{"ً":{"ٌ":148896,"ٍ":"قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج\nالمؤلف: محمد بن علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولوي\nالناشر: دار ابن الجوزي\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ\nعدد الأجزاء: ٢\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":445,"ٕ":7,"ٖ":1770154726,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"الباب الأول في ترجمة الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفيه مسائل","level":1,"page":8},{"title":"(المسألة الأولى): في التعريف به، نسبا، وولادة، ووفاة، وسببها، ونشأة، ومهنة، ورحلة، وعقيدة، ومذهبا","level":2,"page":8},{"title":"نسبه","level":3,"page":8},{"title":"ولادته","level":3,"page":8},{"title":"وفاته، وسببها","level":3,"page":9},{"title":"نشأته","level":3,"page":10},{"title":"مهنته","level":3,"page":10},{"title":"رحلاته","level":3,"page":10},{"title":"عقيدته","level":3,"page":11},{"title":"مذهبه في الفروع","level":3,"page":11},{"title":"المسألة الثانية: في ذكر بعض شيوخه على ترتيب حروف المعجم","level":2,"page":13},{"title":"[حرف الهمزة]","level":3,"page":13},{"title":"[حرف الباء الموحدة]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الجيم]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الحاء المهملة]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الخاء المعجمة]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الدال المهملة]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الراء]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف الزاي]","level":3,"page":14},{"title":"[حرف السين المهملة]","level":3,"page":15},{"title":"[حرف الشين المعجمة]","level":3,"page":15},{"title":"[حرف الصاد المهملة]","level":3,"page":15},{"title":"[حرف العين المهملة]","level":3,"page":15},{"title":"[حرف الفاء]","level":3,"page":16},{"title":"[حرف القاف]","level":3,"page":16},{"title":"[حرف الميم]","level":3,"page":16},{"title":"[حرف النون]","level":3,"page":17},{"title":"[حرف الهاء]","level":3,"page":17},{"title":"[حرف الواو]","level":3,"page":17},{"title":"[حرف الياء]","level":3,"page":17},{"title":"الكنى","level":3,"page":17},{"title":"المسألة الثالثة: في ذكر المشايخ الذين ذكر غلطا أن مسلما رحمه الله تعالى روى عنهم في \"صحيحه\"، وهم","level":3,"page":18},{"title":"المسألة الرابعة: في ذكر بعض مشايخه الذين روى عنهم خارج \"صحيحه\"، فمنهم","level":3,"page":20},{"title":"المسألة الخامسة: في ذكر بعض الرواة عنه على ترتيب حروف المعجم أيضا","level":3,"page":22},{"title":"المسألة السادسة: في ثناء العلماء عليه","level":3,"page":23},{"title":"الباب الثاني في الكلام على \"صحيح مسلم\"، وفيه مسائل","level":1,"page":26},{"title":"المسأله الأولى: في بيان حال الكتاب، وفضله","level":2,"page":26},{"title":"المسألة الثانية: في بيان شروط الإمام مسلم رحمه الله تعالى في \"صحيحه\"","level":2,"page":30},{"title":"المسألة الثالثة: في بيان ما وقع في \"صحيح مسلم\" مما صورته صورة المنقطع","level":2,"page":33},{"title":"المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في أن ما حكم الشيخان بصحته، هل يفيد العلم، أو الظن؟","level":2,"page":36},{"title":"المسألة الخامسة: في الأحاديث المنتقدة على الشيخين","level":2,"page":40},{"title":"المسألة السادسة: في ذكر ما امتاز به صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى","level":2,"page":43},{"title":"المسألة السابعة: في تراجم الكتاب","level":2,"page":50},{"title":"المسألة الثامنة: في عدد أحاديث الكتاب","level":2,"page":51},{"title":"المسألة التاسعة: هل \"صحيح مسلم\" يعد من \"الجوامع، أم لا\"؟","level":2,"page":53},{"title":"المسألة العاشرة: في بيان الجواب عن انتقاد بعض الحفاظ النقاد على الإمام مسلم رحمه الله تعالى فى روايته في \"صحيحه\" عن بعض من تكلم فيهم","level":2,"page":53},{"title":"المسألة الحادية عشرة: في ذكر إلزامات الحافظ الدارقطني للشيخين رحمهم الله تعالى","level":2,"page":56},{"title":"المسألة الثانية عشرة: في ذكر المستخرجات على الكتابين","level":2,"page":57},{"title":"المسألة الثالثة عشرة: في ذكر المستدركات على \"الصحيحين\"","level":2,"page":62},{"title":"المسألة الرابعة عشرة: في ذكر بعض الكتب التي اعتنت بالجمع بين \"الصحيحين\"","level":2,"page":62},{"title":"المسألة الخامسة عشرة: في ذكر رواة \"صحيح مسلم\"","level":2,"page":63},{"title":"المسألة السادسة عشرة: في ذكر مولفات الإمام مسلم رحمه الله تعالى، غير \"صحيحه\"","level":2,"page":69},{"title":"المسألة السابعة عشرة: في ذكر عوالي الإمام مسلم على الإمام البخاري رحمهما الله تعالى، وهي أربعون حديثا، انتقاها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى من \"صحيح مسلم\" أحببت إيرادها بنصها حفاظا عليها، وإبقاء لها","level":2,"page":69},{"title":"الحديث الأول","level":3,"page":70},{"title":"الحديث الثاني","level":3,"page":70},{"title":"الحديث الثالث","level":3,"page":71},{"title":"الحديث الرابع","level":3,"page":71},{"title":"الحديث الخامس","level":3,"page":71},{"title":"الحديث السادس","level":3,"page":72},{"title":"الحديث السابع","level":3,"page":72},{"title":"الحديث الثامن","level":3,"page":72},{"title":"الحديث التاسع","level":3,"page":73},{"title":"الحديث العاشر","level":3,"page":73},{"title":"الحديث الحادي عشر","level":3,"page":73},{"title":"الحديث الثاني عشر","level":3,"page":74},{"title":"الحديث الثالث عشر","level":3,"page":74},{"title":"الحديث الرابع عشر","level":3,"page":74},{"title":"الحديث الخامس عشر","level":3,"page":75},{"title":"الحديث السادس عشر","level":3,"page":75},{"title":"الحديث السابع عشر","level":3,"page":76},{"title":"الحديث الثامن عشر","level":3,"page":77},{"title":"الحديث التاسع عشر","level":3,"page":77},{"title":"الحديث العشرون","level":3,"page":77},{"title":"الحديث الحادي والعشرون","level":3,"page":78},{"title":"الحديث الثاني والعشرون","level":3,"page":79},{"title":"الحديث الثالث والعشرون","level":3,"page":79},{"title":"الحديث الرابع والعشرون","level":3,"page":80},{"title":"الحديث الخامس والعشرون","level":3,"page":80},{"title":"الحديث السادس والعشرون","level":3,"page":80},{"title":"الحديث السابع والعشرون","level":3,"page":81},{"title":"الحديث الثامن والعشرون","level":3,"page":81},{"title":"الحديث التاسع والعشرون","level":3,"page":81},{"title":"الحديث الثلاثون","level":3,"page":82},{"title":"الحديث الحادي والثلاثون","level":3,"page":82},{"title":"الحديث الثاني والثلاثون","level":3,"page":83},{"title":"الحديث الثالث والثلاثون","level":3,"page":83},{"title":"الحديث الرابع والثلاثون","level":3,"page":83},{"title":"الحديث الخامس والثلاثون","level":3,"page":84},{"title":"الحديث السادس والثلاثون","level":3,"page":85},{"title":"الحديث السابع والثلاثون","level":3,"page":85},{"title":"الحديث الثامن والثلاثون","level":3,"page":86},{"title":"الحديث التاسع والثلاثون","level":3,"page":86},{"title":"الحديث الأربعون","level":3,"page":87},{"title":"المسألة الثامنة عشرة: في ذكر رسالة الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي المصري المالكي الشهير برشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ) رحمه الله تعالى (١) المسماة \"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة\"","level":2,"page":88},{"title":"الحديث الأول","level":3,"page":89},{"title":"الحديث الثاني","level":3,"page":90},{"title":"الحديث الثالث","level":3,"page":92},{"title":"الحديث الرابع","level":3,"page":93},{"title":"الحديث الخامس","level":3,"page":94},{"title":"الحديث السادس","level":3,"page":96},{"title":"الحديث السابع","level":3,"page":97},{"title":"الحديث الثامن","level":3,"page":98},{"title":"الحديث التاسع","level":3,"page":98},{"title":"الحديث العاشر","level":3,"page":99},{"title":"الحديث الحادي عشر","level":3,"page":100},{"title":"الحديث الثاني عشر","level":3,"page":101},{"title":"الحديث الثالث عشر","level":3,"page":102},{"title":"(١٤) - الحديث الأول","level":3,"page":103},{"title":"(١٥) - الحديث الثاني","level":3,"page":105},{"title":"(١٦) - الحديث الثالث","level":3,"page":107},{"title":"(١٧) - الحديث الرابع","level":3,"page":108},{"title":"(١٨) - الحديث الخامس","level":3,"page":109},{"title":"(١٩) - الحديث السادس","level":3,"page":110},{"title":"(٢٠) - الحديث السابع","level":3,"page":112},{"title":"(٢١) - الحديث الثامن","level":3,"page":113},{"title":"(٢٢) - الحديث التاسع","level":3,"page":113},{"title":"(٢٣) - الحديث العاشر","level":3,"page":114},{"title":"(٢٤) - الحديث الحادي عشر","level":3,"page":116},{"title":"(٢٥) - الحديث الثاني عشر","level":3,"page":117},{"title":"(٢٦) - الحديث الثالث عشر","level":3,"page":119},{"title":"(٢٧) - الحديث الرابع عشر","level":3,"page":120},{"title":"(٢٨) - الحديث الخامس عشر","level":3,"page":121},{"title":"(٢٩) - الحديث السادس عشر","level":3,"page":121},{"title":"(٣٠) - الحديث السابع عشر","level":3,"page":122},{"title":"(٣١) - الحديث الثامن عشر","level":3,"page":122},{"title":"(٣٢) - الحديث التاسع عشر","level":3,"page":123},{"title":"(٣٣) - الحديث العشرون","level":3,"page":124},{"title":"المسألة التاسعة عشرة: أنه مما يجدر بي أن ألحق برسالة الحافظ الرشيد العطار رحمه الله تعالى مما كتب على \"صحيح مسلم\" جزء كتبه الإمام الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد","level":2,"page":144},{"title":"المسألة العشرون: في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في \"صحيحي البخاري ومسلم\" المشتبهة","level":2,"page":157},{"title":"المسألة الحادية والعشرون: وهي آخر المسائل في ذكر رسالتين مهمتين","level":2,"page":162},{"title":"الرسالة الأولى","level":3,"page":162},{"title":"الرسالة الثانية","level":3,"page":169},{"title":"باب إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين، وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي -ﷺ-","level":4,"page":173},{"title":"خاتمة أختم بها المقدمة -وأسأل الله تعالى حسنها-","level":1,"page":187},{"title":"شرح مقدمة صحيح مسلم","level":1,"page":191},{"title":"مسائل تتعلق بـ\"بالبسملة\"","level":2,"page":191},{"title":"المسألة الأولى: في الكلام على حديث البسملة الذي اشتهر الاحتجاج به على استحباب الابتداء بها","level":3,"page":191},{"title":"المسألة الثانية: في الكلام على البسملة","level":3,"page":194},{"title":"المسألة الثالثة: في الكلام على باء البسملة","level":3,"page":196},{"title":"المسألة الرابعة: في الكلام على متعلق الجار والمجرور، على القول بأصالة الباء، وهو المشهور، كما مر آنفا","level":3,"page":196},{"title":"المسألة الخامسة: في الكلام على كتابة \"بسم الله\"","level":3,"page":198},{"title":"المسألة السادسة: في الكلام على حركة باء الجر","level":3,"page":198},{"title":"المسألة السابعة: في الكلام على تصريف \"اسم\"","level":3,"page":199},{"title":"المسألة الثامنة: في الكلام على اشتقاق لفظة \"اسم\"","level":3,"page":200},{"title":"المسألة التاسعة: في الكلام على إضافة \"اسم\" إلى الاسم الكريم","level":3,"page":201},{"title":"المسألة العاشرة: ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن \"اسم\" صلة، واستشهد بقول لبيد [من الطويل]","level":3,"page":201},{"title":"المسألة الحادية عشرة: في الكلام على لفظ الاسم الكريم","level":3,"page":202},{"title":"المسألة الثانية عشرة: في الكلام على \"الرحمن الرحيم\"","level":3,"page":205},{"title":"(الحمد لله)","level":2,"page":209},{"title":"مسائل تتعلق بـ \"الحمد لله\"","level":2,"page":210},{"title":"المسألة الثانية: قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في \"تفسيره\"","level":3,"page":211},{"title":"المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء، هل الحمد والشكر بمعنى واحد، أم لا؟","level":3,"page":212},{"title":"المسألة الرابعة: قال القرطبي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء أيما أفضل، قول العبد: \"الحمد لله رب العالمين\"، أو قول: \"لا إله إلا الله\"؟","level":3,"page":214},{"title":"المسألة الخامسة: قد وردت في فضل الحمد أحاديث","level":3,"page":215},{"title":"(رب العالمين)","level":2,"page":215},{"title":"مسائل تتعلق بـ \"رب العالمين\"","level":3,"page":216},{"title":"المسألة الأولى: في إعرابها","level":3,"page":216},{"title":"المسألة الثانية: في معنى \"الرب\".","level":3,"page":216},{"title":"المسألة الثالثة: في اشتقاق \"الرب\"","level":3,"page":219},{"title":"المسألة الرابعة: في معنى \"العالمين\"","level":3,"page":219},{"title":"(والعاقبة للمتقين)","level":2,"page":221},{"title":"مسائل تتعلق بجملة الصلاة المذكورة","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الأولى: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الثانية: في معنى \"محمد\" اسم النبي -ﷺ-، واشتقاقه","level":3,"page":226},{"title":"المسألة الثالثة: أفرد المصنف رحمه الله تعالى الصلاة عن السلام، حيث قال: \"وصلى الله على محمد\"، ولم يزد: \"وسلم\" إشارة إلى أن إفراد أحدهما عن الآخر ليس مكروها، كما قيل.","level":3,"page":228},{"title":"(المسألة الرابعة)","level":3,"page":229},{"title":"(المسألة الخامسة)","level":3,"page":229},{"title":"(المسألة السادسة): في ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصلاة والسلام على رسول الله -ﷺ-","level":3,"page":230},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة (١)","level":3,"page":232},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":233},{"title":"مسائل تتعلق بما تقدم من كلام المصنف رحمه الله تعالى","level":2,"page":239},{"title":"المسألة الأولى: في الكلام على إتيان المصنف رحمه الله تعالى في خطبته بـ \"أما بعد\"","level":3,"page":239},{"title":"المسألة الثانية: في بيان الاختلاف في أول من تكلم بـ \"أما بعد\".","level":3,"page":241},{"title":"المسألة الثالثة: في الكلام على لفظ \"أما\"، ومعناه (١).","level":3,"page":242},{"title":"المسألة الرابعة: في الكلام على الفصل بينها وبين الفاء","level":3,"page":243},{"title":"المسألة الخامسة: في الكلام على \"بعد\"","level":3,"page":244},{"title":"المسألة السادسة: في قول المصنف رحمه الله تعالى: \"الأخبار المأثورة عن رسول الله -ﷺ-\".","level":3,"page":245},{"title":"المسألة السابعة: في بحث مهم يتعلق بقول المصنف: \"بالأسانيد التي بها نقلت\"، وهو البحث عن السند والإسناد، والمتن.","level":3,"page":246},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":3,"page":249},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":249},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":3,"page":252},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":253},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":3,"page":254},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":255},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":3,"page":260},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":261},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":3,"page":266},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":3,"page":266},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف رحمه الله تعالى المذكور","level":2,"page":270},{"title":"المسألة الأولى: في قوله: \"فنقسمها على ثلاثة أقسام\"","level":3,"page":270},{"title":"المسألة الثانية: في قوله: \"وثلاث طبقات من الناس\" (١)","level":3,"page":271},{"title":"المسألة الثالثة: في بحث يتعلق بتقسيمه الحديث إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات أيضا","level":3,"page":272},{"title":"المسألة الرابعة: في قوله: \"أو أن يفصل ذلك المعنى على اختصاره الخ\"، فقد اشتمل على مسألتين.","level":3,"page":279},{"title":"المسألة الأولى: رواية الحديث بالمعنى","level":3,"page":279},{"title":"المسألة الثانية: في اختصار الحديث.","level":3,"page":281},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":282},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":283},{"title":"الشرح الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":288},{"title":"تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة","level":2,"page":289},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":294},{"title":"المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":300},{"title":"تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة","level":2,"page":300},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":303},{"title":"مسألتان تتعلقان بما سبق","level":2,"page":305},{"title":"المسألة الأولى: قال النووي رحمه الله تعالى","level":3,"page":305},{"title":"المسألة الثانية: قد ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى هنا الأعمش بلقبه، وهذا أول موضع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب، فلنذكر القاعدة التي وضعها أهل العلم في ذلك.","level":3,"page":306},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":307},{"title":"تراجم الأعلام المذكورين في هذه الفقرة","level":2,"page":307},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":313},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":315},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":316},{"title":"مسألة: في الكلام على حديث عائشة -﵂- المذكور","level":2,"page":320},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":322},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":322},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف رحمه الله تعالى السابق","level":2,"page":329},{"title":"المسألة الأولى: في معنى الوضع لغة، واصطلاحا.","level":3,"page":329},{"title":"المسألة الثانية: في أمارات الموضوع (١).","level":3,"page":329},{"title":"(المسألة الثالثة): في أصناف الوضاعين.","level":3,"page":333},{"title":"المسألة الرابعة: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما لا وجود له، أو هو في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية، وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد عنه -ﷺ- أنه قال: \"سيكذب علي\"، فإن كان هذا صحيحا، فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذبا، فقد حصل المطلوب.","level":3,"page":339},{"title":"المسألة الخامسة: قال العلامة ابن عراق رحمه الله تعالى: قال السيف أحمد بن أبي المجد: أطلق ابن الجوزي الوضع على أحاديث؛ لكلام بعض الناس في رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقوي، ونحوهما، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة لكتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا ينكره عقل، ولا نقل، ولا حجة معه لوضعه سوى كلام ذلك الرجل في رواته، وهذا عدوان، ومجازفة. انتهى.","level":3,"page":339},{"title":"المسألة السادسة: قال الإمام ابن الجوزي","level":3,"page":340},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":343},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":343},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف رحمه الله تعالى المذكور","level":2,"page":355},{"title":"المسألة الأولى: أن كلامه رحمه الله تعالى يفيد أن رواة الأخبار، ونقال الآثار على أربعة أقسام","level":3,"page":355},{"title":"المسألة الثانية: في البحث المتعلق بالمنكر","level":3,"page":356},{"title":"المسألة الثالثة في البحث عن حكم زيادة الثقة","level":3,"page":361},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":365},{"title":"الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":366},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف رحمه الله تعالى السابق","level":2,"page":367},{"title":"المسألة الأولى: في قوله: \"وسنزيد شرحا وإيضاحا الخ\"","level":3,"page":368},{"title":"المسألة الثانية: في قوله: \"المعللة\".","level":3,"page":374},{"title":"المسألة الثالثة: في معنى العلة","level":3,"page":375},{"title":"المسألة الرابعة: في بيان أقسام العلة من حيث القدح وعدمه.","level":3,"page":376},{"title":"المسألة الخامسة: في إطلاق العلة على غير ما تقدم بيانه.","level":3,"page":377},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":378},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":379},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":394},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":394},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف المذكور","level":2,"page":398},{"title":"(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الرواية عن الضعفاء من أهل التهمة بالكذب، وكثرة الغلط والغفلة","level":3,"page":398},{"title":"(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الرواية عن المبتدعة","level":3,"page":401},{"title":"(المسألة الثالثة): قد سرد السيوطي رحمه الله تعالى هنا من رمي ببدعة، ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، وهم","level":3,"page":407},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":409},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":409},{"title":"مسائل تتعلق بكلام المصنف رحمه الله تعالى السابق","level":3,"page":413},{"title":"(المسألة الأولى): في الكلام على سبب نزول الآية الأولى","level":3,"page":413},{"title":"(المسألة الثانية): فيما يتعلق بالآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]","level":3,"page":414},{"title":"(المسألة الثالثة): في قوله: \"والخبر وإن فارق الخ\"","level":3,"page":415},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":419},{"title":"مسألتان تتعلقان بهذا الحديث","level":2,"page":421},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":421},{"title":"(المسألة الثانية): في فوائده","level":3,"page":421},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":433},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":445},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":446},{"title":"مسائل تتعلق بهذا الحديث","level":2,"page":449},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":449},{"title":"(المسألة الثانية): في فوائده","level":3,"page":449},{"title":"(المسألة الثالثة): في بيان عظم هذا الحديث، وقوة درجته","level":3,"page":449},{"title":"المسألة الرابعة: في حكم الكذب في حديث رسول الله -ﷺ-","level":3,"page":452},{"title":"المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبي -ﷺ-","level":3,"page":456},{"title":"المسألة السادسة: في حكم رواية الحديث الموضوع","level":3,"page":458},{"title":"المسألة السابعة: في كيفية رواية الحديث","level":3,"page":458},{"title":"المسألة الثامنة: فيما يلزم الحديثي من تعلم علم النحو ونحوه","level":3,"page":459},{"title":"المسألة التاسعة: في بيان آداب من يروي بالمعنى، أو اشتبهت عليه لفظة في الحديث","level":3,"page":462},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":468},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":469},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":480},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":486},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":486},{"title":"(مسائل): تشتد الحاجة إلى معرفتها، ولا سيما لمن يعتني بـ \"صحيح مسلم\"","level":2,"page":490},{"title":"(المسألة الأولى): في الفرق بين قول المحدث: \"مثله\"، وقوله: \"نحوه\"","level":3,"page":490},{"title":"(المسألة الثانية): في بيان حكم ما إذا أورد الشيخ الحديث بإسنادين، فأكثر، وكان المتن مع السند الأول، وأحال ما بعده عليه، وقال: \"مثله\"، أو \"نحوه\"، كما فعل المصنف رحمه الله تعالى هنا","level":3,"page":490},{"title":"(المسألة الثالثة): في بيان حكم ما إذا اختصر الشيخ الحديث بذكر طرف منه، ثم قال: \"وذكر الحديث\"، أو نحوه","level":3,"page":491},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":495},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":495},{"title":"مسائل تتعلق بهذا الحديث","level":2,"page":497},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":497},{"title":"(المسألة الثانية) في بيان اختلاف إسناد هذا الحديث بالوصل والإرسال","level":3,"page":497},{"title":"(المسألة الثالثة): في فوائده","level":3,"page":499},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":508},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":509},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":512},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":517},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":520},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":527},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":536},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":536},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":538},{"title":"شرح الحديث","level":2,"page":538},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":542},{"title":"مسألتان تتعلقان بهذا الأثر","level":2,"page":543},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":550},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":550},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":555},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":558},{"title":"لطائف هذا الإسناد","level":2,"page":562},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":562},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":566},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":571},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":574},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":577},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":584},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":586},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":594},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":602},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":607},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":611},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":613},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":615},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":620},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":624},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":628},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":631},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":635},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":642},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":643},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":646},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":648},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":652},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":657},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":660},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":664},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":667},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":670},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":676},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":681},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":683},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":686},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":686},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":688},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":689},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":694},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":698},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":701},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":703},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":707},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":712},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":715},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":718},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":720},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":721},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":725},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":730},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":736},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":739},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":745},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":746},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":747},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":749},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":755},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":763},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":767},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":770},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":775},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":779},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":781},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":784},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":787},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":789},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":792},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":794},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":808},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":810},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":812},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":814},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":817},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":818},{"title":"شرح الأثر","level":2,"page":823},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":827},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":828},{"title":"(المسألة الأولى): في حد الغيبة لغة، وشرعا","level":3,"page":838},{"title":"(المسألة الثانية): في حكم الغيبة","level":3,"page":839},{"title":"(المسألة الرابعة): قد وردت أحاديث في فضل من رد عن عرض أخيه","level":3,"page":840},{"title":"(المسألة الخامسة): في المواضع التي تباح فيها الغيبة","level":3,"page":840},{"title":"[تنبيهات]","level":2,"page":876},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":893},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":897},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":900},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":901},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":904},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":904},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":908},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":908},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":913},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":915},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":919},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":921},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":924},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":925},{"title":"مسائل تتعلق بهذا الحديث","level":2,"page":928},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":928},{"title":"(المسألة الثانية): في فوائده","level":3,"page":929},{"title":"(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استعمال الطيب عند الإحرام","level":3,"page":929},{"title":"مسألتان تتعلقان بالحديث المذكور","level":2,"page":935},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":935},{"title":"(المسألة الثانية): في فوائده","level":3,"page":935},{"title":"مسألتان تتعلقان بهذا الحديث","level":2,"page":941},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":941},{"title":"(المسألة الثانية): في فوائده","level":3,"page":941},{"title":"مسائل تتعلق بحديث جابر -﵁- هذا","level":2,"page":946},{"title":"(المسألة الأولى): في تخريجه","level":3,"page":946},{"title":"(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الخيل","level":3,"page":946},{"title":"(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الحمر الأهلية","level":3,"page":947},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":950},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":958},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":966},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":970},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":976},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي","level":2,"page":977},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":983},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":983},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":987},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":987},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":989},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":989},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":992},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":992},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":993},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":993},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":996},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":997},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":998},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":999},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":1000},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":1001},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":1003},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":1003},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":1005},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":1005},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":1008},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":1008},{"title":"إيضاح المعنى الإجمالي لهذه الفقرة","level":2,"page":1009},{"title":"إيضاح الشرح التفصيلي لهذه الفقرة","level":2,"page":1009},{"title":"[تنبيهات]","level":2,"page":1048}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"2,1":530,"2,2":531,"2,3":532,"2,4":533,"2,5":534,"2,6":535,"2,7":536,"2,8":537,"2,9":538,"2,10":539,"2,11":540,"2,12":541,"2,13":542,"2,14":543,"2,15":544,"2,16":545,"2,17":546,"2,18":547,"2,19":548,"2,20":549,"2,21":550,"2,22":551,"2,23":552,"2,24":553,"2,25":554,"2,26":555,"2,27":556,"2,28":557,"2,29":558,"2,30":559,"2,31":560,"2,32":561,"2,33":562,"2,34":563,"2,35":564,"2,36":565,"2,37":566,"2,38":567,"2,39":568,"2,40":569,"2,41":570,"2,42":571,"2,43":572,"2,44":573,"2,45":574,"2,46":575,"2,47":576,"2,48":577,"2,49":578,"2,50":579,"2,51":580,"2,52":581,"2,53":582,"2,54":583,"2,55":584,"2,56":585,"2,57":586,"2,58":587,"2,59":588,"2,60":589,"2,61":590,"2,62":591,"2,63":592,"2,64":593,"2,65":594,"2,66":595,"2,67":596,"2,68":597,"2,69":598,"2,70":599,"2,71":600,"2,72":601,"2,73":602,"2,74":603,"2,75":604,"2,76":605,"2,77":606,"2,78":607,"2,79":608,"2,80":609,"2,81":610,"2,82":611,"2,83":612,"2,84":613,"2,85":614,"2,86":615,"2,87":616,"2,88":617,"2,89":618,"2,90":619,"2,91":620,"2,92":621,"2,93":622,"2,94":623,"2,95":624,"2,96":625,"2,97":626,"2,98":627,"2,99":628,"2,100":629,"2,101":630,"2,102":631,"2,103":632,"2,104":633,"2,105":634,"2,106":635,"2,107":636,"2,108":637,"2,109":638,"2,110":639,"2,111":640,"2,112":641,"2,113":642,"2,114":643,"2,115":644,"2,116":645,"2,117":646,"2,118":647,"2,119":648,"2,120":649,"2,121":650,"2,122":651,"2,123":652,"2,124":653,"2,125":654,"2,126":655,"2,127":656,"2,128":657,"2,129":658,"2,130":659,"2,131":660,"2,132":661,"2,133":662,"2,134":663,"2,135":664,"2,136":665,"2,137":666,"2,138":667,"2,139":668,"2,140":669,"2,141":670,"2,142":671,"2,143":672,"2,144":673,"2,145":674,"2,146":675,"2,147":676,"2,148":677,"2,149":678,"2,150":679,"2,151":680,"2,152":681,"2,153":682,"2,154":683,"2,155":684,"2,156":685,"2,157":686,"2,158":687,"2,159":688,"2,160":689,"2,161":690,"2,162":691,"2,163":692,"2,164":693,"2,165":694,"2,166":695,"2,167":696,"2,168":697,"2,169":698,"2,170":699,"2,171":700,"2,172":701,"2,173":702,"2,174":703,"2,175":704,"2,176":705,"2,177":706,"2,178":707,"2,179":708,"2,180":709,"2,181":710,"2,182":711,"2,183":712,"2,184":713,"2,185":714,"2,186":715,"2,187":716,"2,188":717,"2,189":718,"2,190":719,"2,191":720,"2,192":721,"2,193":722,"2,194":723,"2,195":724,"2,196":725,"2,197":726,"2,198":727,"2,199":728,"2,200":729,"2,201":730,"2,202":731,"2,203":732,"2,204":733,"2,205":734,"2,206":735,"2,207":736,"2,208":737,"2,209":738,"2,210":739,"2,211":740,"2,212":741,"2,213":742,"2,214":743,"2,215":744,"2,216":745,"2,217":746,"2,218":747,"2,219":748,"2,220":749,"2,221":750,"2,222":751,"2,223":752,"2,224":753,"2,225":754,"2,226":755,"2,227":756,"2,228":757,"2,229":758,"2,230":759,"2,231":760,"2,232":761,"2,233":762,"2,234":763,"2,235":764,"2,236":765,"2,237":766,"2,238":767,"2,239":768,"2,240":769,"2,241":770,"2,242":771,"2,243":772,"2,244":773,"2,245":774,"2,246":775,"2,247":776,"2,248":777,"2,249":778,"2,250":779,"2,251":780,"2,252":781,"2,253":782,"2,254":783,"2,255":784,"2,256":785,"2,257":786,"2,258":787,"2,259":788,"2,260":789,"2,261":790,"2,262":791,"2,263":792,"2,264":793,"2,265":794,"2,266":795,"2,267":796,"2,268":797,"2,269":798,"2,270":799,"2,271":800,"2,272":801,"2,273":802,"2,274":803,"2,275":804,"2,276":805,"2,277":806,"2,278":807,"2,279":808,"2,280":809,"2,281":810,"2,282":811,"2,283":812,"2,284":813,"2,285":814,"2,286":815,"2,287":816,"2,288":817,"2,289":818,"2,290":819,"2,291":820,"2,292":821,"2,293":822,"2,294":823,"2,295":824,"2,296":825,"2,297":826,"2,298":827,"2,299":828,"2,300":829,"2,301":830,"2,302":831,"2,303":832,"2,304":833,"2,305":834,"2,306":835,"2,307":836,"2,308":837,"2,309":838,"2,310":839,"2,311":840,"2,312":841,"2,313":842,"2,314":843,"2,315":844,"2,316":845,"2,317":846,"2,318":847,"2,319":848,"2,320":849,"2,321":850,"2,322":851,"2,323":852,"2,324":853,"2,325":854,"2,326":855,"2,327":856,"2,328":857,"2,329":858,"2,330":859,"2,331":860,"2,332":861,"2,333":862,"2,334":863,"2,335":864,"2,336":865,"2,337":866,"2,338":867,"2,339":868,"2,340":869,"2,341":870,"2,342":871,"2,343":872,"2,344":873,"2,345":874,"2,346":875,"2,347":876,"2,348":877,"2,349":878,"2,350":879,"2,351":880,"2,352":881,"2,353":882,"2,354":883,"2,355":884,"2,356":885,"2,357":886,"2,358":887,"2,359":888,"2,360":889,"2,361":890,"2,362":891,"2,363":892,"2,364":893,"2,365":894,"2,366":895,"2,367":896,"2,368":897,"2,369":898,"2,370":899,"2,371":900,"2,372":901,"2,373":902,"2,374":903,"2,375":904,"2,376":905,"2,377":906,"2,378":907,"2,379":908,"2,380":909,"2,381":910,"2,382":911,"2,383":912,"2,384":913,"2,385":914,"2,386":915,"2,387":916,"2,388":917,"2,389":918,"2,390":919,"2,391":920,"2,392":921,"2,393":922,"2,394":923,"2,395":924,"2,396":925,"2,397":926,"2,398":927,"2,399":928,"2,400":929,"2,401":930,"2,402":931,"2,403":932,"2,404":933,"2,405":934,"2,406":935,"2,407":936,"2,408":937,"2,409":938,"2,410":939,"2,411":940,"2,412":941,"2,413":942,"2,414":943,"2,415":944,"2,416":945,"2,417":946,"2,418":947,"2,419":948,"2,420":949,"2,421":950,"2,422":951,"2,423":952,"2,424":953,"2,425":954,"2,426":955,"2,427":956,"2,428":957,"2,429":958,"2,430":959,"2,431":960,"2,432":961,"2,433":962,"2,434":963,"2,435":964,"2,436":965,"2,437":966,"2,438":967,"2,439":968,"2,440":969,"2,441":970,"2,442":971,"2,443":972,"2,444":973,"2,445":974,"2,446":975,"2,447":976,"2,448":977,"2,449":978,"2,450":979,"2,451":980,"2,452":981,"2,453":982,"2,454":983,"2,455":984,"2,456":985,"2,457":986,"2,458":987,"2,459":988,"2,460":989,"2,461":990,"2,462":991,"2,463":992,"2,464":993,"2,465":994,"2,466":995,"2,467":996,"2,468":997,"2,469":998,"2,470":999,"2,471":1000,"2,472":1001,"2,473":1002,"2,474":1003,"2,475":1004,"2,476":1005,"2,477":1006,"2,478":1007,"2,479":1008,"2,480":1009,"2,481":1010,"2,482":1011,"2,483":1012,"2,484":1013,"2,485":1014,"2,486":1015,"2,487":1016,"2,488":1017,"2,489":1018,"2,490":1019,"2,491":1020,"2,492":1021,"2,493":1022,"2,494":1023,"2,495":1024,"2,496":1025,"2,497":1026,"2,498":1027,"2,499":1028,"2,500":1029,"2,501":1030,"2,502":1031,"2,503":1032,"2,504":1033,"2,505":1034,"2,506":1035,"2,507":1036,"2,508":1037,"2,509":1038,"2,510":1039,"2,511":1040,"2,512":1041,"2,513":1042,"2,514":1043,"2,515":1044,"2,516":1045,"2,517":1046,"2,518":1047,"2,519":1048,"2,520":1049,"2,521":1050,"2,522":1051,"2,523":1052,"2,524":1053,"2,525":1054,"2,526":1055,"2,527":1056,"2,528":1057,"2,529":1058,"2,530":1059,"2,531":1060,"2,532":1061,"2,533":1062,"2,534":1063,"2,535":1064,"2,536":1065,"2,537":1066,"2,538":1067,"2,539":1068,"2,540":1069,"2,541":1070,"2,568":1071},"ٜ":{"1":[1,530],"2":[1,568]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,568"],"ٞ":{"8":[1,2,3,4],"9":[5],"10":[6,7,8],"11":[9,10],"13":[11,12],"14":[13,14,15,16,17,18,19],"15":[20,21,22,23],"16":[24,25,26],"17":[27,28,29,30,31],"18":[32],"20":[33],"22":[34],"23":[35],"26":[36,37],"30":[38],"33":[39],"36":[40],"40":[41],"43":[42],"50":[43],"51":[44],"53":[45,46],"56":[47],"57":[48],"62":[49,50],"63":[51],"69":[52,53],"70":[54,55],"71":[56,57,58],"72":[59,60,61],"73":[62,63,64],"74":[65,66,67],"75":[68,69],"76":[70],"77":[71,72,73],"78":[74],"79":[75,76],"80":[77,78,79],"81":[80,81,82],"82":[83,84],"83":[85,86,87],"84":[88],"85":[89,90],"86":[91,92],"87":[93],"88":[94],"89":[95],"90":[96],"92":[97],"93":[98],"94":[99],"96":[100],"97":[101],"98":[102,103],"99":[104],"100":[105],"101":[106],"102":[107],"103":[108],"105":[109],"107":[110],"108":[111],"109":[112],"110":[113],"112":[114],"113":[115,116],"114":[117],"116":[118],"117":[119],"119":[120],"120":[121],"121":[122,123],"122":[124,125],"123":[126],"124":[127],"144":[128],"157":[129],"162":[130,131],"169":[132],"173":[133],"187":[134],"191":[135,136,137],"194":[138],"196":[139,140],"198":[141,142],"199":[143],"200":[144],"201":[145,146],"202":[147],"205":[148],"209":[149],"210":[150],"211":[151],"212":[152],"214":[153],"215":[154,155],"216":[156,157,158],"219":[159,160],"221":[161],"224":[162,163],"226":[164],"228":[165],"229":[166,167],"230":[168],"232":[169],"233":[170],"239":[171,172],"241":[173],"242":[174],"243":[175],"244":[176],"245":[177],"246":[178],"249":[179,180],"252":[181],"253":[182],"254":[183],"255":[184],"260":[185],"261":[186],"266":[187,188],"270":[189,190],"271":[191],"272":[192],"279":[193,194],"281":[195],"282":[196],"283":[197],"288":[198],"289":[199],"294":[200],"300":[201,202],"303":[203],"305":[204,205],"306":[206],"307":[207,208],"313":[209],"315":[210],"316":[211],"320":[212],"322":[213,214],"329":[215,216,217],"333":[218],"339":[219,220],"340":[221],"343":[222,223],"355":[224,225],"356":[226],"361":[227],"365":[228],"366":[229],"367":[230],"368":[231],"374":[232],"375":[233],"376":[234],"377":[235],"378":[236],"379":[237],"394":[238,239],"398":[240,241],"401":[242],"407":[243],"409":[244,245],"413":[246,247],"414":[248],"415":[249],"419":[250],"421":[251,252,253],"433":[254],"445":[255],"446":[256],"449":[257,258,259,260],"452":[261],"456":[262],"458":[263,264],"459":[265],"462":[266],"468":[267],"469":[268],"480":[269],"486":[270,271],"490":[272,273,274],"491":[275],"495":[276,277],"497":[278,279,280],"499":[281],"508":[282],"509":[283],"512":[284],"517":[285],"520":[286],"527":[287],"536":[288,289],"538":[290,291],"542":[292],"543":[293],"550":[294,295],"555":[296],"558":[297],"562":[298,299],"566":[300],"571":[301],"574":[302],"577":[303],"584":[304],"586":[305],"594":[306],"602":[307],"607":[308],"611":[309],"613":[310],"615":[311],"620":[312],"624":[313],"628":[314],"631":[315],"635":[316],"642":[317],"643":[318],"646":[319],"648":[320],"652":[321],"657":[322],"660":[323],"664":[324],"667":[325],"670":[326],"676":[327],"681":[328],"683":[329],"686":[330,331],"688":[332],"689":[333],"694":[334],"698":[335],"701":[336],"703":[337],"707":[338],"712":[339],"715":[340],"718":[341],"720":[342],"721":[343],"725":[344],"730":[345],"736":[346],"739":[347],"745":[348],"746":[349],"747":[350],"749":[351],"755":[352],"763":[353],"767":[354],"770":[355],"775":[356],"779":[357],"781":[358],"784":[359],"787":[360],"789":[361],"792":[362],"794":[363],"808":[364],"810":[365],"812":[366],"814":[367],"817":[368],"818":[369],"823":[370],"827":[371],"828":[372],"838":[373],"839":[374],"840":[375,376],"876":[377],"893":[378],"897":[379],"900":[380],"901":[381],"904":[382,383],"908":[384,385],"913":[386],"915":[387],"919":[388],"921":[389],"924":[390],"925":[391],"928":[392,393],"929":[394,395],"935":[396,397,398],"941":[399,400,401],"946":[402,403,404],"947":[405],"950":[406],"958":[407],"966":[408],"970":[409],"976":[410],"977":[411],"983":[412,413],"987":[414,415],"989":[416,417],"992":[418,419],"993":[420,421],"996":[422],"997":[423],"998":[424],"999":[425],"1000":[426],"1001":[427],"1003":[428,429],"1005":[430,431],"1008":[432,433],"1009":[434,435],"1048":[436]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"قرة عين المحتاج\nفي شرح مقدمة\nصحيح الإمام مسلم بن الحجاج\nلجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير\nمحمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى\nالإتيوبي الولوي\nعفا الله تعالى عنه وعن والديه\nآمين\nالجزء الأول\nدار ابن الجوزي","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"قرة عين المحتاج\nفي شرح مقدمة\nصحيح الإمام مسلم بن الحجاج","vol":"1","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\nالطبعة الأولى\nرجب ١٤٢٤\nحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.\nدار ابن الجوزي\nللنشر والتوزيع\nالمملكة العربية السعودية: الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣،\nص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء- الهفوف\n- شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٥١٦٥٤٩ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٨٦٩٦٠٠/ ٠٣\n- فاكس: ٦٤١٨٠١/ ٠١ - القاهرة - ج. م. ع- محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٢٥٦١٤٧٣\nالبريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.jwzi.com","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا -ﷺ- بالهدى، ودين الحق، ليكون للعالمين نذيرا وبشيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وكفى بالله وليّا، وكفى بالله نصيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أنزل عليه الكتاب، وقال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية: [النحل: الآية ٤٤] فأَعظم به فضلا كبيرا، فكان كل ما أضيف إليه -ﷺ- من قول، أو فعل، أو نحوهما بيانا للذكر المنزل عليه، وتوضيحا، وتفسيرا.\nصلَّى الله عليه صلاة وسلاما دائمين متلازمين، ما دامت السموات والأرض، وكان الذكر الحكيم عاليا، وبيانه شهيرا.\nوعلى آله الذين انتموا إليه، فاصطفاهم الله تعالى، وأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا.\nوعلى أصحابه الذين بذلوا أنفسهم، وأموالهم في حفظ شريعته، وتبليغها للناس، يبتغون بذلك فضلا من الله، وملكا كبيرا.\nوعلى كافة العلماء، ولا سيما أهل الحديث الذين قاموا بحمل سننه المطهرة، ونشرها بين الناس جِيلا بعد جيل تعليما وتذكيرا، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ذلك، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل جَدُّوا، فشدُّوا، وجادوا، فسادوا، وكان المجد بهم جديرا، ونالوا بذلك عند ربهم الحُسْنَى والزيادة، فأعظم بها فوزا، وأوسع بها عطاء غزيرًا.\nاللهم اسلك بنا مسلكهم، وجنبنا الزيغ والضلال، والإنحراف عن هُدَاهم، وأمتنا على حبهم، واحشرنا في زمرتهم، إنك كنت بنا رَؤُوفًا، وعلى ما تشاء قديرًا.\nأما بعد: فهذا شرح وضعته على مقدمة صحيح الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج القُشَيري النيسابوري رحمه الله تعالى، يَحُلُّ ألفاظها، ويبين معانيها،","vol":"1","page":5},{"text":"ويتمم مقاصدها، تقرُّ به عيونُ المحتاجين من رُوَّادها، فلا تَطمَحُ إلى غيره غالبًا، بل تأخذ منه جُلَّ مرادها، ولا أحب أن أطيل بوصفه البيان، بل أكتفي بلمح البنان، فالذكي يفهم بالإشارة، ما لا يفهمه الغبي بألف عبارة، والبليد لا يُفيده التطويل، ولو تُليت عليه التوراة والإنجيل، والمشاهدة، أعلى من الشهادة، وأقوى الوسائل في الإفادة.\nيَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ... قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا\n[وسميته قرة عين المحتاج، في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج].\nواللهَ الكريم أسأل القبول، والإخلاص، وأن ينفعني به، وكل من تلقاه بقلب سليم يوم وقوع القصاص، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\nاعلم: أنه ينبغي لي أن أُقَدِّم بين يدي الشرح التعريف بالإمام مسلم رحمه الله تعالى، وبيان درجة كتابه، وفضله، وشرطه، مستعينا بالله تعالى، ومستمدًّا مما كتبه الأئمة الأعلام:\nكالإمام الحافظ أبي الفضل بن عمّار المتوفّى سنة (٣١٧ هـ) صاحب كتاب \"علل أحاديث صحيح مسلم\"، والحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) صاحب \"شروط الأئمة الستة\"، والإمام العلامة القاضي عياض المتوفّى سنة (٥٤٤)، والحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازميّ (٥٤٨ - ٥٨٤ هـ) صاحب \"شروط الأئمة الخمسة\"، والشيخ تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى المعروف بـ \"ابن الصلاح\" الشهرزوري (٥٥٧ - ٦٤٣)، والشارح المحدث الفقيه المحقق بلا نزاع، ومحرر المذهب الشافعي بلا دفاع، محيي الدين، أبي زكريا يحيى بن شرف ابن مري النووي الشافعي (٦٣١ - ٦٧٦)، والحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رُشَيد الفهريّ (٦٥٧ - ٧٢١ هـ)، والإمام الحافظ الناقد الكبير أبي الحجاج المزيّ (٦٥٤ - ٧٤٢)، والإمام الحافظ الناقد البصير، والمؤرخ الكبير، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي الدمشقي (٦٧٣ - ٧٤٨)، والإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبليّ (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)، والإمام الحافظ الجِهْبذ حذَام المحدثين في المتأخرين، أبي الفضل شهاب الدين أحمد ابن علي بن محمد الكناني العسقلاني المصري (٧٤٩ - ٨٥٢)، وهو المراد عند إطلاق لفظ الحافظ في هذا الشرح، وغيره من مؤلفاتي، وغير هؤلاء من الجهابذة النُقّاد، والأئمة الأمجاد، رحمهم الله تعالى وإيانا، ورضي عنهم وعنا، بعفوه، وكرمه آمين.","vol":"1","page":6},{"text":"ولا يفوتني أن أنوّه بمن بذل جهدًا كبيرًا، وسعى في خدمة هذا الكتاب، من المتأخرين، والمعاصرين (١) -جزى الله تعالى الجميع أحسن الجزاء، آمين آمين آمين-.\nوهذا البحث مقسّم إلى بابين: الباب الأول في ترجمته، والباب الثاني في الكلام على كتابه.\n_________\n(١) من جملة من خدم الكتاب من المتأخّرين الشيخ المحقق عبد الرحمن المعلمي ﵀، فقد كتب بحثًا نفيسًا في الأحاديث التي استشهد بها الإمام مسلم ﵀ في مسألة اشتراط اللقاء والسماع وعدمه في الحديث المعنعن، فأجاد وأفاد، ومن المعاصرين، الشيخ الفاضل، أبو عبيدة مشهور بن حسن، فقد كتب بحثًا نفيسًا، أجاد فيه وأفاد، بعنوان: \"الإمام مسلم بن الحجاج، ومنهجه في الصحيح، وأثره في علم الحديث، والأخ الفاضل الشيخ خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في دراسته \"موقف البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن\"، وغيرهم ممن أسهم في خدمة هذا الكتاب خصوصًا، وتحقيق هذا الفنّ عمومًا، جزى الله الجميع خير الجزاء.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الباب الأوّل في ترجمة الإمام مسلم رحَمه الله تعالى، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>(المسألة الأولى): في التعريف به، نسبًا، وولادة، ووفاةً، وسببها، ونشأةً، ومِهنةً، ورحلةً، وعقيدةً، ومذهبا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>نسبه:</span>\nأما نسبه: فهو الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القُشَيري النسب من أنفسهم، وقيل: هو من موالي قشير بن كعب (١)، النيسابوري الدار والوطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ولادته:</span>\nوأما ولادته: فقد اختُلف فيها على أربعة أقوال: الأول أنه وُلد سنة (٢٠١) وهو الذي أشار إليه الذهبي في \"العبر\" إذ ذكر أن مسلمًا توفّي، وله ستّون سنة، ووافقه ابن العماد الحنبليّ، إذ نقل كلامه، ولم يتعقّبه. والثاني: أنه وُلد سنة (٢٠٢). والثالث: أنه ولد سنة (٢٠٤) وهو الذي ذكره الذهبيّ في \"السير\" بقيل. والرابع: أنه وُلد سنة (٢٠٦) وهذا هو الذي قال به الحاكم، فيما سمعه من ابن الأخرم قال: توفي مسلم بن الحجاج رَحمه الله تعالى عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة (٢٦١) وهو ابن (٥٥) سنة.\n_________\n(١) الأول قول الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، والثاني نقله التُّجِيبيّ عن شيخه أبي محمد التَّوْنيّ قال: القشيريّ مولى قشير بن كعب، ورجح التجيبيّ هذا. وذكر الذهبيّ هذا احتمالًا، فقال: فلعله من موالي قشير. وكثير من العلماء يقولون فيه: \"القشيريّ\" بالإطلاق. راجع ما كتبه الشيخ مشهور حسن في كتابه \"الإمام مسلم بن الحجاج، ومنهجه في الصحيح، وأثره في علم الحديث\" ١/ ١١ - ١٣.","vol":"1","page":9},{"text":"وصحّح هذا القول جماعة، منهم الإمام ابن الصلاح، والحافظ، وطاش كبرى زاده، وآخرون (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>وفاته، وسببها:</span>\nوأما وفاته، وسببها: فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: مات مسلم ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وهذا مشهور، لكن تاريخ مولده ومقدار عمره كثيرا ما تطلب الطلاب علمه، فلا يجدونه، وقد وجدناه -وللَّه الحمد- فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ، في \"كتاب المزكين لرواة الأخبار\" أنه سمع أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين، لخمس بقين من رجب، سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة. وهذا يتضمن أن مولده كان في سنة ست ومائتين. والله تعالى أعلم.\nوكان لموته سبب غريب، نشأ عن غمْرة فكرية علمية، فقرأت بنيسابور -حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله- فيما انتخبته من \"تاريخها\" على الشيخ الزكي أبي الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفرَاوي، وعلى الشيخة أم المؤيد، زينب ابنة أبي القاسم، عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني -رحمها الله وإيانا- عن الإمام أبي عبد الله الفراوي، وأبي القاسم، زاهر بن طاهر المستملي، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وسعيد بن محمد الْبَحِيري، والإمام أبي بكر البيهقي، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب، سمعت أحمد ابن سلمة يقول: عُقِد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلنّ أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدّموها، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فَنِيَ التمر، ووجد الحديث، قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مَرِض، ومات.\nقال ابن الصلاح: قد زرت قبره بنيسابور، وسمعنا عنده خاتمة كتابه \"الصحيح\" (٢)، وغير ذلك -﵁- وعنا، ونفعنا بكتابه، وبسائر العلم، آمين، آمين. انتهى (٣).\n_________\n(١) راجع ما كتبه الشيخ مشهور حسن ١/ ١٨.\n(٢) هذا محلّ نظر؛ لأن قراءة الكتب عند القبر ليس من هدي السلف، وإنما تزار القبور للسلام على أصحابها، والدعاء لهم، والإعتبار بهم، كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة، فليُتنبّه.\n(٣) \"صيانة صحيح مسلم\" ٦٤ - ٦٦.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>نشأته:</span>\nوأما نشأته: فقد نشأ رحمهُ الله تعالى في بيت علم وجاه، فقد كان والده ممن تصدّى لتعليم الناس، قال تلميذ مسلم محمد بن عبد الوهّاب الفرّاء المتوفّى سنة (٢٧٢): وكان أبوه الحجاج بن مسلم من مشيخة أبي. وأقبل مسلم على سماع الحديث منذ صغره، فأول سماعه -كما قال الذهبيّ- سنة (٢١٨)، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، فسمع من خلق كثير مثل يحيى بن يحيى التميميّ المتوفّى سنة (٢٢٦)، وهو أول من سمع منه في سنة ثماني عشرة، وحجّ في سنة عشرين، وهو أمرد، فسمع بمكة من القعنبي، فهو أكبر شيخ له. وممن سمع منه بنيسابور إسحاق بن راهويه المتوفّى سنة (٢٣٨)، وقتيبة بن سعيد المتوفّى سنة (٢٤٠). وسمع في طريق رجوعه من الحجّ بالكوفة من أحمد بن يونس، وجماعة، وأسرع إلى وطنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مهنته:</span>\nوأما مهنته: فكان رحمهُ الله تعالى تاجرًا، فكان له مَتجر بخان محمش، يبيع فيه الْبَزّ، وكان له أملاك، وضَيَاع، وثروة بأسْتُواء، وكان يعيش منها (١). وكان كثير الإحسان إلى الناس، حتى نُعت بـ \"محسن نيسابور\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>رحلاته:</span>\nوأما رحلاته العلميّة، فكان رحمهُ الله تعالى ذا رحلة واسعة، عالي الهمة، كثير النشاط، ذا صبر في الطلب والتحصيل، فهو أحد الرحّالين في طلب العلم، فرحل إلى أئمة الأقطار والبلدان، فدخل الحجاز، وعمره أربعة عشر عاما في سنة عشرين ومائتين، وكان أمرد، لأداء فريضة الحج، فسمع بمكة من سعيد بن منصور، والقعنبيّ، وغيرهما، وبالمدينة من أبي مصعب الزهريّ، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهما. ودخل العراق، فسمع بالبصرة من القعنبيّ وعلي بن نصر الجهضميّ، وبالكوفة من أحمد بن يونس، وعمر بن حفص بن غياث، وسعيد بن محمد بن سعيد الجرميّ. وسمع ببغداد من أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، وخالد ابن خِدَاش، وعبيد الله بن عمر القواريريّ، وخلف ابن هشام البزار المقرىء، وسُريج بن يونس، وغيرهم. وسمع ببلخ من قُتيبة بن سعيد.