ لا يرثُ مَنْ لا نسبَ بينَه وبينَه، ولا زوجية، وقد يكونُ الأجنبيُّ مالكُ العبدِ قاتلًا، فيؤدي إلى توريث القاتل، وقد قطعَ اللهُ الموالاة بينهما، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فجعل وليَّ المقتول غيرَ القاتل (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٣).\n(٢) قلت: لم يبيِّن المؤلف -﵀- من أين أخذ عدم توريث إلا من كان موافقًا في الدين في هذه الآية. قلت: وقد بيَّن ابن المنذر في \"الإشراف على مذاهب العلماء\" (٤/ ٣٥٤) في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية، قال: فكان الذي يجب على ظاهر هذه الآية: أن يكون الميراث لجميع الأولاد المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول - ﷺ -: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث لمسلم الكافر، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث.\n(٣) رواه البخاري (٦٣٨٣)، كتاب: الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ومسلم (١٦١٤)، في أول كتاب: الفرائض.\n(٤) وهذا مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذهبت طائفة إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهب معاذ بن جبل ومعاوية وابن المسيّب ومسروق وغيرهم، وروي أيضًا عن أبي الدرداء والشعبي والزهري والنخعي=","vol":"2","page":265},{"text":"وروى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يَرِثُ القاتِلُ شيئًا\" (١).\n* ثمَّ بيَّن الله سبحانه أن التوريثَ المذكور إنما يكون من بعدِ وصيةٍ يوصي بها، أو دينٍ.\nفيحتمل أن يريد منهم أنهمِ لا يرثون شيئًا من التركة إلا بعدَ أداءِ الدَّين، وهو ظاهرُ الخطاب، وبه أخذ أبو سعيدٍ الإصطخريُّ من الشافعيةِ، فروي عنه منعُ الإرثِ بالدَّيْنِ مطلقًا، وروي عنه التفريقُ بين المستغرِق وغيرِه، فإن لم يكن مستغرِقًا، منع الإرث في القَدر (٢) الذي يقابله (٣).\nويحتملُ أن يريدَ أنه ليسَ لهم قسمةُ التركةِ والأخذُ منها إلا بعد أداءِ الوصيةِ والدَّيْنِ، وأما الملكُ فينتقلُ إليهم، ويكونُ من بابِ التعبيرِ عن المسبَّبِ بالسببِ؛ لأن القسمةَ مسببةٌ، وسببُها الإرثُ، والدليلُ على ذلك الإجماعُ فيما إذا خلفَ اثنين، فماتَ أحدُهما قبلَ قضاءِ الدين، وخلفَ ابنًا، ثم أبرأ (٤) من له الدينُ، فإن التركةَ تنقسمُ بين الابنِ وابنِ الابنِ، فلو لم يملكِ الابنُ الهالكُ، لما ورثَ ابنُه.\nوالدليل أيضًا أن من أسلمَ، أو أعتقَ بعد الموتِ وقبلَ قضاءِ الدين،\n_________\n= نحوه على خلاف بينهم في ذلك، والصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٢)، وانظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٠)، ونسبه ابن حجر في \"الدراية\" (٢/ ٢٩٨) إلى الدارقطني في \"سننه\" -ولم أجده فيه- من حديث ابن عباس، وقد رواه الدارمي في \"سننه\" (٣٠٨٠، ٣٠٨٦)، عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله.\n(٢) في \"أ\": \"للقدر\".\n(٣) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٣)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٨/ ٦٧).\n(٤) في \"أ\": \"ثم أبرأ له\".","vol":"2","page":266},{"text":"لا يرثُ إجماعًا، ولو لم يورَّث قبل ذلك، لورثه هؤلاء.\nوالدليلُ أيضًا كونُ الوصيةِ الشائعةِ لا تمنعُ الإرثَ اتفاقًا، وإنما تمنعُ قسمةَ التركةِ، وهي قرينةُ الدَّيْنِ في الحكم الذي فرق بينهما لشأنه، فلا يجوز أن يختلفا في الحكم اتفاقًا، فيفوتُ بيانُ الحكم الذي قرن بينهما لأجله، ولأنه يؤدي إلى حملِ اللفظِ الواحدِ على معنيين مختلفين، وذلك غيرُ جائزٍ عندَ أكثر الأصوليين، ولا شكَّ في أن غيرَ المشترَكِ خيرٌ منه.\nفإن قلت: الصحيحُ عند أهل العلم بالأصول أن المقارِنَ ليسَ له حكمُ قرينه، فكيف ادَّعيتَ الاتفاقَ (١) هنا؟\nقلت: إن ذلك فيما إذا قَرَنَ بين أمرين في الذِّكر، وخَصَّ أحدَهما بالحكم دونَ الآخر، وأما إذا قَرَنَ بينهما، وقَصد بالحكم قصدًا إجماليًا، ثم بيَّن في أحدهما، فإن للآخر حُكْمَ قرينه، وهذا تحقيق حسنٌ لم يتنبَّهْ أحد عليه (٢)، والحمدُ للهِ على نعمِه ومِنَنه.\nوبعدم المنع للإرث قال سائرُ الشافعية (٣).\nوقال أبو حنيفة: إن كان الدَّيْنُ يستغرقُ التركةَ، منعَ الإرثَ، وإلا فلا يمنعُ من الإرث شيئًا (٤).\nفإن قلتم: الوصيةُ والدَّيْنُ مطلقان، وذلك يقتضي تقديمَ أيِّ وصيةٍ كانت، وأيِّ دينٍ كان لله سبحانه، أو للآدميين.\nقلنا: أما الوصيةُ فهي مقيدَةٌ في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]،\n_________\n(١) في \"ب\": \"اتفاقًا\".\n(٢) في \"ب\": \"له أحد علمته\" بدل \"أحد عليه\".\n(٣) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣).\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٣٠).","vol":"2","page":267},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩]، ولا يبطل حكمُ المقيدِ بتأخرِ المطلَقِ عنه، بل يقضى به عليه، وكذلك (١) التقييدُ مذكورٌ في حديثِ سعدِ بنِ أبي وقاص أيضًا (٢).\nوأما الدينُ، فإنَّه في عُرْفِ اللسانِ مختصٌّ بدين الآدميين، وأما الواجباتُ الشرعيةُ، فلا تسمى في اللغة دَيْنًا، ولهذا ألحقها مالكٌ وأبو حنيفةَ بجنس الوصايا، فقالا: إن أوصى بها، أُخرجتْ من الثلث، وإن لم يوص، لم يلزم الورثةَ إخراجُها، وألحقها الشافعيُّ بدين الآدميين (٣)؛ لقوله - ﷺ -: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أمكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيتهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فاللهُ أَحَق بالوَفاءِ\" (٤)، فهي لاحقة بالدينِ بالاستدلالِ، لا بالعموم.\n* إذا تَمَّ هذا، فالدَّين مقدَّم على الوصية عندَ اجتماعهما، والدينُ معتبرٌ من رأسِ المالِ، والوصيةُ من الثلثِ اتفاقًا، وكلمة (أو) معناها التفصيل والتقسيم.\n* ولم يذكر اللهُ سبحانه الكَفَنَ وتجهيزَ الميتِ؛ لوضوحِه عندَ الناس كما جرتْ عادتُهم بتقديمه على كل شيء، ولا شك أنَّه مقدَمٌ على الدِّيْنِ أيضًا بإجماعِ المسلمينِ، وإنما اختلفوا في مَحَلِّه، فقال بعضُ السَّلَف: محلُّه الثلثُ؛ لأنَّ المالَ ينتقلُ بالموت إلى الورثة، ولم يجعلِ اللهُ للميتِ إلا\n_________\n(١) في \"ب\": \"وكذا\".\n(٢) في حديث: \"الثلث والثلث كثير\".\n(٣) وإليه ذهب الحنابلة. انظر: \"الإفصاح\" لابن هبيرة (١/ ٤٤٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٣)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٠٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ٤٤٤)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ١٨٢). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٣).\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":268},{"text":"الثلثَ، فاختصت به مُؤْنتُهُ، ولم يجزِ التضييقُ عليهم في ملكهم.\nوقال الزهريُّ: إن كان الميتُ موسِرًا، فمحلُّه رأسُ المال، وإن كان مُعْسِرًا، فالثلثُ (١).\nوقال جمهورُ أهل العلم: محلُّه رأسُ المالِ مطلقًا، وبه قَالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٢)؛ لأنَّ النبي -ﷺ- قال في المحُرِمِ الذي خَرَّ من بعيره: \"كفِّنوهُ في ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ ماتَ فيهما\" (٣)، وكُفِّنَ مصعبُ بنُ عميرٍ في نَمِرَة ليس لهُ غيرُها (٤)، ولم يسأل عن الثلث، ولو كان يختصُّ بالثلث، لسألَ وَبيَّنَ؛ لأنه موضع الحاجة، ولأن المالَ إنما نقل إلى الورثة؛ لاستغناء الميتِ عنه، وهو غيرُ مستغنٍ عن كفنه ومُؤْنَةِ تجهيزِه.\nوهذا التعليلُ ضعيف، فللمخالفِ أن يقول: لا أسلِّمُ أنَّ المالَ إنما انتقل إلى الوارثِ (٥) لذلك، بل إنما انتقل إلى الوارث؛ لأنه لا يتصور لمن\n_________\n(١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ١٤١)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٦٧).\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن التمام (٢/ ١١٣)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٢/ ١٩١)، و\"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٥٠٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٥٥)، و\"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٢٩)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ١٤٥)، و\"شرح مسلم\" له أيضًا (٦/ ٧). وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الكافي \" لابن قدامة (١/ ٢٥٥).\n(٣) رواه البخاري (١٢٠٦)، كتاب: الجنائز، باب: الكفن في ثوبين، ومسلم (١٢٠٦)، كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات، والإمام الشافعي في \"الأم\" (٢/ ٢٠٣)، عن ابن عباس، وهذا لفظ الشافعي.\n(٤) رواه البخاري (١٢١٦)، كتاب الجنائز، باب: إذا لم يوجد إلا ثوب واحد، عن عبد الرحمن بن عوف.\n(٥) \"انتقل إلى الوارث\" ليس في \"ب\".","vol":"2","page":269},{"text":"هو من أهل الآخرة أن يملك شيئًا من أغراض الدنيا، ولو قالوا: إذا كانَ الدينُ محلُّه رأس المال؛ فلا يكون (١) الكفنُ محلّه رأسُ المال (٢)، لأنه مقدم عليه في الحياة قطعًا، ولو جاز أن يكون محلُّه الثلثَ، لما جاز أن يتقدم على الدين الذي محلُّه رأسُ المال؛ وهو خلاف الإجماع.\n* * *\n\n٦٨ - (٩) قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].\n* بين الله سبحانه فيها ميراثَ الأزواج، فجعلَ للزوج النصفَ عندَ عدمِ الولد، والرُّبُعَ عندَ وجوده، وجعل لجنسِ الزوجاتِ نصفَ ذلكَ عندَ وجودِ الولد، وعندَ عدمه، وأجمع المسلمون على أنهم لا ينقصون عن النصفِ والربعِ والثمنِ، ولهذا خُصَّ النقصانُ بجانبِ الأُمّ في مسألة زوج وأبوين، وزوجةٍ وأبوين.\nوبيَّن اللهُ سبحانه أن للأخِ أو الأختِ من الأم السدسَ في ميراثِ الكلالة، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.\n_________\n(١) في \"ب\": \"فلأن\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"أولى\".","vol":"2","page":270},{"text":"وأجمع أهلُ العلم بالقرآن (١) أن المرادَ إخوةُ الأم (٢)، وكان سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ -رضي الله تعالى عنه- يقرأ: (وله أخٌ أو أختٌ من أُمٍّ) (٣).\nفإن قيل: قراءةُ الصحابيِّ لا يقومُ بها حجة في التقييدِ لمطلَقِ القرآن، ولا تبلغُ رتبةَ خبرِ الواحدِ عند الشافعية، فهل نعلم للإجماع دليلًا أحسن (٤)؟\nقلنا: نعم، لمّا ذكرَ الله سبحانه في آيةِ الكَلالَةِ أن ميراثَ الأختِ الواحدةِ النصفُ، والبنتينِ الثلثان، وأن الأخَ يرثُها (٥)، وبَيَّنَ في هذه الآية أن للأخ أو الأختِ السدسَ، فإن كانوا أكثرَ من ذلك، فهم شركاءُ في الثلث، علمنا أن المرادَ بالإخوة هنا غيرُ الإخوة هناك، وإلَّا لكانت إحدى الآيتين ناسخة للأخرى، والتشريكُ (٦) بينهم في الثلثِ مُقتضاه التسويةُ بين الذكرِ والأنثى، وذلك إجماعٌ، وإنما استووا؛ لأنهم يُدلون بالرَّحِم، وسيأتي بيانُ الكَلالةِ -إن شاء الله تعالى-.\n* وحرم الله سبحانه المضارَّةَ فقال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"على\".\n(٢) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٦).\n(٣) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣١٦٠٤)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٢٥٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٣١)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ١٩٠)، وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٤٤٨)، و\"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ١١٦).\n(٤) في \"ب\": \"آخر\".\n(٥) في \"ب\": \"يورثهما\".\n(٦) في \"ب\": \"والشريك\".","vol":"2","page":271},{"text":"قال ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما-: الإضرارُ بوصيةِ الله تعالى من الكبائر (١).\nوروي عن أبي هريرةَ عن رسولِ الله -ﷺ-: \"إن الرجلَ لَيَعْمَلُ، أو المَرأَةَ، بطاعةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثمَّ يَحضُرُهما المَوْتُ، فَيضارّانِ في الوَصِيةِ، فَتَجِبُ لَهُمُ النارُ\"، ثمَّ قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢).\nوقال عبدُ الله: هما المُرَتانِ: الإمساكُ في الحياة، والتبذيرُ عند الموت (٣).\n* وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾:\nيحتمل أن يريدَ غيرَ مضارٍّ في الوصيةِ والدَّيْنِ، فلا يزيدُ على الثلث، ولا يوصي بَديْنِ ليس عليه، فيكون دليلًا على تحريمِ الوصيةِ بما زاد على الثلث.\n- ويحتمل أن يريد غيرَ مضارِّ في الدَّيْنِ فقط، وهذا يرجعُ إلى قاعدةٍ أصولية، وهي الصفة إذا تعقبت جُملًا، فهل تعمُّها، أو تختصُّ بالأخير؟\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٦٤٥٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٩٣٣)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٨٨٨)، عن ابن عباس قال: الضرار في الوصية من الكبائر.\n(٢) رواه أبو داود (٢٨٦٧)، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية، والترمذي (٢١١٧)، كتاب: الوصايا، باب: الضرار في الوصية، وابن ماجه (٢٧٠٤)، كتاب: الوصايا، باب: الحيف في الوصية، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٧١)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (٧٢٣).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٦٣٢٢)، والدارمي في \"سننه\" (٣٢٥٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٧٢٢)، بلفظ: \"تانك المرتان ... \".","vol":"2","page":272},{"text":"والأولُ مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابِهما، والثاني مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه (١)، ولكن قد دلَّ حديثُ سعدٍ على رجوعِه إلى الوصية أيضًا (٢).\n* * *\n\nفصل\nوها أنا أذكر نُبذةً نافعة في علم المواريث؛ لشدة الحاجة إليها، وليتمَّ بها نفعُ كتابي هذا -إن شاء الله تعالى-، فنقول:\n* أجمعَ أهلُ العلم على أن الابنَ يأخذ جميعَ المالِ عندَ الانفراد.\n* وأجمعوا على إقامةِ ابنِ الابنِ مقامَ الابن، يرثُ كما يرثُ، ويَحجُبُ كما يَحجُبُ، إلا ما رُوي عن مجاهدٍ أنه قال: ولدُ الابنِ لا يحجُبُ الزوجَ من النّصفِ إلى الربع، ولا الزوجةَ من الرُّبُعِ إلى الثُّمُنِ، ولا الأمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٥٣)، و\"تفسير الرازي\" (٩/ ١٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٨٠).\n(٢) قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" (٣/ ١٩٨) في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: الضمير في ﴿يُوصَى﴾ عائد على ﴿رَجُلٌ﴾، كما عاد عليه في ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾، ويقوي عود الضمير عليه أنه هو الموروث لا الوارث؛ لأن الذي يوصي أو يكون عليه الدين هو الموروث لا الوارث، ومن فسَّر قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾: أنه هو الوارث لا الموروث، جعل الفاعل في ﴿يُوصَى﴾ عائدًا على ما دلَّ عليه المعنى من الوارث، كما دل المعنى على الفاعل في قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ لأنه علم أن الموصي والتارك لا يكون إلا الموروث لا الوارث، والمراد: غير مضار ورثته بوصيته أو دينه.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٩٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد =","vol":"2","page":273},{"text":"* وأجمعوا على أنه ليسَ لبناتِ الابنِ مع البنتِ أكثرُ من السُّدُس تكملةَ الثلثين (١).\nوقالت الشيعة: لا ترثُ بنتُ الابنِ مع بنتِ الصُّلْب شيئًا كابنِ الابنِ لا يرثُ مع (٢) الابنُ شيئًا (٣).\n* وأجمعوا على أنَّه ليسَ لبناتِ الابنِ ميراثٌ بعد استكمالِ بناتِ الصُّلْبِ الثلثين، إلا أن يكونَ معهن ابنُ ابنٍ في درجتهن أو أسفلَ منهن؛ فإنه يعصبُهن، ويقتسمون (٤) المالَ، للذكر مثلُ حظَ الأنثيين عندَ جمهور العلماء.\nوهو قولُ علي وزيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم (٥).\nوقال ابن مسعودٍ: يرثن معُه للذكرِ مثلُ حظ الأنثيين، إلا أن يكونَ الحاصلُ لهنَّ (٦) أكثرَ من السدس، فلا يعطَيْنَ إلا السدسَ (٧)؛ لأنهن لا يرثْنَ أكثرَ من السدسِ مع البنتِ عندَ عدمِ ابنِ الابنِ، فلا يَزيدونَ (٨) عليه عند\n_________\n= (٢/ ٢٥٥). قال الماوردي: وهذا قول مدفوع بالإجماع.\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٥).\n(٢) \"مع\" ليست في \"أ\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٦).\n(٤) في \"ب\": \"ويقسمون\".\n(٥) وهذا قول عمر وابن عباس وغيرهما، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٩/ ٤٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٢).\n(٦) في \"أ\": \"له\".\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٠٨٥)، والدارمي في \"سننه\" (٢٨٩٤).\nوانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٦) و(٢/ ٢٥٩).\n(٨) في \"أ\": \"يزدن\".","vol":"2","page":274},{"text":"تعصيبه لهن، فإن كانت واحدةً، فالمقاسمة أحظُّ لابنِ الابن، وإن كنَّ ثلاثًا تعينَ لهنَّ السدسُ، وإن كنَّ اثنتين، استوى السدسُ والمقاسمةُ (١).\nوقال أبو ثور (٢) وداودُ (٣): المال لابنِ الابن، دونَهن؛ لعموم قوله - ﷺ -: \"اقْسِمُوا المالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ عَلى كِتابِ اللهِ، فَما تَرَكَتْ فَلأِوْلى رَجُلٍ ذَكرٍ\" (٤) (٥).\nوحجةُ الجمهورِ عمومُ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، [فقد تعارض حينئذ عموم الآية وعموم الحديث، فيحتمل أن يريد: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾] (٦) فيما عدا هذه الصورة؛ بدليل قوله - ﷺ -: \"فما تركت فلأولى رجلٍ ذكرٍ\".\nويحتمل أن يريد: فما تركت فلأولى رجلٍ ذكر فيما عدا هذهِ الصورةَ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، فيحتمل أنَّ يرجحه عمومُ الحديثِ بالقياسِ على كونهنَّ لم يرثْنَ في الانفراد، فأولى ألَّا يرثْنَ في حال\n_________\n(١) قال القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ٦٢): هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود، والذي ذكره ابن المنذر والباجي عنه: أن ما فَضَل عن بنات الصلب لبني الابن دون بنات الابن، ولم يفصِّلا.\n(٢) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٣١٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٩/ ٣٩٥).\n(٣) وروي مثله عن علقمة. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٢).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٩/ ٣٩٠): وإن احتج محتج لأبي ثور وداود أن بنت الابن ما لم ترث شيئًا من الفاضل من الثلثين منفردة ولم يعصبها أخوها، فالجواب: أنها إذا كانت معها أخوها قويت به وصارت عصبة معه بظاهر قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وهي من الولد.\n(٦) ما بين معكوفتين ليس من \"أ\".","vol":"2","page":275},{"text":"الاجتماع، ويرجحُ عمومُ الآية بالقياسِ على كون ابن الابن يُعَصِّبُهُنَّ في حال حِيازةِ جملةِ المال، فأولى أن يعصبهنَ في حيازَةِ الفاضلِ.\nثمَّ يرجَّحُ هذا القياسُ بشهادةِ الأصول له في إقامةِ ابنِ الابنِ مقامَ الابن في التوريث والحَجْبِ؛ كتوريثِ الواحدةِ النصفَ، والبنتينِ الثلثين، وتكميلِ النصفِ بالسدسِ ممَنْ هو أسفلَ منهن، وكحَجْبِ الأمِّ والأبِ والزوجِ والزوجةِ، ومثلُ هذا المقام تتقاومُ فيه الأدلةُ، وتتعارضُ فيه الظنونُ، وهذا نهايةُ ما يصل إليه نظرُ المجتهِد.\n* وأجمعوا على أن الأب يأخذُ جميعَ المالِ عند الانفراد، والباقي بعد الثلثِ مع وجود الأم.\n* وأجمعوا على إقامةِ الجدَّ مقامَ الأبِ في حِيازة جميعِ المال عند انفراده، وفي فرَض السدس مع الابنِ وابنِ الابن، وفي حجب الإخوةِ لأمٍّ (١) (٢).\n* واختلفوا في إقامته مقامه في حَجْبِ الأخوة والأخوات، وفي كيفيةِ توريثه اختلافًا كثيرًا، وتحرَجَ الصحابةُ -رضي الله تعالى عنهم- من الكلام فيه.\nفروي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: من أحبَّ أن يقتحمَ جراثيمَ جهنمَ (٣)، فليقضِ بين الجَدَّ والإخوة (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"للأم\".\n(٢) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٣).\n(٣) يعني: أصولها؛ أي: من أحب أن يرمي بنفسه في معاظم عذابها. انظر: \"الفائق\" للزمخشري\" (٣/ ١٦٢) و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ١٨).\n(٤) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ٦٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٠٤٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٢٦٧)، والدارمي في \"سننه\" (٢٩٠٢).","vol":"2","page":276},{"text":"وعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: سلونا عن كل شيء، ودَعونا عن الجَدِّ، لا حَيَّاهُ اللهُ ولا بيَّاه.\nفذهبَ أبو بكرٍ، وابنُ عباسٍ، وعائشةُ، وأبو الدّرداءِ، وابنُ الزبير -رضي الله تعالى عنهم- إلى أنه يقوم مقامه في حَجْبِهم (١).\nوبه قال أبو حنيفةَ، وداودُ، وإسحاقُ، واختارَهُ المزني وابنُ سُريج (٢).\nوذهب عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم- إلى توريثِ الإخوة معه (٣).\nوبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، والأوزاعيُّ، وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسن (٤).\nواختلفوا في كيفيةِ التوريثِ، فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أنه يُعْطى الأفضلَ من المقاسمة، أو ثلثَ جميع المالِ إن لم يكن هناك ذو فَرضٍ، فإن كان معهم ذو فرضٍ، فيُعطى الأَفضلَ من ثلاثةِ أشياءَ: ثلثِ ما يبقى بعدَ الفرض، أو سدسِ جميعِ المال، أو المقاسمة.\n_________\n(١) وهو قول أُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة، وبه قال عطاء وطاوس والحسن وقتادة. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٤٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٤٣٤)، و\"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٨).\n(٢) وبه قال أبو ثور ونعيم وحماد. انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٣٤٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٤٣٤).\n(٣) وبه قال عمران بن الحصين، وابن شريح والشعبي ومسروق وعبيدة السلماني.\nانظر: \"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٢). وانظر: \"شرح الرحبية\" لسبط المارديني (ص: ٩٧).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٥/ ٤٣٦)، و\"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٦٨).","vol":"2","page":277},{"text":"وبقوله أخذ مالكٌ، والشافعيُّ (١).\nوذهب على وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- إلى أنه يُعطى الأَحَظَّ من شيئين: المقاسمةِ، أو سدسِ جميع المال مطلقًا (٢).\nوسنبين حكمه بسِتّ مسائل -إن شاء الله تعالى-؛ لأنه لا يخلو من ثلاثةِ أحوالٍ (٣):\n\n١ - إما أن يجتمعَ مع الإخوة الذكور فقط.\n\n٢ - أو مع الإخوة والأخواتِ.\n\n٣ - أو مع الأخوات.\nومع ذلك فلا يخلو:\nإما أن يجتمعَ مع ذي فرضٍ أو لا، وذلك قسمان:\nالقسم الأول: إذا لم يكن معهم ذو فرض، وفيه (٤) ثلاثُ مسائلَ:\nالمسألة الأولى: أن يجتمعَ مع الأخوة الذكورِ: فذهب زيدُ بنُ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن له الأوفرَ من المقاسمةِ، أو ثلثَ جميعِ المال.\n_________\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٤٥)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٠٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٠١). وانظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٥٦٦)، و\"شرح مختصر خليل\" للخرشي (٨/ ٢٠٢)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٢)، و\"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٦).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٩٦).\n(٣) انظر: \"شرح الرحبية\" لسبط المارديني (ص: ١٠٠).\n(٤) في \"ب\": \"ففيه\".","vol":"2","page":278},{"text":"وبه قال الشافعيُّ (١).\nوذهبَ عليٌّ (٢) إلى أنَّ له الأحظَّ من المقاسمة، أو سدَس جميع المال (٣).\nوعنه رواية غير مشهورة: أن له الأحظَّ من المقاسمةِ، أو سبعَ جميعِ المال (٤).\nالمسألة الثانية: أن يجتمعَ مع الإخوة والأخوات، والحكمُ فيها كالتي قبلها.\nالمسألة الثالثة: أن يجتمعَ مع الأخواتِ:\nفذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن الحكم فيها كالتي قبلها، له الأحَظُّ من ثُلُثِ جميع (٥) المال، أو المقاسمةُ، وإذا قاسمهنَّ كانَ له مثلُ حظ الأنثيين، ولا يفرض لهن مع الجَدِّ أصلًا.\nوذهبَ عليٌّ وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- إلى أنَّه يفرضُ للأخواتِ فروضُهُنَّ، ويكونُ الباقي للجدِّ.\nالقسم الثاني: أن يكونَ معهم ذو فرضٍ، وفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: أن يجتمعَ الجدُّ والأخوةُ الذكورُ مع ذوي الفروضِ:\nفذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أنه يُعطى صاحبُ الفرضِ فرضَه،\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٩٦).\n(٢) \"علي\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٩٦).\n(٤) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٤/ ٣٤٣).\n(٥) \"جميع\" ليس في \"أ\".","vol":"2","page":279},{"text":"ويعطى الجَدُّ الأوفرَ من ثلاثة أشياءَ: المقاسمةِ، أو ثلثِ ما بقيَ، أو سدسِ جميع المال، إلا أَلَّا يبقى بعد الفروض إلا السدسُ، فإن الجدَّ يأخذُه (١)، ويسقط الإخوة.\nكما إذا ماتتِ المرأةُ وتركتْ زوجًا وأمًا وأخًا وجدًا، فإنَّ للزوجِ النصف، وللأمِّ الثلث، وللجدِّ السدس، ويسقط الأخ؛ لأنه ذو تعصيب.\nوبقوله أخذَ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-.\nوقياسُ مذهبِ علي -رضي الله تعالى عنه- أن له الأحظَّ من المقاسمةِ أو سدسِ جميع المال.\nومثالُ ذلك إذا ترك زوجة وأمًا وأخًا وجَدًّا، فإنَّ للزوجة الربعَ، وللأم الثلث، وللأخ والجد ما بقي، وهو خمسةٌ من اثني عشرَ، وتصحُّ من أربعةٍ وعشرين.\nوقال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- في هذه المسألة: للزوجة الربعُ، وللأم ثلثُ ما بقي، وللجد والأخ سهمان.\nالمسألة الثانية: أن يجتمع الجدُّ والإخوةُ والأخواتُ مع ذوي الفروض، فالحكمُ كالمسألة التي قبلها.\nومثالُه: إذا ترك زوجة وأمًا وأخًا وأختًا وجَدًا، فإن للزوجة الربعَ، وللأمِّ السدس، والباقي بين الجدَّ والأخ والأخت، للذكرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين، وتصحُّ من ستين، للزوجة خمسةَ عَشَرَ، وللأم عشرةٌ، وللأخت سبعةٌ، وللجدّ أربعةَ عَشَرَ، وللأخ أربعةَ عَشَرَ.\nالمسألة الثالثة: أن يجتمع الجدُّ والأخوات مع ذوي الفروض.\nفمذهبُ زيدٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن للجدَّ الأحظَّ من الأمورِ الثلاثة\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"بالفرض\".","vol":"2","page":280},{"text":"بعد عطاءِ ذوي الفروض فروضَهم، إلا ألا يبقى بعدَ سِهام ذوي الفروض إلا السدسُ، وكان في ذوي الفروض بنتٌ للبنت، فإنه لا شيِءَ للأخوات؛ لأنهن مع البناتِ عَصَبَةٌ، وقد استغرقَ ذَوو الفروض فروضهم؛ كما إذا تركتْ زوجًا وأمًا وبنتًا وأختًا وجدًا، فأصلُها من اثني عشر، للزوج الربعُ، وللبنت النصفُ، وللأم السدسُ، وللجدِّ السدسُ، ولا شيءَ للأخت (١).\nومذهبُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- بُيِّن فيما مضى، وفيما يأتي.\n* وفي هذه المسألة صورٌ اختلفَ فيها الصحابةُ -رضي الله تعالى عنهم-:\nالأولى: إذا ترك زوجة وأختًا وجدًا:\nفذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للزوجة الربع، والباقي بين الجدّ والأخت، للذكرِ مثلُ حظ الأنثيين، ويصحُّ من أربعة.\nوبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى (٢).\nوذهب عمرُ وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- إلى أن للزوجة الربعَ، وللأخت النصف، وللجدِّ ما بقي، وتعرفُ هذه المسألة بالمربَّعة؛ لأنهم اتفقوا على أنها من أربعة (٣).\nواختلفوا في كيفية التوريثِ، وقياسُ مذهبِ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- كمذهب ابن مسعود؛ لأنه يفرضُ للأخوات مع الجدِّ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٢٦) وما بعدها، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٠١).\n(٢) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٢).\n(٣) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٠٢).","vol":"2","page":281},{"text":"الصورة الثانية: إذا ترك أمًا وأختًا (١) وجدًّا.\nفذهبَ زيدُ بنُ ثابت -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للأم الثلثَ، والباقي بين الجدِّ والأخت، للذكرِ مثلُ حَظ الأنثيين، وأصلها من ثلاثة، وتصحُّ من تسعة.\nوبه قال الشافعي رحمه الله تعالى.\nوقال عمر -رضي الله تعالى عنه- في إحدى الروايتين عنه: للأختِ النصفُ، وللأم السدسُ، والباقي للجدّ\nوقال في الرواية الأخرى: للأخت النصفُ، وللأم ثلثُ ما بقي، والباقي بين الجد والإخوة نصفين، أي: إن كانوا.\nوقال ابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنه-: للأخت النصفُ، والباقي بين الجدَّ والأم نصفين.\nوعنه روايتان كروايتي عمرَ رضي الله تعالى عنهما.\nوقال عثمانُ رضي الله تعالى عنه-: يقسم المال على ثلاثة أسهم، للأمِّ سهمٌ، وللجدِّ سهمٌ، وللأخت سهمٌ.\nوقال علي -رضي الله تعالى عنه-: للأم الثلثُ، وللأخت النصفُ، وللجدّ السدسُ.\nوهذه المسألة تسمى الخرقاءَ؛ لتخرُّقِ أقوالِ الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فيها؛ فإنها تبلغ تسعةً بقول أبي بكرٍ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٢) -.\n_________\n(١) في \"أ\": \"وأخًا\" وهو خطأ.\n(٢) انظر آثار الصحابة واختلافاتهم في المسألة الخرقاء في \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٥٢) وما بعد، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦)،=","vol":"2","page":282},{"text":"الصورة الثالثة: إذا تركت زوجًا وأمًا وأختًا وجدًا، وهذه التي تسمى بالأكدريّة (١)، فكان (٢) عمرُ وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- يقولان: للزوجِ النصفُ، وللأختِ النصفُ، وللأمِّ السدسُ، وللجدِّ السدسُ، ويعولُ إلى ثمانية.\nوكان عليّ وزيدٌ -رضي الله تعالى عنهما- يقولان: للزوج النصفُ، وللأخت النصفُ، وللأم الثلثُ، وللجد السدسُ، ويعول إلى تسعة.\nإلا أن زيدًا كان يجمعُ الثلاثةَ التي للأختِ، والسهمَ الذي للجد، فيصير أربعة، يقسمها بينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين، وتصح من سبعة (٣) وعشرين، للزوج تسعةٌ، وللأم ستة، وللجد ثمانيةٌ، وللأخت أربعةٌ.\nوبه أخذ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-؛ لأنه لا سبيل إلى إسقاط الأخت؛ لأنه ليس هنا بنت تسُقطها، ففُرض لها النصفُ، ولا يمكن أن تأخذَ جميعَه؛ لأنه لا يجوز تفضيلُها على الجَدّ، فوجبَ أن يُجمع نصيبهما، فيقسمانِهِ.\n_________\n= و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٨٩) وما بعدها، و\"الحاوي\" للماوردي (٨/ ١٣٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٠٢).\n(١) انظر المسألة الأكدرية وما جاء فيها من اختلافات وآثار عن الصحابة وغيرهم في: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٥١)، و\"سنن سعيد بن منصور\" (١/ ٥٠)، و\"المصنف\" لعبد الرزاق (١٠/ ٢٧١)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٦/ ٢٦٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٤٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٨٩) وما بعدها، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٠٠)، و\"شرح الرحبية\" لسبط المارديني (ص: ١٠٨).\n(٢) في \"ب\": \"وكان\".\n(٣) في \"أ\": \"تسعة\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":283},{"text":"وضعف الجميعُ التشريكَ الذي قال به زيدٌ في هذه الفريضة، حتى زعمَ بعضُهم أنه ليسَ من قولِ زيدٍ.\nروي عن الأعمش أنه قال: إنما سميت الأَكْدَرِيَّةَ؛ لأن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ سأل عنها رجلًا يقال له: أَكْدَرُ، فذكر لهُ اختلافَ الصحابةِ فيها (١).\nوقيل: سميت أكدرية؛ لأنَّ امرأةَ تسمى أكدرية ماتت وخلفت هؤلاء، فسميت أكدريةَ (٢).\nوقيل: لأنها كَدَّرَتْ على زيدٍ أصلهَ؛ لأنه لا يفرض للأخواتِ مع الجَدّ، وقد فرض، ولا يعيل مسائلَ الجد، وقد أعالها هنا (٣).\nثم اختلفوا أيضًا:\nفذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن الإخوة للأب وللأم يعادون الجد بالأخ للأب، فيمنعونه بهم أكثر الميراث، ثم (٤) يأخذونه من الأخ للأب، قياسًا على الأخ للأب والأم، والأخِ للأب؛ حيث ينقصون الأمَّ من الثلث إلى السدس، ويأخذ الأبُ ما في أيديهم، وبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى.\nوذهب على وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- إلى عدم اعتبارهم؛ لأنهم محجوبون، والاحتسابُ بمن لا يرثُ مخالفٌ الأصولَ.\n_________\n(١) انظر: \"شرح آيات الوصية\" للسهيلي (ص: ١٣٠)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٣).\n(٢) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٢٣).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٣٢). قال الشربيني في \"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٣): وعلى هذا فينبغي تسميتها مكدّرة لا أكدرية.\n(٤) في \"أ\": \"من\".","vol":"2","page":284},{"text":"واختلفوا -أيضًا- (١) في إقامته مقامَ الأبِ في مسألةِ زوجٍ وأبوينِ، وزوجةٍ وأبوينِ، فإذا تركت زوجًا وأمًا وجدًا، فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للزوج النصفَ، وللأم الثلث، وللجدِّ السدس.\nوإن كان بدل الزوج زوجةٌ، كان للجدّ الباقي بعد الربع والثلث.\nوبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى.\nواختلف أصحابه في العبارةِ، فقال بعضهم: للزوجةِ الربعُ، وللأمِّ الثلثُ، وللجدِّ السدسُ، وما بقي للجدِّ؛ لأنه أخذه بجهتين: جهةِ الفرض، والتعصيب.\nوقال بعضهم: يجوز أن يُقال: والباقي للجدِّ.\nوروي عن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن للزوج النصفَ، وللأمّ ثلث ما يبقى، والباقي للجدِّ، وأقامه مقامَ الأبِ.\nوروي عنه أن للزوج النصفَ، وللأم السدس، والباقي للجدّ.\nوتظهر فائدة العبارتين إذا كان بدلَ الزوجِ زوجةٌ.\nوروي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أن للزوج النصفَ، والباقي بين الجد والأم، وهذه من مربَّعاتِ ابن مسعود، وعنه روايتان كروايتي عمر رضي الله تعالى عنه.\n* وأجمعوا على توريثِ الجدةِ للأم (٢) السدسَ عندَ عدمِ الأم (٣) (٤)،\n_________\n(١) \"أيضًا\" ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"جدة أم الأب\".\n(٣) في \"ب\": \"الأب\".\n(٤) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٥).","vol":"2","page":285},{"text":"ولا يقيمونها مقامَها، إلا ما شذَّ عنِ ابنِ عباسٍ: أنَّه جعلَ الجدةَ كالأمِّ، فورثَها الثلثَ (١).\n* وأجمعوا على توريثِ الجدةِ أُمّ الأبِ السدسَ عندَ عدمِ الأبِ (٢).\n* وأجمعوا على أن السدسَ بينهما عندَ اجتماعِهما؛ لما رَوى قَبيصَةُ بنُ ذُؤيب: أن جَدَةً جاءتْ إلى أبي بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- تسأله عن ميراثها، فقال أبو بكر: مالك في كتاب الله شيءٌ، وما علمتُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ الله -ﷺ- شيئًا، فارجعي حتى أسألَ الناسَ، ثمَّ سألَ الناسَ، فقال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: شهدتُ رسولَ الله - ﷺ - وقدْ أعطاها السُّدُسَ، فقال أبو بكر: من يشهدُ معك؟ فقام محمدُ بنُ مسلمةَ، فشهد بما شهدَ به المغيرةُ، فأنفذَهُ أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لها.\nثم جاءت الجدَّةُ الأخرى إلى عمرَ -رضي الله تعالى عنه- تطلب ميراثها، فقال: ما لكِ في كتابِ الله شيءٌ وما كان ذلكَ القَضاءُ الذي قُضي به إلَّا لغيركِ، ولستُ بزائدٍ في الفرائض؛ لأنما هو ذلك السدس، وإن (٣) اجتمعتُما فهو بينَكُما، وأيتكما خَلَتْ به، فهو لها (٤).\n* واختلفوا في توريث مَنْ عدا هاتين الجدتين إذا اجتمعْنَ، كما إذا\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٥٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٠).\n(٢) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٦).\n(٣) في \"ب\": \"فإن\".\n(٤) رواه أبو داود (٢٨٩٤)، كتاب: الفرائض، باب: في الجدة، والترمذي (٢١٠١)، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه (٢٧٢٤)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الجدة، والإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥١٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٥٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٥١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٣٤).","vol":"2","page":286},{"text":"ارتفعْنَ إلى المنزلة الثانية، فاجتمع اثنتان من جهةِ الأمِّ، وهما أمُّ (١) أمِّ الأمِّ، وأمُّ أب الأم، واثنتان من جهة الأب، وهما أمُّ أمِّ الأب، وأمُّ أبِ الأب، فكانَ زيدٌ وأهلُ المدينة لا يُوَرِّثون الاثنتين، وهما أمُّ أمِّ الأمِّ، وأمُّ أمًّ الأبِ، وإن عَلَوْنَ.\nوبه قال مالكٌ والشافعيُّ في أحد قوليه؛ للحديث السابق.\nوكان عليٌّ وابنُ عباس وزيدٌ -في إحدى الروايتين عنه- يورثون معها (٢) أُمَ أبِ الأبِ.\nوبه قال أهلُ الكوفة، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، والشافعيُّ في أحد قوليه؛ لأنها تُدلي بوارثٍ، فهي كأمِّ الأمِّ، ولما روى ابنُ عيينة، عن منصورٍ عن إبراهيمَ: أن النبي -ﷺ- وَرَّثَ ثلاثَ جَدّات: اثنتين من قِبَلِ الأبِ، وواحدةً من قِبَلِ الأم (٣).\nوكان ابنُ مسعود يورِّث الأربعَ، وبه قال الحسنُ وابنُ سيرينَ؛ تشبيهًا لجدةِ الأمِّ بجدةِ الأبِ.\nثم اختلفوا في صفةِ توريثهنَّ، فكان ابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- يُشْرِك بين الجدات في السدسِ؛ دُنياهُنَّ وقُصواهُنَّ، ما لم يحجُبْها ابنُ\n_________\n(١) \"أم\" ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"معهما\".\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٠٧٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٢٧٦)، وأبو داود في \"المراسيل\" (٣٥٥)، والدارمي في \"سننه\" (٢٩٣٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٩١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٣٦)، عن إبراهيم النخعي مرسلًا.","vol":"2","page":287},{"text":"ابِنها، وبنتُ بنتِها، وروي عنه أنه كان يُسقط القُصوى بالدُّنيا، إذا كانتا من جهة واحدة (١).\nوالذي عليه سائرُ الناسِ من الصَّحابة وغيرِهم أن البُعْدى تَسقط بالقربى عند اتِّحاد جهتهما، وعند اختلافهما إذا كانتِ القُربى من جهة الأمِّ، والبُعدى من جهة الأب.\n* واختلفوا في ما إذا كانت القربى من جهة الأب، والبعدى من جهة الأم، فكان عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- يسقط البُعْدى بالقُرْبى.\nوقال به أهلُ الكوفة، ورووه عن زيدٌ -رضي الله تعالى عنه-؛ لأنهن أمهاتٌ، فكما يقدم من الآباء أقربُهم، وكذلك هنَّ، واختاره ابن المنذر.\nوالرواية الثانية التي رواها المدنيون عنه أنه كان لا يُسقطها بها، وبه قَالَ مالكٌ والشافعيُّ في الأصحَّ من قوليه (٢)؛ لأنَّ الأبَ لا يُسقط أُمَّ الأُمِّ، وهو أقربُ منها، فأولى ألَّا يسقط القُربى من جهة البُعدى من جهةِ الأم.\n* واتفقوا على أنه لا ترثُ جدةٌ مع وجود الأمّ من أيّ جهةٍ كانت (٣)، فالأم تحجُب أُمَّ نفسِها وأمَّ الأبِ؛ لأنها أقربُ منهن، ولا يحجُب الأبُ أمَّ الأمِّ لأنه لا يحجُبُ الأمَّ، فلم يحجُب أمَّها، كما لا يحجُبُ الأبُ ابنَ الابن.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٤٩)، و\"التمهيد\" له أيضًا (١١/ ١٠٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٦٢)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٠).\n(٢) انظر: \"التلقين\" للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٦٩)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٦). وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٩١).\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٥).","vol":"2","page":288},{"text":"* واتفقوا على أن الجدَّ لا يحجُب أمَّ الأبِ؛ لاستوائِهما في الدرجة (١).\n* واختلفوا في الأبِ هل يحجبُ أمَّ نفسه؟\n-فذهب زيدٌ، وعثمانُ، وعليّ -رضي الله تعالى عنهم- إلى أنَّه يحجُبُها.\nوبه قال شريحٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة وأصحابه؛ قياسًا على الأمِّ، ولأنه لما كان الجدُّ محجوبًا بالأب، أوجبَ أن تكونَ الجَدَّةُ أولى.\n- وذهبَ عمرُ بنُ الخطاب، وابنُ مسعودٍ، وأبو موسى، وعمرانُ بن الحصينِ إلى أنه لا يحجُبُها.\nوبه قَالَ عطاءٌ، وابنُ سيرينَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المنذرِ، وبعضُ أصحاب مالكٍ؛ لما روى محمدُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله -رضي الله تعالى عنه -قال: أولُ جدَّةٍ أطعمها رسولُ الله - ﷺ - جَدَّةٌ مع ابنِها (٢)، ولأنه لما كانتِ الأمُّ وأمُّ الأمِّ لا يُحجَبْنَ بالذكور، كُنَّ جميعُ الجداتِ كذلك.\nوأجابوا عن الخبر بأنّه إنما رُوي منقطعًا عن الحسنِ بنِ أبي الحسن، ومحمد بنِ سيرين، وإنما تفرد بوصله هكذا محمدُ بن سالم، وهو غير محتجّ به، وبأنه يجوزُ أن يكون ابنُها الوارثَ من ابنِ أخته التي ورثت السدسَ منه، والله أعلم (٣).\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٢٩/ ١٦٩)، و\"الوسيط\" للغزالي (٤/ ٣٣٨).\n(٢) رواه الترمذي (٢١٠٢)، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الجدة مع ابنها. وإسناده ضعيف. وانظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١١/ ١٠٥)، و\"الاستذكار\" له أيضًا (٥/ ٣٥٢).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤)،=","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>(من أحكام الحدود)</span>\n٦٩ - (١٠) قوله ﷿: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].\nالفاحشة هنا: الزنا، مقتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\n* وبين اللهُ سبحانه أن نصابَ الشهادةِ على هذهِ الفاحشة أربعةٌ من المؤمنين (١)، فقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقال في موضع آخر: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨].\n_________\n= و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٧٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (٨/ ٩٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٦٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٩٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٠).\n(١) وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٣٦٣).","vol":"2","page":290},{"text":"* وقيد الشهداءَ (١) بالإضافة إلى المؤمنين، وأطلقَ صفتَهم هنا، وقيدَها في موضع آخرَ فقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال أيضًا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].\nفإن قلتم: فقد تميزت هذه الشهادةُ عن سائرِ الشهاداتِ بالحقوقِ، فهل تلحق بها شهادة المرءِ على نفسه، فلا بد من أربع شهادات (٢) في الإقرار؛ كسائر الأصول المختصة بالزنا، أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟\nفالجوابُ أنه يحتملُ الأمرين.\nوبالأول: قال أبو حنيفة (٣)، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ (٥).\nوبالثاني: قال الشافعيُّ (٦) ومالكٌ (٧).\n_________\n(١) في \"ب\": \"الشهادة\".\n(٢) في \"ب\": \"مرات\".\n(٣) واعتبر الحنفية اختلاف مجالس المقر دون القاضي، حتى إذا غاب عن بصر القاضي في كل مرة، يكفي هذا لاختلاف المجالس. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ٩٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٥٠)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٤).\n(٤) ويستوي عند الحنابلة أن يكون الإقرار في مجلس واحد أو مجالس، كما نصَّ عليه الإمام أحمد. انظر: \"المبدع\" لابن مفلح (٩/ ٧٤)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٩٨)، و\"مطالب أولي النهى\" للرحيباني (٦/ ١٨٩).\n(٥) وهو قول الحكم وابن أبي ليلى. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٦٣).\n(٦) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٢٠٦).\n(٧) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٥٨)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص: ٥١٥). وهو قول الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبي ثور. انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٧/ ٢٦٣)، وقد اختاره ابن المنذر.","vol":"2","page":291},{"text":"والراجح إلحاقُ أبي حنيفةَ؛ لأن إلحاقَ الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويَعْضِدُه الحديثُ وظاهرُ القرآن.\nأما الحديث، فما روينا في \"الصحيحين\" من حديثِ أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله - ﷺ -، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرضَ عنه، فتنحَّى تِلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه حتى عَدَّ (١) أربع مراتٍ، فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات (٢)، دعاهُ رسول الله -ﷺ-، فقال: \"أَبكَ جُنونٌ؟ \" قال: لا، قال: \"فَهَلْ أَحصَنْتَ؟ \" قال: نعم، فقال رسول الله -ﷺ-: \"اذْهَبُوا بِهِ فارْجمُوُهُ\" (٣).\nوأما ظاهرُ القرآن العزيز، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فسمى الإقرارَ شهادةً، وقد (٤) اشتركا في التسمية، فاعتبر فيها العددُ؛ كشهادة الغير.\nوأما إطلاقُ قوله - ﷺ -: \"واغْدُ يا أنيْسُ عَلى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارجُمْها\" (٥)، محمولٌ على تقييد حديث أبي هريرةَ -رضي الله تعالى\n_________\n(١) في \"ب\": \"ثنى عليه\".\n(٢) قال الإمام ابن دقيق العيد في \"شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ١١٧): وفي قول الراوي: \"فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ... \" إشعارٌ بأن الشهادة أربعًا هي العلة في الحكم.\n(٣) رواه البخاري (٦٤٣٠)، كتاب: المحاربين، باب: لا يرجم المجنون والمجنونة، ومسلم (١٦٩١)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا.\n(٤) في \"ب\": \"فقد\".\n(٥) رواه البخاري (٦٤٤٠)، كتاب: المحاربين، باب: الاعتراف بالزنا، ومسلم (١٦٩٧)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، عن أبي هريرة،=","vol":"2","page":292},{"text":"عنه -، فلا دليل فيه على خلاف أبي حنيفة.\n* ثم أمر الله سبحانه بإمساكهِنَّ في البيوت حتى يتوفاهُنَّ الموتُ، أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، وإمساكُهن حفظٌ لهنَّ عن الزنا، وليس بحكمٍ ولا حَد، وقد اعتقده كثيرٌ من الناس حكمًا، وسمَّوه حَدًّا، ولعلهم سَمَّوْهُ تجوزًا، أو ملاحظةً للوضع اللغويِّ؛ فإن الحدَّ في اللغة هو المنعُ (١)، وأما أنه حَدّ حقيقيٌّ شرعيٌّ، فلا (٢).\n* وقيَّد الله سبحانه اللاتي يأتينَ الفاحشةَ بكونهنَّ من نساءِ المؤمنين.\n- فيحتمل (٣) أن يكونَ أرادَ حقيقةَ التقييدِ، فلا يتناولُ الحكمُ غيرَ نساءِ المؤمنين.\n_________\n= وزيد بن خالد الجهني.\nقال ابن دقيق العيد: ولعله يؤخذ منه: أن الإقرار مرة واحدة يكفي في إقامة الحد، فإنه رتب رجمها على مجرد اعترافها، ولم يقيده بعدد. انظر: \"شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ١١٢).\n(١) انظر: \"التعريفات\" للجرجاني (١١٣)، و\"لسان العرب\" (٣/ ١٤٠) مادة (حدد).\n(٢) قال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٦١): واختلف في هذا السجن هل هو حدّ أو توعد بالحد؟ على قولين:\nأحدهما: أنه توعد بالحد.\nوالثاني: أنه حد.\nوالصحيح: أنه حد جعله الله عقوبة محدودة إلى غاية مؤذنة بأخرى هي النهاية.\nوإنما قلنا: \"إنه حد\"؛ لأنه إيذاء وإيلام، ومن الناس من يرى أنه أشد من الجلد، وكل إيذاء وإيلام حد؛ لأنه منع وزجر.\nوإنما قلنا: \"إنه ممدود إلى غاية\": إبطالًا لقول من رأى من المتقدمين والمتأخرين أنه نسخ.\n(٣) في \"أ\": \"ويحتمل\".","vol":"2","page":293},{"text":"- ويحتمل أن يكون جَرى التقييدُ بالمؤمنين لمواجهته (١) إياهم بالخطاب.\nوبالأول قال أبو حنيفةَ (٢) ومالكٌ (٣)، فاشترطا الإِسلامَ في المحدودِ (٤) بالرجم والجلدِ الذي استقر حكمًا مبينًا لهذه الآية، فيكون إطلاقهُ أيضًا مبيَّنًا بتقييدِ المبيَّنِ بنساءِ المؤمنين، فأنه (٥) إذا كان اللفظ مفتقرًا إلى البيان لإجماله، فهو مقيدٌ بحالٍ أو صفةٍ، فورد لفظٌ مُبَيِّنٌ لذلك الإجمال (٦)، وهو حالٌ من ذلك التقييد، حمل على التقييد، وصار مبيِّنًا (٧).\nويشهد للتقييد التقييدُ في الآية التي تليها، وهو قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦].\nويشهد له أيضًا الاعتبارُ بالتقييد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥].\nوبالاحتمال الثاني قال الشافعيُّ (٨)، ويشهدُ له ما رويناه في \"الصحيحين\" من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن اليهودَ\n_________\n(١) \"لمواجهته\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ١٥٤).\n(٣) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٢٩٥).\n(٤) في \"ب\": \"المحدودة\".\n(٥) في \"أ\": \"وأنه\".\n(٦) في \"أ\": \"للإجمال\".\n(٧) في \"ب\" زيادة \"ومتبَيَّنًا\".\n(٨) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٣٨٥) وبه قال أحمد. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٣١٧). قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٧٠): وقد ذهل ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم الإسلام، وردّ عليه: بأن الشافعية وأحمد لا يشترطان ذلك.","vol":"2","page":294},{"text":"جاؤوا إلى رسول الله -ﷺ-، فذكروا (١) أن امرأةً منهم ورجلا زَنَيا، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: \"ما تجدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟ \"، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدَها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعِ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صدقتَ يا محمَّد، فأمر بهما النبي -ﷺ-، فرُجِما (٢).\nواعتذر الحنفيةُ: أنَّ النبي -ﷺ- رجمهما بحكمِ التوراةِ، وأن ذلكَ عندَ قدومِ النبيِّ -ﷺ- المدينةَ (٣)، وادَّعَوا أن آيةَ الرجمِ نزلتْ بعد ذلك، فكانَ (٤) الحديثُ منسوخًا (٥).\nوهذا خطأ؛ لقوله - ﷺ -: \"ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟ \"، فدلَّ على أن ذلكَ بعدَ نزولِ الرجمِ وتقرُّرهِ عندَ رسولِ الله -ﷺ-، والنسخُ يحتاج إلى تاريخٍ، وبعيدٌ أن يجدوه منقولًا. ولو اعتذروا بكونِ ذلك عقوبة كليَّة جاءت خصيصًا لنبيه - ﷺ - مؤاخذةً لهم من عند الله سبحانه بنقيضِ قصدِهم؛ حيث قصدوا الرخْصَةَ معَ وجُودِ حكمِ اللهِ عندَهم الذي استُحفظوه، وكانوا\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"له\".\n(٢) رواه البخاري (٦٤٥٠)، كتاب: المحاربين، باب: أحكام أهل الذمة وإحصانهم، إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام، ومسلم (١٦٩٩)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.\n(٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ٤١)، و\"شرح عمدة الأحكام\"، لابن دقيق (٤/ ١٢١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ١٧٠).\n(٤) في \"ب\": \"وكان\".\n(٥) قال ابن دقيق العيد: وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ؛ أعني: ادعاء النسخ. انظر: \"شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ١٢١) وعنه نقل المؤلف -﵀- اعتذار الحنفية.","vol":"2","page":295},{"text":"عليه شهداءَ، فأوجبَ ذلكَ عليهم عقوبة وانتِقامًا لإعراضهم عن قبولِ حكمٍ يعتقدونه إلى حكم يَجْحدونه ويكفرون به = كان أقربَ من دعوى النسخ.\nولا شكَّ أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] لفظٌ ظاهرهُ العُموم، فيجوز أن يكونَ أُريد به التخصيصُ، إما بالأبكارِ من النساءِ، أو بالثَّيّبات منهن، ويجوزُ أن يكونَ على عمومهِ فيعمَّ البكْرَ والثَّيِّبَ، هذا هو المُتَعَينُ عندي؛ لإطلاق اللفظِ على حقيقةِ عمومهِ، وليَس هنا دليلٌ على التخصيص بالأبكار أو بالثيّبات.\nفإن قلتم: فهل نجد بيانًا يعضد قولك؟\nقلت: قوله - ﷺ -: \"خُذوا عني، خُذوا عني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُن سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ\" (١)، فذكر البكرَ والثيّبَ بعدَ أن ذكر الضميرَ العائدَ عليهنَّ بقوله - ﷺ -: \"قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا\"، وضم إلى بيانهن بيانَ حكمِ المذكور الذي في الآية الثانية، فدَّل على أنه على عمومه.\nإذا تقرَّرَ هذا، فقد قال بعض المفسرين، وبعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ: إن هذه الآيةَ في البِكْرين (٢) تردُّ التي بعدَها في المُحصَنين (٣)، وقال أكثرُهم: هذه في المحُصَنيَن (٤)، والتي بعدَها في البِكرين (٥) (٦).\nولقد أخطؤوا خطأ فاحشًا من جهة اللغة؛ حيث أطلقوا اللفظَ المختصَّ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) في \"أ\": \"البكر\".\n(٣) في \"ب\": \"المحصنتين\".\n(٤) في \"ب\": \"المحصنتين\".\n(٥) في \"أ\": \"البكر\".\n(٦) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"2","page":296},{"text":"بالإناثِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ﴾ على الذكور؛ إذ لا يُعرف في اللسان أن جمعَ الإناثِ يتناولُ الذكورَ، لا منفردينَ ولا مجتمعين مع الإناث، نعم يجوزُ في لغةٍ شاذةٍ إطلاقُ جمعِ المؤنثِ على جمع (١) المذكر مَجازًا في جمع الموصولِ خاصَّة؛ كقولِ الشاعر: [البحر الوافر]\nفَما آباؤُنا بأمنَّ مِنْهُ ... عَلَينا اللائي قَدْ مَهَدُوا الحُجُورَا (٢)\nولا يجوزُ تنزيلُ قولهم على هذا؛ لأن القرآن لم يردّ باللغة الشاذة، ولو لم تكن شاذةً، لَمّا جازَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾، ولو كانَ المرادُ به اللغة المذكورة لقال: يأتون؛ كقوله: مهدوا الحُجورا، وللتقييد بالنساء؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فليس على تخصيصهم إحدى الآيتين بإحدى الصفتين دليلٌ، وإنما هو تحكُّمٌ باطل.\n* ثم اختلف أهلُ العلم:\n- فقال بعضهم: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآية الجَلْد (٣) (٤)؛ بدليل قوله - ﷺ -: \"قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا\"، وأضاف البيانَ إلى اللهِ تعالى.\n- وقال بعضُهم (٥): ليست منسوخةً؛ لأن الله سبحانه علقَ البيانَ بوقتٍ،\n_________\n(١) \"جمع\" ليست في \"أ\".\n(٢) البيت لرجل من بني أسلم. انظر: \"شرح ابن عقيل\" (١/ ١٤٥). وانظر الكلام فيه على جواز إطلاق جمع المؤنث على المذكر.\n(٣) في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ...﴾ الآية: [النور: ٢].\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩٧)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٤)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٠٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٤٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٣٦)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٢٢).\n(٥) هو مكي بن أبي طالب في \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ٢١٤).","vol":"2","page":297},{"text":"وقد بيَّنَ اللهُ سبحانه السبيلَ بالحُدود، وضعفه بعضهُم بأن الوقتَ غيرُ معلومٍ ولا محدودٍ [وإنما كان يمتنعُ من النسخِ لو قال: (حتى يتوفاهنَّ الموتُ)، أي: يبلغن إلى وقتِ كذا] (١).\nوهذا التضعيفُ ضعيفٌ، بل الصوابُ أنها ليستْ بمنسوخةٍ؛ لأن النسخَ لا يكون إلا بعد استقرارِ حكمٍ متقدّمٍ، وهذه الآية لم يبين الله فيها حُكْمًا، وإنما وعدَ عباده ببيانِ الحكم في الوقت الذي يريدُه، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظًا لهم من الزنا؛ وانتظارًا لوعده وقضائه، ثم منَّ اللهُ على عبادِه ببيانه وشرعِه في الوقتِ الذي أراده، فهذا بيانٌ لا نسخٌ، ونظيرُه إذا قَالَ السيدُ من العربِ لعبدِه: سالمُ احبسْ عبدَكَ غانِمًا الذي أساء (٢) حتى يموتَ، أو يأتيكَ قضائي فيه، فلا يقال: إن السيدَ حكمَ في غانمٍ بحكمٍ، وإنما حبسَهُ لأجلِ القضاء.\nوبهذا يتبيَّنُ (٣) لكَ أن آيةَ السيفِ (٤) نسخَتْ كلَّ عفوٍ وصَفحٍ عن المشركين، وإن كان قد علَّق قضاءه بوقتٍ غير معلوم؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٧]؛ لأن العفو والصفح والصبر حكمٌ مستقرٌّ، وهو الكفُّ عن قتالِهم، والاستسلامُ معهم.\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".\n(٢) \"الذي أساء\": زيادة من \"ب\".\n(٣) في \"أ\": \"تبين\".\n(٤) في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].","vol":"2","page":298},{"text":"٧٠ - (١١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦].\n* قد بينتُ أن هذه الآيةَ مختصةٌ بالذكور، وأن الآيةَ الأولى خاصَّةٌ بالإناث عامَّةَّ فَي أنواعهن، ثم كذلك هذه عامَّةٌ في أنواعِ الذكورِ من الِبْكرين والثَّيبين (١)، وإنما قلت هذا؛ لأن الله سبحانه ذكرَ الإناثَ بلفظ يخصُّهُنَّ، وذكر الذكورَ بلفظٍ يخصُّهم، وقيدَ لفظَ الإناثِ بقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقيدَ لفظَ الذكور بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، ففي التقييد دلالتان: التقييد بالنساء، والتقييد بكونهن من نساء المؤمنين.\n* ثم أمر اللهُ -سبحانه- بإيذاء الذَّكَرَيْنِ إذا زنيا، والإيذاءُ أمر مُجْمَلٌ لا يُعرفُ المُرادُ منه، فيجوز أن يُرادَ به التوبيخُ والضربُ (٢)، فبين هذا المجملَ مع بيان السبيلِ الذي وعدَ به اللهُ سبحانه النبيُّ - ﷺ - بقوله: \"خُذوا عَنِّي، [خُذُوا عَنِّي\"، الحديث.\nفآيةُ الجلد مبينةٌ لجنسِ الإيذاءِ في حقِّ البِكْرِ، وآيةُ الرجمِ ناسخةٌ للأذى\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩٥)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٠٧)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٤٢)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٢٢).\nوانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٨٦).\n(٢) فيه قولان:\nأحدهما: أن المراد: الأذى بالكلام والتعيير. روي عن ابن عباس، وبه قال: قتادة والسدي والضحاك ومقاتل.\nوالثاني: أنه التعيير والضرب بالنعال. وروي عن ابن عباس أيضًا.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٩٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٣٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٨٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦٣).","vol":"2","page":299},{"text":"في حقِّ الثيّبِ؛ إذ لا يجوزُ في اللسانِ إطلاقُ الأذى على الرجمِ والقتلِ حتى تكون مبينة لمُجْمَلِه، وإنما يُطلق الأذى على ما دون ذلك.\nفهذه الآيةُ بعضُها مبيَّنٌ وبعضُها منسوخٌ، إلا أن يثبتَ تعيينُ الإيذاءِ بنوعٍ معلومٍ مستقرٍّ في الشرع، فتكون هذه الآيةُ منسوخةً في حقِّ البكرِ والثيِّبِ، وثبوت ذلك طريقه] (١) [النقل الصحيح، ولقد أخطأ من خصَّ الأنثيين بالبكرين (٢)، حتى تحكم.\nونسخُ الأولى بالثانية من وجهين] (٣): من طريق اللغة والنقل.\nأما اللغة، فَلِمَا قدمتُ، فلا يجوز أن يجعل المذكر ناسخًا لخطابِ المؤنث الذي لا يجوزُ إطلاقهُ على المذكَّرَ (٤) بحالٍ.\nوأما النقلُ، فلقوله - ﷺ -: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْمُ\" (٥) ولم يقل: [خذوا عني] (٦)، خذوا عني (٧)، قد جعل الله لهن سبيلًا هو الأذى، فدلَّ على بطلانِ قوله.\n* وفي الآية دليلٌ على أن الزانيَ إذا تابَ سقطَ عنُه الحَدُّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرنا بالإعراضِ عنه، ولو كانَ واجبًا لم يسقطْ، ولَما أَمَرنَا بالإعراض،\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٢) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٥). وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٨٦).\n(٣) ما بين معكوفتين ليس \"أ\".\n(٤) في \"أ\": \"الذَّكر\".\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٧) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".","vol":"2","page":300},{"text":"وهذا أحدُ قولَي الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- (١).\nوقال أبو حنيفةَ ومالكٌ -رحمهما الله تعالى- والشافعيُّ في القول الجديد: إن الحدَّ لا يسقطُ بالتوبةِ (٢).\nواستدلَّ قائلوه بإطلاقِ قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، ولا دليلَ فيه؛ لأنه مطلقٌ، وهذا مقيدٌ بالتوبة، والمقيدُ قاضٍ على المطلقِ باتفاقِ أهل العلمِ بشروط الاستدلال.\nوهذا عندي أقوى دليلًا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله - ﷺ - في ماعز: \"هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ\" لَمَّا أخبروه أنه قال: رُدُّوني إلى رسول الله - ﷺ - لَمّا مَسَّهُ ألمُ الحجارة (٣).\n* وعطفُ الإصلاحِ على التوبة:\n- يحتملُ أن يُرادَ به الإصلاحُ بنفسِ التوبة، أي (٤): فإن تابا وأصلحا بالتوبة.\n- ويحتمل أن يرادَ به: فإن تابا وأصلَحا العمل، وهو الظاهر؛ لأن\n_________\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٨٥)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٣٧٠). وهو المعتمد عند الحنابلة. انظر: \"المبدع\" لابن مفلح (٩/ ١٥٢)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٣٨٤).\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٤٢٩)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص: ٥٢٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٠/ ٢١٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٣٧٠)، و\"نهاية المحتاج\" للرملي (٨/ ٨)، وهو الأظهر عند الشافعية.\n(٣) رواه أبو داود (٤٤١٩)، كتاب: الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢١٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٨٧٦٧)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٣٩٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٨٠٨٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢١٩)، عن نعيم بن هزال.\n(٤) \"أي\": ليست في \"أ\".","vol":"2","page":301},{"text":"العطفَ يقتضي الغَيْرِيَّةَ، ولأن به تتبيَّنُ التوبةُ الخالصةُ لله -تعالى- من التوبةِ للتَّقِيَّةِ.\n* وقد اختلفَ الشافعيةُ في اشتراطِ الإصلاح، والصحيحُ اشتراطهُ (١).\n* وينبغي أن يُعْلَمَ أن الإصلاحَ شرطٌ لمسقط الحَدِّ، لا أنه مُسْقِطٌ للحدِّ بنفسِه، وقد وهم بعضُ الشافعية، فجعل نفسَ الإصلاح مسقطًا للحدِّ، وليس كذلك.\n* ولما أطلقَ الله سبحانه الإصلاحَ في الأزمانِ، ولم يقيِّدْه لنا، نظرْنا في بيانه، وفي (٢) الدلالة عليه، فوجدنا الشرعَ قد قَدَّر حولًا في فراقِ الأمرِ المألوفِ امتحانًا للإنسان، فغرَّبَ البِكْر إذا زنى عامًا؛ عقوبةً له بفراقِ وطنهِ المألوف المحبوبِ، فاستدللنا بذلكَ على أنه (٣) من ادَّعى نفي نفسِه عن مألوفها وشهواتِها، فلا بدَّ من امتحانِه بعامِ، كتغريبِ البكرِ إذا زنى، وهذا الاعتبارُ أحسنُ من الاعتبار بحولِ الزكاةِ والجزية؛ فإن ذلكَ من باب الرفقِ بالأموال.\nولما رأى إمامُ الحرمين والغزاليُّ، -رحمهما الله تعالى- مباينةَ هذا الحولِ للزكاةِ (٤) والجزية، وأن اعتبارَهُ به غيرُ مطابقٍ (٥)، رجعا إلى الأمر\n_________\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٨٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ١٥٩).\n(٢) في \"ب\" سقطت \"في\".\n(٣) في \"ب\" سقطت \"أنه\".\n(٤) في \"ب\": \"الزكاة\".\n(٥) في \"ب\": \"جائز\".","vol":"2","page":302},{"text":"المقصودِ به، وهو الدلالةُ على صدقِه في توبته، فوجداه يحصل بمضيِّ مدة يغلب على الظنِّ صدقُه فيما ادعاه، ويختلف ذلك بأمارات الصدق، وقُوَّتِها وضعفها.\nوالأولُ قولُ أكثر الشافعيةِ، وهو الأولى؛ لما بينتُه.\nومنهم من قدر ستةَ أشهرٍ، وحُكي عن نصِّ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- (١).\nوظاهر إطلاق الآية أن التوبةَ تسُقط الحدَّ، سواء تابَ قبلَ الوصول إلى القاضي، أو بعده، وفيه خلافٌ (٢)، واتِّباعُ الظاهر أولى وأليقُ بباب الحدِّ.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٣٧٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ١٥٩)، و\"نهاية المحتاج\" للرملي (٨/ ٣٠٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٣٨)، و\"الإقناع\" له أيضًا (٢/ ٦٣٥). وانظر \"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ٢٥٨).\n(٢) قال النووي: في سقوط الحد بالتوبة طريقان: أحدهما: تخصيصهما بمن تاب قبل الرفع إلى القاضي، فإن تاب بعد الرفع لم يسقط قطعًا، والثاني: طردهما مع الحالين. وقد يرجع هذا الخلاف إلى أن التوبة بمجردها تسقط الحد أم يعتبر الإصلاح؟ إن اعتبرناه، اشترط مضي زمن يظهر به الصدق، فلا تكفي التوبة بعد الرفع. انظر: \"روضة الطالبين\" (١٠/ ١٥٩).\nوقال قبل هذا (١٠/ ١٤٦): وإنما لا يسقط الحد بالتوبة على قول في ظاهر الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فالتوبة تسقط أثر المعصية.","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>(من أحكام التوبة)</span>\n٧١ - (١٢) قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].\n* بيَّن الله -سبحانه- في هذه الآية مدةَ انتهاءِ التوبة التي أوجبها على نفسه بفضله وكرمه، ووسَّعَ مُدَّتَها بلطفِه ورحمته، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.\nوبيَّن الله سبحانه هذا الزمنَ القريبَ أنه ما لم يحضرْهُ الموتُ، وتتعلقْ به مبادئُه، فقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.\nوبيَّن النبيُّ - ﷺ - هذا الحكم بمثل ما بينه الله سبحانه، فقال: \"مَنْ تابَ قَبْلَ أن تُغَرْغِرَ نَفْسُهُ في حَنْجَرَته، قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ\" (١).\n_________\n(١) لم أجده هكذا، وقد روى قريبًا منه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧٠٦٩)، عن رجل من الصحابة. وروى الترمذي (٣٥٣٧)، كتاب: الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار، وابن ماجه (٤٢٥٣)، كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة، =","vol":"2","page":304},{"text":"قال أهلُ العلم (١): فمن صارَ بهذه الحال، فلا تصحُّ توبتُه ولا إسلامه، ولا كفره، ولا وصيته، ولا قَوَدَ ولا دِيةَ ولا كَفَّارَةَ على قاتله؛ لأن الحياة التي فيه غيرُ مستقرة، فهو كالميت، وهذه الحالةُ التي آمن فيها فرعون فلم ينفعه إيمانُه.\nوإذا لم يحضرْهُ الموتُ، ولكنهُ مَيْئوسُ الحياة، فإنه تصحُّ توبتُه ووصيتُه؛ لأن حياتَه مُستقرةٌ، وهذه الحالةُ التي أوصى فيها عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله تعالى عنه- لما طُعِنَ وخرجَ اللبنُ من جوفِه، وأجمعتِ الصحابةُ على صِحَّةِ وصيَّتِهِ.\n* * *\n_________\n= والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٣٢)، وعبد بن حميد في \"مسنده\" (٨٤٧)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٦٠٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٢٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٦٥٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧٠٦٣)، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\".\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" (١٠/ ٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٩٣)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٢١٠).","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>(من أحكام النكاح)</span>\n٧٢ - ٧٤ (١٣ - ١٥) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٩ - ٢١].\nقال الربيعُ: قال الشافعيُّ: يقال -والله أعلمُ-: نزلت في الرجل يمنعُ المرأةَ حقَّ اللهِ تعالى عليه في عشرتِها بالمعروفِ من غير طيبة نفسِها، ويحبسُها لِتموت، فيرثُها ويذهبُ ببعض ما آتاها، واستثنى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا (١).\nوساق الكلام حتى قال: قيل (٢): إن هذه الآيةَ منسوخةٌ وهي في معنى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ\n_________\n(١) وإليه ذهب الحسن والشعبي. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٦).\n(٢) في \"ب\": \"فقيل\".","vol":"2","page":306},{"text":"سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] بآية الحدود: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"خُذوا عني، خُذوا عني (١)، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكر جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامِ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مئة والرجمُ\" (٢)، فلم يكن على المرأة (٣) حَبْسٌ تُمْنعُ به حَقَّها على الزوج، وكان عليها الحدُّ.\nقال: وما أشبه ما قيل من هذا بما قيل -والله أعلم- لأن لله أحكامًا بين الزوجين بأن يجعلَ له عليها أن يطلقَها مُحسنةً ومُسيئةً، ويحبسَها محسنةً ومسيئةً، وكارهًا لها وغير كاره، ولم يجعلْ له منعَها حقَّها في الحال (٤).\nهذا قولُ أبي عبدِ الله، وما اختارَهُ من النسخِ بالاحتمالِ والقياس ممنوعٌ غيرُ جائزٍ (٥)، والذي عليهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن القولُ بأنها محكمةٌ (٦).\nقال ابن عبَّاسٍ، والمفسرون (٧): كان في الجاهلية أولياءُ الميتِ أحقَّ بامرأته، إن شاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم\n_________\n(١) \"خذوا عني\" ليست في \"ب\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في \"ب\": \"امرأة\".\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٩٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٣٩).\n(٥) وكذا ذهب عطاء إلى أن الآية منسوخة بالحدود. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٦)، و\"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٦).\n(٦) انظر: \"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه\" لمكي (ص: ٢١٧).\n(٧) انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٣٠٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٠٢)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٢٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٩٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦٦).","vol":"2","page":307},{"text":"يزوجوها، فأعلم الله سبحانه أن ذلكَ حرامٌ (١).\n* ثم حرَّم على الأزواجِ إمساكَهُنَّ على جهة المُضارَّةِ، فقال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، فإن خالعَها على وجهِ المُضارَّةِ فقد عصى، ولم يصحَّ خُلْعُه، ولم يجزْ له أخذُ ما بذلَتْهُ لهُ بالإجماع (٢).\nوشذ بعضُهم (٣) فقال: الخلع في هذه الحالة جائزٌ ماضٍ، وهو آثمٌ، ثم لا يحلُّ له ما صنعَ، ولا يُجْبَرُ على ردِّ ما أخذ (٤).\nوروى ابنُ القاسمِ نحوَ هذا عن مالكٍ (٥).\nقال ابنُ المنذر: وهو خلافُ ظاهرِ كتاب الله تعالى (٦)، وخلافُ ما أجمعَ عليه عوامُّ أهلِ العلمِ من ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٠٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ...﴾.\n(٢) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٨٣)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" له أيضًا (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n(٣) هو النعمان، كما نقله ابن المنذر في \"الإشراف\" (٥/ ٢٦٠).\n(٤) في \"ب\": \"أخذه\".\n(٥) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ٩٥) عن ابن بطال في \"شرح البخاري\" (٧/ ٤٢١). قال ابن بطال: وقال أبو حنيفة: إن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئًا ولا يزداد، فإن فعل جاز في القضاء، وروى ابن القاسم عن مالك مثله، وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف حديث امرأة ثابت، انتهى.\nونقل ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٦/ ٧٨) عن ابن القاسم أنه ذكر عن مالك قوله: إن كان النشوز من قبله حل له ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك، ولم يكن ذلك ضرر منه بها.\n(٦) يعني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.","vol":"2","page":308},{"text":"ثم قال: ولا أحسب أنه لو قيل لأحَدٍ: اجهدْ نفسَكَ في طلب الخطأ، ما وجدَ أمرًا أعظمَ من أن يَنطقَ الكتابُ بتحريم شيءٍ، ثم يقابله بالخلافِ نصًّا، و(١) يقول: بل يجوزُ ذلك، ولا يُجبر على ردِّ ما أخَذ (٢).\nوأباح ذلك على جهة المضارة عند إتيانهنّ بالفاحشة المبينة ليفتدين منهم، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾؛ لأن المستثنى نقيضُ المستثنى منه، فيكون المعنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاعضلوهن لتذهبوا ببعضِ ما آتيتموهُنَّ.\n* فالفاحشةُ قيل: هي الزنا.\nقال أبو قِلابةَ: إذا زنتِ امرأةُ الرجلِ، فلا بأسَ أن يضارَّها حتى تفتديَ منه (٣).\nوقال السديُّ: فإذا (٤) فعلنَ ذلك، فخذوا مهورَهُنَّ (٥).\nونحوه عن ابن سيرين (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"ثم\".\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٢٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٩٤ - ٩٥)، وعنه نقل المصنف -﵀- كلام ابن المنذر.\n(٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١٠).\n(٤) في \"ب\": \"وإذا\".\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١٠).\n(٦) قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٦/ ٧٩) بعد أن ذكر قول أبي قلابة وابن سيرين: وهذا عندي ليس بشيء؛ لأن الفاحشة قد تكون في البذاء والجفاء، ومنه قيل للبذيء: فاحش ومتفاحش، وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان لها لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضار بها حتى تفتدي منه بمالها، فليس ذلك له، وما أعلم أحدًا قال: له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة، والله أعلم.","vol":"2","page":309},{"text":"وقيل: الفاحشةُ: البغضُ والنشوزُ، ورويَ عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ (١).\nفأحلوا أخذَ مالِها عندَ نشوزِها.\nوبه قال مالكٌ (٢) والشافعيُّ (٣)، فحلَّ (٤) الخلعُ في هذه الحالةِ بهذه الآية، وحلَّ في غيرِها إذا كانَ النشوزُ منهما بآية البقرة (٥).\n* فإن قيل: فقد بينَ الله سبحانه أنه لا يحلُّ للأزواجِ أن يذهبوا ببعض ما آتوا النساءَ على جهة العَضْلِ والمُضارَّةِ إلا عندَ الإتيانِ بالفاحشةِ، فهل يَحِلُّ للأزواج أن يذهبوا ببعضِ ما آتَوْهُنَّ على غيرِ جهةِ المُضارة؟ قلنا:\n- أما إذا أتينَ بالفاحشةِ، فيحل لهمُ الأخذُ؛ لأنه إذا حلَّ مع العَضْلِ بالمُضارَّةِ، فمع عدمِها أولى.\n- وأما إذا لم يأتينَ بالفاحشةِ، فيحلُّ أيضًا إذا خافا ألا يقيما حدودَ الله، كما مضى في \"سورة البقرة\" (٦).\n_________\n(١) رواه عنهما الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١٠)، وقد جاء عن الضحاك وقتادة وعطاء مثله.\n(٢) قال ابن عطية: إلا أني لا أحفظ له نصًّا في معنى الفاحشة في هذه الآية. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٢٨).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٩٧)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٥).\n(٤) في \"ب\": \"فجعل\".\n(٥) قال الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١١): وأولى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أنه معني به كل فاحشة من بذاءة باللسان على زوجها وأذى له وزنا بفرجها.\n(٦) في قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ=","vol":"2","page":310},{"text":"- وأما إذا لم يأتين بالفاحشة، ولم يخافا ألا يقيما حدود الله، فلا يحلُّ للأزواجِ الأخذُ؛ كما بينه اللهُ سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فحرمه الله تحريمًا مطلقًا، وقد علمنا أن اللهَ سبحانه إنَّما أراد تحريمَ ذلك إذا لَمْ يأتينَ بالفاحشةِ المبيِّنة، وإذا لم يخافا أَلَّا يقيما حدودَ الله، فإطلاقُ هذه الآيِة مقيَّد بالتي قبلها، وبآية البقرة (١).\n\" ثم ذمَّ اللهُ سبحانَه فاعِلي ذلك، ووبَّخَهُم بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.\n* إذا تمَّ هذا، فإن قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كناية عن الجِماع والمباشَرَةِ، وهو تفسيرُ ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما (٢).\nقال في \"الصِّحاح\" يقال: أفضى الرجلُ إلى امرأته: إذا باشَرَها وجامَعَها (٣).\nويقعُ على الوُصولِ، أي: وُصولِ بعضِهم إلى بعض.\nويقع على المُخالطة، أي: خالطَ بعضُهم بعضًا (٤).\n_________\n= الظَّالِمُونَ﴾.\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠١).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١٤). ورواه أيضًا عن مجاهد والسدي. وانظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٢). وقد قال به مقاتل وابن قتيبة. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٣).\nوبه قال الإمام الشافعي. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٣٩١).\n(٣) انظر: \"الصحاح\" للجوهري (٦/ ٢٤٥٥)، (مادة: فضى).\n(٤) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٢).","vol":"2","page":311},{"text":"* فإن قيل: مفهومُ هذا الخطابِ يدلُّ على أنه يجوزُ الخُلْعُ قبل الإفضاءِ (١)، وقبلَ الدخولِ، على قول الشافعي (٢)، وقبلَ الخَلْوةِ بها، على قولِ أبي حنيفةَ (٣) ومالكٍ (٤)؛ لأن الله سبحانه عَيَّرهم بالإفضاء، فدلَّ على أنه إذا لم يفضِ بعضهم إلى بعض، يجوزُ لهم الأخذ ممَّا آتوهم، وإن لم يأتوا بفاحشة مُبَيِّنَةٍ.\nفالجوابُ: أنه لا مفهومَ له؛ لأن الله سبحانه قصد بذكره تنفيرهم بما يستقبحونه في نفوسهم، ويسترذلونه في عقولهم من قبحِ العهدِ ورذيلة الخلق، ولم يقصد به التعليل بالإفضاء من بعضهم إلى بعض، وعلى تقدير أنه يفهم ذلك، فلا دلالةَ له؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإنها حاصرةٌ مقيدةٌ بجميع الحالات والصفات.\n* فإن قيل: فقوله تعالى في الآية الأولى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هل التقييد ببعضِ ما آتاهُنَّ الأزواجُ للتخصيص، فلا يجوزُ الافتداءُ إلا ببعضِ المهرِ، أولا، فيجوزُ بكلِّ المَهْر؟\nفالجوابُ: أن ظاهره للتخصيص، وبه قال الشعبيُّ، ويجوز أن يكونَ لغيرِ التخصيص، ولكنه جرى على الغالب في الوجود، فإن المرأةَ لا تختلع\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"إليها وهو\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١١٣)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٣٩١). وبه قال الحنابلة. انظر: \"شرح الزركشي على الخرقي\" (٢/ ٤٣٤).\n(٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١٤٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٩١).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٢).","vol":"2","page":312},{"text":"إلا بدون ما تأخذ غالبًا، وهو خلافُ الظاهر، ولكنا عدلْنا إليه للدليلِ الذي قدمناه في سورة البقرة (١).\n* * *\n\n٧٥ - (١٦) قوله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].\n* حرم الله سبحانه على الرجل نكاحَ أربعٍ بالمُصاهرة، فحرَّم عليه نكاحَ منكوحَةِ أبيه، وعفا عَمّا قد سلفَ في الجاهلية، وأطلق التحريمَ، ولم يفرِّق بين أن يكونَ الأبُ قد دخلَ بها أو لم يدخلْ بها، والحكم كذلكَ بإجماع المسلمين (٢)، وألحقوا بمنكوحَتِهِ موطوءَتَهُ بملك اليمين، وبنكاح الشُّبْهَةِ بطريق التنبيهِ والأَوْلى، وهو إجماعٌ منهم أيضًا.\n* والنكاحُ في وضعِ اللغة هو الضَّمُّ (٣)، وذلك حقيقةٌ في الجِماع، ويقعُ على العَقْدِ، وهو المستعملُ في عُرْفِ الشرعِ (٤)، وحَمْلُ ألفاظِ الشرعِ على عُرْفِ الشَّرعِ أولى من حملها على وَضْعِ اللغة، ولهذا حمله الشافعيُّ على العُرْفِ، فلم يُحَرِّمْ موطوءَةَ الأبِ بالزنا (٥)، وحمله أبو حنيفةَ على أصلِ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الرازي\" (٦/ ٨٨).\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٤١٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٥١)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٣١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦٩).\n(٣) انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٦٢٥)، و\"القاموس\" (ص: ٣١٤) (مادة: نكح).\n(٤) وقيل بالاشتراك بينهما، وبه جزم الزجاجي. قال الحافظ: وهذا الذي يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٣).\n(٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٧٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٢٣). وهو الصحيح عند الحنابلة. انظر: \"الإنصاف\" للمرداوي (٨/ ٤)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٢١).","vol":"2","page":313},{"text":"الوضع، فحرَّمها (١)، وعن مالكٍ راويتان (٢).\n* * *\n\n٧٦ - ٧٧ (١٧ - ١٨) قوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤].\n* حرم الله سبحانه في هذه الآية سَبْعًا من ذَوي النسب، وأجمعَ المسلمونَ على تحريمهنَّ، وهنَّ: الأُمهاتُ، والبناتُ، والأَخَواتُ، والعمَّاتُ، والخالاتُ، وبناتُ الأخِ، وبناتُ الأختِ.\n- واتفقوا على أن الأمهاتِ هاهنا كلُّ أنثى لها عليكَ وِلادَةٌ؛ من جِهةِ الأُمِّ، أو من جِهَةِ الأب.\n- وأن البناتِ كلُّ أنثى لك عليها ولادةٌ؛ من قِبَلِ الابنِ، أو من قِبَلِ البنتِ.\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ١٨٧)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٣/ ٨٣).\n(٢) الصحيح عند المالكية: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ١٨٨)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٤٠٣).","vol":"2","page":314},{"text":"- وأن الأختَ كلُّ أنثى شاركتكَ في أحدِ أصلابِكَ.\n- وأن العَمَّةَ كلُّ أختٍ لذكرٍ له عليكَ وِلادةٌ؛ كأختِ الأبِ وأختِ الجدِّ من جِهة الأب، وأختِ الجدِّ من جهةِ الأم.\n- وأنَّ الخالةَ كلُّ أختٍ لأنثى لها عليك ولادةٌ، كأختِ الأمِّ، وأختِ الجَدَّةِ من قِبَلِ الأمِّ، وأختِ الجَدَّةِ (١) من قبلِ الأبِ.\n- وبناتُ الأخِ وبناتُ الأخت كلُّ أنثى لأخيكَ أو لأختِكَ عليها ولادةٌ من قِبَلِ أُمِّها، أو من قِبَلِ أبيها (٢).\n* وحرم الله سبحانه اثنتين بالرَّضاعِ: الأُمَّ والأَخَواتِ، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وأجمع عليه المسلمون (٣).\n* وأطلق الله سبحانه الإرضاعَ، ولم يقيدْهُ بصفةٍ:\n- فيحتمل أن يكونَ له مقدارُ عددٍ معلومٍ ووقتٍ معلومٍ.\n- ويحتملُ غير ذلك، وهو الظاهرُ من إطلاقِ الخطابِ الذي لا يُعْدَلُ عنه\n_________\n(١) في \"أ\": \"الجد\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٣١).\n(٣) ذهب الشافعية والحنابلة في القول الصحيح عندهم إلى أن ما دون الخمس رضعات لا يؤثر في التحريم، وروي هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير ﵃ وبه قال عطاء وطاوس.\nانظر: \"الوسيط\" للغزالي (٦/ ١٨٣)، و\"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٩٠ - ٩١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣١٠)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٤/ ٣٨٨)، وشرح منتهى الإرادات\" (٥/ ٦٣٢).","vol":"2","page":315},{"text":"إلا بدليل، فعدل الشافعيُّ وجماعة قليلون عن الظاهر (١).\n* أما في العدد، فلِما خَرَّجَهُ مسلم من حديثِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا تُحَرَّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ\" (٢).\nوخرَّج عن عائشة أيضًا (٣) -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن)، ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلوماتٍ، فتوفي رسولُ الله - ﷺ - وهُنَّ فيما (٤) يُقْرَأ في القرآن (٥).\nوأخذ بظاهر الإطلاق أكثرُ أهلِ العلم: عليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس -رضيَ الله تعالى عنهم-، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وابنُ المسيّبِ، ومكحولٌ، والحسنُ، والزهريُّ، وقتادةُ، والحكمُ، ومالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ رحمهم الله تعالى (٦).\nولا أعلمُ لهم جوابًا صحيحًا عن الأحاديثِ الواردةِ بالتحديد.\nثم اختلفَ القائلون بالتحديدِ، فقال الشافعيُّ: لا يُحَرِّم إلا خمسُ\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٠٩).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) \"أيضًا\" ليس في \"ب\".\n(٤) في \"ب\": \"مما\".\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١١٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٤٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٦٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٠).\nقلت: وهو رواية عن الإمام أحمد. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٣٨).\nقال ابن عبد البر: الحجة في هذا ظاهر قول الله ﷿: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، ولم يخص قليل الرضاعة من كثيرها.\nوكذا قال القرطبي: وهو تمسك بدليل الخطاب، ثم قال: وهو مختلف فيه.","vol":"2","page":316},{"text":"رَضَعاتٍ؛ لقول عائشةَ رضي الله تعالى عنها: ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ (١).\nوقال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ: تحرمُ الثلاثُ، ولا يُحَرِّم ما دونهنَّ (٢)؛ لقوله - ﷺ -: \"لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ\" (٣).\nفقد تعارضَ مفهومُ الخطابِ في الدلالتين، وعلى المجتهدِ أن ينظر في ترجيحِ أحدهما، وإنما عدلنا إلى التحريمِ، وإنْ كانَ التحريمُ (٤) بالثلاث أحوطَ؛ لأنه لما عدل بالتحريم من العشر إلى الخمس، دلَّ دلالةً ظاهرةً بينةً أنها حدٌّ فاصلٌ بين التحريمِ والتحليل، بخلاف (٥) قوله: \"لا تُحَرِّمْ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ\"؛ فإنه لا ينفي أن الثلاثَ والأربعَ لا يُحَرِّمْنَ، ولا يكونُ العدولُ والنسخُ إلا بعدَ استقرارِ الحُكْم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٣٦٠)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٣/ ٤١٦). وهو رواية عن الإمام، وهو الصحيح عند الحنابلة. انظر: \"شرح الزركشي على الخرقي\" (٢/ ٥٥١)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٤/ ٣٨٨).\n(٢) هو رواية عن الإمام أحمد. ونقل النووي في \"المجموع\" (٢٠/ ٩٠): أن إسحاق لا يرى التحريم فيما دون خمس رضعات. وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٣٨)، و\"المبدع\" لابن مفلح (٨/ ١٦٧).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) في \"ب\" زيادة \"بالخمس\".\n(٥) في \"ب\" زيادة \"مفهوم\".\n(٦) قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ١٤٧): والثابت من الأحاديث حديث عائشة في الخمس، وأما حديث: \"لا تحرم الرضعة والرضعتان\" فلعله مثال لما دون دون الخمس، وإلا فالتحريم بالثلاث فما فوقها إنما يؤخذ من الحديث بالمفهوم، وقد عارضه مفهوم الحديث الآخر المخرج عند مسلم وهو \"الخمس\"، فمفهوم: \"لا تحرم المصة ولا المصتان\" أن الثلاث تحرم، ومفهوم =","vol":"2","page":317},{"text":"فإن اعترضَ معترضٌ علينا (١) بأنَّ القرآنَ لا يَثْبُتُ بخبر الواحدِ، وإذا لم يثبتْ بخبر الواحد، بطلَ العملُ، ولا يتنزلُ منزلةَ خبر الواحد، كما هو قولُ المحققينَ من أهلِ النظرِ؛ لأنه إنما رواه على أنه قرآنٌ، فإذا لم يثبتْ قرآنًا، لم يثبتْ غيرُه.\nولأنَّ خبرَ الواحد إذا توجَّه إليه قادحٌ، وجبَ التوقُّفُ عن العملِ به، وهذا لم يجئْ إلا بآحاد -مع أن العادة مجيئُه متواترًا- يوجبُ ريبةً في صحةِ الخبر.\n_________\n= \"خمس رضعات\" أن الذي دون الأربع لا يحرم، فتعارضا، فيرجع إلى الترجيح بين المفهومين، وحديث الخمس جاء من طرق صحيحة، وحديث المصتان جاء أيضًا من طرق صحيحة، لكن قد قال بعضهم: إنه مضطرب؛ لأنه اختلف فيه هل هو عن عائشة أو عن الزبير أو عن ابن الزبير أو عن أم الفضل، لكن لم يقدح الاضطراب عند مسلم، فأخرجه من حديث أم الفضل زوج العباس: أن رجلًا من بني عامر قال: يا رسول الله! هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: \"لا\"، وفي راوية له عنها: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، ولا المصة ولا المصتان\".\nقال القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ١١٠): هو أنص ما في الباب، إلا أنه يمكن حمله على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضع.\nوقوَّى مذهب الجمهور: بأن الأخبار اختلفت في العدد، وعائشة التي روت ذلك قد اختلف عليها فيما يعتبر من ذلك، فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم، ويعضده من حيث النظر أنه معنى طارئ يقتضي تأييد التحريم، فلا يشترط فيه العدد، كالصهر، أو يقال: مائع يلج الباطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد كالمني، والله أعلم. وأيضًا: فقول عائشة: \"عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فمات النبي - ﷺ - وهن مما يقرأ\" لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآنًا، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، والله أعلم.\n(١) في \"ب\" زيادة \"فقال\".","vol":"2","page":318},{"text":"قلنا: هذا ليس مَحَلَّ النزاعِ، فإن صورةَ المسألةِ المختَلَفِ فيها إذا روى الصحابيُّ شيئًا على أنه من القرآنِ ثابتٌ غيرُ منسوخٍ؛ كقراءةِ ابنِ مسعود: (فصيامُ ثلاثة أيامٍ متتابعات) (١)، (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) (٢).\nوأما إذا روى الصحابيُّ أنه كان من القرآن ثم نسخ، فهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لأنه لم ينقلْه على أنه قرآنٌ الآنَ، وإنما نقله على أنه كان قرآنًا، وقد نُسخ، وهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لعدم توفُّر الدواعي من الأمة على نقله، فلا يوقع ريبةً، فيجوز لنا أن نقول: من القرآن شيءٌ نُسخ لفظُه على الجملة لِنَقْلِ أهلِ العلمِ ذلكَ بالتواتُرِ من طريق المعنى، لا من طريقِ اللفظ (٣).\nروي عن أنس -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: نزلت (٤) في شأن الذين قُتلوا ببئر معونة: (بَلِّغوا قومَنا أنا قد لقينا رَبَّنا، فرضيَ عنا ورضينا عنه)، قال أنس: فكان ذلك قرآنًا قرأناه (٥).\n_________\n(١) قرأ بها عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب. انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ١٢١)، و\"معجم القراءات القرآنية\" (١/ ١٥٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٢٩٤)، و\"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٣٠٦)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٣٧٧)، و\"تفسير القرطبي\" (٦/ ١٦٧)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٤٧٦)، وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ٢٠٨).\n(٣) قلت: وهذا تحرير جيد لمحل الخلاف لم أره لغير المؤلف ﵀، وفيه قد يتعقب على كلام الحافظ ابن حجر الذي نقلته قريبًا.\n(٤) في \"ب\": \"أنزل\".\n(٥) رواه البخاري (٢٦٥٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾، ومسلم (٦٧٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة.","vol":"2","page":319},{"text":"وروي عن أبي موسى الأشعري: أنه قال: نزلتْ سورةٌ نحوٌ من (براءة)، ثم رفعت، وذَكر أنه حَفِظَ منها شيئًا (١).\nوروي عن بعضهم أنه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ البقرة (٢).\nوروي عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أنها قالت: نزلت: (فصيامُ ثلاثةِ أيام متتابعات)، فسقطت متتابعات (٣). قال الدَّارَقُطْنِيُّ: إسنادُه صحيح.\nومثل ما روي: (الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا) (٤)، ولأنه لا يسمى قرآنًا إلا مجازًا، وليسَ له حرمةُ القرآن، فيجوز للجنب والحائض قراءةُ مثلِه، ولا يجوز لنا أن نقول: في القرآن شيء ثابت بنقل الواحد؛ لتوفر دواعي الأمة على نقله، فإذا نقل بعضُهم شيئًا شاذًا، رَدَدْناه، ودلَّ على بطلانه مخالفة الإجماعِ من المسلمين، بخلاف ما قدمناه؛ فإنه ليس فيه مخالفةٌ لإجماع المسلمين، فينزل منزلةَ السُّنَنِ؛ لاتفاقهما في أن الدواعيَ لا تتوفرُ من المسلمين على نقل أفرادِهما كما تتوفرُ على نقل أفراد القرآن،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٣٢)، والطيالسي في \"مسنده\" (٥٤٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٤٢٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٨٠٦٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢١١)، عن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة\".\n(٣) تقدم تخريجه، وقول عائشة هو: نزلت: \"فعدة من أيام أخر متتابعات\" وليس \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\"، ولعله سبق قلم من المؤلف، فقد سبق له ذكر قول عائشة هذا على وجهه الصحيح، والله أعلم.\n(٤) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":320},{"text":"ولاتفاقهما على أنهما لا يخرجان عن رتبة الظنِّ، ولا يتعديان إلى رتبةِ القطع (١).\nنعم قد يكونُ في السنن أشياءُ متواترةٌ من طريقِ المعنى، وهي يسيرة جدًا، والله أعلمُ، وبه العصمةُ والتوفيق.\n\" وأما الوقتُ: فذهبَ جمهورُ أهل العلم من الصحابة والتابعين وفُقهاءِ الأمصار إلى اعتبارِه؛ لما خَرَّجَهُ مسلم عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلَ رسولُ الله - ﷺ -، وعندي رجلٌ، فاشتدَّ ذلك عليه، فرأيتُ الغضبَ في وجهه، فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة، فقال - ﷺ -: \"انْظُرْنَ مَنْ إخْوانُكُنَّ؛ فإنَّما الرَّضاعَةُ من المَجاعَةِ\" (٢)، أي: إن الرضاعةَ إنما تثبُتُ في حَقِّ من يقوم له الرَّضاعُ مقامَ الغِذاء عندَ الجوع (٣).\nوأخذ داودُ بظاهر إطلاق الآية، فرضاعُ الكبير عنده يُحَرِّمُ (٤).\n_________\n(١) بقي أن يقال: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلاَّ أُبقيت التلاوة، ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟\nوأجاب ابن عقيل عن ذلك فقال: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي، انتهى. نقله الزركشي في \"البرهان في علوم القرآن\" (٢/ ٣٧).\nقلت: وهذا استنباط مليح، ولعلَّ الإجابة في أمثال هذه المسائل: أنها حكمة الله التي يتعبَّد بها الخلق، والله أعلم.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٥/ ١١٨ - ١١٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٨/ ٢٦٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٣٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٤٨).\n(٤) قال ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ١٧): ورضاع الكبير محرم، ولو أنه شيخ =","vol":"2","page":321},{"text":"وهو مذهبُ عائشة -رضي الله تعالى عنها- وكانتْ إذا أحبتْ أن يدخلَ عليها أحدٌ من الرجالِ، أمرتْ أُخْتَها أُمَّ كُلثومٍ وبناتِ أختها يرضعْنَه (١).\nوخرَّجَ مسلم عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها: أن سالِمًا مولى أبي حُذَيفةَ كان مع أبي حذيفة وأهلِهِ في بيتهم، فأتت سهلة (٢) بنتُ سُهَيلٍ النبيَّ - ﷺ -، فقالت إنَّ سالمًا قد بلغَ ما يبلغُ الرجالُ، وعقلَ ما عَقَلوا، وإنهُ يدخل علينا، وإني أظنُّ أنَّ في نفسِ أبي حُذَيفةَ من ذلك شيئًا، فقال لها النبيُّ: \"أَرْضِعيهِ تَحْرُمي عليهِ، ويَذْهَب الذَّي في نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ\" (٣).\nوأجيب عنه بأنه نازلة في عينٍ (٤)، فلا تعمُّ.\nوهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ لما رُوي عنه - ﷺ - أنه قال: \"حُكْمِي في الواحِدِ حُكْمِي في الجَماعَةِ\" (٥).\nوبأنه كان يراها سائرُ أزواجِ النبي - ﷺ - رُخْصَةً لسالمٍ وسَهْلَةَ.\nوقالت أمُّ سلمةَ رضي الله تعالى عنها: أبى سائرُ أزواجِ النبيِّ - ﷺ - أن\n_________\n= يحرم، كما يحرم رضاع الصغير. وانظر \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣١٩)، و\"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٨٦).\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٦٠٥)، و\"مسند الإمام الشافعي\" (ص: ٣٠٧)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (١٣٨٨٦).\n(٢) \"سهلة\": زيادة من \"ب\".\n(٣) رواه مسلم (١٤٥٣)، كتاب: الرضاع، باب: رضاعة الكبير.\n(٤) في \"ب\": \"بعين\".\n(٥) قال العجلوني في \"كشف الخفاء\" (١/ ٤٣٦): \"ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي في \"تخريج أحاديث البيضاوي\"، وقال في \"الدر\" كالزركشي: لا يعرف، سُئل عنه المزي والذهبي فأنكراه\".","vol":"2","page":322},{"text":"يُدْخِلْنَ عليهنَّ أحدًا بتلكَ الرضاعة، وقلن لعائشة: واللهِ ما نرى هذا إلا (١) رخصةً رخَّصها رسولُ الله - ﷺ - لسالم خاصَّةً، فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة (٢).\n* ثم اختلفَ القائلون بالتوقيت:\nفمنهم من قَيَّدَهُ بافتقارِ الأطفالِ إلى اللَّبَنِ، فمتى استغنى عن اللبن، فلا أَثَرَ لرضاعه، وإن وقعَ قبل انقضاءِ الحَوْلين، وهو قولُ الأوزاعي (٣)؛ أخذًا بقوله - ﷺ -: \"إنَّما الرَّضاعَةُ من المَجاعَةِ\" (٤).\nومنهم من وَقَّتَهُ بالزمان، وهو حولانِ عند الشافعيِّ (٥)؛ استئناسًا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nوحولانِ وستةُ أشهرٍ عند أبي حنيفة (٦).\nوحَوْلانِ وشهرٌ ونحوُه عند مالك (٧).\n_________\n(١) في \"أ\": \"ما نرى هذه إلا لنسائنا رخصةً\".\n(٢) رواه مسلم (١٤٥٤)، كتاب: الرضاع، باب: رضاعة الكبير، عن أم سلمة.\n(٣) وهو قول المالكية. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٥٨). وانظر: \"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٨٦)، و\"طرح التثريب\" للعراقي (٧/ ١٢٨).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) وهو قول الحنابلة وأبي يوسف ومحمد، وهو المفتى به عند الحنابلة.\nانظر: \"الحاوي\" للماوردي (١١/ ٢٦٦)، و\"البناية في شرح الهداية\" للعيني (٤/ ٨٠٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣١٩)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٤٤٥).\n(٦) وقال زفر: ثلاثة أحوال. انظر: \"البناية في شرح الهداية\" للعيني (٤/ ٨١٠).\n(٧) روى الوليد بن مسلم عن مالك: ما كان بعد الحولين بشهر أو شهرين أو ثلاثة، فهو من الحولين. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٥٨).","vol":"2","page":323},{"text":"وعمل داودُ بأصله في اتباعِ الظاهر، وترك المعنى، فلم يحرمْ بالوُجور (١) واللُّدود (٢).\nووافقه عطاءٌ في الحُكم (٣).\nوخالفهما سائرُ أهلِ العلم؛ لأن المعنى في لبن المرضعة هو ممازجةُ لبنِها لِلَحْمِ الطفل وعروقِه، فنباتُ لحمِه ودمِه من لبنها، فصار كبَضْعَةٍ منها، وهذا المعنى موجودٌ في الوجور واللدود (٤).\n* فإن قيل: فهل تخصيصُ الله سبحانه الأمهاتِ والأَخَوات بالذِّكْرِ يدلُّ على أن مَنْ عداهُنَّ مِمَّنْ يُدْلي بجهةٍ غيرِ جهةِ الأمِّ بخلافهن، أو لا يَدُلُّ (٥)؟\nفالجواب: أنه بمجردِ ذكرِه لا يدلُّ؛ لأنَّ الاسمَ من غير ذكر صفتِه لا يدلُّ؛ على أنَّ ما عَداهُ بخلافه، باتفاق الأصوليين، إلا أبا بكرٍ الدَّقَّاقَ، وإنما يدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعدَ ذكرهِ لهذهِ المُحَرَّماتِ المَعْدودات، فيجوز أن يكونَ في التخصيصِ بذكرهنَّ دلالةٌ على أَنَّ مَنْ عداهُنَّ بخلافِهِنَّ، فلا حُرْمَةَ بينَ الرضيعِ والفَحْلِ، ومن يدلي به؛ كأخيه، فيجوزُ للرضيعِ أن يتزوَّجَ عَمَّته، ويجوز للفَحْلِ ولأخيهِ أن يتزوجَ المُرْضَعَةَ بلِبانه، ويجوز أن يكونَ هذا التخصيصُ للتنبيهِ على حكمِ\n_________\n(١) الوَجور: الدواءُ يُوجَر في وسط الفم.\nقال ابن السكيت: الوَجوز: في أيِّ الفم كان، واللدود في أحد شقّيه.\n\"اللسان\" (مادة: وجر) (٥/ ٢٧٩).\n(٢) اللَّدودُ: ما سُقي الإنسانُ في أحد شقّي الفم، ولديدا الفمِ: جانباه.\n\"اللسان\" (مادة: لدد) (٣/ ٣٩٠)\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٩٧).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٨).\n(٥) في \"أ\": \"وخالفهم بخلافه، أو لا دليل\".","vol":"2","page":324},{"text":"أصل الرَّضاع، ثم يلحق به سائرُ المحرمات بالنسبِ، وهو خلاف الظاهر الذي لا يُعْمَدُ (١) إليه إلا بدليل.\nفقال بالأول قومٌ منهم ابنُ عمر، وابنُ الزبير، وابنُ المسيّب، وإبراهيمُ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن؛ لما قررتُه من الظاهر، ولأن المعنى المُحَرِّمَ للأمِّ هو نباتُ لحمِه وانتشارُ عظمِه بِلبِانها مفقودٌ في الفحل.\nوذهبَ كثيرٌ من أهلِ العلم إلى إثباتِ الحُرمةِ بين الفحلِ والرضيعِ، وبه قالَ الأئمةُ الأربعةُ (٢)؛ لما أخرجه الشيخان من حديث عائشةَ: أنه جاءَ أَفْلَحُ أخو أبي القُعَيْسِ يستأذنُ عليها بعدما نزلَ الحِجابُ، وكانَ أبو القُعَيْسِ أبا عائِشَةَ منَ الرضاعةِ، قالت عائشة: فقلت: واللهِ لا آذنُ لأفلحَ حتى أستأذنَ رسولَ الله - ﷺ -؛ فإن أبَا القُعَيْسِ ليسَ هو أَرْضَعَني، ولكنْ أرضعَتْني امرأتهُ، قالت عائشةُ: فلمّا دخلَ رسولُ الله - ﷺ -، قلت: يا رسول الله! إن أفلحَ أخا أبي القعيس جاءني يستأذن عليَّ، فكرهتُ أن آذنَ لهُ حتى أستأذنكَ، قالت: فقال النبيُّ - ﷺ -: \"ائذَنِي لَهُ\" (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"يعدل\".\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٤١/ ٢)، و\"التلقين\" للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٥٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٣٥٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ١٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٨٧).\nوانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٤٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٦٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٥١).\n(٣) رواه البخاري (٤٥١٨)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ ...﴾، ومسلم (١٤٤٥)، كتاب: الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل.","vol":"2","page":325},{"text":"وفي بعض طرقه: \"إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ\" (١)، ولأنه سببُ اللبنِ، فلا يخرجُ السببُ عن حكمِ المسبّب، ولهذا قال ابن عباس: اللقاحُ واحد، لمَّا سئل عن رجل كان له امرأتان، فأرضعت إحداهُما غلامًا، والأخرى جارية، هل يتزوجُ الغلامُ الجارية؟ فقال: لا، اللَّقاحُ واحدٌ (٢).\n* وحرم الله سبحانه في هذه الآية ثلاثًا بالمُصاهرة، وهي: أمهاتُ الزوجات، وبناتُ الزوجات، وزوجاتُ الأبناء، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].\nوهذا إجماعٌ من الأمة.\n* وأطلق الله سبحانه تحريم أمهاتِ الزوجات وزوجاتِ الأبناء، وقيدَ تحريمَ بناتِ الزوجات بالدُّخول.\nوقد اتفق المسلمون على تحريم زوجات الأبناءِ بالعَقْدِ؛ كما أطلقه الله سبحانه، وعلى أن الربائبَ لا يحرمْنَ إلا بالدخول على أمهاتهن؛ كما قيد الله سبحانه، ونصَّ عليه (٣).\n_________\n(١) تقدم تخريجه بهذا اللفظ.\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٠٢)، ومن طريقة الإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٠٦)، والترمذي (١١٤٩)، كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في لبن الفحل، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (١/ ٢٧٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٩٤٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٣٤٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٧٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٥٣).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ١٨٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٣).","vol":"2","page":326},{"text":"* واختلفوا في أمهاتِ الزوجاتِ هل يحرمْنَ بالعَقْدِ أو بالدخول؟\n- فذهب جمهورُ أهل العلم من كافة فُقهاء الأمصار إلى أنها تحرم بالعَقْدِ على البنت.\n- وذهب قومٌ إلى أنها لا تحرمُ إلا بالدخول؛ كالبنت.\nقيل: ويروى عن عليٍّ وابنِ عباسٍ من طرق ضعيفة (١).\nوظنَّ بعضُ المتأخرين (٢) أن منشأ اختلافِ الفريقين هو الأصلُ المشهورُ في الصفة إذا تعقبت جُملًا عُطِفَ بعضُها على بعض، هل يعود إلى الجميع، أو يختصُّ بالأخيرة؟ واعتقد (٣) أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] عائدٌ إلى الجميع على قول، وغير عائد على قول، وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاصٌّ بالربائب (٤).\n_________\n(١) ويروي عن جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت، وهو قول مجاهد وابن الزبير. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٥/ ١٠٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٦)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٠٦) ..\n(٢) لعله يقصد ابن رشد حيث ذكر ذلك في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٥) وقال: ومبنى الخلاف، ثم ذكره، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٠٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧١).\n(٣) في \"ب\": \"فاعتقد\".\n(٤) قال البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ١٦٦): و﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ متعلق بربائبكم، و﴿اللَّاتِي﴾ بصلتها صفة لها مقيدة للفظ والحكم بالإجماع قضية للنظم، ولا يجوز تعليقها بالأمهات أيضًا؛ لأن (من) إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك، بل وجب أن يكون بيانا لـ ﴿نِسَائِكُمُ﴾، والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء، اللهم إلا إذا جعلتها للاتصال؛ كقوله: إذا حاولت في أسد فجورًا فإني لست منك ولست مني، على معنى: أن أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن، لكن الرسول - ﷺ - فرق بينهما.","vol":"2","page":327},{"text":"وإنما اختلفوا في إلحاقِ الأمهات بالبنات في التقييد:\nفمنهم من ألحقها بالبنت، فاشترطَ الدخولَ، ولم يرَ بينهما فرقًا.\nومنهم من لم يُلْحقها بها، ورأى أن الأمَّ لا يُصيبها نُفْرَةٌ، ولا يلحقها (١) غَيْرَةٌ على ابنتها، بخلاف البنتِ، كما هو المعهودُ من طباعِ الناس، فرآه فارقًا من محاسن الشريعة.\nفإن قيل: فتقييدُ (٢) الربائب بكونهن في الحُجور يدلُّ على أنهن إذا لم يكنَّ في الحُجور لا يَحْرُمْنَ.\nفالجوابُ: أن هذا الخطابَ لا مفهومَ له، وإنما ورد استعمالهُ على غالبِ الوجود؛ فإن الموجودَ من أحوال الناس أن الربائبَ لا يَكُنَّ إلا في حُجورِ أزواجِ أمهاتهن، وهذا قولُ جمهورِ أهل العلم.\nوخالف داودُ، فجعلَه مفهومًا، وأباحَ الربيبةَ التي لم تكنْ في حجرِ الرجل، وهذا من ظواهره البعيدة (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"تعتريها\".\n(٢) في \"أ\": \"تقييدُ\".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٢).\nقلت: استدل داود وغيره بالأثر المروي عن علي ﵁ في ذلك، وهو ما رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٨٣٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩١٢) عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وفد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة، قلت: نعم وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك.\nقال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٧٢) بعد أن ساق إسناد ولفظ ابن أبي حاتم: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب =","vol":"2","page":328},{"text":"* وأما مفهومُ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فهو يدلُّ على أن زوجةَ الابن من التبنيِّ لا تَحْرُمُ، وهي كذلك حَلالٌ بالإجماعِ (١).\nوقد ورد حِلُّه مبيَّنًا في موضعٍ آخرَ، قال الله ﷻ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهو المراد بمفهوم الآية، وأما حليلُة ابنِ الرَّضاع، فحرامٌ بالاتفاق (٢)؛ لقوله - ﷺ -: \"يَحْرُمُ منَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ منَ النَّسَبِ\" (٣).\n\" ثم حرم الله سبحانه الجمعَ بين الأختين، فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، وذلك إجماعٌ (٤)، سواءٌ كُنَّ معًا، أو مُتَرَتبِّاتٍ.\n_________\n= جدًا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية -﵀- فاستشكله وتوقف في ذلك والله أعلم.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ١٥٨): والأثر صحيح عن علي، وكذا صحَّ عن عمر: أنه أفتى من سأله إذ تزوج بنت رجل كانت تحته جدتها ولم تكن البنت في حجره. أخرجه أبو عبيد.\nقال الحافظ: ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى؛ لأن التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم، فلا تحرم بوجود أحد الشرطين.\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٦).\n(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٦).","vol":"2","page":329},{"text":"والحكمةُ إيقاعُ البُغْضِ (١) والتقاطعُ بين الأرحام.\n* وبَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن الجمعَ بين المرأةِ وخالَتِها، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها في معنى الجمعِ بين الأختين (٢)، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (٣).\nقال أبو عبد الله الشافعيُّ: وهو قولُ من لَقِيتُ من المُفْتين، لا اختلافَ بينهم فيما علمتُه (٤).\nوالاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ راجعٌ إلى الجملَةِ الأخيرة، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: كان أهلُ الجاهلية يُحَرِّمون ما حَرَّمَ اللهُ، إلا امرأةَ الأبِ، والجمعَ بين الأختين (٥).\n* ثم حرم الله سبحانه المزوَّجاتُ من النساءِ على غير أزواجهنَّ، فإنه أكبرُ الزنا وأعظمُه، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والمراد بالمُحْصنات هنا: المزوَّجات (٦).\nفإن قال قائل: فبيِّنْ لنا حقيقةَ الإحصان، والدليلَ على أن المرادَ به المزوجاتُ؛ فإنَّا رأينا الإحْصانَ يقعُ في كتابِ الله على معانٍ مختلفة.\n_________\n(١) في \"ب\": \"البغضاء\".\n(٢) روى البخاري (٤٨٢٠)، كتاب: النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (١٤٠٨)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٩١)، و\"شرح عمدة الأحكام\" لابن دقيق (٤/ ٣٢).\n(٤) انظر: \"الأم \" للإمام الشافعي (٥/ ٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٦٦).\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٣١٨).\n(٦) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٣٥)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٤).","vol":"2","page":330},{"text":"قلنا: هو كما ذكرتَ يقعُ على معاني مختلفة، ولكنه إن وقعَ على معانٍ مختلفة، فإنه يجمعُها معنًى واحدٌ، وهو المنعُ.\nفالإحصانُ (١) مأخوذٌ من التحصين، وهو المنعُ، فكلُّ ما يَمْنَعُ فهو مُحْصِن -بكسر الصاد- وما مُنِع فهو مُحْصَنٌ -بفتح الصاد (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]، يعني: ممنوعة، وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، أي: منعته عن الزنا.\nوهو يقعُ في القرآن على معانٍ.\nمنها: العِفَّةُ؛ لأنها مانعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: عفائفَ غيرَ زوانٍ.\nومنها: الحرية؛ لأنها مانعةٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].\nومنها: الإسلامُ؛ لأنه مانعٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، أي: أسلمْنَ (٣)، وهذا\n_________\n(١) في \"ب\": \"والإحصان\".\n(٢) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٣٩٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٦٢)، و\"لسان العرب\" (١٣/ ١١٩) مادة (حصن).\n(٣) انظر: \"تحرير ألفاظ التنبيه\" للنووي (ص: ٣٢٣ - ٣٢٤).","vol":"2","page":331},{"text":"تأويلُ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- المشهورُ عنه، ويروى عن عبدِ الله بن مسعود (١)، والدليلُ عليه قوله - ﷺ -: \"إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِناها، فَلْيَحُدَّها\" (٢).\nقال الشافعيُّ: ولمَّا (٣) لم يقلْ: محصنة، أو غير محصنة، استدلَلْنا على أن قولَ الله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] إذا أسلمْنَ، لا إذا نكحن وأُصبن بالنكاح، ولا إذا أُعتقن، وإن لم يُصَبْنَ (٤).\nقال: وروينا عن ابن مسعود أنه قال: إحصانُها إسلامُها (٥)، وسيأتي الكلام على هذا قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\nومنها: النِّكاح؛ لأنه مانعٌ؛ وذلك كقوله (٦) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤].\nوالدليل عليه ما روينا في \"صحيح مسلم\" عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله - ﷺ - يومَ حنينٍ بعثَ جيشًا إلى أَوْطاسٍ، فلقي عدوًا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تَحَرَّجوا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجهنَّ من\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٣٦٢). وهو مروي عن أنس بن مالك والشعبي والنخعي.\n(٢) رواه البخاري (٢١١٩)، كتاب: البيوع، باب: بيع المدبَّر، ومسلم (١٧٠٣)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، وأبو داود (٤٤٧٠)، كتاب: الحدود، باب: في الأمة تزني ولم تحصن، عن أبي هريرة، وهذا لفظ أبي داود.\n(٣) في \"ب\": \"ولو\".\n(٤) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ١٣٥ - ١٣٦).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٥٥)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٤٣).\n(٦) \"وذلك\" ليس في \"أ\".","vol":"2","page":332},{"text":"المشركين، فأنزل عليه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي (١): فهنَّ لهم حلالُ إذا انقضتْ عِدَّتُهُنَّ (٢).\nفإن قال قائل: فعمومُ الاستثناء يقتضي أن كلَّ مزوجة تَحِلُّ بملكِ اليمين، سواءٌ كانت مَسْبيَّة أو غيرَ مَسْبِيَّةٍ، وثنيةً كانت أو كتابيةً، ويقتضي أن الأختينِ حَلالانِ بملكَ اليمين؛ لأنَّ العبرةَ بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ولأن الاستثناءَ راجعٌ إلى الجميعِ عند الأكثرين من أهل العلم بشرائطِ الاستدلال.\nقلنا: قد اختلفَ الناسُ في ذلك.\nفرأى أبو حنيفة حِلَّ المَسْبيَّةِ المزوَّجَةِ إذا سُبيت منفردةً عن زوجها، سواءٌ تقدّم سَبْيُها أو تأخر، ورأَى تحريمَها إذا سُبيت مع زوجها، وكذا رأى تحريمَ المزوَّجَة المُشْتراة، فحملَ عمومَ الآية على خصوصِ سببها (٣).\nورأى الشافعيُّ حِلَّ المَسْبيةِ مطلقًا؛ إذ العبرةُ عنده بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ووافقَهُ في تحريمِ المزوَّجَةِ المشتراة (٤)؛ لأجلِ تخيير النبيِّ - ﷺ - بَريرَةَ بعد العتقِ (٥)؛ لأنها لو طَلُقَتْ بشراءِ عائشةَ، أو بعتقِها، لما خَيَّرَها النبيُّ - ﷺ -.\nوهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وابنِ\n_________\n(١) \"أي \"ليست في \"أ\".\n(٢) رواه مسلم (١٤٥٦)، كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي.\n(٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ٥٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٦٨).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٥٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٢٩).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":333},{"text":"عُمر (١)، فعملَ الشافعيُّ بعمومِ الآيةِ، وبخصوصِ الحديث.\nووافقهما مالكٌ في تحريم المزوَّجة المُشتراة؛ لحديث بَريرَةَ (٢).\nوعن مالكٍ في المَسْبية روايتان كالمذهبين (٣).\n* وخالف الجميعَ قومٌ في المزوَّجَةِ المُشْتراة، فرأوا حِلَّها، وأن بيعَها طلاقٌ، ويُروى عن ابن عباسٍ، وجابرٍ، وابنِ مسعودٍ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصين (٤).\nوقال البخاري: قال أنس: لا نرى بأسًا أن ينزعَ الرجلُ جاريَته من عبدِه (٥)، فعملوا بعمومِ الآيةِ مُطلقًا.\n* وكذلك اختلف أهلُ العلم في الأَمَةِ الوثنيَّة.\nفقال جمهورُهم: لا يجوزُ وطْؤها؛ لأن من لا تحلُّ بملكِ النِّكاح، لا تحلُّ بملكِ اليمينِ، كالأمِّ والأخت (٦).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٨١).\nوقد ذهب الحنابلة إلى حل المسبية المزوجة إذا تقدم سبيها على زوجها، وإلى تحريمها إذا سبيت مع زوجها. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢١٥).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٧٥).\n(٣) والمذهب حلُّها مطلقًا سواء مع زوجها أو من دونه. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٣٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٤٠).\n(٤) وهو قول سعيد بن المسيب ومجاهد وعكرمة وإسحاق ورواية عن مالك. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٧٥).\n(٥) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥/ ١٩٦٣).\n(٦) قد مرَّ الخلاف في التزوج بالوثنيات في آية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ...﴾.\nوانظر: \"البحر الرائق\" لابن نجيم (٤/ ١٣٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٥٠٣)، و\"المدونة\" (٢/ ٢٢٥)، و\"المجموع\" للنووي (١٧/ ٣٤٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٢١).","vol":"2","page":334},{"text":"قال الشافعيُّ: وإذا حَرَّم رسولُ الله - ﷺ - على من أسلم أن يطأَ (١) امرأةً وثنيةً حتى تسلم في العِدَّةِ، دلَّ ذلك على أنه لا يَطَأُ من كانَت على دينها حتى تسلم من حرة أو أَمَةٍ (٢).\nوقال بجوازه طاوسٌ، ومجاهدٌ (٣).\nوهو قويُّ الدلالةِ عندي معَ اتفاقِ فُقهاء الأمصارِ وسائرِ العلماءِ على خلافه؛ لأنه ما هو في الدلالةِ أقوى من القياس لا يَخُصُّ من العموم محلَّ السبب.\nوقد أباح النبيُّ - ﷺ - وطء سبايا أَوْطاسٍ، وهنَّ أصحابُ أوثان، إلا أن يثبتَ أنهنَّ لم يوطأنَ إلا بعد إسلامهن، فحينئذٍ تتضحُ الحجةُ وتقوم (٤).\nولكن لقائل أن يقول: السببُ هو الإحصانُ، لا الكفرُ، قال أبو عبد الله الشافعيُّ: ولا أحسبُ أحدًا من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - وَطِئَ مسبيَّةً عربيةً حتى أسلمت (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"توطأ\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٦٤).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٦٦). قال ابن عبد البر: وهو قول شاذ مهجور.\n(٤) روي عن أحمد: أنه سأله محمد بن الحكم قال: قلت لأبي عبد الله: هوازن أليس كانوا عبدة أوثان؟ قال: لا أدري كانوا أسلموا أو لا؟. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٣).\nقال ابن عبد البر: قول ابن شهاب -وهو أعلم الناس بالمغازي والسير- دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن. انظر: \"الاستذكار\" (١٦/ ٢٦٨).\nفي إشارة منه إلى قول الأوزاعي قال: سألت الزهري عن رجل يشتري المجوسية أيطأها؟ فقال: إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها.\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١٦٤).","vol":"2","page":335},{"text":"* وأما الاستثناء، فقال أكثرُ الناس باختصاصه بالجملة الأخيرة، وأن الجمعَ بين الأختين بملكِ اليمينِ حرامٌ (١).\nقال عثمانُ -رضي الله تعالى عنه-: أحلَّتهما آية وحَرَّمتهما آية (٢)، والتحريمُ أولى (٣).\nوبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن.\nوخالف الناسَ أهلُ الظاهر، فقالوا: يجوزُ الجمعُ بينَهما كما يجوزُ ملكُهُما، ولا التفاتَ إليهم (٤).\n* وضابطُ الجمعِ المحرمِ ما قاله الشعبيُّ: كلُّ امرأتين إذا جَعَلْتَ موضعَ إِحداهما ذَكَرًا، لم يَجُزْ أن يتزوجَ الأخرى، فالجمعُ بينهما باطلٌ، فقيل له:\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٧٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١١٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٩١). قال القرطبي: ذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطء.\n(٢) قال ابن عبد البر: أما قوله: \"أحلتهما آية\": فإنه يريد تحليل الوطء بملك اليمين مطلقًا في غير ما آية من كتابه.\nوأما قوله: \"وحرمتهما آية\": فإنه أراد عموم قوله ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. انظر: \"الاستذكار\" (١٦/ ٢٥٠).\n(٣) ذرواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٣٨)، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٨٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٧٢٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٢٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٦٣). وجاءت ألفاظه عندهم: \"ولم أكن لأفعله، و\"لست أفعل أنا ولا أهلي\"، \"وأما أنا فلا أحب أن أصنع هذا\"، وحلا آمرك ولا أنهاك\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٩٦). وقد ذهب ابن حزم إلى ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين. انظر: \"المحلى\" (٩/ ٥٢١).","vol":"2","page":336},{"text":"عَمَّنْ هذا؟ فقال: عن أصحابِ رسول الله - ﷺ - (١).\n\" ولما ذكر اللهُ سبحانه الحرامَ من النساء، ذكر الحلالَ منهن بلفظٍ عامٍّ مترقٍّ في الظُّهور إلى رتبةِ النصوصِ، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ثم بين شرطه فقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ناكحين غيرَ زانين.\n\" وبين النبيُّ - ﷺ - صفةَ النكاح، وشرائطَه، والحالةَ التي يحلُّ فيها أو يَحْرُم.\n* فإن قال قائل: فتقييدُ الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوزُ بغيرِ أموالٍ (٢).\nقلنا: قد اختلف أهلُ العلم في مسائلَ:\n* فاختلفوا في جواز النكاح على المنفعة (٣).\nفجوزه الشافعيُّ وبعضُ أصحاب مالكٍ (٤)؛ قياسًا على الإجارة (٥).\nومنعه أبو حنيفةَ إلا في حقِّ العبدِ، لما في الإجارةِ من مخالفةِ القياس، فلا يقاسُ عليها (٦).\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٨/ ٢٨١ - ٢٨٢)، و\"الاستذكار\" له أيضًا (٥/ ٤٥٤).\n(٢) في \"ب\": \"الأموال\".\n(٣) أي: صداق النكاح هل يجوز أن يكون منفعة؛ كأن يبني لها البيت، أو يخيط لها الثوب.\n(٤) أجازه من أصحاب مالك: أصبغ وسحنون. انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٦).\n(٥) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٦١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٤٩٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤١٧)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" (٣/ ٨٥)، و\"المغني\" كلاهما لابن قدامة (٧/ ١٦٢).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٩٠)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني =","vol":"2","page":337},{"text":"ويروى عن مالكِ المنعُ مُطْلقًا، والمشهورُ عنه الكراهةُ (١)، وعنده فرقٌ بين المَمْنوع والمكروه، فالممنوعُ ما يُفْسَخُ به النكاحُ بعد الدخول، والمكروهُ ما يُفسخ به قبلَ الدخول، ولا يُفسخ به بعده.\nوالخلافُ في هذه المسألةِ يرجعُ إلى أصل آخرَ، وهو هل شرع مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا أو لا (٢)؛ فمن قالَ: شرعٌ لنا، جَوَّزَ النكاحَ على المنفعة؛ لفعلِ النبيِّ شعيبٍ ذلك مع النبيِّ موسى- صلوات الله وسلامهُ عليهما (٣) -.\nومن لم يقلْ بشرعيته، منعَ هذا النكاحَ، لمخالفته القياسَ ونظمَ الآية (٤).\nوالصحيحُ الجوازُ لقوله: \"زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ\" (٥) وهذا إجازة.\n_________\n= (١/ ٢٠٧)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٣/ ١٦٨).\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٣/ ٢٧٤).\n(٢) ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية والأصح عن أحمد إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إن لم يأت في شرعنا ما ينسخه، وذهب بعض الشافعية والحنابلة أنه ليس شرعًا لنا.\nانظر: \"البرهان في أصول الفقه\" لأبي المعالي الجويني (١/ ٣٣١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ١٦)، و\"التبصرة في أصول الفقه\" للشيرازي (ص: ٢٨٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٦٣)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (ص: ٤٠١).\n(٣) ليس كل من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، جوَّز أن يكون الصداق منفعة، كالحنفية وبعض المالكية، وقالوا: لقد جاء في شرعنا ما ينسخ حكم هذه الآية وبعضهم أوَّلها.\n(٤) وكذلك ليس كل من قال: إن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، منع أن يكون الصداق منفعة، لاعتماده على أدلة أخرى كالحديث الآتي.\n(٥) رواه البخاري (٤٨٣٩)، كتاب: النكاح، باب: إذا كان الولي هو الخاطب، =","vol":"2","page":338},{"text":"الثانية: اختلفوا في النكاح على تعليم القرآن.\nفجوزه جمهورُ الفقهاء (١)، لقوله - ﷺ -: \"زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ\".\nومنعه قومٌ، وتأولوه على معنى السببية، أي: لسبب ما معك من القرآن (٢).\nوهذا بعيدٌ جدًا؛ لخروجه عن قصدِ الخطاب، ولخُلُوِّ النكاحِ عن الصَّداق.\nالثالثة: خَرَّجَ الشيخانِ عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله - ﷺ - أعتقَ صَفِيَّةَ، وجعل عتقَها صَداقَها (٣).\n- فذهب الثوريُّ، والزهريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ إلى أنه يجوز أن يعتقَها على أن تتزوج به، ويكون عتقُها صداقَها، ويلزمها ذلك، ويصحُّ الصداقُ عملًا بظاهر الحديث (٤).\n_________\n= ومسلم (١٤٢٥)، كتاب: النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم القرآن، وخاتم حديد، وغير ذلك، عن سهل بن سعد الساعدي.\n(١) من الشافعية وبعض الحنابلة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ٥٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٥٤)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ٩١)، و\"زاد المعاد\" لابن القيم (٥/ ١٧٨).\n(٢) هم الحنفية وقول عند المالكية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٩١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤١٥)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٩٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١٠٦)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٧٧).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٩٨)، كتاب: النكاح، باب: من جعل عتق الأمة صداقها، ومسلم (١٣٦٥)، كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، عن أنس بن مالك.\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٠١ - ٥٠٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٥٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٥).","vol":"2","page":339},{"text":"- ومنعه مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لمخالفتِه الأصولَ؛ لأن العتقَ إزالةُ ملكٍ، والإزالةُ لا تتضمنُ إباحةَ الشيء بوجه آخر، ولأنها إذا عتقت، ملكتْ نفسَها، فكيف يكون يلزمها النكاحُ (١)؟\nوتأولوا قوله: وجعلَ عتقَها صداقَها، أي: قائمًا مقامَ صَداقِها، فسماهُ باسمه، إذا لم يكنْ ثَمَّ عِوَضٌ، ويكون ذلك من خصائصِه - ﷺ -؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، واستئناسًا بكثرةِ خصائصِه في النكاح.\nوتأوله بعضهم على أنه جعلَ قيمتَها المقابلةَ لعتقها صداقَها، وتقديُره: وجعلَ عوضَ عتقها صداقَها، وهذا التأويلُ أقربُ من الأول؛ لأن الأصلَ مشاركةُ الأُمَّةِ للنبيِّ - ﷺ - (٢).\nواختصَّ بالهبةِ في النكاح، وهذه لم تهبْه، ولأنه لو كان مخصوصًا بهذا، لبيَّنَ الخُصوصية؛ كما قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\nويقوي هذا التأويلَ ما روي عن ابنِ عمر: أنه كانَ يكرهُ أن يُجعلَ عتقُ المرأة مَهْرَها حتى يُفْرَضَ لها صداق (٣).\nثم تفصيلُ مذهب الشافعي أنها (٤): إذا كرهتْ زواجَهُ بعد العتق،\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٩٢)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٨٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٩٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ٢٢١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٣٥).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ٢٢١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٢١٥).\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٨).\nوانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٠٣)، و\"زاد المعاد\" لابن القيم (١/ ١١٢).\n(٤) \"أنها\" ليست في \"أ\".","vol":"2","page":340},{"text":"ضمنتْ له قيمتَها؛ لأنه لم يرضَ بعتِقها مَجّانًا، فكأنها أتلفت عليه رقبتَها، وإن رضيتْ ونكحها على قيمتها، فكانت معلومةً لهما، صحَّ الصَّداقُ، ولا يبقى له عليها قيمةٌ، ولا لها عليه صداقٌ.\nوإن كانتِ القيمة مجهولةً، فوجهان:\nأحدُهما: يصحُّ الصداقُ، ولا يبقى له (١)؛ للحديث (٢).\nوالثاني: لا يصحُّ، وإنما (٣) يجب مَهْرُ المِثْل؛ عملًا بالقياس (٤).\nفإن قال قائل: فمقتضى قولك: إن عمومَ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يقاربُ النصَّ في الظهور: أنه لا يجوزُ تخصيصُه، فيحرم الجمعُ بين المرأةِ وخالتِها، وبينَ المرأةِ وعَمَّتِها، وإذا لم يجزْ خصيصه، اقتضى أنه حلالٌ، وهو خلافُ الإجماع (٥).\nقلت: هو كذلك، لا يجوز تخصيصه بذلك، ولا بغيره.\nوأما تحريمُ الجمعِ بين المرأة وخالتِها وعمتِها، فإنما هو لبيان الشارع - ﷺ - أنه في معنى بين الأختين؛ لوجود العلة المحرِّمة هناك، وليس\n_________\n(١) \"ولا يبقى له\" ليست في \"ب\".\n(٢) أي لحديث أنس المتقدم: أن النبي - ﷺ - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"قلنا\".\n(٤) وعند الإمام مالك: يفسخ النكاح قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل.\nوعند الإمام أبي حنيفة: يصح النكاح في الحالتين ويثبت لها مهر المثل وإن أبت لا يثبت النكاح.\nانظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٨٨)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٠٣)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٥٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ٢٢٢)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٣/ ١٦٨).\n(٥) انظر: \"المستصفى\" للغزالي (ص: ٢٤٩)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٣٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٥٢).","vol":"2","page":341},{"text":"هو من باب التخصيص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وإنْ كانَ قد تَوَهَّمه كثيرٌ من جِلَّةِ العُلماء، وغَفَلوا عن هذا التحقيقِ والقصدِ النفيسِ؛ فإنه ليسَ من التخصيصِ بالقياسِ؛ لورودِ السنَّةِ به، ولا من التخصيص بفردٍ غيرِ مذكورٍ في العموم، ولا في معنى المذكور في العموم (١).\nولأجل هذا المأخَذِ رَدَدْنا إلحاقَ بعضِ السلف بهؤلاء مَنْ عداهُنَّ من المَحارم؛ حيث قالوا: يحرمُ الجمعُ بينَ كُلِّ امرأتينِ بينَهما رَحِمٌ محرِّمةٌ أو غيرُ محرمة، فمنعوا الجَمْعَ بين ابنتي عَمٍّ، وابنتي عَمَّةٍ، وبين ابنتي خالٍ، وابنتي خالةٍ، وبينَ المرأةِ وبنتِ بنتِ عَمِّها، أو بنتِ بنتِ عَمَّتِها، أو بنتِ بنتِ خالتِها، أو بنتِ بنتِ خالِها (٢).\n* واختلف أهلُ العلم في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤].\nفقال قومٌ: نزلت في نِكاح المُتْعَةِ، فكانَ ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ، وابنُ جبيرٍ يقرؤون: (فما استمتعتُم بهِ منهنَّ إلى أجلٍ مُسَمًّى) (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٢٢٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٧٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ١٩٥)، و\"إعلام الموقعين\" لابن القيم (٣/ ٢٢٤).\n(٢) وممن قال بذلك: إسحاق بن طلحة بن عبيد الله والحسن البصري وجابر بن زيد وعكرمة وقتادة وعطاء على اختلاف عنه. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٢)، و\"الفروق\" للقرافي (٣/ ٢٣٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٥٣).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٧٧)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٢٦٢)، =","vol":"2","page":342},{"text":"ثم افترقوا، فقال قومٌ؛ نَسخ الله ذلك بما جعل بين الزوجين من الطلاق في سورة البقرة (١)، وبما فرضَ من الميراث والعِدَّةِ والصَّداق (٢).\nفإن قال قائل: فما وجهُ التعارض والنسخ؟\nفالجواب: أنه لما وجدنا سنةَ الله التي شَرَعَها بين الزوجين؛ من استمرارِ النكاحِ، ووقوعِ الطلاق، وفرضِ الميراث، ووجوبِ العِدَّةِ معارضًا لخصائصِ المُتعةِ؛ لأن المتعة قولُ الرجلِ للمرأة: أتزوجُك على كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، على أن لا ميراثَ بيننا، ولا طلاقَ ولا عِدَّةَ، استدللنا على أن أحدَهما ناسخٌ للآخَرِ، فوجدنا الشرعَ استقرَّ على هذا، وبينتِ السنَّةُ تحريمَ نِكاح المُتعةِ (٣)، فجعلناها مبينةً للناسخ في القرآن، لا ناسخةً\n_________\n= و\"تفسير الرازي\" (٣/ ١٩٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٣٠)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٢١٨)، وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ١٢٤).\n(١) وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n(٢) روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة ﵃ على خلاف بينهم في الناسخ. انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٢٥ - ٣٢٦)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ١٢٤، ١٢٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٠).\n(٣) وذلك في أحاديث كثيرة منها: ما رواه البخاري (٥٢٠٣) ومسلم (١٤٠٧) عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن نكاح المتعة عام خيبر.","vol":"2","page":343},{"text":"للقرآن، وفي هذا الوجه (١) نظر (٢).\nفلقائل أن يقول: لا تعارُضَ بينَ نكاحِ المتعةِ والنكاحِ الصحيح؛ لأنَّ (٣) النكاحَ كان على نوعين.\nفحيث اشترط ذلكَ، كان متعةً كما شرط، وحيث ذكر الرجلُ المُسَمَّى ووقتَ النكاح، كان متعةً من خصائصِه تركُ الميراثِ وعدمُ الحاجةِ إلى الطلاق، وإن لم يشترطْ، ولم يسمَّ الأجلَ، كان نكاحًا تامًا مؤبدًا يترتَّبُ عليه أحكامُهُ من الطلاقِ والميراثِ والعدَّةِ.\nفيكون الراجحُ ما قال الآخرون: إن الآية مُحكمة، والمعنى: فما استمتعتم به منهن، أي: فما انتفعتم به، وتلذَّذْتُم من النساء بالنكاحِ الصحيحِ، فآتوهُن أجورَهُن، أي: مُهورَهُنَّ فريضةً (٤).\nولكنه يُضَعِّفُ هذا الترجيحَ ويقوِّي تأويلَها بنكاحِ المُتعة قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤].\nفإن قيل: معنى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤، أي: لا إثمَ عليكم في أن تهبَ المرأةُ للزوجِ مهرَها (٥)، أو يهبَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"التوجيه\".\n(٢) أراد -والله أعلم- بقول: \"وفي هذا الوجه نظر\"؛ أي: كون الآية نزلت في نكاح المتعة وأنها منسوخة.\n(٣) في \"ب\": \"بل\".\n(٤) وهذا قول الجمهور وإحدى روايتي ابن عباس وقول مجاهد والحسن ورجحه الطبري في \"تفسيره\". انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٣)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ١٢٤)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٨٦)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩١٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٩٩).\n(٥) روي ذلك عن ابن عباس، وبه فسر الزَّجاجُ الآية. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"2","page":344},{"text":"الرجلُ للمرأةِ تمامَ المَهْرِ (١) إذا طلقها قبل الدخول (٢).\nقلنا: رفعُ الجُناحِ لا يُستعمل في اللِّسانِ في أداء الفريضة، ولا في فعل البِرِّ، وإنما يَرِدُ فيما له أصلٌ في المنع (٣).\nفإن قيل: قراءةُ الصحابيِّ بطريق الآحاد لا تثبتُ قرآنًا (٤)، ولا تبلغ بيانَ السنةِ عندَ المحققين من أهل الاستدلال.\nقلنا: ينبغي أن يكون هذا بمنزلة التفسير، وتفسيرُ الصحابيِّ أولى من\n_________\n= للقرطبي (٥/ ١٣٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (١٠/ ٤٥).\n(١) في \"ب\": \"مهرها\".\n(٢) وقيل في تأويلها على قول من قال: إنها محكمة، معان أخر:\nمنها: لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة فيما تراضيتم به من حط وبراءة بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم، وهو قول المعتمر بن سليمان ورجحه الطبري.\nوقيل في تأويلها أيضًا: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهن على استمتاعكم بهن من مقام وفراق، والتراضي أن يخيرها أو يوفيها صداقها ثم يخيرها.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٣ - ١٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٠).\n(٣) قلت: قد يجاب على إيراده هذا: أن رفع الجناح هنا جاء ردًا على من قد يتوهم أن رد المرأة مهرها لزوجها أو وهب الرجل تمام المهر للمطلقة قبل الدخول، فيه مانع شرعًا -على حسب الاختلاف في تفسير الآية- ونظيره قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقوله: (ليس عليكم جناح) هنا جاء لمن يتوهم أن ابتغاء الرزق في الحج ممنوع والأمر ليس كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.\n(٤) يقصد ما قدمه من قراءة ابن عباس وابن مسعود وأُبَي وابن جبير: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى).","vol":"2","page":345},{"text":"تفسير غيره، على الصحيحِ عندهم في تفسير السنة بأحدِ الوجوه عندَ قيامِ احتِمالها، فكذلك ينبغي أن يرجِّحوا به أحدَ الوجوه عند احتمال القرآن لها، ولم أر هذا لأحدٍ من الأصوليين (١)، ولكنه متَّجِه عندي (٢).\nوأما ابنُ عباسٍ فيقول: إنها محكمة في إباحة المتعة، وقد اشْتُهر عنهُ\n_________\n(١) قد تكلم في نحو هذه المسألة كثيرون، ومن أول من أشار إليها الحاكم. انظر: \"المستدرك\" للحاكم (٢/ ٢٨٣)، و\"ترتيب المدارك وتقريب المسالك\" للقاضي عياض (١/ ٢٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ١٨٣)، و\"المسودة في أصول الفقه\" لآل تيمية (ص: ١٥٨).\n(٢) أصَّل العلماء لهذه المسألة فقالوا: يبحث أولًا عن صحة السند إلى الصحابي، ثم ينظر؛ فإن فسره من حيث اللغة فَهُمْ أهلُ اللسان، فلا شك في اعتمادهم، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه.\nثم إن كان ذلك التفسير مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو في حكم المرفوع، وإن كان يمكن أن يدخله الاجتهاد، فلا يحكم عليه بالرفع.\nوإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالًا واحدًا فصرفه إلى أحدهما كما روي عن عمر أنه حمل قوله - ﷺ -: \"الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء\" على القبض في المجلس، فقد قيل: يقبل لأنه أعرف بمعنى الخطاب قال الشيخ أبو إسحاق: فيه نظر عندي.\nوقال شيخه أبو الطيب: يجب قبوله.\nواشترط بعض العلماء لترجيح قول الصحابي على غيره شروطًا منها:\n- أن لا يكون في المسألة نص يخالفه.\n- أن يقول في الآية قولًا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، سواء علم لاشتهاره أو لم يعلم.\nقلت: وما ذكر المصنف في الاحتجاج لقوله في أن الآية في المتعة فُقد فيه الأمران فهناك من النصوص ما قد يدل على خلافه، وخالف ابنَ عباس في تأويله عدد من الصحابة بل إن لابن عباس روايتين في تفسير الآية. انظر: \"أعلام الموقعين\" لابن القيم (٤/ ١٥٣ - ١٥٥)، و\"النكت على مقدمة ابن الصلاح\" لابن حجر (١/ ٤٣٤ - ٤٣٦)، و\"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (٤/ ٤٨٣).","vol":"2","page":346},{"text":"القولُ بها وتبعه أصحابُه من أهلِ مكة واليَمَن (١)، وربما فهم القول به من بعضِ الأحاديثِ عن ابن مسعود (٢)، وكان ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنه- يحتجُّ بهذه الآية، وروى عنه ابنُ جُرَيْجٍ وعمرُو بنُ دينار: أنه كان يقول: ما كانتِ المتعةُ إلا رحمة من الله -﷿- رَحِم بها أمةَ محمدٍ - ﷺ -، ولولا نَهْيُ عُمَر عنها، ما اضطُرَّ إلى الزنا إلا شَقِيٌّ (٣).\nوخَرَّجَ مسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: تَمَتَّعْنا على عهدِ رسول الله - ﷺ -، وأبي بكرٍ، ونصْفًا من خلافةِ عُمَرَ، ثم نهى عنه عُمَرُ الناسَ (٤).\n_________\n(١) منهم عطاء وسعيد بن جبير وطاوس. انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٧/ ٢٢٥)، و\"الاستذكار\" (٥/ ٥٠٦)، و\"التمهيد\" كلاهما لابن عبد البر (١٠/ ١١٣ - ١١٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٧٣).\n(٢) وهو قول ابن مسعود: كنا نغزو مع رسول الله وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصي، فنهانا عن ذلك رسول الله - ﷺ -، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء.\nقال الشافعي: ذكر ابن مسعود الإرخاص في نكاح المتعة ولم يوقت شيئًا يدل أهو قبل خيبر أم بعدها، فأشبه حديث علي بن أبي طالب في نهي النبي عن المتعة أن يكون والله أعلم ناسخًا، فلا يجوز نكاح المتعة بحال ... انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (١/ ٥٣٤). ثم قد روي عن ابن مسعود أنه قال: نسخها آية الطلاق والعدة والميراث. وسيأتي، فهذا صريح في أن مذهب ابن مسعود تحريم المتعة.\n(٣) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٦). وانظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥٠٦)، و\"التمهيد\" له أيضًا (١٠/ ١١٤)، \"وبداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٤٤)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٤٨٧).\n(٤) رواه مسلم (١٤٠٤)، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة، عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمرًا، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا =","vol":"2","page":347},{"text":"وبتحريمِ المتعةِ قال جمهورُ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم (١) -، وأجمع عليه فقهاءُ الأمصارِ بعد الخلاف، ولم يخالف فيها إلا الرافضةُ، فمن قائلٍ بأنها منسوخة، ومن قائلٍ بأنها محكمة مؤولةٌ كما قدمنا (٢).\nفإن قال قائل: فكيف استمرَّتِ الإباحةُ بعدَ موتِ النبي - ﷺ - في زمنِ أبي بكرٍ، ونِصْفٍ من خلافةِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- مع وجودِ النهي عنه - ﷺ -؟\nقلنا: يحتمل أمرين:\nأحدهما: أنه لم يظهرْ ويكثرْ بين الناس فعلُ المتعة، وينتشرْ إلى الخلفاء فعلُ من لم يعلمْ بنسخها، إلا في نصفِ خلافة عمر.\nوالثاني: أن يكون توقفُ أبي بكر وعمر؛ لتكرار الإباحةِ والنسخ؛ فإنها أُبيحتْ، ثم نهى عنها النبي - ﷺ - عامَ خَيْبَرَ، خرجه الشيخانِ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٣) -، وعامُ خيبرَ قبلَ فتحِ مكة (٤).\n_________\n= المتعة، فقال: نعم، \"استمتعنا على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر\". وفي رواية أخرى عنه: \"كنا نستمتع بالقُبضة من التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر\".\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٧١)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٢٠)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٠/ ١١١ - ١٢١).\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٧٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥٠٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٧٣).\n(٣) رواه البخاري (٣٩٧٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٤٠٧)، كتاب: النكاح، باب نكاح المتعة، عن علي بن أبي طالب: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية\".\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٨٣)، و\"زاد المعاد\" لابن القيم (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ١٧٢ - ١٧٤).","vol":"2","page":348},{"text":"وقال سَبْرَةُ بنُ معبدٍ الجُهَنِيُّ: أمرَنا رسولُ الله - ﷺ - بالمتعةِ عامَ الفتحِ حينَ دخلنا مكةَ، ثم لم يخرجْ حتى نهانا عنها (١).\nوروى سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ -﵁- قال: رخَّصَ رسولُ الله - ﷺ - عامَ أَوْطَاسٍ في المتعةِ ثلاثًا، ثم نهى رسول الله - ﷺ - عنها (٢).\nوعامُ أَوْطاسٍ وعامُ الفتح واحدٌ، وهو بعدَ خيبر، فلما تقرر عنده أنه منسوخٌ أبدًا كما رواه سَبْرَةُ الجهنيُّ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"يا أيُّها الناسُ! إنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمُ في الاسْتِمْتاعِ من النِّساءِ، وإن اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذلكَ إلى يومِ القيامَةِ، فمنْ كَانَ عنَدُه شَيْءٌ، فَلْيُخْلِّ سبيلَها، ولا تَأْخُذوا مِمَّا آتَيْتُموهُنَّ شيئًا\" (٣)، علم أنه لا يجوز الإباحة بعدَه بوجه، نهى عنه.\nوقد روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه رجعَ عن القولِ بتحليلها (٤).\nوكذا روى الحَكَمُ بن عيينةَ، عن أصحابِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنه قال: المتعةُ منسوخةٌ، نسخها الطلاقُ والصَّداقُ والعِدَّةُ والميراث (٥).\nوإن صحَّ ما رُوي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٠٦)، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة.\n(٢) رواه مسلم (١٤٠٥)، كتاب: النكاح، باب: نكاح: المتعة.\n(٣) رواه مسلم (١٤٠٦)، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة، عن سبرة الجهني.\n(٤) نقل ابن عبد البر هذه الآثار عن ابن عباس ثم قال: وهي آثار كلها ضعيفة لم ينقلها أحد يحتج به، والآثار عنه بإجازة المتعة أصح، ولكن العلماء خالفوه فيها قديمًا وحديثًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥٠٧).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٤٠٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٠٧).","vol":"2","page":349},{"text":"رسولَ الله - ﷺ - قال: \"حَرَّمَ -أو هدم- المُتْعَةَ النكّاحُ والطَّلاقُ والعِدَّةُ والميراثُ\" (١) فالحجَّةُ فيه، لا في قولِ أحدٍ غيرِه، والله أعلم (٢).\nوفي الآية دليل أن المهرَ لا يستقرُّ إلا بالاستمتاع، لا بالخلوة (٣).\n* * *\n\n٧٨ - (١٩) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ\n_________\n(١) رواه أبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٦٦٢٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤١٤٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٧)، وقد حسنه الحافظ ابن حجر في \"الدراية\" (٢/ ٥٨).\n(٢) اختلف العلماء فيمن نكح نكاح متعة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد: إذا تزوج امرأة عشرة أيام فهو باطل ولا نكاح بينهما، وقال زفر: النكاح جائز والشرط باطل. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٠٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٢٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥٠٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ١٩٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٣٦).\n(٣) مذهب أبي حنيفة وأحمد: أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كاملًا، ومذهب مالك والراجح من مذهب الشافعي: أن الخلوة لا يكمل بها المهر. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٤٧)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٤٦، ٣٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٣٥)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ٩٥).\nقلت: أما حكم النسب إن جاءه ولد: لا يثبت عند الحنفية، ويثبت النسب منه عند المالكية والشافعية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٩٨)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ١٤٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٠/ ٣٣٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٤٢). =","vol":"2","page":350},{"text":"فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].\n* أباحَ الله سبحانه في هذه الآية للحرِّ نِكاحَ الأَمَةِ بثلاثة شروط، فواحدٌ متفقٌ عليه عند أهل العلم، والآخران مختلَفٌ فيهما.\nفأما المتفق عليه، فهو نِكاحُها بإذن سَيِّدِها (١).\nوأما المختلَفُ فيهما:\nفأحدهما: عدمُ الاستطاعة على الطَّوْل، وهو المال الذي يحصلُ به نِكاح الحُرَّةِ المؤمنة.\nوالثاني: خشيةُ العَنَتِ، وهو الزنا المتولدُ من شِدةَّ الشَّبَقِ والغُلْمَةِ (٢).\n- فذهب مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ إلى اشتراطهما.\nويروى عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، والزهريّ، والحسن، والشعبيِّ، ومكحول (٣).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥١١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٦).\n(٢) الغُلْمةُ: هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل وغيرهما؛ يقال: غَلِمَ غُلْمةً، واغتلم غلامًا. \"اللسان\" (مادة: غلم) (٢/ ٤٣٩).\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" للإمام مالك (٤/ ٢٠٥)، و\"الأم\" للشافعي (٥/ ١٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١٥٨)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٩/ ٦٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٧٩).\nوانظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٠٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٧ - ١٣٦).\nقلت: لكن عند الحنفية يجوز مع الكراهة للحر أن يتزوج الأمة وإن كان موسرًا إن =","vol":"2","page":351},{"text":"- وذهب قومٌ إلى تأويل الطَّوْلِ هنا بالقوة والجَلَدِ، فمن أحبَّ أَمَة وهَوِيَها حتى لا يستطيعَ أن يتزوجَ غيرها، فله أن يتزوج أَمَةً، وإن وجدَ سعةً من المال، فقوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] يفسّرُ عدمَ الطَّوْلِ.\nونسب هذا التأويل إلى قَتادةَ، والنخعي، والثوريِّ (١).\nوهو بمكانةٍ من البُعد والتعسُّف (٢).\n- وذهب قومٌ منهم ابنُ القاسم المالكي إلى عدمِ اشتراطه (٣).\nولعلَّ هؤلاء رأوا هذا الشرطَ كالشرط في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فكما يجوزُ له أن ينكحَ أربعًا معَ خوفَ عدمِ العدل، كذلك يجوزُ له هنا نِكاحُ الأَمَةِ مع الطَّول (٤).\n* وإذا علمتَ مذهبَ الجمهورِ، فهل عدمُ الطولِ شرطٌ في استدامة النكاحِ كابتدائه، أو لا؟\n_________\n= لم تكن تحته حرة. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١٠٨)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٦٨).\n(١) وهو قول ربيعة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٨٠).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٦).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٧٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٢).\n(٤) عند الحنفية يحرم عليه الزيادة على واحدة إن خاف عدم العدل، وذهب الجمهور إلى جواز الزيادة على الواحدة وإن خاف عدم العدل. انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن همام (٣/ ٤٣٢)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٣/ ٢٣٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٧).","vol":"2","page":352},{"text":"اختلف فيه السلفُ.\n- فذهب عطاءُ بن أبي رباح إلى عدمِ شَرْطيته (١)، فلو تزوج حرةً بعد الأمةِ، ولم تعلم الحرة بالأمة، فهو جائز ثابت، وبه قال الشافعي (٢).\n- وذهب النخعيُّ (٣) ومسروقٌ إلى فسخِ نكاحِ الأمةِ، لأنه أبيحَ للضرورة، وقد زالت (٤).\n- وذهب قومٌ إلى أن للحرة الخيارَ إذا لم تعلمْ بالأمة، إما أن تقيمَ معه، أو تفارقه (٥).\n- وقيل: إما أن تُقِرَّ نكاحَ الأمة، أو تفسخَه.\nوبه قال مالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٦).\n_________\n(١) وهو قول سعيد بن المسيب، انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٢٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٧٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٢) وهو مذهب الحنفية والحنابلة في الراجح. انظر: \"مختصر الخرقي\" (ص: ٩٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٠٩)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٤٢)، و\"الشرح الكبير\" لابن قدامة (٧/ ٥١٦).\n(٣) فرق النخعي بين أن يكون له منها ولد أو لا، فإن كان له منها ولد لم ينفسخ وإلا فارقها. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٤) وهو قول ابن عباس والشعبي. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤٤٢)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٣٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٥) وهو قول مالك وأحمد وإسحاق كما سيذكر.\n(٦) عن الإمام أحمد روايتان؛ الراجح أنه لا ينفسخ نكاح الأمة. انظر: \"الكافي\" (١/ ٢٤٥)، و\"الاستذكار\" كلاهما لابن عبد البر (٥/ ٤٧٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٤٧)، و\"الشرح الكبير\" (٧/ ٥١٦)، \"المغني\" كلاهما لابن قدامة =","vol":"2","page":353},{"text":"* وقد استنبط قومٌ من أهل العلم أنه إذا زال خوفُ العَنَتِ بنكاحِ أمةٍ واحدةٍ، فليس له نكاحُ أَمَةٍ أخرى.\nوبه قال الشافعيُّ (١) وأحمدُ (٢) وإسحاقُ، ويروى عن ابن عباس (٣).\nوقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ (٤)، والزهريُّ: له أن ينكحَ أربعًا (٥).\n* وتقييدُ الفتياتِ بالمؤمناتِ يقتضي أنه لا يجوزُ نكاحُ الأمةِ الكتابيةِ.\nوبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ (٦) (٧)، والحسنُ، وسعيدٌ (٨).\n_________\n= (٧/ ١٠٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٨).\n(١) لم يذكر الشافعي شرط زوال العنت، بل أطلق المسالة في عدم جواز نكاح أكثر من أمة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٠)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٣٩).\n(٢) اختلفت الرواية عن أحمد في إباحة أكثر من أمة: أحدها الجواز إن خاف العنت، وهي الراجحة. انظر: \"مختصر الخرقي\" (ص: ٩٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٣) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٣/ ٤٦٧)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٣٠٧)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٤) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١٠٨)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٦٧).\n(٥) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٦).\n(٦) في \"ب\": \"الشعبي\".\n(٧) وبه قال الإمام أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٠٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ١٣٢)، و\"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم (٢/ ٧٩٨)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٤).\n(٨) وهو قول الزهري ومكحول والأوزاعي والليث انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر =","vol":"2","page":354},{"text":"وقال أبو حنيفةَ: يجوز نكاحُ الأمةِ الكتابيةِ (١)؛ لأن دليلَ الخطابِ (٢) عنده ليسَ بحجَّة، فلا يعارضُ عمومَ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] إذا فسِّرَ الإحصانُ بالعِفَّةِ (٣)، وإن فُسِّرَ بالحرية؛ كما هو قولُ عمرَ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٤) -، فقياسُ الأمةِ على الحرة عنده إما أنه مقدَّم، على مفهوم الخطاب، وإما أن يجاب على التقييد بأجوبة تقدمَتْ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].\n* ومفهومُ تقييد المُحْصَنات بالمؤمناتِ يقتضي أيضًا (٥) أنه لو قَدَرَ على\n_________\n= (٥/ ٤٩٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٦)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ١٣١).\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١١٠).\n(٢) دليل الخطاب: ويسمى مفهوم المخالفة وهو: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. واحتج به مالك والشافعية ولم يحتج به أبو حنيفة. انظر: \"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٧٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٦٣، ١٠٢).\n(٣) أي أن مفهوم المخالفة -دليل الخطاب- من قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أن غير المؤمنة لا يجوز نكاحها، لكن هذا المفهوم يخالف عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nورد هذا القول ابن العربي.\nانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٠٥).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٧)، (٦/ ١٠٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٧٣).\n(٥) \"أيضًا\" ليس في \"ب\".","vol":"2","page":355},{"text":"نكاحِ حرةٍ كتابية أنه لا يحلُّ له نكاحُ الأمة (١).\nوفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيحُ عندهم، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، عدمُ الجواز (٢)؛ لأنه لا يخاف العنتَ بنكاحِ الحرةِ الكتابية، فغلب بالقياس على المفهوم (٣).\nوالمختار عندي الجوازُ؛ تقديمًا للمفهوم المعضود من قوله تعالى:\n﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] على القياس.\n* ولما بينَ اللهُ سبحانه لنا حِل نِكاح الإماء، أمرنا به أيضًا فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].\nفيحتمل أن يكون الأمرُ على الحَتْم؛ كما قاله أهلُ الظاهر.\nويحتمل أن يكون على الاختيار؛ كما قاله الجمهورُ (٤).\n_________\n(١) أي: الأمة المسلمة.\n(٢) الراجح من مذهب أبي حنيفة جواز نكاح الأمة مطلقًا حتى لو وجد طول الحرة.\nانظر: \"العناية شرح البداية\" للبابرتي (٤/ ٣٧٠)، و\"الدر المختار\" (٣/ ٤٧)، و\"الفتاوى الهندية\" (١/ ٢٨٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٥/ ١١٠).\n(٣) وفي مذهب أحمد روايتان، وكذا عن المالكية روايتان. انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٢٣٨)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ٤٨)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٨)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٤٥)، و\"التاج والإكليل\" (٣/ ٤٧٢).\nوهذا القول رجحه غير واحد منهم ابن العربي وابن حزم وابن القيم. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٠٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٣٨)، و\"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم (٢/ ٨٠١)، و\"المحلى\" (٩/ ٤٤٣)، و\"الإحكام\" كلاهما لابن حزم (٧/ ٣٤٨).\n(٤) صورة المسألة: أن حرًا يخاف على نفسه العنت ولا يجد طولًا لنكاح حرة، فهل =","vol":"2","page":356},{"text":"ويحتمل أن يكون على الحتم لأجل خشية العَنَت؛ كما أوجبه في هذه الحالة بعضُ متأخري المالكية، وهو في هذا المعنى أظهرُ اعتبارًا بسائر الأصول، كما يجبُ عليه الأكلُ من الميتةِ عندَ خوفِ الهلاكِ، والفطرُ في رمضان، وغيرُ ذلك.\nوالمر اد بأهلهنَّ ساداتهن.\nوقد أجمع أهل العلم على اعتبار هذا الشرط كما قدمتُه، فلا يحِلُّ نكاحُ أمةٍ إلا بإذن سيدها (١).\nوكذلك أجمعوا على أن العبدَ مثلُ الأمةِ، فلا يجوزُ نكاحُه إلا بإذن سيده (٢).\n* وأمرنا اللهُ سبحانه بإيتاء الإماءِ أجورَهُنَّ، وظاهرُه يقتضي اختصاصَهُنَّ دون ساداتهن، وبه قال مالكٌ (٣).\nوقال الشافعيُّ: هو للساداتِ دُونهنَّ؛ عملًا بالقياسِ على سائر\n_________\n= يجب عليه الزواج بالأمة أو يجوز؟\nانظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٢٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني ٢١/ ٢٦٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٧٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٢٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ١٠٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٩).\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١١٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥١١).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥١١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤١).\n(٣) وبه قال ابن حزم، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢٦٥)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢١٥).","vol":"2","page":357},{"text":"منافعهِنَّ، وإضافته إليهنَّ لأنهنَّ المحلُّ المعوض (١).\nفإن قال قائل: فما معنى الإحصان في الآية؟\nقلنا: أما قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ فالمرادُ به ناكحات غير زانيات (٢).\nوأما قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ فالمراد به النكاحُ على قراءة بنائه للمفعول، ويجوز أن يراد به الإسلام عندَ من فسره به.\nوأما على القراءة بإطلاق الفعل للفاعل، فيحتمل النكاحَ والإسلامَ (٣).\nوبالنكاح فسره ابنُ عباس (٤)، وبالإسلام فسره ابنُ مسعود (٥) - رضي الله تعالى عنهم-.\nوعن الشعبى أنه قال: إحصانُ الأمةِ دخولُها في الإسلام (٦).\nوعن إبراهيمَ النخعى أنه كان يقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة (٧)،\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٣٧)، و\"البحر الرائق\" لا بن نجيم (٣/ ٢٠٥)، و\"الحاوي\" للماوردي (٩/ ٧٨).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٩٢).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٠)، و\"الاستذكار\" لابن عد البر (٧/ ٥٠٥)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٣٩).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٢٣).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٣)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٦٥).\n(٦) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٣/ ١٢١٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٤٣)، وللشعبي قول آخر في معنى الإحصان: أنه كل ذات زوج. رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٩٠٥).\n(٧) وقرأ بها ابن مسعود، والحسن، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو بكر، وخلف. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٤٠٧)، و\"تفسير الطبري\" (٨/ ١٨٧)، و\"التيسير\" للداني (٩٥)، و\"السبعة\" لابن مجاهد (٢٣١)، =","vol":"2","page":358},{"text":"واختار الشافعيُّ تفسيرَ ابنِ مسعود، وقد قدمتُ استدلاله لذلك.\nوعن يونسَ بنِ عبد الأعلى قال: قال الشافعيُّ في قوله تعالى: ﴿(٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: ذواتُ الأزواجِ من النساءِ، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] مُحْصَناتٍ غيرَ مسافحاتٍ، عفائفَ غيرَ خبائثَ، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، قال: فإذا نكحن (١)، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] غيرِ ذواتِ الأزواج (٢).\nوقال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]: الحرائرُ من أهل الكتاب، ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، عفائفَ غير فواسقَ (٣).\nوحكى أيضا أبو علي الطبريُّ صاحب \"الإفصاح\" عن ابنِ عبد الحكمِ، عن الشافعيِّ: أنه قال: إحصانُها نكاحها (٤).\n* إذا تقرَّرَ هذا، فقد اتفقَ جمهورُ العلماء على أنه لا رَجْمَ على الأمةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والرجمُ لا يَتَنَصَّفُ، فاختص بالجلد (٥).\n_________\n= و\"الحجة\" لأبي زرعة (١٩٨)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٤٣)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٢٢٤)، و\"النشر في القراءات العشر\" (٢/ ٢٤٩). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٤٩١)، و\"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ١٢٥).\n(١) في \"ب\": \"أنكحن\".\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٣٦٤).\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٣٦٤).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٣٦٥).\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٩/ ٨٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٢)، =","vol":"2","page":359},{"text":"فذهب أبو ثورٍ إلى أنها إذا أحصنَتْ بالنكاح، وجبَ عليها الرجمُ كالحرِّةِ؛ قياسًا على استواء الحرِّ والعبدِ في حدِّ السرقة (١).\nوهذا خطأ مخالفٌ للكتابِ والسنةِ.\n* وأجمعوا على أن جلدَها لا يزيدُ على خمسينَ جلدةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) [النساء: ٢٥].\n* واختلفوا في حقيقةِ الجلدِ.\n- فقال قومٌ: لا حدَّ (٣) على الأَمَة، وإنما تُحَدُّ (٤) تعزيرًا، ويروى عن عمرَ -رضي الله تعالى عنه (٥) - (٦).\nقال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: سمعت النَّبيَّ - ﷺ - يقول: \"إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِناها، فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ عَلَيها، ثم إنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زَنَتِ الثالثةَ، فَتَبَيَّنَ زناها، فَلْيَبعْها ولو بِحَبْل مِنْ شَعرٍ\" (٧).\nولا يصح القولُ بهذا عن عمر؛ لما روي عن عبِد الله بِنُ عياشِ بنِ أبي ربيعة قال: أمرني عمرُ بنُ الخطابِ في فِتْيَةٍ من قريش، فجلدنا ولائِدَ\n_________\n= و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢١٤/ ١١).\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٢٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٢).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٠٧).\n(٣) في \"أ\": \"تجلد\".\n(٤) في \"أ\": \"تُحَدُّ\".\n(٥) في \"ب\" زيادة: \"وهذا مصادم للنص والسنة\".\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٠٦)، و\"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٢٧).\n(٧) تقدم تخريجه، وهذا لفظ الشيخين معًا.","vol":"2","page":360},{"text":"من ولائد الإمارة خَمسينَ خَمسين في الزنا (١).\nوقال كافَّةُ العلماء بوجوبِ الحَدِّ، وهو نصفُ حَدِّ الحرَّةِ؛ كما بينه اللهُ سبحانه (٢).\nواختلفوا في محلِّه.\nفروي عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال (٣): لا يجبُ عليها الحَدُّ إلا بعدَ النكاح، وأما (٤) إذا لم تنكحْ، فلا حدَّ عليها؛ لعدم الإحصان (٥).\nوتمسكوا بمفهوم الشرط، وانحطاطِ دَرَجةِ البِكْرِ عن درجةِ المُحْصَن في باب الحَدّ.\nوبه قال طاوس وأبو عبيدةَ (٦)، وهو ضعيفٌ؛ لأن المفهومَ لا يقاوم النصّ.\nوقد روى أبو هريرةَ وزيدُ بنُ خالدٍ الجهني -رضي الله تعالى عنهما- قالا: سئل النبيُّ - ﷺ - عن الأمة إذا زنتْ ولم تحصنْ (٧)، قال:\n_________\n(١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٢٧)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٤٢).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٢٤)، و\"الحاوي\" للماوردي (٢٤٣/ ١٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (١١/ ١٦٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٧٨).\n(٣) \"قال\" ليست في \"ب\".\n(٤) في \"ب\": \"فأما\".\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٦١٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٨٢٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٤٣).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٠٦).\n(٧) قد تقدم أنهم اختلفوا في معنى الإحصان على قولين: الزواج أو الإسلام.","vol":"2","page":361},{"text":"\"إذا (١) زَنَتْ فاجْلِدوها، ثُمَّ (٢) إذا زَنَتْ فاجْلِدوها، ثم إذا (٣) زَنَتْ فاجْلِدوها، ثم بِيعُوها ولو بظفر\"، خَرَّجه الإمامان (٤).\nوبهذا الحديث قال أبو حنيفةَ والشافعيّ رحمهما الله تعالى (٥).\nفأوجب عليها الحدّ مطلقًا، سواءٌ أحصنت بالإسلام، أو بالنكاح، أم لم تحصنْ، وتمسَّكا بإطلاقِ هذا الحديثِ الذي تركَ فيه النبيُّ - ﷺ - اعتبارَ الإحصانِ بعدَ أن توهَّمَهُ السائل مؤثرًا.\nفإن قال قائل: فمذهبُ الشافعيِّ يخالفُ تفسيره؛ فإنه إن فسرَ إحصانَها بنكاحِها؛ كما حكاه ابنُ عبدِ الأعلى وابنُ عبد الحَكَمِ، وجب عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإحصان؛ كما هو مذهبُ ابنِ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما-، وإن فسره بإسلامها، وجبَ عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإسلام، وإن كانت مزوجةَ؛ لأنه فائدة الاشتراط للإحصان، وهو لم يقل بشيء من ذلك.\nقلنا: لو لم تَرِدِ السنةُ بتركِ اعتبارِ تأثير الإحصانِ في وجوبِ الحدِّ وسقوطِه، كما توهمهُ السائل مؤثرًا كما هو ظاهر (٦) القرآن، لقلنا بذلك،\n_________\n(١) في \"ب\": \"فإن\".\n(٢) في \"ب\": \"فإن\".\n(٣) في \"ب\": \"فإن\".\n(٤) رواه البخاري (٢٠٤٦)، كتاب: البيوع، باب: بيع العبد الزاني، ومسلم (١٧٠٤)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود وأهل الذمة في الزنا.\n(٥) وهو مذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء. انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١٣٥)، و\"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٢٤٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٢١٤)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٢٣٣).\n(٦) في \"أ\": \"لظاهر\".","vol":"2","page":362},{"text":"ولَمَّا وردتِ السنَّةُ، عملنا (١) بها، وفهمنا أن فائدةَ الاشتراطِ والتقييدِ بالإحصان إنما هو التنبيهُ على سقوطِ الرَّجْمِ عنها في أكملِ حالاتها، بخلاف الحرة، لا لمخالفة ما قبل الإحصان ما بعده، وحينئذ فيدل القرآنُ على سقوطِ الرجم عنها من وجهين:\nأحدهما: نصًا، وهو هذا، إن حُمل الإحصانُ على الإسلام.\nوالثاني: استنباطًا، وهو عدم تصور التنصيف في الرجم، إن حُمل الإحصانُ على النكاح.\n* إذا تمَّ هذا، فقد اختلفوا في قياسِ العبدِ على الأمةِ في تنصيفِ الحَدِّ، فأجازه فقهاءُ الأمصار (٢)، ومنعه أهلُ الظاهر؛ لأنهم لا يقولون بالقياس (٣).\n* * *\n_________\n(١) في \"أ\": \"علمنا\".\n(٢) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (١٣/ ٢٤٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٢٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٩)، و\"المحصول\" للرازي (٣/ ١٢٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١١٢).\n(٣) خالف ابن حزم أهل الظاهر في هذه المسألة وقال بقول الجمهور. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٢٣٨ - ٢٤١). وانظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٢٧).","vol":"2","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>(من أحكام البيوع)</span>\n٧٩ - (٢٠) قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\n* نهانا الله سبحانه عن أكلِ أموالِ بعضِنا بعضًا بالباطل، والمراد بالأكل الأخذُ؛ لأن الأخذَ يُراد للأكل، فعبر بالمسبَّب عن سببِه، وأباحَ أكلَها بالتجارة إذا كانتْ عن تراضٍ (١).\n* ولما كان الرضا أمرًا يتعلق بالباطن، لا يطَّلعُ عليه أحد في الظاهرِ إلا ببيانِ اللسان، اشترطنا النطقَ، واكتفينا به دليلًا على الرضا، صريحًا كان النطقُ أو كناية؛ لقيام الكنايةِ بالدلالةِ على الرضا (٢).\nولأجل هذا اشترطنا (٣) كونَ اللفظِ ماضيًا؛ كقول البائع: بِعْتُك بكذا، أو قول المشتري: اشتريتُ، و(٤) ابتعتُ منك بكذا؛ لتحقيق الدلالة.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٥/ ٥).\n(٢) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٥٧)، و\"الوسيط\" للغزالي (٥/ ٧٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ١٣٥).\n(٣) في \"ب\": \"شرطنا\".\n(٤) في \"ب\": \"كذا\".","vol":"2","page":364},{"text":"ومنعنا انعقادَهُ بالألفاظ المستقبلة؛ لعدم تحقق الرضا، فإن اللفظ متردِّدٌ بين الوعد والإنشاء (١).\n* ولما كان البيعُ يقعُ عن بصيرةٍ ومعرفة، ويقع بغتة من غير تروٍّ ومعرفةِ حقيقته، بمنَ النبيُّ - ﷺ - مدةً تندفع بها معرةُ (٢) الندامة والخداع، ويستدرَكُ بها الغبنُ والظُّلامَةُ؛ لِيُتَحقَّقَ بهذه المدَّةِ الرضا الباطني.\nفروى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: أنه قال: \"إذا تَبايعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ واحِدٍ منهُما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لم يَتَفَرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخَيِّرْ أحدُهما الآخَرَ\" (٣).\nوروى حكيمُ بنُ حزامٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"البيعانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفرَّقا -أو قال: حَتّى يَتَفَرَّقا- فإنْ صَدَقا وصبيَنا، بورِكَ لهما في بَيْعِهما، وإن كتما وكَذَبا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهما\" (٤). خرجهما الشيخان.\nوبه عمل ابنُ (٥) عمرَ وسائرُ الصحابة (٦)، وجمهورُ ... ... ...\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" للماوردي (٥/ ٤١)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٢٥١/ ٦).\n(٢) معرَّة: المَعَرَّةُ على وزن (المبرَّة): الإثم، والأذى، والغُرمُ، والديةُ، والجنايةُ. \"القاموس\" (مادة: عرر) (ص: ٣٩٥).\n(٣) رواه البخاري (٢٠٠٦)، كتاب: البيوع، باب: إذا خيّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، ومسلم (١٥٣١)، كتاب: البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.\n(٤) رواه البخاري (١٩٧٣)، كتاب: البيوع، باب: إذا بيّن البيِّعان ولم يكتما ونصحا، ومسلم (١٥٣٢)، كتاب: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان.\n(٥) \"ابن\" ليس في \"ب\".\n(٦) وروي هذا عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي برزة. انظر: =","vol":"2","page":365},{"text":"الفقهاء (١) -رضي الله عن جميعهم-.\nوخالف في ثبوته أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وربيعهُ (٢).\nوهم محجوجون بما تقدَّمَ من الأحاديثِ الصحيحةِ الموافقةِ لاعتبارِ الرِّضا الذي جعلهُ اللهُ سبحانه في حَقِّنا معيارًا.\nوليس للمخالفين دليل مستقيمٌ، وإطلاقُ الآيةِ محمولٌ على ما بينه النبيُّ - ﷺ - من شروطِ البيع، والتجنبِ لمفسداته، والسلامةِ من البيوع المنهيِّ عنها، وإلا فذلك باطل وإن تراضى به المتبايعان.\nفإن قال قائل: فاشتراطُ التلفُّظِ في البيع أمرٌ زائدٌ على ما وردَ به القرآنُ الكريم؛ إذ لم يردْ إلا باشتراطِ التراضي، ولم تردِ السنة باشتراطه أيضًا، ومقتضى هذا أنه يجوزُ البيعُ بالمعاطاة إذا دَلتِ القرائنُ وشواهدُ الأحوال على الرضا.\nقلنا: التجارةُ والبيعُ أمرٌ معتاد في الوجود، وهو التعاوضُ، ومعلومٌ أنه لا ينفكُّ عن مساوَمَةٍ وخِطاب، فلما وجدنا النبيَّ - ﷺ - فَرَّقَ بين السَّوْمِ والبيعِ في قوله - ﷺ -: \"لا يَسُمْ أَحَدُكُمْ على سَوْمِ أَخيهِ، ولا يَبعْ على بَيع أَخيهِ\" (٣)،\n_________\n= \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ١٧٣).\n(١) وهو مذهب الشافعي وأحمد. انظر: \"الأم\" (٣/ ٤)، و\"الرسالة\" كلاهما للشافعي (ص: ٣١٤)، و\"عمدة الفقه\" لابن قدامة (ص: ٤٩).\n(٢) وفسر بعضهم التفرق في الحديث بتفرق القول دون المكان. انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٠/ ١٨٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٤٧٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٣/ ١٥٦ - ١٥٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٣/ ٢١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ١٧٣).\n(٣) لم أجده بهذا السياق، وقد روى الشطر الأول منه: \"لا يَسُمْ أحدكم على سوم أخيه\": البخاري (٢٥٧٧)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الطلاق، ومسلم (١٤١٣)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى =","vol":"2","page":366},{"text":"علمنا أنَّ البيعَ هو التعاقدُ الناقلُ لملك أحدِهما إلى الآخر، وأن التساومَ من مقدِّمات البيعِ، ولما وجدْنا الإشارةَ إليه في الحديثِ كثيرةً؛ كما في قوله - ﷺ - لحبانَ بن مُنْقِذٍ: \"إذا بِعْتَ، فَقُلْ: لا خِلابَةَ، وأنتَ بالخِيارِ ثَلاثًا\" (١)، وكما قدمنا في حديثِ ابنِ عُمر -رضي الله تعالى عنهما- من قوله - ﷺ -: \"أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهما الآخَرَ\" (٢)، وغير ذلك من الإشارات المستلزمةِ للتعاقد، فدل على أنه من عادِتهم، فخاطبهم اللهُ -﷾- بلُغَتِهم الجاريةِ على عادتهم (٣).\nنعم جرتِ العادةُ بعدمِ التساومِ والتعاقدِ في المالِ الحقير، فينبغي أن يُكْتفى فيه التعاطي؛ لأنه يسمى بيعًا لغةً وعرفًا.\nواختاره جماعةٌ من الشافعيةِ (٤).\nوأما أبو حنيفةَ، فلم يشترطِ التعاقُدَ في التبايُعِ؛ أخذًا بظاهرِ الخطاب (٥).\n_________\n= يأذن أو يترك، عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.\nوروى الشطر الثاني منه \"ولا يبع على بيع أخيه\": البخاري (٢٠٣٢)، كتاب: البيوع، باب: لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، حتى يأذن له أو يترك، ومسلم (١٤١٢)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، عن عبد الله بن عمر.\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٩/ ١٥٤).\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٩/ ١٥٥).\n(٥) وكذلك صحح بيع المعاطاة الإمام مالك والإمام أحمد. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٤)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ٢٦٣)، و\"الفروق\" للقرافي (٣/ ٢٦٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٩/ ٦١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ١٣٤).","vol":"2","page":367},{"text":"* ثم حرم الله سبحانه علينا قتلَ النفسِ المؤمنة فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-.\n* * *","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>(من أحكام القضاء)</span>\n٨٠ - (٢١) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].\n* هذه الآية أصل في العَدالةِ والفِسْقِ عندَ أهلِ العلم، فمنِ اجتنبَ الكَبائرَ، فهو عَدْلٌ، ومن ارتكبها، فهو فاسقٌ (١).\n* وقسم الله سبحانه المَنْهِيّاتِ إلى كبائرَ، وغيرِها.\nوالإشارةُ إلى هذا التقسيم ظاهرةٌ في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].\nوبظاهرِ التقسيم إلى الصغائرِ والكبائرِ قال جمهورُ العلماء من السَّلَفِ والخَلَفِ (٢).\nوقال بعضُ أهلِ العلم: ليس في الذنوبِ صغائرُ؛ نظرًا إلى مَنْ عُصِيَ بها، وهو اللهُ الكبيرُ المتعال، فمخالفَةُ الكبيرِ ليس بصغيرٍ، وإنما هي صغائرُ بالإضافة إلى ما هو أكبرُ منها.\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٣٩٥)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٣٩٣).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢١/ ١١٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٥٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٨٥).","vol":"2","page":369},{"text":"وروي هذا القولُ عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما (١) -، واختاره القاضي أبو بكير الباقِلاّنيُّ، والأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ، وإمامُ الحرمين (٢).\nوالجوابُ عن الآيتين ممكنٌ شائعٌ، والخلافُ في التسمية، وإلا فالاتفاقُ حاصلٌ على أن العدالَةَ لا تبطُل بكلِّ الذنوب.\n* ثم اختلفوا في تعريفِ الكبائرِ.\n- فمنهم من ذهب إلى تعريفِها بالتَّعْدادِ، وهم جمهورُ الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم-.\nواختلفت رواياتُهم وعباراتُهم في تَعْدادها على أقوالٍ كثيرةٍ مذكورة في كتبِ الحديث، وقولُ بعضِهم داخل في قولِ بعضٍ، وينبغي أن يُحْمَلَ قولُ من اقتصرَ منهم في العَدَدِ على أربع أو سبع ونحوِ ذلك على أكبرِ الكبائرِ؛ كما وردَ التلفُّظُ بأكبرِ الكَبائر في بعضِ الروايات (٣).\n- ومنهم من ذهب إلى تعريفها بالضوابط الكُليَّةِ (٤).\nقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: قال رجلٌ لابنِ عباس: الكبائرُ سبعٌ؟ قال: هي إلى السبع مئةٍ أقربُ منها إلى سَبْعٍ، غيرَ أنه لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤١)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٥).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٩/ ١٩٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٥٩)، و\"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣١٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤٠٩)، و\"الزواجر\" للهيتمي (١/ ٨).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٠)، \"الزواجر\" للهيتمي (١/ ١٤).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤١٠)، و\"الزواجر\" للهيتمي (١/ ٨ - ١٣).\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٤١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ =","vol":"2","page":370},{"text":"- ثم اختلفوا على أقوالٍ كثيرةٍ، وأقوالُ بعضِهم قريبةٌ من بعض.\nفقال زيدُ بنُ أسلمَ: الكبائرُ ما لا تصلحُ معه الأعمالُ (١). وكأنه يشيرُ إلى الشِّرْك، وجمعهُ لاخْتِلاف أنواعِ الكفر.\nوقال الحسينُ بنُ الفضلِ: ما سماه اللهُ في القرآنِ كبيرًا أو عظيمًا، نحو قولهِ تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢) [الأحزاب: ٥٣].\nوقال سفيان الثوريُّ: الكبائرُ ما كان فيه تَظالُمُ العِباد فيما بينهم، والصغائرُ ما بينهم وبينَ الله ﷿؛ لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"يُنادي مُنادٍ من بُطْنانِ (٣) العَرَّشِ يومَ القيامة: يا أمةَ مُحَمَّدٍ! إنَّ اللهَ ﷿قَدْ عفا عَنْكُمْ جَميعًا، المؤمنين والمؤمناتِ، تَواهَبوا المَظالِمَ، وادخُلوا الجنةَ بِرَحْمَتي\" (٤)، ولأن الكريمَ لا يتعاظَمُه شيءٌ (٥).\nوقال مالِكُ بنُ مِغْوَلٍ: الكبيرةُ ذنبُ المُبْتَدِع، والصغيرةُ ذنبُ السُّنِّيِّ (٦).\n_________\n= ٩٣٤)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٩٤).\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٣/ ٩٣٤).\n(٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٦).\n(٣) بُطنان: بُطنانُ الجنَّة وسطُها، ومعنى (من بطنان العرش): أي من وسطه، وقيل: من أصله، وقيل: البُطنان: جمعُ بطن، وهو الغامض من الأرض، يريد من دواخل العرش. \"اللسان\" (مادة: بطن) (١٣/ ٥٥).\n(٤) رواه البغوي في \"معالم التنزيل\" (١/ ٤١٩) بإسناده.\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٦)، و\"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣٢٢).\n(٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٦)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤١٩)، و\"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣٢٢).\nقلت: وقد أنكر بعضهم هذا التعريف واستبعده، ولكن له وجه ذكره ابن القيم =","vol":"2","page":371},{"text":"وقال الحسنُ وسعيدُ بنُ جبير: الكبائرُ ما جاء مقرونًا بذكرِ الوعيد (١).\nوقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، وابنُ عباسٍ فيما حُكيَ عنه: الكبيرةُ كلُّ ذنبٍ ختمهُ اللهُ سبحانه بنارٍ، أو غَضَبِ، أو لَعْنَةٍ، أو عذابٍ (٢).\nوقال الضحاكُ: ما أوعدَ الله عليه حَدًّا في الدنيا، أو عذابًا في الآخرة (٣).\nوقال المحاسِبِيُّ: الكبائرُ ذنوبُ المستحلِّين؛ كذنب إبليسَ -لعنه الله سبحانه-، والصغائرُ ذنوبُ المستغفرين؛ كذنب آدمَ -﵊ (٤) -.\nوقال السُّدّيُّ: الكبائرُ: ما نهى الله عنهُ من الذنوبِ الكبارِ، والسيئاتُ: مقدماتُها وتوابعُها ما يجتمع فيه الصالحُ والفاسقُ مثل النظرةِ واللمسةِ والقُبْلَةِ (٥).\nوقال بعضُهم: ما تَوَعَّدَ عليه الشارعُ بخصوصه.\n_________\n= وهو: أنه يريد أن البدعة من الكبائر وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها. انظر: \"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣٢٢).\n(١) وروي أيضًا عن مجاهد. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤١٠).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٤١)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٩٠)، عن علي بن أبي طلحة.\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤١٠).\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٤٢٠)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٦).\n(٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٦)، و\"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣٢٣).","vol":"2","page":372},{"text":"قال الرافعي: وهو أكثر ما يوجد للشافعية (١).\nوقال بعضُ الشافعية: كل ما وجبَ فيه الحَدُّ، فهو كبيرة (٢).\nوقال أبو سعد الهَرَوِيُّ منَ الشافعية: الكبيرةُ كلُّ فعل نَصَّ الكتابُ العزيزُ على تحريمه، وكل معصيةٍ يجبُ في جنسها حَدٌّ، وتركُ كلِّ فريضةٍ مأمورٍ بها على الفور، والكذبُ في الشهادة والرواية واليمين (٣).\nولما رأى المتأخرون اضطرابَ هذه الأقوال، وفسادَ كيبرٍ منها، اختلفوا:\nفذهب بعضهم إلى أن الكبيرةَ ليس لها حَدّ معروفٌ، وإنما وردَ الشرعُ بوصفِ أنواع من المعاصي بأنها كبائرُ، وأنواع بأنها صغائرُ، وأهمل أنواعًا مشتملَةً على معنى الصغيرةِ والكبيرةِ، فلم يصفها، ولم يبينْها حكمُهُ؛ لزجر العِباد عن ارتكابها؛ مخافةَ أن تكونَ من الكبائر، فهذه شبيهة بإخفاء ليلةِ القَدْرِ وساعَة الجمعةِ، وبهذا قال أبو الحسنِ الواحديُّ (٤).\nومنهم من لاحظَ المعنى الذي لأجله سُميت كبيرةً.\nفمنهم من نظرَ إلى تأثيرِ المعصيةِ في نفسها، فقال: كلُّ ما وردَ في الكتابِ العزيزِ وفي السُّنَّةِ الطاهرة لَعْنُ فاعلهِ، أو التشديدُ في الوعيد عليه، فهو كبير، ثم يُنظر فيما وقع من غيرِ ذلك، ويعتبر بالنسبة إليه، فإن ساواه\n_________\n(١) انظر: \"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\" للسبكي (٢/ ٣٨٠)، و\"الزواجر\" للهيتمي (١/ ٩).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٨٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٣١٩).\n(٣) انظر: \"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\" للسبكي (٢/ ٣٨٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ٢٢٢).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤١١).","vol":"2","page":373},{"text":"في المَفْسَدة، حُكِمَ بأنه كبيرة، وما سوى القبلةِ في المفسدة، حُكمَ بأنه صغيرة (١).\nومنهم من لاحظَ تأثيرَها في المُتَّصِفِ بها.\nفقال إمامُ الحَرَمين: الكبيرةُ كلُّ معصيةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكتراثِ مُرتكبها بالدِّين، ورقَّةِ الديانة؛ كالقتلِ، والزنا، واللِّواطِ، وشربِ الخمر، ومطلَقِ السُّكرِ، والسرقةِ، والقذفِ، وشهادةِ الزورِ، واليمينِ الفاجرةِ، وقطيعةِ الرحمِ، والعُقوقِ، والفِرارِ، وأكلِ مالِ اليتيم، وخيانةِ الكيلِ والوزن، وتقديمِ الصلاة على وقتها وتأخيرِها عنه، والكذبِ على النبيِّ - ﷺ -، وضربِ المسلمِ، وسَبِّ الصحابة، وكِتْمانِ الشهادة، والرشوةِ، والدياثة، والقِيادة، والسِّعاية (٢)، ومنعِ الزكاة، واليأسِ من رَوْح الله، والأمنِ من مكرِ الله، والظِّهار (٣)، وأكلِ لحمِ الخنزير والميتة، وكفطرِ رمضانَ، والغلولِ، والمحاربةِ، والسحرِ، والربا، والإصرارِ على الصغيرة (٤).\nوقد عُلم من هذا التعريف حَدُّ الإصرار على الصغيرة، قال الشيخُ الإمامُ\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٠/ ٤١٠)، و\"الزواجر\" للهيتمي (١/ ١٣).\n(٢) السعاية: سعتِ الأَمَةُ: بغت، وساعى الأمَةَ: طلبها للبِغاء، \"اللسان\" (مادة: سعي) (١٤/ ٣٨٧). وسعى به إلى الوالي سعاية: وشى به، \"مختار الصحاح\" (مادة: سعى) (ص: ١٢٦).\n(٣) الظهار من الكبائر كما عدها كثير من العلماء، مع أن الإمام الذهبي في كتابه \"الكبائر\" لم يذكره. انظر: \"أسنى المطالب شرح روض الطالب\" لزكريا الأنصاري (٤/ ٢٧٣)، و\"الزواجر\" للهيتمي (٢/ ٦٢٦)، و\"الإقناع\" للشربيني (٢/ ٤٥٥).\n(٤) ذكره إمام الحرمين في كتاب \"الإرشاد\"، كما نقله عنه ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٤٨٨)، وابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٠). وانظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ٢٢٢).=","vol":"2","page":374},{"text":"عزُّ الدين بنُ عبد السلام -رحمه الله تعالى- في حَدِّ الإصرار: أن تتكررَ منه الصغيرةُ تكررًا يشعرُ بقلَّةِ مبالاته بدينه إشعارَ مرتكبِ الكبيرة.\nقال: وكذلك إذا اجتمعتْ صغائرُ مختلفةُ الأنواع بحيثُ يُشْعر مجموعُها بما يُشعر أصغرُ الكبائر (١).\nوقال الشيخُ أبو عمرِو بنُ الصلاح -رحمه الله تعالى-: المُصِرُّ من تلبَّس من أضدادِ التوبةِ باستمرارِ العزم على المُعاوَدَةِ، أو باستدامةِ الفعل بحيثُ يدخلُ به في حَيِّزِ ما يُطْلقُ عليه الوصف (٢) كبيرًا عظيمًا (٣)، وليس لزمان ذلك وعدده حصر معلوم (٤) (٥).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٨٧)، و\"الزواجر\" للهيتمي (٢/ ٩٢٢).\n(٢) في \"ب\" زيادة\": \"لضرورته.\n(٣) انظر: \"فتاوى ابن الصلاح\" (١/ ١٤٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٨٧)، و\"الزواجر\" للهيتمي (٢/ ٩٢٢).\n(٤) انظر هذين النقلين ونقولًا أخرى قبلها ذكرها المؤلف في: \"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٨٥ - ٨٧). وقد ذكر الإمام النووي -﵀- في هذا الموضع جملًا مهمة مختصرة فيما يتعلق بضبط الكبيرة، ذكر المصنف هنا أكثرها.\n(٥) قال ابن القيم: وهاهنا أمر ينبغي التفطن له: وهو أن (الكبيرة) قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رتبها، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره. انظر: \"مدارج السالكين\" لابن القيم (١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>(من أحكام المواريث)</span>\n٨١ - (٢٢) قولهم جَلَّ ثناؤه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣].\n* جعل الله سبحانه لكلٍّ من الرجالِ والنساء مَواليَ.\nوهم العَصَبَةُ في قولِ ابنِ عباسِ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)، أو جميعُ الورثة في قول السديِّ وابنِ عباسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبير (٢).\n* وجعل لهم حقًا فيما تركَ الوالدانِ والأقربون، وذلك الحَقُّ مجهولٌ هنا، مبيَّنٌ في أول السورة، بين الله تعالى قَدْرَهُ وشَرْطَهُ، ونَسَخَ بها -في قولِ ابن عباس- ما كانوا يتوارثون به في صدرِ الإسلام من المؤاخاة والمعاقدة (٣).\nروى البخاريُّ عن سعيدِ بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كان المهاجرون لمّا قدِموا المدينة، يرثُ المهاجريُ الأنصاريَّ دونَ ذوي\n_________\n(١) وهو قول ابن زيد، انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٠ - ٥٢)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٧٥).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٠ - ٥٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٣٧).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٥٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٧٣٩).","vol":"2","page":376},{"text":"رَحِمِه؛ للأُخُوَّةِ التي آخى النبيُّ - ﷺ - بينهم، ولما نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، نُسِخَتْ.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] منَ النُّصرةِ والرِّفادَةِ (١) والنصيحةِ (٢) (٣).\nومنهم من قال: إنها نازلة في الحليف، وكان له السُّدُسُ في صَدْرِ\n_________\n(١) الرِّفادة: رَفَدَه وأرفده: أعانه بعطاء أو قول أو غير ذلك. \"أساس البلاغة\" (مادة: رفد) (ص: ٢٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٢١٧٠)، كتاب: الكفالة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.\n(٣) قد بين تفصيل الموالاة والمؤاخاة أثرٌ روي عن ابن عباس قال فيه: إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - على ثلاث منازل، منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم وآووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرأ الله المؤمنين المهاجريني من ميراثهم وهي الولاية التي قال الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي - ﷺ - ميثاق فلا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذين لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\nرواه الطبري (١٠/ ٥٢)، وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ١١٣).","vol":"2","page":377},{"text":"الإسلام، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١) [الأحزاب: ٦].\nوقيل: إنها في نصيب الزوجين؛ لأنه يبذُلُ يمينَهُ في عقد النكاح، فليستْ بمنسوخة، والله أعلم (٢).\n* * *\n_________\n(١) وقد رجح هذا القول الطبري، وهو قول قتادة حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: هم الأولياء، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بدمي وأطلب بدمك، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث بعدُ فقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩١٩٧)، والطبري في \"التفسير\" (٥/ ٥٢، ٥٥).\n(٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٣).","vol":"2","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>(من أحكام النكاح)</span>\n٨١ - (٢٣) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].\n[قوامون]؛ أي: مسلَّطونَ على تأديبهنَّ.\nوالقَوَّام والقَيِّم بمعنى واحد، وهو القائمُ بالمصالحِ والتدبيرِ والتأديبِ.\nوالآية نزلت في سعدِ بن الربيع وامرأتهِ، وذلك أنها نَشَزَتْ عليه، فلَطَمَها، فانطلقَ أبوها معها إلى النبيِّ - ﷺ -، فقال: أفرشته (١) كريمتي (٢) فلطمَها، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"لتَقْتَصَّ منْ زَوْجِها\"، فذهبت مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"ارْجِعُوا، هذا جِبْريلُ أَتانِي\"، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"أَردَنْا أَمْرًا، وأرادَ اللهُ أَمْرًا، والذي أرادَ اللهُ خَيْرٌ\" (٣).\n_________\n(١) \"أفرشته\" ليس في \"أ\".\n(٢) أفرشته كريمتي: الفُرْش والمفارش: النساء لأنهنَّ يُفتَرَشن، يقال: افترش فلانٌ كريمة فلان فلم يُحسِن صحبتها إذا تزوجها. ويقال: فلان كريمُ المفارش: إذا تزوَّج كرائم النساء. \"اللسان\" (مادة: فرش) (٦/ ٣٢٧).\n(٣) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٣١٢): \"قلت: غريب بهذا =","vol":"2","page":379},{"text":"* ثم أمر الله سبحانه الرجالَ بوعظِ الأزواج عند خوفِ نُشوزِهِنَّ، وذلك يكون بظُهور أَماراتِ النُّشوز، إما بالخُشونة وسوءِ الخُلُق، وإما بإخلافِ عادتِها في حسنِ طاعتِها ولينِ عِشْرَتها.\nوأمرهم بهجرهنَّ وضربهنَّ، وذلك يكون عندَ ظهورِ النشوزِ وتحقُّقِه والإصرارِ عليه، لا عندَ خوفِه؛ فإنَّ ظهورَ أَماراته لا يُبيحُ الضربَ؛ لاحتمال خُلْفِ الأَماراتِ والخطأ فيها، فقد يكونُ ذلك منها لِغَمٍّ وضيق صدرٍ (١) (٢).\nونُقل عن بعضهم جوازُ الجمع بين الوعظِ والهجرانِ والضربِ؛ لأن الواو تقتضي الجمعَ، لا الترتيب (٣)، وحمل خَوْف النشوزِ على ظهورهِ والعلمِ به تَجَوُّزًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢].\n_________\n= اللفظ، وأقرب ما وجدته ما رواه ابن مردويه في \"تفسيره\" عن علي قال: أتى النبي - ﷺ - رجل من الأنصار بامرأة له، فقال: يارسول الله! إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها، فَأَبَنَ -عاب- وجهها، فقال ﵇: \"ليس له ذلك\" فنزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية. فقال ﵇: \"أردت أمرًا، وأراد الله غيره\". وروى أبو داود في \"مراسيله\"، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، والطبري في \"تفسيره\" عن الحسن: أن رجلًا لطم وجه امرأته، فأتت النبي - ﷺ - فشكت إليه، فقال: \"القصاص\"، فنزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ا. هـ، ما ذكره الزيلعي مختصرًا.\n(١) \"صدر\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٥٣٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٧١)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٤٨).\n(٣) القول بجواز الجمع بين الوعظ والهجران والضرب هو القول المرجوح عند الشافعية والحنابلة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١١٢)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٨/ ٣٧٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٤٢).","vol":"2","page":380},{"text":"والأول (١) أصحُّ من ثلاثةِ أوجه:\nأحدها: استعمالُ الخوفِ في حقيقتِه دونَ مَجازه؛ فإن الخوفَ لا يقع حقيقةً إلا على الخشيةِ للشيء دون الوقوعِ فيه، وأما التجوزُ بالواو إلى الترتيب؛ فإنه أكثرُ استعمالًا من هذا، فمجازه أرجحُ.\nوثانيها: استغراقه (٢) بجميع الحالاتِ المفتقرة إلى التأديب، وعلى هذا القول تخرج حالةُ مبادئ النشوز من التأديب، وهي أولى بالتأديب؛ لما فيها من استدراكِ المفسدةِ قبلَ انتشارِها بما هو أوفقُ وأرفقُ.