{"ً":{"ٌ":148531,"ٍ":"درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح\nالمؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (ت ٧١٦ هـ)\nالمحقق: أيمن محمود شحادة\nالناشر: الدار العربية للموسوعات بيروت\nالطبعة: الأولى\nسنة: ١٤٢٦ هـ\nعدد الصفحات: ٣٥١\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1103,"ٕ":11,"ٖ":1770155465,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"أولا: في العقل، وفي أصل التحسين والتقبيح","level":1,"page":3},{"title":"الأولى: في لفظ العقل","level":2,"page":3},{"title":"المسألة الثانية: في حقيقة العقل","level":2,"page":4},{"title":"المسألة الثالثة: في مكان العقل","level":2,"page":8},{"title":"المسألة الرابعة: في فعل العقل وأثره","level":2,"page":12},{"title":"المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح","level":2,"page":13},{"title":"مفهوم التحسين والتقبيح","level":3,"page":13},{"title":"مآخذ الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح","level":3,"page":18},{"title":"المأخذان الكيان","level":4,"page":18},{"title":"المآخذ الجزئية","level":4,"page":20},{"title":"أدلة المعتزلة على التحسين والتقبيح","level":3,"page":22},{"title":"إبطال التحسين والتقبيح","level":3,"page":26},{"title":"ثانيا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين","level":1,"page":30},{"title":"وجوب النظر عقلي عند المعتزلة","level":2,"page":30},{"title":"إنكارهم كلام النفس","level":2,"page":31},{"title":"قولهم: \"يقبح من الله ما يقبح منا\"","level":2,"page":31},{"title":"إيجابهم رعاية مصالح الخلق على الله","level":2,"page":31},{"title":"إنكارهم الشفاعة","level":2,"page":36},{"title":"قبول التوبة واجب على الله عندهم","level":2,"page":37},{"title":"إنكارهم الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":38},{"title":"إيجابهم إرسال الرسل، وإيجاب الرافضة نصب الأئمة، على الله عقلا","level":2,"page":39},{"title":"قول أبي هاشم: \"دفع الضرر عن النفس واجب عقلا، وعن الغير سمعا\"","level":2,"page":39},{"title":"المعدوم شيء، أو ليس بشيء","level":2,"page":41},{"title":"قولهم: \"إن البنية شرط في الكلام\"","level":2,"page":41},{"title":"حكموا بقبح الآلام في العالم إلا لغرض صحيح","level":2,"page":42},{"title":"الأنبياء أفضل أم الملائكة؟","level":2,"page":42},{"title":"إنكارهم كرامات الأولياء","level":2,"page":43},{"title":"إنكارهم السحر","level":2,"page":44},{"title":"إنكارهم الجن والشياطين","level":2,"page":45},{"title":"غاية الأجل والرزق","level":2,"page":47},{"title":"إنكارهم عذاب القبر","level":2,"page":47},{"title":"إنكارهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن","level":2,"page":48},{"title":"ثالثا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه","level":1,"page":49},{"title":"عندهم أن شكر المنعم واجب عقلا","level":2,"page":49},{"title":"حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع","level":2,"page":49},{"title":"تكليف ما لا يطاق","level":2,"page":49},{"title":"القدرة مع الفعل أو قبله؟","level":2,"page":53},{"title":"وقت العبادة مضيق أو موسع؟","level":2,"page":53},{"title":"الفعل الواحد لا يكون مأمورا به منهيا عنه","level":2,"page":54},{"title":"تكليف الصبي والمجنون","level":2,"page":54},{"title":"تكليف الملجأ","level":2,"page":54},{"title":"تكليف الحائض بالصوم","level":2,"page":54},{"title":"التكليف بفعل علم الآمر انتفاء شرط وقوعه","level":2,"page":54},{"title":"تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":2,"page":55},{"title":"بقاء التكليف مع زوال العقل","level":2,"page":55},{"title":"تكليف المعدوم","level":2,"page":55},{"title":"إبطال اليهود النسخ","level":2,"page":56},{"title":"منع جمهور المعتزلة من نسخ الحكم قبل دخول وقته","level":2,"page":56},{"title":"نسخ وجوب معرفة الله وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم","level":2,"page":56},{"title":"رابعا: فروع التحسين والتقبيح في الفروع الفقهية","level":1,"page":57},{"title":"النية في الوضوء","level":2,"page":57},{"title":"رؤية الهلال في الصحو","level":2,"page":58},{"title":"صحة إسلام الصبي","level":2,"page":58},{"title":"صحة شهادة الكفار بعضهم على بعض","level":2,"page":58},{"title":"حكاية مسائل ذكرها العالمي الحنفي نازعة إلى التحسين والتقبيح","level":2,"page":59},{"title":"لزوم النفل بالشروع","level":2,"page":59},{"title":"نقاش كلامه في لزوم النفل بالشروع","level":2,"page":59},{"title":"قاعدته في الزكاة","level":2,"page":61},{"title":"فروع قاعدته في الزكاة","level":2,"page":62},{"title":"وجوب الزكاة على الصبي والمجنون","level":3,"page":62},{"title":"من مات وعليه زكاة","level":3,"page":62},{"title":"وجوب الزكاة على المديون","level":3,"page":62},{"title":"وجوب الزكاة في مال الضمار","level":3,"page":63},{"title":"وجوب الزكاة في الحلي","level":3,"page":63},{"title":"الكلام على قاعدته في الزكاة]","level":2,"page":63},{"title":"ومن قواعده قاعدة الصيام","level":2,"page":66},{"title":"فروع قاعدته في الصيام","level":2,"page":66},{"title":"الكلام على قاعدته في الصيام","level":2,"page":67},{"title":"ومنها قاعدته في الكفارات والمقدرات","level":2,"page":71},{"title":"فروع قاعتدته في الكفارات والمقدرات","level":2,"page":72},{"title":"الكلام على قاعدته في الكفارات والمقدرات","level":2,"page":72},{"title":"الكلام على فروع قاعدته في الكفارات والمقدرات","level":2,"page":73},{"title":"ومنها قاعدته في الأنكحة","level":2,"page":77},{"title":"فروع قاعدته في الأنكحة","level":2,"page":78},{"title":"الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي للنوافل","level":3,"page":78},{"title":"إجبار لمولى عبده على النكاح","level":3,"page":78},{"title":"إرسال الطلقات الثلاث جملة","level":3,"page":78},{"title":"فسخ النكاح بالعيب","level":3,"page":79},{"title":"الكلام على قاعدته في الأنكحة","level":3,"page":79},{"title":"الكلام على فروع قاعدته في الأنكحة","level":2,"page":82},{"title":"ومنها قاعدته في المالية وأهلية الأملاك","level":2,"page":85},{"title":"فروع قاعدته في المالية وأهلية الأملاك","level":2,"page":86},{"title":"تصرف العبد المأذون له","level":3,"page":86},{"title":"تصرف الصبي المأذون له","level":3,"page":86},{"title":"تجزؤ العتق","level":3,"page":86},{"title":"الكلام على قاعدته في المالية وأهلية الأملاك","level":2,"page":87},{"title":"الكلام على فروع قاعدته في المالية وأهلية الأملاك","level":2,"page":88},{"title":"ومنها قاعدته في الأملاك","level":2,"page":89},{"title":"فروع قاعدته في الأملاك","level":2,"page":89},{"title":"استيلاء الكفار على أموال المسلمين في دار الحرب","level":3,"page":89},{"title":"قسمة الغنائم في دار الحرب","level":3,"page":90},{"title":"تغيير الغاصب في المال المغصوب","level":3,"page":90},{"title":"الكلام على قاعتدته في الأملاك","level":3,"page":90},{"title":"الكلام على فروع قاعدته في الأملاك","level":2,"page":91},{"title":"ومنها قاعدته في وصف الفعل بأنه ضرب أو قبيح","level":2,"page":92},{"title":"الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنه ضرر أو قبيح","level":2,"page":93},{"title":"خامسا: مسألتا القدر وخلق الأفعال","level":1,"page":97},{"title":"بيان معنى \"الكسب\" و\"الخلق\"","level":2,"page":98},{"title":"أما نقل المذاهب في المسألة","level":2,"page":101},{"title":"مقدمات المسألة","level":2,"page":102},{"title":"الكلام الساذج التقريبي في المسألة","level":2,"page":103},{"title":"الوجوه العقلية التي أوردها أبو الحسين البصري المعتزلي","level":2,"page":106},{"title":"الوجوه النقلية التي للمعتزلة","level":2,"page":122},{"title":"كلام على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار المعتزلى","level":2,"page":124},{"title":"رسالة في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبار","level":2,"page":131},{"title":"الجواب على الرسالة","level":3,"page":141},{"title":"سادسا: الأدلة النقلية على القدر","level":1,"page":194},{"title":"آي إثبات القدر من القرآن","level":2,"page":194},{"title":"سورة الفاتحة","level":3,"page":194},{"title":"سورة البقرة","level":3,"page":195},{"title":"سورة آل عمران","level":3,"page":205},{"title":"سورة النساء","level":3,"page":207},{"title":"سورة المائدة","level":3,"page":209},{"title":"سورة الأنعام","level":3,"page":211},{"title":"سورة الأعراف","level":3,"page":217},{"title":"سورة الأنفال وبراءة","level":3,"page":220},{"title":"سورة يونس ﵇","level":3,"page":222},{"title":"سورة هود ﵇","level":3,"page":224},{"title":"سورة يوسف ﵇","level":3,"page":225},{"title":"سورة الرعد","level":3,"page":226},{"title":"سورة إبراهيم ﵇","level":3,"page":228},{"title":"سورة الحجر","level":3,"page":229},{"title":"سورة النحل","level":3,"page":230},{"title":"سورة بني إسرائيل، على صالحيهم السلام","level":3,"page":232},{"title":"سورة الكهف","level":3,"page":233},{"title":"سورة مريم عليها وعلى ابنها السلام","level":3,"page":235},{"title":"سورة الحج","level":3,"page":235},{"title":"سورة المؤمنون","level":3,"page":236},{"title":"سورة النور","level":3,"page":236},{"title":"سورة الفرقان","level":3,"page":237},{"title":"سورة الشعراء","level":3,"page":237},{"title":"سورة النمل","level":3,"page":237},{"title":"سورة القصص","level":3,"page":238},{"title":"سورة العنكبوت","level":3,"page":239},{"title":"سورة الروم","level":3,"page":239},{"title":"سورة لقمان","level":3,"page":239},{"title":"سورة السجدة","level":3,"page":240},{"title":"سورة الأحزاب","level":3,"page":240},{"title":"سورة الملائكة","level":3,"page":241},{"title":"سورة يس","level":3,"page":241},{"title":"سورة الصافات","level":3,"page":242},{"title":"سورة الزمر","level":3,"page":244},{"title":"آل حاميم","level":3,"page":244},{"title":"سورة المؤمن","level":3,"page":244},{"title":"سورة فصلت","level":3,"page":245},{"title":"سورة الشورى","level":3,"page":245},{"title":"أما سورة الجاثية","level":3,"page":246},{"title":"سورة محمد ﵇","level":3,"page":246},{"title":"سورة الفتح","level":3,"page":247},{"title":"سورة الحجرات","level":3,"page":247},{"title":"سورة النجم","level":3,"page":248},{"title":"سورة القمر","level":3,"page":248},{"title":"سورة الحديد","level":3,"page":249},{"title":"سورة المجادلة","level":3,"page":249},{"title":"سورة الحشر","level":3,"page":250},{"title":"سورة الصف","level":3,"page":251},{"title":"سورة الجمعة","level":3,"page":251},{"title":"سورة المنافقين","level":3,"page":252},{"title":"سورة التغابن","level":3,"page":252},{"title":"سورة الطلاق","level":3,"page":253},{"title":"ومن سورة الملك","level":3,"page":254},{"title":"سورة ن","level":3,"page":255},{"title":"سورة الحاقة","level":3,"page":255},{"title":"سورة سائل سائل","level":3,"page":255},{"title":"سورة نوح","level":3,"page":256},{"title":"سورة الجن","level":3,"page":256},{"title":"أما سورة المدثر","level":3,"page":257},{"title":"سورة الإنسان","level":3,"page":257},{"title":"سورة التكوير","level":3,"page":257},{"title":"ثم إلى سورة المطففين","level":3,"page":258},{"title":"ثم إلى سورة البروج","level":3,"page":258},{"title":"سورة الشمس","level":3,"page":258},{"title":"ثم إلى سورة الضحى","level":3,"page":259},{"title":"ثم إلى سورة الفلق","level":3,"page":259},{"title":"استدلال القدرية من أي القرآن","level":2,"page":260},{"title":"الجواب على استدلال القدرية من أي القرآن","level":2,"page":263},{"title":"حجة على إثبات نبوة محمد ﷺ؛ وهي نكتة أجنبية عن الباب","level":3,"page":266},{"title":"أحاديث القدر","level":2,"page":269},{"title":"مآخذ مسألة القدر","level":2,"page":280},{"title":"خاتمة: في أن المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا؟","level":1,"page":282}],"ٛ":{"1,67":1,"1,68":2,"1,69":3,"1,70":4,"1,71":5,"1,72":6,"1,73":7,"1,74":8,"1,75":9,"1,76":10,"1,77":11,"1,78":12,"1,79":13,"1,80":14,"1,81":15,"1,82":16,"1,83":17,"1,84":18,"1,85":19,"1,86":20,"1,87":21,"1,88":22,"1,89":23,"1,90":24,"1,91":25,"1,92":26,"1,93":27,"1,94":28,"1,95":29,"1,96":30,"1,97":31,"1,98":32,"1,99":33,"1,100":34,"1,101":35,"1,102":36,"1,103":37,"1,104":38,"1,105":39,"1,106":40,"1,107":41,"1,108":42,"1,109":43,"1,110":44,"1,111":45,"1,112":46,"1,113":47,"1,114":48,"1,115":49,"1,116":50,"1,117":51,"1,118":52,"1,119":53,"1,120":54,"1,121":55,"1,122":56,"1,123":57,"1,124":58,"1,125":59,"1,126":60,"1,127":61,"1,128":62,"1,129":63,"1,130":64,"1,131":65,"1,132":66,"1,133":67,"1,134":68,"1,135":69,"1,136":70,"1,137":71,"1,138":72,"1,139":73,"1,140":74,"1,141":75,"1,142":76,"1,143":77,"1,144":78,"1,145":79,"1,146":80,"1,147":81,"1,148":82,"1,149":83,"1,150":84,"1,151":85,"1,152":86,"1,153":87,"1,154":88,"1,155":89,"1,156":90,"1,157":91,"1,158":92,"1,159":93,"1,160":94,"1,161":95,"1,162":96,"1,163":97,"1,164":98,"1,165":99,"1,166":100,"1,167":101,"1,168":102,"1,169":103,"1,170":104,"1,171":105,"1,172":106,"1,173":107,"1,174":108,"1,175":109,"1,176":110,"1,177":111,"1,178":112,"1,179":113,"1,180":114,"1,181":115,"1,182":116,"1,183":117,"1,184":118,"1,185":119,"1,186":120,"1,187":121,"1,188":122,"1,189":123,"1,190":124,"1,191":125,"1,192":126,"1,193":127,"1,194":128,"1,195":129,"1,196":130,"1,197":131,"1,198":132,"1,199":133,"1,200":134,"1,201":135,"1,202":136,"1,203":137,"1,204":138,"1,205":139,"1,206":140,"1,207":141,"1,208":142,"1,209":143,"1,210":144,"1,211":145,"1,212":146,"1,213":147,"1,214":148,"1,215":149,"1,216":150,"1,217":151,"1,218":152,"1,219":153,"1,220":154,"1,221":155,"1,222":156,"1,223":157,"1,224":158,"1,225":159,"1,226":160,"1,227":161,"1,228":162,"1,229":163,"1,230":164,"1,231":165,"1,232":166,"1,233":167,"1,234":168,"1,235":169,"1,236":170,"1,237":171,"1,238":172,"1,239":173,"1,240":174,"1,241":175,"1,242":176,"1,243":177,"1,244":178,"1,245":179,"1,246":180,"1,247":181,"1,248":182,"1,249":183,"1,250":184,"1,251":185,"1,252":186,"1,253":187,"1,254":188,"1,255":189,"1,256":190,"1,257":191,"1,258":192,"1,259":193,"1,260":194,"1,261":195,"1,262":196,"1,263":197,"1,264":198,"1,265":199,"1,266":200,"1,267":201,"1,268":202,"1,269":203,"1,270":204,"1,271":205,"1,272":206,"1,273":207,"1,274":208,"1,275":209,"1,276":210,"1,277":211,"1,278":212,"1,279":213,"1,280":214,"1,281":215,"1,282":216,"1,283":217,"1,284":218,"1,285":219,"1,286":220,"1,287":221,"1,288":222,"1,289":223,"1,290":224,"1,291":225,"1,292":226,"1,293":227,"1,294":228,"1,295":229,"1,296":230,"1,297":231,"1,298":232,"1,299":233,"1,300":234,"1,301":235,"1,302":236,"1,303":237,"1,304":238,"1,305":239,"1,306":240,"1,307":241,"1,308":242,"1,309":243,"1,310":244,"1,311":245,"1,312":246,"1,313":247,"1,314":248,"1,315":249,"1,316":250,"1,317":251,"1,318":252,"1,319":253,"1,320":254,"1,321":255,"1,322":256,"1,323":257,"1,324":258,"1,325":259,"1,326":260,"1,327":261,"1,328":262,"1,329":263,"1,330":264,"1,331":265,"1,332":266,"1,333":267,"1,334":268,"1,335":269,"1,336":270,"1,337":271,"1,338":272,"1,339":273,"1,340":274,"1,341":275,"1,342":276,"1,343":277,"1,344":278,"1,345":279,"1,346":280,"1,347":281,"1,348":282,"1,349":283,"1,350":284,"1,351":285},"ٜ":{"1":[67,351]},"ٝ":["1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"4":[4],"8":[5],"12":[6],"13":[7,8],"18":[9,10],"20":[11],"22":[12],"26":[13],"30":[14,15],"31":[16,17,18],"36":[19],"37":[20],"38":[21],"39":[22,23],"41":[24,25],"42":[26,27],"43":[28],"44":[29],"45":[30],"47":[31,32],"48":[33],"49":[34,35,36,37],"53":[38,39],"54":[40,41,42,43,44],"55":[45,46,47],"56":[48,49,50],"57":[51,52],"58":[53,54,55],"59":[56,57,58],"61":[59],"62":[60,61,62,63],"63":[64,65,66],"66":[67,68],"67":[69],"71":[70],"72":[71,72],"73":[73],"77":[74],"78":[75,76,77,78],"79":[79,80],"82":[81],"85":[82],"86":[83,84,85,86],"87":[87],"88":[88],"89":[89,90,91],"90":[92,93,94],"91":[95],"92":[96],"93":[97],"97":[98],"98":[99],"101":[100],"102":[101],"103":[102],"106":[103],"122":[104],"124":[105],"131":[106],"141":[107],"194":[108,109,110],"195":[111],"205":[112],"207":[113],"209":[114],"211":[115],"217":[116],"220":[117],"222":[118],"224":[119],"225":[120],"226":[121],"228":[122],"229":[123],"230":[124],"232":[125],"233":[126],"235":[127,128],"236":[129,130],"237":[131,132,133],"238":[134],"239":[135,136,137],"240":[138,139],"241":[140,141],"242":[142],"244":[143,144,145],"245":[146,147],"246":[148,149],"247":[150,151],"248":[152,153],"249":[154,155],"250":[156],"251":[157,158],"252":[159,160],"253":[161],"254":[162],"255":[163,164,165],"256":[166,167],"257":[168,169,170],"258":[171,172,173],"259":[174,175],"260":[176],"263":[177],"266":[178],"269":[179],"280":[180],"282":[181]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مقدمة]</span>\nالحمد لله الذي لا حاكم في الوجود سواه، ولا هادي ولا مضلّ لمن أضلّه وهداه. قضى على إبليس بالضلالة فأغواه، وقدَّر على آدم المعصيةَ فعصاه. الحليم الذي لا يَعجَل على العصاة، العليم الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا وأحصاه. امتحن الملائكة في حضرة الملكوت، فأوقع في المحنة منهم هاروت وماروت. وقدر على ذي النون فالتقمه الحوتُ، وابتلي داودَ بسؤاله فلم يمكنه السكوت. سبحانه هو الحيّ الذي لا يموت، القادر الذي مطلوبه لا يُعجِز ولا يفوت. أحمده على جميل آلائه، وأعوذ به من وَبيلِ بلائه، حمدَ من استسلم لقدَره وقضائه، وعلِم أنْ لا مضاء لحكمٍ قبل إمضائه في أرضه وسمائه.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً مؤمن بالقدَر، موقنٍ أنّه إذا أراد أمرًا، غلب عليه وقهَر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيّد البشر، وصفيّه المجتبى من ربيعة ومضر، صلى الله عليه وعلى آله السراة الغُرر، وأصحابه المؤثرين بجهادهم في الدين أحسن أثرٍ، وسلِّم تسليمًا وأكثر. أمّا بعد.\nفإن الله سبحانه أحسنَ خَلْقَ الإنسان بما ركَّب فيه من العقل وعلَّمه من البيان. ثم كلَّفه بما وجّه من التكاليف إليه. وجعل عقلَه سببًا إلى فهم ذلك، وعونًا عليه. فوظيفةُ العقل في الوجود الإرشادُ، لا الحكم على الرب والعباد. وبه يُعرَف الحَسَنُ عُرفًا وشرعًا من القبيح، لا أنّه موجبٌ للتحسين والتقبيح.\nلكنّ الله سبحانه أوهم بعضَ الخلق ذلك. وهو سبحانه القاضي بالنجاة والهلكة على كل ناجٍ وهالك. فأوّل من وقع في هذه الشُّبهة الملائكةُ الكرام - عليهم الصلاة والسلام - حيث قالوا، لَمَّا أخبرهم الله أنّه جاعلٌ في الأرض خليفةً: \"ليخلق اللهُ ما شاء؛ فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منَّا\". كأنهم أخذوا ذلك من قربهم من الله، ودأبهم في الطاعة، وأنهم سكَّان السماء، فهم أشرف ممن يكون في الأرض. أو علموا أنّ الخليفة يُخلَق مِن الأرض، وهي جوهرٌ كثيفٌ، ففضّلوا عليه الجوهرَ اللطيفَ.\nثم وقع فيها إبليسُ - عليه اللعنة والتنكيس - حيث قال في اعتذاره عن معصية ربّ","vol":"1","page":67},{"text":"العالمين: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾. فإنّه نظر إلى لطافة النار وتصاعدها وإشراقها، وغفل عن طيشها وشرّها وإحراقها. ونظر إلى ثقل الطين وهبوطه وكثافته، وغفل عن ثباته عن الطيش ورزانته. فلا جرم، عاد كلٌّ منهما إلى طبيعته: إبليس إلى كِبره وافتتانه، وآدمُ إلى حِلمه وثباته. فصار إبليس شقيًّا لعينًا طريدًا، وآدم متدارَكًا بالرحمة سعيدًا.\nثم وقعت فيها الملائكةُ مَرَّةً ثانيةً: حيث عابوا على بتي آدم معاصيهم، ولم ينظروا في النفوس والشهوات الآخذة بنواصيهم. وقالوا: \" ربنا لو كلَّفتنا بما كلَّفتهم، لَمَا عصيناك؛ ولكنّا بالطاعة قد أرضيناك\". فركَّب الباري سبحانه فيهم الشهوات ساعةً من نهارٍ، فاستقاموا، وطلبوا الفرارَ. وقامت لبني آدم عندهم واضحاتُ الأعذار. فأخذوا في الدعاء لهم والاستغفار. إلَّا هاروت وماروت، أقدما على كِبْر الامتحان. فكانا ممَّن آنَ هلاكهُ، فحانَ.\nثم تتابع بنو آدم في التحسين والتقبيح. فما منهم إلا مَن هو للشيطان ذبيحٌ أو جريحٌ. فمنهم مَن عَبد الفَلك لارتفاعه وعمومه وإشراق دَراريّه ونجومه. ومنهم مَن عَبد الشمس وإشراق أنوارها. ومنهم مَن عَبد ما استَحسن، فأساء وما أحسنَ. فإذن، مدارُ كثيرٍ من الضلالات على الأصل المذكور منذ خُلِق آدمُ، وحتى يُنفخ في الصور.\nوكان أشدّ الناس اعتمادًا عليه أهلُ الفلسفة والاعتزال؛ فتزلزلت قواعدهُم أعظم الزلزال. وغالبُ مذهبهم مبنيٌّ عليه، آي عند التحقيق إليه. وقد وضعتُ هذا الكتاب لأبيّن فيه فسادَ ذلك الأصل، وما بُني عليه من الأصول، وأنّ لا حاصل له ولا محصولٌ. وبتوفيق الله أتكلَّم وأقول، وبقوَّته أُجاولِ وأصول، وبفضله أرجو الوصولَ إلى مقام القبول، إنه هو البرّ الوَصول.\nوفيه مسائل.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[أولًا: في العقل، وفي أصل التحسين والتقبيح]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الأُولى: في لفظ العقل</span>\nاعلم ضأنّ مادّة ع- ق- ل ترجع إلى معنى المنع والحبس. فمن ذلك عِقَال البعير، وهو الحبل الذي يُربَط به ساقُه إِلى ركبته لئلاّ يشرد. يُقال: \"عَقَلْتُ البعيرَ، أَعْقِلُه عَقْلا\"، إذا فعلتُ به ذلك. ثمّ سُمّي إِعطاءُ القاتل وأقاربه ديَة القتيل، ونفسُ الإِبل المدفوعة في الدنيا عقلًا، \"، تسميةً بالمصدر المذكور، المجاورة والملابسة؛ لأنّ الإِبل تُعقَل بالعقال.\nوذلك لأنّ القاتل كان يأتي بديَة القتيل، فيعقلها بفناء أوليائه ليسلّمها إِليهم. وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ليكون القاتلُ في موقف سؤال القبولِ. ومن ذلك سُمّيت العَصًبةُ \"عاقِلةً\".\nومنه المعاقِل، وهو الحصون. واحدها مَععْقل؛ لأنّه يمنع العدو مِن الوصول. وفي الحديث، \"ليعقِلن هذا الدين من الحجاز مَعِل الأروية (يعني بقرة الوحش) من رأس الجبل (أي يتحصن به ويمتع فيه) ويعود الدين إِلى الحجاز كما بدأ منه\".\nومنه اعتقال الرمحِ. وهو أن يجعله الفارسُ تحت فخذه، ويجر آخرَ وراءه على الأرض؛ لأنّه ذلك يمنعه من السقوط. و\"اعتقل الشاة\"، إِذا جَعل رجلَها بين رجِله وفخذِ ليحلبها و\"فلانٌ معتقَلٌ\"، أى محبوسٌ.\nومنه والعُقال (بضم العين، وتشديد القاف وتخفيفها)، اسمُ فرس كان للنبي ﵇. وهو أيضًا فرسٌ من فحول الجاهلية المشهورة، جاء في شعر حمزة بن عبد المطلب، ﵁:","vol":"1","page":69},{"text":"ليس عندي إلاّ السلاح ووردٌ ... قارِح مِن بناتِ ذى العُقَّالِ\nتقي دونه المنايا بنفسي ... وهو دوني يَلقى صدورَ العوالي\nوالعُقّال رداءٌ يكون في رجلِي الدابّة، فيَعقلها، أي يمنعها عن الحركة. وأُضيفَ إِليه هذا الفرسُ، إِمّا تفاؤلا له بالنشاط، على عادتهم في التفاؤل بالعكس؛ كقولهم للّديغ \"سليمٌ\" مفازةٌ، وللبرءِ \"اندمالٌ\". أو مبالغًة في شدّة جريِه ونشاطِه؛ كذلك كقولهم للغراب \"أعور\" لحدّة بصرِه، أتو دفعًا لعين السوء عنه.\nومنه في حديث الدجّال: \"ثمّ يأتي الخضبُ فيُعَقِّل الكرمَ\"، أي يخرُج العُقَّيلى (بضمّ العين، ونشديد القاف، مقصورًا) وهو الحصرم. قلتُ: لأنّه يمتنع بحموضته عن أن يؤكَل على صفته غالبَا.\nومن ذلك، العقلُ الذي في الإنسان الذي هو مناط التكليف. سُمِّى بمصدر \"عَقلَ يَعْقِل عَقْلًا\"، إِذا مَنع؛ لأنّه يمنع العاقلَ مِن فعلِ ما لا يليق. وإِلى هذا المعنى ترجع فروعُ هذه المادّة جميعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المسألة الثانية: في حقيقة العقل</span>\nوقد اختُلف فيها. فقيل: هو قوّةٌ غريزيّةٌ توجَد في الإِنسان مِن أوّلِ وجوده. ثمّ تتزايد بتزايد بدنه تَزايُدًا تدريجيًّا، حتى يبلغ سنَّ التكليف، فتكون قد بَلَغَت أوّلَ درجات كمالها. ثمّ تنتهي زيادتُها إلى سبعٍ وعشرين سنةً، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليِّ ﵁: \" يحتلم الغلامُ لأربع عشة، وينتهي طولُه لإحدى وعشرين، وينتهي عقلُه لسبعٍ وعشرين. إِلاّ التجاريب، فإِنّه لا غاية لها\". هذا في العقل الغريزي. أمّا التجربيّ، فلا يزال في زيادة ما دام العاقل حيًّا؛ كما قالى عليٌ.\nوعند الحكماء، العقل جوهرٌ بسيطٌ. لأنهم أدخلوه في تقسيم الجهر، حيث قالوا: \"الجوهر إمّا محلُّ، وهو الهيولي (يعني المادّة المهيّئة لقبول الصورة؛ ومِن لفظِ \"التهيؤ\"","vol":"1","page":70},{"text":"اشتُقّ لفظُ \"الهيلوي\"، فكأنّه أعجميُ معرّبٌ)؛ أو حالٌ في المحلّ، وهو الصورة؛ أو مركّبٌ منهما، وهو الجسم؛ أو لا محلٌ ولا حالٌ ولا مركبٌ منهما، وهو إِمّا أن يتعلّق بالجسم تَعلُّق التدبير، وهو النفس، أو لا ينعلّق بها كذلك، وهو العقل\".\nوبعض الفلاسفة يزعم أنّ العقل مِن المجادات الغنيّة عن المحلّ والموضوع. فهو لا داخل البدن ولا خارجه، ولا متّصلٌ به ولا منفصلٌ عنه. وأعلم أنّ دعوى تجرُّده ممكنةٌ بناءً على أنّه روحانيُّ. أمّا عدم دخوله وخروجه واتّصاله وانفصاله، فهو غير معقولٍ؛ لأنّ النقيين لا يرتفعان.\nوقال الأستاذ أبو إِسحق: \"العقل معنًى يُتمكّن به مِن الاستدلال على ما وراء المحسوسات\".\nوقال قومٌ: \"هو ما لا يخلو العاقلُ عنه عند التذكّر، ولا يشارِكه فيه مَن ليس بعاقلٍ\".\nوحُكي عن المعتزلة أنّه ما يُعرَف به حُسنُ الحَسَنِ وقُبحُ القبيحِ. وعن الجبّائي أنّه الداعي إِلى الحَسَنِ، الصادّ عن القبيح. وهو بناءٌ على أصلهم الذي نحن بصدد إِبطاله. والتعريفان قبله مَدخولان، لإِجمال الأوّل، وتعريف العقل في الثاني بنفسه.\nوقال قومٌ: \"هو ما يُعرَف به خَيرُ الخيرَين وشرُّ الشرَّين\". وهو شديد الإِجمال أيضًا.\nوقالت الخوارج: \" العاقل مَن عقل عن الله أمرّه ونهيَه\". وهو فاسدُ، لتعريفه بنفسه.\nوالذى وقَع عليه اختيار المحقِّقين أنّ العقل ضربٌ من العلوم الضروريّة. وهو العلم بوجوب الواجبات واستجالة المستحيلات وإمكان الممكنات. لأنّه لو لم يكن من قبيل العلوم، لصحّ انفكاكُ أحدهما عن الآخر وهو باطلٌ، لاستحالة وجود عاقلٍ لا يعلم شيئًا البتّة، أو عالمٍ بجميع الأشياء، فليس علمًا بالمحسوسات؛ لحصوله في البهائم والمجانين؛ وليسوا عقلاء. فهو إِذن مِن العلوم الكّليّة. ثمّ ليس من العلوم النظريّة؛ لأنها مشروطةٌ بالعقل","vol":"1","page":71},{"text":"وتصرفُّه. فلو كانت هي العقل، لكان شرطًا لنفسه؛ وهو محالٌ. فتعيَّن أن يكون عبارةً عن علمٍ كلّى بديهي.\nوأُورِد على هذا الاستدلال أنّ التغاير لا يقتضي جوازَ الانفكاك؛ بدليل [أنّ] الجوهر والعرَض، والعلّة والمعلول، متلازمان ولا ينفكّان. ولئن سُلِّم أنّ التغاير يقتضي الانفكاكَ، لكنّ العقل قد ينفكُّ عن العلم. كالنائم واليقظان الذي لا يَستحضر شيئًا من وجوب الواجبات واستحالة المستحيلات؛ فِإنّ العقل فيهما موجودٌ، والعلم مفقودٌ.\nفدلّ ذلك على أنّ العقل غريزةٌ تلزمها هذه العلومُ عند سلامة الحواسّ. كما قال المحاسبيّ: \"إِنّه غريرزةٌ طبيعيةٌ يتوصّل بها إلى المعرفة، لا أنّه نفس تلك العلوم\".\nقلتُ: وهذا سؤالٌ قويٌ لا جواب عنه. وممّا يؤكِّده أنّ العقل إِذا فسد، تَسبَّب الأطبّاءُ إِلى إِصلاحه بالعلاج. فمن ذلك دليلان. أحدهما أنّ موضوع علم الطب إِنما هو الأجسام الطبيعيّة وما اشتملَت عليه من الطبيعيات؛ والعلوم ليست منها. وربما قوّى هذا قولُ الفلاسفة، \"إنّه جوهرٌ\"؛ لأنّ سلطان الطب على الجواهر أغلبُ منه على الأعراض. الثاني أنّ فساد العلوم إِنم هو بسيانها وذهابها عن القوّة الحافظة، بحيث يتعذّر على العالم استحضارُها. والأطبّاء لا سلطان لهم على تذكير علمٍ منسي، أو ردّ علمٍ ذاهب. وإِنما سلطانهم على القُوى والغرائز، بالتسبّب إِلى إِصلاحها إِذا فسدت فدلّ على أنّ العقل غريزةٌ يحصل بها العلم؛ لا نفس العلم، بل لازمٌ له.\nفإِن قال: اللازم يصحّ وجوُده بدون المازوم. فلو كان العقل غريزةً، لازمًا للعلم، لا نفس العلم، لصحّ وجود العقل بدون علمٍ، فكان يوجد عاقلُ لا يعلم شيئًا أصلًا. وهو باطلٌ؛ لأنّ عاقلًا لا يخلو من علمٍ ضروريِّ.\nفالجواب بالتزام ذلك. فإِنّ المجنونَ عقلُه قائمٌ به لم يفارقه. وإِنما عليه ما عَرَضَ له من العلّة، فاختفى أثرُه، وهو باقٍ لم يفارِق. إِذ لو فارق، لم يَعُد. وهذا كما يَبطُل تأثيرُ المغناطيش إِذا لُطخ بالثوم، وقوّته الجاذبة باقيةٌ؛ لكن بطل تأثيرُها لغلبةِ المانع والمعارِض.\nوكما يَبطُل تأثيرُ الروحِ بالسُكات العارض، والروح باقٍ في البدن لم يفارِق. ولهذا","vol":"1","page":72},{"text":"بعض الناس يظنّ أنّه مات، فيأخذ في جهازه إلى القبر. وإِنما يكون مسكَتًا. فربما زال سكاتُه، فتحرُك في اللحد قبل أن يُطَمّ، فيُرَدّ إلى أهله حيًا. وربما طُمّ بالتراب، فيموت خنقًا وغمًّا. ولهذا ذكَر الفقهاءُ أنّ ميتًا لو نُبش، فوُجِد قد مَزّق أكفانه وهو ميّتٌ، وجبت ديتُه على دافنيه. لأنّه، بتمزق أكفانِه، علِمنا أنّه دُفن حيًّا وأنّه كان مُسكَتًا. فكان موته بعد ذلك خطأً من دافنيه. قال بن عقيلٍ في الفصول، فيما أظنُّ بَعدَ طولِ عهدٍ: \"هذه الواقعة وقعت في عصرنا، فتفتيتُ فيها بذلك\". ولهذا قالوا أيضًا: يُتيقّن موتُه، إِن شٌكّ فيه، بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفّيه واسترخاء رجليه؛ لأنّ الروح تَربط بعض الأعضاء ببعض، فبانفصالها يٌعلم زوالُه.\nوأيضًا، فإِنّ مادّة ج- ن- ن ترجع إِلى معنى السِّتر، لا إِلى معنى الزوال والمفارَقة. عُلِم ذلك باستقراء موارِدها. فالجنون استتارُ لعقل، لا زوال العقل. فاعلم ذلك.\nوقد سلك القاضي أبو بكرٍ وإِمام الحرمين في بيان أنّ العقل علمٌ ضروريٌ طريقًا آخر نحوًا من الأوّل. وهو أنّ العقل موجودٌ؛ إذ لا أثر للمعدوم. فهو إِمّا قديمٌ- وهو باطلٌ؛ إذ القديم لا يَحلّ المحدَثَ- أو حادثٌ. وهو إمّا جوهرٌ، أو عرضٌ. والأوّل باطلٌ؛ لأنّ الجوهر لا يقوم بالجوهر. والعرضُ ليس بكون ولا كونٍ؛ لأنّ العقل يوجد بدونها، وينتفى معها. فهو من قبيل العلوم. وليس نظريًا، لما سبق؛ ولا كلَّ ضروري، لأنّ بعض الضروريّات تحصل للمجانين. لكنّ إمام الحرمين يقول: \"العقل والعلم جميعًا يُعلَمان بالتقسيم هكذا، لا بالتحديد، لقصور العبارة عن الوفاء بماهيّتهما\". وقد خولف في ذلك. ١","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المسألة الثالثة: في مكان العقل</span>\nوقد اختلف في ذلك حكماءُ الطبيعةُ وعلماءُ الإسلام. فقال بعضهم: \"هو في الرأس، ومحلّه الدماغُ. وقال آخرون: \"هو في البدن ومحّله القلبُ\". والقولان منقولان عن أحمد والشافعيّ.\nاحتجّ الأوّلون من وجوهٍ.\nأحدها: أنّ العقل إذا فسد، أو عَرَضت، له آفةٌ، بادر الحكماءُ إِلى علاج الدماغ دون القلب. وإِنما يُوضع الدواءُ يمقتضى الحكمة في موضع الداء. فدلّ على أنّ العقل في الرأس. واعتٌرِض على هذا بما لا حاصل له. وهو أنّ الصدر. فمّ يرى الدواءُ إِلى القلب بواسطة الأعضاء. وهذا ضعيفٌ؛ إذ يمكن ثبوتُ الدواء على الصدر بربطٍ أو إِلصاقٍ ونحوه. ولو صحّ أنّ العقل في القلب، لما أَعجَز الحكماءَ مداواتُه في محلّه.\nالثاني: قد تبيّن، ما سَبَقَ، أنّ العقل قوةٌ مدرِكةٌ. ومحلُّ القوى المدرِكةِ كلّها الرأسُ: الظاهرِة منها، كالسمع والبصر والشمّ والذوق واللمس، وإِن اشتَرَك في اللمس جميعُ البدن؛ والباطنة، كالمخيِّلة والذاكرة والمفكرة والوهم والحسّ المشترك. فنظام الحكمة في الوجود أن تكون تلك القوّة بين تلك القوى.\nالثالث: أنّ الرأس أشرف ما في الإِنسان وأعلاه. والعقل نور، إمّا بحقيقته، أو بأثره.\nوشأن الأنوار أن تكون في الأماكن العالية، لتُشرِف على ما يستنير بها؛ كالشمس والقمر والنجوم بالنسبة إِلى الأرض، وعيني الإِنسان بالنسبة إلى سائر بدنه. وكذلك السُرُج والقناديل، جُعِلت مستعلية. فكذلك العقل، في قياسِ الحكمة ومقتضاها واستقراسِ آثارها، يُقتضَى أن يكون في أعلى الإِنسان، وهو رأسه.\nالرابع: أنّ الدماغ لو فُقِد العقلُ. ولو قدّنا بقاءَ الإِنسان بعد فَقد قلبه حيًا، لم يَفقد العقلَ؛ لأنّه يَعقل بما في رأسه من العقل. وهذا وجهٌ ضعيفٌ؛ لأنّه دعوى محلّ النزاع. ثمّ هو معارَضٌ بِمثله سواء.\nواحتجّ الآخرون بوجوهٍ.","vol":"1","page":74},{"text":"أحدهما: أنّ العقل أنفَسُ ما في الإِنسان. والقلب أوثقُ محلِّ فيه. ولذلك جُعِل في الصدر، لما دونه من الوقايات. فاقتضت الحكمةُ جعلَ الأنفسِ في المكان الأوثقِ، كما تُوضع الجواهرُ النفسية في الأماكن الحريزة. وعورِض هذا بأنّ الرأس أوثقُ وأحرزُ، لما دونه مِن عظمِ القحف ونحوِه من الجواهر الصلبة.\nالثاني: أنّ القلب أوّل ما يتكوّن من الإّنسان. فكان أولى بمحلّيّة العقل؛ لأنّ أوّليّة تكوين القلب دليلُ شرفِه والعناية الربّانيّة به. ففي جَعْل العقل فيه جَمعٌ بين شريفين نفيسين في محل واحدٍ. فيكون ذكل أعون على صلاح البدن، كاجتماع السلطان والوزير في المدينة. وأُجيبَ عنه بأنا لا نُسلِّم أنّ القلب أوّلُ متكوّنٍ من الإِنسان. بل للحكماء في ذلك ثلاثةُ أقوالٍ. أحدها ما ذكرتم. الثاني أنّه الدماغ؛ لأنّه مَجمعُ الحواسِّ الشريفة السابقِ ذكرُها. الثالث أنّه العُصعص؛ وهو موافقٌ لصحيح السنّة، وهو قولُه ﵇: \"كلّ جسد ابن آدم يَبلى، إِلاّ عَجْب الذَنَبِ، ومنه تُبتدأ إِعادتُه\".\nفيكون أوّلُ القلب أوّل مكوَّنٍ منه؛ لكن لا يلزم من ذلك كونُه أشرفَ ما في الإِنسان؛ إِذ ربما سبقت أواخرُ الأشياء أوائلها شرفًا وفضلًا. وفي المعنى قولُ الشاعر:\nلا تَقعُدن عن المكارم والعُلى ... فلربما سبق الأخيرُ الأوّلا\nوقولُ الآخر:\nافخرْ بآخِرِ مَن بُليتَ بحبّهِ ... لا فخر في حبّ الحبيب الأوّلِ\nأوَليس قد ساد النبيُّ محمدٌ ... كل الأنام وكان آخِرَ مرسَلِ\nسَلَّمنا أنّ أوّليّته تدلّ على شرفه، لكن لا نُسَلِّم أنّ ذلك يقتضي كونَ العقل فيه.\nقولهم \"ذلك أعونُ على صلاح البدن\"، معارَضٌ بعكسه؛ وهو أنهما إِذا افتَرقا، فكان أحدهما في الرأس والآخر في البدن، كان أجدو بالصلاح. كما تُجعَل الشجعانُ","vol":"1","page":75},{"text":"الأكفّاء في ميمنة العسكر وميسرته وقلبه؛ ولو اجتمعوا في موضعٍ واحدٍ، لانكسر من الجهة الأخرى. وكما تُفرَّق الحكّامُ والولاةُ في البلدان لإِصلاحها. واستعانة السلطان بالوزير لا تتوقّف على كونه معه بالمدينة؛ إِذ قد يُستعان برأيه على بُعد المسافة.\nالثالث: وهو من أدلّة المشرِّعين، قوله تعالى: ﴿لَهٌمْ قُلُوب لا يَفقهُونَ بِهَا﴾، ﴿يَعْقِلُون بها﴾؛ ﴿إِنَ في ذَلِك لَذِكْرَى لِمن كانَ لهُ قَلْبٌ﴾؛ ﴿فإنها لا تعْمى الأبْصار ولَكن تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصدُور﴾؛ ونحوه من الآي التي يُضاف فيها العقلُ أو أثره كله، وإِذا فسدت فسد الجسدُ كله؛ ألا وهي القلب\". والجسد يفسد بفساد العقل؛ فدلّ على أنّه في القلب.\nوالجواب عن هذا جملةً وتفصيلًا:\nأمّا الأوّل، فإنّ العقل والقلب، مع اختلاف مكانهما من الإِنسان، يتعاونان على صلاح البدن والنفس؛ إِذ نسبةُ العقل إِلى القلب نسبةُ ضوء الشمس ونحوها إلى العين. وكما لا إِدراك للبصر بدون واسطة الضوء، فلا إِدراك للقلب ولا اهتداء بدون العقل. إِذ نور العقل مشرِقٌ على القلب؛ فيه يهتدي ويدرِك ما يحتاج إِليه. فلمّا كان بينهما هذا التعاضد، كانا كالشيء الواحد المركب من جزأين. فصحّ أن يُتجوّز بأحدهما عن الآخر ويُضاف أحدُهما إِلى الآخر، على مذهب العرب في تجوُّزها عن الشيء بغيره، مِن لازمٍ، أو علّةٍ، أو سببٍ، أو مجاوِرٍ، أو مقارِنٍ، ونحو ذلك.\nوأمّا الثانى، فقوله، ﴿لا يفقهونَ﴾، و﴿لا يعقلون بِهَا﴾، أي لا يَتلقّون بقلوبهم عن العقل ما يفقه ويعقله من خطابه المرشد لهم إِلى السعادة؛ لأنّ العقل هو آلة الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنّا قد بيّنّا أنّ العقل هو آلة الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنّا قد بيّنّا أنّ اهتداء القلب بما يُشرِق ويفيض عليه من نور","vol":"1","page":76},{"text":"العقل. وقلوب الكفّار مطبوعٌ عليها، كما أخبر اللهُ عنهم. والقلب جوهرٌ مجوَّفٌ، كالعين والأذن؛ فإِذا خُتِم عليه، حال الختمُ والطبعُ بين داخله ونور العقل، فلا يتبصَّر؛ كما تحولُ الغشاوةُ، أو العمى، ونحوه من أعراض العين، بين القوّة الباصرة ونور الشمس ونحوها؛ فلا تُبصِر. فإِذا فهم العقلُ معنى الخطاب،\n[ألقى] بنورِه إِلى القلب؛ فإِن صادفه منشرحًا، أضاء بنوره وامتدى، وإِن صادفه مختومًا عليه، بقي النورُ يموج من خارجٍ، والقلب مظلمٌ من داخله، فضلّ وغوى.\nوكذا الكلام في قوله، ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب﴾، وقوله ﴿لذكرى لمن كان له قلب﴾، أي منشرح، غير مطبوع عليه، يتلقى عن عقله ما يُلقى إليه من نور الهداية. بخلاف من له قلب مختومٌ عليه، فإِنّ ذاك كم لا قلب له، لعدم انتفاعه بلقبه، على مذهب العرب وغيرهم في الإِخبار بنفي الشيء لانتفاء فائدته؛ كقولهم \"لا علم إِلاّ ما نفَعَ\"، و\"لا سلطان إِلاّ مَن عدَل\"، ونحوه وعلى هذا يُحمل ما رُوِي عن عليُّ ﵁: \"إِنّ العقل في القلب\": أي هدايته وأثره في القلب.\nوأمّا الحديث، فمعناه ما ذكرنا أيضَا؛ لأنّ صلاحَ بصلاح القلب إِذا تلَقّى نور الهداية عن العقل، وفسادَه بفساده إِذا أبى نورَ الهداية عن العقل، لانطماسه والختم عليه. أو يكون المراد النيّة والقصد اللذين محلّهما القلبٌ؛ فإِذا صَلَحا، ظهر الصلاحُ على الجسد ظاهرًا وباطنًا؛ وإذا فسدا، كان بالعكس. فيكون الحديث نازعًا منزع قوله ﵇: \"الأعمال بالنيّات\". ويُستأنَس على هذا التأويل، مع ظهوره بأنّ الحديثين- أعني حديثَ \"الأعمال بالنيّات، وحديثَ \"إِنّ في الجسد مضغةً، ألا وهي القلب\"- هما من الأحديث الأربعة التي هي مدار الإسلام ومبانيه. والثالث \"من حُسنِ إِسلامِ المرء تركُه ما لا يعنيه\". والرابع \"كلّ عملٍ ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌ\". وفي الختم والطبع على القلب كلامٌ سيأتي -إن شاء الله- في موضعه.","vol":"1","page":77},{"text":"والذي نختاره أنّ محلّ العقل الدماغ؛ لأنّ أدلّته أقوى وأسلمُ من المعارِض. وقد حُكِي عن الحَسَن وعطاءٍ أنّ الله سبحانه بعث العقلَ والحياء والسخاء إِلى آدم ليختار أحدَهما. فقال للعقل: \"أين تكون أنت؟ \" قال: \"في الرأس\". وقال للحياء: \"أين تكون أنت؟ \" قال: \"في العين\". وقال للسخاء: \"وأنت؟ \" قال: \"في القلب\". فقال للعقل: \"قد اخترتُك\". فقالا: \"لو اخترتَ غيره، ما صحبناه\".\nوعلى هذه الحكاية إِشكالٌ. وهو أن يُقال: كيف كان آدم عاقلًا قبل العقل، حتى اختار العقلَ؟ وجوابه أنّه اختاره بالإلهام، كما تختار البهائمُ الأصلحَ لها، ولا عقلَ لها. ولعلّ آدم إنما اختار العقلَ لعلوّ همّته لاختياره أعلى العاقل، فهو موافقٌ لقوله ﵇، \"إِنّ الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها\". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المسألة الرابعة: في فعلِ العقل وأثره</span>\nوهو الإِرشاد والهداية إِلى الصواب، إِذ خلا عن معارضٍ، من غلبةِ هوًى، أو فسادٍ في مزاجه، ونحو ذلك. والدليل عليه ما تواترت به، آي القرآن، من قوله تعالى، ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾، ﴿لأولى الألباب﴾. ولو لم يكن العقل هاديًا ومرشِدًا إِلى الصواب والحقّ، لما كان لتخصيص العقلاء بهذا الخطاب معنًى، ولما كان بينهم وبين البهائم فَرقٌ، ولما قامت حجة الله على ابن آدم. لأنّه بالعقل يَفهم خطابَ التكليف، فتتحقّق منه الطاعةُ والمعية، فيَحقّ له الثوابُ، وعليه العقابُ. ولهذا، رُفِع القلم التكليفيّ عن الصبيّ والمجنون والبهائم.\nوقد سبق بيانٌ كيفية إرشاده. وهو أنّ نورَه يفيض على القلب من الدماغ. فمَن أراد اللهُ ﷿ إِرشادَه. جمع بين نور عقله وبصرِ قلبه بلا حائلٍ، ثمّ أيّدَهما بنورِ","vol":"1","page":78},{"text":"التوفيق، كتأييد بصر الرأس والهواء الذي يجول فيه الشعاعُ بضوء الشمس. ومن أراد إِضلاله، حال بين نور عقله وقلبه، بأن خَتَم على سمععه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً. فمن يهديه من بعد الله؟ رّبنا لا تُزغ قلوبنا بعد إِذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنّك أنت الوهّاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[مفهوم التحسين والتقبيح]</span>\nأعلم أنّ الأصوليّين تناقلوا هذه المسألة بهذه الترجمة خلَفًا عن سلَفٍ. وهي ترجمةٌ مجملةٌ لا تفيد حقيقة المقصود. ثمّ لَما شرعوا في تلخيص محلّ النزاع فيها، لم يَعْرُ تلخيصُهم لها عن إِجمالٍ وإبهامٍ. وأنا أذكُرُ معنى عبارتهم في ذلك، ثمّ أُعقب ذلك بما يقع عليه الاختيارُ من كلام العلماء الأخيار. فأقول، والله المستعان:\nقال ابن بَرهان في كتاب الاعتصام: \"مذهب أهل الحقّ من جميع أصحابنا أنّ الحَسَن والقبيح يُعرفان بالشرع. فلا حَسَن إِلا ما حَسَّنه الشرعُ، ولا قبيح إِلا ما قبّحه الشرعُ. وخالفَنا في ذلك جميعُ المعتزلة والخوارج والروافض والكرّاميّة والبراهمة والتناسخيّة والثنويّة (زاد غيرُه: \"واليهود والنصارى\")، وقالوا: \"بالعقل يُعرَف حُسنُ الأشياء وقبحُها\". والشرع إِذ وَرَد بتحسينٍ أو تقبيحٍ، فهو مخبِرٌ عن حُكم العقلِ بذلك، وأمَرَنا الاحترازَ عمّا قبّحَه\".\nثمّ ذَكَر عن المعتزلة تقسيمًا سنذكره، إِن شاء اللهُ. ثمّ ذكر عباراتٍ للمعتزلة في تعريف الحسن والقبيح. فقال بعضهم: \"الحسن هو الفعل العاري عن وجوه القبح\". وقيل: \"ما لا يستحقّ فاعلُه الذمَّ\". قال: \"وهما باطلان، بأفعال البهائم والمجانين\".","vol":"1","page":79},{"text":"قلتُ: لأّن أفعالهما لا توصف بحُسنٍ ولا قُبحٍ، فهي عريّةٌ عن وجوه القبح. وكذلك هما لا يستحقّان مدحًا ولا ذمًّا.\nوقال الجبّائيّ: \"الحَسَنُ ما للقادر عليه فعلُه\". قلتُ: وهو دوري؛ لأنّا لا نعلم أنّ له فِعلَه حتى نعلم حُسنَه. فلو عرّفنا كونَه حَسَنًا بأنّه عرى عن وجوه القبح وعدمِ استحقاق فاعلِه الذمَّ، كان دورًا. وإِذا عُرِف الكلام على الحَسَن تعريفًا وتزييفًا، فالكلام على القبيح على وزانه في ذلك عكسًا.\nومذهبنا: الحَسَنُ ما وَرَد به الشرعُ اقتضاءً لفعله وإِثناءً على فاعل؛ فيتناول الواجبَ والمندوبَ. [والقبيحُ ما وَرَد به الشرعُ] اقتضاء لتركه وذمَّا لفِاعله؛ فيتناول الحرامَ والمكروهَ.\nفإِن قيل: \"المباح من أحكام الشرع؛ ولو تتناوله هذه القِسمةُ\". فالجواب من وجوهٍ. أحدها: أنّ المباح لوقوع التخيير فيه صار كأفعال البهائم، لا حَسَنٌ ولا قبيحٌ، ولا مدحٌ فيه ولا ذمٌ. ولهذا، قالت المعتزلة: \"إِنّه ليس من أحكام التكليف؛ إِذ التكليف يقتضي المشقّة، ولا مشقّة مع التخيير\".\nالثاني: قال ابن برهان: \"المباح أيضًا إِ ن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله. فتتناوله القسمةُ المذكورة\". قلتُ: هذا إِنما يتحقق على رأى الكعبيىّ في قوله، \"كلّ مباحٍ تَركُ حرامٍ؛ وتركُ الحرامِ واجبٌ\". لكنّ هذا يوجب أنّه من قِسم الواجب، وأنْ لا مباح. بل يقال: إِنّ فعل المباحِ يَستلزم تركَ الحرامِ، فيتوجّه الثناءُ إِلى فاعلِه من هذه الحيثيّة. وبالجملة، في هذا الوجه شيءٌ.\nالثالث: أنّ الإِسفرائينيّ لهذا الإِشكال قال: \"الحَسَن هو المأذونُ فيه شرعًا\"؛ فيتناول المباحَ. فلنا أن نُفسِّر الاقتضاءَ المذكور في قسمتنا بالإِذن. أو نقول: الاقتضاء يتضمّن","vol":"1","page":80},{"text":"الإِذن. على أنّ على تعريف الإِسفرائينيّ مناقشةً. وهو أنّ المباح لا قبيحٌ ولا حَسَنٌ. والنزاع في أنّه حكمٌ شرعيٌ أولا لفظي، كما بانَ في أصول الفقه.\nثمّ قال ابن بَرهان في موضعٍ آخر: \"مذهب أصحابنا أن وجوب الواجبات يُعرَف بالشرع. فقبل ووردِ الشرع، لا وجوب أصلًا.\nوقال جماعةٌ من المتكلمين والفقهاء: كلّ حَسَنٍ، فوجوبه بالعقل. ثمّ منها ما يجب لنفسه؛ كردّ المغصوب، وإغاثة المطلوب. ومنها ما يجب لغيره؛ كالنظر، يجب لتحصيل العلم. ومنها ما يجب لكونه تركًا لقبيحٍ. قلت: هذا مِن قبيل ما يجب لغيره. فينحصر الواجبُ فيما يجب لنفسه أو لغيره.\nوقال الآمدىّ: \"الحاكم هو الله. ولا حاكم سواه. ويتفرّع عليه أنّ العقل لا يُحسِّن، ولا يُقبح، ولا يوجَب شكرًا لمنعمٍ، وأنّه لا حُكم قبل ورود الشرع. فهذه ثلاث مسائل.\nالأوُلى: ذهبت المعتزلة والكرامية والخوارج والبراهمة والثويّة إِلى أنّ الأفعال منقسمةٌ ذواتها إِلى حَسَنةٍ وقبيحةٍ. وذهب أصحابنا وأكثر العقلاء إِلى نفي ذلك.\nقلتُ: فظاهر عبارة ابن بَرهان في حكايته عنهم، كلُ حَسَنٍ، فوجوبه بالعقل\"، وقولِ الآمديّ، \"الحاكم هو الله، ولا حاكم سواه\"، أنّ مذهب القائلين بالتحسين والتقبيح أنّ العقل موجِبٌ وحاكمٌ. وبذلك صرّحَ بعضُ الأصوليّين.\nفأمّا الإِمام فخر الدين أبو عبد الله الرازيّ، في المحصل والنهاية والمحصول وغيره من كتبه، وأتباعه، كالأُرمَويَّين، في الحاصل والتحصيل، فإِنهم سلكوا في تلخيص محلّ النزاع وحكاية مذهب الخصم طريقًا معناه أنّ الحُسن والقبح يُطلقان، ويُراد بهما","vol":"1","page":81},{"text":"تارةً ما لا يلائم الطبعَ وينافِره، كالحلاوة والمرارة والفرح والحزن واللذّة والألم، وتارةً كونُ الشيء صفةَ كمالٍ أو نقصٍ، كالعالم والجهل والشجاعة والجبن والقدرة والعجز ونحو ذلك. وهما بهذين المعنَيين عقليّان، أي يُعرفان بالعقل. وفي هذا الإِطلاق نظرٌ أو تجوّزٌ. فإنهما بالمعنى الأوّل إِنما يُعرَفان بالطبع والحسّ والوجدان؛ والأمرُ قريبٌ. \"وتارةً يُراد بهما كونُ الفعل موجِبًا للثواب والعقاب والمدح والذمّ، وهما بهذا المعنى شرعيّان عندنا، خلافًا للمعتزلة\". هذه عبارته في المحصّل.\nوقال في المحصول: \"النزاع في كون الفعل متعَلِّقُ الذمِّ عاجلًا والعقابِ آجلًا\".\nقلتُ: ولفظ \"التعلف\"- أَعَني كونَ الذِّم متعلِّقًا بالفعل، أو الفعل متعلَّقّا للذمِّ- لا يدلّ على أنّ العقل موجبٌ لذلك. وفي عبارة المحصّل صرَّح بلفظ \"الوجوب\"؛ فظاهرُه ظاهرُ كلامِ الأوّلين قبله، في أنّه فهم أنّ مذهب المعتزلة أنّ العقل موِبٌ.\nوناقشه القرافي على عبارة المحصول في شرحه له، بأن قال: \"النزاع في كون الفعل متعلَّقًا للذمّ أو العقاب\"، مُشعرٌ بأن ترتب الذمِّ والعقاب على الفعل متنازعٌ فيه.\nوليس كذلك عندنا ولا عندهم؛ إذ يجوز أن يُحرِّم الله تعالى ويوجِب، ولا يُعَجِّل ذمًّا أصلًا، بل يحصل المقصود بالوعيد من غير ذم. ويجوز أن يُكلف، ولا يؤجِّل العقابَ، بل يُعجِّله عقيب الذنب؛ كما أهلك كثيرًا من المجرمين عقيبَ ذنوبهم. لكنّ الله سبحانه قدّر بإِرادته تعجيلَ الذمِّ وتأخير العقابِ. وغيره ممكنُ عند الفريقين. وإِنما النزاع في كون الفعل متلَّق المؤاخَذة الشرعيةِ كيف كانت، ذمًّا أو غيره، عاجلةً أو آجلةً، هل يستقلُّ العقلُ بذلك أم لا؟ \"\nقلتُ: هذا كلامٌ جيدٌ لا غبار عليه. هذا الذي حضَر مِن حكاية كلامهم. وظاهر أكثره أنّ العقل موجبٌ ومحرِّمٌ على جهة الاستقلال، لاستقلال الحُسنِ والقبحِ بترتب الأحكامِ، لارتباطها بها عقلًا. والذى يدل قطعًا أنهم فهموا أنّ الفضلاء المعتبرين","vol":"1","page":82},{"text":"منهم يستدلّون بقوله تعالى، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، ونظائرها من الآي. ولو كان العقل موجبًا أو حاكمًا، لأوجب العقابَ قبل البعثة؛ وهو خلاف النصّ.\nوالتحقيق في ذلك أنّ مذهب المعتزلة أنّ الفعل إنِ اشتمل على مصلحةٍ خالصةٍ أو راجحةٍ، اقتضى العقلُ أنّ الله سبحانه طلبَه. وإِن اشتمل على مفسدةٍ خالصةٍ أو راجحةٍ، اقتضى العقلُ أنّ الله سبحانه طَلَب تركَه. وإِن تكافأت مصلحةُ الفعل ومفسدتُه، أو عَرى عنهما أصلًا، كان مباحًا؛ وليس حكمًا شرعيًا عندهم، لثبوته قبل ورود الشرع. وأنّ العقلَ أدرَك أنّ الله سبحانه يجب له لحكمته البالغة أن لا يَدَع مصلحةً في وقتٍ ما إِلاّ أوجبها وأثاب عليهما، ولا يدع مفسدةً في قوتٍ ما إِلاّ حرَّمها وعاقب عليها، تحقيقًا لكونه حكيمًا؛ وإلاّ لفاتت الحكمةُ في جانب الربوبية؛ وهو خلاف الإِجماع على كمال حكمته تعالى. فعندهم، إِدراك العقل، لما ذكرناه، مِن قبيل الواجبات للعفل، لا من قبيل الجائزات، كما نقول نحن. بل عندهم، كما وَجَب في العقل أنّ الله سبحانه متّصفٌ بصفات الكمال من العلم والقدرة والإِدارة، فكذلك وَجّب في العقل أنّ الله سبحانه يوجِب المصالح ويثيب عليها، ويحرِّم المفاسدَ ويعاقِب عليها.\nفتَلخّص من هذا كلّه أنّ إِيجابَ الله للمصالح وإِثابته عليها، وتحريمه للمفاسد وعقابَه عليها، جَزَم به العقلُ عندهم جزمًا. وعندنا إِنما جوزه تجويزًا. وليس مرادهم أنّ الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أنّ العقلَ موجبٌ ومحرمٌ.\nهذا حاصل ما قرّره القرافي ﵀ في شرح المحصول. وهو الحقّ الذي لا يجوز عنه العدولُ. ولم أَرَ هذا التحقيقَ لغيره. وأنت إذا قابلت بين هذا التقرير وبين ظاهرات عبارات الأصوليّين، وجدتهم قد أحالوا المعنى ونقلوا عن المعتزلة ما لا ينبغي لعاقلٍ ولا يتسنّى.\nوإِذ ثبت من مذهبم ربطُ المدح والذمّ والثواب والعقاب بالمصالح والمفاسد، وأنّ العقل اقتضى ذلك وأدركه جزمًا، فقد قالوا: \"إِنّ الحُسنَ والقبح منه ما يدركه العقلُ ضرورةً، كحُسنِ العدل والصدق النافع، وإِنقاذ الغرقى، وتخليص الهلكى، ونحوه،","vol":"1","page":83},{"text":"وكقبح الظلم، والكذب، وإِهلاك البريء، والتقاعد عن تخليص المُشفِي على الهلاك مع القدرة عليه، ونحوه.\n\"ومنه ما يدرِكه نظرًا، كحُسن الصدق الضارّ، وقبحِ الكذبِ النافع، لتعارُض المصلحة والمفسدة فيه؛ فيُنظر في أيّهما أرجح، بخلاف الأوّل، فإِنّه ضروري لتمحضِ مصلحتِه.\n\"ومنه ما لا سبيل للعقل إِلى إِدراكه بدون التوقيف، كحُسن العبادات، كالصلاة والزكاة، وقُبح المحرَّمات النافعة، كالخمر ونحوها، وكتقدير نصات الزكوات وأُروش الجنايات، وإِيجاب صوم آخِر يومٍ من رمضان، وتحريم صوم الذي بعده، وتحريم صوم الأيّام الخمسة، ومشروعيّته في غيرها من الأوقات، وتحريم الصلاة في الأوقات الخمسة والأماكن السبعة، ومشروعيّتها في غيرها من الأزمنة والأمكنة. وذلك هو حظّ النبوّات، وفائدة إِرسال الرسل، هو وغيره من فوائد البِعثة على ما بيّنه العلماءُ\".\nوحاصل ذلك أنّ العقل إنِ أَدرَك كونَ الفعلِ مصلَحةً أو مفسدةً جَزم بارتباط الثواب أو العقاب بها ابتداءً. وإن لم يُدرِك ذلك، تَوقف في جزمه على تعريف الشرع له بكونه مصلحةً أو مفسدةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[مآخذ الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[المأخذان الكيّان]</span>\nوإِذ قد تلخَّص محل النزاع، فنذكر مآخذ الخلاف، وهو من وجهين.\nأحدهما: أنّ الحُسن عندهم صفةٌ قامت بالفعل، أَوجبَت كونَه حَسنًا، والقبحَ صفةٌ قامت به أَوجبَت كونه قبيحًا، حملًا للأفعال على الأجسام. فإِن الحُسن والقبح إنما هو نسبةٌ وإِضافةٌ حاصلةٌ بين الفعلِ واقتضاءِ الشرعِ إِيجاد والكفَّ عنه. فإِذا قال الشرعُ: \"صلِّ! \"، قلنا: الصلاة حَسنةٌ: \"لا تزن! \" قلنا: الزنا قبيحٌ. وعلى هذا فقِسْ.\nوما ذكروه، مِن أنّ الحُسن والقبح صفتان للفعل، باطلٌ، لأنّ الصفات أعراضٌ؛","vol":"1","page":84},{"text":"والفعلُ عَرضٌ؛ والعرضُ لا يقوم بالعرض. لأنّ العرض لا يقوم بنفسه؛ وإنما يقوم بالجوهر؛ فكيف يقوم به غيرُه! وأيضًا، لو قام العرضُ بالعرض، لانقلب العرضُ جوهرًا. إِذ لا معنى لقيام العرض بالمحلّ إِلاّ كونه في حيّازه. والعرض لا حيّز له؛ إِلا أن ينقلب جوهرًا. لكنّه محالٌ.\nفأمّا ما يشكِّكون به على هذا- مِن أن السرعة والبطء عَرضان، ويقومان بالحركة؛ والحركة عرضٌ؛ وذلك عرضٌ قد قام بعرض؛ ومنه قولنا، \"سوادٌ حالكٌ\"، و\"لونٌ كثيفٌ ورقيقٌ\"؛ فالَحلَك والكثافة والرقّة أعراضٌ قامت باللون؛ وهو عرضٌ- فليس بشيءٍ لأنّ هذه الأعراض كلّها إِنما قامت بالجواهر بواسطة الأعراض. فحاصل الأمر أنّ الأعراض لا تقوم إِلاّ بالجواهر؛ نعم، تارةً بلا واسطةٍ، كالحركة، وتارةً بواسطةٍ، كالسرعة قامت بالجوهر بواسطة الحركة. وإذا ثبت هذا، فقياس الأفعال على الأجسام في قياس الحُسن والقبح بها لا يصح، لصحة قيام الأعراض بالأجسام والجواهر، دون الأعراض.\nالمأخذ الثاني: أنّ الشرع وَرَد عندهم مقرّرًا لحكمِ العقل ومؤكدًا له. وعندنا، وَرَد الشرعُ كاسمع شارعًا للأحكام ابتداءً. وتحقيق ذلك أنّ العقل احتيج إليه قبل الشرعِ لتقرير مقدّماته، كالتوحيد، وجواز البعثة، والنظر في المعجِز كالنائب للشرع في ذلك. كما إِذا ملَك السلطانُ مدينةً، بَعث نائبه بين يديه ليزيّنها لدخوله، ويُقيم له الإقامات، ويهييء له المساكنَ؛ حتى إذا دخلها السلطانُ، انعزل النائبُ، وصار الحكمُ له. كذلك العقلُ، إِذا قَرّر مقدّمات النبوّةِ تَثبَّت وانعزَل وصار مأمورًا بامتثال ما يصدر عنها.\nولهذا، أجمع أهلُ الملّة على أنّ النبيّ الصادق إِذا أخبر خبرًا لا يدركه العقلُ، وجب الإيمانُ به وتلقّيه بالقبول. وتلك خصيصة الإِيمان بالغيب، اتى مَدَح اللهُ بها المؤمنين.\nوقد وافق المعتزلة على هذا في تقسيمهم للحَسَنِ إِلى ما يدرِكه العقلُ ابتداءً، وإِلى ما لا يدركه إِلاّ بتوفيق الشرع. ولهذا، لَمَّا قلّدوا عقولَهم في إِنكار عذاب القبر، وسؤال منكَرٍ ونكيرٍ، ووزنِ الأعمال، وقعوا في عقال الضلال؛ لأنهم عدلوا عن قول المعصوم،","vol":"1","page":85},{"text":"إِلى تقليد المتّهم الموصوم؛ إِذ العقل يعرض له الأغلاطُ، فينزلّ عن سواء الصراط.\nفإِن قيل: \"لو اتُهم العقلُ بعد النبوّة في نظره، لاتُهم في ذلك قبلَها في تقرير مقدّماتها؛ فلم يكن به وثوقٌ. ثمّ تزلزلت قواعدُ النبوّات، وكان أهلُها بانين على الماء، أو على متن الهباء\".\nقلنا: قبلَ النبوّة، لم يكن له معارِضٌ يرجُح عليه. وبعدها، هي أقوى منه. ولا يلزم مِن اتهامِ الشاهدِ مع من يخالفه اتهامه إِذ كان وحده لا مخالف له. وهذا من أصعب أسئلتهم. وجوابه ما ذكرنا. فحاصل هذا المأخذ أنّ الشرع مؤكدٌ عندهم، وعندنا مؤسسٌ. والقاعدة المتّفق عليها أنّه إِذا تعارض التأكيدُ والتأسيسُ، كان التأكيدُ أولى، لأنّه أكثر فائدةً.\nوممّا يشبه هذا المأخذَ اختلافُ الأصوليّين فيما إِذا وَرَد حديثان، أحدهما مخالفٌ للأصل، ناقلٌ عن حُكمه، والآخر موافقٌ له مقررٌ لحُكمه. فقال قومٌ: \"يُقدَّم المقرِّرُ؛ لأنهما دليلان يعضد أحدُهما الآخر\". وقال آخرون: \"يُقدَّم الناقلُ؛ لأنّه أفاد فائدة زائدة\".\nومن فروع هذا الأصل النزاعُ في تقديم بيِّنةِ الداخل والخارج؛ لأنّ بيّنة الداخل كالحديث المقرّر للأصل؛ لأنها مقوّيةٌ لدلالة اليد. وبيّنة الخارج كالحديث الناقل عن حكم الأصل.\nفهذان مأخذان كليّان للمسألة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[المآخذ الجزئيّة]</span>\nأمّا الأدلّة الجزئيّة، فلنذكر منها وجوهًا.\nأحدها: لو اقتضى العقلُ قُبحَ شيء من الأفعال، لكان قبحه لمّا من الله، أو من العبد.\nوالأول باطلٌ؛ إِذ لا يقبُح من الله شيء، بإتفاقٍ. وإِن نوزع فيه، فبرهانه في موضعه. والثاني أيضًا باطلٌ؛ لأنّ فِعل العبد إِمّا اضطراري أو اتفاقي؛ ولا قُبح في واحد منهما. وبيان انحصاره في الاضطرار والاتفاق أنّ فِعل العبد إِن صدر منه عند خلقِ الله سبحانه داعى الفعل فيه، صار وقوعُه واجبًا بالضرورة؛ فكان اضطراريًّا. وإِن صدر عند استواء داعي الفعل والترك، وجاز الترجيحُ من غير مُرجِّحٍ، كان ذلك بالاتّفاق؛ فكان اتّفاقيًّا.","vol":"1","page":86},{"text":"أو نقول في تقريره: إِن فِعل العبدِ للشىس أو تركه لابدّ فيه مِن خلقِ الله سبحانه داعيَةً فيه. فإِن ترجَّح داعي الفعل، صار واجبًا اضطراريًّا. وإِن ترجَّح داعي الترك، صار واجبًا، والفعلُ ممتنعًا. وإِن استوى داعيهما، وجاز الترجيحُ بلا مرجِّحٍ، كان الفعل اتفاقيًا. وإِن لم يجُز، كان ممتنعًا، لامتناع الترجيح بلا مرجِّحٍ. وإِذا دار فعلُ المكلَّفِ، بين أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو اتّفاقيًا، فلا قُبح في شيء من ذلك.\nويَرِد على هذه الحجّة أمران.\nأحدهما: أن يمنعوا توقًّف فِعل العبد على خَلقِ الرب. فقد حَكى ابن بَرهان عن بعضهم أنّ العبد خالقٌ على الحقيقة كالربِّ. وقال بعضهم: \"الخالق على الحقيقة هو العبد، والله خالقٌ على جهة المجاز\". وحينئذٍ، يكون القبح من العبد لاستقلاله بالخلق. وهو مطلوبهم.\nالأمر الثاني: أن يقال: سَلَّمنا أنّ فِعل العبد متوقّفٌ على خلق الله الداعي. لكن لا نٌسَلِّم أنّ خلق الداعي مستقلٌ بوجوب وجود الفعل إِنما حصل من جهة العبد. فيكون القبيحُ منه من هذه الجهة. ويحصل المطلوبُ. وهذا سؤالٌ قوىٌ على هذه الحجّة. غير أنّه يقتضي وقوعَ المقدور بين قادرين؛ وهم لا يقولون به.\nالوجه الثاني من صور النزاع: تكليفُ ما لا يطاق. فنقول: لو كان قبيحًا، لما فَعًله الله سبحانه؛ وقد فًعًله؛ فلا يكون قبيحً. وبيان أنّه فَعَله أنّه كلَّف الكفارَ الذين عَلِم أنهم يمونون كفّارًا بالإِيمان بالرسل وما جاءهم. ومن جملة ما جاءهم أنّ أولئك لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، وقول موسى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الآليم قال قد أجيبت دعوتكما﴾ وقوله لمحمّد ﵇: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية﴾، ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم","vol":"1","page":87},{"text":"لا يؤمنون﴾، وقوله في أبى لهب: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾، مع أنهم مكلَّفون إِلى وقت موتهم بالإِيمان بما جاءت به الرسلُ. فقد كُلِّفوا بأنهم يؤمنون بأنهم لا يؤمنون. وهو تكليفٌ بالجمع بين الضدّين.\nولا اعتراض على هذه الحجّة إِلاّ بأن يقل: لا نُسَلِّم أنّ تكليفهم باقٍ إِلى الموت. بل انقطع تكليفُهم لَمّا وَرَد النصُّ بعدم إيمانهم: فصاروا عند ذلك كأنهم موتى، أو في النار. لكنّ القول بارتفاع التكليف، مع صحّة العقل والبلوغ، في دار التكليف، ضعيفٌ.\nالوجه الثالث: أنّ الكذب من صور النزاع. فول كان قبيحًا، لكان قبحه إِما لذاته، أو لغيره. والأوّل باطلٌ؛ وإِلاّ لما كان لمصلحةٍ رجحةٍ، كتخليص مظلومٍ أو نبي أو ولي مِن الظلم أو القتل، [أثرٌ]؛ لأنّ الأحكام الذاتيّة لا تتغيّر بالأمور العارضة. لكنّه قد جاز، بل وَجَب، باتفاق. وأما الثاني، فذلك الخبر إِن كان تعلُّق خطابِ الشرع به بالمنع منه، فهو الذي نقوله. وإِن كان غير ذلك، فبيِّنوه.\nالوجه الربع: أنّ الحُسن والقبح إِمّا عدميان، فلا يتعلّق بهما حُكمٌ؛ أو ثُبوتيّان، فهو باطلٌ، لقيامهما بالمعدومات. كقولنا للصلاة والقتل قبل دخولهما في الوجود \"حَسَنٌ\" و\"قبيحٌ\". وأيضًا، كلّ ما فعِلُه واجبٌ، فالترك عدميِّ قد اتّصف بالصفة الثبوتيّة؛ وهو محالٌ.\nولا يّرِدُ على هذا وصفُ الأشياءِ قبل وجودها بالإِمكان والامتناع والوجوب؛ لأنّ هذه نسبٌ وإِضافاتٌ عدميةٌ. فمعنى \"الممكن\" أنّه غير واجبٍ ولا ممتنعٍ. وكذلك الآخَران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[أدلّة المعتزلة على التحسين والتقبيح]</span>\nوأمّا عمدتهم في ذلك، فهو من وجوهٍ.\nأحدها: أنّ قُبح بعضِ الأشياء وحُسنها ثابتٌ بالضرورة قبل ورود الشرع، وعند مَن لا يقول بالشرع، كالبراهة ونحوهم مِن منكِري النبوّات؛ كقبح الجور والفجور،","vol":"1","page":88},{"text":"وحُسن العدل والبرِّ، وكذلك سائر المعروفات والمنكَرات، حُسنُها وقبحها معلومٌ للعقلاء بالضرورة. ولو تَوقَّف على ورود الشرع، لما عُرِف قبله، ولا من ينكرِه. بل البراهمة من جملة حججهم في إِبطال النبوّات أن قالوا: \"الفعل إِن دلّ العقلُ على حُسنه أثبتناه، أو على قبحه، أثبتناه؛ وإِن لم يدلّ على حُسنه ولا قبحه، فَعَلنا منه ما اضطررنا إِليه، وتَرَكنا ما لا ضرورة إِليه احتياطًا. وحينئذ نستغني عن النبوّات\". فكيف يقال: إِنّ ما يُحتَج به على إِبطال النبوّات لا يُعرَف إِلا بها؟ هذا خُلفٌ.\nوالجواب: أنّا لا ننكر أنّ في الأفعال ما يُعلَم حُسنُه وقبحُه قبل الشرع، ولمن لا يقول بالشرع. لكنّ ذلك الحُسن والقبح إِنما هو بأحد المعنيين الأوّليين من أوجه الحُسن والقبح التي يُطلَق عليهما، كما سبق. وهما الميل والنفرة الطبيعيّان، أو صفة الكمال والنقص. فإِنّ المعروف والبرّ تميل إِليهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا كمالٍ. وضدّهما المنكَرُ والفجور، تنفر عنهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا نقصٍ. ولهذا يُمدح الإِنسانُ بأن يقال: \"عادلٌ بار، فاعلٌ للمعروف، صادقٌ\"؛ ويُذمّ بأضداد ذلك، فيقال: \"جائزٌ فاجرٌ، فاعلٌ للمنكَر، كذابٌ\".\nوقد يُستحسن الفعلُ لدفعِ الأذى عن النفس؛ كإِنقاذ الغريق وإِعطاء المسكين، لدفع تأذّى النفس برقِّتها عليه. أو لاتّفاق العالَم أو أهلِ العلم على أنّه من المصالح الخاصّة أو العامّة، لا ينتظم أمرُ الناس إِلاّ به، كنفي الظلم والكذب. وهو راجعٌ إِلى ما ذكرنا أوّلًا.\nوإِذا ثبت هذا، فليس النزاع فيه؛ إِنما النزاع في ربط الذمِّ والمدح والجزاء على الأفعال بحصول المفاسد والمصالح منها جزمًا في العقل. وما ذكر تموه ليس نظيرَه.\nثم ما ذكرتموه من استقباح البراهمة ونحوهم لبعض الأفعال قبل الشرع معارَضٌ بما كانت العرب في الجاهلية على كثرتهم وكمال عقولهم وحكمتهم، على ما دلّ عليه سيرتُهم ومحاوراتُهم نزمًا ونثرًا، تستحسِنه وتفتخر به، من إراقة الدماء، ونهب الأموال، وسبي العيال، وقهر الخصوم، وغير ذلك. فإن قلتم: \"ذلك حَسًنٌ\"، يلزم التناقضُ. وإن قلتم: \"قبيحٌ\"، فكيف يَتفق على حُسنه الجم الغفير من العقلاء؟ فإن","vol":"1","page":89},{"text":"قيل: \"ذلك قبيحٌ، وإِنما استحسنوه لجهلهم، ولذلك سُمُّوه جاهليّةٌ\"، قلنا: ليس كذلك؛ وإِنما سُمُّوه جاهليةً بجهلهم بالشرائع. وذلك دليلٌ على ما نقوله من أنّ حَسَن الأفعالِ وقبيحَها بالمعنى المتنازَع فيه إِنما يعرفان بالشرع لا غير.\nالوجه الثاني: إِنّ من استوى عنده الصدق والكذب من كلِّ وجهٍ، إِلاّ من جهة كونهما كذبًا وصدقًا، فإِنّه يُرجح الصدقَ. ولولا اختصاصه بصفةٍ كان لأجلها حَسَنًا، لما رجَّحه. وكذلك الملِلك العظيم يجد مسكينًا وحده في برّيّةٍ مشرفًا على الهلاك، فيميل إلى إنقاذه وليس ذلك إِلاّ لُحسن الإِنقاذ لا غير. إِذ الملك غنيِّ عن مكافأة المكسين، والفَرَضُ أنْ ليس هناك مَن يتشوّق إِلى ثنائه عليه بذلك.\nوالجواب أنّ ترجيح الصدق وإِنقاذ المسكين، إِن فرَضنا تساوى فعلهما وترِكهما من كلّ وجهٍ، بحيث لا يُتّبَع فيهما عُرف ولا إِلفٌن ولا يُدفَع بهما تألّمُ نفسٍ ولا نفرةُ طبعٍ، لم يُسلُّم أنَه يُرجح واحدًا منهما. وإِنما يَرجح أحدُهما لما سبق من اطّراد عُرفٍ، أو إِلفٍ، أو دفع ألمٍ أو رِقّةٍ. لأنّ العاقل إِذا رأى غيره هي شدّةٍ، جوَّز أن يكون هو فيها، ثم فرَض لحوقَها به. فيلحقه لذلك رقّةٌ وألمٌ، أو رقةٌ، أو ألمٌ، فيبادر إِلى إنقاذه دفعًا لذلك عنه.\nالوجه الثالث: لو كان حُسنُ الأشياء وقبحُها إِنما يثبت بالشرع، ما قَبُح من الله شيءٌ. ولو كان كذلك، لجاز أن يُظهر المعجزاتِ على أيدي الكاذبين. وفي ذلك سَد بابِ معرفة النبوّات، لالتباس الصادق بالكاذب. ولجاز أن يأمر الله سبحانه خلقَه بكلّ قبيحٍ، كالكفر والجور والظلم والكذب، وينهاهم عن كلّ حَسَنٍ، كالإِيمان والعدل والصدق. وذلك محالٌ.\nوالجواب أنّه لا يقبح من الله شيءٌ. وإِلاّ لكان خلقُه لكلّ مفسدةٍ في العالم، وخلقُه للكفّار للنار، وخلقُه لإِبليس سببًا لإِضلال الخلق، وخلقه للطباع المائلة والشهوات المستميلة حتى تجذب المعاصي فيما بين ذلك، قبيحًا. وقد اتّفقنا على عدم قُبحِ ذلك كلّه. وأمّا جواز فعلِه ما ذكرتموه من المستقبًحات، فثابتٌ. ولو فعل ذلك كلّه، لم يكن قبيحًا؛ كالأشياء التي ذكرناها واتّفقنا على عدم قبحها. لأنّ ما ادّعيتم قبحه وما سلّمتهم عدمَ قبحه قبيحٌ بالإِضافة إِلى نظر العقل. فإِما أن تقولوا بالقبح في الجميع؛ فيلزمكم أنّ","vol":"1","page":90},{"text":"الله فَعَل قبائحَ كثيرةً؛ وأنتم لا تقولون به. وإِمّا أن تقولوا بعدم القبح في الجميع؛ فلا يلزم من جواز ما ذكرتموه محذورٌ.\nثمّ نقول: إِنّ جواز ما ذكرتموه وغيره لا يستلزم وقوعَه. ونحن نجزم ضرورةً بعدم وقوعه، وأنّ الله لم يُظهر المعجِزَ إِلاّ على يد صادقٍ، وأنّه لم يأمر بقبيحٍ أصلًا. لأن القبيح عندنا ما نهى عنه ومَنَع منه. فلو كان آمرًا به، لكان جامعًا بين الأمر بالشيء والنهي عنه بعينه؛ وهو تناقُضٌ. وإِذا كان علمُنا بأنّ ما أَلزمتمونا جوازَه من القبائح لم يقع ضروريَّا، فلا تأثير لمجرّد احتمال الجواز المذكور في العلم الضروريّ. وصار ذلك من باب احتمال انقلاب العلوم العاديّة؛ كانقلاب الجبال ذهبًا، والبحار عسلًا. فإنّه محتمَلٌ جائزٌ عقلًا في كلّ لحظةٍ وكلّ نفسٍ؛ بمعنى أنّه لو قُدِّر، لم يلزممنه محالٌ لذاته، مع أنّا نعلم قطعًا أنّه لم يقع؛ ولم يقدح جوازُ ذلك في قطعِنا بعدمه.\nوأيضًا، لو قدّرنا إِظهار المعجز على يد الكاذب، قدّرنا في قبالته ما يَدفع محذوره، بأن نقول: إِن كان الله تعالى قَصَد بذلك إضلالَ تلك المعجزات فُرجةً للناس يتفرّجون فيها ويتنزهون بها، كما يتفرّجون في سائر الأشباء المتضادّة، كالحيوانات الحَسنة والقبحية، والأشجار الطبّية الرائحة والطعم والخبيثة، وكما يتفرّجون الآن في شعبذة المشعبذين وسحر السحرة. أو يُقدِّر اتفاقُنا على تجوّز تكليف ما لا يطاق؛ فلا يلزم من ذلك المحال. وبالجملة، لو قدّرنا ما ذكرتموه، قدّرنا انقلاب حقائق ما نحن فيه الآن على وجهٍ يدفع محذورَه. فأمّا أنّكم تُلزِمونا تقديرَ بقائنا على حالنا الآن، فهذا ليس بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإنِصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإِنصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم أنفسَكم بأهل العدل.\nالوجه الرابع: لو لم يُعرَف الحُسنُ والقبح إِلاّ بالشرع، للزم منه إِفحامُ الرسلِ، بأن يُقال لهم: \"لا ننظر في معجزكم، حتى يجب علينا النظرُ، حتى يَثُبت شرعُكم. ولا يَثبُت شرعُكم حتى ننظر في المعجز\". وذلك دورٌ ممتنعٌ؛ وسيأتي هذا وجوابُه.\nالوجه الخامس: لو لم يكن الحُسن والقبح معلومين عقلًا، لما عرفناهما عند ورود","vol":"1","page":91},{"text":"الشرع؛ لأنّ إنّه التصديق مسبوقٌ بالتصوّر.\nوالجواب إِنّه إِلزامٌُ لنا على أصلهم في أنّ ماهيّة الحُشن وَرَد مؤكدًا لحكم العقلِ في ذلك. وقد سبق منعُه. ونحن إِنما نستفيد الحكم بحُسن الشيء وقبحه من أمرِ الشرعِ ونهيه. وقبل الشرع، لا يستحيل منّا تصورُ ماهيتهما بهذا المعنى، بأن نقول: لو جاء شرعٌ، أو قدّرنا ورود شرعن لكان الحَسَن والقبيح ما أمَر به ونهى عنه.\nالوجه السادس: لو لم يكونا عقليّين، لم يجُز إِسنادُ الأحكام إِلى المصالح. وحينئذٍ، ينسدّ بابُ القياس في الشرع بتحسينها، وكذا المفاسدُ.\nوالنزاع معكم إِنما هو فيما سبق. وهو كونُ العقل بذاته أدرك المصالحَ والمفاسدَ، ثمّ جَزَم وأوجَب في حُكم الله سبحانه رّبْط الجزاءِ بها ثوابًا وعقابًا وذلك غير ما نحن فيه.\nالوجه السابع: لو كان حُسن الأفعال لورودِ الأمر بها، لم تكن أفعالُ الله سبحانه حَسنةً، لاستحالة توجُّه الأمر إِليه من غيره. ولو كان قبحُ الفعل للنهي عنه، لاقتضى نهيُ التنزيه قبحَ المنهيّ عنه.