\nودخل الريّ أكثر من مرة، وسمع بها من محمد بن مِهْران الجمّال، وأبي غسان محمد بن عمرو زُنَيْج (٢).\n_________\n(١) انظر \"العبر\" ٢/ ٢٣ و\"شذرات الذهب\" ١/ ١٤٥.\n(٢) بزاي ونون وجيم مصغّرًا. قاله في \"التقريب\".","vol":"1","page":11},{"text":"ودخل مصر، فسمع من أحمد بن عبد الرحمن الوهبيّ، وعمرو بن سوّاد، وعيسى ابن حماد زُغْبَة، ومحمد بن رُمح بن المهاجر.\nودخل الشام، على ما قاله ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\"، قال: وسمع من محمد ابن خالد السكسكيّ، لكن الذهبيّ، ينكر ذلك، ويقول: والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن ليدخل الشام، فلا يسمع إلا من شيخ واحد. وقال أيضًا في ترجمة هشام بن عمار: ولم يلقه مسلم، ولا ارتحل إلى الشام، ووهمَ من زعم أنه دخل دمشق (١).\nوالحاصل أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى كثير الرحلة، فقد طوّف كثيرًا من البلدان: مثل الريّ، والعراق، ومصر، والحجاز (مكة، والمدينة)، ودمشق على ما قاله ابن عساكر. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>عقيدته:</span>\nوأما عقيدته: فكان رحمهُ الله تعالى على عقيدة أهل الحديث، مثل الأئمة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاريّ، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد ذكر أبو عثمان الصابونيّ النيسابوريّ المتوفّى سنة (٤٤٩) عقيدة السلف أصحاب الحديث، وذكر فيها علامات أهل السنّة، وإحدى علاماتهم حبهم لأئمة السنّة، وعلمائها، وأنصارها، وأوليائها، ونقل عن قتيبة بن سعيد أسماء جماعة من هؤلاء العلماء، وأن حبهم علامة لأهل السنّة، ثم قال: وأنا أُلحق بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة رحمهُ الله تعالى أن من أحبهم، فهو صاحب سنة من أئمة الحديث الذين بهم يقتدون، وبهديهم يهتدون، ومن جملتهم وشيعتهم أنفسَهُم يَعُدُّون، وذكر من بينهم الإمام مسلم بن الحجاج (٢). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>مذهبه في الفروع:</span>\nاعلم: أنه قد اضطربت أقوال المتأخّرين في شأن مذهبه، وتناقضوا فيه، فمن قائل: إنه شافعيّ، ومن قائل: إنه حنبليّ، ومن قائل غير ذلك، كما اختلفوا في مذهب البخاريّ، وسائر أصحاب الكتب الستة، وغيرهم.\nوهذا بناء منهم على ما تخيّلوه من أن أيّ أحد لا بدّ أن ينتسب إلى مذهب أحد الأئمة الأربعة، وإن كان من أكابر المحدّثين، وهذا مما ابتُلي به المسلمون في الأعصار المتأخّرة من الإعتقادات الفاسدة، والإتجاهات الكاسدة، فلقد عاش الناس في عافية\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٤٢٢. و١٢/ ٥٦٢.\n(٢) راجع \"عقيدة السلف أصحاب الحديث\" ٦٧ - ٦٩.","vol":"1","page":12},{"text":"من هذا البلاء دهرًا طويلًا من الزمن حينما كانوا يُطبِّقون قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، فلا يُعرف أحد منهم أنه يقال له: بكري، ولا عمريّ، ولا عثمانيّ، ولا علوي، ولا غير ذلك، نسبة إلى مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم من أكابر الصحابة -﵃-، والتابعين، حتى جاء أهل العصر المتأخّر ممن بعد الأئمة الأربعة، فانتسبوا إليهم، مع أنهم حذّروهم من تقليدهم، وأمروهم باتباع الأدلة، ثم آل الأمر إلى أن لا يروا جواز تقليد غيرهم إلا في حال الضرورة، فقد قال أحدهم، وبئسما قال:\nوَجَائِزٌ تَقْلِيدُ غَيْرِ الأَرْبَعَهْ ... لِذِي ضَرُورَةٍ وَفِي هَذَا سَعَهْ\nبل قال صاحب \"مراقي السعود\"، وبئسما قال:\nوَالْمُجْمَعُ الْيَوْمَ عَلَيْهِ ألأَرْبَعَهْ ... وَقَفْوُ غَيْرِهَا الْجَمِيعُ مَنَعَهْ\nفإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان على من خالف مذهب خيار الأمة، وللبحث مجالٌ آخر.\nولنرجع إلى المقصود:\nاعلم: أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى إمام مجتهد، يدور مع النصوص، فما تخيّله المقلدون من أنه على مذهب فلان، فلما رأوه يوافق رأي ذلك الإمام في بعض المسائل لاتفاق الأدلة، أو لكونه أخذ عنه، أو عمن أخذ عنه، فإن كان هذا مسوّغًا للتقليد، فلنقل: إن الشافعيّ مالكيّ حيث أخذ عنه، وأحمد شافعيّ؛ لأنه أخذ عنه، وهلمّ جرّا، وهؤلاء المدّعون لا يقولون بهذا، بل يتبرؤن منه.\nوهذا كلّه يفنّده مخالفته لذلك الإمام في مسائل أخرى، ومعلوم أن المقلّد لا يخالف إمامه أبدًا.\nوالحقّ أنه على مذهب أهل الحديث، ليس مقلّدًا لأحد، بل هو كالشافعي، وأحمد، وغيره من فقهاء المحدّثين، ولقد أجاد أبو عبد الله الحاكم رحمهُ الله تعالى حيث ذكره ضمن فقهاء المحدّثين، وأفرده بترجمة كباقي الأئمة، كالزهريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وابن المدينيّ، وغيرهم. وذكر قبل تراجمهم المقصود بفقه الحديث، فقال في (النوع الموفّي العشرين): \"معرفة فقه الحديث\" إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام، أصحاب القياس والرأي، والإستنباط، والجدل، والنظر، فمعروفون في كلّ عصر، وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله؛","vol":"1","page":13},{"text":"ليُستدلّ بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحّر فيها، لا يجهل فقه الحديث، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم. انتهى (١).\nوقال العلامة المباركفوريّ رحمهُ الله تعالى: كما أن البخاريّ رحمهُ الله تعالى كان متّبعًا للسنة عاملا بها، مجتهدًا، غير مقلّد لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم، كذلك مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، كلهم كانوا متّبعين للسنة، عاملين بها، مجتهدين، غير مقلدين لأحد. انتهى (٢).\nوخلاصة القول أن الإمام مسلمًا رحمهُ الله تعالى، وغيره من أصحاب الكتب الستة، وغيرهم أنهم من فقهاء المحدّثين العاملين به، والداعين إليه، لا يرون لتقليد أحد كائنا من كان قيمة، ولا وزنًا، وليس لهم إمام إلا رسول الله -ﷺ- الذي ضمِنَ الله تعالى للخلق الهداية، والفلاح في طاعته، واتباع أثره، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وإن وافق قولهم قول بعض الأئمة في بعض المسائل، فإن ذلك لدليل ساقهم إلى ذلك، فظن المقصّرون ذلك تقليدًا، فوسموهم بسمة لا تليق بمن هو دونهم بمرّات. والله المستعان على من خالف الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة الثانية: في ذكر بعض شيوخه على ترتيب حروف المعجم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[حرف الهمزة]:</span>\nفمنهم: إبراهيم بن خالد اليَشكري، وإبراهيم بن دينار التَّمَّار، وإبراهيم بن زياد سبلَان، وإبراهيم بن سعيد الجَوْهري، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وإبراهيم بن موسى، وأحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقيّ، وأحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهريّ المدنيّ، وأحمد بن جعفر الْمَعْقِريّ، وأحمد بن جناب، وأحمد بن جَوّاس الحنفيّ، وأحمد بن الحسن بن خراش، وأحمد بن سعيد الرِّباطي، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأحمد بن سنان القطان، وأحمد بن عبد الله بن الحكم المعروف بـ \"ابن الكُردي\"، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وأحمد بن عبدة الضبيّ، وأحمد بن عثمان الأودي، وأبو الجوزاء أحمد بن عثمان النوفلي، وأحمد بن عمر بن حفص المعروف بـ \"الوكيعي\"، وأحمد بن عمرو بن السرح، أبو الطاهر المصريّ، وأحمد بن عيسى بن حسان المصريّ المعروف بـ \"ابن التستري\"، وأحمد بن\n_________\n(١) \"معرفة علوم الحديث\" ٦٣ - ٧٨.\n(٢) \"مقدّمة تحفة الأحوذيّ\" ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":14},{"text":"محمد بن حنبل الإمام الشهير، وأحمد بن المنذر القزاز، وأحمد بن منيع، وأحمد بن يوسف السُّلمي. وإسحاق بن راهويه، وإسحاق بن عمر بن سَلِيط، وإسحاق بن منصور ابن بهْرَام الْكَوْسج، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وإسماعيل بن إبراهيم بن معمر، أبو معمر الهذليّ، وإسماعيل بن الخليل الخزّاز، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وإسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس، لقيه أول مرة، وأمية بن بسطام العيشيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[حرف الباء الموحّدة]:</span>\nبشر بن الحكم بن حبيب العبديّ النيسابوريّ، وبشر بن خالد العسكريّ، وبشر بن هلال الصوّاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[حرف الجيم]:</span>\nجعفر بن حميد، وحاجب بن الوليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[حرف الحاء المهملة]:</span>\nحامد بن عمر البكراوي، وحِبَّان بن موسى، وحجاج بن يوسف بن حجاج المعروف بـ \"ابن الشاعر\"، وحرملة بن يحيى، والحسن بن أحمد الحرّاني، والحسن بن الربيع الْبُورَاني، والحسن بن علي الخلال، والحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس، والحسين ابن حريث، والحسين بن عيسى البِسطامي، والحكم بن موسى، وحماد بن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، وحميد بن مَسْعَدَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[حرف الخاء المعجمة]:</span>\nخالد بن خدَاش بن عجلان، أبو الهيثم، وخَلَف بن هشام المقرىء البزّار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[حرف الدال المهملة]:</span>\nداود بن رُشيد، وداود بن عمرو بن زُهير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[حرف الراء]:</span>\nرفاعة بن الهيثم الواسطي، وزكريا بن يحيى كاتب العمري القاضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[حرف الزاي]:</span>\nزُهير بن حرب، أبو خيثمة، وزياد بن يحيى الحَسَّاني، وزيد بن يزيد أبو مَعْن الرَّقَاشيّ.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>[حرف السين المهملة]:</span>\nسُرَيج بن يونس، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وسعيد بن محمد الجَرْمي، وسعيد بن منصور الْخرَاسانيّ، ثم المكيّ، وسعيد بن يحيى ابن الأزهر، وسعيد بن يحيى الأموي، وسلمة بن شبيب الْمِسْمَعيّ، وسليمان بن داود أبو الربيع الزَّهْرانيّ الْعَتَكيّ، وسليمان بن داود بن رُشيد الخُتَّلي، وسليمان بن داود، ويقال: ابن محمد بن سليمان، وهو أقوى أبو داود المباركيّ (١)، وسليمان بن عُبيد الله ابن عمرو الغيلانيّ، وسليمان بن معبد السِّنْجيّ، وسهل بن عثمان بن فارس، وسُويد بن سعيد الْحَدَثانيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[حرف الشين المعجمة]:</span>\nشجاع بن مَخْلَد، وشهاب بن عَبّاد، وشيبان بن فرُّوخ الأبلّيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[حرف الصاد المهملة]:</span>\nصالح بن حاتم، وصالح بن مِسْمَار، والصَّلْت بن مسعود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>[حرف العين المهملة]:</span>\nعاصم بن النضر، وعباد بن موسى، وعباس بن عبد العظيم، وعباس بن الوليد النَّرْسي، وعبد الله بن بَرَّاد، وعبد الله بن جعفر البَرْمَكي، وعبد الله بن سعيد بن حُصين الكنديّ، وعبد الله بن الصباح، وعبد الله بن عامر بن زُرَارَة، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، صاحب \"المسند\"، وعبد الله بن عُمَر بن محمد بن أبان الملقّب بـ \"مُشْكُدَانة\"، وعبد الله بن عُمَر الرومي، وعبد الله بن عون الخرّاز، وعبد الله بن محمد بن إبراهيم، وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري الْمَخْرَميّ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن مطيع، وعبد الله بن هاشم، وعبد الأعلى بن حمّاد بن نصر النَّرْسيّ، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الحميد بن بيان، وعبد الرحمن ابن بشر بن الحكم، وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، وعبد الرحمن بن سلّام الجُمَحي، وعبد الملك بن شعيب بن الليث، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الحارث، ويقال: ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن ذكوان، أبو نصر التمار، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وعبد بن حميد الكسّيّ، وعبيد الله بن سعيد أبو قُدامة السرخسيّ، وعبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد، أبو زرعة الإمام المشهور، وعبيد الله بن\n_________\n(١) نسبة إلى مبارك بضم الميم قرية قرب واسط.","vol":"1","page":16},{"text":"عمر القواريري، وعبيد الله بن محمد بن يزيد بن خُنَيس، وعبيد الله بن معاذ، وعبيد بن يعيش، وعثمان بن أبي شيبة، وعقبة بن مُكرَم العَمِّيّ، وعلي بن حُجْر السعديّ، وعلي ابن الحسن بن سليمان، الملقب بـ \"أبي الشعثاء\"، وعلي بن حَكِيم الأودي، وعلي بن خَشْرَم، وعلي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعمر بن حفص بن غياث، وعمرو بن حماد، وعمرو بن زُرارة، وعمرو بن سَوَّاد، وعمرو بن علي بن بحر ابن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ، وعمرو بن محمد بن بكير الناقد، وعون بن سلام، وعيسى ابن حماد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[حرف الفاء]:</span>\nالفضل بن سهل بن إبراهيم الأعرج البغداديّ. والفُضيل بن حُسين بن طلحة، أبو كامل الْجحدريّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[حرف القاف]:</span>\nالقاسم بن زكريا، وقتيبة، وقطن بن نُسَير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[حرف الميم]:</span>\nمالك بن عبد الواحد الْمِسْمَعيّ، والمثنّى بن معاذ بن معاذ العنبريّ، ومجاهد بن موسى الْخُوَارزميّ، ومحرز بن عون، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، ومحمد بن أحمد ابن نافع العبديّ، ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني، ومحمد بن إسحاق المُسَيَّبِيُّ، ومحمد بن بشّار بندار، ومحمد بن بكار بن الريّان، ومحمد بن بكار بن الزبير العيشي، ومحمد بن أبي بكر بن عليّ المقَدَّميّ، ومحمد بن جعفر بن زياد الْوَرَكَانيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون المعروف بـ \"السَّمِين\"، ومحمد بن حرب النشائيّ، ومحمد بن حيّان البغويّ، ومحمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، ومحمد بن رافع القشيريّ، ومحمد بن رمح ابن المهاجر التُجِبِيّ، ومحمد بن سلمة المراديّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن الصَّبَّاح المعروف بـ \"الدُّولابيّ\"، ومحمد بن طَرِيف البجليّ، ومحمد بن عباد بن الزِّبْرِقان، ومحمد بن عبد الله بن بَزِيع، ومحمد بن عبد الله بن قُهْزَاذَ، ومحمد بن عبد الله بن نُمير الحافظ، ومحمد بن عبد الله الرُّزّيّ، ومحمد بن عبد الأعلى المعروف بـ \"الصنعانيّ\"، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، ومحمد بن عبد الملك بن محمد بن أبي الشوارب، ومحمد بن عُبيد بن حساب، ومحمد بن أبي عتّاب، ومحمد بن عَمرو بن بكر المعروف بـ \"زُنَيج\"، ومحمد بن عمرو بن أبي رَوَّاد، ومحمد بن العلاء، أبو كُريب، ومحمد بن الفرَج الهاشميّ، ومحمد بن قُدَامة البخاريّ، ومحمد بن المثنّى، ومحمد بن ابن محمد","vol":"1","page":17},{"text":"ابن مرزوق الباهليّ، ومحمد بن مسكين اليماميّ، ومحمد بن معاذ بن معاذ، ومحمد بن معمر ابن رِبعيّ الْقَيْسيّ، ومحمد بن منهال الضَّرير، ومحمد بن مهران الرازيّ، ومحمد بن موسى القطّان، ومحمد بن الوليد الْبُسريّ، ومحمد بن يحيى الْقُطَعيّ، ومحمد بن يحيى المروزيّ الصائغ، ومحمد بن يحيى الْعَدَنيّ المكيّ، ومحمد بن يزيد بن كثير، أبو هشام الرفاعيّ، ليس بالقويّ (١)، ومحمود بن غيلان، ومخلد بن خالد بن يزيد الشَّعِيريّ، ومِنْجَاب بن الحارث التميميّ، ومنصور بن أبي مُزَاحم، وموسى بن قُريش التميميّ البخاريّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[حرف النون]:</span>\nنصر بن عليّ بن نصر بن علي بن صهبان الْجهضميّ البصري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[حرف الهاء]:</span>\nهارون بن سعيد الأيليّ، وهارون بن عبد الله بن مروان الْحَمَّال، وهارون بن معروف الْخزّاز، وهُدْبَة، ويقال: هدّاب بن خالد الأزديّ القيسيّ، وهُرَيم بن عبد الأعلى، وهَنَّاد بن السَّرِيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[حرف الواو]:</span>\nواصل بن عبد الأعلى، والوليد بن شُجَاع، ووهب بن بَقِيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[حرف الياء]:</span>\nيحيى بن أيّوب المقابريّ، ويحيى بن بِشْر الْحريريّ الأسديّ، ويحيى بن حَبيب بن عربيّ، ويحيى بن خَلَف الباهليّ، ويحيى بن محمد بن معاوية اللؤلؤيّ، ويحيى بن مَعِين الإمام المشهور، ويحيى بن يحيى التميميّ، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، ويوسف بن حمّاد الْمَعْنِيّ، ويوسف بن عيسى المروزيّ، ويوسف بن يعقوب الصفّار، ويونس بن عبد الأعلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الْكُنَى</span>\nأبو بكر بن النضر بن أبي النضر، اسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد.\n_________\n(١) هو ضعيف، قال البخاريّ: رأيتهم مجمعين على ضعفه. أخرج له مسلم حديثين مقرونا بغيره. وذكر بعضهم أن البخاريّ أخرج له. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":18},{"text":"فهؤلاء وعِدَّتهم مائتان وتسعة عشر رجلًا، أخرج عنهم في \"الصحيح\" رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة الثالثة: في ذكر المشايخ الذين ذُكر غلطًا أن مسلمًا رحمهُ الله تعالى رَوَى عنهم في \"صحيحه\"، وهم:</span>\n(١) الحجاج بن المنهال، ذكر ابن عساكر أنه روى عنه مسلم، والصواب أنه روى عن رجل عنه، كما قال ضياء الدين المقدسيّ.\n(٢) حرمي بن حفص الْعَتَكيّ، ذكره ابن عساكر أيضًا، والصواب أنه روى عن رجل عنه، كما قال المقدسيّ أيضًا.\n(٣) حماد بن الحسن بن عنبسة النهشليّ، ذكره ابن عساكر أيضًا، واللالكائيّ، قال الحافظ المزيّ: ولم أقف على روايته عنه.\n(٤) محمد بن عمر بن عبد الله، أبو عبد الله الروميّ، ذكره ابن عساكر، وصاحب \"الكمال\"، والصواب أنه إنما روى عن عبد الله بن عمر الروميّ، وقد سبق ذكره.\n(٥) محمد بن النضر بن مساور المروزيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخ مسلم، قال الحافظ المزيّ: لم أجد له رواية عنه.\n(٦) محمد بن يونس الجمّال، ذكره ابن عساكر، وصاحب \"الكمال\" في شيوخه. قال الحافظ المزّيّ: لم أقف على ذلك.\n(٧) الهيثم بن خارجة الخراسانيّ، ذكره ابن عساكر، والذهبي، والمزّيّ في شيوخه، فقال محمد بن عبد الواحد المقدسيّ: ما أرى مسلمًا روى عنه.\n(٨) الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخه الذين سمع منهم بدمشق، وهذا وهمٌ؛ لأن الوليد مات سنة (١٩٥) قبل أن يولد مسلم بسنين، والصواب أنه روى عنه بواسطة زهير بن حرب، وغيره (١).\n(٩) عبّاس بن رزْمة (٢)، ذكره المزيّ، وابن عساكر، وقال: روى عنه مسلم في\n_________\n(١) راجع ما كتبه الشيخ مشهور بن حسن ١/ ٣٥ فقد حقق الموضوع، جزاه الله تعالى خيرًا.\n(٢) هكذا وقع في \"الصحيح\"، ووقع في بعض الأصول \"ابن أبي رِزمة\"، وكلاهما مشكل؛ لأنه لم يذكر البخاريّ في \"تاريخه\"، ولا أحد من أصحاب كتب الرجال العباس بن رِزمة، ولا العبّاس بن أبي رزمة، وإنما ذكروا عبد العزيز بن أبي رزمة، أبا محمد المروزيّ المتوفى سنة (٢٠٦). أفاده النوويّ في \"شرحه\". ١/ ١٥.","vol":"1","page":19},{"text":"الحكايات في مقدّمة الكتاب، وهذا وهم، فإنه إنما روى عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عنه، ومما يُبطله أن ابن أبي رزمة مات سنة (٢٠٦) سنة ولادة مسلم. فتفطّن.\n(١٠) مخلد بن الحسين، ذكره ابن عساكر في شيوخه، قال: روى عنه في الحكايات في \"المقدّمة\"، وهو وهَمٌ (١)، والصواب أنه روى عن الحسن بن الربيع، عنه، ومما يقوي بطلانه أنه مات سنة (١٩١) أي قبل أن يولد مسلم بخمس عشرة سنة.\n(١١) وهب بن زمعة، أبو عبد الله التميميّ المروزيّ، ذكره ابن عساكر في شيوخه، وقال: روى عنه حكاية في \"مقدمة الكتاب\"، وهذا وهمٌ، والصواب أنه إنما روى عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عنه، وسيأتي في \"المقدّمة\"، إن شاء الله تعالى.\n(١٢) عبد الله بن الزبير، أبو بكر الحميديّ. روى عنه مسلم بواسطة سلمة بن شبيب، ثم سقطت هذه الواسطة في بعض النسخ، فأوهمت أن مسلما روى عنه، وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه، إن شاء الله تعالى.\n(١٣) مالك بن إسماعيل النَّهْديّ، أبو غسان الكوفيّ. ذكره الحاكم، وابن عساكر في شيوخه، والصواب أنه إنما يروي عنه بواسطة، ومما يقوي هذا أنه مات سنة (٢١٩)، بعد ولادة مسلم بأربع سنين على ما هو الراجح في ولادته، كما سبق، فما أدركه.\n(١٤) إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي البغداديّ، قيل: إنه روى عنه في \"مقدّمة صحيحه\"، والراجح أنه إنما روى عن إبراهيم بن خالد اليشكريّ، وهو آخر، كما سيأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى.\n(١٥) عبد الله بن الْجَرّاح، أبو محمد الْقُهُسْتانيّ. ذكر الخليليّ أنه روى عنه، وأدخله في \"الصحيح\" (٢)، وهو وهَمٌ، والصواب أنه من رجال أبي داود، والنسائيّ.\n(١٦) إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، أبو إسحاق. عُدّ من شيوخ مسلم في رواية ابن ماهان، فقال: \"عن مسلم نا عبد الله بن مسلمة، وابن أبي الوزير، وأبو مصعب، ومنصور، وقتيبة، قالوا: حدثنا مالك الخ\"، والصواب ما في رواية الْجُلُوديّ،\n_________\n(١) سبب الوهم عدم التفطّن لسياق مسلم، فإنه قال: وحدثنا حسن بن الربيع، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد. وحدثنا فضيل، عن هشام. قال: وحدثنا مخلد بن حسين، عن هشام، عن محمد الخ. فظن ابن عساكر أن القائل: وحدثنا مخلد بن الحسين هو مسلم، والصواب أنه الحسن بن الربيع، وسيأتي إيضاح هذا في محلّه، إن شاء الله تعالى.\n(٢) راجع \"الإرشاد\" ٢/ ٧٤٨.","vol":"1","page":20},{"text":"والكسائيّ: \"حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وإسماعيل بن أبي أويس، وأبو مصعب، ومنصور، وقُتيبة، قالوا: حدثنا مالك الخ\". قال بعضهم: لم يُدرك مسلم ابن أبي الوزير، ولا أعلم لمسلم عنه رواية (١).\n(١٧) شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية النحويّ. عُدّ من شيوخ مسلم في نسخة ابن الحذّاء، ففيها: \"نا شيبان بن عبد الرحمن، نا سليمان الخ\"، وهو غلط فاحش، والصواب: شيبان بن فرّوخ، وهو الأبليّ، من شيوخ مسلم، وأما ابن عبد الرحمن النحويّ، فليس من طبقة من يروي عنه مسلم، فقد مات سنة (١٦٤) قبل ولادة مسلم بنحو (٣٢) سنة.\nفهؤلاء سبعة عشر رجلًا عُدّوا غلطًا ممن روى عنهم مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة الرابعة: في ذكر بعض مشايخه الذين روى عنهم خارج \"صحيحه\"، فمنهم:</span>\n(١) إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو إسحاق القرشيّ المطّلبيّ المكيّ، ابن عم الإمام الشافعيّ، صدوق، روى عنه مسلم في غير \"صحيحه\" (٢).\n(٢) أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، قيل: روى عنه مسلم، والظاهر أنه خارج \"الصحيح\"، إذ لم يذكره أحدٌ فيمن أخرج عنهم فيه.\n(٣) أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد، أبو علي النيسابوريّ.\n(٤) أحمد بن منصور بن راشد المروزيّ المعروف بـ \"زاج\"، قال الذهبيّ: روى عنه مسلم في غير \"الصحيح\" (٣).\n(٥) الحجاج بن مسلم والده، أخذ عنه في بداية الطلب، كما تقدّم بيانه.\n(٦) حميد بن زنجويه الثقة الثبت، روى عنه في غير \"الصحيح\".\n(٧) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسديّ مولاهم الحافظ المعروف بـ \"صالح جَزَرة\".\n_________\n(١) راجع \"المعلم بفوائد مسلم\" ٣/ ٤٠ رقم (٩٠٥).\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ١٦٦.\n(٣) \"السير\" ١٢/ ٣٨٩.","vol":"1","page":21},{"text":"(٨) عليّ بن الْجعد الجوهريّ الثقة الثبت المتوفّى سنة ٢٣٣.\n(٩) عليّ بن الحسن بن أبي عيسى، أبو الحسن الهلاليّ الدرابجرديّ.\n(١٠) علي بن عبد الله بن المدينيّ، أبو الحسن السعديّ الإمام المشهور.\n(١١) قطن بن إبراهيم بن عيسى بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ المتوفّى سنة (٢٦١).\n(١٢) محمد بن أبان أبو بكر البلخيّ يعرف بـ \"حَمْدويه\" مستملي وكيع.\n(١٣) محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مِهران الثقفي مولاهم أبو العباس السّرّاج الإمام الحافظ، وهو أحد تلامذته، روى عنه في غير \"الصحيح\".\n(١٤) محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام الحافظ الكبير، صاحب \"الصحيح\"، روى عنه في غير \"الصحيح\"، وهو أحد تلامذته أيضًا.\n(١٥) محمد بن إسماعيل البخاريّ الإمام العلم الشهير، صاحب \"الصحيح\"، وإمام الدنيا.\n(١٦) محمد بن خالد السكسكيّ، روى عنه بدمشق على قول ابن عساكر، أو في موسم الحج على قول الذهبيّ (١).\n(١٧) محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العبديّ النيسابوريّ المعروف بـ \"حَمَك\"، وهو أحد من روى عنه.\n(١٨) محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزيّ، روى عنه في \"التمييز\".\n(١٩) محمد بن مسلم بن عثمان الرازيّ الحافظ المعروف بـ \"ابن وارة\"، المتوفّى سنة (٢٧٠) وقيل: قبلها.\n(٢٠) محمد بن يحيى بن عبد الله الذهليّ الإمام المشهور.\n(٢١) مصعب بن عبد الله بن ثابت القرشي المدنيّ.\n(٢٢) الحجاج بن حمزة، أبو يوسف الرازيّ.\n(٢٣) علي بن سعيد أبو الحسن النسويّ.\n_________\n(١) راجع \"تاريخ دمشق\" ١٦/ ق ٤٦٨ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٦٢.","vol":"1","page":22},{"text":"(٢٤) علي بن مسلم بن سعيد، أبو الحسن الطوسيّ، ثم البغداديّ.\n(٢٥) مظهر بن الحكم، أبو عبد الله البيّع الأنْقُلْقانيّ، قال ياقوت في \"معجم البلدان\": روى عنه مسلم بن الحجاج (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسألة الخامسة: في ذكر بعض الرواة عنه على ترتيب حروف المعجم أيضًا:</span>\nفمنهم: إبراهيم بن إسحاق الصَّيرفيّ، وإبراهيم بن أبي طالب رفيقه، وإبراهيم ابن محمد بن حمزة، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، راوي \"الصحيح\" عنه، وأبو حامد أحمد بن حمدون بن رُسْتُم الأعمشيّ (٢)، وأبو الفضل أحمد بن سلمة الحافظ، وأبو حامد أحمد بن عليّ بن الحسن بن حسنويه المقرىء، أحد الضعفاء، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وأبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن بن الشرقيّ، وأبو عمرو أحمد بن نصر الخفّاف الحافظ، وأبو سعيد حاتم بن أحمد بن محمود الكنديّ البخاريّ، والحسين بن محمد بن زياد الْقَبَّانيّ، وداود بن سليمان الكرمانيّ، وأبو يحيى زكريا بن داود الْخَفَّاف، وسعيد بن عمرو البرذعيّ الحافظ، وصالح بن محمد بن عمرو الملقّب بـ \"جَزَرَة\" البغداديّ الحافظ، وأبو محمد عبد الله ابن أحمد بن عبد السلام الخفّاف النيسابوريّ، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، وأبو علي، عبد الله بن محمد بن علي البلخي الحافظ، وعبد الله ابن يحيى السرخسي القاضي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ، وعلي بن إسماعيل الصفار، وعلي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، وهو أكبر منه، وعلي بن الحسين ابن الجنيد الرازيّ، والفضل بن محمد بن عليّ البلخيّ، ومحمد بن إبراهيم بن محمد ابن الوليد الأصفهانيّ، ومحمد بن أحمد بن زُهير الطوسيّ، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة الحافظ، صاحب \"الصحيح\"، وأبو العباس محمد بن إسحاق الثقفيّ السراج، ومحمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو العبّاس الدَّغُوليّ، وأبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبديّ الفراء شيخه، وهو أكبر منه، ولكن ما أخرج عنه في \"صحيحه\"، ومحمد بن عبد بن حميد، ومحمد بن عيسى، أبو عيسى الترمذيّ الحافظ، فقد روى عن مسلم في \"جامعه\" حديثًا واحدًا، ومحمد بن محمد بن موسى البلخيّ، روى عن\n_________\n(١) وذكر الخليلي في الإرشاد ممن روى عنه مسلم أحاديث إسحاق بن محمد الكوسج المروزي، ولم يذكره أحد من رجاله، قال مشهور حسن: إلا أن يكون المذكور خطأ، وصوابه ابن منصور. والله تعالى أعلم.\n(٢) نسب إلى الأعمش لحفظه أحاديثه، واعتنائه بها.","vol":"1","page":23},{"text":"مسلم بعض كتبه، فيما ذكره بعضهم، ومحمد بن مخلد الدُّوريّ العطار، وأبو بكر محمد بن النضر بن سلمة بن الجارود الجارودي، وأبو حاتم مكي بن عبدان التميميّ، وأبو محمد نصر بن أحمد بن نصر الحافظ المعروف بنصرك، ويحيى بن محمد بن صاعد، والحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوريّ الإسفرايينيّ الحافظ الكبير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسألة السادسة: في ثناء العلماء عليه</span>\nلقد أثنى على الإمام مسلم رحمهُ الله تعالى العلماء ثناء عاطرًا، قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: أملى علينا إسحاق الكوسج سنة إحدى وخمسين، ومسلم ينتخب عليه، وأنا أستملي، فنظر إليه إسحاق، وقال: لن نَعْدَم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلما في معرفة الصحيح على مشايِخ عصرهما، وسمعت الحسين بن منصور يقول: سمعت إسحاق بن راهويه ذكر مسلمًا، فقال بالفارسية كلامًا معناه: أيَّ رجل يكون هذا؟ . ثم قال أحمد بن سلمة: وعُقد لمسلم مجلس المذاكرة، فذُكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد منكم، فقيل له: أُهديت لنا سَلَّةُ تمر، فقال: قدّموها، فقدّموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح، وقد فني التمر، ووجد الحديث. رواها أبو عبد الله الحاكم، ثم قال: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان مسلم ثقة من الحفاظ، كتبت عنه بالري، وسئل أبي عنه؟ فقال: صدوق. قال أبو قريش الحافظ: سمعت محمد بن بشار يقول: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. قال أبو عمرو بن حمدان: سألت الحافظ ابن عقدة عن البخاري ومسلم، أيهما أعلم؟ فقال: كان محمد عالما، ومسلم عالم، فكررت عليه مرارا، فقال: يا أبا عمرو قد يقع لمحمد الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، يَتَوَهّم أنهما اثنان، وأما مسلم فقلما يقع له من الغلط في العلل؛ لأنه كتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع، ولا المراسيل.\nقال الذهبيّ: عَنَى بالمقاطيع أقوال الصحابة والتابعين، في الفقه والتفسير.\nوقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة رجال: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الحسين بن محمد الماسَرْجِسِيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما يقول: صنّفت هذا","vol":"1","page":24},{"text":"\"المسند الصحيح\" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. قال ابن منده: سمعت محمد بن يعقوب الأخرم يقول: ما معناه: قَلّما يفوت البخاري ومسلما مما ثبت من الحديث. قال الحاكم: سمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ يقول: رأيت شيخا حسن الوجه والثياب، عليه رداء حسن، وعمامة قد أرخاها بين كتفيه، فقيل: هذا مسلم، فتقدم أصحاب السلطان، فقالوا: قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بن الحجاج إمام المسلمين، فقدموه في الجامع، فكبر، وصلى بالناس.\nوقال ابن أبي حاتم: كان ثقة من الحفاظ. وقال الخطيب البغداديّ: أحد الأئمة من حفاظ الحديث. وقال أبو حامد بن الشرقيّ. إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة: محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومسلم بن الحجاِج، وإبراهيم بن أبي طالب. وقال الذهبيّ: الإمام الحافظ حجة الإسلام\". وقال أيضًا: الإمام الكبير الحافظ المجوّد الحجة الصادق\". وقال: أحد أركان الحديث. وقال: حافظ خراسان. وقال: حافظ نيسابور. وذكره ضمن الحفّاظ، وأعلام النبلاء، ومن يُعتمد قوله في الجرح والتعديل. وقال القاضي عياض في مقدمة شرحه: هو أحد أئمة المسلمين، وحفّاظ المحدثين، ومتقني المصنفين، أثنى عليه غير واحد من الأئمة المتقدّمين والمتأخّرين، وأجمعوا على إمامته وتقدّمه وصحة حديثه، وتمييزه، وثقته، وقبول كتابه. وقال ابن عساكر: الحافظ، صاحب الصحيح، الإمام المبرّز، والمصنّف المميّز، رحل، وجمع، وصنّف. وقال ابن عبد الهادي: الإمام الحافظ، حجة الإسلام. وقال الخليليّ: هو أشهر من أن تُذكر فضائله. وقال النوويّ: أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرّزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان، والمعترف بالتقدّم فيه بلا خلاف عند أهل الْحذق والعرفان، والمرجوع إلى كتابه، والمعتمد عليه في كلّ الأزمان (١).\nوهو أحد أمراء المؤمنين في الحديث، كما ارتضى ذلك ابن الملقّن، حيث قال: ومسلم بن الحجاج جدير بأن يُلقّب بذلك، وإن لم أرهم نصّوا عليه (٢). وأما قول صاحب \"هديّة المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث\":\nوَكَادَ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّقَبِ ... يُدْعَى كَمَا لِبَعْضِهِمْ وَمَا اجْتُبِي\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٠.\n(٢) \"إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين\" (لوحة ٣/ أ- ب).","vol":"1","page":25},{"text":"فليس بِمُجْتَبَى، فمَنْ أحقّ بهذا اللقب، إذا لم يكن مسلم أحقّ به؟، إن هذا لشيء عُجَاب! ! ! .\nوبالجملة فقد حاز قصب السبق في الفضائل والفواضل، واستغنى عن ثناء الأماثل، فكان كما قال قائلهم [من البسيط]:\nعَلَا عَنِ الْمَدْحِ حَتَّى مَا يُزَانُ بِهِ ... كَأَنَّمَا الْمَدْحُ مِنْ مِقْدَارِهِ يَضَعُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الباب الثاني في الكلام على \"صحيح مسلم\"، وفيه مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسأله الأولى: في بيان حال الكتاب، وفضله</span>\nقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: هذا الكتاب ثاني كتاب صُنِّفَ في صحيح الحديث، ووُسم به، ووضع له خاصةً، سَبَقَ البخاري إلى ذلك، وصلَّى (١) مسلم، ثم لم يلحقهما لاحق، وكتاباهما أصح ما صنفه المصنفون، والبخاري وكتابه أعلى حالا في الصحيح وانتقاده أخر جمه (٢) وكان مسلم مع حِذْقه، ومشاركته له في كثير من شيوخه أحد المستفيدين منه، والمقِرِّين له بالأُستاذية. رَوَينا عن مسلم رحمهُ الله تعالى قال: صَنَّفتُ هذا \"المسند الصحيح\" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وبلغنا عن مكي بن عَبْدان، وهو أحد حفاظ نيسابور، قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديثَ، فمدارهم على هذا المسند -يعني مسنده الصحيح-. قال: وسمعت مسلما يقول: عَرَضتُ كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكلُّ ما أشار أن له عِلّةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليس له علة أخرجته. وورد عن مسلم أنه قال: ما وضعت شيئا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة. قال أبو عمرو: أخبرني الشيخ المسنِدُ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي بن المقرىء بقراءتي عليه، بِشَاذْيَاخ نيسابور، عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد الشيباني، قال: أخبرنا الحافَظ أبو بكر أحمد بن\n_________\n(١) يقال: صَلَّى الفَرَسُ: إذا تلا السابقَ. قاله في \"القاموس\". وفي \"المصباح\": والصَّلَا وزانُ العَصَا مَغْرِزُ الذَّنَب من الفَرَسِ، والتثنية صَلَوَان، ومنه قيل للفرس الذي بعد السابق في الحَلْبَةِ: المُصَلِّي؛ لأنه عند رأسَ صلَا السابق. انتهى. جـ ١ ص ٣٤٦.\n(٢) هكذا نسخة \"الصيانة\" ص ٦٧ والظاهر أنه مصحّف، والصواب: \"وأنقى رجالًا منه\". والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":27},{"text":"علي بن ثابت، قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السُّوذِرْجَاني بأصبهان، قال: سمعت محمد بن إسحاق بن منده، قال: سمعت أبا علي الحسين ابن علي النيسابوري، يقول: ما تحت أَدِيم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث. ورويناه من وجه آخر عن ابن منده الحافظ هذا، وقال فيه: سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري، وما رأيت أحفظ منه هذا، مع كثرة من لقيه ابن منده من الحفاظ. وقول أبي علي هذا، إن أراد به أن كتاب مسلم أصح من غيره على معنى أنه غير ممزوج بغير الصحيح، فإنه جَرَّد الصحيح، وسرده على التوالي بأصوله، وشواهده، على خلاف كتاب البخاري، فإنه أودع تراجم أبواب كتابه كثيرا من موقوفات الصحابة، ومقطوعات التابعين، وغير ذلك، مما ليس من جنس الصحيح، فذلك مقبول من أبي علي، وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح، وفي إتقانه، والإضطلاع بشروطه، والقضاء به، فليس ذلك كذلك، كما قدمناه، وكيف يُسَلَّم لمسلم ذلك، وهو يرى على ما ذكره من بعدُ في خطبة كتابه أن الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده: فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح، بمجرد كونهما في عصر واحد، مع إمكان تلاقيهما، وإن لم يثبت تلاقيهما، وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يَقعُد به عن الترجيح في ذلك، وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في \"صحيحه\" هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد، ما يؤمن من وهن ذلك. والله أعلم.\nوقد علّق الحافظ في \"هدي الساري\" ١/ ١٣ - ١٤ على كلام أبي عليّ المذكور، فقال:\nوأما قول أبي عليّ النيسابوري، فلم نقف فقط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري، بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محيي الدين في مختصره في علوم الحديث، وفي مقدمة شرح البخاري أيضًا، حيث يقول: اتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا، وأكثرهما فوائد. وقال أبو عليّ النيسابوري، وبعض علماء المغرب. \"صحيح مسلم\" أصح. انتهى.\nومقتضى كلام أبي عليّ نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه، أما إثباتها له فلا؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك، ويحتمل أن يريد المساواة. والله أعلم.\nقال: والذي يظهر لي من كلام أبي عليّ أنه إنما قدم \"صحيح مسلم\" لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده، من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك لأن مسلما صَنّف كتابه في بلده، بحضور أصوله، في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في","vol":"1","page":28},{"text":"الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري، من استنباط الأحكام؛ ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث، دون الموقوفات، فلم يُعَرِّج عليها، إلا في بعض المواضع على سبيل الندور، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو عليّ ما قال، مع أني رأيت بعض أئمتنا يُجَوِّز أن يكون أبو عليّ ما رأى \"صحيح البخاري\"، وعندي في ذلك بُعْدٌ، والأقرب ما ذكرته، وأبو عليّ لو صرح بما نُسب إليه لكان محجوجًا بما قدمناه، مجملا ومفصلا.\nقال: وأما بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضلية بالأصحية، بل أطلق بعضهم الأفضلية، وذلك فيما حكاه القاضي أبو الفضل عياض في \"الإلماع\" عن أبي مروان الطُّبْني -بضم الطاء المهملة، ثم إسكان الباء الموحدة، بعدها نون- قال: كان بعض شيوخي يُفَضّل \"صحيح مسلم\" على \"صحيح البخاري\". انتهى.\nقال: وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة، فقرأت في فهرسة أبي محمد القاسم بن القاسم التُّجيبيّ قال: كان أبو محمد بن حزم يفضّل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السَّرْد. انتهى.\nقال: وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطُّبْني الذي أبهمه القاضي عياض، ويجوز أن يكون غيره، ومحل تفضيلهما واحد.\nوقال أيضًا: ومن ذلك قول مسلمة بن قاسم القرطبي وهو من أقران الدارقطني، لَمّا ذَكَر في تاريخه \"صحيح مسلم\" -قال: لم يَضَع أحد مثله، فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب، وقد رأيت كثيرا من المغاربة ممن صَنّف في الأحكام بحذف الأسانيد، كعبد الحق في \"أحكامه\"، و\"جمعه\" يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون وسياقها، دون البخاري؛ لوجودها عند مسلم تامة، وتقطيع البخاري لها، فهذه جهة أخرى من التفضيل، لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح. انتهى كلام الحافظ (١).\nوقال الشيخ أبو عمرو: نعم يترجح كتاب مسلم بكونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعا واحدًا يليق به، يورده فيه بجميع ما يريد ذكره فيه من أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الناظر النظر في وجوهه، واستثمارها، بخلاف البخاري، فإنه يورد تلك الوجوه المختلفة في أبواب شتى متفرقة، بحيث يصعب على الناظر جمع شملها، واستدراك الفائدة من اختلافها. انتهى.\n_________\n(١) \"هدي الساري\" ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":29},{"text":"وقال مسلمة بن قاسم القرطبيّ: لم يضع أحد مثل \"صحيح مسلم\" في حسن الصناعة، وجودة الترتيب، لا في الصحّة. انتهى.\nولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال (١) [من الطويل]:\nتَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمِ ... لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ يُقَدَّمُ\nفَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّة ... كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ\nومن قال:\nقَالُوا لِمُسْلِمٍ فَضْلٌ ... قُلْتُ الْبُخَارِيُّ أَعْلَى\nقَالُوا الْمُكَرَّرُ فِيهِ ... قُلْتُ الْمُكَرَّرُ أَحْلَى\nوقال الحافظ السيوطيّ في \"ألفيّة الأثر\":\nوَأَوَّلُ الْجَامِعِ بِاقْتِصَارِ ... عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ الْبُخَارِي\nوَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ وَالأَوَّلُ ... عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ\nوَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا\nوقال السيد مصطفى البكريّ رحمه الله تعالى في مدح مسلم، و\"صحيحه\" [من الكامل]:\nبَدْرٌ عَلَا بِصَحِيحِهِ فَلَكَ الْعُلَا ... إِذْ فَاقَ صُنْعًا كُلَّ هَادٍ ضَيْغَمِ\nوَلِذَا حُمَاةُ الْغَرْبِ هَذَا رَجَّحُوا ... لا سِيَّمَا فَوْقَ السِّمَاكِ الأَفْخَمِ\nوَبِقِلَّةِ التَّكْرَارِ فَاقَ مُكَرَّرًا ... وَبِحُسْنِ تَرْتِيبٍ وَسَبْكٍ مُفْخَمِ\nلَكِنْ مُحَمَّدُنَا الْبُخَارِيْ شَيْخُهُ ... هُوَ عِنْدَ جُلِّ الْخَلْقِ أَعْلَى فَافْهَمِ\nرَضِيَ الإِلَهُ عَنْهُمَا مَا بَاكَرَتْ ... سُحْبُ الْغَمَامِ لِرَوْضِ أُنْسٍ أَعْظَمِ\nوَالتِّرْمِذِيُّ مَعَ النَّسَائِيِّ ابْنُ مَا ... جَهْ ضيفْ (٢) أَبَا دَاوُدَ أَهْلُ تَقَدُّمِ\nوقال العجلونيّ رحمه الله تعالى [من الكامل]:\nلَصَحِيحُ مُسْلِمٍ الإِمَامِ الأَوْحَدِ ... قَدْ فَاقَ فِي جَمْع الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ\nفَبِجَمْعِهِ طُرُقَ الْحَدِيثِ بِمَوْضِعٍ ... حَازَ الْفَخَارَ عَلى صَحِيحِ مُحَمَّدِ\n_________\n(١) نسب الشيخ مشهور حسن هذين البيتين، واللذين بعدهما إلى الحافظ عبد الرحمن بن الدَّيبع، تلميذ الحافظ السخاويّ رحمهما الله تعالى، انظر ما كتبه في كتابه \"الإمام مسلم بن الحجاج\" ٢/ ٥٦٩.\n(٢) هكذا النسخة، والكلمة ليست واضحة المعنى، ولا المبنى؛ إذ ينكسر الوزن عندها، ولا تكون \"ضف\" لأن ضاف بمعنى نزل ضيفًا، ولا يناسب هنا، ولا يمكن أضف بالألف أيضًا لانكسار الوزن، فلو قال: \"زد\" لاستقام الوزن والمعنى. فليُحرّر. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":30},{"text":"لَكِنَّ ذَاكَ أَصَحُّ فَاعْلَمْ يَا فَتَى ... عِنْدَ الْجَمِيعِ سِوَى شُذُوذٍ مُفْرَدِ\nوَهُمَا الْكِتَابَانِ اللَّذَانِ تُلُقِّيَا ... بِقَبُولِ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ الأَمْجَدِ\nوَهُمَا أَصَحُّ الْكُتْبِ بَعْدَ كِتَابِنَا ... قَدْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ لِلْمُهْتَدِي\nفَعَلَيْكَ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ تَقْرَأَهُمَا ... لِتَنَالَ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ الأَوْحَدِ\nفَسَقَى الإِلَهُ بِفَضْلِهِ قَبْرَيْهِمَا ... صَوْبَ الرِّضَا وَحَبَاهُمَا بِالسُّودَدِ\nوَكَذَا حَبَا أَهْلَ الْحَدِيثِ وَمَنْ بِهِمْ ... فِي سَائِرِ الآفَاقِ حَقًّا يَقْتَدِي\n[تنبيه]: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قرأت على الشيخة الصالحة، أم المؤيد، ابنة عبد الرحمن بن الحسن النيسابورية بها، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي وغيره، عن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ وغيره، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت عمر بن أحمد الزاهد، قال: سمعت الثقة من أصحابنا يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأن أبا علي الزَّغُوري يمشي في شارع الْحِيرة، ويبكي وبيده جزء من كتاب مسلم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نجوت بهذا، وأشار إلى ذلك الجزء.\nقال: أبو علي هذا، هو محمد بن عبد العزيز الزَّغُوري -بفتح الزاي، وضم الغين المعجمة، وبعدها واو ساكنة، ثم راء مهملة- وكانت له عناية بـ \"صحيح مسلم\"، والتخريج عليه، وشارع الْحِيرة هو بنيسابور، نفعنا الله الكريم بالدأب كما نفعه، آمين. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الثانية: في بيان شروط الإمام مسلم رحمه الله تعالى في \"صحيحه</span>\"\nقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: شرط مسلم في \"صحيحه\" أن يكون الحديث متصل الإسناد، بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، سالما من الشذوذ، ومن العلة. وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: إدخال السلامة من الشذوذ في حدّ الصحيح محلّ نظر؛ لأمور:\nأولها: أنه ليس للإمام مسلم نص بذلك، بل لم يُرْوَ عن أحد من أئمّة الحديث المتقدمين أنه اشترط لصحّة الحديث نفي الشذوذ المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجود من تصرّفاتهم تقديم بعض ذلك على بعضٍ في الأصحّية.\nثانيها: أنه إذا كان الإسناد متّصلًا، وكان رواته كلّهم عدولًا ضابطين، فقد انتفت\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":31},{"text":"عنه العلل الظاهرة، ثم إذا زاد على هذا كونه غير مُعَلٍّ، فما المانع من الحكم بصحّته؟ فمجرّد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيحٍ، وأصحّ.\nثالثها: أن عمل الشيخين في \"صحيحيهما\" على خلاف ذلك، فقد أخرجا ما وقع فيه مخالفة بعض الرواة لمن هو أرجح منه:\n(فمن ذلك): أنّهما أخرجا قصّة جمل جابر -﵁- من طرقٍ، وفيها اختلافٌ كثيرٌ في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجّح البخاريّ الطرق التي فيها الإشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجّح أيضًا كون الثمن أوقيّةً، مع تخريجه ما يُخالف ذلك.\n(ومن ذلك): أنّ مسلمًا أخرج حديث مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة -﵂- في الإضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامّة أصحاب الزهريّ، كمعمرٍ، ويونس، وعمرو بن الحارث، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، وشعيب، وغيرهم، عن الزهريّ، فذكروا الإضطجاع بعد ركعتي الفجر، قبل صلاة الصبح، ورجّح جمعٌ من الحفّاظ روايتهم على رواية مالكٍ، ومع ذلك، فلم يتأخّر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة.\nرابعها: أن اشتراط انتفائه ينافي ما تقرّر عند المحدّثين، من قبول زيادة الثقة، سواء من قبلها مطلقًا، كابن حبّان، والحاكم، وجماعة من الفقهاء، والأصوليين، وعليه جرى النوويّ في \"مصنّفاته\"، كما ذكر ذلك الحافظ في \"نكته\" ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨ - أو من قبلها بشرط عدم المنافاة لرواية الأرجح، وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور المحدّثين، كما اختاره الحافظ في \"نخبته\".\nولا يقال: يلزم على هذا أن يُسمّى الحديث صحيحًا، ولا يُعمل به؛ لأنا نقول: لا مانع من ذلك؛ إذ ليس كلّ حديث صحيح يُعمل به، بدليل المنسوخ.\nوالحاصل أن الصواب عدم إدخال انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح، وتمام البحث في هذا في شرحي الكبير على \"ألفية السيوطيّ\" في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال أبو عمرو: فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث، فقد يكون سبب اختلافهم انتفاءَ وصف من هذه الأوصاف، بينهم خلافٌ في اشتراطه، كما إذا كان بعض رواة الحديث مستورًا، أو كما إذا كان الحديث مرسلًا. وقد يكون سبب اختلافهم في صحته","vol":"1","page":32},{"text":"اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه الأوصاف، أو انتفى بعضها، وهذا هو الأغلب في ذلك، وذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في ثقته، وكونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث قد تداولته الثقات، غير أن في رجاله أبا الزبير المكي مثلًا، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري؛ لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الأوصاف المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة، مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الْفَرْوِيّ، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، ممن احتج بهم البخاري، ولم يحتج بهم مسلم.\nوقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، في كتابه \"المدخل إلى معرفة المستدرك\" عددُ من أخرج لهم البخاري في \"الجامع الصحيح\"، ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد من احتج بهم مسلم في \"المسند الصحيح\"، ولم يحتج بهم البخاري في \"الجامع الصحيح\" ستمائة وخمسة وعشرون شيخًا.\nوأما قول مسلم رحمه الله تعالى في باب صفة صلاة رسول الله -ﷺ-، من \"صحيحه\": ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا -يعني في كتابه \"الصحيح\"، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.\nفمشكل جِدًّا، فإنه قد وضع فيه أحاديث، قد اختلفوا في صحتها؛ لكونها من حديث من ذكرناه، ومن لم نذكره، ممن اختلفوا في صحة حديثه، ولم يجمعوا عليه.\nوقد أجاب عنه الشيخ أبو عمرو بجوابين:\n[أحدهما]: ما ذكره في كتاب \"معرفة علوم الحديث\"، وهو أنه أراد بهذا الكلام -والله أعلم- أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم.\n[والثاني]: أنه أراد أنه ما وَضَع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا، أو إسنادًا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، فإنه ذكر ذلك لَمّا سئل عن حديث أبي هريرة -﵁-: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل له: لم لم تضعه هاهنا؟ فأجاب بالكلام المذكور، ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه -رحمنا الله وإياه- عن هذا الشرط، أو","vol":"1","page":33},{"text":"سبب آخر، وقد استُدرِكتْ عليه، وعُلِّلت. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة الثالثة: في بيان ما وقع في \"صحيح مسلم\" مما صورته صورة المنقطع:</span>\nقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قد وقع في هذا الكتاب، وفي كتاب البخاري ما صورته صورةُ المنقطع، وليس ملتحقا بالمنقطع في إخراج ما وقع فيه ذلك من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف، ويُسَمَّى تعليقا، سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويَذكره الحميدي في \"الجمع بين الصحيحين\" وغيره من المغاربة، وكأنهم سموه تعليقًا أخذًا من تعليق العتق، والطلاق، وتعليق الجدار؛ لما يشترك فيه الجميع من قطع الإتّصال، فإن ما فيه من حذف رجل، أو رجلين، أو أكثر من أوائل الإسناد قاطع للإتصال، لا محالة، وهو في كتاب البخاري كثير جدّا، وفي كتاب مسلم قليل جدّا، وإذا كان التعليق بلفظ فيه جزم منهما، وحكم بأن من وقع بينهما وبينه الإنقطاع قد قال ذلك، أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط، مثل أن يقولا: روى الزهري، ويسوقا إسناده متصلا ثقة عن ثقة، فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما، وكذلك ما روياه عمن ذكراه بما لم يحصل به التعريف به، وأورداه أصلا مُحْتَجَّيْنِ به، وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا، ونحو ذلك.\nوذكر الحافظ أبو علي الغساني الأندلسي أن مسلما وقع الإنقطاع فيما رواه في كتابه في أربعة عشر موضعا:\nأولها في \"التيمم\" قوله في حديث أبي الجهم (٢): وروى الليث بن سعد. ثم قوله في \"كتاب الصلاة\" في \"باب الصلاة على النبي -ﷺ-\": حدثنا صاحب لنا، عن إسماعيل ابن زكرياء، عن الأعمش، وهذا في رواية أبي العلاء بن ماهان، وسَلِمَت رواية أبي أحمد الجلودي من هذا، وقال فيه عن مسلم: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا إسماعيل بن زكرياء. ثم في \"باب السكوت بين التكبير والقراءة\" قوله: وحُدِّثتُ عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب. ثم قوله في \"كتاب الجنائز\" في حديث عائشة -﵂- في خروج النبي -ﷺ- إلى البقيع ليلا: وحدثني من سمع حجاجا الأعور، واللفظ له، قال: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا ابن جريج. وقوله في \"باب الحوائج\" في حديث\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ٧٥.\n(٢) \"أبو الجهم\" هكذا ورد في \"صحيح مسلم\"، وهكذا نقله ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، وهو غلطٌ، وصوابه: ما وقع عند البخاريّ وغيره: \"أبو الجهيم\" بالتصغير، وهكذا وقع في صحيح البخاريّ. واسم أبي جهيم هذا: عبد الله بن الحارث بن الصمّة. أفاده النوويّ في \"شرحه\" ٤/ ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":34},{"text":"عائشة -﵂-: حدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس. وقوله في هذا الباب: ورَوَى الليث بن سعد، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حَدْرَد. وقوله في \"باب احتكار الطعام\" في حديث معمر بن عبد الله العدوي: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون. وقوله في صفة النبي -ﷺ-: وحُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة. وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الأرغياني، عن إبراهيم بن سعيد. قال أبو عمرو: ورَوَيناه من غير طريق أبي أحمد، عن محمد بن المسيب، ورواه غير ابن المسيب، عن إبراهيم الجوهري. وفي آخر \"الفضائل\" في حديث ابن عمر، عن رسول الله -ﷺ-: \"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد\"، روايةُ مسلم إياه موصولا عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر، كمثل حديثه. وقال مسلم في آخر \"كتاب القدر\" في حديث أبي سعيد الخدري: \"لَتَرْكَبُنّ سنن من كان قبلكم\": حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم، وهذا قد وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي مريم. قال أبو عمرو: وإنما أورده مسلم على وجه المتابعة والإستشهاد. وقوله فيما سبق في الإستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري إلى آخره. وقوله أيضًا في \"الرجم\" في المتابعة لِمَا رواه موصولا من حديث أبي هريرة، في الذي اعترف على نفسه بالزنا: ورواه الليث أيضًا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد. وقوله في \"كتاب الإمارة\" في المتابعة لِمَا رواه متصلا من حديث عوف بن مالك. \"خيار أئمتكم الذين تحبونهم\": ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد.\nقال أبو عمرو: وذكر أبو علي فيما عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث ابن عمر: \"أرأيتكم ليلتكم هذه\" المذكور في \"الفضائل\"، وقد ذكره مرة، فيسقط هذا من العدد، والحديث الثاني؛ لكون الجلودي رواه عن مسلمِ موصولا، وروايته هي المعتمدة المشهورة، فهي إذن اثنا عشر، لا أربعة عشر، وأخَذَ هذا عن أبي علي أبو عبد الله المازري، صاحب \"المعلم\"، وأطلق أن في الكتاب أحاديث مقطوعة، في أربعة عشر موضعا. وهذا يوهم خللا في ذلك، وليس ذلك كذلك، وليس شيء من هذا -والحمد لله- مخرجًا لما وُجد فيه من حيِّز الصحيح، بل هي موصولة من جهات صحيحة، لا سيما ما","vol":"1","page":35},{"text":"كان منها مذكورا على وجه المتابعة، ففي نفس الكتاب وصلها، فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث، كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء؛ اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات، على ما سنرويه عنه فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأذكر في آخر المسائل فيما يتعلّق بهذه الأحاديث المنقطعة ما كتبه العلامة رشيد الدين العطّار المتوفّى سنة (٦٦٢) رحمه الله تعالى في رسالته \"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة\"، إن شاء الله تعالى.\nقال أبو عمرو: وهكذا الأمر في تعليقات البخاري، بألفاظ مثبتة، جازمة، على الصفة التي ذكرناها، كمثل ما قال فيه: قال فلان، أو رَوَى فلان، أو ذكر فلان، أو نحو ذلك، ولم يُصِب أبو محمد بن حزم الظاهري، حيث جعل مثل ذلك انقطاعا، قادحا في الصحة، مُستروحا إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد، في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث، مجيبا به عن حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله -ﷺ-: \"ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير، والخمر، والمعازف ... \" إلى آخر الحديث، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري، فهو غير صحيح؛ لأن البخاري قال فيه: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام. وهذا خطأ من وجوه: [أحدها]: أنه لا انقطاع في هذا أصلًا، من جهة أن البخاري لقي هشاما، وسمع منه، وقد قررنا في كتاب \"معرفة علوم الحديث\" أنه إذا تحقق اللقاء والسماع، مع السلامة من التدليس، حُمِل ما يرويه عنه على السماع، بأي لفظ كان، كما يُحْمَل قول الصحابي: قال رسول الله -ﷺ- على سماعه منه، إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير \"قال\" من الألفاظ. [الثاني]: إن هذا الحديث بعينه معروف الإتصال بصريح لفظه، من غير جهة البخاري. [الثالث]: أنه وإن كان ذلك انقطاعا، فمثل ذلك في الكتابين غير ملتحق بالإنقطاع القادح؛ لما عُرِف من عادتهما، وشرطهما، وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور، من غير ثَبَث وثبوت، بخلاف الإنقطاع، والإرسال الصادرين من غيرهما، هذا كله في المعلّق بلفظ الجزم. وأما إذا لم يكن ذلك من الشيخين بلفظ جازم، مثبت له على ما ذكراه عنه، على الصفة التي قدمتُ ذكرها، مثل أن يقولا: ورُوي عن فلان، أو ذُكر عن فلان، أو في الباب عن فلان، ونحو ذلك، فليس ذلك في حكم التعليق، الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإيرادهما له.\nوأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذُكِر عن عائشة -﵂- أنها قالت: \"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن ننزل الناس منازلهم\"، فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك","vol":"1","page":36},{"text":"عن عائشة، غير مقتض كونه مما حَكَم بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد، يقتضي كونه مما حَكَم بصحته، ومع ذلك قد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" بصحته، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" بإسناده منفردا به، وذَكَر أن الراوي له عن عائشة، ميمون بن أبي شبيب لم يدركها، وفيما قاله أبو داود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة -﵂-، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي، كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون هذا أنه قال: لم ألق عائشة، أو نحو هذا، لاستقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح (١).\nوقال النوويّ بعدما ذكر كلام ابن الصلاح هذا: وحديث عائشة هذا قد رواه البزّار في \"مسنده\"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ -ﷺ- إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي البحث فيه مستوفىً عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في أن ما حكم الشيخان بصحّته، هل يفيد العلم، أو الظنّ</span>؟\nقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يُعْتَدُّ بخلافه ووفاقه في الإجماع، والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول، يوجب العلم النظري بصدقه، خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك، بناء على أنه لا يفيد في حق كل واحد منهم إلا الظن، وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطىء، وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطإ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، وقد أخبرونا في إذنهم عن الحافظ الفقيه، أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني ﵀، قال: سمعت القاضي أبا حكيم الجيلي يقول: سمعت أبا المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني بنيسابور يقول: لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم، مما حكما\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٨٤.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٩.","vol":"1","page":37},{"text":"بصحته، من قول النبي -ﷺ-، لما ألزمته الطلاق، ولا حَنَّثْتُهُ؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما.\nقال أبو عمرو: ولقائل أن يقول في قوله: ولا حنثته؛ للإجماع على صحتهما: إنه لا يحنث ولو لم يُجْمَع على صحتهما؛ لأجل الشك فيه، حتى لو حلف بذلك في حديث ليس بهذه الصفة، فإنه لا يحنث؛ لذلك، وإن كان راويه فاسقا، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع.\nفأقول: المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا، والثابت عند الشك، وعدمِ الإجماع هو الحكم ظاهرا بعدم الحنث، مع احتمال وجوده في الباطن، فعلى هذا ينبغي أن يُحمَل كلام إمام الحرمين، فإنه اللائق بتحقيقه. والله أعلم.\nإذا عرفت هذا فما أُخذ على البخاري ومسلم من ذلك وقَدَح فيه مُعْتَمَدٌ من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة. انتهى كلام أبي عمرو (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي بيان الخلاف في عدد تلك الأحاديث، والجواب عنها قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.\nوقال أبو عمرو أيضًا في \"جزء له\": ما اتّفق عليه البخاريّ ومسلم على إخراجه، فهو مقطوع بصدق مخبِره، ثابتٌ يقينًا؛ لتلقّي الأمة ذلك بالقبول، وذلك يُفيد العلم النظريّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروريّ، وتلقّي الأمة بالقبول يُفيد العلم النظريّ، وقد اتّفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته، فهو حقّ وصدق.\nوقال في \"علوم الحديث\": وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون، وأحسبه مذهبا قويا، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك، وأن الصواب أنه يفيد العلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمه الله تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب النوويّ كلام ابن الصلاح المذكور، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث \"الصحيحين\" التي ليست بمتواترة، إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٨٦.","vol":"1","page":38},{"text":"التي في غيرهما يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا \"الصحيحان\"، وإنما يفترق \"الصحيحان\" وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا، لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى يُنظَر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي -ﷺ-. وقد اشتد إنكار ابن بَرْهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغليطه، وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، وقال: إن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحّته، قال: وهو مذهب رديء (١).\nقال: وأما ما قاله الشيخ ﵀ في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث، فهو بناء على ما اختاره الشيخ، وأما على مذهب الأكثرين، فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا، ولا يستحب له التزام الحنث، حتى تُستحبَّ له الرجعة، كما لو حلف بمثل ذلك في غير \"الصحيحين\"، فإنا لا نُحَنِّثه، لكن نَستَحِبّ له الرجعة احتياطا؛ لاحتمال الحنث، وهو احتمالٌ ظاهر، وأما \"الصحيحان\" فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف، فلا تستحب له المراجعة؛ لضعف احتمال موجبها. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب النوويّ ما قاله أبو عمرو بن الصلاح، ودعواه أن المحققين على خلافه، فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأكثرين المحقّقين الذين أعطوا المسألة حقّها من البحث مع ابن الصلاح، بل كلّ حديث توفّرت فيه شروط الصحّة، وانتفت عنه العلل له هذا الحكم، فهو يفيد العلم، لا الظنّ، وهذا هو الحقّ الأبلج، والطريق الأبهج، كما سنحقّقه، إن شاء الله تعالى.\nقال في \"التدريب\": قال البلقيني ما قاله النووي، وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين، مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في \"صفة التصوف\"، فألحق به ما كان على شرطهما، وإن لم يخرجاه. وقال\n_________\n(١) انظر \"التدريب\" ١/ ١٣٢.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":39},{"text":"الحافظ: ما ذكره النووي في \"شرح مسلم\" من جهة الأكثرين (١)، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضًا محققون. وقال في \"شرح النخبة\": الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في \"صحيحيهما\"، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احْتَفّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم، من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بَين مدلوليه، حيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. قال: ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهم أصح الصحيح. قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلم الأستاذ أبو منصور البغدادي. قال: ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ، حيث لا يكون غريبا، كحديثٍ يرويه أحمد مثلا، ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالإستدلال، من جهة جلالة رواته.\nقال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكونُ غيره لا يحصل له العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور.\nوقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوّل عليه، وأرشد إليه، قال السيوطيّ: وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بإفادة خبر الواحد المستجمع لشروط الصحّة ولا سيما إذا احتفّ بالقرائن العلمَ، لا الظنَّ هو الحقّ، كما اختاره ابن الصلاح، وابن كثير، والسيوطيّ بالنسبة لما في \"الصحيحين\"، وكما اختاره المحقّقون الآخرون بالنسبة إلى أحاديث غيرهما، ومنهم أبو المظفّر السمعانيّ، والإمام ابن تيمية،\n_________\n(١) عندي في قوله: الأكثرين نظر، إذ الأكثرون مع ابن الصلاح، كما سمعته في التقرير المذكور آنفًا. فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n(٢) راجع \"التدريب\" ١/ ١٣٢ - ١٣٤.","vol":"1","page":40},{"text":"وتلميذه ابن القيّم، وأحمد محمد شاكر من المتأخرين (١)، بل نقله وحقّقه إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتابه \"الإنتصار\" عن عامة أهل الحديث، والمحقّقين، وقد أطال النفس ابن القيّم في كتابه \"الصواعق المرسلة\" في تأييد هذا المذهب، وذكر له نحو أَحَدٍ وعشرين دليلًا، وسيأتي نقل ذلك في أواخر هذا الشرح، عند قول المصنّف ﵀: \"أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل\" -إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المسألة الخامسة: في الأحاديث المنتقدة على الشيخين:</span>\nاعلم: أن الشيخ ابن الصلاح استثنى من المقطوع بصحته في \"الصحيحين\" ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرف يسيرة تَكَلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وقد اختُلف في عددها، فقال النوويّ في \"شرح مسلم\" ١/ ٢٧: إنها مائتا حديث، وذكر الحافظ السِّلَفيّ أنها مائتان وسبعة أحاديث، وذكر البقاعيّ عن الحافظ ابن حجر أنها مائتان، وعشرة أحاديث، اشتركا في (٣٢) واختصّ البخاريّ بـ (٧٨) ومسلم بـ (١٠٠).\nوذكر الشيخ ربيع بن هادي في رسالته \"بين الإمامين مسلم والدارقطني\" ص ٢٨ أن ما في مسلم (٩٥) حديثًا، والباقي إما منسوب إليه غلطًا، وهما حديثان، وإما جاء مكرّرًا، وهو خمسة أحاديث. راجع ما كتبه في الرسالة المذكورة ص ٢٨ - ٢٩.\nقال النوويّ في \"شرح البخاري\": ما ضُعِّف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة. قال الحافظ: فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف، وكلامه في شرح مسلم يقتضي تقرير قول من ضَعَّفَ، فكأن هذا بالنسبة إلى مقامهما، وأنه يدفع عن البخاري، ويقرر على مسلم، قال العراقي: وقد أفردت كتابا لما تكلم فيه في \"الصحيحين\"، أو أحدهما مع الجواب عنه، قال الحافظ: ولم يُبَيَّض هذا الكتابُ وعُدِمت مُسَوَّدته، وقد سرد الحافظ ما في البخاري من الأحاديث المتكلم فيها في \"مقدمة شرحه\"، وأجاب عنها حديثا حديثا. قال الحافظ السيوطيّ: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أُبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه\n_________\n(١) انظر ما كتبه على \"الفية السيوطي\" في الحديث ص ٤ - ٥.","vol":"1","page":41},{"text":"وجادة، وهي في حكم الإنقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه، والجواب عنها حديثا حديثا.\nقال الجامع: سيأتي نقل ما كتبه الرشيد العطار نصّا، إن شاء الله تعالى.\nونلخّص هنا ما ذُكر من الجواب الشامل الذي لا يختص بحديث دون حديث:\nقال الحافظ رحمه الله تعالى في \"هدي الساري مقدمة فتح الباري\": الجواب من حيث الإجمال عما انتُقِد عليهما أنه لا ريب في تقدم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده، من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والعلل، فإنهم لا يختلفون أن ابن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول: ما رأى مثل نفسه. وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد ذلك منه الشيخان جميعا. وقال مسلم: عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي، فما أشار أن له علة تركته.\nفإذا عُرِف ذلك، وتقرّر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون قوله معارِضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الإعتراض من حيث الجملة.\nوأما من حيث التفصيل، فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما ستة أقسام:\nالأول: ما يختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب \"الصحيح\" الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع ضعيف، والضعيف لا يُعِلُّ الصحيح.\nومن أمثلة ذلك: ما أخرجاه من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرين، قال الدارقطني في انتقاده: قد خالف منصور، فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس، قال: وحديث الأعمش أصح.\nقال الحافظ: وهذا في التحقيق ليس بعلة، فإن مجاهدا لم يوصف بالتدليس، وقد صح سماعه من ابن عباس، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش، والأعمش أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متصلًا، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا.","vol":"1","page":42},{"text":"وإن أخرج صاحب \"الصحيح\" الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالمزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس، قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا، أو صرح بالسماع، إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك، اندفع الإعتراض بذلك، وإن لم يوجد، وكان الإنقطاع فيه ظاهرا، فمحصل الجواب عن صاحب \"الصحيح\" أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ، وعاضد، أو ما حَفَّته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع.\nمثاله: ما رواه البخاري من حديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، أن النبي -ﷺ- قال لها: \"إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون ... \" الحديث. قال الدارقطني. هذا منقطع، وقد وصله حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، ووصله مالك في \"الموطإ\" عن أبي الأسود، عن عروة كذلك. قال الحافظ: حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان، وقد وقع في رواية الأصيلي: عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولا، وعليها اعتمد المزي في \"الأطراف\"، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب، قال أبو علي الجياني: وهو صحيح، وكذا أخرجه الإسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان، ومحاضر، وحسان بن إبراهيم، كلهم عن هشام، وهو المحفوظ من حديثه، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها، حاكيا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أن سماع عروة، من أم سلمة ليس بالمستبعد.\nقال: وربما عَلَّل بعض النقاد أحاديث ادَّعَى فيها الإنقطاع؛ لكونها مروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الإنقطاع، عند من يسوغ ذلك، بل في تخريج صاحب \"الصحيح\" لمثل ذلك دليل على صحته عنده.\nالقسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.\nوالجواب عنه: أنه إن أمكن الجمع، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين، في الحفظ والعدد، أو متفاوتين، فيخرج الطريقة الراجحة، ويُعرض عن المرجوحة، أو يشير إليها، فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الإختلاف غير قادح، إذ لا يلزم من مجرد الإختلاف اضطرابٌ يوجب الضعف.","vol":"1","page":43},{"text":"الثالث: ما تفرد فيه بعض الرواة بزيادة، لم يذكرها أكثر منه، أو أضبط، وهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية، بحيث يتعذر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقل، إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض رواته، فهو مؤثر.\nالرابع: ما تفرد به بعض الرواة، ممن ضُعّف، وليس في \"الصحيح\" من هذا القبيل، غير حديثين، تبين أن كلا منهما قد توبع:\n[أحدهما]: حديث إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: \"أن عمر استعمل مولى له يُدْعَى هُنيّا على الحمى ... \" الحديث بطوله. قال الدارقطني: إسماعيل ضعيف. قال الحافظ: ولم ينفرد به، بل تابعه معن بن عيسى عن مالك، ثم إن إسماعيل ضعفه النسائي وغيره، وقال أحمد وابن معين في رواية: لا بأس به. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وإن كان مغفلا. وقد صح أنه أخرج للبخاري أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وأخرج له مسلم أقل مما أخرج له البخاري.\n[ثانيهما]: حديث أُبَيّ بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: \"كان للنبي -ﷺ- فرس، يقال له: اللَّحِيف\" (١). قال الدارقطني: أُبَيّ ضعيف. قال الحافظ: تابعه عليه أخوه عبد المهيمن.\nالقسم الخامس: ما حُكِم فيه على بعض الرواة بالوهم، فمنه ما لا يؤثر قدحا، ومنه ما يؤثّر.\nالسادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع، أو الترجيح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢). وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة السادسة: في ذكر ما امتاز به صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى</span>\nقال النوويّ رحمه الله تعالى: سلك مسلم رحمه الله تعالى في \"صحيحه\" طرقا بالغة في الإحتياط، والإتقان، والورع، والمعرفة، وذلك مُصَرِّح بكمال ورعه، وتمام معرفته، وغزارة علومه، وشدة تحقيقه بحفظه، وتقعدده في هذا الشأن، وتمكنه من أنواع\n_________\n(١) \"اللحيف\" بفتح اللام، وكسر الحاء، فَعيل بمعنى فاعل، كأنه يلحف الأرض بذنبه لطوله: أي يغطّيها. ويقال: بالخاء المعجمة، كما حكاه البخاريّ. ويقال: اللُّحيف بضم اللام، وفتح الحاء مصغّرًا. وروي بالنون بدل اللام من النحافة. روى ابن سعد: أنه أهداه له ربيعة بن نزار، فأثابه عليه من نعم بني كلاب.\n(٢) راجع \"تدريب الراوي\" ١/ ١٣٥ - ١٣٨.","vol":"1","page":44},{"text":"معارفه، وتبريزه في صناعته، وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه، لا يهتدي إليها إلا أفراد في الأعصار، فرحمه الله ورضي عنه، وأنا أذكر أحرفا من أمثلة ذلك، تنبيها بها على ما سواها، إذ لا يَعْرِف حقيقةَ حاله إلا من أحسن النظر في كتابه، مع كمال أهليته، ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة، كالفقه، والأصولين، والعربية، وأسماء الرجال، ودقائق علم الأسانيد، والتاريخ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة، ومباحثتهم، ومع حسن الفكر، ونباهة الذهن، ومداومة الإشتغال به، وغير ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها.\nفمن تحري مسلم رحمه الله تعالى اعتناؤه بالتمييز بين \"حدثنا\"، و\"أخبرنا\"، وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته، وكان من مذهبه رحمه الله تعالى الفرق بينهما، وأن \"حدثنا\" لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و\"أخبرنا\" لما قرىء على الشيخ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه، وجمهور أهل العلم بالمشرق، قال محمد بن الحسن الجوهري المصري: وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث، الذين لا يحصيهم أحد، ورُوي هذا المذهب أيضًا عن ابن جريج، والأوزاعي، وابن وهب، والنسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.\nوذهب جماعات إلى أنه يجوز أن تقول فيما قرىء على الشيخ: حدثنا، وأخبرنا، وهو مذهب الزهريّ، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وآخرين من المتقدمين، وهو مذهب البخاريّ، وجماعة من المحدثين، وهو مذهب معظم الحجازيين، والكوفيين.\nوذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق \"حدثنا\" ولا \"أخبرنا\" فى القراءة، وهو مذهب ابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، والمشهور عن النسائي. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه مهم] يتعلّق بهذه القاعدة:\nقال أبو عبد الله الحاكم: الذي أختاره أنا في الرواية، وعَهِدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري، أن يقول الراوي فيما سمعه وحده، من لفظ الشيخ: حدثني بالإفراد، وفيما سمعه منه مع غيره: حدثنا بالجمع، وما قرأ عليه بنفسه: أخبرني، وما قُرئ على المحدث بحضرته: أخبرنا. ورُوي نحوُه عن عبد الله بن وهب، صاحب مالك، رَوَى الترمذي عنه في \"العلل\"، قال: ما قلتُ: \"حدثنا\" فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت \"حدثني\" هو ما سمعت وحدي، وما قلت: \"أخبرنا\" فهو ما قرئ على","vol":"1","page":45},{"text":"العالم، وأنا شاهد، وما قلت: \"أخبرني\" فهو ما قَرأت على العالم. ورواه البيهقي في \"المدخل\" عن سعيد بن أبي مريم، وقال: عليه أدركت مشايخنا، وهو قول الشافعي، وأحمد. قال ابن الصلاح: وهو حسن رائق. قال العراقي: وفي كلامهما أن القارئ يقول: أخبرني، سواء سمعه معه غيره أم لا. وقال ابن دقيق العيد في \"الإقتراح\": إن كان معه غيره قال: أخبرنا، فَسَوَّى بين مسألتي التحديث والإخبار. قال السيوطيّ: الأول أولى؛ ليتميز ما قرأه بنفسه، وما سمعه بقراءة غيره.\nفإن شك الراوي هل كان وحده حالة التحمل، فالأظهر أن يقول: حدثني، أو يقول: أخبرني، لا حدثنا، وأخبرنا؛ لأن الأصل عدم غيره.\nوكل هذا مستحب باتفاق العلماء، لا واجب، ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا، أو عكسه في الكتب المؤلفة، وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف، لا في نفس ذلك التصنيف بأن يغير، ولا فيما يُنقل منه إلى الأجزاء والتخاريج، وما سمعتَه من لفظ المحدث فإبداله على الخلاف في الرواية بالمعنى، فإن جوزناها جاز الإبدال، إن كان قائله يرى التسوية بينهما، ويُجَوِّز إطلاق كليهما بمعنى، وإلا فلا يَجُوز إبدال ما وقع منه، ومنع الإمام أحمد بن حنبل الإبدال جزما (١).\nوإلى ما تقدّم أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"ألفيّة الأثر\"، حيث قال:\nوَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ \"حَدَّثَنِي\" ... وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ \"أَخْبَرَنِي\"\nوَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً \"حَدَّثَنَا\" ... وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا \"أَخْبَرَنَا\"\nوَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ ... أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدْ\nوَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلَا ... مِنْ لَفْظ شَيْخٍ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلَا\n\"أَخْبَرَ\" بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ بَلَى ... يَجُوزُ إِن سَوَّى وَقِيلَ حُظِلَا\nقال النوويّ رحمه الله تعالى: ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة، كقوله: حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، قال: أو قالا: حدثنا فلان، وكما إذا كان بينهما اختلاف فى حرف من متن الحديث، أو صفة الراوي، أو نسبه، أو نحو ذلك، فإنه يبينه، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان في بعضه اختلاف فى المعنى، ولكن كان خفيا، لا يَتَفَطَّن له إلا ماهر في العلوم التي ذكرتها فى أول الفصل، مع اطلاع على دقائق الفقه، ومذاهب الفقهاء.\n_________\n(١) راجع \"التدريب\" ٢/ ٢٠ - ٢٢.","vol":"1","page":46},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه النوويّ هنا قد أوضحه في \"التدريب\"، ودونك عبارته.\nقال: إذا كان الحديث عنده عن اثنين، أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو هذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، ولمسلم رحمه الله تعالى في \"صحيحه\" عبارة حسنة، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشجّ، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره حيث أعاده ثانيًا أن اللفظ لأبي بكر، قال العراقي: ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن الأشج لم يصرح. فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه، بل أتى ببعض لفظ هذا، وبعض لفظ الآخر، فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، أو والمعنى واحد، قالا: حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، دون ما إذا لم يجوزها. قال ابن الصلاح. وقول أبي داود. حدثنا مسدد، وأبو توبة المعنى، قالا: حدثنا أبو الأحوص، يحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه عنهما بالمعنى، قال: وهذا الإحتمال يقرب في قول مسلم: المعنى واحد. فإن لم يقل: \"وتقاربا في اللفظ\"، فلا بأس به، على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به البخاري وغيره.\nوإذا سمع من جماعة كتابا مصنفا، فقابل نسخته بأصل بعضهم دون الباقي، ثم رواه عنهم كلهم، وقال: اللفظ لفلان المقابَلِ بأصله، فيحتمل جوازه كالأول؛ لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن يذكر أنه بلفظه، ويحتمل منعه؛ لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين، حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق، فإنه اطلع فيه على موافقة المعنى، قاله ابن الصلاح، وحكاه أيضًا العراقي، ولم يرجح شيئا من الإحتمالين. وقال البدر بن جماعة في \"المنهل الرَّوِيّ\": يحتمل تفصيلا آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز، وإن كان تفاوتها في ألفاظ، أو لغات، أو اختلاف ضبط جاز. انتهى (١).\nوإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"ألفيّة الأثر\" حيث قال:\nوَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أشْيَاخٍ وَقَدْ ... تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ\n_________\n(١) راجع \"تدريب الراوي\" ٢/ ١١١ - ١١٢.","vol":"1","page":47},{"text":"مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ ... يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ\nأَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ ... وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا\nوَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ ... مَعْ قَالَ أَوْ قَالَا فَذَاكَ أَحْسَنُ\nقال النوويّ رحمه الله تعالى: ومن ذلك تحريه فى رواية صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة، كقوله: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله -ﷺ-، فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله -ﷺ-: \"إذا توضأ أحدكم، فليستنشق ... \" الحديث. وذلك لأن الصحائف، والأجزاء، والكتب المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإسناد فى أولها، ولم يُجَدِّد عند كل حديث منها، وأراد إنسان ممن سمع كذلك، أن يُفرد حديثًا منها غير الأول بالإسناد المذكور فى أولها، فهل يجوز له ذلك، قال وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيليِّ الشافعي الإمام في الحديث، والفقه، والأصول: يجوز ذلك، وهذا مذهب الأكثرين من العلماء؛ لأن الجميع معطوف على الأول، فالإسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ الفقيه الشافعي، الإمام في علم الأصولين، والفقه، وغير ذلك: لا يجوز ذلك، فعلى هذا من سمع هكذا، فطريقه أن يُبَيِّن ذلك، كما فعله مسلم، فمسلم رحمه الله تعالى سلك هذا الطريق ورعًا، واحتياطًا، وتحريا، وإتقانًا، رحمه الله تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ في هذه المسألة بإيضاح: أن النسخ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبه، عن أبي هريرة، روايةِ عبد الرزاق، عن معمر، عنه، من المحدثين من يُجَدّد الإسناد، فيذكره أول كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم، ومنهم من يكتفي به في أول حديث منها، أو أول كل مجلس من سماعها، ويُدْرِج الباقي عليه، قائلا -في كل حديث بعد الحديث الأول-: \"وبالإسناد\"، أو \"وبه\"، وهو الأغلب الأكثر، فمن سمع هكذا، فأراد رواية غير الأول مفردا عنه بإسناد، جاز له ذلك عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن معين، والإسماعيلي؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب، بإسناده المذكور في أوله، ومنعه بعض أهل الحديث، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، رأوا ذلك تدليسًا، فعلى هذا طريقه أن يبين، ويَحْكِي ذلك، وهو على الأول أحسن، كقول مسلم في الرواية من نسخة همام: حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبد","vol":"1","page":48},{"text":"الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول -ﷺ- (١): \"إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة ... \" الحديث، واطرد لمسلم ذلك، وكذا فعله كثير من المؤلفين، وأما البخاري، فإنه لم يسلك قاعدة مطردة، فتارة يذكر أول حديث في النسخة، ويعطف عليه الحديث الذي يُساق الإسناد لأجله، كقوله في \"الطهارة\": حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: \"نحن الآخرون السابقون\"، وقال -ﷺ-: \"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ... \" الحديث، فأشكل على قوم ذكره: \"نحن الآخرون السابقون\" في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه. وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كِلا الأمرين جائز.\nوأما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب، أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يمنع إفراد كل حديث بذلك الإسناد عند روايتها؛ لكونه لا يقع متصلا بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، ويتضمن إجازة بالغة، من أعلى أنواعها، ويفيد سماعه لمن لا يسمعه أَوّلًا (٢).\nوإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"نظم الدُّرَر\"، حيث قال:\nوَنُسَخٌ إِسْنَادُهَا قَدِ اتَّحَدْ ... نَدْبًا أَعِدْ فِي كُلِّ مَتْنٍ فِي الأَسَدْ\nلَا وَاجِبًا وَالْبَدْءُ فِي أَغْلَبِهِ ... بِهِ وَبَاقٍ أَدْرَجُوا معْ \"وَبِهِ\"\nوَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ ... مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ\nوَالْمَيْزُ أَوْلَى وَالَّذِي يُعِيدُ ... فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفِيدُ\nقال (٣): ومن ذلك تحريه في مثل قوله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعنى ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد- فلم يستجز رحمه الله تعالى أن يقول: سليمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبًا، فلو قاله منسوبًا لكان مخبرا عن شيخه أنه أخبره بنسبه، ولم يخبره.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذه المسألة بإيضاح، أنه ليس للراوي أن\n_________\n(١) وإعراب هذا الكلام أن نقول: قوله: \"هذا ما حدثنا أبو هريرة\" جملة من مبتدأ وخبر، وقوله: \"وذكر أحاديث\" جملة فعليّة معطوفة على الجملة الإسمية قبلها، وفاعل \"ذكر\" ضمير همام بن منبّه، وقوله: \"منها: وقال رسول الله -ﷺ-\" \"منها\" جار ومجرور خبر مقدّم، و\"قال رسول الله -ﷺ-\" مبتدأ مؤخّرٌ؛ لقصد لفظه. فتنبّه لهذا، فقد رأيت من يرتبك في هذا الإعراب. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.\n(٢) راجع \"التدريب\" ٢/ ١١٦ - ١١٧.\n(٣) القائل هو النوويّ.","vol":"1","page":49},{"text":"يزيد في نسب غير شيخه من رجال الإسناد، ولا صفته على ما سمعه من شيخه؛ لئلا يكون كاذبا على شيخه، فإن أراد تعريفه، وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه لمشابهة غيره، فطريقه أن يقول: قال: حدثني فلان، يعني ابن فلان، أو الفلانيّ، أو هو ابن فلان، أو الفلانيّ، أو نحو ذلك، فهذا جائز حسن، قد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاريّ ومسلم منه في \"الصحيحين\" غاية الإكثار، حتى إن كثيرا من أسانيدهم يقع في الإسناد الواحد منها موضعان، أو أكثر من هذا الضرب، كقوله في أول كتاب البخاريّ في \"باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\": قال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابن أبي هند- عن عامر، قال: سمعت عبد الله -هو ابن عمرو-. وكقوله فى كتاب مسلم في \"باب منع النساء من الخروج إلى المساجد\": حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد-، ونظائره كثيرة، وإنما يقصدون بهذا الإيضاح كما ذكرنا أَوّلًا، فإنه لو قال: حدثنا داود، أو عبد الله، لم يعرف مَن هو؟؛ لكثرة المشاركين فى هذا الإسم، ولا يَعْرِف ذلك فى بعض المواطن إلا الخواص، والعارفون بهذه الصنعة، وبمراتب الرجال، فأوضحوه لغيرهم، وخففوا عنهم مؤونة النظر والتفتيش. ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\" (١).\nوهذا كلّه فيما إذا لم يذكره الشيخ بنسبه أو نحوه في أول حديث الكتاب، أما إذا ذكره بتمامه في أول حديثه، ثم اقتصر في باقي الأحاديث، على اسمه، أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الحديث الأول، مستوفيا نسب شيخ شيخه. وعن بعضهم أن الأولى فيه أيضًا أن يقول: يعني ابن فلان. وعن علي بن المديني وغيره، كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ، أنه يقول: حدثني شيخي أن فلان ابن فلان حدثه. وعن بعضهم أنه يقول: أنا فلان، هو ابن فلان، واستحب هذا الأخير الخطيب؛ لأن لفظة \"أن\" استعملهما قوم في الإجازة. قال ابن الصلاح: وكله جائز، وأولاه أن يقول: هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان، ثم قوله: أن فلان ابن فلان، ثم أن يذكره بكماله، من غير فصل. ذكره في \"التدريب\" (٢).\nوهذا الفصل -كما قال النوويّ- نفيس يعظم الإنتفاع به، فإن من لا يعاني هذا الفن، قد يتوهم أن قوله: \"يعني\"، وقوله: \"هو\"، ونحو ذلك زيادة لا حاجة إليها، وأن الأَوْلى حذفها، وهذا جهل قبيح. (٣).\nوإلى ما تقدّم أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"ألفيته\"، حيث قال:\n_________\n(١) راجع \"شرح النووي\" ١/ ٣٨ - ٣٩.\n(٢) راجع \"التدريب\" ٢/ ١١٣ - ١١٤.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٣٨ - ٣٩.","vol":"1","page":50},{"text":"وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ ... فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ\nبنَحْوِ \"يَعْنِي\" أَوْ بِـ \"أَنَّ\" أَوْ بِـ \"هُو\" ... أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ\nأَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ ... وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ\nقال النووي: ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق، وتحويل الأسانيد، مع إيجاز العبارة، وكمال حسنها. ومن ذلك حسن ترتيبه، وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه، وكمال معرفته. بمواقع الخطاب، ودقائق العلم، وأصول القواعد، وخفيات علم الأسانيد، ومراتب الرواة، وغير ذلك. انتهى كلام النووي ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة السابعة: في تراجم الكتاب</span>\nاعلم: أنه ليس في \"صحيح مسلم\" بعد المقدّمة إلا الحديث السرد، وما يوجد في نسخه من الأبواب مترجمة، فليس من صنع المؤلّف، وإنما صنعه جماعة بعده من نُسّاخه، أو شُرّاحه، وأهمّهم الإمام النوويّ، وكانوا يضعونها على حاشيته. قاله الشيخ أحيد شاكر رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nهذا كله بالنسبة للأبواب التفصيليّة، وأما أسماء الكتب فإنها من وضع المصنّف، ولذا نجد لها ذكرًا في كتب الأقدمين، كما صرّح بذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ ابن منجويه الأصفهانيّ المتوفّى سنة (٤٢٨) في كتابه \"رجال صحيح مسلم\" بأسماء الكتب التي في \"الصحيح\"، وتبعه على ذلك ابن القيسرانيّ المتوفّى سنة (٥٠٧) في \"الجمع بين رجال الصحيحين\". والله تعالى أعلم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أساء في هذا الصنيع بعض من نسخ الكتاب، ومنهم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، حيث أدخل التراجم في صلب الكتاب، فأوهم القارىء أنه من صنيع المصنّف، فبئسما صنع، فليُتنبّه لهذا الخطأ. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.\nوكان الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى يرى أن يُترك الكتاب بلا تبويب، حيث قال: وكان الصواب ترك ذلك، ولهذا نجد النسخ القديمة ليس فيها أبواب البتّة، كنسخة بخطّ أبي إسحاق الصريفينيّ كذلك لا أبواب فيها أصلًا. انتهى (٢).\nوقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى ما نصُّهُ: ثم إن مسلما -﵀ وإيانا- رتب كتابه على الأبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر فيه تراجم الأبواب؛ لئلا يزداد\n_________\n(١) انظر مقدمة \"مفتاح كنوز السنة\" ١/ أ.\n(٢) انظر ما كتبه الشيخ مشهور في كتابه ١/ ٣٨٥.","vol":"1","page":51},{"text":"بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك. انتهى (١).\nقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا إن شاء الله تعالى أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثم إن النوويّ مع أنه ادّعى أنه يعبّر بعبارات تليق بها إلا أنه لم يسلم من الانتقاد، فقد وُجد في صنيعه ما هو غير لائق، كما حرّره بعض الأفاضل (٢)، فقد فصل القدر عن الإيمان، وفصل المنافقين عن الإيمان، وجعل أحاديث الآداب في عدد من الكتب، فعنده كتاب الأدب، ثم كتاب السلام، وهو من الآداب، ثم كتاب البرّ والصلة، والآداب.\n[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى: واعلم أن مسلمًا رحمهُ اللهُ تعالى ذكر في \"صحيحه\" كتاب الأدب، ثم الرؤيا، ثم المناقب، ثم البر والصلة، وإن الحافظ المزّيّ يعزو جميع ما في البرّ للأدب، مع أنهما منفصلان، بينهما الرؤيا، والمناقب، وكأن المزّيّ يرى أن مسلمًا كرّر الأدب في موضعين، وكان ينبغي له أن يقول: في الأدب الأول، والأدب الثاني؛ ليميّز بينهما. انتهى (٣).\nومما يُنتقد على النوويّ أنه ترجم لحديث وائل بن حجر -﵁- بقوله: \"باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره، فوق سرته، ووضعها في السجود على الأرض حذو منكبيه\". ولا يوجد في الحديث الذي ساقه في \"الصحيح\" ما يدلّ على قوله: \"تحت الصدر، وفوق السرّة\"، بل هذا سرى له ما ثبت في مذهبه من العمل بهذا، مع أنه ثبت في نفس الحديث خارج الصحيح ما يخالف هذا، حيث قال: \"على الصدر\"، ومثل هذا كثير جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسألة الثامنة: في عدد أحاديث الكتاب</span>\nقال الحسين بن محمد الماسرجسيّ: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول: صنّفت هذا \"المسند الصحيح\" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال تلميذه الملازم له أحمد بن سلمة رحمهُ اللهُ تعالى: كنت مع مسلم في تأليف \"صحيحه\" خمس عشرة سنة.\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ١٠١.\n(٢) انظر \"الإمام مسلم\" للشيخ مشهور حسن ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(٣) راجع \"الإطراف بأوهام الأطراف\" ٣١ - ٢٠٥، ٣٢.","vol":"1","page":52},{"text":"قال: وهو اثنا عشر ألف حديث. قال الحافظ الذهبيّ: يعني بالمكرّر، بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رُمح يُعدّان حديثين، اتفق لفظهيا، أو اختلف في كلمة. انتهى (١). قال الزركشيّ: ولعلّ هذا أقرب (٢).\nوقال الميانجيّ في عدد أحاديث \"الصحيح\": واشتمل كتابه -رحمهُ اللهُ تعالى- على ثمانية آلاف حديث. انتهى (٣).\nوقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: روينا عن أبي قريش الحافظ، قال: كنت عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة، وتذاكرا، فلما قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، قال أبو زرعة: فلمن ترك الباقي. قال الشيخ. أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول، دون المكررات، وكذا كتاب البخاري ذُكِر أنه أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر، وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما ما ذكره من عدد أحاديث صحيح البخاريّ، فقد غلّطه الحافظ فيه، وقام بتحرير عدده، فأجاد في ذلك، فلتراجع \"هدي الساري مقدّمة فتح الباري\" ص ٦٥٤ - ٦٦٨.\nوأما ما ذكره من عدد أحاديث صحيح مسلم، فلم أر من قام بتحريره حقّ قيام، بل اختلفوا فيه اختلافًا شديدًا، ومن أبرز من قام به هو محمد فؤاد عبد الباقي، فقد رقّمه، واشتهر ترقيمه بين الناس، لكن عمله ليس كما ينبغي، فالرجل وإن كان مُغرَمًا بعمل الترقيم، فقد رقّم كتبًا كثيرةً، إلا أنه ليس له تخصّص بعلم الحديث، فقد رأيته يجعل للحديث الواحد رقمين فأكثر، وأحيانًا يعمل بالعكس.\nوذكر بعض المعاصرين (٤) بناء على ترقيم محمد فؤاد المذكور، مع إضافة ما أورده في المتابعات والشواهد أن جملة أحاديث \"الصحيح\" بالمكرّرات (٧٣٩٥) حديثًا، عدا أحاديث المقدّمة، وهي عشرة، وهذا كما أشرت إليه فيما أسلفته آنفًا لا يُلتفتُ إليه؛ إذ ليس مبنيّا على ترقيم صحيح، فليُتنبّه.\nوبالجملة فالكتاب يحتاج إلى متخصّص بعلم الحديث والخِبْرة الفنّيّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٦٦.\n(٢) \"فتح الباقي\" ١/ ٤٨.\n(٣) راجع \"ما لا يسع المحدث جهله\" ص ٢٧.\n(٤) هو الشيخ حسن مشهور، انظر ما كتبه في \"الإمام مسلم بن الحجاج\" ١/ ٣٩٣ - ٣٩٩.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسألة التاسعة: هل \"صحيح مسلم\" يُعدّ من \"الجوامع، أم لا</span>\"؟\nاعلم: أن \"الجامع\" في اصطلاح المحدّثين -كما قال العلامة الشاه عبد العزيز الدهلويّ رحمهُ اللهُ تعالى- هو الكتاب الذي توجد فيه أقسام الحديث الثمانية، وهي: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسير، والفتن، والمناقب (١)، وقد نظمتها بقولي:\nالْجَامِعُ الَّذِي حَوَى مَنَاقِبَا ... وَسِيَرًا وَفِتَنًا وَأَدَبَا\nتَفْسِيرًا الرِّقَاقَ وَالْعَقَائِدَا ... وَالثَّامِنُ الأَحْكَامُ خُذْ نِلْتَ الْهُدَى\nو\"صحيح مسلم\" مشتمل على هذه الأصناف كلها، فلذا ينبغي أن يُعدّ من الجوامع، وقد عدّه جماعة منها، مثل مجد الدين الفيروزآبادي، صاحب \"القاموس المحيط\"، حيث قال:\nقَرَأْتُ بِحَمْدِ اللهِ جَامِعَ مُسْلِمٍ ... بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفٍ لإِسْلامِ\nعَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الإِمَام ابْنِ جَهْبَلٍ ... بِحَضْرَةِ حُفَّاظٍ مَشَاهِيرَ أَعْلامِ\nوَتَمَّ بِتَوْفِيقِ الإِلَهَ وَفَضْلِهِ ... قِرَاءَةَ ضَبْطٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ\nوقد نازع الدهلويّ في ذلك، فقال: و\"الجامع\" من الصحاح الترمذيُّ، والبخاريُّ، وأما \"صحيح مسلم\" فليس بجامع؛ لقلّة التفسير فيه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام الدهلويّ فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ عدُّه من الجوامع؛ لوجود تلك الأصناف فيه، ولا يكون قلة أحاديث التفسير سببًا في عدم عدّه منها؛ لأن قلّتها يعود إلى قلّة الأحاديث الصحيحة المرفوعة الواردة فيه، ولا سيّما ما كان على شرط الشيخين، ولذا ترى أحاديث التفسير في كتاب البخاريّ إما مكرّرةً في كثير من أبوابه، وإما آثارًا موقوفةً، وأقوالًا لغويّةً، غير مرفوعة، وما عدا ذلك قليل، ومعروف أن مسلما مُجانب للتكرار، ومباعد عن نقل الأقوال والآثار الموقوفة إلا نادرًا، فهذا هو السبب في قلّة أحاديث التفسير فيه.\nوالحاصل أن الأصناف الثمانية التي يستحقّ بها اسم الجامع متوفّرة فيه، فلا وجه لإنكار إطلاقه عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة العاشرة: في بيان الجواب عن انتقاد بعض الحفّاظ النُّقّاد على الإمام مسلم رحمهُ اللهُ تعالى فىِ روايته في \"صحيحه\" عن بعض من تُكُلّم فيهم</span>\n_________\n(١) انظر تفاصيل هذه الأقسام في \"مقدّمة تحفة الأحوذيّ\" ١/ ٥١ - ٥٢.","vol":"1","page":54},{"text":"قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: عاب عائبون مسلما بروايته في \"صحيحه\" عن جماعة من الضعفاء، أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح أيضًا. والجواب: أن ذلك لأحد أسباب، لا مَعَاب عليه معها:\n[أحدها]: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره، ثقة عنده، ولا يقال: إن الجرح مقدم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب، فإنه لا يعمل به، وقد جَلَّيتُ في كتاب \"معرفة علوم الحديث\" حملَ الخطيب أبي بكر البغداديّ الحافظ على ذلك احتجاج صاحبي \"الصحيحين\"، وأبي داود، وغيرهم بجماعة عُلِمَ الطعن فيهم من غيرهم. ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك فيما بَيَّنَ الجارح فيه السبب، واستبان مسلم بطلانه. والله تعالى أعلم.\n[الثاني]: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أوّلا بإسناد نظيف، رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، تم يُتبع ذلك بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تُنَبِّهُ على فائدة فيما قدمه. وبالمتابعة والاستشهاد اعتذر الحاكم، أبو عبد الله في إخراجه عن جماعة، ليسوا من شرط \"الصحيح\"، منهم مَطَرٌ الوراق، وبَقِيَّةُ بنُ الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، أخرج مسلم عنهم في الشواهد، في أشباه لهم كثيرين. والله تعالى أعلم.\n[الثالث]: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاطٍ حَدَثَ عليه، غيرِ قادح فيما رواه من قبلُ، في زمان سَدَاده، واستقامته، كما في أحمد ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فذكر الحاكم، أبو عبد الله، أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين، بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك، كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يَمْنَع ذلك من الاحتجاج في \"الصحيحين\" بما أُخذ عنهم قبل ذلك.\nقال أبو عمرو: قرأت بنيسابور على الشيخة الصالحة، الوافر حظ أهلها من خدمة الحديث، زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الجرجاني رحمها الله وإيانا، عن الإمام أبي عبد الله الْفُرَاوي، وزاهر بن طاهر المستملي، عن الإمام أبي عثمان، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وغيره، قالوا: أخبرنا الحاكم، أبو عبد الله الحافظ، قراءة عليه، قال: سمعت أبا أحمد الحافظ، سمعت أبا بكر محمد بن علي بن النجار، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، يقول: قلت لمسلم بن الحجاج: قد أكثرت الرواية في كتابك \"الصحيح\" عن أحمد بن عبد الرحمن الوَهْبيّ، وحاله قد ظَهَر؟ فقال: إنما نقمُوا عليه بعد خروجي من مصر. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":55},{"text":"[الرابع]: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي، ولا يُطَوِّل بإضافة النازل إليه، مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك، قال أبو عمرو: وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا، وهو على خلاف حاله فيما رواه أولا عن الثقات، ثم أتبعه بالمتابعة عن من هو دونهم، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.\nقال: فروينا عن سعيد بن عمرو البردعي، أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر كتاب \"الصحيح\" الذي ألفه مسلم، ثم الفضل الصائغ على مثاله، وحَكَى إنكار أبي زرعة على مسلم، في كلام تركت ذكره منه، أنه أنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر، وقَطَن ابن نُسير، وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يُطْرِقُ لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتُجّ به عليهم: ليس هذا في كتاب \"الصحيح\". قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه، وروايته في كتاب \"الصحيح\" عن أسباط بن نصر، وقَطَن ابن نسير، وأحمد بن عيسى، قال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات، وقَدِمَ مسلم بعد ذلك الرَّيَّ، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله، محمد بن مسلم بن وَارَةَ، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له: نحوًا مما قاله لي أبو زرعة. إن هذا يُطْرِق لأهل البدع علينا، فاعتذر إليه مسلم، وقال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحيح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح، ليكون مجموعا عندي، وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف، أو نحو ذلك، مما اعتذر به إلى محمد بن مسلم، فقَبِلَ عذره، وحَدَّثَه. والله تعالى أعلم.\nوقد سبق عن مكي بن عبدان، أحد حفاظ نيسابور، قال: سمعت مسلما يقول: عَرَضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكلُّ ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليس له علة، فهو الذي أخرجته.\nقال أبو عمرو: هذا مقام وَعْرٌ، وقد مَهّدته بواضح من القول، لم تره مجتمعا في مؤلف سبق، ولله الحمد.\nوفيما ذكرته دليل على أن من حَكَمَ لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في \"صحيحه\" بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل، وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في أنه كيف رَوَى عنه؟ وعلى أيّ وجه رَوَى عنه؟ على ما بَيّنّاه من انقسام ذلك. والله سبحانه","vol":"1","page":56},{"text":"أعلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمهُ اللهُ تعالى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المسألة الحادية عشرة: في ذكر إلزامات الحافظ الدارقطني للشيخين رحمهم الله تعالى</span>\nقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: ألزم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني مسلما والبخاري -﵃- إخراج أحاديث تركا إخراجها، مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا في \"صحيحيهما\" بمثلها.\nمثاله: إخراج البخاري حديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس بن مالك الأسلمي، عن رسول الله -ﷺ-: \"يذهب الصالحون الأول فالأول ... \". وإخراج مسلم حديث قيس أيضًا، عن عَدِيّ بن عَمِيرة، عن رسول الله -ﷺ-: \"من استعملناه على عمل ... \" الحديث. ولم يرو عن مرداس، وعَدِي بن عَمِيرة غير قيس بن أبي حازم، وكذلك لم يرو عن الصُّنَابِح بن الأَعْسَر، ودُكَين بن سعيد الْمُزَنِيّ، وأبي حازم والد قيس غير قيس. قال الدارقطني: فيلزم على مذهبهما جميعًا إخراج أحاديث الصُّنابح، ودُكين، وأبي حازم والد قيس، إذا كانت مشهورة محفوظة، رواها جماعة من الثقات. وذكر أيضًا أن رجالا من الصحابة -﵃-، رووا عن رسول الله -ﷺ-، وقد رُويت أحاديثهم من وجوه صحاح، لا مَطْعَن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا، فيلزم إخراجها على مذهبهما.\nقال أبو عمرو: وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀، فيما قرأته بخطه، فيما جمعه من العوالي الصحاح، مما اتفق الشيخان على إخراجه، من صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة، وما تفرد به منها كل واحد منهما عن صاحبه، هذا مع أن الإسناد واحد.\nثم إن ما ألزمهما الدارقطني غير لازم لهما، فإنهما تجنبا التطويل، ولم يضعا كتابيهما على أن يستوعبا جميع الأحاديث الصحاح، واعترفا بأنهما تركا بعض الصحاح، رَوَينا ذلك عنهما صريحا.\nنعم إذا كان الحديث الذي تركاه، أو أحدهما، مع صحة إسناده أصلًا في معناه عُمدة في بابه، ولم يخرجا له نظيرًا، فذلك لا يكون إلا لعلة فيه خَفِيت، واطلعا عليها، أو التارك له منهما، أو لغفلة عرضت. انتهى كلام أبي عمرو رحمهُ اللهُ تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"إلا لعلة الخ\" هذه دعوى بلا بيّنة؛ لأنه لم\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٩٤ - ٩٩.","vol":"1","page":57},{"text":"يوجد منهما، ولا من أحدهما لا تصريحًا، ولا إشارةً أن ما تركاه فيه علّة خفية منعتهما من إخراجه، بل صرّحا بخلافه، فقد صحّ عن البخاريّ قوله: \"ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول\" (١). وصح عن مسلم أنه قال لابن وارة لَمّا لامه: \"إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: صحيح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف\". وقد سبق بيان هذا.\nوأيضًا لو سلكنا هذا المسلك لترتّبت عليه مفسدة عظيمة، وذلك تشكيك الأمة أن كلّ ما ليس في \"الصحيحين\" من الحديث معلّ، وهذا هو الذي خشيه الإمامان: أبو زرعة الرازي، وابن وراة، كما تقدّم بيان ذلك. فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسألة الثانية عشرة: في ذكر المستخرجات على الكتابين</span>\nاعلم: أن الاستخراج هو أن يأتي المصنّف إلى كتاب من الكتب المصنفة، فيخرّج أحاديثه بأسانيدَ لنفسه، من غير طريق صاحب ذلك الكتاب، ويجتمع معه في شيخه، أو من فوقه. قال الحافظ رحمهُ اللهُ تعالى وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يَفقِد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علوّ، أو زيادة مهمّة. قال: ولذلك يقول أبو عوانة في \"مستخرجه\" على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلّها من هنا لمخرّجه، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمن فوق ذلك، وربّما قال: من هنا لم يُخرّجاه، قال: ولا يُظنّ أنه -يعني البخاريّ ومسلمًا- فإني استقريت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة، فإنه كان قرين مسلم، وصنّف مثل مسلم، وربّما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندًا يرتضيه، وربّما ذكرها من طريق صاحب الكتاب. أفاده في \"التدريب\" (٢).\nوقال الحافظ السخاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: الاستخراج أن يَعْمِد حافظ إلى \"صحيح البخاريّ\" مثلًا، فيورد أحاديثه حديثًا حديثًا بأسانيدَ لنفسه، غير ملتزم فيها ثقة الرواة، وإن شذّ بعضهم حيث جعله شرطًا، من غير طريق البخاريّ إلى أن يلتقي معه في شيخه، أو في شيخ شيخه، وهكذا، ولو في الصحابيّ، كما صرّح به بعضهم. لكن لا يسوغ للمخرج العدول عن الطريق التي يقرب اجتماعه مع مصنّف الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلا لغرض من علوّ، أو زيادة حكم مهمّ، أو نحو ذلك. ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابيّ أنهما لو اتّفقا في الشيخ مثلًا، ولم يتّحد سنده عندهما، ثم\n_________\n(١) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥ - ١٦.\n(٢) \"التدريب\" ١/ ١١٢.","vol":"1","page":58},{"text":"اجتمع في الصحابيّ إدخاله فيه، وإن صرّح بعضهم بخلافه، وربّما عزّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث، فيتركه أصلًا، أو يُعلّقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنّف الأصل. انتهى. كلام السخاويّ (١).\nوقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: ليس في \"صحيح مسلم\" من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل، وهو كتاب نفيس، كامل في معناه، فلما رآه الحفاظ أُعْجِبوا به، ولم يسمعوه؛ لنزوله، فَعَمُدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم، عالية بدرجة، وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسَمَّوه المستخرج على \"صحيح مسلم\"، فعل ذلك عِدّة من فُرْسان الحديث، منهم. أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء المتوفّى سنة (٢٨٦)، وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفّى (٣١٦)، وزاد في كتابه متونا معروفة، بعضها لَيِّنٌ، والزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدان الْحِيِري المتوفّى (٣١١)، وأبو الوليد حسان ابن محمد الفقيه المتوفى (٣٤٤)، وأبو حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي المتوفّى (٣٥٠)، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الْجَوْزَقي (٢) المتوفى (٣٨٨)، والإمام أبو علي الماسرجسي (٣٦٥)، وأبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (٤٣٠)، وآخرون، لا يحضرني ذكرهم الآن. انتهى (٣).\nوقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: صنف على \"صحيح مسلم\": قوم من الحفاظ تأخروا عن مسلم، وأدركوا الأسانيد العالية، وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم، فخرجوا أحاديثه في تصانيفهم تلك، بأسانيدهم تلك، فالتحقت به، في أن لها سمة الصحيح، وإن لم تلتحق به في خصائصه كلّها، ويستفاد من مخرجاتهم المذكورة علو الإسناد، وفوائد تنشأ من تكثير الطرق، ومن زيادة ألفاظ مفيدة، ثم إنهم لم يلتزموا فيها الموافقة في ألفاظ الأحاديث، من غير زيادة ولا نقص؛ لكونهم يروونها بأسانيد أُخَر، فأوجب ذلك بعض التفاوت في بعض الألفاظ.\nولنزد بعض ما تيسّر ذكره ممن لم يذكرهم الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى:\nفمنها: \"مستخرج على صحيح مسلم\" لأبي الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمار الشهيد المتوفّى سنة (٣٢٣). وأبي عمران موسى بن العباس الجوينيّ النيسابوريّ المتوفّى\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ١/ ٤٤.\n(٢) نسبة إلى جَوْزَق بوزن جعفر: قرية بنيسابور، وهراة. قاله في \"اللبّ\" ١/ ٢٢١.\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٦٨ - ٥٧٠.","vol":"1","page":59},{"text":"سنة (٣٢٣)، وأبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسيّ البلاذريّ (٣٣٩)، وقاسم ابن أصبغ البيانيّ القرطبيّ (٣٤٠)، وأبي سعيد أحمد بن أبي بكر محمد بن إسماعيل الحيريّ النيسابوريّ (٣٥٣)، وأبي عليّ محمد بن عبد العزيز الزَّغُونيّ (٣٥٩)، وأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان المعروف بـ \"أبي الشيخ\" (٣٦٩)، وأبي عبد الله الحسين بن أحمد الشماخي (٣٧٢)، وأبي نصر محمد بن محمد بن يوسف الطوسيّ.\nومنها: المستخرجات على \"الصحيحين\" لمحمد بن يعقوب بن الأخرم (٣٤٤) وأبي بكر بن عبدان الشيرازيّ، وأحمد بن محمد الْبَرْقَانيّ (٤٢٥)، وحسن بن محمد الخلال (٤٣٥)، وعلي بن موسى النيسابوريّ السكريّ (٤٦٥)، وأبي محمد عبد الغنيّ ابن عبد الواحد المقدسيّ (٦٠٠)، وغيرها. (١). والله تعالى أعلم بالصواب.\n[تنبيه]: اعلم أن المستخرجات المذكوره لم يلتزم أصحابها فيها موافقة \"الصحيحين\" في الألفاظ؛ لأنهم إنما يروون بالألفاظ التي وقعت لهم عن شيوخهم، فلذا حصل فيها تفاوت قليل في اللفظ، وأقلّ منه في المعنى. ومثلُ هذا ما رواه البيهقيّ في \"السنن\"، و\"المعرفة\"، وغيرهما، والبغوي في \"شرح السنة\"، وشبههما قائلين رواه البخاريّ، أو مسلم، فقد وقع في بعضه تفاوت، فيُحمل على أنهم أرادوا بذلك أن الشيخين رويا أصل الحديث، دون اللفظ الذي أوردوه، وحينئذ فلا يجوز أن تنقل من المستخرجات، وما ذُكر معها حديثًا، وتقول هو كذا فيهما، إلا أن تقابله بهما، أو يقول المصنّف: أخرجاه بلفظه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكنّ هذا أي صنيع البيهقي ونحوه من عزو الحديث إلى الصحيح، والمراد أصله، غير مستحسن؛ إذ الأحسن الاعتناء ببيان ما وقع فيه الاختلاف، حذرا من إيقاع من لا يَعرِف الاصطلاح في اللبس.\nوفصّل ابن دقيق العيد رحمهُ اللهُ تعالى في ذلك، فقال: إذا كنت في مقام الرواية فلك العزو ولو خالف؛ لأنه عُرِف أن أجل قصد المحدث السند، والعثور على أصل الحديث، دون ما إذا كنت في مقام الاحتجاج، فمن رَوَى في المعاجم والمشيخات ونحوها، فلا حرج عليه في الإطلاق، بخلاف من أورد ذلك في الكتب المبوبة، لاسيما إن كان الصالح للترجمة قطعة زائدة على ما في الصحيح. انتهى (٢).\n_________\n(١) راجع \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٨٧ - ٨٩ و\"سير أعلام النبلاء\" ١٢/ ٥٦٨ - ٥٧٠ و\"التدريب\" ١/ ١١١ وما كتبه الشيخ مشهور في كتابه \"الإمام مسلم بن الحجاج\" ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٨.\n(٢) \"تدريب الراوي\" ١/ ١١٤.","vol":"1","page":60},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد لي توقّفٌ؛ لأن اللبس المحذور حاصل فيه أيضًا، فالأولى التقيّد بما سبق من البيان. والله تعالى أعلم.\nوإلى هذا أشار السيوطيّ في \"نظم الدرر\"، فقال:\nوَاسْتَخْرَجُوا عَلَى \"الصَّحِيْحَيْنِ\"بِأَنْ ... يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ\nلا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا ... مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا\nفَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنىً وَفِي ... لَفْظٍ كَثِيرًا فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ\nإِلَيْهَمَا وَمَنْ عَزَا أَرَادَا ... بِذَلِكَ الأَصْلَ وَمَا أَجَادَا\nوأما المختصرات، كمختصر الزبيديّ لصحيح البخاريّ، ومختصر المنذريّ لصحيح مسلم، ومختصر القرطبيّ له، فإنها بخلاف ذلك؛ لأن أصحابها ينقلون فيها ألفاظهما، من غير زيادة ولا تغيير، فلك أن تنقل منها، وتعزو ذلك للصحيح، ولو باللفظ، ومثل ذلك الجمع بين \"الصحيحين\" للإمام عبد الحقّ الإشبيليّ.\nوأما الجمع لأبي عبد الله الحميدي الأندلسي، ففيه زيادة ألفاظ، وتتمات على \"الصحيحين\" بلا تمييز، قال ابن الصلاح: وذلك موجود فيه كثيرا، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن \"الصحيح\"، وهو مخطئ لكونه زيادة ليست فيه. قال العراقي: وهذا مما أنكر على الحميدي؛ لأنه جمع بين كتابين، فمن أين تأتي الزيادة، قال: واقتضى كلام ابن الصلاح أن الزيادات التي تقع في كتاب الحميدي لها حكم الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج، ولا ذكر أنه يزيد ألفاظا، واشترط فيها الصحة حتى يُقَلَّد في ذلك.\nوقد تعقّب الحافظ اعتراض العراقيّ هذا، بأن الحميدي قد أشار إلى ما يبطل ما اعتَرَضَ به عليه إجمالا وتفصيلا، أما إجمالا فقال في خطبة \"الجمع\": وربما زدت زيادات، من تتمات، وشرح لبعض ألفاظ الحديث، ونحو ذلك، وقفت عليها في كتب من اعتنى بالصحيح، كالإسماعيلي، والْبَرْقَاني، وأما تفصيلا فعلى قسمين: جلي، وخفي، أما الجلي فيسوق الحديث، ثم يقول في أثنائه: إلى هنا انتهت رواية البخاري، ومن هنا زاده البرقاني، وأما الخفي فإنه يسوق الحديث كاملا أصلا وزيادة، ثم يقول: أما من أوله إلى موضع كذا، فرواه فلان، وما عداه زاده فلان، أو يقول: لفظة كذا زادها فلان، ونحو ذلك. انتهى.\n[فائدة مهمة]: اعلم أنه إذا كان الحديث في \"الصحيحين\"، أو في أحدهما لا","vol":"1","page":61},{"text":"ينبغي عزوه إلى غيرهما، إلا أن يقرن بهما، أو بأحدهما، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:\nقَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ ... وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ\nإِذَا الْحَدِيثُ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" يَرِدْ ... أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَيْنِ قَدْ وُجِدْ\nفَعَزْوُهُ لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ ... إِلَّا إِذَا بِعَزْوِ ذَيْنِ يُرْتَبَطْ (١)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه آخر]: أشار الشيخ أبو عمرو في كلامه السابق إلى بعض فوائد المستخرجات، فذكر منها ثلاث فوائد:\nالأولى: علوّ الإسناد. الثانية: زيادة قوّة الحديث بكثرة طرقه. الثالثة: زيادة ألفاظ صحيحة مفيدة. ونزيد على هذا ما ذكره العلماء من بقية فوائد المستخرجات، فمنها، وهي:\nالرابعة: تبيين المبهم، كحدثنا رجلٌ. الخامسة: تبيين المهمل، كحدّثني محمد، وكان في مشايخه محمدون، فيبينه المستخرِج. السادسة: بيان سماع المدلّس، كأن يكون في \"الصحيح\" عن المدلّس بـ \"عن\"، فيبينه المستخرج بتصريحه بالسماع. السابعة: بيان سماع الراوي من المختلطين، كأن يروي في \"الصحيح\" عن المختلط، ولم يبين هل سمعه الراوي منه قبل الاختلاط، أم بعده؟ فيبينه المستخرج، إما تصريحًا، وإما بأن يرويه عن طريق من لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط. الثامنة: زوال أيّ علّة أُعلّ بها حديث في \"الصحيح\"، بأن يذكره المستخرِج بدون تلك العلّة. التاسعة: عدالة من أُخرج له فيه؛ لأن الْمستخرج على شرط \"الصحيح\" يلزمه أن لا يُخرج إلا عن ثقة عنده. العاشرة: ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك كثير في مسلم جدّا، فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة، ويُحيل باقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده (٢).\nوقد نظمت هذه الفوائد بقولي:\nيَا طَالِبًا فَوَائِدَ الْمُسْتَخْرَجِ ... فَاسْمَعْ لأَبْيَاتٍ بُعَيْدَ ذَا تَجِي\nأَوَّلُهَا صِحَّةُ مَا يُزَادَ، مِنْ ... لَفْظٍ وَثَانِيهَا عُلُوٌّ فَاسْتَبِنْ\n_________\n(١) انظر \"رفع الأستار\" للشيخ حسن محمد مشّاط ص ٣٣.