\nوثالثها: صدقُ الاعتبار بنظائره في دفع الصائل (٣).\nنعم للشافعيِّ قولٌ أنه يجمع بين الهجرانِ والضرب بظُهور النشوز منها، وإن لم تُصِرَّ عليه (٤)، وهو الصحيحُ عند بعض الشافعية (٥).\n* والأمرُ بالوعظِ محمولٌ على الاستحبابِ، وبالهجرانِ محمولٌ على\n_________\n(١) أي: الترتيب في الوعظ ثم الهجر ثم الضرب.\n(٢) أي: الترتيب في الوعظ ثم الهجر ثم الضرب.\n(٣) يراعى في دفع الصائل الترتيب والتدرج، فيدفع بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، ويزيد بحسب الحاجة، وإن أدى إلى قتله. انظر: \"المجموع\" للنووي (٢٢٠/ ٣).\n(٤) ذكر الشافعي في \"الأم\" القولين -الترتيب في الوعظ والهجر والضرب والجمع بينها- لكن ظاهر كلامه أنه يرجح الأول، حيث قال بعد أن ذكر القول الأول وفصَّل فيه: \"وقد يحتمل قوله ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إذا نشزن فخفتم لجاجتهن في النشوز أن يكون لكم جمع العظة والهجرة والضرب\". انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٢٢، ١٩٤).\n(٥) ضرب المرأة إن ظهر النشوز ولم تصر عليه، فيه خلاف عند الشافعية، وقد رجح الرافعي المنع، وصحح النووي الجواز. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٣٦٧)، و\"كفاية الأخيار\" للحصني (ص: ٣٨٢).","vol":"2","page":381},{"text":"التأديب، وبالضربِ محمولٌ على الإباحة.\n\" وبين النبيُّ - ﷺ - صفةَ الضرب أنه غَيْرُ مُبَرِّحٍ (١).\n* وقيدَ اللهُ سبحانه هجرانَهُنَّ في المَضاجِع، فدلَّ على أنهم لا يهجرونَهُنَّ في الكلام (٢)، ويدل عليه ما روى أبو هريرةَ -رضي الله تعالى\n_________\n(١) وذلك في الحديث الذي رواه الترمذي (١١٦٣)، وابن ماجه (١٨٥١) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي: أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ؛ فحمد الله وأثنى عليه وذكَر ووعظ، فذكر في الحديث قصة فقال: \"ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عَوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا\".\n(٢) قال ابن الجوزي: واختلفوا في المراد بالهجر في المضجع على أربعة أقوال:\nأحدها: أنه ترك الجماع، رواه سعيد بن جبير وابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير ومقاتل.\nوالثاني: أنه ترك الكلام لا ترك الجماع؛ رواه أبو الضحى عن ابن عباس وخصيف عن عكرمة وبه قال السدي والثوري.\nوالثالث: أنه قول الهُجر من الكلام في المضاجع؛ روي عن ابن عباس والحسن وعكرمة، فيكون المعنى: قولوا لهن في المضاجع هجرًا من القول.\nوالرابع: أنه هجر فراشها ومضاجعتها، روي عن الحسن والشعبي ومجاهد والنخعي ومقسم وقتادة، قال ابن عباس: اهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٧٦).\nوالذين قالوا: إن المراد بالهجران ترك الكلام لم يخالفوا حديث: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، حيث قيدوا الهجر بثلاثة أيام. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٤٢).\nوالذين قالوا: إن المراد بالهجران قول الهجر من الكلام جعلوا غايته شهرًا، كما فعل النبي ﷺ حين أَسَرَ إلى حفصة فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا =","vol":"2","page":382},{"text":"عنه- أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخْاهُ فَوْقَ ثَلاثةِ أَيِّامٍ\" (١).\n* ثم نهى الله سبحانه الرجالَ أن يبغوا عليهن سبيلًا (٢)، فقال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].\n* * *\n\n٨٢ - (٢٤) قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥].\nأخفتم،؛ أي: علمتم شقاقَ بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] وكقول الشاعر (٣): [من الطويل]\nولا تَدْفِنَنِّي في الفَلاةِ فإنَّني ... أَخافُ إذا ما مِتُّ أَلَّا أَذوقُها\n_________\n= عليه. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٧٢).\n(١) رواه البخاري (٥٧١٨)، كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ومسلم (٢٥٥٩)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، وهذا لفظ البخاري.\n(٢) قيل في معنى [فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا] أقوال منها:\nالأول: فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز. ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٥٣٩)\nالثاني: لا تكلفها الحب لأن قلبها ليس في يدها. قاله سفيان بن عيينة.\nالثالث: لا تلتمسوا سبيلًا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك أن تقول لها وهي مطيعة لك: لست لي محبة، فتضربها أو تؤذيها.\nانظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٦٩)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٥٣٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٧٦).\n(٣) هو عمر بن حبيب، أبو محجن الثقفي. انظر: \"خزانة الأدب\" للبغدادي (٣/ ٥٥٠).","vol":"2","page":383},{"text":"* فأمر الله سبحانه الوُلاة عندَ العلم بالشِّقاق بينهما، وإشكالِ الظالمِ منهما بأن يبعثوا حَكَمًا من أهله، وحَكَمًا من أهلها، ليطَّلعا على باطنِ أحوالهما، وحقيقةِ أمرِ هما، فيحكما بينهما.\n* والتقييدُ بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوزُ أن يكونا من غير أهلِهما، وهو كذلك عند المالكية (١)، حتى ادَّعى بعضهم أنه إجماعٌ، إلا ألاّ يكونَ في أهلِهما من يصلُحُ لذلك، فيرسل من غيرِهما (٢).\nودعوى الإجماع ممنوعة، فذلك مستحبٌّ غيرُ واجبٍ عند الشافعية (٣).\n* وأجمع العلماءُ على أن قولَهما في الإصلاح نافِذٌ، وإن كانَ بغيرِ توكيلٍ من الزوجين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥] فقرنَ الله سبحانه بينهما في الإرادة، ولهذا أجمعوا على أنه لا ينفذُ قولُهما إن اختلفا (٤).\n* واختلفوا في الحَكَمين إذا أرادا التفريق:\nفأخذَ مالكٌ بظاهرِ الآية، وجعل إلى الحَكَمَين التفريقَ بغير رضا الزوجين، إن رأياه، فيبذلُ الذي من أهلها العِوضَ، ويطلِّقُ الذي من أهله،\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٤).\n(٢) وممن ادعى الإجماع على أن الحكمين لا يكونا إلا من جهة الزوجين ابن عبد البر، وابن بطال وابن رشد. انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٧/ ٤٢٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٤٠٣)، \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٤).\n(٣) انظر: \"أسنى المطالب\" لزكريا الأنصاري (٣/ ٢٤٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٢٦١).\n(٤) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٧/ ٤٢٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨٣).","vol":"2","page":384},{"text":"وهو أحدُ قولَي الشافعي -رحمه الله تعالى (١) -.\nواحتج أيضًا بما روى عَبيدةُ السَّلْمانيُّ قال: جاء رجل وامرأةٌ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه- مع كل واحدٍ منهما فِئَامٌ (٢) من الناس، فأمرهم علي، فبعثوا حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن (٣) رأيتُما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرِّقا، فقالت المرأةُ: رضيتُ بكتابِ الله بما فيه لي وعَلَيَّ، وقال الرجلُ: أما الفرقةُ، فلا، فقال عليّ: كذبتَ، واللهِ لا تنفكُّ حتى تقِرَّ بمثلِ الذي أقرَّتْ به المرأةُ، فجعلَ علَى الحكمين التفرقةَ (٤).\nوقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القول الآخر: ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوجُ إليهما التفريق (٥).\nواحتجا بالقياس؛ إذ الأصل أن الطلاق ليسَ بيد أحدٍ سوى الزوج، أو مَنْ يوكِّلُه الزوجُ.\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٨٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٤)، و\"أحكام القرآن\" للإمام الشافعي (١/ ٢١٢)، و\"الإفصاح\" لابن هبيرة (٢/ ١٦٢).\n(٢) فئام: الفِئَام، ككتاب: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه. \"القاموس\" (مادة: فأم) (ص: ١٠٣١).\n(٣) في \"ب\": \"إذا\".\n(٤) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٦٢)، وفي \"الأم\" (٥/ ١١٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٨٨٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤٦٧٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٩٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٥).\n(٥) وهو رواية عن أحمد، انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٩٤)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٧٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٥٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٤٤).","vol":"2","page":385},{"text":"واحتجا أيضًا بقولِ عليٍّ للرجلِ: والله لا تنفكُّ حتى تقرَّ بمثلِ ما أقرَّتْ به المرأةُ، فاعتبرا إذنَ الرجل في ذلك (١).\nولا حجةَ لهما في ذلك؛ فإن عليًا إنما واخذه بسوء (٢) أدبه؛ حيثُ لم يقبلْ ما لَه وعليه في كتاب الله سبحانه كما قبلتِ المرأةُ، ولذا قال له: كذبتَ، واللهِ لا تنفَك حتى تقرَّ بمثلِ الذي (٣) أقرتْ به المرأة، ولم يقل: حتى تأذن للحَكَم وتُحَكِّمَهُ، ولأنَّ المرأة لم يوجد منها سوى القَبول، ولم يوجد منها التوكيلُ (٤).\nوقولُ مالكٍ أرجحُ وأولى؛ لأن الله سبحانه سَقاهما حَكَمين، وقد جعل الله سبحانه إلى الحُكامِ التفريقَ، وإن لم يرض الزوج؛ كالملاعِن والعِنِّين (٥).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١١٦، ١٩٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (١٠/ ٧٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٥٢).\n(٢) في \"ب\": \"لسوء\".\n(٣) في \"ب\": \"ما\".\n(٤) في \"أ\": \"الوكيل\".\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٣٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٧٧).","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>(من أحكام الطهارة والصلاة)</span>\n٨٣ - (٢٥) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].\n* نهانا الله سبحانه عن قُربانِ الصلاة في حالِ السُّكْرِ، وبَيَّنَ لنا العِلَّةَ المانعةَ أنها عدمُ عِلْمِ المُصَلّي بما يقولُ.\n\"والإجماعُ منعقدٌ على أن السُّكْرَ إذا بلغَ بالشاربِ إلى حَدِّ التخليطِ، لا تصحُّ صلاتُه، وفعلُها حرامٌ؛ لوجودِ العِلَّةِ الموجِبَةِ للفساد (١).\n* وأما الشاربُ إذا صَلَّى في مبادِئِ النشوة ودبيبِ السكر؛ بحيث يعلمُ ما يقولُ، فصلاتهُ جائزةٌ صحيحة، وجميع أعماله (٢) وأقواله كذلك؛ لعدم العلة، ولأنه لا يُسَمَّى سَكْرانَ، ولأنه داخلٌ في جُملة المكلفين (٣).\nوسواءٌ حملنا كلمةَ (حتى) على التعليل، أو على الغاية؛ فإن وجود\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ١٢٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٥٧٢).\n(٢) في \"ب\": \"أفعاله\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٦٩)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٤) و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص: ٢١٨).","vol":"2","page":387},{"text":"العلمِ من الشارب بما يقولُ، وعدَم العلم به، علَّةٌ لصحةِ الصلاةِ وفسادِها طردًا وعكسًا؛ لأن الغايةَ بمنزلةِ العِلَّةِ للحُكْم المعيَّن.\n* وإن صلَّى في حالِ اختلاطِ عقلهِ، فلا تصحُّ صلاتُه اتفاقًا؛ للآية.\n* واختلفوا هل يلحقُ بها سائرُ أقواله أو لا؟\nفذهب قومٌ إلى الإلحاق، فقال الليث: كلُّ ما كان من منطقِ السكرانِ، فموضوعٌ عنه، ولا يلزمهُ طلاقٌ ولا عتقٌ ولا نكاحٌ ولا بيعٌ ولا حَدٌّ في قذف، وكلُّ ما جَنَتْهُ جوارحُه، فلازم له، فيُحَدُّ في الشربِ والقتلِ والزنا والسرقةِ (١).\nوبه قال داودُ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وجماعة من التابعين؛ كالقاسمِ بنِ محمدٍ، وطاوسٍ، وعطاءٍ، وأبانَ بنِ عثمان (٢).\nوثبتَ عن عثمانَ أنه كان لا يرى طلاقَ السكران (٣)، وبه قالَ الشافعيُّ في قولهِ القديم، واختاره المزنيُّ، وابنُ سُريج، وأبو سهلٍ الصعلوكيُّ، وابنُه من الشافعية (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٠٨)، \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢١٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٣).\n(٢) وكذا سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٥/ ٢٢٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٠٥)، و\"إعلام الموقعين\" لابن القيم (٤/ ٤٨).\n(٣) رواه عنه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٣٠٨)، وابن أبي شيبة \"المصنف\" (١٧٩٧٣)، وهو قول لابن عباس، كما علقه البخاري عنه وعن عثمان؛ وأشار إلى ترجيحه انظر: \"صحيح البخاري\" (٥/ ٢٠٧٨).\n(٤) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٠٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٨٩).\nوقد أنكر الماوردي أن يكون هذا قولًا قديمًا للشافعي وتكلم في صحة نسبة هذا =","vol":"2","page":388},{"text":"- وذهب مالك، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجديدِ إلى عدم الإلحاقِ، يروى عن عمرَ، ومعاويةَ، وجماعةٍ من التابعين (١).\nثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: يلزمه كلُّ شيءٍ (٢).\nوقال مالكٌ: يلزمه الطلاقُ والعتقُ والقَوَدُ، ولا يلزمهُ النكاحُ ولا البيع (٣).\nوللشافعيةِ اختلافٌ وتفصيلٌ طويلٌ (٤).\n_________\n=القول إليه. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٢٣٦).\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٨٨)، و\"المدونة الكبرى\" (٥/ ٢٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٠٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ١٧٦)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (١٤/ ٣٦١)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٥٣)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٩٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢٨٩/ ٧).\n(٢) واستثنى من جواز تصرفاته: الردة والإقرار بالحدود الخالصة لله والشهادة على شهادة نفسه. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ١٧٦)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ٤٩١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٨/ ١٩٧).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٢٠٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٣)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٤/ ٤٣، ٢٤٢).\n(٤) إذا كان السكر بمباح كحالة البنج والاضطرار والإكراه ونحوها، فلا تعتبر أقواله وأفعاله، ولا أثر لعبارته، لعدم تحقق القصد منه. وإذا كان السكر بمحرم فيؤاخذ بأقواله عقابًا وزجرًا له، فتصح عقوده كالبيع والزواج، وتصح تصرفاته كالطلاق، وتترتب عليها آثارها. انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٢/ ٢١٩).\nونقل السيوطي تفصيلًا آخر حيث قال: قال الرافعي: وفي محل القولين أربع طرق:\nأصحهما: أنهما جاريان في أقواله وأفعاله كلها ما له وما عليه.\nوالثاني: أنهما في أقواله كلها كالطلاق والعتاق والإسلام والردة والبيع والشراء =","vol":"2","page":389},{"text":"* ويلحق بالسُّكْر ما في معناه من الحالةِ التي تقتضي اختلاطَ العقل وجهلَ المصلي بما يقول؛ كتخبيطه بأكل قليلٍ للأفيونِ (١) والبَنْجِ (٢) والحَشائِشِ -نسأل الله سبحانه العافية لنا ولسائر المسلمين- وكالمغلوبِ بالنُّعاس؛ لوجودِ العلَّةِ المقتضية للنهيِ والفساد (٣)، ولما روت عائشةُ\n_________\n= وغيرها، وأما أفعاله كالقتل والقطع وغيرها فكأفعال الصاحي بلا خلاف لقوة الأفعال.\nالثالث: أنهما في الطلاق والعتاق والجنايات، وأما بيعه وشراؤه وغيرهما من المعاوضات فلا يصح بلا خلاف لأنه لا يعلم ما يعقد عليه والعلم شرط في المعاملات.\nالرابع: أنهما فيما له كالنكاح والإسلام، أما ما عليه كالإقرار والطلاق والضمان فينفذ قطعًا تغليظًا، وعلى هذا لو كان له من وجه وعليه من وجه كالبيع والإجارة نفذ تغليبا بطريق التغليظ، هذا ما أورده الرافعي وقد اغتر به بعضُهم فقال تفريعًا على الأصل: السكران في كل أحكامه كالصاحي إلا في نقض الوضوء، قلت: وفيه نظر، فالصواب تقييد ذلك بغير العبادات، ويستثنى منه الإسلام، أما العبادات فليس فيها كالصاحي كما تبين، ذلك فمنها الأذان فلا يصح أذانه على الصحيح كالمجنون والمغمى عليه لأن كلامه لغو وليس من أهل العبادة، وفيه وجه أنه يصح بناء على صحة تصرفاته. انظر: \"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص:٢١٧).\n(١) الأفيون: لبن الخشخاش المصري الأسود، نافع من الأورام الحارة، خاصة في العين، مخدِّرٌ، وقليله نافع مُنَوِّم وكثيره سُمّ. \"القاموس\" (مادة فون) (ص: ١١٠٢).\n(٢) البِنْج: بالكسر: نبتٌ مُبستٌ، مخبِّطٌ للعقل، مجنّن، مسكِّن لأوجاع الأورام والبثور ووجع الأذن، وأخبثه الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه الأبيض. وبنجه تبنيجًا: أطعمه إياه. \"القاموس\" (مادة: بنج) (ص: ١٦٦).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٠٦)، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٣).","vol":"2","page":390},{"text":"-رضي الله تعالى عنها- عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وهو يصلي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عنهُ النومُ؛ فإنَّ أَحَدَكُمْ إذا صَلَّى وهو يَنْعُسُ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ فَيَسْتَغْفِرُ، فيَسُبُّ نَفْسَهُ\" (١).\n* وحرمِ سبحانه علينا أيضًا قُربان الصلاة في حالِ الجَنابةِ حتى نَغْتسلَ، إلا أن نكون مُسافرين عادِمين للماء؛ فإنه أباحَ لنا قُربانَها إذا تيمَّمْنا صعيدًا طيبًا، فقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والتقدير: ولا جُنُبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، فتقربونها، وإن لم تغتسلوا.\nثم قربانُها بغيرِ اغتسالٍ مطلقٌ في هذه الجملة، مقيدٌ بقَصْدِ الصعيدِ الطيبِ في الجملة التي بعدَ هذه.\nفإن قال قائل: فهذا يقتضي أن الجنبَ لا يقرب الصلاة في الحضر إذا عدم الماءَ، ولا يجوز له التيممُ؛ لما في الاستثناء من الحَصْر.\nقلنا:\n- يحتمل أن يريد به الحصرَ في الإباحة؛ كما ذكرت، فدلَّ على أنه لا يجوز له في غير ذلك الحال؛ كما هو قولُ أبي حنيفة (٢).\n- ويحتمل أن يكونَ الاستثناءُ ورَد على الغالب في الوجود؛ فإنَّ الماءَ لا يعدمُ غالبًا إلا في السفر، وعدمُه في الحَضَر نادر، فلا يدلُّ على عدم\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٠٩)، كتاب: الوضوء، باب: الوضوء من النوم، ومن لم ير من النعسة والنعستين، أو الخفقة وضوءًا، ومسلم (٧٨٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٠)، (٤/ ٢)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٢٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٢٤٩).\nوهناك من الحنفية من أجاز التيمم حال فقد الماء لغير المسافر، انظر: و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٢٥)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (١/ ١٨٤).","vol":"2","page":391},{"text":"الجواز، فيلتحق به ما في معناه من حالاتِ العدمِ؛ كما هو قولُ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والشافعي (١).\nإلا أن الشافعيَّ قالَ: إذا قدرَ على الماء، فعليه الإعادةُ (٢).\nوما ذكرتُه من الأحكام هو على قولِ جماعةٍ من الصَّحابةِ والتابعينَ والمفسرين أن المرادَ بالنهي عن قُربان الصلاةِ نفسُها (٣).\nوقال فريقٌ منهم: المرادُ بالنهيِ مَوْضِعُ الصلاة الذي هو المَسْجِدُ، فالصلاةُ على هذا داخلة في النهيِ من باب الأولى (٤).\nقال عطاءُ بنُ يسارٍ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم- في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٣٤]: لا تقربِ المسجدَ وأنتَ جنب إلا أنْ يكونَ طريقُك فيه، فتمرَّ مارًا (٥).\nوروى الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب: أن رجالًا من الأنصار كانت\n_________\n(١) وهو قول الإمام أحمد أيضًا. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٦)، \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٥)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ١٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٤٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٥٧)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٢/ ٣٣٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ١٢٢).\n(٣) وهو قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل وابن زيد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٥٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩٠).\n(٤) وهو قول ابن عباس في رواية وابن مسعود وأنس وسعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار وعكرمة والزهري. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩١).\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٩٨).","vol":"2","page":392},{"text":"أبوابُهم في المسجدِ، فتصيبهم جنابةٌ، ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماءَ، ولا ممرَّ لهم إلا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية (١).\nوقد اختلف أهلُ العلم في ملابسةِ الجنبِ المسجد، فقال جمهورُ السلفِ: يجوزُ له العبورُ دونَ القَرار (٢)، وبه أخذ الشافعيُّ (٣).\nفهؤلاء منهم من يقول بهذا التأويل؛ كابنِ عباسٍ، فجرى على تأويله (٤).\nومنهم من يقول بالقول الأول أن المرادَ بالنهي عينُ الصلاة، وإنما وافقه لدليلٍ آخرَ مثل قوله - ﷺ -: \"لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لِحائِضٍ\" (٥) (٦).\nوربما ظنَّ ظانٌّ أن كلَّ من قال بجواز العبور للجنب أنه قائل بالمعنى الثاني؛ لموافقته للقائل به في الحكمِ، وليس كذلك؛ إذ لا يلزمُ من القَول بإيقاع النهيِ عن الصلاة القولُ بتحريم العبور.\nوقال قوم: لا يقربُ المسجدَ بحالٍ، وهو قولُ مالكٍ، واحتجَّ له بما روت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"وَجِّهوا هذهِ البيوتَ (٧)\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٩٩).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٩٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٦٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٥٥).\n(٣) انظر: \"الأم\" كلاهما للشافعي (١/ ٥٤).\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٦).\n(٥) انظر تخريج الحديث الآتي إذ هو جزء منه.\n(٦) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢/ ١٨١)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٠٢).\n(٧) أي: اصرفوا أبواب هذه البيوت التي فتحت إلى المسجد إلى جانب آخر كيلا يمر الجنب أو الحائض في المسجد.","vol":"2","page":393},{"text":"عن المَسْجِدِ؛ فإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لحِائِضٍ\" (١) (٢).\nوقال أحمدُ، وإسحاقُ، والمزنيُّ (٣)، وأصحابُ الرأي (٤)، وأهلُ الظاهر (٥): يجوزُ مطلقًا، إلا أن أحمدَ وإسحاقَ شرطا الوضوء (٦)؛ أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] ولأن الأصلَ عدمُ التحريم.\nولا حجةَ في الحديث لمالكٍ؛ لأنه مُجْمَلٌ لا يُحتجُّ به عند أكثر المحققين من الأصوليين (٧).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٣٢)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يدخل المسجد، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٧٨٣)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٣٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٢).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٣٩).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١٨٥).\n(٤) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٢/ ٢٥٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٨).\n(٥) هذا الحديث مختلف في صحته؛ فقد ضعفه ابن حزم والبيهقي، وصححه ابن خزيمة، وحسَّنه ابن القطان والزيلعي وابن حجر وغيره، انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٤٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١٨٥)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٩٤)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ٣٧٦).\n(٦) إن كان يقصد بأصحاب الرأي الحنفية فالمذهب عند الحنفية كمذهب المالكية تحريم المرور والمكث، انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٦٨)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١١٨)، و\"حاشية رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ١٧١).\n(٧) انظر: \"مختصر المزني\" (١/ ١٩)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٢/ ٢٥٤)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ١٨٢).","vol":"2","page":394},{"text":"نعم يبقى فيه الاحتجاجُ للفريقِ الأول؛ فإن تحريمَ اللُّبْثِ مُتيَقَّنٌ بكلّ حال؛ لأنه إن كانَ المرادُ بالتحريم العبورَ، فاللبثُ داخلٌ فيه من طريق الأولى، وإن كان التحريمُ خاصًّا باللُّبثِ، فهو المقصودُ بالحكم.\nوأما الحديثُ -وإن سلم الاحتجاج به- فقد ضَعَّفه أحمدُ؛ لأن راويَهُ مجهول (١).\nفإن قال قائل: فأيُّ القولين أرجحُ وأولى: وقوعُ النهيِ على الصلاة، أو على موضعها؟\nقلنا: الأولُ أولى من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن فيه حملَ اللفظ على حقيقته، وعدمَ الإضمار، وحملُ اللفظِ على حقيقته أولى من المجاز (٢).\nثانيها: سياق آخر الآية حكُمهُ مختصٌّ بالصلاة، ولا يجوز أن يتعلق بموضِعِ الصَّلاة، فهذا يدل على أن أولَ الكلام كآخره؛ لما بينهما من الربط بحرف النَّسَق (٣).\n_________\n(١) لم أقف على تضعيف أحمد لأفلت إلا في \"شرح السنة\" للبغوي (٢/ ٤٦)، ولفظه: وضعف أحمد الحديث، لأن راويه وهو أفلت بن خليفة مجهول.\nوقد نقل عنه هذا التضعيف ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٢٠).\nلكن نقل غير واحد عن الإمام أحمد خلاف هذا القول وأنه قال عن أفلت: لا أرى به بأسًا. انظر: و\"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٦٨)، و\"تهذيب الكمال\" للمزي (٣/ ٣٢٠)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ١٣٩)، و\"البدر المنير\" لابن الملقن (٢/ ٥٥٩) وغيرهم.\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٠)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (١٠/ ٨٧).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٥٦).","vol":"2","page":395},{"text":"ثالثها: ما حكاه المفسرون من سببها، وذلك أن عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ -رضى الله تعالى عنه- صنعَ طعامًا، ودعا ناسًا من أصحابِ محمد - ﷺ -، فَطَعِموا وشربوا، وحضرت صلاةُ المغربِ، فتقدمَ بعضُ القوم فصلَّى بهم المغرب، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، ولم (١) يتمَّها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢) [النساء: ٤٣]، وحملُ ذلكَ على موضعِ الصلاة حَمْل لها على غير سببها، وحملُ اللفظِ على غير سببه، وإخراجُ سببه غيرُ جائز.\nفإن قيل: فقد روى بعضُهم نزولهَا في الذين كانت أبوابهم في المسجدِ (٣)، مع اتفاقِهم على أن صدرها نازلٌ في السُّكارى، فكيف يتفق لها سببان؟\nقلنا: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا\n_________\n(١) في \"ب\": \"فلم \".\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٣) وتمام الرازي في \"فوائده\" (٢/ ٢٢٨)، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا أصحاب النبي - ﷺ -، منهم علي، فطعموا وشربوا من الخمر قبل أن تحرم، فأخَذَت في علي، وحضرت صلاة المغرب، فقدموه، فصلى بهم فقرأ: \"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن عابدون ما عبدتم\"، وهو لا يدري، ونزل على النبي - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\n(٣) لعله يقصد ما رواه الطبري في \"التفسير\" (٥/ ٩٩) عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب قال عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.","vol":"2","page":396},{"text":"الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فزل في هذا السبب، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] نزل في الذين كانت أبوابُهم في المسجد، ونيةُ العاملِ والمعمول في حرف العطف جائر، فهو معطوف على الجملة الحالية.\nوقد بينتُ في أول كتابي هذا أنه يجوزُ أن ينزلَ بعضُ الآية دونَ بعضٍ، ثم ينزلَ البعضُ الآخرُ في زمنٍ آخر، وإن كانَ قد تَوَهَّمَ الإمامُ أبو عبد الله الشافعيُّ خلافَ ذلك.\nوهذا التأويلُ عندي متعينٌ في هذا المقام؛ لما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- من كونِ عمرَ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- لا يُجَوِّزان التيممَ عن الجنابة (١)، ولو كان نزولُ هذه الجملة في الصلاة كالجملة الأولى، لما خالفوا في ذلك.\n* فإن قال قائل: فما حقيقة الجُنُبِ؟\nقلنا: الجُنُبُ في الأصلِ موضوع لمعنى البُعْد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، سمي بذلك لبعده عن حالة التقرب إلى الله تعالى، وهو مأخوذٌ من الجنابة.\nوالجنابةُ تطلق على خروج الماء بالتلذُّذ، وقد تطلق على الماءِ نفسِه؛ لأنه سببٌ للبعد (٢)، قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: كنت أغسلُ الجنابةَ من ثوبِ رسولِ الله - ﷺ - فيخرج إلى الصلاة وبقع الماء على ثوبه.\n_________\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٥٧)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٢٣٨).\n(٢) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ١٥٥)، و\"لسان العرب\" (١/ ٢٦٨ - ٢٧٩) مادة (جنب).","vol":"2","page":397},{"text":"خرجه الشيخان، ولفظ مسلم: \"وقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا، فيصلي فيه\" (١).\nوبين النبيُّ - ﷺ - أن التقاءَ الختانَيْن من غيرِ إنزالٍ كمثله مع الإنزال، فقال: \"إذا الْتَقَى الخِتانانِ، وَجَبَ الغُسْلُ\" (٢)، وقال أيضًا: \"إذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأَرْبَعِ، وجَهَدها، فَقْدَ وَجَبَ الغُسْلُ، وإنْ لم يُنْزِلْ\" (٣)، خرجه الشيخان.\n* وبيَّنَ أن إنزالَ المرأةِ الماءَ من غيرِ جِماع كَهُوَ مع الجِماع، فقال - ﷺ - لأمِّ سُلَيْمٍ امرأةِ أبي طلحةَ لمّا سألتْهُ: هل على المرأةِ من غسل إذا هي احْتَلَمَتْ؛ قال: \"نَعَمْ، إذا رَأَتِ الماءَ\" (٤)، خرجه الشيخان أيضًا، ولم يخالف فيه إلا النخعيُّ؛ فإنه قال: لا غُسْلَ عليها (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٢٧) كتاب: الوضوء، باب: غسل المني وفركه، وغسل ما يصيب من المرأة، ومسلم (٢٨٩)، كتاب: الطهارة، باب: حكم المني، وهذا لفظ البخاري.\n(٢) رواه ابن ماجه (٦٠٨)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، والإمام الشافعي في \"مسنده\" في \"مسنده\" (١/ ١٥٩)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢٣٩)، وإسحاق بن راهويه (١٠٤٤) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٦٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١٨٣)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٢٨٦)، عن عائشة.\n(٣) رواه البخاري (٢٨٧)، كتاب: الغسل، باب: إذا التقى الختانان، ومسلم (٣٤٨)، كتاب: الحيض، باب: نسخ الماء من الماء، عن أبي هريرة.\n(٤) رواه البخاري (٢٧٨)، كتاب: الغسل، باب: إذا احتلمت المرأة، ومسلم (٣١٣)، كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، عن أم سلمة.\n(٥) رواه عن إبراهيم ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨٨٧)، وجود إسناده الحافظ ابن حجر في: \"فتح الباري\" (١/ ٣٨٨).","vol":"2","page":398},{"text":"وروي عن الشافعيِّ -رحمه الله تعالى-: أنه قال: إنما سُمِّيَ الجُنُبُ جُنُبًا من المخالطة، ومن كلامِ العربِ: أجنبَ الرجلُ: إذا خالَطَ أهلَه (١).\nفعلى قوله يكونُ لفظُ القرآنِ متناولًا لمن جامَعَ ولم يُنْزل، بطريقِ اللغة، مع البيانِ من النبي - ﷺ -.\n* إذا تقرر هذا، فهل يطلقُ الجنبُ على من خرجَ منه الماءُ بغير تَلَذُّذٍ، فيجب عليه الغسلُ، أو لا يطلق عليه إلا إذا خرج على الحالة المعتادة، فلا يجب عليه الغسل؟\nاختلف فيه، فقال الشافعيُّ بالأول (٢)، وقال مالك وأبو حنيفة بالثاني (٣).\n* ثم قال الله ﷻ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].\nفقيدَ بعدمِ الماء بعد ذكرِ حالتي المَرَضِ والسَّفَر، فيجوزُ أن يكونَ التقييدُ متعلِّقًا بهما، فلا يجوزُ التيممُ إلا عندَ عدمِ الماء، ويجوز أن يكون [متعلقًا بحالة السفر فقط؛ لغلبة عدم الماء بالسفر دون المرض، وهو الظاهر من سياق الخطاب، فيجوز] (٤) له التيممُ، سواءٌ كانَ واجِدًا للماء أو عادمًا.\n_________\n(١) انظر: \"إكمال المعلم شرح صحيح مسلم\" للقاضي عياض (٢/ ١٢٠)، و\"المفهم\" للقرطبي (٤/ ٨٦)، و\"إحكام الأحكام\" لابن دقيق (١/ ٨٩).\n(٢) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٢/ ١١٤، ١٢٥)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ١٦٠).\n(٣) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص ٢٥)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (١/ ٧٥) و\"حاشية الطحطاوي\" (١/ ٢٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٢٩).\n(٤) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".","vol":"2","page":399},{"text":"وبالثاني قال الجمهورُ.\nويروى القولُ بالأولِ عن عطاءٍ والحَسَنِ (١).\nوهو بعيدٌ؛ لأنه لو جازَ تعلُّقُه بالمرضِ، لما كانَ لذكره فائدةٌ، لأنه إذا جازَ للصحيح التيمُّمُ عندَ عدمِ الماءِ، فالمريضُ أولى بالجواز، فذكره المرضَ حَشْوٌ لا فائدةَ له؛ وليس كذلك.\n* ثم مقتضى مفهومِ تخصيصِ التيمُّم بالحالتين أنه لا يجوزُ في غيرِهما، وهو كذلك عندَ أهلِ العلم، ولكنهم ألحقوا بالحالتين ما كان في معناهما؛ لبيانِ النبيِّ - ﷺ - (٢).\nروى جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رجلًا أصابه حَجَرٌ في رأسه، فَشَجَّهُ، ثم احتلمَ، فاغتسلَ، فمات، فقال النبي - ﷺ -: \"إنَّما كان يَكْفيهِ أن يَتَيَمَّمَ ويَعْصِبَ على رَأْسِهِ خِرْقَةً يَمْسَحُ عليها، ويَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ\" (٣) (٤).\nوروى عمرُو بنُ العاصِ -رضي الله تعالى عنه- قال: احتلمتُ في ليلةٍ\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٣١٦)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢١٩).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٢)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٦٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢١٧).\n(٣) رواه أبو داود (٣٣٦)، كتاب: الطهارة، باب: في المجروح يتيمم، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٦/ ٤٤٧)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٨٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٧).\n(٤) من العلماء من فرق بين الجرح والمرض، ولم يجعل الجرح داخل في المرض، فمن جرح يغسل ما لا ضرر عليه ويتيمم لا يجزئه أحدهما دون الآخر، ولعل المصنف جاء بالحديث لهذه العلة، أما إن أدخلنا الجرح في المرض، فلا يصلح الحديث للاستشهاد، والله أعلم.","vol":"2","page":400},{"text":"باردةٍ في غَزاةِ ذاتِ السلاسل، فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ وصلَّيتُ بأصحابي صَلاةَ الصبح، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: \"ياعَمْرُو! صَلَّيْتَ بأَصْحابكَ وأَنْتَ جُنُبٌ؟ \" فقلت: سمعت اللهَ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسولُ الله - ﷺ -، ولم يقلْ شيئًا (١) (٢)، فاستدلوا بقوله وبإقراره على أن ذلك في معنى المَرَض؛ لوجود العلَّةِ فيهما، وهو الضررُ باستعمال الماء.\n* وجَوَّزوا التيمُّمَ عندَ العجزِ عن الوصولِ إلى الماء، إما لخوفِ عدوٍّ أو سَبُعٍ، أو عدمِ آلةٍ يغرفُ بها الماء؛ لوجود العلَّةِ، وهي العجزُ عن الماء، فهو كالذي لم يجدِ الماء (٣).\n* واختلفوا في الصحيحِ إذا عدم الماءَ في الحَضَرِ.\nفقال أبو حنيفة: لا يتيمَّمُ، ويقفُ إلى أن يجد الماء؛ عملًا بمفهوم التخصيص بالصفتين، ولمفهوم الشرط، وهو السفر (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٠٣)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٦٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٦/ ١٤٧).\n(٢) وهذا الحديث أيضًا لا يصلح للاستشهاد لأن عمرو -﵁ - كان في غزوة ذات السلاسل كما صرح في أول الحديث، أي: أنه كان مسافرًا.\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٦)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٢٨٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١١٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٥١).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٠)، و\"الهدية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٢٥)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٢٤٩).","vol":"2","page":401},{"text":"وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ: يتيمَّمُ (١)، إلا أن الشافعيَّ قال: عليه الإعادةُ (٢).\nفكأن هؤلاءِ لم يروا ذكرَ السفر للشرطِ والتقييدِ، وإنما ورد الحكمُ مقيدًا به على (٣) الغالب في الوجود؛ إذ لا يعدم الماء غالبًا إلا في السفر، وتكونُ الحالتان المقتضيتان للتقييد عندهم المرضَ وعدمَ الماء.\nوالقولُ بعدمِ الإعادة عندي أقوى من القول بالإعادة؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إنا نكونُ بأرضِ الرمل، وفينا الجُنُبُ والحائضُ، ونبقى أربعةَ أشهرٍ لا نجدُ الماءَ، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"عَلَيْكُمْ بالأَرضِ\" (٤) فهذا حاضرٌ وليس بمسافر، ولم يأمرْ بالإعادة، وهو في وقتِ الحاجة للبيان (٥).\nولقوله - ﷺ -: \"الصَّعيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المُسْلِمِ، ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ إلى عَشْرِ حِجَجٍ (٦)، وهذا عامٌّ بصيغة المبالغة ليس معه مخصّص.\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٠٦)، و\"الأم\" للشافعي (١/ ٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٤٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٥٧)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٢/ ٣٣٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ١٢٢).\n(٣) \"على\" ليست في \"أ\".\n(٤) رواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٣٣١)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٨٧٠)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٠١١)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (١/ ٣٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٦).\n(٥) \"للبيان\" ليس في \"أ\".\n(٦) رواه أبو داود (٣٣٢)، كتاب: الطهارة، باب: الجنب يتيمم، والنسائي (٣٢٢)، كتاب: الطهارة، باب: الصلوات بتيمم واحد، والترمذي (١٢٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، والإمام أحمد في =","vol":"2","page":402},{"text":"واختار القولَ بعدمِ الإعادة المزنيُّ، وهو قولٌ للشافعيِّ، وهو المختار من قولَيْ (١) مالِكٍ عند أصحابه -رحمهم الله تعالى (٢) -.\n* وقيد الله سبحانه جوازَ التيمُّم بعدمِ الوِجْدان، والوِجْدانُ اسمٌ للظَّفَرِ بالمطلوب بعد الطلب، يقال: وجدَ مطلوبَه، ووجد ضالَّتَه: إذا ظفر به (٣).\nولهذا أوجبَ الشافعيُّ ومالكٌ الطَّلَبَ على فاقد الماء (٤).\nوقال أبو حنيفة: لا يجبُ عليه الطَّلَبُ؛ قياسًا على سائرِ الأصول في أنَّ من فقدَ شرطًا في العبادةِ لا يجبُ عليه طلبُه؛ كمن فقدَ السُّتْرَةَ في الصلاة، والمالَ في الزكاة، والاستطاعةَ في الحج (٥).\nوالفرقُ عند الآخرين ظاهرٌ، وهو تَيَسُّرُ تحصيل الماء، بخلاف غيره.\n_________\n= \"المسند\" (٥/ ١٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٣)، عن أبي ذر. وهذا لفظ البيهقي.\n(١) في \"ب\": \"قول\".\n(٢) وعن الإمام أحمد روايتان، وفرق ابن قدامة بين العذر الممتد والعذر النادر، فالنادر عليه الإعادة، والممتد لا إعادة عليه. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٧٢)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٩/ ٢٧٧)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٤٥)، و\"المغني\" (١/ ١٤٩)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" كلاهما لابن قدامة (١/ ٧٠).\n(٣) انظر: \"لسان العرب\" (٣/ ٤٤٥)، (مادة: وجد).\n(٤) وعن أحمد روايتان والمشهور عنه اشتراط طلب الماء، انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٤٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٤٩).\n(٥) عند الحنفية ليس على المتيمم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء، أما إن غلب على ظنه وجود الماء لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٠٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٢٧)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":403},{"text":"* فإن قال قائل: فما حَدُّ المَرَضِ والسفرِ المُبيحَيْنِ للتيمم؟\nقلنا: أما السفرُ، فما يقع عليه اسمُ السفر ممّا يعدمُ فيه الماء كثيرًا، وذلك يقعُ على السفرِ القصيرِ، وعلى مسافة العدو (١) (٢) على الصحيحِ عندَ الشافعية (٣).\nوأما المرضُ، فيجوزُ أن يُرادَ به عدمُ القُدرةِ على استعمالِ الماء لِخوفِ التلفِ في نفسٍ أو عضوٍ، استدلًا عليه بحكمِ قرينه، وهو السفرُ، فإن الله سبحانه شرطَ فيه عدمَ وجودِ الماء، وعدمُ وجوده هو عدمُ القدرةِ عليه، فكذلك المرضُ لا يتحققُ عدمُ القدرةِ على استعمال الماءِ معه إلا بخوفِ التلفِ (٤).\nواستدلالًا بتفسيرِ ابن عباس -﵄ - قال: إذا كانتْ بالرجلِ جراحة في سبيلِ الله ﷿، أو قُروحٌ، أو جُدَرِيٌّ، فَيُجْنِبُ،\n_________\n(١) \"العَدْو\": ليس في \"أ\".\n(٢) قال إمام الحرمين وغيره: هي التي يمكن قطعها في اليوم الواحد ذهابًا ورجوعًا، ومعناه أن يتمكن المبتكر إليها من الرجوع إلى منزله قبل الليل. قال الرافعي: مأخذ لفظها ففي الصحاح: أن العدوى: الاسم من الإعداء وهي المعونة، يقال: أعدى الأمير فلانًا على خصمه: إذا أعانه عليه، والعدوى أيضًا ما يعدي من جرب وغيره، وهي مجاوزته من صاحبه إلى غيره، فقيل لهذه المسافة مسافة العدوى لأن القاضي يعدي من استعدى به على الغائب إليها فيحضره، ويمكن أن يجعل من الأعداء بالمعنى الثاني لسهولة المجاوزة من أحد الموضعين إلى الآخر، هذا كلام الرافعي. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ١٩٦).\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٥)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٢/ ٣٥٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١١٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٤٨).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٤٢)، و\"مختصر المزني\" (١/ ٧).","vol":"2","page":404},{"text":"فخافَ أن يغتسلَ فيموتَ؛ فإنه يتيمَّمُ بالصعيدِ (١)، وهذا أحدُ قولي الشافعي -رحمه الله تعالى (٢) -.\nويجوز أن يُرادَ به مرضٌ يحصلُ معهُ المشقَّةُ والضررُ باستعمال الماءٍ؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والصحيحُ من قَوْلَي الشافعي -رحمة الله عليهم (٣) -.\nوقال داود: ما يقع عليه اسمُ المرض (٤). وهو ضعيفٌ.\n* فإن قال قائل: فما الفرقُ عند الشافعيةِ بين السَّفَرينِ؛ حيثُ اعتبروا مسافةَ القَصْرِ في الفِطْرِ في رَمضانَ، ولم يعتبروها هنا، وما الفرقُ بين المَرَضين؛ حيثُ اكتفَوا هناكَ بوجودِ المشقةِ، ولم يكتفوا هنا إلا بخوفِ تلفِ نفسٍ أو عضو؟\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٧٠)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٢/ ١٩)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٧٢)، والدارقطني في \"سننه\"، (١/ ١٧٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٥٨٦)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٤)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٣١٥)، عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله، وعند بعضهم جاء عن ابن عباس مرفوعًا.\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٦٩)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٠٨).\n(٣) وهو مذهب أحمد، انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٤٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢١٦)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٦٠)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (١/ ٢٦٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٦١).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":405},{"text":"قلنا: أما السفرُ، فإن الفرقَ بينَهما أن العذَر المُبيحَ هناك هو مشقةُ السفر، ولا تتحقق مشقتُه إلا بيومين، والعذرُ هنا عدمُ الماء في السفر، لا السَّفَرُ؛ إذ لا مشقةَ في استعمالِ الماءِ في السفر، فحيث عدمَ الماءُ في السفر، وُجِدَ العذرُ المبيحُ، وذلك يصدقُ بالسفرِ القصير.\nوأما المرضُ، فإن المبيح لتركِ الماءِ هنا هو عدمُ القدرةِ على الماءِ بالعجز؛ لعدم القدرةِ عليه بالعدم، وذلك لا يتحقَّقُ إلا بخوفِ التلفِ، ولأنهم لم يجدوا شيئًا يرجعون إليه في التَّحديدِ أقوى من تفسيرِ ابنِ عباسٍ، والمبيحُ هناك هو تيسيرُ المشقة المُشارِ إليه بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n* وأوجب اللهُ سبحانه الوضوءَ والتيمُّمَ عندَ المجيء من الغائطِ، وعندَ ملامسةِ النساء.\nوكَنَّتِ العربُ بالغائط عنِ الخارجِ من الإنسان؛ لملازمتِه له؛ تأدُّبًا، وتركًا للألفاظ المُسْتَهْجَنَةِ (١).\n* والإجماعُ منعقدٌ على وجوبِ الوضوءِ والتيمُّم عندَ الخارجِ المُعْتادِ من المَخْرَجِ المُعْتادِ؛ للآية (٢).\n* واختلف العلماء فيما وراءَ ذلك.\nفمنهم من قصَرَ نظرَه على ذلك، فقال: كلُّ ما خرج من الخارج\n_________\n(١) الغائط في الأصل: ما انخفض من الأرض، ثم انتقل معناه إلى الخارج من الإنسان. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٢٧٤)، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد (١/ ١٥٦).\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٥٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (١/ ٢٣٢)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٥٠٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١١١).","vol":"2","page":406},{"text":"المُعتادِ (١)؛ كالبولِ والغائطِ والمَذْيِ والوَدْيِ والرِّيحِ، فهو ينقضُ الوضوءَ، وإن خرجَ من غيرِ المخرجِ المعتادِ؛ كالقيءِ والرُّعافِ، أو من المَخْرجِ المعتاد، لكنه نادرٌ؛ كالدودَةِ والحصاةِ والسَّلَسِ، فلا ينقضُ الوضوءَ.\nوهو قولُ مالكٍ وأصحابِه بناءً على أصلِهم من التقييدِ بالعادة (٢).\nومنهم من لاحظَ المعنى الموجِبَ لذلك.\nثم اختلفوا، فمنهم من رأى العلَّة فيها كونَها أنجاسًا خارجةً من البدن، فهي مناقِضَةٌ للطَّهارة، فأوجبَ الوضوءَ من كلِّ نجاسةٍ تخرجُ من الجَسد؛ كالدم، والرُّعافِ الكثيرِ، والفَصْدِ، والحِجامة، والقَيء، وهو مذهبُ جماعةٍ من الصحابة -﵃ - (٣).\nوبه قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ، والثوريُّ، وابنُ المبارك (٥).\nومنهم من رأى العلة خُصوصَ المَخْرَجين، لا خُصوصَ الخارج، فأوجب الوضُوءَ من أيِّ (٦) شيءٍ خرجَ من دمٍ أو حَصاةٍ أو دودةٍ أو سَلَسٍ أو استحاضَة، ولم يوجبِ الوضوءَ في خروجِ الدمِ من غيرِ المَخْرج المُعْتاد، ولا من الرُّعافِ والحِجامة والقيء.\n_________\n(١) في \"ب\": \"المخرج المعتاد\".\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١١، ١٨)، و\"الاستذكار\" (١/ ١٥٧)، و\"الكافي\" كلاهما لابن عبد البر (١/ ١٠).\n(٣) وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وثوبان وأبو الدرداء. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٢٤).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٧)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ١٣٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١١١ - ١١٣).\n(٥) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٤)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٧).\n(٦) في \"ب\": \"كل\".","vol":"2","page":407},{"text":"وبه قال الشافعيُّ وأصحابُه (١)، ومحمدُ بنُ عبد الحَكَم المالكيُّ (٢)؛ لأنهم اتفقوا على وجوبِ الوضوءِ بالريحِ الخارجةِ من أسفل، وعدمِ إيجابه إذا خرجتْ من أعلى، وكلاهما ريحٌ واحدةٌ خارجةٌ من الجَوْف، فدل على أن الاعتبارَ بالمَخْرَجِ لا بالخارج، وضُغِّفَ بأن الريحينَ مختلفتان في الصفةِ والرائحةِ، فلا دلالةَ.\nوقولُ أبي حنيفةَ وموافقتُه، أَقْيَسُ، وقولُ مالكٍ أقوى.\nفإن قال قائلٌ: فـ (أو) موضوعةٌ في لسانِ العربِ لأحدِ الشيئين، أو الأشياءِ، إما تخييرًا، أو إباحةً، أو تقسيمًا وتفريعًا (٣)، وغير ذلك (٤)، فما معنى (أو) في قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]؟\nقلنا: معناها الجمعُ كالواو، فقد تأتي بمعنى الواو كثيرًا في لسان العرب (٥)، قال الشاعر (٦) يصف السَّنَة: [البحر البسيط]\nوكَانَ سِيَّانِ أَلا يَسْرَحوا نَعَمًا ... أَوْ يَسْرَحوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ١٧، ١٨)، و\"مغني المحتاج\" (١/ ٣٢).\n(٢) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٢٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٢٠).\n(٣) في \"ب\": \"تنويعًا\".\n(٤) قد نظم بدر الدين المرادي معاني (أو) في بيتين فقال:\nبـ (أو) خير، أبح، قسم، وأبهم ... وفي شك، وإضراب، تكون\nومثل ولا، وواو، أو لنصب ... بإضمار، لحرف، لا يبين\nانظر: \"الجنى الداني في حروف المعاني\" للمرادي (١/ ٣٨).\n(٥) انظر: \"الخصائص\" لابن جني (١/ ٣٤٨)، و\"مغني اللبيب\" لابن هشام (ص: ٨٩).\n(٦) هو أبو ذؤيب الهذلي، وقد تقدم ذكر البيت وتخريجه.","vol":"2","page":408},{"text":"* واختلف الناسُ في حكم اللَّمْسِ والمُلامسة بحسبِ اختلافِهم في معناهما في الآية.\nولا شَكَّ أنهُ يُكنى بِهما عن الجِماع في عُرْفِ الشرع.\nوأما حقيقةُ وَضْعِهما، فهي اللَّمْسُ باليدِ، ومنه نهيهُ - ﷺ - عن بَيْعِ المُلامَسةِ (١).\nفقال قومٌ: المُراد به في الآيةِ الجِماعُ، وهو قولُ ابن عباسٍ، والحسنِ، ومجاهدٍ، وقَتادةَ (٢)، فهو لا يلزمُ من قولهم جوازُ التيمُّمِ عن الجَنابة؛ كما هو مذهبُ الجمهور (٣)، ولا يلزمُ من قولهم عدمُ انتقاضِ الوضوءِ باللَّمْس باليدِ، ولكنه هو الظاهرُ عنهم؛ لكونِ الجنابةِ لم يتقدمْ ذكرُها إلا في حُكْم المُرور، ويجوز عنهم خلافُه.\nوبهذا المعنى قال أبو حنيفة، فلم يوجبِ الوُضوءَ من مَسِّ (٤) الرجلِ المرأةَ، إلا أن يكونَ معهُ انتشارُ (٥)؛ لما روى حبيبُ بنُ أبي ثابت، عن عروةَ، عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- عن النبيِّ - ﷺ - أنه قَبَّلَ بعضَ\n_________\n(١) روى البخاري (٥٤٨١)، كتاب: اللباس، باب: اشتمال الصماء، ومسلم (١٥١١)، كتاب: البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة، عن أبي هريرة -﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الملامسة والمنابذة\".\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٦٠)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ١٠٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٦١).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٢٥٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩٣).\n(٤) في \"ب\": \"المس\".\n(٥) وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (١/ ١٩٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٢٤)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٩٢).","vol":"2","page":409},{"text":"نسائِه، ثم خرجَ إلى الصلاة، ولم يتوضَّأْ (١).\nوقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحديث وَهَّنَهُ الحجازيون، وصحَّحَهُ، الكوفيون، ومال هو إلى تصحيحه (٢).\nويروى هذا الحديثُ من حديثِ معبدِ بنِ نُبَاتَةَ، والشافعيُّ قالَ: إن صَحَّ حديثُ معبدِ بنِ نباتَةَ في القبلة، لم أرَ فيها ولا في اللمس وضوءًا، فإن معبدَ بنَ نباتةَ يروي عن محمدِ بنِ عمرِو بن عطاءٍ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أن النبيَّ - ﷺ - كان يُقَبَّلُ، ثم لا يتوضَّأ، ولكني لا أدري كيفَ كان معبدُ بنُ نباتة هذا، فإن كان ثقةً فالحجَّةُ فيما روي عن النبي - ﷺ -، ولكني أخافُ أن يكونَ غَلَطًا من قِبَلِ أنَّ عُروةَ إنما روى أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قَبَّلَها صائِمًا (٣).\nقال البيهقيُّ: معبدُ بنُ نُباتَةَ مجهول، ومحمدُ بنُ عمرِو بنِ عطاءٍ لم\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٧٩)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من القبلة، والترمذي (٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، وابن ماجه (٥٠٢)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من القبلة، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢١٠)، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٦٧٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤٨٥)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٠٥)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٦).\n(٢) قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١/ ٢٥٧): وهذا الحديث عندهم معلول، وضعفوا هذا الحديث، ودفعوه، وصححه الكوفيون وثبتوه؛ لرواية الثقات أئمة الحديث له، ثم مال إلى تصحيحه ا. هـ. وقد نقل المؤلف هنا عبارة ابن رشد المالكي في \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٧) في قوله: قال ابن عبد البر: هذا الحديث وهنه الحجازيون، وصححه الكوفيون اهـ.\n(٣) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ١٧٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧).","vol":"2","page":410},{"text":"يثبتْ له من عائشةَ شيءٌ، وأما عروةُ هذا فهو المُزَنِيُّ، لا عروةُ بنُ الزبير، قاله أهلُ العلمِ بالحديث (١) (٢).\nقال يحيى بنُ سعيدٍ القطان -وذكر حديثَ الأعمشِ عن حبيبٍ عن عروةَ- قال: أما إن سفيانَ الثوريَّ كانَ أعلمَ الناسِ بهذا، زعمَ أن حَبيبًا لم يسمعْ من عروةَ -يعني: ابن الزبير- شيئًا (٣).\nوقال قومٌ: المرادُ به اللمسُ باليد، وهو قولُ عمرَ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما (٤) -، فهو لا يلزم من قولهم انتقاضُ الوضوء باللمسِ، ولا يلزمُ من قولهم منعُ التيمُّم عن الجنابة (٥)، وإن كانَ المشهورُ عنهما منعَ التيمم عن الجنابة، وهو الملزم لهما حملَ اللمسِ على لمسِ البشرة.\n_________\n(١) ذكره البيهقي في \"الخلافيات\" كما أشار هو إلى ذلك في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٦).\n(٢) قال ابن حجر: قال الشافعي: لا أعرف حال معبد؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روى عن النبي - ﷺ -، قلت أي ابن حجر-: روي من عشرة أوجه عن عائشة أوردها البيهقي في \"الخلافيات\" وضعفها. انظر: \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ١٢٢).\n(٣) رواه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٣٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٦).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٠٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٢٣)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٥٤٩).\n(٥) أي إن سياق الآية -إن فسرنا الملامسة باللمس باليد- يدل على إباحة التيمم للحدث الأصغر، ولا يدل على إباحة التيمم للحدث الأكبر، فيقول المصنف: إن هذا المعنى غير لازم؛ أي: من قال: إن الملامسة هي اللمس باليد = لا يلزم من قوله منع التيمم من الحدث الأكبر.","vol":"2","page":411},{"text":"وبهذا المعنى قال مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ، والأوزاعيُّ، فأوجبوا الوضوءَ من لمسِ النساء (١).\nواستدلَّ له الشافعيُّ -بعدَ اعتمادِه على تفسيرِ عمرَ وابنِ مسعودٍ- بذكر الله سبحانه للملامسةِ موصولةً بذكرِ الغائطِ بعدَ ذِكْرِ الجنابة، فما أوجب الوضوء من الغائط، أوجبه من الملامسة، فأشبهتْ أن يكونَ اللمسَ الذي هو غيرُ الجنابة (٢)، إلا أن مالكًا قيده بوجود اللذَّةِ، أو بقصدِها، مع وجودِ الحائلِ ومع عدمِه؛ تخصيصًا لعمومه بمعناه (٣)؛ لما روت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها - أن النبيَّ - ﷺ - كان يغمزُها عندَ سجودِه بيده (٤)، وضُعِّفَ بأنه إذا لمسَ من وراءِ حائلٍ فليسَ بِماسٍّ ولا بِمُلامِسٍ لها، وإنما هو لامسٌ لثوبها (٥).\nوقيده الشافعيُّ -في أحد قوليه- بمظنة اللذة، فلم ينقضِ الوضوءَ\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٣)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ١٧٢)، و\"الأم\" للشافعي (١/ ١٥).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ١٥)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٤).\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١١/ ١٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٢٤).\n(٤) ذكر المصنف الحديث هنا بمعناه، أما لفظه كما عند البخاري: عن عائشة -﵂ - قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتها، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. رواه البخاري (٣٧٥) كتاب الصلاة، باب الصلاة على الفراش، ومسلم (٥١٢)، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي.\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ١٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٢٦).","vol":"2","page":412},{"text":"بذواتِ المحارمِ والصغائرِ اللاتي لا يُشْتَهى مثلُهن؛ تقييدًا بالمعنى أيضًا (١).\nوقيده الأوزاعيُّ باليدِ خاصَّةً (٢).\nوالصحيح عندي هو المعنى الأولُ كما فسر ابنُ عباسٍ؛ لأن حمل خطابِ الشرعِ على عُرْفِ الشرعِ أولى من حَمْلِه على وَضْعِ اللغةِ وعُرْفها، ولم تردِ الملامسةُ والمُماسَّةُ في الكتِاب والسنة إلا للجماع، لا للمماسَّةِ باليد.\nوما استدلَّ به الشافعيُّ من تقدمِ ذكرِ الجنابة حتى يدلَّ على أن المُلامَسَةَ غيرُ الجنابة، فلا دلالة فيه؛ لأن هذه الآيةَ اشتملتْ حكمين:\nأحدهما: حكمُ محلِّ الصلاة، فبين الله سبحانه أن الجنبَ لا يَقْرَبه إلا عابرَ سبيل.\nوالثاني: حكمُ الصلاة، فبين أن الحدثَ الذي جاء من الغائط، وأن الجُنُب المُلامِسَ لا يقربُها إلا متيمِّمًا إذا لم يجدِ الماء.\nوالراجحُ عندي عدمُ انتقاض الطُّهْرِ بمسِّ اليدِ؛ إذ ليسَ على وجوبِ الوضوءِ دليلٌ من السنَّةِ، بل السُّنَّة (٣) تدلُّ على خلافه.\nقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها -: افتقدتُ رسولَ الله - ﷺ - في الفراش، فالتمستهُ، فوقعت يدي على أَخْمَصِ قدميه وهو يصلي (٤)، ولم يُنْقَلْ أنه قطعَ صلاته.\nوقالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي، وأنا معترضةٌ بين يديه،\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١٨٧)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٦).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٢٥).\n(٣) \"بل السنة\": ليس في \"أ\".\n(٤) رواه مسلم (٤٨٥)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود.","vol":"2","page":413},{"text":"فكان (١) إذا سجدَ غَمَزَني، وإذا قامَ مددتُ رِجلي (٢)، والأصلُ عدمُ الحائلِ بينَ كَفِّهِ وبَشَرَتِها، والظاهرُ أيضًا ملامَسَةُ كَفِّهِ لبشرتِها؛ إذ كانت بيوتُهم حينئذٍ لا مصابيحَ لها (٣)، ولا سيَّما في حالِ التَّهَجُّدِ، والله أعلم.\n* ثم أمر الله بقَصْدِ الصعيد الطَّيِّبِ، وقَيَّدَ الأمرَ به.\nوقد اختلفتْ عباراتُ أهل اللغةِ في الصَّعيد (٤)، فقال أبو عُبيدٍ والفَرَّاءُ: الصعيدُ: الترابُ. وقال ابنُ الأعرابيِّ: الصعيدُ: الأرضُ بعينها. وقال الخليلُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ: الصعيدُ: وَجْهُ الأرضِ؛ لقوله تعالى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠].\n* وكذلك اختلفَ الفُقهاء أيضًا: فذهبَ الشافعيُّ إلى أنه لا يجوز إلا بالترابِ الخالِصِ الذي له غُبار (٥)؛ لقوله - ﷺ -: \"جُعِلَتْ لنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ لنا تُرْبَتُها طَهورًا\" (٦)، فنزل من عمومِ الأرضِ إلى خُصوصِ تربتها، ولقولِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - في تفسيره: \"فتعمدوا الأرضَ وتربتَها\"، ولأنَّ الله سبحانه وصفَهُ بالطَّيِّبِ، والطَّيِّبُ: الخِالصُ الذي هو ترابُ الحَرْثِ؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨].\n_________\n(١) في \"ب\": \"وكان\".\n(٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(٣) في \"أ\": \"بها\".\n(٤) انظر أقوال أهل اللغة في معنى الصعيد في: \"لسان العرب\" (٣/ ٢٥٤) مادة (صعد).\n(٥) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٥٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٣٧).\n(٦) رواه مسلم (٥٢٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، في أوله، عن حذيفة بن اليمان.","vol":"2","page":414},{"text":"وبه قال أحمدُ (١)، وأبو يوسفَ، وداودُ، وابنُ المنذر، وأكثرُ الفقهاء (٢).\nوذهب مالكٌ وأبو حنيفةَ إلى جوازه بكلِّ ما صَعِدَ من الأرضِ من أجزائِها (٣)، لوقوع الاسمِ عليه، ووجود معنى الاشتقاق فيه، حتى أجاز مالكٌ في إحدى رواياته التيممَ بالحَشيشِ والأخشابِ والمِلْحِ؛ لوجود معنى الاشتقاق؛ لكونه متصاعدًا على وجهِ الأرض (٤).\nوزاد أبو حنيفةَ، فجوَّزَ بما يتولَّدُ منَ الأرضِ مثلَ النُّورَةِ والزَّرنيخِ، واستدلُّوا بقوله - ﷺ -: \"وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا\" (٥) (٦).\nوأجيب بأنَّ المراد بالطَّيِّبِ: الطاهرُ، أو الحلالُ؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١].\nوالاستدلالُ والجوابُ ضعيفان؛ لأن هذا الحديثَ مُجْمَلٌ، وحديثُ الشافعيِّ مفسَّرٌ، والمفسَّر يُقضى به على المُجمل.\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٥٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٠٨)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٧٠).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٣٠٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٢٣٩).\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٩/ ٢٨٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥١)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ٣٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٣٧)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ١٦٢).\n(٥) رواه البخاري (٣٢٨)، كتاب: التيمم، في أوله، ومسلم (٥٢١)، في أول كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، عن جابر بن عبد الله.\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٩)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٢٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٥٤).","vol":"2","page":415},{"text":"وأما الجوابُ، فإن الأصل والغالبَ على الأرض عدمُ النجاسةِ، ولاسيَّما في الفَيافي والقِفار، فَحَمْلُ الطيبِ على ما يناسبُه من جنسِه أولى من حَمله على ما لا يناسبُهُ، وحملُه على ما يُعْهَدُ في العادةِ أولى من حمله على ما لا يُقْصَدُ في العادة، لندوره، وهو المكانُ النجسُ في القِفار والخبوت (١).\nوضعف قولُهم في المتولِّد والمتصاعِد بأن اسمَ الصَّعيدِ لا يتناولُ ذلك بوضعِ اللُّغة، وإنما يتناوله قياسًا، والأسماءُ لا تثبُتُ بالقياس.\nفإن (٢) قلت: فهل نجد في القرآنِ دليلًا على التخصيص بالتراب؟\nقلت: نعم، قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] و(من) موضوعةٌ للتبعيض، وذلك يقتضي أن يصيرَ على الوجهِ والأيدي شيءٌ من الصعيد، ولا يكون ذلك إلا في التراب.\nوالمُخالفون يحملونها على تبيين الجنس، أي: من الذي هو الصعيد، والحَمْلُ على الحقيقةِ خيرٌ من الحَمْل على المجاز (٣)، وسيأتي الكلامُ على صفةِ التيمِّمِ -إن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) الخبت: الأرض الواسعة المستوية، والمتسع من بطون الأرض، والمفازة لا نبات فيها. انظر: \"غريب الحديث\" لابن قتيبة (١/ ٤٤٧)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٢/ ٢٧).\n(٢) \"فإن\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥١).","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>(من أحكام الإمامة)</span>\n٨٤ - (٢٦) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].\n* أمر الله سبحانه عباده بطاعتهِ وطاعةِ رسوله - ﷺ -، روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"مَنْ أطاعَني فقدْ أطاعَ اللهَ، ومن يَعصْنِي فَقَدْ عَصى اللهَ، ومن يُطعِ الأميرَ فقدْ أطاعَني، ومن يَعْصِ الأميرَ فقدْ عَصاني\" (١).\nوذلك واجبٌ شرعًا لا عقلًا، خلافًا للمعتزلة (٢).\n* وقد اختلفتِ الصحابةُ والتابعونَ -رضي الله تعالى عنهم - في أولي الأمر.\nفقال أبو هريرةَ، وابنُ عباسٍ في راويةِ عطاءٍ، وابنُ زيدٍ، والشافعيُّ، وجمُهورُ السَّلَفِ من المُحَدِّثين والفُقَهاء: هم الولاةُ والأمراءُ (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٧٩٧)، كتاب: الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام ويتقى به، ومسلم (١٨٣٥)، كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصيه، وتحريمها في المعصية، عن أبي هريرة.\n(٢) انظر: \"المواقف\" للإيجي (٣/ ٥٧٤).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٤٥)، \"الأم\" للشافعي (١/ ١٥٩)، و\"المدخل إلى السنن الكبرى\" للبيهقي (ص: ٢١٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٢٢٣)،=","vol":"2","page":417},{"text":"وقال جابرٌ، وابنُ عباس -في رواية الوالِبي-، ومجاهدٌ، والحسنُ، والضحاكُ، ومالكٌ: همُ الفُقَهاءُ والعُلَماء الذين يُعَلِّمونَ الناسَ مَعِالِمَ دينهِم؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) [النساء: ٨٣].\nوأيَّ الأمرين كان، فهو واجبٌ إجماعًا.\n* فإن أجمعَ العُلماءُ على حُكْمٍ، وَجَبَ على العامَّةِ اتِّباعُه.\nوإنِ اختلفوا، وَجَبَ عليهمُ اتِّباعُ أحدِهم.\nوهل يجبُ عليهم اتِّباعُ الأفضل؟ فيه خلاف.\n* وإن كانَ خليفةٌ إما بإجماعٍ من ذوي الحَلِّ والعقدِ، أو باستخلافٍ، أو باستيلاءٍ وقهرٍ، وجبَ على الكافَّةِ طاعتُه.\nروى أنسٌ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ لأبي ذر: \"اسْمَعْ وأَطِعْ ولو لعبدٍ حَبِشيٍّ كانَّ رأسَهُ زَبيبةٌ\" (٢).\nوأطلق الله سبحانه وجُوب طاعتهِ على أيِّ حالٍ كان، سواء كان عدلًا أو فاسِقًا، ظاهرًا أو خامِلًا، عادِلًا أو جائِرًا، قال رسول الله - ﷺ -: \"ألاَ مَنْ وَلِيَ عليهِ والٍ، فرآه يأتي شيئًا منْ معصيةِ الله، فَلْيَكْرَهْ ما يَأْتى من مَعْصِيَةِ الله، ولا يَنْزِعنَّ يدًا عن طاعةِ الله\" (٣)، خرجه مسلم.\n_________\n= و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٣/ ١١١).\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٤٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ٩٨٨)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٧٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٧٣)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٤٦٠).\n(٢) رواه البخاري (٦٦٤)، كتاب: الجماعة والإقامة، باب: إمامة المفتون والمبتدع، دون قوله: \"العبد\".\n(٣) رواه مسلم (١٨٥٥)، كتاب: الإمارة، باب: خيار الأئمة وشرارهم، عن=","vol":"2","page":418},{"text":"وهذا إجماعٌ، حتى قال: الفقهاءُ: يجبُ طاعتهُ ولو كانَ مأسورًا في يدِ العدوِّ، بل يجبُ على الكافة استِنْقاذُه، إما بِحَرْبٍ، أو مالٍ، وإن تعسَّرَ (١) عليهم أمرُه، أجمعوا على نائب له (٢).\n* وبيَّن النبيُّ - ﷺ - أنه لا يَجِبُ على المؤمن طاعةُ الأميرِ في معصيةِ الله سبحانه (٣).\nروى عبدُ الله بنُ عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: \"السَّمْعُ والطاعَةُ على المرءِ المُسلم فيما أَحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤْمَرْ بِمَعْصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بَمعْصِيةٍ، فلا سمعَ ولا طاعةَ\" (٤).\n_________\n= عوف بن مالك الأشجعي.\n(١) في \"ب\": \"تعذَّر\".\n(٢) انظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي (ص: ٢٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ١٣٣)، و\"غياث الأمم\" للجويني (ص: ٨٩)، و\"أسنى المطالب شرح روض الطالب\" لزكريا الأنصاري (٤/ ١١١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٥/ ٤٢٢).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٦)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ٤٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (١/ ٤٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٧٢٥)، كتاب: الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ومسلم (١٨٣٩)، كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.","vol":"2","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>(من أحكام الجهاد)</span>\n٨٥ - (٢٧) قوله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].\n* حَرَّض الله سبحانه المؤمنين على القِتال؛ لأجلِ استنقاذِ المستضعفينَ من المؤمنين، واستنقاذُهم من أيدي العدوِّ واجبٌ إجماعًا، إما بقِتالٍ أو فداءٍ أو مُفاداة.\nولنا في قتالِ الكُفار حالاتٌ:\nالأولى: أن نقاتلهمَ لتكونَ كلمةُ الله هيَ العليا، فنغزوهم، ونبدَأُهم بالقتال، فهذا في حَقِّنا فرضُ كِفايةٍ، فإذا قامَ بهِ من فيهِ الكفايةُ في قتالهم، سقطَ الفرضُ عن الباقين.\nالثانية: أن نقاتلَهُم للدفِعِ عن بلادِ الإسلام؛ كما إذا غَزَوْنا، وَوَطِئُوا بلادَنا -صانَها اللهُ عنهم وخَذَلَهم- فهذا فرضُ عَيْنٍ على أهلِ تلكَ البلدان إن قامت بهمُ الكفِايةُ، وإلاَّ فيجبُ على من يَليهمُ وجوبًا مُعَينًا.\nالثالثة: أن نقاتَلهُمُ استنقاذًا للضُّعفاءِ والأَسْرى، فإن كانوا كَثيرينَ، فهو فرضُ عَيْنٍ، وإن كانوا قليلين كواحد أو اثنين، فوجهانِ عند الشافعية، أَصَحُّهما -وبه قالتِ المالكيةُ- التعيينُ (١).\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية، وقال الحنابلة: فرض كفاية، وهو القول المرجوح عند=","vol":"2","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>(من أحكام السَّلام)</span>\n٨٦ - (٢٨) قولهُ ﷻ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].\n* أمرنا اللهُ سبحانه في هذه الآية بردِّ التحيَّةِ، فروى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنَّ التحيةَ هنا تشميتُ العاطِسِ، والردُّ على المُشَمِّتِ (١).\nولا شكَّ في ضَعْفِه.\nوحكي عن الحنفيةِ أنَّ المرادَ بالتحية الهَديَّةُ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ استدلالًا بأنَّ السلامَ لا يمكن رَدُّهُ بعينِه، بخِلاف الهِبَةِ والهَدِيَّةِ (٢).\n_________\n= الشافعية. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٦١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٤٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٨٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٧٤)، و\"مطالب أولي النهى\" للرحيباني (٢/ ٤٩٨).\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٨٩)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٨٧).\n(٢) ونسب هذا القول إلى الإمام مالك، انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٢٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٩٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ١٣).\nوأنكر العيني نسبة هذا القول إلى الحنفية. انظر: \"عمدة القاري\" للعيني (٢٢/ ٢٣٣).","vol":"2","page":421},{"text":"والذي قاله الشافعيةُ وعامةُ أهلِ العِلْمِ أنها السلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١) [النور: ٦١].\n* ولا خفاء بأن الردَّ واجبٌ إجماعًا (٢).\n* واختلفوا في صفته.\nفقال الجمهور: هو واجبٌ على الكفِاية، فإذا ردَّ واحدٌ من الجميعِ، سقط الفرضُ عن الباقين (٣).\nوقال أبو يوسفَ: لا بدَّ منْ رَدِّ الجميع (٤).\nوهو مَحْجوجٌ بما أخرجه أبو داودَ، عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"يُجْزِئُ عن (٥) الجَماعة إذا مَرُّوا أن يسلِّم أحدُهم، ويُجْزِئُ من الجلوس أن يردَّ أحدُهم\" (٦)، ولكنه قد ضُعِّفَ (٧)، وبما خرجهُ مالكٌ في \"مُوَطئِه\" عن زيدِ بنِ أسلمَ: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"إذا\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للشافعي (ص: ٣٦٨)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٤٧).\n(٢) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٨٩)، \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٦٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ٣٢).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٨٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٦٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ٣٢).\n(٤) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٣/ ٢٩٠)، و\"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ١٥٩).\n(٥) في \"ب\": \"من\".\n(٦) رواه أبو داود (٥٢١٠)، كتاب السلام، باب: ما جاء في رد الواحد على الجماعة.\n(٧) قال ابن حجر: أخرجه أبو داود والبزار وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن علي عند الطبراني، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في \"الموطأ\" عن زيد بن أسلم. انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٧).","vol":"2","page":422},{"text":"سلمَ واحدٌ من القومِ أَجْزَأَ عنهم\" (١).\nوندب الله سبحانه إلى ابتداءِ التحية فقَال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، والأمر محمولٌ على الاستحبابِ إجماعًا، نقله ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه (٢).\nقالوا: وهو مستحبٌّ على الكِفاية، فإذا سَلَّمَ من الجميعِ واحدٌ، تأدَّتِ السنَّةُ بذلك (٣)؛ لقوله - ﷺ -: \"يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ واحد (٤) من القومِ، أَجْزَأَ عنهم\".\nولنتكلمْ فيه؛ إذ الموضعُ على الردِّ، ثم نؤخِّرُ الكلامَ على الابتداءِ إلى موضعه -إن شاء الله تعالى-.\nفنقول: أطلقَ الله سبحانه التحيةَ هُنا، وقَيَّدهَا في موضِعٍ آخرَ، فقال ﷾: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، فخرج من الإطلاقِ تحيةُ العَرَبِ؛ كقولهم: أطالَ اللهُ بقاءَكَ، وأسعدَ مساءَكَ، وأبيتَ اللَّعْنَ، وما أشبهَ ذلك، فإنه لا يستحقُّ جوابًا.\n_________\n(١) رواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٥٩). قال النووي: هذه مرسل صحيح الإسناد. انظر: \"الأذكار\" للنووي (ص: ١٩٥).\n(٢) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن الابتداء بالسلام سنة، وأن الرد فرض، انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٦٤).\n(٣) جاء عن القاضي عبد الوهاب أن ابتداء السلام سنة أو فرض كفاية، ومعنى فرض كفاية كما فسره القاضي عياض: أن إقامة السنن وإحيائها فرض على الكفاية. انظر: \"رسالة القيرواني\" (ص: ١٦١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤)، و\"حاشية العدوي\" (٢/ ٦١٨).\n(٤) في \"أ\": \"أحد\".","vol":"2","page":423},{"text":"ثم أطلقَ اللهُ سبحانه صفَةَ المُحَيِّي، وأوجَبَ الردَّ عليه، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافِرًا، وها أنا أذكره مفصَّلًا -إن شاء الله تعالى-.\n- أما الصبيُّ، فهو على إطلاقِه، إلا ما نُقِلَ عن بعضِ الشافعيةِ من تخريج وجهٍ ضعيفٍ ورأى أنه لا يجبُ الردُّ عليه (١).\nوأما المرأةُ، فإن كانَ السلامُ من نِسْوَةٍ، فإنه يجبُ الردُّ عليهنَّ، كما يستَحَبُّ السلامُ عليهنَّ ابتداءً، قلته بحثًا وتخريجًا.\nوإن كانَ السلامُ من امرأةٍ، فإن كانتْ زوجةً أو مَحْرَمًا، وَجَبَ الردُّ، وكذا إن كانت عَجوزًا لا يُشْتهى مثلُها.\nوإن كانت شابَّةً فسلامُ أحدِهما على الآخَرِ مكروهٌ، ولا يستحقُّ المُسَلِّمُ منهما جوابًا، بل الجوابُ منها حرامٌ، ومنهُ مكروهٌ.\nوهذا تفصيلُ مذهبِ الشافعيِّ (٢).\nوبنحوهِ قالَ قتَادةُ، وعطاء (٣) (٤)، ومالكٌ (٥).\nومنعَهُ الكوفيون في النِّساءِ غيرِ ذوي المحارم؛ قياسًا على سُقوط الأذانِ والإقامةِ، فلا يُسَلِّمْنَ، ولا يجبُ عليهنَّ رَدٌّ (٦).\nولكنه يردُّه ما رويناه في \"صحيح البخاري\" عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال:\n_________\n(١) انظر: \"روضة الطالبين\" (١٠/ ٢٢٩)، و\"الأذكار\" كلاهما للنووي (ص: ١٩٥)، \"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ٣٢)، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص: ٢٢١).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" (١٤/ ١٤٩)، و\"الأذكار\" كلاهما للنووي (ص: ١٩٩).\n(٣) \"وعطاء\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٢).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٦٥).\n(٦) انظر: \"عمدة القاري\" للعيني (٨/ ١١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٦١٨).","vol":"2","page":424},{"text":"كانت فينا امرأةٌ، وفي رواية: كانت لنا عجوزٌ، تأخذُ من أُصولِ السِّلْقِ، فتطرحُهُ في القِدْرِ، وتُكَرْكِرُ (١) عليه حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صَلَّينا الجمعةَ، انصرفْنا، فنسلمُ عليها، فتقدمُه إلينا (٢).\nوما رويناه في \"صحيح مسلم\" عن أم هانئ بنتِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنها - قالت: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - يومَ الفَتْحِ وهو يَغْتَسِلُ، وفاطمةُ تسترُهُ، فَسَلَّمْتُ، وذَكَرَتِ الحديثَ (٣)، وسيأتي ذكرُ أقوالِ العلماءِ عندَ الكلامِ على الابتداء بالتحية.\n- وأما الكافرُ، فإن كان كتابِيًّا، فحُكي عن مالكٍ وطائفةٍ من أهلِ العلمِ أنهم قالوا بعدم الردِّ (٤)، وظني أنهم أرادوا عَدَمَ وُجوبِ الرَّدِّ، وأما جوازُه فما أظنُّ فيه خلافًا؛ لصحةِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلكِ من فِعْلهِ وقوله - ﷺ -.\nوذهبَ جُمهور السلفِ كابنِ عباس والشعبي وقتَادة إلى مشروعيَّةِ الردِّ عليهم (٥)، وبه قال الشافعيُّ (٦)، واحتج له بالأحاديثِ الواردةِ في صفةِ\n_________\n(١) قال القعنبي: تُكركر، أي تطحن، وسُمّيت كركرةً، لترديد الرمى على الطحن؛ \"اللسان\" (مادة كرر) (٥/ ١٣٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٨٩٤)، كتاب: الاستئذان، باب: تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال.\n(٣) رواه البخاري (٢٧٦)، كتاب: الغسل، باب: التستر في الغسل عن الناس، ومسلم (٣٣٦)، كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب، ونحوه.\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ٣٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٢).\n(٥) انظر: \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" للخطيب البغدادي (١/ ٣٩٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٢).\n(٦) وهو مذهب الحنفية، لكن لا يزيد على قوله: وعليكم. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٤٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ١٤٥)، و\"أحكام أهل=","vol":"2","page":425},{"text":"جَوابِ النبيِّ - ﷺ -، وأمرهم بذلك؛ كقوله: \"فَقولوا: وعَلَيْكُمْ\" (١).\nولا دلالةَ في ذلك على الوجوب كما زعم بعضُ أصحابهِ الوجوب عنه (٢)؛ لأن النبيِّ - ﷺ - إنما أمرَ بصِفَةِ الردِّ عليهم على جِهَةِ الإرشادِ والتعليمِ، وإن حُمِلَ على غيرِ الإرشاد، فالأمرُ بالصفةِ لا يَقْتَضي إيجابَ المَوْصوفِ؛ لأنه قد يُؤْمَرُ بصفةِ ما هُو واجبٌ، وما هو نَدْبٌ، وما هو مباحٌ، ولأن الله سبحانه خَصَّ التحيةَ بالسَّلامِ، وهم لا يُسَلِّمونَ، وإنما يقولون: السَّامُ عليكم (٣).\nفإن قال قائل: فالعُموم متناولٌ لوجوبِ الردِّ عليهم، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾، فإنْ كانتْ من مُؤْمِنٍ، فَحَيُّوا بأَحْسَنَ منها، وإن كانتْ من كافرٍ، فردوا على ما قالَ رسولُ الله - ﷺ - أنه يقال: وعليكم.\nقلنا: تحيتُهم غيرُ داخلةٍ في عُموم الآية؛ لأنها ليستْ بتحيةٍ ولا سلامٍ، قال رسولُ الله - ﷺ -: \"إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عليكُم أَحَدُهُم فإنَّما يقولُ: السامُ\n_________\n= الذمة\" لابن القيم (١/ ٤٢٢)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٤١٣).\n(١) رواه البخاري (٥٩٠٣)، كتاب: الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام؟ ومسلم (٢١٦٣)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، عن أنس بن مالك -﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"إذا سلَّم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم\".\n(٢) لم يذكر الماوردي والنووي سوى القول بوجوب الرد على الكافر، وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٤٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ١٤٥).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٣).","vol":"2","page":426},{"text":"عليكُمْ، فقلْ: عَلَيْكَ\" (١) والرُّد عليهم ليسَ بردٍّ للتحيَّةِ، وإنما هو دعاءٌ عليهم مكافأةً لدُعائِهم علينا.\nقالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها - إن اليهودَ أَتَوُا النبيَّ - ﷺ -، فقالوا: السَّامُ عليكَ، قال: وعليكُم، فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكُمْ، ولعنَكُمُ اللهُ، وغَضِبَ الله عليكَم، فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"مَهْلًا يا عائشةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإياكِ والعُنْفَ (٢) والفُحْشَ\" قالت: أَوَ لَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: \"أَوَ لَمْ تَسْمَعي ما قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عليِهْم، يسُتجابُ (٣) لَي فيهم، ولا يُستجابُ لَهُمْ فيَّ\" (٤).\nوقد تنبه عطاء لفقهِ الآيةِ فقال: الآيةُ للمؤمنينَ خاصَّةً، ومَنْ سَلَّمَ مَن غيرِهم، قيل له: عليكَ؛ كما جاءَ في الحديث (٥)، وهذا يدلُّ على أنَّ قولَ ابنِ عبّاسٍ وغيرِه: إنَّما أُمِرْنا بالردِّ على الكافرِ أدبًا لا وجوبًا؟!\nوبهذا قال مالكٌ -﵀-، فحينئذ يرتفعُ الخِلافُ (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٩٠٢)، كتاب: الاستئذان، باب: كيف الرد على أهل الذمة بالسلام، ومسلم (٢١٦٤)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، عن عبد الله بن عمر.\n(٢) في \"ب\": \"والغضب\".\n(٣) في \"ب\": \"فيستجاب\".\n(٤) رواه البخاري (٦٠٣٨)، كتاب: الدعوات، باب: قول النبي - ﷺ -: \"يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا\"، ومسلم (٢١٦٥)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف الرد عليهم، وهذا لفظ البخاري.\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٨٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٣).\n(٦) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٤) (١٧/ ٢٩٣)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٢٢).","vol":"2","page":427},{"text":"وكيف يجُب الردُّ عليهم، واللهُ يقولُ في أمثِالهم: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].\nومعلومٌ أنَّ الشافعيَّ ما أرادَ إلا ما أرادَهُ ابنُ عباسٍ، لا حقيقةَ الوجوبِ كما توهَّمَهُ بعض (١) أصحابه.\nوصفةُ الردِّ عليهم ما قَدَّمنا من قوله - ﷺ -: \"وعليكم\" أو: \"عليكم\" (٢) (٣).\nوأما على المُسْلِم، فالأفضلُ أن يقولَ: (وعليكُم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه) (٤)، وهذا هو الأحسنُ الذيَ ندب اللهُ إليهِ المؤمنين.\n_________\n(١) \"بعض\": ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ١٤٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٥).\n(٣) قد استشكل بعضهم دخول الواو في الجواب ورجح كون الجواب: (عليكم) بدون الواو حتى لا يقع الاشتراك معهم، وقد أجيب عن هذا، ومن أفضل الأجوبة جواب ابن القيم حيث قال: إدخال الواو في الحديث لا تقتضي محذورًا البتة، وذلك لأن التحية التي يحيون بها المسلمين غايتها الإخبار بوقوع الموت عليهم وطلبه؛ لأن السام معناه: الموت، فإذا حيوا به المسلم فرده عليهم كان من باب القصاص والعدل، وكان مضمون رده أنَّا لسنا نموت دونكم بل وأنتم أيضًا تموتون فما تمنيتموه لنا حال بكم واقع عليكم.\nوأحسن من هذا أن يقال: ليس في دخول الواو تقرير لمضمون تحيتهم بل فيه ردها وتقريرها لهم؛ أي: ونحن أيضًا ندعو عليكم بما دعوتم به علينا فإن دعاءهم قد وقع، فإذا رد عليهم المجيب بقوله: (وعليكم) كان في إدخال الواو سر لطيف وهو الدلالة على أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردود عليكم لا تحية غيره فإدخال الواو مفيد لهذه الفائدة الجليلة. انظر: \"بدائع الفوائد\" لابن القيم (٢/ ٤٠٢).\n(٤) انظر: \"شرح السنة\" للبغوي (١٢/ ٢٥٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٥٢)، و\"شرح مسلم\" (١٤/ ١٤١)، و\"الأذكار\" كلاهما للنووي (ص: ١٩٢).","vol":"2","page":428},{"text":"ولو اقتصرَ على قولِ: (وعليكم (١) السلامُ)، فهذا هو الواجُب؛ لأنه مثلُ تحيةِ المُسَلِّمِ، ولو اقتصرَ على قوله: وعليكم، فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ واختيار إمامِ الحرمين أنه لا يكفي؛ لأنه ليسَ مثلَ سلامِهِ في اللفظِ والإيناسِ (٢).\nوالصوابُ أنه يكفي؛ لِما ثبتَ في \"صحيح مسلم\" من اقتصاره في ردِّه - ﷺ - على أبي ذَرٍّ (٣) في حديثِ إسلامِه (٤) (٥).\nوعلى قياسِ هذا ما إذا قالَ المُسَلِّمُ: (السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه)، فقال الرادُّ: (وعليكم)، وينبغي أن يكونَ مَكْروهًا؛ لقلة إيناسِه، والله أعلم.\nومقتضى عمومِ الآية أنَّ الكِتابيَّ إذا قال: (السلامُ عليكم) أَنَّهُ يجبُ الردُّ عليهِ؛ لأنه حيّانا بتحية اللهِ (٦)، ولستُ أعلمُ فيه نَقْلًا عنِ السَّلَفِ.\nوأما الغائبُ، فكذلك أيضًا يجبُ ردُّ السلامِ عليه (٧)، أَرْسَلَ بهِ، أو كَتَبَ به (٨).\n_________\n(١) في \"أ\": \"وعليك\".\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٥٠٢).\n(٣) لكن لفظ النبي ﷺ في الجواب على أبي ذر: \"وعليك ورحمة الله\".\n(٤) رواه مسلم (٢٤٧٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر -﵁ -.\n(٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٦/ ٣٠)، و\"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (٤/ ٢٧١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٦).\n(٦) انظر: \"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم (١/ ٤٢٥).\n(٧) وروي عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبًا كما يرى رد السلام. انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٦٣٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٣/ ١٩٣).\n(٨) انظر: \"الأذكار\" للنووي (ص: ١٩٥)، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي=","vol":"2","page":429},{"text":"وصِفَتُهُ الأَحْسَنُ (١) ما رويناه في \"سُنَنِ أبي داودَ\" عن غالبٍ القَطَّانِ عن رجلٍ قال: حدثني أبي عن جَدِّي قال: بعثَني أبي إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال: ائتهِ فَأَقْرِئْهُ السلامَ، فأتيتُه، فقلتُ: إنَّ أبي يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فقال: \"عليكَ وعلى أبيكَ السلامُ\" (٢).\nوأما المفارقُ فقد قالِ القاضي الحسينُ وصاحبُه المُتَولي من الشافعية: جرتْ عادَةُ بعضِ الناسِ بالسلامِ عندَ مفارقَةِ القومِ، وذلكَ دعُاءٌ يستحَبُّ جوابه، ولا يجبُ؛ لأنَّ التحيةَ إنما تكونُ عندَ اللقاء، لا عندَ الانصراف.\nوأنكر عليهما الإمامُ أبو بكرٍ الشَّاشِيُّ، وقال: هذا فاسِدٌ؛ لأن السلامَ سُنَّةٌ عندَ الانصرافِ، كما هو سُنَّةٌ عندَ الجلوس.\nقال أبو زكريا النوويُّ: وما قالهُ الشاشِيُّ هو الصوابُ (٣).\nوهو الحقُّ كما قالَهُ الشاشِيُّ والنواويُّ، قال النبيُّ - ﷺ -: \"إذا انتهى أحدُكم إلى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرادَ أن يقومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيَستِ الأُولى بأَحَقَّ منَ الآخِرَة\" (٤) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.\n_________\n= (ص: ٣٠٩)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٤١٥).\n(١) في \"ب\": \"الحسنى\".\n(٢) رواه أبو داود (٥٢٣١)، كتاب: الأدب، باب: في الرجل يقول: فلان يقرئك السلام، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٦٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٢٠٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٦٧١٣)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٦/ ٧)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٧/ ٢٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦١)، وفي \"شعب الإيمان\" (٨٩٢٠)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٤٣٤)، عن رجل من الصحابة.\n(٣) انظر: \"الأذكار\" (ص: ٢٠٣)، و\"المجموع\" كلاهما للنووي (٤/ ٥٠٥).\n(٤) رواه أبو داود (٥٢٠٨)، كتاب الأدب، باب: ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠١٧٤)، والإمام أحمد في \"المسند\"=","vol":"2","page":430},{"text":"فأمرَنا (١) بالسلامِ، وبينَ بأنَّ الأولى لَيْسَتْ بآكَدَ من الثانية، والله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].\n_________\n= (٢/ ٤٣٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٩٤)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" (٣٧١)، عن أبي هريرة.\n(١) في \"أ\": \"فأمر\".","vol":"2","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>(من أحكام الجهاد)</span>\n٨٧ - ٨٩ (٢٩ - ٣١) قوله ﷿: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨ - ٩٠].\nاختُلِفَ في سببِ نُزولها:\nروينا في \"الصحيحين\"، واللفظُ للبخاريِّ: عن زيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنه لما خرَج النبيُّ - ﷺ - إلى أُحُدٍ، رجعَ ناسٌ مِمَّنْ خرجَ معهُ، وكانَ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - فِرقتين: فرقةٌ تقولُ نقاتلِهم، وفرقةٌ تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨].\nوقال: \"إنها طَيْبَةُ تَنْفي الذُّنوبَ كما تَنْفي النارُ خَبَثَ الفِضَّةِ\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٢٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، ومسلم (٢٧٧٦)، في أوائل كتاب: صفه المنافقين وأحكامهم، وهذا لفظ البخاري.","vol":"2","page":432},{"text":"وقال مجاهدٌ: هم قومٌ خرجوا إلى المدينةِ، وأسلموا ثم ارتدوا (١)، فاستأذنوا رسولَ الله - ﷺ - في الرجوعِ إلى مكةَ ليأتوا ببضائِعَ لهم يَتَّجِرون فيها، فخرجوا، وأقاموا بمكة (٢)، فاختلف المسلمونَ فيهم، فقائل يقولُ: هم منافقون، وقائلٌ يقول: هم مؤمنون (٣).\nوقال بعضهم: هم قومٌ أسلموا بمكة، ثم لم يُهاجروا، وكانوا يُظاهرون المشركين (٤).\nوقال بعضُهم: نزلتْ في قومٍ من قريشٍ، قَدِموا المدينةَ وأسلموا، ثم نَدِموا على ذلك، فخرجوا كهيئة المُتَنَزِّهين حتى إذا تباعدَوا من المدينة، كتبوا إلى النبيِّ - ﷺ -: إنَّا على الذي فارقناك عليهِ من الإيمان، ولكنّا اجْتَوَيْنا (٥) المدينةَ، واشتقنا إلى أرْضِنا، ثم إنهم خرجوا في تجارةٍ لهم نحوَ الشامِ، فبلغَ ذلكَ المسلمين، فقال بعضهم: نخرجُ إليهم (٦) لنقتلَهُم ونأخذَ ما مَعَهُم؛ لأنهم رغَبِوا عن ديننا، وقالت طائفةٌ: كيف تقتلونَ قومًا على دينِكم لم يَذَروا ديارَهُمْ؟! وكانَ هذا بعَيْنِ النبيِّ - ﷺ -، وهو ساكتٌ لا يَنْهى واحدًا من الفريقين، فنزلتْ هذه الآيةُ (٧).\n_________\n(١) \"ثم ارتدوا\" ليس في \"أ\".\n(٢) \"بمكة\" ليس في \"أ\".\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٩٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٢٤).\n(٤) وهذا قول ابن عباس، انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٩٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٢٣).\n(٥) اجتوينا: اجتويتَ البلدَ: إذا كرهتَ المقام فيه، وإن كنت في نعمة. \"اللسان\" (٤/ ١٥٨).\n(٦) \"إليهم\" ليس في \"ب\".\n(٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٣٥٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٥٩).","vol":"2","page":433},{"text":"وجميعُ ما ذكروه من الأسباب مُحْكَمٌ في العَصْر الذي فيه النبيُّ - ﷺ -.\nفمن خرجَ من فِئَةِ المسلمين، والتحقَ بفئةِ المشركين، فُهو مُرْتَدٌّ.\nوكانَ منِ التحقَ بدارِ الحربِ مُرْتَدًّا غادِرًا برسولِ الله - ﷺ - مُرْتَدًّا كافِرًا، وكذا من ظاهرَ المُشركين على رسولِ اللهِ - ﷺ - والمؤمنين.\nفإن قال قائل: فالسببُ الرابعُ يقتضي أنَّ من خَرَج إلى دار الحرب مُسْتَوْطِنًا لها، وهو معَ ذلك باقٍ على الإيمانِ غيرُ مظاهرٍ للمشركين أنهُ مرْتَدٌّ كافِرٌ كهؤلاء.\nقلنا: إنما كفروا، لخبرِ الله عنهم بأنهم كفروا، وأنهم يَوَدُّون كُفْرَ سائرِ المؤمنين، ولم يَكْفُروا بمجرَّدِ الاستيطانِ بدارِ الحرب، ويدلُّ على ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فأوجب على المؤمنين نُصْرَتَهُمْ في دارِ الحربِ، وسَمَّاهم مؤمنين، ولا يجبُ إلا نصرةُ مؤمِنٍ، وأما المرتَدُّ، فلا تجبُ نصرتُهُ.\nولأنَّ سَعْدَ بنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ ماتَ بِمَكَّةَ ولم يُهاجر -كما قال عيسى بنُ دينارٍ وغيرُه (١) (٢) - أو هاجرَ ثم رجعَ بعد شهودِهِ وَقْعَةَ بَدْرٍ -كما قالَ البخاريُّ (٣)، وهو مؤمن بالاتفاقِ (٤)، ولكن النبيُّ - ﷺ - رَثى له، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.\nفإن قال: فظاهرُ الآيةِ يقتضي أنهم ارتدُوا بتركِ الهجرةِ والرجوعِ عنها\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ١٨٠).\n(٢) وقد ردَّ هذا القول غير واحد. انظر: \"الاستيعاب\" لابن عبد البر (٢/ ٥٨٧).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٤٦٦).\n(٤) وانظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٣/ ٢٧٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٧٩).","vol":"2","page":434},{"text":"فقط، وأنهم لا يُقْبل إسلامُهم إلا مع الهجرة؛ ولا يُقبل بدون الهجرة؛ لأن الله سبحانه نَهى عن مُوالاتهم حتى يهاجروا في سبيل اللهِ، وأمرَ بقتلهم عندَ امتناعهم عن الهجرة.\nويدل على هذا الظاهرِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فلم يعاتبهمُ الله إلا على تَرْكِ الهجرةِ، وجَعَلَها سببًا لمأواهم جهنمَ.\nويدلُّ عليهِ قولُ النبيِّ - ﷺ -، في حديثِ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ المخرَّجِ في \"الصحيحين\": أنه لما مرضَ بمكَّةَ، عادَهُ النبيُّ - ﷺ - وقال: \"اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحابي هِجْرَتَهُمْ ولا تَرُدَّهُمْ على أَعْقابِهِمْ\" (١).\nقلنا: لأجلِ هذهِ الظواهرِ قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ من الشافعيةِ في \"تفسيريهما\": لم يكنِ الله ليقبلَ بعدَ هجرةِ النبيِّ - ﷺ - إسلامًا إلا بهجرة، ثم زادَ البغويُّ فقال: ثم نُسِخَ ذلكَ بعدَ الفتح، فقال النبي - ﷺ -: \"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ\" (٢) (٣).\nوالذي قالاه غير صحيح؛ لما قدمته من دلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].\nوموضعُ الدلالةِ أنَّ الله سبحانه سَمّاهم مؤمنين، وأمرَ بِنُصْرتهم، ولا يأمرُ إلا بنصرةِ مؤمنِ، وأما المرتَدُّ، فلا تجوزُ نُصرته بحالٍ.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٢٣٣)، كتاب: الجنائز، باب: رثى النبي - ﷺ - سعد بن خولة، ومسلم (١٦٢٨)، كتاب الوصية، باب: الوصية بالثلث.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٥٨٤).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٦٩)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٢٨٤).","vol":"2","page":435},{"text":"فإن قيل: فالمرادُ به المستضعفون غيرُ المستطيعين، فيكونُ عامًّا مَخْصوصًا بالمستضعفين؛ بدلالةِ هذه الآيات والظواهرِ.\nقلنا: نصرةُ المستضعفينَ واجبة على كلِّ قومٍ، سواءٌ كان بينَنا وبينَهُم ميثاقٌ، أم لا؛ لأن لهم حكمَ المؤمنين؛ لكمال إيمانهم؛ لأنهم معذورون، وأما غيرُ المستضعفين، فغير معذورين، فوجبتْ نصرتُهم على الحَرْبِيِّ؛ لإيمانهم، ولا تجب نُصرتُهم على المعاهَدِ؛ لنُقصان إيمانِهم.\nوأما الجوابُ عن الظواهرِ، فهو أن الهجرةَ كانت عُنوانًا للإيمان، وميزانًا للإسلامِ في زمنِ النبِّي - ﷺ -، يتبينُ فيها المؤمنُ من المنافقِ:\nفمنافقُ مكة تبينَ بتركِ المهاجَرَةِ من مكةَ إلى المدينة، وإذا أخبرَ اللهُ نبيَّه - ﷺ - بكفرِه، فهو كافرٌ.\nومنافقُ المدينةِ يتبينُ بتركِ المُجاهدةِ في سبيلِ الله -سبحانه- مع رسوله، قال الله سبحانه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]، فسماهم كَفَرَةَ.\nوكان الفرقُ بينهم أن منافقَ دارِ الحربِ تجري عليه أحكامُ المحاربين منَ القتلِ والأسرِ والاسترقاق، ومنافقَ دارِ الإسلام يُعْصَمُ دمُه ومالُه وولدُه بالإسلام، وتجري عليه أحكامُ المسلمين.\nوأما إذا لم يُهاجِرْ من مكةَ إلى المدينة، ولم يخبر اللهُ سبحانه بردَّتِهِ وكفرِه، فإنه باقٍ على إيمانِه (١).\n_________\n(١) ذكر العلماء في حكم الهجرة من دار الحرب ثلاث حالات:\nالأولى: الوجوب لمن قدر عليها ولا يمكنه إقامة دينه.\nالثاني: من لا يقدر على الهجرة لمرض أو إكراه أو ضعف، فهذا لا هجرة عليه. =","vol":"2","page":436},{"text":"ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية، وكان العباسُ -رضي الله تعالى عنه- أقام بعد إسلامِه بمكةَ، ولم يقلِ النبيُّ - ﷺ -: إن إسلامَهُ لا يتمُّ مع الوقوفِ بدار الحربِ.\nوقد ذكرَ الشافعيُّ هذا الحُكْمَ كما ذكرتُه، واستدلَّ له بوقوفِ العباس كما ذكرته (١).\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] الآية، فإنها نزلتْ في قومٍ تكلَّموا بالإسلامِ، ثم خرجوا مع المشركينَ إلى بَدْرٍ مُكَثِّرينَ لِسَوادِهم، فقُتلوا يومَ بدرٍ، وأخبرَ اللهُ سبحانه بكفرِهم وظُلْمِهم لأنفسِهم (٢).\nفإن قيل: فإن الملائكةَ لم تعاتبْهم إلا على عَدَمِ الهجرة.\nقلنا: جعل الله سبحانه هذا قاطعًا لحجَّتِهم، وإلا فقدْ أخبرَ الله تعالى بظُلْمهم لأنفسِهم، والظلمُ هو الكفر (٣).\n_________\n= الثالث: الاستحباب، وقال بعضهم بالوجوب على من يقدر عليها وهو يتمكن من إظهار دينه وإقامته.\nانظر: \"الأم\" للشافعي (٤/ ١٦١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٠٣)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٥٥٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩٢٣٦).\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٤/ ١٦١).\n(٢) ويؤيد هذا القول سبب النزول الأول الذي رواه البخاري، وانظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٣٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٤٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٤٥).\n(٣) لا يسلَّم أن الظلم هنا هو الكفر، فالآية عامة فقد تعم من كفر وقاتل المسلمين، ومن ترك الهجرة وهو على إيمانه لكنه لا يقدر على إقامة دينه فهو ظلم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية. انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي =","vol":"2","page":437},{"text":"وأما حديثُ سعدٍ، فإنه لا يدلُّ إلا على تعظيمِ شأنِ الهجرةِ.\n* وقد اختلفَ أهلُ العلم في موتِ المُهاجِر بمكةَ:\nفقالَ بعضُهم: الموتُ بمكةَ والمُقام بها يُحْبطُ الهجرةَ، سواءٌ كانَ بالضرورةِ، أو بالاختيار، واستدلَّ بدعاءِ النبيِّ - ﷺ - لسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ مع أصحابه، ولأنَّ سعدَ بنَ خولَةَ الذي رَثىَ له النبيِّ - ﷺ - ماتَ في حجَّةِ الوداعِ بعدَما شهدَ بدرًا وغيَرها، على ما ذكره ابنُ شهاب (١).\nوقال بعضُهم: إنما يحبطُ الهجرةَ ما كانَ بالاختيارِ، وأما بالضرورةِ، فلا؛ لأن سعدَ بنَ خولةَ لم يهاجرْ من مكةَ حتى ماتَ بها؛ كما قال عيسى بنُ دينار وغيُره، أو ماتَ بمكةَ بعدَما هاجرَ وشهِدَ بدرًا، وانصرفَ إلى مكة (٢)؛ كما قالهُ البخاري (٣).\n* فإن قال قائل: فما حكمُ الهجرةِ في زمنِ النبيِّ - ﷺ - وبعده؛ قلنا: أما في زمنه، فأجمعت الأمةُ على وجوبِ الهجرة من مكةَ إلى المدينِة -شَرَّفها اللهُ- حتى قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ: إنها شرطٌ في الإسلام؛ كما قدمتُه عنهم.\n_________\n= (٢/ ١٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٤٣).\n(١) قال ابن عبد البر: لم يختلفوا في أن سعد بن خولة مات بمكة في حجة الوداع إلا ما ذكره الطبري محمد بن جرير فإنه قال: توفي سعد بن خولة سنة سبع والصحيح ما ذكره معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه: أنه قال: توفي في حجة الوداع. انظر: \"الاستيعاب\" لابن عبد البر (٢/ ٥٨٧).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٧٩)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ١٨٠).\n(٣) تقدم ذكر قول عيسى بن دينار، والبخاري.","vol":"2","page":438},{"text":"* واختلفوا فيما عدا مكة.\nفقال أبو عبيدٍ: لا تجبُ عليه الهجرةُ؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمرْ من أسلمَ من العربِ بالمهاجرة إليه، ولم ينكرْ عليهم مُقامَهُمْ ببلدِهم، ولأنه - ﷺ - كان إذا بعثَ سريَّةً، قال لأميرها: \"إذا لقيتَ عَدُوَّكَ منَ المُشْركينَ، فادْعُهُم إلى ثَلاثِ خِصالٍ -أو ثلاثِ خلالٍ- فَأيَّتَهُنَّ أَجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهمُ: ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوا (١)، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهُم، ثم ادعُهُمْ إلى التحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأَعْلِمْهم أنَّهم إن فَعلوا ذلك، أنَّ لهم ما لِلمْهاجرين، وأن عليهم ما عَلى المُهاجرين، فإن أَبْوا واخْتاروا ديارَهم (٢)، فأَعْلِمْهم أنهم يكونونَ كأعرابِ المُسلمين، يَجْري عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغنيمةِ نصيبٌ إلا أن يُجاهِدوا مع المسلمين\" (٣).\nوقال الجمهورُ: تجبُ الهجرةُ من سائرِ بلادِ الحَرْبِ إلى سائر (٤) بلادِ الإسلام على مَنْ لا يقدرُ على إظهارِ دينهِ، ولا تجبُ على من يَقْدِرُ على إظهارِ دينه، إما بعشيرةٍ أو رئاسة؛ كما جازَ ذلك للعباس -رضي الله تعالى عنه-، لكن تُستحبُّ له (٥) المهاجرةُ (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"أجابوك\".\n(٢) في \"ب\": \"دارهم\".\n(٣) رواه مسلم (١٧٣١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إيا هم بآداب الغزو وغيرها، عن بريدة الأسلمي.\n(٤) \"سائر\" ليس في \"أ\".\n(٥) \"له\" ليس في \"أ\".\n(٦) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٨/ ١٠٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٠٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ١٩٠)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ١٢١).","vol":"2","page":439},{"text":"* وكذا الحكمُ في الهجرة في زمننا تجبُ عليهِ إن كانَ لا يتمكنُ من إظهارِ دينه، ويُستحبُّ إن كان يتمكنُ من إظهار دينه.\n* والبدعة تجري مَجْرى الكُفْر في وجُوبِ الهِجْرةِ أو استحبابِها (١).\n* وأما سائرُ المعاصي، فتستحبُّ، ولا تجبُ الهجرةُ لأجلِها، إلا أن يغلبَ عليها الحرامُ، فإن طلبَ الحلالِ فرضٌ (٢).\n* ثم استثنى الله القومَ الذين يَصِلون إلى أهلِ العهدِ والميثاق، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠].\nوالذين بينهم وبينَ النبيِّ - ﷺ - ميثاقٌ همُ الأَسْلَمِيُّون، وذلكَ أن النبيِّ - ﷺ - وادع هلالَ بنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيَّ قبلَ خرُوجِه إلى مكةَ على ألاَّ يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وَصَلَ إلى هِلالٍ من قومِه وغيرِهم، ولجأ إليهم، فلهمْ من الجِوارِ مثلُ ما لِهلالٍ (٣).\nوقال الضحاك عن ابن عباس: أرادَ بالقومِ الذين بينكم وبينهم ميثاق:\n_________\n(١) قال الإمام مالك: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف.\nقال ابن العربي: وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦١١).\n(٢) وورد عن ابن عباس تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.\nانظر: \"تفسير البغوي\" (٤/ ٧٤)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٦/ ١٨٦)، و\"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ١٢١).\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٩٢ - ١٩٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٧٤٤)، وعبد بن حميد، وابن المنذر في \"تفسيريهما\"، كما نسبه إليهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦١٠)، عن مجاهد.","vol":"2","page":440},{"text":"بني بكر بن زيدِ مناةَ، كانوا في الصلحِ والهُدْنة (١).\nوقال مقاتل: هم خُزاعَةُ (٢).\nوأما الذيَن جاؤوه - ﷺ - ضَيِّقةً صدورهم من قتاله ومن قتال المشركين، فهم بنو مُدْلِجٍ (٣).\nومعنى (يَصِلون): يَنْتَمون وينتسبون، قال الأعشى: [البحر الطويل]\nإذا اتصلتْ قالتْ لبكرِ بنِ وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوفُ رَواغِمُ (٤)\n* والاستثناء مختصٌّ بالقتلِ دون المُوالاة؛ فإن موالاةَ الكافرِ لا تجوزُ بحالٍ، سواءٌ كان حربيًا أو معاهدًا أو منافقًا، قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآية، وإنما استثناهم اللهُ سبحانه لأجلِ الوفاءِ بالعهدِ والميثاق؛ كما أمر به في كتابه العزيز (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الثعالبي\" (٣/ ٣٥٧)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٩).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٥٧)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦١)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٥٨).\n(٣) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٠٩).\n(٤) انظر \"ديوانه\": (ق: ٧٠/ ٣٤)، (ص: ٣٧٥)، وقد قالها في هجاء زيد بن مُسْهر الشيباني، ومطلعها:\nهريرةَ ودِّعْ وإن لام لائمُ ... غداةَ غدٍ أم أنت للبينِ واجمُ\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٥٩٥)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٣١)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":441},{"text":"* فإن قال قائل: فظاهرُ حكمِ الآية أن المرتدَّ إذا لجأ إلى أهلِ عهدٍ لا يُتعرَّض له، سواءٌ شُرِطَ ذلكَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ أم لا؟ قلنا: قال أبو الحسنِ الواحديُّ والبغويُّ من الشافعية في \"تفسيريهما\": نهى الله سبحانه عن قتلِ هؤلاء المرتدِّين إذا اتَّصلوا بأهلِ عهد المسلمين؛ لأن من انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ، فلهُ حكمُهم في حَقْنِ الدم (١) (٢).\nوالمشهورُ من مذهبِ الشافعيِّ؛ حكايةُ قولين في جوازِ شرطهم تركَ من جاءهم من المسلمين مرتدًّا، والصحيحُ الجوازُ، وأما إذا لم يشترطوا (٣)، فيجب عليهم التمكينُ من رَدِّةِ لإقامة الحدِّ عليه (٤).\nوأما الآيةُ، فإنها محمولةٌ على أنهم لم يشرطوا ذلك كما تقدم في شرطِ الأسلميين الذين شَرَطوا دخولَ من اتصلَ بهم، أو (٥) لجأ إليهم في العهدِ والميثاقِ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٥٧٣).\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦١)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٢٨٠).\n(٣) في \"أ\": \"يشرطوا\".\n(٤) أي: إن شرط المعاهدون ترك من جاءهم من المسلمين مرتدًا فهل هذا الشرط جائز أو لا؟ قولان عند الشافعية، وهناك قول ثالث بجواز شرطهم ترك من ارتد من الرجال، وعدم جواز شرطهم ترك من ارتد من النساء، وأكثر الشافعية على جواز هذا الشرط.\nانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣٦٧)، و\"منهاج الطالبين\" للنووي (ص: ١٤٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٦٥).\n(٥) في \"ب\": \"و\".","vol":"2","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>(من أحكام القصاص والديات)</span>\n٩٠ - (٣٢) قولهُ جَلَّ ثنَاؤه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].\n* سبب نزولها ما رُوي أن عياشَ بنَ أبي ربيعةَ المَخْزوميَّ أسلمَ، فقدمَ المدينةَ، والنبيُّ - ﷺ - بمكةَ، فردَّه أخواه لأمه: أبو جَهْل، والحارثُ ابنا هشامٍ، ومعهما الحارثُ بنُ زيدٍ العامري، فَفَتَنَهُ أخواه حتى ارتدَّ، فعيَّرهُ الحارثُ بنُ زيدٍ، فقال له: لَئِنْ كانَ الذي كنتَ عليه هُدًى، لقد تركْتَ الهُدى، ولئن كانَ ضلالةً، لقد كنتَ عليها، فحلفَ عَيّاشٌ ليقتلنَّهُ حيثُ يلقاه، ثم عادَ مسلِمًا إلى المدينة، فأسلمَ الحارثُ بنُ زيدٍ، وهاجر، فرآه عياشٌ بظاهرِ قُباء، فقتلَه، ثم عاد (١)، وهو لا يعلَمُ بإسلامه، فأخبرَ عياشٌ النبيَّ - ﷺ -، فنزلت هذه الآية (٢) (٣).\n_________\n(١) \"ثم عاد\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٥٧٣).\n(٣) انظر سبب النزول هذا مع اختلاف يسير في: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٥)، =","vol":"2","page":443},{"text":"ولا خِلافَ في أن حكمَها عامٌّ غيرُ مختصٍّ به.\n* فحرم اللهُ سبحانه فيها قتلَ المؤمنِ تَحْريمًا مُغَلَّظًا لا يوجدُ في سائرِ المحرَّمات، فاْوجبَ الكَفَّارَةَ في خَطَئِه مع ضَمان متلفِهِ، وهو المقتولُ، وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].\nوهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه بينَ الأمة.\n* وأوجبَ الشافعيُّ الكفارةَ في قتلِ العَمْدِ وشبه العَمْد؛ لأنه أولى وأحرى بالوجوب من الخطأ (١).\nوبه قال الزهريُّ (٢) ومالك (٣).\nوقال الثوريُّ (٤) ... ... ... ... ... ... ... ... ... .....\n_________\n= و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣١)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٦٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٦٢).\n(١) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٥٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٦٢).\n(٢) وكذا قرر ابن المنذر والقرطبي في \"تفسيره\" مذهب مالك، مع أن المشهور من مذهبه أنه لا كفارة في القتل العمد ولكن يستحب له أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يتقرب إلى الله بما أمكنه من الخير. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٨/ ٢٣)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٥٩٥)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٢٨)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠٥١٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٣١).\n(٣) وللإمام أحمد روايتان: الأشهر أنه لا كفارة في قتل العمد، انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٠، ٢٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠٢).\n(٤) الراجح من مذهب أبي حنيفة وأصحابه: الكفارة في القتل شبه العمد أيضًا، انظر: \"المبسوط\" للشيباني (٤/ ٤٣٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٦/ ٦٦)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٤/ ١٧٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني =","vol":"2","page":444},{"text":"وأبو حنيفةَ (١) وأصحابهُ (٢): لا تجبُ الكَفَّارةُ بِقَتْلٍ غير الخَطَأ، واختارهُ ابنُ المنذر (٣).\nوهذا على أصلِهم من منع القياسِ في الكفاراتِ (٤)، وهو قول الباجِيِّ وابنِ القَصّار من المالكيَّة (٥).\nوظاهرُ الخطابِ أن وجوبَ الكَفَّارةِ والديةِ متعلِّقٌ بالقاتل، والمعنى: فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلَّمَةٌ إلى أهله.\nويحتمل أن يكونَ التقديرُ: فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله.\n* وقد أجمع المسلمون على تَعَلُّقِ الكفارةِ بالقاتلِ وُجوبًا وفِعلًا، وأما الدِّيَةُ، فقضى رسولُ الله - ﷺ - بوجوبها على العاقِلَةِ (٦) (٧)، وكذا فعلَ عمرُ\n_________\n= (٧/ ٢٥١)، و\"العناية شرح البداية\" للبابرتي (١٥/ ١٥٧).\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٨/ ٢٣).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠٢).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٨/ ٢٣)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٣١).\n(٤) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٣/ ٢١٨).\n(٥) حكى القرافي عكس هذا القول عن ابن القصار والباجي وأن مذهبهم كمذهب الشافعي في جواز القياس في الكفارات. انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١/ ١٣٣).\n(٦) لعله يقصد حديث أبي هريرة ﵁: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي - ﷺ - فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها.\nرواه البخاري (٦٥١٢) كتاب: الديات، باب: جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد، ومسلم (١٦٨١) كتاب: القسامة، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٩٤)، و\"المحلى\" لابن حزم =","vol":"2","page":445},{"text":"وعليٌّ (١)، ولم يخالفْهُما أحدٌ من الصحابة، فهو إجماع.\nودليلُهُ مخصِّصٌ لعموِم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) [الإسراء: ١٥].\nولا التفاتَ إلى خلاف الأصَمِّ وابنِ عُلَيَّةَ والخوارِج في منعِ تَحَمُّلِ العاقِلَةِ، وتمسَّكوا بالآيةِ، وبالقياسِ، ولا دليلَ لهمْ معَ قِيام النصِّ والإجماع (٣).\nوالحكمةُ في ذلك أن ديةَ المُسلم كثيرةٌ لا يطيقُها القاتلُ وحدَه إلا نادرًا، ولا يمكنُ إهدارُ دمِ المقتولِ عندَ فقرِ القاتل، فكانتْ على عاقلته؛ حفظًا للدماء (٤).\n_________\n= (١١/ ٤٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٠).\n(١) إن كان القتل عمدًا فقد اتفق الفقهاء على أن دية القتل العمد تجب على القاتل في ماله وحده، ولا تحملها العاقلة، أما إن كان شبه عمد أو خطأ فهي على العاقلة كما ذكر المصنف. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٨٦٥)، و\"مختصر المزني\" (ص:٢٣٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٩/ ٣٠٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٠٢).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٩٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٤٠١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٩).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٣٤٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٢٥٥).\n(٤) ذهب ابن حزم: إلى أن الحكمة تعبدية فقط، فهكذا أمرنا الشارع وما علينا إلا السمع والطاعة، والا فإن القول بعدم تحمل العاقلة هو الذي يؤيده العقل البشري، قال ابن حزم: لولا ما أثر عن النبي - ﷺ - لكان هذا القول الذي لا يجوز خلافه، ولكن رسول الله - ﷺ - هو الذي ولاه الله البيان عن مراده تعالى فقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nوذهب غيره إلى أن الحكمة مع أنها تعبدية قد تعقل في هذه المسألة وأنها =","vol":"2","page":446},{"text":"* واختلف قولُ الشافعي في العاقِلة، هل تحملُ الديةَ ابتداءً، أو تجبُ على القاتل، ثم تحملُها العاقِلةُ، بحسبِ تقديرِ الإضْمارِ.\nفمن أضمرَ: (فعليهِ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله)، جعلهم مُتَحَمِّلين (١)، ومن أوجبَ عليهم ابتداءً تمسَّك بظاهرِ الحديثِ، وأضمر: (فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمة إلى أهله) (٢).\n* وأمر اللهُ سبحانه بتأدية الدية إلى أهله.\nفيجوزُ أن يريدَ بأهله أولياءه.\nويجوز أن يريد به ورثَتَهُ (٣).\n_________\n= لا تخالف القياس وقواعد الشرع العامة، فمن الحكمة أن هذا من باب المواساة وخاصة أن القتل خطأ؛ أي: أن القاتل ليس متعمدًا والخطأ يعذر فيه الإنسان فإيجاب الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنب تعمده هذا من جانب، وإهدار دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثته.\nفكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أن أوجب الدية على العاقلة والمواساة واجبة في عرف الكرماء وهو من باب التكافل والتناصر المطلوب في المجتمع المسلم وتفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال.\nوهذا بخلاف القتل العمد فإن الجاني متعمد ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلًا أن يحمل عنه.\nانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٣٤٢)، و\"إعلام الموقعين\" لابن القيم (٢/ ٣٦).\n(١) في \"ب\": \"محتملين\".\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢٠٦)، و\"المجموع\" (٦/ ١٠٢)، و\"روضة الطالبين\" كلاهما للنووي (٩/ ٣٥٧)، و\"شرح الزركشي\" (٣/ ٨).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٩٩)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٢٨١)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٥٨١).","vol":"2","page":447},{"text":"فبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن المرادَ بأهل المقتول ورثتُه.\nروي أن عمرَ -رضي الله تعالى عنه- لم يُوَرِّثِ المرأةَ من ديةِ زوجِها، فقال له الضَّحّاكُ بنُ قيسٍ (١): كتبَ إليَّ رسولُ الله - ﷺ - أَنْ وَرِّثِ امرأةَ أَشْيَمَ الضّبابِيَّ من دية زوجِها، فرجعَ عمرُ رضي الله تعالى عنه (٢).\n* وعلق اللهُ سبحانه هذهِ الأحكامَ بقتلِ المؤمنِ، وأطلقه، فوقعَ على الذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير، والحرِّ والعبد (٣).\nوالحكمُ كذلكَ بإجماعِ المسلمين، إلا في العبدِ.\nفقال طائفةٌ من أهل الكوفة: تجبُ فيه الديةُ؛ لظاهر الآية، ولا يبلغ\n_________\n(١) في السنن الأربعة وعامة كتب الحديث: الضحاك بن سفيان وفي بعضها: الضحاك بن قيس، قال النووي: وهو غلط صريح لا حيلة فيه. أي والصواب: الضحاك بن سفيان. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (١/ ٢٣٧).\n(٢) رواه أبو داود (٢٩٢٧)، كتاب: الفرائض، باب: في المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي (٢١١٠)، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٦٤٢)، كتاب: الديات، باب: الميراث من الدية، والإمام مالك في \"المؤطأ\" (٢/ ٨٦٦)، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٠٣)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٥٢)، عن الضحاك بن سفيان الكلابي.\n(٣) لم يذكر المصنف مسألة هل يقتل الحر بالعبد، فمذهب الحنفية أنه يقتل الحر بالعبد واستثنوا عبد نفسه، وبه قال الظاهرية، ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يقتل به. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٦٨)، و\"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٨٧٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٨٩)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ٢٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ١٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٢١)، و\"الإحكام\" لابن حزم (٧/ ٣٦٦).","vol":"2","page":448},{"text":"بها ديةَ الحرِّ، بل ينقص منها شيء؛ اعتبارًا بنقصانِه عن درجةِ الحُرِّ في الحَدِّ وغيره (١).\nوقال الشافعيُّ، ومالك، وأبو يوسفَ: تجبُ فيه القيمةُ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ قياسًا على سائر الأموال، فقيدوا إطلاقَ الآيةِ بالقياس (٢).\nوقال أبو حنيفةَ: تجبُ فيه القيمةُ، ولا يُزاد بها على ديةِ الحرِّ (٣).\n* وبيَّن النبيُّ - ﷺ - أنَّ الجنينَ تجبُ فيه الديةُ، وأن ديتَهُ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو وَليدَةٌ.\nروى الشيخان عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمَتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ، فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقضى رسول الله - ﷺ - أن ديةَ جَنينِها غُرَّةٌ عبدٌ أو وليدةٌ (٤).\n* ثم بين حكمَ المؤمنِ الذي أهلُه كفار، فأوجبَ الكفارةَ بقتله، ولم يوجبِ الديةَ، سواء كانوا محارِبين أو معاهَدين، فقال: ﴿فَإِن كَانَ مِن\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١٠).\n(٢) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٨/ ٢٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٣١)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٧/ ٢٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٣٨).\n(٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٢٧/ ٢٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٤/ ١٥١).\n(٤) رواه البخاري (٦٥١٢)، كتاب: الديات، باب: جنين المرأة، ومسلم (١٦٨١)، كتاب: القسامة، باب: دية الجنين، ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.","vol":"2","page":449},{"text":"قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، لأن الله سبحانه سكتَ عن الدية، ولم يوجبْها قبلُ.\nوبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (١)، والأوزاعيُّ وأبو ثورٍ (٢)؛ لأن أهلَه كفارٌ ليسوا له بأولياء.\nوعن مالك روايتان، والمشهورُ كمذهبِ الجماعةِ (٣).\nوالمعروفُ من مذهبِ الشافعيّ (٤) وجوبُ ديتِه للمسلمين تُجْعَلُ في بيتِ المال (٥).\n* ثم بين اللهُ سبحانَه حُكْمَ الذي له ميثاقٌ، فأوجب فيه الكفارةَ والديةَ،\n_________\n(١) نظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٧١)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (٨/ ٦٩)، و\"أحكام القرآن\" للشافعي (ص: ٢٨٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٦٥).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٤).\n(٣) وكذا لأحمد روايتان والراجح من مذهبهما أن لا دية عليه. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦٠٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ٣٥٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٧).\n(٤) لم أقف على هذا القول للشافعي.\n(٥) هناك فرق في الحكم يتبع لتفسير الآية، بين من فسرها بالمقتول إن كان مؤمنًا في دار الحرب وقتل خطأ، أو كان في دار الإسلام وقتل خطأ.\nقال أبو بكر الجصاص: هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا لأنه غير جائز أن يكون مراده في مؤمن في دار الإسلام إذا قتل وله أقارب كفار؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت المال وأن كون أقربائه كفارًا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث لا يرثونه. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٤٢)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ٩٣).","vol":"2","page":450},{"text":"فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\nولكن الله سبحانه أطلقَ صفتَه، ولمْ يقيدْه بصفةِ الإيمان كما قيدَ غيرَه.\nفأخذَ جمهورُ أهل العلمِ كابنِ عباسٍ، والشعبيَّ، والنَّخَعيِّ (١) بإطلاقه (٢)، وبه قال الشافعيُّ (٣).\nفأوجبوا الكفارةَ في قتلِ الذَّمَّيِّ، والمعاهَد.\nومنهم من قَيَّدَه بصفةِ الإيمان، وأعاد الضميرَ على المؤمنِ، ولم يوجبِ الكفارةَ في قتله، ونُسب إلى أهل الحجاز (٤).\n* وبين الله سبحانه أن الكفارةَ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فمن لم يجدْ فصيامُ شَهْرين متتابعين، ولم يَذْكُرِ الإطعامَ في حَقَّ العاجِزِ، فدلَّ على أنه لا يجب (٥).\n_________\n(١) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٥١٤)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٠٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٦٥).\n(٢) وهو قول الحنفية والحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٢٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٧).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦٠٣)، \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٢٠).\n(٤) عن إبراهيم النخعي في المسألة روايتان. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٦٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢١٣).\n(٥) وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية والحنابلة، انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٧/ ٤)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٣٦)، و\"البيان والتحصيل\" لابن رشد (٥/ ١٩٧).","vol":"2","page":451},{"text":"وللشافعي قولٌ ضعيف أنه يجبُ إطعامُ ستينَ مسكينًا؛ قياسًا على الظهار (١).\n* وأحكم الله سبحانه فرضَ الديةِ مُجْمَلًا، وجعل بيانَها إلى رسول الله - ﷺ -، فبَّينَ أن الدية مِائةٌ من الإبلِ، وأن ديةَ المرأةِ على نصفِ ديةِ الرجل، وبيَّن أن ديةَ الجنين غُرَّة عبدٌ أو وليدَة، وأجمع المسلمون على ذلكَ (٢)، إلا ما حكي عن الأصَمّ وابن عُلَيَّةَ أنهما جعلا دِيَةَ المرأةِ كديةِ الرجلِ (٣).\n* واختلفوا في أهل الذمَّة:\nفذهب الشافعيُّ إلى أنه على الثلث من ديةِ المسلمِ، ذُكْرانُهم كذكرانهم، وإناثُهم كإناثهم (٤).\nوبه قال عمرُ وعثمانُ وجماعةٌ من التابعين (٥).\n_________\n(١) وهو قول عند الحنابلة. انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢١٧)، و\" الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٤٣٢)، (١٣/ ٦٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ٣٨٠)، و\"الشرح الكبير\" لابن قدامة (٩/ ٦٧١)، و\"الكافي\" لابن مفلح (٤/ ١٤٥).\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٣٨٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٤)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٢٢٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣١٦).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢٨٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٦٧).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٠٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٢٣٧).\n(٥) وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وعطاء. انظر:=","vol":"2","page":452},{"text":"وذهبَ مالكٌ إلى أن ديتَه على النِّصْفِ من دِيَةِ المُسلم (١)، وبه قالَ عروةُ بنُ الزبيرِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز (٢).\nوذهب أبو حنيفةَ (٣) والثوريُّ (٤) إلى أن دِيَتَهُ كديةِ المسلم، وهو مروي عن عمرَ وعثمانَ أيضًا، وبه قالَ جماعةٌ من التابعين (٥).\nوتمسكوا في ذلك بآثارٍ.\n* واختلفوا في المجوسِيِّ أيضًا.\nفذهب الشافعيُّ ومالكٌ إلى أن ديتَه خُمْسُ ثُلُثِ ديةِ المسلم (٦)، وبه قال جماعةٌ منَ التابعين (٧).\n_________\n=و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٥/ ٤٠٧)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١١٧).\n(١) وهو الراجح عند الحنابلة. انظر: \"الاستذكار\" (٨/ ١١٦)، و\"التمهيد\" كلاهما لابن عبد البر (١٧/ ٣٥٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١٠)، و\"المغني \" لابن قدامة (٨/ ٣١٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٧).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٦/ ٨٤).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٩٠).\n(٥) وهو مروي عن النخعي والشعبي ومجاهد وعطاء والزهري والحسن انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٣).\n(٦) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٨٦٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١١٦)، و\"أحكام القرآن\" للشافعي (١/ ٢٨٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٣١١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣١٣).\n(٧) منهم الحسن وعكرمة وعطاء ونافع وعمرو بن دينار. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٧).","vol":"2","page":453},{"text":"وقال أبو حنيفة: ديتُه مثلُ ديةِ المسلم (١).\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: هو كاليهوديَّ والنصرانيَّ، وهو النصفُ عنده (٢).\nواحتجَّ الشافعيةُ بأن ذلك رُوي عن عمرَ وعثمانَ وابنِ مسعود، ولم يُعْرَفْ لهم مُخَالِفٌ (٣).\n* وأما المعاهَدُ، فإن كان كتابيًا، فهو كالذميَّ، وإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، فهو كالمجوسيَّ (٤).\nوذهب قومٌ إلى أنه لا يجبُ في المعاهَدِ ديةٌ، إلا أن يكونَ كتابيًا، فحملَ بعضُهم إطلاقَ المقتولِ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] على تقييد الإيمان في القتيلين الأوَلَيْن، فحمله على المؤمن الذي بين المعاهدين، أو المنتقلِ من المعاهدين إلى دارِ الإسلام.\nومنهم من تركَه على إطلاقه، وذهبَ فيه إلى النسخ.\nقال (٥) ابنُ أبي أويسٍ: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٤)، و\"الأم\" للشافعي (٧/ ٣٢٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٦/ ٨٥).\n(٢) انظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (٦/ ١٢٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣١٣).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٣١١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣١٣).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١٠٥)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٢)، و\" الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١١٦).\n(٥) \"قال\" ليس في \"أ\".","vol":"2","page":454},{"text":"وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فليس لأحد غير المسلم ديةٌ من الكفار غيرَ أهل الذمَّة؛ لأن رسولَ الله - ﷺ - لم يعاهدْ بعد نزول (براءة) أحدًا من الناس.\nقال: وكانت هذه الآيةُ نزلتْ في المسلمَيْن اللَّذين قتلهما أصحابُ رسول الله - ﷺ -، ثم نسخ بآية (براءة) (١).\nونقل عن ابن شهابٍ عن عطاءٍ مثلُ ذلك في النسخِ والسببِ والحكمِ (٢).\n* إذا تمَّ هذا، فبينَ الفقهاءِ خِلافٌ في صفةِ أسنانِ الإبل (٣)، وتغليظِ الدية (٤)،\n_________\n(١) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].\n(٢) وانظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ١٣٤)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٢).\n(٣) مختصر الخلاف في أسنان الإبل: ففي العمد قال الشافعي: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وذهب أحمد إلى أن دية العمد أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة.\nأما في دية الخطأ فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها أخماس؛ خمس بنو مخاض وخمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمس جذاع وخمس حقاق.\nوقال المالكية والشافعية: هي أخماس، غير أنهم جعلوا مكان (بني مخاض) (بني لبون ذكورًا).\nواختلف في شبه العمد فقال أبو حنيفة وأحمد مثل العمد، وقال الشافعي تؤخذ من ثلاثة أسنان، واختلفت الرواية عن مالك بين نفيها على الإطلاق وإثباتها.\nانظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٣٩٠ - ٣٩٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٧)، و\"اختلاف الأئمة العلماء\" لابن هبيرة (٢/ ٢٣١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٧)، \"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٣).\n(٤) اختلف في تغليظ الدية على من قتل في الشهر الحرام أو في الحرم أو قتل ذي =","vol":"2","page":455},{"text":"وتخفيفها (١)، وفي إبدالها (٢)، وتفصيلُ ذلك يطولُ، وموضعُه كتبُ الفقه.\n* * *\n\n٩١ - (٣٣) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]\n_________\n= الرحم؛ فذهب الإمام أحمد: أن عليه الدية وثلث الدية.\nوذهب أبو حنيفة والشافعي: أن التغليظ في أسنان الإبل لا الزيادة في العدد.\nوذهب مالك إلى عدم التغليظ وأن أحكام الله ﷿ على الناس في جميع البقاع واحدة. انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١١٣)، \"الإشراف على مذاهب العلماء\" - لابن المنذر (٧/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٣٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٩/ ٢٥٥).\n(١) تخفيف الدية يكون في القتل الخطأ بتحمل العاقلة لها وتأجيلها وفي نوع الإبل وأسنانها. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٢٦/ ٩٢)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢١١).\n(٢) قد اختلف في إبدال الدية بالذهب والفضة؛ فقال الشافعية: الدية من الإبل ولا يجوز إبدالها، وذهب الجمهور إلى جواز إبدالها بالذهب على أهل الذهب وبالفضة على أهل الفضة.\nولم يختلف الذين ألزموا أهل الذهب الذهب أن الدية من الذهب ألف دينار.\nواختلفوا فيما يجب من الفضة.\nواختلفوا في إبدالها بالبقر والغنم والحلل فأبو حنيفة ومالك قصروا الإبدال على الذهب والفضة، وقال غيرهم بجواز إبدالها. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٣٨٨ - ٣٩٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٨٩ - ٢٩١)، و\"التفريع\" لابن الجلاب (٢/ ٢١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣١٦).","vol":"2","page":456},{"text":"نزلت في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ الكِنانيِّ، وقد كانَ أسلمَ هو وأخوه هشامٌ، فوجدَ أخاهُ قتيلًا في بني النجّار، فأرسلَ رسولُ الله - ﷺ - (١) زهيرَ بنَ عياضٍ الفهريَّ - وكانَ من المُهاجرينَ منْ أهل بدر - مع مِقْيَسٍ إلى بني النجار: أن رسولَ الله - ﷺ - يأمركم إن علمتُمْ قاتلَ هشامِ بنِ صبابَة أن تدفعوه إلى مقيسٍ، فيقتصَّ منه، وإن لم تعلموهُ أن تدفعوا إليه ديتَه، فقالوا: سَمْعًا وطاعةً للهِ ورسوِله، ما نعلمُ له قاتلًا، ولكنا نؤدي له ديتَه، فأعطَوْه مئة من الإبل، ثم انصرفا إلى المدينة راجعين، فتغفل مقيسٌ زهيرًا، فرماه بصخرة، فشجَّه (٢)، ثم ركبَ بعيرًا، وساق بقيتَها إلى مكة مرتدًّا، وقال في ذلك أبياتًا منها: [البحر الطويل]\nقتلتُ بهِ فهرًا وحَمَّلْتَ عَقْلَهُ ... سَراةَ بني النَّجَّارِ أربابِ فارعِ\nفأدركتُ ثأري واضطَجَعْتُ مُوَسَّدًا ... وكنتُ إلى الأوثانِ أولَ راجِعِ\nفنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وهو الذي استثناهُ النبي - ﷺ - يومَ فتحِ مكة عَمَّنْ أَمَّنَهُ، فقُتل وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبة (٣).\n* وقد أجمعتِ الأمةُ على تعظيمِ شأنِ القتل؛ كما عظمه الله تعالى، ورسولُه - ﷺ - فهو أكبرُ الكبائرِ بعدَ الشركِ بالله تعالى.\n* ثم اختلفوا في توبتِه وتخليدِه في النار -نعوذ بالله الكريم من ذلك-.\n_________\n(١) رسول الله - ﷺ -. ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"فشدخه\".\n(٣) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢١٧)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٣٧)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٩٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٩/ ٢٩).","vol":"2","page":457},{"text":"فالمشهور عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - أنه: كان يقول: لا توبةَ له (١).\nويقول (٢): إن آية الفرقان (٣)، وهي (٤) قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان:٧٠] إلى آخرها نزلتْ في ناس من أهل الشركِ، وآيةُ النساء (٥) نزلتْ في الرجلِ إذا عرفَ الإسلامَ وشرائِعَهُ (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٦)، كتاب: التفسير، باب: قول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.\n(٢) في \"أ\": \"ويقال\".\n(٣) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٤٣)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٣٧ - ١٣٨).\n(٤) في \"أ\": \"وهو\".\n(٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\n(٦) روى البخاري عن ابن عباس (٤٤٨٨)، كتاب: التفسير، باب: قول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾، ومسلم (٣٠٢٣)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، وأبو داود (٤٢٧٣)، كتاب: الفتن والملاحم، باب: في تعظيم قتل المؤمن. ولفظ أبي داود: عن سَعِيدِ بن جُبَيْرِ قال: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ فقال: لمَا نَزَلَتْ التي في الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، قال مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ قد قَتَلْنَا النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله، وَدَعَوْنَا مع الله إِلَهًا آخَرَ، وَأَتينَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فَهَذهِ لأُولَئِكَ، قال: وَأَمَّا التي في النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية، قال: الرَّجُلُ إذا عَرَفَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمَّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، لاَ تَوْبَةَ له، فَذَكَرْتُ هذا لِمُجَاهِدٍ، فقال: إلا من نَدِمَ.","vol":"2","page":458},{"text":"وروى سعيد بنُ جبير عنه أنه قال في آية الفرقان: هذه آيةٌ مكيةٌ نسختها آيةٌ مدنيةٌ التي في \"سورة النساء\" (١).\nوروي عن زيد بن ثابتٍ - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: لما نزلتْ التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا﴾ عَجِبْنا من لينها، فلبثنا سبعةَ أشهرٍ، ثم نزلتِ الغَليظةُ بعد اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية (٢).\nوسأل رجلٌ ابنَ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما،- فقال: إني قتلتُ نفسًا، فهل لي من توبةٍ؟ فقال له ابنُ عمرَ: أَكْثِرْ مِنْ شربِ الماءِ الباردِ.\nقال مالك: يريدُ أنه من أهلِ النار.\nورويَ أن رجلًا سأل أبا هريرة، وابنَ عمر، وابنَ عباس -رضي الله تعالى عنهم- عن رجل قتل مؤمنًا متعمدًا، هل له من توبة؟ فكلهم (٣) يقول: هل تستطيع أن تحييه؟ هل تستطيع أن تبتغي نفقًا في الأرض (٤) أو سلمًا في السماء (٥)؟\nوبقول ابنِ عباس قالتِ المعتزلةُ (٦).\nوقال جمهورُ أهلِ العلمِ من الصحابةِ وغيرهم، وجميع أهل السنة: إن\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٤)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾، ومسلم (٣٠٢٣)، كتاب: التفسير، في أوله.\n(٢) رواه أبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٢٧)، وانظر: \"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٥).\n(٣) في \"ب\": \"وكلهم\".\n(٤) \"في الأرض\": ليست في \"أ\".\n(٥) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٥/ ٤٣٤)، و\"شعب الإيمان\" للبيهقي (٦/ ٢٠٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٦٣٢).\n(٦) انظر: \"تفسير النيسابوري\" (٢/ ٤٧٥)، و\"عمدة القاري\" للعيني (١٨/ ١٨٣).","vol":"2","page":459},{"text":"له توبةً، وأمرُه إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه (١).\nواختلفت بهم الطرقُ في الكلامِ على الآية.\nفمنهم من ذهبَ إلى النسخ (٢)، فقال: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].\nوروي عن عليٍّ أنها منسوخةٌ بآيتين: آيةٍ قبلَها، وآيةٍ بعدها في النظم (٣)، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].\nوالقول بالنسخ بعيدٌ؛ لما سأذكره بعدُ -إن شاء الله تعالى- من عدم التعارضِ بينهما.\nوما روي عن عَليٍّ -رضيَ الله تعالى عنه - يجبُ حملُهُ على معنى قولِ ابنِ عمر -رضي الله تعالى عنهما -: كنا معشرَ أصحابِ رسول الله - ﷺ - لا نشكُّ في قاتلِ المؤمن وآكلِ مالِ اليتيمِ وشاهدِ الزورِ وقاطعِ الرحمِ حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فأمسكنا عن الشهادة، يعني: الشهادة لهم بالنار (٤).\nومنهم من ذهب إلى وقفِ حكمها على سَببها؛ فمن قتلَ مؤمنًا متعمدًا\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم \" للنووي (١٧/ ٨٢) و(١٨/ ١٥٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٢٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٨/ ٤٩٦).\n(٢) انظر: \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص: ٢٠٣).\n(٣) في \"أ\": \"النساء\".\n(٤) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٢٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩٧١).","vol":"2","page":460},{"text":"مستحلًا لدمِه كمِقْيَسِ بنِ صُبابة، فهو مخلَّدٌ في النارِ إذا ماتَ على كفره، وهذا قولٌ قويٌّ حسنٌ (١).\nومنهم من ذهبَ إلى التأويل، فحمل الخلودَ على طول المُقام؛ كقول الله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣]، وكقولهم: فلانٌ خالدٌ في السجن: إذا طالَ مُقامُهُ فيه (٢)، وهذا القولُ باطلٌ؛ لأنه يقتضي أنه لابدَّ من دخولهِ النار، ثم يطولُ مُقامهُ، ثم يخرجُ منها، وهذا لم يقلْ به أحدٌ من الفريقين.\nوقال جمهورُهم: تأويلُه: فَجَزاؤه ذلكَ إنْ جازاه، رواه عاصمُ بنُ أبي النجودِ عن ابنِ جبيرٍ عن ابنِ عباس- رضي الله تعالى عنهما - (٣): أنّه قال: هو جزاؤه إن جازاه (٤).\nوروي عن ابن سيرينَ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - ﷺ - أنه قال في الآية: \"هو جزاؤه إن جازاه\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٤٤)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٧)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٣٦٥)، و\"كشف المشكل\" لابن الجوزي (٢/ ٣٥٩).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٧/ ٨٣)، و\"تفسير الرازي\" (١٠/ ١١٠).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"عن النبي - ﷺ - \".\n(٤) رواه ابن المنذر في \"تفسيره\" (٢/ ٦٢٧ - الدر المنثور) من طريق عاصم بن أبي النجود. ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٣٨) من طريق أبي روق.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥٨١٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨٦٠٦) وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/ ٢٨١)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (٧٢١٣). وقال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٥٣٨). وقال الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٤/ ١٨٦): رواه العلاء بن ميمون، عن حجاج الأسود، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال العقيلي: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.","vol":"2","page":461},{"text":"وقال بهذا التأويل إبراهيم التيميُّ، وعَوْنُ بنُ عبدِ الله، وبَكْرُ بن عبد الله، وغيرُهم (١).\nوقد قال من اعتقد هذا: إن الله إذا وعد بالحسنى، وعدَ ولم يخلف، وإذا وعدَ بالعذابِ، جازَ أن يعفوَ (٢).\nويشهد لهذا (٣) ما روى ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله تعالى عنه- أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"من وَعَدَهُ اللهُ على عملهِ ثوابًا، فهو مُنْجِزُهُ له، ومن وَعَدَهُ على عَمَلِهِ عِقابًا، فَهُوَ فيهِ بالخِيارِ\" (٤).\nوهذا هو الوجهُ المختارُ عندي في الجمعِ بين الآياتِ المتعارِضَةِ الواردِة في القتلِ، وبيانُ صفةِ الجَمْعِ أن نقول:\nإن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] مُطْلَقٌ في الأحوال.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠] مقيِّدٌ لآية\n_________\n(١) ومحمد بن سيرين وأبي مجلز وعمرو بن دينار. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٧) و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٣/ ١٠٣٨)، و\"اعتقاد أهل السنة\" للالكائي (٦/ ١٠٥٦).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢١٧)، \"تفسير البغوي\" (١/ ٤٦٥)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٣٦٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٣٤).\n(٣) في \"أ\": \"هذا\".\n(٤) رواه البزار في \"مسنده\" (٦٨٨٢)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٣٣١٦)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨٥١٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤٣/ ١٩١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢١١): وفيه سهيل بن أبي حزم وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (١٢/ ٥٦٦): قال البزار: سهيل لا يتابع على حديثه.","vol":"2","page":462},{"text":"النساء، ويجوزُ تقييدها بها، وإن كانتْ متقدمةً في النزول عليها (١).\nولهذا قال مجاهدٌ: فجزاؤه جهنمُ خالدًا فيها، إلا أن يتوبَ، لكن قولَهُ يقتضي أنه إذا لم يتبْ كان خالدًا في النار، وليسَ الأمرُ كذلك عندَ أهلِ السنةِ (٢).\nوالأولى أن يقيدَ إطلاقُها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]؛ فإنه سبحانه لم يقيدْ غفرانَه بالتوبة، وإنما قَيَّدَهُ بمشيئته سبحانه، ويكون المعنى: (فجزاؤه جهنم خالدًا فيها إنْ جازاه، إلا أن يغفر اللهُ له)، فتعين حَمْلُ الآية على ما أَوَّلَها به السلفُ الصالحُ - رضي الله تعالى عنهم (٣) -.\nفإن قال قائل: فهلا خَصَصْتُمْ عمومَ قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، ويكون المعنى: ويغفرُ ما دونَ ذلك لمن يشاء، إلا أن يكونَ قاتلًا متعمِّدًا؛ فإنه لا يَغْفِرُ له، وتكون آيةُ القتلِ بيانًا منه سبحانه أنه لم يشأ المغفرة له.\nقلنا: إنما قيدنا آيهَ القتل بآية المغفرة؛ لوجوه دلَّت على ذلك:\nأحدها: قوةُ دلالتها وبُعْدُها من التأويل؛ فإنها جمعتْ في دَلالتها بين\n_________\n(١) وليس التقييد مختص بآية الفرقان، فقبول التوبة من العمومات المعلومة في الدَّين، والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وكذلك أحاديث قبول التوبة المطلقة كثيرة، ويؤيده حديث قبول توبة قاتل المئة نفس. انظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٣٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٢٨).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٢٨).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٩٧)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٨/ ٤٩٣)، و\"الاعتقاد\" للبيهقي (ص: ١٨٩)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١/ ٩٢)، و\"الاعتصام\" للشاطبي (٢/ ٢٤٨).","vol":"2","page":463},{"text":"دَلالةِ المَفهوم والمنطوق، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يقتضي بمفهومه أن الله سبحانه يَغْفِرُ لمنْ لا يشركُ به، فهو كافٍ في دلالة التقييد، فزاده تأكيدًا وبيانًا، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nوثانيها: تظاهرُ الآياتِ والأحاديثِ المؤكدة بحكمها الواردة بمعناها؛ كقول الله ﷻ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nولا ينبغي أن يُذْهِبَ إثمُ القتلِ أجرَ الإيمانِ والتوحيد، وإلا لكانَ السيئاتُ يذهبْنَ الحسناتِ، والحسناتُ لا يذهبْنَ السيئاتِ، وذلك مخالف لنصَّ القرآن العزيز.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) [الزلزلة: ٧ - ٨].\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من لقِيَ اللهَ لا يُشْرِكُ بهِ شيئًا، لَمْ تَضُرَّهُ معهُ خَطيئةٌ، ومن لقيهُ يشركُ به شيئًا، لم ينفعْهُ معهُ حسنةٌ\" (٢).\nوروى جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما -: أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان - فقال: \"مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا، وَجَبَتْ لهُ الجَنةُ، ومَنْ ماتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا، وجَبَتْ لهُ النارُ\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجير\" لابن عطية (٢/ ٦٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (١٠/ ١٨٩ - ١٩٢)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٣٤).\n(٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٧٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ١٩ - معجم الزوائد)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح ما خلا التابعي فإنه لم يسم.\n(٣) رواه عبد بن حميد في \"مسنده\" (١٠٦٠)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/=","vol":"2","page":464},{"text":"ويروي عُبادةُ بنُ الصامِتِ - رضي الله تعالى عنه -: أن رسولَ الله - ﷺ - قال- وحوله عصابةٌ من أصحابه -: \"بايِعوني على ألاّ تُشْرِكوا باللهِ شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تَفْتَرونَهُ بينَ أَيْديكُم وأَرْجَلِكُم، ولا تَعْصوا في معروفٍ، فَمَنْ وفَى منكم، فأجرُه على الله، ومن أصابَ من ذلكَ شيئًا، فعوقبَ به (١) في الدنيا، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصابَ من ذلكَ شيئًا، ثم سَتَرَهُ اللهُ، فهو إلى الله، إن شاءَ عَفَا عنه (٢)، وإن شاءَ عاقَبَهُ\"، فبايعناه على ذلك (٣).\nوقال ابنُ عمر - رضي الله تعالى عنهما -: كنا معشرَ أصحابِ رسول الله - ﷺ - لا نشكُّ في قاتلِ المؤمنِ، وآكلِ مالِ اليتيم، وشاهدِ الزورِ، وقاطعِ الرحم، حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فأمسكنا عن الشهادة (٤)، يعني: الشهادة لهم بالنار.\nوثالثها: دلالةُ الإجماعِ في نظائِرها على جوازِ التوبة منها؛ كالفرارِ من الزحف، والتعدِّي في المواريث.\nقال الله سبحانه في الفرار من الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال: ١٦].\n_________\n= ٢٣٢ - ٢٣٣). ورواه مسلم (٩٣)، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دَخل الجنة، نحوه.\n(١) \"به\": ليست في \"أ\".\n(٢) في \"أ\": \"غفر\".\n(٣) رواه البخاري (١٨)، كتاب: الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار، ومسلم (١٧٠٩)، كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها.\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":465},{"text":"وقال تعالى في المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].\nفقد توعَّدَ الموليَّ يومَ الزحف بأَنَّ مأواهُ جهنمُ، والمتعديَ في حدوده بالخلود في النار.\nوقد أجمعَ المسلمون على قَبول توبتِهم، فوجبَ بهذهِ الأدلَّةِ القضاءُ بآية المغفرةِ على آية العذاب.\nقال قريشُ بنُ أَنسٍ: كنتُ عندَ عَمُرِو بْنِ عُبَيْدٍ في بيته، فأنشأَ يقولُ: يؤتى بي يومَ القيامة، فأُقامُ بين يَدَي الله، فيقول: قلت: إن القاتلَ في النارِ، فأقول: أنتَ قلتَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، حتى فرغ منها، فقلتُ له -وما في البيت أصغرُ مني-: أرأيتَ إن قالَ لكَ: فإني قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] من أين علمتَ أني لا أشاءُ أن أغفرَ لهذا؟ قال: فما استطاعَ أن يردَّ عليَّ شيئًا (١).\nوأما ما روي عن ابن عباسٍ وغيرهِ من السَّلَفِ -رضي الله تعالى عنهم - من قولهم: لا توبةَ للقاتلِ، فمحمولٌ على التغليظِ وتنفيرِ الناس من هذِه الكبيِرةُ؛ فإن الأولى لأهل الفَتْوى سلوكَ سبيلِ التغليظِ، ولا سيَّما في القتل.\nيدلُّ على ذلك ما روي: أن سفيانَ بنَ عُيَيْنةَ سُئِلَ عن توبةِ القاتل،\n_________\n(١) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٤/ ١٣٤٧)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وابن قتيبة في \"تأويل مختلف الحديث\" (١/ ٨٣)، والبيهقي في \"البعث والنشور\" (١/ ٤٦)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٨٢).","vol":"2","page":466},{"text":"فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وإذا ابتليَ الرجل، قالوا له: تُبْ (١).\nوما روي عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أن رجلًا سأله: ألقاتلِ المؤمنِ توبةٌ؟ فقال: لا، وسألهُ آخَرُ: ألقاتلِ المؤمن توبة؟ قال: نعم، فقيل له: قلت لذلك توبة، ولذلك لا توبةَ له، قال: جاءني ذلك، ولم يكنْ قتلَ، فقلت له: لا توبة لك؛ لكيلا يقتل، وجاءني هذا، وقد قَتلَ، فقلت له (٢): لكَ توبةٌ؛ لكيلا يلقيَ بيدهِ إلى التهلكة (٣).\nوروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -: أنه قال: دعا اللهُ -جَلَّ ذكرُه- إلى المغفرةِ مَنْ زعَمَ أَنَّ عُزَيْرًا ابنُ الله، ومن زعمَ أنَّ الله فقيرٌ، ومن زعم أن يدَ الله مغلولةٌ، ومن زعم أن اللهَ ثالثُ ثلاثة، يقول الله سبحانه لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]؟ قال: وقد دعا إلى توبةِ مَنْ هو أعظمُ جُرْمًا من هؤلاء، مَنْ قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأَعْلى، ومَنْ قال: ما علمتُ لكمْ من إله غيري، قال: ومن أيَّسَ العِبادَ مِن التوبةِ، فقد جَحَدَ كِتابَ الله، ومن تابَ إلى الله، تابَ الله\n_________\n(١) في \"أ\": \"قالوا: له توبة\". والأثر رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٦).\n(٢) \"له \"ليس في \"أ\".\n(٣) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ٣٤٣): رواه الواحدي في \"تفسيره الوسيط\" من طريق إسحاق بن راهويه، ثنا أبو داود الحفري، ثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عطاء، عن ابن عباس.\nوروى نحوه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٧٥٣)، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ \" (ص: ١٣٧). قال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٨٧): رواه ابن أبي شيبة ورجاله ثقات.","vol":"2","page":467},{"text":"عليه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ (١) [التوبة: ١١٨].\nقال ابنُ عباسٍ: فكما لا ينفعُ مع الشركِ إحسانٌ، كذلكَ نرجو أن اللهَ يغفرُ ذنوب المُوَحِّدين (٢).\nفإن قالَ قائل: فقد رويتُم النسخَ بآيةِ القتل (٣) لآية الفرقانِ (٤) عن ابنِ عباسٍ وزيدِ بن ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم (٥).\nقلنا: أما قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، فمحمولٌ على أن الغليظة نسخت من اللينة، ليَّنَها الهنيء (٦) الذي لا نَكَدَ (٧) فيه، وأما حكمُها فلم تنسخه.\nوأما ابنُ عباس، فلم يقلْ بالنسخِ، وإنما حَمَل آيةَ الفرقانِ على المشركين، وحمل آيةَ النساءِ على المؤمنِ الذي التزمَ أحكامَ المؤمنين.\nوأما روايةُ سعيدِ بنِ جبير عن ابن عباس: أن هذه مكيةٌ، وتلكَ مدنيةٌ نسختها (٨).\n_________\n(١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣١٥) وعزاه إلى ابن جرير وابن المنذر.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ١٣٠). وانظر: \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ١٤٠)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٥٣٤).\n(٣) أية القتل هي: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\n(٤) آية الفرقان هي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) \"الهنيء\": ليست في \"أ\".\n(٧) \"نكد\": ليست في \"أ\".\n(٨) رواه البخاري (٤٤٨٤)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الفرقان، ومسلم =","vol":"2","page":468},{"text":"فلعل قوله: نسختها، زيادةٌ من بعضِ الرواةِ عن ابن جبيرٍ.\nفالمشهورُ من روايةِ ابن جُبيرٍ ما ذكره البخاريُّ في \"جامعه\" عن ابن جُبَيرٍ قال: آية اختلفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحلتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُه عنها، فقال: نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، هي آخر ما نزلَ، فما نسخَها شيء (١).\nوهذا ينفي أن تكونَ منسوخةً، ولا يثبتُ أن تكونَ ناسخة لآية الفرقان.\nوهو وإن صحَّ عنه، فليس على توقيفه عن النبي - ﷺ - دليلٌ، وإنما قالهُ ابنُ عباسٍ باجتهادِه، واستدلَّ بتأخُّرِ نزولِ آية النساء، وقد قامتِ الأدلةُ التي قدمتُها عندَ غيره على إحكام الآيتين، وأنه (٢) لا معارضة بينهما.\nوأنكر مَكَيُّ بنُ أبي طالب إمكانَ النسخِ في الآيتين؛ لأنهما خبرٌ من الله سبحانه عن حكمِه، وحكمُهُ يستحيلُ فيه النسخُ؛ لإفضائه إلى الكذبِ (٣).\nوهذا غَفْلَة منه؛ فإن الآيتين لَفْظُهُما لفظُ الخَبَرِ، ومعناهُما الحُكْمُ الذي يجوزُ وقوعُه على وجهينِ من التخليدِ وعدمِ التخليدِ، وكلُّ ما جازَ وقوعُهُ على وجهين، جاز الحكمُ بنسخِه، ولأنه لو كانَ الأمرُ على ما ذكر، لما جازَ\n_________\n= (٣٠٢٣)، كتاب: التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. رواه البخاري (٤٣١٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، ومسلم (٣٠٢٣)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٥)، وغيرهما، وهذا لفظ البيهقي.\n(٢) في \"أ\": \"وأن\".\n(٣) انظر: \"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ١٥٨)، و\"إرشاد الفحول\" للشوكاني (١/ ٣١٥).","vol":"2","page":469},{"text":"الغفرانُ عن الفرارِ من الزحفِ وأمثالهِ إذا لم يتبْ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ من أهل السُّنَّة.\nوجميعُ ما مضى في حكم اللهِ سبحانه في الدارِ الآخرة، وأما أحكامُ الله عليه في دارِ الدنيا، فإنه يجبُ عليهِ القصاصُ.\n* وهل تجبُ عليه الديةُ مع القصاص، أو لا تجب إلا برضاه واختياره؟\nفيه خلافٌ سبقَ ذكرُه في سورة البقرة.\n* ومتى وجبتْ عليه الديةُ، وجبت عليهِ حالَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، ولا تحملُ العاقلة منها شيئًا (١).\n* واختلفوا في وجوبِ الكَفَّارةِ عليه، وقد مضى ذكرُ ذلك.\n* إذا تقرَّرَ هذا، فقد قسمَ اللهُ سبحانه القَتْلَ إلى خَطَأٍ وعَمْدٍ، وذلكَ إجماعٌ.\n* واختلفَ أهلُ العلمِ هل بينَ العَمْدِ والخَطَأِ وَسَطٌ، أو لا؟\n- فذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ إلى أن بينَهما وسَطًا يُسَمَّى شِبْهَ العَمْدِ، فلم يوجبوا فيه القِصاص (٢).\n- وذهبَ مالكٌ والليثُ إلى أنه لا واسطةَ بينَ القصدِ إلى القتلِ وعدمِ القصد، كما لا واسطةَ بينَ القيامِ والقُعودِ، فأوجبَ فيه القصاص (٣).\n_________\n(١) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٢٤) و\"الأم\" للشافعي (٦/ ١١٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٣٢١)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٩٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦٠٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٦).\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٦/ ٣٠٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٦٤).","vol":"2","page":470},{"text":"واحتجَّ الجمهورُ بأن عمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، وزيدَ بن ثَابِتٍ -رضي الله تعالى عنهم -، وأبا موسى، والمغيرةَ بنَ شعبةَ -رضي الله تعالى عنهم - قالوا بإثبات ذلك، ولم يخالفْهُم منَ الصحابةِ أحدٌ، فكان إجماعًا فيه، أو كالإجماعِ (١).\nومما رويَ أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"ألا إنَّ في قتيل الخطأ بالسَّوْطِ والعَصا مِئةً من الإبل مُغَلَّظَةً، منها أربعونَ خَلِفَةً\" (٢)، إلا أنه حديثٌ مضطربٌ عندَ أهلِ\n_________\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٨٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٦٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٩٧).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٩)، كتاب: الديات، باب: في دية الخطأ شبه العمد، والنسائي (٤٧٩٩)، كتاب: القسامة، باب: من قتل بحجر أو سوط -ذكر الاختلاف على خالد الحذاء-، وابن ماجه (٢٦٢٨)، كتاب: الديات، باب: دية شبه العمد مغلظة، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٤٥)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٣٤٥)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٠/ ٤٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٠٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤٤)، عن عبد الله بن عمر.\nوينظر ما قيل في اضطراب الحديث، وأن الصحيح فيه هو ما جاء عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، لا عن عبد الله بن عمرو بن العاص: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ١٨٩)، و\"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (١/ ٤٦١ - ٤٦٢)، و\"موضح أوهام الجمع والتفريق\" للخطيب البغدادي (٢/ ٢٤١)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٨/ ٤٥ - ٤٦)، و\"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" لابن حجر (٢/ ٢٦١)، خَلِفَة: الخَلِفَة: الناقة الحامل وجمعها خَلِفٌ، بكسر اللام. وقيل: جمعُها مخاضٌ على غير قياس، كما قالوا لواحدة النساء امرأة، وقيل: هي التي استكملت سنة بعد النتاج ثم حمل عليها فلقحت؛ وقال ابن الأعرابي: إذا استبان حملها فهي خَلِفَةٌ حتى تُعشر \"اللسان\" (مادة حلف) (٩/ ٩٤).","vol":"2","page":471},{"text":"الحديث، لا يثبتُ من جهةِ الإسناد، وإن كان أبو داودَ قد خرجه، قاله ابنُ عبدِ البَرِّ (١).\nواحتجَّ الجمهورُ من طريقِ النظرِ بأنَ العَمْدَ هو القَصْدُ، والنيةُ لا يطَّلعُ عليها إلا اللهُ تعالى، وإنما الحكمُ بما ظهرَ.\n* فمن قصدَ ضرب أحدٍ بآلةٍ تَقْتلُ غالِبًا، كان عامِدًا، ومن قَصَدَ ضربَ رجلٍ بعينه بآلةٍ لا تقتلُ غالبًا، كانَ حكمُه مترددًا بينَ العمدِ والخطأ في حَقِّنا، لا في حقيقةِ الأمر عند الله سبحانه.\n* ثم اختلفَ الذين قالوا به في حقيقته.\nفقال أبو حنيفة: كلُّ ما عدا الحديدِ من القصبِ والنارِ والحجرِ، فهو شبهُ العمد (٢).\nوقال أبو يوسفَ: شبهُ العَمْدِ ما لا يَقْتلُ مثلُه (٣).\nوقال الشافعيُّ: هو ما كان عَمْدًا في الفِعْل، خَطَأً في القتلِ، أي: لم يقصدْ به القتلَ، فتولد عنه القتلُ، والخطأُ ما كان خَطَأً فيهما، والعَمْدُ ما كانَ عَمْدًا فيهما (٤).\nوهذا تحقيقٌ حسن، فالحنفيةُ نظروا إلى الآلةِ التي حَصلَ بها القتلُ، والشافعيُّ نظرَ إلى الآلةِ والأحوالِ التي كانَ من أجِلها القتلُ، ولكُلٍّ متمسَّكٌ\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٤٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٠).\n(٣) وهو قول محمد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٠٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٦٦).\n(٤) وهو قول أحمد. انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٤٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢١٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ١٦٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٦).","vol":"2","page":472},{"text":"من الحديثِ والقياس، وموضعُهُ كتبُ الفقه والخلاف.\n* * *\n\n٩٢ - (٣٤) قوله جَلَّ ثنَاؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤]\n* أمرَ اللهُ سبحاَنُه الغُزاة في سبيلهِ أَنْ يَتبَيَّنوا، أي: يتأنَّوا، ويتعرَّفوا، قال الأعشى: [البحر المتقارب]\nتَبَيَّنَ ثُمَّ لرْعَوَى أو قَدِمْ (١)\n* وبين النبيُّ - ﷺ - صفةَ التبيُّنِ بفِعْله وقولِه، فكان إذا غزا قومًا، فإنْ سمعَ أَذانًا، كَفَّ عنهم، وإن لم يسمعْ، أغارَ عليهم (٢).\nوروي أنهُ - ﷺ - كانَ إذا بعثَ سَرِيِّةً قال: \"إذا رأيْتُمْ مَسجِدًا، أو سمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا، فلا تَقْتُلوا أحدًا\" (٣).\n_________\n(١) انظر \"ديوانه\": (ق ٣/ ٧٥)، ورواية البيت في الديوان:\nكما رَاشدًا تَجدن امرأً ... تبَيَّنَ ثم انتهى أو قَدِمْ\n(٢) رواه البخاري (٥٨٥)، كتاب: الأذان، باب: ما يحقن بالأذان من الدماء، عن أنس بن مالك.\n(٣) رواه أبو داود (٢٦٣٥)، كتاب: الجهاد، باب: في دعاء المشركين، والترمذي (١٥٤٩)، كتاب السير، باب: ما جاء في الدعوة قبل القتال وقال: غريب، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٨٣١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٤٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٠٧٧)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٣٨٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٠٨)، عن عصام المزني.\nقال الحافظ ابن رجب في \"فتح الباري \" له (٣/ ٤٤١): قال علي بن المديني:=","vol":"2","page":473},{"text":"فمتى رأى الغزاةُ شِعارَ الإسلامِ في حيٍّ أو بلدٍ، وجبَ عليهمُ الكَفُّ عنهم؛ كما فعل رسول الله - ﷺ -.\n* ثم بين صِفَةَ التبيُّنِ في الذين لم تبلغْهُمُ الدعوةُ، أو بلغتْهُم ولم يَبْلُغْهم إنزالُ الحَرْبِ بهم، فكانَ إذا بعثَ سرية قال لأميرها: \"إذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المُشركين، فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خصال - أو: خِلالِ - فأيتهنَّ أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ادْعُهُم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحَوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجرين، وأَعْلِمْهم أنهم إن فَعَلوا ذلكَ أَنَّ لهم ما لِلْمُهاجِرين، وأَنَّ عليهم ما على المُهاجرين، فإنْ أَبَوا، واختاروا دارَهم، فأعلمْهم أنهم يكونونَ كأعرابِ المُسلمين، يجري عليهم حكمُ الله الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغَنيمَةِ نصيبٌ، إِلَّا أن يُجاهِدوا مع المُسلمين، فإن هُمْ أَبَوا، فادْعُهُم إلى إعطاءِ الجِزْيَةِ، فإنْ همْ أَجابُوا، فاقبلْ منهمْ، وكُفَّ عنهم، وإن أَبَوا، فاسْتَعِنْ باللهِ، وقاتِلْهم\" (١).\nفمتى وقع الغزاةُ إلى قومٍ لم تبلغْهُم الدعوةُ، فعلوا بهم ما أمرَ النبيُّ - ﷺ -.\n* فإن قال قائل: فقد ثبتَ أنه - ﷺ - كان يُبَّيتُ العدوّ (٢) على بني المُصْطَلِقِ وهمْ غازُّون (٣).\n_________\n= إسناد مجهول، وابن عصام لا يعرف، ولا ينسب أبوه.\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) روى البخاري (٢٧٨٥)، كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة، عن أنس بن مالك -﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - خرج إلى خيبر، فجاءها ليلًا، وكان إذا جاء قومًا بليل لا يغير عليهم حتى يصبح ... \" الحديث.\n(٣) رواه البخاري (٢٤٠٣)، كتاب: العتق، باب: من ملك من العرب رقيقًا، فوهب=","vol":"2","page":474},{"text":"قلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ على ثلاثةِ مذاهبَ.\n- منهم من ذهبَ إلى الجَمْعِ، وهمُ الجمهورُ، فحملَ أمر النبيِّ - ﷺ - بالدعاءِ لهم إلى الثلاث الخِصال على الاستحباب، وحَمَلَ فعلَه على الجواز، والحكمُ عندَهُ أنه لا يَجِبُ تكرارُ الدعوةِ إلى المشركين بعدَ بلوغِها إليهم، ولكنها تستحبُّ (١).\n- ومنهم من ذهبَ إلى التعارضِ، فذهب جمهورُهم إلى النسخ، فقال: إنَّ فِعْلَهُ ناسخٌ لقوله، وإن ذلك إنما كانَ في أولِ الإسلامِ قبلَ أن تنتشر الدعوةُ، والحكمُ عندهم: أنه لا يجبُ تكرارُ الدعوةِ، ولا يستحبُّ.\n- وذهبَ بعضُهم إلى الترجيح، فرجَّحَ قولَه على فعلهِ - ﷺ -، فأوجبَ تكرارَ الدعوة (٢).\nولو جُمعَ بين الحديثين بان قولَه في الذين لم يتحققْ منهمُ العِناد، وفِعْلَهُ في الذين قد علمَ منهم مَحْضَ العِناد، لكان أولى وأحسن (٣)، ولم أقفْ عليه لأحدٍ (٤).\n_________\n= وباع وجامع وفدى وسبى الذرية، ومسلم (١٧٣٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، عن نافع، عن ابن عمر.\nوالغازُّ: هو الغافل. \"اللسان\" (مادة غرر) (٥/ ١٣).\n(١) وبه قال نافع والحسن والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وصححه النووي. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٣٦).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٣٦).\n(٣) وأحسن\": ليس في \"أ\".\n(٤) قلت: قد قال الإمام ابن عبد البر بمثل هذا القول. انظر: \"التمهيد\" له (٢/ ٢١٦).","vol":"2","page":475},{"text":"* وحرم الله سبحانه قتلَ الرجلِ إذا أظهرَ الإسلامَ، وان غلَب على الظَّنِّ أنه فَعَلَهُ تَقِيّهً، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].\nوسببُ نزولها ما رواهُ البخاريُّ عن عطاءٍ عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رجلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فلحقه المُسلمون، فقال: السلامُ عليكم، فقتلوهُ، وأخذوا غُنَيْمَتهُ، فأنزل اللهُ ﷿ إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٩٤)﴾ (١) [النساء: ٩٤].\nوقال ابنُ عباسٍ أيضًا - في رواية أبي صالح: - نزلت هذه في رجلٍ من بني مُرَّةَ بنِ عوف، يقال له: مِرْداسُ بنُ نَهيك، وكانَ من أهلِ فَدَكَ، وكان مُسْلمًا لم يُسْلِمْ من قومِه غيرُه، فسمعوا بِسَريَّةٍ لرسولِ الله - ﷺ - تريدُهم، وكانَ على السريةِ رجلٌ يقالُ له: غالبُ بنُ فَضالةَ الليثيُّ، فهربوا، وأقامَ الرجلُ؛ لأنه كانَ على دين المسلمين، فلما رأى الخيلَ، خاف أن يكونوا من غيرِ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، فألجأَ غَنَمَهُ إلى عاقولٍ (٢) من الجبلِ، وصَعِد هو إلى الجبل، فلما تلاحقتِ الخيلُ، سمعهم يكبِّرون، فلما سمعَ التكبيرَ، عرفَ أنهم من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، كَبَّرَ ونزلَ وهو يقولُ: لا إلَه إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فتغشَّاهُ أسامةُ بنُ زيدٍ فقتله، واستاقَ غَنَمَهُ، ثم رَجَعوا إلى رسولِ الله - ﷺ -، فأخبروه، فَوَجَدَ رسولُ الله - ﷺ - من ذلك وَجْدًا شديدًا، وقد كانَ سبقَهم قبل ذلك الخبرُ، فقال رسولُ - ﷺ -: \"قَتَلْتُموهُ إرادَةَ ما مَعَهُ! \"، ثم قرأ هذه الآيةَ على\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣١٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ \"، ومسلم (٣٠٢٥)، كتاب: التفسير.\n(٢) عاقول: ما التبس من الأمور، وأرض عاقول: لا يُهتدى لها. \"اللسان\"، (مادة عقل) (١١/ ٤٦٣).","vol":"2","page":476},{"text":"أسامةَ بنِ زيدٍ، فقال: يا رسول الله! استغفر لي، فقال: \"فكيفَ بلا إلهَ إلا اللهُ؟ \"، فقالها رسول الله - ﷺ - ثلاثَ مراتٍ، فقال أسامةُ: فما زال رسولُ الله - ﷺ - يعيدُها حتى وَدِدْتُ أني (١) لمْ أكنْ أسلمتُ إلا يَوْمَئِذٍ، ثم إن رسولَ الله - ﷺ - استغفرَ لي بعدُ ثلاثَ مراتٍ، وقالَ: \"أَعْتِقْ رَقَتة\" (٢).\nوروى أبو ظبيانَ عن أسامةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! إنما قالها خوفًا منَ السلاح، قال: \"أَفَلا شَقَقْتَ عن قلبِه حتى تعلَم أَقالها أم لا؟ \" (٣).\nوالسَّلاَمُ والسَّلَمُ بمعنى، وهو تحيةُ الإسلام.\nفإن قيل: فما حكمُ القاتلِ اليومَ إذا فعلَ مثل هذا؟.\nقلنا: يقتلُ قِصاصًا.\nفإن قيل: فلمَ لمْ يقتلِ النبيُّ - ﷺ - أسامةَ بنَ زيدٍ وغيرَهُ؟\nقلنا: إنما قتلَهُ أسامةُ متأوِّلًا، فظنَّ أنهُ قالَها تَقيَّةً، وكانَ هذا التأويلُ منه في صَدْرِ الإسلامِ، قبل أن تَسْتَقِرَّ الشريعةُ وتنتشرَ (٤).\n* * *\n_________\n(١) في \"أ\": \"أن\".\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٢٤)، عن السدي، بنقص يسير.\nورواه الثعلبي في \"التفسير\" (٣/ ٣٦٧) من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس بلفظ قريب. قال الحافظ ابن حجر في \"العجاب في بيان الأسباب\" (١/ ٢٣٧): رواه الكلبي عن أبي صالح، والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب.\n(٣) رواه مسلم (٩٦)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٢٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٨).","vol":"2","page":477},{"text":"٩٣ - (٣٥) قولُه ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥].\n* فيها دليلٌ على أن الجهادَ يسقطُ عن أولي الضررِ، معَ بقاءِ فضل المُجاهدين لهم إذا نَوَوُا الجِهاد لو كانوا سالِمين من الضرَرِ (١).\n* وفيها دليل على أن الجِهاد لا يجبُ على جميعِ أعيان المُسلمين (٢)؛ إذ قدْ (٣) وعدَ اللهُ القاعدين بالحُسْنى كما وعدَ المجاهدين (٤) (٥).\n* * *\n\n٩٤ - (٣٦) قولُه عَزَّ جَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨].\nقد تقدَّم الكلُام على حكمِهما في الهِجْرَةِ.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣١٥)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٦٧).\n(٢) أما في حالة النفير العام إن نزل العدو بأرض الإسلام فهو حينئذ فرض عين. انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (١/ ٢٨٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٤/ ١٩١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٣٨).\n(٣) \"قد\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للشافعي (٢/ ٣٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٧٧)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٣٧٠)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٧٧).\n(٥) للإمام ابن القيم ﵀ تفصيل وتقسيم حسن في هذه المسألة، حيث قال: جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، ثم شرع بتفصيل كل نوع من هذه الأنواع وبيان حكمه. انظر: \"زاد المعاد\" لابن القيم (٣/ ٧١ - ٧٥).","vol":"2","page":478},{"text":"تيسير البيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nالإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي\nالمشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى -\n\nبعناية\nعبد المعين الحرش\n\n[المجلد الثالث]","vol":"3","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ\n[٣]","vol":"3","page":3},{"text":"جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة\nالطَّبْعَةُ الأُولَى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n\nردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨:  ISBN\n\nدَارُ النَّوادِرِ\nسورية - لبنان - الكويت\nمُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت\nسورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)\nلبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nالكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦\nهَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)\nwww.daralnawader.com\ninto@daralnawader.com\nأسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>(من أحكام الصلاة)</span>\n٩٦ - ٩٥ (٣٧ - ٣٨) قولُه ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١]\n* رحمَ اللهُ سبحانه عبادَه المؤمنين، فرفعَ عنهم الجُناح في تركِ إتمامِ الصلاةِ، فرخَّصَ لهم في قَصْرِها في السَّفَرِ إذا كانوا خائفين، فقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١].\nوبين النبيُّ - ﷺ - ذلك كما شرعَهُ الله، فقصَرَ في السفرِ في الخوفِ، وهذا إجماعٌ من المسلمين.\n* واختلف الناسُ في شَرْطِ الخَوْفِ، هل جيءَ به للتعليقِ، أو للتغليب.\nفاخذ قومٌ بظاهرِه، واعتقدوهُ للتغليبِ؟\nواختلفتْ بهم الطرقُ.\n- فذهب عطاءٌ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، ومجاهدٌ، والضَّحّاكُ، وإسحاقُ","vol":"3","page":5},{"text":"إلى أنه يجوزُ القَصْرُ في السفرِ في الخَوْفِ إلى رَكْعَةٍ، وأما رَكْعَتا المسافرِ فليستا مَقْصورَتين، بل هيَ أصلُ فريضةِ السفر (١).\nويروى هذا القولُ عن جابرٍ، وكعبٍ، وابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهم (٢) -، وفعلهُ حُذيفةُ بِطَبَرِسْتانَ، وهي صلاة رسولِ الله - ﷺ - بذي قَرَدٍ كما سيأتي.\nفإن صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قَصَرَ الصلاةَ في السفرِ في الخوف إلى ركعة، فهو مذهبٌ قويٌّ نذهبهُ ونختارُه (٣)، وإن لم يثبتْ عنه - ﷺ -، فهو مردودٌ؛ لأنه لا بُدَّ أن يكونَ للنبيَّ مع كتاب الله سُنَّة تبينُه كما فرضَ الله تعالى ذلك عليه.\nويدلُّ له ما خرَّجَهُ مسلمٌ عن بكيرِ بنِ الأخنسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: فرضَ اللهُ تعالى الصلاةَ على لسانِ نبيكم في الحَضَرِ أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف رَكْعَة (٤).\nوتأويله بعيدٌ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٥٧٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٧١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ١٩٧).\n(٢) وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٤٩)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٥٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٤/ ٢٧١)، (٥/ ٣٤).\n(٣) وإليه ذهب ابن حزم ودافع عنه. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٤/ ٢٧١).\n(٤) رواه مسلم (٦٨٧)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها.\n(٥) قال النووي في تأويل الحديث: معناه: ركعة مع الإمام وينفرد المأموم بأخرى، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة. انظر \"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٤٠٤).","vol":"3","page":6},{"text":"لكن قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: بُكَيْرُ بنُ الأخنس ليس بحجَّةٍ فيما يتفردُ بهِ (١).\nوحكيَ عن ابنِ عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّ المراد بالقَصْر هو الإيماءُ عندَ الخوفِ راكبًا (٢).\n- وذهب قومٌ إلى أنه شرطٌ للتعليقِ بالحكم الذي بعدَهُ، فهو ابتداءُ كلامٍ مُتَّصِلٍ بما بعدَهُ، منقطعٍ عما قبله (٣).\nوروي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاة (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١] هذا القَدْرُ، ثم بعدَ حَوْلٍ سألوا رسولَ الله - ﷺ - عن صلاةِ الخَوْفِ فنزل (٤): ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٥/ ٢٧٣) لكن قال الذهبي: لم أر أحدًا تكلم فيه بضعف، وقد وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي بقولهم: ثقة، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\". انظر: \"ميزان الاعتدال\" له (٨/ ٦٥).\n(٢) ورجح الطبري هذا القول. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٤٩). وانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٣٥).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٦٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٣٥٣).\n(٤) جاء على هامش \"ب\": \" ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، لا تنزلوا متفرقة، كما قال الشافعي، فتنظر في كتب بيان عدد الآي، لكن الذي رأيته في كتاب الإمام أبي عمرو الداني في آي القرآن أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى ﴿مُهِينًا﴾ آية واحدة، ولم يذكر فيه خلافًا، فإن صح تأخر إنزال (إن خفتم) فهو إلحاق شرط لا أنه آية أخرى، ولم يختلف أهل العدد فيما نعلم أنه آية واحدة، فيكون التقدير: أنه نزل قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ ثم نزل قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهو للتغليب لا للتعليق، أو يقال: بأن من رأى تأخره لم يعلم به إلا بعد سنة، والله أعلم\".","vol":"3","page":7},{"text":"يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) [النساء:١٠٢].\nوروي مثلُه عن عليِّ بنِ أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: نزل قولُه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ بعدَ قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء:١٠١] بسنةٍ في غزوةِ بني أسَد حينَ صلَّى رسولُ الله - ﷺ - الظهر، قال بعضهم: هَلًا شددتُم عليهم، وقد أمكنوكُم من ظُهورهم، فقالوا: بعدَها صلاةٌ هي أَحَبُّ إليهم من آبائِهم وأولادِهم، فنزل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢) (٣) [النساء:١٠١ - ١٠٢].\nوروي نحوهُ عَن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - أيضًا (٤).\n- وذهب الجمهورُ من الصحابةِ وغيرِهم -رضيَ الله تعالى عنهم- إلى أن الشرطَ للتغليبِ، خرجَ على غالبِ الوجود، وأن المرادَ بالقصرِ التشطيرُ؛ فإن أسفارَ النبيِّ - ﷺ - وأصحابِه المواجَهين بالخطاب لا تنفكُّ عن الخوف\n_________\n(١) هكذا ذكره البغوي في \"تفسيره\" (١/ ٤٧٢) عن أبي أيوب، لكن رواه الطبري في \"التفسير\" (٥/ ٢٤٤) عن أبي أيوب عن علي. قال ابن كثير: هذا سياق غريب جدًا ولكن لبعضه شاهد. انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٤٩).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٤٤).\n(٣) ذكر هذا الأثر القرطبي بلفظ قريب وعزاه لابن رشد في \"مقدمته\" وابن عطية في \"تفسيره\"، وذكره الزمخشري وأبو حيان ولم يذكرا راويه.\nقلت: ولبعضه شواهد كما قال الزيلعي: رواه الطبري عن ابن عباس، وفي مسلم بعضه عن جابر، والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. انظر: \"الكشاف للزمخشري\" (١/ ٦٤٨)، و\"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (١/ ٣٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٦٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٣٥٣).\n(٤) رواه الطبري في \"التفسير\" (٥/ ٢٥٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٣٢٣).","vol":"3","page":8},{"text":"غالبًا، ويدل على ذلكَ بيانُ النبيِّ - ﷺ - بقوله، أنَّ الشرطَ ليسَ للاعتبارِ والتعليق.\nقال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ: قلتُ لعمرَ بنِ الخَطَّاب - رضي الله تعالى عنه -: إنما قالَ الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]، فقد أمنَ الناسُ، فقالَ عمرُ: عجبتُ من الذي عجبتَ منه، وسألتُ النبيَّ - ﷺ -، فقال: \"صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكُمْ، فاقْبَلُوا صَدَقَتهُ\" (١).\nوقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: سافرنا معَ رسولِ الله - ﷺ - بينَ مكةَ والمدينة آمنينَ لا نخافُ إلا اللهَ تعالى، نُصَلِّي ركعتين (٢)\nورفعُ الجُناح عن المُصَلِّي إذا قَصَرَ الصلاةَ يدلُّ على جواز القصرِ، ولا يدلُّ على وجوبه، لأن رفعَ الجُناح موضوعٌ لإباحة الشيء، لا لوجوبه.\n* وقد اختلفَ الفقهاءُ في القصر، هل هو رخصة، أو عزيمة؟\n\n١ - فقال الشافعيُّ: هو رخصةٌ، إما على تقدير أنها رخصةٌ جائزةٌ، أو مستحبةٌ؛ كما هو المشهورُ عند أصحابه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى (٣) -.\nواستدلَّ بظاهرِ اللفظِ في الآيةِ، وبحديثِ يَعْلَى بنِ أميةَ، وبقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: كُلَّ ذلكَ قدْ فعلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، أتمَّ في السفر،\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٨٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها.\n(٢) رواه النسائي (١٤٣٦)، كتاب: تقصير الصلاة في السفر، في أوله، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٦٢)، دون قوله: \"آمنين\".\n(٣) وهو قول أحمد. انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ١٧٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦١٥).","vol":"3","page":9},{"text":"وقصرَ (١)، وبإتمامِ عثمانَ وعائشةَ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -، وبما ثبتَ أنَّ الصحابةَ -رضي الله تعالى عنهم - كانوا يسافرونَ مع رسولِ الله - ﷺ -، فمنهم القاصرُ، ومنهمُ المُتِمُّ، ومنهمُ الصائِمُ، ومنهُمُ المُفْطِرُ، لا يَعيبُ بعضُهم على بعض (٣).\n\n٢ - وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنهُ عزيمةٌ (٤).\nواستدلّوا بما رواهُ الزهريُّ عن عُروةَ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: أَوَّلَ ما فُرِضَتِ الصَلاُة رَكْعَتينِ رَكْعَتين، فزيدَ في صلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفر (٥).\nوبما روى عِمرانُ بنُ الحُصَينِ -رضي الله تعالى عنه- قال: حَجَجْتُ مع رسولِ الله - ﷺ -، فكان يصلَّي رَكْعتين، وسافرتُ مع أبي بكرٍ - رضي الله تعالى عنه -، فكانَ يصلَّي ركعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عُمَر -رضي الله تعالى عنه-، فكان يصلَّي رَكعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عثمانَ -رضي الله تعالى عنه-، فكان يصلِّي رَكعتين ستَّ سنين، ثم أتمَّ بنا (٦).\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"اختلاف الحديث\" (ص ٢٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤١).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٥٢).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٢٣٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٩١).\n(٥) رواه النسائي (٤٥٤)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة؟، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٥٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٩٩٢)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٤٤٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤٣)، وهذا اللفظ البيهقي. ورواه البخاري (١٠٤٠)، ومسلم (٦٨٥) نحوه.\n(٦) رواه الترمذي (٥٤٥)، كتاب: أبواب العيدين، باب: ما جاء في التقصير في =","vol":"3","page":10},{"text":"وأجابوا عن إتمامِ عُثمان، بأن ابنَ مسعودٍ عابَهُ على عثمانَ.\nوعن إتمامِ عائشةَ، بأنَّ الزهريَّ قال لعروةَ لمّا روى له الحديثَ السابق: وما شأنُ عائشةَ كانت تُتِمُّ؟ قال: إنها تأولت ما تأولَ عثمان.\nوما استدلَّ به الكوفيون، فلا حجةَ فيه: أما حديثُ عمرانَ، فليس فيه أكثرُ من فعلِ النبيِّ - ﷺ -، فإن كانَ بيانًا للقرآنِ، وهو الظاهرُ، فهو بيانٌ لما ظهرَ فيه قصدُ الإباحةِ والرخصةِ، فإن كانَ ابتداءَ حُكمٍ، وهو خلافُ الظاهرِ، فالفعلُ بمجربٍ لا يدلُّ على الوجوب.\nوأما عَتْبُ ابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه -، ففيه الحجَّةُ عليهم؛ لأنه قامَ وصَلَّى بأصحابه في منزله، وأتمَّ، فقيل له: عِبْتَ الإتمامَ وأَتْمَمْتَ! فقال: الخلافُ شَرٌّ (١)، فلو كانَ القصرُ حَتْمًا، لَما أتَمَّ، ولعلَّهُ إنَّما عابَ على عُثمانَ تركَ الأخذِ بالرُّخْصَةِ (٢).\nوأما حديثُ عائشةَ، فلا دلالةَ لهم أيضًا من وجهين:\n_________\n= السفر، وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٤٣١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧١٧٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٥١٥).\nولفظ الترمذي: عن أبي نضرة قال: سئل عمران بن الحصين عن صلاة المسافر، فقال: حججت مع رسول الله - ﷺ -، فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصل ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته - أو ثماني سنين - فصل ركعتين. ورواية الإمام أحمد والطبراني نحوها إلا أنهما زادا بعده: ثم صلى بمنى أربعًا.\n(١) رواه أبو داود (١٩٦٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤٢٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤٣).\n(٢) انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (١/ ٤٩٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٣٦٥).","vol":"3","page":11},{"text":"أحدهما: أنها عملتْ بخِلافِ ما رَوَتْ، وعملُ الصَّحابيّ مقدَّم على روايتهِ عندهم (١).\nالثاني: أنها رَوَتْ - أيضًا - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَصَرَ وأَتَمَّ (٢)، فدلَّ على أن المرادَ بقولها: وأُقرَّتْ صلاةُ السفرِ لمن شاءَ القصرَ؛ بدليلِ روايتها الأخرى، ولأنه ما اجتمعَ فيه روايتُها وعملُها، كان أقوى مما اختلف فيه عملها وروايتُها.\nقال الشافعيّ: وإنما عَمِلَتْ بما رَوَتْ عن النبي - ﷺ -، ولم تعملْه تأوُّلًا كما قالَهُ عُروةُ (٣).\n\n٣ - وذهب قومٌ إلى أن القصرَ سُنَّةٌ ليسَ بِرخْصةٍ، ولا حتمًا (٤).\nوهو المشهورُ عن مالكٍ، والمشهورُ عندَ الشافعية؛ لما فيه منَ الجَمْع بين الأدلةِ، والاقتداءِ برسولِ الله - ﷺ -.\n_________\n(١) اختلف في عمل الصحابي بخلاف الحديث الذي يرويه، فذهب الشافعي في المشهور عنه: أن الأخذ بروايته دون رأيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة عكسه، وعن أحمد روايتان، وفي المسألة تفصيل فيما إذا كان عامًا أو مجملًا ... انظر: \"رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب\" للسبكي (٢/ ٤٥٠)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٥٣٥)، و\"المسودة في أصول الفقه\" لابن تيمية (ص: ١١٦)، و\"إغاثة اللهفان\" لابن القيم (١/ ٢٩٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٣/ ٤٢٣)، و\"فتح المغيث\" للسخاوي (١/ ٣٤١).\n(٢) تقدم قريبًا.\n(٣) انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (١/ ٤٩١)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٢٧).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢٤٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦١٨).","vol":"3","page":12},{"text":"٤ - وذهبتِ البغداديةُ المالكية (١) إلى أن القصرَ والإتمامَ فَرضان، فأيَّهما فَعل، فقد فَعَلَ الواجبَ؛ كالواجبِ المُخَيَّر (٢).\nونقله بعضُ المصنفين (٣) عن بعضِ الشافعيةِ، وهذا القولُ غيرُ معروفٍ عندهم، وإن كان القولُ به غير ممتنع.\n* وعلق اللهُ سبحانه القصرَ على الضربِ في الأرض، وذلك مطلقٌ غيرُ مقيدٍ.\n\n١ - فأخذَ بإطلاقه آخرون، وهم أهلُ الظاهر، فجوزوا القصرَ، في كلَّ سفرٍ، طويلًا أو قصيرًا (٤).\n\n٢ - وقيده الجمهورُ من أهل العلمِ بالمعنى الذي أُبيحَ له القصرُ، وهو المشقةُ الزائدَةُ على مشقةِ الحَضَر.\nثم اختلفوا.\n- فذهبَ ابنُ مسعودٍ، وعثمانُ، وغيرُهما -رضي الله تعالى عنهم - إلى أن المسافةَ المُبيحةَ للقَصْر هي ثلاثةُ أيام (٥)، وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ (٦).\n_________\n(١) وهم: إسماعيل بن إسحاق وأصحابه؛ كابن بكير وأبي الحسن بن المنتاب وأبي العباس الطيالسي وأبي الطيب محمد بن محمد وأبي الفرج عمرو بن محمد والأبهري، وهو مصطلح يكثر من إيراده ابن عبد البر في كتبه. انظر: \"الاستذكار\" (١/ ٢٤٩)، و\"جامع بيان العلم وفضله\" كلاهما لابن عبد البر (٢/ ٧٣).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢٢٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦١٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٠).\n(٣) يعني به ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٢/ ٢٢٥)، والله أعلم.\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٩٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢٣٨).\n(٥) انظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٢٧٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٧).\n(٦) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٢٣٥)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (٢/ ٣٥٦)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٢/ ١٤٠).","vol":"3","page":13},{"text":"- وذهبَ ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم - إلى أنها أربعةُ بُرُدٍ، وذلك يومانِ (١).\nوبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٢)، وجَمْعٌ كثير (٣)، ولأن المشقةَ المعتبرةَ توجد في ذلك غالبًا.\nومذهبُ أهلِ الظاهر قويٌّ.\nلَما رواهُ مسلمٌ عن عُمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - كان يقصُرُ في السَّبْعَةَ عَشَرَ ميلًا (٤).\n* إذا تقرَّرَ هذا، فقد رُوي عن النبَّي - ﷺ - أحاديثُ صحيحةٌ أنه جمعَ بينَ الظُّهر والعَصْرِ، والمغربِ والعِشاء في السفر.\n* فأجمعَ أهلُ العلم على جوازِ الجَمْع بينَ الظهر والعصر بعرفةَ، وبينَ المغربِ والعِشاء بمُزْدَلِفَةَ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ٥٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٧).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٢١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢١)، و\"الأم\" للشافعي (١/ ١٨٣)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٢٧٦)، و\"المغني\" لا بن قدامة (٢/ ٤٧).\n(٣) في \"ب\": \"وجماعة كثيرة\".\n(٤) رواه مسلم (٦٩٢)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها، عن جبير بن نفير، عن شرحبيل بن السمط.\nولفظه: عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر صلَّى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل.\n(٥) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٤١٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٤).","vol":"3","page":14},{"text":"واختلفوا في غيرِهما من الأمكنة.\nفجوزه الجمهورُ (١)، ومنعه أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢).\nلأن الأفعالَ يتطرقُ إليها من الاحتمالِ ما لا يتطرقُ إلى الأقوالِ.\nواحتجوا بأنَّ ابنَ مَسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: والذي لا إله غيره! ما صلَّى رسولُ الله - ﷺ - صلاةً قَطُّ إلا في وقتِهما، إلا صلاتين: جمعَ بين الظهرِ والعصرِ يومَ عرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بِجَمْعٍ (٣).\nوتمسكوا بدليل الإجماع على أنه لا يجوزُ الجَمْعُ في الحَضَرِ، واستمرَّ الحكمُ في السفر.\nوحملوا الأحاديثَ على أنه أخرها إلى آخرِ وقتها؛ بحيث يفرغ منها ثم يدخلُ وقتُ الصلاةِ التي بعدَها، بدليلِ بيانِ جبريلَ - ﵊ - في المرةِ الثانيةِ (٤).\nواستمسكوا بأنَّ الأصلَ عدمُ جوازِ الجَمْعِ إِلا بيقينٍ، وليس فيما رُوي من أفعالِه - ﷺ - على ذلك نَصٌّ لا يحتملُ التأويل.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٤١٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢٠٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٥/ ٢١٢).\n(٢) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٤٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ١٢٦).\n(٣) رواه البخاري (١٥٩٨)، كتاب: الحج، باب: متى يصلي الفجر بجمع، وصلاة الفجر بالمزدلفة، ومسلم (١٢٨٩)، كتاب: الحج، باب: استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر بالمزدلفة.\n(٤) رواه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":15},{"text":"٩٧ - (٣٩) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢].\n* لمَّا شرَّفَ اللهُ هذهِ الأمةَ وكرَّمها ورحِمَها، جمعَ لها بينَ فضيلةِ امتثالِ أمرهِ بأداءِ فرائضِه في حالِ الشدةِ والبأسِ، وبينَ استعمالِ الحذرِ فيها من عدوَّهم، فشرع لهم صلاةَ الخوفِ، وبينَها النبيُّ - ﷺ -.\n* وأجمع المسلمونَ على وجوبِ الصلاةِ في حالِ الخوفِ، وجوازِها كما شرعَ اللهُ سبحانَه في كتابه وبيَّنَ رسولُ الله - ﷺ - (١).\nإلا ما يُحْكى عن طائفةٍ من فُقهاء الشامِ من المالكيَّةِ أنه يجوزُ تأخيُرها عن وقتِ الخَوْف إلى وقتِ الأمنِ (٢)؛ كما فعلَ رسولُ الله - ﷺ - يومَ الخندق (٣).\n_________\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٢/ ٢٤٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٧)، و\" المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٠)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٣٤٩).\n(٢) انظر \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٤٠٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٧).\n(٣) هناك أحاديث كثيرة بينت كيفية صلاة رسول الله ﷺ يوم الخندق، أوضحها ما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن المشركين شغَلوا رسولَ الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصل العشاء. رواه الترمذي (١٧٩).","vol":"3","page":16},{"text":"والجمهورُ على أنه منسوخ بصلاةِ الخوف؛ لأن صلاةَ الخوفِ أولَ ما شُرِعَتْ بذاتِ الرِّقاعِ، وهي أولُ سنةِ خَمْسِ قبل خَيْبرَ، وأَنَّ خَيْبَرَ في سنةِ سَبْعٍ، هكذا ذكره النوويُّ في \"الروضة\" (١).\nوذكر البخاريُّ في \"صحيحه\": أن ذاتَ الرقاعِ بعدَ خَيْبَر (٢).\nواستدلَّ بأنَّ أبا موسى شهدَ ذاتَ الرقاعِ، ومجيئُهُ كانَ بعدَ خيبرَ، وأما يومُ الخَنْدَقِ، فكان في سنةِ أربعٍ في شَوَّال، ذكرهُ البُخاريُّ (٣) وغيره، وهو الصحيحُ (٤).\nوقيل: في سنة خَمْسٍ؛ كما قالهُ ابنُ إسحاقَ (٥).\nوأما أول ما شُرعتْ صلاةُ الخوفِ، فإن ذلك كان بِعُسْفانَ، لا بِذاتَ الرِّقاعِ، كما سيأتي في روايةِ أبي عياشٍ الزُّرقِيِّ -رضي الله تعالى عنه-.\n* وقد صلاَّها النبيُّ - ﷺ - بصفاتٍ مختلفةٍ بحسبِ اختلافِ المَواطنِ والأحوالِ، يبلغُ مجَموعها ستةَ عَشَرَ وَجْهًا، وسنبين مُعْظَمَها بذكرِ أربع صفات:\nالصفة الأولى: صلاةُ النبيِّ - ﷺ - بعُسْفانَ.\nقال أبو عياشٍ الزرقيُّ -رضي الله تعالى عنه- كنا معَ رسولِ الله - ﷺ - بعسفانَ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليد، فصلينا الظهرَ، فقال\n_________\n(١) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٢٠٧).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٥١٢).\n(٣) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٥١٢).\n(٤) وهو الذي رجحه ابن القيم وابن كثير وابن حجر. انظر: \"زاد المعاد\" لابن القيم (٣/ ٢٥٢)، و\"السيرة النبوية\" لابن كثير (ص: ١٤٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٧/ ٤١٧).\n(٥) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٤/ ١٧٠).","vol":"3","page":17},{"text":"المشركونَ: لقد أَصَبْنا غفلة، لو كُنَا حَمَلْنا عليهمْ وهم في الصلاة، فنزلتْ آيةُ القَصْرِ بين الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ صلاة العصر (١)، قام رسولُ الله - ﷺ - مستقبلَ القبلةِ، والمشركون أمَامهُ، فصفَّ خلفَ رسولِ الله - ﷺ - صَفٌ واحدٌ، وصفَ بعدَ ذلك صَفٌّ آخرُ، فركعَ رسولُ الله - ﷺ -، وركعوا جميعًا، ثم سجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخَرُ يحرس لهم، فلما صَلَّى هؤلاء السجدتين، وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا خلفَه، ثم تأخرَ الصفُّ الذي يليهِ إلى مَقامِ الآخرينَ، وتقدم الصفُّ الآخرُ إلى مَقام الصفَّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ الله - ﷺ -، وركعوا جميعًا، ثم سجدَ وسجَد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونهم، فلما جلسَ رسولُ الله - ﷺ - والصفُّ الذي يليهِ، سجدَ الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، ثم سلم بهم جميعًا (٢).