\nوالجواب أنّ الحَسّن عندنا ما عَلِمَ فاعلُه أنّه غير ممنوعٍ منه. فيتناول أفعالَ الله سبحانه؛ إِذ لا مانع. والمقتضي للقبح هو نهيٌ مخصوصٌ، وهو نهي التحريم، لا مطلق النهي. وأمّا قولنا في بعض المواضع، \"الحَسَن ما أذن فيه الشرعُ، والقبيح ما مَنَع منه\"، فإِنما نريد بذلك الحَسَنَ من أفعالنا؛ وهو حَسَنٌ خاص. أمّا إِذا أردنا به ما يعم الحَسَنَ منّا ومن الله سبحانه، عرفناه بما ذكرنا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[إبطال التحسين والتقبيح]</span>\nوالمعتمد في إِبطال التحسين والتقبيح أنّ رعاية مصالح الخلق غير واجبةٍ على الله. ويلزم من ذلك بطلانُ التحسينوالتقبيح.\nأمّا الأوّل، فلأنّ خلق اللهِ سبحانه للعالم في وقته الذي خلَقه فيه، دون ما قبله وعده، إِمّا مصلحةٌ لهم، أو مفسدةٌ، أو مصلحةٌ لبعضهم دون بعضٍ. فإن كان مصلحةً، فقد فوّتها فيما قبل خلْقِ العالمِ بدهورٍ وأزمنةٍ لا تتناهى. وإن كان مفسدةً،","vol":"1","page":92},{"text":"فقد أَوجدها، مع قدرته على الاستمرار على نفيها. وإن كان الثالث، فالكلام في كلّ واحدٍ من القسمين كالكلام على الجميع؛ إِذ قد كان يمكنه أن لا يوجد مِن العالم إِلاّ مَن له في الوجود مصلحةٌ.\nفإّن قيل: \"لعلّه علم أنّه ليس في وجوده قبل وقته المعيّن مصلحةٌ، فأَخَّره إِلى ذلك الوقت نَظَرًا لهم في ذلك مصلحةً، فلم يُرِد إِيصالَها إِليهم لكونه لا يراعي مصالحهم التزامًا\". فإِن قيل \"لا يليق ذلك بكرَمه\"، قلنا: \"هذا رجوعٌ إِلى التحسين والتقبيح؛ ونزاعنا فيه\".\nثمّ نقول: هب أنّه أّخَّر خلقَ العالم إِلى وقته المعيّن لمصلحتهم. فبَعد خلقِه، اشتمل العالمُ على مفاسد، أم لا؟ إِن اشتمل على مفاسد، فإِمّا أن يكون سبحانه عالمًا بها قبل خلقها؛ فقد كان يجب على قاعدتكم أن لا يخلقها رعايةً للمصلحة. أو لا يكون عالمًا بها؛ لكنّه ليس مذهبًا لكم. لأنّا اتّفقنا على أنّه عالمٌ بالأشياء في الأزل؛ وإِنما اختلفنا في أنّه عالمٌ لذاته، أو بمعنًى زائدٍ هو علمٌ؛ وهو أمرٌ وراء ما نحن فيه. وهذا معنى قول الشافعي ﵁: \"إِذا سَلَّم القدريّة العلمَ، خُصِموا في جميع هذه المسائل\". وبتقدير أنّه إِنما يعلم الأشياء بعد وقوعها، على رأي بعضهم، وإِن كان فاسدًا، لكنّه قادرٌ على رفعها بعد وجودها وقطعِ استدامتها؛ ولم يفعل.\nوأيضًا، فمن مصلحة الكفّار والعصاة أن كان يعصمهم مِن أسباب العذاب. إِذ هو قادرٌ على ذلك. وحيث لم يعصمهم، فهلاّ عفا عنهم! إِذ العفو أصلح لهم. وحيث عاقبهم، فلِمَ خلَّدهم في النار؟ وإخراجهم منها، ولو بعد حينٍ، أصلح لهم. وقد اضطرّ التزامُ رعاية الأصلح بعضَ المعتزلة حتى التزموا أنّ خلودَ الكفّار في النار أصلحُ لهم.\nوأمّا الثاني، وهو أنّ بطلان رعاية المصالح يلزم منه بطلانُ التحسين والتقبيح، فلأنّا قد بيّنّا أنّ معنى التحسين والتقبيح هو جزم العقل بوجوب ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد. وحيث بطلت رعايةُ الأصلح أو المصالح، لم يجب في العقل أن يربط اللهُ أحكامَه بالمصالح والمفاسد. بل يجوز ذلك ونقيضه؛ وهو المطلوب. وحيث كثُر من الله","vol":"1","page":93},{"text":"سبحانه رعايةُ مصالح خلقه، فإِنما كان ذلك تفضُلًا منه، لا وجوبًا عليه. وممّا يحقّق ذلك أنّه سبحانه امتَّن عليهم بأنّه راعى مصالحهم؛ كقوله: ﴿ألم نجعل الارض مهادا﴾، إِلى قوله، ﴿وجنات ألفافا﴾، وقوله ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾؛ ونحوه كثيرٌ في القرآن. ولو كان واجبًا عليه، لما صحّ امتنانُه به؛ كما لا يصحّ أن يمتنّ أحدنُا على غريمه بأداء دَينٍ عليه، أو بأداء العبادات الواجبة بالنذر، وبأصل الشرع.\nومما يُبطِل قاعدةَ الأصلح الصورةُ التي فرضها الأشعري، وسأل عنها الجبّائيَّ، حيث قال له: \"ما تقول في ثلاثة أخوة، أحدهم برٌ تقيٌ، والآخر فاجرٌ شقيٌ، والآخر مات قبل التكليف؟ \"فقال الجبائيّ: \" الأوّل في الدرجات، والثاني في الدركات، والآخر من أهل السلامة\". قال له الأشعريّ: \"فلو قال الصبي: \"ياربّ، ارفعني إِلى درجات أخي التقيّ! \" ما يكون جوابه؟ \" قال: \"يقال له: \" إِنّك لم تعمل كعمله، فلم تصل إِلى محلّه\". قال: \"فإن قال: \" يارب، إِنّك لم تبقني إِلى وقت التكليف؛ ولو أبقيتني، عملتُ\". قال الجبّائيُّ: \"يقال له: \" لو أبقيتك، لكنتَ كأخيك الفاجر؛ فراعيتُ مصلحتَك بموتك قبل ذلك\". قال الأشعريُّ: \"فإِن قال الفاجر: \"ياربَ، فهلاّ راعيتُ مصلحتي كما راعيت مصلحةَ أخي الصغير، فأمتّني صغيرًا، وسلّمتني من هذا العذاب! \" فانقطع الجبّائيّ عن الجواب.\nوقد ذكر العلماءُ مناظرةً جرت لإِبليس مع الله سبحانه في هذا الباب. وهو أنّه لَمّا عصى، فأَبلَس، قال: \"يارب، إِني أُقرّ وأعترف أنّك ربى، لك الأمرُ والحكمُ. لكن في نفسي شيء أسأل عنه. فإنّك، يارب، علمتَ أنّ غاية وجودي إِلى اللعنة والإِبلاس. فلِمَ أوجدتني، وقد كان استمرارُ عدمي أصلحَ لي؟ وحيث أوجدتني، فلمَ ابتليتني، وقد كانت العافية، أصلحَ لى؟ وحيث ابتليتني، فهلاّ ابتَليتني، فهلاّ ابتَليتني بدون ما ابتُلِيتُ به من","vol":"1","page":94},{"text":"الطرد والإِبلاس، كما ابتَليت آدم، ثمّ تداركتَه؟ وكيف أمرتني بالسجود، مع علمك أني لا أسجد؟ وتركُ الأمر كان أصلحَ لي. وحيث أمرتني، فعصيتُ، كيف سلطتَني على آدم؟ ولو عصمته مني، كان أصلحَ له ولي. وحيث سّلطتّني عليه، فكيف أنظَرتَني وسلطتَني على عقبه؟ وقد كان إِلاكي قبل ذلك أصلحَ لهم ولي. وحيث أنظرتَني وسلّطتّني عليهم، فكيف جعلتني أراهم ولا يروني، ولا لقبيلي من الشياطين؟ ولو جعلتَهم يرونا، كان أصلحَ لهم؛ لأنّه كان أجدرَ أن يحترزوا منّا.\nوكان ذلك من إِبليس بمشهد الملائكة. فلم يُحيروا عن ذلك جوابًا. فأجابه الله سبحانه عن سؤاله، وقال: \"إِنّ كلامك ينقض آخرُه أوله؛ لأنّك أولًا سَلَّمت أني ربّك، لي الأمر والحكم. ثمّ تسألني سؤالَ مجادلٍ. أنا لا أُسأل عمّا أفعلُ وهم يُسألون\". وسنورد، إِن شاء الله سبحانه، نصوصَ الكتاب والسنّة في مسألة القدَر، ونبيّن وجهَ دلالاتها، وجوابَ ما يرِد عليها من الإِشكال، آخرَ هذا التصنيف، ولها وضعناه، إِن شاء الله تعالى.\nوحيث انتهى الكلامُ على التحسين والتقبيح، وهو الأصل الصعب الفاسد الذي تفرّع عنه كثيرٌ من الضلالات من أوّل العالم إِلى آخره، كما ذكرناه في الخطبة، فلنردفه بذكر جملةٍ من فروعه في أصول الدين والفقه وفروعه. وإِنما نذكر منها ما تيسّر وحضر. إِذ لو التزمنا الحصَر، لزمنا الحصرُ.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>[ثانيًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[وجوب النظر عقليِّ عند المعتزلة]</span>\nأمّا فروعه في أصول الدين، فمنها أنّ وجوب النظر فيما لا يُعرَف إِلاّ بالنظر- كإثبيات الصانع، وحدوث العالَم، وجواز بعثة الرسل، ودلالتة المعجز على صدقهم، ونحو ذلك- سمعيِّ عندنا، أي إِنما عُرِف بالسمع؛ كقوله: ﴿انظروا﴾، ﴿أفلا ينظرون﴾، ونحوها من الآي، وهو كثيرٌ. عقلي عند المعتزلة، أي لا يُعرَف إِلاّ بالعقل.\nلنا، لو وَجب قبل الشرع، لترتّب عليه الثوابُ والعقابُ، لأنهما من آثار الوجوب ولواحقه. وهو منفيٌّ بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ونحوه من الآيات.\nاحتجّوا بأنّه لو لم يُعرَف إِلاّ بالشرع، لزم إِفحامُ الرسل؛ بأن يقال للنبيّ: \"لا أنظر في معجزك، حتى يجب عليّ النظرُ بالشرع؛ ولا يَثبُت الشرعُ حتى أنظر؛ فيصير حاصلُه: لا أنظر حتى أنظر. وهو دورٌ ممتنعٌ\".\nوأُجيبَ بأنّه لازمٌ عليكم؛ لأنّ وجوب النظر عندكم، وإن كان عقليًّا، لكنّه ليس ضروريًّا. بل هو نظريِّ، لتوقفه على مقدّماتٍ نظريّةٍ. وهي أعلم بوجوب معرفة الله؛ وبأنّ للنظر طريقٌ إِليها؛ وأنّ لا طريق إليها سواه؛ وأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به واجبٌ. وحينئذٍ، للمخاطب أن يقول: \"لا أنظر حتى أعرف وجوبَ النظر؛ ولا أعرف وجوبَ النظر حتى أنظر\". فيؤول إِلى الدور الممتنع.\nوطريق حلّه أنّ وجوب النظر ليس متوقّفًا على العلمن بوجوبه، بل على إِمكان العلم بوجوبه؛ وهو حاصلٌ كاف في الوجوب. وعند من يرى أنّ دلالة المعجِز على صدق المدّعي النبوّةَ ذاتي، يَسهُل الأمرُ؛ إِذ يحصل العلمُ بصدقه ضرورةً.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[إِنكارهم كلامَ النفس]</span>\nومنها أنهم أنكروا كلامَ النفس الذي أثبته الأشعريّةُ بناءً منهم على أنّ فائدةَ الكلام أمرُ الخلقِ ونهيُهم، وهو سبحانه مستغنٍ عنه بأن يخلق فيهم علومًا ضروريّةً بما يستدعيه منهم من فِعلٍ أو كفً. وإِذا كان مستغنيًا عن الكلام بذلك، فإثباتُه مع الاستغناء عنه عبثٌ، وهو قبيحٌ عقلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[قولهم: \"يقبح من الله ما يقبح منّا</span>\"]\nومنها قولهم، \"إِنَ الله سبحانه يَقبُح منه ما يَقبُح منّا\" حتى قالوا: \"إنّ العبد موجِدٌ لأفعاله مستقلُّ بها خالقٌ لها، وإِلاّ لكان عقابه عليها ظلمًا؛ وهو قبيحٌ عقلًا\". ولهذه مزيد بيان في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[إيجابهم رعاية مصالح الخلق على الله]</span>\nومنها أنهم قالوا: \"يجب على الله رعايةُ مصالحِ خَلقِه واللطفُ والثوابُ لهم\". والبغداديّون منهم خاصًّة يوجبون العقابَ، ويوجبون الأصلحَ في الدنيا. هذا نقل المحصّل. وقال ابن بَرهان: \"اتّفقت المعتزلةُ على وجوب صلاح العباد على الله سبحانه؛ إِلاّ إنّ البغداديّين منهم قالوا: يجب ذلك في الدنيا والآخرة. والبصريّون قالوا: يجب عليه حفظُ خصالهم الدينيّة دون النيويّة\". وقد سبق بطلانُ هذه القاعد عليهم، وبيانُ ما التزموه فيها من الأمر الشنيع. وعندنا، لا يجب على الله سبحانه شيءٌ، بل هو الموجب لما شاء، وإِنّ ما أوَلى من خيرٍ، ففَضلٌ؛ وما ابتَلى به من شر، فعَدلٌ.\n\n[أفعال الله معلّلةٌ بالأغراض عندهم؛ إِذ فِعلٌ بلا غرضٍ قبيحٌ عقلًا. فلذلك قالوا: \"علّة حُسنِ تكليف العباد تعريضُهم لاستحقاق النِعَم والثواب؛ إِذ","vol":"1","page":97},{"text":"استحقاقه بسبب من المستحِق أولى وأحسن وأكمل من التفضّل به على ما هو مدركُ لنا بالضرورة. ثمّ بنوا على ذلك استحقاق الثواب على العمل. واعلم أنّ هذه المسألة كبيرةٌ، ولنا عليهم كلامٌ في موضعين.\nأحدهما: إنّ قول القائل، \"أفعال الله تعالى معلّلةٌ بالأغراض\"، إِن أراد بذلك أغراضًا، إِن أراد بذلك أغراضًا تفيده كمالًا ليس له- كما في حقّنا، حيث يعمل أحدُنا سريرًا لينام عليه، أو يقاتل أعداءَه ليملك أرضَهم ويرأس عليهم، ونحو ذلك -فهذا ممتنعٌ في حقّ الله. إِذ كماله ذاتى أزليُّ سرمديّ. وإِن أراد أغراضًا هي حِكَمٌ، الأفعالُ مقتضياتٌ وغاياتٌ لها، كتصرف الملوكِ في ممالكهم، فهذا لا وجه لمنعه؛ والقرآن مملوءٌ بالتصريح به، كقوله: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾، إِلى قوله: ﴿لعلموا﴾، وقوله: ﴿جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا﴾، ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته﴾، ﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾، ونحوه كثيرٌ. وبالجملة، ما فَعَل اللهُ سبحانه ولا يَفعلُ فِعلًا إِلاّ لحكمةٍ مِن مُقتض وغايةٍ، لقوله تعالى: ﴿أفحسبتن أنما خلقناكم عبثا﴾، إِلى قوله: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾، أي عن العبث وما يُنسَب إِليه من الشرك.\nومّما يُحقق أنّ أفعاله معلًّلةٌ بالتفسير المذكور أنها لو لم تكن كذلك، لزم منه إِفحامُ الرسلِ؛ لأن يقال للرسول: \"معجِزُك هذا الذي أُثبِتَّ به لم يخلقه اللهُ لأجل تصديقك، بل خَلَقه لا لعلّةٍ ولا لغرضٍ، وإِنما ظهر على وَفق دعوالك اتّفاقًا\". فتعليل الأفعالِ لازمٌ لصحّة الاحتجاج بالمعجِز. وإِذا لزم خَلقُ المعجِزِ لأجل التصديق، جاز تعليلُ غيرِه من الأفعال؛ إِذ لا قائل بالفرق.\nالموضع الثانى: قولهم، \"استحقاقُ الثواب بالعمل\"، كلامٌ فيه إجمالٌ. وقد ورد في الكتاب والسنّة ما يدلّ على نفيه وإِثباته؛ فلابدّ من تحقيق وجهِ الجمع بين ذلك.","vol":"1","page":98},{"text":"أمّا ما ورد في الكتاب مّما يدلّ على إثباته، فقوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، ونحوها؛ وهي كثيرةٌ. وهذه الباء تقتضي في عُرف الاستعمالِ المقابَلة والعِوَضيّة، نحو \"بِعتُك هذا بهذا\".\nوأمّا ما في السنّة من ذلك، فما رَوى ابنُ عمر عن النبيّ ﷺ أنّه قال: \"إنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنصارى، كرجلٍ استعمل عُمّالًا، فقال: \"من يعمل لى نصفِ النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ \" فعملت اليهودُ على قيراطِ قيراطٍ. فقال: \"من يعمل لى من نصف النهار إِلى العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ \" فعملت النصارى على قيراطٍ قيراطٍ. ثمّ أنتم تعملون من صلاة العصر إِلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين: فغضبَت اليهودُ والنصارى وقالوا: \"نحن أكثرُ عَمَلًا وأقلُّ عطاءً\". فقال: \"هل ظلمتُكم من حقّكم شيئًا؟ \" قالوا: \"لا\". قال: \"فإنّه فَضلى، أُوتيه من أشاء\". رواه البخاريّ والترمذيّ وصحّحه. فوجهُ دلالته أنّه شَبَّه العبادَ في طاعتهم بالأُجَراء في أعمالهم، وقال: \"هل ظلمتُكم من حقّكم شيئًا؟؟ سمّاه \"حقًّا لهم\"؛ ودلّ على أنّه لو نَقَصَهم مّما استعملهم عليه شيئًا، ظَلَمَهم.\nوأمّا ما وَرَد في الكتاب مّما يدلّ على نفيه، فقوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾، إِلى قوله: ﴿ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله﴾. وقوله: ﴿لكن الذين اتقول ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله﴾ أي تفضُّلًا من عنده، لا يجب عليه. هذا من عرف اللغة في قول القائل، \"أعطيُته كذا وكذا من عندي\". وكذا قوله تعالى: ﴿رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾، ﴿لأولى الألباب﴾.","vol":"1","page":99},{"text":"أمّا السنّة، فما صَحَّ من قوله ﵇، \"لَنْ يُدخل أحدًا عَمَلُه الجنّةَ\". قالوا: \"ولا أنت يا رسول الله؟ \" قال: \"ولا أنا، إِلاّ أن يغمدني اللهُ برحمةٍ منه وفَضلٍ.\nوروى الحارثُ الأشعريّ أنّ النبي ﷺ قال: \"إِنّ الله أمَر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات، ليعمل بها ويأمَر بني إسرائيل أن يعملوا بها؛ فجمَعَ الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجدُ، وقعدوا على الشُّرَف. فقال: \"إِنّ الله أمرني بخمس كلماتٍ أن أعمال بهنّ، وآمَرَكم أن تعملوا بهنّ. أوّلهن أن تعبدوا اللهَ ولا تشركوا به شيئًا، وإِنّ مَثَل مَن أشرك بالله كمَثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ أو ورقٍ، فقال: \"هذه داري، وهذا عَمَلي؛ فاعملْ، وأدِّ إِليَّ\". فكان يعمل ويؤدِّى إِلى غير سيّده؛ فأيّكم يرضى أن يكون كذلك؟ \" الحديث، رواه النسائيّ والترمذيّ وصحّحه.\nووجهُ دلالته أنّه شبَّه الناسَ في المثال بالعبيد؛ وهم كذلك عبيد الله حقيقةً. والعبد وأعمالُه، سواءٌ كانت خَلقًا له كما تقول المعتزلةُ، أو كسبًا كما نقوله نحن، مُلكٌ لسيّده. فبماذا يستحقّون عليه الجزاء؟ وإِنما يجازيهم على طاعتهم تفضُّلًا، بدليل قوله سبحانه: ﴿ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله﴾. وكعبد أحدنا إِذا صاد صيدًا، أو وَجَد لقطةً، فجاء بها إِلى سيّده، فقال له: \"اذهب، فكُلها، وانتفع بها\"، تفضّلًا من السيّد بملكه على عبده، لا استحقاقًا للعبد على سيّده. ودلالة هذا الحديث على نفي استحقاقهم للثواب أقوى من دلالة حديث ابن عمر على إِثباته؛ لأنّه شبَّه فيه العبيدَ حقيقةً بالأُجراء، تقريبًا إِلى الأفهام بضرب المثال، وليسوا أجراء قطعًا، بل هم عبيدٌ مملوكون. وملكُ الله فيهم أقوى وأكملُ من مُلك أحدنا لعبده.\nوقد رأَينا في الآثار أنّ الله سبحانه يقول لأهل الجنّة: \"ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم\"؛ وهو تفضّلٌ منه أيضًا، لما سبق. وكلّ ما دلّ أو أشعَر في الشرع بوجوب الثواب على الله سبحانه، فإِنما ذلك بمعنى أنّه التزم على نفسه الجزاءَ","vol":"1","page":100},{"text":"تفضُّلًا؛ لقوله: ﴿وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾، وتصديقًا لخبرٍ، حيث قال: \" لا يُخِلف اللهُ وعدَه\". وكما يلتزم أحدُنا مكأفاةَ صاحبِه على إِحسانٍ أو فِعلِ جميلٍ. وفي التنزيل: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾.\n\n[مسألة الوعيد]\nومنها أنّ وعيد أهل الكبائر غير منقطعٍ عندهم ما لم يتوبوا، وأنّ العفو من الله عمّن مات مُصِرًّا على المعصية محالٌ؛ لما يأثرون، \"لا تنظروا إِلى صغر الذنب، ولكن انظروا على مَن اجترأتم\". ولأنّ العفو عن مِثل هذا إِغراءٌ للعصاة بالمعصية، وهو قبيحٌ عقلًا، إِذ شأن الملِك أن يوقِع الرهبةَ ولا يخرق الناموسَ. ولأنّ ذلك أصلحُ للخلقِ ليرتدعوا. وهو عند أهل السنّة في مشيئة الله، لقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.\nوجواب المعتزلة: أمّا ما أثروه، فلا يثبت إِلاّ عن بعض التابعين. وأمّا إِغراء العصاة، فباطلٌ بالتوبة؛ فإِنّ قبولها واجبٌ عندهم مع حصول الإِغراء به. إِذ إِقدام العاصي على المعصية إتّكالًا على التوبة، كإقدامه اتّكالًا على العفو. وأمّا اعتبار خرقِ الناموس، فهو تحسينٌ عقليَُ باطلٌ. ثمّ قبحه معارَضٌ بحُسن العفو. وتَركُ الوعيدِ مَكرُمةٌ عند العقلاء؛ لقول الشاعر:\nوإِني وإِن أَوعدتُه أو وَعَدتُه .... لمخلِفُ إِيعادي ومنجِزُ موعدي\nوهذا البيت احتجّ به أبو عمرو بن العلاء على عمرو بن عبيدٍ. فيقال: إِنّ عمرو بن عبيدٍ قال لأبي عمرو: \"إِنّ الله يتعالى عن الخلف. والشاعر قد يقول الشئ وخلافه؛ فهلاّ قلتَ ما قال الشاعر:\nإِنّ أبا ثابتٍ لمجتمِع الـ ... ـرأي شريف الإِباء والبيتِ\nلا يخلف الوعدَ والعيدَ ولا ... يثبت مِن ثأره على فَوتِ\"","vol":"1","page":101},{"text":"قلتُ: وفي معناه قولُ أبي تّمام:\nقومٌ إِذا وَعدوا أو أوعدوا مَلؤوا ... صدقًا ذوائبَ ما قالوا بما فعلوا\nوالله أعلم.\nوأمّا كونه أصلحَ للخلق، فبيّنّا بطلانَه. والقاطع في الباب قولُه تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. فإِذا فرضنا مَن عَمِلَ شرًّا وخيرًا، فجزاؤه على الخير إِنما هو في الآخرة بالجنّة. فهو إِمّا بدخولها بعد جزائه على الشرّ بالنار؛ وهو المطلوب. أو بدخولها، ثم دخول النار؛ وهو خلاف الإِجماعِ وقولِه تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾، ﴿فادخلوها خالدين﴾. وأمّا العمومات الدالّة على ما ذكروه، نحو ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، ﴿وإن الفجار لفى جحيم﴾، ونحوه، فعامَُ مخصوصٌ بأدلّتنا؛ لأنّ صيغ العموم غير قاطعةٍ في الاستغراق؛ فاحتملت التخصيصَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[إِنكارهم الشفاعةَ]</span>\nومنها إِنكار الشفاعة للعصاة، لما ذكروه من الإِغراء. وجوابه ما سبق، ونصوصُ الكتاب والسنّة، وإِجماعُ السلف على خلافهم. وتمسَّكوا من الكتاب بعُموماتٍ ضعيفةِ، نحو ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾، ﴿فما لنا من شافعين﴾، ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾، ونحوها، مّما لو وفي بالدلالة، لكان معارَضًا بأقوى منه؛","vol":"1","page":102},{"text":"نحو ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾، قيل بالتوحيد، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾، ﴿إلا بإذنه﴾، ونحو ذلك. فضلًا عن نصوص السنّة المتواترة المفَّصلة المجمَع على ثبوتها وصحّتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم]</span>\nومنها أنّ قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم، إِمّا لكونه أصلح- وقد أبطلنا رعايةَ الأصلح؛ ثمّ يلزمهم على ذلك إِيجابُ الشفاعة وأن لا يُدخِلَهم النارَ، لأنّه أصلحُ لهم- أو تصديقًا لخبره، حيث قال: ﴿وقابل التوب﴾، ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾، ونحوه. إِذ خلاف الخبرِ كذبٌ؛ وهو قبيحٌ. وقد أبطلنا قاعدةَ التقبيح العقلىّ. ثمّ يَلزمُهم عليه أن يغفر جميعَ الذنوب؛ لقوله، ﴿غافر الذنب﴾، ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، أو لنحو قال القائل:\nإِذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه ... وكلّ فتًى لا يقبل العذرَ مذنبُ\nوهذا عَجَبٌ! إِذ يخالِفون نصوصَ القرآن وتواتر السنّة، ويحتجّون بالشعر الركيك. ثمّ الكلام فيه في المخلوقين، لقوله، \"وكلّ فتًى\"؛ فقاسوا الله على خلقخ في وجوب قبول العذر، وهو قياسٌ ضعيفٌ في إِثبات أصلٍ عظيمٍ. ثمّ يلزمهم أن يَسقُط الذنبُ بالعذر فقط، ولا حاجة إِلى التوبة.\nوالقول عندنا أنّ قبول التوبة ليس بواجبٍ على الله، بل هو جائزٌ مِرجُوٌ من فضله","vol":"1","page":103},{"text":"وكرمه. والإِخباراتُ الواردةُ بقبولها مقدرٌ فيها اشتراطُ المشيئة، أى يَقبل التوبةَ مّمن يشاء؛ كما قال: ﴿ادعوني استجب لكم﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾. وقوله: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فكذلك، هذا مقيَّدٌ تقديرًا، وإِن لم يُصرِّح به في موضعٍ آخر.\nوعُهدَتُهم من المنقول قولُه تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء﴾، الآية؛ ولفظُ \"على\" للوجوب. وعندهم أنهم يخلّفون التوبةَ أفعالًا يَستوجبون بها القبولَ.\nوعندنا، التوبةُ مخلوقةٌ لله، وقبولها تفضُّلٌ من الله. وقوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾، مُنَزَّلٌ على وجوب وقوع الوعد بالقبول تصديقًا للخبر بأنّ وعده لا يُخلَف، أو أنّ معناه التوبة الواردة على رسل الله، أي على ألسِنة رسله؛ كقوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[إنكارهم الاستثناء في الإيمان]</span>\nومنها إِنكارهم الاستثناءَ في الإِيمان، نحو \"أنا مؤمنٌ، إِن شاء الله\"، ظنًّا منهم أنّ شلك شكُّ. وغفلوا عن فائدته؛ وهي التبرّك بذِكر الله، إِن أُريدَ: \"أنا مؤمنٌ في الحال\". أو صرفُه إِلى كمال الإِيمان، إِذ لا يثصق كلُّ أحدٍ بكمال إِيمانه، والإِتيان بما أُخِذَ عليه فيه من الأقوال والأفعال. ولو عَلِمَ كمالَه، فهو يعتصم بالاستثناء من الخذلان لتاليه، فيُبتَلى بما يُنقِص إِيمانَه. أو صرفُه إِلى المالِ؛ إِذ ليس على ثقةٍ من الموت مؤمنًا.","vol":"1","page":104},{"text":"ورأينا في أرض مصر قومًا يُقال لهم المرازقة، يَستثنون في كلّ خيرٍ. إِنّ أحدهم يقول: \"هذا حصيرٌ، إِن شاء الله. هذا إِنسانٌ، أة زيدٌ، أو النار حارّةٌ، أو الماء باردٌ، إِن شاء الله\". فهو في الغلوّ والإِفراط مقابل المعتزلة في التفريط.\nوالتحقيق في هذا أنّ كلّ قضيّة عُمِلَت يقينًا، وأجرى اللهُ عادتَه ببقائها وعدم تغيُّرها، لا يُشرَع فيها الاستثناءُ، لأنّه عَبثُ. وربما جَرّ إِلى السفسطة وإِنكار الحقائق؛ إِذ يقول الشخص: \"هذا الجبل حجرٌ، إِن شاء الله\"، خشية أن لا يكون شواءً، أو لبنيّةً، أو حلواء، أو مريسًا، أو قطنًا، أو تبنًا، أو لا شيء، بل خيالٌ في منامٍ. وذلك خروجٌ عن العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[إِيجابهم إِرسالَ الرسلِ، وإِيجابُ الرافضةِ نصبَ الأئمة، على الله عقلًا]</span>\nومنها أنّ إِرسال الرسل واجبٌ على الله عقلًا رعايةً للصلاح. وأوجبت الرافضةُ نَصبَ الإِمامِ على الله عقلًا. ووافقهم أبو الحسين البصريّ، على ما حُكِيَ فيه المحصّل. وحكاه ابن بَرهان عن غيره من المعتزلة. وهو قياسُ إِيجابهم إِرسالَ الرسل، لاستوائهما في رعاية المصالح. وقد أبطلنا أصلَ ذلك.\nوحُكي عن الأصمّ أنّ العالَم إِذا تناصفوا بينهم، بحيث يُستغنى عن سياسة الإِمام، لم يجب نصبُه. وهو قولٌ صحيحٌ. والجمهور على أنّ نصبَ الإِمامِ من الله تَفضُّلٌ، وهو على الأمّة واجبٌ على الكفاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>[قول أبي هاشم: \"دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلًا، وعن الغير سمعًا</span>\"]\nومنها ما حُكي ابن بَرهان عن أبي هاشمٍ، أنّه يجب على العاقل بالعقل دفع الضرر عن نفسه، ولا يجب عن غيره إِلاّ بسمعٍ. قلتُ: الوجوب العقليّ باطلٌ، لما سبق. أمّا الحكم في هذا عند بعض العلماء، فإِنّ الإِنسان يلزمه الدفعُ مع القدرة عن حرمته إِذا أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً","vol":"1","page":105},{"text":"على أنّ المغلَّب فيها حقّ الله، لكونها مُلكَة، وهذا لا يُجَوِّز له التصرُّفَ بما يَوَدّ بها بغير إِذن شرعي؛ أو الإِنسان، لأنّه المختصّ بالألم فيها، والمستحِقّ لبذلها قصاصًا أودَية. وقد قرّرتُ هذا الأصل في الفوائد.\nوأمّا دفعه عن غيره، فظاهر قوله ﵇، \" انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\"، يقتضي وجوبَه. وفيه نصوصٌ غير ذلك. ويحتمل أن يخرج فيه القولان كالنفس، لقوله ﵇، \"مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كالجسد الواحد\"؛ وفي \"الجسد الواحد\" القولان.\n\n[قولهم: \"القبح محرَّمٌ إِما لنفسه، أو لكونه مفسدةً]\nومنها ما حكاه أيضًا عنهم أنهم قالوا \"القبيح إِمّا محرَّمٌ لنفسه، كالكذبِ وكُفرِ النعمة، أو لكونه تركَ واجبٍ، كتَركِ العبادات، أو لكونه مفسدةً مخالِفةً للعقل، كالزنا ونحوه\".\nقلتُ: قد سبق الدليلُ على بطلان قّبح الكذب لنفسه. وقد وردَت الشريعةُ بمشروعيّته لمصالح راجحةٍ على مفسدته. ولو كان قبيحًا لنفسه، لما وردَت به. فرَوَت أمُّ كلثوم بنت عُقبة، قالت: \"سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"ليس بالكاذب مَن أصلحَ بين الناس، فقال خيرًا أو نَمَى خيرًا\". رواه النسائيّ وأبو داوود والترمذيّ وصحّحه، وأخرجاه في الصحيحين؛ زاد مسلم: \"لا يحلّ الكذبُ إِلاّ في ثلاثٍ: يحدِّث الرجلُ امرأتَه ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليُصلِح بين الناس\". واللفظ في هذه الزيادة للترمذيّ من حديث أسماء بنت يزيد، وقال: \"هو حَسنٌ غريبٌ\".","vol":"1","page":106},{"text":"قال بعض العلماء: \"الكذب قد يكون واجبَا إِذا تضمّن واجبًا؛ كإِنقاذ وليّ أو مظلومٍ مِن قتلٍ أو ظُلمٍ. وقد يكون مندوبًا، كالإصلاح بين الناس. وقد يُباح، لاستصلاح الزوجة. وما عدا ذلك منه، فهو حرامٌ قبيحٌ شرعًا، للنصوص فيه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[المعدوم شيءٌ، أو ليس بشيءٍ]</span>\nومنها أنّ المعدوم ليس بشيءٍ عند الجمهور، وعندهم هو شيءٌ. حتى قال أبو هاشمٍ: \"هو ذاتٌ ونفسٌ وجوهرٌ وعرَضٌ\". لكن لم يقُم العرَضُ بالجوهر عنده أزلًا. وخالَفَه أبو يعقوب الشحّام، فأثبت ذلك. ومذهب جمهورهم أنّ المعدوم شيءٌ، وليس بذاتٍ؛ والقدرة القديمة إِنما تؤثّر في جعلِه شيئًا؛ إذ هو تحصيلُ الحاصل. وعلى رأي أبي هاشمٍ والشحّام، إِنما تؤثِّر في إِظهاره بعد الخفاء، لا في إِيجداه بعد العدم. أو لعلّهما من القائلين بالحال، وهو الواسطة بين الوجود والعدم، وهي الثبوت. إِذ الثبوت عندهم ليس وجودًا ولا عدمًا. والثابت لا موجود ولا معدوم لأنهم يقولون: \"المعدوم، كطلوع الشمس غدًا مثلًا، متميّزٌ عن غيره قطعًا؛ وكلّ متميّزٍ ثابتٌ؛ فالمعدوم ثابتٌ\". والقدح في المقدّمة الأولى بأنّه متميّزٌ في الذهبن، لا في الخارج؛ وهو غير مجدٍ، إِذ الكلام في الأحكام الخارجيّة. فعلى رأي القائلين بالحال، يكون تأثير القدرة في نقله عن الواسطة إِلى أحد الطرفين، وهو الوجود. والذي حملهم على هذه التمويهات كونُ العقل لا يُدرِك إِيجادَ شيء لا من شيءٍ. وهو هَرَبٌ من التحسين والتقبيح، أو مُشبِهٌ له. فمالت بهم نزعةٌ فلسفيّةٌ، فقالو بقِدم العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[قولهم: \"إِنّ البنية شرطٌ في الكلام</span>\"]\nومنها قولهم، إِنّ البنية شرطٌ في الكلام، قياسًا على الشاهد. فلا جرم نفوا أنّ الله متكلّمٌ بحرفٍ وصوتٍ، كما يقول بعضُ أهل السنّة. وقد سبق نفيُهم لكلام النفس الذي أثبته الأشعريّةُ. وإِنما قالوا: \"القرآن كلام الله، بمعنى أنّه خلَقَه في جسمٍ ما، فأُضيفَ إِليه إِضافةَ خلقٍ وفعلٍ، لا إِضافة صفةٍ وقولٍ\". وكذلك التزموا جوازَ أن يُشتقّ للشيء اسمٌ من معنًى قام بغيره. لأنّ عندهم الكلام قام بغير الله. واشتُقّ لله منه اسمُ","vol":"1","page":107},{"text":"\"متكلّم\". وكذا قالوا: \"انبعاث الأشعّة من الحدق، واتصالها بالمرئيّ، شرطٌ في الرؤية، قياسًا على الشاهد\". فلا جرم منعوا جواز رؤية الله، لاستحالة اتّصال الأشعّة به. وهذا، إِن لم يكن من باب التحسين والتقبيح، فهو من باب قياس الغائب على الشاهد. وهو نازعٌ منزعَه، ومأخوذٌ منه؛ كأنهم قالوا: يقبُح في العقل إِثباتُ ما يخالف العقلَ\". وهو خلاف ما اشترطوه من البنية، واتّصال الأشعّة غير معقولٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[حكموا بقبح الآلام في العالم إِلاّ لغرضٍ صحيحٍ]</span>\nومنها أنهم حكموا بقبح الآلام في العالم إِلاّ لغرضٍ صحيحٍ، كتحقيقِ عقابٍ وزجرٍ، كالقصاص، أو التزامِ ثوابٍ في مقابلتها، أو دفعِ ما هو أعظم بلاء منها. وعندنا، لا يقبُح من الله شيءٌ، حتى إِيلام البريء والطفل والدابّة، لأنّه ماِكٌ متصرفٌ تامّ التصرُّفِ.\nويَفسُد مذهبُهم بأن يقال: الألم قبيحٌ لذاته، أو لغيره؟ إِن كان لذاته، فكيف انقلب في الصور التي استثنيتموها حَسًنًا؟ والأحكام الذاتيّة لا تقبل التغيُّر ما دامت الذاتُ باقيةً. وإن كان لغيره. فذلك الغيرُ إِمّا لازمٌ له، لا ينفكّ عنه؛ فيصير كالقبيح لذاته، ويعود الكلامُ فيه. وإِن لم يكن لازمًا، فبتقدير انفكاكه، يزول قبحُ الألمِ؛ فيجوز، أو لا يُمنَع فعلُه مطلقًا. وأنتم أثبتُّم قبحه، فيما عدا الصور المستثناة، مطلقًا. وأيضًا، الأعراض التي جوّزتم الألمَ لأجلها في الصور المستثناة يَقدِر اللهُ صبحانه على تحصيلها بدون الإِيلام؛ فتصير واسطةً مستغنًى عنها، وهو عبثٌ قبيحٌ. فإِذن، لا وجه لاستثنائكم تلك الصور. فيلزمكم تقبيحُ الإِيلام مطلقًا، أو تحسينُه مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[الأنبياء أفضل أم الملائكةُ</span>؟]\nومنها أنّ الأنبياء، عند الجمهور، أفضل من الملائكة. وعند المعتزلة والفلاسفة الملائكةُ أفضل. وفي الملّة ستّة أقوالٍ، ذكرتُها في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾. ومن مآخذ الفلاسفة فيها أنّ الملَك روحانيُّ نورانيُّ شفافٌ خفيفٌ، وأنّه مجاوِرٌ للحضرة الملكوتّية، بخلاف النبيّ وسائر البشر. وهو من باب التحسين","vol":"1","page":108},{"text":"والتقبيح، أو ما يشبهه.\nوقد ذهب بعضُ المشرّعين إِلى ما ذهبوا إِليه. ومأخذهم نقلةُّ، لقوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾. وفي مثل هذا السياق، إِنما يؤخرَّ الأشرفُ، كقولك، \"لا يأبى الوزيُر خدمتي، ولا السلطانُ\"، وقوله، ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك﴾.\nواحتجّ ابنُ حزمٍ الظاهريّ على ذلك بقوله تعالى في بني آدم: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾؛ وأجمعنا على تفضيلهم على مَن عدا الملائكة؛ فلم يبق إلاّ الملائكةُ. قلتُ: هذا إِنما يفيد أنّ بني آدم ليسوا أفضلَ من الملائكة. فإِذا انضمّ إِلى دلالة الآية قولُه سبحانه، فيما حُكي عنه في صحيح السنّة، \"من ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه\"، يعني الملائكةَ، كمُلَن الدلالةُ، وثُبتَ المدَّعَى، وهو أنّ الملائكة أشرفُ من بني آدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[إِنكارهم كرامات الأولياء]</span>\nومنها أنهم أنكروا كرامات الأولياء؛ لأنها إِنما تكون بخرق العادات، فتَبطُل خصائصُ الأنبياء ومعجزاتُهم، ويقع اللبسُ بين النبيّ والوليّ. والحقُّ ثبوتُ الكرامات. نعم، هل يجوز بلوغُ الكرامة حدَّ المعجِز في خرق العادة؟ على قولين. فإِن لم يُجز، ظهرَ الفرقُ بينهما، بقصور الكرامة عن المعجِز ضرورةً. وإِن جاز، فالفرق يَظهر من وجوهٍ.\nأحدها: أنّ المعجِز مقرونٌ بالتحدّي، وهو طلبُ النبي المعارَضةَ تعجيزًا للناس؛ بخلاف الكرامة. فإن تحدَّى صاحبُ الكرامة بها مدّعيًا للنبوّة، لزم قطعًا أن يُعجِّزه اللهُ عن إِظهارها، أو يقيّض له معارِضًا يُبطلِها، صيانةً لخواصّ النبوّة عن الإِبطال. على أنّ عادة َ","vol":"1","page":109},{"text":"الله سبحانه جرت أنّه لا يُكرِم بخوارق العادات إِلاّ متأدّبًا مراقبًا خائفًا من المكر والاستدراج، لا أحمق يعدو طورَه، ويتجاوز حدَّه. فصار امتناعُ ذلك من المعلومات العاديّة، كانقلاب الجبال ذهبًا، والبحار عسلًا.\nالثانى: أنّ النبيّ مأمورٌ بإظهار المعجزة. ويجوز افتخاره بها. بخلاف الولّى فيهما.\nالثالث: أنّ المعجِز أمانٌ للنبيّ من المكر والاستدراج بخلاف كرامة الوليّ؛ فإِنّه يجوز أن يكون مخادَعًا مستدرَجًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[إِنكارهم السحرَ]</span>\nومنها أنهم أنكروا أنّ السحرَ حقيقةٌ، وإِنما هو تخييلٌ وتمويهٌ؛ إِذ لو كان له حقيقةٌ لالتبس بالمعجزات، لأنّه يخرق العاداتِ، فتَبطُل النبوّاتُ؛ ولَما جاز تسليطُه على الأنبياء؛ لأنهم معصومون.\nوالجواب: إِنّ التباسه بالنبوّات يرتفع بأنّ السحر تجوز معارضَتُه؛ بخلاف المعجِز. فإِن قيل: \"قد يوَجد في السحرة مبرزٌ لا يعارَض سحرُه\"؛ فالجواب أنّ صيانة النبوّاتِ لازمٌ شرعًا. فيلزم إِمّا سلبُه القدرةَ على السحر، أو تقييضُ المعارِض، كالمتحدّي بالكرامة. وأمّا عصمة الأنبياء، فهي لمن شاء الله منهم، وفيما يختصّ بتبليغ الوحي عن الله، لا مطلقًا. إِذ قد سِلَّط الكفّارَ على قتل الأنبياء وأذاهم؛ فكُسرت رباعيّةُ النبيّ ﵇ يوم أُحدٍ، وأدمى وجهُه، وسلَّط إِبليسَ على أيّوب ومالِه وولدِه. فتسليط السحر عليهم كتسليط سائر الآفات.\nوقد صرَّح بثبوته الكتابُ والسنّة في قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية. فجعله متلوًا، ومعلَّمًا، ومنزَّلًا، ومفرِّقًا بين المرء وزوجه، ومكفِّرًا بتعلُّمه. وذلك فيما لا حقيقة له محالٌ. وسُحر النبيُّ ﵇ وعائشةُ وغيرهما. وأَوجب الشافعيُّ وأحمدُ في القتل به القَوَدَ. وإِثباته بما لا حقيقة له محالٌ على مثلهما. وما شُنِّع به عليهما في ذلك، من أنه خلاف لإِجماع، ليس بشيءٍ؛ لأنّ مقدورات الله سبحانه لا تتناهى؛ ففي مقدوره ترتيبُ القتل عند فعل السحر؛ لأنّه يَنقُض الطباعَ، ترتيبُ القتل عند فعل السحر؛ لأنّه يَنقُض الطباعَ،","vol":"1","page":110},{"text":"ويغيِّر الأوضاعَ؛ فيكون قتلًا بغير محّدٍ. وفيه خلافٌ مشهورٌ بنيهما وبين العمل وغيره. فأين خلاف الإجماع؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[إِنكارهم الجنَّ والشياطينَ]</span>\nومنها إِنكارهم الجنَّ والشياطينَ، مع تصريح النصوص بهم، وإِجماع الأمّة على ثبوتهم، بناءً على أصلين. أحدهما فلسفىِّ، وهو أنّ عنصر النار وحده لا يمكن أن يوجَد منه جسمٌ؛ لأنّه بسيطٌ؛ فلا يوجَد منه بمفرده مركَّبٌ.\nوالجواب له: يجوز أن يخلق اللهُ الحياة والإِدراكَ في البسائط؛ فلا ضرورة إِلى التركيب. على أنّا نقول: ما تعنون بالبسيط؟ إِن عنيتم ما استوت أجزاؤه في الحدّ والحقيقة، فقد نمنعه، وندَّعي تركُّبَ الشيطان من النار وعناصرَ أخَر يعلَمُها الله. لكن لغلبة الناريّةِ عليه، قيل: \"خُلِق من نارٍ\"، واقتُصر على عنصرِها في مادّته.\nالأصل الثاني أنّ عندهم، مع صجّةِ الحاسمّة، ومقابلةِ المرئيِّ، وارتفاعِ الحجُب والموانع، وحصولِ الشرائط، يستحيل تخلُّفُ الرؤية. فلو كان للجنّ أو الشيطان حقيقةٌ، لكان إِذا حضر عندنا، رأيناه. وبهذا احتّجوا على عدم جواز رؤية الله سبحانه؛ وإِلاّ لرأيناه الآن، إِذ هو سبحانه لا يحجُبه شيءٌ. وبالغوا في التشنيع؛ حتى قالوا: \"لو جاز تخلُّفُ الرؤية مع ما ذكرناه، لجاز أن يكون بحضرتنا فيَلةٌ وجواميس، بل جبالٌ، ونحن لا نراها. والعقل يأبى ذلك، ويُقبح دعواه\".\nوذلك منهم فاسدٌ. أمّا أوّلًا، فلقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. فأثبت أنّ في الموجودات ما لا يّرى، كالهواء؛ فجاز أنّ الشيطانَ مثله. وقد ذكر العلماء أنّه في الملائكة. وإِن وصلنا معهم إِلى هذا، ناظرناهم في إِثبات النبوّة، بل في أصل التوحيد؛ لأنّ ما ذكروه قادحٌ فيهما. فإنّ الأمّة أجمعت، روايةً وقبولًا، على أنّه ﵇ أخبر أنّ شيطانًا تَفَلَّتَ عليه ليقطع صلاته، وأنّه لولا دعوة","vol":"1","page":111},{"text":"سليمان، ﴿رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى﴾، لربطته إِلى بعض سواري المسجد، حتى يصبح ولدان المدينة يلعبون به. وإِنّه ﵇ اجتمع بجنّ نصيبين، وآمنوا به، وقرأ عليهم القرآن، ثمّ ولّوا إِلى قومهم منذِرين. ولهم سورةٌ مستقلّةٌ في القرآن.\nفإِذن، الأمر دائرٌ بين صِدق الرسول، أو صِدق المعتزلة. فيكون الرسولُ قد وضَع القرآنَ وأخبر بما لا كان. وذلك عين الزندقة والكفران. نعوذ بالله من الخذلان.\nوقد ذكر ابن حزمٍ الظاهريّ، في كتاب تقريب المنطق، أنّ الهواء ونحوه مّما لا يُرى لم يَحمل العرّضَ، فلذلك لم يُرَ. وعدمُ حملِ العرضِ لا يَستلزِم نفيَ التركيبِ.\nوأمّا ثانيًا، فلأنهم إِنما أحالوا تخلُّف الرؤيةِ عن حصول شرائطها وارتفاع موانعها؛ فمن أين لهم ذلك في رؤية الشيطان؟ فلعلّه تخلَّف شرطٌ، أو وُجِد مانعٌ، ككونه في غاية اللطافة، أو غير حاملٍ للعَرض، أو غير ذلك؛ بخلاف ما يشنِّعون به من الفيلة ونحوها.\nقلتُ: هذا هو المشهور عن المعتزلة في كتب الأصوليّين الناقلين عنهم. أمّا القاضي عبد الجبار، في طبقات المعتزلة، فإِنّه أثبت الشيطانَ ووسوسته؛ ووجَّهها بأنّه، للطافته ولطف بُنيِته، يتمكّن مّما لا يتمكن منه بعضنا من بعضٍ. وفرّق بين شياطين الإِنس والجنّ، بأنّ شياطين الجنّ لا يمكنهم الدعاءُ إِلى المعصية جهرًا، بل خفيةً بالوسوسة، بخلاف الآخرين. فلعلّ النافيَ للشياطين بعضُ المعتزلة. فيصحّ الثقلان.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>[غايةُ الأجَلِ والرزقُ]</span>\nومنها أنّ غاية أجَل الحيوانِ، عندنا، هي الوقت الذي تفارِقُه فيه الحياةُ قتلًا، أو حتفَ أنفه. وعندهم، هي الوقت الذي يموت فيه حتفَ أنفه. فالقاتل له قبل ذلك قاطعٌ لأجَله؛ حتى لو لم يقتله، لبقي حيًّا، استصحابًا لحال حياته. وعندنا، ما ندري ما كان يكون منه؛ فلعلّ الله سبحانه يهلكه بسببٍ آخر ويُعدِمه.\nوالرزق عندنا ما انتفع به الحيوانُ في إِقامة بدنه، سواءٌ تناوَلَه بسببٍ مباحٍ أو حرَّمٍ. وعندهم لا رزق إِلاّ الحلال؛ والحرام ليس مِن رِزق الله. وهما من شنيع قولهم. ومِن حُججهم في الرزق، أنّ الله سبحانه مدَحَ المنفقين من الرزق بقوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾؛ وذمَّ مَن أَنفَق مِن الحرام، بدليل النصِّ والإِجماعِ. فلا يكون الرزقُ حرامًا، ولا الحرامُ رزقًا.\nوجوابه أنّ ذمَّ المنفِقِ من الحرام إِنما هو على كسب الحرام، لا على الإِنفاق منه؛ إِذ الإِنفاق، من حيث هو متضمِّنٌ للسماح في ذات الله بما يعزُّ على النفس، ممدوحٌ لا نزاع فيه. ثمّ لنا قولُه تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾؛ فيتناول العقلاءَ بالحقيقة الوضعيّة. وأيضًا، لو لم يكن الحرامُ رزقَا، لكان مَن عاش طولَ عمره على الحرام غير آكلٍ من رزقِ الله. وهو باطلٌ. وأيضًا، قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾؛ والخطاب للكفّار الذين كانت معيشتهم من النهاب والغارات؛ وذلك حرامٌ قطعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[إِنكارهم عذابَ القبر]</span>\nومنها المشهور بين علماء أهل السنّة في تصانيفهم ومحاوراتهم، أنّ المعتزلة يُنكرون عذابَ القبر، ومُنكَرًا ونكيرًا المَلكين السائلين للميّت في قبره، وأنهم حملوا المنكرَ على","vol":"1","page":113},{"text":"تلَجلُجِ العاصي عند الجواب، والنكيرَ على تقريع الملَكين للكافر. كذا ذكر ابنُ بَرهان في الاعتصام.\nوالذى ذكره القاضي عبد الجبّار في طبقات المعتزلة إِنكارُ هذا النقلِ عنهم. قال: \"وإِنما أنكره أوّلًا ضرار بن عمروٍ، وكان من أصحاب واصلٍ؛ فظنّ الناسُ أنّ المعتزلة أنكروه. وإِنما المعتزلة رجلان: أحدهما يجوِّز ذلك، كما وردت به الأخبارُ. والثاني، وهم أكثرُ شيوخنا، يقطعون بذلك، لظهور الأخبار؛ وإِنما يُنكِرون قولَ طائفةٍ من الجهلة، \"إِنهم يعذَّبون وهم موتى لا حياة فيهم\"، لأنّ دليل العقل يأبى ذلك\".\nقلتُ: ذكر الشهرستانيُّ في النبوّات أنّ هذا الذي أنكروه هو قول صالحٍ والصالحيّ منهم، ومال إِليه الكرّاميّةُ. ويُحكى مِثلُه عن ابن جريرٍ الطبريّ. قال: \"وزعم بعضُ أهل المقالات أنّ الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف. حتى إِذا حُشِروا، أحسّوها دُفعة واحدةً، كالسكران والمغشيّ عليه لو [جُرحَ] بالسكّين، فلا يحسّ بالألم حتى يُفيق\". قال الشهرستانيّ: \"وأّما ضرارٌ وبشر المريسيّ ويحيى بن كاملٍ وباقي المعتزلة، فنفوا عذابّ القبر ورد الأرواح إِلى الأجساد. وعليه معظم معتزلة عصرنا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[إنكارهم أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن]</span>\nومنها أنهم أنكروا أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن؛ بل ستخلفان؛ لأنّ خلقَهما قبل الحاجة إِليهما عبثٌ؛ وهو قبيحٌ. وعندنا هما موجودتان، رأهما النبيّ ﷺ، وصرَح بوجودهما الكتابُ والسنّةُ. والعبث فيهما ممنوعٌ؛ بل فيه ترغيبٌ وترهيبٌ.\nهذا ما تيسّر إِثباتُه من فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>[ثالثًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه]</span>\nوأمّا فروعه في أصول الفقه،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[عندهم أنّ شكر المنعم واجبٌ عقلًا]</span>\nفمنها أنّ شُكر المنعم لا يجب عقلًا، عندنا. وعندهم، يجب. أمّا وجوبه شرعًا، فمتّفَقٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[حكم الأفعال الاختياريّة قبل ورود الشرع]</span>\nومنها أنّ أفعال العقلاء لا حُكم لها قبل ورود الشرع، عندنا. وعندهم، الأفعال الاختياريّة، إِمّا حَسَنٌ بالعقل، أو قبيحٌ، أو ما لم يَنصّ فيه العقلُ بحُسنٍ ولا بقبحٍ.\nوالأوّل واجبٌ، أو مندوبٌ، أو مباحٌ. والثانى حرامٌ، أو مكروهٌ. والثالث، هل هو واجبٌ، أو مباحٌ، أو على الوقف؟ هم فيه ثلاث فِرَقٍ. أمّا الأفعال الاضطراريّة، كالتنفّس ونحوه، فحَسَنةٌ، قولًا واحدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[تكليف ما لا يُطاق]</span>\nومنها مسألة تكليف ما لا يُطاق. وبعضهم يترجمها بالتكليف بالمحال؛ وله يُستعمَل، لأنّه أخصّ. ويُحتاج إِلى تحقيق الكلام فيها، لأنّ لها فروعًا متعدّدةً؛ فهي أصلٌ لها. وإِن كانت فرعًا للتحسين والتقبيح، فهي أصلٌ وَسَطٌ، كالأفرُع المتوسّطة، كالحيوان بين الجسم النامى والإِنسان.\nفنقول: اعلم أنّ المعلوم إِما ممكنٌ، أو واجبٌ، أو ممتنعٌ. فالممكن ما استوت نسبتهُ إِلى الوجود والعدم؛ فيَحتاج في وجوده إِلى مرجِّحٍ ومخصِّصٍ. والواجب ما ترجَّح وجودُه على عدمه. والممتنع ما ترجَّح عدمُه على وجوده. ثمّ كلّ واحدٍ من الواجب والممتنع، إِمّا أن يكون وجوبُه أو امتناعُه لذاته، أو لغيره. فالواجب لذاته ما لم يقف وجودُه على سببٍ خارجٍ عن ذاته؛ كسائر الموجودات حالً وجودها. والممتنع لذاته، كالجمع بين الضدّين. والممتنع لغير نحوُ كلِّ ما عَلِم اللهُ سبحانه أنّه لا يوجَد؛ كإِيمان مَن عَلم أنّه يموت كافرًا، وهو المثال المشهور في هذا الباب.\nفإِذا، المحال ضربان: محالٌ لذاته، ولغيره. وقد اختُلِف فيهما. فأجاز التكليفَ بهما","vol":"1","page":115},{"text":"قومٌ، ومنَعه آخرون. وأجاز قومٌ التكليفَ بالثاني دون الأوّل. وحُكي عن أبي إِسحق أنّ التكليف نوعان: تكليف طلَبٍ واقتضاءٍ، وهو فيما لا يُطاق محالٌ وخروجٌ عن الحكمة؛ وتكليف تسخيرٍ وتعجيزٍ، يعني نحو قوله: ﴿كونوا قردة﴾، ﴿كونوا حجارة أو حديدا﴾؛ فهو جائزٌ عقلًا. قلتُ: وقوله داخلٌ في الأقوال المذكورة؛ وإِنما حكيناه لما فيه من التفصيل.\nوذكر [أبو الحَسن] الأشعريّ وأكثرُ أصحابه على جواز تكليف المحال وجوهًا. أحدها أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله، كما سيأتى مذهبُه فيه. وهم مكلَّفون بإيقاعها، كالصلاة وسائر العبادات؛ وذلك تحصيلُ الحاصل؛ وهو محالٌ.\nالثاني أنّ القدرةَ الحادثةَ مع المقدور؛ وهو مكلَّلفٌ به قبلَ إِيقاعه؛ ولا معنى لتكليف المحال إِلاّ التكليف بما لا قدرة للمكلَّلف عليه. قلتُ: المعتزلة يمنعون المقدّمتين الأوُليين من هاتين الحجّتين.\nالثالث: عند معتزلة بغداد أنّ الختم والطبع مانعان من الإِيمان، مع أنّ المطبوع على قلبِه مأمورٌ به. وهو تكليفٌ مع عدم القدرة. قلتُ: إِن صحّ هذا عن معتزلة بغداد، فجمهور المعتزلة على أنّ الطبع والختم تسميةُ العبدِ مطبوعًا ومختومًا على قلبه؛ وهو لا يمنع الإِيمانَ عندهم. ومن أدلّة السمع، قولُه تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. ولولا جوازه، لما استعاذوا منه؛ إِذ الاستعاذة من المحال محالٌ. والخصم يتأوّل الآية على ما فيه كلفةٌ ومشقّةٌ. ثمّ هي معارَضةٌ بقوله تعالى في صدر هذه الآية بعينها، وفي غير موضعٍ من القرآن: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾.","vol":"1","page":116},{"text":"قلتُ: هذه حججٌ ذكرناها ليعرفها الناظرُ وما يتوجّه عليها. ونحن نذكر المختارَ في تقرير المسألة ومآخذِها، ونذكُر دليلَ القولين الأوّلين من الأقوال الثلاثة، فبها يُعلم دليلُ القول الثالث، لأنّه داخلٌ فيهما، مركَّبٌ منهما.\nفنقول: احتجّ مَن مَنَع التكليفَ بالمحال لذاته، بأنّ التكليفَ طلبٌ؛ والطلب يستدعي تصوُّرَ المطلوبِ في نفس الطالب؛ لكنّ المحال لذاته لا تصور له في النفس؛ فلا يكون مطلوبًا؛ فلا يكون مكلَّفًا به. وأُورد عليه أنّ المحال لذاته، لو لم يصحّ تصوُّره في النفس، لما صحَّ الحكمُ عليه بالاستحالة في قولنا مثلًا، طالجمع بين الضدّين مستحيلٌ\"؛ لأنّ الحكم عليه تصديقٌ؛ والتصديق فرع التطوُّر لطرفيه، الحكم والمحكوم عليه.\nوالجواب أنّ الحكم يكون تارةً بالإِيجاب، وتارةً بالسلب. والحكم الممتنع على المحال إِنما هو الأوّل، وهو الحكم بوجوبه، أو وجوده، أو إِمكانه، أو ما يستلزم شيئًا من ذلك؛ كقولنا، \"الجمع بين الضدّين واجبٌ، أو موجودٌ، أو ممكنٌ، أو غير ممتنعٍ\". أمّا الثاني، وهو الحكم السلبيّ، فليس ممتنعًا عليه؛ كقولنا، \"الجمع بين الضدّين غير موجودٍ، أو غير ممكنٍ، أو هو محالٌ\"؛ لأنّه في تقدير السلب. وقولنا، \"المحال لا تصور له، أو غير متصوَّرٍ في النفس\"، من هذا الباب. فإِنّ ماهيّةَ الجمعِ المطلقةَ متصوَّرةٌ ممكنةً؛ وسلبُها عن المحال لا يقتضي وجودَه ولا تصوُّرَه، ولا يستلزم محالًا.\nواحتَجّ مَن أجاز التكليفَ بالمحال لذاته أيضًا بما سبق مِن حُجَج الأشعريّ عقلًا وسمعًا -وقد عُرِف ما عليها- وبما سبق أيضًا من قوله تعالى: ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، ونحوه. فإنهم كُلِّفوا بتصديق الرسل في أنهم لا يؤمنون؛ وهو تكليفٌ بالجمع بين الضدّين.\nوالخصم مَنع ذلك، وقال \"إِنما كُلِّفوا بالإِيمان بما أَخبر به الرسلُ من الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. أمّا أنهم كُلِّفوا بالإِيمان بأنهم لا يؤمنون، فلا\".\nوفي هذا المنع نظرٌ؛ لأنهّ أمّةَ كلِّ نبيِّ مكلَّفةٌ بالإِيمان بكلّ ما جاء به نبيُّها. حتى إِنّ","vol":"1","page":117},{"text":"التكذيب بحرفٍ منه كالتكذيب بجميعه. ومّما جاء به الرسولُ أنهم لا يؤمنون؛ وهم مأمورون بالإِيمان به. هذا تقرير الدليل التفصيليّ من الطرفين.\nأمّا المأخذ الإِجماليّ المختصَر، فهو أنّ الغرَض من التكليف تحصيلُ الفعلِ المكلَّف به، أو جَعلُ عدمِه أمارةً على العقاب، ووجوده أمارةً على الثواب. فمَن قال بالأوّل، مَنَع التكليفَ بالمحال لذاته؛ لأنّ تحصيلَه ملزومٌ لتصوُّر وجودِه. وإِذا انتفى اللازمُ، استحال وجودُ الملزومِ، وقَبُحَ طلبُه؛ لأنّ السيّد لو قال لعبده: \"اجمَعْ بين الحركة والسكون! \" أو \"بين قيامِك وقعودِك في وقتٍ واحدٍ! \" لكان له أن يقول \"كلَّفني ما أقدِرُ عليه، حتى أُطيعك. أمّا هذا، فليس داخلًا تحت مقدوري\"\nومَن قال بالثاني، أجاز التكليفَ بالمحال. إِذ لا يمتنع من الله سبحانه أن يجعل عدمَه أمارةً على ذمِّ المكلَّف ةعقابه، كما جعل وجودَ التكاليف الممكنة أمارةً على مدحه وثوابه، وإِن كانت عندنا واجبةَ الوقوع بفعل الله تعالى. وأكثر ما يقال على هذا: \"إنّه جوَّز على المكلَّف أن يعاقَب من غير عصيانٍ\". لكنّ هذا يندفِع بأنّ لله سبحانه أن يًحكُم بعلمه في خلقه. فيَجُوز أن يَجعل ذلك أمارةً على عقابِ مَن عَلِمَ منه أنّه يَستحِقُّ العقابَ، لسوءِ اعتقادٍ، أو نِيّةٍ، أو خُبث سريرةٍ وطويةٍ، أو مجرّد إِرادةٍ لذلك. وقد دلّ على هذا قولُه ﵇ في أطفال الكفار، \"الله أعلم بما كانوا عاملين\". فإنّه تصريحٌ بالحُكم عليهم بسابقِ العلم فيهم. فكذا ها هنا، وأَولى.\nقلتُ: تقرير هذا المأخذ ينبني على أصلين. أحدهما أنّ الغرض من التكليف تحصيلُ الفعلِ، ليترتّب العقابُ على تركه، أو جعله أمارةً على الجزاء؟ الثانى أنّ الأعمال أماراتٌ على الجزاءِ معرفاتٌ، أو عللٌ موجِباتٌ؟ والأصلان مختلَفٌ فيهما بيننا وبين المعتزلة. فكل بَنى فرعَه على أصله.\nأمّا النزاع في جواز التكليف بالمحال لغيره، فمأخذه أنّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنّه لا يكون، هل هو مقدورٌ له، أم لا؟ ذهب عبّاد بن سليمان إِلى أنّه غير مقدورٍ. وخالَفَه","vol":"1","page":118},{"text":"غيرُه، نظرًا إِلى أنّه ممكنٌ لذاته، وكلّ ممكن لذاته مقدوٌ. والرجحان يَظهر في مذهب عبّادٍ. لأنّ صفات ذات الله سبحانه أزليّةٌ يستحيل انقلابها وتغيّرُها؛ فلو تعلّقَت قدرةُ الله سبحانه بإِيجاد ما تعلّق علمُه بأنْ لا يوجَد، لتّنازَع فيه الصفتان. فإِن تّم مقتضَى القدرِة من إِيجاده، لزم انقلابُ العلمِ جهلَا. وإِن تّم مقتضَى العلم من أنّه لا يوجَد، لزم انقلابُ القدرة عجزًا. وإِن تّم مقتضاهما جميعًا، لزم الجمعُ بين الضدّين؛ بأن يوجَد ذلك الشيء، ولا يوجَد. والكلُّ محالٌ. فأمّا نَظَرُ الخصمِ إِلى أنّه ممكنٌ لذاته، فغير مُجدٍ عليه؛ لأنّ إِمكانَه لذاته انتسَخ بصيرورته ممتنعًا لغيره.\nفإِن قيل: \"عِلمُ اللهِ في الأزل، إِن لم يتعلَّق بكون هذا الشئ ممكنًا لذاته، لزم خَلقُ بعضِ الأشياءِ عن تعلُّق علمِ الله بها أزلًا؛ وهو محالٌ. وإِن تعلَّق بذلك، استحال انقلابُه بعد ذلك ممتنعًا\". قلنا: المستحيلُ إ~نما هو انقلابُ الممكنِ لذاته ممتنعًا لذاته. أمّا انقلابه ممتنعًا لغيره، فلا، جَعلًا له من ذوات الجهتين. وكذلك تعلُّق عِلم الله تعالى به في الأزل ممكنًا لذاته، ممتنعًا لغيره؛ وهو تعلُّق عِلمِهبأنّه لا يوجَد؛ وذلك غير مستحيلٍ.\nوهذه المسألة من صُوَرِ الواسطة بين الطرفين. لأنّ المعلوم إِمّا واجبٌ مطلقًا، فيوجَد؛ أو ممتنعٌ مطلقًا، فلا يوجَد؛ أو ممكنٌ لذاته، واجبٌ لغيره، فهو واسطةٌ بين الطرفين، فَوَقَع النزاعُ فيه. فاعلم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[القدرة مع الفعل أو قبلَه</span>؟]\nوإِذ تقرَّرت مسألةُ تكليف المحال، فمن فروعها أنّ القدرةَ عندنا مع الفعل، وعندهم قبلَه. لأنّ الكافرَ كُفرِه مأمورٌ بالإِيمنا، والمحدِثَ حال حدثِه مأمورٌ بالصلاة. فلو لم يكن حينئذ قادرًا على ذلك، لزم تكليفُ ما لا يطاق؛ وقد سبق أنّ الأشعريّ جعل هذا الفرعَ مقدّمةً في الحجّة الثانية على إِثبات الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[وقت العبادة مُضيِّقٌ أو مُوسَّع</span>؟]\nومنها أنّ وقتَ العبادة إِمّا بقَدر فِعِلها، وهو المُضيَّق؛ \" أو أكبر، وهو المُوسَّع؛ أو أقلّ، كإِيجاب أربع ركعاتٍ في زمنٍ لا يَسَعُ إِلا ركعتين، وهو غير جائزٍ إِلاّ على تكليف المحال.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>[الفعل الواحد لا يكون مأمورًا به منهيًا عنه]</span>\nومنها أنّ الفعل الواحد لا يكون مأمورًا به، منهيًّا عنه من جهةٍ واحدةٍ، إِلاّ على تكليف المحال. أمّا من جهتين، فلا يمتنع؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، على قولٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[تكليف الصبيّ والمجنون]</span>\nومنها تكليف الصبيّ والمجنون، لا يجوز إِلاّ على تكليف المحال. ويكون تكليفُهما أمارةً على ما يريد الله بهما، لسابقِ علمِه فيهما. ومَن صحّح خطابَ المعدوم، على ما سيأتي تفسيرُه، فخطاب هذين أولى.\nقد أوقَع الحنيفّةُ طلاقَ المكرَهِ، مع أنّه غيرُ مختارٍ، جَعلًا للتلفّظ به أمارةً على وقوعه، مِن باب ربط الحكم بالسبب. وصحّح بعضُ الشافعيّة حجَّ المجنون؛ وهو قياسّ تصحيحِ حجِّ الصبيِّ إِذا حُجَّ بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[تكليف المُلجأ]</span>\nومنها أنّ المكَره إِذا بَلَغَ حدَّ الإلجاء- وهو أن يجب منه الفعلُ، ولا يتمكّن من الامتناع منه- لا يجوز تكليفُه إِلاّ على تكليف المحال. واختُلِف فيه إِذا لم يبلُغ حدَّ الإِلجاءِ. لا يجوز تكليفُه إِلاّ على تكليف المحال. واختُلِف فيه إِذا لم يبلُغ حدَّ الإلجاءِ، أمّا المخطئ والساهي والناسي، فقد لحقهم بعضُ التكليف في بعض الصور. والأَولى أنّ التكليف إِنما يَلحقهم من باب ربطِ الحكم بالسبب؛ لأنّ العقوبات والآثام موضوعةٌ عمّن لم يَتعمّد المعاصي. وأمّا الغرامات واستدراكات البعبادات ونحوها، فسلبيّ، كما قلنا؛ لأنه من باب العدل، لا من باب التكليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[تكليف الحائض بالصوم]</span>\nومنها أنّ الحائض مكلّفةٌ بالصوم، بتقدير الطهي. كالمحدِث مكلَّفٌ بالصلاة، بتقدير الوضوء. والكافر مخاطَبٌ بأداء الفروع، بشرطِ الإسلام. والمعدوم مخاطَبٌ، بتقدير الوجود. أمّا تكليفها بالصوم شرعًا حالَ الحيض، فهو خارجٌ على تكليف المحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[التكليف بفعلٍ عَلِمَ الآمرُ انتفاءَ شرطِ وقوعه]</span>\nومنها أنّ التكليف بِفعلٍ عَلِمَ الآمر انتفاءَ شرطِ وقوعه دون المأمور، ممتنعٌ عندهم. إِذ هو تكليفٌ بالمحال. وصورة المسألة ما إِذا أَمَرَه بصوم رمضان، وهو يعلم موتَه في شعبان؛ أو حيض المرأة المأمورة به؛ أو نفاسها طولَ رمضان.","vol":"1","page":120},{"text":"والحقُّ صحّةُ هذا التكليف، وأنّه ليس من تكليف المحال في شيءٍ. لأنّه تكليفٌ مفيدٌ ظاهرًا؛ بأن يَعزم المكلَّف على الامتثال، فُيثابُ؛ أو لا يَعزِم، فيُعاقبُ. ويَنقطع هذا التكليفُ عنه بموته، كانقطاع سائرِ التكاليف المتكرِّرة التي فَعَلَ بعضهَا، كالصلوات ونحوها. والخلاف في هذا الفرع يُشبِه الخلافَ معهم في نسخِ الفعلِ قبل وقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[تأخير البيان عن وقت الحاجة]</span>\nومنها أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو وقت العمل، لا يجوز إِجماعًا، إِلاّ على تكليف المحال. ولعلّ امتناعَه عند المعتزلة بناءٌ على التحسين والتقبيح، وعند من لا يقول به لمدرَكٍ آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[بقاء التكليف مع زوال العقل]</span>\nومنها أنّ بقاء التكليف، مع زوال العقل، يخرج على تكليف المحال. وهو كتكليف الصبيّ والمجنون ابتداءً.\nفهذا ما حضر من فروع تكليف المحال. والنزاع في هذه الصور كلّها في جوازه عقلًا. أمّا وقوعه سمعًا، فلم نعلمه في الشريعة. وترَّدد فيه قول الأشعريِّ، واختلف فيه أصحابُه. ووقوعُه في مسألة خلقِ الأفعالِ لازمٌ على رأيه فيه، كما سبق. ويأتي إِن شاء الله تعالى.\nفإِن قيل: \"لو كان جائزًا، لوقع، ولو في صورةٍ متّفقٍ عليها\". قلنا: هذا الطريق إِنما يفيد في مسائل الفروع الظنِّيّة. أمّا العقليّات فلا يفيد فيها؛ إِذ الوقوع ليس من لوزام الجواز. وكثيرٌ من الجائزات لم تَقَع؛ كالمعلومات العاديّة؛ نحو انقلاب الجبل ذاهبًا، والبحر عسلًا، والأرض خبزًا، علامةً ونحوها. فإِنها جائزةٌ في أنفسها؛ ولكنّ العادة جرت بأنها لا تقع. ولهذا، إِذا انخرقَت العاداتُ يومَ القيامة، صارت الأرض خبزةً، كما صحّت به السنّة.\nثمّ عُدنا إِلى فروع الأصل الأكبر، وهو التحسين والتقبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[تكليف المعدوم]</span>\nومنها تكليف المعدوم، بمعنى قيام طلبِ الفعل بذات الله تعالى من المعدوم، بتقدير","vol":"1","page":121},{"text":"وجوده. وهذا مبنيُّ على إِثبات كلام النفس؛ وأنّ التكليف بمعنى الطلب. ومَن زعَم أنّ كلام الله حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ، جعَلَها متوجّهةً إِلى المعدوم بتقدير وجوده أيضًا. والمعتزلة أنكَروا الكلامَ بالمعنيين. وأيضًا، زعموا أنّ كلام مَن لا يَسمَع ولا يَعقِل، بل هو عدمٌ محضٌ، قبيحٌ عقلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[إِبطال اليهودِ النسخَ]</span>\nومنها أنّ اليهود مِمَّا تمسّكوا به في إِبطال النسخ أنّ الحُكمَ المنسوخ إِمّا مِن حَسَنٍ، فنسخُه قبيحٌ؛ أو قبيحٍ، فابتداء شرعِه أقبح. وجوابه أنّه مبنيُّ على التحسين والتقبيح؛ وهُم مِن القائلين به. وقد أبطلناه. والمعتمَد عندنا في ذلك أنّ مصالحَ الخلقِ تختلف باختلاف الأوقات. فيجوز لذلك نسخُ الأحكام رعايةً لمصالحهم تفضُّلًا من الله تعالى؛ كما يفعل الطبيبُ بالمريض، حيث يأمره اليومَ بغذاءٍ يمنعه منه غدًا، لاختلاف مصلحة بدنه بذلك. والشراعُ طبيبُ الأديانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[مَنعُ جمهور المعتزلة مِن نسخِ الحكمِ قبل دخول وقته]</span>\nومنها أنّ جمهور المعتزلة مَنعوا من نسخِ الحكم قبل دخول وقته. كما لو قال: \"صُوموا رمضان\"، أو \"حُجُّوا هذا العام\"؛ ثمّ قال: \"في شعبان\"، و\"قبل يوم عرفة، لا تفعلوا\"، بناءً على أنّ ذلك عَبَثُ. إِذ لا يحصل مقصودُ العبادةِ. وهو قبيحٌ. وهي فردٌ من أفراد التكليف بفعلٍ يعلمُ الآمرُ انتفاء شرطِه، كما سبق. إِذ إِرادةُ اللهِ سبحانه إِيقاعَ الفعلِ شَرطٌ فيه. وبالنسخ، زال تعلّقُ الإِرادةِ به، أو تَبَيّنّا أنها لم تتعلّق به. ولعلّ هذا مأخذ الخلاف. وهو أنّ الإِرادة شرطٌ في الأمر عندهم؛ فإِذا تعلّقَت بالمأمور، لا يزول تعلُّقُها حتى يقع. وعندنا، ليست شرطًا فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[نسخُ وجوبِ معرفة الله وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم]</span>\nومنها أنّ أصحابا والمعتزلة اختلفوا في تصوُّر نسخِ وجوب معرفة الله وشكر المنعم، وتحريم الكفر والظلم ونحوه، بناءً على الخلاف في التحسين والتقبيح. فمَنَعه المعتزلةُ بناءً على أصلهم.\nهذا ما تيسّر إِثباتُه من فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>[رابعًا: فروع التحسين والتقبيح في الفروع الفقهيّة]</span>\nوأمّا فروعه في الفقه، فكثيرةٌ بالضرورة؛ لأنّه إِذا كثُرت فروعُه الأصوليّة، مع كونها قواعدَ كلّيّاتٍ، ففروعه الفقهيّة، مع أنها جزئياتٌ لتلك الكلّيّات، أَولى. وأكثر المذاهب نزوعًا إِلى قاعدةِ التحسين والتقبيح في الفروع مذهبُ أهل الرأي من الكوفيّين. وسببُ ذلك، فيما قيلَ، قلّةُ محصولهم من النصوص. فكانوا يجتهدون في إِصابة الحقّ بالقياس؛ فيجذبهم العقلُ إِلى ما ألفَهُ محصولهم من النصوص. فكانوا يجتهدون في إِصابة الحقّ بالقياس؛ فيجذبهم العقلُ إِلى ما ألفهُ واعتاده وطُبِع عليه من الأمور الملائمة والمناسبات المقبولة.\nولا أعني، بنزوعِ مذهبهم إِلى قاعدة التحسين والتقبيح، أنهم يقولون بها ويُفَرعون عليها. بل هي نازعةٌ إِليها لضربٍ من الشبهِ، أو الإِغراق في طَلَب المناسَبة، أو التحقيق. فيجاوزون الحدَّ في ذلك؛ وهو معنى ما سَبَق. ولا شكّ أنّنا نحن وغيرنا من المذاهب، وإِن قلنا باعتبار المصالح والمناسَبات، لكنّها مناسباٌ شهد لها الشرعُ، ودلّ عليها الدليلُ. فأمّا مجاوَزة الحدِّ في اعتبار المناسبات إِلى أن يُعتبر منها ما لا شاهد له، أو لا دليل عليه، بل قد يخالِف النصوصَ، فليس ذلك من باب اعتبار المصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[النية في الوضوء]</span>\nفمِن ذلك، أنّ النيّة شرطٌ في الوضوء، عندنا. وعندهم، هي سنّةٌ لا تجب. فذكر الزنجاتيّ في مآخذ الأحكام للخلاف مأخذًا. وهو أنّ الماءِ عند أبي حنيفة مطهَّرٌ بطبعه، كما أنّه مُروٍ بطبعه؛ فلا يحتاج إِلى النيّة. فجَعَلَه من قبيل العادات. وهو عندنا من قبيل العبادات المفتقرة إِلى النيّة المميَّزة لها من العادات. وهذا مأخذٌ نازِغٌ إِلى الطبيعيّات، فضلًا عن العقليّات. والمشهور في هذه المسألة مأخذان.\nأحدهما: أنّ اشتراط النيّة في الوضوء زيتدةٌ على النصّ. والزيادة على النصّ نَسخٌ؛ فتحتاج إِلى دليلٍ. وجوابه: لا نُسلَّم أنّ اشتراطَ النيّة زيادةٌ على النص؛ بل النصّ دال على النيّة. إِذ معقوله ﴿إِذا قمتم إلى الصلاة﴾، لأجلها؛ كقولك، \"إِذا صادفتَ","vol":"1","page":123},{"text":"الأميرَ، فترجّل\"، أي له؛ و\"إِذا بَرزتَ إِلى خصمك، فتأهّب\"، أي له. سَلَّمناه؛ لكن لا نُسَلِّم أنّ الزيادةَ على النصّ نَسخٌ، لما تقرّر في أصول الفقه.\nالمأخذ الثاني: أنّ الوضوء عبادةٌ، أم لا؟ أو أنها مترددةٌ بين العبادات والعادات؟ فأيّهما يُغلَّب فيها؟ وبأيّهما يُلحَق؟ وظاهر كلامه في هدايتهم أنّه من ذوات الوجهين. فمن حيث هو مفتاحٌ للصلاة، يَصحّ بدون النيّة؛ ومن حيث هو قُربَةٌ، لا يَصحّ بدونها. فلهذا، سُنَّت له النيّةُ، ليَحصُل كونُه مفتاحًا وقُربًة.\nوالصواب أنها عبادةٌ؛ لقوله ﵇: \"الوضوء شطر الإيِيمان\"؛ والإِيمان عبادةٌ. ولأنّ معنى العبادة، وهو الانقياد والذل، حاصلٌ في الوضوء. إِذ لولا استشعار ذلِّ العبوديّة بين يدي عزّة الربوبيّة لَما انقاد أحدٌ للصلاة، فضلًا عن الوضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>[رؤية الهلال في الصحو]</span>\nومنها قولهم، \"لا يُقبَل في رؤية الهلال في الصحو إِلاّ خبرٌ يُحَصِّل العلمَ\". وهو بناءٌ على قاعدتهم في أنّ خبر الواحد فيما نعمُّ به البلوى غيرُ مقبولٍ. لأنّ عموم البلوى يقتضي تَوفُّرَ الداوعي على النقل؛ فعَدَمه مستفيضًا يَدلُّ على ضعف الخبر. وهذا تصرُّفٌ عقلي، مع العلم بأنّ أحكام الشريعة مبنيّةٌ على غلَباتِ الظنونِ. ولو صحّ ما ذكروه، لكان أولى ما اعتُبرت الاستفاضةُ في حقوق الآدميين. وقد قيل في الأموال والنفوس والحدود ما لم يَبلُغ الاستفاضة، كأربعةٍ في الزنا، واثنين في القصاص والمال، ورجلٍ وامرأتين وشاهدٍ ويمينٍ، عند الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[صحة إِسلامِ الصبيّ]</span>\nومنها ما حكاه الزنجاتيّ عنهم في كتاب تخريج الفروع على الأصول، من أنّ الصبيّ يَصح إِسلامُه؛ لأنّ حُسن الإِسلام وقبح الكفر معلومٌ بالعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[صحة شهادةِ الكفّارِ بعضهم على بعضٍ]</span>\nوتصح شهادةِ الكفّارِ بعضهم على بعضٍ لأنّ قُبحَ الكذبِ عقليِّ؛ فلا يُقدِم عليه","vol":"1","page":124},{"text":"العاقلُ. ولو قَبُحَ هذا، لجازت شهادتُهم مطلقًا، حتى على المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[حكاية مسائل ذكرها العالميّ الحنفيّ نازعةٌ إِلى التحسين والتقبيح]</span>\nوقد ذكر العالميّ الحنفيّ في قواعده مسائلَ نازعةً هذا المنزع، وقرّر مآخذها. وأنا أذكر بعضَها، وأُبيّن ضعفَ تلك المآخذ، وأنها نازعةٌ إِلى مناسباتٍ عقليةٍ لا تسلَم من مُبطلٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[لزوم النفلِ بالشُروع]</span>\nفمنها أنّه ذكر مسألةَ لزومِ النفل بالشُروع. وقرّرها بما حاصله أنّ الله سبحانه إنما خلق خلقَه للعبادة؛ لقوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، أى يوحّدوني ويأتون بالعبادة على وجهها. وذلك يقتضي وجوبَ جِنسِ العبادات، على جنس المكلَّفين، في جنس الأوقات؛ وأنّ المكلَّف يَستغرِق وقته بالعبادة. لكنّ الله سبحانه لَطَفَ بهم؛ فعَين لبعص عباداته أوقاتًا تُفعَل فيها، ووكَّل بعضَها إِلى اختيار المكلِّفين، توفيرًا لأكثر أوقاتهم عليهم، لئلاّ تتعطّل معايشُهم. فإِذا عين العبدُ وقتًا للعبادة بالنذر أو الشُروع، دلّ على فراغه لها. فعَمل الدليلُ الأصليُّ عملَه؛ فلَزِمَت بالشروع. قلتُ أنا: فكأنهم نَزّلوه بذلك منزلةَ المقر المؤاخَذ بإِقراره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[نقاش كلامه في لزوم النفلِ بالشروع]</span>\nقلتُ: هذا منزعٌ لا بأس به؛ إِلاّ أنّه مناقَشٌ عليه في مواضع.\nأحدها: قوله، \"الآية اقتضت وجوبَ جنس العبادات، في جنس الأوقات\"، فيه نظرٌ؛ لأنّ لفظ \"العبادة\" فيها مطلَقٌ، والوقت غير مذكورٍ فيها صريحًا؛ وإنما دلَّ عليه الفعلُ لزومًا. وهو أيضًا مطلقٌ، والمطلق لا عموم له.\nالموضع الثاني: أنّ \"العبادة\" هنا عند بعض المفسّرين التوحيدُ؛ لأنّه المطلوب الأهمّ. ولهذا اتّفقنا على أنّ مَن مات موحِّدًا، كان له حُكم المسلمين، وإِن لم يأتِ بعبادةٍ فرعيةٍ","vol":"1","page":125},{"text":"أصلًا. ولأنّ الآية مكتَنَفةٌ بذكرِ الكفّار والمشركين؛ فدلّ على أنّ العبادة المذكورة ما يُناقض ذلك، وهو الإِيمان والتوحيد. أما قبلّها، فقولُه بعد ذِكِرِ قوم نوحٍ وموسى وغيرهم، ﴿ولا تجعلوا مع الله إلها آخر﴾، ما بعدها إِلى الآية المذكورة. وأمّا بعدها، فقولُه، ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾. وعلى هذا التقدير، لا تتناول الآيةُ محلَّ النزاعِ. واعلم أنّ هذا، وإِن كان له اتجاهٌ، إِلاّ إِنّ لفظ \"العبادة\" نصٌ في مجلولها؛ فحَملُه على التوحيد وفروعه أَولى.\nالموضع الثالث: قولُه، \"عيَّنَ اللهُ سبحانه للعبادات أوقاتًا لُطفًا بهم ورِفقًا\". فيًقال له: إِنّ الله سبحانه كريمٌ. والكريم إِذا وَهَب شيئًا، لا يَعود فيه. وعلى رأيك، قد وَهَب لهم بعضَ الزمنِ لمعاشهم والسعي في مصالحهم؛ ثمّ عاد فيه، حيثُ أَوجَب النفلَ بالشروع.\nفإِن قيل: \"إِنما يَقيُح الرجوعُ في الهِبة، إِذا كانت مطلقةً. وعندي، وإِنما وَهَب لهم بعضَ الزمن بشرط استغراق حاجاتهم إِليه لمعاشهم. والتَلَبُّس بالنفل دلّ على عدم ذلك الاستغراق. فانتفى شرطُ الهبة في ذلك الزمان؛ فعاد إِلى مستحِقِّه. ثمّ ما ذكرتموه لازمٌ في النَذر؛ وهو محلُّ وفاقٍ\".\nفالجواب أنّ ما ذكرتموه من الشرط محلُّ النزاع. وقد اتَّفقنا على الهبة؛ والأصل فيها الإطلاق. ثمّ الهبة بشرطٍ لا تصحُّ فيما بيننا. فكيف يفعلها اللهُ سبحانه، وهو أكرم الأكرمين، وأحكم الحكماء! وشأن الحكيم أن لا يَفعل فِعلًا إِلاّ محض الصحّة.\nولو سَلَّمنا أنها بشرطٍ، كما ذكرتم، لكن مع ذلك التكرُّم يأتي الرجوع. ألا ترى أنّ النبيّ ﷺ اشترى من جابرٍ بعيرًا، ووفّاه ثمنَه، ثّم قال: \"هو لك والدنانير\"؛ مع أنّه كان له الرجوع فيها، لأنّه بَدَّلها بشرطِ حصول عِوَضٍ؛ ولم يحصل. وكذلك مع أنّه كان له الرجوع فيها، لأنّه بَدَّلها بشرطِ حصول عِوَضٍ؛ ولم يحصل. وكذلك ما ثَبتَ مِن حديث الكِفل مع المرأة التي راودَها عن نفسها بستّين أو مئة دينارٍ، ثمّ ارتدع عن المعصية، وتَرَك لها المالَ. وحُكي عن كثيرٍ من الناس أنّه اشترى شيئًا","vol":"1","page":126},{"text":"وقَبَض ثمنَه، ثمّ رَدَّ ما قَبَض، ولم يَستردّ الثمنَ. فإِذا كان هذا شعارًا بين عَبيد الله، فالله أَولى به.\nوأمّا النذر، فهو عهدٌ قوليٌ بين العبد وربه، وَرَدَ النصُّ بوفائه؛ بخلاف ما نحن فيه.\nوإطالتنا في هذا المقام إِنما هو مقابَلَةٌ لتحسينه العقليّ بتحسينٍ مِثلِه، وكَيلًا له بصاعِه. وإِلاّ، فنحن يكفينا في الجوارب ما صحَّ من رواية عائشة، أنّ النبيّ ﷺ أَكَل عندها من حَيسٍ أُهدِي لها، بعدما أَخبَر أنّه أَصبح صائمًا. رواه مسلمٌ وأبو داوود والنسائيّ والترمذيّ. ولا يصحّ حَملُه على أنّه من خصائصه؛ لأنها محصورةٌ، والأصل عدمُه. ولو صحّ ما ذكرتم، لكان النبيّ ﵇ أَولى باستعماله، وأعلم بمأخذه. وبقوله تعالى، ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.\nقلتُ: لكن علمتُ مِن حالِ ثقةٍ لا اتّهمُه، بحيث حَصل لى العلمُ بصدقه، أنّه إِذا شَرَعَ في صوم التطّوع، ثمّ أبطَله، حصل له نكدٌ، وصار له ذلك عادةً مطرِدةً، حتى ظَنَّ بها أنّ الحقًّ عند الله لزومُ النفلِ بالشروع. لكنّ هذا ممكنٌ حملُه على أنّه تأديبٌ إِلهيِّ خاص لبعض مَن له به عنايةٌ، حتى بلزومِ ما لا يَلزمُ ما لا يَلزم. وتأديب أصحابِ العنايات خارجٌ عن قياس الشرعيّات. ويدلّ على هذا التأويل أنّه لم يكن كذلك قبل، ثمّ صار كذلك. ولو كان ذلك لأنّ الحقَّ عند الله لزومُ النفل بالشروع، لم يختلف بزمانٍ دون زمانٍ. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[قاعدته في الزكاة]</span>\nومنها أنّه قرّر قاعدةَ الزكوات بما حاصله أنّ الزكاة إِنما شُرِعت تحصيلًا لرياضة النفس، وصونًا لها عن الطغيان الموجِب للعقاب. وذلك لأنّ المال سببٌ للطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن راه استغنى﴾. فلما كان المال سببَ الطغيان، اقتضت العنايةُ شَرعَ ما يَمنع منه، وهو رياضة النفس بإِخراج بعض المال.","vol":"1","page":127},{"text":"قال: \"ولم تجب الزكاةُ إِلاّ لهذا المعنى؛ لأنّ الزكاة في ذاتها محضُ مَفسدةٍ وضررٍ، لكونها تنتقيصَا للمال الذي هو قِوام الحياة. فلابدّ في مقابلته من مصلحةٍ ونفعٍ. وليس ذلك النفعُ عائدًا إِلى غير المزكِّي؛ إِذ نَفعُ زيدٍ لا يَدفع ضررَ عمروٍ. فتَعيّن أنّه إِليه. ثمّ ليس هو في الدنيا؛ لعدم جواز الرجوع بما دَفع من الزكاة، أو بِبَذلِه على ما أَخذه. فتَعيّن أنّه في الآخرة. ثمّ ليس هو تحصيل الثواب؛ لأنّ تحصيلَ المنافعِ ليس واجبًا، وحصول النفع لا يَجبُر وقوعَ الضررِ، ولا يخرِجه عن كونه ضررًا. فتَعيّن أنّ النفع الذي التزم ضرر الزكاة لأجله هو دفعُ ضررِ العقاب في الآخرة. وذلك إِنما يحصُل بتحصيل ارتياضِ النفس بأداء الزكاة في الدنيا، وتخَلُّصِها من مَعرَّة الطغيان\".\nثمّ قال: \"فإن قيل: \" الزكاة واجبةٌ على الأنبياء والأولياء ونحوهم، ممَّنْ لا عقاب عليه \"، قلنا: سَبَبُ العقابِ يصح منهم، وهو الطغيان بالمال ومنعُ الزكاةٍ. لكنّ الله عَصمهم من ذلك، ولَطَف لهم. والعقابُ مُعتَبرٌ بسببه، ولا بوقوعه\".\nقلتُ: هذا حاصلُ ما قرَّرته هذه القاعدة. وهو تصرُّفٌ عقلي، وضرب من التحسين والمناسَبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[فروع قاعدته في الزكاة]</span>\nثمّ بَنى عليها فروعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[وجوب الزكاة على الصبيّ والمجنون]</span>\nمنها: أن الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون. إذ لا رياضة ولا طغيان ولا عقاب في حقهما فلا تقع الزكاة منهما دافعة للعقاب وصارت ضررا محضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[من مات وعليه زكاة]</span>\nومنها: أنّ مَن ماتَ، وعليه زكاةٌ، لا تُؤخَذ مِن تَرِكتِه؛ لامتناع حصول الارتياض ووقع العقاب في حقِّه. كذا قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[وجوب الزكاة على المديون]</span>\nومنها: أنّ الزكاة لا تجب على المديون؛ لحصول الارتياض في حقِّه بدونها؛ إِذ هو مقهورٌ بالدَينِ، ممتنِعٌ من الطغيان. فخَلَن الزكاةُ في حقِّه عن معناها الذي شُرِعت له.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[وجوب الزكاة في مال الضمار]</span>\nومنها: لا تاجب الزكاةُ في مال الضمار؛ كالضلال، والمدفون الضائع، ونحوه. إِذ ليس سببًا للطغيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[وجوب الزكاة في الحليّ]</span>\nومنها: أنّ الزكاة تجب في الحليّ؛ لأنّ حاجة التحلّي به لا تمنع كونَه سببًا للطغيان. فتجب الزكاة تحصيلًا لمعنى الارتياض.\nقال: \"وعلى هذا تخرج مسائلُ الزكاة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[الكلام على قاعدته في الزكاة]</span>\nقلتُ: مأخذ النزاعِ بيننا وبينهم في الزكاة أنها عبادةٌ مُعلَّلةٌ بما ذَكَر من الارتياض، أو أنها مؤونةٌ ماليةٌ وَجَبت للفقراء بقرابة الإسلام؟ وهذا الثاني أرجح. فلا جرم قلنا: تجب الزكاةُ في مال الصبيّ والمجنون؛ لأنهما، وإِن لم يكونا من أهلِ العبادات، فمالُهما محتملٌ للمواساة؛ كنفقة الأقارب. والوجوب على الوليِّ، لا عليهما. وتُؤخَذ من تركة الميّت، لأنها وَجَبَت بوجودِ سببها وشرطها، ونفقة الأقارب، وإِن سَقَطَت بمضةّ المدّةِ. إِلاّ إِن الزكاة ليست مجرَّدةً من معنى العبادة؛ ولهذا وَجبت فيها النيّةُ. أو تقول: غرامته ماليةٌ، كنفقةِ الزوجات، وهي لا تسقُط بمضيّ الزمان.\nوأمّا سقوطها عن المديون، فليس لما ذكروه؛ بل لأنّ المواساة تَسبق عليه، ولا يحتملها حالُه؛ ولأنّ نفقةَ الأقارب إِنما تجب فيما فضل عن الضرورات. وإِذا أسقطناها عن مال الضمار؛ فلأنّه أشبَهَ الموجودّ؛ لثبوت المُلكِ. ولا تجب في الحليّ؛ لأنّه مصروفٌ عن وجهِ النَماء. فلا تتعلَّق به المواساةُ؛ ولا يُعلَّل بالطغيان.\nوالتحقيق في الزكاة أنّ لله سبحانه في إِيجابها حِكمتين. إِحداهما في مصدرها، وهو الغنيّ، ابتلاءً له بالطاعة، وامتحانًا بالسماح بما يحبُّه في طاعته. والثانية: في موردها، وهي إِغناءُ الفقراءِ ونفعُهم. ولهذا قيل: \"الفقراءُ عالة الأغنياءِ\". وقيل: \"فَرَضَ","vol":"1","page":129},{"text":"اللهُ سبحانه للفقراء في مال الأغنياء كفايَتهم. لكنّ بعض الأغنياء مَنَع ما يُستحَق عليه، وبعضهم أخذَ منها ما لا يَستحِقُّه، فضاق على الفقراء\".\nوالحِكمتان ملحوظتان من الزكاة. أمّا معنى العبادة، فللاتّفاق على اشتراط النيّة فيها، واقترانها بالصلاة في الأمر بهما. وأمّا معنى المواساة، فلإجرائها ظاهرًا إِذا أُخذَت قهرًا من الممتنع. ولقوله تعالى، ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، الآية؛ جعَلَهم مصرفًا لها. ولهذا تَردَّدَت بين حقِّ الخالِق والمخلوق في بعض الأحكام. هذا فصلُ الخطابِ في المسألة.\nثمّ غَلَّب أبو حَنيفة فيها جانب العبادةِ. وغلّب غيرُه معن المؤونة الماليّة والمواساة. أمّا ما قرّره العالميّ من معنى الطغيان والرياضة، وأنّ المصلحة المقابلة لمفسدة الزكاة إِنما هي دَفعُ ضَرَرِ العقابِ لا غير، فضعيفٌ مخالِفٌ لصحيحِ النقلِ وصريحِ العقلِ.\nأمّا صحيح النقل، فقولُه تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم﴾؛ وقوله، ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. فَوَعَدَ على الزكاة بالأجرِ الكريم والمضاعَفَة. وجَعَل ذلك جابِرًا لضررِ الزكاة.\nوأمّا المعقول، فلأنّ الواحد منّا يُكلَّفُ عبدَه تكليفًا. ثمّ تارةً يَتَوعَّدُه على تَركِه، وتارةً يَعدُه على فِعلِه، وتارةً يجمَعُها له. وكذا الأمر في الزكاة؛ فإِنّ الوعد والوعيد فيما يتعلَّق بفعل الزكاةِ وتَرِكها كثيرً. وحينئذٍ، لا يَتعيّن دَفعُ العقابِ مرغوبًا في الزكاة، ليَخرُجَ منه الصبيُّ والمجنون. وقد يجرز أن تكون فائدةُ الزكاةِ دنيويّةً؛ وهي دفعُ المعرَّة عن الأغنياء بفاقة الفقراء؛ وهم بنو أبٍ واحدٍ وأمِّ واحدةٍ؛ فتُعَيِّرهم بذلك الملائكةُ والجنُّ. وتحقيقُ قولِهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فلطفُ اللهِ سبحانه بدَفعِ تلك المعرّةِ عنهم. فتتناول هذه المصلحةُ الصبيَّ والمجنونَ. فقولُه، \"لَم تجب إِلاّ لمعنى الارتياضِ\"، تحَكُّمٌ. وقد تكون المصلحةُ ما يخلفه اللهُ عليه بالبركةِ مِن حيث لا يَعلمُ؛ حيث انقادَ للزكاةِ وسَلَّم.","vol":"1","page":130},{"text":"وفي الحديث: \"ما نَقَصَت صدقةٌ من مالٍ، بل تزداد\". كما جاء فيه: \"ما خالَطَت الصدقةُ مالًا إِلاّ أهلَكَته\"؛ يعني خالَطَته بمنعِها، فيصير حقُّ الفقراءِ مختلِطًا بمالِ مَن وَجَبَت عليه الزكاةُ.\nوقوله، \"ليس النفعُ تحصيلَ الثوابِ؛ لأنّ تحصيلَه غير واجبٍ\"، ممنوعٌ. بل هو واجبٌ عقلًا. والنفع والمصلحة تارةً يكونان بجلب خيرِ، وتارةً بدفع شرًّ. بدليل قوله ﵇: \"ما من داعٍ يدعو، إِلاّ استُجيبَ له؛ فأُعطِيَ ما قال، أو ادُّخِر له في الآخرة، أو دُفِعَ عنه الشرّ مِثلُه\". فجَعَلَ دَفعَ الشرِّ عِوضًا عن الخير المطلوب.\nوبان بهذا أنّ قوله، \"حصول النفعِ لا يَجبُر وقوعَ الضررِ\" غيرُ صحيحِ. وإِذا نُوزِع في مقدّمات قاعدتِه، لم تَثبُت، ولا فروعُها.\nوقولُه في الفرع الثاني: \"إِنّ العقاب ممتنِعٌ في حقّ مَن مات، وعليه زكاةُ ظاهرةٌ\"، غير صحيحٍ.\nقلتُ: وممّا يتّجهُ تفريعُه على المأخذين تعلُّق الزكاةِ بالذمّةِ أو العينِ. إِن غلَّبنا فيها معنى العبادةِ، تعلَّقت بالذمّة، كالصلاة. وإِن غلَّبنا معنى المواساةِ، تعلَّقَت بالمال؛ لأنّه محلُّها.\nومنها إِذا تلفَ المالُ بعدَ الوجوب، وقبلَ إِمكان الأداءِ. إِن غُلب معنى الارتياض، سَقَطَت لزوال سببِه؛ كما لو مات المزَكِّي. وإِن غُلِّبت المواساةُ، لم تَسقُط، وانتّقّلّت عن المال بعد تَلَفِه إِلى الذمّة؛ لوجوبها قبلَ ذلك. بخلاف سقوطها عن المديونِ، وفى مال الضمار؛ لأنّ الوجوبَ هناك لم يَسبق.\nفأمّا ضمّ أحدِ النقدّين إِلى الآخر في تكميل النِصاب، وإِخراجه القيمة في الزكاة، وجواز إِخراجها عن المصر، فيستوي فيهنّ المأخذان؛ لقيام سبب الارتياض والمواساة فيهنّ. ولهذا كان مذهب أصحابنا في الأخريين مرجوحًا.\nومن ذلك زكاة الفطر، يُعتبَر لوجوبها النصابُ الزكويّ، عنده. فلا تجب بدونه، نظرًا","vol":"1","page":131},{"text":"إِلى معنى الارتياض، وقد وُجِد سببُه. وعندنا تجبُ على مَن مَلَكَ قُوتَ يومِ العيد وليلته، وفَضُلَ بعدَه ما يؤدَّى؛ لأنّ ذلك محتمِلٌ لهذه المواساة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ومِن قواعده قاعدةُ الصيام</span>\nوحاصل ما قرَّرها به أنّ الصيام لابدّ وأن يكون إِيجابُه لمصلحةٍ. إِذ لا يجوز أن يكلَّفنا الشرعُ بفعلٍ لا مصلحة فيه. ثمّ المصلحة ليست نفسَ الصيام؛ لأنّه مفسَدةٌ في نفسه؛ إِذ هو ماتناعٌ عن المباحات. فتعيَّن أنّه متضمِّنٌ للمصلحة، مشتمِلٌ عليها. وتلك المصلحة إِنما هي صيانة النفسِ المفضيةِ إِلى حفظِت وبقائها، المقضى إِلى دوامِ توحيد الله ومعرفته المقصودَين له سبحانه، لإِقامة رّسمِ عبادِته، ولدفع العقاب عن المكلَّف في الآخرة؛ لأنّ النفسَ، لما طُبعَت عليه من الشهوات، لو خَلَت من روابطِ يصونها عن الانهماك فيها، استَغرَقَت فيها حتى هَلكَت؛ كما هو مشاهدٌ من أحوال العامّةِ. فيفوت بذلك نقاؤُها؛ فيفوت التوحيدُ والمعرفةُ المطلوبان؛ ويَقَعُ المكلَّف في ورطة العقابِ. ثمّ قال: \"لا يقال: \"إِنّ مصلحةَ الصومِ التوسُّلُ به إِلى الثواب في الآخرة\"؛ لمَا سَبَقَ (يعنى في قاعدة الزكاة) مِن أنّ جَلبَ الفعِ غيرُ واجبٍ؛ فهو إِنما يكون بفعلٍ يُخيَّر فيه ترغيبًا. وإِنما الواجب دفعُ الضررِ؛ وهو إِنما يكونُ بما أُلزِمَه المكلَّفُ، ليدفع بفعله العقابَ عن نفسه\".\nهذا حاصلُ ما أجاب به، وقرَّر به قاعدةَ الصيام. وهو تصرُّفٌ عقليُّ نازِعٌ إِلى التحسين والتقبيح، كما سنبينّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[فروع قاعدته في الصيام]</span>\nثمّ بَنى على ذلك أنّ من صام رمضان، بمطلق النيّةِ، أو بنيّةٍ من الليل، أو بنيّة مِن النهار، صحّ صومُه؛ فقد حَصَلَت مصلحةُ الصوم. قال: \"وهذا يقتضي أن لا تُشتَرطُ النيّةُ للصوم أصلًا. لكن إِنما اشتَرَطنا أصلَ النيّة (يعني كونَ الصوم عبادةً) تمييزًا له من العادات ونحوها\".","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>[الكلام على قاعدته في الصيام]</span>\nقلتُ: الكلام على ما قرَّره أوّلَ قولِه، \"لا يجوز أن يكلّفنا الشرعُ بفعلٍ لا مصلحة فيه\". إِن أرادَ: \"لا يجوز عقلًا\"، فهذا تقبيحٌ عقليُّ، وقولٌ بلزومِ رعاية المصالح لله تعالى؛ وقد أبطلناه. وإِن أراد: \"لا يجوز شرعًا\"، فمن أين استفاده مِن الشرع؟\nولو لَزِمَ أنّ الشرعَ لا يكلِّفنا إِلاّ بما فيه مصلحةٌ، لكن تلك المصلحة يلزَم أن تكون بيِّنةً ظاهرةً لنا، أم لا؟ فإِن لَزِم ذلك، بَطَلَت فائدةُ التعبُّداتِ في الشرع؛ إِذ فائدتها امتحانُ المكلَّفين بالانقياد لفعلِ ما لا يعلمون حكمتَه، تحصيلًا لمعنى الإِيمان بالغيبِ ونحوِه. ومتى ظَهَرَ وجهُ المصلحة في الفعل للمكلَّف، زال ذلك المعنى، ولم يَبق عنده فرقُ بين إقامة العبادة، وبين سفره في تجاراته ومعايشه؛ لاشتراك الأمرين في المصلحة الظاهرة له. وإِن لم يَلزم كونُ المصلحة ظاهرةً للمكلَّفين، فمِن أين لك أنّ مصلحةَ الضوم ما ذَكَرتَ؟ فإِن قلتَ: \"بالاستدلال\"، قلنا: وخصمُك يُبيِّن غيرَ المصلحة التي ادّعيتها بالاستدلال؛ فما المرجِّح لدعواك؟ فإِن قال: \"صحّة استدلالي، دون استدلالِ خصمي\"، قلنا: هو دعوى؛ فهاتوا برهانَكم إِن كنتم صادقين.\nقوله، \"ومصلحة الصوم ما اشتَمَل عليه من صيانة النفس المفضي إِلى بقائها، لاستدامة التوحيد، لدفعِ العقاب عن المكلِّف\".\nقلنا: أمّا أوّلًا، فهذا إِشارةٌ إِلى ما سَبَقَ من لزوم رعايةِ المصلحة، وتعليل أحكام الله. إِذ عَلَّلتَ إِيجابَ التوحيدِ بدفعِ العقاب. وهما أصلان منازَعٌ فيهما.\nوأمّا ثانيًا، فإِنّه لو كانت مصلحة الصوم وحكمتُه صيانةَ النفسِ، كما ذكرتَ، لكان يجب صيامُ الدهر، أو أكثرِه؛ لأنّ الإِنسان، لغلبة شهواته وملازمتها لذاته على الدوام، يَحتاج إِلى ما يصونه عنها على الدوام؛ لأنّ دوام المقتضِى يقتضي دوامَ الحُكمِ. ولم يوجِب الشرعُ عليهم إِلاّ شهرًا في السنة؛ فما عسى أن يُحَلِّل صيامُ ذلك الشهر من صيانة النفس في باقي العام؟ بل نحن نشاهد الناسَ في رمضان يُصَيِّرون ليلَهم نهارَهم. ثمّ يفعلون فيه من قضاء الشهوات أكثرَ مِمَّا يقضونه في نهارٍ غيره؛ لأنهم، لتوقُّعِ المنعِ منها بمجيء النهار، يَعُدُّون الليلَ فرصةً ينتهزونها، وخُلسةً يغتنمونها، خصوصًا","vol":"1","page":133},{"text":"فيما شاهدناه بمدينة القاهرة. وما مَثَلُ مَن جَعَلَ صومَ شهرٍ مِن سنةٍ صائنًا للنفوس عن الشهوات، إِلاّ مَثَلُ من أراد إشباعَ الأسد بِبقّة، أو إِرواءَ الجملِ بمَذقةٍ. ونحن نشاهد أنّ كثيرًا من المنقطعين للرياضة يصوم الدهرَ، ويواصل في بعضه، ثمّ تكون غايتُه أن يَعجَز عن ضبط نفسه؛ فتجمح به، فتَصرعُه صرعاتٍ أقبح من صرعات العوامّ الذين لا رياضة لهم، بل لا يصومون رمضان أصلَا. والحكمة تقتضي أن يكون الفِعلُ صالحًا لِما قَصَدتَه من الحكمة والمصلحة. وإِلاّ، كان كمن ادَّعى أنّ الله سبحانه خَلَق الثعالبَ والضباعَ لإِهلاك النمورِ والسباعِ، وخَلَق الحمامَ في الدُورِ لحراسة الطيور من العُقبانِ والصقورِ، وخلَق الذُبّانَ لإِهلاكِ كلِّ حيّةٍ وثعبانٍ! وذلك مِمَّا تجب صيانةُ العامّةِ، فضلًا عن الحكماء، عنه.\nوأمّا ثالثًا، فما ذكرتَه معارضٌ بأنّ مصلحةَ الصوم حصولُ الثواب في الآخرة، أو تصفيةُ النفس لإِدراك المعارف؟ فإِنّ للجوع أثرًا في الفهم والإِدراك. ولهذا قيل: البِطنة تُذِبُ الفِطنةَ؛ والجوع يورِث العلمَ الدقيقَ، أو إِذاقةَ الإِنسان ألمَ الجوعِ، ليَسمح للمساكين، ولا يبخل.\nومِثل هذا، حُكي أنّ معلِّمًا لأنوشِروان ضَربه ذات يومٍ ضربًا وجيعًا بغير ذنبٍ؛ وذلك عندما بَرَع فيما أراد من العلم، وأراد الخروج من عند المعلِّم. فحقد عليه أنوشروان. فلمّا وليَ الملكَ، أحضر المعلِّمَ، فقال: \"لمِ ضربتني ذلك اليوم، ولم يكن لي ذنبٌ؟ \" فقال له: \"ظننتُ أنّك ستَلي الأمرَ بعد أبيك، لما رأيتُ من نجابتك. فأرَدت أن أُذيقَك مرارة الظلم، لئلاّ تظلم أحدًا\". فقال أنوشروان: \"تحسينًا لِما قصدَه المعلِّمُ.\nوقد ذُكِر للصوم فوائدُ غير هذه. فجاز أن تكون مصلحةُ الصوم جميعَ تلك الفوائد.\nوجاز أن يكون بعضها غير التي عَنيتَها أنت من الصيانة. وجاز أن يكون ما عنيتَه. فما ذكرتَه إِنما يصحُّ على تقديرٍ من ثلاث تقادير. وهو مرجوحٌ مغلوبٌ؛ فلا يُعوَّل عليه. لأنّ المرجوح في الشرعيّات كالمعدوم.\nأمّا قوله، \"لا يجوز أن تكون مصلحةُ الصوم حصولَ الثواب، بل دفع العقاب\"، ففيه نظرٌ؛ لوجهين:\nأحدهما أنّ النصوص تُقارِب التواترَ في الوعد بالثواب على الصيام؛ وهي أكثرُ من","vol":"1","page":134},{"text":"نصوص الوعيد على تركِه. بل لا أعرِفُ نصَّا في ذلك إَلاّ قولَه ﵇، \"مَن تَرَك يومًا مِن رمضان، لم يَقضِ عند صومُ الدهرِ على ما فيه\".\nالثاني: أنّ حقيقة الوجوب عند الأصوليّين مركَّبةٌ من أمرين: مَطلُوبِيَّة الفعلِ، والمنع من التِركِ. فباعتبار المطلوبيّة، يترتَّب الثوابُ. وباعتبار المنعِ، يترتَّب العقابُ. وصحّ في الحديث: \"ما تقرَّب إِليّ عبدي بشيء مثل أداء ما افترضتُ عليه\". والإخبار بالقُرَبِ كنايةٌ عن الوعد بالثواب، لأنّ بينهما رابطًا سببيًّا.\nوإِذا ثَبتَ أنّ حصولَ الثواب مصلحةٌ في الصوم، فإِن عُورِض بها ما ادّعيتَه من دفعِ العقاب، وقفت. وإِن ادُّعِيَ أنّ مصلحة الصوم هي مجموع الأمرين، حصولِ الثواب ودفعِ العقاب، لم يصحّ حصرُك للمصلحة في أحدهما.\nثمّ قد سَبَق في قاعدة الزكاة، جوابًا له عن هذا بعينِه، أنّ العبادات أضرارٌ عاجلةٌ لتحصيل منافع آجلةِ. والنفع تارةً يكون بتحصيل خيرٍ، وتارةً بدفعِ شرِّ.\nقولُه، \"لا يجوز أن يُجبر الإنِسانُ على تحصيل نفعه، كما لا يُجَبر على عقدِ الإِجارة لتحصيل الأجرة. ويَجوز أن يُجبَر عليها لينتفي عنه الأجرةُ التي استغلّها واستحقّها\". قلنا: هذا قياس تصرُّفِ اللهِ سبحانه على تصرُّق غيره. وهو غير صحيحٍ. فإِنّا نقول: المجبِر، إِن كان هو الله سبحانه، جاز أن يُجبِر على الأمرين. وإِن كان غيره، لم يجُز على الأمرين. فإِنّ الواحد منّا ليس له إِجبارُ الأجنبيّ منه على جلبِ نفعهِ، ولا على دفعِ ضررِه. إِلاّ أن يكون تحت حجرِه؛ فيصير كتصرُّفِ اللهِ في خَلقِه يملكهما.\nأمّا المؤجِّر، حيث أجبرناه على عقد الإِجارة، فإِنّا لم نجبره من حيث أنّ ذلك دفعُ ضررٍ عنه؛ بل من حيث هو حقُّ عليه، وَجَبَ وفاؤُه؛ كما يُجبَر البائعُ على تسليم المبيع. ثم يقول المجبِرُ في ذلك: \"هو الشرع؛ وهو من تصرُّف اللهِ سبحانه\". وقد بيّنّا أنّ له إِجبارَ خلقِه على الأمرين.","vol":"1","page":135},{"text":"قلتُ: فحيث يَطلب مقدّمات قاعدتِه، لم تصحّ له الدعوى في فروعها؛ وهو صحّة صومِ الفرضِ بنيّةٍ من النهار، أو بمطلَق النيةِ. وهذه الصورة أسهل؛ لأنّ قرينة رمضان تعيّن المطلقة بما وَجَب في الشرع.\nوقوله، \"إِنّ الصوم يكون عادةً وعبادةً؛ فوجب أصل النيّةِ للتمييز\"، كلامٌ صحيحٌ. لكنّه يَلزمهم في اشتراط النيّة للوضوء؛ ولم يقولوا به هناك. ونحن اشترطناها بغير هذا التقرير، كما سبق. وقرّر الزنجاتيُّ مذهبَهم في هذه المسألة بغير هذا التقرير، وإِن قَرُبَ منه في حالٍ ما. وذلك أنّ الصوم عبادةٌ قُصِدَ بها إِلحاقُ المشقةٍ بالمكلَّف. ومشقّة الصوم إِنما تَلحَق غالبًا بعد مضي جزءٍ صالحٍ من النهار؛ لأنّ الإِنسان يُصبِح شعبانَ ريّان؛ فإِذا تعالى النهارُ، انهضم الطعامُ، وتراقت الأبرخةُ من المعدة إِلى الفم؛ فحصلَت مشقّةُ الجوع والعطش. فحينئذٍ، يتحقّق وجودُ مقصودِ العبادة، وهو المشقّة. فاعتُبرت قبل الزوال، لا ليلًا. ةوهذا، على ما فيه، أصلح من الأوّل.\nومعتمَدنا في اشتارط النيّة قبل طلوع الفجر أنّ الصوم عبادةٌ محضةٌ؛ فاشتُرطَت لها النيّةُ تمييزًا لها من العادة والتداوى، كما سبق. وشأن الشرطِ أن يعُمَّ أجزاءَ المشروط؛ كما قلنا في نيّة الوضوء: يجب تقدُّمُها على أوّل واجبات الصلاة. فأمّا الاكتفاء بسوم الماء ... السنة، مع أنّه شرطٌ لوجوب الزكاة فيها، فخارجٌ عن قاعدة الشروط، لعارض طلب الاحتياط للفقراء.\nفأمّا قوله ﵇، \"لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيامَ من الليل\"، وفي لفظٍ، \"مَن لم يُبيِّت الصيامَ من اليل، فلا صيام له\"، فهو من أدلّتنا في المسألة. لكنّه متردِّد الدلالةِ، من جهة أن\"؛","vol":"1","page":136},{"text":"كما اختُلِف في قوله، \"إِنما الأعمال بالنيّات\"؟ فتُشترَط النيّةُ للوضوء على الأوّل، دون الثاني؛ لأنّ انتفاء الكمال لا يقتضي انتفاءَ الصحّة والإِجزاء. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ومنها قاعدته في الكفّارات والمقدَّرات</span>\nافتتَحها بأن قال: \"اعلم أنّ المشرواعت كلّها مصالح، لا خلاف فيه، إِنما الخلاف في مفعولات الله ﷾. فعندنا، يجوز أن يَفعل اللهُ بعباده ما لا مصلحة لهم فيه. وعند المعتزلة، لا يجوز. وأجمعنا على أنّ الله سبحانه لا يوجِب على عباده، ولا يُشرِّع لهم فِعلًا، إِلاّ لهم فيه مصلحةٌ مخصوصةٌ، يتعلَّق بها وجوبُ شيءٍ، بحيث لا تحصل تلك المصلحة من كلّ نفلٍ أو مباحٍ\".\nقلتُ: هذا أوّلًا إِمّا تناقضٌ، أو سوء عبارةٍ؛ لأنّه أَوجَبَ برعاية المصلحةِ في المشروعاتِ جزءًا من مفعولات [الله]. فإِن أراد بالمشروعات \"مفعولات خاصّةً، فهو سوء عبارةٍ. وإِلاّ، فهو تناقُضٌ؛ إِذ المشروعات دون مفعولات الله سبحانه. فيكون قد أتى الاعتزالَ من حيث أباه.\nوتحقيق مرادِه أنّ ما اقتضاه اللهُ من خلقِه اقتضاءَ تكليفٍ، يَستلزم المصلحةَ لهم. وما اقتضاه اقتضاءَ تقديرٍ وتكوينٍ، كتقدير الآلام والمعاصي، لا يَستلزم المصلحةَ، كما سبق في الردِّ على المعتزلة في هذا الأصل، وهو رعاية الأصلح. ثمّ كان حاصلُ ما قرَّرَته القاعدةُ المذكورة أنّ مصلحة الإِيجاب الزائدة على مصلحة المباح والندب، إِمّا عاجلةٌ، أو آجلةٌ. لكنّ المصالح تختلف في ذواتها ومقدارها باختلاف الأحوال والأشخاص والأفعال. كاختلاف قَصر الصلاة وإِتمامها وجمعِها، باختلاف حالِ السفَر والحضَر؛","vol":"1","page":137},{"text":"وسقوطِها عن المرأة ووجوبها، باختلاف حالِ الحيض والطهر شرعًا؛ والسفرِ وعدمِه للتاجر، باختلاف حال ظنِّ الربح وأمنِ الطريق، أو ظنِّ الخسرانِ وخوف اللصوص، عقلًا. وككون الفعل الواحد مصلحةً لزيدٍ، مفسدةً لعمروٍ، لاختلاف الأشخاص. وككون الأكلِ للجائع مصلحةً، والشرب له مفسدةً، لاختلاف الأفعال في ذواتها. وككون القدرِ اليسير نافعًا للشخص، دونَ الكثير من غذاءٍ أو دواءٍ، لاختلاف المقدار.\nوإِذا ثبت ذلك، لم يجُز لنا الحكمُ بوجود المصلحة في الفعل، مع تَوَهُّم انعدامِها؛ لِما بَيَّنّا من لُزومِها في المشروعات. بل لابدّ من القطعِ بوجوبها. ولا يكفي جوازُ وجودِها، ولا ظنُّه؛ لمِا بيّنّا من وجوب زيادتها على مصلحة المباح والمندوب. بخِلاف القياسِ وخبرِ الواحدِ؛ حيث وَجَب العملُ بهما؛ لأنّ الدليل القطاع قام على أنّ العمل بهما مصلحةٌ؛ بخلاف ما نحن فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[فروع قاعتدته في الكفّارات والمقدّرات]</span>\nثمّ بَنى على ذلك أنّ الكفّارة لا تجب في قتلِ العَمدِ، ولا يمين الغموس، ولا على من انفَرد برؤية هلال رمضان، فرُدَّت شهادتُه، ثمّ أفطَر؛ لأنّا بيّنّا أنّ المصلحة تختلِف باختلاف الأحوالِ والأشخاص. والكفّارة في هذه المواضع مقدارٌ محدودٌ، لا يخلِف بزيادةٍ ولا نقصٍ. فنحن لا نَعلم أنّ إِيجابها في هذه المسائل مصلحةٌ أم لا؛ لجواز اختلاف المصلحة، بما ذكَرنا وبَيّنّا أنّ هذه المصلحة لا يكفي في وجودها الظنُّ، ولنسا بها قاطعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[الكلام على قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]</span>\nقلتُ: الكلام على ما قَرَّرَه. وحاصِلُه أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، وأنّ مصلحةَ الواجبِ زيادةٌ على مصلحة الندبِ؛ وأنّه لابدّ من القطع بوجودها، ولا يكفي فيه الظنُّ. وهو منازَعٌ في الجميع. أمّا أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، فقد بيّنّا ضعفَه في القاعدة قبلَ هذه. وأمَا أنّ مصلحة الواجب يَلزَم أن تكون زائدةً على مصلحة الندب،","vol":"1","page":138},{"text":"فممنوعٌ أيضًا؛ لأنّا إِذا نازعناه في أصل وجوبِ ثبوتِ المصلحة، فالنزاع في مقدارها أَولى.\nثمّ نقول: لِم لا يجوز أن يَتَعبّد سبحانه خلقَه بالأفعال المختلِفة لمصالح متساويةٍ؟ إِن مَنعتَه عقلًا، فقد سَبَق الكلامُ في قاعدة التحسين والتقبيح. وإِن مَنعتَه شرعًا، فأين دليله في الشرع؟ وظواهر السنّة الصحيحة المستفيضة، بل نصوصها، تدلُ على صحّة ذلك ووقوعه. كقولِه ﵇: \"مَن فطر صائمًا، فله أجرُ صائمٍ؛ ومن جهّز غازيًا، أو خَلَفَه في أهله بخيرٍ، فقد غزا\"؛ وقوله: \"مَن سأل اللهَ الشهادةَ خالصًا من قلبه بَلَّغه اللهُ مراتب الشهداء، وإِن مات على فراشه\". وقوله في غَزَاة تبوك: \"إنّ بالمدينة ناسًا، ما هَبَطتم واديًا، ولا قَطَعتم منزلًا، إِلاّ كانوا معكم\"؛ قالوا: \"وهٌم بالمدينة؟ \" قال: \"وهُم بالمدينة؛ حَبسهم العذرُ، يعني بنيَّاتهم. وهذه مصالح متساويةٌ في ظاهر الأمر، مع تفاوت الأعمالِ؛ إِذ بين الصائم والمفطرِ، وبين الغازي والمجَهِّز، وبين النيّة والفِعل في لُحوقِ مَشاقّ العبادات، بونٌ بعيدٌ.\nوأمّا أنّ المصلحة لابدّ من القطعِ بوجودها في الفعل، فضعيفٌ أيضًا. لأنّه لو لَزِم القطعُ بوجودها، للزم القطعُ بتعيينها، لكنّا نقول: تعيينُ المصلحةِ أولى بأن يُعتبَر القطعُ فيه من وجودها؛ لأنّه أهمّ وافيد وأشرح لصدر المكلَّف، لِما فيه من معرفةِ خصوصيّةِ العلّةِ. بخلاف الاكتفاءِ بمجرَّد الوجود؛ فإِنّ المصلحة قد تكون مجمَلَةً. فإذا لم يُعتبر القطعُ بتعيينها الأهمَّ، فأن لا يُعتَبر القطعُ بوجودِها أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[الكلام على فروع قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]</span>\nوإِذ بَطَلَت مقدّماتُ قاعدتِه، بطلَت دعواه في فروعها الثلاثة. ولنا في كلّ واحدةٍ منها قولان. والمختار فيهنّ وجوبُ الكفّارةِ؛ وهو الصحيح في المذهبِ، إِلاّ في يمين","vol":"1","page":139},{"text":"الغموس؛ لأنّا بَيّنّا في القواعد أنّ الكفّارةَ متردِّدةٌ بين معنى العقوبة ومعنى الجُبران، وأنّ معنى العقوبة فيها أظهرُ؛ لقوله سبحانه، في كفّارة الصيد: ﴿ليذوث وبال أمره﴾؛ يعني القاتلَ عُوقِب بالغرم في ماله أو بُنيَته، لكونه أَتلَف مالًا لله، هو ممنوعٌ منه، بإِتلاف بدنِ الصيدِ. وأيضًا، فإِنّ الفقهاء قالوا: \"التعزيز مشروعٌ في كلّ معصيةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارةٌ، لئلاّ يخلو الفعلُ من عقوبةٍ\". فدلّ على أنّ الكفّارة عقوبةٌ، كالحدّ والتعزيز.\nولا يَرِدُ على كون الكفّارةِ عقوبةً إِلاّ كفّارة قتلِ الخطأِ؛ إِذ لا إِثم يُعاقَب بها عليه ونحن نقول: إِنها عقوبةٌ على تفريطِه؛ إِذ لم يَثبَّت ليَظهَر له وَجهُ الخطأ، فيَجتَنِب أسبابَه. فإِنّ من رأى حيوانًا في ليلٍ، أو في حَمَرٍ، يمكنه أن يَتأنّى ليُحقِّق هو إِنسانٌ أو لا. فإِذا لم يُحقَّق ذلك، بل بادر ورَمَى، فقتَله، فإذا هو إِنسانٌ، ناسَبَ عقلًا وشرعًا أن يَتعلَّق بِفعله العقوبةُ على استعجالِه. وعلى هذا، فقِس في صُوَر الخطأ.\nأو نقول: إِنّ كفّارة الخطأ تَثُبت من قبيل ربطِ الُحكمِ بالسبب؛ بثَنيها على عِظَمِ القتلِ والتغليط في أمرِه. وربطُ الأحكامِ بالأسباب على خلاف الأصل؛ لمَا قَرَّرناه في القواعد.\nإِذا ثَبَتَ أنّ الراجح في الكفّارة معنى العقوبة، فلا شكّ في مناسَبةِ هذه الأفعال الثلاثة للعقوبة.\nأمّا القتل عَمدًا، فظاهرٌ. ولهذا أُوجِبت العقوبةُ في النفس بالقَوَدِ، وفي المال بالديَة، لحقٍّ الآدمي. فكذلك، فالمالُ بالكفّارةِ، لحقِّ اللهِ سبحانه؛ إِذ قد بَيّنّا أنّ الحقّ في النفس مشترَكٌ لله سبحانه، وللعبج بالعَرض؛ وإِن كان في الأصل حقًّا لله لا غير، بمقتضى المالكيّة الثابتة بالخالقيّة؛ إِذ الأصل أنْ كلّ مَن خَلَق شيئًا وأَوجَده، مَلَكَه. ولا خالق للموجودات إِلاّ الله؛ فلا مالك لها إِلاّ هو سبحانه.\nوأمّا يمين الغموس، وهي أن يحلِف كاذبًا عالمًا بكذبه، فلأنّه اجتَرَأن على الله وانتهك حُرمةً اسمِه العظيم. وفي ذلك نوعُ استخفافٍ واستهانةٍ. فالعقوبة فيه أنسبُ منها في","vol":"1","page":140},{"text":"قتل النفس؛ لأنّه اجتِراءٌ على مُلكِ الله، وهذا اجتِراءٌ على عَظَمة اللهِ. ونحن نَرى أنّ المَلك، أو ذا القَدرِ والمنصبِ من المخلوقين، قد يعفو عن مِلسِ الأرضِ ذهبًا وعبيدًا وخيلًا وغير ذلك، ولا يُسامِح بكلمةٍ تَغُضُّ من قَدرِه ومنصبه. ولو لم تَغُضّ منه أيضًا، لم يُسامِح بها، لاقتضاء أنَفَة المنصبِ ذلك. فالله سبحانه أولى بهذه الغِيرة على عظمته. ولولا أنّ الله تعالى حليمٌ، لَمَا قَنعَ مِن صاحب يمين الغموس بكفّارةٍ، هي قَدرٌ نزِرٌ في نفسها وفي العقوبة بها. بل لو أهلَك الوجودَ جميعه بمثلِ ذلك، لكان قليلًا في جنبِ عظمته. لكنّه سبحانه يقول: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾، إِلى قوله في آية أخرى: ﴿إنه كان حليما غفورا﴾. لكنّه أعدّ للحانث في الآخرة ما دَلَّ عليه قولُه تعالى، ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾، الآية، وما وَرَد في السنّة من الوعيد.\nفأمّا قول الفقهاء، \"لا يجب، لأنّ الذي أتى أعظم مِن أن يكون فيه كفّارةٌ\" فهو بناءٌ منهم على أنّ الكفّارة تكفر الإِثمَ، أي تغطيه أو تزيله. فإِثم الغموس ونحوها لا يكفّر بشيءٍ. وهو غير مسَلَّمٍ. بل إِنما هي عقوبةٌ؛ والعقوبات شُرِعَت زواجرَ. وأوَلى ما زُجِر عنه حُرمةُ اللهِ سلحنه أن تُنتهَك في مُلكِه وعظمتِه.\nثمّ هذا القاتل والحانث، إِذا صارا إِلى الله، إِمّا أن تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المتعزلة، مِرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فيَسلَمان. أو لا تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المعتزلة، مَرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فِيسلَمان. أو لا تتقدّم لهما توبةٌ. فإِمّا أن يُخلَّدا في النار، كما تقوله المعتزلة؛ أو لا يخلّدا. فإِن خُلِّدا، فقد أَشبَها الكفّارَ، وسَقَطَت حرمتُهما. فإِيجاب الكفّارة عليهما في دار التكليف، مع مصيسرهما إِلى الخلود في النار، لا محذور فيه، لسقوط حُرمتِهما المبيَّن في المالِ. وإِن لم يخلَّدا، فعذابهما على القتلِ والحنثِ مُتَنَاهٍ. فلتكن الكفّارةُ الآن من جملة ذلك المتناهى تحصيلًا لفائدة ردعِه، بتعجيل بعض العقاب له، وزجرِ غيره. والله سبحانه لا يَظلمه. فهو يخفِّف عنه من عذاب الآخرة بقدرِ ما أُخِذ منه في الدنيا.","vol":"1","page":141},{"text":"وأمّا المنفرد برؤية هلال رمضان، إِذا لم يَثبُت الصوم العامّ برؤيته، وفَعَلَ في ذلك اليوم ما يقتضى وجوبَ الكفّارة في غيره، فالعقوبة له مناسبةٌ؛ لأنّه انتَهك حُرمةَ اللهِ بمخالفته أمرَه قطعَا؛ إذ لا أعلى من مدرَك البصرِ؛ وقد شاهد الهلالَ؛ فثّبَتَ في حقّه قطعًا. والحنفيّة يقولون: \"إِنما ثبت الشهرُ من وجهٍ؛ يعني بالنسبة إِليه دون غيره. فكان ذلك ثبوتًا ناقصًا. فكان شبهةً في درء الكفّارة لأنها حدُّ؛ والحدود تُدرأُ بالشبهات\". وهذه قاعدةٌ عامّةٌ لهم في الأحكام؛ أعني تأثيرَ الوجودِ من وجهٍ دون وجهٍ في ضعفِ الموجود. وهي ها هنا تخيُّلٌ لا حقيقة له؛ لأنّ الشهر، كما ثبت بالنسبة إِليه، فكذلك وجوب الكفّارة إِنما هو عليه مختصّ به، لم يوجد على غيره بقوله سببًا.\nثّم نقول: منعُكم لوجوبِ الكفّارة عليه، إِمّا في الباطن، أعني فيما بنيه وبين الله تعالى؛ أو في ظاهرِ الحُكمِ، لوقوع الشبهةِ وكونه مظنّةً لغلظه. والأوّل لا سبيل إِليه؛ لأنّه متى ثبت في نفس الأمرِ أنّه وَطَأ في نهار رمضان، تعلَّق به مُقتضى الوطءِ باطنًا. وإِلاّ لزِم انقلابُ حقائقِ أحكام الشريعة؛ لأنّ الشبهات إِنما تُؤثِّر في ظواهر الأحكام؛ أمّا في الحقائق الثابتة عند الله سبحانه، فلا.\nوأمّا الثاني، فلنفرِض الكلامَ فيمن أخَبر أنّه رأى الهلالَ، ولم يَتشكّك فيه، وأنّه وَطَأ في ذلك اليوم. فإِن أَلزَمتموه الكفّارةَ، حصل الوفاقُ. وغيره مِثله؛ لأنّا إِنما نوجبها على مِن ثبت عليه ذلك قطعًا. وإِن لم تُلزِموه الكفّارةَ، فالدليل عليه أنّه أقرّ بحقّ آدميِّ، أو مساوٍ لحقّ الآدميّ. وكل مّن أقرَ من أقَر بذلك، لَزِمه مقتضى إِقرارِه. أمّا أنّه أقّر بحقّ آدمي، فلأنّ مصرفَ الكفّارات الفقراءُ. ولأجلهم أَوجَبها اللهُ بأسبابها، كما أَوجَب الزكاةَ.\nفإِن قيل: \"هو حقّ آدميِّ ناقصٌ؛ لأنّه ليس مستقلًّا بالاستحقاق؛ فلا يصحّ قياسُه على الحقّ الكامل\". قلنا: فهو إِمّا حقّ الله، أو حقّ الآدميّ، أو حقّهما؛ لأنّه من أحدهما. فإِن كان حقَّ الآدميِّ، فقد ثبت المطلوبُ. وإِن كان حقَّ اللهِ، فهو مساوٍ لحقّ الآدميّ في التأكّد، بل آكَدُ. بدليل قوله ﵇، \"فدِين اللهِ أحقّ بالقضاء\". وحُكم المتساويين مساوٍ. وإِن كان حقّهما جميعًا، فحقّ اثنين آكَدُ من حقّ واحدٍ. على","vol":"1","page":142},{"text":"أنّ الحقّ في نفس الأمرِ لله، زجرًا عن انتهاك محارمِه، أو جبرًا لما قهر من عباداته، أو استصلاحًا لعباده. وإِنما الفقراء مصرفٌ له.\nوأمّا أنّ كلّ مّن أقّر بحق، لَزِمَه مقتضى إِقراره، فللإجماع على ذلك من الأقارير بالأموال والحدود والأنساب وغيرها من الأحكام.\nفثبت بما ذكرنا أنّ ما ذَكَرَه من قاعدة المقدَّررات واهيةٌ، وأنّ الكفّارة في المسائل الثلاث التي ذكرناه ثابتةٌ، وأنَه إِنما أُتِى من النزوع إِلى التحسين والتقبيح، وقد صرَّح بلفظه فيها، حيث قال: \"كلّ ما حَكَمَ بوجوبه الشرعُ، لابدّ وأن يُحكَمَ بوجود المصلحة فيه قطعًا. ولا يجوز إِيجابُه مع تَوهُّم انعدامِه. لأنّ في ذلك إيجابَ ما يُتوهَّم فيه المضرّةُ والمفسدة؛ والاحترازُ عن الضرر الموهوم واجبٌ؛ وإِيجاب ذلك قبيحٌ\". هذه عبارته. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ومنها قاعدته في الأنكحة</span>\nوحاصل ما قرّرها به أنّ النكاح تَضمَّن، أو استَلزَم، معنًى تجِب إِقامتُه. لأنّه ثبت مع وجودِ المنافي. فلو لم يتضمّن ذلك المعنى، لم يجب مع وجود المنافي.\nأمّا أنّه ثبت مع وجود المنافي، فلأنّ النكاح رِقُّ ومُلكٌ؛ لقوله ﵇، \"النكاحُ رقُّ\". ولئن نوقِشنا في عبارة \"الملك والرقّ\"، قلنا: هو إِثبات ولايةٍ على المرأة، واختصاصٌ بها، تُنافيه حرّيّتُها؛ لأنّ الحرّيّة تُنبِئ عن الخلوص لفظَا؛ وهي كذلك عقلًا وشرعًا، مِن حيث إنّ الله سبحانه خَلَقَ لإِقامة عباداته وتوحيده. ولن يتمكّن الإِنسان من ذلك إِلاّ إِذا اختصّ بنفسه، وانتفى عنه اختصاصُ الغيرِ به، ولأنّ الإِنسانيّة بأصلخا تقتضي الكرامةَ والاستقلالَ، فثُبوت الرقّ والملكِ والاختصاصِ يُنافي ذلك.\nوأمّا أنّ ثبوته مع المنافى يقتضي أنّه تضَّمنَ، أو استَلزَم، معنًى تجب إِقامتُه، فلأنّه لو لم يكن كذلك، لَما كان إطلاقُه أولى من حظرِه.\nقلتُ: هكذا قال في تقرير هذه المقدّمة. ولها تقريرٌ أقوى وأوضح من هذا. وهو أنّ الشيء مع منافيه لا يجتمعان عقلًا؛ وكذلك لا يجتمعان شرعًا، إِلاّ لمصلحةٍ راجحةٍ على مصلحة الندب، كما سبق تقريره له؛ وليس إِلاّ الواجب.","vol":"1","page":143},{"text":"قال: \"وأمّا المعنى الذي اشتَمَل عليه النكاحُ، [و] تجبُ إِقامتُه، فيكفينا إِثباتُه مجمَلًا؛ إِذ قد دلَّ عليه الدليلُ؛ لأنّ الشيء يُعرَف بذاته تارةً، وبدليله ولازِمه أُخرى. وإِن بيّنّاه، قلنا: ذلك المعنى هو التوالد والتناسل والسكن والازدواج والتوسّل به إِلى استدامة إِقامة التوحيد، باستبقاء النفس، بصيانتها عن الزنا وأسبابِ الهلاك، كما سبق. وذلك لأنّ الإبضاع لا يُباح بمطلق الإِباحة؛ فلابدّ من ضربِ حدِّ واختصاصٍ، يمنَع الغيرَ عن مشاركة الرجل في مائة؛ ليثق بأنّ الولدَ منه؛ فيقوم بتربيته والإِرضاع.\nو[إِلاّ] اختّلّ أمرُ التناسلِ. ولو لم يكن له على المرأة ولايةٌ، تمنعها من الخروج والتبدُّ عليه، وتُلزِمُها المطاوَعةَ على الاستمتاع بها، لّما حصل السكنُ والازدواج\".\nثمّ قال: \"فإن قيل: \"الإِنسان لا يأثم بترك النكاح؛ وذلك يَنقُض الوجوبَ\"، قلنا: إِنما لا يأثم بالتركِ في كلّ زمانٍ؛ لأنّه واجبٌ موسًّعٌ، أو على الكفاية. على أنّ بعضهم قال: \"لو تَرك النكاحَ جميع عمره، ومات من غير نكاحٍ، عوقب عليه في الآخرة\".\nهذا حاصل ما قَرّر به هذه القاعدةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[فروع قاعدته في الأنكحة]</span>\nثمّ بنى عليها فروعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>[الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلّي للنوافل]</span>\nمنها أنّ الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلّي لنوافل العبادة؛ لتضمُّنِه معنًى تجِب إِقامته، بخلاف النوافلِ. قلتُ: وهذا مذهبُ أحمد، خلافًا للشافعيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[إِجبار لمولى عبده على النكاح]</span>\nومنها أنّ المولى يملِك إِجبارَ عبدِه على النكاح، استبقاءً لمالِه، وهو العبد، وصيانةً له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[إرسال الطلقات الثلاث جملةً]</span>\nومنها إرسال الطلقات الثلاث جملةً حرامٌ وبدعةٌ؛ لأنّ ذلك قطعٌ للمصلحة التي تجب إِقامتها بالكلّيّة، احترازًا عن تفريقها، فإِنّه جائزٌ.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[فسخُ النكاحِ بالعيب]</span>\nومنها أنّ النكاح لا يُفسَخ بالعيب. لأنّه ثَبَتَ مع وجود المنافي ضرورة إِقامة للمعنى الواجبِ. وما ثبت للضرورة تقدَّرَ بقدْرِها في خصوصيّة المعنى المقتضى له؛ فلا يَظهر أثرُه في غيره. وما يتضمّنه الفسخ، من زوال الضرر وإِقامة العدل، قد جُعِل له طريقٌ يَحصُل به، وهو الطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[الكلام على قاعدته في الأنكحة]</span>\nقلتُ: هذه القاعدة ليس نزوعهُا إِلى التصرُّف العقليّ كغيرها. لكنّه يُناقَش فيها تَفقُّهَا؛ فيقال: المعنى الذي ذكرتَ أنّ النكاح تضمَّنه، يجب عقلًا، أو طبعًا، أو شرعًا؟ إِن قلتَ: \"عقلًا\"، فقد أبطلنا قاعدةَ ذلك. وإِن قلتَ: \"طبعًا\"، فالطبيعيّات لا مدخَل لها في الشرعيّات. ولهذا، لم يُقدِّر بعض بعضُ العلماء المدّة التي يَلزمُ الزوج وطء الزوجةِ فيها اجتزاءً بداعي الطبع. وإِن قلتَ \"شرعًا\"، فأين دليله؟ وقوله ﵇: \" تناكحوا، تناسلوا؛ ومَن رغب عن سنّتي، فليس منّي\"، ونحوه، قد حُمِل على الندب، لا الوجوب.\nبدليل قولِه: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾؛ ولو وَجَب، لما عُلِّق باستطابتهم له؛ وقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾. وأيضًا، فإننّ العلماء قالوا: \"الاقتصار على واحدةٍ أفضل\". ولو كان واجبًا، لكان الإِكثارُ منه أفضل، ولوجبَت الأربعُ؛ لأنها غاية الواجب، كالصلاة الرباعيّة. وإِذا لم يجب النكاحُ، لم يجب المعنى الذي تضمَّنه؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به واجبٌ. فإِذا لم يجب ما لا يتمّ غيرُه إِلاّ غيرُه إِلاّ به، عُلِم أنّ ذلك الغير ليس بواجبٍ.\nوأمّا قوله، \"ثبت النكاحُ مع وجود المنافي\"، فله اتَجاهٌ. لكن لو عَكَس عاكسٌ، وقال: إِنما ثّبتَ مع وجود الملائم المناسب، وذلك لأنّ الله سبحانه خَلَق الزوجين الذَّكر والأُنثى على تفاوتٍ في الدين والعقل، كما صحّ به نقلُ الشرعِ، أنّ النساء ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ؛ ولذلك كان شهادةُ امرأتين وإرثهما بشهادةِ رجلٍ وإرثِه. والدِّين والعقل","vol":"1","page":145},{"text":"هما اللذان يحمِلان على صيانة النفوس عن الشهوات وملابسة المحظورات؛ وذلك أجدر أن يُبقِى النفسَ لإقمة التوحيد. وذلك لما سبق من أنّ العقل مشتقٌ من عقال البعير المانع له من النُدود والشرود عن مالكه. و\"الدين\" مشتقٌ من \"دان يدين\"، إِذا خَضع وذلَّ. ومنه \"الدَّين\"؛ لأنّ المديون يذِلّ لصاحبه. فالإنِسان يمتنعِ عمّا لا يحلّ بمقتضى العقلِ طاعةً لربّه بمقتضى الديِن. والمرأة لَمَّا نَقصَ حظُّها من هذين المعنيين الشريفين، ناسَبَ أن تثبت عليها ولايةُ الزوجِ، لمصلحته باستمتاعه بها، ولمصلحتها بحبسها عن الشرود والتسارع إِلى ما لا ينبغي.\nولهذا رأَينا النسوان في زمننا هذا قد استخرَجن بمكرِهنّ طريقةً يَتوصّلُ بها أكثرُهن إِلى الشرود عن قيدِ الأزواجِ. فإِذا أرادت المرأةُ تخرُج لقضاء وطرٍ ما إِلى بعض المواسم والفُرَج، كالقرافة بالقاهرة، وموسى والجواد ببغداد، وكان زوجُها فقيرًا [لا] يُطمَع في جانِنه، ادَّعَت عليه عند القاضي بكسوةٍ ونفقةٍ ماضيةٍ، وجَعَلَت دعواها عند من يَقبل قولَها، مع تمنِّيها في عدم الإنفاق عليها، استصحابًا للحال، وتمسّكًا بالأصل دونَ الظاهر، كالحنبليّ. فتحبسه على ذلك. ثمّ تذهب حيث شاءت. فإِذا عادت، أخرجَته. فإِذا كان هذا فعلُنّ مع رابطة الزوجيّة، فما الظنُّ لو خَلَون عنها! وحينئذٍ، لم يَثبُت النكاحُ إِلاّ مع الملائم المناسِب، بمقتضى الحكمة الشرعيّة.\nوأمّا حديث \"النحاك رقٌ\"، فلا يثبت عند أهل النقل. وأمّا عدوله عن لفظ \"الرق\" إِلى \"الاختصاص\"، فغير مجدٍ؛ لأنّا بيّنّا أنهما جميعًا ما ثبتا. إِلاّ مع الملائم المناسِب.\nوأمّا قوله: \"إِن شَرَفَ الحرّيّة وخَلَقَ الآدمىِّ لإِقامة العبادات يقتضي الاستقلالَ وعدمَ الاعتراض\". قلنا: هي مستقلةٌ بنفسها فيما يتعلَّق بإِقامة العبادات، لا اعتراض عليها في ذلك. ولهذا قلنا: إِنّ له الاستمتاع بها ما لم يَضربها، أو يَشغلها عن واجبٍ. فليس له اعتراضٌ عليها في صلاة الخَمس، وصوم الشهرِ، وحجّ الفرضِ، إِذا وُجِدَت شروطُه. وأمّا ولايته عليها فيما عدا ذلك، فهو بمقتضى عقدِ النكاح الواجب الوفاءُ به، بموجب","vol":"1","page":146},{"text":"قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾. وذلك لا يَغُضّ من منصب الإِنسانيّة، ولا الحرّيّة. كما أنها هي تتسلط عليه بحكم العقدِ؛ فتحبسه على مهرها ومؤونتها، ويمتنِع عن التزوُّج والتسرّي عليها، وإِخراجِها من دارها او بلدها بشرطها؛ عملًا بقوله ﵇: \"المؤمنون على شروطِهم\"، ونحوه. وليس ذلك قادحًا في شرفِ حرّيّته، ولا إِنسانيّته.\nوأمّا قوله: \"لو لم يتضمّن النكاحُ معنًى تجب إِقامتُه، لما كان إِطلاقه أولى من حظرِه\"، فليس بلازمٍ؛ لجواز ترجُّحِ إِطلاقه تَجُّح ندبٍ واستحبابٍ، لا ترجُّحَ عزمٍ وإِيجابٍ.\nوأمّا قوله: \"إِنّ المعنى الذي تجب إِقامتُه عو التوالد والتناسل\"، فهو ضعيفٌ؛ لأنّ ذلك لو وَجَب شرعًا، لوجبَت نيّتُه عند عقدِ النكاحِ، أو عندَ الوطءِ. ولا نعلم خلافًا بين المسلمين في أنّ للرجل أن يتزوّج ويطأَ، وإِن لم يخطُر بباله الولدُ. بل أبلغ من هذا أنّ النصوصَ صحَّت بجواز العزلِ لمنع الوالدِ؛ وأجاز العلماءُ شُربَ دواءٍ لقطع الحيضِ، مع إِفضائه إِلى منعِ الحمل. وإِنما الله سبحانه أجرى العادةَ، بأنّ هذا النوع الإِنسانيّ متّصل الوجودِ إِلى اليوم الموعود، بحُكمِ الدواعي الطبيعيّة الحيوانيّة، كسائر أنواع الحيوان من البهائم والطير والحشرات.\nوأما الازدواج والسكن، فهو أيضًا حاصلٌ بفضل إِلهي. ولهذا امتنّ به عليهم، فقال: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، ونحوه. وذلك لِمَا يحصُل لكلِّ من الزوجين من اللذّة بالآخر. حتى لو أراد أحدُهما أن لا يحب صاحبَه، لغلبه قلبُه، ولم تطاوِعه نفسُه. فانجذاب قلبِ كلِّ منهما إِلى الآخر كانجذاب الحديد إِلى المغناطيس. وليس ذلك بكسب الإنسانِ، حتى يكون من معاني النكاح الواجبة. وإمّا استيفاء النفس، بصيانتها عن الهلاك، لاستدامة التوحيد، فدعواه من أضعف ما يكون. وقد تقرّر ضعفُها في نظير ذلك في الصوم. وذلك لأنّ الشهوات دائمةٌ ملازمةٌ؛ فلو كان المقتضي للوجوب ما ذكر، لوَجَبَ استدامةُ النكاحِ ما دامت الشهواتُ","vol":"1","page":147},{"text":"المحذورُ منها الهلاكُ. وهو قد صرَّح بأنّه واجبٌ موسِّعٌ، لا يجب إِلاّ في آخر العمرِ، أو فرضُ كفايةٍ، يسقط عن البعض بفعلِ البعض. وقال الفقهاءُ الذين أوجَبوا النكاحَ: \"يخرج عن عُهدة الواجب بالوطء في مكاحٍ مرّةً واحدةً\".\nقلتُ: فيظهر لي، والله أعلم، أنّ حكمة النكاحِ هو ارتداعُ المكلَّفِ بعدَه عن الزنا؛ لأنّه بالنكاح مرّةً يصير محصنًا. وقد عُلِم أنّ حُكمَ الشريعةِ في المحصَن؛ إِذا زنى، الرجمُ. فإذا زنى بعدَ الإِحصانِ، فهو يَتوقع أن تَقُومَ عليه البيّنةُ؛ أو يُحدِث اللهُ فيه داعيَ الاعترافِ، كما اعتَرف ما عزٌ والغامديّة، فرُجِما؛ أو يبقى غير نفسِ الأمرِ مباحَ الدمِ، غير محرَّمٍ شرعًا، بحيث لو قتَله قاتلٌ، لم يَستحق في الآخرة عن دمِه عِوَضًا. وهذه محذوراتٌ يأباها العاقلٌ يأباها العاقلُ المؤمِن لنفسه؛ فتكون رادعًا له.\nوأمّا قوله، \"ولو لم يختصَ الإِنسانُ بزوجتِه، لم يَثِق بأنّ الولد له؛ فيتقاعد عن تربيِته؛ فيضيع\"؛ فهذا قد عَلَّل به العلماءُ. وعليه إِشكالٌ؛ وهو أنهم في الجاهليّة كان لهم نكاحُ الراياتِ. يَدخُل الجماعةُ على المرأة؛ كلَ منهم يَركز رايتَه على الباب. حتى إِذا فرغ، خرَج، ودَخَل غيرُه كذلك. ثمّ، إِن اختلّ له حُكمٌ. فنقول: لو قَدَّرا أنّ الشرع قرّر ذلك، لجاز قطعًا، مع عدم الاختصاص المذكور. وقد استقصيتُ بالجواب عنه هذا في الفوائد.\nهذا هو الكلارم على مقدّمات القاعدةِ. فلنتكلم على الفروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[الكلام على فروع قاعدته في الأنكحة]</span>\nأمّا كون التشاغل بالنكاح، فيحصل من الفاعل بنوافل العبادات، فقد خالف فيه الشافعيُّ بناءً على أنّ الله تعالى مَدَحَ يحيى بن زكريّا بأنّه حصورٌ لا يأتي النساءَ. وما كان صفةَ مدحٍ، لا يكون ضدُّه أفضلَ. ولأنّ ذلك حظٌ محضٌ للنفس؛ والله تعالى إِنما","vol":"1","page":148},{"text":"تعبّد خلقَه بتركِ حظوظِ أنفسهم؛ فيكون تركُه هو العبادة. وهذا أقوى من حيث النظر.\nأمّا قصة يحيى، فالاستدلال بها مبنيٌ على الاحتجاج بشرعِ مَنْ قبلَنا. على أنّ الخصم يَدَّعي نَسخَه بنصوص السّنة في اقتضاء النكاح؛ فلا يبقى حجّةً، باتّفاقٍ.\nومأخذ المسألة، فيما ذكره الزَنجانىّ، أنّ النهي عن الفعلِ، هل هو أمرٌ بأحدِ أضدادِه، أم لا؟ مَن قال بالأوّل، أوجَب النكاحَ؛ لأنّه منهىٌ عن الزنا؛ فيكون مأمورًا بضدّه، وهو النكاح. ومن قال بالثاني، فمذهبه ظاهرٌ. وفي الاستدلال بهذا على وجوب النكاح نظرٌ؛ فإنّ بين الزنا والنكاح واسطة؛ وهي ترك الزنا بدون النكاح صبرًا واستعفافًا. وتركُ الشيء ضدٌّه؛ فقد امتَثَل بفعلِ ضدِّ المنهيِّ عنه. ولا يلزم منه وجوبُ النكاحِ.\nوالتحقيق أنّه إِذا خاف الزنا بترك النكاحِ، وَجَب؛ لأنّ ترك الزنا واجبٌ؛ وما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به، فهو واجبٌ. فوجوبه مبني على هذا الأصل. ولَمَّا عارَضَه خظُّ النفسِ، قال الخصمُ: \"يُباح له أن يأمَن غائلةَ الزنا بالنكاح؛ أمّا الوجوب، فيحتاج إِلى دليلٍ. وإِنما يَتَمَحّض ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به موجَبًا فيما إِذا خلا عن معارِضٍ؛ كمسحِ جزءٍ من الرأس، وإِمساك جزءٍ من الليل، واجتناب المباحِ المشتبه خشيةَ إِصابةِ المحظورِ.\nوأمّا إِجبار السيدِ عبدَه على النكاح، فهو عندنا مختص بالصغير. أمّا الكبير، فلأنّه إِن وَجَب عليه النكاحُ لِحَق الشرعِ، فالشرعُ هو المجبِر، لا السيّد. وإِن لم يجب، فمصلحة النكاح مختصّةٌ بالعبد؛ ولا ولاية عليه في ذلك، كما لو تَرَكَ من الطعام والشراب ما لا يضرُّ بماليةِ السيّدِ من بدنِه، فليس له إِجباره على أكلِ اللحم السمين والحلوى الطيّبة. والكلام فيما إِذا لم يجب عليه النكاحُ بخوفِ الزنا، فلا يَرِدُ ما ذَكَره من أنّ لبه استبقاء نفسه بصيانته.\nوأمّا إِرسال الطلقاتِ الثلاث، فلم يكن محرَّمًا؛ لقطعها المعنى الذي تجب إِقامته بالنكاح، متضمِّنٌ لمصالح بالجملة، سواءً كانت واجبةً أو لا. والله تعالى ناظرٌ لعباده، ومؤدبٌ لهم، ومرشِدٌ إِلى المصالح. فولاية النكاحِ إِذا ثبتت على المحلّ، كانت تلك المصالح مستمرّةً. واستيفاء الطلاقِ يُزيلها بالكلّيّة، بحيث يبعُد استدراكُها بعدَ زوجٍ","vol":"1","page":149},{"text":"ثانٍ. ومصلحة الطلاق إِن عَرَضَت، حصلت بالطلقة الواحدة؛ لإفضائها إِلى البينونة بانقضاء العدّة واستباحة المرأةِ الزوجَ فإن احتيج إِلى استيفاءِ الثلاث، فليكن بالتدريج، في كل طُهرٍ طلقةٌ. كلُّ ذلك مراعاةٌ لمصلحتهما، خشيةَ أن يبدو له في إِمساكها. فإذا استبقى من الولاية عليها طرفًا، أمكنه ذلك. وربما كان بينهما ولدٌ، فاستدرَك تربيته. وربما تأدبت هي بالطلقة، أو هو؛ فانتَظم حالهما بعد المراجَعة. وإِذا لم يُبقِ من الولاية شيئًا، فات ذلك عليه، فتضرَّرَ. وقد بيّنّا أنّ الحقّ في النفوس لله. فله الحجرُ عليها، ودفعُ الضررِ التكليفيّ عنها. فهذا منزعٌ جيّدٌ.\nوأمّا منعُه فسخَ النكاحِ بالعيب، فقد أبطلنا أصلَه الذي بناه عليه؛ وهو ثبوت النكاح مع المنافي. ومقتضى العدلِ الشرعي جوازُ الفسخِ بالعيب المُخلِّ بمقصود النكاح لكل من الزوجين؛ لأنّ النكاحُ في الحقيقةِ عقدُ معاوَضَةٍ؛ فجاز فسخُه بالعيبِ؛ كالبيع والإجارة. وما اختصّ به النكاحُ من سائر خَواصِّه لا يَقدح في هذا القياس؛ لأنّ تلك ثبتت لمقتضياتٍ أخرِ. ولأنّه قد جعل من جملة المعنى الذي تجب إِقامتُه بالنكاحِ التوالد والتناسل والسكن والازدواج؛ والعيبُ مخِلٌّ به لخصوص النفرِة.\nوأمّا الطلاق، فهو، وإِن كان طريقًا إِلى التخلُّص، إِلاّ إِنّ فيه ضررًا على الزوج، لا يقتضيه دليلٌ. وهو إِلزامُه المهرَ، وإِسقاطُ ولايته عن المحلِّ، بحيث لا يمكنه استداركُها إِلاّ بعد زوجٍ أو عقدٍ. بخلاف الفسخِ؛ فإِنّه يرجع به عندنا على مَن غَرَّرَه مِن زوجةٍ، أو وليّ؛ وتبقى ولايتُه للفائدة المذكورة. ولأنّ الأحكام الشرعيّة كالأبدان الطبيعيّة، كلّما عَرَضَ لها عارِضٌ، اقتضى علاجًا خاصًّا. والعيب في النكاح عارِضٌ لحكمِه؛ فيقتضي علاجًا خاصًّا، غير المعهود بغيره. وليس إِلاّ الفسخ. ولا شكّ في اقتضاء العيبِ حُكمًا خاصًّا، ومناسبته للفسخ في حُكم العقلِ وعدلِ الشرعِ.\nقوله، \"المصلحة مع العيب، إِمّا في بقاء النكاح، فقد أبقيناه؛ أو في قَطعِه، فقد","vol":"1","page":150},{"text":"جَعَلنا له طريقًا، وهو الطلاق\". قلنا: ليست القسمة حاصرةً. إِذ لقائلٍ أن يقول: \"المصلحةُ في قَطعِه أو رفعِه بسببٍ خاص، وهو الفسخ\".\nقلتُ: وقد حكة الزنجانيُّ عن الحنفيّة أن مَورِد عقدِ النكاح عندهم هو الرقية، لا المنفعة، استدلالًا بقوله ﵇: \"النكاح رقٌّ\". إِلاّ أنّه لا يُنتج البيعَ. فإِن ثبت هذا عنهم، جاز أن يَرجِع مأخذُ المسألةِ إِلى أنّ المعقود عليه الرقيَّة، أو منافع البضع؟ فعلى الأوّل، لا يَستحقّ الفسخَ؛ لأنّ الرقّيّة سليمةٌ لا نَقصَ فيها. وعلى الثاني، يَستحقّ؛ لاختلال المنافع بالنفرة الحاصلة عن العيب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ومنها قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك</span>\nواضطَرَب كلامُه فيها. وكان حاصلُه أنّ المالك المتصرِّف شرعًا هو المختصّ بحالٍ، لكونه عليها، يتمكَّن من التصرُّف في الأموال بضربٍ من الاختصاص؛ لأنّه محتاجٌ إِلى استبقاءِ نفسهِ، لإقامة رسم التكليف في مُدّته. فلو لم يَثبُت له اختصاصٌ بالأموالأ، لَما كان أولى بها من غيره. والتكليف مشعرٌ بكونه على الحال التي يَتمكَّن بها من الاختصاص بالأموال؛ لأنّ التكليفَ يُشعِر بكونه واجبَ البقاسِ، لإِقامة رسمِه.\nثمّ أُورِدَ عليه سؤالٌ ضعيفٌ. وهو أنّ التكليف إِمّا أن يَدلّ على المالكيّة قبل أوانِ التكليف، أو وقتَ مجيئه؟ والأوّل باطل؛ إِذ لا تكليف قبل أوانه؛ فلا حاجة إِلى الاستبقاء للخروج عن دائرة التكليف. والنفى باطلٌ؛ لأنّ وقت مجيء التكليف يَخرُج عن العهدة بفعل المكلَّف به؛ فلا حاجة إِلى الاستبقاء. فحتاج هو لأجل هذا السؤال إِلى أن قال: \"أنا ما جعلتُ ذاتَ التكليفِ دليلَ الماكليّة والاستبقاء، بل قلتُ: إِذا استجمع الإِنسانُ أمورًا يلازمها التكليفُ، يجب عليه الاستبقاءُ؛ لأنّ الإنسان كلّما كَمُل عقلُه، استجمع أمورًا لابدّ أن يُكلَّف معها، إِمّا في الحال، أو في الثاني\".\nقلتُ: فكلامه بهذا مع ما سبق متهافِتٌ في الظاهر. وإِن أَمكن تصحيحهُ، لكنّ عبارته لم تفِ بمقصوده؛ فأشعَر كلامُه بالاضطراب. والسؤال الذي أَورَدَ عليه فاسدٌ؛ لأنّ التكليف ليس بفعلٍ واحدٍ في حالٍ من التكليف، حتى يَفعله ويَستغنى عن","vol":"1","page":151},{"text":"استبقاء نفسه. بل هي أفعالٌ من أحوالٍ وأنواعٍ في أزمانٍ متطاولةِ، لا يمكن إِقاعُها دفعةً واحدةً. فلا جرم احتاج إِلى استبقاء نفسه وإِلى المالكيّة لأجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]</span>\nثمّ بَنى على هذه القاعدة مسائلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[تصرفُّ العبدِ المأذون له]</span>\nمنها أنّ العبد المأذون له في نوعٍ من التصرُّفات يَصير مأذونًا له في الأنواع كلّها؛ لأنّ بالإِذن ارتَفَع الحَجرُ وظَهَرَت مالكيّتُه بمقتضى التكليف. والمانع له إِنما كان تَعَلُّق حقِّ السيّد بخدمته. فاذا أسطقه في نوعٍ أو زمنٍ ما، سقطت في الأزمان كلّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[تصرُّف الصبيِّ المأذون له]</span>\nومنها أنّ الصبيّ المأذون له إِذا تصرَّف، نفذ تصرُّفه؛ لأنّه على حالٍ، لكونه عليها يَتمكَّن من الاختصاصِ بالأموال والتصرُّفِ فيها.\nقلتُ: تَبيَّن من كلامه هذا، ومما سبق، أنّ مرادَه بأنّ الإِنسان إِذا استجمعَ أمورًا يلازِمهاالتكليفُ، وَجَبَ الاستبقاءُ. لأنّه ما دام يَترقّى إِلى التكليف من حالٍ إِلى حالٍ بالتدريج، فهو متهيٌ للمُلك، ومتوقَّعٌ لوجوب استبقاء نفسه في الثاني؛ لأنّه جَعَل الصبىَ متّصفًا بالحال التي تصحُّ بها المالكيّة. فوجَبَ حملُ كلامِه على ما ذكرنا. لكنّ قصور عبارته عن مُراده أوقَع في كلامه الإِشعارَ بالاضطرابات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[تجزُّؤ العتقِ]</span>\nومنها أنّ العتق يَتَجزّأ؛ لأنّ المملوكيّة ليست وصفًا قائمًا بالمملوك. بل هو بحقّ الأصل متهيِّئٌ لمُلكِ الأشياء، قابلٌ له، غير قابلٍ لأن يملكه غيرُه. وإِطلاق اسمِ \"المملوك\" عليه تجوُّز شرعيُّ شرعي، معناه أنّ اختصاص غيره باستعماله والانتفاع به مانعٌ له من التصرُّف في نفسه. ثمّ ذلك المانع قد يَثبُت لشخصٍ واحدِ، وقد يَثبُت لشخصين، فأكثر، يشتركان في الاختصاص باستعماله. فإِذا قُدِّر زوالُ المانع من جهة أحدهما، لسببٍ،","vol":"1","page":152},{"text":"مِن عتقٍ أو غيره، فوقوع ذلك السبب يبقتضى وقوعَ أثره؛ وهو زوال مانع العبد من استعمال مالكيّةٍ في نفسه من تلك الجهة. ولأنّه يقتضي زوالَ المانع من جهة الشريك، إِذ لا مقتضى لذلك عقلًا ولا شرعًا، فتعيَّنَت التجزئةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[الكلام على قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]</span>\nقلتُ: قد نبّهتُ على اضطراب كلامه في هذه القاعدة من حيث اللفظ، إِن لم يكن من حيث المعنى. وما أَوقَعه في ذلك [إِلاّ] الإِغراق في التناسُبِ العقليّ. وذلك لأنّه رأى المالكيّةَ صفةً شريفةً. والتكليف جاء به كمالٌ؛ فتناسَب إِضافتها إِليه، على ما قرّرَه. والتحقيق في الباب أن يقال: إِنّ الله سبحانه لَمَّا خَلَق العبادَ، لمِا أراد منهم من العبادةِ والتكليفِ، وجعَلهم محتاجين إِلى ما تقوم به أبدانهم، وتبقى به نفوسُهم، خَلَق لهم أشياءً، برسمِ ذلك، متعًاا لهم- كما امتنّ اللهُ سبحانه عليهم بذلك في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ - ثمّ ابتلاءً، بتَمكُّن كلّ منهم من الانتفاعِ بجزسٍ ممَّا خَلَقَ له من المتاع، إِلاّ بضربٍ من الاختصاص. وإِلاّ، كان انتفاعه به بدون غيره ترجيحًا من غير مرجِّحٍ. ورَبَطَ الشرعُ ذلك الاختصاصَ بضفاتٍ شريفةٍ مناسِبةٍ. وهي، بالاستقراسِ، الحياةُ والإِنسانيّةُ والحرّيّةُ، وهي عدم الولاية عليه لغيره، - بحيث يختصّ بمنافعه دونه. فالمُلك دائرٌ مع هذه الصفات وجودًا وعدمًا. والحكمة في إِثبات المُلكِ إِقامةُ الأبدان إِلى أوانِ التكليف وانقطاعه. فيشترك في ذلك المكلَّفُ وغيره، وليدًا، أو فطيمًا، أو حملًا؛ لأنهم جميعًا يحتاجون إِلى إقامة أبدانهم. والجماد والميّت لا يَملكان، لانتفاء الحياة التي هي شرطُ الإِنسانيّةِ والاتصافِ بالحريّيّة. فانتفت فيه الصفاتُ الثلاث. والبهيمة لا تَملك، لانتفاء الإِنسانيّةِ. والعبد لا يَملك، لانتفاء الحرّيّة. والتكليف الذي ذَكَرّه إِنما هو شرطُ الاستقلالِ بالتصرُّف، لا لاستحقاق المالكيّة.\nبقى الكلام في الجنين قبل أن يُنفَخ فيه الروحُ. فيقال: إِن قلتم: \"يملِك\"، فالحياة منتفيةٌ فيه؛ وقد شرطتموها للمُلك. وإِن قلتم: \"لا يملِك\"، فبتقدير أن يموت أبوه قبل","vol":"1","page":153},{"text":"نفخِ الروحِ فيه، يجب انتقالُ التركة بموته إِلى بقيّة الورثة دون الجنين. فكيف وقفتم له الميراثَ وهو بحالٍ لا يملك، ثمّ ورّثتموه بشرط الولادة؟ فالجواب إِنّه يملك. والحياة، وإِن لم تُوجَد فيه حالًا، فهو صائرٌ إِليها بحُكم العادةِ المطّرِدة، أو الغالبة، مالًا؛ فهو حيُّ بالقوّة. فقامت هذه القوّةُ مقامَ الفعل لغلبتها واطّراد العادة بها. بخلاف الميّتِ. فإِنّ العادة لم تطّرد بعَوده حيًّا فهذا كلامٌ واضحٌ في المُلك، لا غبار عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[الكلام على فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]</span>\nأمّا الفروع التي ذكرها، فالأوّل منها ممنوعٌ، وضعفُه أظهر من أن يُظَهر. فقوله: \"بالإِذن ارتفع الحجرُ\". قلنا: مطلقًا، أو بالنسبة إِلى ما أُذِن له فيه؟ الأوّل ممنوعٌ؛ ولا دليل عليه. والثاني مسلَّمٌ.\nقوله، \"إِذا رضي السّيدُ بإِسقاط حقّه من خدمة العبدِ في زمانٍ، سقط في جميع الأزمان\"، تحكُّمٌ لا رابط فيه، ولا ضابط يحويه. وإِنما هو كمن يقول: \"إِذا جاز أكلُ المَيتةِ في وقتِ الضرورة، جاز في جميع الأوقات. وإِذا فُك بالحجر عن العبد بحضور العدوِّ البلدَ، واحتاج الناسُ إِلى دفعِه، على رأي الشافعيَ، انفكّ عنه في جميع الأوقات\". ولو صحَّ ذلك، للَزِم منه بطلانُ جميعِ عمومات الشرعِ؛ لأنها مخصوصةٌ بصورٍ معروفةٍ عند العلماء. وتعلُّقُ حقِّ السيدِ بخدمة العبد في عموم الأوقات كعمومات الشرع المتعلِّقة بأفعال المكلَّفين. فلو استفاد العبدُ، بإِذن السيّدِ له في نوعٍ خاص، رَفعَ الحجرِ عنه في كلّ نوعٍ، لاستفاد المكلَّفون، بتخصيص صورةٍ مِن كلّ عام، تخصيصَ جميعِ صُورِه. وذلك محالٌ. وإِنما عَدلُ الشرعِ والعقلِ أن يختصّ تصرُّفه بما بما أُذِن له فيه دون غيره، كسائر التخصيصات.\nوأمّا الصبي، فإِن كان مميِّزًا، ففيه خلافٌ بين العلماء. فإِن أُجيز، فكالعبد؛ يختصّ تصرُّفُه بما أُذِن له فيه. وإِن لم يجز، فالفرق بينه وبين العبد التكليفُ وعدمه. وإِن لم يكن مميِّزًا، لم يجز تصرُّفه؛ مظِنَّة التفريط.\nوأمّا تجزُّؤ العتِق، فصحيحٌ. لكنّ مأخذه أنّ الإِنسان في أصل الفطرة حرّ بالإِضافة","vol":"1","page":154},{"text":"إِلى المخلوقين. فالحرّية أصلٌ فيه، لحكمة الاستقلال بطاعة الله وعبادته التي خُلِق لأجلها؛ والرقّ طارئٌ عليها. فإِذا وُجِد مقتضة الحرّيّةِ في بعضِ العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهو الحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتِقُ لبعصه موسًرا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهوالحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتقُ لبعضه موسرًا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدُ في قيمةٍ باقيةِ، إِن لم يكن المعتِقُ موسرًا. كلّ ذلك لاجتذاب الحرّيّة العبدَ إِليها؛ لأنها الأصل؛ وللأصول قوّةٌ. وصار كالأجير مستحقّ المنفعة مدّةَ الإِجارةِ؛ فإِذا انقَضَت. وأيضًا، الذي قَرّره في تجَزُّؤ العتقِ، لا نحن نمنعه، ولا هو ينافي ما قلناه؛ بل هما من وادٍ واحدٍ.\nومِمَّا يدلّ على ضعفِ ما ذكره في أصل القاعدة أنّ التكليف لو كان مَناطًا للمُلك، أو غايةً للحال التي يُستحَقّ بها المُلكُ، على ما فسّرنا به كلامَه من التدريج، لوَجَب أن تتفاوت أملاكُ الناسِ باستجماعها استَحّوا المُلكَ. فيكون مُلكُ الوليدِ أقوى من مُلكِ الجنين، والفطيم أقوى من الوليد، والمراهق أقوى من الوليد، والبالغ أقوى من المراهق. ولا قائل بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ومنها قاعدته في الأملاك</span>\nوحاصل ما قرّرها به أنّ الأملاك في الأصل لله سبحانه؛ لأنّه مُوجِدها؛ ومُوجِد الشيءِ ومخترعه أحقُّ بملكيّته من غيره. وإِنما شُرِعَت للناس استصلاحًا لهم، ليَتوصّلوا بها إِلى التوحيد وإِقامة العبادات. فالمقصود منها الانتفاعُ المستبقى للنفوس. وهذا يقتضى أنّ [فى] كلّ موضعٍ كان المقصود أكثر حصولًا، كان المُلكُ أولى بالثبوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[فروع قاعدته في الأملاك]</span>\nثمّ بنى على ذلك فروعًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[استيلاء الكفّارِ على أموال المسلمين في دار الحرب]</span>\nمنها أنّ الكفّار إِذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب، مَلَكوها؛ لأنهم أَوصَلُ إِلى المقصود منها؛ لاستيلائهم عليها، وتملُّكهِم من الانتفاع بها. بخلافِ المسلمين؛ فإِنهم لا يَتهيّأ لهم بها انتفاعٌ إِلاّ على تَقَدُّم الحال والزمان.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>[قسمة الغنائمِ في دار الحرب]</span>\n\nومنها أنّ قسمة الغنائم في دار الحرب لا تجوز؛ لأنّ الدارَ دارُ الكفّار؛ فيَقدرِون على استردادِها غالبًا. فهم أَوصَلُ إِلى الانتفاع بها. بخلافِ جزئيّات الغنائم، كالطعام والعلف للغزاة؛ فإِنه مُلكُ الغِزا، لتَعجُّل انتفاعِهم به. قال: \"ولا يلزم على هذا الغاضبُ؛ لأنّا لا نُسلِّم أنّه أوصلُ إِلى الانتفاع بالمغصوب من المالك، لاستوائهما في الدار؛ ويرجح المالكُ بالملكيّة؛ فيمكنه الاستردادُ غالبًا، إِمّا بنفسه، أو بالمرافعة إِلى الإمام\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[تغيير الغاصب في المال المغصوب]</span>\nومنها أنّ الغاصب إِذا طَحَنَ الحنطةَ، أو خَبَزها، أو ذَبَح الشاةَ وطَبَخها، أو أدخل الساحةَ في بنائه، انقطع حقُّ المالِك من ذلك؛ لصيرورة الغاصب أوصَلَ إِلى الانتفاع منه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[الكلام على قاعتدته في الأملاك]</span>\nقلتُ: هذه قاعدةٌ عن التحقيق قاعِدةٌ. أمّا أوّلًا، فلا نُسلِّم أنّ الأملاك شُرِعت استصلاحًا للعباد فقط، بل وللامتحان لهم بالتصرُّف فيها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾، وقول موسى لقومه ذلك بعينه، وقول النبيّ ﵇، \"إِنّ الدنيا حلوةٌ خَضِرةٌ؛ وإِنّ الله مستخلفكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون\". ولهذا، جاء في الأثر، \"يجمع اللهُ سبحانه الذهبَ والفضّةَ يوم القيامة جبلين. ثمّ يقول: هذا مالُنا عاد إِلينا؛ سِعِد به قومٌ، وشَقِى آخرون\".\nوإِذا ثبت ذلك، لم يَلزم أن يكون مقصودُ المالِ الانتفاعَ به، بل والتكليف بحُسنِ","vol":"1","page":156},{"text":"التصرُّفِ فيه على ما أمر به الشرعُ. وحينئذٍ، تنهم القاعدةُ المذكورة؛ لأنّ كلّ مَن فرضناه أوصَلَ إِلى الانتفاع بمالٍ، قلنا: هل انتفاعه به يكون مشروعًا، أم لا؟ فإِن كان مشروعًا، مَلَكَ. وإِلاّ، فلا. وأمّا ثانيًا، فلا نُسلِّم أنّ من كان أوصَلَ إِلى النفع كان أولى بثبوت المُلكِ، لما ذكرناه. فالقاعدة ممنوعةٌ بمقدّمتيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[الكلام على فروع قاعدته في الأملاك]</span>\nوأمّا فروعها، فنقول: قواعد مذهبِنا تقتضي أنّ الكفّار لا يملكون أموالَ المسلمينبالاستيلاء عليها. وهو مقتضى العدل؛ لأنّه سببٌ محرّم؛ والأسباب المحرّمة لا تُفيد الملكَ؛ لأنّ المحرَّم شرعًا كالمعدوم؛ والمعدوم نفيٌ صرفٌ؛ فلا يُفيد شيئًا.\nونصَّ أحمدُ أنهم يملكونها، لكنّ مأخذه غير ما ذكرتم. وهو أنّ المسلمين أُصيبوا بأموالهم في سبيل الله؛ فكان أجرُهم فيها على الله. فلا يجمع لهم بين العِوَض والمعوّض؛ كما لو وقفوها على الكفّار، أو تصدّقوا بها عليهم. فصار كأنها انتقَلت إِلى الله؛ ثمّ مَلًّكَها اللهُ الكفّارَ بذلك السببِ المحرّم، زيادةً في إِطغائهم وعذابهم وإِقامة الحجّة عليهم. وهذا مأخوذٌ من رأي عمر ﵁؛ حيث أراد أبو بكرٍ أن يأخذ ديَة قتلى المسلمين من أهل الردّة؛ فقال له عمر: \"لا ديَة لهم؛ لأنهم بَذلوا أنفسهم في سبيل الله؛ فأجرُهم على الله\".\nوذكر الزنجانىّ أنّ المسألة مبنيّةٌ على تكليف الكفّار بفروع الإِسلام، فعند الحنفيّة، لا يُكلَّفون بها؛ فلا يَثبُت تحريمُ أموالنا في حقِّهم؛ فلا يملِكونها. وعلى هذا يَقوى ما قرّره أبو الخطّاب. فكيون نَصُّ أحمدَ في هذا الفرع على خلاف أصلِه.\nوأمّا قسمة الغنيمةِ في دار الحرب، فهو عندنا مخيَّرٌ بينه وبين تأخيره إِلى دار الإِسلام. قوله، \"الكفّار في دارهم أوصلُ إِلى الانتفاع\". قلنا: بماذا؟ بما في أيديهم","vol":"1","page":157},{"text":"وإِحرازِهم؟ الأوّل مُسلَّمٌ. لكن ليس الكلام فيه؛ إِذ لا يُسمّى \"غنيمةَ\". إِنما الغنيمة ما أُخِذ منهم قهرًا بالقتال، وصار في قبض المسلمين. وحينئذٍ، المسلمون أوصلُ إِلى الانتفاع به من الكفّار. فجازت فسمتُه كسائر أملاكهم.\nقوله، \"الدار للكفّار؛ فيقدرون على الاسترداد والانتفاع\". قلنا: هذا تعليلُ جبانٍ. فإِنّ المؤثّر في الغنيمة إِنما هو السيف، لا قُرب الدار وبُعدها. ويَلزَمهم على هذا أن لا يُجيزوا قسمةَ المسلمين أموال أنفسهم التي جازوا بها من دار الإِسلام في دار الحرب؛ لأنها دار الكفّار؛ فكما يَقدِرون على استنفاذ أموالهم، يَقدِرون على أخذِ أموال المسلمين. ولا قائل به. ثمّ يَلزَمهم بمقتضى الفقهِ أن يُفَصِّلوا، فيقولوا: \"إِن كان جيش الإِمامِ قويًّا مستظهِرًا على عدوّة في غالب الظنِّ، جازت القسمةُ. وإِلاّ، فلا\"؛ كما قلنا: لا يَستعين بالكفّار إِلاّ إِذا كان جيشُه يكافئ عدوَّه ومَن أعانه منهم؛ وإِن لا، فلا.\nوأمّا صَوَر الغصبِ، فممنوعةٌ عندنا؛ بل يرجع بعين ماله حيث أمكنه. ولا نُسلِّم أن الغاصب يَصير بما ذَكَرَ أَولى من المغصوب منه؛ إِذ لو صار بذلك أولى، لصار بمجرّد الغصبِ وصيرورةِ المغصوب في يده. وكلُّ ما اعتَذَرَ به عن مجرّد الغضبِ لازمٌ له، في طحنِ الدقيق، وخَبزِه، وذبحِ الشاة، وطبخِها، والبناءِ على الساحة، ومحوها؛ لأنّ علّتهم موجودةٌ في الموضعين. وما أوقعهم في هذا الأصل الضعيف إِلاّ ظنُّهم أنّ الأملاك شُرِعت لمجرّد استصلاح العباد. ثمّ رَجّحوا قرب المصلحة على بُعدِها؛ وهذا ضربٌ من رعاية الأصلح الذي أبطلناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>ومنها قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضربٌ أو قبيحٌ</span>\nفقال: \"ليس كونُ الفعل متعِبًا، أو شاقًا مؤلمًا، هو المقتضى لكونه ضررًا، أو قبيحًا، إِذ لو كان كذلك، لَمَا ورد الشرعُ بالأفعال الشاقّة على الطِباع؛ لأنّ جهة القُبحِ إِذن فيها قائمةٌ، وهي كراهة الطبعِ ونفرة النفسِ. والعقل ينفي القبحَ والضررَ. فورود الشرعِ به منافٍ للعقل. وهو تناقُضٌ في الحجج. فإِذن، الجهة المقبِّحة الموجِبة لكون الفعلِ ضررًا قبيحًا هو وقوعُ الفعلِ على غير وجهِ الاستحقاق، أو خلوُّه عن نفعٍ، أو دفعِ ضررٍ. فإِيلام الجانى حَسَنٌ عند العقلاء قبلَ ورودِ السمعِ. وكذلك ما تعلًّق به من الإِيلام حصولُ","vol":"1","page":158},{"text":"نفعٍ، أو دفعُ ضررٍ؛ كالفصد والحجامة. فحاصل الأمر أنّ كلّ فعلٍ وَقَع مُستحَقًا، أو حصَّل نفعًا، أو دَفَع ضررًا، فهو حَسَنٌ. وإِلاّ، فلا\".\nقال: \"ولهذا قلنا: يَبطُل قولُ من ينفي الزكاةَ عن الصبيّ، والحرّيّةَ عن الذميّ بعد الإِسلام، والقتلَ عن شريك الأب. ونقول: إِيجابُ هذه الأشياءِ أضرارٌ بنفسها؛ فلا تُشرع لقبحِها\". قال: \"لأنّا نقول لهم: لابدّ من نفي ما قلنا من وجوهِ الحُسن والمصحلة ليَصير الفعلُ إِضرارًا أو قبيحًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضررٌ أو قبيحٌ]</span>\nقلتُ: أمّا تقريره لقاعدة الإِيلام، فقد سبق القولُ فيها مع لمعتزلة؛ وإِنهم يُقبِّحون الإِيلامَ إِذا تعلَّقَت به مصلحةٌ. وهذا نسجٌ على ذلك المنوال. إِلاّ إِنّ الحقّ أنّ تقريره هنا صوابٌ. لأنّ كلامه في الإِيلام، من حيث هو مشروعٌ يَترتب عليه الأحكامُ، لا من حيث هو مقدورٌ لله سبحانه. فتقريره صحيحٌ. لكن قد تَرتَّب عليه أنّه ناقَضَ ما قَدّمه في أنّ الصبيّ لا تجب عليه الزكاةُ؛ فإِنّ كلامه هنا يقتضي وجوبها.\nوأمّا سقوط الجزيةِ عمّن أسلَمَ، أو مات كافرًا، فهو مذهب أبي حنيفة؛ خلافًا للشافعيّ؛ فقد خالف مذهبه أيضًا. ومأخذ الخلاف أنّ الجزية شُرِعَت عقوبةً وصَغارًا على الكفر، وبَدَلًا عن نُصَرةِ المسلمين؛ إِذ لا عقوبة على ميّتٍ أو مسلمٍ. وفي الحديث، \"ليس على مسلمٍ جزيةٌ\". ولأنّ المسلم قد بَذَل النصرةَ بنفسه، فسقطَت عنه في ماله على ذلك الوجهِ. والكافر الميّت سَقَطَ عنه تكليفُ الشرعِ، وصار إِلى عذاب الآخرة. ومن قال بالثاني، قال: \"قد استَوفى المعوَّضَ، وهو العصمة والسكنى؛ فلم تسقط بالموت والإِسلام، كالأجرة ودَين الآدميّ\".\nوالمأخذ الأوّل هو ظاهر الآية، حيث قال الله سبحانه: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾، إِلى قوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حت يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾؛ فصرّح","vol":"1","page":159},{"text":"بالصَغَار. وأشار إِلى العقوبة على تركِ الإِسلام بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله .. ولا يحرمون ... ولا يدينون دين الحق﴾. واقترانُ الفعلِ بالوصف المناسب يفيد التعليلَ به، لقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، \"واقطعوا السارق\"، \"واجلدوا الزاني\". ولأنّ الجزية بَدَلٌ عن القتل؛ وهو عقوبةٌ على الكفر؛ وبَدَلُ العقوبةِ عقوبةٌ.\nوأمّا القول بأنّ الجزية عِوَضٌ عن العصمة أو السكنى، فيه ضعفٌ من جهة أنّا نَعلَم أنّ مقصودَ الشارعِ وانصراف همتّه بالكلّيّة إِنما هي إِلى تحصيل الإِيمان والزجر عن الكفر، لا إِلى المعاش والتجارة. ولا شكُ أن المعاوَضَة ضربٌ من التجارة؛ والشرعُ وَرَدَ زاجرًا، لا تاجرًا. والذي يحقِّقُ هذا أنّ النبيّ ﷺ كان يتألّف الواحدَ من الكفّار على الإِسلام بالمال العظيم. كالذي أعطاه غَنَمًا بين جبلين، فأسلم هو وقومُه، وقال: \"يا قوم! أسلِموا! فإِنّ محمّدًا يُعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفاقة\". ومه هذا، يَبعُد جدًا أنّه تَمَاكَسَ ذمّيًّا أَسلَمَ على أجرة دارٍ سنةً، مع أنّ همّة أهل الذمّة دنيئةٌُ؛ فربما رغب أحدُهم في الإِسلام طمعًا أن تسقُط عنه الجزيةُ للعام الماضي. فإشذا لم تسقُط عنه، امتنع غيرُه من الإِسلام، لفَواتِ ما يُرغَب فيه. وبهذا التقرير، يَتّجه أن يقال: تسقُط عمّن أسلَم منهم، دون من مات كافرًا- وهو مذهب أحمد ﵀- لأنّ الكافر أهلٌ للعقوبة. وأصلُ العقوبة أن تكون في بدنه القتل. ثمّ انتقَلت إِلى ماله، بعقدِ الذّمةِ؛ ومالُه باقٍ؛ وقد استُحقّت فيه.