\n(٢) راجع شرحي \"إسعاف ذوي الوطر على ألفية الأثر\" ١/ ٥٧ - ٥٩.","vol":"1","page":62},{"text":"ثَالِثُهَا كَثْرَةُ طُرْقِ الْخَبَرِ ... بِذَاكَ يَقْوَى عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ\nرَابِعُهَا تَبْيِينُ مَنْ قَدْ أُبْهِمَا ... خَامِسُهَا تَوْضِيحُ مُهْمَلٍ سَمَا\nسَادِسُهَا سَمَاعُ مَنْ يُدَلِّسُ ... سَابِعُهَا مَخْتَلِطٌ مُلَبِّسُ\nيَرْوِيهِ عَنْ طَرِيقِ مَنْ قَدْ أَخَذَا ... قَبْلَ اخْتِلاطِهِ لِذَا لَمْ يُنْبَذَا\nثَامِنُهَا سَلَامَةُ الْمُعَلِّ ... لَدَى الصَّحِيحِ هَاهُنَا فِي النَّقْلِ\nإِذِ الْمُخَرِّجُ يُزِيلُ الْعِلَلَا ... حَيْثُ يَسُوقُهُ نَظِيفًا مُكْمَلَا\nتَاسِعُهَا ثِقَةُ مَنْ قَدْ أُخْرِجَا ... لَهُ هُنَا إِذْ شَرْطُ الَأصْلِ (١) نُهِجَا\nعَاشِرُهَا التَّمْيِيزُ لِلْمُحَالِ بِهْ ... مِمَّا عَلَيْهِ قَدْ أُحِيلَ فَانْتَبِهْ\nفَهَذِهِ فَوَائِدُ الْمُسْتَخْرَجِ ... قَرَّبْتُهَا نَظْمًا لِمَنْ قَدْ يَرْتَجِي\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المسألة الثالثة عشرة: في ذكر المستدركات على \"الصحيحين</span>\"\nاعلم: أن المستدرك -بضم الميم وفتح الراء-: هو الكتاب الذي جَمَعَ فيه مؤلّفه الأحاديث التي فاتت كتابًا مؤلّفًا قبله، وهي على شرطه، والمستدركات كثيرة:\nفمنها: \"المستدرك على الصحيحين\" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بـ \"ابن الْبيّع\" الحافظ المتوفّى سنة (٤٠٥)، وأبي ذرّ عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الْهَرويّ (٤٣٤)، وأبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد الأصبهانيّ، و\"المستدرك على مستدرك الحاكم\" لمحمد بن أحمد الذهبي (٧٤٨)، و\"المستدرك عى مستدرك الحاكم\" للحافظ العراقي، و\"الإلزامات\" للدارقطني (٣٨٥)، وغيرها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الرابعة عشرة: في ذكر بعض الكتب التي اعتنت بالجمع بين \"الصحيحين</span>\"\nفمنها: \"الجمع بين الصحيحين\" لمحمد بن عبد الله الْجَوزقيّ المتوفّى سنة (٣٨٨)، وعمر بن عليّ الليثيّ (٤٦٦)، ومحمد بن أبي نصر فتوح الحميديّ (٤٦٦)، ومحمد بن إسماعيل بن أحمد المعروف بـ \"ابن الفرات\" (٤١٤)، وحسن بن مسعود البغويّ (٥١٠)، ومحمد بن طاهر بن علي القيسرانيّ (٥٠٧)، وعبيد الله بن الحسن بن الحداد (٥١٧)، وعبد الحقّ بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيليّ (٥٨٢)، وعمر بن بدر الموصليّ (٦٢٢)، وأحمد بن محمد القرطبيّ المعروف بـ \"ابن أبي حجة\" (٦٤٢)، وإسماعيل بن محمد الْهَرويّ الْعَرّاب (٤١٤)، ومحمد بن حسين بن أحمد الأنصاريّ\n_________\n(١) بنقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، وحذفها.","vol":"1","page":63},{"text":"المرّيّ المعروف بـ \"ابن أحد عشر\"، وغيرها مما يطول بنا لو سلكنا سبيل استقصائه، فنكتفيّ بهذا القدر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الخامسة عشرة: في ذكر رُواة \"صحيح مسلم</span>\"\nقال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: هذا الكتاب مع شهرته التامة، صارت روايته بإسناد متصل بمسلم مقصورةً على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، غير أنه يُرْوَى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد، أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم.\nأما أبو إسحاق، فهو نيسابوري من أهلها، وكان فقيها، زاهدًا، روينا عن الحاكم، أبي عبد الله بن الْبَيِّع النيسابوري، أنه سمع محمد بن يزيد العدل يقول: كان إبراهيم بن محمد بن سفيان مجاب الدعوة، وأنه سمع أبا عمرو بن نُجيد يقول: كان إبراهيم بن محمد بن سفيان من الصالحين، وذكر الحاكم أنه كان من العباد المجتهدين، ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج، وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد، صاحب الرأي -يعني الفقيه الحنفي- سمع إبراهيم محمد بن رافع القشيري، وغيره، بنيسابور، وبالريّ، وبالعراق، وبالحجاز، وتوفي فيما حكاه الحاكم، في رجب سنة ثمان وثلاثمائة.\nقال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب، في شهر رمضان، سنة سبع وخمسين ومائتين، روى الكتاب عنه أبو عبد الله، محمد بن يزيد العدل، والجلوديُّ وغيرهما.\nأما الْجُلُودي: فهو أبو أحمد، محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودي -بضم الجيم- ومن فتح الجيم منه فقد أخطأ، وإنما الجلودي -بفتح الجيم- آخرُ، ذكره يعقوب بن السِّكّيت، ثم ابن قتيبة، وهو منسوب إلى جُلُود، اسم قرية، قيل: بإفريقية، وقيل: بالشام.\nقال أبو عمرو: وهذا الجلوديّ أبو أحمد فيما ذكره أبو سَعْد بن السمعاني، وقرأته بخطه، في كتاب الأنساب له منسوب إلى الجلود، جمع جِلْد. وعندي أنه منسوب إلى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة.\nرَوَينا عن الحاكم أبي عبد الله، أن أبا أحمد هذا كان شيخا صالحا زاهدا، من كبار عُبّاد الصوفية، صَحِبَ أكابر المشايخ، ومن أهل الحقائق، وكان يُوَرِّق -يعني يَنسَخُ- ويأكل من كسب يده، سمع أبا بكر بن خزيمة، ومن كان قبله، وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري، ويعرفه، توفي ﵀ يوم الثلاثاء، الرابع والعشرين من ذي الحجة، سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وهو ابن ثمانين سنة. قال: وخُتم بوفاته سماع كتاب مسلم","vol":"1","page":64},{"text":"ابن الحجاج، وكل من حدث به بعده عن إبراهيم بن محمد بن سفيان وغيره، فإنه غير ثقة.\nرواه عن الجلودي أبو العباس، أحمد بن الحسن بن بُندار الرازي، وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وغيرهما.\nأما الفارسي: فهو عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسي الْفَسَوي، ثم النيسابوري، أبو الحسين التاجر، سمع الكتاب من الجلودي، قراءة عليه في شهور سنة خمس وستين وثلاثمائة، ذكره حفيده عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر، في سياق \"تاريخ نيسابور\"، فذكر أنه كان شيخا ثقة، صالحا، صائنا، محظوظا من الدين والدنيا، مجدودا في الرواية، على قلة سماعاته، مشهورًا، مقصودا من الآفاق، سمع منه الأئمة والصدور، وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي عليه \"صحيح مسلم\" نيفا وثلاثين مرة، وقرأه عليه أبو سعيد البحيري نيفا وعشرين مرة، وممن قرأه عليه من المشاهير زين الإسلام، أبو القاسم، يعني القشيري، والواحدي، وغيرهما، استكمل خمسا وتسعين سنة، وألحق أحفاد الأحفاد بالأجداد، وتوفي يوم الثلاثاء، ودُفن يوم الأربعاء، السادس من شوال، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. والله تعالى أعلم.\nرواه فيمن رواه عن الفارسي الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الْفُرَاوي، ثم النيسابوري، كان أبوه من فُرَاوة، بُليدة من ثَغْر خراسان، وقرأت بخط السمعاني، أبي سعد في \"أنسابه\"، أنه بضم الفاء، ورأيته بضم الفاء بخطه معنيا بذلك، والشائعِ المعروف فتح الفاء، وهكذا ذكره لي شيخنا، أبو القاسم الفراوي، ابن حفيد الفراوي لمَّا سألته عن ذلك.\nكان ﵀ وإيانا كثير الرواية بالأسانيد العالية، رحلت إليه الطلبة من الأقطار وانتشرت الرواية عنه فيما دنا، ونأى من الأمصار، حتى قالوا فيه لِلْفُرَاوي أَلْفُ رَاوِي، وحدثنا شيخنا أبو القاسم الفُراوي أنه نُقِش على فَصّ من عقيق للفُرَاوي أَلْفُ راوي، وذَكَرَ لي مرة أخرى أن الفص كان لجده هذا.\nوسمع الكتاب من الفارسي بقراءة أبي سعيد الْبحيري عليه في السنة التي مات فيها، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان يلقب فقيه الحرم، ومما يُذكَر له من المعالي تفقهه على الإمام أبي المعالي، وله في علم المذهب كتاب، انتخبت منه فوائد استغربتها.\nوحدثني بِمَرْوَ شيخنا أبو المظفر، عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد السمعاني، عن","vol":"1","page":65},{"text":"أبيه، ومن خطه نقلتُ أنه قال فيه يَصِفه: إمام، مُفْتٍ، مُناظر، محدث، واعظ، ظريف الجملة، حسن الأخلاق والمعاشرة، مُكرِمٌ لأهل العلم، خصوصا للغرباء الواردين عليه، ما رأيت في شيوخي مثله. وقال سألته عن مولده، فقال: مولدي تقديرًا في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قلت: وتُوفي يوم الخميس الحادي أو الثاني والعشرين، من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة. وذكره أبو الحسن عبد الغافر حفيد أبي الحسين عبد الغافر في كتابه، ومات قبله سنة تسع وعشرين، فأحسن الثناء عليه بما لا نطيل به.\nرَوَى الكتاب عنه فيمن رواه عنه شيخنا، أبو الحسن، مؤيد بن محمد ابن الشيخ المقرىء أبي الحسن، علي بن الحسن بن محمد بن أبي صالح الطابراني الطوسي، ثم النيسابوري، وكان شيخا رضيا، جليلا، مسندا، معمرا، محظوظا من رواية الحديث، متصديا لإسماعه، ملحوظا من طلبته، سمع الكتاب من الفراوي في السنة التي مات فيها، وعاش حتى تفرد به عنه، وحتى ألحق الأحفاد بالأجداد.\nوسمعتُ الكتاب منه بقراءتي عليه، في معدنه نيسابور، فعلونا فيه -ولله الحمد- سماءَ العلوّ بإسناد متسلسل، نيسابوري، عن نيسابوري، ومُعَمَّر عن مُعَمَّر، إلى مؤلفه مسلم رحمهُ اللهُ تعالى.\nوأنبأنا به عن الفراوي أيضًا ابن حفيده الشيخ الزكي، أبو القاسم منصور ﵏ أجمعين وإيانا، ونفعنا بذلك وإخواننا آمين آمين.\nوأما القلانسي فهو أبو محمد، أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، وقعتُ بروايته عن مسلم عند المغاربة، ولم أجد له ذكرًا عند غيرهم، دَخَلَتْ روايته إليهم من مصر على يدي مَنْ رَحَل منهم إلى جهة المشرق، كأبي عبد الله محمد بن يحيى الحذاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء، عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد ابن محمد بن يحيى الأشقر، الفقيه على مذهب الشافعي، حدثنا أبو محمد، أحمد بن علي بن الحسن القلانسي، حدثنا مسلم بن الحجاج، حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها حديث الإفك الطويل، فإن أبا العلاء بن ماهان المذكور، كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم.\nوبلغنا عن الحافظ الفاضل، أبي علي الحسين بن محمد الغساني، وكان من جهابذة المحدثين، ورئيسهم بقرطبة، قال: سمعت أبا عمر أحمد بن محمد بن يحيى - يعني ابن الحذاء- يقول: سمعت أبي يقول: أخبرني ثقات أهل مصر، أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني، كتب إلى أهل مصر من بغداد، أن اكتبوا عن أبي العلاء بن","vol":"1","page":66},{"text":"ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح، ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز. انتهى كلام أبي عمرو بن الصلاح (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأذكر في آخر المسائل سندي إلى أبي عمرو بن الصلاح، والنوويّ، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيهات]:\nالأول: قال الشيخ أبو عمرو: اختلفت النسخ في رواية الجلودي عن إبراهيم، هل هي بحدثنا إبراهيم، أو أخبرنا، والتردد واقع في أنه سمع من لفظ إبراهيم، أو قراءة عليه؟ فالأحوط إذن أن يقال: أخبرنا إبراهيم، حدثنا إبراهيم، فيَلْفِظُ القارىء بهما على البدل، وجائز لنا الاقتصار على أخبرنا، فإنه كذلك فيما نقلته من ثَبَتِ الفراوي من خط صاحبه عبد الرازق الطبسي (٢) وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب، من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد، وسمعته عليه عند تربة مسلم ﵀، وهو كذلك بخط الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري، عن الفُرَاوي، وفي ذلك أيضًا، فحكم المتردد في ذلك المصير إلى أخبرنا؛ لأن كل تحديث من حيث الحقيقة إخبار، وليس كل إخبار تحديثا. والله تعالى أعلم.\nالثاني: اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتًا، لم يسمعه من مسلم، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، ولا يقال فيه: قال: أخبرنا، أو حدثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة، وإما بطريق الوجادة، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم، وبرنامجاتهم، وفي تسميعاتهم، وإجازاتهم، وغيرها، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم، قال: أخبرنا مسلم. وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة:\n[فأولها]: في \"كتاب الحج\" في \"باب الحلق والتقصير\" حديث ابن عمر -﵃- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"رحم الله المحلقين ... \" برواية ابن نمير، قال الشيخ: فشاهدت عنده في أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي بخطه: ما صورته: أخبرنا أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن عمر ... الحديث. وكذلك في أصل بخط الحافظ أبي عامر العبدري، إلا أنه\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ١٠٣ - ١١٠.\n(٢) بفتح الطاء المهملة، والموحّدة، وبالسين المهملة: نسبة إلى طبس مدينة بين نيسابور وأصبهان وكرمان. قاله في \"الأنساب\" ٨/ ٢٠٩ - ٢١٠.","vol":"1","page":67},{"text":"قال: حدثنا أبو إسحاق، وشاهدت عنده في أصل قديم، مأخوذ عن أبي أحمد الجلودي: ما صورته: من هاهنا قرأت على أبي أحمد: حدثكم إبراهيم، عن مسلم، وكذا كان في كتابه إلى العَلَامَة، قلت: وهذه العلامة هي بعد ثمانية أوراق، أو نحوها، عند أول حديث ابن عمر: أن رسول الله -ﷺ- \"كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا\". وعندها في الأصل المأخوذ عن الجلودي: ما صورته: إلى هاهنا قرأت عليه -يعني على الجلودي- عن مسلم، ومن ههنا قال: حدثنا مسلم. وفي أصل الحافظ أبي القاسم عندها بخطه: من هنا يقول: حدثنا مسلم، وإلى هنا شك.\n[الفائت الثاني لإبراهيم]: أوله أول الوصايا قول مسلم: حدثنا أبو خيثمة، زهير ابن حرب، ومحمد بن المثنى، واللفظ لمحمد بن المثنى، في حديث ابن عمر: \"ما حق امرىء مسلم، له شيء يريد أن يوصي فيه ... \" إلى قوله في آخر حديث، رواه في قصة حويصة ومحيصة في القسامة: حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا بشر بن عمر، قال: سمعت مالك بن أنس ... الحديث، وهو مقدار عشرة أوراق، ففي الأصل المأخوذ عن الجلودي، والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات، عند أول هذا الحديث، وعود قول إبراهيم: حدثنا مسلم. وفي أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي شِبْهُ التردد في هذا الحديث، داخل في الفوت، أو غير داخل فيه؟ والاعتماد على الأول.\n[الفائت الثالث]: أوله قول مسلم في أحاديث الإمارة والخلافة: حدثني زهير بن حرب، حدثنا شبابة، حديث أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: \"إنما الإمام جنة ... \" ويمتد إلى قوله في \"كتاب الصيد والذبائح\": حدثنا محمد بن مِهْرَان الرازي، حدثنا أبو عبد الله، حماد بن خالد الخياط، حديث أبي ثعلبة الْخُشَنيّ: \"إذا رميت بسهمك ... \" فمن أول هذا الحديث عاد قول إبراهيم: حدثنا مسلم. وهذا الفوت أكبرها، وهو نحو ثماني عشرة ورقة، وفي أوله بخط الحافظ الكبير، أبي حازم (١) العبدري النيسابوري، وكان يروي عن محمد بن يزيد العدل، عن إبراهيم: ما صورته: من هنا يقول إبراهيم: قال مسلم، وهو في الأصل المأخوذ عن الجلودي، وأصل أبي عامر العبدري، وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة \"عن\"، وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي، وأصل أبي عامر، وأصل أبي القاسم، وذلك يحتمل كونه رَوَى ذلك عن مسلم بالوجادة، ويحتمل الإجازة، ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك، أو كله بكون ذلك عن مسلم بالإجازة، والعلم عند الله ﵎.\n_________\n(١) هكذا النسخ: \"أبي حازم\"، ولعله مصحّفٌ من أبي عامر، كما سبق قريبًا.","vol":"1","page":68},{"text":"[الثالث]: قال الشيخ رحمهُ اللهُ تعالى: ما ننقله من أصل الحافظ أبي عامر العبدري، نرويه عن شيخنا أبي حفص، عمر بن محمد البغدادي وغيره إذنا، عن أبي القاسم، إسماعيل بن أحمد السمرقندي إذنا، قال: أخبرنا أبو الليث، نصر بن الحسن الشاشي السمرقندي، قراءة عليه، قال: أخبرنا عبد الغافر الفارسي بسنده السابق.\nوما ننقله من أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي العساكري، فهو مندرج في روايتنا لجميع الكتاب عن شيخنا، أبي القاسم منصور ابن حفيد الفراوي عنه، وقد ذكرناه عند ذكرنا إسنادنا في الكتاب. وكذلك ما ننقله من الأصل المأخوذ عن الجلودي، فهو مما أجازه لنا منصور، عن أبي جده الفراوي، عن عبد الغافر الفارسي، عن الجلودي. وكذلك ما ننقله من أصل الحافظ أبي حازم العبدري، فهو أيضًا مما أجازه لنا، قال: أنبأنا أبو جدي الفراوي، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف الشيرازي، قال: أنبأنا الحافظ أبو حازم العبدري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد العدل، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: حدثنا مسلم.\n[فائدة]: قال الشيخ أبو عمرو رحمهُ اللهُ تعالى: ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة، ليس المقصود بها في عصرنا، وكثير من الأعصار قبله، إثبات ما يُرْوَى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يَدرِي ما يرويه، ولا يَضبِط ما في كتابه، ضبطا يصلح لأن يُعتَمَد عليه في ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسَلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة - زادها الله كرامة-. وإذا كان ذلك كذلك، فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث، من \"صحيح مسلم\"، وأشباهه أن يتلقاه من أصل مُقابَلٍ على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة، مروية بروايات متنوعة؛ ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب، وبُعْدِها عن أن تُقْصَد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر الأصول المقابَل بها كثرةً تتنزل منزلة التواتر، أو منزلة الاستفاضة، وقد لا تبلغ ذلك، ثم ما لم يبلغ ذلك لا يبطل بالكلية. انتهى كلام الشيخ رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى بعدما نقل كلام الشيخ المذكور: هذا الذي قاله محمول على الاستحباب، والاستظهار، وإلا فلا يُشترط تعداد الأصول والروايات، فإن الأصل الصحيح المعتمد يكفي، وتكفي المقابلة به. انتهى (٢).\nوإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الأثر\" حيث قال:\nوَأَعْرَضُوا فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ ... عَنِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي\n_________\n(١) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ١١٥.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٤.","vol":"1","page":69},{"text":"لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ ... صَارَ بَقَا سِلْسِلَةِ الإِسْنَادِ\nفَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتْرُ ... وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ\nوَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ ... شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ\nوقال أيضًا:\nلأخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ ... عَرْضٌ عَلَى أَصْلِ وَعِدَّهٍ نُدِبْ\nوَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الْحَدِيثِ شَرَطَا ... رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا غُلِّطَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة السادسة عشرة: في ذكر مولفات الإمام مسلم رحمهُ اللهُ تعالى، غير \"صحيحه</span>\"\nكان رحمهُ اللهُ تعالى كثير المؤلّفات في الحديث روايةً، ودرايةً، وفي علومه المختلفة، كأوهام المحدّثين، وأسمائهم، وطبقاتهم، وكناهم، والمفردات، والوُحدان، والمخضرمين، والإخوة والأخوات، وفي العلل، وغير ذلك، فمنها:\nالأسامي والكنى، وأسماء الرجال، والتمييز، والجامع، وهو صحيحه الذي قمت بشرح مقدّمته، وشرحه أيضًا إن مدّ الله تعالى في العمر -أسأل الله تعالى التوفيق، والتيسير- والطبقات، والوُحدان، والإخوة والأخوات، وأفراد الشاميين، والأقران، والانتفاع بأُهُب السباع، وأولاد الصحابة، وأوهام المحدثين، والتاريخ، وتفضيل السنن، والجامع الكبير على الأبواب، وذكر أولاد الحسين، ورواة الاعتبار، وسؤالاته أحمد بن حنبل، والعلل، وكتاب عمرو بن شعيب، والمخضرمون، ومسند حديث مالك، والمسند الكبير على الرجال، ومشايخ الثوري، ومشايخ شعبة، ومشايخ مالك، ومعرفة رواة الأخبار، وكتاب معمر.\nوهذه الكتب بعضها موجود مطبوع، وبعضها مفقود، وقد أجاد في الكلام عليها الشيخ مشهور في كتابه \"الإمام مسلم بن الحجاج\"، ومنهجه في \"الصحيح\" ١/ ٢٣٣ - ٢٥٤ وفي الباب الذي يليه، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة السابعة عشرة: في ذكر عوالي الإمام مسلم على الإمام البخاري رحمهما الله تعالى، وهي أربعون حديثًا، انتقاها الحافظ ابن حجر رحمهُ اللهُ تعالى من \"صحيح مسلم\" أحببت إيرادها بنصّها حِفاظًا عليها، وإبقاءً لها:</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":70},{"text":"قال شيخنا شيخ الإسلام، حافظ العصر، وحاكم الأنام، أبو الفضل شهاب الدين، أحمد بن عليّ، بن حجر العسقلانيّ الشافعيّ رحمهُ اللهُ تعالى:\nأما بعدَ حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فهذه أربعون حديثًا انتقيتها من \"صحيح مسلم بن الحجاج\" هي من العزيز الذي علا مسلم البخاريّ برجل في كلّ إسناد منها، إما أن يروي مسلم عن رجل حديثًا، ويكون البخاريّ قد روى ذلك الحديث بعينه عن ذلك الرجل بواسطة بينه وبينه. وإما أن يتفق معه في الشيخ الثالث للبخاريّ، وهو الثاني له، أو يتّفق معه في الرابع، وهو الثالث له. وعلى نظير ذلك كلّه أكثر هذه الأربعين. والله الموفّق والمعين، وأسأله أن ينفعنا بذلك، وأن يُتحفنا بالمطالب من إنقاذنا من المهالك، إنه على كلّ شيء قدير.\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعديّ الْفُرَاويّ، فقيه الحرم، أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، أنا أبو أحمد، محمد بن عيسى بن عمرويه الْجُلُوديّ، أنا إبراهيم بن محمد بن سُفيان، ثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الحديث الأول:</span>\nوحدثني أحمد بن حنبل، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه -﵁-، أنه: \"غزا مع رسول الله -ﷺ- ست عشرة غزوة\" (١).\nأخرجه البخاريّ في \"المغازي\" من \"صحيحه\" عن أحمد بن الحسن الترمذيّ، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، عن أحمد، فوقع بدلًا، فكأنه سمعه من مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الحديث الثاني:</span>\nوبالإسناد إلى ابن سفيان، ثنا مسلم، وحدثنا داود بن رُشَيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مُطَرِّف، أبي غَسَّان المدني، عن زيد بن أسلم، عن علي بن حسين، عن سعيد بن مَرْجَانة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه\" (٢).\nأخرجه البخاريّ في \"الكفّارات\" من \"صحيحه\" عن محمد بن عبد الرحيم المعروف بـ \"صاعقة\"، عن داود بن رُشيد بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"العتق\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"الجهاد والسير\" باب عدد غزوات النبيّ -ﷺ-. رقم (١٨١٤).\n(٢) أخرجه مسلم في \"كتاب العتق\" رقم (١٥٠٩).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الحديث الثالث:</span>\nوبه إلى مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، قال: \"رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله، أن ابن صائد الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك، عند النبي -ﷺ-، فلم ينكره النبي -ﷺ-\" ..\nأخرجه البخاريّ في \"الاعتصام\" من \"صحيحه\"، عن حماد بن حُميد، عن عبيد الله بن معاذ به. أخرجه مسلم في \"الفتن\" (١)، فكأنه سمعه من مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الحديث الرابع:</span>\nوبه: ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، ثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عبد الحميد الزيادي، أنه سمِع أنس بن مالك -﵁- يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ إلى آخر الآية [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (٢).\nأخرجه البخاريّ في \"التفسير\" من \"صحيحه\" عن أحمد بن النضر المروزيّ، وأخيه، محمد بن النضر، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ بهذا الإسناد. أخرجه في \"ذكر المنافقين والكفّار\" (٣)، فكأنه سمعه من مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>الحديث الخامس:</span>\nوبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد -يعني ابن زيد- أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك -﵁- قال: كنت ساقي القوم، يوم حُرِّمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ، البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال: فجرت في سِكَكِ المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهَرَقتها، فقالوا، أو قال بعضهم: قُتِل فلان، قتل فلان، وهي في بطونهم، قال: فلا أدري هو من حديث أنس، فأنزل\n_________\n(١) أخرجه في \"الفتن\" رقم (٢٩٢٩).\n(٢) أخرجه مسلم في \"كتاب صفة القيامة، والجنة والنار\" رقم (٢٧٩٦).\n(٣) قال محقق الكتاب: بل في الذي يليه: \"كتاب صفة القيامة، والجنة والنار\" \"باب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.","vol":"1","page":72},{"text":"الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٩٣].\nأخرجه البخاريّ -في \"المظالم\"- عن محمد بن عبد الرحيم، عن عفّان، عن حمّاد به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الأشربة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>الحديث السادس:</span>\nوبه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، أنه سمع سعيد بن المسيب، يحدث أن أبا هريرة، وأبا سعيد حدثاه: أن رسول الله -ﷺ- بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جَنِيب، فقال له رسول الله -ﷺ-: \"أكل تمر خيبر هكذا؟ \"، قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان\".\nأخرجه البخاريّ من طرق، من هذا الوجه، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"البيوع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>الحديث السابع:</span>\nوبه: ثنا شيبان بن فروخ، ثنا جرير بن حازم، ثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كيف كان شعر رسول الله -ﷺ-؟ قال: \"كان شعرا رَجِلًا، ليس بالْجَعْد، ولا السَّبِط، بين أذنيه وعاتقه\".\nأخرجه البخاريّ في \"اللباس\" عن عمرو بن عليّ، عن وهب بن جرير، عن أبيه به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"صفة النبيّ -ﷺ-\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>الحديث الثامن:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا معاوية بن سلام بن أبي سلام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا قلابة أخبره، أن ثابت بن الضحاك أخبره، أنه بايع رسول الله -ﷺ- تحت الشجرة، وأن رسول الله -ﷺ- قال: \"من حلف على يمينٍ بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه\".\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"كتاب الأشربة\" رقم (١٩٨٠).\n(٢) \"باب الطعام مثلا بمثل\" رقم (١٥٩٣).\n(٣) \"كتاب الفضائل\" رقم (٢٣٣٨).","vol":"1","page":73},{"text":"أخرجه البخاريّ في \"المغازي\" عن إسحاق، عن يحيى بن صالح، عن معاوية بن سلّام به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الفضائل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الحديث التاسع:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن بشر الْحَرِيري، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى ابن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره، أن سعيد بن جبير أخبره، أنه سمع ابن عباس قال: \"إذا حَرَّمَ الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها\"، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. رواه البخاريّ في \"الطلاق\" من \"صحيحه\" عن الحسن بن الصبّاح، عن الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلّام به، والمعنى متقارب، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الطلاق\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الحديث العاشر:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن عون الهلالي، قال يحيى: أخبرنا، وقال ابن عون: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: \"رأيت رسول الله -ﷺ- يأكل القثاء بالرطب\".\nأخرجه البخاريّ عن جماعة من أصحاب إبراهيم بن سعد، وأخرجه أيضًا عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم به، فكأنه من هذا الوجه سمعه من مسلم. (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الحديث الحادي عشر:</span>\nوبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت رِدْفَ رسول الله -ﷺ- على حمار، يقال له: عُفَير، قال: فقال -ﷺ-: \"يا معاذ، تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ \" قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال -ﷺ-: \"فإن حق الله على العباد، أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ﷿، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا\"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال -ﷺ-: \"لا تبشرهم، فيتكلوا\".\nأخرجه البخاريّ في \"الجهاد\" من \"صحيحه\" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص به، فكأنه سمعه من مسلم (٤).\n_________\n(١) الصواب في \"كتاب الإيمان\" رقم (١١٠).\n(٢) رقم (١٤٧٣).\n(٣) أخرجه في \"كتاب الأشربة\" رقم (٢٠٤٣).\n(٤) أخرجه في \"كتاب الإيمان\" رقم (٣٠).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الحديث الثاني عشر:</span>\nوبه: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود، حدثنا محمد بن حرب، حدثني محمد ابن الوليد الزُّبَيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، زوج النبي -ﷺ-، أن رسول الله -ﷺ- قال لجارية في بيت أم سلمة، زوج النبي -ﷺ- رأى بوجهها سَفْعَةً، فقال -ﷺ- \"بها نظرة، فاسترقوا لها\"- يعني بوجهها صفرة.\nأخرجه البخاريّ في \"الطبّ\" عن محمد بن خالد -يعني محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهليّ، عن محمد بن وهب بن عطيّة الدمشقيّ، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الطبّ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الحديث الثالث عشر:</span>\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: \"يُهلِك أمتي هذا الحيُّ من قريش\"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال -ﷺ-: \"لو أن الناس اعتزلوهم\".\nأخرجه البخاريّ في \"علامات النبوّة\" عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي أسامة به، فكأنه سمعه من مسلم أخرجه في \"الفتن\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الحديث الرابع عشر:</span>\nحدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: سمعت ربيعة بن يزيد الدمشقي، يقول: أخبرني أبو إدريس، عائذ الله، قال: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَني يقول: أتيت رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أَصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، أو بكلبي الذي ليس بمعلم، فأخبرني ما الذي يحل لنا من ذلك؟ قال -ﷺ-: \"أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل الكتاب، تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها، ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما أصبت بقوسك، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما أصبت بكلبك الذي ليس بمعلم، فأدركت ذكاته فكل\".\nأخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن أحمد بن أبي رجاء، عن سلمة بن سليمان، عن ابن المبارك به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الذبائح\" (٣).\n_________\n(١) رقم (٢١٩٧).\n(٢) رقم (٢٩١٧).\n(٣) رقم (١٩٣٠).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الحديث الخامس عشر:</span>\nوبه: وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: أخبرني أبو المليح، قال: دخلت مع أبيك، على عبد الله بن عمرو، فحدثنا أن رسول الله -ﷺ- ذُكر له صومي، فدَخَل علي، فألقيت له وسادة من أدم، حشوها لِيفٌ، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال -ﷺ- لي: \"أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ \" قلت: يا رسول الله، قال -ﷺ-: \"خمسا\"، قلت: يا رسول الله، قال -ﷺ-: \"سبعا\"، قلت: يا رسول الله، قال -ﷺ-: \"تسعا\" قلت: يا رسول الله، قال -ﷺ-: \"أحد عشر\"، قلت: يا رسول الله، فقال النبي -ﷺ-: \"لا صوم فوق صوم داود، شطرُ الدهر، صيام يوم، وإفطار يوم\".\nأخرجه البخاريّ في \"الاستئذان\" عن عبد الله بن محمد، عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن خالد الحذّاء به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الصوم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الحديث السادس عشر:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى، وشيبان بن فَرُّوخ، كلاهما عن عبد الوارث، قال يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التَّيّاح الضُّبَعي، حدثنا أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قدم المدينة، فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني انظر إلى رسول الله -ﷺ- على راحلته، وأبو بكر رِدْفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان رسول الله -ﷺ- يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا، فقال -ﷺ-: \"يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا\"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخل، وقبور المشركين، وخِرَبٌ، فأمر رسول الله -ﷺ- بالنخل فقُطع، وبقبور المشركين فنُبشت، وبالْخِرَب فسُوّيت، قال: فصفوا النخل قبلةً، وجَعَلوا عَضَادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله -ﷺ- معهم، وهم يقولون: \"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجره\".\nأخرجه البخاريّ بتمامه في \"الهجرة\"، وأخرج بعضه في \"الوصايا\" عن إسحاق بن\n_________\n(١) رقم (١١٥٩).","vol":"1","page":76},{"text":"منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه بهذا الإسناد، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الحديث السابع عشر:</span>\nوبه: حدثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة، أن أبا هريرة حدثه، أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: \"إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قَذَرني (٢) الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأُعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، شك إسحاق، إلا أن الأبرص، أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر، قال: فأُعطي ناقة عُشَرَاء، فقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قَذِرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه، وأُعطي شعرا حسنا، قال: فأيُّ المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، فقال: بارك الله لك فيها.\nقال: فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأُبصر به الناس، قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا، فأُنتج هذان، ووَلَّدَ هذا، قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.\nقال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغِ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص، يَقذرك الناس، فقيرا، فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت.\nقال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورَدّ عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.\n_________\n(١) من بابي سمع، ونصر.\n(٢) أخرجه في \"كتاب الزهد والرقائق\" رقم (٢٩٦٤).","vol":"1","page":77},{"text":"قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة، أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى، فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أَجْهَدك اليوم شيئا، أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُلِيتم، فقد رُضِي عنك، وسُخِط على صاحبيك\".\nأخرجه البخاريّ في \"ذكر بني إسرائيل\"، عن أحمد بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم، عن همّام به، وكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في أواخر الكتاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الحديث الثامن عشر:</span>\nوبه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ\".\nأخرجه البخاريّ في \"الفضائل، والمناقب\" عن محمد بن المثنّى، عن فضل بن مُساور، عن أبي عوانة، عن الأعمش به، فباعتبار العزو إلى الأعمش كأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الفضائل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الحديث التاسع عشر:</span>\nوبه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية ﵀ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله\".\nأخرجه البخاريّ بمعناه في \"الأدب\" عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش به، فمن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"التوبة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الحديث العشرون:</span>\nوبه: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا فضيل -يعني ابن عياض- عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدة السَّلْماني، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر إلى النبي -ﷺ-، فقال: يا محمد، أو يا أبا القاسم، إن الله تعالى يمسك السماوات يوم\n_________\n(١) \"باب من فضائل سعد بن معاذ\" رقم (٢٤٦٦).\n(٢) \"باب غيرة الله، وتحريم الفواحش\" رقم (٢٧٦٠).\n(٣) لا، بل هو في \"كتاب صفة القيامة، والجنة والنار\"، رقم (٢٧٨٦).","vol":"1","page":78},{"text":"القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله -ﷺ- تعجبا مما قال الحبر، تصديقا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].\nأخرجه البخاريّ في \"التفسير\" عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، وسليمان، كلاهما عن إبراهيم، به، فباعتبار العدد إلى منصور كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"التوبة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الحديث الحادي والعشرون:</span>\nوبه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ﵀ وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبو معاوية، ووكيع ﵀ وحدثنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي، واللفظ له، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: \"من حلف على يمينِ صبرٍ، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان\"، قال: فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيَّ نزلت، كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي -ﷺ-، فقال: \"هل لك بينة؟ \" فقلت: لا، قال: \"فيمينه\"، قلت: إذن يحلفَ، فقال رسول الله -ﷺ- عند ذلك: \"من حلف على يمينِ صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان\"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧].\nأخرجه البخاريّ في \"الإشخاص\" (٢) عن أنس بن خالد (٣)، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش به، فمن حيث العدد إلى الأعمش كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"الأيمان\" (٤).\n_________\n(١) الصواب في \"الشهادات\".\n(٢) \"باب من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة\" رقم (١٣٨).\n(٣) هكذا النسخة، وهو غلط، والصواب: \"عن بشر بن خالد\"، فتنبّه.\n(٤) هكذا النسخة، وهو غلط، والصواب: \"عن حفص بن غياث\"، وليس في كتب الرجال من يقال له: \"جعفر بن عُمارة\" أصلًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الحديث الثاني والعشرون:</span>\nوبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم جميعا، عن جعفر بن عُمارة (١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن عمر -﵁- قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد، قال -ﷺ-: \"أَوْفِ بنذرك\" (٢).\nأخرجه البخاريّ في \"الاعتكاف\" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله به، فباعتبار العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"الأيمان والنذور\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الحديث الثالث والعشرون:</span>\nوبه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، جميعا عن حفص، قال أبو بكر: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"اقرأ عليّ القرآنَ\"، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: \"إني أشتهي أن أسمعه من غيري\"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل.\nحدثنا هناد بن السري، ومِنْجَاب بن الحارث التميمي، جميعا عن علي بن مُسْهِر، عن الأعمش بهذا الإسناد، وزاد هناد في روايته: قال لي رسول الله -ﷺ- وهو على المنبر: \"اقرأ علي\".\n_________\n(١) هكذا نصّ النسخة، ولكن سياق مسلم ليس هكذا، بل هو: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن المثنى، وزهير بن حرب، واللفظ لزهير، قالوا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان- عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: \"فأوف بنذرك\". وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة ﵀ وحدثنا محمد بن مثنى، حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي﵀ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم، جميعا عن حفص بن غياث ﵀ وحدثنا محمد بن عمرو بن جَبَلَة بن أبي رواد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، كلهم عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقال حفص من بينهم: عن عمر بهذا الحديث، أما أبو أسامة، والثقفي، ففي حديثهما: اعتكاف ليلة، وأما في حديث شعبة، فقال: جعل عليه يوما يعتكفه، وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة.\n(٢) \"باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم\" رقم (١٦٥٦).\n(٣) رقم (٨٠٠) \"باب فضل استماع القرآن\".","vol":"1","page":80},{"text":"أخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان، عن الأعمش به، فكأنه سمعه من مسلم، أخرجه في \"الصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الحديث الرابع والعشرون:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا بشر بن المفضل، عن غالب القطان، عن بكر ابن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع رسول الله -ﷺ- في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه.\nأخرجه البخاريّ من طرُق، منها: عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن خالد بن عبد الرحمن، عن غالب به، فكأن البخاريّ من حيث عدد الرجال إلى غالب، سمعه من مسلم، أخرجه في \"الصلاة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الحديث الخامس والعشرون:</span>\nوبه: إلى الْجُلُوديّ، أنا ابن سفيان، عن مسلم، وثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب -وهو ابن عبد الرحمن القاري﵀ حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم -يعني ابن إسماعيل- كلاهما عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: \"أن رسول الله -ﷺ- حلق رأسه في حجة الوداع\".\nأخرجه البخاريّ في \"المغازي\" عن عُبيد الله بن سعيد، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة به، فكأنه سمعه من مسلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الحديث السادس والعشرون:</span>\nوبه: حدثني زهير بن حرب، حدثني يحيى -يعني ابن سعيد- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي أُسامة ﵀ وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، قالوا: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن القزع\".\nأخرجه البخاريّ عن محمد، عن مخلد، عن ابن جريج، عن عبيد الله به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم. أخرجه في \"اللباس\" (٤).\n_________\n(١) رقم (٦٢٠) \"باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحرّ\".\n(٢) أخرجه في \"كتاب الحجّ\" رقم (١٣٠٤) \"باب تفضيل الحلق على التقصير، وجواز التقصير\".\n(٣) رقم (٢١٢٠) \"باب كراهة القزع\".\n(٤) ما بين القوسين ليس في نسخة مسلم.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الحديث السابع والعشرون:</span>\nوبه: حدثني أحمد بن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: لحسن بن عليّ -رضي الله تعالى عنهما- (١) \"اللهم إني أحبه، فأحبه، وأحبب من يحبه\".\nنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة -﵁- قال: خرجت مع رسول الله -ﷺ- في طائفة من النهار، لا يكلمني، ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف، حتى أتى خباء فاطمة، فقال: \"أثم لُكَعُ، أثم لكع\" -يعني حسنا- فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله، وتُلْبِسه سِخَابا، فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"اللهم إني أحبه، فأحبه، وأحبب من يحبه\".\nأخرجه البخاريّ في \"اللباس\" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن ورقاء بن عمر، عن عبيد الله بن أبي يزيد به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الحديث الثامن والعشرون:</span>\nوبه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة ﵀ وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي ﵀ وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد ﵀ وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، واللفظ له، حدثنا معتمر، عن إسمَاعيل، قال: سمعت قيسا يروي عن أبي مسعود -﵁- قال: أشار النبي -ﷺ- بيده نحو اليمن، فقال -ﷺ-: \"ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر\".\nرواه البخاريّ في \"بدء الخلق\" عن عبد الله بن محمد، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل به، فمن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"الإيمان\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الحديث التاسع والعشرون:</span>\nوبه: وحدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، وأيوب، وحميد، وعبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة -﵁-: أن\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"كتاب فضائل الصحابة\" رقم (٢٤٢١) \"باب فضل الحسن والحسين\".\n(٢) أخرجه مسلم في \"الإيمان\" رقم (٥١) \"باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن\".","vol":"1","page":82},{"text":"النبي -ﷺ- مَرَّ به وهو بالحديبية، قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قِدْر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال -ﷺ-: \"أيوذيك هوامك هذه؟ \" قال: نعم، قال: \"فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقًا بين ستة مساكين\" -والفرق ثلاثة آصع- \"أو صم ثلاثة أيام، أو انسُك نسيكة\". قال ابن أبي نجيح: \"أو اذبح شاة\".\nأخرجه البخاريّ بمعناه في \"الحجّ\" عن إسحاق، عن رَوْحٍ، عن شِبْلٍ. وفي \"المغازي\" عن الحسن بن خَلَف، عن إسحاق بن يوسف، عن ورقاءً، كلاهما عن ابن أبي نجيح به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ سمعه من مسلم، أخرجه في \"الحجّ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>الحديث الثلاثون:</span>\nويه: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالا: حدثنا ابن وهب، أنا عمرو بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ-: قال: \"من مات وعليه صيام، صام عنه وليه\". أخرجه البخاريّ في \"الصوم\" عن محمد بن خالد -هو الذهليّ- عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث به، فكأنه سمعه من مسلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الحديث الحادي والثلاثون:</span>\nوبه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وإسحق بن إبراهيم، واللفظ لعثمان، قال إسحق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، حدثني البراء بن عازب، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة\"، قال: فرددتهن، لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: \"آمنت بنبيك الذي أرسلت\".\nأخرجه البخاريّ من طرق، منها: عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور به، فباعتبار العدد إليه كأن البخاريّ رواه عن مسلم، أخرجه في \"الدعاء\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه في \"الحجّ\" رقم (١٢٠١) \"باب جواز حلق الرأس للمحرم\".\n(٢) أخرجه في \"كتاب الصيام\" رقم (١١٤٧) \"باب قضاء الصيام عن الميت\".\n(٣) رواه مسلم في \"كتاب الذكر والدعاء\" رقم (٢٧١٠) \"باب ما يقول عند النوم\".","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الحديث الثاني والثلاثون:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر\".\nرواه البخاريّ في \"الطهارة\" عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ به، فكأنه سمعه من مسلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>الحديث الثالث والثلاثون:</span>\nوبه: وحدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ \"، قال: \"ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي\".\nأخرجه البخاريّ في \"التفسير\" من \"صحيحه\" عن سعيد بن تَلِيد، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهريّ به، فباعتبار العدد إلى يونس كأن البخاريّ سمعه من إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، وهو من أنزل حديث وقع للبخاريّ من هذا الوجه. والله أعلم. وسيأتي نظيره بعد حديث. أخرجه في \"الإيمان\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الحديث الرابع والثلاثون:</span>\nوبه: وحدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن الحارث، أن بكيرا حدثه، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، أن أباه حدثه، عن عائشة، زوج النبي -ﷺ- أنها نصبت سترا، فيه تصاوير، فدخل رسول الله -ﷺ-، فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين، فقال رجل في المجلس حينئذ، يقال له: ربيعة بن عطاء، مولى بني زهرة، أفما سمعت أبا محمد يذكر أن عائشة قالت: فكان رسول الله -ﷺ- يرتفق عليهما، قال ابن القاسم: لا، قال: لكني قد سمعته، يريد القاسم بن محمد.\nوحدّثنا قتيبة، وابن رُمح، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن القاسم، عن عائشة -﵂- بهذا الحديث.\n_________\n(١) رواه مسلم في \"الطهارة\" رقم (٢٣٧) \"باب الإيتار في الاستنثار\".\n(٢) رواه مسلم في \"كتاب الإيمان\" رقم (١٥١) \"باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة\".","vol":"1","page":84},{"text":"أخرجه البخاريّ من طرُق، منها: في \"بدء الخلق\" عن محمد هو ابن سلام، عن مخلد -هو ابن يزيد-، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع به، فباعتبار العدد إلى نافع، فكأن البخاريّ سمعه ممن سمعه من مسلم. أخرجه في \"اللباس\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>الحديث الخامس والثلاثون:</span>\nوبه: حدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة، زوج النبي -ﷺ- أخبرته أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال -ﷺ-: \"ما أنا بقارئ\"، قال -ﷺ-: \"فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ \"، فرجع بها رسول الله -ﷺ-، ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: \"زملوني زملوني\"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: \"أي خديجة، ما لي\"؟ وأخبرها الخبر، قال: \"لقد خَشِيت على نفسي\"، قالت له خديجة: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك، قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -ﷺ- خبر ما رآه، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى -ﷺ- يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول الله -ﷺ-: \"أو مخرجي هم؟ \" قال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.\n_________\n(١) رواه مسلم في \"اللباس\" رقم (٢١٠٧) \"باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة\".","vol":"1","page":85},{"text":"أخرجه البخاريّ من هذا الوجه في \"التفسير\" عن سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة، عن أبي صالح سَلْمُويه، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ به، ومن حيث العدد كأنه سمعه ممن سمعه من مسلم. أخرجه في \"الإيمان\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الحديث السادس والثلاثون:</span>\nوبه: حدثني أبو الطاهر، قال: أخبرني ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن ثور ابن زيد الدؤلي، عن سالم أبي الغيث، مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة -﵁- وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهذا حديثه، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة -﵁- قال: خرجنا مع النبي -ﷺ- إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا، ولا ورقا، غَنِمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله -ﷺ- عبد له، وهبه له رجل من جُذَام، يدعى رفاعة بن زيد، من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي، قام عبد رسول الله -ﷺ- يَحُلُّ رحله، فرمي بسهم، فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله -ﷺ-: \"كلا والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم\"، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله -ﷺ-: \"شراك من نار، أو شراكان من نار\".\nأخرجه البخاريّ في \"المغازي\" عن عبد الله بن محمد، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك به، فكأنه من طريق مالك من مسلم، وكأنه من طريق عبد العزيز بن محمد سمعه ممن سمعه منه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الحديث السابع والثلاثون:</span>\nوبه: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى ﵇، فقال ابن عباس، هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب الأنصاري، فدعاه ابن عباس، فقال: يا أبا الطفيل هلم إلينا، فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا، في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله -ﷺ- يذكر شأنه، فقال أُبَيّ: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:\n_________\n(١) رواه مسلم في \"الإيمان\" رقم (١٦٠) \"باب بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺ-\".\n(٢) أخرجه مسلم في \"كتاب الإيمان\" رقم (١١٥) \"باب غلظ تحريم الغلول\".","vol":"1","page":86},{"text":"\"بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى، بل عبدنا الخضر، قال: فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا افتقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه، فسار موسى ما شاء الله أن يسير، ثم قال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فقال فتى موسى حين سأله الغداء: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، فقال موسى لفتاه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، فوجدا خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه\"، إلا أن يونس قال: \"فكان يتبع أثر الحوت في البحر\".\nرواه البخاريّ من طرُق، منها: في \"أحاديث الأنبياء\" عن عمرو، وفي \"العلم\" عن محمد بن غُرير الزهريّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ به، وبالمعنى المتقارب، فباعتبار العدد إلى الزهريّ كأن البخاريّ رواه عن مسلم. أخرجه في \"أحاديث الأنبياء ﵈\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الحديث الثامن والثلاثون:</span>\nوبه: وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين، أن الحسين بن علي، حدثه عن علي بن أبي طالب، أن النبي -ﷺ- طرقه وفاطمة، فقال: \"ألا تصلون؟ \" فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله -ﷺ- حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر، يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.\nرواه البخاريّ في \"التفسير\" عن عليّ بن عبد الله، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان. وفي \"التوحيد\" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، كلاهما عن الزهريّ به، ومن حيث العدد كأن البخاريّ سمعه من مسلم. أخرجه في \"الصلاة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الحديث التاسع والثلاثون:</span>\nوبه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك -﵁- أنه سمعه يقول: كان رسول الله -ﷺ- ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد الْقَطَط، ولا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"كتاب الفضائل\" رقم (٢٣٨٠) \"باب من فضائل الخضر ﵇\".\n(٢) رواه في \"الصلاة\" رقم (٧٧٥) \"باب فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح\".","vol":"1","page":87},{"text":"بالسَّبِطِ، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء\".\nوحدثني القاسم بن زكرياء، حدثنا خالد بن مخلد، حدثني سليمان بن بلال، كلاهما عن ربيعة -يعني ابن أبي عبد الرحمن- عن أنس بن مالك، بمثل حديث مالك ابن أنس، وزاد في حديثهما: كان أَزْهَرَ (١).\nرواه البخاريِّ من وجوه، منها: في \"صفة النبيّ -ﷺ -\" عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة به، فكأنه سمعه من حيث العدد من مسلم. أخرجه في \"الفضائل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الحديث الأربعون:</span>\nوبه: حدثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: حدثني محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قَدِمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك، قال: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله -ﷺ- أني أحب أن تأتيني، فتصلي في منزلي، فأتخذه مصلى، قال: فأتى النبي صلى -ﷺ-، ومن شاء الله من أصحابه، فدخل، وهو يصلي في منزلي، وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عُظْم ذلك وكبره إلى مالك بن دُخْشُم، قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقضى رسول الله -ﷺ- الصلاة، وقال -ﷺ-: \"أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ \" قالوا: إنه يقول ذلك، وما هو في قلبه، قال: \"لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخلَ النار\" أو \"تطعمه\". قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه.\nرواه البخاريّ في \"الصلاة\" عن إسحاق بن إبراهيم، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الزهريّ، عن أنس به (٣)، فباعتبار العدد إلى أنس بن مالك -﵁- كأنه سمعه من مسلم. انتهى. الرسالة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) كان في النسخة تخليط في الأسانيد، والإصلاح من نسخة \"صحيح مسلم\".\n(٢) رواه مسلم في \"الفضائل\" رقم (٢٣٤٧) \"باب صفة النبيّ -ﷺ-\".\n(٣) هذا يحتاج إلى تحرير، فإن سند البخاريّ من طريق إسحاق بن إبراهيم ليس فيه ذكر لأنس أصلًا، وإنما ذكر أنس عند مسلم، فليُحرّر. انظر رقم الحديث (١١٨٥) فتح الباري ٣/ ٧٨.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الثامنة عشرة: في ذكر رسالة الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي المصري المالكيّ الشهير برَشِيد الدين العطّار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ) رحمهُ اللهُ تعالى (١) المسمّاة \"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة</span>\"\nونصّها:\nبسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، الحمد لله حق حمده، وصلواته وسلامه على محمد نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده.\nوبعدُ: فهذه أحاديث مخرجة من صحيح الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري الحافظ -﵁- وقعت شاذة عن رَسْمه فيه، ذَكَرها الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري ﵀ في كتابه المسمى بـ \"المعلم\"، ونَصَّ على أنها وقعت في كتاب مسلم مقطوعة الأسانيد، وعَدَّها أربعة عشر حديثا، ونبه على أكثرها في مواضعها من كتابه، إلا أنه لم يبين صفة انقطاعها، ولا ذكر من وصلها كلها من أئمة الرواة، فربما توهم الناظر في كتابه، ممن ليس له عناية بالحديث، ولا معرفة بجمع طرقه، أنها من الأحاديث التي لا تتصل بوجه، ولا يصح الاحتجاج بها؛ لانقطاعها.\nوقد رأيت غير واحد يَلْهَج بذكرها، ويظنها على هذه الصفة، وليس الأمر كذلك، بل هي متصلة كلها -والحمد لله- من الوجوه الثابتة التي نوردها فيما بعدُ -إن شاء الله-.\nوهذا القول الذي قاله الإمام أبو عبد الله المازري، إنما أخذه فيما قيل من كلام الحافظ أبي علي الغساني الأندلسي، فإنه جمعها قبله، وعَدَّها كذلك أيضًا، إلا أنه نبه على اتصال بعضها، ولم يستوعب ذلك في جميعها، ولعل المازري ﵀ إنما ترك التنبيه على اتصاله؛ لاكتفائه بما ذكره أبو علي الحافظ، على أنهما قد خولفا في إطلاق تسمية المقطوع على أحاديث منها، ولم يُسَلَّم لهما ذلك فيها، على ما يأتي بيانه في موضعه -إن شاء الله-.\nوقد استخرت الله سبحانه، وجمعتها في هذا الجزء لنفسي، ولمن شاء الله أن ينتفع بها، وأضفت إليها ما وقع لي في صحيح مسلم من جنسها، مما لم يعده الحافظ أبو علي في جملتها، وبينت وجوه اتصالها كلها، وسميت من وصلها من الثقات\n_________\n(١) رواه مسلم في \"الإيمان\" رقم (٣٣) \"باب من لقي الله بالإيمان، وهو غير شاك فيه دخل الجنة، وحرم على النار\".","vol":"1","page":89},{"text":"المعتمد على قولهم في هذا الشأن، ومن أخرجها في كتبه من أئمة الحديث، مستعينا في ذلك كله بالله ﷿، ومستمدا هدايته، وإرشاده، وتوفيقه إلى الصواب، وإسعاده، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الحديث الأول:</span>\nقال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵀ في \"كتاب الطهارة\":\nوروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي -ﷺ- حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله -ﷺ- من نحو بئر جَمَل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله -ﷺ- حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه.\nقلت: هكذا أخرجه مسلم في \"صحيحه\" مقطوعًا، وهو حديث صحيح، ثابت متصل في كتاب البخاري وغيره، من حديث الإمام أبي الحارث، الليث بن سعد بن عبد الرحمن المصري الفقيه، عن جعفر بن ربيعة بن شُرَحبيل المصري، أخرجه الأئمة الثقات: البخاري، وأبو داود، والنسائي، في مصنفاتهم، متصلا من حديثه، فرواه البخاري عن يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري عنه، وابن بكير هذا من شرط مسلم، فإنه احتج بحديثه، وروى عن أبي زرعة الرازي، وعن غير واحد عنه. ورواه أبو داود (١)، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، وعبد الملك هذا من ثقات المصريين، روى عنه مسلم في \"صحيحه\" عدةَ أحاديث من روايته، عن أبيه، عن جده.\nورواه النسائي (٢) عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، والربيع بن سليمان هذا هو المرادي، صاحب الإمام الشافعي ﵀، مشهور من ثقات المصريين، وأكابرهم.