\nوخرجه مسلم عن جابر بنِ عبد الله -رضي الله تعالى عنهما (٣) -.\nوروى ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما - نحوَ حديثِ جابرٍ وأبي عياشٍ، إلا أنه ليس في روايته تقدُّمُ الصف الثاني، وتأخرُ الصفِّ الأول (٤).\nوالعملُ بظاهره جائز عند الشافعية (٥).\n_________\n(١) في \"أ\": \"الصلاة\".\n(٢) رواه أبو داود (١٢٣٦)، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الخوف، والنسائي (١٥٥٠)، كتاب: صلاة الخوف، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٥٠٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٢٥٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٦).\n(٣) رواه مسلم (٨٤٠)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف.\n(٤) رواه البخاري (٩٠٢)، كتاب: صلاة الخوف، باب: يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف.\n(٥) وكذا عند الحنفية والحنابلة. انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٣٠)، و\"المجموع \"=","vol":"3","page":18},{"text":"وهل الأفضلُ التقدُّمُ والتأخُّرُ كما وردَ في روايةِ جابرٍ وأبي عياشٍ، أو بقاء الصفينِ على حالِهما كما هو ظاهرُ رواية أبي عياش؟.\nفيه وجهانِ عند الشافعية.\nوينبغي أن يقطع بفضيلة التقدم والتأخر (١).\nويحملُ إطلاقُ ابنِ عباسٍ على تقييدِ غيرهِ، وإن كانتْ أكثرَ أفعالًا؛ ففي كثرةِ الأفعالِ حكمةٌ حسنةٌ، وهو قطعُ طمعِ العدوِّ.\nوبهذه الرواياتِ أخذَ الشافعيُّ، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، وجماعةٌ من أصحاب مالكٍ (٢).\nإلا أن الشافعيَّ قال في \"المختصر\": يسجدُ معه الصفُّ الثاني، ويحرسُ الصفُّ الأولُ (٣).\nفأخذ بها الخُراسانيون من أصحابهِ حتى ادَّعى بعضُهم أنها منقولةٌ عن فعل رسول اللهِ - ﷺ - بعُسْفان (٤).\nودعواهُ ضعيفةٌ.\nوقال العراقيون: الشافعيُّ عكسَ ما ثبتَ في السُّنَّةِ، والمذهبُ ما ثبتَ فيها؛ لأنه قال: إذا رأيتم قولي مخالفًا للسنِة، فاطَّرحوه (٥).\n_________\n= للنووي (٤/ ٣٦٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢/ ٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٧).\n(١) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٤/ ٦٣١).\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٦)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٦).\n(٣) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٣٠).\n(٤) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٤/ ٦٢٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٢/ ٥١).\n(٥) انظر: \"خلاصة الأحكام\" (١/ ٣٥٣)، و\"المجموع\" كلاهما للنووي (١/ ١٣٦).","vol":"3","page":19},{"text":"وأجاب النوويُّ من متأخِّري الشافعيةِ بأنَّ الشافعي إنما ذكرَ هذا ليبين جوازَهُ؛ فإنه ذكرَ الحديثَ كما ثبتَ في \"الصحيحين\" (١)، ثم ذكرَ الكيفيةَ المذكورةَ، فأشار إلى جوازِها (٢).\nوهو جوابٌ حسنٌ.\nالصفة الثانية: صلاة النبيَّ - ﷺ - بذاتِ الرَّقاعِ من نَخْلِ (٣) أرضِ غَطَفان، وفيها ثلاثُ رواياتٍ:\nالأولى: رواية صالح بنِ خَوَّاتِ بِنِ جُبيرٍ عَمَّنْ صَلَّى مع النبيِّ - ﷺ - يومَ ذاتِ الرقاعِ، وهو سَهْلُ بنُ أبي حَثْمة، قال: إن طائفةً صفَّتْ معُه، وصفَّتْ طائفةٌ وِجاهَ العدِّو، فصلى بالتي معه ركعةً، ثم ثبتَ قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وِجاهَ العدوَّ، وجاءت الطائفةُ الأخرى، فصلى بهم الركعةَ التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسِهم، ثم سلم بهم (٤).\nالثانيةُ: رواية عبدِ الله بنِ عمرِ -رضي الله تعالى عنهما - قال: صلى رسولُ الله - ﷺ - صلاةَ الخوفِ في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفةٌ بإزاءِ العدوِّ، فصلى (٥) بالذين معه ركعةً، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون، فصلى\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤/ ٥١٥)، و\"صحيح مسلم\" (١/ ٥٧٦). وفي \"ب\": \"الصحيح\".\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" (٦/ ١٢٦)، و\"المجموع\" (٤/ ٣٦٥)، و\"روضة الطالبين\" ثلاثتها للنووي (٢/ ٥٠).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"من\".\n(٤) رواه البخاري (٣٩٠٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (٨٤٢)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف.\n(٥) في \"ب\": \"وصلّى\".","vol":"3","page":20},{"text":"بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعةً ركعةً (١).\nثم اختلفَ أهلُ العلمِ في روايته.\nفقيل: إن الطائفتين قضوا ركعتَهم الثانيةَ جميعًا، وهو قولُ الشافعيِّ في \"كتاب اختلاف الحديث\" (٢).\nوقيل: قَضَوْها متفرِّقين، وهو ظاهرُ نقلِ البخاريِّ (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٨٣٩)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف.\nواللفظ له، والبخاري (٣٩٠٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع.\n(٢) قال الشافعي في كتاب \"اختلاف الحديث\" (ص: ٥٢٦ - ٥٢٧) عكس هذا القول، بل إنه ردَّ عليه حيث قال: وذكر الله خروجَ الإمام بالطائفتين من الصلاة ولم يذكر على واحدة من الطائفتين ولا على الإمام قضاء، وهكذا حديث خوات بن جبير. قال: ولما كانت الطائفة الأولى مأمورة بالوقوف بإزاء العدو في غير صلاة، كان معلومًا أن الواقف في غير صلاة يتكلم بما يرى من حركة العدو وإرادته ومددًا إذا جاءه فيفهمه عنه الإمام والمصلون فيخفف أو يقطع، أو يعلمونه أن حركتهم حركة لا خوف فيها عليهم فيقيم على صلاته مطيلًا لا معجلًا، وتخالفهم الطائفة التي بإزائهم أو بعضها وهي في غير صلاة، والحارس في غير صلاة أقوى من الحارس مصليًا، فكان أن تكون الطائفة الأخرى إذا حرست الأولى إذ صارت مصلية والحارسة غير مصلية أشبه من أن تكون الأولى قد أخذت من الآخرة ما لم تعطها، والحديث الذي يخالف حديث خوات بن جبير تكون فيه الطائفتان معًا في بعض الصلاة ليس لهما حارس إلا الإمام وحده، وإنما أمر الله إحدى الطائفتين بحراسة الأخرى، والطائفة الجماعة لا الإمام الواحد، قال: وإنما أراد الله أن لا يصيب المشركون غِرَّة من أهل دينه، وحديث خوات بن جبير كما وصفنا أقوى من المكيدة، وأحسن لكل المسلمين من الحديث الذي يخالفه، قال الشافعي: فبهذه الدلائل قلنا بحديث خَوَّات بن جبير.\n(٣) انظر الأحاديث التي ساقها البخاري في \"صحيحه\" (٣٩٠١ - ٣٩٠٤) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع.","vol":"3","page":21},{"text":"قال النوويُّ: وهو الصحيحُ (١).\nالثالثة: خَرَّجها أبو داودَ عن ابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: صَلى رسولُ الله - ﷺ - صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفة مستقبلي العدوِّ، فصلى (٢) بالذين معه ركعةً وسجدتين، وانصرفوا ولم يسلموا، فوقفوا بإزاءِ العدو، ثم جاء الآخرون فقاموا معه، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فقضوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم، فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا (٣).\nفأخذ أبو حنيفةَ بهذه الروايةِ، إلا أنه قال: تتم الطائفةُ الثانيةُ الركعةَ التي عليها بعدَ أن تذهبَ إلى وَجْهِ العدو، وتأتي الطائفةُ الأولى وتتم ركعتها، ثم تذهب إلى مقامِ العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية، فحينئذٍ تتمُ ركعتَها (٤).\nوقد أُنكرتْ عليهِ هذهِ الزيادةُ، وقيل: إنها لم تردْ في حديثٍ (٥).\nوأخذ الأوزاعيُ وأشهبُ المالكي بروايةِ ابنِ عُمَر، ورُجِّحَتْ بأنها وردتْ بنقلِ أهلِ المدينة، وهم الحجةُ في النقلِ على مَنْ خالفهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٥).\n(٢) في \"ب\": \"وصلى\".\n(٣) رواه أبو داود (١٢٤٤)، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم، فيقوم الذين خلفه، فيصلون ركعة، ثم يجيء الآخرون إلى مقام هؤلاء، فيصلون ركعة، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٣٥٣)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٥٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٦١).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٣٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢/ ٤٦).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٦١)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٤٠).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٤٠٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٦٦).","vol":"3","page":22},{"text":"وبرواية صالحِ بنِ خَوّاتٍ أخذَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثور، ورجحوا بأنه أحوطُ للصلاة؛ لقلةِ الأفعالِ فيها (١).\nقال الشافعيُّ: ولأنهُ أكثرُ موافقةً للقرآن؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ صلاةَ الطائفتين معه، وإذا أتموا لأنفسِهم، لم تكنْ جميعُ صلاتِهم معه، ولأن اللهَ سبحانه لم يذكرْ على الإمامِ ولا على واحدةٍ من الطائفتين قضاءً، ولأنَّ اللهَ سبحانه وصفَ الطائفةَ الآتية أنها لم تصلِّ، ولو صلَّتْ ركعةً ثم انصرفتْ ورجعتْ لم يقعْ عليها الوصفُ بأنَّها لم تصلِّ، ولأنه أبلغُ في الحِراسةِ ومَكيدةِ العدوِّ، ومعلومٌ أن منْ هو خارجَ الصلاة أكملُ في الحراسةِ ممَّن هو فيها؛ لأن غيرَ المصلي يتكلمُ بما يَرى من حركةِ العدوِّ وإرادته، ويخبر عنه بالمَدَدِ وغيره، فيخففُ الإمامُ والمصلون لذلك، أو يأخذون حِذْرًا أبلغَ من الأولِ، أو يخبر الإمامَ أن حركةَ العدو حركةٌ لا خوفَ فيها، فيتمكن من صلاته، فلا يعجل فيها.\nوفي غيرها من الروايات: تُصَلِّي الطائفتانِ مع الإمامِ بعضَ الصلاة، ولا يكون لهما (٢) حارس إلا الإمام (٣).\nولم يأمرِ اللهُ سبحانه إلا بحراسةِ إحدى الطائفتين [للأخرى].\nوكان الأخذُ بروايةِ صالحِ بنِ خَوَّاتٍ أبلغَ في الحذر، وأقوى في المكيدة، وأحوطَ للصلاة، وأكثرَ موافقةً للقرآن (٤). ولهذا قال فيه مالكٌ:\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٥/ ٢٦١)، و\"الأم\" للشافعي (١/ ٢١١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٢).\n(٢) في \"أ\": \"لها\".\n(٣) وهي رواية ابن عمر المتقدمة.\n(٤) انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (١/ ٥٢٦)، وقد نقله المصنف عنه بالمعنى.","vol":"3","page":23},{"text":"وهذا أحسنُ ما سمعت في صلاةِ الخوف (١).\nإلا أن مالكًا رواهُ في \"الموطأ\" موقوفًا على سَهْلِ بن أبي حثمة، وفيه أنه لما قضى الركعة بالطائفةِ الثانية سَلَّم، ولم ينتظرهم (٢) حتى يفرغوا من الصلاة (٣).\nواختار هو وأبو ثورٍ هذه الصفة؛ لموافقتها الأصولَ؛ لأن الإمامَ متبوعٌ لا تابع ولا مختلَف عليه (٤).\nواختار الشافعيُّ العمل بالرواية المسندة، وهي أن ينتظرَهم ويسلمَ بهم؛ لأنه أقوى؛ لاتصاله، واختاره أحمدُ مع إجازتهِ لجميعِ صلاةِ الخوف (٥).\nولمالكٍ قول كمذهبِ الشافعيِّ (٦).\nثم ذهب قوم إلى أن هذا اختلاف من جهةِ المُباح، فيجوزُ للإمام أن يصليَ بهم بأيِّ روايةٍ وردتْ في السنة.\nقال الإمامُ أحمدُ: كلُّ حديثٍ رُوي في أبوابِ صلاةِ الخوفِ فالعملُ به جائز (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ١٨٥).\n(٢) في \"أ\": \"ينتظر\".\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٨٣)، عن سهل بن أبي حثمة. كما رواه البخاري (٣٩٠٢)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٤٠٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٥).\n(٥) انظر \"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٧).\n(٦) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٧٣).\n(٧) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ٢٦٤)، وانظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٧).","vol":"3","page":24},{"text":"وعند أصحابِ الشافعيِّ خلافٌ فيما إذا صلى بما رُوي عن ابن عمرَ هل تصح الصلاة أو لا؟ (١).\nالصفة الثالثة: صلاةُ النبيِّ - ﷺ - ببطْنِ نَخْلٍ في غزوةِ ذاتِ الرقاعِ أيضًا:\nوهي أنه - ﷺ - صلى بكلِّ طائفةٍ ركعتينِ، خَرَّجها الشيخانِ عن جابرٍ (٢)، وأبو داودَ في \"سننه\" عن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه (٣) -، فكانتِ الطائفةُ الثانيةُ مُفْترِضين خلفَ مُتَنَفِّلِ، وبه أخذَ الشافعيُّ (٤)، وكان يفتي به الحسنُ البصريُّ (٥)، وادَّعى الطَّحاوِيُّ أنه منسوخٌ (٦)، ودعواهُ مردودةٌ؛ إذْ لا دليلَ عليها.\nالصفة الرابعة: ويقالُ إنها: صلاةُ النبيِّ - ﷺ - بذي قَرَد.\nروي عنْ (٧) حُذيفةَ -رَضيَ اللهُ تعالى عنهُ: أنَّ النبيَّ - ﷺصَلَّى بإحدى الطائفتينِ ركعةً، وبالأخرى ركعةً، ولم يقضوا شيئًا (٨).\n_________\n(١) والمشهور الصحة. انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٢/ ٥٢).\n(٢) رواه البخاري (٣٨٩٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (٨٤٣)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف.\n(٣) رواه أبو داود (١٢٤٨)، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين، والنسائي (١٥٥٢)، كتاب: صلاة الخوف، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٢١٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٤/ ١٣٤).\n(٥) انظر: \"سنن أبي داود\" عَقِبَ حديث (١٢٤٨).\n(٦) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٣١٥).\n(٧) \"روي\" ليس في \"أ\".\n(٨) رواه أبو داود (١٢٤٦)، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ولا يقضون، والنسائي (١٥٣٠)، كتاب: صلاة الخوف، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٣٤٣)، والبزار في \"مسنده\" (٢٩٦٨)، وابن حبان في \"صحيحه\"=","vol":"3","page":25},{"text":"ورويَ أيضًا عن زيدِ بنِ ثابت، وقال: كانتْ للقومِ ركعة ركعة، وللنبي - ﷺ - ركعتان (١).\nوتأوله قومٌ على صلاة شدةِ الخوفِ، وقالوا: الفرضُ في هذه الحالة ركعةٌ واحدة (٢).\nقال الشافعيُّ: وإنما تركناه؛ لأن جميعَ الأحاديثِ في صلاةِ الخوف مجتمعةٌ على أنَّ على المأمومين من عددِ الصَّلاة ما على الإمامِ، وكذلك أصلُ الفرض في الصلاةِ على الناسِ واحدٌ في العدد، ولأنه لا يثبتُ عندَنا مثلُه لشيءٍ في بعضِ إسناده، ولا يثبتُ أهلُ العلمِ بالحديثِ مثلَه (٣).\n* إذا تقرر هذا، فقد اتفقَ جُمهور أهلِ العلم على جَواز صلاةِ الخوفِ بعدَ النبي - ﷺ - (٤)، ولم يخالفْ إلا بعضُ فُقهاءِ الشام، والمزنيُّ، وأبو يوسفَ.\nفأما أهلُ الشامِ والمزنيُّ (٥)، فادعَوا نسخَها، وقد بَيَّنّا بُطلانَه.\n_________\n= (١٤٥٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٢٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦١).\n(١) ذكره أبو داود (١٢٤٦)، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلى بكل طائفة ركعة، ولا يقضون، عن ابن عمر، وعن زيد بن ثابت.\n(٢) وأكثر أهل العلم أن الخوف لا ينقص عدد الركعات. انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٧٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٨٣).\n(٣) انظر: \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (٥٢٦)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢٦٢/ ٣).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٤٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٦).\n(٥) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٢٦).","vol":"3","page":26},{"text":"وأما أبو يوسفَ، فزعم أنها من خصائِصِ النبي - ﷺ -، وأنها لا تجوزُ بعدَهُ إلا بإمامينِ، يصلي كلُّ واحدٍ منهما بطائفةٍ ركعتين.\nوتمسك بالمفهومِ والنظرِ:\nأما المفهومُ، فاعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يقتضي تخصيصَه.\nوأما النظُر، فإنها صلاةٌ على خِلافِ المُعْتادِ من هيئةِ الصلاة، وفيها أفعال كثيرة مباينة لصفةِ الصلاةِ تقتَضي إخلالَها، فجاز أن تكونَ المسامحةُ بسببِ فضيلةِ إمامةِ رسولِ الله - ﷺ -، وذلك مخير حالَ صلاةِ المؤتمين به (١).\nورُدَّ ذلك بأن الصحابةَ -رضي الله تعالى عنهم- لم يزالوا على فِعْلِها بعدَ رسول الله - ﷺ -، ولا منكرَ فيهم، فكان إجماعًا، ولأنه قال: \"صَلُّوا كما رأيتُموني أصَلِّي\" (٢)، والأصلُ وجوبُ التأسي، وعدمُ التخصيص، فالشرط المذكور في الآية لذِكْرِ الحال، لا للتعليق، فدل على أن فعلَها على خلافِ صفتها المعتادةِ؛ لِخُصوصِ الضرورةِ الموجودةِ في وقته - ﷺ -، لا بخصوص وقته، والضرورةُ موجودة بعده - ﷺ -، فجازَ أن تُفعل، ولأنه لو كانَ من خصائِصه، لبينَهُ - ﷺ -؛ لِما فرضَ اللهُ عليه من بيانِ كتابِه العزيز (٣).\n* ثم أمر اللهُ سبحانه عبادَه بالحذرِ وأخذِ السلاح، وهذا الأمرُ للوجوبِ.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٣٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٤٠٦).\n(٢) رواه البخاري (٦٠٥)،كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، ومسلم (٦٧٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة، عن مالك بن الحويرث.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٦٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٢/ ٤٣٠).","vol":"3","page":27},{"text":"وبينَ (١) وجوبَه قولُه تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا الوجوب متفق عليه بينَ المسلمين.\nفيجب عليهم الحذرُ من عدو الله سبحانه، ومراقبةُ غَدْرِه ومَكْرِه، ويجب عليهم حملُ السلاحِ إن خافوا بأسَهُمْ وكيدَهُمْ، ولا يجوزُ لهم تمكينُهم من غارَتهم والاستسلامُ لهم بنيةِ الطلبِ للشهادةِ، بل يجبُ ذلك وجُوبًا مُطْلقًا.\nوليس المرادُ بأخذِ السلاح ملازمةَ حملِه وتناوله، بل المرادُ إما حملُه أو وضعُه قريبًا بحيثُ يمكنُ المجاهد تناولُه على قرب وسهولة، ويكون حذرًا، كما قالَ الله تعالى عندَ وضعِ السلاح للعذرِ: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].\nويختلفُ ذلكَ باختلافِ مواطنِ الحربِ ومواقفه.\n* واختلف أهلُ العلمِ في المُجاهدِ هل يجبُ عليه حملُ السلاح (٢) حالَ الصلاة؟\n- فقال أبو حنيفةَ، والشافعي -في أحدِ قوليه (٣) -: لا يجبُ، ويكونُ الضميرُ في قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] عائدًا على الضمير الذي قبلَه، والمرادُ به الطائفةُ التي لم تُصَلِّ،\n_________\n(١) في \"ب\": \"ويبين\".\n(٢) في \"ب\": \"في \".\n(٣) وبه قال الإمام مالك والإمام أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٤٦)، و\"الأم\" للشافعي (١/ ٢١٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٦٨)، \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٣٧).","vol":"3","page":28},{"text":"وكانت وراءهم، فالضمير في قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ عائدٌ على الطائفةِ التي قد صَلَّتْ.\nويروى هذا التأويلُ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما (١) -.\n- وقال غيرُه: المرادُ بالأمرِ الطائفةُ المُصَلِّية، وبه قالَ داودُ، والشافعيُّ في قوله الآخر (٢).\nوهو الصحيحُ عندي -إن شاء الله تعالى-؛ لأن عَوْدَ الضميرِ على الأقربِ أولى وأرجَحُ، ولأن اللهَ سبحانه لم يرخِّصْ في تركِ السلاحِ إلا في حالتِي المَطَرِ والمَرَضِ خاصَّةً، فدلَّ على أنه لا يَخُصُّه في تركه في غيرِ الحالتين، ولأن إحدى الطائفتين تحرُسُ الأخرى، إما في سجودها كصلاةِ عُسْفان، أو بالخروج إلى وجهِ العدو في حالِ الصلاةِ كما في روايةِ ابنِ عمرَ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- في صلاةِ ذاتِ الرقاع، ولا معنى للحراسة بغيرِ سلاح، والله أعلم.\nوقد تقدمَ الكلامُ على الصلاةِ في شدةِ الخوف.\n* وأمر الله سبحانه بالقيامِ مع النبيِّ - ﷺ -، فيحتمل أن يكونَ للاستحباب، فلو أرادوا أن يصلُّوا منفردين، جاز لهم؛ بدليل قوله: \"صلاةُ الجماعَةِ أَفضَلُ من صَلاة الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرينَ دَرَجَة\" (٣)، وبه قالَ جمهورُ\n_________\n(١) رواه الطبري في \"التفسير\" (٥/ ٢٥٠).\n(٢) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٤/ ٦٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٣٦٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٢٥٠)، و\"سبل السلام\" للصنعاني (٢/ ٦٣).\n(٣) رواه البخاري (٦١٩)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الجماعة، ومسلم (٦٥٠)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة، عن عبد الله بن عمر، وهذا لفظ مسلم.","vol":"3","page":29},{"text":"الفقهاءِ؛ كمالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة (١).\nويجوزُ أن يكونَ للوجوبِ، وهو الظاهرُ، بدليل فعلِه - ﷺ -، فلم يصلِّ صلاةً إلا في الجَماعة، وبدليلِ قوله - ﷺ -: \"أثقلُ صلاةٍ على المنافقينَ صلاةُ العشاء وصلاةُ الفَجْر، ولَو يَعْلَموا ما فيهما، لأتوْهُما ولو حَبْوًا، ولقد هَمَمْتُ أن (٢) آمرَ بالصلاةِ فَتُقامَ، ثم آمرَ رجلًا فيصلي بالناسِ، ثم أنطلقَ معي برجالٍ معهم حُزَم من حَطَبٍ إلى قومٍ لا يَشْهدونَ الصلاةَ، فأحرقَ عليهِمْ بيوتَهُمْ بالنارِ\" خرجه الشيخان (٣).\nوبدليل ما خرَّجه مسلم عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى، فقال: يا رسولَ الله! إنه ليسَ لي قائد يقودُني إلى المسجدِ، فسأل رسولَ اللهِ - ﷺ - أن يرخصَ له فيصليَ في بيتِه، فرخَّص له، فلما وَلَّى، دعاهُ فقال: \"هل تسمعُ النداءَ بالصلاة؟ \"، فقال نعم، قال: \"فأجب\" (٤).\n* ثم افترق القائلون بالوجوب.\nفقالَ قومٌ: هيَ فرضٌ على الكِفاية، وهو قولٌ يروى للشافعيِّ ومالِكٍ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٣٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٣٣٩).\n(٢) في \"ب\": \"بأن\".\n(٣) رواه البخاري (٦٢٦)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل العشاء في جماعة، ومسلم (٦٥١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة، عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.\n(٤) رواه مسلم (٦٥٣)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة باب: فضل صلاة الجماعة.\n(٥) انظر: \"التنبيه\" للشيرازي (ص: ٣٧)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ١٦٠).","vol":"3","page":30},{"text":"وقال فريقٌ: هي فرضٌ على الأعيان، وبه قال داودُ وأحمدُ (١)، وبعض الشافعية (٢).\n* ثم اختلفوا في صِفَةِ هذا الوُجوب.\nفقال داود: هي شرطٌ في صِحَّةِ الصلاةِ؛ كالجماعَةِ في الجُمعةِ، وقيل: إنها روايةٌ عن أحمدَ أيضًا، والمشهورُ خلافُه (٣).\n* * *\n\n٩٨ - (٤٠) قولُه ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].\n* المرادُ بقضاء الصلاةِ في هذهِ الآيةِ الأداءُ، أي: أَدَّيْتُمُ الصَّلاةَ، لا حقيقةُ القضاء الذي هو استدراكٌ، لِما فاتَ، وذلك مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].\n* وأما الذكرُ المأمورُ به في الأحوالِ المذكورةِ.\nفيحتمل أن يكون المرادُ به الحَثَّ على مُطْلَقِ الذكرِ لله تعالى، ولا شكَّ في أنهُ مُسْتَحَبٌّ عقيبَ قضاءِ الصلاةِ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٣٧)، و\"المحرر في الفقه\" لابن أبي القاسم (١/ ٩١)، و\"الشرح الكبير\" لابن قدامة (٢/ ٢).\n(٢) كابن المنذر وابن خزيمة. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٢/ ١٢٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٣٣٩).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٤/ ١٨٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٣٧).\n(٤) وهو قول ابن عباس ﵁ والجمهور. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٢٥٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٤٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن=","vol":"3","page":31},{"text":"فقد روى الشيخان في \"صحيحهما\" عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن رفعَ الصوتِ بالذكرِ حينَ ينصرفُ الناسُ من المكتوبةِ كانَ على عهد رسول الله - ﷺ -، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه (١).\nويحتمل أن يكونَ المرادُ بالذكرِ ذكرًا مخصوصًا، وهو الصلاةُ، وهذا المعنى هو الظاهرُ من سياقِ الخطاب (٢).\nويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].\nوما رُوي عن ابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أنه رأى الناسَ يَضِجُّونَ في المسجد، فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: أليس اللهُ تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فقال: إنما تعني هذه الآيةُ الصلاةَ المكتوبةَ، إن لم تستطعْ قائمًا فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جنبك (٣).\nفبين اللهُ سبحانه فيها حُكْمَ أصحابِ الضرورةِ القائمةِ بهم بعدَ بيانِ حكمِ أصحابِ المشقةِ من أولي السفرِ والقتال، وذو الضرورة أولى بالجوازِ منهم.\n_________\n= العربي (١/ ٦٢٤)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٨٧).\n(١) رواه البخاري (٨٠٥)، كتاب: صفة الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة، ومسلم (٥٨٣)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الذكر بعد الصلاة.\n(٢) وهو قول ابن مسعود ﵁. انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ٢٦٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢١٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ١٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ٣١١).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤٦٥٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٠٣٤).","vol":"3","page":32},{"text":"وقد بين النبيُّ - ﷺ - ذلك؛ كما وردَ في الآية الكريمة، فقال لعِمْرانَ بن الحصين -رضي الله تعالى عنه-: \"صَلِّ قائمًا، فإنْ لمْ تَسْتَطعْ، فقَاعِدًا، فإنْ لم تَسْتَطعْ، فعلى جَنْبٍ\" (١).\n* وقد أجمع أهلُ العلم على أن المريض مخاطَبٌ بأداءِ الصلاة، وعلى أنه يسقط عنهُ فرضُ القيامِ والقعود إذا لم يستطعهما.\nومذهبُ الشافعيِّ أنه إذا عجزَ عن القعودِ، صَلَّى مضطجعًا على جنبه مستقبلَ القبلةِ، إلا إذا لم يمكنْه، ذلكَ فيصلي مستلقيًا، ورجلاهُ إلى القبلَةِ كما ورد في الكتابِ والسنة (٢).\nوبه قال أحمدُ بنُ حنبل، واختاره ابنُ المنذر (٣)، ورويَ عن عمرَ -رضيَ الله تعالى عنه (٤) -.\nوقال قوم: إذا عجزَ عن القعودِ، صلَّى مستلقيًا، ورجلاه إلى القبلة.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٦٦)، كتاب: تقصير الصلاة، باب: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب.\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٩٧)، و\"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٠١).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٢/ ٢١٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤٤٥).\n(٤) قلت: لعل الصواب: \"علي\" بدل \"عمر\" لأنه قد روي عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: \"يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة\". رواه الدارقطني (٢/ ٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"3","page":33},{"text":"وبه قالَ بعضُ الشافعية (١)، وزعموا أنه أكملُ في استقبالِ القبلة، ويروى عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما (٢) -.\nوقال بعض الشافعية: يضطجعُ على جنبه، ويستقبل القبلةَ برجليه (٣).\n* واختلفوا في صفةِ العُذرِ المبيح للقعود، أو الاضطجاع.\nفقال قوم: هو الذي لا يستطيع القيامَ والقعودَ بحال، وتمسكوا بظاهرِ قوله - ﷺ -: \"فإنْ لمْ تَسْتَطَعْ\".\nوقال قومٌ: هو الذي يشقُّ عليه ذلك، وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ (٤)، واعتبروه بتخفيف الشرع في نظائره من المواطن؛ كالفِطْر للمسافرِ، والتيمُّم\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٢١٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ١٠٦)، و\"المهذب\" للشيرازي (١/ ١٠١)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٢٣٧).\n(٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤٧٤)، والدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٤٣).\n(٣) نظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٢٧٠).\nأما مذهب المالكية في المسألة فقد اختلفت الروايات: ففي \"المدونة\": يخير بين الصلاة على جنبه أو الاستلقاء على ظهره، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: يصلي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر، وفي \"كتاب ابن المؤَاز\" عكسه: يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر، وقال سحنون: يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره، وإلا فعلى الأيسر. انظر: \"المدونة الكبرى\" للإمام مالك (١/ ٧٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٨٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٣٩٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٤/ ٣١٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٩).\n(٤) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٦٢)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٣/ ٢٨٥)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٢٦٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٤٤٤).","vol":"3","page":34},{"text":"للمريض؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\n* ولما ذكر الله سبحانه حكمَ أصحابِ الضرورات، أمرهم بإقامةِ الصلاة على وَجْهِها عندَ زوالِ ضرورتهم، وهو وقتُ اطمئنانِهم واستقرارِ حالهم.\nفالمسافرُ إذا أقام واطمأنَّ أقامَها أربعًا، والخائف إذا أمنَ يُقيمُ سكينتها وطُمَأنينتَها، ولا يَخْتَلِفُ على الإمام فيها، والمريضُ إذا شُفِي يقيمُ قيامَها وركوعَها واعتدالَها وسجودَها.\n* ثم عرَّفنا الله سبحانه تأكيدَ فرضِها وصفتها، فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: مكتوبًا مقدرًا، فالمصدر بمعنى المفعول، والمقدَّر هو المؤقَّتُ (١).\nفقد يكونُ في أَعدادِها، وقد يكون في مواقيتها، وكلُّ ذلك قد بينه النبيُّ - ﷺ - قولًا وفعلًا.\nوأجمعَ المسلمون على أن للصلاة أوقاتًا مؤقتة هي شرطٌ في صحتها، وأن منها أوقاتَ فضيلة، وأوقاتَ توسعة، واختلفوا في تحديد أوقات الفضيلةِ وأوقاتِ التوسعة؛ لتعارُضِ الأحاديثِ الواردِة في ذلك، وموضعُ تفصيلِه كتب الفقه (٢).\n* * *\n_________\n(١) في \"أ\": \"الوقت\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٥٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٤٤)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٣٤)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٢٣٣).","vol":"3","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>(من أحكام النكاح)</span>\n٩٩ - (٤١) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧].\n* قال الكلبيُّ عنْ أبي صالحٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: نزلتْ هذه الآية في بَناتِ أُمِّ كُجٍّ وميراثِهنَّ من أبيهنَّ (١).\nوقال عروةُ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: نزلت في اليتيمةِ تكونُ في حِجْرِ الرجلِ، وهو وليها، فيرغبُ في نكاحِها (٢)، وقد مضى ذكرُ القصتين في أولِ السورة.\nولا اختلاف بينَ قولِ عائشةَ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم-، بل يجوزُ أن يكونَ صدرُ الآية إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في اليتيمة، ويكونَ عجزُها من قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ في بناتِ أُمِّ كُجٍّ.\n* والاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في موضع\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":36},{"text":"رفعٍ بالعطف (١)، إما على المبتدأ، وإما على الفاعل في ﴿يُفتِيكُمْ﴾، ومعناه: \"وما يُتلى عليكم في الكتابِ يفتيكم\"، أو: \"ويُفتيكم ما يُتلى عليكم في الكتاب\" (٢).\n* * *\n\n١٠٠ - ١٠١ (٤٢ - ٤٣) قوله ﷻ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].\n* ذكر الله سبحانه حُكْمَ الرجلِ مع نسائهِ، وندبَ كُلَّ واحدٍ من الزوجِ والزوجةِ إلى إسقاطِ حَقِّهِ عندَ نشوزِ صاحِبه؛ لما فيه من البقاء على حُسْنِ العهد.\nفبين اللهُ سبحانه أنه يجبُ عليه العَدْلُ بينَ أزواجه فيما يستطيعه من الواجبات؛ كالنفقةِ والكسوةِ والإيناسِ بالمبيت، ولا يجب عليه العدلُ فيما لا يدخلُ تحتَ استطاعته؛ كالمحبة والوِداد، فأيُّهما أسقطَ حَقَّهُ، وغلبَ نَفْسَه، كانَ محسنًا.\nفإن أرادَ فِراقها، إما لِكِبَرٍ أو دَمامةٍ، ورضيتْ بالصُّلحِ على إسقاطِ حَقِّها، وتسليمِ شيءٍ منْ مالِها؛ لبقاءِ قَسْمِها، كانت محسنةً، ولا جُناح على الرجلِ في قَبول ذلك، بل هو أفضلُ من تفارُقِهما، وإن صبرَ على كبرِها، وأوفاها حَقَّها، كان مُحْسنًا (٣).\n_________\n(١) \"بالعطف\"ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٢٠٢)، و\"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب (١/ ٢٠٩)، و\"إعراب القرآن\" للعكبري (١/ ٣٩٣).\n(٣) قلت: قول المصنف: (وإن صبر على كبرها وأوفاها حقها كان محسنًا). قد يفهم=","vol":"3","page":37},{"text":"وقد بين النبيُّ - ﷺ - ذلك (١) عن الله سبحانَه.\nروى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه قال: قالت عائشة: يا بنَ أختي! كان رسول الله - ﷺ - لا يُفَضِّلُ بَعْضنا على بَعضٍ في القَسْمِ منْ مُكْثِه عندَنا، وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوفُ علينا جَميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مَسيس، حتى يبلغَ التي هو في يومها، فيلبَثُ عندَها، ولقد قالَتْ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ حينَ أَيِسَتْ (٢) وفَرِقَتْ أن يفارقَها رسولُ الله - ﷺ -: يا رسول الله! يومي لعائِشةَ، فقبلَ ذلكَ رسولُ الله - ﷺ -، وقالت: تقول: في ذلكَ أنزلَ اللهُ، وفي أشباهها، أراهُ قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية (٣).\nوقد عُلِم هذا من بيانِ الآيةِ التي قبلها.\nوأما قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فالمراد به العدلُ بينهنَّ بميلِ القلبِ والمحبَّةِ، فذلك غيرُ داخلٍ تحتَ\n_________\n= منه: أن الوفاء بحقوق الزوجة إحسان من الزوج، وليس كذلك، بل المعنى والله أعلم: ﴿إن تُحْسِنوُاْ﴾ إلى زوجاتكم بزيادة المعروف وإحسان العشرة والصحبة و﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله فيهن بما لا يجوز فعله من النشوز والإعرض وعدم والوفاء بحقوقهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\nوقد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء. انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٦٤).\n(١) ذلك \" ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"أسنّت\".\n(٣) رواه أبو داود (٢١٣٥)، كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٧٤)، بهذا السياق.","vol":"3","page":38},{"text":"الاستطاعة، ولو حَرَصَ عليهِ الرجلُ، ولهذا تجاوزَ الله عنه (١).\nوإنما نهى عن موافقةِ ميلِ القلب بميلِ الفعلِ، فهذا لا يجوز؛ كما نهى الله تعالى عنه، وكما بينه رسولُ الله - ﷺ -، فقد كان يقسمُ لنسائه في المرض، ولا يسافرُ بامرأةٍ إلا بقُرْعَةٍ، وكان يقسمُ ويعدلُ ويقولُ: \"الَّلهُمَّ هذا قَسْمي فيما أَمْلِكُ، فلاَ تُلْمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ\" (٢).\nوبين النبيُّ - ﷺ - مع كتابِ الله سبحانه أنَّ من العدلِ أن يُقيمُ الرجلُ إذا تزوَّج جديدةً عندَها سَبْعًا إنْ كانَتْ بِكْرًا، أو ثَلاثًا إن كانت ثيِّبًا (٣)، ولا يفتقرُ إلى رِضا أزواجِه، ولا قضاءَ عليه في ذلك (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١١٠)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٣١٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٠٨٣).\n(٢) رواه أبو داود (٢١٣٤)، كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي (٣٩٤٣)، كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، والترمذي (١١٤٠)، كتاب: النكاح، باب: التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (١٩٧١)، كتاب: النكاح، باب: القسمة بين النساء، عن عائشة، وهذا لفظ أبي داود.\n(٣) رواه البخاري (٢٩١٥)، كتاب: النكاح، باب: إذا تزوج البكر على الثيب، ومسلم (١٤٦١)، كتاب: الرضاع، باب: قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج، عن أنس بن مالك.\n(٤) وهذا قول الجمهور، أما الحنفية فقالوا: يقسم بينهن سواء ولا يفضلها بشيء، وإن فضلها يجب عليه القضاء. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٤٠)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ٤٣٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٤٦٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٤٤).","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>(من أحكام الشهادات)</span>\n١٠٢ - (٤٤) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥].\n* أمر الله سبحانه في هذه الآية وفي غيرها من الآيات عبادَه المؤمنينَ بالقِيام بالقِسْطِ والعَدْلِ في الشَّهادَةِ، ولو على أنفُسِهم، وهي الإقرارُ.\nونهاهم عن العدولِ عنِ القِسْطِ واتباعِ الهوى، والإعراضِ عن القيامِ بأدائها، سواءٌ كان المشهودُ عليه غَنِيًا أو فَقيرًا، قريبًا أو بعيدًا.\nوهذا أمرٌ مجمَعٌ عليه بينَ المسلمين (١).\nوالآية نزلتْ في مقيسٍ الأنصاريِّ حين قالَ: إن على أبي خَمْسَ أواقٍ، وهو مُعسرٌ، أَفَلي أن أكتم الشهادة؟ (٢).\n* وقد أجمع العلماءُ على إجازةِ شهادةِ الولدِ على والدِه، وكذلك الوالدِ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦٣٧).\n(٢) المشهور من سبب نزولها ما روي عن السدي: أن النبي ﷺ اختصم إليه رجلان غني وفقير، فكان ظَلْعه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير. انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٢١)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٧١٥).","vol":"3","page":40},{"text":"على ولدِه (١)، وأما شهادَةُ أحدِهما للآخر، فقد أجازَها ابنُ شهابٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز وإسحاقُ، والمزنيُّ (٢).\nومنعها مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٣).\nويروى عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ وشُريحٍ (٤).\n* * *\n_________\n(١) وفي رواية عند الشافعية: أن شهادة الولد على والده لا تقبل بقصاص أو حد قذف. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ١٦٥)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٩/ ٢٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٥٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٦٣٧)، و\"إعلام الموقعين\" لابن القيم (١/ ١١٨).\n(٢) وروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ١٦٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٥)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٢٧٠).\n(٣) وهو مذهب الحنفية أيضًا. انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ٤٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٦/ ١٢١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ٢٧٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٨٦).\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٤١٦)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٢٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٨٦).","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>(من أحكام المواريث)</span>\n١٠٣ - (٤٥) قولُه ﷿: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].\n* وتسمى آيةَ الصيف؛ لأن الله سبحانه أنزلَ في الكلالةِ آيتين: آيةً في الشتاء، وهي الأولى (١)، وآيةً في الصيف (٢)، وهي هذه (٣).\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿* وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].\n(٢) وهذه التسمية -أعني: (آية الصيف) - توقيفية وردت في كلام رسول الله ﷺ كما في حديث مسلم الآتي، ومن هنا جاء علم الصيفي والشتائي من فروع علم التفسير، كما هو مؤصل في علوم القرآن. انظر: \"الإتقان\" للسيوطي (١/ ٩٦).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٠٤)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (١١/ ٩٥).","vol":"3","page":42},{"text":"* والمرادُ بالكَلالةِ في الآيةِ الأولى هو مَنْ لا وَلَدَ لهُ ولا ولدَ ابنٍ، ولا أبَ ولا جَدَّ، أو مَنْ عَدا الولدَ وولدَ الابنِ والأبَ والجدَّ.\nوما أعلم في ذلك خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ (١).\nوأما المرادُ بها في هذهِ الآية، فقدِ اختلفوا فيها اختلافًا عظيمًا، وعظمَ شأنُ ذلكَ عليهم (٢).\nقال مَعْدانُ بنُ أبي طلحةَ: خطبَ عمرُ بنُ الخَطَّاب -رضي الله تعالى عنه- يومَ جمعةٍ، فذكر نبيَّ اللهِ - ﷺ -، وذكرَ أبا بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- ثم قال: لا أدعُ بعدي شيئًا أهمَّ عندي من الكَلالَةِ، ما راجَعْتُ رسولَ الله - ﷺ - في شيءٍ ما راجَعْته في الكَلالَة، وما أَغْلَظَ لي في شيءٍ ما أغلظَ لي فيه،\n_________\n(١) ذكر المفسرون أقوالًا مروية عن السلف في تفسير الكلالة في الآية الأولى؛ منها: أنها من لا ولد له خاصة، ومنها من لا والد له، ثم ذكروا خلافًا آخر وهو: هل المراد بالكلالة الميت أو الورثة؟ انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٥)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٣٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٦).\n(٢) وقد ذكر ابن العربي ستة أقوال في تفسير الكلالة، قال: اختلف أهل اللغة وغيرهم في ذلك على ستة أقوال: قال صاحب \"العين\": الكلالة الذي لا ولد له ولا والد.\nالثاني قال أبو عمرو: ما لم يكن لَحًّا من القرابة فهو كلالة، يقال: هو ابن عمي لَحًّا، وهو ابن عمي كلالة.\nالثالث: وهو في معنى الثاني: أن الكلالة من بعد، يقال: كلَّت الرحم: إذا بعد من خرج منها.\nالرابع: أن الكلالة من لا ولد له ولا والد ولا أخ.\nالخامس: أن الكلالة هو الميت بعينه، كما يقال: رجل عقيم ورجل أمي.\nالسادس: أن الكلالة هم الورثة والورَّاث الذين يحيطون بالميراث. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٤٨).","vol":"3","page":43},{"text":"حتى لقد (١) طَعَنَ بأصبُعِهِ في صَدْري، وقال: \"يا عمرُ! ألا تكفيكَ آيةُ الصَّيْفِ التي في آخِر سورة النساء\"، وإني إن أعشْ أَقْضِ فيها بقضيَّةٍ يقضي بها من يقرأُ القرآنَ ومَنْ لا يقرأُ القرآن (٢).\nوقال عمرُ -رضي الله تعالى عنه-: ثلاثٌ لأَنْ يكونَ النبيُّ - ﷺ - بيَنَهُنَّ لنا أَحَب إلينا منَ الدنيا وما فيها: الكلالةُ، والخلافةُ، وأبوابُ الربا (٣).\nوسأل رجلٌ عقبةَ عن الكَلاَلةِ فقال: ألا تعجبون من هذا يسألُني عن الكَلالةِ، وما أعضلَ بأصحاب النبي - ﷺ - شيء ما أعضلَتْ بهمُ الكلالَةُ (٤).\nوالذي عليه أكثرُ الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وادَّعى بعضُ أهلِ العلمِ الإجماعَ عليه: أن الكلالةَ ما عدا الوالدَ والولدَ (٥).\nوهو قولُ أبي بكر وعمرَ، رضي الله تعالى عنهما.\nقال الشعبيُّ: سُئل أبو بكر عن الكَلالة، فقال: إني سأقولُ فيها قولًا برأي، فإن كانَ صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنِّي ومنَ الشيطان، أراهُ ما خلا الولدَ والوالدَ.\nفلما استُخلفَ عمرُ فقال: إني لأَستحيي من الله تعالى أن أرد شيئًا قالَهُ أبو بكرٍ (٦).\n_________\n(١) \"لقد\" ليس في \"ب\".\n(٢) رواه مسلم (١٦١٧)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة.\n(٣) رواه ابن ماجه (٢٧٢٧)، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩١٨٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٢٠٠٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣١٨٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٥).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في: \"المصنف\" (٣١٦٠٢)، والدارمي في \"سننه\" (٢٩٧٣)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٤).\n(٥) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ٥٩٦).\n(٦) رواه الدارمي في \"سننه\" (٢٩٧٢)، بهذا السياق.","vol":"3","page":44},{"text":"وروي عن ابنِ عمرَ وابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهم- في إحدى الروايتين عنه: أنه مَنْ ليسَ لهُ ولد (١).\nوإليه ذهبَ طاوسٌ (٢)، والشيعة (٣).\nواستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم يشترط إلا (٤) فُقْدانَ الوالد.\nوأجيبَ بأنَّ الوالدَ، وإن كانَ محذوفًا من اللفظ، فهو مُقَدَّرٌ فيه، ويدل عليه أن الآيةَ نزلتْ في شأنِ جابرِ بنِ عبد الله -رضي الله تعالى عنهما-، ولم يكن له يومئذ وَلَدٌ ولا والدٌ.\nقال جابرٌ: عادني رسولُ الله - ﷺ - وأنا مريضٌ لا أعقلُ، فتوضَّأَ وصَبّوا (٥) عليَّ وَضوءَهُ، فعقلتُ، فقلت: يا رسول الله! لمن الميراث؟ إنما يرثنُي كلالَةٌ، فنزلتْ آية الميراث، يريد: قولَه تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٦) [النساء: ١٧٦].\nفإن قالَ قائلٌ: فما معنى قولِ من قالَ: إنَّ الكلالَةَ من لا ولدَ لَهُ، فإنه يقتضي أن الإخوة يرثونَ معَ الأبِ، وقدِ انعقدَ الإجماعُ على أن الأبَ\n_________\n(١) وهو رواية عن عمر ﵁، انظر: \"المصنف\" لعبد الرزاق (١٠/ ٣٠٣)، و\"تفسير الطبري\" (٤/ ٢٨٦).\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٠٣).\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٨).\n(٤) \"إلا\": ليس في \"أ\".\n(٥) في \"ب\": \"فصبّ\".\n(٦) رواه البخاري (١٩١)، كتاب: الوضوء، باب: صب النبي - ﷺ - وضوءه على المغمى عليه، ومسلم (١٦١٦)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة.","vol":"3","page":45},{"text":"يحجُب الإخوة (١)، فإن كانَ فائدَتُه توريثَ الإخوة مع الأبِ؛ كما رويَ عنِ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وذهبَ (٢) إليه الشيعةُ، فقد قالَ القاضي عِياض: الروايةُ بهذا باطِلَة، والصحيحُ عنه موافقةُ جماعةِ أهل العلم؟ (٣)\nقلنا: الظاهرُ أنه أراد: من لا ولدَ له ولا والدَ، وإنما سكتَ عن ذكره؛ لئلا يدخلَ فيه الجَدُّ، والله أعلم.\n* إذا تقررَ هذا، فقد أجمعَ المسلمون على حُكْم هذه الآيةِ، وعلى تنزيل الإخوة للأب مع الأخوة للأبوين منزلةَ بني الابن مع بني الصلْب، فلا يرثُ الإخوة للأب مع الإخوة للأب والأم شيئًا، ولا ترثُ الأخواتُ للأبِ مع الأخواتِ للأبِ والأم إذا استكملْنَ الثلثينِ شيئًا؛ كبناتِ الابنِ مع بناتِ الصُّلْبِ.\nواختلفوا إذا كانَ معهنَّ ذَكَرٌ.\n- فقالَ الجُمهور: يعصبُهُنَّ كما يعصِبُ ابنُ الابنِ بناتِ الابن (٤).\n- وقال أبو ثور: المالُ للأخ دونَهُن (٥).\n- وقال ابنُ مسعودِ -رضي الله تعالى عنه-: إذا استكملَ الأخواتُ الشقائقُ الثلثينِ، فالباقي للذكر، ولا يعصبُهن، وإن لم يستكملْن الثلثين،\n_________\n(١) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٦٧).\n(٢) في \"ب\": \"وذهبت\".\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٨).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٩/ ١٥٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٦).\n(٥) وهو قول ابن مسعود. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٠٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٦).","vol":"3","page":46},{"text":"فإنه يقاسمهُنَّ، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين، إلا أن يكونَ الحاصِلُ للأخواتِ أكثرَ من السُّدُسِ، فلا يزدْن على السدسِ؛ كما فعلَ في بناتِ ابنِ الابنِ مع أخيهنَّ مع بناتِ الصُّلب (١).\n* وأجمعوا على أن الإخوة للأبِ والأمِّ مقدَّمون على الإخوة للأبِ (٢).\n* واختلفوا فيما لو تركَ بنتًا وأختًا لأبوين، وأخًا لأب.\nفذهب الجُمهور إلى أن للبنتِ النِّصْفَ، والباقي للأختِ، ولا شيء للأخ.\nوقال ابنُ عباسٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي للأخ دونَ الأختِ (٣)، وسيأتي مأخذُه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n* وأجمعوا على أن الإخوة للأب يقومون مقامَ الإخوة للأبوين عندَ فقدهم، كما يقومُ بنو الابن عندَ فقدِ بني الصُّلْب (٤).\n* وأجمعوا على أن الأخ يَعْصِبُ أخواته، فيأخذْنَ ما بقيَ بعدَ الفرض (٥).\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٦٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٤٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٨)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٢٩).\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٤).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٠٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٩)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٢٩).\n(٥) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٣٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٩/ ١٨٨)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٦/ ١٤).","vol":"3","page":47},{"text":"* واختلفوا في موضع واحد، وهو إذا توفيتِ امرأةٌ، وتركتْ زوجَها وأمَّها وأخوينِ لأمها، وإخوةً لأبيها وأمها (١).\nفكان علي، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو موسى -رضي الله تعالى عنهم- يعطون الفرائضَ أهلَها، فلا يبقى للإخوة شيءٌ (٢).\nوبه قال ابنُ أبي ليلى، وأحمدُ (٣)، وأبو ثورٍ، وداودُ (٤).\nوكان عمرُ وعثمانُ وزيد -رضي الله تعالى عنهم- يقسمونه بينهم (٥).\nوبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ والثوريُّ (٦)؛ لأنهم ... ... ... ...\n_________\n(١) وتسمى هذه المسألة في علم الفرائض بالمسألة المشتركة، أو المُشركة، أو التشريك، أو الحمارية.\n(٢) وهو قول ابن مسعود ﵁ أيضًا. انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٣٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٥٥).\n(٣) وهو قول أبي حنيفة. انظر: \"مختصر الخرقي\" (ص: ٨٤)، و\"عمدة الفقه\" لابن قدامة (ص: ٧٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٥٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٩/ ١٥٤).\n(٤) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٣٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ١٧٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (١/ ٤٦١).\n(٥) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٤/ ٣٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٧٩).\nولزيد بن ثابت روايتان في المسألة المشتركة، رواية أهل المدينة: القسمة بينهم وهو المشهور عنه، وهناك رواية أخرى: أنه لم يشركهم بالميراث. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٧).\n(٦) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ١٤٠)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٥٦٥).\nوبه قال شريح ومسروق وابن المسيب وابن سيرين وطاوس وعمر بن عبد العزيز=","vol":"3","page":48},{"text":"يشاركونهم (١) النَّسبَ الذي يرثون به، فوجبَ أن يشاركوهم في الميراث.\nواحتجَّ الأولون بقوله - ﷺ -: \"اقْسِموا المالَ بينَ أَهْلِ الفَرائِضِ على كتابِ اللهِ، فما تَرَكَتْ فَلأِوَلْى رَجُلٍ ذَكَرٍ\" (٢).\nوتعرف هذه المسألةُ بالمُشَرِّكة (٣).\nفإن قال قائل: فإطلاقُ الآيةِ يقتضي أن الأخَ والأختَ لا يرثان مع وجود الولدِ على كل حال.\nقلنا: المرادُ بالولدِ الذكُر.\nفإن قالَ: فما دليلُك على ذلك، وعلى (٤) أن الأخَ يرثُ مع البنت؟\nقلنا: إجماعُ عامةِ أهلِ العلمِ على أن الابنَ يحجُبُ الأَخَ، وأما ميراثُه مع البنتِ، فالدليل عليه قولُه - ﷺ -: \"اقسموا المالَ بين أهلِ الفرائضِ على كتابِ الله، فما تركت فلأَولى رجلٍ ذكر\".\nفإن قال: فهذا الحديثُ يقتضي أن الأختَ لا ترثُ مع البنتِ شيئًا، فيدلنا ذلك على (٥) أن المرادَ بالولدِ الذكرُ والأنثى، فحينئذ يتفقُ مفهومُ الكتابِ والسنَّةِ على أن الأختَ لا ترثُ مع البنتِ شيئًا.\n_________\n= والنخعي. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٥٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٧).\n(١) في \"ب\": \"يشاركون في\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في \"ب\": \"المشتركة\".\n(٤) \"ذلك، وعلى\" ليس في \"ب\".\n(٥) في \"ب\": \"على ذلك\".","vol":"3","page":49},{"text":"قلنا: الحديثُ يدلُّ على ما ذكرتَ من عدمِ ميراثِ الأختِ مع البنت، وعلى عُموم الولدِ للذكرِ والأنثى.\nولهذا ذهب داودُ وطائفةٌ إلى أنها لا ترثُ مع البنتِ شيئًا، وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.\nولكن العمومَ لا تقومُ دلالتُه إلا إذا لمْ يعارضْهُ ما هو أقوى منه.\nوهذا العمومُ والإطلاقُ قد عارضَهُ ما روى ابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي - ﷺ - قال في ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ: للبنتِ النصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملة الثلثين، وما بقيَ فللأخت (٢).\nفذهب الجمهورُ إلى هذا النص، وخَصُّوا به العمومَ، ودلَّهم على أن المرادَ بالولدِ الذكرُ، لا عمومُ الذكرِ والأنثى، فالخلافُ آيِلٌ إلى أن الوراثةَ مع البنتِ هل هيَ كَلاَلة أو لا؟\nفعند الجمهورِ كلالة (٣).\nوعندَ ابنِ عباسٍ وداودَ ليسَ بكلالةٍ، وكانَ ابنُ الزبير يقولُ في هذه المسألةِ بقولِ ابنِ عباسٍ حتى أخبرَهُ الأسودُ بنُ زيدٍ أنَّ معاذًا قَضى في بنتٍ وأختٍ، فجعل المالَ بينهنَ نصفين (٤).\nفإن قلت: فالكلالةُ هل المرادُ بها الوارثُ أو الميت؟\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٩).\n(٢) رواه البخاري (٦٣٥٥)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث ابنة ابن مع ابنة.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٤٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٣٤).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٤٢٤) (٣١٠٧٠).","vol":"3","page":50},{"text":"قلت: أما في اللغةِ؛ فإنَّها تقعُ على الوارثِ، قال ابنُ الأعرابيِّ: الكلالةُ هم بنو العَمِّ الأباعدُ (١)، قال الفرزدق: [البحر الطويل]\nوَرِثْتُمْ قَناةَ المَجْدِ لا عَنْ كَلالَة ... عَنِ ابْنَي مَناتٍ عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِمِ (٢)\nومنه قولُ جابر -رضي الله تعالى عنه-: وإنما يرثنُي كلالَةٌ (٣)، وحكيَ عن أعرابى أنه قال: مالي كثيرٌ، ويرثنُي كلالةٌ مُتَراخٍ نَسَبُه (٤).\nوقد يقعُ على الميتِ، يقال منه: كَلَّ الرجُلُ يَكَلَّ كَلاَلةً، وهي مأخوذَةٌ من التكلُّلِ، وهو الإحاطةُ بالميتِ، فإذا ذهب أبوه وولدُه، فالعَصَبَةُ محيطون به، متكللون نَسَبَهُ، ومنه سُمِّيَ الإكليل (٥).\nوأما المرادُ بها في القرآن، فالمراد بها هنا -والله أعلم- الوارثُ.\nلما رويناه في \"صحيح مسلم\" من حديثِ جابرٍ (٦)، فإنه إنَّما سألَ عنِ الوارثِ منَ الكَلالة، فأنزل الله سبحانه الآيةَ بيانًا لسؤالِه، واستوفى (٧) حُكْمَ الكلالَةِ منَ الذكورِ والإناثِ.\nوهذه الكلالَةُ هي التي عَظُمَ على الصَّحابةِ أمرُها.\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٣٤١)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ١٩٧)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٥٩٢).\n(٢) انظر: \"ديوانه\": (٢/ ٣٠٩).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"معجم مقاييس اللغة\" لابن فارس (٥/ ١٢١)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١١/ ٥٩٢).\n(٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٨)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (١١/ ٥٩٢).\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) في \"ب\": \"فاستوفى\".","vol":"3","page":51},{"text":"لأن منهم منْ يورثُ الكَلالَةَ معَ الجَد؛ لأن اللهَ سبحانه قال في توريثها: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يشترط عدمَ الوالِد والجَدّ صريحًا (١).\nفأما الوالدُ فاشتراطُه واجبٌ بالإجماع، وبقيَ الجَد على عدِم الاشتراط.\nومنهم من لمْ يُوَرثْها؛ كأبي بكر -رضي الله تعالى عنه (٢) -.\nولما رأى الإجماعَ قامَ باشتراطِ الأبِ، وهو غيرُ مذكورٍ، وجعلَ الجَدَّ مثلَه، وهو لا يجوز أن يقعَ عندهم الكلالةُ على الميتِ، ولا يمتنع أن يقعَ على الوارثِ أيضًا، فمن أجل تحرجهم في الجَد، تحرجوا في الكلالة، -رضي الله تعالى عنهم-.\nوأما المراد بالكلالةِ في آيةِ الشتاء.\nفيجوزُ أن يُراد بها المَيتُ، لأن ولدَ الأم لا يرثُ مع الجَد شيئًا بالإجماع.\nويجوز أن يرادَ بها الوارثُ، ولهذا قرئ (وإن كانَ رجلٌ يُورِثُ كلالة) (٣) بفتح الراء وكسرها، فمن كسَرها أوقعها على الوارِث، ومن فتحَها فيجوزُ أن يقعَ على الوارثِ أيضًا، ويكونُ التقديرُ: وإن كانَ رجلٌ يورثُ ذا كلالة، ويجوز أن يقعَ على الميتِ، وينتصب كلالة على الحالِ،\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١)، و\"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٨٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٣٥٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٥٨).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٩٨)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١١/ ١٠١).\n(٣) قرأ بكسر الراء: الحسن، وأيوب، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٣)، و\"معاني القرآن\" للأخفش (١/ ١٦٢)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ١٨٩)، وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ١١٥).","vol":"3","page":52},{"text":"وهو الظاهرُ، وهذا ما انتهى إليه فَهْمي وبَحْثي في الكلالةِ، والله أعلمُ، فإن كان صوابًا فمنَ الله، وإن كان خَطَأً فمنِّي، وأستغفرُ اللهَ الغفورَ الرحيمَ (١).\n* * *\n_________\n(١) جاء في \"أ\": \"انتهى الجزء الأول، ويتلوه الجزء الثاني -إن شاء الله تعالى- وهو حسبنا ونعم الوكيل\".\nوجاء في \"ب\": \"انتهى الجزء الأول من كتاب تيسير البيان في أحكام القرآن، تأليف الشيخ الإمام العلامة المدقق المحقق محمد بن علي بن إبراهيم الخطيب -﵀- ونفع به وبعلومه آمين\".","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>سُورَةُ المَائِدَةِ</span>","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>(من أحكام المعاملات)</span>\n١٠٤ - (١) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].\nأقول:\nأصلُ العَقْدِ في اللُّغَةِ: الشَّدُّ والرَّبْطُ (١).\nثم استُعمل استعمالًا غالِبًا في عُهود الحِلْفِ، وأُطلقَ مَجازًا على عُهود اللهِ من التحليلِ والتحريمِ؛ بدليلِ قولهِ تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].\nفيحتمل أن يكونَ المرادُ بالعُقودِ هُنا عُهودَ الله تعالى؛ بدليل تعقيبه بذكرِ التحليلِ والتحريمِ، وهذا قول ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ٢١٠) وما بعدها، و\"لسان العرب\" (٣/ ٢٩٦) وما بعدها، مادة (عقد).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٧)، و\"شعب الإيمان\" للبيهقي (٤/ ٧٨) (٤٣٥٦).","vol":"3","page":57},{"text":"ويحتمل أن يكونَ (١) المرادُ ما غلبَ عليه الاستعمالُ، وهذا قولُ قَتادة (٢).\nويحتمل أن يرادَ به الأمرانِ جميعًا (٣).\n* ولا شكَّ أن الوفاءَ بجميع ذلكَ واجبٌ (٤).\nفأما عقودُ الحلفِ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وغير ذلك من الآيات والآثار.\nوالعلمُ يحيط بأن الوفاءَ بالعهدِ من مَعالم الدينِ، ومَكارِم الأخلاق، وقيامِ السياساتِ، فيجب على كل مؤمن من إمامٍ وغيرِه الوفاءُ بما عاهدَ (٥) عليهِ، ما لم يكنِ الشرطُ حرامًا.\nوخرج مسلمٌ في \"صحيحه\" عن حذيفةَ بن اليمانِ -رضي الله تعالى عنه- قال: ما منعني أن أشهدَ بَدْرًا إلا أني خرجْتُ أنا وأبو حلسٍ، قال: فأَخَذَنا كُفّارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ قلنا: ما نريدُه، وما نريدُ إلا\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"هنا\".\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٤٨).\n(٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٢/ ١٤٣)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٣/ ٤٢٨).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٩٨)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٢٦٩).\n(٥) في \"ب\": \"عاقد\".","vol":"3","page":58},{"text":"المدينةَ، فأخذوا منا عهدَ اللهِ وميثاقَهُ لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتلُ معه، فأتينا رسولَ الله - ﷺ -، فأخبرناه الخبرَ، فقال: \"انْصَرِفا، نَفي لَهُمْ بِعَهْدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم\" (١).\nولهذا ذكر علماؤنا أنه ينبغي للأسيرِ أن يفيَ ببذلِ المالِ الذي عاقدَ عليه الكفارَ أو البغاةَ، وإن استعانوا به على البغيِ والضلال.\n* * *\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٨٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الوفاء بالعهد، عن حذيفة بن اليمان.","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>(من أحكام الأطعمة)</span>\n* ثم أحلَّ الله سبحانه في هذه الآيةِ، وفي \"سورة الحجِّ\" (١)، بَهيمةَ الأنعام، وهي الثمانيةُ الأزواجِ التي ذكرَ تفصيلَها في كتابه العزيز (٢).\nوقيل: بهيمةُ الأنعام: الأَجِنَةُ التي في بُطون الأمَّهات، فهي تؤكلُ من (٣) دونِ ذَكاة، وروي عن ابنِ عمرَ وابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهم (٤) -.\nوالمشهور الأولُ (٥).\n* ثم أحلها اللهُ سبحانه حلالًا مطلقًا، واستثنى منها شيئًا مبهَمًا موعودًا\n_________\n(١) في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\n(٢) وهي الإبل والبقر والضأن والماعز، ومن كل نوع ذكر وأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣ - ١٤٤].\n(٣) \"من\" ليست في \"أ\".\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٠)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٢٤٨)، و\"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٧).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبرى\" (٦/ ٥١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٤٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٢).","vol":"3","page":60},{"text":"ببيانه حتى يعظمَ موقعُه في النفوس، فتتوفر الدواعي على علمه ومعرفته، فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، ثم بينه وتلاه في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] الآية.\n* ثم أحلَّ الله سبحانه بهيمةَ غيرِ الأنعامِ من الصيدِ بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].\n* وبين النبيُّ - ﷺ - حكمَ غير ذلك من البهائم، فنهى عن كُلِّ ذي ناب من السباعِ، وذي مِخْلبٍ من الطير (١)، وحَرَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ، وأَذِنَ في لُحوم الخيلِ (٢).\n* وحرم اللهُ سبحانه الصيدَ في حالةِ الإحرام، وذلك شيء مُجْمَلٌ؛ إذ لا يُدرى هل المرادُ أكلُه أو اصطياده؟ وسيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>(من أحكام المعاملات)</span>\n١٠٥ - (٢) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].\n* نزلت في الحُطَم، وهو شُريحُ بن ضُبيعةَ بنِ هندٍ البكريُّ حينَ وصلَ حاجًا في بَكْرِ بن وائلِ، وقد قلدوا جمالَهم وَهَمَّ (١) المؤمنون بالإغارة عليه، وذلكَ أنه جاءَ وحدَهُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، وخَلفَ خيلَه خارجَ المدينةِ، فقال لرسولِ الله - ﷺ -: ما تدعو إليه؟ قال: \"شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ\" فقال: حَسَنْ، غيرَ أن لي أمراءَ لا أقطعُ أمرًا دونَهم، فلعلي أُسْلِمُ وأرجعُ بهم، فانصرف، فقالَ - ﷺ -: \"دخل بوجهِ كافرٍ، وخرجَ بَعقِبِ غادِر\"، فمرَّ بسرحِ المدينةِ (٢)، فاستاقَه وهو\n_________\n(١) \"وهم\": ليست في \"أ\".\n(٢) سَرح المدينة: السَّرْحُ: المالُ السائم، يقال: سَرَحت الماشيةُ تسرحُ سرحًا وسروحًا: سامت، وسَرَحها هو أسامها. \"اللسان\" (مادة: سرح) (٢/ ٤٧٨).","vol":"3","page":62},{"text":"يَرْتَجِزُ ويقول: [من بحر الرجز]\nباتوا نِيامًا وابنُ هِنْدٍ لمْ يَنَمْ ... باتَ يقاسِيها غُلامٌ (١) كالزَّلَمْ\nخَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ خَفَّاقُ القَدَمْ ... قَدْ لَفَّها الليلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ\nليسَ بِراعي إبِلٍ ولا غنَمْ ... ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمْ\nهذا أوانُ الشَّدِّ فاشْتدِّي زِيَمْ (٢).\nفِنهى الله المؤمنين أن يفعلوا كما فعلَ المشركون عامَ الحُدَيْبَيةِ معَ رسولِ الله - ﷺ - وأصحابِه حيثُ أَحَلُّوا شعائِرَ الله، ومنعوا الهديَ أن يبلغَ مَحِلَّهُ، وصَدُّوهُمْ عن البيتِ الحَرام؛ تعظيمًا لشعائرِ الله -ﷻ- وتفخيمًا لهذه الحُرُماتِ الخَمْسِ، وقد ذكرَها في غيرِ موضعٍ من كتابهِ العزيز، وعَظَّمَ أمرَها، وها أنا أفصلُها حُكمًا حُكمًا:\nالحكم الأول: الشهر الحرام: وقد كانت الجاهليةُ تحرِّمُه وتعظّمُهُ، ثم وردَ الشرعُ بذلكَ.\nفقالَ اللهُ سبحانه في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [لمائدة: ٢].\nوقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦].\nوقال أيضًا: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].\n_________\n(١) في \"ب\": \"يقاسيها غلامًا\".\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٨ - ٥٩)، عن السدي. وانظر: \"الأغاني\" (١٤/ ٤٤)، و\"شرح ديوان الحماسة\" للتبريزي (١/ ١٣٢).","vol":"3","page":63},{"text":"وقال أيضًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nوقال أيضًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧].\nواستمر الحكمُ على ذلكَ في صدرِ الإسلامِ باتِّفاقِ أهلِ العلم.\nثم اختلفوا في بقاِئه:\nفقال ببقاءِ حُرْمته ومَنْعِ القتال (١) فيه طاوسٌ، ومجاهدٌ (٢).\nوخالفهما الباقون، وزعموا نسخَ هذه الآية وما أشبهها (٣)، ولم أقفْ لهم على دليلٍ يدلُّ على ما ادَّعوه، وقد قدمتُ ما قالوه في \"سورة البقرة\"، ودعوى النسخ بعيدٌ؛ لأن \"سورة المائدةِ\" من آخرِ ما نزل.\nقالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: إنها آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حَلالٍ فاستَحِلّوه، وما وجدتم فيها من حَرَامٍ فحرّموه (٤)، ولأن \"سورة براءة\" من آخر ما نَزَل أيضًا؛ كما سيأتي بيانه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) في \"أ\": \"القتل\".\n(٢) وهو قول عطاء. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٣٥١)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للقاسم بن سلام (ص: ٣٣١)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٦١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٢٠٦).\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤١)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٦ - ٢٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣١)، \"قلائد المرجان\" (ص:١٠١).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٨٨)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١١٣٨)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٩٦٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٢١٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٧٢).","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>(من أحكام الحج)</span>\nالحكم الثاني: الهَدْيُ: وهو الأنعامُ تُهْدَى إلى البيت العتيق.\nوقد ذكره الله سبحانه في مواضع (١) من كتابه العزيز، وجعلها من شعائره، فقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].\nوقال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].\nوسيأتي الكلامُ عليه -إن شاء الله تعالى-.\nالحكم الثالث: القلائد:\nيحتمل أن يكونَ المرادُ بها الهَدْيَ المُقَلَّدَةَ، وإنما أفردَها بالذكرِ إما (٢) تفخيمًا وتعظيمًا لشأنها، وإما أن التقليدَ يقومُ فعلُه مقامَ النطقِ في خروجها عن ملكِ مالكِها كالنذر.\nوبهذا أخذَ مالكٌ، فمتى قَلَّدَ هَدْيَهُ وأَشْعَرَهُ، وجبَ عليه ذبحُه، حتى لو\n_________\n(١) في \"ب\": \"غير موضع\".\n(٢) \"إمّا\" ليست في \"أ\".","vol":"3","page":65},{"text":"تعيَّبَ وخرَج عن (١) الإجزاءِ وجبَ عليه إبدالُه، ووجب عليه ذبُحه أيضًا (٢).\nويحتمل أن يكون المرادُ بها أصحابَ القلائد، على حذف المضاف (٣).\nقال قَتادةُ: كان الرجلُ إذا خرجَ إلى الحجِّ يقلِّدُ بَدَنته من لِحاء شجرِ الحرمِ، فلا يعرض له (٤) أحد (٥).\nوحكي عن مجاهد أنه قال: لم يُنْسَخْ من المائدةِ إلا القلائدُ، نسخها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) [التوبة: ٥].\nقال بعضُ المتأخرين: وفي هذا نظرٌ؛ فإن أكثرَ أهلِ العلم على أن المائدَة نزلَتْ بعد (براءة)، والمتقدمُ لا ينسخُ المتأخِّرَ.\nوهذا الذي ذكره عن (٧) أهلُ العلمِ من التاريخ غيرُ مُسَلمٍ، فقد روى البخاريُّ في \"جامعه\" عن البراءِ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: آخرُ آيةٍ نزلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخرُ سورةٍ\n_________\n(١) في \"ب\": \"علي\".\n(٢) أما عند الشافعية: فلا يصير واجبًا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٧١)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٥٤).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ٧)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٢٧٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٤٠).\n(٤) في \"أ\": \"لها\".\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٦)، عن قتادة قال: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السمر، فلم يعرض له أحد، فإذا رجع، تقلد قلادة شعر، فلم يعرض له أحد. وروى أيضًا عن عطاء باللفظ الذي ذكره المصنف هنا عن قتادة.\n(٦) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦١).\n(٧) \"عن ليست في \"أ\".","vol":"3","page":66},{"text":"نزلت (براءة) (١)، ولأن (براءة) نزلت في سنةِ تسعٍ.\nوبعث رسولُ الله - ﷺ - عليًا -رضي الله تعالى عنه- بعشرِ آياتٍ من أولِها إلى مكة؛ ليقرأها على أهلِ المَوْسِمِ بعدَما بعثَ أبا بكرٍ -رضي الله تعالى عنه - أميرًا للموسم، وقال: \"لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلا رَجُلٌ منْ أهلِ بيتي\"، فقرأها عليهم يومَ النَّحْرِ، ثم نادى: ألا لا يطوفَنَّ بالكعبةِ عُرْيانُ، ولا يطوفَنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشركٌ (٢).\nو\"سورةُ المائدة\" فيها تحريمُ الخمرِ، وكان تحريمُه في السنةِ الثالثةِ، وفيها آيةُ التيمُّم، وكان نزولها في سنةِ أربعٍ، وفيها (٣) قولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وكان نزولُها بعرفاتٍ في حجَّةِ الوَداع في سنةِ عَشْرٍ كما ثبت ذلكَ في \"الصحيحين\" (٤) والله أعلم (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٧٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾.\n(٢) رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن علي بن الحسين بن علي، بهذا السياق، كما ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(٣) في \"ب\": \"نعم نزل فيها\".\n(٤) رواه البخاري (٤١٤٥)، كتاب: المغازي، باب: حجة الوادع، ومسلم (٣٠١٧)، في كتاب: التفسير. عن طارق بن شهاب.\n(٥) قال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت: بأن كل واحد أجاب بما عنده، وقال القاضي أبو بكر في \"الانتصار\": هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي؟ وكلٌّ قاله بضربٍ من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أنَّ كلًاّ منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النَّبي؟ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول؟ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب، انتهى.\nانظر: \"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (١/ ٢٠٩)، و\"الإتقان في علوم=","vol":"3","page":67},{"text":"ومرادُ مجاهِدٍ: المتقلدُ بلِحاء شجرِ الحَرَمِ (١).\n* وأما الهَدْيُ المُقَلَّدُ، فالحكمُ في تحريمها وتعظيمها باقٍ، ولا التفاتَ إلى منِ ادَّعى النَّسْخَ منِ المفسرين، فقد قلدَ النبيُّ - ﷺ - الهَدْيَ، وبعثَ بهِ - ﷺ - (٢) (٣).\nولأجل هذا ذهَب مالكٌ إلى أنه إذا قَلَّدَ الهَدْيَ فلا يجوزُ له بيعُه، ولا هِبَته، ولا يورَثُ عنه إنْ مات، بخلاف الأُضْحِيَّةِ (٤).\nوعندَ الشافعيِّ لا يصيرُ هَدْيًا إلا بالنُّطْقِ (٥)، وسيأتي مزيدُ كلامٍ على تقليد الهَدْيِ وإشعارِه في \"سورة (٦) الحج\" -إن شاء الله تعالى-.\nالحكم الرابع: قاصدو البيت الحرام:\nوقد نهى الله سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز عن صَدِّهِمْ عنه،\n_________\n= القرآن\" للسيوطي (١/ ٨٢ - ٨٥).\n(١) وذلك أن الرجل في الجاهلية إذا أراد الحج تقلد قلادة من لحاء الشجر فلا يعرض له أحد. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٦١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٤٢).\n(٢) رواه البخاري (١٤٩٧)، كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٥٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٥٤٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٠)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٢٧٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٤٠).\n(٤) وعند أحمد: يجوز إبداله بخير منه. انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (٤/ ١٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٨٧).\n(٥) للشافعية تفصيل فيما إن كان تطوعًا أو نذرًا. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٦٩)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٥٦).\n(٦) \"سورة\" ليست في \"أ\".","vol":"3","page":68},{"text":"وذمَّ من فعلَ ذلك فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].\nوالذي أذهبُ إليه وأعتقدُه مَذْهبًا لكافةِ أهلِ العلمِ -إن شاء الله تعالى-: أنَّ هذا الحُكْمَ قد زالَ وبَطُلَ، فلا يجوزُ لنا أن نتركَ مُشْرِكًا يقصُد البيتَ، ولو ابتغى بذلك رضوانَ الله تعالى في زعمه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nفإن قال قائل: فلم عَمِلْتَ بهذِه الآية ولم تعملْ بآية المائدة (١)؟\nقلت: لاتفاقِ أهلِ العلمِ على العمل بها دون غيرها.\nفأجمعوا على أن الحربيَّ يُمْنَعُ من دخولِ المسجد الحرام (٢) (٣).\nواختلفوا في الذِّمِّيِّ، فمنعه مالكٌ والشافعيُّ (٤)، وأباحه أبو حنيفةَ (٥).\n_________\n(١) آية المائدة هي قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧].\n(٢) \"الحرام\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣٣٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٧٠).\n(٤) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣٣٤)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ٣٦٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٠٦).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٨)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ٢٠٩).","vol":"3","page":69},{"text":"فإن قال: فهل تجدُ دليلًا من السنَّةِ على تقديمِها غيرَ عملِ الكافَّةِ من أهلِ العلم؟\nقلت: نعم، أما آيةُ (براءة)، فقد ثبتَ في الصحيحِ أن النبيَّ - ﷺ - بعثَ عليًا في سنةِ تسعِ ينادي بها: أَلا لا (١) يَحُجَّ بعدَ العامِ مشركٌ (٢).\nوأما آيةُ المائدةِ، فروي أن نزولَها كان في عامِ الفتح في الحُطَمِ (٣) شُرَيْحِ البَكْرِيّ؛ كما قدمتهُ، وهذا كله يدلُّ على تأخرِ (براءة) عن المائدة، والله أعلم.\n- الحكم الخامس: شعائرُ الله: أي: معالمُ دينِ الله.\nوقد ذكرها الله سبحانه في مواضعَ من كتابه العزيز، فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nوقال أيضًا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].\nواختلفوا في تأويله.\nفقيل: المرادُ به البُدْنَ المُشْعَرةَ.\nوقيل: مناسكُ الحجِّ.\nوقيل: ما حَرّمَ اللهُ في الإحرام.\nوقيل: حدودُ التحليل والتحريم.\nوقيل: حدودُ الحرم، فلا يجاوزها بغير إحرام (٤).\n_________\n(١) \"لا\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه البخاري (٤٣٨٨)، كتاب: بالتفسير، باب: قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ...﴾ [التوبة: ٢]، عن أبي هريرة، عن علي بن أبي طالب.\n(٣) \"الحطم\" ليس في \"أ\".\n(٤) هذه الأقوال وقائليها في: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٥٤ - ٥٦)، و\"معالم التنزيل\"=","vol":"3","page":70},{"text":"* ثم أمرنا الله سبحانه باصطياد الصيدِ إذا حللنا.\nوقد أجمع العلماء على أن الأمر في ذلك للإباحةِ، وعلى تحليلِ الاصطياد بعدَ التحلل (١).\nوفي ظني اتفاقُهم على تحريمِ الاصطيادِ حتى يكونَ التحليلُ الأكبر (٢)؛ لإشعارِ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، بذلك، فإنه لا يُسَمّى حلالًا قبل ذلك وإن رَمَى (٣) دون رَمْيِ جمرةِ العقبة، ولقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وما لم يتحلل التحليلَ الأكبرَ، فهو مُحَرمٌ، بدليل اتفاقهم على تحريم النساء.\nفإن قيل: فقد روي عن ابنِ عباس: أن هذهِ الآيةَ نزلَتْ لمَّا هَمَّ المُسلمون أن يُغيروا على أهل اليمامة حين أَتوا البيتَ الحرام، ومعهم\n_________\n= للبغوي (٢/ ٧).\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٤٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٨٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٣٨٢).\n(٢) بل صورتها: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديًا: إن كان معه فهل يحل له الصيد؟ ففيها أربعة أقوال:\nأحدها: قول عمر بن الخطاب ﵁: أنه من رمى جمرة العقبة فقد حل له كل ما حرم عليه إلا النساء والطيب.\nوالثاني: إلا النساء والطيب والصيد، وهو قول مالك.\nوالثالث: إلا النساء والصيد، وهو قول عطاء وطائفة.\nوالرابع: إلا النساء خاصة، وهو قول الحنفية والشافعي وأحمد.\nانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢١٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٣٥٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧١)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣٦)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٥١٧)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٤٤٨) و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ١٠٤).\n(٣) \"قبل ذلك وإن رمى\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":71},{"text":"الحُطَمُ عندما سمعوا تلبيتهم، والمسلمون بالحديبية، وهذا (١) يعارض قولَه تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وقولَه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nفالجوابُ أنه لا تعارضَ بين الآياتِ، فإن الحطم إنما نَهَبَ سَرْحَ المدينة، ولم يحل مقلدَهُم، ولا صَدَّهم عن المسجد الحرام، ولا أحلَّ شعائَر الله تعالى التي تقرَّب (٢) بها، ولا هتكَ لهم شهرًا حرامًا، فلو صَدُّوه لكانوا قد تَعَدَّوا، وأحلُّوا شعيرة (٣) اللهِ والشهرَ الحرام أو الهدي المُقَلَّد، وأتى البيت الحرامَ، فلم يصدَّ المسلمين إلا كفارُ قريشٍ، فنهاهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].\nفما نهاهم إلا عن الاعتداء، لا عن الاقتصاص، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"وهو\".\n(٢) \"التي تقرب\" ليس في \"أ\".\n(٣) في \"ب\": \"شعائر\".","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>(من أحكام الصيد والذبائح)</span>\n١٠٦ - (٣) قوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\nأقول: فصَّل لنا ربُّنا -ﷻ- في هذه الآيةِ ما حَرَّمه علينا، وها أنا أذكره حُكْمًا حُكْمًا.\n* أما الميتةُ، فإنها حَرامٌ بإجماعِ المسلمين؛ لهذه الآية، ولغيرِها من الآيات.\n* واتفق أهلُ العلم على أن هذا اللفظَ ليسَ على عمومه، واختلفوا في المُخَصِّصِ (١) له.\nفذهبَ أبو حنيفةَ إلى تخصيصهِ بكل ما لاَ دمَ لهُ، وعمَّمه في سائِر المَيْتاتِ، بريَّةً كانَتِ الميتةُ أو بحريةً (٢).\n_________\n(١) في \"ب\": \"التخصيص\".\n(٢) يقصدون بميتة البحر: الطافي من غير اصطياد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص =","vol":"3","page":73},{"text":"واستدلَّ بأمر النبيِّ - ﷺ - بِمَقْلِ الذُّبابِ (١) إذا وقعَ في الطعامِ (٢)، ورأى أنَّ الدمَ علَّةُ التحريم، يوجدُ باحتباسِه، ويعدَمُ بإهراقه.\nوزاد قومٌ آخرون على ما استثناه ميتةَ البحر؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].\nوإليه ذهبَ مالكٌ (٣).\nوذهب الشافعيُّ إلى استثناءِ ميتةِ البحر خاصَّةً (٤)، فجمعَ بين الآياتِ والآثارِ.\nأما الآياتُ فخصَّ بخُصوصِ آيةِ البحرِ عمومَ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].\nواستدلَّ على تخصيصها لآية التحريم دونَ أن تكونَ آيةُ الميتةِ مخصِّصَةَ لصيدِ البحر بقوله - ﷺ -: \"أحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ\" (٥) وبقوله - ﷺ - في البحر:\n_________\n= (١/ ١٣٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٣٥)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٤/ ٦٩).\n(١) مَقْل الذباب: المَقْلُ: الغَمْسُ يقال: مَقَلَه في الماء: غمسه. \"القاموس\" (مادة: مقل) (ص:٩٥٣).\n(٢) روى البخاري (٥٤٤٥)، كتاب: الطب، باب: إذا وقع الذباب في الإناء، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/ ٧٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٣١٨).\n(٤) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٦١)، و\"المستصفى\" للغزالي (ص: ١٨٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٣٨).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":74},{"text":"\"هو الطَّهورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيْتتهُ\" (١)، وبما رواه جابر -رضي الله تعالى عنه-: أنهم أكلوا من الحوتِ الذي رماهُ البحرُ أيامًا، وتزودوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسولَ الله - ﷺ -، فاستحسنَ فِعْلَهُم، وسألهم: \"هل بقيَ منه شيء؟ \" (٢) (٣).\nوضعف الشافعيُّ الاستدلالَ بأن ظاهرَ الكتابِ يقتضي تنويعَ المُحَرَّمِ إلى ميتةٍ ودمٍ، فالميتةُ تَحِلُّ بالذكاةِ، بخلافِ الدمِ، فلا يكون أحدُهما عِلَّةً لتحريم الآخر، ورأى أن العلَّة للمَقْلِ (٤) هو ما فَصَّلَتْه الإشارةُ النبويةُ من الداءِ بقوله: \"فإنَّ في أَحَدِ جَناحَيْهِ داءً، وفي الآخَرِ دَواءً\" (٥)، فجعله الشافعيُّ من بابِ العفوِ؛ لِمَشَقَّةِ الضَّرَر، وهذا من محاسنِ نظرهِ - رحمة الله عليه، وعليهم أجمعين (٦) -.\nفإن قال قائلٌ: فقد أفتى الشافعيُّ بتحليلِ جنينِ الذبيحةِ إذا خرجَ ميتًا (٧).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه البخاري (٢٨٢١)، كتاب: الجهاد، باب: حمل الزاد على الرقاب، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٠٣)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٩٥٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٨٧٨)، وغيرهم.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٦٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ٨٦).\n(٤) أي: الغمس.\n(٥) رواه البخاري (٣١٤٢)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٦٣)، عن أبي هريرة، وهذا لفظ أحمد.\n(٦) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥٦).\n(٧) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١٤٨).","vol":"3","page":75},{"text":"قلنا: ألحقهُ الشارعُ بالمُذَكَّى حُكْمًا ولَفْظًا، فقال - ﷺ -: \"فإنَّ ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ\" (١).\nوبهذا القولِ قالَ مالكٌ (٢)، إلا أنه اشترطَ وجودَ ما يدلُّ على الحياةِ في الجنينِ من تمامِ الخَلْقِ وإنباتِ الشَّعرِ؛ لإشعارِ قوله - ﷺ -: \"فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أُمِّه\"؛ فإنه يقتضي كونَه مَحَلًا للذكاة، مع ما روي أن أصحابَ رسول الله - ﷺ - كانوا يقولون: إذا أشعرَ الجنينُ، فذكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ (٣).\nوأما الشافعيُّ فلم يشترطْ ذلكَ، وتمسك بالمعنى؛ فإنه إنما جعل ذكاتَه؛ ذَكاتَها لكونه جزءًا منها، فلا مَعْنى لاشتراطِ الحياةِ (٤)، مع ما روى ابنُ أبي ليلى قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ، أَشْعَرَ أو لَمْ يُشْعِرْ\" (٥)، لكن هذا مُرْسَلٌ، وابنُ أبي ليلى سَيِّئُ الحفظ عندَ أهل الحديث (٦).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٨٢٧)، كتاب: الأضاحي، باب: ما جاء في ذكاة الجنين، والترمذي (١٤٧٦)، كتاب: الأطعمة، باب: في ذكاة الجنين، وابن ماجه (٣١٩٩)، كتاب: الذبائح، باب: ذكاة الجنين ذكاة أمه، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣١)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٧٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٥)، عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٤٩٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٦٣).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٦٤١)، عن عبد الله بن كعب بن مالك.\n(٤) وهو قول الحنابلة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣١٩).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٦٤٩)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد رواه الدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٢٧١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٥)، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا، وصحح البيهقي وقفه على ابن عمر.\n(٦) أما الحنفية فقالوا: لا يؤكل الجنين إلا أن يكون حيًا فيذكى. انظر: \"أحكام =","vol":"3","page":76},{"text":"* وأما الدمُ، فقد أطلقه الله سبحانه هنا، وقيدهُ في موضعٍ آخر بكونه دمًا مسفوحًا، والمسفوحُ هو المَصْبوبُ، قال طَرَفَةُ: [البحر الكامل]\nإنِّي وجَدِّكَ ما هَجَوْتُكَ وَإلا ... نْصابُ يُسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَم\" (١)\n* وقد أجمع المسلمون على تحريمِ المسفوحِ؛ لهذه الآية، ولغيرها من الآيات (٢).\n* واختلفوا في غيرِ المسفوحِ.\nفقال الجمهورُ بتحليل القليلِ الغيرِ المسفوحِ؛ تقديمًا لمفهومِ التقييدِ على الإطلاق.\nوقال قومٌ بتحريمِ الدَّمِ مطلقًا، إما تقديمًا للقياس على المفهوم؛ فإن كلَّ حَرامٍ لا يَتبَعَّضُ ولا يُفَرَّقُ بين قليلهِ وكثيرِه، وإما حَمْلًا للمفهوم على الجامِدِ كالكَبد والطِّحالِ، بدليلِ الأثرِ: \"أُحِلَّتْ لنا مَيْتتَانِ ودَمانِ، أَمَّا المَيْتَتانِ: فالحَوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطَّحالُ\" (٣) (٤).\n* ثم اختلفوا أيضًا:\nفمنهم من عمل بعمومِ اللفظ، فحكمَ بنجاسةِ الدمِ كله من الحيوانِ البرِّيِّ والبحريِّ (٥).\n_________\n= القرآن\" للجصاص (١/ ١٣٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٢/ ٦).\n(١) انظر \"ديوانه\": (ق ٦٠/ ١)، (ص: ١٧٠)، من قصيدة قالها معتذرًا إلى عمرو بن هند.\n(٢) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٢/ ٢٣٠).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١٢٤).\n(٥) وهو رواية عن الإمام مالك، وقول عند الشافعية، وبه أخذ أبو يوسف من=","vol":"3","page":77},{"text":"ومنهم من خَصَّهُ بغيرِ البحري، فأقاسَ دَم الصيدِ على ميتته، فخصَّصَ العمومَ بالقياسِ، وبهذا قالَ بعضُ الشافعيةِ، ومالكٌ في أحدِ قوليه (١)، والله أعلم.\n* وأما ما أُهِلَّ بهِ لغيرِ الله، فإنه حَرامٌ بإجماعِ المسلمين أيضًا، وقد حرمه اللهُ سبحانه في غير موضعين كتابه العزيز، وكرَّر تحريمهُ في أولِ هذهِ الآية، وفي وسطها، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].\n* وأصلُ الإِهلال في اللسان: رفعُ الصوتِ عندَ رؤيةِ الهِلال، ثم أطلقَ على رفعِ الصوتِ مُطْلقًا (٢)، قال النابغةُ: [البحر الكامل]\nأَوْ دُرَّةٍ صَدَفيَّةٍ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ متى يرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ (٣)\nثم أُطلق على رفعِ الصوتِ باسمِ الصَّنَمِ عندَ الذَّبحِ، ثم أطلق على الذبحِ وحدَه؛ لملازمتِه رفعَ الصوتِ في عادتهم.\nوهو المرادُ في كتابِ الله تعالى حيث وردَ كما بينه اللهُ سبحانه هنا، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].\nفإن قال قائل: فلعلَّ المرادَ بالذي في أولِ الآيةِ غيرُ الذي في آخرها،\n_________\n= الحنفية. انظر: المصادر التالية.\n(١) وهو قول الحنفية والحنابلة. انظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٤٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (١/ ١٠٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٨٧)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٨٨)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٥١٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢٢٢).\n(٢) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢٧٠)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٧٠٢).\n(٣) انظر: \"ديوانه\": (ق ٢/ ١٠)، (ص: ٣٢)، ورواية البيت في الديوان:\nكمضيئة صدفية غوّاصها ... بهج متى يرها يَهِلَّ ويسجُدِ","vol":"3","page":78},{"text":"فالمراد بالذي في آخرها ما ذُبح على النُّصُب، والمُراد بالذي في أولها ما رُفع بهِ الصوتُ بغيرِ اسم الله، ولم يُذْبَحْ، فيجبُ تحريمهُ إهانةً لشِعار الشركِ؛ كما يجبُ تعظيمُ ما أهِلَّ به للهِ من البُدْنِ تَعظيمًا لِشعائِر اللهِ سبحانه.\nقلت: ما أظن أحدًا من أهل العلم قالَ بهذا، بل هو حلالٌ إذا وقع في أيدي المسلمين قبلَ الذبحِ على النُّصُبِ، وإنما كررهُ الله سبحانه تأكيدًا لتحريمِه، فذكَره بلفظَي الحقيقةِ والمَجاز.\n* إذا تقرر هذا:\nفيحتملُ أن يكونَ المرادُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] العُمومَ لكلِّ ما ذُبِحَ لغير اللهِ، إما لصنمٍ، أو غيرِه.\nويحتمل أن يكونَ المرادُ به الخصوصَ، وهو ما ذُبح باسمِ النُّصبِ خاصّةً؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].\n* ولأجل هذا اختلفَ أهلُ العلمِ في الذي ذبحَهُ الكتابيُّ باسمِ الكنائسِ، واسمِ موسى وعيسى- عليهما الصلاة والسلام-.\nفمنهم من حَلَّلَهُ، وقصرَ التحريمَ على النُّصُبِ، وإليه ذهبَ مالكٌ وأصحابه (١).\nوذهبَ الشافعيُّ إلى التعميمِ (٢)؛ عملًا باللفظِ والمعنى:\n_________\n(١) في نسبة هذا القول إلى الإمام مالك نظر، فقد نقل ابن عبد البر عن الإمام مالك قوله: ما ذبحوه لكنائسهم أَكْرَهُ أكله، وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل. انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٥٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٨)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٧٦).\n(٢) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١١/ ٢٤٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٩٤)، =","vol":"3","page":79},{"text":"أما اللفظُ فلعمومِه.\nوأما المعنى، فلوجودِ التعظيمِ الذي هو علَّةُ التحريمِ حتى أطلقَ أصحابُه التحريمَ على ما يُذْبَحُ للسلطانِ عندَ استقباله؛ إذ المقصودُ بذلكِ التعظيمُ لا التكريمُ.\n* ثم ذكر الله سبحانه خمسةَ أشياءَ، وعَقَّبها بالاستثنناءِ، فقال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].\nوبينَ النبيُّ - ﷺ - تحريمَ ذلك؛ كما ذكره الله سبحانه، فقالَ لعديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- لمّا سألَه عن صيدِ المِعْراضِ (١): \"إذا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وإذا أصاب بِعرضِه، فقتلَ، فإنه وَقيذٌ (٢) فلا تأكلْ\" (٣).\n* ولما حرم الله سبحانه الدمَ، وحرمَ هذه الأشياءَ، عقبها بذكرِ الذَّكاةِ، وجعل الذكاةَ علَّةَ التحليل، علمنا أن عِلَّةَ التحليل خُروجُ الدمِ بالذَّكاةِ، وأن عدمَ خروجِ الدمِ علةٌ للتحريمِ.\nفاستدللنا بذلك على أن كل حيوانٍ حلالٌ لا دمَ فيه؛ كالجرادِ لا يحتاجُ إلى ذكاةٍ.\n_________\n= و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٢١).\n(١) المِعْراضِ: على وزن (مِحراب): سهمٌ بلا ريش، رقيق الطرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حدّه. \"القاموس\" (مادة: عرص) (ص: ٥٨١).\n(٢) وقيذ: الوَقذُ: شدَّةُ الضرب، وشاةٌ وقيدٌ وموقوذةٌ: قتلتْ بالخشب. \"القاموس\" (مادة: وقذ) (ص: ٣٠٧).\n(٣) رواه البخاري (٥١٥٩)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: صيد المِعْراض، ومسلم (١٩٢٩)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب المعلمة.","vol":"3","page":80},{"text":"وبهذا قال الشافعيُّ (١).\nوأوجب مالِكٌ الذكاة (٢).\nوذكاتُه قتلُه، إما بقطعِ رأسِه، أو غيرِ ذلك.\nواستدللنا أيضًا بذلكَ على أنَّ كلَّ حيوانٍ تحلُّ ميتتُه لا يَحتاج إلى ذكاةٍ؛ كصيدِ البحرِ، وهذا إجماع بين (٣) المسلمين أيضًا (٤).\nفإن قال قائل: فهل هذا الاستثناءُ متصلٌ أو منفصلٌ؟ وهل هو راجعٌ إلى المُحَرَّماتِ كُلِّها، أو يختصُّ بالأخيرِ منها؟\nقلت: رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع مُتَّصِلٌ؛ لصدقِ اسمِ الأكيلِ عليه عندَ حُصول التذكية، وإن لم يزهقْ روحَه.\nوأما الأمورُ الأربعةُ، فمن لاحظَ وقوعَ اسمِ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازًا، كان الاستثناءُ عندهُ مُتَّصِلًا أيضًا، وهذا هو الأقربُ إن -شاء الله تعالى-.\nومن لاحظَ صدقَ الأسماءِ حقيقةً؛ إذ لا تسُمى هذه المحرماتُ قبلَ الموتِ منخنقةً ولا موقوذة ولا مترديةً ولا نطيحةً إلا على سبيل التجوُّز، منعَ عودَ الاستثناء إلى هذه الجملِ الأربعِ، اللهمَّ إلا أن يجوزَ حملُ اللفظِ الواحدِ على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناءُ على الاتصال في أكيلِ السبعِ، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عندَ أهلِ النظر.\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٥٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١١/ ٢٢٩)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٤/ ٧٠)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٤٤٧).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٥٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٣٨٢).\n(٣) في \"أ\": \"من\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٣٨٢).","vol":"3","page":81},{"text":"وأما عودُه إلى الخنزير، فلا يجوزُ قطعًا؛ لأن الذكاةَ لا تعمل فيه شيئًا، وكذا لا يجوز عودُه إلى ما أُهِل بهِ لغير الله؛ لأنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لاختلاف الحكم فيه (١).\n* إذا تمَّ هذا، فقد اتفقوا على أن الأكيلةَ والمنخنقةَ والموقوذةَ والمترديةَ والنطيحةَ إذا رُجي حياتُها، حَلَّتْ بالذكاة.\nوإن انتهتْ إلى حالٍ لا تُرجى حياتُها.\nفقال قوم: تحل بالذكاة، ويروى عن عليِّ وابنِ عباسٍ (٢).\nوبه قال أبو حنيفةَ (٣).\nوقال قومٌ: لا يحلُّ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو يوسفَ (٤).\nوعن مالكٍ قولان، كالمذهبين (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٩٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٥/ ١٤٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٢٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٩٩).\n(٣) وهو الراجح من مذهب الإمام أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٠٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٥١)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٢٩٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٢٣).\n(٤) وقول محمد بن الحسن من الحنفية أيضًا. انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٨٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٥٠).\n(٥) ولعل الراجح من مذهبه أنها لا تحل. انظر: \"التمهيد\" (٥/ ١٤١)، و\"الاستذكار\" كلاهما لابن عبد البر (٥/ ٢٥٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٦).","vol":"3","page":82},{"text":"* ثم بين النبيُّ - ﷺ - صفةَ الذكاةِ والآلَةَ التي يجوزُ بها الذكاةُ، ونهى عن السِّنِّ والظُّفُر (١).\n* ونهانا الله سبحانَه عن الاستقسامِ بالأزلام، وسماه فِسْقًا؛ لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ، وإيقاعِ العداوةِ والبغضاءِ، وقدْ عافانا الله الكريمُ منه، فله الحمدُ.\nوالاستقسامُ هو استقسامُ لحمِ الجَزورِ بالمَيْسِرِ.\nوالأزلامُ هي السهامُ التي كانتِ الجاهليةُ يستقسمون بها، وكانت عشرة.\nمنها سبعةٌ ذواتُ الحَظِّ والنصيب، وأسماؤها: الفَذُّ، والتَّوْأَمُ، والرَّقَيبُ، والجلسُ، والنافسُ، والمسبلُ، والمُعَلى.\nومنها ثلاثةٌ بلا حَظٍّ ولا غُرْمٍ، وأسماؤها: الوغدُ، والسفيحُ، والمنيح (٢).\nوكانوا يجعلونها في خَريطةٍ، ويجعلونَ الجزورَ على ثمانيةَ عشَر سَهْمًا، ويخرجُها رجلٌ واحدًا واحدًا على أسمائهم، فللفذِّ سهمٌ، وللتوءَمِ سهمان، وللرقيبِ ثلاثةٌ، ومن بقيَ بلا سَهْمٍ، غرمَ ثمنَ الجَزورِ على قدر السهامِ.\nوقيل فيه من التأويل غيرُ ذلك، ولكن الظاهرَ ما ذكرتُه.\n* * *\n_________\n(١) روى البخاري (٥١٧٩)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: التسمية على الذبيحة، ومن ترك متعمدًا، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه، فكل، ليس السنَّ والظفر، وسأخبركم عنه: أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة\".\n(٢) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٣/ ٤٦٩)، و\"تفسيري الثعلبي\" (٢/ ١٥٠)، و\"المخصص\" لابن سيده (٤/ ١٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ١٩٣).","vol":"3","page":83},{"text":"* قوله ﷿: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].\nقد تقدم الكلامُ عليه.\n* * *\n\n١٠٧ - (٤) قوله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].\n* أحل الله سبحانه بهذه الآية شيئين: الطيباتِ من الرزق، والصيدَ.\n* والمُراد بالطيبِ في هذه الآيةِ ما تَستطيبه نفوسُ العربِ.\nوعزاهُ الواحديُّ إلى عامَّةِ المفسرين، فقال: قال المفسرون: أحل الله للعرب ما استطابوا ممّا لم ينزلْ تحريمُه تلاوةً مثلَ الضبابِ، واليَرابيعِ (١)، والأرانب، وغيرها، فكلُّ حيوان استطابتهُ العربُ فهو حلالٌ، وكلُّ حيوانٍ استخبثتهُ العربُ، فهو حرامٌ (٢).\nوهذا التفسيرُ ظاهرٌ من قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n* ثم أحل الله الكريمُ لنا في هذه الآية صيدَ البرّ بإمساكِ الجَوارح المُكَلَّبةِ فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: وصيدُ ما عَلَمْتُم من الجوارح، وأحله أيضًا لنا في غير هذه الآية بإصابةِ السلاح؛ حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].\n_________\n(١) اليرابيع: مفرده: يَرْبُوع: قال الأزهري: هي دويبَّةٌ فوق الجُرَذ، الذكر والأنثى فيه سواء. \"اللسان\" (مادة: ربع) (٨/ ١١١).\n(٢) انظر: \"تفسير الواحدي\" (١/ ٣٠٩).","vol":"3","page":84},{"text":"وبين النبيُّ - ﷺ - ذلكَ كما أحلَّه الله تُعالى، فقال لأبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ لما سأله: \"فَما أَصَبْتَ بقوسِكَ فاذْكُرِ اسمَ اللهِ -﷿-، ثم كُلْ، وما أَصَبْتَ بكلبِك المُعَلَّمِ، فاذْكُرِ اسمَ اللهِ -﷿-، ثم كلْ، وما أصبتَ بكَلْبكَ الذي ليسَ بمُعَلَّمٍ، فأدركْتَ ذكاتَه، فَكُلْ\" (١).\n* وقد اتفق العلماءُ على أن التعليمَ المذكورَ في الآية والحديثِ للاشتراطِ والتقييدِ، فيحل صيدُ المُعَلَّمِ، ويحرمُ صيدُ غيرِ المعلم، إلا أن يدركَ ذكاتَه.\nوالحكمة في ذلك أنه يصير (٢) كسائرِ الآلاتِ التي لا اختيارَ لها، فيشترطُ فيه أن يُجيبَه إذا دعاه، وأن ينبعثَ إذا أشلاه (٣)، وأن ينزخر (٤) إذَا زجرهُ.\n* ثم لمّا خصصَ الله سبحانه تحليلَ صيدِها بكونِه مُمْسَكًا عَلينا، فهمنا تحريمَ ما أمسكتهُ الجائعة على غيرنا، وقد بينه النبيُّ - ﷺ - كذلك، فقال لعديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- لما سأله: \"إذا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ، وذكرتَ اسمَ الله، فكلْ، فإن أكلَ منهُ، فلا تأكلْ منه (٥)؛ فإنما أمسكَ على نفِسه\" قلت: فإن وجدْتُ مع كلبي كَلْبًا آخَرَ، فلا أدري أَيُّهما أخذَ، قال:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٦١)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: صيد القوس، ومسلم (١٩٣٠)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب المعلمة، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) في \"ب\": \"أن تصير\".\n(٣) أشلاه: أشليتُ الكلبَ على الصيدَ: أغريته. \"اللسان\" (مادة: شلى) (١٤/ ١٤٤).\n(٤) في \"أ \": \"يزدجر\".\n(٥) \"منه\" ليست في \"ب\".","vol":"3","page":85},{"text":"\"فلا تأكلْ، فإنما سَمَّيْتَ على كلبِك، ولم تُسَمِّ على غيره\" (١).\nوبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ (٢)، والثوريُّ (٣)، وهو (٤) قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٥) -، وبه نأخذُ.\nوذهب قومٌ إلى إباحةِ ما أكلَ منهُ الكلبُ؛ لقوله - ﷺ - لأبي ثعلبة الخشني: \"إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم، وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْ\"، قال أبو ثعلبة: قلت: وإن أكلَ منهُ يا رسول الله؟ قال: \"وإن أكلَ\" (٦)، رواه أبو داود.\nوبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ في أضعفِ قوليه (٧).\nويروى عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما (٨) -.\nقال أهلُ العلمِ بالترجيحِ (٩): وحديثُ عديّ أرجحُ؛ لكونه\n_________\n(١) رواه البخاري (٥١٦٨)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر، ومسلم (١٩٢٩)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب المعلمة.\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٢٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣١٢)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٤/ ١١٧)، و\"المغنى\" لابن قدامة (٩/ ٢٩٧).\n(٣) انظر: \"شرح السنة\" للبغوي (١١/ ١٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٧٠).\n(٤) في \"ب\": \"وهذا\".\n(٥) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٥١٣)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٩٢).\n(٦) رواه أبو داود (٢٨٥٢)، كتاب: بالصيد، باب: في الصيد.\n(٧) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٨٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ٧٥).\n(٨) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٢٦)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٨٥١٦)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١١/ ١٩٥).\n(٩) سلكت طائفة مسلك الجمع بين الحديثين وقالوا: لا تعارض بين الحديثين على =","vol":"3","page":86},{"text":"مُتَّفَقًا عليه، ولهذا رواه البخاريُّ ومسلمٌ.\nقلت: ولكونه أحوطَ.\n* ثم اختلفَ أهلُ العلم في اختِصاص الجوارحِ بالكلابِ.\nفقال فريقٌ منهم بالتخصيص، ومنعوا الصيدَ بغيرِها من جوارحِ السباعِ والطيورِ.\nوبه قالَ مُجاهد (١).\nوتمسكوا بظاهرِ قوله تعالى: ﴿مُكلَّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف.\nوبعضُ هؤلاء استثنى البازِيَّ وحدَهُ (٢)؛ لحديثٍ رواه الترمذيُّ عن عديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن صيدِ البازي، فقال: \"ما أَمْسَكَ عليكَ فَكُلْ\" (٣).\nوقال جمهورُ العلماء بالتعميمِ.\n_________\n= تقدير الصحة ومحمل حديث عدي في المنع على ما إذا أكل منه حال صيده لأنه إنما صاده لنفسه ومحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن صاده وقبله ونهى عنه ثم أقبل عليه فأكل منه فإنه لا يحرم لأنه أمسكه لصاحبه وأكله منه بعد ذلك كأكله من شاة ذكاها صاحبها أو من لحم عنده فالفرق بين أن يصطاد ليأكل أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه فرق واضح.\nانظر: \"شرح سنن أبي داود\" لابن القيم (٨/ ٤٢).\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٤٧٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٧٧).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣٤).\n(٣) رواه الترمذي (١٤٦٧)، كتاب: الصيد، باب: ما جاء في صيد البزاة، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ١٦٨)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٩١)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٥/ ١٦٨).","vol":"3","page":87},{"text":"وبه قالَ فقهاءُ الأمصارِ (١)، ويروى عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.\nوتمسَّكوا: إما بالقياسِ على الكلابِ، فكل ما قَبِلَ التعليمَ فهو آلةٌ لذكاةِ الصيد، وإما بأنه مشتق من الكَلَبِ الذي هو الشدة، لا من اسمِ الكَلْب، فيكونُ معناه: مُغْرينَ للجوارحِ على الصيد، وبهذا فسرهُ ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.\n* فإن قال قائل: فهل الإغراءُ أو الإرسالُ واجبٌ في الاصطيادِ، أولا؟.\nقلت: هو واجب في قولِ جمهور العلماء، فلا يَحِلُّ ما أمسكه الكلبُ باسترساله؛ لقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: مُغْرين؛ كما فسره ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، وقوله - ﷺ -: \"إذا أرسلتَ كلبكَ المُعَلَّمَ\".\nفإن قال: فهل تجُدُ في الآية دليلًا غيرَ تفسير ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-؟ قلت: نعم، قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على الاصطياد؛ إذ لا يجوزُ عودُ الضَّميرِ على الأكل، ويكون المرادُ التسميةَ عندَ الأكل، وإذا تعيَّنَ ذلك، وتعين وجوبُ التسمية عند من يقول به، تعينَ القولُ عنده بوجوبِ الإرسال (٣).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٠٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٦) و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٩٦).\n(٢) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٤٩٧)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٩٠).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٤٦٧)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ١٢)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٤٨٢).","vol":"3","page":88},{"text":"فإن قال: ما دلَّك على ما قلتَ من أن المرادَ التسميةُ عندَ الإرسال، لا عند الأكل؟\nقلت: قوله - ﷺ -: \"إذا أرسلت كلبكَ المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْ\" (١).\n* وقد أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عندَ الإرسالِ على الصيد، وعند الرمي، وعند الذبح.\nوإنما اختلفوا هل ذلك على الوجوب، أو على الندب؟\nفقال أهلُ الظاهرِ بوجوبِها مطلقًا (٢)، وهو الصحيح عندَ أحمدَ في صيدِ الجوارحِ دونَ السهمِ (٣)، ويروى عن ابنِ سيرينَ وأبي ثورٍ (٤).\nوقال قومٌ باستحبابها مطلقًا، وبه قال الشافعيُّ ومالكٌ في إحدى الروايات عنه (٥).\nوقال جمهورُ أهلِ العلم: إن ترَكها سهوًا، حَلَّتِ الذبيحةُ والصيدُ، وإن تركَها عمدًا، فلا، وبه قالَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ (٦)، والثوريُّ (٧).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٤٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٩٣).\n(٣) انظر: \"مختصر الخرقي\" (ص: ١٣٤)، و\"الكافي\" (١/ ٤٨٢)، و\"المغني\" كلاهما لابن قدامة (٩/ ٢٩٢).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٠)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١١/ ١٩٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٩٣).\n(٥) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٥٤)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٢٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١٠).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢٨٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١١/ ٢٣٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٠).\n(٧) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٠)، و\"شرح البخاري\" لابن بطال (٥/ ٣٨٠).","vol":"3","page":89},{"text":"وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله تعالى- في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].\nقال ابنُ عباسِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: طعامُهم: ذبائُحهم (١).\n* وقد أجمع العلماءُ على العملِ بهذه الآية، فأحلوا ذبائحَ أهلِ الكتاب كما أحلَّها الله تعالى، وإنما اختلفوا في بعضِ التفاصيل (٢).\n* وأطلق اللهُ سبحانه حِلَّ ذبائِحِهم، ولم يقيدْهُ بذكرِ التسميةِ كما ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨].\nوهذا أيضًا مطلَق في أهل الكتاب وغيرِهم.\nفيحتمل أن يقيدَ إطلاقُه في المائدة بتقييده هناك، فلا تحل ذبائحُ أهل الكتابِ إلا إذا سمَّوا الله عليها.\nويحتمل أن يقيدَ إطلاقُه في الأنعام بتقييده هنا، ويكون المعنى: فكلوا ممَّا ذُكِر اسمُ الله عليهِ من غيرِ ذبائحِ أهل الكتاب.\nفقال فريقٌ بالأول، فجعل آيةَ المائدةِ مقيدةً بآية الأنعامِ، فلا تحلُّ لنا ذبائحُ أهلِ الكتابِ إلا إذا علمْنا أنهم سَمَّوا اللهَ عليها، ذكر ذلك عنهم مَكَيُّ بنُ أبي طالب، ونسبه إلى عليٍّ وعائشةَ -رضي الله تعالى عنهما-، وهذا منه خطأٌ وغَفْلَةٌ، وإنما المرويُّ عن عليٍّ وعائشةَ وغيرِهما: أن ذبيحةَ\n_________\n(١) رواه البخاري في \"صحيحه\" (٥/ ٢٠٩٧) تعليقًا، ورواه البيهقي موصولًا في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٨٢)، عن ابن عباس.\n(٢) كاختلافهم فيما إن ذكر عليها اسم المسيح، واختلافهم فيما إن ذبحها للكنيسة، واختلافهم في حل ذبائح نصارى العرب، وغيرها من المسائل.","vol":"3","page":90},{"text":"الكتابيِّ لا تحل إذا سمعه يُسَمّي غيرَ الله، وهذا شيء قد قدمتُه (١) عندَ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣].\nوالذي عليه جمهورُ أهلِ العلمِ العملُ بآيةِ المائدةِ، وأن ذبائحَهم حلالٌ مطلقا؛ كما أطلقه اللهُ سبحانه، سواءٌ سَمَّوا اللهَ عليها، أم لا (٢).\nوادعى بعضُهم الاتفاقَ عليه (٣)، ونسبه إلى عليٍّ رضي الله تعالى عنه (٤).\nثم اختلفت بهم (٥) الطرقُ.\nفرويَ عن أبي الدرداءِ وعُبادة بنِ الصامتِ وعِكرمة (٦): أنهم قالوا: آيةُ المائدةِ ناسخةٌ لآيةِ الأنعام (٧).\nوالذي عليه جُمهور السلفِ والخلفِ العملُ بآية المائدة، فمن يشترطُ التسميةَ يقولُ بالتخصيص، ومن لم يشترطْها يقولُ بالتأويل، وأما القولُ بالنسخِ فبعيدٌ؛ لإمكانِ الجمعِ بين الآيتين (٨).\n_________\n(١) في \"ب\": \"قدمناه\".\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٩/ ٧٥)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٨٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٤/ ٢٧)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١١/ ١٩٥).\n(٣) لعله يقصد الكيا الطبري. انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٧٦).\n(٤) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٣/ ٤٣٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٢٩٦).\n(٥) في \"ب\": \"بهؤلاء\".\n(٦) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٤٣٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٧٦).\n(٧) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٧ - ٢٨)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٣)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٠٨).\n(٨) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٤٤٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٧١).","vol":"3","page":91},{"text":"والذي أختارهُ ما ذهبَ إليه أبو عبدِ الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى (١) -: أن (٢) التسميةَ غيرُ واجبة؛ فإن آية الأنعام مَخْصوصَةٌ بما ذُبح للأصنامِ، وذلك أن الجاهليةَ كانتْ تعظِّم آلهتَها، فتُهدي إليها، وتتقربُ إليها بالذبحِ عليها، وفعلُها هذا يتضمَّن ثلاثةَ أمورٍ قبيحةٍ شنيعةٍ:\nأحدها: الإهلالُ لغير اللهِ تعالى.\nوثانيها: ذبحُها تعظيمًا لآلهتها.\nوثالثها: تركُ ذكرِ اسم اللهِ عليها، وتعويضُه باسمِ آلهتها.\nولا شكَّ أن قربانَ الإسلامِ بعكسِ ذلك، في هذهِ الأمورِ كلِّها، فحرم الله سبحانه قُربانَ الجاهليةِ، وكرر ذلكَ علينا، وعلقَ التحريمَ بكلِّ فردٍ من هذهِ الأمورِ الثلاثة التي تضمَّنها فعلُهم القبيحُ؛ تنبيهًا على اشتمالها على أنواعِ القبائحِ، فعلقه تارةً بالإهلالِ لغيرِ الله تعالى، وتارةً علَّقه بحقيقةِ الذبحِ على النُّصُب، وتارةً علَّقه بعدمِ ذكرِ الله تعالى، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nفإن قلت: فهلْ تجدُ في القرآن دليلًا على هذا؟\nقلت: بل أدلةً:\nأحدها: الطلبُ من الله سبحانه لأهلِ الشركِ، وحَثُّه إياهُمْ على الأكلِ مِمَّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] حتى جعلَ ذلكَ شرطًا في الإيمانِ.\nثانيها: ذَمُّ الله سبحانه لهم على تركِ الأكلِ مما ذُكر اسمُ الله عليه،\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٠).\n(٢) في \"ب\": \"بأن\".","vol":"3","page":92},{"text":"فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، فاستدللنا بهذا (١) على أن المرادَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ما ذُبح باسمِ النُّصُبِ، والدليل على ذلك أيضًا وصفُه له بكونه فِسْقًا، والفِسْقُ ما أُهِلَّ بهِ لغيرِ الله؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤، ١٤٥]، ولم يقل: أو فسقًا لم يُسَمَّ اللهُ عليه.\nفإن قلت: فإنا نجدُ في القرآنِ والسنةِ ظواهرَ تدلُّ على طلبِ التسمية؛ كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله - ﷺ -: \"إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسمَ الله عليهِ، فَكُلْ\" (٢)، وغير ذلك من الآثار.\nقلت: هذه الظواهرُ محمولة عندنا على الاستِحباب، والخِطابُ جرى على غالب الوجودِ من أحوالِهم، بدليلِ ما قدمتهُ.\nفإن قلتَ: فهل تجدُ في السنةِ دليلًا على ما قلتَ من صرفِ هذهِ الظواهرِ إلى ما أُريد بها؟\nقلت: نعم، روى البخاريُّ عن هشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه (٣) عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أن قومًا قالوا للنبي - ﷺ -: إن قومًا يأتونا باللَّحم لا ندري أَذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ، أم لا؟ فقال: \"سَمُّوا عليهِ أنتم وكلوه\" (٤)،\n_________\n(١) \"بهذا\" ليس في \"ب\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) \"عن أبيه\" ليس في \"أ\".\n(٤) رواه البخاري (٥١٨٨)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: ذبيحة الأعراب ونحوهم.","vol":"3","page":93},{"text":"فهذه التسميةُ هيَ المندوب إليها عندَ الأكلِ، وليست هي التسيمةُ عندَ الذكاة، ولو كانَ حَرامًا، لم يأمرْهُم.\n* * *\n\n١٠٨ - (٥) قوله ﷿ ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].\n* إذا تَمَّ هذا، فهذه الإضافةُ للطَّعامِ الى أهلِ الكتابِ:\nيَحتمل أن يُرادَ بها عامَّةُ ذبائِحهم.\nويحتملُ أن يُرادَ بها ما يَحِلُّ لهم مِمَّا يَطْعَمونه دونَ ما يحرم عليهم كذواتِ الظفرِ، وشحومِ الغنمِ والبقر.\nوبالمعنى الأولِ قالَ الشافعيُّ (١)، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ (٢).\nوبالمنع قالَ ابنُ القاسمِ (٣).\nوفرق أشهبُ بينَ ما كانَ مُحَرَّمًا بالتوراةِ، وما كانَ مُحرَّمًا من قِبَلِ أَنْفُسهم، فأباح ما ذبحوا مِمّا حَرَّموه على أنفسهم (٤).\nوكذلك اختلفَ قولُ مالكٍ في الشحوم (٥).\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ١٠٢).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣٠).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣٠)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ١٠٢).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣٠).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١٢٦).","vol":"3","page":94},{"text":"وبالإباحةِ قالَ الشافعيُّ (١)، ويدلُّ له ما رُوي أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ أصابَ جرابَ شَحْمٍ (٢) يومَ خَيْبَر، ورآه النبيُّ - ﷺ -، وأقرَّهُ على أخذه، ولم ينهَه (٣).\n* واتفق عامةُ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بأهلِ الكتاب اليهودُ والنصارى من بني إسرائيلَ والرومِ والحبشة، ومنهم السامرةُ (٤)؛ لما روي (٥): أن عاملًا لعمرَ كتبَ إليه: إن ناسًا من قِبَلِنا يُدْعَوْنَ السّامِرَةَ، يسبِتون يومَ\n_________\n(١) وهو مذهب الحنفية والحنابلة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٦٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٩٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٦٠).\n(٢) جراب شحم: الجِرابُ: المِزْوَد، أو الوعاء. جمعُه: جُرُب وجُرْب، وأَجْرِبَة. \"القاموس\" (مادة: جرب) (ص: ٦٣).\n(٣) رواه مسلم (١٧٧٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب.\n(٤) قال الشافعي: إن وافقت السامرة اليهود في أصول العقائد حلت ذبائحهم ومناكحتهم وإلا فلا. انظر: \"المجموع\" للنووي (٩/ ٧٦).\nوالسامرة: فرقة من اليهود، وإليها ينسب السامري، لا يؤمنون بنبي غير موسى وهارون ويوشع وإبراهيم فقط، ويخالفونهم في القبلة، فاليهود تصلي إلى بيت المقدس، والسامرة تصلي إلى جبل عزون ببلد نابلوس، وتزعم أنها القبلة التي أمر الله موسى أن يستقبلها، وأنهم أصابوها وأخطأتها اليهود، وأن الله أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلوس، وهو عندهم الطور الذي كلم الله عليه موسى، فخالفه داود وبناه بمايليا، فتعدى وظلم بذلك، ولغتهم قريبة من لغة اليهود وليست بها، وهم فرق كثيرة تشعبت عن فرقتين دوسانية وكوسانية.\nانظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (١٢/ ٢٩٣)، و\"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ٢١٨)، و\"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم (ص: ٢٢٩).\n(٥) في \"أ\": \"لما روى ابن عباس\"، والصواب المثبت، كما في \"ب\"، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي.","vol":"3","page":95},{"text":"السبتِ، ويقرؤون التوراةَ، ولا يؤمنون بيومِ البعثِ، فما ترى يا أمير المؤمنين في ذبائحهم؟ فكتبَ: هم طائفة من أهلِ الكتابِ، وذبائحُهم ذبائحُ أهلِ الكتاب (١) (٢).\n* واختلفوا في نَصارى العربِ:\nفذهبَ الجُمهور إلى تحليلِ ذبائحِهم (٣)؛ لعموم الكتاب، وهو قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٤) -.\nوذهبَ قومٌ إلى تحريمِها، فكان على وعمرُ -رضي الله تعالى عنهما- ينهيان عن ذبائحِ بني تغلِبٍ (٥)، وبه قال الشافعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالى (٦) -.\n* وكذلك اختلَفوا في الصابِئينَ:\nفمنَ الناس من أطلقَ عليهمُ اسمَ أهلِ الكتِاب، وبهِ قال جابرُ بنُ زيدٍ، فألحقَهُمْ بأهله (٧).\nومنهم من قالَ: لَيْسوا من أهلِ الكِتاب، وبه قالَ ابنُ عباسٍ ومُجاهِدٌ (٨).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٧٣)، لكن عن غضيف بن الحارث.\n(٢) ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٧٤) عن غضيف بن الحارث.\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٣/ ٤٤١)، \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٢٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٥٨).\n(٤) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٤٨٩)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ١٠١).\n(٥) انظر: \"مسند الشافعي\" (ص: ٣٤٠)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ١٠١).\n(٦) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣٢)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٧١).\n(٧) انظر: \"الأموال\" لأبي عبيد (ص: ٦٥٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٨٣).\n(٨) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٦/ ١٢٥)، و\"تفسير الطبري\" (١/ ٣١٩).","vol":"3","page":96},{"text":"* وكذلك اختلَفوا في المَجوسِ.\nفذهبَ الجمهورُ إلى أنه لا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، كما لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهم (١)؛ لكونهم ليسوا من أهلِ الكتاب، وهو قولُ عليٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه (٢) -.\nوذهب قومٌ إلى تَحْليِلها، وهو قولُ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما (٣) -؛ لقوله - ﷺ -: \"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتاب\" (٤).\nوخَصَّصَ الأَوَّلونَ الحديثَ ببعضِ الأحكامِ، وهو التقريرُ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ،\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٣٢)، و\"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٥٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٨١)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٤/ ٢٧).\n(٢) انظر: \"مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله\" (ص: ٢٦٤).\n(٣) لم أقف على نسبة هذا القول لابن عباس، إنما وقفت على أنه لأبي ثور، وعُدَّ قوله هذا خرق للإجماع واستنكروه كثيرًا، فقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وقال الإمام أحمد: ها هنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسًا ما أعجب هذا، يُعرِّض بأبي ثور. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٢٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣١٣).\n(٤) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨)، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٠٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٧٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٩)، عن عمر بن الخطاب.\nقال الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٦/ ٢٦١): هذا منقطع مع ثقة رجاله، وقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٢١): لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في \"صحيح البخاري\": عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر. ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الأشربة ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، أو أن المراد: سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، كما يدل عليه سياق الحديث.","vol":"3","page":97},{"text":"واستدلُوا بكونهم لا تَحِلُّ نِساؤُهم إجماعًا، فخرجوا بذلكَ من سُنَّةِ أَهْلِ الكتابِ في النكاح، فكذلكَ في الذبائحِ؛ لأن الأصلَ فيهما التحريمُ.\nوبقيةُ الآيةِ قد تقدَّم شرحُه في \"سورةِ البقرةِ\" و\"النساءِ\".\n* * *","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>(من أحكام الطهارة)</span>\n١٠٩ - (٦) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\n* أوجبَ اللهُ سبحانَه بهذه الآية الوضوءَ على المُؤمنين، وَبيَّنه النبيُّ - ﷺ - كَما فرضَه اللهُ تعالى بفعله، وقال: \"لا يقبلُ اللهُ صلاةَ مَنْ أحدَثَ حَتّى يَتَوَضَّأَ\" (١).\n* وقد أجمعتِ الأمةُ على وُجوبه؛ كما فرضَهُ اللهُ سُبحانه.\n* وعَلَّق اللهُ سبحانَه فَرْضَه بالقيامِ إلى الصَّلاةِ.\nفيحتملُ أن يُرادَ به حقيقةُ التعليق، فيجبُ الوضوءُ عندَ كُلِّ قيامٍ إلى الصلاةِ.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٥)، كتاب: الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، ومسلم (٢٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":99},{"text":"ويحتملُ أن يُرادَ به التعريفُ لوقتٍ خاصٍّ، وهو وقتُ الحَدَثِ، وبهذا المعنى خَصَّه عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ.\nفقال ابنُ عباسٍ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: إذا قُمتم إلى الصَّلاةِ وأنتم مُحْدِثون (١).\nوقال زيدُ بنُ أَسْلَمَ: إذا قمتم إلى الصلاةِ من النومِ (٢).\nوحكيَ عن عِكْرِمَةَ وابنِ سِيرينَ (٣): أنهما حَمَلا الخِطاب على حقيقتِه في التعليقِ، فأوجبا الوضوءَ لكلِّ صلاة.\nقال ابنُ سيرينَ: كانَ الخُلَفاءُ يتوضَّؤونَ لكلِّ صلاةٍ (٤).\nوهما مَحْجوجانِ باتفاقِ العامَّةِ من أهلِ العلمِ، وببيانِ النبيِّ - ﷺ -؛ فإنه كانَ يُصَلِّي الصَّلَواتِ بالوضوءِ الواحدِ، ولعلَّ الخلفاءَ فَعلوا ذلكَ للفَضْلِ، لا للحَتْم.\n* فأوجَب الله سبحانهُ غسلَ الوجهِ واليدين إلى المِرْفقين، اتَّفق (٥) العلماءُ على وُجوبِ ذلكَ (٦)، وإنَّما اختلَفوا في تفاصيلهِ، فاختلَفوا في البَياضِ الذي خَلْفَ العِذارِ (٧)، ودونَ الأُذُنِ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٢).\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ١١٢).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ١١٢).\n(٤) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٣).\n(٥) في \"ب\": \"وأجمعت\".\n(٦) انظر: \"مراتب الإجماع\" لابن حزم (ص: ١٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ١٠٧).\n(٧) العِذارُ: الشعرُ النابت في موضع العذار: وهو جانبا اللّحية. \"القاموس\" (مادة: عذر) (ص: ٣٩٤).","vol":"3","page":100},{"text":"- فذهبَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ إلى أنهُ من الوَجْهِ (١).\n- وقال مالِكٌ: ليسَ من الوَجْهِ (٢).\nوالوَجْهُ مشتقٌّ من المُواجَهةِ: فمنهمُ من رَأى اسمَ الوَجْهِ صادقًا عليه، ومنهم مَنْ لم يَرَ ذلك.\nوهذا أيضًا سَبَبُ اختلافِهم فيما نزلَ من اللِّحْيَةِ عن منابِتِها.\nفأوجبَ مالكٌ غَسْلَهُ (٣)، ولم يوجِبْه أبو حنيفةَ (٤).\nواختلفَ قولُ الشافعيِّ في ذلك (٥).\n* وأما اختلافهُم في اليدِ، ففي موضِعَينِ:\nأحدُهما: في الحكم.\nوالثاني: في كيفيةِ الاستدِلالِ.\nأما الحكمُ:\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٦)، و\"رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٩٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١١٠).\n(٢) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١١٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٧).\n(٣) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١٢١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٧).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٤٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٤).\n(٥) وكذا اختلف قول الإمام أحمد في هذه المسألة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٢٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١٣٠)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٢٧).","vol":"3","page":101},{"text":"فقال جمهورُ أهلِ العلم: يجبُ إدخالُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ (١).\nوقال زُفَرُ (٢)، وأبو بكرِ بنُ داودَ (٣)، ومالكٌ في راويةِ أشهبَ: لا يجبُ (٤).\nوأما الاستِدْلالُ:\nفإنَّ زُفَرَ ومُوافقيهِ أخذوا بظاهِرِ المعنى المشهورِ الموضوعِ لـ (إلى)، وهو الغايةُ.\nوأما الجُمهورُ، فجعلوها بمعنى (مع)، وذلك شائعٌ في اللسانِ، جائزٌ عند كافَّةِ الكوفيينَ وبعضِ البَصْريِّين، قال امْرُؤ القيسِ: [البحر الطويل]\nلَهُ كفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حاركٍ مثلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ (٥)\nواستدلَّ الشافعيةُ، أو بعضُهم، بما روى (٦) جابرٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ-: أن النبي - ﷺ - كان إذا توضّأَ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه (٧)، وقالوا: هذا بيان لِما وردَ في الآية مُجْمَلًا، وأفعالُه - ﷺ - تُحْمَلُ على الوُجوبِ في بَيانِ المُجْمَلِ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١١٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٢٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٨٥).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٢٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٤٤).\n(٣) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١٢٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٨٥)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٤٤٧).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٢٣)، و\"شرح البخاري\" لابن بطال (١/ ٢٨٦).\n(٥) تقدم ذكره وتخريجه.\n(٦) في \"ب\": \"روي عن\".\n(٧) رواه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ٨٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٥٦)، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف\" (١/ ١٧٤).","vol":"3","page":102},{"text":"وفي هذا ضَعْفٌ، فإن لفظَ الآيةِ ليسَ بِمُجْمَلٍ، بل هو في معنى الغايةِ أظهرُ من المَعِيّةِ؛ إذ هو المعنى الموضوعُ له، ولا تستعملُ في المعيةِ إلا تَجَوُّزًا.\nوبعضُ أهلِ البَصْرَةِ مَنَعَهُ.\nوحاولَ بعضُهم دلالَتَها مع بقائِها على أصلِ وَضْعِها، فقال: (إلى) هاهنا للإخراج، لا للإدخال؛ لأنَّ اسمَ اليدِ يُطْلَقُ (١) على العُضْوِ إلى المَنْكِبِ، فلو لم تردْ هذه الغايةُ، لوجبَ غَسْل اليدِ إلى المَنْكِبِ، فلما دخلتْ (إلى)، أخرجَتْ عن الغَسْلِ ما زادَ على المِرْفقَيْنِ، فانتهى الإخْراجُ إلى المِرْفقَيْنِ، فكأنه قالَ: واغْسِلُوا أيديَكُمْ، واتركوا من (٢) المَناكِبَ إلى المرافقِ.\nوفي هذا بعدٌ ظاهرٌ؛ لما فيه من إيصالِ الغايةِ بمعنى غيرِ مذكورِ، وفصلِها عن مَعْنًى مذكورٍ مقصودٍ، واحتمالُ مجاز (٣) الاستِعارةِ أهونُ من ارتكابِ هذا المَجازِ البعيد.\nثم قال بعضُهم: وإن سَلَّمْنا أن (إلى) هنا معناها الغايةُ، فالمُغَيَّا يدخلُ في الغايةِ إذا كانت من جنِسه، والمِرْفَقُ من جنسِ اليدِ، ولا يدخلُ إن كانَ من غيرِ جنسه؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوما قالهُ هذا غيرُ خالٍ من النِّزاع، بل الصحيحُ عدمُ الدخولِ مُطْلَقًا، ووجهُ الدَّلالَةِ عندي من حَديثِ جابِرٍ -رضي الله تعالى عنه- قوله: كانَ إذا توضّأَ أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيهِ، وهذا يدلُّ على التكْرار، مع أنه لم يُنْقَلْ أَنَّ\n_________\n(١) في \"أ\": \"ينطلق\".\n(٢) \"من\" ليست في \"أ\".\n(٣) \"مجاز\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":103},{"text":"النبيَّ - ﷺ - اقتصرَ على دونَ المِرْفَقِ، فدلَّ على دُخوله وُجوبًا.\nفإن قال قائل: كلمة (كان) لا تدلُّ على الاستغراقِ، على الصحيح عند الأصوليين.\nقلتُ: لا تدلُّ على الاستِغْراقِ في ذي الأقسامِ والأنواع، وأما إن لم يكنْ للفعلِ أقسامٌ وأنواعٌ، كالوضوء، فإنها تدلُّ على التكرارَ وَضْعًا وعُرْفًا، أو عُرْفًا لا وَضْعًا؛ كما اختارهُ بعضُ المحققين.\nفإن قال: لعلَّه - ﷺ - فعلَ ذلكَ طَلَبًا لإطالةِ الغُرَّةِ، فهو محمولٌ على الاستِحْباب.\nقلت: لا يُحملُ مثلُ هذا على طلبِ الغُرَّةِ، وإنَّما يُحمل عليه مثلُ ما رُوي عن أبي هريرةَ -﵁-: أنه غسلَ يَدَه اليُمنى حتى شرعَ في العَضُدِ، ثم اليُسْرى كذلك، ثم غسلَ رِجْلَه اليُمنى حتى شرعَ في الساقِ، ثم اليُسْرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يتوضأ\" (١) لإشعارِ الشُّروعِ في الأعضاءِ بطلبِ الفضيلةِ، وعدمِ إشعارِ الإرادة بذلك.\nوهذا كلهُّ إن صَحَّ حديثُ جابرِ، ولستُ أعلمُ صِحَّته (٢)، أما إذا لم يَصحَّ، فحجَّتُهم أظهرُ وأقوى.\n* ثم أَمَرَهُم سُبْحانَه بِمَسحِ الرأسِ، وهو واجبٌ بإجماعِ العُلماء، لكنهمُ اختلفوا في مِقْدارِ الواجبِ منه.\n- فذهب مالكٌ، والمُزَني، وأحمدُ -في إحدى الروايتين- إلى مَسْحِ كُلِّهِ\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٤٦)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (١/ ٥٧): وقد صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي، وغيرهم.","vol":"3","page":104},{"text":"كسائرِ أعضاءِ الوضوء (١)؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\n- وقَدَّرَهُ أبو حَنيفةَ بالرُّبُعِ (٢).\n- وذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ إلى أن الفرضَ مسحُ بعضِه (٣).\nواستدلَّ الحنفيةُ بما روى المغيرةُ بنُ شعبةَ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - مسحَ بِناصِيَتِهِ وعِمامَتِهِ (٤).\nوالشافعيُّ لما رأى تخصيصَ فعلِه - ﷺ - بعضَ الرأسِ، ورأى الناصِيَةَ لا تتقدرُ بربعِ الرأس، اكتفى بما يقعُ عليه اسم المسحِ، وبما يقعُ عليه اسمُ الرأس.\nفإن قال: فحديثُ المغُيرةِ يدلُّ على وجوبِ مسحِ الجميعِ؛ لما فيه من التكميلِ بالعِمامَةِ، ولو لم يجبِ الجميعُ، لما كَمَّلَ بالعِمامة التي هي حائِلٌ.\nقلنا: إنما ينتهِضُ (٥) دليلُها للذي يُجَوِّزُ المَسْحَ على العِمامة، وينزلُها منزلةَ الرأس، وهو أحمدُ، ووافقه على ذلك جماعةٌ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٨٦)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٤٥٨).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٤٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٦٣).\n(٣) وهو قول سفيان الثوري وداود. انظر: \"أحكام القرآن\" للإمام الشافعي (١/ ٤٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ٥٢).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٤٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٦٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ١٠٤١).\n(٥) في \"ب\": \"ينهض\".\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٨٤).","vol":"3","page":105},{"text":"وأما عندَ من لا يُجَوِّزُهُ؛ كمالِكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ، فلا يدلُّ (١).\nوضُعِّفَ الاستدلالُ به على إيجابِ الجميعِ؛ لمخالفةِ القِياسِ؛ لما فيه من الجَمْعِ بينَ الأصلِ والبَدَلِ في فِعْلٍ واحِدٍ، وذلك لا يجوزُ.\nوالذي يظهرُ لي قوةُ الاستدلالِ به، وأنه موافق للقياسِ، وذلك أنه عُضْوٌ تدعو الحاجَةُ إلى سَتْرِهِ، ولا مَشَقَّةَ في مَسْحِ بَعْضِهِ، فوجبَ مسحُ المَيْسور؛ والاكتفاءُ بالبدلِ عن المَعْسورِ كما يُفْعَلُ في الجَبيرَةِ، ويخالفُ الخُفَّينِ؛ فإن في كشفِ بعضِ مَحَلِّ الفَرْضِ مشقةً، وقد يدعو نزعُ البعضِ إلى نزعِ الجميع، بخِلافِ العِمامة.\nوالعجبُ من الشافعيَّة كيف اعتمدوا هذا التَّضْعيفَ، وقالوا: يُسْتَحَبُّ (٢) التكميلُ بالعِمامةِ، فجمعوا بين البَدَلِ والمُبْدَلِ، وتحكَّموا، وجعلوا الأصلَ فَرْضًا، والبَدَلَ نَفْلًا، فهو خِلافُ الأصول؛ فإنه ما جازَ أن يكونَ بَدَلًا في النَّفْلِ، جازَ أن يكونَ بَدَلًا في الفَرْضِ، ولم نجدْ شيئًا يكونُ بَدَلًا في النَّفْلِ، ولا يكونُ بَدَلًا في الفَرْضِ.\nثم اختلفَ أصحابُهم وغيرُهم من أهلِ المعاني في معنى الباء.\nفذهبَ مَنْ قالَ بقولِ مالِكٍ إلى أن الباء إمّا زائدةٌ، وإما معناها الإلصاقُ الذي هُوَ موضوعٌ لها حقيقةً، أي: أَلْصِقوا المَسْحَ برؤوسِكُمْ (٣).\nوقيل: إن معناها الاستعانة والاعتمادُ، وإن في الكلامِ حذفًا وقلبًا، فإنَّ (مَسَحَ) يتعدّى إلى المُزالِ عنه بنفِسه، وإلى المُزيلِ بالباء، فالأصلُ:\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٥٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٣٥٥).\n(٢) في \"ب\": \"مستحب\".\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٩٦).","vol":"3","page":106},{"text":"امسحوا رؤوسَكُم بالماء، ونظيرُه قولُ الشاعرِ (١): [البحر الكامل]\nومَسَحْتِ بِاللِّثَتَيْنِ عَضْفَ الإثْمِدِ\nيقولُ: إن لِثاتِك تضربُ إلى السُّمْرَةِ، فكأنكِ مَسَحْتِها بمسحوقِ الإثْمِدِ، فقلبَ مَعْمولَيْ مَسَحَ (٢).\nوذهبَ بعضُ من قالَ بالتقدير إلى أنَّ معناها التبعيضُ (٣)، أي: من رُؤوسِكُم، وهو معنًى صحيحٌ شائعٌ في اللسانِ، قال به الكوفيون وبعضُ البَصْريين، قال عَنْتَرَةُ: [البحر الكامل]\nشَرِبَتْ بِماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ ... زَوْراءَ تَنفِرُ عنْ حِياض الدَّيْلَمِ (٤)\nأي: من ماءِ الدّحرضين.\nوأجابَ الشافعيُّ عن احتجاجِه بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فقال بِمَسْحِ الوجهِ في التَّيَمُّمِ بدلًا من غَسْلِه، فلا بدَّ أن يأتيَ بالمَسْحِ على جميعِ مواضِع الغَسْلِ منه، ومسحُ الرأسِ أصلٌ، فهذا فرقُ ما بينهما.\n* ثم أمرهمُ اللهُ سبحانه بغسلِ الرِّجْلَيْنِ، أو مَسْحِهما، على اخْتِلافِ القراءتين.\n_________\n(١) هو خُفاف بن نُدبة، وصدر البيت:\nكنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديةٍ\nوهو من \"شواهد سيبويه\" (١/ ٩).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٨٨)، و\"مغني اللبيب\" لابن هشام (١/ ١٤٣).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٤٤)، و\"فقه اللغة\" للثعالبي (ص: ٨٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٦٣).\n(٤) انظر: \"ديوانه\": (ص: ٥٩).","vol":"3","page":107},{"text":"وقد أجمعَ المسلمون على فَرْضِيَّة ذلك، لكنهم اختلفوا في أنواعِ طهارتهما.\nفالذي عليهِ عَمَلُ الناسِ، وقال به الجُمهورُ: أنَّ طهارَتَهُما الغَسْلُ (١).\nأما على قراءةِ النَّصْبِ، فالدَّلالَةُ ظاهِرةٌ.\nوأما على قراءةِ الخَفْض، فقيلَ: المرادُ بالمَسْح الغَسْلُ.\nقال أبو زيدٍ: المسحُ خَفيفُ الغَسْلِ، يقولُ العربُ: مسحَ اللهُ ما بك، أي: غَسَلَكَ وطَهَّرَكَ من الذنوبِ، فكذلك المسحُ يكون في الرِّجْلِ (٢) هو الغَسْلُ الخفيفُ (٣).\nوقيل: إنه خَفْضٌ على الجِوار، فهو معطوف في اللفظِ دونَ المعنى (٤)، وذلكَ جائزٌ موجودٌ في لسانِ العربِ؛ كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ (٥).\nقال الشاعر (٦): [البحر الطويل]\nكَأَنَّ ثَبيرًا في عَرَانينِ وَبْلِهِ ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ\n_________\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٢١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٤٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٤٠).\n(٢) في \"ب\": \"الأرجل\".\n(٣) انظر: \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" للأنباري (٢/ ٦٠٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٢).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩١).\n(٥) انظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (ص ٥٩٣ - ٥٩٤)، و\"لسان العرب\" (٢/ ٥٩٣) مادة (مسح).\n(٦) هو امرؤ القيس، والبيت في معلقته رقم (٧٧)، (ص: ٧٤) من \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني.","vol":"3","page":108},{"text":"وقال آخَرُ (١): [البحر الطويل]\nفَهَلْ أَنْتَ إنْ ماتَتْ أَتانُكَ راحِلٌ ... إلى آلِ بِشطامِ بنِ قيسٍ فخاطب\nوقال آخَرُ (٢): [البحر الكامل]\nلَعِبَ الزَّمانُ بِها وغَيَّرَها ... بَعْدي سوافي المُورِ والقَطْرِ\nبخفض القطر.\nويدلُّ على أن المرادَ به (٣) الغسلُ فعلُ النبيِّ - ﷺ - ذلكَ في جميع الحالاتِ والمواطِنِ، ولم يُنْقَلْ إلينا قَطُّ أنه مَسَحَ القَدَمَيْنِ، ولو كانَ واجبًا أَو جائزًا، لَبَيَّنَهُ عن اللهِ سُبحانه كما أوجَب ذلك عليه.\nوذهبتِ (٤) الشيعةُ إلى أن الواجبَ المسحُ دونَ الغسلِ (٥)، واحتجُّوا بقراءةِ الخَفْضِ (٦)، وأجابوا عن قراءةِ النَّصْبِ بأنها عَطْفٌ على المَوْضِعِ؛\n_________\n(١) هو الفرزدق انظر: \"الأغاني\" (٢١/ ٣٣٢). وهناك رواية على هذه الشاكلة:\nألستَ إذا القعساء أنسلَ ظهرها ... إلى آل بسطام بن قيس بخاطب\nوانظر: \"الأغاني\" (٩/ ٣٢٧).\n(٢) هو زهير بن أبي سلمى.\n(٣) \"به\" ليس في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"وذهب\".\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١٢٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١/ ٤٢٩).\n(٦) قرأ بها ابن عباس، وأنس، ومجاهد، وعلقمة، والضحاك، وقتادة، والشعبي، وعكرمة، والباقر، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر، وأبو جعفر. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٠)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٤٨٥)، و\"التيسير\" للداني (٩٨)، و\"السبعة\" لابن مجاهد (٢٤٢)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٣٦٨)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٣/ ٤٣٧)، و\"النشر\" لابن الجزري =","vol":"3","page":109},{"text":"كقولِ الشاعر (١): [البحر الوافر]\nمُعاوِيَ إِنَّنا بشر فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنا بالجِبال ولا الحَديدَا\nويُروى هذا المذهبُ عن بعضِ الصَّحابةِ والتابعين (٢).\nقال محمدُ بنُ جَريرِ الطَّبَرِيُّ (٣)، والجُبَّائيُّ من المُعْتَزِلَة (٤): الواجبُ أحد الأَمْرَيْنِ؛ كالكَفَّارَةِ المُخَيِّرَةِ؛ إذْ ليسَ إحدى القِراءتينِ أَوْلَى منَ الأُخْرى.\nوقال بعضُ أهلِ الظاهرِ: يجبُ الجمعُ بين الغَسْلِ والمَسْحِ (٥).\n* واختلفوا في دُخولِ الكَعْبينِ، كَما اختلَفوا في دُخول المِرْفَقَيْنِ.\n* واختلفوا أيضًا في المُرادِ بالكَعْبَيْنِ.\nفقال الجُمهورُ من أهلِ العلمِ: هما العَظْمان النَّاشِزانِ عندَ مفصِلِ الساقِ والقَدَمِ (٦).\n_________\n= (٢/ ٢٥٤). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ١٩٥).\n(١) هو عقبة بن الحارث يخاطب معاوية بن أبي سفيان، ويروى البيت بنصب \"الحديد\" وجره. وانظر: \"سيبويه\" (١/ ٣٤)، و\"خزانة الأدب\" (١/ ٣٤٣).\n(٢) يروى هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وعكرمة والشعبي. انظر: \"المحلي\" لابن حزم (٢/ ٥٦).\n(٣) نقل ابن حزم أن مذهب الطبري هو المسح، ونقل غيره أن مذهبه التخيير. انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٣٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ١٦)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ٥٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٧١).\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (١/ ٤٧٦).\n(٥) انظر: \"المجموع\" للنووي (١/ ٤٧٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٢٦٨).\n(٦) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١٣٠).","vol":"3","page":110},{"text":"وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ وبعضُ أصحابِ الحديثِ: هما العَظْمانِ النّاتِئانِ في ظَهْرِ القدمِ (١).\nوالدليلُ للجُمهورِ ما رواه البخاريُّ عن محمدِ بنِ زيادٍ قال: سمعتُ أبا هريرةَ، وكان يَمُرُّ بنا والناسُ يتوضَّؤون من المطْهَرَةِ، فقال: أَسْبغوا الوُضوءَ؛ فإن أبا القاسِم - ﷺ - قال: \"وَيْلٌ للأَعْقابِ منَ النارِ\" (٢).\n* وكذلكَ اختلفوا في الترتيبِ لهذهِ الأفعالِ.\nفذهبَ الجُمهور من الصحابةِ والتابعين إلى أنه ليسَ بواجبٍ، وبه قالَ مالكٌ، وأبو حنيفة (٣)، وداودُ (٤)، والمُزنيُّ (٥)؛ لأن الواو لا تَقْتَضي تَرْتيبًا، ولا نَسَقًا، وإنما تقتَضي مُطْلَقَ الجَمْعِ.\nوذهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ (٦)، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ إلى وجوبِ الترتيبِ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١٢٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٤٠).\n(٢) رواه البخاري (١٦٣)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الأعقاب، ومسلم (٢٤٢)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٦٨)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٥٥)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢/ ٨١).\n(٤) وخالفه ابن حزم من الظاهرية فأوجب الترتيب. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٢)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٥٠٦)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ٦٧).\n(٥) انظر: \"المجموع\" للنووي (١/ ٥٠٦)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢/ ٨١).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ١٣٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ١٨٣)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ٣١).\n(٧) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٢٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٩٢).","vol":"3","page":111},{"text":"ويدلُّ لهم أن الفاءَ تقتضي الترتيبَ، وقد عُلِّقَتْ طَهارةُ الوجهِ بالقيام، فدلَّ على أنه لا يجوزُ أن يتقدمَ غيرُهُ عليه، ولأنَّ اللهَ سبحانه قطعَ النظيرَ عن النظيرِ، فأدخلَ مَمْسوحًا بينَ مغسولَيْنِ، وقَدَّمَ القريبَ على ما هو أقربُ منه، فقدَّمَ اليَدَيْنِ على الرأسِ، وهو محلُّ الوَجْهِ، فدلَّتْ هذه المقاصِدُ والأَماراتُ على وجوبِ الترتيبِ.\nوقولُ الأولينَ: إن الواوَ لا تقتضي نَسَقًا ولا تَرْتيبًا غيرُ مُسَلَّمٍ (١)، بلْ نُحاةُ الكوفةِ قائلونَ باقْتِضائِها الترتيبَ (٢)، ولم يُنْقَلْ إلينا أن النبيَّ - ﷺ - تركَ الترتيبَ في وضوئه، بل تَوَضَأَ مُرَتبًا، وقالَ: \"هذا وُضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصلاةَ إلا بهِ\" (٣).\nوأحسنُ عندي من ذلكَ كلِّه في الاستِدْلالِ ما استدلَّ بهِ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ من قولهِ - ﷺ - في الصَّفا: \"نَبْدَأُ بما بَدَأَ اللهُ بهِ\" (٤)، فجعلَ بِدايةَ اللهِ سُبْحانهُ سَبَبًا للتقديم (٥).\n* إذا تقرَّرَ هذا، فقد روى غير واحدِ من الصحابةِ عن النبيِّ - ﷺ -:\n_________\n(١) قولهم إن الواو لا تقتضي الترتيب هو القول الأشهر عند أكثر النحاة. انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (١٥/ ٤٨٢)، و\"أسرار العربية\" لابن الأنباري (ص:٢٦٧).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٦٧).\n(٣) رواه ابن ماجه (٤١٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٣/ ٣٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٠)، عن عبد الله بن عمر.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].","vol":"3","page":112},{"text":"أنّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ (١).\nقال الحسنُ البصريُّ -رضي الله تعالى عنه-: حَدَّثنَي سبعونَ من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يمسحُ على الخُفَّيْنِ (٢).\nفيحتملُ أن يكونَ هذا قبلَ نُزولِ هذهِ الآيةِ، فيكونَ منسوخًا؛ كما رُوي عن عليٍّ وابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّيْنِ (٣).\nويحتملُ أن يكونَ بعدَ نزولِ هذه الآيةِ، فيكونَ: إمّا ناسِخًا لهذه الآية عندَ من يَجَوِّزُ النَّسْخَ للكتابِ بالسُّنَّةِ، وإما مُبيِّنًا لها أنَّ المرادَ بها غيرُ لابِسِ الخُفِّ، ولأجلِ هذا توقَّفَ قومٌ، وشَكُّوا في جوازه.\nوذهب ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما- إلى أنه كانَ قبلَ نُزولِ المائدةِ، وقالَ: واللهِ مَّاَ مَسَحَ رسولُ الله - ﷺ - بعدَ المائدةِ (٤).\nويروى مَنْعُ المَسْحِ عن عائِشَةَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٥) -.\n_________\n(١) تقدم تخريجه. وانظر: \"نظم المتناثر في الحديث المتواتر\" للكتاني (١/ ٦٠).\n(٢) رواه ابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ٤٣٣).\n(٣) انظر: \"سنن البيهقي الكبرى\" (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و\"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" لابن حجر (١/ ٧٦ - ٧٧).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٢٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٢٨٧).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٢١٨).\nقال عبد الله بن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف، وإن الرجل ليسألني عن المسح فأرتاب به أن يكون صاحب هوى، وقال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب رسول الله (أنه كره المسح على الخفين فقد روي عنه غير ذلك. انظر: \"السنن =","vol":"3","page":113},{"text":"واستقرَّ على هذا مذهبُ الشيعةِ (١)، وهو روايةٌ عن مالِكٍ (٢)، وأنكرها أصحابُه، وبعضُهم تأَوَّلَها على أنه كانَ يُؤثرُ الوُضوء على المَسْحِ.\nوذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ وعامَّتُهم منَ الصحابةِ والتابِعينَ إلى جوازِه (٣)، وتمسَّكوا بروايةِ جَريرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ له عن النبيِّ - ﷺ -، وكان يعجبُهم حديثُه؛ لأنَّ إسلامَهُ بعدَ نزولِ المائدةِ في شهرِ رمضانَ سنةَ عَشْرٍ، وفي بعضِ رواياتِه التصريحُ بأنه رأى النبيَّ - ﷺ - يمسحُ على الخُفَّينِ بعدَ نُزولِ المائدةِ (٤).\nروى البَيْهَقِيُّ في \"سُنَنِهِ\" عن إبراهيمَ بنِ داودَ -رضيَ الله تعالى عنه-: أنه قالَ: ما سمعتُ في المسحِ على الخُفيْنِ أَحْسَنَ من حديثِ جريرٍ (٥) -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-.\nوأما ما رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من الإنكارِ، فإنه كانَ قبلَ أن يعلمَ ثبُوتَ المَسْحِ عن رسولِ الله - ﷺ -، فلما ثبتَ عندَهُ، قال به.\nقال أبو بكرِ بنُ المُنْذِرِ: وروي عن موسى بن سَلَمَةَ بإسنادٍ صحيح: أنه (٦) رخص فيه (٧).\n_________\n= الكبرى\" للبيهقي (١/ ٢٧٢).\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ١٦٤).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ٣٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١١/ ١٣٩)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٥٣٩).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٢٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٧٤).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٧٣)، لكن عن إبراهيم بن أدهم.\n(٦) أي: ابن عباس ﵄.\n(٧) انظر: \"الأوسط\" لابن المنذر (١/ ٤٣١).","vol":"3","page":114},{"text":"وأما عائشةُ، فإنها أحالَتْ على عَلِيٍّ، فقالت للسائِلِ: ائْتِ عَلِيًّا؛ فإنه أعلمُ بذلكَ مني، فأتيتُ عَليًّا وسألتهُ عن المسحِ على الخفين، فقال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يأمرُنا أن نمسحَ على الخُفَّينِ يومًا وليلةً، وللمسافرِ ثلاثة أيامٍ، خرجه مسلم (١).\nوما رُويَ من قولِ عليٍّ: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّين، قال ابنُ المنذر: فليسَ لهُ إسنادٌ موصولٌ صحيحٌ تقومُ به حُجَّةٌ (٢).\n* ولما أحكمَ اللهُ سبحانَه فرضَ الوضوء، بيَّنَ لنا فَريضةَ الغُسْلِ، فقالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].\n* والتطهُّرُ والاغتسالُ يَقَعُ في اللسانِ على إفاضةِ الماءِ على البَدَنِ، معَ إِمرارِ اليدِ، وبدون إِمرارها؛ كما هو مذهبُ الجُمهور (٣).\nوأوجبَ مالكٌ (٤) والمُزنيُّ (٥) إمرارَ اليَد.\n* وبين النبيُّ - ﷺ - ما فرضَهُ اللهُ سبحانَهُ بقولِه وفعلِهِ.\nروينا في \"صحيح البُخاريِّ\" و\"مُسْلِمٍ\" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا اغْتَسَلَ من الجَنَابَةِ، غسلَ وجهَهُ ويَدَيْه، ثم توضَّأ وضُوءَهُ للصلاة، ثم اغتسل، ثم يُخَلِّلُ بيديه شَعْرَهُ، حتى إذا ظَنَّ أنه\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٦)، كتاب: الطهارة، باب: التوقيت في المسح على الخفين.\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ٣٣٩).\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ١٠٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٣٥٩).\n(٤) وهو مذهب أحمد. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٣٩).\n(٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٣/ ١٠٧).","vol":"3","page":115},{"text":"قَدْ أروى بَشَرَتَهُ، أفاضَ عليهِ الماءَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثم غسلَ سائرَ جسده (١).\nوقال - ﷺ - لأمِّ سَلَمَةَ لَمّا قالَتْ: يا رسولَ الله! إني امرأةٌ أَشدُّ ضَفْرَ رَأْسي، أَفَأَنْقُضُهُ لغسلِ الجنابة؟ فقال: \"لا، وإنَّما يكفيكِ أن تَحْثي على رأسِكِ الماءَ ثلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفيضي عليكِ الماءَ، فإذا أنتِ قَدْ طَهُرْتِ\" (٢).\nوليسَ بينَ الحديثينِ اختلافٌ، فحديثُ عائشةَ في بيانِ الأفضلِ، وحديثُ أمِّ سلمةَ في بيانِ الواجبِ.\nوقد تقدَّمَ الكلامُ على الجَنابَةِ وحَدِّ المرضِ والسَّفَر، وبيانِ المُلامَسَةِ، وبيانِ الصَّعيدِ، وغيرِ ذلكَ من المباحِثِ النفيسةِ في \"سورةِ النساء\".\n* وبيَّنَ اللهُ سُبْحانه هُنا، وفي \"سور النِّساءِ\" صِفَةَ التيمُّمِ فقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\n* وقد قدمتُ قريبًا بيانَ الوَجْهِ، وأنه مشتقٌّ من المُواجَهَةِ.\n* وأما اليدُ فتقعُ لغةً على الكَفِّ معَ الساعدِ، وتقعُ عليهما مع العَضُدِ.\nولأجلِ هذا الاشتراكِ وقعَ الاختلافُ بينَ أهلِ العلم.\nفحملَ كثيرٌ منهمْ مُطْلَقَ اليَدِ على المُقَيَّدِ في الوضوء.\nواستدلُّوا بحديثِ ابنِ الصِّمَّةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: مررتُ بالنبيِّ - ﷺ - وهو يبولُ، فمسح بجدارٍ، ثم يَمَّمَ وجْهَهُ وذِراعيه (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٦٩)، كتاب: الغسل، باب: تخليل الشعر، ومسلم (٣١٦)، كتاب: الحيض، باب: صفة غسل الجنابة، وهذا لفظ البخاري.\n(٢) رواه مسلم (٣٣٠)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ضفائر المغتسلة.\n(٣) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٦٠)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٥).","vol":"3","page":116},{"text":"وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"التيمُّمُ ضَرْبتان: ضَرْبةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقين\" (١).\nوبهذا قال عليٌّ وابنُ عمرَ (٢)، ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حنيفةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٣) -.\nوحملَهُ قومٌ على الكفينِ.\nواستدلوا بما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عمارِ بنِ ياسرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قال: بعثني رسولُ الله - ﷺ - في حاجَةٍ، فأَجْنَبْتُ، فلمْ: أجدِ الماءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ كما تَمَرَّغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ النبيَّ - ﷺ -، فذكرتُ ذلكَ له، فقال: \"إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا\" ثم ضربَ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كَفَّيْهِ ووَجْهَهُ (٤).\nوبهذا قالَ الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإِسْحاقُ، وعامَّةُ أصحابِ الحديثِ (٥).\nفيحتمل أنهم رَجَّحوا حديثَ عَمَّارٍ؛ لصِحَّته، وأنهم حَملوا غيرَه على الاستحباب، والآخرونَ إنما قَدَّموا حديَث ابنِ الصِّمَّةِ على حديثِ عَمّارِ؛ لاتفاقِهِ، واختلافِ حديثِ عمارٍ.\nفروى الزهريُّ عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عن أبيهِ: أن عَمّارَ بنَ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٣١١).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٣٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٧)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٩/ ٢٨٢).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) وهو رواية عن مالك والشافعي وقول الظاهرية. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٣٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٢٤٠).","vol":"3","page":117},{"text":"ياسرٍ قال: تيمَّمْنا معَ رسولِ الله - ﷺ - إلى المناكِبِ (١).\nوروى الزهريُّ أيضًا عن عُبيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عنْ أبيه: أن عمارَ بنَ ياسرٍ قال: كنا معَ رسولِ الله - ﷺ - في سَفَرٍ، فنزلتْ آيةُ التيمم (٢)، فتيممنا مع رسولِ الله - ﷺ - إلى المناكِب (٣).\nفهذا تصريحٌ بان هذا أولُ تَيمُّمٍ كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم.\nفلا تخلو روايتُه التي قَدَّمناها: إمّا أن تكونَ ناسِخَةً لهذه؛ لخلوِّها عن (٤) هذا التاريخ بالأولية، أو تكونَ مخالفةً لها من غير نسخ، فالأخذُ بمَنْ لم تختلفْ روايتُه أولى ممَّنِ اختلفَتْ روايتُه، ولأنُه أشبهُ بالقرآن من روايتي عمار، وأشبهُ بالقياس؛ لأن التيمُّمَ بَدَلٌ من الوُضوء، وينبغي أن يكونَ البَدَلُ مِثْلَ المُبْدَلِ منه.\nويظهرُ لي بَحْثٌ في الجَمْعِ بينَ حديثِ عَمَّارٍ وغيرِه من الأحاديثِ، وبينَ رواياتِ عمارٍ أيضًا، وهو أن النبيَّ - ﷺ - قصدَ أن يردَّ على عَمَّارٍ فِعْلَهُ، ويبينَ له غلطَهُ، حيثُ عَمَّ بدنه بالتمرُّغِ، وتركَ الضربَ باليدينِ والمسحِ بهما، فبينَ له كيفيةَ العملِ، وأنه لا بدَّ من الضربِ باليدينِ، ولم يردْ بيان مقدارِ الواجب، فقال لهُ: \"وأما أنت يا عَمَّارُ فلمْ يكُنْ ينبغي لكَ أن تَتَمَعَّكَ كما\n_________\n(١) رواه النسائي (٣١٥)، كتاب: الطهارة، باب: الاختلاف في كيفية التيمم، وابن ماجه (٥٦٦)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في السبب، والبزار في \"مسنده\" (١٤٠٣)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٦٠٩)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٣٨).\n(٢) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية [المائدة: ٦].\n(٣) رواه ابن ماجه (٥٦٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في السبب. وانظر تخريج الحديث السابق.\n(٤) في \"ب\": \"من\".","vol":"3","page":118},{"text":"تَتَمَعَّكُ الدابَّةُ، إنَّما كان يُجزيك\" وضربَ رسولُ الله - ﷺ - بيدِه إلى الأرضِ إلى الترابِ، ثم قال هكذا، فنفخَ فيها، ومسحَ وجهَه ويديه إلى المفْصِلِ (١).\nوفي لفظٍ آخرَ: \"إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا\" (٢)، ثم ضربَ الأرضَ، ولو كانَ مقصودُه بيانَ مقدارِ الواجبِ دونَ كَيْفِيَّتِهِ لقالَ له: إنه كانَ يكفيكَ هذا.\nفإن قلتَ: فقد وردَ في بعضِ ألفاظِه: قال عمارٌ لعمرَ: تَمَعَّكْتُ، فأتيتُ النبي - ﷺ -، فقالَ: \"يكفيكَ الوجه والكفين\" (٣).\nقلنا: يحتملُ أن عمارًا قصدَ الاحتجاجَ على عمرَ لمّا منعَ التيمُّمَ عنِ الجَنابة، فروى عنِ النبي - ﷺ - جوازَ التيمُّم عن الجنابةِ، فنقلَ بالمعنى أصلَ الجَواز، ولم يقصِدْ بيانَ الكيفية، فاختصرَ في الكلامِ، وحذفَ لَفْظَةَ \"إنما\"؛ كما اختصرَ أبو موسى في بعضِ طرقِ هذا الحديث؛ حَيْثُ قصدَ الردَّ والاحتجاجَ على عبدِ الله لما قالَ بما قالَ عمرُ.\nروى شقيقُ بنُ سَلَمَةَ قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبدِ الرحمن إذا أجنبْتَ فلم تجدْ ماءً، كيفَ تصنعُ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: لا (٤) نصلِّي حتى نجدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيفَ تصنعُ\n_________\n(١) رواه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٦٤٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩١٤).\n(٢) رواه مسلم (٣٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: التيمم.\n(٣) رواه البخاري (٣٣٤)، كتاب: التيمم، باب: التيمم للوجه والكفين، عن عبد الرحمن.\n(٤) \"لا\" ليست في \"أ\".","vol":"3","page":119},{"text":"بقولِ عَمَّارٍ حينَ قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"كان يكفيك\" (١)، فاختصر، فدلَّ على أنهم لم يُريدوا حقيقةَ سِياقِ لفظِ النبيِّ - ﷺ -.\nويحتملُ أن عَمَّارًا عَبَّرَ بالكَفَّينِ، وأراد بهما اليدين تَجَوُّزًا؛ بدليلِ ما رُوي في بعضِ طرقِ حديثِ عَمار \"وأن تمسح بيدكَ إلى المِرْفقين\" (٢).\nفإن قلتَ: فقولُه: \"ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمين، وظاهرَ كَفيهِ ووجهَه\"، يدلُّ على أنه قصدَ أن يبينَ له مقدارَ الواجبِ في التيمُّم.\nقلنا: مسحه بالشِّمال على اليمين يحملُ على طلب (٣) تَخفيفِ الغُبار؛ كما وردَ في بعضِ ألفاظه: \"ثم نَفَضَها\" (٤)، ثم بيَنَ لهُ مسحَ الوجهِ، وسكتَ عن اليدينِ، والسكوتُ يحتملُ أن يكونَ من عمارٍ، بدليلِ ما وردَ في بعضِ طرقِه: \"وأن تَمْسَحَ بيديكَ إلى المِرْفَقَيْنِ\"، والقضيةُ واحدةٌ.\nولو حملنا بيانه - ﷺ - على بيانِ مقدارِ الواجبِ في التيمُّم، لكان مقدِّمًا لفرضِ اليدِ على الوجهِ في التيمُّم؛ بدليل ما ورد في بعض رواياته: \"ثم مسحَ وجهه\" (٥)، بلفظةِ (ثم) الموجبةِ للترتيب، ولم يردْ عن النبيِّ - ﷺ - تقديمُ اليدين على الوَجْهِ في وضوءٍ ولا تيمُّمٍ، لا قولًا ولا فعلًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٩)، كتاب: التيمم، باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم.\n(٢) رواه أبو داود (٣٢٨)، كتاب: الطهارة، باب: التيمم، عن عبد الرحمن بن أبزى.\n(٣) \"طلب\" ليست في \"أ\".\n(٤) رواه البخاري (٣٤٠)، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة، عن شقيق، عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري.\n(٥) رواه البخاري (٣٣٢)، كتاب: التيمم، باب: التيمم للوجه والكفين، عن عمار بن ياسر.","vol":"3","page":120},{"text":"وهذا البحثُ يرفعُ الاختلافَ بين الأحاديثِ من طرقٍ كثيرة:\nأحدها: في مقدار الواجبِ، فيكونُ الواجبُ مسحَ الوجهِ والذراعين.\nثانيها: في كيفيةِ المسحِ، ففي حديثِ عَمّارٍ ضربةٌ واحدةٌ، وفي غيره من الأحاديث الأمرُ بالضربتين، فيكون الواجبُ ضربتين، كما هو قول الجمهور.\nوثالثها: بطلانُ ترتيبِ الوجهِ على اليدين.\nورابعها: الجمعُ بين روايتيه، فيكونُ مرةً ذكرَ الحديثَ مستوفًى، ومرةً ذكرَ بعضَه مختصرًا، فيزولُ بذلك الاختلافُ في روايته.\nوأما روايةُ المناكِب فتحمَلُ على أنهم فَعلوا ذلكَ طَلَبًا لإطالَةِ الغُرَّةِ كما يَفْعلون في الوُضوء، وأقرَّهُمْ عليه رسولُ الله - ﷺ -، وإطالة الغرة مستحَبٌّ في التيمُّمِ على الأَصَحِّ عندَ الشافعية.\nفَلْيُنْظَرْ في هذا، فإن كانَ حَسنًا، فمنَ اللهِ، وله الحمدُ، وإن كان خَطَأً، فمنِّي، وأنا أستغفرُ اللهَ الكريمَ.\nوحُكيَ عن الزُّهْرِيِّ ومحمدِ بنِ سلمة (١): أنهما أوجبا التيمُّمَ إلى المَنْكِبين؛ لما قدمتهُ من حديثِ عمار.\n* إذا تمَّ هذا، فإن الباء في قولِه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] يجوزُ أن تكون للإلْصاقِ، أو للاعتِمادِ، أو للزيادَةِ والتوكيدِ؛ كما قدمتُ ذلكَ آنفًا، ولا يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ، وهذا مِمَّا يدلُّ لِمَنْ منعَ التبعيضَ في مَسْحِ الرأسِ، وأوجبَ تعميمَه بالمَسْحِ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٣٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١٥٣).","vol":"3","page":121},{"text":"* وفي الآيةِ دليل على أن الجُنُبَ يجوزُ له أن يتيمَّمَ (١).\nوعلى هذا استَقَّر الأمرُ بعدَ الخِلافِ في الصَّدْرِ الأَوَّلِ، فكان عمرُ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ لا يجوزان التيمُّمَ للجُنُب (٢).\nروى البخاريُّ عن شَقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبد الرحمن إذا أجنَبَ فلم يجْد ماءً كيفَ يصنع؟ فقال عبدُ الله (٣): لا يصلي حتى يجدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقولِ عَمَّارٍ حينَ قال النبيُّ - ﷺ -: \"كان يكفيك\"؟ قال: ألم ترَ إلى عمرَ لم يقنعْ بذلكَ منه؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قولِ عَمّارٍ، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما دَرى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: إنا لو رَخَّصْنا لهم في هذا، لأوشكَ إذا بردَ على أحدِهِمُ الماءُ أن يَدَعَهُ ويتيمَّمَ، فقلتُ لشقيقٍ: إنما كرهَ عبدُ الله لهذا؟ فقال: نعم (٤). وقيل: إن عمرَ وابن مسعود رَجَعا عن ذلك (٥)، والله أعلم.\n* وكنت قَدَّمْتُ أولًا أنَّ مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لا يوجبُ تكَرار الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ (٦)، خلافًا\n_________\n(١) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (١/ ٢٥٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٥٠).\n(٢) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ١٧٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٦١).\n(٣) في \"أ\": \"عبد الرحمن\"، وهو خطأ.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) انظر: \"سنن الترمذي\" (١/ ٢١٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (١/ ٤٣٦).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٣٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ١٥٤).","vol":"3","page":122},{"text":"لابنِ سيرين (١)؛ لأجلِ فعلِ النبيِّ - ﷺ - بالوضوءِ الواحد (٢)، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجبُ طلبُ الماءِ والتيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ عندَ القيامِ، أو لا يجب كالوضوء (٣)؟\nفباقتضاء المفهومِ قالَ الشافعيُّ ومالِكٌ (٤)، فأوجبا الطَّلَبَ والتيمُّمَ لكلِّ فريضةٍ.\nوبتركِ المفهومِ قال أبو حنيفةَ، فلم يوجبْ ذلك (٥).\n* فإن قلتَ: فهل يدلُّ هذا المفهومُ عندَ مَنْ قالَ به على أنه لا يجوزُ فِعْلُ التيمُّمِ قبلَ دخولِ الوقت؟\nقلتُ: يجوزُ أن يُقال: لا يَدُلُّ؛ لأن المُعَلَّقَ بالشَّرْطِ إنَّما هو الوجوبُ، والوجوبُ في وقتٍ لا يمنعُ الجَوازَ في غيرهِ.\nويجوزُ أن يقال: فيه دلالةٌ على التقييدِ بالوقتِ وجُوبًا وجوازًا؛ فإنه عبادةٌ، وقد وردَ توقيتُ وجوبِها بوقتِ الصلاةِ، فلا يجوزُ في غيرهِ؛ كسائرِ\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٨٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٣).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، عن بريدة الأسلمي: أن النبي - ﷺ - صلّى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه ... \".\n(٣) \"كالوضوء\": ليست في \"أ\".\n(٤) وهو مذهب أحمد.\nانظر: \"الأم \" للإمام الشافعي (١/ ٤٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٣١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٦٤)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٣٢٠).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٠٨).","vol":"3","page":123},{"text":"العبادات، وإنما خرج الوضوءُ بفعلِ النبيِّ - ﷺ - الصَّلَواتِ بوضوءٍ واحد، أو لأنه طهارةٌ لا عبادةٌ كما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ والثوريُّ، ولهذا لم يوجبا النِّيَّةَ في الوضوء، وأوجباها في التيمُّم؛ لأنه عبادة (١).\nوأما أبو حنيفةَ، فعلى أصلهِ في هذهِ المسألة منْ بُطلانِ المفهومِ، وأنه يجوزُ التيمُّمُ قبلَ دخولِ الوقتِ؛ كالوضوء.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٣٣٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٦).","vol":"3","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>(من أحكام الحدود)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>(الحرابة)</span>\n١١٠ - (٧) قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\n* اتفقَ العلماءُ على أن حكمَ هذهِ الآيةِ واقعٌ على المحارِبين منَ المسلمين، وإن اختلفوا في سببِ نُزولِها.\nوبيانُها يَتَّضِحُ بذكرِ ثلاثةَ أقسام:\nالقسم الأول: في حَدِّ المحاربة.\nوقد اتفقوا على أنها إشهارُ السلاحِ وقطعُ السبيلِ خارجَ المِصْرِ، وهذا هو الواقعُ على المحارَبَةِ في العُرْفِ (١).\nواختلفوا في مسائلَ وراءَ هذا:\nمنها: إذا فعلَ المحارِبُ ذلكَ في المِصْر:\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٠).","vol":"3","page":125},{"text":"فقال أبو حنيفة (١)، وعَطاءٌ، والثوريُّ (٢): لا تتعلقُ به هذه الأحكامُ، إلا إذا كان بالبريَّة (٣).\nوسَوّى مالِكٌ وأكثرُ الحنابِلَةِ بينَ المِصْرِ وغيرهِ (٤)، ووافقه الشافعيُّ على ذلكَ، وخالفَهُ في اشتراطِ الشَّوْكَةِ.\nفاشترط الشافعيُّ الشَّوْكَةَ والقَهْر في مَحَلٍّ ينقطعُ فيه الغوثُ، فإن تصورَ ذلكَ في المِصْرِ، كان فاعلُه محارِبًا (٥).\nولم يشترطْهُ مالِكٌ، فلو دخلَ إنسانٌ برجلٍ أو صبيٍّ موضِعًا، وأخذَ ما معه، كان محاربًا، حتى جعل أصحابهُ من يسقي الناسَ المُسْكِرَ ليأخذَ ما معهُم محاربًا (٦).\nومنها: اشتراطُ السلاحِ:\nفاشترطه أبو حنيفة (٧)، ولم يشترطْه مالِكٌ والشافعيُّ (٨).\nفلو خرجَ بالعَصا، أو بالحِجارة، أو باليدِ، كان محارِبًا؛ كما يكون\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٦٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ٢٠١).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٤).\n(٣) في \"ب\": \"في البرية\".\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٤).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٥٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٦٠).\n(٦) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٤/ ٣٦٦)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ١٢٤).\n(٧) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ٢٠١).\n(٨) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ١٢٣).","vol":"3","page":126},{"text":"الكافرُ إذا حارب بهِ حربيًا، والمسلمُ مجاهدًا، وهذا القولُ متعيِّنٌ، والله أعلم.\nالقسم الثاني: في جزاء هذه الجناية.\nوقد حَصَرَ (١) اللهُ سبحانه جزاءها في أربعة أنواع، ونَسَّقَها بلفظ (أو) الموضوعة للتخييرِ حقيقةً، وللتنويعِ مَجازًا.\nفمن أهلِ العلمِ من حَمَلَها على موضوعِها الحقيقيِّ، فقال: الإمامُ مُخَيَّرٌ في قتلهِ أوصلبهِ [أو نفيه] أو قطعِه من خِلافٍ.\nويروى عن الحسنِ، وإبراهيمَ، وابنِ المسيِّبِ، والضَّحَّاك، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ (٢).\nورواه الوالِبِيُّ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما (٣) -.\nوبه قالَ مالكٌ وأبو ثَوْرٍ (٤).\nومعنى التخييرِ عندَه: أن الأمرَ في ذلكَ منوطٌ باجتهادِ الإمامِ، فإن كانَ المحارِبُ من ذوي الرأي والتدبيرِ، فوجهُ الاجتهادِ قتلُه وصلُبه؛ لأن القطعَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"خصَّ\".\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢١٤)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٣٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٥٢).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٥٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٥).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٥٢)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٣٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٤١)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٣١٦)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٣٩٤).","vol":"3","page":127},{"text":"لا يرفَعُ ضررَهُ، وإن كان من ذوي البَطْشِ دونَ الرأيِ، قَطَعَهُ من خلافٍ، وإن خَلا منَ الصفتين أخذَ بالضربِ والنفي.\nومنهم: من جعلهَا للتنويعِ بِحَسَبِ أنواعِ الجرائمِ.\nفقال ابنُ عباسٍ: إذا قتلوا وأخذوا المالَ، قُتلوا وصُلِبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المالَ، قُتِلوا ولمْ يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يَقْتُلوا، قُطِعَتْ أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، ونفيُهم إذا هربوا أن يُطْلَبوا حتى يوجَدوا، فيقامَ عليهم الحَدُّ (١).\nوبه قال الحسنُ، وقتَادةُ، والأوزاعيُّ، وابنُ جُبَيْرٍ (٢).\nوبه أخذَ الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإن اختلفوا في التنويع (٣).\nولكنَّ الشافعيَّ تبعَ تفسيرَ ابنِ عباسٍ، وخَرَّجَهُ في \"مُسندِه\" (٤) وله من الدليل قوله - ﷺ -: \"لا يحلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاّ بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًى بعدَ إِحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ بغير حَقٍّ\" (٥)، ولأن هذا أشبهُ باعتبارِ الشرعِ في العُقوبات.\n* واختلفوا في وقت الصَّلْبِ ومِقْدارهِ.\nفقال الشافعيُّ: وقتُه بعد القتلِ، ومقداره ثلاثةُ أيام، إلا أن يُخافَ عليه\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٤٢٦).\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٣٨)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ٣٣).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٩١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٥).\n(٤) رواه الإِمام الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٣٣٦).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":128},{"text":"التغييرُ؛ لأن الله سبحانهَ بدأ بالقَتْلِ (١).\nوقال قومٌ: إنه يصلب حتى يموتَ جوعًا، وبه قالَ بعض (٢) الشافعيَّةُ (٣).\nوقال أبو يوسُفَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثلاثةَ أيامٍ، فإن ماتَ، وإلا قُتِلَ (٤)، وحكى ابنُ القاصِّ هذا عن الشافعيِّ أيضًا، وأنكره سائِرُ الشافعيةِ، بل قال الشافعيُّ: أكرهُ أن يُقْتَلَ مَصْلوبًا؛ لنهيِ رسولِ الله - ﷺ - عن المُثْلَةِ (٥) (٦) (٧).\n* وصفةُ قطعِ الأيدي والأرجُلِ من خِلافٍ: أن تُقطعَ يدُه اليُمنى من الكُوع، وتقطَعَ رجلُه اليسرى من مَفْصِلِ القَدَمِ، ثم إن عادَ قُطعت يدُه اليسرى ورجلُه اليُمنى (٨).\n_________\n(١) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٦).\n(٢) \"بعض \"ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٧).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥٨)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٤٢٥).\n(٥) روى البخاري (٥١٩٧)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، عن عبد الله بن يزيَّد، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن النهبة والمثلة. وانظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٤٥).\n(٦) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٩٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ١٥٧).\n(٧) وعند المالكية خلاف في هذه المسألة. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٤١).\n(٨) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٠٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤١).","vol":"3","page":129},{"text":"* واختلفوا في صفةِ النَّفْيِ من الأرضِ.\nفقال أبو حنيفةَ وأهلُ الكوفة: هو السجنُ، لأنه إذا حُبِسَ فقدْ نُفِيَ عن التَّقّلُّبِ في الأرضِ (١)، ويروى عن مالكٍ (٢)، والشافعي (٣).\nوقال آخرون: هو أن يُنْفى من بلدٍ إلى بلدٍ، فيحبسَ في البلدِ الثاني إلى أن تظهرَ توبتُه، ويكون بينَ البلدينِ أقل مسافَةِ القَصْرِ.\nويروى عن مالِكٍ (٤)، وخصَّ بالأرضِ مكانَ الجِناية، واستحسَنَهُ ابنُ سُرَيْجٍ من الشافعيةِ (٥).\nوقيل: يُطلبون بالحَدِّ أبدًا، فيهربون، وأما أنه يُنْفى بعدَ أن يُقْدَر عليه، فلا، قاله ابنُ عباسٍ، وأَنَسٌ (٦)، والزُّهْرِيّ، وقَتادَةُ (٧)، ومالِكٌ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٥٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ١٣٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩٩)، و\" الذخيرة\" للقرافي (١٢/ ١٢٧).\n(٣) فسر الإمام الشافعي النفي: بأن يُطلبوا فيمتنعوا فمتى قدر عليهم أقيم عليهم الحد، كما سيأتي.\nانظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٤٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٥).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٥٢).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٩).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢١٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (١١/ ١٨١).\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٩٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٥٢).\n(٨) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٩)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٤٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٥)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٣٩٥).","vol":"3","page":130},{"text":"وقال قومٌ: ينفى إلى بلدِ الشرك، قاله أنسٌ والزهريُّ (١):\nهكذا نُقِلَت هذه الأقاويلُ.\nويظهر لي عدمُ الاختلافِ فيها، وأنها راجعةٌ إلى الاختلاف في التخيير والتنويع.\nفمن قال: يُسْجَنُ إذا أخاف السبيلَ، ولم يأخذْ مالًا ولا نفسًا، وهو أبو حنيفة والشافعي، أرادَ (٢) إذا قُدِرَ عليهِ.\nومن اختارَ حَبْسَهُ في بلدٍ آخرَ، فإنما اختارَه لكونه أبلغَ في الزَّجْر والإيحاش، وليقطع عليه اسمُ النفي، وليس هو في الحقيقِة مُخالفًا للأولِ؛ لأنه ما عُوقِبَ إلا بالحَبْسِ حَتّى تظهرَ توبتُه.\nومن قال: يطلَبُ بالحَدِّ أبدًا، فمراده: إذا وجَب عليهمُ الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليهم، فإنَّ الإمَام يطلُبُهم أبدًا لإقامةِ فرضِ الله سبحانه الذي بهِ صلاحُ البلادِ والعِباد، وهو في الحقيقةِ طلبُ الجزاءِ، لا حقيقةُ الجزاءِ.\nومن قال: ينفى إلى بلدِ الشِّرْكِ، فمراده: إذا وجبَ عليه الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليه، فلا يجوزُ للإمام أن يُقِرَّهُ في البلاد التي في طاعَتِه - وهي بلادُ الإسلامِ - من غيرِ إقامةِ حَدٍّ، فيجبُ عليهَ طلبُهُ، ولو تعزَّزَ في الجبالِ، واحتاجَ تجهيزَ جيوشٍ كثيرةٍ، فإما أن يُظفر به في أطرافِ بلادِ الإسلامِ، أو لا يُقْدَرَ عليهِ لخروجهِ عن مَحَلِّ وِلايةِ الإمامِ التي هيَ دارُ الإسلام، وإذا خرج منها، دخلَ دارَ الشركِ، وقد ﵀ سبحانه، وجعلَ له مَخْلَصًا من هذه العُقوبةِ بالتوبةِ، ومن دخُولِ دارِ الشرك، ولا يظنّ به أنه يأمرُ بإدخالِ\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢١٧)، \"والجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٥٢).\n(٢) في \"ب\" زيدة: \"أَنْ\".","vol":"3","page":131},{"text":"مسلمٍ دارًا أوجبَ اللهُ على المسلم الخُروجَ منها، ولأنه ربَّما فتنَهُ المشركون عن دينه، وأوقعناه في مَفْسَدَةٍ أكبرَ من الأولى.\n* إذا علمتَ هذا، ففي الآيةِ إشارةٌ إلى أن هذا الجزاءَ حَدٌّ خالِصٌ للهِ تعالى عقوبةً لهم لأجلِ محاربةِ الله تعالى، والفساد في أرضه، وهو متفق عليه.\nويؤخَذُ منه أن المحارِبَ إذا قَتَل، وعفا عنه وليُّ الدم أنه لا يفيده العفو، وأنه إذا قَتَلَ مَنْ ليسَ كُفُؤًا له، أنه يُقْتلُ، وهو كذلك، وللشافعيِّ قولٌ ضعيفٌ أنه يفيدُهُ العفوُ، وأنه لا يُقْتلُ بغيرِ المُكافِئ.\n* ويؤخذ منه أيضًا أنه يُقْطَعُ إذا أخذَ المالَ، وإن كانَ دونَ نِصابِ السرقةِ، وبهذا قال مالِكٌ (١).\nوذهب الشافعيُّ إلى تحديده بالنِّصاب؛ قياسًا على السرقة (٢).\nوليسَ هذا القياسُ بِمَرْضِيٍّ لفسادِ اعتبارِه، فإنَّ أمرَ المُحارَبَةِ أَغْلَظُ من السرقةِ، فلا يقاسُ المُغَلَّظُ على المُخَفَّفِ، كيفَ والحدودُ لا قياسِ فيها؟ ولأنه لم يُنقلْ في المالِ تحديدٌ من السُّنَةِ كما نُقِلَ في السرقة، ولا يَخْفى مثلُ هذا على أبي عبدِ الله، لكنَّهُ لما تردَّدَ عندَهُ القَتْلُ والقَطْعُ بينَ القِصاص والحَدِّ، جعلَهُ قِصاصًا في أحد القَوْلَيْن، ولم يجعلْه حَدًّا؛ لاعتبارِ الشارعِ (٣) بِدَرْءِ الحُدودِ وإسقاطِها، ولأجلِ هذا المدرَكِ اعتبرَ النِّصابَ احْتِيَاطًا لحدودِ الله، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٠٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٥٤).\n(٢) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٥٩)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ١٧١).\n(٣) في \"ب\": \"المشرّع\".","vol":"3","page":132},{"text":"القسم الثالث: في التوبةِ من هذهِ الجنايةِ.\nوقد قالَ بقبولِ توبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدْرَةِ عليهِ كافَّةُ أهلِ العِلْم.\nثم اختلفوا في الذي تُسْقِطُهُ التوبةُ.\nفقال الليثُ: يسقطُ بها حقوقُ اللهِ تَعالى، وحقوقُ الآدَمِيِّينَ من مالٍ ودمٍ (١)، أما حقوقُ اللهِ تَعالى، فللآية، وأما حقوقُ الآدميين، فلِما رُويَ أن عليَّ بنْ أبي طالبٍ - كرم اللهُ وجهَهُ في الجَنَّةِ - قبلَ توبةَ حارثةَ بنِ بَدْرِ (٢) التَّميميِّ، وأَمَّنَهُ، وكتبَ له كِتابًا (٣).\nوقال مالِكٌ في روايةٍ نَحْوَه (٤)، إلا أنه يُؤْخَذُ في المالِ بما وجد عينهُ في يده، ولا تتبع ذِمَّتَهُ؛ لأن إقرارَهُ في يده إقرارٌ على المُنْكَرِ، وكذا يؤخذُ بالدمِ إذا قام وليُّ المقتولِ بطلب دمه، وأما إذا لم يَطْلُبْهُ أحدٌ، فلا يؤخَذُ به.\nوقال الشافعيُّ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ: تسقطُ عنهُ حقوقُ اللهِ تعالى فقط، وأما حقوقُ الآدميين، فلا تسقطُ، وبه قالَ الحنفيةُ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٠١).\n(٢) في \"ب\": \"زيد\"، وهو خطأ.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢٧٨٩)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٢٢١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١١/ ٣٨٩)، عن الشعبي: أن حارثه بن بدر خرج محاربًا، فأخاف السبيل، وسفك الدم، وأخذ الأموال، ثم جاء تائبًا قبل أن يقدر عليه، فقبل علي بن أبي طالب توبته، وجعل له أمانًا منشورًا، على ما كان أصاب من دم أو مال.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٥٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٠١).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٧٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٢٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٢).","vol":"3","page":133},{"text":"وهو أصحُّ الأقوالِ؛ لأنَّ الله - ﷾ - لم يذكرْ إلا جزاءه، وحَظَّهُ من العقوبةِ فقط، ثم عقبه بذكرِ التوبةِ، وأما حقوقُ الآدميينَ فقد تظاهَرَتِ النُّصوصُ على أنها لا تَسْقُطُ إلا بإسقاطِ صاحبها، وليسَ في الآيةِ تَعَرُّضٌ لذكِرها.\n* وأطلقَ اللهُ سبحانَه التوبَةَ هنا، ولم يقيدْها كما قَيَّدَها في آيةِ السَّرِقَةِ بالإصلاح، وهي على إطلاقِها، ولا يجوز أن تُقَيَّدَ بآيةِ السرقةِ (١)؛ لاختلافِ السببين، ولوضوحِ الفرق بين الجِنايَتين.\nوذلك أن المحارِبَ مجاهِرٌ بفعلهِ، فإذا تابَ، فالظاهِرُ من حاله أنه لم يَتُبْ تَقِيَّةً، وإنما رجعَ عمَّا كان عليه، والسارِق مُسْتَخفٍ بفعلهِ، فإذا تابَ حُمِلَ على التَّقِيَّةِ، ولما في قَبولِ توبةِ المُحارِبِ من الصَّلاحِ وتركِ الفتنة، بخلافِ السارقِ، ولهذا لا تقبلُ توبتُه بعدَ القدرة عليه.\n* إذا تمَّ هذا، فقد روى الشيخان عن أَنسِ بنِ مالِكٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قدمَ ناسٌ من عُكْلٍ او عُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمرَ النبيَّ - ﷺ - لهمْ بلِقاحٍ، وأَمَرَهُم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها، فلما صَحُّوا، قَتَلوا راعِيَ النبيِّ - ﷺ -، واستاقوا النَّعَمَ، فجاءَ الخبرُ أولَ النَّهارِ، فبعثَ في آثارِهم، فلما ارتفعَ النَّهارُ، جيءَ بهم، فَأَمر بهم (٢)، فَقُطِّعتْ أيديهم وأرجلُهم، وسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وتُرِكوا في الحَرَّةِ يَسْتَسقونَ، فلا يُسْقَوْنَ (٣).\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\n(٢) \"فأمر بهم\": ليست في \"أ\".\n(٣) رواه البخاري (٢٣١)، كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، ومسلم (١٦٧١)، كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.","vol":"3","page":134},{"text":"وقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بين الحديثِ والآية.\nفقال بعضُهم: إنما سَمَلَ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنهم سَمَلُوا أعينَ الراعي، فاقتصَّ منهم بمثلِ ما فعلوا، وهذا ما ذكرهُ مُسْلِمٌ في \"صحيحه\" (١).\nورويَ عن الزُّهْرِيِّ أيضًا في قِصَّةِ العُرَنِيِّيْنَ أنه ذُكِرَ أنهم قَتلوا يَسارًا مولى رسولِ الله - ﷺ -، ثم مَثَّلوا به (٢) (٣).\nوقال الليثُ وابنُ سيرين: الحديثُ منسوخ بالآية (٤).\nوقال ابنُ شِهابٍ أيضًا بعدَ أن ذكرَ قِصَّتَهم: وذكروا - واللهُ أعلمُ - أن رسولَ الله - ﷺ - نُهِىَ بعدَ ذلكَ عنِ المُثْلَةِ بالآية التي في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، والتي بعدها، ونهى عن المُثْلَةِ وقال: \"لا تُمَثِّلُوا بشيءٍ\" (٥).\n_________\n(١) انظر تخريج الحديث السابق عند مسلم.\n(٢) رواه ابن بشكوال في \"غوامض الأسماء المبهمة\" (١/ ٢٨٤).\n(٣) وانظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٨/ ٤٢٢).\n(٤) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق (٤/ ١٠٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٣٤١).\n(٥) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٢٠٧)، عن أنس بن مالك.","vol":"3","page":135},{"text":"(من أحكام الحدود)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>(السرقة)</span>\n١١١ - (٨) قوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\nأوجبَ الله سبحانه علينا في هذهِ الآية قَطْعَ يَدِ السارقِ والسارقةِ، وأطلقَ ذلكَ في جَميع الأحوالِ والصِّفاتِ.\nوقد اتفقَ أهلُ العلمِ على وجوبِ قطعِهما، واتفقوا على تَخْصيصِ هذا الإطلاقِ والعُمومِ ببعضِ الأحوالِ، فاشترطوا أشياءَ تُعارِضُ هذا العمومَ:\nمنها: ما إذا سرقَ ما لَهُ فيهِ شبهةٌ؛ كالغانِم إذا سرقَ من الغنيمةِ قبل القسمةِ، وكالأبِ إذا سرقَ مالَ ابنِه؛ لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"ادرؤوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ\" (١).\n_________\n(١) رواه الترمذي (١٤٢٤)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في درء الحد، والدارقطني في \"السنن\" (٣/ ٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٨١٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٢٣)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٣١)، عن عائشة مرفوعًا بلفظ: \"ادرؤوا الحدود عن المسلمين استطعتم\". وأما اللفظ الذي ذكره المصنف: فقد ذكر ابن حزم في \"المحلى\" (٩/ ٤٢٨)، وابن حجر في \"الدراية\" (٢/ ١٠١): أنه لم يأت مرفوعًا من حديث النبي - ﷺ -.","vol":"3","page":136},{"text":"واختلفوا في تفاصيلِ ذلك في فروعٍ كثيرةٍ يطولُ بنا ذكرُها، وليس هو من غرضنا.\nومنها: اشتراطُ النِّصابِ.\nفلم يعتبرْهُ أهلُ الظاهِرِ، وأوجَبوا القَطْعَ في القليلِ والكَثيرِ.\nوبه قالَ الحسنُ البَصْرِيُّ، وابنُ بنتِ الشافعيِّ، وطائفةٌ من المتكلِّمين (١).\nواستدلوا بظاهرِ الآية، وربما احتجُّوا بما روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لعنَ اللهُ السارقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحَبْلَ، فتقطعُ يدُه\" (٢).\nوقال سائرُ أهلِ العلمِ بِاشتراطِ النِّصابِ (٣)، واستدلُوا بما رُويَ عن عائِشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها -: أنها قالت: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - لا يقطعُ يدَ السارقِ إلا في رُبع دينارٍ فصاعِدًا (٤).\nوفي رواية: لا تقطَعُ اليدُ إلا في رُبع دينارٍ فما فوقهِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٨١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٩٤).\n(٢) رواه البخاري (٦٤٠١)، كتاب: الحدود، باب: لعن السارق إذا لم يُسَمَّ، ومسلم (١٦٨٧)، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٩٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ١٠٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٤٠٧)، كتاب: الحدود، باب: قوله الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وفي كم يُقطع، ومسلم (١٦٨٤)، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها.\n(٥) رواه مسلم (١٦٨٤)، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، عن عائشة.","vol":"3","page":137},{"text":"وفي رواية: لم تقطَعْ يدُ السارقِ في عهدِ رسولِ الله - ﷺ - في أقلَّ منْ ثَمَنِ المِجَنِّ (١).\nوقالت أيضًا: سِمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: \"تقطع اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا\" (٢).\nوللظاهرية أن يقولوا: هذه الرواياتُ، وإن قويَ ظهورُها، فالحديثُ الأولُ الموافقُ لظاهرِ القرآنِ أقوى منها، فإنه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قالتْ ذلكَ بالاجتهادِ في بعضِها، وبعضُها ليس فيه أكثرُ من دَلالةِ المفهومِ، وذلك لا يُقاوِمُ المَنْطوقَ.\nولكنه يدلُّ للجماعةِ ما رُوي عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقطع يدُ السارقِ في (٣) دونِ ثمنِ المِجَنِّ\" قال: وكان ثمنُ المِجَنِّ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ - عشرةَ دراهِمَ (٤)، وروي في حديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- أن ثمنَ المِجَنِّ ثلاثةُ دراهمَ (٥)، فإن صَحَّ هذا، أو حديثٌ مثلُه، ففيهِ التصريحُ بالدَّلالَةِ على المَقْصودِ بالنُّطقِ والمَفهومِ، فحينئذ ينقطعُ نزاعُهم، ولا تبقى لهم حُجَّةٌ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٠٨)، كتاب: الحدود، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وفي كم يُقطع، ومسلم (١٦٨٥)، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، عن عائشة.\nوالمِجَنُّ؛ التُّرْس، وجمعه: مَجانُّ. وسُمِّيَ بذلك لأنه يواري حامِلَه، أي: يستره، \"اللسان\" (مادة جنن) (١٣/ ٩٤).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في \"ب\": \"بدون\".\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٨١٠٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٥)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٧/ ٥٣٤).\n(٥) رواه البخاري (٦٤١١).","vol":"3","page":138},{"text":"وأما الحديثُ الذي يدلُّ لهم، فالجوابُ عنه ممكنٌ، وهو أن يقال: إن هذا اللفظ للمبالغة كما بولِغَ بالقليلِ المحدودِ عن الكثيرِ في قوله - ﷺ -: \"من بنى لله مسجِدًا، ولو مثلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ (١)، بنى اللهُ له بيتًا في الجنة\" (٢).\nثم اختلف القائلون باعتبار النِّصابِ في قدره على أقوال كثيرة، والمشهورُ منها ثلاثة أقوال.\nأحدها: قولُ مالِكٍ وأهلِ الحجاز (٣): أنه ثلاثةُ دراهمَ من الفضة، وربعُ دينارٍ من الذهب، أو ما يساوي ثلاثةَ دراهمَ من سائِر الأشياء، فجعلَ الدراهمَ وربعَ الدينار أصلين في أنفسِهما، وجعلَ الدراهمَ أصلًا في غيرِهما.\nواستدلُّوا (٤) بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"تُقْطَعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا\" (٥)، وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما -: أن النبيَّ - ﷺ - قطعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهم (٦).\nالقول الثاني: ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنه ربعُ دينارٍ فقط (٧)، وأنه أصلٌ\n_________\n(١) مفحص قطاة، مَفْحَص القطاة: حيثُ تُفرِّخ فيه من الأرض، قال ابن الأثير: هو مَفْعَل من الفحص كالأُفحوص، وجمعُه: مفاحص. \"اللسان\" (مادة: فحص) (٧/ ٦٣).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٥٥)، والبزار في \"مسنده\" (٤٧٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٣٧)، عن أبي ذر الغفاري، بهذا اللفظ.\n(٣) وهو مذهب أحمد. انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٣٧٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٨٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١١٢).\n(٤) في \"ب\": \"واستدل\".\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) انظر: \"مختصر المزني\" (ص: ٢٦٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي =","vol":"3","page":139},{"text":"للدراهِم ولسائرِ الأشياء، فلا تقطع يدُه في الثلاثَةِ الدراهمِ إلا أن تساويَ رُبْعَ دينارٍ، واعتذر عن حديثِ ابنِ عمرَ بأن صرفَ الدنانير (١) كان عندَهم يومئذٍ اثْنَي عَشَرَ دِرْهَمًا، بدليلِ فعِلهم في الدِّيةِ، حيث جعلوا الديةَ من الدنانيرِ ألفَ دينارٍ، ومن الدراهِم اثْنَي عَشَرَ ألفَ درهمٍ، فالعبرةُ عندَه بربعِ الدينارِ كما وردَ في لفظِ النبي - ﷺ -.\nالثالث: قول أبي حنيفةَ و(٢) أهلِ العراق أنه عشرةُ دراهمَ (٣)، وأنها أصلٌ لسائرِ الأشياءِ، واعتمدوا على حديثِ ابنِ عمرَ المتقدِّمِ في اعتبارِ الدراهمِ، وأما المقدارُ فإنهم لما رأوا جماعةً من الصحابة كابنِ عباسٍ وغيرِه خالفوا ابنَ عمرَ في قيمةِ المِجَنِّ فقالوا: كانَ ثمنُ المِجَنِّ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ - عَشَرَةَ دَراهِمَ، وجَب أَلَّا تُقْطَعَ اليدُ إلا بيقينٍ.\nومنها - أعني الشروطَ المعارضَةَ للعُموم -: الحِرْزُ.\nفاشترطه جميعُ فقهاءِ الأمصارِ (٤)، وإنما اختلفوا في تفاصيلِ المسائلِ، وما الذي يجوز أن يكونَ حِرْزًا، وما لا يجوزُ.\nولم يعتبْرهُ أهلُ الظاهرِ؛ لظاهرِ الآية (٥).\nوالذي يظهرُ لي أن الحِرْزَ ليسَ شَرْطًا لوجوبِ القَطْعِ، وإنما هو شرطٌ\n_________\n= (١٣/ ٢٦٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ١١٠).\n(١) في \"ب\": \"الدينار\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"وقول\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٦٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ١٧٩).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٨٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٦٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١١١).\n(٥) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٢١)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٣/ ٣١٢).","vol":"3","page":140},{"text":"في تحقيقِ السرقةِ ووقوعِ اسمِ السارقِ على من أخذَ من هذا المكان؛ فإن السرقةَ أخذُ المالِ على حينِ خُفْيَةٍ (١) منَ الأعين، مع قيامِ ملاحَظَتِها، أو ما يقومُ مقامَها من الأحرازِ الموجِبَةِ للاستِخْفاء في العادة، ومنه قولهم: فلان يسارقُ النظرَ إلى فلان، إذا راقَبَ غَفْلَتَهُ لينظر إليه، فالحِرْزُ رُكْنٌ في السرقةِ لا تتصور إلَّا به، لا شرطٌ في وجوبِ القطعِ، ولهذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق، وإن كانَ أخذه خفيةً؛ لعدمِ الحرزِ منه، ولا يقال لمن غصب أو اختلس: سارق، وإن أخذه من الحرز؛ لعدم الاستخفاء.\nويدلُّ لما قلتُه ما روى أبو الزبير، عن جابرٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: أضافَ رجلٌ رجلًا، فأنزلَهُ في مشربةٍ له، فوجدَ متاعًا له، فاختانَهُ، فأتى به أبا بكرٍ، فقال: خَلِّ عنه، فليسَ بسارقٍ، وإنما هي أمانةٌ اختانَها (٢).\nولو كانَ الأمر على ما قالَ أهلُ الظاهرِ مُطْلَقًا، لوجبَ القَطْعُ على الخائِنِ، ولم يقلْ بهذا أحدٌ من أهلِ العلمِ، وإنَّما اختلفوا في فروعِ المسائل في تفاصيل الحرز.\nوذلك كما اختلفوا في النَّبَّاشِ.\nفقال مالكٌ والشافعيُّ: هو سارقٌ يجبُ عليهِ القَطْعُ (٣)؛ لوجودِ معنى السرقة، وهو أخذُ المالِ خفيةً من حِرْزٍ له في العرف والعادة.\nوقال أبو حنيفةَ والثوريُّ: ليسَ بسارقٍ، فلا قطعَ عليه (٤)؛ لأنه أخذَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"غفلة\".\n(٢) قال ابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" (٢/ ٣١٦): \"غريب\"، وقال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٤/ ٧٠): \"لم أجده\".\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٦/ ٢٨٠)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٤٩).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٦٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٦١).","vol":"3","page":141},{"text":"المالَ من غيرِ حرزٍ؛ لأنه في موضعِ ليسَ فيه ساكنٌ، وإنما تكونُ السرقةُ حيثُ تتقى الأعين، ويُحفظ من الناس.\nوعلى نفي السرقةِ عَوَّلَ مُحَقِّقُو أصحابهِ فيما (١) وراء النهر (٢).\n* فإن قلت: قال الله ﷾: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وإنما هما يمينان.\nقلنا: قال الزَّجَّاجُ وأبو زكريا الفَرَّاءُ: كُلُّ مُوَحَّدٍ من خَلْقِ الإنسانِ إذا ذُكِر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا، جُمعَ، فقيل: قد هُشِمَتْ رُؤوسُهما، ومُلِئَتْ ظُهورُهما وبُطونُهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]، وذلك لأن الإضافةَ تبينُ أنَّ المرادَ بالجَمْعِ التثنيةُ، فإذا قلتَ: اتَّسَعَتْ (٣) بطونُهما، عُلِم أَنَّ للاثنينِ بطنين، والتثنيةُ فيهما أغنتْكَ عن التثنية في بطن (٤).