\nوأمّا شريك الأب في القتل، فيجب القصاصُ عليه. وهو قول مالكٍ والشافعيّ وأحمد؛ لأنّ المقتضى للقصاص قائمٌ في حقّهما. ولهذا أوجبَه مالكٌ على الأب إِذا ذَبَح ولدَه، ونحوه من الأفعال التي لا تحتمِل التأديبَ؛ بخلاف ما لو حَذَفَه بسيفٍ ونحوه، لاحتماله ذلك. وإِنما قلنا: \"إِن المقتضى قائمٌ\"، لأنّ مقتضى القصاص هو القتل العمد","vol":"1","page":160},{"text":"العدوان؛ وهو موجودٌ منهما؛ فاقتضى وجوبَ القصاص عليهما. وإِنما تخلَّف الحكمُ عن مقتضيه في حقّ الأب، لمانعٍ مختصِّ به؛ وهو قوله ﵇: \"لا يُقتَل والدٌ بولده\". ومن حيث الحكمة، إِنّ الأب كان سببَ وجودِ الولد، فلا يناسِبُ أن يكون الودُ سببَ عدمه. وهذا قلنا: إِذا مَلَك أباه، عتق عليه؛ لأنّ الرقّ عَدَنٌ حُكميُّ، والجزية وجودٌ حُكميُّ. فوَجب في الحكمة أن يُكافئ والدَه على إِيجاده له حقيقةً بالولادة، بإِيجاده لأبيه حُكمًا بالإعتاق.\nوقد أُورِدَ على هذه الحكمة ما إِذا زنى بابنته؛ فإِنّه يُرجَم. فهي إِذن سببُ إِعدامه، مع أنّه سبب إِيجادها. فمن أراد تصحيحَ حكمِ نفيِ القصاصِ عن الأب، قال: \"لا يكون الابنُ سببَ إِعدامِه، لحقِّ نفسه؛ فيَخرُج رجمُه بزناه بابنته؛ لأنّ ذلك الحقَّ الله. ولهذا، لو قَتَلها، لم يُقتَل بها؛ لأنّ القصاص حقُّها، أو حقّ وَرَثتِها\". وقد يُمنَع هذا أيضًا بناءً على أنّ المانع من القصاص اختصَّ بالأب؛ بقي الأجنبيُّ في وجوب القصاص على أصل المقتضى له.\nومَن أقط القصاصَ عنه، أَلحقه بشريك المخطئ؛ بجامعِ أنّ كلاُّ منهما قصاصٌ منتَفضٌ في الحُكم، أى وَجَب على أحد القاتلَين، دون الآخر؛ فصار شُبهةَ تَدرأُ الحدَّ.\nوهو ضعيفٌ. إِذ الفرق بنيهما أنّ المانع من القصاص في حقّ الأب منشأٌ كالأبوة- أي كونه أبًا؛ لما ذكر من الحكمة المناسِبة- والمانع في حقّ المخطئ إِنما هو من جهة فِعله؛ وهو الخطأ. فسرى حكمُ الخطأ من فِعله إِلى فِعل شريكه لاتّحاد محلً الفعلين. فلم يتمحّض العَمد في حقّ الشريك؛ ولم يكن منشأُ المانعِ كونَ المخطئ أجنبيًّا مثلًا، ليختصّ به. ولو كان، لشاركه الآخرُ أيضًا فيما إِذا كان كذلك. فحاصل هذا الفرق أنّ المانع في حقّ الأب راجعٌ إِلى ذاته، فاختصَ به؛ وفي حقّ المخطئ راجعٌ إِلى فِعله، فسرى إِلى فعلِ شريكه.\nوأمّا قولهم، \"ينقض القصاص شبهةٌ تَدرأُ الحدَّ\". قلنا: ليس ذلك مطلقًا. إِنما","vol":"1","page":161},{"text":"تدرأ الأحدَّ شبهةٌ متمكّنةٌ تصلح لدَرئه. وهي كذلك في شريك المخطئ، لكونها في الفعل المشتَرك بينهما؛ بخلافها في شريك الأب، فإِنها المختصّة بالفاعلة، الذي هو الأب، دونَ شريكه؛ وذلك لا يقتضي التعدّي إِلى ذاته، ولا إِلى فِعله. أو نقول: شَرطُ وجوبِ القَوَدٍ العمدُ وهو موجودٌ في شريك الأب؛ بخلاف شريك المخطئ.\nهذا ما تيسّر إِيرداُه من فروع الأصل المذكور، وما ناسَبَه وقارَنَه ونَزع إِليه على ما بَيّنّا وجهَه. وفي ذلك كثرةٌ لمن أراد الإطلاعَ عليه.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>[خامسًا: مسألتا القدر وخلقِ الأفعال]</span>\nولنَشرَع الآن في مسألةِ القدَر، وفي مسألة خَلقِ الأفعال، نقلًا ودليلًا من المعقول والمنقول. فنقول، وبالله الاعتصام والتوفيق:\nاعلم أنّ هذه المسألة، أعني مسألةَ القدّر، هي سرُّ من أسرار اللهِ سبحانه، لا سبيل لبشرٍ إِلى الاطّلاع على كُنهِه وحقيقته، إِلاّ إِن شاء اللهُ. ولو كان لبشرٍ إِلى الوقوف على كنهِها سبيلٌ، لكان َأَولى الناسِ بذلك الأنبياءُ. وقد سَأل عنها موسى وعيسى وعُزيزٌ؛ فكان جوابهم، \"إِنما أنتم عِبادي، وهذا سرُّ من أسراري؛ وأنا لا أُسأل عمّا أَفعل\". فأَمسك موسى وعيسى، وعاوَد عَزيزٌ فيها؛ فأُغلِظ له القولُ، ومُحِيَ من ديوانِ النبوّةِ؛ فهو لا يُعَدّ فيهم. وأمّا نبيّنا محمدٌ ﷺ، فاكتفى عن السؤال عنها بما عَلَّمه اللهُ سبحانه ممّا يَقتضِي الإِمساكَ. وقال الصِّدِّيق: \"العجزُ عن دَركِ الإِدراكِ إِدراكٌ\". وقال أمير المؤمنين عليُّ ﵁: \"كلّما زاد عقلُ المرء، زاد إِيمانُه بالقدَر\". وكفاك بأمير المؤمنين عقلًا وفهمًا؛ ثمّ هو قد أَلقى السلامَ في هذا المقامِ.\nوإِنما غرَضنا وغرَضُ غيرِنا بالكلام فيها دَفعُ شُبهِ الخصومِ، المفضيَةِ إِلى الاعتقادِ الموصوم والعقد المقصود؛ لأنها شُبهةٌ شيطانيّةٌ، أصلها مُتَلقَّى مِن إِبليس، كما سبق في مناظرته. فهي تُزلزِل الاعتقادَ، وتَحِيدُ بالإِنسان عن نهجِ الرشادِ. فإِذا تَبيّن بطلانها، رَجَع الشخصُ إِلى ما جاء به الشرعُ، مِن الإِيمان والتسليم، بقلبٍ من الشُبُهات نقيّ سليمٍ. مثالُ ذلك مَلِكٌ مُتحَصنٌ بحِصنٍ، أو قَلعةٍ، وفيها نخرٌ يَخاف إن يُفتَق من قِبَلِه. فقلبُه مشغولٌ من جِهتِه. فإِذا سَده، وأَمِنَ غائلتَه، اجتَمَع همُّه وزوال غمُّه.\nفلهذا، كلّ من وَقَفنا على كلامه في هذه المسألة من القَدّريّة، إِنما نجيبهم بالمدافَعات والإِلزامات، بأن نُبين أنّ الاشكال الذي يُورِدُونه لازمٌ عليهم، ولا نأتي في توجيه حقيقةِ المسألةِ بما يمثل إِليه العقلُ مِثلَه إِلى شُبَه الخصومِ. حتى إِنّ أبا عبد الله","vol":"1","page":163},{"text":"الرازيّ، مع تَبَحُّرِه في الكلام، ومعرفتِه بطُرٌقِ الاستدلال والإلزام، لَمَّا أورَد شُبهاتِ أب الحسين الآتي، إِن شاء اللهُ، ذِكُها، وأجاب عنها، قال بعد ذلك: \"فإِن قيل: \" فما الحيلة؟ \" قيل: الحيلةُ تَركُ الحيلةِ، والرجوعُ إِلى قوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. وكلامه هذا مقتضبٌ مّما سبق، من قول الصِّدِّيقِ، \"العجز عن دركِ الإِدراكِ إِدراكٌ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[بيان معنى \"الكسب\" و\"الخلق</span>\"]\nوعند هذا، يُحتاجُ، قبلَ الشُروعِ في خاصيّة المسألة، إِلى بيانِ معنى \"الكسب\" و\"الخَلْق\"؛ لأنّ مدارَ المسألةِ عليهما؛ إِذ أفعال العبادِ عندنا صادرةٌ؛ أعني خَلقَ البارئِ، وكسبَ العبدِ. فنقول: \"الخَلق\" يُستعملَ بمعاني:\nمنها الإِبداعوالاختراع، وهو إِيجاد الشئ بعد أن لم يَكن؛ كقوله سبحانه: ﴿خلق السموات والأرض﴾، ﴿وخلق كل شئ﴾، ﴿خالق كل شئ﴾. وهذا خاصٌ بالله، يستحيل من غيره.\nومنها الكذبُ والافتِراء والاختِلاق؛ نحو: ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾، بسكون اللام؛ و﴿إن هذا إلا اختلاق﴾. وهذا على الله مستحيلٌ.\nومنها التصوير، وهو جعل المادّة على شكلٍ وصورةٍ ما، نحو: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، ﴿فتبارك الله أحسن الخهالقين﴾، أى المصوِّرين.\nوتقديرُ الشيء بالشيء، أي جَعلُه على قَدْرِه. ومنه سُمِّي الحذّاءُ \"خالِقًا\"، لأنّه يُقَدِّر","vol":"1","page":164},{"text":"الحذاءَ بالخشبة التي تُسمِّيها الأساكفةُ \"قالبًا\".\nوالقصدّ إِلى الشيء، فيما قيل؛ نحو:\nولأنت تفري ما خلقتَ وبعض القوم يخلُق ثمّ لا يفرى\nأى تُحكِم ما قصدتَ إِليه من أمورك. وأصله من قولك، \"خَلَقتُ الأديمَ\"، إِذا قَدَّرته وهَيأتَه لما تُريد من قميضٍ، أو وعاءٍ، ونحوه، ثمّ تُقطّعه على حسب ذلك. فنقول: إِنّك إِذا قَدَّرتَ في نفسك شيئًا، فَعَلتَه في الخارج مطابِقًات لذلك التقدير الذهنيَ؛ فهو بصفة إِحكام تصوُّراتِه الذهنيّة وأفعالِه الخارجيّة ونظائرهما.\nوهو، بهذه المعاني الثلاثة، جائزٌ من الله ومِن خَلقِه. ثمّ اختُلِف في أنّ الخلق حقيقةٌ في المعنى الأوّل، مجازٌ في غيره، يحتاج في حملِه عليه إِلى قرينةٍ؛ أو أنّه حقيقةٌ في كلّ واحدٍ من المعاني المذكورة بالاشتراك. والأوّل رأي الأشعريِّ. والثاني رأي القاضي أبى بكر من أصجابه. والأوّل أَولى؛ لتبادُرِه إِلى الذهنِ عند الإِطلاق؛ ولأنّه يُعارِض الاشتراكَ والمجازَ، وهو أَولى.\nثمّ اخَتَلفت في حقيقته عباراتُ الأئمّة؛ فقال بعضُهم: \"الخلق هو فِعل فاعلٍ\". وهو ضعيفٌ؛ لأنّه يقتضي أن يكون كلُّ فعلٍ خَلقًا؛ وليس كذلك. بل الخلق أَخَصُّ من الفعل؛ فكلَ خَلقٍ فِفعلٌ، وليس كلّ فعلِ خَلقًا. فأفعال الله سبحانه تُسمّى \"خلقًا\"، بمعنى أنها إِحداثٌ وإِبداعٌ واختراعٌ، وتُصير المعدومَ موجودًا، وبالعكس. وذلك حقيقة الخلقِ في الاختيار.\nوأفعال العبادِ لا تُسمَّى \"خلقًا\"، إِلا أن يُرادَ به الكسبُ، على ما يأتى بيانُه، إِن شاء الله تعالى. ولهذا، أَخبر اللهُ سبحانه عن نفهس، ووصفها بالخلق، في غير موضعٍ. ولم يَصِف به خلقَه؛ بل يقول: ﴿بما كانوا يفعلون﴾، ﴿يعملون﴾، ﴿يكسبون﴾،","vol":"1","page":165},{"text":"﴿يقترفون﴾؛ ولم يقل قط: \"بما كانوا يِخلقون\". وأمّا قوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾، فهو من معنى الكذب. وقوله، ﴿أحسن الخالقين﴾، هو من معنى التصوير، كما سبق فيهما.\nوأمّا \"الكسب\"، فهو، في عُرفِ اللغة، تحصيلُ الشيء مباشَرةً. ولذلك سُميَت جوارحُ الطيرِ وسباعُ الوحشِ \"كواسب\". قال لبيدٌ: \"غُبسٌ كَواسِب ما يُمَنُّ طعامُها\"؛ يعني الذئبَ، لا مِنّة عليها في طعامها؛ لأنها تَكسبه بأنفسها. ولهذا لم يوصف االهُ سبحانه والاكتساب، لأنه سبحانه فَعالٌ بلا مباشَرة. كما قال ذو النون، في وصفِه تعالى، \"موجودٌ بلا مزاجٍ، فعالٌ بلا علاجٍ\". فأمّا إِطلاق \"الكسب\" على ما لا مباشرة فيه، كقولهم، \"كسَب مالى\"، بمعنى \"ربح\"، فهو تنزيلٌ للمال منزلةَ كاسبٍ مباشرٍ مجازًا، مع أنّه عُرفٌ عامي.\nثمّ لهم في حقيقة الكسبِ عباراتٌ. قال القاضي: \"هو ما وُجِدت عليه قدرةٌ حادثةٌ\". وفيه إِجمالٌ وفسادٌ؛ إِذ هو مُشعرٌ باستقلال القدرة الحادثة بالإِيجاد؛ وليس هعو المرادَ. بل يريد وصفَ الحادثِ بأنّه كسبُ العبدِ. وحينئذٍ، يَصير تعريفُ الكسب بالكسب؛ وهو دورٌ. وقيل: \"هو المقدور عليه بالقدرة الحادثة\". وهو قريبٌ ممّا قبله. وقيل: \"هو المتعلُق بالقادر عليه، لا على جهة الحدوث\". وهو أقربها.\nوأصحّ ما قيل فيه: \"إِنّ الكسب أثرُ القدرةِ القديمة في محلِّ القدرةِ الحادثة\". وذلك أنّ الله سبحانه هو يخترع الأفعالَ ويوجِدها على أدوات العبدِ وجوارحه، مطابقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه، مطابِقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه هي محلُّ قدرتِه الحادثة.\nفهو، في التقريب والتصوير، كما يُحرِّك أحدًنا، أو الريحُ، شجرةً أو نباتًا. فالحركة، في رأيِ العينِ، قائمةٌ بالشجرة. ومادّتها، في الحقيقة، مِن ذلك المحرِّك. غير أنّ حركة العبدِ، في أفعالِه المقدورة فيه، مطابِقةٌ لقصدهِ واختيارِه. بخلاف الشجرة؛ إِذ ليس لا قصدٌ ولا اختيارٌ. فبالأوّل، انفصل مذهبُنا من مذهب القدريّة. وبهذا الأخير، تميَّزَ عن","vol":"1","page":166},{"text":"مذهب الحبريّة.\nثمّ لهم في الفرق بين الخلق والكسب عباراتٌ. فقيل: \"الخللق ما وَقع بقدرة الخالق على وجهٍ لا يَتَفرّد به\". وقيل: \"الخلق ما تَعلَّقَت به قدرةُ القادرِ عليه من جميع الوجوه؛ والكسب إِنما تَتعلَّق به قدرةُ القادرِ عليه بوجهٍ ما\". وقيل: \"الخلق يُصيِّر العدمَ وجودًا من غير تغيُّرِ الفاعلِ بفعلِه وتركِه؛ والكسب مقدورٌ، إِذا وَقَعَ، اتَّصَف القادرُ عليه بفعلِه وتركِه؛ ككونه عاصيًا، أو مطيعًا، أو متحرِّكًا، أو ساكنًا\". قلتُ: هذا ينزِع إِلى قول من يزعم أنّ ذات الفعل واقعةٌ بقدرة الله، وكونه طاعةً ومعصيةً يَقع بقدرة العبدِ. وسيأتي، إِن شاء الله، قريبًا.\nفحينئذٍ، ها هنا ثلاثة أسماءٍ: \"الخلق\"، وهو مختصُّ بالله سبحانه؛ و\"الكسب\"، وهو مختصّ بالعبد؛ و\"الفعل\"، وهو مشترَكٌ، نحو ﴿فعال لما يريد﴾؛ ﴿بما كانوا يفعلون﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أمّا نقل المذاهب في المسألة</span>\nفقال الأشعريّ: \"لا تأثير لقدرة العبدِ على مقدوره أصلّا؛ بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله\". قلتُ: فحقيقة مذهبِه أنّ الأفعال مقدورةٌ مخلوقةٌ لله سبحانه، بواسطة خَلقِ القدرة علهيا. فالعبد يتلقّى أفعالَه عن قدرتِه؛ وقدرتُه تتلقّاها عن قدرة البارئ سبحانه. والأفعال تمرُّ على قدرة العبد مرورَ جوازٍ، لا مرورَ تأثُّرٍ.\nوقال القاضي: \"ذاتُ الفعلِ واقعةٌ بقدرة الله تعالى؛ وكونُه طاعةً ومعصيةً، بقدرِة العبد\". قلتُ: فذاتُ الفعلِ، نحو كونه حركةً أو سكونًا، وصفتُه، نحو كونه زِنًا أو صلاةً. وذلك توسّطٌ منه بين المذهبين؛ لأنّه قام الدليلُ عنده على أنّ الأفعال مخلوقةٌ لله؛ ثمّ رآه ممدوحًا ومذمومًا ومنهيًّا ومأمورًا ومعاتبًا وموبَّخًا. فاحتاج أن يجعل لذلك مستندًا؛ وهو صفة الفعلٍ، كما ذكر.","vol":"1","page":167},{"text":"وقال الأستاذ أبو إِسحق: \"إِنّ ذات الفعل يقع بالقدرتين\". قلتُ: هو بناءٌ على وقوع الفعل بين القدرين. لكن إِن عنى \"بوقوعه بالقدرتين\"، أنّ صدورَه عن القدرة الحادثة صدورُ الشئ عن محلِّه، فهو كقول الأشعريّ. وإِن عنى أنّ صدورُ الشئ عن مؤثِّره، فهو ضربٌ من الاعتزال؛ لأنّ النزاع معهم إِنما هو في تثير القدرة الحادثة في الفعل أصلًا؛ فنفيناه نحن، وأثبتوه هم. فإِذا جَعَل فيها تأثيرًا في الفعل مع غيرها، فقد أَخَذ قسطًا وحظًّا من الاعتزال.\nوقال إِمام الحرمين: \"الله سبحانه يُوجِد للعبدِ القدرةَ والإِدارةَ. ثمّ هما يوجِبان وجودَ المقدور\". وهو قولُ الفلاسفة، وأبي الحسين من المعتزلة. وهو في التحقيق راجعٌ إِلى الأوّل؛ لأنّ موجِدَ الموجِبِ موجِدٌ.\nأمّا جمهور المعتزلة فقالوا: \"العبد موجِدٌ لأفعاله، لا على نعتِ الإِيجابِ، بل على صفةِ الاختيارِ\". وغلا بعضهم، حتى صار إِلى أنّ العبد خالِقٌ على الحقيقة، كالربّ. وتغالى بعضُ متأخّريهم، حتى صار إِلى أنّ لا خلق على الحقيقة إِلاّ العبد؛ أمّا الربّ سبحانه، فهو خالقٌ مجازًا.\nقلتُ: فإِذن، أهل السنّة والمعتزلة في هذا على طرفي نقيض؛ لأنّ هؤلاء يقولون: \"لا خالق للأفعال حقيقةً إِلاّ الله؛ والعبد خالقٌ مجازًا؛ وهؤلاء يعكسون، كما ذكرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[مقدمّات المسألة]</span>\nواعلم أنّ هذه المسألة مبنيّة على مسائل، هي مقدّماتٌ لها.\nمنها: التكليف بالمحال، وهي مسألة تكليفِ ما لا يُطاق؛ وقد سبق القولُ فيها.\nومنها: عدم تأثير القدرة الحادثة في المقدور، عندنا. وعندهم في مؤثرةٌ، كما سبقت الإِشارة إِليه آنفًا.\nومنها: أنّ القدرة قبل الفعلِ، عندهم؛ فالعبد قادرٌ على أفعاله قبل وقوعها. وعندنا، القدرة يخلقها اللهُ عند الفعل، فيجري عليها. والتحقيق على ما ذكره بعضُ مشايخنا أنّ القدرَة المصحَّحة للتكليف قبل الفعلِ؛ والقدرةَ المصحِّحة للفعل معه. إِلاّ أنّ النزاع","vol":"1","page":168},{"text":"مع المعتزلة إِنما هو في الثانية، دون الأّولى.\nومنها: أنّ البارئ سبحانه مُريدٌ لجميع الكائنات، عندنا. وعندهم المعاصي ليست مُرادةً له. أمّا أنّه سبحانه خالقٌ لها، بدليل قوله: ﴿خالق كل شئ﴾. وخالق الشيء مُريدٌ لوجوده؛ إِذ الخلق بدون الإِدارة محالٌ؛ لأنّ التخصيص بالأزمان والمقادير من لوازم الخلق؛ والتخصيص إِنما يكون بالإِدارة. والخصم يَمنع أنّ الله خالقٌ للمعاصي؛ ويخُص الآيةَ بما سوى المعاصي، كما سيأتي الكلامُ عليها، إِن شاء الله. وأيضًا، لو لم يكن مريدًا لها، ثمّ وقعَت بإِرادة غيره، لكان ذلك الغيرُ أقدرَ وأكملَ إِدارةً منه؛ فيكون أولى بالإِلهيّة؛ وهو محالٌ.\nاحتجّوا بوجوهٍ. أحدها: أنّه أَمَرَ الكافر بالإِيمان؛ والأمر يدلّ على الإِدارة. الثاني: الطاعةُ موافَقَةُ الإِدارةِ؛ فلو أرادَ اللهُ كُفرَ الكافرِ ومعصيةَ العاصي، لكان مطيعًا لله بذلك. الثالث: أنّ الرضا بقضائه تعالى واجبٌ؛ والكفر والمعصية لا يجوز الرضا بهما؛ فلا يكونان بقضا الله سبحانه.\nوالجواب عن الأوّل أنّه مبنيّ على أنّ الإِدارة شرطٌ في الأمر؛ وهو ممنوعٌ. بل لا تَلازمُ بين الأمر والإِدارة؛ فيَتَفاكّان. فيصحُّ أن يُريد ما لا يَأمر به، وأن يَأمر بما لا يُريد. وعن الثاني، بأنّ الطاعة موافَقَة الأمرِ، لا الإِدارة، لغةً وعقلًا وشرعًا. إِذ لو قال السيّدُ لعبده: \"افعل! \" وهو لا يريده أن يَفعل، فلَم يَفعَل، لجاز له لومُه وعقابُه، وإِن كان وافَقَ إِرادتَه. وعن الثالب، أنّ الواجب الرضا بالقضاء؛ والكفر والمعصية مَقتضِيّان؛ فهما أَثَران للقضاء، لا نفس القضاء.\nفهذه جملةٌ من مقدّمات المسألة ومَبانيها، فيها النزاعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[الكلام الساذج التقريبيّ في المسألة]</span>\nوالكلام الساذج التقريبيّ في المسألة هو أنّ النزاع إِنما نشأ فيها لِمَا بيّنّا غيرَ موضعٍ، من أنّ غالب مسائل الخلاف إِنما وَقَعَ الخلافُ فيها من حيث كانت واسطةً بين الطرَفين؛ وكلّ واسطةٍ بين طرفين يتَّجِه النزاعُ فيها لضربها بالنسبة إِلى كلِّ من الطرفين. وهذه المسألة من ذلك.","vol":"1","page":169},{"text":"وبيانه أنّ الأفعال إِمّا اختياريّةٌ محضةٌ، وهي الأفعال المضافة إِلى الله سبحانه؛ أو قسريّةٌ محضةٌ، وهي الأفعال المضافة إِلى الجمادات، كحركة الحجرِ الذي يُدَحرَج على الأرض، أو يُدَهدَه من رأسِ الجبل، وكحركات الأفلاك بكواكبها عندنا، ونحو ذلك فهذان طرفان.\nوالأفعال المضافة إِلى الآدميّ ونحوه تُشبه القسمَ الأوّل في الاختيار المحضر من جهة المشاهَدةِ والحسِّ. فإِنّا نشاهدِ الإِنسانَ يمشي ويأكل ويَضرب ويفعل أفعالَه دائرةً مع اختياره وجودًا وعدمًا.\nوتُشبِه القسمَ الثاني في القسرِ والجبرِ من جهة الدليل العقليّ. وتلخيصُه أنّا نَرى الإَنسانَ يَفعل أفعالَا هي جائزة الوجودِ وكلّ جائزٍ، فلا يوجَد إِلاّ لمرجِّحٍ. وذلك المرجَِح إِن كان من العبد، فهو جائزٌ أيضًا، يحتاج إِلى مرجِّحٍ. فإِن توقَّف المرجّحُ الثاني على المرجِّح الأوّل، لَزم الدورُ. وإِن لم يتوقَّف عليه، فإِن استَلزَم مرجِّحاتٍ لا تَتناهى، لزم التسلسلُ. وهما محالان. وإِن وَقَف عند مرجِّحٍ لا يَتَوقَّف على غيره، فهو من الله تعالى، ولابدّ. وعند وجودِ ذلك المرجِّح، إِمّا أن لا يجب الفعلُ، فَيبقى على جاوزه؛ ويَلزَم منه محالان. أحدهما: أنّ وجود المرجَِح الأوّل كععدمه. الثاني: توقُّف هذا الجائز على مرجَِحٍ، ويعود الكلامُ، فيَتَسلسل. أو يجب الفعلُ عقيب المرجَِحِ؛ فيكون الفعلُ مضافًا إِلى الله سبحانه بواسطة المرجِّح. ولا فرق في صحّة إِضافة الفعل إِلى الفاعل بين أن يكون بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ.\nوقد سَّم أبو الحسين البصريّ أنّ فِعل العبدِ متوقفٌ على الداعي من الله سبحانه، وأنّ الفعل عقيب خلقِ الداعي واجبٌ. وهذا تسليمٌ للمدَّعي، وتركُ الاعتزالِ بالكلّيّة. ولهذا، أتُّهِم أنّه في نُصرتِه للاعتزال، بعد تسليم هاتين المقدّمتين، على تَقيةٍ من المعتزلة.\nومّما يَازم جميع المعتزلة أنّا قد بيّنّا أنّ ما تَعلَّق علمُ الله بأنّه لا يوجَد يَخرُج عن المقدوريّة. وإِيمان مَن مات كافرًا كذلك؛ مع أنّه مكلفٌ به؛ فهو تكليفُ محالٍ. وإِذا كان تكليفُ المحالِ في جانب ما عُلِم امنناعُ وجودِه، جاز في طرَف ما عُلِم وجوبُ وجوده، وهي المعصية التي يخلقها، ويَنهى عنها. وأيضًا، الفعل إِمّا أن يَتعلَّق علمُ الله بوجوده، فيجب؛ أو بعدمه، فيَمتنِع. والتكليف بهما محالٌ؛ ويعود الكلامُ.","vol":"1","page":170},{"text":"وحاصل الأمرِ أنّ أفعال الله سبحانه كذاته وصفاته. فكما أنّ لا تُشبِه الذوات، وصفاته لا تُشبِه الصفات، فإِذا قال قائلٌ: \"ذاته جسمٌ، أو عِلمُه عَرَضٌ؛ لأنّا ما وَجَدنا ذاتًا ولا صفةً إِلاّ كذلك\"، قلنا له: أخطأتَ! ذاتُ الله لا تُقاس بالذوات، وصفاته ولا تُقاس بالصفات، فكذلك إِذا قال: \"أفعال الله علاجيّةٌ، أو مباشرةٌ، أو معلَّلةٌ، أو من الواجب أنّه إِذا فَعلَل شيئًا، لا يلوم عليه، أو إِذا خَلَق في عبدِ فعلًا، لا يَنسِب ذم ذلك الفعل إِليه\". نقول له: أخطأت! أفعال الله لا تُقاس بالأفعال.\nفإن قال: \"يَلزَم من مخالَفة أفعالِه أفعالَ غيره في ذلك التجويرُ\"، قلنا: فلَيلزم من إِثبات ذاتِه مخالِفةً لذواتنا، وإِن لم نَعلم حقيقتَها وكُنهَها، كذلك نُثِبتُ عدلَه مخالفًا للعدل فيما بيننا، وإِن لم نَعلم وجهًه. ألا تَرى أنّ الخِضر عبدٌ من عباد الله، اختُصَّ على موسى بمسائل من مكنون غيب الله، طاش لها موسى، ولم يَصبر لها، حتى كان منه ما قصَّه علينا القرآنُ، ثمّ، لَمَّا ظهرَت له حكمةُ ذلك، خَضَع لعلمِ اللهِ، وبكى على مفارَقة الخضر؛ إِذ لم يَزدَد من عِلمِه. فإِذا كان مخلوقٌ تخفَى عنه حكمةُ مخلوقٍ، حتى يَظنَها ظلمًا وجورًا وعبثًا، فما الظنُّ بالمخلوق بالإضافة إِلى حكمة الله! فمن الجائز أنّ الناس إِذا صاروا إِلى الله، بيَّن لهم بالضرورة أنّ حُكمَه في مسألة القدَر، على رأي أهل السنّة، حِكمةٌ وعدلٌ؛ ويبدو للقدريّة من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويتبيًّن لهم أنّ عقولهم كانت عن دِركِ الحكمةِ في ذلك معقولةً، وألبابهم في ساحةِ حضرةِ العلمِ إِلى خارج الباب منقولةٌ. وسيأتي تقريرُ ذلك وبيانَه على وجهٍ جليِّ.\nفهذا القدر من التوجيه الساذج يكفي مَن نَوَّرَ اللهُ بصيرتَه واستَمسَك بعُصُمِ الكتاب والسنّ الآتي ذِكرُ نصوصهم، إِن شاء الله، ورَغِب بدينه وعقلِه عن تكلُّف سماعِ الشُّبَهِ الشيطانيّة وأجوبتها. أمّا من أحبّ الوقوفَ على ذلك وكيفيّةِ إِبطال شُبَه الخصوم، فيَظهر له ذلك بإِيراد شُبَه المعتزلة وأجوبتها مناقَضةً وإِلزامًا. وأنا أذكرها معقِّبًا كلَّ شُبهةٍ بجوانبها؛ لأنّه أسهل على الناظر، كما فَعلتُ في شُبَههم في التحسين والتقبيح وأجوبتها. فأقول، وبالله التوفيق:","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>[الوجوه العقليّة التي أوردها أبو الحسين البصريّ المعتزليّ]</span>\nإِنّا لما استَدللنا على أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله بدللِ المرجِّح واجبٌ؛ فثَبَت أنّ فِعلَ العبد مخلوقٌ لله، وقد سبق تقريره غير موضعٍ- اعترضوا عليه بما أَمكَن.\nثمّ قال أبو الحسين وأصحابُه: \"هذا الاستدلال فاسدُ الاعتبارِ؛ لأنّه في مقابَلة ما عُلِم صحّتُه بضرورة العقلِ. وبيانه من وجوهٍ.\n\"الأوّل: أنّ كلّ عاقلٍ يَعلم بالضرورة منه ومِن غيرِه أنّ أفعاله تابعةٌ لدواعيه وقصوده وجودًا وعدمً. فيَتناول الطعامَ والشرابَ، إِذا احتاج إِليهما، ولم يمنعه منهما مانعٌ. ويَتركهما إِذا لم يحتج إِليهما، أو كانا مضرَّين له. وكذلك يَنغمِس في الماء في الصيف للتبّرد، ويجتنبه في الشتاء للمضرّة؛ وبالعكس في اصطلاء النار. وإِذا كان الموجِد للشيء هو الذي يَحدث منه الفعلُ موافِقًا لدواعيه، وثَبَتَ أنّ العقلاء تَقرَّر في بداية عقولهم أنّ العبد كذلك، علِمنا أنَ عِلمَهم بأنهم هم الذين يُحدثِون أفعالهم علمٌ ضروريٌّ.\n\"الثاني: أنّ العقلاء بالضرورة يَعلمون حُسنَ ذمّش المسيءِ ومَدحِ المحسِنِ، ويُبادِرون إِلى ذلك ببدائههم. حتى إِنّ الصبيّ، أو المراهق، إِذا أعطيتًه كِسرةً، مَدَحَك؛ وإِذا ضربته بحجرٍ آلمه، بادر إِلى ذمِّ الرامي له ببديهته، دون الحجر أو غيره. ولولا علمه بالضرورة أنّ الرامى هو الفاعل، لما استحسَن ذلك، ولا بادر إِليه. كما إِنّه هو وغيره من العقلاء لا يَذمّون القصيرَ لقِصره، ولا الأسود لسواده؛ لأنّ ذلك ليس فِعلًا له.\n\"الثالث: أنّ الواحد منّا يجد من نفسه وغيره أنّه إِذا طَلَب من غيره فعلًَا، أنّه يَطلُبه منه طلبَ عالِمٍ أنّه الذي يوجِد ذلك الفعلَ ويُحدثِه؛ ولذلك يَتلطّف له بكلّ ممكنٍ، ويَتوصّل إِليه بكلّ وسيلةٍ، من تواضعٍ ومدحٍ وترغيبٍ وترهيبٍ وتوبيخٍ ومعاتبةٍ على التَرك، ويتعجَب منه، ويُعَجٍَب منه، ويُعَجِّب منه غيره، ويَستظرفه. ونجد من أنفسنا الفرقَ الضروريَّ بين أمرِ الشخص بالقيام والقعود، وبين أمرِه بإِيجاد السماء والكواكب، أو حيوانٍ، أو إِنسانٍ مِثله. ولولا أنّ العلم لضروريّ حاصلٌ بأنّ العبد هو الموجِد بأفعاله","vol":"1","page":172},{"text":"الاختياريّة، [لَما وجَدنا ذلك]. فكلّ حجةٍ تذكرونها في خلاف ذلك، إِمّا أن لا تكون قادحة فيما ذكرناه؛ فقد حَصَل مقصودُنا، لسلامة ما ذكرناه مِن قادحٍ. أو تكون قادحةً؛ فلا تَستحقّ الجوابَ؛ لأنّ القادح في الضروريّات معلومُ البطلانِ بالضرورة؛ فلا يَستحقّ الجوابَ\".\nوالجواب أنّ ما ذكره مستدرَكٌ ضعيفٌ. أمّا كونه مستدرَكًا، فإنّ قولَه، \"ما ذكرتكوه من الحجج على أنّ العبد ليس موجِدًا لأفعاله، إِمّا أن يكون قادحًا فيما ذكرناه من العلم الضروريّ، أو لا يكون\"، لا معنى له؛ لأنّ المعلوم بالضرورة لا يَقدَح فيه شيءٌ. لأنّ القدح في الدليل ونحوه هو تضعيفه وتوهينه؛ والضروريّات لا يَلحَقها ذلك. وهو قد أَثبت القدحَ فيما ذكره منه على أحد التقديرية، وذكر أنّ حَكمه أنّه لا يَستحِقّ الجوابَ. وقد كان سبيله أن يَعكس، فيقول: \"ما ذكرتموه، إِمّا أن لا يَستحِقّ جوابًا، فقد كُفِينا مؤونَته؛ أو يَستحِق جوابًا، لكنّه على كلّ حالٍ لا يقوى على دفعِ الضرورات\".\nفذلك أسدُّ ممّا ذَكَره.\nوأمّا كونه ضعيفًا، فلوجهين.\nأحدهما: أنّ العلم الضروريّ لا يَتنازع فيه العقلاءُ. وهذه مسألة قد وَقَع النزاعُ فيها مِن أوّل العالَمِ، وإِلى آخره. ولم يزل الناسُ قبل أبي الحسين إِمًا قائلٌ بأنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، أو منكرٌ لذلك على جهة الجبر، أو على جهة التوسُّط. فالناس فيها ثلاث فِرَقٍ: قدريّةٌ ومجبرةٌ ومتوسّطةٌ. فكيف تصحّ نسبةُ هؤلاء كلّهم إِلى إِنكار الضرورات! وإِنما المعلوم بالضرورة أنّ أفعال العبد دائرةٌ مع قصدِه وإِرادته التامّةوجودًا وعدمًا. أمّا كونه هو المؤثِّر فيها، فلا؛ وهو محلّ النزاع.\nالوجه الثاني: أنّ كلّ عاقلٍ، فهو يَعلم من نفسه بالضرورة أنّ إِرادته لشيءٍ لا تتوقّف على إِرادة له أخرى. بل سواءٌ أراد تلك الإِدارة، أو لم يُرِدها، فإنها تحصلُ له؛ ويَعلم أنّ تلك الإدارة متى حصلَت له جازمةٌ، وَجَبَ بعدها حصولُ المرادِ. وإِذا كان العلم الضروريُّ بصحّة هاتين المقدّمتين حاصلًا، عُلِم بالضرورة أنّ لا إِرادة منه ولا فِعل؛ بل الإِرادة حاصلةٌ به بِفعل الله سبحانه، وهى المسمّى\"بالداعي المرجِّح لأحدِ طرفي الممكِن\". والفعل واقعٌ بِفعل الله، بواسطة تلك الإِرادة. فقد انعكس ما قاله؛ وصار","vol":"1","page":173},{"text":"بطلانُ ما ادّعى صحتَه ضرورةً ضروريًّا.\nأمّا الأوّل، فوجود أفعال العبد مطابِقةً لداعيتِه وقصدِه دائرةً معه وجودًا أو عدمًا، لا يدلّ على أنّه هو المؤثِّر فيها، الموجد لها؛ لجواز أنّ الله سبحانه أوجَدها مطابِقة لقصوده، دائرةً معها، بواسطة خلقِه الإِدارةَ له، كما بيّنّا قبل.\nوأنّا الوجهين الآخرين، فكلّ ما ذَكَر فيهما، مِن ذمَّ العقلاِ للمسيء، ومدحهم للمحسن، وطلبهم للأمر، وتلطّفهم لمن طَلأبوا ذلك منه، إِلى سائر ما ذكره، فإِنّه راجعٌ [إِلى] كسبه الذي أجراه اللهُ سبحانه مطابِقًا لقصدِه، بواسطة إِادته. فلِمَ قلتَ: \"إِنّه ليس كذلك\"؟\nقوله، \"لأنهم يفعلون ذلك فِعلَ عالِمٍ بأنّه الذي يُوِد ذلك الفعلَ\". قلنا: الكلام على هذا من وجهين. أحدهما: لا نُسلِّم أنهم يعملون ذلك؛ بل يعتقدونه، لَمَّا رأوا الفعلَ جاريًا على أدواته، بحسب قصوده وإِرادته. والاعتقاد يُصيب ويخطئ [فتبقى] حاجةٌ إِلى أن نُبيِّن أنّ اعتقادهم ذلك صوابٌ.\nالوجه الثاني: أنّ نقول: \"احتجاجُك في هذا بمَن مِن العقلاءِ؟ والرعاع؟ أو بأهل النظر والإطّلاع؟ إِن كان احتجاجُك باعتقاد القسم الأوّل، فلا عبرة بهم ولا باعتقادهم. ثمّ هم معارَضون بأضعافم من أهل الإِثبات، يقولون في كلّ أمرٍ واقعٍ: \"هذا فِعلُ اللهِ، وهذا مقدورٌ عليه\". وكذلك قال النبي ﷺ لأنَس، \"لا تَقُل لشيءٍكان: \"ليته لم يكن\"؛ ولا لشئ لم يكن: \"ليته كان\"؛ ولكن قُل: \"قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعل\". وإِن كان احتجاجُك بالقسم الثاني، فالمنازع لك منهم أكثُر من المتاِبِع. فهذا جوابه عن دعوى العلم الضروريّ بأنّ الهبد موجدٌ لأفعاله.\nثمّ قال أبو الحسين: وإِن سلَّمنا أنّ ما ذكرتموه يَنفي كونَ العبدِ موجِدًا، لكنّ عندنا ما يقتضي نقيضَ ذلك من وجوهٍ عقليّةٍ وسمعيةٍ. أمّا العقليّة، فثلاثةٌ.","vol":"1","page":174},{"text":"\"أحدها: وقوع أفعالِنا بحسب دواعينا، وانتفاؤها بحسب كراهتنا\". وقرّره بنحو ما قرّرتُ به الوجه الأوّلَ من الثلاثة الضروريّة. وجوابُه بما سبق فيه.\n\"الثاني: أنّ الأنبياء اتّفقوا على أنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَه بأشياءٍ، ونهاهم عن أشياءٍ.\nوالأمرُ بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه. حتى لو عجز عنه لمرضٍ، أو غيره من الأسباب، لعُدَّ الآمِر له سفيهًا؛ إِذ يأمره، مع علمِه أنّه لا يَقدر على الامتثال. ولو صحّ ذبك، بصحّ أن يَبعث اللهُ رسولًا إِلى الجمادات، يُبلَّغها ما أُرسِل به؛ ثمّ يخلق فيها الحياةَ، ويعاقِبها لكونها لم تمتِثل، وذلك معلوم الفسادِ بالبديهة\".\nوالجواب: لا شكّ أنّ الأنبياء اتّفقوا على ما ذَكرَ. لكنّ قولَه: \"الأمر بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه\"، كلامٌ مجمَلٌ. فنقول: إِن ّعنَيت أنّ قدرته مؤثِّرةٌ في وجود الفعل، فهذا محلُّ النزاع. وأيضًا، إِن عنيتَ بأنّ الأمر يَتضمَّن قدرةَ المأمورِ هو الله\"، فهو ممنوعٌ؛ لأنّه راجعٌ إِلى أنّ ذلك قبيحٌ عقلًا؛ لأنّه تكليف ما لا يطاق. ونحن فقد أَبطلنا الأصلَ الأوّل، وأثَبتنا الثانى، بما فيه كفايةٌ. وأمّا ما أَلزمَه على ذلك، من تكليف الجمادات، ثمّ عقابها على تَركِ الامتثالِ، فالكلام عليه من وجوهٍ.\nأحدها: أنّ وقوع ذلك جائزٌ عقلًا؛ إِذ لا يَلزَم منه محالٌ لذاته، وإِنما اللازم منه قبحُه عقلًا، وسَفَهُ فاعِله. لكنّ هذا بناءٌ على التحسين والتقبيح العقليَّين؛ وهو باطلٌ. وقد قدّمنا أنّ عندنا لا يَقبُح من الله شيء كان ما عسى أن يكون. وقد سبق تقريرُه في الوجه الثالث من أدلّتهم في الحسن والقبح.\nالثاني: سلَّمنا أنّ ذلك يَلزم منه محالٌ لذاته. لكن قد قرَّرنا جوازَ التكليف بالمحال؛ ويعود الكلامُ إِليه.","vol":"1","page":175},{"text":"الثالث: أنّ الفَرق بين تكليف الحيِّ العافل، الواقعِةُ أكسابُه باختيارِه بحسبِ إِرادته دائرةً معها وجودًا وعدمًا، وبين تكليف جمادٍ لا يَتَّصف بشيءٍ من ذلك أصلًا، حاصلٌ بالضرورة، ظاهرٌ ظهورًا لا يَتردَّد فيه عاقلٌ؛ لأنّ الأوّل يَصِحّ منه كسبُ المأمورات والمنهيّات والتلذّذُ بها، سواءٌ كانت تلك الأكسابُ خلقًا له، أو لم تكن. والحجر الأصمّ لا يصحّ منه ذلك، ولا يجد له لذّةً بالضرورة. لا يَلزَم من صحّة تكليفِ الأوّل تكليفُ الثاني؛ لأنّ الأوّل أكمل؛ ولو لم يكن إِلاّ بالصورة. ولا يلزم من تكليف الأكمل تكليفُ ما هو دونه.\nالوجه الثالث: قال: \"لو كان الله سبحانه هـ الخالق لأفعال العباد، للزم فيه محذوراتٌ.\n\"منها سدُّ باب الاستدلال على وجود الصانع. وذلك لأنّه لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس؛ لأن يُقال: \"العالَم محدَثٌ؛ فيحتاج إِلى المحدِث\"، قياسًا على أفعالنا المحتاجَة إِلينا. فمَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في هذا القياس، وحَكَمَ بأنّ العباد غيرُ موجِدين لأفعالهم، لم يمكنه الاستدلالُ به على وجود الصانع.\nوالجواب: لا نُسلم أنّ هذا المحذور لازمٌ للقول بأنّ الله خالقُ أفعال العباد. قوله: \"لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس المذكور\". قلنا: لا نُسَلِّم حصرَ طريقِ ذلك في هذا القياس؛ بل ولا أنّ العالَم محدَثٌ؛ لأنّه مؤلَّفٌ؛ وكلّ مؤلَّفٍ محدَثٌ؛ وكل محدَثٍ، فالعقلِ لذاته يَدلّ على أنّ له محدِثًا. فذلك المحدِث، إِن كان محدَثًا أيضًا، لَزم الدورُ والتسلسلُ الباطلان. وإِن كان قديمًا، فهو المطلوب. ولا واسطة بين المحدَث والقديم.\nقوله: \"مَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في القياس المذكور، انسدَّ عليه بابُ إِثباتِ الصانع\".\nقلنا: \"مَن مَنع حُكمَ الأصلِ\"؛ بمعنى أنّ لا كسبَ للعبدِ، أو بمعنى أنّ لا إِيجاد للعبد؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ لأنّ الأصل حينئذٍ يخلو عن العلّة في الحقيقة والصورة. والثاني ممنوعٌ؛ لأنّا، وإِن نَفَينا إِيجادَ العبد لأفعاله، لكنّا أَثبتنا كسبَه لها، بمعنى صدورها عن قدرة الله سبحانه خلقًا على أدوات العبد، دائرةً مع إِرادته كسبًا. وحينئذٍ، يمكننا أن نجعل الجامعَ","vol":"1","page":176},{"text":"فى القياس هو القَدْر المشتَرك بين الأصل والفرع؛ وهو الظهور. أعني أنّ العالَم ظَهَر بعد أن لم يكن ظاهرًا. وأفعال العبد ظهَرت بعد أن لم تكن ظاهرةً.\nفإِن قيل: \"لكن يَلزم من ذلك أن يكون صانعُ العالم كاسبًا له، لا موجِدًا، كالعبد مع أفعاله. فيحتاج أيضًا إِلى موجِدٍ؛ ويلزم التسلسلُ، أو يَفسد القياسُ\"، قلنا: لا يَتعيَّن أن يِلزمَ ذلك. بل جاز أن يَلزم ذلك. بل جاز أن يَلزمَ أنّ المعدوم شيء وذاتٌ وجوهرٌ، وأنّ العالَم كذلك في الأزل. والقدرة القديمة إِنما أثَّرت في إِظهاره بعد خفائه، كما سبق من مذاهب المعتزلة. فيكون القياس على أصلِهم صحيحًا؛ وإِن كنا ننازِع في ذلك.\n\"ومنها أنّ الله سبحانه سدَّ باب النبوّات؛ لأنّ الله سبحانه، إِذا كان خالقًا لجميع القبائح، لم يمتنِع مِن أن يُظهِر المعجزاتِ على أيدي الكّاتبين؛ فيَقع اللبسُ بين النبيّ والمتنّبيء.\"\nقلتُ: وقد سبَق جوابُ هذا مستوفيًا في الوجه الثالث من أدلّتهم على تحسين العقل وتقبيحه. ونزيد ها هنا بأن نقول: هذا المحذور، كما هو لازمٌ علينا، فهو لازمٌ عليكم. أمّا على أبي الحسين، فلأنّه سَلَّم أنّ العبد لا يَفعل إِلاّ لداعٍ من الله، دفعًا للتسلسل، وسَلَّم أنّ حصول الفِعل عقيب الداعي واجبٌ. فحينئذٍ، قد فَعَل اللهُ في العبد ما أوجَب صدورَ الكفرِ عنه. ولا فرق في العقل بين فعلِ القبيح وقِعلِ ما يوجِب القبيحَ. فإِن لَزم علينا من الأوّل سدُّ بابِ النبوّة، لَزم عليه من الثاني ذلك بعينه؛ وقد سبق هذا أيضًا.\nوأمّا على مشايخ المعتزلة، فلأنهم حَكَموا بأنّ الله قادرٌ على القبيح، وعلى إِيجاد ما عَلمَ أنّه لا يوجَد. فلمّا قيل لهم: \"ذلك يَدُلّ على السَّفَه، وعلى انقلاب العِلم جهلًا؛ وهو محالٌ على الله سبحانه\"، قالوا: \"القبيح الذي يوجِده اللهُ سبحانه لا يُقال إِنّه يَدلّ على السفه والجهل، ولا إِنًه لا يَدلّ؛ بل يُمسك عن القولين\". وإِذا جاز لهم مثلُ هذا","vol":"1","page":177},{"text":"الجواب، جاز لنا مِثلُه ها هنا؛ فنقول: إِظهارُ اللهِ سبحانه المعجِزَ على يدِ الكاذب، لا إِنّه قبيحٌ، ولا إِنّه غير قبيحٍ؛ بل يُمسَك عن القولين. أو نقول: المعجِز الظاهر على يدِ الكاذب، لا نقول إِنّه يَدلّ على صدِقه، ولا إِنّه لا يَدلّ؛ بخلاف الصادق، فإِنّ معجِزه يَدلّ على صِدقِه، ولابدّ.\nقلتُ: كذا أَلَزمهم الإِمامُ فخر الدين في النهاية. وفيه نظرٌ؛ لأنّ المعجِز إِذا ظَهَر على أيديهما، لم يُعلَم أيّهما الصادقُ، ليكون معجِزهُ دليلَ صدقِه؛ ولا أيّهما الكاذبُ، ليُمسَك عن عدمِ ذلك ونفيه. وإِنما يَصحّ له ما ذَكَر لو عُلِمَ منهما الصادقُ من الكاذبِ قبلَ ظهورِ المعجِز. فبتقدير أن لا يُعلَم ذلك، يَقَع اللبسُ؛ وهو المدَّعى قبحُه.\nوالتحقيق أنّ هذا الذي أَلزَمهم به هو من باب مقابَلة الفاسد بالفاسد؛ لأنّ قولهم، \"لا نقول هو خطأٌ، ولا إِنّه ليس بخطأٍ، وقوله، \"لا نقول إِنّه يَدلّ على صدقِه، ولا إِنّه لا يَدلّ\"، إِن عَنوا به إِثباتَ الواسطةِ بين القسمين، فلا واسطة؛ بل هو رفعٌ للنقيضيت. وإِن عَنوا به السكوتَ أدبًا مع الله، فقد قالوا بأحد النقيضين في المعنى من حيث نَفوه. والله أعلم.\n\"ومنها سدُّ بابِ الوثوق بوعد الله ووعيده؛ لأنّه إِذا جاز أن يخلق القبائحَ، جاز عليه الكذبُ؛ فلا يوثَق بشيءٍ مِن إِخباره\".\nوالجواب أنّ \"الكذب\" إِمّا أن يقال هو الخبر غير المطابِق، أو يقال هو الإخبار غير المطابق. فإِن كان الكذب هو الأوّل، فالخبر لا شكّ أنّه كلام الله؛ وهو صفةٌ له ذاتيّةٌ، سواءٌ قيل: \"هو معنًى نفسانيٌ\"، على رأي الأشعريّ، أو \"قولٌ متلو\"، على رأي جمهور السلف. وأيًّا ما كان، استحال لحوقُ الكذبِ له؛ لأنّه نقصٌ؛ والنقص لا يَلحَق صفاتِه تعالى، كما لا يَلحَق ذاتَه. فحينئذٍ، يَصير معنى قوله: \"لو جاز أن يخلق القبائحَ، لَلَحقَ النقضُ صفاتِه\". وهو كقوله: \"للحِقَ النقصُ ذاتَه\". ولا ملازَمة بين ذلك وبين خلقِه، أو جوازِ خلقِه للقبائح.\nوأيضًا، دلّ الدليلُ القاطع على استحالة الكذب عليه سبحانه. إِذا لو جاز عليه الكذبُ، لكان إِمّا كاذبًا لنفسه، كقول المعتزلة في الصفات؛ أو بكذبٍ قديمٍ؛ إِذ لا تَقومُ","vol":"1","page":178},{"text":"به الحوادثُ؛ أو بمعنى أنّه ليس بصادقٍ. وبكلّ حالٍ، يكون الكذبُ منه قديمًا؛ فيستحيل الصدقُ منه بعد. والكذب نقصٌ؛ فيَلزَم لحُوقُ النقصِ له؛ وهو محالٌ. وإِذا كان الكذبُ عليه محالًا، استحال أن يكون لازمًا لخَلقِه الأفعالَ؛ لأنّ المحال لا وجود له حتى يكون لازمًا أو ملزومًا.\nوإِن كان الكذب هو الإِخبار غير المطابِق، فالإخبار إِظهار الخبرِ؛ والخبر قديمٌ، كما بَيّنّا؛ فإِظهاره لا يُغيِّر عن صفة الكمال؛ والصدق كمالٌ له، والكذب نقصٌ فيه؛ محالًا؛ ويعود الكلامُ.\nوأيضًا، الكذب إِمّا معنًى وجوديُّ، فقد بيّنّا استحالتَه؛ أو عدميّ والعدميّ يَستحيل أن يكون لازمًا لأمر الوجوديّ الذي هو خَلقُ الأفعالِ، أو جوازهُ.\nوأيضًا، الكذب لابدّ له، على أصلكم، من علّةٍ؛ بناءً على تعليل الأفعال. وتلك العّلة، إِما للرهبة، أو للرغبة، لجلب نفعٍ، أو دفعِ ضررٍ؛ وذلك على الله محالٌ.\nوأيضًا، إِنما يُوصِل الكذبُ إِلى أغراضه مَن يَعجَز عن تحصيلها بذاته؛ والله سبحانه لا يُعجِزه شيءٌ؛ وهو بقدرته الكاملة غنيُّ عن الوسائط.\n\"ومنها سَدُّ باب العلم بصحّة الشرائع، لوجهين. أحدهما: أنّه لو جاز أن يَفعل القبائحَ، جاز أن يَدعو، أو يَبعث من يَدعو، إليها. ولو جاز أنّ كلّ شرعٍ دَعَى إِليه قبيحٌ؛ فتزول الثقةُ بالشرائع.\nالثاني: لو جاز ان يخلق في العبد الكفر والضلالَ، ويُزيّنه له، ويَستدرِجه بذلك إِلى عقابه، لجاز أنّ دين الإِسلام هو الكفر والضلال، استدرج أهلَه إِليه، وأنّ بعضَ الملل المخالِفة للإِسلام هي الحقُّ، ولكان صَرَف اللهُ المسلمين عنه، وزَيَّن لهم خلافَه. ومتى جاز ذلك، جاز أنّ أهل الاعتزال في هذه المسألة وغيرها على الحقّ، وأنتم على الباطل\".\nوالجواب عن الوجه الأوّل أنّه مبنيُّ على التقبيح العقليّ، وأنّ حُسن الأشياءِ وقُبحَها معلومان قبل الشرعِ؛ وهو ممنوعٌ. بل الحُسن والقبح مستفادان من أمرِ الشارعِ ونهيِه. فلو أَمَرَ اللهُ سبحانه بما شاء، كان حسنًَا. ولو نهى عمًا شاء، لكان قبيحًا. وعن","vol":"1","page":179},{"text":"الوجه الثاني أنّ قوله: \"لجاز أن يَستدرج العبدَ، بخلق الكفر فيه، إِلى عقابه\"، قلنا: نعم. هو جائزٌ وواقعٌ؛ والنزاع فيه.\nوأمّا جواز أنّ دين الإسلام هو الباطل، وغيره الحقّ، فممتنِعٌ. وذلك لأنّ حقيَّة دينِ الإِسلام عَلمناها بالأدلّة العقليّة الدالّة لذواتها، لا بوَضعِ واضعٍ. فلا يجوز تغيرُ حقيقةِ دلالتها. فتجويز أنّ دين الإسلام باطلٌ، مع أن حقّيّته ثابتةٌ بالدليل العقليّ الدالّ لذاته، ممّا لا يجتمعان؛ وإِلاّ لّزِم منه قلبُ حقائقِ الأشياء؛ وهو محالٌ. فلا جرم، لَمَّا كان تجويز بطلانِ الإِسلام مَلزومًا لهذا المحال، كان محالًا. ثمّ لَمّضا كان نفي خلقِ اللهِ سبحانه الكفرَ والضلالَ في العبدِ استدارجًا له مَلزومًا لتجويز بطلانِ الإسلام، كان أيضًا محالًا. وإِذا كان نفىُ خلقِه الكفرَ والضلالَ في العبد محالًا، كان نقيضُه- وهو خلقُه الكفرَ والضلالَ في العبد- واجبًا؛ وهو المطلوب فسؤاله انقَلَب عليه.\nثمّ نقول: إِنّ الإِسلام إِنما ثَبت بدلالة المعجِز. ولا شكّ أنّ الناس اختَلَفوا في دلالة المعجزة على صِدق مدَّعي النبوّة، هل هي لذاتها، أعني لكونه معجِزًا؟ أو ليَنزل ظهورُه على يده منزلةَ قولِ الله، \"صدقتَ، إِنّك رسولي\"؟ فإِن كان الأوّل، لَزم منه المحالُ المتقدِّم. وهو أنّ خلاف الدليل الدالّ لذاته محالٌ؛ فملزومه، وهو تجويز بطلانِ الإِسلام، محالٌ، وإِن كان الثاني، وهو الصحيح، كان بطلان الإِسلام ملزومًا لوقوع الكذب من الله سبحانه، لينزل ظهورُ المعجِزِ على يدِ النبيّ منزلةَ قولِ الله له، \"صَدَقتَ\". فلو كان الإِسلام باطلًا، لكان هذا التصديق كاذبًا؛ وهو محالٌ، لما سبق من استحالة الكذب على الله سبحانه.\nوأمّا تجويز أنّ المعتزلة في هذه المسألة وغيرها من مسائل النزاع الإِسلاميّة معهم على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازَعنا فيها. ولهذا، اختلف الناسُ في تفكيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز الطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصَفَ، جَوَّز على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازعنا فيها. ولهذا، اختَلَف الناسُ في تكفيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز المطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصفَ، جَوَّز على رأيه الخطأَ؛ لكن يَدَّعي رجحانَه.\nقوله: \"فلا تَستحِقون الجوابَ إِلاّ لمرجحٍ\". قلنا: هذا معارَضٌ بمِثلِه. فإِنّكم أيضًا إِذا استدللتم في المسألة، قلنا لكم: تجويز خطأكم غيرُ ممتنعٌ؛ فلا تَستحِقّون الجوابَ. ولا","vol":"1","page":180},{"text":"شكٌ أنّ مناظرتنا لكم ليست ضربةَ لازِبٍ. وكذلك أنتم معنا. إِذ كلُّ منّا قد اعتَقَد صحّةَ مذهبِه؛ فهو يقول لخصمه: \"لكم مذهبكم، ولي مذهبي\"؛ كما يقول لخصمه من غير الدين: \"لكم دينكم، ولي دينِ\". وإِنما التبيان فيما إِذا انقَضَّنا على المناظرة لتحقيق الحقِّ وتعيينه في طرَفٍ، ودفعِ الشبهةِ عن ضَعفَي العامّة. أليس كلَ منّا يَلزَمُه الجوابُ عن سؤال صاحبه بمقتضى التزامِه الدخولَ معه في المناظرة؟ بلى! وذلك هو الإِنصاف.\n\"ومنها لزومُ أمورٍ بالإِجماع؛ وهي تسعةٌ.\n\"أحدها: لو كان الله سبحانه خالقِ القبائحِ، كالظلم والعبث، لجاز أن يخلقها مستقلًا منفرِدًا بها، غير مُجْر لها على أدوات العبد. وحينئذٍ، كان يكون ظالمًا عابثًا. إِذ حقيقةُ الظالمِ والعابثِ موجِدُ الظلمِ والعبثِ\".\nوالجواب أنّ هذا السؤال محالٌ؛ ولازم المحالِ محالٌ. وبيانه أنّك إِن عنيتَ\" بخلقِه للظلم والعبث ونحوه منفرِدًا به\"، أنه يُجريه على ذاته على حدِّ إجرائه إِيّاه على ذاتِ الآدميّ، فهو محالٌ؛ لأنّ ذلك يجري على حركات الآدميّ وأبعاضِه وأجزائه؛ والله سبحانه منزَّهٌ بالإِجماع عن الحركات والأبعاض والأجزاء. وإِن عَنيتَ أنّه يخلقها قائمةً بنفسها، لا في ذاته، ولا ذاتِ غيره، فهو محالٌ؛ لأنها أعراضٌ لا تَقُوم بنفسها. والمحال لا يَدخل تحت المقدوريّة ولا قسم وراء هذين القمسين. إِلاّ أن يقال: \"يجوز أن يَنفرِد بخلقِها\". بمعنى أن يجريها على ذاتِ ما ليس بعاقلٍ، ولا مكلًّفٍ، كالجمادات والبهائم. فهو خارجٌ على تكليف المحال؛ وقد سبق الكلامُ عليه.\nوعلى المقادير كلِّها، لا يَلزَم تسميتُه \"ظالمًا\" ولا \"عابثًَا\". أمّا أوّلًا، فلأنّ أسماءه عندنا توقيفيّةٌ؛ ولأنّ إِطلاق ذلك عليه يُوهِم قيامَ الظلمِ ونحوه بذاته. وإِذا كنّا لا نقول: \"يا خالق القاذورات\"، ونحو ذلك، مع أنّه عريُّ عن الإِبهام المذكور، فأنْ لا نُسمِّيهٍ \"ظالمًا\" أَولى. وأمّا ثانيًا: فلأنّ عل هذا التقدير، نحن إِنما نَشتقّ للذات صفةٍ من معنًى قام بها، لا يغيرها؛ كالأَسوَد لمن قام به السوادُ، والمتحرِّك لمن قام به الحركةُ؛ خلافًا لكم في ذلك، حيث سمَّيتم اللهَ تعالى متكلَّمًا لكلامٍ زعمتم أنّه خَلَقَه في ذات غيره، من","vol":"1","page":181},{"text":"جسمٍ، أو نبىّ، أو مَلَكٍ.\n\"الثاني: أنّ مِن جملة القبائح الإشراك بالله، ونسبةَ ما لا يَليق به إِليه، من سب وشتمٍ ونحوه. فلو كان خالقَ ذلك، لكان سابًا شاتمًا لنفسه؛ وذلك من أفعالِ السفهاء، لا الحكماء\".\nوالجواب: إِن عنيتم أنّه يكون شاتمًا لنفسه حقيقةً، أعنى بغير واسطةٍ، فهو غير لازمٍ. وإِن عنيتم مجازًا، أي بواسطة خَلقِ السب والشتمِ على جارِحةِ الآدميّ، فهو كذلك. إِلاّ أنّا لا نُطلِق ذلك عليه، لإِيهامِه، أو تَوَقَُفِه على التوقيف، كما مَرَّ.\n\"الثالث: لو جاز أن يخلق الزنا واللواط، لجاز أن يَبعث رسولًا هذا دينُه. ثمّ لجاز أن يكون في الأنبياء المتقدمين مَن لم يُبعَث إِلاّ للدعوة إِلى المنكَرات، كالسرقة والخيانة، ومدحِ الشيطان، وعبادته، والاستخفاف بالله ورسوله، والنهي عن المعروفات، كأضداد ذلك. وهو باطلٌ\".\nوالجواب عن مثلِ هذا قد سبق غيرَ موضعٍ. ثمّ هو لازمٌ عليهم من وجهين. أحدهما أنّ الزنا واللواط من القبائح الشرعية، لا العقليّة، فتجوز بِعثةُ رسولٍ بالدعاء إِليهما. وهو لازمٌ لكم أيضًا؛ لأنكم إِنما تَمنعون إِرسالَ الرسلِ بالدعاء إِلى القبائح العقلية.\nالثاني: لابّد في هذه الأفعال من داعٍ مخلوقٍ لله، كما سبق في غير موضعٍ.\nووقوعها عقيب الداعى واجبٌ. فقد فَعَل اللهُ فعلًا أَوجَب عبده وقوعها. ففي الحقيقة، هو فاعلٌ له بواسطة الداعى. ثمّ نقول: رب شيء نُجوَزه مِن اللهِ، مع القطعِ بعدم وقوعه؛ كما تَقرَّر في العاديات. وإِذا كان تجويزُنا لتلك الأشياء لا يَقدح في القطع بعدم وقوعها، فلا محذور في التزام مجرَّدِ جوازِه؛ فنَلتزِمه.\n\"الرابع: لو كان يخلق الكفرَ في العبد، ثمّ يُعذبه عليه، لكان ضررُه على العبد أشدَّ","vol":"1","page":182},{"text":"من ضررِ إبليس. لأنّ إِغواء إبليس عندكم من فِعلِ اللهِ؛ وإِبليس لا يَقدِر على اضطرارِ العبدِ إِلى المعصية؛ كما قال: ﴿وما كان لى عليكم من سلطان إلا أنن دعوتكم فاستجبتم لى﴾؛ والله سبحانه يَضطرُّهم إِل فِعلِها. فلو كان كذلك، لحَسُنَ من الكافر ثمُّ اللهِ ومدحُ إِبليس، أو تفضيلُه على الله في الشكرِ؛ لأنّه أقلّ ضررًا؛ وتقليل الضررِ نعمةٌ تُوجِب الشكرَ\".\nوالجواب إِنّه لازمٌ لكم من وجهين.\nأحدهما: أنّه خَلَق الشهواتِ المستميِلة، وشهواتهم المائلة، ونفوسَهم الأمّارة، والشيطانَ المُغوِي، وقدرتهم التي بها يّتمكّنون من مُواقعة المعاصة. ثمّ كلَّفَهم، مع عِلمِه أنهم يتضرَّرون بالتكليف، ولا يمتنِعون؛ مع أنّه كان قادرًا أن لا يخلقهم؛ أو أنّه إِذا خَلَقهم، عَصًمًهم. ومَن يَفعل مَثلَ هذا، فضررُه أعظم من ضررِ تلك الأشياء. فلنُلزِمكم ما أَلزَمتمونا، وأكثر.\nالوجه الثاني: يَلزمكم أن تقولوا بتَعصيَتِه؛ لأنّه تَرَكَ الأصلحَ لهم؛ ورعايتُه واجبٌ عليه، وأيضًا، القدحُ في حكمتِه؛ لأنّ تاركَ ما يجب عليه عقلًا، أو شرعًا، لا يكون حكيمًا.\n\"الخامس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، لكان قد خَلَقَه للعذاب. ولو كان كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ. لكنّه باطلٌ؛ بقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بذلوا نعمت الله كفرًا﴾؛ ﴿فاذكروا آلاء الله﴾. والإجماع من دين محمد أنّ ما من عبد إِلاّ والله عليه نِعَمٌ، مسلمًا، أو كافرًا\".\nوالجواب أنّ الله خَلَقَ الكفرَ في الكافر، وخَلَقَه للعذاب. دَلَّ على ذلك نصُّ قولِه، ﴿ولقد ذرأنل لجهنهم﴾؛ وهي لامُ الاختصاصِ والتعليلِ، لا لازم العاقِبة. قوله: \" فلو كان","vol":"1","page":183},{"text":"كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ\". قلنا: دينيّةٌ، أو دنيويّةٌ؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ فإِنّ الله سبحانه ليس له على أحدٍ من الكفّار نعمةٌ في دينه؛ إِذ النعمة الدينيّة هي الهداية إِلى الإِيمان، كما قال سبحانه: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾، وقوله: ﴿ما يريد أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. والثاني ممنوعٌ؛ بل لله على الكفّار أجَلّ النِعَم الدنيوية؛ قال الله سبحانه: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾.\nقولهم، \"اللذّة الدنيويّة الفانية، بالنسبة إِلى العقوبة الأبَدية الدائمة، كالقطر من البحر، بل أقلّ. وإِنما ذلك كالسمّ في الحلوى، يُستدرَج بها آكِلُها ليَهلَك بما في ضِمنِها. كما قال الشاعرُ:\nهَوًى يَلَذُّ، وإِن ساءت عواقُبًه ... كما يَلَذّ ويُؤذي حكُّه الجرَبُ\nقلنا: هو كما زَعمتَ لا محالة. لكنّ لا يُخرِج ما ألُعطوه في الدنيا عن أن يكون نِعمةَ؛ لأنها مشتقةٌ في اللغة من النُعومةِ والتنعُّمِ. ومَن نازَعَ في حصول ذلك لكسرى وقيصر ونمرود وفرعون ونحوهم ممَّن هو دونهم وفوقهم من الكفّار، فهو منازعٌ في الضرورات.\n\"لسادس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، ثمّ كلَّفه بالإيمان، لكان ذلك تكليفَ ما لا يطاق. ولو جاز ذلك، لجاز تكليفُ الأعمى نقطَ المصحفِ، والزمَّنِ العدوَ، ولجاز التكليف بخلقِ القديمِ، والجمعِ بين الضدّين، ولو جاز ذلك تكليفُ الجمادات. وكلّ ذلك باطلٌ، بالضرورة\".\nوالجواب: قد سبق هذا السؤالُ؛ وجوابه مستقصَيًا، ثم أكثر ما فيه التكليفُ","vol":"1","page":184},{"text":"بالحال؛ وقد سَبَقَ بيانُ جوازِه.\n\"السابع: لو كان اللهُ خالقَ القبائح، لكان جاهلًا ومحتاجًا. لأنّه كذلك في الشاهد. بل كان هو أَولى بذلك؛ لأنّه مسقِلُّ بالفعل؛ بخلاف الشاهد\".\nوالجواب أنّ قياس الغائب على الشاهد مطلقًا، فاسدٌ، وإِلاّ لَزِمكم قولُ المجسّمة؛ إِذ لا فاعل في الشاهد إِلاّ جسمٌ. ولا نُسَلَّم أنّ خلقَه القبائحَ يَستلِزم الجهلَ، أو الحاجةَ؛ لأنّا وإِيّاكم وغيرنا لم نُحِط بحكمِه ومعلوماته. فعسى له في ذلك من الحكمة خَفِيَت عنّا، كما سبق لموسى مع الخضر؛ وأَولى. ولو لم يكن في ذلك من الحكمة إِلاّ استحقاق أحدِ الفريقين منّا ومنكم الملامةَ بسوء العقيدة، لكان كافيًا. فإِذًا، إِنّا أو إِيّاكم، لعلى هُدًى، أو في ضلالٍ مبينٍ.\n\"الثامن: لو كان هو الخالق للأفعال، لكان إِمّا أن يَتوقّف خلقُه لها على دواعي العبيد وقُدَرهم؛ فيَلزَم احتياجُه إِلى ذلك منهم. أو لا يتوقف؛ فيَلزَم وقوعُ الأفعالِ المحكَمَة، كالكتابة والنِّساجة، ممن لا عِلم له بها. ووقوع الأفعالِ العظيمة الهائلة ممن لا قدرة له عليها، كنقلِ النملةِ جبلًا شامخًا، ونحو ذلك، ممّا فساده ضرورى. وفي ذلك زوالُ الفرقِ بين القوي والضعيفِ، وفسادُ تصَرُّفاتِ العقلاسِ، في حبسِهم اللصوصَ وقُطاعَ الطريقِ، وعقوبتِهم كلِّ جانٍ. وكلّ ذلك باطلٌ بالضرورة\".\nوالجواب: لنا أن نَلتزِم القسمَ الأوّل، ونقول بتَوقُّف خلقِه لأفعالهم على دواعيهم وقُدَرِهم، لا تَوَقُّف حاجةٍ، بل تَوقُّف الحكمةِ على شرطِ وجودها؛ كما توقَّفَت معرفةُ ربوبيّته على إِيجاد العالم، وإِن لم يكن به إِليهم ولا إِليها حاجةٌ.\nولنا أن نَلتَزِم الثاني، ونَلتَزِم ما أَلزَموه، مِن وقوع الأفعالِ المحكَمَة ممن لا عِلم له بها، بطريق الإِلهام والتسخير، كالنحل في بنائها المسدّسات الهندسيّة، والعنكبوت في بنائها بيتَها، ومِن خلقِ الرعشةِ في المرتعِش خاليةً عن حكمة قادرٍ أن يُرتِّب عليها أفضلَ الحِكَم.\nوأمّا حملُ النملةِ الجبلَ، وعجزُ الرجلِ عن رفعِ آجرةٍ من الأرض، فهو أيضًا مقدورٌ له؛","vol":"1","page":185},{"text":"بأن يقول له: \"كُنْ\"، أو بسلبِ الجبلِ ذقل، والرجلِ قوّتَه. ولا استحالة في شيء من ذلك.\nوأمّا ما ذكرتم، من فساد تَصرُّفاتِ العقلاء، في حبسِ اللصوص، ونحوه، فقد أَجَزتم مثلَه؛ وهو أن يُزيل اللهُ القيدَ من رِجل اللص، ويخرِق له الجدارَ، ليَفرّ. ولكنّكم تقولون: \"إِنّه لا يَفعل\"؛ بنحن أيضًا نقول ذلك.\nقلتُ: بهذا أجاب الإمامُ فخر الدين عن هذا السؤال. وفيه نظرٌ؛ لأنّه إِلزمٌ للجواز على الوقوف؛ وبينهما بونٌ؛ لأنهم هم إِنما جَوَّزوا على الله إِزالةَ القيدِ، وخرقَ الجدارِ للّصِّ، ومنعوا وقوعَ ذلك منه؛ كسائر العاديّات التي تجوز؛ ولا تَقع. وهو كثيرًا ما يَحتَجّ بها عليهم. وهم إِنما أَلزَموه وقوعَ العقوبات من العقلاء باللصوص ونحوهم.\nوالأولى في الجواب أن يقال: قد قدّمنا الفرقَ بين الخلق والكسب. ونحن عندنا أنّ عقوبات العقلاء للجناةِ أكسابٌ خَلَقها اللهُ فيهم؛ ثمّ أوقَعها بالجناة مكافأة لهم على أكسابهم، التي هي الجنايات القبيحة. فالجنايت وعقوباتها مخلوقاتٌ لله سبحانه على أدوات العباد، دائرةٌ مع قصودِهم وإِراداتهم وجودًا وعدمًا. ولا يَلزم من ذلك فسادُ تصرُّفِ العقلاء في ذلك؛ لأنّكم إِن عَنيتم \"بفساده\" كونَه قبيحًا في العقل، حيث عاقبوا غير موجِد الجناية، فنحن قد أَبطلنا القبحَ العقليّ. وإِن عَنيتم كونَه قبيحًا في الشرع، فالإِجماع على خلافه؛ لأنّ الشرع أَذِنَ في عقوباتهم؛ وهو المحَسَِن المقَبح. على أنّ أكثر ما فيه تكليفُ ما لا يطاق؛ ونحن نجيزه. فلتكن جنايةُ الجاني مخلوقةً لله، لتكون أمارةٌ على استحقاقِه عذابَ الآخرة. وقد أقمنا الدلالة على جواز تكليف ما لا يطاق. فإِن سَلَّمنموه، بطل ما أَلزَمتُموناه. وإِن مَنَعتموه، فشنعوا به؛ لأنّ ما أَلزَمتموناه من فروعِه ولوازمه. ولا تُوهِمُوا أنّا التَزَمنا مُحالاتٍ كثيرةً؛ وإِنما هي مسألةٌ واحدةٌ.\n\"التاسع: لو لم يكن العبدُ موجِدًا لأفعاله، لما استَحثّ ثوابًا ولا عقابًا، ولكان الله","vol":"1","page":186},{"text":"سبحانه مبتدِئًا بالثواب والعقاب من غير استحقاقٍ من العبدِ. ولو جاز ذلك، لجاز منه تعذيبُ الأنبياء والأولياء، وإِصابةُ الفراعنة والأبالسةِ؛ وذلك مِن فِعلِ السفهاءِ، ومنافٍ لقوله، ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾، ونحوه من الآيات\".\nوالجواب: عندنا أنّ العبد غيرُ موجِدٍ لأفعالِه؛ بل كاسبٌ لها، كما سبق. ولا يَستحِقّ على الله ثوابًا. وقد مرَّت المسألةُ مستوفاةً. والله سبحانه مبتدئٌ بالثواب والعقاب بشبهة الاكتساب. ولا يَستحقّ أحدٌ على الله شيئًا. وما أَلزَمتُموه، مِن جواز تعذيب الأنبياء وإِثابة الفراعنة، هو مُلتَزَم الجوازِ؛ لكن مَنَعَ من وقوعه مانعان. أحدهما: كونُه من العاديّات التي تجُوز لذاتها، ويمتنِع وقوعُها، لاطّراد العادة، كما سبق غيرَ موضعِ؛ كما جوَّزتم إِعانةَ اللصِّ على الفرار، ومَنَعتم وقوعَه منه تعالى. المانع الثاني: إِخبار القرآن بإِثابة الطائع وعقاب العاصى. والخُلف في إخبار اللهِ تعالى محالٌ. وخُصّ من هذا الدليل أصحابُ الوعيدِ من الأمّة سمعًا، بقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمِن يشاء﴾، ونحوه، مما سبق.\nوقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: \"لن يُدخِل أحدأ منكم عملُه \". الجنّة\". قالوا: \"ولا أنت؟ \" قال: \"ولا أنا. إِلاّ أن يَتعمَدني اللهُ برحمته\" ولا خلاف بين المعتبَرين مِن أهل النقلِ في صحّة هذا الحديث؛ وتَلقّته الأمّةُ بالقبول. ومذهب المعتزلة يَقتضِي أنّه باطلٌ؛ فيخالِفون بذلك جميعَ الأمّة.\nورُوي عنه ﵇ أنّه قال: \"لو عَذَّبني وابنَ مريم، لكان عادلًا\".\nقوله، \"ذلك مِن فِعلِ السفهاءِ\". قلنا: هو تقبيحٌ عقليُّ؛ وقد أبطلناه. ومهما فَرَضنا","vol":"1","page":187},{"text":"وقوعَه من الله، كان حَسَنًا عدلَا؛ لأنّه سبحانه لِذاته منزَّه عن النقائص والجور. ولا قبيح نقصٌ؛ فلا يضاف إِليه.\nأمّا الآيات، نحو ﴿أفنجل المسلمين كالمجرمين﴾، و﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾، ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾، ﴿لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾، ونحوها؛ فقد بيّنّا أنها أحد المانِعَين؛ لوقوع ذلك منه. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[الوجوه النقليّة التي للمعتزلة]</span>\nوأمّا الوجوه النقليّة التي للمعتزلة، فمِن الكتاب والسنّة والإِجماع.\nأمّا الكتاب، فنحو قوله تعالى، ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾؛ أَثَبت خالِقين، وأنّه أحسنُهم خَلقًا. ونحوها من الآيات التي أُضيفت الأعمالُ فيها إِلى العباد. وبالجملة، آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصفهم بأنهم محسِنون أو مسيئون. وآيات اللومِ والتوبيخ لهم تدلّ على أنهم هو الموجدون لأفعالهم.\nوأمّا السنّة، فقوله ﵇: \"اعملوا، فكلُّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له\"، \"نيّة المؤمنِ خيرٌ مِن عملِه\"، \"إِنما الأعمال بالنيّات\".\nوأمّا الإِجماع، فهو أنّ الرضا بقضاء الله واجبٌ. فلو كان الكفرُ والمعاصي مخلوقةً لله ولا مقتضيًا له.","vol":"1","page":188},{"text":"والجواب عن آي الكتاب أنها راجعةٌ إِلى الكسبِ؛ أو أنّ خَلْق اللهِ للمعاصي جُعِل أَمارةً على توجُّهِ اللومِ والتوبيخِ إِليهم، بناءً على تكليف ما لا يطاق، كما سبق.\nثمّ هي معارَضةٌ بأكثر منها، مّما يَدُلّ على أنّ أفعال العبادِ مخلوقةٌ مقدورةٌ مقضِيُةٌ له سبحانه، كما سنورده، إِن شاء الله.\nأمّا قوله، ﴿أحسن الخالقين﴾، فسبق أنّ المراد \"المصوِّرين\"، أو \"المقدِّرين\"، أو على زعمِكم.\nوأمّا الأحاديث، فالمراد \"بالأعمال\" فيها الاكتِساب أيضًا. ثمّ إِنّ الحديث الأوّل حجّةٌ لنا؛ لأنّه قال: \"كلُّ ميسِّرٌ لما خُلِق له\". فدَل على أنّ الله سبحانه خَلَق كلَّ عبدٍ لشيءٍ، مِن طاعةٍ أو معصيةٍ، وكفرٍ أو إِيمانٍ، وجنّةٍ أو نارٍ؛ وأنّه إِنما يَصير إِلى ذلك بتيسير اللهِ له، وهو خَلقُ الداعي المرجِّح له، وإِيجادُ شروطِ وقوعِه، ونفيُ الصوارفِ عنه. وقد سَلَّمتم أنّ الفعل يجب عقيب ذلك؛ فصار فِعلُ العبدِ دائرًا مع إِرادة الله وخَلقِه الداعى إِليه وجودًا وعدمًا. ولا معنى للفاعل الموجِد إِلاّ ذلك. وبه احتَجَّ أبو الحسين في أحد وجوهِه الضروريّة على أنّ العبد موجِدٌ لفِعله.\nوأمّا الحديث الثاني، فإِنّه أضاف فيه النيّة إِلى المؤمن، كما أضاف إِليه العملَ. ثمّ النيّة هي القصد والإِدارة. وإِدارة الإِنسان وقصده ليسا مخلوقَين له، باتّفاقٍ؛ فكذلك العمل.\nعلى أنّ على رأي القاضي أبى بكرٍ في أنّ ذات الفعل واقعةٌ بقدرة الله سبحانه، وصفتَه من طاعةٍ ومعصيةٍ بقدرة العبد، يَندفع عنّا إِشكالُ الآيات والأحاديث، ولا يُخرِجنا عن رأينا؛ لأنّ النزاع معهم في ذات الفعل وصفته. فإذا سَلَّمنا لهم أنّ صفة الفعلِ بقدرة العبد، بقي النزاعُ في ذاته كما كان.\nوأمّا ما ذكروه مِن الإِجماع، فقد سبق جوابُه في مقدِّمات المسألة، في أنّ الله","vol":"1","page":189},{"text":"سبحانه مُريدٌ لجميع الكائنات. وهو أنّ قضاءَ اللهِ حُكمُه؛ والكفرَ ونحوه واقعٌ بحُكمِه وقضائِه؛ فهو مَقضيُّ، لا قضاءٌ. وإِنما يجب الرضا بقضاء الله، لا بمقضِيّه، مِن الكفر والمعاصي. والمقضيّ هو مُتَعَلَّق القضاءِ، ومحلُّ تأثيرِه. والله أعلم.\nهذه أضعف ما للخصوم في المسألة من الشُّبه. وقد وَقَع الجوابُ عنها مبيَّنًا على أصوِلنا التي أحكمناها قبل بطلانِ التحسين والتقبيح، ووجوبِ رعاية المصالح، وجوازِ تكليف المحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[كلامٌ على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبّار المعتزلىّ]</span>\nواعلم أنّ القاضي عبد الجبّار بن أحمد الهمذانيّ، رئيس المعتزلة في عصرِه، ذَكَرَ في طبقات المعتزلة، مِن الطبقة الأوُلى منهم مِن الصحابة، أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب- كذلك، قدَّمه في الذِّكر- وأبا بكرٍ، وعمر، وابن عبّاسٍ، وابن عمر؛ قال: \"ومَن يجرى مجراهم\".\nثمّ ذكر، من الطبقة الثانية منهم، الحَسَنَ والحسين- قال: \"وإِنما ذكرناهما في الثانية لنّزِّين بذكرهما هذه الطبقة\"- ومحمّد بن عليِّ، يعني ابن الحنفيّة. قال: \"ومن التابعين الكبار ممن حكينا عنه العدلَ: السعيد بن المسيِّب، وأصحاب علي ﵇ وابنِ مسعودٍ\".\n\"ومن الطبقة الثالثة، أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن علىّ، وأخوه الحَسَن بن محمّدٍ، والحَسَن البصريّ، وابن سيرين، ومَن في طبقتهم ممن حَكَينا عنه العدلَ\".\nقال: \"وأبو هاشمٍ هو أستاذ واصِل بن عطاء؛ فإِنّه يُحكَى أنّه كان معه في المكتب في دار أبيه، يأخذ عنه وعن أبيه هذه الأصول\".\nقلتُ: فعلى هذا، محمّد ابن الحنفيّة هو أستاذ واصلٍ في الاعتزال. والمعتزلة يُسمُّون","vol":"1","page":190},{"text":"مقالتَهم في أنّ الله تعالى لم يخلق أفعالَ العبادِ \"عدلًا\"، ويُلقِّبون أنفسَهم \"أهل العدل\"، بناءً منهم على ما سبق، من أنّه تعالى لو خَلَق الأفعالَ، وعاقَب عليها، لكان جائزًا. وما ذكره عن الصحابة والتابعين، مِن أنهم أهل عدلٍ صحيحٌ، لكنّ الشأن في العدل ما هو؟ هل هو قوله بإِثبات الشركاء لله في الخلق؟ أو قولنا بتوحيد الله في ذاته وأفعاله؟ وذلك غير خارجٍ عن العدل، كما بيّنّا وسنبيِّن، إِن شاء اللهُ. فإِن أراد بالعدل الذي أضافه إِليهم الاعتزالَ الذي يَراه هو وأصحابه، فليس ذلك عنهم صحيحًا. كيف، وإِنّه لا خلاف بين الأمّة أنّ الصحابة لم يَترُكوا سنّة النبيّ ﷺ! حتى إِنّ ابن عمر كان يَضع قدمَه موضعَ قدمِ رسول الله ﷺ مبالغة في الاتّياع؛ وكان يَبِيت بالمحَصَّب، مع أنّ النبيّ ﵇ إِنما نزلَه اتّفاقًا والمحظوظ عن ابن مسعودٍ أنّه كان يقول: \"دعوا التنطُّعَ في الدين؛ وعَدُّوا في المحدَثات؛ وعليكم بالعتيق\"؛ يعني ما كان النبيّ ﵇ وأصحابه عليه. وذلك مأخوذٌ من قوله ﵇، \"شرُّ الأمورِ محدَثاتها؛ وكلّ محدَثةٍ يدعةٌ؛ وكل بدعةٍ ضلالةٌ؛ وكلّ ضلالةٍ في النار\". وقال: \"عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين بعدي؛ عضوًا عليها بالنواجذ؛ فإِنّه من يَعش منكم، فسيرى اختلافًا كثيرًا\". فشَهد للخلفاء بعده بأنهم على سنّته المرضيّة. وقد بَلَغتنا سيرتهم ومذاهبم بالتواتر؛ فلم نَرَ فيها اعتزالًا، ولا نفيًا للقدر. بل المحظوظ عن عمر أنّه لما فَتَح بيتَ المقدس، خطب الناسَ، وتحت منبره عالمٌ من علماء النصارى. فقال عمر في خطبته: \"من يهده اللهُ، فلا مُضِلّ له؛ ومن يُضلِل، فلا هادي له\". فقال النصرانيّ: \"ما تقول؟ \" ففُسِّر له ما قال عمرُ. فَنَفَض يدَه، وقال: \"إِنّ الله لا يُضِلّ أحدًا\". فسأل عمرُ عمّا قاله النصرانيّ؛ فأُخبِر به. فقال عمر: \"كَذَبتَ، أي عدوّ الله! إِنّ الله هو الهادي المضِلّ. والله هو أَضَلّك، وأوجَب لك النارَ. ولولا الأمان، لضَرَبتُ عنقَك\". والمحظوظ عن عليِّ ﵁ مناظراتٌ مفحِمةٌ لأهل القدر.\nومن المعلوم بالضرورة من حال التابعين أنهم لم يَعدلوا عن سنّة النبيّ وأصحابه؛ بل بالغ قومٌ منهم، حتى أخَذوا بظواهر الأحاديث؛ حتى استَنّ بهم مَن بعدَهم، فنُسِبوا إِلى","vol":"1","page":191},{"text":"التشبيه. وكيث تصحّ نسبةُ الحَسَن البصريّ، وابن سيرين، ونحوهم، إِلى الاعتزال، مع أنّ أهل السنّة والحديث مِن أهل عصرهم كانوا أبغضَ الناسِ في المعتزلةِ ومَن قال بقولهم، وأحبَّ الناس في الحسن وابن سيرين، يَروُون عنهم التفسيرَ والحديث والتعبير والمواعظ والحكمة.\nوإِنما دعوى عبد الجبّار لاعتزال الحَسَن وابن سيرين كدعوى اليهود والنصاري أنّ إِبراهيم ومحمّدًا كانا يهودّيين، أو نصرانييّن. وتلك دعوى لا تُسمَع. كيف، وقد حَكَى القيروانيّ في مفتاح خزانة التعبير أنّ أبا السيّار ذَكَر أنّ كامل بن طلحة قال: \"قلتُ لحمّاد بن سلمة: \"يا أبا سلمة. ما لك لا تَروي عن عمرو بن عبيدٍ، كما يَروى أصحابُك؟ \"فقال: \"إِني رأيتُ في المنام كأني دَخَلتُ المسجدَ، والناس كلّهم يُصلّون صفوفًا إِلى القبلة؛ وإِذا عمروٌ يُصلّي مستدبِرها. فتركتُ الروايةَ عنه\".\nقال القيرواني: \"وقيل للحسن البصريّ: \"لم هَجَرتَ عمرو بن عبيدٍ؟ \" فقال: \"يا قوم. أتعذلونني في رجلٍ، والله، لقد رأيته في المنام يَسجُد للشمس مِن دون الله! \".\nقلتُ: عمرو بن عبيد بن بابٍ هو رئيس المعتزلة. كان حمو واصل بن عطاءٍ؛ وكان يُناظر في الاعتزال والقدر. ومناظرته لأبي عمرو بن العلاء في الوعيد مشهورةٌ؛ وقد سبقَت في مسألة الوعيد. وقد رآه الحَسنُ يِسجُد للشمس من دون الله؛ وهو إِشارةٌ من تلك الرؤيا إِلى أنّه مشابهٌ لبلقيس التي قال الله فيها، حكايةً عن الهدهد: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله﴾، الآية. وكانت، فيما ذكر أهلُ السير، مجوسيّةً. وقد وردَت الأخبارُ بأنّ القدرية مجوس هذه الأمّة، الذين يقولون: \"لا قدر\"، كما سنورد الأحاديث في ذلك، إِن شار الله. فهذا معنى رؤيا الحَسَنِ. فكيف يصحّ أنّ الحَسَن معتزلي، مع أنّه وأصحابه من أهل الحديث هَجَروا عمرَو بن عبيدٍ لأجل الاعتزال، لا غير؛ لأنّ عمروًا كان مِن الزهد وترِك الدنيا وفعلِ العبادات أَوحدَ زمانِه؛","vol":"1","page":192},{"text":"وإِنما كَبا به جوادُ الاعتقادِ الرَدي.\nقلتُ: وذكر عبد الجبّار في الطبقات، قال: \"فَصلٌ في مدحِ الاعتزال. وقد ذَكَرَ محمّد بن يزداد في كتاب المصابيح أنّ كلّ أرباب المذاهب نَفَوا عن أنفسهم الألقابَ، إِلاّ المعتزلة. فإِنهم تَبجَّحوا بها، وجَعَلوا ذلك عَلَمًا لمن تمسَّك بالتوحيد والعدل. واحتَجّ (يعني محمّد بن يزداد) في ذلك بأنّه تعالى ما ذكره إِلاّ في الاعتزال عن الشرِّ؛ كقول إِبراهيم: ﴿واعتزلكم وما تدعون من دون الله﴾. وذَكَر أنّ المعتزلة هي المقتصِدة، اعتَزَلَت الإِفراطَ والتقصير، وسَلَكَت طريقَ الأدلّة. وذكر أنّ المعتزلة الأُولى هم أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأنهم كانوا يدًا واحدةً، يَتَولّى بعضُهم بعضًا، واتّفقوا على هذه الأصول. ورُوِي عن حُذيفة بن اليَمان، عن رسول الله ﷺ وآله، أنّه قال: \"مَن اعتَزَل من السوء، سَقَط من الخير\".\nقلتُ: هذا كلّه يحكيه عبد الجبار عن محمّد بن يزداد صاحب كتاب المصابيح. وهو كلامٌ فاسدٌ. أمّا قوله، \"إِن المعتزلة تَبجَّحت بلقبِها\"، فلا مَدحَ فيه؛ لأنّ أهل كلّ دينٍ وبدعةٍ يَعتقِدون صوابها؛ كاليهود والنصاري يَتبجَّحون بديِنهم واسمِه، ويَدعُون إِليه؛ كقوله تعالى، حكايةً عنهم: ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾.\nوأمّا قوله: \"كلّ أرباب المذاهب نَفوا عنهم الألقابَ إِلاّ المعتزلة\"، فليس بصحيحٍ. لأنهم لَمَّا استَفاض قولُه ﵇، \"القدريّة مجوس هذه الأمّة\"، ونحوه من الأحاديث، فَرُّوا من هذا اللقب، ونَفوه، وأضافوه إِلى مثبِتي القدر، مكابَرةً؛ كما يقال في المثَل: \"رَمَتنب بدائها وانسلَّت\"، وقولهم، \"حد اسمك سمّني\". مع أنّ النبيّ ﵇ فَسَّر \"القدريّة\" بأنهم الذين يقولون: \"لا قدر\". ﴿فنادوا ولات حين","vol":"1","page":193},{"text":"مناص﴾؛ ﴿يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر﴾. فإِنّ هذه الصفة ليست إِلاّ فيهم.\nوأمّا قوله، \"لم يَذكُره في الاعتزال [عن الخير]، ولم يَذكُره اللهُ إِلاّ في الاعتزال عن الشرّ\"، فليس بصحيحٍ. فإِنّه إِمّا غير حافظٍ للقرآن، أو غافلٌ عن تَدَبُّره. وما كان يَنبغي له هذا الحصرُ، إِلاّ بعد السبرِ؛ فإِنّ موسى لقال لقوم فرعون: ﴿وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون﴾؛ وقال سبحانه: ﴿ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا﴾.\nأَفَتَرى اعتزالَ قومِ فرعون موسى، واعتزالَ ابنِ نوحٍ نوحًا، كان اعتزالًا عن الشرّ، أو عن الخير والنبوّة والإِيمان؟ ومادّة الألفاظ كلّها واحدةٌ؛ وهي \"عَزَل يَعزِل\"، إِذا أَفرَد الشيء ونحّاه. و\"العُزلَة\": الانفراد. فمن انفَرَد عن خيرٍ أو شر، فقد اعتَزَله. وفي الحديث: \"إِذا سجد ابنُ آدم، اعتزل الشيطانُ يبكي\".\nوأمّا قوله، \"المعتزلة هي المقتصدة، اعتَزلت الإِفراطَ والتقصيرَ، وسَلَكَت طريقةَ الأدلّة\"، فليس بجيّدٍ. وإِنما سُمُّوا \"معتزلةً\" لأنهم اعَتَزلوا مجلسَ الحسنِ البصريّ، وقولَ جمهورِ السلفِ في إِثبات القدر، واتَّخذوا حلقةً لهم يَقررون فيها أنّ الله لا يخلق أفعالَ العبادِ، ويجب عليه رعايةُ المصالح، ويجب عليه إِقابةُ الطائع، وعقوبةُ العاصي، وأنّه لا شفاعة للعُصاة، ونحو ذلك من أصولهم السابقة. فنَبَذهم الناسُ لذلك، واعتزلوهم أيضًا. فكان في اعتزالهم واعتزال الناس لهم ضربٌ من اعتزال الخوارج. وكيف تكون مقتصدةً، وهي تجعل كلَّ واحدٍ من عباد الله خالقًا معه في كلّ وقتٍ وكلّ زمانٍ! وأيّ إِفراطٍ بعد هذا؟ وأيّ تقصيرٍ لأقبح منه؟ والله سبحانه يقول: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾؛ وقال:","vol":"1","page":194},{"text":"﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تتذكرون﴾.\nوأمّا طريقة الأدلّة التي سَلَكوها، فهي طريقة إِبليس، طريقة التحسين والتقبيح، حيث قال: ﴿أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾. ولما سلكها، آل أمُره إِلى ما قد عُرف.\nوأما قوله، \"إِن المعتزلة الأولى أصحابُ رسولِ الله\". فإِن أراد \"بالاعتزال\" ما عليه المعتزلة، فهو كذبٌ على الصحابة؛ والتواتر عنهم بخلاف ذلك. وإِن أراد أنهم اعتزلوا الشركَ والشرَّ والبدع، فهو كذلك.\nوأمّا كونهم يدًا واحدةً، يتولى بعضهم بعضًا، فليس ذلك من خواص الصحابةِ، ولا المعتزلة، بل هو حكم عام في دين الإِسلام. قال النبي ﷺ: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\"، الحديث، إلى أن قال: \"وهم يدٌ على من سواهم\". وقال: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد\"، الحديث. والناس كذلك حتى الساعة.