\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ المحدث أبو الحسين يحيى ابن الشيخ الجليل المحدث علي بن عبد الله بن علي ابن مفرج القرشيّ النابلسيّ المالكيّ، رشيد الدين، احترف التجارة في العطر تبعا لوالده، فنُعت بالعطّار، وُلد في شعبان سنة (٥٨٤ هـ) وتوفي يوم الاثنين الثاني من جمادى الأولى سنة (٦٦٢ هـ) رحمه الله تعالى. وقد ذكر ترجمته محقق هذه الرسالة محمد خرشافي، فأجاد، وأفاد، راجع ما كتبه ص ٤٥ - ١٠٥.\n(٢) في \"سننه\" رقم (٣٢٩).","vol":"1","page":90},{"text":"وقد أخبرنا به من طريق البخاري الشيخ المحدث الثقة، أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت الأنصاري الخزرجي ﵀، قراءةً عليه، في شهر رمضان، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بمصر، أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدي النحوي، قراءةً عليه، وأنا أسمع، أخبرتنا الحرة الصالحة المجاورة، أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، بقراءتي عليها بمكة شرفها الله، سنة ست وخمسين وأربعمائة، أنا أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد الكشميهني الأديب، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، أنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، قراءةً عليه، وأنا أسمع غير مرة، ثنا يحيى ابن بكير، ثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال سمعت عميرا مولى ابن عباس، قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي -ﷺ- حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل النبي -ﷺ- من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي -ﷺ- حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد -ﷺ-.\nهكذا أورده البخاري في \"صحيحه\"، فثبت اتصاله، وصح الاحتجاج به.\nووقع في هذا الحديث وَهَمٌ في \"صحيح مسلم\"، وهو قوله: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار، وصوابه: عبد الله بن يسار، كما أوردناه من \"صحيح البخاري\" آنفًا، وكذلك هو في كتابي أبي داود، والنسائي أيضًا، عبد الله بن يسار على الصواب، وهو أخو عطاء، وسليمان، وعبد الملك بن يسار، مولى ميمونة، زوج النبي -ﷺ-.\nوأبو جهيم هذا اسمه: عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قاله أبو مسعود الدمشقي، وخلف بن محمد الواسطي الحافظان، ولم يسمه الكلاباذي، ولا أبو عمر بن عبد البر، وذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي وغيره، أنه يقال له: أبو جهم أيضًا. والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>الحديث الثاني:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الصلاة\" في إحدى الروايات عنه: حدثنا صاحب لنا، ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مِغْول، عن الحكم، بهذا الإسناد مثله. يعني مثل الحديث الذي قبله، وهو حديث الحكم بن عتيبة، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك ... الحديث.","vol":"1","page":91},{"text":"قلت: وهذا الحديث مما اتفق الأئمة الحفاظ على صحته وثبوته، وأخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن ماجه (٦)، في كتبهم، من طرق ثابتة، عن الحكم بن عتيبة بإسناده المذكور متصلا.\nوقول مسلم ﵀ في بعض طرقه: حدثنا صاحب لنا، لا يسمى مقطوعا عند أكثر المحدثين؛ لأن المقطوع في اصطلاحهم ما لم يتصل سنده، وكان في رواته من دون التابعين من لم يسمعه ممن فوقه، كرواية مالك بن أنس، عن عبد الله بن عمر، ورواية الثوري عن جابر بن عبد الله، ونحو ذلك، وهو نوع من المرسل، إلا أنهم قصروا المرسل على التابعين، إذا أرسلوه عن النبي -ﷺ-، ولم يذكروا فيه الصحابي.\nوقول أبي علي: إن ما تقدم ذكره يسمى مقطوعا، هو قول الحاكم أبي عبد الله بن الْبَيِّع النيسابوري، والذي عليه الأكثر من علماء الرواية، وأرباب النقل أن قول الراوي: حدثنا صاحب لنا، وحدثني غير واحد، وحدثني من سمع فلانا، وحُدثت عن فلان، ونحو ذلك معدود في المسند؛ لأنه لم ينقطع له سند، وإنما وقعت الجهالة في أحد رواته، كما لو سُمِّي ذلك الراوي، وجُهل حاله على أنه لم يقع كذلك في كتاب مسلم، إلا من طريق أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر الأشقر، عن القلانسي، عن مسلم.\nووقع في روايتنا من طريق أبي أحمد الجلودي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم مسمى، غير مبهم.\nونحن نورده من \"صحيح مسلم\" كما رويناه؛ ليتضح اتصاله:\nأخبرنا به جماعة من شيوخنا، قراءةً عليهم، قالوا: أنا الشريف أبو المفاخر المأموني (٧) قراءة عليه، ونحن نسمع، أنا الإمام أبو عبد الله الفراوي رحمهُ اللهُ تعالى وأخبرنا عاليا الشيخ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي ﵀، إذنا وكتابة من نيسابور، أنا الإمام فقيه الحرم، أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، قراءة عليه، وأنا أسمع، أنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، ثنا الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ثنا محمد بن مثنى،\n_________\n(١) \"المجتبى\" ١/ ١٦٥ - ١٦٦.\n(٢) \"الصلاة\" رقم ٤٠٦.\n(٣) \"الصلاة\" رقم ٩٧٦ و٩٧٧.\n(٤) \"الصلاة\" ٤٨٣.\n(٥) \"المجتبى\" ٣/ ٤٨.\n(٦) \"الصلاة\" رقم ٩٠٤.\n(٧) وفي نسخة الشيخ مشهور حسن: \"المأموليّ\" باللام بدل النون.","vol":"1","page":92},{"text":"ومحمد بن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج علينا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال -ﷺ-: قولوا: \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\".\nقال: ثنا زهير بن حرب، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن شعبة، ومسعر، عن الحكم بهذا الإسناد مثله. وليس في حديث مسعر: \"ألا أُهدي لك هدية\".\nقال حدثنا محمد بن بكار: قال: ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مغول، كلهم عن الحكم بهذا الإسناد مثله. واللفظ للمأموني.\nقلت فهذه طرق هذا الحديث في \"صحيح مسلم\" متصلة كلها من الوجه الذي أوردناه عنه، فثبت اتصاله من جميع طرقه، في كتاب مسلم، والحمد لله.\nوقد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ: وقد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع، يعني إذا روي ذلك الحديث من وجه آخر، وسمي ذلك الرجل فيه كما وقع في إسناد هذا الحديث.\nقال: فهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة. والله أعلم.\nقال العطار: قلت: وقد وقع لي هذا الحديث أعلى من طريق \"الصحيح\" بدرجتين كأني سمعته من عبد الغافر الفارسي ﵀، وهو ما أخبرنا به أبو الْيُمْن، زيد بن الحسن ابن زيد البغدادي، بقراءتي في منزله بدمشق، أخبركم أبو منصور، عبد الرحمان بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، قراءة عليه، وأنت تسمع ببغداد، فأقر به، ثنا القاضي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن المهتدي بالله من لفظه وكتابه، ثنا أبو حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد، إملاء، ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي يعني ابن الجعد، أنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، فذكر نحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الحديث الثالث:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الصلاة\" أيضًا: حدثت عن يحيى بن حسان، ويونس بن","vol":"1","page":93},{"text":"محمد المؤدب، وغيرهما، قالوا: ثنا عبد الواحد، حدثني عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: \"كان رسول الله -ﷺ- إذا نهض من الركعة الثانية، استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ولم يسكت\".\nقال العطار: قلت: وهذا أيضًا لا يسمى مقطوعا عند جماعة من أرباب النقل، وإنما هو مسند، وقع الإبهام في أحد رواته، كما بيناه، ومع ذلك فهو حديث صحيح الإسناد، متصل، أخرجه الحافظ أبو بكر، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري في \"مسنده\"، فرواه عن أبي الحسن، محمد بن مسكين اليمامي، نزيل البصرة، عن يحيى بن حسان التنيسي، بإسناده كذلك متصلا. وأبو بكر البزار هذا من أكابر الحفاظ، ومحله في هذا العلم وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، وشيخه في هذا الحديث محمد بن مسكين من ثقات الرواة، روى عنه البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\"، فثبت اتصاله، والحمد لله.\nوأخرجه أيضًا لحافظ، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وناهيك به جلالة ونبلا ومعرفة بهذا الشأن، في كتابه المسمى بـ \"المسند الصحيح المستخرج على كتاب مسلم\"، وهو كتاب جليل، كثير الفوائد.\nونحن نورده منه؛ ليتضح اتصاله: وأخبرناه أبو طاهر الفرشي، مكاتبةً عن أبي علي الحداد ﵀ وأنبأنا الحافظ أبو محمد المقدسي، قال: أنا أبو موسى الحافظ المديني، وأبو بكر محمد بن أحمد الْجَوزداني، قراءة عليهما، أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرىء، أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر الطلحي، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا ابن عسكر رحمهُ اللهُ تعالى قال أبو نعيم: وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن عمر، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، ثنا يحيى بن حسان، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: \"كان رسول الله -ﷺ- إذا قام للركعة الثانية، استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، ولم يسكت\". لفظهم سواء. وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن سهل بن عسكر، روى عنه مسلم في \"صحيحه\". والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الحديث الرابع:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الصلاة\" أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنا يحيى بن آدم، ثنا الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾،","vol":"1","page":94},{"text":"وذكر باقي الحديث.\nثم قال عقيبه: ورواه الأشجعي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأناها مع النبي -ﷺ- زمانا، بمثل حديث فضيل بن مرزوق.\nقال العطار: قلت: هكذا أورده مسلم في \"صحيحه\"، وهو حديث صحيح متصل من حديث فضيل بن مرزوق بالإسناد المذكور، انفرد به مسلم، دون البخاري. وقوله بعد إيراده: ورواه الأشجعي عن سفيان، إنما هو على وجه المتابعة، وذِكرُ متابعة الرواة بعضهم بعضا على رواية الحديث، لا يقدح في اتصاله، بل يقويه، ويؤيده، وفي \"صحيح البخاري\" من هذا النمط كثير. والله ولي التوفيق.\nوالأشجعي هذا: اسمه عبيد الله بن عُبَيْدِ الرحمن، كوفي ثقة، وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الإحتجاج بحديثه، في \"صحيحيهما\"، وقد وقع لي حديثه هذا الذي أشار إليه مسلم ﵀ بالإسناد المتصل، وهو: ما أخبرنا المشايخ الثقات الحافظ: أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، وأبو محمد عبد الله بن عبد الجبار العثماني، وأبو صابر حامد بن أبي القاسم الأهوازي، وغير واحد، قراءةً عليهم، قالوا: أنا أحمد بن محمد الحافظ، أنا أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي بأصبهان، أنا أبو زكرياء يحيى بن إبراهيم بن محمد المزكي، أنا أحمد بن أبي محمد ابن عبدوس الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، وهو ابن نصر البغدادي، ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: \"قرأناها مع رسول الله -ﷺ- أياما: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، وصلوات العصر\"، ثم قرأناها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، فلا أدري أهي هي أم لا؟ .\nقلت: وهذا إسناد حسن متصل، وليس لشقيق بن عقبة ذكر في \"صحيح مسلم\" إلا في هذا الحديث فيما علمت.\nوأخرجه الحافظ أبو علي بن السكن المصري، في جمعه حديث الثوري، فرواه عن رجل، عن عثمان بن سعيد الدارمي بهذا الإسناد، وقال عقيبه: لم يسند شقيق بن عقبة غير هذا الحديث، والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>الحديث الخامس:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الجنائز\": وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ثنا عبد الله ابن وهب، أنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب، أنه سمع محمد بن قيس","vol":"1","page":95},{"text":"يقول: سمعت عائشة تحدث، فقالت: ألا أحدثكم عن النبي -ﷺ- وعني؟ قلنا: بلى رحمهُ اللهُ تعالى ثم قال مسلم: وحدثني من سمع حجاجا الأعور، واللفظ له، ثنا حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله، رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب، أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟، فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -ﷺ-؟ قلنا: بلى، فذكر ... الحديث بطوله، في خروج النبي -ﷺ- إلى البقيع، وصلاته على أهل القبور، وسنورده بكماله فيما بعدُ إن شاء الله تعالى.\nوهذا الحديث صحيح متصل أيضًا، في كتاب مسلم؛ لأنه أورد إسناده متصلا إلى النبي -ﷺ- كما ترى، إلا أنه جعل لفظه لمن لم يسمه من شيوخه، عن حجاج، وقد تقدم الجواب عن مثل هذا، ومع ذلك فحديث حجاج هذا، قد رواه عنه غير واحد من الثقات، منهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، ويوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي، وأخرجه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في \"سننه\" (١) عن المصيصي هذا، وذكر أنه ثقة حافظ.\nقلت: إلا أن يوسف بن سعيد هذا خالف أصحاب حجاج في قوله: عن عبد الله ابن أبي مليكة، على ما يأتي بيانه.\nوقد أخبرنا بهذا الحديث الشيخ أبو بكر بن أبي الفتح البغدادي المعدل، قراءة عليه، أنا طاهر بن محمد بن طاهر الهمداني، أنا أبو محمد عبد الرحمان بن حمد بن الحسن الفقيه، أنا القاضي أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا الحافظ أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي، أنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول: سمعت عائشة -﵂- تُحدث، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -ﷺ- قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي هو عندي -تعني النبي -ﷺ- انقلب، فوضع نعليه عند رجليه، وبسط طرف ردائه على فراشه، فلم يلبث إلا رَيْثَما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رُويدًا، وأخذ رداءه رويدا، ثم فتح الباب رويدا، وخرج رويدا، وجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتَقَنَّعْتُ إزاري، وانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام، ثم انحرف، فانحرفت، فأسرع، فأسرعت، فهرول، فهرولت، فأَحضر، فأحضرت، وسبقته، فدخلت، فليس إلا أن\n_________\n(١) \"المجتبى\" ٧/ ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":96},{"text":"اضطجعت، فدخل، فقال -ﷺ-. \"ما لك يا عائشة حَشْيَا رابية\"؟، قلت: لا، قال -ﷺ-: \"لتخبرني، أو ليخبرني اللطيف الخبير\"، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر، قال -ﷺ-: \"وأنت السواد التي رأيت أمامي؟ \" قالت: نعم، قالت: فَلَهَزَني في صدري لَهْزَة أوجعتني، ثم قال -ﷺ-: \"أظننت أن يحيف الله ورسوله؟ \" قلت: مهما يكتم الناس فقد علمه الله، قال -ﷺ-: \"فإن جبريل ﵇ أتاني حيث رأيتِ، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك، فناداني، فأخفى منك، فأجبته فأخفيت منك، فظننت أن قد رقدت، وخشيت أن تستوحشي، فأمرني أن آتي أهل البقيع، فأستغفر لهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الحديث السادس:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب المساقاة\": وحدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان -وهو ابن بلال- عن يحيى ابن سعيد، عن أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، أن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: سمعت عائشة تقول: سمع رسول الله -ﷺ- صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج رسول الله -ﷺ- عليهما، فقال: \"أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ \" قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب؟ .\nقال المازوري في \"المعلم\" في \"كتاب المساقاة\" خرّج مسلم في \"باب الحوائج\" حديثين مقطوعين، فذكر الأول منهما، وهو حديث الباب، ثم عقب عليه بقوله: وهذا الحديث يتصل لنا من طريق البخاري (١)، ورواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وقد حدث مسلم عن إسماعيل بن أبي أويس، دون واسطة في \"كتاب الحج\" وفي آخر \"كتاب الجهاد\"، وروى أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزدي، عن إسماعيل بن أبي أويس في \"كتاب اللعان\"، وفي \"كتاب الفضائل\".\nأما قول مسلم: حدثني غير واحد من أصحابنا، فقد قال أبو نعيم في \"المستخرج\": يقال: إن مسلما حمل هذا الحديث عن البخاري. قال القاضي عياض: إذا قال الراوي: حدثني غير واحد، أو حدثني الثقة، أو حدثني بعض أصحابنا، ليس هو من المقطوع، ولا من المرسل، ولا من المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرواية عن المجهول (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاريّ في \"كتاب الصبح\" رقم ٢٧٠٥.\n(٢) قال النووي بعدما نقل كلام القاضي هذا: لكن كيف كان، فلا يُحتجّ بهذا المتن من هذه الرواية لو لم يثبت من طريق آخر، ولكن قد ثبت من طريق آخر، فقد رواه البخاريّ في \"صحيحه\" عن إسماعيل =","vol":"1","page":97},{"text":"وقوله: \"وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه\": أي يطلب منه الحط عنه من أصل الدين، والرفق في الاستيفاء. و\"المتألي\": هو الحالف، من الأَلِيَّة، وهي اليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الحديث السابع:</span>\nوأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب المساقاة\": أيضًا: حديثا آخر قال: وروى الليث بن سعد، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أنه كان له مال، على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ... الحديث. نص المازري في كتابه \"المعلم\" على أن هذا الحديث مقطوع، وتقدم نظيره في الحديث الأول، وحديث كعب بن مالك هذا حديث صحيح، متصل السند، أخرجه مسلم من غير طريق الليث بن سعد، فقد رواه عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه. ثم رواه عن إسحاق ابن إبراهيم، عن عثمان بن عمر، عن يونس به. ثم ساق الطريق الثالث بقوله: وروى الليث بن سعد ... الحديث. بل قد أخرجه الأئمة الحفاظ من طرق صحيحة متصلة، أخرجه أبو عبد الله البخاري من عدة طرق، منها طريق الليث بن سعد. وأخرجه أبو عبد الرحمن النسائي، وأخرجه أبو داود، وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" والدارمي في \"سننه\" (١).\nونصه في \"صحيح البخاري\" من طريق الليث بن سعد، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: حدثني عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال، فلقيه فلزمه، حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي -ﷺ-، فقال: \"يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول: النصف\" فأخذ نصف ماله عليه، وترك نصفا. وبهذا ثبت صحة الحديث في\n_________\n= ابن أبي أويس، ولعل مسلمًا أراد بقوله: \"غير واحد\" البخاريّ وغيره. وقد حدّث مسلم عن إسماعيل هذا من غير واسطة في \"كتاب الحج\"، وفي آخر \"كتاب الجهاد\"، وروى مسلم أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزديّ، عن إسماعيل في \"كتاب اللعان\"، وفي \"كتاب الفضائل\". انتهى \"شرح مسلم\" ١٠/ ٢١٩.\nواستبعد الشيخ مشهور رواية مسلم عن البخاري، لكونه لقيه بعد إتمام \"صحيحه\"، وقد تقدّم البحث عن هذا.\n(١) أخرجه البخاريّ في \"كتاب الصلح\" رقم ٢٧٠٦ والنسائيّ في \"المجتبى\" ٨/ ٢٤٤ وأبو داود في \"كتاب الأقضية\" ٣٥٩٥ وابن ماجه في \"كتاب الصدقات\" رقم ٢٤٢٩ وأحمد في \"مسنده\" ٦/ ٣٩٠. والدارميّ في \"سننه\" في \"البيوع\" ٢/ ٢٦١.","vol":"1","page":98},{"text":"\"صحيح مسلم\" وغيره من طرق أخرى، ويثبت اتصاله من طريق الليث في \"صحيح البخاري\" والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الحديث الثامن:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب المساقاة\" حديثا، ذكر المازري أنه من الأحاديث الأربعة عشر المقطوعة في \"صحيح مسلم\"، وهو قوله:\nوحدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد الله، عن عمرو ابن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن أبي معمر، أحد بني عدي بن كعب، قال: قال رسول الله -ﷺ-، فذكر بمثل حديث سليمان بن بلال، عن يحيى.\nوهذا نص حديث سليمان بن بلال المذكور: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى -وهو ابن سعيد- قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمرا قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من احتكر فهو خاطىء\"، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.\nثم رواه مسلم في \"صحيحه\" كذلك عن الثقات من طريق أخرى متصلة.\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١)، فتبين بذلك صحة الحديث من هذه الطرق في \"صحيح مسلم\"، وغيره. وقال القاضي عياض: ليس هذا من باب المقطوع، وقد تكلمنا على ذلك بما يكفي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الحديث التاسع:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"صفة النبي -ﷺ-\": وحُدثت عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة من عباده، قَبَضَ نبيه قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هَلَكَة أمة، عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها، حين كذبوه، وعصوا أمره\".\nوهذا الحديث أخرجه الحافظ أبو عوانة في كتابه الموسوم بـ \"المسند الصحيح\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"البيوع\" رقم ٣٤٤٧ والترمذيّ في \"البيوع\" ١٢٦٧ وابن ماجه في \"التجارات\" ٢١٥٤.\n(٢) قال النووي: لا يضرّ هذا بصحة الحديث؛ لأنه أتى به متابعة بعد ذكره من طرق متصلة برواية من سماهم من الثقات. انتهى \"شرح مسلم\" ١١/ ٤٤.","vol":"1","page":99},{"text":"المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج\"، كما أخرجه البزار في مسنده، كلاهما من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري.\nوعندما ذكر أبو علي الغساني حديث الباب في \"تقييد المهمل\" قال: فقد وصل لنا هذا الحديثَ أبو القاسم حاتم بن محمد، قال: حدثنا أبو سعيد السِّجْزِي بمكة قال: حدثنا أبو أحمد الجلودي، قال: حدثنا أبو عبد الله، محمد بن المسيب الأرغياني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة بهذا الحديث.\nقلت: ولا يسلم لهم تسميته بالمقطوع فهو مسند أُبهِم أحد رواته على أنه تبين اتصال سنده في غير \"صحيح مسلم\" من طرق متعددة صحيحة.\nوقوله: \"فجعله لها فرطا وسلفًا\" قال عياض: و\"الفَرَط\" -بفتح الفاء والراء الذي يتقدم الواردة، فيُهَيِّئ لهم ما يحتاجون إليه، والسلف يُطلق على الخير المتقدم، أو على من تقدمك من الآباء والأقارب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الحديث العاشر:</span>\nقال مسلم ﵀ في آخر \"كتاب فضائل الصحابة\": حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، وأبو بكر بن سليمان، أن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم، قام، فقال: \"أرأيتكم ليلتكم هذه؟، فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد\"، قال ابن عمر: فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله -ﷺ- تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد\"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ثم قال مسلم: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ثم قال: ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه.\nفإذا انقطعت طريق الليث، عن عبد الرحمن عند مسلم في هذا الحديث، فقد بقيت طريق أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، سالمة متصلة؛ لأن كل واحد منهما يرويه عن الزهري، وعبد الرحمن بن خالد ليس من شرط الإمام مسلم (١) فلا لزوم عليه في الإخراج له، على أن طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد التي أوردها مسلم\n_________\n(١) قال في \"تهذيب التهذيب\" ٦/ ١٦٦: استشهد به مسلم في حديث واحد: \"أرأيتكم ليلتكم هذه ... \" الحديث. قلت: في قوله: \"في حديث واحد\" نظر، إذ سيأتي له حديث آخر، وهو الحديث الثاني عشر. فتنبّه.","vol":"1","page":100},{"text":"بقوله: ورواه الليث وردت في \"صحيح البخاري\" من طريق متصلة، وهي قوله: حدثنا سعيد بن عُفير قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر .... الحديث.\nثم إن الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الحديث الحادي عشر:</span>\nقال مسلم ﵀ في آخر \"كتاب القدر\" (١): وحدثنا عدة من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا أبو غسان، وهو محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله -ﷺ-: \"لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ... \" الحديث. وهذا أيضًا حديث متصل في \"الصحيحين\" من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، رواه عنه رجلان ثقتان: أبو عمر، حفص بن ميسرة الصنعاني، وأبو غسان محمد بن مطرف المدني، واتفق الإمامان على إخراجه من حديثيهما عنه، فأما حديث حفص، فرواه البخاري، عن محمد بن عبد العزيز الرملي، ورواه مسلم عن سويد بن سعيد، الْحَدَثَاني كليهما عنه. وأما حديث أبي غسان، فرواه البخاري عن سعيد بن أبي مريم المصري.\nوقال مسلم: حدثني عدة من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، عنه. وقد تقدم الجواب عن مثل هذا القول بما فيه كفاية.\nومع ذلك فقد بينا أن البخاري ﵀ قد رواه في \"صحيحه\" عن سعيد بن أبي مريم. هذا، وهو ما أخبرنا هبة الله بن علي المصري ﵀، أنا محمد بن بركات الصوفي، أخبرتنا كريمة، أنا الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن النبي -ﷺ- قال: \"لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه\"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ فقال النبي -ﷺ-: \"فمن؟ \".\nوهكذا أورده البخاري في \"صحيحه\" في \"أحاديث بني إسرائيل\"، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد للَّه.\n_________\n(١) لا، بل في \"كتاب العلم\" \"باب اتباع سنن اليهود والنصارى\" ٤/ ٢٠٥٥.","vol":"1","page":101},{"text":"وقد وصله أيضًا إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي \"صحيح مسلم\"، فرواه عن الإمام أبي عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، عن سعيد بن أبي مريم كذلك، ولعل البخاري أحد الْعِدَّة الذين سمع منهم مسلم هذا الحديث، ولم يسمهم. والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الحديث الثاني عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الحدود\": حديث الليث بن سعد مقطوعا، عن عبد الرحمن بن خالد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كليهما عن أبي هريرة، أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله -ﷺ-، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه ... الحديث. وهذا أيضًا حديث متصل في \"الصحيحين\" من طرق عن الزهري، رواه مسلم عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن عُقيل، عن الزهري بإسناده المذكور متصلا، ثم قال: ورواه الليث أيضًا، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله.\nقلت: وقد تقدم الجواب عن مثل هذا في الكلام على الحديث العاشر، من هذه الأحاديث، وبَيّنّا أن عبد الرحمن بن خالد هذا ليس من شرط مسلم، فلا يلزمه إخراج حديثه، وإن كان ثقة قد أخرج له البخاري في \"صحيحه\"، واحتج بحديثه، إلا أن لكل واحد منهما اجتهادا يرجع إليه، وانتقادا في الرجال يُعَوِّل عليه. ومع ذلك فالحديث متصل أيضًا في \"صحيح البخاري\" من طريق الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، وهو: ما أخبرنا أبو علي ناصر بن عبد الله بن عبد الرحمن العطار بمكة شرفها الله، أنا أبو الحسن علي بن حميد الأطرابلسي، أنا أبو مكتوم الهروي، أنا أبي أبو ذر الحافظ، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد السرخسي، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، وأبو الهيثم الكشميهني، قالوا: أنا الفربري، أنا البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا هبة الله بن علي البوصيري، واللفظ له، أنا محمد بن بركات الصوفي، أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا سعيد بن عُفير، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أتى رسول الله -ﷺ- رجلٌ من الناس، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه النبي -ﷺ-، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي -ﷺ- الذي أعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع","vol":"1","page":102},{"text":"شهادات، دعاه النبي -ﷺ-، فقال: \"أبك جنون؟ \" قال: لا يا رسول الله، فقال: \"أحصنت؟ \" قال نعم يا رسول الله، قال: \"اذهبوا به فارجموه\". قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابرا، قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه. هكذا أورده البخاري في \"باب سؤال الإمام الْمُقِرَّ هل أحصنت؟ \"، فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر. والحمد للَّه.\nوالرجل المرجوم المبهم اسمه في هذا الحديث، هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقد جاء مسمى هكذا في \"الصحيح\" من حديث أبي سعيد الخدري، وبُريدة بن الحصيب، وغيرهما، وذكر بعض العلماء أنه لا خلاف بين أصحاب الحديث في ذلك. وقيل: إن ماعزا لقب له، واسمه عَرِيب بن مالك، حكى ذلك الحافظ أبو القاسم خلف ابن عبد الملك القرطبي، وعزاه إلى الحافظين أبي علي بن السَّكَن، وأبي الوليد بن الفرضي. والله أعلم.\nوفي \"سنن أبي داود\" أن ماعزا كان يتيما في حجر هَزّال الأسلمي، وأنه الذي عَنَى النبيُّ -ﷺ- بقوله لهزال: \"يا هزال لو سترته بردائك كان خيرا لك\". وقول الزهري: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه، يدخل في باب المقطوع على مذهب من يرى ذلك كما تقدم بيانه. ويحتمل أن يكون المخبر للزهري هو أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأن مسلما أخرج بعد حديث عُقيل عن الزهري الذي ذكرناه أولا، حديث يونس ومعمر وغيرهما عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر عن النبي -ﷺ-، وقال: نحو حديث عُقيل، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة. والله ﷿ أعلم.\nوقوله: \"أذلقته الحجارة\" يعني بلغت به الجهد. وقيل: معناه أوجعته، وأوهنته. وقيل: أصابته بحدها فعقرته، ومعنى الجميع متقارب. وقوله: \"جَمَزَ\" معناه: أسرع يهرول، والْجَمَزَى ضرب من السير، كأنه قفز، ويقال: جَمَزَ، وأجمز، والله الموفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الحديث الثالث عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب المغازي\" (١) حديث مسلم بن قَرَظَةَ، عن عوف بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ... \" الحديث، فأورده من طريقين متصلين عن رُزَيق بن حَيّان، عن مسلم بن قَرَظَةَ بإسناده الذي ذكرناه، ثم قال عقيبه: ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن مسلم بن\n_________\n(١) هكذا النسخة، والصواب في \"كتاب الإمارة\" \"باب خيار الأئمة وشرارهم\" ٣/ ١٤٨١ الحديث رقم ١٨٥٥.","vol":"1","page":103},{"text":"قرظة، عن عوف، عن النبي -ﷺ-.\nوهذا الحديث متصل في كتاب مسلم كما بيناه، وذكر المتابعة بعد إيراده متصلا يؤيده، ولا يوهنه كما قدمناه. والله ﷿ أعلم. هذا آخر الأحاديث التي ذكرها أبو علي الغساني ﵀، وكان قد أورد بعد هذا الحديث حديثا آخر، وهو من الأحاديث المتقدمة وقع مكررا في كتابه المسمى بـ\"تقييد المهمل\" من الطريق التي اتصلت إلينا بالرواية عنه، وهو حديث ابن عمر -﵁- قال: صلى رسول الله -ﷺ- صلاة العشاء، فلما سلم قام، فقال: \"أرأيتكم ليلتكم هذه؟ \" ... وقد تقدم هذا الحديث، والجواب عنه فلا وجه لإعادته.\nقال العطّار: وقد وقع لي في كتاب مسلم ﵀ أحاديث من هذا الجنس، لم يذكرها أبو علي ﵀ في جملة الأحاديث التي تقدمت، وإن كان قد نَبَّهَ على بعضها في مواضعها من كتابه، فأردت أن أُضيفها إلى هذه الأحاديث، وأوردها على حسب ما وقعت لي، لا على الترتيب، وأُبَيِّن وجه اتصالها كما تقدم، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>(١٤) - الحديث الأول:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الطهارة\" (١) حدثني زهير بن حرب، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا حميد ﵀ قال: وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، ثنا إسماعيل بن علية، عن حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، \"أنه لقي النبي -ﷺ- في طريق من طرق المدينة، وهو جنب فانسل، فذهب، فاغتسل ... \" الحديث.\nقلت: هكذا وقع إسناد هذا الحديث فيما رأيته من النسخ من \"صحيح مسلم\"، وكذلك هو في روايتنا من طريق أبي أحمد الْجُلُودي، عن ابن سفيان، عنه، وقد سقط من إسناده رجل بين حميد الطويل وأبي رافع، وهو بكر بن عبد الله المزني، فإن حميدا الطويل إنما يروي هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، كذلك أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، في \"سننهم\" (٢) بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك، كذلك رويناه من طريق مسند أبي بكر بن أبي شيبة، وكذلك هو في مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أيضًا، وقد ذكر أبو مسعود الدمشقي، وخلف الواسطي، أن مسلما أخرجه أيضًا كذلك، إلا أني لم أره في\n_________\n(١) الصواب: في \"كتاب الحيض\" \"باب الدليل على أن المسلم لا ينجس\" ١/ ٢٨٢ الحديث ٣٧١.\n(٢) رواه البخاري في \"صحيحه\" \"كتاب الغسل\" رقم ٢٨٣. وأبو داود \"كتاب الطهارة\" رقم ٢٣٠ و٢٣١. والترمذيّ \"كتاب الطهارة\" ١٢١ والنسائيّ في \"الطهارة\" ١/ ١٤٥ وابن ماجه ١/ ١٧٨ رقم ٥٣٤.","vol":"1","page":104},{"text":"جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك قال الحافظ أبو علي الجياني: إنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها حميد عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: وفي هذه الرواية انقطاع، وإنما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع كما قدمناه.\nقد أخبرنا به متصلا من طريق البخاري، أبو القاسم الخزرجي، أنا أبو عبد الله السعيدي، أخبرتنا كريمة، أنا الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى، ثنا حميد، ثنا بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- لقيه في بعض طريق المدينة، وهو جنب، فانخَنَستُ منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء، فقال -ﷺ-: \"أين كنت يا أبا هرة؟ \" فقال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، قال -ﷺ- \"سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس\". وبالإسناد إلى البخاري، ثنا عياش، ثنا عبد الأعلى، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله -ﷺ-، وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه، حتى قعد، فانسللت، وأتيت الرحل، فاغتسلت، ثم جئت، وهو قاعد، فقال: \"أين كنت؟ \" فقلت له، فقال: \"سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس\".\nوأخبرنا به من طريق النسائي عاليا، أبو القاسم البوصيري، أنا أبو صادق، مرشد ابن يحيى بن القاسم المدني، أنا أبو الحسن محمد بن الحسين النيسابوري، ثنا محمد ابن عبد الله بن زكرياء لفظا، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا حميد بن مسعدة، ثنا بشر، وهو ابن المفضل، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- لقيه في طريق من طرق المدينة ... وذكر الحديث نحوه.\nهكذا أورده البخاري في \"كتاب الغسل\" من هذين الطريقين، والنسائي أيضًا في \"سننه\" من الطريق الآخر، كلهم عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع متصلًا كذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردناه من جميع الكتب التي سميناها، وفي إيراده من \"صحيح البخاري\"، و\"سنن النسائي\" كفاية، وبالله التوفيق.\nوقول أبي هريرة -﵁-: \"فانبجست منه\" فيه أربع روايات: الأولى: \"فانبجست\" بنون، ثم باء معجمة بواحدة، بعدها جيم، ومعناه: اندفعت منه. وقال الترمذي: معناه تنحيت عنه. الرواية الثانية: \"فانخنست منه\" بنون بعدها خاء معجمة، ثم نون، ومعناها: انقبضت، وتأخرت عنه الثالثة: \" \"فاختنست\" بتقديم الخاء المعجمة، وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها، ثم نون، ومعناها معنى التي قبلها. الرابعة: \"فانتجست\" بنون، ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها، ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسا، لا","vol":"1","page":105},{"text":"أصلح لمجالسة رسول الله -ﷺ-، وأنا على تلك الحالة. وقد ذُكر في هذه الكلمة قول خامس، هوة \"فانبخست\" بنون، ثم باء معجمة بواحدة، بعدها خاء معجمة، من البخس، وهو النقص، فإن صحت هذه الرواية، فقد ذكر بعض العلماء أن معناها أنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله -ﷺ- لما اعتقده في نفسه من النجاسة، فرأى أنه لا يقاومه ما دام في تلك الحال. قلت: ومعنى هذه الأقوال كلها يرجع إلى شيء واحد، وهو الانفصال، والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له -ﷺ-. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(١٥) - الحديث الثاني:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الزكاة\" (١) حديث عمرو بن الحارث، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني ... الحديث. ثم أردفه بقوله: وحدثني أبو الطاهر، أنا ابن وهب، قال عمرو: وحدثني ابن شهاب بمثل ذلك، عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب -﵁- عن رسول الله -ﷺ-. هكذا أخرجه مسلم في \"صحيحه\". وقال الحافظ أبو علي: في إسناده انقطاع.\nقلت: وبيان انقطاعه أنه قد سقط من هذا الطريق الثاني رجل بين السائب بن يزيد وعبد الله بن السعدي، وهو حويطب بن عبد العزى -﵃-، هكذا ذكر غير واحد من الحفاظ، وقال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: لم يسمعه السائب بن يزيد من عبد الله ابن السعدي، إنما رواه عن حويطب -يعني ابن عبد العزى- عنه.\nقلت: وهكذا رواه يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفيّ، عن ابن وهب متصلا، وهو حديث مشهور، اجتمع في إسناده أربعة من الصحابة -﵃- في نسق واحد، يروي بعضهم عن بعض، وليس في \"الصحيحين\" هكذا غيره، وحديث آخر اجتمع في إسناده أربع صحابيات، تروي بعضهن عن بعض، على اختلاف في ذلك بين الرواة، لأن جماعة منهم لم يذكروا في إسناده إلا ثلاث صحابيات فقط، وهو حديث زينب بنت جحش -﵂-، قالت: انتبه رسول الله -ﷺ- يوما محمرا وجهه، وهو ويقول: \"لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب ... \" الحديث. وليس هذا موضع إيراده.\nوحديث ابن السعدي المتقدم، وإن كان مقطوعا في \"صحيح مسلم\" من هذا الوجه الذي ذكرناه خاصة، فإنه متصل فيه من وجه آخر، ومع ذلك فقد وصله البخاري في \"صحيحه\"، والنسائي في \"سننه\" من ذلك الوجه المنقطع.\n_________\n(١) \"باب إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير مسألة\" ٢/ ٧٢٣ الحديث ١١١.","vol":"1","page":106},{"text":"فأما حديث البخاري فأخبرنا به أبو علي بن عبد الله المجاور بالحرم الشريف، أنا أبو الحسن علي بن حميد المقرىء، أنا عيسى بن أبي ذر، أنا أبي، أنا المشايخ الثلاثة: أبو محمد السرخسي، وأبو إسحاق المستملي، وأبو الهيثم الكشميهني، قالوا: أنا الفربري، أنا البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا أبو القاسم، هبة الله بن علي المصري، واللفظ له، أنا محمد بن بركات النحوي، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الأديب، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني السائب بن يزيد، ابن أخت نَمِر، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، قال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراسا، وأعبدا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله -ﷺ- يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال له النبي -ﷺ-: \"خذه، فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك\". هكذا أخرجه البخاري في \"كتاب الأحكام\".\nوأما حديث النسائي، فأخبرناه الشيخ العلامة البارع، أبو عبد الله محمد بن محمد ابن حامد الأصبهاني ﵀، قراءة عليه، أنا الفقيه الزاهد، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن نبهان الغنوي الرقي، بقراءتي عليه بمدينة السلام، بالجانب الغربي، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، قال: سمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، يقول: سمعت أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري، يقول: سمعت الحافظ أبا محمد بن عبد الغني بن سعيد بن علي ﵀ يقول: حدثنا حمزة بن محمد الكناني، حدثنا أحمد بن شعيب ﵀ وأخبرنا عاليا أبو بكر عبد العزيز بن أحمد البغدادي، أنا طاهر بن محمد الهمداني، أنا أبو محمد الدُّوني، أنا أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن النسائي، ثنا كثير بن عبيد، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره، أنه قدم على عمر بن الخطاب -﵁- في خلافة عمر، فقال له عمر: أُخْبِرتُ أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، وذكر الحديث بكماله (١) أنا اختصرته.\n_________\n(١) ينظر تكميله في \"سنن النسائي\" ٥/ ١٠٤.","vol":"1","page":107},{"text":"أخبرنا الشيخان الحافظ: أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، قراءة عليه، وأنا أسمع، وأبو الطاهر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، بقراءتي عليه، قالا: أنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، أنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج البغدادي، سنة أربع وتسعين وأربع مائة ﵀ وأخبرنا الحافظ، أبو الحسن المقدسي أيضًا، قال: وأنا أبو محمد العثماني بقراءتي عليه، أنا أبو الحسن علي بن المشرف الأنماطي، قالا: أنا أبو زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ، ثنا أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ ﵀ وسمعت الشيخ البارع، أبا عبد الله الأصبهاني، قراءةً عليه يقول: سمعت الفقيه أبا إسحاق الْغَنِوي الرقي بمدينة السلام يقول: سمعث الحافظ أبا عبد الله الحميدي يقول: سمعت الحافظ أبا زكرياء عبد الرحيم بن أحمد البخاري يقول: سمعت الشيخ الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد قال: سمعت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ ﵀ يقول: سمعت أبا محمد الحسن ابن أحمد بن صالح السبيعي يقول: قدم علينا حَلَبَ الوزير، أبو الفتح، الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، فتلقاه أهل البلد، وكنت فيهم، فقيل له: إني من أصحاب الحديث، فقال لي: تعرف إسنادا اجتمع فيه أربعة من أصحاب رسول الله -ﷺ- كل واحد منهم يروي عن صاحبه، فقلت: نعم وذكرت له حديث السائب بن يزيد عن حُويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب -ﷺ- في العُمَالة، فقال لي: صدقت، وعرف لي ذلك، وصارت لي به منزلة عنده.\nقلت: وقد اختُلف في اسم السعدي، والد عبد الله هذا، فقيل: اسمه قُدَامة. وقيل: وقدان، وقيل: عمرو بن وقدان. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر أن هذا القول الأخير هو الصواب، عند أهل العلم بنسب قريش، وهو من بني مالك بن حسان ابن عامر بن لؤي، قرشي عامري مالكي، وإنما قيل له: السعدي؛ لأنه استُرْضِعَ في بني سعد بن بكر.\nووقع في كتاب مسلم في بعض طرق هذا الحديث، عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي بزيادة ألف، وقال القاضي عياض: لا نعرف له وجها. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(١٦) - الحديث الثالث:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الرجم\" (١): حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، ثنا يحيى ابن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي- عن غيلان -وهو ابن جامع- عن علقمة بن\n_________\n(١) بل في \"كتاب الحدود\" \"باب من اعترف على نفسه بالزنا\" ٣/ ١٣٢. رقم ١٦٩٥.","vol":"1","page":108},{"text":"مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول الله طهرني ... وذكر الحديث بطوله، هكذا إسناد هذا الحديث في جميع النسخ التي رأيتها من \"صحيح مسلم\"، وذكر الحافظ أبو علي: إنه أيضًا كذلك لجميع الرواة عندهم، وقد سقط من إسناده رجل، وهو يعلى بن الحارث المحاربي، والد يحيى بن يعلى المذكور في هذا الإسناد، فإن يحيى هذا إنما يروي هذا الحديث فيما قيل عن أبيه، عن غيلان بن جامع. وكذلك أخرجه النسائي في \"سننه\".\nقال الحافظ أبو علي: وقد نبه عبد الغني -يعني ابن سعيد الحافظ- على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان. وقال البخاري في \"تاريخه\": يحيى بن يعلى سمع أباه، وزائدةَ بنَ قُدَامة، وقال ابن أبي حاتم مثله أيضًا.\nوإذا ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم من وجه آخر، ومع ذلك فقد اتصل حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، في كتاب النسائي (١)، فإنه أخرجه عن إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجاني، وذكر أنه ثقة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع بإسناده. وأخرج أبو داود أيضًا في \"سننه\" (٢) عن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بهذا الإسناد المتقدم، أن النبي -ﷺ- استنكه ماعزا فقط. وكأنه طرف من هذا الحديث. والله أعلم. فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر، ولله الحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>(١٧) - الحديث الرابع:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الفتن\" حديث عبد الله بن وهب، عن أبي شريح المعافري، أن عبد الكريم بن الحارث حدثه، أن المستورد بن شَدّاد، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"تقوم الساعة، والروم أكثر الناس\" ... الحديث.\nقلت (٣): وهذا إسناد منقطع فإن عبد الكريم هذا لم يدرك المستورد، ولا أدركه أبوه الحارث بن يزيد. قاله الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀. قلت. وهذا الحديث إنما أورده مسلم ﵀ هكذا في الشواهد، وإلا فهو في الأصل ثابت متصل في كتابه، من وجه آخر، فإنه أخرجه عن عبد الملك بن شعيب، عن ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"تقوم الساعة، والروم أكثر الناس ... \" وذكر باقي الحديث.\n_________\n(١) أي في \"الكبرى\". انظر \"تحفة الأشراف\" ٢/ ٧٤.\n(٢) \"كتاب الحدود\" \"باب رجم ماعز بن مالك\" ٤/ ٥٨٣ رقم ٤٤٣٣ الحديث.\n(٣) القائل الرشيد العطار، وكذا الآتي بعده.","vol":"1","page":109},{"text":"فصح اتصاله من هذا الوجه في كتاب مسلم، والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(١٨) - الحديث الخامس:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الطلاق\" حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: \"أن أبا عمرو بن حفص، خرج مع علي -﵃- إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ... \" الحديث بطوله.\nقلت: وفي سماع عبيد الله هذا من أبي عمرو بن حفص -﵁- نظر، وقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذا الحديث من هذا الوجه غير متصل. قلت: وهذا حديث انفرد به مسلم، دون البخاري، وأخرجه في \"صحيحه\" متصلا من عدة طرق من حديث الشعبي، وأبي سلمة، وغيرهما عن فاطمة بنت قيس -﵄-. ولو سلمنا أنه منقطع من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من عدة أوجه. وقد أخرجه النسائي في \"سننه\" من هذا الوجه الذي ذكرناه، فأورده من حديث شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طَلَّق ابنة سعيد بن زيد البتة، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال من بيت عبد الله بن عمرو، فسمع ذلك مروان، فأرسل إليها أن ترجع إلى مسكنها، وساق الحديث بطوله. وأورده الحافظ أبو القاسم الدمشقي في \"أطرافه\" في ترجمة عبيد الله بن عبد الله هذا، عن فاطمة بنت قيس، ولم يذكر أنه لم يسمع منها، وعادته في هذا الكتاب أنه إذا ذكر راويا عن الصحابي، لم يكن سمع منه يقول: فلان عن فلان، ولم يسمع منه، وذكر غيره أيضًا أن عبيد الله هذا روى عنها. والله ﷿ أعلم.\nواختلف في اسم أبي عمرو بن حفص المخزومي هذا، فقيل: اسمه عبد الحميد، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: اسمه كنيته، فإن ثبت أن اسمه أحمد، فلا أعلم في الصحابة -﵃- من اسمه أحمد سواه. ووقع في \"صحيح مسلم\" في بعض طرق هذا الحديث، من رواية شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن فاطمة، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها، والمشهور عندهم أنه أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، وقد ذكر الحافظ أبو أحمد الكرابيسي الحاكم فيه ثلاثة أقوال:\nفقال: أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، ويقال: أبو حفص بن عمرو ابن المغيرة، ويقال: أبو حفص بن المغيرة، له صحبة من النبي -ﷺ-، والله ﷿ أعلم بالصواب. آخر الجزء الأول. ويتلوه في أول الثاني إن شاء الله تعالى:\nالحديث السادس أخرج مسلم في \"كتاب الحج\" حديث منصور بن المعتمر، عن","vol":"1","page":110},{"text":"سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵃-، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.\nالجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم استعنت\nأخبرنا الشيخ الإمام الحافظ قدوة الحفاظ، رَشِيد الدين، أبو الحسين يحيى ابن الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله القرشي قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>(١٩) - الحديث السادس:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الحج\" حديث منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵃- قال: كان مع النبي -ﷺ- رجل، فوقصته ناقته فمات، فقال النبي -ﷺ-: \"اغسلوه، ولا تقربوه طيبا، ولا تغطوا وجهه، فإنه يبعث يلبي\". هكذا أخرجه مسلم في \"صحيحه\". وانتقده الحافظ أبو الحسن الدارقطني عليه، وقال: إنما سمعه منصور من الحكم -يعني ابن عتيبة- وأخرجه البخاري عن قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد، وهو الصواب. وقيل: عن منصور، عن سلمة، ولا يصح. انتهى كلام الدارقطني ﵀.\nقلت: وقد تابع البخاري على إخراجه كذلك أبو داود السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي، فأما أبو داود فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، وأما النسائي فرواه عن محمد بن قُدامة، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن الحكم بإسناده، كما رواه البخاري، وجرير بن عبد الحميد من أعلم الناس بحديث منصور، وهذا مما يؤيد قول الدارقطني ﵀، إلا أن مسلما قدس الله روحه، ونور ضريحه، قد أخرج هذا الحديث من طرق ثابتة، من رواية عمرو بن دينار، وأبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بألفاظ أتم من حديث منصور الذي قدمناه، ثم أورد حديث منصور آخر طرق هذا الحديث، فإن ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم من طرق أُخَرَ سواه، وأن البخاري وغيره قد أخرجوه في كتبهم متصلا من حديث منصور أيضًا، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، ونحن نورده من كتب الأئمة الثلاثة ليتضح اتصاله.\nفأما طريق البخاري، فأخبرنا بها الشيخ أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود، وأبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي الأنصاريان، قراءة عليهما معًا، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي، قراءةً عليه، وقال الأرتاحي: أنا أبو الحسن علي بن الحسين الفراء الموصلي إجازةً قالا: أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية بمكة شرفها الله، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا أبو عبد الله الفربري، أنا محمد بن","vol":"1","page":111},{"text":"إسماعيل البخاري، ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: وَقَصَت برجل محرم ناقته فقتلته، فأتي به إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: \"اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يُهِلُّ\".\nوأما طريق أبي داود، فأخبرنا بها الحافظ أبو الفتوح، نصر بن أبي الفرج بن علي البغدادي ﵀، في كتابه إلي من مكة، شرفها الله مرات عدة بخطه، أنا الشريف النقيب، أبو طالب، محمد بن محمد بن أبي زيد البصري، قراءةً عليه، وأنا أسمع سنة ست وخمسين وخمسمائة، أنا أبو علي علي بن أحمد بن علي التستري ﵀ وأنا أبو حفص، عمر بن محمد بن معمر البغدادي، فيما كتب به إلي بخطه، غير مرة، أنا أبو البدر إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخي، قراءةً عليه، ثنا الحافظ، أبو بكر، أحمد بن علي ابن ثابت البغدادي، قالا: أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أنا أبو علي، محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: \"وَقَصَت برجل محرم ناقته، فقتلته، فأتي فيه رسول الله -ﷺ-، فقال: \"اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يُهِلّ\"، لفظهما واحد.\nوأما طريق النسائي، فأخبرنا بها الشيخ أبو بكر بن أبي الفتح المعدل، قراءة عليه، أنا طاهر بن أبي الفضل الهمداني ببغداد، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الدوني، أنا القاضي، أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، أنا أبو بكر أحمد ابن محمد بن إسحاق الحافظ، أنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، أخبرني محمد بن قُدَامة، ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: \"وَقَصَت رجلا محرما ناقته، فقتلته، فأتي رسول الله -ﷺ-، فقال: \"اغسلوه، وكفنوه، ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث يهل\".\nقلت: فهذه طرق هذا الحديث من الكتب الثلاثة التي ذكرناها، فقد اتضح اتصاله، وبان وجه الصواب فيه، والحمد للَّه.\nووقع في بعض طرقه في كتاب مسلم أيضًا، من رواية إسماعيل ابن علية، عن أيوب، قال: نُبِّئت عن سعيد، عن ابن عباس: \"أن رجلا كان واقفا مع النبي -ﷺ-، وهو محرم ... \" الحديث. وهذا أيضًا يدخل في باب المقطوع، على مذهب الحاكم وغيره، إلا أن مسلما ﵀، لم يورده هكذا إلا بعد أن أورده من حديث حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، وأيوب، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، -﵃- متصلًا، ثم أورده بعده حديث ابن علية الذي ذكرناه لينبه -والله أعلم- على الاختلاف فيه على أيوب،","vol":"1","page":112},{"text":"وإذا اختلف حماد بن زيد، وغيره، في حديث أيوب بن أبي تميمة، فالقول قول حماد ابن زيد. وقد روى ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، أنه قال: ليس أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد. قلت: ولهذا قدم مسلم في هذا الحديث طريق حماد على طريق ابن علية. والله ﷿ أعلم.\nوقد أخرجه البخاري عن سليمان بن حرب، وأبو داود عن مسدد، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فتبين اتصاله، والحمد للَّه.\nوقوله في هذا الحديث: \"وقصته ناقته\" ورُوي \"فأوقصته\"، وهما صحيحان. قاله القاضي، أبو الفضل اليحصبي. قال ولم يذكر صاحب \"الأفعال إلا \"وقصه\" لا غير، والوقص ههنا كسر العنق، ومعناه: أنها صرعته، فدقت عنقه. وجاء في بعض طرقه أيضًا \"فأقعصته\": ومعناه: قتلته لوقته. ورُوي \"فأقصعته\" بتقديم الصاد على العين، ومعناه: فضخته، وهكذا جاء \"فأقعصته\" رباعيا. وقال بعض العلماء: الوجه فيه أن يكون ثلاثيا. والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>(٢٠) - الحديث السابع:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الجنائز\" حديث عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: حدثني رجال عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- بمثل حديث معمر، يعني حديثه عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان\".\nقلت: وقول الزهري في هذا الإسناد: حدثني رجال، ولم يسم واحدا منهم، يدخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، وهذا الحديث قد أخرجه مسلم ﵀ متصلا من غير وجه، فأخرجه من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن الأعرج. ومن حديث معمر بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، كلاهما عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، ثم أردفهما بحديث عُقيل الذي ذكرناه.\nوهذا الاختلاف الذي وقع في إسناد هذا الحديث عن الزهري، لا يؤثر في صحته، فإن الحديث قد يكون عند الراوي له عن جماعة من شيوخه، فيحدث به تارة عن بعضهم، وتارة عن جميعهم، وتارة يُبْهِم أسماءهم، وربما أرسله تارة على حسب نشاطه وكسله، كما أشار إليه مسلم ﵀ في \"مقدمة كتابه\" (١)، ومع ذلك فلا يكون ما\n_________\n(١) سيأتي هذا في أواخر \"المقدّمة\" عند الكلام على العنعنة، حيث وصف الأئمة الذين نقلوا الأخبار: =","vol":"1","page":113},{"text":"ذكرناه اعتلالا، يَقْدَح في صحة الحديث. وإنما أخرجه مسلم من طريق عُقيل الذي قدمنا كذلك؛ ليحقق به -والله أعلم- أن الزهري يرويه عن غير واحد من أصحاب أبي هريرة -﵁- وقد نبه البخاري ﵀ \"في صحيحه\" على أن الزبيدي قد روى هذا الحديث عن الزهري، فجمع فيه بين الأعرج وسعيد بن المسيب، وهذا يؤيد ما ذكرناه. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(٢١) - الحديث الثامن:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الصلاة\" حديث عبد الله بن الحارث البصري، عن ابن عباس -﵃-، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: \"أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلُّوا في بيوتكم ... \" الحديث. ثم أورده من عدة طرق عنه، قال في آخرها: وحدثنا عبد بن حميد، ثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي، ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن عبد الله بن الحارث، قال وهيب: لم يسمعه منه (١)، قال: أمر ابن عباس مؤذنه في يوم جمعة، وفي يوم مطير بنحو حديثهم.\nقلت: وقول وُهيب بن خالد: إن أيوب لم يسمعه منه -يعني من عبد الله بن الحارث- يدل على انقطاعه من هذا الوجه. وهذا الحديث متصل في \"الصحيحين\" من حديث حماد بن زيد، عن عبد الحميد، صاحب الزيادي، وأيوب، وعاصم الأحول، كلهم عن عبد الله بن الحارث المذكور، ومداره عليه، عن ابن عباس -﵃-. وإنما أورد مسلم حديث وهيب هذا، لينبه -والله أعلم- على الاختلاف فيه على أيوب؛ لأن وهيبا كان من حفاظ أهل البصرة وثقاتهم، إلا أن حماد بن زيد أثبت في أيوب من غيره، كما قدمنا ذكره عن يحيى بن معين، ولذلك قَدَّم مسلم حديثه على حديث وهيب، ومع ذلك فلو سلمنا أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث، فقد بينا أنه متصل في كتاب مسلم وغيره من حديث غير واحد عنه. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>(٢٢) - الحديث التاسع:</span>\nأخرجه مسلم ﵀ في \"كتاب الجهاد\" (٢) حديث يونس، عن الزهري، عن سالم،\n_________\n= \"أنهم كانت لهم تارات، يرسلون فيها الحديث إرسالًا، ويذكرون ما سمعوه منه، وتارات يَنشَطون فيها، فيُسندون الخبر على هيئة ما سمعوا، فيُخبرون بالنزول إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا\" الخ.\n(١) تعقّب الحافظ رحمه الله تعالى كلام وُهيب هذا في \"الفتح\" حيث قال: \"وحُكي عن وُهيب أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث. وفيه نظرٌ؛ لأن في رواية سليمان بن حرب، عن حماد، عن أيوب، وعبد الحميد، قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث. كذلك أخرجه الإسماعيليّ وغيره\". انتهى \"الفتح\" ٢/ ١٢٩ رقم الحديث (٦١٦).\n(٢) \"كتاب الجهاد والسير\" \"باب الأنفال\" ٣/ ١٣٦٩.","vol":"1","page":114},{"text":"عن أبيه، قال: نَفَّلَنا رسول الله -ﷺ- نَفَلًا سوى نصيبنا من الخمس، فأصابني شارف -والشارف المسن الكبير- ثم أردفه بقوله: حدثنا هناد بن السري، ثنا ابن المبارك ﵀ قال: وحدثني حرملة بن يحيى، أنا ابن وهب، كلاهما عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن ابن عمر، قال: نَفَّل رسول الله -ﷺ- سرية، بنحو حديث ابن رجاء، يعني عن يونس.\nقلت: وهذا الحديث قد أورده مسلم من حديث عبد الله بن رجاء الْغُدَاني، عن يونس، عن الزهري بإسناده المتصل الذي ذكرناه أَوّلًا، ثم أورد بعده حديث ابن المبارك، وابن وهب، كلاهما عن يونس، بإسناده المقطوع، وإنما أراد بذلك -والله أعلم- أن ينبه على الاختلاف فيه على يونس، كما فعل في عدة أحاديث، تشبه هذا الحديث، وقد تقدم بعضها. وعبد الله بن رجاء الذي وصله ثقة صدوق، عند أهل النقل، إلا أن عمرو بن علي الفلاس نسبه إلى كثرة الغلط، وعبد الله بن المبارك، وابن وهب مقدمان عليه في الحفظ عندهم، ولهذا جعل الدارقطني القول قولهما في إسناد هذا الحديث، وقال: لو كان الزهري سمعه من سالم لم يَكْنِ عن اسمه، والله ﷿ أعلم.\nقلت: والعذر لمسلم ﵀ في ذلك، أنه إنما أورده هكذا في الشواهد، وإلا فقد أورد في أول الباب الحديث المتفق على صحته في هذا المعنى، وهو حديث نافع، عن ابن عمر، قال: \"بعث النبي -ﷺ- سرية، وأنا فيهم قِبَلَ نَجْدٍ (١) ... \" الحديث. ووقع في بعض طرقه أيضًا في كتاب مسلم عن ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن النفل، فكتب إليّ أن ابن عمر كان في سرية ... الحديث، وسنذكره فيما بعدُ مع الأحاديث التي وقعت في كتاب مسلم بالمكاتبة، دون السماع، وننبه على اختلاف العلماء فيها، إن شاء الله ﷿ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>(٢٣) - الحديث العاشر:</span>\nقال مسلم ﵀ في \"كتاب الجهاد\" (٣) أيضًا حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، واللفظ لابن المثنى قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، أنه سمع البراء -﵁- في هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فأمر رسول الله -ﷺ- زيدا، فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أم مكتوم ضررا به (٤)،\n_________\n(١) وقع في الرسالة: \"قبل نحو\" وهو غلط، والصواب: \"قبل نجد\" كما هو في \"صحيح مسلم\" رقم (١٧٤٩). فتفطّن.