\n* وأجملَ اللهُ سبحانهَ ذِكْرَ اليدِ، وهي تقعُ على الكَفِّ وحدَهُ، وعليه معَ الساعدِ، وعليهما مع العَضُدِ، ولم يبيِّنْ أنها اليمينُ أو الشِّمالُ.\nفاستَدْلَلْنا على بيانِها (٥)، فوجَدْنا المُرادَ بها اليمين.\nروي عن أبي بكرِ وعمرَ، ولا مُخالِفَ لهما (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"بما\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١١٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي. (٦/ ١٦٤).\n(٣) في \"ب\": \"أشبعت\".\n(٤) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٣٤٩).\n(٥) في \"ب\": \"بيانه\".\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص =","vol":"3","page":142},{"text":"وأنَّ مَحَلَّ القَطْع مَفْصِلُ الكوع (١)؛ لما روي عن أبي بكرٍ وعمرَ أيضًا -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.\nوروي عن بعضِ السلفِ أنه قال: تُقْطَعُ الأصابِعُ دونَ الكَفِّ، وقيل: إنها إحدى الروايتينِ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٣) -.\nوقالتِ الخوارجُ: من المنكب (٤).\nفإن قلتَ: ذكرَ اللهُ سبحانه في المحاربِينَ قطعَ أيديهم وأرجلِهم منْ خِلافٍ، ولم يذكرْ في السرقَةِ غيرَ قطعِ اليدِ، فما الحكمُ إذا قُطِعَ، ثم سرَقَ ثانيًا، أيُقْطَعُ أم لا؟ وهَلْ تقطَعُ يدُه كما هي المذكورةُ في القرآن، أو رِجْلُه؟\nقلت: من أجل هذا قال عطاءٌ: إذا قُطعت يُده اليمنى، فلا يعادُ عليه القطع (٥).\n_________\n= (٤/ ٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٠٦).\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٨٦).\n(٢) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢١٥)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ١٩٢).\n(٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٦١)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٩٨).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣١٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٥٧).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٧٥٨)، وابن حزم في \"المحلى\" (١١/ ٣٥٤)، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: سرق الأولى؟ قال: تقطع كفه، قلت: فما قولهم: أصابعه؟! قال: لم أدرك إلا قطع الكف كلها، قلت لعطاء: سرق الثانية؟ قال: أرى أن تقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط، قال الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ولو شاء أمر بالرجل ولم يكن الله تعالى نسيًا.","vol":"3","page":143},{"text":"وهو مَحْجوج بالكافَّةِ من أهلِ العلم، فالذي عليه الناسُ أن تُقْطَعَ رجلُه اليسرى (١).\nلكن قالَ ابنُ المنذر: ثبتَ عن أبي بكرٍ وعمرَ أنهما قَطَعا اليدَ بعدَ اليدِ، والرِّجْلَ بعد الرِّجْل (٢) (٣).\nثم إن عادَ.\nفذهبَ قومٌ منهمْ عليُّ بنُ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه- والزهريُّ، وحمادُ بنُ أبي سليمان، وأحمدُ إلى أنه لا قطعَ (٤).\nقال الزهريُّ: لم يبلغْنا في السُّنَّةِ إلا قطعُ اليدِ والرجلِ (٥).\nوالجمهورُ كأبي حنيفةَ (٦)، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ - في إحدى الروايتين عنه - على أنه تُقطع يدُه اليسرى، ثم إن عاد فرجلُه اليمنى (٧)، ثم\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٢١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٤٨).\n(٢) نقله ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٠)، وقال: لا يصح عنهما.\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢١٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٧٢).\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ٣٥٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٤٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٧٢).\n(٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٧٧٠).\n(٦) مذهب أبي حنيفة أنه يعزَّر بعد قطع يده ورجله، انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٧٢)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ١٤٠).\n(٧) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٦/ ٢٦٩)، و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ١٦١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥٤٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٢١).","vol":"3","page":144},{"text":"إن عادَ فالتَّعْزيرُ عند مالكٍ والشافعيِّ (١)، وعن مالكٍ روايةٌ بقتلِه (٢)؛ لحديثٍ ورد فيه (٣)، لكنهم ضَعَّفوهُ (٤)، والله أعلم.\n* * *\n\n١١٢ - (٩) قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩].\nقد تقدمَ الكلامُ على التوبةِ في \"سورة النساء\"، والصحيحُ قبولُها كما جاء في القرآن العزيز؛ خلافًا للجمهور، وللشافعيِّ في قوله الجديد، وقد تقدم ذلك مستوفًى.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٥٠)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٥٨١).\n(٢) هو قول أبي مصعب من المالكية، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ١٧٢).\n(٣) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/ ٦)، عن عبد الله بن زيد الجهني، قال أبو نعيم نقلًا عن ابن القطان: تفرد به حزام بن عثمان، وهو من الضعف بالمحل العظيم.\n(٤) انظر: \"الدراية\" لابن حجر (٢/ ١١١).","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>(من أحكام أهل الكتاب)</span>\n١١٣ - (١٠) قوله ﷿ في اليهود ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].\nنزلت هذه الآيةُ في اليهودِ لمّا جاؤوا رسولَ الله - ﷺ -، وحَكَّموهُ في أمرِ اللَّذَيْنِ زنَيا منهم.\nوالقصة مشهورةٌ في \"الصحيحين\" وغيرهما من حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: إنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله - ﷺ -، فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلًا زنيا، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: \"ما تَجدونُ في التوراة في شأنِ الرَّجْم؟ \" فقالوا: نفضحُهم، ويُجلدون، فقال (١) عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آيةُ الرَّجْمِ (٢)، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلَها، وما بعدَها، فقال له عبدُ الله بنُ سلامٍ: ارفعْ يَدكَ، فرفع يَدهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صَدَقَ يا مُحَمَّدُ، فأمرَ\n_________\n(١) في \"ب\": \"قال\".\n(٢) إشارة إلى قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتة) وقد تقدمت.","vol":"3","page":146},{"text":"بِهِما - ﷺ -، فَرُجما، قال: فرأيتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ على (١) المرأة يَقيها الحِجارةَ (٢).\nفخير اللهُ سبحانه نبيَّه - ﷺ - بينَ الحُكم بينَهُم، والإعراضِ عنهم إذا جاؤوا.\nوأمر اللهُ سبحانَه نبيَّه - ﷺ - بالحُكْمِ بينَهم في آيةٍ أخرى، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].\nفحُكي عن جماعةٍ، منهم ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أنهم قالوا: هذا الأمرُ ناسِخٌ لما تقدَّمَ من التخيير في موضع آخر (٣)، فليس للإمام رَدُّهُمْ إلى أحكامهم (٤).\nوقال قومٌ: بل الآيتان مُحْكَمتان، وإنما ذكرَ اللهُ التخيير في موضعٍ، وسكت عنهُ في موضعٍ آخرَ، والمعنى: فاحْكُمُ بينَهم بما أنزلَ اللهُ إن شئتَ (٥).\n_________\n(١) يجنأ: جَنَأ عليه: كجعل وفرح: جنوءًا وجَنًا: أكبَّ. ومثله: أجنأ، وجانأ، وتجانأ. \"القاموس\" (مادة: جنأ) (ص: ٣٦).\n(٢) رواه إلبخاري (٣٤٣٦)، كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ومسلم (١٦٩٩)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.\n(٣) \"في موضع آخر\" ليس في \"أ\".\n(٤) رواه عن ابن عباس أبو داود في \"السنن\" (٣٥٩٠)، وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي والشافعي، انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للقاسم بن سلام (ص:٢٠٩)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٤٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١١٣٥).\n(٥) وروي هذا القول عن إبراهيم والشعبي وعطاء وسعيد بن جبير، انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٤٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٨٧)، و\"نواسخ القرآن\" =","vol":"3","page":147},{"text":"قال بعضُهم: الآيةُ معطوفةٌ على آية التخييرِ، والناسخُ والمنسوخُ لا رَبْطَ بينَهُما، ولا عَطْفَ (١).\nوهذا الاستدلالُ ضعيفٌ؛ لأن العطفَ بالواو لا يدلُّ على الرَّبْطِ، وإنما يدلُّ على التأخيرِ، أو الترتيبِ على قولِ بعضِ النحاةِ، والصوابُ أن يستدلَّ على عَدَمِ النَّسْخِ بعدَمِ التعارُض، إلا إن ثَبَتَ في ذلك (٢) توقيفٌ، فيتَّبَعُ.\n* وقد اختلفَ الفقهاءُ في حكمِ هذه الآيةِ على ثلاثةِ أقوالٍ.\n- منهم من عَمِلَ بظاهِرِ هذه الآية، فقال: الإمامُ مخيرَّ في الحكمِ بينَهُم إنْ جاؤوه، وأما إذا لم يَجيئوهُ، فلا حكم له عليهم، وبهذا قالَ مالِكٌ (٣).\n- ومنهم من قال: يجبُ عليه الحكمُ بينهم إن جاؤوه، وكأنهم رأَوُا التخييرَ مَنْسوخًا، وبهذا قال أبو حنيفة (٤)، وللشافعي قولانِ كالمَذْهَبين (٥).\nومنهم من قال: يجبُ على الإمامِ الحكمُ بينَهُم، وإن لمْ يترافَعوا إليه، واحتجوا بإجماع المسلمين على وجوب قطعِ يدِ الذِّمِّيِّ إذا سرق، وكأنه رأى الآيةَ الثانيةَ ناسخةً للتخيير والتقييد.\nقال بعضُ الفقهاءِ: وإذا قلنا بالتخيير، فمتى حَكَمَ بينَهم، لَزِمَهُمُ الحُكْمُ، وليس لهم رَدُّهُ، بالإجماع؛ لفعلِ النبيِّ - ﷺ - ذلك (٦)، ولقوله تعالى\n_________\n= لابن الجوزي (ص: ١٤٨).\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢١٢).\n(٢) \"في ذلك\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١٤/ ٣٦٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٣٨٩).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٨٧).\n(٥) وكذا عن أحمد روايتان. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٣٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٣٠٦)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ٣٦٥).\n(٦) \"ذلك\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":148},{"text":"في ذمهم: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].\nقال المفسِّرون: إنَّ رَجُلًا وامرأةً من أشرافِ أهلِ خَيْبَرَ زَنَيا، فكان حَدُّهُما الرَّجْمَ، فكرهتِ اليهودُ رَجْمَهُما؛ لشرفِهما، فبعثوا الزانيين إلى بني قُرَيْظَةَ ليسألوا مُحَمَّدًا - ﷺ - عن قضائِهِ في الزانيين إذا أَحْصَنا، ما حَدُّهُما؟ وقالوا: إن أفتاكُمْ بالجَلْدِ فَخُذوهُ، واجْلِدوا الزانيَيْنِ، وإن أفتاكُمْ بالرَّجْمِ، فلا تَعْمَلوا به، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١) [المائدة: ٤١].\nوهذا القولُ حَسَنٌ قَوِيٌّ، وهو يُبْطِلُ تَفْريعَ الشافعيَّةِ، فإنَّهم قالوا - على قول التخيير -: إنه إذا حكمَ بينَهم، لم يلزمْهُم حكمُه، وإن دعا أحدُهما الحاكمَ ليحكُمَ بينَهما، لم يجبْ على الآخَرِ الحُضورُ (٢).\nوهذا التفريعُ ضعيفٌ بعيدٌ من تحقيقِ الشافعيةِ (٣)؛ فإن التخييرَ من الله سبحانه للإمام، لا لَهُم، فما كانَ اللهُ -﵎- ليُخَيِّرَهُمْ في حكمٍ، ولِما ثبتَ من فعلِ النبيِّ - ﷺ -.\n* فإن قيل: بِمَ حكمَ النبيُّ - ﷺ - فيهم؟\nقلنا: اختلفتْ جواباتُ العلماءِ في ذلك، وهو مَبْنِيٌّ على الخِلاف الذي قدمتُه في سورةِ النساء، هل يُشْتَرَطُ الإسلامُ في الرَّجْمِ أو لا؟\n_________\n(١) رواه بن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٢٣٧)، والحميدي في \"مسنده\" (١٢٩٤)، عن جابر بن عبد الله. وانظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (١/ ٣٩٥).\n(٢) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٥٦).\n(٣) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٨/ ٤٧٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٣٠٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ١٥٥).","vol":"3","page":149},{"text":"فذهبَ الشافعيُّ إلى عدمِ اشتراطِه، وله من الدليل هذه الآيةُ، وحديثُ ابنِ عمَر المتقدمُ، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ أنه قال (١): إنما حَكَم فيهم بشريعةِ الإسلام (٢).\nوذهبَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ إلى اشتراطِ الإسلامِ (٣)، وأجابوا عن هذه الآيةِ بأنه حكمَ بشريعةِ موسى ﵊، وكان ذلك قبلَ نُزولِ الحُدود، ولهم من الدليل قولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، معَ تقييدِ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥].\nقالوا: وشريعَةُ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا حتى يقومَ الدليلُ على تركِها.\nوفي هذا الجوابِ نظرٌ من وجهين:\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، فجعل الحكمَ لكتابنا المُنْزَلِ على نبيِّنا - ﷺ - المُصَدِّقِ لما بينَ يديهِ منِ الكتاب والمهيمنِ عليه.\nوثانيهما: قوله في حديث ابن عمرِ: \"ما تجدونَ في التوراة في شأن الرجم؟ \"، وهذا يدلُّ على أن شريعتَه قد نزَلَتْ - ﵊ (٤) -.\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"هنا\".\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ١٩٧)، و\"أسنى المطالب في شرح روض الطالب\" لزكريا الأنصاري (٤/ ١٢٨).\n(٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ٣٩)، و\"أحكام القرآن\" لابن عربي (١/ ٥١٧).\nوروي عن أحمد روايتان، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٣).\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":150},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فالمراد به (١): انْقادوا لحكم التوراة، وبهذا قال أبو هريرةَ وغيرُه، ومحمدٌ منهم (٢).\nفإن قالوا: الأمرُ للنبيِّ - ﷺ - بأن يحكمَ بما أنزلَ اللهُ يجوزُ أن يكونَ إشارةً إلى ما كُتِبَ في التوراةِ من القِصاص، وذكرُهُ للرجْمِ يحتملُ أن يكونَ عَلِمَ عنهم ما كَتَموه من الرَّجْمِ.\nقلنا: الأصلُ عدمُ عِلْمه بشريعتِهم، واتباعُه ما أنزلَ اللهُ سبحانه إليه، واتباعُ السُّنَّةِ وتقريرها أولى من تأويلِها ونسخِها.\n* واستنبطَ بعضُ أهلِ العلم من قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ [المائدة: ٤٣] على جواز التحكيمِ ولزومهِ لغيرِ الإمام، ولأن الحكمَ حَقُّ الخَصْمَيْن على الحاكمِ، لا حَقُّ الحاكِمِ على الناس.\nوإليه ذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ في أحدِ قوليه.\nوقالَ في القول الآخر: التحكيمُ جائزٌ، وليسَ بلازمٍ، وإنما هو فتوى؛ لما فيه من تقدم آحاد الناسِ الولاة، وفي ذلك خَرْمُ قاعِدَةِ الوِلاية.\nويمكن أن يُجابَ عن قوله تعالى: ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ بأنَّ كلَّ حاكِمِ مُحَكَّمٌ، وإذا ترافَعَ خَصْمان إلى حاكمٍ، فقدْ حَكَّماهُ في أمرِهِما، وإن كان حاكمًا، ويدلُّ عليهِ قولُه تَعالى في المسلمينَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].\n* * *\n\n١١٤ - (١١) قوله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ\n_________\n(١) \"به\": ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٢٧).","vol":"3","page":151},{"text":"قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].\nقد تقدم الحكمُ على هذه الآيةِ في \"سورةِ البقرةِ\"، وكيفيةُ الجمعِ بين الآيتين.\n* وقد تمسَّك أبو حنيفةَ بظاهرِ هذهِ الآيةِ في (١) قتلِ المُسلمِ بالذِّمِّيَ (٢)، وفي قتلِ الحُرِّ بالعبدِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عنِ التَّمَسُّكِ بهذا العمُوم.\n* وذكر اللهُ سبحانَهُ في آيةِ البقرةِ القِصاصَ في القَتْلى، وذكر هنا القِصاصَ في الأَعْضَاءِ والجُروحِ، فَخَصَّ بالذِّكْرِ شيئًا، وعَمَّ بعدَ ذلكَ سائرَ الجُروحِ.\n* والقصاصُ هو المُساواةُ والمُماثَلَةُ، وذلك يوجبُ أن تُؤْخَذَ العينُ اليمينُ بالعينِ اليمينِ، واليُسرى باليُسرى، واليد اليمين باليدِ اليمين، واليُسرى باليُسرى، الكُلُّ بالكُلِّ، والبعضُ بالبعضِ، وضابطُه أن كلَّ جرحٍ أَمْكَنَ فيهِ القِصاصُ والمُماثَلَةُ، ولم يُخْشَ منه الموتُ، فقد وجبَ فيهِ القِصاصُ.\nوكذلكَ لفظُ القصاص يقتضي أن يُقْتَصَّ بالآلة التي جُنِيَ بِها.\nوقد بين النبيُّ - ﷺ - ذلك بفعله، فشدخَ رأسَ يهوديٍّ، كما شدَخَ رأسَ جاريةٍ (٣)، وتفصيل هذا يستدعي ذكرَ مسائلَ كثيرةٍ، وقد اتفقَ العلماءُ على وُجوبِ المُماثَلَةِ، وإنِ اخْتَلفوا في تفاصيلِها (٤) (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"بقتل\".\n(٢) في \"ب\": \"في الذمي\".\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) في \"ب\": \"تفصيلها\".\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٢٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي =","vol":"3","page":152},{"text":"١١٥ - (١٢) قوله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].\nقد قَدَّمْتُ قريبًا ما قيلَ في هذه الآيةِ.\n* * *\n\n١١٦ - (١٣) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].\n* حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ على المؤمنين أن يَتَّخِذوا اليهودَ والنَّصارى أولياءَ، أي: أنصارًا وأَصْدِقاءَ أَخِلاَّءَ يُلْقون إليهِمْ بالمَوَدَّةِ، وبِسِرِّ المؤمنين، ومَنْ يَفْعَلُ ذلكَ فإنَّهُ منهُم؛ كعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وأَصحابِه، الذي قال: يا رسول الله! إني امْرُؤٌ أَخْشى الدَّوائِرَ، وقِصَّتُهُ مشهورةٌ مع النبيِّ - ﷺ - لما أرادَ أن يقتلَ بني النَّضيرِ، وكانوا حُلَفاءَهُ (١).\nوحرَّمَ اللهُ سبحانه في غيرِ هذه الآية مُوالاةَ الكافِرين تَحْريمًا مُطْلَقًا كَهذهِ الآيةِ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ\n_________\n= (١٢/ ١٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٠٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٣٦).\n(١) روى القصة ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٢٧٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٦/ ١٩٢)، وساقها ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ٧٠)، وابن حجر في \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣٢)، عن محمد بن إسحاق.","vol":"3","page":153},{"text":"أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]؛ والحُكْمُ في هذا على العُمومِ والإطلاق (١).\nوليس البِرُّ والإقْساطُ لهم والصدقةُ عليهم من الموالاة، فقد ندبَ اللهُ سبحانَه إليهما (٢) فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢].\nوأما معاشرتُهم بالمجالَسَةِ، فلا شَكّ أنها مكروهةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ؛ لما فيه من الإيناسِ لعدوِّ اللهِ ورسوله.\nرويَ عن أبي موسى -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنه قدمَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فقال: إنَّ عندَنا كاتِبًا نصرانِيًّا، من حالِه وحالِه، فقال: مالَكَ ولَهُ قاتَلَكَ الله! أما سمعتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]؟ ألا اتَّخَذْتَ حنيفًا؟ قال: قلتُ: لهُ دينُه ولي كتابَتُهُ، قال: لا أُكرمُهُمْ إذْ أهانَهُمُ اللهُ، ولا أُعِزُّهُمْ إذْ أَذَلَّهُمُ اللهُ، ولا أُدنيهم إذْ أقْصاهُمُ الله (٣).\n* وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن اليهوديَّ يَرِثُ النَّصْرانِيَّ، وبالعَكْس (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٩٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ٥٢).\n(٢) \"إليهما\": ليس في \"أ\".\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٢٧)، و\"شعب الإيمان\" (٩٣٨٤).\n(٤) وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك وأحمد: لا يتوارثان. انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٩/ ١٧٠)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٨/ ٣٦٤)، و\"أحكام أهل الذمة\" لابن القيم (٢/ ٨٢٩).","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>(من أحكام الصلاة)</span>\n(الأذان)\n\n١١٧ - (١٤) قوله ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].\nأقول:\nقد أَعْلَمَنا اللهُ سبحانَه أنَّ النِّداءَ إلى الصَّلاةِ من شعارِ هذا الدينِ، وعملِ المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، وقال في \"سورةِ الجُمُعَةِ\": ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\nوقد علمنا من هذا الخطاب أيضًا أن المرادَ بالصَّلاةِ المَكْتوبةُ؛ لأنه ليسَ ثَمَّ صلاةٌ يجبُ السَّعْيُ إليها إلا فَريضَةَ الجُمعةِ.\nقال أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ بعدَ أن ذكرَ الآيتين: وكانَ بيِّنًا (١) -والله أعلم- أنهُ أرادَ المكتوبةَ بالآيتينِ معًا، قال: وشرعَ (٢) رسولُ اللهِ - ﷺ - الأَذانَ للمكتوباتَ، ولم يَحْفَظْ عنه أحدٌ علمتُه أنه أمرَ بالأذان لغيرِ صلاة مكتوبة، بل حفظَ الزُّهريُّ عنه أنه كانَ يأمرُ في العيدين المؤذِّنَ يقولَ: الصلاةَ جامِعَةً (٣).\n_________\n(١) \"بيِّنًا\": ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"وسنّ\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٨٢).","vol":"3","page":155},{"text":"* وعلى مشروعيةِ الأذانِ أجمعَ المُسلمون، وتميز به المؤمنون، فكانَ (١) النبيَّ - ﷺ - إذا غَزا قَوْمًا، فإنْ سمعَ نِداءً، لم يَغزُ، وإن لم يسمعْ، أغارَ (٢)، وفعلَه النبيُّ - ﷺ -، وأمرَ بهِ، حَضَرًا وسَفَرًا، فقال لمالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ ولصاحبه: \"إذا كُنْتُما في سَفَرٍ، فَأَذِّنا، وأقيما، ولْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُما\" (٣).\n* ثم اختلفوا في هذهِ المشروعية، هل هي على الوجوب، أو على الندب؟\nفذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ للجماعة والمُنْفَرِدِ، وهو في حَقِّ الجَماعةِ آكَدُ؛ لأنه لم يكنْ في صدرِ الإسلامِ، وإنما شَرَعَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - لجمعِ الناسِ للصَّلاةِ، وإعلامِهم بها (٤).\nوذهبُ (٥) مالِكٌ وبعضُ الشافعيةِ إلى أنه فرضُ عَيْنٍ في مَساجدِ الجَماعاتِ، ولم يَرَهُ على المنفردِ فَرْضًا ولا سُنَّةً (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"وكان\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه البخاري (٢٦٩٣)، كتاب: الجهاد، باب: سفر الاثنين، ومسلم (٦٧٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة، بلفظ: \"أذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما\".\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤١)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٤١).\n(٥) في \"أ\": \"ومذهب\".\n(٦) ذكر ابن عبد البر قولين للمالكية في المسألة: الأول: أن الأذان واجب، والثاني: أنه سنة مؤكدة، وكذا حكي القولان عند الحنابلة. انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٣/ ٢٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٢٥٠).","vol":"3","page":156},{"text":"وذهبَ بعضُ أهلِ الظاهرِ إلى أنه واجبٌ على الأعيانِ (١).\nوقال بعضُهم: بل على الجَماعة (٢).\nوقال بعضُهم: في السَّفَرِ خاصَّةً، واستدلُّوا بفعل النبيِّ - ﷺ - وأمرِه ودوامِه عليه (٣).\n* إذا تقررَ هذا، فقد فَهِمْنا من الآية أن النِّداءَ للصَّلاة لا يكونُ إلا بعدَ دخُولِ وَقْتِها؛ لأنه لا يُنادى لفعلِ شَيْءٍ قبلَ جَوازِ فِعْلِه، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ في جميعِ الصَّلَواتِ، إلا صلاةَ الصُّبْحِ.\nفذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى جَوازه قبلَ الفَجْرِ (٤)؛ لقوله - ﷺ -: \"إن بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشربوا حتى تَسْمعوا أَذانَ ابنِ أُمِّ مَكْتومٍ\" (٥).\nقال الشافعيُّ في كتابِه القديمِ: أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن الأعرج عن إبِراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عمارةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ عنْ سعد القُرظيّ قال: أَذَّنَّا في زمانِ النبيِّ - ﷺ -، وفي زَمَنِ عُمَرَ بالمدينة، فكان أذانُنا للصبحِ لوقتٍ واحدٍ في الشتاءِ لِسُبُعٍ ونصْفٍ يَبْقى، وفي الصَّيْفِ لِسُبُعٍ يبقى (٦).\nقال: وأخبرَنا ابنُ أبي الحباب الخزاعيُّ، وكانَ قد زادَ على الثمانين،\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٤٠٠).\n(٢) وهو قول ابن حزم. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٣/ ١٢٢).\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ٦١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٤٠٠).\n(٤) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٧١)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٨٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٢٤٦).\n(٥) تقدم تخريجه.\n(٦) في \"ب\": \"يبقى منه\". والحديث باطل كما قال ابن الصلاح والنووي وابن الملقن والبدر العيني وغيرهم. وانظر: \"خلاصة البدر المنير\" (١/ ٨٩)، و\"تلخيص الحبير\" (١/ ١٧٩)، و\"عمدة القاري\" (٥/ ١٣٥).","vol":"3","page":157},{"text":"أو راهَقَها، قال: أدركْتُ منذُ كنتُ آلَ أبي مَحْذوَرَة يُؤَذِّنونَ قَبْلَ الفَجْرِ بِلَيْلٍ، وسمعتُ منهم مَنْ يحكي ذلك عن آبائه (١).\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يؤذَنُ لها إلا بعدَ الفَجْرِ؛ كسائرِ الصَّلَوات (٢).\nواستدلَّ بما رُوي أنَّ بلالًا أذَّنَ قبلَ الفَجْرِ، فأمره النبيُّ - ﷺ - أن يرجع ينادي: ألا إنَّ العبدَ قَدْ نام (٣).\nوأجاب الشافعيُّ فقال: قد سمعتَ تلكَ الرِّوايةَ، فرأينا أهلَ الحَديثِ منْ أَهْلِ ناحِيَتِكَ لا يُثْبِتونَها، يزعُمون أنها ضعيفةٌ، ولا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ على الانفِراد.\nواحتجَّ أيضًا في القديم بفِعْل أهلِ الحَرَمينِ، وساقَ الكلامَ فيه، إلى أن قال: هذا منَ الأُمور الظاهِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ أهلَ المَسْجِدَيْنِ، والمُؤَذِّنينَ والأَئِمَّةَ الذين أَقَرُّوهُمْ لم يُقيموا من هذا على غَلَطٍ، ولا أَقَرُّوه، ولا احتاجوا فيه إلى عِلْمِ غيرِهم، ولا لغيرِهم الدخولُ بهذا عليهم (٤).\nوذهب قومٌ إلى أنه لا بُدَّ من أَذانَيْن: أذانٍ قبلَ الفَجْرِ، وأذانٍ بعدَه اتبِّاعًا لما كانَ في عَهْدِ رسولِ الله - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ٤١٢).\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (١/ ٢٥٣)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٤٣).\n(٣) رواه أبو داود (٥٣٢)، كتاب: الصلاة، باب: في الأذان قبل دخول الوقت، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٩)، عن عبد الله بن عمر.\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٥٤)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ٤١٥).","vol":"3","page":158},{"text":"وبه قال محمدُ بنُ حزمٍ، إلا أنه يكونَ قبلَ الفجرِ بزمنٍ (١) يَسيرٍ بقَدْرِ ما يهبطُ هذا، ويصعَدُ هذا، فيجوز (٢).\n* فإن قلت: فبيِّنْ لنا صفةَ النِّداءِ الذي ذكرَهُ اللهُ سبحانَه، وصفةَ الإقامَةِ التي سَنَّها النبيُّ - ﷺ -.\nقلنا: اختلفَتِ الرِّواياتُ في ذلك.\nأما الأذانُ:\n\n١ - فقالَ الشافعيُّ: أنبأنا (٣) مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ جُريجٍ قال: أخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ: أنَّ عبدَ الله بْنَ مُحَيْريزٍ أخبرَهُ، وكان يتيمًا في حِجْر أبي مَحْذورَةَ حينَ جَهَّزَهُ إلى الشامِ، فقلتِ لأبي مَحْذورة: أيْ عَمِّ! إِنِّي خارجٌ إلى (٤) الشامَ، وأنِّي أخشى أن أُسألَ عن تأذينِك، فأخبرْني أبا مَحْذورَةَ، قال: نعم، خرجْتُ في نَفَرٍ، فكنّا ببعضِ طريقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ رسولُ الله - ﷺ - من حنينٍ (٥)، فلقينا رسولَ الله - ﷺ - في بعضِ الطريق، فَأَذَّنَ مؤذِّنُ رسولِ الله - ﷺ - بالصَّلاةِ عندَ رسولِ الله - ﷺ -، فسمِعْنا صوتَ المُؤَذِّنِ ونحنُ مُتَّكِئون، فصرخنا نَحْكيهِ ونستهزئُ به، فسمعَ النبيُّ - ﷺ -، فأرسلَ إلينا إلى أن وَقَفْنا بينَ يديه، فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّكُمُ الَّذي سَمِعْتُ صَوْتَهَ قدِ ارتَفَعَ؟ \"، فأشارَ القومُ كُلُّهم إليَّ، فصدَقوا، فأرسلَ كُلَّهُمْ وحَبَسني، فقال: \"قمْ فأَذِّنْ بالصَّلاة\"، فقمت، ولا شيءَ أكرهُ إليَّ منْ\n_________\n(١) في \"ب\": \"بشيء\".\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٣/ ١١٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٠٢).\n(٣) في \"ب\": \"أخبرنا\".\n(٤) \"إلى\" ليس في \"أ\".\n(٥) \"من حنين\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":159},{"text":"رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا مِمَّا يأمرُني به، فقمتُ بينَ يَدَيْ رَسولِ الله - ﷺ -، فألقى على رسولُ الله - ﷺ - التَّأْذينَ هُوَ نَفْسُهُ فقال: قُل: \"اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ أن مُحَمَّدًا رسولُ الله\"، ثم قال: \"ارجعْ وامدُدْ منْ صوتك، ثم قُلْ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، حَيَّ على الفَلاحِ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا اللهُ\" ثم قضيتُ التأذين، ثم دعاني وأعطاني صُرَّةً فيها شيءٌ من فِضَّةٍ، ثم وضَعَ يدَه على ناصِيَتِه (١)، ثم أَمَرَّها على وَجْهِهِ، ثُمَّ منْ بينِ يَدَيهِ إلى كَبدِهِ، ثم بَلَغَتْ يَدُهُ إلى سُرَّةِ أبي مَحْذورَةَ، ثم قالَ رسول الله - ﷺ -: \"بارَكَ الله فيكَ، وبارَكَ عليكَ\" فقلت: يا رسول الله! مُرْني بالتأذينِ بِمَكَّةَ، فقالَ: \"قدْ أمرتُكَ بهِ\"، وذهب كُلُّ شيءٍ كانَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - من كَراهِيَةٍ، وعادَ ذلكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لرسولِ الله - ﷺ -، فَقَدِمْتُ على عَتَّابِ بْنِ أسيدٍ عامِلِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَذَّنْتُ بالصَّلاةِ عنْ أمرِ رسولِ الله - ﷺ -.\nقال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبرني بذلك مَنْ أَدْرَكْتُ منْ آلِ أبي مَحْذورةَ على نحوِ ما أخبرَني ابنُ مُحَيْريزٍ.\nقال الشافعيُّ: وأَدْرَكْتُ إبراهيمَ بنَ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ يؤذِّنُ كما حكى (٢) ابنُ مُحَيْريزٍ، وسمعتُه يُحَدِّثُ عن أبيهِ، عنِ ابنِ مُحَيْريزٍ، عنْ أبي مَحْذورَةَ، عنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعْنى ما حَكى ابنُ جُرَيْج.\nقال: وسمعتهُ يقيمُ فيقولُ (٣): اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أن لا إله\n_________\n(١) في \"ب\": \"ناصية أبي محذورة\".\n(٢) في \"ب\": \"ذكر\".\n(٣) في \"أ\": \"يقول\".","vol":"3","page":160},{"text":"إلا الله، أشهدُ أن مُحَمَّدًا رسولُ الله، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله.\nقال الشافعيُّ: وحَسِبْتُني سَمِعْتُه يَحْكي الإقامَةَ خَبَرًا كما حَكى الأذانَ (١).\nوعلى هذا عَمَلُ أهلِ مَكَّةَ، وإيّاهُ اعتمَدَ الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى (٢) - فَرَبَّعَ التكبيرَ، ثم رَجَّعَ بالشَّهادَتَينِ، وأَوْتَرَ الإقامة، إلا لفظَ الإقامة؛ لما سَمِعَهُ من آلِ أبي محذورة.\nولما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ -رضيَ الله تعالى عنه - أَنَّ بِلالًا أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الأَذان، ويُوترَ الإقامةَ، إِلَّا لَفْظَ الإقامَةِ (٣).\nولما روى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ - مَثْنى مَثْنى، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّ المؤذِّنَ إذا قال: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قال مَرَّتينِ (٤).\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٠، ٣١)، والنسائي (٦٣٢)، كتاب: الأذان، باب: كيف الأذان، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٠٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦٨٠)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٧٣١)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٣).\n(٢) وهو مذهب الإمام أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٢)، و\"الكافي\" لابن قدامة (١/ ١٠١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٤/ ٨١).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٨)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، ومسلم (٣٧٨)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة.\n(٤) رواه أبو داود (٥١٠)، كتاب: الصلاة، باب: في الإقامة، والنسائي (٦٢٨)، كتاب: الأذان، باب: تثنية الأذان، وأبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (١٩٢٣)، والدارمي في \"سننه\" (١١٩٣)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٣٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٠٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١٣).","vol":"3","page":161},{"text":"٢ - وذهب مالِكٌ إلى ما عليهِ عَمَلُ أهلِ المدينة (١)، فَثَنَّى التكبيرَ، ورَبَعَّ الشهادتينِ، ولم يُرَجِّعْ، ثم باقي الأَذان مَثْنى.\nوقد رُوِيَ تَثْنِيَةُ التكبير في أَوَّلِ الأذانِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، وأبي مَحْذورةَ أيضًا.\nكما روي عنه التربيع في التكبير، وأوتر الإقامةَ كالشافعيِّ، إلا كلمةَ الإقامَةِ، فإنَّهُ لم يُثَنِّها.\nويدلُّ لهُ ما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ - رضىَ اللهُ تعالى عنه - أَنَّ بِلالًا أُمِرَ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ.\nولم يرهُ الشافِعيُّ مخالِفًا تقَدَّمَ عن أنسٍ أيضًا، فقال: هذا ثابتٌ، وبه نقولُ، فنجعلُ الإقامَةَ وِتْرًا، إلا في مَوْضِعَيْنِ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، في أولِ الأذان، وقَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فإنَّهما (٢) شَفْعٌ (٣).\nوحملَ المُطْلَقَ في روايةِ أنسٍ على المُقَيَّدِ.\nوهو جوابٌ حَسَنٌ، لكنَّ مالِكًا لم يعتَمِدْ إلا على عَمَلِ أهلِ المدينة.\nقال مالِكٌ: لم يَبْلُغْني في النِّداءِ والإقامَةِ إلَّا ما أَدْرَكُتْ الناسَ عليه، فأَمَّا الإقامَةُ، فإنَّها لا تُثَنَّى، وذلكَ الذي لم يَزَلْ عليهِ أهلُ العِلْمِ ببلدِنا (٤).\nوهو معتمدٌ قويٌّ لأنَّ هذا شيءٌ طريقُه النقلُ، ولو كانَ حصلَ فيه نقصٌ أو زيادةٌ أو تغييرٌ، لَعُلِمَ عندَهم، بل ما عُلِم إلا أنهُ كانَ على هذا، فروى مالِكٌ عن عَمِّهِ أبي سُهَيْلِ بنِ مالِكٍ عن أبيهِ: أنه قال: ما أعرفُ شيئًا ممّا\n_________\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٤/ ٢٨)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ٤٤).\n(٢) في \"أ\": \"فإنها\".\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ٤٣٩).\n(٤) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٧١).","vol":"3","page":162},{"text":"أدركْتُ عليهِ الناسَ إلا النِّداءَ بالصلاةِ (١).\n\n٣ - وذهبَ أبو حنيفةَ إلى ما عليهِ أهلُ الكوفةِ، فربَّعَ التَّكبيرَ، وثَنَّى بقيةَ الأذانِ، ولم يرجِّعْ (٢).\nواحتجُّوا بحديثِ ابنِ أبي ليلى، وفيه أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ رأى في النَّوْمِ رَجُلًا، فأقامَ على جِذْمِ (٣) حائِطٍ، وعليه رِداءان أَخْضَرانِ، فَأَذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى، وأنه أخبرَ بذلكَ رسول اللهِ - ﷺ -، فقامَ بلالٌ فأذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى (٤).\nوأجابَ عنهُ الشافعيُّ فقال: لا يُعْلَمُ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي ليلى رأى بِلالًا قَطُّ، عبدُ الرحمنِ بالكوفةِ، وبلالٌ بالشام، وبعضُهم يُدخِلُ بينَه وبينَ عبدِ الرحمنِ رجلًا لا نعرفهُ، وليسَ يقبلُه أهلُ الحديث (٥) (٦).\n_________\n(١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٢).\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ١٣٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٢٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٤١).\n(٣) جذم: الجِذْمُ: الأصل، وأراد هنا بقيَّةَ حائط، أو قطعة من حائط. \"اللسان\" (مادة: جذم) ٨٨/ ١٢ (١٢/ ٨٨).\n(٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٣٢)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٨١)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٤٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٠).\nورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢١١٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٧٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٠)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٤/ ٢٧)، وابن حزم في \"المحلى\"، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحاب النبي - ﷺ -: أن عبد الله بن زيد ... الحديث. ورواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٨٠)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد.\n(٥) ذكره عن الإِمام الشافعي أبو زرعة العراقي في \"تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل\" (٢٠٥).\n(٦) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ١٦٢).","vol":"3","page":163},{"text":"قال البَيْهَقِيُّ: وهو (١) حديثٌ مُخْتَلَفٌ فيه على عبدِ الرحمنِ، فرُوي عنهُ عن عبدِ الله بنِ زيد، ورُوي عنه قال: حدثنا أصحاب مُحَمَّدٍ - ﷺ -: أن عبدَ اللهِ بنَ زيد.\nورُوي عنه عن معاذِ بنِ جبلٍ في قصةِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ.\nثم قال: قال محمدُ بنُ إسْحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ: عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى لم يَسْمَعْ من مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، ولا منْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ صاحِبِ الأذانِ، ثم قال: وكذلكَ لم يسمعْ من بِلال (٢).\nوقد ذهبَ إلى إفرادِ الإقامَةِ من العراقِيِّينَ الحسنُ البَصْري، وابنُ سيرينَ (٣).\n\n٤ - وذهب أحمدُ بنْ حَنبَلٍ وداودُ إلى أنَّ العملَ بهذهِ الرواياتِ على التَّخْييرِ، لا على الحَتْمِ كما قالَ في صَلاةِ الخَوْفِ (٤).\n* ثم اختلفوا في التَّثْويبِ، وهو قولُ المؤذنِ في صَلاةِ الصُّبْحِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّوْمِ، هل يُشْرَعُ أو لا؟\nفذهبَ الجُمهورُ إلى مَشْروعِيَّتِهِ، وبه قالَ الشافِعِيُّ في القديم (٥).\n_________\n(١) في \"ب\": \"وهذا\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٤٢٠).\n(٣) وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومكحول وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.\nانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٤١٩)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ١٠٢).\n(٤) وهو قول الجصاص. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٢٥٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (٣/ ١٥١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٧٧).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٥٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٣٩٨)، والمبسوط\" للسرخسي (١/ ١٣٠).","vol":"3","page":164},{"text":"وأباهُ آخَرون، وبه قالَ الشافِعيُّ في الجَديد؛ لكونِهِ لم يردْ في الحديث المُتَّصِلِ الثابِتِ عنِ ابنِ مُحَيريزٍ عنْ أبي مَحْذورة (١).\nولكنه قد ثَبَتَ اتِّصالُهُ عن محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ قال: قلت: يا رسولَ الله! عَلِّمْني سُنَّةَ الأَذانِ، فعلَّمَهُ إياها، وقال: \"وإن كانَ صلاةُ الصبحِ قُلْتَ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ، الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا اللهَ\" (٢).\n* إذا تمَّ هذا، فالنداءُ هو رَفْعُ الصَّوْتِ بالقول، وإذا لم يُرْفَعِ الصوتُ، فليسَ بنداءٍ.\nفحينئذٍ يُسْتَنْبَطُ من الآيةِ الكَريمَةِ أَنَّ من شَرْطِ الأذانِ رَفْعَ الصَّوْتِ، ولا تتَأَدَّى سُنَّتُه بأنْ تُفْعَلَ سِرًّا، ولهذا لم يُشْرَعْ للنِّساءِ أذانٌ، وكذا للمنفردِ عندَ مالِكٍ، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضًا.\nويستنبطُ منه أن المؤذنَ مهما اشتدَّ رَفْعُ صوتهِ، كانَ أفضلَ، ولهذا أمرَ النبيُّ - ﷺ - عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ بالإلْقاءِ على بلالٍ، فقال: \"قُمْ مع بِلالٍ، فَأَلْقِ عليهِ ما رأيتَ، فَلْيُؤَذِّنْ؛ فإنَّه أَنْدى صَوْتًا منكَ\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٨٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١/ ٤٤٧).\n(٢) رواه أبو داود (٥٠٠)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٠٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦٨٢)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٢/ ١٨٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٧٣٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٤).\n(٣) رواه أبو داود (٤٩٩)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٤٣)، والدارمي في \"سننه\" (١١٨٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٧٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦٧٩)، والدارقطني في \"سننه\" =","vol":"3","page":165},{"text":"وَرَغَّبَ رسولُ الله - ﷺ - في رَفْعِ الصوتِ بالأذان، فقالَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: \"فإنه لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ لهُ يومَ القِيامة\"، قال أبو سعيدٍ: سمعتهُ مِنْ رسولِ الله - ﷺ - (١).\n_________\n= (١/ ٢٤١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٩).\n(١) رواه البخاري (٥٨٤)، كتاب: الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء.","vol":"3","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>(من أحكام الأيمان)</span>\n١١٨ - ١١٩) (١٥ - ١٦) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].\n* قالَ ابنُ عَبّاسٍ وغيرُه منَ المُفَسِّرينَ: نزلَتْ في قومٍ منْ أصحابِ النبيِّ أرادوا أن يَرْفُضوا الدنيا، ويُحَرِّموا على أَنْفُسِهِمُ المَطاعمَ الطَّيِّبَةَ والمَشارب اللَّذيذَةَ، وأن يَصوموا النَّهارَ، ويَقوموا اللَّيْل، ويُخْصوا أَنْفُسَهم، فأنزلَ اللهُ سبحانَه هذه الآيَة (١).\nوروى البخاريُّ نحوَهُ (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ١٤٠).\n(٢) روى البخاري (٤٧٧٦) من حديث أنس بن مالك ﵁: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\".","vol":"3","page":167},{"text":"* ونهى (١) اللهُ سبحانَه بهذهِ الآيةِ عَبْدَهُ المؤمنَ أن يُحَرِّمَ على نفِسه ما أَحَلَّهُ له.\nفإنْ فعلَ ذلكَ تشريعًا، فهو كُفْرٌ (٢).\nوإن فَعَلَهُ تزَهُّدًا كَفِعْلِ الصحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم - فهو مكروهٌ (٣)؛ وفاقًا للشيخِ أبي حامدٍ (٤)، والجُمهورِ من الشافعيةِ (٥)، وخلافًا للقاضي أبي الطَّيِّبِ.\nوإن حَرَّمَهُ بلسانهِ دونَ اعتقادِه، فهو كَذِبٌ حَرامٌ يستغفرُ اللهَ سبحانَه منه، ولا يحرمُ عليهِ، ولا يجبُ عليه شيءٌ من الكَفَّارةِ.\nوقال أبو حَنيفةَ: هو يمينٌ تجبُ بهِ الكفَّارةُ، فهو كما لو قالَ: واللهِ لا فَعَلْتُ كَذا (٦).\n* وهذا مُتَفَرِّعٌ عن مسألة أخرى، وهي هل اليمينُ تُحَرِّمُ فِعْلَ المَحْلوفِ عليهِ، أو لا؟\nفقال الشافعيُّ ومالِكٌ: اليمينُ لا تُحَرِّمُ (٧).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فنهى\".\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٤٢٩).\n(٣) مَنْ خالف منهم سنة النبي ﷺ، وأرادوا أن يحرموا على أنفسهم الطيبات، كما مرَّ في التعليق السابق من حديث أنس ﵁.\n(٤) انظر: \"إحياء علوم الدين\" للغزالي (٣/ ٩٦).\n(٥) وهو قول عامة أهل العلم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٠)، و\"الاعتصام\" للشاطبي (١/ ٣٤٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٦٢).\n(٦) انظر: \"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٧٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ١٦٨).\n(٧) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٦/ ١٢٣)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر =","vol":"3","page":168},{"text":"وقال أبو حَنيفةَ: اليمينُ تُحَرِّمُ (١).\nواختارَهُ ابنُ العَرِبيِّ المالِكِيُّ (٢)، قال: لأنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللهِ لا دَخَلْتُ الدَّارَ، فإنَّ هذا القولَ قَدْ مَنَعَهُ منَ الدُّخولِ حتى يُكَفِّرَ، فإنْ أقدمَ على الفعلِ قبلَ الكفارةِ، لزمَهُ أداؤها، والامتناعُ هو التحريمُ بعينهِ، والباري تَعالى هو المُحَرِّمُ، وهو المُحَلِّلُ، ولكنَّ تحريمَهُ قد يكونُ ابتداءً كمحرَّماتِ الشريعَةِ، وقد يكونُ بأسبابٍ يُعَلِّقُها بأفعالِ المُكَلَّفينِ؛ كتعليقِ التَّحريمِ بالطَّلاقِ، والتَّحريمِ باليَمين، ويرفعُ هذا التحريمَ الكفّارَةُ والنِّكاحُ بِحَسَبِ ما رَتَّبَ سبحانَه منَ الأحكامِ (٣).\nولكنه ضَعَّفَ إلحاقَ أبي حنيفةَ قولَه: حَرَّمْتُ على نَفْسي كذا بقولِه: واللهِ لا فَعَلْتُ كذا، قال: لأنهُ باليَمين حَرَّمَ، وأَكَّدَ التَّحريمَ بذكرِ اللهِ تعالى، وبغيرِ اليمينِ حَرَّمَهُ وحدَهُ دونَ ذكرِ الله تعالى، وكيفَ يُلْحَقُ ما لم يُقْرَنْ به ذكرُ اللهِ تعالى بما قُرِنَ بهِ ذكرُ اللهِ تعالى؟ ثم قال: وهذا الإلحاقُ لا يَخْفى تَهاتُرُهُ (٤) على أحدٍ (٥) (٦).\nوالذي أراهُ أنَّ الإلحاقَ صَحيحٌ؛ لأن اللهَ سبحانَه سَمَّى تحريَم المرأةِ على نَفْسِها يمينًا، وأوجَبَ فيه الكَفَّارَةَ، وقال تعالى في سورة التحريم:\n_________\n= (٢١/ ٢٤٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٦٥).\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٨/ ١٣٤)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (٦/ ٤٨٥).\n(٢) \"المالكي\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٢).\n(٤) تهاتره: التهاتُر: الشهادات التي يكذِّب بعضها بعضًا. \"القاموس\" (مادة: هتر) (ص: ٤٤٦).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٢).","vol":"3","page":169},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].\nوإنَّما استثنى مالِكٌ والشافِعيُّ من تحريمِ الرجلِ على نفسِه ما خَلا الزَّوْجَةَ، فلم يُوجِبا فيها الكَفَّارَةَ، وسيأتي الكلامُ على هذا في \"سورةِ التحريمِ\" -إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n\n١٢٠ - (١٧) قوله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية.\n* ذكر اللهُ سبحانَهُ اليمينَ في آيتينِ من كتابهِ العزيز، وقَسمها إلى لَغْوٍ وغَيْرِه.\n- فأما اللَّغْوُ، فقد ذكرتُ اختلافَ العلماءِ فيه.\nوأما حقيقَتُه، فهو ما كانَ باطلًا وما لا يُعْتَدُّ بهِ منَ القول، ومنه قيلَ لولد الناقَةِ الذي لا يُعْتَدُّ بهِ في الدِّيَةِ: لَغْوٌ.\nوحقيقةُ هذا الاسمِ واقعةٌ على الأقوالِ جميعِها، إما وَضْعًا، وإمّا شَرْعًا، لكنه فيما اختارَهُ الشافِعيُّ أَظْهَرُ وقوعًا.\n- وأما غيرُ اللَّغْوِ، فذكرَها اللهُ سبحانَهُ بِوَصْفَيْنِ في الآيتينِ، فقال في إِحداهُما: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وكَسْبُ القلب هو قَصْدُه للشيءِ، وعَزْمُهُ عليه، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، وجعلَ الكَسْبَ مُفَسِّرًا للوَصْفِ الآخَرِ الذي هُو العَقْدُ.","vol":"3","page":170},{"text":"وقال في الأُخْرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\nوالعَقْدُ هو ربطُ الشيءِ بشيءٍ، وهو (١) هاهنا رَبْطُكَ القَصْدَ القائِمَ بالقَلْبِ بالمَقْصود بواسِطَةِ القَسَمِ، وهذه الحقيقةُ موضوعةٌ لما تُصُوِّرَ حَلُّه.\n* وقد وصفَ اللهُ سبحانه رَفْعَ اليمينِ بالحِلِّ، فقالَ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وهذا المعنى يَقْتضي أن يكونَ اليمينُ على ظَنِّ شَيْءٍ، والحقيقةُ بخلافِه لَغْوٌ؛ لأنه ليسَ بعقدٍ يُتَصَوَّرُ حَلُّه.\nوبهذا المعنى أخذَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ، وأحمدُ، وجعلوا العَقْدَ المذكور هنا مفسِّرًا للكَسْب المَذْكور في سورة البقرة (٢).\nوقال الشافعيُّ: لا إِثْمَ فيه، وعليهِ الكَفَّارَةُ؛ لأنها يَمينٌ مُكْتَسَبَةٌ بالقَصْدِ إليها (٣).\n* ومن أجل هذا أيضًا اختلَفوا في وجوبِ الكَفّارَةِ في اليَمينِ الغَموسِ، وهي اليمينُ على شيءٍ ماضٍ أَنَّهُ ما كان، وهو قَدْ كانَ، وتعمَّدَ الكذبَ على ذلك.\nفقال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ (٤):\n_________\n(١) في \"ب\": \"فهو\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٤٧)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ٢٥٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٦٦).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٦٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٢٦٦)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ١٢٦).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٣٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٩١)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٨/ ١٢٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٩٢).","vol":"3","page":171},{"text":"لا كفَّارةَ لها (١)؛ لأنها ليستْ بمُنْعَقِدَةٍ؛ لعدمِ تصوُّرِ حَلِّها، وإنما هيَ مَكْرٌ وخديعة، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (٢).\nواحتجُّوا من السنَّةِ بقولهِ - ﷺ -: \"من حَلَفَ على يمينٍ يقْتَطعُ بها مالَ امْرِئً مُسْلِمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لقيَ الله وهوَ عليهِ غَضْبانُ\" (٣).\nوقال الشافعيُّ تجبُ الكفارةُ؛ لأنها مُكْتَسَبَةٌ بالقلبِ (٤).\nوأجيبَ عن الحديثِ بأنه - ﷺ - علَّقَ ذلكَ باليمينِ، وباقتطاعِ مالِ المسلمِ، والكفارةُ لا تهدمُ ظلمَ المُسلمِ، ولو كان حُجَّةً، لوجبَ أن تكونَ الكفارةُ في اليمينِ الغَموس التي لا اقْتِطاع فيها لمالِ مسلمٍ، وهم لا يقولون بذلك.\nوهذا الجوابُ ضعيف، فإن الظاهرَ أن التقييدَ بمالِ المُسلمِ للتَّعريفِ والتَّعظيمِ، لا للتَّقييدِ، بدليلِ قوله: \"وهو فيها فاجر\".\nفإن قلتَ: فما حقيقةُ اليمينِ التي عُلَّقَتْ بها هذهِ الأحكامُ؟\nقلنا: هو تعليقُ القسمِ بالشيءِ العظيمِ على تركِ شيءٍ أو فعلِه.\nوسُمِّيَتِ اليمينُ يَمينًا؛ لأن العربَ كانتْ إذا أعطتْ مواثيقَها، مَدَّتْ أَيْمانَها؛ تأكيدًا للمواثيق، فأطلق لفظُ اليمينِ على القولِ المصاحِبِ\n_________\n(١) \"لها\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٦/ ١٣١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٩٣)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٥٥٧).\n(٣) رواه البخاري (٢٢٢٩)، كتاب: المساقاة، باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها، ومسلم (١٣٨)، كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن عبد الله بن مسعود.\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٢٦٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ٣).","vol":"3","page":172},{"text":"لذلكَ تجَوُّزًا حتى صارَ حَقيقَةً فيه (١).\nوقد كانتِ العربُ تُعَظّمُ أشياءَ في الجاهِلِيَّةِ، وتقسِمُ بها، أبطلَها الشرعُ، وبقيت العظمةُ لله ﷻ، قال النبي - ﷺ -: \"لا تَخلفِوا بالطَّواغي، ولا بِآبائِكم، فَمَنْ كانَ حالِفًا، فَلْيَخلِفْ باللهِ، أو لِيَصُمْت\" (٢).\n* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تحريمِ الحَلِفِ بالطَّواغي كاللَّاتِ والعُزَّى، فإن قصدَ تعظيمَها، فهو كافرٌ، وإن لم يقصدْ تعظيمَها، فليسَ بكافرْ (٣)، وربَّما قالَ بعضُهم بكفرِه؛ لإِطْلاقِ الأحاديثِ في ذلك، قال النبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ منكُم، فقالَ في حلفه: باللاّتِ والعُزَّى، فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ\" (٤).\n* واتفقوا أيضًا على مَنْعِ الحلفِ بالآباءِ والمُلوك وغيرِهم منَ العُلماءِ والصّالحين، واختلفوا هل ذلكَ على التَّحريم، أو التَّنزيهِ؟ والخِلافُ موجودٌ عند المالكيّة والشافعيَّةِ جَميعًا (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التعريفات\" للجرجاني (١/ ٣٣٢)، و\"لسان العرب\" (١٣/ ٤٦٢) مادة (يمن).\n(٢) رواه مسلم (١٦٤٨)، كتاب: الأيمان، باب: من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، عن عبد الرحمن بن سمرة، بلفظ: \"لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم\". ورواه البخاري (٥٧٥٧)، كتاب: الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، ومسلم (١٦٤٦)، كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى، عن عبد الله بن عمر بلفظ: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا، فليحلف بالله، وإلا فليصمت\".\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٨٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٠٦).\n(٤) رواه البخاري (٦٢٧٤)، كتاب الأيمان والنذور، باب: لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت، ومسلم (١٦٤٧)، كتاب: الأيمان، باب: من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، عن أبي هريرة.\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٣٦٧)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٥٣٤).","vol":"3","page":173},{"text":"* واتفقوا على صِحَّةِ اليمينِ باللهِ ﷻ، وبأسمائِهِ.\n* واختلفوا في الحَلِفِ بصِفاتِ الله، وجَوَّزَهُ الجُمهورُ، وخالفَ فيه أبو حَنيفةَ (١).\n* واختلفوا بالحلفِ بالنبيِّ - ﷺ - خاصَّةً منَ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُه-\nفمنعَهُ الجُمهورُ (٢)، وجَوَّزَهُ أحمدُ، وعَقَدَ بهِ اليمينَ؛ لأنهُ لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا به، ولكن هذا ينتقضُ بسائرِ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين-؛ فإنه لا يتم الإيمانُ إلا بهم.\n* واختلفوا في الحَلِفِ بما أَقْسَمَ به اللهُ تعالى وعَظمَهُ، فجوَّزَهُ قومٌ، ومنعه آخرون، وبَسْطُ ذلكَ يطولُ (٣).\n* فإن قلتَ: فما حكمُ الألفاظِ التي ليستْ بصِيَغِ القَسَمِ، وإنما تخرجُ مَخْرَجَ الإلزام المُعَلَّقِ بالشروطِ، مثل أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فَعَلَيَّ صومُ يومٍ، وامرأتي طالِق، وغلامي حُرٌّ، هل هي أَيمان يلزمُه بها ما التزَمَهُ، ويجبُ بمخالَفَتِها الكَفارَةُ؛ لما فيها من الحَثِّ والامْتِناع أو لا؟\n_________\n(١) انظر: \"شرح البخاري\" (٦/ ١١٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٠٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٩٥)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (١١/ ١٧١).\n(٢) انظر: \"رد المحتار\" لابن عابدين (٣/ ٧١٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٧٠).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٨٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٤).","vol":"3","page":174},{"text":"قلت (١): ليست بأَيْمانٍ (٢) في عُرفِ اللغة، وأما في عُرْفِ الشَّرعِ، فاختلفوا:\nفقال الشافعيُّ وأحمدُ: ليست بأيمانٍ تجبُ بها الكفارةُ؛ وإنما هي نذورٌ يجبُ بها ما التزمَه (٣).\nويروى هذا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها (٤) -.\nوقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ الكفارة في التعليقِ بالعتق وحدَه (٥).\nوقال مالكٌ: هي أيمان تجبُ بها الكفارةُ (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فسماها الشرع يمينًا؛ لقوله - ﷺ -: \"كفارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ\" (٧)، حتى قال بعض المالكيةِ: النذرُ يمينٌ حقيقةً.\nوقال أهلُ الظاهرِ: ليست بأيمانٍ يلزمُ منها الإثمُ والكَفّارةُ، ولا بِنُذورٍ يلزم بها ما التَزَمَهُ، وإنما يجبُ بذلك ما أَلْزَمَهُ الشرعُ؛ كالطلاقِ، والعتق (٨).\nوسيأتي الكلامُ على ذلك في النذر -إن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) في \"ب\": \"قلنا\".\n(٢) في \"ب\": \"أيمانًا\".\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٤٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤١٥).\n(٤) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ١٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٦٥).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٨١).\n(٦) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٠٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٩٥).\n(٧) رواه مسلم (١٦٤٥)، كتاب: النذر، باب: في كفارة النذر، عن عقبة بن عامر.\n(٨) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ١٢).","vol":"3","page":175},{"text":"* ثم ذكرَ اللهُ ﷾ بعدَ اليمينِ الكَفارَةَ مُفَضَلَةً مُبَيَّنَةً، فخيَّرَ في أَوَّلِها، ورتَّبَ في آخرِها، فخيَّرَ بينَ الإطعامِ والكُسوةِ والتَّحريرِ.\nوعلى هذا اتفقَ العُلَماءُ من الخَلَفِ والسَّلَفِ (١)، إلا ما رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: أنه كانَ إذا أَكَّدَ اليمينَ، أعتقَ، أو كَسا، وإذا لم يُؤَكِّدْها، أَطْعَمَ (٢).\nقيلَ لنافعٍ: ما التأكيد؟ قال: أن يحلفَ على الشَّيْءِ مِرارًا.\nولو أرادَ الحالِفُ أن يطعمَ خَمْسَةَ مساكينَ، ويكسوَ خمسةً؛ لم يجزُ؛ لأن الله سبحانَهُ خَيَّرَ بينَ الأنواعِ، ولم يخيرَّ في تنويعِ الأنواعِ (٣).\nومطلقُ الخطابِ يقتضي وجودَ التكفيرِ بحصولِ الإطعام للمساكين في أيِّ صورةٍ كانت، فلو غَداهُم وعَشّاهُم، جاز، وبه قال أبو حنيفة (٤).\nوقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُجزئ إلا التمليكُ التامُّ؛ قياسًا على الفِطْرَةِ، فقيد هذا الإطلاق بالقياس (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٢٩٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٠٠).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٥٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٠٥).\n(٣) وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز بشروط. انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ١٢٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٠٦)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ١٠٨)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٨/ ١٥١).\n(٤) وهو رواية عن مالك. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٨/ ١٤٩)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٨١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٠١)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٨).\n(٥) وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٥٢٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٧٦).","vol":"3","page":176},{"text":"* وإضافةُ الإطعامِ إلى العشرةِ المساكينِ يوجبُ التَّخْصيصَ بهم، والملكَ لهم، ولا يصحُّ العدولُ عنهم.\nوبهذا قال الشافعيُّ ومالكٌ (١).\nوقال أبو حنيفةَ: إذا دفعَها إلى مسكينٍ واحدٍ في دَفَعاتٍ، جازَ، وجعلَ العددَ المذكورَ للتقدير، لا للتمليك له، وتقديرُ الخطابِ عنده: فإطعامُ طعامِ عشرةِ مساكينَ (٢).\nوهذا ضعيفٌ؛ لِما فيه من الإضمارِ والتجويزِ، ولما فيه من حذفِ المفَعول، ولما فيه من تركِ البيان لمنْ تُصرَفُ إليه هذه الصدقةُ، والحقيقةُ خير من المَجازِ، والذكرُ خير من الإضمارِ، والبيانُ خير من الإجْمال، واتباعُ الظاهرِ أَوْلى من التأويلِ.\n* ثم بيَّنَ اللهُ سبحانه صِفَةَ هذا الطَّعامِ، فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والوسط يقع على الخيارِ، ويقع على الوَسَطِ بينَ الطَّرَفَيْن، وهو المقصودُ هنا بالاتفاق (٣).\nقال ابنُ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما- كان الرجلِ يقوتُ أهله قوتًا فيه سَعَة، وكانَ الرجلُ يقوتُ أهلَه قوتًا وَسَطًا، وقوتًا دُون ذلك (٤)، فالواجبُ\n_________\n(١) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٠٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٧٨).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ٢٢).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٧).\n(٤) رواه ابن ماجه (٢١١٣)، كتاب: الكفارات، باب: من أوسط ما تطعمون أهليكم، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١١٩٣)، وابن حزم في \"المحلى\" (٨/ ٧٤)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٦٨).","vol":"3","page":177},{"text":"على الرجُلِ أن يُخْرِجَ من القوت الذي يُطْعِمُهُ أَهْلَه.\nفهل المُرادُ بالذي نطعمُه أهلَنا أهلَ المُكَفِّرِ خاصَّةً حتى يجبَ عليه أن يخرجَ من قوَّتِه، أو أهلِ الجميعِ منّا، حتى يجبَ غالبُ قوتِ أهل البلد؟ فيه احتمال.\nوقد اختلفَ في ذلكَ القولُ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ (١).\n* والوسطُ الذي ذكرهُ اللهُ سبحانه، وقَيَّدَ به إطلاقَ الإطعامِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَدَّرٍ.\nفقدَّرَهُ الشافعيُّ بالمُدِّ (٢)؛ لأنه أقلُّ ما وُجِدَ، كَما في كَفارة المُفْطِرِ في شَهْرِ رَمَضانَ، وأخذ في تقديرِه بقولِ ابنِ عَبّاسٍ وزيِد بنِ ثابت -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم (٣) -.\nوَقدَّرَهُ أبو حنيفةَ بِنِصْفِ صالح من حِنْطَةٍ، أو صاعٍ من تَمْرٍ أو شعيرٍ؛ كما قال في زكاةِ الفِطْر (٤).\nومالِكٌ -رحمه اللهُ تعالى- قَيَّدَ هذا الإطلاقَ بالعادَةِ؛ كما هو أصلُه (٥)، فقال: يُعطي المِسكينَ مُدًّا منَ الحنطةِ إذا كانَ في المدينة؛ لضيقِ مَعاشِهم،\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٠٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٤٢٦).\n(٢) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٠٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٧٤).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٨/ ٧٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٠٠).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٧)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٨١).\n(٥) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٠٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٧٧).","vol":"3","page":178},{"text":"وأما سائُر المُدُنِ، فيعطونَ الوسَطَ من نفقتهم.\n* هذا في الإطْعامِ، وأما الكُسْوَةُ، فإن الله سبحانه أَطْلَقَها، ولم يقيّدها بالوَسَطِ.\nفمن أهلِ العلمِ من أخذَ بإطلاقِه، فقال: يُجْزِئُ أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ؛ من إزارٍ، أو قميص، أو سراويلَ، أو عِمامة.\nوإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفة (١).\nوقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجزئ فيه الصلاة (٢)، فإن كانَ المسكينُ رَجُلًا، كَساهُ ثوبًا يسترُ العَوْرَةَ، وإن كانَتِ امرأةً، كساها دِرعًا (٣) وخِمارًا، فأوجبَ أقلَّ ما يقعُ عليه المعنى الشرعيُّ.\n* وأطلق اللهُ سبحانَهُ الرَّقبةَ هنا.\nفقال أبو حنيفةَ بإطلاقِها، فجوَّزَ الرقبةَ الكافرَة (٤).\nوذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى تقييدِها بالإيمان؛ قياسًا على كَفّارةِ القَتْل (٥).\n_________\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٤١)، و\"المجموع\" للنووي (١٨/ ١١٩).\n(٢) وهو مذهب أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٧٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٨).\n(٣) درعًا: الدِّرعُ من المرأةِ: قميصُها، وهو مُذَكّر. \"القاموس\" (مادة: درع) (ص: ٦٤٣).\n(٤) انظر: \"المبسوط\" لمحمد بن الحسن (٣/ ١٩٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٢).\n(٥) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٦٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٣٤٤).","vol":"3","page":179},{"text":"وهذا الخِلافُ مُتَشَعِّبٌ من اختلافِهم في القضايا المُتَّفِقَةِ في الأحكام، المُخْتَلِفَةِ في الأسبابِ، هل يُحْمَلُ مُطْلَقُها على مُقَيدِها، أو لا؟ وموضعُ ذلكَ علمُ الأصولِ (١).\n* وقد اتفق فقهاءُ الأمصارِ على تقييدِ الرقبةِ بالسَّلامةِ من العُيوب (٢)، إلا أهلَ الظاهرِ، فإنهم تمسَّكوا بظاهرِ الإطلاق (٣).\nوقد ذكرتُ في مقدمةِ كتابي المَغنى المُوجِبَ للتقييد.\n* ثم فرضَ اللهُ -﷾- صوم ثلاثةَ أَيام لمنْ لم يجدْ، وعلى هذا أجمعَ المُسلمون.\n* ثم اختلفَ المسلمون في وجُوبِ التتابُع.\nفأوجبه أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٤).\nواستحبهُ مالِكٌ والشافعيُّ في القولِ الآخرِ، ولم يوجباه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الفصول في الأصول\" للرازي (٢/ ٣١٥)، و\"اللمع في أصول الفقه\" للشيرازي (ص:٤٣)، و\"التلخيص في أصول الفقه\" للجويني (٢/ ١٦٨)، و\"قواطع الأدلة\" للسمعاني (١/ ٢٣٠)، و\"أصول السرخسي\" (١/ ١٥٩)، و\"المستصفى\" للغزالي (ص: ٢٦٢)، و\"الإحكام\" للآمدي (٣/ ٥).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٨).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٩١).\n(٤) وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٢١)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ٧٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٢٩)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ٣٨٦).\n(٥) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٠٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٣٥٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٣٠).","vol":"3","page":180},{"text":"والخلافُ متشعبٌ من اختلافِهم في العملِ بالقِراءة الشاذَّةِ، وذلك أَنَّ ابنَ مسعودٍ وأُبَيًّا -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- كانا يقرأان: (ثلاثةَ أيامٍ مُتَتابِعات) (١).\n* فإن قيل: فما حَدُّ العَجْزِ المُبيحِ للصَّوْم في هذِه الكَفَّارَة المُخَيِّرةِ، وفي غيرِها من الكفاراتِ المُرَتّبِة؟\nقلنا: يختلفُ باختلافِ الخِصال الثَّلاثٍ:\n- أما العجزُ عن الرقبةِ.\nفقالَ الشافعيُّ: كلُّ مَنْ جازَ له أَخْذُ الزَّكاةِ، فهو عاجز عنِ العتقِ، وإن كانَ له بيثٌ يسكنُه، وصنعةٌ يعيشُ منها، وعبدٌ يخدُمُه، وهو من ذَوي الأقدارِ، ولا يُكَلَّفُ بيعَ ذلكَ، ولا عتقَ الرَّقَبَةِ (٢).\nوقالتِ المالكيةُ: إن لم يملكْ إلا رقبةً أو دارًا، الأفضلُ فيهِ لم يُجْزهِ إلا العِتْقُ (٣).\n- وأما العَجْزُ عن الكُسْوة والإطعامِ.\nفقال الشافعيُّ: إذا كانَ عندَهُ قوتُه وقوتُ عِيالِه يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ومعهُ من الفَضْلِ ما يُطْعِمَ عَشَرَةَ مساكينَ، أو يكسوهُم، لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بالإطعامِ والكُسْوَةِ، وإن لم يكنْ عنده هذا القدرُ، فله الصِّيامُ (٤).\n_________\n(١) تقدم ذكر القراءة وتخريجها.\n(٢) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٦٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٩).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٢).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٨٣)، و\"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ١٣٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٦/ ٦٣).","vol":"3","page":181},{"text":"وهو قولُ مالِكٍ وأصحابِه، وأحمدَ (١)، وإسحاقَ، واختارَهُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبَرِيُّ (٢).\nوقال أبو عُبيدٍ: إذا كانَ عندَهُ قوتُ يومهِ وليلتِه وعِياله، وكسوةٌ تكونُ لِكفايتهم، فإن كانَ قادرًا على الكفارة، فهو عندَنا واجِدٌ، وإلَّا فليسَ بواجِدٍ، وهو كقولِ الجَماعةِ، واستحسَنَهُ ابنُ المنذرِ (٣).\nوقالَ أبو حَنيفة: إذا لم يكنْ عندَهُ نِصابٌ، فهو غيرُ واجِدٍ (٤).\nوقال بعضُ أهلِ العلمِ: مَنْ لم يكنْ عندَهُ فَضْلٌ غير (٥) رأسِ مالِه الذي يقومُ به، فهو عاجزٌ.\n* ولما أتم اللهُ سبحانه ذِكْرَ الكفارة، قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فعلقَ وُجوبَ الكفارةِ على وقوع الحلفِ، علمنا أنه هو السبب للكفارة.\nوقد اتفقَ العلماءُ على أن الحلفَ سببٌ للكفارة.\nواختلفَ الشافعيَّةُ، هل هو بِمُجَرَّدهٍ سببٌ لوجوبِها، والحِنْثُ شرطٌ لتحققِ وُجوبِها، أو الحلفُ سببٌ، والحِنْثُ سَببٌ آخر؟\nوبهذا قالَ جُمهورُهم، وبالأولِ قالَ الباقون (٦).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٨).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٢٩).\n(٣) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ١٤٠).\n(٤) عند الحنفية خلف في هذه المسألة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٢)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٤/ ٣١٥).\n(٥) في \"أ\": \"على\".\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٦١٠).","vol":"3","page":182},{"text":"ولهم من الدليلِ أنَّ الحِنْثَ قد يكونُ بغيرِ فِغلِ الحالِفِ، كما لو قالَ: واللهِ لا دَخَلَ زَيدٌ الدارَ.\nوبظاهرِ الآيةِ تمسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكَفّارَةِ على الحِنْثِ، وهمُ الجمهورُ، ومنهمُ الشافعيّ ومالكٌ في أَحَدِ قولَيْه (١)، ويُروى عن أَرْبَعَةَ عَشَرَ صحابِيًّا (٢).\nوقالَ المُخالفونَ لهم: معناهُ: إذا حَلَفْتُم وحَنِثْتُم؛ لأن الكفارةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الإثمِ، ومعَ عَدَمِ الحِنْثِ لا إثْمَ، فَلا تكفير (٣).\nوقدِ اختلفَتْ رواياتُ الحَديثِ في ذلك، فروي أنه - ﷺ - قال: \"إني واللهِ -إن شاءَ اللهُ- لا أَخلِفُ على يَمينٍ، ثُمَّ أَرى خَيْرًا مِنْها، إلَّا كَفّرتُ عن يَميني، وأتيتَ الذي هُوَ خَيْرٌ\" (٤)، وقال: \"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ، فرأى غيرَها خَيْرًا منها، فَلْيَأتِ الذي هُو خَيْرٌ، ولْيُكَفّرْ عن يَمينِه\" (٥).\nوالأخذُ بتقديمِ الحِنْثِ أَحْوَطُ، وبِتَقديمِ الكَفّارَةِ أحسَنُ؛ للعملٍ بالحديثين، وتركِ الإبطالِ لأَحَدِهِما؛ فإنَّ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكّفارةِ، جَوَّز تأخيرَها، بل يَسْتَحِبُّهُ أيضًا، ومن أَوْجَبَ تأخيرَها، لا يُجَوِّزُ تقديمَها.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٢٩١).\n(٢) انظر: \"تفسر القرطبي\" (٦/ ٢٥٧)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٠٩).\n(٣) انظر: \"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ٧٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٨٣).\n(٤) رواه البخاري (٢٩٦٤)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (١٦٤٩)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، عن أبي موسى الأشعري.\n(٥) رواه مسلم (١٦٥٠)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":183},{"text":"* فإن قال: فهلِ الأفضلُ الحِنْثُ والتَّكفيرُ، أو البِرُّ بِمُقْتَضى اليمين؟\nقلنا: في ذلك تفصيلٌ:\nفإن كانَ الحِلْفُ على فعلِ واجب، أو تركِ معصية، فالبرُّ واجبٌ، والحِنْثُ حَرامٌ، وعَكْسُهُ لا يَخْفى.\nوإن كان الحَلْفُ على فعلِ مُباح (١)، أو تركِ مكروهٍ، فالِبرّ مستحبّ، والحِنْثُ مكروهٌ، وعكسُه لا يَخْفى (٢).\nوإن كانَ الحلفُ على فعلِ مباحٍ أو تركِه، فثلاثةُ أَوْجُهٍ للشافعيَّةِ، أصحُّها: البرُّ أفضلُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقيل: عَكْسُه، وقيل: هُما سواء، هكذا فَصَّلوه (٣).\nوقال بعضُ الفقهاءِ في المُباح: يجبُ النظرُ إليه، فإن كانَ فيه ضَرَرٌ وجبَ الحِنْثُ عليه، وحَرُمَ عليه البرّ، وإن كانَ فيه نفع استُحِبَّ له الحِنْثُ، وإليه الإشارة بقوله - ﷺ -: \"لأَنْ يلج أَحَدُكُمْ بيمينه في أهله، آثمُ له عِندَ اللهِ منْ أنْ يُعطِيَ كَفارَتَهُ التي فَرَضَ الله\" (٤)، وهذا عندَ التحقيقِ راجعٌ إلى قسمِ الواجِبِ المستحَب، والله أعلم.\n* ثم أمر اللهُ سبحانَهُ أن نحفَظَ أَيْماننا.\nفيحتمل أن يكونَ أرادَ الكَفَّ عن كثْرَةِ اليمينِ، حتى لا يعرضها للحِنْثِ.\n_________\n(١) في \"أ\": \"مستحب\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٥٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٥٢٠).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٨٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٥٢١).\n(٤) رواه البخاري (٦٢٥٠)، كتاب: الأيمان والنذور، في أوله، ومسلم (١٦٥٥)، كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الإصرار على اليمين، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":184},{"text":"ويحتملُ أن يكونَ أرادَ البِرَّ وعَدَمَ الحِنْثِ، وهذانِ القَوْلان ظاهِران، وهما مَحْمودانِ عندَ العُقلاءِ والأُدَباء، قال الشاعرُ (١): [البحر الطويل]\nقَليلُ الأَلايا حافِظٌ لِيَمينِه ... وإن نَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ\nويحتملُ أن يريدَ حِفْظَها عندَ الحِنْثِ، وذلكَ بالمبادَرَةِ إلى تَكْفيرِها، وهذا خِلافُ الظاهرِ من الخِطاب (٢).\n_________\n(١) هو كثير عزة، انظر: \"ديوانه\"، البيت (١١)، من قصيدة:\nأأطلال دار بالنِّياع فحُمَّتِ ... سألتُ فلما استعجَمتْ ثم صُمَّتِ\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٦)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٦٣).","vol":"3","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>(من أحكام الأشربة)</span>\n١٢١ - (١٨) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].\nحَرَّمَ اللهُ سُبْحانَهُ في هذهِ الآيةِ الخَمرَ، وبَيَّنَ تَحْريمَها بيانًا شافِيًا، وبَيَّنَ عِلَّةَ تَحريمِها، وقَرَنَ تحريمَها بتحريمِ عبادةِ الأوثانِ، وأكلِ المَيْسِرِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عن مُلابَسَتِها.\nقال ابنُ عَباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: لما حُرِّمَتِ الخَمرُ، مشى أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: حُرِّمَتِ الخَمرُ، وجُعِلَتْ عِدْلًا للشرْكِ (١).\n* والخمرُ اسمٌ للشَرابِ المُتَّخَذِ من كلِّ عصيرٍ يَتَخَمَّرُ، سواءٌ كانَ من العِنَبِ، أو العَسَل.\nوسُميَتْ خَمرًا؛ لِمُخامَرَيها العَقْلَ (٢).\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٣٩٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٢٢٧)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ٢٤٧)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٩٢).\n(٢) انظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (١٧٤)، و\"لسان العرب\" (٤/ ٢٥٤) مادة (خمر).","vol":"3","page":186},{"text":"* وقد أجمعَ المسلمونَ على تحريمِ قليلِها وكثيرِها، وأجمعوا على تحريمِ القَدرِ المُسْكِرِ من جميعِ الأنبِذَةِ (١).\n* واختلفوا في القَدْرِ الَذي لا يُسْكِرُ.\nفقالَ جُمهورُ فقهاءِ الحِجاز، وجُمهورُ المُحَدِّثينَ بالتسويَةِ بينَ قليلِها وكثيرِها، وأنهُ مُنْدَرِجٌ في اسمِ الخَمر (٢).\nوذهبَ فقهاءُ العراقِ والكوفةِ وأكثرِ أهلِ البَصرَةِ إلى التَّفرِقَةِ بينَ المُسْكِرِ وغيرِه، وأنَّ اسمَ الخمر ليسَ بواقع عليه (٣).\nفاحتجَّ الأَوَّلونَ للتَّحريمِ بما رواهُ أبو داودَ والترْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن جابر -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"ما أَسْكَرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حَرام\" (٤)، وهذا نصٌّ في مَحَل الخِلاف.\nواحتجُّوا لوقوعِ اسمِ الخمرِ عليه باللُّغَةِ والشَّرعِ.\n- أما اللغةُ، فإنه شرابٌ يُخامِرُ العقلَ، ولهذا قالَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: والخمرُ ما خامَرَ العقل.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٦٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٢٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٤٥).\n(٢) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٦٤، ١١١).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٢٣)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٤/ ١٣).\n(٤) رواه أبو داود (٣٦٨١)، كتاب: الأشربة، باب: النهي عن المسكر، والترمذي (١٨٦٥)، كتاب: الأشربة، باب: ما جاء: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وابن ماجه (٣٣٩٣)، كتاب: الأشربة، باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقد رواه النسائي (٥٦٠٧)، كتاب: الأشربة، باب: تحريم كل شراب أسكر كثيره، لكن عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"3","page":187},{"text":"- وأما الشَّرْعُ، فما رواه مسلمٌ أن النبي - ﷺ - قال: \"كلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، ومن الزبيبِ خمرٌ، ومنَ الحِنْطَةِ خمرٌ، وأنا أنهاكُم عن كل مُسْكِرٍ\" (١)، وبِما روى أنسٌ -رضي اللهُ تعالى عنه- قال: كنتُ قائِمًا على عُمومَتي أسقيهِم -وأنا أصغرُهُم- الفَضيخَ (٢)، فقيل: حُرِّمَتِ الخَمرُ، فقالوا: اكْفَأها، فكفأتها، قيلَ لأَنسٍ: ما شرابُهُم؟ قالَ: رُطَبٌ وبُسْرٌ (٣).\nوفي روايةٍ: قالَ أنسٌ: كانت خمرُهم يومئذٍ (٤).\nوفي رواية: إن الخمرَ حُرِّمَتْ، والخمرُ يومئذٍ البُسْرُ والتَّمر (٥).\nوقال ابنُ عمرَ: نزلَ تحريمُ الخمرِ، وإنَّ في المدينةِ أشربةً ما فيها شرابُ العِنَبِ (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٠٣)، كتاب: الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، عن عبد الله بن عمر بلفظ \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام\". وروى الشطر الثاني منه: \"ومن الزبيب خمر، ومن الحنطة خمر ... \": أبو داود (٣٦٧٧)، كتاب: الأشربة، باب: الخمر، ممّ هي، والترمذي (١٨٧٢)، كتاب: الأشربة، باب: في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (٣٣٧٩)، كتاب: الأشربة، باب: ما يكون منه الخمر، عن النعمان بن بشير.\n(٢) الفضيخ: فَضَخَ الرُّطبة ونحوها من الرطب يفضَخها فضخًا: شَدَخَها والفضيخ هنا: شراب يُتخذ من البُسْر المفضوخ وحده، من غير أن تمسَّه النار. \"اللسان\" (مادة: فضخ) (٣/ ٤٥).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٦١)، كتاب: الأشربة، باب: نزل تحريم الخمر وهي من البر والتمر.\n(٤) انظر تخريج الحديث السابق.\n(٥) رواه البخاري (٥٢٦٢)، كتاب: الأشربة، باب: نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر.\n(٦) رواه البخاري (٤٣٤٠)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.","vol":"3","page":188},{"text":"وقال أنسٌ: ما كانَ لنا خمرٌ غيرَ فَضيخِكِم هذا الذي تُسَمُّونَهُ الفَضيخَ (١).\nواحتجَ الآخرون بآثار رَوَوْها.\nفمن أشهرِها عندَهُم ما رويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: \"حُرِّمَتِ الخَمرُ بِعَيْنِها، والمُسْكِرُ من غَيْرِها\" (٢).\nقالوا: وهذا نَصُّ لا يَحْتَملُ التأويل، وضَعَّفَهُ أهلُ الحِجاز.\nوبما روى ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قالَ: شَهِدتُ تحريمَ النبيذِ كما شَهِدتُم، ثم شَهِدتُ تحليله، فَحَفِظْتُ، ونَسيتُم (٣).\nوخَرَّجَ الطَّحاوِيُّ: أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"إنِّي كنْتُ نَهيْتكُم عنِ الشَّرابِ في الأَوْعِيَةِ، فاشْربَوا فيما بَدا لكم، ولا تَسْكروا\" (٤).\nوخَرَّجَ الطحاويُّ أيضًا عنْ أبي موسى قال: بعثني رسولُ الله - ﷺ - أنا\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٤١)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.\n(٢) لم أجده هكذا، وقد ذكره ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٤٦)، عن ابن عباس، مرفوعًا، ثم قال: \"وقالوا: هذا نص لا يحتمل التأويل، وضعفه أهل الحجاز\" ا. هـ، نعم قد رواه النسائي (٥٦٨٤)، كتاب: الأشربة، باب: ذكر الأخبار التي اعتلّ بها من أباح شراب السكر، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٤٠٦٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠٨٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩٧)، عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: \"حرمت الخمر بعينها، القليل منها، والكثير، والمسكر من كل شراب\".\n(٣) ذكره ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (١/ ٣٤٦).\n(٤) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٨٨)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٩٦٦)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١١٤)، عن أبي بردة بن نيار الأنصاري.","vol":"3","page":189},{"text":"ومعاذٌ إلى اليَمَنِ، فقالَ: يا رسول الله! إن بِها شرابَيْنِ يُصنَعان من البُرِّ والشَّعيرِ، أَحَدُهما يُقالُ له: المِزْرُ، والآخرُ يُقالُ له: البِتْعُ، فما يشربُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"اشربا ولا تسكرا\" (١).\nقالوا: ولأن الله سبحانَه نَصَّ على العِلَّةِ المُوجِبَةِ للتَّحْريمِ، وهي كَوْنُها تُوقعُ العَداوةَ والبَغْضاء وتَصُدُّ عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَّلاةِ، وهذهِ العِلَّةُ لا تُوجَد إلا في القدرِ المُسْكِرِ منَ الخَمرِ والنَّبيذِ، ولكن الإجْماعَ انعقدَ على تحريمِ القليلِ منَ الخَمرِ، فبقيَ النَّبيذُ على مُقْتَضى العِلةِ (٢).\nوقال الحِجازيُون: السَّبَبُ المُوجِبُ لِهذِهِ العِلَّةِ هو حُدوثُ الشدَّةِ المُطْرِبَةِ، وهي موجودةٌ في النبيذِ، فالواجبُ أن يُلْحَقَ بالخَمرِ ما وُجِدَتْ عِلَّتُه فيه، كما ذلكَ سنةُ القِياس (٣).\n* ثم سَنَّ رسولُ الله - ﷺ - الحَدَّ على شارِبِها (٤)، فجَلَدَ شاربَ الخَمرِ أربعينَ، أو نَحْوَها بالنِّعالِ وأطرافِ الثيابِ، وجلدَهُ أبو بَكْرِ وعُمَرُ، ثم استقرَّ تحديدُ جلدِه بثمانينَ جَلْدَةَ في زَمَنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (٥) -.\n* وأما المَيْسِرُ، وهو القِمار، فقد تقدَّمَ ذكرُه في أولِ \"سورةِ المائِدَة\"، وأنه من عَمَلِ الجاهليَّةِ، ويلحقُ به كُلُّ قِمار في مَعْناه.\nوما أقبحَ وأشنعَ قولَ صاحبِ \"عين المعاني\" حيث قال: وقريب منه\n_________\n(١) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٢٠)، والبزار في \"مسنده\" (٣١٥٢).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٢٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٤٦).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٩٨).\n(٤) في \"ب\": \"شاربه\".\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":190},{"text":"قُرْعَةُ الشافِعِيِّ في إعتاقِ عبدٍ (١) وحِرْمانِ آخَرَ!.\nفالشافعيُّ لم يقلْ ذلكَ بدعواهُ، ولا ارْتَكَبَهُ بِهواه، وإنَّما اتّبَعَ فيه ما ثَبَتَ عنِ النبيِّ - ﷺ -، ونظرُ العَقْلِ باطِل عندَ وُجودِ سُنَّتِهِ - ﷺ -، فما يَنْطِقُ عنِ الهوى، وللهِ سُبْحانه أن يَسُنَّ على لِسانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - ما شاءَ، ويُوجِبَ ما شاءَ، ويُسْقِطَ ما شاءَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وهُمْ يُسْأَلون، كيفَ وقد ظهرَ لنا من اعْتِناءِ الشارِع بتكميلِ الحُرِّيَّةِ وعَدَمِ تبعيضِها ما يفتحُ العقولَ لِما فيه من المَصالح الكُليَّةِ من شُهوده الجِهادَ، واستقلالِهِ بكَسْبِهِ، وقيامِه بالفرائِض التي هي دعائِمُ الإسلام، وتَطَوُّعِهِ بِنوافِلها أيضًا، ووجوبِ القِصاص على قاتِله، وتكميلِ دِيَتِهِ، وتكثيرِ نِسائه التي بِهِنَّ يَكْثُرُ نَسْلُه، وغيرِ ذلك مِمّا يخرجُ به من حَيِّزِ الأموالِ إلى حَيِّزِ المُكَلَّفينَ المُكَرَّمين؟!\nولأجلِ هذا أوجبَ الشارعُ - ﷺ - على من أَعْتَقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ قيمةَ الباقي، وكَمَّلَ عتقَ من حَرَّرَ بعضَ رقيقِه، وإن لم يقصِدْ ذلكَ مالكُه.\nوأيُّ نَظَرٍ يوجِبُ على الإنسان بَذْلَ مالِهِ بطاعةٍ عَمِلَها، وقرية أتاها؟ وأيُّ نظير يوجبُ على الشريكِ أخذَ قيمةِ مُلْكِهِ بغيرِ رضاه؛ ولقد ارتكبَ خَطَرًا، وقالَ شَطَطًا؛ فإن القُرْعَةَ قُرْعَةُ النبيِّ - ﷺ - والأنبياءِ من قبلهِ - ﷺ -.\nقال اللهُ سبحانه في يونس -﵇-: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].\nوقال في زَكرِيّا وأصحابِه -عليهُمُ الصَّلاةُ والسَّلام-: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\nوكان النبي - ﷺ - إذا أرادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بينَ نسائه (٢).\n_________\n(١) في \"ب\": \"شخص\".\n(٢) رواه البخاري (٢٤٥٣)، كتاب: الهبة وفضلها، باب: هبة المرأة الغير=","vol":"3","page":191},{"text":"وروى عمرانُ بنُ الحُصَيْنِ أن رجلًا ماتَ، وقد أعتقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ له، لا مالَ له غيرُهم، فأقرعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بينَهُم، فأعتقَ اثنين، وأَرَقَّ أَرْبَعَةً (١). فنعوذ باللهِ من عَثْرَةِ اللَّسانِ، ولا سيَّما في علومِ القرآنِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِيِّ العَظيِم.\nوأما الأنصابُ، فهي الأصنامُ التي تُعْبَدُ من دونِ اللهِ -ﷻ-.\nوأما الأزلامُ، فواحِدُها زَلَمٌ -بالفَتْحِ والضَّمِّ- وهي قِداحٌ يكتبونَ على أَحَدِها: أَمَرَني ربِّي، وعلى الآخَرِ: نَهاني رَبِّي، كانت الجاهليةُ تَسْتَقْسِمُ بها عندَ إرادةِ الأمور، تَطْلَبُ بها عِلْمَ ما قُسِمَ لها، فإن خرجَ الأمرُ، مضى لأمرِه، وإن خرج النَّهْيُ، تركَ (٢).\n* ويلحقُ بهذا كُلُّ ما في معناه، كالحُكْمِ بالنُّجومٍ والإسْطِرلابِ، وغيرِ ذلك من تنفيرِ الطُّيورِ، والتَّطيُّرِ بأصواتها، ومنهُ تطيُّرُ العامَّةِ وكثيرٍ من المُتَّفقةِ في زمانِنا بِعِدَّةِ أيامٍ من الشَّهْرِ، ويَروونَ ذلكَ عن جَعْفَرٍ الصادِقِ، وحاشا اللهِ، ومعاذَ اللهِ أن يكونَ هذا منه.\nوما أحسنَ قولَ بعضِ الفُضَلاءِ العُقلاءِ: [البحر الخفيف]\nطيرَةُ النَّاسِ لا تَرُدُّ قَضاءً ... فاعْذُرِ الدَّهْرَ لا تَشُبْهُ بِلَوْمِ\nأَيُّ يَوْمٍ نَخُصُّهُ بِسُعودٍ ... والمَنايا يَنْزِلْنَ في كُلِّ يَوْمِ\n_________\n= زوجها ..، ومسلم (٢٧٠)، كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، عن عائشة.\n(١) رواه مسلم (١٦٦٨)، كتاب: الأيمان، باب: من أعتق شركًا له في عبد.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٧٦)، و\"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٣١٠)، و\"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ٦٢٤)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣١١)، و\"لسان العرب\" (١٢/ ٢٧١).","vol":"3","page":192},{"text":"ليسَ يومٌ إلا وفيهِ سُعودٌ ... ونُحوسٌ تَجْري لِقَوْمٍ فَقَوْمِ (١)\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يكرَهُ الطِّيَرَةَ، ويحبُّ الفَألَ (٢).\n* فإن قلتَ: قد علمتُ تحريمَ هذهِ الأعيانِ الأربعةِ من أمرِ الله سبحانه باجتنابِها، وتعليلِها بأنّها رِجْسٌ فَهلْ هيَ رجس بوصف الله أم لا (٣)؟\nقلنا: الذي ذهبَ إليه جُمهورُ أهلِ العِلْمِ أَنَّ الخَمرَ نَجِسَةٌ بِوَصْفِ اللهِ سُبْحانَه لَها بأنها رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو النَّجِسُ (٤).\nولكنْ لا دَلالةَ لهم في هذا على التَّنْجيسِ؛ لأن الرِّجْسَ اسم مُشْتَرَك يقعُ على مَعان سأذكرُها في \"سورةِ الأنعامِ\" -إن شاءَ اللهُ تعالى-.\nولا يجوزُ بأن يُرادَ بهِ مَعْنى النَّجسِ؛ لأن الله تَعالى وصفَ بهِ الأعيان، ومعلومٌ قَطْعًا أن الميسرَ والأزلام والأنصابَ طاهرةُ الأعيان، فلا يكون صفة لموصوفاتٍ مختلِفَةٍ، وإن أريدَ به المَعْنى المتعلِّقُ بها؛ فإن المعانيَ (٥) لا تُوصَفُ بالنَّجَسِ، فتعيَّنَ أن مَعْنى النَّجَسِ هنا المُسْتَقْذَرُ، وهذا أمرٌ لا يوجبُ التنجيسَ، ولهذا ذهبَ الليثُ بنُ سعدٍ، وربيعةُ إلى طهارَةِ الخَمرِ، واختارَهُ المُزَنيُّ وبعضُ المُتَأَخِّرينَ من المالكيةِ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"أدب الدنيا والدين\" للماوردي (ص: ٣٩٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٣/ ٢١٤).\n(٢) روى مسلم (٢٢٢٣)، كتاب: السلام، باب: الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح\".\n(٣) في \"أ\": \"نجسة أم لا\".\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢/ ٥٢٠).\n(٥) في \"ب\": \"فالمعاني\".\n(٦) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":193},{"text":"* وفي أمرِ الله سبحانه باجتنابِهِ دليل على أنه لا يجوزُ الانتفاعُ به في شيء.\nوقد أجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوزُ بيعُها، ولا إمساكُها، ولا تَخْليلُها (١)، وإنما اختلفوا في جوازِ التداوي وتَطْفِئَةِ العَطَشِ بها (٢).\n\n١٢٢ - (١٩) قوله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].\n* قال المفسرون: لما نزلَ تحريمُ الخَمرِ والمَيْسِرِ، قالوا: يا رسَول الله! ما نقولُ في إخْوانِنا الذينَ مَضَوْا وهم يشربونَ الخمرَ، ويأكلون الميسرَ، فأنزل الله هذه الآيةَ.\nروى البخاريُّ عن أنسٍ -﵁-: لما حُرْمَتِ الخمرُ، قال بعضُ القوم: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطونهم، قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) [المائدة: ٩٣].\nوقد اتفقَ العلماءُ بالقرآنِ على أن هذهِ الآيةَ مقتد بسببها وبشَرْطِها الذي هو التقوى، وعلى تَخْطِئَةِ مَنْ تأَوَّلَها (٤) على عُمومِها وإطلَاقِها.\n_________\n(١) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٩٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٥٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١٥/ ١٧٠) و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٢٣١).\n(٣) رواه البخاري (٢٣٣٢)، كتاب: المظالم، باب: صب الخمر في الطريق.\n(٤) في \"أ\": \"أولها\".","vol":"3","page":194},{"text":"روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن الشُّرّابَ كانوا يُضْربونَ على عَهْدِ رسولِ الله - ﷺ - بالأيدي والنِّعالِ والعِصِيِّ حتى تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ -، فكان في خِلافَةِ أبي بَكْبر أكثر منه في عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، وكان أبو بكبر يجلِدُهم أربعينَ جَلْدَة حتى تُوُفِّيَ، وكان عمرُ من بعدِه يجلِدُهم كذلك أربعين، ثم أتى رجل من المُهاجرينَ الأَوَّلينَ، وقد شربَ، فأمر به أن يُجْلَدَ، فقال: أتجلِدُني؟ بيني وبينَكَ كتابُ الله، فقالَ عمر: أفي كتابِ اللهِ تجدُ أَلَّا أجلِدَكَ؟ فقالَ: إن الله تعالى يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، شَهِدْتُ معِ رسولِ الله - ﷺ - بَدرًا وأحُدًا والخَنْدَقَ، والمشاهِدَ كُلَّها، فقال عمرُ: ألا ترُدُّونَ عليه ما يقولُ؟ فقال ابنُ عباسٍ: إنَّ هؤلاءِ الآياتِ أُنْزِلْنَ عُذْرًا لِمَنْ صَبَرَ، وحُجَّةً على الناس، لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، ثم قرأ حتى أَنْفَدَ الآية الأخرى، فإنْ كانَ من الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ، فان الله سبحانَه قَدْ نهاهُ أن يَشْرَبَ الخَمْر.\nفقال عمرُ: صَدَقْتَ، فقالَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ-: ماذا تَرَوْنَ؟ فقال علي -رضيَ اللهُ تعالى عنه- إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هذَى، وإذا هذَى افْتَرَى، وعلى المُفْتَري ثمانونَ جَلْدَةً، فأمرَ به، فجُلِدَ ثمانين (١).\n_________\n(١) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ١٦٦)، قال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٦): وفي صحته نظر لما ثبت في \"الصحيحين\" عن أنس: أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر، ولا يقال: يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشارا بذلك جميعًا، لما ثبت في \"صحيح مسلم\" عن علي في جلد الوليد بن عقبة: أنه جلده أربعين، وقال: جلد رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا =","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>(من أحكام الهدي)</span>\n١٢٣ - (٢٠) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية.\n* نزلت هذه الآيةُ في غزوةِ الحُدَيْبِيَةِ، وكان الوَحشُ والطَّيْرُ يَغْشاهُم إلى رِحالِهِم ابتلاءً من اللهِ سبحانَه ليعلَمَ مَنْ يخافُهُ بالغيب (١)، فمن اعْتَدى بعدَ وُرودِ النَّهْي، فله العُقوبةُ بهذِه الآَيةِ، وعليهِ الجَزاءُ بالآَيةِ الثانيةِ، وهذا بَيَانُها -إنْ شاءَ اللَّه تعالى-.\n\n١٢٤ - (٢١) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].\n_________\n= أحب إلي، فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر، ولم يعمل بها، لكن يمكن أن يُقال: إنه قال لعمر باجتهادِ ثم تغير اجتهاده.\n(١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٠٨)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٣٣٥)، \"وزاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٢١).","vol":"3","page":196},{"text":"* واعلَموا أن هذهِ الآَيةَ مُنْتَشِرَةُ الأَحْكامِ، مُتَشَعِّبَةُ الأطْرافِ، كَثُرَتْ فيها أقوالُ العلماءِ، واختلفتْ فيها آراؤهم، وأنا أذكرُ من ذلك ما يَسَّرَهُ اللهُ سبحانه لي (١) على مُنْتَهى فهمي، فأقول:\n* نهانا اللهُ سبحانه في هذهِ الآيةِ عن قَتْلِ الصَّيْدِ ونَحْنُ حُرمٌ.\nوالقتلُ معروفُ، وهو إزْهاقُ الرُّوح بأيِّ وَجْهٍ كانَ.\nفبينَ لنا تحريمَ القتلِ، ولم يبينْ لنا ما دونَه مِنْ تنفيرِ الصَّيْدِ، والإعانَةِ على قَتْلِهِ، والدّلاَلَةِ عليه.\nثم حَرَّمَ علينا الصَّيْدَ (٢) في آيةٍ أخرى تَحريمًا مُجْمَلًا، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، وهذا التحريمُ هنا لا يَسْتَقِلُّ بكَشْفِ المُرادِ هلْ هو القَتْلُ المذكورُ في هذهِ الآيةِ أو غيرُه؟ فوجدنا النبيَّ - ﷺ - قد بينَ لنا أن المرادَ ما هو أَعَمُّ من القتلِ، فَحَرَّمَ الإعانةَ والدِّلالَةَ على الصيد، والتنفيرَ له، وغيرَ ذلك؛ للسُّنَّةِ.\nولولا ورودُ السُّنَةِ، لقضينا بهذه الآيةِ المفّسرة على الآَيةِ السابقةِ المُجْمَلَة؛ كما ذلكَ طريقةُ النَّظَرِ في حُكْمِ المُجْمَلِ على المُبيَّنِ، وسيأتي بيانُ الأحاديثِ وتعارضُها واختلاف العلماء فيها في الآيةِ التي تليها، -إن شاء الله تعالى-.\n* ولما أحل اللهُ سبحانه صيدَ البحرِ في الآيةِ الثانيةِ، علمنا أن المُرادَ بالصيد في هذه الآية هو صيدُ البرِّ، وأنه من العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ، وعلى هذا أَجْمَعَ العلماءُ، لكنهم اختلفوا في حقيقةِ الصيد.\nفقال أبو حَنيفةَ: كلُّ حيوان صِيدَ، سواءٌ كانَ مأكولَ اللَّحْمِ، أو لا،\n_________\n(١) \"لي\" ليس في \"ب\".\n(٢) \"الصيد\" ليس في \"ب\".","vol":"3","page":197},{"text":"مُؤْذِيًا أو ساكِنًا (١)، واستدلوا بقولِ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ-: [البحر الكامل]\nصَيْدُ المُلوكِ أرانِبٌ وثَعالبٌ ... وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطالُ (٢)\nولكنه استثنى الخَمسَ الفواسِقَ اللَّاتِي ذَكَرَهُنُّ النبيُّ - ﷺ - بقوله: \"خَمْسُ فَواسِقَ يقتَلْنَ في الحِل والحَرَمِ: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقورُ\" (٣)، ولم يُلْحِقْ بهنَ من الشباعِ العادِيَةِ شَيْئًا سِوى الذِّئْبِ (٤).\nوقال مالكٌ (٥)، والشافعيُّ (٦): الصيدُ هو ما حَلَّ أَكْلُهُ؛ فإن العربَ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن) للجصاص (٤/ ١٣٠)، \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٩٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٩٨)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ١٧٣).\n(٢) قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ١٩٤): هو للإمام علي بن أبي طالب، قاله الإمام فخر الدين الرازي ا. هـ.\n(٣) رواه البخاري (٣١٣٦)، كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم، ومسلم (١١٩٨)، كتاب: الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، عن عائشة.\n(٤) نقل الكاساني عن الحنفية: وأما غير المأكول فنوعان: نوع يكون مؤذيًا طبعًا، مبتدئًا بالأذى غالبًا، ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبًا، أما الذي يبتدئ بالأذى غالبًا فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه، وذلك نحو: الأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الذي لا يبتدئ بالأذى غالبًا كالضبع، والثعلب وغيرهما فله أن يقتله إن عدا عليه ولا شيء عليه إذا قتله، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يلزمه الجزاء. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٩٧).\n(٥) المشهور من مذهب مالك: أنه لا فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه في حرمة الصيد. انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٥٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٧٧).\n(٦) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٤٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٥٤).","vol":"3","page":198},{"text":"لا تُسَمِّي ما لا يُؤْكَلُ صَيْدًا، وقد سألَ عبدُ الرحمنُ بْنُ عُمارَةَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- عن الضَّبُعِ، فقالَ: أَصَيْدٌ هي؟ قال: نعم، قال: أفيها جزاءٌ؟ قال: نعم، كبشٌ، قلتُ: سمعتَ رسولَ الله - ﷺ -؟ قالَ: نعم (١).\nفاكتفيا بذكرِ الصَّيْدِ عن ذكرِ الحلال؛ لتلازُمِهما.\nوأما البيتُ، فإن صَحَّ من قولِ عليٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فهو دليلٌ على أن الصَّيْدَ ما يُؤْكَل لَحْمُه؛ كالثعالِبِ والأرانِبِ، وإنما أطلقَهُ على الأبطال تَجَوُّزًا؛ لأخذِه لهم كأخذِ الصائدِ الصيدَ.\nولكنِ الشافعيُّ ومالكٌ اختلَفا في تفصيلِ المأكولِ من غيره.\nفَجَوَّزَ مالِكٌ أكلَ السِّباعِ؛ كالفَهْدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ، وسَمّاهُ صَيْدًا (٢)، ولكنه جَوَّزَ قَتْلَها في الحَرَمِ والإحْرام؛ لوجودِ عِلَّةِ الفِسْقِ فيها، فتعارَضَ عندَهُ القِياسُ وعُمومُ الآية، فقَضى بالقياسِ على العُموم.\nفإن قلتَ: فالشافعيُّ هلْ يُجَوِّزُ للمُحرِمِ قتلَ ما عدا الصيدَ؛ مِمَّا ليسَ بِفاسِقٍ ولا في معناه؟\n_________\n(١) رواه النسائي (٤٣٢٣)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الضبع، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٣٤)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣١٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٦٤٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٣٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٦٦٢)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٨٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣١٨).\n(٢) لم يجوِّز مالك ولا أكثر المالكية أكل السباع، وإنما الذي جوزه بعض فقهائهم. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٤٩٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١١٨).","vol":"3","page":199},{"text":"قلتُ: أطلقَ كثيرٌ من مُصَنِّفي الشافعيةِ القولَ عن الشافعي أنه يقولُ بإباحةِ قتلِها، وأنه ألحقَها بالفواسِقِ، وأنه جعلَ العِلَّةَ في إباحَةِ الخَمسِ الفواسِقِ تحريمَ أَكْلِها، فأباحِ للمُحْرِمِ قَتْلَ ما لا يَحِل أكلُه.\nوهذا لا يَصحُّ عن أبي عبدِ الله، ولا يُظَنُّ به أنه يترُكُ العِلَّةَ التي أشارَ إليها النبي - ﷺ -، وهيَ الفِسْقُ، ويتعلَّلُ (١) بِعِلَلٍ أخرى غيرِها، ولكنهم وَهِموا عليه لَمَّا أفتى بتحريم قتلِ الصيدِ المأكولِ، ظَنَّوا أنه يُبيحُ قتلَ غيرِ المأكول مُطْلَقًا، وربّما أوْهمَهُ كلامُه في كتاب \"الأم\" (٢)، وليس كذلكَ.\nبلِ الآيةُ تقتضي تَحْريمَ قتلِ المأكولِ، ولا تَقْضي بتحليلِ قتلِ غيرِ المأكول.\nولمّا بينَ النبي - ﷺ - أنَّ الفواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ، ألحقَ بهنَّ ما كان في معناهُنَّ، ويبقى الباقي على مُقْتَضى الدليل.\nوربما أرشدَ كلامُ الشافعيِّ في مَوْضِعٍ آخرَ من \"الأم\" إلى مثلِ هذا (٣).\n* فإن قلتَ: فما مَعْنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]؟\nقلنا: حُرُمٌ جَمعُ حَرام، يقال: رجلٌ حَرامٌ، ورِجالٌ حُرُمٌ، مثل قَذال (٤) وقُذُل، والحَرامُ هو المُحْرِمُ الداخِلُ في حُرَمة لا تُهْتكُ، ويقعُ ذلك على الداخلِ في النُّسُكِ، وعلى الداخِلِ في الحَرَمِ، وعلى الداخلِ في الشهرِ\n_________\n(١) \"يتعلل\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٢٤٤).\n(٣) انظر مثلًا: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ١٨٢ - ٢٤٧)، (٤/ ١٥١).\n(٤) قذال: القَذَالُ، كسحاب: جماعُ مؤخّر الرأس، ومَعقِد العِذار من الفرس خلف الناصية جمعه: قُذُل، وأقذِلَةَ. \"القاموس\" (مادة: قذل) (ص: ٩٤٣).","vol":"3","page":200},{"text":"الحرامِ (١)، قال الشاعِرُ (٢): [البحر الكامل]\nقَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَليفَةَ مُحْرِمًا ... ودَعا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذولا\nوكان قتلُه لِثماني عَشْرَةَ ليلة خلَتْ من ذي الحِجَّةِ.\n* وقد حصلَ الإجماعُ على عدمِ اعتبارِ الزمانِ في هذا الحُكْمِ، وأجمعوا على اعتبارِ الدُّخولِ في النُّسُكِ.\nواختلفوا في اعتبارِ الحَرَمِ.\nفقالَ فقهاءُ الأمصارِ باعتباره (٣)، وقال داودُ: إذا (٤) قتلَ الحَلالُ صَيْدًا\n_________\n(١) انظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (١٢٣)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٣٧٢)، و\"لسان العرب\" (١٢/ ١١٩) مادة (حرم).\n(٢) هو الراعي النميري. انظر: \"الكامل\" للمبرد (٢/ ٩١٨)، و\"لسان العرب\" (١٢/ ١٢٣). وقد ذكر الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٤١٦) بإسناده عن الخليفة الرشيد أنه سأل عن بيت الراعي:\nقتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ... ودعا فلم أر مثله مَخذولا\nما معنى محرمًا؟ فقال الكسائي: أحرم بالحج، فقال الأصمعي: والله ما كان أحرم بالحج، ولا أراد الشاعر أيضًا أنه في شهر حرام، فيقال: أحرم: إذا دخل فيه، كما يقال: أشهر: إذا دخل في الشهر، وأعام: إذا دخل في العام، فقال الكسائي: ما هو غير هذا، وفيم أراد. فقال الأصمعي: ما أراد عدي بن زيد بقوله:\nقتلوا كسرى بليل محرمًا ... فتولى لم يمتع بكفن\nأي إحرام لكسرى؟! فقال الرشيد: فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئًا يوجب عليه عقوبة فهو محرم لا يحل شيء منه، فقال الرشيد: ما تطاق في الشعر يا أصمعي، ثم قال: لا تعرضوا للأصمعي في الشعر.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٤٢)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨٥)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٢٧٢).\n(٤) \"إذا \" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":201},{"text":"في الحَرَمِ، لا جَزاءَ عليه، وإنْ وإنَ مُخْطِئًا مأثومًا (١).\nفإن قلتَ: فما الوجهُ الذي من أجلِه أوجبَ فقهاءُ الأمصارِ الجزاءَ؟\nقلت: من قالَ من الفقهاءِ بِحَمل اللفظِ المُشْتَرَكِ على معانيهِ، أوجبَ فيهِ الجزاءَ بالآية، ومن لم يقلْ بعمومِ المُشْتَرَكِ، أوجَبَهُ بالقِياس على المُحْرِم بجامِعِ النَّهْيِ عن القَتْلِ في حالتي حُرْمَةٍ.\nوقد تبيَّنَ بهذا مُسْتَنَدُ الإمامِ داود؛ فإنه لا يقولُ بعموم المشترك، ولا بالقياسِ، وظهر أن قول أبي حنيفة لا مستندَ لهُ من جهةِ النظرِ؛ لأنه لا يقولُ بعمومِ المشترك أيضًا، ولا بالقياس في الكفّارات.\nولا مستندَ إلا فَتْوى الصَّحابِة بوجوب (٢) الجزاء كما يروى عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عباسٍ، وابن عمر -رضي الله تعالى عنهم-، وزعم أَنَّهم حَكَموا في حَمامِ مَكَّةَ بشاةٍ، ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ (٣).\n* ثم بين اللهُ سبحانَه الجَزاء فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فَقَيَّدَ الجَزاء بذكرِ العَمدِ، فاقتضى بمفهومه أَنَّ من قتلَه ناسِيًا أو خاطِئًا لا جزاءَ عليه.\nوبهذا قالَ أهلُ الظاهِرِ (٤)، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في القديم، وأحمد في إحدى روايتيه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٤٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦٢).\n(٢) في \"أ\" \"الصحابي بعموم\".\n(٣) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٤٥١)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ١٩٥)، و\"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٢٣٥).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٨٤)، و\"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٤٨).\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٦٥).","vol":"3","page":202},{"text":"وذهب الجمهورُ كابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ (١)، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجديد (٢) إلى التسوية في الجزاء بين العامد والناسي والمخطئ (٣)؛ لأن النسيانَ عذرٌ في رفعِ المَأْثَمِ، لا رَفْعِ المَغْرَمِ، وشهادةُ الأصولِ قاضِيَةٌ بذلك؛ كقتلِ الخَطَأ وسائِرِ المُتْلَفاتِ.\nوقال الزهريُّ: وجبَ الجزاءُ في العَمدِ بالقرآنِ، وفي الخَطَأ بِالسُّنَّةِ (٤).\nوقال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعطاء: من قتلهُ منكمُ مُتَعَمِّدًا، فمن قتلَه خَطَأً كيف (٥) يغرمُ، وإنما جُعِلَ الغُرْمُ على من قتلَهُ مُتَعَمِّدًا؟ قال: تُعَظَّمُ بذلكَ حُرماتُ الله، ومضت به السُّنَّةُ (٦).\nوقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: وردَ القرآنُ بالعَمْدِ، وجُعِل الخَطَأُ تغليظًا (٧).\nوأجابَ هؤلاءِ عنِ ذكرِ العَمدِ في هذهِ الآيةِ بأجوبةٍ:\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٣)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٢٨٨).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٣٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٨٣)، و\"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢١١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٣٧٩).\n(٣) في \"ب\": \"الخاطئ\".\n(٤) رواه الطبري في \"التفسير\" (٧/ ٤٣)، ولفظه: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة بالخطأ.\n(٥) \"كيف \"ليس في \"أ\".\n(٦) في \"ب\": \"السنن\". وقد روى الأثر الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٣٢)، وابن المنذر، وأبو الشيخ في \"تفسيريهما\" كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ١٨٧).\n(٧) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٥٢٨٩)، عن سعيد بن جبير قال: إنما جعل الجزاء في العبد، ولكن غلظ في الخطأ كي يتقوا.","vol":"3","page":203},{"text":"أحدها: أن ذكرَ العمدِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فهو للتغليبِ، لا للتقييد.\nثانيها: إن وصفَ العمدِ ذُكِرَ لِتُعَلَّقَ بهِ بعضُ الأحكامِ المُخْتَصَّةِ به، وهو ذوق الوبَالِ المَذكورِ في آخِر الآيةِ.\nوهذا ضعيفٌ؛ لأن الوبَالَ المَذوق هُو الجزاءُ، وذلك لا يَخْتَصُّ به العمدُ.\nوأحسنُ من ذلكَ أنْ يُقال: ذُكِرَ ليعلَّقَ عليهِ العَفْوُ؛ إذِ العَفْوُ مُخْتَصٌّ بالعَمْدِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، والانتقامُ غيرُ العفوِ، وهذا أمرٌ زائدٌ على الجزاء، وهو مختصٌّ بالمُتَعَمَّدِ أيضًا، فكأنه أرادَ: مَنْ قتلَهُ منكم قَبْلَ ورُودِ النهي جاهِلًا بالتحريمِ، فعليهِ الجَزاءُ، وعَفا اللهُ عمَّا سَلَفَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].\nولأجلِ تعارُضِ مفهومِ الخِطاب وتركِ إهدارِ الصيدِ قالَ بعضُ السَّلَفِ في الآيةِ قَوْلًا، وجعله مَذْهَبا وتأويلًا، وهو: إذا قتلَ الصيدَ مُتَعَمِّدًا لقتلِهِ، ناسِيًا لإحرامِه، فعليهِ الجزاءُ، فأما إذا قتلَهُ مُتَعَمِّدًا ذاكرًا لإحرامِه، فقد حَلَّ، ولا حَجَّ له؛ كما لو تكلَّمَ في الصلاة، أو أَحدَثَ فيها.\nقال مُجاهدة لقوله تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولو كان ذاكِرًا لإحرامِه، لَوَجَبَتْ عليهِ العُقوبةُ لأولِ مرة (١).\nونحوَ قوله قالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ حين سُئِل عن ذلك، فقال: نعم، يُحْكَمُ\n_________\n(١) انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ١٨٧) حيث ذكر عن عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكرًا لإحرامه، متعمدًا لقتله، لم يحكم عليه.","vol":"3","page":204},{"text":"عليه، فَيُخْلَع (١)، أي: يخرجُ عن حُكْم المُحْرِمين.\nوهذا المذهبُ فيه ضَعْفٌ؛ لما قدَّمتُه من الاحتمالِ الذي هو أحسنُ الأجوبةِ -إنْ شاء الله تعالى-.\nولا يَصِحُّ اعتبارُه بالصّلاةِ؛ لما بينَهُما منَ الاخْتِلاف في الشرائِطِ والصِّفاتِ.\n* فإن قلت: فَبيَّنْ لنا ما حقيقةُ المِثْلِ الذي أوجَبَهُ اللهُ تعالى؟ فظاهِرُ الخِطابِ يَقْتَضي أن الجزاءَ مثلُ ما قَتلَ مِنَ النَّعَم لا ما قَتَلَ (٢).\nقلتُ: اختلفُ القُرَّاءُ في هذهِ الكلمةِ، فقرأ أهلُ الحِجازِ والبصرةِ والشامِ بتنوينِ (جزاء)، ورفع (مثل) على الصِّفَةِ للجَزاء، وقرأ أهلُ الكوفةِ بخَفْضِه على الإضافةِ (٣).\nفأما قراءةُ الرَّفْعِ فَسَليمَةٌ من الزيادَةِ والمَجاز.\nوأما قراءةُ الخَفْضِ، فإنَّ المِثْلَ تَزيدُهُ العربُ لتفخيمِ المُشَبَّهِ بهِ، كقولِ الشاعرِ: [البحر السريع]\nمِثْليَ لا تقْبلُ مِنْ مِثْلِكا (٤)\n_________\n(١) رواه الطبري في \"التفسير\" (٧/ ٥٩).\n(٢) \"من النعم لا ما قتل\" ليس في \"أ\".\n(٣) بقراءة \"فجزاءُ مثلِ\" قرأ بها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف، وقرأ \"فجزاء مثلُ\" الباقون. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٥١٨)، و\"تفسير الطبري\" (١١/ ١٣)، و\"السبعة\" لابن مجاهد (٢٤٧)، و\"التيسير\" للداني (١٠٠)، و\"تفسير الرازي\" (٣/ ٤٤٧)، و\"تفسير القرطبي\" (٦/ ٣٠٩)، وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ٢٣٧).\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (١/ ٢٨٣)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (١/ ١٥١).","vol":"3","page":205},{"text":"ومنه قولُه تعالى: ﴿ليَس كَمِثلِه شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].\nوحقيقةُ المِثْلِ في لسانِ العربِ الشبهُ في الصورَة، فأوجَبَ شِبْة الصَيْدِ من النَّعَمِ الذي هُوَ من (١) غَيْرِ جِنْسِه؛ لكونه يشبهُهُ من بعض الوجوه.\nوبهذا قالَ جمهورُ العلماءِ (٢)، إلا أبا حنيفةَ (٣)، فإنه تأولَ المِثْلَ بالمِثْل المَعنَوِيِّ، وحملَهُ على القيمةِ؛ لأن ذلك هو القياسُ في سائرِ المُتْلَفات، فالعبدُ يغرمُ بالقيمةِ، ولا يغرمُ بعبدٍ آخرَ منْ جنسِه، فكيف من غيرِ جِنْسِه؛ لأنها تعمُّ الصيدَ الذي لهُ مِثْلٌ في الصورةِ، والذي لا مِثْلَ له، ولأنها تعمُّ الصغيَر والكبيرَ، وعادَته اتباعُ القِياسِ، وتَركُ الظَّواهِرِ.\nوهذا القولُ محجوجٌ بخمسةِ أَوْجُهٍ لا تأويل لها:\nأحدُها: تقييدُ القرآنِ بكونهِ من النعَمِ، فبيَّنَ جنسَ المِثْلِ الذي هو الجَزاء، وحملُهُ على أن النَّعَمَ هو الصيدُ خلافُ المعروفِ من اللسانِ.\nثانيها: القراءةُ بالرفعِ والتنوينِ مبيِّنَةٌ لقراءةِ الإضافةِ، ولو لم يُحْمَل عليها، أَدَّى إلى تعارُضِ القراءتين.\nثالثُها: قوله تعالى: ﴿هدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والهدي يُطْلَقُ في عُرفِ اللُّغَةِ والشَّرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ.\nرابعُها: إجماعُ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم- على الحكم بالنَّعَم في الجزاءِ، دونَ القيمةِ.\n_________\n(١) \"من\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ١٤٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٨٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٤٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٦٨).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٣٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨٢).","vol":"3","page":206},{"text":"خامسها: استعمالُ المِثْلِ في الصُّورَةِ حقيقةً، وفي القيمةِ مَجازًا، والحقيقةُ مقدَّمَةٌ على المجاز.\nثم نقول (١): لا يخفى على ذي نَظَرٍ اعتناءُ الشرعِ بإراقَةِ الدماء على وَجْهِ النُّسُكِ، لما فيهِ من القربانِ والتعظيمِ لشعائرِ اللهِ ﷻ، قال الله ﷾: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وإمساكُ الأدبِ معَ وُرودِ الشرع أَوْجَبُ على علماءِ الشريعةِ (٢)، وأَلْيَقُ بهم، ولا سِيَّما في مناسكِ الحَجِّ، فَأكثَرُها مِمّا لا يُعقَلُ معناها.\nفإن قلتَ: فقد قالَ اللهُ سبحانه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والطعامُ والصِّيامُ ليسا بِمِثْل صُوَرِه، فدلَّ على اعتبارِ المِثْلِ المعنَوِيِّ.\nقلت: سبحانَ اللهِ! ما أَحسَنَ ما قُلْتَ؛ حيثُ أنطقَكَ اللهُ بالحُجَّةِ عليكَ، أما ترى الله سبحانه وصفَ الطعامَ والصِّيامَ بكونِهمِا كَفَّارَةً، ووصَفَ الجزاءَ مِنَ النَّعَمِ بكونه مِثْلًا، فَبَيَّنَ أنَّ هذا الجَزاءَ كَفَّارَةٌ كسائرِ الكَفّاراتِ، والكَفّاراتُ مَنْصوصاتٌ لا يجوزُ عندَكَ القِياسُ فيها.\n* وفي الآيةِ دَلالةٌ على أن الجَماعَةَ إذا قَتَلوا صَيْدًا، ليسَ عليهِم إلَّا مثلُ ما قَتَلوا، وهو جزاءٌ واحدٌ؛ لأن الجزاءَ في مقابَلَةِ المقتولِ، لا في مُقابَلَةِ القَتْلِ.\n- وبهذا أخذَ الشافِعِيُّ (٣)، ويدلُّ لهُ قضاءُ عُمَرَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ\n_________\n(١) في \"أ\": زيادة \"ثم لا نقول\"، وهو خطأ.\n(٢) في \"ب\": \"الشرع\".\n(٣) وهو الصحيح عند الإمام أحمد. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٢١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٧٧).","vol":"3","page":207},{"text":"الآتي قريبًا، وما رُوي عنِ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهم- في قومٍ أَصابوا ضَبُعًا، فقال: عليهم كَبْشٌ يَتَخارجونه بينهم (١)، وخَرَّجَ الدَّارَقُطْنيُّ مِثْلَهُ عنِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.\n- وقال مالِكٌ وأبو حنيفةَ: على كُلِّ واحدٍ جَزاءٌ؛ لأنَّ كُل واحد منهما ارْتَكَبَ مَحْظورًا في إِحرامه (٣).\nوعلى قياسِ هذا ما إذا قَتلَ الجَماعَةُ صَيْدًا في الحَرَمِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعِي (٤) (٥).\nكما تشتركُ الجماعةُ في غَرامَةِ الدَّابَّةِ إذا قتلوها.\nوقال مالكٌ: على كلِّ واحد جَزاءٌ؛ لأنهم إذا دخلوا الحَرَمَ صاروا مُحْرمين (٦).\nونرجعُ إلى المسألةِ الأولى.\n* فنقول: لمَّا كانَ معرفةُ المِثْل الخَلْقيِّ الصُّورِيِّ مما يَغْمُضُ إدراكُه، جعلَ اللهُ الحُكْمَ فيه إلى ذَوَيْ عَدلٍ منّا؛ ليتعاوَنا في النظرِ في دقائقِ الأشباه (٧)، كما شَرَعَ بَعْثَ الحَكَمينِ عندَ شِقاقِ الزوجينِ، وجَعَلَهما من\n_________\n(١) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٢٥٠).\n(٢) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٠٤).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٢٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٣١٤).\n(٤) في \"ب\": \"وفاقًا للشافعي\".\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٠٢)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٦٦).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٩٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦٢).\n(٧) في \"أ\": \"الأشياء\".","vol":"3","page":208},{"text":"أهلِهِما؛ لقربِ اطِّلاعِهِما على باطنِ حالِهِما، وقُوَّةِ عِلْمِهِما بِمَصالِحِهما.\nروى بَكُرْ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ قال: كانَ رَجُلانِ من الأعرابِ مُحرِمَيْنِ، فحاشَ (١) أحدُهُما صيدًا، فقتلَهُ الآخَرُ، فأَتيَا عُمَرَ وعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، فقالَ لهُ عُمَرُ: ما ترى؟ قال: شاةٌ، قال: وأنا أَرى ذلك، اذهبا واهدِيا شاةً، فلما مَضَيا قالَ أحدُهُما لصاحِبهِ: ما درى أميرُ المؤمنينَ ما يقولُ حتى سَأَلَ صاحِبَهُ! فسمعَهُ عُمَرُ، فردّهما، فقال: هل تقرأان \"سورة المائدة\"؟ فقالا: لا، فقرأ عليهما: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥]، ثم قال: استعنْتُ بصاحِبي هذا (٢).\n* وقد اتفقوا على أنه لا بُدَّ من ذوي العدلِ.\n* وإذا حكم ذوا عدل من الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- في مِثْلٍ، فلا يُعاد فيهِ الحُكْمُ عندَ الشافِعِيِّ؛ لأنها قضيةٌ معقولةُ المعنى حَكَمَ فيها عَدْلانِ، فوجبَ علينا تنفيذُ حُكْمِهِما واتباعُه (٣).\nوقال مالِكٌ: يستأنف الحكم، وكأنه اعتقده عِبارةً غيرَ مَعقولةِ المَعْنى، فوجبَ الإتيانُ بِها عندَ وجودِ سَبَبِها، وهذا في غيرِ مَحَلِّ الإجماعِ والنَّصّ، وأما الإجماعُ والنصُّ فلا يُعاد فيه الحكمُ، قولًا واحدًا (٤).\n_________\n(١) حاش: حُشْنا الصَّيْدَ، حوشًا وحِياشًا، وأحَشْناه وأَحْوَشْناه: أخذناه من حواليه لنَصْرَفه إلى الحبالة، وضممناه.\nوحُشتُ عليه الصيد والطين، حوشًا وحياشًا، وأحشه عليه وأحوشته عليه وأحوشته إياه، عن ثعلب: أعنته على صيدهما. \"اللسان\" (مادة: حوش) (٦/ ٢٩٠).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٤٨).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٩١)، و\"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢١٦).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦١).","vol":"3","page":209},{"text":"* فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ الجاني أحدَ الحَكَمَيْن؟\nقلت:\nيحتملُ أن يجوزَ؛ لأن الله سبحانه لم يشترطْ إلا ذَوَيْ عَدْلٌ، وهو عدلٌ.\nوبهذا قال الشافعيُّ في أحدِ قولَيْه (١).\nويحتمل أَلَّا يجوزَ، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ؛ لأن مضمونَ الخِطاب يَقْتَضي جانيًا وحَكَمَيْنِ، والأصولُ تقضي أنه لا يجوزُ أن يَحكُمَ لِنَفْسِه (٢).\nوللشافعيّ أن يقولَ: هو حاكمٌ على نفسه، لا لها، وأنه مُفْتٍ، لا حاكمٌ وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: يفتي بحُكْم الله تعالى فيه.\n* واتفقوا على أنه لا بُدَّ من بُلوغِ الهديِ مَكَّةَ؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].\n* واختلفوا في الاكتفاء بالحَرَمِ.\nفأقامَهُ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ مقامَ مَكَّة (٣).\nوأباه مالكٌ؛ لتَخْصيصه بالكَعْبَةِ (٤)، واستثنى هديَ الفِنيَةِ، فأجازه بغيرِ\n_________\n(١) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٧/ ٥٠٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٧٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٩٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٣١٣).\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ٤٠٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٣٥٢).\n(٤) المقصود: الذبح بمكة لا عند الكعبة والمسجد الحرام، فقد أجمعوا أنه لا يجوز الذبح في المسجد الحرام ولا في الكعبة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٩٩).","vol":"3","page":210},{"text":"مَكَّةَ، والذبْحَ للعمرَةِ، فأجازه بمنًى (١).\n* واختلفوا في اشتراطِ سَوْقِهِ منَ الحِلِّ.\nفقالَ مالِكٌ باشتراطِ سَوْقِهِ من الحِلِّ إلى مَكَّةَ، لِتَضَمُّنِ قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] أن يُهْدَى من مكانٍ يبلغُ منه إليها (٢).\nوقال الشافعيُّ: لا يشترط الحِلُّ (٣).\nومن أجلِ هذا نَشَأَ الخِلافُ بينهما في جزاءِ الصَّغيرِ من الصَّيْدِ.\nفقالَ مالِكٌ: جزاؤه القيمةُ؛ لأن الهديَ الصَّغيرَ لا يُمْكِنُ سَوْقُه إلى الحَرَمِ (٤).\nوقال الشافعيُّ: جزاؤه صَغير منِ النَّعَمِ؛ لأنه يبتاعُهُ في الحَرَمِ، ويهديه، ولأن الصحابةَ قَضَتْ في الصَّغيرِ بصغيرٍ، وفي الكبيرِ بكبير (٥).\nوبهذا القضاءِ يظهرُ ضعفُ دَلالةِ الإشارةِ والتَّضَمُّنِ، وأن المُعتبَرَ إنما هو حصولُ الدَّمِ بالحرم لأجلِ مساكينِ مَكَّةَ، وأما السَّوْقُ، فلا فائدةَ فيه للمساكين.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٧٢ - ٢٩٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧٦).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧٥).\n(٣) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ١٤٤)، و\"الشرح الكبير\" لابن قدامة (٣/ ٥٧٧).\n(٤) وروي عن مالك: أن صغير الهدي مثل كبيره. انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ١٥٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٨٧).\n(٥) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٧٠).","vol":"3","page":211},{"text":"* ولما ذكر اللهُ سبحانَه الجزاءَ الذي هو الهديُ، وفَصَّلَ أحكامَهُ، ذكرَ الطعامَ والصيامَ بلفظ (أو) الموضوعةِ للتخييرِ، وسَمَّاها كفارةً.\nوبالتخييرِ أخذَ الشافِعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ (١).\nومن أهلِ العلمِ من قالَ بالترتيب؛ لما فيه من تقديمِ الأثقلِ فالأثقل؛ كما وردَ في حَدِّ المُحارَبَة.\nوهو مذهبُ ابنِ عباسٍ (٢)، وبه قالَ زُفَرُ والشافِعيُّ في قوله القديم (٣).\n* فإن قلت: فقد بينَ اللهُ سبحانُه مقدارَ الصَيامِ بأنهُ عَدلُ الطَّعامِ، ولم يبينْ مقدارَ الطَّعامِ، ولا مقدارَ المساكين.\nقلتُ: أما مقدارُ الصيامِ، فقدِ اتفَّقوا على أنه مُعادل بالطَّعامِ؛ كما ذكرَ اللهُ سبحانه.\nوإنما اختلفوا في صورة التعديل.\nفقال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ الحجاز: يصومُ عن كُلِّ مُدّ يومًا، وهو مقدارُ طعامِ المساكينِ عندهم (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٩٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦١).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٩٩)، \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٢٢١).\n(٣) انظر: \"مختصر اختلاف العلماء\" للطحاوي (٢/ ٢٠٩)، و\"المبسوط\" للسرخسى (٤/ ٨٤).\n(٤) وهو مذهب أحمد. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٥٥)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ١٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٧٦).","vol":"3","page":212},{"text":"وقال أبو حنيَفةَ وأهلُ الكوفة: يصومُ لِكُلِّ مُدَّيْنِ يومًا، وهو مقدارُ طعامِ المساكينِ عندهم أيضًا (١).\nوعَدَلَهُ ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا بالطعام؛ كما عَدَلَهُ اللهُ سبحانه، ولكنه قَدَّرَهُ كما قَدَّرَ الطعامَ، فروي عنه أنه قال: إذا قتلَ المُحْرِمُ ظَبْيًا، أو نَحْوَهُ، فعليهِ شاةٌ تُذْبَحُ بمكة، فإن لم يجدْ، فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، فإن قَتل أيلًا، أو نحوَه، فعليهِ بقرة، فإن لم يجدْ، أطعمَ عشرينَ مسكينًا، فإن لم يجدْ فصيامُ عشرينَ يومًا.\nوإن قَتلَ نَعامَةً أو حِمارَ وحْشٍ، فعليهِ بدنة، فإن لم يجد، فعليه بَدلُه مِنَ الطَّعامِ ثلاثين مِسْكينًا، فإن لم يجن فصيامُ ثلاثين يومًا (٢).\nوقد تبين بِهذا مقدارُ طعامِ المساكينِ.\nوأما مقدارُهما:\nفقد اتَّفقوا على التقويمِ بالدَّراهِمِ، ثم الدراهم طعامًا، ويُطْعِمُ كلَّ مسكينٍ مُدًّا على قولِ أهل الحجاز، ومُدَّينِ على قولِ أهلِ العراق.\nواختلفوا في ماهِيَّةِ المُقَوَّمِ، هل هو الصَّيْدُ المجزى، أو جزاؤهُ من النَّعَمِ؟\nفبالثاني قال الشافعيُّ (٣)، وبالأول قالَ مالكٌ.\nقال ابنُ وَهْبٍ: قال مالِكٌ: أَحسَنُ ما سَمِعْتُ في الذي يَقْتل الصَّيْدَ،\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٠١)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١٧٠).\n(٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (٧/ ٥١)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٤/ ١٢٠٨).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٩٩)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٦٨).","vol":"3","page":213},{"text":"ويحكَم عليه فيه: أنه يُقَومُ الصيدُ الذي أصاب، فينْظَرُ كم ثمنُهُ من الطعامِ، فيُطْعِمُ كل مسكينٍ مُدًا، أو يصومُ مكانَ كُلِّ مُدٍّ يومًا (١).\nوقال ابنُ القاسِمِ عنه: إن قوّمَ الصيدَ دراهمَ، ثم قَوَّمَها طعامًا، أجزأهُ (٢).\nوقولُ مالِكٍ أَلْيقُ بالتخيير، وأَقْوَمُ في المعنى؛ لأنه نظيرٌ لا بديل، ولو كانَ بَدَلًا، لكان ترتيبًا.\nوقولُ الشافعي أَحْوَطُ؛ إذ قيمة البَدَنَةِ أكثرُ منَ النَّعامةِ، وقيمةُ البقرةِ الإنسيةِ أكثرُ من الوَحشِيةِ، وقيمةُ الشاةِ أكثرُ من الظَّبْيِ.\n* وقيد الله الهديَ ببلوغ الكعبة وأطلقَ الطعامَ والصيامَ.\nفاتفقَ العلماءُ على إطلاقِ الصَّوم، ولا يختصُ بمكانٍ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ، حيثُ خَصَّصَهُ بِمَوْضِعِ الإصابةِ (٣).\nواختلفوا في الإطعامِ.\nفحملَ الشافعيُّ إطلاقَه على تقييدِ الهديِ؛ بِجامِعِ الكَفارةِ، وانتفاعِ فقراءِ الحَرَمِ به؛ كالذبحِ، فأوجبَ إخراجَه بمكَّةَ، وهو قولُ طاوسٍ (٤)،\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٥٥).\n(٢) في \"المدونة الكبرى\": الصواب من ذلك أن يقوم طعامًا، ولا يقوم دراهم، ولو قوِّم الصيد دراهم ثم اشترى بها طعامًا لرجوت أن يكون واسعًا، ولكن الصواب من ذلك: أن يحكم عليه طعامًا، فإن أراد أن يصوم نظر كم ذلك الطعام من الأمداد، فيصوم مكان كل مد يومًا، وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة. انظر: \"المدونة الكبرى\" (٢/ ٤٣٤).\n(٣) المشهور عن الحنفية الإطلاق كالجمهور. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٣/ ٨٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٠١).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٣٨٩).","vol":"3","page":214},{"text":"ولأنه إمَّا بَدلٌ لِلهديِ على قولِ الترتيبِ، أو نظيرٌ لهُ على قولِ التخييرِ، وكلاهُما يوجبُ تقييدَ أحدِهما بتقييدِ الآخر (١).\nوبهذا قالَ مالكٌ في إحدى رِوايتيه، وبها صَرَّحَ في \"مُوَطَّئِهِ\" (٢)، وقالَ في الرواية الأخرى: يُكَفِّرُ بموضعِ الإصابة للصَّيدِ، وهو قولُ (٣) مجاهدٍ (٤).\nومنهم من قال: يطعمُ حيثُ شاءَ؛ كسائرِ الإطعامات؛ فإنه يجوزُ بكلِّ مكاني، وهو قولُ عطاءٍ، ومحمدِ بنِ جَريرٍ الطَّبَرِيِّ (٥).\nوقد قدمتُ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥].\n* إذا تَمَّ هذا، فقد بَيَّنَ - ﷺ - أنه حَرَّمَ المدينةَ كما حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فلا يُصادُ صيدُها، ولا يُعضَدُ شَجَرُها (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٣١).\n(٢) لكن في \"الموطأ\" ما يشير إلى خلاف هذا القول، حيث قال: والذي يُحْكم عليه بالهدي في قتل الصيد أو يجب عليه هدي في غير ذلك، فإن هديه لا يكون إلا بمكة، كما قال الله ﵎: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وأما ما عدل به الهدي من الصيام أو الصدقة فإن ذلك يكون بغير مكة حيث أحبَّ صاحبه أن يفعله فعله. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٨٧).\n(٣) في \"ب\": \"وبه قال\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٤٩)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٣٣٤).\n(٥) وهو قول الحنفية. انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٥٥ - ٥٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٤٣).\n(٦) وذلك كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ: \"إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها\" رواه مسلم (١٣٦٣).","vol":"3","page":215},{"text":"وخالفَ في ذلكَ أبو حنيفةَ، وقال: يجوزُ اصْطِيادُ صَيْدِها (١).\nوالجمهورُ على خلافِهِ؛ للحديثِ الصَّحيح (٢).\n* وإنما اختلفوا في جزاءِ صيدِها.\nفمنهم من أوجبه؛ كجزاءِ صيدِ مكة، ومنهم من أسقطَهُ، ومنهم من جَعَلَ الجَزاءَ سَلْبَ القاتلِ (٣).\n\n١٢٥ - (٢٢) قوله ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].\n* أقولُ: لما بَيَّنَ اللهُ سبحانه في الآيةِ الأولى قتلَ الصيدِ وجَزاءهُ، بينَ في هذهِ الآيةِ حُكْمَ الأكلِ، وبينَ حُكْمَ صيدِ البحرِ، ومَيَّزَ بينَه وبينَ صيدِ البر.\n* أما صيدُ البَرِّ فَحُرِّمَ على المُحرِمِ أَكلُهُ؛ لقولهِ تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذا مُطْلَقٌ في جميع الأحوال، سواءٌ صادَهُ مُحْرِم أو حَلالٌ.\nوقد حُكِي عن جماعةٍ من السَّلَفِ العَملُ بظاهرِ الإطلاقِ.\n_________\n(١) وقالوا: المقصود بالتحريم: التعظيم. انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٤/ ١٩١ - ١٩٦)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٣/ ٤٣).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٦٢)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٦/ ٣١٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٢٣٧).\n(٣) الجمهور على أن لا جزاء فيه، وللشافعي في القديم أن جزاءه سلب القاتل وهو رواية عن أحمد. قال النووي: وهو المختار. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٢٣٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ١٧١)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٤٠٠).","vol":"3","page":216},{"text":"ورُوي عن عَلِيٍّ أنه كانَ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ -رضي الله تعالى عنهما- فَأُتِي عثمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ، فأكلَ عثمانُ، وأبى عليٌّ أن يأكل، فقال: واللهِ ما صِدنا، ولا أَمَرنا، ولا أشَرنا، فقال عليٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) [المائدة: ٩٦].\nورويَ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه كَرِهَ لَحمَ الصيدِ وهو مُحرِم، أُخِذَ لَهُ، أو لَمْ يُؤْخَذْ، وإن صادَهُ الحَلالُ (٢).\nوعن أبي هريرةَ مثلُه، وكذا عنِ ابنِ عَمرٍو، وسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ مثلُه أيضًا (٣).\nولهم من الدَّليلِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ الثابتِ في \"الصحيحين\": أنه أَهْدَى إلى النبيّ - ﷺ - حِمارًا وحْشيًا، وهو بالأَبْواءِ، أو بِوَدّانَ، فردَّه عليهِ، فلما رأى ما في وَجْهِهِ قال: \"إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلَّا أنا حُرُمٌ\" (٤).\nوذهبَ أكثُر الناسِ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ، فقال بعضُهم -وأظنُّه أبا حنيفة (٥): يحرُم عليهِ إن صادَهُ، أو صيدَ بإذنِه، أو دِلاَلتِه، وإن صيدَ بغيرِ\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٧١)، عن الحارث بن نوفل، عن أبيه.\nوانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ١٩٩).\n(٢) روى ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٧٥)، عن ابن عباس: أنه قال في الآية: جعل الصيد حرامًا حلال، وإن صاده حرام لحلال، فلا يحل له أكله.\n(٣) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/ ٤٢٨)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٣٠٨)، و\"تفسير الطبري\" (٧/ ٧١).\n(٤) روى البخاري (١٧٢٩)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل، ومسلم (١١٩٣)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي.\n(٥) \"أبا حنيفة\": ليس في \"أ\".","vol":"3","page":217},{"text":"إذنِه ودِلالته، حَلَّ (١)؛ بدَلالةِ حديثِ أبي قَتادَةَ الثابتِ في \"الصحيحين\": أنه كانَ في قومٍ مُحرِمينَ، وهو حَلالٌ، فبينما هُم يسيرونَ، إذْ رَأَوْا حِمارَ وَحشٍ، فحملَ أبو قَتادةَ على الحُمُرِ، فَعَقَرَ منها أتانًا، فنزلْنا فأكلْنا من لحمِها، ثم قلنا: أنأكلُ لحمَ صيدٍ ونحنُ مُحرِمون؟ فحملْنا ما بقيَ من لحمِها، فأدركْنا رسولَ الله - ﷺ -، فسألْناه عن ذلكَ، فقال: \"هل منكُم أحدٌ أمرَهُ أن يحمِلَ عليها، أو أَشار إليها؟ \" فقالوا: لا، قال: \"فكلوا ما (٢) بقي من لحمها\" (٣).\nوقال بعضُهم: يحرُم عليهِ إن صادَه أو صِيْدَ لأجلِه، سواءٌ كان بإذنِه أو بغيرِ إذنه، وبه قالَ مالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق (٤)، واستدلُوا بما روى الترمِذِيُّ عن جابر -﵁-؛ أن النبى - ﷺ - قال: \"لَحمُ الصيدِ لكمْ حَلالٌ ما لم تصيدوهُ، أو يُصادَ لكم\" (٥). قال أبو عيسى: هو أحسنُ حديثٍ في البابِ.\nوتأول الشافعيُّ حديثَ الصعبِ بنِ جَثّامَةَ بأنه - ﷺ - ظَنَّ أنهُ صيدَ لأجلِه،\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٢/ ١٧٥)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٨٧).\n(٢) في \"ب\": \"مما\".\n(٣) رواه البخاري (١٧٢٨)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال، ومسلم (١١٩٦)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ١٢٤)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٢٧١).\n(٥) رواه الترمذي (٨٤٦)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، وأبو داود (١٨٥١)، كتاب: المناسك، باب: حل الصيد لمحرم، والنسائي (٢٨٢٧)، كتاب: المناسك، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٨٦)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٦٢).","vol":"3","page":218},{"text":"وتأوَّلَ حديثَ أبي قَتادة بأنه لم يَصِده لأَجْلِهم؛ بدليلِ كراهتِهِم لفعله؛ حيثُ لم يناولوه سَوْطَهُ، فجعلَ حديثَ جابرٍ مُفَسِّرًا للأحاديثِ (١).\nفإن قلت: كان الأَوْلى أن يُجْعَلَ حديثُ أبي قتادَةَ مُفَسِّرًا لحديثِ جابر؛ لأن الغالبَ ألاّ يُصادَ للرجلِ إلا بإذنِه؛ بدليلِ حديثِ أبي قَتَادَةَ؛ حيثُ لم يعتبرْ فيه النبيُّ - ﷺ - إلا (٢) الأمرَ أو الإشارةَ.\nقلت: هذا لَعَمري حَسَنٌ كما تقولُ، ولكن تبقى المُعارَضَةُ بينَهُ وبينَ حديثِ الصَّعبِ بنِ جَثَّامة، وإذا جُعل حديثُ جابرِ مُفَسّرًا لحديثِ أبي قتادَةَ، ولحديثِ الصَّعْبِ، أَمكَنَ الجمْعُ بينَ الأحاديثِ كُلِّها، وزالَ التعارُضُ والاختلافُ، وهذا أحسنُ من ذلكَ، ولهذا اختارَ هذا المسلكَ أبو عبدِ الله الشافعيُّ، -﵀-.\n* فإن قلت: فهل جاءتِ الآيةُ بيانًا لتحريمِ لحمِ الصيدِ، أو لتحريمِ الاصطيادِ؛ كما قاله بعضُ العلماء، أو كثير منهم؟\nقلت: لا ينبغي أن يكونَ لبيانِ الاصطياد، لأن الخِطابَ مَسوقٌ لبيانِ الأكلِ، لا للاصطياد.\nفإن قلتَ: فما ذلك.\nقلت: وصفَ اللهُ صيدَ البحرِ وطعامَه بأنهُ متاعٌ لنا وللسَّيَّارَةِ، ثم عطفَ عليهِ صيدَ البَرّ، فلَهُ حُكْمُهُ، والاصطيادُ ليسَ بِمَتاعٍ.\nولبيانِ النبيِّ - ﷺ - لِعُموم هذهِ الآيةِ؛ حيثُ قال: \"صيدُ البر لَكُم حَلال\n_________\n(١) انظر: \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (ص: ٥٤٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٠٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ١٩٨).\n(٢) \"إلا\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":219},{"text":"ما لَمْ تصيدوهُ، أو يُصَدْ لكم\" (١)، ولأن كافةَ العلماءِ من الصَّحابةِ والتابعينَ منهم مَنْ تمسَّكَ به في تحريمِ الأكلِ مطلقًا؛ كما روينا عن على وغيرِه.\nومنهم من استدلَّ بالسُّنَّةِ على تَخْصيصه، ولم يقولوا: المرادُ بهِ الاصطيادُ دونَ الأكلِ، وهذا تفسيرُ ابنِ عباس تَرجُمانِ القرآنِ يَشْهدُ بذلكَ في صيدِ البَحرِ الذي عُطِفَ عليه هذا، قال: يريد: ما أصبتَ من داخلِ البَحرِ، ولم يقلْ: يريدُ الإصابةَ.\nفإن قلتَ: فما قولُك في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، هل المرادُ بهِ الصيدُ، أو الاصطياد؟\nقلت: يحتملُ أن يرادَ بهِ الصيدُ؛ استدلالًا بهذه الآية، ويحتملُ أن يُرادَ به الاصطيادُ؛ استدلالًا بالآيةِ التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].\n* وأما صيدُ البحرِ، فإن الله سبحانَه أَحَلَّهُ للمُحْرِم، وأجمعَ عليهِ المُسلمون.\n* وأما طعامُ البحرِ.\nفقالَ قوم: طعامُه ما طَفا عليه مَيْتًا، قاله أبو بكرٍ وعمرُ وقتَادةُ.\nوقال قومٌ: طعامُه ما حَسَرَ عنهُ الماءُ، وأخذه الناسُ.\nوقد ذكرتُ أقوالَ العلماءِ في مَيْتة البَحْر فيما سلف (٢)، والصحيحُ تحليلُها مُطْلَقًا (٣)؛ للأحاديث التي ذكرتُها، ولقوله تعالى: ﴿متاعًا لكُمْ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) في \"أ\": \"سبق\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ١٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦٥).","vol":"3","page":220},{"text":"وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فأحله في حالتِي الاختيارِ والاضطِرارِ، ولم يبحْ ميتَة البَرِّ إلا في حالِ الاضطرار، والله أعلم.\n\n١٢٦ - (٢٣) قولُه ﷿: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] الآية.\nأي: صَلاحًا للناس، قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (١)، ومثلُه عنِ ابنِ قُتيبة، وجعل ذلك لعلمِه بما فيهِ صلاحُ أمورهم، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في أول السورة.\n_________\n(١) رواه الطبري في \"التفسير\" (٧/ ٧٧).","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>(من أحكام الشهادات)</span>\n١٢٧ - (٢٤) قولُه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].\n* أقول: إن هذه الآيةَ استَعْصَتْ على أهلِ العلمِ، وصَعُبَتْ عليهم، وذهبوا في تقريرِ أحكامِها وتأويلِ ألفاظِها كُل مَذْهَبٍ، وربما أفردَها بعضُهم بالتَّصْنيفِ، وما ذاكَ إلا لمخالَفَةِ ظاهرِها القواعدَ المُتَقَرِّرَةَ في الشريعةِ من ثلاثةِ أَوْجُهِ:\nأحدُها: قبولُ شهادةِ غيرِ أهلِ مِلَّتِنا، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].\nثانيها: إيجابُ اليمينِ على الشاهِدَينِ، والشاهدُ لا يمنَ عليه إجماعًا، سواءٌ قامَتْ رِيْبَةٌ أو لم تقمْ.\nثالثها: اشتراطُ اثنينِ في اليمينِ منَ الذينَ استَحَقَّ عليهما عندَ الاطلاعِ على إثم الشاهدين، واشتراطُ تَعَدُّدِ الحالِفِ في الشريعَةِ غيرُ مَعْهود، وأما تَعَدُّدُ الحَلِفِ، فهو معهودٌ؛ كما في القَسامَةِ، وأَيْمانِ اللِّعانِ، وها أنا أذكرُ","vol":"3","page":222},{"text":"سببَ نُزولِ هذه الآيةِ، ثم أذكرُ أقوالَ العلماءِ وتأويلاتِهم، ثم أعقِّب ذلكَ بالقول الحَقِّ -إن شاء الله تعالى-.\nرويَ عن ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] بَلَغَنا -والله أعلمُ- أَنَّها نزلَتْ في مَوْلًى مِنْ موالي قُريشٍ، ثم لآلِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْمِيِّ، انطلقَ في تجارةٍ نحوَ الشامِ، ومعه تَميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ (١)، وعَدِيُّ بنُ بَداء، وهما نَصْرانِيّانِ يومئذ، فتوفيَ المَوْلى في مسيرهِ، فلما حَضَرَهُ المَوْتُ، كتبَ وَصِيَّتهُ، ثم جعلَها في مالِه ومتاعِه، ثم دفَعَها إليهِما، وقال لهما: أبلغا أَهْلي مالي ومَتاعي، فانطَلَقا لِوَجْهِهِما الذي تَوَجَّها إليه، فَفَتّشَا متاعَ المَوْلى المُتَوَفَّى بعدَ موته، فأخذا ما أعجَبَهما منه، ثم رَجَعا بالمالِ والمتاعِ الذي بقيَ إلى أهل الميتِ، فدفعوه إليهم، فلما فتشَ القومُ المالَ والمتاعَ الذي بقيَ، ففقدوا بعضَ ما خَرَجَ به صاحِبُهم معهُ من عندِهم، فنظروا إلى الوَصِيَّةِ، وهي في المَتاعِ، فوجدوا المالَ والمتاعَ فيهما مُسَمّى، فدعوا تميمًا وصاحبَه، فقالوا لهما: هل باعَ صاحِبنا شيئًا، أو اشْتُرِيَ ممّا كانَ عندَه (٢)؟ فقالا: لا، قالوا: فهل مرضَ فطالَ مرضُه، فأنفقَ منهُ على نفسِه؟ قالا: لا، قالوا: فإنَّا نَفْقِدُ بعضَ الذي مضى بهِ صاحبُنا معه (٣)، قالوا: ما لَنَا بما مَضى بهِ مِنْ علومٍ، ولا بما (٤) كانَ في وَصِيَّتِه، ولكن دفعَ إلينا هذا المالَ والمَتاع، فَبَلَّغْناكُموهُ كما دَفَعَهُ إلينا، فرفعوا أمرَهُم إلى النبيِّ - ﷺ -، وذكروا له الأمرَ، فنزلتْ هذه الآية إلى ﴿الْآثِمِينَ﴾ هو، فقاما فَحَلَفا على مِنْبَرِ\n_________\n(١) \"الداري\": ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"مما كان عنده أو اشترى\".\n(٣) \"معه\": ليس في \"أ\".\n(٤) \"ولا بما\": ليس في \"أ\".","vol":"3","page":223},{"text":"النبيِّ - ﷺ - بعدَ (١) صلاةِ العَصْرِ، فَخَلَّوا سبيَلُهما، ثم اطُّلِعَ بعدَ ذلكَ على إناءٍ من فِضَّةٍ منقوشٍ مُمَوَّهٍ بالذَّهَبِ عندَ تَميمٍ الدَّارِيِّ، فقالوا: هذا من آنيةِ صاحبنا التي مَضى بها معه، وقدْ قُلْتُما: إنه لم يبعْ من متاعِه شيئًا، فقالا: إنا اشترينَا منه، فَنَسينا أن نخبرَكُم به، فرفعوا أمَرهُمْ إلى النبيِّ - ﷺ -، فنزل: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧ - ١٠٨]، فقامَ رجلانِ من أولياءِ السَّهْمِي، فحلفا باللهِ إنها في وَصِيَّتِهِ، وإنَّها لَحَقٌّ، ولقد خانَهُ تميمٌ وعَدِيٌّ، فأخذَ تميمٌ وعديٌّ بكلِّ ما وُجِدَ في الوَصِيّةِ لمّا اطُلِعَ على ما عِنْدَهُما منَ الخِيانة (٢).\n* وأما أقوالُ العلماءِ.\nفإنهم اختلفوا في الضميرِ الذي في قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].\nفقال جُمهورُهم: أي: من غيرِ أهلِ مِلَّتِكُمْ، والخطابُ مع كافَّةِ المؤمنين.\nوقال قومٌ كالحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: أي: من غيرِ أهلِ قبيلتِكم، والخطابُ معَ أولياءِ المَيِّتِ، فاستدلُوا لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وأهلُ الصلاةِ هم أهلُ مِلَّتِنا دونَ غيرِهم، فدلَّ على كونهما مؤمِنَيْنِ (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"دبر\".\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٥٩)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المائدة، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١٢٣١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٥٠٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٦٨). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٢٢٠ - ٢٢٢).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ١٠٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ٦٤)،=","vol":"3","page":224},{"text":"وهذا ضعيفٌ جِدًّا، وضَعْفُهُ أشهرُ من أن يُظْهَرَ.\n* ثم اختلفَ الجمهورُ.\nفمنهم مَنْ قال: الآيةُ منسوخَةٌ (١) بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وبقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وروى هذا عَطِيَّةُ عنِ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.\nوهذا أضعفُ من الأولِ؛ فإن النسخَ لا يَصِحُّ إلا بتوقيفٍ، وعلمٍ بالمتأخِّر منهما، وليس قولُ هذا (٢) القائل: هي منسوخة بِما ذُكِرَ بأولى من قولِ غيرهِ: هي ناسخةٌ لما ذُكِرَ، كيفَ والتعارُضُ بينَهما معدومٌ؛ فإنه يحتملُ أن تكونَ هذه الآيةُ مقيِّدَةً لإطلاقِ غيرِها ببعضِ الأحوال؛ كما قاله الآخرون، وهم قومٌ من السلف، قالوا: الآيةُ مُحْكَمَةٌ، ويجوزُ قبولُ شهادةِ الكِتابيِّ عندَ فَقْدِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ خاصَّةً، وبه قالَ أبو حنيفة (٣)، وأحمدُ (٤) -رحمهما الله تعالى-.\nوهذا أيضًا ضعيفٌ؛ لأنهم لا يوجبونَ اليمينَ على الشاهدِ الكِتابيِّ عند الارتيابِ كما وردَ في ظاهرِ الآية والحديث.\n_________\n= و\"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (١١/ ٤٦٩).\n(١) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٢٩ - ٣٠)، و\"ناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ٣٢)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٠٤).\n(٢) \"هذا\" ليس في \"ب\".\n(٣) ذهب الحنفية إلى أن الآية منسوخة في حق المسلمين، فلا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وتجوز شهادتهم فيما بينهم. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١٦٣)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ٥٢١).\n(٤) ذهب الحنابلة إلى أن شهادة أهل الكتاب تقبل في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، وهو المذهب الذي سيقرره المصنف بعد قليل. انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٥٢)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٤/ ٥٢١).","vol":"3","page":225},{"text":"وإذا بطلَ تحليفُه، بَطَلَ القولُ بقبولِ شهادتهِ كَما ذكر.\nفإن قلتم: فما قولُك الحَقُّ الذي وَعَدْتنَا به، فقد دَلَلْتَنا على فسادِ هذهِ الأقاويل؟\nقلت: الآيةُ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ واردة على سببٍ مشهورٍ من قصةِ تميمِ بنِ أوسٍ الداريِّ، وعديّ بنِ بَداء في حالِ تنَصُّرِهِما، وأنهما قَبَضا مال بُدَيْل، ليوصلاهُ إلى أهلِه، وسَمَّاهما اللهُ شاهِدَيْنِ لِمُشاهَدَتِهما أمرَ بديلٍ، وعِلْمِهِما بهِ، وهما وَصيّانِ في الحقيقةِ، وليسَ المقصودُ بشهادتِهما الشهادةَ الشرعيةَ المُتَعَبَّدَ بها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، والوليّانِ ليسا بِشاهدَيْنِ شَرْعًا، وإنما هما شاهِدانِ عِلْمًا، فالحكمُ مقصورٌ على سببهِ، لا يتعداهُ، فيجوزُ للمسلمِ أن يُوصِيَ إلى الذِّمِّيِّ عندَ عدمِ المُسْلِمِ، ولا يجوزُ عندَ وُجودِه، فلنْ يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المُؤْمنين سبيلًا، وإنما شَرَطَ اللهُ سبحانه الضَّرْبَ في الأرضِ؛ لأنه مَظِنَّةُ عَدَمِ المُسْلِمِ، ومعلومٌ أن المسلمَ لا يُوصي إلى الذميِّ مع وجودِ المُسلم إلا نادرًا، ولو وجدَ بديلٌ مسلمًا غيرَهما، ما وَصَّى إليهما، لكونه مُسْلِمًا مُهاجِرًا.\nثم نقولُ: فإذا أوصى المسلمُ إلى الذميِّ، فإنْ صَدَّقناهُ، فلا خِصام، ولا تَحْليفَ، وإن ارتبنا منه، حَلَّفْناه بعدَ صلاة العَصْرِ كما غَلَّظَ اللهُ سبحانَه عليه، فإذا حلفَ فقدِ استحق علينا الحُكْمَ بِعَدَمِ المُطالَبةِ، ثم إن عَثَرْنا عليهِ (١) بالخِيانة، واستحقاقِ الإثم، وقامت عليه الحُجَّةُ بإقراره، لكنه أظهرَ دَعْوى تخالِفُ إقرارَهُ كما فَعَلَ تميمٌ وصاحبُه؛ حيثُ ادَّعيَا الشراءَ من بديلٍ، ولم يُقيما بَيِّنَةً، قمْنا مقامَهما بعدَ صلاةِ العصرِ، وحلَفْنا لهما إن كانَ\n_________\n(١) \"عليه\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":226},{"text":"الأَوْلَيان مِنّا اثنينِ كأولياءِ بُديلٍ، وولِيّاهُ عَمْرُو بنُ العاصِ، والمُطَّلِبُ بنُ أبي وَداعَة، إما بطريقِ الإرثِ لبديلٍ، لكونِه مولاهُما، أو بطريقِ المُلْكِ لهما، أو (١) لعل بديلًا كان وكيلًا لهما.\nفقد وردَ في بعضِ رواياتِ هذا الحديث أن عمرَو بنَ العاصِ، والمُطَّلِبَ بنَ أبي وَداعَةَ السَّهْمِيّانِ بَعَثا معَ تميمٍ وعَدِيٍّ رَجُلًا يقال له بديلُ بنُ أبي مارية الرومي مولًى للعاصِ بنِ وائلٍ بِمَتاعٍ إلى أرضِ الشامِ فيه آنِيَة من ذَهَبٍ، وآنية من فِضَّةٍ، وآنية مُمَوَّهَة بالذَّهَبِ، فلما قدموا الشامَ، مرضَ بديلٌ، وكان مسلمًا، فكتب وصيتَهُ، ولم يعلمْ بها تميمٌ الداريُّ، ولا عَدِيٌّ، وأدخلَها في متاعِه، ثم توفُي، ولم يبعْ شيئًا من متاعِه، فقدمَ تميم الداريُّ وعديٌّ إلى المدينةِ، ودفعا المتاعَ إلى عمرِو بنِ العاصِ وإلى المُطَّلِب، وأخبراهما بموتِ بُديلٍ، فقال عَمْرو والمُطَّلِبُ: لقد مضى من عندنا بَأكثرَ من هذا، هل باعَ شيئًا؟ قالا: لا فمضوا إلى النبيّ - ﷺ -، وساق الحديثَ بنحوِ ما قدمتُه.\nوقد ظهرَ لكمْ بهذا التحقيقِ أن الخِطاب معَ المُؤْمنين، وأن الآيةَ جارية على قوانينِ القياسِ، غيرُ مُخالِفَةٍ لهُ في شيء (٢).\nفَتُقْبَلُ شهادةُ الذميّ إذا كانَ وصِيًّا بهذِه الآيةِ، وأما إذا كانَ غيرَ وَصِيٍّ، فلا تقبَلُ شهادَتُه؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والشاهدانِ إذا كانا وَصِيَّيْنِ ذِمّيَّيْنِ، وشهدا على فعلِهما، ونَفيا ما يُدَّعَى عليهما نُحَلّفُهما بهذه الآية، وإذا كانا مسلمينِ، نُحَلّفُهما؛ بالقياسِ عليهما، وبغيرِ ذلكَ من الأدلة.\n_________\n(١) في \"أ\": \"و\".\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٣٥٠).","vol":"3","page":227},{"text":"وإذا شَهِدا ولم يكونا وَصِيَّيْنِ، وعلى غير فِعْلِهما، قبلناهُما، ولم نُحَلّفْهما، بالإجماع.\nوإذا قامَتِ الحُجَّةُ على خيانةِ الوَصِيّ، وادَّعى ما يُناقِضُها، حلفَ الوَليُّ إن كانا اثنين بهذه الآية.\nوإن كانَ واحِدًا، أو جماعَةً، حَلفوا بالإجماع، وبالقياس على الاثنين، وظهرَ أن كلَّ ذلك جرى بحُكْم الاتفاقِ.\nوإذا اتفقَ ذلكَ في زمانِنا، قضينا فيه بقضاء الله، وقضاء رسول الله - ﷺ -.\nوقد اتفقَ ذلكَ بعدَ النبيّ - ﷺ - عندَ أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله تعالى عنه-.\nروى الشعبيُّ: أنَّ رجلًا من خَثْعَمٍ خرجَ من الكوفَةِ إلى السَّوادِ، فماتَ بـ \"دَقُوقا\" (١)، فلم يجد أحدًا يشهدُ على وصيتهِ، فأشهد رجلينِ من أهلِ الكتاب، فقدما الكوفةَ، فأتيا أبا موسى الأشعريُّ، وقَدِما بتركتهِ ووصِيَّتِه، فقال أبو موسى الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكنْ بعدَ الذي كانَ في عهدِ رسول الله - ﷺ -، فأَحْلَفَهما، وأمضى شهادَتَهما بعدَ صلاةِ العصرِ بمسجدِ الكوفة باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ما كَتَما ولا غَيَّرا (٢).\nقال ابنُ عَبّاسٍ: كأني أنظرُ إلى العِلْجَيْنِ (٣) حينَ انتهي بهما إلى\n_________\n(١) دقوقا -بفتح أوله وضم ثانيه وبعد الواو قاف أخرى وألف ممدودة ومقصورة: مدينة بين إربل وبغداد. انظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٥٩).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" لأبي عبيد (١/ ٢٥٠)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢٢٤٤٧) (٤/ ٤٩٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١١٠).\n(٣) العلجين: العِلْجُ بوزن العِجْل: الواحد من كفار العجم، والجمع: علوج وأعلاج، وعِلْجة بوزن عنبة ومعلوجاء. \"المختار\" (مادة: علج) (ص: ١٨٨).","vol":"3","page":228},{"text":"أبي موسى الأشعريِّ، ففتحَ الصحيفةَ، فأنكرَ أهلُ الميتِ، وخَوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يَسْتَحْلِفَهُما بعدَ صلاة (١) العصرِ، فقلتُ: لا يُبالون بعدَ (٢) العصرِ، ولكنِ استَحْلِفْهُما بعدَ صلاتِهما ودينهما (٣).\nوالحمدُ للهِ الذي هَدانا لِهذا، وما دَلَّنا على هذا التحقيقِ وسلوكِ سواءِ الطريقِ إلا الأحاديثُ المشهورةُ بسببِ هذهِ الآيةِ، ولولا الأسبابُ، ما عُرِفَتِ المُسَبَّباتُ، ولو نُقِلَتِ الأسبابُ بأحوالِها وقَرائِنِها ومقاصِدِها في واقعةٍ، ما اختلفَ فيها اثنان، إلا قليلًا.\nوبعدَ كتابي هذا المَوْضِع بأربعِ سنينَ، وجدْتُ كلاما للشافعيّ في كتاب \"الجزية\" يرشدُ إلى مثلِ هذا (٤).\n* فإن قلتم: فهل يتعينُ اللفظُ الذي ذكرهُ اللهُ تَعالى في اليمينِ كَما في اللِّعان، أو يجوزُ بغيرِه مِمّا أَدّى معناه؟\nقلت: لا يتعينُ، بل يجوزُ هو وما في معناه؛ كسائر الدعاوى، ألا ترى إلى ما قدمته من الحديثِ لفظَ اليمينِ فيه مُخالِفًا لِلَفْظِ اليمينِ في القرآن؟ فهذا بخلافِ اللِّعانِ، وسيأتي عليه الكلامُ -إن شاء الله تعالى-.\n* ووَقَّتَ اللهُ سبحانه ليمينِ الوَصِيَّيْنِ اللَّذين ارتيبَ منهما بعدَ الصلاةِ، وهي صلاةُ العصرِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لاتفاقِ أهلِ المِلَلِ على تعظيمِها، والتغليظُ بالوقتِ مشروعٌ، قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ على يمينٍ كاذِبةٍ بعدَ\n_________\n(١) \"صلاة\" ليس في \"أ\".\n(٢) \"صلاة\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١١٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١١٤).\n(٤) وانظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٤١)، و(٧/ ١٦ - ٣٢).","vol":"3","page":229},{"text":"العَصْرِ، لقيَ اللهَ وهُوَ عليهِ غَضْبانُ\" (١).\nواختلفوا في التغْليظِ بالمكان:\nفرآه الشافعيُّ ومالِكٌ، وقالا: يُجْلَبُ في أيمانِ القَسامَةِ إلى مَكَّةَ مَنْ كانَ منْ عَمَلِها، فيحلفُ بينَ الركنِ والمَقام، ويُجْلَبُ إلى المدينةِ مَنْ كانَ من عَمَلِها، فيحلفُ عندَ المنبرِ؛ لما روى جابر -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"مَنْ حَلَفَ على مِنْبَري هذا بيمينِ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ منَ النار\" (٢)، ولما رُوي: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لاعَنَ بينَ المَرْأَةِ والزوْجِ على المِنْبَرِ (٣) (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٢٤٠)، كتاب: المساقاة والشرب، باب: من رأى أن صاحب الحوض والقرابة أحق بمائة، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ... ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم ... \".\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٢٧)، ومن طريقه رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٥٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٠١٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٤٦٨)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (١٧٨٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٨١٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٨).\n(٣) رواه الدراقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٧٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٨)، عن عبد الله بن جعفر يقول: حضرت مع رسول الله - ﷺ - حين لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته ... فلاعن بينهما بعد العصر عند المنبر\".\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٤١٢ - ٤١٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٩) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة ١٦. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ١٠٧). =","vol":"3","page":230},{"text":"وأباه أبو حنيفةَ (١).\n* واختلفَ مالكٌ والشافِعيُّ في قَدْرِ المالِ المُغَلَّظِ، فاعتبرَ مالكٌ نِصابَ السرقةِ عنده (٢)، واعتبرَ الشافعيُّ مقدارَ النّصاب (٣).\n* * *\n_________\n= ١٧. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٧٢٨)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٢/ ٨٣).\n(١) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ١١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٢١٢).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ١٠٧).\n(٣) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٧٢٨)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٢/ ٨٣).","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>سُورَةُ الأَنْعَامِ</span>","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>(من أحكام الذبائح)</span>\n١٢٨ - ١٢٩ (١ - ٢) قوله ﷿: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩].\nقد تقدَّم القولُ (١) عليهما في \"سورة المائدة\".\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"الكلام\".","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>(من أحكام الزكاة)</span>\n١٣٠ - (٣) قوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١].\nأنشأ: أَبْدَعَ على غيرِ مِثال يُحْتَذَى. مَعْروشاتٍ: مَرْفوعاتٍ على الأعواد.\n* ذكر الله سبحانه في هذه الآية أنواعًا من المَطْعومات التي أنعم بها على عِباده وهي تُطْعَمُ قوتًا وتَفَكهًا وتَداوِيًا، ويُنتفعُ بها قوتًا وتَفَكهًا واستِصْباحًا، ثم أمرنا بأكلِها، وإيتاءِ حَقِّها.\n* واتفق العلماءُ على أن الأمرَ بالأكل للإباحَةِ، أو للامْتِنان، وبالإيتاء وجوب، ولكن الحَق مُجْمَل، وقد بَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ -، فقال: \"فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ\" (١).\n* وقد اختلفَ الناسُ في هذهِ الآيةِ اختلافًا كثيرًا، وسببُ اختلافِهم هو اتفاقُهم على أن سورة الأنعامِ نزلَتْ بمكَّةَ، وأنَّ الزكاةَ فُرِضَتْ بالمدينةِ، وعلى أَنَّهُ لا حَق في المالِ غيرُ الزكاةِ.\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث عبد الله بن عمر.","vol":"3","page":236},{"text":"روى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنه قال: إن الزَّكاةَ والصومَ فُرِضا في المدينة، فكيف نقولُ: إن قولَه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ إن المرادَ بها الزكاة، والأنعامُ مَكِّيّةٌ؟.\nفذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخة بآية الزكاة (١).\nويروى عن عِكْرِمَةَ، والضحّاك، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَير (٢)، قال سُفْيانُ: سألتُ السُّدِّيَّ عن هذه الآيةِ، فقالَ: نسخَها العُشْرُ، وَنصفُ العُشْرِ، فقلتُ عَمَّنْ؟ قال: عن العلماء (٣).\nوذهبَ الجُمهور إلى أنها مُحْكَمَةٌ.\nثم اختلفَ هؤلاءِ.\nفقال قومٌ: ليس المرادُ بالحَق الزكاةَ، وإنما المرادُ به تركَ شيءٍ للمساكين غيرِ الزكاة، وبه قالَ مجاهدٌ، والحَكَمُ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وأبو عُبيدَةَ (٤).\nقال مُجاهدٌ: إذا حَصدْتَ، فَحَضَرَكَ المساكينُ، فاطْرَحْ لهِم من السُّنْبُلِ، فإذا جَذَذْت، فألقِ لهم منَ الشَّماريخ (٥)، فإذا دستَهُ (٦) وذرَّيْتَهُ،\n_________\n(١) انظر \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٤).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٨).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر في \"تفاسيرهم\"، وأبو داود في \"ناسخه\" كما نسب ذلك السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٦٧).\n(٤) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٤٠٧)، و\"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٥).\n(٥) الشماريخ: مفردُه: الشِّمْراخ والشِّمْروخ: وهو العِذقُ الذي عليه البُسْر، وأصلُه في العِذْق، وقد يكون في العنب.\n\"اللسان\" (مادة: شمرخ) (٣/ ٣١).\n(٦) دُسْته: داسَ الناسُ الحبَّ وأداسوه: دَرَسوه.=","vol":"3","page":237},{"text":"فاطرَحْ لهم منه، وإذا عرفْتَ كَيْلَهُ، فأخرجْ زكاتَهُ لهم (١) (٢).\nوذهبَ الجُمهور إلى أن المرادَ بالحَقِّ الزكاةُ، أمر الثهُ سبحانه بِها أمرًا مُجْمَلًا، ثم بيَنَهُ النبي - ﷺ -، كما قَدَّمْتُ ذلك أَوَّلًا، وبه قالَ أنسٌ، وابنُ عَبّاسٍ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ المُسَيِّبِ، وعطاءٌ، وغيرهم (٣).\nواعتُرِض على هذا بأن فرضَ الزكاةِ كانَ بالمدينةِ، والسورةُ مَكّيَّةٌ، وهذا مُتناقِضٌ كما قَدَّمْتُ ذلكَ عن مالِكٍ من روايةِ ابنِ وَهْبِ وابنِ القاسمِ.\nفمن المتأخِّرين مَنْ قالَ على طريقِ التَّنَزُّلِ: يجوزُ أن يُوجِبَ اللهُ سبحانهُ الزكاةَ بمكَّة بهذهِ الآيةِ إيجابًا مُجْمَلًا، فأوجبَ بمكَّةَ فرضَ اعتقادِ وُجوبِها، ووقفَ العملَ بها على بيانِ الجنسِ والقدرِ والوقتِ، فلم يُمْكِنِ الامتثالُ بِمَكَّةَ حتى تَمَهَّدَ الإسلامُ بالمدينة، فوقع البيانُ وتَعَيَّنَ الامتثالُ.\nثم قال: وهذا لا يَفْقَهُهُ إلا العلماءُ بالأصول (٤).\nوما قاله هذا القائلُ حَسَنٌ، إلا أنه غَفَلَ عن التحقيقِ، فقولُه غيرُ مستقيمٍ لأنَّ اللهَ سبحانه لم يفرضْ وُجوبَ الزكاةِ وحَدَّهُ، بل فرضَ أداءَ حَقِّ المالِ يومَ الحَصاد، وتأخيرُ البيانِ حينئذٍ لا يجوزُ؛ لأنه وقتُ الحاجَة، إلا أن يُقَدَّرَ أَنَّ نزولَ الآية كانَ قبلَ أن يَيْنَعَ في آخرِ عامٍ هاجرَ فيه النبيُّ - ﷺ -، ولا يَخْفى ما في هذا من البُعْدِ.\n_________\n= \"اللسان\" (مادة: دوس) (٦/ ٩٠). ومعنى الكلام: أن يُسْتخرَج الحبُّ أو الثمرُ من الشماريخ أو السنابل.\n(١) \"لهم\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه سعيد بن منصور في \"السنن\" (٥/ ٩٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٠٧).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٥٣)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١٥٤).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٨٦).","vol":"3","page":238},{"text":"والأحسنُ عندي أن يقالَ: الآيةُ بخُصوصِها مدنيةٌ -كما قالَ الزَّجَّاجُ-: قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينةِ، وإن كانتِ السورةُ مكية (١).\nفليس ثَمَّ دليل سمعي على تعيينِ نُزولِ هذه الآيةِ بمكَّةَ، وقد يطلقون ذلكَ على جُمْلَةِ السورةِ، وقد عُلِم أن بَعْضَها غيرُ داخلٍ في ذلك الإطلاق، ألا تراهم يقولون: المائدةُ مدنية، وقد نزلَ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بِعَرَفَةَ؟\nفإن قلت: لو أسمعتني دليلًا على ما قلتَ كانَ أوقعَ لقولكَ عندي، وإن كانَ الدليلُ على كون الآيةِ بخُصوصها مكيةً على غيرِك لا عليكَ.\nقلت: روى الكلبيُّ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن ثابتَ بنَ قيسٍ عَمَدَ فَصَرَمَ خَمْسَ مِئَةِ نخلةٍ، فَقَسَمها في يومٍ واحدٍ، ولم يتركْ لأهلهِ شيئًا، فكره اللهُ له ذلك، فأنزل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢) (٣) [الأعراف: ٣١].\nونحوُ هذا رُوي عنِ ابنِ جُبير (٤).\n_________\n(١) انظر: \"المحرر الوجير\" لابن عطية (٢/ ٣٥٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ٩٩) لم أجده عن ابن جبير، لكن روي نحوه عن ابن جريج وانظر: \"تفسير الطبري \" (٨/ ٦١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ١٨٣).\nوروى ابن جريج عن معاذ بن جبل ﵁: أنه جذ نخله فلم يزل يتصدق من ثمره حتى لم يبق منه شيء، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\n(٢) انظر: \"تفسير الثوري\" (١/ ١١٠)، وابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ١٨٣)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٣٦٩).\n(٣) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ١٣٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ١٣٦).\n(٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٣٩٩).","vol":"3","page":239},{"text":"والظاهرُ نُزولُ الآيةِ جملةً واحدةً، وإن كان بعضُها قد ينزلُ دونَ بعضٍ كما بينتُه في كتابي هذا، والله أعلم.\n* وأوجبَ اللهُ سبحانه إيتاء الحَقِّ يومَ الحَصاد، وجَعَلَهُ وقتَ الإيتاءِ، لا وقتَ لهُ غيره.\nفإن قلتَ: فهل وقتُ الإيتاءِ وقتٌ لتعلُّقِ هذا الوجوب، أو يتقدَّمُ الوجوبُ عليه؟\nقلنا: قالَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ المالِكيُّ: وقتُ وجوبِ الإيتاءِ وقتُ وجُوب التَّعَلُّقِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nوحكاه صاحبُ \"التقريب\" (١) قولًا للشافعيِّ؛ لأنه لو وَجَبَ، لما جازَ تأخيرُه.\nومذهبُ الشافعيّ ومالِكٍ وسائرِ المالكيةِ أنَّ وقتَ وجُوبِ التَّعَلُّقِ عندَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (٢)؛ لأن النبيَّ - ﷺ - كانَ يَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَبْدو صلاحُها، ويُضَمِّنُها أربابَها (٣)، ولأنه وقتُ اقْتياتِهِ الذي مَنَّ الله بهِ علينا، فهو واجِبٌ مُوَسَّعٌ كالصلاة، والإيتاءُ يومَ الحصادِ بيانٌ لما قد وَجَبَ يومَ الحَصاد.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١٠٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٨٥) ٢٧. هو الإمام أبو الحسن القاسم بن محمد بن علي القفال الشاشي. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٢/ ٥٥٣).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٢١٧)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٥/ ٥٨١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١٠٤).\n(٣) سيأتي تخريج حديث النبي - ﷺ - في هذا.","vol":"3","page":240},{"text":"* إذا تمَّ هذا، فقدْ تَمَسَّكَ الحَنَفِيَّةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما أخرجتْهُ الأرضُ، ما خلا الحشيشَ والحَطَب والقَصَبَ (١)؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ الزَّيتون والرُّمّانَ، ثم قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nولا دليلَ لهمْ في الآيةِ؛ لأن اللهَ ﷾ قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والحصادُ مختصّ بالزرعِ، وفي معناه الجُذاذُ في النَّخْلِ، بل هذا يدلُّ على أن الزيتونَ والرمانَ غيرُ مُرادَيْنِ بالإيتاء.\nفإن قالوا: أصلُ الحَصادِ ذَهابُ الشيءِ عن مَوْضِعِهِ الذي هو فيه، بدليلِ قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]، وذلك غير مُخْتَصٍّ بالزرع.\nقلنا: عرفُ اللسانِ (٢) قاضٍ باخْتِصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصَادُ الزرع، وجُدادُ النخلِ -بالدال المُهْمَلَة-، وجُذاذُ البقل -بالمُعْجَمَة- فتخصيصُه بالزرعِ حقيقةٌ عرفيةٌ، وتعميمُه حقيقةٌ لغويةٌ، والعرفيةُ أولى من اللغوية.\nثم تمسَّكوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nوهذا لا دليلَ فيه أيضًا، فعمومُه مخصوصٌ بتركِ النبيِّ - ﷺ - الأخذَ من بعضِه؛ كالقِثَّاءِ والبِطِّيخِ، وكانَ بالمدينة، وبسكوته عن الأمرِ في الزَّيتونِ\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٣/ ٢)، و\"الهداية شرح البداية\" للمراغيناني (١/ ١٠٩).\n(٢) في \"ب\": \"الشرع\".","vol":"3","page":241},{"text":"والرُّمّان، وكان بغيرِ المدينة، ولو كان زَكاتِيًّا، لأخذَ مِمَّا كانَ بالمدينة، وأمرَ بالأخذِ مِمّا كانَ في غيرِها؛ كما أخذَ في الإبِلِ والغنمِ، وأَمَرَ في البَقَرِ، ولو أخذَ هو أو أَحَدٌ من الخُلُفاءِ، لنقِلَ إلينا كما نُقِلَ أَخْذهُمْ مِنَ الدُّخْنِ (١) والسُّلْتِ (٢) والعَلَسِ (٣) والأَرُزّ، فلما لم يُنْقَلْ عنهم، عَلِمْنا أنهُ لا زكاةَ فيه، كما لم يُنقلْ عنهم أخذُ الزكاةِ في الياقوتِ واللُّؤلُؤِ، واستدلَلْنا على أن العِلَّةَ فيها هوَ القوتُ الذي تقومُ بهِ الأبدانُ؛ كما أن العِلَّةَ في النَّقْدَيْنِ كونُهما الثَّمَنِيَّةَ التي تُقَوَّمُ بها الأشياءُ.\nفإن قيل: لا حاجةَ إلى نقلِه؛ فإن القرآنَ يكفي عن النقل.\nقلنا: لا بدَّ من نقلِه ليتمَّ بيانُ النبيِّ - ﷺ - لِما أنزلَ اللهُ عليه، ولمّا لم يأمرْ بالأخذِ منها، ولم يأخذْ مع وجودِ الظاهرِ، علمْنا أنه واجبٌ فيها كسائرِ المتروكات.\nواحتجوا بقوله - ﷺ -: \"فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو\n_________\n(١) الدُّخن: الدُّخْنُ: هو حَبُّ الجاوَرْس، أملسُ جدًا، باردٌ يابس، حابسٌ للطبع. \"القاموس\" (مادة: دخن) (ص: ١٠٧٧).\n(٢) السُّلْتُ: ضربٌ من الشعير، وقيل: هو الشعير بعينه، وقيل: هو الشعير الحامض، وقال الليثُ: السُّلْتُ: شعيرٌ لا قشرَ له أجردُ، وزاد الجوهري: كأنه الحنطة.\n\"اللسان\" (مادة: سلت) (٢/ ٤٥).\n(٣) العَلَسُ: حَبٌّ يؤكل، وقيل: هو ضربٌ من الحنطة، وقال أبو حنيفة: العَلَسُ: ضربٌ من البُرِّ جيد، غير أنه عسيرُ الاستنقاء، وقيل: هو ضرب من القمح يكون في الكمام منه حبتان، يكون بناحية اليمن، وهو طعام أهل صنعاء. قال ابن الأعراب: العَدَس يقال له العَلَس.\n\"اللسان\" (مادة: علس) (٦/ ٤٦).","vol":"3","page":242},{"text":"دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ\" (١)، واعتقدوا عمومَهُ.\nقلنا: هذا كلامٌ جاء سياقُه من الشارعِ لبيانِ مقدارِ الحَقِّ الذي أمرَ اللهُ سبحانَه بإيتائه، لا لبيان الشيء الذي يجبُ فيه، وليس فيه من قُوَّةِ الدلالَةِ ما في قوله - ﷺ -: \"ليس فيما دونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ منْ حَبٍّ أو تَمْرٍ صَدَقَةٌ\" (٢)؛ لما في هذه الآية من الاعتناء بذكرِ المقدارِ الذي يجبُ فيه، والجنسِ الذي يجبُ فيه، وهو من أحسنِ أدلَّةِ الشافعيَّةِ في اعتبارِ النِّصابِ، واعتبار المُقْتاتِ.\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٠)، كتاب: الزكاة، باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ومسلم (٩٧٩) في أول كتاب: الزكاة. عن أبي سعيد الخدري، دون قوله: \"حب\".","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>(من أحكام الذبائح)</span>\n١٣١ - (٤) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n* أقول: ظاهرُ هذه الآيةِ تقْتَضي أن كلَّ ما عدا المذكورَ المَحْصورَ فيها حلالٌ، وليسَ بحرام.\nوقد وردتِ السُّنَّةُ المُتَّفَقُ عليها بتحريمِ أشياءَ ليستْ مذكورةً فيها؛ كالسِّباعِ، والحُمُرِ الأَهْلِيَّة، فاختلفَ الناسُ لذلك.\nفأخذَ قومٌ بظاهرِ الآية، ورأوا أن السنةَ لا تنسخُ الكتابَ، ولا تُقاوِمُهُ، ولفظُ الكتابِ ليسَ بعامٍّ فيُخصُّ، ولا بمُطْلَقِ فَيُقَيَّدُ، بل هو نَصٌّ صريحٌ في الحَصْرِ، فَحَلَّلوا ما عدا المذكورَ في الآية، وبهذا قالَ مالكٌ في إحدى الروايات عنه (١).\n_________\n(١) هذا قول لبعض المالكية، وليس هو مذهب الإمام مالك. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٤٩٦)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١/ ١٤٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ١١٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٤٣).","vol":"3","page":244},{"text":"وهذا القولُ ضعيفٌ جِدًّا؛ لما فيه من تركِ السُّنَّةِ المتفَقِ عليها، مع تأخُّرِها وحدوثِها.\nولمَّا رأى أكثرُ السَّلَفِ ذلكَ، ورأَوا أنه لا سبيلَ إلى تركِ السنَّةِ، اختلفوا على مَسْلَكَيْنِ:\nفقال قومٌ: الآيةُ منسوخَةٌ بالسنَّةِ (١)، فالآيةُ مَكِّيَّةٌ، والنَّهيُ عن الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ كانَ بِخَيْبَرَ، رواهُ جابرُ بنُ عبدِ الله (٢)، والنَّهْيُ عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ وذي مِخْلَبٍ من الطيرِ رواهُ أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ وأبو هريرةَ (٣)، وهو متأخِّرُ الإسلام (٤).\nوقال قومٌ: الآيةُ محكَمةٌ، ويضمُّ إليها بالسنَّةِ ما فيها من المُحَرَّمات، وبهذا المَسْلَكِ أخذَ جمهورُ أهلِ العلم (٥).\nفإن قلتَ: فكيفَ تُضَمُّ السنَّةُ إلى الكِتاب معَ هذا التَّعارُضِ الصَّريحِ؟\nقلنا (٦): لا تعارُضَ بينَهُما؛ لأنَّ الآيةَ جاءَ سياقُها لقَصْدِ الرَّدِّ على المُشركين في تَحْليلِهم وتحريمِهم أشياءَ بِجَهْلِهِم، ولم يردْ لحَصرِ المُحَرَّماتِ.\nفإن قلتَ: فما دليلُك على هذا؟\nقلتُ: قرأتُ من قبلهِ أربعَ آياتٍ، ونظرتُ كيفَ عاتَبَ اللهُ المشركينَ\n_________\n(١) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٤ - ٣٥).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٤٣٢).\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١/ ١٤٥)، و\"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص:١٦٠).\n(٦) في \"ب\": \"قلت\".","vol":"3","page":245},{"text":"على فِعْلِهم من التحليلِ والتحريمِ، وبهذه الطريقِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي -﵀ (١) - فهؤلاءِ قومٌ لم يَنْبذوا الكِتاب ولا السنَّةَ وراءَ ظُهورهم، ولم يَنْسَخوا الكتابَ بما هو أضعفُ منه.\nفإن قلت: فهذا ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما- البحرُ الحَبْرُ التَّرْجُمانُ يقولُ بتحليل الحُمُرِ الإنسية، قال عَمْرُو بنُ دينارِ: قلت لجابرِ بن زيد: إنهم يزعُمون أن النبي - ﷺ - نَهى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، قال: قد كانَ يقولُ ذلكَ الحَكَمُ بن عمرِو الغِفاريِّ عندَنا بالبَصْرَة، ولكن أبى ذلك الحَبْرُ، يعني: ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية (٢).\nوهذه أيضًا عائشةُ ذهبَتْ إلى تحليلِ الحُمُرِ الأهليةِ (٣)، وقَرَأَتِ الآيةَ كما قرأها ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما (٤).\nقلت: إنما لم يحرماها؛ لأنهما تردَّدا في النَهْي هل هو على البَتِّ، أو لِعِلَّةٍ، وقدْ زالت العِلَّةُ (٥)؟ فقد خَرَّجَ مسلم في \"صحيحه\" عن ابن عباسِ: أنه قال: لا أدري نَهى عنه رسولُ الله - ﷺ - من أجلِ أَنَّه كانَ حَمولةَ الناسِ، فكرهَ أن تذهبَ حَمولَتُهم (٦).\n_________\n(١) انظر: \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (ص: ٤٥٨).\n(٢) رواه البخاري (٥٢٠٩). ورواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٠٥).\n(٣) في \"ب\": \"الإنسية\".\n(٤) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٤٣٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٢٩٣).\n(٥) \"العلة\": ليس في \"أ\".\n(٦) رواه البخاري (٣٩٨٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٩٣٩)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.","vol":"3","page":246},{"text":"وأمّا قراءَتُهما للآيةِ، فقرأاها استدلالًا وتنبيهًا على أن أصلَ الأشياءِ الحِلُّ، لا التحريمُ حتى يردَ كتابٌ أو سُنَّةٌ صحيحةٌ صريحةٌ، ولو كانَ منهما اعتقادًا للحصر، وتقديمًا للآيةِ على السنَّةِ، لأَباحا كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وذي مِخْلَبٍ من الطير، ولم يفعلا ذلك (١).\nويدلُّ على ما قلتُه ما روى عَمْرُو بنُ دينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأكلونَ أشياءَ، فبعث اللهُ نبيَّه - ﷺ -، وأنزل كتابَهُ، وأَحَلَّ حلالَه، وحَرَّمَ حَرامَهُ، فما أَحَلَّ فهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سكتَ عنه فهوَ عَفْوٌ (٢)، وتَلا هذهِ الآية (٣).\nوقد قدَّمْتُ في \"سورةِ البقرةِ\" جُمَلًا نافِعَةً -إن شاء الله تعالى-.\n* وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nوالرِّجسُ: يقع على القبيح المستقذر؛ كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nويقع على العذابِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠].\nويقع على النَّجِس؛ كقولهِ - ﷺ - لمَّا أُتِي بِحَجَرَيْنِ ورَوْثَةٍ، فأخذَ\n_________\n(١) وروي أن السيدة عائشة ﵂ سئلت عن أكل كل ناب من السباع، فتلت: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٧٠٨)، والطبري في \"التفسير\" (٨/ ٧١)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ١٤٠٧).\n(٢) في \"ب\": \"معفو\".\n(٣) رواه أبو داود (٣٨٠٠)، كتاب: الأطعمة، باب: ما لم يذكر تحريمه، والحاكم في \"المستدرك\" (٧١١٣)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٥٠٤).","vol":"3","page":247},{"text":"الحجرينِ، وألقى الروثةَ، وقال: \"إنها رِكْسٌ\" (١) أي: رَجيعٌ نَجِسٌ.\nوالرِّكْسُ والنَّجِسُ بمعنًى.\nوهو يحتملُ هنا أن يُرادَ به القبيحُ المستقذر، فلا يدلُّ على نجاسةِ الخنزيرِ؛ كما ذهبَ إليه مالِكٌ في أحد قوليه (٢).\nويحتمل أن يرادَ بهِ النَّجِسُ، فيدلُّ على نَجاسَةِ الخِنْزيرِ؛ كما ذهب إليه الشافعي وغيرُه (٣).\nويحتملُ أن يُرادَ بهِ العقابُ؛ فإنه سببُ العِقاب.\nوقد يكونُ من بابِ تسميةِ السَّبَبِ بالمُسَبّب.\nوبقيةُ الآيةِ قد تقدمَ الكلامُ عليه.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥٥)، كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة، عن ابن مسعود.\n(٢) لم أره هكذا فيما بين يدي من كتب المالكية، وإنما نقله عنهم غيرهم من المذاهب، والله أعلم.\nوإنما فسر بعضم الرجس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: أن معناه في اللغة القذر؛ فكما أن العذرة لا تقبل التطهير فكذلك الخنزير؛ لأنه سوى بينه وبين الدم ولحم الميتة، وهما لا يقبلان التطهير فكذلك هو.\nقلت: وهذا الكلام أبلغ من القول بنجاسة الخنزير.\nوإنما الخلاف عند المالكية في سؤر الخنزير، هل هو طاهر أو نجس أو مكروه؟\nأقوال في المذهب.\nانظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١/ ٢٤٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (١/ ١٦٥)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ١٧٦).\n(٣) وهو مذهب الحنفية. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٣١٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٤٨).","vol":"3","page":248},{"text":"١٣٢ - (٥) قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].\nالآية أحكامُها ظاهرة معلومَةٌ منَ الدينِ ضَرورةً، وهي من المُحْكَماتِ أُمَّهاتِ الكتاب.\n* * *","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>(من أحكام اليتامى)</span>\n١٣٣ - (٦) قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nقد مضى الكلام على اليتيم في \"سورة البقرة\" و\"المائدة\"، وباقيها ظاهرٌ.\nوعهدُ اللهِ سبحانَه يقعُ على أحكامِه من التحليلِ والتحريمِ، ويقع على النَّذْرِ، وعلى اليمينِ، وعلى غيرِ ذلك، والكُلُّ مأمورٌ بالوفاء به؛ بهذه الآية، وبغيرها، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>سُورَةُ الأَعْرَافِ</span>","vol":"3","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>(من أحكام اللباس والزينة)</span>\n١٣٤ - ١٣٥ (١ - ٢) قوله جل ثناؤه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨].\n* في هاتين الآيتين دليلٌ على وُجوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ في كلِّ حالٍ منَ الأحوالِ، في الصلاةِ وغيرِها؛ لأن اللهَ ﷾ سَمَّاها سَوْءَةً، وسَمّاها فاحِشَةً، وعلى هذا أجمعَ المسلمون.\n* والخطابُ مُتناوِلٌ للذكورِ والإناثِ، والعبيدِ والأحرار.\nفأما الذكورُ.\nفذهبَ مالِكٌ، والشافِعيُّ، وأبو حَنيفةَ إلى أنها ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ (١)، إلا أنَّ مالِكًا وأبا حنيفةَ قالا: هي عورةٌ مخففَّةٌ (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٨٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٩٧)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٠/ ١٦٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٣٠٧)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (١/ ٤٤).","vol":"3","page":253},{"text":"والدليلُ لهم ما روى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- عن النبيِّ - ﷺ -: \"الفَخِذُ عَوْرةٌ\" (١)، وما رواه زُرْعَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ جَرْهَدٍ الأسْلَميِّ، عن أبيه، عن جَدِّه، وكان من أهلِ الصُّفةِ قال: جلسَ عندَنا رسولُ الله - ﷺ -، وفَخِذي منكشفةٌ، فقال: \"خَمِّرْ عليكَ، أما عَلِمْتَ أن الفَخِذَ عَوْرَةٌ؟ \" (٢).\nوقال قوم: العَوْرَةُ: السَّوْءَتانِ فقط؛ لما روى أنسٌ -رضيَ الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - حَسَرَ عن فخذِه، وظهرَتْ فخِذُهُ يومَ أجرى في زُقاقِ خَيْبَر (٣).\nقال البخاري: وحديثُ أنسٍ أَسْنَدُ، وحديثُ جَرهَدٍ أَحْوَطُ (٤).\nوأما عورةُ المرأةِ، فسيأتي بيانُها في \"سورة النور\" -إن شاء الله تعالى-.\nوأما العبدُ فهو مثلُ الحُرِّ.\nوأما الأَمَةُ، ففيها اخْتِلاف، وسيأتي أيضًا -إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n\n١٣٦ - (٣) قوله جل ثناؤه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].\n* جاءت هذهِ الآيةُ لإبطالِ ما كانتْ عليه الجاهليةُ من طَوافِهِمْ بالبيتِ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه أبو داود (٤٠١٤)، والترمذي (٢٧٩٥) وقال: هذا حديث حسن وما أرى إسناده بمتصل.\n(٣) رواه البخاري (٣٦٤).\n(٤) قاله البخاري في \"الصحيح\" (١/ ١٤٥) بعد أن ذكره معلقًا.","vol":"3","page":254},{"text":"عُراةً، حتى قالَتِ امرأةٌ منهم: [بحر الرجز]\nاليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُه أَوْ كُلُّهُ ... وما بَدا مِنْهُ فَلا أحِلُّهُ (١)\nفأمرنا اللهُ سبحانه في هذِه الآية بأَخْذِ الزينةِ عندَ كُلِّ مسجدٍ، والمرادُ بها الثيابُ التي سترُ العورةَ، وذلك واجبٌ في المسجدِ الحرامِ وفي غيرِه.\nأما المسجدُ الحَرامُ؛ فلما ثبتَ في الصحيح أَنَّ النبي - ﷺ - أرسلَ عَلِيًّا يُنادي في المَوْسِمِ: أَلا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفَنَّ بالبَيْتِ عُريان (٢).\nوأما في غيرِه، فلعمومِ الخِطابِ، وهو وإنْ كانَ واردًا على سَبَبٍ، فالعِبْرَةُ بِعُمومِ اللفظِ، لا بخُصوصِ السَّبَبِ، ما لم يَصْرِفِ العُمومَ صارفٌ.\n* ثم الأمرُ بأخذِ الزينةِ عندَ المسجدِ الحَرام:\nيحتملُ أن يكونَ التَّخْصيصُ بذكرهِ إنَّما هو لأجلِ ما يُفْعَلُ في المسجدِ من العِبادَةِ التي شُرِّفَ من أجِلها، وهي الصلاةُ والطوافُ، فتدلّ الآية حينئذٍ بطريق الإيماءِ إلى التشريفِ أن سترَ العورة شرطٌ في الصلاةِ، وفرضٌ من فُروضِها، لا تَصِحُّ إلاّ به؛ لأن الأمرَ تنَاولٌ بخصوصها، وبه قالَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ (٣)، وبينه قولُه - ﷺ -: \"لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمارٍ\" (٤) وما أَشْبَههُ من الآثار.\n_________\n(١) رواه مسلم (٣٠٢٨) عن ابن عباس.\n(٢) رواه البخاري (٤٣٧٨).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٠٥)، و\"الشرح الكبير\" للرافعي (٤/ ٨٠).\n(٤) رواه أبو داود (٦٤١)، كتاب: الصلاة، باب: المرأة تصلي بغير خمار، والترمذي (٣٧٧)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، وابن ماجه (٦٥٥)، كتاب: الطهارة، باب: إذا حاضت الجارية لم تصل إلّا بخمار، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢١٨)، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٢٨٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٧٧٥)، وابن حبان في=","vol":"3","page":255},{"text":"وقال مالِكٌ في أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ: سترُ العورةِ فرضٌ إسلاميٌّ، لا يختصُّ بالصلاةِ (١)، واحتجَّ بما ثبتَ في الصحيح: أنه كانَ رجالٌ يُصَلُّونَ مع النبيِّ - ﷺ - عاقِدينَ أُزْرَهُمْ على أعناقهم كهيئةِ الصِّبيان، ويقال للنساء: لا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَ حتى يَسْتَوِيَ الرجالُ جلوسًا (٢).\nوبما روى عَمْرُو بنُ سَلمَةَ قال: لما رَجَعَ قومي من عندِ النبي - ﷺ -، وقال لهم: \"ليَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قِراءَةً\"، فدعَوْني، فعلَّموني الركوعَ والسُّجودَ، فكنتُ أُصَلِّي بهم، وكان عَلَى بُرْدَة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا استَ ابْنِكَ (٣)؟\n* ولما كان أهلُ الجاهليةِ لا يأكلونَ في حَجِّهِمْ دَسَمًا، ولا يأكلونَ إلا قوتًا؛ يُعَظِّمونَ بذلكَ حَجَّهُمْ، قالَ المسلمون: نحنُ أَحَقُّ أَنْ نفعلَ ذلكَ، فأَمَرَهُمُ اللهُ سبحانه أَنْ يأكلوا ويشربوا، ولا يُسْرِفوا بتحريمِ ما أحل اللهُ لهمْ منَ اللَّحْمِ والدَّسَم؛ إنه لا يُحِبُ المُسرفينَ المُشركين.\n_________\n= \"صحيحه\" (١٧١١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٩١٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٧٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٣٣)، عن عائشة.\n(١) هو قول بعض المالكية، وقد رجح بعضهم -كابن عبد البر وغيره- القول الأول بأن ستر العورة من فرائض الصلاة، انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٨٢)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٢/ ١٠١).\n(٢) رواه البخاري (٣٥٥)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: إذا كان الثوب ضيقًا، ومسلم (٤٤١)، كتاب: الصلاة، باب: أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يرفع الرجال، عن سهل بن سعيد.\n(٣) رواه النسائي (٧٦٧)، كتاب: القبلة، باب: الصلاة في الإزار، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٩٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٥٥)، والبيهقي في \"السنن الصغرى\" (٥٥٨).","vol":"3","page":256},{"text":"١٣٧ - ١٣٨ (٤ - ٥) ثم أمرَ اللهُ سبحانه نبيَّهُ بِمعاتَبَتِهم، فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣].\n* وقد اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثةِ أحكامٍ من قواعِدِ الشريعةِ:\nالحكم الأول: إحلالُ زينةِ الله التي مَنَّ بها على عِباده، وهي حَلالٌ بإجماعِ المسلمين، من أيِّ شيءٍ كانت، من صوفٍ أو شعرٍ أو جلدٍ أو شجر، إلا ما حَرَّمَهُ النبيُّ - ﷺ -، وهو الحريرُ، فقالَ مشيرًا إليه وإلى الذَّهَبِ: \"إنَّ هذَيْنِ حَرامٌ على ذُكورِ أُمَّتِي، حَلالٌ لإِناثِها\" (١)، ونَهى عن لُبْسِ القَسّيِّ (٢) والمُعَصْفَرِ (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤٠٥٧)، كتاب: اللباس، باب: في الحرير للنساء، والنسائي (٥١٤٤)، كتاب: الزينة، باب: تحريم الذهب على الرجال، وابن ماجه (٣٥٩٥)، كتاب اللباس، باب: لبس الحرير والذهب للنساء، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٩٦)، والبزار في \"مسنده\" (٨٨٦)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٧٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٥٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٢٥)، عن علي بن أبي طالب، وهذا لفظ ابن ماجه والبزار.\n(٢) القَسِّيِّ: ثياب يُؤتى بها من مصر فيها حرير، مفتوحة والسين مكسورة مشددة والياء مشددة، قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يقولون القِسي بكسر القاف وأما أهل مصر فيقولون القَسِّي، فينسب إلى بلد يقال له قَسٌّ، والصواب القَسِّي، وأما القِسي بكسر القاف فجمع القوس، فلا معنى له ها هنا. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (١/ ٢٢٦).\n(٣) رواه مسلم (٢٠٧٨)، كتاب: اللباس والزينة، باب: النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، عن علي بن أبي طالب.\nالمُعَصْفَر: قال ابن سيده العُصْفُر: هذا الذي يُصبَغُ به، منه ريفيٌّ ومنه برِّي،=","vol":"3","page":257},{"text":"وبينَ النبيُّ - ﷺ - عن اللهِ سبحانه كيفيةَ الأخذِ، فبينَ ما يَحِلُّ مِنْها، وما يَحْرُمُ، وما يُكْرَهُ.\nفَلَبِسَ القميصَ والسراويلَ والعِمامة، واتَّزرَ وارْتَدى.\nوحَرَّمَ إسْبالَ الثوبِ، فقال: \"لا ينظرُ اللهُ يومَ القِيامَةِ إلى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ\" (١).\nوكَرِهَ اشْتِمال الصَّمَّاءِ (٢).\nوبيَّنَ مع كتابِ اللهِ سبحانه أن اللباس الحَلالَ (٣) يَحْرُمُ في بعضِ الأحوالِ، فقال: \"لا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَميصَ، ولا السَّراويلَ، ولا البُرْنُسَ، ولا العِمامَةَ، ولا الخُفَّ، إلَّا ألّا يجدَ نَعْلَيْنِ، فَيَقْطَعُهما أسفلَ منَ الكَعْبَيْنِ، ولا يلبسُ من الثيابِ ما مَسَّهُ وَرْسٌ زعفرانُ\" (٤).\nالحكم الثاني: إحلاُلهُ سبحانه الطيِّباتِ منَ الرزقِ، ثم بينه سبحانه في\n_________\n= وكلاهما نبتٌ بأرض العرب. وقد عَصْفَرتُ الثوبَ فتعَصفَر.\n\"اللسان\" (مادة: عصفر) (٤/ ٥٨١).\n(١) رواه البخاري (٥٤٤٦)، كتاب: اللباس، في أوله، ومسلم (٢٠٨٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم جر الثوب خيلاء، عن عبد الله بن عمر.\n(٢) رواه البخاري (٣٦٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁.\nواشتمال الصماء: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ١١٨).\n(٣) \"الحلال\": ليس في \"أ\".\n(٤) رواه البخاري (٥٤٥٨)، كتاب: اللباس، باب: لبس القميص، ومسلم (١١٧٧)، كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح، عن عبد الله بن عمر.","vol":"3","page":258},{"text":"موضعٍ آخرَ فقال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وكُلُّ طَيِّبٍ مُسْتَطابٍ فهو حَلالٌ، وكلُّ خَبيثٍ مُسْتَخْبَثٍ حرامٌ، فهو مِمَّا بيَّنَه النبيُّ - ﷺ - جُملة وتفصيلًا.\nالحكم الثالث: الدَّلالَةُ على أَنَّ أصولَ الأشياء على الإباحَةِ.\nفكلُّ طعامٍ لم يوجدْ فيه نَصٌّ بَتْحليلٍ ولا تَحْريمٍ، فهو حَلالٌ، وبهذا قالَ طائفةٌ من الفقهاءِ والأصوليِّينَ (١).\nوقالت طائفةٌ: الأصلُ فيها التحريمُ.\nوقالت طائفةٌ بالوَقفِ (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٣٦)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (١/ ١٤٣)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٣٢٤)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١٣/ ٢٦٩)، و\"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص: ٦٠).\n(٢) انظر: \"التبصرة في أصول الفقه\" للشيرازي (١/ ٥٣٥)، و\"شرح التلويح على التوضيح\" للتفتازاني (٢/ ٣٢)، و\"حاشية رد المحتار\" لابن عابدين (٤/ ١٦١).","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>(من أحكام الصلاة)</span>\n١٣٩ - (٦) قوله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\n* اختلف العلماءُ في سببِ نُزولها:\nفقيل: إنها نزلَتْ في تحريمِ الكَلام في الصَّلاةِ، وكانوا يتكلَّمونَ في الصَّلاة بِحَوائِجِهم (١).\nوقيل: إن فَتًى كانَ يقرأُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فيما يَقْرَأُ فيه النبيُّ - ﷺ -، فأنزل اللهُ سبحانَه الآية فيه (٢).\nوكذا رُويَ عن أبي هُريرة قال: نزلتْ في رَفْع الصَّوتِ (٣) وهُمْ خَلْفَ رسولِ الله - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) انظر: \"القراءة خلف الإمام\" للبخاري (ص: ١١٧)، و\"تفسير الطبري\" (٩/ ١٦٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٤٥)، و\"القراءة خلف الإمام\" للبيهقي (ص:١٠٩).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٥)، عن مجاهد. وانظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ١٦٣).\n(٣) في \"ب\": \"الأصوات\".\n(٤) رواه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\" (٢٧٩)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٣٢٦)، وتمام الرازي في \"فوائده\" (١/ ٧٢)، وابن عساكر في=","vol":"3","page":260},{"text":"فتمسَّكَ بهذهِ الآيةِ مَنْ منعَ القِراءَةَ خَلْفَ الإمامِ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ، ويُروى عنِ ابنِ مَسْعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنه صَلَّى بأصحابِه، فقرأ قومٌ خَلْفَهُ، فقال: ما لكم لا تعقلون؟ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) [الأعراف: ٢٠٤].\nوبهذا قالَ مالِكٌ، والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٢).\nوفي المسألةِ اختلافٌ كبيرٌ بينَ الصحابةِ وغيرِهِمْ؛ لتعارُضِ الأحاديثِ في ذلكَ، وقد جَمَعَ الإمامُ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريّ في ذلكَ جُزْءًا، وكان رأيُهُ قراءةَ الفاتِحَةِ خَلْفَ الإمامِ مُطْلَقًا لقوله - ﷺ -: \"لا صَلاةَ لِمَنْ لاَ يَقْرأُ بفاتِحَةِ الكِتَابِ\" متفق عليه (٣)، وهو الصحيحُ من قولِ الشافعيِّ، وموضعُ المُجاراةِ في ذلكَ في غيرِ هذا المقامِ.\n* * *\n_________\n= \"تاريخ دمشق\" (٣١/ ٧٠ - ٧١).\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٤٦)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١١/ ٢٩). وانظر جميع الآثار التي ذكرت آنفًا في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥).\n(٢) وذهب الحنابلة إلى أنه لا قراءة للمأموم فيما يجهر فيه الإمام، وذهب الحنفية إلى المنع من القراءة خلف الإمام مطلقًا. انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٨٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٤٦٢)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٢٠٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٤١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢١٦)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٩٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٢٩).\n(٣) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤) عن عبادة بن الصامت ﵁.","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>سُورَةُ الأَنفَالِ</span>","vol":"3","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٤٠ - (١) قوله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].\nالأنفالُ جَمْعُ نَفْلٍ -بالتحريكِ، والتسكين-، وهو في أصلِ الوَضْعِ الزيادةُ (١)، ومنهُ سُمِّيَتْ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، وولَدُ الولدِ: نافلة.\nويطلقُ ويراد به معنيان:\nأحدهما: جملةُ الغَنيمةِ؛ لأنها زائدةٌ على ما بأيدي الغانِمين منَ المال، قال الشاعر (٢): [البحر الكامل]\nإنَّا إذا احْمَرَّ الوَغَى نَرْوي القَنا ... ونَعَفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأَنْفالِ\nومنه قولُ ابنِ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما-: إن النبيَّ - ﷺ - قَسَمَ في النَّفَلِ للفرسِ سَهْمَيْنِ، وللرَّاجِلِ سَهْمًا (٣).\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ٢٠)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٦٧٠ - ٦٧١) مادة (نفل).\n(٢) هو عنترة بن شداد انظر: \"ديوانه\" (بيت: ٢٨) من قصيدة:\nعفت الديارَ وباقيَ الأطلالِ ... ريحُ الصبا وتقلبُ الأحوالِ\n(٣) رواه البخاري (٢٧٠٨)، كتاب: الجهاد، باب: سهام الفرس، ومسلم=","vol":"3","page":265},{"text":"والدليلُ على أنه المرادُ بالآية ما رواهُ مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ، عن أبيه: أنه قال: لَمَّا كانَ يومُ بَدْرِ، جئتُ بسيفٍ، فقلتُ: يا رسول الله! إن اللهَ قد شَفى صَدْري منَ المشركين، أو نحوَ هذا، هَبْ لي هذا السيفَ، فقالَ: \"ليسَ هذا السيفُ لكَ ولا لي\"، فقلتُ: عسى أن يعطى هذا من لا يُبْلي كبلائي (١)، فجاءني الرسول - ﷺ -، وقال: \"إنكَ سألتَني، وليستْ لي، وقد صارَتْ لي، فهو لك\"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] الآية.\nقال الترمذيُّ: هو صحيحٌ (٢).\nورواهُ قريبًا من ذلك مُسْلِمٌ في \"صحيحه\" (٣).\nوفي بعضِ الألفاظِ أنه أخذَهُ من الغَنيمةِ، فقال له النبيُّ - ﷺ -: \"رُدَّهُ من حَيْثُ أَخَذْتَهُ\" (٤)، فعلى هذا المعنى تكونُ كلمة (عن) صِلَةَ، كما قرأ عبد الله: (يسألونك الأنفالَ) (٥).\nوالمعنى الثاني، وعليه عُرْفُ الفقهاءِ: أنه ما يُرَغّبُ بهِ الإمامُ بعضَ\n_________\n= (١٧٦٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين.\n(١) في \"ب\": \"بلائي\".\n(٢) رواه أبو داود (٢٧٤٠)، كتاب: الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (٣٠٧٩)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأنفال، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٧٣٥).\n(٣) رواه مسلم (١٧٤٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.\n(٤) انظر تخريج الحديث السابق.\n(٥) قرأ بها ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، وطلحة بن مصرف، وعكرمة، وعطاء، والضحاك. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٦٦٤)، و\"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٧٧)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١١٢/ ٢)، و\"تفسير الرازي\" (٤/ ٣٤٣). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"3","page":266},{"text":"الغُزاة على فِعْلٍ يفعلهُ زيادةً عن السهمِ المقسومِ له.\nومنه قولُ ابنِ عُمر -رضي الله تعالى عنهما-: إن النبيَّ - ﷺ - كان يُنَفِّلُ بعضَ من يبعثُ منَ السَّرايا لأنفُسِهم خاصَّةً، سوى قَسْمِ عامَّةِ الجيشِ (١).\nومنه الآية على ما روي عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ - ﷺ - قالَ يومَ بدرٍ: \"من فعلَ كَذا وكذا، فَلَهُ كذا وكذا\"، فتسارع الناسُ إلى ذلكَ، الشُّبَّانُ منهم، وثبتَ الشيوخُ تحتَ الراياتِ، فلما فتحَ الله عليهم، جاؤوا يطلبونَ شَرْطَهُمْ، فقال الشيوخُ: لا تستأثِروا علينا به (٢)، كنا رِدْءًا لكم، لو انْهَزَمْتُم، لانْحَزْتُمْ إلينا، وأتى الشبابُ وقالوا قد جَعَلَهُ رسولُ الله لنا، فتنازَعوا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣) [الأنفال:١].\nوقيل: المرادُ بالأنفال هنا بعضُ مالِ الغنيمةِ، وهو الخُمُسُ، فرويَ عن مجاهِدٍ: أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن الخُمُسِ بعدَ الأربعةِ الأَخْماسِ، فقالَ المُهاجرون: لمن ندفعُ هذا الخمس، لمن لا يخرج منا؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٤) [الأنفال: ١].\nفإن قلتَ: فهذه الآيةُ يعارضُها قولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال: ٤١]،\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٦٦)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (١٧٥٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.\n(٢) \"به\" ليس في \"أ\".\n(٣) رواه أبو داود (٢٧٣٧) كتاب: الجهاد، باب: في النفل، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٣٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٥٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٩١).\n(٤) رواه الطبري في \"التفسير\" (٩/ ١٧٠).","vol":"3","page":267},{"text":"وقد جَعَلَ اللهُ سبحانَه الخُمُسَ لِمَنْ سَمَّى، ومعلومٌ أن الباقيَ للغانِمين، فهو وإن لم يُذْكَرْ صريحًا، فقد ذكر إيماءً؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وقد علمْنا أن للأبِ الثُّلُثينِ، فهلِ الجَمْعُ بينَهُما ممكِن، أو لا؟\nقلت: إن قلْنا بالمَعْنى الثاني؛ كما روي عنِ ابنِ عَبّاسٍ، فظاهرٌ، وهو حكم ثابتٌ كان يفعلهُ رسولُ الله - ﷺ - كثيرًا، واتفق عليه أهلُ العِلْمِ، إلا مالِكًا؛ فإنه مَنَعَهُ، وقال: قتالٌ على الدنيا، وهو ضعيفٌ؛ لورودِ السنَّةِ بخلافه.