\nغاية ما في الباب أنّ الصحابة كانوا أشدّ في ذلك. والمعتزلة أشدّ فيه لإِقامة بدعتِهم؛ إِذ هي خاملةٌ في العالم. فهو كتعاضد أهل الكتابَين، ن لضعفهم وخمولهم، واتّفاق الكتابِ والسنّة على ذمِّ رأيِهم، وغربتِهم بين أهل القلبة. وكلّ غريبٍ للغريب نسيبٌ.\nوأمّا الحديث، \"مَن اعتزل من الشر، سقط في الخير\"، فهو إِن ثبت، مساوٍ لعكسه. إِذ الشر والخير نقيضان؛ من اعتزل أحدهما: سقط في الآخر.\nثمّ قال: \"وروي عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، أنّ رسول الله ﷺ قال: \"افتَرَقَت بنو إِسرائيل على اثنتين وسبعين فرقةً. وستفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً؛ أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة\". ثمّ قال سفيان لأصحابه: \"تسموا بهذا الاسم؛ لأنكم قد اعتزلتم الظلم\". فقيل له: \"قد تسمى به عمرو بن عبيد وأصحابه\". فكان (يعني","vol":"1","page":195},{"text":"سفيانَ) بعد ذلك لا يَذكُر في الحديث هذا القول؛ بل يقول: \"واحدةٌ منها ناجيةٌ\".\nورُوي عن عثمان الطويل، قال: لقيتُ قتادة، فقال لي: \"يا عثمان. ما حبسك عنا؟ لعل هذه المعتزلة حبستك عنا؟ \" قلتُ: \"نعم. حديثٌ سمعتُه يرونه عن رسول الله ﷺ؛ سمعتك تقول: قال رسول الله ﷺ: \"ستفترق أمتي على فرق؛ خيرها وأبرها المعتزلة\". فأنا اليوم ممن لزمه هذا الاسم\".\nقلت: هذان الحديثان باطلان بالضرورة، لا أصل لهما بوجهٍ من الوجوه؛ أعني الزيادة التي مَدَح بها المعتزلةَ. أمّا الأوّل، فلأنّه غير معروفٍ من حديث سفيان، على كثرة أصحابه والرواة عنه، واختلافهم في ألفاظ روايته. حتى يقول أحدُهم مثلًا: \"وما فاتكم، فأتمُّوا\"، وبعضهم يزيد: \"بالأرض\" أو \"فى اللحد\"؛ ونحو ذلك كثيرٌ. وغرضنا ضرب المثال في تحريه وتحري أصحابه في ألفاظ السنة، فكيف يتواطؤون على كتمان هذه اللفظة، ويتركون الحق للباطل؛ كاليهود في تغييرهم صفة محمدٍ في التوراة! معاذ الله أن يُنسب هذا إلى صباين المحدثين، فضلًا عن أئمتهموأهل المناقب منهم.\nولو لم يكن الحديث ما يدل على بطلانه إِلاّ هذا، لكفى. كيف، وإنّه قد فسَّر \"الفرقة الناجية\" بقوله، \"ما أنا عليه وأصحابى\"! صح ذلك وثبت في السنة. فإن ادَّعوا أنهم على ما هو عليه وأصحابه، قلنا: ما الغرض ها هنا هذا. بل الغرض أنّ تفسير \"الفرقة الناجية\" وَرَدَ بغير لفظ \"المعتزلة\". أمّا كونكم أنتم الذين على ما هو عليه وأصحابه، أو غيركم، فذاك أمرٌ آخر. مع أنّ الظاهر الذي لا يخفى، والمعروف الذي لا يُنكَر، أن أهل الحديث هم الذين هم على ما كان عليه النبيّ ﷺ وأصحابه فَمن نازعهم في ذلك، فقد ادّعى ما ليس له.","vol":"1","page":196},{"text":"ثمّ إَنّه زعم أنّ سفيان روى الحديث لأصحابه مصرحًا بأن الفرقة الناجية المعتزلة. فلمّا علم أنهم سبقوا إِلى ذلك، أمسك عن التصريح. ولا شك أن العادة تقتضي امتناع كتمان مثل هذا إِذ كيف تخلو حلقة مثل سفيان ممن تمثل نفسه إِلى هذا الحديث، فيصير إِلى المعتزلة، ثم يشيعه، فيشتهر عنه! وهذا حديثٌ غير معروفٍ أصلًا؛ فضلًا عن أن يكون غير مشهورٍ.\nوأيضًا، فإِنّ أصحاب سفيان قد نَقلوا عنه وعن غيره في صفات البارئ، وأفعاله، والفتن الواقعة بين أصحابه، ونحو ذلك أعظم من هذا الحديث وقعًا. فلو جزا أن يكتموا شيئًا من الحديث، لكانت تلك أولى بالكتمان.\nوأمّا عثمان الطويل، فمعتزلي منهم في إِشادة مذهبه وثبوته بمدح طائفته. ثم هو مجهول عند أهل النقل والرواية. وقد قال الله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[رسالةٌ في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبّار]</span>\nثمّ اعلم أنّ عبد الجبّار ذكر عن الحسن رسالةً في نصرة القدر، فقال:\n\"الحسن البصري ممن دعا إلى الله الدهر الأطول بالموعظة والتصنيف والرسائل والخطب. فالمشهور عنه أن عبد الملك كاتبه، فقال: \"إنه قد بلغنا عنك في وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحدٍ من الصحابة. فاكتب بقولك إلينا ف هذا الباب\" فكتب إِليه:\n\"سلامٌ عليك. أمّا بعد. فإِنّ الأمير أصبح في قليلٍ من كثيرٍ مضوا والقليل من أهل الخير مغفولٌ عنهم. وقد أدركنْا السلف الذين قاموا بأمرِ الله، واستنوا بسُنَّةِ","vol":"1","page":197},{"text":"رسول الله ﷺ. فلم يُبطِلوا حقًا، ولا أَلحَقوا بالربّ إِلاّ ما أَلحَق بنفسه. ولا يحتجُّون إِلاّ بما احتج اللهُ به على خَلقِه؛ وقوله الحقّ: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ولم يخلقهم لأمرٍ، ثمّ حال بينهم وبينه؛ لأنّه تعالى ليس ﴿بظلام للعبيد﴾.\n\"ولم يكن في السلف أحدٌ يُنكِر ذلك ولا يجادِل فيه؛ لأنهم كانوا على أمرٍ واحدٍ مُتَّسِقٍ. وإِنما أَحدَثنا الكلامَ فيه حيث أَحدَث الناسُ النَكِرة له. فلمّا أَحدَث المحدِثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث اللهُ للمتمسكين بكتابه ما يُطفئون به المحدثات، ويحذرون به من المهلِكات\".\nوذكر \"أن الذي أوقعهم فيه سببه الأهواء، وترك كتاب الله. ألم تر إِلى قوله تعالى: ﴿هاتوا برهانكن إن كنتم صادقين﴾! .\n\"فافهم، أيّها الأمير، ما أقوله. فإِنّ ما نهى اللهُ عنه، فليس منه؛ لأنّه لا يَرضَى ما يَسخَطُ، وهو من العباد. فإِنّه تعالى يقول: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر وإِن تشكروا يرضه لكم﴾. فلو كان الكفر ممن قضائه وقدره، لرضى به ممن عمله. وقال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. وقال: ﴿والذى قدر فهدى﴾؛ ولم يقل: \"قدر فأضل\". لقد أحكم الله آياته وسُنة نبيه ﷺ، فقال له: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى﴾. وقال: ﴿الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾؛ ولم يقل: \"ثمّ أصلَّ\". وقال: ﴿إن علينا للهدى﴾؛ ولم يقل: إنّ علينا","vol":"1","page":198},{"text":"للإِضلال\". ولا يجوز أن يَنهَى العبادَ عن شيء في العلانيِة، ويقدِّره عليهم في السرّ ربُّنا أَكرَم من ذلك [وأرحم].\n\"ولو كان الأمرُ كما يقول الجاهلون، ما كان يقول: ﴿اعملوا ما شئتم﴾؛ ولقال: \"اعمَلوا ما قَدَّرتُ عليكم\". وقال: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾؛ لأنّه جَعَل فيه مِن القوّة ذلك، ليَنظُر كيف يَعملون. ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إِليهم أن يَتَقدّموا ولا يتأخَّروا، ولا كان لمتقدِّمٍ حمدٌ فيما عمِل، ولا على متأخَِرٍ لومٌ، ولقال: \"جزاءً بما عَملَ بهم\"، ولم يقل: \"جزاءً بما عملُوا، وبما كَسَبوا\".\n\"وقال تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾؛ أى بيَّنَ لها ما تأتى وما تَذّرُ. ثمّ قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾؛ فلو كان هو الذي دساها، ما كان ليُخَيِّب نفسه، تعالى عمّا يقولون.\n\"وقال تعالى: ﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار﴾. فلو كان اللهُ تعالى هو الذي قدَّم لهم الشرَّ، ما قال ذلك.\n\"وقال تعالى: ﴿وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا﴾؛ وقال تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإِما كفورا﴾؛ ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾. وقال: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾. وقال تعالى: ﴿وما أضلنا إلا","vol":"1","page":199},{"text":"المجرمون﴾، ﴿وأضلهم السامرى﴾، و﴿إن الشيطان ينزغ بنيهم﴾، ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾. وقال: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾؛ فكان بدء الهدي من اللهِ، واستحبابُ العَمَى بأهوائهم وظلَّم آدم نفسه، ولم يظلم ربه؛ وقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾. وقال موسى: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾.\"\nوذَكَرَ \"أنّ أهلَ الجهلِ قالوا: \"إِنّ الله يُضِلُّ ويهدي من يشاء\". ولم ينظُروا إِلى ما قبل الآيةِ وبَعدَها، ليستبين لهم أنّه تعالى لا يُضل إِلاّ بتقدُّم الفِسقِ والكفر؛ كقوله، ﴿ويضل الله الظالمين﴾، وقوله، ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله، ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾.\nوبيَّن، ﵀، في كلامه، الوعيد. فقال:\n\"إِنّه تعالى قال: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنفذ من في النار﴾.وقال: ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا﴾. وقال تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾. فكيف يَدعوهم إِلى ذلك، وفد حال بينهم وبينه! .","vol":"1","page":200},{"text":"\"وقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾. كيف يجُوز ذلك، وقد مَنَعَ خَلقَه مِن طاعتِه! \".\nقال: \"والقوم يُنازِعون في المشيئةِ. وإِنما شاء اللهُ تعالى الخيرَ قَبلَ أن نَشاءه. وقال: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.\nوقال في وَلَدِ الزنا:\n\"إِنّه مِن خَلقِ. وإِنما الزاني وَضَعَ نُطفتَه في غير حَقِّها؛ فتَعَدَّى أمرَ اللهِ؛ واللهُ يِخلق من ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذرِ، إِذا وَضَعَه في غيرِ حَقِّه\".\nوقال في الرسالة:\n\"إِنّ الله تعالى أَعدَلُ وأرحم مِن أن يعمي عبدًا، ثمّ يقول له: \"أَبصِر، وإِلاّ عَذَّبتُك! \" فكيف يُضِلُّه، ثمّ يقول له: \"اهتَدِ، وإِلاّ عَذَّبتُكّ\" وإِذا خَلَقَ اللهُ الشقيَ شقيًّا، ولم يجعل له سبيلًا إِلى السعادة، فكيف يُعَذِّبه!\n\"وقال اللهُ لآدم وحوّاء: ﴿فكُلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾.فغَلَبَه الشيطانُ على هَواه. ثمّ قال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾؛ وليس للشيطانِ عليهم سلطانٌ، ﴿إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك﴾.\n\"وَبعَثَ الرسولَ نورَا ورحمةً. فقال: ﴿استجيبوا لله وللرسول﴾؛ وقال: ﴿استجيبوا لربكم﴾؛ وقال: ﴿أجيبوا داعى الله﴾؛ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعون﴾.","vol":"1","page":201},{"text":"وقال: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. فكيف يَفعَل ذلك، ثمّ يُعمِيهم عن القبول! وقال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾. ونهى عمّا أَمَرَ به الشيطانُ. وقال في الشيطان: ﴿يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾؛ فمَن أجاب الشيطانَ، كان من حِزبِه.\n\"ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إِبليسُ أَصوَب مِن الأنبياءِ؛ إِذ دَعَا إِلى إِرادة الله وقضائه، ودَعَت الأنبياءُ إِلى خلافِ ذلك، وإِلى ما عَلِموا أنّ الله قد حال بينهم وبينه.\n\"وقال القومُ فيمن أَسخَط اللهَ: \"إِنّ اللهَ حمَلَه على إسخاطِ\". وكيف يَسخَط، إِذا عَمِلوا بقضائه عليهم وإِرادتِه! ويقول: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾! وهؤلاء الجهّال يقولون: \"إِنّ الله قَدَّمَه لهم، وما أضَلَّهم سواه\".\n\"وقال تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه﴾. فلو كان الأمر كما زَعَمُوا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له؛ لأنّ الأمر مفروغٌ منه. لكنّ التأويل على خلاف ما قالوه. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾. ثمّ قال: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد﴾. والسعيد ذلك اليوم هو المتمسَّك بأمر الله؛ والشقيّ هو المضَيِّع\".\nوقال في الرسالة:\n\"واعلَم، أيها الأمي، أنّ المخالِفين لكتاب الله وعدلِه يخوضونن وفي لَغَطٍ يُعَوَّلون في","vol":"1","page":202},{"text":"أَمرِ تَدَيُّنهم بزَعمِهم على القدر. ثمّ لا يَرضون في أَمرِ دُنياهم إِلاّ بالاجتهادِ والبحثِ والطلبِ والأخذِ بالحَزمِ فيه- وذلك لثِقلِ الحَقِّ عليهم- ولا يَعمَلون في أَمرِ دنياهم في سائر تَصرُّفهم على القضاء والقدر. فلو قيل لأحدهم: \"لا تَستَوثِق من أمورِك، ولا تُقفِل حانوتَك احترازًا لمسائِك، واتَّكِل على القضاء والقدر\"، لم يَقبَل ذلك. ثمّ يُعَوِّلون عليه في الديِن\".\nقال:\nومّما يحتَجُّون به أنّ اللهَ قَبضَ قبضةً، فقال: \"هذه في الجنّة، ولا أُبالى\"؛ وقَبَضَ أُخرى، وقال: \"هذه في النار، ولا أبالي\". كأنهم يَرون أنّ ربهم يَفعَل ذلك كالمصارع بينهم المحارب- تعالى اللهُ عمّا يَصِفونه به. وإِن كان الحديثُ حقًّا، فقد عَلِم اللهُ أهلَ النارِ قبلَ القبضتين، وقبلَ أن خَلَقَهم. فإِنما قَبَضَ أَثرَ أهلِ الجنّة الذين في عِلمِه أنهم يَقَلون، وأنهم سيَعملون بما عَلِموا مُمكَّنِين، غيرَ مُجبَرِين.\nوكان يجب على ما رووه أن تكون أعمالُ الناسِ هباءً منَثورًا، من حيث قد فُرِغ مِن الأمر. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾، وهو الذي حَمَلَهم عليه! وما معنى قوله، ﴿فما لهم لا يمنون﴾، وقد مَنَعَهم! .\n\"وكيف يقول: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾! بل كان يجب أن يقول: \"ما كان لأهل المدينةِ أن يَعمَلوا بما قَضَيتُ عليهم\". ولما قال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض﴾، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة!","vol":"1","page":203},{"text":"\"وإِذا كان الأمر مفروغًا منه، فكيف يقول: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾! وكيف ابتلى العبادَ، فعاتَبَهم على فِعلِهم! وكيف يقول: ﴿إِنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾! وكيف يقول: ﴿قدر فهدى﴾، ولم يقل: \"قَدَّرَ فأَضَلَّ\"! وكيف يَصحُّ أنّه خَلَقَهم للرحمةِ والعبادة، بقوله، ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾، وقوله، ﴿فطركم أول مرة﴾، وقوله، ﴿لا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾! فإِذا خَلَقَهم لذلك، فكيف يَصحُّ أن لا يجعَل لهم سبيلًا، ويَقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يَذكُرون! وكيف يَبتلى إِبليسَ بالسجودِ لآدم؛ فإِذا عَصَى، يقول: ﴿اهبط منها﴾، ويجعله شيطانًا رجيمًا! وكيف يقول: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾! وكيف يحذر آدمَ عداوتَه، إِن كان الأمر مفروغًا منه، على ما يقولون! \".\nوقال في الرسالة:\n\"واعلم، أيها الأمير، ما أقول. إِنّ الله تعالى لم يَخفَ عليه بقضائه شيءٌ، ولم يَزدَهْ علمًا بالتجربة؛ بل هو عالمٌ بما هو كائن وما لم يَكُن. وكذلك قال: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾، ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن﴾، الآية. فبَيَّن لنا أنّه يخلق خلقًا مِن ملائكةٍ وجنِّ وإنسٍ، وأنّه سيَبتَليهم قبل أن يخلقهم. فعَلِمَ ما يَفعَلون، كما قَدَّرَ أقواتهم، وقَدَّرَ ثوابَ أهلِ الجنّةِ","vol":"1","page":204},{"text":"وعقابَ أهلِ النارِ قبلَ ذلك. ولو شاء إِدخالَ العصاةِ النارَ، لَفَعَلَ. لكنّه سَهَّلَ سبيلَهم؛ ليكُون الحجّة البالغةَ له على خَلقِه. والعلم ليس بدافعٍ لهم إِلى معاصيه؛ لأنّ العلم غير العملِ. فتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقِين\"\nوقال في قولهم في الضلالِ والهُدى، وفي قوله، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض﴾، و﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾:\n\"إِنّ المراد بذلك إِطهارُ قُدرِته على ما يُريده، كما قال: ﴿إِن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء؛ ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾؛ ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾؛ ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذير﴾. وقال: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا﴾. حتى بَلَغَ من قوله تعالى أن قال: ﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء﴾. فإِنما دَلَّ بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيام رادًّا بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة رادًّا لقَولهم: ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾؛ رَدَّ ذلك بقوله، ﴿بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها واستكبرت﴾.\n\"وقال تعالى، بعدما حَكَى عنهم قولهم، ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾، تكذيبًا لهم: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾. فنَعُوذُ بالله مِمَّنْ","vol":"1","page":205},{"text":"أَلحَقَ باللهِ الكذبَ، وجعَلوا القضاءَ والقدر معذِرةً. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله، ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾! وكيف يَصحُّ أن يقول: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾! أي العقوبة التي أصابَتك إِنما هي مِن قِبَلِ نفسِك بعملِك. ولو شاء اللهُ تعالى أَخْذَهم بالعقوبة من دون معصيةٍ، لقدرَ على ذلك. لكنّه رؤوفٌ رحيمٌ. ولذلك أَرسَل موسى إِلى فرعون، وقد قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾؛ فقال: ﴿فقولا له قولا لينا﴾. وقال: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى﴾. وقال: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلم يذكرون﴾، فيتوبون. فلمّا لُّجوا في كفرِهم بعدَ كلّ ذلك، مِن الأمرِ والترغيب في طاعتِه، أَخَذَهم بما فَعَلوا\".\nقال:\n\"ثمّ انظر أيّها الأمير كيف صنيعه بمن أطاع؛ فقال: ﴿إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾؛ ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا؛ ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾. وقال موسى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾؛ وقال: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. فهذا صنيعه بأهل طاعته؛ وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلًا. فإذا اتْبَعوا أهواءَهم، عاقَبَهم بما يَستحِقُّون\".","vol":"1","page":206},{"text":"وقال في الرسالة:\n\"ولا يَصِحُّ عَمَلُ الخيرِ إِلاّ بمعونة الله. ولذلك قال لمحمّدٍ ﷺ: ﴿ولوا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾؛ وقال يوسف: ﴿وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن﴾. فقد بيَّن وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل إلى عبادته، وأعانه بكلّ وجهٍ. ولو كان عملُ العبدِ يَقَعُ قسرًا، لم يَصِحّ ذلك\".\nهذا آخِر ما حكاه من رسالة الحَسَن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[الجواب على الرسالة]</span>\nقلتُ: وهذه الرسالة، وإِن كان الحَسَنُ قد رُمِى بالقدَر مرّةً، وهي تُشبِه فصاحته وبيانَه، إِلاّ أنّ المشهورَ عنه إِبطالُ القدرِ، والطعنُ على أهلِه، كما بَيّنّا أوّلًا. فإِن ثَبَتت هذه عنه، فلعلّه قالها أوّلًا، حين كان يقول بالقدر؛ ثمّ عاد بآخِره عن ذلك. وإِلاّ، فهي منحولة عليه. ويُشبه أنها لواصل بن عطاءٍ، أو عمرو بن عُبيدٍ، أو مَعبدٍ، أو غَيلان، ونحوهم من أركان الاعتزال.\nولو صَحَّ أنّ الحَسًنَ خاطَب بهذه عبد الملك بن مروان، لفَعَلَ به كما فَعَلَ هشامٌ بغيلان: قَطَعَ يَدَيه ورِجلَيه، لغُلُوه في القدر، ودُعاءِ الناس إِليه. والحَسَن كان أشهر في الناس من عَلَمٍ؛ فلو صَحَّت هذه عنه، لما سَكَتَ عنه التابعونأن يعاتبوه عليها، أو يُنكِرون عليه ويُعارِضون ما قال.\nولكنّ هذه مِن كلامِ رجلٍ خاملٍ مِن القدريّة، أو مَن ليست شهرتُه كشهرةٍ الحَسَن. فأَعرَضَ الناسُ، فيما عَلمنا، عن معارَضَتها لأمرٍ ما، مع أنّ الرسالة هائلةٌ في بابها، والجواب عنه مُتَعيَنٌ؛ إِذ قد تَضَمَّنَت كلَّ حججِ القدرية في المسألة، أو جُلَّها. وهي راجعةٌ إِلى شُبَهِهم السابقة؛ لكن تحتاج إِلى جوابٍ خاص بها يُطابِقُها، ويَتَضَّمن جوابُها تقرير قواعدَ يُحتاج إِليها في الباب، وتكون تذكِرةً لأولى الألبابِ. فنقول، وبالله التوفيق:","vol":"1","page":207},{"text":"قولُ هذا القائلِ، \"أَرَكْنا السلفَ الذين قاموا بأمرِ اللهِ، لم يُبطلوا حقًّا، ولا أَلَحقُوا بالربّ باطلًا، إِلاّ ما ألحَقَ بنفسه\". قلنا: كذلك كانوا، ﵏. وهو الواجب عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين. والقول بأنّ مع الله شركاءً خالقين ليس بحق حتى يكون خلافُه باطلًا. والربّ سبحانه أَلَحَقَ بنفسه خَلْقَ الأفعالِ، بقوله: ﴿خالق كل شئ﴾؛ ﴿خلقكم وما تعملون﴾. ولم يُضف إِلى عِباده خَلْقَ شئ؛ إِنما أَضاف إِليهم كَسبَ أعمالهم. ولو كانوا خالقيها، لكان قولُه، \"جزاءً بما كانوا يخلقون\"، أَبلغ في الحجّة عليهم؛ لأنّ الخلق أبلغ في استحقاق الجزاءِ من الكسب. وقد بِيَّنّا الفَرقَ بينهما. فما أَلحَقُوا بالله إِلاّ ما أَلَحَقَ بنفسه مِن ذلك.\nقوله، \"ولا يحتَجُّون إِلاّ بما احتَجّ اللهّ به على خلقِه\". قلنا: نعم؛ وكذلك يجب. وإِنما كانوا يحتَجُّون بكتاب الله وسنّة رسوله؛ وهما مملُوآن من إِثبات القضاء والقدر وخلقِ الأعمال. قال الله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾؛ وقال: ﴿من يضلل الله فلا هادى له﴾؛ ونحوها. وكان النبيّ ﷺ لا يحزَن على أمرٍ يفُوتُه؛ بل يقول: \"لو قُدِّرَ، لكان\". وسبق قولُ عمر للنصرانيّ، كَذّبتَ! إِنّ الله هو الهادى المُضِلّ، وهو الذي أَضَلُّك وأَوجَب لك النارَ\". فهذا وأمثاله كان حجّة السلفِ في إِثباتِ القدر.\nفأمّا لومهم للعاصي، وذمّهم وعقوبتهم له، فذلك امتثالٌ لأمرِ الله فيه؛ إِذ جَعَل وقوعَ المعصيةِ على جَوارحِه دائرةً مع قَصدهِ وإِرادتِه وجودًا وعدمًا، عًلَمًا على وقوع ما قَدَّر عليه من العقوبة به. ولله التصرُّف في خلقِه بما يشاء. ومِن أصول أهلِ السنّة، الذين قام الدليلُ على أنهم هم الفرقة الناجية، إِن شاء الله، السكوتُ عن \"كيف؟ \" في صفاتِه، وهم \"لِمَ؟ \" في أفعالِه.","vol":"1","page":208},{"text":"قوله، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾؛ ولم يَخلقهم لأمرِ، ثمّ حَالَ بينهم وبينه؛ لأنًه تعال ليس بظلامِ للعبيد\". قلنا: أمَا قوله، \"ما خَلَقْتُ الجْنًّ والإِنْسَ إِلاّ ليَعْبُدُونِ\"، فهو حقٌ؛ لكنّ الكلام في تأويله. فنقول: لا يخلو إِمّا أن يكون معناه، \"ما خَلَقتُم إِلاّ مُريدًا لوقوع العبادةِ منهم\"، أو يكون معناه \"ما خَلَقتُم إِلاّ لأُكَلِّفهم العبادةَ. والأوّل باطلٌ. لأنّه لو أراد منهم وقوعَ العبادةِ؛ وإِلاّ لم يُطابِق مرادُه ومعلومُه إِرادتَه وعلمَه؛ فيُفضِي إِلى انقلاب حقائقِ صفاته؛ لأنّ إِرادته لا تَتَعلّق بوقوع شيءٍ، إِلاّ وقد تَعَلَّق عِلمُه بذلك؛ إِذ متعَلَّق صفاته لا يَتَنافى، لما قَرَّرناه في أنّ ما تَعَلَّق عِلمُه بأنّه لا يكون غيرُ مقدورٍ. لكنّ العبادة لم تَقَع مِن جميع الجنّ والإِنس؛ فلا يكون المراد أنّه أراد وقوعَ العبادةِ منهم. فتعَيَّن أنّ معنى الآية إِلى \"ما خَلَقتُهم إِلاّ لآمرَهم بالعبادة وأُكَلِّفهم بها\".\nوالأمر عندنا لا يَستَلزِم الإِدارةَ، ولا هي مِن شَرطِه. وإِذا كان خَلَقَهم للتكليف، لم يَلزم منه أنّه خَلَقَهم لإِرادة وقوعِ العبادةِ. وحينئذٍ، لا تَنَافى بين تكليفهم بالعبادة وصَرفِهم عنها، بناءً على ما سبق مِن مِن تكليف ما لا يُطاق. والقُبح فيه عقليُّ؛ وقد أَبطلناه. ولا يَلزَم مِن ذلك ظُلمُه لهم؛ وهو سبحانه ليس بظلاّمٍ للعبيد، كما وَصَفَ نفسَه. غير أنّه سبحانه ليس في مُلكِه لعباده وتصرُّفه فيهم، كعبادة في أملاكِهم وتصرُّفهم فيها؛ لأنّه سبحانه. فقول القائلِ، \"يَقبُح مِن اللهِ أن يُكلِّفني شيئًا، ويَصرِفني عنه، كما يَقبُح مني أن أُكلف عبدي شيئًا، وأَصرِفه عنه\"، قياسٌ فاسدٌ؛ لأنّ شرطَ القياسِ استواءُ الأصلِ والفرعِ في القوّة والصفات، وغير ذلك، إِلاّ من حيث الإُلحاق، وهو الذكورة والأنوثة. ولا شكّ أنَ مُلكَ اللهِ في عباده أقوى من مُلكِ عبادِه بعضهم لبعضٍ. فقياس الأقوى على الأضعفِ لا يَصحّ في مسائل الفروع؛ فما الظنُّ به في هذا الأصل الذي قد عَمَّ الأديانَ والمِللَ؛ فهَدَى اللهُ فيه مَن هَدى، وأضلَّ مَن أضلَّ.","vol":"1","page":209},{"text":"ويُوَضّح صحّةَ ما ذكَرناه أنّ أحدنا ليس له أن يَقتُل عبدَه بغير إِذنٍ شرعى، ولا يَقطع منه عضوًا؛ حتى قال بعضُ العلماء: \"لو مَثَّل بعبدِه، مِثلَ أن جَبَّ ذَكَره، أو عضوًا غيره، أو حَرَقَ منه شيئًا بالنر، أنّه يُعتَق عليه بذلك؛ لأنّ الله سبحانه إِنما مَلَّكَه إِيّاه بشرطِ الإِحسانِ إِليه؛ فإِذا انتَفَى الإِحسانُ، انتَفَى شرطُ التمليكِ، فعاد إِلى مُلكِ الله الخالص، وهو الحرَّية\".\nوالله سبحانه له أن يُهلِك الثقَلين وسائَر العالمِ في لحظةٍ واحدةٍ، وإِن كانوا طائعين لا يَعصونه طرفةَ عينٍ. فإن ادَّعى مدعٍ أنّ ذلك قبيحٌ، فهو تقبيحٌ عقلىُّ باطل. ويوَضح ذلك أنّ كلّ صانعٍ، إِذا اتقَن صنعتَه، كالنساج للثوب، والفَخَّار للجِرار، ونحوها، له بعد ذلك أن يُهلِكها، لا اعتراض عليه في ذلك لغيره. وإِنما امتَنَع ذلك شرعًا؛ لكونه تضييع مال، لحكمةٍ قررناها غير ها هنا.\nوكذلك يَقبُح مِن أحدِنا أن يمكن عبدَه مِن أَمَته يزني بها، أو عبدَه مِن عبدِه يقتله. ولا خلاف أنّ الله سبحانه أَمكَن عبيدهَ مِن قتلِ بعضهم بعضًا، وزنا بعضهم ببعضٍ. إِذ لو شاء، لحال بينهم؛ لأنّه قادرٌ على ذلك. ولا نزاع أنّ هذا قبيحٌ مِن العبدِ، غيرُ قبيحٍ من اللهِ سبحانه. فإِذا جاز أن يَقبُح منّا مِثلُ ذلك، ولا يَقبُح من الله، فلِمَ لا يجوز مِثلُه في مسألة القدر؟\nفهذا التقرير ها هنا كافٍ. وله مَزيد يبين فيما بعد، إِن شاء الله تعالى. وحاصل الأمرِ بيننا وبين المعتزلة أنهم هم مُستدلُون على نفي القدرِ وقُبحِ إِثباتِه بالقياس الفاسد المذكور، ليس لهم من جهةِ العقلِ سواء، وعليه مَدار شبههِم، ونحن قادِحون في قياسِهم، مانِعون لصحتّه بالفرق المذكور الذي قرّرناه بين الأصل والفرع. فيَحتاجون إِلى حجّةٍ غيره يُثبتون بها دَعواهم. ونحن مانِعون؛ والمانع مُستريحٌ. وإِنما قلنا: \"إِنهم هم المستدلّون\"؛ لأنّ دَعوانا نحن في إِثبات القدر على وَفق الأصل عقلًا وشرعًا. أمّا عقلًا، فلأنّه سبحانه ثَبَتَ أنّه خالق العالم وموجدُ، بالدليل العقلىّ؛ والعالمُ ما سوى اللهِ سبحانه؛ وأفعال العبادِ داخلةٌ في ذلك. ولِما قرّرناه من تمام مُلكِ اللهِ سبحانه، واقتضاءِ العقلِ تصَرُّف المالكِ كما يُريد. وأمّا شرعًا، فلِما ثَبَت في","vol":"1","page":210},{"text":"الكتاب والسنّة، مّما يدٌلّ على ما قُلناه، ممّا يأتي استقراؤه.\nفهم إِذا خالَفوا هذا الأصلَ في أفعال العباد، وَجَب عليهم في حُكمِ النظرِ بيانُ مستَنَدِ المخالَفةِ. فكانوا مستدلِّين بالقياس المذكور، وقد مَنَعناه. فإِن أَتَوْا بحجّةٍ صحيحةٍ غيره تلزمنا، لمانعناهم. وإِلاّ، فنحن على وَفق الأصلِ عقلَا وشرعًا. فهذه طريقةٌ جيّدةٌ في مناظرتهم.\nقوله، \"ولم يكن في السلف أحدٌ يُنكِر ذلك ولا يجادِل فيه؛ لأنهم كانوا على أمرٍ واحدِ متَّسقٍ\". قلتُ: قوله ذلك إشارةٌ إِلى ما سبق من قولِه: \"لم يُبطلوا حقَّا، ولا ألحَقُوا بالرب إِلاّ ما ألحَقَ بنفسه، ولا احتجّوا إِلاّ بما احتج اللهُ على خلقِه\"؛ وقد بَيّتّا صحّةَ ذلك منهم، وأنهم كانوا مثبِتين للقدر. فإن أراد به هذا- وليس مرادَه- فصحيحٌ أنَه لم يُنكِره أحدٌ مِن السلفِ. وإِن أراد أنهم لم يكونوا يُنكرون الاعتزالَ والقولَ بنفيِ خلقِ الأفعالِ، فهو كذِبٌ عليهم، بما سيأتي من نصوص السنّة يجادِل فيه\"، فخطأٌ صُراحٌ. وهو ممّا يَدُلَ على أنّ الرسالة ليست من كلام الحَسن. فإِنّه لم يكن يخفى عليه غالبًا، مع تَبَحرِه في علم الرواية، ما رَواه أبو هريرة. قال: فَرَج علينا رسُول الله ﷺ ونحن نَتَنازَع في القدر.\nفغَضِب، حتى احمَرَّ وجهُه، حتى كأنما فُقيء في وَجنتيه الرمّانُ. فقال: \"أبهذا أُمِرتم! أم بهذا أُرسِلتُ إِليكم! إِنما هَلَكَ مَن كان قبلَكم حين تَنَازَعوا في هذا الأمر. عَزَمتُ عليكم أن لا تَتَنازَعوا فيه\". وهذا الحديث، وإِن كان الترمذيّ قد غَربَّه، وقال: \"لا نَعرِفه إِلاّ مِن حديث صالحٍ المُرِّيّ، وله غراب يَنفَرد بها\"، لكن قد رَوى مسلمَ في صحيحه نحوَه من حديث عمرو بن العاص. ومِثلُ هذه قضيّةٌ تَشتهِر، ولم تَقَع إِلاّ بَعدَ نِزاعٍ طويلِ، حتى اجتَمَعوا لها ليَستخرِجوا صوابها؛ فكيف يَصحُّ أن يُقال: \"إِنهم لم يجادلِوا فيه\"؟","vol":"1","page":211},{"text":"وإِذا كان الأمر فيها مقطوعًا به، على ما زَعَمَت المعتزلةُ، من أنّ صحّة مذهبهم فيها ضروريٌ، فكيف يَنهاهم النبيُّ ﵇ عن النزاع فيها، مع إِمكانه تصويبَ أحدِ القولين، فيرتفِع الخلافُ، وتَشتهِر فتواه فيها، وتُنقَل إِلى يوم القيامة! وهل كان النبيّ ﵇ تخفَى عنه الضروريّاتُ، وتَعلَمُها المعتزلة! ما هذا إِلاّ كقولهم، \"خَفِي على موسى أنّ رؤية اللهِ لا تجوز، حتى سَألها\"، وظَهَر ذلك لهم! فهم إِذن أَعلَم بذات اللهِ وصفاته وأفعاله مِن موسى ومحمدًا! وكفى بذلك عليهم مَعَرّةً.\nوأيضًا، لو كان القدرُ ممّا يُعلَم بالنظر فضلًا عن الضرورة، لَما هَلَكَ فيه الأممُ السالِفة، ولَما تَرَكَ النبي ﵇ بيانه عند الحاجة. ألا ترى أنّه لما سُئِل عن رؤيتِه ربه تعالى، قال مرةً: \"رأيتُه\"، ومرةً \"نو أني راه\"؟ وكذا سائر ما كان يُسأل عنه، كان ييَقطَع فيه بنَفي أو إِثباتٍ. فلما تَرَك الأمرَ ها هنا على إِبهامِه، دِل على أنّ القدر سر لا يَطَّلِع على حقيقته البشرُ، حتى الأنبياء ﵈؛ أو أنّ النبيّ ﵇ عَلِمَ حقيقتَه، ولم يُؤذَن له فى إِطلاعهم عليها تحقيقًا للامتحان التكليفيّ. وقد نُقِلَ عنه ﷺ أنَه قال: \"أفضَى إِليَّ ربّي ليلةَ أُسريَ [بي] بأسرارٍ لم يأَذن لي في إِفشائها\". فلعلّ هذا السرّ منها. لكنّ القدريّة يَقدَحون في الحديث المذكور وأمثاله، بأنها آحادٌ لا تُفيد العلمَ. وهذه المسألة ونحوها عِلمِيّةٌ لا تَثبُت بمِثل ذلك.\nوبمثل هذا أَجابوا عن أحاديث الشفاعة؛ وهو مَعَرةٌ عليهم أيضًا. فإِنّ النصوص في المسألتين- أعني مسألةَ القدر والشفاعة- إِن لم تَبلُغ التواترَ الحقيقيّ، فهي لا شكّ قد بَلَغت التوارتَ المعنَوي في ديِن الإِسلام، كسخاء حاتمٍ وشجاعة عليِّ، أو استَضافت استِفاضةً عاليةً يقبلها لأجلِها جميعُ الأمة، مع أنّ نصوص الكتاب وارِدةٌ بذلك.\nقوله، \"وإِنما أَحدثنا الكلامَ فيه حيث أَحدث الناسُ النكِرَةَ له\". قلنا: إِحداث الكلامِ لتحقيق الحقِّ وكَشفِ الشُبَهِ واللبس واجبٌ على الكفاية، لكن إِذا كان له مُستندٌ من","vol":"1","page":212},{"text":"مادةِ الحق، كالكتاب والسنّة وإِجماع مَن يُعتمَد عليه في الدين. وبهذا كان الأئمّة المتقدمون، كالإمام أحمد وأضاربه، يَنهون عن الكلام؛ فلمّا احتاجوا، تَكلّموا. أمّا الكلام بالعقل الصرِف، ونُقُول لا دلة فيها، فهذا غير جائزٍ.\nقوله، \"فلمّا أحدَث المحدِثون في دينهم ما أحدثوا، أحدَث اللهُ للمستكين بكتابه ما يُطفِئون به المحدَثات ويحذرون به من المُهلكات\". قلنا: المتمسكون بكتاب الله هم أهل السنة المثبِتون للقدر. وأنتم المحدِثون في الدين. ولهذا سميتم \"معتزلةً\"؛ لأنّكم اعتَزَلتم ما عليه سَوادُ الأمّة الأعظم، وشذذتم عنه. وقد عُلِم ما قيل فيمن فَعَلَ ذلك.\nقوله، \"وكان الذي أَوقَعهم فيه سببه الأهواء وتَركُ كتابِ الله\" قلنا: إِذا قابَلنا نصوصَ المذهبين بعضها ببعضٍ، تَبَيَّن تارِكُ الحجّةِ الشرعيّة ممن اتَّبَع هواه بغير هدى مِن الله، وتَرَكَ كتابَ الله. فإِنّا لا ننكِر أنّ على دعواكم آياتٍ من كتاب الله سبحانه، سواءٌ كانت حججًا أو شُبهًا؛ وغاية ما يُقال إِنها حججٌ. لكنّ مقابِلها ما هو أَنَصُّ وأَدَلُّ وأكثر منها. فلنَفرِض المسألأة اجتهاديّة- وكذا هي في الحقيقة- فأيّ الطرَفين أحق بالاتّباع؟ لا يختلِف أهلُ العقول أنّ الحَكم إِذا تجاذَبه حجّتان، كان الأخذ بأَقوالهما وأوضحهما متعيِّنًا. وسنبِّين أنّ حجّتنا من الكتاب أَنَص وأَدَلّ وأكثر، ونُركِّدها بالسّنة الصحيحة الصريحة المستفيضة. وحينئذٍ، يكون العادل عن الحجّة الراجحة هو متّبِع الهَوى، تارك كتابِ الله.\nقوله، \"ما نهى اللهُ عنه ليس منه\" قلنا: أمّ الجواب من حيث الإِجمال من حيث الإِجمال، فلا نُسلِّم أنّه ليس منه؛ لقوله، ﴿كل من عند الله﴾؛ والإِشارة إِلى السيئّة والحَسَنة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم حسنة ... وإن تصبهم سيئة﴾؛ وهما نَكرِتان في سياق الشرط؛ وهو ُفيد العمومَ. فدَلّ على أنّ كلّ سيئةٍ وكلّ حَسَنةٍ من الله.","vol":"1","page":213},{"text":"أمّا من حيث التفصيل، فنقول: إِن عَنيتَ أنّ ما نهى اللهُ عنه ليس منه، بمعنى أنّه كَسَبَه، أو باشَرَه، أو أَمَر به، أو أَحبّه، فكلّ ضلك صحيحٌ. وإن عَنَيتَ أنه لم يُقدره، ولم يَقضِ به ولم يخلقه بواسطة الداعي الذي يجب الفعلُ عقيبه، فلا نُسلِّم؛ وهو محل النزاعِ.\nقوله، \"لأنّه لا يَرضى ما يَسخَط\". قلنا: إِن عَنَيتَ أنّه لا يرضاهه عبادةً وقُربَةً إِليه، ولا يؤثِره إِيثارَ الطاعاتِ، فصحيحٌ. وإِن عَنَيتّ أنّه لا يرضاه واقعًا في الوجود والملكوت، فلا نُسَلِّم. وقد خَلَقَ إِبليسَ وجنودَه، وهو يَسخَطهم ويَسخَط عليهم. وخَلَقَ الحيواناتِ المؤذية، كالهواّم ذوات السُموم والسباع القاتلة، وهو يَسخط ما يَصدُر منها من الفسادَ وإِهلاك العِباد؛ لكنّه رَضي إِيقاعَ ذلك في الوجود، لحِكمةٍ عَلِمَها.\nوعلى هذا التقرري، لا تَنافي بين سَخَطه للشيء لذاته، أو لأمرٍ صادرٍ عنه، وبين رضاه وقوعَه في الوجود؛ ولم يَمنعه؟ وإِلاّ، لكان كلّ واحدٍ مِن خلقِه أقدر منه، حيث غَلَبَت قدرتُه وإِرادتُه قدرة البارئ وإِرادَته، فأوقَع في ملكوت الله ما يَكرَهه اللهُ مراغَمَةً. فكذلك يجوز أن يَسخط الشئ ويخلقه؛ لأنّ خَلق القبيحِ وتَركَ مَنعِ وقوعِه، مع القدرة عليه، سواءٌ في حقيقة القُبحِ بالضرورة عند العقلاء. ألا تَرى أنّه لا فَرق في استحقاق مُسمَّى \"القُبح\" و\"الذّم\" بين من يزني ويظلِم الناس، وبين من يَرَى زَنًا أو ظلمًا، ويمكن إِزالتُه، فلا يَفعل؟ وحينئذٍ، تَنَافى بين سَخَطه للمعصية وخلقِها؛ كما لا تنافي بين سخطها وتَركِ المنعِ منها، لاستوائهما في القُبحِ شاهدًا. ولم يَقبُح الأخيرُ مِن اللهِ سبحانه، باتّفاقٍ؛ والأوّل مِثله؛ وحُكمُ المثلين واحدٌ.\nوالسر فى هذا المقام هو أنّ كلّ مالكٍ سوى الله سبحانه، فإِنما له فى مُلكِه التصرُّف الأمرِيّ؛ نحو \"افعَل! \"، \"لا تَفعَل! \" والله سبحانه له في خَلقِه التصرُّف الأمرِيّ، كما ذكرناه، وهو التكليفيّ، والتصرُّف التكويني الاستقلاليّ المقتضى عَدَمَ الاعتراضِ عليه بالكلّيّة. وهذا التصرُّف من خَوَاصّه سبحانه، لم يُشارِكه فيه غيرُه؛ لأّنه سبحانه اختَصّ بتكوين الكائنات ذاتًا وصفةً. فتَصرفه بذلك تَصرُّفٌ وراء التصرُّف الأمريّ. فلذلك، جاز أن يُكلِّف بالطاعات ويَنهى عن المعاصي بما استحقه من تصرفه الأمر؛ وجاز أن يَصرِف عَبدَه عمّا كلَّفَه بفِعلِه، ويخلق فيه خلافَه بما استَحَقَّه مِن تَصرُّفِه الكونيّ","vol":"1","page":214},{"text":"الاستقلالىّ. ولو قُدر أنّ الله سبحانه جَعَلَ لغيره من الملاك هذا التَصرُّف الخاصّ، لجاز لهم ما جاز له مِن الأمرِ بالفِعل، والصَرفِ عنه، والنهي عنه، وتَقديِرِه.\nوهذهنُكتةٌ يجب أن يُفزَع في مَضيق هذه المسألة إِليها، ويُعوَّل عليها، وتُعقَد عليها الحناجِرُ ويُعض عليها بالنواجذ وبعدها أخرى أحسن منها، وهي سر المسألة؛ والله أعلم.\nقوله، \"وهو يَعني ما نهى اللهُ عنه مِن العباد\". قلنا: خَلقًا أو كسبًا؟ الأوّل ممنوعٌ؛ والثاني مُسلَّمٌ، وقد سبق تقريُره غيرَ موضعٍ.\nقوله، \"فإِنّه تعالى يقول: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾. فلو كان الكفر من قضائه وقدره، لرَضي به ممن عَمِله\". قلنا: قد بيّنّا أنّ معنى كونه لا يَرضَى لعباده الكفرَ، \"لا يَرضاه لهم طاعةَ وعبادةً ولا سببًا يُقربون به\".أمّا \"لا يَرضى به، أو لا يَرضاه واقِعًا في الوجود\"، فلا. وإِلاّ، لَزِم أن يَقَعَ في ملكوتِه ما لا يَرضَى به ولا يَقدِر على منعِه؛ وذلك تعجيزٌ له سبحانه عن ذلك.\nقلتُ: فقد دار الأمُر بين لُزوم لعجزِ فى حقّه تعالى، على رأيهم، ولزوم الجَور عقلَا، على رأينا. لكنّ الثاني أَولى أن يُلتَزَم؛ لأنّا إِذا قلنا بما يَقتضي الجورَ، أمكَننا أن نقول: \"هذا جورٌ\"، بالإِضافة إِلى تَصرُّفاتنا في مُلكِنا. أمّا بالإِضافة إِلى تَصرُّف الله التامّ، فلا جور؛ بل كلّ ما يَصدرُ منه عَدلٌ. ونَستَنِد من السمع إِلى قوله، ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. أمّا لو قلنا بقولهم، الذي يَلزَم عليه عجزُه سبحانه عن نَفي المكروهاتِ الواقِعة في مُلكِه، فإِنّه لا يمكننا أن نقول: \"هذا عَجزٌ\"، بالإِضافة إِلينا، لا إِليه سبحانه؛ لأنّ العجز إِمًا عَدَم القدرةِ، أو معنى ملازَمة عَدَمِ القدرة؛ وهو أمرٌ حقيقي لا يختَلِف بتمام المُلك ونقصانه؛ بخلاف الجور.\nقوله، \"لو كان من قضائه وقدرِه، لرَضِي به ممن عَمله\". قلنا: لَرضيَ به رضَا تكليفٍ، أو رِضَا تكوينٍ؟ الأوّل مُسلَّمٌ أنه لا يَرضَى به. والثاني ممنوعٌ. وقد بيّنّا أنَه لا تَنَافي بين","vol":"1","page":215},{"text":"قضائه وتقديره، وبين أمرِه ونهيه، بما قرّرناه من التَصرُّفين التكليفيّ والتكوينيّ. وحينئذٍ، لا يلزم بين قضائه وعدم رضاه التكويني. فيجوز أن يَقضي تقديرًا، ويَرضَى تكوينًا. وأنتم عندكم أنّ الإِنسان مُوجدٌ لأفعاله، مع أنّ العقل لا يُقبح منه أن يقتل ولده أو قريبَه. ولمصلحةٍ راجحةٍ لنفسه، فهو يَرضَى بذلك عقلًا، لا طبعًا. وقد قَتَل قيسُ بن زُهَيرٍ العبسي بني بدرٍ، وهو بنو عمّه؛ لأنّه رأى مصلحتَه في قتلِهم، مِن حيث آذَوْه وناصَبوه العدواةَ، وإِن كان عليه فيه مفسدةٌ، مِن حيث إِنهم بنو العمّ والعشيرةُ، فنقَّص بهم عددَه. ولهذا كان الناسُ يَدخلون عليه، فيُهنؤنه بإِدراك الثأر، ويُعَزُّونه بمصيبته في بني عمّه. وقال شعرًا تَضَمَّن الأمرين، وهو قوله:\nشَفَيتُ النفسَ مِن حَمَل بن بدرٍ .. وسيفي مِن حُذيفة قد شَفاني\nفإِن أَكُ قد بَرَدْتُ غَليلي .. فإِنى قد قَطَعتُ بهم بَناني\nفما النامع من أن يكون الله سبحانه يَرضَى بالكفر وجودًا وكَونًا، ولا يَرضَى به عبادةً ودِينًا؟ يَرجع حاصلُ الأمرِ إِلى أنّ الكفَر في الرَضَا به من ذَوات الجهتين، خصوصًا على مذهب المعتزلة في وجوب رعاية المصالح. فلعل في خلقِه الكفرَ مصلحةً لخلقِه وليس ذلك بأبعد مما يَلزمهم على هذا الأصل، وقد التَزَمه بعضُهم، مِن أنّ دخول الكفّارِ النارَ مصلحةٌ لهم. وإِذا كان دخولهم النارَ مصلحةً لهم، مع أنّ الله سبحانه قادرٌ أن يعفيهم منه، فخلقُ الكفرِ فيهم أَولى بجواز كونِه مصلحةً؛ لأنّه سببٌ لدخولهم النارَ وإِذا كان المسبب مصلحةً، فالسبب كذلك، وأولى؛ لأنّه لا تَتَوصُّل إِلى المسبب إِلاّ به.\nقوله، ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. قلنا: صَدَق اللهُ. لكنّ \"قَضَى\" لفظٌ يُطلَق بمعانٍ. \"فقضى\" بمعنى \"أَمَرَ\"؟ أو بمعنى \"حَكَمَ وقَدَّرَ\"؟ الأوّل مُسلمٌ، والثاني ممنوعٌ فالله سبحانه أَمَرَ خلقَه أن لا تَعبدوا غيره وحَكَم وقَدر على بعضهم أن يُشرِك به. وقد بيّنّا أنّه لا تَنافي بين أمرِه وتقديره باعتبار ما استِحقّه من تَصرفيه المذكورين قبلُ.","vol":"1","page":216},{"text":"وقد قال سبحانه: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾. وقد ضَلَّ بعضُ الاتحاديّة في هذه الآية المذكورة؛ فحَمَل \"قَضَى\" فيها على معنى \"حَكَمَ وقَدَّرَ\"، حتى أَفضَى به ذلك إِلى أنّ كلّ معبودٍ عَبَده الخلقُ، من شمسٍ وقمرٍ ونجمٍ وحجرٍ وشجرٍ، وأنّ ودًّا وسُواعًا ويَغوثَ ويَعوقَ ونسرا وكلّ صنمٍ ووثنٍ، هو عين اللهِ سبحانه؛ لأنّه قَدَّر أن لا يُعبَد سواه؛ ولا خُلف في تقديره؛ فلَزم أنّ جميع المعبودات هي هو. وإِنما يَخفَى ذلك على مَن ليس بمحقِّقٍ. قلتُ: وهذا الجاهل إِنما أُتِي من عدم فهمِه لكتاب الله وغفلته عن إِجمال اللفظ. وقد قال بعضُ محقِّقي العلماء ومدقِّقي الفضلاء: \"إِنّ أكثر اختلاف الرجال مِن جهة الاشتراك والإِجمال\" هو صحيحٌ؛ ولذلك أمثلةٌ لسنا بصدد ذكرها.\nقوله، ﴿قدر فهدى﴾، ولم يقل: \"قَدَّر فأضَلَّ\"؛ و﴿الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى﴾، قال: \"أعطى كلَّ شيءٍ ما يُضلِحه ثمّ هداه له\". ومراده ومراد غيرهِ بذلك","vol":"1","page":217},{"text":"أنّه أعطَى الأشياءَ مصالحَها الدنيويّةَ وهداها لها، مِن تناولِ المأكولِ والمشروب والملبوس والمنكوحٍ، وغيرِ ذلك من تحصيل المنافع ودَفعِ المضارّ بالعقل والحواسّ. ولا تَعرُّض في ذلك لسرِّ القدر بنفيٍ ولا إِثباتٍ.\nومما يدلَ على أنّ المراد ما ذكرنا أنّ القائل لذلك هو موسى لفرعون. فلو أراد به الهُدى الدينيَّ، لكان ذلك حجّةً لفرعون. مُفحِمةً لموسى؛ لأنّه كان له أن يقول لموسى: \"قد زعمتَ أنّ ربَّك هَدى كلَّ شيءٍ، وأنا من جملة الأشياء، فإِن كل قد هَداني، فإِلى ما تَدعُوني؟ إِنما تَدعوني إِلى الضلال؛ إِذ ليس بعد الحقّ إِلاّ الضلال. وإِن لم يكن هداني، فقد كَذَبتَ في صفة ربِّك. ولستَ رسوله؛ لأنّ الرسول لا تخفى عليه صفاتُ مرسِلِه.\" لا يقال: \"إِنّ فرعون كان أبلد مِن أن يَتَنبَّه لهذا السؤال\"؛ لأنّا نقول: أليس هذا السؤال واردًا على التقدير المذكور؟ والله سبحانه لم يَبعّثرسلَه على وجهٍ يَرِدُ عليهم سؤالٌ مفحِمٌ. فدلَّ على أنّ الهدى مِن الله يُطلق بمعنيين: أحدهما: خلقُ الهدايةِ في قلبِ العبدِ. والثانيِ الإِرشاد إِلى سبيل الحقّ. ثمّ هو قسمان: هديً مجرَّدٌ، كما قال: ﴿وهديناه النجدين﴾، أي عَرَّفناه طريقَ الخير والشرِّ، وقوله، ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾. والثاني هديً مستجمعٌ لشروط الهداية، وانتفاء موانعها. فالاهتداء إِنما يَلزَم من هذا الهدى، وهو لمن سَبَقت له العنايةُ؛ لا من الذي قبله، وهو حجّةٌ على مَن سَبَقَت عليه الشقاوةُ.\nونظيره مِن المشاهَدات أن يَسأَلك رجلٌ ل كبه عنايةٌ عن طريق الموضع الفلانيّ؛ فتقول له: \"هذا هو الطريق؛ وأنا أَكُون معك خفيرًا مما فيه، من لصِّ، أو سبعٍ\". فتخفره وتجنِّبه المخاوفَ حتى يَبلُغ مقَصدَه. ويسألك آخرَ، هو عدوّك، أو لا عناية لك به، فتقول له: \"هذا الطريق؛ واحذَر مّما تجد فيه\". وندعه يَذهب وحدَه. فقد يأخذه اللصُّ، وقد يأكله السبعُ، وقد يَتَردَّى في بئرٍ لا يَتَنبَّه لها، وقد تلدغه هامَّةٌ، وغير ذلك من الآفات.\nفلذلك، الله تعالى، مع خلقِه مَن سَبَقَت له عنده عنايةٌ، أَرشَده إِلى سبيل النجاة؛ ثمّ","vol":"1","page":218},{"text":"صَحِبه بالعصمة والتوفيق؛ فنجَّاه. ومن سَبَقت له في علمِه الشقاوةُ، أَرشَده إِلى سبيل النجاة، حجّةً عليه. ثمّ أَرسَله وخلاَّه وما بين يديه. فتارةً يجتاله الشيطانُ عن الطريق، وتارةً يميل به الهوى والنفس الأمّارة عن سبيل التحقيق. فلا جرم يَصحَبه الخذلانُ، ويخذله التوفيقُ. وفي القسم، قال الله سبحانه: ﴿لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون﴾.\nإِذا ثبت هذا، فنقول: قوله، ﴿قدر فهدى﴾، إِن حلمناه على الهداية للمصالح الدنيوّية، لم تكن فيه حجّةٌ على محلّ النزاع، كالآية الأخرى. ولعلّه قول أكثر المفسِّرين. وإِن حملناه على \"هَدَى\"، نقيض \"أَضَلَّ\"، فإِن جعلناه بمعنى خَلَقَ الهدايةَ في قلبِ العبدِ\"، لزم أن يكون قوله تعالى، ﴿ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون﴾، ﴿فلن تجد له وليا مرشدا﴾، ﴿وأضله الله على علم﴾، ونظائر ذلك، بمعنى \"خَلَقَ الضلالَ في قلبِ الضالِّ\". وَيؤُول الأمرُ إِلى ما قلناه، مِن أنّه يهدي قومًا ويُضلّ آخرين. لكنّكم لا تقولون بذلك. وإِن حملناه على \"هَدَى\"، بمعنى \"أَرشَد\"، فقد بَيّنّا أنّ الإِرشاد يكون مجرَّدًا ومقيَّدًا باستكمال الشروط، وانتفاء الموانع، وتَخَلُّفَ الخذلانِ، وصُحبةِ التوفيقِ. فالأوّل للأشقياء، والثاني للسعداء. وكلاهما أيضًا منسوبٌ إِلى الله.\nوتحقيق ذلك أنّ الله سبحانه خَلَقَ المكلَّفين، وخَلَقَ لهم نفوسًا مائلةً، وشهواتٍ مستميلةً، ونفسًا أمّارةً، وشيطانًا وغويًا، وعقلًا رادعًا، ودينًا وروحًا وازعًا. فالعقل والروح والدين في جانبٍ، والنفس والهوى والشيطان في جانبٍ. وهما كجيشين متقابِلَين يَقتتِلان. ولله سبحانه جندان، وهما التوفيق والخذلان خلقُ الدواعي الصارفة إِلى فِعلِ المعاصي وتركِ الطاعات. فإِن أَرسَل اللهُ التوفيقَ في صفِّ العقلِ،","vol":"1","page":219},{"text":"غَلَبَ.؟ وإِن أَرسلَ الخذلانَ في صفِّ النفسِ، غَلَبَ، وأَوجَب لصاحبه الويلَ والحربَ.\nفنقول حينئذٍ: قد ثَبتَ مِن رأيِ المعتزلة أنّ رعاية مصالح العباد واجبٌ على الله سبحانه ﷻ. ولا فرق في استحقاق مُسمَّى \"الذمّ\" و\"القبح\"، عقلًا عندكم، وشرعًا عندنا، بين مَن أَوجَد سببَ القبيحِ والمعاصي، وبين مَن أَعدَم، أو مَنَع، سببَ الحَسَنِ والطاعات. حتى قال بعضُ علماءِ الشريعة: \"لا فرق بين من أَوقَع إِنسانًا في هَلَكةٍ، فهَلك، وبين من رَأى إِنسانًا في هَلَكةٍ، وهو قادرٌ على إِنقاذه منها، فلم يَفعَل، حتى هَلَك، في أنَه يَأثم ويضمن.\nوحينئذٍ نقول: سواءٌ كان إِصلالُ الكافِر بإرسال الخذلانِ عليه، أو بقطع التوفيقِ عنه، وسواءٌ كان معنى \"إضلاله له\" بتوفيقه للمعصية، أو بمنعِ توفيقه للطاعة؛ كلّ ذلك منسوبٌ إِلى الله. فنحن إِن جَعَلنا الإِضلالَ بمعنى خلقِ الداعي الموجِب للضلالِ، فقد دَلَّت عليه الأدلّةُ، وسبق تقريره. لكنّا نَفتقِر فيه إِلى الاعتصام بقوله: ﴿لا يسأل عما يفعل﴾. وإِن جعلناه بمعنى قطعِ التوفيق عن الهداية، قّرب مأخذَ مذهبنا من جهة العقل. لكنّه يَقُرب من مذهبهم؛ إِذ يَلزَم منه أن تكون القدرةُ الحادثة هي المؤثِّرة في إِيجاد الفعلِ. وإِنما الحاصل من الله سبحانه في ذلك هو منعُ التوفيقِ لتركِ المعصية.\nوالتحقيق عندي في القدر أنّه اضطراراٌ إِلهيِّ كوني للعبد إِلى مواقَعةِ المقدور، وجريانِ ما كَتَب عليه من الأمور، بأسبابٍ حادةٍ وصوارفَ رادةٍ. وله من المشاهَدات أمثلةٌ.\nمنها القنطرة على البحر. فإِنّ الماء مِن جانبيه تَضطرُّ العبدَ إِلى الجواز عليها. فكذلك القدر قنطرةُ القدرةِ، والأسباب والصوارِف من جانبيه تَضطرُّ العبدَ إِلى المرور عليه.\nومنها فخُّ الصيّادِ للصيدِ. فإِنّ الصيّاد يجعَل الطُعمَ في الفخِّ؛ ثمّ يجعل إِليه طريقًا للصيد بين حائطين شاخِصَين، مِن حجارةٍ أو غيرها. أوّل ذلك الطريقِ واسعٌ. وكلّما جاء إِلى ضيقٍ ليَسعى الصيدُ إِلى الفخّ فيه، ويمنعه الحائطان عن العدول عنه يمنةً أو يسرةً. فلا جرم إِن لم يُلهَم الإِبكارَ، فيعتصِم بالفرار، وَقَعَ في الفخِّ، ثمّ صار إِلى النار.","vol":"1","page":220},{"text":"فكذلك الإِنسان مع فخِّ الأقدار. فالمعاصي كالفخاخ، والشهوات كالطُعم الذي فيها، والقدر كالحائطين والطريق بينهما، والإِنسان كالطائر. فيجري في طريق القدر، حتى يَقف على فخِّ المعصيةِ. فإِن أُيِّدَ حينئذٍ بالتوفيق، راجَع عقلَه، فامتَنَع ورجع. وإِلاّ قارنَه الخذلانُ، فوقع.\nومنها ما يَفعله الملوكُ وأتباعُهم في الصيد أيضًا. فإِنهم تارةً يَحتوِشُون الصيدَ بالخيل والرجالِ مِن أقطاره، حتى يلزُّوه إِلى مضيقٍ، فيأخذوه. وتارةَ يَضرِبون عليه حلقةً دائرةً، ثمّ يَرمونه بالسهام، ويُلقُون عليه سباعَ الطيرِ والبهائم؛ ثمّ يأخذونه. وتارةً يجعلون الفهدّ خلفّ شجرةٍ، أو نحوها، ثمّ يضايِقون الصيدَ، أو يُهمونه أنهم يَطلبونه، حتى مَرَّ على الفهد، فيَثِب عليه، فيأخذه.\nفهذا مثال القدرِ عندي. وأمثلته كبيرةٌ. ولا يَتَّجه على الله في ذلك لومٌ، ولا يَلزَمه منه جورٌ، تعالى الله المتَصرَّف في ملكوته بجبروته كمات يشاء. والله أعلم.\nقوله، ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾. قلتُ: الجواب أنّ معناه: إِن لبستُ ضلالًا، فوَبال كَسبي على نفسي. وجعل اللهُ تعالى ذلك أمارةً على ما يُراد به، كما سبق غيرَ موضعٍ.\nقوله، ﴿إن علينا للهدي﴾، ولم يقل: \"إِنّ علينا للإضلال\". قلنا: ظاهر الآية أنّ الهُدى واجبٌ على الله. وأنتم منازَعون فيه. ثمّ المراد \"بالهدى\" الإِرشاد. وقد سبق تحقيقُ الجوابِ على قوله، ﴿قدر فهدى﴾.\nقوله، \"ولا يجوز أن يَنهي العبادَ عن شيءٍ في العَلانية، ويُقَدِّره عليهم في السرِّ. ربّنا أكرم من ذلك وأرحم\". قلنا: لا يجوز عقلًا، أو شرعًا؟ الأوّل ممنوعٌ؛ إِذ لا يَلزَم منه","vol":"1","page":221},{"text":"محالٌ لذاته. فإِن قيل: \"بل يَلزَم منه الجورُ؛ وهو على الله محالٌ\". والثاني ممنوعٌ. وقد بيّنّا أنّ لا جَورَ باعتبار ذلك. ثمّ لا نُسلِّم أنّ الجور لذاته محالٌ؛ وإِلاّ لَما صَحَّ مِن المخلوقِين. على أنّه لا يَلزمَ في حقِّ اللهِ سبحانه، سواءٌ استحال لذاته، أو لغيره. وأمّا جواز ذلك شرعًا، فقد دَلَّ عليه قوله، ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾، ﴿واعملوا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾، كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾. ولا معنى لتقديره الكفرَ ونحوَه في السرِّ إِلاّ تزيينه للكافر؛ وهو الاستدراج والمكر؛ وقد وَصَف اللهُ نفسَه بهما.\nقوله، \"ربّنا أكرم من ذلك وأرحم\" قلنا: تَصرُّفه في مُلكِه بما يشاء بمقتضَى ملكِه التامّ لا يُنافي الكرمَ والرحمةَ. وقد ثَبَت كرمُه بإِقامة الوجود وتفويضه الخلقَ في ملكه.\nثمّ عاد يَفتَرض منهم. وأثاب الطائعَ منهم على ما لولا توفيقه لم يُوجَد منه، وهو مع ذلك مستحِقُّ له.\nقوله، \"لو كان الأمر كما قاله الجاهلون، لما قال: ﴿اعملوا ما شئتم﴾، ولقال: \"اعملوا ما قَدَّرتُ عليكم\". قلنا: الجواب من وجوهٍ.\nأحدها: أنّ هذا أمرّ تهديدٍ، لا تخييرٍ؛ فلا يَلَزم ما ذكرتم. ولو كان أمرَ تخييرٍ، كقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، لكنّه تخييرٌ لفظي؛ وهو في المعنى تعجيزٌ كونيٌّ، كقوله: ﴿كونوا حجارة أو حديدًا﴾؛ والتقدير \"اعملوا ما شئتم، فإنّكم صائرون إِلى ما قُدِّر عليكم\".\nالثاني: أنّه أمرُ بتكليفٍ؛ والتَصرُّف الكونيّ وراء ذلك. وهو معنى الجوابِ قبله.\nالثالث: أنّه سبحانه قال: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا﴾.","vol":"1","page":222},{"text":"وهو نصٌّ صريحٌ في المسألة. وتكلُّفات المعتزلة في تأويله باللطف له، أو بتَسميته \"حقًا\"، لا \"هباءً منثورٍا\"، غير مسموعٍ.\nولَمَّا أَخبَر النبيّ ﵇ أصحابَه بتقدير المقادير قَبلَ الخلقِ، قالوا: \"فعلى ما نَعمَل، يا رسول الله؟ \" قال: \"اعملَوا على مواقع القدر\". وهو معنى قوله، \"اعملَوا ما قدَّرتُ عليكم، ومعنى الحديث أن، ّ كلّ مَن قُدِّرَ عليه شيءٌ في سابق عِلمِ اللهِ سبحانه، لابدّ أن يَقَعَ عليه.\nوها هنا فائدةٌ جليلةٌ وتقريرٌ حَسَنٌ لمَنْ تدَبر. وهو أنّ الله سبحانه علاّم الغيوبِ، ما كان منها، وما يكون، لا يَعزُب عن عِلمِه مثقالُ ذرّةٍ في السماوات ولا في الأرض، كما أَخبَر عن نفسه سبحانه، وأنّه عَلِمَ مثقالُ ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، كما أَخَبر عن نفسه سبحانه، وأنّه عَلِمَ الأشياءَ، جُزئيَّها وكلَّيها، فى الأزل. سَلَّمَت المعتزلةُ، أو جمهورُهم، ذلك [و] مَن مَنَعَه منهم، فالدليل بالمرصاد. والسبب في أنّ الله سبحانه عَلِمَ الأشياءَ، جُزئيَّها وكلّيها، في الأزل. سَلَّمَت المعتزلةُ، أو جمهورُهم، ذلك [و] مَن مَنعَه منهم، فالدليل بالمرصاد. والسبب في أنّ الله سبحانه عَلِمَ الغيبَ قَبلَ كونِه، وإِن تَطَاوَلَ زمنُه، هو [أنّ] الله سبحانه تامّ القدرةِ، نافذ المشيئة، لا مُغالِب له، ولا مُعاجِز، ولا مُعانِد له فى مُلكِه، ولا مُناجِز، لا مانع له عمّا أَراده، ولا دافعِ؛ وليس لمَنْ أَذَلّ وخَفَضَ مُعز ولا رافعٌ. وكل من قَدر في نفسه فعلًا في زمانٍ أو مكانٍ، وهو قادرٌ على ذلك الفِعل في زمنه ومكانه، لا صادَّ ولا دافع له عنه، عُلِمَ وقوعُه لذلك بالضرورة؛ لأنّه عازمٌ على إِيقاعه حالًا، ولا مانع له منه مآلًا.\nوبيان ذلك بالمثال. وهو أنّ الله سبحانه قَدَّر في الأزل أنّه على رأس سنةِ كذا وكذا مِن إِهباط آدم، يَبعَثُ اللهُ نبيًا له يُسمي \"نوحًا\" إِلى قومٍ يُكَذِّبونه، ويجري له معهم ما قد عُلِم مِن تفاصيل قصتهم، ثمّ يغرقهم؛ وعلى رأس سنة كذا وكذا من طوفان نوحٍ، يَبعّثُ نبيًا له يقال له \"إِبراهيم\" إِلى جبّارٍ يُسمَّى \"نمرود\" يُكَذِّبه، ويجري له معه ما عُرِف من تفاصيل القصّة؛ وعلى رأس سنة كذا وكذا من بِعثة إِبراهيم، يُرسِا اللهُ نبيًّا له اسمه \"موسى\" إِلى جبّارٍ يُسمَّى \"فرعون\" أو \"الوليد\"، فيدعوه إِلى الإِيمان، فيكاد أن يُؤمِن، ثمّ يَستمرّ على الكفر، فيُغرقه الله وقومَه في البحر. وكذا الكلام في سائر الوقائع، صغارها وكبارها. فلمّا قَدَّر اللهُ سبحانه ذلك في الأزل، وعَلِم أنّه قادرٌ على إِيقاع ذلك في وقته المقدَّر له في عِلمِه، كان لا جرم عالمًا بتلك الغيوب.","vol":"1","page":223},{"text":"ولو فَرَضنا أنّ واحدًا منّا فى سنتِنا هذه، وهي سنة ثمانٍ وسبعمئةٍ للهجرة المحمّدية، صلّى الله على صاحبها، عَزَم على أن يحجّ في سنة عشرٍ، أو خمس عشرة، أو عشرين وسبعمئةٍ إِلى البيت الحرام، بطريق كذا، ويَنزل يوم كذا في موضع كذا، ونحو ذلك من جزئيّات المسير، وعلِم جزمًا أنّه قادرٌ حينئذٍ على الحجّ، فذلك لا مانع له منه بوجهٍ مِن الوجوه؛ لعَلِمَ الآن قطعًا أنّه يحجّ في تلك السنة، ويَفعل تلك الجزئيّات التى قَدَّرها في نفسه. ولكن إِنما يَمنعنا من ذلك أنّا عاجِزون عن فِعل كلّ ما نُقدِّره في أنفسِنا.\nوإِذا ثَبَت أنّ هذا هو الطريق في معرفة كيفيّة عِلم الله للغيوب، فلو فَرَضنا أنّ أفعال فرعون مخلوقةٌ له، مع أنّ عِلم الله تعالى تَعلَلَّق أزلًا باستمراره على كُفره وإِغراقه، لجاز أن يخالِف فرعونُ مقتضَى هذا العلم، فيؤمن؛ لأنّ إِيمانه وكُفره مِن فِعله عندهم، لا تَعَلُّق لقدرة الله به بوجهٍ؛ أو يَستمِرّ على كفره، لكنّه يَمتنِع عن نزول البحر عند انفِراقه، فيَسلَم، لأنه مختارٌ تامّ الاختيار عندهم. وفي ذلك كلّه انقلابُ العلم الأزليّ جهلًا؛ وهو محالٌ. وإِنما استمَر على كفره حتى غَرِق بخلق الله ذلك فيه واضطراره كونًا إِليه، كما ضَربنا أمثلتَه. فإِذا نَظَر العارفُ في مِثل هذه التقريرات والدقائق، علم أنّ المعتزلة على ترهاتٍ وشقاشق وجهلٍ بحقائق صفات الخالق.\nقوله، \"وقال: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾؛ لأنّه جَعَل فيه من القوّة ذلك، ليَنظر كيف يعملون\" قلنا: قد سبق الجوابُ عن تخييرهم لفظًا. والقوّة إِنما جَعَلها على الكسب الدائر مع قُصودهم واختياراتهم، لا على الخلق. بدليل أنّه سبحانه قادرٌ على مَنعِ وقوع الفِعل عند إِرادة الإِنسان له، وعلى إِيقاعه عند عدم إِرادته له؛ كما في حركة النائم والمرتعش. فلمّا دار الفِعلُ مع إِرادة الله وجودًا وعدمًا بالاستحقاق، دَل على أنّ دورانه مع إِرادة العبد إِنما هو على سبيل الاتّفاق؛ حتى لو لم يُرِده، لكان في مقدور الله إِيقاعُه. ومَن أَنكَر قدرةَ الله على ذلك، فهو محجوجٌ بالنصوص والإِجماع؛ ولأنّه سبحانه قادرٌ على خَلقِ الحياةِ في الجمادات، وسلبِها في الحيوانات. وقد خَلَقَ الحياةَ في الحجَر، حتى أَخَذَ ثيابَ موسى وفرَّ.","vol":"1","page":224},{"text":"قوله، \"ولو كان الأمرُ كما قاله المخطئون، لما كان إِليهم أن يَتَقدموا ولا يتأخروا\".\nقلنا: لما كان إِليهم كسبًا، أو خَلقًا؟ الأوّل ممنوعٌ؛ والثاني مُسلمٌ. فإِنّ العبد إِنما يَفعَل التَقدُّم والتأخر وغيرهما عند خَلقِ داعي ذلك فيه؛ وعند ذلك يجِب الفعلُ، كما حُكي عن أبي الحسين. ولا يُعنى بالخلق إِلاّ هذا. فهو خلقٌ للفعل بواسطة الداعي.\nقوله، \"ولا كان لمتقدّمٍ حمدٌ فيما عَمِل، ولا على متأخرٍ ذم\". قلنا: حمدُ المتقدِّمِ فَضلٌ مِن اللهِ؛ إِذ هو وتَقدُّمه وسائر أكسابِه مُلكٌ له، كما سبق. وإِنما تَفَضل عليه بالحمد والثواب تَفَضُّلًا محضًا، لا يَستحِقّ على الله من ذلك حبّةَ خردلٍ، كما سبق. وأمّا ذمُّه وعقابه، فهو عدلٌ من الله. وجُعِل كسبُه للمعاصي أمارةً عليه؛ والله الخالق لها، كما قُرِّر غيرَ موضعٍ.\nقوله، \"ولقال: \"جزاءً بما عَمِلَ بهم\"، ولم يَقُل: \"بما عَمِلوا\"، أو \"بما كَسبوا\" قلنا: أفتراه قَط قال: \"جزاءً بما خَلَقوا\"؟ ولو كانوا خالقين، لكانت هذه العبارةُ آكَدَ عليهم في الحجّة. وإِنما لم يَقُل: \"بما عَمِلَ بهم\"؛ لأنّه سبحانه إِنما جَعَلَ الأمارةَ على جزائهم كسبَهم، لا خلقَه؛ لأنّه يخاطِبهم من جهة تصرُّفه الأمريّ، لا مِن جهة تَصرُّفه الكونيّ؛ وقد سبق تقريرهما.\nقوله، \"وقال تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾؛ أي بَيَّن لها ما تأتي وما تَذَر\". قلنا: \"لا نُسَلِّم أنّ المراد \"بألهَمَها\": بَيَّم لها. وإِنما هذا قول قَتادة؛ قال: \"قد بيَّن لها الفجورَ والتقوى\". وخالَفه الضحّاكُ، فقال: \"ألهمها الطاعةَ والمعصيةَ\"؛ فحَمَل اللفظ على أصله. وإنما لاالإلهام أن يُلقِي اللهُ في النفس أمرًا يَبعثها على الفعل","vol":"1","page":225},{"text":"والترك؛ ذَكَره ابن الأثير في النهاية. وهو مرادنا بخلق الداعي. واشتاق \"الإِلهام\" من قولهم \"جَيشٌ لَهَّامٌ\"، أي يَختطِف كل ما مَرَّ عليه. ويجوز أن يكون \"الجيش اللهّام\" مشتقًّا من \"الإلهام\"؛ لأنّ قوّة لفظِه تُفيد إِشرابَ النفسِ ما ألهتمته، وتغلغلَه في حقيقتها كتغلغل الماء فيما شَربه مِن شجرٍ أو حيوانٍ. ومنه، ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾.\nوأمّا قول قتادة، \"بَيَّن لها\"، فهو مخالفٌ لظاهر لفظ \"الإِلهام\". ولم أعلم في لغةٍ ولا اصطلاحٍ أنّ الإِلهام بمعنى \"البيان\"، إِلاّ فيما ذَكَره قتادةُ. وهو، وإِن كان إِمامًا، إلاّ إنّ له أقوالًا مرجوحةً. والعلم ما قام عليه الدليلُ. ثمّ هو غير صحيحٍ على رأي المعتزلة؛ لأنّ الفجور والتقوى بَيِّنان للنفس بالعقل عندهم، على ما مَرَّ. فلا حاجة فيهما إِلى بيانٍ غيره. فحمل الإِلهام على ما يُفيد فائدةً تأسيسيّةً. وحينئذٍ، صارت الآيةُ حجّةً لنا؛ لأنّ معناها إِذَن \"خَلَقَ فيها داعي الفجور والتقوى\"؛ وهما واجبات عند خلقِ الداعي؛ فصار الله سبحانه خالقَهما بواسطة خلقِ الداعيَّ، كما أنّه خالق كلِّ فرعٍ بواسطة أصلِه. والمعتزلة منازِعون في التولُّد.\nقوله، \"ثمّ قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. فلو كان هو الذي دسّاها، ما كان ليُخيب نفسه\". قلنا: \"لو كان هو الذي دسّاها\"، كسبًا، أو خلقًا؟ الأوّل ممنوعٌ؛ والثاني مُسلمٌ. ولا يلزم منه أن يُخيب نفسه؛ لأنّ ذلك من حيث تصرفه الكونى، لا التكليفيّ. وإِنما هذا كقوله، خَيبةً لأهل النار، لمِا صاروا إِليه من العذاب\"، مع أنّه هو الذي أَدخلهموها.\nقوله: \"وقال تعالى: ﴿قالوا بنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار﴾. فلو كان الله هو الذي قدَّم لهم الشرَّ، ما قال ذلك\" قلتُ: هذا من كلام الكفّار الأتباع اللهُ هو الذي قدَّم لهم الشرَّ، ما قال ذلك\" قلتُ: هذا من كلام الكفّار الأتباع لمتبُوعهم؛ حكام اللهُ عنهم. والمراد أنّ سادتنا وكبراءنا قدَّموا لنا سببَ هذا العذاب، لأنهم كانوا سببَ ضلالنا، حيث تابعناهم تقليدًا فيما قدّر عليهم من الضلال؛ كما","vol":"1","page":226},{"text":"قالوا، ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا﴾، بكونهم سببا لذلك.\nأمّا قوله، \"لو كان الله هو الذي قَدًّم لهم الشرَّ، لما قال ذلك\"؛ قلنا: لو كان هو الذي قَدَّم لهم الشرَّ كسبًا، أو خلقًا؟ الأول مُسلَّمٌ؛ والثاني ممنوعٌ. بل هو قدَّمَه لهم تقديرًا وخلقًا، وأَجراه على جوارحهم اجتِراحًا وكسبًا. ثمّ إِنّه سبحانه ما قال ذلك، بل حكاه عمّن قاله من الكفّار ولا شكّ أنّ الكفّار خَفيَ عنهم وجهُ استدراجِ الله لهم وتزيينه لكفرِهم؛ فظنُّوا كما ظننتم ظنَّ الجهّال أنّ الساداتِ والكبراءَ هم الذين خَلَقوا الضلالَ. والاحتجاج إِنما يصحّ بكلام الله، أو بما أقرّ عليه. وهذا كاملا الكفّار. ولم يُعلَم أنّه أقرَّهم عليه.\nقوله: \"فالكبراء أَضلُّوهم دون الله\". قلنا: أضلّوهم بالتَسبُّب والكسب، لا بالإِيجاد والخلق.\nقوله: \"بل قال: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفروا﴾. قلنا: قد سبق معنى \"هَدَيناه\"؛ والمراد الإِرشاد المجرَّد، لا الإرشاد الكامل، ولا خلق الهدايةِ في الناس. إِذ لو كان كذلك، لوجبَت هدايتُه، واستحال انقسامُه إِلى شاكرٍ وكفورٍ.\nقوله: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾. قلنا: المراد \"من شكر، ففائدة شكر عائدةٌ إِلى نفسه\"؛ كقوله، ﴿من عمل صالحا فلنفسه﴾، و﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾. والله سبحانه هو الذي خلق فيه الشكرَ بواسطة الدَّاعي، ثم أثابه عليه تفضُّلا، لسبق العناية له بالسعادة؛ والكافر بخلاف ذلك.\nقوله: ﴿وأضل فرعونقومه وما هدى﴾، ﴿وما أضلنا إلا المجرمون﴾، و﴿أضلهم","vol":"1","page":227},{"text":"السامرى﴾، و﴿إن الشيطان ينزغ بينهم﴾، ﴿وزين لهم الشيكان أعمالهم﴾. قلنا: أضلَّهم في ذلك كله بالتسببِ، لا الخلق. ولو كان فرعونُ أَضَلَّ قومَه، لكان موسى هو الذي هَدَى قومَه. وإِن فَتَحنا هذا البابَ، نَسَبنا هدايةَ المؤمنين إِلى أنبيائِهم وأئمّتِهم، وضلالَ الكفّار إِلى طُغاتهم وفراعنتهم، وانعَزَا الإِلهُ عن التصرف في خلقِه، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.\nفإِن قيل: \"نعم. موسى هو هَدَى قومَه، بمعنى أرشدهم إِلى الطريق الحقّ\"؛ قلنا: لا نُسَلِّم. بل الله أَرشَدهم بواسطته. ولهذا، لَمَّا أضلَّهم السامريُّ، بنسبته إِلى عَملِ العِجلِ، لم يملِك له موسى ولا هارون، وكان معهم حاصلٌ، هدى ولا رشدًا.\nوقد رَوَى حربٌ الكِرمانيّ في مسائله، عن إِسحاق بن راهويه، ثنا محمّد بن الوزير الدمشقيّ، ثنا يوسف بن السَفر، ثنا الأوزاعيّ، ثنا يونس بن يزيد الأيليّ، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالكٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّ الله لَمَّا وَعَد موسى أن يُكَلّمه، خَرَج للوقت الذي وقته اللهُ. قال: \"فبينا موسى يُناجي ربَّه، إِذ سَمع خلفَه صوتَا؛ فقال: \"إِلهي؛ أني لأسمع خلفي صوتًا. لعلّ قومي ضلُّوا\". قال: \"نعم، يا موسى\". قال: \"إِلهي؛ فمَن أَضَلَّهم؟ \" قال: \"صاغ لهم عِجلًا جسدًا، له خُوارٌ\". قال: \"إِلهى؛ هذا السامرى. قال: إِلهي؛ وما أَضَلَّهم؟ قال: \"صاغ لهم عِجلًا جسدًا، له خُوراٌ\". قال: \"إِلهى؛ هذا السامريّ صاغ لهم العِجل، فمَن نَفَخ فيه الروح حتى صار له خوارٌ. قال: \"أنا يا موسى\". قال: \"فوعزِتّك إِلهي، ما أَضَلَّ قومي أحدٌ غيرك\" .. قال: \"صَدَقتَ يا حكيم الحكماء؛ لا يَنبغى لحكيمٍ أن يكون أَحَكَم منك\".","vol":"1","page":228},{"text":"قلتُ: هذا سيّدٌ كما نراه جيّدٌ. وقد نَسَب اللهُ سبحانه الإِضلالَ فيه تارةً السامريّ، وتارةً إِلى نفسه تعالى. وليس ذلك إِلاّ باعتبار الكسب والتَسبُّب مِن السامريّ؛ والخلق من الله تعالى بخلق الحياة في العِجل وخلقِ داعي عبادته في نَفسِ مَن عَبَدَه. ولا معنى للخق المتنازَع فيه إِلاّ هذا.\nفإشن قيل: \"هذا الحديث، بتقدير صحّةِ سندهِ في إصطلاح المحَدِّثين، في متنِه أمران قادحان فيه.\nأحدهما: أنّه على خلاف ما صَحَّ عن موسى أنّه لام آدمَ، وقال: \"خيَّبتنا، أخرَجَتنا من الجنة\". فإِنّه يَقتضِي أنّ موسى، في هذا الحديث، قدّريىٌّ بنسبِته الإِخراجَ إِلى آدم، ولومِه عليه؛ وفي حديث إِسحاق، هو جبريٌّ بنسبتِه إِضلا قومِه إِلى الله سبحانه فأحد الحديثين باطلٌ قطعًا. وهذا أَولى بالبطلان؛ لأنّ ذاك أصحُّ منه.\nالأمر الثاني: أنّ فيه أنّ الله قال لموسى: \"لا يَنبغي لحكيمٍ أن يكون أَحكم منك\"؟ ومِن المعلوم أنّ محمَدًا والمسيح أَحكَم مِن موسى. فإِن لم يكن المسيح أحكم منه، فمحمّدٌ متفَقٌ عليه في ذلك. وهذا يَدلّ على وهنِ الخبر.\nفالجواب عن الأوّل أنَ الحديثين لا تَنَافى بينهما؛ لأنّه، في مناظرة آدم، نَسَبَ الإِخراجَ إِلى تَسببِه وكسبِه، حيث أَكَل مِن الشجرة. ولهذا لَمَّا احتَجّ عليه آدمُ بقدرِ الله عليه، وسبقِ عِلمه فيه، انقَطَع موسى؛ حتى قال النبيّ ﵇: \"فحَجَّ آدمُ موسى\" وفي هذا الحديث، نَسَبَ الإضلالَ إِلى الله بالخلقِ والتقدير. فاندَفَع السؤالُ.\nوعن الثاني، بأنّ معناه: \"لا يَنبغي لحكيمٍ من أهل عصرك، أو من عالمك\"؛ لحكيمٍ سوى محمّدًا؛ لقيام الدليلِ عليه. أو \"لحكيمٍ موجودٍ\"؛ ومحمّدٌ ﵇ لم يكن حينئذٍ موجودًا. وبالجملة، هو عامٌّ خُصَّ بالدليل.\nقوله، ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾، فكان بدءُ الهُدى من","vol":"1","page":229},{"text":"الله، واستحباب العمى بأهوائهم\". قلنا: \"هَدَيناهم\" يعني \"أرشدناهم إِرشادًا مجردًا وقَطعنا عنهم خفيرَ التوفيق، فزلوا عن سواء الطرق\". وأمّا \"العمى\"، فكأنْ يخلق اللهُ داعي استحبابه فيهم؛ فأهواؤهم التي يدّعونها هي نفس الداعى المخلوقِ لله المرجِّح لأحد طرفي الممكِن على الآخر.\nقوله، \"وظَلَّم آدمُ نفسَه، ولم يُظَلّم ربَّه؛ فقال: ﴿ربنا ظلمان أنفسنا﴾. قلنا: نعم، لأنّا بَيَنا أنّ الله، على ما كان منه إِلى عبادهِ، ليس بظالمٍ لهم؛ وآدم كان عاقلًا. قال بعضُ العلماء: \"لو وُزِنَ عقلُ آدم بعقلِ جميع ذريته، إِلاّ محمّدًا ﷺ، لرَجَح به\".فلذلك، فهِمَ حقيقةَ القضيّة؛ فاعترَف على نفسِه بالظلم، باعتبار كسبِه، واحتَجَّ على موسى لمَّا ناظره بتقدير الله وخلقه. ويَدُلّ على هذا قولُه سبحانه، ﴿إِنى جاعلى في الأرض خليفة﴾. فما خَلَقَ آدمَ إِلاذ ليستخلِفه في الأرض، بسبب مخالفته ومعصيته، لئلاّ يخرِجه من دار الكرامة بغير سببٍ ظاهرٍ. فلو جمَعتم بين طرّفي القضيّة كما جَمَع آدمُ لأَصَبتم وسَلَّمتم؛ ولكن أَخَذتم تعارِضون الحكمةَ الإِلهيّة، كما فَعَلَ إِبليسُ، فكأنكم وقد بان لكم خطأُ رأيِكم وندمتم.\nقوله، \"وقال موسى: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾. قلنا: نعم؛ أَقَترونه قال: \"هذا مِن خلقِ الشيطان\"؟ وقد سبق الفرقُ بين الكسب والخلق. فأَضاف العَمَلَ إِلى الشيطان، باعتبار كسبِه بوسوستِه. أو إِنّه مِن جنسِ عَمَل الشيطان؛ لأنّه يأمر بالفساد وسفكِ الدماء وقَتلِ النفوس؛ والشرائع إِنما تأمر بانتظام العالَمِ واستبقاء صحةِ مزاجه. قوله، \"قال أهلُ الجهل: \"إِنّ الله يُضِلّ ويَهدي من يشاء\" قلنا: نعم. نقول ذلك؛ والله قاله. وإِنما الجاهل مَن يَنفى بعقله ما أَثبت الله بُحكمه وشرعه.\nقوله، \"ولم يَنظروا إِلى ما قبلَ الآية وبعدَها ليَستبين لهم أنّه تعالى لا يُضلّ إِلاّ بتقدُّم","vol":"1","page":230},{"text":"الفسق والكفر، كقوله، ﴿ويضل الله الظالمين﴾، وقوله، \" ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله، ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾، قلنا: بلى، قد نظرنا في ذلك؛ فما رأيناه منافيًا لمِا نقول نحن، ولا مُوافيًا لما تقول أنت. فإِنّا نعود معك إِلى الأوّل، ونقول: الفسق والكفر المتقدّمان على إضلاله إِيّاهم، مَن خَلَقَه فيهم؟ وتعود المسألة مِن أوّلها. والنزاع فيه.\nثمّ نقول: سَلَّمنا أنّ فِسقهم المتقدِّم خَلقٌ لهم. لكن ما وجه اقتضاءِ فسقِهم لإِضلالهم؟ أَعَلى جهة استراجهم، لتكمُل شبه العقوبة؟ أم على جهة العقوبة على فسقِهم؟ إِن كان الأوّل، فجَورٌ وَافَى الفِسق المتقدِّم ذلك؛ ولا فرق. وإِن كان الثانى، فلِم عاقبهم عليه بالإِضلال؟ وهلاّ عاقبهم بالإِهلاك والمصير إِلى النار، على ما هو القياس في العقبات! وكيف يَسُوغ في العقل أن يجعل عقوبةَ الزانى زِنًا مِثلَه، أو الشاربِ شربًا مِثلَ شُرِبه، أو اللائط لواطًا مِثل فِعله! .\nما هذا إِلاّ كما يُحكَى في النوادر أنّ بعض مغفَّلى القضاة كان إِذا حَضَرَ بين يديه زانٍ، أو نحوه، قَدَّم له صحنَ قطائفٍ بعسلٍ. ثم ّ قال له: \"كُلْه جميعَه! وإِلاّ بعبعتُك أو جَعجَعتُك! \" فإِن أَكَلَه، سَلم. وإِن بقي منه شيءٌ، أَركَبه القاضي حمارًا؛ ثمّ تَعَرّى القاضي، وكَشَف رأسَه، وسود وجهه بسخام قدر أو نحوه؛ ثم كشر عن أسنانه، وشَرَع عينيه في وجه ذلك المعاقَب. وقال له \"بُعْ بُعْ\"! أو \"جَعْ جَعْ! \" فتلك بعبَعتُه وجعجعتُه؛ وهي عقوبته. فهذا مَثَله سواءٌ بزِنا الشخصِ بامرأةٍ مرّةً، فيعاقبه اللهُ سبحانه بأن يُسلّم إِليه أولادَ الناسِ ذكورًا وإِناثًا، فيَستمتع بهم باقي عمرِه. هذه عقول القدريّة الصحيحة. ولكن عقولٌ نَفَذَ فيها قَدَرُ الله، ففسَدَت. ونفَقَت عقولُ المؤمنين في سُوق الملكوتِ، وكَسَدت.\nفإِن قيل: \"مال وجه التشنيعِ علينا في هذا، وعقوبة الذنبِ قد تكون مِن جنسِه","vol":"1","page":231},{"text":"وبذنبٍ مثلِه؟ \" قلنا: العقوبة تَستلزِم الإِيلامَ، إِمّا للبدن، أو للنفس. فكونها مِن الجنسِ مِثل قوله: ﴿يستهزءون﴾، ﴿الله يستهزئ بهم﴾، ﴿إن تسخروا منا فإِنا نسخر منكم﴾، و﴿ومكروا ومكرنا مكرا﴾، ونحوه ممّا ذَكَرنا من أمثلته جملةٌ في القواعد الصغرى. وأمّا كونها بِمثلِ الذنب، فإِنما قال ذلك العارفون. وهو مَرويُّ عن الحَسَن البصرىّ أنّ عقوبة الذنبِ مِثله؛ بمعنى أنّ الله يعاقب فاعلَ الذنب، بأن يَقضى عليه بفعل مثله، ليكون سببًا لعقوبته في الآخرة، تكميلًا لسبب العقوبة؛ لا أنّه يجعل العقوبةَ الحقيقيّة على شُربِ كأسٍ من الخمر شُربها باقي العُمر. ولئن جاز ذلك، فجِوَّزوا أن تَكون عقوبةُ الفُساق والفُجّار في الآخرة بمِثل ذلك. فيكون فرعون في الجنّة أعظم نعيمًا منه في الدنيا بما لا نهاية له.