\n(٢) هكذا وعد هنا، لكنه لم يَفِ بوعده هناك، فلم يذكره، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل! ! ! .\n(٣) بل في \"كتاب الإمارة\" \"باب سقوط فرض الجهاد عن \"المعذورين\" ٣/ ١٥٠٨.\n(٤) في شرح النوويّ ١٣/ ٤٣ ضرارته\": أي عماه، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا =","vol":"1","page":115},{"text":"فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. قال شعبة: وأخبرني سعد بن إبراهيم، عن رجل، عن زيد في هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ بمثل حديث البراء. وقال ابن بشار في روايته: سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن رجل، عن زيد ابن ثابت.\nقلت: هكذا أورده مسلم في \"صحيحه\"، وقد اشتمل هذا الحديث على طريقين عن صحابيين -﵄-، فالأول منهما: حديث البراء بن عازب -﵄-، وهو صحيح متصل، ثابت متفق عليه. والثاني: حديث زيد بن ثابت، وفي إسناده اختلاف، ورجل غير مسمى، فهو داخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، إذا لم يعرف ذلك الرجل.\nوالجواب عن ذلك أن مسلما ﵀، إنما احتج بحديث البراء وحده، وإنما أورد الإسناد الثاني؛ لأن شعبة حدث به غندرًا هكذا، فأورده مسلم كما سمعه من أصحاب غندرًا، والظاهر من مذهبه أنه لا يختصر من الحديث شيئا، وإن اختصر منه شيئا لضرورة نبه عليه.\nوقد أخرج البخاري حديث البراء هذا في \"صحيحه\" في غير موضع من رواية شعبة، عن أبي إسحاق عنه، ولم يذكر فيه حديث زيد بن ثابت، فيحتمل (١) أن يكون تركه عمدا لما فيه من الاعتلال، ويحتمل أن يكون إنما سمعه كذلك من غير زيادة، على ما أورده، لكنه أخرج حديث زيد بن ثابت المذكور من طريق آخر، من حديث الزهري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم عنه، وهو إسناد اجتمع فيه ثلاثة من الصحابة -﵃-، يروي بعضهم عن بعض، ويدخل أيضًا في رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سهلا أكبر من مروان، ومروان وإن لم يثبت سماعه من النبي -ﷺ-، فهو معدود في الصحابة -﵃-. وقد أخرج له البخاري في \"صحيحه\" حديثا عن النبي -ﷺ- مقرونا بالمسور ابن مخرمة. والله أعلم.\nفقد تبين بما ذكرناه أن حديث زيد بن ثابت متصل أيضًا في \"كتاب البخاري\". والله ﷿ أعلم.\nووقع في \"كتاب الأشربة\" (٢) حديث نحو هذا من رواية سليمان التيمي، عن\n_________\n= \"ضرارته\" بفتح الضاد، وحكى صاحب \"المشارق والمطالع\" عن بعض الرواة أنه ضبط \"صررً به\" والصواب الأول. انتهى.\n(١) النسخة: \"محتمل\"، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"باب تحريم الخمر\" ... ٣/ ١٥٧١.","vol":"1","page":116},{"text":"أنس -﵁- قال: \"إني لقائم عل الحي، على عمومتي أسقيهم ... \" الحديث، وفي آخره: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب، قال: فقال أبو بكر بن أنس: كانت خمرهم يومئذ، قال سليمان: وحدثني رجل عن أنس، أنه قال ذلك أيضًا، ثم أردفه بطريق آخر عن التيمي، عن أنس بنحوه، وقال التيمي في آخره: حدثني بعض من كان معي، أنه سمع أنسا يقول: كانت خمرهم يومئذ.\nقلت: وقد أورد مسلم بعد ذلك حديث قتادة، عن أنس متصلا، وفيه: \"نزل تحريم الخمر فأكفأناها يومئذ، وإنها لخليط البسر والتمر\"، قال قتادة: وقال أنس بن مالك: \"لقد حُرِّمت الخمر، وكانت عليه خيورهم يومئذ خليط البسر والتمر\"، فثبت اتصاله، والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>(٢٤) - الحديث الحادي عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الجهاد\" (١) أيضًا حديث عبد الله بن نمير، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، قالت: أُصيب سعد يوم الخندق، ورماه رجل من قريش بن الَعَرِقَة، وساق الحديث إلى آخره، ثم أردفه بقوله: وحدثنا أبو كريب، ثنا ابن نمير، ثنا هشام، قال أبي: فأُخْبِرت أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله\".\nقلت: وقول هشام: قال أبي: فأُخبرت ليس بمتصل على مذهب الحاكم وغيره، كما تقدم. والجواب عنه أن مسلما ﵀، قد أخرج هذا اللفظ بعينه متصلا، من رواية أبي سعيد الخدري، عن النبي -ﷺ-، وإذا ثبت اتصاله من وجه صحيح، فلا يؤثر قول بعض الرواة فيه: فأُخبرت من وجه آخر. والله أعلم.\nوابن الْعَرِقَة اسمه: حِبَّان -بكسر الحاء المهملة، وبالباء بواحدة- وقيل في تقييده: جبار -بالجيم، والباء المعجمة بواحدة، وآخره راء- والأول أصح، وهو حبان ابن أبي قيس، ويقال: ابن قيس، وكان قد رَمَى سعد بن معاذ يوم الخندق بسهم في أكحله (٢)، وقال: خذها، وأنا ابن الْعَرِقة، فرُوي أن النبيّ -ﷺ- قال: \"عَرَّق الله وجهه في النار\" (٣)\n_________\n(١) \"باب قتال من نقض العهد\" ٣/ ١٣٨٩ الحديث ٧.\n(٢) هو عرق في وسط الذراع يكثر فصده. اهـ \"النهاية\" لابن الأثير ٤/ ١٠.\n(٣) هذا جزء من حديث طويل، رواه الواقديّ بسنده إلى جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما-. انظر \"مغازي محمد بن عمر الواقديّ\" ٢/ ٤٦٩. والواقديّ ضعيف ..","vol":"1","page":117},{"text":"والْعَرِقَة: هي أمه، نُسب إليها، وقيل: إنها أم عبد مناف جد أبيه، واسمها قلابة بنت سعيد، وقيل: بنت سعيد بن سهم، وذُكر أنها سميت بذلك لطيب ريحها. ونُقِل عن الواقدي أنه كان يقول فيها: الْعَرَقَة -بفتح الراء- ويقول: إن أهل مكة يقولون ذلك، والمشهور ما تقدم (١). والله ﷿ أعلم.\nومما يشبه إسناد هذا الحديث حديث أخرجه مسلم في \"الصلاة\" من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله -ﷺ- إحدى صلاتي العشيّ ... الحديث بطوله في السهو، وفيه ذكر ذي اليدين، وفي آخره: \"ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع\"، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين، أنه قال: \"وسلّم\".\nقلت: وذكر السلام في هذا الحديث من هذا الوجه مقطوع الإسناد، على مذهب الحاكم. والجواب عنه أنه قد جاء متصلا في كتاب مسلم من وجه آخر، من حديث أبي المهلب، عن عمران بن حصين، عن النبي -ﷺ-، فثبت اتصاله، والحمد للَّه.\nوالقائل: فأُخبرت عن عمران بن حصين، هو ابن سيرين. ويحتمل أن يكون أيوب، والأول أظهر، فقد ذكر الدارقطني أن ابن سيرين يقول في غير حديث من حديث عمران بن حصين: نُبِّئت عن عمران. والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(٢٥) - الحديث الثاني عشر:</span>\nوأخرج في \"الجهاد\" أيضًا (٢) أيوب بن موسى (٣)، عن مكحول، عن شُرَحبيل بن السِّمْط، عن سلمان، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ... \" الحديث.\nقلت: وفي سماع مكحول من شرحبيل بن السمط نظر، فإن شرحبيل معدود في الصحابة -﵃-، وتقدمت وفاته، فقيل: إنه توفي في سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة أربعين. وتوفي مكحول سنة ثماني عشرة ومائة، في أحد الأقوال. وقيل: سنة اثني عشرة. وقيل: سنة ثلاث عشرة. وقيل: سنة أربع عشرة.\nوقد اختُلف في عدد الصحابة الذين لقيهم مكحول، وسمع منهم، فقال البخاري:\n_________\n(١) يعني كسر الراء، لكن لم يتقدم له ذكر هنا، فليُتأمل.\n(٢) \"كتاب الإمارة\" \"باب فضل الرباط في سبيل الله ﷾\" ٣/ ١٥٢٠ حديث (١٦٣).\n(٣) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منه شيء، لفظ \"حديث\": أي حديث أيوب بن موسى، كما سبق ويأتي في نظائره الكثيرة. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":118},{"text":"سمع أنس بن مالك، وأبا مرة الداري، وواثلة بن الأسقع، وأم الدرداء. وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه قال: سألت أبا مسهر، هل سمع مكحول، من أحد أصحاب النبي -ﷺ-، فقال: ما صح عندنا إلا أنس بن مالك، قلت: وواثلة؟ فأنكره. وسئل أبو داود السجستاني: وكم يصح لمكحول من أصحاب النبي -ﷺ-؟ قال: واثلة. وذكر الحافظ أبو سعيد بن يونس المصري، أنه رأى أبا أمامة الباهلي، وسمع واثلة بن الأسقع، ولقي أنس بن مالك -﵃-.\nقلت: وذكر ابن أبي حاتم في \"كتاب المراسيل\" قال: سمعت أبي يقول، وذكر حديثًا رواه الوليد بن مسلم، عن تميم بن عطية، عن مكحول، قال: جالست شُريحا ستة أشهر، ما أسأله عن شيء، إنما أكتفي بما يقضي به بين الناس، فقال أبي: لم يدرك مكحول شُريحا وهذا وَهَمٌ.\nقلت: وإذا لم يدرك مكحول شريحا، وكانت وفاته في سنة ست وسبعين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، فإدراكه لشرحبيل أبعد؛ لأنه توفي سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين كما بيناه من قبلُ. ويحتمل أن يريد بالإدراك اللقاء، وإذا لم يثبت لمكحول سماع من شُرحبيل، فإسناده مقطوع، إلا أن مسلما ﵀ قد أخرج هذا الحديث، من طريق آخر، عن شُرَحبيل من حديث أبي شريح المعافري المصري، عن عبد الكريم بن الحارث المصري، عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، عن شرحبيل بإسناده نحوه.\nوظاهر هذا الإسناد الاتصال، إلا أن عبد الله بن المبارك رواه عن أبي شريح هذا، عن أبي عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة، عن رجل من أهل الشام، أن شرحبيل بن السمط قال: طال رباطنا، أو إقامتنا على حصن، فمر بي سلمان، وذكر الحديث.\nوقد ذكر الحافظان: أبو أحمد الكرابيسي الحاكم، وأبو عمر بن عبد البر النمري، أن أبا عبيدة هذا، روى عن ابن عمر، وأخيه عياض بن عقبة، وعن رجل عن شرحبيل ابن السمط، وفي لفظ الحاكم رجل من أهل الشام، وهذا يؤيد رواية ابن المبارك، والله ﷿ أعلم.\nإلا أن أبا أحمد وأبا عمر ذكرا أبا عبيدة هذا فيمن لم يعرف اسمه، وذكر ابن يونس أن اسمه مُرّة، وأنه أدرك معاوية، وروى عن ابن عمر -﵃-، وتعريف ابن يونس باسمه أولى بالصواب؛ لأنه من أهل بلده، وهو أعلم به. والله ﷿ أعلم.","vol":"1","page":119},{"text":"وقد أخرج مسلم ﵀ لمكحول هذا حديثا آخر في \"كتاب الصيد\" عن أبي ثعلبة الخشني لم يورد له متنا، بل قال حديثه في الصيد فقط، وفي سماعه منه أيضًا نظر، إلا أن مسلما ﵀ أورد حديث أبي ثعلبة هذا من طرق ثابتة الاتصال، وهو قوله: \"إذا رميت بسهمك، فغاب عنك، فأدركته فكل ما لم يُنتن\". انفرد به مسلم، دون البخاري. والله الموفق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(٢٦) - الحديث الثالث عشر:</span>\nوأخرج في \"الجهاد\" (٢) أيضًا حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن، قال مسلم: ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع، قال: \"لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا، مع رسول الله -ﷺ-، فارتد عليه سيفه فقتله ... \" الحديث بطوله، وفي آخره: قال ابن شهاب: ثم سألت ابنا لسلمة بن الأكوع، فحدثني عن أبيه، مثل ذلك، غير أنه قال حين قلت: إن ناسا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"كذبوا، مات جاهدا مجاهدا، فله أجره مرتين\" وأشار بأصبعيه.\nقلت: وقول ابن شهاب في آخره: ثم سألت ابنا لسلمة، ولم يسمه يدخل في باب المقطوع على مذهب من قدمنا ذكره، ولا يخلو أن يكون هذا المبهم، هو إياس ابن سلمة، أو غيره، فإن كان إياسا فهو ثقة، متفق على إخراج حديثه في \"الصحيحين\" عن أبيه، وإن كان غيره فهو مجهول، فقد ثبت في كتاب مسلم وغيره، قوله: كذبوا، مات جاهدا مجاهدا إلى آخره، من حديث يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، عن النبي -ﷺ-، وأخو سلمة هذا اسمه: أُهبان فيما ذكر بعض العلماء، وعزاه إلى ابن الكلبي، وقاله ابن قتيبة أيضًا، وسلمة منسوب إلى جده، وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع، والأكوع لقب، واسمه سنان بن عبد الله.\nوقول مسلم ﵀ في هذا الإسناد: عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن، ونسبه غير ابن وهب من بديع التصرف في العدول عن الوهم، إلى الصواب، وذلك أن عبد الله بن وهب، كان يقول في هذا الإسناد: قال أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله ابنا كعب، ويقال: إنه وَهِمَ في ذلك، وهكذا أورده أبو داود في \"سننه\" عن أحمد بن صالح، عن\n_________\n(١) كان الأولى أن يقول: وبالله التوفيق، لأن إطلاق \"الموفق\" اسما للَّه تعالى يحتاج إلى ثبوته نصّا. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"كتاب الجهاد والسير\" \"باب غزوة خيبر\" ٣/ ١٤٢٩ حديث ١٢٤.","vol":"1","page":120},{"text":"ابن وهب، إلا أنه قال: قال أحمد: كذا قال هو وعنبسة -يعني ابن خالد- قال أحمد، والصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب.\nقلت: وقد نَبَّهَ على هذا الوهم أيضًا أبو عبد الرحمن النسائي، وأبو الحسن الدارقطني، وذكر الدارقطني أن القاسم بن مبرور، رواه عن يونس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن سلمة، قال وهو الصواب. وكذلك رواه غير واحد، عن الزهري. والله ﷿ أعلم.\nوفي هذا الحديث إشكال، وهو قوله: قاتل أخي، فارتد عليه سيفه فقتله؛ لأن هذه القصة مشهورة لعامر عم سلمة، وقد أوردها مسلم بعد ذلك في حديث سلمة بن الأكوع الطويل، وفيه أن عامرا هو الذي ارتد عليه سيفه يوم خيبر، وأنه الذي كان يرتجز بالقوم، وكذلك ذكر ابن إسحاق في \"السير\".\nوالجمع بين الحديثين عسير، إلا أن يكون عامر أخا سلمة من الرضاعة، أو يكون أراد أخوة الإسلام (١). والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(٢٧) - الحديث الرابع عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الطلاق\" (٢) حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر -﵃-، حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله -ﷺ- الحديث بطوله، وقال في آخره: قال معمر: فأخبرني أيوب، أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني أخبرتك، فقال لها النبي -ﷺ-: إن الله أرسلني مبلغا، ولم يرسلني متعنتا\".\nقلت: وهذا مقطوع، فإن أيوب السختياني لم يدرك عائشة -﵂-؛ لأن مولده سنة ست وستين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وستين، وتوفيت عائشة -﵂- سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة سبع وخمسين، والأول أشهر. ومسلم ﵀ إنما أخرج هذه الزيادة تبعا للحديث المسند الذي وقعت هي في آخره، ولم ير اختصارها منه، على عادته التي بيناها من قبلُ، ومع ذلك فهذه الزيادة متصلة في كتابه في حديث التخيير، من رواية أبي الزبير، عن جابر، فثبت اتصالها في كتاب مسلم، والحمد للَّه.\n_________\n(١) زاد غيره احتمال أن يكون أخاه من أمه على ما كانت الجاهليّة تفعله. وذهب المنذريّ إلى أنهما قضيّتان منفصلتان. لكن الذي يظهر هو ما ذكره الرشيد العطار من التأويل. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"كتاب الطلاق\" \"باب في الإيلاء\" ٢/ ١١١١ حديث ٣٤.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>(٢٨) - الحديث الخامس عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب اللعان\" (١) حديث حُجَين بن المثنى، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: بلغنا أن أبا هريرة كان يحدث عن رسول الله -ﷺ- بنحو حديثهم.\nقلت: يعني حديثا قبله، وهو حديث ابن عيينة ومعمر وغيرهما، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من بني فَزَارة إلى النبي -ﷺ-، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود ... الحديث.\nقلت: وهو حديث متصل في \"الصحيحين\" من حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، وأخرجه مسلم أيضًا وحده من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة متصلا، ثم أردفه بحديث عُقيل الذي ذكرناه، وإنما أورده مسلم هكذا في الشواهد، آخر الباب؛ ليكثر -والله أعلم- بذلك طرق هذا الحديث، ولينبه على مخالفة عُقيل للجماعة الذين رووه عن الزهري، وجودوا إسناده. والله ﷿ أعلم.\nوالرجل الفزاري المذكور في هذا الحديث، اسمه ضمضم بن قتادة. قاله الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>(٢٩) - الحديث السادس عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"المغازي\" (٢) حديث زيد بن سلام، عن أبي سلام الحبشي، قال: قال حذيفة: يا رسول الله، إنا كنا بِشَرّ، فجاء الله بخير، فنحن فيه ... الحديث.\nقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: هذا الحديث عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأن حذيفة تُوُفي بعد قتل عثمان -﵁- بليال، وقد قال فيه: قال: قال حذيفة: فهذا يدل على إرساله.\nقلت: وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" متصلا من وجه آخر، من حديث بُسْر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، عن أبي إدريس الخولاني، عن حذيفة، وهو أتم من حديث أبي سلام، وكذلك أخرجه البخاري في \"صحيحه\" أيضًا، فإن ثبت أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة، فقد بينا أن هذا الحديث متصل في \"الصحيحين\" من حديث أبي إدريس، عن حذيفة -﵁-. وبالله التوفيق.\n_________\n(١) \"كتاب اللعان\" ٢/ ١١٣٨.\n(٢) \"كتاب الإمارة\" \"باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن\" ٣/ ١٤٧٦ حديث ٥٢.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>(٣٠) - الحديث السابع عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب النذور والأيمان\" (١) حديث الصَّعْق بن حَزْن، عن مطر الوراق، عن زَهْدَم الجرمي قال: دخلت على أبي موسى الأشعري، وهو يأكل لحم دجاج ... الحديث.\nوهذا الحديث أيضًا قد انتقده الحافظ، أبو الحسن الدارقطني ﵀، وعاب على مسلم إخراجه من هذا الوجه، وقال: الصعق ومطر ليسا بالقويين، ومع هذا لم يسمعه مطر من زهدم، إنما رواه عن القاسم بن عاصم، عنه، قال ذلك ثابت بن حماد عن مطر.\nقلت: وهذا الحديث أيضًا قد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من طرق صحاح متصلة عن زهدم، عن أبي موسى -﵁- وطريق مطر التي انتقدها الدارقطني، إنما أوردها مسلم في الشواهد، لا في الأصول، وإذا كان الحديث ثابتا متصلا من وجه صحيح، ثم رُوِي من وجه آخر دونه في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذدك في ثبوته، واتصاله من الوجه الآخر، على أن مطرا قد قال فيه: حدثنا زهدم، وليس هو ممن يُتَّهَم بالكذب، لكنه سيء الحفظ عندهم، وقد سئل عنه يحيى بن معين، فقال صالح، وكذلك قال أبو حاتم الرازي. ويحتمل أن يكون مطر قد سمعه من القاسم بن عاصم، عن زهدم، كما ذكره الدارقطني، ثم لقي زهدما فسمعه منه، فحدث به تارة هكذا، وتارة هكذا. والله ﷿ أعلم بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>(٣١) - الحديث الثامن عشر:</span>\nأخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الحج\" (٢) حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه، أن رسول الله -ﷺ- \"كان يبعث معه بالبدن ... \" الحديث.\nقلت: وهذا الإسناد غير متصل عند جماعة من أهل النقل، فإن قتادة لم يسمع هذا الحديث من سنان بن سلمة، قاله الإمامان: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وناهيك بهما جلالة، ومعرفة بهذا الشأن. وذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي أيضًا، أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه، عمدتها ما قاله يحيى القطان وابن معين.\nقلت: ومما يؤيد ذلك أن سنان بن سلمة هذا هو سنان بن سلمة بن المحبق\n_________\n(١) \"باب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها الخ\" ٣/ ١٤٧٥.\n(٢) \"باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق\" ٢/ ٩٦٣ حديث ٣٧٨.","vol":"1","page":123},{"text":"معدود في الصحابة -﵃-، وله أيضًا رواية عن النبي -ﷺ-، وقد نص الإمام أبو حاتم الرازي على أن قتادة لم يلق من أصحاب النبي -ﷺ- إلا أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِسَ، وذكر البخاري في \"تاريخه\" أنه سمع أنسا، وأبا الطفيل، ولم يذكر له من الصحابة غيرهما.\nوالعذر لمسلم ﵀ أنه إنما أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد، في الشواهد؛ ليبين -والله أعلم- أنه قد روي من غير وجه، عن ابن عباس، وإلا فقد أخرجه قبل ذلك من حديث أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس متصلا، فثبت اتصاله في الكتاب. والله الموفق (١) للصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(٣٢) - الحديث التاسع عشر:</span>\nوأخرج أيضًا في \"كتاب الأدب\" (٢) حديث عراك بن مالك الغفاري المدني، عن عائشة -﵂-، أنها قالت: \"جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات ... \" الحديث.\nقلت: وفي سماع عراك من عائشة -﵂- نظر، فإنه إنما يروي عن عروة، عن عائشة. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، أحمد بن حنبل ﵀، أن حديثه عن عائشة مرسل. وقال موسى بن هارون الحافظ: لا نعلم له سماعا من عائشة. وقال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد الزاهد في كلامه على هذا الحديث: هذا عندنا حديث مرسل، واستدل بما ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون، ولم يخرج البخاري لعراك عن عائشة شيئا. وأخرج له ابن ماجه عنها حديثين، وحديثه عن رجل عنها لا يدل على عدم سماعه بالكلية منها، لا سيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في \"مقدمة كتابه\"، فسماع عراك من عائشة -﵂- جائز ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة -﵃-. والله أعلم.\nومما يشبه هذا الحديث في إسناده، حديث أخرجه مسلم ﵀ في \"البر والصلة\" (٣) من رواية ابن عيينة، عن أبي مُحيصن، وهو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن المقرىء، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ﴾ الحديث. وقد ذكر بعض الحفاظ أن محمد بن قيس هذا لم يسمع من أبي هريرة. قلت:\n_________\n(١) كان الأولى أن يقول: وبالله التوفيق، كما سبق التنبيه عليه. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"كتاب البرّ والصلة الآداب\" \"باب فضل الإحسان إلى البنات\" ٤/ ٢٠٢٧ حديث ١٤٨.\n(٣) \"باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك\" ٤/ ١٩٩٣ حديث ٢٥٧٤.","vol":"1","page":124},{"text":"وذكر غير واحد من العلماء أن محمد بن قيس هذا حجازي، وأنه سمع عائشة، فسماعه من أبي هريرة جائز ممكن؛ لأنهما متعاصران، ويجمعهما قطر واحد، فعلى مذهب مسلم تُحمل روايته عنه على السماع، إلا أن يقوم دليل بَيِّنٌ على خلافه. والله ﷿ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(٣٣) - الحديث العشرون:</span>\nوأخرج أيضًا في \"كتاب الأدب\" (١) حديث أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي بَرَّة، فقالت لي زينب ابنة أبي سلمة: إن رسول الله -ﷺ- نهى عن هذا.\nوذكر بعض الحفاظ أنه قد سقط من هذا الإسناد رجل بين يزيد ومحمد بن عمرو، وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، قال كذلك رواه المصريون -يعني عن الليث-.\nقلت: وقد وجدته كما قال من حديث غير واحد من أهل مصر، منهم يحيى بن بكير، وعيسى بن حماد زُغْبة، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" عن عيسى بن حماد، عن الليث كذلك، وأثبت في إسناده محمد بن إسحاق. وذكر بعض العلماء أن غسان بن الربيع الكوفي، رواه عن الليث كذلك أيضًا. وهذا إنما أورده مسلم بهذا الإسناد استشهادا، وإلا فقد أورده قبل هذا بإسناد متصل، فرواه من غير وجه عن الوليد بن كثير المخزومي المدني، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أبي سلمة -﵂-، وهذا متصل، لا شك فيه، فإن ثبت انقطاعه من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو، فقد بينا أنه متصل في الكتاب من حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو. وبالله التوفيق.\nوقد رأيت في بعض النسخ من \"كتاب الأطراف\" (٢) لأبي مسعود الدمشقي أن\n_________\n(١) \"كتاب الآداب\" \"باب تغيير الاسم القبيح إلى حسن\" ٣/ ١٦٨٧ حديث ١٩.\n(٢) وكذا هو عند الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى في \"تحفة الأشراف\" ١١/ ٣٢٤ نسبه لمسلم في \"صحيحه\" حيث أورد فيها: \" ... عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار ... \" الحديث. وقد علّق عليه المحقّق بقوله: كذا وقع هذا الإسناد في أصل (س) وليس في شيء مما في النسخ الحاضرة عندنا من \"صحيح مسلم\" ما ذكره، وإنما فيه: \"عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء\" بدون واسطة محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار بينهما. والله أعلم. انتهى.\nوهذا يرجّح ما قاله الحافظ الرشيد العطار هنا من أنه لعله كان في أصل مسلم، وسقط من بعض النسخ ذكر ابن إسحاق. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":125},{"text":"مسلما أخرج هذا الحديث عن عمرو الناقد، عن هاشم بن القاسم، عن الليث، عن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو، كما رواه المصريون عن الليث، فلعله كذلك في أصل مسلم، وسقط من بعض النسخ ذكر ابن إسحاق. والله ﷿ أعلم.\n[فصل]: ومما يُظَنُّ أنه مقطوع على مذهب عبد الله الحاكم وغيره، وليس كذلك. (٣٤) - حديث أخرجه مسلم في \"كتاب الفتن\" (١) من حديث شعبة، عن فُرَات القزاز، قال: سمعت أبا الطفيل، يحدث عن أبي سَرِيحة، قال: كان رسول الله -ﷺ- في غرفة، ونحن تحتها نتحدث، يعني فاطلع إلينا، فقال -ﷺ-: \"ما تَذْكُرون؟، قلنا: الساعة، قال -ﷺ-: \"إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات ... \" الحديث، وفي آخره: قال شعبة: وحدثني رجل بهذا الحديث، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة، ولم يرفعه انتهى.\nقلت: وهذا الرجل المبهم اسمه هو -فيما ظهر لي- عبد العزيز بن رُفيع المكي، وقد بين ذلك غير واحد من الثقات، في روايتهم لهذا الحديث عن شعبة، منهم معاذ بن معاذ العنبري، وأبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، فإنهما روياه عن شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة موقوفًا. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" من حديث من سمينا عن شعبة، عن عبد العزيز بإسناده موقوفا. وقال الدارقطني: لم يرفعه غير فُرَات، عن أبي الطفيل من وجه يصح، فتبين بما ذكرناه أن هذا الحديث من هذا الوجه متصل الإسناد، إلى أبي سريحة -﵁- ولكنه موقوف عليه (٢) انتهى.\nوفي كتاب مسلم أحاديث يسيرة موقوفة أيضًا، وليس هذا موضع ذكرها. وبالله التوفيق. اهـ.\n(٣٥) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الديات\" حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... \" الحديث. وابن أبي بكرة\n_________\n(١) \"باب الآيات التي تكون قبل الساعة\" ٤/ ٢٢٢٧ حديث ٤١.\n(٢) لعلّ الإمام مسلمًا يرى أن الرفع هنا أرجح؛ لكونه زيادة ثقة، ففرات القزّاز ثقة، وأيضًا لم ينفرد به، بل تابعه قتادة كما في \"معجم الطبرانيّ الكبير\" ٣/ ١٩٢ حديث ٣٠٣٤، لكن في سنده الوليد بن الوليد، عن سعيد بن بشير، والوليد بن الوليد الدمشقيّ قال فيه الدارقطني وغيره -كما في \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٣٤٩ -: منكر الحديث، وسعيد بن بشير ضعفه ابن معين، والنسائيّ، ووثقه شعبة، ودُحيم. انظر \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٢٨. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":126},{"text":"المبهم اسمه في هذا الإسناد، هو عبد الرحمن ثقة متفق عليه، بَيَّنَ ذلك عبد الله بن عون وغيره في روايتهم لهذا الحديث عن أيوب، وبنو أبي بكرة ستة، فيما ذكر علي بن المديني، وهم: عبد الرحمن، ومسلم، وعبد العزيز، ويزيد، وعبيد الله، ورَوّاد، وزاد غيره: كَيِّسة بنت أبي بكرة، وهي بفتح الكاف، وتشديد الياء المعجمة باثنتين من تحتها، وسين مهملة، وتشبه بكبشة بالياء بواحدة، وبالشين المعجمة.\nفأما عبد الرحمن، فاتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، عن أبيه، وأما مسلم فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز فأخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأما كيسة فأخرج لها أبو داود، عن أبيها، والباقون لم يخرج لهم شيء في الكتب الستة فيما أعلم. والله ﷿ أعلم.\nوقد ذكر عبد الغني بن سعيد الحافظ: كَيِّسة هذه، وقيدها كما ذكرناه، إلا أنه قال بإسكان الياء وبالتشديد قيدها الأمير أبو نصر بن ماكولا، وذكر أن غير ذلك تصحيف. والله ﷿ أعلم. اهـ.\n(٣٦) - حديث آخر: مثل الذي قبله، قال مسلم ﵀ في \"كتاب الجنائز\" (١) حدثنا محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد رحمه اللهُ تعالى قال: وثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، جميعا عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن محمد بن عمرو، عن ابن كعب ابن مالك، عن أبي قتادة، عن النبي -ﷺ- يعني مثل الحديث الذي قبله: أن رسول الله -ﷺ- مُرّ عليه بجنازة، فقال: \"مستريح ومستراح منه ... \" الحديث. اهـ.\nقلت: وابن كعب المبهم اسمه في هذا الإسناد، هو معبد بن كعب، بَيَّن ذلك الإمام أبو عبد الله، مالك بن أنس في روايته لهذا الحديث، عن محمد بن عمرو الديلي، وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" عن قتيبة، عن مالك كذلك. اهـ.\nوبنو كعب بن مالك -﵁- ستة: عبيد الله، وعبد الله، وعبد الرحمن، وفضالة، ووهب، ومعبد. حكى ذلك أبو زرعة الدمشقي، عن أحمد بن حنبل، فمنهم أربعة اتفق الإمامان على إخراج حديثهم في \"الصحيحين\"، وهم: عبيد الله، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومعبد، وأما وهب، وفضالة، فلم يخرجا لهما في \"الصحيحين\"، ولم أقف على ذكرهما في غير \"تاريخ أبي زرعة\"، والله أعلم.\n(٣٧) -[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث مروية بالوجادة، وهي داخلة في\n_________\n(١) \"باب ما جاء في مستريح ومسراح منه\" ٢/ ٦٥٦.","vol":"1","page":127},{"text":"باب المقطوع عند علماء الرواية، إلا أن منها ما وقعت الوجادة في إسناده، من أحد شيوخ مسلم خاصة، على ما سنبينه.\nفمن ذلك حديثٌ أخرجه في \"كتاب الفضائل\" (١) فقال فيه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله -ﷺ- ليتفقد، يقول: \"أين أنا اليوم؟، أين أنا غدا؟ \" استبطاء اليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي، قبضه الله بين سَحْرِي ونَحْرِي.\nقلت: هكذا أورده مسلم، ولم يخرجه في كتابه إلا في هذا الموضع وحده فيما علمت، بهذا الإسناد، وقد أخرجه البخاري في \"صحيحه\" متصلا من غير وجادة، وهو ما أخبرنا أبو القاسم، هبة الله بن علي السعودي الأنصاري، أنا أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي، أخبرتنا كريمة بنت أحمد المروزية، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري، ثنا إسماعيل، ثنا سليمان، عن هشام ﵀ قال: وحدثني محمد بن حرب، ثنا أبو مروان، يحيى بن أبي زكرياء، عن هشام، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله -ﷺ- ليتعذر في مرضه، أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاءا ليوم عائشة، فلما كان يومي، قبضة الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي ﵈ اهـ.\nوأخرجه أيضًا عن عبيد بن إسماعيل الكوفي، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه: أن رسول الله -ﷺ- هكذا مرسلا، إلا أنه قال في آخره: قالت عائشة: فلما كان يومي سكن. وهذا متصل، والله أعلم.\nويحيى بن أبي زكريا المذكور في هذا الإسناد، هو الغساني شامي، وربما اشتبه بيحيى بن زكريا الكوفي، وهو ابن أبي زائدة؛ لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة، والأول يكنى أبا مروان، وابن زائدة يكنى أبا سعيد همداني.\nوقوله في هذه الرواية التي أوردناها من طريق البخاري: إن كان رسول الله -ﷺ- ليتعذر، قال الخطابي: معناه يتعسر، ويتمنع، وأنشد:\nوَيَوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَتِيبِ تَعَذَّرَتْ\nوأكثر الرواة يرويه: \"ليتقدر\" بالقاف من التقدير. وفي كتاب مسلم: \"ليتفقد\" من الافتقاد كما أوردناه. وقولها: \"بين سحري ونحري\" والمسحر بفتح السين المهملة، وضمها: الرئة، وقال بعضهم: هو ما بين ثدييها، والله أعلم.\n_________\n(١) \"باب فضل عائشة\" ٤/ ١٨٩٣ حديث ٨٤.","vol":"1","page":128},{"text":"ومن ذلك حديثان، إسنادهما واحد، رواهما مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة أيضًا، قال أبو بكر في كل واحد منهما: وجدت في كتابي عن أبي أسامة، إلا أن مسلما ﵀ رواهما عن أبي كريب أيضًا، عن أبي أسامة، فاتصلا من طريق أبي كريب. اهـ.\n(٣٨) - فأحد الحديثين أخرجه في \"الفضائل\" من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غَضْبَى ... \" الحديث.\n(٣٩) - والآخر أخرجه في \"النكاح\" من حديث أبي أسامة أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله -ﷺ- لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين ... الحديث. وقد بينا أنهما متصلان في الكتاب، من رواية أبي كريب، عن أبي أسامة، من غير وجادة. وبالله التوفيق.\n[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث مرسلة، وفيها ما وقع الإرسال في بعضه خاصة، فأحببت أن ألحقها بما تقدم؛ لكونها داخلة في معناه؛ لأن كل ما لم يتصل فهو مقطوع في المعنى، إلا أن منه ما يوافق معناه التسمية المصطلح عليها، فيكون اسمه ومعناه واحدا، ومنه ما يكون له تسمية أخرى، على أن جمهور المتقدمين من علماء الرواية يسمون ما لم يتصل إسناده مرسلًا، سواء كان مقطوعا، أو معضلًا، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال، من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن رسول الله -ﷺ-، وإن كان معنى الجميع عدم الإتصال، والله ﷿ أعلم.\nفمن الأحاديث المرسلة: حديث يشتمل على ثلاثة أحاديث، اثنان مرسلان، والثالث متصل، أخرجه في \"كتاب البيوع\"، فقال فيه: وحدثني محمد بن رافع، ثنا حُجَين، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة أن يباع ثمر النخل بالتمر، والمحاقلة أن يباع الزرع بالقمح واستكراء الأرض بالقمح، قال: وأخبرني سالم بن عبد الله، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر\"، وقال سالم: أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله -ﷺ- أنه رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك.\nقلت: هكذا أورده مسلم ﵀ في كتابه.\nفإن قيل: كيف اختار إخراج المراسيل في \"صحيحه\"، وليست من شرطه، ولا داخلة في رسمه؟ .\nفالجواب أن مسلما ﵀ من عادته أن يورد الحديث كما سمعه، وكان هذا الحديث","vol":"1","page":129},{"text":"عنده عن محمد بن رافع، على هذه الصفة، فأورده كما سمعه منه، ولم يحتج بالمرسل الذي فيه، وإنما احتج بما في آخره من المسند، وهو حديث سالم، عن عبد الله، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله -ﷺ- رَخّص بعد ذلك في بيع العرية ... الحديث. فهذا القدر الذي احتج به مسلم منه.\nفإن قيل: فقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المسند خاصة، ويحذف ما فيه من المرسل، ولا يطول كتابه بما ليس من شرطه؟ .\nقيل: هذه مسألة اختلف العلماء فيها، فمنهم: من أجاز تقطيع الحديث الواحد، وتفريقه في الأبواب، إذا كان مشتملا على عدة أحكام، كل حكم منها مستقل بنفسه، غير مرتبط بغيره، كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه. ومنهم من منع ذلك، واختار إيراد الحديث كاملا كما سمعه، والظاهر من مذهب مسلم ﵀ إيراد الحديث بكامله، من غير تقطيع له، ولا اختصار، إذا لم يقل فيه مثل حديث فلان، أو نحوه. والله ﷿ أعلم.\nفإن قيل: فهل يُسنَد هذان المرسلان من وجه يصح؟ .\nقيل: نعم كلاهما مسند متصل في \"الصحيح\"، أما حديث سعيد بن المسيب، فقد أخرجه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-. ومن حديث سعيد بن ميناء، وأبي الزبير، كلاهما عن جابر، عن النبي -ﷺ-. وأخرجه أيضًا هو والبخاري من حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، عن النبي -ﷺ-، فثبت اتصاله.\nوأما حديث سالم، فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- بنحوه. وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" متصلا من الوجه الذي أورده مسلم مرسلًا، وهو:\nما أخبرنا الشيخ أبو علي ناصر بن عبد الله الفقيه بالحرم الشريف، تجاه الكعبة المعظمة، أنا أبو الحسن، علي بن حميد بن عمار المقرىء بمكة شرفها الله، أنا أبو مكتوم، عيسى بن أبي ذر الهروي، أنا أبي، أنا عبد الله بن أحمد السرخسي، وإبراهيم ابن أحمد المستملي، ومحمد بن مكي الكشميهني، قالوا: أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ وأخبرنا عاليا أبو القاسم الخزرجي، واللفظ له، أنا محمد بن بركات السعيدي، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الكشميهني، أنا الفربري، أنا البخاري، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر\". قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله -ﷺ- رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر،","vol":"1","page":130},{"text":"ولم يرخص في غيره.\nحديث آخر: أخرج مسلم في \"كتاب الأضاحي\" (١) حديت مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث\". قلت: وهذا مرسل، فإن عبد الله بن واقد تابعي، يروي عن عبد الله بن عمر وغيره، وهو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، -﵃-، ولم يحتج مسلم بهذا المرسل، إنما احتج بباقي الحديث، وهو قول عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة، تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية، حضرة الأضحى، زمن رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله: \"اذخروا ثلاثا ... \" الحديث. وهذا مسند، ولا يخفى على من له أنس بعلم الرواية، أن هذا المسند من هذا الحديث، هو الذي احتج به مسلم. وقد رواه القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة به، لم يذكر فيه عبد الله بن واقد. وكذلك رواه يحيى القطان، عن مالك أيضًا. وأخرجه أبو داود في \"سننه\" (٢) عن القعنبي كذلك، وأخرجه النسائي أيضًا في \"سننه\" (٣) عن عبيد الله بن سعيد، وهو أبو قدامة السرخسي، عن يحيى، وهو القطان -فيما علمت- عن مالك كذلك.\nوأما المرسل الذي في أوله، فإنه متصل في كتاب مسلم، من حديث ابن عمر وغيره، عن النبي -ﷺ-.\nوقولها: \"دَفّ أهل أبيات\": معناه: ساروا سيرا رفيقا في جماعة، والدَّفّ السير ليس بالسريع في جماعة.\nوقولها: \"حضرةَ الأضحى\" بإسكان الضاد: أي وقته وحينه، وقد قيده بعضهم بفتحها، والمعنى واحد. قاله القاضي، أبو الفضل اليحصبي. والله أعلم.\nحديث آخر: وأخرج في \"كتاب الصلاة\" حديث مِسْعَر، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم قال: قال رسول الله -ﷺ- لعبد الله بن مسعود \"اقرأ علي\"، فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ... الحديث، وقال في آخره: قال مسعر: فحدثني معن، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال النبي -ﷺ-: \"شهيدا عليهم ما دمت فيهم، أو ما كنت فيهم\" شك مسعر.\n_________\n(١) \"باب بيان ما كان من نهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام\" ٣/ ١٥٦١ حديث ٢٨.\n(٢) ٣/ ٢٤١ رقم ٢٨١٢.\n(٣) \"المجتبى\" ٧/ ٢٣٥.","vol":"1","page":131},{"text":"قلت هكذا هو في كتاب مسلم، وهو حديث ليس بمتصل من هذا الوجه، إلا ما في آخره من حديث مسعر، عن معن، فإنه مسند، وهذا القدر هو الذي احتج به مسلم. وأما أوله: فإن مسلما ﵀ قد أخرجه قبل هذا الحديث متصلا، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- فثبت اتصاله، والحمد للَّه.\nوإبراهيم هذا هو ابن يزيد النخعي الفقيه، معدود في الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، رأى عائشة، وأدرك أنس بن مالك، -﵃-. والله ولي التوفيق.\n(٤٣) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الطهارة\" حديث أبي العلاء بن الشخير: كان رسول الله -ﷺ- ينسخ حديثه بعضه بعضا ... الحديث، وأبو العلاء هذا معدود في التابعين، من أهل البصرة، واسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير، روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعياض بن حمار، وغيرهم، وهو أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهذا الكلام لا أعلم أحدا رواه عن أحد من الصحابة، -﵃- من وجه يصح. وقد رُوي بمعناه من حديث عبد الله بن الزبير بن العوام، عن أبيه الزبير -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يقول القول، ثم يلبث أحيانا، ثم ينسخه بقول آخر، كما ينسخ القرآن بعضه بعضا.\nقلت وفي إسناده نظر، وليس من شرط مسلم. والله أعلم. اهـ.\n(٤٤) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب النكاح\" حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام: أن رسول الله -ﷺ- حين تزوج أم سلمة، وأصبحت عنده، قال لها: \"ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سَبّعت عندك ... \" الحديث، وأورده أيضًا من حديث سليمان ابن بلال، وأبي ضمرة، أنس بن عياض، كلاهما عن عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه مرسلا كذلك.\nقلت: وهذا حديث انفرد به مسلم، دون البخاري، وأخرجه في \"صحيحه\" متصلا من وجه آخر، من حديث سفيان الثوري، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي -ﷺ-، ثم أردفه بحديث مالك وغيره مرسلا، كما ذكرناه، وإنما أراد بذلك -والله أعلم- ليبين الإختلاف الواقع في إسناده، بين رواته، ويَخرُج من عهدته. وقد أورده البخاري ﵀ في \"تاريخه\" (١) من حديث الثوري مسندا، كما أورده مسلم، ثم قال عقيبه قال: أنا إسماعيل، حدثني\n_________\n(١) ١/ ٤٧/١ - ٤٨.","vol":"1","page":132},{"text":"مالك، وذكر الإسناد الذي قدمناه عنه مرسلا، ثم قال: الصحيح هذا.\nقلت: وقد حكى بعض العلماء عن الدارقطني، أنه حكم بصحة حديث الثوري الذي أسنده، ولو لم يكن كذلك، لما أخرجه مسلم، والله ﷿ أعلم. اهـ.\n(٤٥) - حديث آخر: وأخرج في \"مقدمة الكتاب\" حديث معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع\".\nقلت: وهذا مرسل، وكذلك رواه غندر، وحفص بن عمر، عن شعبة، إلا أن مسلما ﵀ أردفه بطريق آخر متصل، من حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، فاتصل ذلك المرسل من هذا الوجه الثاني، لكن رواية ابن مهدي، ومن تابعه على إرساله أرجح؛ لأنهم أحفظ، وأثبت من المدائني الذي وصله، وإن كان قد وثقه يحيى بن معين، والزيادة من الثقة مقبولة، عند أهل العلم، ولهذا أورده مسلم من الطريقين؛ ليبين الاختلاف الواقع في اتصاله، وقَدَّم رواية من أرسله؛ لأنهم أحفظ، وأثبت كما بيناه. وقد سئل أبو حاتم الرازي عن علي ابن حفص هذا، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به. ولهذا قال أبو الحسن الدارقطني. الصواب في هذا الحديث المرسل. والله ﷿ أعلم.\n(٤٦) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الصلاة\" (١) حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة -﵂-، قالت: أعتم رسول الله -ﷺ- ليلة من الليالي بصلاة العشاء، وهي التي يدعونها العتمة ... الحديث. وفي آخره: قال ابن شهاب: وذُكر لي أن رسول الله -ﷺ- قال: \"وما كان لكم أن تَنْزُروا رسول الله -ﷺ- على الصلاة\"، وذلك حين صاح عمر ابن الخطاب -﵁-.\nقلت: هكذا هو في كتاب مسلم، وقد أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢) والنسائي في \"سننه\" (٣) فلم يذكرا هذه الزيادة التي في آخره، من قول الزهري، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، والله ﷿ أعلم.\nوقوله: \"تنزوا\" -بفتح التاء باثنتين من فوقها، بعدها نون ساكنة، ثم زاي مضمومة، بعدها راء مهملة-: معناه تُلِحّوا، من نزره إذا ألح عليه، وقيده بعضهم\n_________\n(١) بل في \"كتاب المساجد\" \"باب وقت العشاء وتأخيرها\" ١/ ٤٤١ - ٤٤٢ حديث ٢١٨.\n(٢) \"كتاب مواقيت الصلاة\" \"باب فضل العشاء\" رقم ٥٦٦.\n(٣) \"كتاب الصلاة\" ١/ ٢٣٩ و٢٦٧.","vol":"1","page":133},{"text":"\"تُبْرِزوا\" -بضم التاء المعجمة باثنتين من فوقها، والباء بواحدة بعدها، وتقديم الراء المهملة على الزاي- من الإبراز، وهو الإخراج، والإظهار، والأول أليق بالمعنى. والله ﷿ أعلم.\n(٤٧) - ووقع في الكتاب موضع آخر نحو هذا، أورده مسلم في أواخر الكتاب من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس، قال: قال نبي الله -ﷺ-: \"إن العبد إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ... \" الحديث، وفي آخره: قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويُملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون.\nقلت: وهذا حديث انفرد به مسلم من هذا الوجه، دون البخاري، وأخرجه النسائي في \"سننه\" من هذا الوجه، ولم يذكر هذه الزيادة، وقد أخرج البخاري هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة، عن أنس، فذكره أتم من حديث شيبان، عن قتادة، ولم يذكر فيه هذه الزيادة كلها، غير أنه قال فيه: قال قتادة: وذُكر لنا أنه يُفسح له في قبره فقط. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مختصرا، ولم يذكر فيه هذه الزيادة أيضًا. والله ﷿ أعلم، ولا أعلم الآن من أسندها، وإنما أوردها مسلم جريا على عادته في ترك الاختصار من الحديث، وإيراده إياه كاملا كما سمعه، والله ﷿ أعلم.\n(٤٨) - حديث آخر: وأخرج أيضًا في \"كتاب الصلاة\" حديث قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سُمّي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، -﵁- أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله -ﷺ-، فقالوا: \"ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم ... \" الحديث، وفي آخره: قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله -ﷺ-، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\".\nقلت: هكذا أورده مسلم، وهو حديث بعضه مسند، وبعضه مرسل، والمرسل منه قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم يسنده. وقد أخرج البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلما ﵀، قد أخرجه من وجه آخر عن أبي صالح، وفيه هذه الزيادة متصلة مع سائر الحديث، فأخرجه من حديث رَوح بن عُبادة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ-، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة، عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم ﵀.","vol":"1","page":134},{"text":"قلت: فقد اتصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد لله (١).\nوقوله: \"أهل الدثور\" يعني أهل الأموال الكثيرة، وواحد الدثور دَثْرٌ بفتح الدال المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وهو المال الكثير. ووقع في آخر هذا الحديث أيضًا زيادةٌ، أوردها مسلم غير متصلة، وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن عجلان: قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمتَ، وذكر باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى.\n(٤٩) - ووقع أيضًا مثل ذلك في \"كتاب الجهاد\" (٢) في حديث أخرجه عن شيبان ابن فَرُّوخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رَبَاح، عن أبي هريرة، قال: وَفَدَتْ وُفود إلى معاوية ... وساق الحديث إلى قوله: ورسول الله -ﷺ- في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: \"أبو هريرة\" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: \"لا يأتيني إلا أنصاري\"، قال مسلم: زاد غير شيبان: \"اهتف لي بالأنصار\"، قال: فأطافوا به، وهذه الزيادة غير متصلة أيضًا في الكتاب. والله أعلم.\n(٥٠) - حديث آخر: وقع في آخره زيادة مرسلة، وهو حديث أخرجه في \"الصلاة\" (٣) من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة أنهما أخبراه عن\n_________\n(١) هذا الذي اعتبره الحافظ الرشيد العطار رحمه الله تعالى من كون الحديث متّصلًا من هذا الوجه، لا يراه الحافظ ابن حجر متّصلا، لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجًا، لكنه قوّاه، ونصّه في \"الفتح\": زاد مسلم في رواية ابن عجلان، عن سمي، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله -ﷺ-، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه، ففعلوا مثله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... \" ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر طرفا منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين. قلت: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مدرجا، أخرجه جعفر الفريابي. وتَبَيَّن بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلة. وقد روى الحديث البزار من حديث ابن عمر، وفيه: \"فرجع الفقراء\"، فذكره موصولا، لكن قد قدّمت أن إسناده ضعيف. ورواه جعفر الفريابي من رواية حرام بن حكيم، وهو بحاء وراء مهملتين، عن أبي ذر، وقال فيه: فقال أبو ذر: يا رسول الله، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\". ونقل الخطيب أن حرام بن حكيم يرسل الرواية عن أبي ذر، فعلى هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يُقَوَّى بهما مرسل أبي صالح. انتهى كلام الحافظ في \"الفتح\".\nوالحاصل أن الزيادة مرسلة، لا تصحّ بوجه من الوجوه متصلة، إلا أن الحافظ قوّاه بما ذُكر، من الروايات، إلا أنك عرفت ما فيها من الكلام. فالله تعالى أعلم.\n(٢) \"باب فتح مكة\" ٣/ ١٤٠٥ حديث ٨٤.\n(٣) \"باب التسميع والتحميد والتأمين\" ١/ ٣٠٧ حديث ٧٢.","vol":"1","page":135},{"text":"أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا أمّن الإمام فأمنوا ... \" الحديث، وفي آخره: قال ابن شهاب: كان رسول الله -ﷺ- يقول: \"آمين\"، وهذا مرسل، وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه كان يقول: \"آمين\" من غير وجه، خارج \"الصحيحين\" أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) في كتابيهما، من حديث وائل بن حجر، -﵁- عن النبي -ﷺ-، وقال الترمذي: حديث وائل بن حجر حديث حسن. وبالله التوفيق.\n(٥١) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الجهاد\" (٣) حديث ابن شهاب، عن أنس، قال: لما قدم المهاجرين من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمارهم كل عام ... وساق الحديث إلى قوله: فأعطى رسول الله -ﷺ- أم أيمن مكانهن من حائطه. قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أمِّ أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنةُ رسول الله -ﷺ- بعدما تُوفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كَبِرَ رسول الله -ﷺ-، فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعدما تُوفي رسول الله -ﷺ- بخمسة أشهر.\nقلت: وهذه الزيادة من قول ابن شهاب، متضمنة عتق النبي -ﷺ- لأم أيمن، وغير ذلك، وهي مرسلة، كما ترى، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في \"صحيحه،، ولم يذكر فيه هذه الزيادة، وهذا يدل على ما قدمناه، من إيراد مسلم للحديث بتمامه، من غير اختصار له في الغالب، والله ﷿ علم.\n(٥٢) - وفي الكتاب من مرسلات الزهري أيضًا مواضع، وقعت في أحاديث نحو هذا: فمن ذلك ما وقع في حديث أخرجه في \"الصيام\" (٤) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أن رسول الله -ﷺ- أقسم ألا يدخل على أزواجه شهرا، فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن ... الحديث.\nقلت: هكذا هو في كتاب مسلم، والمرسل الذي في أوله من قول الزهري قد أخرجه مسلم متصلا، من حديث عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن النبي -ﷺ-، فثبت اتصاله، والحمد للَّه.\n_________\n(١) \"السنن\" \"كتاب الصلاة\" رقم ٩٣٢ و٩٣٣.\n(٢) \"الجامع\" \"أبواب الصلاة\" \"باب ما جاء في التأمين\" رقم ٢٤٨ و٢٤٩.\n(٣) \"باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم الخ\" ٣/ ١٣٩١ حديث ٧٠.\n(٤) \"باب يكون الشهر تسعا وعشرين\" ٢/ ٧٦٣ حديث ٢٢.","vol":"1","page":136},{"text":"(٥٣) - ومن ذلك أيضًا ما أخرجه في \"كتاب الصيام\" (١) من حديث ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله -ﷺ- خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، وفي آخره: قال ابن شهاب: فصبّح رسول الله -ﷺ- مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان اهـ.\n(٥٤) - ومن ذلك أيضًا ما أخرجه في \"التوبة\" (٢) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: ثم غزا رسول الله -ﷺ- غزوة تبوك، وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام، ثم قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن عبد الله بن كعب، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب ابن مالك، وساق الحديث بطوله في توبة كعب -﵁-.\nقلت: وهذان الحديثان قد أخرجهما البخاري، ولم يورد ما فيهما من مرسل ابن شهاب، ولا يَخْفَى على من له أنس بعلم الرواية، أن مسلما ﵀ إنما احتج بما في هذه الأحاديث، وما شاكلها من المسند، دون المرسل، وإنما أوردها بما فيها من المرسل جريا على عادته في ترك الاختصار. والله ﷿ أعلم.\n(٥٥) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الدعوات\" (٣) حديث أبي إسحاق، وهو السبيعي، عن عمرو بن ميمون، قال: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرار كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل\"، هكذا أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، وكذلك هو في \"صحيح البخاري\" أيضًا، إلا أن مسلما ﵀ أردفه بحديث الشعبي، عن الربيع بن خُثَيم بمثل ذلك، قال: فقلت للربيع: ممن سمعته؟ قال: من عمرو بن ميمون، فأتيت عمرو بن ميمون، فقلت له: ممن سمعته؟ قال: من ابن أبي ليلى، فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت: ممن سمعته؟ قال: من أبي أيوب، يحدثه عن رسول الله -ﷺ-.\nقلت: فقد اتصل هذا الحديث في كتاب مسلم من طريق الشعبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب -﵁- والحمد للَّه.\nوفي إسناد هذا الحديث اختلاف كثير، ذكره البخاري، والنسائي، وقال البخاري: والصحيح قول عمرو -يعني ابن ميمون- والله أعلم.\n_________\n(١) \"باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر\" ٢/ ٧٨٤ حديث ٨٨.\n(٢) \"باب توبة كعب بن مالك وصاحبيه\" ٤/ ٢١٢٠ حديث ٥٣.\n(٣) بل \"كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار\" \"باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء\" ٤/ ٢٠٧١ حديث ٣٠.","vol":"1","page":137},{"text":"وعمرو بن ميمون هذا هو الأودي، يكنى أبا عبد الله، كان بالشام، ثم سكن الكوفة بعد ذلك، فهو معدود في أهلها، أسلم في حياة النبي -ﷺ-، وصَدَّق إليه، وليس له رواية عنه، وروى عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، ومعاذ، وغيرهم من الصحابة -﵃-. وفي رجال \"الصحيحين\": عمرو بن ميمون رجل آخر، غير هذا، وهو دونه في الطبقة، جَزَرِيّ من أهل الرَّقَّة، يروي عن سليمان بن يسار وغيره، ويكنى أبا عبد الله أيضًا، ولم يذكرهما الحافظ أبو علي الجياني في تقييده، وهما من شرط كتابه، أخرج لهما البخاري ومسلم جميعا، ولهما نظير ثالث في التسمية، وهو عمرو بن ميمون المكي، حَدَّث عن الزهري، روى عنه عنبسة بن سعيد، ولم يخرجا له فيما علمت شيئا. والله ولي التوفيق.\n(٥٦) - حديث آخر: أخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الأشربة\" -باب في \"الأطعمة\" (١) حديث مالك، عن أبي بكر، بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن جده عبد الله بن عمر، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ... \" الحديث. قال الدارقطني: لم يسمع أبو بكر بن عبيد الله هذا الحديث من جده عبد الله بن عمر، إنما سمعه من عمه سالم، عن أبيه، والله أعلم.\nقلت: وقد تابع مالكا على روايته كذلك عبيد الله بن عمر، وسفيان بن عيينة، وفي إسناده اختلاف بين رواته، وقد أخرجه مسلم من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري بنحوه. والله ﷿ أعلم.\n(٥٧) - حديث آخر: وأخرج في \"كتاب الوصايا\" (٢) حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه رسول الله -ﷺ- يعوده ... الحديث.\nقلت: وهذا مرسل، وليس في ولد سعد بن أبي وقاص -﵁- من له صحبة، ولا رواية عن النبي -ﷺ-، قاله الدارقطني وغيره، وهذا الحديث وإن كان مرسلا من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم وغيره، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ومن حديث مصعب بن سعد أيضًا عن أبيه. وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي (٣)، من حديث عائشة بنت سعد، عن أبيها أيضًا كذلك، والطريق الذي ذكر الدارقطني أنها مرسلة، إنما أوردها مسلم في الشواهد، ومع ذلك فقد أخرجها في كتابه\n_________\n(١) ٣/ ١٥٩٨.\n(٢) \"باب الوصية بالثلث\" ٣/ ١٢٥٣ حديث ٩.\n(٣) \"البخاري\" كتاب المرضى\" رقم ٤٩٩ وأبو داود رقم ٣١٠٤ والنسائي في \"الكبرى\".","vol":"1","page":138},{"text":"متصلة من وجه آخر، من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب بإسناده المتقدم، وقال فيها: عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه، أن النبي -ﷺ- دخل على سعد يعوده بمكة ... الحديث، فثبت اتصاله في الكتاب، من حديث أيوب بن أبي تميمة أيضًا، والحمد للَّه. وإنما أورده مسلم من الوجهين المذكورين عن أيوب؛ لينبه على الاختلاف عليه في إسناده، والله ﷿ أعلم.\nوبنو سعد بن أبي وقاص -﵁- سبعة، فيما ذكر علي بن المديني، وهم: مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم، وعمر، ويحيى، وعائشة، وذكر أبو زرعة الدمشقي أنهم ثمانية: فعد هذه السبعة، وزاد إسحاق بن سعد. والله أعلم. اهـ.\n[فصل]: ووقع في الكتاب أيضًا أحاديث فوق العشرة مروية بالمكاتبة، لم يسمعها الراوي لها ممن كاتبه بها، وإنما رواها عن كتابه فقط، فهي مقطوعة من طريق السماع، متصلة من طريق المكاتبة، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من منع الرواية بالمكاتبة، ومنهم من أجاز ذلك بشرط، وهو أن يأذن الكاتب للمكتوب بها إليه في روايتها عنه، وإلى هذا القول ذهب أبو حامد الغزالي، ونص عليه في كتابه \"المستصفى\"، وقال الإمام أبو المعالي الجويني في كتاب \"النهاية\" كل حديث نسب إلى كتاب، ولم يُذكر حامله فهو مرسل، والشافعي لا يرى التعلق بالمراسيل.\nقلت: وذكر القاضي عياض أن الذي عليه الجمهور، من أرباب النقل، وغيرهم، جواز الرواية لأحاديث المكاتبة، ووجوب العمل بها، وأنها داخلة في المسند، وذلك بعد ثبوت صحته عند المكتوب إليه بها، ووثوقه بأنها عن كاتبها، ولهذا أضربت عن إيرادها، وإنما نبهت عليها في الجملة؛ لأجل الخلاف الواقع فيها، ولأن أبا الحسن الدارقطني انتقد على البخاري ومسلم إخراجهما أحاديث منها، على أن أكثر هذه الأحاديث المشار إليها، إنما وقعت كذلك في الكتاب، من بعض طرقها، دون بعض. والله الموفق (١).\n(٥٨) - قلت: ويدخل في هذا الباب ما أخرجه مسلم ﵀ في مواضع من كتابه، من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، فإنه لم يسمع من أبيه شيئا، إنما روى من كتاب أبيه.\nومع صحة المكاتبة، وثبوتها عند الأكثر، فقد رجح جماعة من العلماء، ما روي بالسماع المتصل، على ما روي بها، ووقع في مثل ذلك مناظرة بين الإمامين: أبي عبد\n_________\n(١) الأولى: وبالله التوفيق، كما سبق له. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":139},{"text":"الله محمد بن إدريس الشافعي، وإسحاق بن راهويه، بحضرة الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليهم، وهي ما أخبرنا الشيخان: أبو محمد العثماني، وأبو علي منصور بن علي الصوفي الكاغدي، قراءةً عليهما منفردين، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار، قراءة عليه ببغداد، قيل له: أخبركم أبو الحسن علي ابن أحمد بن علي بقراءتك عليه؟، فأقر به، أخبرنا أحمد بن إسحاق القاضي، أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد القاضي، حدثنا زكرياء الساجي، حدثني جماعة من أصحابنا، أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي، وأحمدُ بنُ حنبل حاضر، في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي -ﷺ- مَرَّ بشاة ميتة، فقال: \"هلا انتفعتم بجلدها؟ \" فقال إسحاق: حديث ابن عُكيم: \"كتب إلينا النبي -ﷺ- قبل موته بشهر: \"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب\" أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتاب، وذاك سماع، فقال إسحاق: إن النبي -ﷺ- كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عُكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي، فأفتى بحديث ميمونة اهـ.\nسمعت شيخنا الإمام الحافظ، أبا الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الفقيه، -﵁- يقول: سمعت أبا طاهر السلفي يقول: سمعت أبا سهل، غانم بن أحمد بن محمد الحداد الأصبهاني ببغداد يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن الفضل بن محمد الباطرقاني الحافظ يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ يقول: سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري، وما رأيت أحفظ منه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج اهـ.\nأخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي البغداديان، وغيرهما إجازةً، قالوا: أنا أبو منصور، عبد الرحمن بن محمد الشيباني، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، أخبرني محمد ابن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم الضبي، ثنا أبو الفضل، محمد بن إبراهيم قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم الرازيين، يقدمان مسلم ابن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.\nقال الخطيب: وأخبرني ابن يعقوب، أخبرنا ابن نعيم قال: سمعت الحسين بن محمد الماسرجسي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا \"المسند الصحيح\" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. آخره. والحمد للَّه رب","vol":"1","page":140},{"text":"العالمين، وصلواته على سيدنا محمد نبيه المصطفى، وعلى آله وعترته وأصحابه أجمعين.\nبسم الله الرحمن الرحيم\n(٥٩) - ومما ألحقه سيدنا الحافظ، رشيد الدين، أثابه الله الجنة في أول الكتاب، وفي آخره ما يأتي ذكره، قال: حديث أخرجه مسلم ﵀ في \"المناسك\" من رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة -﵂-، قالت: حِضتُ بسَرِفَ، فطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله -ﷺ-: \"يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة، عن حجك وعمرتك\".\nقلت: وفي اتصال هذا الإسناد نظر، فإن جماعة من أئمة أهل النقل، أنكروا سماع مجاهد، عن عائشة، منهم شعبة، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد عن عائشة مرسل.\nوالعذر لمسلم ﵀ ما بيناه في غير موضع من هذا الكتاب، وهو اعتبار التعاصر، وجواز السماع، وإمكانه ما لم يقم دليل بَيِّنٌ على خلاف ذلك، ولا خلاف في إدراك مجاهد بن جبر لعائشة، ومعاصرته لها، ومع هذا فقد أخرج مسلم معنى هذا الحديث، من رواية طاوس، عن عائشة، بإسناد لا أعلم خلافا في اتصاله، وقَدَّمَه على حديث مجاهد هذا، والله ﷿ أعلم.