\nوأما إذا قلنا بالمعنى الأول؛ كما رواهُ سَعْدٌ.\nفقد ذهبَ قومٌ إلى عدمِ التَّعارُضِ، وأن هذه الآيةَ حكمُها ثابِتٌ، فالغنيمةُ لرسولِ الله - ﷺ -، وكذلك لِمَنْ بعدَهُ من الأَئِمَّةِ، فإن شاءَ قَسَمَها بينَ الغانِمين، وإن شاءَ نفَّلَها مَنْ شاءَ منهم.\nقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ في الإمام يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ، فيُصيبوا المَغْنَمَ: إنْ شاءَ الإمامُ خَمَّسَهُ، وإن شاءَ نَفلَهُ كُلَّهُ (١).\nورُويَ عن مَكْحولٍ وعَطاءٍ (٢)، وبهِ قالَ جماعةٌ منَ المالكيةِ (٣)، وأظنه قولَ زُفَرَ.\nولعلَّ تأويلهم: إن الثهَ سبحانه ذَكَرَها كُلَّها للهِ ولرسولهِ في هذهِ الآيةِ،\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٣٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٣٣٩).\n(٢) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٤٩٥).\n(٣) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٥٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٣).","vol":"3","page":268},{"text":"وذكر في الآيةِ الأخرى خُمُسَها لله ولرسولهِ، ولذي القربى واليتامى والمساكينِ، وسكتَ عن الأربعةِ الأخْماسِ، وإضافَةُ الاغْتِنام إليهم لا تُوجِبُ المُلْكَ في هذا (١).\nواحتجّوا بأن النبيَّ - ﷺ - فتحَ مكة عَنْوَةً، ومَنَّ على أهلِها، فردَّها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يَجْعَلْها فيئًا (٢)، وبفعل النبيِّ - ﷺ - في غنائِم حُنَيْنٍ حينَ أعطى الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والعَبّاسَ بنَ مِرْداسٍ مئةً مئةً (٣).\nوذهبَ بعضُهم إلى تأويلٍ فاسدٍ رأيتُ ذِكْرَهُ؛ لكيلا يُغْتَرَّ به، فقالَ: اللامُ في هذهِ الآية ليست للمِلْك، وإنما المعنى قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ولايةُ قَسْم وبيانُ حكم، لقوله - ﷺ -: \"ما لي مِمّا أفاءَ اللهُ عليكُمْ إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدودٌ فيكم\" (٤)، وهو باطل؛ لما قَدَّمْتُهُ من حديثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (٥) -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.\nوذهب الجُمهورُ إلى التعارُضِ، وأنَّ آيةَ الأنفالِ مَنْسوخَةٌ بالتي\n_________\n(١) \"هذا\" ليس في \"ب\".\n(٢) رواه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، عن أبي هريرة في حديثه الطويل.\n(٣) رواه مسلم (١٠٦٠)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، عن رافع بن خديج.\n(٤) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٥٧)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٤)، وأبو داوود (٢٦٩٤)، والنسائي (٤١٣٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١٨٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٧)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٥) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"3","page":269},{"text":"بعدَها (١)؛ لأنه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالقرآنِ أن آيةَ الغنيمةِ نزلتْ بعدَ آيةِ الأنفال.\nويروى النسخُ عنِ ابنِ عَباسٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والشَعْبِيِّ (٢)، وبه قالَ الشافِعيُّ (٣)، وبه أقولُ.\nويدلُّ على التعارُضِ والنسخ قوله - ﷺ -: \"ما لي مِمّا أفاءَ الله عليكُم إلا الخمسَ، والخمسَ مردودٌ فيكم\" (٤).\nويدل له أيضًا: أن رسولَ اللهِ - ﷺ - لمّا سأله هوازنُ الهِبَةَ لِذرارِيهِمْ، قال لهم: \"أَمّا نصيبي ونصيبُ بني عَبْدِ المُطلِبِ، فَلَكُمْ، وأنا مُكَلِّمٌ لَكُمُ الناسَ\"، فسأل الناسَ، فأعْطَوْهُ، إلا عيينة بنَ بدرٍ، فقال: لا أتركُ حِصَّتي، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أنت على حِصَتِك\"، فوقعت في سَهْمِه امرأَةٌ عوراءُ منهم (٥).\nوأما الجوابُ عَمَّا احتجَّ بهِ الأولون، فإن مكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا، وإن غنائِمَ حُنينٍ كثيرةٌ، ولعل ذلكَ من سهمهِ - ﷺ -؛ بدليلِ ما قَدَّمْتُه، وما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"للهِ خُمُسُها، وأربعةُ أَخْماسِها للجيش\" قال: قلت: فما أَحَدٌ أَوْلى\n_________\n(١) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٤)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١١).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ١٦٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٥٣)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٤١).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٥٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٦٤).\n(٤) تقدام تخريجه.\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٤)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بسياق نحوه.","vol":"3","page":270},{"text":"بهِ مِنْ أحدٍ؟ قال: \"لا، ولا السَّهْمُ تستخرجُه من جَنْبِكَ، لست أنتَ أَحَقُّ بهِ منْ أخيكَ المسلم\" (١).\nفإن قيل: لو كان من سهمِه، لما عَتَبَ الأنصارُ، ولما قالوا: أتعطي الغنائِمَ قريشًا وتتركُنا، وسيوفُنا تقطُرُ من دمائهم؟ ولما احتاجَ إلى استطابَةِ قُلوبهم بقوله: \"أما تَرْضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالشاءِ والبَعير، وتذهبونَ برسولِ اللهِ - ﷺ - إلى مَنازِلكم؟ \" (٢).\nقلنا: أجابَ أبو عبدِ الله الشافعيُّ فقال: يجوزُ أن يقولوا: كيفَ تعطيهم خُمُسَ غنائِمِنا، وفينا (٣) من يَسْتَحِقُّها؟ (٤).\nقال: وقد يقولُ القائلُ في خمسِ الغنيمةِ إذا خُصَّ منها: ونحن غنمنا هذا، ويريدون أن سببَ ما ملك ذلك بهم.\nوقد أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن محمدِ بنِ إسْحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أن النبيَّ - ﷺ - أعطى الأقرعَ بنَ حابِسٍ وأصحابَهُ من خُمُسِ الخُمُسِ (٥).\n* فإن قلتَ: فأين مَحَلُّ النَّفَلِ، وكم قَدْرُه؟\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٢٤)، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين.\n(٢) رواه البخاري (٤٠٧٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، ومسلم (١٠٦١)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، عن عبد الله بن زيد بن عاصم.\n(٣) في \"أ\": \"وفيها\".\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ١٦٤).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٢/ ٨٤).","vol":"3","page":271},{"text":"قلنا:\nأما قدرُه؛ فقد قال قومٌ: لا يزيدُ على الرُّبُعِ والثُّلُثِ؛ لما روى حبيبُ بنُ مسلمةَ: أن رسولَ الله - ﷺ - كان يُنَفِّلُ الرُّبُعَ للسرايا بعدَ الخُمُسِ في البَدْأَةِ، وينفِّلُهم الثلثَ بعدَ الخُمُسِ في الرِّجْعَةِ (١)، وبه قال أبو حنيفةَ (٢).\nوقال الشافعيُّ: ليسَ في النفلِ حَدٌّ، بل هو إلى رأيِ الإمام (٣).\nوأما مَحَلُّه:\nفمن عملَ بآية الأنفال، فمحلُّه جميعُ الغنيمةِ، ورويَ (٤) عن الحسنِ، والأوزاعيِّ (٥)، وأحمدَ (٦).\nومن قالَ بنسخِها، فمحلُّه بعضُ الغنيمة.\nثم اختلفوا في ذلكَ البَعْضَ:\nفقالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة في أحد قوليه: محلُّه الخمسُ (٧).\nوالصحيحُ من قوليهِ عندَ أصحابهِ أنَّ مَحلَّه خُمُسُ الخُمُس الواجبُ\n_________\n(١) رواه أبو داود في \"السنن\" (٢٧٤٩).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٢٢)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ١٤٩).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٤٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٠١).\n(٤) في \"ب\": \"ويروى\".\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٢٤٠).\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٨٥).\n(٧) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٣٩٧)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٥٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٨٩).","vol":"3","page":272},{"text":"للإمام (١)، وهو قولُ ابنِ المُسَيِّب (٢)، وروايةٌ عن مالِكٍ أيضًا (٣)؛ لما روى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يُنَفِّلُ قبلَ أَنْ تنزلَ فريضةُ الخُمُسِ من المَغْنَم، فلما نزلتِ الآية: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، تركَ النَّفَلَ الذي كان يُنَفِّلُ، وصارَ ذلك إلى خُمُسِ الخُمُسِ من سَهْمِ الله ﷿، وسهمِ النبيِّ - ﷺ - (٤).\nوالصحيحُ عندي أن محلَّه الخُمُسُ؛ لما خَرَّجَهُ مسلمٌ عنِ ابنِ عُمَر -رضيَ الله تعالى عنهما- قال: نَفَّلَنا رسولُ الله - ﷺ - سِوى نصيبِنا منَ الخُمُسِ، فأصابني شارِفٌ (٥).\nولِما روي عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدثانِ: أنه قال: ما أدركتُ الناسَ يُنَفِّلَونَ إِلَّا منَ الخُمُسِ (٦).\nقال الشافعيُّ: وأخبرنا مالكٌ عن أبي الزِّنادِ: أنه سمعَ سعيدَ بنَ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٤٣)، و\"العناية شرح البداية\" للبابرتي (٢٥/ ٨).\n(٢) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (٥/ ١٩١)، و\"الأموال\" لزنجويه (٣/ ٢١).\n(٣) هذا قول شاذ عن مالك والصحيح عنه أنه من الخمس كما تقدم.\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٤).\n(٥) رواه مسلم (١٧٥٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.\nشارف: الشَّارفُ، من الإبلِ: المُسِنُّ والمُسِنّةٌ، والجمعُ شوارف، وشُرَّف، وشُرُفٌ وشُرُوف، وقد شَرُفَتْ وشَرَفَتْ تَشْرُفُ شُرُوفًا.\n\"اللسان\" (مادة: شرف) (٩/ ١٧٣).\n(٦) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٤)، عن مالك بن أوس بن الحدثان.","vol":"3","page":273},{"text":"المُسَيِّبِ يقول: كانَ الناسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ منَ الخُمُسِ (١)، قال الشافعيُّ: وقولُ سعيدٍ كما قالَ -إن شاءَ الله تعالى (٢) -.\n* * *\n\n١٤١ - (٢) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].\n* أمرَنا اللهُ ﷾ أن نَثْبُتَ في قِتال الكفارِ، ولا نُوَلِّيَهُم الأدبارَ، وتواعَدَ على ذلك بالغَضَبِ والنار، نعوذُ باللهِ الكريم منهما، وأباحَ لنا ذلك في حالتينِ:\nإحداهما: أن نتحرَّف القتال من مَضيقٍ لِمُتَّسَعٍ (٣)، ومنْ وَعْرٍ إلى سَهْلٍ، ومن استقبالِ الشَّمْسِ والريحِ إلى استِدْبارهما، وغيرِ ذلكَ من مكائدِ الحرب.\nوثانيهما: أن نَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ، سواءٌ كانت قريبةً، أو بعيدة.\nواشترطَ بعضُ الشافعية قربَ الفئة (٤)، وهو غلطٌ؛ لظاهرِ الإطلاقِ في الآية (٥).\nوهل يُشْتَرَطُ عَوْدُ المُوَلِّي مع الفئة المتحيِّزِ إليها؟\nوجهانِ للشافعية.\n_________\n(١) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٤/ ١٣٤)، والإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٥٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٤).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٤٣).\n(٣) في \"ب\": \"إلى متسع\".\n(٤) في \"ب\" زيادة: \"نستنجد بها\".\n(٥) انظر: \"منهاج الطالبين\" للنووي (ص ١٣٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٢٥).","vol":"3","page":274},{"text":"أصحُّهُما: لا يُشْتَرَطُ العَوْدُ في الانتهاءِ، وإنما يشترطُ العودُ (١) في الابتداء (٢).\nوذهب جماعةٌ من السلفِ إلى أن الآية مختصَّةٌ بأصحابِ بَدْرٍ، وأن الفرارَ من الزَّحْفِ ليسَ بكبيرةٍ في حَقِّ غيرِهم.\nويحكى عن ابنِ عباسٍ، وأبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وقَتادةَ، والضَّحاكِ؛ لأن الصحابَةَ وَلَّوْا يومَ أُحُدٍ وحُنَيْنٍ والإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] إلى يومِ بدرٍ (٣).\nوأجابَ مخالِفوهم بأنَّ الإشارةَ إلى يومِ الزَّحْفِ، لا يومِ بدرٍ، وذكروا أن نزولَ الآية بعدَ بدرٍ، وأما الفرارُ يومَ حُنينٍ، فيمكنُهم أن يجيبوا بأنهم تَحَيَّزوا إلى فِئَةٍ، وهيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - وأواخرُ المسلمين (٤).\nيدلُّ على ذلك ما خَرَّجَهُ مسلمٌ قال: قال رجلٌ للبَراءِ بنِ عازِبٍ: يا أبا عُمارَةَ! فَرَرْتُمْ يومَ حُنين؟ قال: لا واللهِ ما وَلَّى رسولُ الله - ﷺ -، ولكنه خَرَجَ بشبان أصحابه وأحفادهم حُسَّرًا، ليسَ عليهم سِلاحٌ، أو كثيرُ سلاحٍ، فَلَقُوا قومًا رُماةً، لا يكادُ يسقطُ لهم سَهْمٌ، جَمْعُ هوازنَ وبني نَضْر، فرَشقوهم رَشْقًا، ما كادوا يُخْطِئون، فأقبلوا هناكَ إلى رسول الله - ﷺ -، ورسولُ اللهِ - ﷺ -\n_________\n(١) في \"ب\": \"العزم\".\n(٢) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٢٤٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٢٥).\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٠١ - ٢٠٢)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٧٠ - ١٦٧٢).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٠٣)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٤٦١)، و\"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣٣٧).","vol":"3","page":275},{"text":"على بَغْلَتِه البَيْضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ يقودُ (١) به، فنزل واستَنْصَرَ وقال: \"أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ\" ثم صَفَّهُمْ (٢).\nويدل عليهِ أيضًا ما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه كانَ في سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ الله - ﷺ -، فحاص الناسُ حَيْصَةً عظيمةً، وكنتُ فيمَنْ حاصَ، فلما برزنا، قلت: كيفَ نصنعُ وقد فَرَرْنا منَ الزَّحْفِ، وبُؤْنا بغَضَبِ رَبِّنا؟ فجلَسْنا لرسولِ الله - ﷺ - قبلَ صلاةِ الفَجْرِ، فلما خَرَجَ، قُمْنا فقلنا: نَحْنُ الفَرّارونَ، فقال: \"لا، بل أنتمُ العَكّارون\" (٣) فدنونا، فقبَّلْنا يدَهُ، فقال: \"إنَّا فِئَةُ المُسْلِمينَ\" (٤).\nوأما يوم أُحُدٍ، فإن الله قد عفا عنهم لما خالفوا رسولَ الله - ﷺ - بعدَما أراهُمُ اللهُ ما يُحِبُّون.\n_________\n(١) في \"ب\": \"يقودها\".\n(٢) رواه البخاري (٢٧٧٢)، كتاب: الجهاد، باب: مَنْ صَفَّ أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر، ومسلم (١٧٧٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين.\n(٣) العكارون: عَكَرَ على الشيء يعكِر عَكْرًا، واعتكر: كرَّ وانصرف؛ ورجلٌ عكَّارٌ في الحرب: عطَّافٌ كرَّار، والعَكْرةُ: الكرَّة، ومعنى الحديث: أنتم الكرَّارون إلى الحرب والعطَّافون نحوها، قال ابن الأعرابي: العكَّار: الذي يولّي في الحروب ثم يكرُّ راجعًا.\n\"اللسان\" (مادة: عكر) (٤/ ٥٩٩).\n(٤) رواه أبو داود (٢٦٤٧)، كتاب: الجهاد، باب: في التولي يوم الزحف، والترمذي (١٧١٦)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في الفرار من الزحف، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٧٠)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٧٢)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٧٨١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٠٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧٦).","vol":"3","page":276},{"text":"وبالجملة، فقد عفا اللهُ عن هؤلاء، وتابَ على هؤلاء، وذلك تَضَمَّنَ صُدورَ المَعْصِية.\nوقد أجمع المسلمون على قبولِ توبةِ الفارِّ منَ الزحف.\n* ثم بين اللهُ سبحانَه ما أطلقَهُ من الأمرِ بقتالِ الكفارِ الذين حَرَّمَ الفِرارَ منهم، بأن الرجلَ مِنّا يُصابِرُ العَشَرَةَ منهم، ثم نَسَخَ ذلك إلى اثنينِ (١) بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية.\n* ودلت الأدلةُ على أن هذهِ الآيةَ لم تُرَدْ بها جُمْلَةُ المؤمنين، وإنما أريدَ بها المؤمنون ذوو الطاقةِ، ما خلا النساءَ والعبيدَ والصِّبيانَ.\n* * *\n\n١٤٢ - (٣) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].\n* أمرنا اللهُ سبحانَهُ بالاسْتِجابَةِ للهِ ولِرسوله - ﷺ - إذا دعانا لما فيه حياتُنا.\nوروى البخاريُّ عن أبي سعيدِ بنِ المُعَلَّى قال: كنت أُصَلِّي، فمرَّ بي رسولُ الله - ﷺ -، فدعاني، فلم أَجِبْهُ حتى صليتُ، ثم أتيتهُ، فقال: \"ما مَنَعَكَ أن تُجيبَني؟ ألم يَقُلِ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟ -ثم قال:- ألا أُعَلِّمُكَ أعظمَ سورةٍ في القرآنِ قبلَ أنْ أَخْرُجَ؟ \"، فذهب رسولُ الله - ﷺ - ليخرجَ، فذكرتُ له، فقال: \"الحمدُ للهِ ربِّ العالمين،\n_________\n(١) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٣).","vol":"3","page":277},{"text":"هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ\" (١).\nفاستدل بهذا الشافعيةُ في أن إجابةَ الرسولِ - ﷺ - في الصلاة واجبَةٌ، وأنها غيرُ مُبْطِلَةٍ للصلاة (٢).\nأما الوجوبُ فظاهرٌ.\nوأما عدمُ إبطالِها للصلاةِ، فوجهُ الدَّلالَةِ دعاءُ النبيِّ - ﷺ - له، مع علمه بصلاته، ولو كانتْ إجابتُه تبطلُ صلاةَ ابنِ المُعَلَّى، ما رضيَ - ﷺ - أن يُفْسِدَ عليهِ صَلاتَه، بل أنكرَ عليهِ عدمَ إجابتِه، واحتجَّ عليهِ بعُمومِ أمرِ اللهِ تعالى، ولم يقلْ له: لا علمَ لي بأنكَ في صَلاة.\nوقالت المالكيةُ: الإجابةُ واجبةٌ، ولكنها تبطلُ الصلاة (٣).\nوهذا مُنابِذٌ لهذا الحديث الثابت، ومباينٌ لوجه القصة (٤).\n* * *\n\n١٤٣ - (٤) قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\n* مَنَّ اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ وما أشبَهَها على عِبابٍ المُجرمين بقَبولِ إسلامِهم، ثم هَدَمَ جرائِمهمُ العظيمةِ؛ تأليفًا لهم، ورحمة بهم.\n* وقد اتفقَ المسلمونَ على إسقاطِ الحُقوقِ المُعلقة بالمشركِ الحَرْبيِّ\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٢٦)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٧٩)، و\"شرح السنة\" للبغوي (٤/ ٤٤٨).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (١/ ٥٠١)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٣٨٩).\n(٤) في \"ب\": \"الفقه\".","vol":"3","page":278},{"text":"بالإسلام مطلقًا، وإنما اختلفوا في المرتَدِّ إذا رجعَ إلى الإسلام:\nفقال أبو حنيفةَ ومالِكٌ: يسقطُ عنهُ كُلُّ حَقٍّ هو للهِ تعالى؛ لعموم الآية، وما كانَ من حقوقِ الآدميين، لا يسقطُ (١).\nوقالَ بعضُ المالكيةِ: هو كالكافرِ الأصليِّ يسقطُ عنهُ كلُّ شيء (٢).\nوقال الشافعيُّ: لا يسقطُ عن المرتدِّ شيءٌ من حقوقِ الله تعالى؛ لالتزامه بها، فهي كحقوقِ الآدميين (٣).\nوأما المستأمَنُ، فلا يسقطُ عنه بالإسلامِ ما وجبَ من حقوقِ الآدميين من حَدِّ قَذْفٍ، وغُرْمِ مالٍ، وقَطْعٍ في سرقة، وقِصاصٍ في عَمْدٍ (٤).\nوأما الذِّمِّيُّ، فقالَ ابنُ المنذر: حُكِيَ عن الشافعيِّ إذْ هو بالعراقِ: أنه لا حَدَّ عليه، ولا تَغْريبَ (٥)؛ لهذه الآية: قال: وهو موافقٌ لما رُوِيَ عن مالِكٍ (٦).\nوقال أبو ثَوْرٍ: إذا أقرَّ أنه زَنى، وهو كافرٌ، أقيمَ عليه الحَدُّ (٧)\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"البحر الرائق\" لابن نجيم (٥/ ١٣٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٣٩٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ٤٠٣).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٤٤).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٥١).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٥٨)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٩/ ١٠٩).\n(٥) في المطبوع من \"الإشراف\": \"ولا تعزير\" بدل \"ولا تغريب\".\n(٦) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٦٧).\n(٧) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" لابن المنذر (٧/ ٢٦٧)، \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٧/ ٤٠٣).","vol":"3","page":279},{"text":"١٤٤ - (٥) قوله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].\n* أمر اللهُ سبحانَه في هذه الآية وما أَشْبَهَها بقتال المشركين الذين أُمر النبي - ﷺ - بدعوتهم حتى لا تكون فتنة، أي: شِرْكٌ بالله تَعالى، ويكونَ الدينُ كلُّه لله تعالى.\nقال سعيدُ بنُ جُبَيْر: خرجَ علينا، أو إلينا ابنُ عمرَ، فقال رجلٌ: كيفَ ترى في قِتالِ الفِتْنَةِ؟ فقال: وهل تدري ما الفتنةُ؟ كانَ محمدٌ - ﷺ - يقاتلُ المشركين، وكان الدخولُ عليهم فتنةً، وليس بقتالِكُم على المُلْكِ، خرجه البخاري (١)، فيجبُ علينا أن نقاتلَهم حتى يُسْلموا، ولا نقبل منهم إلا الإسلامَ، أو السيفَ.\nوروى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا أزالُ أُقاتلُ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهم، إلا بِحَقِّها، وحسابُهُمْ على الله\" (٢).\n* فإن قلت: فقد وردَ في كتابِ الله سبحانهَ، وفي سُنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - آيةٌ تُناقِضُ هذهِ الآيةَ، وسُنَّةُ تُناقض هذه السَّنَّةَ.\nأما الآيةُ، فقال اللهُ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية.\nوأما السنَّةُ فما روى عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه:\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٧٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.\n(٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":280},{"text":"أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كانَ إذا أَمَّرَ أَميرًا على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أوصاهُ في خاصته (١) بِتَقْوى الله، ومَنْ معهُ منَ المسلمينَ خيرًا، ثم قال: \"اغزوا باسم الله، في سبيل الله\" الحديث (٢)، وقد تقدَّم في \"سورة البقرة\".\nقلنا: قد أجابَ زعيمُ الجَماعة وإمامُ هذه الصناعَةِ أبو عبدِ الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-، فقال: ليسَ واحدةٌ من الآيتين ناسخةً للأخرى (٣)، ولا واحدٌ من الحديثينِ ناسخًا للآخر، ولا مخالفًا، لكنَّ أحدَ الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجُه عامٌّ يُرادُ به الخاصُّ، ومنَ المُجْمَلِ الذي يدلُّ عليه المُفَسَّرُ، فأمرَ اللهُ بقتالِ المشركينَ حتى يؤمنوا، والله أعلم.\nأمر بقتالِ المشركين من أهلِ الأوثان، وهم أكثرُ مَنْ قاتلَ النبيّ - ﷺ -، وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.\nوفرض الله تعالى قتالَ أهلِ الكتابِ حتى يُعطوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغرون، إن لم يؤمنوا، وكذلك حديثُ ابن بريدةَ في أهل الكتابِ خاصَّةً، كما كانَ حديثُ أبي هُريرةَ في أهلِ الأوثانِ خاصَّةً.\nقال: فالفرضُ في قتالِ من دانَ هو وآباؤه دينَ أهلِ الأوثانِ من المشركين أن يُقاتَلوا إذا قُدِرَ عليهم حتى يُسْلموا، ولا يجوزُ أن نقبلَ منهم جزيةً؛ لكتابِ اللهِ تعالى، وسنةِ نبيِّه - ﷺ -.\nقال: والفرضُ في أهلِ الكتابِ ومنْ دانَ قبلَ نزولِ الفرقانِ دينَهم أن يُقاتَلوا حتى يُعْطوا الجزيةَ، أو يُسلموا، سواءٌ كانوا عَرَبًا، أو عجمًا (٤)، انتهى!\n_________\n(١) في \"أ\": \"خصاصة نفسه\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"قلائد المرجان\" (ص: ١١٢).\n(٤) انظر: \"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (٥٠٩).","vol":"3","page":281},{"text":"فإن قلتَ: حديثُ ابنِ بُرَيْدَةَ كانَ قبلَ الفتح، بدليل قوله: \"ثم ادعُهم إلى التَّحَوُّل مِن دارِهِم إلى دارِ المُهاجِرينَ\"، وكان المشركون الذين يبعث إليهم السرايا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ يومئذٍ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، والذين يلونَهُم أهلُ أوثانٍ، لا أهلُ كتابٍ، فالقولُ بالنسخِ فيه أقربُ؛ لتقدمه.\nقلتُ: هذا سؤالٌ قويٌّ؛ لأنه الظاهرُ يومئذ، ولكنه - ﷺ - قد غَزا أهلَ الكِتابِ وقاتَلَهُمْ قبلَ الفتحِ، فَغزا خيبرَ، واستفتَحَ حُصونَها، وغزا جيشُه مُؤْتةَ من أرضِ الشام، وهم أهلُ كتابٍ، ولأنه يحتملُ أن يكون إنما أَمَرَهُم بالتحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المُهاجرينَ دَعْوَةً لهم إلى الجِهاد؛ فإنها كانتْ مَوْطِنَ الإمامِ الأَكْبَرِ الذي يُجَهِّزُ الجيوشَ، ويبعثُ السرايا، ليصيبوا الحُسْنَيَيْن جميعًا، ولهذا أمرَ بإعلامِهم أنهم ليسَ لهم في الفَيْءِ شيءٌ، إلا أن يُجاهدوا معَ المسلمينَ، فيكونُ حديثُ بريدةَ موافقًا لحديثِ أبي هريرةَ في المَعْنى والتاريخ، إذ ليسَ على تقدُّم واحدٍ منهما أو تأخُّرِه دليلٌ صريح، وقد تقدَّم نَحْوُ هذا الكلامِ في \"سورة البقرة\".\n* * *\n\n١٤٥ - (٦) قوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].\n* قد قدمتُ ما قيلَ في حقيقةِ النَّفَلِ، ثم أذكرُ الآنَ ما قيلَ في الغَنيمَةِ والفَيْءِ.\nفأما الغنيمةُ.\n\n١ - فذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ إلى أنهُ المأخوذُ من الكُفَّارِ قَهْرًا وقَسْرًا،","vol":"3","page":282},{"text":"سواءٌ كانَ منقولًا، أو غيرَ منقولٍ، والَفْيءُ: ما أُخِذ بغيرِ قِتالٍ، ولا إيجافِ (١) خَيْلٍ ورِكابٍ (٢).\nوبه أخذَ الشافعيُّ (٣).\nوهو مُقْتَضى عُرْفِ اللسانِ.\n\n٢ - وقيل: الفيءُ يقعُ عليهما، والغنيمةُ لا تقع إلا على المأخوذ قَهْرًا، وأحدُهما (٤) أَخَصُّ من الآخر، وإلى هذا يرشدُ كلامُ الشافعيِّ أيضًا (٥).\n\n٣ - وقال قومٌ: الفيءُ والغنيمةُ بمعنًى واحدٍ (٦).\n\n٤ - وقال مجاهدٌ: الغنيمةُ تختَصُّ بالأموال المنقولةِ، والفَيْءُ بالأرَضين (٧).\nوسيأتي الكلامُ على الفيءِ، -إن شاء الله تعالى-.\n* ثم أقولُ: إن اللهَ سبحانَهُ كَرَّمَ هذهِ الأُمَّةَ وشَرَّفَها، فَحَلَّلَ لها الغَنائِم،\n_________\n(١) الإيجاف: سرعة السير، يقال: أو جَفَ فأعجف. ومعنى الآية: ﴿فما أوجفتم عليه ...﴾: أي ما أعملتم، يعني: ما أفاء اللهُ على رسوله من أموال بني النضير مما لم يوجف المسلمون عليه خيلًا ولا ركابًا. \"اللسان\" (مادة: وجف) (٩/ ٣٥٢).\n(٢) الرِّكاب، ككِتَاب: الإبلُ، واحدتُها: راحلةٌ.\n\"القاموس\" (مادة: ركب) (ص: ٨٥).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٣٨٦)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٦/ ٣٥٤).\n(٤) في \"ب\": \"فأحدهما\".\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٣٩ - ١٤٠ - ١٥٧)، و\"اختلاف الحديث\" للإمام الشافعي (ص: ٥٠٥).\n(٦) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٢)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٠).\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٠).","vol":"3","page":283},{"text":"فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].\nوقد ثبت أنها من خَصائصِ هذه الأمةِ (١).\nوتولى الله سُبحانه في هذهِ الآيةِ قِسْمَةَ الغنيمةِ، وَبيّنَ مصارفَها، كما تولّى ذلكَ في المَواريثِ، فأضافَ جُمْلَتَها إلى الغانِمين، واستثنى خُمُسَها، فجعله لهُ جلَّ وعلا، ولرسولهِ - ﷺ -، ولذَوي القُرْبى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، فقسمَهُ على ستة أسماء.\n* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ، أو أكثرُهم، على أن اسمَهُ ﷻ جاءَ لاسْتِفْتاحِ الكلامِ به تشريفًا وتكريمًا؛ كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فله سبحانه ما في السمواتِ وما في الأرضِ (٢)، إلا ما حُكيَ عن أبي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنه قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُؤْتى بالغنيمةِ، فيقسمُها على خَمْسةٍ، يكون أربعةُ أخماسِها لمنْ شَهِدَها، ثم يأخذُ الخُمُسَ، فيضربُ بيدهِ ليأخذَ منه الذي قبض كفُّه فيجعلُهُ للكعبةِ، وهو سهمُ اللهِ تعالى، ثم يقسمُ ما بقيَ على خمسةِ أَسْهُم (٣).\n* واختلفوا في اسمِ الرسولِ - ﷺ -.\nفقيل: هوَ أيضًا استفتاحُ كلامٍ، مثل اسم الله، ليس للهِ ولا لرسولهِ\n_________\n(١) كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - حيث قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ... \" الحديث. رواه البخاري (٤٢٧)، كتاب الصلاة، أبواب المساجد، باب: قول النبي - ﷺ - جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. ومسلم (٥٢٠)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣١٢).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٩٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٢٧٦)، عن أبي العالية الرياحي.","vol":"3","page":284},{"text":"منه شيءٌ، ويقسمُ الخمسَ على أربعةِ أسهم.\nوحُكِي هذا عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.\nوالذي عليه أكثرُ العلماءِ: أنهُ للتقسيمِ، وأنه - ﷺ - يملكُ الخُمُسَ (٢)، فقد خصَّ اللهُ تعالى نبيَّه - ﷺ - بذلكَ، وإن لم يَخُضِ الوقيعةَ، ويخصّهُ بالصَّفِيِّ (٣) من المَغْنَمِ أيضًا، وقد اصطفى صفيَّة وذا الفقار (٤)، (٥).\nواختلفوا في سَهْمِه، فقال قومٌ: يسقُطُ بموتهِ (٦) شَرَّفَهُ اللهُ تعالى بذلكَ، وأبطلَ به ما كانتِ العربُ في الجاهليةِ تَخُصُّ به رئيسَها، فكانوا يجعلونَ له الرُّبُعَ والصَّفِيَّ، ثم يتحكَّمُ بعدَ الصَّفِيِّ في أيِّ شي؛ أرادَ، ويجعلون له ما شذَّ من الغنيمةِ، وما فضلَ من مَتاعٍ، قال شاعرُهم (٧): [البحر الوافر]\nلَكَ المِرْباعُ منها والصَّفايا * * *\n\nوحَكْمُكَ والنشيطةُ والفُضول\n_________\n(١) ورجحه ابن جرير الطبري. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٤٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٤٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠١).\n(٣) الصَّفِي: ما يصطفيه الإمام من رأس الغنيمة فرسًا أو أمةً أو عبدًا أو بعيرًا على حسب حال الغنيمة.\n(٤) أي: صفية بنت حيي ﵂ زوج النبي ﷺ، وذو الفقار: سيفه - ﷺ - الذي تنفله يوم بدر.\n(٥) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٥٠١)، و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ٣٠٢).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٨٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣١٦).\n(٧) هو عبد الله بن غنمة الضبّي، أحد شعراء المفضليات. انظر: \"البيان والتبيين\" للجاحظ (١/ ٣٨١)، و\"خزانة الأدب\" للبغدادي (٣/ ٥٨).","vol":"3","page":285},{"text":"وعلى هذا استقرَّ الحكمُ في حياتِه - ﷺ - بعدَ أن كانَ جملةُ الغنيمةِ له.\nوأما بعدَ وفاته: فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن الصَّفِيَّ ليسَ لأحدٍ بعدَه، إلا أبا ثَوْرٍ، فإنه قالَ: يجري مَجْرى سَهْمِه - ﷺ - (١).\nثم اختلفَ هؤلاءِ فقال بعضهم: يُرَدُّ على أصحابِ الخُمُسِ، فيقسَمُ على أربعةِ أَسْهُم (٢).\nوربما نُسِبَ إلى الشافعيِّ (٣).\nوقيل: يُقْسَمُ على ثلاثةِ أَسْهُمٍ؛ لأنَّ سَهْمَ ذَوي القُربى عندَ هؤلاءِ يَسْقُطُ بموته أيضًا (٤).\nواستدَلُّوا بما رَوى محمدُ بنُ السائِب الكَلْبِيُّ عن أبي صالِح عن أُمِّ هانئٍ: أن فاطمةَ -رضي اللهُ تعالى عنها- أتتْ أبا بكرٍ تسأله سهمَ ذوي القربى، فقال لها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"سَهْمُ ذَوي القُزى لهم حَياتي، وليسَ لهمْ بعدَ موتي\" (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣١٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العرس (٢/ ٤٠١).\n(٣) قال الماوردي: مذهب الشافعي: أن سهمه مصروف في مصالح المسلمين العامة. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٤١).\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ٤٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢٠/ ٤٥).\n(٥) رواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٢١٢٨). قال ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٩/ ٥٢١): \"قلت: هذا اللفظ لم يخرجوه، وابن السائب هو الكلبي متروك\".","vol":"3","page":286},{"text":"ونسبَ القولُ بهذا إلى أبي حنيفة وبعضِ أصحابهِ (١).\nوالجمهورُ على عدمِ سقوطِه.\nقالوا: والحديثُ باطِلٌ لا أصلَ لهُ، فالكلبيُّ متروكٌ، وأبو صالِحٍ مولى أُمّ هانِئٍ ضعيفٌ، والصحيحُ الثابتُ أنها جاءتْ تطلُبه ميراثَها، فاعتذرَ منها أبو بكرٍ -رضيَ الله تعالى عنه- بقوله - ﷺ -: \"نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُورثُ ما تركْنا صَدَقَةٌ\" (٢).\nثم اختلفَ هؤلاءِ في مَصْرِفِهِ.\nفقال بعضهم: هو للإمامِ، وسهمُ ذوي القُرْبى لِقَرابةِ الإمامِ؛ لقولِ أبي بكرٍ لفاطمةَ -رضي الله تعالى عنها- لما جاءتْ تطلبُ ميراثَها: سمعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: \"إذا أطعمَ اللهُ نبيًا طُعْمَةً، فهيَ للخليفةِ بعدَهُ\" (٣).\nوبه قالَ بعضُ الشافعيةِ في الإمامِ وحدَه.\nوقال قومٌ: يجعلُ في باقي الخُمُسِ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٤٥)، \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ١٢٥).\n(٢) رواه مسلم (١٧٥٧). ورواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٤٥٧٨)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٢/ ٨٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣٠/ ٣١١)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (١٣٩).\n(٣) رواه أبو داود (٢٩٧٣)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤)، والبزار في \"مسنده\" (٥٤)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٠٣)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٤٢). بلفظ: \" ... فهي للذي يقوم من بعده\".\n(٤) في \"ب\": \"الجيش\".","vol":"3","page":287},{"text":"وقال قومٌ: يجعلُ في السلاحِ والعُدَّةِ.\nوقال الشافعِيُّ: يضعُه الإمامُ في كل أمرٍ خُصَّ به الإسلامُ وأهلُه؛ من سَدِّ ثغرٍ، وإعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعطائِه أهلَ البلاءِ في الإسلام نَفَلًا عندَ الحربِ وغيرِ الحرب إعدادًا للزيادةِ في تعزيزِ الإسلامِ وأهلِه على ما صنعَ فيهِ رسولُ الله - ﷺ -؛ فإن رسولَ اللهِ - ﷺ - قدْ أعطى المْؤَلَّفَةَ، ونَفَّلَ في الحربِ، وأعطى عامَ خيبرَ نفرًا من المُهاجرينَ والأنصار أهل حاجةٍ وفضلٍ، وأكثرُهم أهلُ فاقة، يَرى ذلك -والله أعلم- من سَهْمِه (١).\n* إذا علمت هذا:\nفقد ذهبَ جمهورُ أهلِ العلم إلى تَخْميس الخُمُس وتقسيمِهِ على ما قَسَّمَهُ اللهُ ﷿ (٢).\nوقال مالِكٌ: الخمسُ كالفَيْءِ يُجْعَلان في بيتِ المالِ، ويعطي الإمامُ (٣) قَرابةَ رسولِ الله - ﷺ - منها، فهو عندَهُ غيرُ مُخَمَّسٍ (٤).\nواستدلَّ بأنَّ النبيَّ - ﷺ - قد أعطى جميعَ الخُمُسِ، وأعطى بعضَه، وأعطى منهُ المُؤَلَّفَةَ قلوبُهم يومَ حُنينٍ، وليسوا مِمَّنْ ذكرَ اللهُ تعالى في التقسيم، وأَعْطى الأَقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والعَبّاسَ بنَ مِرْداسٍ مِئةً من الإبل (٥)، وأعطى أشرافَ العربِ، وآثَرَهُم، وردَّ الخمسَ أيضًا على المُهاجرين في بعضِ الأحوالِ، وليسوا مِمَّنْ ذُكر في التقسيم.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٤٧)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٣٣٩).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٥٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣١٤).\n(٣) \"الإمام\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٢٦)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٤/ ٦٧).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":288},{"text":"روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ - ﷺ - بعثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فبلغَتْ سُهْمانُهُمُ اثني عَشر بَعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا (١).\nوخَرَّجَ مسلمٌ عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن أبيهِ قال: نَفَّلَنا رسولُ الله - ﷺ - سِوى نصيبِنا من الخُمُسِ، فأصابَني شارِفٌ (٢).\nفذكرُ التقسيمِ عندَهُ جاءَ لبيانِ المَصْرِف، لا لبيانِ الاستحقاقِ.\nوهذا هو المختارُ عندي -إن شاء الله تعالى- فإنَّ خُمُسَ الخُمُسِ لا يَتَّسِعُ لِلَّذي بذلَهُ رسولُ الله - ﷺ - للأقرعِ بنِ حابسٍ وأصحابِه (٣).\nوإنْ قالَ قائلٌ: إنه مُتَّسِعٌ؛ كما قالَهُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ (٤)، رَدَدْناه بحديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- فإنه إذا أخرجَ السهمُ اثني عَشَرَ بعيرًا، كان الخمسُ المضمومُ إلى هذا السهمِ ثلاثةَ أَبْعِرَةٍ، وقد نَفَّلَهُمْ بَعيرًا بعيرًا، والبعيرُ زائدٌ على نصيبه - ﷺ - الذي هو خُمُسُ الخُمُسِ عندَ القائلِ به، فقدْ نَفَّلَهم ثلثَ الخُمسِ، لا خُمس الخمسِ (٥).\nفإن قيل: يجوزُ أن يكونَ هناك شيءٌ غيرُ الإِبِلِ من العُروضِ؛ بدليلِ ما رُوي في بعضِ طرقِ هذا الحديث: فأصَبْنا إبِلًا وغَنَمًا (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٦٥)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (١٧٤٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٣٣).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٦٩).\n(٥) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٢٤٠).\n(٦) رواه مسلم (١٧٤٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله - ﷺ - إلى نجد، فخرجت فيها، فاصبنا إبلًا وغنمًا، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا، ونفّلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا.","vol":"3","page":289},{"text":"قلنا: هذا التأويلُ بعيدٌ مردودٌ بِما سأذكرهُ في الفَيْءِ -إنْ شاءَ الله تعالى-.\nوأما ذَوو القُرْبى:\nفقال الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وأكثرُ العلماءِ: هم بنَو هاشِمٍ، وبنو المُطَّلِبِ (١).\nلما روى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فقلنا: أعطيتَ بَني المُطِّلِبِ منْ خُمُسِ خيبرَ، وتركتنا، ونحنُ بمنزلةٍ واحدةٍ منك! فقال: \"إنما بنو هاشمِ وبنو المُطِّلِبِ شيء واحِدٌ\"، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه. قال جُبَيْرٌ: ولم يَقْسمِ النبيُّ - ﷺ - لبني عبدِ شَمْسٍ وبَني نَوْفَلٍ شيئًا، خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (٢).\nوقال قومٌ: هم عامَّةُ قريشٍ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) [الشورى: ٢٣].\nوقال مالِكٌ: هم بنو هاشم خاصَّة، ويُروى عن الثوريِّ، والأوزاعيِّ (٤).\nوهذه الأقاويلُ غَلَطٌ مُنابِذَةٌ للحديث الصحيح.\nوقد قدمتُ ما قيلَ في بقاءِ سَهْمِهِم وسقوطه، فلا حاجةَ إلى إعادته.\nوظاهرُ الآيةِ استحقاقُ ذَوي القربى: ذَكَرِهم وأنثاهم، كبيرِهم وصغيرِهم، وغَنِيِّهم وفقيرِهم، وهو كذلكَ.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٤٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٣٥).\n(٢) رواه البخاري (٣٩٨٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٣٦٠)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٤٣٢).\n(٤) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٢).","vol":"3","page":290},{"text":"ولكن هل يستوي الذكرُ والأنثى؛ لظاهر الإطلاقِ، أو يفضلُ الذكرُ على الأنثى، كالميراث؟\nفيه خِلافٌ.\nوبالأولِ قالَ المزنيُّ (١)، وبالثاني قال الشافعيُّ (٢)، وخصصه أبو حنيفة بذوي الفَقْرِ منهم بالقياسِ على اليتامى والمساكين (٣).\nوبالإطلاقِ قالَ الشافِعيُّ، وهو الأولى؛ لظاهر الآية، ولأنهم أُعْطُوا لِفَضْلِ القرابةِ وشرفِها، ولو كان ذلك بالفقر، لاستُغْنِي عن ذكر ذوي القُرْبى بذكرِ المساكين؛ لأن النبيَّ - ﷺ - أعطى العباسَ، وكان من أغنياءِ بني هاشم يَعولُ فقراءَ بني المطلبِ، ويتكرمُ على غيرهم.\nوعن مالِكٍ قولانِ (٤).\nوأما اليتامى، فهم أطفالُ المسلمينَ الذين لم يبلغوا الحُلُمَ مِمَّنْ هلكَ أبو ولا مالَ لهُ.\nوأما المساكينُ، فهم المُحْتاجون.\n_________\n(١) انظر: \"شرح البخاري\" لابن بطال (٥/ ٣٠٨)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ٤٦).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٣٨)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٤٧).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٣٤٦)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ١٤٨).\nوعن أحمد روايتان كالقولين الأولين. انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣١٧).\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ٤٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٣).","vol":"3","page":291},{"text":"قال النبي - ﷺ -: \"مَنْ تَرَكَ مالًا فَلأِهْلِهِ، ومن تَرَكَ دَيْنًا أو ضَياعًا فَإِلَيَّ\" (١).\nوأما ابنُ السبيلِ، فَمَنْ أخذتْهُ الطريق، واحتاجَ في سفرِه إلى مُؤْنَةٍ، فَيُعْطى، وإن كانَ ببلدِهِ غَنِيًّا.\n* وأضافَ الله بقيةَ الغنيمةِ إلى الغانِمين، وبينَ الفقهاءِ اختلافٌ في صفاتِ الغانمين، وفي مقدارِ سُهْمانهم، وفي شروطِ استحقاقِهم (٢)، فلا نُطَوِّلُ بذكره.\n* وفي عُمومِ قولِه تعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾، مع الحصر في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا﴾ دَلالةٌ ظاهرةٌ تقاربُ النَّصَّ في أَنَّ للغانِمين أربعةَ الأَخْماسِ في كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضةٍ أو عَقارٍ، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (٣).\nوقالَ مالِكٌ: لا تُخَمَّسُ الأرضُ (٤).\nوقال أبو حنيفة: الأمرُ مَنوطٌ باختيارِ الإمام (٥).\nوسيأتي الكلامُ على هذا في الفَيْءِ -إن شاء الله تعالى-.\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٦٧)، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، عن جابر بن عبد الله ﵄.\nورواه البخاري (٤٥٠٣)، ومسلم (١٦١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٣٨٨)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٣).\n(٣) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٣٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٣٩٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٢٢).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٧٢).\n(٥) ما ذكر في كتب الحنفية يدل أن الإمام هو الذي يقسم الأربعة أخماس على الغانمين لا أن الأمر منوط به. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٣٠)، و\"الهداية شرح البداية\" للمرغيناني (٢/ ١٤٦)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٤٩٢).","vol":"3","page":292},{"text":"١٤٦ - (٧) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].\n* أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ - ﷺ - إذا عاهَدَ قَوْمًا، وخافَ منهمُ الخِيانَةَ، فإنْ ظَهَرَ منهم أماراتُها أن يُعْلِمَهُمْ بِنَبْذِ عَهْدِهِم؛ ليكونوا معهُ على سَواءً عَدْلٍ، واستواءً منَ العلمِ.\nوعلى هذا نَصَّ الشافعيُّ، وحُكيَ عنهُ قولٌ شاذٌّ أَنَّهُ لا يَنْبذُهُ لخَوْفِ الخيانةِ حتى يَبْدَؤوا بنقضِه، كما لا يُنْقَضُ عَقْدُ الذمَّةِ لخوفِ الخيانةِ (١).\nوهذا لا يَصِحُّ عن أبي عبدِ اللهِ -رحمه اللهُ تعالى-؛ فإن هذا مُصادِمٌ لِنَصِّ كتابِ اللهِ تَعالى، وإنما قالهُ الأَبْهَرِيُّ من المالكية.\nوحملُ الخوفِ على العِلْمِ واليقينِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] فهو خَطَأٌ.\n* ومفهومُ هذا الخطابِ أنه إذا لم يخف منهم خيانةً، لا ينبذُ إليهم عهدَه، وهو كذلكَ، وقد بينه اللهُ سبحانه في موضع آخرَ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٧].\n* فإن قيل: فكيفَ يجوزُ نبذُ العَهْدِ المُتَيَقَّنِ صِحَّتُهُ بِظَنِّ الخِيانة منهم؟\n_________\n(١) بل كلام الإمام الشافعي في \"الأم\" يدل على خلافه. انظر: \"الأم\" له (٤/ ١٨٥).\n(٢) قال الطبري في تفسير الآية: فإن قال قائل: وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين؟ قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه إذا ظهرَتْ آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٢٧).","vol":"3","page":293},{"text":"قلنا: جازَ إسقاطُ اليقينِ هنا بالشَّكِّ؛ لئلاّ يوقعَ التمادي معهم في الهَلَكَة؛ لبُعْدِ استحكامِ خيانتَهم، فَيَتَّسعَ الخَرْقُ، ويَشُقَّ على المسلمين التدارُكُ، وأما الوَهْمُ المَحْضُ، فلا اعتبارَ به، نَصَّ عليهِ الشافعيُّ في \"الأم\" (١)، واحتسبَ هذه الأحكامَ مُتَّفَقًا عليها.\nولكني رأيتُ في \"جُزْءٍ\" وقع عندي في هذا المَوْضِع منسوبٍ إلى ابن العربي: أنه عَقْدٌ جائزٌ ليسَ بلازم. قال: ويجوزُ للإمامَ أن يبعثَ إليهم، فيقول: نبذتُ إليكم عهدَكُمْ، فَخُذوا مِنِّي حِذْرَكُم، وادَّعى الاتفاقَ على ذلكَ (٢).\nودعواهُ الاتفاقَ ممنوعةٌ، بل الاتفاقُ واقعٌ -إن شاءَ الله تعالى- على خلافِه؛ كما هو موافق للكتابِ والسنَّةِ.\nفإن كانَ يريدُ أنه عقدٌ جائزٌ عندَ خوفِ الخِيانة، فهو مُتَّفَقٌ عليه كما قال، لكنه قالَ عقبَ هذا الكلام: وهذا عندي إذا كانوا همُ الذينَ طلبوا، فإن طلبَهُ المسلمون لمدَّةٍ، لم يجزْ تركُه فيها بالاتفاق.\nودعواهُ بالاتفاقَ هنا أيضًا ممنوعةٌ، وذكرت هذا لكيلا يغترَّ به.\n* هذا في خوفِ الخِيانة، وأما إذا صدرتْ منهمُ الخِيانَةُ، فإن العهدَ يَنْتَقِضُ، لا أعلمُ في ذلكَ خلافًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢ - ١٣]، ولهذا قصدَ رسولُ الله - ﷺ - أهلَ مَكَّةَ بالحربِ من غيرِ أن يَنْبِذَ إليهم، ولم يُعْلِمْهم، بل عَمَّى عليهم جِهَةَ غَزْوِهِ.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٨٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٢٦).","vol":"3","page":294},{"text":"١٤٧ - (٨) قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].\nأي: إن مالوا إلى المُصالَحَةِ، فَمِلْ إليها.\n* أمر اللهُ سبحانَه نبيَّهُ - ﷺ - هنا بقَبول المُسالَمَةِ، وقال في موضع آخر: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].\nفمن أهلِ العلمِ من رأى الآيتين مُختلفتين، فجعل آيةَ مُحَمَّدٍ ناسخةً (١) لهذه، وحُكي هذا عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.\nوأكثرُ المفسرين على أن هذه الآيةَ منسوخةٌ.\nثم اختلفَ هؤلاءِ في الذي نَسَخَها.\nفقال قومٌ: نسخها آيةُ السيفِ؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقال قومٌ: نسخها قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].\nوالصوابُ عدمُ النسخ؛ لفقدان التعارُضِ، وإمكانِ الجمعِ بين الآيات كُلِّها (٢)، فليسَ بينَها اختلافٌ، فهذهِ الآيةُ فيما إذا التمسَ المشركونَ مِنَّا الصلحَ، وبآيةِ \"محمدٍ\" نهانا الله تعالى أن نبتدئهم بالتماسِ الصُّلح، فكل\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٢)، و\"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٢٧)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٢).\n(٢) ورجَّح عدم النسخ الطبري والزمخشري وابن كثير وغيرهم. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٣٤)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٢٢١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٣٢٤).","vol":"3","page":295},{"text":"واحدٍ منهما في حالٍ غيرِ حالِ الأخرى، وآية السيف (١) يُعْمَلُ بها إذا لم يَلْتَمسوا مِنَّا الصلحَ، فإذا التمسوهُ، ورأى الإمامُ فيه المصلحةَ، عَمِلْنا بهذه الآية، وأما آيةُ أهلِ الكتابِ فإنها موافِقَةٌ لهذهِ، ولهذا قالَ مجاهدٌ في تأويلِ هذه الآيةْ المرادُ بها قبولُ جِزْيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ (٢).\nوالعجبُ من قائلِ هذا القولِ (٣) كيفَ يَدَّعي نَسْخَ الشيءِ بما يُوافِقُهُ، وسيأتي في \"سورة محمدٍ\" مزيدُ بيانٍ -إن شاء الله تعالى-.\n* * *\n\n١٤٨ - ١٤٩ (٩ - ١٠) قوله جَلَّ ثناؤه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٦٥ - ٦٦].\n* أمر الله سبحانَهُ المؤمنينَ بمُصابرَةِ الواحدِ للعَشَرَةِ، وخرجَ مخرجَ الشرطِ؛ لكي يعلق عليه النَّصْرَ والغَلبةَ عند الصبر.\nثم خفف اللهُ ذلك عنا (٤)؛ لِما علمَ مِنْ ضعفِنا، وأوجبَ المُصابَرَةَ للضِّعْفِ، ووَعَدَنا النصرَ على الصَّبْرِ أيضًا، وهذا أدنى مَراتبِ المُصابرةِ؛ فإن الواحدَ قد يَهْجُمُ في كَرَّتهِ على أَحَدِ الاثنينِ، فيقتلُه، أو يُثْخِنُهُ، ويبقى معهُ واحدٌ، فيحصل له النصر، وقد شاهدنا هذا كثيرًا.\n_________\n(١) \"السيف\": ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٤٠).\n(٣) في \"ب\": \"القبول\".\n(٤) \"عنّا\": ليس في \"أ\".","vol":"3","page":296},{"text":"* وعلى مُصابرةِ أهلِ الضعفِ أجمعَ أهلُ العلمِ، ولكن اختلفوا.\nفاعتبرَ الشافعيةُ بالعددِ كما هو ظاهرُ القرآنِ (١) (٢)، واعتبرَ المالكيةُ بالقُوَّةِ (٣)، فجوَّزوا للمسلمِ أن يفرَّ من الكافرِ الواحدِ إذا كان أقوى بَطْشًا، وأشكى سلاحًا، وأعنف جَوادًا، وقد تقدم شيءٌ من أحكامِ هذه الآية قريبًا.\n* * *\n\n١٤٩ - ١٥٠ (١١ - ١٢) قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].\nسيأتي بيانُهما في \"سورةِ مُحَمَّدٍ\" - ﷺإن شاء الله تعالى-.\n* * *\n_________\n(١) \"القرآن\": ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ١٢٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٧٧).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٨٣)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٤١٠).","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>(من أحكام الهجرة)</span>\n١٥١ - ١٥٤ (١٣ - ١٦) قوله ﷿: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٢ - ٧٥].\n* قال المفسرون، أو أكثرهُم في قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] في الميراث، فكانوا يتوارثون بالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، وكان الذي آمنَ ولم يُهاجِرْ لا يرثُ قريبَهُ المهاجِرَ، فنسخ الله (١) ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥]، ورواه عِكْرِمَةُ عن ابنِ عباسٍ (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٣)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٣٧)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص:١١٣).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٧٣٨ - ١٧٤٠). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"3","page":298},{"text":"وقد ذكرتُ في \"سورةِ النساءِ\" كلامًا على أقسامِ الهجرةِ وأحكامِها بما لم أُسْبَقْ إلى مِثْلِهِ، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين، وسيأتي بيانُ الأَوْلَوِيَّةِ في أُولي الأرحامِ في \"سورةِ الأحزابِ\" -إن شاء الله تعالى-.\n* وقد أعلمَنا اللهُ ﷾ بانقطاعِ المُوالاةِ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ، فلا يرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣].\n* وأعلمنا أن الدارَ معتبرةٌ معَ النَّسَبِ في الَّتوارُثِ، فقالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، ولكنه سبحانَه أوجبَ علينا نُصْرَتَهُمْ إذا اسْتَنْصرونا على قومٍ ليس بَيْنَنا وبينَهُم ميثاقٌ.\n* * *","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>سُورَةُ التَّوْبَةِ</span>","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٥٥ - ١٥٧ (١ - ٣) قوله ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:١ - ٣].\nروينا في \"صحيح البُخاري\" عن البَراءِ -رضي الله تعالى عنه-: آخرُ آيةٍ نزلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخرُ سورةٍ نزلتْ: براءة (١).\nوروينا فيه أيضًا عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمن: أن أبا هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجَّةِ في المُؤَذِّنينَ الذين بعثَهُمْ يومَ النَّحْرِ يُؤَذِّنونَ بمِنًى: (٢) ألا لا يَحُجُّ بعدَ العام مُشْرِكٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُرْيانُ. قال حُمَيْدٌ: ثم أردفَ النبيُّ - ﷺ - بَعَلِيٍّ، فأَمرهُ أن يُؤَذِّنَ ببراءة.\nقال أبو هريرةَ: فأذَنَ معنا عَلِيٌّ في أهلِ مِنًى يومَ النَّحْرِ ببراءة، وألاّ يَحُجَّ\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٧٧)، كتاب: التفسير، باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾.\n(٢) \"ألا\" ليس في \"أ\".","vol":"3","page":303},{"text":"بعدَ العامِ مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ.\nوخَرَّجَهُ مُسلم أيضًا (١).\nوخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- قال: بعثَ النبيُّ - ﷺ - أبا بكرٍ، وأمرَهُ أن يُنادِيَ بهؤلاءِ الكلماتِ، وأتبعه عَليًّا -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فبينما أبو بكرٍ في بعضِ الطريقِ؛ إذ سمعَ رُغاءَ ناقَةِ رسولِ الله - ﷺ - القَصْواءِ، فخرج أبو بَكْرٍ فَزِعًا، فَظَنَّ أنهُ رسولُ الله - ﷺ -، فإذا هُو عَلِيٌّ -رضيَ الله تعالى عنه-، فدفعَ إليه كِتابَ رسولِ الله - ﷺ -، وأمرَ عَلِيًّا أن ينادِيَ بهؤلاءِ الكلماتِ، فقال: فنادى عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أيامَ التشريقِ: ذِمَّةُ اللهِ ورسولهِ بَرِيئَةٌ منْ كلّ مُشْرِكٍ، فَسيحوا في الأرضِ أربعةَ أَشْهُرٍ، ولا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانُ، ولا يدخلُ الجنةَ إلا مؤمنٌ، فكان عليٌّ يُنادي بها، فإذا أعيا، قامَ أبو بكرٍ فَنادى بها (٢).\nوخَرَّجَ أيضًا عن زيدِ بنِ يُثَيعٍ قال: سألتُ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه-: بأيِّ شيء بُعِثْتَ في الحَجَّةِ؟ قال: بُعِثْتُ بأربعٍ: ألا يطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ، ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ - ﷺ - عَهْدٌ، فعهدُهُ إلى مُدَّتِهِ، ومن لم يكنْ له عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ أربعةُ أشهرٍ، ولا يدخلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمعُ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهِمْ هذا.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٦٢)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: ما يستر من العورة، ومسلم (١٣٦٧)، كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وهذا لفظ البخاري.\n(٢) رواه الترمذي (٣٠٩١)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩٢١٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢١٢٨)، وفي \"المعجم الأوسط\" (٩٣٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٣٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٢٤). وهذا لفظ الترمذي.","vol":"3","page":304},{"text":"قال أبو عيسى التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ (١).\n* إذا تقرَّرَ هذا، فقد كانَ لمشركي العربِ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - أحوالٌ.\nفمنهُمُ المُحارِبُ المُبايِنُ، ومنهمُ المُعاهِدُ المُوادِعُ، ثم المعاهِدون منهم: من نَقَضَ عَهْدَهُ، كقريشٍ وبني بكرٍ، ومنهم مَنِ استقامَ عليه؛ كبني ضَمْرَةَ وخُزاعة.\nفلما أظهرَ اللهُ سبحانَه رسولَهُ - ﷺ -، وفتحَ له مكةَ، أمهلَ منْ نقضَ عهدَهُ أربعةَ أشهرٍ يَسيحُ في الأرضِ، سَواءٌ كانتْ مُدَّتُهُ دونَها، أو فوقَها، ولم يؤاخذْهُ بنقضِ عهده مُعاجَلَةً، إظهارًا لقدرتهِ عليهم، ولطفًا منهُ بهم، لكي يتدبَّروا، فينظروا في عاقِبَةِ أمرِهم، وقَدَّر اللهُ سبحانه لهم أربعةَ أشهرٍ؛ لأنها مدةٌ يعتبرُ فيها العاقلُ فيفيءُ إلى طاعةِ مولاه، ولهذا ضربَها اللهُ سبحانهُ مُدَّةً في الإيلاء.\nوأمر نبيَّه - ﷺ - وسائرَ المؤمنين بالاستقامةِ على العهدِ لِمَنِ استقامَ لهم، ولم ينقضْ منهُ شيئًا، فإن كانتْ مُدَّةُ عهدِهم قبلَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فلهمُ الأمانُ أيضًا في بقيةِ الأشْهُرِ بالآيةِ الأُخْرى، وإن كانتَ فوقَ الأربعةِ الأشهرِ، فلهم الأمانُ إلى انقضائها بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، وهذا ظاهرٌ من خِطابِ الكتاب، ومن حديثِ عَلِيٍّ -رضي الله تعالى عنه-؛ حيث قال: ومن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ - ﷺ - عهدٌ، فأجلُه أربعةُ أشهرٍ، ولكنه حَرَّمَ عليهمُ الطوافَ في حالِ التَّعَرِّي، ودخولِ المسجد الحرام.\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٩٢)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، والبزار في \"مسنده\" (٧٨٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٣٧٦)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٤٦١).","vol":"3","page":305},{"text":"* فإن قلتَ: فقد أمرَ اللهُ سبحانه بقتلِ المشركينَ عندَ انقضاءِ الأشهُرِ الحُرُمِ، فقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا عامٌّ فيمن له عهدٌ، ومَنْ لا عَهْدَ له، وسواءٌ صادَفَ انقضاءَ الأربعةِ الأشهرِ، أم لا.\nوحَرَّمَ قَتْلَهم في الأشهرِ الحُرُمِ، وهو يَقْتَضي تحريمَ قَتْلِهم، سواءٌ انقضى عَهْدُ المعاهدين وأربعةُ أشهرِ المُمْهَلين، أم لا، فكيف الجَمْعُ بينَ الآيتين؟\nقلت: أما تحريمُ قتلهم قبلَ انسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ، فلم يقلْ به إلا عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ (١)، وهو قَوْلٌ قويُّ الدَّلالَةِ، وقد استوفيتُ بيانَه في \"سورة البقرة\".\nوأما عمومُ الأمرِ بالقتلِ بعد انسلاخِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، فإنه أُريدَ بهِ الخُصوصُ، والتقديرُ: فإذا انسلخَ الأشهرُ الحُرُمُ، فاقتلوا المشركينَ الذين لا عَهْدَ لهم، ولا مُدَّةَ مُقَدَّرَةً من اللهِ سبحانه، حيث وَجَدْتُموهم، ولهذا قالَ ابنُ عَبّاسٍ -رضيَ الله تَعالى عنه- في رواية الوالبي: حَدَّ اللهُ تَعالى للذين عاهَدوا رسولَ الله - ﷺ - أربعةَ أشهرٍ يَسيحون في الأرضِ حيثُ شاؤوا، وأَجَّلَ لِمَنْ ليسَ لهُ عهدٌ عندَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ (٢).\nوروي عنه أنه قال: من كان له عهدٌ فوقَ أربعةِ أشهرٍ، حُطَّ إليها، ومَنْ كان دونَها، رُفِعَ إليها، ومَنْ لا عَهْدَ له، جُعِلَ أمانُهُ خمسين يومًا، أولها يومُ النَّحْرِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٥].\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٧٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٦٧).\n(٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٠/ ٦٠)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٦/ ١٧٤٦).\n(٣) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٣٩٤).","vol":"3","page":306},{"text":"وهذه الروايةُ بمعنى الرواية الأولى، أو أَبْيَنُ منها.\nفإن قلتَ: فإنَّ قولَ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- في روايةِ زيدِ بنِ يُثَيْعٍ يَقْتضي أنَّ الأربعةَ الأشهُرَ أَجَلٌ لِمَنْ لا عهدَ له من مشركي العربِ؛ حيث قالَ قومٌ: من لا عَهْدَ له، فاجلُه أربعةُ أشهرٍ يخالف ما أَوَّلْتَ بهِ الآيةَ، وما رويَ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-.\nقلت: المرادُ: ومَنْ لا عَهْدَ لهُ، أي: مُعْتبَرٌ؛ لأنَّ من نقضَ عهدَه لا عَهْدَ له.\nوالدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، فخص الخطابَ معهم، وأكثرُهم ناقِضون.\nوقولُ عَلِيِّ -رضي الله تعالى عنه-: ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ - ﷺ - عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِهِ، أي: عهدٌ معتبرٌ استقامَ عليهِ أهلُه، وإلاّ لمْ يكن لآيةِ النسخِ معنى، والدليلُ عليه قولهُ تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وخصوا بهذا لأَجْلِ استقامَتِهم على عهدِهم، وتخصيصُ الذكرِ بالمسجدِ الحرامِ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧] جاءَ لتعريفِهم بهِ، لا للتقييد.\nويمكنُ الجمعُ بين آيةِ السيفِ وآيةِ النسخِ من وجهٍ آخَرَ (١)، وذلكَ أنَّ انسلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ موافِقٌ لانقضاءِ الأربعَةِ الأشهرِ على ما رُوي عنِ الزُّهْرِيِّ وغيره مِنْ أن نزولَ آيةِ النسخِ في شَوّال، فيكونُ انتهاؤها انسلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ؛ والمشهورُ أن ابتداءَ الأربعةِ الأشهُرِ من يومِ النَّحْرِ؛ لأنه كان\n_________\n(١) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٤ - ١١٥).","vol":"3","page":307},{"text":"فيه التبليغُ والنداءُ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ في روايةِ أبي صالحٍ.\nوقيل: أولُها عاشرُ ذي القِعْدَةِ، وهو موسمُ حَجِّهم على حُكْمِ النَّساءِ، فاستقرَّتْ حِجَّةُ الوداعِ سنةَ عَشْرٍ في مَوْسِمِها.\nوقيل: من رابعِ يومٍ يبلُغُهم فيهِ العلم.\nوذهبَ قومٌ إلى الجمعِ بالتأويل، فقالوا: المرادُ بالأشْهُرِ الحُرُمِ هنا شهورُ العَهْدِ، وقيل لها: حُرُمٌ؛ لأن اللهَ تَعالى حَرَّمَ على المؤمنينَ فيها دماءَ المُشركين، والتعرُّضَ لهم، ويحكى هذا القولُ عن مُجاهِدٍ وابنِ إسحاقَ، وعَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ (١)، وهو بعيدٌ.\nويمكنُ الجمعُ أيضًا بين آيةِ السيفِ وآيةِ النسخِ وأَثرِ ابنِ عباسِ وأَثَرِ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- من وجهٍ آخرَ:\nوهو أن اللهَ سبحانَهُ أَجَّلَ في آيةِ السيفِ أربعةَ أشهُرٍ لمنْ عاهدَهُ النبيُّ - ﷺ - ونقضَ عهدَه أو لم ينقضْه إذا لم يكنْ عندَ المسجدِ الحَرامِ، فيردُّ إلى الأربعةِ الأشهرِ، وهم المَعْنِيُّونَ بقولِ ابنِ عَبّاسٍ: ومنْ كانَ عهدُهُ فوقَ أربعةِ أشهرٍ، حُطَّ إليها.\nومن لم يكنْ له عهدٌ أصلًا، فأَجَلُهُ انقضاءُ الأشهرِ الحُرُمِ لتحريمِ اللهِ سبحانَه القِتالَ فيها في غيرِ آيةٍ من كتابهِ العزيز.\nومنْ له عهدٌ فوقَ الأربعةِ الأشهرِ، وهو عندَ المسجدِ الحرامِ، وهم خُزاعَةُ وبَنو ضَمْرَةَ، فأجلُه إلى مدَّتِهِ؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ﴾ [التوبة: ٤]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وهمُ المَعْنِيُّونَ بقولِ\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ٢٦٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٧٢)، و\"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٢).","vol":"3","page":308},{"text":"عَلِيٍّ -رضيَ اللّ تعالى عنه-: ومن كانَ بينَهُ وبينَ النبيِّ - ﷺ - عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه (١).\nوالدليلُ على هذا قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وخصوا بهذا إمَّا لأَجْلِ مجاوَرَتهم المسجدَ الحَرام، وإما لكونِ العهدِ وقعَ في المسجدِ الحرام، وكان العهدُ في الحُدَيْبِيَةِ، وهي من الحَرَمِ على قولِ بعضِهم، أو بعضُها من الحَرَمِ على قولِ بعضِهم.\n* واختلف الناسُ في يومِ الحَجِّ الأكبرِ:\nفقال قومٌ: هو يومُ عَرَفَةَ، ويروى عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، وابنِ المُسَيِّبِ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، ومجاهِدٍ، وابنِ سيرينَ (٢)، ونقله المالكيةُ عن الشافعيِّ، وليس بمعروفٍ عنه (٣).\nوقال قومٌ: هو يومُ النَّحْرِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ، وعَلِيٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ مَسْعودٍ، وابنِ أبي أوفى، والشَّعْبيّ، والنَّخَعِيِّ، وابن جُبَيْرٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ (٤)، وبه قالَ مالِكٌ وَالشافعيُّ (٥)؛ لما رواهُ أبو هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- من تأذينِه وتأذينِ عَلِيٍّ في يومِ النَّحْرِ (٦).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٨٧١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٧٩).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٨)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٤٨).\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١١٦).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٦٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٤٧).\n(٥) وبه قال الحنابلة أيضًا: انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (١/ ١٢٦)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٢٩).\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":309},{"text":"وقال قومٌ: يومُ الحَجَّ حينَ الحَجَّ؛ كما يقال: يومُ صِفَّينَ، ويومُ الجَمَلِ، وكان ذلكَ أيامًا (١).\n* واختلفوا أيضًا في الآياتِ اللاتي أُذِّنَ بِهِنَّ؛ لاختلافِ آياتٍ وَرَدْنَ في ذلك:\nفقيل: ثلاثُ آياتِ.\nوقيل: تسعُ آيات إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\nوقيل: نحو أربعين إلى قوله: ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nوقيل: أربع آيات إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وهو الصحيحُ؛ لصحةِ أثرِه عندهم (٢)، والله أعلم.\n* * *\n\n١٥٨ - (٤) قول جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\nاشتملتْ هذهِ الآيةُ على جملتين:\nأما الجملةُ الأولى: فإنَّ اللهَ سبحانَهُ أمرَ أن نقتلَ المشركين حيثُ وَجَدْناهم، وهذه الآيةُ وما أَشْبَهَها تُسَمَّى آيةَ السيفِ، نَسَخَتْ (٣) كُلَّ آيةٍ\n_________\n(١) وهو قول سفيان ومجاهد. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ٧٤)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١/ ١٢٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٥٤).\n(٣) انظر: \"قلائد المرجان\" (ص: ١١٥).","vol":"3","page":310},{"text":"ذكرَ اللهُ سبحانَهُ فيها الصَّفْحَ والإعراضَ عن المشركين، وقد قدمْتُ فيه بَحْثًا لطيفًا في \"سورة النساءِ\" عندَ ذِكْرِ الزَّواني.\nثم يحتملُ أن تكونَ هذه الآيةُ متناولةً لأهلِ الكتابِ بلفظِها؛ لأنهم مُشركون بقولهم: عُزَيْزٌ: ابنُ اللهِ، والمسيحُ: ابنُ الله، ويكونُ عمومُها مَخْصوصًا بقولهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].\nويُحتملُ أن تكونَ الآيةُ غيرَ مُتناوِلَةٍ لهمْ؛ لاختصاصِهِمْ باسمٍ يَخُصُّهُمْ، فلا يُحتاجُ إلى دليل يُخْرِجُهم من عمومِ هذه الآية.\nوقد بَيَّنْتُ في \"سورةِ البقرةِ\" أنَّ هذهِ عامَّةٌ في الأمكنةِ، ويجوزُ تخصيصُها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].\n* وقد اتفقوا على تخصيصِ عُمومها ببعضِ المُشركين، وأنه لا يجوزُ قَتْلُ بعضِهم، فنهى النبيُّ - ﷺ - عن قتلِ النِّساءِ والصِّبيان.\nولكن هَلْ عِلَّةُ القَتْل هو الإشراكُ باللهِ تعالى، أو هو الإشراكُ مع القُدْرةِ على القتالِ؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؟ فيه خلافٌ، منهم من عَلَّلَ بالاسمِ، ومنهم من عَلَّلَ بالقدرةِ على القِتال واستدل بقوله - ﷺ - لمّا وَقَفَ على امرأةٍ مَقْتولَةٍ: \"ما كانتْ هذهِ لتُقاتِلَ\" (١) ويظهرُ أثر العِلَّتَيْنِ في قَتْلِ\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٦٦٩)، كتاب: الجهاد، باب: في قتل النساء، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٨٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٢٤٢)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧٥١)، والروياني في \"مسنده\" (١٤٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٨٢)، عن رباح بن ربيع.","vol":"3","page":311},{"text":"الراهبِ والأَعْمى والعَسيفِ (١) (٢).\n* وبَيَّنَ اللهُ سُبْحانه في هذه الآيةِ لنا كيفيةَ القِتال والمصابرة معهم، من القتل والأخذ الذي هو الأَسْرُ والحَصْرُ.\nوبين النبيُّ - ﷺ - بفعله جوازَ رَمْيِهِمْ بالمَنْجَنيقِ، فرمى حِصْنَ الطائِف (٣)، وذلك شيءٌ وراء الحَصْر، ولا بد من زيادة بحثِ هذا المعنى عندَ الوصولِ إلى \"سورةِ مُحَمَّدٍ\" - ﷺ -.\nأما الجملة الثانية: فإن الله سبحانه شَرَطَ في تخليةِ سبيلِهم إقامةَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزَّكاةِ، وشَرَطَ في أخُوَّتهِم في الدينِ وصحةِ توبِتهم إقامةَ الصلاةَ، وإيتاءَ الزكاةِ أيضًا، وها أنا أتكلم عليهما معًا؛ لاتفاقِ معنيَيْهِما، فأقول:\n* أما إقامُ الصَّلاةِ:\nفقد أخذَ بظاهرِ الكتابِ العزيز آخِذون، وجعلوا إقامَ الصلاةِ شرطًا في الإيمانِ، ومنهم أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المباركِ، وبعضُ الشافعية؛ للآية (٤)، ولقوله - ﷺ -: \"بين الرَّجُلِ وبينَ الشركِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ\" (٥).\nوذهبَ جمهورُ الفقهاءِ وبعضُ السَّلَفِ إلى أنه ليسَ بشرطٍ في الإيمانِ،\n_________\n(١) العسيف: المملوك المُسْتَهانُ به، قال الشاعر:\nأطعتُ النفسَ في الشهوات حتَّى ... أعادتني عسيفًا عَبْدَ عَبْدِ\n\"اللسان\" (مادة: عسف) (٩/ ٢٤٦).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٩)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٠/ ٦٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن الرشد (١/ ٢٨٠).\n(٣) انظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٣٨٢).\n(٤) عن الإمام أحمد روايتان، إحداهما هذه، والأخرى: أنه يقتل حدًا. انظر: \"المجموع\" للنووي (٣/ ١٧)، و\"الشرح الكبير\" لابن قدامة (١/ ٣٨٤).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":312},{"text":"والشرطُ في الآيةِ خرجَ مخرجَ الوَصْفِ بالغالِبِ؛ إذ المعهودُ مِمَّنْ أسلمَ منهمْ إقامُ الصلاةِ، ولا يتركُ الصلاةَ منهم -أعني: المُواجَهين بالخِطاب- إلا مُشْرِكٌ أو منافقٌ (١).\nثم اختلفَ هؤلاءِ في عُقوبةِ تارِكِ الصلاةِ: فذهبَ الشافعيُّ، ومالكٌ، وأبو ثورٍ إلى أن عقوبَتهُ القَتْلُ حَدًّا (٢).\nويروى عن مكحولٍ، وحَمّادِ بنِ زيدٍ (٣).\nوذهب أبو حنيفةَ والثورِيِّ والمُزنِيِّ إلى أنه يُحْبَسُ ويُضرَبُ، ولا يُقْتَلُ (٤)؛ لقولهِ - ﷺ -: \"لا يَحِلُّ دمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأني رسولُ اللهِ إلَّا بإحْدى ثلاثٍ: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينِه المفارِقُ للَجماعة\" (٥).\nوهذا أقوى دليلًا، ولهذا اختارَهُ إمامُ الحَرَمين أبو المعالي.\nهذا في حُكمِ الإيمانِ وأُخُوَّةِ الدينِ، وأما حُكْمُ الكَفِّ عَنْهُمْ، فإنَّ إقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ شَرْطٌ فيه، لا خلافَ في ذلك علمتُه بينَ أهلِ العلمِ.\nوالدليلُ عليهِ مع الآيةِ ما رويناه في \"صحيح مسلمٍ\"، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: لما تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ -، واستُخْلِفَ أبو بكرٍ -\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٥٢٧).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (١/ ٢٥٥)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٢/ ٧٠)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص: ٣٤).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٥١).\n(٤) انظر: \"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (٨/ ٢٠٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٣).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":313},{"text":"رضي الله تعالى عنه- بعدَهُ، وكَفَر مَنْ كَفَرَ من العربِ، قال عمرُ بنُ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- لأبي بكرٍ: كيف تقاتلُ الناسَ (١)، وقدْ قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمنْ قالَها، فقدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحسابُهم على الله\"؟ فقال أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: واللهِ لأقَاتلنَّ من فَرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزكاةِ؛ فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، والله لو مَنَعوني عِقالًا (٢) مِمّا (٣) كانوا يُؤَذُونَهُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، لَقاتلتُهُمْ على مَنْعِهِ، فقال عمرُ بنُ الخَطّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: فواللهِ ما هُو إلا أنْ رأيتُ اللهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعرفْتُ أنه الحَقُّ (٤).\nوما رويناه في \"صحيح مسلم\" عنِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يَشْهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزكاةَ، فإذا فعلوهُ، فقد (٥) عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهُم، وحسابُهم على الله\" (٦).\n* فإن قلتَ: فما حُكْمُ الزكاةِ، هل إيتاؤها شرطٌ في الإيمانِ\n_________\n(١) \"الناس\": ليس في \"أ\".\n(٢) عِقالًا: العِقَالُ: زكاةُ عامٍ من الإبلِ والغنم، وقال بعضهم: أراد أبو بكر ﵁ بالعِقال، الحبل الذي كان يُعْقَلُ به الفريضة التي كانت تُؤخذ في الصدقة إذا قبضها المُصَدِّق، وقيل: أراد ما يساوي عِقالًا من حقوق الصدقة.\n\"اللسان\" (مادة: عقل) (١١/ ٤٦٤).\n(٣) \"مما\" ليس في \"أ\".\n(٤) رواه البخاري (١٣٣٥)، كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ومسلم (٢٠)، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ...\n(٥) \"فقد\" ليس في \"أ\".\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":314},{"text":"وأخوةِ الدينِ كالصلاةِ عندَ مَنْ يشترطُ ذلك؟\nقلتُ: أجمعَ المسلمونَ على أن مانِعَها مسلمٌ، وليسَ بكافرٍ، فقد مَنَعَها وغَلَّها في عَصْرِ النبيِّ - ﷺ - وعَصْرِ أَصْحابه مانِعون، ولم يُكَفِّروهم (١).\nفإن قلت: فأبو بكرٍ -رضي اللهُ تعالى عنهُ- حكمَ في مانِعي الزكاةِ بِحُكْمِ المُرْتَدِّ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِم.\nقلتُ: لم يحكمْ فيهم بذلكَ لِمَنْعِ الزكاةِ وَحْدَهُ، بلْ لمنعِهم الزكاةَ، وبِجَحْدِهِمْ وُجوبَها (٢)، وذلكَ أن العربَ افترقَتْ في زمنِه -رضيَ الله تعالى عنه- ثلاثَ فِرَقٍ.\n\n١ - منهم من ارتدَّ عن المِلَّةِ الحَنيفيةِ، ودَعا إلى نُبُوَّةِ مُسَيْلَمَةَ والأَسْوَدِ العَنْسِيِّ.\n\n٢ - وقومٌ أنكروا الصلاةَ والزكاةَ وجميعَ الشرائع، وهؤلاءِ الذين سَبى أبو بكرٍ ذُرِّيَّتَهُمْ، وساعده على ذلكَ الصَّحابَةُ، واستولَدَ عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- جارِيَةً مِنْ سَبْيِ بني حَنيفَةَ أمَّ مُحَمَّدٍ الذي يُدْعى ابنَ الحَنَفِيَّةِ.\n\n٣ - وقومُ أَقَرُّوا الصَّلاةَ، وأنكروا الزكاةَ، وهؤلاءِ الذين وَقَعَتْ فيهمُ الشبهةُ لِعُمَرَ، ثم رجعَ إلى وِفاق أبي بكرٍ -رضي الله تعالى عنهما- لما احتجَّ بأنها في مَعْنى الصلاةِ، فدلَّ على أنهم قد أجمعوا على كُفْرِ جاحِدِ الصلاةِ؛ للنصوصِ التي لا تأويلَ فيها.\n* ثم أجمعوا بعدَ ذلكَ على تكفيرِ جاحِدِ الزكاة، ولم يلتفتوا إلى تأويلِ الكافرينَ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٨٢).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٢).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ٢٧٧).","vol":"3","page":315},{"text":"* وأما مانعُ الزكاةِ بُخْلًا فيها، فلم يقلُ أحدٌ بكفرِهِ قديمًا ولا حديثًا (١).\nوهذا تحقيقٌ حَسَنٌ بَيِّنٌ، فاعتمدْه، فقدْ حصلَ في ذلك تخبيطٌ لجماعةٍ من الفقهاءِ والمُحَدِّثين.\n* * *\n\n١٥٩ - (٥) قوله ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].\nأمر اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ بأَمانِ المُشْرِكِ، والكَفِّ عنهُ إذا دَخَلَ دارَ الإسلام لِيَسْمَعَ كلامَ اللهِ، وينظُرَ في الإسلامِ؛ لينقادَ للحقِّ إذا ظهرَ له حتى يسمَعَهُ ويَفْهَمَهُ، فإن قَبِلَ الحَقَّ، قَبِلناهُ، وإنْ أبى، رَدَدْناه إلى مَأْمَنَهِ.\nوهذا الحكمُ متفقٌ عليهِ، والأمرُ في هذا للوجوبِ؛ إذ يجبُ إقامةُ حُجَّةِ اللهِ وإزالةُ الشبهة عن عبادِه، وإعانةُ طالبِ الحقِّ (٢).\nوالخطابُ مع النبيِّ - ﷺ -، والمرادُ بهِ جميعُ الأُمَّةِ، فيجوزُ لآحادِهم أن يُجيرَ آحادَ المشركينَ؛ لما رُوي عن عَلِيٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: ما عندي شيءٌ إلا كتابَ اللهِ، وهذهِ الصحيفةَ عن رسولِ الله: - ﷺ - \"إن ذِمَّةَ المُسلمينَ واحِدةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ (٣) مُسْلِمًا، فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائِكَةِ والناسِ أجمعين\" (٤) ولقوله - ﷺ -: \"المسلمونَ تَتكاَفأْ دِماؤُهم، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ\n_________\n(١) انظر: \"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٠٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٥٨)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٣٩٩).\n(٣) أخفر: خَفَرَ به، خَفْرًا وخُفُورًا: نَقَضَ عَهْدَه، وغَدَره، ومثله أخفره.\n\"القاموس\" (مادة: خفر) (ص: ٣٤٩).\n(٤) رواه البخاري (١٧٧١)، كتاب: فضائل المدينة، باب: حرم المدينة، ومسلم (١٣٧٠)، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة.","vol":"3","page":316},{"text":"أَدْناهُمْ، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهُمْ\" (١) إلا ما حُكِيَ عنِ ابنِ الماجشونِ أنه وقفَهُ على إذنِ الإمامِ (٢)، وكذا وَقَفَهُ ابنُ حَبيبٍ على نَظَرِ الإمامِ (٣)، وهذا ليسَ بِصَحيحٍ؛ لإطلاقِ الأحاديثِ، ولأن النبيَّ - ﷺ - أجازَهُ وأَمْضاهُ، وقد فعلَه الصحابَةُ -رضي الله تعالى عنهم-، وأَمْضَوْهُ.\nنعم، اختلفَ أهلُ العِلْمِ في الصِّفاتِ المُخِلَّةِ لمنصبِ الأمانِ مثلَ الأنوثةِ والرِّقِّ والصِّبا، فاعتبرهُ أبو حنيفةَ (٤)، ولم يعتبرْهُ مالِكٌ والشافِعِيُّ؛ لعمومِ الأحاديث (٥).\n* وفي الآيةِ دَلالةٌ بطريقِ الإشارَةِ علي جَوازِ تَعْليمِ الكافِرِ القُرْآنَ إذا رَجَوْنا إسْلامَهُ، ولا يَجوزُ إذا خَشِينا استِخْفافهُ؛ فإنَّ السماعَ يلزَمُ منهُ الحِفْظُ لِكُلِّ ما سَمِعَ، ولا سِيَّما في حَقِّ بعضِ السامِعينَ الأذكياءِ (٦).\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) مذهب ابن الماجشون: أن أمان المرأة موقوف على جواز الإمام، فإن أجازه جاز، وإن رده رُدَّ؛ لأنها ليست ممن يقاتل، ولا ممن لهم سهم في الغنيمة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٢٦٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٨٠).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٧٦).\n(٤) عند الحنفية يجوز أمان المرأة، ولا يجوز أمان العبد. انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ١٠٦).\n(٥) وهو مذهب الحنابلة. انظر: \"الاستذكار\" لابن عد البر (٢/ ٢٦٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ١٤٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٩٥).\n(٦) واختلفوا في تعليم الكافر القرآن، فقال مالك: لا يعلم القرآن ولا الكتاب، وعن الشافعي روايتان، أحدها الكراهية، والأخرى الجواز. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٢)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ١٠٧).","vol":"3","page":317},{"text":"١٦٠ - (٦) قوله ﷿: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١].\nتقدم بيانُه قريبًا.\n* * *\n\n١٦١ - (٧) قوله ﷿: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] الآية.\n* قد علمنا بالنصِّ اليقينِ أنَّ المُعاهَدين إذا نَكَثوا أَيْمانَهُمْ، ونَقَضوا عَهْدَهُمْ، وَجَبَ قِتالُهُمْ، وقد قَدَّمْتُ أَنَّهم إذا استقاموا لنا على عَهْدِهم، وجبَ علينا أن نستقيمَ لهم.\n* وأعلمنا اللهُ سبحانَهُ أنهم إذا طَعَنوا في ديننا؛ كَطَعْنهِم في القرآنِ العزيزِ، وسَبِّهِمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، انتقضَ عهدُهم.\nوالحكمُ مستقرٌّ على هذا كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى، حتى قالَ أبو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ من الشافعيةِ: يجبُ عليهمُ الكَفُّ عن قبيحِ القولِ والعَمَلِ في حَقِّ المسلمين، وبذلُ الجميل بينهما، فلو كانوا يكرمونَ المسلمينَ، فَصاروا يُهينونَهم، ويُضيفونهم فصاروا يَقْطَعونَهم، أو يُعَظِّمونَ كتابَ الإمام فصاروا يَسَخِفُّونَ به، أو نَقَضوا عَمَّا كانوا يُخاطبونَهُ به، سألَ الإمامُ عن سببِ فِعْلِهم، فإن أَظْهَروا عُذْرًا، قَبلَهُ، وإلَّا أَمَرَهُمْ بالرُّجوعٍ إلى عادَتِهم، فإنْ فَعلوا، ثَبَّتَ عَهْدَهم، وإنِ امْتَنَعوَا، نقضَ عَهْدَهُمْ، وأَعْلمَهُمْ بِنَقْضِه (١).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردى (١٤/ ٣٨٣).","vol":"3","page":318},{"text":"* فإن قلت: فان اللهَ سبحانَه إنَّما عَلَّقَ قَتْلَهم على أَمْرَيْنِ: نَكْثِ اليمينِ، والطَّعْنِ في الدينِ، وما عُلِّقَ على أمرين، لا يوجد إلَّا بهما، ولا يوجدُ بأحدهما.\nقلنا: لَمَّا قامَ الإجماعُ على أن المُعاهَدَ إذا نَكَثَ اليَمينَ بما عاهَدَ عليه، انتقضَ عهدُه، ولا يحتاجُ إلى اشتراطِ شيءٍ آخر، دَلَّنا على أن الطَّعْنَ في الدينِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في نقضِ العهدِ؛ كالنَّكْثِ في اليمينِ، وأن التعليق بالأمرينِ على سبيلِ الانفرادِ، لا على سبيلِ الجَمْعِ، وذلكَ شائعٌ في اللسانِ (١).\n* فان قلتَ: فهل ينتقضُ عهدُ الذِّمِّيِّ بما ينتقضُ به عهدُ الحَرْبِيِّ؟\nقلنا: عهدُ الحربيِّ أضعفُ من عهدِ الذميِّ، فعقد الذمَّةِ ينتقضُ بالنَّقْضِ، وهلْ ينتقضُ بالطَّعْنِ في ديننا؟ فيه خلافٌ منتشرٌ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ (٢)، والصحيحُ عندَ الشافعيةِ عَدَمُ الانتقاضِ (٣)، وبه قالَ أبو حَنيفةَ (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٥)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٣/ ٤٠٤).\n(٢) عند المالكية: ينتقض عهد الذمي بالطعن في الدين. انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٦١).\n(٣) الأصح عند الشافعية: أنه إن شرط انتقاض العهد بها انتقض، وإلا فلا. والأمر ليس على إطلاقه، وفي المسألة تفصيل.\nانظر: \"الأحكام السلطانية\" للماوردي (ص: ١٦٤)، و\"روضة الطالبين\" (١٠/ ٣٣٠)، و\"منهاج الطالبين\" كلاهما للنووي (ص: ١٤٠).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٥).","vol":"3","page":319},{"text":"١٦٢ - (٨) قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧].\nأكثرُ المُفَسِّرينَ حَمَلوا العبارَةَ هنا على دُخولِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والقُعودِ فيه، قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"إذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ، فاشْهَدوا لهُ بالإيمان\" (١)، وإنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، فنفى الله تعالى ذلك عنهم.\nقال الحَسَنُ: يقول: ما كانَ للمشركين أن يُتْرَكوا فيكونوا أهلَ المسجدِ الحرام (٢).\nوهذا مَحْصورٌ على المشركِ، حتى لو أَوْصى بهِ لم تُقْبَلْ وصيتُه.\n* * *\n\n١٦٣ - (٩) قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].\nقد سبقَ الكلامُ على مثل هذهِ الآيةِ في هذهِ السورة، وإنما ذَكَرَ هذهِ الصِّفاتِ للبيانِ والمَدْحِ بها، كذلكَ صفاتُ عبادِه المؤمنين، لا للاشْتِراطِ\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣٠٩٣)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وابن ماجه (٨٠٢)، كتاب: المساجد والجماعات، باب: لزوم المساجد وانتظار الصلاة، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٦٨)، والدارمي في \"سننه\" (١٢٢٣)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٥٠٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٢١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٧٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٦)، عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٢/ ٢٧٤).","vol":"3","page":320},{"text":"والتعليق، وذكرتُ ما فيهِ من الاختلافِ.\nوقصدَ اللهُ سبحانَهُ بهذا الردِّ على المشركين افتخارَهُمْ بذلكَ.\nثم قال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] الآية.\nقال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في رواية الوالبي: قالَ العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ حينَ أُسِرَ يومَ بَدْرٍ: لَئِنْ كنتمْ سبقتمونا بالإسلامِ والهجرةِ والجِهاد، لقد كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسْقي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ، يعني: (أجعلتمُ سِقايةَ الحاجِّ) (١).\nفأخبرَ أَنَّ عِمارتَهُمُ المَسْجِدَ، وقيامَهُمْ على السِّقايةِ لا يَنْفَعُهُمْ معَ الشِّرْكِ باللهِ، وأَنَّ الإيمانَ باللهِ والجهادَ معَ نَبِيِّهِ - ﷺ - خَيْرٌ مِمّا هُمْ عليه.\nفإن قيلَ: خَرَّجَ مسلمٌ في \"صحيحه\" عن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: كنتُ عندَ مِنْبَرِ النبيِّ - ﷺ -، فقالَ رَجُلٌ: ما أُبالي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بعدَ الإِسلام إلَّا أَنْ أَسْقِيَ الحاجَّ، وقال آخَرُ: ما أُبالي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بعدَ الإسلامِ إلا أَنْ أَعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقال آخَرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قلتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعوا أصواتَكُم عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وهو يوم الجُمُعَةِ، ولكنْ إذا صليتُ الجمعة، دخلتُ فاستَفْتَيْتُهُ لكم فيما اختلفتُمْ فيه، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] الآية (٢).\nوهذا يدلُّ على أنها لم تنزِل رَدًّا على مُشْركيهم، وإنما نزلتْ في المؤمنين.\n_________\n(١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٩٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٧٦٨).\n(٢) رواه مسلم (١٨٧٩)، كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله.","vol":"3","page":321},{"text":"قلنا: أجابَ بعضُ المفسرينَ أن بعضَ الرواةِ تسامَحَ في قولهِ: فأنزل اللهُ الآيةَ، وإنَّما المرادُ قراءةُ النبيِّ - ﷺ - الآيةَ على عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- حين سأله، فظنَّ الراوي أنها نزَلَتْ حينئذ، وإنما استدلَّ بها النبيُّ - ﷺ -، فَتَلا على عُمَرَ ما قدْ أُنْزِلَ عليه، لا أَنَّها نزلتْ في هؤلاء (١).\nوهذا جوابٌ حَسَنٌ، ويدلُّ عليهِ قولُه تعالى ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]، والظالمون يومئذٍ أهلُ مكة.\nفإن قيل: يجوزُ الاستدلالُ على المؤمنينَ بما أُنزلَ على المشركين؟\nقلنا: ليس ذلكَ ببعيدٍ؛ فقد قالَ عمرُ -رضيَ الله تعالى عنه- لو شِئْنا لاتَّخَذْنا سَلائِقَ (٢) وشوى (٣)، وتوضَعُ صَحْفَةٌ، وترفَعُ أُخرى، ولكِنّا سَمِعْنا قولَ الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٤) [الأحقاف: ٢٠]،\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٩٢).\n(٢) كذا في \"أ\" و\"ب\": \"السلائق\" -بالسين- وهي ما سُلِق من البقول؛ قال الأزهري: معناه طُبخ بالماء من يقول الربيع، وأُكل في المجاعات. \"اللسان\" (مادة: سلق) (١٠/ ١٦٠).\nووقع في \"الزهد\" لابن المبارك، و\"طبقات ابن سعد\": \"الصلائق\" -بالصاد- وفسرها الراوي بالخبز الرقاق.\n(٣) شوى: شَوَى اللحم شيئَّا فانشوى واشتوى. والاسم الشواء.\n\"اللسان\" (مادة: شوي) (١٤/ ٤٤٦).\nقلت: ومعنى الكلام: أي لو أردنا أن نتخذ من أصناف الطعام المطبوخ والمشوي لقدرنا على ذلك.\n(٤) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (١/ ٢٠٤)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٢٧٩)، ولفظ ابن المبارك: قال عمر: إني والله! لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم طعامي، وإني والله! لو شئْتُ لكنْتُ أطيبكم طعامًا وأرقكم عيشًا، أما والله! ما أجهل عن كراكر وأسنمة، وعن صلاء وعن صلائق وصناب قال جرير: =","vol":"3","page":322},{"text":"فاستدَلَّ بِما وردَ في المُشركين عندَ وجودِ الصِّفةِ، ولم يُنْكِرْ عليه أَحَدٌ.\n* * *\n\n١٦٤ - ١٦٥ (١٠ - ١١) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٣ - ٢٤] الآيتين.\nقيل: نزلَتْ فيمَنْ لم يهاجرْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وآثَرَ حُبَّ أبيهِ وأخيهِ على حُبِّ اللهِ ورَسولهِ.\nولا شَكَّ أن المرادَ بهذهِ الموالاةِ حُبُّهم وحُبُّ أفعالِهم منَ الشِّرْكِ كما بيَّنَها اللهُ تعالى في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ومَنْ أَحَبَّ فِعْلَ مُشْرِكِ، فقدْ كَفَرَ، ومنْ أَحَبَّ مُشْركًا أَكْثَرَ منَ الله ﵎، ومِنْ رسولهِ - ﷺ -، فقد كَفَرَ؛ فإنه لو أبغضَ فعلَه الذي هو الكُفْرُ باللهِ حقيقةَ البُغْضِ لأَبْغَضَهُ.\nوليسَ المرادُ بهذهِ المُوالاةِ البّرَ والإحْسانَ، فقدْ أَوجبَ اللهُ سبحانَهُ ذلكَ في كتابِه العزيزِ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ولو كانَ المرادُ\n_________\n= الصلاء الشواء، والصناب: الخردل، والصلائق: الخبز الرقاف ولكني سمعت الله تعالى عيَّر قومًا بأمرٍ فعلوه، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾.","vol":"3","page":323},{"text":"بالولاية (١) هُنا هُوَ البِرَّ والإحسانَ، لما سَمَّاهُمْ ظالِمين، ولا فاسِقين (٢).\n* * *\n\n١٦٦ - (١٢) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n* أمرنا اللهُ سبحانَهُ بحرمانِ المُشركينَ المسجدَ الحرام، ونَبَّهَنا على العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِحِرْمانِهِم، وهي النَّجَسُ.\nوالنَّجَسُ: الشيءٌ المُسْتَقْذَرُ مِنْ كُل شيءٍ، قاله اللَّيْثُ (٣).\nوهو يقعُ على كل مُسْتَقْذَرٍ حِسًّا: كالمَيْتَةِ، والعَذِرَةِ، وعلى كُلِّ مُسْتَقْذَرٍ مَعْنًى: كالجنابَةِ، وسائِرِ الأَحْداثِ (٤).\nفيحتملُ أن يكونَ وصفَهم بالنجسِ؛ استقذارًا لَهُمْ؛ لكفرِهم، ويدلُّ عليه قولُ مُقاتِلِ: أي: هم خُبَثاءُ نَجَسٌ (٥) بالكُفْرِ ظاهِرًا، وبالعَداوَةِ باطنًا (٦).\n_________\n(١) \"بالولاية\": ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٧٨)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤٦٢/ ٢).\n(٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٧/ ١٤٦).\n(٤) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ٤ - ٥)، و\"لسان العرب\" (٦/ ٢٢٦) مادة (نجس)، و\"أساس البلاغة\" للزمخشري (٦٢٠).\n(٥) \"نجس\": ليس في \"أ\".\n(٦) روى الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ١٠٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٧٧٥) عن قتادة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؛ أي: أجناب.\nوروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٧٧٥) عن ابن عباس قوله: في قوله: =","vol":"3","page":324},{"text":"ويحتملُ وصفُهم بذلكَ لعدمِ تَطَهُّرِهِمْ من النجاسَةِ، والمعنى: ذَوو نَجَسٍ، وإليه يرشدُ قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: يريد: لا يَغْتَسِلونَ من الجَنابة، ولا يَتَوَضَّؤون للهِ، ولا يُصَلُّون لهَ.\nويحتملُ أن يكونَ وصفَهم لنجاسةِ أعيانِهم، ويروى القولُ بنجاسَةِ أعيانِهم عن ابنِ عباسٍ، والحَسَنِ -رضي الله تعالى عنهم- (١).\nوأوجبَ الحَسَنُ على مَنْ صافَحَهُمُ الوُضوءَ (٢).\nويدلُّ عليه مفهومُ قولهِ - ﷺ - لأبي هُريرةَ -رضي الله تعالى عنه-: \"إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيْتًا\" (٣).\nوهذان (٤) الاحتمالانِ ضعيفانِ، وحديثُ أبي هريرة مُتَأَوَّل، ويدلُّ على ذلكَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - رَبَطَ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ في المسجدِ (٥)، ودخلَ أبو سفيانَ\n_________\n= ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، قال: النجس: الكلب والخنزير. وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٠٣).\n(١) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ٢٤٨)، و\"تفسير الطبري\" (٨/ ١٠٣).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٥٧٢٧) (٥/ ٢٤٧)، والطبري في \"التفسير\" (١٠/ ٢٠٦).\n(٣) رواه البخاري (٢٨١)، كتاب: الغسل، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، ومسلم (٣٧١)، كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس، عن أبي هريرة بلفظ: \"المؤمن لا ينجس\"، وقد رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١١٣٤)، وعلقه البخاري في \"صحيحه\" (١/ ٤٣٢)، عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله بلفظ: \"المؤمن لا ينجس ... \" وعند البخاري: \"المسلم\".\n(٤) حصل في نسخة \"ب\" هنا سقط بمقدار لوحة كاملة، يبتدأ من قوله هنا: \"وهذان الاحتمالان ضعيفان\" وينتهي بقوله: (ص: ٣٣٢): \"فإن قلتَ: فأهل الكتابِ يقرون بالله واليوم الآخر .. \".\n(٥) رواه البخاري (٤٥٠)، كتاب: المساجد، باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط =","vol":"3","page":325},{"text":"مسجدَ النبيِّ - ﷺ - وهو مشركٌ عندَ إقبالِه لتجديدِ العهدِ حينَ خَشِيَ نَقْضَهُ بما أَحْدَثَهُ بنو بكرٍ على خُزاعَه (١).\nورُوي أن النبيَّ - ﷺ - أنزلَ وَفْدَ ثَقيفٍ في المَسْجِدِ، فقيلَ: إنَّما هم قَوْمٌ أنجاسٌ، فقال: \"ليسَ على وَجْهِ الأَرْضِ منْ أَنْجاسِ الناسِ شيءٌ، إنما أنجاسُهم على أَنْفُسِهِمْ\" (٢).\nوالحقُّ أن مَنْعَهُمْ ذلكَ لتشريفِ البُقْعَةِ الطَّاهِرَة مِنَ النَّجَسِ مَعْنَّى؛ لأنهُ أعظمُ مَفْسَدَةً من النَّجَسِ حِسًّا، ولم يأمُرِ اللهُ سبحانَهُ بتطهير المَسْجِدِ الحَرام الذي هو المُرادُ في هذهِ الآيةِ، وهو الحَرَمُ، منَ النجاسَةِ الحِسّيَّةِ أبدًا.\nوقد بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - صِفَةَ هذا التَّنْزيهِ فيما بَعَثَ بهِ عَلِيًّا -رضي الله تعالى عنه- ليبلغ عنهُ: ألا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبيتِ عُرْيانُ (٣).\nوجَوَّزَ أبو حنيفةَ للذِّمِّيِّ دُخولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، حتى الكعبةِ (٤).\nواستدلَّ بحديثِ ثُمامَةَ بنِ أُثالِ، ووَفْدِ ثَقيفِ، وخَصَّصَ الآيةَ بمُشْركي العَرَبِ؛ لأنه لا يُقْبَلُ منهم إلا الإِسلامُ، أو السيفُ.\nوتَخْصيصُهُ تَحَكُّمٌ لا دليلَ عليه؛ لأن اللهَ سبحانَهُ شَرَعَ ذلكَ تَنْزيهًا\n_________\n= الأسير أيضًا في المسجد، ومسلم (١٧٦٤)، كتاب: الجهاد والسير، باب: ربط الأصير وحبسه وجواز المن عليه، عن أبي هريرة.\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٦٩٠٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٣١٢)، عن عكرمة مرسلًا، ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٥٩٩٦)، عن ابن عمر، في حديث طويل.\n(٢) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣)، عن الحسن البصري مرسلًا.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاسانى (٥/ ١٢٨)، و\"العناية شرح الهداية\" للبابرتي (١٠/ ٢٢٩).","vol":"3","page":326},{"text":"وتَقْديسًا لِمَسْجِدِهِ الحَرامِ، وبينَ أن العِلَّةَ في ذلكَ هيَ نَجَسُ المشركينَ، والحَرْبِيُّ والكتابِيُّ في هذا المَعْنى سَواءٌ، فلا يُمَكَّنُ من دُخولِ الحَرَمِ، فإن تَعَدَّى ودَخَلَ وماتَ، نُبِشَ قَبْرُهُ، وأُخْرِجَ، وإن تَغَيَّرَ واستَرَمَّ (١) (٢).\n* ثم بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - مَعَ كتابِ الله تَعالى أَنَّ لحريمِ المَسْجِدِ الحَرام منَ التنزيهِ ما للمسجدِ؛ صيانَةً للحَرَمِ، فأجلى اليَهودَ منَ المدينةِ، وأوصى في مَرَضِ مَوْتهِ بإخْراجِ المُشْركينَ من جَزيرةِ العربِ (٣).\nفأخذَ قومٌ بعُمومِ الإطْلاقِ في الجزيرةِ.\nوجزيرةُ العَرَبِ في قَوْلِ الأَصْمَعِيِّ من أَقْصى عَدَنٍ وما والاها منْ أرضِ اليَمَنِ كُلِّها إلى أطرافِ الشامِ طولًا، ومِنْ جُدَّةَ وما والاها منْ ساحِلِ البَحْرِ إلى أَقْصى العِراقِ عَرْضًا (٤).\nوفي قولِ أبي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى: ما بَيْنَ حفرِ أبي موسى إلى أقصى\n_________\n(١) استرم: رمَّ العَظمُ يَرِمُّ رِمَّةً: بليَ والرَّميمُ: الخَلَقُ البالي من كل شيء.\n\"اللسان\" (مادة: رمم) (١٢/ ٥٣).\n(٢) ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى منع دخول المشرك المسجد الحرام، ثم إنهما اختلفوا هل يعمم الحكم على كل المساجد أم يبقى مخصوصًا بالمسجد الحرام؟ انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣٣٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٦٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٨٦).\n(٣) وذلك كما في البخاري (٢٨٨٨)، ومسلم (١٦٣٧) عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاثٍ منها: \"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\".\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٩٣).\nوانظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ٦٧)، \"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (٧/ ١٨٨)، و\"الفائق\" للزمخشري (١/ ٢٠٩)، و\"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":327},{"text":"تِهامَةِ اليَمَنِ طولًا، وما يَبْرينَ إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ إلى ما وراءَ مَكَّةَ عرضًا.\nقال: وما كانَ دونَ ذلكَ إلى أرضِ العراقِ، فهو نَجْدٌ (١).\nوخَصَّهُ الشافِعيُّ بالحِجازِ، وهي مَكَّةُ والمَدينةُ واليَمامَةُ ومخاليفُها، أي: قُراها وأعمالُها (٢).\nقال إمامُ الحَرَمَيْنِ: قال الأصحابُ: الطائِفُ ووَجٌّ (٣) وما يُضاف إليها منسوبةٌ إلى مَكَّةَ، معدودةٌ من أعمالِها، وخَيْبَرُ من مخاليفِ المَدينة (٤).\nوزادَ مالكٌ: اليَمَنَ ومَخاليفَها (٥).\nواستدل الشافعيُّ على التَّخْصيصِ بأنه لم يُعْلَمْ أَحَدٌ من الخُلَفاء أَجْلى مَنْ في اليَمَنِ من أهلِ الذِّمَّةِ، وهيَ من جزيرةِ العربِ (٦).\n* ثم اختلفوا أيضًا في إلْحاقِ هذه المواطِنِ الشريفَةِ ما كانَ في مَعْناها من سائرِ البِلاد.\nفألحقها مالِكٌ، وقال: يُمْنَعون منَ المساجِد كُلِّها (٧).\nولم يلحقْها الشافِعيُّ، وجَوَّزَ لهم دُخولَها بشرطِ اسْتِئذانِ أحدِ\n_________\n(١) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ٦٧).\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ١٣٠)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٣/ ٧٦).\n(٣) وَجٌّ: واد في الطائف، أو موضع بناحية الطائف.\n(٤) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٣٠٨).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٨/ ٢٤٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٠٤).\n(٦) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٧٨).\n(٧) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٠٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٤٥٩).","vol":"3","page":328},{"text":"المسلمين، واستدلَّ بحديثِ ثُمامَةَ بنِ أُثالٍ وأبي سفيان (١).\n* * *\n\n١٦٧ - (١٣) قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nقد قدمتُ في \"سورةِ البقرةِ\" و\"الأنفالِ\" كيفيةَ الجَمْع بِينَ هذهِ الآيةِ وبينَ ما يعارِضُها.\nومن أجلِه قَصَرَ الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى- قَبولَ الجِزْيَةِ على أهلِ الكِتابِ؛ لمَفْهومِ هذه الآية، ولمفهومِ قوله - ﷺ - في المَجوسِ: \"سُنُّوا بهِم سُنَّةَ أهلِ الكِتابِ\" (٢)؛ وهذا يَقْتَضي تَخصيصَ سُنَّةِ الجِزْيَةِ بأهلِ الكتاب (٣).\nوفي مذهبهِ اختلافٌ في إِلحاق السَّامِرَة (٤)، والصَّابِئينَ (٥)، والمُتَمَسِّكينَ بِصُحُفِ إبراهيمَ وزَبورِ داودَ بأهلِ الكِتاب (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٨٠)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٨٧).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٢٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٣٩).\n(٤) السامرة: قبيلة من قبائل بني إسرائيل، قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم، إليهم نسب السامري.\nانظر: \"المحلل والنحل\" للشهرستاني (١/ ٢١٨)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٤/ ٣٨٠).\n(٥) الصابئون: صنف من النصارى وافقوهم على بعض دينهم وخالفوهم في بعضه، وقد يسمى باسمهم ويضاف إليهم قوم يعبدون الكواكب ويعتقدون أنها صانعة مدبرة. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٢٣).\n(٦) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٥٠)، و\"الوسيط\" للغزالي (٧/ ٦١).","vol":"3","page":329},{"text":"وذهب قومٌ إلى قَبولِ الجِزْيَةِ من كُلِّ مُشْرِكٍ، واعتمدوا حديثَ سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ الذي قَدَّمْتُهُ في \"سورةِ البقرة\"، وبهذا قالَ مالِكٌ (١).\nوذهبَ آخرون إلى استثناءِ مُشْرِكي العرب، وبهِ قالَ أبو حنيفة (٢).\nونقلَ بعضُ العلماءِ الاتفاقَ على استثناءِ القُرَشِيِّ، فلا يُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ.\nواختلفوا في عِلَّتِهِ: فقيلَ: تشريفًا لهُ عن الذِّلَّةِ والهَوان؛ لمكانِهِ من رسولِ الله - ﷺ -.\nوقيل: لأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ آمَنَتْ بعدَ الفَتْحِ، فلا يُقْبَلُ منه إلا الإِسلام (٣).\nومُقْتَضى الخِطابِ أنهم إذا بَذَلوا الجِزْيَةَ، وَجَبَ الكَفُّ عن قتالِهم، وهو كذلكَ، إلا أن يُخاف غائِلَتُهم (٤)، ويُخْشى منهمُ المَكْرُ والخَديعةُ.\nوإذا بذلوا الجزيةَ فلا يجُب عليهم إعطاؤها إلَّا بعدَ الحَوْلِ من وقتِ التزامِها، فالإعطاءُ هو الالتزامُ، لا حقيقةُ الإيتاء.\n* ومتى وَجَبَ قَبولُ الجِزْيَةِ، فلا بُدَّ من اقترانِها بالصَّغارِ والهَوانِ؛ كما أمرَ اللهُ سبحانه.\nوالصغارُ عندَ الشافِعيُّ، هو: التزامُهُمْ لِجَريانِ أحكامِ الإِسلامِ عليهم في عَقْدِ الذِّمَّةِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٢١٧).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٨٣)، و\"البحر الرائق\" لابن نجيم (٥/ ١٢٠).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١١١).\n(٤) غائلتهم: الغَول: الخيانة، الغائلة والمَغَالة: الشَّرُّ، والغوائل: الدواهي.\n\"اللسان\" (مادة: غول) (١١/ ٥٠٩).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٧٦).","vol":"3","page":330},{"text":"وقالَ بعضُهم: هو أن تُؤْخَذَ منهمُ الجزيةُ من قِيامٍ، والآخِذُ قاعدٌ، ويروى عن عكرمة (١).\nوزاد أبو حامدٍ الغزاليُّ: وأن يَضْرِبَ بيدِه في لَهْزَمَتِهِ (٢)، وأنكرَهُ عليهِ أَبو زَكَرِيّا النَّوَوِيُّ، ومَنَعَهُ، وأَباهُ (٣).\nوقالَ بعضُهم: أن تؤخذ منهمُ الجزيةُ من قِيامٍ باليَسار.\nوقال بعضهم: يمشون بها كارهين (٤).\nوأمَّا اليَدُ: فتقعُ على القُدْرَةِ مِنّا عليهم مَجازًا.\nتقعُ على المِنَّةِ مِنّا عليهِم مَجازًا أيضًا (٥)؛ حيث تَرَكْناهُم من القَتْل، وهو قولُ قتادةَ (٦).\nوتقع على حقيقةِ اليَدِ، وهو أن يُعْطوها بأيديهم، ولا يَبْعَثون بها، وقد فَسَّرَ ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما- ذلك، فقالَ: هو أن يُعْطوها بأيديهم يَمْشون بِها كارهين، ولا يجيئون بها رُكبانًا، ولا يُرْسِلون بها (٧).\n_________\n(١) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٠/ ١١٠)، ولفظه: قال عكرمة: \"أي: تأخذها وأنت جالس وهو قائم\".\n(٢) اللِّهْزِمَة: عظم ناتئ في اللّحى تحت الأذن. انظر: \"المصباح المنير\" للفيومي (٢/ ٥٥٩).\n(٣) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٣١٥).\n(٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٢٩)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ٤٦٠).\n(٥) انظر: \"المحكم\" لابن سيده (٩/ ٣٦٦).\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٨٠).\n(٧) ذكره الطبري في \"التفسير\" (١٠/ ١١٠) وقال: روي عن ابن عباس بوجه فيه نظر.","vol":"3","page":331},{"text":"وإن رأى الإمامُ المَصْلَحَةَ في وَضْع الصَّغارِ عن بعضِ أهلِ الكِتابِ على الخُصوص، جازَ؛ كما فعلَ عُمَرُ -رضي الله تعالى عنه- في نَصارى العرب، وهُمْ بَهْراءُ وتنَوخُ وَتغْلِبُ لَمّا امْتَنَعوا من بَذْلِ الجِزْيَةِ، وقالوا: نحنُ قومٌ عربٌ، لا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ كما تُؤَدَّي العَجَمُ، ولكنْ خُذْ مِنّا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ كما تَأْخُذُ من العربِ، فامتنعَ عمرُ من ذلك، فنفروا من ذلك، ولَحِقَ بعضُهُم بالرُّومِ، فقالَ النُّعْمانُ بنُ زُرْعَةَ، أو زُرْعَةُ بنُ النُّعْمانِ: يا أميرَ المؤمنين! إنَّ فيهم بأسًا وشِدَّةً، وإنهم عَرَبٌ يَأنَفونَ من الجِزْيَةِ، فلا تُعِنْ عَدُوَّكَ عليكَ، فخذ منهمُ الجزيةَ باسمِ الصَّدَقَةِ، فبعث إليهم عُمَرُ، ورَدَّهُمْ، وضاعَفَ عليهمُ الصَّدَقَةَ (١).\n* فإن قلتَ (٢): فأهلُ الكِتابِ يُقِرُّونَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فما وَجْهُ وَصْفِهم بأنَّهم لا يؤمنونَ باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ؟\nقلنا: قد بيَّنَ اللهُ -ﷻ، وتقدَّسَتْ أسماؤه- وَجْهَ كُفْرِهِمْ بهِ، وعَدَمَ تقديسِهم لهُ، فقالَ حاكيًا عَنْهُمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [التوبة: ٣١]، وقالوا في اليوم الآخر بافترائهم على الله سبحانه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فهم لم يُؤْمِنوا بالله، ولا باليومِ الآخِرِ، ولم يَدينوا دِيْنَ الحَقِّ.\n* ولما أمرَ اللهُ ﷾ بقتالِ أهلِ الكتابِ، وكانَ لا يقاتِلُنا منهم\n_________\n(١) رواه أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" (ص ٣٧)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ١١٢).\n(٢) إلى هنا ينتهي السقط المشار إليه في نسخة \"ب\" كما تقدم (ص: ٣٢٥).","vol":"3","page":332},{"text":"إلا الرجالُ البالِغونَ القائِمونَ بالقِتال، استدلَلْنا بهذا (١) على أنَّ من لا قِتال منه؛ كالنِّساءِ والصِّبيانِ والرُّهْبانِ لا جِزْيَةَ عليهم؛ لكونِهم في أمانٍ من قَتْلِنا إياهُم، فلا يحتاجون إلى بَذْلِ جزيةِ الكَفِّ عنهم، وعلى هذا المعنى الذي اسْتَنْبَطَهُ أهلُ العِلْمِ دَلَّتِ السنَّةُ على اعتبارهِ.\nفرُويَ أَنَّ عُمَرَ -رضيَ الله تعالى عنه- كتبَ إلى أمراءِ الأجناد: أَلاّ يَأْخُذوا الجِزْيَةَ من النِّساءِ والصِّبْيانِ (٢).\n* ثم اختلفوا في تفصيلِ هذا الاستنباطِ، هلِ الجزيةُ بدلٌ عن الدمِ خاصَّةً، أو بدلٌ عن الدَّمِ وسُكنى الدار؟\nفيه خلافٌ، وبالأولِ أخذَ مالِكٌ (٣)، وبالثاني أخذَ الشافِعِيُّ (٤)، وقولُ مالِكٍ هُنا هو الظاهِرُ.\nويظهر أثرُ الخِلاف فيما إذا أسلمَ في أثناءِ الحَوْلِ، هل يجبُ عليهِ تسليمُ القِسْط؟ (٥)\n* وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الجزيةَ، ولم يَحُدَّها بِحَدٍّ.\nوروي أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"خُذْ منْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا، أو عَدْلَهُ ثَوْبَ\n_________\n(١) \"بهذا\": ليس في \"أ\".\n(٢) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢/ ٢٨٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٠٩٦): أن عمر -﵁- كان يكتب إلى أمراء الأجناد: \"ألاّ يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي، ولا يأخذوا الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي، ولا يأخذوا من صبي ولا امرأة\".\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي \"٢/ ٤٨١\"، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١١٣).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣١٣)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٢٧).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٤٩).","vol":"3","page":333},{"text":"مَعافِرَ\" (١)، وهي ثيابٌ منسوبةٌ إلى معافِرَ من أرضِ اليَمَنِ، وبهذا أخذ أحمدُ في تحديدِ الجزيةِ، فلا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه.\nوجعله الشافعيُّ تحديدًا لأقلِّ الجزيةِ؛ لأنه لم يُنْقَلْ أَقَلُّ منها، ولا حَدَّ لأكثرِها، بل هو (٢) ما يوافِقُهُمْ عليهِ الإمامُ (٣).\nوأخذ مالكٌ بما فَرَضَه عُمَرُ -رضي الله تعالى عنه- (٤)، ففرضَ على أهلِ الذَّهَبِ أربعةَ دنانير، وعلى أهل الوَرِقِ أربعين دِرْهَمًا، ومع ذلك أرزاقُ المسلمين، وضيافَةُ ثلاثةِ أيامِ، لا يُزادُ عليهِ، ولا يُنْقَصُ منه (٥).\nوروي عنهُ أيضًا (٦) أنه بَعَثَ عُثْمانَ بنَ حُنَيْفٍ، فوضعَ الجزيةَ على أهلِ السوادِ ثمانيةً وأربعينَ دِرْهَمًا (٧)، وأربعةً وعشرينَ، واثني عَشَرَ (٨)، وبهذا\n_________\n(١) رواه النسائي (٢٤٥٠)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة البقر، والترمذي (٦٢٣)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة البقر، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٣٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٨٤١)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٦٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٨٨٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٠٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٤٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٨)، عن معاذ بن جبل.\n(٢) \"و\": ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٧٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٢٩٩).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٤٤)، و\"الذخيرة\" للقرافي (٣/ ٤٥١).\n(٥) رواه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٩).\n(٦) \"أيضًا\": ليس في \"أ\".\n(٧) \"درهمًا\"ـ ليس في \"أ\".\n(٨) رواه أبو عبيد في \"الأموال\" (ص: ٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٣٤).","vol":"3","page":334},{"text":"أخذَ أبو حنيفةَ، فخالَفَ بينَ الغَنِيِّ والفقيرِ، والمُعْتَمِلِ والمُتَوَسّطِ (١).\nولما رأى قومٌ أن ليسَ في التقديرِ عنِ النبيِّ - ﷺ - حديثٌ متفق على صِحَّته، ورأوا هذا الاختلافَ في التقديرِ، استدل على أنه باجتهادِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-، فأخذوا بظاهِرِ الكتِابِ، وقالوا: لا حَدَّ فيه، بل الحَدُّ مَصروفٌ إلى اجتهادِ الإمامِ، وبهذا قال الثَّوْرِيُّ وهو مذهبٌ قَوِيُّ الذَّليلِ (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٩٠)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٦/ ٤٦).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٤٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٥).","vol":"3","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>(من أحكام الزكاة)</span>\n١٦٨ - (١٤) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].\n* توعَّدَ الله سبحانه على تركِ النفقةِ منَ الذهبِ والفِضَّةِ بالعذابِ الأليم.\nوالكَنْزُ في كَلامِ العَرَبِ: الجَمْعُ، ومنه لَحْمٌ مُكْتَنِزٌ، أي: مُجْتَمِعٌ (١).\nفأوجَبَ اللهُ علينا الإنفاقَ منها.\nومعلومٌ أنه لم يُرِدْ إنفاقَ جَميعِها.\nقال ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما-: لا يُؤَدُّونَ زَكاتَها، وما أُدِّيَ زَكاتُهُ فليسَ بِكَنْرٍ (٢).\nواعتقدَ قومٌ عُمومَ الإنفاقِ في جميعِها، فادَّعوا نسخَها (٣) بقولهِ تَعالى:\n_________\n(١) انظر: \"لسان العرب\" (٥/ ٤٠١) مادة (كنز).\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٥٢٠)، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ١٧٧).\n(٣) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١١٥).","vol":"3","page":336},{"text":"﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، ورويَ ذلكَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وعِراكِ بنِ مالِكٍ (١).\nوروى البخاريُّ، عن ابنِ عُمَرَ -رضيَ الله تعالى عنهما-: أنَّ هذا قبلَ أن تنزلَ الزكاةُ، فلما أُنزلتْ، جعلها اللهُ طُهْرًا للأمْوالِ (٢).\nوالصحيحُ عدمُ النسخِ، إذ لا تَعارُضَ بينَهُما.\n* وبيّنَ النبيُّ - ﷺ - القَدْرَ الذي يَجِبُ فيه الإنفاقُ.\nفقال: \"ليس فيما دونَ خَمْسَةِ أَوْسقٍ صَدَقَةٌ\" (٣)، وفي رواية: \"ليسَ فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقَة\" (٤) والأُوقِيَّةُ أربعونَ دِرْهَمًا.\nوبيَّنَ القدرَ الواجبَ، فقال: \"وفي الرَّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ\" (٥).\nوعلى الحُكْمِ في الفِضَّةِ وقعَ الإجماعُ (٦).\n* وأما الذَّهَبُ، فاختلفوا في نِصابِهِ:\nفذهبَ جُمهورُ أهلِ العلمِ؛ كمالِكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وعامَّةِ فُقهاءِ الأَمْصارِ إلى أنه عِشرْون دينارًا (٧).\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٧٨٩)، وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ١٧٩).\n(٢) رواه البخاري (١٣٣٩)، كتاب: الزكاة، باب: ما أبي زكاته فليس بكنز.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) رواه البخاري (١٣٩٠)، كتاب: الزكاة، باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ومسلم (٩٧٩) في أول كتاب: الزكاة، عن أبي سعيد الخدري.\n(٥) رواه البخاري (١٣٨٦)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق.\n(٦) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٤٣).\n(٧) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٨٦)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب =","vol":"3","page":337},{"text":"واستدلوا بما رواهُ عَمْرو بنُ شُعَيْبِ، عن أبيهِ، عن جَذه عنِ النبيِّ - ﷺ -: أنه قال: \"ولا في أقلَّ من عشرينَ مِثْقالًا مِنْ ذَهَبٍ شيِءٌ\" (١)، وبما رواه الحسنُ بنُ عُمارَةَ عن أبي إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ ضمْرَةَ، عَنْ علىٍّ -رضي الله تعالى عنه- عن النبي - ﷺ - قال: \"قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقيقِ، فهاتوا مِنَ الرِّقَةِ رُبُعَ العُشْرِ، مِنْ كُلِّ مِئَتَي درهمٍ خَمْسَةُ دَراهِمَ، ومن كُلِّ عِشرينَ دينارًا نصفُ دينارٍ، وليسَ فيِ مِئَتَي درهمٍ شيءٌ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ، ففيها خمسةُ دَراهِمَ، وما زادَ فَفي كُلِّ أربعينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وفي كُلِّ أربعةِ دَنانيرَ تزيدُ على العِشرين دينارًا دِرْهَمٌ حتى تبلغَ أربعينَ دينارًا، ففي كُلِّ أربعينَ دينارًا دينارٌ، وفي كُلٍّ أربعةٍ وعشرينَ نِصْفُ دينارٍ ودِرْهَمٌ\" (٢).\nواستدل مالِكٌ بعملِ أهلِ المدينةِ، فقال في \"الموطأ\": السنَّةُ التي لا اختلافَ فيها عندنا أن الزكاةَ تجبُ في عِشْرينَ دينارًا كما تَجِبُ في مئتي درهمٍ (٣).\n_________\n= (٢/ ٢٩١)، و\"الأم\" للشافعي (٢/ ٤٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٢٦٧)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٨٩)، و\"ردّ المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٢٩٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ٢١٤)، وهو مذهب الإِمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣١٩)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٢/ ٣٤٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٢٨).\n(١) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٩٣)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (٥٢٠٦).\n(٢) رواه الترمذي (٦٢٠)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧٠٧٧)، والدارمي في \"سننه\" (١٦٢٩)، والخطيب البغدادي مختصرًا في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ١٤١)، عن علي بن أبي طالب.\n(٣) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٢٤٦).","vol":"3","page":338},{"text":"وذهب قومٌ وأكثرُ أهلِ الظاهِرِ إلى أن نِصابَ الذهبِ أربعون دينارًا (١).\nواعتلُّوا بأنه لم يثبتْ عنِ النبيِّ - ﷺ - في الذَّهَبِ كما ثَبَتَ في الفِضَّةِ، أما حديثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، ففي إسنادِه ضَعْفٌ، وأما حديثُ الحَسَنِ بنِ عُمارَةَ، فقالوا أيضًا: ليسَ مِمَّا يجبُ العملُ به؛ لانفرادِ الحَسَنِ به، واستَمْسَكوا بمَحَلِّ الإجماع، وهو أربعون دينارًا.\nوذهبَ قومٌ منهم عطاءٌ والزهريُّ إلى اعتبارِ الذهبِ بالفِضَّةِ، وجعلوها أصلًا للذَّهَبِ فيما دونَ أربعينَ دينارًا، فأوجبوا فيهِ الزكاة (٢)، وإذا بلغَ صَرْفُهُ مئتي دِرْهَمٍ، وإن كانَ وزنُه دونَ العِشْرين دينارًا حتى يبلغَ أربعينَ دينارًا، فإذا بلغَتْها اعْتبُرَ بنفِسه، وتمسَّكوا فيما دون مَحَلِّ الإجماعِ بقولِه - ﷺ -: \"ليسَ فيما دونَ خَمْسِ أواقٍ من الرِّقَةَ صَدَقَةٌ\" (٣) وقالوا: إن الرِّقَةَ الذهَبُ والفِضَّةُ.\nولكنهم لم يسلمْ لهم ذلكَ، بل قالَ أكثرُ الناسِ: الرِّقَةُ الفِضَّةُ خاصَّةً، وقال بعضُهم: الرِّقَةُ الدَّراهِمُ خاصَّةً، وهو ضعيفٌ.\n* وفي عُموم الآيةِ دَلالةٌ على وجوبِ الزكاة في الحُلِيِّ.\nوبهِ قالَ عمرُ بنُ الخطابِ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنيفَةَ، والشافِعيُّ في أَحَدِ قوليه (٤).\n_________\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٧٢).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣١٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٢٦٧).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٤١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٢٧١)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٣ - ٢٦)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٧ - ١٨)، والأظهر عند الإِمام الشافعي: أنه لا زكاة في المباح من الحلي، انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٩٠).","vol":"3","page":339},{"text":"واستدلُّوا بما رُوي أنَّ امرأةً من اليَمَنِ أَتَتِ النبيَّ - ﷺ -، ومَعَها ابْنَتُها، وفي يدِها مُسْكَتانِ غَليظَتانِ منْ ذهَبٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﵊: \"أَتُؤدِّينَ زكاةَ هذا؟ \" فقالت: لا، فقالَ ﵊: \"أَيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرَكِ اللهُ بسِوارَيْنِ منْ نارٍ؟ \" فخلعَتْهما، وألقتهما، وقالت: هما للهِ ولرسوله (١).\nوقال قومٌ: لا تجبُ في الحُلِيِّ زكاةٌ؛ قياسًا على ثيابِ البَدَنِ وعَوامِلِ الإِبِلِ والبَقَرِ.\nوبهِ قالَ جابِرٌ، وعائشةُ، والحَسَنُ، وابنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، واختارَهُ الشافِعِيُّ بِمِصْرَ (٢).\n* إذا تَمَّ هذا، فقد نقلَ أبو الحسنِ الواحِدِيُّ عن أكثرِ المفسرينَ: أَنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] مُسْتَأْنَفٌ نازِلٌ في هذهِ الأُمَّةِ.\nوعن قومٍ منهم أَنَّها فينا وفي أهلِ الكتابِ.\nوخَرَّجَ البخاريُّ عن زَيْدِ بن وَهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ على أبي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ، فقلت: ما أنزلكَ بهذهِ الأرض؟ قال: كُنّا بالشامِ، فقرأتُ: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٥٦٣)، كتاب: الزكاة، باب: الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، والنسائي (٢٤٧٩)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الحلي، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١١٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٠)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٢٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٥١٩)، و\"معرفة الآثار والسنن\" للبيهقي (٣/ ٢٩٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٣٢٢)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٤٣١)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٣٤).","vol":"3","page":340},{"text":"يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] قال مُعاوِيَةُ: ما هذه (١) فينا، ما هذه إلا في أهلِ الكِتابِ، قال: قلت: إِنَّها لَفينا وفيهم (٢).\nفإن قيل: فالكنايَةُ إلامَ ترجعُ؟\nفالجوابُ: أنه يجوزُ أن ترجع إلى الكنوزِ، ويجوز أن ترجع إلى الفضة، إمّا لأنها أعَمُّ من الذهبِ، أو لأنَّها أقربُ في الذِّكْرِ كما قال الشاعرُ (٣): [البحر الخفيف]\nإنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأَسْـ ... ـود ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنونا\nأو للاكتفاء بذكرِها عن ذكرِ الذهبِ؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وكقول الشاعِر (٤): [البحر المنسرح]\nنَحْنُ بما عِنْدَنا وأَنْتَ بِما ... عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ\n* * *\n_________\n(١) في \"أ\": \"هذا\".\n(٢) رواه البخاري (٤٣٨٣)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ...﴾.\n(٣) هو حسان بن ثابت. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٣/ ١٧)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٣/ ٢٩).\n(٤) نسب في \"خزانة الأدب\" (٢/ ١٩٠)، وفي \"لسان العرب\" (٥/ ٤٦) لعمرو بن امرئ القيس الأنصاري من قصيدة يخاطب بها مالك بن العجلان. وعند \"سيبويه\" (١/ ٣٨) لقيس بن الخطيم.","vol":"3","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٦٩ - (١٥) قوله ﷿: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].\n* أَعْلَم (١) اللهُ -﷾- في غيرِ ما مَوْضِعٍ من كتابهِ العزيزِ تعظيمَهُ لشأنِ الأَشْهُرِ (٢) الحُرُمِ.\nوقد قَدَّمْتُ ذكرَ ذلكَ في مواضِعَ من كتابي هذا.\nوكانَ تعظيمُها من دينِ إبراهيمَ وإسماعيلَ -﵉- وتَمَسَّكَتْ بهِ العربُ، ثم غَيَّرَتْهُ بِالنَّسيءِ، فَأحَلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ، فأبطلَ اللهُ سبحانَهُ كُفْرَهُمْ وقَبيحَ ابتداعِهم، وحَرَّمَ علينا الظُّلْمَ فيهِنَّ، وخَصَّهُنَّ بالذِّكْرِ تعظيمًا لشأنِهِنَّ، وتَغْليظًا للظُّلْمِ فيهنَّ، وإنْ كانَ الظلمُ حرامًا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.\nوقد رُوي عن الصَّحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- التَّغْليظُ في الجنايَةِ فيهنَّ وفي البَلَدِ الحرام.\n_________\n(١) في \"ب\": \"أعلمنا\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"الأربعة\".","vol":"3","page":342},{"text":"فروى ابنُ جُبَيْرٍ أَنَّ رجلًا قتلَ رجُلًا في البلدِ الحَرام، وفي الشَّهْرِ الحَرام.\nفقال ابنُ عباسٍ: ديتُهُ اثْنا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وأربعةُ آلافٍ تغليظًا للحَرَمِ، وأربعةُ آلافٍ تغليظًا للشهر الحَرامِ (١)، فَكَمَّلَها عِشرين ألفًا.\nوروي عن عُمَرَ -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: من قتلَ في الحَرَمِ، أو في الأشهُرِ الحُرُم، أو ذا رَحِمٍ محرمٍ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ (٢).\nوبهذا قال أكثرُ العلماءِ، فغلَّظُوا الدِّيَةَ بذلك؛ كابنِ المسيَّبِ، وابنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهدٍ، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والزُّهْرِيِّ، وقتَادَةَ، وإليه ذهبَ الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٣).\nوأما الباقونَ، فلم يُغَلِّظُوا بالجنايةِ في هذهِ الحرماتِ، ومنهم الشعبيُّ، والنخعيُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ (٤).\nثم اختلف القائلون بالتَّغْليظِ.\n_________\n(١) رواه ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٣٩٧).\n(٢) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧١).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٣٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢١٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٩٨)، و\"سنن البيهقي الكبرى\" (٨/ ٧٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٥٤)، و\"الفروع\" لابن مفلح (٦/ ٧١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٨/ ١٣٧)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢٧٦١٠)، و(٢٧٦١١)، و(٢٧٦١٢)، و(٢٧٦١٧).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ٢١٠)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (١٧٢٩٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣١٣)، و\"شرح منتهى الإرادات\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"3","page":343},{"text":"فذهبَ أحمدُ إلى أن التغليظَ يكونُ بثلثِ الديةِ، وأنه (١) يُجْمَعُ بين تغليظَيْنِ؛ لما رويَ عن عمرَ وابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم (٢) -.\nوذهبَ الشافعيُّ في الجديد إلى أن التغليظَ إنما يكونُ بأسنانِ الإبلِ؛ كقتلِ العَمْدِ، وأنه لا يُجمع بينَ تَغليظين؛ كما لو قتلَ المُحْرِمُ صَيْدًا في الحَرَمِ؛ فإنه لا يجبُ إلَّا جزاءٌ واحدٌ (٣).\n* وأعلمنا اللهُ سبحانه أَن عِدَّتَها أربعةٌ، ولم يختلفِ الناسُ في أعيانِها، وإنما اختلفوا في ترتيبِها:\nفقال الكوفيون: أَوَّلُها المُحَرَّمُ، ثم رَجَبٌ، ثم ذو القَعْدَةِ، ثم ذو الحجَّةُ، وجعلوها من سنةٍ واحدةٍ.\nوجعلها أهلُ المدينةِ من سنتينِ.\nثُمَّ اختلفوا أيضًا في ترتيبِها، فقال بعضُهم: أولُها ذو القَعْدَة، ثم ذو الحِجَّة، لمَّ المُحَرَّمُ، ثم رجبٌ.\nوقالَ بعضُهم: أولُها رجبٌ، ثم ذو القعدةِ، ثم ذو الحجة، ثم المحرمُ؛ لأن النبيَّ - ﷺ - قدِمَ المدينةَ في ربيعٍ الآخِرِ، وأولُ شهرٍ كانَ بعدَ قدومِه رَجَبٌ.\nوالذي أختارُه هو الثاني؛ اتِّباعًا لترتيبِ النبيِّ - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فإنه\".\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٩٨)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٣٠٢)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٣١).\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١١٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢١٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ٣٣٠).\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ١٦٨).","vol":"3","page":344},{"text":"روينا في \"صحيح البخاري\" عن أبي بكرةَ، عن أبيهِ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إن الزمانَ قدِ استدارَ كهيئتِه يومَ خلقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشرَ شَهْرًا، مِنْها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذو القَعْدَةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشَعْبان\" (١).\n* ثم أمرنا اللهُ -﵎- بقتالِ المشركين كافَّةً كما يُقاتِلوننا كافَّةً، فيحتملُ أن يكونَ أرادَ أن نقاتِلَهُم بأجمَعِنا.\nويحتملُ أن يكونَ أرادَ أن نقاتلَ جميعَهم.\nفإنْ قَدَّرْنا (كافة) حالًا مِنّا، فقد قالَ ﷾: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] وقدْ قررتُ في \"سورةِ البقرةِ\" أنَّ الجهادَ فرضٌ على الكِفايَةِ، فالأمرُ هُنا محمولٌ على النَّدْبِ، أو على وَقْتِ الحاجَةِ إلى الكافَّةِ.\nوإنْ قدرناهُ حالًا من المُشركين، فقدْ قالَ اللهُ ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢) [التوبة: ١٢٣].\nفعلمنا بهذا أن الأمرَ يختلفُ بحسب اختلافِ الأحوالِ، فإنْ كانَ في المسلمينَ كَثْرَةٌ وقُوَّةٌ، فالأَوْلى للإمامِ أَن يبعثَ السَّرايا في كُلِّ ناحيةٍ من نواحي المشركينَ؛ ليعلمَهُمْ (٣) بالجِهاد والنِّكايَةِ، فإنْ كانَ المسلمونَ دونَ ذلكَ، خَصَّ بِالقتال الذين يلونَهُ، وبدأ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ من قتالِهم؛ كما فعل ذلكَ رسولُ اللهِ - ﷺ - والخلفاءُ من بعدِهِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-.\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"الدر المصون\" للسمين الحلبي (٦/ ٤٥).\n(٣) في \"ب\": \"ليعمهم\".","vol":"3","page":345},{"text":"١٧٠ - ١٧١ (١٦ - ١٧) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].\n* اختلفَ الناسُ في هذهِ الآيةِ.\nفقالَ قومٌ: إنها منسوخةٌ (١) بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، ونُسبَ إلى ابنِ عباسٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ -رضي الله تعالى عنهم- (٢).\nوقالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ، اشتدَّ شأنُها على الناسِ، فنسخها اللهُ سبحانه، وأنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ (٣) [التوبة: ٩١].\nوقيل: إنها محكمةٌ مخصوصةٌ بحالةِ الحاجةِ إلى كافَّتِهم، والمعنى: إلَّا تّنْفِروا إذا احْتِيجَ إلى كافَّتِكم، يُعَذِّبْكُمْ.\n_________\n(١) انظر: \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" (ص: ٣٥).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩٩٨)، و(٦/ ١٧٩٨)، وأبو داود في \"ناسخه\"، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٥٩١)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٦٧ - ٦٩)، ورواه عن ابن عباس البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٤٧).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٠٣ - ١٨٠٤)، وأبو الشيخ الأصبهاني في \"تفسيره\" كما ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٠٨). وذكره ابن الجوزي في \"نواسخ القرآن\" (ص: ١٧٦).","vol":"3","page":346},{"text":"ويأتي ها هنا (١) تأويلٌ يرتفعُ به التَّعارُضُ والإشكالُ، وهو أنْ يقولَ: إنّ النَّفْرَ واجبٌ على الكافَّةِ منَ المؤمنين إذا نَفَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وواجِبٌ (٢) على بعضِهم إذا لم ينفرْ رسولُ اللهِ - ﷺ -؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه﴾ [التوبة: ١٢٠].\nوقد قَدَّمْتُ أنَّ هذا مذهبُ جماعةٍ من السَّلَفِ.\nولكنَّ التخصيصَ بحالةِ الحاجةِ أشَدُّ وأَقْوى، وهوَ وإنْ كانَ باستِنْفارٍ واستِدْعاءٍ، فإنَّ الغزوةَ، وهي غزوةُ تبوكَ، تَسْتَدعي نَفْرَ الكافَّةِ؛ لبعدِها، وكثرةِ عَدوِّها، وعلى هذا فاحملْ جميعَ ما يأتي منْ هذا الباب مثل قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وما أشبهها.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"هنا\".\n(٢) في \"أ\": \"وأوجب\".","vol":"3","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>(من أحكام الصدقة)</span>\n١٧٢ - (١٨) قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\n* أقول: خَصَّ اللهُ سبحانَهُ الصَّدقاتِ لهؤلاءِ الأصنافِ الثَّمانيةِ، فلا يجوزُ لغيرِهم.\nوقد بَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ - بنحو هذا لَمَّا سأَلهُ رَجُلانِ الصدقَةَ، فَصَعَّدَ بصرَهُ إليهِما وصَوَّبَهُ، ثم قال: \"أُعطيكُما بعدَ أَنْ أعْلِمَكُما أَنْ لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ\" (١)، أو كما قال.\n* واتفقَ (٢) أهلُ العلمِ على بقاءِ الحَظِّ للأصنافِ كُلِّها، ما خلا\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٦٣٣)، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، وحد الغنى، والنسائي (٢٥٩٨)، كتاب: الزكاة، باب: القوي المكتسب، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٧٩١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٢٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٦٦٦)، والدارقطني في \"سننه\" (١٢/ ١١٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٤)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣٨/ ٤٦ - ٤٧)، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، بلفظ: \"إن شئتما أعطيتكما، ولا حَظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقوي مكتسب\".\n(٢) في \"ب\": \"فاتفق\".","vol":"3","page":348},{"text":"المُؤَلَّفَةَ، فإنهم اختلفوا في بقاءِ سَهْمِهِمْ.\nفذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنه لا مؤلفةَ اليومَ (١)، وقد قطعهم عمرُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-، وقال: أَمَّا اليومَ، فقدْ أعزَّ اللهُ الإِسلامَ، فلا نُعطي على الإِسلامِ شيئًا (٢)، وكذا عثمانُ وعليٌّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-.\nوقال أبو حنيفةَ ببقاءِ سَهْمِهِم (٣).\n* ثم اختلفوا في حقيقةِ الإضافةِ إلى الأَصْنافِ:\nفرأى قومٌ، منهمُ: الحَسَنُ، وإبراهيمُ، وعَطاءٌ، والضَّحَّاكُ، وابنُ جُبَيْرٍ: أن مَعْناها بيانُ مَحَلِّ الصدقاتِ فقط، لا حقيقةُ الاستحقاقِ على التَّعيينِ.\nويروى عن عمرَ، وعليّ، وابنِ عباس، وحذيفةَ -رضي الله تعالى عنهم- (٤).\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٢١١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٨١)، والمذهب عند الشافعية: أنهم يعطون، انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٠٩)، وانظر: أيضًا \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٩٧)، ومذهب الإِمام أحمد: أنه يدفع إليهم، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٢٨)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٧١).\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٠).\n(٣) الصواب: أن مذهب أبي حنيفة سقوط سهمهم، انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٥)، و\"ردّ المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٣٤٢)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٠٢/ ٢٥٩).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٠/ ١٦٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ٢٢١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٨١٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٦٨).","vol":"3","page":349},{"text":"وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ (١).\nكأنهم التفتوا إلى المعنى الذي شُرِعَتْ له، وهو أنَّ المقصودَ بها سَدُّ الخَلَّةِ، ودَفْعُ الحاجَة، وهذا المعنى موجودٌ في الصنفِ الواحد.\nورأى قومٌ منهمْ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزهريُّ، وعكرمةُ: أن معناها حقيقةُ الاستحقاقِ، وبه قالَ الشافعيُّ (٢).\nفإن قيل: فإنه يترجَّحُ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ:\nأحدها: اتِّباعُ موضوعِ الخِطابِ، فاللامُ موضوعةٌ للتمليكِ حقيقةً، والواوُ موضوعةٌ للتشريكِ حقيقةً، وحملُهما على التخصيصِ والتخييرِ مَجازٌ، والحقيقةُ خيرٌ من المَجاز.\nثانيها: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]: والفرضُ هو التقديرُ، وهذا يدلُّ على التقديرِ (٣) بينَ الأصنافِ.\nثالثها: ما خرج (٤) أبو داود عن زياد بن الحارث الصُّدائي: أنَّ رجلًا سألَ النبي - ﷺ - أن يعطيَهُ من الصدقةِ، فقالَ لهُ رسولُ الله - ﷺ -: \"إنَّ اللهَ لم\n_________\n(١) انظر: \"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٧٥)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص ١٦٤)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ٤٩٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠١)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ٣٤٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٦)، \"وحاشية ابن عابدين\" (٢/ ٣٤٤)، \"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ٢٦٥)، وهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٨١).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٧٨ - ٤٧٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربينى (٣/ ١١٦ - ١١٧).\n(٣) \"وهذا يدل على التقدير\" ليس في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"خرجه\".","vol":"3","page":350},{"text":"يَرْضَ بحكمِ نبيٍّ ولا غيرِه في الصَّدقات حتى حَكَمَ هو فيها، فَجَزَّأَها ثمانيةَ أجزاءٍ، فإنْ كنتَ من نلكَ الأجزاءِ، أعطيتُكَ (١) حَقَّكَ\" (٢)، فإن صَحَّ هذا الحديثُ فهوَ بمكانَةٍ من الظهورِ في الاستِحْقاق.\nقلنا: هو كما ذكرتَ، ولكنه يدخلُه التأويلُ، فلقائلٍ أن يقولَ: إنما أرادَ النبيُّ - ﷺ - أَنَّ الله جَزَّأَ الصَّدَقاتِ إلى ثمانيةِ أجزاءٍ حتى يخرجَ من الصدقةِ مَنْ ليسَ من تلكَ الأجزاء، فيقطعَ طَمَعَهُم فيها كما قَطَعَ طَمَعَهُمْ رسولُ اللهُ - ﷺ -، فقال: \"لا تَحِلُّ الصدقةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِي\" (٣).\nوكذا معنى قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ يجوز أن يكونَ فريضة تفسيرًا لِحَصْرِ الصَّدَقاتِ في المذكورين في الآيةِ دونَ غيرِهم، فقد حصرَها اللهُ سُبْحانه لهم، وفيهم، لا بينهم.\nوهذا هو الذي أُفْتي به، وأختارُه.\nفلم يُنْقَلْ أن النبيَّ - ﷺ - قسمَ الصدقةَ أقسامًا، فأعطى كُلَّ صنفٍ منها (٤) قِسْمًا، كما قسمَ الغنيمةَ بينَهُ وبينَ الغانِمينَ، وإنّما كان - ﷺ - يسدُّ منها\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة \"أو أعطيناك\".\n(٢) رواه أبو داود (١١٣٠)، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، وحد الغنى، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٩/ ٤٤٥ - ٤٤٧).\n(٣) رواه أبو داود (١٦٣٤)، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، وحد الغنى، والترمذي (٦٥٢)، كتاب: الزكاة، باب: من لا تحل له الصدقة، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٦٦٣)، والدارمي في \"سننه\" (١٦٣٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١١٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٧٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٣٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(٤) \"منها\"ـ: ليس في \"أ\".","vol":"3","page":351},{"text":"خَلَّةَ المحتاجينَ على اختلافِ أنواعِهم.\nوقد قَدَّمْتُ ما اخترتُهُ في خُمُسِ الغنيمةِ أن اللامَ ليستْ للاستحقاقِ، وسيأتي -إن شاءَ اللهُ تعالى- مزيدُ بيانٍ في الفيء.\nولأنه لو كانَ لحقيقةِ التمليكِ في السِّهام (١) كما قالَ هؤلاء، لوجبَ إذا فُقِدَ صنفٌ من هذهِ الأصنافِ أن يكونَ نصيبُه لبيتِ المالِ، ولا يُرَدُ على بقيةِ الأصنافِ؛ لأن لهم حَظًّا مَعْلومًا، فلا يُعْطَوْنَ شيئًا لا يَمْلِكونَه، ولَوَجَبَ إن (٢) فَضَلَ على صِنْفِ (٣) سهمُهم، ونَقَصَ على (٤) الآخرين سَهْمُهُم أَلَّا يُرَدَّ عليهم، وهم لا يقولونَ بجميعِ ذلك.\nفإن قلتَ: فهلْ نجدُ في الكتابِ أو في السُّنَةِ ما يَدُلُ على هذا؟\nقلتُ: نعم: أما الكتابُ فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] أيْ: يختص بهن (٥) هؤلاءِ المذكورونَ.\nوأما السنةُ، فقولُه - ﷺ - لِمُعاذِ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليمنِ: \"وأعلمْهُمْ أنَّ عليهمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ من أغنيائِهم، وتُرَدُّ على (٦) فُقَرائِهم\" (٧)، فالآيةُ جاءتْ لبيانِ الاختصاصِ، لا لبيانِ الاستحقاق، وحديثُ مُعاذٍ قصرَها على بعضِ الأصنافِ.\n_________\n(١) في \"ب\": \"للسهام\".\n(٢) في \"أ\": \"إذا\".\n(٣) \"صنف\" ليس في \"أ\".\n(٤) في \"ب\": \"عن\".\n(٥) في \"ب\": \"به\".\n(٦) في \"ب\": \"في\".\n(٧) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":352},{"text":"* إذا علمتَ هذا، فقد اختلفوا في صفاتِ بعضِ الأصنافِ، وهم الفقراءُ والمساكينُ والرقابُ وابنُ السبيلِ، واتَّفقوا في بعضٍ.\nفأما الفقراءُ والمساكينُ: فقالَ الشافعيُّ: الفقراءُ: الزَّمْنَى الضعفاءُ الذينَ لا حِرْفَةَ لهم، وأهلُ الحِرَفِ الضعيفةِ الذين لا تقعُ حرفتُهم من حاجتِهم موقعًا. والمساكينُ: الذين لهمْ حرفةٌ تقع (١) موقعًا من كِفايَتِهم (٢)، فهمْ أحسنُ حالًا من الفُقَراء.\nوهذا قولُ قتَادَةَ وبعضِ أَهْلِ اللغةِ (٣)، فكأَنَّ الحاجَةَ كَسَرَتْ فَقاره.\nواحتجَّ له بأنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يَتَعَوَّذُ من الفَقْرِ (٤)، ويسألُ الله المَسْكَنَةَ (٥)، وبقولهِ تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]،\n_________\n(١) في \"ب\": \"وتقع\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٨٣)، و\"أحكام القرآن\" للإمام الشافعي (١/ ١٦١ - ١٦٢)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ١٨٨ - ١٨٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٨٧).\n(٣) انظر: \"لسان العرب\" لابن منظور (٥/ ٦٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٢٣).\n(٤) روى أبو وداود (١٥٤٤)، كتاب: الصلاة، باب: في الاستعاذة، والنسائي (٥٤٦٠)، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الذلة، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٠٥)، وغيرهم عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم\".\n(٥) روى ابن ماجه (٤١٢٦)، كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء، وعبد بن حميد في \"المنتخب من المسند\" (١٠٠٢)، والطبراني في \"الدعاء\" (١٤٢٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١١٧٩)، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهم أحيني مسكينًا، وتوفني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين\". وفي الباب: عن عبادة بن الصامت، وأنس بن مالك.","vol":"3","page":353},{"text":"وبقول الشاعر (١): [البحر البسيط]\nأَمَّا الفقيرُ الذي كانَتْ حلوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ، فَلَمْ تَتْرُكْ لَهُ سَبَدا (٢)\nوذهبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ وأكثرُ العلماءِ وأكثرُ أهلِ اللغةِ إلى أن المسكينَ أَمَسُّ حاجَةً من الفقيرِ (٣)، واحتجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، أي: لَصِقَ بالتُّرابِ من الحاجَةِ، فلا بَيْتَ يُؤْويه، ولا شَيْءَ يَكْفيه، فكأنه قدِ استكانَ من الحاجة.\nوأجابوا عن الآيةِ الأولى بأنه ذكرَ المَسْكَنَةَ على سبيلِ التَّرَحُّمِ من خَطَرِ المَلِكِ الغاصِبِ؛ كقولِ الشاعر (٤): [البحر الطويل]\nمساكينُ أَهْلُ الحُبِّ حَتَّى قُبورُهُمْ ... عَلَيْها تُرابُ الله الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ\nوعلى الجملةِ، فالفرقُ بينهما عسيرٌ ولا يَصْفى لأحدِهم دليلٌ، لوقوعِ كُلِّ واحدٍ من الاسمين على الآخَرِ عندَ الانفرادِ، ولهذا ذهبَ أبو يوسُفَ، وابنُ القاسمِ، وسائرُ أصحابِ (٥) الشافعيِّ إلى التسويةِ بينهما.\n_________\n(١) هو الراعي النميري. انظر: \"أدب الكاتب\" (٣٤)، و\"الجواليقي\" (١٤٤)، و\"الاقتضاب\" (٣٠٣)، و\"إصلاح المنطق\" (٣٢٦).\n(٢) السبد: ما يطلع من رؤوس النبات قبل أن ينتشر، والبقية من النبت، والقليل من الشعر، ويقال: ما له سبد ولا لبد، ما له قليل ولا كثير. اهـ \"المعجم الوسيط\" (١/ ٤١٣)، وانظر: \"لسان العرب\" لابن منظور (٣/ ٢٠١) وما بعدها.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٠٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٣)، و\"لسان العرب\" لابن منظور (٥/ ٦٠).\n(٤) منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب، بلفظ: \"مساكين أهل الفقر ..، انظر: \"ديوانه\".\n(٥) في \"ب\" زيادة \"مالك، وبعض أصحاب\".","vol":"3","page":354},{"text":"* فإنْ قلتَ: فقد عَلِمْتُ حَدَّ الفقيرِ الذي يستحقُّ الصدقةَ عندَ الشافعيِّ، فَما حَدُّهُ عندَ غيرِه؟\nقلتُ: اختلفَ فيه أهلُ العلمِ اختلافًا كثيرًا:\nفجعلَهُ أبو حنيفةَ مَنْ لمْ يَمْلِكِ النِّصابَ (١)؛ استدلالًا بقوله - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أن آخذَ الصدقةَ (٢) من أغنيائِكم، فَأَرُدَّها على فُقرائكم\" (٣).\nوقالَ أحمدُ، وإسحاقُ، والثوري: لا يأخُذُ مَنْ له خَمْسون دِرْهَما، أو قَدْرُها من الذهبِ، ولا يُعطى منها أكثرَ من ذلك، إلَّا أنْ يكونَ غارِمًا (٤)؛ لما رُويَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ خَمْسونَ دِرْهَمًا\" (٥)، ولكنه ضَعَّفَه الحُفّاظُ.\nورُوي عن مالكٍ: أَنَّهُ اعتبرَ أربعينَ دِرْهَمًا (٦)؛ لقوله - ﷺ -: \"مَنْ سَأَلَ النَّاسَ ولهُ أوقِيَّةٌ، أو عَدْلُها، فقدْ سَأَلَ إلْحافًا\" (٧)، والأوقيةُ أربعونَ دِرْهَمًا.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٣١).\n(٢) في \"ب\": \"الزكاة\".\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٧٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٧١).\n(٥) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٦٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠١٩٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٢١)، عن عبد الله بن مسعود.\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٢١٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٢).\n(٧) رواه أبو داود (١٦٢٧)، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، وحد الغنى، والنسائي (٢٥٩٦)، كتاب: الزكاة، باب: الإلحاف في المسألة، والإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٩٩)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٣٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤)، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد.","vol":"3","page":355},{"text":"ومنهُمْ مَنِ اعتبرَ كفايةَ السَّنَةِ؛ استِدْلالًا بادِّخارِ النبيِّ - ﷺ - قوتَ سَنَةٍ، مع قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].\n* وأَمَّا الرِّقابُ:\nفيحتملُ بأن يكونَ المرادُ أن يُشترى رِقابٌ وتُعْتَقَ، ويكونَ ولاؤها للمسلمين.\nوبهذا أخذَ مالكٌ وأحمدُ، ويروى عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.\nويحتملُ أن يكونَ المرادُ عامَّةَ المُكاتبَين فيما يُؤَدُّونَ في كتابَتِهم، فيعتقونَ.\nوبهذا أخذ الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (٢)، والليثُ، ويُروى عن ابنِ عباسٍ، وعليٍّ، وابن جبير -رضي الله تعالى عنهم (٣) -.\nوقال الزُّهْرِيُّ: يُقْسَمُ ذلك نِصفين، نصفٌ يُدْفعِ إلى المكاتبَين، ونصفٌ يُشْتَرى به عبيدٌ مِمن صَلَّى وصامَ وقَدُمُ إسلامُهم، فيُعتقونَ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص ١٦٥)، و\"بدية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢١٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٣٠)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٤٥٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٨٠).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٦٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٥٠٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ١٨٨)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ٢٦٣).\n(٣) انظر: \"معالم التَّنزيل\" للبغوي (٢/ ٣٠٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٨٢).\n(٤) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز ﵁ كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٤/ ٢٢٤).","vol":"3","page":356},{"text":"* وأَمَّا سبيلُ اللهِ:\nفذهبَ الجمهورُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ إلى أنه الجهادُ؛ لغلبةِ عُرْفِ الشرعِ في ذلكَ، فيُعطْى المجاهدون المُطَّوِّعون ما يَسْتعينون بهِ على غَزْوِهِمْ من رِزْقٍ وسِلاحٍ وكُراعٍ (١).\nوذهبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى أنه الحَجُّ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٤]، ولأن النبيَّ - ﷺ - حَمَلَ على إِبِلِ الصَّدَقَةِ للحَجِّ (٣).\nوإذا قلنا: المرادُ بِهِ الغُزاةُ في سبيلِ اللهِ، فهل يُعْطَوْنَ مُطْلقًا، أو بِتَقَيُّدٍ بحالةِ الفقر؟ فيه خلافٌ، وبالأولِ قالَ الشافعيُّ، وأحمدُ، والجمهورُ، وبالثاني قال أبو حنيفةَ.\nكلا واتفقوا على أن الغارمَ المديونُ، وعلى أن ابنَ السبيل المسافرُ المُجْتاز، واختلفوا في المُنْشِئِ سفرًا من بلدِه، فأعطاهُ الشافعيُّ (٤)،\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢١٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٥ - ٤٦)، و\"ردّ المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٣٤٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٢٩)، و\"الأم\" للشافعي (٢/ ٧٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٠٠)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١١١).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٣٣٤)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٤٥٨)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٨٥).\n(٣) رواه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٢١)، والبخاري في \"صحيحه\" معلقا بصيغة التمريض (٢/ ٥٣٤)، عن أبي لاس. وانظر: \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٣/ ٢٥).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٠٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١١١ - ١١٢).","vol":"3","page":357},{"text":"ومنعه مالكٌ وأبو حنيفة (١).\n* وعمومُ الآيةِ وإطلاقُها يقتضي جوازَ نقلِ الزكاةِ عن بلدِ المالِ.\nوبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ؛ لأن المقصودَ من الصدقات سَدُّ خَلَّةِ الفقيرِ (٢)، ولما روى الدارقطنيُّ أن مُعاذًا -رضي الله تعالى عنه- قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مَكانَ الذُّرةِ والشَّعير في الصَّدَقَةِ؛ فإنه أيسرُ عليكُمْ، وأنفعُ للمهاجرينَ بِالمدينة (٣).\nومنعَ الشافعيُّ وأكثرُ أصحابِ مالكٍ نَقْلَها (٤)؛ استدلالًا بقوله - ﷺ - لمعاذٍ -رضي الله تعالى عنه- حين بعثَه إلى اليمنِ: \"وأعلِمْهم أن عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أَغْنيائِهم، وتُرَدُّ في فُقرائِهم\" (٥)، ولا دلالةَ فيه؛ لأن فُقراءَ المسلمين بكلِّ مكان فقراؤهم؛ لكونِهم منهم، وإنما الدَّلاَلَةُ لو قال: وتُرَدُّ في فُقراءِ بلدِهم.\n* وبينَ النبيُّ أَنَّ آلَهُ -رضي الله تعالى عنهم- لم يرُادوا؛ لعموم\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٢١٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٠٢)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٣٠).\n(٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١١٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٧٥).\n(٣) رواه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٠٠)، وعلقه البخاري في \"صحيحه\" (٢/ ٥٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٣).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٧٨ - ٧٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٨١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١١٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٧٥).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":358},{"text":"الخطاب، فقال: \"إنَّ الصدقَةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ\" (١).\nثم اختلف الفقهاءُ هل هذا العمومُ الذي خُصَّ به عُمومُ الكتاب مخصوصٌ، أو لا؟ فذهب مالكٌ إلى تَخْصيصهِ بغيرِ العاملِ، فَجَوَّزَ للعامِلِ أن يأخذَ من الصدقةِ أجرَ عملِه (٢).\nوأَبى أبو حنيفةَ والشافعيُّ تخصيصَهُ؛ لوجودِ العِلَّةِ، وهي قَرابَتُهُ - ﷺ - (٣).\n* فإن قلت: فقد ذكرَ اللهُ سبحانَهُ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ (٤)، ولم يذكرْ تفصيلَها، ولا محلّ وُجُوبها، فهل ذكرَ ذلك في موضعٍ آخرَ من كتابِه جملةً أو تفصيلًا؟\nقلتُ: نعم، ذكرها الله تعالى جملة، ووَكَلَ تفصيلَها وبيانَ مقاديرِها وأَنْصِباءَها إلى نبيه - ﷺ -.\nأما صدقةُ النباتِ والثمارِ، فقد تقدَّم ذكرُها في \"سورة الأنعام\" عند قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nوأما صدقة الذهبِ والفضةِ، فقد تقدَّم ذكرُها في هذه السورة.\nوأما صدقةُ الماشيةِ، فذكرها الله سبحانه في آخر هذه السورة، وسيأتي الكلامُ عليها عندَ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ومعلوم أن جلَّ أموالهِم الماشية.\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ١٧٨).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٤٤)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ٢٧٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٣٢) -٤٣٣)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ١٥٠).\n(٤) في \"ب\": \"الزكاة\".","vol":"3","page":359},{"text":"وفرض النبي - ﷺ - صدقة الفطر للصائمِ صاعًا من تمر، أو صاعًا من بُرّ، أو صاعًا من شعير (١).\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٣٢)، كتاب: الزكاة، باب: فرض صدقة الفطر، ومسلم (٩٨٤)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، عن ابن عمر.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٧٣ - (١٩) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].\nقال ابن عباس ﵄: أمر الله سبحانه بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللَّسان (١).\nقلت: وعلى هذا أجمع المسلمون (٢)، فلم يقتل رسول الله - ﷺ - منافقًا.\n* * *\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٤١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١).\n(٢) موضع الإجماع: في عدم القتل، أما كيفية جهادهم ففيها خلاف ذكره الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ١٨٣)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٢٠٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٤٩).","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>(من أحكام الصلاة)</span>\n١٧٤ - (٢٠) قوله ﷿: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].\n* اختلف الناس في معنى هذه الآية، هل هو المنعُ أو التخيير؟ وهل هي منسوخة، أو لا؟\n\n١ - فذهب الجمهور إلى أن معناها التخييرُ لرسول الله - ﷺ - في الاستغفار لهم، وأن تخييرها منسوخ (١).\nواختلف هؤلاء في الناسخ لها.\nفذهب الجمهور إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢) [التوبة: ٨٤].\nوقال مقاتلُ: الناسخُ لها قوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) [المنافقون: ٦]، وهو ضعيف جدًا؛ لأنه تخيير\n_________\n(١) انظر: \"قلائد المرجان\" (ص: ١١٧).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص ٥٢٣).\n(٣) رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة كما في \"فتح الباري\" (٨/ ٣٣٦)، وروى الضحاك عن ابن عباس مثله كما في \"نواسخ القرآن\" لابن الجوزي (ص ١٧٨).","vol":"3","page":362},{"text":"مثل المنسوخِ، وليس فيه أكثر من أنه أخبرهُ الله تعالى بأنه لا يغفرُ لهم من غير ذكر عدد إلا أن يريد أنها ناسخة لمفهوم العدد، وكان قد علم أنه إذا استغفر لهم أكثر من سبعينَ مرة، غفر الله لهم فنسخ الله هذا المفهوم.\nبدليل ما روينا في \"صحيح البخاري\" عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي عبد الله بن أُبي، جاء ابنه عبدُ الله بنُ عبدِ الله إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله أن يعطيه قميصًا يكفن فيه أباه، فأعطاه، وسأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله - ﷺ - يصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه! فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما خيرني اللهُ فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيده على السبعين\"، قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله - ﷺ -، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) [التوبة: ٨٤].\n\n٢ - وذهب قوم إلى أن معناه (٢) النهي، فلم يبح الله سبحانه لنبيه - ﷺ - الاستغفار لهم بهذا اللفظ، فلا نسخ لجواز الاستغفار (٣).\nبدليل قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وإنما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤] ناسخة لفعل الصلاة على عبد الله بنِ أُبي المنافقِ، هكذا نقل هذا القول واشتهر، ولكن يصادمه ويبطله ما قدمنا من حديث ابن عمر المخرج في \"الصحيحين\".\n* فإن قلت: قد نهى الله سبحانه نبيه - ﷺ - عن الاستغفار لأهل النار،\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٩٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. . .﴾.\n(٢) في \"ب\": \"معناها\".\n(٣) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص ٥٢٣).","vol":"3","page":363},{"text":"فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وكان سبب نزولها وفاة أبي طالب كما رويناه في \"صحيح البخاري\" (١)، فكيف يستغفر النبي - ﷺ - لابن أبي ولا شك أن وفاته بعد وفاة أبي طالب؟\nقلت: قد أذن الله سبحانه لنبيه - ﷺ - بعد ذلك بما أنزل (٢) في \"سورة المنافقين\"، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٥ - ٦]، ثم خيره الله ﷾ في هذه الآية.\nفيحتمل أن يكون النهي منسوخًا بهؤلاء الآيات، وهنَّ منسوخاتٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].\nويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - كان يكثر الاستغفار لأبي طالب، ويكرره بعد الهجرة اقتداء بإبراهيم - ﷺ -، كما كان يستغفر لأبيه قبل أن يخبره الله بأن المغفرة لهم متعذرة، وأن استغفاره لهم غير نافع، وكذا استغفاره للمنافقين، ثم نهاه الله عن الاستغفار لهم وقال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية.\nوهذا عندي أصحُّ وأولى من الأَوَّلِ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] أي: لا سبيلَ إلى الخُروجِ منها، ومفهومُ الخطابِ يَقْتضي أنه لا حَرَجَ في الاستغفارِ قبلَ التَّبَيُّنِ، ويَدُلُّ\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٣٩٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين﴾، عن سعيد بن المسيب، عن أبي.\n(٢) في \"ب\": \"أنزله\".","vol":"3","page":364},{"text":"عليهِ أيضًا تَبْيينُ اللهِ تعالى لنبيِّهِ - ﷺ - وَجْهَ العِلَّةِ في استغفارِ إبراهيمَ - ﷺ -، وأنه كانَ لِعِلَّةٍ، وقد زالَ استغفارُهُ عندَ عَدَمِها.\n* * *\n\n١٧٥ - (٢١) قوله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].\n* نهى الله سبحانه نبيَّه - ﷺ - عن الصلاةِ على المُنافقين، والقِيامِ على قُبورهم.\n* وقد أجمعَ المسلمونَ على مَنْعِ الصَّلاةِ على المُنافقينَ في زَمَنِه - ﷺ - (١)، وذلك إمَّا لأنَّ الله -﷿ - عَرَّفَهُم نَبِيَّهُ - ﷺ - في لَحْنِ القَوْلِ، أو أَعلمَه أنهم ماتوا فاسِقين.\n* ثم كرهَ مالِكٌ لأهلِ الفضلِ الصَّلاةَ على أهلِ البِدَعِ؛ زَجْرًا لهم.\n* ومَنَع الإمامَ أَنْ يُصَلِّيَ على مَنْ قَتَلَهُ حَدًّا؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يُصَلِّ على ماعِزٍ، ولم يَنْهَ عنِ الصَّلاةِ عليهِ (٢)، خَرَّجَهُ أبو داودَ (٣).\n* ومنعَ قومٌ من الصَّلاةِ على قاتِلِ نفسِه (٤)؛ لما روى جابرُ بنُ سَمُرَةَ: أن\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٧٤).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٧٤)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص ١٤١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٦٥).\n(٣) رواه أبو داود (٣١٨٦)، كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من قتلته الحدود، عن أبي برزة الأسلمي.\n(٤) هو مذهب الحنابلة، فلا يصلي عليه الإِمام، ويصلي عليه سائر الناس، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢١٨)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ١٢٣)، وأجاز ذلك الجمهور، انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٦١)، و\"ردّ المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٢١١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"3","page":365},{"text":"رسولَ اللهِ - ﷺ - أبي أن يصلِّيَ على رجلٍ قتلَ نفسَه (١).\n* ومُقْتَضى هذا الخطابِ أَنَّ الصَلاةَ جائزةٌ على المؤمنين، بل أجمعَ المسلمونَ على وُجوبِها، ولم يَزَلِ النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي على مَوْتى المسلمينَ، إلَّا مَنْ كانَ مَدْيونًا؛ فإنهُ كانَ يأمرُ بالصَّلاةِ عليه، ولا يُصَلِّي عليه، ثم نُسِخَ ذلكَ (٢).\n* واخْتَلَفوا في الشهيدِ:\nفقال مالِكٌ والشافعيُّ: لا يُغَسَّلُ، ولا يصلى عليه (٣)، واحتجُّوا بما رواهُ جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي - ﷺ - أمر بشُهداء أُحُدٍ، فَدُفِنوا بثيابِهم، ولم يُصَلِّ عليهم، ولم يُغَسَّلُوا (٤).\nوقال أبو حنيفةَ: لا يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه (٥)، واستدَل بما خَرَّجَهُ أبو داودَ عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: أن النبي - ﷺصَلَّى على قَتْلى أُحُدٍ، وعَلَى حَمْزَةَ، ولَمْ يُغَسَّلْ، ولم يُيَمَّمْ (٦)، واستدَلَّ أيضًا بأحاديثَ مُرْسَلَةٍ.\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٧٨)، كتاب: الجنائز، باب: ترك الصلاة على القاتل نفسه.\n(٢) رواه البخاري (٢١٧٦)، كتاب: الكفالة، باب: الدين، ومسلم (١٦١٩)، كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته، عن أبي هريرة.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٥/ ١٢١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٧٥)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٢١٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٤٩).\n(٤) رواه البخاري (١٢٧٨)، كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد.\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، ومذهب الإِمام أحمد: أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وفي رواية عنه: استحباب الصلاة، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٠٤).\n(٦) رواه أبو داود (٣١٣٧)، كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل، لكن عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - مرّ بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يصلِّ على أحد من =","vol":"3","page":366},{"text":"وأجابوا بمنعِ الاحْتِجاجِ في المُرْسَل، وإن سلمَ، فهو لا يقاوِمُ المُسْنَدَ، وبأنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ يرويه ابنُ أبي الزِّنادِ، وقد كانَ اخْتَلَّ في آخرِ عُمُرِهِ، وقد كانَ شُعْبَةُ لا يَطْعُنُ فيه.\n* فإن قلتَ: نهى الله سبحانَه نبيَّهُ - ﷺ - عن الصَّلاة على المُنافقين؛ لِما فيه من الاستِغْفار لهم، فما مَعْنى المَنْعُ منَ القِيام على قُبورِهم؟\nقلنا: العِلَّةُ فيها واحدةٌ، والمَنْعُ لأجلِ الاستِغْفار لهم؛ فقدْ كان النبيُّ - ﷺ - يقفُ على القبرِ بعدَ الدَّفْنِ، ويدعو للميِّتِ بالتَّثْبيتِ (١).\nوأما القيامُ على قُبورِهم من غيرِ استغفارٍ، فلا حَرَجَ فيه؛ فقدْ كانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - قُبورًا للمشركين.\nوفي هذا دَلالَةٌ على أَنَّ حكمَ القِيام على القبورِ بالصَّلاةِ والاستغفارِ كَحُكْمِ الصَّلاةِ على المَيِّتِ قبلَ الدَّفْنِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأحمد (٢) وأبو داودَ (٣)، وجماعةٌ، ورُوي ذلكَ من فعل النبي - ﷺ -.\n_________\n= الشهداء غيره. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٤) أحاديث الصلاة على قتلى أحد، وعلى حمزة، وما تُكلم في رجال أسانيدها، وقد أشار إلى صحة بعض الآثار المرسلة، ومنها ما أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" عن الشعبي، فليطلب ذلك منه، وبالله التوفيق.\n(١) رواه أبو داود (٣٢٢١)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٦)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٣٨٨)، عن عثمان بن عفان قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه، فقال: \"استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل\".\n(٢) \"وأحمد\": ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٢٧١)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٣/ ١٧٤)، =","vol":"3","page":367},{"text":"وقال أبو حنيفة: لا يُصَلِّي على القبرِ إلَّا الوَليُّ أَوِ الوالي إذا فاتَتْهُ الصَّلاةُ (١).\nوقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على القبرِ بحالٍ، واحتجَّ بتركِ أهلِ المدينةِ ذلك (٢).\nقال ابنُ القاسم: قلتُ لمالكٍ: فالحديثُ الذي جاءَ عن النبيِّ - ﷺ - أَنَّه صَلَّى على قبرِ امرأةٍ (٣)؟ قالَ: قد جاءَ هذا الحديثُ، ولكنْ ليسَ عليهِ العملُ.\n* إذا عرفتَ هذا، عرفتَ أنَّ المرادَ بالصلاةِ هو موضوعُها اللُّغَوِيُّ الذي هو الدُّعاءُ، لا معناها الشرعيُّ الذي هو الرُّكوعُ والسجودُ، وقد بيَّنَها النبيُّ - ﷺ - كذلك، وقد جُعِلَ التكبيرُ بمنزلةِ أَفْعالِها (٤).\n* واختلفَ سَلَفٌ من الصَّحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- في عددِ التكبيرِ.\nفاتفقَ فقهاءُ الأمصارِ على أن التكبيرَ أربعٌ، إلا ابنَ أبي ليلى وجابرَ بنَ زيدٍ؛ فإنهما قالا: هو خمسٌ وسِتٌّ.\n_________\n= و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٤٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٩٤)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ١٢١).\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٣١١)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ١١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٥١).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٣٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٧٣).\n(٣) رواه البخاري (٤٤٦)، كتاب: المساجد، باب: كنس المسجد، والتقاط الخرق والقذى والعيدان، ومسلم (٩٥٦)، كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر، عن أبي هريرة.\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٦/ ٣٣٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":368},{"text":"وخَرَّجَ مسلمٌ في \"صحيحه\" عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي ليلى قال: كانَ زيدُ بنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ على الجِنازَةِ أَرْبَعًا وخمسًا، فسألناهُ، فقال: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يكبرُ على الجِنازة أَرْبَعًا، وخَمْسًا، وسِتًّا، وسَبْعًا، وثَمانِيًا، حتى ماتَ النَّجاشِي، فصفَّ الناسَ وراءه، وكَبَّرَ أربعًا، ثم ثبتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على الأَرْبَعِ حتى تَوَفَّاهُ الله (١).\n* ولَمّا لاحَظَ أبو حنيفةَ هذا المعنى، قال: ليسَ فيها قراءةٌ، وإنَّما هي دعاءٌ (٢).\nوكذلكَ قالَ مالِكٌ: قراءةُ القرآنُ فيها ليسَ بمَعْمولٍ به في بلدِنا، وإِنَّما نَحْمَدُ الله، ونُثْني عليهِ بعدَ التكبيرةِ الأولى، ثم نكبرُ الثانيةَ، فنصلِّي على النبيِّ - ﷺ -، ثم نكبرُ الثالثةَ، فنشفَعُ للمَيِّتِ، ثم نكبرُ الرابعةَ، ونسلمُ (٣).\nقال الشافعيُّ: يقرأُ بعدَ التكبيرةِ الأولى بفاتحةِ الكِتاب، ثم يفعلُ في سائرِ التكبيراتِ مثلَ ذلك (٤)؛ لما رُويَ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه صَلَّى على جنازَةٍ، فقرأَ بفاتحةِ الكِتاب، ثم قال: إنَّما فعلتُ ذلكَ لتعلَموا (٥) أَنَّها سُنَّةٌ (٦)، وبِهذا قال أحمدُ وداودُ -رحمهما الله تعالى-.\n_________\n(١) رواه مسلم (٩٥٧)، كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبرها. قلت: واللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ ابن عبد البر فيما رواه في \"الاستذكار\" (٣/ ٣٠).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٣١٣).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٧١).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٢٧١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٥٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٤١).\n(٥) في \"أ\": \"ليعلم\".\n(٦) رواه البخاري (١٢٧٠)، كتاب: الجنائز، باب: قراءة فاتحة الكتاب.","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٧٦ - ١٧٧ (٢٢ - ٢٣) قوله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].\n* أحكامُهُما ظاهِرَةٌ، مُتَّفَقٌ عليها في سُقوط النَّفْرِ عن جَميعِهم، وفي سُقوطِ القِتال مُطْلَقًا عن بَعْضِهم، وإنْ وجبَ على العبيدِ والفُقراءِ الذين لا يَجِدون ما يُنْفِقون في بعضِ الأحوالِ، وهِيَ إذا وَطِئَ المشركونَ دارَ الإِسلام -صانها الله من ذلك-.\n* وبينَ اللهُ سبحانَه الضُّعفاءَ في \"سورةِ الفَتح\"، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وبيَنَ النبي - ﷺ - أن النساءَ والصِّبيانَ من الضُّعفاءِ.\n* فإن قلتَ (١): فما حَدُّ المرضِ المُسْقِطِ لِفَرْضِ الجِهاد؟\nقلنا: هو المرضُ الذي لا يُقْدَرُ معهُ على القِتال، وأور، المَرَضُ الخفيفُ كالحُمّى الخَفيفة، والصُّداعِ القليلِ، فلا يُسْقِطُ الفرضَ؛ للقدرةِ معهُ على القِتال.\n_________\n(١) في \"ب\": \"قيل\".","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>(من أحكام الزكاة)</span>\n١٧٨ - (٢٤) قوله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].\n* قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: لما تخلَّفَ عَشَرَةٌ من المُسلمين بِلا نِفاقٍ، منهم أبو لُبابَةَ، ومِرْداسٌ، وأبو قَيْسٍ، واعتذَروا، فلم يُعْذَورا حَتَّى أَوْثَقوا أَنْفُسَهم بِسواري المسجد باكين مُتَضَرِّعينَ، وحلفَ أبو لبابَةَ لا يَحُلُّهُ إلا رسولُ اللهِ - ﷺ -، نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلتِ الآيةُ، أَطْلَقَهُمْ، فقالوا: هذه أموالُنا التي خَلَّفَتْنا، فأبى رسولُ اللهِ - ﷺ - أَخْذَها، فنزلَتْ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذَ الثُّلُثَ (١).\nقال الحَسَنُ: هذهِ الصدقةُ هي كَفّارةُ الذُّنوبِ التي أَصابوها، وليسَ بالزكاةِ.\nقال عِكْرِمَةُ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ (٢).\nويجوزُ أن يرادَ بها الصَّدَقتانِ: صدقةُ الطَّهارةِ من الذنوب، وصدقةُ\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٠٣٠٣).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٢٤٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٣٥٦).","vol":"3","page":371},{"text":"التزكيةِ؛ فإنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب؛ بدليلِ قولي تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارةٌ إلى الصَّدَقَةِ المُطَهِّرَةِ من الذُّنوبِ، وقولُه: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارةٌ إلى الصدقةِ الواجِبَةِ المُزَكِّيةِ، وبدليلِ قولي تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وكان النبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي على كُلِّ مَنْ أَدَّى صدقةَ مالِه، امتثالًا لأمرِ ربِّه.\nروينا في \"الصحيحين\" عن ابنِ أبي أَوْفى قال: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا أَتى قومٌ بصدقتهم، قال: \"اللهمَّ صَل على آلِ فُلانٍ\"، فأتاه أبي بصدقتِه، فقالَ: \"اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أَوْفى\" (١).\n* إذا تَمَّ هذا فقد علمنا أن النبيَّ - ﷺ - لم يأخذْ من كُل أموالِهم صدقةً، فقالَ: \"ليسَ للمرءِ المُسْلِمِ في عَبْدِهِ، ولا في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ\" (٢).\nوأخذَ من الإِبِلِ والغَنَم، وأَمَرَ بالأَخْذِ منَ البَقَر.\n* وأجمعوا على أنه لا زَكاةَ في العُروضِ التي لم يُقْصَدْ بها التِّجارَةُ (٣).\n* واختلفوا فيما اتُّخِذَ للتِّجارةِ.\nفأوجبَ الزكاةَ فيها فُقهاءُ الأمصار؛ لما رُوِيَ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أنه قالَ: أما بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يأمُرنا أن نُخرجَ الصدقةَ منَ الذي يُعَدُّ للبيع (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٢٦)، كتاب: الزكاة، باب: صلاة الإمام، ودعائه لصاحب الصدقة، ومسلم (١٠٧٨)، كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.\n(٢) رواه البخاري (١٣٩٤)، كتاب الزكاة، باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة، ومسلم (٩٨٢)، كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، عن أبي هريرة، وهذا لفظ مسلم.\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٤٥).\n(٤) رواه أبو داود (١٥٦٢)، كتاب: الزكاة، باب: العروض إذا كانت للتجارة هل =","vol":"3","page":372},{"text":"ولما ثبتَ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قالَ: ليسَ في العُروض زَكاةٌ، إلا أن يُرادَ بها التجارةُ (١)، ويروى عن عُمَرَ وعائشةَ، وحكاهُ ابنُ المنذرِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ.\nوذهبَ بعضُ العُلَماء إلى أَنَّه لا زَكاةَ فيها، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ، ويُروى عن ابنِ عباسٍ (٢).\nقال الشافعيُّ: وإسنادُ الحديثِ عن ابنِ عباسٍ ضعيفٌ، وكان اتباعُ حديثِ ابنِ عُمَرَ لصحَّتِهِ، والاحتياطُ في الزَّكاةِ أَحَبُّ إليَّ (٣).\n* وها أنا أتكلمُ على جمل مختصَرَةٍ من فرائضِ الزكاة؛ لئلَّا يخلوَ كتابي عن مِثْلِها - إنْ شاءَ الله تعالى-، فأقول:\n* أما الإبلُ:\nفقد اتفق الناس على العملِ بكتابِ الصدقةِ الذي كتبه أبو بكرٍ لأنسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما- لما وَجَّهَهُ إلى البَحْرَيْنِ، وهو: \"بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم، هذه فريضةُ الزكاةِ (٤) التي فرضَ اللهُ على المسلمينَ التي أمرَ اللهُ، فمنْ سُئِلَها على وَجْهِها، فليْعطِها، ومن سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطِه: في أربعٍ وعشرينَ فما دونَها: من الإِبِلِ (٥): في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغتْ خمسًا\n_________\n= فيها من زكاة؟، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧٠٢٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٦)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٧/ ١٣٠ - ١٣١).\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٤٥٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٧).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٢٠٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البرّ (١٧/ ١٢٥) وما بعدها، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٥٨).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ١٤٧).\n(٤) في \"ب\": \"الصدقة\".\n(٥) في \"أ\" و\"ب\": \"الغنم\"، وهو خطأ.","vol":"3","page":373},{"text":"وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثين، ففيها بنْتُ مَخاضٍ أنثى، فإن لم يكنْ فيها بنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكَرٌ، وليس معه شيءٌ، فإذا بلغتْ سِتًّا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ، ففيها بِنْتُ لَبونٍ، فإذا بلغتْ سِتًّا وأربعينَ إلى سِتَّينَ، ففيها حُقَّةٌ طَروقَةُ الفَحْلِ، فإذا بلغتْ أَحَدًا وسِتِّين إلى خَمسٍ وسَبْعين، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بلغتْ سِتًّا وسَبْعينَ إلى تسعينَ، ففيها بِنْتا لَبونٍ، فإذا بلغَتْ أَحَدًا وتِسْعينَ إلى عِشْرين ومِئَة، ففيها حُقَّتانِ طَرُوقَتا الفَحْلِ، فإذا زادَتْ على عِشرينَ ومِئَةٍ، ففي كل أربعينِ بِنْتُ لَبونٍ، وفي كُلِّ خَمسين حُقَّةٌ (١).\nولم يختلفوا إلا في قوله: فإذا زادت على عشرينَ ومئةٍ، ففي كُلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، وفي كُلِّ خمسينَ حُقَّةٌ؛ فإنه يعارضُهُ حديثُ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ قال: قلت لقيسِ بنِ سعدٍ: اكتبْ لي كتابَ أبي بكرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ في ورقةٍ، فكتبها ثم جاء بها، وأخبرني أن النبيَّ - ﷺ - كتبه لجدِّهِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ في ذكرِ ما يخرجُ من فرائضِ الإبلِ، وكانَ في ذلكَ أَنَّها \"إذا بلغَتْ تِسعينَ، ففيها حُقَّتانِ إلى أن تبلغَ عشرينَ ومِئةٍ، فإذا كانتْ أكثرَ من ذلكَ، ففي كُلِّ خَمسينَ حُقَّةٌ، فما فَضَلَ، فإنه يُعاد إلى أولِ فريضةِ الإبل، فما كانَ أَقَلَّ من خَمْسٍ وعشرينَ، ففيه الغَنَمُ، ففي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شاةٌ\" (٢).\nوما رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: فإذا بلغَتْ عشرينَ ومئةٍ، استعيدت بالغنم، ففي كُلِّ خمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغَتْ خَمْسًا وعشرينَ، ففرائضُ الإبلِ، فإذا كثرتِ الإبلُ، ففي كُلِّ خمسينَ حُقَّةٌ (٣).\nوما روي عن على -رضيَ اللهُ تعالى عنه- في الإبل إذا زادَتْ على\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣٨٦)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم.\n(٢) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (١٠٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٧٥)، وابن الجوزي في \"التحقيق في أحاديث الخلاف\" (٢/ ٢٥).\n(٣) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٧٧).","vol":"3","page":374},{"text":"عشرينَ ومئةٍ قال: تُرَدُّ الفَرائِضُ إلى أَوَّلِها، فإذا كثرتِ الإبلُ، ففي كل خمسينَ حُقَّةٌ (١).\nوبقولِ عليٍّ وابنِ مسعودٍ أخذَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ (٢)، وبالأولِ أخذَ جمهورُ أهلِ العلمِ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ (٣).\nوأجابوا عن هذه الأحاديث المعارضة:\nأما حديثُ حَمَّادٍ، فمنقطعٌ بين أبي بكرِ بنِ حزمٍ وبينَ النبيِّ - ﷺ -، وقالوا: إنه مع ذلك غلطٌ.\nقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: ضاعَ كتابُ حَمّادِ بنِ سلمةَ عن قيسِ بنِ سَعْدٍ، وكان يحدثُهم من حفِظه (٤)، أي: هذا سببُ خطئه.\nوكذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ: ضاعَ كتابُ حَمّادِ بنِ سلمةَ (٥) عنْ قيسِ بنِ سعدٍ في طريق مَكَّةَ، فكتبَها من حفظه (٦).\nقالوا: ويدلُّ على الغلطِ أنَّ الزُّهْرِيَّ روى كتابَ عمرِو بنِ حزمٍ عن\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٥٩)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٢)، وهذا لفظ البيهقي.\n(٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٩٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٧)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ١٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٣).\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٨٠)، و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٢٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٣٦٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٧٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٨٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(٤) انظر: \"الضعفاء الكبير\" للعقيلي (١/ ٢٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٩٤).\n(٥) \"ابن سلمة\": ليس في \"أ\".\n(٦) انظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٣٤٤).","vol":"3","page":375},{"text":"أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ بمثلِ كتابِ أبي بكرٍ، وكذا رواهُ غيرُ الزُّهْرِيِّ.\nوأما حديثُ ابنِ مسعودٍ، فموقوفٌ، وقالوا: إنه منقطعٌ أيضًا، والراوي غيرُ مُحْتَجٍّ به.\nوأما حديثُ علي -رضي الله تعالى عنه-، فقالوا أيضًا: إنه غلطٌ عن عَلِيٍّ، فإنه ذكرَ فيهِ في الإبلِ إذا كانَتْ خَمْسًا وعشرين، ففيها خَمْسُ شياهٍ، وهذا بخلافِ روايةِ الناسِ، وبأنه رواهُ أبو إسحاقَ عن عاصمِ بنِ ضَمْرَةَ عن عَلِيٍّ، وروى شريكٌ عن أبي إسحاقَ عن عاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن عَلِيٍّ: أنهُ قال: إذا زادت الإبِلُ على عشرينَ ومئةٍ، ففي كُلِّ خَمسين حُقَّةٌ، وفي كُلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، وروى شعبةُ أيضًا عن أبي إسحاقَ عن عاصمٍ مثلَه.\nوذهبَ محمدُ بنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أن ربِّ المالِ بالخِيار بينَ أن يأخذَ بما قالَ به أبو حنيفةَ، أو يأخذَ بما قالَ مالكٌ والشافعيُّ.\nثم اختلفَ القائلونَ بحديثِ أنَسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- فيما إذا زادَ على مئةٍ وعشرينَ واحدةً.\nفذهبَ الشافعيُّ إلى تعيين بَناتِ اللَّبونِ إلى أن تبلغَ ثلاثينَ ومئةً، فتكون فيها (١) حُقَّةٌ وابنتا لَبونٍ، وبه قال ابنُ القاسمِ من المالكية (٢).\nوذهبَ ابنُ الماجشونِ إلى تعيينِ الحِقَّتينِ إلى أن تبلغَ مئةً وثلاثينَ.\nوذهبَ مالكٌ إلى تخييرِ الساعي بينَ بناتِ اللَّبونِ والحُقَّتينِ (٣).\n_________\n(١) \"فيها\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٨٩).\n(٣) انظر: \"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٧٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٨٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٢).","vol":"3","page":376},{"text":"فأما الشافعيُّ فتمسَّكَ بقولِ الزُّهْرِيِّ: أقرأني سالمٌ نسخةَ كتابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وفيها: \"وإذا كانَتْ إحدى وتسعين، ففيها حِقَّتانِ حتى تبلُغَ عشرينَ ومئةً، وإذا (١) كانتْ إحدى وعشرينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ بناتِ لَبونٍ، فإذا بلغتْ ثلاثينَ ومئةً، ففيها بنتا لَبونٍ وحُقَّةٌ (٢) \". وتَمَسَّكَ ابنُ الماجشونِ بظاهرِ حديثِ أَنَسٍ؛ فإنهُ القدرُ الذي يستقيمُ ويجتمعُ فيه حسابُ الأربعينات والخمسينات.\nوأما مالكٌ، فحمل الأمرَ على التخييرِ عَمَلًا بالدليلين.\n* وأما الغنم:\nفأجمعوا أيضًا على العمل بكتابِ الصدقةِ (٣)، وهو ما روى ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كتَب كتابَ الصدقةِ، وفيه: \"في الغَنَمِ في كُلِّ أربعينَ شاةً شَاةٌ إلى عِشرينَ ومِئَةٍ، فإذا زادَتْ على ذلك واحدةً، ففيها شاتان إلى مِئَتين، فإذا زادَتْ واحدةً، ففيها ثلاثُ شياه إلى ثلاثِ مئةٍ، فإذا كانَتِ الغنمُ أكثرَ من ذلكَ، ففي كُلِّ مئةٍ شاةٌ\" (٤).\nولم يختلفوا إلا في الفريضَةِ الأخيرةِ، فأخذَ الجمهورُ بظاهرِ القولِ (٥)،\n_________\n(١) في \"ب\": \"فإذا\".\n(٢) رواه ابن ماجه (١٧٩٨)، كتاب: الزكاة، باب: صدقة الإبل، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٣/ ٢٨٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨٨)، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٤٣).\n(٤) رواه أبو داود (١٥٦٨)، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، والترمذي (٦٢١)، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة الإبل، وابن ماجه (١٧٩٨)، كتاب الزكاة، باب: صدقة الإبل.\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٤٢)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٤٠٥)، و\"الأم\" للشافعي (٢/ ٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ١١٢)،=","vol":"3","page":377},{"text":"وقالَ الحسنُ بنُ صالحٍ: إذا زادَتِ الغنمُ على ثلاثِ مئةِ شاةٍ شاةً واحدةً، ففيها أربعُ شياهٍ، وإذا بلغتْ أربعَ مئةِ شاةٍ وشاةً، ففيها خمسُ شياهٍ، وروي مثلُ قوله عن إبراهيمَ (١).\n* وأما البقرُ: فاتفقوا على وجوب التَّبيع في ثلاثينَ، وعلى وجوبِ المُسِنَّةِ في الأربعينَ؛ لما روى طاوسٌ: أنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ أخذَ من ثلاثينَ بقرةً تبَيعًا، ومن أربعينَ بقرةً مُسِنَةً، وأُتي بما دونَ ذلكَ، فأبى أن يأخذَ منهُ شيئًا، وقالَ: لم أسمعْ من رسولِ اللهِ - ﷺ - فيه شيئًا حتى ألقاهُ فأسأَلَهُ، فتوفِّيَ رسولُ الله - ﷺ - قبلَ أنْ يقدمَ مُعاذٌ (٢).\nواختلفوا في موضعين:\nأحدهما: ما دونَ الثلاثينَ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ عَفوٌ لا شَيْءَ فيهِ (٣).\nوحكيَ عن ابنِ المسيِّبِ والزُّهْرِيِّ: أَنَّهما قالا: في كل خَمْسٍ من البقرِ شاةٌ؛ كالإبل (٤).\n_________\n= و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٨)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ١٧٣)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٧٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٩١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٠).\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٠/ ١٤٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٢٧١).\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٥٩)، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٩٠١)، والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٤/ ٩٨).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٣٩)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٤٠٤)، و\"الأم\" للشافعي (٢/ ٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ١٠٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٩١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٨).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٣/ ١٨٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٢)، =","vol":"3","page":378},{"text":"وروي عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أَنّها إذا بلغتْ خَمْسًا وعشرينَ، ففيها بقرةٌ، إلى خمسٍ وسبعينَ، ففيها بَقَرتانِ، فإذا جاوزَتْ ذلك، فإذا بلغتْ مئةً وعشرينَ، ففي كل أربعينَ بقرةٌ (١).\nوقالَتْ طائفةٌ: في كُلِّ عشرينَ من البقرِ شاةٌ، إلى ثلاثين، ففيها تبَيعٌ.\nالثاني: ما بين الثلاثينَ إلى الأربعينَ (٢).\nفذهبَ الجمهورُ، كمالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ إلى أنه وَقْصٌ لا شيءَ فيه (٣)؛ لما روى طاوسٌ: أن معاذَ بنَ جبلٍ أُتي بوقصِ (٤) البقرِ، فقالَ: لم يأمرْني فيه رسولُ الله - ﷺ - بشيءٍ (٥).\nوذهبَ أبو حنيفةَ في أحدِ أقوالِه إلى أنهُ لا وَقْصَ (٦)، فإذا (٧) زاد على الأربعينَ يجبُ فيه بالقِسْطِ من المُسِنَّةِ، فيجبُ في خَمسينَ مُسِنَّةٌ ورُبُعُ مُسِنَّةٍ؛\n_________\n= و\"المجموع\" للنووي (٥/ ٣٦٨).\n(١) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢/ ٢٧٥)، و\"السنن الكبري\" للبيهقي (٤/ ٩٩)، و\"المحلى\" لابن حزم (٦/ ٢)، و\"الدراية\" لابن حجر (١/ ٢٥٢).\n(٢) في \"ب\": \"الستين والأربعين\".\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٩١)، و\"الأم\" للشافعي (٢/ ٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ١٠٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٣٨).\n(٤) وَقَص، الوَقَصُ: نحو أن تبلغ الإبل خمسًا ففيها شاة، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ عشرًا، فما بين الخمس إلى العشر وَقَصٌ. وبعض العلماء يجعل الوَقَص في البقر خاصَّة.\n\"اللسان\" (مادة: وقص) (٧/ ١٠٧).\n(٥) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (٩٠١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٣١)، وأبو داود في \"المراسيل\" (١٠٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٨).\n(٦) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٨).\n(٧) في \"ب\": \"وأنّ ما\".","vol":"3","page":379},{"text":"لأنَّ الأَصْلَ في الأوقاصِ الزكاةُ، إلَّا ما أخرجَهُ الدليلُ، وهذا لمْ يقمْ دليلٌ على إخراجِه، وإنَّما توقَّفَ فيه معاذٌ حتى يسألَ رسولَ اللهِ - ﷺ -.\nولقائِلِ أن يقولَ: لا نسلمُ عدمَ الدليلِ، بلِ الدليلُ موجودٌ، وذلكَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَهُ إلى اليمنِ، وقد علم أنهم أهلُ بقرٍ، وبَيَّنَ لهُ فرائضَ صدقَتِهم، وأنها تؤخَذُ من أغنيائِهم، وتُرَدُّ في فُقرائِهم؛ لأنه وقتُ الحاجةِ إلى البيانِ، ولو وجبَ الزكاةُ فيما دونَ الثلاثينَ، لَبَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ -؛ لأنه وقتُ البيانِ، ولهذا لم يأخذْها معاذٌ باجتهادهِ، وقد قالَ النبيَّ - ﷺ - لما سألَهُ عن طريقِ حكمه، فقال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو (١)، وإنما وعدَهُم بسؤالِ رسولِ الله - ﷺ - إما (٢) طَلَبًا لليقين الذي هو خيرٌ من الاستدلال، وإما لعلمه أن الوحيَ يطرقُهُ كُلِّ حينٍ، فينسخُ اللهُ من أحكامِه ما يشاءُ، ويتركُ ما يشاءُ، والله أعلم.\n* وجعلَ اللهُ سبحانَهُ الأَخْذَ إلى نبيِّه - ﷺ -، فكذلكَ يكونُ الأَخْذُ بعدَهُ إلى الإمامِ، فيجبُ على رَبِّ المالِ بذلُ الصدقةِ إذا طلبها الإمامُ.\nوقد اتفق الفقهاءُ على وجوبِ الدفعِ إلى الإمام (٣) عندَ طلبِه في الأموالِ الظاهرةِ (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٩٢)، كتاب: الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٤٢)، والدارمي في \"سننه\" (١٦٧)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٣٦٢)، والبيهقي في \"المدخل\" (١/ ٢٠٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق \" (٥٨/ ٤١٢).\n(٢) \"إمّا\": ليس في \"أ\".\n(٣) \"إلى الإمام\" ليس في \"ب\".\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٦/ ١٤٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٢/ ٢٠٦)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهُمام (٢/ ١٦٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ٤٤٣)، =","vol":"3","page":380},{"text":"وفي الأموالِ الباطنةِ خِلافٌ عندَ الشافعيةِ والمالكية (١).\nواختلفَ قولُ الشافعيِّ في وُجوبِ الدفعِ إلى الإمامِ من غيرِ طَلَبٍ، وتفصيلُه مذكور في كُتُبِ الفقهِ.\n* * *\n\n١٧٩ - (٢٥) قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣].\n* منع اللهُ سبحانَهُ نبيَّه - ﷺ - من الاستِغْفار للمشركينَ إذا ماتوا على شِرْكِهم؛ لأنهُ وقتُ التبيُّنِ لهم أَنَّهم من أصحابِ الجحيم.\n* ومفهومُ الآيةِ يدلُّ على أنهُ يجوزُ أن يستغفرَ لهم قبلَ التبيُّنِ، ولا خفاءَ في جوازه؛ إذ الغفرانُ لهم يستلزمُ إسلامَهم، وقدْ قالَ النبيُّ - ﷺ - يومَ أُحُدٍ حين شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي؛ فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ\" (٢)، إلا\n_________\n= أما عند الإمام أحمد فلا يجب دفعها إليه إذا طلبها، وتفريقها بنفسه أفضل، انظر: \"الفروع\" لابن مفلح (٢/ ٤٢٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٢٦٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٢٥٩).\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ١٨٥)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ١٥٠).\n(٢) رواه البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٤٩٣) معلقًا، ومسلم (١٧٩١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: \"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟! \" فأنزل الله﷿ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وقد روى البخاري (٣٢٩٠)، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، ومسلم (١٧٩٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد، عن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي - ﷺ - يحكي نبيًا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه =","vol":"3","page":381},{"text":"أن يقصدَ بالدعاءِ غفرانَ كُفرِهم معَ الاستمرارِ عليه، فهذا غيرُ جائزٍ إجماعًا.\n* إذا علمتَ هذا، علمتَ أنَّ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ الله سبحانه بعثَ للنبيِّ - ﷺ - أَبوَيْهِ، فآمنا به، ثم ماتا على الإيمانِ، غُلُوٌّ في الدينِ بغيرِ الحَقِّ مُؤَدٍّ إلى الكفرِ والضلالِ، فمن ظَنَّ، أو شَكَّ أَنَّ مَنْ ماتَ على الكُفْرِ يَدْخُلُ الجنةَ، فقد كَفَرَ، ونعوذُ باللهِ من قولٍ يؤدِّي إلى ضلالٍ. أَلَمْ يرَ هذا القائِلُ إلى قَوْلِ النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّ أَبي وأباكَ في النّار\" (١)، وقولِه في أُمِّهِ: \"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أستغفرَ لَها، فلم يَأْذَنْ لي، واستأذَنْتُهُ في أن أزورَ قبرَها، فَأَذِنَ لي\" (٢)، أو كما قال، فلله سبحانه أن يفعلَ في خلقِه ما يشاءُ، ويقضيَ فيهم ما يريدُ، وإن كانَ نبيُّه - ﷺ - كريمًا عندَهُ، وعزيزًا لديه، فلا يُسْأَلُ عَمَّا يفعلُ، وهم يسألون.\n* * *\n_________\n= ويقول: \"اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون\". قلت: فظهر من هذا التخريج أنهما حديثان منفصلان، وليسا حديثًا واحدًا كما ساقه المصنف.\n(١) رواه مسلم (٢٠٣)، كتاب: الإيمان، باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين، عن أنس بن مالك.\n(٢) رواه مسلم (٩٧٦)، كتاب الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>(من أحكام الجهاد)</span>\n١٨٠ - (٢٦) قوله ﷻ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].\n* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآية على الكافَّةِ النَّفْرَ مَعَ رسولِ الله - ﷺ -، وحَرَّمَ التَّخَلُّفَ عنهُ، واستئثارَهُم بالراحةِ دونَه، ورَغْبَتَهُمْ بأنفسِهِم عن نفسِه؛ كما عَلَّلَهُ اللهُ، وجَوَّزَ لَهُمُ التخلفَ عن النَّفْرِ إِذا قامَ بهِ مَنْ فيه الكفايةُ، ولم ينفرْ رسولُ الله - ﷺ -؛ لِيَتَفَقَّهوا في الدينِ، ولِيُنْذِروا قومَهم إذا رَجَعوا من الغزوِ، ويُخْبروهم بما سَمِعوا من رسول الله - ﷺ -.\nوقد قَدَّمْتُ في سورةِ البقرةِ أَنَّ هذا مذهبُ ابنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقتادةَ.\nوقال قومٌ هذهِ الآيةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، ورُوي عن زيدِ بنِ أسلمَ.\nوالصحيحُ ما قدمتهُ؛ لعدمِ التعارُضِ، ولإرشادِ الخِطاب إلى ما قلتُه","vol":"3","page":383},{"text":"بدليلِ قصةِ الثلاثةِ المُخَلَّفين (١)،، وتَأْثيمِهِمْ بالتخلُّفِ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - حينَ نزلتْ توبَتُهُمْ منَ اللهِ سُبْحانه.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"المتخلفين\".","vol":"3","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>سُوْرَةُ يُوسُفَ</span>","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>(من أحكام المعاملات)</span>\n١٨١ - (١) قوله ﷻ: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢].\nأقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على حكمين:\nالأولُ: جوازُ عَقْدِ الجَعالَةِ عندَ مَنْ كانَ قَبْلَنا، وكذا جاءتْ به شريعتُنا.\nروى أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ -رضي الله تعالى عنه-: أَنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - أَتَوْا حَيًّا من أحياءِ العَرَبِ، فلم يَقْروهُمْ، فبينما هم كذلك، إِذْ لُدِع سَيِّدُ أولئكَ، فقالوا: هل فيكُمْ راقٍ؟ فَقالوا: لم تَقْرونا، فلا نفعلُ، أو تَجْعَلوا لنا جُعْلًا، فَجَعلُوا لهم قطعَ شاءٍ فجعلَ يقرأُ رجلٌ بأمِّ القرآن، ويجمعُ بُزَاقَهُ ويَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرحلُ، فأَتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخُذُها حتى نسأَلَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فسألوا عن ذلكَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فَضَحِكَ وقالَ: \"ما أَدْراك أنها رُقْيَةٌ؟ خُذوها واضْرِبوا لي فيها بِسَهْمٍ\" (١).\nويندرج في الآيةِ مسائلُ منَ الجَعالةِ:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٤٠٤)، كتاب: الطب، باب: الرقى بفاتحة الكتاب، ومسلم (٢٢٠١)، كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.","vol":"3","page":387},{"text":"الأولى: يشترطُ أن يكونَ الجُعْلُ معلومًا كما قَدَّرَهُ اللهُ سبحانَه بِحِمْلِ البعيرِ.\nالثانية: يجوزُ أن يكونَ العاملُ مجهولًا، ويجوز أن يكون واحدًا واثنينِ، أو أكثر؛ كما يقتضيه الخِطابُ.\nالثالثة: يجوز أن يكون العملُ مجهولًا، إذا كان المقصودُ به معلومًا.\nالحكم الثاني: جوازُ الضَّمانِ، وقد جاءَتْ بذلكَ شريعَتُنا أيضًا.\nروى أبو قَتادةَ -رضيَ الله تَعالى عنه- قال: أُقْبِلَ بجِنازَةٍ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، فقال: \"هَلْ على صاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ \"، فقالوا: عليه ديناران، فقال - ﷺ -: \"صَلُّوا على صاحِبِكُمْ\"، فقال أبو قَتادَةَ: هما عَلَىَّ يا رسول الله! فصلى عليهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - (١)، هذا في المَيِّتِ، وقِسْنا عليهِ الحَيَّ.\n* وفي الآية دليلٌ على جَوازِ الضَّمانِ بمالِ الجِعالة قَبْلَ العملِ، وهو كذلكَ على أحدِ الوَجْهينِ عندَ الشافعية (٢).\n* * *\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"الوسيط في المذهب\" للغزالي (٣/ ٢٣٨)، و\"روضة الطالبين\" للنَّووي (٤/ ٥٥)، و(٤/ ٢٥٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>سُوْرَةُ النَّحْلِ</span>","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>(من أحكام الطهارة)</span>\n١٨٢ - (١) قولُه ﷻ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠].\nأقولُ: هذه الآيةُ تشتملُ على حكمينِ:\nالأول: في جلود الأنعام، أطلقَ اللهُ سبحانَهُ الانتفاعَ بجلودِها، ولمْ يُقَيِّدْه بالذَّكاةِ قبلَ المَوْتِ، ولا بالدِّباغِ بعدَ الموتِ، فأخذَ الزهريُّ والليثُ بجَواز (١) الانتفاعَ بجلد المَيْتَةِ قبلَ الدِّباغِ (٢).\nفإن قلتَ: هذا الإطلاقُ يعارضُهُ عمومُ قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، والواجبُ عندَ تعارُضِ العُمومَيْنِ أَلَّا يُقَدَّمُ أحَدُهما على الآخَرِ إِلَّا بدليلٍ.\nقلتُ: لهما أن يقولا: ليستْ آيةُ \"البقرةِ\" (٣) عامَّةً مُعارِضَةً لهذهِ الآية،\n_________\n(١) في \"أ\": \" فجوَّزا\".\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٤٢)، و\"التمهيد\" لابن عبد البرّ (٤/ ١٥٦)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٥/ ١٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ١٥٦).