\nثمّ نقول: أنتم توجِبون على الله رعاية مصالحِ عباده، كما يجب على الأب رعايةُ مصالح أولاده. وحينئذٍ، تَقَدُّم الكفرِ والفسوقِ مِن العبدِ يَقتضي على ذلك أنّ الله تعالى يَكفُّه عنه ويُنقذه منه رعايةً لمصلحته. كما إِذا رأى الأبُ في نار مُحرق، أو ماءٍ مُغرقٍ، فإِنّه يُنقِذه منه. فأمّا أنّه سبحانه يزيد العبدَ ضلالًا إِلى ضلالته، وفسقًا إِلى فسقه، فهذا يُنافي أصلكم وكَرَم اللهِ ورحمتَه التي تحتجُّون بها علينا في نَفيِ خلقِ الفِعلِ.\nقوله في الوعيد: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب﴾، ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا﴾. قلنا: نعم؛ حَقَّت عليهم كلمةُ اللهِ بقدَرِ اللهِ عليهم أن يَفعلوا المعاصى. ثمّ الآية حجّةٌ عليكم؛ لأنّ المراد \"بكلمة ربّك\" هي قوله: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾؛ وهذه الكلمة ازليّةٌ، أو أنها قَبلَ خلقهم، ولابّد. وقد سبق","vol":"1","page":232},{"text":"علِمُ اللهِ فيهم بأنهم مِن أهلِ الشقاء بما يجري على أدواتهم من الأعمال؛ ولا مبَدِّل لكلمات الله. وقد سبق أنّ ما تَعلَّق عِلمُ الله بأنّه لا يكون، خَرَج عن كونه مقدورًا. وإِيمانُ الكافرِ وطاعةُ العاصي كذلك؛ فهي محالٌ. فصار ضدُّها، وهو الكفر والمعاصي، واجبةً منهم، بخلقِ دواعي ذلك فيهم. وهذا هو المطلوب.\nقوله، \"قال الله تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾؛ كيف يدعوهم إِلى ذلك، وقد حال بينهم وبينه! \" قلنا: قد سبق أنّه لا تَنافي بينهما عقلًا ولا شرعًا. فيدعوهم إِليه بمقتضَى تَصرُّفه التكليفىّ، ويحول دونه بمقتضَى تَصرُّفه التكوينيّ؛ كما أنّه، عندنا، أَمَرَ بكسبِ الحلال، ثمّ حال دونه في حقَِ بعض الناس، ورَزَقَه الحرامَ. وهذا ما تُنازِه فيه المعتزلةُ، كما سبق. إِلاّ إِنّ الدليل عليه ما مَرَّ هناك، وأنّ الله أَعانه على كسبِ الحرامِ، باتّفاقٍ، بخلقِ الدواعي إِليه والقدرةِ عليه. ولا يعني بأنّه رَزَقَه الحرامَ إِلاّ هذا؛ وإِلاّ فقد كان قادرًا أن يمنعه عن كسبِه؛ وتَرك المنعِ من القبيح للقادر عن المنع قبيحٌ، كما سبق.\nقوله: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإِذن الله﴾؛ كيث يجوز ذلك، وقد مَنَعَ خلقه من طاعته! \" قلنا: هذه اللام مِثلُها في قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾؛ وقد سبق الكلامُ عليها. ثمّ نقول: هنا اللام، إِمّا للعاقِبة فقد قيَّدَها \"بإِذن الله\"؛ فلا مُطيع للرسل إِلاّ مِن أَذِن له في ذلك إِذنًا كونّيًا زاشدًا على أَمرِه التكليفيّ. وإِن كانت لامَ \"كَيْ\"، فالمراد معنى الأمرِ والتكليفِ، لا الإِرادة الكونيّة. فالتقدير \"ما أَرسَلنا مِن رسولٍ إِلاّ وكَلَّفنا الناس بطاعته وأَمرنا ليُطيعوه\". وقد بَيّنّا أنّه لا تَنافى في حَقِّ الله بين تكليفه","vol":"1","page":233},{"text":"لهم وحيلولته دونهم، وإِن قَبُح ذلك مِن غيره؛ لِمَا بَيّنّا [ما] بينه وبين غيره مِن الفَرقِ بقوةّ المُلكِ وضعفه، وغير ذلك.\nقوله، \"والقوم يُنازِعون في المشيئة، وإِنما شاء اللهُ الخيرَ قَبل أن نَشاءه\". قلتُ: لا أعلم ما وجه استدلالِه بهذا. إِلاّ إِنّه يُشير إِلى قوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾. ونحن نقول: إِنّ الله سبحانه شاء الخيرَ والشرَّ، وقدَّرَهما قبلَ خلقِ السماوات والأرض بدهورٍ وأزمانٍ، كما سيأتى في الحديث.\nقوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. قلنا: هذا، إِن خَصَّصناه بسببِه، فهو في إِفطار المسار في رمضان. وإِن لم نَخُضّه، فهو في عموم أحكام التكليف. ونحن في مسألةٍ تكوينيّةٍ؛ لأنهم يقولون: \"العبد يُكَوِّن أفعاله\"؛ ونحن نقول: بل الله يُكونها. فأين هذا مِن هذا! .\nثمّ هي لازمةٌ عليكم؛ لأنّه خَلَق العُصاةَ وأحياهم، حتى استًكمَلوا معاصيهم؛ ثمّ أَدخلهم النارَ؛ وأَوقَع الآلامَ والمكارِهَ في العالم، وخلَقَ إِبليسَ وجنده وأعوانه، مِن نفوسٍ وشهواتٍ وكلّ ذلك عُسرٌ ومَشقةٌ، شابت فيها النَواصِي، وعادت الظهُورُ منها كالصياصى.\nقوله في الزنا، \"ليس من خلق الله؛ وإِنما الزانى نظفتَه في غير حقَِها، فتَعدَّى أَمرَ الله؛ والله يخلِق مِن ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذر، إِذا وَضَعه في غير حقِّه\". قلنا: الزاني وَضَع نظفتَه في غير حقَِها بكسبِه؛ وتعدَّى أمرَ اللهِ، ولم يَتَعَدَّ قدَر اللهِ. وأمَا أنّ الله يخلق من ذلك وغيره ما يشاء، فلا نزاع فيه. وأمّا البذر، فمَن هي عن فِعلِه، وهو مقدورُ الله على فاعله.","vol":"1","page":234},{"text":"قوله، \"الله أعدل وأرحم مِن أن يُعمِي عبدًا، ثمّ يقول له: \"أَبصِر، وإِلاّ عذَّبتُك! \" فكيف يُضِلّه، ثمّ يقول له: \"اهتَدِ، وإِلاّ عذَّبتُكّ\" قلنا: هذا أوّلًا قياسٌ لعَمَى البصرِ على عمى البصيرة؛ وهو من عمى البصيرة. فإِنّه فاسدُ الاعتبارِ، مع قوله تعالى: ﴿يضل من يشاء﴾، ﴿ويختار﴾.\nوأمّا ثانيًا، فقد بَيّنّا أنّه لا تَنافي بين تَصرُّف التكليف والتكوين. والفَرق بين إِعماء البصر والبصيرة أنّ الله سبحانه أراد استدارجَهم من حيث لا يَعلمون، والمكرَ بهم من حيث لا يَشعُرون. فلذلك أَعمى بصائرهم، لخفاءِ عماهم عنهم؛ ولم يُعمِ أبصارَهم، لظهور عماهم، ولتَكُون حجَّةً عليهم؛ كما قال: ﴿ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين﴾، وقال: ﴿وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء﴾، الآية. وقد سبق الجوابُ عن باقيها.\nقلتُ: وقد خَطَر لى في هذا المقام نكتةُ القدرِ. وهو أنّ الله سبحانه حَكَم في الطائفتين في نفسِ الأمرِ بعلمِه. لأنّه لَمَّا خَلَقَهم مِن مادّتين، طيَبةٍ وخبيثةٍ، وطبيعتين، عاصيةٍ ومطيعةٍ، عَلِمَ ما سيكون منهم. ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾! فعَلِم أنّ هذه الطائفة لا يكون منها إِلاّ الخيرُ والطاعةُ ولو تُرِكَت على اختيارها، خالِقةً لأفعالها؛ وأنّ هذه الطائفة لا يكون منها إِلاّ الشرُّ والمعصيةُ، ولو تّرِكت على اختيارها، خالقةً لأفعالها؛ لما طَبَعَ عليه نفوسَ كلِّ واحدةٍ من الطائفتين، مِن اقتضاءِ الخير والشرّ، كهبوط الحجَر وتَصاعُد النارِ.\nفلمّا استَوى في عِلمِه الأمران- أعني تركَ النفوسِ على اختيارِها، وخلقَه لأفعالها- وبنفوذ مشيئتِه واقتدارها، رَجَّح سبحانه أحدَ الأمرين، وإِن استَوَيا في التقديرين؛ لِمَا","vol":"1","page":235},{"text":"وَجَب له من العظمةِ والاقتدارِ واتّصافِه بالعزيز الجبّار. فإِنّ المُلك التامّ يَقتضِي عمومَ التصرُّف؛ فكون المِلكِ بَتَصرَّف في بعضِ مُلكهِ دون بعضٍ يكون نوعَ قُصورٍ في المُلك. فجَعَل اللهُ تعالى أفعالَ العبادِ مِن جملة مخلوقاته إِيهامًا لتَصرُّفه في مُلكِه؛ عِلمًا بأنّه لو فَوَّض خلقَها إِليهم، لكانت كما لو خَلَفها. وقد نَبَّه اللهُ على هذه النكتة بقوله: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾، وبقوله، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون﴾.\nأو يقال: اختار أحدَ الأمرين، وهو خلقُ الأفعالِ، دون تركِها، على الختيار فاعليها، لمرجِّحٍ ما غير ما ذَكرنا. فلو اعتَرَض معترِضٌ، وقال: \"فهلاّ اختار الأمرَ الآخَر! \" قلنا: هو سؤالٌ دَورِيٌ؛ لأنّه لو اختار تَرْكَهم على اختيارِهم، لقال هذا القائلُ: \"حيث استَوى الامران، فهلاّ اختار الأمرَ الآخر، وكان أكمل لمُلكِه! \".\nومما يَدُل على أنّه حَكَم فيهم بعلِمه، أو يُستشهد على ذلك، أنّه حَكَم في أطفال الكفّار بعلِمه؛ حيث قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nوقد رُوِي في الحديث، مُستندًا إِلى رسول الله ﷺ، قال: \"إِذا كان يومُ القيامة، جِيءَ بأهل الفترة وبأطفال المشركين (أو قال: \"أطفال الناس\")؛ فيُؤمَر بهم إِلى النار؛ فيقولون: \"ربنَا! كيف تعذِّبنا، ولم تُرسِل إِلينا، ولا قامَت علينا حججُك؟ \" فيقول: \"لو أَرسلنا إِليكم، أكنتم مطيعي؟ \" فيقولون: \"نعم\" فيقول: \"فإِني مرسِلٌ إِليكم الآن\". فيَبعَث فيهم رسولًا أو رسلًا منهم؛ ثم تُؤجَّج لهم نارٌ؛ ويقال للرسل: \"مُرُوهم، فليَدخُلوها؛ وادخُلوا بين أيديهم\" فيَدخُل الرسلُ؛ فيَتبَهم قومٌ، فيكونون مِن أهل الجنّة. ويأبى آخرون، فيكونون من أهل النار\". أو كمال قال.\nفهذا حُكمٌ في هؤلاء بالعِلم؛ فلا يَبعد أنّه حَكَم في جميع العصاة بعلِمه، ورَجَّحَ جانبُ خلقِه أفعالَهم طردًا لتصرفه في كلّ شيء مِن مُلكِه؛ لئلا يكون معه شركاءٌ","vol":"1","page":236},{"text":"مستقِلّون بتَصرُّفٍ ما.\nهذا الكلام باعتبار نفسِ الأمر. أمّا في ظاهر الحُكمِ، فلَم يحكُم فيهم بعِلمِه؛ بل بالحجج والبراهين، تحقيقًا لعداله في الظاهر، ولقدرته وكمال تَصرُّفه في الباطن. فقال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾؛ وقال: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبه آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾؛ وقال: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فلما جاءهم الحق﴾، الآية؛ وقال: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾؛ ونظائر ذلك من الكتاب.\nوأمّا من السنّة، فقد ثَبَت في الحديث أنّ قوم نوحٍ يَقولون يوم القيامة: \"ما أَرسَلتَ إِلينا أحدًا، وما أتانا من نذيرٍ\". فيؤتى بنوحٍ، فيقول: \"قد بَلَّغتُهم\". فيقول: \"مَن يَشهَد لك؟ \" فيقول: \"محمّدٌ وأمّتُه\". فيُؤتَى بأمّة محمّد؛ فيقولون: \"قد بلَّغَهم\". فيقال لهم: \"كيف تَشهَدون على ما لم تُشاهِدوا؟ \" فيقولون: \"أَرسَلتَ إِلينا رسولَك بكتابك؛ فآمنّا وصدَّقنا\". فيؤتى بالنبىّ ﷺ، فيقال: \"بما تَشهَد؟ \" فيَقرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الَّرحِيمِ ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك﴾، السورة إِلى آخرها. فيقول الله سبحانه حينئذٍ: \"صَدَق نوحٌ، وصَدَقَت أمّةُ محمَدٌ\". ثمّ يُؤمَر بقوم نوحٍ إِلى النار.\nفهذا عدلٌ ظاهرٌ ليس له غايةٌ. وذلك اقتدارٌ باطلٌ ليس له نهايةٌ. فهذا شيء قد فَتَحَ اللهُ سبحانه به في أمرِ القدرِ، فيه لِذي اللُبِّ معتَبرٌ، وعن الآراء الشيطانيّة الشِركِيّة","vol":"1","page":237},{"text":"مُزدَجَرٌ. وهي النكتى التي وَعَدنا بها قبل.\nقوله، \"وقال لآدم وحوّاء: ﴿فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾؛ فغَلَبه الشيطان على هواه؛ ثمّ قال: ﴿يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾؛ وليس للشيطان عليهم سلطانٌ، ﴿إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة مممن هو منها في شك﴾. قلنا: غَلَبَه الشيطانُ بالوسوسة، وطاوَعَه آدمُ بالكسبِ. والخلقُ لله؛ بدليل احتجاج آدم بسبقِ عِلمِ الله فيه بذلك. وبالضرورة، يَلزَم أن يَقَع المقدورُ على وَفقِ المعلوم؛ وإِلاّ انقَلَبت حقائقُ صفاتِه سبحانه، كما سبق؛ وهو محالٌ. وإِضافةُ الفتنةِ والإِخراجِ إِلى الشيطان بالوسوسة والإِغواء. وأمّا كونه ليس له سلطانٌ، فصحيحٌ؛ إِلاّ أنْ دَعاهم، فاستجابوا بكسبِهم المتَفَرع على خلقِ ربهم؛ كما حَكَى عنهم، وكما رُوي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: \"بُعِثتُ مبَلِّغًا، وليس إِلىّ من الهداية شيءٌ؛ وخُلِق إِبليسُ موسوِسًا، وليس إِليه من الغواية شيءٌ\". وهذا كلامٌ صحيحٌ يَشهَد له نصُّ القرآنِ. أمّا الأوّل، فلقوله: ﴿إِنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾. وأمّا الثاني، فلقوله: ﴿وأضله الله على علم﴾؛ ﴿ومن يضلل الله فما له من سبيل﴾؛ ونحوها.\nفإِن قيل: \"نفيُ كونِ الهداية إِليه، والغوايةِ إِلى إِبليس، لا يَدُلّ على إِضافتها إِلى الله؛ فجاز أنّه ﵇ أراد استقلالَ العبيد بها، كما هو مذهبنا\"؛ قلنا: يُبطِل ذلك نصوصُ الكتاب والسنّة، وأنّه ﵇ كان يقول دائمًا: \"لو قُدِّر، لكان\"؛ \"قَدَر","vol":"1","page":238},{"text":"اللهُ، وما شاء فَعَل\". وهذا شيء كان مشهورًا في الجاهليّة، وجاء الإِسلامُ بتقريره. أمّا شهرته في الجاهليّة، فحسبك بلبيد بن ربيعة حيث يقول:\nإِنّ تَقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ ... وبإِذنِ اللهِ رَيثى وعَجَلْ\nأَحَمدُ اللهَ فلا نِدَّ لهُ ... بيديه الخيرُ ما شاء فَعَلْ\nمَن هداه سُبُلَ الخيرِ اهتَدى ... ناعمَ البالِ، ومَن شاء أَضَلْ\nولولا اشتهار ذلك فيهم، لما صار إِلى لبيدٍ، ولأُنكِر عليه. وأمّا تقرير الإِسلام، فهذه نصوص الكتاب والسنّة على ما تأتي إِن شاء اللهُ تعالى.\nقوله، \"قال: ﴿استجيبوا لله﴾، ﴿استجيببوا لربكم﴾، ﴿أجيبوا داعى الله﴾، ﴿هذا صراطى مستقيما فاتبعوه﴾، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؛ فكيف يَفعل ذلك، ثمّ يُعميهم عن القبول! وقال تعالى: ﴿إِن الله يأمر بالعدل﴾، وأين هي عمّا أَمَر به الشيطانُ. \"قلنا: هذا سؤالٌ واحدٌ، وقد تكرَّر جوابُه.\nقوله، \"قال في الشيطان: ﴿يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾؛ فمَن أَجاب الشيطانَ، كان مِن حزبِه. ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إِبليسُ أصوَبَ من الأنبياء؛ إِذ دَعَى إِلى إِرادة الله وقضائه، ودَعَى الأنبياءُ إِلى خلاف ذلك، وإِلى ما عَلِموا أنّ الله قد حال بينهم وبينه\". قلنا: هيهات! فإِنّ هذه شُبهةٌ مبنيّةٌ على أصلٍ فاسدٍ؛ وهو أنّ إِرادة المأمور شرطٌ في كون الأمر أمرًا، وأنّ الطاعة موافَقةُ الإِرادةِ؛ وقد أَبطَلنا ذلك. وإِنما","vol":"1","page":239},{"text":"الطاعة موافَقةُ الأمرِ. فالأنبياء دَعوا إِلى موافَقة أمرِ اللهِ؛ فهو طاعةٌ، وإِن كان خِلاف مرادِه وتقديره. وإِبليس دَعَا إِلى خلاف أمرِ الله؛ فهو معصيةٌ، وإِن كان وَفقَ مرادِه وتقديره. وقد قَرّرنا أنّ الله سبحانه يَستحِقّ غى خلقِه تَصرُّفين، تكليفيًا وكونيًّا. فهو بالأوّل مُكَلَِفٌ، وبالثاني متَصرَِفٌ. وقد بَيّنّا بذلك أنّه لا تَنافى بين دعائه إِلى شيء وحيلولتِه دونه.\nقوله، \"وقال القومُ فيمن أَسخَطَ الله: \"إِنّ الله حَمَلَه على إِسخاطه\"؛ وكيف يَسخَط إِذا عَلمِوا بقضائه عليهم وإِرادته؟ والله يقول: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾؛ وهؤلاء الجُهَّال يقولون: \"إِنّ الله قَدَّمه لهم، وما أضَلَّهم سواه\"! قلنا: الله حملَهم على إِسخاطه بقضائه وقدره بمقتضى تَصرُّفه الكونيّ ويَسخَطه منهم بمقتضَى تَصرُّفه التكليفيّ. وقد بَيّنّا أن لا تَنافي بينهما. وهذه مِن سنّة إِبليس؛ قال: \"ربّ لِم أغويتني؟ وإِنما فَعَلتُ ما أَردتَ\". فكان جوابه ما سبق، من أني لا أُسأَل. ثمّ قد ثَبَت في القرآن أنّ إِبليس قال: ﴿قال رب بما أغويتنى﴾. فأثَبتَ أنّ الله أغواه، أي أضلَّه. وأقرَّه اللهُ على ذلك. ومع ذلك، سَخِطَ فِعلَه، لمخالَفة أمرِه. فجوابه عن إِبليس هو جوابنا عن سائر العصاة.\nوأمّا قوله: ﴿بما قدمت يداك﴾؛ فالمراد \"كَسَبتَ، بتقدير الله سبحانه\". فالله قَدَّمه، بمعنى \"خَلَقَه وقَدَّره\". والعبد قَدمَّه، بمعنى \"كَسَبَه واجتَرَحه\". وما أضَلَّهم سواه، لقوله، ﴿وأضله الله﴾.\nقوله: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾، إِلى قوله، ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾. فلو كان الأمر كما زعموا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له؛ لأنّ الأمر مفروغٌ منه. قلتُ: أمّا تزيين الشركاء، فمعارَضٌ بقوله، ﴿كذلك زينا لكل أمة","vol":"1","page":240},{"text":"عملهم﴾. والجمع بينهما بأنّ الله سبحانه زَيَّن للشركاء ذلك التزيين، فزيَّنوه للكفّار. فكان تزيين اللهِ لهم عملَهم بواسطة تزيين شركائهم لهم.\nأمّا قوله، ﴿لو شاء الله ما فعلوه﴾، فحجّةٌ عظيمةٌ لنا؛ لأنّه أَخبر أنّ أفعالهم دائرةٌ مع مشيئته وجودًا وعدمًا؛ وذلك دليلُ استقلالِه بالتَصرُّف. وبدليل قوله، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾؛ أي مشيئتكم تابعةٌ لمشيئة الله، إِن شاء شئتم، وإِلاّ فلا. ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾!؛ ونحو ذلك.\nفأمّا قوله: \"يلزم أن لا تأثير للدعاء والأمر\" هذا فاسد الاعتبار؛ لأنّه مقابَلة نصِّ الشرع القاطع بعقلٍ سخيفٍ ضعيفٍ. ثم نقول: لا تأثير للأمر ظاهرًا بالنسبة إِلى التَصرُّف التكليفيّ، أو باطنًا، بالنسبة إِلى التَصرُّف الكونيّ؟ الأوّل ممنوعٌ؛ لأنّ بمخالَفة التكليف تَقُوم الحجّةُ ظاهرًا، وبرَبطِهم على حُكمِ المقدور تَظهر القدرةُ باطنًا وظاهرًا. وبهذا يَظهَر الإِعجازُ الإِلهيّ، حيث جمَع اللهُ سبحانه بين إِقامة رَسمِ القدرة ونشرِ علم العدلِ باعتبار الباطن والظاهر. وأمّا أنّ الأمر مفروغٌ منه، فممّا لا شكّ فيه، ولا مرية تعتريه؛ وهو مقطوعٌ به في دين الإِسلام.\nقوله: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس﴾، إِلى قوله: ﴿فمنهم شقى وسعيد﴾؛ والسعيد ذلك اليوم هو المتمسِّك بأمرِ اللهِ، والشقيّ هو المضيِّع\". قلنا: هكذا نقول. لكنّ هذا إِطلاقٌ لا نرتضيه؛ بل السعيد هو المتمسِّك بأمرِ الله بنعمة الله، والشقيّ هو المضيِّع\". قلنا: هكذا نقول. لكنّ هذا إِطلاقٌ لا نرتضيه؛ بل السعيد هو المتمسِّك بأمرِ الله بنعمة الله، والشقيّ هو المضيَِع لأمر الله بتقدير الله.\nقوله، \"هؤلاء قومٌ يُعَوَِلون على القدر في أمرِ دينهم، ولا يُعوِّلون عليه في أمرِ دنياهم. فلو قيل لأحدهم: \"لا تَستوثِق مشن أمورِك، ولا تُغلِق حانوتَك، واتَّكِل على القضاء والقذر\"، لم يَقبَل ذلك\". قلتُ: هذا ضربٌ مِن الخروج عن حقيقة الكلام في المسألة.","vol":"1","page":241},{"text":"والجواب عنه أنّ أدلّة مذهبِنا في القدر تقتضب محضَ التفويضِ والتسليمِ في أمور الدنيا والدين. لكنّ الشرع وَرَدَ بالحزم والاحتياط فيهما، وتعاطب الأسباب لهما؛ كقوله \"اعمَلوا على مواقع القدر\"؛ \"اعمَلوا فكلُّ ميسر لما خُلق له\"؛ \"اعلم أنّ ما أَصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك\"؛ وقوله في الناقة، \"اعقِلها وتَوَكَل\"؛ وظاهَرَ النبي ﵇ يومَ أُحدٍ بين دِرعين؛ ونحوه كثيرٌ. وذلك كلّه إِمّا تنبيهٌ مِن الشارعِ على أنّ حظّ العبدِ مِن هذا الباب إِنما هو الاكتساب؛ أو على أنّ الأسباب والأكساب لا تُلغَى في نظر الشرعِ في هذا الباب ولا غيره؛ أو لأنّه عَلِم أنّ الإِنسان خُلِق مِن ضَعفٍ، فلا تَثُبت نفسُه للتسليم المحض، لخفاء سرَِ القدرِ الذي لا يدرِكه إِلاّ أولوا الألباب، وظهورِ أمرِ الوسائل والأسباب. فأَمَرَ بالجزم والاحتياط، ليكونوا مِن أمرِهم على طمأنينةٍ بالنسبة إِلى قواهم؛ وقدر الله من وراء ذلك. ولهذا نَرى كثيرًا من الناس يَسلَم مّن حيث فَرط وكثيرًا منهم يَهلِك من حيث احتاط؛ حتى قال الشاعر:\nقد يَهلك الإِنسانُ مِن بابِ أَمنِه ... ويَنجو بإِذن اللهِ مِن حيث يَحذَرُ\nوقال آخر:\nإِذا كان غيرُ اللهِ للمرء عُدّةً ... أَتَته الرزايا مِن وجوهِ الفَوائد.\nفقد جَرَّت الحنفاءُ حَتْفَ حُذيفة ... وكان يراها عدة للشدائدِ\nوالحنفاء فرسُ حُذَيفة بن بدرٍ، كان للمضائق، ينجو عليها. فلمّا هَرَب مِن قيس ابن زهيرٍ، ونَزَل على جَفْر الهَباءةِ، اقَتص بنو عبسٍ أَثَرَ الحَنفاءِ، حت وَقعوا عليه، فقتلوه. وقال الله سبحانه: ﴿وعسى أن تكوهوا شيئًا وهو خير لكم﴾، الآية. وقال البحتريّ:","vol":"1","page":242},{"text":"وربما كان مكروهُ الأمورِ إِلى ... محبوبها سببًا ما مِثله سببُ\nوقد كان موسى ﵇ مِن أُولي العزمِ مِن الأنبياءِ. ولَمَّا قال الله: ﴿خذها ولا تخف﴾، لَفَّ كُمَّ مِدرَعَتِه على يده ليَتناولها بها؛ فقا له المَلِكُ: \"أرأيتَ لو أَذِن اللهُ لِمَا تحذَر؛ أكانت كُمُّك تنفعك؟ \"فقال: \" لا؛ ولكني ضعيفٌ، ومِن ضَعفٍ خُلِقتُ\".\nفهذا السرِّ، شُرِع الاحتياطُ والحزمُ وتعاطي الأسبابِ؛ إِذ ليس كلّ أَحدٍ يَصبر قلبُه للتفويض؛ وإِنما يوجَد ذلك نادرًا. كإِبراهيم حين أُلقِي في النار، فعَرَ له جبريلُ في الهواء؛ فقا له: \"ألك حاجةٌ؟ \" فقال: \"أمّا إِليك، فلا\". فلا جرم اتَّخَذه اللهُ خليلًا.\nثمّ الناس بعد إِبراهيم على طبقاتٍ في التفويض والتوكُّل. فالذي يمنحه اللهُ عقلًا يَعكِسُ ما عليه الأكثرون؛ فيُفوِّض في أمور الدنيا غايةَ التفويضِ حتى لا يَهتَمّ لها أصلًا، اعتمادًا على أنّ ما قُدِّر منها واصلٌ؛ ويحتاط ويَدأَب في أمور الآخرة غايةَ الاحتياطِ والدأبِ، لا لاعتقاده أن اختياطه يزيده عمًا في عِلم الله، ولا أنّ تفريطه يُنقِصه عنه- إِذ قد وُجِد مَن عاش مؤمِنًا مجتهدًا إِلى آخر نفَسٍ، ثمّ مات كافرًا، كبرصيصا العابد، ومن عاش كافرًا إِلى آخر نفَسٍ، ثمّ آمَنَ، كاليهوديّ الذي عادَه رسولُ الله ﷺ، والأعرابي الذي وَقَصته ناقُته عقيب إِسلامه، فقال النبيّ ﵇: \"هذا مِنَّن عَمِل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا\"- بل لإِزالة اللائمة عن النفس؛ كما حُكِي عن عامر بن عبد قيسٍ أنّه قال: \"لأُجهِدَنّ نفسى، فإِن سَلمَت، فذاك؛ وإِلاّ، فلا أَلومنّها على تقصيرٍ\"، أو كلامًا هذا معناه. وكما قال الشاعر:\nلأطلبنّ العُلى جَهدِي طِلابَ فتًى ... يَدوسُ بالعزم هامَ السبعةِ الشُهُبِ\nفإِن أَنَلْ، فبسَعيي ما أَتَيتُ بِه ... بِدْعًا، وإِلاّ فقد أَعذَرتُ في الطَلَبِ","vol":"1","page":243},{"text":"غير أنّ هذا الشاعر غَلا في قوله، \"بسعيي\"، إِلاّ أن يريد السببيّةَ. وأَوفَق مِن هذا لما نحن فيه قولُ الآخَر،\nسأَطَّرِحُ التعلُّلَ والتَواني\nولا أُصغِى إِلى عَرِّ لَحاني\nوأُطلِقُ في طِلابَتِها عناني\nفإِن أَدرَكتُها فهي الأماني\nوإِن فاتَت فذاك عذيرُ حالي\nقوله، \"ومِمَّا يحتجّون به أنّ الله قَبَض قبضةً، فقال: \"هذه هي الجنّة، ولا أبالي\"، وقَبَض أخرى، وقال: \"هذه في النار، ولا أبالي؛ كأنهم يَرون أنّ ربهم يَصنَع ذلك كالمصارع بينهم المحارِب، تعالى اللهُ عمّا يَصِفونه\". قلتُ: هذا الحديث، إِنّ صَحَّ، فهو حجّةٌ في الباب. وإِن لم يَصحّ، فقد صَحّ، فهو حجّةٌ في الباب. وإِن لم يَصحّ، فقد صَحّ غيره بمعناه مِن غير وجهٍ، كما سيأتي، إِن شاء الله. ووجه الحجّة منه أنّه إِذا سبق عِلمُه بإِيمان زيدٍ وكفرِ عمروٍ، صار خلافُ ما عَلِمَه فيهما محالًا، غير مقدورٍ، كما سبق تقريره، وما عَلِمه فيهم واجبًا منهم بتقديره ومُقتضَى علمِه السابق.\nقوله، \"وإِن كان الحديث حقًّا، فقد عِلِم اللهُ أهلَ الجنّةِ وأهلَ النارِ قبلَ القبضتين وقبلَ أن خَلَقَهم، فإِنما قَبَضَ أثرَ أهلِ الجنّةِ الذين في عِلمِه أنهم يَعلمون بما عَلِموا مُمَكَّنين غير مجبَرين؟ \"قلنا: إِذا سَلَّمتَ أنه عَلِم أهلَ الجنّة والنار في الأزل، رَجَع النزاعُ معك إِلى أنّ خلاف معلومه مقدورٌ، أو غير مقدورٍ؟ وقد سبق الدليلُ على أنّه غير مقدورٍ؛ فصار مكلِّفًا لهم بالمحال؛ وما صَدَر منهم واجبُ الوقوع لغيره؛ فيَلزَم ما ذكرنا.\nأمَا قولك، \"أثر مّن كان في علمِه مطيعًا مَمكَّنًا غير مجبَرٍ\". قلنا: لم لا يجوز أن","vol":"1","page":244},{"text":"يكون عَلِمَ استواءَ حالتهم في الاختيار وعدمه، فرَجَّحَ خلقَ الأفعالِ فيهم، لما سبق تقريره؟ واحتمال هذا ممّا لا يمكن القطعُ بنفيه. وحينئذٍ، لا يمكنك القطعُ بصحّة ما ذَكَرتَ، وأنت في مقام الاستدلال. ونعود إِلى ما مَرَّ من النزاع.\nقوله، \"وكان يجب على ما روُوه أن تكون أعمال الناس هباءً منثورًا من حيث قد فُرِغ مِن الأمر\". قلنا: قد مَرَّ الجوابُ عن هذا؛ وهو أنها متعبرَةٌ مِن حيث تَصرُّف اللهِ التكليفيّ الاستقلاليّ تحقيقًا لقدرتِه باطنًا.\nويُروَى في الآثار أنّه سبحانه أَوحَى إِلى داوود: \"يا داوود؛ خَفني كما يُخَاف الأسدُ\".\nقال بعض العلماء: \"معناه أنّ الله سبحانه، لاستقلاله بالتَصرُّف في خلقِه، لا يُبالى بما فَعَل فيهم من خيرٍ أو شر؛ كالأسد لا يُؤثِّر في سبعيَّتِه افتراسُ، كائنًا ما كان، عالمًا أو جاهلًا بقدرته الغالِبة باطنًا؛ لأنّه غالبٌ على أمرِه، بالِغٌ ما أَراد مِن خلقِه.\nثمّ يُقال لهم: لا يخلو إِمًا أن يكون اللهُ قادرًا على إِضلال الكافر، أو لا يكون، فإِن لم يكن قادرًا على ذلك، لَزم عجزُه عمّا قدر عليه المجرمون ونحوهم. فإِنّ الكفّار يقولون يوم القيامة: ﴿وما أضلنا إلا المجرمون﴾، ﴿فأضلونا السبيلا﴾؛ يعني سادتهم وكبراءهم. وفي هذا مِن القُبحِ والجرأةِ على الله، والاستخفافِ بقدرته، ما لا يَخفى على عاقلٍ. وإِن كان قادرًا عليه، فهو مقدورٌ له؛ وقد صَرَّح بأنّه خالقُ كلِّ مقدورٍ. فأمّا قولهم، \"ما أَضَلَّنا إِلاّ المجرمون\"، فقد سبق جوابه.\nقوله، \"وكيف يَصِحّ ذلك مع قوله، ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾؛ وهو الذي حملهم عليه! \" قلنا: يَصحّ ذلك","vol":"1","page":245},{"text":"بالنظر إِلى تَصرُّفه الكونيّ التامّ فيهم؛ ويُنكر عليهم ويُقيِم الشناعات عليهم بالنظرِ إِلى تَصرُّفه التكليفيّ. ثمّ كيف [يُنكِرُ] عاقلٌ أنّه حَمَلَهم على ذلك بالقضاء والقدر، وهو يَبعَث إِلى النصارى عيسى مِن غير أن يحيي الموتى، ويُبرِئ الأكمهَ والأبرصَ، ويَنفخ في فُخّارٍ جمادٍ، فيطير، ويمشي على الماء، ويزجر الريح العاصف فيسكن، ويَضرِب برجله الأرضَ فتتفجّر عيونها وتظهر كنوزها، وعلى أي قبرٍ مَرَّ ضَرَبَه بعصاه، فقام صاحبُه يخبِره سالِفًا أو آنِفا، ويقول لهم مع ذلك كلّه: \"أَرسَلني أبي\"، و\"كنت عند أبي\"، و\"أمشى إِلى أبي\". وهل يَثبُت على هذا عقلٌ إِلاّ بعصمة الله! ولولا أنّ الله أَرسل محمّدًا ﷺ، فكَشَف شبهةَ التثنية والتثليث، بما جاء به من التوحيد، لكان الناس كلّهم يَدعون لله ولدًا أو شريكًا، ﷾ عن ذلك.\nوالدليل على هذا أنّ العرب، مع حِكمتهم ووفور أحلامهم إِلى زمنِ البعثة، لم يَزالوا يَتهافتوت على التَنَصُّرِ. وكان ذلك مشهورًا في غسّان وتَنُوخ وفِهرٍ وتغلب؛ وأحكامهم موجودةٌ في الإِسلام. ولَمَّا أراد عمر ضَربَ الجزيةِ على تغلب، أَنِفُوا منها، وأَذعنوا للزكاة. وخِيفَ من شكوتهم؛ فأُخِذَت الزكاةُ منهم ضعفب ما يؤخذ من المسلمين. فقال عمر: \"ما رَأيتُ أجهل من هؤلاء؛ رَضوا المعنى، ونازعوا في الاسم\". ونحن لا نعنى بأنّ الله حملهم عليه إِلاّ هذا، وهو خالق الدواعي الباطنة بتحريك الأسباب الظاهرة.\nقوله، \"وما معنى قوله، ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، وقد مَنَهم؟ \" قلنا: معناه ما سبق غيرَ مرّةٍ.\nقوله، \"وكيف يقول: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾؟ وكان يجب أن يقول: \"ما كان لهم أن يَعلموا بما قَضَيتُ عليهم\". قلنا:\nلأنّه محالٌ أن لا يَعلموا بما قَضَى عليهم، لوجوبه منهم. والحجّة لا تَقوم علهيم من حيث القضاء والقدر. إِنما تَقوم عليهم من حيث التكليف. فعاتَبَهم من حيث تَقُوم","vol":"1","page":246},{"text":"الحجّة عليهم. وأمّا من حيث لا يَلزَمهم ظاهرًا، لم يعاتِبهم؛ لأنّه سرُّ انفَرَد به، وتَصرُّفٌ كوني لا يُشارَك فيه.\nقوله، \"وكيف يقول: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض﴾، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة! \" قلنا: سبق جوابُه غير مرّةٍ.\nقوله، \"وإِذا كان الأمر مفروغًا منه، فكيف يقول: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾! وكيف ابتلى العبادَ، فعاقَبَهم على فِعلِهم! \" قلنا: الأمر مفروغٌ منه مِن حيث التكوين، أو من حيث التكليف؟ الأوّل مُسَلَّمٌ؛ لكنّه لا يُنافي المعاتَبةَ والمعاقَبة على مخالَفة التكليف؛ لأنّا بَيّنّا أنّ التكليف والتكوين أمران متَفاضِلان متفاكّان مِن أحد الطرَفين، بالنسبة إِلى كلّ واحدٍ مِن الله والعبد. فالله سبحانه يُكَوِّن ما لا يُكَلَِفه، كالجمادات والبهائم. والعبد يُكلِّف ما لا يُكونَِه، كغُلامه. وأمّا بالنسبة إِلى الله والعبد، فهما متفاكّان مِن الطرفين. فالله يُكَوِّن ما لا يُكلَِف؛ والعيد يُكَلِّف ما لا يَكَون وإِذا كان التكوين والتكليف حقيقتين متفاكَّتين، فلا تَعَلُّق لإِحداهما بالأخرى؛ والفراغ من إِحدامهما لا يَستلزِم الفراغَ مِن الأخرى. هذا أمرٌ معقولٌ عند ذوي العقول.\nبقَيِت شبهتُهم الفاسدة، \"وإِنّ ذلك جَورٌ\"؛ وقد سبق الجوابُ عنها بأنها قياسٌ فاسدٌ، للفرق بين أصله وفرعه، بما فيه كفايةٌ.\nقوله، \"وكيف يقول: ﴿إنا هدناه السبيل إِما شاكرا وإِما كفورا﴾! وكيف يقول: ﴿قدر فهدى﴾، ولم يقل: \"فأَضَلّ\"! \"قلنا: كما سبق جوابه.\nقوله، \"وكيف يَصِحّ أنّه خَلَقهم للرحمة والعبادة، لقوله، ﴿فطرت الله التي فطر الناس","vol":"1","page":247},{"text":"عليها﴾، وقوله: ﴿فطركم أول مرة﴾، وقوله: ﴿إلا من حرم ... ولذلك خلقهم﴾! فإِذا خلقهم لذلك، فكيف يَصحّ أنْ لا يجعل لهم سبيلًا، ويَقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يَذكرون! \" قلتُ: هذا السؤال فيه تخبيطٌ وتخليطٌ. وذلك لأنّ المفسِّرين اختَلَفوا في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾. فرَوى عبدُ الرزّاق، عن مَعمَرٍ، عن قتادة، أنّ معناه \"للرحمة خَلَقَهم\". وروَى ابن التيميّ، عن جعفرٍ، عن عِكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: \"ولا يزالون مختلِفين، إِلاّ أهل رحمته، فإِنهم لا يختلِفون، ولذلك خَلَقَهم\". وروى جعفر بن سليمان، عن عمرو بن عبيدٍ، عن الحَسَن، قال: \"للاختلاف خَلَقَهم\".\nقلتُ: فانظر إِلى هذا الخبطِ. عمرو بن عبيدٍ، رئيس المعتزلة، وأشدّهم في الاعتزال، يَروى عن الحسن الذي ادَّعوه منهم، ونَسَبوا إِليه هذه الرسالة؛ يقثول: \"إِنّه خَلَقَهم للاختلاف: . وإِذا كان للاختلاف خَلَقَهم للاختلاف\". وإِذا كان للاختلاف خَلَقَهم، فالاختلاف ليس إِلاّ كُفرًا وإِيمانًا. فحينئذٍ، قد خَلَقَ الكافرَ للكفر، والمؤمنَ للإِيمان. وهذا هو الذي نقوله، والذي يليق بعقلِ الحَسَن، وما اشتُهر مِن مذهبه في السنّة. واتَّضح أنّ الرسالة موضوعةٌ عليه، منسوبةٌ إِليه.\nوقال بعضُ المفسرين: \"ولذلك\"، أي للرحمة والاختلاف، \"خَلَقَهم جميعًا\" بين القولين. وهو حَسًنٌ جيدٌ مطابقٌ. غير أنّ الاختلاف واقعٌ بالنسبة إِلى المجموع بين المجموع، والرحمة واقِعةٌ بالنسبة إِلى المجموع لبعض المجموع، كما يقال: \"خَلَقَ ذريّةَ آدم للجهاد\"؛ وإِنما هو بالرجال؛ وهم بعض مجموعِ الذرّيّة. أو يكون بالنسبة إِلى الرحمة عامًّا مخصوصًا.\nوأمّا توجيه القولين الأوّلين، فمَن قال: \"للرحمة خَلَقَهم\"، قال: \"لأنها أقرب","vol":"1","page":248},{"text":"المذكورَين؛ فجُعِلت الإِشارة إِليها\"؛ واعتبار القربِ موجودٌ في لغة العرب، كما في تَنازُعِ العامِلَين. وتَعارَضَ هذا بمذهب الكوفيّين في إِعمال الأوّل. ومَن قال: \"للاختلاف خَلَقَهم\"، احتَجَّ بوجهين. أحدهما أنّ اللفظ بتقديره يَكُون على عمومِه؛ لمِا عُرِف مِن أنّ الاختلاف عام لجميع الناس؛ بخلاف الرحمة، لأنها لبعضهم قليلٍ منهم. الثاني أن اللفظ المُشار به، وهو قوله: \"ولذلك\"، مكتَنَفٌ بالخلاف قَبلَه وبَعدَه. أمّا قَبلَه، فقوله، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾. وأمّا بَعدَه، فقوله، ﴿وتمت كلمة ربك لأملان جهنهم من الجنة والناس أجمعين﴾. وهذا خلافٌ في المال، حيث كان فريقٌ محكومًا عليه بالتكفير. وهذان الوجهان أقوى من مناسَبة اعتبارِ القرب، مع كنها معارَضة بما ذَكَرَه. وأيضًا، فإِنّه سبحانه في سياق تخفيفِ هم النبي ﵇ اللاحق له بسبب اختلاف الناس عليه، فبَيَّن له أنّه خَلَقَهم للاختلاف؛ فلا يَستطيع أن يجمَعهم على مقالةٍ واحدةٍ، كما قال له، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان نلفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾، الآية. وكقوله: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت﴾، إِلى قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾.\nوقد شَهِدَت هذه الآيةُ بجهلِ المعتزلة وأتباعهم؛ لأنّ الله سبحانه أخبر بأنّ المانع مِن جمعِ الناسِ على الهُدى هو كونه لم يُرِد ذلك؛ وسَمَّى مّن أَنكَر ذلك \"جاهلًا\". وهم يُنكِرونه، ويَقولون: \"إِنما المانع لاجتماعهم على الهُدى إِرادةُ الضالّين منهم، وخَلْقُهم الضلالَ في أنفسهم\". ولو لم يكن على المعتزلة إِلاّ هذه الحجّة، لكانت لهم قامِعةً، ولترّهاتهم قاطِعةً.","vol":"1","page":249},{"text":"وإِذا اتّضَح أنّه للاختلاف، فقد جَعَل لهم السبيلَ إِلى ما خَلَقَهم له. فأمّا قَسرُهم على السعادة والشقاء، فذاك مِن حسث القدرة والإِدارة، لا من حيث الأمر والنهى.\nوقد رَوى عبد الرزّاق، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: \"الجبّار جَبَرَ خَلقَه على ما شاء\". قلتُ: يُريد مِن الجهة التي ذكرناها.\nفإِن قيل: \"هذا تصريحٌ بالجبر\"، قلنا: هو من جهة التَصرُّفِ الكونيّ لازمٌ لأهل السنّة، لا يَنفَضُّون عنه، ولو استغاثوا بالجنّ والإِنس ومَن سِوى الله! وأمّا مِن جهة التَصرُّف الأمريّ التكليفيّ، فهم أهل عدلٍ وقسطٍ، يَقطَعون السارقَ، ويَرجمون الزاني، ويَقتُلون القاتلَ؛ وبالجملة يقيمون إِليه بَعدُ بما يَحتاج إِليه من المصالح. وقد بَيّنّا أنّه لا تَنافى بين التَصرُّفين، وأنّ الجَور غير لازمٍ، لقيام الفَرق بين الصورتين.\nوأمّا قوله: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾، فرَوى عبد الرزّاق، عن معمرٍ، عن الحَسَن، أنّه كان يقول: \"فطرةُ اللهِ الإسلامُ\". وهو منافٍ لِما نَسَبَه السائلُ إِلى الحَسَن، مِن الاحتجاج بالفطرة. لأنّ مُراده \"بالفطرة\" أنّ الله تعالى فَطَرَ خلقَه عن الهُدى، أي أَلهَمهم إِيّاه، وجَعَله غريزةٌ لهم؛ ولكنّهم ضَلّوا أنفسَهم. وتفسير \"الفطرةِ\" بالإسلام يُنافي ذلك؛ لأنّ الناس ما دَخلوه إِلاّ بالسيف؛ فكيف يكون معلومًا بالضرورة والبديهة، مركوزًا في الجِبِلَّة والغريزةِ؟ وقد سبق تقرير المعتزلة أنّ مِن شرائع الإِسلام ما لا يُدرك للعقلِ حُسنُه ولا قُبحُه، فحيتاج إِلى توقيف الشرعِ. وحينئذٍ، يكون اللهُ سبحانه قد أَمَرَ نبيَّه بإِقامة الإِسلام؛ فساعَدَه ومَن تابَعه التوفيقُ، فأقاموه، وباعَدَ غيرَهم الخذلانُ عنه، فأضعوه وأناموه. فالأوّل بفضلِ اللهِ، والثاني بقدر الله، ﷾ عن أن يُنسّب إِلى الجور، أو يُضاف إِليه الجور بعد الكوْر، وجلَّ أن يتطرق إِليه العجزُ، أو يَتَردَّى عنه رداءُ العظمةِ والعزّ.\nقوله، \"وكيف يَبتَلِي إِبليسَ بالسجود لآدم؛ فإِذا عَصَى، يقول: ﴿اهبط منها﴾،","vol":"1","page":250},{"text":"ويجعله شيطانًا رجيمًا! كيف يقول: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾! وكيف يُحَذِّر آدمَ عدواتَه، لتقوم عليه الحجّةُ، إِن كان الأمرُ مفروغًا منه، كما يقولون! \" قلتُ: قد سبق جوابُ مِثلِ هذا. وأمّا إِبليس، فقد بَيّنّا أنّ الله لعلّه عَلِم أنّه لو تَرَكَه واختيارَه، لعَصَى فرَجَّح جانبَ القسرِ الكونيّ الباطِن إِقامةً لرسمِ القدرة، وتنزُّهًا عن مشارِكٍ في الخلقِ. ويكون حاكمًا فيه وفي غيره بعلمِه في نفس الأمرِ. وهو الذي خَلَقَ فيه داعي الكبرِ والامتناعِ من السجود وسؤال النظرة إِلى يوم يُبعَثون؛ بدليل قوله: ﴿رب بما أغويتني﴾. ولا شكّ أنّ الأمر مفروغٌ منه في سر القدرة، غير مفروغٍ منه في ظاهر الصورة.\nقوله، \"والله سبحانه لم يَخْفَ عليه بقضائه شيءٌ، ولم يَزدَدْ علمًا بالتجربة؛ بل هو عالمٌ بما كان وما لم يكن\"، إِلى آخِر كلامِه. قلنا: هذا اعترافٌ بما نقول.\nقوله، \"والعلم ليس بدافعٍ لهم إِلى معاصيه؛ لأنّ العلم غير العمل؛ فتبارَكَ اللهُ أحسن الخالقين\". قلنا: لا نُسَلَّم أنّ العلم ليس بدافعِ لهم إِلى المعاصي. لِمَا بَيّنّا من أنّ العلم إِذا تَعَلَّق بعدم الطاعة، صارت غيرَ مقدورةٍ، والتكليف بها محالًا، وصارت المعاصي منهم واجبةً لغيرها، كما سبق تقريرُه. وليس ذلك إِلاّ بتقدير الله سبحانه؛ وبه احتَجَّ آدمُ على موسى.\nوأيضًا، لو تُرِكوا على اختيارهم في نفس الأمر، مع تَعَلُّقِ عِلمِ الله بصدور المعاصي منهم في الأزل، لكانوا عند وجودهم إِمّا أن لا يجوز عُدُولهم إِلى الطاعات؛ فتكون المعاصي منهم واجبةَ الوقوع، وهو المطلوب؛ أو يجوز؛ فيَلزَم انقلابُ العلمِ الأزلىّ جهلًا لعدم مطابَقته للواقع.\nفإِن قيل: \"لا يجوز عدولهم إِلى الطاعات؛ والعلم الأزلىّ لم يَتَعلَّق بعدم الجواز؛ إِنما","vol":"1","page":251},{"text":"تَعَلَّق بعدم الوقوع. وإِنما يَتَحقَّق عدمُ مطابَقةِ العلم في الواقع بتقدير وقوع الطاعات منهم؛ ولكنّها لم تقع\"؛ قلنا: حاصل ما ذكرتم أنها لم تقع منهم، مع جواز أن تقع وحينئذٍ، صارت الطاعاتُ منهم مِن المحالات العاديّة، والمعاصى مِن الواجبات العاديّة. ويحصُل المقصودُ؛ إِذ لا فرق في حقيقة الوجوب والاستحالة بين أن يكون بالذات أو بالعدة. وإِنما الفرق بينهما في أمرٍ خارجٍ عن حقيقة الوجوب والاستحالة؛ وهو أنّ المحال لذاته يَلزَم مِن فرضِ وقوعِه محالٌ لذاته؛ والمحال عادةً لا يَلزَم مِن فرضِ وقوعه محالٌ لذاته. وهذا أمرٌ وراء حقيقة المحالأ. فحينئذٍ، تَعَلُّقُ عِلمِ اللهِ سبحانه بوجود المعاصي منهم استَلزَمَ أن تكون الطاعاتُ محالًا منهم في العادة؛ فتكون المعاصى واجبةً منهم في العادة. وليس ذلك إِلاّ بانضمام تأثير القدرة إِلى تَعَلُّقِ العلم؛ إِذ العالم نفسه لا تأثير له في المعلومات. والله أعلم.\nقوله، في قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لامن من في الأرض﴾؛ ﴿ولوشاء الله لجمعهم على الهدى﴾، \"إِنّ المرادَ بذلك إِظهار قدرته على ما يريد، كقوله: ﴿لإن نشأ نخسف بهم الأرض﴾، ﴿ولو نشاء لمسخناهم﴾، ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قريةٍ نذيرا﴾؛ إنما دَلّ رسوله بذلك على قدرته؛ وذلك غير الذي شاءه منهم\". قلتُ: يريد بهذا أنّ قوله، ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾، ونحوه من آيات المشيئة في هذا الباب، إِنما المراد به بيان أنّه قادرٌ على جمعهِم على الهُدى؛ لأنّه مَنَعَهم من الهُدى.\nواعلم أنّ هذا تأويلٌ ساقطٌ. أمّا أوّلًا، فلأنّه ﵇ وغيره من المؤمنين لم يكونوا في شكِّ من قدرةالله على كلّ شيء. وقد صَرَّح اللهُ سبحانه لهم بذلك بما هو صريحٌ في إفادته؛ فقال في غير موضعٍ من القرآن: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾. فأيّ حاجةٍ كانت لهم إِلى تعريفهم قدرتَه بألفاظٍ محتمَلةٍ؟ فإِن قيل: \"النصوصيّة على هذا المقدور","vol":"1","page":252},{"text":"المعيَّن، وهو هداية الكفّار وجمعُهم على الهُدى؛ وذلك أقوى من استفادته من عموم ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾؛ قلنا: فكان يجب أن يَنُصّ لهم بصريحٍ لا يحتمِل غيرَ ذلك. ونحن سنبيِّن أنّ اللفط مجملٌ في معنييه، أو أنّه فيما نَدَعيه أظهر. ثمّ إِنّا قد بَيّنّا قَبلُ أنّ قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾، ﴿لآمن من في الأرض﴾، ونحوه، في سياقٍ لا يحتمِل ما ذكرتموه. إِنما هو للتخفيف عن قلبِ النبي ﵇، بأنّ الله تعالى قَدَّر الخلافَ، مِن كُفرٍ وإِيمانٍ، وقَضى به. ثمّ نقول: إِذا كان المرادُ بيانَ قدرته على هدايتهم، فهلاّ هداهم، لأنّ ذلك أصلح لهم، وأنتم توجِبون عليه رعايةَ الأصلحِ لخلقِه! وحينئذٍ، أحدُ الأمرين لازمٌ لكم مِن الآية: إِمّا كونه مَنَعَهم الهُدى ومَنَحَهم الضلالَ، وهو يُبطِل أصلَكم في القدر؛ أو تَركُه رعايةَ الأصلحِ لهم، وهو يَنقُض رأيَكم في رعاية المصالح. وإِن كان لكم مِن هذا الإِشكال مَخلَصٌ، فانفُذوا، ولا تَنفُذون إِلاّ بسلطانٍ.\nأمّا مقتضَى قوله، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض﴾، في اللغة، فهو امتناعُ الإِيمان لامتناعِ مشيئةِ اللهِ له. فدَلَّت هذه الآيةُ على أنَ مَن لا يشاء اللهُ إِيمانَه لا يؤمِن. ودَلَّت بمفهومِها ومنطوقِ قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يؤد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾، على أنّ مَن شاء إِيمانَه آمَنَ. وقد جمَع بين الأمرين في قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾. وحينئذٍ، قد دار الضلالُ والهُدى مع مشيئته وجودًا وعدمًا. فذاك إِمّا أن يقتضي أنها مع القدرةِ مؤثرةٌ في وجود الضلال، أو غير مؤثِّرةٍ، أو موثرةٌ مع قدرة الآدمي وإرادته. والأوّل تسليمٌ لقولنا. والثاني يُبطل استدلالكم المتقدِّم على أنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، تَدُورُ بها مع قصدِه وإِرادتِه وجودًا وعدمًا؛ وهو ما زَعمتُموه ضروريًا. والثالث يقتضي وقوعَ المقدورِ بين قادرَين؛ وأنتم لا تقولون به.","vol":"1","page":253},{"text":"قوله، \"إِنّ الله تعالى رَدَّ قولَ الكافرِ يوم القيامة، ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾ بقوله: ﴿بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها﴾، الآية. فلو قامعذرُه بأنّ الله لم يهدِه، لم يُكَذِّبه\".قلنا: التكذب وَقَعَ لدعواه أنّ الله لم يَهدِه؛ ولا شكّ أنّه كَذِبٌ باعتبار أحدِ معنَيى \"الهُدى\" اللَذين قَرَّرناهما قَبلُ، وهو الإِرشاد إِلى طريق الحقِّ. فإِنّ الله أَرشَده إِلى ذلك بالرسل والكتب وإِظهار المعجزات؛ فوَقَعَ تكذيبُه بهذا الاعتبار. وإِنما وَقَعَ منه التقصيرُ مستنِدًا إِلى القضاء والتقدير مِن العزيز القدير. أمّا \"الهُدى\" بالمعنى الآخرَ الذي يَصحَب الإِنسانَ فيه خفيرُ التوفيق، فلم يحصل له، ولا هو واجِبٌ على أحد المجملّن. ولعلّه الذي أراده الكافر نَفَى الهُدى نفيًا مجمَلًا؛ فخَرَج التكذيبُ له على أحد المجملَين. ولعلّه الذي أراده الكافرُ؛ لأنّه لم يرَ الرسلَ والكتبَ تَهدِي. وأمّا المجمل الآخَر، فلم يكن يَعترِف به.\nقوله، \"ولَمَّا قالوا: ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾، أكذَبهم اللهُ، فقال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾؛ فنعوذ بالله مِمَّن أَلحَقَ الكذبَ بالله\". قلتُ: الوارد في القرآن مِن هذا الباب فيما أَستحضِر ثلاثُ آياتٍ: في الأنعام: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيءكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾؛ وفي النحل: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم﴾؛ وفي الزخرف: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾.\nوليس تكذيبهم في هذه الآيات لكونهم أَضافوا إِشركاهم إِلى مشيئة الله، أو امتناعَهم إِلى امتناع مشيئة الله ضدّه، وهو الإِيمان واتوحيد؛ لأنّه لو كَذَّبهم لأجل ذلك، لاقتَضَى","vol":"1","page":254},{"text":"أنْ لا تَعَلُّق لمشيئته بضلال الضالّين. لكنّ ذلك يُناقِض قوله: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على ضراط مستقيم﴾؛ والتناقُض في القرآن محالٌ باتفاقٍ. فَثَبَت أنّ تكذيبهم لأجلِ أمرٍ وراء ذلك؛ وهو أنهم قالوا ذلك على جهةِ التهَكّم، أو العنَت، أو المدافَعَةِ. كأنهم قالوا: \"أنت، يا محمّدٌ، تَزعُم أن ربَّك هو الذي يُضِلّ مَن يشاء ويَهدى مَن يشاء؛ فإِذن نحن بمشيئته أَشرَكنا؛ ولو شاء لَما أَشركنا. وإِذا كان إِشراكُنا بمشيئته وإِرادته، فأنت في دعائنا إِلى غيره متكلَّفٌ؛ لأنّ الله يَرضَى منّا بما يوافِق إِرادته\". فدَخَلَت عليهم شبهةُ القدريّة في أنّ الطاعة موافَقة الإِرادة؛ فأَكذَبهم اللهُ سبحانه في إِخراجهم هذا الكلام في صورة التفويض والتسليم واعتقاد نفوذِ مشيئة الله وإِرادته فيهم، وإِنما هم مجادِلون معانِدون، يُلزِمونك على مقتضَى إِخبارك ما يَظُنون به إِفحامَك. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾؛ معناه أنهم لَمَّا أُمِروا بالصدقة، قالوا للمؤمنين: \"أنتم تُزعمون أنّ الله هو الرازّق، وأنّ مَن شاء اللهُ أطعَمَه؛ ومَن لا، فلا فأىّ حاجةٍ إِلى أمرِنا بالإِنفاق\"، إِلزامًا لهم على ما يَعتَقِدون. فلا شكّ أنّ الله لو شاء، ما أشركوا. ولكن أَكذّبهم في زعمِهم التفويضَ إِليه، كما أكذَبهم حين قالوا: \"إِنّك رسول الله\". ولم يَكذُبهم في هذا القول؛ لأنّه حقٌّ؛ وإِنما أكذبهم في أنهم يَعتقِدون صحّة ذلك القول؛ فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وباعتبار تَصرُّفه التكليفىّ، ومخالَفتِهم خطابَه الأمريّ، فإِنّه أَمرَهم بالتوحيد، فخالَفوه وأشرَكوا. قال بعض المفسَِرين: \"وقد يُذَمُّ الإِنسانُ على العنت والعناد، وإِن كان حقًّا؛ كقولهم، \"أنزِلْ علينا كتابًا\"، و\"فَجِّر لنا ينبوعًا\"، ونحوه مّما حُكِي عنهم في سورة بني إِسرائيل وغيرها، ذمَّهم اللهُ عليه، لا لكونه سؤالًا معجِزًا على جهة الاسترشاد، بل لكونه سؤالَ تعجيزٍ وعنادٍ. ولَمّضا قالت الخوارجُ لعليِّ: \"لا حُكم إِلاّ لله\"، قال: \"كلمة حقِّ","vol":"1","page":255},{"text":"أُريد بها باطلٌ\".\nقوله، \"وجعلوا القضاء والقدر معذرةً. وكيف يَصِحّ ذلك، مع قوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾! \"قلتُ: إِن أَراد أنّ أهل السنّة يجعلون القدَر عذرًا في استباحة مُواقعة المحظورات، أو إِسقاط الحدود الشرعيّة عن فاعِلها، وتأثيمهم إِيّاه، فهذا محالٌ عليهم. بل العاصى هو نفسه يُقدِدم عليها، وهو يُلزِم نفسَه، وبعلمه فعَلها، يظلم نفسه، ويَستغفِر ربَّه. وإِن أراد أنهم يجعلونه عذرًا في دفعِ لائمة المخلوقِين وتوبيخهم عنهم، بمعنى أنّ ذلك واجب الوقوع منهم بالتقدير الأزليّ، وأنّ القوّة البشريّة لا تستطيع الخروجَ عن مقدور القدرة الإِلهيّة، فهو حقُّ. وبذلك احتًج آدمُ على موسى، فصَوب النبيّ ﵇ احتجاجه؛ ولم يَكُن لموسى ولا لغيره تقريعُ عاصٍ وتوبيخُه ما لم يكن ذلك حدًّا مشروعًا. وبهذا جَعَلَ النبيّ ﷺ موسى محجوجًا.\nفإِنّ الله سبحانه عَدلٌ لا يَظلِم أحدًا. فإِذا رَتَّب على جناية العاصي حدًّا، عاجلًا أو آجلًا، كان ذلك مسقِطًا لحُكمِ المعصية بالنسبة إِلى الآدميّين، حتى يَعود العاصي بعد معصيته كحالِه قبلَها. والجميع عِبادُ الله؛ فليس لأحدٍ منهم أن يؤذِي أحدًا بتوبيخٍ ولا تقريعٍ. ولهذا، لَمَّا رُجِمَت الغامِدّةُ، سبها خالدٌ، فنهاه النبيّ ﵇. ولَمَّا جيء بشارب خمرٍ ليُجلَد، فلَعَنَه بعضُهم، فنهاه النبيّ ﵇، وقال: \"إِذا زَنَت أَمَةُ أحدِكم، فليَجلِدها ولا يُثرب\"، أي لا يَلومها ويوبِّخها. وهذا جَرَى على قاعدة العدل، والفرق بين تَصرُّف اللهِ التكليفيّ، وتَصرُّفه الكونّى. فباعتبار الأوّلِ، رَتب الحدودَ على المعاصي، وباعتبار الثاني، مَنَع من توبيخ العاصي، جمعًا بين عدلِ اللهِ وقدرته ونفوذ مشيئته وإِرادته.","vol":"1","page":256},{"text":"وأمّا قوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ \"، ونظائرها، فأمْرها واضحٌ باعتبار تَصرُّف الله في خلقِه، كونًا باطنًا، وتكليفًا ظاهرًا.\nقوله، وكيف يَصحّ أن يقال: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾، أي العقوبة التي أصابتك إِنما هي مِن قِبلِ نفسِك بعملِك. ولو شاء اللهُ أخْذَهم بالعقوبة من غير معصيةٍ، لقَدرِ على ذلك؛ لكنّه رؤوف رحيمٌ\"؛ إِلى آخِر كلامه في هذا المعنى. قلتُ: قد سبق نحوُ هذا البحث، أو هو بعينه. وقبل هذه الآية، ﴿قل كل من عند الله﴾، يعني الحسنات والسيئات. وقال الله تعالى: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾، ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾. وإِن كان في الاستدلال ببعض هذا نظرٌ، لكن، بالجملةِ، الحَسنة والسيئّة مِن عندِ اللهِ، أي بخلقه وتقديره.\nوأمّا قوله: ﴿فمن نفسك﴾، فمعناه \"سَبَب السيئّةِ من نفسك\"؛ وهو الكسب الصادر على وِفقِ قصدِك بتقدير الله ومشيئته. لكنّ تصرُّف التكليفِ مقصورٌ على مراعاة الاكتساب. وتقدير الله لها، مضافًا إِلى تَصرُّف التكوين، فليس من هذا الباب.\nقوله، \"لو شاء الله، عاقبهم من غير معصيةِ\" قلنا: نعم. ولو فَعَل، لكان عادلًا في ذلك حقيقةً معقولةً. لا نقول ذلك بَغتىً، ولا جمودًا على التفويض التقليدىّ؛ بل هو معقولٌ واقعٌ. أمّا أنّه معقولٌ، فلِما قرَّرنا قبُ مِن أنّه خَلَقَ النفوسَ، وعَلِم ما يَصدُر منها من خيرٍ وشر. فلو عاقب بعضَها بدون صدورِ ذنبٍ منها، وقلنا بتحسين العقل وتقبيحه، كما تقولون لأمكننا، بقول الله تعالى: ﴿ولا يظلم ... أحدا﴾؛ وعقابه لهذا بدون ذنبٍ ظلمٌ؛ وهو منّزهٌ عنه. فدَلَّ على أنّه عِلِم مِن جِبِلَّته وطبيعةِ نفسِه","vol":"1","page":257},{"text":"الشرَّ، فأهلَكَه، أو عاقَبَه، لدفعِ شرَّه. ونَزَّلنا علمَه سبحانه المحقَّق منزلِةَ صدورِ المعصيةِ مِن ذلك الشرّير بالفعل، كما اتّفق العقلاُء على قتلِ الحيّة، حتى الصغير الذي لا يؤذِي، لخُبثِ نفسِه وشرِّ طبيعتِه.\nوقد قال ابن قتيبة في قوله تعالى: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالأجرة ممن هو منها في شك﴾، الآية: \"إِنّ عِلم اللهِ على ضربين: خاصُّ به لا يُظهِر عليه غيرَه؛ فهذا، لعدل الله، لا يُحتَجّ به على خلقِه. والضرب الثاني مشترَكٌ بينه وبين خلقِه، وهو الذي تقوم به الحجّة الظاهرة عليهم. فقوله، ﴿إلا لنعلم﴾، يعني العلمَ المشترَك الذي تقوم به الحجّةُ عليهم وإِلاّ، فقد عَلِم اللهُ تعالى قبلَ خلقِهم مَن يؤمِن ممّن لا يؤمِن\". هذا معنى كلامه.\nوقد صَرح الله سبحانه بنحو هذا فيما صَحَّت به عنه السنّةُ، حيث قال: \"إِنّ مِن عبادي مَن لا يُصلِحه إِلاّ الفقر. ولو أغنيتُه، لأفسَدَه الغنى. وإِنّ مِن عبادي مَن لا يُصلِحه إِلاّ الغنى. ولو أفقرتُه، لأفسَدَه الفقرُ\". وذَكَر مِثلَ ذلك في المرض والصحّة. ثمّ قال: \"إِنى أدَبِّر عبادي بعلمي فيهم؛ أني عليمٌ خبيرٌ\".\nوأمّا أنّه واقعٌ، فلأنّ الله سبحانه أَذِنَ للخضر في قتلِ الغلامِ، لعلمهِ أنّه إِن عاش، أرهَق أبويه طغيانًا وكفرًا. وقال النبيّ ﷺ: \"إِنّ الغلام طُبِع كافرًا؛ ولو عاش، لأرهَق أبويه طغيانًا وكفرًا\"، غَضِب، وقال: \"وما يدريك؟ إِنّ الله خَلَقَ للجنّة والنار خلقًا وهم في أصلاب آبائهم. \"قالت: \"أرأَيتَ مَن لم يَبلُغ الحُلُمَ؟ \" قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\". وهذا حُكمٌ فيهم بالعلم. وقد ورد أنّه بالآخرة تُؤجَّج لهم نارٌ يُمتحَنون بها.","vol":"1","page":258},{"text":"ومِن باب الحُكمِ بالعلم، ما قاله بعضُ أصحابنا في الساحر يُقتل، قال: \"لأنّه صار له قدرةٌ على أذى الناس في أموالهم وأنفسهم وحريمهم؛ والشهوات تحمله على ذلك؛ فصار كالكلب العقور، يُقتَل لتَهَيُّئه لأذى الناسِ\". وهو توجيهٌ حَسنٌ.\nفأمّا خلقُه الأفعالَ فيهم، ثمّ يعاقبهم، فلِما قرّرناه مِن أنّه علِمَ استحقاقَهم لذلك لو تَرَكَهم باختارهم. فلمّا استوى حالُ الاضطرارِ والاختيارِ، غَلَّب الأوّلَ، محافَظةً على رسمِ القدرةِ وكمالِ التصرُّف.\nقوله، \"لكنّه رؤوفٌ رحيمٌ\". قلنا: رأفته ورحمته لا تنافى تصرُّفه في خلقِه التصرُّفَ الكونيّ الاستقلاليّ. أمّا التصرُّف التكليفيّ، فلم يعاقَب فيه أحدٌ، إِلاّ بحجّةٍ بالغةٍ.\nومّما يوضِّح إِثباتَ التصريفين المذكورين، وعليهما مدارُ مناظَرَتنا للقدريّة، هو أنّ بين الله سبحانه وبين عباده قدْرًا مشتركًا، وهو الوجود؛ إِذ كل موجودٌ. وقد قَسَّمَ المتكلّمون الموجودَ إِلى قديمٍ ومحدثٍ. وله سبحانه خاصّةٌ ليست لبعاده، وهي الإِلهيّة. فباعتبارِ القدْرِ المشترَك، وهو الوجود، ثَبَتَ التَصرُّف المشتَركُ، وهو التصرّف الخطابيّ التكليفيّ؛ كقوله سبحانه، ﴿أقيموا الصلاة﴾، ﴿ولا تقربوا الزنى﴾؛ وقولِ أحدِنا لعبده، \"قُمْ! \" و\"لا تخرُج! \" وباعتبار خاصّة الإِلهيّة، اختصّ الله سبحانه بالتَصرُّف الإِيجادي الكونيّ؛ وقد فُهِم هذا مّما قرّرنا قبلُ.\nوقد بقي في الرسالة كلماتٌ، الجواب عنها معلومٌ مّما قرّرنا في جواب ما سبق منها. ومّن حقّق ما ذكرناه في جواب هذه الرسالة، راح عنه الباطلُ، وحلّ بوادٍ مِن الحقِّ غيرِ ما حلٍ.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سادسًا: الأدلّة النقليّة على القدر]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>[آيُ إِثباتِ القدرِ مِن القرآن]</span>\nواعلم أني كنتُ ملكتُ ببغداد كتابًا نظيفًا من تصنيف القاضي الشريف ابن أبي موسى الهاشمىّ، يَشتمل على آيات القدر مِن الطرَفين، على ترتيب السور، والكلامِ عليها بما عَلِمه. واتّفق أنّ الكتاب فُقِد، ولم أَقضِ منه الوطرَ؛ فبقى ذلك في نفسي. فلمّا أَلَّفتُ هذا الكتابَ، رأيتُ استقرياءَ أي القدر مِن القرآن على نهجِ ذلك الكتاب، ثمّ إِتباعَها بالأخبار الصحيحة في الباب؛ ليكون الكتاب جامعًا لمباحث المسألة المعقولة، وحججِها المنقولة. فأقول، وبالله العصمة والتوفيق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>سورة الفاتحة</span>\nقوله تعالى، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. أي نَستعينُك على عِبادتك. وهو معنى قوله: \"لا حول ولا قوّة إِلاّ بالله\"؛ أي لا قّوة لنا على طاعتك إِلاّ بتوفيقك. ولو كان العبد مستقِلًا بخلقِ فعلِه، لم يكن له حاجةٌ إِلى الاستعانة بربّه.\nفإِن قيل: \"قد ذكرنا في الرسالة المذكورة أنّ عَملَ الخير لا يصحّ إِلاّ بمعونة الله؛ لكن لا يَلزم مِن ذلك أنّ الله هو الخالق للفعلِ\"، قلنا: قد سبق أنّ لا نعني \"بخلق الله للطاعات\" إِلاّ خلقَ دواعيها وإِزالة موانعِ وقوعها، حتى تَحدُث عقيب ذلك. وهذا بعنيه موجودٌ في المعاصي. فإِنّ الله سبحانه هو يخلق دواعيها، باتّفاقٍ- وإِلاّ لزم التسلسلُ- ويُهيِّء أسبابَها، كالشهوات المستميلة، والنفوس المائلة، وصرفِ العوائقِ دونها. فتَحدُث المعاصي عقيب ذلك. فإِذا سَلَّمتم هذا، فقد حَصَل الاتّفاقُ في المعنى، وبقي النزاعُ في اللفظ. فأنتم تُسمُّون ذلك \"إِعانةً\"، ونحن نُسمِّيه \"خلقًا\". وإِن لم تُسَلِّموا ما ذكرناه مِن المقدّمات، فالدليل عليه واضحٌ؛ وقد سبق.","vol":"1","page":260},{"text":"فإن قيل: \"لا نُسلَّم أنّ ما ذكرتموه، مِن خلقِ الداعي ونحوه، هو خلقُ المعصيةِ؛ بل خلقُها هو قوله، \"كُنْ\"، فيكون، كما يكون غيرُها مِن الأعيان والأفعال\". قلنا: هو يُكَون المعاصي كذلك، لكن مرتَّبةً بحكم عادته في خلقِه، على الأسباب المذكورةٍ. فإِن نازعتم في قوله لها، \"كنْ\"، قلنا: ليس فراركم من ذلك إِلاّ من لزوم القبحِ عقلًا؛ وهو باطلٌ، كما سبق. ثمّ هو لازمٌ عليكم، بخلقِ الشيطانِ والنفوس والشهوات، وتركِ منعِ العصاةِ مواقَعةَ المحظوراتِ. وحينئذٍ، لا فائدة في منعِكم قبيحًا واحدًا يَلزَمكم مِن جنسِه قبائح.\nومنها قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾. هو طريق الحقِّ. ووجه الدلالة أنهم سألوا الهدايةَ منه. فلو لم تكن إِليه، لما سألوها؛ إِذ هم مستقِلّون بها، على زعمِ الخصم فإِن قيل: \"ظاهر الآية محالٌ؛ لأنهم طَلَبوا الهدايةَ منه؛ وطالب الشيء لا يكون ذلك الشيء حاصلًا له؛ وإِلاّ لكان طلبُه له، مع حصوله له، تحصيلًا للحاصل؛ وهو محالٌ\"؛ قلنا: فلابدّ للطلب من فائدةٍ، فإِن كان لحقيقة الهداية، حصل مقصودُ الدليل. وإِن كان للاستمرار على الهداية، أو لزيادة الهداية، حصل أيضًا. لأنّ الاستمرار على الشيء والازدياد منه فعلٌ، ولابدَّ. فإِمّا أن يكون مِن العباد، كما زعمتم؛ فهو محالٌ، لبطلان فائدة السؤال؛ أو من الله سبحانه؛ فهو المطلوب.\nقوله، ﴿أنعمت عليهم﴾. يعني بالهداية. فأضافوها إِليه؛ فاقتُضِيَ استقلالُه بها. وهو خلاف قول الخصم، \"إِنّ العبد يهدى نفسَه ويُضِلّها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>سورة البقرة</span>\nفمنها قوله: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾. \"مِن\" لابتداء الغاية؛ أي \"منشأُ الهدى وابتداؤه هو ربّهم؛ فهو صادرٌ عنه، وحاصلٌ منه\". وليست للتبغيض؛ لاستحالته على الربّ سبحانه. ولا للجنس؛ إِذ ضابطُ الجنسيّةِ أن يكون ما بعدَها أعمَّ مّما قبلها وجنسًا","vol":"1","page":261},{"text":"له؛ نحو \"ثوبِ من خزٍّ\"، و\"خاتمٍ مِن حديد\"، و\"بابٍ مِن خشبٍ\". وليس بين العبيد والربّ اتّصالٌ بعمومٍ ولا خصوصٍ. وبهذا ضَعُفَ قولُ مَن زعمن أنّ \"مِن\" في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾، جنسيّةٌ؛ لأنّ الأوثان ليست أعمّ مِن الرجس، ولا جنسًا له. بل هي لابتداء الغاية، كهذه التي نحن فيها؛ أي \"الرجس الحاصل، أو الناشئ، مِن الأوثان\". وإِذا ثبت أنّ الرب سبحانه مبدأُ الهدى، فما ذلك إِلاّ لأنّه خالقه وموجِده.\nومنها يقوله سبحانه: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾. ونظريها في النحل، ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾، وفي الجاثية، ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصر غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. قلتُ: \"الختم\" و\"الطبع\" و\"الرَّين\"، في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، أي \"غطّى عليها\"، هي عندنا أعراضٌ يخلقها اللهُ في قلوب الأشقياء، يمنَعهم بها من الإِيمان، بالإِعراض والصرفِ عن النظر في آياته وتدُّبر علاماته. ومن هذا الباب، \"الأكِنّة\"، في قوله: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾.\nأمّا المعتزلة والقدريَة، فزعمَ أنّ الختم والطبع مجرَّد تسميةِ الله العبدَ \"كافرًا\" و\"ضالًا\" و\"مختومًا، أو مطبوعًا، على قلبه\". وهو فاسدٌ، لوجهين. أحدها أنّ الله سبحانه ذكر ذلك في معرضِ التَّضرُف فيهم بما يَصرِفهم عن الإيمان؛ ومجرَّد التسميةِ لا تُؤثر في ذلك. الثاني أنّا نحن قادرون على تسميةِ الكافر \"كافرًا\"، ولسنا قادرين على الختم والطبع على قلبه؛ دَلَّ ذلك على تغايرهما. وأيضًا، لو صحّ ما ذكروه، لكان أقبح","vol":"1","page":262},{"text":"القبيحِ؛ لأنّه يَذمّهم على مجرَّد تسميتِه لهم بذلك؛ وورود الختمِ والطبعِ في سياق الذمّ ظاهرٌ.\nوقال بعضهم: \" هي سماتٌ وعلاماتٌ يجعلها اللهُ على قلوب الكفّار\". وهو باطلٌ؛ لأنّ شأن السِّمة والعلامة أن تَدُلّ على الشيء، لا أنها تمنعه وتَصرِفه عمّا ينبغي له. والله سبحانه ذكرها في معرض ذلكّ بدليل قوله، ﴿أكنة أن يفقهوه﴾؛ أي \"يمنعهم مِن أن يفقهوه\"، أو \"لئلا يَفقهوه\".\nوقال بعضهم: \"الختم والطبع عقوبةٌ من الله، يجازي بها أهلَ المعاصي. وهي إنما تُضادّ الإخلاصَ، لا الإِيمان؛ فيصِحّ اجتماعُه معها\" وهو باطلٌ؛ لأنّ الله سبحانه لم يَذكُرها إِلاّ في حقّ الكفّارِ. ولعلّهم أَخَذوا ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾؛ أي \"بسبب كفرهم\"؛ فدلّ على أنها عقوبةٌ على المعصية. لكنّا قد بيّنّا بطلانَ العقوبةِ على الذنب بذنبٍ مثله، أو بما يُفضي إِلى مثله، فيما سبق، بيانًا شافيًا. والباء في الآية، وإِن كانت ظاهرةً في السببيّة، إِلاّ إِنها مُؤولةٌ عند العلماء على الحاليّة؛ أي \"طَبع اللهُ على قلوبهم متلبِّسين بكفرِهم\"، أي حالَ كفرهم\". ويفيد ذلك تَقَيُّدَ الطبع بحال كفرهم، ولا طبْع عليها حال إِيمانهم.\nوالتحقيق في الباب أنّ \"الختم\" و\"الطبع\" و\"الوَسمَ\" متقاربةٌ في المعنى، وهي الاستيثاق على الجسم المجوَّف بالسدّ ونحوه، لئلاّ يَدخله شيءٌ؛ كختم الكيسِ والإِناءِ ونحوه. فالختم على القلب يحتمل أنّه حقيقةٌ، بأن يَكون، كما قيل، شكلًا صنوبريًا مجوّفًا، يَعقل الأشياءَ بانطباعها فيه، كانطباع الأِشياء المحسوسة في الحواسّ، كالمبصَرت في جليديّة العين، ونحوها، إِن قلنا إِنّ العقل في القلب؛ أو بواسطة فيضِ نورِه عليه من الدماغ، على ما مّر في ذلك. فيمنع اللهُ سبحانه دخولَ المعقولاتِ وانطباعَها فيه بشيءٍ محسوسٍ يُغطّيه. كما قيل، \"إِنّ للقلب غَيايَة القمر، إِذا تَغًشَّته بشيءٍ ما سمع، وإِذا تجلَّت عنه ذكر\". و\"الغيايَة\"، بعينٍ معجَمةٍ، ويائين آخر الحروفِ: السحابة. وقال مجاهدٌ: \"القلب كالكفّ، يُقبَض منه بكلّ ذنْبٍ أصبعٌ، ثمّ يُطبَع\".","vol":"1","page":263},{"text":"قلتُ: الأحاديث الصحيحة دلّت على أنه حقيقةٌ. فروى أبوهريرة، عن رسول الله ﷺ، أنّه قال: \"إِنّ العبد إِذا أَخطَأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبه نُكنةٌ سوداء. فإِذا هو نَزَعَ واستغفَر وتابَ، سُقِل قَلبُه. وإِن عادَ، زيدَ فيها، حتى تُغلِق قلبَه. وهو الران الذي ذَكَرَ اللهُ؛ ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾، الآية\". رواه ابن ماجه والنسائىّ، وصحّحه الترمذىّ.\nوفي حديث حُذَيفَة، \"إنّ الأمانى نَزَلَت في جَذرِ قلوبِ الرجالِ\"؛ إِلى قوله، ثمّ حَدثنا، يعني النبيّ ﷺ، عن رَفع الأمانةِ، فقال: \"يَنام الرجلُ النَومَةَ، فتُقبًضُ الأمانةُ مِن قلبِه؛ فيَظلّ أَثَرُها مِثلَ المجلِ كحمرٍ دَحرَجتَه على رِجلك، فَنفِطَت؛ فتراه مُنتبِرًا\". حديثٌ صحيحٌ متّفقٌ عليه.\nوفي بعض الأحاديث، يَصِفُ القلبَ أنّه إِذا اكتَسَبَ الخطايا، [صار] مَنكُوسًا كالكُوز، مُجخيًا مُربادًّا، لا يَعرِفُ مَعروفًا ولا يُنكِر مُنكرًا. وكّل هذه صفات الأجسام المجوَّفة.\nويُحتمَل أن يكون الختم والطبع مجازًا عن خلقِ اللهِ سبحانه داعي الكفرِ في القلب، أو عدم خلقِ داعي الإِيمان فيه. فيكون امتناعُ قيامِ الإِيمان بالقلب لعدم خلقِ داعيه فيه، أو لقيام ضدِّه به، وهو الكفر، كامتناع قيامه به لوجود ما يُغطّيه، فيمنعه من الانطباع فيه لو كان مجوَّفًا.\nوربما رجح هذا الوجهُ بدليل السمع والبصر المقارِنين للقلب في الآية. فإِنّ الختم والغشاوة عليهما غير محسوسين، بل معقولان، كما ذكرنا وهو معنى قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾.\nوالمقصود على الاحتمالين حاصلٌ، وهو أنّ \"الختم\" و\"الطبع\" و\"الأكنة\" و\"الغشاوة\"","vol":"1","page":264},{"text":"و\"الأخذ\"، في قوله: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم﴾، موانع تمنع مَن قامت به من الإِيمان بإِرادة الله وتقديره وخلقه.\nواعلم أنّ ها هنا تنبيهًا ليس مِن مُهمّات ما نحن فيه؛ لكنّه متعلِّقٌ بالآيات المذكورة. وهو أنّ آية النحل شَرَكَت بين القلوب والسمع والإِبصار في الطبع؛ وهو وبمعنى الختم وآية الجاثية خَصَّت الغشاوةَ بالبصر. وآية البقرة هذه هو فيها متردِّدٌ بين أنّه مختومٌ عليه، أو عليه غشاوةٌ. والأوّل أظهَرُ لفظًا. وبدليل باقي الآيات، واختلاف ألفاظِ هذه الآي في الحائل دون القلب والسمع، يقوي الاحتمال الثاني، وأنّ ذلك مجازٌ.\nوقال بعض الفضلاء: \"القلوب والأسماع مجوَّفةٌ. فالختم بها أشبَه. والأبصار بارزةٌ والإِدراك بظاهرها. فكان الغشاء بها أليَق\". وهذا بناءٌ على أنّ ذلك حقيقةٌ، أو بيانٌ لمناسبة الاستعارة.\nومنها قوله تعالى: ﴿فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾. \"المرض\" إِمّا الشكّ أو الضلال عن الهداية. وقد أخبر أنّه زادهم إِيّاه، مضافًا إِلى ما في قلوبهم منه. وهو كقوله: ﴿فزادتهم رجسا إِلى رجسهم﴾. وإِذا جاز أن تكون الزيادةُ منه، جاز أن يكون الأصل منه. وجميع ذلك إِنما خو بخلقِ الدواعي وإِقامة الشبهات والصوارف. وقد أَجَبنا عن قولهم، \"إِنما الزيادة منه عقوبةٌ على أصل المرض الذي في قلوبهم\".\nومنها قوله سبحانه: ﴿الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾. و﴿يمدهم﴾، أي \"يملى لهم\". ﴿فى طغيانهم﴾، أي غُلُوِّهم في الكفر. ﴿يعمهون﴾: يَتردّدون في الضلالة ويَتَحيّرون. والعمه في القلب كالعمى في البصر. فيقال للخصم: إِمّا أن يكون الله قادرًا على إِنقاذهم من الحيرة، بكشف شبهتهم واللبس عنهم، أو لا.\nفإِن كان قادرًا، فلِم لم يفعل، وهو من المصالح الواجبة عليه؟ فكما جاز أن لا يُنقذهم منها، جاز أن يُوقِعهم فيها ابتداءً؛ إِذ كلا لأمرين قبيحٌ شاهدًا. فإِذا جاز أحدهما في","vol":"1","page":265},{"text":"حقّه، وجب أن يجوز الآخرُ؛ إِذ حُكم المثلين واحدٌ. وقد سبق هذا البحثُ. وإِن لم يكن قادرًا على إِنقاذهم منها، لزم أن يكون عاجزًا عمّا فعلوه هم بأنفسهم، وساعد عليه الشيطانُ؛ فيكونون أقدر منه. وحينئذ، لا يُؤمَن أن يكون الشياطين وبعض الكفّار قد اتّفقوا على أن غَلَبُوا على ملكوت السماوات والأرض، فصاروا آلهةً، أو على الأرض فقط، وعَزَلوا البارئَ عن الإِلهيّة فيها، تعالى الله عن ذلك.\nومنها قوله: ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾. والخصم زعم أنّ الإِنسان يهدي نفسَه ويُضِلّها؛ فما بالهم لم يكونوا مهتدين؟ وإِنما ذلك عندنا لأنّ الله لم يَهدهم الهُدى المصاحَب بخَفير التوفيق. أمّا الإِرشاد المجرَّد، فقد حصل.\nومنها قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾. وليس الضمير راجعًا إِلى الممثًَّل به، وهو المستوقِد للنار. بل إِمّا إِلى صاحب المَثَل، وهم المنافقون، ذهب اللهُ بهدايتهم؛ أو إِليهم وإِلى المستوقِد على جهة المزج والاستخدام، كما قرّرناه في التفسير. وإِذا جاز أن يَذهب بهدايتهم، فما المانع من أن يأتي بضلالتهم؟ وهذا على تقدير أنّ ذهابه بنورهم، وهو الهُدى والإِيمان، في الدنيا. أمّا إِن أُريد به في الآخرة، فلا تكون هذه الآية ممّا نحن فيه.\nومنها قوله: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. ثمّ قال الله تعالى: ﴿يضل به كثيرا ويهدى به كثير﴾. فصرّح بإِضافة الإِضلال والهدى إِليه. والجواب عن قولهم، \"إِنما أضلّهم بعد فِسقِهم، بدليل باقى الآية\"، قد سبق. وكان سبب الآية [أنّ] الكّفارُ: \"الله أَجَلّ مِن أن يَذكُر هذه الحشرات الخسيسة؛ وإِنما هذا من كلام محمّدٍ. فأنزل الله سبحانه: ﴿إِن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾.","vol":"1","page":266},{"text":"ووجه إِضلالهم وهداية غيرهم أنّ الله سبحانه أَلهمهم الشبهةَ المذكورة بسبب الأمثال المضروبة، وضَلّوا، وعَضَم منها الآخَرين، فلم يَضِلّوا، فاهتدوا؛ إِذ لا واسطة بين الضلال والهدى.\nومنها قوله: ﴿إنى جاعل في الأرض خليفة﴾. ووجه الاستدلال بها ما سبق، من [أنّ] الله تعالى خلق آدم ليكون خليفةً في الأرض على الوجه الذي أهبط به إِليها، وهو المعصية. فقد تعلَّق علمُه بها قبل خلقِه. وخلاف ما تَعلَّق علِمه، قد بيّنّا أنّه غير مقدورٍ. فما تعلَّق به علمُه يكون واجب الوقوع. وبذلك احتَجّ آدمُ على موسى.\nومنها قوله: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى﴾، الآية، إِلى قوله: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾. وجه الاستدلال؛ ثم وَبَخَهم بقوله: ﴿ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض﴾. فكذلك، يجوز أن يَضطَرّ العبدَ إِلى فِعلِ ما يَذمّه ويُوبِّخه عليه. ولا فرق بينهما في الحقيقة؛ إِلاّ أن يقال: \"إِنّ فِعل اللهِ سبحانه مع الملائكة يَحسُن فِعلُه في الشاهد؛ بخلاف فِعله مع العبد، على زعكم\" لكنّ جوابه من وجهين. أحدهما منعُ جوازِ السؤال تعجيزًا في الشاهد. لأنّه عنتٌ؛ والعقل والشرع يُقبحانه. فقد جاء في الحديث، \"إِياكم وأعلُوطات المسائل\"؛ وهي المسائل الصعبة. ولذلك، كلّ عاقلٍ، إِذا سُئل سؤالَ امتحانٍ، يجِد في نفسه لذلك؛ لإِشعار السؤال باستجهال السائلِ له واستقصائه عن معرفته. إِلاّ إِنّه قد يقال: \"إِنّ سؤال التعجيز في مِثل قضيّة الملائكة يجوز، بل يحسُن، بل ربّمما وَجَب قياس قولِ المعتزلة في رعاية الأصلح؛ لأنّه خَرَج مخرجَ التأديبِ لهم عن تعاطي الإِنكار فيما لا عِلم لهم به\". الوجه الثاني أنّ الفرق المذكور اجعٌ إِلى التحسين والتقبيح وقياس الغائب على الشاهد؛ وهما","vol":"1","page":267},{"text":"أصلان باطلان.\nومنها قوله تعالى: ﴿اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾. وجه الاستدلال بها أنّه عَلم أنّ إِبليس لا يَسجُد؛ بدليل قوله، ﴿أعلم غيب السموات والأرض﴾. وقال بعض المفسّرين: \"إِنّ الإِشارة بقوله: ﴿إنى أعلم مات لا تعلمون﴾، إِلى امتناع إبليس من السجود. فأراد أن يُبيِّن سرَّة المكنون فيه؛ لأنهم كادوا يَفتنون في إِبليس لكثرةعبادته. وقد ثبت أنّ خلاف معلومه محالٌ؛ فمعلومه واجبٌ. فتركُ إِبليس للسجود واجبٌ؛ وقد كَلَّفه به. وتمام الاستدلال ظاهرٌ؛ وقد سبق. وكذلك الاستدلال بكلّ تكليفٍ عَلِمً اللهُ مِن المكلُّف خلافَه؛ وهو كثيرٌ. فلنكتفِ بذِكرِ قاعدته ها هنا، ولا نعيده حيث تكرّر، إِلاّ يسيرًا.\nومنها قوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾. و\"اللعن\" هنا راجعٌ إِلى معنى الختم والطبع. ونظيرها في سورة النساء: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. وقد سبق الكلامُ في معنى قوله، \"بكفرهم\".\nومنها قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾، على الصحيح في تأويله. وإِنّ المرادَ \"أُشربوا في قلوبهم حُبَّ العِجل\". ووجه دلالته أنّه حذَف الفاعلَ في قوله: ﴿واشربوا﴾، وبناه لمّا لم يُسمَِ فاعلَه. ولو كان الفاعل \"هُمْ\"، لقال: \"وشَرِبُوا\"، كما قال قَبلَه: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾. فلمّا قطعه عن نظائره، وما عطَف عليه في تسمية","vol":"1","page":268},{"text":"الفاعل، دَلَّ على أنّ الفاعل غيرهم. وليس إِلاّ أنّه سبحانه أَشَربَ قلوبَهم حُبَّ العِجلِ، أي أَلهمها إِيّاه حتى شَرِبَته وتَشَرَّبته وتغلغَل فيها تغلغُلَ الماء في الشجرة، ونحوه. وقد سبق قول موسى، \"ربّ أنت أضللتَ قومى\".\nومنها قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾. وجه دلالتها أنّه امتَحَن الناسَ بتحويل القِبلة، ليَعلَم المتابعَ مِن المنازِعِ، مع عِلمِه بأنّ منهم مَن يُنازِع ولا يُتابِع. وتمام الاستدلالِ بها كما سبق في سجود إِبليس وغيره. وقوله، ﴿إلا لنعلم﴾؛ يعني العلمَ المشتَرك بنيه وبين الخلق، كما سبق.