\nوقد أخرج البخاري ومسلم حديثا غير هدا لمجاهد عن عائشة، من رواية منصور، عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى ... الحديث بكماله، وفيه وسمعنا استنان عائشة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أم المؤمنين، إلى ما يقول أبو عبد الرحمن ... الحديث اهـ.\nقلت: وفي ظاهر لفظ هذا الحديث ما يدل على سماع مجاهد من عائشة، ولهذا أخرجه البخاري، ولو لم يكن عنده كذلك، لما أخرجه؛ لأنه يشترط اللقاء، وسماع الراوي ممن روى عنه مرة واحدة فصاعدا، والله أعلم.\nوقد أخرج النسائي في \"سننه\" (١) من رواية موسى الجهني، عن مجاهد قال: أُتِي مجاهدٌ بقدَح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن النبي -ﷺ- كان يغتسل بمثل هذا.\n_________\n(١) \"المجتبى\" ١/ ١٢٦.","vol":"1","page":141},{"text":"قلت: وهذا أيضًا يدل على سماعه منها، والله ﷿ أعلم اهـ.\n(٦٠) - وقال شيخنا وفقه الله: حديث أخرجه مسلم ﵀ في \"الذبائح\" (١) منفردا به من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي قال: قال البراء: أصبنا يوم خيبر حمرا، فنادى منادي رسول الله -ﷺ-: \"أن اكفؤوا القدور\"، قال أبو مسعود الدمشقي الحافظ ﵀: لهذا الحديث تعليل في مسند الحسن بن سفيان، وهو أنه مرسل.\nقلت: يعني أن أبا إسحاق لم يسمعه من البراء -﵁- ولذلك قال فيه: قال البراء، فإن ثبت إرساله من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم ﵀، من رواية الشعبي وغيره، عن البراء بنحوه، وبالله التوفيق.\n(٦١) - حديث أورده مسلم في \"مقدمة كتابه\" تعليقا بغير إسناد، فقال فيه: ويُذكر عن عائشة -﵂-، أنها قالت: \"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن ننزل الناس منازلهم\". وهذا الحديث رواه أبو هشام الرفاعي وغيره، من الثقات، عن يحيى بن يمان، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة -﵂-. وأخرجه أبو داود في \"سننه\" من هذا الوجه، وإسناده جيد، إلا أنه معلول، فإن ميمون بن أبي شبيب لم يسمع من عائشة -﵂-، قاله غير واحد من العلماء، وقد نبه أبو داود على هذه العلة، عقيب هذا الحديث، ولذلك لم يذكر له مسلم إسنادا، فيما أُرَى، وإن كان رجال إسناده كلهم من شرط كتابه، وإنما أورده على وجه التعليق، والله ﷿ أعلم.\n(٦٢) - حديث وقع في أثنائه ألفاظ في اتصالها نظر، أخرجه مسلم في \"كتاب الإيمان\" من حديث ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن أبي ذر -﵃-، في المعراج، وفيه: قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حبّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال رسول الله -ﷺ-: \"عُرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صَريف الأقلام\".\nوابن حزم هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ قاضيها، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، ويقال: اسمه كنيته، ولا نعلم له سماعًا من أحد من الصحابة -﵃-، وإنما يروي عن أبيه، وعمر بن عبد العزيز، وعمرة بنت عبد الرحمن، وغيرهم من التابعين، وإن كان أبوه قد وُلد في آخر حياة رسول الله -ﷺ- سنة تسع من الهجرة، وقيل: سنة عشر، لكنه معدود في التابعين.\n_________\n(١) \"باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية\" ٣/ ١٥٣٩ حديث ٢٩.","vol":"1","page":142},{"text":"وأما رواية أبي بكر بن حزم، عن أبي حبّة الأنصاريّ البدريّ، فغير متّصلة بلا شكّ؛ لأن أبا حبّة قُتل يوم أحد، وكانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وأبو بكر بن حزم تُوفّي سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، فيما ذكر غير واحد من العلماء، فيكون مولده على هذا سنة سبع وثلاثين من الهجرة، فلا يتصور إدراكه له، وأما روايته عن ابن عباس، فغير معروفة، لكنها جائزة ممكنة؛ لإدراكه له؛ لأن ابن عباس -﵃- توفي سنة ثمان وستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وستين، وقيل: سنة سبعين، فإدراكه له معلوم، غير مشكوك فيه، وسماعه منه جائز ممكن، وهذا محمول على الاتصال، عند مسلم ﵀، حتى يقوم دليل على أنه لم يسمع منه. والله أعلم.\nوأبو حبة البدري: اسمه عامر، وقيل: مالك، واختلف في ضبطه على ثلاثة أقوال: فقيل: أبو حبة بالباء بواحدة، وقيل: بالنون، وقيل: بالياء باثنتين من تحتها، والصحيح الأول، ذكر ذلك ابن عبد البر في \"استيعابه\" بنحوه، وقيل: في اسمه غير ذلك، ولا خلاف أنه بالحاء المهملة، والله أعلم. اهـ.\n(٦٣) - حديث آخر: أخرج مسلم ﵀ في \"كتاب الصلاة\" (١) حديث أبي الجوزاء الربعي، عن عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله -ﷺ- يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه رب العالمين ... الحديث، وأورده أبو عمر بن عبد البر النمري الحافظ، في \"تمهيده\" في ترجمة العلاء بن عبد الرحمن، وقال عقيبه: ما هذا نصه: اسم أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل، وأورده أيضًا في كتابه المسمى \"بالإنصاف\" وقال عقيبه: رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يُختَلف في ذلك، إلا انهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال.\nقال شيخنا الحافظ، أبو الحسين، يحيى بن علي أسعده الله: وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة -﵂- معلوم، لا يُختَلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن؛ لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀، كما نص عليه في مقدمة كتابه \"الصحيح\"، إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فحينئذ يكون الحديث مرسلا. والله أعلم.\nوقد روى البخاري في \"تاريخه\" عن مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكْري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة،\n_________\n(١) ١/ ٣٥٧ حديث ٢٤٠.","vol":"1","page":143},{"text":"ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها، قال البخاري: في إسناده نظر.\nقلت: ومما يؤيد قول البخاري -﵁- ما رواه محمد بن سعد، كاتب الواقدي، وكان ثقة، عن عارم، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، فذكره، ولم يذكر عائشة، وهذا أولى بالصواب. والله أعلم.\nوقد روى أبو الجوزاء هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وقُتِل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، ولم يخرج البخاري له عن عائشة شيئا، وبالله التوفيق.\nوقد رَوَى هذا الحديث، أعني حديث أبي الجوزاء إبراهيم بن طهمان الهروي، وهو من الثقات الذين اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثهم في \"الصحيحين\" عن بُديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة -﵂-، أسألها عن صلاة رسول الله -ﷺ-، فقالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير ... الحديث.\nأخبرنا أبو الْيُمْن الكندي، بقراءتي عليه بدمشق، أخبرنا القاضي، أبو بكر، محمد ابن عبد الباقي بن محمد الأنصاري ببغداد، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي، أخبرنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا مزاحم بن سعيد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولا إلى عائشة -﵂-، أسألها عن صلاة رسول الله -ﷺ-، وذكر الحديث. وهذا الحديث مخرج في \"كتاب الصلاة\" لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة، يؤيد ما ذكر ابن عبد البر. والله أعلم. اهـ.\n(٦٤) - قال شيخنا الحافظ: وفقه الله: عبدة بن أبي لبابة، روى عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم ... الحديث. وأورده مسلم في أول حديث رواه أبو عمرو الأوزاعيّ، عن قتادة، عن أنس، قال: صلّيت خلف النبيّ -ﷺ- ... الحديث. وفي رواية عبدة، عن عمر -﵁- نظرٌ، والصحيح أنه مرسل، وإنما احتجّ مسلم بحديث قتادة، عن أنس. والله أعلم. اهـ.\nهذا آخر الأحاديث الملحقة في هذا الكتاب. والحمد للَّه وحده، وصلواته على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا. حسبنا الله ونعم الوكيل.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: انتهت \"غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع","vol":"1","page":144},{"text":"في \"صحيح مسلم\" من الأحاديث المقطوعة\". تأليف الإمام الحافظ أبي الحسين يحيى بن عليّ بن عبد الله القرشيّ الشهير برشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢ هـ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المسألة التاسعة عشرة: أنه مما يجدر بي أن ألحق برسالة الحافظ الرشيد العطار رحمه الله تعالى مما كُتب على \"صحيح مسلم\" جزء كتبه الإمام الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد </span>المتوفّى سنة (٣١٧) رحمه الله تعالى (١) موسومًا بـ \"علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج\"، وها هو نصّ الجزء (٢):\nبسم الله الرحمن الرحيم\nربّ يسّر، وأعن، وتمّم\nقال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الْحُميديّ الأندلسيّ ﵀ (٣): أفادني بعض إخواننا ببغداد جزءًا فيه عن أبي الفضل الحافظ حفيد أبي سعيد الهرويّ -يعني أبا الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمّار الحافظ الشهيد، حفيد أبي سعد يحيى بن أبي نصر منصور الهرويّ الزاهد (٤) رحمهما الله، قال:\n(١) - وجدت في كتاب مسلم الذي سمّاه كتاب \"الصحيح\" عن أبي غسّان\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ الناقد المجوّد، أبو الفضل، محمد بن أبي الحسين بن أحمد بن محمد بن عمّار بن محمد بن حازم بن المعلّى بن الجارود الجاروديّ الهرويّ الشهيد. له \"المستخرج على صحيح مسلم\"، وله \"الأربعون حديثا\"، وله هذه الرسالة التي ننقلها بنصّها هنا، قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت بكير بن أحمد الحدّاد بمكة يقول: كأني أنظر إلى الحافظ محمد بن أبي الحسين، وقد أخذته السيوف، وهو متعلّق بيديه جميعًا بحلقتي الباب، حتى سقط رأسه على عتبة الكعبة، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. نقله عنه الحافظ الذهبيّ في \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٥٣٩، ثم تعقّبه بقوله: هكذا قال، فوهم، إنما كان ذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة في ذي الحجة، عام اقْتُلِع الحجر الأسود، ورُدِم بئر زمزم بالقتلى على يد القرامطة، ثم قال الذهبيّ: ولعله لم يبلغ خمسين سنة رحمه الله تعالى، ولهذا لم يشتهر حديثه، وقتل معه أخوه المحدّث أبو نصر أحمد. انتهى \"سير أعلام النبلاء\" ١٤/ ٥٣٩.\n(٢) هذه الرسالة حققها الأخ الفاضل الشيخ علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثريّ وأجاد فيها، وأفاد، فجزاه الله تعالى خير الجزاء.\n(٣) هو الإمام القدوة الأثريّ المتقن الحافظ كما وصفه الإمام الذهبيّ في \"سير أعلام النبلاء\" ١٩/ ١٢٠. توفي في سابع عشر ذي الحجة سنة (٤٨٨ هـ) عن بضع وستين سنة.\n(٣) ترجمه الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ في \"تاريخه\"، ١٤/ ٢٢٥، وقال: كان ثقة حافظًا زاهدًا، توفي سنة (٢٩٢ هـ). له \"كتاب أحكام القرآن\"، و\"شرف النجوة\" و\"الإيمان\"، وغيرها.","vol":"1","page":145},{"text":"الْمِسْمَعيّ، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، عن النبيّ -ﷺ-، قال: \"ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قَتَل نفسه بشيء، عُذّب به يوم القيامة\".\nزاد فيه كلامًا لم يجىء به أحد عن معاذ بن هشام، ولا عن هشام الدستوائيّ، وهو قوله: \"من ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة\".\nهذا الكلام لا أعلم أحدًا ذكره غيره. وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة غير هشام أيضًا لم يذكروا فيه هذه الزيادة. وليست هذه الزيادة عندنا محفوظة في حديث ثابت بن الضحّاك. وأكبر وَهمي أن الغلط من أبي غسّان الْمِسْمَعيّ.\n(٢) - وقال: وجدت عن يوسف بن يعقوب الصفّار، عن عليّ بن عَثّام، عن سُعير ابن الْخِمس، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبيّ -ﷺ- في حديث الوسوسة (١).\nوليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسليمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود. وسُعير ليس ممن يُحتجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث مع قلّة ما أسند من الأحاديث (٢).\n(٣) - وروى من حديث أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، أن زيدًا حدّثه أن أبا سلاّم حدّثه، عن أبي مالك الأشعريّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"الطهور شطر الإيمان\"، وفيه كلام آخر (٣). قال أبو الفضل: بين أبي سلاّم وبين أبي مالك في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ. رواه معاوية عن أخيه زيد، ومعاوية أعلم عندنا بحديث\n_________\n(١) هو في \"الصحيح\" رقم (١٣٣) \"كتاب الإيمان\" \"باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها\"، ولفظه: \"سئل النبيّ -ﷺ- عن الوسوسة؟ \" فقال -ﷺ-: \"تلك محض الإيمان\".\n(٢) ما ذهب إليه المصنف من ترجيح المرسل على المسند في هذه الرواية هو الصواب، لكن للمتن شواهد، فقد أخرجه مسلم (١٣) وأبو داود (٥١١١) والنسائيّ في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٦٦٤) وأبو عوانة ١/ ٧٨ وابن منده في \"الإيمان\" (٣٤٤) والطيالسيّ (٢٤٠١) من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، فذكر نحوه. انظر ما كتبه الشيخ علي حسن ص ٤٤.\n(٣) هو في \"الصحيح\" رقم (٢٢٣) في \"كتاب الطهارة\"، \"باب فضل الوضوء\" وتتمته: ... \"والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها، أو موبقها\".","vol":"1","page":146},{"text":"أخيه زيد بن سلاّم من يحيى بن أبي كثير (١).\n(٤) - ووجدت فيه (٢) من حديث عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدّثني أبو سلمة، قال: حدّثني سالم مولى الْمَهْريّ، عن عائشة، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"ويل للأعقاب من النار\".\nقال أبو الفضل: وهذا حديث قد خالف أصحابَ يحيى بن أبي كثير، عكرمةُ بن عمّار.\nرواه عليّ بن المبارك، وحرب بن شدّاد، والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني سالم. وقد قيل: عن عكرمة في هذا الحديث. حدثني أبو سالم، وليس بمحفوظ. وذِكْرُ أبي سلمة عندنا في حديث يحيى بن أبي كثير غير محفوظ. وقد روي عن أبي سلمة، عن عائشة من غير رواية يحيى بن أبي كثير، من غير ذكر سالم فيه (٣).\n(٥) - قال: ووجدث فيه (٤) من حديث أبن أعين، عن معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب، أن النبيّ -ﷺ-: \"رأى رجلًا توضّأ، فترك موضع ظفر على قدميه ... \".\nوهذا الحديث إنما يُعرف من حديث أبن لَهِيعة، عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لهيعة لا يُحتجّ به (٥)، وهو خطأ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر.\n(٦) - قال: ووجدت فيه (٦) لعمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد بن زريع، عن رَوح بن القاسم، عن سُهيل، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-: \"إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها\".\n_________\n(١) دعوى المصنف الانقطاع المذكور هو الحقّ، وإن حاول النووي في الجواب عنه، لكن المتن صحيح، من رواية معاوية، عن أخيه التي أشار إليها المصنّف هنا، فقد أخرجها ابن ماجه ٢٨٠ والنسائيّ في \"سننه \" ٢٤٣٧ وفي \"عمل اليوم\" ١٦٩ وابن حبان ٨٤٤. انظر ما كتبه الشيخ علي حسن ص ٤٦ - ٤٩.\n(٢) هو في \"الصحيح\" \"كتاب الطهارة\" رقم (٢٤٠).\n(٣) ما قاله المصنف من إعلال هذا الحديث هو الذي يظهر، لكن المتن صحيح دون ريب، فطرقه كثيرة، وشواهده وفيرة. انظر ما كتبه الشيخ علي حسن ص ٥٠ - ٥٤.\n(٤) هو في \"الصحيح\" رقم (٢٤٣) \"كتاب الطهارة\" \"باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة\".\n(٥) فيه نظر؛ لأن هذا مما رواه عنه عبد الله بن وهب، وهو ممن روى عنه قبل احتراق كتبه. فتنبّه.\n(٦) هو في \"الصحيح\" \"كتاب الطهارة\" رقم (٢٦٥).","vol":"1","page":147},{"text":"قال أبو الفضل: وهذا حديث أخطأ فيه عمر بن عبد الوهّاب الرياحيّ، عن يزيد ابن زُريع؛ لأنه حديث يُعرف بمحمد بن عجلان عن القعقاع، وليس لسهيل في هذا الإسناد أصلٌ (١).\nرواه أمية بن بسطام، عن يزيد بن زُريع على الصواب، عن روح، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- بطوله. وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر.\n(٧) - قال: ووجدت فيه (٢) حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن بلال: أن النبيّ -ﷺ-: \"مسح على الخفّين، والخمار\".\nقال أبو الفضل: وهذا حديثٌ قد اختُلف فيه على الأعمش، فرواه أبو معاوية، وعيسى، وابن فُضيل، وعليّ بن مُسهر، وجماعة هكذا. ورواه زائدة بن قُدامة، وعمّار ابن رُزيق عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال. وزائدة ثبتٌ مُتقنٌ. ورواه سفيان الثوريّ، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، لم يذكر بينهما لا كعبًا، ولا البراء. وروايته أثبتُ الروايات. وقد رواه عن الحكم غير الأعمش أيضًا: شعبة، ومنصورٌ بن المعتمر، وأبان ابن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة، وجماعة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن الأعمش. وحديث الثوريّ عندنا أصحّ من حديث غيره (٣). وابن أبي ليلى لم يلق بلالًا.\n(٨) - ووجدت فيه (٤) عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن مصعب ابن شيبة، عن مسافع بن عبد الله، عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ -ﷺ- في المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل.\nقال أبو الفضل: هذا الحديث رواه عن ابن أبي زائدة غير واحد، فقالوا: عبد الله\n_________\n(١) هذا بالنسبة للإسناد، وأما المتن فصحيح، فله شواهد من حديث سلمان، وأبي أيوب، وكلاهما في \"صحيح مسلم\"، وغيرهما.\n(٢) هو في \"الصحيح\" \"كتاب الطهارة\" رقم (٢٧٥).\n(٣) أي فهو منقطع، لكن هذا بالنسبة للسند، وأما المتن فصحيح، انظر ما كتبه الشيخ علي حسن ص ٦٥ - ٦٦.\n(٤) أي في \"صحيح مسلم\" \"كتاب الحيض\" رقم (٣١٣).","vol":"1","page":148},{"text":"ابن مسافع الْحَجَبيّ، وهو الصحيح. وقد روى عنه أبن جريج حديثًا غير هذا. وحديث أبي كريب خطأ، حيث قال: مسافع بن عبد الله (١).\n(٩) - ووجدت فيه (٢) حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في الاغتسال من الجنابة، وفيه: \"تم غسل رجليه\".\nقال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعليّ بن مسهر، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين إلا أبو معاوية. ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة. وسمعت أبا جعفر الحضرميّ يقول: سمعت ابن نمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش. وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجة، وفي غيره لا.\n(١٠) - ووجدت فيه (٣) حديث سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غلّاب، حديث أبي موسى، وفيه من الزيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\".\nقال أبو الفضل: وقوله: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" هو عندنا وَهَمٌ من التيميّ، ليس بمحفوظ، لم يذكره الحفّاظ من أصحاب قتادة، مثلُ سعيد، ومعمر، وأبي عوانة، والناس.\n(١١) - ووجدت فيه (٤) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: \"كانت الصلاة تُقام لرسول الله -ﷺ-، فيأخذ مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ -ﷺ- مقامه\".\nقال أبو الفضل: وهذا اختصار عندنا من الوليد بن مسلم، اختصر الحديث، والحديث حديث الزبيديّ، ومعمر، ويونس، والأوزاعيّ، وأصحاب الزهريّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: \"أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، ثم خرج رسول الله -ﷺ-، فلما أخذ مقامه، أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل، ثم خرج ورأسه يقطر\". فالحديث هو الذي رواه الزهريّ.\n_________\n(١) الظاهر أن ما ذهب إليه مسلم ليس خطأ؛ لأن جماعة أثبتوه مسافع بن عبد الله. كما حققه الأخ الفاضل علي حسن. ص ٦٨.\n(٢) أي في \"صحيح مسلم\" رقم (٣١٦).\n(٣) أي \"صحيح مسلم\" \"كتاب الصلاة\" رقم (٤٠٤).\n(٤) أي \"صحيح مسلم\" \"كتاب المساجد\" رقم (٦٠٥).","vol":"1","page":149},{"text":"(١٢) - ووجدت فيه (١) من حديث يزيد بن زُريع، عن خالد الحذّاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبيّ -ﷺ-: \"ليلني منكم أولو الأحلام والنهى\". وذكر الحديث، وفيه زيادة: \"وإياكم وهَيْشَات الأسواق\". حدّثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث منكر. قال أبو الفضل: قلت: إنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاريّ، فهو صحيح (٢).\n(١٣) - ووجدت فيه (٣) عن عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة بأي شيء كان النبيّ -ﷺ- يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ وذكر الحديث.\nقال أبو الفضل: وهو حديث تفرّد به عكرمة بن عمار، عن يحيى، وهو مضطربٌ في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب.\nوحدّثني أحمد بن أبي الفضل المكيّ، حدثنا صالح بن أحمد، ثنا عليّ قال: سألت يحيى -يعني القطان- عن أحاديث عكرمة بن عمار -يعني عن يحيى بن أبي كثير؟ فضعّفها، وقال: ليست بصحاح.\nوأخبرني أحمد بن محمود قال: سمعت أبا زرعة الدمشقيّ يقول: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: رواية عكرمة بن عمار، وأيوب بن عتبة، عن يحيى ابن أبي كثير ضعيفة.\n(١٤) - ووجدت فيه (٤) حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، كنا نسلّم على النبيّ -ﷺ- ... الحديث. وبعده لِهُرَيم بن سُفيان، عن الأعمش مثله.\nقال أبو الفضل: وافقهما على ذلك جماعة: أبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد. ورواه الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير، وأبو معاوية، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، ولم يذكروا علقمة. وهؤلاء الذين أرسلوه أثبت، وأجلّ ممن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" \"كتاب الصلاة\" رقم (٤٣٢).\n(٢) ٦٥٤ ولفظه: \"كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: \"استووا، ولا تختلفوا، فتختلفَ قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". \"صحيح مسلم\" رقم (٤٣٢).\n(٣) \"صحيح مسلم\" \"كتاب صلاة المسافرين\" رقم (٧٧٠).\n(٤) \"صحيح مسلم\" \"كتاب المساجد\" رقم (٥٣٨).","vol":"1","page":150},{"text":"وصله. ورواه الحكم بن عتيبة أيضًا، عن إبراهيم، عن عبد الله مرسلًا أيضًا. إلا ما رواه أبو خالد الأحمر عن شعبة موصولًا، فإنه وَهِمَ فيه أبو خالد.\n(١٥) - ووجدت فيه (١) حديث جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، عن ثابت، عن أنس -﵁- قال: أصابنا مطرٌ، ونحن مع رسول الله -ﷺ-، فحسر ثوبه عنه، وقال -ﷺ-: \"إنه حديث عهد بربّه\".\nقال أبو الفضل: وهذا حديث تفرّد به جعفر بن سليمان، من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره. وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد الْمَخْلديّ، عن علي بن المدينيّ، قال: لم يكن عند جعفر كتابٌ، وعنده أشياء ليست عند غيره. وأخبرنا محمد ابن أحمد بن البرّاء، عن علي بن المدينيّ قال: أما جعفر بن سليمان، فأكثر عن ثابتٍ، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. وسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف.\n(١٦) - ووجدت فيه (٢) حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس أن ذؤيبًا الْخُزاعي حدّث عن النبيّ -ﷺ-: كان يبعث معه بالبدن ... الحديث. ورواه معمر بن راشد، عن قتادة نحوه. ورواه همام، عن قتادة، عن سنان، ولم يذكر ابن عباس، وأرسله. وهذا حديث لم يسمعه قتادة من سنان بن سلمة. وسمعه من سنان أبو التيّاح الضبعيّ. حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا أبو بكر -وهو ابن أبي الأسود- قال: قال يحيى القطّان: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن. وسمعت عبد الله بن موسى بن أبي عثمان البغداديّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، إنما هو مرسل. قال أبو الفضل: قلت: وقد سمع قتادة من أخيه موسى بن سلمة. وسنان وموسى أخوان.\n(١٧) - ووجدت فيه (٣) لأحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع ذُكر لابن عمر عمرة النبيّ -ﷺ- من الْجعْرانة، قال: لم يَعتمر منها. قال أبو الفضل: وهذا حديث لم يروه غير ابن عبدة، عن حمّاد، وهو غير صحيح. وقد صحّ أن النبيّ -ﷺ- اعتمر من الجعرانة.\n(١٨) - ووجدت فيه (٤) عن عبد الجبّار بن العلاء، عن سفيان، عن الزهريّ عن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" \"كتاب صلاة الاستسقاء\" رقم (٨٩٨).\n(٢) \"صحيح مسلم\" \"كتاب الحج\" (١٣٢٦).\n(٣) \"صحيح مسلم\" \"كتاب الأيمان\" رقم (٦٥٦).\n(٤) \"كتاب الأضاحي\" (١٩٦٩).","vol":"1","page":151},{"text":"أبي عبيدة، قال: شهدت العيد مع عليّ بن أبي طالب -﵁-، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: إن رسول الله -ﷺ- نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث. قال أبو الفضل: ورفع هذا الحديث عندي غير محفوظ في حديث ابن عيينة. أخبرنا بشر بن موسى، عن الحميديّ، قال: قلت لسفيان: أنتم ترفعون هذه الكلمة عن عليّ؟ فقال سفيان: لا أحفظها مرفوعة، وهي منسوخة.\n(١٩) - ووجدت فيه (١) حديث أبي خالد الأحمر، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: \"لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله\". قال أبو الفضل: هذا غَلِطَ غيه أبو خالد الأحمر، إنما هو مستخرج من قصة أبي طالب أن النبيّ -ﷺ- قال له: \"قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة\".\n(٢٠) - ووجدت فيه (٢) عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أن النبيّ -ﷺ- \"طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحْجَنه\". قال أبو الفضل: وهذا حديث خالف الليث بن سعد في إسناده ابنَ وهب، ورواه الدراورديّ عن ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ، فوافق ابن وهب في الإسناد. أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان الطائيّ، عن يحيى بن بُكير، أخبرنا الليث بن سعد، عن يونس، قال: قال ابن شهاب: بلغني عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ-: \"طاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه\". ورواه أيضًا أسامة بن زيد، عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. ورواه أبو عامر العقديّ، عن زَمْعَة، عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس. فقد اتّفق هؤلاء الثلاثه على هذه الرواية. ورواه الدراورديّ، ورواية هؤلاء الذين أرسلوه أصحّ عندنا. والله أعلم.\n(٢١) - ووجدت فيه (٣) عن سلمة بن شبيب، عن ابن أعين، عن معقل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عمر بن عبد العزيز، قال: حدّثني الربيع بن سَبْرة، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المتعة، فقال: \"إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئًا، فلا يأخذه\". قال أبو الفضل: وهذا رواه حسين بن عيّاش، وهو شيخٌ بدون ابن أعين، عن معقل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سَبْرة، وهو الصحيح عندنا؛ لأن هذا اللفظ إنما هو لعبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز، رواه عنه الناس.\n_________\n(١) \"كتاب الجنائز\" (٩١٧) \"باب تلقين الموتى لا إله إلا الله\".\n(٢) \"كتاب الحج\" \"باب جواز الطواف على بعير وغيره\" (١٢٧٢).\n(٣) \"كتاب النكاح\" \"باب نكاح المتعة\" (١٤٠٦).","vol":"1","page":152},{"text":"(٢٢) - ووجدت فيه (١) لهشيم، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة، قال: \"أخذ علينا رسول الله -ﷺ- كما أخذ على النساء\". قال أبو الفضل: هذا حديث اختُلف فيه على خالد، فرواه جماعة عن خالد هكذا، وقال آخرون: عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن عبادة، والاضطراب إنما هو من خالد. ورواه محمد بن المنهال الضرير، عن يزيد بن زُريع، قال: قلت لخالد -يعني في هذا الحديث- كنتَ حدّثتنا عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: غَيِّره، واجعله أبي أسماء، عن عبادة.\nأخبرنا أبو المثنّى معاذ بن المثنّى، عن محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا خالد الْحَذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ ... قال محمد: قال يزيد بن زريع: -وكان حدّثنا به قبل ذلك عن أبي الأشعث الصنعانيّ- قال: قلت لخالد الحذّاء: كنتَ حدّثتنا به عن أبي الأشعث الصنعانيّ، قال: غَيّره، واجعله عن أبي أسماء، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله -ﷺ- كما أخذ على النساء ستّا، وقال: \"من أصاب منكم حدّا عُجّلت عقوبته، فهو كفّارة له، ومن أُخّر عنه، فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه\".\n(٢٣) - قد روى من حديث الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ-: \"قال رجل: إن قتلتُ في سبيل الله ﷿ تُكفّر عني خطاياي؟ ... \". ورواه أيضًا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن المقبريّ نحوه. قال أبو الفضل: وهذا حديث رواه بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن رجل من أهل نجران، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورواه عمرو بن الحارث. فأفسده بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وهو أحد علماء مصر. ورواه عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس مرسلًا. وقال محمد بن عجلان: عن محمد بن قيس، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه. وعمرو بن دينار أثبت من ابن عجلان، وقد أرسله.\n(٢٤) - ووجدت فيه (٢) عن سنان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من طلب الشهادة صادقًا، أعطيها، وإن لم تُصبه\". قال أبو الفضل: وافقه على هذه الرواية المؤمّل بن إسماعيل، وهذا حديث وَهِمَ فيه شيبان، والمؤمّل جميعًا، فأما المؤمّل، فكان قد دَفَنَ كتبه، وكان يحدّث حفظًا، فيُخطىء\n_________\n(١) \"كتاب الحدود\" \"باب الحدودُ كفّارات لأهلها\" (١٧٠٩).\n(٢) \"كتاب الإمارة\" \"باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله\" (١٩٠٨).","vol":"1","page":153},{"text":"الكثير. والصحيح ما رواه الحجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، والعبسيّ، عن حماد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ-. وعن حماد، عن ثابت، عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا مثله. والصحيح من حديث ثابت مرسلٌ، وحديث أبان مسند.\n(٢٥) - ووجدت فيه (١) عن يحيى بن حسّان، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"لا يجوع أهل بيت عندهم التمر\". وروى بهذا الإسناد أيضًا عن النبيّ -ﷺ-: \"نعم الإدام الْخلّ\". حدّثنا أحمد بن محمد بن القاسم الْفَسَويّ، حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثنا يحيى بن حسّان بهذين الحديثين. قال أحمد بن صالح: نظرت في كتاب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلًا. قال أحمد بن صالح: وحدّثني ابن أبي أويس، قال: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله -ﷺ- سأل قومًا: \"ما إدامكم؟ \" قالوا: الخلّ، قال: \"نعم الإدام الخلّ\".\n(٢٦) - ووجدت فيه (٢) لأبي النضر هاشم بن القاسم، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سميت ابنتي بَرّة، فقالت لي زينب ابنة أبي سلمة: إن رسول الله -ﷺ- نهى عن هذا. قال أبو الفضل: وهذا الحديث بين يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عمرو بن عطاء في إسناده محمد بن إسحاق. كذلك رواه المصريّون. أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن إسحاق.\n(٢٧) - ووجدت فيه (٣) عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- أمر بالأجراس، أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر. قال أبو الفضل: وهذا حديث لا أصل له عندنا من\n_________\n(١) \"كتاب الأشربة\" (٢٠٤٦).\n(٢) \"كتاب الآداب\" (٢١٤٢).\n(٣) هذا الحديث ليس من أحاديث \"صحيح مسلم\"، وإنما أخرجه النسائي في \"الكبرى\" كما عزاه إليه الحافظ أبو الحجاج المزيّ، انظر \"تحفة الأشراف\" ١١/ ٤٠٩، ولم يتعقّبه الحافظ في \"النكت\". وهو أيضًا مما أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\"، أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة انظره في باقي \"مسند الأنصار\" رقم ٢٤٠١١ بالترقيم العالمية. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٤٦٧٩) من رواية سعيد عن قتادة أيضًا.\nوالحاصل أن هذا الحديث ليس من موضوع الكتاب؛ لأن مسلمًا لم يُخرجه، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":154},{"text":"حديث شعبة، وإنما يُعرف من حديث سعيد بن أبي عروبة. ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد موقوفًا أنها قالت: \"لا تصحب الملائكة رُفقة فيها جرس\". قال قتادة: فأمر بها نبيّ الله -ﷺ- أن تُقطع من أعناق الإبل. حدّثنيه جدّي ﵀، حدثنا يحيى بن خلَف، حدّثنا عبد الأعلى، فجعل عبدُ الأعلى هذه اللفظة من قول قتادة، وهو الصحيح عندنا. ورواه القعنبيّ، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. وهو وَهَمٌ، إما من القعنبيّ، أو ممن دونه.\n(٢٨) - ووجدت فيه (١) حديث ابن عيينة، عن ابن مُحصين، عن محمد بن قيس ابن مَخرمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: \"لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ... الحديث. فذكر بعض شُيوخنا أنه سأل أبا عبد الله السُّكّريّ -وكان أبو عبد الله أحفظ أهل زمانه- عن هذا الحديث؟ فقال: هذا مرسل، محمد بن قيس لم يسمع من أبي هريرة -﵁- شيئًا\".\n(٢٩) - ووجدت فيه (٢) عن القواريريّ، عن أبي بكر الحنفيّ، عن عاصم بن محمد الْعُمريّ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال. \"قال الله ﷿: أبتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عُوّاده أطلقته من أسار علّته، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم ليأتنف العمل\".\nقال أبو الفضل: وهذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبد الله ابن سعيد المقبريّ، عن أبيه. وعبد الله بن سعيد شديد الضعف. قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدًا أضعف من عبد الله بن سعيد المقبريّ. ورواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيدن عن أبيه، عن أبي هريرة. وهو حديث يُشبه أحاديث عبد الله بن سعيد.\n(٣٠) - ووجدت فيه (٣) عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن زياد مولى ابن عباس، عن عراك بن مالك، عن عائشة، قالت: \"جاءتني مسكينة، فأعطيتها ثلاث تمرات ... \" وذكر الحديث.\nقال أبو الفضل: وهذا عندنا مرسل. وذكر أحمد بن حنبل أن عراك بن مالك،\n_________\n(١) \"كتاب البرّ والصلة\" (٢٥٧٤).\n(٢) هذا الحديث لا يوجد في \"صحيح مسلم\"، فليس مما يُستدرك على مسلم، وقد أطال البحث فيه الشيخ الألباني، ونقل كلامه تلميذه الشيخ علي حسن، واستوفى الكلام فيه، وحقق أن الحديث ثابت، فراجع ما كتبه على هذا الجزء ص ١١٧ - ١٢٤.\n(٣) \"كتاب البر والصلة\" (٢٦٣٠).","vol":"1","page":155},{"text":"عن عائشة مرسل. سمعت موسى بن هارون يقول: عراك بن مالك لا نعلم له سماعًا من عائشة.\n(٣١) - ووجدت فيه (١) عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبيّ -ﷺ- كان إذا كان في سفر، فأسحر يقول: \"سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا\". وذكر الحديث.\nقال أبو الفضل: وهذا الحديث إنما يُعرف بعبد الله بن عامر الأسلميّ، عن سُهيل، وعبد الله بن عامر ضعيف الحديث، فيُشبه أن يكون سليمان سمعه من عبد الله ابن عامر. ولا أعرفه إلا من حديث ابن وهب هكذا.\n(٣٢) - ووجدت فيه (٢) عن عبد بن حميد، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا اجتهد في الدعاء قال: \"جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل، ويصومون النهار، وليسو بأَئَمة، ولا فُجّار\".\nقال أبو الفضل: ورفع هذا الحديث إلى النبيّ -ﷺ- خطأ، وأحسبه من عبد بن حميد، والصحيح ما حدّثنا محمد بن أيوب قال: حدّثنا موسى، حدّثنا حماد، أخبرنا ثابتٌ، قال: قال أنسٌ: \"كان أحدهم إذا اجتهد لأخيه في الدعاء ... \"، فذكر الحديث مثله.\n(٣٣) - ووجدت فيه حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبيّ -ﷺ-: \"يُجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح ... \". لأبي معاوية وجرير (٣). وكذلك رواه ابن نمير، وعلي بن مسهر، ويعلى، ومحمد ابنا عبيد. ورواه أبو بدر شُجاع بن الوليد، فأفسده. أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا سلمان بن توبة، حدّثنا أبو بدر، حدثنا سليمان بن مهران، قال: سمعتهم يذكرون عن أبي صالح، عن أبي سعيد موقوفًا بهذا الحديث.\nفتبيّن أن هذا الحديث ليس هو مما سمعه الأعمش من أبي صالح. ووقفه أيضًا على أبي سعيد، غير أن رفعه صحيح إلى النبيّ -ﷺ- (٤).\n(٣٤) - ووجدت فيه (٥) حديث الأشجعيّ، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن\n_________\n(١) \"كتاب الذكر والدعاء\" (٢٧١٨).\n(٢) هذا الحديث أيضًا مما لا وجود له في \"صحيح مسلم\"، كما قاله بعض المحققين.\n(٣) هكذا النسخة، والظاهر أنه متعلّق بوجدت: أي وجدت حديث الأعمش لأبي معاوية، وجرير، يعني أنهما روياه عن الأعمش هكذا. والله تعالى أعلم.\n(٤) أي فرواية مسلم لا كلام فيها.\n(٥) \"كتاب الزهد والرقائق\" (٢٩٦٩).","vol":"1","page":156},{"text":"فضيل بن عمرو، عن الشعبيّ، عن أنس، قال: كنا عند النبيّ -ﷺ-، فضحك، فقال: \"ضحكت من مخاطبة العبد ... \" الحديث.\nقال أبو الفضل: هذا حديث رواه الأشجعيّ، وأبو عامر الأسديّ، عن الثوريّ بهذا الإسناد. ورواه شريك بن عبد الله، عن عبيد المكتب، عن الشعبيّ، عن أنس، ولم يذكر في إسناده فضيل بن عمرو. ورواه عمارة بن القعقاع، عن الشعبيّ، عن النبيّ -ﷺ-، ولم يذكر أنسًا. ولا يُعرف بهذا الإسناد حديث غير هذا. والشعبيّ عن أنس شيء يسير.\n(٣٥) - ووجدت فيه (١) حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-: \"من نفّس عن مؤمن كربة ... \" الحديث.\nقال أبو الفضل: وهو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. ورواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. والأعمش كان صاحب تدليس، فربما أخذ عن غير الثقات.\n(٣٦) - ووجدت فيه (٢) حديث سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: \"وفقت ربي في ثلاث ... \".\nقال أبو الفضل: فوجدت له علّةً، حدثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم السّرّاج، حدثنا محمد بن إدريس، حدثنا محمد بن عمر بن عليّ، حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع أن عمر قال: \"وافقني ربي في ثلاث ... \"، فذكر الحديث، ولم يذكر أبن عمر في إسناده، وأدخل بين جويرية ونافع رجلًا غير مسمّى.\nقال ناسخ الأصل: آخر الموجود من كلام أبي الفضل الحافظ ﵀، وفيه بضعة ستة وثلاثون موضعًا (٣). والحمد للَّه حمدًا يُرضيه، ويكفل المزيد من إحسانه. وصلى\n_________\n(١) \"كتاب الذكر والدعاء\" (٢٦٩٩).\n(٢) \"كتاب فضائل الصحابة\" (٤٣٩٩٠).\n(٣) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يوجد في النسخة التي حققها الأخ الفاضل الشيخ علي حسن ستة أحاديث ملحقة بهذا الجزء، وهي ليست من أحاديث \"صحيح مسلم\"، إلا واحدًا، وهو ما أخرجه في \"كتاب الجنة، وصف نعيمها، وأهلها\" من \"صحيحه\"، عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهليّ، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، يجرّونها، مع كلّ زمام سبعون ملكًا\".\nقال: والمشهور عن عبد الله موقوفًا. تفرّد به عمر بن حفص. انتهى. وأجاب النووي بأن عمر بن حفص ثقة حافط إمام، فزيادته الرفع مقبولة. انتهى. لكن الذي يظهر أن الوقف هنا أرجح، لأنه رواية جماعة، كما حققه الأخ الفاضل علي حسن. انظر قوله ص ١٥٣. =","vol":"1","page":157},{"text":"الله على سيدنا محمد وسلّم تسليمًا كثيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسألة العشرون: في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في \"صحيحي البخاري ومسلم\" المشتبهة</span>، فمن ذلك \"أُبَيٌّ\" كله بضم الهمزة، وفتح الباء، وتشديد الياء، إلا \"آبي اللحم\"، فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة، ثم باء مكسورة، ثم ياء مخففة؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذُبِح على الأصنام.\nومنه: \"الْبَرَاء\" كله مخفف الراء، إلا أبا معشر البرّاء، وأبا العالية البراء، فبالتشديد، وكله ممدود.\nومنه: \"يزيد\" كله بالمثناة من تحت، والزاي، إلا ثلاثة، أحدهم: بُرَيد بن عبد الله ابن أبي بُرْدة، بضم الموحدة، وبالراء. والثاني: محمد بن عَرْعَرَة بن الْبِرِنْدِ، بالموحدة، والراء المكسورتين، وقيل: بفتحهما، ثم نون. والثالث: عَلِيّ بن هاشم بن الْبَرِيد، بفتح الموحدة، وكسر الراء، ثم مثناة من تحت.\nومنه: \"يسار\" كله بالمثناة، والسين المهملة، إلا محمد بن بشار شيخهما، فإنه بالموحدة، ثم المعجمة.\nوفيهما: \"سَيّار\" بن سَلامة، وابن أبي سَيّار، بتقديم السين. ومنه: \"بشر\" كله بكسر الموحدة، وبالشين المعجمة، إلا أربعة، فبالضم والمهملة: عبد الله بن بُسْر الصحابيّ، وبُسْر بن سعيد، وبُسْر بن عبيد الله، وبُسْر بن مِحْجَن، وقيل: هذا بالمعجمة.\nومنه: \"بَشِير\" كله بفتح الموحدة، وكسر الشين المعجمة، إلا اثنين، فبالضم، وفتح الشين، وهما: بُشَير بن كعب، وبُشَير بن يسار، وإلا ثالثا، فبضم المثناة، وفتح\n_________\n= وأما الأحاديث الخمسة الباقية فالأول حديث غلام خليل، عن قرة بن حبيب، عن شعبة، عن ابن عون، عن نافغ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من أتى الجمعة فليغتسل\"، تفرد به غلام خليل وهو كذّاب. والحديث ثابت من غير هذا الوجه، أخرجه مسلم وغيره.\nوالثاني: حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس: \"أوحى الله تعالى إلى محمد -ﷺ- إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ... \". تفرد به أبو نعيم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه. وقال الذهبيّ في \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٤٣: حديث نظيف الإسناد، منكر اللفظ. والثالث: حديث: \"داووا مرضاكم ... \" تفرد به موسى بن عمير قال عنه أبو حاتم: ذاهب الحديث، كذاب.\nوالرابع: حديث محمد بن المنكدر عن جابر: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الدين متين، فأوغل فيه برفق ... \" الحديث. في سنده أبو عقيل يحيى بن المتوكل كذاب.\nوالخامس: حديث: \"من شرب من إناء ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يُجرجر في بطنه نار جهنم\". في سنده جهالة. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":158},{"text":"السين المهملة، وهو يُسَير بن عمرو، ويقال: أُسَير، ورابعا بضم النون وفتح المهملة، وهو قَطَن بن نُسَير.\nومنه: \"حارثة\" كله بالحاء والمثلثة، إلا جارية بن قُدَامة، ويزيد بن جارية، فبالجيم والمثناة.\nومنه: \"جرير\" كله بالجيم، والراء المكررة، إلا حَرِيز بن عثمان، وأبا حَرِيز عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة، فبالحاء والزي آخرا. ويقاربه حُدَير بالحاء والدال، والد عمران بن حُدَير، ووالد زيد، وزياد.\nومنه: \"حازم\" كله بالحاء المهملة، إلا أبا معاوية محمد بن خازم، فبالمعجمة.\nومنه\" \"حَبِيب\" كله بالحاء المهملة، إلا خُبَيب بن عَدِيّ، وخبيب بن عبد الرحمن، وخبيبا غير منسوب، عن حفص بن عاصم، وخبيبا كنية ابن الزبير، فبضم المعجمة.\nومنه: \"حيان\" كله بفتح الحاء، وبالمثناة، إلا حَبّانَ بن مُنقِذ والد واسع بن حَبّان، وجد محمد بن يحيى بن حَبّان، وجد حَبّان بن واسع بن حَبّان، وإلا حَبَّان بن هلال منسوبا، وغير منسوب، عن شعبة، ووهيبٍ، وهمامٍ، وغيرِهم، فبالموحدة، وفتح الحاء، وإلا حِبّان بن الْعَرِقَة، وحِبَّان بن عطية، وحِبّان بن موسى منسوبًا، وغير منسوب، عن عبد الله هو ابن المبارك، فبالموحدة، وكسر الحاء.\nومنه: \"خِراش\" كله بالخاء المعجمة، إلا والد رِبْعِيّ، فبالمهملة.\nومنه: \"حزام\" في قريش بالزاي، وفي الأَنصار بالراء.\nومنه: \"حُصَين\" كله بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، إلا أبا حَصِين عثمان بن عاصم، فبالفتح، وإلا أبا ساسان حُضَين بن المنذر، فبالضم، والضادُ معجمة فيه.\nومنه: \"حَكِيم\" كله بفتح الحاء، وكسر الكاف، إلا حُكَيم بن عبد الله، ورُزَيق بن حُكَيم، فبالضم، وفتح الكاف.\nومنه: \"رَبَاح\" كله بالموحدة، إلا زياد بن رِيَاح عن أبي هريرة، في أشراط الساعة، فبالمثناة عند الأكثرين، وقاله البخاريّ بالوجهين: المثناة، والموحدة.\nومنه: \"زُبَيد\" بضم الزاي، وفتح الموحدة، ثم مثناة، هو زُبيد بن الحارث، ليس فيهما غيره. وأما زُيَيْد بضم الزاي، وكسرها، وبمثناة مكررة، فهو ابن الصَّلْت، في \"الموطإ\"، وليس له ذكر فيهما (١). ومنه: \"الزبير\" كله بضم الزاي، إلا\n_________\n(١) أي في \"الصحيحين\".","vol":"1","page":159},{"text":"عبد الرحمن بن الزَّبِير، الذي تزوج امرأة رِفَاعة، فبالفتح. ومنه: \"زياد\" كله بالياء، إلا أبا الزناد، فبالنون. ومنه \"سالم\" كله بالألف، ويقاربه \"سَلْمٌ\" بن زَرِير، بفتح الزاي، وسلم بن قتيبة، وسلم بن أبي الذَّيّال، وسلم بن عبد الرحمن، فبحذفها. ومنه: \"سُرَيجٌ\" بالمهملة والجيم، ابن يونس، وابن النعمان، وأحمد بن أبي سُرَيج، ومن عداهم فبالمعجمة، والحاء. ومنه: \"سلمة\" كله بفتح اللام، إلا عمرو بن سَلِمَة إمام قومه، وبني سَلِمَهَ القبيلة من الأنصار فبكسرها. وفي عبد الخالق بن سَلِمَة الوجهان. ومنه: \"سُليمان\" كله بالياء، إلا سلمان الفارسيّ، وابن عامر، والأَغَرّ، وعبد الرحمن بن سلمان فبحذفها. ومنه: \"سلام\" كله بالتشديد، إلا عبد الله بن سلام الصحابيّ، ومحمد بن سلام، شيخ البخاريّ، وشَدّدَ جماعة شيخ البخاريّ، ونقله صاحب \"المطالع\" عن الأكثرين، والمختار الذي قاله المحققون التخفيف. ومنه: \"سُلَيم\" كله بضم السين، إلا سَلِيم بن حَيّان فبفتحها. ومنه: \"شَيْبَان\" كله بالشين المعجمة، وبعدها ياء، ثم باء. ويقاربه \"سِنَان\" بن أبي سِنان، وسنان بن ربيعة، وسنان بن سَلَمة، وأحمد بن سنان، وأبو سنان ضِرَار، وأم سنان، وكلهم بالمهملة، بعدها نون. ومنه: \"عَبّاد\" كله بالفتح وبالتشديد، إلا قيس بن عُبَاد فبالضم والتخفيف. ومنه: \"عُبَادة\" كله بالضم، إلا محمد بن عَبَادة شيخ البخاريّ، فبالفتح. ومنه: \"عَبْدَة\" كله بإسكان الباء، إلا عامر بن عَبَدَة، وبَجَالة بن عَبَدة ففيهما الفتح، والإسكان، والفتح أشهر. ومنه: \"عبيد\" كله بضم العين. ومنه: \"عُبَيدة\" كله بالضم، إلا السلمانيّ، وابن سفيان، وابن حُميد، وعامر بن عَبِيدة فبالفتح. ومنه: \"عَقِيل\" كله بفتح العين، إلا عُقَيل بن خالد، ويأتي كثيرا عن الزهري غير منسوب، وإلا يحيى بن عُقَيل، وبني عُقَيل فبالضم. ومنه: \"عُمَارة\" كله بضم العين. ومنه: \"واقد\" كله بالقاف.\nوأما الأنساب فمنها: \"الأيليّ\" كله بفتح الهمزة، وإسكان المثناة، ولا يرد علينا شيبان بن فَرُّوخ الأُبُلّيّ بضم الهمزة وبالموحدة، شيخ مسلم، فإنه لم يقع في \"صحيح مسلم\" منسوبا. ومنها: \"البصريّ\" كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة، نسبة إلى البصرة، إلا مالك بن أوس بن الحدثان النَّصْريّ، وعبد الواحد النَّصْريّ، وسالما مولى النصريين فبالنون. ومنها: \"الثوريّ\" كله بالمثلثة، إلا أبا يعلى محمد بن الصَّلْت التَّوَّزيّ فبالمثناة فوقُ، وتشديد الواو المفتوحة، وبالزاي. ومنها: \"الْجُرَيريّ\" كله بضم الجيم، وفتح الراء، إلا يحيى بن بِشْر شَيْخَهما، فبالحاء المفتوحة. ومنها: \"الحارثيّ\" بالمهملة، والمثلثة. ويقاربه سعيد الجاريّ بالجيم، وبعد الراء ياء مشددة. ومنها: \"الْحِزَاميّ\" كله بالزاي. وقوله في \"صحيح مسلم\" في حديث أبي الْيَسَر: كان لي على فلان الْحِزَاميّ، قيل: بالزاي، وقيل: بالراء، وقيل: الْجُذَاميّ بالجيم والذال المعجمة. ومنها: \"السَّلَميّ\" في الأنصار","vol":"1","page":160},{"text":"بفتح السين، وفي بني سُلَيم بضمها. ومنها: \"الْهَمْدَانيّ\" كله بإسكان الميم، وبالدال المهملة.\nفهذه ألفاظ نافعة في المؤتلف والمختلف، وأما المفردات فلا تنحصر (١).\nوقد أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى إلى هذه الأسماء المؤتلفة والمختلفة الخاصّة بـ\"الصحيحين\" و\"الموطّإ\" في \"نظم الدرر\"، حيث قال:\nوَمِنْ هُنَا خَصَّ \"صَحِيحَ الْجُعْفِي\" ... لِكُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ مُوَفِّي\n\"أَخْيَفُ\" جَدُّ مِكْرَزٍ وَ\"الأَقْلَحُ\" ... كُنْيَةُ جَدِّ عَاصِمٍ قَدْ نَقَّحُوا\nوَكُلُّ مَا فِيهِ فَقُلْ \"يَسَارُ\" ... إِلَّا أَبَا مُحَمَّدٍ \"بَشَّارُ\"\nالْمَازِنِي وَابْنُ سَعِيدِ الْحَضْرَمِي ... وَابْنُ عُبَيْدِ اللهِ \"بُسْرٌ\" فَاعْلَمِ\nوَابْنُ يَسَارٍ وَابْنُ كَعْبٍ قُلْ \"بُشَيْرْ\" ... وَقُلْ \"يُسَيْرٌ\" فِي ابْنِ عَمْرٍو أَو \"أُسَيْرْ\"\nأَبُو \"بَصِيرِ\" الثَّقَفَي مُكَبَّرُ ... وَابْنُ أَبِي الأَشْعَثِ نُونًا صَغَّرُوا\nيَحْيَى وَبِشْرٌ وَابْنُ صَبَّاحٍ بِرَا ... \"بَزَّارُ\" وَ\"النَّصْرِيُّ\" بِالنُّونِ عَرَا\nمَالِكَ عَبْدَ وَاحِدٍ \"تُمَيْلَهْ\" ... كُنَيْةُ يَحْيَى غَيْرُهُ \"نُمَيْلَهْ\"\nاسْمُ أَبِي الْهَيْثَيم \"تَيِّهَانُ\" ... وَاسْمُ أَبِي صَالِحِهِمْ \"نَبْهَانُ\"\nمُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ \"تَوَّزِيُّ\" ... مُسَيَّبٌ بِالْغَيْنِ \"تَغْلِبِيُّ\"\nأَبُو \"حَرِيزٍ\" وَابْنُ عُثْمَانَ يُرَى ... بِالْحَاءِ وَالزَّاي وَغَيْرُهُ بِرَا\nيَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ \"الْحَرِيرِي\" ... وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ \"الْجُرَيْرِي\"\n\"جَارِيَةٌ\" جِيمًا أَبُو يَزِيدِ ... وَابْنُ قُدَامَةٍ أَبُو أَسِيدِ\n\"حَيَّانُ\" بالْيَاءِ سِوَى ابْنِ مُنْقِذِ ... وَابْنِ هِلَالٍ فَافْتَحَنْ وَوَحِّدِ (٢)\nأَبْنَا عَطِيَّةٍ وَمُوسَى الْعَرِقَهْ ... بِالْكَسْرِ وَالتَّوْحِيدِ فِيمَا حَقَّقَهْ\nأَبَا \"حَصِينِ\" الأَسَدِيِّ كَبِّرِ ... ثُمَّ رُزَيْقَ بْنَ حُكَيْمٍ صَغِّرِ\n\"حَيَّةُ\" بِالْيَاءِ ابْنُهُ جُبَيْرُ ... مُحَمَّدُ بْنُ \"خَازِمِ\" الضَّرِيرُ\nابْنُ حُذَافَةٍ \"خُنَيْسٌ\" فَقَدِ ... \"خُبَيْبُ\" شَيْخُ مَالِكٍ وَابْنُ عَدِي\nوَكُنْيَةٌ لابْنِ الزُّبَيْرِ \"الْجُرَشِي\" ...، يونُسُ وَالنَّضْرُ فَلَا تُفتِّشِ\n_________\n(١) راجع \"شرح صحيح مسلم\" للنوويّ ١/ ٣٩ - ٤١.\n(٢) فيه اختلاف الرويّ بالذال والدال، وقد غيّرت البيتين، فقلت:\nحَبَّانُ بَالْفَتحِ ابْنُ مُنْقِذٍ كَذَا ... ابْنُ هِلَالٍ ثُمَّ بِالْكَسْرِ خُذَا\nابْنَ عَطِيَّةٍ مَعَ ابْنِ مُوسَى ... وَمَنْ رَمى سَعْدًا فَنالَ بُوسَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"1","page":161},{"text":"ثُمَّ عُبَيْدُ اللهِ فَـ\"الْخَرَّازُ\" ... بِالرَّاءِ بَدْءًا غَيْرُهُ \"خَزَّازُ\"\nبِنْتُ مُعَوِّذٍ وَبِنْتُ النَّضْرِ ... \"رُبَيّعٌ\" وَابْنُ حُكَيْمٍ فَادْرِ\n\"رُزَيْقُ\" بِالرَّا أَوَّلًا \"رَبَاحُ\" ... وَالِدُ زَيْدٍ وَعَطَا إِفْصَاحُ\nمُحَمَّدٌ يُكْنَى \"أَبَا الرِّجَالِ\" ... وَعُقْبَةٌ يُكْنَى \"أَبَا الرَّحَّالِ\"\n\"سُرَيجٌ\" ابْنَا يُونُسٍ وَالنُّعْمَانْ ... وَاكْنِ أَبَا أَحْمَدَ وَابْنُ حَيَّانْ\n\"سَلِيمُ\" بِالتَّكْبِيرِ وَ\"السِّينَانِي\" ... فَضْلٌ وَمَنْ عَدَاهُ فَـ\"الشَّيْبَانِي\"\nمُحَمَّدٌ عَبَّادُ وَالنَّاجِيُّ ... وَعَبْدُ الأعْلَى كُلُّهُمْ \"سَامِيُّ\"\n\"صَبِيحُ\" وَالِدُ الرَّبِيعُ فُتِحَا ... وَاضْمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى\n\"عَيَّاشٌ\" الرَّقَّامُ وَالْحِمْصِيُّ ... أَبًا كَذَاكَ الْمُقْرِيءُ الْكُوفِيُّ\nوَافْتَحْ \"عَبَادَةً\" أَبَا مُحَمَّدِ ... وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ \"عُبَادًا\" تُرْشَدِ\nوَفَتَحُوا بَجَالَةَ بْنَ \"عَبَدَهْ\" ... كَذَا \"عَبِيدَةُ\" بْنُ عَمْرٍو قَيَّدَهْ\nوَالِدُ عَامِرٍ كَذَا وَابْنُ حُمَيْدْ ... وَكُلُّ مَا فِيهِ مُصَغَّرٌ \"عُبَيْدْ\"\nوَوَلَدُ الْقَاسِمِ فَهْوَ \"عَبْثَرُ\" ... وَابْنُ سَوَاءٍ السَّدُوسِي \"عَنْبَرُ\"\n\"عُيَيْنَةٌ\" وَالِدُ ذِي الْمِقْدَارِ ... سُفْيَانَ وَابْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِي\n\"عَتَّابُ\" بِالتَّا ابْنُ بَشِيرِ الْجَزَرِي ... \"عُقَيْلُ\" بِالضَّمِّ فَرَاوِي الزُّهْرِي\nابْنَ سِنَانِ \"الْعَوَقِيَّ\" أَفْرِدِ ... \"قَارِيَّهُمْ\" هُوَ ابْنُ عَبْدٍ شَدِّدِ\nأَبُو عُبَيْدِ اللهِ فَهْوَ \"مُحْرِزُ\" ... صَفْوَانُ أَمَّا الْمُدْلِجِي \"مُجَزِّزُ\"\nوَالِدُ عَبْدِ اللهِ قُلْ \"مُغَفَّلُ\" ... مُنْفَرِدٌ وَمَنْ سِوَاهُ \"مَعْقِلُ\"\n\"مُعَمَّرٌ\" يُشَدَّدُ ابْنُ يَحْيَى ... وَ\"مُنْيَةٌ\" بالْيَاءِ أُمُّ \"يَعْلَى\"\nابْنُ شُرَحْبِيلَ فَقُلْ \"هُزَيْلُ\" ... بِالزَّاي لَكِنْ غَيْرُهُ \"هُذَيْلُ\"\nنَجْلُ أَبِي بُرْدَةَ قُلْ \"بُرَيْدُ\" ... وَابْنُ \"الْبِرِنْدِ\" غَيْرُ ذَا \"يَزِيدُ\"\nهَذَا جَمِيعُ مَا حَوَى الْبُخَارِي ... فَاضْبِطْهُ ضَبْطَ حَافِظٍ ذَكَّارِ\nفِي مُسْلِمٍ خَلَفٌ \"الْبَزَّارُ\" ... وَسَالِمٌ \"نَصْرِيُّهُمْ\" \"جَبَّارُ\"\nهُوَ ابْنُ صخْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ \"الْخِيَارْ\" ... \"جَارِيَةٌ\" أَبُو الْعَلَا بِالْجِيمِ سَارْ\nأَهْمِلْ \"أَبَا بَصرَةٍ\" الْغِفَارِي ... كَذَا اسْمُهُ \"حُمَيْلُ\" مَعْ إِصْغَارِ\nصَغِّرْ \"حُكَيْمًا\" ابْنَ عَبْدِ اللهِ ثُمْ ... \"عَبِيدَةَ\" بْنَ الْحَضْرَمِيِّ لَا تَضُمْ\nوَافْتَحْ أَبَا عَامِرٍ ابْنَ \"عَبَدَهْ\" ... وَابْنِ \"الْبَرِيدِ\" هَاشِمٍ فَأَفْرِدَهْ\nوَاضْمُمْ \"عُقَيْلًا\" فِي الْقَبِيلِ مَعْ أَبِي ... يَحْيَى الْخُزَاعِيِّ كَمَاضٍ تُصِبِ\n\"عَيَّاشُ\" بِالْيَاءِ ابْنُ عَمْرِو الْعَامِرِي ... مَعْ نَقْطِهِ وَهَكَذَا ابْنُ الْحِمْيَرِي\n\"رِيَاحُ\" بِالْيَاءِ أَبُو زِيَادِ ... وَكُنْيَةٌ لَهُ بِلَا تَرْدَادِ","vol":"1","page":162},{"text":"وَكُلُّ مَا فِي ذَيْنِ وَ\"الْمُوَطَّا\" ... فَهْوَ \"الْحَرَامِيُّ\" بِرَاءٍ ضَبْطَا\nإِلَّا الَّذِي أُبْهِمَ عَنْ أَبِي الْيَسَرْ ... فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهِ الْخُلْفَ قَرْ\nوَحِّدْ \"زُبَيْدًا\" مَا عَدَا ابْنَ الصَّلْتِ ... وَ\"وَاقِدٌ\" بِالْقَافِ فِيهَا يَأْتِي\nبِالْيَاءِ \"الايْلِيُّ\" سِوَى شَيْبَانَا ... لَكِنَّهُ بِنَسَبٍ مَا بَانَا\nوَلَمْ يَزِدْ مُوَطَّأٌ إِنْ تَفْطُنِ ... سِوَى بِضَمِّ \"بُسْرٍ\" ابْنِ مِحْجَنِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه]: تكرر في \"صحيح مسلم\" قوله: حدثنا فلان وفلان كليهما عن فلان، هكذا يقع في مواضع كثيرة في أكثر الأصول \"كليهما\" بالياء، وهو مما يُسْتَشكل من جهة العربية، وحقه أن يقال: \"كلاهما\" بالألف، ولكن استعماله بالياء صحيح، وله وجهان: [أحدهما]: أن يكون مرفوعا تأكيدا للمرفوع قبله، ولكنه كتب بالياء؛ لأجل الإمالة، ويُقرأ بالألف، كما كتبوا \"الربا\" و\"الربى\" بالألف والياء، ويقرأ بالألف لا غير. [والوجه الثاني]: أن يكون \"كليهما\" منصوبًا، ويقرأ بالياء، ويكون تقديره أعني كليهما. قاله النوويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>المسألة الحادية والعشرون: وهي آخر المسائل في ذكر رسالتين مهمّتين </span>لهما صلة\nبكتابنا هذا، حيث إنه ضِمْنَ الكتب التي وُضعتا للبحث عن شروطها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الرسالة الأولى:</span>\nشروط الأئمة للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ المتوفّى سنة (٥٠٧ هـ) رحمه اللهُ تعالى (٢)، ونصّ الرسالة:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ رحمه اللهُ تعالى: [فإن قيل]: إن كلّ واحد من الأئمة الستّة -يعني البخاريّ ومسلمًا، وأبا داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه- صنّف كتابًا على حِدَة، ولم يَتّفقوا على ما أخرج\n_________\n(١) \"مقدّمة شرح مسلم\" ١/ ٤١ - ٤٢.\n(٢) هو الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن عليّ بن أحمد القيسرانيّ المقدسيّ، ذو الرحلة الواسعة، والتصانيف النافعة، وُلد سنة (٤٤٨) للهجرة، سمع بالقدس، وبغداد، ونيسابور، وأصبهان، وشيراز، والريّ، ودمشق، ومصر، ومات في بغداد عند قدومه من الحج يوم الجمعة في شهر ربيع الأول سنة (٥٠٧ هـ) رحمه الله تعالى رحمة واسعة. راجع ترجمته في \"طبقات الحفّاظ\"، و\"ميزان الاعتدال\"، و\"شذرات الذهب\".","vol":"1","page":163},{"text":"الأول من غير زيادة ونقصان، فهل تجري كلها مَجْرًى واحدًا في الصحّة أم تتباين في المعنى؟ .\n[الجواب]: إن بعض أهل الصنعة سألني ببغداد عن شرط كلّ واحد من هؤلاء الأئمة في كتابه، فأجبته بجواب أنا أذكره بعينه ورُمّته.\n[قلت]: اعلم: أن البخاريّ ومسلمًا، ومن ذكرنا بعدهما لم يُنقَل عن أحد منهم أنه قال: شرطت أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلانيّ، وإنما يَعرف ذلك من سبر كتبهم، فيُعلَم بذلك شرط كلّ رجل منهم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"لم يُنقَل عن أحد إلخ\" فيه نظر لا يخفى؛ لأن مسلمًا قد بيّن شرطه في هذه المقدّمة، وكذلك أبو داود أوضح شرطه في رسالته إلى أهل مكّة، فكيف يقال: لم يُنقل عن أحد منهم إلخ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\nقال: فاعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يُخرجا الحديث المتّفق على ثقة نقلته (١) إلى الصحابيّ المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متّصلًا غير مقطوع، فإن كان للصحابيّ راويان فصاعدًا فحسنٌ، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صحّ الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه، إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاريّ حديثهم لشبهه وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثلُ حمّاد بن سلمة، وسُهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.\nجعلنا هؤلاء الخمسة مثالًا لغيرهم، لكثرة رواياتهم وشُهرتهم، فلما تكلم في هؤلاء بما لا يُزيل العدالة والثقة ترك البخاريّ إخراج حديثهم معتمِدًا عليهم تحرّيًا، وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة.\nومثال ذلك أن سُهيل بن أبي صالح تكلم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة، فترك البخاريّ هذا الأصل، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه، ومسلم اعتمد عليه لَمّا سَبَر أحاديثه فوجده مرّةً يُحدّث عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، ومرّة عن الأعمش، عن أبيه، ومرّةً يُحدّث عن أخيه، عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه، فصحّ عنده أنه سمع من أبيه؛ إذ لو كان سماعه صحيفةً لكان يروي هذه الأحاديث مثل تلك الأُخَر.\n_________\n(١) ناقش الحافظ العراقيّ المقدسيّ في قوله: \"المتّفق على ثقة نقلته\"، فقال في \"شرح ألفيته\": ليس ما قاله ابن طاهر بجيّد؛ لأن النسائيّ ضعّف جماعة أخرج لهما الشيخان، أو أحدهما، غير أن تضعيف النسائيّ لهم بدون تبيين السبب، وقد ذكر علماء الجرح أن الجرح الذي لم يبيّن سببه غير مفيد للجرح، ولكن يوجب الريبة والتوقّف في غير المشاهير بالعدالة والأمانة، فلا يؤثّر فيهم. انتهى.","vol":"1","page":164},{"text":"وكذلك حمّاد بن سلمة إمام كبيرٌ مدحه الأئمة، وأطنبوا لَمّا تكلّم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يُخرج عنه معتمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع ليُبَيّن أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة، وحمّاد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي الأحوص، وغيرهم.\nومسلم اعتمَد عليه؛ لأنه رأى جماعةً من أصحابه القدماء والمتأخّرين رووا عنه حديثًا لم يَختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته.\nفهذا الكلام فيما اختلفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاء، وما جرى مجراهم.\nوأما أبو داود، فمن بعده، فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: صحيح، وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاريّ ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على \"الصحيحين\" فيما اتّفقا عليه، واختلفا فيه.\nوالقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود، والنسائيّ إخراج أحاديث أقوام لم يُجمَع على تركهم إذا صحّ الحديث باتّصال الإسناد من غير قطع، ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح، فإن البخاريّ قال: أحفظ مائتي ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، ومسلم قال: أخرجت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.\nثم إنا رأيناهما أخرجا في كتابيهما ما اتّفقا عليه، وما انفردا به قريب عشرة آلاف تزيد أو تنقص، فعلمنا أنه قد بقي من الصحيح الكثير إلا أن طريقه لا يكون كطريق ما أخرجاه في هذين الكتابين، فما أخرجوه مما انفردوا به دونهما، فإنه من جملة ما تركه البخاريّ ومسلم من جملة الصحيح.\nوالقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدّيّة في الباب المتقدّم، وأوردوها لا قطعًا منهم بصحّتها، وربّما أبان الْمُخْرِج لها عن علّتها بما يفهمه أهل المعرفة.\n[فإن قيل]: لم أودعوها كتبهم، ولم تصبحّ عندهم؟ .\n[فالجواب]: من ثلاثة أوجه:\nأحدهما: رواية قوم لها، واحتجاجهم بها، فأوردوها، وبيّنوا سقمها؛ لتزول الشبهة.\nوالثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاريُّ ومسلم -﵃- على ظهر كتابيهما من","vol":"1","page":165},{"text":"التسمية بالصحّة، فإن البخاريّ قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول، ومسلم قال: ليس كلُّ حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه، ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يُخرجون الشيء وضدّه.\nوالثالث: أن يُقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء، وسائر العلماء يوردون أدلّة الخصم في كتبهم مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما هذا كفعل الفقهاء. والله أعلم.