\n(٣) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ... ... ... ... ... ... ... ...﴾ [البقرة: ١٧٣].","vol":"3","page":391},{"text":"فإنما المقصودُ منها تحريمُ الأكل؛ بدليلِ قولهِ - ﷺ - في شاةِ مَيْمونَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: \"أَلا انْتَفَعْتُمْ بجلدِها\" فقالوا: يا رسول الله إنها ميتةٌ، فقالَ: \"إنَّما حرمَ أكلُها\" (١).\nوأبى عامةُ أهلِ العلمِ إلَّا تقييدَ هذهِ الآيةِ بجلودِ الأنعام المُذَكَّاةِ أو بِما بعد الدِّباغِ، واستدلُّوا بقولهِ - ﷺ -: \"أَيُّما إهابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ\" (٢)، وبقوله - ﷺ - في شاةِ مَيمونَة: \"هَلّا أخذتُمْ إهابَها فَدَبَغْتَمُوهُ فانْتَفعْتُمْ بهِ\" (٣).\nوقد أفتى بطهارَتهِ عاقَةُ الفُقَهاءِ من أهلِ الحجازِ وغيرِهم (٤)، إلا مالكًا؛ فإنَّه قالَ في روايةِ ابنِ عبدِ الحَكَمِ: لا يَطْهُرُ بالدِّباغِ، ولكنَّهُ ينتفع بهِ في الأشياءِ اليابسةِ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يؤكل فيه، والمشهورُ عنهُ مثلُ عامةِ الفقُهاء (٥).\nوأبعدَ أحمدُ فمنعَ الانتفاعَ بالجُلودِ بعدَ الدِّباغِ (٦)، واستدلَّ بما خَرَّجَهُ\n_________\n(١) رواه البخاري (١٤٢١)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -، ومسلم (٣٦٣)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، عن ابن عباس.\n(٢) رواه مسلم (٣٦٦)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، والنسائي (٤٢٤١)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: جلود الميتة وغيرها، عن ابن عباس، وهذا لفظ النسائي.\n(٣) رواه مسلم (٣٦٣)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، عن ابن عباس.\n(٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (١/ ٢٧١) وما بعدها، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٢٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٨٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٥٧)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ١٠١).\n(٥) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البرّ (٤/ ١٥٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٥/ ٣٠٠).\n(٦) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٥٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (١/ ٥٤).","vol":"3","page":392},{"text":"أبو داودَ عن عبدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ قال: قُرئ علينا كتابُ رسولِ الله - ﷺ - بأرضِ جُهَيْنَةَ، وأنا غلامٌ شابٌّ: أَلَّا تسْتَمْتِعوا منَ المَيْتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ (١).\nوفي بعض رواياتِه: قَبْلَ موتِه بشَهْرٍ (٢).\nوهذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّ يحيى بنَ معينٍ ضَعَّفَ هذا الحديثَ، وقال: ليسَ بشيءٍ، إنما يقولُ: حَدَّثَنا الأَشْياخُ، وإن كانَ ثابِتًا، فالإهابُ إنَّما يقعُ على ما لَمْ يُدْبَغْ، وإن أُطْلِقَ عليهِ وإطلاقُه مقيَّدٌ بقولهِ - ﷺ -: \"أَيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُرَ\" (٣)، فهذا عمومٌ مُؤَكَّدٌ بـ (ما) الزائدةِ، مُقَيَّدٌ بالدِّباغِ، محكومٌ له بالطهارة، يكادُ يُشارِفُ النَّصَّ.\n* ولأجل هذا اختلفوا في جلدِ الكلبِ والخِنْزيِر هل يَطْهُرانِ بالدِّباغ أو لا؛ فذهبَ داودُ وسحنونٌ وابنُ عبدِ الحكمِ إلى طهارتهِ؛ عملًا بعُموم هذا الحديثِ (٤).\nومنعَهُ الشافعيُّ مُطْلَقًا؛ لأنه -وإنْ كانَ عامًا - فلا يتناولُ صورةً نادرةً؛ لأنَّ العربَ لم يعتادوا الانتفاعَ بجلد الكَلْبِ والخِنزير ودباغِه، ولأنه ليسَ\n_________\n(١) حصل في نسخة \"ب\" هنا سقط كبير، يبتدأ من قوله \"عصب\" إلى قول المؤلف: \"جاز لك تقديم أيهما شئت؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ \".\n(٢) رواه أبو داود (٤١٢٧، ٤١٢٨)، كتاب: اللباس، باب: من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والنسائي (٤٢٤٩)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: ما يدبغ به جلود الميتة، والترمذي (١٧٢٩)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء، وابن ماجه (٣٦١٣)، كتاب: اللباس، باب: من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البرّ (٤/ ١٧٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ١٥٨).","vol":"3","page":393},{"text":"دِباغُهُما بأقوى مِنْ ذكاتهما، والذكاةُ لا تفيدُ في حَقِّهِما طَهارةً (١).\nومنعهُ مالِكٌ في الخِنزيِر وَحْدَهُ؛ لقولِه بطهارةِ الكَلْبِ (٢).\nالحكم الثاني: الشُّعورُ:\nأحلَّها اللهُ سبحانَه مُطْلَقًا:\nفيحتمل أن يكونَ مقيَّدًا بما بعدَ الذكاةِ؛ كما تقدمَ تقييدُ الجُلودِ بِما بعد الذكاةِ، أو بعدَ الدِّباغِ.\nويحتملُ أن يكونَ حلالًا مُطْلَقًا على كُلِّ حالٍ؛ لِخُلُوِّها عنِ الحياة، وبهذا قالَ الجمهورُ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعىِّ في أحدِ أقواله (٣).\nواستحَبَّ المالكيةُ غَسْلَهُ مخافَةَ أنَّ يكونَ عَلِقَ بهِ وَسَخٌ؛ لما رَوَتْ أَمُّ سَلَمَةَ -رضيَ الله تعالى عنها-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَ، وشَعْرِها وصوفِها إذا غُسِلَ\" (٤)، وتأويلُهم هذا أحسنُ من قولِ الحسنِ البصريِّ والليثِ والأوزاعي: إن الشعورَ نجسةٌ، ولكنها تطهُرُ بالغَسْلِ (٥).\nوقالَ الشافعيُّ في أحدِ أقوالِه بنجاسَتِها إلا مِنْ مُذَكًّى، وهو الصحيحُ\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ٩)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٢٧١).\n(٢) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ١٠١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٢٦).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ١٤٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ١٥٥)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ٨٩)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ٢٨٩).\n(٤) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٥٣٨)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٤)، وابن الجوزي في \"التحقيق\" (٩٠/ ١ - ٩١).\n(٥) انظر: \"المجموع\" للنووي (١/ ٢٩٥).","vol":"3","page":394},{"text":"عندَ أصحابِه؛ لما فيها منَ النُّمُوِّ، فهي كسائرِ أجزائِهِ.\nوالراجحُ عندي قولُه الآخَرُ الموافِقُ للجُمهورِ؛ لما قدمتُه، وأما النموُّ، فلا دَلالَةَ فيه على وجودِ الحياةِ وحلُولِ الروح؛ بدليلِ نُمُوِّ النباتِ والأشجار، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>(من أحكام الأيمان)</span>\n١٨٣ - (٢) قوله ﷻ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١].\n* ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أن هذهِ الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢] الآية، فكانَ نزولُها في أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- لَمّا حَلَف أَلَّا يُنْفِق على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا لَمَّا خاضَ في الإفكِ مع الخائضين، فَحَنِثَ أبو بكرٍ، وكَفَّر عن يمينهِ، وردَّ إلى مسطحٍ ما كان يعطيهِ، وقال: لا أقطعهُ عنهُ أبدًا (١)، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].\nوذهبَ أكثرُ الناسِ إلى أنها محكمةٌ مَخْصوصَةٌ في العُهودِ التي تكونُ بينَ النبىِّ - ﷺ - وبينَ العربِ، أو تكونُ بين الناسِ.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٥١٨)، كتاب: الشهادات، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ومسلم (٢٧٧٠)، كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، عن عائشة -﵂- في حديث الإفك الطويل.","vol":"3","page":396},{"text":"وهذا هو الصوابُ -إنْ شاءَ الله تعالى-، ويدلُّ عليهِ ذكرُ العَهْدِ في أول الآية، وقولُه تعالى في آخرها: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وهذه الكفالَةُ لا تكونُ إلا في العهدِ بينَ الناس.\n* * *","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>(من أحكام الصلاة)</span>\n١٨٤ - (٣) قولهِ ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].\n* أمرَ اللهُ سبحانَه نبيَّهُ - ﷺ - بالاستعاذَةِ عندَ قراءةِ القُرآنِ.\nفذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنُه كانَ فَرْضًا في حَقِّ النبىِّ - ﷺ -، فجعلَهُ من خَصائِصِه، وهذا باطلٌ لأمرين:\nأحدهما: عدمُ الدلالةِ على التَّخْصيصِ، وموُاجهتُهُ - ﷺ - لا تدلُّ على التَّخْصيص، وإلا لاقْتَضى الأمرُ تخصيصَهُ بأكثرِ أَحْكامِ القرآن.\nوالثاني: ما روى مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بن يَسارِ: أنَّ رجلًا قبَّلَ امرأَتُه وهو صائِمٌ، فوجدَ من ذلكَ وَجْدًا شديدًا، فأرسل امرأَتَهُ تسألُ عن ذلكَ، فدخلَتْ على أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المؤمنين، فأخبرتْها، فقالَتْ أُمُّ سلمةَ -رضي الله تعالى عَنْها-: إن رسولَ الله - ﷺ - يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، فرجعَتِ المرأةُ إلى زوجِها فأخبرتْهُ، فزادَهُ ذلكَ شَرًّا؛ وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله - ﷺ -، يُحِلُّ اللهُ لرسوله ما شاءَ، فرجعتِ المرأةُ إلى أمِّ سلمَةَ، فوجدَتْ رسولَ اللهِ - ﷺ - عندَها، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"ما بالُ هذِهِ المَرْأَةِ؟ \"، فأخبرتهُ أُمُّ سلمةَ، فقالَ: \"أَلا أَخْبَرْتيها أَنِّي أفْعلُ ذلك؟ \" فقالَت أُمُّ سلمةَ: قد أخبرتُها، فذهبَتْ إلى زوجِها، فأخبرَتْهُ فزادَهُ ذلكَ شَرًّا، فغضبَ","vol":"3","page":398},{"text":"رسولُ اللهِ - ﷺ -، ثم قالَ: \"والله إنِّي لأَتقاكُمْ للهِ، وأَعْلَمُكُمْ بحدودِهِ\" (١).\nوالذي إليه ذهبَ عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن من القُرَّاء والفُقَهاء إلى أنه على النَّدْبِ في حَقِّ النبيِّ - ﷺ -، وفي حَقِّ أُمَّتِهِ (٢).\nوإنَّما اختلفوا في الجَهْر والإِسرار، أَيُّهما أَفْضَلُ؟\n* وحكي عن عَطاءٍ أن التعوذَ واجبٌ داخلَ الصَّلاةِ، غَيْرُ واجبٍ خارِجهَا.\nقال الزُّهْرِيُّ: نزلَتِ الآيةُ في الصَّلاةِ، ونُدِبْنا إلى الاستعاذةِ في غير الصلاة.\n* ثم اختلفوا في مَحَلِّ التَّعَوُّذِ: فذهبَ داودُ إلى أنَّ التعوذَ بعدَ القراءةِ، وأخذَ بظاهِرِ الترتيب، ويُروى عن أبي هُريرةَ -﵁-، ويحكى عن مالكٍ أيضًا (٣).\nوذهبَ العامَّةُ منهم إلى أنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ القراءةِ، والمعنى: فإذا أَرَدْتَ أن تقرأَ القرآنَ، فاستعذْ باللهِ.\nوقيل: إنِ في الخِطاب تقديمًا وتأخيرًا؛ لأن كُلَّ فِعْلين تقاربا في المعنى، جاز لكَ تقديمُ أَيِّهِما شئتَ؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]، المعنى: فتدَلَّى، ثم دَنا، وكقولهِ تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢].\n* * *\n_________\n(١) رواه مالك في \"الموطأ\" (١٠/ ٢٩١)، ومن طريقه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٩٤).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٨٧ - ٨٦).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لا بن حزم (٣/ ٢٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١/ ٨٨).","vol":"3","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>(من أحكام المعاملات)</span>\n١٨٥ - (٤) قولِهِ ﷻ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].\n* أقولُ: أجمعَ الفقهاءُ واتفقوا على أنَّ الإكراهَ مسقِطٌ لأثرِ القولِ (١)، وإن كان عَظيمًا كما ذكره الله سبحانَه.\nقال النبيَّ - ﷺ -: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتي الخَطَأُ والنِّسيانُ وما اسْتكرِهوا عليهِ\" (٢).\nوسبب الآية ما رويناه في قصةِ عَمّارِ بن ياسرٍ أَنَّ المشركينَ أَخذوهُ، فلم يتركوه حَتَّى سَبَّ النبىَّ - ﷺ -، وذكرَ آلِهَتَهُمِ بِخيرٍ، ثم تركوهُ، فقالَ النبيَّ - ﷺ -: \"يا عَمّارُ! ما وراءَكَ؟ \" قال: شَرٌ، يا رسولَ الله ما تُرِكْتُ حتى نِلْتُ منكَ، وذكرْتُ آلهتَهُم بخيرٍ، فقال: \"كيفَ تجدُ قلبَكَ؟ \" قلت: مُطْمَئِنًا بالإيمان، قالَ: \"إن عادُوا فَعُدْ\"؛ فأنزلَ اللهُ ﷿ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ذلك عمارُ بنُ ياسرٍ، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ذلكَ عبدُ اللهِ بنُ أبي سَرْحٍ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ١٨٢).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٣٦٢)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" =","vol":"3","page":400},{"text":"واختلف الشافعيةُ هلِ الأفضلُ الصبرُ على الإسلام، أو إعطاؤهم ما طلبوا، والتخلُّصُ من أيديهم؟\nفقال بعضُهم: الأفضلُ الصبرُ؛ لما روى خَبَّابُ بن الأَرَتِّ -رضيَ الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"إنْ كانَ الرجلُ مِمَّنْ كانَ قبلَكُم لَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ، فَيُجْعَلُ فيها، فَيُؤْتَى بمِنْشار، فيوضَعُ على رأسِهِ، فَيُشَقُّ باثْنَينِ، فلا يَمْنَعُهُ ذلكَ عَنْ دينِه، ويُمَشَّطُ بِأَمْشاطِ الحديدِ ما دُونَ عَظْمِهِ منْ لَحْمٍ وعَصَبٍ، فما يَصُدُّه ذلكَ عَنْ دينِه\" (١).\nوقال بعضُهم: إن كانَ ممَّنْ يَرْجو النِّكايةَ في العَدُوِّ أو القيامَ بأحكامِ الشرعِ، فالأفضلُ له أن يدفعَ القتلَ عن نفسِه؛ لما في بقائِه من صلاحِ المسلمينَ، وإلَّا فالصبرُ في حَقِّه أَفْضَل (٢).\n* وقد أجمعوا على أنَّ الإسلامَ يصحُّ معَ الإكراهِ، كإسلامِ أهل مَكَّةَ وغيرهم منَ المُنافقين.\n* واختلفوا في سُقوط أَثَر الطَّلاقِ: فذهبَ جُمهورُ أهلِ العِلْمِ منَ الصَّحابةِ والتابعينَ إلى سُقوطِهِ، فلا يَقَعُ طلاقُ المُكْرَهِ.\nوذهب الزُّهْرِيُّ والكوفِيُّونَ إلى وُقوعِ طلاقِه؛ كالهازِل؛ فالرِّضا ليسَ بشرطٍ في الطلاق (٣).\n_________\n= (١/ ١٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٠٨)، عن محمد بن عمار بن ياسر.\n(١) رواه البخاري (٣٤١٦)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.\n(٢) انظر: \"المهذب\" (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و\"معالم التَّنزيل\" للبغوي (٣/ ٨٦).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٩٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٦/ ٢٠١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" =","vol":"3","page":401},{"text":"* وأما أثَرُ الفِعْلِ:\nفأجْمَعوا على أنه يسقط أثرُه في المَأْثَم في جميعِ ما أُكْرِهَ عليه، إلا في القتلِ؛ فإنهم اتفقوا على أنه لا يرفع المَأْثَمَ.\nواختلفوا هل يسقُطُ ما يتعلقُ بالفِعل من الأحكامِ؛ كالقِصاص على المُكْرِه؟ وتفصيلُ ذلكَ وغيرِه في كتبِ الفقه (١).\n* وكذلك اختلفوا في حَدِّ الإكراه.\nولا خَفاءَ بأنه يختلفُ بحسبِ الأَمْرِ المُكْرَهِ عليه، وهذا مهما بقيَ له من (٢) تَمامِ عَقْلٍ واختيارِ فعلٍ، فأما أَداءُ الحَىِّ إلى حَدٍّ لا يبقى له فيهِ اختيارٌ؛ كما إذا أُلقِيَ من شاهِقِ جَبَلٍ، فَقَتلَ إنسانًا بثقلهِ، فغيرُ مُكَلَّف، ولا داخِلٌ في الخِطاب اتفاقًا.\nفإن قلتَ: فالآيةُ تدلُّ على أن المُكْرَهَ غيرُ مكلَّفٍ، ولا داخِلٌ في الخِطابِ، وهذهِ مقالَةُ المعتزلةِ، وربما نُسبت إلى الحَنفيةِ، والذي عليهِ الأشعريةُ، وقالَهُ جماعَةُ الشافعيةِ أَنَّهُ مكلَّفٌ داخلٌ في الخِطاب، فما الجوابُ؟.\n_________\n= للقرطبي (١٠/ ١٨٤)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٩٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٢٨٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٩١)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٢٧٣).\n(١) انظر: \"الفروع\" لابن مفلح (٥/ ٤٧٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢١٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٨٩)، و\"روضة الطالبين\" للنَّووي (٩/ ١٣٥)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ٢٧٨)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ١٨١).\n(٢) \"من\" ليس في \"ب\".","vol":"3","page":402},{"text":"قلتُ: الفقهاءُ يتكلمونَ في الوقوع، ولم يقعْ في الشرعِ تكليفُ المُكْرَهِ، والمتكلمونَ يتكلمونَ في الجَوازِ والامتناعِ العَقْلِىِّ.\nفعندَ الأشعريَّةِ تكليفُه جائزٌ غيرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، وإنْ لمْ يقعْ شرعًا.\nوعند المعتزلةِ تكليفُهُ غيرُ جائزٍ عَقْلًا ولا شَرْعًا.\nفإن قُلْتَ: هذا الخطابُ (١) يبطلُ باستدلالِهم على تكليفِه بانِعقادِ الإجماعِ على تَأْثيمِه عندَ الإكراه على القتل، وهذا يدلُّ على أنهم يريدونَ أَنَّ تكليفَه واقعٌ شرعًا، وأنهم يتكلمون في الوُقوع الشرعيِّ، لا في الجوازِ العقلىِّ.\nقلنا: قد أجابَ بعضُ المحققين من مُتَأَخِّري الأشعرية لمّا اختارَ مذهبَ المعتزلةِ هُنا، فقال: إنما أثم لأنه آثرَ نفسَه على غيرهِ، لا من حيثُ إنه مكرَهٌ، فهو إنما أُكْرِهَ على القَتْل، ولم يُكْرَهْ على إيثارِ نفسِه على غيرِها، فجهةُ الإيثارِ لا إكراهَ فيها، فيأثم من جِهَتِها، وجهةُ الإكراهِ لا إثمَ فيها، فهو إنَّما خُيِّرَ بين إزهاقِ روح غيرِه، وإلقاءِ نفسهِ في التَّهْلُكَةِ، فأصلُ القتلِ لا عقابَ فيه، والقَتْلُ المخصوصُ بغيره فيه العقابُ؛ لتضمُّنهِ وجودَ الاختيارِ وإيثارَ نفسِه على غيرِه.\nقال: وهذا تحقيقٌ حسنٌ، وهو كما قالَ؛ فإنه لو كان تأثيمُه لأجلِ القتلِ فقطْ، لما اختلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ القِصاص عليه، ولما طَلُقَتْ إحدى الزوجتين إذا عَيَّنَها بالطَّلاقِ عندَ الإكراهِ على طَلاقِ إحْدى الزوجتين.\nوقد أدركَ الفقهاءُ هذا المَدْرَكَ في مواضِعَ كثيرةٍ؛ كمثلِ ما حكموا بِعَدِمِ\n_________\n(١) في \"ب\": \"الجواب\".","vol":"3","page":403},{"text":"فطْرِ الصائِم إذا أُوجِرَ (١)، واختلفوا فيما إذا أكلَ بنفِسه (٢).\nولكنِّي أنكرُ على هذا المُجيب اختيارَهُ بمقالةِ (٣) المعتزلة؛ فإنهم إنما بَنَوا عدمَ تكليفِه على قاعدةِ الحُسْنِ والقُبْحِ، والأشعريةُ إنما جَوَّزوا تكليَفه لصلاحِ الخطاب له، مع وجودِ عقلِه، وثبوتِ اختيارِه، فلينتبهْ لهذا؛ فإنه تحقيقٌ حسنٌ.\nوالحَقُّ أنه داخلٌ في الخِطابِ، مُكَلَّفٌ بالشَّرائعِ، لكنَّهُ رَخَّصَ لهُ الشرعُ في فِعْلِ الأمرِ المُكْرَهِ عليه، ورَفَعَ عنهُ الإثمَ؛ كما رفعَ عنهُ الإثمَ في أكلِ المَيْتة، قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكرِهوا عليه\" (٤).\nفإنْ قلتَ: فهلْ يوصَفُ فعلُ المكرَهِ بالحَلالِ، أو بالحرامِ، وإنما رُخِّصَ لهُ الفعلُ، ورُفِعَ عنهُ المَأْثَمُ؟\nقلنا: قد مضى في \"سورةِ البقرةِ\" في أكلِ الميتَةِ خلافٌ يشبهُ أنْ يكونَ هذا مثلَه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) أوجر: توجَّر الرجلُ: اذا شرب الماء كارهًا. \"اللسان\" (مادة: وجر) (٥/ ٢٧٩).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ٣٢٠)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٣٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٤٣٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٩١).\n(٣) في \"ب\": \"المقالة\".\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>سُوْرَةُ الإسْراءِ</span>","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>(من أحكام البر والصلة)</span>\n١٨٦ - (١) قوله ﷻ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣].\n* عَظَّمَ اللهُ سبحانَهُ شأنَ الوالِدَيْنِ، فَقَرَنَ الإِحْسانَ إليهِما بعبادتِه جَلَّ وعَلا في هذهِ الآيةِ، وقَرَنَ شُكْرَهُ بشُكْرِهِما في مَوْضِعٍ آخَرَ، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\nوورَدَ في السُّنَّةِ في بِرِّهِما أحاديثُ كثيرةٌ يطولُ بنا ذكرُها.\n* ثم بَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ صِفَتَهُما:\nفأوجَبَ برَّهُما وإِنْ كانا كافِرَيْنِ، ثم بَيَّنَ ذلكَ في موضعٍ آخَرَ فقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].\nثم فَصَّلَ الإحسانَ إليهما قَوْلًا وفِعْلًا: أمَّا القَوْلُ، فنهى اللهُ سبحانَهُ الولَدَ عن أنْ يقولَ لَهُما قَوْلًا قَبيحًا، وأَمَرَهُ أَنْ يقولَ لَهُما قَوْلًا كَريمًا، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣].\nوأَمَّا الفِعْل، فأمَرَهُ أن يَخْفِضَ لَهُما جناحَ الذُّلِّ بسببِ الرَّحْمَةِ لَهُما،","vol":"3","page":407},{"text":"فقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وذلكَ غايةُ ما ينتهي إليهِ الخضوعُ.\n* ثم أمرَهُ بالدُّعاءِ لهما مُطْلَقًا بعدَ المَمات وقبلَهُ؛ شكرًا لإحسانِهما إليهِ في صغرِه.\nفإن قلتَ: فهل يجبُ على الوَلَدِ الدُّعاءُ لِوالِديْهِ، أو يُسْتَحَبُّ؟\nقلت: لا أعلمُ فيه شيئًا، والذي ينبغي أَنْ يكونَ واجِبًا لإِطلاقِ الأمرِ الذي أمرَ اللهُ بهِ، وبَيَّنَ عِلَّتَهُ، أَلا وهو تربيتُهما لهُ في صِغَرِهِ، وذلكَ من جُمْلَة الشكرِ الذي أمرَ اللهُ تعالى به جُمْلَةً.\nفإن قلت: هذه الآية تَقْتضي أن يدعوَ لَهُما وإنْ كانا كافِرَيْنِ؛ لعطفهِ ذلكَ على الإحسانِ الذي هوَ واجبٌ لهما مُطْلَقًا، وقَدْ نهى اللهُ سبحانَهُ عن الدُّعاءِ للمشركين، ولو كانوا أُولي قُرْبى، وقد استقرَّ الأمر على تحريمه.\nقلت: يحتمل أن تكونَ هذهِ الآيةُ عامَّةً مطلَقَةً، ثم نُسِخَ (١) منها الدُّعاءُ للوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ المَيِّتَيْنِ بآيةِ (براءة) (٢)، وروي هذا عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.\nويحتملُ أن تكونَ عامَّةً مخصوصة بالوالدينِ إذا كانا حَيَّيْنِ، ويكونَ منَ اللفظِ الذي يردُ عامًا، ويُرادُ بهِ الخُصوصُ، وقد ثبتَ فيما مضَى جوازُ الاستِغْفار لهُما، وإنْ كانا كافِرَيْنِ.\nويحتملُ أن تكونَ خاصَّةً في الوالدينِ المسلمين، ويكونَ من اللفظ\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٤)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٤٣)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٣٩)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٢٥).\n(٢) وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ... ... ... ... ... ...﴾ [التوبة: ٢٤].","vol":"3","page":408},{"text":"الذي يكونُ عامًّا، ويُرادُ بهِ الخُصوص.\nوالقولُ بهذينِ الاحْتِمالَيْنِ أَوْلى؛ إذْ لا يجوزُ النَّسْخُ مَعَ إمكانِ الجَمْعِ والتَّخْصيص.\n* * *\n\n١٨٧ - (٢) قوله ﷻ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦].\n* يحتملُ أن تكونَ خاصَّةً بالنبيِّ - ﷺ - لقرابَتِه، وبمَنْ قامَ مقامَ النبيِّ - ﷺ -، ويكونَ المرادُ بهذه الآية ما فُرِضَ لهم من الغَثيمةِ والفَيْءِ؛ فإن الحقَّ المختَصَّ بذوي القُرْبى مُخْتَصٌّ بهما.\n* ويحتملُ أن تكونَ عامَّةً في المُؤْمنين، وأنَّ الخطابَ معه خِطابٌ لأمته، ويكونَ المرادُ ما يصلُ بهِ الرجلُ ذَوي قَرابَتِهِ، وما يَصِلُ به المِسكينَ وابنَ السبيلِ، إمَّا تَطَوُّعًا، أو فرْضًا، كما هو حَقُّهُما في الصَّدَقات.\n* ولا خَفاءَ بأنَّ صِلَةَ ذَوي القُرْبى (١) واجبةٌ على الإطلاق، ولكنْ هلْ تَجِبُ الصِّلَةُ بالمالِ؟\nوالذي ذهبَ إليهِ الجُمهور أَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ المالُ لَهُمْ، فَلِرَبِّ المالِ أن يصرفَ زَكاتَهُ وسائِرَ صدقاتِهِ إلى غَيْر ذَوي قَرابَتَه.\nوذهب بعضُهم إلى أنه يجبُ على الغَنِيِّ أَنْ يصلَ ذا (٢) قرابتِه بِشَيْءٍ منْ مالِه، ولم يَحُدَّهُ بِحَدٍّ، وأحسبُ حَدَّهُ عندَه -والله أعلم- ما يُعَدُّ في العادَةِ صِلَةً بينَ ذوي القربى.\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"ذي القرابة\".\n(٢) \"ذا\" ليس في \"ب\".","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>(من أحكام القصاص)</span>\n١٨٨ - (٣) قولهُ ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣].\n* جعل اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآيةِ لِوَلِيِّ المَقْتول ظُلْمًا سلطانًا، أَيْ: حُجَّةً وبُرهانًا على قَتْلِ القاتِلِ، وحَرَّمَ الله تَعالى عليهِ الإسرافَ في القَتْلِ، وهوَ أَنْ يأخذَ أكثرَ مِمَّا لهُ؛ بأنْ يقتلَ غيرَ القاتِل، أو يعذبَ القاتِلَ في القَتْلِ، أو يَقْتُلَهُ بما هو أغلظُ في القَتْلِ، أي: في الآلةِ التي قَتَلَ بِها.\n* وفي الآية دَلالَةٌ على أن للولي أن يقتلَ بنفسِهِ؛ لأنَّ بذلكَ يُتَصوَّرُ النَّهْيُ عنِ الإسرافِ، ويتمُّ بهِ السلطانُ.\nوقد اتفقَ الناسُ على ذلكَ في القتل (١).\nوأَمَّا في الجُروح، ففيهِ خِلافٌ عندَ الشافعية، منهم من جعلَهُ كالقتل،\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٤٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٥٣٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ١٠٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٨/ ١٧٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٢٥٦)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٢٤٣).","vol":"3","page":410},{"text":"ومنهم من مَنَعَ الوَليَّ أن يَتَوَلَى القِصاص؛ خشيةَ التَّعَدِّي في الاستيفاءِ (١).\n* واختلفَ أهلُ العلمِ في حقيقةِ الوَلِيِّ: فذهب مالكٌ والزهْرِيُّ إلى أَنَّهُ العَصَبةُ من الرجالِ؛ لأنَّ القِصاصَ يُرادُ لدفعِ العارِ، فاختصَّ بهِ العَصباتُ؛ كولايةِ النِّكاحِ (٢).\nوذهبَ ابنُ شُبْرُمَةَ إلى أنهُ من يَرِثُ بِنَسَبٍ دُونَ سَبَبٍ، فتخرجُ الزوجةُ والزوجُ؛ لانقطاعِ الزوجِيَّةَ بالموتِ.\nوذهبَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ إلى أنه جميعُ الورثةِ؛ اعتبارًا لهُ بالدِّيَةِ (٣).\nوللشافعيةِ وَجْهان كالمذهبَيْنِ الأَوَّلَيْنِ.\n* وفي الآيةِ دَلَالةٌ على أَنَّه لا يُستوفى القصاصُ إذا كَانَ الوَلِيُّ صَغيرًا أو مَجْنونًا حتى يَبْلُغَ هذا، ويُفيقَ هذا؛ لأنه هو الوليُّ، والسُّلطانُ ثابتٌ لَهُ، فلا يُجْعَلُ لغيرهِ، سواءٌ كانَ منفردًا بالولاية، أو مشارِكًا.\nوبهِ قال الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو يوسُفَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز (٤).\nوذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ إلى أنه لا ينتظرُ، بل يجوزُ للأبِ\n_________\n(١) انظر: \"روضة الطالبين\" للنَّووي (٩/ ٢٢١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٢).\n(٢) انظر: \"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٢٥٦).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٢٤٣)، و\"روضة الطالبين\" للنَّووي (٩/ ٢١٤)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٧٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٥٣٣).\n(٤) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٤٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٢٧٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٥٣٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكلاساني (٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"3","page":411},{"text":"والجَدِّ أن يستوفيا لَهُ القِصاصَ في صورَةِ الانفرادِ، ويجوزُ للأخِ الكبيرِ أن يستوفيَ القِصاص في صورَةِ المُشاركةِ (١).\nواختلفَ الحنفيةُ في الذي يستوفيهِ.\nفقالَ بعضُهم: يستوفي حَقَّهُ وحَقَّ الصغير.\nوقال بَعْضُهم: يستوفي حَقَّهُ، ويسقُطُ حَقُّ الصَّغيرِ.\nوأجمعوا على أن الأخَ الكبيرَ الغائبَ يُنْتَظَرُ في استيفاءِ القِصاص.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٢٥٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (٤/ ٢٥٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"3","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>(من أحكام البيوع)</span>\n١٨٩ - (٤) قوله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء: ٣٥].\n* أمرَ الله سُبحانَهُ بإيفاءِ الكيلِ، وإقامَةِ الوزنِ، وتواعَدَ عليهِ في موضعٍ آخَرَ (١)، وذلكَ واجِبٌ إجماعًا؛ لأنَّ تركَ الإيفاءِ ظُلْمٌ، وتَرْكَ الظلمِ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تأويلًا، أي: عاقبةً.\nفإنْ قلتَ: فقولُه: ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]، يقتضي أنَّ الإيفاءَ في الكيل والإقامَةَ في الوزنِ وتركَهُما مُشْتَرِكان في الخيرِ والحُسْنِ، وأن أَحَدَهُما خيرٌ وأَحْسَنُ.\nقلتُ: من أجلِ هذهِ الشُّبْهَةِ تَوَهَّمَ مَنْ لا خِبْرَةَ لَهُ أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بسورة المُطَفِّفينَ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، بل التَّفْضيلُ يُسْتَعْمَلُ بينَ المُشْتَرِكَيْن في الأمرِ حقيقةً، وقد يستعملُ في غيرِ المشتركينِ؛ كقولِ اللهِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وكقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]، وكقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"مواضع أُخر\".","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>(من أحكام الصلاة)</span>\n١٩٠ - (٥) قوله ﷿: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية.\n* أمرَ اللهُ سبحانَه نبيَّهُ - ﷺ -، وكذا أُمَّته بإقامةِ الصَّلاةِ عندَ دُلوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل.\nودُلوكُ الشَّمْسِ يقعُ على زَوالِها، وبِه فَسَّرَهُ ابنُ عَبّاسٍ، وعمرُ، وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم- وهو قولُ الحَسَنِ، والشعبِّي، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وقتادةَ (١).\nوغَسَقُ اللَّيل: ظُلْمَةُ اللَّيلِ، قالَ الفَرَّاءُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغسق (٢): إذا أَقبلَ ظلامهُ (٣).\nثم استنبطَ قومٌ من هذا جوازَ تأخيرِ الظُّهْرِ إلى الغُروبِ في حالةِ الاخْتِيار؛ لتمادي الغايةِ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٣٥ - ١٣٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(٢) \"وأغسق\" ليس في \"ب\".\n(٣) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ١٣٨)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٣٦٦)، و\"لسان العرب\" (١٠/ ٢٨٨) مادة (غسق).","vol":"3","page":414},{"text":"واستدَلُّوا بما خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- قال: جمعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ بالمدينةِ من غير خَوْفٍ ولا مَطَرٍ.\nفي حديثِ وكيعٍ، قال: قلتُ لابنِ عَبّاسٍ: لمَ فعلَ ذلكَ؛ قالَ: كيلا تُحْرَجَ أُمَّتُهُ (١).\nولم (٢) يُجَوِّزْهُ الشافِعيُّ ومالكٌ إلا في حالةِ الاضطرارِ (٣)، وبهِ أقولُ، بدليلِ تحديده - ﷺ - لأوقاتِ الصَّلاةِ، والحديثُ محمولٌ على أن الجمعَ جمعُ تأخيرٍ، وأَنَّهُ أَخَّرَ الأُولى إلى آخِرِ وَقْتِها؛ بحيثُ يفرغُ منها، ثم يدخلُ وقتُ الثانيةِ؛ بدليلِ مُداومتهِ - ﷺ - على فعلِ الصَّلَواتِ في أوقِاتها.\nوعن ابن مسعودٍ: غَسَقُ الليلِ: إِظْلامُهُ (٤)، وذلك يتحقَّقُ عندَ غُروبِ الشفقِ.\nوقرآنُ الفَجْرِ: هو صلاةُ الصُّبْحِ، فسره بذلك ابنُ عباسٍ وأبو هُريرةَ وسائرُ المفسرين -رضي الله تعالى عنهم (٥).\nفيكونُ على هذا التفسيرِ في الآيةِ إشارةٌ إلى مواقيتِ الصَّلاةِ؛ لأنه دخلَ\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٠٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.\n(٢) في \"ب\": \"فلم\".\n(٣) انظر: \"روضة الطالبين\" للنَّووي (١/ ٤٠١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٢٧٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٢/ ٢١١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٥).\n(٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ١٣٥).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٣٩)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢١/ ٢٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٣٢٢).","vol":"3","page":415},{"text":"في الغايةِ، والمُغَيّا: صلاةُ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ؛ كما أشار إليها في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]، قدْ بَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ - كذلك، كما بينَهُ اللهُ تعالى بصلاةِ جِبريلَ﵊-.\nروى ابنُ عَبّاسٍ رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: \"أَمَّني جِبريلُ -﵇- عندَ بابِ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حينَ كانَ الفيءُ مثلَ الشِّراكِ (١)، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كان ظِلُّ كُلِّ شيء بقدرِ ظِلِّه، وصَلَّى المَغْرِبَ حينَ أَفْطَرَ الصائِمُ، ثم صَلَّى العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفَقُ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصّائِمِ، ثم صَلَّى المَرَّةَ الأَخيرَةَ الظُّهْرَ حينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ قدر العَصْرِ بالأَمْسِ، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كانَ ظِل كُلِّ شَيْءٍ مثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ القدرَ الأولَ، ولم يُؤَخِّرْها، ثم صَلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ حينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ أَسْفَرَ، ثمَّ التفَتَ فقالَ: يا مُحَمَّدُ! هذا وَقْتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوَقْتُ بيَن هذين الوَقْتَين\" (٢).\n_________\n(١) الشِّراك: -بكسر الشين-، وهو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها، وتقديره هنا ليس للتحديد والاشتراط، ولكن الزوال لا يتبين بأقل منه.\n\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٥٣).\n(٢) رواه أبو داود (٣٩٣)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المواقيت، والترمذي (١٤٩)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي - ﷺ -، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٦)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٣٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٠٢٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٢٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠٧٥٢)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٧٥٠)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٤٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٦٤).","vol":"3","page":416},{"text":"ويقعُ دلوكُها على غُروبِها، قالَ المُبَرِّدُ: دُلوكُ الشَّمْسِ: مِنْ لَدُنْ زَوالِها إلى غُروبها.\nوبالغُروبِ فَسَّرَهُ ابنُ مَسعودٍ وابنُ عَبّاسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ (١)، ويُروى عن عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- وبهِ قالَ السُّدِّيُّ (٢)، فتكونُ الآيةُ على هذا التفسيرِ تدلُّ على وَقْتِ الغُروبِ (٣)، وعلى امتدادهِ إلى غسقِ الليلِ، وهو غُروبُ الشَّفَقِ، وعلى صَلاةِ الفَجْرِ، وبامتدادِ وقتِ المغربِ إلى غُروبِ الشفقِ.\nأقول: لقوله - ﷺ -: \"وَقْتُ صَلاةِ المَغْرِب ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ\"، ولبيانِه - ﷺ - للسائِل في حديثِ أبي موسى الآتي قريبًا.\nوبيانُ جبريلَ -﵇- محمولٌ على الوقتِ المُختار؛ بدليل امتدادِ وقتِ العَصْرِ إلى الغُروبِ، ووَقْتِ العِشاء إلى طلوع الفَجْرِ، وهو لم يمدهما، فبيانُه ظاهرٌ، والظاهِرُ لا يعارِضُ النَّصَّ، وتكونُ الجملةُ الأولى من قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧] تدلُّ على مثلِ ما دَلَّتْ عليهِ هذهِ الآيةُ من بيانِ ميقاتِ صلاةِ المغرب وصَلاةِ الفَجْرِ، ثم يَدلُّ على صَلَاتَي العِشاءِ بقوله: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] تدلُّ على ميقاتِ الصَّلاةِ الخامِسَةِ، وهيَ صلاةُ العِشاءِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، وبهذا فَسَّرَ ابنُ عباسٍ الآيةَ الثانيةَ،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٣٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ٣٠٣).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢١/ ٢٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(٣) في \"ب\": \"المغرب\".","vol":"3","page":417},{"text":"فقال: حين تُمْسونَ: صلاةُ المَغْربِ (١)، وجَعَلَ ذِكْرَ العِشاءِ الآخِرَةِ في قوله ﷿: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].\nوبنحو ما جاء في القرآن من البيانِ جاءَ البيانُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nروى مسلمٌ في \"صحيحه\" عن أبي موسى -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ سائلًا أتى النبَّي - ﷺ - يسألُهُ عن مَواقيتِ الصلاةِ، فلمْ يَرُدَّ عليهِ شَيْئًا، قال: فأمرَ بلالًا، فأقامَ الفَجْرَ حينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والناسُ لا يَكادُ يعرفُ بعضُهم بَعْضًا، ثم أمرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ حين زالَتِ الشَّمْسُ، والقائِلُ يقول: قَد انتصفَ النَّهارُ، وهو كانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثم أَمَرَهُ فأقامَ بالعَصْرِ والشَّمْسُ مرتفعةٌ، ثم أمرهُ فأقامَ المغربَ حينَ وقعتِ الشَّمْسُ، ثم أمرهُ فأقامَ العِشاءِ حينَ غابَ الشَّفَقُ، ثُم أَخرَ الفَجْرَ منَ الغَدِ حَتَّى فرغَ منها، والقائلُ يقولُ: قَدْ طلعَتِ الشمسُ، أو كادَتْ، ثم أَخرَ الظُّهْرَ حتى كانَ قريبًا من وَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ، ثم أَخَّرَ العَصْرَ حتى انصَرفَ مِنْها والقائلُ يقول: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ المغربَ حتى كانَ عندَ سقُوطِ الشفقِ، ثم أَخَّرَ العِشاءَ حتى كانَ ثلثُ الليلِ الأولُ، ثُمَّ أصَبْحَ فَدَعا السائِلَ وقالَ: \"الوَقْتُ بَيْنَ هذَيْنِ\" (٢).\n* قال الزَّجَّاجُ: وفي قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فائدةٌ عظيمةٌ تدلُّ على أَنَّ الصَّلاةَ لا تكونُ إلا بِقِراءَةٍ حينَ سُمِّيَتْ قرْآنًا.\nوعلى هذا اتفقَ الفُقهاء (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٤٨٨).\n(٢) رواه مسلم (٦١٤)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: أوقات الصلوات الخمس.\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٢٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ١٥٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٥٤)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جُزَيّ (ص ٤٤).","vol":"3","page":418},{"text":"وإنما اختلفوا هَلْ تَجِبُ في كُلَّ رَكْعَةٍ، أو في مُعْظَمِ الصَّلاةِ، أو في رَكْعَةٍ من الصلاةِ؟\nوبالأولِ قالَ الشافعيُّ.\nوبالثاني والثالثِ روايتانِ عن مالكٍ.\nوكذا اختلفوا في تعيينِها.\nفقال الشافعيُّ تتعيَّنُ الفاتِحَةُ؛ لما رَوى أبو هُريرةَ -رضي اللهُ تَعالى عنه -: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ (١)، فَهِيَ خِداجٌ، فهي خِداجٌ غَيْرُ تَمامِ\"، فقيل لأبي هريرةَ: إنّا نكونُ وراءَ الإمامِ، قالَ: اقرأْ بها في نَفَسِكَ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"قالَ اللهُ -﷿- قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدي ما سأَلَ، فإذا قالَ العَبْدَ: الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، قالَ اللهُ: حَمِدَني عَبْدي، وإذا قالَ: الرَّحْمنِ الرحيمِ، قالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيِّ عَبْدِي، وإذا قالَ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قالَ اللهُ: مَجَّدَني عَبْدي -وقالَ مَرَّةً: فوَّضَ إليَّ عَبْدِي-، وإذا قالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ، قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدي ما سأَلَ، وإذا قال: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ صِراطَ الذَّينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضوبِ عَلَيْهِمِ وَلا الضَّالِّينَ، قال: هذا لعَبْدِي، ولعَبْدي ما سأَلَ\" (٢).\nوقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَّيُن، لِما رَوى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ فَصَلَّى، ثم جاءَ فَسَلَّمَ على النبىِّ - ﷺ -، فَرَدَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - ﵇، فقالَ: \"ارْجعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\"، فرجعَ الرجلُ فصلَّى كَما صَلَّى، ثم جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فَسَلَّمَ عليهِ،\n_________\n(١) \"فهي خداج\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه مسلم (٣٩٥)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.","vol":"3","page":419},{"text":"فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"وعَلَيْكَ السَّلام\"، ثم قالَ: \"ارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\"، حتى فَعلَ ذلكَ ثلاثَ مَرَاتٍ فقالَ الرجلُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ نِبَيًّا ما أُحْسِنُ غَيْرَ هذا، عَلِّمْني، قالَ: \"إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعًا، ثم ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِن ساجِدًا، ثم ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِن جالِسًا، ثم افْعَل ذلِكَ في صَلاِتكِ كُلِّها\" (١).\nوقولُ الشافعيِّ أَسَدُّ وأَوْلى؛ لأنَّ الحديثَ الذي أخذ به مُقَيَّدٌ بالفاتِحَةِ.\nوأُطْلِقَ اسمُ الصَّلاةِ على الفاتِحَةِ لِكَوْنِها المَقْصودَ الأَعْظَم؛ كما أُطلقَ الحَجُّ في قوله: \"الحَج عَرَفَةُ\" (٢)، والحديثُ الذي أَخَذَ به أبو حنيفةَ مُطْلَقٌ، والمقيَّدُ يقدَّمُ على المُطْلَقِ، فيلزمُ حينئذٍ أَنَّ المتيسِّرَ معَ الرجلِ إمَّا الفاتِحَةُ؛ كَما هوَ الغالِبُ على العامَّةِ، أو الواجبُ عليهِ أن يأتيَ بما تَيَسَّرَ معهُ في هذِه الحالَةِ، وذلكَ جائزٌ عندَ العَجْزِ عن الفاتِحَةِ، وهذا التأويلُ متعيِّنٌ؛ لِما روى أبو هُريرةَ -﵁-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"لا تُجْزِىُء صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فيها بِفاتِحَةِ الكتاب\" (٣).\nومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ما روينا في \"صحيح البخاري\" و\"مسلم\" أيضًا عن أبي هُريرةَ -رضي اللهُ تَعالى عنه- قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"تَفْضُلُ صلاةُ الجماعَةِ صلاةَ أحَدِكُمْ بِخَمْسٍ وعِشرينَ جُزْءًا، وتَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ\n_________\n(١) رواه البخاري (٧٢٤)، كتاب: صفة الصلاة، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، ومسلم (٣٩٧)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٧٩٤)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤٩٠).","vol":"3","page":420},{"text":"الفَجْرِ\"، ثم يقولُ أبو هريرةَ: فاقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٨].\n* * *\n\n١٩١ - (٦) قوله ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nيحتملُ أنَّ معنى ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: زيادةً على الفرضِ الذي أُمِرْتَ به، وأنه صارَ نافلةً بعدَ أنْ كانَ حَتْمًا، فعلى هذا تَدْخُلُ أُمَّتُه معهُ في الخِطاب، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ (٢).\nويحتملُ أن يكونَ الخطابُ خاصًّا به، وأن معنى ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: فُرِضَ عليكَ خاصَّةً زِيادةً على أُمَّتِك، وبهذا فسرَها ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-، وإليه ذهب المالكية (٣).\nوسيأتي -إن شاء الله تعالى- في آخرِ الكتابِ كلامٌ متعلق بهاتين الآيتين.\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٢١)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الفجر في جماعة، ومسلم (٦٤٩٠)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة.\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢١/ ٢٦)، و\"معالم التَّنزيل\" للبغوي (٣/ ١٢٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٠/ ٣٥٨).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٢/ ٨٢)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢١١).","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>سُوْرَةُ الأَنْبيَاءِ</span>","vol":"3","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>(من أحكام المعاملات)</span>\n١٩٢ - (١) قوله ﷿: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].\nقال ابنُ السِّكِّيتِ: النَّفْشُ: أَنْ تنتَشِرَ الغَنَمُ باللَّيْل تَرْعى بلا راعٍ (١).\nقال أبو الحَسَنِ الواحديّ: قالَ المفسرون: دخلَ رجلانِ على داودَ، وعندَهُ ابنُهُ سُليمانُ -عليهما الصلاةُ والسلامُ- أحدُهما صاحِبُ حَرْب، والآخَرُ صاحِبُ غَنَم، فقالَ صاحبُ الحَرْثِ: إنَّ هذا انفلتَتْ غنمُه ليلًا، فوقعتْ في حَرْثي، فلم تبُقِ منه شيئًا، فقال: لكَ رِقابُ الغَنَمِ، فقال سليمانُ: أو غيرُ ذلك؛ ينطلقُ أصحابُ الكَرْمِ بالغَنَمِ، فَيُصيبون من ألبانِها ومنافِعها، ويقومُ أصحابُ الغنمِ على الكرمِ، حتى إذا كانَ كليلةِ نَفَشَتْ فيه، دفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاءِ غَنَمَهُمْ، ودفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاء كَرْمَهُمْ، فقالَ داودُ: القضاءُ ما قَضَيْتَ، وحَكَمَ بذلكَ (٢).\nوجاءتْ شريعتُنا بمثلِ هذه الشريعةِ، فَضَمِنَتْ ما أفسدَتْهُ البهَائمُ باللَّيلِ دُونَ النهارِ.\n_________\n(١) انظر: \"لسان العرب\" (٦/ ٣٥٧).\n(٢) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤١٣٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٨)، عن ابن مسعود.","vol":"3","page":425},{"text":"فقضى النبيُّ - ﷺ - في ناقَةٍ للبَراءِ بنِ عازب دخلَتْ حائِطَ قومِ، فأفسَدتْ: أَنَّ على أهلِ المَواشي حِفْظَها باللَّيلِ، وعلى أَهْل الأَموالِ حِفْظَها بالنَّهارِ (١).\nوكان شُرَيْحٌ القاضي يضمنُ ما أفسدَتْهُ الغَنَم باللَّيلِ، ولا يضمنُ ما أفسدَتْهُ بالنهارِ، ويَتأوَّلُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ويقولُ: كان النَّفْشُ بالليل (٢).\nوبهذا أخذَ الشافعيّ ومالِكٌ (٣).\nوذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى إهدارِ ما أتلفَتُهْ (٤)؛ لعمومِ قولهِ - ﷺ -: \"العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ (٥)، وفي رواية: \"العَجْماءُ جُبارٌ\" (٦).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣٥٦٩)، كتاب: البيع والإجارات، باب: المواشي تفسد زرع قوم، وابن ماجه (٢٣٣٢)، كتاب: الأحكام، باب: الحكم فيما أفسدت المواشي، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٣٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٤٣٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٥٥)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٢)، عن حرام بن محيصة، عن أبيه.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٩٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٢)، وابن حزم في \"المحلى\" (١١/ ٤).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرّ (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١١/ ٣١٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٤٦٦)، وهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ١٥٦).\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و\"الهداية\" للمرغينانى (٤/ ٢٠١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٦/ ١٧٠).\n(٥) رواه البخاري (٦٥١٤)، كتاب: الديات، باب: المعدن جبار، والبئر جبار، ومسلم (١٧١٠)، كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء جبار والمعدن والبئر جبار، عن أبي هريرة.\n(٦) رواه البخاري (١٤٢٨)، كتاب: الزكاة، باب: في الركاز الخمس، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":426},{"text":"قال الشافعيُّ: فأخَذْنا بحديثِ البَراءِ بنِ عازبٍ؛ لثبوتِه واتصالِه ومعرفةِ رجالِه، ولا يُخالفُ حديثَ العجماءِ، ولكنَّ \"العجماء جرحُها جبارٌ\" جملةٌ من الكَلامِ العامِّ المخرجِ الذي يُرادُ به الخاصُّ، فلما قضى فيما أفسدَتِ العجماءُ بشيءٍ (١) في حالٍ دونَ حالٍ، دَلَّ ذلك على أن ما أصابَتْ من جرح وغيرهِ في حالٍ جبارٌ، وفي حالٍ غيرُ جُبارٍ (٢).\nوقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن كان مَرْتعُ الماشيةِ مَواتًا حولَ البلدِ، لم يجبْ على مالكِها حفظُها بالنَّهارِ، وإن كان مَرْتَعُها في تلكَ البلدِ في حَريمِ المزارعِ، ويعلمُ صاحبُ الماشيةِ أنهُ متى أرسلَها وأطلقَها دخلَتْ زرعَ غيرهِ وأفسدَتْهُ، فعليهِ حفظُ ماشيتِه نَهارًا، هذا في النَّهارِ، وأما في (٣) اللَّيلِ، فإنْ كانَ في بلدٍ ليسَ لِبَساتيِنها ومَزارِعِها حيطانٌ، فإنَّه يَجِبُ على مالِكِ الماشيةِ حفظُ ماشيتهِ، وإن كانَ لها حيطانٌ، فلا ضمانَ على صاحِبِ الماشيةِ؛ لتفريط صاحب البستان في تركِ الإغلاقِ، وقَيَّدَ حديثَ البراءِ بهذهِ الأحوالِ.\nوقال بعضُ أصحابهِ: يعتبرُ عُرْفُ البَلَدِ، فلو جَرَتْ عادتُهم ألا يُرْسِلوا الغَنَمَ (٤) نَهارًا إلَّا مَعَ راعٍ يحفَظُها، وأَلاّ يحفظَ أصحابُ الزَّرْعِ زَرْعَهُمْ بالنهار، فعلى مالِكِ الغنمِ (٥) الضَّمانُ فيما أتلفتْهُ بالنهار، فَخَصَّ عمومَ الحديثِ بالعادَةِ (٦).\n_________\n(١) في \"ب\": \"في شيء\".\n(٢) انظر: \"اختلاف الحديث\" للشافعي (ص: ٥٦٦ - ٥٦٧).\n(٣) \"في\" ليست في \"ب\".\n(٤) في \"ب\": \"النعم\".\n(٥) في \"ب\": \"النعم\".\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٤٦٦ - ٤٦٨).","vol":"3","page":427},{"text":"وهذا الوَجْهُ بمذهَبِ مالكِ أَوْلى منهُ بمَذْهَبِ الشافعيِّ، فمذهبُ مالكٍ تخصيصُ العُمومِ بالعادةِ، دوُنَ الشافعىِّ.\nوقالَ بعضُ أهلِ (١) العلم: يضمَنُ رَبط الماشيةِ ما أتلفَتْ، إلا إذا انفلتَتْ لعدمِ قدرته عليها (٢)، ويُروى هذا القولُ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعَالى عنه-.\nوذهب الليثُ إلى أنه يضمَنُ بكُلِّ حالٍ، إلا أنه لا يضمنُ أكثرَ من قيمةِ الماشية (٣).\nوهذا مخالفٌ للحديثِ، ولقياسِ شريعتِنا.\n* ولَمَّا دَلَّ حديثُ البراءِ على أن على أهلِ الماشيةِ ضمانَ ما أفسدَتْه (٤) في بعضِ الأحوالِ، وهي الحالةُ التي يجبُ عليهم فيها حفظُها، دَلَّ على أنه يجبُ على رَبِّها ضمانُ ما أفسدَتْ إذا كانَ راكبًا أَوْ سائقًا أَوْ قائِدا؛ لأن عليهِ حِفْظَها في هذه الحالِ، سواءٌ أفسدت ليلًا، أو نهارًا، بفيها، أو بيدها، أو برجلها.\nوقال أبو حنيفة: لا يضمن الراكب والقائد إلا ما تتلفه بفيها أو يدها (٥)، وأما (٦) ما تتلفه برجلها، فلا يضمن (٧).\n_________\n(١) في \"أ\": \"أصحاب\".\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٤٦٩).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البرِّ (٧/ ٢٠٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٤٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١١/ ٣١٥ - ٣١٦).\n(٤) في \"ب\": \"أفسدت\".\n(٥) انظر: \"الهداية\" للمرغينانى (٤/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(٦) في \"ب\": \"فأما\".\n(٧) في \"ب\": \"فلا يلزمه ضمانه\".","vol":"3","page":428},{"text":"ووافق الشافعيُّ في تضمينِ الراكبِ بكلِّ حالٍ (١)، وكأنه استدلَّ بما رُوي عن النبي - ﷺ - من: \"الرِّجل جبار\" (٢).\nوقال الحفاظُ: هو غلطٌ، ووَهْمٌ من سُفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ (٣)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٥٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٤٧٠).\n(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٢)، كتاب: الديات، باب: في الدابة تنفح برجلها، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٧٨٨)، والدارقطني في \"السنن\" (٣/ ١٥٢)، وأبو عوانة في \"مسنده\" (٦٣٧١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٣)، عن أبي هريرة.\n(٣) انظر: \"الكامل في الضعفاء\" لابن عدي (٣/ ٤١٥)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٧/ ٢٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٣٤٣).","vol":"3","page":429},{"text":"تيسير البيان لأحكام القرآن\n\nتأليف\nالإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي\nالمشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى -\n\nبعناية\nعبد المعين الحرش\n\n[المجلد الرابع]","vol":"4","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":2},{"text":"تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ\n[٤]","vol":"4","page":3},{"text":"جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة\nالطَّبْعَةُ الأُولَى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n\nردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨:  ISBN\n\nدَارُ النَّوادِرِ\nسورية - لبنان - الكويت\nمُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت\nسورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)\nلبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nالكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦\nهَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)\nwww.daralnawader.com\ninto@daralnawader.com\nأسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>سُوْرَةُ الحَجِّ</span>","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>(من أحكام البيت الحرام)</span>\n١٩٤ - (١) قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\nاختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في المرادِ بالمسجدِ الحَرام: فقال ابنُ عَبّاسٍ وابنُ جُبَيْر -رضيَ اللهُ تَعالى عنُهم-: المرادُ بهِ الحَرَمُ (١).\nوقالَ قتادَةُ: المرادُ بهِ مَكَّةُ، وهو قريبٌ من الأول.\nوقالَ الشافعيُّ في آخرينَ: المراد بِه عَيْنُ المسجدِ (٢).\nوهو أولُ بيتٍ جعله اللهُ تَعالى للناس، قالَ الله تَعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦].\n* واختلفوا أيضًا في معنى السَّواءِ، فقالَ قومٌ: سواء في الانتفاع بالنزول فيه، فليس (٣) أحدٌ أَحَقَّ من غيره، إلا أنه لا يُخرج أحدٌ من بيته.\n_________\n(١) رواه عن ابن عباس: عبد بن حميد، وعن ابن جبير: ابن أبي شيبة، كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٢٤).\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٤٢٥).\n(٣) في \"ب\": \"وليس\".","vol":"4","page":7},{"text":"وهذا قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.\nروى عليُّ بنُ أبي طَلْحَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، يقولُ: ينزلُ أهلُ مَكَّةَ وغيرُهم في المَسْجِدِ الحرام (٢).\nوذهب قومٌ إلى التأويل:\nفقيل: سواءٌ في التَّفْضِيلِ والتَّعْظيمِ وإقامةِ النُّسُكِ فيه (٣).\nوقيل: في القِبْلَة.\nوقيل: في الأَمْنِ.\nوسببُ هذا الاختلافِ وقوعُ الخلافِ في بَيْع دُورِ مَكَّةَ وكِرائِها:\nفمن أطلقَ المسجدَ الحَرامَ على الحَرَمِ، وحملَ اللفظَ على حقيقتِه في الاخْتِصاص بالمكانِ، منعَ بيعَ دُورِ مكةَ وكِراءَها، وتوريثَها (٤).\nومن قالَ بخلافِ ذلكَ، جَوَّزَ بيعَها وكِراءها (٥).\nفإن قلتَ: فهل نجدُ دليلًا من الكتابِ والسُّنَّةِ يَصْرِفُ هذا اللَّفْظَ إلى أحدِ معانيه؟\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (١/ ٩٠)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ٢٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٢٨٢).\n(٢) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢١٥)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٢٦).\n(٣) وهو قول مجاهد وعطاء، انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٦١).\n(٤) وهو قول مالك وأبي حنيفة، انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٣)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٦١/ ٥ - ٦٢).\n(٥) وهْو قول الشافعي، انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، و\"الوسيط\" للغزالي (٧/ ٤٢)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٨٧)، و(٩/ ٢٣٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٤١٨).","vol":"4","page":8},{"text":"قلتُ: نعم، وسأذكرُ لكَ مناظرةً مستوفيةَ الأدلَّة (١).\nقال إبراهيمُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ: رأيتُ الشافعيَّ بمكةَ يفتي الناسَ، ورأيتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ، وأحمدَ بنَ حنبلٍ حاضرَيْنِ، فقال أحمدُ لإسحاقَ: يا أبا يعقوب! تعالَ حتى أريكَ رجلًا لم تَرَ عيناكَ مثلَهُ، فقالَ له إسحاقُ: لم تَرَ عينايَ مثلَه؛ قالَ: نعم، فجاء به فأوقفه على الشافعيِّ، فذكر القصةَ إلى أن قالَ: ثم (٢) تقدمَ إسحاقُ إلى مجلسِ الشافعيِّ، فسألَهُ عن سُكْنى بُيوتِ مَكَّةَ، أرادَ الكراءَ، فقالَ لهُ الشافعيُّ: عندنَا جائر، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"وهَلْ تركَ لنا عقَيل مِنْ دارٍ؟ \" (٣)، فقالَ لهُ إسحاقُ: أتأذنُ لي في الكلام؟ قال: تكلم، قالَ: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشامٍ، عنِ الحَسَنِ: أنه لم يكنْ يرى ذلك، وأنا أبو نُعَيْمٍ وغيرُه عن سُفيان، عن منصورٍ، عنْ إبراهيم: أنه لم يكنْ يرى ذلك، وعطاءٌ وطاوسٌ لم يكونا يريان ذلك. فقال الشافعيُّ لبعضِ مَنْ عَرَفَهُ: مَنْ هذا؟ فقال: هذا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحنظليُّ بن راهويه الخراساني، فقال الشافعيُّ: أنت الذي (٤) يزعمُ أهل خُراسانَ أنَّكَ عالِمُهُمْ؟ قال إسحاقُ: هكذا يَزْعُمون، قال الشافعيُّ: ما أَحْوَجَني أنْ يكونَ غيرُكَ في مَوْضِعِك، فكنتُ أمرتُ بغيرِك وَأَدَّبْتُه، أنا أقولُ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -، وأنتَ تقولُ: قالَ عطاءٌ وطاوسٌ وإبراهيمُ والحَسَنُ هؤلاءِ لا يرونَ ذلك، وهل لأحدٍ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ -\n_________\n(١) انظر خبر هذه المناظرة في \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٥١/ ٣٢٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" للذهبي (١٠/ ٦٨).\n(٢) \"ثم\" ليست في \"ب\".\n(٣) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤١٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٤)، عن أسامة بن زيد.\n(٤) \"الذي\": ليست في \"ب\".","vol":"4","page":9},{"text":"حُجَّة؟ ثم قالَ الشافعيُّ: قالَ اللهُ ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، فنسب الديارَ إلى المالكين، أو إلى غيرِ المالكين؟ قال إسحاقُ: إلى المالكين، فقال له الشافعيُّ: قولُ الله أصدقُ الأقاويلِ، وقد قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ دخلَ دارَ أَبي سُفيانَ فهوَ آمِن\" (١)، نسبَ الدار إلى مالكه أو إلى غيرِ مالكه؟ قال إسحاقُ: إلى مالكه، قال له الشافعيُّ: وقد اشترى عمرُ بنُ الخَطَّابِ دارًا، فأسكنها، وذكرَ له جَماعةً من أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال له إسحاقُ: قالَ اللهُ ﷿: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، فقال لهُ الشافعيُّ: اقرأْ أولَ الآيةِ: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ولو كان كما تزعُمُ، لكانَ لا يجوزُ لأحدٍ أن ينشدَ فيها ضالَّةً، ولا يَنْحَرَ فيها بدنةً، ولا تجتمعَ فيها الأزواجُ، ولكن هذا في المسجِدِ خاضَةً. قال: فسكتَ إسحاقُ ولم يتكلمْ، فسكتَ عنهُ الشافعيُّ -رحمهما الله تعالى-.\nفإن قلتَ: فقد رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ مَرْفوعًا وموقوفًا مَنع بيعِ رباعِ مَكَّةَ ومُؤاجَرَيها (٢). وروى عَلْقَمَةُ بن نَضْلَةَ الكِنانى: أنه قال: كانتْ بيوت مكةَ تُدْعى: السوائبَ، لم تبعْ رباعُها في زمانِ (٣) رسولِ الله - ﷺ -، ولا أبي بكرٍ، ولا عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-، من احتاجَ سَكَنَ، ومن استغنى أَسْكَنَ (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، عن أبي هريرة، في حديث الفتح الطويل.\n(٢) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٥٨)، عن عبد الله بن عمر.\n(٣) في \"ب\": \"زمن\".\n(٤) رواه ابن ماجه (٣١٠٧)، كتاب: المناسك، باب: أجر بيوت مكة، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٤٦٩٣)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٧/ ٢٤٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٧).","vol":"4","page":10},{"text":"قلنا: أجابوا بأن الحديثَ لم يصحَّ، وأما قولُ نَضلَةَ، فإنه أخبرَ عن عادتهم الكريمةِ في إسكانِهم ما يستغنونَ عنهُ في بيوتهم، وقد اشترى عمرُ دارًا بمكَّةَ بأربعةِ آلافِ درهم، واشترى معاويةُ بنُ أبي سفيانَ من حكيمِ بنِ حزامٍ بمئةِ ألفِ درهم (١).\nوللخلافِ سببٌ غيرُ هذا (٢)، وهو هَلْ فتحَ رسولُ اللهِ - ﷺ - مكةَ صُلْحًا أو عَنْوَةً؟\nفذهب الشافعيّ إلى أنه فَتَحَها صُلْحًا (٣).\nواستدلَّ بعقدِ الأَمانِ من النبيّ - ﷺ - لأبي سُفْيانَ، وهُوَ بمَرَّ الظَّهْران (٤) قبلَ أنْ يدخُلَ مَكَّةَ، فقالَ: \"مَنْ دَخَلَ دارَ أَبي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ دخل المسجدَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ عليهِ بابَهُ فهوَ آمِن\" (٥)، ولم يستثنِ إلا أربعةَ نَفَرٍ وقَيْنَتَيْنِ.\nواستدلَّ لهُ أيضًا بأنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لخالِدِ بْنِ الوليدِ: \"لمَ قاتَلْتَ وقَدْ نَهَيْتكَ عنِ القِتال؟ \" قال: هم بَدَؤونا بالقتال، ووَضَعوا فينا السّلاحَ،\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٣/ ٢٥): \"أورد البيهقي في \"الخلافيات\" الأحاديث الواردة في النهي عن بيع دورها، وبين عللها\".\n(٢) في \"ب\" زيادة: \"أيضًا\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ٣٦٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٧٠)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٣٨٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٢٧٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ١٧٧).\n(٤) مر الظَّهران: الظهران: بفتح الظاء وادِ قرب مكة، وعنده قرية يقال لها (مُر (تضاف إلى هذا الوادي فيقال (مر الظهران)، وفيها عيون كثيرة ونخيل.\n\"معجم البلدان\" (٤/ ٦٣).\n(٥) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":11},{"text":"وأَشْعَرونا بالنَّبْلِ، وقد كفَفْتُ يدي ما استطعتُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"قضاءُ اللهِ خَيْرٌ\" (١).\nوقال الجمهورُ من الفقهاءِ وأَهْلِ السِّيَرِ: فتحَها عَنْوَةً، حتى ادَّعى الماورديُّ انْفِرادَ الشافعىِّ بمقالتِه (٢).\nوالصحيحُ ما ذهبَ إليهِ أبو عبدِ اللهِ؛ فإنه لو دخلَها عَنْوَةً، لَقَسَمَ غَنائِمها بينَ المسلمينَ، ولم يُنْقَلْ أنه قَسَمَ شيئًا، لا مِنْ دُورِها وعَقارها، ولا مِنْ شيءِ من أموالِها.\nويدلُّ للشافعيِّ أيضًا عَزْلُ النبيِّ سعدَ بنَ عبادَةَ لمَّا قال: اليومُ يوم المَلْحَمَة، اليومُ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ (٣)، شكا أبو سفيانَ ذلكَ إلى رَسولِ اللهِ - ﷺ -، وناشَدُه اللهَ في قومِه، فعزلَهُ وجعلَ مكانه الزبيرَ بنَ العَوَّامِ (٤).\n* وفي الآية دليل على تعلُّقِ العِقاب على مجردِ إرادةِ المَعْصِيَةِ بمكةَ، وأن ذلكَ حكمٌ يختصُّ (٥) بِها من دُونِ سائر البلادِ.\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٢٠)، من طريق موسى بن عقبة، في حديث طويل.\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ٣١١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٧٢)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٤/ ٣٤٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٥٨)، و\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ١٧٨)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ١١)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٥/ ٤٧١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٥٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٥/ ٤٢٣).\n(٣) في \"ب\": \"المحرمة\".\n(٤) رواه البخاري (٤٠٣٠)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، من حديث عروة بن الزبير.\n(٥) في \"ب\": \"مختص\".","vol":"4","page":12},{"text":"قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: لو أن رجلًا هَمَّ بخطيئةٍ لم تكتَبْ عليهِ ما لم يَعْملْها، ولو أَنَّ رجلًا هَمَّ بقتلٍ عندَ البيتَ، وهو بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لأذاقهُ اللهُ من عذابٍ أليم (١)\n* * *\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٥١)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٣٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٤٦٠).","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>(من أحكام الحج)</span>\n١٩٥ - (٢) قوله ﷿: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].\n\" فيه دَلالةٌ على تَفْضيلِ المَشْي على الرُّكوبِ في الحَجِّ؛ لتقديمِه عليهِ في الذّكْرِ.\nوبهِ قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ؛ كمالكٍ، والشافعى في أحدِ قولَيْه، وهوَ المُختارُ عندي وِفاقاَ لأبي قاسمٍ الرافعىِّ (١).\nلتقديمِ اللهِ سبحانَهُ لهُ في الذِّكْرِ.\nولما رَوى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه قالَ لبنيه: يابني! اخرجوا من مَكَّةَ حاجّينَ مُشاةً؛ فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول \"إن للحاجِّ الراكبِ بكل خُطْوَةِ تَخْطوها راحلتُهُ سبعين حسنةَ، والماشي بكل خطوةٍ يَخْطوها سبعُ مئةِ حسنةٍ\" (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ١١٦)، و\"المجموع\" للنووي (٧/ ٥٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٣١٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٦٣)، وأما عند الإمام مالك فالركوب أفضل، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٩ - ٤٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ٥٤٠).\n(٢) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٥٢٢)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٠/ ٥٤)، والديلمي في مسند \"الفردوس\" (٧٨٩).","vol":"4","page":14},{"text":"ولما فيه من العَناءِ والنَّصَبِ، وقد قالَ النبيُّ - ﷺ - لعائشةَ لما أَعْمَرَها مِنَ التَّنْعيمِ: \"ولكنها على قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِك\" (١).\nولكونه وردَ عن السلف الصالح -رحمَهُم اللهُ تَعالى- فعلُه والترغيبُ فيه، وحُكِيَ من فعلِ النبيّ إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما الصلاةُ والسلامُ-.\nفإن قلتَ: فالنبيُّ - ﷺ - لم يَحُجَّ إلا راكبًا، وقد قالَ: \"خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ\" (٢)، وهو يدلُّ على أن الركوبَ أفضلُ كما قالَ بهِ بعضُ العلماءِ، والشافعيُّ في القولِ الأخيرِ، واختارَهُ النَّواوِيُّ (٣)، ولما فيهِ من بَذْلِ النفقةِ، وقد قالَ النبيّ - ﷺ - لعائشة: \"ولكنها على نَصَبِكِ، أو قال: نَفَقَتِكِ\" (٤).\nقلنا: إنما حجَّ النبيُّ - ﷺ - راكبًا حتى يظهر ليقتدى (٥) به ويستفتى، ولهذا قال - ﷺ -: \"خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ\" (٦). فالركوبُ في حَقّهِ أَفْضَلُ منَ المَشْيِ (٧)؛ لعُمومِ المصلحةِ بركوبه - ﷺ -.\nورُوي عنْ أبي حنيفةَ كراهَةُ المَشْيِ (٨).\nولَفا رأى بعضُ المتأخرينَ من أَصْحابِه ما فيه منَ البُعْدِ، حَمَلَهُ على مَنْ يسوءُ خُلُقُهُ بالمشيِ، ويُجادِلَ رفيقَه، أو يَجْمَعُ بينَ الصَّوْمِ والمَشْيِ.\n_________\n(١) رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣٠٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣١)، عن عائشة.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٨٣)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٣١٩).\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) في \"ب\": \"فيقتدى\".\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) في \"ب\": \"والركوب أفضل في حقه من مشيه\".\n(٨) انظر: \"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ١٧١)، و\"حاشية رد المحتار\" لابن عابدين (٢/ ٤٦١).","vol":"4","page":15},{"text":"١٩٦ - ١٩٧ (٣ - ٤) قوله ﷿: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩].\nأقول: اشتملتْ هاتانِ الآيتانِ على جُمَلٍ من الأَحْكامِ:\nالجملةُ الأولى: المنافعُ المشهودَةُ.\nقال الواحِدِيُّ: أكثرُ المفسرينَ جعلوها منافعَ الدنيا التي هي التجارةُ والأرزاقُ، وهو قولُ السُّدِّيُّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عَبّاسٍ في روايةِ أبي رَزينٍ (١)، فدلَّ على جَوازِ التجارةِ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nومنهُمْ من خَصَّها بمنافعِ الآخِرَةِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيّبِ والعَوْفِيِّ، واختيارُ الزَّجَّاجِ.\nومنهم مَنْ عَمَّمَها فيهما، وهو قولُ مجاهدٍ، وروايةُ عطاءٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم- (٢).\nالجملة الثانية: اختلفوا في الأيامِ المعلومات.\nفقال الحَسَنُ ومُجاهدٌ، وابنُ عباسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: هيَ الأيامُ العَشْرُ، وقيلَ لها: المعلوماتُ تَحْريضًا على عِلْمِها؛ لأنها وقتُ الحَجِّ، وآخرُها يومُ النَّحْرِ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٣٧).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٤١)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٣٧).\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٤/ ٢٥٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي =","vol":"4","page":16},{"text":"ويدلُّ له (١) قولهُ - ﷺ -: \"ما العَمَلُ في أيامٍ أَفْضَلَ منها في هذهِ\" قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: \"ولا الجهادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِر بِنَفْسِه ومالِهِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ\" (٢).\nوقال ابنُ عباس في روايةِ عطاءٍ: يريدُ أيامَ الحَجِّ، وهوَ يومُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ وأيامُ التشريقِ، واختارَ الزَّجّاجُ (٣).\nوقال الضَّحّاكُ: يومُ الترويةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْر.\nوقالَ مالِكٌ: يومُ النحرِ، ويومانِ بعدَهُ، فيومُ النحرِ معلومٌ عندَهُ، وليسَ بمعدودٍ، وثالثُ أيامِ التشريقِ معدود، وليس بمعلومٍ، واليومانِ اللَّذانِ بينَهُما معلومانِ مَعْدودان (٤).\nالجملة الثالثة: خصَّ اللهُ سبحانَهُ الأيامَ المَعْلوماتِ بالذِّكْرِ، وجعلَها ظَرْفًا لذكرِه على بَهيمَةِ الأنعامِ، ومفهومُ التَّخْصيصِ أنّهُ لا يكونُ في غَيْرِها.\n_________\n= (٢٣/ ٢٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٦٦)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٧٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٥٠٦)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ١٥٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٦٦ - ٦٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ١٩٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٣)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٣٨).\nوهو مذهب الحنابلة، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٢٦).\n(١) في \"ب \": \"عليه\".\n(٢) رواه البخاري (٩٢٦)، كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٣٠٢)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٢٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٢)، و\"الدر المنثور\" للبغوي (٦/ ٣٧).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٤٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣١٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ٢).","vol":"4","page":17},{"text":"وبهذا أخذَ كثيرونَ (١)، أَوِ الأَكْثَرونَ.\nفَمْن قال: هي العَشْرُ، وآخِرُها يومُ النَّحْرِ، أو يومُ التَّرْوِيَةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْرِ، قالَ باختصاصِ التَّضْحِيةِ بِيومِ النَّحِر، وبه قالَ محمدُ بنُ سيرينَ (٢).\nومن هؤلاءِ مَنْ جَوَّزَ التَّضحِيَةَ في غيرِ يومِ النَّحْرِ لدليلٍ آخرَ يأتي ذكرُه يدلُّ على تَرْكِ التخصيصِ.\nومن قالَ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، خَصَّصَ التضحِيَةَ بهذه الأَيام، وبهذا قال مالِكُ وأحمدُ، وروي عن عمرَ وابنِ عمرَ وأنَسٍ، وكَذا عن عَلِيٍّ في رِوايَةِ مُنْقَطِعَةِ -رضي الله تعالى عنهم- (٣).\nوذهب الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، وداودُ إلى جوازِ التضحيةِ في يومِ النحرِ، وفي أيامِ التشريقِ، وهو قولُ عَلِي، وابنِ عباسٍ، وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وعطاء، والحَسَنِ، ومكحولٍ، وطاوسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٤).\nفمنْ هؤلاءِ مَنْ ذهبَ إلى هذا؛ لأنَّ الأيامَ المعلوماتِ عندَهُ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ.\nومنهم مَنْ ذهبَ إلى هذا، وإن كانتِ المعلوماتُ عندَهُ هيَ العشرُ؛ لما\n_________\n(١) في \"ب\": \" الكثيرون\".\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٤٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣١٩)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٥٩).\n(٣) (١٢٧) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٤٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٢١)، و(٩/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٢٣٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٨٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٦٧ - ٦٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٤٣ - ٤٤).","vol":"4","page":18},{"text":"رَوى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِم -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قال \"كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنْحرٌ، وكُلّ أَيامِ التشريقِ ذَبْحٌ\" (١).\nقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؛ يجوزُ لأهلِ الأمصارِ يومَ النَّحْرِ خاصَّةً، ولأهل القرى يَوْمَ النَّحْرِ وأيامَ التشريقِ (٢).\nوقال جماعةٌ: يجوزُ في جميعِ ذي الحِجَّةِ، واستدلُوا بأحاديثَ مُنْقَطعةٍ لا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ.\nوأجمعوا على أَنَّهُ لا يجوزُ الذَّبْحُ في هذهِ الأيامِ حتى يكونَ يومُ النحرِ (٣).\n* وذِكرُ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيامِ على بَهيمَةِ الأنعامِ يكونُ بالتَّكبيرِ عندَ رؤيتها تُعْجِبُهُ (٤)، وذكره في يوم النَّحْر النَّحْرُ والتسميةُ والتكبيرُ على الذبيحة.\n* وأجمعوا على أن الذبحَ قبلَ الصلاةِ من يومِ النحرِ لا يجوزُ؛ لقولهِ - ﷺ -: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فإنما هيَ شاةُ لَحْمٍ\" (٥).\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٨٢)، والبزار في \"مسنده\" (٣٤٤٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٨٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٥)، لكن بلفظ \"فجاج منى\" بدل \"فجاج مكة\". وقد رواه أبو داود (٢٣٢٤)، والدارقطني (٢/ ١٦٣)، وغيرهما، عن أبي هريرة، بلفظ \" .. وكل فجاج مكة منحر\".\n(٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ١١١).\n(٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص: ٥٧).\n(٤) في \"ب\": \"مَعْجِبَة\".\n(٥) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٧٣)، عن جندب بن سفيان، بهذا اللفظ. وقد رواه البخاري (٩٤٠)، كتاب: العيدين، باب: كلام الإمام والناس في خطبة العيد، عن البراء بن عازب بلفظ: \" .. ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم\".","vol":"4","page":19},{"text":"* واختلفوا في جوازِهِ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذَبْح الإمامِ.\nوسيأتي الكلامُ عليهِ في أَوَّلِ \"سورةِ الحُجُراتِ\" -إن شاءَ الله تَعالى-.\nثم اختلفوا هَلْ يَخْتَصُّ الذبحُ بالنَّهارِ في الأيام المعلوماتِ، أو يجوزُ بالليل؟ فالمشهورُ عن مالكِ وأصحابِه أنه لا يجوز الذبحُ بالليلِ، وبه قالَ أحمد في روايةِ عنه (١)، لأنَّ اسمَ اليوم لا يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧].\nوخالفه الباقون كأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعي (٢)، ولهم أن يقولوا: اسمُ اليومِ يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٣) [هود: ٦٥].\nوإن سلموا، فدلالةُ الأيامِ على اختصاصِ النهارِ المتخلّلِ بينَ الليالي دُونَ الليالي دَلالةٌ (٤) ضعيفة لم يعتبرْها من أهلِ الأُصولِ إلَّا الدَّقَّاقُ؛ لأنها مفهومُ لقبِ غير مشتق.\nوللمالكيةِ أن يقولوا: الأصلُ في هذهِ العباداتِ التي هيَ شعائرُ اللهِ تعالى التوقُّفُ، فَيُتَمَسَّكُ بمحَل الاتفاق حتى يقومَ الدليلُ على الجَواز، ثمَّ اشتقاقُ اسمِ الذبيحةِ منِ اسمِ الوقتِ الذي يفعلُ فيه يدلُّ على اختصاصهِا بالنهار، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٤٤)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٢٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٥٩).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٧٥)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٥٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٢٠٠)، و\"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٣٧٩).\n(٣) في \"ب\" زيادة: \"ذلك\".\n(٤) \"دلالة\" ليست في \"ب\".","vol":"4","page":20},{"text":"الجملة الرابعة: خصَّ اللهُ سبحَانَهُ بَهيمَةَ الأنعام بالذِّكْرِ دونَ غَيْرِها منَ البهائِمِ.\nوقد أجمعَ المسلمونَ على ذلكَ، وحكى ابنُ المُنْذِر عن الحَسَنِ بنِ صاِلحٍ أنه جَوَّزَ التضحيةَ ببقرةِ الوَحْشِ عن سَبْعٍ (١)، والظَّبْيِ عن واحِدٍ، ووافقه داودُ في بقرِ الوَحْشِ (٢).\nوأما ذكرُ اسمِ اللهِ تَعالى عليها: فقد قَدَّمْتُ اخْتِلافَ العُلَماء فيه، والمُخْتارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لا واجِبٌ.\nوصِفَتُه هُنا عندَ الشافعيةِ وجماعةٍ من أهلِ العلمِ أن يقولَ: بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منكَ وإليكَ، اللهمَّ تقبلْ مني (٣).\nوكرهَ أبو حنيفةَ الدُّعاءَ (٤)، وكرهَ مالكٌ قولَ: اللهمَّ منكَ وإليك، وقال: هو بِدْعَهٌ (٥).\nالجملة الخامسة: أمر اللهُ سبحانَهُ بالأَكلِ والإطعام منها، وكذلك أمرَ بهما رسولُ اللهِ - ﷺ - في هذهِ الأُضْحِية، فقال؛ \"إنَّما نهيَتكم منْ أجلِ الدَّافَّةِ التي دفَّت عليكُم، فكلوا وتصدَّقوا وادَّخِروا\" أوجب (٦) وأمرَ في هَدْيِهِ الذي\n_________\n(١) في \"ب\": \"سبعة\".\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٣٧٠).\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (٢/ ٢٤٠)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٠٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٧٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٦١).\n(٤) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٦٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٦٠).\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٦٦).\n(٦) رواه مسلم (١٩٧١)، كتاب: الأضاحي، باب: بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، عن عبد الله بن واقد.","vol":"4","page":21},{"text":"أهداهُ أن يُؤْخَذَ من كُلِّ جزورِ بَضْعَةٌ، فطُبختْ، ثم أكلَ من لحمِها، وحسا من مَرَقِها (١).\nفأما الأكلُ، فحملَهُ جمهورُ أهلِ العلمِ على الاستحبابِ (٢)، وحكي عن بعضِ السَّلَفِ أنهُ واجبٌ (٣) الأَكْلُ منها حَمْلًا للأمرِ على حقيقتِه، واقتداءَ بفعلهِ - ﷺ - (٤)، والحِكْمَةُ فيه مُخالَفَةُ الجاهِلِيَّةِ في تَحَرُّجِهِم من أكلِ ذبائِحِهم، وبهذا قالَ أبو الطيبِ بنُ سلمةَ من الشافعيةِ (٥).\nوأما الإطعامُ، فحمله ابنُ سريج من الشافعيةِ على الاستحبابِ، والصحيحُ عندَهم إطلاقُ الوُجوب، فيجبُ أن يتصدقَ بما يقعُ عليهِ اسمُ الصدقة (٦).\nواختلفَ قولُ الشافعيِّ في القَدْرِ المُسْتَحَبِّ؛ لإطلاقِه في الكتاب والسُّنَةِ، فقالَ في أَحَدِ القولين: يتصدقُ بالنصفِ؛ استئناسًا بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\n[وقال في الآخر: يتصدق بالثلثين (٧)، استئناسًا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٨) [الحج: ٣٦]، وهذا في هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وأما\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم عن جابر بنحوه كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٣٩).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٣) \"أوجب\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٢٧٠).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١١٧).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٦٨)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٠٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٩١).\n(٧) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ١١٦ - ١١٧)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٠٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٢٩٠).\n(٨) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".","vol":"4","page":22},{"text":"الهَدْيُ الواجِبُ كَهَدْيِ الجُبْرانِ وهَدْيِ الكَفَّارَةِ والأُضْحِيَةِ المَنْذُورةِ، فَلا يجوزُ الأكلُ منها.\nوقد انتهى القولُ بنا في بيانِ حُكْم الأضحيةِ جِنْسًا ووَقَتًْا، ابتداءً وانتهاءً، وأما بيانُ صِفَتِها، فسيأتي -إنْ شاء اللهُ تعالى-.\nالجملة السادسة: أَمَرَهُمُ الله سبحانه بقَضاءِ التَّفَثِ، وهو الوَسَخُ والقَذارَةُ من طولِ الشَّعْرِ والأَظْفارِ والشَّعَثِ (١)، قال الشاعرُ (٢): [البحر البسيط]\nجَفَوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ... ويَنْزِعُوا عَنْهُمُ قَمْلًا وصِئْبانا\nوقال مالِكُ -﵀-: التَّقَثُ: حَلْقُ (٣) الشَّعْرِ، ولُبْسُ الثّيابِ، وما يَتْبَعُ ذلكَ (٤).\nوقد اختلفَ العلماءُ في حقيقةِ هذا الأمرِ: فمنهم من حَمَلَهُ على حقيقتِه، وقال: الحِلاقُ نُسُكٌ، وبهِ قالَ مالِكٌ، وهو الصحيحُ من قَوْلَيِ الشافعيِّ.\nومنهم من حَمَلهُ على الإباحَة؛ لتقدُّم الحَظْرِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في القولِ الآخرِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (١/ ١٩١)، و\"لسان العرب\" (٢/ ١٢٥) مادة (تفث).\n(٢) هو لأمية بن الصَّلتِ، البيت (١٤) من قصيدة:\nالحمدُ لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صَبَّحَنَا ربي ومسانا\n(٣) في \"ب\": \"حلاق\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٣١٥).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٣١٣ - ٣١٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٦٩)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ١٥١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٥٠٥)","vol":"4","page":23},{"text":"وترتيبُ قضاءِ التفثِ على الذبحِ يحتملُ أن يكونَ للاستحبابِ، ويحتملُ أن يكونَ للوجوبِ.\nقال مالكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا أن أَحَدًا لا يَحْلِقُ رأسَهُ، ولا يأخذُ من شَعْرِهِ حتى ينحرَ هَدْيًا إن كانَ معهُ، ولا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ عليهِ حتى (١) يَحِلَّ بمنًى يومَ النَّحْرِ، وذلكَ أنَّ اللهَ ﵎ قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٦]، وقَد قَدَّمْتُ الكلامَ على هذا في \"سورة البقرة\" عند هذه الآية (٣).\nالجملة السابعة: أَمَرَهُمُ اللهُ تعالى بإيفاءِ النُّذورِ، والأَمْرُ فيهِ للوجوبِ.\nوعلى وُجوبِ الوفاءِ بالنذرِ أجمعَ المُسلمونَ (٤)، وبوَفائه مدَحِ اللهُ سبحانَه عبادَه الصالحينَ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وذمَّ على ترْكِهِ المنافقينَ، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات.\nوذِكْرُ اللهِ سبحانَهُ لَهُ بلفظ الجَمْعِ:\nيحتملُ أن يكونَ تَعْظيمًا لشأنه، ولهذا قالَتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: إن النذرَ شَأْنُهُ عظيمٌ.\nويحتملُ أن يكونَ لكثرةِ أنواعِه وأقسامِه، فإنه ينقسمُ إلى مُطْلَقٍ وإلى مُعَلَّقٍ، فالمُطْلَق هو الخارِجُ مخرجَ الخَبَرِ ينقسمُ إلى مُصَرَّحٍ فيه بالمَنْذورِ، وإلى غيره.\n_________\n(١) \"حتى\" ليست في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٣٩٥).\n(٣) \"عند هذه الآية\" ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ١١٠).","vol":"4","page":24},{"text":"فالمصرَّحُ فيهِ بجهةِ النَّذْرِ كقوله: (عَلَيَّ للهِ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ)، وهذا لازمٌ عندَ الجمهورِ، وللشافعيةِ وَجْهُ أنه لا يصحُّ (١)، وأظنُّه قولَ بعضِ السلف.\nوالثاني كقوله: (للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ).\nوقد اختلفوا في الواجبِ عليه، فقال الكثيرُ منهم: في ذلكَ كفارةُ يمينٍ؛ لقوله - ﷺ -: \"كفَّارةُ النَّذْرِ كفّارَةُ يمَينٍ\" (٢).\nولما رُوي عنه - ﷺ -: \"مَنْ نَذَرَ وسَمَّى، فعليه ما سَمَّى، ومَنْ لَمْ يُسَمِّ، فعليهِ كفارةُ يَمينٍ\" (٣)، وبهذا قال مالكٌ (٤).\nوقال قوم: فيه كفارةُ الظِّهارِ.\nوقال قومٌ: أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ من القُرَبِ من صيامِ يومٍ أو صلاةِ رَكْعتينِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٢٧٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٤٦٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) رواه أبو داود (٣٣٢٢)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر نذرًا لا يطيقه، وابن ماجه (٢١٢٨)، كتاب: الكفارات، باب: من نذر نذرًا ولم يسمه، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢١٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٧٢)، عن عبد الله بن عباس، بلفظ: \"من نذر نذرًا لم يسمه، فكفارته كفارة يمين\".\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣١١)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ١٦٦)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٦٩).\nوهو مذهب الحنابلة والحنفية، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٦٨)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٤٧٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٢٧٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٧).\n(٥) وإليه ذهب القاضي حسين من الشافعية، انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٢٩٦).","vol":"4","page":25},{"text":"وقال الشافعيُّ: لا يلزَمُهُ شيءٌ، فليسَ بنذرٍ (١).\nوالمعلقُ قد يكونُ مُعَلَّقًا على فِعْلِ اللهِ سبحَانُه؛ كقولهِ: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ كذا، وهذا أجمعَ العلماءُ على صحته.\nوقد يكونُ مُعَلَّقًا على فِعْل العبدِ.\nثم هذا ينقسمُ إلى ما يُقْصَدُ به التقَّرُبُ إلى اللهِ تعالى؛ كقولهِ: إن جاءَ زيدٌ من سفره، فلله عليَّ كذا وكذا، وهذا لازِمٌ أيضًا.\nوإلى ما يقصدُ به الحَثُّ على الفِعْلِ أو المَنع منه؛ كقوله: إن كَلَّمْت زيدًا، فلله عليَّ كذا، وهذا الذي يُسَمَّى نَذْرَ اللِّجاج والغَضَب، ويسمِّيه المالكيةُ أيمانًا.\nوهذا اختلفَ العلماءُ فيه، وللشافعيةِ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: قيل: يلزمُ الوفاءُ بما نَذَرَ، وقيل: لا يلزم، وقيل: هو مُخَيَّرٌ بين الوفاءِ بما نَذَرَ، وبين كَفارةِ يمينٍ (٢).\nوأما مالِكٌ، فأخذَ بعموم الآيةِ، وألزم النذرَ على أيِّ جهةٍ وقع (٣).\n* فإن قلتَ: فأمرُ اللهِ سبحانَهُ الحَجيجَ بوفاءِ النذورِ مستلزِمٌ استحبابَ النَّذْرِ، أو إباحَتَهُ، ولا يستلزمُ أن يكونَ مكروهًا، ولكنه يعارضُه ما رواهُ ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن النبيِّ - ﷺ -: أنه نهى عن النذر، قال \"إنه لا يأتي بِخَيْرٍ، وإنما يُسْتَخْرَجُ بهِ مِنَ البَخيلِ (٤) \".\n_________\n(١) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٣/ ٢٩٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٤٦١)، و\"المجموع\" للنووي (٣٥١/ ٨).\n(٣) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٩).\n(٤) رواه البخاري (٦٢٣٤)، كتاب القدر، باب: إلقاء العبد النذر إلى القدر، ومسلم =","vol":"4","page":26},{"text":"قلنا: قد أجاب الشيخُ تقيُّ الدين بنُ دقيقِ العيدِ، وبعضُ المالكية، وقالا: إن الحديثَ محمولٌ على النذرِ الذي يكونُ في مقابلة تحصيل غرضٍ، أو دفعِ مكروه (١)، وهو نذرُ المُجازاة، وما سواهُ على نَذْرِ التبرُّرِ؛ كالنذرِ الذي يكونُ شُكْرًا في مقابلةِ النعمَةِ.\nالجملة الثامنة: أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالطَّوافِ بالبيتِ العتيق، وقد أجمعَ أهلُ العلمِ على أن المرادَ به طوافُ الإفاضَةِ، وأجمعوا على أنه رُكْنٌ من أركانِ الحَجِّ، وعلى أن صِفَتهُ أن يجعلَ البيتَ عن يسارِهِ.\nوبيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أن سِتَّةَ أَذْرُعٍ أو سبعةَ أَذْرُعٍ، أو نَحْوًا منْ سبعةِ أذرعٍ منَ الحِجْرِ منَ البيتِ، وطافَ النبيّ - ﷺ - مِنْ وراءِ الحِجْرِ، فإن طافَ طائفٌ داخِلَ الحِجْرِ، لم يَصَحَّ طوافُهُ؛ لمخالفتهِ الكتابَ والسُّنَّةَ قَوْلًا وفِعْلًا.\nوقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يصحُّ طوافُهُ داخلَ الحِجْر (٢)، وأطلقَ لفظَ البيتِ على القواعدِ الموجودَةِ يومَ نُزولِ الخِطابِ، وهيَ الموجودةُ الآن.\n* وأحسبُهُمْ أَجْمَعوا على أَنَّ من شرائِطِه سَتْرَ عَوْرَة الطائِف (٣).\n_________\n= (١٦٣٩)، كتاب: النذر، باب: النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئًا، وهذا لفظ مسلم.\n(١) انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٤/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(٢) مذهب أبي حنيفة: أنه لا يصح طوافه داخل الحجر، انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١٤٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٣١ - ١٣٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ١٤٧)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٨ ا-١٧)، و\"مغني المحتاج\" (١/ ٤٨٥)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٦٨)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٣١).\nومذهب أبي حنيفة: أنه واجب ليس بشرط، انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٢٩)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ٥٨).\nومذهب أحمد: أنه سنة، ولكن ستر العورة واجب مطلقًا، انظر: \"شرح منتهى =","vol":"4","page":27},{"text":"* واختلفوا في طَهارتهِ منَ الحَدَثِ والخَبَثِ.\nفذهبَ مالكٌ والشافعى إلى اشتراطِ الطهارةِ من النَّجَسِ (١)؛ لقوله - ﷺ - لأسماءَ بنتِ عُمَيْس: \"اصْنَعي ما يَصْنَعُ الحاجُّ غَيْرَ أَلاّ تَطوفي بالبَيْت\" (٢).\nوذهب الشافعيُّ إلى اشتراطِ الطهارةِ من الحَدَثِ (٣)؛ لقولهِ - ﷺ -: \"الطَّوافُ بالبيتِ صَلاةٌ، إلا أَدن اللهَ أباحَ فيهِ الكلام\" (٤).\nوذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنه لا يشترطُ فيه شيء من ذلك؛ كالسَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ (٥).\n* وبيهنَ النبيُّ - ﷺ - صِفَتَهُ مِنَ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ والتقبيلِ والاستلامِ، وغيرِ ذلكَ من الأدعيةِ والأذكارِ، وأَنَّ من سُنَنِهِ رَكْعتين بعدَ الطَّوافِ خَلْفَ المَقامِ.\n* ولتسميةِ اللهِ سبحانَهُ لَهُ عَتيقًا معانٍ كثيرةٌ عندَ أهلِ العلمِ، وكُلُّها حَسَنَةٌ\n_________\n= الإرادات\" للبهوتي (١/ ٥٧٧).\n(١) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ١٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٤٨٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٥٠).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ١٧ - ١٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ٤٨٥).\n(٤) رواه الدارمي في \"سننه\" (١٨٤٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢٨٠٨)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٣٩٤٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٨٣٦)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٥/ ٣٦٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٠٥٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٤٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٨٧)، عن ابن عباس، وفي بعض ألفاظه: \" ... أباح فيه المنطق\".\n(٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ١٢٩)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ٥٨).","vol":"4","page":28},{"text":"لائِقَة به موافقة في مَعْناه، زادَهُ اللهُ تشريفًا وتكريمًا.\nفقيل: معناه كريمًا؛ لأن العتقَ هو الكَرَمُ، ومنهُ عَتْقُ الرقبةِ (١) لخروجِه من ذُلِّ الرّقِّ إلى كَرَمِ الحُرِّيَّةِ.\nوقيل: لقدمِهِ لأنه أولُ بيتٍ وُضِعَ للناس.\nوقيل: إِنَّه أُعْتِقَ منَ الغَرَقِ.\nوقيل: لأنه عتقَ من الجبابرةِ، فلا تنالُهُ يَدُ جَبَّارٍ.\nوقيل: لأنه لا مُلْكَ فيهِ لأحدٍ، بل جعلَهُ اللهُ للناسِ سواءً.\n* * *\n\n١٩٨ - (٥) قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\n* المرادُ بالشعائِرِ هُنا البُدْنُ المُشْعَرَةُ، أي: المُعَلَّمَةُ بِجَرْحِ سَنامها؛ لِيُعْلَمَ أَنَّها هَدْي، والدليلُ على أنها المرادُ عَوْدُ الكناياتِ المُخْتَصَّةِ بالبُدْنِ عليها، وقد أَشْعَرَ النبيُّ - ﷺ - هَدْيَهُ، وسَلَتَ عنهُ الدَّمَ (٢).\n* وتعظيمُها اسْتِسْمانُها واسْتحْسانُها.\nوقَدْ أهدى عُمَرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- نَجيبَةً، فأُعْطِي بها ثلاثَ مئةِ دينارٍ (٣)، وكان عُرْوَةُ بنُ الزُّبيرِ يقولُ لبنيه: يا بنيَّ! لا يُهْدِيَن أَحَدُكم من\n_________\n(١) في \"ب\": \"الرقيق\".\n(٢) رواه مسلم (١٢٤٣)، كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام، وأبو داود (١٧٥٢)، كتاب: المناسك، باب: في الإشعار، والترمذي (٩٠٦)، كتاب: الحج عن رسول الله، باب: ما جاء في إشعار البدن، والنسائي (٢٧٧٤)، كتاب: مناسك الحج، باب: سلت الدم عن البدن، وابن ماجه (٣٠٩٧)، كتاب: المناسك، باب: إشعار البدن، عن ابن عباس.\n(٣) روى ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٩١١)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث =","vol":"4","page":29},{"text":"الهَدْيِ شَيْئاَ يَسْتَحْيي أنْ يُهديَه لِكَريم؛ فإنَ اللهَ أَكْرَمُ الكُرَماءِ وأَحَق مَنِ اختيرَ له (١).\n* وقد اتفقَ الناسُ على استحبابِ تعظيمِ الضحايا أبضًا كالهَدايا، واتفقوا على أن الأفضلَ في الهدايا الإبِلُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثمَّ الغَنَمُ (٢).\n* وأَمَّا في الضحايا: فَكَذلكَ قال الشافعيُّ (٣)، وذهبَ مالكٌ إلى أنه بعكسِ الهَدايا، فالأَفْضَلُ عندهُ الكِباشُ، ثمَّ الغنمُ، ثمَّ البقرُ، ثمَّ الإبلُ (٤).\nوقيل عنه بتقديمِ الإبلِ على البَّقَرِ.\nواحتجَّ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يُضَحَّي بالكِباشِ، وبأنَّ إبراهيمَ الخَليل - ﷺ - فَدَى ابنَهُ بكَبْشٍ، وبقيَ ذلك سُنةَ بعدَهُ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨].\nوللشافعيِّ أن يَحْتَجَّ بانهُ قد ثبتَ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ النَّحْرَ والذبْحَ.\nروى البخاري عنِ ابنِ عمرِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه - ﷺ - كانَ يذبَحُ\n_________\n= المختارة، (٢٠٨): أن عمر بن الخطاب أهدى نجيبة له، فأعطي بها ثلاث مئة دينار، فأتى عمر النبي - ﷺ -، فقال: يا نبي الله! إني أهديت نجيبة لي، فأعطيت بها ثلاث مئة دينار، أفأبتاعها أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا فأنحرها؟ قال: \"لا، انحرها إياها\".\n(١) رواه الامام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٨٠) وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٨١٥٨)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٧٧).\n(٢) انظر: \"الفروع\" لابن مفلح (٣/ ٣٩٧)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٩٠)، و\"بدافع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٨٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧٥).\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٩٠).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٩).","vol":"4","page":30},{"text":"ويَنْحَرُ بالمُصَلَّى (١)، وبقوله: - ﷺ - \"مَنْ راحَ في السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في الساعَةِ الثانيةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَقَرةً، ومن راحَ في السّاعَةِ، الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ كبْشًا\" (٢).\n* ومن تعظيمِ شعائرِ اللهِ تَعالى عندَ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرهما ما اشتهرَ من عَمَلِ السلفِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- منْ تَجْليل البُدْنِ بالثِّيَابِ (٣)، فكانَ بعضُ السَّلَفِ يُجَلِّلُها بالوَشْيِ، وبَعْضُهم بالحِبَرِ، وبعضُهم بالقَباطِي والمَلاحِفِ والأُزُرِ، وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- يُجَلّلُها الأَجْلالَ المُرْتَفِعَةَ منَ الأَنْماطِ والبُرودِ والحِبَرِ (٤)، وكان ابنُ عُمَرَ يَقِفُ بالهَدْيِ بعَرَفَةَ، ويَراهُ من تَعْظيمِها، وكانَ يقولُ: الهَدْي ما قُلِّدَ وأُشْعِرَ ووُقِفَ بِهِ بعرفَة (٥).\n* وأباحَ اللهُ سبحانَهُ لنا الانتفاعَ بهِا إلى أَجَل مُسَمًّى، واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذا الأَجَلِ.\nفقالَ أكثرُ المُفَسِّرينَ: هُوَ وَقْتُ تَسْمِيَتِهِ لَها هَدْيًا، فَلَهُ أنْ ينتفعَ بركوبِها\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٣٢)، كتاب: الأضاحي، باب: الأضحى والمنحر بالمصلى.\n(٢) رواه البخاري (٨٤١)، كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة، ومسلم (٨٥٠)، كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، عن أبي هريرة.\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٥٦).\n(٤) رواه ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد، عن نافع: أن ابن عمر كان يجلل بُدْنَه الأنماطَ والبرود والحبر حتى يخرج. انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٣/ ٥٤٩).\n(٥) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٧٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٣٢٠٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٣٢).","vol":"4","page":31},{"text":"ولبنِها ونَسْلِها وأَصْوافِها وأَوْبارِها، ما لَمْ يُسَمِّها هَدْيًا، فإذا سَمّاها، انقطَعَتِ المنافِعُ (١).\nوقالَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: هو وَقْتُ نَحْرِها (٢)، وبهِ قالَ عامَّةُ الفُقهاء (٣)؛ لأنها قبلَ تسميتِها وإيجابها لا تُسَمَّى شَعائِرَ، ولِما روى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يسوقُ بَدَنَةً، فقالَ: \"ارْكَبْها\"، فقال: إنَّها بَدَنة، فقالَ في الثانيةِ أوِ الثالثة: \"ارْكَبْها وَيْلَكَ\" (٤)، خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمٌ.\nولكنهم اختلفوا:\nفذهبَ بعضُ الظاهريةِ إلى جوازِ ركوبِها من غيرِ ضَرورةٍ ما لم يُضِرَّ بِها؛ لمطلق الأمرِ، ولمخالفةِ شعارِ الجاهليةِ من إكرامِ البَحيرَةِ والسَّائبة، وهو قولُ عروةَ بنِ الزبيرِ، ومالكٍ في روايةٍ عنه، وأحمدَ، وإسحاقَ.\nوذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ ومالِكٌ في الروايَةِ الصَّحيحةِ إلى جوازِ رُكوبِها عندَ الحاجةِ والضرورةِ دُونَ غيرِها (٥)؛ لقوله - ﷺ -: \"ارْكَبْها\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٥٧)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ٣٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢٢١)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٤٦).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١٥٨).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٨٧)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٧٨)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٢٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٤١).\n(٤) رواه البخاري (١٦٠٤)، كتاب: الحج، باب: ركوب البدن، ومسلم (١٣٢٢)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها.\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٨٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٣/ ١٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٣٧٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٧٨)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١٨٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد =","vol":"4","page":32},{"text":"بالمَعْروفِ إذا أُلْجِئْتَ إلَيْها (١) حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا\" (٢).\n* وأما بيانُ المَحِلِّ، فقد تقدَّمَ ذِكْرُهُ في \"سورةِ المائدة\"، هَلْ هو مَكَّةُ، أو سائرُ الحَرَمِ؟!\n* * *\n\n١٩٩ - (٦) قوله ﷿: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤].\nالمَنْسَكُ هاهنا -والله أعلمُ- هو المَصْدَرُ، من: نَسَكَ يَنْسُكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ (٣)، فأخبرَ اللهُ سبحانَهُ أَنَّهُ مشروعٌ لكلِّ أُمَّة، وليسَ من خصائصِ هذهِ الأمةِ.\nوقد أجمعَ المسلمونَ على مَشْروعِيَّةِ التَّقَرُّبِ بالهَدْيِ والأُضْحِية.\nفأَمّا الهَدْيُ، فقدْ تقدَّمَ ذكرُ انقسامهِ إلى واجبٍ ومُسْتَحَبٍّ، وأَمَّا الأضحِيَةُ، فاختلفَ أهلُ العلمِ فيها مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.\nفذهبَ قومٌ إلى أنها مشروعَةٌ على الوُجوبِ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ (٤).\n_________\n= (١/ ٢٧٧ - ٢٧٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(١) \"إليها\" ليست في \"أ\".\n(٢) رواه مسلم (١٣٢٤)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، عن جابر بن عبد الله.\n(٣) انظر: \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (٢/ ٢٦)، و\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٥/ ٤٧)، و\"لسان العرب\" (١٠/ ٤٩٨) مادة (نسك).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٨٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٧٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٦١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٢٢٥).","vol":"4","page":33},{"text":"وذهبَ قومٌ إلى أنها على الاستحبابِ، وبه قالَ الشافعيُّ (١) وعنْ مالكٍ روايتانِ كالمَذْهبين (٢).\n* * *\n\n٢٠٠ - (٧) قوله ﷿: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].\nالبُدْنُ أَصْلُها الإِبِلُ المُبَدَّنة، ثمَّ صارَ اسمَ جِنْسٍ للإبِلِ.\nثمَّ قيل: معنى صَوَافَّ: مُصَطَفَّة، وقيل: مَعْقولَة، وقرأَ ابْنُ مَسعودٍ: (صَوَافِنَ) (٣) أي: معقولَةَ إِحْدى القوائم.\n* واستحبَّ جمهورُ أهلِ العلمِ نَحْرَها على هذهِ الصِّفَةِ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٧١)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٧٥).\nوهو مذهب أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٤٥)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٣/ ٢١).\n(٢) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٢٣٨)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٢١٨).\n(٣) قرأ بها ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والكلبي، والأعمش، والنخعي. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٧/ ١١٨)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٠٣)، و\"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٢٦)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ١٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٢/ ٦١)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٦/ ٣٦٩). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٤/ ١٨٢).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٢١)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٣/ ٧)، و\"المجموع\" للنووي (٩/ ٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"4","page":34},{"text":"روينا في \"صحيح مسلم\" أَنَّ ابن عُمَرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- رأى قَوْما أَضْجَعوا بَدَنَة، فقال: قياما مُقَيَّدَة، سُنَّةَ نَبِيِّكُم -ﷺ- (١).\nوقال أبو حنيفةَ والثوري: يستوي نَحْرُها قِيامًا، وباركَةً (٢).\n- ثمَّ أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالأكلِ والإطعامِ منها:\nفمنَ الفقهاءِ من حملَ الأَمْرَيْنِ على الوُجوبِ، ومنْهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحبَّ الأكلَ وأوجبَ الإطعامَ، وقد تقدَّمَ ذكرُه قريبًا.\nوقد استدَلَّ مَنْ قالَ بتثليثِ لَحْمِ الأُضْحِيَةِ إمَّا وُجوبًا وإمّا استِحْبابًا بقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، ولا دليلَ فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضَةِ قولهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].\n* وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حقيقةِ القانعِ والمُعْتَرِّ:\nفقيلَ: لقانعُ: الذي يسألُ، والمُعْتَرُّ: المُتَعَرِّضُ، قالَ الشاعرُ (٣): [البحر الوافر]\nلَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مفَاقِرَهُ أَعَفُّ منَ القُنوعِ\nوقيل: القانعُ: الذي يَقْنَعُ ولا يَسْأَلُ، والمُعْتَرُّ: الذي يَعْتَري بالسُّؤالِ،\n_________\n(١) رواه البخاري (١٦٢٧)، كتاب: الحج، باب: نحر الإبل مقيدة، ومسلم (١٣٢٠)، كتاب: الحج، باب: نحر البدن قيامًا مقيدة، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ١٨٧)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٧٩)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ١٦٤).\n(٣) هو الشماخ. انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ١٥٦)، و\"لسان العرب\" (٨/ ٢٩٧).","vol":"4","page":35},{"text":"قال الشاعرُ (١): [البحر الطويل]\nعَلَى مُكْثِرِيهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ ... وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ وَالبَذْلُ\n* وقَيَّدَ اللهُ سبحانَهُ حالَ الأكلِ بوُجوبِ جُنوبها، وذلكَ وَقْتَ خُروجِ الرُّوحِ منها، ومَفْهومُهُ أنَّهُ لا يَحِلُّ الأَكْلُ مِنْها قَبْلَ ذلكَ، وهو كذلكَ، فلا يَحِل الأَكْلُ منها، ولا القَطْعُ مِنْها قبلَ خُروجِ الروحِ منها إجماعًا.\n* * *\n_________\n(١) هو زهير بن أبي سلمى. انظر: \"ديوانه\": (ق ٥/ ٣٨)، (ص: ٩٤).","vol":"4","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>سُوْرَةُ النُّورِ</span>","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>(من أحكام الحدود)</span>\n٢٠١ - (١) قوله ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\nأقول: قد بَيَّنْتُ فيما مضَى أَنَّ هذهِ الآيةَ مُبيِّنَةٌ لآيةِ الحَبْسِ والأَذى الَّذي أَمَرَ اللهُ سبحانَهُ به في أمرِ الزُّناة في صَدْرِ الإسلام، لا أَنَّها ناسِخَةٌ لهُ.\nوبيَنَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآية أَنَّ حَدَّ الزاني والزانية أَنْ يُجْلَدوا مئةَ جَلْدَةٍ، وهذا عَامٌ في كُلِّ زانٍ، مسلما كانَ أو كافِرًا، مُحْصَنا أو غيرَ مُحْصَنٍ، حُرًّا أو غيْرَ حُرٍّ.\nلكنْ قد أجمعَ أهلُ العلم على تخصيصِ عُمومها بالبكْرَيْنِ الحُرَّيْنِ، وأَنَّ الزانيَ إذا كانَ مُحْصَنًا، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ؛ خلافًا لقومٍ من أَهلِ الأَهْواءِ؛ حيثُ زَعَموا أَنَّ حَدَّ كُلِّ زانٍ الجَلْدُ (١).\nولا التفاتَ إليه؛ لثبوتِ الرَّجْمِ من فعلِ النبيِّ - ﷺ - وفعلِ أبي بكرٍ وعُمَرَ وعلي (٢) -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- ولما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ -رضيَ الله\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٩)، و\"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٢٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١١٧)، و\" الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٦٠ - ١٦٢).\n(٢) \"وعلي\" ليس في \"أ\".","vol":"4","page":39},{"text":"تعالى عنه-: أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلًا، البِكْر بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ\" (١)، ولما رَوى أبو هُريرةَ وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهَنِيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أَنَّ رجلًا منَ الأَعرابِ أتى رسولَ اللهِ - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله! أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا ما قَضَيْتَ لي بِكتابِ اللهِ، فقال الخَصْمُ، وهو أَفْقَهُ منهُ: نعم، اقْضِ بيننا بكتابِ اللهِ، وإِيذَنْ لي أتكلم، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"قل\"، قال: إن ابني كانَ عَسيفًا على هذا، فَزَنى بامرأتِه، وإني أُخْبِرْتُ أَنَّ على ابني الرَّجْمَ، فافْتَدَيْتُ بِمِئةِ شاةٍ ووَليدَةٍ، فسألتُ أهلَ العلمِ، فَأَخبروني أَنَّمَا على ابني جَلْدُ مِئَةٍ وتغرِيبُ عامٍ، وأَنَّ على امْرَأَةِ هذا الرَّجْمَ، فقالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: \"وَالَّذي نَفْسِي بيَدِهِ! لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكمُا بكِتابِ اللهِ تَعالى، الوَليدَةُ والغَنَمُ رَدٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مِئة وتَغْريبُ عَامٍ، واغْدُ يا أُنَيْسُ على امْرَأةِ هذا، فإِنِ اعترفَتْ، فارْجُمْها\"، قال فَغَدا عليها، فاعترفَتْ، فأمرَ بها رسولُ الله - ﷺ - فَرُجمَتْ (٢).\nوقالَ ابنُ عباس: سمعتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ يقولُ: الرَّجْمُ في كتابِ اللهِ ﷿ حَقّ عَلى مَنْ زنى إذا أحصن من الرجال والنِّساء إذا قامَتْ عليه البَيِّنَةُ، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعترافُ (٣).\nوقال أيضًا: قالَ عمرُ: خشيتُ أن يطولَ بالناس زَمانٌ حَتَّى يقولَ قائِلٌ:\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) رواه البخاري (٢٥٤٩)، كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود، ومسلم (١٦٩٧)، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى.\n(٣) رواه البخاري (٦٤٤٢)، كتاب: المحاربين، باب: رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت.","vol":"4","page":40},{"text":"ما نجدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللهِ، فَيَضِلُّونَ بتركِ فَريضةٍ أَنزلَها اللهُ، ألا إن الرَّجْمَ إذا أَحْصنَ الرجلُ، وقامَتِ البينةُ، أو كانَ الحَبَلُ أوِ الاعترافُ، وقد قرأناها: (الشيخُ والشَّيخَةُ إذا زَنيَا فارجُموهُما ألبَتَّةَ)، وقَدْ رَجَمَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، ورَجَمْنا (١).\nثمَّ اختلفَ أهلُ السنةِ.\nفقالَ قومٌ ببقاءِ عُموم الآيةِ، فأوجَبوا الجَلْدَ معَ الرَّجْمِ في حَقِّ المُحْصَنِ، وإليه ذهبَ الحَسَنُ وأَحْمَدُ وإسحاقُ وداودُ (٢)، واحتجُّوا بحديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ (٣)، ولما رُويَ: أَنَّ عَلِيًّا -رضي اللهُ تعالى عنه- جَلَدَ شُرَيْحَةَ الهَمْدانِيَّةَ يومَ الخَميسِ، ورجَمَها يومَ الجُمُعة، وقال: أَجْلِدُها بكتابِ اللهِ، وأرجُمُها بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - (٤).\nوقالَ جُمهورُهم: نُسِخَ الجَلْدُ عن المُحْصَنِ (٥)؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - رَجَمَ ماعِزًا، ولَمْ يَجْلِدْهُ (٦)، وأَمَر أُنَيْسًا أن يغدوَ على امرأةِ الرجلِ، فإن اعترفَتْ\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٤٤١)، كتاب: المحاربين، باب: الاعتراف بالزنا، والبخاري أيضًا (٦٤٤٢) كتاب: المحاربين، باب: رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، ومسلم (١٦٩١)، كتاب: الحدود، باب: رجم الثيب في الزنا.\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٤٧٨)، وعن الإمام أحمد روايتان، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٣٩ - ٤٠).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) تقدم تخريجه.\n(٥) انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١٣٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٨٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ١٤٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٩٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٤٧٨)، و\"بداية المجتهد\" (٢/ ٣٢٥)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ٢٣٢).\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":41},{"text":"فليَرْجُمها (١)، ولم يأمرْهُ بجلدِها، ومعلومٌ أنَّ حديثَ عُبادَةَ قَبْلَهُما؛ لقولهِ - ﷺ -: \"خُذُوا عَني، خُذُوا عَني، قَدْ جعلَ اللهُ لَهُن سَبيلًا\"، فيكونُ مَنْسوخًا.\nفإن قلتَ: لا يجوزُ نَسْخُ حديثِ عُبادة بما روي من فِعْلِ النبيِّ - ﷺ -، وبحديثِ أُنَيْسٍ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - أخبرَ عنِ اللهِ سُبْحانه أَنَّه قدْ جعلَ لهن سبيلًا، والسبَّيلُ الذي جَعَلَهُ في كتابِه الذي ثبَتَ رَسْمُهُ وحُكْمُهُ جَلْدُ مِئةٍ، والسَّبيلُ الذي جَعَلَهُ فيما نُسِخَ لفظُه وبقيَ حكمُه الرَّجْمُ للشيخ والشيخَةِ، فيجبُ حينئذِ جَلْدُ المُحْصَنِ ورَجْمُهُ بالآيتينِ، ويجبُ جلدُ غيرِ المُحْصَن بإحدى الآيتين، وقد تقرَّرَ عندَ المُحَقِّقين من أهلِ النظر أَن السُّنَةَ لا تنسَخُ الكِتابَ، فلو جازَ نسخُ حديثِ عُبادةَ، لجازَ نَسْخُ الكِتابِ؛ لأنه مُخْبِرٌ عنِ اللهِ سبحانه.\nقلنا: يجوز نسخه؛ لأنَّ النبيّ - ﷺ - لم يُخْبِرْنا أنَّ اللهَ سبحانَهُ أنزلَ ذلكَ في كتابِه وجَعَلهُ سبيلًا للزُّناة في القرآنِ، وإنما أخبرَ أنَّ اللهَ تَعالى جعلَهُ سَبيلًا لهم، والظاهرُ أنه بِوَحْي منه سبحانَهُ، لا بقرآنِ أنزلَهُ؛ بدليلِ قولهِ - ﷺ -: \"خُذُوا عَني\"، فأضاف الأَخْذَ إليه - ﷺ -، وبدليلِ ذكرِهِ للتَّغْريب، ولمْ يكنْ فيما أنزلَ اللهُ من القرآنِ، فحينئذِ يكونُ القرآنُ نزل بعدما أعلمَهُ اللهُ بشرعهِ وَحْيًا، وبعدَ أَنْ نسخَ ما تضمَّنَهُ حديثُ عُبادة، واستقرَّ الحُكْمُ والشرعُ على عمله - ﷺ -.\nفإن قلتَ: لو تَمَّ هذا، أو صَحَّ (٢)، لَزِمَكَ (٣) أَنْ تجعلَ السُّنَةَ، وهيَ حديثُ عُبادَةَ، ناسِخَة للكتابِ من قوله تَعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) \"أو صح\" ليس في \"ب\".\n(٣) في \"ب\": \"للزمك\".","vol":"4","page":42},{"text":"حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فتكونَ فارًّا مِنْ نَسْخِ الكتابِ بالسنَّةِ إلى نَسْخِ الكتابِ بالسنَّةِ.\nقلتُ: قد بَيَّنْتُ في \"سورةِ النساءِ\" أَنَّ آيةَ الحَبْسِ لَيْسَتْ بمنسوخةٍ، لا بكتابٍ، ولا سُنَةٍ، وإنَّما هي مُبَيِّنَةٌ؛ خِلافًا لما تَوَهَّمهُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ وكثيرٌ من الناسِ معهُ، وهذا تحقيقٌ عزيزٌ، فاسْتَمْسِكِ به، هداك اللهُ الكريمُ وإيّانا، وللهِ الحَمْدُ رَبِّ العالمين.\n* إذا تَمَّ هذا، فقد أجمعوا على تَخْصيص عُمومِها بأنَّ حَدَّ الأَمَةِ خَمسونَ جلدةً؛ لقوله تعالى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\n* واختلفوا في تَخْصيصِ عُمومها بتقييدِ قولي تَعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه في \"سورةِ النساء\".\n* وكذلك اختلفوا في وُجوبِ التغريبِ مع الجَلْدِ:\nفأوجَبَهُ الشافعيُّ (١)؛ لحديث عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ وأَبي هُريرةَ وزَيْدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ، ولثبوتِه عن أبي بكرٍ وعمرَ، وعُثمان، وعَليٍّ، وعبدِ الله، وأَبي الدَّرْداءِ -رضي الله تَعالى عنهم -.\nومنعه أبو حنيفةَ وأصحابهُ بناءً على أصلِهم من أنَّ الزيادَةَ على النَّصِّ نَسْخٌ، والكتابُ لا يُنْسَخُ بخبرِ الواحِد (٢)، وبأنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٦/ ١٣٣)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٦٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ١٤٧).\nوهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٥)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٩١).\n(٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٩٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٣٩)، لكن يجمع بينهما إذا رأى الإمام مصلحة في ذلك.","vol":"4","page":43},{"text":"نَفَى رجلًا، وقالَ: لا أنفي بعدَهُ (١).\nورُدَّ بأنَّ عمرَ نَفى في الخَمْرِ، ثم رأى أنه (٢) بدعةٌ، فليسَ الخمر كالزنا (٣).\nوقالَ مالكٌ: يغرَّبُ الرجلُ دُونَ المرأةِ؛ لأَنَّها تُعَرَّضُ بالغُرْبَةِ لأكبرَ مِنَ الزنى (٤)؛ بناءً على أصلهِ من العملِ بالمَصالحِ المُرْسَلَةِ التي هيَ ضَرْبٌ منَ الاسْتِحْسان.\n* وأَمْرُ اللهِ سبحانَهُ بجلدِ الزُّناةِ مُطْلَقٌ في جميعِ الأحوالِ، ولا شَكَّ في أَنَّ حال الإنسان مختلفٌ بالصِّحَّةِ والمَرَضِ، والحَرِّ والبَرْدِ:\nفذهبَ قومٌ إلى حملِ الأمرِ على إطلاقِه، فأقاموا الحَدَّ في جَميعِ الأحوال؛ لأنه فريضةٌ واجبةٌ، فلا تُؤَخَّرُ عن وَقْتِها، ولأنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أقام الحَدَّ على قُدامَةَ وهو مريضٌ، ولأنه أبعدُ منَ الرأفَةِ بالزَّاني، واللهُ تَعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].\nوبه قالَ أحمدُ وإسحاقُ (٥).\nوذهبَ الجمهورُ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ بالمعنى، فلا يُقامُ عليهِ إلا عندَ اعتدالِ الحالِ والهواءِ؛ لما فيه من خوفِ الهَلاكِ عليه، ولشهادَةِ الأُصولِ بتأخيرِ الفَرائِضِ عندَ خَوْفِ الهلاكِ (٦).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٦/ ١٣٥).\n(٢) في \"ب\": \"رآه\".\n(٣) في \"أ\": \"الأمر في الزنا\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٤٨٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٢٦)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٤٨)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ٨٢).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢١٣ - ٢١٤)، و\"مغني المحتاج\" =","vol":"4","page":44},{"text":"* ثم أمرَ اللهُ سبحانَه بأنْ يشهدَ عَذابَهُما طائِفَةٌ منَ المؤمنين، وهذا الأمرُ عندَ أهلِ العلمِ للاسْتِحباب، وإنَّما اختلفوا في أَقَلِّ الطَّائِفَةِ، فقيلَ: أربعةٌ، وقيل: ثلاثةٌ، وقيل: اثنان (١).\n* * *\n\n٢٠٢ - (٢) قوله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].\nأقول: مثلُ هذهِ الآيةِ في الحَصْرِ ما روى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا يَنْكِح الزَّاني المَجْلودُ إلَّا مِثْلَهُ\" (٢).\n* وقد اختلفَ الناسُ في هذهِ؛ لمخالفةِ ظاهِرِها القواعدَ المتقررَةَ في الشريعةِ المُجْمَعَ عليها:\nفذهبَ قومٌ إلى الأَخْذ بظاهرِها وظاهرِ الحديثِ، فَحَرَّموا نِكاحَ الزانيةِ المجلودةِ إلَّا على مِثْلِها زانٍ مَجْلودٍ، وحَرَّموا نِكاحَ الزاني إلا على زانيةٍ (٣)، ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال في الآية: هو حكمٌ\n_________\n= للشربيني (٤/ ١٥٤)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٩٩)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٥٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ٢٣٣).\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٦٨ - ٧٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٦٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٢٦).\n(٢) رواه أبو داود (٢٠٥٢)، كتاب: النكاح، باب: في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٢٤)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٢/ ٤١٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٧٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٥٦).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٦٧)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٣٠).","vol":"4","page":45},{"text":"بينَهُما. حتى قالَ قومٌ: طَرَآنُ الزنى يَفْسَخُ النكاحَ (١).\nوالأخذُ بظاهرِ الآيةِ ضعيفٌ؛ للإجماعِ على أنه لا يجوزُ للمسلمةِ الزانيةِ أن تنكحَ مُشْرِكًا، وأنه لا يجوزُ للزاني المسلمِ أن ينكحَ مشركةً غيرَ كتابية، ولِما رُوي: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! إن زوجتي لا تَرُدُّ يدَ لامِسٍ، فقال لهُ النبيُّ - ﷺ -: \"طَلِّقْها\"، فقال له: إني أريدُها، فقالَ له: \"فَأَمْسِكْها\" (٢).\nثم اختلفَ الآخرونَ:\nفمنهُم مَنِ ادَّعى أنها منسوخةٌ (٣) بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فدخلَتِ الزانيةُ في أيامى المُسلِمين.\nوبه قالَ سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، واختارَهُ الشافعيُّ، قال: أنا سُفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدِ، عن سعيد بنِ المسيِّبِ: أنه قالَ في قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]: إنها منسوخةٌ، نسخَها قولُ اللهِ عَر وجَل: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فهي من أيامى المسلمين.\nثم قال: والذي يشبه -والله أعلم- ما قالَ ابنُ المسيِّبِ (٤).\nوهذا القولُ ضعيفٌ جِدًّا لوجهينِ:\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٥٢٤).\n(٢) رواه النسائي (٣٤٦٥)، كتاب: الطلاق، باب: الظهار، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٢٨٩١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٥٤)، والخطيب البغدادي في \"الجامع لأخلاق الراوي والسامع\" (٢/ ٢٩٦)، عن ابن عباس.\n(٣) انظر: \"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٤٥)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٤٢)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٣٣).\n(٤) رواه الإِمام الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٤٨)، وفي \"مسنده\" (٢٧٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٥٤) من طريق الشافعي، به.","vol":"4","page":46},{"text":"أحدهما: عدمُ التعارُضِ من وَجْهين أيضًا (١):\nأحدهما: أن الأمرَ بإنكاحِ الأيامى لا يُعارِضُ إنكاحَ الزانيةِ بالزاني؛ فإنا إذا أنكَحْنا الزانيةَ بالزاني، فقدِ امتثلْنا أمرَ اللهِ تعالى، وأنكحْنا أَيِّمًا من أيامانا.\nوثانيهما: أن الآية الأولى نهيٌ عن النكاح، والآية الثانية أمرٌ بالإنكاحِ، والإنكاحُ غيرُ النكاح.\nوالثاني: أن النسخَ لا يكونُ إلا بخبرٍ عنِ النبيِّ - ﷺ -، وعِلْم بالمتأخِّرِ منهما، أو بإجماعٍ من عامَّةِ أهلِ العلمِ يدلُّ على الناسخُ منهما، وليسَ هذا بواحدٍ منهما.\nومنْ أهلِ العلمِ مَنْ وَقَفَها على سبَبِها، فقالَ: نزلتْ في قومٍ من فُقَراءِ المُهاجرين هَمُّوا أن يَتَزَوَّجوا بَغايا كُنَّ بالمدينة لَهُنَّ راياتٌ، فأنزلَ اللهُ تحريمَ ذلكَ (٢)؛ لأنهنَّ كُنَّ زانياتٍ ومشركاتٍ، وبينَ أنه لا يتزوَّجُ بهنَّ إلا زانٍ أو مشركٌ، وأن ذلكَ حرامٌ على المؤمنين.\nورُويَ أسبابٌ أُخَرُ في نُزولِها بمثلِ هذا المعنى (٣).\nومنهم مَنْ تَأَوَّلَها، وقالَ: خرج هذا النهيُ مخرجَ الذَّمِّ والتَّحقيرِ للزُّناةِ، والتشريفِ لذَوي العِفَّةِ، فهوَ كقولهِ تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وهذا أحسنُ، وأَحْسَنُ منهُ ما رُوي عن ابن عباس (٤) -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ المُرادَ\n_________\n(١) \"أيضًا\" ليس في \"أ\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١١)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (١٦٩٢٥)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٢٢)، عن عروة بن الزبير.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٧٠) وما بعدها.\n(٤) في \"ب\" زيادة: \"وعكرمة\".","vol":"4","page":47},{"text":"بالنِّكاح في هذهِ الآيةِ الوطءُ، فقال: أما إنه ليسَ بالنِّكاح، ولكنْ لا يجامِعُها إلا زانٍ أو مشركٌ، وحُرِّمَ ذلكَ على المؤمنين (١)، أي: وحُرِّم الزنى على المؤمنين، ومعناه أَنَّ الزانيَ لا يَزْني إلا بزانيةٍ مثلِهِ منْ أهلِ القبلَةِ لا تستحِلُّ الزنى، أو مشركَةِ تستحلُّ الزنى، وكذلكَ الزانيةُ من المسلماتِ لا تزني إلَّا معَ زانٍ من المسلمينَ لا يَسْتَحِلُّ الزنى، أو مَعَ مشركٍ يستحلُّ الزنى.\nوالقولُ بوقفِ الآيةِ على سببِها حسن متعيِّنٌ إن صَحَّ السببُ، ولكنه يحتاجُ إلى تأويل وتوضيحٍ.\nومَعْناه: (الزاني) المشركُ (لا ينكحُ إلا زانيةً)، وهي مشركةٌ، (أو مشركةً)، وهي عفيفةٌ (٢) -كما كانَ ذلكَ عادةَ المشركينَ في أنكحَتِهم- وهذه الجملةُ ليستْ محل السبب والنهي.\n(والزانيةُ) أي: المشركةُ - كما هي صفةُ البغايا اللاتي وَرَدَ فيهنَّ النهيُ - (لا يَنْكِحُها إلا زانِ أو مشركٌ)، وإن لمْ يكنْ زانيًا، وهذهِ الجملةُ هي مَحَلُّ السببِ.\nوإنَّما احْتَجْنا إلى هذا التأويلِ؛ لأَنَّا لو أَطْلَقْنا الزانيَ في المسلمِ والكافرِ؛ لَجَوَّزْنا للمسلمِ نكاحَ المشركَةِ الوثنيةِ، ولو أطلقنا الزانيةَ في المسلمةِ والكافرةِ، لَجوَّزْنا للمسلمةِ الزانيةِ أن تنكحَ مُشْرِكًا، ولم تردْ شريعَتُنا بهذا قَط، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقد عُلِمَ بهذا التَّحقيقِ أَنَّ الآية وردَتْ لبيانِ أنكحةِ المُشركين وصِفَتِها.\nثم قال الله تعالى بعد بيانه (٣): ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].\n_________\n(١) رواه الحاكم في (المستدرك) (٢٧٨٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٥٤).\n(٢) في \"ب\": \"أو مشركة، وهي مشركة وهي عفيفة\".\n(٣) \"بعد بيانه\" ليس في \"أ\".","vol":"4","page":48},{"text":"٢٠٣ - ٢٠٤ (٣ - ٤) قوله جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].\n* أمرنا اللهُ سبحانَهُ أن نَجْلِدَ قاذِفَ المُحْصَناتِ ثَمانينَ جَلْدَةً؛ عقوبةً وزَجْرًا.\n* واقْتَضى الخِطابُ بمَفْهومِهِ أَلَّا نجلِدَ قاذفَ غيرِ المُحْصَناتِ، وعلى العملِ بهذا المَفْهومِ أجمعَ أهلُ العِلْمِ (١).\n* وقد ذكرتُ فيما مضى أنَّ الإحْصانَ يقعُ على مَعانٍ: على الحُرِّيَّةِ، وعلى العِفَّةِ، وعلى الإسلام، وعلى النكاح.\nوقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أَنَّ النكاحَ غيرُ مُرادٍ بهذهِ الآية، لأنه يلزمُ منه أَلَّا يُجْلَدَ مَنْ قَذَفَ مَنْ لَمْ تنكحْ، ولا قائلَ بذلك.\nوعلى أن العفةَ مُرادَةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ومفهومُهُ أن مَنْ قامَتْ عليهِ الشهادةُ أن لا حَدَّ على قاذفِه، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣].\nواختلفوا في الحريةِ والإسلامِ، هل هُما مُرادان، أو لا؟\nفذهبَ الجمهورُ إلى أنهما مُرادان؛ لوقوعِ الإحصانِ عليهِما، وبهذا أخذَ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى - (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥١٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٧٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٦).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٥٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٧١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ١٠٥)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٣٥٣)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٤٠).","vol":"4","page":49},{"text":"وذهبَ قومٌ إلى أَنَّ قاذفَ الأَمَة والكافرةِ غيرُ مَجْلودِ، وبهِ قالَ مالكٌ، وخَصَّصوا الإحصانَ بالعِفَّة (١).\nواستدلَّ الجُمهورُ بما رُوي عنِ ابنِ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ أَشْرَكَ باللهِ، فَلَيْسَ بمُحْصَنٍ\" (٢)، وبأن العبدَ إذا قذفَ المُحْصَنَ لا يَجِبُ عليهِ الحَدُّ كامِلًا؛ لنقَصانهِ، فوجبَ أن يسقطَ الحَدُّ عن قاذفِه؛ كقاذف الصبيِّ.\nفإن قلتم: فهل نجدُ في القرآنِ دليلًا على أنهما غيرُ مراديْنِ؟\nقلت: نعمِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فوَصَفَهُنَّ بثلاثةِ أوصافٍ: الإيمانِ، والغَفْلَةِ عن الفاحِشَةِ، والإحْصانِ الذي هو الحريةُ، فإطلاقهُ هنا محمولٌ على هذا التقييد.\n* واتفقوا - فيما أَحْسِبُ - على اشتراطِ بُلوغِ المُحْصَنِ؛ لنقصانِ الصبيِّ (٣)، لكن اعتبرَ مالكٌ في سِنِّ المرأة أن تطيق الوطْءَ (٤).\n* وأوجبَ اللهُ سبحانَه هذهِ العُقوبَةَ على كُلِّ مَنْ يَصْلُحُ للخِطاب،\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣٠).\n(٢) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢١٦)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٨/ ٢٦٥).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٥٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٧١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٦)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٣٥٣)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٤٠).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٢٩٨).","vol":"4","page":50},{"text":"ويدخُلُ في التكليف، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلم، فلم يوجبوا الحَدَّ على الصَّبيِّ (١).\n* واختلفوا في تَخْصيصِ هذا العُموم في تَنْصيفِ حَدِّ الأمة بقياسِه على تَنْصيفِ حَدِّ الزنى، فذهبَ جمهورُ فقهاء (٢) الأمصارِ إلى تَنْصيفِهِ، وأنه يُجْلَدُ في القَذْفِ أَرْبعين، ورُويَ عن الخُلفاءِ الأربعةِ، وعنِ ابنِ عباس -رضي اللهُ تعالى عنهم - (٣).\nوذهبَ قومٌ إلى أن حَدَّهُ كالحُرِّ، وبهِ قالَ ابنُ مسعودٍ -﵁ - وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوزاعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَهْلُ الظاهِرِ (٤).\n* وكذلكَ اختلفوا في تخصيصِه بالوالدِ إذا قَذَفَ وَلَدَهُ.\nفقال الجُمْهورُ: لا يُحَدُّ لقذفِه؛ كما لا يُقْتَلُ بهِ إذا قَتَلَه.\nوقالَ أبو ثَوْرٍ بالعُمومِ، فَأَوْجَبَ عليه الحَدَّ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ١٠٥)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٣/ ٣٥٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٥٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٧١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣٠)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٢٩٨)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١١٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٤٠).\n(٢) \"فقهاء\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٨)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٥٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١١٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥١٣) وما بعدها.\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١١/ ١٦٢).\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٢٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ١٥٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١١٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٥٥).","vol":"4","page":51},{"text":"* واتفق أهلُ العلمِ على أن المرادَ برمي المحصناتِ هو الرميُ بصريح الفاحشة، واختلفوا في التَّعْريضِ بها، ووقع ذلكَ بينَ الصحابةِ في زمنِ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فاستشارَهُم، فاختلفوا عليه: فرأى عمرُ أنَّ عليهِ الحَدَّ، وبهِ قالَ مالكٌ (١).\nورأى ابنُ مسعودٍ سقوطَ الحَدِّ، وبهِ قالَ عَطاءٌ، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٢)؛ لِما فيه من دَرْءِ الحَدِّ بالشُّبْهَةِ، ولأنَّ اللهَ سبحانَه أباحَ التعريضَ بالخِطْبَةِ في العِدَّةِ، فدلَّ على مُخالَفَةِ التَّعْريضِ للتصريحِ في الحُكْمِ.\nوالقرآنُ وردَ في قذفِ المُحْصَناتِ من النساءِ، والمُحْصَنونَ من الرِّجالِ في مَعْناهم بإجماعِ أَهْلِ العلمِ بالقرآن (٣).\n* ثم حكمَ اللهُ سبحانَهُ في القاذِفِ بأنه لا تُقْبَلُ شهادَتُه أبدًا، وسَمَّاه فاسِقًا، ولعنَهُ في آيةٍ أخرى (٤)، ثم رفع الله عنه سِمَةَ الفسقِ بالتوبةِ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥].\n* واتفقوا على أن الحَدَّ لا يسقطُ بالتوبة؛ لأنه حَقٌّ متعلِّقٌ بالآدميِّ.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥١٨ - ٥١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١١١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٧٣).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١١١)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٧/ ٤٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وعن الإمام أحمد روايتان، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٨١).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥١٤)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٣/ ١٢٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٠٩).\n(٤) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].","vol":"4","page":52},{"text":"* واختلفوا في قَبولِ شهادتِه:\nفذهبَ أبو حنيفةَ إلى رَدِّ شَهادتِه أبدًا (١).\nوذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى قَبولها إذا تابَ (٢).\nقالَ جَماعةٌ منْ أهلِ العلمِ بالأُصول: والسببُ في اختلافِهم هذا هو اختلافُهم في الاستثناءِ إذا تعقبَ جُمَلًا، هل يعودُ إلى الجملَةِ الأخيرةِ، أو إلى الجميع، إلا ما أخرجه الدليل؟\nوعندي أنَّ المُلجِئَ لأبي حنيفةَ إلى رَدِّ شهادته ذكرُ التأبيدِ الذي ذَكَرَهُ اللهُ سبحانَهُ، وجعلهُ عقوبةً للشهادةِ (٣) المفتريةِ الكاذبةِ، فلا تقبلُ أَبَدًا.\nولكنَّ الجمهور من الأصوليين على أن النسخ يرفَعُ الحُكْمَ الذي قَبْلَهُ، وإنْ كانَ مَقْرونًا بلفظِ التأبيدِ، وينبغي أن يكونَ مثلَهُ التخصيصُ؛ لأن النسخَ تخصيصُ الأزمانِ، وتَخْصيصُ العُمومِ تَخْصيصُ الأعيانِ.\nفإن قلتم: فقدِ استدلَّ أبو حنيفةَ بحديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا تجوزُ شهادَةُ خائنٍ، ولا خائِنَةٍ، ولا مَحْدودٍ في الإسلام، ولا ذي غِمْرٍ على أخيهِ\" (٤)، فما الجواب عنُه، وما دليلُ الشافعيِّ من السنَّةِ؟\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١١٨)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ١٢٢).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ١٠٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٨٠)، و\"الأم\" للشافعي (٧/ ٩٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٧/ ٢٤)، وهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٩٠ - ١٩١).\n(٣) في \"ب\": \"للسانه\".\n(٤) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":53},{"text":"قلْنا: هذا حديثٌ لم يَرْوِهِ عَنْ عَمْرِو ثقةٌ، والَّذي رواهُ عن عَمْرٍو، وهو ثقةٌ، لم يذكرْ فيهِ المَحْدودَ، وإن صَحَّ، فالمرادُ بهِ قبلَ أن يتوبَ؛ كما هو المرادُ بسائرِ مَنْ ذكرَ معهُ من ذَوي الغِمْرِ والخِيانَةِ.\nوأمّا حُجَّةِ الشافعيِّ، فإنه قالَ: أنا سُفيانُ بنُ عيينة قال: سمعتُ الزُّهْرِيَّ يقولُ: زعمَ أهلُ العراقِ أَنَّ شهادَةَ القاذِفِ لا تجوزُ، أشهدُ لأَخْبَرَني سعيدُ بنُ المسيِّبِ أَنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال لأبي بَكْرَةَ: تُبْ تُقْبَلْ شَهادَتُكَ، أو: إنْ تُبْتَ تقبلْ شَهادَتُكَ.\nقال: وأخبرني مَنْ أثقُ بهِ من أهلِ المدينةِ عنِ ابنِ شهابِ عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أن عُمَرَ بنَ الخَطّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - لَمَّا جَلَدَ الثلاثةَ، استتابهم، فرجع اثنان، فقبلَ شهادَتَهُما، وأبى أبو بكرةَ أنْ يرجعَ، فردَّ شهادَتَه.\nقال: وبلغَني عن ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أَنَّه كانَ يجيزُ شهادةَ القاذفِ إذا تابَ.\nوقال بقبولِ شهادتِه عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، والشعبيُّ (١).\n* فإن قلتُم: فهل هذا الحَدُّ حَقٌّ للهِ ﷿ وللمَقْذوفِ جَميعًا، أو للمقذوفِ وَحْدَهُ؟\nقلنا: اختلفَ الفقهاءُ في ذلك: فذهبَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ إلى أنه حَقٌّ للهِ تَعالى، فلا يَسْقُطُ بِعَفْوِ المقذوفِ (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للأمام الشافعي (٧/ ٨٩)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١١٤)، و\"الهداية\" للمرغيناني =","vol":"4","page":54},{"text":"وذهب الشافعيُّ إلى أنه حَقٌّ للمقذوف وَحْدَهُ، ويَسْقُطُ بعفوِه (١).\nوقال قومٌ: حَقٌّ لهما، لكنْ إن بلغَ الإمامَ، غلبَ حَقُّ، فلم يَجُزِ العفوُ، وإن لم يبلغْهُ، جازَ؛ كما وردَ ذلكَ في السرقةِ عنِ النبيِّ - ﷺ -.\nوعن مالكٍ روايتان كالقولين الأخيرين (٢)، والله أعلم.\n* * *\n\n٢٠٥ - ٢٠٦ (٥ - ٦) قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]، الآيتان.\nروينا في \"صحيحِ البخاري\" عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُوَيْمِرًا أتى عاصمَ بنَ عَدِيٍّ، وكان سَيِّدَ بَني عَجْلانَ، فقال: كيفَ تقولونَ في رجلٍ وَجَدَ معَ امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتلونَهُ، أمْ كيفَ يَصْنَعُ؟ سَلْ لي رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلك، فأتى عاصِمٌ النبيَّ - ﷺ -، فسألَهُ، فكرهَ رسولُ الله - ﷺ - المسائِلَ، فسأله عويمرٌ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كَرِهَ المسائِلَ وعابَها، قالَ عُوَيْمِرٌ: واللهِ لا أَنتهي حَتَّى أسألَ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلكَ، فجاء عويمرٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ! رجلٌ وجدَ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُله\n_________\n= (٢/ ١١٣)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٥/ ٣٢٧).\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٤٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ٣٧٥)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٣٩).\nوهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٧٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٦/ ١٠٥).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٥١٥ - ٥١٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٣١).","vol":"4","page":55},{"text":"فتقتلونَهُ، أم كيفَ يصنعُ؟ فقالَ رسول الله - ﷺ -: \"قَدْ أنزلَ اللهُ فيكَ وفي صاحِبَتِكَ\"، فأمرَهما رسولُ الله - ﷺ - بالمُلاعَنَة بِما سَمَّى اللهُ في كتابِه، فلاعَنَها، ثم قال: يا رسولَ اللهِ! إن حبستُها فقد ظلمتُها، فطلَّقَها ثلاثًا، فكانتْ سُنَّةً لِمَنْ كانَ بعدَهما في المتلاعنين، ثم قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"انظُروا، فإنْ جاءَتْ بهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَيْنَينِ عَظيم الإلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ الساقَيْنِ، فَلا أَحْسَبُ عُوَيْمِرًا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بهِ أَحْمَرَ كأنهُ وَحَرَةٌ، فلا أَحْسَبُ عُوَيْمِرًا إلا قَدْ كَذَبَ عَلَيْها\"، فجاءَتْ بهِ على النَّعْتِ الذي نعتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - من تصديقِ عويمرٍ، فكان بَعْدُ يُنْسَبُ إلى أمِّهِ (١).\nورويناه فيه أيضًا عنِ ابنِ عَبّاسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أَنَّ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ قذفَ امرأتَهُ عندَ النبيِّ - ﷺ - بِشَريكِ بنِ سَحْماءَ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"البيَّنَةَ أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ\"، قال: يا رسولَ اللهِ! إذا رأى أحدُنا على امرأتِهِ رَجُلًا ينطلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟! فجعلَ النبيُّ - ﷺ - يقول: \"البيَّنَةَ وإلاّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ\"، فقال هلالُ بنُ أميةَ: والذي بعثك بالحَقِّ! إني لصادقٌ، ولَيُنْزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْري منَ الحَدِّ، فنزل جبريلُ، وأنزل اللهُ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩]، فانصرفَ النبيُّ - ﷺ -، فأرسلَ إليها، فجاءَ هلالٌ فشهدَ، والنبيُّ - ﷺ - يقول: \"إنَّ اللهَ يعلمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذبٌ، فهلْ منكما (٢) تائِبٌ؟ \"، ثم قامت فشهدَتْ، فلما كان عندَ الخامسةِ وَقَفُوها وقالوا: إنها مُوجِبَةٌ، قال ابنُ عباسٍ: فَتَلَكَّأَتْ ونَكَصَتْ حتى ظَنَنَّا أنها ترجعُ، ثم قالَتْ: لا أَفْضَحُ قومي سائرَ اليومِ، فمضت، وقال النبيُّ: - ﷺ -: \"انْظُروها، فإنْ جاءَتْ به أَكحَلَ العَيْنَيْنِ سابغَ\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٦٨)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾.\n(٢) في \"أ\": \"منكم\".","vol":"4","page":56},{"text":"الإلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ الساقَيْنِ، فهو لِشَريكِ بنِ سَحْماءَ\"، فجاءَتْ به كذلك، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"لَوْلا ما مَضَى مِنْ كتابِ اللهِ، لَكانَ لِي وَلَها شَأْنٌ\" (١).\nوالظاهِرُ عندي - واللهُ أعلمُ - أنَّ هذه القصةَ (٢) والتي قبلَها سببُ نُزولِ هذهِ الآية؛ كما هو مُصَرَّحٌ بهِ في القِصَّتينِ (٣) من لَفْظِ النبيِّ - ﷺ -، ومن لَفْظِ الراوي في حَديثِ ابنِ عَبّاسٍ، فقد يتفقُد السؤالُ من رَجُلَيْنِ، ويُنزل اللهُ الحكمَ جوابًا لهما، والتشبيهُ من النبيِّ - ﷺ - في إحدى القصتين (٤) بشَريكِ بْنِ سَحْماء، وفي الأُخْرى بِصِفَتِه يحتملُ أن يكونَ السائلانِ قذفا امرَأَتيهِما به، ويحتملُ أَنَّ أحدَهما قذفَ امرأتَهُ بهِ، والآخر قذفَ امرأتَهُ برجلٍ يشبههُ، ولست أعلم فيه شيئًا، واللهُ أعلمُ.\nفَبَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - حُكْمَ المتلاعِنَيْنِ كما بينهُ اللهُ سبحانَه، وأجمعتِ الأمةُ عليهِ.\nواختلفوا في هذا البَيانِ، هلْ هوَ بطريقِ النَّسْخِ، أو بطريقِ التخصيصِ؟\nفقال قومٌ: هو بطريقِ النَّسْخِ، فهذهِ الآيةُ ناسخةٌ (٥) لوجوبِ الحَدِّ على الزوجِ بِقَذْفِ زَوْجَتِه.\nواحتجُّوا بحديثِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، فإنَّه يدلُّ دَلالةً بينةً على أن الحَدَّ كان واجِبًا على القاذِفِ لزوجتِه، أو لغيرِها؛ لأن النبيَّ - ﷺ -\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٧٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ ...﴾.\n(٢) في \"ب\": \"القضية\".\n(٣) في \"ب\": \"القضيتين\".\n(٤) في \"ب\": \"القضيتين\".\n(٥) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٤٢)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٣٥).","vol":"4","page":57},{"text":"أوجبَ عليهِ الحَدَّ، ويدلُّ على أنَّ الآيةَ الأولى كانَتْ عامَّةً في القاذفِ لزوجتِه ولغيرِها، ثم أخرج منها القاذف لزوجته، وحكي هذا عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما -، وهذا القولُ لا يستقيمُ إلَّا على قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ البيانَ لا يتأخَّرُ عنِ الخِطاب.\nوذهبَ قومٌ من المُحَقِّقين إلى أنه بطريقِ التَّخصيصِ، وأن هذهِ الآيةَ تدلُّ على أن المُرادَ بالآيةِ الأولى القاذفُ لغيرِ زوجَتِه، وأنها منَ الخِطاب الذي يردُ عامًّا، ويُرادُ به الخاصُّ، ولهذا قالَ الشافعيُّ -رحمه اللهُ تعالى -: فيفرقُ بينَهما كما فَرَّقَ اللهُ، ويجمعُ بينَهما حيثُ جمعَ اللهُ.\nولهؤلاءِ أنْ يقولوا: إنما أوجبَ عليهِ النبيُّ - ﷺ - الحَدَّ اتِّباعًا لِعُمومِ كتابِ اللهِ تعالى، لا أنه حكمٌ قدِ استقرَّ، وذلكَ باجتهادٍ واستدلالٍ منه - ﷺ -، والاجتهادُ جائزٌ لهُ، وواجبٌ عليهِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ.\n* وعُمومُ هذهٍ الآيةِ كعُموم الآيةِ الأولى، فيدخلُ فيها كُلُّ مَنْ كانَ يصلُح لهُ الخِطابُ من ذوي التكليف، فَيَصِحُّ اللِّعانُ من كل زوجٍ يَصِحُّ طلاقُهُ ويمينُهُ، سواءٌ كانا حُرَّيْنِ، أو عَبْدَينِ، مُسلمين أو كافرين، أو أحدُهما حُرًّا والآخرُ عبدًا، أو أحدُهُما كافرًا، والآخرُ مسلمًا، أو أحدُهما محدودًا، والآخرُ غيرَ محدود، وبهذا قالَ مالكٌ والشافعيُّ -رحمهما الله تعالى - (١).\nوذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى تخصيص هذا العُموم، فلا يجوزُ اللِّعانُ إلا لمسلمينِ حُرَّينِ عَدْلَينِ (٢)؛ لأن اللهَ ﷾ سَمّاهما شُهَداء،\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٨٦)، و\"القوانين الفقهية\"لابن جزي (ص ١٦١)، و\"المهذب\" للشرازي (٢/ ١٢٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ١٢).\nوعن الإمام أحمد روايتان، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٤١).","vol":"4","page":58},{"text":"فاشترَطَ فيهما ما يشترطُ في الشهود، حتى منعَ لِعانَ الأخرسِ؛ كشهادته.\nولقائلِ أن يقولَ للحنفيَّةِ: الحُرُّ العَدْلُ المسلمُ إذا قذفَ زوجتَهُ الأَمَةَ أو الكتابِيَّةَ، فلا لِعانَ عليهِ، والشهادَةُ مقبولةٌ، فإن قالوا: إنَّما لم يَجُزِ اللِّعانُ لأنه إنَّما وُضِعَ لِدَرْءِ الحَدِّ، والحُرُّ لو قذفَ عَبْدًا، أو المسلمُ قذفَ كافِرًا، فلا حَدَّ عليهِ، فكذلكَ لا لِعانَ عليهِ، أَبْطَلْنا قولَهم بأنَّ هذا زيادةٌ في النَّصِّ بالقِياس، والزيادةُ نسخٌ، والقياسُ لا ينسخُ الكتابَ، ولكنَّهم احتجُّوا بما رواه عَمْرو بنُ شُعَيْبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو -رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"أربعةٌ لا لِعانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ أَزْواجِهِم: اليَهودِيَّةُ، والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسلِمِ، والحُرَّةُ تَحْتَ العَبْدِ، والأَمَةُ عندَ الحُرِّ، والنَّصْرانِيَّةُ عِنْدَ النَّصْرانِيِّ\"، وفي بعضِ طرقِه: عَنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عنِ النبيِّ - ﷺ - (١).\nوردَّهُ الشافعيةُ بأن عَمْرَو بنَ شعيبِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو منقطعٌ، وبأنّ روايته عن رجلٍ مجهولٍ، وهو يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، ورجلٍ مشهورٍ بالغلطِ، وهو عَطاءٌ الخراسانيُّ (٢).\nوأمّا هذهِ الشهادةُ فهي أيمانٌ في الحَقيقةِ، وإنْ سَمَّى اللهُ سبحانَهُ الأزواجَ شُهَداءَ؛ بدليلِ قوله تَعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢٠٧١)، كتاب: الطلاق، باب: اللعان، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ١٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٦)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (١٥٠٢)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٥٠٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٥).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٣٣)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٩٥).","vol":"4","page":59},{"text":"لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، وقد وردَ في بعضِ ألفاظِ حديثِ هلالِ بنِ أُميَّةَ: \"لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولَها شَأْنٌ\" (١).\n* وجعل اللهُ سبحانَهُ شهادةَ الزوجِ لنفسِه أضعفَ من شهادةِ الشُّهداءِ، فإنه إذا شهدَ أربعةُ شهداءَ، وجبَ الحدُّ على المقذوفِ، وليسَ لَهُ دَرْؤُهُ ولا دَفْعُهُ بحالٍ، وإذا شَهِدَ الزوجُ خَمْسَ شَهاداتٍ بالله، وَجَبَ على الزوجةِ الحَدُّ، ولكنَّها يمكنُها دَرْؤُهُ بشهادتِها أيضًا، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ.\nولكنَّهم اختلفوا فيما إذا لم يأتِ الزوجُ بأربعةِ شُهَداء، أو لَمْ يشهدْ بنفسِه خَمْسَ شهاداتٍ، بل نَكَلَ عن اليمينِ.\nفقالَ الجمهورُ: يُحَدُّ كالقاذِفِ الأجنبيِّ إذا لم يأتِ بأربعةِ شُهَداءَ (٢)، فيُجمعُ بين القاذفِ الأجنبيِّ وبينَ القاذفِ سِواهُ فيما جمعَ اللهُ، ويفرَّقُ بينَهما فيما فرَّقَ اللهُ تعالى، ويدلُّ عليه أيضًا قولُه - ﷺ -: \"البَيِّنَةَ أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ\" (٣).\nوقال أبو حنيفةَ: لا يُحَدُّ، بلْ يُحْبَسُ (٤)؛ لأنه لا ذِكْرَ لِحَدِّ الزَّوْجِ في\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٢٥٦)، كتاب: الطلاق، باب: في اللعان، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٣٨)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٢٧٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٥)، عن عبد الله بن عباس، بهذا اللفظ.\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٨)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٨٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٤٧)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٨٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٩)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ١٦٢).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٤٧)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٢٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٣٨)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٤/ ٢٨١).","vol":"4","page":60},{"text":"الآية، والتعرُّضُ لإيجابِه زيادةٌ في النَّصِّ، والزيادةُ في النصِّ نَسْخٌ، والنسخُ غيرُ جائزٍ بالقياسِ، ولا بأخبارِ الآحادِ.\nولقائلٍ أن يقولَ: قد ذكرَهُ اللهُ سبحانَهُ في كتابهِ، ودلَّ عليه بطريقِ التفهيم، فإنَّه لما أقامَ اللهُ سبحانَهُ شهادةَ الأزواجِ لأنفسِهم مقامَ الشهداءِ الأجانبِ، فهمْنا أنَّ عدمَ هذهِ الشهادةِ كعدمِ تلكَ الشهادةِ، وأن الحكمَ فيهما واحدٌ، وأن الله سبحانه قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]، فدلَّ على أن هذا العذابَ قد وجبَ عليها، فكذلكَ الزوجُ إذا لم يَدْرَأْ عن نفسِه العذابَ، فقد وجبَ عليهِ.\n* وكذلكَ اختلفوا في العذابِ الواجِبِ عليها إذا لم تَشْهَدْ خَمْسَ شهاداتٍ.\nفقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجمهورُ أهلِ العلمِ: هو حَدُّ الزنى (١).\nوقال أبو حنيفةَ: العذابُ هو الحبسُ حتى تُلاعِنَ (٢)، واحتجَّ لهُ بقولِه - ﷺ -: \"لا يَحِلّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحْدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنىً بعدَ إِحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسِ بغيرِ حَقٍّ\" (٣)، وبأن القاعدةَ المقررةَ في الشريعةِ أنَّ الأموالَ لا توجبُ بالنُّكولِ، فبطريقِ الأَوْلى لا تُسْفَكُ بِها الدماءُ، وتزهقُ بها الأرواحُ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٨٠)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٥/ ٣٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٩١)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ١٦٢).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٤٧)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٢٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٣٨)، و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٤/ ٢٨١).\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":61},{"text":"واختار قولَهُ إمامُ الحرمينِ من الشافعيَّةِ في كتابِه \"البرهان\"، وابنُ رُشْدٍ من المالكية (١).\nوالقولُ بهذا ضعيفٌ، واختيارُه غَفْلَةٌ عن سِرِّ الشريعة؛ فإنَّ هذا ليسَ حُكْمًا بالنُّكولِ؛ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ جعلَ شهادةَ الزوجِ خَمْسَ مَرّاتٍ كشهادَةِ أربعةِ شُهداءَ في دَفْعِ حَدِّ القذفِ عنهُ، وفي إيجابِ الحَدِّ عليها، فلو شهدَ عليها أربعةُ شهداءَ، لسقطَ الحدُّ عن قاذِفها، وَلَوجَبَ الحَدُّ عليها، فكذلك شهادتُه تُسقطُ الحَدَّ عنهُ، وتوجبُ الحَدَّ عليها، فهو من القتلِ بالزنى بعدَ الإحصان، وإنما أوجبَ اللهُ سبحانه شهادةَ أربعةٍ على القاذفِ غيرِ الزوج؛ لعظمِ هذهِ الجريمةِ والافتراء، وهو في غُنْيَةٍ عن القَذْفِ، بخِلاف الزوج؛ فإن بهِ ضرورةً إلى ذكرِها بالفاحشةِ لهتكِ فراشِهِ وحفظِ نسبِه، فجعلَ اللهُ شهادتَه خمسَ مَرَّاتٍ كشهادَةِ أربعةِ شُهداءَ، ولم يوجبْ عليه شهادَةَ الأجانبِ؛ لعسرِ ذلك عليه، وعِظَمِه لديه، ألم يرو هؤلاءِ إلى قولِ هلالِ بنِ أميةَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - حيثُ قال: يا رسول الله! إذا رأى أحدُنا على امرأتِه رجلًا ينطلقُ يلتمسُ البينة (٢)؟! ثم أتمَّ اللهُ لطفَه بالمرأةِ لاحتمالِ كذبِ الزوجِ عليها بأنْ جعلَ لها أن تدرأَ عنها العذابَ بخمسِ شَهاداتٍ بالله، وهذا من مَحاسِنِ هذه الشريعةِ، وعجائِب لطفِ الله تعالى بهذه الأمة في حفظِ أنسابِها، ولا يحسُنُ إطلاقُ العذابِ على الحَبْس؛ لأنه ليس هنا أمرٌ معهودٌ بالعذابِ للزاني إلا الحَدّ، فالألفُ واللامُ في العذابِ للعَهْدِ، لا للجِنْسِ، ألم يرَ هؤلاءِ إلى قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) انظر: \"البرهان في أصول الفقه\" لإمام الحرمين (٢/ ٧٩٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٩٠).\n(٢) تقدم تخريجه من حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية.","vol":"4","page":62},{"text":"\"لَوْلا ما مَضى من كتابِ اللهِ، لَكان لي ولَها شأنٌ\" (١)، فهل يرى أن هذا الشأنَ الذي أشارَ إليهِ النبيُّ - ﷺ -، وَنوَّهَ بهِ هوَ الحبسُ؟ كَلًا بل هو أمرٌ فوقَهُ وأكبرُ منه.\n* وسَنَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - مع كتابِ اللهِ تَعالى الفُرْقَةَ بينَ المُتَلاعِنَيْنِ، فقالَ للزوجِ: \"لا سَبيلَ لكَ عليها\" (٢).\nوقد اختلَفَ أهلُ العلمِ في حقيقةِ تفريقِه - ﷺ -.\nفقالَ أبو حنيفةَ: هو بطريقِ الحُكْمِ منُه - ﷺ -، فلم تقعِ الفرقةُ إلا بحُكْمِهِ وأمرِه، فكذلكَ لا تقعُ الفرقةُ بعدَهُ إلا بحُكْمِ حاكِمٍ (٣).\nوقال مالكٌ والشافعيُّ: هو شَرْعٌ، وليسَ بحكمٍ، فتقعُ الفرقةُ بنفسِ اللِّعانِ، ثم قالَ مالكٌ: تقعُ بعدَ الفَراغِ من لِعانِها؛ لأن النبيَّ - ﷺ - لم يفرقْ بينَهما إلا بعدَ تمامِ اللِّعانِ، وقالَ الشافعيُّ: بعدَ الفراغِ من لِعانِ الزوجِ؛ لأنَّ لعانَها لدرءِ العذابِ عَنْها (٤).\n* وقد بينَ اللهُ سبحانه اللِّعانَ، وأتم ترتيبَه وبيانَه، ولهذا لم ينقلْ في شيءٍ من رواياتِ الحديثِ لفظٌ لاعَنَ بهِ رسولُ اللهِ - ﷺ - بين المُتلاعنين، وإنَّما وردَ: فأمرَهُما رسولُ الله - ﷺ - بالمُلاعَنَةِ بما سَمَّى اللهُ في كتابِه، فلو بدأتِ\n_________\n(١) تقدم تخريجه من حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية.\n(٢) تقدم تخريجه من حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية.\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٥٠)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٤٢)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٤٤).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٩٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٩٠ - ٩١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٩٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ١٥٩).\nوعن الإمام أحمد روايتان، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٥٢).","vol":"4","page":63},{"text":"المرأةُ قبلَ الرجلِ، لم يجزْ عندَ الشافعيةِ (١)، وفيهِ عند المالكية خِلافٌ (٢)، ولو أبدلَ الزوجُ أو الزوجةُ ألفاظَهُ التي ذكرَها اللهُ تَعالى؛ كإبدالِ الشَّهادَةِ بالحلفِ، وإبدالِ اسمِ الله بالرَّبِّ، وإبدالِ اللَّعْنَةِ بالغَضَبِ، أو تركَ الترتيبَ، فقدم الشهادةَ باللَّعنةِ على غيرها، لم يَصِحَّ على الأَصَحِّ عندَ الشافعيةِ (٣).\n* إذا تَمَّ هذا، فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن الرَّمْيَ الذي شُرِعَ لهُ اللِّعانُ هو الرميُ بصريحِ الفاحشةِ، ثم هو لا يخلو إمّا أن يكونَ قذفًا مطلَقًا، أو قذفًا مقيَّدًا بالمشاهدة لها تزني:\nفذهب مالكٌ إلى اشتراطِ التقييدِ في الدَّعوى، كما وردَ في القصةِ من قوله: الرجلُ يَجِدُ مع امرأتِه رَجُلًا (٤).\nوذهبَ الجُمهورُ كأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وداودَ، والثوريِّ إلى عدمِ اشتراطِ التقييدِ؛ لظاهرِ إطلاقِ القرآنِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ٢٨٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٥٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٥٢).\nوهو مذهب الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٥٦)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٣٩١).\n(٢) انظر: \"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ١٦١).\n(٣) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٧٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٩).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٨٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ٤٥٨).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٤٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٢٨)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٧٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٤٠)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٣٩٧).","vol":"4","page":64},{"text":"واختلفوا في نَفْيِ الحَمْلِ من غيرِ ذكرِ الفاحشةِ:\nفذهب الجُمهور إلى إلحاقِهِ بالتَّصريحِ بالفاحشة.\nوقال بعضُهم: لا يجوزُ نفيُه من غيرِ ذكرِ قذفٍ.\nثم على قولِ الجُمهورِ لا يخلو إما أن ينفيَه نَفْيًا مطلَقًا، أو نفيًا مقيَّدًا بالاستبراءِ، فأما النفيُ المقيَّدُ، فلا خلافَ فيه، وأما النفيُ المطلَقُ، فمنعَهُ مالكٌ، وجَوَّزه الشافعيُّ، وداودُ، وأحمدُ (١).\n* فإن قيلَ: فإذا كانَ للزوجِ شهداءُ، فهل لهُ اللِّعانُ، أو ليسَ لهُ؛ لأن اللهَ سبحانَه شرطَ عدمَهم؟ قلنا: ذهبَ إلى اعتبارِ الشرطِ أبو حنيفةَ وداودُ (٢)، فلا يجوزُ اللِّعانُ عندَهما إذا قامتِ البينةُ بِزِناها.\nوذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّ الشرطَ خرجَ على غالب الوُجود، وأنه يجوزُ له اللِّعانُ، وإن قامَتِ البينةُ (٣).\n* فإن قيل: فالمرأةُ إذا قامتْ عليها البينةُ هل لها درءُ العذابِ عنها باللعان، وتكونُ البينةُ كشهادتِه باللهِ، أو ليسَ لَها؛ كما لو قامت عليها البينةُ بدعوى غير الزوج؟ قلت: أما مذهبُ الشافعيِّ، فلها، ولستُ أعلمُ في حالِ كتابي لهذا الكتابِ قولَ غيرِه، والله أعلمُ.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٩٥ - ٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ١٨٥).\n(٢) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٢٣٨).\n(٣) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ٣٨١).","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>(من أحكام السلام والاستئذان)</span>\n٢٠٧ - ٢٠٨ (٧ - ٨) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٨].\nأقول: أَدَّبَ اللهُ سبحانَه عبادَه المؤمنين في هذهِ الآيةِ بأدبينِ:\nأحدهما: واجبٌ بالإجماعِ، وهو الاستئذانُ (١).\nوالثاني: مستحبٌ، وهو السلام، وقد قدمتُ دَعْوى الإجماعِ على استحبابِه.\n* ثم بينَ النبيُّ - ﷺ - ما أمرَ به فرويَ عنه - ﷺ -: أنه كانَ إذا أتى بابَ قوم لم يستقبلِ البابَ من تِلقاءِ وَجْهِهِ، ولكنْ من رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أو الأَيْسَرِ، ويقولُ: \"السَّلامُ عليكُمْ\"، وذلكَ أن الدُّوَر لم يكنْ عليها يومئذٍ سُتورٌ (٢)، وقال:\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ١٣٠ - ١٣١).\n(٢) رواه أبو داود (٥١٨٦)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٣٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٨٨٢٢)، عن عبد الله بن بسر.","vol":"4","page":66},{"text":"\"إذا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثًا، فلم يُؤذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ\" (١).\n* وبينَ - ﷺ - علَّةَ الاستئذانِ:\nفروى البخاريُّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: اطَّلَعَ رجلٌ من جُحْرٍ إلى حُجْرَة النبيِّ - ﷺ -، ومعَ النبيِّ - ﷺ - مِدْرًى (٢) يحكُّ بهِ رأسَهُ، فقال: \"لو أعلمُ أنكَ تنظرُ لَطَعَنْتُ بهِ في عَيْنِك، إنَّما جُعِلَ الاستِئْذانُ من أَجْلِ البَصَرِ\" (٣)، فكلُّ من يحرُم على الرجلِ أن ينظرَ إلى عورته يجبُ عليهِ الاستئذانُ، وإن كانَ أباهُ وأمَّهُ.\n* واختلف السَّلَفُ هَلْ يُقَدَّمُ الاستئذانُ على السَّلامِ، أو يقدَّمُ السلامُ على الاستئذان؟\nفقال قومٌ: يقدمُ الاستئذانُ؛ كما وردَ في القرآنِ (٤)، والاستئناسُ هو الاستئذانُ، وكان ابنُ عباسِ -رضيَ الله تعالى عنهما - يقرأ: (حَتّى تستأذنوا) (٥)، وأما ما رُوي عنه أنه قالَ: أخطأَ الكاتبُ، إنما هو\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٨٩١)، كتاب: الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم (٢١٥٣)، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان، عن أبي سعيد الخدري.\n(٢) مِدْرى: المِدراة: حديدة يسرح بها الشعر، وقد درت شعرها درى. \"الفائق في غريب الحديث\" للزمخشري (١/ ٤٢١).\n(٣) رواه البخاري (٥٨٨٧)، كتاب: الاستئذان، باب: الاستئذان من أجل البصر، ومسلم (٢١٥٦)، كتاب: الآداب، باب: تحريم النظر في بيت غيره.\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٤٦)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٥١١).\n(٥) قرأ بها ابن عباس، وابن مسعود، وأُبي، وسعيد بن جبير. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ٨٧)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ٥٩)، و\"المحتسب\" لابن جني (٢/ ١٠٧)، و\"تفسير الرازي\" (٢٣/ ١٩٦)، و\"تفسير القرطبي\" (١٢/ ٢١٣)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٦/ ٤٤٥). وانظر: \"معجم القراءات القرآنية\" (٤/ ٢٤٦).","vol":"4","page":67},{"text":"تستأذِنوا (١)، فخطأٌ مَحْضٌ؛ لإجماع الأمةِ على حفظِ كتاب اللهِ جَلَّ ثنَاؤهُ من الخَطَأ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكما قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، ومعاذَ اللهِ سبحانَهُ أن يصح هذا عن الحبْرِ الترجُمانِ.\nوقال قومٌ: يقدمُ السلامَ، فيقولُ: السلامُ عليكُم، أَأَدْخُلُ (٢)؟ فقال بعضُ هؤلاءِ: معنى يستأنسوا: أي: يطلُبوا الاستئناسَ بالتَّنَحْنُحِ أو التسبيحِ أو التكبيرِ حَتَّى تنظُروا هلْ في الدارِ أحدٌ يأذنُ لكم؟ مُقْتَصٌّ هذا من قولِ الله تعالى: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠].\nوقال بعضُهم: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: حَتَّى تسُلِّموا وتستأذنوا، واستدلُوا بما روى أبو داودَ في \"سننه\" عن رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ قال: حدثنا رجلٌ من بني عامرٍ استأذَنَ على النبيِّ - ﷺ -، وهو في بيتٍ، فقال: أَأَلِجُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - لخادمِه: \"اخْرُجْ إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عليكُمُ، أَأَدخلُ؟ \"، فسمع الرجلُ، فقال: السلامُ عليكمُ، أأدخلُ؟ فأذنَ لهُ النبيُّ - ﷺ -، فدخل (٣)، قال النوويُّ: وإسنادُهُ جيدٌ (٤).\nواستدلُّوا أيضًا بما خَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن كَلَدَةَ بنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ\n_________\n(١) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٤٩٦)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٨٥٣)، وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٧١).\n(٢) واختاره المازري من الشافعية، كما في \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٢٧)، وانظر: \"كشاف القناع\" للبهوتي (٢/ ١٥٩)، و\"جامع الأمهات\" لابن الحاجب (ص ٥٦٧).\n(٣) رواه أبو داود (٥١٧٧)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٥٦٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٠).\n(٤) في المطبوع من \"رياض الصالحين\" (ص: ٢٢٤) قال النووي: \"رواه أبو داود بإسناد صحيح\".","vol":"4","page":68},{"text":"صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ بعثَ (١) بِلِبَأ (٢) وجِداية (٣) وضَغابيسَ (٤) إلى النبيِّ - ﷺ -، والنبيُّ في أعلى الوادي، قال: فدخلتُ عليه، ولم أسلِّمْ، ولم أستأذنْ، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عليكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ \" (٥)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ.\nوقال بعضُهم: إن وقعَ نظرُ المستأذِن على صاحِبِ المنزلِ، قَدَّمَ السَّلامَ، وإنْ لم يقعْ، قَدَّمَ الاستئذانَ، وقدَّمَ هذا القولَ أَقْصَى القُضاة الماورديُّ من الشافعيةِ بعدَ أَنْ حَكى ثلاثةَ أَوْجُهٍ للشافعية (٦)، واختارَ النوويُّ الثانيَ (٧)، وهو كما اختارَ؛ لبيانِ النبيِّ - ﷺ -، ونَصِّهِ عليه.\n* فإن قلتُم: فهلْ هذا الحكمُ عامُّ في الأَحرارِ والعبيدِ، أو خاصٌّ بالأحرارِ؟\nقلتُ: هو خاصٌّ بالأحرارِ، وأما العبيدُ، فقد أفردَ اللهُ سبحانَه استِئْذانهم\n_________\n(١) في \"ب\": \"بعثه\".\n(٢) اللِّبأ: كعِنَب، أول اللبن في النّتاج. \"مختار الصحاح\" (مادة: لبأ).\n(٣) جداية: هي ولد الظِّباء، ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، ذكرًا كان أو أنثى، بمنزلة الجدي من المعز. \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (١/ ٢٤٨).\n(٤) ضغابيس: الضُّغْبُوس: بوزن العصفور، والضَّغابيس: صغاء القثاء. \"مختار الصحاح\" (مادة: ضغبس).\n(٥) رواه أبو داود (٥١٧٦)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ والترمذي (٢٧١٠)، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم قبل الاستئذان، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤١٤)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٨١)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٧٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٣٩).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٧) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٤/ ١٣١)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٥١١).","vol":"4","page":69},{"text":"في آية أخرى، وسيأتي بيانُه -إن شاء الله تعالى -.\n* وسَن رسولُ اللهِ - ﷺ - المُصافَحَةَ بفعلِه وقولِه وإقرارِه، وادَّعى النوويُّ الإجْماعَ على استِحْبابها (١).\n* ومفهومُ هذا الخطابِ أن الرجلَ إذا دخلَ بيتًا هو بيتُه أنه لا يستأذِنُ، ولا يسلِّمُ، فأما الاستئذانُ فالحكمُ فيه كذلكَ، وأما السلامُ فإنه يُسْتَحَبُّ للرجلِ أن يسلمَ على أهلِه إن كانَ ذا أهلٍ، وإن لم يكنْ له أهل، فيستحبُّ أن يقولَ: السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحين (٢)؛ لإطلاقِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وهذه الآيةُ تبينُ أن التقييدَ جيءَ به لأجلِ الاستئذانِ، لا لأجلِ السلام.\nورويَ عن قتادَةَ ومجاهدٍ: أنهما قالا: إذا دخلتَ بيتًا ليسَ فيه أَحَدٌ، فقلِ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (٣).\n* وبينَ النبيُّ أنَّ الخارجَ المُفارق يُشْرَعُ لهُ السلامُ كالدَّاخلِ.\nخَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن أبي هُريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا انْتَهى أَحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أَرادَ أن بقومَ، فيسلِّمُ، فليسَتِ الأُولى أَحَقَّ من الآخِرَةِ\" (٤)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.\n_________\n(١) انظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٥١٥)، و\"الأذكار\" للنووي (ص ٢٠٩).\n(٢) روي عن قتادة وعكرمة ومجاهد، انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٦٧)، و(٨/ ٢٦٥٠ - ٢٦٥١)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٣٥٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢١٩).\n(٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٤٥١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٦٥٠).\n(٤) رواه أبو داود (٥٢٠٨)، كتاب: الأدب، باب: في السلام إذا قام من المجلس، =","vol":"4","page":70},{"text":"* وبين النبيُّ - ﷺ - أن سلامَنا الذي هو تحيةٌ من عندِ اللهِ مباركَةٌ طيبةٌ خاصٌّ بنا دُونَ غيرنا؛ كما قيدُه الله سبحانه.\nفروينا في \"صحيح مسلم\" عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"لا تَبْدَؤوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحدَهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ\" (١).\nواختلفَ الشافعيةُ هلْ هذا النهيُ على التحريمِ، أو الكراهةِ؟ والصحيحُ عندَ أكثرِهم التحريمُ (٢).\nولو سَلَّمَ على رجلٍ ظَنَّهُ مسلِمًا، فبانَ كافِرًا، استردَّ سلامَهُ؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، وبهذا عملتِ الشافعيةُ (٣).\nوقالَ مالكٌ: لا يستقيله (٤) (٥).\n_________\n= والترمذي (٢٧٠٦)، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٣٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٩٦).\n(١) رواه مسلم (٢١٦٧)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟.\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٣٩ - ٤٠).\nوهو مذهب الحنابلة، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٩٥)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٣/ ١٢٩)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (١/ ٦٦٤)، وانظر: أيضًا \"مواهب الجليل\" للحطاب (١/ ٤٥٩).\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٤/ ٥٠٨)، و\"الأذكار\" للنووي (ص ٢٠٠)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٤٦)، وهو مذهب الحنابلة، انظر: \"الفروع\" لابن مفلح (٦/ ٢٤٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٣/ ١٣٠).\n(٤) في \"أ\": \"يسترده\".\n(٥) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٩٦٠).","vol":"4","page":71},{"text":"* ثم لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قيلَ: يا رسول الله! أفرأيتَ الخاناتِ والمساكنَ في الطُّرقات ليسَ فيها مساكنُ؟ فأنزل الله سبحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]: منفعة لكم (١).\nويؤخَذُ من هذا أن للرجلِ أن يأخذَ وينتفعَ بما تركَهُ الناسُ رغبةً عنهُ، أو بما يعلمُ أنهم يرضونَ بالانتفاعِ به في العادةِ، والله أعلمُ.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ١٩ - ٢٥)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١١٧٥).","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>(من أحكام النظر)</span>\n٢٠٩ - (٩) قوله ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].\n* أمر اللهُ سبحانه نبيَّه محمدًا - ﷺ - أن يأمرَ المؤمنينَ بِغَضِّ البصرِ عَمّا لا يَحِلُّ؛ لما في النظر من خشيةِ الوقوع في المَحْظور، فبينَ عن اللهِ سبحانَهُ ما أمرَهُ بهِ، فأخذ بذقَنِ الفَضْل بنِ العبّاسِ يُميل وَجْهَهُ عنِ النظرِ إلى الخَثْعَمِيَّةِ التي استَفْتَتْهُ لما نظرَ إليها (١).\n* وقد أجمعَ المسلمون على تحريمِ النظرِ إلى الحُرَّةِ الأجنبيةِ التي تُشْتَهى، فيما عدا الوجهَ والكفينِ، وعلى تحريمِ النظرِ إليهما عند خوفِ الفتنةِ، وعلى جوازِ النظرِ إليهما عندَ الحاجةِ، وعندَ إرادةِ نِكاحها (٢)، بل قالَ قومٌ: يستحبُّ؛ لورودِ السُّنَّةِ بذلك.\nواختلفوا في تفصيلِ المنظورِ منها، وفي جوازِ النظرِ إلى الوجهِ والكفينِ في غير هاتينِ الحالتين وَجْهانِ للشافعية، أصحُّهما عندَ المتقدمينَ الجوازُ،\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٧٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٤/ ٣٠ - ٣١)، (٣/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"4","page":73},{"text":"والمختارُ عندَ متأخِّريهم التحريمُ (١)، وهو الصوابُ، وما سواهُ خطأٌ، وسيظهرُ لكَ بيانُ خَطَئِه في الآيةِ التي تليه.\nفأما المرأة إذا كانَتْ مَحْرَمًا، فسيأتي الكلامُ عليها، وكذا التي لا تشتهى لِكِبَرٍ، وسيأتي الكلامُ عليها عند قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠].\nوأَمَّا التي لا تُشْتهى لصغرٍ، فإنه لا يحرمُ النظرُ إليها فيما دُونَ سَبْعِ سنينَ.\nوفي تحريمِ النظرِ إلى فرجِ الصغيرةِ التي لا تَمييزَ لها خلافٌ عندَ الشافعيةِ أيضًا، والأَصَحٌّ التحريمُ (٢).\n* * *\n\n٢١٠ - (١٠) قوله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].\nأقولُ: أمرَ اللهُ سبحانه المؤمناتِ بغَضِّ أبصارِهن كالمُؤمنين، فلا ينظرْنَ إلى الرجالِ الأجانبِ، وهذا الأمرُ على الوجوبِ على الصَّحيحِ من الوَجْهين\n_________\n(١) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٢٩).\n(٢) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٤).","vol":"4","page":74},{"text":"عندَ الشافعيةِ (١)، ويدلُّ عليهِ قولُه - ﷺ - أزواجِهِ لَمَّا اعتذَرْنَ بأنَّ الرجلَ أعمى: \"أَفَعَمْياوانِ أَنْتُما؟ أَلَسْتُما تُبْصِرانِهِ؟ \" (٢).\nوحملَ بعضُهم الأمرَ على الاستحبابِ (٣)، واستدلَّ بما خَرَّجَه البخاري ومسلمٌ من حديثِ فاطمةَ بنْتِ قَيْسٍ؛ حَيْثُ أَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: \"تِلْكَ امرأَةٌ يَغْشاها أَصْحابي، اعْتَدِّي عندَ ابن أمِّ مكتومٍ؛ فإنُه رجلٌ أَعْمى، تَضَعينَ ثيابَكِ عندَهُ\" (٤)؛ وحمل الآية والحديث على النظر إلى ما لا يَحِلُّ من العَوْراتِ، أو على الاحتياطِ.\nوالدلالة في حديثِ فاطمةَ ضعيفةٌ؛ فإنه لا يدلُّ على أنه أذِنَ لها أن تَنْظُرَ إليه، بَلْ عَلَّلَ النبيُّ - ﷺ - ذلكَ بأَمْنِها عندَ رؤيتِه عندَ تَكَشُّفِها؛ لكونه أعمى، فيزولُ عنها مَشَقَّةُ التَّحَرُّزِ.\n* ثم نهى اللهُ سبحانَه المؤمناتِ عن إبداءِ زينتهنَّ إلَّا ما ظهرَ منها: وذلك يحتملُ أن يريدَ بالزينةِ ما تَلْبَسُ من الحُلِيِّ تحتَ الثيابِ؛\n_________\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٣٢)، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٨٠ - ٨١).\n(٢) رواه أبو داود (٤١١٢)، كتاب: اللباس، باب: في قوله - ﷿ -: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، والترمذي (٢٧٧٨)، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢٩٦)، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٨٤٨)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٦٩٢٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٥٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩١)، عن أم سلمة.\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(٤) تقدم تخريج حديث فاطمة بنت قيس.","vol":"4","page":75},{"text":"كالقُرْطِ (١) والدُّمْلُجِ (٢) والخَلْخالِ، وما يُلْبَسُ فوقَها من الثيابِ، وهو الذي يظهرُ من الزينةِ (٣).\nوقد سَمَّى اللهُ سبحانَه الثيابَ زينة فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ويكون على هذا التأويلِ بدنُها عَوْرَةً.\nويحتمل أن يريدَ بالزينةِ جملةَ البَدَنِ (٤).\nثم استثنى اللهُ سبحانَه أعضاءً مَخْصوصَةً، وقد فَسَّرَها ابنُ عباسٍ وعائشةُ بالوَجْهِ والكَفَّيْنِ (٥).\n* فإن قلتَ: فمقتضى هذهِ الآيةِ على هذا التفسيرِ أنه يجوزُ للنِّساء كشْفُ وُجوهِهِنَّ وأيديهِنَّ، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوزُ للقواعِدِ أن يضعن ثيابَهُنَّ عَمّا عدا الوجه والكفين، وإنما رفعَ اللهُ الجُناحَ عنهنَّ في الوجهِ واليدين (٦)،\n_________\n(١) القُرط: هو الذي يعلق في شحمة الأذن، والجمع قِرَطة وقِرَاط. \"مختار الصحاح\" (مادة: قرط).\n(٢) الدُّخْلُج: والدُّمْلُوج: المعْضِد من الحُلُيّ. \"لسان العرب\" (مادة: دملج).\n(٣) وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس وقتادة ومجاهد والحسن، انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١١٧ - ١١٩)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٥٧٣ - ٢٥٧٤)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(٤) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٣٣٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٧٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٢٥٧٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٦٧)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (١/ ٢٢٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٨٠).\n(٦) في \"ب\" زيادة: \"والكفين\".","vol":"4","page":76},{"text":"وهذا يدلُّ على أن الجُناحَ باقٍ في غيرِ القواعدِ (١).\nقلتُ: المرادُ بهذهِ الآيةِ النهيُ لهنَّ عن إبداءِ زينتِهِنَّ، وإباحةِ ما ظهرَ منها عندَ الحاجَةِ، فأباحَ اللهُ تَعالى لهنَّ كَشْفَها في هذهِ الحالِ للحاجةِ الداعيةِ إلى كَشْفِها؛ كما وردَ من كَشْفِها في حالةِ الإِحْرامِ والصَّلاةِ، وكما تكشفُ عندَ البيعِ والشِّراءِ وتَحَمُّلِ الشهادةِ وغيرِ ذلكَ من الأمورِ، والمرادُ بآيةِ القواعدِ كَشْفُها في حالةِ الاختيارِ، فرفعَ اللهُ سبحانَهُ الجُناحَ في هذهِ الحالةِ من القواعدِ، وأن يَسْتَعْفِفْنَ فلا يُبْدينَها خيرٌ لهنَّ، ولم يرفع الحرجَ في غيرِ القواعِدِ، ولم يزلْ عملُ الناسِ على ذلك قديمًا وحديثًا في جميعِ الأمصارِ والأقطارِ، فيتسامحون للعجوزِ في كَشْفِ وَجْهِها، ولا يتسامَحون للشابَّةِ، ويرونَهُ عورة مُنْكَرًا.\nوقد تبينَ لكَ وجهُ الجَمْعِ بين الآيتينِ، ووَجْهُ الغَلَطِ لمنْ أباحَ النظرَ إلى وَجْهِ المرأةِ لغيرِ حاجةٍ، والسَّلَفُ كَمالكٍ، والشافعيُّ، وأبي حنيفةَ، وغيرِهم لم يتكلَّموا إلا في عَوْرَةِ الصَّلاةِ، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ: ما عَدَا الوَجْهَ والكفينِ (٢)، وزادَ أبو حنيفةَ القَدَمَيْن (٣)، وما أَظُنُّ أحدًا منهم يُبيحُ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٩٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٧٨)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ١٣)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٤)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٢٩).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٦٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٢٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (١/ ١٨٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٨٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ١٩٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٤٩)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (١/ ٢٢٦).\n(٣) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٤٣ - ٤٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ١٢١).","vol":"4","page":77},{"text":"للشابَّةِ أن تكشِفَ وَجْهَها لغيرِ حاجَةٍ، ولا يُبيحُ للشابِّ أن ينظرَ إليها لغيرِ حاجَةٍ، والله أعلمُ.\nولا بُدَّ من مزيدِ كلامٍ هناك -إن شاءَ اللهُ تعالى-.\n* فإن قلتَ: فهل تدخلُ الإماءُ معَ الحرائِرِ في هذا الحُكْمِ؛ لأنهنَّ من جُمْلَةِ المُؤمنات، أو لا؛ لأنهنَّ من أهلِ الحاجاتِ والخِدْمَةِ، فلا تكونُ عورتُهُنَّ كعورةِ الحرائرِ؟\nقلنا: للشافعيةِ في الأَمَةِ ثلاثَةُ أوجُهٍ:\nأحدها: أَنَّها كمثِلها.\nوالثاني، وهو مذهبُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن عورتَها كعورةِ الرَّجُل.\nوالثالث: عورتُها ما لا يبدو حالَ المِهْنَةِ (١).\n* ولما كانَ رأسُ المرأةِ وعُنقُها يظهرُ في حالِ المهنةِ، أمرَ اللهُ سبحانَه النساءَ بسَتْرِه، وبَيَّنَ أنه ليسَ مُرادًا بالاستثناء، فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nقالتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها -: يرحَمُ اللهُ النساءَ المُهاجراتِ الأُوَلَ؛ لَمّا أنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى\n_________\n(١) انظر: \"المجموع\" للنووي (٣/ ١٧١)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٢٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٢٩).\nوعند الحنابلة والمالكية: أنها كعورة الرجل، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٥١)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (١/ ٢٦٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (١/ ٢١٥).\nوعند الحنيفة: أنها كعورة الرجل، وتزيد عليه الظهر والبطن، انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٤٤).","vol":"4","page":78},{"text":"جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، شَقَّقْنَ مُروطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ به (١).\n* ثم استثنى اللهُ سبحانَهُ أصنافًا منَ الناسِ:\nفاستَثْنى الزوجَ وكيرَهُ منَ المَحارمِ بالنَّسَبِ والمُصاهَرَةِ، وفَرَّقَ بينَهُم، وإن كانَ تفصيلُ الإبداءِ في حَقِّهِم مُخْتَلِفًا، فيجوزُ للزوجِ أن ينظرَ (٢) إلى جميعِ بَدَنِها، ولا يَجوزُ للمَحْرَمِ إلَّا ما فوقَ السُرَّةِ وتَحْتَ الرُّكْبَةِ.\nواستثنى أيضًا نساءَهُنَّ، فاقتضى الخطابُ بِمَفْهومه أنه لا يجوزُ لهنَّ أنْ يبدينَ زينتَهُنَّ لغيرِ نِسائهنَّ، وهُنَّ المُشْركاتُ غيرُ المؤمناتِ، وهو كذلكَ على الأَصَحِّ منَ الوَجْهَيْنِ (٣)، واختارَ الغزاليُّ أنهنَّ كالمُسلماتِ (٤)، وهو ضعيفٌ مُخالِفٌ للمفهوم (٥)، ولِما رويَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - أنه كتبَ إلى أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه بَلَغَني أَنَّ نِساءً من نِساءِ المُسلمين يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ، ومعهنَّ نساءُ أهلِ الكتاب، فامنعْ ذلكَ، وحُلْ دُونَهُ (٦).\nوفي روايةٍ أُخْرى: فإنَّه لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر أنْ ينظُرَ إلى عَوْرَتها إلَّا أَهْلُ مِلَّتِها (٧).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٤٨٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.\n(٢) في \"ب\": \"النظر\".\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٨٠)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٧٦)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٣١ - ١٣٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٣٣)، و\"حاشية رد المحتار\" لابن عابدين (٦/ ٣٧١).\n(٤) انظر: \"الوسيط\" للغزالي (٥/ ٣٠).\n(٥) في \"أ\": \"للعموم\".\n(٦) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٣٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥).\n(٧) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥)، عن الحارث بن قيس.","vol":"4","page":79},{"text":"ومرادُ عُمرَ العَوْرَةُ الصُّغْرى، ويدلُّ عليهِ ما رُويَ عن مجاهدٍ أنه قالَ: لا تَضَعُ المسلمةُ خمارَها عندَ مشركةٍ (١).\nواستثنى أيضًا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُن، وهو عامٌّ في الإِماءِ والعَبيد، وهو كذلكَ على الأَصَحِّ المنصوص (٢)، وخَصَّهُ بعضُهم بالإماءِ دُونَ العبيدِ، وحملَه على الإماءِ الكتابِيّات، وبه قالَ بعضُ الشافعيةِ (٣)، وهو مردودٌ؛ لقولِ النبيِّ - ﷺ - لفاطمةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- لمَّا سَتَرَتْ رأسَها: \"إنَّهُ ليسَ عليكِ بَأْسٌ، إنَّما هُوَ أبوكِ أَوْ غُلامُكِ\" (٤).\nواستثنى التابعينَ غيرَ أولي الإِرْبَةِ منَ الرِّجالِ، قالَ ابنُ عباسٍ: هو الرجلُ يتبعُ القومَ، وهو مُغَفلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ النساءَ، ولا يَشْتَهيهِنَّ (٥).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥)، وسعيد بن منصور وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ١٨٣).\n(٢) انظر: \"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ١٢)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٢٥)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٤ - ٣٥)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٣٠)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٧٥)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (١٦/ ٢٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، وخالف في ذلك الحنفية، انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٨٧).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ١٢٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٧١).\n(٤) رواه أبو داود (٤١٠٥)، كتاب: اللباس، باب: في العبد ينظر إلى شعر مولاته، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٣/ ٣٠٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١٧١٢)، عن أنس بن مالك.\n(٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٥٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٦)، وهذا لفظ البيهقي.","vol":"4","page":80},{"text":"وعنِ الحَسَنِ نَحْوُ هذا (١).\nوفي معناهُ الشَّيْخُ المُسِنُّ الذي قَدْ فَقَدَ اللَّذَّةَ، والمَمْسوحُ، وهو كذلكَ على الصَّحيحِ منَ الوَجْهين، ومقابلُهُ ضعيفٌ لا وَجْهَ له (٢).\nوأَمّا ذو الإِرْبَةِ كالخَصِيِّ والمَجْبوبِ الذي بَقي خُصْياهُ، والعِنِّينِ والمُخَنَّثِ، فإنهم كَفُحولِ الرجالِ (٣).\nواستثنى الطِّفْلَ الذينَ لم يَظْهَروا على عَوْراتِ النساءِ، وعلى هذا أجمعَ المسلمونَ، ومَفْهومُ هذا الخطابِ أن المُراهِقَ الذي قَدْ ظَهَرَ على عوراتِ النساءِ، وتحرَّكَتْ شَهْوَتُهُ، واسْتَقْوَى عليها أَنَّه خارجٌ من المُسْتَثْنى، فلا يجوزُ للنساءِ الكَشْفُ عندَهُ، وهو كذلكَ عَلى أَصَحِّ الوَجْهين عندَ الشافعيةِ، والثاني يجوزُ التكشُّفُ عندَهُ (٤)؛ كما يجوزُ له الدخولُ بغيرِ استِئْذان إلَّا في الأوقاتِ التي ذكرها (٥) اللهُ تعالى.\nوهذا الاستدلالُ باطِلٌ؛ لأن الاستئذانَ في حَقِّه أَدَبٌ، وهو حكمٌ معلق بهِ، والسترُ واجبٌ، وهو حكمٌ معلقٌ بالنِّساء.\n_________\n(١) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٦)، والجصاص في \"أحكام القرآن\" (٥/ ١٧٦)، وروى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧١٨٩) عن الحسن أنه قال: هو الذي يقولون: أحمق.\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٧٩)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ١٢)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٢٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٧١)، و\"الوسيط\" للغزالي (٥/ ٣٢ - ٣٣)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٣)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٢٨).\n(٣) انظر: المراجع السابقة.\n(٤) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٢٢)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٣٠)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ١٢٣).\n(٥) في \"أ\": \"كرهها\".","vol":"4","page":81},{"text":"* ثم نَهاهُنَّ اللهُ سبحانَه عن الإعلام بزينتهِنَّ الخَفِيَّةِ؛ لكَيْلا يُمِلْن الرجالَ، فيؤدِّي إلى الافتتان بهنَّ، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ وهذا النهيُ للتحريم، ويدلُّ عليهِ قولُه - ﷺ -: \"صنفانِ من أهلِ النارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهمْ سِياطٌ كأَذنْابِ البَقَرِ يُعَذِّبونَ بِها الناسَ، ونساءٌ كاسِيات عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ (١)، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسيرةِ كَذا وكَذا\" (٢).\n_________\n(١) كأسنمة البخت المائلة: شبه رؤوسهن بأسنمة البخت؛ لكثرة ما وصلن به شعورهن حتى صار عليها من ذلك ما يفيِّئُها أي: تركها خيلاء وعُجبًا، وهو من شعار المغنيات. \"لسان العرب\" (١/ ١٢٥) و(١٢/ ٣٠٦).\n(٢) رواه مسلم (٢١٢٨)، كتاب: اللباس والزينة، باب: النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، عن أبي هريرة.","vol":"4","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>(من أحكام النكاح)</span>\n٢١١ - (١١) قوله ﷿: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].\n* أقول: أمرَ اللهُ سبحانَه أن نُنْكِحَ الأيامى إذا جاءنا خاطِبٌ لَهُنَّ، ورَغِبْنَ إليه إذا كان كُفُؤًا لهنَّ، والأمرُ في هذا على الحَتْمِ والوُجوبِ، فواجِبٌ علينا أن نُنْكِحَهُنَّ، فإنِ امتنعَ أَحَدٌ، أَجْبَرَهُ السُّلطانُ (١).\nرُويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: \"إذا جاءكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دينه وأَمانَتَهُ، فَزَوِّجوهُ، إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسادٌ عريضُ\" (٢)، أو كَما قالَ.\nوبينَ النبيُّ - ﷺ - أَنَّ الأَيِّمَ لا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْمَر (٣).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٣٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٧٨)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٣٤).\n(٢) رواه الترمذي (١٠٨٤)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء: إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، وابن ماجه (١٩٦٧)، كتاب: النكاح، باب: الأكفاء، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٤٤٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٦٩٥)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٦٠)، عن أبي هريرة.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":83},{"text":"* وفي الآيةِ دلالةٌ ظاهرةٌ على إثباتِ الولاية (١) للأَوْلياء؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه لم يأمرهُمْ أن يفعلُوا شيئًا لا يستحقُّونه، ولو كانَتْ عُقْدَةُ النِّكاحِ بيدِ النساء، لما وردَ الأمرُ مضافًا إلا لهنَّ.\n* وفي الآيةِ دلالةٌ على أنه لا ولايةَ للمؤمن على الأَيِّم الكافِرَةِ؛ لمفهومِ التقييد بنا، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].\n* وبينتِ السنَّةُ أيضًا أنه لا ولايةَ لِكافِرِ على مُسلمةٍ، فقد زَوَّجِ أبو سعيدِ بنُ العاصِ أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ منَ النبيِّ - ﷺ -، وأبو سُفيان حَيٌّ؛ لأنها كانتْ مسلمةً يومئذٍ (٢).\nويحتملُ أن التقييدَ مختصٌّ بوصفِ الأحرارِ؛ بدليلِ ذكرِ اللهِ سبحانَهُ للعبيدِ والإماءِ بعدَ التقييد.\n* ثم أمرَنا اللهُ سبحانَهُ بإنكاحِ الصالحينَ منَ العبيدِ والإماءِ: فيحتمل أن يكونَ الأمرُ في هذا على الحَتْمِ، فيجبُ على الساداتِ تزويجُ العبيدِ الصالحين إذا طَلَبوا النكاحَ (٣)؛ لما فيه من العِفَّةِ لهم، وتحصينِهم من الوقوعِ في الزنى، ودفعِ مَعَرَّةِ الشهوةِ عنهم.\nويحتملُ أن يكونَ على الاختيارِ والنَّدْبِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافعيُّ في الصحيحِ من قوليهِ (٤)؛ لقوَّةِ التصرفِ في المملوكاتِ، ولأنه لا فرقٌ بينَهُمْ\n_________\n(١) في \"أ\": \"الأولوية\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) وهو قول الحنفية والحنابلة، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٤٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٥/ ٤٨٩)، و\"شرح منتهى الإرادات\" للبهوتي (٢/ ٦٣٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٣٧).\n(٤) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٤٢٥)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ١٣٣)، و\"الأم\" للشافعي (٥/ ٤١)، و(٥/ ١٤٢ - ١٤٣)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٦).","vol":"4","page":84},{"text":"وبَين الإماءِ، ولا يجبُ على الساداتِ إنكاحُ إمائِهم اتِّفاقًا، فكذلكَ العبيدُ.\nقالَ الشافعيُّ: ولم أعلمْ دليلًا على إيجابِ إنكاحِ صالحِ العبيدِ والإماءِ كَما وجدْتُ الدلالةَ على إنكاحِ الحرائرِ مطلقًا، فأَحَبُّ إليَّ أَنْ ينكحَ من العبيدِ والإماء صالِحوهم خاصَّةً، ولا يتبينُ لي أن يُجْبَرَ أحدٌ عليه، ولأنَّ الآيةَ محتملٌ أن تكونَ فيها الدلالةُ على الاختيار، لا على الإيجاب (١).\n* وتخصيصُ اللهِ سبحانه بهذا الحكم ذوي الصَّلاحِ يقتضي إخراجَ ذوي الفسادِ والمشركين، سواءٌ قلْنا بالوجوبِ أو الاستحبابِ (٢)، وهذا بَيِّنٌ؛ إذ ليس للمشركِ على المسلمِ حقٌّ، ولا سيما المملوكِ، ولِما فيه من عدم اكتراثِه بالمعصيةِ، وعدم إلزامِه لأحكامِ الإسلام.\n* فإن قلتم: فهل يقتضي هذا التقييدُ أن المسلمَ لا يُنْكِحُ أَمَتَهُ الكافِرَةَ؟\nقلنا: لا؛ لأن الخِطاب إنما سيقَ لبيانِ ما يتوجَّهُ على الساداتِ للعبيدِ، لا لبيانِ ما يتوجَّه للساداتِ على العبيد، وقد دَلَّتِ الآيةُ بطريق الإشارةِ على أنّه يمنع العبدُ أن ينكحَ بغيرِ إذنِ سيدِه، وإلا لَما أمرَ اللهُ سبحانَه السيدَ بإنكاحه.\nوقد بينَ النبيُّ - ﷺ - هذا الحكمَ عنِ اللهِ سبحانَهُ، فروى ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عن النبيِّ - ﷺ -: \"إذا نَكَحَ العبدُ بغيرِ إذنِ سَيِّدِهِ فَنِكاحُهُ باطلٌ\" (٣)، وعن جابرٍ إما مرفوعًا أو موقوفًا: \"أيُّما مملوكٍ تَزَوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِهِ، فهو عاهِرٌ\" (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٤١).\n(٢) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٤٠).\n(٣) رواه أبو داود (٢٠٧٩)، كتاب: النكاح، باب: في نكاح العبد بغير إذن سيده، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٧)، عن عبد الله بن عمر.\n(٤) رواه أبو داود (٢٠٨٩)، كتاب: النكاح، باب: في نكاح العبد بغير إذن سيده، =","vol":"4","page":85},{"text":"وعلى هذا الحكمِ أجمعَ المسلمونَ (١)، هذا إذا أطلَقْنا الأيامى على النِّساءِ، وحملْنا الإنكاحَ على إيجابِ النكاحِ عليهِنَّ، وعلى العبيدِ والإماءِ، وأما إذا أطلقنا الأيامى على الرجالِ والنِّساءِ، وحملْنا الإنكاحَ على إيجابِ النِّكاح؛ للخطاب، فإنه يدلُّ على وجوبِ إجابةِ الخاطبِ المؤمنِ، وإن كانَ عبدًا، إذا كان صالحًا، وأنَّ الكفاءةَ غيرُ معتبرةٍ إلَّا في التقوى، وبهذا قالَ مالكٌ -رحمهُ اللهُ تَعالى - (٢)، وسيأتي القولُ عليهِ في \"سورةِ الحجراتِ\" - إنْ شاءَ اللهُ تعالى -.\n* * *\n\n٢١٢ - (١٢) قوله جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا\n_________\n= والترمذي (١١١١)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٠٠)، والطيالسي في \"مسنده\" (١٦٧٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٩٧٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٨٦٢)، والدارمي في \"سننه\" (٢٢٣٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٦٨٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٢٧).\n(١) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٧٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٤٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٥/ ١٤١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٤٨)، و\"الأم\" للشافعي (٥/ ٤١)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٣/ ١٧١)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٢١٥)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٢/ ٢٣٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥١٣).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٣/ ٢٧٨) و\"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ١٨٨)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٣٤١).","vol":"4","page":86},{"text":"عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].\n* أقول: يحتملُ أن تكونَ (حَتَّى) للتعليلِ، والمعنى: ولْيَطْلُبِ العِفَّةَ الذين لا يَجِدونَ نِكاحًا بالاكتسابِ؛ لكي يُغْنيهم اللهُ من فضلهِ، فحينئذٍ يحصلُ الوعدُ من اللهِ بالغنى في طَلَبِ النكاحِ للعفَّةِ، ويكون الأمرُ على الاسْتِحْباب.