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾. وما ذاك إِلاّ لأنّه مَنَعَهم عن اتِّباعِه بخلق الدواعي وإِقامة الصوارف. وإِلاّ، فلا خلاف في أنّه قادرٌ على أن يَلطُف لهم ويُزيل عنهم الشبه، حتى يَعلموا صحّتها، فيتابعوها. فما صار المنعُ إِلاّ من قِبله. ومِن بابه، قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون﴾، ﴿ولو أننا نزلنا إِليهم الملائكة﴾، إِلى قوله: ﴿كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾. وذلك إِعانةٌ لهم على الكفر والطغيان، وإِمدادٌ لهم فيه. وقد كان الأصلح لهم أن يُزَهِّدهم فيها كما زَهَِد فيها أولياءَه. وإِذا جاز أن يُعينَهم على الكفر، جاز أن خلقه فيهم. وقد صرّح اللهُ تعالى بقوله: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من","vol":"1","page":269},{"text":"يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ﴾. ودلالتها من وجهين:\nأحدهما: قوله: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾؛ خَصَّهم بالهداية. وتلك الهداية إِمّا الإِرشاد المجرَّد، أو الإِرشاد المقيَّد بصحبة التوفيق. والأوّل باطلٌ؛ لأنّه لم يُختَصّ به المؤمنون. بل الله سبحانه أَرشد الفريقين إِلى طريق الحقّ، بدليل قوله: ﴿وهديناه النجدين﴾، ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾. فتعَّن أنّ الهدى الذي اختُصّ به المؤمنون هو الهدى المصاحِب للتوفيق إِلى غاية التحقيق؛ وذلك بخلق دواعى الاتّباع، ونفي دواعي الامتناعِ.\nالوجه الثاني: قوله، ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. والهدى فيما هو المذكور في الوجه قبله؛ وقد خصّ به من يشاء. وقد صرّح اللهُ سبحانه بالدعاء عامًّا والهداية خاصًّا في قوله: ﴿والله يدعو إِلة دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾، إلى قوله: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾. تقدير الآيةِ ونظائرِها: \"لو شاء الله أن لا يفعلوا، أو أن لا يقتتلوا، لما اقتَتَلوا\". فقد أقرّهم سبحانه على الاقتتال مع قدرته على رفعِه عنهم وصرفِهم عنه؛ وعلّل بأنّه يفعل ما يريد. والقبح فيها لازمٌ على المعتزلة؛ حيث لم يراعِ مصلحةَ المقتتلين بصرفِهم عن الاقتتال؛ ولا مصلحة فيه بحال ذلك عليها.\nقال ابن المنير: \"ومن عادة الزمخشريّ في تفسيره أن يُؤول أي الإِثبات على ما يوافِق رأيَه في الاعتزال. لكن أَعرضَ عن الكلام على المشيئة ها هنا، لاعتيِاصِه عليه. وهو دليلٌ على فساد مذهبِه\". قلتُ: والذي ذكر الزمخشريّ في الكشّاف أن قال: \"لو شاء","vol":"1","page":270},{"text":"الله مشيئةَ إِلجاء ما اقتتلوا\". وهذا تأويلٌ منه للآية. إِلاّ إِنّه تأويلٌ فاسدٌ. لأنّ مشيئته لا تكون إِلاّ ملجِئةً.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. وهي دلالة على جواز تكليف ما لا يطاق، ومحل النزاع منه. وعورَض بأول الآية، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. فالآية يُستدل بها من الطريقين. وقد سبق الاستدلال بها والكلام عليه في مسألة تكليف المحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>سورة آل عمران</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إِذ هديتنا﴾. أخبر اللهُ سبحانه أنّ هذا قول الراسخين في العلم، مادحًا لهم بذلك. وقد نَسَبوا إِليه إِزاغةَ القلوب وهدايَتهم وإِقرارُ اللهِ سبحانه على الكلام كقوله إيّاه. ولو كان كما زعمه المعتزلةُ، لذمّهم على ذلك وأَنكَر عليهم، وقال: \"أنا لا أُزيغ قلب أحدٍ، ولا أَهدي أحدًا؛ بل الناس يَفعلون ذلك بأنفسهم\"؛ لأنّ ذلك كان أصلح لقائله؛ إِذ هو إِرشادٌ إِلى قول الحقّ، وهو واجبٌ على الله عند المعتزلة.\nوأيضًا، فإنّ هذا تركٌ لبيانٍ عند الحاجة إِليه قطعًا؛ وقد سبق اتّفاقُهم على أنّه لا يجوز. فحيث سمّى اللهُ سبحانه قائلَ هذه المقالة \"راسخًا\" في العلم\"، دَلّ على أنّ مخالِفه راسخٌ في الجهل. وهم يَتَأوّلون الآيةَ على معنى \"لا تبلِنا ببلايا تِزِيغ فيها قلبوُنا، ولا تمنعنا أَلطافَك\". وهو تحريفٌ، ثمّ لا يَنفعهم؛ لأنّه سبحانه حينئذٍ يكون مضطرًّا لهم إشلى الزيغ بالبلايا ومعِ الألطفاِ.\nومنها قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾، الآية. فالمزيِّن لها إِمّا الله سبحانه، بدليل قوله: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾؛ أو الشيطان، بدليل قوله تعالى:","vol":"1","page":271},{"text":"﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾؛ فيكون ذلك تزيينًا من الله بواسطة الشيطان؛ وهو من جملة الأسباب التي تُخلَق الأفعالُ عندها. وإِذا كان الله هو الذي يُزيِّن حبَّ الشهوات، فالمعاصي واقعةٌ حبّها ضرورةً؛ ولقوله ﵇، \"حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئةٍ\".\nومنها قوله تعالى: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم قل إن الهدى هدى الله﴾. ونظيرها في البقرة: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾. فظاهر الآيتين حجّةٌ في الباب؛ إِذ تقديره أنّ الهدى الكامل الذي يَتعقّبه الاهتداءُ هو هُدى اللهِ الذي يُصاحِبه التوفيقُ. ويحتمل أنّ المراد بهما أنّ الدين الحقّ الصحيح هو دين اللهِ الذي هدى اللهُ إِليه. وهو الأظهر؛ لورود الآيتين في سياق محاولة أهل الكتاب متابَعة المسلمين لهم على دينهم.\nومنها قوله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبر الدين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. ونظيرها قوله: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾، وقوله قَبلُ: ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾، \"وقوله: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. كلّ هذه الآيات من بابٍ واحدٍ. والاستدلال بالآية الأَولى أظهرُ. ووجهه أنهم لو كانوا مستقلّين بإِيجاد أفعالهم، لاستقلّوا ببروزهم إِلى مضاجعهم؛ لأّنه مِن أفعالهم. ولو استقلّوا به، لأمكنهم فعلُه وتركُه على جهة الاختيار. ولو صحّ ذلك، لما استَلزَم كَتْبُ اللهِ القتلَ عليهم خروجَهم إِلى مضاجعهم؛ لجواز أن يَكتبه هو، ويأبْوه هم. فلمّا استَلزَم كتبُ القتلِ عليهم بروزَهم له، دلّ على أنهم مضطرّون إِليه، لا مختارون. وإِذا ثبت اضطرارُهم في هذا","vol":"1","page":272},{"text":"الفعل، ثبت في كلّ فعلٍ؛ إِذ لا قائل بالفرق.\nومنها قوله سبحانه، ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾. ودلالتها من وجهين:\nأحدهما: أنّ عدوّ الإِنسان ضربان: إِنسانٌ من جنسه، وشيطانٌ من غير جنسه. وقد ثبت بالآية أنّ انتصاره على عدوّه مِن جنسه دائرٌ مع نصرِ الله، أو خذلانه له، وجودًا وعدمًا. فكذلك انتصاره على عدوّه مِن غير جنسه، وهو الشيطان، كذلك. ولا نعني، بنصر الله وخذلانه، إِلاّ خلقَ داعي مخالَفةِ الشيطانِ، أو خلق داعي موافقته. وقد سبق أنّ الفعل يجب عقيب الدَّاعي، وأنّ الله سبحانه خلَق [الفعلَ] له بواسطة الداعي.\nالثاني: أنّ الانتصار على العدوّ في الشاهد ليس إِلاّ بالأمور المحسوسة المشاهَدة، وهي الكَرّ بالخيل والرِكاب، والطعن والضرب بالسلاح. ولو كان ذلك مستقلًا بالمقصود، لَمَا كان المؤثر هو نصر اللهِ، دلّ على أنّه سبحانه هو خالق النصر وأسبابه التي هي الكرّ والفرّ والطعن والضرب ونحوها. وفي هذا الوجه نظرٌ.\nومنها قوله تعالى: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة﴾. وجه الاستدلال بها أنّ مسارعتهم في الكفر، لو كانت خلقًا لهم، لما أثُرت إِرادة اللهِ في ذلك. دَلّ على أنّ مسارعتهم ليست خلقًا لهم. ثمّ إنّ الإِرادة إِنما تأثيرها في تخصيص الأفعالِ في زمانٍ ومكانٍ ونوعِ وقدْرٍ، لا في نفس الإِيجاد، وإِنما المؤثّر في الإِيجاد القدرةُ. فدَلّ على أن إِرادة اللهِ وقدرته أثرتا في نفي حظهم في الآخرة؛ وما ذلك إِلاّ بخلق الكفرِ فيهم. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>سورة النساء</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وإِن تصبهم حسنة يقواو هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولو هذه من عندك قل كل من عند الله﴾. أي كلّ واحدةٍ من السّيئة والحسنة من","vol":"1","page":273},{"text":"عند الله. فظاهر الآيةِ حجّةٌ في الباب. لأنّ \"سَيئة\" فَيْعِلَةٌ، مِن \"ساء يَسُوء\"، وهي من سياق الشرط؛ فيَقتضي العمومَ، ويَتناول كلّ ما ساء؛ فيَدخل فيه الكفرُ والمعاصي. وكذلك الحسنة تتناول الإِيمانَ وسائرَ الطاعات. وقد أخبر الله سبحانه أنّ ذلك كلّه من عنده، أي بإِرادته وقضائه وقدرته. لكن قد قيل إنّ المراد \"بالسيّئة\" الجَدبُ والغَلاءٌ. وقيل: القتل والهزيمة؛ والحسنة ضدّ ذلك. وهو مقتضَى سببِ الآية وسياقها، وإِن كان خلافَ ظاهرِها وعمومِ لفظِها. فعلى هذا، ليست من حجج الباب. وقد سيق بعض الكلام فيها. ووجه الجمع بينها وبين قوله: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾. وبالغ في إِنكارِ ذلك عليهم، حيث قال: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾. وفيها على المكلوب ثلاثة أدلةٍ. أحدها:\nقوله، ﴿والله أركسهم﴾؛ وهم قومٌ آمنوا، لمّ رجعوا عن الجهاد مع رسول الله. فاختَلَف الصحابةُ؛ فقال بعضُهم: \"هم منافقون\"؛ وقال بعضهم: \"ليسوا منافقين\". فنزلت الآية، وأخبر اللهُ أنّه هو أركسهم؛ أي \"رَدَّهم\". ومنه سُمى الرَجيعُ\" رِكسَا\".\nالثاني: قوله: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾. نسب سبحانه الإضلالَ إِليه، كما نَسَب الهدى إِليه في غير موضعٍ. وحاول الزمخشريّ الخلاصَ من هذه بأن قال: ﴿من أضل الله﴾، أي \"جَعَلَه من جملَة الضُلاّل، وحَكَمَ عليه بذلك\"، أو \"خَذَلَه حتى ضَل\". وهيهات لات حين مناص! أمّا حملُها على الحكم بالضلال، فخلاف","vol":"1","page":274},{"text":"موضوعِ اللفظِ. ثمّ هو مجملٌ. فنحن نقول: \"حَكَمَ\" بمعنى \"قَضَى وقَدَّر\"؛ وهو يقول: بمعنى \"أَبانَ وأَظَهرَ\"؛ وهو نحوٌ من قولهم \"الطبع والختم بالتسمية\". وأمّا جعلُه ضالًا، أو خذلانه حتى ضَلَّ، فهو تَسليمٌ لما نقول. إِذ جعله ضالًا إِنما هو بخلقِ الضلالِ فيه وخذلانِه، حتى ضل من أسباب خلقِ الضلالِ، كما أنّ التوفيق من أسباب خلقِ الهدى.\nالثالث: ﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾؛ أي إِلى الهدى. والفرق بين هذا والذي قبله أنّ ذاك خاصٌّ، أو في معناه، وهذا عامٌ، لأنّه في سياق الشرط.\nومنها قوله سبحانه: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾. وهي كالتي قبلها.\nومنها قوله تعالى، ﴿وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. فَنَسَب الطبعَ عليها إِليه. وقد سبق الكلامُ على معنى ﴿بكفرهم﴾.\nومنها قوله سبحانه: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق إلا طريق جهنم﴾. فأخبر اللهُ سبحانه بأنّه يهديهم إِلى طريقِ النار، ولا يَهديهم إِلى طريق الجنّة. وإِن لم يكن هذا إِضلالًا، فليس في الوجود إِضلالٌ أصلًا. وقد بيّنّا أنّ كونَ ذلك مرتَّبًا على كفرِهم وظلمِهم لا يَنفي ما نقول بيانًا شافيًا. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>سورة المائدة</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾. فَنسَب الإِغراءَ بينهم إِليه. ولا تأثير لكونِه مرتَّبًا على نسيانهم لكوِنه مرتَّبًا على نسيانهم حظًّا منه، لما سبق.","vol":"1","page":275},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن الملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾. ومن المعلوم أنّ إِرادة الله سبحانه فتنتَهم وعدمَ تطهيرِ قلوبهم قبل وجودهم. فلا يَصحّ للهصم أن يقول: \"إِنهم لَمَّا كَفَروا، أ ﴿اد بهم ذلك عقوبةً لهم\". فإِن قيل: \"أراده جاريًا على كفرهم عقوبةً\"، قلنا: فهذا هو المراد.\nوتأوّلها الزمخشريّ على معنى \"مِن يُرِد اللهُ تَرْكَه مفتونًا، فلن تستطيع له مِن لُطفِ اللهِ شيئًا يَرُدّ به عن فتنتِه؛ ولم يُرِد تطهيرَ قلوبهم لعلمِه أنّ ذلك لا يَنفع\". قلتُ: أمّا الأوّل، فهو على بُعدِه عن الظاهر، له نوع اتّجاهٍ. وأمّا الثانى، فهو كقولهم في المثل، \"اضرِبْه على ذنبِه عشرةً، وعلى عُذرِه عشرين! \" لأنّ الله سبحانه لو قَدّر أنّه أراد أن يُطهِّر قلوبهم من الكفر والشكّ، فإِمّا أن يكون ذلك مع إِرادةِ أنّه يَنفَع فيهم، أو لا. والأوّل مستلزِمٌ للنفع؛ أنّه سبحانه فعّالٌ لما يريد؛ وإِلاّ لزم نفوذُ إِرادتهم وإِرادة الشيطان فيهم، دون إِرادة البارئ سبحانه. والثاني يوجب الجمعَ بين الضدّين. وهو أنّه أراد التطهيرَ، ولم يُرِده؛ وهو محالٌ. فتبيَّن أنّ الآية قاطعةٌ في مذهب أهل الحقّ.\nومنها قوله تعالى في اليهود والنصارى: ﴿ومن يتولهم منكم فإِنه منهم إِن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾. فنَسَب نفىَ الهدى إِليه، فدَلّ على أنّه هو الفاعل له ولضدّه. ولا تأثير لترتُّب نفي الهداية لهم على ظلمِهم لنا سبق. ولعّله يريد الظالمين في علمِه؛ فيكون نفيُ الهدايةِ ابتداءَ الأمرِ، بناءً على ظلمٍ أو غيره.\nومنها قوله تعالى: ﴿فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبوه﴾، إِلى قوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. ونظائرها في القرآن، مِن اختصاصه سبحانه بفضلِه مَن يشاء. فدلّ على أنّه لا علّة للهداية والضلال إِلاّ مشيئة الله وقدرته.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾.","vol":"1","page":276},{"text":"وهو مِثلُ قوله: ﴿فزادهم الله مرضا﴾، ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾. وإِذا جاز أن يَتَسِّبب إِلى زيادة الضلالة، جاز أن يَفعل. إِذ لا فرق بين فاعل القبيح والمتسِّبب إِليه في استحقاق أصلحِ القُبحِ. وإِذا جاز أن يفعل زيادةَ الضلالِ، جاز أن يفعل أصل الضلال.\nومنها قوله سبحانه: ﴿واتقوا الله وأسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. والاستدلال بها كما سبق.\nومنها قوله سبحانه، حكايةً عن المسيح: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾. جعل السببَ المصحِّح للتعذيب هو العبوديّة، ولم يعلِّل بمعصيةٍ ولا غيرها. فدَلّ ذلك على مذهب أهل الحقّ، مِن أن الله إِن يَرحم العاصي ويُعذِّب الطائعَ، بعلّةِ العبوديّة وكونِه مالكًا لا غير، فإِن انضَمّ إِلى ذلك صفُ طاعةٍ أو معصيةٍ، كان مؤكدًا، أو علّةً ثانيةً. وإِنّ لله سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>سورة الأنعام</span>\nفمنها قوله سبحانه: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. وهو نصٌّ صريحٌ في أن الله سبحانه [ما] إِن يلبس على العبد أمرَه حتى يُضلّه. وقد وقع هذا تحقيقًا في المسيح؛ فإِنّه يقال إِنّ الروح الذي أُرسل إِلى مريم كان مَلَكًا؛ فحَمَلته؛ ثمّ ظهر رجلًا. فهذا ملَكٌ قد جعله اللهُ رجلًا. ويَدلّ على ذلك أخلاقُه وأفعاله؛ فإِنها كانت كأخلاق الملائكة وأفعالهم. وكقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا﴾، الآية، فيما بعد؛ وقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبئ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، إِلى قوله: ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾. فهذا صريحٌ","vol":"1","page":277},{"text":"فى أنّه يَنصب لهم أشراكَ الضلال ليقعوا فيها. وإِن لم يكن هذا نصًّا فيما ذكرنا، فما ورد الشرعُ بنص في حكمٍ أصلًا.\nومنها قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. ولها نظائر في سورة الكهف وغيرها. وهي في معنى قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾؛ وقد سبق.\nومنه قوله تعالى، عقيب قولهم: ﴿يا ليتنا نرد ولا نكذب﴾، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾. ومن المحال أنهم يعودون لما نُهوا عنه بعد معاينتهم النارَ ومشاهَدة أمور الآخرة، إلاّ بأن يُنسيهم ملك ويَضطرّهم إِلى الكفر والمعاصي؛ وهو إِضلالٌ لهم بالتسببِ أو المباشرةِ؛ وهو المطلوب. وقد سبق.\nواعلم أنّا قد قدّمنا أنّ بعض المعتزلة غلا في وجوب رعاية الأصلح، حتى التزم أنّ دخول الكفّار النارَ أصلح لهم. قلتُ: ولا يتّجه في ذلك مصلحةٌ، إِلاّ أن يكون هذا القائل شذ عن أصحابه، وتخيل أنّ العالم يعود دورًا آخر إِلى دار التكليف؛ فيكون قد تأدّب بالنار، حتى إِذا كُلِّف ثانيًا أطاع. وهذه الآية ونحوها تردّه من وجهين:\nأحدهما: أنها تضمَّنت أنهم يَسألون أن يُردوا، فلا يُجابون؛ بدليل قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾؛ فاقتضى امتناعَ العودِ، لامتناع الردِّ على ما هو مقتضَى \"لو\".\nالثاني: أنّه، على تقدير الرد، أخبر أنهم يعودونه للكفر؛ فلا يَنفعهم التأديبُ.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾. وقد سبق الاستدلالُ بها في جواب الرسالة.\nومنها قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾.","vol":"1","page":278},{"text":"ومنها: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتى فإذا هم مبلسون﴾؛ أي: آيسون متحسرون. وهذا معنى قوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. قيل: \"معناها: كلّما جَدَّوا معصيةً، جَدَّدنا لهم نعمةً\". وهذا مكرٌ مِن الله بهم، كمكرِ الصائدِ بالصيد حتى يصيده. وهو إِصلالٌ بالخلقِ والتسبب؛ لأن خالق السببِ خالقُ المسبب؛ ولا خالق إِلاّ الله.\nومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾.\nقلتُ: كان النبيّ ﷺ يجالِس المستضعَفين مِن المؤمنين، كبلالٍ وعمّارٍ وصهيبٍ وسلمان. فازدَراهم الكفّارُ، وقالوا: \"هؤلاء مَنَّ اللهُ عليهم مِن بيِننا! لو كان هذا الأمر حقًّا، لما خُص به هؤلاء\". وكان ذلك فتنةً مِن الله لهم؛ كقول قومِ نوحٍ له: ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾. والاستدلال بها ها هنا أقوى منه بالتي في البقرة وآل عمران، بدلالة ما في سياقها.\nومنها قول إِبراهيم، حين رآى القمر بازغًا، ثمّ أَفَلَ: ﴿قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين﴾. وتأويله على \"لئن لم يَلطُف لى حتى أهتدي\"، لا دليل عليه. واللفظ وافٍ بمقصود أهل السنّة. وقال بعده: ﴿وحاجة قومه قال أتحاجونى في الله وقد هدان﴾؛ فَنَسَب الهدايةَ إِلى الله سبحانه.\nومنها قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾، إلى","vol":"1","page":279},{"text":"قوله: ﴿واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده﴾، إِلى قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدى﴾.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾. ومشيئة الله سبحانه إِرادتُه، وتعلُّقها بالمرادات موجِبٌ لوقوعها، بشرط تأثير القدرة فيها؛ لئلاّ تتناقَض مقتضياتُ صفاته تعالى؛ وهو محالٌ، كما سبق. وبهذا يندفِع قولهم، \"لو شاء مشيئة إِلجاءٍ\"؛ فإِنّ على ما قررناه لا تكون مشيئتُه ِلاّ ملجِئةً موجبِةً.\nومنها قوله سبحانه: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾. أي حَسًّنّاه في نفوسِهم، ليعملوه. والميل إِلى ما زَيّنه اللهُ سبحانه واجِبٌ، كما قال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾. وعلى ذلك تُقَطَّع الأعناقُ. وسبب ذلك أنّ الله سبحانه خَلَقَ الطِباعَ، وعَلِم ما تميل إِليه ميلًا واجبًا؛ فخلَقَه لها. فصار ذلك بمثابة من يُقرب الحطبَ من النار، والحديدَ من المغناطيس. فإِنّه بالضرورة يؤثِّر فيه، مع زوال المانع. وعكسُ هذه الآية قولُه تعالى للمؤمنين: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾. الآية.\nومنها قوله تعالى: ﴿قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾؛ على قراءة مَن كَسَرَ الهمزةَ، وهو أبو عمروٍ وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ. فإِنّه قد أَخبر أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآياتِ. ومعلومُ اللهِ واجبُ الوقوعِ، كما سبق غير موضعٍ.","vol":"1","page":280},{"text":"ثمّ قال: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمون﴾. واختلف في هذه الجملة. فقيل: \"مستأَنَفَةٌ إِخبارًا مِن اللهِ سبحانه أنّه يُقَلِّب قلوبهم عن إِدراك الحقِّ، فلا يتَّبعوه: كقوله ﵇، \"يا مقلُّب القلوبِ، ثبِّتني على دينك\" وتقليب القلوبِ يحتمل أن يكون حقيقةً، بأن تَتَلبَّس، أو يُختَم عليها، فلا يَدخلها نورُ العقل؛ أو مجازًا، بمعنى خلقِ داعي ما يشاء اللهُ فيها، على ما سبق تقريره في أوّل البقرة وغيره.\" وقيل: \"الجملة حاليّةٌ متّصِلةٌ بما قبلها\"؛ أي \"كيف يؤمنون، ونحن نُقَلِّب أفئدته عن الهدى\". وقد سبق الجواب عن كونه مرتَّبًا على عدم الإِيمان به أوّل مرّةٍ.\nومنها قثوله سبحانه: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كان ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾. وذلك [أنهم] سألوا النبيَّ ﵇ أن يُنزَّل لهم مَلَكَا يُصدِّقونه. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه لو فَعَلَ ذلك، وأحيى لهم كَّل ميتٍ، ما آمنوا إِلاّ بمشيئة الله. ولكنّهم جاهلون في التزامهم الإِيمانَ، إِّا ظَهَرَت الآياتُ التي اقترحوها؛ لأنهم يَظنّون أنّ هدايتهم إِليهم. وليس كذلك؛ وإنما هي إلى الله. وهذا مِن أبلغِ ما يكون؛ لأنّ العاقل إِذا رأى الملَكَ وإِحياءَ الميّتِ يُضطرّ إِلى الإِيمان؛ ومع ذلك أخبر اللهُ أنهم لا يؤمنون لا يقال: \"هذا مبالَغةٌ لا تُراد حقيقتُه\"؛ لأنّا نقول: هو مبالَغةٌ بأمرٍ مقدورٍ لله. وقد خبر اللهٌ بنفيِ إيمانهم على تقدير وقوعِه في حالٍ؛ فلا مانع مِن حملِه على إِرادة حقيقتِه.","vol":"1","page":281},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس﴾، إِلى قولهن ﴿وكذلك زين للكافرين﴾، على أنّ ضلاله بقدر اللهِ.\nومنها قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾.\nروى عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي جعفرٍ، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن هذه الآية، كيف يَشرَح صدرَه؟ قال: \"نورٌ يُقذَف فيه فينَشرِح ويَنفسِخ\". قالوا \"فهل لذلك مِن أمرَةٍ يُعرَف بها؟ \" \"نعم الإِنابة إِلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت\".\nورَوى أيضًا عن مَعْمرٍ، عن عطاء الخرسانيّ والكلبيّ، في قوله: ﴿يجعل صدره ضيقا حرجا﴾. قالا: \"ليس للخير فيه مَنفَذٌ\".\n﴿كأنما يصعد في السماء﴾. قلتُ: أي يجد لقبول الإِيمان مشقّةً وتَكَلُّفًا، كما يجد الذي يَصَّعَّد في السماء؛ أي يريد الصعودَ، ولا يمكنه.\nثمّ قال: ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾. و\"الرجس\" اللعنة والعذاب. وقيل: الكفر. وقيل: الشيطانُ، يُسّلَّط عليه، فيُفضِلّه.\nومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾، إِلى قوله: ﴿ولوشاء الله ما فعلوه﴾، وقبلها: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾. والاستدلال بمِثل هذا سبق.\nومنها قوله: ﴿ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾. وسبق مثلُها والكلام عليه.","vol":"1","page":282},{"text":"ومنها قوله سبحانه: ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾. قلتُ: هذه أقوى حجّةٍ في الباب. لأنّ الله سبحانه جمَع فيها بين طرفي المسألةِ. فأثبَتَ الحجّةَ البالغة له على الخلقِ، باعتبار تَصرُّفِه التكليفىّ فيهم. فكأنّه قال: \"لي الحجّة البالغة عليكم؛ وأنا قَدَّرتُ الضلالَ عليكم. وغاية ما في الباب أنّكم لا تَفهَمون حقيقةَ هذا. لكنّ تَصرُّفى فيكم لا يَتَوقَّف على فهمِكم؛ لأني فعّالٌ لما أُريد، ولست بظلامٍ للعبيد\".\nونظير هذه الآية في إِثبات الصفات ونفي التشبيه قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾، فهذا تنزيهٌ، ﴿وهو السميع البصير﴾، وهذا إِثباتٌ. وغاية ما في الباب أنّه لا يُدرَك سميعٌ بصيرٌ إِلاّ جسمٌ؛ لكنّ الله سبحانه في ذاته وصفاته بخلاف المساهَدات. وكذلك في أفعاله. والله أعلم.\nومنها قوله تعالى: ﴿قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم﴾، الآية. نَسَبَ الهدايةَ إِليه. فإِن قيل. \"فإِنها واجبةٌ على الله؛ بخلاف الإِضلال؛ فإِنّه قبيحٌ\"، قلنا: على تقير تسليم ذلك، فإِنّ تقدير أسباب الضلال قبيحٌ أيضًا؛ وقد سَلَّمتم أنّه يَفعَلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>سورة الأعراف</span>\nفمنها قوله تعالى، حكايةً عن إِبليس، قال: ﴿قال فبما أغويتنى﴾. فنَسَب الإِغواءَ إِلى اللهِ؛ وأقَّره عليه مع قوله له: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طرين﴾. فإِبليس عَلِم أنّه عوقِب بكَسبِه، وفَهِم أنّ الله قَدِّر ذلك عليه وأقَّره اللهُ على ذلك، فلم يُنكِره عليه. ثّم الإِغواء المنسوب إِلى الله سبحانه إِمّا أن يكون بخلقِ الغوايةِ في القلب، فيحصل المقصود؛ أو بالتسبُّبِ إِليها، وهو قبيحٌ عندكم، يُنافي اللطفَ ورعايةَ الأصلحِ الواجب عليه. ولا يَصِحّ حملُ \"أَغْوَيْتّنِي\" على معنى","vol":"1","page":283},{"text":"\"أَصَبتَني غاويًا\"، من \"أحببنُ الرجلَ وأبخلتُه\"؛ لأنّه احتمالٌ مرجوحٌ جدًا، ظاهرُ الفسادِ؛ لأنّ إِبليس أراد المقابَلةَ؛ أي \"اجْعَلْ إِنظارَك لي في مقابِل إِغوائك لي\" ولو كان الإِغواءُ بالمعنى المذكور، لما صَحَّ ذلك؛ لأنّه كان يقال له: \"أنا ما أغويتُك لأخلف عليك إِغواءَك بإِنظارِك؛ بل أنت أغويتَ نفسَك. فماذا أخلف عليك؟ بل أَهلِكُك، وأُرِيح الناسَ منك\".\nومنها قوله تعالى: ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾. ومعناه حَقت عليهم الضلالةُ بقَدَر اللهِ؛ كما قال: ﴿ولكن حق القول منى لأملأن جهنم﴾. وأمّا تعليله ذلك بقوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله﴾، فتلك العلّة مع معلولها مَقدورةٌ مقضيّةٌ لله. فهو الذي قَدَّر الضلالَة جاريةً على سببِها؛ فهما مقدوران هل؛ كما أنّه خَلَقَ سائرَ المضارِّ والمنافعِ مع أسبابها.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدى لولا أن هدانا الله﴾. وإِذا كانت الهدائةُ مع فِعلِه وإِرادته سبحانه وجودًا وعدمًا، فكذلك الضلالة، كما سبق.\nومنها قوله شعيبٍ لقومه: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾، يعني لملّتهِم، ﴿إلا أن يشاء الله ربنا﴾؛ فدَلَّ على أنّ الرِدّة عن الإِيمان بمشيئة الله مع قدرته، لما سبق مِن [أنّ] الإِرادة لا تِستقِلّ بالإِيجاد.\nومنها قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبى إلأا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾، إِلى قوله: ﴿فأهذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾. فإِنّ هذا، وما سبق في الأنعام، مِن قوله:","vol":"1","page":284},{"text":"﴿فتحنا عليهم أبواب كل شئ﴾، تفصيلٌ لقوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وهذا إِما إِضلالٌ حقيقىٌّ، أو تَسبٌ إِليه. وكلاهما قبيحٌ عندهم؛ فكان الواجب انتفاؤه، لأنّه أصلح.\nومنها قوله تعالى: ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾. والاستدلال لمِثلِه سبق. وبعده،﴾ كذلك يطيع الله على قلوب الكافرين﴾.\nومنها قوله موسى: ﴿إن هي لأفتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء﴾. فأقرَّه اللهُ على ذلك. وقد سبق أنّه قال له: \"أنت حكيم الحكماءِ\"، حيث اعتَرَف بالقدر، وأنّ لا خالق إِلاّ الله.\nومنها قوله: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم﴾. وهذا اضطرارٌ سَبَي؛ فليَجُر الاضطرارَ الخَلقيَّ، لاستوائهما في الاضطرار. ومَن زعَم أنّ هذا ليس باضطرارٍ، فهو كمن أَلَقى حطبًا في النار؛ فاحتَرَق؛ ثمّ قال: \"ما أحرَقتُه\". ولا فرق بينهما، إِلاّ إِرادة الإِنسان الاختياريّة؛ وهي مسخَّرةٌ لله سبحانه، مصَرَّفةٌ فيما يريد.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، إِلى قوله: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾. ووجه الاستدلال بها أنّه أَخَذ ميثاقَهم، ثمّ أنساهم إِياّه؛ فهم اليوم يَفعلون ما كان منهم غير ذاكِرين للميثاق؛ بل أكثرهم منكِرٌ له. ولعلّهم لو ذَكَروه، لَوَفُوا به. فهُم الآن غافلون عنه، بل جاهلون به قطعًا. ثمّ يوم القيامة يُذكرهم إِيّاه؛ ثمّ يُعاقِبهم. وهذا تكليف ما لا يطاق قطعًا. فليكن خلقُ الأفعالِ","vol":"1","page":285},{"text":"والتعذيبُ عليها كذلك؛ ولا فرق.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد﴾. تقديره، والله أعلم، \"ولكنّا لم نَشأ أن نَرفَعه بها؛ فأخلد ﴿إلأى الأرض واتبع هواه﴾. فصار إِخلادُه واتّباعُه هواه مرتَّبًا على عدم مشيئة الله. فهو من باب الاكتفاء بالمسَّبب عن السبب لرفعِه. وكذلك كلّ سببٍ اعتَلَّ اللهُ به على خلقِه هو مقدورٌ له.\nومنها قوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ولقد ذرأنا لجهنم﴾، الآية.\nومنها قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وقد سبق تفصيلُ هذا الاستدراج في قوله، ﴿وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بلبأساء﴾، الآية. وهو إِضلالٌ بالتسُّبب.\nومنها قوله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>سورة الأنفال وبراءة</span>\nومنها قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. نَفَى اللهُ سبحانه رَميَ نبيِّه ﵇ بقوله، ﴿ما رميت﴾، وأثبت بقوله: ﴿إذا رميت﴾. فقال العلماء: \"الرميُ لابدّ فيه من قبضٍ وإِرسالٍ، وهما مِن فِعلِ النبيّ ﵇؛ وتبليغٍ وإِصابةٍ، وهما مِن فِعلِ اللهِ سبحانه\". فعلى هذا القياس، تكون الأفعالُ منسوبةٌ إِلى العبد بالكسب، وإلى الربّ بالخلقِ. أو يقال: \"مبادئ الأفعالِ بعزمِ العبدِ وكسبِه؛ وغاياتها بخلقِ الله ومعونتِه. وفي صدرِ الآية: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾؛ وهو قاطعٌ في الباب.\nومنها قوله سبحانه: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾. يعني: بخلقِ","vol":"1","page":286},{"text":"الدواعي إِلى ما يريد، والصوارفِ عمنّا لا يريد. قال ابن عبّاسٍ: \"يحول بين الكافر واطعته، والمؤمن ومعصيته\". وقال مجاهدٌ: \"يحول بينه وبين قلبِه حتى لا يَعقِل، ولا يَدرى ما يَفعل\". وقيل: \"يحول بين المؤمن واعتقاد الكفرِ، وبين الكافر وبين الإِيمان\".\nومِن بَراءة: ﴿زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين﴾. وقد سبق مثلُهما، والاستدلال به.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. \"ثَبطهُم\": \"حَلَّ عزائمَهم عن الجهاد، وزَيَّن لهم التَخلُّفَ\". وقيل: \"أي بلسان القدرةِ الكونّية\". فهذا قاطعٌ في أنّ التكليف والتكوين لا يَتناقضان من الله سبحانه؛ لأنّه قال لهم بلسان التكليف: \"جاهِدوا، وانهضوا مع رسول الله في سبيل الله\"؛ وقال لهم بلسان التكوين والقدر: \" ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾. فكذلك يجوز أن يقول للعبد: \"لا تَزنِ\"، ثمّ يخلق في الزنا؛ أو: \"صَلِّ\"، ثمّ يثبطَه عن الصلاة.\nومنها قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾. أي جَعَل اللهُ النفاقَ في قلوبهم. وذلك إِضلالٌ لهم، أو زيادة إِضلالٍ.\nومنها قوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع﴾. وفي التي بعدها بآياتٍ: ﴿وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾. ﴿ولا يفقهون﴾. وقد سبق معنى \"الطبع\".","vol":"1","page":287},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾.\nأخبر اللهُ سبحانه أنّه يُضِلّ مَن بيَّن له، فلم يَتقِ. وذلك هو هداه لهم -أعني البيانَ- وهو الهُدى المجرَّد.\nفأمّا قوله: ﴿وإِذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾؛ فيُحتمل أنّه دعاءٌ عليهم بصرفِ قلوبهم عن الاهتداء، وما في قلوب المؤمنين مِن الانشراح للآيات. ويحتمَل أنّه إِخبارٌ من الله سبحانه أنّه صَرَفَ قلوبهم ومَنَعَها عن تَلقِّي الحقِّ. وعلى التقديرين، فهي حجّةٌ؛ لأنّ دعاء الله واقعٌ، وخبره صادقٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>سورة يونس ﵇</span>\nقوله سبحانه: ﴿وكذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾. وسبق نظيرها في الأنعام.\nومنها قوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. فأخبر أنّ دعاءه عامُّ للناس، وهدايته خاصّةٌ بمن يشاء. وقد سبق أنّ مطابَقة مقدورِه لمعلومِه واجبٌ.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون﴾. وهذا يؤكِّد ما ذكرناه، مِن وجوبِ مطابَقة مقدورِه معلومَه. لأنّ كلمت لمّا حَقَّت بعدم إِيمانهم، وَجَب أن يحُول بينهم وبين الإِيمان، لئلا يؤمنوا؛ فيُخالِف الخبرَ الخبرُ، والعلمَ متعَلَّقُه.\nومنها قوله سبحانه: ﴿قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلى أن يهدى﴾. أي لا يُرشِد إِلاّ أن يُرشِده اللهُ","vol":"1","page":288},{"text":"إِرشادًا كاملًا، بحيث يَصِحّ منه أن يُرشِد الناسَ، وإِن حُمِل \"الهُدى\" في هذه الآية على الإِرشاد المجرَّد، لم يكن حجّةً في الباب.\nومنها قوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم﴾، ﴿أفأنت تهدى العمى﴾. أي أنهم صمٌّ عمىٌ. فهو مِثلُ قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصاره غشاوة﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك نطبع على قلوب المعتدين﴾.\nومنها قول موسى: ﴿وقال موسى ربن إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. قال الله سبحانه: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾. والسّدُّ على القلب في معنى الختمِ عليه، ومنعِه مِن أن يَستنير بضياء العقل.\nومنها قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية حتى يروا العذاب الآليم﴾. والاستدلال بها كالاستدلال بنظيرها في أوائل السورة.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾. وقد سبقت، ونظيرتها من سورة الأنعام وهودٍ. ثمّ قال: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾. وقد سبقت نظيرتها في الأنعام في قوله: ﴿يجعل .. الرجس﴾.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>سورة هودٍ ﵇</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾. يحتمَل أنّ يُجعَل من أدلّة الباب على معنى أنّ الله سبحانه لَمَّا خَتَم على سمعِهم وبصرِهم، صاروا لا يستطيعون سمًعا ولا يبصرون. وحقيقته أنّه أغفَلَهم عن التدبير والنظر؛ فصاروا كمن لا يَسمَع ولا يُبصِر؛ لأنّ سمعهم وبصرهم لم يَنفعهم؛ فصار كالمعدوم المتَعَذِّر. ويحتمل أن يجعل ذلك مَثلًا محضًا؛ أي لبُغضِهم القرآنَ والإِيمان، لا يستطيعون سمعَه وإِبصار مَن يدعوهم إِليه؛ كما يقال: \"ما أستطيع أرى فلانًَا، ولا أسمع كلامَه. ولهذا قال بَعدُ: ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا﴾.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾. وقد مَرَّ الاستدلالُ به في تكليف ما لا يطاق، وغيره.\nومنها قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾. أي قاهرٌ لها، فلا تَتصرَّف إِلاّ بما يُصرِّفها فيه ويخلق فيه دواعيه. يَدلُّ على أنها في سياق قول هودٍ لقومه، ﴿فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون أني توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾؛ أي لا تفعلون بى إِلاّ ما يقدَّره اللهُ على أيديكم. وحينئذٍ، يكون الفعل في الحقيقة منه، لا منكم. وأنا راضٍ بما يكون من ربى ﷿.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾، الآيتين. وقد سبق الاستدلال بهما.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>سورة يوسف ﵇</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿والله غالبٌ على أمره﴾. وهو معنى قوله: ﴿إن الله بالغ أمره﴾. ومعنى ذلك أنّه أراد شيئًا، كان. وقد بيّنّا أنّ مراده ومقدوره لابّد وأن يطابِق معلومَه السابق، لئلا يَتناقض مقتضَى صفاته الذاتيّة. وذلك يقتضي ما قلناه من [أنّ] تقدير الأفعال وخلقه أطبق معلومه.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾. وإِنما صَرَف ذلك عنه بإِظهار البرهان وخلقِ دواعي التركِ.\nوقد أخبرني بعضُ مَن أثقِ به عن بعض مَن يَثِق به أنّه قال: \"تعلَّقتُ امرأةً. فلم أَزَل بها، حتى حصّلتُها في البيت. وقَعَدتُ منها مقعدَ الرجلِ مِن إمرأته، وتلقاءَ وجهي رآةٌ لأهلي. فعَرَضَ لي أن نَظَرتُ إِلى المرآة؛ فإِذا صورتي صورة خنزيرٍ \"قال: \"فتركتُ ما أنا فيه، ووقعتُ مغشيًا علىّ. فلم استيقظ إِلاّ والمرأة قد ذَهَبت، وقد صار أهلي حولي، وكانوا غُيبًا\".\nقلتُ فكما يَصرِف عن بعض خلقِه الفحشاء بهذه الدواعي والبراهين. وليس ذلك واجبًا عليه، كذلك يوقِع بعضَهم فيها بخلقِ دواعيها وتركِ ما يَردَع عنها. وليس ذلك مستقبحًا منه. والله أعلم.\nومنها قوله، حكايةً عن يوسف: ﴿وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إلين﴾، إِلى قوله: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن﴾. فصَرح يوسفُ بأنّ الله سبحانه إِن لم يَصرف عنه كيدَهن، وقَعَ فيه. لا يقال: \"الآية حجّةٌ عليكم، لأنّه قال: \"إِن لا تَصرِف عني، أَصبُ\"؛ فَنسَبَ الصُبوَّ إِلى نفسه؛ وهو مرادنا\"؛ لأنّا نقول: إِنما نَسَبَ الصُبوَّ إِلى نفسه مِن حيث هو كسبٌ له، على ما سبق في تفسير الكسبِ. ونحن لا ننكرِ ذلك. لا أنّه ادعاه خلقًأ؛ إِذا لو كان خلقًا له باختياره، لما كان لِصَرفِ اللهِ وعدمه فيه تأثيرٌ. وما يَدعونه من إِعانه الله ولطفِه تموويهٌ راجعٌ إِلى حقيقة ما نقوله نحن.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>سورة الرعد</span>\nفمنها قوله سبحانه: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.\nوهو، لكونه في سياق الشرط، عامٌ في كل في كل سوءٍ جَرَى على العبد من خارج نفسه، أو من فِعلِه. وقد أخبر اللهُ أنّ ما أراد مِن ذلك لا مرد له؛ فدّل على أنّه بتقديره. إِذ لو لم يكن بتقديره، لجاز أن يريده، فلا يكون؛ فيكون ما أراده من ذلك مرد، فيخالِفُ الخبرُ الخبرَ.\nومنها قوله سبحانه: ﴿قل الله خالق كل شئ﴾. ونظيرها في سورة الزمر. وهو عامٌّ في الأعيان والأفعال. لكنّ الاعتراض عليه بأنّه عامٌّ مخصوصٌ بذات الله سبحانه وصفاته، عند المثبِتين لها. والعامّ دلالتُه على جميع الأفراد ظنّيّةٌ، لا قاطعةٌ. فإِذا خُصّ، ازدادَت دلالته ضعفًا؛ لوقوع الخلاف في بقائه حجّةً أم لا، وفي بقائه حقيقةً أو مجازًا. وبتقدير بقائه حجّةً، يجوز تخصيصُ محلِّ النزاع منه بدليلٍ. فنحن نخُص أفعالَ العبادِ مِن هذا العموم بأدلّتنا السابقة. فيبقى المخلوقُ لله سبحانه، ما عدا ذاته وصفاته وأفعال خلقه.\nوالجواب أنّ العامّ حجّةٌ بالجملة، وسواءٌ كانت دلالته قاطعةً أو ظنّيّةً. وهو حجةٌ بعد التخصيص. وتخصيص محل النزاع من بدليلٍ جائزٌ. لكنّ أدلّتكم السابقة قد أَجَبنا عنها بما مرَّ؛ وأكثرها لازمٌ عليكم.\nومنها قوله سبحانه: ﴿قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب﴾. وقد سبق لها نظائر. فإِن قيل: \"رَتَّب الهُدى على الإِنابة؛ فدَلّ على أنّه لا يُضِلّ ويَهدي ابتداءً، بل مكافأةً على الطاعة والمعصية\"، قلنا: هذا سؤالٌ سبق، وجوابه. وهو إِن ثبت ما ذكرتم، فالضلال والهداية وشبِهها الذي ترتَّبا عليه مخلوقاتٌ لله سبحانه. ويخصّ","vol":"1","page":292},{"text":"هذا المكان ونحوه بأنّ المراد \"يهدي إِليه مّن عَلِم أنّه لو تَرَكَه واختيارَه، لكان مُنيبًا\"، وقد سبق تقريره. ثمّ نقول: إِن رَتَّب الهدايةَ على الإِنابة، فقد رتّب الاستدلالَ على المشيئة المجرّدة؛ وهو المطلوب.\nومنها قوله سبحانه: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾. وقد سبق نظيرها في سورة يونس وهودٍ ﵉.\nومنها قوله سبحانه: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. فهذه الجملة كلّها نصوص المقصودِ. إِذ تضمّنَن تزيينَ المكر لهم؛ والمزيِّنُ لهم إِمّا الله، وإِمّا الشيطان، بتقديرِ اللهِ كما سبق. وأنهم صَدُّوا عن السبيل؛ والكلام في الصَدِّ كالتزيين. وأنّ مَن يُضللِه اللهُ فما له من هادٍ، كما سبق في الأعراف، ويأتي في الكهف، إِن شاء الله تعالى.\nومنها قوله سبحانه: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. هذه مِن شُبَه المسألةِ؛ وليست قاطعةٌ فيها. لأنّ جنس ما يمحوه ويُثبِته ليس مبنيًا فيها؛ لجواز أنّه يمحو ما يشاء ويُثبت مِن الأرزاق والآجال، أو القرآن نسخًا وحكامًا لكن قد رُوىَ في تأويلها آثارٌ عن السلف، تدلّ على المقصود. فروى عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾، قال: \"إلاّ الشقاء والسعادة والحياة والموت\". قلتُ: يعني أنّ هذه الأشياء معلومةٌ عنده، سبق بها علمُه، ونفذَت فيها مشيئتُه، فلا تتغيّر.\nورَوى عن عن معمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سُئل ابن عبّاسٍ عن \"أمّ الكتاب\"،","vol":"1","page":293},{"text":"فقال: قال كعبٌ: \"خَلَق اللهُ الخلقَ، وعَلِم ما هم عاملون. ثمّ قال لعلمِه: \"كُنْ\"، فكان كتابًا\". قلتُ: يعني قال لمعلومه فيهم: \"كُنْ\"؛ لأنّ علمه سبحانه لا يَقبَل تأثيرًا وإِرادةً وقدرةً؛ لأنّه سُمّي المعلوم \"عِلمًا\" تجوُّزًا.\nورَوى عبد الرزّاق، عن مَعْمرٍ، عن قتادة، عن الحَسَن، قال: \"مَن كَذّب بالقدر، فقد كذّب القرآنَ\". وهذا يدلّ على أنّ تلك الرسالة منحولةٌ على الحَسن.\nومنها قوله سبحانه: ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾. وقد بيّنّا أنّ تَعَلُّق علمِ اللهِ في الأزل بوقوع المعاصي يَستلزم الحكمَ بها، بمعنى القضاء والتقدير؛ لئلاّ يخالِف العلمُ المعلومَ؛ فلا يكون لذلك الحكم عقّبٌ، أي ناقضٌ. ويلزم من ذلك أنّه مقدِّرُ الأفعالِ وموجِدها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>سورة إِبراهيم ﵇</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾. قد ذكر في آخر السورة: ﴿ويضل الله الظالمين﴾. فللخصم أن يقول: \"قوله، يُضلُ مَن﴾ يشاءُ\"، عام؛ وقوله، \"يُضِلُّ اللهَ الظالمينَ\"، خاصٌّ؛ بتقدَّم. وحينئذٍ، ما أضل إِلاّ ظالمًا\". لكن قد سبق الجواب عن هذا مستوفىً.\nومنها قوله: ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا﴾. وإِذا كان هو الذي هَدى الرسلَ، جاز أن يكون هو الذي أضلّ الكفّارَ. وقد دَلّ على وقوعِه النصوصُ. فإِنّ العبد هو هادي نفسِه عند الخصم، كما أنّه مضلّها وهذه الآية ونحوها ترِد عليه.","vol":"1","page":294},{"text":"ومنها قوله تعالى، حكايةٌ عن الضعفاء والمستكبرين: ﴿إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم معنون عنا من عذاب الله من شيء قالو لو هدانا الله لهديناكم﴾. وأقرّهم اللهُ على هذا، ولم يُنكِر عليهمم كما أنكَر على القائل: ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾. لأنّ هذا أراد نفيَ الإِرشادِ المجرَّد؛ فكذبّه اللهُ بقوله: ﴿بلى قد جاءتك آياتى﴾؛ وأولئك أرادوا الهدى الكامل المصاحَب بالتوفيق؛ فلم يُكذَّبهم. وتَبيّن بهذا أنّ قول الشيطان لهم بعدَ هذا، ﴿فلا تلومونى ولوموا أنفسكم﴾. معناه \"على كسبِكم\"، على ما سبق تفسيرُه، أو \"على أنّكم لو تُرِكتم مختارين، لعَصيتم\"، كما سبق.\nومنها قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾. وليس يعد هذا بصريحٍ غى إِثبات القدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>سورة الحجر</span>\nفمنها قوله سبحانه: ﴿كذلك نسلكه في قارب المجرمين﴾. اختُلِف في الضمير \"نَسْلُكُهُ\". فقيل: هو ضمر \"الذِكر\" في ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾. وهو الظاهر، بدليل قوله في الشعراء: ﴿كذلك سلكناه﴾؛ فهو ضميره؛ لأنّ السياق له، وهو قريبٌ منه جدًّا. ومعنى الآية على هذا: \"إنّا سلكنا القرآنَ في قلوب الكفّار كما سلكناه في قلوب المؤمنين، لتقوم الحجّةُ عليهم في كفرِهم وتكذيبهم\". ومعنى \"سَلْكِه في قلوبهم\"، إِسماُعهم إِيَاه، حتى وصلَت معانيه بواسطة ألفاظه إِلى قلوبهم\". قلتُ: لكنّه منَعَهم فهمَه وقبولَه بالأكنّةِ التي جعلها، والختمِ والطبعِ على قلوبهم.","vol":"1","page":295},{"text":"وقيل: الضمير للكفر والشِرك. رَوَى عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن حميدٍ، عن الحَسن، في قوله: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين﴾، قال: \"الشرك\".ورَوَى عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: \"إِذا كَذّبوا، سَلَكَ اللهُ في قلوبهم أن لا يؤمنوا به\". قال بعض ُ المقسِّرسن: \"معناه: كما سَلَكَ الكفرَ والتكذيبَ في قلوب الأوّلين، يسلُكه في قلوب هؤلاء؛ فلا يؤمنون به، [أى] بمحمّدٍ، أو بالقرآن، أو بهما؛ وهما متلازِمان\".\nومها قوله تعالى، حكايةً عن إِبليس، ﴿رب ما أغويتنى﴾. وقد سبق وجه الاستدلال بها في سورة الأعراف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>سورة النحل</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. وقد سبق نظيرها ووجه الاستدلال به.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾. والمراد \"بالهدى\" ها هنا الهدى التامّ، وهو الإِرشاد المصاحَب بالتوفيق؛ لأنّ الإرشاد المجرّد حَصلَ للجميع، وبه قامت الحجّةُ على الخلقِ. و﴿حقت عليه الضلالة﴾، يعني مِن الله بقضائه وقدره، كما سبق.\nومنها قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل﴾. على قراءة من بَنَى \"يُهْدَى\"، لما لم لم يُسَمَّ فاعلُه. و\"يُهدَى مِن الخلقِ مَن أضلّه اللهُ\"؛ أو \"من يُضِلّه اللهُ لا يُهدَى\".","vol":"1","page":296},{"text":"ومنها قوله سبحانه: ﴿إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾. والاستدلال بها يَتوقّف على ثبوتِ إِدارة الله لجميع الكائنات وقد سبق الكلام فيه. فإِذا ثبت، قلنا: الكفر مادٌ لله؛ وكلّ مرادٍ لله، فإِنما يوجَد بتكوينه؛ فالكفر يوجَد بتكوينه.\nومنها قوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾. والإِيمان والهدى أكبر النعمِ؛ فهما من الله؛ بمعنى أنّه خلقَهما فيهم عقبَ الإِرشاد إِليهما والتوفيق لهما. وعند الخصم، إِنّ الإِنسان يَهدى نفسَه ويُضلّها؛ ولولا ذلك، لما قامت عليه الحجَةُ. قلتُ: وإِذا كان النعمُ منه سبحانه، فكذا النقم؛ والضرل أعظمها.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أما واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاؤ ولتسألن عما كنتم تعملون﴾. وقد سبق لها نظائر.\nومنها قوله تعالى، ﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله﴾. فدل على أن الهداية وسلْبَها منه سبحانه.\nومنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون. قلتُ: والله هو الذي أغفلهم؛ بدليل قوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذركنا﴾. وقد سبقت الآية ونظائرها أوّل البقرة.\nومنها قوله، في حقِّ إِبراهيم: ﴿اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾. وقد سبق قولُ إِبراهيم: ﴿لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين﴾.","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>سورة بني إِسرائيل، على صالحيهم السلام</span>\nفمنها قوله تعالى، ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾. كَثُر النزاعُ في هذه الآية. فقرأ بعضُ القراءِ \"أَمَّرَ\"، بالتشديد من الإِمرَة والتأمير، وهي الولاية؛ وَليناهم أمرَها، ففسقوا\". لأنّ الولاية سببٌ قوَّى الفسقَ؛ لأجل القدرةِ التي تُصِّح مقتضى الشهوات.\nوقرأ بعضُهم \"آمَرْنا\"، بالمدّ والتخفيف، و\" آمَرْنا\"، بغير مَدّ، بمعنى \"كثَّرنا أهلَها، ففسقوا\". والكثرة، مع الطِباع الرديئة، سببٌ للفسق أيضًا. ولذلك كانت الإِمامة واجبةً على الأمّة للصلاح، والعدلِ بين الناس، ودفعِ الظلم. رَوى عبد الرزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: \"أَمَرنا مُترِفيها: أكثر\".\nوقرأ بعضُهم \"أَمَرنا\"، مِن الأمر الذي هو ضدّ النهىِ. وحقيقة اللفظ، \"قلنا لهم: افسُقوُا\". إِّلاّ إِنها غير مرادةٍ قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾. فلابد من حملِها على المجاز فقال الزمخشريّ: \"معناه إِنّ الله أنعمَ عليهم ليَشكُروا؛ فجعلوا النعمةَ سببَ البطرِ\". وقال غيره: \"أَمَرناهم بالطاعة، فخالفوا؛ ففسقوا بالمخالَفة؛ فحقَّ عليهم القولُ بذلك\".\nوهي على هذين الوجهين حجّةٌ في الباب، تقريرها ما سبق، مِن أنّ فِسقَهم كان معلومًا لله. فأمرُهم بالطاعة، مع العِلمِ لمخالفتهم، اضطرارٌ لهم إِلى الفسق بجهة التسبُّب. ولنا أن نحمل الأمرَ هنا على الأمر الكونيّ؛ أي أمَرناهم بسان التكوين، ففسقوا، لبتلُغ عليهم حجّتٌنا، وتَنفُذ فيهم مشيئتنُا، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. وهذا أوضح التأويلات على رأىِ مثبِتى القدر.","vol":"1","page":298},{"text":"ومنها قوله سبحانه: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. وهي ونظائرها في معنى الختم والطبع؛ وقد سبق أول البقرة.\nومنها قوله تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾. ونظيرها في سورة الحجر ووجه دلالتها أنّه سبحانه جَعَلَ لنفسه عباد اختصّ بهم، وأَصفاهم إِليه، وعَصَمهم من الشيطان قبل خلقهم. وآخَرين غاوِين أبعَدَهم وأبغضهم؛ ولو تُرِكوا واختيارهم في أفعالهم، مع ظهور آيات الله وقَوارِع معجزاته، لهدوا أنفسهم. فما كانوا غاوين ضالّين إِلاّ بقضائه وقدره .. وقد سبقت هذه الطريقة.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾. و\"تثبيته\" هو خلقُ الثباتِ فيه بواسطة خلقِ داعيه فيه. فمَن لا يُثبِّته اللهُ، يرتدّ عن دينه. وقد سبق أنّه لا فرق بين فِعلِ القبيح، وبين تركِ منعِه مِن القادر على ذلك. فإِذا جاز تركُ العصمةِ مِن الكفر، جاز خلقُ الكفرِ. والله أعلم.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾. وقد سبق لها نظائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>سورة الكهف</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم﴾. أي ثّبتناهم على الهدى لئلاّ يضلّوا كما ضلّ قومُهم.\nومنها قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾. وهي كنظائرها من النصوص القواطع في الباب.","vol":"1","page":299},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشئ أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾، إِلى قوله، ﴿وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هشا رشدا﴾. فأخبر أنّ بدون مشيئته لا يتمّ أمرٌ؛ وقد دلّ عليه سببُ الآيةِ وأمرُ النبيِّ ﵇ أن تُتَرَجَّى الهدايةُ مِن الله سبحانه.\nومنها قوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾. ومعنى \"أغفلنا\": \"صَرَفنا قلبَه عن ذكرنا\"؛ كقوله: ﴿صرف لله قلوبهم﴾، ﴿وأضله الله على علم﴾. وحمَل الزمخشريُّ ﴿أغفلنا﴾ على معنى \"جعلناه غافلًا عن الذِكر بالخُذلانِ\"، أو \"وَجدناه غافلًا؛ كقولك \"أَحمَدتُه، وأَبخَلتُه، وأَجبَنتُه\"، أي وَجَدتُه كذلك؛ أو مِن \"أَغَفَلَ إِبلَه\"، إِذا لم يجعل لها سِمةً تُعرَف بها. كأنّه سبحانه لم يَسِمْ قلبَه بالذِكِر، ولم يجعله مِمَّن كُتِب في قلوبهم الإِيمانُ\". قلتُ: والأولّ والآخِر تسليمٌ لما نقوله. والثاني خلاف الظاهرِ. ثمّ هو غير منافٍ؛ لجواز أن تجده غافلًا، لكونه خَلَق فيه الغفلةَ.\nفأمّا قوله: ﴿واتبع هواه﴾؛ ولم يقل: \"فاتّبع\"؛ لأنّ المرادَ اجتَمَع له الأمران: إِغفالنا له بالخلق، واتّباعه هواه بالكسب. ولم تَرِد الأخبارُ بأنّ الإِغفال سببُ اتّباعِ الهوى، وإِن كان في نفس الأمر كذلك.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾. وتقديره \"ما شاء الله كان\"، كما هو مستفيضٌ على ألسنة الناس.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. ثمّ أكّد ذلك بقوله: ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا﴾. وهذا جرمٌ منه بأنهم لا يهتدون في المستقبل. ولولا أنّه المانع لهم، لما وثق حتى جزَم بهذا الجزم. فإِن قيل: \"وثوقه مستنِدٌ إِلى العلم\"، قلنا: فقد بَيّنّا أنّ المقدور منهم يجب مطابَقتُه للعلم. وإِلاّ، جاز أن لا يُطابِق؛ فينقلب العلمُ جهلًا.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>سورة مريم عليها وعلى ابنها السلام</span>\nفمنها قوله تعالى، حكايةً عن المسيح: ﴿وجعلنى مباركا أين ما كنت﴾، إِلى قوله، ﴿ولم يجعلنى جبارا شقيا﴾. فدلّ على أنّ كلّ مَن كان جبّارًا شقيًّا، فإِنّ الله جَعَلَه كذلك وهذا ممّا لا يحتمِل تأويلًا. إِلاّ إِن يقال: \"خذَلَه، فتَجبَّر\"؛ وهو جُعلِ بالتسبُّب؛ فلا فرق.\nومنها قوله تعالى: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾. وهو إِضلالٌ بالتسبّب.\n\nسورة طه لم نعدّ فيها من أدلّة الإِثبات شيئًا. وكذلك سورة الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>سورة الحج</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدى من يريد﴾. وقد سبق نظيرها.\nومنها قوله تعالى: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد﴾. فبَنَى الفعلَ لما لم يُسمِّ فاعلَه. فدَلّ على أنّ الفعل للهداية فيهم غيرهم. وليس إِلاّ الله سبحانه. فالضلال كذلك؛ لأنهما سواءٌ عند الخصم.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فنفسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾. ثمّ قال: ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم﴾. وكان إِلقاء الشيطان أنّه شَبه صوتّه بصوت رسول الله، وهو يَتلُو سورةَ النجم. حتى وصل إِلى قوله، ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾، أَلقى الشيطانُ، \"تلك الغرانيقُ العُلَى إِنّ شفاعتهم لتُرتَجى\". فافَتتنت قريشٌ بذلك، وقالوا:","vol":"1","page":301},{"text":"\"اعتَرَف محمَدٌ بفضلِ آلهتنا، وذَكَرها بخير. فارتَدّ بعضُ مَن كان أسلم، وامتنع مَن كان عَزَم على الإِسلام منهم. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه قَدر ذلك ليفتتنوا؛ فهذا إِضلالٌ مِن اللهِ لهم قطعًا.\nومنها قوله: ﴿وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم﴾. فخَصّ بهدايته الخاصّة المؤمنين. ثمّ قال: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه﴾؛ أخبر بدوام ضلالهم في المستقبل. ولا سبيل إِلى مطابَقة الخبر إِلاّ بإِضلالهم، بحُكم القضاء والقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>سورة المؤمنون</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾، يعني التي كَتَبتَ علينا في سابقِ علمِك، ﴿وكنا قوما ضالين﴾، بتقديرك علينا والاستدلال بها سبق غير موضعٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>سورة النور</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء﴾. وهي معنى قوله: ﴿يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾، وقوله: ﴿ولوا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾. وهي كقوله: ﴿من يُضلل الله فلا هاددى له﴾؛ لأنّ المراد \"بالنور\" هنا الإِيمان.\nومنها قوله تعالى: ﴿والله يهدى من يشاء إِلى صراط مستقيم﴾. وسبق نظيرها ووالاستدلال به.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سورة الفرقان</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقده تقدير﴾. والاستدلال بعمومها؛ وهو أقوى من عموم قوله، ﴿قل الله خالق كل شئ﴾؛ لأنّ الفعل أقول مِن اسمِ الفاعل. وقد سبق الاعتراض عليه والجوةاب عنه في الرعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>سورة الشعراء</span>\nفمنها قول إِبراهيم: ﴿الذي خلقنى فهو يهدين﴾. وقد سبق قوله: ﴿وقد هدان﴾، ﴿لئن لم يهدنى لأكونن من القوم الضالين﴾، في الأنعام.\nومنها قوله: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾. وقد سبق الكلام على نظيرها في سورة الحجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>سورة النمل</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون﴾. وقد سبق لها نظائر.\nومنها قوله تعالى: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون﴾. فالله سبحانه هو الذي زين للشيطان أنْ زَيِّنْ لهم أعمالهم، وزَيِّنْ الهم أنْ تابِعوا الشيطانَ؛ بدليل قوله: ﴿وأجلب علهيم بخيلك","vol":"1","page":303},{"text":"وَرَجلِكَ﴾، وقوله: ﴿أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين﴾. فكان الله سبحانه هو الذي زَيَّنَ للجميع أعمالهم؛ بدليل قوله: ﴿زينا لهم أعمالهم﴾. لكنّ تزيينَ اللهِ سبحانه بالقضاء والقدر وخلقِ الدواعي، وتزيينَ الشيطانِ بالوسوسة والإِغواء.\nومنها قول صالحِ لقومه: ﴿بل أنتم قوم تفتنون﴾. فلم يُسَمِّ الفاعلَ. فالفاعل لعم إِمّا الله، كقوله: ﴿زينا لهم أعمالهم﴾، وقول موسى، ﴿إن هي إلا فتنتك﴾؛ أو الشيطان، بقضاء الله، لما سبق آنفًا. وعلى التقديرين، ففتنتهم مضافةٌ إِلى الله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>سورة القصص</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾، إِلبى قوله: ﴿وله الحكم وإليه ترجعون﴾. وجهُ دلالتها أنه نَفَى الخيِرةَ نفيًا عامًا؛ فيتناول نفىَ خيرتهم في أفعالهم. فدلّ على أنَ العبد غير مختارٍ عملًا؛ بمقتضى قوله: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾. ثمّ أكدّ ذلك بقوله، ﴿وله الحكم﴾؛ أي جميع الحكمِ؛ أي جميع الحكمِ؛ فلا حُكم إِلاّ له سبحانه. ولو كان العبد موجًدا لأفعاله، لكان حاكمًا على نفسه؛ فلا يكون الحُكم كلّه لله؛ وهو خلاف النصِّ. وأيضًا، كما أنّ عبدَ أحدِنا لا يَتصرَّف إِلاّ بإِذنه التكليفيّ الخطابيّ؛ كذلك عبد الله لا يتصرَّف إِلاّ بأمره الكونيّ القدَريّ.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>سورة العنكبوت</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾. جعل مناطَ العذابِ والرحمةِ مشيئتَه لا غير. نعم، جَعَل الطاعةَ والمعصيةَ سببًا تعلَّقت به مشيئةُ إِقامةٍ للعدل الظاهر، لنفورِ عقولِ الجهّال، كالقدريّة ونحوهم، مِن عدلِه الباطن. وهو ما أشرنا إِليه مِن تصرُّفِه الكونيّ.\nومنها قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. فهدايته إِيّاهم إِلى سُبُلِه، وإِن كانت مُرتَّبةً على جهادهم فيه، لكنّ جهادهم فهي من جملة سُبُله. فوجب أن يكون هو الهادي لهم إِلى السبب والمسبَّب وعند الخصم، إِنّ العبد هَدَى نفسَه في الجهاد إِلى الله؛ فكافأه اللهُ على ذلك بأن هداه سُبُلَه. وإِذا ثبت ذلك في طُرُق الهدى، فطرق الضلال مِثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>سورة الروم</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿فمن يهدى من أضل الله﴾. وقد سبق نظيرُها في غير موضعٍ.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾. وقد سبق نظيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>سورة لقمان</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا﴾. نّبّه اللهُ سبحانه بذلك [على] الحجّة المشهورة في هذه المسألة. وهي: لو كان العبدُ خالقًا لأفعاله،","vol":"1","page":305},{"text":"لكان عالمًا بتفاصيلها وبلوازمه، مِن زمانها ومكانها؛ واللازم باطلٌ؛ فالملزوم كذلك وعليها اعتراضاتٌ، ولها جوابٌ؛ مذكورٌ ذلك في كتبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>سورة السجدة</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾. والاستدلال بها من حيث المشيئة والعلم، كما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>سورة الأحزاب</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق وهو يهدى السبيل﴾.\nومنها قوله سبحانه: ﴿وكان أمر الله معقولًا﴾. أي مأمور الله محترم الوقوعِ؛ كقولنا، \"ما شاء اللهُ كان\". وقد تُنُوزِع في أنّ الأمر بمعنى المأمور، لأنّه مجازٌ، والأصل الحقيقة. وظاهر الآية عند الإَنصاف ما ذكرناه. ومَن يُثبِت لله سبحانه كلامًا ذا صيغةٍ. يحتجّ بهذه على أنّه مخلوقٌ، حملًا للأمر على الصيغة. وهو تيةٌ عن المراد بالآية؛ بدليل قوله بعد: ﴿وكان أمر الله قدر مقدورًا﴾. فإِنّه ظاهرٌ، إِن لم يكن نصًّا فيما ذكرنا.\nومنها قوله تعالى، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقول الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم﴾. وهي، بالنظر إِليها لا غير، مشترَكة الدلالةِ؛ لاحتمال أنّ المراد: \"يخلق أعمالَكم فيكم صالحةً\"، أو \"يَلطف لكم حتى تخلوقها صالحةَ\". لكنّ النصوص","vol":"1","page":306},{"text":"السابقة، قوله: ﴿خالق كل شئ﴾، ﴿وخلق كل شيء﴾، ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، يُبيِّن أنّ المراد بالتقدير الأوّل.\n\nسورة سبأ خاليةٌ مِمَّا نريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>سورة الملائكة</span>\nفمنها قوله سبحانه: ﴿هل من خالق غير الله﴾. وهو استفهامٌ بمعنى النفيِ؛ تقديره: \"ليس مِن خالقٍ\"، أو \"لا خالق، إِلاّ الله\"؛ نَفَى جنسَ الخالق سواه. وأفعال العباد مخلوقةٌ، باتفاقٍ؛ وإِنما النزاع في خالفها مَن هو فيجب أن يكون هو الله الذي أخبر أن لا خالق سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>سورة يس</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾. أي سبق في علمِ الله، وحقَّت كلمتُه؛ أي تَكَلَّمَ كلمةً حقًّا أنهم لا يؤمنون. ووجه دلالتها سبق.\nروى عبدُ الرزّاق، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن منصورٍ، أنّ ابن مسعودٍ قال لأصحابه: نِعم القوم أنتم، لولا آيةٌ في ياسين: ﴿لقد سبق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾؛ وكان يقرأها كذلك.\nومنها قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾. هي كنايةٌ عن موانع القدرة لهم من الهداية. كأنّ القدرةَ تمنعهم عن ذلك منعَ الغُلِّ صاحبَه عن الانطلاق والاستقلال.\nوروى عبد الرزّاق، قال: أنا مَعمَرٌ، عن قتادة: ﴿فهم مقمحوم﴾، قال: \"مَغلُولون\".","vol":"1","page":307},{"text":"وفي قوله: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا﴾، قال: \"ضلالةً\".\nقلتُ: ثمّ قوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾، كقوله، ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، وكقوله، ﴿صم بكم عمى فهم لا يعقلون﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾. هي ونظيرتها في أوّل البقرة من حجج الباب؛ وتقريرها ما سبق.\nومنها قوله تعالى: ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾. والمراد \"بالحىّ\" هنا المؤمن، لمقابلته بالكافر. أي \"كان حي القلب، يَفهم ما يوعَظ به ويَنظُر ويَتَدّبر\". شَبَّه الإِيمانَ بالحياة. ثمّ الحياةُ مخوقةٌ لله سبحانه؛ فكذا الإِيمان في الجملة. ولأهل السنّة في أنّ الإِيمان مخلوقٌ أم لا كلامٌ وتفصيلٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>سورة الصافات</span>\nفمنها قوله تعالى، حكايةّ عن الكفّار: ﴿فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون﴾. والاستدلال به كما سبق.\nومنها قوله تعالى في شجرة الزقّوم: ﴿إنا جلعناها فتنة للظالمين﴾. وهي الشجرة الملعونة في القرآن، المذكورة في سورة سبح.\nرُوى عن عبد الرزّاق، قال: أنا مَعمَرٌ، عن قنادة، في قوله: ﴿فتنة للظالمين﴾؛ قال: \"زادتهم تكذيبًا حين أخبرهم أنّ في النار شجرةً؛ فقالوا: \"يخبركم أنّ في النار شجرةً؛","vol":"1","page":308},{"text":"والنار تُحرِق الشجرَ\". فأخبرهم أنّ غذاءها من النار\". ووجه دلالتها أنّه أخبرهم بما لا تحتمله عقولُهم، ولم يبرهِن لهم عليه، مع علمِه بأنهم لا يؤمنون. فبالضرورة افتتنوا؛ وكانت فتنتَه سبحانه، كما قال موسى: ﴿إن هي إلا فتنتك﴾.\nومنها قوله تعالى، حكايةً عن إِبراهيم، إذ قال لقومه: ﴿قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون﴾. وهي عمدة أهلِ الإِثبات. والنزاع بينهم وبين القدريّة مبني على أنّ \"ما\" في الآيتين موصولةٌ، أو مصدريّة؟ فعند القدريّة، هي موصولةٌ؛ تقديره: \"أتعبدون الذي تنحتون، والله خلقكم والذي تعملون! \" يعني الجواهرَ التي تُصوِّرونها، من خشبٍ أو حجرٍ وغير ذلك؛ فلا دليل فيها على خلق الأعمال. وعند المُثبِتة، هي مصدرّيةٌ؛ تقديره: \"أتعبدون نحتَكم، والله خَلَقَكم وعملَكم؟ \" وذلك أنهم لم يعبدوا الجواهر المجرّدة؛ وإِلاّ لما خَصُّوا بعضَ الجواهر دون بعضٍ. وإِنما عبدوها لِمَا قام بها من الصور والأشكال؛ وهي آثار عملِهم؛ فصاروا كأنهم عبدوا عملهم؛ وهو مخلوقٌ لهم. فاتّجه الإِلزامُ والحجّة؛ وهو أنّكم عبدتم عملَكم المخلوق؛ فكيف يَعبد مخلوقٌ خلوقٌا! ولو كان المرادُ الجواهرَ، لمَا اتَجهَت الحجَةُ عليهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أنها غير مخلوقةٍ لهم؛ فكان لهم أن يقولوا: \"لم نعبد ما عمِلنا\".\nومنها قوله تعالى: ﴿ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾. روي عبد الرزّاق، قال: أنا إِسرائيلُ، عن سِمَاك بن حَربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، في قولهن ﴿ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الحجيم﴾. قال: \"لا تَفتنون إِلاّ مَن هو صالى الجحيَم\". قال: \"وأنا عمرُ بن ذرً، قال: \"سمعتُ عمر بن عبد العزيز يقول: \"لو شاء الله أن لا يُعصى، لم يخلق إِبليسَ. وقد بيّن ذلك في آيةٍ من كتابه، عقلها مَن عقلها، وجهلها مَن جهلها، ﴿فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بقاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾.\nولم أجد في سورة ث شيئًا.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>سورة الزمر</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذيم هداهم الله﴾. والاستدلال بها كما سبق.\nومنها قوله: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾، الآية. والاستدلال بها كلمة في قوله، ﴿يشرح صدره للإسلام﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام﴾. وهي كالتي قبلها.\nومنها قوله تعالى: ﴿ثم إذا خولناه نعمةً منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة﴾. أي النعمة التي خوّلناه إِيّاها فتنةٌ. وهو من باب الاستدراج.\nومنها قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شئ﴾. وقد سبق نظيرُها في الرعد والفرقان وغيرها.\nومنها قوله تعالى، حكايةً عن الكفّار: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾. وقد سبق نظيرها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>آل حاميم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>سورة المؤمن</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾.","vol":"1","page":310},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿إن الله لا يهدى من هوو مسرف كذاب﴾. بيَّن أنّه المنفرد بالهداية؛ يمنعها من شاء، ويمنحها من شاء.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾\nومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو﴾. ونظيرها في الأنعام والاستدلال بعمومها، كما سبق.\nومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يضل الله الكافرين﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>سورة فصلت</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرباء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول﴾، الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>سورة الشورى</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته﴾. ففيها دليلان: أحدهما: تأثيرُ مشيئته في الاختلاف. والثاني: جعلُها","vol":"1","page":311},{"text":"مناطَ الرحمة. وقد سبق ذلك.\nومنها قوله تعالى: ﴿الله يجتبى إليه من يشاء﴾. ولم يُلِّل بطاعةٍ ولا معصيةٍ. وإِنما المعنى: إِذا تعلّقَت إِرادتُه باجتباء شخصٍ، وفقَه لِما ينبغي له من ذلك.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده﴾، الآية.\nومنها قوله، ﴿ومن يضلل الله فما له من سبيل﴾.\nولم أجد في سورة الزخرف والدخان شيئًا من هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>أما سورة الجاثية</span>\nومنها قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. وحَمْل \"أَضَلَّهُ\" على معنى \"أصابه\"، أو \"وَجَدَه ضالًا\" ونحوه من التأويلات، عدولٌ عن الظاهر، وفرارٌ من الزحف. ثمّ هو باطلٌ، بقوله: ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾؛ إذ هو مقابل ﴿أضله﴾. وليس المراد \"يُصيبه مهتديًا\"، باتفاقٍ فتعيَّن أنّ \"أضَلّه\" على جهة \"يهديه\"، في إِضافة الفعل إِلى الله سبحانه.