\nوالظاهرُ أن الأمرَ للوُجوبِ، وأنَّ (حتى) للغايةِ، فأمرَ اللهُ سبحانَهُ عبادَه الذين لا يَجِدون نِكاحًا أَنْ يَسْتَعْفِفُوا، فيَحْفظوا فُروجَهم عن الزنى إلى أن يُغْنِيَهم اللهُ من فضلهِ، ويكون مفهومُ الغايةِ أنَّ اللهَ سبحانَهُ إذا أَغْناه، فلا يَسْتَعْفِفْ، بل يطلبُ النكاحَ.\nوقد بينَ النبيُّ - ﷺ - ذلك.\nروينا في \"الصحيحين\" عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- قال: قالَ لنا رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"يا مَعْشَرَ الشَّبابِ! منِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيتَزَوَّجْ؛ فإنَّهُ أَغَضُّ للبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ (١) \" (٢) ولهذا قالَ جماعةٌ: النكاحُ أفضلُ من التَّخَلِّي للعبادَةِ (٣).\n_________\n(١) الوجاء: أن تُرضَّ أنثيا الفحل رضًّا شديدًا، يُذهب شهوة الجماع، ويتنزل في قطعة منزلة الخصي، أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوِجاء.\n\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٥/ ١٥١).\n(٢) رواه البخاري (١٨٠٦)، كتاب: الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، ومسلم (١٤٠٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.\n(٣) وهو قول الحنفية، انظر: \"شرح فتح القدير\" للكمال بن الهمام (٣/ ١٨٨)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٤)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٣٤١).","vol":"4","page":87},{"text":"* ثم أمرَ اللهُ ﷾ الساداتِ بِمُكاتَبَةِ مَماليكِهِم إذا ابْتَغَوْها، وعلِموا فيهم خيرًا، وقد اشتملَ أمرُ اللهِ تَعالى فيه على ثلاثةِ أحكامٍ:\nالحكم الأول: أمرُ اللهِ تَعالى بالكِتابة: من أهلِ العلمِ مَنْ أطلقَه على الوُجوبِ والحَتْمِ، وهو قولُ عَطاءٍ (١)، وأبي حنيفةَ، وبعضِ المالكيةِ (٢)، وحَمَلهُ الجُمهورِ على النَدْب (٣)؛ لأنَّه لا يجبُ على السيِّدِ أن يعتقَ مملوكَه، ولا أن يبيعَهُ، والكتابةُ عِتْقٌ أَو بَيْعٌ، وإلى هذا ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ (٤).\nالحكم الثاني: الخيرُ لفظٌ مشتركٌ يقع على الخِيار، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧].\nويقع على المال، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨].\nويقع على الصَّلاح، قال اللهُ تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٣٨١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٤٥).\n(٢) الذي قال بالوجوب أهل الظاهر وعطاء، انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٢٢٢)، وانظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ٢٥٣)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (٤/ ١٣٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٨٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٣٧٩)، و\"مواهب الجليل\" للحطاب (٦/ ٣٤٤).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٣٣٣)، و\"كشاف القناع\" للبهوتي (٤/ ٥٠٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٨/ ١٤٠)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٩)، و\"مغني المحتاج\" للشربيني (٤/ ٥١٦).\n(٤) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٣/ ٣٦٩)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٨/ ١٤١، ١٤٢).","vol":"4","page":88},{"text":"تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].\nويقعُ على المنفعةِ، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، أي: منفعةٌ وأجرٌ.\n* وقد اختلف أهلُ العلم بالقرآنِ في المرادِ بالخيرِ هنا: فقال قومٌ: هو الصَّلاحُ والدِّينُ (١).\nوقال جُمهورُهم: هو المالُ، قال عبدُ الملكِ بنُ جُرَيْجِ: قلتُ لعطاءٍ: ما الخيرُ، المالُ أو الصلاحُ أم كل ذلكَ؟ فقالَ: ما نراهُ إلَّا المالَ، قال: فإن لم يكنْ عندَهُ مالٌ، وكان رَجُلَ صِدْقٍ؟ قال: ما أحسِبُ خَيْرًا إلا المالَ، كائنةً أخلاقُهم ما كانتْ (٢).\nقال مجاهدٌ: إن علمتُم فيهم خيرًا: المالُ، كائنةً أخلاقُهم وأديانُهم ما كانَتْ (٣).\nوذهب الشافعيُّ إلى أنه الكَسْبُ والأَمانَةُ (٤).\nومفهومُ الشرطِ أَنَّا إذا لم نعلمْ فيهم خيرًا، لا نكاتِبُهم وجُوبًا ولا استِحْبابًا، وأما مُكاتَبَتُهم جَوازًا، فلا حَجْرَ فيها، ولا مَنع منها، لكن كَرِهَ مالكٌ مُكاتبةَ الجاريةِ التي لا كَسْبَ لها؛ مخافة الزنى عليها، وهذا من بابِ عملِه بالمَصالحِ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الكبير\" للرازي (٢٣/ ١٨٩).\n(٢) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٨/ ٣١)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠٢/ ٣١٨)، عن عطاء، وعن مجاهد.\n(٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١٢٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للشافعي (٨/ ٣١).\n(٥) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٧/ ٢٥٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٤٦).","vol":"4","page":89},{"text":"نعمْ أنكرَ بعضُهم كتابةَ التي لا حِرْفَةَ لَها، ولا كَسْبَ؛ خشيةَ المَسْأَلةِ، وهذا استِحْسانٌ مردودٌ بإقرارِ النبيِّ - ﷺ - لِكِتابة بَرِيْرَةَ، وقد أَتَتْ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها - تسألُها المُعاونةَ في كتابَتِها (١).\nالحكم الثالث: أمرَ اللهُ سبحانه بإيتائهم من مالِ اللهِ.\nفقالَ طائفةٌ من أهلِ العلم بإطلاقِهِ للوجوب، ثم اختلفوا:\nفقال بعضُهم: يتقدَّرُ بالربع، ويروى عَنْ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - (٢).\nوقالَ بعضُهم: لا يتقدَّرُ، بلِ الواجبُ أَقَلُّ مالٍ (٣)، وهو الظاهِرُ من إطْلاقِ الخطاب.\nوقالَتْ طائفةٌ: لا يجبُ على الساداتِ للمكاتَبِ شَيْءٌ، فمنْ هؤلاءِ من حملَ الأمرَ على الاستحبابِ، ومنهم مَنْ جعلَ الخِطابَ لِذَوي الأموالِ غيرِ السادات، وحملَ الأمرَ على الوجُوب في إيتائهم من الصدقاتِ (٤).\nوهذا التأويلُ بعيدٌ؛ لأن الصحابةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم -، وهم أعرفُ بموارِدِ التأويلُ وَضَعوا عنِ المكاتَبِ، فكاتَبَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عَبْدًا بخمسةٍ وثلاثين ألفًا، ووضعَ عنهُ خمسةَ آلاف (٥)، ووَضَع عمرُ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١٣١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٨٢).\n(٣) هو قول الشافعي، وقد استحسنه سفيان الثوري، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٢٥٢).\n(٤) نُقل ذلك عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهما، انظر: \"تفسير الطبري\" (١٨/ ١٣١).\n(٥) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٨/ ٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٣٠).","vol":"4","page":90},{"text":"وابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عن المكاتَب.\n* إذا تَمَّ هذا، فظاهرُ إطلاقِ الخطاب يقتضي أنَّ كتابةَ العَبْدِ المراهِق إذا كان فيهِ خيرٌ جائزةٌ، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ (١).\nواشترطَ الشافعيُّ البُلوغَ كسائِرِ العُقودِ (٢).\nوعن مالكٌ قَوْلانِ كالمَذْهبين (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٣/ ٢٥٣).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٨/ ٣٥).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٨٢).","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>(من أحكام الاستئذان)</span>\n٢١٣ - (١٣) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].\nأقول: لَمَّا لطفَ اللهُ سبحانه بالمؤمنين، ورفعَ عنهم الحَرَجَ والجُناح، أباحَ لهم ولِمَنْ كان في تأديبهم من الصِّبيان والمَماليك أن يَلِجوا عليهم من غيرِ استئذانٍ؛ بخلافِ الأحرارِ البالغينِ؛ لِمَشَقَّةِ الاحترازِ منهم؛ لكثرةِ طوافِهم، ولم يحظرْ عليهم إلا في ثلاثةِ أوقاتٍ كما بَيَّنَها اللهُ تعالى، وأشار إلى علتها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] الآية.\nوهذه الأوقاتُ تُكْشَفُ فيها العوراتُ غالبًا، وتقلُّ الحاجةُ إلى تطوافِ الصِّبيانِ والخَدَمِ، وتعدمُ المشقةُ التي هي سببُ رفعِ الجُناح، وقد تقدَّم شيءٌ من الكلامِ على أحكامِ العبيدِ والصِّبيانِ.\nوقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذه الآيةِ لَمّا قَلَّ عَمَلُ الناسِ بها.","vol":"4","page":92},{"text":"روي عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، ويحيى بنِ يعمرَ: أنهم قالوا: ثلاثُ آياتٍ من كتاب اللهِ لا يرى أحدٌ العملَ بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) [الحجرات: ١٣].\nفقال أبو قِلابَةَ: الأمرُ فيها على النَّدْبِ والاستحبابِ (٢).\nوقال غيرُه: بل الأمرُ فيها للوجوب (٣).\nثم اختلفَ هؤلاء:\nفقال قومٌ: هي منسوخةٌ (٤)، ويحكى عن ابن المسيِّبِ (٥).\nوذهبَ أكثرُهم إلى أنها محكمةٌ (٦).\nثم اختلفَ هؤلاءِ أيضًا:\nفقال قومٌ شُرِعَ هذا الحكمُ لمعنَى، وقد زالَ ذلكَ المعنى، فزالَ هذا الحُكْمُ لِزوالِه.\nسئلَ ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- عن هذه الآية، فقال: لا يُعْمَلُ\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٤١٩)، وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٢٦٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٦٣٢).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٠٢).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٠٣).\n(٤) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٤٣)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٣٧).\n(٥) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٥٩١).\n(٦) ممن قال بذلك القاسم بن محمد وجابر بن زيد والشعبي، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٠٣).","vol":"4","page":93},{"text":"بها اليومَ، وذلكَ أن الناس كانوا لا سُتِرَةَ لهم، ولا حِجابَ، فربما دخلَ عليهِمُ الخدمُ والولدُ وهم في حالِ الجِماع، فأمرَ اللهُ جَل ذِكْرُهُ بالاستئذانِ في هذه الأوقاتِ المذكورةِ، ثم جاءَ اللهُ سبحانه بالسَّتْرِ، وبسطَ الرزقَ، فاتخذَ الناس الأبوابَ والسُّتورَ، فرأى الناس ذلكَ كَفاهم عنِ الاستئذانِ الذي كانوا أمروا به (١).\nوكذا قالَ مالك لما سُئِلَ عن الآيةِ.\nوفالَ أكثرُهم: حكمُ هذهِ الآيةِ باقٍ لم يُنْسَخْ، ولم يزلْ (٢).\nوقال الشعبيُّ: ليستْ هذهِ الآيةُ منسوخةَ، فقيلَ لَهُ: إن الناس لا يعملونَ بها، فقال: اللهُ المُستعانُ (٣).\n* فإن قلتم: فالصبي ليسَ منْ أهلِ التكليفِ، فَلِمَ كَلَّفَهُ اللهُ سبحانَهُ الامتناعَ، وألزمَهُ الاستئذان؟\nقلنا: التكليفُ والخطابُ مصادمٌ للأولياءِ، لا للصبيانِ والخَدَمِ، فيجبُ على الولي تأديبُ الصبيّ كما بيَّنَهُ اللهُ سبحانهٌ هنا، وبيَّنَهُ رسولُ الله - ﷺ -؛ حيثُ قالَ: \"مُرُوهُم بالصَّلاةِ لسَبعٍ، واضرِبوهُم على تَركِها لِعَشْرٍ\" (٤)، فهو\n_________\n(١) رواه بنحوه أبو داود (٥١٩٢)، كتاب: الأدب، باب: الاستئذان في العورات الثلاث.\n(٢) تقدم نقله عن القاصم وجابر بن زيد والشعبي، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣٠٣).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٦١٤).\n(٤) رواه أبو داود (٤٩٥)، كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ والإمام أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٨٢)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٧٦)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٣٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٠٨)، وأبو نعيم في \"حية الأولياء\" (١٠/ ٢٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢٨)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\"=","vol":"4","page":94},{"text":"داخلٌ في خطابِ التأديبِ، خارجٌ من خطابِ التكليفِ والتأثيمِ.\nثم بيَنَ اللهُ سبحانَهُ أحكامهم إذا بَلَغُوا الحُلُمَ، وأَنَّهم كالبالغين فيما تقدَّمَ منَ الأحكام.\n\n٢١٤ - (١٤) قوله ﷿: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].\n* اتفقَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ على إِحكام هذهِ الآيةِ، حتى رُوي عنِ ابنِ عباسٍ أَنَّها ناسخةٌ للآيةِ الأخرى (١)، والذي يقتضيهِ النظرُ أنها غيرُ ناسخةٍ إلا أن يَثْبُتَ بتوقيفٍ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nوقد قَدمتُ كيفيةَ الجَمع بينهما، وأن حكمَ هذه مختصٌّ بالقواعِد، مُخْتَصٌّ بحالةِ الاختيارِ، وأن تلكَ الآيةَ مختصَّةٌ بالشوابِّ، مختصَّةٌ بحالةِ الحاجةِ والاضْطِرار.\nوكذا ما رَوَتْهُ عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: أَنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على النبى - ﷺ -، وعليها ثيابٌ رِقاقٌ، فأعرضَ عنها رسولُ اللهِ - ﷺ -، وقال: \"يا أَسْمُاء! إنَّ المرأةَ إذا بلغَتِ المَحيضَ لَمْ يَصلُح أَنْ يُرَى مِنْها إلَّا هذا وهذا\"، وأشارَ إلى وجهِهِ وكَفيْه (٢)، مختصّ بحالةِ الحاجةِ إلى رُؤْيتها.\n_________\n= (٢/ ٢٧٨)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(١) أي: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ...﴾ و﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْن ...﴾، انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٧٨).\n(٢) رواه أبو داود (٤١٠٤)، كتاب: اللباس، باب: فيما تبدي المرأة من زينتها، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٣/ ٣٧٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢٦)، وفي \"شعب الإيمان\" (٧٧٩٦).","vol":"4","page":95},{"text":"فإنْ قلتَ: فهل نجدُ دليلًا على التفرقِة بينَ الشابَّة والعَجوزِ مُوافِقًا لهذهِ الآيةِ من كتابٍ أو سنَّةٍ؟\nقلتُ: نعم: أما دلالةُ الكتابِ، فإن الله سبحانَهُ لَمَّا أَحَل للنساءِ الشواب أن يُبْدِيْنَ زينتهُنَّ لغيرِ ذَوي الإِرْبَةِ منَ الرجال؛ كالشيخِ المُسِن، والمَعتوهِ، والمُغَفَّلِ الذي قعدَ عن النكاحِ وَيئسَ منه، فكذلكَ العجوزُ مثلُ الشيوخِ في العَكْس، كما ذكرَ اللهُ سبحانه حُكْمَهُ هنا.\nوأما دلالةُ السنَّةِ، فإنَّ النبيَّ - ﷺ - لما أمرَ فاطمةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تعتدَّ عندَ أُمَّ شَريكٍ، وكانَتْ من القَواعِدِ، قالَ لها: \"تلْكَ امرأةٌ يَغْشاها أَصحابي\"، فأمرَها أن تعتدَّ عندَ ابنِ أُمّ مكتومٍ (١)، ففرَّقَ بينَ العَجوزِ والشابةِ، ولم يجعلْ عليها جُناحًا في غِشْيانِ أصحابِه إيّاها، ولو كانَتْ شابَّهً كفاطِمَةَ، لَمَا غَشِيَها أصحابُه، واللهُ أعلمُ.\n\n٢١٥ - (١٥) قوله جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].\n_________\n(١) تقدم تخريج حديث فاطمة بنت قيس.","vol":"4","page":96},{"text":"* كان المسلمونَ يخرجون إلى الغزوِ، ويدفعونَ مفاتيحَ بُيوتهم إلى الزّمنَى الذين لا يخرُجونَ، ويقولون لهم: أَخلَلْنا لكم أن تأكُلوا مِمّا فيها، فكانوا يَتَوَقَّوْنَ ذلك، ويقولون: نَخْشى ألا تكون أَنْفُسُهم بذلك طَيِّبَة، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ يُحِلُّ لهم ذلكَ، وهذا تفسير مرويٌّ عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها، وقالَهُ ابنُ المُسَيِّبِ (١).\nوأراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أي: بيوتِ أولادِكُم، فجعلَ بيوتَ أولادِهم بيوتَهم؛ لأنَّ ولدَ الرجلِ من كَسْبِه، وبقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] الزمنَى الذين كانوا يَخْزُنون للغزاة، فيحلُّ للرجلِ أن يأكلَ من مالِ أخيهِ وقريبهِ وصديقهِ ما أُذِنَ له فيه، وما لم يُؤْذَنْ إذا علمَ أَنَّ نفسَهُ تطيبُ بذلك.\nوقيل: إن المسلمين لما تَحَرَّجوا من مُؤَاكَلَةِ الأعمى والأعرج والمريضِ عندَ نُزولِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقالوا: إنَّ الطعامَ من أفضلِ الأموال؛ لأنه به تقومُ الهياكلُ، وإن الأعمى لا يرى أطايبَ الطعامِ، وإن الأعرجَ لا يتمكَّنُ في المجلسِ، فيهنأ بأكلِه، وإن المريضَ لا يسهلُ لهُ الأكلُ والبَلْعُ، أنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، ويكونُ التأويلُ: ليس على مُؤاكِلِ الأَعْمى حَرَجٌ، وهذا تفسيرٌ يُروى عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- (٢).\n_________\n(١) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٤٦٠)، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ورواه البزار في \"مسنده\" (٧/ ٨٣ - ٨٤ - مجمع الزوائد)، عن عائشة.\nوانظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ١٦٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٦٩)، وانظر: \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٢٤).","vol":"4","page":97},{"text":"وأمرَ اللهُ سبحانَهُ المؤمنينَ بالسلامِ على أَنْفُسِهم:\nقيل: معناه: فليسلم بعضُكم على بَعْض (١)، فَبِهذا التقييدِ يخرجُ المشركُ، فلا يُسَلَّمُ عليه؛ كما في قولي تَعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].\nوقيل: إذا دخلتُم بيوتًا خالية، فَلْيَقُلِ الداخلُ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (٢).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٣٥٨)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ٢١٤).\n(٢) قاله جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وعلقمة وعكرمة وغيرهم، انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٤/ ٤٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٢/ ٣١٨).","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>سُورَةُ القَصَصِ</span>","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>(من أحكام النكاح)</span>\n٢١٦ - (١) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧].\nسيأتي الكلامُ على هذه الآيةِ عندَ الكلامِ على قِصَّةِ أيوبَ -﵊-.","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>سُورَةُ الأَحْزَابِ</span>","vol":"4","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>(من أحكام المواريث والولاية)</span>\n٢١٧ - (١) قوله ﷻ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].\n* اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثِ جُمَلٍ:\nأما الجملة الأولى، فهي تكذيبٌ لِمَنْ قالَ من كُفّارِ قريشٍ (١): إنَّ لي قَلْبَيْن، أَفهمُ بكلِّ واحد منهما أكثرَ مِمَّا يَفهمُ مُحَمَّد.\nوأما الجملة الثانية، فهي رَدٌّ لِما كانوا عليه من طَلاق الجاهِلِيَّةِ بالظِّهار، وسيأتي حكمُ الظِّهار -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-.\nوأما الجملة الثالثة، فهي رَدّ لِما كانوا عليه من التوارُثِ بالتَّبَنِّي، فأبطلَ اللهُ سبحانَه أَنْ يكونَ ابنُ التبني كابنِ النسبِ، فلا يرثُ واحدٌ منهما الآخَرَ، ولا يحرمُ عليه محارمَهُ، ولا منكوحَتَه؛ كما قالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\n* ثم أمرَ اللهُ سبحانَهُ بدعائِهم إلى آبائِهم، وجعلَ الجُناحَ في دُعائهم\n_________\n(١) هو أبو معمر جميل بن معمر الفهري، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ١١٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٥٠٥).","vol":"4","page":105},{"text":"بأبِ التبنِّي، إلا أنْ يكونَ على وَجْهِ الخَطَأ، أو يقولَ الرجلُ للآخر: يا بني! على وَجْهِ اللُّطْفِ والشفقةِ، فقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].\n* وكما حَرَّمَ اللهُ تعالى أن يتبنَّى مَنْ ليسَ بولدٍ لهُ، حَرَّمَ على المَرء أن ينتسب لغير (١) أبيه.\nروى واثِلَةُ بنُ الأَسْقَع -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"إِنَّ أَفْرى الفِرى مَنْ قَوَّلَنِي ما لم أَقُلْ، ومَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ ما لَمْ تَرَ، ومن ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ\" (٢).\n\n٢١٨ - (٢) قوله ﷻ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦].\nأقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثةِ أحكام:\nالحكم الأول: جعلَ اللهُ سبحانَه نبيَّه - ﷺ - أَوْلى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهم، فإذا دَعاهُم إلى شيءٍ، ودَعَتْهم أَنْفُسُهم إلى شيءٍ آخرَ، كانَتْ طاعةُ النبيِّ - ﷺ - أَوْلى؛ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فكان نزولُها\n_________\n(١) في \"أ\": \"ينسب إلى غير\".\n(٢) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ١٧١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣٢)، والطبراني في جزء \"طرق حديث من كذب علي متعمدًا\" (١٦٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤٨٣٠)، والخطيب البغدادي في \"الجامع لأخلاق الراوي\" (١٢٨٩)، والرافعي في \"التدوين في أخبار قزوين\" (٣/ ١٩٥).","vol":"4","page":106},{"text":"في عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأُخْتِهِ زينبَ لَمّا خطبَها رسولُ اللهِ - ﷺ - لمولاهُ زيدِ بنِ حارِثةَ، وكَرِها ذلك (١).\n* وبينَ النبيُّ - ﷺ - الأَوْلَوِيَّةَ هذه (٢)، وأنّها في البِرِّ والإحسانِ، لا في الميراثِ لأموالهم.\nروى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"ما مِنْ مُؤمنٍ إلَّا وَأَنا أَوْلى النَّاس بهِ في الدُّنْيا والآخرة، اقْرَؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فَأَيُّما مُؤْمنٍ تَرَكَ مالًا، فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانوا، وإنْ تَرَكَ دَيْنًا أو ضَياعًا، فَلْيَأتِني، وَأَنا مَوْلاهُ\" (٣).\n* وكما خَصَّهُ اللهُ الكريمُ بهذا المَقام الشَّريفِ الأَغلى؛ لكمالِ رحمتِه لهم، وتمامِ شفقتِه عليهم، جعلَ المؤمنينَ في بِرِّهم وإحسانِهم أَوْلى بالنبيِّ - ﷺ - منْ أنْفُسِهم؛ تعظيمًا لحرمتِه، وإجلالًا لِقَدرِه؛ كما بينَهُ - ﷺ - فقال: \"لا يُؤمنُ عَبْدٌ حَتَّى أكونَ أَحَبَّ إليهِ منْ أهلِه ومالِه ووَلَد والنَّاسِ أجمعين\" (٤).\nويندرجُ في هذا الأصلِ فروع ذكرَها الشافعيةُ:\nالأول: يجب على كلِّ أحدٍ (٥) بَذْلُ نفسِه دُونَهُ لِمَنْ قَصَدَهُ، وإن عَلِمَ أنهُ\n_________\n(١) انظر: \"السنن\" للدارقطني (٣/ ٣٠١)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٣٦).\n(٢) \"هذه\" ليست في \"أ\".\n(٣) رواه البخاري (٢٢٦٩)، كتاب: الاستقراض، باب: الصلاة على من ترك دينًا، ومسلم (٢١٧٦)، كتاب: الكفالة، باب: الدين.\n(٤) رواه البخاري (١٥)، كتاب: الإيمان، باب: حب الرسول - ﷺ - من الإيمان، ومسلم (٤٤)، كتاب: الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد، عن أنس بن مالك، وهذا لفظ مسلم.\n(٥) في \"ب\": \"واحد\".","vol":"4","page":107},{"text":"هالِكٌ، وقد فعلَ ذلكَ مَنْ حضرَ عندَه من أصحابِه يومَ أُحُدٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-.\nالثاني: يجبُ على مالكِ الطعامِ بَذْلُه للنبيِّ - ﷺ - وإيثارُهُ به، وإنْ كانَ محتاجًا إليه.\nالثالث: يجبُ على المرأةِ إجابتهُ إلى نِكاحِها إذا رَغِبَ فيها.\nوفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ساقِط، لا ينبغي حكايَته، وهذا الفَرْعُ مندرج في الأَصلِ الأَوَّلِ أيضًا (١).\nالرابع: يحرمُ خِطْتةُ مرْغوبَتِهِ، وإنْ لم يَخْطِبْها.\nالخامس: يجِبُ على الزوجِ طلاقُ زوجَتِه إذا رَغِبَ فيها، على الصحيح.\nوفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ضعيفٌ باطل (٢).\nالحكم الثاني: جعلَ اللهُ سبحانَه أزواجَه أمهاتِ المؤمنينَ، وسَمَّاهم بذلكَ تَشْريفًا وتكريمًا لهنَّ، وتَعظيمًا لحرمَتِهِن على المؤمنينَ، لا أنهُنَّ أمهات حقيقةً، فلا يُقال لبناتِهِن: إنهن أَخَواتُ المُؤْمنين، ولا يَحرمنَ على المُؤمنين؛ ولا يُقال لأزْواجِهَّن: إنهم آباءُ المؤمنين، ولا يقالُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: أبو المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولأنَّ الله سبحانَهُ رَزَقَهُ شَرَفًا أكثرَ من ذلكَ، وهو كونه أَوْلى بالمؤمنينَ مِنْ أَنْفُسِهم.\n_________\n(١) \"أيضًا\" ليس في \"أ\".\n(٢) ذكر هذه الخصائص وغيرها الماوردي في \"الحاوي الكبير\" (٩/ ١٨) وما بعدها، والنووي في \"روضة الطالبين\" (٧/ ٩٨).","vol":"4","page":108},{"text":"ونقل عن بعضِ الشافعيةِ (١) أنه يجوزُ أن يُقالَ: أبو المؤمنين، ومعنى الآيةِ ليسَ أحدٌ منْ رجالِكُم وَلَدَ صُلْبِه (٢).\n* وهل يجوزُ أن يقالَ لهنَّ: أُمَّهاتُ المؤمنات؟\nفيه خلافٌ حكاهُ الماورديُّ في \"تفسيره\" (٣)، وقال البغويُّ: كُلُّهُنَّ أُمَّهاتُ المؤمنينَ منَ الرجالِ دُونَ النساءِ (٤)، ورُوي ذلكَ عنْ عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- (٥)، وسار هذا الخلافُ في دخول النساءِ في خطابِ الرجال (٦).\nالحكم الثالث: جعلَ اللهُ سبحانَهُ أُولي الأرحامِ بعضُهم أَوْلى ببعض من المهاجرين والأنصار، وهذا يبطل التوارُثَ (٧) بالمهاجرةِ والمؤاخاةِ في الإسلامِ الذي ذكرهُ اللهُ تعالى في آخِرِ \"سورةِ الأنفالِ\" و\"النساءِ\"، إلا أَنْ يُوصوا لأوليائهم بشيء، فإنه معروفٌ وبِرٌّ.\nوبين اللهُ سبحانَهُ مراتبَ ذَوي الأرحامِ، ومقاديرَ أَنْصِبائِهم في \"سورةِ النساء\".\n_________\n(١) في \"ب\": \"نص الشافعي\".\n(٢) نص على ذلك الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٤١)، ونقله النووي في \"الروضة\" (٧/ ١٢) عن الواحدي.\n(٣) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي (٤/ ٣٧٤).\n(٤) انظر: \"تفسير البغوي\" (٣/ ٥٦٩).\n(٥) روى الشعبي عن مسروق: أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمه فقالت عائشة: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم، انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٥٠٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ١٢٣)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٧٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ١٩).\n(٦) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ١٢).\n(٧) في \"ب\": \"ناسخ للتوارث\".","vol":"4","page":109},{"text":"* فإن قلتَ: أولو الأرحامِ لفظٌ يقع (١) على الأولادِ والوالدينِ والإخوةِ وغيرِهم من العَصَبات، ويقعُ على الخالِ والخالةِ والعمَّةِ وغيرِهم، وهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ لهم حَقًّا، وأن مَرتبًتَهم بعدَ الأولادِ والوالدينِ والإخوة والعَصَبَةِ، فيكون الله سبحانه قد ذكر في سورة النساء مراتب ذوي الأرحام من الأولاد والوالدين والإخوة نصًا، وذكرَ غيرَهُم من ذوي الأرحام عُمومًا.\nقلتُ: هذا سؤالٌ حسنٌ، واستدلالٌ قوي، ولأجلِ هذا ذهب الكوفيون إلى تَوْريثهم، وقالَ به أحمدُ، وإسحاقُ، والمُزَنيُّ، وابنُ سريج.\nوروي عن كثيرٍ من الصحابةِ كعمرَ، وعلى، وعائشةَ، وابن مسعود، ومُعاذٍ، وأبي الدَّرداءِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-.\nوذهبَ الحجازيونَ إلى عدمِ توريثهِم، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ، ويروى عن أبي بكرٍ، وزيدِ بنِ ثابت، وابنِ عمرَ، ورُوي عن عَلِيٍّ أيضًا -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٢).\nوأجابوا عن الآيةِ بأنَ الرَّحِمَ مُجْمَلٌ، وليسَ ببيِّنٍ، فيرجعُ في بيانِه إلى غيرِه، وقد بيَنَهُ اللهُ سبحانَهُ، ورسولهُ - ﷺ -، وأنَّ المعنى: وأُولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضِ على ما فَرَضَ اللهُ تَعالى، وبينَ رسولُه - ﷺ -؛ بدليلِ الإجماعِ على توريثِ الزوجِ والزوجةِ والمَوْلى، وليسوا بِذَوي رحم.\n_________\n(١) \"يقع\": زيادة من \"ب\".\n(٢) انظر: الخلاف في توريث ذوي الأرحام في: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٥٩)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣١١٥٨)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (١٦١٩٦، ١٦١٩٧، ١٦٢٠٧، ١٦٢٠٨، ١٦٢٠٩)، و\"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر (١٢/ ٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٦/ ٢٠٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٧٣)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٦/ ٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٢٥٥).","vol":"4","page":110},{"text":"وهذا الجوابُ مدخولٌ، فلهم أن يقولوا: الرحم ليسَ بمجملٍ، بل هو عامّ بين في لسانِ العربِ، وإنما المُجْمَلُ المراتِبُ التي أرادَها اللهُ سبحانَه لَمّا عَلِموا أنَّ استحقاقَ الإرثِ يختصُّ به بعضُ الرحمِ دونَ بعضٍ، فَبيَنَ اللهُ سبحانه مَراتِبَ الأَقْربينَ، ومقاديرَ أَنْصِبائِهم أيضًا (١).\nوبَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - معَ كتابِ اللهِ سبحانه أَنَّ \"ما أبْقَتِ الفرائضُ فَلأَولى عَصَبةٍ ذَكرٍ\" (٢).\nوأما توريثُ الزوجِ والزوجةِ، فإن الله سبحانه أدخلَهم وأَشْرَكَهم مع أُولي الأَرحام، وكذا المَوْلى بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أنه داخل في التوريثِ، وأنَّ الوَلاءَ لُحمَة كَلُحمَةِ النَّسَبِ، لا تبُاع ولا تُوَرَّثُ (٣)، وقالَ - ﷺ -: \"إنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\" (٤)، فَخَصَّ الكتابُ والسنَّةُ عُمومَ الكتابِ، والمعنى: وأُولو الأرحامِ بعضُهم أَوْلى ببعضٍ ما لم يكنْ معهُم زوج ولا زوجة ولا مَوْلًى.\nوهذا الجوابُ في المَوْلى على رأيِ الكوفيين.\nوأما على مذهبِ الصَّحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، فلا يلزمُ الاعتراضُ بالمَوْلى؛ لأن ذا الرَّحِمِ عندَهُم مُقَدَّمٌ على الوَلاء عَلى مُقْتَضى الخِطاب في التَّنْزيلِ، فعن إبراهيمَ قال: كانَ عمرُ وعبدُ الله يُوَرِّثانِ الأرحامَ دُونَ المَوالي، وكان عَلِيّ أشدَّهم في ذلكَ (٥)، وأُتِي سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ في ابنةٍ\n_________\n(١) في \"ب\": \"نصًا\".\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في \"ب\": \"توهب\".\n(٤) رواه البخاري (٤٤٤)، كتاب: المساجد، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، ومسلم (١٥٠٤)، كتاب: الطلاق، باب: \"إنما الولاء لمن أعتق\"، عن عائشة.\n(٥) رواه الإمام الشافعي في \"الأم\" (٧/ ١٧٩)، وسعيد بن منصور في \"سننه\"=","vol":"4","page":111},{"text":"وامرأةٍ ومولًى، فقال: كان عليٌّ يعطي الابنةَ النصفَ، والمرأةَ الثمُنَ، ويردُّ ما بقيَ على الابنةِ (١).\nوأبو حنيفةَ وأصحابُه أحدَثوا قولًا ثالثًا.\nوأسَدُّ من هذا في الجواب، -والله أعلم- أن تقول: لَمَّا بَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ الفرائضَ، بيَنَ أَهْلَها، وبينَ النبيُّ - ﷺ - ما لم يذكُرْهُ اللهُ تعالى، فقالَ: \"أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فَما تقِيَ فَلأَولَى عَصَبة ذَكر\" (٢)، ثم لم يقلْ بعد ذلكَ: فإن لم يكنْ عصبةٌ ذكرٌ، فذو (٣) عصبةٍ أنثى، ولا لِذَوي رحمٍ، ولو كانَ ذلك مُرادًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، لَبينَهُ النبيُّ - ﷺ - عنِ اللهِ سُبحانهُ؛ لِما فرضَ عليهِ من بيانِ ما أنزلَ إليهِ.\nفإن قلت: فقد بَيَّنَ النبي - ﷺ -: توريثَهم، فروى واسعُ بنُ حَبّانَ عنِ النبيِّ - ﷺ - أنهُ سألَ عاصمَ بنَ عدي عن ثابتِ بنِ الدحداحِ، وتُوُفِّيَ: \"هل تَعلَمُونَ لَهُ نَسَبًا فيكُم؟ \"، فقال: لا، إنما هو أَتِيٌّ فينا، فقضى رسولُ الله - ﷺ - بميراثِه لابنِ أختِه (٤).\nوروى المِقْدادُ الكِنْدِيُّ عنِ النبي - ﷺ -: \"أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَرِثُهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عنهُ ويَرِثُهُ\" (٥).\n_________\n= (١/ ٩٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٤٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٤٢).\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٤٢).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) في \"ب\": \"فَلِذي\".\n(٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" (٤٧٦ - زوائد الهيثمي)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢١٥).\n(٥) رواه أبو داود (٢٨٩٩)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث ذوي الأرحام، وابن ماجه (٢٦٣٤)، كتاب: الديات، باب: الدية على العاقلة، فإن لم يكن عاقلة،=","vol":"4","page":112},{"text":"وروي عن عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أنه كتبَ إلى أبي عُبَيْدَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في غُلامٍ أصابَهُ سهمٌ فقتلَهُ: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يقولُ: \"اللهُ ورَسُولُه مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ\" (١).\nورويَ نحوُه عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها (٢).\nقلنا: أما حديثُ واسعٍ، فقالَ الشافعيُّ -رحمه اللهُ تعالى-: ثابتُ بنُ الدّحْداحِ قُتِل يومَ أُحُدٍ قبلَ أَنْ تنزلَ الفرائِضُ، وإنما نزلتِ الفرائضُ فيما بينت أصحابنا في بنات محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ، وقُتِلَ يومَ خَيْبَر، وقد قيل: نزلتْ بعدَ أُحُدٍ في بنات سعدِ بنِ الربيع، وهذا كلُّه بعدَ أمرِ ثابتٍ (٣).\nوكذلكَ آيةُ الصَّيْفِ (٤) نَزَلَتْ في جابرِ بنِ عبدِ الله لمّا قال:\n_________\n= ففي بيت المال، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٤١٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٠٣٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢١٤)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (١٢٤).\n(١) رواه الترمذي (٢١٠٣)، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الخال، وابن ماجه (٢٧٣٧)، كتاب: الفرائض، باب: ذوي الأرحام، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١١٢٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦٣٥١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٠٣٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ٨٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢١٤)، عن أبي أمامة.\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢١٥)، و\"سنن الدارقطني\" (٤/ ٨٦).\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢١٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٨١٩٨٠).\n(٤) وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].","vol":"4","page":113},{"text":"يا رسولَ الله! إنما يَرِثنُي كَلالَةٌ، وإنَّما قالَ هذا بعدَ أن قُتِلَ أبوه يومَ أُحُدٍ؛ بدليلِ قوله: وإنَّما يرثنُي كَلالَةٌ] (١) (٢).\nوهذا الجوابُ لا شِفاءَ فيه؛ لأن آياتِ الفرائضِ لا تُعارِضَ قضاءَ النبيّ - ﷺ - حتى تنسَخَهُ؛ فإنَ النبي - ﷺ - لم يقضِ بميراثِه لابنِ أختِهِ إلَّا بعدَ أَنْ سألَ عَنْ نَسَبه، فَقَضاؤه لا يخالِف القرآنَ، ولا يُعارضُه، والأحسنُ أن يقال: إنه مرسَلٌ.\nوأما حديثُ المِقدادِ، فقدْ كانَ يَحيى بنُ معينٍ يُضعْفُه (٣).\nوأما حديثُ عمرَ، فقد قيلَ: إنه من بابِ اختيارِ الإمامِ، فكأنه اختارَ وَضْعَ مالِه فيه إذا لم يكنْ له وارثٌ سِواهُ، ورآهُ من المصلحةِ، وإن كانَ لا يستحق إرثًا (٤)؛ كما رويَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أنَّ رجلًا وقعَ من نَخْلَةٍ، فماتَ وتركَ شيئا، ولم يَدَعْ ولدًا ولا حَميمًا، فقالَ النبي - ﷺ -: \"أَعْطُوا ميراثَهُ رَجُلًا منْ أهلِ قَرابَتِهِ\" (٥).\nوهذا الجوابُ فاسِدٌ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - أعطاهُ، وجعلَهُ وارثَ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، فسمَّاهُ وارِثًا، وجعله مستحِقًّا.\nورواه عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- من قولِ النبيّ - ﷺ -.\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢١٦).\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٨٢).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٨٣).\n(٥) رواه أبو داود (٢٩٠٢)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث ذوي الأرحام، وابن ماجه (٢٧٣٣)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولاء، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٣٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٥٨٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٤٣).","vol":"4","page":114},{"text":"وحديثُ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها- قَضِيةٌ في عَيْن، ولعلَّ الرجلَ قد كانَ معلومًا عندهم، فيحملُ مطلقُ حديثِ عائشةَ على مُقَيَّدِ حديثِ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهم-، فإن صحَّ حديثُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-، تَعَيَّنَ المَصيرُ إليه.\nوقد أرخيتُ القولَ في هذهِ المسألة لِعِظَمِ مَوْقِعِها، وشِدَّةِ الحاجةِ إليها.\nوقد عَلِمتَ منَ الآيةِ وَجْهُ الدلالةِ على الردِّ على ذَوي الفروض عندَ منْ يقولُ به ما خلا الزوجَ والزوجةَ، وهذا البيانُ كافٍ، واللهُ أعلمُ.","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>(من أحكام الطلاق)</span>\n٢١٩ - (٣) قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].\nأقول (١): هذا الحكمُ خاصٌّ بالنبي - ﷺ -، أَوْجَبَ اللهُ سبحانَهُ عليه تخييرَ نِسائه بينَ اخْتِيارِه، وبينَ اختيارِ زينةِ الحياة (٢) الدنيا؛ تشريفًا لهُ - ﷺ - أن يتبرأ من منصبه العَلِيِّ، فإنْ أردْنَ الحياةَ الدنيا، وجبَ عليهِ طلاقُهُنَّ، وإن اختَرنه، فَلا يُطلَّقْنَ، بل يجب عليه إمساكُهن (٣)؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- عند قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢].\nوحكيَ وجهٌ ضعيفٌ لبعضِ الشافعية: أنه مستحَبٌّ (٤)، وأن طلاقَ مَنْ كَرِهَتْ نِكاحَهُ تَكرُّمٌ (٥).\nوقد خَيَّرَهُنَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - كما أمرَهُ اللهُ تعالى.\nقالت عائشةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: جاءني رسولُ اللهِ - ﷺ -\n_________\n(١) \"أقول\" ليس في \"ب\".\n(٢) \"الحياة\" ليس في \"أ\".\n(٣) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٤).\n(٤) الضمير في قوله: (أنه مستحب) راجع إلى التخيير، وهذا الوجه حكاه الحناطي كما نقله النووي في \"روضة الطالبين\" (٧/ ٤).\n(٥) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (٧/ ٦).","vol":"4","page":116},{"text":"أمرَهُ اللهُ أن يُخَيِّرَ أزواجَهُ، فبدأَ بي رسولُ اللهِ - ﷺ -، فقال: \"إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فلا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتعْجِلي حَتَّى تَسْتأمِرِي أبوَيْكِ\"، وقد عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا يأمُراني بِفراقِه، قالت: ثم قال: \"إنَّ الله ﵎ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] \"، إلى تمام الآيتين، فقلتُ: ففي أيَ شيءٍ أَستأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فما في أريدُ الله ورسولَهُ والدارَ الآخر (١).\nولم يكنِ التخييرُ منه - ﷺ - طلاقًا مُعَلَّقًا باختيارِهِنَّ (٢).\nوهذا الحكمُ في النبيِّ - ﷺ - وأَمّا غيرُه فإنْ خَيَّرَ أَحدٌ منَ الناسِ زوجتَه، فقد اختلفَ السَّلَفُ فيه اخْتِلافًا كَثيرًا (٣).\nفذهبَ عمرُ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وعائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: إلى أنها إنِ اختارتْ نفسَها، فواحدةٌ، كان اختارتْ زوجَها، فلا شيءَ.\nقالت عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: خَيَّرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ -، فاخترناه، أفكانَ ذلكَ طلاقًا (٤)، وبهذا قال الشافعيُّ.\nوذهبَ زيدُ بنُ ثابت إلى أنها إنِ اختارَتْ نَفْسَها، فثلاث، وإنِ اختارتْ زوجَها، فواحدةٌ، وهو أَحَقُّ بها، وجَعَلَ الطَّلاقَ مُعَلَّقًا باختيارِها، فإنِ\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٠٧)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ...﴾ ومسلم (١٤٧٥)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا تكون طلاقًا إلا بالنية.\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٥/ ١٤٠)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٢١٢).\n(٣) انظر: هذا الاختلاف في \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٥٧)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٧٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١٧٣)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ١١٨).\n(٤) رواه مسلم (١٤٧٧)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية.","vol":"4","page":117},{"text":"اختارَتْهُ، بقيتِ الرجعةُ عليها من أجلِ اختيارِها له، وإن اختارَتْ نفسَها، فقد اختارَتْ حالةً لا سبيل لَهُ عليها، وهو قد جَعَل الخِيَرَةَ إليها، وهذهِ الحالةُ الثانيةُ التي تتمُّ بها اختيارَ نَفْسِها.\nورويَ عنهُ: أَنَّها إنِ اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ أيضًا، وهو أحقُّ بها.\nوقالَ عَلِيٌّ: إنِ اختارَتْ زوجَها، فواحدةٌ، وهو أحق بها، وإن اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ بائِنَةٌ.\nورويَ عنه: أَنَّها إنِ اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارَتْ زوجَها، فلا شيءَ، وكأنه لم يَجْعَلِ التخييرَ طلاقًا.\nورُوي عنهُ مثلُ قولِ عمرَ وعائشة (١).\n* وقد ذكرتُ فبما تَقَدَّمَ اختلافَ الناسِ في وجوبِ المتعةِ للمَدخولِ بِها، ولا شَكَّ في أَنَّ أزواجَ النبى - ﷺ - اللَّاتي خَيرَهُن رسولُ اللهِ - ﷺ - كُنَّ مدخولًا بِهِنَّ، فيحتملُ أن يحملَ هذا الأمرُ على الاستِحبابِ، والظاهرُ أنه للوجوبِ؛ لأنَّ الله سبحانه أمرَهُ بالتخييرِ، وهو واجِبٌ، وأمرَهُ أن يُخَيرَهُنَّ بأنَّ ذلكَ جَزاؤُهُنَّ إنْ أَردنَ الحياةَ الدنيا.\nثم يحتملُ أن يكونَ وجوبُ المتعةِ هُنا خاصّا به؛ لاقْتِرانها بخصائِصِه - ﷺ -.\nويحتملُ أن يكونَ الوجوبُ عامًّا لَهُ ولسائرِ الأُمَّةِ؛ لأنَّ الله تَعالى قد أوجَبَها في غيرِ هذا المقامِ على المُطَلقين، وهو الراجِحُ (٢).\n_________\n(١) انظر الآثار التي ذكرها المؤلف في: \"سنن سعيد بن منصور\" (١/ ٤٢٦)، و\"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٨٣)، و\"المصنف\" لابن أبي شيبة (٤/ ٨٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٤٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٤ - ٥٥).\n(٢) \"وهو الراجح\" ليس في \"ب\".","vol":"4","page":118},{"text":"٢٢٠ - (٤) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n* أقولُ: قد (١) شرعَ اللهُ سبحانَه في هذهِ الآيةِ في المرأةِ غيرِ الممْسوسَةِ ثلاثَةَ أحكامٍ، فأوقعَ عليها الطلاقَ، ولم يوجِبْ عليها العِدَّةَ، وأوجَبَ لها المُتْعَةَ.\n* أما الطلاقُ، فقد أجمعَ المسلمون على وقُوعِ الطلاقِ عليها إذا قالَ لها: أنتِ طالقٌ، فتطلُقُ واحدةً، وإذا قالَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، فتقع ثلاثٌ عندَ من أوقعَ الثَّلاثَ. لما روي أن محمدَ بنَ إياسِ بنِ البُكَيْر جاءَ إلى عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ وعاصمِ بنِ عمرَ، فقالَ: إن رَجُلًا من أهلِ الباديةِ طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبلَ أن يَدخُلَ بها، فماذا تريان؟ فقالَ ابنُ الزبيرِ: إن هذا الأمرَ ما لَنا فيهِ قولٌ، اذهبْ إلى ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، فإني تَرَكْتُهما عندَ عائشةَ، فاسألْهما، ثم ائْتِنا فأَخْبِرْنا، فذهبَ فسألَهما، فقالَ ابنُ عباسٍ لأبي هُريرةَ؛ أَفْتِهِ يا أبا هريرة: فقد جاءَتْكَ مُعضِلَةٌ، فقالَ أبو هريرة: الواحدةُ تبُينها، والثلاثُ تُحَرِّمُها حتى تنكحَ زَوْجًا غيره، وقالَ ابنُ عباس مثلَ ذلكَ، وفي راويةٍ: وتابَعَتْهُما عائشةُ (٢).\nورويَ أيضًا عنْ علي، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ\n_________\n(١) \"قد\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧١)، ومن طريقه الإمام الشافعي في \"المسند\" (٢٧١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٥٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٥).","vol":"4","page":119},{"text":"عَمرِو بنِ العاص، ولم أعلم لهمْ مُخالفًا (١).\nوأما إذا قالَ: أنتِ طالِقٌ، أنتِ طالِق، أنتِ طالِق، ثلاثًا، فقال قومٌ: تبينُ بالأُولى، ولا تلحقُها غيرُها، ويروى عن عُمَرَ، وعَليٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ (٢).\nوقد قدمتُ في \"سورةِ البقرةِ\" أَنَّ عمرَ قال: أَجيزُوهُن عليهنَّ، يعني: الثلاثَ (٣).\n* وأما العدَّةُ منَ الطَّلاقِ، فلا تجبُ عليها، بإجماعِ المسلمين.\nوأَمَّا عِدَّةُ الوَفاةِ، فقد مَضَى بيانُها في \"سورةِ البقرة\".\n* وأما المُتْعَةُ، فقد تقدَّمَ أمرُ (٤) بيانِها في \"سورةِ البقرةِ\".\n* ثمَّ استنبطَ ابنُ عباسٍ من هذهِ الآيةِ أنَّ الرجلَ إذا قالَ: إنْ تزوجْتُ فُلانةً، فهي طالِق، ثم تزوَّجَها، أَنَّها لا تَطْلُقُ، سواءٌ وَقَتَ وَقْتًا، أو لا، فقال: يرحمُ الله أبا عبدِ الرحمن -يعني: ابنَ مَسعودٍ- لو كانَ كَما قالَ، لقالَ: إذا طلقتُم النساءَ ثم نَكَحْتُموهُن.\nوفي روايةٍ عنهُ: إن يكنْ قالَها، فَزَلَّةٌ من عالم (٥).\nوبمِثْل فَتْوى ابنِ عباسٍ قالَ علِيٌّ، وعائشةُ، وابنُ المسيِّبِ، والقاسمُ، وعُرْوَةُ، وأبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ،\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٩١٤٩٠).\n(٢) انظر: \"الأم\" للشافعي (٧/ ١٥٨)، و\"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ١٧٥).\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٤٦٧)، وابن الهمام في \"شرح فتح القدير\" (٣/ ٤٦٩).\n(٤) في \"ب\": \"أيضًا\" بدل \"أمر\".\n(٥) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٢١)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٠).","vol":"4","page":120},{"text":"وأبانُ بنُ عُثمان، وشُريحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرِ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.\nوقال الكوفيون: يقعُ طلاقُه؛ كما قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (١).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٥٣٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٤٩٤٤٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٢٥).","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>(من أحكام النكاح)</span>\n٢٢١ - (٥) قولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠].\nأقول: أحلَّ اللهُ لنبيّه - ﷺ - نِكاحَ المَذْكوراتِ بِشَرطينِ: أحدهما: إذا آتاهُنَّ أجُورَهُن، وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الصَّداقَ لا تَجوزُ المُواطَأَةُ على تَركِه، كان اتّفَقوا على جَوازِ تفويضِ المرأةِ لِبُضعِها، إلا أنَّ (١) الصَّداقَ لا بُذَ منهُ، فهو إما أن يَفْرِضَ لها، أو يَدخُلَ بها، ويستقرَّ عليهِ مَهْرُ نِسائها، ولها أنْ تَمْتَنِعَ منهُ إلى أن يَفْرِضَ لَها، وهذا الحكمُ شامِلٌ لهُ - ﷺ - ولأُمتِه.\nثم خصَّهُ اللهُ بإحلالِ الزواجِ لهُ بغيرِ صَداق حالًا ومالًا، فلا يجبُ عليهِ مهرٌ، لا بموتٍ، ولا بدُخولٍ، فقالَ تَعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]،\n_________\n(١) في \"ب\": \"لأن\" بدل \"إلا أن\".","vol":"4","page":122},{"text":"أي: أحلَلْنا لكَ المرأةَ الواهبةَ خالِصَةً لكَ من دُونِ المؤمنين، والعاملُ في الحال (أحللنا) لا (وهبت) (١).\nالثاني: أن يكُنَّ منَ المُهاجراتِ، فلا يحلُّ للنبيِّ - ﷺ -، ولا لأحدٍ من أصحابه نِكاحُ كافرةٍ لم تهاجرْ؛ لمفهومِ هذهِ الآيةِ، ولقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nفإن قلتَ: فإن كانتْ مؤمنةً لم تهاجِرْ، فهلْ يحلُّ نِكاحُها لمؤمن مُهاجِرٍ، أو لا يَحِلُّ له؟ قلتُ: لا أعلمُ فيهِ قولًا لأحدٍ من الفقهاءِ، والظاهرُ حلُّ نِكاحِها؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله: ﴿ولَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥].\n* إذا تَمَّ هذا، فقد اختلفَ أهلُ العلم بالقرآنِ في هذهِ الآية، هلْ هيَ ناسخةٌ، أو منسوخةٌ؟ وسيأتي بيانُ ذلكَ قريَبًا -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-.\n\n٢٢٢ - (٦) قولُه ﷻ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية.\nاختلفَ أهلُ العلمِ في معنى هذهِ الآيةِ.\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٣/ ٥٥٩ - ٥٦٠).","vol":"4","page":123},{"text":"فقال بعضُ أهلِ التفسيرِ: أباحَ اللهُ سبحانَهُ لَهُ أن يتركَ التَّسْوِيَةَ والقَسْمَ بَيْنَ أزواجِه، حَتَّى إنَّه لَيُؤَخرُ مَنْ شاءَ منهنَّ عنْ وقتِ نَوْبَتِها (١)، ويَطَأُ مَنْ شاءَ في غير نَوْبَتِها، وجعلَ ذلكَ من خصائِصِه - ﷺ -، فيعودُ الضميرُ إلى أزواجِه اللاتي أمِرَ بِتَخْييرِهِنَّ، وبهذا قالَ أبو سعيدِ الإِصْطَخْرِيُّ من الشافعيةِ (٢).\nوقالَ قومٌ: جعلَ اللهُ لهُ الخِيَرَةَ بينَ أنْ ينكِحَ، ويَتَّهِبَ مَنْ شاءَ، مِمَّنْ وَهبَتْ لهُ نفسَها، ويتركَ من شاءَ.\nففي \"صحيح البخاري\" و\"مسلم\" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- قالت: كنتُ أَغار على اللَّاتي وَهبْنَ أَنْفُسَهُنَ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، وأقولُ: أتهبُ المرأةُ نفسَها؟ فلمَّا أنزلَ اللهُ ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلتُ: ما أرى رَبَّكَ إلا يُسارِعُ في هواكَ (٣).\nوعنْ مُعاذٍ عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يستأذِنُ في اليوم المرأةَ مِنا بعد أن نزلت هذهِ الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت لها: ما كنتِ تقولين؟ قالتْ: كنت أقول له: إنْ كانَ ذلكَ إِليَّ، فإنِّي لا أُريد يا رسولَ اللهِ أَنْ أُوثِر عليكَ أحدًا (٤).\n_________\n(١) انظر: \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٥٣٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٥) و(٩/ ٥٧٠).\n(٣) رواه البخاري (٤٥١٠)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ...﴾، ومسلم (١٤٦٤)، كتاب: النكاح، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.\n(٤) رواه البخاري (٤٥١١)، كتاب: التفسير، باب: قوله: \" ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ... .﴾، ومسلم (١٤٧٦)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا=","vol":"4","page":124},{"text":"وقد أرجَأَ رسولُ الله - ﷺ -، ففي \"صحيحي البخاري ومسلم\" عن سهل بنِ سعدٍ السَّاعِدِيَّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - جاءَتهُ امرأةَ، فقالَتْ: إِنِّي وهبْتُ نَفْسي لَكَ، فقامَتْ، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! زَوِّجْنيها إن لم يكنْ لكَ بها حاجة، فَذَكَرَ أَنَّه زَوَّجَهُ إياها (١).\nواختارَ هذا التأويلَ أبو عبدِ اللهِ الشافعيٌّ، وكذا جماهيرُ أصحابِه، فاختاروا وُجوبَ القَسْمِ عليهِ (٢).\nقالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ تِسْعٍ، وكانَ يقسِمُ لثمانٍ، ولا يقسِمُ لواحدةٍ (٣).\nوعن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أن النبيَّ - ﷺ - جِيْءَ به يحْمَلُ في كِساءٍ بينَ أربعةٍ، فَأُدخِلَ عَلَيَّ، فقال: \"يا عائِشَةُ! أَرْسلي إلى النَّساءِ\"، فلمَّا جِئْنَ، قال: \"إنِّي لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَخْتَلِفَ بَيْنَكُنَّ، فَأْذَنَّ لِي فَأَكونَ في بَيْتِ عائِشَةَ\"، قُلْنَ: نَعم (٤).\n* ثم إطلاقُ هذا التخييرِ يقْتَضي (٥) أَنَّ له أن يتزوَّجَ ويَتَّهِبَ ويُؤْوِيَ مَنْ يشاءُ مِمَنْ أَحَل اللهُ لهُ منْ كيرِ حَضرٍ؛ إذ جعلَ الأمرَ إلى مَشيئتِه - ﷺ -، وهو\n_________\n= يكون طلاقًا إلا بالنية، عن عائشة.\n(١) رواه البخاري (٤٧٤٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: القراءة عن ظهر قلب، ومسلم (١٤٢٥)، كتاب: النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد.\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٥)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ١٧٨)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٣/ ٢٥١).\n(٣) رواه البخاري (٤٧٨٠)، كتاب: النكاح، باب: كثرة النساء، ومسلم (١٤٦٥)، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها، عن ابن عباس.\n(٤) رواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (١٣٣٣)، بهذا السياق.\n(٥) في \"ب\": \"يعطي\".","vol":"4","page":125},{"text":"كذلكَ على الصحيحِ عندَ الشافعيَّةِ (١)، ورفع اللهُ سبحانَهُ عنهُ الجُناح في طَلَبِ مَنْ عَزَلَ مِنْهُنَّ، فيجوزُ أن يكونَ العَزْلُ عبارةً عن عدم الرغبةِ، فيجوز له أن يبتغيَ نِكاح مَنْ زَهِدَ في نِكاحِها، ورَغِبَ عنها، ويجوز أن تكونَ عِبارةً عن الطَّلاقِ، وهوَ الأقربُ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- (٢).\nفتدكُ الآيةُ على أَنَّهُ لا جُناح عليهِ في طَلَبِ مَغزولَتِه ثلاثًا؛ إذِ الجُناحُ مرتفعٌ عَمَّنْ سِواه فيما دُونَ الثلاثِ، وهوَ الصحيحُ من الوجهينِ للشافعيةِ أيضًا (٣).\n* إذا تَمَّ هذا، فقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذهِ الآيةِ، هلْ هيَ ناسخةٌ، أو منسوخَةٌ؟ وها أنا أُبيِّنُ ذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فأقولُ:\nاختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذهِ الآيةِ.\nفرويَ عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ أَنَّهما قالا: إنما حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ على نبيِّهِ نِكاحَ الكوافِرِ منْ أهلِ الكِتابِ، ومَعْنى (من بعد) أي: من بعد المسلمات؛ لئلا تكونَ كافرةٌ أما للمؤمنين، فذهبَا (٤) إلى التأويل (٥).\n_________\n(١) قال الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٤١): أباح له من العدد ما حظر على غيره، وقال الماوردي في \"الحاوي الكبير\" (٩/ ١٦٧): قد أبيح له النساء من غير عدد محصور، وما أبيح للأمة إلا عدد محصور، وليس وإن مات عن تسع يجب أن يكون هي العدد المحصور.\n(٢) انظر: \"تفسير السمعاني\" (٤/ ٢٩٨).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" (٩/ ٢٥٢٤).\n(٤) في \"أ\": \"فذهب\".\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ٢٢٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٦٣٢).","vol":"4","page":126},{"text":"وقال جُمهورُهم: لما أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ - ﷺ - بتخييرِ نِسائه، وامتثلَ أَمْرَ رَبِّه، وخَيَّرَهُنَّ فاختَرْنه، جَعَلَ جَزاءَهُنَّ أنْ قَصَرَهُ عليهنَّ، وحرَّمَ عليهِ طلاقَهُنَّ بهذِهِ الآية، ومعنى (من بعد) أي: من بعدِ هؤلاءِ التسع (١).\nثم اختلف هؤلاءِ:\nفقال قومٌ: الآيةُ باقية على أحكامها، غيرُ منسوخةٍ، ويروى هذا القولُ عنِ ابنِ عباسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ سيرينَ، وقَتَادَةَ.\nثم قالَ قومٌ: بلْ هي ناسخة أيضًا لِما أباحَ اللهُ سبحانَهُ لنبيِّهِ - ﷺ - مِنْ تزِوُّجِ مَنْ شاءَ منَ النساءِ؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].\nوحكي هذا القولُ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ (٢).\nوقالَ قومٌ: الآيةُ منسوخةٌ غيرُ مُحْكَمَةٍ، نسخَ اللهُ سبحانَهُ التحريمَ عَنْ نبيِّه - ﷺ -؛ لتكونَ لهُ المِنَّةُ عليهِنَّ، وهذا ما اختارَهُ الشافعيُّ (٣).\nوالنسخُ: إمَّا بالسُّنَّةِ عندَ مَنْ أجازَ النسخَ بها، ففي \"صحيح مسلم\" عن زيدِ بنِ أرقمَ -رضي اللهُ تعالى عنه- قال: تزوَّجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بعدَ نزولِ هذهِ الآيةِ مَيْمونَةَ، ومُلَيْكَةَ، وصَفِيَّةَ، وجُوَيْرِيَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهن- (٤).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٢/ ٢٩٢٨).\n(٢) انظر: القولين في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ٢٢٠٢١٩)، وللوقوف على أقوال العلماء في الآية انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (١/ ٦٢٧) وما بعدها.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ٢١٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٤١)، واختيار الشافعية المشار إليه ذكره الرازي في \"تفسيره\" (٢٥/ ١٩٢)، والنووي في \"روضة الطالبين\" (٧/ ٤).\n(٤) لم أره في \"صحيح مسلم\"، وإنما ذكره الإمام النووي في \"شرح مسلم\" (١٠/ ٥٠)، والله أعلم.","vol":"4","page":127},{"text":"وإما بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] وهو مرويّ عن على وابنِ عباسٍ أيضًا (١).\nوإمّا بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، كما قالَهُ بعضُ مُصَنِّفي الناسخِ والمنسوخ (٢).\nوفي \"صحيح مسلم\" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها- قالت: ما ماتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَحَل اللهُ لَهُ المنّسوخ (٣).\nقال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: وأحسِبُ قولَ عائشةَ: حَّتى أحلَّ اللهُ لهُ النساءَ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فذكرَ اللهُ ما أحلَّ له، فذكر أزواجَهُ اللاتي آتى أُجورَهُنَّ، وذكرَ بناتِ عَمّه، وبَناتِ عَمَّاتِه، وبَناتِ خالِه، وبناتِ خالاتهِ، وامرأةً مؤمنةً إنْ وَهبْتَ نَفْسَها للنبيّ، فدلَّ ذلك على أنه أحلَّ له مع أزواجِه مَنْ ليسَ بزوجٍ يومَ أحلَّ لَهُ، وذلكَ أنه لم يكنْ عندَه من بَناتِ عَمِّه ولا بَناتِ عَمَّاته، ولا بَناتِ خالِه، ولا بَناتِ خالاته امرأةٌ، وكانَ عندَه عِدَّةُ نِسْوَةٍ (٤).\n* فإنْ قلتَ: فهلْ تحريمُ طَلاقِهِنَّ باقٍ، أو نُسِخَ كما نُسِخَ تَحريمُ الزواجِ\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ٢١٩).\n(٢) انظر: \"الإتقان في علوم القرآن\" للسيوطي (٢/ ٦٢)، و\"البرهان في علوم القرآن\" للزركشي (٢/ ٣٨).\n(٣) لم أره في \"صحيح مسلم\"، وإنما رواه النسائي (٣٢٠٤)، كتاب: النكاح، باب: ما افترض الله -﷿- على رسوله -﵇- وحرمه على خلقه ليزيده إن شاء الله قربة إليه، والترمذي (٣٢١٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤١)، وعبد الرزاق في \"المصنف \" (١٤٠٠١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٩١٦)، عن عائشة.\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"4","page":128},{"text":"عليهِنَّ؟ وهل تجدُ دليلًا يدلُّ على النَّسْخِ أو عدِمه (١)؟\nقلتُ: للشافعيةِ في ارتفاع تحريمِ طلاقِهِنَّ وجهانِ، والراجحُ منهُما، والصوابُ عندي بقاءُ التحريمِ (٢)، إذْ لا دليلَ يدل على النَّسْخِ، فلا يجوزُ أن يتركَ كتابُ اللهِ ويتبعَ خلافُه.\nقال أُبَيُّ بْنُ كعبٍ: إن معنى: ﴿ولَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢]: ليس لكَ أنْ تطلِّقَهُنَّ بعدما اخْتَرْنَ الله ورسولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، ولكنْ لكَ أن تزَوَّجَ عليهِنَّ مَنْ شِئْت (٣).\n* وقَدْ قَدَّمنا (٤) أقوالَ أهلِ العِلْمِ في المُراد بالإرجاء، هل هو في القَسْمِ والتَّسْوِيَة، أو في النكّاحِ والاتِّهابِ؟ ولم أعلمْ أحدًا قال: إنَّ المرادَ بهِ الطلاقُ، والله أعلمُ.\n_________\n(١) انظر: \"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٤٥).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ١٣).\n(٣) لم أره بهذا اللفظ، وفي \"معالم التنزيل\" للبغوي (٣/ ٥٣٨)، و\"تفسير الطبري\" (٢٩/ ٢٢): قيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي ﷺ أكان يحل له أن يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟! قيل: قوله ﷿: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، قال: (إنما أحل الله له ضربًا من النساء) فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، ثم قال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.\n(٤) في \"ب\": \"قدمت\".","vol":"4","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>(من أحكام الاستئذان)</span>\n٢٢٤ - (٧) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].\n* أنزلَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآيةِ أَمرَ الحِجابِ بعدَ أن كانَ النساءُ يَبْرُزْنَ على الرجال، وسببُ نزولِها مشهورٌ، وذكرَ سبحانَهُ فيها أحكامًا ثلاثةً:\nالأول: تحريمُ الدخولِ لبيوتِ النبي - ﷺ - إلا بإذنِه، وهذا أوضحُ منْ أن يُوَضَّحَ.\nوقد مَضى حكمُ الاستِئْذانِ وصِفَتُه.\nومعنى ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أَيْ: إدراكَهُ، وذلكَ أنه كانَ ناسٌ من المؤمنينَ يَتَحَيَّنُونَ﴾ (١) طعامَ النبيِّ - ﷺ -، فيدخُلون عليهِ قبلَ الطعام، فيجلسون إلى أن يُدرَكَ، ثم يأكلونَ ولا يَخْرُجون، وكان رسولُ اللهِ - ﷺ - يتأَذى بهم (٢).\n_________\n(١) ما بين معكوفتين ليس في \"ب\".\n(٢) رواه البخاري (٤٥١٤)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا=","vol":"4","page":130},{"text":"الثاني: أمرهم اللهُ سبحانَهُ إذا خاطبوهُنَّ في أمر أَنْ يُخاطِبوهُنَّ من وَراءِ حجاب، وإنْ كُنَّ منَ القواعِدِ، وهذا خاصٌّ بأزواجِ النبيِّ - ﷺ -، وأما غيرُهُنَّ، فيجوزُ أن يُخَاطَبْنَ عندَ الحاجَةِ من دونِ حجابٍ إذا سَتَرْنَ ما سِوى الوَجْهِ والكفينِ، أو كُنَّ من القواعِدِ اللاتي لا يَرْجونَ نِكاحًا.\nالثالث: أعلمَهُمُ اللهُ سبحانَهُ أنه ليسَ لهمْ أن يَنْكِحوا أزواجَهُ من بعدهِ أَبَدًا؛ لأنهنَّ أُمَّهاتُ المؤمنينَ، وقد أجمعَ المُسلمونَ على تحريمِ أزواجِه اللَّاتي تُوُفَيَ عنهنَّ - ﷺ -.\nثم اختلفَ الفقهاءُ في مسألتين:\nإحداهُما: المفارَقَةُ في حياتِه في تَحريمها خِلاف للشافعية، والصَّحيحُ المَنْصوصُ التَّحريمُ؛ لعمومِ قولي تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١).\nالثانية: أَمَتُهُ المَوْطوءَةُ إذا فارَقَها بمَوْت أو غيرِه، في تحريمِها وَجْهانِ أيضًا (٢)، وأَصَحُّهُما (٣) عندي عدمُ التَّحَريمِ؛ لأنَّ الله سبحانَهُ خَصَّ الحُكْمَ بالأزواجِ، والقياسُ لا مَدخَلَ لهُ في الخَصائصِ، معَ تفريقِ اللهِ سبحانه بينَ الحرائرِ والإِماء في أَكْثَرِ الأحْكام في حَقّ غيرِه، فاعتبارُ الإماءِ بالحرائرِ ضعيفٌ، أو فاسدٌ؛ كَيْلا تكون أَمَته أُمّا للمؤمنين، ولَوْ فَرَّقوا بيَن مُسْتَوْلَدَتِهِ وغيرِها، لَكانَ حَسَنًا، والله أعلم.\n_________\n= أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ ...﴾، عن أنس بن مالك.\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١١/ ٧).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢١).\n(٣) في \"ب\": \"وأرجحهما\".","vol":"4","page":131},{"text":"٢٢٤ - (٨) قولُه ﷻ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥].\n* لما نزلتْ آيةُ الحِجاب (١)، قالَ الآَباءُ والأبناءُ للنبيِّ - ﷺ -: ونحنُ أَيْضًا نُكَلَمُهُنَّ منْ وَراءِ حِجابٍ، فَأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، وقد مضى الكلام على مثل هذا.\n_________\n(١) وهي قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ...﴾ [الأحزاب: ٥٣].","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>(من أحكام الصلاة على النبي - ﷺ </span>-)\n٢٢٥ - (٩) قولُه ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].\n* أعلَمَنا اللهُ -ﷻ- منزلةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فتولى الصَّلاةَ بِنَفْسِهِ عليهِ -﵎- وشَرَّفَ بها مَلائِكَتَهُ، كما قَرَنَ صَلاَتهُم بصلاتِه -جَلَّ ثناؤُه-، ثم أمرَنا بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ - ﷺ -، وجعلَ ذلكَ منْ أشرفِ الطَّاعاتِ وأَفْضَلِها لدَيْه -جَلَّ ثناؤُه سُبْحانَهُ-.\n* وقد بيَّنَ النبيُّ - ﷺ - كيفيةَ الصلاةِ عليه.\nروى عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى عَنْ كَعب بنِ عُجْرَةَ قال: لما نزلتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب:٥٦]، قال: قُلْنا: يا رسول الله! قد علمنا السلامَ عليكَ، فكيفَ الصلاةُ عليك؟ قال: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ محَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ\" (١).\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٤٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨٦٣١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٩٥٧)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٥٨٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٢٠٦).","vol":"4","page":133},{"text":"* ثم ادَّعى بعضُ أهلِ العلمِ أن الصلاةَ عليهِ مُسْتَحبَّةٌ (١)، وهو خَطَأ، لا التفاتَ إليه، فلا دليلَ لهُ على دَعواه، بل هو مَحجوج بِما روى مالكُ بنُ الحَسَنِ بنِ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ عنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ قال: صَعِدَ النبي - ﷺ - المِنْبَرَ، فَلَما رَقا عَتبَةَ، قال: \"آمين\"، ثُمَ رَقا عتبةَ أخرى، فقال: \"آمين\"، ثم رَقا عتبةَ ثالثةَ، فقال: \"آمين\"، ثم قال: \"أتاني جِبْريلُ فقالَ: يا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدرَكَ رَمَضانَ فَلَم يُغْفر لَهُ فَأَبْعَدهُ اللهُ، قُلْتُ: آمين، قال: ومَنْ أدركَ والِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُما، فدخلَ النارَ، فَأبْعَدَه اللهُ، قُلْتُ: آمين، قال: ومَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهَ فَلَم يُصَل عَلَيَّ، فأبعدهُ اللهُ، قُلْتُ: آمين\" (٢).\nوبما روى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ عَلَى أَخْطأ طريقَ الله\" (٣).\nوبما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَلِي بنِ حُسَيْنِ بْنِ علي بن أبي طالِبِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، عن أبيه قال: قالَ عليُّ بنُ أبي طالِب: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ البَخيلَ الَّذي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَم يُصَل عَلَيَّ\" (٤)، خَرَّجَهُ أبو عيسى التِّرمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ صحيحٌ.\n_________\n(١) الذي ادعى ذلك هو ابن جرير الطبري، وادعى الإجماع عليه، انظر: الأقوال في حكم الصلاة على النبي ﷺ في \"فتح الباري\" (١١/ ١٥٢).\n(٢) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٦٤٩).\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٨٦)، وفي \"شعب الإيمان\" (١٥٧٤)، عن أبي هريرة، بلفظ: \" ... ... . أخطأ طريق الجنة\" بدل \"أخطأ طريق الله\".\n(٤) رواه الترمذي (٣٥٤٦)، كتاب: الدعوات، باب: قول رسول الله - ﷺ -: \"رغم أنف رجل\"، والإمام أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٠١)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤٣٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٨١٠٠)، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٦٧٧٦)، والبزار في \"مسنده\" (١٣٤٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٠١٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٥٦٦).","vol":"4","page":134},{"text":"* ثم اختلفَ هؤلاءِ في الأمرِ هلْ هوَ على التَّكرارِ، أو لا؟\nفذهبَ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ إلى أَنَّهُ على التكْرارِ، فتجبُ الصَّلاةُ عليهِ كُلَّما ذُكر - ﷺ - (١).\nوقالَ أبو بكرِ بنُ أحمدَ بنِ بكيرٍ القاضي: افترضَ اللهُ سبحانَهُ على خَلْقِه أنْ يُصلُوا على نَبيهِ ويُسَلِّموا تسليمًا، ولم يَجْعَلْ لذلكَ وقتًا معلومًا، فالواجبُ أن يُكْثِرَ المَرءُ منهما، ولا يغفُلَ عنهُما (٢).\nوذهبَ بعضُهم إلى أَنَّه ليسَ على التكْرارِ، فلا يجبُ في العُمُرِ أكثرَ من مَرَةٍ (٣).\nوكِلا القَوْلَين إمَّا تفريطٌ، أو إفراطٌ؛ فإنَّ الله سبحانَهُ لم يوجِبْ على عِباده ذِكْرَهُ إِلَّا في خَمسَةِ أوقاتٍ، فقالَ ﷾: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقالَ ﵎: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]، وقال تَعالى يذكر نبيَّه - ﷺ - مِنَّةً عليه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]،\n_________\n(١) لم أر من نسب هذا القول لأبي إسحاق، غير أنه نسب إلى جماعة من الشافعية كالحليمي، وجماعة من الحنفية كالطحاوي، وكاللخمي من المالكية، وابن بطة من الحنابلة، انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ١٥٣)، و\"حاشية رد المحتار\" لابن عابدين (١/ ٥١٦)، و\"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٧٣).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ١٥٣).\n(٣) وجوبها في العمر مرة هو قول الأكثرين ومنهم الكرخي، انظر: \"إحكام الأحكام\" لابن دقيق العيد (٢/ ٧٣)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٥٢).","vol":"4","page":135},{"text":"قال مجاهد: أي: لا أُذْكَرُ إلَّا وتُذْكَرُ مَعي (١).\nفإذا وَجَبَ على العِبادِ ذِكْرُ اللهِ سبحانه في أوقاتٍ مَخْصوصةٍ، وجبَ ذكرُ رَسولهِ - ﷺ - مَعَهُ في تِلْكَ الأوقاتِ، فلا يُقْصَرُ بهِ عَنْها، بل يبلغُ بهِ من المنَّةِ التي مَنَّ اللهُ تعالى عليهِ نِهايَةَ المِنَّةِ وغايَةَ الرِّفْعَةِ، فَكما لا يَصِحُّ إسلامٌ، ولا يَتِمُّ إيمان إِلَّا بذكرِه - ﷺ - مَعَ ذكرِ ربه، وكما لا يَكْمُلُ أَذان ودُعاءٌ إلى الصلاةِ إلا بذكرِه - ﷺ -، كذلكَ لا تتمُّ صلاةٌ يَجِبُ فيها ذكرُ اللهِ تعالى إلا بذكرِه، فمن أوجَبَ الصلاةَ عليهِ مَرَّةً واحدةً، لم يَسْتَوْفِ لهُ تمامَ الرِّفْعَةِ، ومَنْ أَوْجَبَ تكرارَها مُطْلَقًا، فقد بالَغَ وغَلا، فلف يَجْعَلِ اللهُ ذلكَ لهُ ﵎.\nفإنْ قلتَ: فَقَدْ أوجَبَ اللهُ ذِكْرَهُ - ﷺ - في التشهُّدِ، فإيجابُ الصَّلاةِ عليهِ أَمْر زائدٌ على ذكرِهِ.\nقلتُ: ذكرُه في التشهدِ جاءَ مُتابِعًا لذكرِ اللهِ سُبْحانَهُ الذي لا يَتِمُّ الإيمانُ إِلَّا بالإقرارٍ بهِ، وذكرُ الله سبحانه في الصَّلاةِ من التكبيرِ والتَّحْميدِ (٢) أمرٌ زائدٌ على الشهادِة لهُ بالوحدانِيةِ، فوجَبَ علينا أن نذكرَ نبيَّهُ - ﷺ - معَ ذِكْرِهِ سبحانَهُ باللَّفْظِ الذي أَمَرَنا بهِ، وخَصَهُ بهِ، وشَرَّفَهُ ورَفَعَهُ.\nوإلى إيجابِ الصَّلاةِ على النبي - ﷺ - في الصَّلَواتِ الخمس ذَهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وبعضُ المالكيةِ (٣).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٠٩) و(٩/ ٢٨٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٦٤) و(١/ ٤٣٧)، وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٨/ ٥٤٨).\n(٢) في \"ب\": \"والتمجيد\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للشافعي (١/ ١١٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ١٣٧)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ٤٣٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣١٨)، و(الاستذكار) لابن عبد البر (١/ ٣١٧) وما بعدها.","vol":"4","page":136},{"text":"ويُروى عن الشعبيِّ وعمرَ بنِ الخطابِ وابنهِ -رضي الله تعالى عنهم-.\nفإن قلتَ: فهل نجدُ دليلًا من السنَّةِ يدلُّ على أنَّ الصلَواتِ مَحَلٌّ للصلاةِ على نبيِّه - ﷺ - غيرَ ما ذكرتَ؟ قلتُ: نعم، رَوى أبو مسعودٍ الأنصاريُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: أقبلَ رَجُل حتى جَلَسَ بين يَدَيْ رَسولِ الله - ﷺ -، ونحنُ عندَهُ، فقال: يا رسولَ اللهِ! أَمَّا السلامُ عليكَ، فَقَدْ عَرَفْناهُ، فكيفَ نُصَلِّي عليكَ إِذا نَحْنُ صَلَّيْنا عَلَيْكَ في صَلاتِنا صَلَّى اللهُ عليكَ؟ فَصَمَتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حَتّى أحْبَبْنا أنَّ الرجلَ لم يسألْه، ثم قالَ: \"إذا أنتمْ صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَقُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمدٍ النَّبِيِّ الأمِّيِّ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ على مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأميِّ وآلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ\" (١)، فالسائِلُ إنَّما سألَه عن صِفَةِ الصَّلاةِ عليهِ، لا عَنْ مَشْروعِيَّتِها، وكلامُ الصَّحابِيِّ يدلُّ على أنَّ الصلاةَ عليهِ - ﷺ - في الصَّلاةِ أَمْرٌ مشروعٌ مقررٌ معهودٌ، فافتقرَ إلى السُّؤالِ عنْ صِفَتِها الكامِلَة، ولم يفتقرْ إلى السُّؤالِ إلى أصلِ مشروعيتِها.\nفإن قلتَ: فهل نجدُ دَليلًا أَبْيَنَ من هذا؛ فإنه يحتملُ أن يكونَ معنى قولِ السائلِ: كيفَ نُصَلِّي عليكَ إذا نحنُ صَلَّيْنا عليكَ في صَلاتِنا باختيارِنا، لا بِعَزيمةٍ علينا؟\nقلنا: روى عبدُ الرحمنِ بنُ أَبي لَيْلى، عَنْ كعْبِ بنِ عُجْرَةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ -: أَنَّه كانَ يقولُ في الصَّلاةِ: \"اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمد وآلِ مُحَمَّدٍ كَما صلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ وآلِ إبْراهيمَ، وبارِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كما بارَكْتَ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":137},{"text":"على إبْراهيمَ وآلِ إبْراهيمَ إنكَ حَميدٌ مَجيدٌ\" (١)، وهذا مَعَ قولهِ - ﷺ -: \"صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصَلِّي (٢) يَدُلُّ على الوُجوب.\nفإن قلتَ: الصلاةُ على آلِه، غيرُ واجبةٍ، وقدْ صَلَّى على آلِه فكذلك الصلاةُ عليه - ﷺ -.\nقلتُ: من أهل العلمِ من أوجَبَها على آلِه؛ كأبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ في أَحَدِ قولَيْه (٣)، وإنَّما لم تجبْ؛ لأَنها خَرَجَتْ من الوجوبِ؛ بدليلٍ، فدليلُها مقصورٌ عليها، ويدلُّ لهُ (٤) أيضًا وجوبُ الصَّلاةِ عليهِ - ﷺ - في الصَّلاةِ الوفاقُ من المخالِف في وُجوبِ الصلاةِ عليه - ﷺ - على إيجابِ التسليمِ الذي أَمَرَ اللهُ تَعالى به المؤمنينَ في الصَّلاةِ؛ حيثُ يقولُ كُل مُصَل من المؤمنينَ في تشَهُّدِهِ: السلامُ عليكَ أَيُّها النبي الكريمُ (٥) ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.\nفإنْ تَعسَّفَ مُتَعسفٌ وقالَ: السلامُ الذي أمرَ اللهُ بهِ المؤمنينَ هو قولُ القائلِ خارجَ الصَّلاةِ: صلى الله على النبيِّ وسلم.\nقلنا له: الصلاةُ والسلامُ أَمَرَ الله بهما المؤمنين أمرًا واحِدًا، وبدأ بالصلاةِ منهما، وقرنَ بينَهما، ولم يفرِّقْ بينَهما في أمرٍ، وأنتَ فَرَّقْتَ بينهما، فأوجبتَ السلامَ داخلَ الصلاةِ وخارجَها، ولم توجِبِ الصَّلاةَ إلا خارِجَها، وهلْ هذا إلا تَحَكُّمَ أو زيادةٌ على ما أمرَ اللهُ تعالى به؟ ألم ترَ إلى قولِ السائلِ: يا رسولَ الله! أما السَّلامُ عليكَ، فقد عرفناه، أي: في التّشَهُّدِ\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٢٦٣).\n(٤) \"له\": ليس في \"ب\".\n(٥) \"الكريم\" ليس في \"ب\".","vol":"4","page":138},{"text":"الذي عَلَّمتَنا كما تُعَلِّمُنا السورةَ من القرآنَ، فكيفَ نُصَلِّي عليك؟ فَهلْ تَرَى السَّلامَ الَّذي عَرَّفَهُ بلامِ العَهْدِ غيرَ السلام (١) الذي يكونُ مع الصلاةِ عليه - ﷺ -.\nولما انتهى بنا النظرُ والتحقيقُ إلى هذهِ الغايةِ التي هي سَواءُ الطريق، اخْتَرْنا موافقةَ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ، وذهبنا إليه؛ خلافًا لمنْ نسبَهُ إلى الشذوذِ -رحمه الله تعالى- (٢).\n* إذا تَمَّ هذا فقدْ علمتَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - شَرَعَ الصلاةَ على آلِه معَ الصَّلاةِ عليهِ تشريفًا لَهُم بشِرَفِهِ - ﷺ -، وَجزاهُ عنّا أفضلَ الجَزاءِ، وآتاهُ الوسيلةَ والفَضيلةَ بِمَنِّه وكَرَمِه.\nوقد اختلفَ الناسُ في الآل على أقوالٍ، وأما في هذا المَقام، فالمرادُ بهمْ أزواجُهُ وأهلُ بَيْتِهِ وعِتْرَتُهُ (٣).\n_________\n(١) \"السلام\": ليس في \"أ\".\n(٢) الذي نسب الشافعي إلى الشذوذ هو القاضي عياض في \"الشفا\" (٢/ ٦٢) فراجعه.\n(٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٣/ ٤٣١).","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>(من أحكام اللباس)</span>\n٢٢٦ - (١٠) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩].\n* أقول: هذهِ الآيةُ حكمُها مقصورٌ على سَبَبِها، وذلكَ أَنَّهُ كانَ قومٌ منَ الزُّناةِ يَتَّبِعونَ النِّساءَ إذا خَرَجْنَ لَيْلًا، ولَم يكونوا يطلُبون إِلَّا الإماءَ، ولم يكنْ يومئذٍ تُعْرَفُ الحُرَّةُ منَ الأَمَةِ؛ لأنَّ زينتهنَ كانت واحدةً، إنَّما يَخْرُجْنَ في دُروع وخِمارٍ، فأمرَ اللهُ سبحانَهُ الحرائرَ أَنْ يَتَمَيَّزْنَ عنِ الإماءِ، ولا يَتَشَبَّهْنَ بِهنَّ، حَتَّى يُعرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ.\n* وفي الآيةِ دليلٌ على جوازِ خروجِ نساءِ النبي - ﷺ - مُتَجَلْبِباتٍ.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- قالت: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بعدَما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها، وكانتِ امرأةً جَسيمة، لا تَخْفى على من يعرِفُها، فرآها عمرُ بنُ الخَطاب، فقال: يا سودة! أما واللهِ ما تَخْفَيْنَ، فانْظُري كيفَ تَخْرجين؟ قالتْ: فانكَفَأَتْ راجِعَةً، ورسولُ اللهِ - ﷺ - في بَيْتي، وإنَّه لَيتعَشَّى، في يدِه عَرقٌ، فدخلَتْ فقالَتْ: يا رسولَ الله! إني خرجْتُ لبعضِ حاجَتي، فقالَ في عُمَرُ كَذا وكَذا، فأوحى اللهُ إليه، ثم رفعَ عنهُ، وإن العَرْقَ في يدهِ ما وضَعَه، وقال: \"إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُن أَنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥١٧)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ...﴾، ومسلم (٢١٧٠)، كتاب: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان.","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>سُورَةُ ص</span>","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>(من أحكام النكاح)</span>\n٢٢٧ - (١) قولُه ﷻ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].\n* أقول: أرشدَ اللهُ سُبحانَهُ نبيَّهَ أَيّوبَ - ﷺ - إلى الحِيْلَةِ في دَفْعِ الحِنْثِ، وكان ذلكَ شريعةً له - ﷺ -.\nواختلفَ علماءُ شريعتِنا هل يكونُ شريعةُ مَنْ مَضى مِنْ قبلِنا شَرعًا لنا إذا لمْ يوجدْ في شريعتِنا ما يُخالِفُها ولا ما يوافقُها؟\nفذهب مالكٌ وطائفةٌ معه إلى أنها ليستْ بشرعٍ لنا، ولهذا قَالَ: لا يبرُّ الحالِفُ بمثلِ عَمَلِ أيوبَ -﵊-.\nوذهبَ الشافعيُّ وطائفة أخرى إلى أنَّه شَرعٌ لنا، ولهذا قَالَ: يَبَرُّ الحالِفُ بمثلِ عملِ أَيّوبَ النبيِّ -﵇ - (١).\nفإن قلتُم: فإنَّ الله سبحانَهُ قصَّ لنا عن شُعيبٍ النبيِّ -ﷺ-، وكان أَعْمى أنَّه أَنْكَحَ إِحدى ابْنَتَيْهِ على عَمَلٍ لنفسِه من غيرِ استِئمارٍ لها، ولم يقلْ بهِ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى-.\nقلنا: أما التزويجُ على عَمَلٍ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي (٢)؛ لِما روى سَهْلُ بنُ\n_________\n(١) انظر: \"الفروق\" للقرافي (٤/ ٢٩٢)، و\"الموفقات\" للشاطبي (٢/ ٢٦٩)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٤/ ٣٤٨)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٦/ ٥٧).\n(٢) قال الشافعي في \"الأم\" (٥/ ٥٩): وجوز أن تنكحه على أن يخيط لها ثوبًا، أو =","vol":"4","page":143},{"text":"سعدٍ السّاعِدِيُّ قال: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقالتْ: إنني وَهَبْتُ نَفْسي لَكَ، وقامَتْ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! زوِّجْنيها إنْ لمْ يكنْ لكَ بِها حاجةٌ، فقال: \"هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيْءٍ تُصدِقُها؟ \"، قال: ما عندي إلا إِزاري هذا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إزارُكَ إنْ أَعْطَيْتَها جَلَسْتَ وَلا إزارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شيئًا\"، قَالَ: ما أجدُ، قال: \"فالتمسْ ولَوْ خاتَمًا منْ حَديدٍ\"، فالتمسَ فلم يجد شيئًا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"زَوَّجْتكها بِما مَعَكَ مِنَ القُرآن\" (١).\nوأما الوِلايَةُ على المرأةِ، فإنَ الوليَّ المُجْبرَ لا يحتاجُ إلى استئمار البكرِ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي أيضًا (٢).\nوأما العَمى، فلا يقدَحُ في الوِلايةِ على الأَصَحَّ عندَ أَصحابه -رحمهم الله تعالى- (٣).\nوأما منعُه هو وغيرُه تزويجَ إحدى المرأتينِ، فإن نبيَّ الله - ﷺ - لم يُنْكِح إِحداهما مبهمةً، وإنما عَرَضَ على موسى - ﷺ - إِحداهُما، وخَيَّرَهُ بينَهُما، فأخبرَهُ أنَّه يريدُ إنكاحَه إحدى ابنتيه، والظاهرُ أن موسى - ﷺ - عَينَ إِحداهُما، وإن كان الإبهامُ جائزًا في شريعته، فقياسُ شريعتِنا أنه لا يجوز.\nوأما منعُه لكونِ الصَّداقِ للوَليِّ؛ فإنَّ النبي -ﷺ- نَهى عن نِكاحِ الشِّغار (٤).\n_________\n= يبني لها دارًا، أو يخدمها شهرًا، أو يعمل لها عملًا ...، إلخ.\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) قال الشافعي في \"الأم\" (٥/ ١٦٧): ليس لأحد غير الآباء أن يزوجوا بكرًا حتى تبلغ ويكون لها أمر في نفسها.\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٦٢).\n(٤) رواه البخاري (٤٨٢٢)، كتاب: النكاح، باب: الشغار، ومسلم (١٤١٥)، كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح الشغار وبطلانه، عن عبد الله بن عمر.","vol":"4","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>سُورَةُ مُحَمَّد - ﷺ </span>-","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>(من أحكام الجهاد)</span>\n٢٢٨ - (١) قوله ﷻ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤].\n* أقولُ: لمَّا نصرَ اللهُ عبدَهُ ورسولَهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - يوم بدر، وقُتلَ مَنْ قتلَ، وأسرَ من أسرَ منَ المشركين، وفاداهم قبلَ الإثخانِ فيهم، عاتَبَهُ اللهُ سبحانَه على فعلِه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].\n* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآية أيضًا صِفَةَ النِّكايةِ في عَدُوِّهِ، وبينَ مَقامَ المَن والفِداء، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، أي: فافعلوا، حَتّى يضعَ المشركون أوزارَ حَربِهم من السلاحِ، فلا يقاتلونكم، إمّا بالدُّخول في الإسلام، أو ببذلِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغرون (١).\nوقيل: حَتّى تَضَعَ آثامَها، فلا يَبْقى على الأرضِ مشركٌ، وذلكَ بخُروج عيسى -﵇ (٢) -، روى ابنُ المُسَيّب عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ\n_________\n(١) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٦/ ٢٢٩).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٦/ ٤٢).","vol":"4","page":147},{"text":"تعالى عنه -، عن النبي -ﷺ - أَنَّه قَالَ: \"والَّذي نَفْسي بيَدِهِ! لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابنُ مَريم حَكَمًا عَدلًا، فيكسرَ الصَّليبَ، ويقتل الخِنْزيرَ، وتَضَعَ الحربُ أوزارَها، ويَفيضَ المالُ حَتَّى لا تقْبَلَهُ أحدٌ\" (١).\n* ثم يحتملُ أن تكونَ هذهِ الآيةُ واردةً لبيانِ صفةِ النِّكايةِ في العَدُوِّ، ولِحَصرِ ما يُفْعَلُ بالأَسيرِ، وإنهاء القتلُ حتى يكونَ الإثخانُ، ثُمَّ الأسرُ، ولا يجوزُ الأسرُ قَبْلَ الإِثخانِ، ثُمَّ المَنُّ والفِداءُ فقط.\nوبهذا المعنى يقولُ مَنْ منعَ قَتْلَ الأُسارى، ولكنْ يُمَنُّ عليهِم، أو يفادَوْا.\nقال الحَسَنُ البَصرِيُّ: دَفَعَ الحجاجُ أسيرًا إلى ابنِ عُمَرَ ليقتلَهُ، فقالَ ابنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: ليسَ بِهذا أَمَرَنا اللهُ ﷿، فقرأ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].\nويحكى عن عَطاءٍ والضَّحّاكِ (٢).\nوادَّعى الحَسَنُ بنُ محمد التميميُّ أنَّه إجماعٌ منَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٣).\nوذهبَ قومٌ إلى تَخْصيصِ هذا الحُكمِ (٤) بغيرِ العَرَب، وأَمّا العَرَبُ، فلا يجوزُ أن يُمَنَّ عليهم، ولا يُفادَوا، قالَهُ السُّدِّيُّ وغيرُه (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٢٦٤)، كتاب: الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم ﵉، عن أبي هريرة.\n(٢) انظره مع خبر الحجاج وابن عمر في \"تفسير الطبري\" (٢٦/ ٤١).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٧٩).\n(٤) في \"ب\": \"حكمها\".\n(٥) هو قول قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس، وهو أيضًا قول كثير من الكوفيين، انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٦/ ٢٢٧).","vol":"4","page":148},{"text":"وذهبَ قومٌ إلى أنها عامَّةٌ منسوخةٌ (١) بالأمرِ بالقتلِ في (براءة) (٢)، وأنه لا يجوزُ أن يُمَنَّ على مُشْرِكٍ، ولا يُفادى إلا مَنْ لا يجوزُ قتلُهُ؛ كالصبيِّ والمرأةِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- (٣).\nقَالَ الشافعيُّ: لمَ يَبْلُغْني عن ابنِ عباسِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - بإسنادٍ صحيحٍ، وإنَّما هو عندي من تفسيرِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ بروايةِ أولادِهِ عنهُ، وهو إسناد ضعيفٌ، والظاهرُ -واللهُ أعلم- أنَّها واردةٌ لبيانِ وقتِ الأَسْرِ، لا لحصر ما يفعلُ بالأسيرِ.\nقَالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: خُيِّرَ النبيُّ - ﷺ - في الأَسْرى بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والقَتْلِ والاستِعْباد (٤)، يفعلُ ما يشاءُ، وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ، فقدْ قَتَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الأَسْرى صَبْرًا في غيرِ مَوْطِنٍ.\nفإنْ قيلَ: إنَّ هذهِ الآيةَ نَسَخَتْ فِعْلَهُ.\nقلنا: لو كانَ كذلكَ، لَبَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ -؛ لِما فُرِضَ عليهِ منْ بيانِ كِتابِهِ، وقد استعبدَ النِّساءَ، وأجمعتِ الصَّحابَةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- على استِعْباد أهلِ الكتابِ؛ ذكورِهم وإناثِهم، ولو كانتْ لِحَصْرِ ما يُفْعَلُ بالأَسير، لما جازَ الاسْتِرقاق، ولما أَجْمَعَتْ عليهِ الصحابةُ.\nفإن قلتَ: فما الحكمُ في استرقاقِ العَرَبِ؟\nقلنا: قال بعضُ العلماءِ: إنَّ النبي -ﷺ- لم يستعبدْ ذُكورَ العربِ، وكذا\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٧)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٥٣)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٥٦).\n(٢) وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ... ...﴾ الآية. [براءة: ٥]، وقد تقدمت.\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٦/ ٢٢٧).\n(٤) انظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٨/ ١٥٣).","vol":"4","page":149},{"text":"قَالَ الشافعيُّ في القديمِ: الحجازُ عندَنا ليس في أهلِه عربيٌّ علمتُهُ جَرى عليهِ سَبْيٌ في الإِسلامِ، ولا نعلمُ أنَّ أبا بكرِ سَبَى عَرَبِيًا بَعْدَ أَهْلِ الرِّدَّةِ، ولكنْ أسرَهُم أبو بكرِ حتى خلاهم عمرُ.\nوقد رُويَ عن أبي بكرِ شيءٌ في سبيِ بعضِ العربِ، وليس بثابتٍ، إنمَّا كانَ أَسَرَهُم.\nوأحسبُ أَنَّ من قَالَ بِسِبائِهم (١) ذهبوا إلى هذا (٢).\nثم قال: أخبرنا محمدٌ، عن موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن أبيهِ، عن السَّلوليِّ، عن معاذِ بنِ جبلِ: أَنَّ النبي -ﷺ- قَالَ يومَ حُنَيْنِ: \"لَوْ كانَ ثابِتًا على أَحَدٍ منَ العَرَبِ سِباءٌ بعدَ اليوم، لثبتَ على هؤلاء، ولكنْ إنما هو أَسارٌ وفِداءَ\" (٣).\nثم قال: ومنْ ثبتَ عندَهُ الحديثُ، زعمَ أنَّ الرِّق لا يَجْري على عَرَبِيّ بحالٍ، وهوَ قولُ الزهْرِيِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيبِ، والشعبي، ويُروى عن عمرَ بنِ الخَطابِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومَنْ لم يُثبتِ الحديثَ عن النبي -ﷺ-، ذهبَ إلى أن العربَ والعَجَمَ سَواءٌ، وأنه يجري الرقُّ حيثُ جَرى على العَجَمِ.\nقال الربيعُ (٤): وبهِ يأخذُ الشافعي، واحتجَّ بأن النبي -ﷺ- سبى بَني\n_________\n(١) في \"ب\": \"سَباهم\".\n(٢) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٥)، وفي النقل عنه تقديم وتأخير.\n(٣) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧٣)، والطبراني (٥/ ٣٣٢ - مجمع الزوائد).\n(٤) هو أبو محمد الربيع بن سليمان المرادي، صاحب الإمام الشافعي وراوية كتبه، وحيث أطلق (الربيع) في كتب الشافعية فهو: المرادي وليس الجيزي، انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (١/ ١٨٧).","vol":"4","page":150},{"text":"المُصطَلِقِ، وهَوازِنَ، وقبائلَ من العربِ، وأجرى عليهم الرِّقَّ حَتَّى مَن عليهِم بَعْدُ (١).\nوأُجيبَ عن الأَوَّلِ بأنَّ هذا الحديثَ لم يوجدْ في شيءٍ من طرقِ حديثِ سَبْي هَوازن، وبأَنَّ في سندِه موسى بن محمَّد بنِ إبراهيمَ، وليسَ هو بالقوَيِّ، وبأنَّ الذي رَواه عن موسى بن محمَّد يشبهُ أن يكونَ محمدَ بنَ عمرَ الواقديَّ، وهو ضعيفٌ.\n* إذا تَمَّ هذا، فقد علمتَ أَنَّ الله سبحانَهُ عَلَّمَهم صفةَ القتلِ، وأنه ضَرْبُ العنقِ؛ لأنه أقوى في النكايةِ، وأقربُ إلى إِزْهاقِ الروحِ.\nوقد بيَّنَ النبي -ﷺ- ذلكَ، ونهى عن المُثْلَةِ، قَالَ عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: ما خطبَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلَّا وأَمَرَنا (٢) بالصَّدَقَةِ، ونَهى عنِ المُثْلَةِ (٣).\nوروى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ إذا بَعَثَ بِسَرِيَّةٍ قال: \"لا تُمَثِّلُوا\" (٤).\n_________\n(١) انظر: المسألة والاختلاف فيها في \"الأم\" للشافعي (٤/ ٢٧١)، و\"مختصر المزني\" (ص ٢٧٧)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٧٤٧٣)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٧/ ٣) وما بعدها، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٩/ ٢٤٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٢٥١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٣٦)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٥/ ١٧٠)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (٨/ ١٤٩) وما بعدها.\n(٢) في \"ب\": \"وأمر\".\n(٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٤٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٦٩).\n(٤) لم أجده من حديث عبد الله بن عباس، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" (٢/ ٣٧) الرواة الذين ذكروا أحاديث النهي عن المثلة، =","vol":"4","page":151},{"text":"٢٢٩ - (٢) قوله ﷻ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].\nوقد قَدَّمْتُ شيئًا من الكلامِ على هذهِ الآيةِ في \"سورةِ الأنفالِ\"، وسأزيدُ هنا ما يليقُ بهذا المَقام.\nفأقول: يحتملُ أن يكونَ معنى قوله سبحانَهُ: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ التعليلُ، ويحتملُ أن يكون معنى هذه الجملةِ الحالُ، أي: فلا تَدْعوا إلى السّلْمِ في حالِ علُوِّكُمْ عليهم.\nولا بدَّ للمسلمينَ من ثلاثةِ أحوالٍ إذا التمسَ المشركونَ منهُمُ الصُّلْحَ:\nالحالة الأولى: أن يكونَ على المسلمينَ في السّلْمِ مَضَرَّةٌ، فلا خَفاءَ في عَدَمِ (١) إجابتِهم.\nالحالة الثانية: أن يكونَ للمسلمين فيهِ مصلحةٌ بأنْ يكونَ في المسلمينَ ضَعْفٌ وقِلَّةُ عددٍ لا خَفاءَ باستحبابِ الإجابةِ. وهل يجبُ؟ فيه وجهانِ عندَ الشافعيةِ:\nأحدهما: يجبُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ولما فيه من اتبِّاعِ الأصلح.\nوأصحهما عندَهُم عدمُ الوجوبِ؛ لأن ما يتعلقُ بنظَرِ الإمامِ لا يكون\n_________\n= فذكر حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، وأبي أيوب، وسمرة، وعمران بن حصين، والمغيرة، وزيد بن خالد، وأسماء بنت أبي بكر، وابن عمر، وعلي، والحكم بن عمير، وعائذ بن قرط ا. هـ. وقد روى أبو عوانة في \"مسنده\" (٦٥٠٢)، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا بعث سرية أو جيشًا قال: \"لا تمثلوا\".\n(١) في \"ب\": \"بعدم\".","vol":"4","page":152},{"text":"واجبًا عليه، وإن وجبَ عليه مراعاةُ الأصلحِ، والآيةُ منزلةٌ على (١) نظرِ الإمامِ في اتِّباعِ الأصلح للمسلمين، وفي هذا الاستدلالِ نظر لا يَخْفى.\nالحالة الثالثة: أن يكون للمشركين فيهِ مصلحةٌ، وليس على المسلمين فيه مَضَرَّةٌ؛ بأنْ يكونَ المسلمونَ أَظْهَرَ منَ المشركين، وظاهرُ إطلاقِ الشافعيةِ أنهُ يجوزُ إجابتُهُم إذا رآهُ الإمامُ؛ لآيةِ الأنفالِ، وبه قَالَ فريقٌ من الناس (٢).\nوقالت المالكيةُ بعدمِ الجوازِ (٣)، ووافقهم فريقٌ من الناسِ، لهذه الآية، وبهِ أقولُ؛ لأن الجهادَ فرض لا يجوزُ تركُه من غير عذرٍ ولا مصلحةٍ كسائرِ الفروضِ.\nفإن قلتَ: هذا القولُ في إجابتهم إذا التَمَسوا الصُّلْحَ، فهلْ يجوزُ لنا ابتداؤهُم بطلبِ الصُّلْحِ؟\nقلنا: ذهب قومٌ إلى أنه لا يجوزُ إلا في مَقامِ الضَّرورَةِ؛ لظاهرِ هذه الآيةِ، ولمفهومِ الخطابِ من آيةِ الأنفالِ.\nوذهبَ الجُمهورُ من الفقهاءِ إلى أنه حَيْثُ جازَ إجابتُهم، جازَ ابتداؤهم؛ لما تقررَ أن الحُكْمَ في هذا مَنوطٌ بنظرِ الإمامِ، وقدِ التمسَ النبيُّ - ﷺ - الصلحَ من أهلِ مَكَّةَ، إمّا تَصريحًا، أو تلويحًا، وبهذا قالتِ الشافعيةُ، ولكن (٤) يلزمُ منهُ جوازُ طلبِ المسلمينَ للصلح (٥)؛ إن كانَ الصلحُ يختصُّ بمصلَحَته\n_________\n(١) في \"أ\": \"على عدم\"، وهو خطأ.\n(٢) انظر: \"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٣٣٥٣٣٤).\n(٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٨٣)، و\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (١/ ١٠٤).\n(٤) في \"ب\": \"ولكنه\".\n(٥) \"للصلح\": ليس في \"أ\".","vol":"4","page":153},{"text":"المشركونَ (١)، وهذا غير جائزٍ؛ لما فيه من إبطالِ فريضةِ الجهادِ من غيرِ عذرٍ ولا مَصلَحَةٍ، ولأجلِ هذا (٢) اخَتْرنا مقالةَ المالكيةِ.\n* إذا تَم هذا، فأكثرُ (٣) مُدَةِ يصالح عليها المدَّةُ التي صالَحَ عليها النبيُّ - ﷺ - أهلَ مَكَّةَ، وهي عَشْرُ سنينَ في قولِ الشافعيِّ، ومنعَ الزيادةَ عليها (٤)، وجوزَ مالكٌ الزيادةَ عليها إذا رأى الإمامُ المصلحةَ في ذلك (٥).\n_________\n(١) في \"أ\": \"بمصلحة المشركين\".\n(٢) في \"ب\": \"ولهذا\".\n(٣) في \"ب\": \"فأكبر\".\n(٤) انظر: \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ٢٦١).\n(٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٤١).","vol":"4","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>سُورَةُ الفَتْحِ</span>","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>(من أحكام الجهاد)</span>\n٢٣٠ - (١) قوله ﷻ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].\n* دفعَ اللهُ سبحانَهُ القِتالَ والقَتْلَ عن المشركينَ لأجلِ المسلمينَ المَجْهولينَ الذينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهم، وأَمّا لو لمْ يكنْ فيهم مسلمونَ، لجازَ قتلُهم وقِتالُهم بما يَعُمُّ منْ آلةِ الحَربِ، إذْ لا مَعَرَّة (١) ولا كَفّارَةَ في قَتْلِ نَسائِهم وذَراريّهِم إذا وقعَ خَطَأً؛ فقدْ نصبَ النبيُّ - ﷺ - على أهلِ الطائفِ مَنْجَنيقًا، أو عَرّادَةً (٢)، ونحن نعلمُ أن فيهم النساءَ والصِّبيان (٣) والوِلْدانَ (٤)، ونصبَ عَمْرُو بنُ العاصِ المَنْجَنيقَ على أهلِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ (٥).\n_________\n(١) المعرَّة: الأمر القبيح المكره، وهو الأذى، وهي مَفْعَلة من العَرِّ. \"لسان العرب\" (مادة: عرب).\n(٢) العرّادة: شبه المنجنيق، صغيرة، والجمع: العَرَّادات. \"لسان العرب\" (مادة: عرد).\n(٣) \"والصبيان\" ليس في \"ب\".\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٤٣)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٨٤).\n(٥) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٣٠).","vol":"4","page":157},{"text":"* وقد استنبطَ الأوزاعيُّ من هذهِ الآيةِ وجوبَ كَفِّ القتالِ عن العَدُوُّ فيما إذا عَلَوُا الحُصونَ، وتَتَرَّسوا بالمُسلمين.\nوقالَ الأوزاعيُّ: يكفُّ المسلمونَ عَنْ رَمْيِهِم، وإن بَرَزَ واحدٌ منهم رَمَوْهُ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] حتى فرغ الآية، فكيفَ يرمي المسلمونَ مَنْ لا يرميهم من المشركين؟ (١)\nقال الشافعيُّ: والذي تأَوَّلَ الأوزاعيُّ يحتملُ ما تَأَوَّلَهُ عليه، ويحتملُ أن يكونَ كَفُّهُ عنهم لِما سبق في عِلْمِه منْ أنَّه سَيُسْلِمُ منهم طائفةٌ، والذي قَالَ الأوزاعيُّ أَحَبَّ إلينا إذا لم يكنْ بنا ضرورةٌ إلى قِتالِ أهلِ الحِصنِ، ولكن لو اضْطُرِرنا إلى قِتالهم بأنْ نخافَهُم على أنفسِنا إنْ كَفَفْنا عن حَربِهم، قاتلناهم، ولم نتَعَمَّد قتلَ المسلمِ، فإن أَصَبْناه (٢)، كَفرنا (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٤٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٧٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٦).\n(٢) في \"أ\": \"أصبنا\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و\"الرد على سير الأوزاعي\" لأبي يوسف (٦٦).","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>سورة الحجرات</span>","vol":"4","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>(من أحكام الأضحية)</span>\n٢٣١ - (١) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].\n* قال مجاهدٌ: لا تفْتاتوا على رسولِ اللهِ - ﷺ - (١).\nوقيل: لا تَذْبَحوا قبلَ أن يذبحَ النبيُّ - ﷺ - (٢).\n* إذا تقرَّرَ أنَّ هذهِ الآيةَ نازلةٌ في تَقْديمِ الأضحِيَّةِ، فقدْ بيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أولَ وَقْتِ الأضحية.\nروى أَنَس -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فإنَّما ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، ومنْ ذَبَحَ بعدَ الصَّلاةِ، فَقَد تَمَّ نُسُكُهُ\" (٣).\nوروى البراءُ بنُ عازِبٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ أَوَّلَ ما نَبدَأ به (٤) في يومنا هذا أَنْ نُصَلّيَ، ثمَّ نرجعُ فَنَنْحَرُ، فمنْ فعلَ ذلكَ، فقدْ أصابَ سنَّتَنا، ومَنْ ذَبَحَ قبلَ ذلكَ، فإنَّما هوَ\n_________\n(١) ذكره البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٨٣٢) معلقًا بصيغة الجزم، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٥١٦). وانظر: \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٤/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(٢) روي عن جابر ﵁، وإليه ذهب الحسن. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٩/ ٧٠)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٤/ ٢٠٩).\n(٣) رواه البخاري (٥٢٢٦)، كتاب: الأضاحي، باب: سنة الأضحية.\n(٤) \"به\" ليست في \"أ\".","vol":"4","page":161},{"text":"لَحم لأهلِهِ، ليسَ منَ النسُكِ في شَيْءٍ\" (١)، خَرَجَهُ مسلم في \"صحيحه\".\nوروى بشير (٢) بنُ يسارِ: أَنَّ أبا بُردَةَ بنَ نِيارِ ذَبَحَ ضَحِيَتَهُ قبلَ أن يذبحَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يومَ الأَضْحى، فزعمَ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - أمرَهُ أن يعودَ بضَحِيتِهِ، قال أبو بردةَ: يا رسولَ الله! لا أجدُ إلا جَذَعًا، قَالَ: \"وإنْ لمْ تجد إلا جَذَعًا، فاذْبَح\" (٣)، خَرَّجَهُ مالِكٌ في \"مُوَطئِهِ\".\nوعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ، فلا يجوزُ الذبحُ قبلَ الصَّلاةِ، لكنِ استثنى عطاء وأبو حنيفةَ أهلَ القُرى والبَوادي، فَجَوَّزا لهم الذبْحَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ الثاني (٤).\nثم اختلفوا:\nفمنهم من اعتبرَ وقتَ الأُضْحيةِ بالزمانِ، وهم الشافعيُّ، وداودُ، وابنُ المنذرِ، وآخرون، وقالوا: يدخُل وقتُها إذا طلعتِ الشمسُ، ومَضى قدرُ صَلاةِ العيدِ والخُطْبتين، سواء صَلى المُضَحي أم لا، وسواءٌ صَلَّى الإمامُ أم لا، وسواءٌ ذبحَ الإمامُ أم لا (٥).\nواعتبرَ الباقونُ وقتَها بفعلِ الإمام.\nثم اختلفَ هؤلاءِ:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٢٥)، كتاب: الأضاحي، باب: سنة الأضحية، ومسلم (١٩٦١)، كتاب: الأضاحي، باب: وقتها، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) في \"أ\": \"بشر\".\n(٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٩٠٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٣).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٢٢٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٧٢).\n(٥) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٨٥)، و\"المجموع\" للنووي (٨/ ٢٨٢).","vol":"4","page":162},{"text":"فذهبَ الحَسَنُ، وعطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ إلى أنه لا يدخُل وقتُها حتى يُصَلّيَ الإمامُ ويخطُبَ، وإن لم يذبحْ (١).\nوذهبَ مالكٌ إلى أنه لا يدخُل وقتُها إلا بذَبْحِ الإمامِ (٢)، واستدلَّ بحديثِ أبي بُردَةَ بنِ نِيار.\nوالاستدلالُ بهِ مدخولٌ؛ لأنه وردَ في بعضِ روايتِه أنهُ ذبحَ قبلَ الصَّلاةِ، فأمرهُ (٣) رسولُ اللهِ - ﷺ - أن يعيدَ الذبحَ، ولا شَك في أن القصةَ واحدةٌ، وأنه إذا ذبحَ قبلَ الصَّلاة، فقد ذبحَ قبلَ ذبحِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا عكسَ، ولو جعلنا الذبحَ هو الوصفَ المؤثّرَ في عدم الإِجزاء؛ لتعارض الروايتان عنه في وقتٍ واحدٍ، وامتنعَ العملُ بهما جمَيعًا، وكان الرجوعُ إلى الحديثِ المعارِض لهما أَوْلى من العملِ بإحداهُما، ولو ترجَّحَتْ إحداهُما على الأخرى، فدلَّ على أن الوصفَ المؤثرَ في الحُكْمِ هو الصلاةُ كَما جاءَ في حديثِ أَنسٍ والبَراءِ، ولأنَّ التعليقَ بالصَّلاةِ عرفَ من قوله - ﷺ -، والتعليقَ بالذبحِ عُرِفَ من قولِ الصَّحابِيِّ أو التابعيِّ؛ لأنه لو كانَ الذبحُ شرطَه، لَبَيَّنَهُ النبيُّ - ﷺ -؛ لِما فَرَضَ اللهُ عليهِ من البَيان عندَ الحاجَةِ؛ إذ صدورُ بيانِه - ﷺ - كانَ في يومِ العيِد عندَ فعلِ هذهِ العبادةِ.\nوقد مضى الكلامُ على انتهاءِ مدةِ الذبْحِ في \"سورةِ الحَجِّ\".\n_________\n(١) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٥/ ٧٣)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٤/ ٧٢)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" لابن قدامة (١/ ٢٣١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٣/ ١١١).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٦٩)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٢٣/ ١٨٨).\n(٣) في \"ب\": \"وأمره\".","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>(من أحكام الردة)</span>\n٢٣٢ - (٢) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].\n\n* سببُ نزولِها:\nقيلَ في أبي بكرٍ وعُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، تنازَعا عندَ رسولِ اللهِ - ﷺ - حتى عَلَتْ أصواتُهما (١).\nوقيل (٢): نزلت في ثابتِ بنِ قيسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ (٣).\nوكانَ هذا خَصيصةً لرسولِ اللهِ - ﷺ -؛ تشريفًا لِقَدرِه، وتَعْظيمًا لِحُرمَتِه - ﷺ -، حتى تواعدَ اللهُ سبحانهُ على هذا بحَبْطِ العَمَلِ.\nويؤخَذُ من هذا أن يقاسَ عليهِ ما هوَ أقبحُ منهُ في هَتْكِ حُرمَتِه - ﷺ -؛ كالاستهزاءِ بهِ، وتركِ التوقيرِ لهُ؛ فإنهُ كُفْرٌ مُحبِطٌ للعمل، مُوجِبٌ للنارِ (٤)،\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٥٦٤).\n(٢) \"نزلت\": ليس في \"أ\".\n(٣) رواه البخاري (٤٥٦٥)، ومسلم (١١٩).\n(٤) انظر: \"الشفا\" للقاضي عياض (٢/ ١٨٨)، و\"الصارم المسلول على شاتم الرسول\" لابن تيمية (٢/ ١٣).","vol":"4","page":164},{"text":"نعوذُ باللهِ من ذلكَ، ونسألُه أن يرزقَنا القيامَ بِحَقِّهِ، ويجزِيَهُ عَنّا أفضلَ ما جَزى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، ﵌ كما صَلَّى على إبراهيمَ (١) إنه حميدٌ مجيدٌ.\n_________\n(١) \"وآل إبراهيم\": ليس في \"أ\".","vol":"4","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>(من أحكام الشهادات)</span>\n٢٣٣ - (٣) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].\n* أوجبَ اللهُ سبحانهُ على المؤمنينَ التَّبيُّنَ والتثبُّتَ عندَ إخبارِ الفاسقِ وشهادتِه؛ لما فيهِ من الصَّلاح ودفعِ المشقةِ عنهم، وهذا حكمٌ مُجْمَعٌ عليه بينَ المُسلمين، وإنِ اختلفوا في صِفَةِ العَدالةِ، وقدْ قَدَمْتُ في \"سورةِ البقرةِ\" ما فيهِ كفايَةِ.","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>(من أحكام البغاة)</span>\n٢٣٤ - (٤) قوله ﷻ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].\n* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنينَ الصّلْحَ بينَ إخوانِهم منَ المُؤمنين، وهو أن يَدعُوهُم إلى حكمِ اللهِ -ﷻ-، وأَلَّا يَبْدَؤوهم بقتالٍ إلا بعدَ الدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَه، كما فعلَ أبو بكرِ في أهلِ الرِّدَّةِ، وعَلِيٌّ في أهلِ حَروراءَ، وغيرِهم -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.\nفإن أصَرَّتْ إحداهُما على البَغْيِ، وَجَبَ على المؤمنينَ قِتالُها حتى ترجعَ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَهُ، فإن فاءَتْ ورَجَعَتْ، وَجَبَ عليهمْ أن يُصلِحوا بينَهم بالعدلِ والقسط؛ كما ذكرَه اللهُ سبحانَه.\n* وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الصُّلْحَ، ولم تُذْكَر تِباعَةٌ في دَمٍ ولا مالٍ.\nقَالَ الشافعيُّ: فأشبَه هذا -واللهُ أعلمُ- أن تكونَ التِّباعاتُ في الجِراحِ والدِّماءِ، وما كانَ من الأموالِ ساقطًا بينهم (١).\nويحتملُ أن يصلح بينَهما بالحُكْم إذا كانوا قد فَعَلوا ما فيه حُكْمٌ، فيعطى\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢١٤).","vol":"4","page":167},{"text":"بعضُهم من بعضِ ما وَجَبَ له (١)؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْعَدْلِ﴾، والعدلُ أخذُ الحَق لبعضِ الناس منْ بَعْضٍ.\nقال: وإنما ذَهَبْنا إلى أن القَوَدَ ساقِطٌ، والآيةُ تحتملُ المَعْنَيينِ؛ لما أخبَرَنا مُطَرّفُ بنُ مازِنٍ (٢)، عن مَعْمَرِ بنِ راشِدِ، عن الزهْريِّ قال: أدركتُ الفِتْنَةَ الأُولى في أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وكانَتْ فيها دِماءٌ وأموالٌ، فلم يُقْتَصَّ فيها من دمِ ولا مالٍ ولا قَرحٍ أُصيبَ بوجهِ التأويل، إلا أَنْ يؤخَذَ مالُ رجلٍ فيدفَعَ إلى أصحابِه (٣).\nوقال أيضًا في القديم: وقدْ ظهرَ عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - على بعضِ مَنْ قاتَلَ، وفي أصحابِه من قَتَلَ منهُم، ومنهُمْ مَنْ قَتلَ من أصحابِه، وجَرَحَ، فلم يُقَد واحِدٌ من الفريقين من صاحبه من دمِ ولا جُرحٍ، ولم يغرمْهُ شيئًا علمنا (٤).\n* وأحكامُ هذه الآيةِ ظاهر متفقٌ على أكثرها، وقد بَيَنَها اللهُ سبحانَهُ على أن المقصودَ من قِتالِ البُغاة إنما هُوَ كَفُّهُمْ عن البَغْيِ حتى يفيئُوا إلى الله، وليسَ المرادُ بهِ الانتقامَ منهم، فإذا أمكَنَ كَفُّهُمْ بقتالِ، فلا يُعْدَلُ إلى ما هوَ أغلظُ منه، ولا يُقْتلُ أسيرُهم، ولا يُذَفَّفُ (٥) على جَريحِهم، ولا تتلَفُ أموالُهم (٦).\n_________\n(١) \"له\": ليس في \"أ\".\n(٢) في \"ب\": \"عامر\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢١٤).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٢٧٩).\n(٥) يذفف: تذفيف الجريح: الإجهاز عليه، وتحرير قتله. \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ١٦٢).\n(٦) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٢٢٢)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" لابن قدامة (٤/ ١٤٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ١٧٠).","vol":"4","page":168},{"text":"وقدْ فعلَ ذلكَ عليٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فقالَ يومَ الجَمَلِ: لا تتَّبعُوا مُدبِرًا، ولا تُجهزوا على جَريحٍ، ولا تغنَموا مالًا (١).\nوقال أبو أمامَةَ: شهدْتُ صِفِّيْنَ، فكانوا لا يُجهزونَ على جَريحٍ، ولا يَقْتُلون مُوَلَيًا، ولا يَسْلُبون قتيلًا (٢).\nوبهذا قَالَ الشافِعيُّ (٣).\nوقال أبو حنيفةَ: يتبعُ مُدبِرُهم؛ لأنه لا يَحصُلُ فَيْئُهُمُ بالإدبار (٤).\nورأى الشافعيُّ حُصولَ الفيئةِ؛ لانْكِفافِ بعضِهم، واستدلَّ بفعلِ عَلِيّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٧٧٨)، وبحشل في \"تاريخ واسط\" (١٦٥).\n(٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٤١١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣٢٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٦٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٣/ ١٣١).\n(٤) لكن شرط الحنفية أن يكون له فئة ينحاز إليها، وأما إن لم يكن له فئة ينحاز إليها فلا يتبع موليهم ولا يقتل أسيرهم ولا يجهز على جريحهم. انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١٧١).","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>(آداب وفضائل)</span>\n٢٣٥ - ٢٣٦ (٥ - ٦) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١].\n\n* وأحكامهُما ظاهرةٌ، ولا شَك في أنها آدابٌ مفروضَةٌ، فرضَها الله سبحانَهُ على عِباده لِصَلاحِهم وفلاحِهِمْ.","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>(من أحكام النكاح)</span>\n٢٣٧ - (٧) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].\n* تمسَّكَ بهذِهِ الآيةِ مالِكٌ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- في تركِ اعتبارِ الكَفاءَةِ.\nقَالَ ابنُ القاسِمِ: سألتُ مالِكًا عن نِكاحِ المَوالي في العربِ، فقالَ: لا بأسَ بذلك، أَلا تَرى إلى ما في كتابِ الله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) [الحجرات: ١٣].\nويدلُّ له (٢) أيضًا ما رُوي عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أن النبي -ﷺ- قَالَ: \"يا بَني بَياضَةَ! أَنْكِحُوا أبا هِنْدٍ، وأَنْكِحوا إليه\" (٣)، وكانَ حَجّامًا.\nوزعمَ الزُّهْرِيُّ في هذهِ القِصَّةِ أَنَّهم قالوا: يا رسولَ اللهِ نزوجُ بناتِنا\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٤/ ١٦٣).\n(٢) في \"ب\": \"عليه\".\n(٣) رواه أبو داود (٢١٠٢)، كتاب: النكاح، باب: في الأكفاء، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٠٦٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٨٠٨)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٣٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٦٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٦).","vol":"4","page":171},{"text":"مَواليَنا؟ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) [الحجرات: ١٣].\nوقد عَمِلَ الصَّحابَةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- بذلك (٢)، فتزوجَتْ أختُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ من سَلْمانَ، وأُخْتُ أبي بكرٍ من بِلالٍ، وزَوَّجَ أبو حُذَيْفَةَ بْنُ عتبةَ بنِ رَبيعةَ بنتَ أخيه من سالم مولاهُ، وتزوجَ زيدُ بنُ حارثةَ بزينبَ بنتِ جَحشٍ، ثم ابنُه أسامةُ بنُ زيدٍ بفاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ (٣).\nوفي تنزيلِ العَبْدِ القِنّ منزلةَ المَوْلى خِلافٌ عندَهُمْ.\nوذهبَ الشافعيُّ إلى اعتبارِ الكَفاءةِ (٤)، وقال: أصلُ هذهِ (٥) الكفاءةِ مستنبطٌ من حديثِ بَريرةَ، وكانَ زوجُها غيرَ كُفْءٍ فخَّيَرها رسولُ اللهِ - ﷺ - (٦).\nويدلُّ لهُ (٧) ما رُوي عن عُمَر -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أنه قال: لأمنعنَّ ذواتِ الأَحسابِ أن يُزَوَّجْنَ إلَّا منَ الأَكْفاءِ (٨).\nوما رُويَ عن عائشةَ وابنِ عُمَرَ: العَرَبُ بعضُها أكفاءُ بعضٍ قبيلةٌ بقبيلةٍ،\n_________\n(١) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٢٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٦).\n(٢) في \"ب\": \"بهذا\".\n(٣) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٢٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٤/ ١٨٧).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٨٤).\n(٥) \"هذه\" ليس في \"أ\".\n(٦) تقدم تخريجه.\n(٧) في \"ب\" زيادة: \"أيضًا\".\n(٨) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠٣٢٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٧٧٠٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٢٩٨).","vol":"4","page":172},{"text":"ورجلٌ برجلٍ، والمَوالي بَعْضُها أكفاءٌ لبعضٍ، قبيلةٌ بقبيلةٍ، ورجلٌ برجلٍ، إلَّا حائِكًا أو حجامًا (١).\nوقولُ مالكٍ عندي أرجحُ وأَوْلى، فلهُ أن يقولَ: تخييرُهُ بَريرةَ لا يدلُّ على اعتِبارِ الكفاءَةِ، فإنَّما خَيَّرَها رسولُ الله - ﷺ - لِعَجْزِ الزوجِ عن القِيام بِواجباتِ الأَحرار، ونُقصانِه عن كمال (٢) الاستِمْتاعِ؛ لكوبه مَشْغولًا بخدمَةِ مولاهُ، وأما الأَثَرانِ، فَمَوقوفانِ، وقولُ الصَّحابَي ليسَ بِحُجَّةٍ، وإن سلم، فهما ضَعيفان، بل جاءتِ السنَّةُ بموافقةِ الكتابِ العزيز.\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٤)، عن ابن عمر، وعائشة، ولكن مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-. وانظر: \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\" لابن حجر (٢/ ٦٣).\n(٢) في \"أ\": \"كامل\".","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>سورة النجم</span>","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>(من أحكام النيابة في العبادات)</span>\n٢٣٨ - (١) قولُه ﷻ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩].\nأقولُ: اشتملتْ هاتانِ الآيَتان على جُملتين:\nأَمّا الجملَةُ الأولى، وهي قولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وما أشبَهَها، فقد ثبتَ في السنَّةِ أنها مخصوصة في حَمْلِ العاقِلَةِ لِدِيَةِ الخَطأ؛ خلافًا للأَصَمِّ وابنِ عُلَيَّة (١).\nوأما الجملة الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) [الطور: ٢١]، وضَعْفُ هذا القولِ لا يَخْفى، بل الصوابُ: أَنَّها محكمةٌ.\nولكن اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّها مخصوصةٌ بالإِجْماعِ والسُّنَّةِ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٢/ ٣٤٠)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٢٦/ ٦٥).\n(٢) وروي القول بنسخها عن ابن عباس. انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٧/ ٧٤)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٦٨٩).","vol":"4","page":177},{"text":"أما الإجماعُ، فأجمعَ المسلمونَ على وُجوب الصَّلاةِ على المَيِّتِ، وانتفِاعِه بالدُّعاء (١).\nوأما السُّنَةُ، فما أخرجَه مسلم في \"صحيحه\" عن أبي هُريرة -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: \"إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُه إلَّا من ثلاثةِ أشياءَ: صَدَقَةٍ جارِيةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أَوْ وَلَدٍ صالحٍ يَدعو له\" (٢).\n* إذا تَمَّ هذا، فالذي يُفْعَلُ عن المَيِّتِ لا يَخْلو إمّا أنْ يكونَ شيئًا قد وجبَ عليهِ في حياتهِ، أو يكونَ تطوُعًا، وها أنا أبيّنُ ما خُصَّ من هذا العُموم، فأقول:\n* أما المُتَطَوَعُ بهِ:\n- فأجْمَعوا على وُصولِ الدُّعاءِ، وأجمعوا على وصُول الصَّدَقَةِ (٣)؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ كما رَوَتْ عائِشَةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها -: أَنَّ رجلًا قَالَ لرسولِ الله - ﷺ: إنَّ أُمي افْتُلِتَتْ (٤) نَفْسُها، وأُراها لَوْ تَكَلَمَتْ، تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْها؟ فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"نَعَمْ\"، فَتَصَدَّقْ عَنْها (٥).\n- واختلفوا في وُصولِ العِتْقِ، فقالَ قومٌ: لا يُعتقُ عنهُ؛ إذ لا ولاءَ لهُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٢٩٩)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٣).\n(٢) رواه مسلم (١٦٣١)، كتاب: الهبات، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٧/ ٩٠).\n(٤) افتلتت: أي: ماتت فجأة، وأُخذت نفسها فلتة، يقال: افتلته: إذا استلبه.\n\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٣/ ٤٦٧).\n(٥) رواه البخاري (١٣٢٢)، كتاب: الجنائز، باب: موت الفجأة البغتة، ومسلم (١٠٠٤)، كتاب: الزكاة، باب: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه.","vol":"4","page":178},{"text":"وأحسِبُ الشافعيَّ قالَهُ (١) في الجَديد (٢).\nوقالَ قومٌ: يعتَقُ عنهُ (٣)، وبهِ أقولُ؛ لما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بْنُ أبي عَمْرَةَ: قلتُ للقاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ: أينفعها -يعني أُمَّهُ- أنْ أُعْتِقَ عَنْها؟ فقالَ القاسمُ: إنَّ سعدَ بنَ عُبادة قَالَ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ أُمِّي هَلَكَتْ، فهلْ يَنْفَعُها أَنْ أُعْتِقَ عنها؟ فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"نعم\" (٤).\nوقد أعتقَتْ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها - عَنْ أخيها، وقدْ ماتَ عَنْ (٥) غيرِ وَصِيَّةِ (٦).\n- وأجمعوا على أنه يصلُه ما ليسَ من عَمَلِه إذا كانَ أصلُ وجودِه من عَمَلِه، ثم انقطعَ بموته، فإنه لا ينقطعُ؛ كالصَّدَقَةِ الجاريةِ، وهي الوقفُ والتّحبيسُ والعِلْمُ المنتفَعُ بهِ بعدَ موتِه، وإجراءُ نَهْرِ، وحَفْرُ بئرِ، وغَرسُ شَجَرَةِ، وقد وردَ ذلكَ عن رسولِ الله -ﷺ- (٧).\n_________\n(١) في \"ب\": \"قال به\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٦٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٠٦).\n(٣) وهو قول مالك والشافعيُّ في القديم. انظر: \"المدونة الكبرى\" (٨/ ٣٤٧)، و\"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٠٦).\n(٤) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٧٩)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٧٩)، عن القاسم بن محمد مرسلًا.\n(٥) في \"ب\": \"من\".\n(٦) رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٥٤)، وانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٨١).\n(٧) روى أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٢/ ٣٤٤)، وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٤٧)، والديلمي في \"مسند الفردوس\" (٣٤٩٢)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره، مَنْ علّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بني مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته\".","vol":"4","page":179},{"text":"- وأجمَعُوا على أنَّ الحَي لا يصلي عنِ المَيتِ، ولا يصومُ عنهُ (١).\nوأما الحَجُّ، فَمَنْ جَوزَ النيابَةَ في حَجِّ التطوُّعِ، جَوزَ أن يحجَ عنهُ (٢).\nويدلُّ على انتفاعِ المَيتِ بهِ ما رَوى عَمْرُو بنُ شُعيبِ عن أبيهِ عن جَدِّهِ في وَصِيّهِ العاصِ بنِ وائلِ قال: فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"إنَّهُ لَوْ كانَ مُسْلِمًا، فَأَعْتَقْتُمْ، أو تَصَدَّقْتُمْ عنهُ، أو حَجَجْتُمْ عنهُ، بَلَغَهُ ذلكَ\" (٣).\nقال الشافعيُّ في القَديم: وبهذا أَخَذوا (٤).\n* أَمّا ما وجَبَ عليهِ في حياتِه:\n- فأجْمَعوا على أنه يجوزُ أن يُؤَدَّى عنِ المَيِّتِ ما وَجَبَ عليهِ منْ كَفّارَةٍ ونَذْرِ ودَيْنِ وغُرمِ وأداءِ حَجّ وزَكاةِ؛ لما رَوى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- قال: أتتِ النبي -ﷺ- امرأةٌ، فقالَتْ: إنَّ أمي ماتتْ، وعليها حَجٌّ، قال: \"حُجّي عن أُمّكِ\" (٥).\n- واختلفوا في الصومِ فذهبَ أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورِ، والليثُ، وأهلُ الظاهرِ إلى\n_________\n(١) هذا في النفل أما الفرض فهناك خلاف في هذه المسألة، وسيأتي عن قريب تفصيله، وانظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٤٥٢) (١٥/ ٣١٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ٢٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٨٦).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٤/ ٢٦٤)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" لابن قدامة (١/ ٣٨٦)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ٩٨).\n(٣) رواه أبو داود (٢٨٨٣)، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في وصية الحربي يسلم وليه، أيلزمه أن ينفذها؟، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٧٩).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ١٠٦) لكن بلفظ: \"وبهذا نأخذ\".\n(٥) رواه الإمام الشافعي في \"مسنده\" (١٠٩)، عن طاوس مرسلًا بهذا اللفظ.\nوقد رواه البخاري (١٧٥٤)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: الحج والنذور عن الميت، والرجل يحج عن المرأة، بلفظ نحوه.","vol":"4","page":180},{"text":"جوازِه (١)؛ لما روى ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"مَنْ ماتَ وعليهِ صِيامٌ، صامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\" (٢).\nولكنهم خَصُّوه بالنَّذْرِ؛ لما روى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فقالت: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَوْمُ نَذْرِ، أَفأَصومُ عنها؟ فقال: \"أَرأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكانَ يُؤَدِّي ذلكَ عَنها؟ \" قالتْ: نعم، قَالَ: \"فَصُومي عن أمِّكِ\" (٣).\nوجوَّزهُ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ مطلقًا، ولم يقيدُه بالنذرِ؛ إذ لا عِبْرَةَ بخصوصِ السببِ (٤).\nواختاره النوويُّ من المتأخرينَ (٥).\nومنعَ النيابةَ في الصَّومِ في الكتابِ الجديدِ، لكنَّهُ يطعمُ عنه (٦).\nوهو ضعيفٌ؛ لثبوتِ السنَّةِ بخِلافِه.\nوأما الصلاةُ: فذهبَ الجُمهور إلى أن الصَّلاةَ لا تجوزُ عنهُ، وحكيَ عن عَطاء بنِ\n_________\n(١) وعند الحنفية: لا يصوم عنه لكن يطعم. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٣/ ٨٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٣٤١)، و\"الكافي في فقه الإمام أحمد\" لابن قدامة (١/ ٣٨٦).\n(٢) رواه البخاري (١٨٥١)، كتاب: الصوم، باب: من مات وعليه صوم، ومسلم (١١٤٧)، كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، لكن عن عائشة.\n(٣) رواه البخاري (١٨٥٢)، كتاب: الصوم، باب: من مات وعليه صوم، ومسلم (١١٤٨)، كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، وهذا لفظ مسلم.\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٤٥٢).\n(٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ٢٦).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٤٥٢)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٩١).","vol":"4","page":181},{"text":"أبي رباح، وأحمدَ، وإسحاقَ: أنهم قالوا: تجوزُ الصَلاةُ عن المَيِّتِ، واختارهُ ابنُ أبي عَصرون من الشافعيةِ (١)، ويدلُّ لهم ما رَوَينا في البُخاريِّ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أَمَرَ مَنْ ماتَتْ وعليها صَلاةٌ أَنْ يُصَلَّى عنها (٢).\nوقالَ البغويُّ من الشافعيةِ: لا يبعُدُ أن يُطْعَمَ عن كُلّ صَلاةٍ مُدٌّ من طَعام (٣).\nوهذا خَطَأٌ؛ فإنَّه لا مدخَلَ للقياسِ في هذا، والقياسُ أنه لا يَجِبُ شيءٌ من الطعام، وأنه لا مدخَلَ للطَّعام في الصَّلَواتِ بحالٍ، بخلافِ الصَوْم والحَجِّ (٤).\nوهذا في المَيّتِ.\nوأما الحَيُّ فَلا ينوبُ عنه أحدٌ في شيءٍ من العِباداتِ إلَّا في الحَجِّ المفروضِ إذا كانَ معضوبًا (٥)، وفي حَجّ التطوُّعِ خِلافٌ، وقد تقدَّمَ ذكرُه في \"سورةِ آلِ عمران\".\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣١٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١/ ٩٠).\n(٢) قال البخاري في \"صحيحه\" (٦/ ٢٤٦٤)، في كتاب: الأيمان والنذور، باب: من مات وعليه نذر: وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء، فقال: \"صلي عنها\"، أما اللفظ الذي ساقه المصنف، فقد ذكره هكذا الإمام النووي في \"شرح مسلم\" (١/ ٩٠).\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١/ ٩٠).\n(٤) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٦/ ٤٥٨)، و\"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٩٤).\n(٥) انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (١١/ ٥)، و\"الموافقات\" للشاطبي (٢/ ٢٢٨ - ٢٤٠)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٢٢١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٨/ ٢٧).","vol":"4","page":182},{"text":"وبمنعِ النيابةِ في العِباداتِ البدنيَّةِ إلا ما خَصَّهُ الشرعُ أَخَذَ الشافعيُّ، ونصَّ عليهِ في \"الأم\" (١)، وبهِ قَالَ المعتزلةُ (٢)، وإياها أَختارُ؛ لهذه الآيةِ.\nوقالَ قومٌ من الأصوليين: تجوزُ النيابةُ في جميعِ العباداتِ، إلَّا ما خرجَ بدليلٍ (٣)، واللهُ أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٦٥)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (١/ ٣٤٨).\n(٢) انظر: \"الأحكام\" للآمدي (١/ ١٩٦)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (١/ ٣٤٩).\n(٣) نقله الزركشي عن ابن برهان، والأكثر على التفريق بين العبادات المالية، والعبادات البدنية. انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ١٥٢)، و\"قواطع الأدلة\" للسمعاني (٢/ ٣٧٤)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٣٤٩).","vol":"4","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>سورة الواقعة</span>","vol":"4","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>(من أحكام مس المصحف)</span>\n٢٣٩ - ٢٤٠ (١ - ٣) قوله ﷻ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].\n* هذه الآيةُ اختلفَ فيها أهلُ التَّفْسيرِ: فقالَ ابنُ عباسِ، وأَنَسٌ، ومجاهِدٌ: المُطَهَّرونَ: هُمُ الملائكةُ المُطَهَّرونَ من الذّنوبِ، والكتابُ المَكْنونُ هو الَّذي في السَّماءِ (١)، وبهذا احتجَّ أهلُ الظاهرِ، فَجَوَّزوا للمُحدِثِ مَسَّ المُصحَفِ (٢).\nوقال قومٌ: المُطَهَّرونَ أي: المُتَطَهِّرونَ بالماءِ (٣).\nقَالَ سَلْمانُ الفارِسيُّ لقومٍ سألوهُ عَنْ آيِ القرآنِ، وأرادوا منهُ الوُضوءَ؛ لكونه حينئذٍ مُحدِثًا: سَلُوا؛ فإني لا أَمَسُّهُ، وإنه لا يَمَسّهُ إلا المُطَهَّرونَ (٤).\nوإلى هذا ذهبَ جماعةٌ من الفُقهاء؛ كمالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ (٥).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٧/ ٢٠٥)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٠).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١/ ٧٧)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٠).\n(٣) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٤/ ٤٦٧)، و\"المجموع\" للنووي (٢/ ٩٠).\n(٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١١٠٠)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٠).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٣٨٤)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٤٧٢).","vol":"4","page":187},{"text":"قَالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزنادِ، عن أبيهِ، عَمَّنْ أدركَ من فُقهاء أهل (١) المدينةِ الذين ينتهى إلى قولهم قال: وكانوا يقولونَ: لا يمسُّ القرآن إلا طاهرٌ (٢).\nويدلُّ على هذا فِعلُ (٣) أختِ عمرَ بنِ الخَطاب -رضي الله تعالى عنهما- لما دخلَ عليها، ومنعتْهُ أن يمسَّ القرآنَ حَتَّى يتطهرَ؛ كما هو مشهورٌ في قصةِ إسلامِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (٤).\nويدلُّ عليه -وإنْ كانَ إطلاق (٥) لفظُ المَكْنونِ على ما في السَّماءِ، والمُطهَّرونَ على المُطّهرينَ من الذنوب، أظهر- ما رَوى الزهريُّ عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ: أنَّ في الكِتابِ الذي كتبَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: أَنَّهُ لا يَمسُّ القرآن إلا طاهِرٌ (٦).\nورواه أيضًا سليمانُ بنُ موسى، عن سالمٍ، عن أبيهِ، عنِ النبي -ﷺ- (٧).\n_________\n(١) \"أهل\" ليس في \"أ\".\n(٢) رواه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ١٨٥).\n(٣) \"فعل\": ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٢٣)، و\"تلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ١٣٢).\n(٥) \"إطلاق\" ليس في \"أ\".\n(٦) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٩٩)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٣٢٨)، والدارمي في \"سننه\" (٢٢٦٦)، وأبو داود في \"المراسيل\" (٩٣)، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٠٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٢١١١).\n(٧) رواه الدارقطني في \"سننه\" (١/ ١٢١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٣٢١٧)، وفي \"المعجم الصغير\" (١١٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٨).","vol":"4","page":188},{"text":"وكذلك أمرَ النبيُّ - ﷺ - بحفظِه وكَنِّه، فنهانا أن نسافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ (١).\nوالواجبُ على كُلِّ أحدٍ أَلَّا يمسَّ القُرآنَ إلا مُتَطَهِّرًا من الحَدَثِ والخَبَثِ؛ تعظيمًا لحرمتِه، وتشريفًا وتكريمًا لكرامتِه؛ فإنَّ الله -ﷻ- وَصَفَهُ بأنهُ قرآنٌ كريمٌ، وأنه في كتابٍ مكنونٍ، وأنه لا يمُّسه إلا المُطَهَّرونَ، ثم أنزلَه على نَبيِّنا - ﷺ -، وجعلَه بين ظَهْرانينا، فكرمُه باقٍ عندَنا، وكنُّه واجبٌ علينا، ولا يمسُّه إلا المُطَهَّرون مِنَّا، فحرمتُه وكرامتُه باقيةٌ لا تزولُ.\nولا حُجَّةَ لِمَنْ أباحَ مَسَّهُ للمُحدِثِ؛ فإنَّ الله سبحانَهُ أعلمَنا أنَّه لا يمسُّه إلا المطهرونَ، فهلْ قال: ويمسُّه غيرُهم؟ فالآيةُ حجَّةٌ عليهم، لا لَهُم.\nفإن قالوا: معنى الآيةِ الخبرُ، لا النهيُ كما هو لفظُها، وهذا لا يقتضي التَّحريمَ، فيرجعُ إلى الأصلِ، وهو الإباحةُ وبراءةُ الذمة.\nقلنا: لفظُ الآيةِ الخبرُ، ومعناها النهيُ؛ بدليلِ قراءةِ مَنْ قرأَ: (لا يمسَّهُ) بفتح السين.\nفإن قالوا: ذلكَ الكتابُ لا تنالُه غيرُ أيديهم.\nقلنا: المرادُ بالكِتابِ هناكَ هو ما دلَّ على هذا القرآنِ المكتوبِ عندَنا، فالمكنونُ في ذاتِه شيءٌ واحدٌ، فالذي في السَّماءِ هوَ الذي في الأرض، ولا يجوزُ أن يكونَ مُحتَرَمًا مكرَّمًا في السَّماءِ، غيرَ محترَمٍ ولا مكرَّمٍ في الأرض (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٢٨)، كتاب: الجهاد، باب: كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ومسلم (١٨٦٩)، كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار، عن ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.\n(٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢/ ٨٩).","vol":"4","page":189},{"text":"وبتحريمِ مَسِّهِ على المُحدِثِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي -﵀ (١) - حتى قال كثيرٌ من أصحابه: يجبُ أَلَّا يمسَّه الصبي المُمَيِّزُ إلا مُتَطَهِّرًا (٢)، وحتى قَالَ بعضُ أصحابه: يجبُ أَلَّا يمسَهُ (٣) إلا مَنْ كان متطهِّرًا مِنَ الخَبَثِ في جميعِ بَدَنِه، ولو كانَ العضوُ الماسُّ للقرآنِ طاهرًا، والنجاسةُ في سائرِ بدنهِ (٤). وحَتى قال بعضُهم: لا يجوزُ لمنْ تنَجَّسَ فوهُ أن يقرأَ القرآنَ حَتَّى يطهِّرَه.\nوقد منعَ النبي -ﷺ- الجنبَ والحائضَ من قراءةِ القُرآنِ (٥).\nوكُلَّ ذلكَ أختارُ وأدينُ اللهَ ﵎ به، ولهذا كرهَ مالِكٌ\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٣٨٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١/ ٨٠).\n(٢) في المسألة عند الشافعية وجهان، الراجح منهما: أنه لا يجب للمشقة. انظر: \"الشرح الكبير\" للرافعي (٢/ ١٠٧)، و\"التبيان في آداب حملة القرآن\" للنووي (ص:١٠١).\n(٣) في \"أ\": \"يمسكه\".\n(٤) نُقل هذا القول عن القاضي أبي القاسم الصيمري، والمذهب خلافه. انظر: \"المهذب\" للشيرازي (١/ ٢٥)، و\"التبيان في آداب حملة القرآن\" للنووي (ص:١٠٠).\n(٥) رواه الترمذي (١٣١)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن، وابن ماجه (٥٩٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٨٨)، وابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (١/ ٢٩٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٩)، وفي \"شعب الإيمان\" (٢١١٠)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٤٥)، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن\".","vol":"4","page":190},{"text":"﵀- قراءةَ القرآن في الأَسواقِ والطُّرقاتِ (١).\nوإنَّما قلْنا: يجوزُ قراءةُ القرآن للمحدِثِ؛ لقولِ عَلِيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: إنَّ النبي -ﷺ- كانَ لا يَحجُزُهُ شيءٌ عن قراءةِ القرآن إلا الجنابةُ (٢).\n* ويؤخذُ من الآيةِ أنَّ من تهاوَنَ بالقرآنِ بأنْ ألقاهُ على قارعَةِ الطريقِ (٣)، أو قاذورةٍ، أو مزبلةٍ، أو استخفَّ به في كلامِه: أَنَّه كافِرٌ، نَعوذُ باللهِ العظيمِ من الاسْتِخفاف بهِ، أو بكتبه، أو بآياتِه (٤).\n_________\n(١) انظر: \"المدخل\" لابن الحاج (٢/ ٨٨)، و\"الاعتصام\" للشاطبي (٢/ ٣٠).\n(٢) رواه ابن ماجه (٥٩٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، وأبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" (٥٧٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٦٦٩٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٠٨٣).\n(٣) \"قارعة الطريق\" ليس في \"ب\".\n(٤) انظر: \"الشفا\" للقاضي عياض (٢/ ٢٥٠)، و\"المجموع\" (٢/ ١٩٣)، و\"التبيان في آداب حملة القرآن\" كلاهما للنووي (ص: ١٠١).","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>سورة المجادلة</span>","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>(من أحكام الظهار)</span>\n٢٤٢ - (١) قولُه ﷿: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢].\n* سببُ نزولِ هذهِ الآيةِ ما روينا أَنَّ أوسَ بنَ الصَّامِتِ ظاهَرَ منِ امرأتِه خَوْلَةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعْلَبةَ، قالت: فجئتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَشْكو إليه، ورسولُ اللهِ - ﷺ - يُجادِلُني فيه، ويقولُ: \"اتَّقِ الله، فإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ\"، فما برحْتُ حَتَّى نزلَ القرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (١) [المجادلة: ١].\nقال الشافعيُّ - رحمَهُ اللهُ تَعالى-: سمعْتُ مَنْ أَرْضى منْ أهلِ العلمِ بالقُرآن يَذْكُرُ أَنَّ أهلَ الجاهليةِ كانوا (٢) يُطَلقونَ بِثَلاثٍ: الظِّهارِ، والإيلاءِ، والطَّلاقِ، فأقرَّ اللهُ سبحانَه الطَّلاقَ طَلاقًا، وحَكَم في الإِيلاءِ أَنْ يُمْهَلَ المُؤْلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم جَعَلَ عليهِ أن يَفيءَ، أو يطلقَ، وحَكَمَ في الظهارِ بالكَفَّارة.\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٢١٤)، كتاب: الطلاق، باب: في المظاهر، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٢٢٠٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩١).\n(٢) \"كانوا\" ليس في \"ب\".","vol":"4","page":195},{"text":"فإذا تظاهرَ الرجلُ من امرأتِه يريدُ طَلاقَها، أو يريدُ تحريمَها بلا طَلاق، فلا يقعُ بهِ طلاقٌ بحالٍ، وهو مُظاهِرٌ (١).\n* والظَّهارُ أن يقولَ لزوجته: أنتِ على كَظَهْرِ أُمِّي؛ كما ذكرَ اللهُ تَعالى، فيكونُ مشبَّهًا بالظَّهْر الذي هُوَ مَحَل الرُكوبِ، ويُشَبِّهونَ بهِ المرأةَ، كما أنَّ الزوجةَ موطوءة للزوج، فَكَنَّوا بالظّهارِ عَمَّا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ، وأضافُوا الظَّهْرَ إلى الأُمِّ؛ لأَنَّها أُمُّ المُحَرماتِ.\n* فأبطلَ اللهُ سبحانَهُ الظَّهارَ، وحَرَّمَهُ تَحْريمًا مُغَلظًا؛ لما فيهِ من المُنْكَرِ والزورِ والكذبِ.\n* وعلى تحريمِ هذهِ الصفَةِ منَ الظَّهار أَجْمَعَ المسلمون (٢).\n* واختلفوا فيما إذا شبه امرأته بغيرِ ظَهْر أمَّهِ: فقالَ مالكٌ (٣)، وكذا الشافعيُّ في أَظْهَرِ قولَيْه: هو ظِهار.\nوقالَ في القول الآخرِ: لا يكونُ ظِهارًا (٤).\nوقال أبو حنيفةَ: يكون الظهارُ بكل عُضْو يحرُمُ النظرُ إليه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٧٧).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤١٣).\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٦/ ٤٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٧٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٢٩).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٩)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١٨).","vol":"4","page":196},{"text":"* واختلفوا (١) فيما إذا شَبَّهَها بغيرِ الأمِّ منَ المَحارِمِ:\nفقالَ مالكٌ والشافعيُّ: هو ظِهارٌ (٢).\nوقال قومٌ: لا ظِهارَ إِلَّا في الأُمِّ (٣).\nفمالِكٌ ومَنْ وافَقَهُ في المسألتينِ نَظَروا إلى المعنى، ومخالِفُهم إلى إيماءِ الخِطابِ.\n* وعُمومُ الخِطاب يقْتَضي أن يَصِحَّ الظِّهارُ من كلِّ زوجٍ مكلَّفٍ (٤)، فيصحُّ الظِّهارُ من الحُرِّ والعبدِ، ومن المُسلمِ والكافِر، ومن الخَصِيّ والمَجْبوب (٥).\nوهو كذلك.\n* ويقتضي بعُمومه أنْ يصحَّ في الأَمَةِ؛ لأَنَّها من جماعَةِ النساءِ كالزوجة.\nوبهِ قالَ مالِكٌ (٦)، والثوريُّ، وجماعةٌ (٧).\n_________\n(١) في \"ب\" زيادة: \"أيضًا\".\n(٢) وهو مذهب الحنفية.\nانظر: انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٧٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٣٢).\n(٣) وهو قول الظاهرية. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٥).\n(٤) \"مكلف\": زيادة من \"ب\".\n(٥) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٢٨٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢٦١).\n(٦) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨١).\n(٧) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٩).","vol":"4","page":197},{"text":"وبه قالَ عطاءٌ أيضًا، إلا أنَّه لم يوجِبْ إلَّا نِصْفَ الكَفارَةِ (١).\nوقالَ أبو حنيفةَ، والشافعي، وأحمدُ (٢)، وأبو ثَوْرٍ (٣): لا يصحُّ في الأمةِ، وأوقعوا النساءَ المُقيداتِ بالإضافةِ على الزوجاتِ (٤)؛ اعتبارًا بالوِفاق في الإيلاءِ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فإنهن ذواتُ الأزواج اتفاقًا، وبه قالَ عكرمة (٥).\nوقال الأوزاعي: إن كانَ يَطَأُ أَمَتَهُ، فهو مُظاهِر منها، وإنْ لم يَطَأ، فهو يمين، وفيه كفارةُ يمينٍ (٦).\n* ثم اختلفوا في حقيقةِ هذهِ الإضافةِ، هل هيَ في المُزَوَّجاتِ، وهو الأقربُ، أو فيمَنْ يصحُّ للمظاهِر نكاحُهُن، وإن لم يكن في نِكاح؟\nوبالأولِ قالَ الشافعيُّ (٧)، وداود (٨)، وأبو ثورٍ (٩)، وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ (١٠) -رضيَ اللهُ تعالى عنه -.\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٠).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٧)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢٦١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٠).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٩).\n(٤) في \"ب\": \"المزوجات\".\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٠).\n(٦) ونقل عن سعيد بن المسيب والحسن البصري في أحد قوليهما. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨١).\n(٧) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ١٥٩).\n(٨) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٦. ٢٠٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨١).\n(٩) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣٤).\n(١٠) رواه الطبري في \"التفسير\" (٨/ ٢٨).","vol":"4","page":198},{"text":"وبالثاني قالَ مالِكٌ، وأبو حنيفةَ (١)، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (٢)، وهو قولُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٣).\nوفرقَ قومٌ بينَ أن يطلِّقَ بأنْ يقولَ: كُلُّ امرأةٍ أتزوجُها فهيَ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فلا يَصِح، وبينَ أن يعيِّنَ أو يُقَيِّدَ بأنْ يقولَ: إن تزوجْتُ فلانَة، أو من قريةِ كَذا، أو قبيلةِ كذا، فيصحُّ.\nوبه قالَ ابنُ أبي ليلى (٤).\n* إذا تَمَّ هذا، فقد اختلفوا في حقيقةِ الظّهارِ، هل هوَ كالطَلاقِ، أو كاليمين؟\nومن أجلِ هذا ثارَ بينَهُمُ اختلافٌ في تَظاهُرِ المرأةِ من زوجِها.\nفمن جعلَهُ كالطَّلاقِ قال: لا يَصِحُّ، ولا يلزمُ بهِ شيءٌ، وبهِ قالَ مالكٌ والشافعيُّ (٥).\nومن جعلَهُ كاليمينِ، أوجبَ عليها كَفَّارَةَ الظّهارِ (٦).\nومنَ العُلماء مَنْ أوجبَ عليها كفارةَ يَمينٍ (٧).\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٦/ ٥٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٢٣٣).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٠٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٠).\n(٣) رواه عنه سعيد بن منصور في \"السنن\" (١/ ٢٩٠).\n(٤) وهو قول الحسن بن حي كذلك. انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨١).\n(٥) وهو قول الحنفية والحنابلة. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٥)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٣٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣٥).\n(٦) وهو قول الحسن البصري. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٢).\n(٧) وهو قول الأوزاعي. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٥).","vol":"4","page":199},{"text":"٢٤٣ - (٢) قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ [المجادلة: ٣].\n* اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حَقيقة العَوْدِ الذي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى:\nفقالَ مجاهدٌ وطاوسٌ: لَمّا كانَ الظّهارُ منْ طَلاقِ الجاهليةِ، وأبطلَهُ اللهُ سبحانَهُ، وحَرَّمَهُ؛ لما فيهِ من المُنْكَرِ والزورِ، أوجبَ فيهِ على الَّذين يعودونَ إلى فِعْلِهِ في الإِسلامِ الكفارةَ، فالموجبُ (١) للكَفَّارةِ هو الظِّهارُ الَّذي حَرَّمَهُ اللهُ سبحانَهُ، لا أمر زائد عليه، وحمل العودَ على هذا، وهو قولٌ منقاسٌ، واللفظُ يحتمِلُه (٢).\nوخالَفَهُما جمهورُ أهلِ العلمِ، وقالوا: لا يجبُ الكَفَّارَةُ إلا بالظِّهارِ والعَوْدِ (٣).\nثمَّ اختلفَ هؤلاءِ: فقالَ داودُ وأصحابهُ: العَوْدُ أَنْ يذكُرَ (٤) لفظَ الظّهارِ مَرَّة ثانية (٥).\nوضُعفَ بأنه تأكيدٌ، والتأكيدُ لا يَصْلُحُ موجِبًا للكَفارة.\nقال البخاري في \"جامِعِه\": ولأن اللهَ سبحانه لم يدلَّ على المُنْكَرِ وقولِ الزورِ (٦).\n_________\n(١) في \"أ\": \"فالواجب\".\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٩).\n(٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣٢٢).\n(٤) في \"ب\": \"يكرر\".\n(٥) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧٩).\n(٦) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥/ ٢٠٢٧)، و\"فتح الباري\" (٩/ ٤٣٥).","vol":"4","page":200},{"text":"* ولمّا رأى الباقونَ أَنَّ مُرادَ المُتَظاهِرِ بالظِّهارِ تحريمُ الزوجةِ على نَفْسِه وَطْئًا أَوْ إمْساكًا، وأَنَّه إذا حَقَّقَ ما أرادَهُ من تَحْريِمها بالطلاقِ عَقِبَ الظِّهارِ، فلا كَفَّارَةَ عليه، جَعَلوا عَوْدَ المُتَظاهِرِ نَقْضَ ما قالَ من التحريمِ (١).\nوتكونُ اللامُ بمعنى (في) أي: فيما قالوا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة، وكما في قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nواختلفوا في تعيينِ هذا النَّقْضِ: فقالَ مالكٌ -في رواية-: العودُ هُوَ الوطْءُ نفسُه (٢)، تشبيها له بالحِنْثِ في اليمين، فكما لا تجبُ الكَفَّارَةُ إلا بالحِنْثِ، لا تجبُ الكَفَّارةُ في الظِّهار إِلاّ بالوطْءِ (٣).\nوهذا القولُ باطلٌ؛ لأنَّ الله سبحانَهُ أوجبَ الكَفّارَةَ من قبلِ أَنْ يَتَماسَّا، فلو كانَ العَوْدُ هوَ الوطْءُ لوجبَ الشيءُ قبلَ وُجوبِهِ، فدلَّ على أن الَّذي تجبُ بهِ الكَفَّارَةُ أمرٌ غيرُ الوطْءُ.\nوالروايةُ المشهورةُ الصحيحةُ أنَّ العَوْدَ هو إرادةُ الوطْءِ، لا الوطْء (٤)، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، وأحمدُ؛ لأنه عادَ فيما قالَ من تحريمِ المرأة (٥).\nوقال الشافعيُّ: العَوْدُ هو إمساكُ المرأةِ بعدَ الظِّهارِ زمانًا يمكِنُ فيه\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٤٣)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٢٢٤)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٩٢).\n(٢) \"نفسه\" ليس في \"ب\".\n(٣) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (١/ ٢٨٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٧/ ٢٨٠).\n(٤) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٦/ ٦٥)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٩٢).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٠٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٣).","vol":"4","page":201},{"text":"الطَّلاقُ، فهذا لم يُحَققْ ما أرادَ من تَحْريمِها بالطَّلاقِ، فإمساكُه يدلُّ على أنه عائدٌ فيما قالَ؛ بدليلِ أَنَّ رفعَ الإمساكِ يرفعُ الكَفارَةَ، وهو إذا طَلَّقَ عقيبَ الظهارِ، فبقاءُ الإمساكِ يدلُّ على بَقاءِ الكَفارَةِ (١).\nقالَ الشافعي - رحمَهُ اللهُ تَعالى-: الذي حَفِظْتُ مِمَّا سمعت في الذين يعودون لِما قالوا أَنَّ المُتَظاهِرَ حَرَّمَ امرأتهُ بالظهارِ، فإذا أتتْ عليهِ مدةٌ بعدَ القولِ بالظهار، لم يُحَرِّمْها بالطَّلاقِ الَّذي يحرمُ بهِ، ولا بشيءٍ يكونُ له مخرجٌ من أن يحرم به، فقد وجبتْ عليهِ كَفارَةُ الطهارِ، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه أنه حَلالٌ، فقد عادَ لِما قالَ، فخالَفَهُ، فأَحَلَّ ما حَرَّمَ.\nقال: ولا أعلمُ مَعْنًى أَوْلى بهِ من هذا.\nقال: ولا أعلمُ مُخالفًا في أَنَّ عليهِ كفارةَ الظهارِ، وإنْ لمْ يتظاهَرْ ظِهارًا آخَرَ (٢).\nولما رأى مالكٌ -﵀- عدمَ ظُهور مَعْنى العَوْدِ في الإمساكِ، جعلَ العَوْدَ إرادةَ الوطْءِ والإمساكَ جميعًا.\nوقولُ مالِكٍ أقربُ إلى المَعْنى، وقولُ الشافِعيِّ أَحْوَطُ في وجُوبِ (٣) الكَفارَةِ، واللهُ أعلمُ.\n* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الكَفارَةَ وخِصالَها، وأنها إِعْتاقٌ، فإن لمْ يجدْ، فصيامُ شهرينِ مُتَتابِعَيْنِ، فإن لم يَسْتَطعْ، فإطعامُ سِتينَ مسكينًا.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٣٣).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٧٩).\n(٣) في \"ب\": \"إيجاب\".","vol":"4","page":202},{"text":"وقد أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّها على التَّرتيبِ كما بيَنَها اللهُ تَعالى (١).\nوأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الرَّقَبةَ، ولم يُقيِّدْها بالإِيمان كما قَيدَها في كَفّارَةِ القَتْلِ: فأخذ أبو حنيفةَ -رحمهُ اللهُ تَعالى- بالإطلاقِ، فأجازَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ ما لم تكنْ وثنيةً ولا مرتدة (٢).\nوالشافعي -رحمهُ اللهُ تَعالى- حملَ هذا الإطلاقَ على التقييدِ في القَتْل؛ كما هو مذهبُه، في حَمل المطلقِ على المقيدِ عندَ اختلافِ السبَبِ (٣).\nووافقَهُ مالكٌ على اشتراطِ الإيمانِ (٤).\nفإن قلتَ: فهل تجدُ في السُّنَّةِ دليلًا على اشتراطِ الإيمانِ؟\nقلت: نعم، رُوي عن معاويةَ بنِ الحَكَم قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ -، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ جاريةً لي كانَتْ ترعى غَنَمًا، فَجِئْتُها وفقدتُ شاةً من الغنمِ، فسألتُها عَنْها، فقالَتْ: أكلَها الذئبُ، فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدمَ، فلطَمْتُ وَجْهَها، وعليَّ رقبة (٥)، أَفَأُعْتِقُها؟ فقالَ لَها رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"أينَ الله؟ \"، قالت: في السَّماءِ، فقال: \"مَنْ أَنا؟ \" فقالت: أنتَ رسولُ اللهِ (٦)، قالَ: \"فَأَعْتِقْها؛\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٥١٢)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٢٢٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٣).\n(٢) انظر: \"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ١٩).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٨٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٥/ ٣٢٢).\n(٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٤).\n(٥) في \"أ\": \"رقبتها\".\n(٦) في \"ب\" زيادة: \"فصلَّى الله عليك\".","vol":"4","page":203},{"text":"فإنَّها مُؤْمِنَةٌ\" (١)، فسؤالُ النبي - ﷺ - لها عنِ الإيمانِ، وعدمُ سؤالِه عنْ صِفَةِ الكَفَّارَةِ وسَبَبِها، وتركُ الاستِفْصال معَ قيامِ الاحتمالِ يُنْزَلُ منزلَةَ العُموم في المقالِ.\nثم إطلاقُ الرقبةِ تقْتَضي أن تُجْزِئَ المَعيبةُ.\nوبالإطلاقِ قالَ قوم من أهلِ العلمِ.\nوالجُمهورُ ذهبوا إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ بالقياسِ على الهَدايا والضَّحايا؛ لكونِ الجميعِ قربةَ لله تعالى.\nثم اختلفَ هؤلاء في تفصيلِ العَيْبِ الذي يَضُرُّ، والَّذي لا يَضُرُّ، وتفصيلُ ذلكَ مذكورٌ في كتبِ الفقهِ (٢).\n* وذكرُ الرقبةِ يقتضي أنه لا يجوزُ (٣) أن يعتقَ نصفَ رقبةٍ: وبهذا قالَ مالكٌ (٤).\nوالأصَحُّ عندَ الشافعيةِ الإِجْزاء إذا كانَ الباقي حُرًّا؛ لأنه في مَعْنى الرقبةِ الواحدةِ (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته.\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٤).\n(٣) في \"ب\" زيادة \"له\".\n(٤) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٦/ ٧٤).\n(٥) هذه المسألة في الإعتاق والمكاتبة، أما في كفارة الظهار فقد صرح الشافعي بعدم الجواز حيث قال: ولا يكون له أن يبغض الكفارة ولا يكفر إلا كفارة كاملة من أي الكفارات كفر لا يكون له أن يعتق نصف رقبة ثم لا يجد غيرها فيصوم شهرًا ولا يصوم شهرًا ثم يمرض فيطعم ثلاثين مسكينًا ولا يطعم مع نصف رقبة حتى يكفر أي الكفارات وجبت عليه بكمالها. انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٨٥)، و\"التنبيه\" للشيرازي (ص: ١٨٧).","vol":"4","page":204},{"text":"* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ مَحَلَّ هذهِ الكَفّارةِ، وأنه من قَبْلِ أنْ يَتَماسّا:\nفحملَ مالك وأبو حنيفةَ والشافعيُّ -في أحد قوليه- المماسَّةَ على حَقيقَتِها منَ المُلامَسَةِ التي هيَ دُونَ الجِماع (١)، ومَعْلومٌ أنه إذا حَرَّمَ عليهِ المباشرةَ فيما دونَ الفرجِ، فتحريمُ الوَطْءِ في الفرج أَوْلى، فيحرمُ الجميعُ عندَهُ، إما لفَحْوى الخِطاب كما ذكَرْنا، وإما لحَمْلِ الاسمِ المشتركِ على جميعِ معانيهِ.\nوأَلْحَقَ مالكٌ التَّلَذُّذَ بالنَّظَرِ بالمُباشرةِ (٢).\nوحَمَلَ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى- المُماسَّةَ في القَوْلِ الآخرِ، وهو الجديدُ، على الوطْءِ في الفَرْجِ (٣)، وبهِ قالَ الثوريُّ (٤)، وأحمدُ (٥).\nفإن قيلَ: فإذا خالفَ المُتَظاهِرُ ومَسَّ امرأتَهُ قبلَ أن يُكَفرَ، فكيفَ الحكمُ؟\nقلنا: ذهبَ قوم إلى أَنَّه لا يلزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ وقتَ الكَفّارة قد فاتَ، ولا يجبُ قَضاؤُها إلَّا بأمرٍ جَديدٍ، وهو معدومٌ (٦).\nوذهبَ الجمهورُ إلى وجوبِ الكفارةِ (٧)، واستدلُوا بما رَوى ابنُ عباسٍ\n_________\n(١) انظر \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٥٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٢).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٤)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٥٢).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٠)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٤).\n(٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣٣).\n(٦) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٦).\n(٧) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٧٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٢).","vol":"4","page":205},{"text":"رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - وقد ظاهَرَ منِ امرأتِهِ، فوقَعَ عليها، فقال: يا رسولَ الله! إني ظاهَرْتُ منِ امرأتي، فوقعتُ عليها من قبلِ أن أُكَفِّرَ، قالَ: \"فما حَمَلَكَ على ذلكَ يَرْحَمُكُ الله؟ \"، فقال: رأيتُ خَلخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قال: \"فلا تَقْرَبْها حتى تَفْعَلَ ما أَمَرَ الله\" (١).\nثم اختلفوا:\nفذهبَ قومٌ إلى أَنَّ عليهِ كَفارتينِ: كفارةً عن العَزْمِ على الوطْءِ، وكفارة عن الوطْءِ، ويُروى عن عَمْرِو بنِ العاصِ، وقبيصة (٢) بنِ ذُؤيب، وسَعيدِ بنِ جبير، وابنِ شهابٍ (٣).\nوذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ؛ كمالِكٍ، والشافِعي، وأبي حنيفَةَ، وأحمدَ (٤)، والثوريِّ، والأوزاعيّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ (٥)، وداودَ إلى أنَّ الواجبَ كفارةٌ واحدةٌ، واستدلُوا بأنَّ سَلَمَةَ بنَ صَخْرٍ البَياضِيَّ ظاهَرَ مِنِ\n_________\n(١) رواه الترمذي (١١٩٩)، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفِّر، وابن ماجه (٢٠٦٥)، كتاب: الطلاق، باب: المظاهر يجامع قبل أن يكفِّر، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٦٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٨١٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٨٦).\n(٢) في \"أ\": \"سعد\".\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٦).\n(٤) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٢٢٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٢)، \"الحاوي \"الكبير\" للماوردي (١٠/ ٤٥١)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ٣٣).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ٥٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٦).","vol":"4","page":206},{"text":"امرأتِه، ثم وَقَعَ عليها قبلَ أن يكفِّرَ، فأتى رسولَ اللهِ - ﷺ -، وذكر لهُ ذلكَ، فأمرَهُ أن يُعْتِقَ رقبةً، فإنْ لمْ يجدِ الرقبةَ، فَلْيَصُمْ شَهرينِ مُتتابعين من قبلِ أن يتماسّا، فإن لم يستطعِ الصَّوْمَ، فليطعمْ ستينَ مِسكينًا (١).\n* وأطلقَ اللهُ ﷾ الإطعامَ، ولم يقيدْ مَحَلَّهُ، وإطلاقُه محمولٌ على تقييدِ غيرِه منْ أنواعِ هذهِ الكَفَّارَةِ عندَ عامةِ أهلِ العلمِ (٢)؛ خلافًا لابنِ حَزْمٍ؛ فإنه قالَ: من فَرْضُهُ الإطعامُ يجوزُ لهُ المَسُّ قبلَ التكفيرِ (٣).\n* وأطلق اللهُ سبحانَهُ الإطعامَ، ولم يبينْ مقدارَ طعامِ كلِّ مسكينٍ:\nفقالَ الشافعيُّ: طعامُهُ مُدٌّ بِمُدِّ رسولِ اللهِ - ﷺ - (٤):\nواستدلَّ عليهِ بما رُوي أن سَلَمَة بنَ صَخْرٍ البَياضِيَّ جَعَلَ امرأتَه عليهِ كظهرِ أُمِّه إِنْ غَشِيَها حَتَّى يَمْضيَ رَمضانُ، فَلمّا مَضى النصفُ منْ رمضانَ، سَمِنَتِ المَرْأَةُ وتَرَبَّعَتْ، فأعجبَتْهُ، فَغَشِيَها ليلًا، ثم أَتى النبيَّ - ﷺ -، فذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ لهُ: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\"، فقال: لا أجدُ، قال: \"صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابعَيْن\"، قال: لا أستطيعُ، قال: \"أطعمْ ستينَ مسكينًا\"، قال: لا أجدُ، قال: فَأتِي النبيُّ - ﷺ - بعَرَقٍ فيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، أو سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا، قال: \"فَتَصَدَّقْ بِهذا على سِتِّينَ مِسكينًا\" (٥).\nويستدلُّ عليه أيضًا بحديثِ الذي جامَعَ امرأتَه في شَهْرِ رمضانَ (٦).\n_________\n(١) انظر تخريج الحديث الآتي.\n(٢) انظر: \"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٢٨٥)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١١٤).\n(٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٥٠).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٢٨٥).\n(٥) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٠)، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة، بهذا السياق.\n(٦) تقدم تخريجه.","vol":"4","page":207},{"text":"وبهذا قالَ مالِكٌ في روايةٍ، والروايةُ المشهورةُ عنه أنهُ مُدٌّ بِمُدِّ هِشامٍ (١) (٢)، ومُذُ هِشامٍ بِمُدٍّ ونصْفِ مُدٍّ بِمُدِّ رسولِ الله - ﷺ -، وقيل: مُدَّانِ، وقيل: مُدٌّ وثُلُثٌ؛ لأن به تحصل الكفاية في الغداءِ والعشاءِ (٣).\nوأنكرَ الشافعيُّ هذا على مالكٍ، وقالَ: مَنْ شَرَعَ لكمْ مُدَّ هِشامٍ؟ وقد أنزلَ اللهُ ﵎ الكفاراتِ على رسولهِ قبلَ أن يولَدُ هشام، وكيفَ ترى المسلمين كَفروا في زَمَنِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وبعدَه قبل أن يكونَ هشامٌ (٤)؟\nوقال أبو حنيفةَ: طعامُه مُدَّانِ؛ اعتبارًا بِفِدْيَةِ الأَذى، واستدلُوا بحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (٥).\nولو اعتبروا هذهِ الكفارةَ بكفارةِ الفِطْر في رَمَضانَ، لكانَ أَحْرَى وأوْلى، فاعتبارُ الكَفَّارَةِ بِالكَفَّارَةِ أَشْبَهُ وأوْلى به، وأَمّا فِدْيَة الحَجِّ، فلا تشبهُ ما سِواها من الكفاراتِ في شيءٍ، واللهُ أعلم.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ٢٨٤)، و\"المدونة الكبرى\" (٦/ ٧٢).\n(٢) هو هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي عامل كان بالمدينة لبني مروان. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٣/ ٢٧١).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٩٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٨٥).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٢٥٧).\n(٥) مذهب الحنفية أن مقدار الطعام هو نصف صاع بر أو صاع تمر أو شعير. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٣)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٧/ ١٦)، و\"الهداية\" للمرغيناني (٢/ ٢١).","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>(من أحكام الزكاة)</span>\n٢٤٤ - ٢٤٥ (٣ - ٤) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢، ١٣].\n* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنينَ الصدقةَ أمامَ مناجاةَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، وأسقطَ هذا الفرص عَمَّنْ لم يجدْ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢].\nثم نُسِخَ (١) الوجوبُ عن الموسرين بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣].\nفقيل: نزلتْ حينَ غَلَبَ أهلُ الجدَةِ الفُقراءَ على مُجالسةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ومُناجاتِه، فكرهَ الرسولُ - ﷺ - ذلك (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٤٧ - ٤٨)، و\"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٥)، و\"المصلى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٥٥)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٥٢)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٦٥).\n(٢) انظر: \"تفسير الواحدي\" (٢/ ١٠٧٧).","vol":"4","page":209},{"text":"وقيل: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُؤْذى بكثرةِ النَّجْوى؛ وكانَ الشيطانُ يوسوسُ في أصحابِ النبي - ﷺ -، ويقولُ: يوحى إلى النبي - ﷺ - بأمر كذا مما يَغُمُ المسلمين ذلك، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] فأمر اللهُ سبحانَه أَلَّا يناجيَ أحدٌ النبي - ﷺ - حتى يُقَدّمَ صَدَقَةً، فتوقَّفَ الناسُ عن النَّجْوى، ثم شَقَّ ذلك عليهم، فنسخَهُ اللهُ ﷾ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية (١).\nقيل: وهذا مما نُسِخَ قبل العملِ به (٢).\nوقيل: إن عَلِيًّا -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عملَ به.\nوروى ليثٌ عن مجاهدٍ قال: قالَ عَلِيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: إنَّ في كتابِ اللهِ لآيةً ما عملَ بها أحدٌ قَبْلي، ولا يعملُ بها أحدٌ بعدي، كان لي دينارٌ، فصرفته، فكنتُ إذا ناجيتُ رسولَ الله - ﷺ - تصدَّقْتُ بدرهمٍ حَتَّى نَفِدَ، ثم نُسِخَتْ (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣١٥).\n(٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للقاسم بن سلام (ص: ٤١٠)، و\"البحر المحيط\" لأبي حيان (٨/ ٢٣٥).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢١٢٥). وانظر: \"تخريج الأحاديث والآثار\" للزيلعي (٣/ ٤٣٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣٢٧).","vol":"4","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>سورة الحشر</span>","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>(من أحكام الجهاد)</span>\n٢٤٦ - (١) قوله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥].\n* روى البخاريّ في \"صحيحه\" عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - حرقَ نخلَ بني النضير، وقطع، وهي البُوَيْرَةُ، فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ (١) [الحشر: ٥].\nفأخذ بالآيةِ في قطعِ الأشجار، وبما قبلَها في تَحْريقِ البيوت مالكٌ والشافعيُّ (٢)؛ لبيانِ النبيِّ - ﷺ - ذلك بفِعْلِه.\nوثبتَ عن أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنه قال: لا تقطعن شجرًا ولا تخربن عامرًا (٣).\nفذهبَ الليثُ بنُ سعدٍ، وأبو ثورٍ، وكذا الأوزاعيّ إلى منع ذلك (٤)، وقال: أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - كانَ أعلمَ بتأويلِ هذهِ الآيةِ،\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٠٧)، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير، ومسلم (١٧٤٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها.\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٨)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٥٧).\n(٣) رواه الإِمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٤٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٣١٢١).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٩/ ٢٣٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٥٠).","vol":"4","page":213},{"text":"وقد نَهى عن ذلك، وعملَ بهِ أئمةُ المسلمين.\nقال الشافعي: لعل أمرَ أبي بكرِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - إنما هو لأنهُ سمعَ النبي - ﷺ - يُخْبرُ أَنَّ بلادَ الشامِ تفُتح على المسلمينَ، فلما كانَ مُباحًا له أن يقطع ويَترك، أجازَ التركَ نَظَرًا للمسلمين بالأصلحِ (١)، وقد قطعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يومَ بني النَّضير، فلما أشرع (٢) في النخلِ قيل له: قدْ وعدَكَها اللهُ تَعالى، فلو استبقَيْتَها لنفسك (٣)، فكف القطعَ استبقاءَ، لا أن القطعَ مُحرم، وقد قطعَ بِخَيْبَرِ، ثم قطعَ بالطائفِ.\nثم قال: قال أبو يوسفُ: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قسيطِ قال: لما بعثَ أبو بكرِ خالدَ بنَ الوليدِ إلى طُلَيْحَةَ وبَني تميمٍ، قالَ لهُ: وأَيُّما دارٍ غَشيتها، فَأمسِكْ عنها إنْ سمعْتَ أذانًا حتى تسأَلهُم ما يريدون، وما ينقمون، وأَيُّما دارٍ غَشيتَها فلم تسمعْ فيها أَذانا، فَشُنَّ عليها الغارةَ، واقتلْ، واحرق.\nقالَ أبو يوسف: ولا نرى أن أبا بكرِ نَهى عن ذلك بالشامِ إلَّا لعلمِه بأنَّ المسلمينَ سَيَظْهرون عليها، ويبقى ذلكَ لهمْ (٤).\nوهذا التأويلُ الذي ذكرَهُ الشافعي وأبو يوسفَ متعين، فقد رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ، فَرَأَيْتُ مَشارِقَ الأَرْضِ ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتي ما زُوِيَ لِي مِنْها\" (٥).\n_________\n(١) \"بالأصلح\" ليس في \"ب\".\n(٢) في \"ب\": \"أسرع\".\n(٣) \"لنفسك\" \"ليس في \"أ\".\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٣٥٦) وما بعدها، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٨٥).\n(٥) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، كتاب: الفتن والملاحم، باب: ذكر الفتن ودلائلها، =","vol":"4","page":214},{"text":"٢٤٧ - (٢) قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].\n* نزلتْ هذه السورةُ والآياتُ في بني النَّضيرِ حينَ أجلاهُم (١) رسولُ الله - ﷺ -.\nخَرَّجَ البخاريُّ في \"صحيحه\" عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: قلتُ لابن عباسٍ: سورةُ الحَشْرِ، قال: لا، بل سُورةُ النَّضيرِ (٢).\nوخَرَّجَ عن الزُّهْرِيِّ عن عروةَ: كانَتْ على رأس ستةِ أشهُرٍ من وقعةِ بدرٍ قبلَ أُحُدٍ، ثم قالَ: جعلَه ابنُ إسحاقَ بعدَ بئرِ معونةَ (٣).\nوقد قدمتُ في \"سورةِ الأنفالِ\" اختلافَ الناسِ في الغنيمةِ، وأنَّ منهم مَنْ زعمَ أن الفيءَ والغنيمةَ سَواءٌ، وبه قالَ قتادَةُ، حتى زعمَ أن هذهِ الآيةَ ناسخةٌ لآية الأنفالِ والذي عليهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ أن الآيتينِ مُحْكمتان، وأن الفيءَ غيرُ الغَنيمة، فالفيءُ ما أصابَه المسلمون بغيرِ قِتال؛ كما إليهِ الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦].\nوهو ينقسمُ إلى ضربين:\n_________\n= والترمذي (٢١٧٦)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في سؤال النبي - ﷺ - ثلاثًا في أمته، وابن ماجه (٣٩٥٢)، كتاب: الفتن، باب: ما يكون من الفتن، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٧١٤)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨٣٩٧)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١١١٣)، عن ثوبان.\n(١) في \"أ\": \"جلاهم\".\n(٢) رواه البخاري (٥/ ٣٨)، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير.\n(٣) ذكره البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ١٤٧٨) تعليقًا بصيغة الجزم.","vol":"4","page":215},{"text":"الضربُ الأول: ما تركهُ المشركون خَوْفًا من المسلمين؛ كما فعلَ بنو النضير، فهذا كانَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - في حياتِه.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدثانِ: أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ، فقال: هل لكَ في عُثمانَ، وعبدِ الرحمنِ، والزبيرِ، وسعدٍ يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم، فلبثَ قليلًا، ثم جاءَ فقالَ: هل لكَ في عَبّاسٍ وعَلِيٍّ يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا، قال عباس: يا أميرَ المؤمنين! اقْضِ بيني وبينَ هذا، وهما يَخْتَصمان في التي أفاءَ اللهُ على رسولهِ من بني النضيرِ، فاسْتَبَّ عليٌّ وعباسٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، فقالَ الرهطُ: يا أميرَ المؤمنين! اقضِ بينَهما، وأَرِحْ أحدَهُما من الآخَرِ، فقالَ عمرُ: اتئدوا، وأَنْشُدُكُمْ (١) بالذي بِإذْنِه تقومُ السماواتُ، هل تعلمونَ أَن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"لا نُورثُ ما تركنا صدقة\" يريدُ بذلكَ نفسَه؟ قالوا: قدْ قال ذلكَ، فأقبلَ عمرُ على عليٍّ وعباسٍ، فقال: أنشدكم بالله هل تعلمانِ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثُكم عن هذا الأمرِ، إنَّ اللهَ كانَ خَصَّ رسولَ الله - ﷺ - في هذا الفيءِ بشيءٍ لم يعطِهِ أحدًا غيرَه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذهِ خالصةً لرسولِ اللهِ - ﷺ -، واللهِ ما اختارَها دونَكُم، ولا استأثَرَ بِها عليكم، لقدْ أعطاكُموها، وقَسَمَها فيكم حتى بقيَ هذا المالُ منها، فكان رسولُ اللهِ - ﷺ - ينفقُ على أهلهِ نفقةَ سنتهِ من هذا المالِ، ثم يأخذُ ما بقي فيجعلُه مَجْعَلَ مالِ اللهِ، فعملَ بذلكَ عليهِ في حياتهِ، ثم تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ -، فقال أبو بكرٍ: فأنا وليُّ رسولِ الله - ﷺ -، فقبضَه أبو بكرٍ فعملَ بهِ بما عَمِل رسولُ اللهِ - ﷺ -، وأنتم حينئذ، وأقبل على علي وعباسٍ:\n_________\n(١) في \"ب\": \"أنشدكما\".","vol":"4","page":216},{"text":"تذكران أنَّ أبا بكرٍ عمل فيه كما تقولان، واللهُ أعلمُ إنه فيه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحَقِّ، ثم تَوَفَّى اللهُ أبا بكر، فقلتُ: أنا وليُّ رسولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بكرٍ، فَقَبَضْته سنتين من إمارتي، أعملُ فيه بما عملَ رسولُ اللهِ - ﷺ - وأبو بكر، واللهُ يعلم إني فيه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابع، ثم جِئْتُماني كلاكُما، وكلمتكُما واحدةٌ، وأمركما جميعًا، فجئتني -يعني عباسًا- فقلت لكما: إن رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \"لا نورثُ ما تركناهُ صدقةٌ\"، فلما بدا لي أنْ أدفعَه إليكما، قلتُ: إن شئْتَ دفعتُه إليكُما على أنَّ عليكُما عهدَ الله وميثاقَه لتعملانِ فيه بما عملَ رسولُ الله - ﷺ - وأبو بكرٍ، وما عملتُ فيه منذ وليتُ، وإلَّا فَلا تُكَلِّماني، فقلتما: ادفعْه إلينا بذلكَ، فدفعتُه إليكما، أفَتَلْتَمِسانِ مني قضاءً غيرَ ذلكَ؟ فواللهِ الذي بإذنهِ تقومُ السماواتُ والأرضُ لا أقضي فيهِ بقضاءٍ غيرِ ذلكَ حتى تقومَ الساعَةُ، فإن عَجَزْتُما عَنْه، فادفعاه إليَّ؛ فإني أكفيكُماه (١).\nفإنْ قلتَ: فهل يدلُّ القرآنُ على أن النبيَّ - ﷺ - كان يملكُ كلَّ الفيءِ، أو يملكُ أربعةَ أخماسِهِ وخُمُسَ خُمُسِهِ، أو يملكُ خُمُسَهُ فقطْ، وأربعةُ أخماسِه لمن سَمّى اللهُ تعالى من ذَوي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل؟\nقلت: أما الاحتمالُ الثالثُ، فلم يقلْ به أحدٌ علمتُه، وإن كانَ لفظُ القرآن يحتملُه (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٩٢٧)، كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس، ومسلم (١٧٥٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: حكم الفيء.\n(٢) عزاه الماوردي في \"الحاوي الكبير\" (٨/ ٣٨٩) إلى الإِمام مالك، لكن نص الإِمام مالك كما في \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٢٦) أن الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال.","vol":"4","page":217},{"text":"وأما الاحتمالُ الثاني، فذهبَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي إلى أنه - ﷺ - لا يملكُ إلَّا بعضَ الفيءِ، فلهُ أربعةُ أخماسِه وخُمُسُ خُمُسِهِ، والباقي لمن سماه الله تعالى فقط (١).\nوالغنيمةُ والفيءُ يجتمعان في أَنَّ فيهما الخُمُسَ في جميعِهما لمنْ سماهُ اللهُ تعالى له في الآيتين معًا، ثم يفترق الحكمُ في الأربعةِ الأخماس كما (٢) بيَّنَ اللهُ تعالى على لسانِ نبيهِ - ﷺ -، وفي فعله؛ فإنه قَسَمَ أربعةَ أخماسِ الغنيمةِ، والغنيمةُ هي المُوجَفَ عليهِ بالخيلِ والرِّكاب لِمَنْ حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، والفيءُ هو ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، فكانَتْ سنةُ رسولِ اللهِ - ﷺ - في القُرى التي أفاءَ اللهُ عليه أَنَّ أربعةَ أَخْماسها لرسولِ اللهِ دَونَ المسلمينَ، يضعُها رسولُ اللهِ - ﷺ - حيثُ أرادَ اللهُ ﷿ (٣).\nوهذا التقسيمُ لا يدلُّ عليهِ لفظُ القرآن، وإنما أخذَهُ الشافعي استدلالًا منَ الغنيمةِ، والذي يدلُّ عليه القرآنُ والسنةُ والاستنباطُ، وقالَ بهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ أنه - ﷺ - كان يملكُ الكُل (٤).\nفإن قلت: ما وجهُ الدليلِ من الكِتاب والسنةِ؟\nقلتُ: أما دلالةُ الكِتاب، فإن الله سبحانَه مَنَّ بهِ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، وجعلَهُ من فَيْئه عليه، لا من فَيْءِ أحدٍ منَ المقاتلين، بل جعلهُ اللهُ مما أخذَهُ بتسلُّطِه عليهم كما يتسلط الغانمون على عَدُوِّهم، فقالَ ﵎:\n_________\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٢٠/ ٧٠).\n(٢) في \"أ\": \"بما\".\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٣٩)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ١١١).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٣٨٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٥).","vol":"4","page":218},{"text":"﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦].\nفإن قلتَ: فقد خصَّ اللهُ سبحانه ذوَي القُرْبى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل بالذكْرِ، وأشرَكَهُمْ معهُ، وأضافَهُ إليهم بِلام التمليكِ في الآية التي تليها.\nقلت: الإضافةُ إليهم معناه بيانُ المَصْرِف، لا حقيقةُ التمليكِ والتشريكِ، وإنما خَصَّهم اللهُ بالذكرِ ليقطعَ طمعَ المقاتِلين.\nألمْ تَرَ إلى كيفيةِ صدورِ الخِطابِ معهم كيفَ قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦].\nثم أعلمهم بعدَ أَنْ مَنَّ بها عليهِ - ﷺ - بوجوهِ البِرّ والإنفاقِ التي كانَ رسولُ الله - ﷺ - يفعلُها، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].\nثم بيَّنَ وجهَ العِفَةِ في حِرْمانِهم، وأَنهم ليس لهم في الفيءِ نصيبٌ؛ لئلاّ يملكوه ويتداولوه بينهم، فقال تَعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].\nثم أمرهُم بطاعتِه؛ لأن طاعته من طاعتِه - ﷺ -، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nثم بيَّنَ القومَ المستحقينَ، وأنهم فقراءُ المهاجرينَ والأَنْصار، والذينَ مِنْ بعدِهم، فقالَ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].\nوكل هذا يدلُّ دلالةً صريحةً على أن الفيءَ ليسَ كالغنيمةِ.","vol":"4","page":219},{"text":"وأما دلالةُ السنَّةِ فواضحةٌ من قولِ عمرَ وقَضائه الذي قَضى به، وقضى به أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- فجعلَه خاصًّا برسولِ اللهِ - ﷺ -، وجعلَهُ مالًا تَرَكَهُ وخَلَّفَهُ، وإنما احتج عليهم بكونهِ لا يورَثُ، وقال: إن الله تَعالى خَصهُ في هذا الفيء بشيءٍ لم يعطِه أحدًا غيرَه، واستدل بالآيةِ الأَوى كما استدلَلْتُ بها، وقال: كانَتْ (١) خالصةً لرسولِ اللهِ - ﷺ - (٢)، ولم يقلْ علِيٌّ وعباسٌ ولا أحدٌ من الصحابةِ الذين حَضَروا، وهم من عُلماء أصحابِ رسول الله - ﷺ -: لم تكنْ خالصةً لهُ، بل ذوو قرابته واليتامى والمساكينُ مشاركونَ لهُ، ولو علمَ العباسُ وعَلِيٌّ لهم معه قسمًا ونصيبًا، لذكروه.\nوأمّا الاستنباطُ، فالذي يحيطُ بهِ العلمُ والنظرُ أنه لو كانَ أحدٌ مِمَّنْ سَمّاه الله سبحانه مُشاركًا لهُ، لكانَ لِذوي قرابته سَهْمٌ من خمسةٍ وعشرينَ سَهْمًا يأخذونه من المالِ الذي كان بَيدِه وتركَه من مالِ الفيء - ﷺ - يأخذونه مُلْكًا لا إرْثًا، واليتامى كذلك، وللمساكينِ وابنِ السبيل كذلك، ولم يقلْ بهذا قائلٌ، ولم يُعْرَفْ له أصلٌ.\nوأيضًا لو كانَ أحدٌ مشاركًا، لهُ لما فُضلَ سهمُ سبيلِ الله على غيرِه من السِّهام، ويدل على التفضيلِ قولُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: وكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ينفقُ منها على عِياله نفقَةَ سنتِه، وما فَضَلَ جعلَه في الكُراع والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيل الله، وفي لفظٍ آخرَ: ثم يأخذُ ما بقيَ فيجعلُه مَجْعَلَ مالِ الله (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"فكانت\".\n(٢) تقدم تخريجه من قول عمر في قضية العباس وعلي ﵃ لما طلبا عمر بما كان في يد النبي ﷺ.\n(٣) رواه النسائي (٤١٤٠)، كتاب: قسم الفيء، في أوله، والإمام الشافعي في \"مسنده\" (٣٢٢)، والإمام أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢٩٧٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٣٥٧)، وابن الجارود في =","vol":"4","page":220},{"text":"وقد تبيَّنَ بهذا أن ما قلناهُ هو الحَقُّ، وقضى به الشيخانِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، ولم يخالفْهما أحدٌ من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، وما قاله الشافِعِيُّ فغفلة من عالِمٍ، وقد أنكرَ أبو بكرِ بنُ المنذرِ على الشافعيِّ مقالَتهُ، قال: ولا نعلمُ أَحَدًا قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمسِ في الفيء (١).\nالضرب الثاني من الفيء: ما أخِذَ من الكُفّارِ من غيرِ حربٍ، كالجِزْيةِ وعُشورِ تِجاراتهم:\nفقالَ الجُمهورُ: هو كالضَّرْبِ الأولِ (٢).\nوقالَ الشافعيُّ في الجديدِ: يُخَمَّسُ كالغنيمة.\nوقالَ في القديم: يقسَمُ الجميعُ على خَمْسَةِ أَسْهُمٍ (٣).\nفإن قلتَ: فقد حكيتَ عن مجاهدٍ أن الغنيمةَ تختصُّ بالأموالِ المنقولةِ، وأن الفَيْءَ يختصُّ بالأَرَضين، وإن أُخِذَتْ قَسْرًا؛ لأن الله سبحانَهُ ذكر الفَيْءَ في القُرى، وذكرَ الغنيمةَ مُطْلَقا، ووعدْتَ بالكلام معه (٤).\nقلت: لا حُجَّةَ له فيما ذَكَرَ، بلِ الحُجَّةُ في فِعْلِ رسولِ الله - ﷺ -، وقد ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قسمَ خَيْبَرَ بينَ الغانِمين، ولم يجعلْها فيئًا (٥)، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (٦).\n_________\n= \"المنتقى\" (١٠٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٩٥).\n(١) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٢/ ٦٩).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٠)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٧)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٨/ ٢).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٤٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٦/ ٣٥٤).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٢/ ٤٠٠).\n(٥) تقدم تخريج حديث قسم غنائم خيبر.\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٨/ ٤٠٦).","vol":"4","page":221},{"text":"وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ الأرضَ لم تُخَمَّسْ، بل تكونُ كما فعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - في أرضِ السَّوادِ (١)، وللإمام أن يَمُنَّ بها على أهلِها كَما فعلَ رسولُ الله - ﷺ - في أهلِ مَكَة (٢).\nوالجوابُ ما قدمتُه في \"سورة الحَجِّ\"، وأن المختارَ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنها فُتِحَتْ صُلْحًا، فلم تغنَمْ.\nفإن قلتَ: فقد جعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أرضَ السَّوادِ بين المسلمين، ولعل مصرفَ الأرضِ إلى اجتهادِ الإمامِ، فإمّا أن يقسِمَها، وإما أن يجعلَها فيئًا كما ذهبَ إليهِ أبو حنيفة (٣).\nقلنا: قال الشافعي -رحمَهُ اللهُ تعالى-: لا أعرفُ ما أقولُ في أرضِ السوادِ إلا ظَنًّا مقرونًا إلى علم، وذلك أني وجدتُ أصحَّ حديثٍ يرويه الكوفيونَ عندَهم في السَّوادِ ليسَ فيه بيان، ووجدْتُ أحاديثَ من مُحَدّثيهم تخالِفُه (٤)، منْها أنهم يقولون: السوادُ صُلْحٌ، ويقولون: السوادُ عَنْوَةٌ، ويقولون: إن بعضَ السوادِ صلحٌ، وبعضه عَنْوَةٌ، ويقولون: إن حديثَ جريرٍ البَجَلِيِّ وهو أثبتُ حديثٍ عندهم: أخبرنا الثقةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كانت بَجيلَةُ ربعَ الناسِ، فقسمَ لهم ربعَ السوادِ، فاستغلوه ثلاثًا أو أربعَ سنين -أنا شككْتُ- ثم قدمتُ على عمرَ بنِ الخطابِ، ومعي فلانةُ بنتُ فُلانٍ منهم -وسماها- لا يحضرُني ذكرُ اسمِها الآنَ، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: لولا أني\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ٢٦)، و\"التمهيد\" لابن عبد البر (٦/ ٤٥٩).\n(٢) تقدم تخريجه.\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ٢٤٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٢٩٣).\n(٤) في \"ب\": \"مخالفة\".","vol":"4","page":222},{"text":"قاسِمٌ، لتركتكم على ما قُسِمَ لكمْ، ولكنّي أرى أن تَرُدُّوا على الناس.\nقال: وكان في حديثه: فأعاضني من حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دينارًا.\nوكانَ في حديثه: فقالتْ فلانةُ: شهدَ أبي القادسيةَ، وثبتَ سهمُه، ولا أُسلّمه حتى يُعْطِيَني كذا، ويعطيني كذا، فأعطاها إياه.\nقال الشافعيُّ: وفي الحديثِ دَلاَلةٌ إذْ أعطى جَريرًا عِوَضًا عن سَهْمِه، والمرأةَ عِوَضًا عن سهمِ أبيها أنه استطابَ أَنْفُسَ الباقين، وهذا حلالٌ للإمامِ إذا افتتحَ القومُ أرضا عَنْوَةً، فأحصى من افْتَتَحَها، فطابوا أَنْفُسًا عنْ حقوقِهم مِنْها، أن يجعَلَها الإمامُ وَقْفًا، وحقوقُهم منها الأربعةُ الأخماسِ، ويوفي أهلَ الخُمُسِ حَقَّهم (١)، إلَّا أن يدعَ البالغونَ منهم حقوقَهم، فيكونَ ذلك لهمْ، والحكمُ في الأرضِ كالحُكْم في المالِ.\nقال: وهذا أولى الأمورِ بعمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- عندنا في السَّواد وفُتوحِه، وإنما منعَنا أن نجعلَهُ يَقينًا بالدَّلالة؛ لأن الخبر الذي فيه متناقضٌ، واللهُ أعلمُ (٢).\n* * *\n_________\n(١) في \"ب\": \"حقوقهم\".\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ١٣٣).","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>سورة الممتحنة</span>","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>(من أحكام الجهاد)</span>\n٢٤٨ - (١) قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١]ـ.\nخَرَّجَ البخاريُّ في \"جامعه\" عن سفيانَ قال: ثنا عمرُو بنُ دينارِ قال: حدثني الحسنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيُّ: أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي رافعٍ كاتبَ عَلِيٍّ يقول: سمعتُ عَلِيًّا يقول: بَعَثَني رسولُ اللهِ - ﷺ - أنا والزبيرُ والمقدادُ، فقال: \"انْطَلِقوا حَتَّى تَأتوا رَوْضَة خاخ، فإنَّ بها ظَعينَة مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوه مِنْها\"، فذهبنا تَعادَى بنا خَيْلُنا حَتَّى أتينا الروضةَ، فإذا نحنُ بالظَّعينَةِ، فقلْنا: أَخْرِجي الكتابَ، قالتْ: ما معي مِنْ كتابٍ، فقلْنا لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لنلْقِبنَّ الثيابَ، فأخرجَتْهُ منْ عِقاصِها، فأتينا به النبيَّ - ﷺ -، فإذا فيه: مِنْ حاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ إلى أناسٍ منَ المشركينَ مِمَّن بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُم ببعضِ أمرِ النبيِّ - ﷺ -، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"ما هذا يا حاطِبُ؟ \" قال: لا تعجَلْ عَلَيَّ يا رسولَ الله! قال: إني كنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُريشٍ، ولم أكنْ من أَنْفُسِهم، وكان مَنْ معكَ منَ المهاجرينَ كانَ لهم قراباتٌ يَحْمونَ بِها أَهْلَهم وأَمْوالَهم بمكةَ، فأحببتُ إذْ فاتَني من النَّسَبِ فيهم أَنْ أَصْطَنِعَ إليهم يَدًا يَحْمون بها قَرابتي، وما فَعَلْتُ ذلكَ كُفْرًا ولا ارْتدادًا عنْ دِيني، فقالَ النبي - ﷺ -: \"إنَّهُ قَدْ","vol":"4","page":227},{"text":"صَدَقَكُمْ\"، قال عمرُ: يا رسولَ الله! دَعْني فأضربَ عنقَهُ، قال: \"فإنَّه قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ لَعَلَّ اللهَ اطلَعَ على أهلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لكُمْ\" (١).\nقال عَمْرو: نزلتْ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، قال: لا أَدري الآيةُ في الحَديثِ (٢)، أو في قولِ عُمرو.\nإذا علمتَ هذا، فنقول: حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ على المؤمنين أن يُوالوا المشركينَ بالمودةِ، وأن يَدُلُّوهُمْ على عورَةِ المسلمين، وأَنْ يُحَذروهم من كَيْدهِم، وجعلَ ذلكَ ضَلالا عنْ سواءِ السبيلِ، فقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٩] وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].\nفإن قلتَ: فلمَ لمْ يخرجْ بذلك حاطِبٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عن الإيمان؟\nقلتُ: لأنه فَعَلَ هذا بِجَهالَةٍ وتأويلٍ، وادَّعى بقاءَهُ على الإيمان، فَصَدَّقَهُ رسولُ الله - ﷺ -، ولأنَّ اللهَ سبحانَهُ لعله قد غفرَ لأهلِ بدرٍ ما مَضى، وما يُستقبلُ من الذنوبِ، وحاطبٌ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قد شَهِدَ بَدْرًا، والغفرانُ يستلزمُ الإيمانَ؛ فإنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ به.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٨٤٥)، كتاب: الجهاد، باب: الجاسوس، ومسلم (٢٤٩٤)، كتاب: \"فضائل الصحابة\" باب: من فضائل أهل بدر -﵃-.\n(٢) القائل هو سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث كما في \"فتح الباري\" (٨/ ٦٣٥).","vol":"4","page":228},{"text":"وقد قَدَّمْتُ جُمَلًا في بيانِ حقيقةِ مُوالاةِ أعداءِ اللهِ -لَعَنَهُم اللهُ سبحانَه-.\n* وقد استنبطَ الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- من هذهِ القصةِ أَنَّ الرجلَ إذا كانَ من ذَوي الهَيْئات، فَلِلإمام أن يعفوَ عنه، وإن لم يكنْ منهُم، كانَ للإمامِ عقوبَتُه (١).\n* ثم بينَ اللهُ سبحانَه العِلَلَ المُنَفِّرَةَ للقُلوبِ عن موالاةِ المشركينَ، وحَثَّهم على الاقتداءِ بإبراهيمَ ﵊، ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]؛ فإنه لا يُقْتَدى بهِ في هذا، فاستثناهُ (٢)، ولعلَّ هذا -واللهُ أعلمُ- كانَ من النبيِّ إبراهيمَ - ﷺ - قبلَ أن يُعْلِمَهُ اللهُ -﵎ - أَنَّه لا يغفرُ الشِّرْكَ، أو لأمرٍ علمهُ من أبيهِ كَما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقد تبيَّنَ بهذا أن استغفارَ النبيِّ - ﷺ - لأبي طالبٍ ولعبدِ اللهِ بنِ أبيِّ ابنِ سلولَ إنَّما كانَ قبلَ نزولِ هذهِ الآية.\nوهذه السورةُ نزلتْ في قصةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ (٣)، وذلك حينَ توجَّه النبيُّ - ﷺ - إلى مكةَ غازيًا غزوةَ الفَتْحِ، ولا شكَّ في أنَّ موتَ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ قبلَ ذلكَ.\n* * *\n\n٢٤٩ - (٢) ثم قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].\n* رويَ عن الحسنِ أنّها نزلتْ في قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ - ﷺ - عهدٌ، وهم\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٥٠).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٦٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٢٧).\n(٣) انظر: \"تفسير الصنعاني\" (٣/ ٢٨٦)، و\"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٦٠).","vol":"4","page":229},{"text":"خُزاعَةُ، وبنو عبدِ الحارثِ بنِ عبدِ منافٍ (١).\nأمرَ اللهُ سبحانَهُ المؤمنينَ أن يُوفوا لهم بالعَدْلِ، وأَنْ يبرُّوهم.\nورويَ عن مجاهدِ: إنما أريدَ بها الذين لم يُقاتلوا المؤمنين، وآمنوا، وأقاموا الصلاة بمكَّةَ، ولم يُهاجروا (٢).\nوذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخةٌ (٣):\nفقيل: بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقيل: بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية.\nوقيل: بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.\nوالقولُ بالنسخِ ضعيفٌ؛ لعدمِ التعارُضِ في الآيتينِ.\nوالصحيحُ ما رويَ عن الحسنِ ومجاهدِ، وأحسنُهما قولُ الحسنِ؛ بدليلِ قوله تَعالى بعدَ ذلك: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] وبدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] وبدليل ما روينا في \"الصحيحين\": أَنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - كسا\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧١٢)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٨/ ٢٣٧).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٦٥)، و\"الكشاف\" للزمخشري (٤/ ٥١٥).\n(٣) انظر: \" الناسخ والمنسوخ\" للزهري (ص: ٢٥)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٥٦)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٥٣)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٦٧).","vol":"4","page":230},{"text":"أخًا له مُشْرِكًا بمكَّةً حُلَّةً أعطاهُ إياها رسولُ الله - ﷺ - (١)، وغيرِ ذلك من أدلةِ الكتابِ والسُّنَّةِ.\n* * *\n\n٢٥٠ - ٢٥١ (٣ - ٤) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١٠، ١١].\n* قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تَعالى-: ذكرَ عدةٌ منْ أَهْلِ العلم بالمغازي: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - هادَنَ قُريشًا عامَ الحُدَيْبِيَة على أن يؤمِّنَ بعضهم بَعْضًا، وأَنَّ مَنْ جاءَ من المسلمين مرتدًّا، لم يردُّوه عليهم، ومنْ جاء النبيَّ - ﷺ - بالمدينةِ منهم، رَدَّهُ عليهم، ولم يُعْطِهم أن يردَّ عليهم منْ خرجَ منهم مسلمًا إلى غيرِ المدينةِ من بلادِ الإِسلامِ أو الشركِ، وإن كانَ قادرًا عليه.\nقال: ولم يذكرْ أحدٌ منهم أنه أعطاهُم في مسلم غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ شيئًا منْ هذا الشَّرْط، فذكروا أنه أنزلَ عليه في مهادنتهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فتمَّ الصلحُ بينَ النبيِّ - ﷺ - وبينَ أهلِ مكةَ على هذا، حتى جاءَتْهُ أُمُّ كُلثومٍ بنتُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مسلمةً مهاجرةَ، فنسخَ اللهُ ﷾ الصلحَ في النِّساء، وأنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا\n_________\n(١) رواه البخاري (٨٤٦)، كتاب: الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد، ومسلم (٢٠٦٨)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، عن عبد الله بن عمر.","vol":"4","page":231},{"text":"أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] يعني: المهرَ إذا كانوا أَعْطَوْهُنَّ إياه.\nقال: وجاء أَخَواها يطلبانِها، فمنعَها - ﷺ - منهُما، وأخبرَ أن الله -﵎- نقضَ الصُّلْحَ في النساء، وحكم فيهن غيرَ حكمِه في الرجال.\nقال: وإنما ذهبتُ إلى أن النساءَ كُنَّ في الصُّلحِ، وحكمَ فيهن بأنه لو لم يدخلْ رَدُّهُن في الصُّلح لم يُعْطَ أزواجُهن فيهن عِوَضًا.\nوزعمَ بعضُهم أن النساءَ لم يدخُلْنَ في الصُّلحِ، واحتجَّ بما رواهُ معمرٌ عنِ الزهريِّ أنه قالَ في هذهِ القصةِ: وقال سُهَيلٌ: على أَلاّ يأتِيَكَ مِنّا رجلٌ، وإن كانَ على دينِكَ إلَّا رَدَدَتْهَ علينا (١).\nفإن قلتُم: فهل يجوزُ للإمامِ اليومَ أن يعقدَ الصلحَ مع المشركينَ على ما عقدَ عليهِ النبي - ﷺ - عامَ الحديبيةِ منْ شرطِ رَدِّ المسلمينَ؟\nقلتُ: أما شرطُ ردِّ المسلمات، فلا يجوزُ؛ لأنه منسوخٌ، والعملُ بالمنسوخِ غيرُ جائز (٢).\nوأما رَدُّ الرجالِ، فإن شرطَ، رُدَّ من لهُ عشيرة تمنع منه.\nفقال الشافعي وأصحابُه: إنه يجوزُ شرطُ رَدّهِ؛ لأنه يأمن على إظهارِ دينه، وإن لم تكنْ لهُ عشيرةٌ، فلا يجوز شرطُ ردّه، وإن أطلقَ العَقْدُ فلا يجوزُ؛ لأنه دخلَ (٣) فيه من يجوزُ رَدُّه ومَنْ لم (٤) يجوز (٥).\nوفي هذا التفصيلِ نظرٌ؛ لأن النبي - ﷺ - أطلقَ العقدَ، ولاشكَّ أن بمكةَ كثيرًا مِمَنْ لا يقدرُ على إظهارِ دينه، ولأنه كانَ في قريشٍ من يُفْتَنُ عن دينهِ،\n_________\n(١) في \"ب\": \"إلينا\". انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٩١ - ١٩٣).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ١٩١)، و\"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٣٠٧).\n(٣) في \"ب\": \"يدخل\".\n(٤) في \"أ\": \"لا\".\n(٥) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٦٠).","vol":"4","page":232},{"text":"ويمنع مِنْ إظهارِه، وله عشيرةٌ، فقد صاحَ أبو جَنْدَلٍ بأعلى صَوْتهِ، وهو يَرْسُفُ (١) في الحديدِ: يا معشرَ المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركينَ يفتنوني عن دِيني؟! فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"يا أبا جَنْدَلٍ اصبرْ واحتِسبْ؛ فإنَّ اللهَ جاعلٌ لكَ ولِمَنْ معكَ منَ المستضعفين فَرَجًا ومَخْرَجًا\" (٢)، وردَّ النبيَّ - ﷺ - أبا بصيرٍ، ولم يكنْ له عشيرةٌ تمنعهُ، وقتلَ أحدَ الرجلينِ اللذَيْنِ جاءا إليه، فقال: يا رسولَ الله! قد وَفَّيْتَ لَهُم، ونَجّاني اللهُ منهم، فأفهمَه أنه رادُّه إليهم مَرَّةً أخرى إِنْ جاؤوا في طَلَبه، والغالبُ على الظنِّ أنهم يقتلونه إن استَردُّوه وظَفِروه، فلحقَ بالساحلِ، وقصتهُ مشهورةٌ (٣).\nويحتمل أن يقالَ: لا يجوزُ؛ لأن الله سبحانَه جعلَ لنبيه - ﷺ - ما لَمْ يكنْ لغيرِه، وجعلَ صُلْحَ الحُديبية لهُ فتحًا مبينًا، أو لأنَّ النبيَّ - ﷺ - إنَّما فعلَ ذلكَ تَعْظيمًا للمسجدِ الحرامِ؛ بدليلِ قوله - ﷺ - لَمّا حَبَسَ القَصْواءَ حابِسُ اللَّيلِ: \"والله لا يَسْأَلونَني خِطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَجَبْتُهُمْ إليها\" (٤).\nوبهذا قال مالك وأصحابُه، فلا يجوزُ عندَهم رَدُّ المسلمِ بحالٍ (٥).\n* ثم نَصَّ اللهُ سبحانَه على تحريمِهِنَّ على المشركينَ، وعلى تحريمِ المشركينَ عليهِنَّ، وهذا أَصرَحُ في التحريمِ من الذي في سورةِ البقرةِ.\n_________\n(١) رَسَفَ في القيد يرسُفُ ويرسِفُ رسَفًا ورسيفًا وسَفانًا: مشى مشْيَ المقيد. وقيل: هو المشي في القيد رويدًا، فهو راسف. \"لسان العرب\" (مادة: رسف).\n(٢) رواه الإِمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٢٧)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢٥/ ٣٠٠ - ٣٠١)، عن المسور بن مخرمة.\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٢٤٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ١٤٤).\n(٤) رواه البخاري (٢٥٨١)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، عن المسور بن مخرمة.\n(٥) ذكر القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (١٨/ ٦٣): أن هذا مذهب الكوفيين، أما مذهب الإِمام مالك فهو الجواز.","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>(من أحكام الطلاق)</span>\n٢٥٢ - (٥) ثم حَرَّمَ اللهُ على المسلمين استدامَةَ نِكاح الكَوافِرِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠].\n* المُرادُ بهِ الكوافِرُ من نِساء مكةَ وما أَشْبَهَهُن من غيرِ أهلِ الكِتاب، فقيل: نزلتْ في عمرَ بنِ الخَطَّابِ، كانتْ له امرأتانِ بمكَّةَ، فطلقَهما يومئذٍ -يعني: حين نزلتْ هذه الآية-، وتزوجَ إحداهما معاويةُ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيّة (١).\nفإن قلتَ: فمقتضى إطلاقِ النهي عنِ الإمساكِ أنَّ المرأةَ إذا كانتْ كافرة أن تقعَ فرقتُها على الفورِ كَما هو (٢) مُقْتضى النهي، وأنها لا تقعُ فرقتُها بالكفرِ، وإنما تقعُ بالتسريح كما فعل عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فما الحكمُ في ذلكَ عندَ أهلِ العلم؟\nقلتُ: أما الفورُ، فهو معتبر بالإجماع في حَق من لم يدخلْ بها، فمتى\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٥٨١)، و\"تفسير الطبري\" (٢٦/ ١٠٠).\n(٢) في \"ب\": \"ذلك\".","vol":"4","page":234},{"text":"ما أسلمَ زوجُ المرأةِ التي لم يدخُلْ بها زوجُها، أو ارتدَّتْ، تعجلَتِ الفرقةُ اتفاقًا، ولا يفتقرُ إلى طلاقٍ (١).\nوفي اشتراطِ عرضِ الإِسلامِ عليها قَوْلان للمالكية (٢).\nوأَمَّا المدخولُ بها:\nفقال مالكٌ: إن لحقتْهُ في الإِسلامِ، دامَ نِكاحُها، وإن عرضَ عليها وأَبَتْ، وقعتِ الفرقةُ بينهما (٣).\nوقال الشافعيُّ: تقفُ الفرقةُ على انقضاءِ العِدَّةِ (٤)، وخَصَّصَ العُمومَ، واستدلَّ بأنَّ أبا سفيان بنَ حربٍ أسلمَ بِمَرِّ الظَّهرانِ، ورجعَ إلى مكةَ، وهندٌ بنتُ عتبةَ مقيمةٌ على الكُفر، فأخذتْ بلحيتِه، وقالَت: اقتُلوا الشيخَ الضالَّ، ثم أسلمتْ هندٌ بعدَ إسلامِ أبي سفيانَ بأيامٍ كثيرةٍ (٥).\nوكذا إذا ارتدَّت وكانَتْ مَدْخولًا بها، وقَّتَ الفرقةَ على انقضاءِ العِدَّةِ، وأخذَ اعتبارَ العِدَّةِ من دَلالةِ السنَّةِ، على عكسِ هذا الأصلِ، وهو إذا أسلمَتْ قبلَهُ، فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ، تَعَجَّلَتِ الفرقةُ بينَهما، وإن كانَ بعد الدخولِ، وقفت الفرقَةُ على انقضاء العِدَّة؛ لِما روى أهلُ العِلْم بالمغازي أَن ابنةَ الوليدِ بنِ المُغيرةِ أسلمَتْ قبلَ زوجِها صفوانَ بنِ أميةَ.\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٢٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٨)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٣/ ٤٢٨).\n(٢) انظر: \"الذخيرة\" للقرافي (٤/ ٣٢٩).\n(٣) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٤٥)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥١٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٥٣)، (٧/ ٢١٨).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ٤٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٨٦)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥١٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٣٧).","vol":"4","page":235},{"text":"قال ابنُ شهابٍ: وهربَ صفوانُ من الإِسلام، ثم جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ -، وشهدَ حُنينًا والطائفَ مُشْرِكًا.\nقال: وكان بينَ إسلامِ صفوانَ وبينَ امرأتِه نحو من شَهْرٍ (١).