\nولم أجد في الأحقاف شيئًا من الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>سورة محمدٍ ﵇</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾؛ إِلى قوله: ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾؛ إِلى قوله، ﴿والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم﴾. كلّ ذلك ظاهره الضلال الذي هو نقيض الهُدى.","vol":"1","page":312},{"text":"وحمَل الزمخشريُّ قوله: ﴿أضل أعمالهم﴾، على معنى: \"جَعَلَها كالضالّةِ، بمَضيعَةٍ لا تُقبَل\"؛ أو \"على أنها ضَلَّت في كُفرهم، أي استُهلِكت، فلم يَظهَر لها أثرٌ\"؛ يعني أعمالهم الحسَنةَ، مِن إِطعامِ وقرَي ضعيفٍ، وصِلةِ رَحمٍ؛ من قولهم، \" ضلّ اللبنُ في الماء\"، إِذا استهُلِك. وقوّاه ابنُ المنيِّر، لمقابَلَتِه بقولِه في المؤمنين، ﴿كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾.\nقلتُ: يعني أنّ معروف الكافر يُستهلَك في كفره، ومنكَرَ المؤمن يُستهلَك في إِيمانه.\nويزيده قوّةً قولُه تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾؛ أي بلا شيءٍ؛ فلم يجدوا له جدوًى. كقوله: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾؛ وقوله: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾؛ ونظائر ذلك؛ وقوله في هذه السورة، عقب الآية الثالثة: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>سورة الفتح</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾.\nوقوله: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>سورة الحجرات</span>\nفمنها: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق","vol":"1","page":313},{"text":"والعصيان﴾. وكذلك فَعَلَ عكسَ هذا الكفّار: زَيَّنَ في قلوبهم الكفرَ، وكَرَّهَ إِليهم الإِيمانَ.\n\nولم أجد في سورة ق شيئًا من الباب. وكذلك إِلى<span data-type=\"title\" id=toc-152> سورة النجم</span>.\n[سورة النجم]\nفمنها قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾. وذلك ظاهرٌ في أنه خلَق الضحكَ والبكاء، كما خلق الإِماتةَ والإِحياء، والزوجين الذكر والأنثى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>سورة القمر</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم﴾. يَحتَمِل نصبُها أن تكون حالًا مقدَّرةً متوقعةً، أي أنّ الفتنة كامنةٌ فيها حال إِرسالها؛ ثمّ ظهرَت بعد ذلك.\nويُحتمَل أنّه معفولٌ له؛ أي \"أرسلناها لفتنهم\"، أو\"لنفتنهم بها\". فعلى هذا، هي من حجج البا، كما سبق في قوله: ﴿فتنا بعضهم ببعض﴾، ﴿ليجعل ما يُلقى الشيطان فتنة للذيم في قلوبهم مرض﴾، ﴿لنفتنهم فيه ورزق خير وأبقى﴾. وهو إِضلالٌ تَسببِى؛ وقبحُه لازمٌ. وعندنا يعقبه الإِضلالُ الخَلقيُّ.\nومنها قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. اتّفق القرّاءُ على نصبِ \"كلّ\" ها هنا؛ وإِن كان الرفعُ أبينَ؛ لأنّ الكلام عليه جملةٌ واحدةٌ، وعلى النصب جملتان والأوّل أخصّ. لكن، بتقدير الرفع، تكون \"خَلَقناه\" صفةً لشيءٍ تقديره \"إِنّا كلّ شيء مخلوقٌ لنا بقدرٍ\". فلا يدلّ على استيعاب الخلقِ للأشياء. وبتقدير النصب، يكون","vol":"1","page":314},{"text":"\"كلّ\" مفعولًا مقدَّمًا، و\"خلقناه\" مفسّرٌ للناصب، تقديره \"إِنّا خلقنا كلَّ شيء بقدرٍ\". فيُفيد استيعابَ الخلقِ وعمومَه لكلّ شيءٍ، وأنّ كلّ شيء فهو مخلوقٌ لله سبحانه بقدره وقدرته. والمعنى على هذا دون الأوّل؛ لما رَوَى مسلمٌ والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: \"جاء مشركو قريش إِلى رسول الله ﷺ يخاصِمون في القدَر؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يوم يسحبون في النار على وجودههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾.\nوروى عبد الرزّاق، أنا داوود بن قيسٍ، قال: \"سمعتُ محمّد بن كعبٍ القرظىّ يقول: \"كنت أرأ هذه الآية، فلا أدرى من عُنِي بها، حتى سقَطتُ عليها ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾، إِلى قوله، ﴿كلمح بالبصر﴾. فإِذا هم المكذِّبون بالقدر\".\nومنها قوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾. أي سبق العلمُ به. وقد بيّنّا وجوبَ مطابقِة العلمِ المعلومَ. ولا يمكن ذلك إِلاّ بخلق الأفعال.\n\nولم أجد شيئًا من حجج الباب إِلى<span data-type=\"title\" id=toc-154> سورة الحديد</span>.\n[سورة الحديد]\nفمنها قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، أي نخلقها والكفر والمعاصي أعظم المصائب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>سورة المجادلة</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾. فمعنى \"كَتَب\": \"خَلَق\"، أو \"أَثَبت في قلوبهم الإِيمانَ بالإِلهام\". و\"أَيَّدَهُم\": \"قوَاهم على","vol":"1","page":315},{"text":"وسواسِ الشيطان وإِضلالِه بروحٍ منه \"؛ كقوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.\nوقد جاء في الآثار أنّ الأرواح متعدّدةٌ؛ فروحٌ عامةٌ في الناس بحسب الإِنسانيّة وروحٌ اختُصَّ بها المؤمنون على الكفّار، وروحٌ اختُصَّ بها الأولياءُ، وروحٌ اختُص بها الأنبياءُ، وروحٌ اختُصَّ بها المسيحُ ﷺ. فقوله، \"بُروحٍ مِنْهُ\"، تحتمِل أنّ الضمير للإِيمان؛ أي أيّدهم بروحٍ من الإِيمان، وهي روح الإِيمان، ويحتمَل أنّ الضمير لله؛ أي أيّدهم بروحِ من فضله، أو من عصمته. فبواسطة ذلك الروح، يفعل فيهم الإِيمانَ؛ وبواسطة الروح الخبيث الشيطانىّ يخلق في الكافر الضلالَ؛ أو بواسطة الدواعي، كما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>سورة الحشر</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾. وليست من حجج الباب. ولكن ذكرناها نظيرًا لخلقِ الكفرِ في القلب، لمن يُنكِر ذلك، أو يَستبعد تصوُّرَه. فنقول: خلقُ الكفرِ في القلبِ كقذف الرعبِ فيه؛ إِن كان بالمباشَرة، فالمباشرة؛ أو بالواسطة، فبالواسطة.\nومنها قوله سبحانه: ﴿ولا تجعل في قلوبنا للذين آمنوا﴾. وجعل الكفر في القلب كجعل الغل فيه.\nومنها قوله تعالى في صفة نفسه تعالى: ﴿الجبار﴾ روى عبد الرزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: \"جَبَر خلقَه على ما أراد\". وهذا التفسير، إِن ثبت، فهو على ما قرّرناه أوّلًا من التصرف الكونيّ. أمّا التصرف التكليفيّ، فلا جبر فيه. وقيل: \"الجبُار: المصلِح للأمور\"، مِن \"جَبرتُ العظمَ\"، أو الكسر\"، إِذا أصلحتُه. وقيل: \"الجبّار: \"المصلِح للأمور\"، مِن \"جَبرتُ العظَ، أو الكسرَ\"، إِذا أصلحتُه. وقيل: \"هو العالى الذي لا يناله أحدٌ\"، مِن قولهم، \"نخلةٌ جبّارةٌ، إِذا طالت. فالله سبحانه لا تُدرِكه","vol":"1","page":316},{"text":"الأفهامُ، ولا تحيط بكنهة الأوهامُ.\n\nولا شيء فيما بعد، إِلى<span data-type=\"title\" id=toc-157> سورة الصف</span>.\n[سورة الصفّ]\nفمنها قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. وهو كقوله: ﴿لا تزغ قلوبنا﴾، وما نَسَبَه مِن الزيغِ إِليهم، فهو باعتبار كسبِهم الواقع بخلقِه، مقارِنًا لإِرادتهم، كما سبق. ثمّ قال: ﴿والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾؛ وبعدها، ﴿والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>سورة الجمعة</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾، إِلى قوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾. وقد سبق نظيرُه.\nومنها قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾، الآية. وذلك مع علمِه أنهم لا يحملونها، أي لا يعملون بها. وهو مِن تكليف ما لا يطاق، كما سبق في قوله: ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾. ثمّ قال: ﴿والله لا يهدى القوم الظاملين﴾. هو ساقهم إِلى أن ظِلأموا؛ ثمّ نفَى هدايتِهم بظلمِهم. وما ذلك إِلاّ عملًا يتَصرُّفه الكونيّ، كما سبق.\nومنها قوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾. ذَمَّهم على","vol":"1","page":317},{"text":"ذلك، مع أنّه هو الذي ساق لهم سببَ الانفضاضِ، وهو العِير القادمة من الشام بالمسيرة، وخَلَقَ فيهم داعي الانفضاض إِليها. وكذلك فَعَلَ في الكافر والعاصي سواءً؛ قَيَّض له سببَ المعصيةِ، وخَلَق فيها داعيها؛ فلا جرم وقعت منه، وإِن هي إِلاّ فِتنَتُك. نسأل الله عصمةً منه تحول بيننا وبين ما يَكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>سورة المنافقين</span>\nفمنها قوله سبحانه: ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. والاستدلال بها كما سبق. ولا أثر لسببيّة الفسق؛ لأنّه بقدره أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>سورة التغابن</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾. يَحتمِل هذا تقديرين: أحدهما: \"خلَقَكم كافرين ومؤمنين\"، أي على هذه الحال. وهى، على هذا التقدير، النزاعُ بينا وبين الخصم. فنحن نقول: \"فمنك كافرٌ ومؤمنٌ يخلق اللهُ فيه الكفَر والإِيمانَ\". وهم يقولون: \"فمنكم كافرٌ، أي آتٍ بالكفر، ومؤمنٌ، أي آتٍ بالإِيمان بدليل قوله: ﴿والله بمات عملون بصير﴾، أضاف العملَ إِليهم\". ومعنى الكلام عندهم أنّ الله يَفضَل على خلقِه بالإِيجاد؛ فكان يجب عليهم النظرُ الصحيح؛ ولكنّهم تفرّقوا؛ ففعل الكفَارُ في أنفسهم الكفرَ.\nثمّ أورد الزمخشريُّ على نفسه السؤالَ الذي قد يكون إِيراده فيما سبق من هذا الكتاب. وهو أنّ الله خَلَقَ هؤلاء، مع عِلمِه أنْ سيَكفُرون؛ وخَلْقُ القبيحِ وخَلقُ فاعلِه سِيانِ في القُبحِ. كواهب سيفٍ لقطعِ الطريق؛ فإِنّه وقاطعُ الطريقِ سِيَّانِ في استحقاق أصل القبحِ. وأجاب بأنّ الله سبحانه حكيمٌ. وجَهلُنا بالحكمةِ في خلقِهم لا يَقدًحُ في","vol":"1","page":318},{"text":"حِكمتِه، ولا في كونِ ذلك حُسنًا؛ كجهلِنا بدواعي الحكمةِ في أكثرِ مخلوقاتهِ. هذا حاصل سؤالِه وجوابِه؛ وهو مشتركٌ. فإِنا نقول في خلقِه للكفر ما قاله هو في خَلقِه للكافر؛ خصوصًا على رأي أصحابه الذين التَزموا، على قاعدة رعاية الأصلح، أنّ النار أصلح للكافر.\nومنها قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. أضاف هدايةَ القلبِ إِليه جزاءً؛ فكذا ابتداءً. والمعنى: \"مِن يُنعِم عليه بالإِيمان ابتداءً، يُتِمّ نعمتَه عليه بهداية القلب، بحسب علمه فيه وإِرادته به\". فإِن قيل: \"لا يلَزم من الإِيمان ابتداءً هدايةُ القلب دوامًا؛ لأنّا نَرى كثيرًا يؤمنون بدءًا، ويكفرون عند الخاتمة. وقد وَرَد الحديث ُ بذلك، حيث قال النبيّ ﷺ: \"إِنّ مِن الناس مَن يولَد مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت مؤمنًا؛ ومنهم مَن يولَد كافرًا ويعيش كافرًا ويموت كافرًا؛ ومنهم يولًد مؤمنًا ويموت كافرًا؛ وعكسه؛ وأقسامًا أُخَر. قلنا: هذا السؤال مشتَرك الإِلزامِ. لأنّا أَشَرنا إِلى أنَ الاستثناء مضمَرٌ في الآية، تقديره: مَن يؤمن بالله، يَهد قلبَه، إِن شاء، وسبقت له العنايةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>سورة الطلاق</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾. قال الزمخشريُّ، فيما حَكاه عنه ابنُ المنَيِّر: \"نُسَلِّمُ للقدرِ؛ وهو التوكُّل\". ثمّ قال ابنُ المنيِّر: \"أين القَدَري مِن التسليمِ للقدرِ! فهو يَعتقِد أنّ المقَدَّرّ أكثره لا يقعُ. فأكثر الكائناتِ تَتَبعُ إِرادةَ الخلقِ عندهم؛ وإِن وافَقَت إِرادةَ اللهِ، فليس لها أثرٌ في الإِيجادِ\". ثمّ قال: \"ما شاء اللهُ كان، وما لم يِشأ لم يَكُن؛ لا مُعقِّب لحُكمِه\".","vol":"1","page":319},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿إن الله بالغ أمره﴾. ومن هذا، أَخَذ الناسُ قولهم، \"إِذا أراد اللهُ شيئًا بَلَغَه\". وهذا خبرٌ لا يطابِق مخبره إِلاّ إِذا اضطَرّ اللهُ خلقَه إِلى ما يريد منهم إِذ لو كانوا مختارين، وبأفعالهم مستقلّين، لجاز أن يخالِفوا معلومَه ومرادَه؛ فلا يكون بالغًا أمرَه؛ وهو محالٌ، لوجوب صدقِ إِخباره. وهذه الآية مِثل قوله: ﴿والله غالب على أمره﴾. وقد ثَبَتَ إِحداهما الأخرى، وأنّ الله بالغُ أمِره بالغلبة والاقتدار عليه.\nومنها قوله تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾. وعمومها حجّة في الباب، سواءٌ قلنا: \"القدْر\": \"الزمن الذي قُدِّر فيه وقوعُ الشيء\"، أو \"كمّيّة الشى ومقداره\".\nلأنّ الآية تتناول بعمومها أفعالَ العباد؛ فتكون أزمتها وكميّاتها بجعلِ الله تعالى لها قدْرًا على علمه بوجودها وتأثيره بإِيجادها. وقد تناقش هذه الدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>ومن سورة الملك</span>\nقوله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق﴾. وجه دلالتها أنّه ﷾ دَلّ على علمِه السرّ والجهر بخلقِه لهما؛ لأنّ العلم بالمخلوق مِن لوازم خلقِه. فدلّ سبحانه بوجود الملزوم، وهو الخلق، على وجودِ اللازم، وهو العلم. فأمّا ما سبق، من أنّ العبد لو خَلَق أفعالَ نفسه، لكان عالمًا، فهو استدلالٌ بانتفاء اللازم، وهو العلم، على انتفاء الملزوم، وهو الخلق. إِذا عُرف هذا، فالسرّ والجهر والقول من أفعال القلوب؛ وقد أثبت اللهُ سبحانه أنّه خالقها. وإِذا عُرف هذا، فالسرّ والجهر والقول من أفعال القلوب؛ وقد أثبت اللهُ سبحانه أنّه خالقها. وإِذا ثبت خلقُه لأفعال القلوب، أو بعضِها، ثَبَت خلقُه لأفعال القلوب، أو بعضِها، ثَبَت خلقُه لسائر الأفعال؛ إِذ لا فرق.\nفأمّا قوله: ﴿من خلق﴾، فعند الزمخشريّ، هي منصوبةٌ \"بيعَلَم\". وعند غيره مرفوعةٌ على أنّها فاعل ﴿يعلم﴾؛ وهو أجود؛ إِذ التقدير \"ألا يعلم الخالقُ ما خَلَق! \" ولو كان كما قاله الزمخشريّ، لقال: \"أَلا يَعلَمُ مَا خَلَقَ\"؛ لأنّ المستدَل على خلقِه، وهو","vol":"1","page":320},{"text":"السرّ والجهر، لا يفعل\". فإِن قال: \"المراد\" \"بمَنْ\" الفاعلون، وإِذا عُلِم الفاعلُ، عُلِم فِعلُه\" قلنا: بتقدير تسليمه، تَبطلُل قاعدةُ القدر؛ لأنّه أخبر أنّ معلومه مخلوقٌ له. فإِذا ثبت أنّ الفعل تابعٌ لفاعل في العلم، تَبِعَه أيضًا في الخلقِ، ولَزم القولُ بخلق الأفعال. ومعنى قوله تعالى: ﴿وهو اللطيف الخبير﴾، أنّ عِلمه سبحانه للطفِه يَتخلّل الأشياءَ، فلا يعزب عنه منها شيءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>سورة ن</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وقد سبق نظيرها والاستدلال بها في الأعراف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>سورة الحاقة</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. فالذي نبصره الجواهُر والأجسامُ وبعضُ الأعراض. ومِمَّا لا نبصِره بعضُ الأعراض، كالحركاتِ وسائرِ المعانى، والرياحُ والجنّ والشياطين والملائكة والنفوس والعقول والأرواح. فيجوز أن يكون مِن ذلك خلقُ اللهِ للأفعال. ومع جواز ذلك، كيف يَقطعون بأنها مخلوقةٌ للناس، اعتمادًا على مشاهدتهم صدورَها عنهم، كما سبق؟ وهذا إِنما فيه بطلانُ رأيهم، لا تصحيح رأينا. إِذ لا يلزَم من الجواز الوقوعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>سورة سائل سائلٌ</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿إِن الإنسان خلق هلووعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المضلين﴾؛ الآيات. فأخبر سبحانه أنّه خَلَق الإِنسانَ مطبوعًا على هذه الأخلاق والأحوال؛ وهي من المعاصي. وخالق الفاعلِ خالقُ هيئته التي خُلِق عليها. إِذ الحال وصفُ هيئةِ الفاعلِ أو المفعول. و﴿هلوعا﴾ و﴿جزوعا﴾ و﴿منوعا﴾ منصوباتٌ على الحال.","vol":"1","page":321},{"text":"فصار حاصل الجملة المطلوبة أنّ الله سبحانه خَلَق الإِنسانَ وخَلَق الشرورَ فيه، إِمَا بعينها، أو بخلقِ جملتِه المقتضيةِ لها. إِلاّ قومَا سَبقت لهم العنايةُ؛ فلم يخلق فيهم الشرَّ، وأبدَلهم منه خصالَ الخير المذكورة، مِن صلاةٍ وزكاةٍ وأمانةٍ وخوفٍ من الله سبحانه، وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>سورة نوح</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالا﴾. وإِذا زاد الظالمين ضلالًا، جاز أن يبتدئه فيهم، لمِا سبق تقريره. والخصم يَتَأوّل هذا ونحوَه على معنى \"امنَعَ ألطافَك عنهم فلا يهتدون، أو فيستمّرون على ضلالهم\". ومُقتضَى اللفظِ وسائر النصوص تأباه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>سورة الجن</span>\nفمنها قولهم، ﴿وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾. فدلّ على أنّه سبحانه يريد بعباده الشرَّ. وعلى هذا سؤالان: أحدهما: أنّه محِكي عن الجنّ. الثانى: أنهم لم يُسمّوا مريدَ الشرِّ؛ حيث قالوا: ﴿أشر أريد بمن في الأرض﴾؛ ولم يقولوا: ﴿أراد بهم ربهم﴾، كما قالوا في الرشد. فدلّ على أنّ المريد مختلِفٌ. فجواب الأوّل أنّه، وإِن كان محكيًّا عن الجنّ، إِلاّ إِنّ الله حكاه عنهم في معرِض التقرير عليه؛ بدليل قوله للنبيّ ﵇: ﴿قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا﴾؛ ثمّ حَكَى أقوالهم إِلى آخرها. فكانت حجّة بتقرير الله عليها وعدم إِنكارها. وجواب الثاني أنهم حذفوا فاعلَ الشرِّ تأدبًا؛ كقول إِبراهيم: ﴿الذي خلقنى فهو يهدين﴾؛ ثمّ قال: ﴿وإذا مرضت﴾، ولم يقل: \"أمرَضَني\"، تأدّبًا. كذا ها هنا.\nوليس في سورة المزل شيء من الباب.","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>أمّا سورة المدّثّر</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾. والاستدلال بها كما سبق غير موضعٍ.\nومنها قوله: ﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾. وقد سبق نظيرها والاستدلال به في البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>سورة الإِنسان</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾. أي مشيئتكم تابعةٌ لمشيئته. فلا تشاؤون إِلاّ ما قد شاء. ثمّ أَلحمكَم مشيئتَه. ويحتجّ بها من قال: \"إِنّ مَنت قال لزوجته: \"أنتِ طالقٌ، إِن شاء الله\"، يقع الطلاقُ\". لأنّ مشيئة اللهِ لازمةٌ لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يَدُلّ على وجود اللازم. وإِذا ثبت أنّ مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يَدُل على وجود اللازم. وإِذا ثبت أنّ مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة الربّ، فكذا قدرته تابعةٌ لقدرة الربّ؛ لأنّ الله سبحانه إِذا شاء أمرًا، أثّرت فيه قدرتُه؛ ثمّ جرى على قدرة العبد جريانَ كسب لا خلقٍ. لأنّ الخلق حصل بقدرة الربّ؛ فلا يبقى لقدرة العبد محل تؤثِّر فيه. وأيضًا، وجود الفعل عن قادرَين باطلٌ عند الخصم.\nومنها قوله سبحانه: ﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾. والاستدلال به كما سبق.\n\nثمّ لم أجد شيئًا إِلى<span data-type=\"title\" id=toc-170> سورة التكوير</span>.\n[سورة التكوير]\nفمنها: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، عقب قوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾. والاستدلال كما سبق في سورة \"هَلْ أَتَىْ\".","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>ثم إلى سورة المطفّفين</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم كا كانوا يكسبون﴾. وقد سبق نظيره ووجه الاستدلال به أوّل البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>ثمّ إِلى سورة البروج</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾. ولها نظائر في القرآن، نحو: ﴿إن الله يفعل ما يريد﴾، ﴿يفعل ما يشاء﴾. والناس يَلهجون بالاحتجاج بها في هذا الباب. وهي حجّةٌ، إِلاّ أنها لا تُلزِم الخصمَ؛ لأنّه يُسَلِّم أنّ الله يفعل ما يريد؛ لكن عنده أنّ أفعال العباد غير مادةٍ له حتى يفعلها. وقد سبق الكلامُ معهم في أنّ الله مريدٌ لجميع الكائنات أم لا. وإِنما يكون حجّةً لو قال: \"لا يكون إِلاّ ما يريد\". والتحقيق في هذا أنّ الإِرادة لازمٌ للفعل؛ والفعل ملزومٌ للإشرادة. فمن يحتجّ على إِذبات القدر بقوله، ﴿فعال لما يريد﴾، يكون محتجًّا بوجود اللازم، وهو إِرادة الله سبحانه. لكنّ وجود اللازم لا يَدلّ على وجود الملزوم، ولا عدمه. وإِنما وجه استدلال أهلِ السنّة بالآية هو أنّ قوتّها وسياقها يقتضي أنّ الله أثبت لنفسه التصرُّف الكامل الاستقلالّى في الوجود؛ بمعنى: لا متصرِّف غيره، ولا فاعل سواه فاعلم ذلك.\nثمّ لم أجد شيئًا من الباب إِلى سورة والشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[سورة الشمس]</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾. أي جَبَلَها عليه وأَشرَبها إِياه. وقد","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>ثم إِلى سورة الضحى</span>\nفمنها قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾. فَنَسَب هُداه إِليه. أمّا قوله، \"وَجَدَكَ ضَالًا\"، فله وجهان جّيدان:\nأحدهما: \"وجَدك لا تعلم الهدى الذي جاءك، فعلّمك إِيّاه، وهداك به\"؛ لقوله: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم﴾؛ وقوله: ﴿ما كنت تدرى ما الكتاب وولا الإيمان﴾، يعني الذي جاءك. وإِلاّ، فهو لم يكن قبل ضالًا عن الإِيمان المطلق. الوجه الثاني: \"وجدك وقد انعقد لك سببُ الضلال، بإجماع قومِك عليه؛ فلو لم يهدك، لتابعتهم؛ فهداك عمّا كانوا عليه إِلى ما صِرتَ إِليه. فهو كقوله: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾، ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>ثم إلى سورة الفلق</span>\nفمنها قوله: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾. وإِنما أراد أن يعلّمه التعوّذَ مِن شرّ جميع الموجودات تعوّذًا عامًّا. فدلّ على أنّ سائر الموجودات، مِن ذاتٍ وحركةٍ وكاسبٍ وكسبٍ، خَلْقُه سبحانه. وقد ثبت في السنّة تعوّذُه ﵇ من شرّ كلّ شيءٍ. فأمّا قوله: ﴿أعوذ بك من همزات الشياطين﴾، و﴿من شر السواس﴾، ونحو ذك ممّا خَصه بالاستعاذة منه، فلمُتضٍ للتخصيص؛ ولم يَذكُره بصفةٍ تقتضي العموم، كالخلق ها هنا. فكأنّه قال: \"من شرّ مخلوقاته\"، أو \" الذي خلَقه\".\nوقرأ بعضُ القدريّةِ محرِّفًا للقرآن، فقرأ: \"مِن شَر مَا خَلَقَ\"، بتنوين \"شر\"، وجعلِ \"ما\" نافيةً. يعني: \"ما يفعله المكلَّفون، من المعاصي والمآثم، وغيرُ المكلَّفين، مِن","vol":"1","page":325},{"text":"الشرور، كلدغ الهوامّ وإِحراق النار؛ لأنّ الله لا يفعل ذلك كلّه عندهم؛ لأنذه شر، بناءً على رعاية الأصلح. وكفى بتحريفهم للقرآن على خلاف الإِجماع دليلًا على بطلان رأيهم.\nهذا آخر ما أمكن استقراؤه من آيات الإِثبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>﴿استدلال القدريّة مِن أي القرآن]</span>\nأمّا ما يحتجّ به القدريّة من أي الكتاب، فأكثر من أن يُحصى. وليس ذلك دالًا على صحّة رأيهم. وإِنما سببُه ما كنّا قدّمناه من تقرير تصرُف اللهِ في خلقِه التكوينيّ والتكليفيّ. وإِنما تقوم الحجّةُ عليهم ظاهرًا بالتصرُّف الثاني، وهو التكليفيّ. فلا جرم كان أكثر مخاطبتِه لهم وعنهم مبنيًا عليه، من ذم ومدحٍ وتقريعٍ وتوبيخٍ وشرطٍ وجزاءٍ، ونحو ذلك. فنحن إِن شرَعنا نستقرئ كل ما في القرآن مِما يحتجّون به من القرآن. ولا أرى أنّه يبقى بعدها مما يحتَجون من القرآن شيءٌ. والوجوه الكلّيّة التي احتجّوا بها من القرآن عشرةٌ.\nالأول إِضافة الأفعال إِلى العباد. نحو: ﴿يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾، ﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾، ﴿يكتمون ما أنزلنا﴾، ﴿يكسبون﴾، ﴿يعلمون﴾، ﴿يفعلون﴾، ﴿جزاء بما كسبا﴾، ونحوه كثيرٌ جدًا.\nالثانى مدحُ المطيعين على الطاعات، وذم العصاة على المعاصي، والوعد والوعيد عليهما. نحو: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾، ﴿اليوم تجزون ما كنتم","vol":"1","page":326},{"text":"تعملون﴾، ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾، ﴿أولئك هم الوارثون﴾، ﴿أولئك هم الظالمون﴾، ونحو ذلك.\nالثالث الآيات المنزِّهة لله سبحانه عن الظلم والتفاوت. نحو: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. وتعذيبهم على أفعالٍ خلقها فيهم ظلمٌ. وقوله: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾، ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾. وأفعال العباد متفاوتةٌ قبيحةٌ؛ فليست أفعال الله.\nالرابع توبيخ العصاة على المعاصي. نحو: ﴿كيف تكفرون بالله﴾، ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله﴾، ﴿ما منعك أن تسجد﴾، ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾. فكيف يوبّخهم على ما لم يفعلوا! أو كيف يمنعم عن الفعل، ثمّ يقول: \"لِم لَم تفعولا\"! ولو فعَل هذا واحدٌ من الناس، لأطبقوا على تسفيهه وتجهيله.\nالخامس الآيات التي اقتضت تخييَرهم في الفعل وتركِه، بحسب مشيئتهم. نحو","vol":"1","page":327},{"text":"﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أن يتأخر﴾، ﴿فمن شاء ذكره﴾، ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾، ﴿مآبا﴾، ﴿اعملوا ما شئتم﴾، ﴿اعملوا فسيرة الله عملكم﴾. وأنكَر على مت نَفَى المشيئةَ عن نفسه وأضافها إِلى الله، بقوله: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾، الآية، كما سبق. وذلك يدلّ على أنهم مختارون مستقلّون بأفعالهم.\nالسادس الآيات التي أُمِروا فيها بالمسارعة إِلى الطاعات وامتثالها. نحو: ﴿سارعوا﴾، ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، ﴿أجيبوا داعى الله﴾، ﴿استجيبوا لله﴾، ﴿لربكم﴾، ﴿اركعوا واسجدوا﴾. وأمرُهم بذلك، مع أنّه ليس مِن فعلِهم، أو مع منعِهم منه، كمَن يقول للزمن: \"قُمْ\" ولمن رُمِي من رأس جبلٍ: \"إِيّاك أن تقع! \"\nالسابع الآيات التي أُمِروا فيها بالاستعانة بالله. نحو ﴿إياك نستعين﴾، ﴿فاستعذ بالله من الشيطان﴾، ﴿استعينوا بالله﴾، فإِذا كان اللهُ خالقَ الكفر والمعاصي،","vol":"1","page":328},{"text":"﴿ربنا ظلمان أنفسنا﴾، ﴿إنى ظلمت نفسى﴾، ﴿فاغفر لى﴾، ﴿إنى كنت من الظالمين﴾.\nالتاسع اعتراف الكفّار والعصاة بأنّ كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: ﴿قالوا لم نك من الظالمين﴾.\nالتاسع اعتراف الكفّار والعصاة بأنّ كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾، ﴿فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ﴾، ونحو ذلك.\nالعاشر تندّمهم في الآخرة على تفريطهم في الدنيا، وطلب الرجوع. نحو: ﴿يا حسرتنا على ما فرطنا﴾، ﴿يا حسرتى على ما فرطت فى﴾، ﴿رب ارجعون﴾، ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾، ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾.\nهذه كّلّياتُ ما استدلّوا به من القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[الجواب على استدلال القدريّة مِن أي القرآن]</span>\nوالجواب عنه من حيث الإِجمال والتفصيل\nأمّا الإِجمال، فمن وجهين: أحدهما: ما سبق تقريرُه مِن الفرق بين تصرُّف الله التكويني والتكليفيّ. فهذه الوجوه العشرة إِنما هي باعتبار تصرُّفه الثاني. الوجه الثاني: أنّ ما ذكرتموه معارَضٌ بالنصوص والظواهر التي استقرأناها، وإِذا وقع التعارضُ بين ما","vol":"1","page":329},{"text":"ذكرتموه وذكرناه، وجب التوفيقُ بين القسمين. وليس إِلاّ بحملِه على ما ذكرنا من التصرُّفين، واعتقادِ عدل الله، والتسليمِ حُكم الله، كما قلنا في آيات الصفات، مع قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾.\nواعترض أبو الهذيل وعلى هذا بأن قال: \"لو فَهِمتَ العربُ من آيات الإِثبات التي استقرأتموها ما فَهمتم، لاحتجّوا على النبيّ ﵇ بها، وقالوا: \"كيف تأمرنا بالإِيمان، وقد حِيل بيننا وبوينه؟ وتنهانا عن الكفر، وقد خلقه اللهُ فينا، واضطرّنا إِليه؟ \" وكان يكون ذلك من أقوى القوادح في نبوّته؛ لظهور تناقُضِ ما جاء به، مِن أمرِه بالإِيمان وإِخباره بمنعهم منه. فلمّا لم يحتجّوا عليه بذلك، دلّ على أنّ المراد من تلك الآيات غير ما فهمتم\".\nوالجواب على هذا من ووجوهٍ.\nأحدها: أنّه باطلٌ بقوله تعالى: ﴿سيوق الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ فها هم قد احتجّوا عليه بما كر، وأكذَبهم اللهُ، كما سبق تقريره. ولم يَكُ ذلك قادحًا في النبوّة.\nالوجه الثاني: بتقدير أنهم ما احتجّوا بذلك، فإِنهم صُرِفوا عن الاحتجاج به، لكونه قادحًا في النبوّة؛ كما صُرفوا عن معارضة القرآن عند المعتزلة، بناءً على الصَرفة عندهم.\nالوجه الثالث: أنّ العرب لم يكونوا في التشكّك كأبي الهذيل؛ فلم ينتهوا لذلك.\nويَرِد على هذين الوجهين أنّ الصرفة عامّةٌ للكفارِ فمَن بعدهم، حتى لا يتسطيع أحدٌ [أن] يعارِض القرآنَ. فلو عارضَه الآن معارِضٌ، لقدح في النبوّة. والذي صُرِف عنه الكفارُ من الاحتجاج بآيات القدر، قد احتججتم أنتم به. فيجب أن يكون قادحًا في النبوةّ؛ وهو خلاف الإِجماع. وكذلك قولهم، \"إِنّ الكفّار لم يكونوا كأبي الهذيل\"، يقتضي أنّ سؤال أبي الهذيل قادحٌ في النبوّة؛ وليس كذلك. والأجود في الجواب الأوّل.","vol":"1","page":330},{"text":"وأمّا التفصيل، فإِنّ الجواب عن أكثر ما ذكروه في الوجوه العشرة قد سبق في جواب رسالة الحَسَن. ونحن نستقرئ الوجوه المذكورة إِقامةً لرسم الجواب فنقول:\nأمّا الأوّل، فإِضافة الأفعال فيه [إِلى] العباد من حيث الكسب، لا الخلق. وقد سبق دعوى أبي الحسين الضرورةَ بهذا الطريق على أنّ أفعال العباد خلقٌ لهم جوابها.\nفإِن قيل: \"العبد إِمّا أن يكون مستبِدًا بإِدخال فِعله في الوجود، أو لا. فإِن كان، فهو تسليم الدعوى للمعتزلة. وإِن لم يكن، كان مضطرًّا؛ لأنّ الله سبحانه إِن خلقه فيه، وجب وقوعُه؛ وإِن لم يخلقه، امتنع وقوعُه. وحينئذٍ، يظهر أنّ الكسب اسمٌ لا مُسمى له\".\nوالجواب من وجهين: أحدهما: أنّه لازمٌ عليهم أيضًا، كما سبق. وبيانه ها هنا أنّ ما علِم اللهُ أنّه يوجَد، وجب وقوعُه؛ وما علم أنّه لا يوجَد، امتنع وقوعُه. فالعبد مكلَّفٌ إِمّا بواجبٍ، أو ممتنعٍ. والأوّل اضطرارٌ، والثاني تكليفٌ بالمحال. فإِن قالوا: \"لا نُسَلَّم أنّه يجب وقوعُه لمجرّد علمِ الله بوقوعه، بل بشرط تأثير قدرة العبد فيه\"، قلنا: فنحن نقول أيضًا إِنّه لا يجب بمجرّد علمِ الله بوقوعه، بل بشرط إِجرائه على أدوات العبد موافقًا لعزمه وإِرادته؛ وهو الكسب الذي نعنيه. واستوى القولان. وغاية ما يَلزم من قولنا تكليفُ المحالِ؛ وهو لازمٌ عليكم؛ وقد بيّنّا جوازَه.\nالثاني: أنّ نفيَ حقيقة الكسبِ، مع أنّ الله أضافه إِليهم في غير موضعٍ، ولم يُضِف الخلقَ إِليهم في موضعٍ واحدٍ، بُهتٌ ومكابَرةٌ. فثبت أنّ الكسب حقيقةٌ في نفس الأمر.\nوَهبْ أنّا أخطأنا معرفة تلك الحقيقة؛ لكنّ ذلك غير قادحٍ ثى ثبوتها. وحينئذٍ، ينصرف جميعُ ما ذكرتموه إِليها.\nهذا هو الجواب عن الثاني والرابع والسادس والثامن وما بعده.\nوأمّا الثالث، فقد بيّنّا أنّ لا اتَجاه للظلم على الله سبحانه مع إِثبات التصرُّف الكونيّ. وأمّا التفاوت والقبح، فهو في أكساب العباد، وكسبُ العبدِ يجوز أن يؤثِّر","vol":"1","page":331},{"text":"قبحًا في الفعل، وإِن لم يؤثِّر في وجود ذاته. وليس ذلك المرادَ من الآية. إِنما المرادُ الأعيان؛ بدليل ما قبل الآية وبعدها؛ وهو قوله تعالى: ﴿الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾، إلى قوله: ﴿ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾. فدلّ على أنّ المراد بالخلق المذكورِ الأعيانُ المحسوسة، وأنّه لا تفاوُت فيها فيما تقتضيه الحكمةُ؛ بل خُلِقُ كلُّ شيء منها طبقَ الحكمةِ التي خُلِق لها.\nوأمّا الخامس، فالآيات الواردة بالتخيير بين الفعل والترك، إمِّا محمولةٌ على التعجيز؛ أي \"اعملوا ما استطعتم، فلا خروج لكم عن مقتضى إِرادتي وقهرِ قدرتي\"، كقوله: ﴿يا معشر الجن .. إن استطعتم أن تنفذوا .. فانفذوا﴾. أو على التخيير الصوريّ باعتبار التصرُّف التكليفيّ. على أنّ قوله: ﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، هو في التهديد؛ نحو: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.\nوأمّا السابع، ففائدة الاستعانة الإِعانةُ واللطف لدفعِ الخذلان الموجِب للشقاوة. على أنّ الأمر مفروغٌ منه. فمَن سبقت له السعادة بالإِعانة، وُفق للاستعانة، وخُلِق فيه داعيها؛ ومَن لا، فلا.\nوبعد هذا كلّه، فلا تَنْسَ ما قررّناه مِن حُكم الله سبحانه في الخلق بعلمه. فأَحسبُ أنّه سرّ القدرونكتته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[حجّةٌ على إِثبات نبوّة محمدِ ﷺ؛ وهي نكتةٌ أجنبيةٌ عن الباب]</span>\nوإِذ قد انتهى الكلامُ بنا إِلى ها هنا، فلنردف أي الكتاب بأحاديث السنّة في الباب، بعد ذِكرِ نكتةٍ نورِدها استطرادًا، ليست من الباب في شيءٍ، لكنّها مستفادةٌ مما ذكرنا مِن أي القدرِ بطريق الاستدلال. وهي أنّا قد أَورَدنا الآياتِ المختلفة ظاهرًا فيما يتعلَّق بالقدر. فنقول: وُرود هذه الآيات المتعارِضة ظاهرًا في ذلك حجّةٌ قويّةٌ على إِثبات نبوّةِ محمدٍ ﷺ على منكِريها.","vol":"1","page":332},{"text":"وتقرير الحجّة المذكورة هو أنّه لو لم يكن نبيًا حقًّا ورسولًا صِدقًا، لما جاءت هذه النصوصُ المتعارِضة على لسانه في كتابه. لكنّها وَرَدَت على لسانه؛ فيكون نبيًّا حقًّا.\nبيانُ الشرطيّةِ هو أنّه ﵇ لم يَشك أحدٌ مِن منكرِي نبوّتِه في فضيلته وحِكمته. ولولا ذلك، ما تَقرر له هذا الناموسُ الدائم عندهم. وأيضًا، من أَنصَف ونظر في سيرته، وآدابه، وتأدبه أمّتَه، وأصول شريعته، وفروعها، عَلم قطعًا أنّه كان على غايةٍ مِن الحكمة والسياسة.\nوإِذا ثبت ذلك، فنقول: صدور هذا التعارُض العظيم مِن مِثل ذلك الحكيم، إِن لم يكن من عند الله سبحانه، تَلَقَّاه تَلَقيًا وأَخَذَه عنه توقيفًا، محالٌ في العادة. وذلك لأنّا رأينا الحكماءَ الذين لم يُقرروا مِثلَ شريعةِ محمّدٍ ولا مِثلَ ناموسِه، كبقراط وآرسطو وجالينوس وأضرابهم، يُصنِّف أحدُهم الكتبَ العظيمة الحج، التي أصغرها حجمًا أكبر مِن حجمِ المصحف الكريم، فيَحتَرِز مِن التعارُض فيها؛ فلا يأتي منه بموضعٍ واحدٍ. بل هذه أجلافُ العرب يُنشِئ أحدُهم الخطبةَ، أو الرسالة، أو القصيدة الطويلة، فيُنقِّحها حتى لا تَناقُض فيها في موضع واحد. فما الظنّ بحكيمٍ يؤسس شريعةً وناموسًا يَبقى على مرور الأيّام، يأتى بكتابٍ لطيف الحجم، فيه هذا التعارص العظيم ظاهرًا؛ مع أنّه عند خصومع صنّفه في مدّة عمرِه ستين سنةً! فإِنّ العادةُ تُحِيل، مع حكمة المصنف ولُطِف التصنيف وطولِ زمنه وعِظم المقصودِ منه، أن يَترك فيه مِثل هذا التعارُضَ، أو يخفى عنه مكانُه، لظهوره، وحينئذٍ، يَدل بضرورة العادة أنّه إِنما جاء به من عند الله، وفوَّض أمرَه إِلى الله.\nوهذه حجَةٌ قويةٌ مستندها العلمُ الضروريّ العاديّ. ولا أعَلَم يَردُ عليها إِلاّ سؤالٌ واحدٌ؛ وهو أن يقال: \"لعلّه وَضَع هذا التعارضَ في كتابه، ليُحتج له به، كما قررتموه، ويوهمَ الناسَ أنّ هذا لو كان مِن عندي، لما كان فيه هذا المتشابِه والمختِلف. فيُنبِّههم ذلك على أنّه مِن عند الله، وإِن لم يكن كذلك؛ كما يوهم الساحرُ بسحره أنّه معجِزٌ؛ وليس كذلك\".","vol":"1","page":333},{"text":"والجواب أنّ ما ذكرتموه، وإِن كان لقائلٍ أن يقوله في مقام المدافَعةِ والعناد، إِلاّ إِنّه باطلٌ في مستقَرّ العادات. وذلك لأنّ مِن القضايا الضروريّة عند العقلاء ترجيحُ أعظمِ المصلحتين، ودفعُ أعظمِ المفسدتين؛ حتى قال القائل:\nإِنّ اللبيبَ إِذا أَلمَّ بجسمِهِ .. مَرَضَان مختلِفان دَاوَى الأَخطرا\nومَن حَصّل مصلحةً مرجوحةً، مع تفويت مصلحةٍ راجحةٍ جدًا، أو دَفَعَ مفسدةٍ يسيرةً، والتَزَم أشد منها، عُد عند العقلاء سفيهًا، يحكمون عليه بذلك بديهةً. ونحن قد بيّنّا حكمةَ محمدٍ ﵇ ومعرفته بأحكام السياسة. ووافق الخصمُ على ذلك وحينئذٍ، لو تَعَمّد هذا التعارضَ والاختلافَ في كتابه، لكان مفوّتًا لمصلحةٍ راجحةٍ مقطوعةٍ، لأجل مصلحةٍ مرجوحةٍ مظنونةٍ، وملتزمًا لمفسدةٍ راجحةٍ مقطوعةٍ، لدفعِ مفسدةٍ مرجوحةٍ مظنونةٍ. وحينئذٍ، يكون مِن قبيلِ السفهاء؛ وقد فرضناه مِن أفضل الحكماء؛ هذا خلفٌ.\nوبيان ذلك أنّ هذا التعارُض، مع ظهوره، ومبادرة الأذهان إِليه، مُنفرٌ لمن حوله عنه، موجِبٌ لسوء الظنّ به. وذلك مِما يَعكس مقصودَه، ويُفرّق عنه جنودَه. فلو تعمّده لأجل تنُّههم على الحجّة المذكورة، لكان عادلًا عن الراجح إِلى المرجوح، كما ذكرنا. لأنّ الحجّة المذكورة إِنما يتنبّه لها أذكياءُ الناس وفضلاؤهم؛ والتعارضَ المذكور يَنفُر عنه جميعُهم، أوأكثرُهم. فقد تبين بما ذكرناه ضعفُ السؤال وقوّةُ ما ذكرناه من الاستدلال.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>[أحاديث القدَر]</span>\n\nولنرجع إِلى ما هو مقصودٌ من إِيراد ما تيسَّر من أحاديث القدر؛ إِذا استيعابها لا نستطيعه؛ إِذ قد صنّف العلماءُ فيه تصانيف مستقلّةً، ككتاب القدر، لأبي داوود السجستانيّ، وغيره. فنقول، وبالله التوفيق:\n[١] أخبرنا أبو بكرٍ بن أحمد بن أبي بكرٍ الباجسريّ القلانسيّ وأحمد بن عكبر، قالا: أنا عبد الصمد بن أبي الجيش المقرِئ، قال: أنا أبو الفرج بن الجوزىّ، قال: أنا ابن الحصين، قال: حدّثني أبى، قال: حدُّنا [أبو] عبد الرحمن الحُبُلِى يقول: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قدرَ اللهُ ﵎ المقاديرَ قبل أن يخلُق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ\". ورواه الترمذي وصححه؛ وهو في الصحيحن. ولفظ مسلمٍ: طكتب اللهُ مقاديرَ الخلائق\"، الحديث؛ وزاد: \"وعرشُه على الماء\".\nوروى الترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"إِنّ الله خَلَقَ خلقَ في ظُلمةٍ؛ فألقى عليهم من نوره فمن أصابه مِن ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَل؛ فلذلك أقول: جَف القلمُ على عِلم الله\". قال الترمذى: \"حديثٌ حسنٌ\".\n\n[٢] وبالإِسناد الأوّل، ثنا أحمد، ثنا يحيى بن سعيدٍ، ثنا سفيان، قال: حدّثني سعيد بن سنان، ثنا وهب بن خالدٍ، عن ابن الديلَمي قال: \"لقيتُ أبي بن كعبٍ، فقلتُ: \"يا أبا المنذر. إِنّه قد وَقَع في قلبي شيء من هذا القدَر؛ فحدثني بشيءٍ، لعلّه","vol":"1","page":335},{"text":"يَذهب من قلبي \".قال: \"لو أنّ الله عذب أهلَ سماواته وأهل أرضه، لعذبهم، وهو غير ظالمٍ لهم. ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم. ولو أنفقتَ مِثلَ جبلِ أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله، ما قَبلَه منك حتى تؤمِن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك ما كان ليخطئك، وما اخطأك لم يكن ليصيبك. وو مُت على غير ذلك، لدخلتَ النارَ\". قال: \"فأتيتُ حذيفةَ، فقال لى مِثلَ ذلك. وأتيتُ ابن مسعودٍ، فقال لي مثل ذلك. وأتيت زيدَ بن ثابت، فحدّثني عن النبي ﷺ مثل ذلك\".\n\n[٣] وأخبرنا أبو بكرٍ الباجسري، قال: أنا عبد الصمد، قال: أنا أبو علي الحَسن بن المبارك الزبيدي، وأبو نصرٍ الحسين بن أحمد بن حسنون النرسي، قالا: أنا أبو الوقت عبد الأوّل السجريّ، أنا أبو الحسن الداووديّ، أنا أبو عبد الله السرخسي، أنا الفرَبري، أنا البخارة، قال: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: حفظنا من عمروٍ، عن طاووسٍ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ: \"احتَجّ آدمُ وموسى: فقال موسى: \"يا آدم؛ أنت أبونا، خيبتَنا وأخرجتنا من الجنّة\". فقال له آدم: \"يا موسى؛ اصطفاك اللهُ بكلامه، وخطّ بك التوراة بيده؛ أتلومنى على أمرٍ قدّرَه الله على قبل أن يخلُقنى بأربعين سنةً؟ \" فحج آدمُ موسى\". قالها ثلاثًا. وأخرجه مسلمٌ، عن محمد بن حاتمٍ، عن سفيان.\nورواه الترمذي وصحّحه. ولفظه: \"قال موسى: \"يا آدم؛ أنت الذي خلقك اللهُ بيده، ونفخَ فيك من روحه؛ أغويتَ الناسَ، وأخرجتَهم من الجنَة\". فقال آدم: \"وأنت موسى الذي اصطفاك الله؛ أتلومني على عملٍ كتَبَه اللهُ على قبل أن يخلُق السماوات والأرض؟ \" قال: \"فحَج آدمُ موسى\".\nولفظ الترمذيّ أولى اللفظين؛ لأنّ علم اللهِ تعالى تَعلًّق بمعصية آدم في الأزل؛ فلا معنى لتقدير مدّته بأربعين سنةً قبل خلقِه. ولوم موسى لآدم، واعتذار آدم لموسى يُحقق ما قرّرناه قبل، من تصرُّف الله الكونيّ والتكليفيّ؛ لأنّ تقدير المعصية على آدم كان","vol":"1","page":336},{"text":"باعتبار التصرُّف الأوّل، وعقوبته بالتصرُّف الثاني.\nولما رَمَى الرواةُ الإثباتُ بالروايات المسنَدات المتقَنات بهذا الحديث بين أكتاف القدريّة، أخذوا يَنقَضُّون عنه ويَتَخلصون منه. أما أولًا، فبكونه خبر واحدٍ لا يفيد العلمَ. وسيأتى جواب ذلك، وقد سبق شيء منه. وأمّا ثانيًأ، فبتحريف لفظه؛ فإِنّ الرواة اتّفقوا على أنَ \"آدم\" مرفوعٌ على أنّه فاعلُ \"حاج\"؛ و\"موسى\" منصوبٌ تقديرًا؛ لأنّه مقصورٌ، على أنه مفعول \"محجوج\". فعكَس القدريّةُ، وجعلوا موسى الفاعلَ؛ يريدون ليطفئون نور الله بأفواههم.\n\n[٤] وبالإِسناد الأوّل، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمّد بن جعفرٍ، نا شُعبة، عن منصورٍ، عن ربعي ن حراشٍ، عن علي، عن النبي ﷺ قال: \"لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمِن بأربعٍ: حتى يشهد أن لا إِله إِلاّ الله؛ وأني رسول الله، بعثني بالحقّ؛ وحتى يؤمِن بالبعث بعد الموت؛ وحتى يؤمِن بالقدر\" ورواه ابن ماجه والترمذيّ.\nقلتُ: وفي قصة جبريل لما جاء يسأل النبي ﷺ عن معالم الدين، قال: \"ما الإِيمان؟ \" قال: \"أن تؤمِن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وتؤمِن بالقدر خيره وشرّه\". قال: \"صدقتَ\". روى القصّة مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال: \"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ\".\n\n[٥] وبإِسناد البخاريّ، قال: ثنا عثمان، قال: جررٌ، عن منصورٍ، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عليِّ، قل كنّا في جنازةٍ في بقيع الغَرقَد؛ فأتى النبيّ ﷺ؛ فقعد رجلٌ: \"يا رول الله. أفَلا نتّكِل على كتابنا، ونَدَ العملَ؟ فمَن كان منّا مِن أهل السعادة، فسيصير إِلى عملِ أهل السعادة؛ ومن كان منّا من أهل الشقاوة،","vol":"1","page":337},{"text":"فسيصير إِلى عملِ الشقاوة\": \"إِمّا أهل السعادة، فسيُيسَّرون لعملِ السعادة. وأمَا أهل الشقاوة، فييسَّرون لعمل الشقاوة\". ثمّ قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى﴾، الآية. ورواه مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه.\n\n[٦] وبإِسناد مسنَد أحمد، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال حدّثنا شُعبة، عن يزيد الرُشك، قال: سمعت مُطرقًا يحدِّث عن عمران بن الحصين، عن النبيّ ﷺ، أنّه سُئل: \"أيُعرَف أهلُ النارِ مِن أهل الجنّة؟ \" فقال: \"نعم\". قال: \"فلِم يَعمل العاملون؟ \" قال: \"يَعمَل كلُّ لمِا خُلِق له (أو: \"لِمَا يُسِّر له\") \" وأخرجاه في الصحيحين.\n\n[٧] وبه، قال أحمد، ثنا صفوان بن عيسى، قال: أنا عَزرَة بن ثابتٍ، عن يحيى ابن عُقيلٍ، عن يحيى بن يَعمَرَ، عن أبي الأَسود الدُّؤلي، قال: غَدَوتُ على عمران بن حصينٍ يومًا من الأيَام، فقال لي: يا أبو الأسود. إِنّ رجلًا من جُهَينة، أو مُزَينة، أتى النبيّ ﷺ، فقال: \"يا رسول الله. أرأيتَ ما يعمل الناسُ اليوم، ويَكدحون فيه؛ شيءٌ قُضِىَ عليهم، أو مَضَى عليهم في قدَرٍ سبق، أو فيما يُستقبَلون ممّا أتاهم به نبيُّهم؛ فاتَّخذَت عليهم به الحجّةُ: . قال: \"بل شيءٌ قضِى عليهم، ومضى عليهم\". قال: \"فلِم يَعملون إِذن، يا رسول الله؟ \" قال: \"مَن كان الله ﷿ خلَقه لواحدةٍ من المنزلتين، يُهيِّئه لعملها. وتصديق ذلك في كتاب الله ﵎، \"ونَفْسٍ وما سَواهًا فَأَلْهَمهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا\". وأخرجه مسلمٌ.\nوهذا والذي قبله قضيُةٌ واحدةٌ، لكنّ أحد طرفيها أبسط من الآخر.\nوروى ابنُ عمرو، قال: قال عمر: \"يا رسول الله. أرأيتَ ما نَعمَلُ فيه، أمرٌ مبتَدعٌ، أو مُبتَدأ، أو فيما قد فُرِغَ منه؟ \" قال: \"فيما قد فُرِغ منه، يا ابنَ الخطّاب. وكلُّ ميسرٌ لما خُلِق له. أمّا مَن كان مِن أهل السعادة، فإِنّه يَعمَل للسعادة. وأمّا مِن كان مِن أهل","vol":"1","page":338},{"text":"الشقاء، فإِنّه يَعمَل للشقاء\". رواه الترمذي وصحّحه.\nقلتُ: وحاصل هذه الأحاديث أنّ الله سبحانه جعل في علمه الأزلي استحقاقَ الثواب والعقاب جاريًا على أعمل البرَ والفجور جريانَ السبباتِ على أسبابها؛ والسبب معرفٌ لا يؤثَّر. وهذا يؤكد ما قررَناه مِن قبلِ مِن حُكمِ اللهِ في خلقِه بعلمِه في نفس الأمر.\n\n[٨] وبالإِسناد، قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا ليثُ، قال: حدّثني، قال: حدّثني أبو قَبيلٍ المعافِريّ، عن شُفي الأصبَحي، عن عبد الله بن عمروٍ، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ، وفي يده كتابات. فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان؟ \" قلنا: \"لا إِلاّ أن تخبرنا، يا رسول الله\" فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتابٌ مِن ربّ العالمين ﵎؛ فيه أسماءُ أهلِ الجنةِ وأسماءُ آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخِرهم، لا يَزداد فيهم ولا يُنقص منهم أبدا. ثم قال للذي في يساره: \"هذا كتاب أهلِ النار، بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا يُنقَص منهم أبدًا\". فقال أصحابُ رسولِ الله صلة الله عليه وسلم: \"فلأيّ شيءٍ نَعمَل، إِن كان هذا أمرًا قد فُرِغ منه؟ \" قال رسُول الله ﷺ: \"سَددوا وقاربوا. فإِنّ صاحب الجنّة يُختَم له بعمل الجنّة، وإِن عَمِلَ أى عملٍ. وإِنّ صاحب النارُ يُختَم له بعمل النار، وإِن عَمِلَ أى عملِ\". ثمّ قال بيده، فقبضَها. ثمّ قال: \"فَرَغَ ربُّكم من العباد\". ثمّ قال باليمنى، فنبذ بها، فقال: \"فريقٌ في الجنّة\"، ونبذ باليسرى، وقال: \"فريقٌ في السعير\". وأخرجه النسائيّ والترمذيّ، وقال: \"حَسنٌ صحيحً غريبٌ\".\n\n[٩] وبه، قال أحمد، ثنا الحسن بن سَوارٍ، ثنا ليثُ بن سعدٍ، عن معاوية، عن راشد ابن سعدٍ، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"إِنّ الله ﷿ خَلَقَ آدم، ثمّ أَخذ الخلقَ من ظهرِه؛ فقال: \"هؤلاء في الجنّة، ولا أُبالي؛ وهؤلاء في النار، ولا أُبالي\". فقال قائلٌ: \"يا رسول الله. فعلى ما نعمل؟ \" قال: \"على مَواقع","vol":"1","page":339},{"text":"القدرِ\".\nقلتُ: معناه ما سبق، أن مَن قُدِّر عليه شيءٌ، وقَع عليه لا محالة.\n\n[١٠] وبه، قال أحمد، ثنا عبد الرزّاق، عن علقَمة بن مَرثَدٍ، عن المغيرة بن عبد الله اليَشكُتريّ، عن المعرور بن سُوَسدٍ، عن عبد الله، قال: قالت أمُّ حبيبة: \"اللهم متِّعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية\". فقال النبيّ ﷺ: \" قد سألت اللهَ ﷿ لآجالٍ مضروبةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ، وآثارٍ مبلوغةٍ، لا يُعجل منها شيءٌ قبل حِلِّه، ولا يؤخَّر منها شيءٌ بعد حِله. ولو سألتِ اللهَ أن يُعافيك من عذابٍ في النار، وعذابٍ في القبر، كان خيرًا لك\". رواه مسلمٌ.\nوهذا أصحّ مِمّا رواه الترمذيّ من حديث سلمان، عن النبيّ ﷺ، \"لا يَرُدّ القضاءَ إِلا الدعاءُ، ولا يَزيد في العمر إِلا البرُّ\". وقال: \"حٍنٌ غريبٌ مِن حديث سلمان\".\nفتقدَّم حديثُ أمّ حبيبة عليه. فإِن صح حديثُ سلمان، حُمل على مجاز سهولة العيش وطيبته، ونحوه. فإِنّه يُسمّى \"زيادةً في العمر\" مجازًا.\nولمسلمٍ، من حديث جابر بن عبد الله، قال: جاء سُراقَة بن مالك بن جُعشُمٍ، فقال: \"يا رسول الله: بين لنا دينَنا، كأنّا خُلقنا الآن. فيمَ العملُ اليوم؟ فيما جفَّت به الأقلامُ وجَرَت به المقاديرُ، أم فيما نَستقبِل؟ \" فقال: \"بل فيما جفّت به الأقلام وجَرت به المقاديرُ\". فقال: \"فيم العمل، يا رسول الله؟ \". فقال: \"كل عاملٍ ميسَّرٌ لعمَلِه\".\n\n[١١] وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثنا مصعبٌ الزُبيريّ، قال: حدّثني مالكٌ، عز زيد عن أبي أُنيسَة، أنّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، أخبره عن مُسلِم بن يَسار الجُهَني، أنّ عمر بن الخطّاب سُئل عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾. فقال عمر: \"سمعتُ رسولَ الله ﷺ","vol":"1","page":340},{"text":"سئل عنها، فقال: \"إِنّ الله خَلَقَ آدمَ، ثمّ مسح ظهرَه بيمينه، فاستَخرَج منه ذُرّيّته؛ فقال: \"خلقتُ هؤلاء للجنّة، وبعملِ أهلِ الجنّة يَعملون\". ثمّ مسح ظهرَه، فاستَخرَج منه ذرّيّة؛ فقال: \"خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النار يَعملون\". فقال رجلٌ: \"يا رسول الله. ففيمَ العمل؟ \" فقال: \"إِنّ الله ﷿ إِذا خَلَقَ العبدَ للجنّة، استعمله بعملِ أهل الجنّة؛ [حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنّة، فيُدخِلَه به الجنّةَ وإِذا خَلَقَ العبدَ للنار، استعمله بعملِ أهل النار] حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخلَه به النارَ\".\nوالمراد من هذا الحديث أنّه يختُم له بأحد العملين، فيُلحِقه بأهله؛ لا أنّه يَستعمِله طولَ عمره بعملٍ واحدٍ حتى يموت عليه. بدليل حديث أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ، قال: \"الا إِنّ بنى آدم خُلقِوا على طبقاتٍ شتّى. فمنهم مَن يُولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت مؤمنًا. ومنهم من يولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يُولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت مؤمنًا\" رواه ابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال: \"حديثٌ حسنٌ\".\nوروى أنسٌ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، استَعمله\". فقيل: \"كيف يستعمله؟ \" قال: \"يوفَقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت\". رواه الترمذيّ وصحّحه.\nوفي الصحيحين، من حديث سهل بن سعدٍ: \"إِنّ الرجل ليَعمل بعملِ أهل الجنّة فيما يَرى الناسُ، وهو من أهل النار. ويَعمل بعملِ أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنّة. وإِنما الأعمال بالخواتيم\".\n\n[١٢] وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبو بكر بن أبي شَيبَة، قال: حدّثنا أبو داوود الحَفَريّ، عن سفيان، عن أبي إِسحق، عن مَطَر بن عُكامِسٍ، قال: قال","vol":"1","page":341},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إِذا قضى اللهُ منيّةَ عبدٍ بأرضٍ، جَعَلَ له إِليها حاجةً. ورواه الترمذيّ، قال: \"حسنٌ غريبٌ\". لكن صحّح مِثله مِن حديث أبي عزّة، واسمه يَسار بن عبدٍ؛ وله صُحبةٌ.\nوروى حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ البنانيّ، أنّ أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأةً من بني ليثٍ. فقال أهلها: \"أمّا سلمان، فلا نزوّجه؛ ولكنّا نزوّجك\". فتزوّجها أبو الدرداء. ثمّ جاء إِلى سلمان، فقال له: \"قد كان شيءٌ؛ وأنا أستحي أن أذكره لك\" ثمّ أخبره الخبرَ. فقال سلمان: \"أنا أحقّ أن أستحيي منك أن أخطبها، وقد كان الله قضاها لك\".\nوعن عبد الواحد بن سُلَيمٍ، قال: قدِمتُ مكةَ، فلقيتُ عطاء بن أبي ريَاحٍ، فقلتُ له: \"يا أبا محمّدٍ. إِنّ أهل البصرةِ يقولون في القدر\". قال: \"يا بُنىّ. أتقرأ القرآن؟ \" قلتُ: \"نعم\". قال: \"فاقرأ الزخرفَ. قال: \"فقرأتُ: ﴿حم والكتاب المبين﴾، إِلى قوله: ﴿وإنه في أم الكتاب﴾. فقال: \"أتدرى ما أمُّ الكتابِ؟ \" قلتُ: \"الله ورسوله أعلم\". قال: \"فإِنّه كتابٌ كَتَبَه اللهُ قبل أن يخلُق السماءَ، وقبل أن يخلقُ الأرضَ؛ فيه إِنّ فرعون من أهل النار؛ وفيه: تبت يدا أبي لهب وتب\". قال عطاءٌ: \"فلقيتُ الوليدَ ابن عبادة بن الصامت، صاحب رسولِ الله ﷺ؛ فسألتُه: \"ما كان وصيّة أبيك عند الموت؟ \" قال: \"دعانى، فقال: \"يا بُنيّ، اتَّقِ اللهَ. واعلم أنّك لن تتقي اللهَ حتى تؤمِن بالله، وتؤمِن بالقدر كلّه خيره وشرّه. فإِن مُت على غير هذا، دخَلتَ النارَ. إِني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"إنّ أوّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلمَ؛ فقال: \"كتبْ\". قال: \"وما أكتبُ؟ \" قال: \"اكتبْ القدرَ، ما كان وما هو كائنٌ إِلى الأبد\". رواه الترمذَي، وقال: \"حسنٌ غريبٌ\" وقد تضمّن هذا الحديث قولَ النبي، ووصيّة الصحابيّ، وتفسير التابعيّ.","vol":"1","page":342},{"text":"وعن أنسٍ، قال: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول: \"يا مُقَلِّبِ القلوبِ، ثِّبت قلبي على دينك\". فقلتُ: \"يا رسول الله. آمنَّا بك، وبما جئتَ به. فهل تخافُ علينا؟ \" قال: \"نعم. إِنّ القلوب بين أُصبعين من أصابعِ الله، يُقَلَّبها كيف شاء\". رواه الترمذيّ، وقال: \"حديثٌ شريفٌ\".\nولمسلمٍ معناه، من حديث عبد الله بن عمرو؛ وقال: \"بين أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد\". وقال: \"صرف قلوبَنا إِلى طاعتك\"\nومعنى هذا الحديث أنّ الله يصرِّف القلوبَ بقدرته كما يصرِّف الرجلُ العصا أو نحوها بين أصابعه. وهذا هو الذي نعنيه \"بخلق الأفعال\"؛ وهو أنّ الله سبحانه إِذا أراد من العبد طاعةً أو معصيةً، صرَّف قلبه إِليها، وقيّض له أسبابها ودواعيها؛ فوقَعت منه لا محالة.\nوعن ابن عبّاسٍ، قال: كنتُ خلفَ النبي ﷺ يومًا. فقال: \"يا غلام. إِني أعلَّمك كلماتٍ: احفظ اللهَ يحفظك. احفظ اللهَ تجده تُجاهَك. إِذا سألتَ، فاسأل اللهَ. وإِذا استعَنتَ، فاستعِن باللهِ. واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعَت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إِلاّ بشيءٍ قد كتبَه اللهُ لك. ولو اجتمعوا على أن يضرّوك، لم يضرّوك إِلاّ بشيءٍ، كتبه اللهُ عليك. رُفعَت الأقلامُ، وجَفَّت الصحفُ\". صحّحه الترمذيّ.\nوعن ابن مسعودٍ، قال: حدّثنا رسولُ الله ﷺ، وهو الصادِقُ المصدَّق: \"إِنَ أحدَكم يُجمَع خَلقُه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا. ثمّ يكون عَلَقَة مثلَ ذلك. ثمّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك. ثمّ يُرسِل اللهُ إِليه الملَكَ، فينَفُخ فيه الروحَ. ويؤمر بأربعٍ: يكَتبِ رزِقه وأجلِه وعملِه وشقيٌّ أو سعيدٌ. فوالذي لا إِله غيره، إِنّ أحدَكم ليَعمل بعملِ أهل الجنّة، حتى ما يكون بينها وبينه إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل النار، فيدخلّها. وإِنّ أحدَكم ليعمل بعملِ أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل الجنّة، فيدخلها\". أخرجها في الصحيحين؛","vol":"1","page":343},{"text":"ورواه أبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه. وفي الصحيحين معناه من حديث أنسٍ.\nوقد سبق ذِكرُ نهي النبيّ ﵇ عن النزاع في القدر. وعليه حمَل بعضُ العلماءِ قولَه ﵇، \"المراء في القرآن كفرٌ\". وسبق في سورة القمر، ذِكرُ مخاصمة قريشٍ في القدر، وما نزل في ذلك، وآثارٌ عن السلف.\nوعن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"صنفان من أمّتي ليس لهما في الإِسلام نصيبٌ: المرجئة والقدريّة\". رواه الترمذيّ، وقال: \"غريبٌ\". وقد رُوي عن ابن عبّاسٍ من غير وجهٍ. ورواه ابن ماجه.\nوعن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ، قال: \"يكون في أمتّي خَسفٌ ومَسخٌ (أو: \"قَذفٌ\")؛ وذلك في المكذِّبين بالقدر\". رواه ابن ماجه والترمذيّ، وقال: \"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ\".\nوروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ، أنّه قال: \"القدريّة مجوسُ هذه الأمّة. إِن مَرِضُوا، فلا تَعُودوهم. وإِن ماتوا، فلا تَشهَدوهم\".\nقال الخطّابيّ: \"إِنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهبَ المجوس في قولهم بالأصلين، النور والظلمة. يزعمون أنّ الخبر مِن فِعلِ النور، والشر مِن فعلِ الظلمة. فصاروا ثنويّةً. وكذلك القدريّة؛ يضيفون الخيرَ إِلى الله، والشر إِلى غيره؛ والله تعالى هو خالق الخير والشر\".","vol":"1","page":344},{"text":"قلتُ: ولَمَّا ورد هذا الحديث ونظائره في القدريّة، تَنَصَّلوا من هذا اللقب، وقالوا: \"لسنا نحن القدريّة؛ بل خصمونا هم القدريّة؛ لأنهم يُثبِتون القدرَ، ونحن ننفيه. فإِضافة اللقب المذكور إِلى المثبِتين، لَمّا اشتُقّ منه، أولى من إَضافته إِلى مَن ينفيه\".\nوذلك فرارٌ منهم عن لزوم هذا اللقب لهم. ولات حين مناصٍ! فإِنّ النبيّ ﷺ شبّههم بالمجوس. وإِنما يصحّ ذلك فيهم، لا في المثبِتين للقدر، لأنهم موحدون ذاتًا وفعلًا.\nوهذا ما تيسّر إِيراده من أحاديث القدر؛ وفيها كثرةٌ تُجاوِز حد الإِحصاء. وقد صحّ عن النبيّ ﵇ أنّه قال في وصيّةٍ لبعض أصحابه: \"لا تَقُل لشيءٍ لم يكن: \"ليته كان\"؛ ولا لشيء كان: \"ليته لم يكن\"؛ ولكن قُل: \"قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعَلَ\". ولَمَّا جاءه الملَكُ بصورة عائشة في خرِقَة حريرٍ، قال: \"إِن يكن من عند الله، يُمضِه\". وقال: \"اشفَعُوا، تؤجَروا؛ وليَقضِ اللهُ على لسان نبيّه ما شاء\" ولَمَّا قيل له: \"سَعَِر لنا\"، قال: \"إِنّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط\". وقال علي ﵇: \"كلّما كَمُل عقلُ المراد، ازداد إِيمانُه بالقدر\". وعن سعد بن أبي وقّاصٍ، قال: رسولُ الله ﷺ: \"مِن سعادةِ ابن آدم رِضَاه بما قَضى اللهُ له. ومن شقاوة ابن آدم تَركُه استخارةَ الله. ومن شقاوةِ ابن آدم سَخَطُه بما قَضَى اللهُ\".\nوحديث صلاة الاستخارة مشهورٌ؛ وهو يتضمَّن الإِيمانَ بالقدر؛ وفيه: \"اللهمّ إِني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرُك بقدرِتك، وأسألُك من فضلِك العظيم؛ فإِنّك تقدِرُ، ولا أَقدِرُ؛ وتَعَلم، ولا أَعلَم؛ وأنت عَلاّمُ الغيوبِ\"وهو صريحٌ في نفي القدرة الحادثة. وهو حديثٌ شريفٌ صحيحٌ.\nومَن استقرأ سِيرَ الأنبياءِ والملوك وغيرهم، ووقف على قضاياهم ووقائعهم، عَلِم بالضرورة أنّ لا خالق ولا متصرِّف في الوجود إِلاّ الله. وإِنما أُتِي هؤلاء القومُ مِن قصورِ","vol":"1","page":345},{"text":"علِمهم، واعتمادهم على مجرّد عقلهم، مع تسليمهم وتقريرهم أنّ مِن أحكام الشرع ما لا يُعلَم إِلاّ بتوقيف الشارع. وهذا تناقُضٌ. فهلا جعلوا هذا الأصلَ مِن التوقيفيّات، ووافقوا نصوصَ الكتاب والسنّة وإِجماعَ سلفِ الأمّة وخلَفِها! .\nولقد أخبرني الشقةُ عن بعض رؤساء الحنفيّة ببغداد، أنّه قال: \"إِني لأخرُج من بيتي قدريًّا؛ ثمّ أعود إِليه سنّيًّا\". فقيل له: \"كيف ذلك؟ \" قال: \"أخرج على أني أفعل كذا وكذا، وأذهب إِلى كذا وكذا، وأرى أني متمكنٌ من ذلك قادرٌ. فيذهب النهار، ولم يتيسر لي من ذلك شيءٌ. فأرجع، وأنا أقول: لو قُدِّر، لكان\".\nقلتُ: فهذه أحاديث وآثارٌ، إِن لم تكن متواترةً تواترًا حقيقيًّا، فهي متواترةٌ تواترًا معنويًّا؛ كسخاء حاتمٍ، وشجاعة عليّ. وإِن لم تكن كذلك، فهي مستفيضةٌ، تلقّتها الأمّةُ بالقبول على تعاقب الأعصارِ، في سائر الأمصار، لم يُنقَل عن أحدٍ منهم لها إِنكارٌ. فإِذن، مستَند صحّتها إِمّا التواتر لمعلوم، أو الإِجماع المعصوم. فلينظر أمره لنفسه، وليُخلِص اعتقادًا يَلقَى فائدتَه في رمسِه، ولينظر أيهما أحقّ بالاتّباع: رسول الله ﷺ، والخلفاء الراشدون، والصحابة، والتابعون، وأئمّة الشرع الصالحون، والفضلاء المحقِّقون؛ أم واصل بن عطاءٍ، وعمرو بن عُبَيدٍ، وأبو الهذيل العلاّف، والشحّام، والإِسكافيّ، والجبّائي الذي يقول: \"يُسمى اللهُ \"مُحْبِلًا\"؛ لأنّه لا يحبِل النساءَ إِلاّ هو\"، و\"لا يسمّى \"حنانًا\"؛ لأنّه مشتقٌ من الحنين\"؛ وغير ذلك من مقالاتهم البائرة، المبنيّة على أصولهم الهائرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[مآخذ مسألة القدر]</span>\nوحيث انتهينا في مسأَلة القدَر إِلى هذا المقام بعد طويلٍ من الكلام، فلننبّه على مآخذها باختصارٍ؛ وهي ثلاثةٌ:\nأحدها: أنهم ينكِرون تصرُّفَ الله التكوينيّ في أفعال خلقِه؛ ونحن نثبته. وقد سبق تقديره.","vol":"1","page":346},{"text":"الثاني: أنّ العدل عندهم ما حَسُن في العقل، والجور ما قَبُح فيه، بناءً على التحسين والتقبيح، وأنّه يحسُن ويقبُح من الله ما حَسُن وقَبُح منًا. وعندنا، العدل ما ورد الشرعُ بإِثباته؛ والجور ما ورد بنفيه. وحظّ العقلِ عندنا فَهم الخطابِ، لا التحكم على رب الأربابِ.\nالثالث: أنّ الطاعة عندهم موافَقة الإِرادةِ، بناء على أنّ الإِرادة شرطٌ في كون الصيغة أمرًا. وعندنا، الطاعة موافَقة الأمرِ. وهو راجحٌ إِلى المأخذ الأوّل.\nوحكى الإِمامُ فخر الدين في شرح الأسماء الحسنى أنّ القاضي عبد الجبّار الهَمَذانيّ رئيس المعتزلة دخل على الأستاذ أبي إِسحق الإسفرائينيّ، وهو في دار الصاحب بن عبّادٍ. فقال القاضي، معرِّضًا بالأستاذ: \"سبحان مِن تَنزَّه عن الفحشاء! \" فقال أبو إِسحق: \"سبحان مَن لا يَجري في مُلكِه إِلا ما يشاءُ! \"\nقلتُ: أشار عبد الجبّار إِلى قوله تعالى: ﴿إِن الله لا يأمر بالفحشاء﴾. وعنده، الإِرادة شرطٌ في الأمر؛ فلا جرم لزِم على رأيه أنّ الله يُنَزَّه على الفحشاء أمرًا وإِرادةً. وأشار أبو إِسحق إِلى قوله، ﴿فعال لما يريد﴾، ونظائِرها، على ما قرّرناه في سورة البروج. فقد جَمع هذان الرئيسان عُمدةَ الطائفتين في كلمتيهما. إِلاّ إِنّ كلمة عبد الجبار جُبَارٌ، وعلى شفا جُرفٍ هَارٍ؛ لأنّه مُنازعٌ في أنّ الإِرادة شرطٌ للأمر، وفي أنّ الله إِذا نهى عمّا يريد وقوعَه، أو أمَر بما لا يريد وقوعَه، جائزٌ؛ سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا. وقد سبق تقريرُ ذلك.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>[خاتمة: في أنّ المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا</span>؟]\nولنختم الكتابَ بذكرِ فائدةٍ مهمّةٍ؛ وهي أنّ المعتزلة هل يَكفرون بمقالتهم هذه، أم لا؟\nوالجواب أنّ ظاهر الأحاديث يقضي بكفرهم، كما سبق. أمّا قاعدة العقل والشريعة العامّة في المعتزلة وغيرهم، أنّ مَن أراد بمقالته خيرًا، مِن تنزيه الله سبحانه عمّا لا يليق به في اعتقاده بحسب اجتهاده، أنّه لا يُكَفَّر، ولا يُفَسَّق. بل إِن خالَف الدليلَ في نفس الأمر، كان مخطئًا. ثمّ إِن لم يكن مأجورًا، لم يكن مأزورًا. وبذلك بشرط أن لا يخالِف قاطعًا من قواطع الشريعة، أو ظاهرًا جليًّا لا معارِض له. والأصل في ذلك قوله ﵇، \"إِنما الأعمال بالنيّات\". والاعتقادات من أعمال القلوب؛ فيُعتَبر فيها المقاصدُ والنيات.\nوليست هذه المسألة وأشباهها من القواطع، وإِنما هي من الاعتقادات. وفرقٌ بين القطع والاعتقاد. ومن زعم أنّ هذه، ومسألة الحرفِ والصوتِ وأشباها، ممّا يُفرَّغ على الوحدانيّة والنبوّة وتجاذُبِية الشبَه والأدلّةِ، مِن القطعيّات، فقد وَهمِ. كيف، والشُّبَه فيها قد أعمت النظائرَ، وعمّت الباديَ والحاضرَ! والله سبحانه لم يُكلِّف عبادَه القطعَ بما لم يجعل لهم إِلى القطع به سبيلًا؛ إِذ ذلك تكليفٌ بالمحال، والثابت عند مَن أثبته جوازُه، ولا وقوعه. وذلك بخلاف إِثباتِ الصانعِ، ووحدانيّته، وقِدمِه، وجواز البعثة، وثبوت النبوّات؛ فإِنّ الأدلّة عليها قواطعُ. والتشكيكات على ذلك كالتشكيكات على العاديّات، كما سبق؛ فلا يؤُثر ولا يُسمَع.\nوتحقيق هذا أنّ أحكام الشريعة إِمّا قطعيٌ، قام عليه دليلٌ قاطعٌ؛ أوظنّي، لم يقم عليه إِلاّ دليلٌ ظني؛ أو واسطةٌ بينهما، وهو ما قام عليه دليلٌ ارتَفع عن الظّنّي، ولم يَلحق بالقطعّي. فالأوّل كما ذكرناه من وجود الصانع، وقِدمه، ووحدانيّته، وإِثبات النبوّات. والثاني كالفروع العمَليّات، كمسائل الطهارات، والعبادات، والمعاملات، وما استندت إِليه من مسائل أصول الفقه الخاصّة به. وهذا القسم متفاوِتٌ في مراتب الظنون. فأدلّة أصول الفقه أعلى رتبةً من أدلّة الفقه. ثمّ كل منها يتفاوت في ذلك","vol":"1","page":348},{"text":"بحسب مواد المآخذ.\nوأمّا الواسطة، فكمسائل العقائد التي وَقَع النزاعُ فيها بين الأمّة مِن العلم المسمَّى بأصول الدين فإِن أدلّته لَمَّا تردَّدَت بين القطع والظنِّ، تردد هو بين القطعيّ والظنيّ بالضرورة؛ فوقع النزاعُ فيه، وعظُم الخلافُ. وقد بيّنّا أنّ كلّ واسطةٍ وقَعت بين طرفين أَخَذت شبَهًا منهما؛ فجاذباها بحُكمِ الشَّبهِ بينهما. فالفقهاء ونحوها يُلحِقونها بالقسم الأوّل القطعيّ. ومَن أنعَم فيها، رآها بالقسم الثاني الظنيّ أشبه، وإِلحاقها به أولى، وإِن ارتفعت عنه شيئًا. ويُعنى \"بالدليل القاطع\" ما لم يُعارِضه ما يَقدح في النفس احتمالُ خلافه احتمالًا معتَبرًا؛ و\"غير القاطع\" يقابله.\nفعلى هذا، القسم الأوّل قاطعٌ؛ لأنّه لم يُعارَِضه إِلاّ شُبه منكِري الصانعِ ووحدانيّته، ومنكِري النبوّات. وهي كالشُّبه الواردة على العاديّات؛ كاحتمال انقلاب الجبال ذهبًا، والبحر خمرًا ولبنًا؛ وليس ذلك معتَبرًا.\nوالقسم الثاني من الفروعيّات غير قاطعٍ؛ لأنّ المعارِض قد يكون مِثلَه وأقوى منه؛ كأدلّة المذاهب وغيرها في الفقه.\nوالقسم الثالث الذي نحن فيه هو بغير القاطع أشبهُ. مثاله في مسألة القدَر أنّا قد بيّنّا تعارُض آى الكتاب فيه ظاهرًا بما استقرأناه منها. وأدلّة العقل فيه أشد تعارضًا. والعقول إِلى ما في جانب المعتزلة منها أميَل؛ والنفوس لها أَقبَل. حتى قد بيّنّا أنّ تحارير المتكلّمين، إِذا انحصروا فيها، لجؤوا إِلى قوله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون﴾؛ وتُسمّيها أهلُ السنّة \"آية الدبّوس\". وإِن كان ذلك في نفسِ الأمرِ حقًّا، كما بيّنّاه، إِلاّ إِنّ مسألةً يكون فيها مِثلُ هذه الشُّبهِ الباهرِة نقلًا وعقلًا لا يليق بعاقلٍ أن يجعلها مِن القطعيّات. وعلى هذا القياس مسألة الحرف والصوت؛ فإِنّ النظر فيها متردِّدٌ جدًّا؛ ولا نصُّ قاطعٌ فيها. أمّا مسألة الجهة، فهي إِلى القطعيّات أقربُ؛ بل","vol":"1","page":349},{"text":"هي عند التحقيق قطعيّةٌ. وأمّا مسألة عذاب القبر والشفاعة، ونحوها مِن أحكام الآخرة، فهي قطعياتٌ لا شكُ فيها؛ لأنّ النصّ فيها قاطعٌ خالٍ عن معارِضٍ معتبَرٍ. وما يُعارِض به المنكِرون شُبهٌ عقليّةٌ تَضعُف عن الاحتمال الوارد على العلوم العاديّة.\nوإِذا عرفتَ بما ذكرناه من القاعدة القطعيَّ مِن غيره، صار المتنازِعون في المسائل غير القطعيّة في المثال كشاعرين استَفرغًا وُسعَهما في مدحِ مِلكٍ؛ لكن قصّر أحدُهما، وبرّز الآخرُ. فكلاهما يَستحقّ الجائزةَ في قضيّة العقل والشرع. أمّا العقل، فظاهرٌ؛ وليس هذا اعتمادًا منّا على التحسين العقليّ المتنازَع فيه. إِنما هو اعتمادٌ على التحسين المتّفَق عليه، كما سبق في موضعه. وأمّا في الشرع، فالقاعدة الإِسلاميّة العظيمة التي انبنى عليها معظمُ أعمالِ القلوب والجوارح، وهي قوله ﵇، \"الأعمال بالنيّات\"؛ مَن سأل اللهَ الشهادةَ خالصًا مِن قلبه، بَلَّغَه اللهُ منازلَ الشهداءِ، وإِن مات على فراشه\"؛ إِنّ بالمدينة قومًا ما قَطَعتم واديًا إِلاّ كانوا معكم، حَبَسَهم العُذرُ\"؛ وقوله لمعن بن يزيد، \"لك ما أَخذتَ يا معنُ؛ ولك ما نَوَيتَ يا يزيدُ\".\nفكلّ هذا وأمثاله قصورٌ عن الكمال، أكملَهَ اللهُ بالنيّة. فكذلك، المخالِف في هذه المسألة، غايتُه أن يُقَصِّر عن إِدراك الصواب في نفس الأمر؛ لكنّه يَلحَق رتبةَ المجتهدين بالنيّة الصالحة. فهو كمَن مات على فراشه ناويًا للجهاد.\nومِن الحجج القاطعة في الاعتذار لهؤلاء المخالِفين ما ثبت في السنّة، مِن أنّ رجلًا كان قبلكم قال لأولاده: \"إِذا مُتُّ فاحرِقوني، ثمّ اذرُوني في اليَمّ، لعلّي أُعجِز اللهَ (وفي لفظٍ: \"أُضِلّ اللهَ\")، فإِنّه إِن يَقدِر عَلَىّ، عذَّبَني عذابًا لا يُعذِّبه أَحدًا\". وكان الرجل نباشَ القبور. فلمّا مات، فعلوا ذلك به. فأعاده الله، ثمّ أَوقَفهَ بين يديه؛ فقال: \"ما حَمَلَك على ما صنعتَ؟ \" قال: \"مخافتك يارب\". قال: \"فإِني قد غفرتُ لك\".","vol":"1","page":350},{"text":"فهذا الرجل قد أنكَر القدرةَ بالكلّيّة؛ فعذرَة اللهُ لجهله، ورحِمه بإِيمانه. ومَن تأوَّل هذا الحديثَ على غير ما ذكرناه مِن جهلِ الرجلِ بقدرة الله عليه، فقد راغَم ظاهرَ السنّةِ وليس ذلك بصعبٍ. فإِنّ العلماء قالوا: مَن مات في مُهلة النظرِ قبل أن يَعرف اللهَ، فهو مِت أهل السلامة\". فمَن عرَف اللهَ، وخفي عليه بعضُ صفاته، أَولى بذلك.\nوإِذا ثبت تجاوزُ اللهِ عمّن أنكَر قدرتَه جهلًا، فتجاوُزُه عمّن أنكَر أثرًا مِن آثار قدرته جهلًا، أو لتعارُض الأدلّة، أولى. وإِذا ثبت أنّ الشاعرَين المذكورين يستحقّان الجائزةَ عقلًا وشرعًا، فالتفاوت يظهر بين المقصِّر والمبرز في أنّ للممدوح أن يُفضِّل أحدَهما على الآخر بحسب ما بنيهما من الفضيلة. فكذلك هؤلاء المختلِفون في هذه المسائل؛ يكون المخطئ منهم سالمًا، أو يتفاوتون في الثواب بحسب تفاوتهم في إِدراك الصواب. وعلى الله توكُّلي، وإِليه مآبٌ.\nولا يَلزم على هذا خطأُ اليهودِ والنصارى، مع أنهم مجتهدون، فينبغي أن يُعذَروا. لأنّ القرآن صرّح بأنهم معانِدون مُراغِمون. حتى لو ثبت أنهم لم يراغموا، لعذرناهم كغيرهم. وأيضًا، فالذي نازعوا فيه قطعي، لا مّما نحن فيه.\nوهذا آخر ما تَيَسَّر إِيرادُه من هذا الكتاب. نسأل الله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به كثيرًا من خلقِه، ويوفّقنا في القول والعمل للإِصابة، ويعفو عن زللنا في السَمعِ والإجابَةِ.","vol":"1","page":351}]}