\nوكذلكَ أسلمَتْ أُمُّ حكيمٍ بنتُ الحارثِ بنِ هشامٍ، وكانتْ تحتَ عِكْرمَةَ بنِ أبي جَهْلٍ، وهربَ من بلادِ الإِسلام، ثم أتى النبي - ﷺ -، فبايَعهُ، فثبتا على ذلك النكاحِ (٢).\nوكذلك حكيمُ بنُ حِزامٍ سبقتْهُ امرأته بالإِسلام. وغيرُهم (٣).\nقال ابنُ شهابٍ: ولم يبلغْنا أن امرأةً هاجرتْ إلى اللهِ ورسولهِ وزوجُها كافرٌ مقيم بدارِ الكفرِ إلا فَرَّقَتْ هجرتُها بينَها وبينَ زوجِها، إلا أن يقدمَ زوجُها مُهاجِرًا قبلَ أن تنقضيَ عِدَّتُها (٤).\nوبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٥).\n* وقد عُلِمَ بهذا أنَّ الفرقةَ لا تقفُ على الطلاقِ، وإنما هذا فسخٌ للنكاح، فلا يجتمعُ مسلم وكافرةٌ على نِكاح إلا ما أحلَّه اللهُ تعالى وخصَّه من نِكَاحِ أهل الكتاب، فالنهيُ معناهُ الإعلامُ بحُرْمتِهنَّ، وقمعُ النفوسِ عن التعلُّق بنكاحهنَّ؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٤٤)، و\"الأم\" للإمام الشافعي (٧/ ٢١٨).\n(٢) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٤٥)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (١٢٦٤٦).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٥/ ١٥٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥١٩).\n(٤) انظْر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٥٤٤)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١٨٧).\n(٥) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٤/ ٣٠٢)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٥/ ٥١٧)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٣١٩)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٢٢٠).","vol":"4","page":236},{"text":"* وأوجب اللهُ سبحانَهُ على المسلمينَ أن يؤتوا المشركينَ ما أَنْفقوا من مُهورِ النساء، وجعلَ ذلكَ للمسلمينَ على المُشركين، كَما للمشركينَ على المسلمين، وجَعَلَ (١) ذلك حُكْمًا بينهم.\nقال الشافعيُّ -رحمَهُ الله تعالى-: وحكمَ لهم في مثل هذا المعنى حُكمًا ثابتًا، فقال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾، كأنه -واللهُ أعلمُ- يريدُ: فلم يَعْفوا عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] يعني: من مهورهن، إذا فاتت امرأةٌ مشركةٌ أتتنا مسلمة قدْ أعطاها مئةً من مَهْرها، وفاتت امرأة مسلمة إلى الكُفَّارِ، وقد أعطاها مئة، حُسِبَتْ مئةُ المسلمِ بمئةِ المُشركِ، فقيل: تلك العقوبة، ونكتبُ بذلك إلى أصحابِ عهودِ المشركين، حَتىّ يعطيَ المشركُ ما قَصَصْناهُ من مَهْرِ امرأتِه بالمُسْلِمِ الذي فاتتهُ امرأتُهُ إليهم، ليسَ له غيرُ ذلك (٢).\nواختلف قولُ الشافعيِّ هَلْ هذا الحكمُ عامٌّ أو خاصّ بصلحِ الحُدَيبية، فجعله في أَحَدِ قوليه عامّا؛ فإذا جاءتنا امرأة من دارِ الحربِ مهاجرةً قَدْ سَلَّمَ لها زوجُها مَهْرَها، وجبَ على الإمامِ أن يؤتيَ زوجَها ما أنفقَ إذا جاءنا طالبًا ما أنفقَ.\nوجعلَه في القولِ الثاني خاصًّا بصلحِ الحُدَيبية؛ فإن الله سبحانَه جعلَه عِوَضًا لِما شُرِطَ من رَدِّ النِّساء، فلما رَدَّ اللهُ سبحانَهُ هذا، أوجب رَدَّ ما أَنْفَقوا في مهورهن (٣).\n_________\n(١) في \"ب\": \"وكان\".\n(٢) انظر: \"الأم\" (٤/ ١٩٤).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٤/ ٣٦٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (١٠/ ٣٤١).","vol":"4","page":237},{"text":"وأما في زمانِنا، فلا يجبُ أن يُدْفَعَ إليهم شيءٌ، ولا يجبُ عليهم أن يَدْفعوا إلينا شيئًا، وهذا ما اختارهُ المزني (١)، وقال به مالكٌ (٢) - رحمَهُما اللهُ تعالى-\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٢٦١).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٣١).","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>سورة الجمعة</span>","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>(من أحكام صلاة الجمعة)</span>\n٢٥٣ - (١) قوله ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].\nأقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على جملتين:\nالجملة الأولى: الأمرُ بالسَّعْي عندَ النِّداءِ، والمرادُ بهِ التسبُّبُ والعملُ، لا السَّعْيُ على الأقدام، قالَ اللهُ -﵎-: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (١) [الليل: ٤].\nوإن كانَ المشيُ على القدمينِ مستحبًا، فالسعيُ عليهما مكروهٌ (٢)، روى أبو هُريرةَ -رضيَ الله تَعَالى عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا أُقُيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَأتوها وأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتوها وَعَلَيْكُمُ السَّكينَةُ، فما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتكمْ فَأَتِمُّوا؛ فإنَّ أَحَدَكمْ في صَلاةٍ ما دامَ يَعْمَدُ إلى الصَّلاةِ\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (١/ ١٠٦)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (ص: ١٢٣)، و\"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٩٩).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٥٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٣٥).\n(٣) رواه مسلم (٦٠٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا.","vol":"4","page":241},{"text":"* وقد اتفقَ الناسُ أن الأمرَ للوجوب على أعيانِ المؤمنين.\nويروى عن مالِكِ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- روايةٌ شاذَّة: أنَّ الجمعةَ مستحبّهٌ، وأن الأَمرَ على الاستِحْباب؛ تشبيهًا لها بصلاةِ العيدِ (١).\nويروى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنها فرضٌ على الكِفَايةِ (٢).\n* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تَخْصيص هذا العُموِم، فأخرجَ منه المرأةُ والمريضُ.\nفأما المرأةُ؛ فإنا لأنها غيرُ داخلةِ في خِطابِ الذُّكورِ، أو لأنَّ النساءَ كُنَّ يتركْنَ الحضورَ في الصَّدْرِ الأولِ، ولم يُنْكَرْ عليهِنَّ.\nوأما المريضُ، فلكونهِ خارِجًا بعدَمِ استطاعةِ السعيِ (٣).\n* واختلفوا في المُسافِرِ والعبدِ، فذهب داودُ إلى وجوبِ الجُمعة عليهما؛ لظاهرِ الآيةِ (٤).\nوذهب الجمهورُ إلى عدمِ وجوبِها عليهما (٥)، واستدلوا بما رُوي عن النبيّ - ﷺ -: أنه قالَ: \"الجُمُعَةُ حَقٌ واجِبٌ على كُل مسلمٍ، إلَّا على أَرْبَعَةٍ:\n_________\n(١) قال بعض أهل الجهل: إنه روى ابن وهب عن مالك: أن شهودها سنة، فالجواب عن ذلك: أن شهودها سنة على أهل القرى الذين اختلف السلف والخلف في إيجاب الجمعة عليهم، وأما أهل الأمصار فلا. انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٥٦)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٣).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٥٢).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٥١)، \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٣)، و\"الهداية\" للمرغيناني (١/ ٨٣).\n(٤) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٤٩)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٤).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤٠)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٠٠).","vol":"4","page":242},{"text":"عبدٍ مَمْلوكٍ، أو امرأةٍ، أو صَبِيٍّ، أو مريضٍ\" (١)، وفي رواية أخرى: \"إلَّا على خَمْسَةٍ\" وفيه: \"أو مسافر\" (٢) ولكنَّ الحديثَ مرسَلٌ، قال البيهقيّ: ولكنه مرسلٌ جيدٌ، وله شواهِدُ يَقْوى بها (٣).\n* فإن قلتُم: قد قدمت صفةَ النداءِ ووقته العام، فمتى وقتُ هذا النداء.\nقلنا: وقته إذا جلسَ الإمامُ على المنبر.\nروينا في \"صحيح البُخاريّ\" عن السائبِ بنِ يزيدَ: أنَّه قال: كان النداءُ يومَ الجُمُعَةِ إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ على عهدِ رَسولِ اللهِ -ﷺ -، وأبي بكرٍ، وعمر، فلما كانَ زمنُ عثمانَ، وكثرَ النَّاسُ، زادَ إليه الندا (٤) الثالثَ (٥).\nفإن قلتم: فإذا كانَ هذا وقتَ النداءِ الموجبِ للسعيِ، فيلزمُ ألاّ يجبَ السعيُ على منْ هوَ خارجَ البلدِ؛ إذ (٦) لا فائدةَ لسعيِه حينئذٍ؛ لفواتِ الصلاةِ عليهِ، ولا يجبُ السعيُ قبلَه لمفهومِ خطابِ الشرعِ.\nقلنا: قد قالَ قومٌ بأنهُ لا يجبُ عليهِ السعيُ.\nوقالَ الجمهورُ بوجوبه (٧).\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٦٧)، كتاب: الصَّلاة، باب: الجمعة للمملوك والمرأة، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٢)، وفي \"السنن الصغرى\" (١/ ٣٧٣)، وفي \"فضائل الأوقات\" (٢٦٣)، عن طارق بن شهاب.\n(٢) رواه الطّبرانيّ في \"المعجم الكبير\" (١٢٥٧)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٣)، عن تميم الداري.\n(٣) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٣/ ١٨٣).\n(٤) \"النداء\" ليس في \"أ\".\n(٥) رواه البُخاريّ (٨٧٠)، كتاب: الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة.\n(٦) في \"ب\": \"لأنَّه\".\n(٧) انظر: \"شرح البُخاريّ\" لابن بطال (٢/ ٤٩٥).","vol":"4","page":243},{"text":"ثم اختلفَ هؤلاءِ:\nفمنهم من قال: يجب عليهِ إذا كانَ بحيثُ لو انصرفَ من الجمعةِ يؤُويه الليلُ إلى أهلِه، وبِه قِالَ الأوزاعيُّ عن معاويةَ (١).\nوروى ابنُ عمرَ أنَّه قال: إنَّما الغسلُ على من تجبُ عليهِ الجمعةُ، والجمعةُ على من يأتي أهلَهُ؛ أي: ليلًا (٢) (٣).\nواستدلُّوا بما رُوي: \"الجُمُعَةُ على مَنْ آواهُ اللَّيْلُ إلى أَهْلِهِ\" (٤)، أو كما قال.\nوالأثَرُ ضعيفٌ (٥).\nومنهم مَنْ قالَ: تجبُ عليهِ إذا كانَ على ثلاثَةِ أميالٍ، واستدلُّوا بأنَّ أصحابَ العَوالي كانوا يأتونَ الجُمُعَةَ في زَمَنِ النبيَّ - ﷺ -، وذلكَ على ثلاثَةِ أميالٍ (٦).\nومنهم من قال: تجبُ عليه إذا كانَ بحيثُ يسمعُ النِّداءَ، واستدلُّوا بما\n_________\n(١) انظر: \"المحلي\" لابن حزم (٥/ ٥٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٦٢).\n(٢) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٠١٥). وانظر: \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٢/ ٣٥٣).\n(٣) قال التِّرمذيُّ: وهذا حديث إسناده ضعيف.\n(٤) رواه التِّرمذيُّ (٥٠١)، كتاب: الصَّلاة، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة؟ ومن طريقه ابن الجوزي في \"التحقيق في أحاديث الخلاف\" (١/ ٤٩٩)، عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٥) إن كان يقصد بالأثر قول ابن عمر السابق فقد صححه ابن حجر كما في \"فتح الباري\" (٢/ ٣٨٢).\n(٦) وهو قول مالك والليث. انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٥٣)، و\"المراسيل\" لأبي داود (٥٠)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٥٦).","vol":"4","page":244},{"text":"رُوي عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ: أنَّه قال: \"إنَّما تجبُ الجُمُعَةُ عَلى مَنْ سَمِعَ النداءَ، فمن سمعَهُ، فلم يأتِه، فقد عَصى رَبَّهُ\" (١) ورويَ عنهُ مرفوعًا إلى النبيِّ - ﷺ -: \"الجُمُعَةُ عَلى مَنْ يَسْمَعُ النِّداءَ\" (٢).\nوبالأخير قال الشافعيُّ (٣).\nوعن مالكٍ قولانِ كالأخيرينِ (٤).\n* ومفهومُ الخِطاب يقتضي أنَّه لا يَجِبُ السعيُ قبلَ النِّداءِ، وإذا لم يَجِبِ السعيُ، جازَ له أن يعملَ بما يُناقِضُ السَّعْيَ ويُبْطِلهُ مثلَ السفرِ إلى مَوْضِعٍ لا جُمُعَةَ فيه.\nوبهذا قالَ الشافعيُّ في أحدِ قولَيه (٥)، وهو مذهبُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- رُويَ عنهُ أنَّه أبصرَ رَجُلًا عليهِ أُهْبَةُ السفرِ يقولُ: لولا أنَّ اليومَ يومُ جُمعةٍ، لخرجتُ، فقال: اخرجْ؛ فإن الجمعةَ لا تحبِسُ عن سَفَرٍ (٦).\nوروى الزهريُّ مُرْسَلًا: أن النبيَّ - ﷺ - خرجَ لسفرٍ يومَ الجمعةِ منْ أولِ النهار (٧).\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٣)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، موقوفًا عليه من قوله.\n(٢) رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٦)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٣)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.\n(٣) هذا لمن كان خارج المصر، أما من كان داخل المصر فتجب عليه الجمعة سواء سمع النداء أو لا، وهناك شروط أخرى. انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٢)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٠٤).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٥٨).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٨٩).\n(٦) رواه عبد الرَّزاق في \"المصنف\" (٥٥٣٧).\n(٧) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٧ - ١٨٨)، عن الزُّهريّ مرسلًا.","vol":"4","page":245},{"text":"ورويَ عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز: أنهُ لا يُنْشِئُهُ يومَ الجمعةِ حتَّى يُصَلِّيَها (١).\nورويَ عن معاذِ بنِ جبلِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- ما دلَّ على ذلك، وبهِ قالَ الشافعيِّ في قولهِ الآخر (٢).\nفصل\nواعلموا -رحمكم اللهُ- أنَّ الجمعةَ وردَ بيانُ فعلِها من النَّبي - ﷺ - على هيئةِ مخصوصةِ مخالفةٍ لسائرِ الصلواتِ، فصلاها ركعتينِ، وخَطب فيها خطبتين قائمًا، وقعدَ بينَهما، وفعلَها في جماعةٍ، وفي مَحَلِّ استيطانِ، وفي مسجدِ واحدِ، وكان يتطَهَّرُ لها بالاغتسالِ، ويقرأُ فيها بشيءِ مخصوصٍ، وهو: الجمعةُ، والمنافقون، وسَبِّحْ، والغاشِية.\nولما رأى أهلُ العلمِ والاستنباطِ أنَّ هذهِ الأفعالَ والأحوالَ المقترنةَ بهذه العبادةِ التي ظهرَ بقصدِ الشارع الاعتناءُ بها لها مناسبة بهذهِ العبادة، اعتبروها، واشترطوها في خصوصِ هذه العبادة، ولم يختلفوا إلَّا بحسبِ اختلافِهم فيما ظهرَ لهمْ بالدليلِ على أن قصدَ الشارع لم ينهضْ في ذلكَ سببًا للوجوب، وها أنا أتكلمُ في هذه الأمورِ بحسبِ ما يليقُ بكتابي هذا، ولا أُخليهِ عن ذلكَ؛ لعظمِ موقعِ الجمعةِ من دينِ اللهِ ﵎، فأقول:\n* أما الصلاةُ، فقد اتفقَ المسلمون على أَنَّها رَكْعتانِ.\nوأمَّا الخُطْبة:\nفقدِ اتفقَ جُمهورُ العلماءِ على أنها واجبة.\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧٥).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٢٥)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٧١).","vol":"4","page":246},{"text":"وقَال قَليلٌ منهم: الخطبةُ سُنَّةٌ، وليستْ بواجبةِ كسائرِ المواعظِ، وبه قالُ ابن الماجشون المالكيُّ (١).\nوهو ضعيفٌ؛ لنقلِ الخلفِ عن السلفِ، ولأنها تخالفُ سائرَ المواعظِ؛ لترتيبِها، ولأنها داخلة في ذكرِ اللهِ سبحانَهُ الذي أمرَ بالسعيِ إليه (٢).\nولهذا قال الشافعيُّ بوجوبِ الألفاظِ الراتبةِ في خطبةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ من حَمْدِ اللهِ ﵎، والصَّلاةِ على نبيِّه محمدٍ - ﷺ -، والوصيةِ بتقوى اللهِ تعالى، وقراءةِ القرآنِ، وبوجوبِ الجلوسِ بينَ الخطبتين (٣)، وإنْ خالفَهُ في ذلكَ مالكٌ (٤).\n* وأمَّا الجماعةُ فقدِ:\nاتفقوا على اشتراطِها.\nولكن اختلفوا في أَقَلِّ الجمعِ بحسبِ اختلافِ أهلِ اللسانِ في ذلك، هل هو اثنان، أو ثلاثة.\nثم اختلف هؤلاء هل الإمامُ في الاثنينِ أو الثلاثةِ، أو لا؟ فمنهم من قال: يكفي واحدٌ مع الإمام (٥).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٤٩).\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٦)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٠٧).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ٢٠٠)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٤٣٥).\n(٤) انظر: \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢/ ١٦٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٧).\n(٥) وهو قول الحسن بن صالح وأبو ثور. انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٢/ ٤٠٩).","vol":"4","page":247},{"text":"ومنهم من قال: لا بُدَّ من اثنين غيرِ الإمام (١).\nومنهم من قالَ: لا بدَّ من ثلاثةٍ غيرِ الإمام، وهو قولُ أبي حنيفة (٢)، وربَّما استدلَّ بما رُوي مرفوعًا: \"الجمعةُ واجبةٌ على كلِّ قريةٍ فيها إمامٌ، وإن لم يكونوا إلَّا أرَبعةً\" (٣)، ولكنه ضعيفٌ لا يَصِحُّ (٤).\nولما رأى الشافعيُّ ضعفَ هذا الاستدلالِ، تَمَسَّكَ بأقلِّ ما سمع، فقال: سمعتُ عددًا من أصحابِنا يقولون: تجبُ الجمعةُ على كُلِّ أهلِ دارِ مقامٍ إذا كانوا أربعينَ رَجُلًا، وكانوا أهلَ قريةِ، فقلنا به، وكان أقل ما علمناه قيل به، ولم يجزْ عندي أن أدعَ القولَ به، وقد روي حديثٌ لا يثبتهُ أهلُ الحديثِ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - جَمَّعَ حينَ قدمَ المدينةَ بأربعينَ رجلًا (٥)، ولكنه يشهدُ له ما روى عبدُ الرحمنِ بنُ كعبِ بنِ مالكٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: كنتُ قائدًا أبي حين ذهبَ بصره، فإذا خرجْتُ به إلى (٦) الجُمعةِ، فسمع الأذانَ، صَلَّى على أبي أُمامَةَ أسعدَ بنِ زُرارةَ، واستغفرَ له، فقلتُ له: يا أبت! أَرَأَيتَ استغفارَكَ لأبي أُمامَةَ كلَّما سمعتَ الأَذانَ للجمعة، ما هو؟ فقال: أي بنيَّ!\n_________\n(١) وهو قول أبي يوسف وسفيان الثوري. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤١).\n(٢) انظر: \"المبسوط\" (١/ ٣٦١)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤١).\n(٣) رواه ابن عدي في \"الكامل في الضعفاء\" (٢/ ٢٠٤)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣٤٠١)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٧)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٩)، عن أم عبد الله الدوسية.\n(٤) ضعفه الدارقطني والبيهقيّ.\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٠).\n(٦) في \"ب\": \"يوم\".","vol":"4","page":248},{"text":"إنه كانَ أولَ من جَمَّعَ بنا في هَدْمٍ من حَرَّةِ بَني بياضَةَ يقالُ له: نقيع الخَضَمات، قال: قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلًا (١).\nفإن قيلَ: هذا يعارضُه ما قالَ الزهريُّ: كانَ مُصْعَبٌ بن عمير (٢) أولَ من جَمَّعَ الجمعةَ بالمدينةِ للمسلمينَ قبل أن يقدمَها رسولُ اللهِ -ﷺ -، وأنه جَمَّعَ بهم وهم اثنا عَشَرَ رجلًا (٣).\nقلنا: لا يعارضُه، فقولُ عبدِ الرِحمنِ مُتَّصِل، وقولُ الزهريِّ منقطعٌ، كيفَ والجمع بينهما ممكنٌ؟ وذلكَ أن النقباءَ الذين بايعوا رسولَ اللهِ -ﷺ - البيعةَ الأولى كانوا اثني عَشَرَ نقيبًا، منهم أسعدُ بنُ زُرارةَ، فطلبوا من النبيِّ - ﷺ - أن يبعثَ إليهم رجلًا من أصحابِه يُعَلِّمُهم القرآنَ، ويُفَقِّهُهم في الإسلام، ويَؤُمُّهم في صلاتِهم، فبعثَ إليهم مُصْعَبًا، فالزهريُّ أضافَ التجميعَ إلى مُصْعَبٍ بمعونةِ النقباءِ، وكعب بنُ مالكٍ أضافَ التجميعَ إلى أسعدَ؛ لنزول مصعب عندَهُ أولًا، ولخروجِه إلى دُورِ الأنصارِ يدعوهم إلى الإسلام، فالزهري (٤) يريد عددَ النقباءِ الذين كانوا له ظَهْرًا، وكعبٌ يريدُ عددَ مَنْ صَلَّى معه مِمَّنْ أسلمَ من أهلِ المدينة مع النقباء (٥).\n_________\n(١) رواه أبو داود (١٠٦٩)، كتاب: الصَّلاة، باب: الجمعة في القرى، وابن ماجه (١٠٨٢) كتاب: إقامة الصَّلاة، باب: في فرض الجمعة، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٠١٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٠٠)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٨٥٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٢٩١)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧٦).\n(٢) \"بن عمير\" ليس في \"أ\".\n(٣) رواه أبو عوانة في \"مسنده\" (٦٩٦٤)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١/ ١٠٧).\n(٤) في جميع المواضع هنا في \"ب\": \"الزبيري\" بدل \"الزُّهريّ\".\n(٥) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٦٥).","vol":"4","page":249},{"text":"وبقولِ الشَّافعيِّ قالَ أحمدُ (١)، وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (٢).\nوأمَّا مالِكٌ، فلاحظَ المعنى، فلم يكتفِ بالأربعةِ، ولم يوجبِ الأربعين، بل اشترط جَمْعًا يمكنُ أن يتقرب بهم قربة اعتبارًا بمكانِ يجوز فيه الجمعةُ، وبمحلِّ استيطانِها (٣).\n* وأمَّا محلُّ الاستيطانِ:\nفقد اتفقَ عليه أهلُ العلمِ، والدليلُ عليه أنَّ النَّبي -ﷺ - جَمَّعَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفَةَ، ثم راح إلى الموقفِ، وكانَ ذلكَ يومَ جُمعة.\nقال الشَّافعي: وقد كانَتْ مِنًى ينزلُها الحاجُّ، ما علمتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - ولا أَحَدًا من الأَئِمَّةِ صلَّى بها جمعةَ قطُّ، وعرفةُ هكذا أيضًا، ما علمنا أَحَدًا صَلَّى بها جمعةَ قَطُّ (٤).\nوزادَ أبو حنيفةَ فاشترطَ المِصْرَ والسُّلطانَ زيادةَ على الاستيطانِ (٥)، واستدل بما رُوي عن عَلِي -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أنَّه قالَ: لا تشريقَ ولا جمعةَ إلَّا في مِصْر جامعِ (٦).\n* وأمَّا المسجدُ.\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٨٩).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٠)، وروي عنه التحديد بخمسين رجلًا.\nانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٤٦)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٤٢٢).\n(٣) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٢/ ٥٨).\n(٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٤٦٨).\n(٥) انظر \"المبسوط\" للسرخسي (٢/ ٢٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٢/ ٥١).\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥٠٦٤).","vol":"4","page":250},{"text":"فرآهُ مالِكٌ والشافعيُّ أشدَّ مناسبةً من المِصْرِ والسلطانِ (١)؛ لأنَّ المصرَ والسلطانَ غيرُ مناسبينِ لأحوالِ الصلاةِ؛ بخلافِ المسجِد، حتَّى اختلفَ أصحابُ مالكٍ في المسجدِ، هل يُشْتَرَطُ أن يكونَ راتِبًا للجُمعة، وأن يكونَ مسقوفًا (٢).\n* وأمَّا اتِّخاذُ الجمعة:\nفاشترطه مالكٌ والشافعيُّ، ولستُ أعلمُ -وقتَ كتابي لهذا الكتابِ- مَنْ خالفَهُمَا ووافَقَهما.\n* وأمَّا الاغتسالُ:\nفذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى وُجوبه (٣)، وهو مذهبٌ قويٌّ، وأحاديثُهُ صحيحةٌ، وتأويلُها صعبٌ، وما يُروى من قوله - ﷺ -: \"مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ، فالغُسْلُ أَفضَلُ\" (٤)، فضعيفٌ (٥).\nواستدلَّ الجمهورُ أيضًا بأنَّ عثمانَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- دخلَ، وعمرُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- يخطُب، فقال له عمرُ: أَيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: واللهِ\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٥١)، و\"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٣).\n(٢) انظر: \"مواهب الجليل\" للحطاب (٢/ ١٦٠).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٣٧٢)، و\"المحلى\" لابن حزم (٢/ ١٤).\n(٤) رواه أبو داود (٣٥٤)، كتاب: الطهارة، باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، والنَّسائيُّ (١٣٨٠)، كتاب: الجمعة، باب: الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، والترمذي (٤٩٧)، كتاب: الصَّلاة، باب: ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، والإمام أحمد في \"المسند\" (٥/ ٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٧٥٧)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٥)، عن سمرة بن جندب.\n(٥) الحديث حسنه التِّرمذيُّ، وفيه كلام. انظر: \"تلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/ ٦٧).","vol":"4","page":251},{"text":"ما زدت حينَ سمعتُ النداءَ على أنِ انقلبت فَتَوضأْتُ، ثمَّ جئتُ، فقال: والوضوءُ أيضًا، وقد علمتَ أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ - كانَ يأمرُ بالغُسْلِ (١)؟!\nوهذا لا دليلَ فيهِ أَيْضًا؛ لأنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- لم يُقِرَّهُ، بلْ أنكرَ عليهِ ولامَهُ، واحتجَّ عليهِ بأنَّ النَّبي -ﷺ - كانَ يأمرُ بالغُسْل.\n* وأمَّا القراءةُ:\nفتستحبُّ القراءةُ بما قرأَ بهِ رسولُ اللهِ -ﷺ - عند مالكٍ والشافعيِّ (٢).\nوجعلها أبو حنيفةَ كسائرِ الصَّلَواتِ (٣).\nالجملة الثَّانية: الأمرُ بتركِ البيعِ.\nوتركهُ واجبٌ، قال ابنُ عباس: يَحْرُمُ البيعُ حينئذٍ.\nوقال عَطاءٌ: تحرمُ الصناعاتُ كلُّها (٤).\nفإذا خالَفَ وباعَ، فقالَ قومٌ بفسخِ البيعِ (٥)، وقالَ قومٌ: لا يفسخُ (٦).\n_________\n(١) رواه البُخاريّ (٨٣٨)، كتاب: الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة، ومسلم (٨٤٥)، في أوائل كتاب: الجمعة، عن عبد الله بن عمر.\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ٢٠٥)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١١٩).\n(٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (١/ ٤١٤)، و\"بدائع الصنائع\" للكاساني (١/ ٢٧٧).\n(٤) ذكرهما البُخاريّ في \"صحيحه\" (١/ ٣٠٧) بصيغة الجزم، وانظر: \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٢/ ٣٦٠).\n(٥) وهو قول مالك وأحمد. انظر: \"المدونة الكبرى\" (١/ ١٥٤)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٢/ ٤٠).\n(٦) وهو قول أبي حنيفة والشافعيُّ. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤١)، و\"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٥).","vol":"4","page":252},{"text":"ومستندُ القولَيْن أن النهيَ في الشيءِ الحلالِ هل يقتضي فَسادَ المنهيِّ عنه، أولًا؟ وفي ذلك خلافٌ بينَ أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائطِ الاستدلال.\n* * *\n\n٢٥٤ - (٢) قوله ﷻ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠].\n* أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالانتشارِ، والأمرُ إمّا محمولٌ على الإباحةِ، أو على الاستِحباب (١)؛ لما فيهِ من فَصْلِ النافلةِ عن الفريضةِ، وذلك مستحبٌّ (٢)؛ لمِا روينا في \"صحيح مسلم\" عن السائبِ بن يزيدَ قال: صليتُ معَ معاوية الجمعةَ في المَقْصورة، فلما سلمتُ قمتُ، من مَقامي فصليتُ، فلمَّا دخلَ، أرسلَ إليَّ فقالَ: لا تَعُدْ لِما فعلتَ، إذا صَلَّيْتَ الجمعةَ، فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ؛ فإن نبيَّ اللهِ - ﷺ - أمرَنا بذلك أَلَّا نُوصِلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلمَ أو نخرجَ (٣).\nورويَ عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في تطوُّعِ النبيِّ - ﷺ - قال: وكانَ لا يصلِّي بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ، فيصلي رَكْعتين في بيته (٤).\nوأمَّا حملُه على الوجوبِ فلا يجوزُ؛ لِما رُوي: أن النبيَّ -ﷺ - جلسَ بعدَ الجمعةِ لوفدٍ قدموا عليه (٥).\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٧/ ٢٨٣)، و\"المستصفى\" للغزالي (ص: ٦١).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٠٩)، و\"المجموع\" للنووي (٣/ ٤٥٥).\n(٣) رواه مسلم (٨٨٣)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة.\n(٤) رواه البُخاريّ (٨٩٥)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة وقبلها، ومسلم (٨٨٢)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة.\n(٥) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٢/ ٥٢٣).","vol":"4","page":253},{"text":"* وأمر اللهُ سبحانَه بالابتغاءِ منْ فَضْلِه، وهو التجارةُ، والأمرُ للإرشادِ (١)، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ على الوجوب؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لمَ يَبْتع تِجارةً بعد مهاجَرِه إلى المدينة.\n* وأمرَ بذكرِه كثيرًا، فيحتملُ أن يكونَ أرادَ مطلقَ الذِّكْر (٢).\nويحتملُ أن يكونَ أرادَ النافِلَةَ بعدَها (٣)، وقد بينَ ذلكَ النبيُّ -ﷺ - فقال: \"إذا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيصَل بَعْدَها أَرْبَعًا\" (٤)، وفي رواية: \"مَنْ كانَ منكُمْ مُصَلِّيًا، فَلْيصَلِّ، بَعْدَ الجُمُعِةَ أربعًا\"، أخرجَهُ مسلم في \"صحيحه\".\n* * *\n\n٢٥٥ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].\n* روينا في \"صحيح مسلم\": أنَّ النَّبي -ﷺ - كانَ يخطُبُ قائِمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ منَ الشامِ، فانفتلَ النَّاسُ إليها حتَّى لم يبقَ إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، فأنزلتْ هذه الآيةُ التي في الجُمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٥) [الجمعة: ١١].\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤٣)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ٣٣٢).\n(٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٥٩)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٠٩)، و\"الأذكار\" للنووي (١/ ١٣٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣٣٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣٦٨).\n(٣) لم أقف على من فسر ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ على النافلة بعد الجمعة.\n(٤) رواه مسلم (٨٨١)، كتاب: الجمعة، باب: الصَّلاة بعد الجمعة، عن أبي هريرة.\n(٥) رواه مسلم (٨٦٣)، كتاب: الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.","vol":"4","page":254},{"text":"قال الشافعيِّ: ولم أعلمْ مُخالفًا أنها نزلت في خُطْبَةِ النبيِّ - ﷺ - (١).\nفإن قلتَ: فقد روى البخاريُّ في \"صحيحه\" عن جابرِ بنِ عبد اللهِ -رضي الله تعالى عنهما- قالَ: بينما نحنُ نصلّي مع النَّبي -ﷺ -، إذ أقبلتْ عِيرٌ تحملُ طَعامًا، فالتفتوا إليها، حتَّى ما بقيَ معَ رسولِ الله -ﷺ - إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) [الجمعة: ١١].\nقلتُ: قولُ جابرٍ مُؤَوَّلٌ على أنَّه أرادَ بالصَّلاةِ الخُطْبَةَ، أو انقضاءَ الصلاةِ؛ بدليلِ قولهِ - ﷺ -: \"فإن أَحَدَكُمْ في صَلاة ما دامَ يعمدُ إليها\" (٣)، وهذا هوَ اللائق بحالِ الصَّحابَةِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- فإنهم لا يقطعونَ الصّلاةَ بعدَ الدخولِ فيها.\nوقال الفاسي (٤): ذَكَرَ أبو داودَ في \"مراسيلِه\": أنَّ خطبةَ النبيّ -ﷺ - هذه التي انْفَضُّوا منها إنَّما كانَتْ بعدَ صلاةِ الجمعةِ، وظنوا أنهم لا شيءَ عليهم في الانْفِضاضِ عن الخطبةِ، وأنه قبلَ هذهِ القصَّةِ إنَّما كان يُصَلِّي قبلَ الخُطبة (٥).\nقال القاضي عِياضٌ: وهذا أشبهُ بحالِ الصّحابة -رضي اللهُ تَعالى عنهم- والمَظْنون بهمَ أنهم ما كانوا يدعونَ الصلاةَ مع النبيّ - ﷺ -، ولكنهم ظَنُّوا\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ١٩٩).\n(٢) رواه البُخاريّ (٨٩٤)، كتاب: الجمعة، باب: إذا نفر النَّاس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة، عن جابر بن عبد الله.\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) في \"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٥١): \"القاضي\" بدل \"الفاسي\"، ولعلّه الصواب.\n(٥) انظر: \"المراسيل\" لأبي داود (٦٢).","vol":"4","page":255},{"text":"جوازَ الانصرافِ بعدَ انقضاءِ الصَّلاة، قال (١) وقد أنكرَ بعضُ العلماءِ كونَ النبيِّ - ﷺ - خطبَ بعدَ صلاةِ الجُمعة لها (٢).\nإذا علمتَ هذا ظهر لكَ من هذهِ القصة دلالة لمن يقولُ بانعِقاد الجمعةِ باثني عشرَ، وهي دلالةٌ قويَّةٌ، وجوابُ الشافعيِّ بأنه محمولٌ على أنهم رَجَعوا، أو رجعَ منهم تمامُ الأربعين دَعْوى لا برهانَ عليها.\n* وفي الآيةِ دلالة على أن النبيَّ - ﷺ - كان يخطُبُ قائمًا (٣)، وهو كذلكَ؛ كما قدمتُهُ من تَخْريجِ \"مسلم\"، ولنقلِ الخَلَفِ عن السَّلَفِ، ولا خِلافَ فيه عندَ أهلِ العلمِ.\nدخل كَعْبُ بن عُجْرَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- المسجدَ، وعبدُ الرحمن بنُ أُمِّ الحَكَمِ يخطُبُ قاعدًا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيثِ يخطبُ قاعِدًا، وقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) [الجمعة: ١١]!\n* * *\n_________\n(١) \"قال\": ليس في \"أ\".\n(٢) نقل قول القاضي عياض الإمام النووي في \"شرح مسلم\" (٦/ ١٥١ - ١٥٢).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١١٤)، و\"شرح مسلم\" للنووي (٦/ ١٥٢).\n(٤) رواه مسلم (٨٦٤)، كتاب: الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>سورة الطلاق</span>","vol":"4","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>(من أحكام الطلاق)</span>\n٢٥٦ - (١) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].\n* أقولُ: خاطبَ اللهُ سبحانَهُ رسولَه - ﷺ -، وأُمَّتُهُ مُرادةٌ معه، فأمرهم بطلاقِ النساءِ لِعِدَّتِهِنَّ، وبينَ النَّبي - ﷺ - أن عِدَّتَهنَّ هي الطهرُ (١).\nروينا في \"الصحيحين\" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّه طَلَّقَ امرأَتَهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عمرُ للنبيّ - ﷺ -، فَتَغَيَّظَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، ثم قال: \"فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحيضَ فَتَطْهُرَ، فإن بَدا لَهُ أن يُطَلِّقَها، فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّها، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي (٢) أَمَرَ اللهُ\" (٣).\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشَّافعي (ص: ٥٦٧)، و\"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٢٩)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٦١).\n(٢) في \"أ\": \"كما\".\n(٣) رواه البُخاريّ (٤٩٥٣)، كتاب: الطلاق، في أوله، ومسلم (١٤٧١)، كتاب: الرضاع، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.","vol":"4","page":259},{"text":"* وقد أجمعَ أهلُ العلم على العملِ بهذا البيانِ، وقَسموا الطلاقَ إلى سُنَّةٍ وبِدْعَةٍ.\nفالسنَّةُ التي أمرَ اللهُ سبحانَهُ بها، وبيَّنَها رسولهُ -ﷺ - هو أن يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فيه.\nوالبدعةُ أن يطلقها في الحَيْض، أو في طُهْر مَسَّها فيه، وهو حرامٌ (١)؛ لمخالفةِ أمرِ اللهِ سبحانهَ، ولقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].\nثم اختلفَ أهلُ العلمِ في شرطينِ لطلاقِ السُّنة:\nأحدهما: هل من شَرْطِه أن يقع الطلاقُ بعدَ نِكاحٍ أو رَجْعَةٍ؟ فلو طَلَّق في الطهرِ الثَّاني طلقةً ثانيةً من غيرِ أن يتقدمَها رجعة، فهو طلاقٌ لغيرِ السنَّة، أو لا؟\nوالثاني: هل من شرطهِ أن تقعَ تطليقةٌ واحدةٌ، وأمَّا الثلاث جملة فطلاق بدعة أو لا؟.\nوباشتراطِهما قالَ مالكٌ (٢)، وخالفَهُ في الأول أبو حنيفة (٣)، وخالفه فيهما الشافعيُّ (٤).\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١١٤، ١٢٤)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١٣٢).\n(٢) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٥/ ٤١٩)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٤٠، ١٥٤)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١٣٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٤٨).\n(٣) انظر: \"بدائع الصنائع\" للكاساني (٣/ ٨٨)، و\"الهداية\" للمرغياني (١/ ٢٢٩).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٥/ ١٨١)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١٢٦).","vol":"4","page":260},{"text":"فإن خالفَ الرجلُ وطلَّقَ امرأتَه لغيرِ عدَّتِها التي أمرَ اللهُ تَعالى أن يطلَّق لها النساءُ؛ بأن طَلَّقها في الحَيْض؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-:\nفقالَ بعضُ أهل الظاهرِ: لا ينفذُ طلاقهُ (١)، وهو خَطَأٌ؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَهُ بالرَّجعة، ولا تكون الرجعةُ إلَّا بعدَ وقوعِ الطلاقِ.\nوفي بعض رواياتِ هذا الحديثِ عنِ ابنِ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما- قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة (٢).\nثم قال سائرُ أهلِ العلم: يؤمَرُ بالرجعةِ كما أمرَ النبيّ -ﷺ - ابنَ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- إمّا وُجوبًا، فإذا امتنعَ أجبَرهُ السُّلطانُ كما رآهُ مالكٌ (٣)، وإمّا استحبابًا كما رآهُ أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأحمدُ (٤)، والثوريُّ (٥).\nوقولُ مالكٍ، أظهرُ، وقولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، أَقْيَسُ.\nثم إذا امتثلَ وراجعَ فإلى مَتى يمتدُّ تحريم الطلاق؟\nذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّه يمتدّ إلى أن تطهرَ ثم تحيضَ، ثم تطهرَ،\n_________\n(١) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ١٦٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٤٢).\n(٢) رواه البخاري (٤٩٥٤)، كتاب: الطلاق، باب: إذا طلقت الحائض يُعتد بذلك الطلاق.\n(٣) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٤/ ١٥٣)، و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٤١).\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٨٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١٢٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٦٠)، و\"المغني\" لابن قدامة (٧/ ٢٧٧).\n(٥) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٤٤).","vol":"4","page":261},{"text":"ثم إن شاءَ طلَّق، وإن شاءَ أمسكَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما - (١).\nوقال أبو حنيفةَ وسائرُ الكوفيين وبعضُ الشافعيةِ: إذا طَهُرَتْ من تلكَ الحيضةِ، فله أن يطلِّقَ إن شاء (٢)؛ لما روى يونسُ بنُ جبير قال: قلت لابن عمرَ: رجلُ (٣) طلقَ امرأتَه وهي حائض، قال: تعرفُ أنَّ ابن عمرَ طلقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فأتى عمر (٤) النَّبي -ﷺ -، فذكر له ذلكَ، وأمرَهُ أن يراجعَها، فإذا طَهُرَتُ، فأرادَ أْن يطلِّقَها، فَلْيُطَلِّقها (٥).\nوكذا رواهُ أنسُ بن سيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبيرِ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وأبو الزُّبيرِ.\nفإن قلتَ: فإذا طلقها في طُهرِ مَسّها فيه، فهل يؤمَرُ بالرجعة؛ كما إذا طَلَّقها في الحيضِ؛ لأنَّه طلاقُ بدعة؟\nقلت: لم يردْ فيه خبر، وأظنُّ مذهبَ مالكِ أنَّه لا يؤمرُ بالرجعة بالحيض (٦) (٧)، وظاهرُ مذهبِ الشَّافعي أنَّه يؤمرُ (٨).\n_________\n(١) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٥/ ٤٢٣)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١٢٤).\n(٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ٥٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٤).\n(٣) في \"أ\": \"الرجل\".\n(٤) \"عمر\" ليس في \"أ\".\n(٥) رواه البُخاريّ (٤٩٥٨)، كتاب: الطلاق، باب: من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق.\n(٦) \"بالحيض\" ليس في \"أ\".\n(٧) انظر: \"المدونة الكبرى\" (٥/ ٤٢٣).\n(٨) أي: أمر استحباب، وفيه خلاف عند الشَّافعية. انظر: \"شرح السنة\" للبغوي (٩/ ٢٠٥)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (٩/ ٣٤٩).","vol":"4","page":262},{"text":"* وقد استنبطَ الفقهاءُ من أمرِ اللهِ سبحانَهُ بطلاقِ النساءِ لعدَّتِهن أن المرأةَ التي لا عِدَّةَ عليها إذا طُلِّقَتْ أنَّه لا حَرَجَ في طَلاقِها في حالِ الحَيْضِ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتطلَّقُ لَها، ولا تجبُ عليها عدَّةٌ فيطوَّل عليها (١)، والله أعلمُ.\n* وأمرنا اللهُ سبحانَهُ بإحصاءِ العِدَّةِ لِيُعْرَفَ الوقتُ الذي تجوزُ فيه الرجعةُ، والوقتُ الذي لا تَجوزُ فيه، وذلك حَتّى تنقضيَ عِدَّتُها (٢).\n* ثم نهانا اللهُ سبحانَهُ أن نخرجَهُنَّ من بيوتهنَّ اللاتي طُلِّقْنَ فيها، ونَهاهُنَّ أن يخرجْنَ، إلَّا أن يَأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنَةٍ، ومن زنا (٣) فإنَّها تخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها (٤).\nوقال الشافعيِّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: الفاحشة أن تبدُوَ على أهلِ زَوْجِها، فيأتي من ذلكَ ما يُخاف منه الشِّقاقُ بينَها وبينَهم، فإذا فعلتْ، حَلَّ لهم إخراجُها (٥)، وكانَ عليهم أن يُنْزِلوها منزلًا آخر (٦)، وأسندَ ذلكَ إلى ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٧) -، واستدلَّ له بحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٤٧)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١١٥)، و\"الكافي\" لابن قدامة (٣/ ١٦٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٥٣).\n(٢) انظر: \"تفسير الواحدي\" (٢/ ١١٠٦)، و\"معالم التنزيل\" للبغوي (٤/ ٣٥٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٨/ ٢٨٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣٧٩).\n(٣) في \"أ\": \"هنا\" بدل \"زنا\".\n(٤) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١٢٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٧٥).\n(٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٢/ ١١٧).\n(٦) في \"ب\": \"منزلًا غيره\".\n(٧) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٥/ ٢٣٥).","vol":"4","page":263},{"text":"الآتي قريبًا -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، وسيأتي الكلامُ عليه أيضًا -إنْ شاء الله تعالى-.\n* وأشارَ اللهُ سبحانَهُ إلى عِلَّةِ الحُكْم، وهو تَمامُ الِعشْرَةِ وبَقاءُ الزوجيَّةِ بينَهما بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أي: رجعةً.\nفإن قلتَ: فإذا كانتِ الرجعةُ عِلَّةً لإيجابِ السُّكنى، فهلاّ كانْت علَّة لتحريمِ إيقاعِ الثلاثِ جملةً؛ لِما فيهِ من تركِ الرجعة.\nقلنا: قد ذكرَ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- هذه الشُّبْهَةَ، فقال للقائِل بها: فما تقولُ في المدخولِ بِها إذا أرادَ زوجُها أن يطلقها اثنتينِ، وهو يملكُ الرجعةَ؟ قال: هذا ليس بِسُنَّةٍ، قال: فيلزمُكَ أن تقولَ: سنةٌ؛ لأنَّه يملكُ الرجعة، قال: فما تقولُ في رجلٍ لم يبق له إلَّا واحدةٌ، وفي رجلٍ لم يدخلْ بامرأته؛ أيوقعَ هذان الطلاقانِ سنةً؟ قال: نعم، قال: فكيفَ يوقعُ سُنَّةً، وهو لا يملكُ الرجعة؟ (١)\n* * *\n\n٢٥٧ - (٢) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].\n* أي: فإذا شارَفْنَ انقضاءَ الِعدَّةِ، فأردتم إمساكَهُن، فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ، وهو ألَّا يقصدوا بالرجعة ضرارَهُنَّ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ أو ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]،\n_________\n(١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٥٩).","vol":"4","page":264},{"text":"وهو تركُهُنَّ على التسريحِ من غيرِ أخذِ شيءٍ من أموالهنَّ ضِرارًا لهُنَّ (١).\n* وأمرَ الله سبحانَهُ بالإشهاد في الرَّجْعَةِ والفِراق.\nوقد اتفقَ النَّاسُ على أنَّ الطلاقَ من غيرِ إشهادٍ جائزٌ (٢).\nوأمَّا الرجعةُ:\nفيحتملُ أن تكونَ في معنى الطلاق؛ لأنها قَرينَتُهُ، فلا يجبُ فيها الإشهادُ، ولأنها حَقٌّ للزوج، فلا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قبضه.\nويحتمل أن يجبَ الإشهادُ، وهو ظاهرُ الخِطاب.\nوبالأول قالَ مالكٌ، والشافعيُّ في الجديد (٣).\nوبوجوبِ الإشهادِ قالَ في القديمِ (٤)، وأجازه في روايةِ الربيعِ (٥).\nفمن أوجبَ الإشهادَ لزَم عندَه ألا تجوزَ الرجعةُ إلَّا بالقولِ، ولا تجوزَ بالفعلِ، ولزمَ عنده ألا تصحَّ بالكنايةِ؛ لأنَّ الشهودَ لا يَطَّلعِون على النِّيَّةِ.\nوالذين لم يُوجِبوا الإشهادَ اختلفوا في جَوازِ الإمساكِ بالفعلِ:\nفقال الشافعيُّ: لا تَجوزُ الرجعة بالفعل (٦).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٤٨٠)، و\"تفسير الواحدي\" (١/ ١٧١)، و\"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٣٠٥).\n(٢) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٥٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٥٧)، و\"البحر المحيط\" للزركشي (٢/ ٥٠٣).\n(٣) وهو مذهب الحنفية. انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٥١)، و\"الكافي\" لابن عبد البر (ص: ٢٦٤)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢١٦).\n(٤) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٣١١).\n(٥) لم أقف عليها.\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٣١٠)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢١٧).","vol":"4","page":265},{"text":"وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: تجوزُ بالوَطْءِ.\nثم اختلفا: فقالَ مالكٌ: لا تجوزُ الرجعةُ بالوَطْءِ إلَّا إذا نوى الرجعة (١).\nولم يشترطْ أبو حنيفةَ ذلك (٢)؛ كالمظاهِر والمُؤْلي.\n* والقول الذي تَحْصُلُ به الرجعةُ عندَ منِ اشترطَ القولَ كُلُّ لفظٍ يدلُّ على الارتجاعِ؛ كقولكَ: راجَعْتك، وارتَجَعْتك، وَرَدَدْتُكِ إليَّ.\nوفي قوله: أمْسَكْتك، وَجْهانِ عندَ الشَّافعية:\nأحدهما: أنَّه كنايةٌ، فلا تصحُّ به الرجعةُ إلَّا بالنيَّةِ؛ لأنهُ يُستعملُ في الاستدامَةِ والبقاءِ على الحالةِ الأولى.\nوالثاني: يصحُّ؛ لأنَّه عُرْفٌ في الإمساكِ وردَ بهِ القرآنُ، قال اللهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) [الطلاق: ٢].\n* وقَدَّرَ اللهُ سبحانَهُ نِصابَ الشَّهادَةِ في الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ بشاهِدَيْن، وقِسْنا عليه كُلَّ أَمْرٍ ليس بمالٍ، ولا يقصدُ بهِ المالُ (٤).\n* * *\n_________\n(١) انظر \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٢٨٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٦٤).\n(٢) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ١٩).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ٣١٢)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٢١٥).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٧/ ٤٨)، و\"المهذب\" للشيرازي (٢/ ٣٣٣).","vol":"4","page":266},{"text":"٢٥٨ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].\nمعنى قوله تَعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شَكَكْتُمْ في حُكْمِهِنَّ، لم تَعْلَموا عِدَّتَهُنَّ.\nوذلك أنهم سألوا، وقالوا: عَرَفْنا عِدَّةَ التي تَحيضُ، فما عدةُ التي لا تَحيضُ، والتي لم تَحِضْ بَعْدُ؟ فبينَ اللهُ سبحانَهُ ذلكَ بهذهِ الآيةِ، فواجب على الآيسَةِ ثلاثةُ أشهُرٍ، وكذا الصغيرةُ التي لم تَحِضْ.\nوعلى هذا أجمعَ المسلمونَ، حتَّى استنبطَ السَّلَفُ كابنِ عباسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والحَسَنِ، والشعبيِّ من مفهومِ هذا أنها إذا اعتَّدتْ بالأشهرِ حَتىّ شارَفَتِ انقضاءَها، ثم حاضَتْ، أنها تعتدُّ ثلاثةَ أقراء، فليست من اللائي لم يحضن (١).\nوبهذا قال كثيرٌ من الشافعيةِ، والأصحُّ عندهم أن تحسُب ما مَضَى قرءًا (٢).\nوهذا الحكمُ في حْقَّ الحُرَّةِ.\nوأمَّا الأَمَةُ:\nفمن يقولُ باندِراجِها في خِطاب الحُرَّةِ في عِدَّتِها، فهذا مثلُه (٣).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٥٢)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٤/ ٣١٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٥٥)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٧١).\n(٣) وهو مذهب الظاهرية. انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٣٠٦ - ٣١١).","vol":"4","page":267},{"text":"ومن يقولُ بالتشطير هناك، فقد اختلفوا هنا على (١) ثلاثة أقوالٍ:\nفقال بعضُ الصحابِة: تعتدُّ بثلاثةِ أشهرٍ، وإليهِ ذهبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (٢)، والشافعيُّ في القديم (٣)؛ لأنَّ الحَمْلَ لا يَتبَيَّنُ في أَقَلَّ من ثلاثةِ أشهر.\nوقالَ بعضُهم: تعتدُّ بشهرٍ ونصْفِ؛ كتشطيرِ الطلاقِ والحَدِّ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في الجديد، وقالَ: إنه أَقْيَسُ، وإن كانَ الأولُ أَحْوَطَ (٤).\nوقالَ عمرُ: تعتدُّ بشهرينِ (٥)، وكأنَّهما عوضٌ من الحيضتينِ.\nوهو قولٌ أو وَجْهٌ للشَّافعيةِ (٦).\nوقد تقدمَ الكلامُ على ذواتِ الحَمْلِ، واللهُ أعلمُ.\n* * *\n\n٢٥٩ - (٤) قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].\n_________\n(١) في \"ب\": \"في \".\n(٢) رواه عبد الرَّزاق في \"المصنف\" (١٢٨٩٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٦٤٣).\n(٣) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٣٣٣)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٦/ ٤٣).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٥/ ٢١٦)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٣٣٣).\n(٥) رواه عبد الرَّزاق في \"المصنف\" (٧/ ٢٢١)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (١/ ٣٤٤).\n(٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٢٢٤).","vol":"4","page":268},{"text":"* اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرجعيَّة (١) مُرادةٌ بالآية، وأنَّ الله سبحانَهُ أوجبِ لَها السُّكنى، وإذا وَجَبَتِ السُّكنى، وَجَبَتِ النفقةُ؛ لأنها تابعة للسُّكنى، وقد اتَّفقوا على ذلكَ أيضًا (٢).\n* وإنَّما اختلفوا في المَبْتُوتَةِ.\nفمنهم من لم يوجبْ لَها السُّكْنى، واستدلَّ بما رَوَتْ فاطمةُ بِنْتُ قيسٍ: أَنَّ أبا عَمْرِو بنَ حَفْصٍ طَلَّقَها أَلْبَتَّةَ، وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلُه بشعير، فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ مالكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءتْ رسولَ اللهِ - ﷺ -، وذكرتْ له ذلكَ، فقالَ: \"ليسَ لكِ عليهِ نَفَقَة\"، وفي لفظ آخر: \"ولا سُكْنى\"، فأمرهَا أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قالَ: \"تِلْكَ امرأةٌ يَغْشاها أَصْحابي، اعْتدِّي عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ؛ فإنهُ رَجُلٌ أعَمْى، تَضَعينَ ثِيابَكِ عنْدَهُ\" (٣).\nوإذا لم تجبْ لها السُّكْنى، لم تجبْ لها النفقةُ.\nوبهذا قالَ أحمدُ (٤)، وداودُ (٥)، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ (٦).\nوذهبَ أبو حنيفةَ وموافقوه من الكوفيين إلى أنَّه يجبُ لَها السُّكنى والنفقةُ (٧).\nواستدلُّوا بِعُمومِ القرآنِ.\n_________\n(١) في \"أ\": \"الرجعة\".\n(٢) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧١)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٦٧).\n(٣) تقدم تخريجه.\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٨٥).\n(٥) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٥/ ٢٩١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٧١).\n(٦) انظر: \"شرح صحيح البُخاريّ\" لابن بطال (٧/ ٤٩٢)، و\"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١٣٢).\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٥٦).","vol":"4","page":269},{"text":"وبما رُوي عَنْ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّه قالَ في حديثِ فاطمةَ هذا: لا نَدَع كِتابَ رَبِّنا، وفي بعضِ ألفاظِهِ: وسُنَّةَ نَبيِّنا لِقَوْلِ امرأةٍ جَهِلَتْ أو نَسِيْتَ (١)، ويريدُ بالسُّنَّةِ وجُوبَ النفقةِ حيثُ تَجِبُ السكنى.\nوبما رُوي عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أنها قالت: ما لِفاطمةَ لا تتَّقي الله؟ يعني: في قولها: لا سُكْنى ولا نفقةَ (٢).\nوقال عروةُ بنُ الزُّبير لعائشةَ: ألمْ تَرَيْ إلى فُلانةَ بنتِ الحَكَمِ طَلَّقَها زَوْجُها أَلْبَتَّةَ، فخرجَتْ؟ فقالَتْ: بئْسَما صَنَعَتْ، قال: ألمْ تسمعي قولَ فاطمةَ؟ قالتْ: أَما إِنَّه ليسَ لَها خيرٌ في ذِكْرِ هذا الحديث (٣).\nولما رأى مالِكٌ والشافعيُّ معارَضَةَ الصحابِة -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- لحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ إِمَّا بالرَّد كَما فعلَ عمرُ، وإمَّا بالتأويل؛ فإنه إنَّما رَخَّصَ لها لاستطالتَها على حَماتها، وبذاءةِ لِسانِها كما قالَ ابنُ عباسٍ، أو أنَّه إنَّما رَخَّصَ لها في الخروج منْ منزلها؛ لأنها كانَتْ في مكانٍ وَحْشٍ، فخيفَ على ناحيتها كما قالَتْ عائشةُ، معَ معارَضَةِ عُمومِ الكتابِ لهُ، وقيامِ الاستدلالِ بأن النبيَّ - ﷺ - لم يَدَعْها تَذْهَبُ حَيْثُ شاءَتْ، وإنَّما نَقَلَها إلى منزلٍ آخرَ لأحدِ الأمرينِ، إما البذاءة، وإما الاستيحاش، فحينئذٍ عَمِلا بِدَلالةِ الكِتابِ نُطْقًا، ومفهومِه، فأوجبا لها السُّكنى؛ لعموم الآيةِ، ولم يوجِبا لها النفقة (٤)؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فلم يوجبِ النفقةَ إلَّا للحواملِ، فأفهمَ أن غيرَ\n_________\n(١) رواه مسلم (١٤٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.\n(٢) رواه البُخاريّ (٥٠١٦)، كتاب: الطلاق، باب: قصة فاطمة بنت قيس.\n(٣) رواه البُخاريّ (٥٠١٧)، كتاب: الطلاق، باب: قصة فاطمة بنت قيس، ومسلم (١٤٨١)، كتاب: الرضاع، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٦٤)، و\"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٢٤٧).","vol":"4","page":270},{"text":"الحواملِ لا نفقةَ لهنَّ، حتَّى الرجعيةُ، ولكنه خرجَ من عموم هذا المفهومِ الرجعيةُ بالإِجماع، وأكدَ دلالةَ قولِه -ﷺ -: \"ليسَ لك عليهِ نَفَقَةٌ\".\nوأجمعوا على أن الحاملَ تستحقُّ النفقة حتَّى تَضَعَ حَمْلَها على كلِّ حال، وإذا وجبتْ لها النفقةُ، فقدْ وجبتْ لها السُّكْنى؛ لأنَّ النفقةَ تابعةٌ للسُّكْنى، والتابعُ يستلزمُ وجودَ المَتْبوعِ (١).\nثم اختلفَ قولُ الشافعيِّ هَلِ النفقةُ للحَمْلِ؛ لأنَّ المطلقةَ البائنَ لا تستحقُّ نفقةً، أو للحاملِ بسببِ الحَمْل؛ لإضافةِ الوجوبِ إليها؟ وهذا هو الراجحُ من قوله (٢).\n* إذا تَمَّ هذا، وعلمتم أن عِدَّة الحوامِل أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ، أو مُتَوَفى عنهن؛ كما تقدمَ بيان ذلكَ في \"سورةِ البقرةِ\"، وأنَّ الحوامِلَ يستحققْنَ النفقةَ، فهل استِحْقاقُهُنَّ على كُلِّ حالٍ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ أو مُتَوَفى عنهن، كَما أنَّ هذا حُكْمُهُنَّ في العِدَّةِ؛ تقديمًا لعمومِ هذهِ الآيةِ على عُمومِ آيةِ البقرةِ، فكذلك يطلَقُ عُموم هذهِ الآيةِ في الحواملِ، فيجب في الحاملِ المُتَوَفَّى عنها النفقةُ حَتَّى تضعَ، أو أَنَّه خاصٌّ بالمطلقة؟\nقلنا فيه للسلفِ مذهبان:\nأحدهما: التعميمُ؛ لهذهِ الآيةِ وإيجاب النفقةِ للحاملِ المتوفَّى عنها، ويروى عن عَلِيٍّ، وابنِ عمرَ، وشُرَيْحٍ، والشعبيِّ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ سيرينَ، والثوريِّ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٤٦)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ١٤٥).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١١/ ٣٠٩)، و\"روضة الطالبين\" للنووي (٨/ ٣٩١).\n(٣) انظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (١/ ٣٦٦ - ٣٦٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١٨٥).","vol":"4","page":271},{"text":"والثاني: التخصيصُ بالمطلقةِ، وتسقطُ نفقةُ الحاملِ المتوفَّى عنها كَما يسقطُ سائرُ النفقاتِ بالموت، ولأنَّ اللهَ سبحانَهُ قد نسخَ المَتاع إلى الحَوْل في حَقِّ الحائِل، فيتبعُها الحامِلُ، ويروى هذا القولُ عن جابرٍ، وابن عباسٍ، وابن المسيِّبِ، وعطاءٍ، وحَسَنٍ (١)، وبه قال الفقهاءُ الأربعةُ (٢)، وإسحاقُ (٣).\n* وجعل الله سبحانَهُ السُّكنى معتبرةً بوُجْدانِ الأزواجِ، فيجبُ على الأزواجِ أن يُسْكِنَّ المرأةَ على قَدْرِ سعته منزلًا يليقُ بِحالها؛ لأنَّه منَ الإمساكِ بالمعروفِ (٤).\n* وأوجَبَ اللهُ للوالدات المطلقاتِ إيتاءَ الأجورِ على أبِ الطفلِ إذا أرضَعَتْ له الأمّ ولدَها، وإطلاقُ الآيةِ يتناولُ ما إذا كانَ معَ الأبِ مَنْ يرضِعُهُ لَهُ بغيرِ أجرةٍ، فالأجرةُ واجبةٌ للأمِّ، وهو كذلكَ (٥).\nوفي وَجْهٍ للشَّافعيةِ لا تَجِبُ لَها على الأبِ في هذهِ الحالِ أجرةٌ (٦)، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ أطلق لها الاستحقاقَ، ولم يُجَوِّزِ الانتقالَ إلى الأخرى إلَّا عندَ التَّعاسُرِ؛ بأنْ تطلُبَ أكثرَ منْ أُجْرَةِ المثل، ولأنَّ الأمَّ بطفلِها أرفقُ وأشفقُ.\nوقَدْ تقدَّم الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ إلى آخر الآية.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"السنن\" لسعيد بن منصور (١/ ٣٦٦ - ٣٦٨)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٩/ ٥٣٥)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٣/ ١٨٥).\n(٢) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٧/ ١٧٢)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ١١٩)، و\"المدونة الكبرى\" (٤/ ١٨٩)، و\"مسائل الإمام أحمد -رواية ابنه صالح\" (٣/ ٣١).\n(٣) انظر: \"مسائل الإمام أحمد وابن راهويه\" (١/ ٣٩٠).\n(٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٤٥)، و\"تفسير الثعلبي\" (٩/ ٣٤٠).\n(٥) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٨/ ١٤٧)، و\"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٦٠).\n(٦) انظر: \"المهذب\" للشيرازي (٢/ ١٦٨).","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>سورة التحريم</span>","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>(من أحكام الأيمان)</span>\n٢٦٠ - ٢٦١ (١ - ٢) قوله تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢].\n* أقول: الكلامُ في هذهِ الآيةِ صَعْبٌ شديدٌ، ولهذا اختلفَ الصَّدْرُ الأولُ في هذهِ المسألةِ على بِضْعَةَ عَشَرَ قولًا، وهي تَتَّضِحُ -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- بالكلامِ في أمرينِ:\nالأمر الأول: سببُ نزولِ هذه الآية.\nفالذي ذهبَ إليهِ أهلُ التفسيرِ، واشْتُهِرَ عندَهُم أَنَّها نزلَتْ في مارِيَةَ جاريةِ النبيّ - ﷺ -.\nيروى أن النبيَّ -ﷺ - دخلَ على حَفْصَةَ في يومِ نَوْبَتِها، فخرجت لبعضِ شَأْنِها، فأرسلَ رسولُ اللهِ -ﷺ - إلى ماريَةَ، وأدخَلَها بيتَ حَفْصَةَ، وواقَعَها، فلما رَجَعَتْ حَفْصَةُ، علمتْ بذلك، فغضبتْ، وبكتْ، وقالتْ: مالِي حُرْمَةٌ وحقٌّ عندكَ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"اسْكُتي، فَهِيَ حَرامٌ عَلَيَّ\"، فأنزلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ (١).\nوالذي ذَهَبَ إليهِ أهلُ الحديثِ أَنَّها نَزَلَتْ في تركِه لِشُرْبِ العسل.\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٣)، عن الضَّحَّاك.","vol":"4","page":275},{"text":"روينا في \"الصحيحين\" عن عطاءٍ أَنَّه سمعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقولُ: سَمِعْتُ عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- تقولُ: إن النَّبي -ﷺ - كانَ يمكُثُ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ويشربُ عندَها عَسَلًا، فتواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنا دخلَ عليها النَّبي - ﷺ -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مَغافيرَ، هلْ أكلتَ مغافيرَ؟ (١) فدخلَ على إحداهُما، فقالتْ له ذلكَ، فقالَ: \"لا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ\"، فنزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢) [التحريم: ١].\nوفي بعضِ ألفاظ البُخاريّ: \"ولكنِّي شربْتُ عَسَلًا عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ، وقدْ حَلَفْتُ لا تُخْبري بِذلِكَ أحدًا\" (٣).\nقال بعضُ أهلِ العلمِ بالحديثِ: والصحيحُ في نزولِ هذهِ الآية أَنَّها في قِصَّةِ العَسَلِ، لا في قِصَّةِ مارِيَةَ، فلمْ تأتِ قِصَّةُ ماريةَ -رضيَ اللهُ تُعالى عنها - من طريقٍ صَحيح (٤).\nالأمر الثَّاني: هل التحريمُ الذي فرضَ اللهُ سبحانَهُ تَحِلَّتَهُ يمين، أو ليسَ بيمينٍ، وإنَّما صدرَ من النبيِّ - ﷺ - مطلَقُ التحريمِ؟\n_________\n(١) مغافير: واحدها مُغفُور -بالضم-، وله ريح كريهة منكرة، ويقال أيضًا: المغاثير.\n\"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٤/ ٣٧٤).\n(٢) رواه البُخاريّ (٤٩٦٦)، كتاب: الطلاق، باب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ومسلم (١٤٧٤)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق.\n(٣) رواه البُخاريّ (٤٦٢٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ...﴾، عن عائشة.\n(٤) نقله الإمام النووي عن القاضي عياض في \"شرح مسلم\" (١٠/ ٧٧).","vol":"4","page":276},{"text":"الظاهرُ مِنَ القرآن أَنَّه لمْ يصدُرْ منَ النبيِّ - ﷺ - يمينٌ، وإنَّما جَعَلَه اللهُ سبحانَه يَمينًا؛ لما فيهِ منَ الامتناعِ والحَثِّ على التَّرْكِ.\nروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- أنهُ قالَ في الحَرام: يمينٌ يُكفِّرُها، لقدْ كانَ لكمْ في رسولِ اللهِ أُسوِةٌ حسنةٌ، يعني النبيَّ - ﷺ -، كانَ حَرَّمَ جاريتَه، قال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] فَكَفَّرَ عن يمينهِ، وَصَيَّرَ الحَرام يمينًا (١).\nوروي عن عُمَرَ وعائِشَةَ أنهما قالا في الحَرامِ: يمينٌ يُكَفِّرُها (٢).\nوقال قومٌ: آلى النبيُّ - ﷺ -، وَحرَّمَ (٣).\nقالَ قتادةُ: هو أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لحفصَةَ: \"اسكُتي، فواللهِ لا أَقْرَبُها، وهيَ عَلَيَّ حَرامٌ (٤).\nوكذا قالَ زيدُ بنُ أسلمَ من أنَّ النَّبي -ﷺ - حَرَّمَ أُمَّ إبراهيمَ، قال: \"أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ، والله، لا أَمَسُّكِ\" (٥)، (فأنزلَ اللهُ في ذلك).\nوقال مسروقٌ: آلى النبيُّ - ﷺ -، وحَرَّمَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٠)، بهذا السياق، والحديث في الصحيحين مختصرًا.\n(٢) انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٤/ ٩٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٥/ ٤٨٧).\n(٣) رواه التِّرمذيُّ (١٢٠١)، وابن ماجه (٢٠٧٢) عن عائشة ﵂.\n(٤) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٢٤٠)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٣).\n(٥) رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ٢١٣).","vol":"4","page":277},{"text":"تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، فجعلَ الحَرام حَلالًا، وجعلَ في اليمين كَفَّارَةً (١) (٢).\nإذا تقررَ هذا، فالذين قالوا: إنَّ التحريمَ يمينٌ بكلِّ حالٍ، ولم يذكروا عن النَّبي -ﷺ - يمينًا غيرَ التحريم، أَوْجَبوا فيه كفارةَ يمينٍ بكلِّ حالٍ، وإن نَوى الطلاقَ، أو الظِّهارَ أو التحريم، فلا شيءَ إلَّا كفارَةُ يمينٍ.\nوهو ظاهِرُ القرآنِ، وهذا مذهبُ ابنِ عباسٍ وجماعَةٍ من التّابعين.\nروينا في \"صحيح البخاري\" عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أَنَّه سمعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إذا حَرَّمَ امرأته، ليسَ بشيء، وقالَ: لقدْ كانَ لكمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (٣).\nوفي \"صحيحِ مسلم\" عن ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: إذا حَرَّمَ الرجلُ امرأتهُ فهيَ يمين يُكَفِّرُها (٤).\nوالذين قالوا: صدرَ منهُ يمين كما وردَ في بعضِ ألفاظِ البُخاري، اختلفوا.\nفمنهم من رآه كَذِبًا، فهو كتحريمِ الماءِ، فلا شيءَ عليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].\n_________\n(١) رواه التِّرمذيُّ (١٢٠١)، كتاب: الطلاق واللعان، باب: ما جاء في الإيلاء، وابن ماجه (٢٠٧٢)، كتاب: الطلاق، باب: الحرام، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٢٧٨)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٢)، عن مسروق، عن عائشة.\n(٢) روي عن مسروق موقوفًا عليه. انظر: \"المدونة الكبرى\" (٣/ ١٠٦)، و\"تفسير الطبري\" (٢٨/ ٢٥٦)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ٣٥٢).\n(٣) رواه البُخاريّ (٤٩٦٥)، كتاب: الطلاق، باب: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.\n(٤) رواه مسلم (١٤٧٣)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق.","vol":"4","page":278},{"text":"وبهذا قالَ مسروقٌ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، والشعبيُّ (١).\nومن أهلِ العلمِ من شَبَّهَهُ بالظِّهارِ؛ لِما فيه من المُنْكَرِ وقولِ الزُّورِ والعَوْدِ إلى ما قالَ وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهويه (٢).\nوذهبَ الجُمهور من أهلِ العلمِ إلى أنَّه لفظٌ صريحٌ في التحريمِ مصروفٌ (٣) بالنيةِ إلى وجوهِ التحريمِ من البَيْنونَةِ والطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ والظِّهارِ والامتناعِ باليمين، فحينئذ اختلفَتْ بهمُ الطرقُ:\nفذهبَ مالكٌ إلى أنَّه يقعُ بهِ ثلاثُ طلقاتٍ، سواءٌ كانَتِ المرأةُ مَدْخولًا بها، أم لا، لكن إن نوى أقلَّ من الثلاثِ في غيرِ المَدْخولِ بها قُبِلَ؛ لحصولِ البينونة (٤).\nويروى هذا القولُ عن عَلِي، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وبهِ قالَ الحَسَنُ، والحَكَمُ (٥).\nوهذا من مالِكٍ على أصلهِ في الكناية الظاهرة؛ كقوله: حَبْلُكِ على غاِربِكِ، وأنتِ خَلِيَّةٌ؛ فإنَّه لا يقبلُ دعوى الزوجِ فيما دونَ الثلاثِ في المدخول بِها، ويقبلُ دعواهُ في غيرِ المدخول بها.\nوقيل: لا تقبلُ الدَّعوى سواءٌ كانتِ الزوجةُ مَدْخولًا بها، أم لا.\nوهو قولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجشون، ويروى عنِ ابنِ أبي ليلى،\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح البُخاريّ \" لابن بطال (٧/ ٤٠٢)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٢) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٣) في \"ب\": \"ينصرف\".\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٧).\n(٥) انظر: \"شرح صحيح البُخاريّ\" لابن بطال (٧/ ٤٠١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٨).","vol":"4","page":279},{"text":"ويروى عنهُ مثلُ قولِ مالِكٍ الأَوَّلِ (١).\nوقيل: يقعُ به في المدخولِ بها ثلاثٌ، وفي غيرِ المدخولِ بها واحدةٌ، وبه قال أبو مُصْعَبٍ، ومحمدُ بنُ الحَكَم المالكيان (٢)، ونُقِلَ عن مالكٍ قولٌ أنَّه يقعُ به طلقة واحدةٌ بائنةٌ سواءٌ المدخولُ بها وغيرُها (٣)، وهو ضعيفٌ مخُالِفٌ لقواعدِه؛ فإنَّه إنَّما ذهبَ إلى إيقاعِ الثلاثِ في الكناية الظاهرة، وإن كانَ لا يوقعُ الثلاثَ باللفظِ الصريحِ؛ لأنَّ الظاهرَ من هذهِ الألفاظِ البَيْنُونة، والبينونةُ لا تحصلُ إلَّا بالثلاثِ، أو بعِوَضٍ، ولم يكنْ هناك عِوَضٌ، فتعينَ الثلاثُ، وأمَّا البينونةُ بطلقةٍ واحدةٍ بغيرِ عِوَضٍ، فغيرُ معروفٍ في الشرع.\nوقال عبدُ العزيز بنُ سَلَمَةَ المالكي: تقعُ بهِ طلقة رجعيةُ (٤)، وهو مخالفٌ لمذهبِ مالكٍ في الكنايةِ الظاهرة.\nوذهب أبو حنيفةَ إلى أَنَّه إن نَوى الطلاقَ، وقعتْ طلقة واحدةٌ، بائنةٌ، وكذا إن نَوى ثلاثًا أو اثنتين، فلا تقعُ إلَّا واحدةٌ (٥)، وهذا على أصله أَنَّ الطلاقَ بالكِناية لا يقعُ إلَّا بالنيَّةِ، وأنه إذا نَوى العددَ بالطَّلْقَةِ الواحدةِ، فلا يفيد العدد.\nوأمَّا كونُها بائنةً، فلأنّ المرادَ بهذا اللفظ قطعُ العصمة، وقطعُها لا يحصُل إلَّا بالبينونة، ولم تكن ثلاثَ تطليقاتٍ، ولا اللفظُ يصلحُ للثلاثِ عنده، فجعله طلقةً بائنةً، وإن لم ينوِ شيئًا، فهو يمين، وإن نَوى الكَذِبَ، فَلَغْوٌ.\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٢) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٨٢)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٨/ ١٨١).\n(٤) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٦٣)، و\"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٧٠).","vol":"4","page":280},{"text":"وقالَ زُفَرُ مثلَ هذا القول، إلَّا أنَّه إنْ نَوى اثنتين، وقعتا (١).\nوذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّه إن نوى الطلاقَ، كانَ طلاقًا، فإن نوى واحدةً، فواحدةً، وإن نَوى اثنتين أو ثَلاثًا، فما نوى، وإن نوى الظِّهارَ، كانَ ظهارًا؛ لانصراف الكنايات بالنية، ولأن أصلَه أنَّ اللفظَ في صريحِ الطلاقِ وكنايتهِ يقعُ للواحدةِ وللاثنتينِ وللثلاثِ بالنيَّة، بدليلِ حديثِ رُكانَةَ المشهورِ.\nوإن نوى تحريمَ عَيْنِها بغير طَلاقٍ ولا ظِهارٍ، لزمَهُ بنفسِ اللفظِ كفارةُ يميني كَما هو ظاهرُ القرآن، وإن لم يَنْوِ شيئًا، ففيه قولان:\nأظهرهما (٢): أن عليه كَفَّارةَ يمين.\nوالثاني: قولُه لغوٌ لا شيءَ فيهِ (٣).\nويروى مثلُ قوله عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وغيرِهما من الصحابةِ والتابعينَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٤).\nوذهب الثوريُّ إلى أنَّه إن نَوى الطلاقَ، فطلاقٌ، وإن نوى واحدة أو عددًا، فما (٥) نوى، أو يَمينًا، فهو ما نوى (٦)، وإلَّا، فلغوٌ؛ كأحدِ قولَي الشَّافعيِّ (٧).\nوذهبَ الأوزاعيُّ إلى مثلِ قولِ الثوريِّ، إلَّا أنَّه قال: إذا لم ينوِ شيئًا،\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (٦/ ٧٠).\n(٢) في \"أ\": \"أحدهما\".\n(٣) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٣).\n(٤) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٥) في \"ب\": \"فهو ما\".\n(٦) \"فهو ما نوى\" ليس في \"ب\".\n(٧) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٥/ ٣٦٣)،و\"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨).","vol":"4","page":281},{"text":"لزمَهُ كفارَةُ يمينٍ، وهو كأحدِ قولَي الشَّافعيِّ أيضًا -رحمهم اللهُ تعالى- (١).\n* فإن قلتَ: هذا الذي شرحتَه في الزوجة، فما حكمُ الأَمَةِ إذا قال: هيَ عَلَيَّ حَرامٌ كَما ورد ذلك في مارية.\nقلتُ: ذهبَ الشافعيِّ إلى أنَّه إن نوى عتقَها، عتقَتْ، وإن نوى تحريمَ عينها، لزمَهُ كفارَةُ يمينٍ، وإن لم ينوِ شيئًا، وجب كفارَةُ يمينٍ، على الصَّحيح (٢).\nوقال مالك: هذا في الأَمَةِ لَغْوٌ لا يترتَّبُ عليه شيءٌ (٣).\nوفي هذا ضَعْفٌ لإخراجِهِ السَّبَبَ عن الحُكْمِ، إلَّا أن يكونَ مذهبُه أنَّ النبيَّ - ﷺ - آلى كما قالَهُ بَعْضُ مَنْ قَدَّمْتُ ذكرَهُ.\nوقالَ عامَّةُ أهلِ العلمِ: عليه كفارةُ يمينٍ بنفسِ التحريمِ؛ لظاهرِ القرآنِ (٤).\nولكن قالَ أبو حنيفةَ: يحرُمُ عليهِ ما حَرَّمَهُ من أَمَةِ وطعامٍ وغيرِهِ، ولا شيءَ عليه حَتَّى يتناوله، فيلزمُهُ حينئذٍ كفارةُ يمينِ (٥).\nوذهبَ مالكٌ والشافعيُّ والجُمهورُ إلى أنَّه لَغْوٌ في غيرِ الزَّوجةِ\n_________\n(١) انظر: \"الاستذكار\" لابن عبد البر (٦/ ١٨)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٥٨).\n(٢) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١٠/ ١٨٣)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٣) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ١٩٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٧/ ٢٧٥).\n(٤) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٨/ ١١)، و\"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٧٤).\n(٥) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٣٠٢).","vol":"4","page":282},{"text":"والأَمَةِ (١)، والدليلُ عليه ما رُوي أن النبيَّ - ﷺ - مَرَّ بأبي إسرائيل وهو قائِمٌ في الشَّمسِ، فسألَ عنهُ، فقالوا: هذا أبو إسرائيلَ نذرَ أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظِلَّ ولا يتكلَّمَ، ويصومَ ولا يفطر، فقال: \"مُروهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ\" (٢)، ولم يأمرْهُ بكَفَّارَةٍ.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (٥/ ٢٦٢)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٢٦٥)، و\"حاشية الدسوقي\" (٢/ ١٣٥).\n(٢) رواه البُخاريّ (٦٣٢٦)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: النذر فيما لا يملك، وفي معصية، عن ابن عباس.","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>سورة المزمل</span>","vol":"4","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>(من أحكام قيام الليل)</span>\n٢٦٣ - ٢٦٢ (١ - ٤) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤].\n* أمر اللهُ ﷿ نبيَّه مُحَمَّدًا - ﷺ - بقيامِ الليلِ إلَّا قليلًا منهُ، ثم بَيَّنَ القَدْرَ المأمورَ بهِ الذي اسْتبهَمَ لدخولِ الاستثناءِ، فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣ - ٤] فيكونُ المأمورُ به إما النِّصْفُّ، أو الثلثُ، أو الثُّلُثانِ، على وَجْهِ التخيير لَه - ﷺ -.\nفإن قلتَ: فهل المُبَيَّنُ المستثنى أو المستثنى منه؟\nقلت: الحكمُ واحدٌ، سواءٌ جعلْنا التبيينَ للمستثنى منه، أو للمستثنى؛ للتلازمِ الذي بين المستثنى والمستثنى منه، ولكنه لا يجوز صرف البدلِ والبيانِ إلَّا إلى المستثنى منه؛ لأنَّه الفعل المأمورُ بهِ، وقد أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالزيادةِ عليه، والنُّقصانِ منه، وأمَّا المستثنى، فإنه تركُ القيامِ، والتركُ ليسَ بمأمورٍ به؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوهذا الأمرُ كانَ في صَدْرِ الإسلام، وكان رسولُ اللهِ -ﷺ - وأصحابُه يقومون الليلَ حتَّى انتفخَتْ أقدامُهُم (١).\n_________\n(١) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٣٢٦)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٨/ ٣٨٨)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٩/ ٣٥).","vol":"4","page":287},{"text":"* والمتعلِّقُ بهذهِ الأُمَّةِ من الأحكامِ خمسةٌ:\nالأول: الأمرُ هل هو للوُجوبِ أو الندبِ؟\nذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ أو عامَّتُهم إلى أنهُ للوجوبِ والحَتْمِ.\nوقالَ مَنْ لا يُعْتَدُّ بقوله: إنه للندب.\nوهو باطلٌ لا دليلَ عليه، بل الدليل واجبٌ على أنَّه للوجوبِ، وهو قولُه تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا تكونُ التوبةُ والتخفيفُ إلَّا مِنْ واجِبٍ (١).\nالحكم الثَّاني: هل هذا الحكمُ خاصٌّ بالنبيِّ -ﷺ -، أو شاملٌ لأمتَّهِ معه؟\nفذهب أكثرُهُم أو عامَّتُهم إلى دخولِ أمتهِ في هذا الخِطاب (٢)؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبدليل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوذهبَ مَنْ لا يُعْتَدُّ بقولهِ إلى خُروج أُمَّتِهِ منْ هذا الخِطاب (٣)، وهو باطلٌ، لِما ذكرتُه.\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٥١)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (٥/ ٣٨٧)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (٣٠/ ١٥٢).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٩/ ١٣١)، و\"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي (١/ ٤٣٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٧٥١)، و\"روضة الناظر\" لابن قدامة (ص: ٢٠٨).\n(٣) انظر: \"اللمع في أصول الفقه\" للشيرازي (ص: ٢٢)، و\"الإحكام\" للآمدي (٢/ ٢٧٩).","vol":"4","page":288},{"text":"الحكم الثالث: أجمعَ أهلُ العلم على أنَّ هذا الحكمَ منسوخٌ (١) في حَقِّ أُمَّتِهِ - ﷺ - بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nقال ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما:- كانَ بينَ أَوَّلِ المُزَّمِّلِ وآخرِها قريبٌ من سنَةٍ (٢).\nثمّ يحتملُ أن يكونَ الناسخُ الذي أُمروا به، وهو ما تيَسَّرَ من القرآنِ أن يكونَ حَتْمًا لازِمًا.\nويحتملُ أن يكون نَدْبًا، ويكون هذا مِمَّا نسخَ الوجوبُ فيهِ بالندب (٣).\nفإن كانَ نَدْبًا، فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على [استحبابِ التهجدِ بالليلِ لكلِّ أحدٍ من الأمَّةِ، وإن كان حتمًا -وهو الظاهرُ- فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على] (٤) أنَّه لا يجبُ على أحدٍ من الأمةِ قيامُ شيءٍ من اللَّيل؛ لما روى طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله -رضيَ الله تعالى عنه- قال: جاءَ أعرابيٌّ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسَ يُسْمَعُ دَوِيُّ صوته ولا نَفْقَهُ ما يقولُ حتَّى دَنا من رسولِ اللهِ - ﷺ -، فإذا هو يسألُ عن الإِسلام، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"خَمْسُ صَلَواتٍ في اليومِ واللَّيلَةِ\"، قال: هلْ\n_________\n(١) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٥٠)، و\"الناسخ والمنسوخ\" للزهري (ص: ٣٤)، و\"المصفى بأكف أهل الرسوخ\" (ص: ٥٨)، و\"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه\" (ص: ٥٥)، و\"قلائد المرجان\" (ص: ١٧٣).\n(٢) رواه أبو داود (١٣٠٥)، كتاب: الصَّلاة، باب: نسخ قيام الليل، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٩٤٢)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٨٧٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٨٦٤)، والبيهقيّ في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٥٠٠)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (٤٤٠).\n(٣) في \"أ\": \"الندب\".\n(٤) ما بين معكوفتين ليس في \"أ\".","vol":"4","page":289},{"text":"على غيرُها؟ قال: \"لا، إلَّا أن تَطَوَّعَ\" (١)، خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ.\nثم هذا الحكمُ منسوخٌ بغيرهِ كما نُسِخَ بهِ غيرُه، وعلى هذا أكثرُ النَّاسِ (٢)؛ بدليل الإجماعِ على أنَّه لا يجبُ أكثرُ من خَمْسِ صلواتٍ، وبدليلِ حديثِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ.\nقال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: ويقال: نُسِخَ ما في المُزَّمِّلِ بقولهِ ﷿: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩] فأعلمَه أنَّ صلاةَ الليلِ نافلة لا فريضة، وأن الفرائضَ فيما ذكرَ من ليلٍ أو نهارٍ (٣).\nالحكم الرابع: دخولُ النَّبيِّ -ﷺ - معَ أُمَّتِهِ في النَّسخِ لقيامِ الليلِ.\nاختلفَ فيه أهلُ العلمِ: فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ أنَّ الوجوبَ منسوخ في حَقِّه (٤).\nوذهبتِ المالكيةُ إلى بقاءِ الوجوبِ عليه (٥) - ﷺ - (٦)، قال ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ معناهُ: فرضٌ عليكَ خاصَّةً (٧).\n_________\n(١) رواه البُخاريّ (٤٦)، كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام، ومسلم (١١)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.\n(٢) انظر: \"الرسالة\" للإمام الشافعي (ص: ١١٥)، و\"الفصول في الأصول\" للجصاص (٢/ ٢٨١).\n(٣) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ٦٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٣٥٨).\n(٤) انظر: \"الأم\" للإمام الشَّافعي (١/ ٦٨)، و\"تفسير الثعلبي\" (٦/ ١٢٣).\n(٥) في \"ب\": \"في حقه\" بدل \"عليه\".\n(٦) انظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٢١٣)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (١٩/ ٥٥).\n(٧) رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩). وانظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٣٢٣).","vol":"4","page":290},{"text":"الحكم الخامس: أمرَ اللهُ سبحانَه بترتيلِ القرآنِ، وهو أن يُبيِّنَ القارىُء القرآنَ، ويتبعَ بعضَه بَعْضًا في تُؤَدَةٍ؛ بحيثُ يكونُ مُصَحّحًا للحروفِ، مُقيمًا لَها بإخراجها من مَخارِجِها، فلا يجوزُ للقارئِ أن يتركَ هذا الترتيلَ، فيدرجَ بعضَ كلماتِه أو بعضَ حروفِه في بعضٍ، فبالترتيل يتفقَّهُ القارئُ، ويفهمُ مرُادَ الله ﷿ (١).\nقالَ أبو الدَّرْداءِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: إياكم والهَذَّاذين الذين يَهُذُّون القرآنَ، ويُسرعون بقراءته؛ فإنَّما مثلهُ كمثلِ الأَجَمَةِ (٢) التي لا أَمْسَكَتْ ماءً، ولا أنبتَتْ كَلًا (٣).\nوعن إبراهيمَ، عن (٤) علقمة قال: قال ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: لا تنثُروهُ نثرَ الدَّقَل (٥)، ولا تَهُذوهُ هَذَّ الشِّعْر، قِفوا عندَ عجائِبِه، وحَرِّكوا بهِ القُلوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورة (٦).\n* * *\n\nوهذا ما يَسَّرَ اللهُ الكريُم تعليقَه من آياتِ الأحكامِ، وإنْ كانَ قدْ بقيَ في القرآنِ المجيدِ آياتٌ كثيرة تتعلَّقُ بالأَحْكام تركْتُ الكلامَ عليها طَلَبًا للاختصار، وذلكَ إمَّا لاندراجِها في أحكامِ الناسِخِ، أو في أحكامِ المنسوخ،\n_________\n(١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢٩/ ١٢٧)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٤/ ٣٢٧).\n(٢) الأجمة: الشجر الملتف، والجمع أجم وآجام.\n\"المُغرب\" (١/ ٣٠).\n(٣) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٦٥١). عن نصر بن علقمة الحضرمي.\n(٤) في \"ب\": \"بن\" وهو خطأ.\n(٥) الدّقَل: هو رديء التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص، فتراه ليُبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورًا. \"النهاية في غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ١٢٧).\n(٦) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٢٥٦)، والبيهقيّ في \"شعب الإيمان\" (٢٠٤١).","vol":"4","page":291},{"text":"أو لذكرِ أحكامِها في غيرِها، أو لغيرِ ذلكَ.\nوالحمدُ للهِ الذي هدَانا لهذا، وما كُنا لنهتَدِيَ لولا أن هدانا الله.\nوأسألُ اللهَ الكريمَ البَرِّ الرحيمَ أن ينفعَني بهِ والمسلمينَ في الآخِرَةِ والأولى، ويجعلَه سببًا وزُلْفى إليهِ ربِّ العالمين، إنه كريمٌ وَهَّابٌ، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين.\nوكانَ الفراغُ من تعليقهِ صبيحةَ يومِ الثلاثاءِ لخمسٍ بَقِيْنَ من شَهْرٍ جُمادى الأولى سنةَ ثمانٍ وثماني مئةٍ، وأرجو من فضلِ اللهِ الكريمِ وتمامِ نعمتِه أن يُيَسِّرَ لي وضعَ الكِتاب الذي أَهُمُّ بهِ في \"أحكامِ القرآنِ المجيدِ المتعلقةِ بأصولِ الدِّياناتِ، وصَحيحِ الاعتقاداتِ\" بطريقٍ قَدْ دَرَسَتْ، وآثارٍ قد طُمِسَتْ، ألا وهيَ طريقُ السَّلَفِ الصالحِ، والأَئِمَّةِ الناصحينَ، الخاليةِ من أضاليلِ الضالين، وزخرفةِ المُبْتَدِعين.\nونسألك اللَّهُمَّ الهدايةَ والعِصْمَةَ وحُسْنَ الاتِّباعِ لكتابك، والاقتداءَ بسُنَّةِ رسولِكَ محمدٍ النَّبي الأميِّ (١)، اللهمَّ صَلِّ عليهِ وعلى آلَهِ كما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ، وعَلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مجيد، يا كريم.\n* * *\n_________\n(١) جاء في خاتمة النسخة الخطية المرموز لها بـ \"ب\": \"تم الجزء الثَّاني من تيسير البيان ... \".\nوجاء في الحاشية: \"قال في هامش ... وجملة آيات الأحكام على ما قيل خمس مائة آية ... بعدد ما ذكره المصنف\".\nوجاء في خاتمة النسخة الخطية المرموز لها بـ \"أ\": \"تمَّ لي تحصيلُه بفضل اللهِ ومَنِّهِ عَلَيَّ صُبْحَ الجُمُعَةِ، ولعلهُ ثالثَ عَشَرَ في شَهْرِ ذي القَعْدَة سنةَ (١١٥٧) وأنا العبدُ الفقيرُ المعترفُ بالتقصيرِ، أسيرُ ذنبِه القاسمُ بنُ الحُسَينِ الحَجِّيُّ بلدًا، غفَر اللهُ لي ولإِخواني منَ المؤمنين، ومشايخي في الدِّينِ بحَقِّ محمدٍ وآلهِ ﵌، وحَسْبِيَ اللهُ وكَفى، ونِعْمَ الوكيلُ، وَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِي العظيم\".","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>تراجم الأعيان في تيسير البيان</span>","vol":"4","page":317},{"text":"تراجم الأعيان في تيسير البيان\n١ - أبان بن عثمان بن عفان، الإمام الفقيه الأمير، أبو سعد بن أمير المؤمنين أبي عمرو الأموي المدني، سمع أباه، وزيد بن ثابت، حدث عنه عمرو بن دينار، والزهري، وأبو الزناد، وجماعة، له أحاديث قليلة، ووفادة على عبد الملك، قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحدًا أعلم بحديثٍ ولا فقهٍ من أبان بن عثمان، مات سنة (١٠٥ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ١٥١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٣٥٣)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ١٤١).\n\n٢ - إبراهيم بن السّري بن سهل، أبو إسحاق النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، ولازم المبرد مدة طويلة، وكان يخدمه ويدفع له درهمًا في اليوم مقابل تعليمه، وكان من أهل الدين والفضل، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب؛ كـ \"النوادر\"، و\"معاني القرآن\" وغيرهما. مات سنة (٣١١ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١/ ١٣٠)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٤٥)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٤١١).\n\n٣ - إبراهيم بن خالد، أبو ثور، ويكنى -أيضًا- أبا عبد الله، الكلبي البغدادي الفقيه الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق، كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، صنف الكتب، وفرّع على السنن، وذبَّ عنها، مات سنة (٢٤٠ هـ) وقد عاش سبعين سنة أو أكثر. انظر: \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٦٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٧٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥١٢)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٢٦).\n\n٤ - إبراهيم بن علي بن يوسف، أبو إسحاق الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي نزيل بغداد، الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، كان يضرب به المثل بفصاحته وقوة مناظرته، وكان ثقة فقيهًا زاهدًا في الدنيا، ولم يتزوج، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا؛ كـ\"المهذب\"، و\"التنبيه\"، و\"اللمع في أصول الفقه\"، وغيرها. مات سنة (٤٧٦ هـ) ببغداد. انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" للنووي (٢/ ١٧٢)،","vol":"4","page":319},{"text":"و\"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٤٥٢)، و\"العبر\" (٣/ ٢٨٣)، و\"طبقات السبكي\" (٤/ ٢١٥).\n\n٥ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، الإمام العلامة الأوحد الأستاذ الأصولي الشافعي الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، وصاحب المصنفات الباهرة، كان فقيهًا متكلمًا أصوليًا، أقر له أهل العلم بالعراق وخراسان بالتقدم والفضل، بنى بـ\"نيسابور\" مدرسة لم يبن قبلها مثلها، ودرس فيها وحدَّث، ومن تصانيفه: \"الرد على الملحدين\" في خمس مجلدات. مات سنة (٤١٨ هـ). انظر: \"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (١٧٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٣٥٣).\n\n٦ - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي الكوفي، فقيه العراق، روى عن علقمة ومسروق والأسود وطائفة، ودخل على أم المؤمنين عائشة -﵂- وهو صبي، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان الفقيه، وسماك بن حرب، وخلق كثير، كان من العلماء ذوي الإخلاص، وكانت له هيبة كهيبة الأمراء، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، مات سنة (٩٥ هـ) كهلًا، قال الشعبي: ما خلف بعده مثله. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٧٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٢٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧٣)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٢٥).\n\n٧ - أبو سعد بن أحمد بن أبي يوسف، تلميذ القاضي أبي عاصم العبّادي، وقاضي همذان، كان أحد الأئمة، له \"شرح أدب القضاء\" للعبادي، وهو المسمى \"بالإشراف على غوامض الحكومات\"، وكان له غرائب في الفقه والأصول، كان حيًا في حدود الخمس مئة أو قبلها بيسير. انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ٣٦٥)، \"وطبقات الإسنوي\" (٢/ ٥١٩).\n\n٨ - أبو سعيد بن المعلَّى الأنصاري المدني، يقال: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث، ويقال: نفيع، صحابي جليل، مات سنة (٧٤ هـ) وله أربع وستون سنة. انظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٤/ ٨٨)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٨١٢٢).\n\n٩ - أبو صالح: واسمه باذام، روى عن مولاته أم هانئ، وأخيها علي، وأبي هريرة، وعنه مالك بن مغول، والثوري، والكلبي، وغيرهم، كان عامة ما يرويه في التفسير، وقد ضعفه البخاري، ويحيى بن معين، والنسائي، وابن عدي، وعبد الحق الإشبيلي. وقال يحيى القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا تركه. مات سنة (١٢٠ هـ) تقريبًا.","vol":"4","page":320},{"text":"انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٣٠٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٧)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٦٦).\n\n١٠ - أبو عُبيد القاسم بن سلاّم الأزدي، مولى بني الأزد، الإمام في الفنون، كان مؤدبًا، ولم يكتب الناس أصحَّ من كتبه ولا أكثر فائدة، قال إسحاق بن راهويه: يحبُّ الله الحق، أبو عبيد أعلم مني، ومن أحمد بن حنبل، ومن محمد بن إدريس الشافعي، من تصانيفه: \"غريب الحديث\"، و\"الأموال\"، و\"الأمثال\"، وغير ذلك. جاور بمكة إلى أن توفي سنة (٢٢٤ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١٦/ ٢٥٤)، و\"إنباه الرواة\" (٣/ ١٢)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٧٢)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٢٥٣).\n\n١١ - أحمد بن أبي أحمد، أبو العباس الطبري ثم البغداي الشافعي، تلميذ أبي العباس بن سريج، الإمام الفقيه شيخ الشافعية، حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره، وكان من أئمة الشافعية، وصنف في المذهب \"كتاب المفتاح\"، و\"كتاب أدب القاضي\" وغيرهما. توفي مرابطًا بطرسوس سنة (٣٣٥ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٣٧١)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٣/ ٥٩)، و\"شذارت الذهب\" (٢/ ٣٣٩).\n\n١٢ - أحمد بن أبي طاهر بن محمد بن طاهر بن محمد بن أحمد، أبو حامد الإسفراييني، الأستاذ، العلامة، شيخ الإسلام، وشيخ الشافعية ببغداد، برع في المذهب، وأربى على المتقدمين، وعظم جاهه عند الملوك، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد، وطبق الأرض بالأصحاب، وجمع مجلسه ثلاث مئة متفقه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي، لفرح به. مات سنة (٤٠٦ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٦٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ١٩٣)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ٦١).\n\n١٣ - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوجردي، أبو بكر البيهقي الخراساني، -منسوب إلى \"بيهق\"، وهي: عدة قرى من أعمالَ نيسابور على يومين منها- الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام، كان على سيرة العلماء، قانعًا باليسير، متجملًا في زهده وورعه، بورك له في علمه، فصنف تصانيف عظيمة القدر، غزيرة الفوائد. قال إمام الحرمين: \"ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي\"؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه. مات سنة (٤٥٨ هـ).","vol":"4","page":321},{"text":"انظر: \"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (٢٦٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٦٣)،و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١١٣٢)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ٨).\n\n١٤ - أحمد بن علي، أبو بكر الرازي الحنفي، صاحب التصانيف، وإمام أصحاب الرأي في وقته، كان مشهورًا بالزهد والورع، ورد بغداد ودرس الفقه على أبي الحسن الكرخي، ولم يزل حتى انتهت إليه الرياسة، ورحل إليه المتفقهة، وله تصانيف كثيرة مشهورة، يحتج بها بالأحاديث المتصلة بأسانيد، مات سنة (٣٧٠ هـ) وله خمس وستون سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣١٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٣٤٠).\n\n١٥ - أحمد بن عمر بن سريج، أبو العباس البغدادي القاضي الشافعي، الإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقين، صاحب التصانيف، وبه انتشر مذهب الشافعي ببغداد، وتخرج به الأصحاب، وقد ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني، توفي سنة (٣٠٦ هـ).\n\n١٦ - أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي القزويني الرازي، كان إمامًا في علوم شتى خصوصًا اللغة؛ فإنه أتقنها، وكان الصاحب بن عبَّاد يكرمه ويتتلمذ له، ويقول: شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف وأمِنَ فيه من التصحيف، وقد كان فقيهًا شافعيًا، فصار مالكيًا، وقال: دخلتني الحميَّةُ لهذا البلد -يعني: الري-، كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل. له كتاب: \"المجمل\"، و\"مقاييس اللغة\"، و\"فقه اللغة\"، و\"غريب إعراب القرآن\"، وغيرها. مات سنة (٣٩٥ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (٤/ ٨٠)، و\"نزهة الألباء\" (٣٩٢)، و\"إنباه الرواة\" (١/ ٩٢)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (ص: ٦١)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٣٥٢).\n\n١٧ - أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس النحاس، أبو جعفر المصري النحوي، رحل إلى بغداد فأخذ عن المبرد والأخفش ونفطويه والزجاج وغيرهم، ثم عاد إلى مصر فأقام بها حتى موته، وقد روى عنه النسائي والطحاوي في الحديث، ومصنفاته تزيد على الخمسين منها: \"إعراب القرآن\"، و\"معاني القرآن\"، و\"الناسخ والمنسوخ\"، وغيرها. مات سنة (٣٣٨ هـ) وسبب موته أنه كان يقطعُ بحرًا من العَروض على شاطئ النيل، فسمعه بعض العامة فقال: هذا الشيخ يسحر النيل، فركله برجله، فذهب في النيل، فكان آخر العهد به. انظر: \"معجم الأدباء\" (٤/ ٢٢٤)، و\"إنباه الرواة\" (١٠١)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٦٢)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٣٦٢).","vol":"4","page":322},{"text":"١٨ - أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة، أبو جعفر الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي، (وطحا من قرى مصر)، ابن أخت المزني، الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، صنف في اختلاف العلماء، وكتاب \"معاني الآثار\"، مات سنة (٣٢١ هـ) عن بضع وثمانين سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٢٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٨٠٨).\n\n١٩ - أحمد بن يحيى بن يسار أبو العباس الشيباني، المعروف بـ\"ثعلب\"، إمام الكوفيين في النحو واللغة والحديث، قال أبو بكر بن مجاهد: كنت عند أبي العباس، فقال: يا أبا بكر! اشتغل أهل القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟ فانصرفت من عنده تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: \"أقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل\". رأى أحد عشر خليفةً، أولهم المأمون، وآخرهم المكتفي، وتوفي سنة (٢٩١ هـ) وقد بلغ تسعين سنة. انظر: \"معجم الأدباء\" (٥/ ١٠٢)، و\"نزهة الألباء\" (٢٩٣)، و\"إنباه الرواة\" (١/ ١٣٨)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٦٥)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٣٩٦).\n\n٢٠ - إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور وعالمها، يعرف بابن راهويه، الإمام الحافظ الكبير، وشيخ أهل المشرق، كان أعلم الناس، وأخشى الناس لله، مع الثقة والحفظ، فما رئي أحد أحفظ منه، قال أبو حاتم: العجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. مات سنة (٢٣٨ هـ) وله سبع وسبعون سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٣٥٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٣٣).\n\n٢١ - إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الحجازي ثم الكوفي، الأعور، السُّدِّيِّ، أحد موالي قريش، الإمام المفسر، وقيل: قد كان السدي أعلم بالقرآن من الشعبي، وكان عظيم اللحية جدًا، وقد ضعفه بعضهم من جهة حفظه. مات سنة (١٢٧ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٦٤).\n\n٢٢ - إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر، أبو عبد الله الأصبحي المدني، الإمام الحافظ الصدوق، قرأ القرآن وجوّده على نافع، فكان آخر","vol":"4","page":323},{"text":"تلامذته وفاة، تلا عليه أحمد بن صالح المصري وغيره، وحدث عن أبيه، وخاله مالك بن أنس، وحدث عنه الشيخان وغيرهما، وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه، على نقص في حفظه وإتقانه، مات سنة (٢٢٦ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٩١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤٠٩).\n\n٢٣ - إسماعيل بن علية بن مقسم الأسدي، أبو بشر، مولاهم البصري، وعلية هي أمه، الحافظ الثبت، أحد الأعلام وسيد المحدثين، كان ثقة ورعًا تقيًا، مات سنة (١٩٣ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ١٠٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٢٢).\n\n٢٤ - إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم، أبو إبراهيم المزني المصري، الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، تلميذ الشافعي، كان قليل الرواية، لكنه كان رأسًا في الفقه، وكان مجاب الدعوة، ذا تأله وزهد، وقد أخذ عنه خلق من العلماء، وبه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، قال الشافعي: \"المزني ناصر مذهبي\"، كان يغسل الموتى تعبدًا واحتسابًا، وهو الذي غسَّل الشافعي -﵀- مات سنة (٢٦٤ هـ) وله تسع وثمانون سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٤٩٢)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٢/ ٩٣)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٢١٧)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٤٨).\n\n٢٥ - أشهب بن عبد العزيز بن دواد، أبو عمر القيسي العامري المصري، يقال: اسمه مسكين، وأشهب لقب له، الإمام العلامة الفقية مفتي مصر، قال فيه الشافعي: ما أخرجت مصرُ أفقه من أشهب، لولا طيش فيه، وقد كان فقيهًا حسن النظر والرأي. مات سنة (٢٠٤ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ٥٠٠)، و\"العبر\" (١/ ٣٤٥)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٢٣٨)، و\"شذارت الذهب\" (٢/ ١٢).\n\n٢٦ - الإمام محيي الدين يحيى بن شرف بن مري أبو زكريا النووي الحزامي الحوراني الشافعي، شيخ الإسلام، الإمام الأوحد القدوة، علم الأولياء، صاحب التصانيف النافعة، كان لا يضيع له وقتًا في ليل ولا نهار حتى في الطرق، وقد دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق، هذا مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وقد كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله، رأسًا في معرفة المذهب الشافعي، مات سنة (٦٧٦ هـ). انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٧٠)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (٥١٣).","vol":"4","page":324},{"text":"٢٧ - امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث بن عمرو بن حُجر، شاعر جاهلي، كان أبوه ملكًا، فعاش امرؤ القيس حياة مترفة، يشرب الخمر ويستمع للغناء، فنهاه أبوه؛ لأن هذه لم تكن من عادة أبناء الملوك، فلم ينته، فأبعده عنه، فخرج يطوف في أرض العرب، ولما جاء نبأ مصرع أبيه، أخذ يتأهب للأخذ بثأره، فأغار عدة مرات على بني أسد، تسانده قبيلتا تغلب وبكر، فأثخن في بني أسد، ثم هرب؛ لأن المنذر ملك الحيرة طلبه، فرحل إلى القسطنطينية، ثم عاد ومات في أنقرة، وهو من أصحاب المعلقات. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ٥١)، و\"الأغاني\" (٩/ ٧٧).\n\n٢٨ - أنس بن سيرين، حدث عن جندب البجلي، وابن عمر، وابن عباس، وعنه شعبة، والحمادان، وخلق كثير، وهو أخو الإمام محمد بن سيرين، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، مات سنة (١٢٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٢٥٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٦٢٢).\n\n٢٩ - أيوب بن أبي تميمة كيسان الغزي، أبو بكر مولاهم البصري الأدمي، السختياني، الإمام الحافظ سيد العلماء، عداده في صغار التابعين، ولد عام توفي ابن عباس سنة (٧٨ هـ)، وقد كان ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا، كثير العلم، حجة عدلًا، إليه المنتهى في الإتقان، وقد حج أربعين حجة. مات سنة (١٣١ هـ) بالبصرة زمن الطاعون وله ثلاث وستون سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٢٤٦)، و\"حلية الأولياء\" (٣/ ٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ١٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٣٠)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (١/ ٥٩).\n\n٣٠ - بكر بن عبد الله بن عمرو، أبو عبد الله المزني البصري، الإمام القدوة الواعظ الحجة، أحد الأعلام، يذكر مع الحسن وابن سيرين، وأضرابهما، كان ثقة ثبتًا، كثير الحديث، حجة فقيهًا، وقد كان معروفًا بتواضعه وزهده، وكان مجاب الدعوة، مات سنة (١٠٨ هـ) على الأصح. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٣٢)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٧٤٣).\n\n٣١ - تقي الدين عثمان بن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى، أبو عمرو الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي، المعروف بـ\"ابن الصلاح\" صاحب \"علوم الحديث\"، الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام، أفتى وجمع وألّف، تخرج به الأصحاب وكان من كبار الأئمة، ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، غزير المادة من اللغة","vol":"4","page":325},{"text":"والعربية، متفننًا في الحديث، متصونًا، مكبًا على العلم، عديم النظير في زمانه، مات (٦٤٣ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٣/ ١٤٠)، و\"تذكرة الحفاظ\"، (٤/ ١٤٣٠)، \"طبقات الشافعية\" (٨/ ٣٢٦)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٢٤٣).\n\n٣٢ - ثمامة بن أثال بن النعمان بن حنيفة، الحنفي أبو أمامة اليمامي، ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعة من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا، اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم، فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه، فقتلوه، وقصة إسلامه مشهورة في كتب السير. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٥٥٠)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (١/ ٢٠٣).\n\n٣٣ - جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي مولاهم البصري الكوفي، كان عالم أهل البصرة في زمانه، يعد مع الحسن وابن سيرين، وهو من كبار تلامذة ابن عباس، وقد كانت له حلقة بجامع البصرة يفتي فيها قبل الحسن، وكان من المجتهدين في العبادة، لبيبًا، عالمًا بكتاب الله تعالى، قال فيه ابن عباس: تسألوني وفيكم جابر بن زيد! مات سنة (٩٣ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١٧٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٨١).\n\n٣٤ - جعفر (الصادق) بن محمد بن علي بن الشهيد ريحانة النبي ﷺ وسبطه ومحبوبه الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو عبد الله القرشي الهاشمي المدني، الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، وأحد الأعلام الثقات، رأى بعض الصحابة، وكانت غالب رواياته عن أبيه مراسيل، وقد حدث عنه الأئمة، مات سنة (١٤٨ هـ). انظر: \"حلية الأولياء\" (٣/ ١٩٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٢٥٥)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٣٢٧).\n\n٣٥ - جعفر بن محمد بن أبي عثمان، أبو الفضل الطيالسي البغدادي، الإمام الحافظ المجود، سمع يحيى بن معين، وسليمان بن حرب، وخلقًا كثيرًا، وكان ثقة ثبتًا، صعب الأخذ، حسن الحفظ، كما كان مشهورًا بالإتقان والحفظ والصدق. مات سنة (٢٨٢ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٧/ ١٨٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٣٤٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٢٦)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٧٨).\n\n٣٦ - جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، ينتهي نسبه","vol":"4","page":326},{"text":"إلى أبي بكر الصديق -﵁ -، الشيخُ الإمام العلامة الحافظ المفسر شيخ الإسلام وعالم العراق وواعظ الآفاق، كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، وكان بحرًا في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والاختلاف، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، كتب بخطه ما لا يوصف كثرة، وألف في مختلف الفنون، فمن مؤلفاته: \"زاد المسير في علم التفسير\"، و\"الموضوعات\"، و\"المنتظم في تواريخ الأمم\" وغيرها. مات سنة (٥٩٧ هـ) وقد قارب التسعين. انظر: \"ذيل طبقات الحنابلة\" (١/ ٤٠١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ٣٦٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٣٤٢)، و\"أبجد العلوم\" (٣/ ٩١).\n\n٣٧ - الحارث بن أسد البغدادي، أبو عبد الله المحاسبي، الزاهد العارف، شيخ الصوفية، صاحب التصانيف الزهدية، له كتب كثيرة في الزهد، وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة، تفقه وكتب الحديث، وعرف مذاهب النساك، وكان من العلم بموضع، وكان كبير القدر، مات سنة (٢٤٣ هـ). انظر: \"حلية الأولياء\" (١٠/ ٧٣)، و\"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢١١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ١١٠).\n\n٣٨ - حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية العبدرية المكية، قيل: اسمها حَبيبة -بفتح أوله -، وقيل بالتصغير، وقد اختلف في صحابيتها بهذا الحديث على صفية بنت شيبة، وقد روت عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٢٤٧)، و\"الاستيعاب\" لابن عبد البرّ (٤/ ١٨٠٦)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (ترجمة:١١٠١٩).\n\n٣٩ - الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، الإمام شيخ الإسلام، نشأ بالمدينة وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان، ثم كبر ولازم الجهاد، ولازم العلم والعمل، وكان أحد الشجعان الموصوفين، وكان عالمًا رفيعًا جامعًا ثقة حجة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا، فقيه النفس، كبير الشأن، عديم النظير.\n\n٤٠ - الحسن بن القاسم، الإمام، شيخ الشافعية، صنف \"المحرر في النظر\" وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرّد، وصنف \"الإفصاح\" في المذهب، وألف في الجدل، ومات كهلًا سنة (٣٥٠ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٨٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٦٢)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٣/ ٢٨٠).\n\n٤١ - الحسن بن رشيق القيرواني، مولى الأزد، كان أبوه مملوكًا لرجل من الأزد،","vol":"4","page":327},{"text":"وقد كان شاعرًا أديبًا نحويًا لغويًّا عروضيًا حاذقًا، قال الشعر قبل الحُلُمِ، وكان كثير التصنيف، حسن التأليف، ومن كتبه: \"كتاب الشذوذ في اللغة\"، و\"كتاب العمدة\"، و\"كتاب قراضة الذهب\"، توفي سنة (٤٦٣ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (٨/ ١١٠)، و\"إنباه الرواة\" (١/ ٢٩٨)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٨٣)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٥٠٤).\n\n٤٢ - الحسن بن صالح بن حي، أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي، الفقيه العابد الإمام الكبير أحد أئمة الإسلام الأعلام، كان صائنًا لنفسه في الحديث والورع، وكان إذا نظر إلى المقبرة يصرخ ويغشى عليه. مات سنة (١٦٩ هـ)، وقد عاش تسعًا وستين سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٧٥)، و\"حلية الأولياء\" (٧/ ٣٢٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٣٦١).\n\n٤٣ - الحسن بن عمارة، مولى بجيلة، الكوفي الفقيه، حدث عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن مرة، وعنه السفيانان، ويحيى القطان، قال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه، وقد تركه الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والجوزجاني، والدارقطني، وغيرهم مات سنة (١٥٣ هـ). انظر: \"الكامل في الضعفاء\" لابن عدي (٢/ ٢٨٣)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٦٥)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ١٢٦٤).\n\n٤٤ - الحسن بن يزيد، أبو سعيد الإصطخْري الشافعي، الإمام القدوة، العلامة شيخ الإسلام فقيه العراق ورفيق ابن سريج، تفقه بأصحاب المزني والربيع، وكان ورعًا زاهدًا متقللًا من الدنيا، له تصانيف مفيدة، منها: كتاب \"أدب القضاء\" ليس لأحد مثله، وكان قد ولي قضاء قُمَّر، وولي حسبة بغداد، فأحرق مكان الملاهي. مات سنة (٣٢٨) وله نيف وثمانون سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٢٦٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٢٥٠)، و\"العبر\" (٢/ ٢١٢)، و\"طبقات الشافعية\" (٣/ ٢٣٠)، و\"شذارت الذهب\" (٢/ ٣١٢).\n\n٤٥ - الحسين بن الفضل بن عمير، أبو علي البجلي الكوفي النيسابوري، العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث، عالم عصره، ولد قبل الثمانين ومئة، سمع يزيد بن هارون وشبابة بن سوار وغيرهما، وكان إمام عصره في معاني القرآن، أقدمه ابن طاهر معه نيسابور، فبقي يعلم الناس فيها ويفتي إلى أن توفي سنة (٢٨٢ هـ) وهو ابن مئة","vol":"4","page":328},{"text":"وأربع سنين. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٤١٤)، و\"جزء في أهل المئة\" للذهبي (٥٥)، و\"طبقات المفسرين\" للداودي (١/ ١٥٩).\n\n٤٦ - الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء أبو محمد البغوي، محيي السنة، الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، المفسر، صاحب التصانيف، كان سيدًا إمامًا عالمًا علامة، زاهدًا قانعًا باليسير، بورك له في تصانيفه، ورزق فيها القبول التام، لحسن قصده وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها، وله القدم الراسخ في التفسير، والباع المديد في الفقه، من مصنفاته: \"شرح السنة\"، و\"التفسير\"، توفي بمرو سنة (٥١٦ هـ)، وعاش بضعًا وسبعين سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٤٣٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٢٥٧)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٧/ ٧٥).\n\n٤٧ - حماد بن أبي سليمان إسماعيل بن مسلم الكوفي، مولى الأشعري، وأصله من أصبهان، العلامة الإمام فقيه العراق، روى عن أنس بن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم، وأقيسهم وأبصرهم بالمناظرة والرأي، وليس هو بالمكثر من الرواية، وقد كان أحد العلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء، له ثروة وحشمة وتجمل، مات سنة (١٢٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٣٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٣١).\n\n٤٨ - حماد بن زيد بن دِرهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل الأزدي، مولاهم، البصري الضرير، الإمام الحافظ الثقة الثبت المجود الفقيه، شيخ العراق، قال أحمد بن حنبل: هو من أئمة المسلمين من أهل الدين، وقدَّمه الأئمة في الفقه على سفيان الثوري ومالك، مات سنة (١٧٩ هـ) وله إحدى وثمانون سنة. انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٢٨)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ١٤٩٨).\n\n٤٩ - حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة الربعي مولاهم، البصري، الإمام الحافظ الثقة العابد شيخ الإسلام، أثبت الناس في ثابت البناني، وقد تغير حفظه بأخرة، وهو أول من صنف التصانيف مع ابن أبي عروبة، وكان بارعًا في العربية، فقيهًا فصيحًا مفوهًا، صاحب سنة واتباع، مات سنة (١٦٧ هـ) وقد قارب الثمانين. انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٠٢)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ١٤٩٩).\n\n٥٠ - حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، حدث عن أبويه وخاله عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وجماعة، وروى عنه ابن أبي مليكة، والزهري، وقتادة،","vol":"4","page":329},{"text":"وآخرون، كان فقيهًا نبيلًا شريفًا ثقة، مات سنة (٩٥ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ١٥٣)، و\"سير أعلام أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٩٣).\n\n٥١ - خفاف بن ندبة بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، أبو خراشة، من مضر، شاعر فارس، كان أسود اللون، عاش زمنًا في الجاهلية، كان أكثر شعره مناقضات له مع ابن مرداس، وكانت قد ثارت بينهما حروب في الجاهلية، أدرك الإسلام فأسلم، وشهد فتح مكة، وكان معه لواء بني سليم، وشهد حنينًا والطائف، وثبت على إسلامه في الردة، ومدح أبا بكر، وبقي إلى أيام عمر، قال الأصمعي: خُفَاف ودُريدُ بن الصمة أشعر الفرسان. انظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (١/ ٤٥٢)، و\"الأغاني\" (١٦/ ١٣٣)، و\"خزانة الأدب\" (١/ ٨١)، و\"الشعر والشعراء\" (١/ ٣٤١).\n\n٥٢ - الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، أبو عبد الرحمن البصري الفراهيدي الأزدي، النحوي اللغوي الزاهد، كان أعلم الناس وأذكاهم، وأفضل الناس وأتقاهم، وأبدع بدائع لم يسبق إليها، فمن ذلك تأليفه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمى كتاب \"العين\"، واختراعه العروض. كان يمتنع عن قبول عطايا الملوك، وكان قُوتُه من بستان ورثه من أبيه، وكان يحج سنة، ويغزو سنة إلى أن مات سنة (١٧٥ هـ)، وقيل (١٧٥ هـ). انظر: \"إنباه الرواة\" (١/ ٣٤١)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٩٩)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٥٥٧).\n\n٥٣ - الربيع بن أنس بن زياد البكر الخراساني المروزي البصري، عالم زمانه، سمع أنس بن مالك وأبا العالية الرياحي وأكثر عنه، والحسن البصري، ولقيه سفيان الثوري، سجن بمرو ثلاثين سنة، وقد تحيَّل ابن المبارك حتى دخل إليه فسمع منه، توفي سنة (١٣٩ هـ)، وحديثه في السنن الأربعة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١٠٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ١٦٩).\n\n٥٤ - الربيع بن خثيم بن عائذ، أبو يزيد الثوري الكوفي، الإمام القدوة العابد، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي ﷺ، وأرسل عنه، وروى عن عبد الله بن مسعود وأبي أيوب، وهو قليل الرواية إلا أنه كبير الشأن، حدث عنه الشعبي والنخعي وغيرهما، وكان يعد من عقلاء الرجال والزهاد العبَّاد، ومن معادن الصدق والأمناء. قال فيه ابن مسعود: يا أبا يزيد! والله لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك.","vol":"4","page":330},{"text":"مات الربيع سنة (٦٥ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ١٥)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ١٠٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٥٨).\n\n٥٥ - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، أبو محمد المرادي مولاهم المصري المؤذن، صاحب الإمام الشافعي وناقل علمه، الإمام المحدث الفقيه الكبير، بقية الأعلام، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، ومستملي مشايخ وقته، ولد سنة (١٧٤ هـ)، وقد طال عمره، واشتهر اسمه، وازدحم عليه أصحاب الحديث، أفنى عمره في العلم ونشره. مات سنة (٢٧٠ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٥٨٧)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ١٨٩٤).\n\n٥٦ - الربيع بنت معوذ بن عقبة الأنصارية النجارية، وأبوها من كبار البدريين، قتل أبا جهل، كانت تخرج مع النبي ﷺ في الغزوات، وقد زارها ﷺ صبيحة عرسها صلةً لرحمها، عمِّرت دهرًا، وروت أحاديث، توفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين للهجرة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٤٤٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٩٨)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٤/ ٣٠٠).\n\n٥٧ - ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ أبو عثمان التيمي المدني مولى آل المنكدر، الإمام الفقيه، كان إمامًا حافظًا فقيهًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي، ولذلك يقال له: ربيعة الرأي، مكث دهرًا طويلًا عابدًا يصلي الليل والنهار إلى أن جالس القوم، فنطق بلب وعقل، وقد كان من الأجواد، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وبه تفقه مالك. مات سنة (١٣٦ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٨٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٥٧).\n\n٥٨ - رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري، الإمام المقرئ الحافظ المفسر، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر، ودخل عليه، وحفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم، وبَعُد صيته، وقيل: إنه أول من أذّن بما وراء النهر، مات سنة (٩٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١١٢)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ٢١٧)، و\"طبقات المفسرين\" (١/ ١٧٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٠٧).\n\n٥٩ - ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، أسلم في الفتح، وقيل: أسلم عقب مصارعته للنبي ﷺ، إذ قدم ركانة من سفر، فأُخبر خبرَ النبي ﷺ، فلقيه في بعض جبال مكة، فقال: يا ابن أخي!","vol":"4","page":331},{"text":"بلغني عنك شيء، فإن صرعتني، علمت أنك صادق، فصارعه، فصرعه رسول الله ﷺ، ثم أسلم، مات في خلافة عثمان، وقيل: عاش إلى سنة (٤١ هـ). انظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (١/ ٥٢٠).\n\n٦٠ - زبّان بن العلاء بن عمار، أحد القراء السبعة، اختلف في اسمه على واحد وعشرين قولًا، أصحُّها زبّان، وسبب الاختلاف فيه أنه كان لجلالته لا يُسأل عن اسمه، ولد بالحجاز، وسكن البصرة، وأخذ القراءة عرضًا وسماعًا للحروف عن جماعة، ومن كلامه: \"إنما نحن فيمن مضى كبقل في أصول نخل طوال\"، مات بالكوفة سنة (١٥٤ هـ) وله ست وثمانون سنة. انظر: \"نزهة الألباء\" (٢٩)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٠١)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٢٣١)، و\"المزهر\" (٤١٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٢٣٧).\n\n٦١ - زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم، أبو الهذيل العنبري، الفقيه المجتهد الرباني، كان ثقة مأمونًا، دفع إلى البصرة في ميراث له مع أخته، فتشبث به أهل البصرة فلم يتركوه يخرج من عندهم، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان من بحور الفقه، وأذكياء الوقت، وممن جمع بين العلم والعمل، وكان يدري الحديث ويتقنه، مات سنة (١٥٨ هـ).\n\n٦٢ - زهير بن أبي سلمى (ربيعة) بن رياح بن قرط بن الحارث، شاعر جاهلي من المقدمين، وهو شاعر الحكمة وداعية الخير، اشتهر بأنه من الشعراء الذي يُعنون بشعرهم ويعيدون النظر فيه، حتى إن القصيدة لتظل موضع نظره سنة كاملة، ولهذا سميت قصائده بالحوليات، وهو من أصحاب المعلقات. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ٥١)، و\"الأغاني\" (١٠/ ٢٨٨).\n\n٦٣ - زيد بن أسلم: العدوي، أبو عبد الله العمري المدني، الحافظ الإمام العالم الفقيه الثقة، كان من العلماء الأبرار، له حلقة بمسجد النبي ﷺ، وله تفسير يرويه عنه ولده عبد الرحمن، وكان معروفًا بإرسال الحديث. مات سنة (١٣٦ هـ). انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٣٢)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٢١١٧).\n\n٦٤ - زيد بن يُثَيْع: ويقال: أثيع، الهمداني الكوفي التابعي الثقة المخضرم، روى عن أبي بكر، وعلي، وحذيفة بن اليمان، وأبي ذر، وكان قليل الحديث، مات قبل","vol":"4","page":332},{"text":"المئة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٢٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٦٩).\n\n٦٥ - ساعدة بن جُؤَيَة بن كعب بن كاهل الهذلي، من سعد هذيل، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، أسلم وليست له صحبة، قال الآمدي: شعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، له ديوان شعر مطبوع. انظر: \"خزانة الأدب\" (١/ ٤٧٦)، و\"المختلف والمؤتلف\" للآمدي (٨٣)، و\"سمط اللآلي\" (١١٥).\n\n٦٦ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، العدوي العمري المدني، الفقيه الحجة، أحد من جمع بين العلم والعمل والزهد والشرف، كان شديد الأدمة على الخلق، خشن العيش، يلبس الصوف تواضعًا، ولم يكن أحد في زمانه أشبه منه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل؛ فقد كان على سمت أبيه، وعدم رفاهيته، مات سنة (١٠٦ هـ) ومحاسنه كثيرة، ﵀. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٥٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٨٨).\n\n٦٧ - سعيد بن المسيب، أبو محمد المخزومي، الإمام، شيخ الإسلام، فقيه المدينة، وأجل التابعين، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، كان واسع العلم، وافر الحرمة، متين الديانة، قوّالًا بالحق، فقيه النفس، وكان لا يقبل جوائز السلطان، وكان الحسن إذا أشكل عليه شيء، كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله، قال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد، وهو عندي أجل التابعين، مات سنة (٩٤ هـ) وقد حج أربعين حجة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ١١٩) و\"حلية الأولياء\" (٢/ ١٦١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢١٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٥٤).\n\n٦٨ - سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن صاحب رسول الله ﷺ، أبي زيد الأنصاري، البصري، النحوي، صاحب التصانيف، الإمام العلامة، حجة العرب، قال المبرد: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو زيد، أعلم الثلاثة بالنحو أبو زيد. وكانت له حلقة بالبصرة، وله كتب تعتبر الأمهات في اللغة مثل كتاب \"النوادر\". مات سنة (٢١٥ هـ). انظر: \"إنباه الرواة\" (٢/ ٣٠)، و\"نزهة الألباء\" (١٧٣)، و\"معجم الأدباء\" (١١/ ٢١٢).\n\n٦٩ - سعيد بن جبير، الوالبي مولاهم الكوفي، المقرئ الفقيه، أحد الأعلام، سمع ابن عباس وعدي بن حاتم وطائفة، وكان ابن عباس إذا حجَّ أهلُ الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟، كان يقال لسعيد بن جبير: جهبذ العلماء، وكان لا يدع","vol":"4","page":333},{"text":"أحدًا يغتاب عنده، وقد بكى بالليل حتى عمي، قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ) وله تسع وأربعون سنة، قال ميمون بن مهران: مات سعيد بن جبير وما على الأرض رجل إلا وهو يحتاج إلى علمه. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٥٦)، و\"حلية الأولياء\" (٤/ ٢٧٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٣٢١).\n\n٧٠ - سعيد بن مسعدة المجاشعي، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط البصري، مولى بني مجاشع بن دارم، أحد الأئمة النحاة من البصريين، أخذ عن سيبيويه، وهو أعلم من أخذ عنه، وكان قد أخذ عمن أخذ عنه سيبويه؛ لأنه أسنّ منه، طلب منه الكسائي أن يضع كتابًا في معاني القرآن، فوضع كتابًا، وصار الكسائي يحذو مثاله حتى وضع كتابه في المعاني، وله كتب كثيرة منها: \"الاشتقاق\"، و\"الأوسط في النحو\"، و\"القوافي \" وغير ذلك. مات سنة (٢١٥ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١١/ ٢٢٤)، و\"إنباه الرواة\" (٢/ ٣٦)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٠٤)، و\"بغية الوعاة\" (/٩٠٥).\n\n٧١ - سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد الواسطي، الحافظ الصدوق، حدث عن الحسن، وابن سيرين، والزهري، وروى عنه شعبة، وهشيم، ويزيد بن هارون، وجماعة، وقد وثقه جماعة في سوى ما يرويه عن الزهري، فإنه يضطرب فيه، يأتي بما ينكر، توفي في خلافة أبي جعفر سنة (١٥٠ هـ) تقريبًا، ووقع له نحو ثلاث مئة حديث. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٣١٢)، و\"تاريخ بغداد\" (٩/ ١٤٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٣٠٢).\n\n٧٢ - سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري، الكوفي الإمام الفقيه شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث، اجتمعت عليه الأمة بالرضا والصحة، وأجمع الأئمة على تقديمه وتفضيله في العلم، قال مالك: إنما كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثوري، مات سنة (١٦١ هـ).\n\n٧٣ - سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم، أبو محمد الكوفي ثم المكي، الإمام الكبير، حافظ العصر شيخ الإسلام، طلب الحديث وهو غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علمًا جمًا، أتقن وجوّد، وجمع وصنف، وعُمّر دهرًا، وكان ربما دلّس، لكن على الثقات، مات سنة (١٩٨ هـ) وله إحدى وتسعون","vol":"4","page":334},{"text":"سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٩٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٤٥٤)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٢٤٥١).\n\n٧٤ - سليمان بن بريدة، روى عن أبيه وعائشة وعمران بن حصين، وعنه علقمة ابن مرثد، ومحارب بن دثار، ومحمد بن جُحادة، وجماعة، وكان ثقة في الحديث، وكان ابن عيينة يفضله على عبد الله بن بريدة. مات سنة (١٠٥ هـ) وله تسعون سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٥٢)، و\"العبر\" (١/ ١٢٩)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٣١).\n\n٧٥ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبي الأندلسي، أبو الوليد القرطبي، الإمام العلامة الحافظ، ذو الفنون، القاضي، صاحب التصانيف، ارتحل إلى بلدان كثيرة، وتفقه به أئمة، واشتهر اسمه، وصنف التصانيف النفيسة، وكان أديبًا شاعرًا، جليلًا رفيع القدر، مات سنة (٤٧٤ هـ) وله إحدى وسبعون سنة. انظر: \"ترتيب المدارك\" (٤/ ٨٠٢)، و\"الصلة\" لابن بشكوال (١/ ٢٠٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٣٥).\n\n٧٦ - سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم، الكوفي، الأعمش، وأصله من نواحي الري، الإمام الحافظ شيخ الإسلام وشيخ المقرئين والمحدثين، كان صاحب ليل وتعبد، ومن النسّاك المحافظين على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول، وعى علمًا جمًا، وكان صاحب ورع، لكنه يدلس في الحديث. مات سنة (١٤٧ هـ) أو (١٤٨ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٤٢)، و\"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٧٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٢٢٦).\n\n٧٧ - سليمان بن موسى، أبو أيوب الدمشقي الأشدق، مولى آل معاوية بن أبي سفيان، الإمام الكبير، مفتي دمشق وسيد علماء أهلها، الثقة الفقيه، كان عطاء يقول إذا جاء سليمان بن موسى: \"كفوا عن المسألة؛ فقد جاءكم من يكفيكم المسألة\"، عاش بعد مكحول سنتين، فكان يأخذ كل يوم في باب من العلم فلا يقطعه حتى يفرغ منه، ثم يأخذ في باب غيره، مات سنة (١١٩ هـ)، وقد خلط قبل موته بقليل، فكان في حديثه بعض لين. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٤٥٧)، و\"حلية الأولياء\" (٦/ ٨٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٤٣٧)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٢٦١٦).\n\n٧٨ - سليمان بن يسار: أبو أيوب المدني، مولى أم المؤمنين ميمونة، وأخو","vol":"4","page":335},{"text":"عطاء بن يسار، الفقيه الإمام، عالم المدينة وفقيهها، ولد في خلافة عثمان، وكان من أوعية العلم، ثقة، فاضلًا، مأمونًا، عابدًا، رفيعًا، فقيهًا، كثير الحديث، وقد قدمه بعض الأئمة على سعيد بن المسيب، مات سنة (١٠٧ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ١٧٤)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ١٩٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٤٤).\n\n٧٩ - سهل بن محمد بن سليمان بن موسى العجلي، أبو الطيب الصعلوكي، الأستاذ الكبير، والبحر الواسع، والفقيه الأديب، مفتي نيسابور، جمع بين رياستي الدين والدنيا، واتفق علماء عصره على إمامته، وسيادته، وجمعه بين العلم والعمل، والأصالة والرياسة، ويضرب المثل باسمه، وكان يلقب شمس الإسلام، سمع أباه الأستاذ أبا سهل، وبه تفقه، وعليه تخرج، مات سنة (٤٠٤ هـ). انظر: \"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ٣٩٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٠٧)، و\"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (٢١١ - ٢١٤).\n\n٨٠ - شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم، أبو أمية، الفقيه الكندي قاضي الكوفة، يقال: له صحبة، ولم يصح، بل هو ممن أسلم في حياة النبي ﷺ، وانتقل من اليمن زمن الصديق، وقد ولاّه عمر قضاء الكوفة، فأقام على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، وكان نزر الحديث. مات سنة (٧٨ هـ)، وكان يضرب المثل به في العدل، ﵀. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ١٣١)، و\"حلية الأولياء\" (٤/ ١٣٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ١٠٠)، و\"العبر\" (١/ ٨٩).\n\n٨١ - شعيب بن أبي حمزة، أبو بشر الأموي مولاهم الحمصي الكاتب، الإمام الحجة المتقن، كان مليح الضبط، أنيق الخط، من كبار الناس، وكان ضنينًا بالحديث، وكان من صنف آخر في العبادة، حدث عن نافع، والزهري، وابن المنكدر، وطائفة، كانت كتبه نهاية في الحسن والإتقان والإعراب، مات سنة (١٦٢ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٤٦٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ١٨٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٢١)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٢٧٩٨).\n\n٨٢ - شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، روى شعيب عن جده عبد الله بن عمرو، وروى عنه ابنه عمرو بن شعيب، فحديثه عن أبيه، وحديث أبيه عن جده، يعني: عبد الله بن عمرو، وهو صدوق، ثبت سماعه من جده. مات في حدود المئة، وقد أخرج له أرباب السنن الأربعة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٢٤٣)،","vol":"4","page":336},{"text":"و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٢٨٠٦).\n\n٨٣ - شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي الكوفي، الإمام الكبير شيخ الكوفة، مخضرم، أدرك النبي ﷺ وما رآه، كان من أئمة الدين، رأسًا في العلم والعمل، قال إبراهيم النخعي للأعمش: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم، وكان ابن مسعود إذا رأى أبا وائل قال: التائب، مات في عشر المئة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٩٦)، و\"حلية الأولياء\" (٤/ ١٠١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ١٦١).\n\n٨٤ - ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية، بنت عم النبي ﷺ، ومن المهاجرات، روت عن النبي ﷺ، وهو زوجها المقداد بن الأسود، وروى عنها ابن عباس وعائشة وغيرهما. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٤٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٢٧٤)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٤/ ٣٥٢).\n\n٨٥ - الضحاك بن مزاحم، أبو محمد، وقيل: أبو القاسم الهلالي، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم في التفسير، وليس بالمجوّد لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وقد حدث عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وطائفة، وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقد كان يعلِّم ولا يأخذ أجرًا. مات سنة (١٠٢ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٠٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٩٨)، و\"طبقات المفسرين\" (١/ ٢١٦).\n\n٨٦ - طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري، القاضي الشافعي، فقيه بغداد، الإمام العلامة شيخ الإسلام، استوطن بغداد، ودرّس وأفتى وأفاد، وكان ورعًا عاقلًا عارفًا بالأصول والفروع، محققًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، مات سنة (٤٥٠ هـ)، وله مئة وسنتان. انظر: \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٣٥٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٦٦٨)، و\"العبر\" (٣/ ٢٢٢)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٥١٢).\n\n٨٧ - طاوس بن كيسان، أبو عبد الرحمن الفارسي ثم اليمني الجنَدَي، الفقيه القدوة عالم اليمن الحافظ، كان من أبناء الفرس الذين جهّزهم كسرى لأخذ اليمن له، حجَّ مرات كثيرة، وكان من عباد أهل اليمن ومن سادات التابعين، وكان يعد الحديث حرفًا حرفًا، وقال عن نفسه: أدركت خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ.","vol":"4","page":337},{"text":"مات بمكة أيام الموسم سنة (١٠٦ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٥٣٧)، و\"طبقات القراء\" (١/ ٣٤١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٨)، و\"العبر\" (١/ ١٣٠).\n\n٨٨ - طرفة بن العبد بن سفيان بن ثعلب، واسمه عمرو، ولكن غلب عليه لقب طرفة، كان مستهترًا، مسرفًا على نفسه في شرب الخمر، غير مبالٍ بشر، وقد هجا طرفة الملكَ عمرو بن هند، فاستدعاه وقتله، وهو من أصحاب المعلقات السبع، ومطلع معلقته: لخولةَ أطلال ببرقة ثَهْمَدِتلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهر اليد.\n\n٨٩ - طلق بن علي بن عمرو، ويقال: ابن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو، أبو علي، له صحبة ووفادة ورواية، ومن حديثه في \"السنن\" أنه بنى مع الصحابة في المسجد، فقال النبي ﷺ: \"قربوا له الطين فإنه أعرف\" روى عنه ابنه قيس وابنته خلدة، وغيرهما. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٥٥٢)، و\"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٤٥٥)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٢/ ٢٣٢).\n\n٩٠ - ظالم بن عمرو الدؤلي، أبو الأسود ويقال: الديلي، العلامة الفاضل، قاضي البصرة، ولد في أيام النبوة، وحدث عن عمر وعلي وأبي بن كعب وابن مسعود وطائفة، وكان قد قرأ القرآن على عثمان وعلي، وهو أول من تكلم في النحو، وقد كان معدودًا في الفقهاء والشعراء والنحاة والفرسان، مات في طاعون الجارف سنة (٦٩ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٩٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٨١).\n\n٩١ - عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك، أبو عبد الله الغزي، من خلفاء عمر بن الخطاب، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، له أحاديث عن النبي ﷺ، كما حدث عن أبي بكر وعمر وغيرهما، وروى عنه ولده عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير، توفي قبل مقتل عثمان بيسير، قال ابنه عبد الله: لما طعنوا على عثمان، صلى أبي في الليل، ودعا فقال: \"اللهم قني من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك\"، فما خرج ولا دخل إلا بجنازته. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٢٨١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٣٣)، و\"العبر\" (١/ ٣٥).\n\n٩٢ - عامر بن شراحيل بن عبد ذي كِبار، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، علامة التابعين، كان إمامًا حافظًا فقيهًا مُتقِنًا ثبتًا، قال ابن سيرين: قدمت الكوفة وللشعبي حلقة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير، وكان الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء فنسيتها، قال مكحول: ما رأيت أفقه من الشعبي. مات بعد","vol":"4","page":338},{"text":"المئة، وله نحو من ثمانين سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٤٦)، و\"تهذيب الكمال \" (١٤/ ٢٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٩٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧٩).\n\n٩٣ - عبد الرحمن بن (أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، أبو محمد المدني، الإمام الفقيه الحافظ، كان من أوعية العلم، وكان فقيهًا مفتيًا، وقد أخذ القراءة عرضًا عن أبي جعفر، وقد تحول من المدينة، فسكن بغداد، وقد ضعفه عبد الرحمن بن مهدي، واحتج به النسائي وأهل السنن، مات سنة (١٧٤ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٣٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٦٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٤٧).\n\n٩٤ - عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الأنصاري المدني ثم الكوفي، الإمام الفقيه العلامة الحافظ، الثقة، اختلف في سماعه من عمر، وقد لقي وروى عن مئة وعشرين صحابيًا، كان إذا صلى ودخل إليه أحد نام على فراشه، وكان عبد الرحمن من كبار من خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث من العلماء والصلحاء، وكان له وفادة على معاوية. مات بوقعة الجماجم سنة (٨٣ هـ) قيل: إنه غرق، رحمه الله تعالى. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٦٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٥٨)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٣٩٩٣).\n\n٩٥ - عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، حنكه رسول الله ﷺ ومسح على رأسه ودعا له بالبركة، فما رئي عبد الرحمن بن زيد قط في قوم إلا فاقهم طولًا، قيل: كان له عند وفاة النبي ﷺ ست سنين، ومات قبل ابن عمر، يعني في ولاية عبد الله بن الزبير. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٩)، و\"الاستيعاب\" لابن عبد البر (٢/ ٨٣٤)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٥/ ٣٦).\n\n٩٦ - عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار المكي، الملقب بالقَسّ، كان ثقة عابدًا، وله أحاديث قليلة، وكان أبوه الذي روى عن عمر أنه رآه يصلي على عبقري، مات في حدود المئة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٨٤)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٣٩٢١).\n\n٩٧ - عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، أبو عمرو الأوزاعي الدمشقي، شيخ الإسلام، الحافظ الإمام، ربي يتيمًا فقيرًا في حجر أمه، وتعجز الملوك أن تؤدب أولادها أدبه في نفسه، وقد كان أفضل أهل زمانه، يحيي الليل صلاة وقرآنًا وبكاء،","vol":"4","page":339},{"text":"وكان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي، وقد أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة، وكان يصلح للخلافة. مات سنة (١٥٧ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٤٨٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ١٠٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٧٨).\n\n٩٨ - عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري، أبو سعد المتولي، العلامة شيخ الشافعية، درس ببغداد بالنظامية بعد الشيخ أبي إسحاق، تفقه بالقاضي حسين، وعلي الفوراني بمرو، وبرع وبذَّ الأقران، وله كتاب \"التتمة\" الذي تمم به \"الإبانة\" لشيخه أبي القاسم الفوراني، فعاجلته المنية عن تكميله، مات ببغداد كهلًا سنة (٤٧٨ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٥٨٥)، و(١٩/ ١٧٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ١٠٥)، و\"وفيات الأعيان\" (٣/ ١٣٣).\n\n٩٩ - عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله، كمال الدين، أبو البركات الأنباري، قرأ على الجواليقي وابن الشجري، وبرع، وله المصنفات المفيدة، منها: \"شرح دواوين لشعراء\"، و\"أسرار العربية\" و\"نزهة الألباء طبقات الأدباء\"، وغير ذلك كثير. مات سنة (٥٧٧ هـ) ببغداد. انظر: \"إنباه الرواة\" (٢/ ١٩٦)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٢٧٩)، و\"البلغة\" (١٣٣)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٨٦).\n\n١٠٠ - عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار التنوخي، أبو سعيد، الحمصي الأصل، المغربي القيرواني المالكي، الإمام، فقيه المغرب وقاضي القيروان، وصاحب \"المدونة\"، ويلقب بسحنون، ارتحل وحج، ولم يتوسع في الحديث كما توسع في الفروع، لازم ابن وهب وابن القاسم وأشهب حتى صار من نظرائهم، وساد أهل المغرب في تحرير المذهب، وانتهت إليه رئاسة العلم، وعلى قوله المعوّل بتلك الناحية، وكان موصوفًا بالعقل والديانة التامة والورع، مشهورًا بالجود والبذل، وافر الحرمة، عديم النظير، وقد تفقه به عدد كثير حتى قيل: إن الرواة عنه بلغوا تسع مئة، مات سنة (٢٤٠ هـ) وله ثمانون سنة. انظر: \"ترتيب المدارك\" (٢/ ٥٨٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٦٣)، و\"شجرة النور الزكية\" (٧٠)، و\"وفيات الأعيان\" (٣/ ١٨٠).\n\n١٠١ - عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، أبو تمام المدني، الإمام الفقيه العابد، سمع مالك بن أنس، وتفقه معه على ابن هرمز، يقال: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، وحديثه في الصحاح، وهو محتج به، توفي وهو ساجد سنة (١٨٤ هـ)","vol":"4","page":340},{"text":"وله سبع وسبعون سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٣٦٣)، و\"العبر\" (١/ ٢٨٩)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٣٠٦).\n\n١٠٢ - عبد الكريم ابن العلامة أبي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين، أبو القاسم الرافعي القزويني، إمام الدين، وشيح الشافعية، وعالم العجم والعرب، كان من العلماء العاملين، صاحب تعبد ونسك وأحوال وتواضع، وقد انتهت إليه معرفة المذهب، وقد كان ذا فنون، حسن السيرة، جميل الأمر، كما كان أوحد عصره في الأصول والفروع، مجتهد زمانه، وفريد وقته في تفسير القرآن والمذهب، مات سنة (٦٢٣ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/ ٢٥٢)، و\"العبر\" (٥/ ٩٤)، و\"شذرات الذهب\" (٥/ ١٠٨).\n\n١٠٣ - عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي، العالم المجاهد، ثقة ثبت، فقيه مأمون، حجة، كثير الحديث، صنف كتبًا كثيرة في أبواب العلم وصنوفه، وقال الشعرفي الزهد والحث على الجهاد، مات منصرفًا من الغزو سنة (١٨١ هـ) وله ثلاث وستون سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٣٧٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٣٧٨)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٢٥٧٠).\n\n١٠٤ - عبد الله بن زيد بن عمرو بن ناتل بن مالك، أبو قلابة الجرمي البصري، الإمام، فكان ثقة كثير الحديث، ومن الفقهاء ذوي الألباب، قدم الشام وانقطع بداريا، وقد روى عن عمر بن الخطاب ولم يدركه، فكان يرسل كثيرًا، وأدرك خلافة عمر بن عبد العزيز ومات بالشام سنة (١٠٤ هـ) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١٣٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٦٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٨٨)، و\"شذرات\" وانظر هذه الآثار في: \"الاستذكار\" (٣/ ٣٨٥)، و\"التمهيد\" (٨/ ٣٢٥).\n\n١٠٥ - عبد الله بن شُبْرُمة الضبي، أبو شبرمة، قاضي الكوفة وفقيه العراق، الإمام العلامة، حدث عن أنس بن مالك، وأبي الطفيل، والشعبي، وطائفة، وقد حدث عنه الثوري، وابن المبارك، وخلق سواهما، وكان عفيفًا صارمًا عاقلًا خيرًا يشبه النساك، وكان شاعرًا كريمًا جوادًا، وكان من أئمة الفروع، وأما الحديث، فما هو بالمكثر منه، وقد وثقه غير واحد من الأئمة، وضعفه آخرون. مات سنة (١٤٤ هـ) بخراسان. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٥٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٤٧)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١١٨).","vol":"4","page":341},{"text":"١٠٦ - عبد الله بن شداد بن الهاد، أبو الوليد المدني ثم الكوفي الليثي الفقيه، وأمه هي سلمى أخت أسماء بنت عميس، حدث عن أبيه، ومعاذ بن جبل، وعلي، وابن مسعود، وجماعة، وقد حدث عنه الحكم بن عيينة، وابن شبرمة، وآخرون، كان ثقة قليل الحديث، وحديثه مخرج في الكتب الستة، خرج مع ابن الأشعث فقتل ليلة دجيل سنة (٨٢ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٦١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٤٨٩).\n\n١٠٧ - عبد الله بن محمد بن هبة الله بن المطهر بن أبي عصرون بن أبي السري، أبو سعد التميمي الموصلي الشافعي الشيخ الإمام العلامة الفقيه البارع المقرئ الأوحد، شيخ الشافعية وقاضي القضاة، عالم أهل الشام، حصّل علمًا جمًا، وتفقه عليه أئمة، وصنف التصانيف، وأقرأ القراءات، واشتهر ذكره، وعظم قدره، مات سنة (٥٨٥ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ١٢٥)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٧/ ١٣٢)، و\"شذرات الذهب\" (٤/ ٢٨٣).\n\n١٠٨ - عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الكوفي الدينوري، الإمام النحوي اللغوي صاحب التصانيف النافعة، كان ثقة فاضلًا، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه، وأبي حاتم، وابن أخي الأصمعي، له كتب كثيرة منها: \"أدب الكاتب\"، و\"تأويل مشكل القرآن\"، وغيرها. مات سنة (٢٧٦ هـ). انظر: \"إنباه الرواة\" (٢/ ١٤٣)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٢٧)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٦٣).\n\n١٠٩ - عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفهري مولاهم المصري، الإمام شيخ الإسلام أمير الثغور، مولده سنة (١٢٥ هـ)، طلب العلم وله سبع عشرة سنة، لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم ومن كنوز العمل، وقد حدث عنه خلق كثير، وانتشر علمه، وبعد صيته، له كتاب \"الجامع\" و\"الموطأ\" و\"المناسك\" و\"تفسير غريب موطأ مالك\" وغير ذلك. وكان الإمام مالك يقدمه ويبجله، مات سنة (١٩٧ هـ)، وعاش اثنتين وسبعين سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٥١٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ٢٢٣).\n\n١١٠ - عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، صدوق مرجئ كأبيه، وقيل: هو الذي أدخل أباه في الإرجاء، وقال ابن حبان: يستحق الترك، منكر الحديث جدًا، يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير. مات سنة (٢٠٦ هـ). انظر: \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٤/ ٣٩٠)، \"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٤١٦٠).","vol":"4","page":342},{"text":"١١١ - عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن حَيّويه، أبو المعالي الجويني ثم النيسابوري، الإمام الكبير شيخ الشافعية، وصاحب التصانيف، كان إمام الأئمة على الإطلاق، مجمعًا على إمامته شرقًا وغربًا، تفقه على والده، وتوفي أبوه وله عشرون سنة، فدرّس مكانه، مات سنة (٤٧٨ هـ). انظر: \"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (٢٧٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٤٦٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ١٦٥)، و\"وفيات الأعيان\" (٣/ ١٦٧).\n\n١١٢ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو خالد وأبو الوليد القرشي الأموي المكي، الإمام العلامة الحافظ، شيخ الحرم، صاحب التصانيف، وأول من دوّن العلم بمكة، كان من بحور العلم، وصاحب تعبد وتهجد، وما زال يطلب العلم حتى كبر وشاخ، ورواياته وافرة في الكتب الستة وغيرها، مات سنة (١٥٠ هـ) وعاش سبعين سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٤٠٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٢٥)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٦٥٩).\n\n١١٣ - عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجشون، أبو مروان التيمي، مولاهم، المدني المالكي، العلامة الفقيه، مفتي المدينة، وتلميذ الإمام مالك، كان فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفيتا في زمانه، وعلى أبيه قبله، قال يحيى بن أكثمٍ: كان عبد الملك بحرًا لا تكدره الدلاء، مات سنة (٢١٣ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٤٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٣٥٩)، و\"وفيات الأعيان\" (٣/ ١٦٦).\n\n١١٤ - عبد الملك بن قريب بن أصمع، أبو سعيد الباهلي، الأصمعي، إمام في النحو واللغة والأشعار والأخبار والملح، كان صادق اللهجة، شديد التأله، فكان لا يفسر شيئًا من القرآن، ولا شيئًا من اللغة له نظير واشتقاق في القرآن، وكذلك الحديث؛ تحرجًا، وكان لا يفسر شعرًا فيه هجاء، مات سنة (٢١٥ هـ)، وقيل غير ذلك، وقد قيل: عجائب الدنيا معروفة معدودة: منها الأصمعي. انظر: \"إنباه الرواة\" (٢/ ١٩٧)، و\"نزهة الألباء\" (١١٢)، و\"البلغة\" (١٣٦)، و\"بغية الوعاة\" (١٢/ ١١٢).\n\n١١٥ - عبيد الله بن الحسن العنبري البصري التميمي، الفقيه، كان قاضي البصرة بعد سوار بن عبد الله، وقد سمع داود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وغيرهما، وروى عنه","vol":"4","page":343},{"text":"عبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، وغيرهما، كان محمودًا ثقة عاقلًا، روى له مسلم في \"صحيحه\"، له عدة غرائب، منها: أنه يجوز التقليد في العقائد والعقليات، وخالف في ذلك العلماء كافة. انظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٥/ ٣١٢)، و\"الثقات\" لابن حبان (٧/ ١٤٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢٨٩).\n\n١١٦ - عَبيدة بن عمرو السَّلْماني -وسلمان جدهم- المرادي الكوفي، الفقيه، أحد الأعلام، أسلَم في عام فتح مكة بأرض اليمن، ولا صحبة له، وقد برع في الفقه، وكان ثبتًا في الحديث، وكان أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يُقرئون ويفتون، وكان أعور، قال الشعبي: كان عبيدة يوازي شريحًا في القضاء. مات سنة (٧٢ هـ) على الصحيح. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٩٣)، و\"تاريخ بغداد\" (١١/ ١١٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٠).\n\n١١٧ - عثمان بن جني، أبو الفتح الموصلي النحوي، الإمام الأوحد البارع، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، قرأ على الشيخ أبي علي الفارسي، ولازمه أربعين سنة سفرًا وحضرًا، وقد صنّف كتبًا جليلة، من أجلها \"الخصائص\"، وكان المتنبي يقول: \"ابن جني أعرف بشعري مني\"، مات سنة (٣٨٢ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١٢/ ٨١)، و\"إنباه الرواة\" (٢/ ٣٣٥)، و\"يتيمة الدهر\" (١/ ٨٩)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٤١)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ١٣٢).\n\n١١٨ - عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن قصي بن كلاب، أبو عبد الله القرشي الأسدي المدني، الإمام، عالم المدينة، روى عن أبيه يسيرًا، وعن غيره من الصحابة، وتفقه بخالته عائشة، وكان عالمًا بالسيرة، حافظًا ثبتًا، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف، ويقوم به في الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، وقع فيها الآكلة فنشرها. مات سنة (٩٤ هـ). انظر: \"حلية الأولياء\" (٢/ ١٧٦)،و\"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ١١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٦٢).\n\n١١٩ - عطاء بن أبي رباح، أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم، المكي الأسود، مفتي أهل مكة ومحدثهم، القدوة العلم، ولد في خلافة عثمان، وقيل في خلافة عمر، وهو أشبه، وقد كان أسود مفلفلًا، فصيحًا كثير العلم، وكان المسجد فراشه عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة، قال فيه ابن عباس: يا أهل! مكة تجتمعون عليَّ وعندكم عطاء؟!، مات سنة (١١٤ هـ) على الأصح بمكة، ومناقبه في العلم والزهد","vol":"4","page":344},{"text":"والتأله كثيرة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٦٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٧٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٩٨).\n\n١٢٥ - عطية بن سعد بن جنادة، أبو الحسن العوفي الكوفي، من مشاهير التابعين، كان ضعيف الحديث، يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، روى عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ الخدري، وابن عمر، وعنه ابنه الحسن، وحجاج بن أرطاة، ومسعر، وخلق، مات سنة (١١١ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٠٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٢٥)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٤٦١٦).\n\n١٢١ - عكرمة -مولى ابن عباس- أبو عبد الله البربري ثم المدني الهاشمي، الإمام الحبر العالم، قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وكان ابن عباس يضع الكبل في رجلي على تعليم القرآن والسنن، وكان علامة، قد أفتى في حياة ابن عباس، وكان الحسن البصري إذا قَدِمَ عكرمةُ البصرةَ أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة فيها. مات سنة (١٠٧ هـ) بالمدينة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٢٨٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٢)، و\"الرواة الثقات\" للذهبي (١٣٨).\n\n١٢٢ - علقمة بن قيس بن كهل، أبو شبل النخعي الكوفي، الإمام الحافظ المجود المجتهد الكبير، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده في المخضرمين، هاجر في طلب العلوم والجهاد، ونزل الكوفة، ولازم ابن مسعود حتى رأس في العلم والعمل، وتفقه به العلماء، وبعُد صيته، وجوّد القرآن على ابن مسعود، وتفقه به أئمة كإبراهيم النخعي والشعبي، وكان قد تصدى للإمامة والفتيا بعد ابن مسعود، وكان طلبته يسألونه، ويتفقهون به والصحابة متوافرون، مات سنة (٦٢ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٨٦)، و\"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٢٩٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤٥).\n\n١٢٣ - علقمة بن مرثد، أبو الحارث الحضرمي الكوفي، الإمام الفقيه الحجة، عداده في صغار التابعين، ولكنه قديم الموت، حدث عنه أبو حنيفة، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وآخرون، وهو ثبت في الحديث. مات سنة (١٢٠ هـ). انظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٧/ ٤١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٠٦)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٥٧).\n\n١٢٤ - علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد الأموي اليزيدي القرطبي","vol":"4","page":345},{"text":"الظاهري، الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد صاحب التصانيف، كان إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة الدائرة في العلوم، وكان شافعيًا، ثم انتقل إلى القول بالظاهر، ونفى القول بالقياس، وتمسك بالعموم والبراءة الأصلية، وكان صاحب فنون، فيه دين وتورع وتزهد وصدق. مات سنة (٤٥٧ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٨٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١١٤٦).\n\n١٢٥ - علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري الشافعي، صاحب \"التفسير\"، وإمام علماء التأويل، كان طويل الباع في العربية، وله شعر رائق، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، تصدّر للتدريس، وعظم شأنه، وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، مات بنيسابور سنة (٤٦٨ هـ)، وقد شاخ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٣٣٩)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٥/ ٢٤٠)، و\"طبقات المفسرين\" للداودي (١/ ٣٨٧).\n\n١٢٦ - علي بن المديني بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، أبو الحسن السعدي مولاهم المديني، ثم البصري، حافظ العصر وقدوة أرباب هذا الشأن، وصاحب التصانيف الماتعة، كان علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، قال النسائي: كأن علي بن المديني خلق لهذا الشأن، له نحو من مئتي مصنف، مات سنة (٢٣٤ هـ) ومناقبه جمة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٤١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٢٨).\n\n١٢٧ - علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان، أبو الحسن الكسائي النحوي، مولى بني أسد، أحد الأئمة في القراءة والنحو واللغة، وأحد السبعة القراء المشهورين، أصله من الكوفة، واستوطن بغداد، وكان مؤدبًا لولد الرشيد، وكان أثيرًا لدى الخليفة حتى أخرجه من طبقة المؤدبين إلى طبقة الجلساء والمؤانسين، وقد سمي الكسائي لكونه أحرم في كساء، أو لكونه كان يبيع الأكسية في حداثته، توفي بـ\"طوس\" سنة (١٨٩ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (٣/ ١٦٧)، و\"إنباه الرواة\" (٢/ ٢٥٦)، و\"نزهة الألباء\" (٦٧)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٥٢)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ١٦٢).\n\n١٢٨ - علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني البغدادي الشهير، صاحب السنن، الإمام شيخ الإسلام، حافظ الزمان، ارتحل في كهولته إلى مصر والشام، وصنف التصانيف الفائقة، وقد كان أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع،","vol":"4","page":346},{"text":"وانتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من العلوم؛ كالقراءات، فقد كان إمامًا في القرّاء والنحويين. مات سنة (٣٨٥ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٤٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٩١).\n\n١٢٩ - علي بن عمر بن أحمد، أبو الحسن البغدادي، القاضي، شيخ المالكية، كان إمامًا فقيهًا أصوليًا، وكان ثقة، قليل الحديث، قال أبو ذر الهروي: هو أفقه من رأيت من المالكيين. انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٤١)، و\"ترتيب المدارك\" (٤/ ٦٥٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ١٠٧).\n\n١٣٠ - علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن البصري الماوردي الشافعي، الإمام العلامة أقضى القضاة، صاحب التصانيف الحسان في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب، قال ابن خلكان: من طالع كتاب: \"الحاوي\" له، يشهد له بالتبحر ومعرفة المذهب، وقد كان رجلًا عظيمًا حافظًا للمذهب، ولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد ومات بها سنة (٤٥٠ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٠٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٦٤)، و\"العبر\" (٣/ ٢٢٣).\n\n١٣١ - عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو حفص، الأموي القرشي، أمير المؤمنين، كان إمامًا فقيهًا مجتهدًا عارفًا بالسنن، كبير الشأن، ثبتًا حجة حافظًا، قانتًا لله أواهًا منيبًا، قال الشافعي: الخلفاء الراشدون خمسة: -فعدَّ منهم عمر بن عبد العزيز-، وقال مجاهد: أتيناه لنعلِّمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه، مات سنة (١٠١ هـ)، وكان قد عاش أربعين سنة، وبعدله صار يضرب المثل، ﵁. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٣٣٠)، و\"حلية الأولياء\" (٥/ ٢٥٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١١٤).\n\n١٣٢ - عمران بن ملحان، أبو رجاء العطاردي التميمي البصري، الإمام الكبير، شيخ الإسلام، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي ﷺ، كان خيِّرًا عابدًا كثير الصلاة تلاّء لكتاب الله، وقد عُمِّر عمرًا طويلًا أزيد من مئة وعشرين سنة، ومات سنة (١٠٥ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١٣٨)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ٣٠٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٥٣).\n\n١٣٣ - عمرو بن دينار، أبو محمد الجمحي، مولاهم، المكي الأثرم، الإمام الكبير الحافظ، أحد الأعلام، وشيخ الحرم في زمانه، ولد سنة خمس أو ست وأربعين، وقد","vol":"4","page":347},{"text":"روى عن ابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم من الصحابة، أفتى بمكة ثلاثين سنة، وكان من التابعين الكبار في الفضل والجلالة، كان قد جزأ الليل، فثلثًا ينام، وثلثًا يدرس حديثه، وثلثًا يصلي. مات سنة (١٢٦ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٠٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١١٣)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٥٠٢٤).\n\n١٣٤ - عمرو بن شعيب بن محمد بن صاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم وأبو عبد الله القرشي السهمي الحجازي، الإمام المحدث فقيه أهل العراق ومحدثهم، كان يتردد كثيرًا إلى مكة وينشر العلم، وله مال بالطائف، حدث عن أبيه فأكثر، وعن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، احتج به أرباب السنن الأربعة، وابن خزيمة وابن حبان في بعض الصور، وقد احتج به -أيضًا- أئمة كبار، ووثقوه في الجملة، وتوقف فيه آخرون، مات سنة (١١٨ هـ) بالطائف. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٦٥)، و\"العبر\" (١/ ١٤٨)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ٣٢٥).\n\n١٣٥ - عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، أبو الأسود، من بني تغلب، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، كان من أعز الناس نفسًا، وأكثر العرب ترفعًا، ساد قومه وهو فتى، وهو من الفتيان الشجعان، وهو الذي قتل الملك عمرو بن هند، وأشهر شعره معلقته التي مطلعها: (ألاهبي بصحنك فاصبحينا ...)، وفيها من الفخر والحماسة العجب، مات في الجزيرة الفراتية. انظر: \"خزانة الأدب\" (١/ ٥١٧)، و\"الشعر والشعراء\" (١/ ٢٣٥)، و\"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ١٥١)، و\"الأغاني\" (٩/ ١٧٥).\n\n١٣٦ - عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي، أبو المغلِّس، أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى، من أهل نجد، كان من أحسن العرب شيمة، ومن أعزهم نفسًا، يوصف بالحكمة على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة، كان مغرمًا بابنة عمه عبلة، فقلَّ أن تخلو له قصيدة من ذكرها، عاش طويلًا، وقتله الأسد الرهيص، وهو من أصحاب المعلقات. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ١٥٢)، \"خزانة الأدب\" (١/ ٥٩)، و\"الأغاني\" (٧/ ١٤١).\n\n١٣٧ - عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله الهذلي الكوفي، الإمام القدوة العابد، كان من آدب أهل المدينة وأفقههم، حدث عن أبيه وأخيه وابن عباس،","vol":"4","page":348},{"text":"وابن المسيب وطائفة، وكان ثقة، وفي بعض رواياته إرسال، مات سنة بضع عشرة ومئة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣١٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٠٣)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٥٢٢٣).\n\n١٣٨ - عويمر بن أبي أبيض العجلاني، أحد أصحاب النبي ﷺ، له حديث واحد في نزول آية اللعان عند الشيخين. انظر: \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٣/ ٤٥).\n\n١٣٩ - عيسى بن دينار، أبو محمد الغافقي القرطبي، الإمام فقيه الأندلس ومفتيها، ارتحل ولزم ابن القاسم مدة، وعوّل عليه، وكان من أوعية الفقه، لكنه قليل الحديث، وهو الذي علم أهل الأندلس الفقه، وكان صالحًا خيِّرًا ورعًا يذكر بإجابة الدعاء. مات سنة (٢١٢ هـ) في سن الكهولة. انظر: \"ترتيب المدارك\" (٣/ ١٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٤٣٩)، و\"العبر\" (١/ ٣٦٣)، و\"شذارت الذهب\" (٢/ ٢٨).\n\n١٤٠ - غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية، أبو بكر المحازي الأندلسي الغرناطي المالكي، الإمام الحافظ الناقد المجود، كان حافظًا للحديث وطرقه وعلله، عارفًا بالرجال، ذاكرًا لمتونه ومعانيه، وكان أديبًا شاعرًا لغويًا، ديّنًا فاضلًا، كُفَّ بصره في آخر عمره، ومات سنة (٥١٨ هـ) وله سبع وسبعون سنة. انظر: \"الصلة\" لابن بشكوال (٢/ ٤٥٧)، و\"شجرة النور الزكية\" (١/ ١٢٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٥٨٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٢٦٩).\n\n١٤١ - غيلان بن عقبة بن بهيش بن مسعود العدوي، من مضر، شاعر من شعراء العصر الأموي، ومن عشاق العرب المشهورين، كان معروفًا بحبه لـ\"مَيّ\"، وقد اشتهر بها، فصار يقال: غيلان ميّ، وأكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، كان مقيمًا بالبادية، ويختلف إلى اليمامة والبصرة كثيرًا، وقد امتاز بإجادة التشبيه، قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته: (ما بال عينك منها الماء ينسكب)، لكان أشعر الناس. مات سنة (١١٧ هـ). انظر: \"خزانة الأدب\" (١/ ٥٠)، و\"الشعر والشعراء\" (٥٢٤)، و\"طبقات فحول الشعراء\" (٢/ ٥٣٤)، و\"الأغاني\" (١٦/ ١٠٦).\n\n١٤٢ - القاضي أبو الفتوح عبد الله بن محمد بن علي بن أبي عقامة، من فضلاء أصحابنا المتأخرين، له مصنفات حسنة، من أغربها وأنفسها كتاب \"الخناثي\" مجلد لطيف، فيه نفائس حسنة، ولم يسبق إلى تصنيف مثله، وقد انتخبت مقاصده مختصرة،","vol":"4","page":349},{"text":"وذكرتها في أواخر باب ما ينقض الوضوء من \"شرح المهذب\".\n\n١٤٣ - القاضي حسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي، العلامة شيخ الشافعية بخراسان، تفقه بأبي بكر القفال المروزي، وكان من أوعية العلم، وكان يلقب بحبر الأمة، وهو من أصحاب الوجوه في لمذهب، مات بمرو سنة (٤٦٢ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ٢٦٠)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ٣٥٦)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ١٣٤).\n\n١٤٤ - القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمروبن موسى بن عياض، العلامة، عالم المغرب، أبو الفضل اليحصبي السبتي، مولده سنة (٤٧٦ هـ)، وأصله أندلسي، تحول جده إلى \"فاس\"، ثم سكن \"سبتة\"، صنف التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهر اسمه وبعد صيته، وكان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، ولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، فسار بأحسن سيرة، ولم يكن أحد بـ \"سبتة\" في عصره أفضل منه، وله تآليف منها كتاب: \"الشفا في شرف المصطفى\"، و\"مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار من الموطأ والصحيحين\"، و\"ترتيب المدارك\"، وغيرها. مات سنة (٥٤٤ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢١٣، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٣٠٤)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (١/ ٤٧٠).\n\n١٤٥ - القاضي محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري، أبو بكر الباقلاني البغدادي، الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا، انتصر لطريقة الإمام أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهت رياسة المالكية في وقته، وكان له بجامع البصرة حلقة عظيمة، مات سنة (٤٠٣ هـ)، وكانت جنازته مشهودة. انظر: \"تاريخ بغداد\" للخطيب البغدادي (٥/ ٣٧٩)، و\"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (١٦٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ١٩٠).\n\n١٤٦ - قبيصة بن ذؤيب أبو سعيد الخزاعي المدني ثم الدمشقي، مولده عام الفتح سنة ثمان، الإمام الكبير الفقيه الوزير، دعا له النبي ﷺ وهو صبي لم يعِ، وقد صار على الختم والبريد للخليفة عبد الملك، وله دار مقبلة بباب البريد، وكان ثقَة مأمونًا كثير الحديث، قال الزهري: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة، مات سنة (٨٦ هـ)، وقد أصيبت عينه يوم الحرة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ١٧٦)،","vol":"4","page":350},{"text":"و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٢٨٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٥٧).\n\n١٤٧ - قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب، السدوسي البصري الضرير الأكمه، حافظ العصر وقدوة المفسرين والمحدثين، وقد كان مع حفظه وعلمه بالحديث رأسًا في العربية واللغة وأيام العرب والنسب، وهو حجة بالإجماع إذا بيَّن السماع؛ فإنه مدلس معروف بذلك، ولد سنة (٦٠ هـ)، مات بواسط في الطاعون سنة (١١٨ هـ) انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٢٢٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٦٩)، و\"العبر\" (١/ ١٤٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٢٢)، و\"طبقات المفسرين\" (٢/ ٤٣).\n\n١٤٨ - قيس بن خويلد بن كاهل بن الحارث بن تميم بن هذيل بن مدركة، والعيزارة أمه، شاعر جاهلي، أَسَرَتْهُ (فَهْم)، وأخذ تأبط شرًا سلاحَه، ثم أفلت قيس منه، ورثى أخاه الحارث بن خويلد لما أصابه حَبَنٌ -وهو داء في البطن- بمكة فمات. انظر: \"الحيوان\" للجاحظ (٤/ ٤٦٩)، و\"معجم الشعراء\" للمرزباني (٣٢٦)، و\"ديوان الهذليين (٣/ ٢٨).\n\n١٤٩ - كعب بن عجرة بن أمية بن عدي البلوي، حليف الأنصار، شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية، وهو من أهل بيعة الرضوان، قطعت يده في بعض المغازي، ثم سكن الكوفة، ومات بالمدينة سنة (٧١ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٥٢)، و\"العبر\" (١/ ٥٧)، و\"الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٢٩٧).\n\n١٥٠ - الكميت بن معروف بن الكميت الأكبر بن ثعلبة بن نوفل الأسدي، أبو أيوب، شاعر مخضرم، عاش أكثر حياته في الإسلام، وعرف بميله إلى آل البيت، وله فيهم قصائد مشهورة سميت بالهاشميات، مات سنة (٦٠ هـ). انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ١٩٠)، و\"خزانة الأدب\" (٣/ ٣٦٦)، و\"الأغاني\" (١٩/ ١٠٩).\n\n١٥١ - لقيط بن يعمر بن خارجة الإيادي، شاعر جاهلي فحل، من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية، واتصل بكسرى \"سابور\" ذي الأكتاف، فكان من كتابه والمطلعين على أسرار دولته، ومن مقدَّمي تراجمته، وهو صاحب القصيدة التي مطلعها: يا دار عمرة من محتلها الجرعا\n\n١٥٢ - الليث بن سعد، أبو الحارث الفهمي مولاهم، الأصبهاني الأصل المصري، شيخ الديار المصرية وعالمها ورئيسها، الإمام الحافظ، كان الشافعي يتأسف على فراقه وكان يقول: هو أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقد كان الليث فقيه البدن،","vol":"4","page":351},{"text":"عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الشعر والحديث، حسن المذاكرة، إمامًا حجةً، كثيرَ التصانيف، مات سنة (١٧٥ هـ) وله إحدى وثمانون سنة. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٥١٧)، و\"حلية الأولياء\" (٧/ ٣١٨) و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ١٣٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٢٤).\n\n١٥٣ - مالك بن مِغْول بن عاصم بن عزيَّة بن خرشة، أبو عبد الله البجلي الكوفي، الإمام الثقة المحدث الثبت، كان رجلًا صالحًا مبرزًا في الفضل، وكان من سادة العلماء، مات سنة (١٥٩ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٣٦٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ١٧٤)، و\"العبر\" (١/ ٢٣٣).\n\n١٥٤ - مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي الأسود، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، الثقة الفقيه العالم، روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب، وعنه أخذ القرآن، وقد عرضه عليه ثلاثين مرة، كما أخذ عنه التفسير والفقه، وكان كثير الأسفار والتنقل، سكن الكوفة بأخرة، ومات بها سنة (١٠٢ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٦٦)، و\"حلية الأولياء\" (٣/ ٢٧٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٤٩).\n\n١٥٥ - محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري، الحافظ العلامة الفقيه الأوحد شيخ الحرم، وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها؛ ككتاب \"المبسوط\" في الفقه، كان غاية في معرفة الاختلاف والدليل، وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، وقد صنف في اختلاف العلماء كتبًا لم يصنف مثلها. مات بمكة سنة (٣٠٩ هـ) أو (٣١٠ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٣٣٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٧٨٢).\n\n١٥٦ - محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد القرطبي، العلامة فيلسوف الوقت، كان أوحد زمانه في الفقه والخلاف، لم ينشأ في الأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا، وكان متواضعًا، منخفض الجناح، ويقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال بالعلم مذ عَقَل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سود في ما ألّف وقيَّد نحوًا من عشرة آلاف ورقة، له تصانيف عدة من أجلها: \"بداية المجتهد\". مات سنة (٦٠٥ هـ). انظر: \"التكملة\" لابن الأبار (٢/ ٥٥٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ٣٠٧)، و\"العبر\" (٤/ ٣٢٠).\n\n١٥٧ - محمد بن أحمد الأزهر بن طلحة، أبو منصور الأزهري الهروي، اللغوي","vol":"4","page":352},{"text":"الأديب، الشافعي المذهب، ورد بغداد وأدرك ابن دريد ولم يرو عنه، وقد أخذ في بغداد عن نفطويه وابن السراج، ويذكر أنه رأى الزّجّاج وأبا بكر بن الأنباري ولم يأخذ عنهما شيئًا، وقع في أسر القرامطة فكان في سهم عرب نشؤوا بالبادية، فبقي في أسرهم دهرًا طويلًا، فاستفاد من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمّة ونوادر كثيرة، وقد صنف كتبًا كثيرة منها: \"التهذيب في اللغة\"، و\"الصحاح\"، و\"علل القراءات\" وغيرها. مات سنة (٣٧٠ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١٧/ ١٦٤)، و\"نزهة الألباء\" (٣٢٣)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٣١٥)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (١٨٦)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ١٩).\n\n١٥٨ - محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو بكر، فخر الإسلام، الشاشي التركي، الإمام العلامة، شيخ الشافعية، فقيه العصر، مصنف \"المستظهري\" في المذهب وغير ذلك، انتهت إليه رياسة المذهب، تخرّج به الأصحاب ببغداد، وكان يسمى الجنيد؛ لدينه وورعه وزهده. مات سنة (٥٠٧ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٣٩٣)، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" للسبكي (٦/ ٧٠)، و\"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢١٩)، و\"شذرات الذهب\" (٤/ ١٦).\n\n١٥٩ - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي المطلبي، مولاهم، المدني، العلامة الحافظ الأخباري صاحب \"السيرة النبوية\"، رأى أنس بن مالك بالمدينة، وسعيد بن المسيب، وهو أول من دوّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرًا عجَّاجًا، ولكنه ليس بالمجوّد كما ينبغي، فحديثه يأتي في أدنى مراتب الصحيح. مات سنة (١٥٠ هـ) وقيل غير ذلك. انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٣٢١)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ٢١٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٣٣)، و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤٦٨).\n\n١٦٠ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، أبو عبد الله الجعفي مولاهم، البخاري، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ، صاحب \"الصحيح\" والتصانيف، حفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، نشأ يتيمًا، ورحل مع أمه وأخيه بعد أن سمع مرويات بلده، وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة، وكان يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح، قال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري. مات سنة (٢٥٦ هـ).\nانظر:","vol":"4","page":353},{"text":"\"تاريخ بغداد\" (٢/ ٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٣٩١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٥٥).\n\n١٦١ - محمد بن الإمام علي بن أبي طالب، أبو القاسم، وأبو عبد الله القرشي الهاشمي المدني، السيد الإمام، ولد في العام الذي مات فيه أبو بكر الصديق، كان ورعًا كثير العلم، وقد أسند عن سيدنا علي كثيرًا، مات سنة (٨٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٩١)، و\"حلية الأولياء\" (٣/ ١٧٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ١١٠).\n\n١٦٢ - محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر، العلامة الأخباري المفسر، كان رأسًا في الأنساب، إلا أنه متروك الحديث، يروي عنه ولده هشام وطائفة، وكان الثوري يروي عنه ويدلسه فيقول: حدثنا أبو النضر. مات سنة (١٤٦ هـ).\n\n١٦٣ - محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبري، من أهل آمُل طبرستان، الإمام المعلم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، أكثر الترحال، ولقي النبلاء من الرجال، وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاء وكثرة تصانيف، كان من كبار أئمة الاجتهاد، وصنف تصانيف حسنة تدل على سعة علمه، مع الثقة والصدق والحفظ، كان رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك. مات سنة (٣١١ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٦٢)، و\"طبقات المفسرين\" للداودي (٢/ ١٠٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٢٦٧)، و\"طبقات القراء\" للذهبي (١/ ٢١٢). وانظر اختيار ابن جرير الطبري بأن الوارث هو الطفل المولود: \"التفسير\" له (٢/ ٥٠٥).\n\n١٦٤ - محمد بن داود بن علي، أبو بكر الظاهري، العلامة البارع، ذو الفنون، كان أحد من يضرب المثل بذكائه، وله بصر تام بالحديث وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلد أحدًا، تصدّر للفتيا بعد والده، وكان يناظر أبا العباس بن سريج، ولا يكاد ينقطع عنه، وقد كان ذا سيرةٍ محمودة، محببًا إلى الناس، مات سنة (٢٩٧ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٢٥٦)، و\"المنتظم\" لابن الجوزي (٦/ ٩٣)، و\"وفيات الأعيان\" لابن خلكان (٤/ ٢٥٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ١٠٩).\n\n١٦٥ - محمد بن زياد، أبو عبد الله المعروف بابن الأعرابي، مولى بني هاشم، وكان أبوه زياد عبدًا سنديًا، كان ابن الأعرابي ربيبًا للمفضل الضبي، قرأ عليه \"العين\"، وسمع دواوين الأشعار وصححها، وأخذ عن الكسائي، وأبي معاوية الضرير، وروى","vol":"4","page":354},{"text":"عنه ابن السكيت وثعلب وغيرهما، وكان أحول أعرج، وله عدة كتب منها \"النوادر\"، و\"تاريخ القبائل\"، وغيرهما. مات سنة (٢٣١ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (١٨/ ١٨٩)، و\"إنباه الرواة\" (٣/ ١٢٨)، و\"البلغة\" (١٩٦)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ١٠٥).\n\n١٦٦ - محمد بن سالم، أبو سهل الهمداني صاحب الشعبي، ضعفوه جدًا، وقال ابن المبارك: أضربوا على حديثه، وقال يحيى القطان: ليس بشيء، وكان أحمد لا يروي حديثه، وقال السعدي: غير ثقة، وقال ابن معين: ضعيف، ويقال: له مؤلف في الفرائض، توفي سنة (١٥٠ هـ) تقريبًا. انظر: \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٦/ ١٥٨)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ٣٥٩)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة: ٥٨٩٨).\n\n١٦٧ - محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون، أبو سهل الحنفي العجلي الصعلوكلي النيسابوري، الإمام العلامة ذو الفنون، الفقيه الشافعي المتكلم، والنحوي المفسر، اللغوي الصوفي، شيخ خراسان، أفتى ودرس بنيسابور نيفًا وثلاثين سنة، وهو صاحب وجه في المذهب، وله غرائب، ومناقبة جمة. مات سنة (٣٦٩ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٢٣٥)، و\"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (١٨٣ - ١٨٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٣/ ١٦٧).\n\n١٦٨ - محمد بن سيرين، أبو بكر، مولى أنس بن مالك، الإمام الرباني، كان فقيهًا إمامًا غزير العلم ثقة ثبتًا، علامة في التعبير، رأسًا في الورع، قال مورق العجلي: ما رأيت أحدًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من ابن سيرين، وقد كان ابن سيرين صاحب ضحك ومزاح. مات سنة (١١٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ١٩٣)، و\"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٣١) و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٦٠٦).\n\n١٦٩ - محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح، أبو بكر التميمي الأبهري المالكي، الإمام العلامة، القاضي المحدث، شيخ المالكية، نزيل بغداد وعالمها، ولد في حدود التسعين ومئتين، كان ثقة مأمونًا زاهدًا ورعًا، شُدَّت إليه الرحلة من أقطار الدنيا، وكان معظمًا عند سائر العلماء، وله في شرح المذهب تصانيف، وردٌ على المخالفين، حدث عنه كثير من الناس، وانتشر عنه المذهب في البلاد. مات سنة (٣٧٥ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٦٢)، و\"ترتيب المدارك\" (٤/ ٤٦٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٣٣٢).\n\n١٧٠ - محمد بن عبد الوهاب البصري، أبو علي الجبائي، شيخ المعتزلة، وقد كان","vol":"4","page":355},{"text":"على بدعته متوسعًا في العلم، سيال الذهن، وهو الذي ذلل الكلام وسهله، ويسر ما صعب منه، له عدة مصنفات، مات بالبصرة (٣٠٣ هـ) وله ثمان وستون سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ١٨٣)، و\"لسان الميزان\" (٥/ ٢٧١).\n\n١٧١ - محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، أبو بكر القَفَّال الشافعي الكبير، الإمام العلامة الفقيه الأصولي اللغوي، عالم خراسان وإمام وقته بما وراء النهر، وصاحب التصانيف، كان أعلم أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلة في طلب الحديث، سمع ابن خزيمة، وابن جرير الطبري، وطبقتهما. مات سنة (٣٣٦ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٢٨٣).\n\n١٧٢ - محمد بن علي بن حسن، أبو بكر النقاش المصري نزيل تنيس، الحافظ الإمام الجوال، كان من علماء الحديث، ارتحل إليه الدارقطني إلى تنيس، وكان منزويا لله بها، فلهذا لم ينتشر حديثه، مات بـ\"تنيس\" سنة (٣٦٨ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٢٣٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٥٨).\n\n١٧٣ - محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، ابن دقيق العيد، أبو الفتح المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، الإمام المجتهد المحدث الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، وصاحب التصانيف النافعة، كان من أذكياء زمانه، واسع العلم، كثير الكتب، مكبًا على الاشتغال، وقورًا ورعًا، قل أن ترى العيون مثله، وله يد طولى في الأصول والمعقول، وخبرة بعلل المنقول، ولي قضاء الديار المصرية إلى أن مات سنة (٧٠٢ هـ). انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٨١)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (ترجمة: ١١٣٤).\n\n١٧٤ - محمد بن عيسى بن سورة السلمي، أبو عيسى الترمذي، الإمام الحافظ مصنف \"الجامع\" وكتاب \"العلل\"، طاف البلاد، وسمع خلقًا من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين، وكان يضرب به المثل في الحفظ، مات سنة (٢٧٩ هـ). قال عمران بن علاّن: مات محمد بن إسماعيل البخاري، ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والورع، بكى حتى عَمِيَ، رحمه الله تعالى. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٣٣)، و\"طبقات الحفاظ\" للسيوطي (٢٨٢).\n\n١٧٥ - محمد بن كعب بن سليم، أبو حمزة القرظي، الإمام العلامة الصادق، كان","vol":"4","page":356},{"text":"من أوعية العلم، ومن أئمة التفسير، وكان ثقة عالمًا بالحديث ورعًا، يرسل كثيرًا، ويروي عمن لم يلقهم، سكن الكوفة، ثم المدينة، وقيل إنه ولد في حياة النبي ﷺ، ولم يصح ذلك، مات سنة (١٠٨ هـ). انظر: \"حلية الأولياء\" (٣/ ٢١٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٦٥)، و\"شذارت الذهب\" (١/ ١٣٦).\n\n١٧٦ - محمد بن مسلم بن تدرس، مولى حكيم بن حزام، أبو الزبير المكي القرشي الأسدي، الحافظ المكثر الصدوق، كان من أكمل الناس عقلًا وأحفظهم، قال غير واحد: هو مدلس، فإذا صرح بالسماع، فهو حجة، وقد أخرج له البخاري مقرونًا. مات سنة (١٢٨ هـ). انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٢٦)، و\"ميزان الاعتدال\" (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٢)، و\"تقريب التهذيب\" (ترجمة:٦٢٩١).\n\n١٧٧ - محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن كلاب، أبو بكر القرشي الزهري المدني، الإمام، أعلم الحفاظ، ومن حفظه أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري، وقال مالك: بقي ابن شهاب وماله في الدنيا نظير، وكان زاهدًا متقنعًا متعففًا، قال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنها بمنزلة البعر، مات سنة (١٢٤ هـ). انظر: \"حلية الأولياء\" (٣/ ٣٦٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٣٢٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٠٨)، و\"وفيات الأعيان\" (٤/ ١٧٧).\n\n١٧٨ - محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي، أبو العباس، المبرد، إمام أهل العربية، كان غزير الحفظ والمادة، قرأ كتاب سيبويه على الجرمي ثم على المازني، فلم يكن في وقته ولا بعده مثله، وعنه أخذ الزجاج، وأبو بكر بن السراج، وتصانيفه كثيرة مشهورة، ومن أهمها كتاب \"الكامل\" في الأدب، ومن أمثال أهل المغرب: \"من لم يقرأ (الكامل) فليس بكامل\". مات سنة (٢٨٥ هـ). انظر: \"إنباه الرواة\" (٣/ ٢٤١)، و\"معجم الأدباء\" (١٩/ ١١١)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٢١٦)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٢٦٩).\n\n١٧٩ - محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان، أبو العباس الأموي، مولاهم، السناني المعقلي النيسابوري الأصم، ولدُ المحدثِ الحافظ أبي الفضل الورّاق، الإمام المحدث مسند العصر، رحلة الوقت، كان أبوه من أصحاب إسحاق بن راهويه، وقد ارتحل بابنه أبي العباس إلى الآفاق، وسمَّعه الكتب الكبار، وقد لحقه","vol":"4","page":357},{"text":"الصمم وهو شاب له بضع وعشرون سنة، حدث بكتاب \"الأم\" للشافعي عن الربيع، وطال عمره، وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة، وكان حسن الخلق، سخي النفس، وربما كان يحتاج إلى الشيء لمعاشه فيورّق ويأكل من كسب يده. مات سنة (٣٤٦ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٤٥٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٧٦٠)، و\"شذارت الذهب\" (٢/ ٣٧٣).\n\n١٨٠ - مسروق بن الأجدع، أبو عائشة الهمداني الكوفي، الإمام الفقيه أحد الأعلام، كان أبوه فارس أهل اليمن في زمانه، وكانت عائشة -﵂- قد تبنته، قال الشعبي: ما علمت أحدًا كان أطلب للعلم منه، وكان أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشيره، وكان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه. مات سنة (٦٣ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٦٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٤٩).\n\n١٨١ - مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار، أبو مصعب اليساري الهلالي، ابن أخت الإمام مالك، وقد تفقه به، وبابن الماجشون، وابن أبي حازم، كان فقيهًا مبرزًا، روى عن مالك بن أنس -الموطأ وغيره- وكانوا يقدمونه على أصحاب مالك، مات سنة (٢٢٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٥/ ٤٣٨)، و\"ترتيب المدارك\" (٣/ ١٣٣).\n\n١٨٢ - معمر بن المثنى، أبو عبيدة البصري، مولى بني تيم قريش، النحوي اللغوي، كان من أعلم الناس باللغة وأنساب العرب وأخبارها، وهو أول من صنف في غريب الحديث، وكان عالمًا بالشعر، وله عدة كتب، منها: \"غريب الحديث\"، و\"الديباج\"، و\"الجمع والتثنية\"، وغيرها، حتى قيل: إن تصانيفه تقارب المئتين. مات سنة (٢٠٨ هـ) وعمره ثمان وتسعون سنة. انظر: \"معجم الأدباء\" (٩/ ١٥٤)، و\"إنباه الرواة\" (٣/ ٢٧٦)، و\"البلغة\" (٢٢٤)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٢٩٤).\n\n١٨٣ - مقاتل بن حيان بن دَوَال دُوْر، أبو بسطام النبطي البلخي، الخراز الثقة، طوّف وجال، وكان من العلماء العاملين، ذا نسك وفضل، وصاحب سنة، هرب من خراسان أيام أبي مسلم صاحب الدولة إلى بلاد كابل، فدعاهم إلى الله، فأسلم على يديه خلق. مات في حدود (١٥٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٢/ ٣٢٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٤٠)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٧١).\n\n١٨٤ - مكحول بن أبي مسلم، أبو عبد الله الهذلي، الفقيه الحافظ، عالم أهل","vol":"4","page":358},{"text":"الشام، كان يقول عن نفسه: طفت الأرض في طلب العلم، وكان يرسل ويدلس عن أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار، قال سعيد بن عبد العزيز: كان مكحول أفقه من الزهري، وكان بريئًا من القدر. مات سنة (١١٣ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٥٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٠٧).\n\n١٨٥ - مكي بن أبي طالب (حموش) بن محمد بن مختار، أبو محمد القيسي القيرواني ثم القرطبي، العلامة المقرئ صاحب التصانيف، ولد بالقيروان سنة (٣٥٥ هـ)، كان من أوعية العلم، مع الدين والسكينة والفهم، دخل الأندلس وأقرأ بجامع قرطبة، وعظم اسمه، وبعد صيته، وكان خيرًا مشهورًا بإجابة الدعاء، وله ثمانون مصنفًا. مات سنة (٤٣٧ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٥٩١)، و\"ترتيب المدارك\" (٤/ ٧٣٧)، و\"الصلة\" لابن بشكوال (٢/ ٦٣١).\n\n١٨٦ - ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن ثعلبة، ويكنى أبا بصير، صنَّاجة العرب، كان ممن يحسنون المدح والذم، يضعهما حيثما اتفق له، فإن أرضاه هذا مدحه، وإن تجاهله ذاك أو أساء إليه قليلًا شتمه وذمَّه وهجاه، فكانت حياته مليئة بالخصومات بسبب هجائه وسلاطة لسانه، أدرك الإسلام ولم يسلم. انظر: \"الأغاني\" (٩/ ١٠٨)، و\"طبقات فحول الشعراء\" (١/ ٥٢).\n\n١٨٧ - نافع، أبو عبد الله القرشي ثم العدوي العمري، مولى ابن عمر وراويته، الإمام المفتي الثبت عالم المدينة، روى عن ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وطائفة، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى أهل مصر يعلمهم السنن، كما ولاّه صدقات اليمن. مات سنة (١١٧ هـ)، وكان ثقة نبيلًا. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٩٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٩٩)، و\"وفيات الأعيان\" (٥/ ٣٦٧)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٥٤).\n\n١٨٨ - هشام بن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن قصي بن كلاب، أبو المنذر الأسدي، الزبيري المدني، الإمام الثقة، شيخ الإسلام، كان ثبتًا ثقة كثير الحديث، حجة، وله نحو من أربع مئة حديث، توفي ببغداد سنة (١٤٦ هـ) وله ثمانون سنة. انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٤٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٤٤).\n\n١٨٩ - همّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، لُقِّبَ بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه، شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، كان","vol":"4","page":359},{"text":"شريفًا في قومه، عزيز الجانب، ويحمي من يستجير بقبر أبيه، وهو من أقطاب العصر الأموي في الشعر، وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر، مات في بادية البصرة سنة (١١٠ هـ) وقد قارب المئة. انظر: \"طبقات فحول الشعراء\" (٢/ ٣٩٨)، و\"الشعر والشعراء\" (١/ ٤٧١)، و\"الأغاني\" (٨/ ٥).\n\n١٩٠ - يحيى بن زياد بن مروان الأسلمي الديلمي الكوفي مولى بني أسد، أبو زكريا المعروف بالفرَّاء، أخذ عن الكسائي، وكان أعلم الكوفيين بالنحو من بعده، وكان فقيهًا عالمًا بالخلاف وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها، عارفًا بالطب والنجوم، متكلمًا، يميل إلى الاعتزال، كان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو، من مصنفاته: \"معاني القرآن\"، و\"كتاب اللغات\"، و\"كتاب الوقف والابتداء\"، و\"كتاب النوادر\" وغيرها، توفي وهو في طريقه إلى مكة سنة (٢٠٧ هـ) وقد بلغ ثلاثًا وستين سنة. انظر: \"معجم الأدباء\" (٢٠/ ٩)، و\"نزهة الألباء\" (٩٨)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٢٣٨)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٣٣٣).\n\n١٩١ - يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، أبو سعيد التميمي، مولاهم البصري، الإمام الكبير، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، عُني بهذا الشأن أتم عناية، ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ؛ كمسدّد، وكان ثقة مأمونًا رفيعًا حجة، وكان في الفروع على مذهب أبي حنيفة إذا لم يجد النص، مات سنة (١٩٨ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٢٩٣)، و\"حلية الأولياء\" (٨/ ٣٨٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٩/ ١٧٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٩٨).\n\n١٩٢ - يحيى بن معين، أبو زكريا المري، مولاهم البغدادي، الإمام الفرد سيد الحفاظ، وأحد الأئمة في الحديث، الثقة المأمون، قال ابن المديني: لا نعلم أحدًا من لدن آدم -﵇- كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين، وقد قال ابن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث، مات بالمدينة سنة (٢٣٣ هـ)، وقد انتهى إليه علم الناس -رحمه الله تعالى- كما قال علي بن المديني. انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ١٧٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٧١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٢٩).\n\n١٩٣ - يحيى بن يعمر، أبو سليمان العدواني البصري، ويكنى أبا عدي، قاضي مرو، الفقيه العلامة المقرئ، حدث عن أبي ذر، وعائشة، وابن عباس، وعدة، وقرأ","vol":"4","page":360},{"text":"القرآن على أبي الأسود الدؤلي، كان من أوعية العلم، وحملة الحجة، وكان ذا لسن وفصاحة، وقيل: إنه كان أول من نقط المصاحف، وقد توفي قبل سنة (٩٠ هـ). انظر: \"الطبقات الكبرى\" (٧/ ٣٦٨)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٤١)، و\"معجم الأدباء\" (٢٠/ ٤٢).\n\n١٩٤ - يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن بُجير، أبو يوسف الأنصاري الكوفي، الإمام المجتهد، العلامة المحدث، قاضي القضاة، صاحب أبي حنيفة، كان يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه، وقد بلغ من رئاسة العلم ما لا مزيد عليه، وكان الرشيد يبالغ في إجلاله. مات سنة (١٨٢ هـ). انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٢٤٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٥٣٥)، و\"الجواهر المضية\" (٢/ ٢٢٠)، و\"الفؤاد البهية\" (٢٢٥).\n\n١٩٥ - يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف المعروف بابن السكيت، إمام اللغة والنحو والأدب، ومن أهل الدين والخير، لقي فصحاء العرب وأخذ عنهم، كان مؤدبًا لولد المتوكل على الله والمعتز بالله، وكان سبب موته: أن المتوكل قال له: من أعزّ عندك؟ ولداي أم الحسن والحسين؟ فقال: منبر خادم عليّ خيرٌ منك ومن ابنيك، فأمر الأتراك فداسوا بطنه إلى أن مات، وذلك سنة (٢٤٣ هـ). وله كتاب: \"إصلاح المنطق\". انظر: \"معجم الأدباء\" (٢٠/ ٥٠)، و\"نزهة الألباء\" (١٧٨)، و\"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة\" (٢٤٣)، و\"بغية الوعاة\" (٢/ ٣٤٩).\n\n١٩٦ - يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، أبو عمر النمري القرطبي، الإمام شيخ الإسلام، حافظ المغرب، ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان، ودأب في طلب الحديث، وافتن به، وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس، وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه والمعاني، له بسطة كبيرة في علم النسب والأخبار، وله تآليف لا مثيل لها في جمع معانيها مثل: كتاب \"الاستذكار\"، وكتاب \"التمهيد\" وهما من أعظم كتب الإسلام. مات سنة (٤٦٣ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٥٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣٠/ ١١٢٨).\n\n١٩٧ - يوسف بن يحيى، أبو يعقوب المصري البويطي، الإمام العلامة سيد الفقهاء، صاحب الإمام الشافعي، لازمه مدة، وتخرج به، وفاق الأقران، كان إمامًا في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا ربانيًا، متهجدًا دائم الذكر والعكوف على الفقه، قال","vol":"4","page":361},{"text":"الشافعي: ليس في أصحابي أحد أعلم من البويطي، مات في قيده مسجونًا بالعراق سنة (٢٣١ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٥٨)، و\"العبر\" (١/ ٤١١)، و\"وفيات الأعيان\" (٧/ ٦١)، و\"شذرات الذهب\" (٢٠/ ٧١).\n\n١٩٨ - يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان، أبو موسى الصدفي المصري، المقرئ الحافظ الإمام شيخ الإسلام، قرأ القرآن على ورش صاحب نافع، وكان من كبار المعدّلين والعلماء في زمانه، قال الشافعي: ما يدخل من هذا الباب -يعني الباب الأول من أبواب المسجد الجامع- أحدٌ أعقل من يونس بن عبد الأعلى. مات سنة (٢٦٤ هـ)، وقد عاش أربعًا وتسعين سنة. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٣٤٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٢٧)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٢/ ١٧٠)،و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٤٩).\n* * *","vol":"4","page":362}]}