\nوأما أبو عيسى الترمذيّ ﵀ فكتابه وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاريّ ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما كما بيّنّا، وقسم أخرجه للضدّيّة، وأبان عن علّته، ولم يُغفله، وقسم رابع أبان هو عنه، فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وهذا شرط واسعٌ، فإنّ (١) على هذا الأصل كلّ حديث احتجّ به محتجّ، أو عمل بموجبه عاملٌ أخرجه، سواء صحّ طريقه، أو لم يصحّ، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفَى في تصنيفه، وتكلّم على كلّ حديث بما يقتضيه، وكان من طريقته رحمة الله عليه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابيّ قد صحّ الطريق إليه، وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابيّ آخر لم يُخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق الأول، وإن كان الحكم صحيحًا، ثمّ يُتبعه بأن يقول: \"وفي الباب عن فلان وفلان\"، ويعُدّ جماعة فيهم ذلك الصحابيّ المشهور وأكثر، وقلّما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة. والله أعلم.\nقال السائل: فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوريّ الحافظ ذكر في كتاب \"المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل\" شرطًا على غير هذا النحو.\nقلت: نعم أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ الأديب الشيرازيّ بنيسابور، قال: قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ القسم الأول من المتّفق عليها اختيار البخاريّ ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور عن رسول الله -ﷺ-، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابيّ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقِن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريّ أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.\n_________\n(١) هكذا النسخة، ولعله \"فإنه\" بالضمير، والله أعلم.","vol":"1","page":166},{"text":"الجواب: أن البخاريّ ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدّر هذا التقدير، وشَرَطَ لهما هذا الشرطَ على ما ظَنَّ عن واحد، ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضةً في الكتابين جميعًا.\nفمن ذلك في الصحابة: أن البخاريّ أخرج حديث قيس بن أبي حازم، عن مِرْداس الأسلميّ: \"يذهب الصالحون الأول فالأوّل ... \" الحديث، وليس لمِرداس راوٍ غيرُ قيس. وأخرج هو ومسلم حديث المسيّب بن حَزْن في وفاة أبي طالب، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد. وأخرج البخاريّ حديث الحسن البصريّ، عن عمرو بن تغلِب: \"إني لأعطي الرجل، والذي أَدَعُ أحبّ إليّ ... \" الحديث، ولم يرو عن عمرو غيرُ الحسن.\nهذا في أشياء عند البخاريّ على هذا النحو. وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغرّ الْمُزَنيّ: \"إنه لَيُغانُ على قلبي ... \"، ولم يرو عنه غير أبي بُرْدة. وأخرج حديث أبي رِفَاعة الْعَدَويّ، ولم يرو عنه غير حُميد بن هلال الْعَدَويّ. وأخرج حديث رافع بن عَمْرو الْغِفَاريّ، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت. وأخرج حديث رَبِيعة بن كعب السلميّ، ولم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن.\nهذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر؛ ليُعلَم أن القاعدة التي أسّسها منتقضةٌ، لا أصل لها، ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم، ولمن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربى على كتابه \"المدخل\" أجمع، إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يُفيد فائدةً، وله في سائر كتبه مثل هذا الكثيرُ -عفا الله عنّا وعنه-.\nوأما الإمام الحافظ المتقن، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندهْ، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم، أخبرنا أبو عمرو عبد الوهّاب بن أبي عبد الله بن منده، قال: قال أبي: من (١) حكم الصحابيّ إذا روى عنه تابعيّ واحد، وإن كان مشهورًا، مثل الشعبيّ، وسعيد بن المسيِّبِ يُنسب إلى الجهالة (٢)، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتُجّ به، وعلى هذا بَنى محمد بن إسماعيل البخاريّ ومسلم بن الحجّاج كتابيهما \"الصحيحين\"، إلا أحرفًا تبيّن أمرها، فأما الغريب من الحديث، كحديث الزهريّ وقتادة وأشباههما من الأئمة، ممن يُجمَعُ حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم\n_________\n(١) هكذا النسخة، ولعل الأولة إسقاط \"من\"، فليحرّر. والله تعالى أعلم.\n(٢) إطلاق الجهالة على الصحابيّ محلّ نظر.","vol":"1","page":167},{"text":"بالحديث يُسمّى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة اشتركوا في حديث يُسمّى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سُمّي مشهورًا.\nفاستثنى أبو عبد الله بن منده أحرفًا، وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صحّ لديك بيان ما قدّمته إليك. والله أعلم بالصواب.\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسيّ (١) قال: سمعت أبا محمد عليّ ابن أحمد بن سعيد الحافظ الفقيه (٢)، وقد جرى ذكر \"الصحيحين\"، فعظّم منهما، ورفَعَ من شأنهما، وذكر أن سعيد بن السكر اجتمع إليه يومًا قوم من أصحاب الحديث، فقالوا له: إن الكتب في الحديث قد كثُرت علينا، فلو دلّنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها، فسكت، ودخل إلى بيته، فأخرج أربع رزم (٣)، ووضع بعضها على بعض، وقال: هذه قواعد الإسلام، كتاب مسلم، وكتاب البخاريّ، وكتاب أبي داود، وكتاب النسائيّ.\nسمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ (٤) بهَرَاةَ، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذيّ وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاريّ ومسلم؛ لأن كتاب البخاريّ ومسلم لا يَقِف على الفائدة منهما إلا المتبحّر العالم، وكتاب أبي عيسى يَصِلُ إلى فائدته كلُّ أحد من الناس.\nرأيت على ظهر جزء قديم بالريّ حكايةً كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش، قال أبو زرعة الرازيّ: طالعت كتاب أبي عبد الله بن ماجه، فلم أجد فيه إلا قدرًا يسيرًا (٥) مما فيه شيء، وذكر قريب بضعة عشر أو كلامًا هذا معناه.\nورأيت بقزوين له تاريخًا على الرجال والأمصار من عهد الصحابة إلى عصره، وفي آخره بخط جعفر بن إدريس صاحبه: مات أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه المعروف يوم الاثنين، ودُفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان من سنة ثلاث\n_________\n(١) هو الحميديّ الظاهريّ، صاحب \"الجمع بين الصحيحين\"، وهو الذي جذب المصنّف إلى مذهب أهل الظاهر.\n(٢) هو ابن حزم، ولم يجعل هو ولا شيخه لكتاب ابن ماجه، ولا لكتاب الترمذيّ شأنًا حيث لا يعرفانهما.\n(٣) \"الرِّزْم\" بالكسر جمع رِزْمة: ما شُدّ في ثوب واحد. اهـ \"ق\".\n(٤) هو الذي أمال المصنّف إلى التصوّف السالميّ المعروف.\n(٥) لعل أبا زرعة أراد الأحاديث الواهية والموضوعة، وإلا فأحاديثه الضعيفة أكثر بكثير مما قاله، والذي أورده ابن الجوزيّ من أحاديثه في سلك الموضوعات نحو ثلاثين حديثًا، فليتنبّه.","vol":"1","page":168},{"text":"وسبعين ومائتين، وسمعته يقول: وُلدت سنة تسع ومائتين، ومات وله أربع وستون سنة، وصلّى عليه أخوه أبو بكر، وتولّى دفنه أبو بكر، وأبو عبد الله أخواه، وابنه عبد الله.\nأخبرنا أبو زيد واقد بن الخليل القزوينيّ الخطيب بالريّ، أنبأنا والدي الخليل بن عبد الله الحافظ في كتاب قزوين قال: أبو عبد الله محمد بن يزيد يُعرف بماجه (١)، مولى ربيعة، له \"سنن\"، و\"تفسير\"، و\"تاريخ\"، وكان عارفًا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقين: البصرة والكوفة، وبغداد، ومكة، والشام، ومصر، والريّ لكَتْب الحديث، مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\nأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميميّ الفقيه، قدم علينا الريّ حاجّا، أنبأنا علي بن محمد بن نصر الدينوريّ، حدّثنا القاضي أبو الحسن عليّ بن الحسن بن محمد المالكيّ، حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد، حدّثني أبو بكر محمد بن إسحاق، ثنا الصوليّ، قال: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجيّ يقول: كتاب الله ﷿ أصل الإسلام، وكتاب \"السنن\" لأبي داود عهد الإسلام.\nأخبرنا أبو القاسم عليّ بن عبد العزيز الخشّاب بنيسابور، أنبأنا محمد بن عبد الله البيّع، فيما أذِن لنا، قال: سمعت أبا سليمان الخطابيّ يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفّار يقول: سمعت محمد بن إسحاق الصغانيّ يقول: أُلين لأبي داود السجستانيّ الحديث كما أُلين لداود ﵊ الحديد.\nأخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمرقنديّ مناولةً، أنبأنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدّثنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسيّ الحافظ قال: محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيّ الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنّف كتاب \"الجامع\"، و\"التواريخ\"، و\"العلل\" تصنيف رجل عالم متقِنٍ، كان يُضرَب به المثلُ في الحفظ. قال الإدريسيّ: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد ابن محمد بن الحارث المروزيّ الفقيه يقول: سمعت أحمد بن عبد الله بن داود المروزيّ يقول: سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكّة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمرّ بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، فقالوا: فلان، فذهبت إليه، وأنا أظنّ أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين، كنت ظننت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفِرت به، وسألته أجابني إلى ذلك، فرأى البياض في يدي، فقال: أما تستحي مني، قلت. لا، وقصصت عليه القصّة، وقلتُ: أحفظه\n_________\n(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: يُعرف بابن ماجه، فليُحرّر.","vol":"1","page":169},{"text":"كلّه، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ على الولاء، فلم يُصدّقني، وقال: استظهرتَ قبل أن تجيئني، فقلت: حَدِّثْنِي بغيره، فقرأ عليّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ ما أخطأت في حرف، فقال لي: ما رأيت مثلك.\nأخبرنا أبو بكر الأديب، أنبأنا محمد بن عبد الله البيّع إجازةً قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرمليّ بمكة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائيّ يقول: لَمّا عزمت على جمع كتاب \"السنن\"، استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم.\nسألت الإمام أبا القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ بمكة عن حال رجلٍ من الرواة، فوثّقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائيّ ضعّفه، فقال: يا بُنيّ إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشدّ من شرط البخاريّ ومسلم.\nقرأت على أبي القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجانيّ بنيسابور، أخبركم أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلميّ الصوفيّ فيما أَذِن لك، قال: سألت أبا الحسن عليّ ابن عمر الدارقطنيّ الحافظ، فقلت: إذا حدّث محمد بن إسحاق بن خُزيمة، وأحمد بن شعيب النسائيّ حديثًا من تُقَدِّم منهما؟ قال: النسائيّ؛ لأنه أسند، على أني لا أُقدّم على النسائيّ أحدًا، وإن كان ابنُ خزيمة إمامًا ثبتًا، معدوم النظير.\nوقال: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: مَن يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن النسائيّ؟، عنده حديث ابن لَهِيعة ترجمة ترجمة، فما حدّث بها، وكان لا يرى أن يُحدّث بحديث ابن لهيعة.\nسمعت أبا زكريّا الحافظ يقول: سمعت عمّي أبا القاسم يقول: سمعت الحافظ أبا عبد الله بن منده يقول: ما رأيت في اختلاف الحديث، والإتقان أحفظ من أبي عليّ الحسين بن عليّ بن داود اليزديّ النيسابوريّ.\nتم وكمل بحمد الله وعونه، وصلواته على نبيّنا محمد، وآله وصحبه وعترته، وسلّم تسليمًا كثيرًا. انتهت الرسالة الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الرسالة الثانية:</span>\nشروط الأئمة الخمسة: البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، والترمذيّ، والنسويّ -﵃-","vol":"1","page":170},{"text":"للحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازميّ المتوفّى سنة (٥٨٤ هـ) رحمه الله تعالى (١).\nبسم الله الرحمن الرحيم\nقال الشيخ الحافظ زين الدين أبو عبد الله محمد بن موسى الحازميّ الهمدانيّ ﵀ من لفظه:\nالحمد لله الذي اختار لنا الإسلام دينًا، وآزره وأظهره على الدين كلّه، وآثره، وجعله حصنًا حصينًا، ومنهاجًا مُبينًا، لا يَدْرُس منارُه، ولا تُطمس آثارُه، وصلى الله على محمد النبيّ المبعوث مِن أظهر المراتب، والمختار من أطهر المناسب، وعلى آله وصحبه ذوي السوابق والمناقب.\nأما بعد: فقد سألتني -وفّقك الله لاكتساب الخيرات، وجنّبني وإياك موارد الهلَكات- أن أذكر لك شروط الأئمة الخمسة في كتبهم المعتمد على نقلهم وحكمهم: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بن بَرْدِزْبَهْ الجعفيّ مولاهم البخاريّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ، وأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد بن عمرو بن عمران الأزديّ السجستانيّ، وأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذيّ، وأبي عبد الرحمن أحمد ابن شُعيب النسويّ ﵏﵄-، وما قصدوه، وغرض كلّ واحد منهم في تأسيس قاعدته، وتمهيد مرامه، وذكرتَ أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أبي عبد الله الجعفيّ، وأبي الحسين القشيريّ أن لا يُخرجا إلا حديثًا سمعاه من شيخين عدلين، وكلّ واحد منهما رواه أيضًا عن عدلين كذلك إلى أن يتّصل الحديث على هذا القانون برسول الله -ﷺ-، ولم يُخرجا حديثًا لم يُعرف إلا من جهة واحدة، أو لم يروه إلا راو واحد، وإن كان ثقة.\nفاعلم -وفّقك الله تعالى- أن هذا قول من يستطرف أطراف الآثار، ولم يَلِج تيّار الأخبار، وجَهِلَ مخارج الحديث، ولم يَعثُر على مذاهب أهل التحديث، ومن عَرَف مذاهب الفقهاء في انقسام الأخبار إلى المتواتر والآحاد، ووقف على اصطلاح العلماء في كيفيّة مخرج الإسناد لم يذهب إلى هذا المذهب، وسهُل عليه المطلب، ولعمري هذا\n_________\n(١) هو الإمام المتقن الحافظ البارع النسابة المبَرِّز زين الدين أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمدانيّ الحازميّ، نسبة إلى جدّه، وُلد سنة (٥٤٨ هـ) كان من الأئمة الحافظين العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، صنّف في الحديث عدّة مصنّفات، وأملى عدّة مجالس، ومات في جمادى الأولى سنة (٥٨٤ هـ) وهو ابن (٣٦) سنة رحمه الله تعالى رحمة واسعة. راجع ترجمته في \"تذكرة الحفاظ\"، و\"طبقات الشافعيّة\"، و\"شذرات الذهب\".","vol":"1","page":171},{"text":"قول قد قيل، ودعوى قد تقدّمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين.\nأنبأنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد الوهّاب بن محمد المالكيّ، أنبأنا زاهر بن أبي عبد الرحمن المستملي، أنبأنا أحمد بن الحسين الخسرو جرديّ، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ، قال:\nوالصحيح من الحديث ينقسم على عشرة أقسام، خمسة منها متّفقٌ عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها.\nفالقسم الأول من المتّفق عليها: اختيار البخاريِّ ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور بالرواية عن الرسول -ﷺ-، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعيّ المشهور بالرواية عن الصحابة، وهم راويان ثقثان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله راويان ثقتان من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاريّ ومسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح، والأحاديث المرويّة بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث.\nوالقسم الثاني من الصحيح المتّفق عليها الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رواه الثقات الحفّاظ إلى الصحابيّ، وليس لهذا الصحابيّ إلا راو واحد، ومثاله حديث عروة بن مضرّس الطائيّ أنه قال: \"أتيت النبيّ -ﷺ-، وهو بالمزدلفة ... \" الحديث، وهذا الحديث من أصول الشريعة مقبول، مُتداولٌ بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يُخرجه البخاريّ، ولا مسلم في \"الصحيحين\"؛ إذ ليس له راو عن عروة بن مضرّس غير الشعبيّ، وشواهد هذا كثيرة في الصحابة، كعمير بن قتادة الليثيّ، ليس له راو غير ابنه عبيد، وأُسامة بن شَريك، وقُطبة بن مالك على اشتهارهما في الصحابة، ليس لهما راو غير زياد بن عِلاقة، وهو من كبار التابعين، ومِرْداس بن مالك الأسلميّ، والمستورِد ابن شدّاد الفِهْريّ، ودُكين المزنيّ، كلهم من الصحابة، وليس لهم راو غير قيس بن أبي حازم، والشواهد لما ذكرناه كثيرة، ولم يُخرج البخاريّ ومسلم هذا النوع من الصحيح.\nوالقسم الثالث من الصحيح المتّفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة -والتابعون ثقات- إلا أنه ليس لكلّ واحد منهم إلا الراوي الواحد، وذكر له مثالًا.\nوالقسم الرابع من الصحيح المتّفق عليها: هذه الأحاديث الأفراد، والغرائب التي يرويها الثقات العدول، تفرّد بها ثقة من الثقات، ليس لها طرق مخرّجة في الكتب، وذكر له مثلًا.\nوالقسم الخامس من الصحيح: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم، عن","vol":"1","page":172},{"text":"أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم، عن أجدادهم بها إلا عنهم.\nقال: وهذه الأقسام الخمسة مخرّجة في كتب الأئمة، محتجّ بها، ولم يُخَرَّج في \"الصحيحين\" منها حديثٌ؛ لما بيّنّا في كلّ قسم منها. هذا آخر كلام الحاكم.\nولم يُصب في قسم من هذه الأقسام، وسنبيّن أوهامه فيما بعدُ، وربّما لو رُوجع، وطولب بالدليل، وكُلّف البحث والسبر عن مخارج الأحاديث المخرّجة في الكتابين بالاستقراء، وتتبّع الطرق، وجمع التراجم والمشايخ، وتأليف الأبواب لاستوعر السبيل، ولم يتّضح له فيه دليل إلا في قدر من ذلك، وآفة العلوم التقليد.\nوبيان ذلك إما إيثار الدَّعَة، وترك الدأب، وإما حسن الظنّ بالمتقدّم، ولعمري إن هذا القسم الثاني لحسنٌ، غير أن الاسترواح إلى هذا غير ممكن؛ لأنه يُفضي إلى سدّ باب الاجتهاد، والبحث عن مخارج الحديث، وأحوال الرجال.\nوهذا الحاكم أبو أحمد الحافظ النيسابوريّ، وهو أحد أركان الحديث، وممن أخرج التخاريج الكثيرة، وكتابه المؤلّف في الأسماء والكنى يشهد له بتبحّره في علم الصنعة، وقد ذكر في بعض تراجمه حارثة بن مالك الأنصاريّ في الصحابة، مقلّدًا لآخر تقدّمه، ثم جاء بعده جماعة من المؤلّفين في الحديث والتواريخ والمعارف، ممن كان يُنسب إلى التحقيق والتدقيق نحو أبي عمر بن عبد البرّ القرطبيّ، والأمير أبي نصر بن ماكولا في كتابه \"الإكمال\"، وغيرهما قلّدوا المتقدّم، وركِبوا في ذلك الْمَجَرّة (١) وأثبتوه في كتبهم على ما رسمه المتقدّم، ولو عدل واحد من هؤلاء الأستاذين إلى كتب السير وتواريخ المحدّثين لبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وبان أن حارثة بن مالك الأنصاريّ لم يكن من الصحابة، ولا من أنصار رسول الله -ﷺ-، ولا من الموجودين في زمنه أو بعده، وإنما هو في نسب الأنصار، وهو عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جُشَم جاهليّ قديم من ولده بنو زُريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك، بطن، وبنو بياضة بن عامر بن زريق إليهما يُنسب الزرقيّون، والبياضيّون في الأنصار جماعة منهم صحبوا النبيّ -ﷺ-، ولهم رواية، وشهدوا معه بدرًا، وفيهم من بينه وبين عبد حارثة الذي سمّوه حارثة، وجعلوا له صحبة تسعة آباء، وأقلّ من ذلك، والعجب من الحاكم، ومن أبي عمر أنهما أحالا بذلك على الواقديّ، وإنما قال الواقديّ في تسمية البدريين: ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة، وغيره يقول: زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة ابن مالك بن عضب بن جشم، ثم من بني مخلد بن عامر قيس بن محصن، وسمّى\n_________\n(١) يعني حاولوا المحال كمن يريد ركوب المجرّة، وهي منطقة في السماء قوامها نجوم كثيرة، لا يميّزها البصر فيراها كبقعة بيضاء.","vol":"1","page":173},{"text":"جماعة، فلعلّ الحاكم ظنّ أن الواقديّ انتهى بنسبه لزريق إلى عبد، ثم ابتدأ قال: حارثةُ مرفوعًا، وأن حارثة هو المراد بالصحبة، وإنما هو عبد حارثة مضافًا، وهو اسم لشخص واحد كما بيّنّاه، وأن أبا عمر بن عبد البرّ، والأمير قلّدا أبا أحمد، وقد أشبعت الكلام في هذا الاسم في \"تهذيب الإكمال\"، و\"أوهام الأمير\".\nوقد أحسن أحمد بن حنبل ﵀ في ترك التقليد والحثّ على البحث حيث ذاكر عليّ بن المدينيّ في أصحاب الزهريّ، وكان أحمد يقدّم مالكًا، وابن المدينيّ يقدّم سفيان.\nأخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن الفرج الوكيل، أنبأنا عبد القادر بن محمد، أنبأنا عمر بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمد بن هارون، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن محمد، قال: سمعت أبي يقول: كنت أنا وعليّ بن المدينيّ، فذكرنا أثبت من روى عن الزهريّ، فقال عليّ: سفيان بن عيينة، فقلت أنا: مالك بن أنس، وابن عيينة يُخطىء في نحو عشرين حديثًا عن الزهريّ، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين، أو ثلاثة، قال: فنظرت فيما أخطأ فيه سفيان بن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا.\nألا ترى أن ابن المدينيّ ومحلّه من هذا الشأن ما قد عُرف لَمّا لم يُمعن النظر في البحث عن حديث إمام الهجرة حكم بغير ما تقتضيه النصفة حتّى ذكّره أحمد، وكان السبب فيه أن ابن المدينيّ فاته مالك، ومُتّع بسفيان، وكان ربّما يعتقد في حديث مالك عن الزهريّ أنه عرضٌ، وحديث سفيان تحديث، حدّثه به الزهريّ، وإن كان الأمر على خلاف ذلك، وأحمد لم يكتف بذلك حتى سبر حديثهما، ثم حكم لأحدهما على الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>باب إبطال قول من زعم أن شرط البخاريّ إخراج الحديث عن عدلين، وهلمّ جَرّا إلى أن يتّصل الخبر بالنبيّ -ﷺ</span>-\nقد تقدّم منّا القول بأن هذا حكم من لم يُمعن الغوصَ في خبايا الصحيح، ولو استقرأ الكتاب حقّ استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه دعواه، وأما قول الحاكم في القسم الأول: إن اختيار البخاريّ ومسلم إخراج الحديث عن عدلين إلى النبيّ -ﷺ-، فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا، بل لو عكس القضيّة، وحكم كان أسلم له، وقد صرّح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث، وهو أبو حاتم محمد بن حبّان الْبُستيّ.","vol":"1","page":174},{"text":"أخبرني أبو المحاسن محمد بن عبد الملك بن عليّ الهمدانيّ، أنبأنا القاسم المستملي، أنبأنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن عليّ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد ابن محمد بن هارون الزوزنيّ، حدّثنا ابن حبّان البستيّ، قال: وأما الأخبار، فإنها كلّها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبيّ -ﷺ- خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكلّ واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله -ﷺ-، فلما استحال هذا وبطل، ثَبَت أن الأخبار كلها أخبار آحاد، ومن اشترط ذلك، فقد عمد إلى ترك السنن كلّها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد. هذا آخر كلام ابن حبّان، ومن سبر مطالع الأخبار عرف أن ما ذكره ابن حبّان أقرب إلى الصواب.\nوأما قوله: أن الموجود المرويّ من الأحاديث على الوتيرة التي لم تسلم يبلغ قريبًا من عشرة آلاف، فهذا ظنّ منه بأنهما لم يخرجا إلا على ما رُسم، وليس كذلك، فإن أقصى ما يمكن اعتباره في الصحّة هو شرط البخاريّ، ولا يوجد في كتابه من النحو الذي أشار إليه إلا القدر اليسير.\nوأما قوله: أن شرط الشيخين إخراج الحديث عن عدلين، وهلُمّ جرّا إلى أن يتّصل الحديث، فليس كذلك أيضًا لأنهما قد خرجا في كتابيهما أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد، وأحاديث لا تعرف إلا من جهة واحدة، وأنا أذكر من كلّ نوع أحاديث تدلّ على نقيض ما ادّعاه، فمن ذلك:\nحديث مِرداس الأسلميّ: \"يذهب الصالحون الأول فالأول ... \" الحديث، وهذا حديث تفرّد البخاري بإخراجه، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، رواه البخاريّ عن يحيى بن حمّاد، عن أبي عوانة، عن بيان، عن قيس، عن مرداس، وليس لمرداس في كتاب البخاريّ، سوى هذا الحديث.\nوقد ذكر الحاكم في القسم الثاني مرداس بن مالك الأسلميّ، وعدّه فيمن لم يخرج عنه في الصحاح شيء، وهذا الحديث يردّ عليه قوله، ويُبيّن خطأه.\nومنها: حديث حزن بن أبي وهب المخزوميّ، خرّج عنه البخاريّ حديثين: أحدهما: \"وجاء سيلٌ في الجاهليّة، فكسا ما بين الجبلين ... \"، والثاني أن النبيّ -ﷺ- قال له: \"ما اسمك؟ ... \" الحديث، وقد انفرد بهما عنه ابنه المسيّب، وعن المسيّب ابنه سعيد ابن المسيّب.\nومنهم: زاهر بن الأسود الأسلميّ خرّج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا، وهو: \"إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر، إذ نادى منادي رسول الله -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- ينهاكم عن لحوم الحمر\"، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه مَجْزَأة بن زاهر.","vol":"1","page":175},{"text":"ومنهم: عبد الله بن هشام بن زُهرة القرشيّ، أخرج البخاريّ عنه حديثين: أحدهما: \"كنّا مع النبيّ -ﷺ-، وهو آخذ بيد عمر، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء ... \" الحديث. والثاني: \"قال: ذهبت به أمه زينب بنت حُميد إلى النبيّ -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال -ﷺ-: هو صغير ... \" الحديث، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه زهرة بن معبد.\nومنهم: عمرو بن تغلب، أخرج عنه البخاريّ حديثين: أحدهما: \"إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل ... \" الحديث. والثاني: \"أن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون ... \" الحديث، وقد تفرّد برواية هذين الحديثين عنه الحسن بن أبي الحسن، ولا يُعرف له راو غيره.\nومنهم: عبد الله بن ثعلبة بن صُعير، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا موقوفًا، تفرّد به الزهريّ عنه، ولا يُعرف له راو غير الزهريّ.\nومنهم: سُنين أبو جَميلة السلميّ من أنفسهم، أخرج البخاريّ عنه طرفًا من حديث، ولم يرو عنه غير الزهريّ من وجه يصحّ مثله.\nومنهم: أبو سعيد بن المعلَّى، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا: \"قال: كنت أصلّي في المسجد، فدعاني رسول الله -ﷺ-، فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي ... \" الحديث، وقد تفرّد به عنه حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، ولا رواه عنه غير خُبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف.\nومنهم: أبو عقبة سُويد بن النعمان بن مالك بن عامر الأنصاريّ، وكان من أصحاب الشجرة، أخرج عنه البخاريّ حديثًا واحدًا: \"خرجنا مع رسول الله -ﷺ- عام خيبر حتى إذا كنّا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر ... \" الحديث، وقد تفرّد به عنه بُشَير بن يسار.\nومنهم: خولة بنت ثامر، وقد أخرج البخاريّ منفردًا به حديث أبي الأسود، عن النعمان بن أبي عيّاش، عن خولة بنت ثامر، عن النبيّ -ﷺ-: \"أن رجالًا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ ... \" قال الدارقطنيّ: ولا تُعرف خولة بنت ثامر إلا من هذا الحديث، ولم يرو عنها غير النعمان بن أبي عيّاش، وهذا اللفظ يُشبه لفظ عُبيد سَنُوطا عن خولة بنت قيس بن فهد امرأة حمزة عمّ النبيّ -ﷺ-، فإن كانت هي التي روى عنها النعمان بن أبي عيّاش، ونسبها إلى ثامر، فالحديث مشهور، وإن كانتا امرأتين فابنة ثامر لم يرو عنها غير النعمان بن أبي عيّاش.\nوممن تفرّد مسلم بإخراج حديثه على النحو المذكور عديّ بن عَمِيرة الكنديّ،","vol":"1","page":176},{"text":"أخرج مسلم له حديثًا واحدًا، وهو: \"من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه ... \" الحديث، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم.\nوقد ذكر الحاكم في القسم الثاني المستورِد بن شدّاد الفِهْريّ في مفاريد قيس بن أبي حازم، وزعم أنه لم يُخرج البخاريّ، ولا مسلم حديثه، ولا حديث من كان على هذا الوزن من المفاريد، وهذا مسلم بن الحجّاج قد أخرج للمستورد حديثين: أحدهما من رواية قيس بن أبي حازم، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع\". والثاني أخرجه من حديث موسى بن عليّ، عن أبيه عليّ بن رَباح قال: قال المستورد القرشيّ عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"تقوم الساعة والروم أكثر الناس ... \" الحديث، وقد روى عنه غير واحد من المصريين والشاميين.\nومنهم: قطبة بن مالك، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا قال: \"صلّيت وصلّى بنا رسول الله -ﷺ-، فقرأ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١] ... \" الحديث، ولم يرو عنه غير زياد بن عِلاقة، وقد زعم الحاكم أن قطبة بن أشيم والد أبي مالك أخرج عنه مسلم حديثين: أحدهما: \"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله\". الثاني: \"كان الرجل إذا أسلم علمه النبيّ -ﷺ- الصلاة ... \" الحديث، وقد تفرّد بالرواية عنه ابنه أبو مالك سعد بن طارق، ومنهم نُبيشة الخير بن عبد الله بن عَتّاب، أخرج عنه مسلم حديثًا واحدًا في أيّام التشريق، وقد أخرج له الْبَرْقَانيّ في كتابه المخرّج على \"الصحيحين\" حديثًًا آخر في العَتِيرة، ولم يوجد في أكثر النسخ، سوى الحديث الأول، وليس له راو سوى أبي الْمَلِيح عامر بن أُسَامة.\nومن مفاريد التراجم في الكتابين: حديث: \"إنما الأعمال بالنيّة ... \"، فإن البخاريّ استفتح كتابه به، رواه عن الحميديّ، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطّاب -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- ... الحديث، وقد أُخْرِج في الكتابين في عدّة مواضع، وهو من غرائب الصحيح، مدنيّ المخرج، ولم يُروَ عن النبيّ -ﷺ- من وجه يصحّ مثله إلا من حديث عمر -﵁- فهو في الحقيقة من مفاريده، ولا يثبُت عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقّاص، ولا من رواية علقمة إلا من رواية التيميّ، تفرّد به يحيى بن سعيد، وقد رواه عن يحيى خلقٌ كثيرٌ.\nوهذا باب لو استقصيته لأفضى إلى الإكثار، وتجاوز حدّ الاختصار، ومن طالع تراجم حديث الشاميين والمصريين وجد لِمَا ذكرناه نظائر كثيرة، فإن حديث الحمصيين","vol":"1","page":177},{"text":"ومن يُدانيهم ضيّق المخرج جدّا، ولهذا قلّما يوجد للشاميين والمحصريين حديث يُعْتَنَى بجمع طرقه ويُذاكر به في السير من حديث الشاميين الدمشقيين، وذالك لضيق مخرج حديثهم.\nومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم.\nوإذ قد فرغنا من إبطال هذه الدعوى، فلنذكر التحقيق في قبول الأخبار من الثقات الموصوفين بالشرائط التي يأتي ذكرها.\nفمهما كانت تلك الشرائط موجودةً في حقّ راو كان على شرطهم وغرضهم، وله منهم قبول خبره، تفرّد بالحديث، أو شاركه غيره فيه.\nنعم يُفيد هذا في باب الترجيحات عند تعارض الأخبار حالة المذاكرة بين المتناظرين، وذلك من وظيفة الفقهاء؛ لأن قصدهم إثبات الأحكام، ومجال نظرهم في ذلك متّسِع.\nوقد أورد بعض أئمّتنا في باب الترجيحات نيّفًا وأربعين وجهًا في ترجيح أحد الحديثين على الآخر.\nثم الحديث الواحد لا يخلو إما أن يكون من قبيل التواتر، أو من قبيل الآحاد، وإثبات التواتر في الأحاديث عَسِرٌ جدّا، سيّما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده، وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم، فلا تعويل على مذهب الكوفيين في ذلك. وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم (١)، وتفاصيل مذاهب الكلّ مذكورة في كتب أصول الفقه، وعلى الجملة فقد اتّفقوا أنه لا يُشترط في قبول الآحاد العدد قلّ أو كثُر. والله أعلم.\nالشروط (٢) المعتبرة المذكورة عند الأئمة التي من احتوى عليها، وتحلّى بحليتها لزِم قبول خبره، واستحقّ إخراج حديثه في الصحيح، ثم نردفه بذكر قصد البخاريّ في وضع كتابه، وكذلك نذكر شرط من عداه من الأئمة الذين ذكرناهم أوّلًا، فهاتان\n_________\n(١) هذا المذهب هو الحقّ، وقد سبق بيانه بالنسبة لأحاديث \"الصحيحين\" في المسألة الرابعة من هذه المقدّمة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في أواخر هذا الشرح، إن شاء الله تعالى.\n(٢) هكذا النسخة، ولعل في الكلام ساقطًا، مثل ونتكلم في الشروط إلخ، أو نحو هذا، فإن الكلام غير ملتئم، فليحرّر. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":178},{"text":"مقدّمتان من حيث الإجمال والتفصيل، ذكرتهما مُجمَلًا، ثمّ أذكرهما مفصّلًا، فأقول:\nاعلم: -وفّقك الله تعالى- أنه لَمّا كان كلُّ مكلّف من البشر لا يكاد يَسْلَم من أن تشوب طاعته معصيةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى أن لا يُقبل إلا طابع محض الطاعة؛ لأن ذلك يوجب أن لا يُقبل أحد، وهكذا لا سبيل إلى قبول كلّ عاصٍ؛ لأنه يوجب أن لا يُردّ أحدٌ، وقد أمر الله تعالى بقبول العدل، وردّ الفاسق في نصّ القرآن، فاحتيج إلى التفصيل.\nفكلّ من ثبت كذبه رُدّ خبره وشهادته؛ لأن الخبر ينقسم إلى الصدق والكذب، فالصدق هو الخبر المتعلّق بالمخبِر على ما هو عليه، والكذب عكسه.\nوقد اختلف العلماء في حدّ الخبر، فقالت طائفةٌ: الخبر ما دخله الصدق والكذب، وقيل: ما جاز أن يكون صدقًا، وأن يكون كذبًا، وقيل: ما كان صدقًا أو كذبًا. وهذه حدودٌ رسميّة لا تكاد تسلم عن النقوض، والكلام فيها يليق بالأصول.\nثم الخبر منقسم إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر ما يُخبر القوم الذين يبلغ عددهم حدّا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقرّ العادة أن اتّفاق الكذب منهم محالٌ، والتواطؤ منهم في مقدورات الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذّرٌ، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع عند ذلك بصدقه، وأوجب حصول العلم ضرورة.\nوأما الآحاد فما قصر عن حدّ التواتر، ولم يحصل به العلم، ولكن تداولته الجماعة.\nثم الأخبار كلّها على ثلاثة أضرب:\nفضربٌ منها تُعلم صحّته، وضرب منها يُعلم فساده، وضربٌ منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر.\nأما الضرب الأول، فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر أن يكون مما تدلّ العقول على موجبه، كالإخبار عن حدوث العالم، وإثبات الصانع.\nوأما الضرب الثاني، وهو ما يُعلم فساده، فهو الذي تدفع العقول صحّته بموضوعها، والأدلّةِ المنصوبة فيها، نحو الإخبار عن اجتماع الضدّين، أو أن الجسم الواحد في الزمن الواحد في مكانين، أو مما يدفعه نصّ القرآن، أو السنّة المتواترة، أو أجمعت الأمة على ردّه تكذيبًا له وغير ذلك.\nوأما الضرب الثالث الذي لا يُعلم صحّته من فساده، فإنه يجب الوقف عن القطع بكونه صدقًا أو كذبًا، وهذا الضرب لا يدخل إلا فيما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا","vol":"1","page":179},{"text":"يكون، وهي الأخبار التي يُؤثرها علماء الإسلام في إثبات الأحكام الشرعيّة المختلف فيها بين الأمة، وإنما وجب التوقّف فيما هذه حاله من الأخبار؛ لعدم الطريق إلى العلم بكونها صدقًا أو كذبًا، فلم يكن الحكم بأحد الأمرين فيها أولى من الحكم بالآخر إلا أنه يجب العمل بما تضمّنته من الأحكام إذا وُجدت فيها الشرائط التي نذكرها بعدُ.\nفإذا ثبت أن الحاجة داعيةٌ في تصحيح الخبر إلى اعتبار أوصاف في المخبِر، فلنذكر الآن ما وعدنا به من حصر الشرائط التي إذا قامت بشخص لزم قبول خبره.\nالشرط الأول: الإسلام، وهو المقصود الأعظم، فرواية أهل الشرك مردودة، ومستند ذلك الكتاب والسنّة والإجماع، وليس هذا موضع إحصائها، وإنما نُشير إشارةً عاريةً عن الأدلّة، فإن تحمّل الرواية وهو مشركٌ، ثم أدّاها في الإسلام، فلا بأس بذلك.\nوالشرط الثاني: العقل، وبه يتوجّه الخطاب، ومنه يُتلقّى الصواب، والمفقود عقله لا يخلو إما أن يكون مجنونًا، أو صبيّا، وكلاهما لا تُقبل روايته، ولا شهادته، والأصل فيه قوله -ﷺ-: \"رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقل\" (١)، والحديث مشهور من حديث عليّ بن أبي طالب -﵁- ولا حاجة بنا إلى ذكر إسناده، ولأن حال الراوي إذا كان مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف الله، ويرجوه لما فيه من الاستعداد، فإذا رُدَّ خبر الفاسق فخبر المجنون أولى بذلك. والصبيّ عند عدم التمييز بمثابة المجنون. وأما حالة التحمّل، فقد ذهب قومٌ إلى المنع إذا لم يكن مميّزًا، وخالفهم في ذلك آخرون. وأما من زال عقله بأمر طارىء، كالاختلاط، وتغيّب الذهن، فلا يُعتدّ بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طُرح حديثه بالكليّة؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدّمين، والحفّاظ المشهورين، فإذا تميّز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحّته، جاز له الرواية عنه، وصحّ العمل بها.\nشرط آخر: الصدق، وهو عمدة الأنباء، وعدّة الأنبياء، وشيمة الأبرار، وأُرومة الأخيار، والبرزخ بين الحقّ والباطل، والفيصل بين الفاضل والجاهل، فمن تحلّى بغير حليته فلا يخلو كذبه، إما أن يكون في حديث رسول الله -ﷺ-، أو في أحاديث الناس، فإن كان كذبه على رسول الله -ﷺ- بوضع الحديث، أو ادّعاء السماع، أو ما شاكل\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داوود.","vol":"1","page":180},{"text":"ذلك، فقد ذهب غير واحد من الأئمة إلى ردّ حديثه، وإن تاب.\nنقلنا ذلك عن سفيان الثوريّ، وابن المبارك، ورافع بن الأشرس، وأبي نُعيم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.\nفأما إذا قال: كنت أخطأت فيما رويته، ولم أتعمّد الكذب، فإن ذلك يُقبل منه.\nوأما الذي يكذب في أحاديث الناس، فإنه متى جُرّب عليه ذلك، وظهر، فإنه يُردّ حديثه، وكذا من عُرف بقبول التلقين، وتكرّر ذلك منه، واشتَهَر به، فلا يُقبل حديثه، وكذا من عُرف بالتساهل في رواية خبره.\nشرطٌ آخر: أن لا يكون مدلّسًا، والتدليس، وإن كان أنواعًا، بعضها أسهل من بعض، وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولَعين به، ممن حديثه مخرّجٌ في الصحاح، غير أنّ شرط الصحيح لا يحتمل ذلك.\nشرط آخر: العدالة، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكلُّ حديث اتّصل إسناده بين من رواه، وبين النبيّ -ﷺ- لم يَلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم، سوى الصحابيّ الذي رفعه إلى النبيّ -ﷺ-؛ لأن عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبيّ -ﷺ-، وإخباره عن طهارتهم.\nوصفاتُ العدالة: هي اتّباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهَى عنه، وتَجَنُّب الفواحش المسقطة، وتحرّي الحقّ والتوقّي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وُجدت هذه الصفات كان المتحلّي بها عدلًا مقبول الشهادة.\nومنها: أن يكون الشخص بعد أن ثبتت عدالته، وجانب ما ينافي العدالة نحو السفه وغيره معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث، وصرف العناية إليه.\nومنها: أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصحف.\nومنها: أن يكون ضابطًا لما سمعه وقت سماعه متحقّقًا على شيخه في روايته من أن لا يدلّسه إن كان ممن يعرف بالتدليس، وكان يحيى بن سعيد يقول: ينبغي في هذا الحديث غير خصلة ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبتا الأخذ، ويكون يفهم ما يقال، ويُبصر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.\nوقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ العلم إلا عن ثلاثة: حافظ له أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه، وتكريره حتى يستقرّ له حفظه.","vol":"1","page":181},{"text":"ومنها: أن يكون متيقّظًا سليم الذهن عن شوائب الغفلة.\nومنها: أن يكون قليل الغلط والوهم لأن من كثر غلطه، وكان الوهم عليه غالبًا رُدّ حديثه، وسقط الاحتجاج به.\nومنها: أن يكون حسن السمت موصوفًا بالوقار غير مشهور بالمجون والخلاعة إذ ارتكاب هذا مفضٍ إلى السفه.\nومنها: أن يكون مجانبًا للأهواء تاركًا للبدع، فقد ذهب أكثرهم إلى المنع إذا كان داعية، واحتملوا رواية من لم يكن داعية.\nفهذه جوامع الأوصاف، ولها توابع، ولواحق لا يمكن إحاطة العلم بها إلا بعد الممارسة، والمطالعة للكتب المصنّفة في هذا الشأن.\nثم اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذهبًا في كيفيّة استنباط مخارج الحديث نشير إليها على سبيل الإيجاز، وذلك أن مذهب من يُخَرّج الصحيح أن يُعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمهم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات.\nوهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم.\nولنوضّح ذلك بمثال، وهو أن نعلم مثلًا أن أصحاب الزهريّ على خمس طبقات، ولكلّ طبقة منها مزيّة على التي تليها، وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى: فهو الغاية في الصحّة، وهو غاية مقصد البخاريّ. والطبقة الثانية: شاركت الأولى في العدالة غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهريّ حتى كان فيهم من يُزامله في السفر، ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهريّ إلا مدّة يسيرة، فلم تُمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم.\nوالطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهريّ مثل أهل الطبقة الأولى غير أنهم لم يَسْلَمُوا عن غوائل الجرح فهم بين الردّ والقبول، وهم شرط أبي داود والنسويّ.\nوالطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والتعديل، وتفرّدوا بقلّة ممارستهم لحديث الزهريّ؛ لأنهم لم يصاحبوا الزهريّ كثيرًا، وهم شرط أبي عيسى، وفي الحقيقة شرط الترمذيّ أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه، وينبّه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صحّ عند الجماعة، وعلى الجملة فكتابه مشتمل على هذا الفنّ، فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود.","vol":"1","page":182},{"text":"والطبقة الخامسة: نفرٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يُخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود، فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا.\nفأما أهل الطبقة الأولى، فنحو مالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ويونس، وعُقيل الأيليان، وشعيب بن أبي حمزة، وجماعة سواهم.\nوأما أهل الطبقة الثانية، فنحو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغيرهم.\nوالطبقة الثالثة نحو سفيان بن حسين السلميّ، وجعفر بن بُرقان، وعبد الله بن عمر ابن حفص العمريّ، وزمْعَة بن صالح المكيّ، وغيرهم.\nوالطبقة الرابعة نحو إسحاق بن يحيى الكلبيّ، ومعاوية بن يحيى الصدفيّ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة المدنيّ، وإبراهيم بن يزيد المكيّ، والمثنّى بن الصبّاح، وجماعة سواهم.\nوالطبقة الخامسة نحو بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيليّ، وعبد القدّوس بن حبيب الدمشقيّ، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم، وهم خلقٌ كثير اقتصرتُ منهم على هؤلاء، وقد أفردت لهم كتابًا استوفيتُ فيه ذكرهم.\nوقد يُخرج البخاريّ أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الطبقة الرابعة، وذلك لأسباب تقتضيه، وليس غرضي في هذا المثال ترتيبهم على وزن ما قد خرّجوا في الصحاح، وإنما قصدي التنبيه والتعريف، وعلى هذا يُعتذر لمسلم في إخراجه حديث حمّاد بن سلمة، فإنه لم يُخرج إلا رواياته عن المشهورين، نحو ثابت الْبُنَانيّ، وأيوب السختيانيّ، وذلك لكثرة ملازمته ثابتًا، وطول صحبته إياه حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما أحاديثه عن آحاد البصريين، فإن مسلمًا لم يُخرج منها شيئًا لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب، وذلك لقلّة ممارسته لحديثهم.\nوعلى هذا ينبغي أن يُسبَر حال الشخص في الرواية بعد ثبوت عدالته، فمهما حصل الفهم بحال الراوي على النحو المذكور، وكان الراوي محتويًا على الشرائط المذكورة تعيّن إخراج حديثه منفردًا كان أو مشاركًا.\nولا أعلم أحدًا من فِرَق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد، سوى","vol":"1","page":183},{"text":"متأخري المعتزلة، فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم بن حبّان.\n[فإن قيل]: فإن كان الأمر على ما ذكرت، فإن الحديث إذا صحّ سنده، وسَلِم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والأفراد، وقد يوجد على ما ذكرت حديث كثير، فينبغي أن يناقش البخاريّ في ترك إخراج أحاديث هي من شرطه، وكذلك مسلم.\n[قلت]: الأمر على ما ذكرتُ من أن العبرة بالصحّة، لا بالعدد، وأما البخاريّ فلم يلتزم أن يُخرج كلّ ما صحّ من الحديث حتى يتوجّه عليه الاعتراض، وكما أنه لم يُخرج عن كلّ من صحِّ حديثه، ولم يُنسب إلى شيء من جهات الجرح، وهم خلق كثير، يبلُغ عددهم نيّفًا وثلاثين ألفًا؛ لأن \"تاريخه\" يشتمل على نحو من أربعين ألفا وزيادة، وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس، ومن خرّجهم في \"جامعه\" دون ألفين، وكذا لم يُخرج كلّ ما صحّ من الحديث، ويشهد لصحّة ذلك ما أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد، أنبأنا ابن طلحة في كتابه عن أبي سعيد المالينيّ، أنبأنا عبد الله ابن عديّ، حدّثني محمد بن أحمد، قال: سمعت محمد بن حمدويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.\nوأنبأنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه، أنبأنا أبو عليّ أحمد بن محمد ابن شهريار، أنبأنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن أحمد، أنبأنا أبو بكر الإسماعيليّ، قال: سمعت من يَحكي عن البخاريّ أنه قال: لم أُخرِج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر.\nوأنبأنا أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الحافظ قراءةً عليه، أنبأنا المعمر ابن محمد بن الحسين، أنبأنا أحمد بن عليّ الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله، سمعت خلف بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن معقِل يقول: سمعت أبا عبد الله البخاريّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبيّ -ﷺ-، فوقع في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب.\nفقد ظهر بهذا أن قصد البخاريّ كان وضع مختصر في الحديث، وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال، ولا في الحديث، وأن شرطه أن يُخرج ما صحّ عنده؛ لأنه قال: لم أُخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، ولم يتعرّض لأمر آخر، وما سَلِم سنده من جهات الانقطاع والتدليس وغير ذلك من أسباب الضعف لا يخلو إما أن يُسمّى","vol":"1","page":184},{"text":"صحيحًا، أو لا يُطلق عليه اسم الصحّة، فإن كان يُسمّى صحيحًا، فهو شرطه على ما صرّح به، ولا عبرة بالعدد، وإن لم يُطلق عليه اسم الصّحّة، فلا تأثير للعدد؛ لأن ضمّ الواهي إلى الواهي لا يؤثّر في اعتبار الصحّة، ولم يذهب إلى هذا أحد من أهل العلم قاطبةً.\nوأما شرط مسلم، فقد صرّح به في خطبة كتابه.\nوأما أبو داود ومن بعده، فهم متقاربون في شروطهم، فلتقصر على حكاية قول واحد منهم، والباقون مثله.\nأنبأنا أبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصريّ عن كتاب أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبّار، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عليّ الحافظ، سمعت أبا الحسين محمد ابن أحمد الغسّانيّ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز الهاشميّ يقول: سمعت أبا داود في \"رسالته\" التي كتبها إلى أهل مكّة وغيرها جوابًا لهم:\n\"سألتم أن أذكر لكم الأحاديث في كتاب السنن أهي أصحّ ما عرفتُ في هذا الباب، فاعلموا أنه كذلك كلّه إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين، وأحدهما أقدم إسنادًا، والآخر صاحبه أقوم في الحفظ، فربّما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا واحدًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنه يكبر، وإنما أردت قرب منفعته، وليس في كتاب السنن الذي صنّفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإن ذُكر لك عن النبيّ -ﷺ- سنّةٌ ليس فيما أخرجته، فاعلم أنه حديث واهٍ، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أُخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلّم، ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري ... \" فذكر باقي الرسالة.\nوقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنه قال: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمّنت هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح، وما يُشبهه، وما يُقاربه، وذكر تمام الكلام.\nوهذا القدر كاف في الإيماء إلى مرامهم في تأسيس قواعدهم لمن رُزق النظر السليم، وأعين ببعض الذَّكاء والفطنة.\n[فإن قيل]: إن كان الأمر على ما مهّدت، وأن الشيخين لم يلتزما استيعاب جميع ما صحّ، بل لم يودعا كتابيهما إلا ما صحّ، فما بالهما خرّجا حديث جماعة تُكُلّم","vol":"1","page":185},{"text":"فيهم، نحوُ فُليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وإسماعيل بن أبي أُويس عند البخاريّ، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وذويه عند مسلم؟ .\n[قلت]: أما إيداع البخاريّ ومسلم كتابيهما حديث نفر نُسبوا إلى نوع من الجرح فظاهر، غير أنه لم يبلُغ ضعفهم حدّا يُردّ به حديثهم، مع أنا لا نقرّ بأن البخاريّ كان يرى تخريجِ حديث من يُنسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لمَا خرّج حديثهم، ثم ينبغي أن يُعلم أن جهات الضعف متباينة متعدّدة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه، أما الفقهاء فمدارك الضعف عندهم محصورةٌ، وجُلُّها منوط بمراعاة ظاهر الشرع، وعند أئمة النقل أسباب أُخَر مَرْعيّةٌ عندهم، وهي عند الفقهاء غير معتبرة، ثم أئمة النقل أيضًا على اختلاف مذاهبهم، وتباين أحوالهم في تعاطي اصطلاحهم يَختلِفون في أكثرها، فربّ راوٍ موثوقٌ به عند عبد الرحمن بن مهديّ، ومجروح عند يحيى بن سعيد القطّان، وبالعكس، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل، ومن عندهما يُتلقّى معظم شأن الحديث.\nوأما البخاريّ فكان وحيد دهره، وقَريع عصره إتقانًا وانتقادًا وبحثًا وسبرًا، وبعد إحاطة العلم بمكانته من هذا الشأن لا سبيل إلى الاعتراض عليه في هذا الباب، ثم له أن يقول: هذا السؤالُ لا يلزمني؛ لأني قلت: لم أُخرج إلا حديثًا متّفقًا على صحّته، ولم أقل: لا أخرج إلا حديث من اتُّفق على عدالته؛ لأن ذلك يتعذّر؛ لاختلاف الناس في الأسباب المؤثّرة في الضعف.\nثم قد يكون الحديث عند البخاريّ ثابتًا، وله طرقٌ بعضها أرفع من بعض، غير أنه يَحيد أحيانًا عن الطريق الأصحّ؛ لنزوله، أو يسأم تكرار الطرق إلى غير ذلك من الأعذار. وقد صرّح مسلم بنحو ذلك.\nقرأت على محمد بن عليّ بن أحمد القاضي، أخبرني أحمد بن الحسن بن أحمد الكرخيّ إذنًا عن أبي بكر أحمد بن محمد البرقانيّ، حدّثنا الحسين بن يعقوب الفقيه، حدّثنا أحمد بن طاهر الميانجيّ، حدّثنا أبو عثمان بن سعيد بن عمرو قال: شهدت أبا زرعة الرازيّ ذكَر كتاب الصحيح الذي ألّفه مسلم بن الحجّاج (١) بن الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه، فعملوا شيئًا يتسوقون به، ألّفوا كتابًا لم يُسبقوا إليه؛ ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها. وأتاه رجلٌ ذات يوم، وأنا شاهدٌ بكتاب الصحيح من رواية مسلم، فجعل ينظر إليه فيه، فإذا حديث عن أسباط بن\n_________\n(١) هكذا النسخة، وفيه سقط، فليحرّر.","vol":"1","page":186},{"text":"نصر، فقال لي أبو زرعة: ما يُعدّ هذا من الصحيح، يُدخل في كتابه أسباط بن نصر، ثم رأى في الكتاب قَطَن بن نُسير، فقال لي: وهذا أطمّ من الأول، قطَن بن نُسير وصلَ أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس، ثم نظر، فقال: يروي عن أحمد بن عيسى المصريّ في كتاب الصحيح؟ قال أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يشكّون أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه، كأنه يقول الكذب، ثم قال لي: أيحدّث عن هؤلاء، ويترك محمد بن عجلان، ونظراءه، ويطرّق لأهل البدع عليها، فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتُجّ عليهم به: ليس هذا من كتاب الصحيح، ورأيته يذمّ من وضع هذا الكتاب، فلما رجعت إلى نيسابور في المرّة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه، وروايته في كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر، وقطن بن نُسير، وأحمد بن عيسى المصريّ، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيحٌ، وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر، وقطَن، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربّما وقع إليّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروفٌ من رواية الثقات.\nوقدِمَ مسلم بعد ذلك الريّ، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه، وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مما قال أبو زرعة، فاعتذر إليه مسلم، وقال له: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: صحاحٌ، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكن إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي، وعند من يكتبه عنّي ولا يرتاب في صحّتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف، أو نحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره، وحدّثه. انتهت الرسالة.\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>خاتمة أختم بها المقدّمة -وأسأل الله تعالى حسنها</span>-\nاعلم: أنه جرت عادة أهل العلم، ولا سيّما المحدّثون رحمهم الله تعالى أن يسوقوا أسانيدهم إلى أصحاب الكتب في أول شروعهم، قراءةً، أو تدريسًا، أو شرحًا، أو غير ذلك.\nقال إمام هذه الصناعة في المتأخّرين، وحَذَام الحفّاظ لدى المحقّقين الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) رحمهُ الله تعالى في أول شرحه العديم النظير في بابه المسمّى \"فتح الباري بشرح صحيح البخاري\": ما نصّه:\nوقد رأيت أن أبدأ الشرح بأسانيدي إلى الأصل بالسماع، أو بالإجازة، وأن أسوقها على نَمَطٍ مُخترَعٍ، فإني سمعت بعض الفضلاء، يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مَسَاق الأنساب ... فساق رحمه اللهُ تعالى أسانيده إلى الإمام البخاريّ رحمه اللهُ تعالى في \"جامعه الصحيح\". انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أقول تأسيًا بهؤلاء الأخيار: إنه اتّصل سندي بالإمام مسلم رحمه اللهُ تعالى في \"صحيحه\" خاصّة، وجميع مؤلفاته عامّة بطرق مختلفة، أقتصر منها على ما يخصّ \"الصحيح\"، فأقول:\nأروي صحيح الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ ٢٠٦ - ٢٦١ هـ رحمه الله تعالى عن مشايخ كثرين، قراءةً، وسماعًا، وإجازةً، أخصّ منهم: والدي العلامة الجيل، والدرّاكة النبيل الشيخ علي بن آدم بن موسى المتوفّى سنة يوم الخميس (١٢/ ٩/ ١٤١٢ هـ) وله نيَفٌ وثمانون سنة رحمه اللهُ تعالى، والشيخ عبد الباسط بن محمد بن حسن النحويّ البورنيّ المناسيّ، والشيخ المقرىء المحدث حياة بن علي، والشيخ محمد زين بن محمد ياسين الداني قراءة عليه لمعظمه،","vol":"1","page":188},{"text":"وإجازةً عن الباقين رحمهم الله تعالى أربعتهم عن العلامة المقرىء المحدث الشيخ كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعدّيّ الحسنييّ أبًا العَقِيليّ أمًا الدوّويّ بلدًا المتوفى سنة (١٣٩٠ هـ) عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدُّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدُّلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول، عن صفيّ الدين أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد النخليّ المكيّ، عن محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن نجم الدين محمد بن محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا بن محمد الأنصاريّ، عن أبي نعيم رضوان بن محمد العقبيّ، عن أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد القاهريّ، سماعًا لجميعه بقراءة الحافظ أحمد بن عليّ الشهير بابن حجر العسقلانيّ في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، عن أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي الحنبليّ المقدسيّ، سماعًا لجميعه عليه، عن أبي العباس أحمد بن عبد الدائم النابلسيّ، سماعًا لجميعه عن محمد بن عليّ ابن محمد بن حسن بن صدقة الحرّانيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل ابن أحمد الْفُرَاويّ، عن أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسيّ النيسابوريّ، عن أبي أحمد محمد بن عيسى بن محمد الْجُلُوديّ النيسابوري، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ، قال: أخبرنا به سوى ثلاثة أفوات معلومة، فبالإجازة، أو الوجادة مؤلّفه الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.\n(ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة محمد زين بن الشيخ محمد ياسين الدانيّ المتوفّى سنة (١٣٩٥ هـ) المتقدّم ذكره قراءة له مع شرح الإمام النوويّ إلى \"كتاب الحدود\"، وإجازة لباقيه، عن شيخه المحدث الكبير الشيخ محمد سراج بن محمد سعيد الأنيّ، وهو يروي النصف الأول منه سماعًا عن العلامة محمد السَّمَلُّوطيّ، عن الشيخ محمد عليش، عن العلامة الأمير الصغير، عن والده العلامة الأمير الكبير، عن الشهابين الملّويّ، والجوهريّ .... ويروي النصف الثاني منه مع بعض الأفوات، فبالإجازة، عن الشيخ محمد الحلبي الشافعيّ، عن برهان الدين إبراهيم السقّا الأزهريّ، عن وليّ الله ثُعَيلب، عن الشهابين المذكورين، كلاهما عن علامة الحجاز عبد الله بن سالم البصريّ، عن العلامة شمس الدين محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن الحافظ نجم الدين الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي العسقلانيّ، عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ، عن أبي الحسن بن علي الخبّاز، والحافظ علاء الدين ابن العطار، عن شارحه الإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النوويّ، عن أبي","vol":"1","page":189},{"text":"إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطيّ، عن الإمام ذي الْكُنى: أبي بكر، وأبي القاسم، وأبي الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله الْفُرَاويّ، عن جدّه فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الْفُرَاويّ بالسند المتقدّم.\n(ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ المحدث المتقن محمد بن عبد الله الصوماليّ رحمه اللهُ تعالى إجازة عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان المدرس بالحرم المكيّ، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف السورتيّ، عن محمد بن الطيب المكيّ، عن الشيخ حسين ابن محسن الأنصاريّ اليمنيّ، عن الشيخ ناصر الحازميّ، عن العلامة محمد بن عليّ الشوكانيّ، عن عبد القادر الكوكبانيّ، عن محمد حياة السنديّ، عن سالم بن عبد الله البصريّ، عن أبيه الشيخ عبد الله بن سالم البصريّ بالسند المتقدّم في سندي مشايخي الأربعة.\n(ح) أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي، عن شيخه عبد الحقّ بن عبد الواحد، عن أبي سعيد حسين بن عبد الرحيم، وغيره، عن السيد نذير حسين، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن محمد بن محمد بن سنة المغربيّ، عن محمد بن عبد الله الوولاتي، عن البدر القرافي، عن الحافظ السيوطيّ، عن العلم البلقينيّ، عن والده السراج البلقيني، عن الحافظ أبي الحجاج المزيّ، عن الإمام النوويّ بسنده المتقدّم.\n(ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة المحدث الشهير محمد بن رافع بن بصيري إجازةً، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني ثم المكي، عن محمد يحيى الكاندهلوي، عن الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغني المجدديّ، عن محمد إسحاق، عن جده عبد العزيز، عن أبيه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكوراني المدنيّ، عن والده البرهان إبراهيم بن حسن الكردي المدني، عن الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي، عن شهاب الدين أحمد بن خليل السبكي، عن النجم الغيطيّ، عن زين الدين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، عن الصلاح بن أبي عمر المقدسيّ، عن فخر الدين أبي الحسن علي ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاريّ، عن أبي الحسن المؤيد بن محمد الطوسيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بسنده المتقدّم.\n(ح) وأرويه أيضًا قراءة لأول حديث منه، وإجازة لباقيه عن المسند الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه الله تعالى، عن الشيخ علي بن عبد الله البنجري، عن زين الدين بن بدوي الصومباري، عن المعمر الكياهي نووي بن عمر البنتنيّ، عن محمد بن كنان الفلمباني، عن عبد الصمد بن عبد الرحمن الفلمباني، عن الشيخ عاقب بن حسن","vol":"1","page":190},{"text":"الدين، عن أبيه حسن الدين بن جعفر الفلمباني، عن الإمام عيد بن عليّ النمرسيّ المصري، ثم المكيّ، عن الحافظ المحقق عبد الله بن سالم البصري المكيّ بالسند المذكور آنفًا.\n(ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمنيّ، عن شيخه محمد بن يحيى دوم الأهدل، عن محمد بن عبد الرحمن الأهدل، عن محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، عن عمه شرف الإسلام الحسن بن عبد الباري الأهدل، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل عن عماد الدين السيد يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر ابن علي البطاح الأهدل، عن يوسف بن محمد البطاح، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني، عن زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الشرجي، عن سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن برهان الدين إبراهيم بن عمر العلويّ، عن محدث الشام أبي الحجاج يوسف بن الزكيّ عبد الرحمن الشهير بالحافظ المزيّ، عن شارحه الإمام النوويّ بسنده المذكور.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي أسانيد متعدّدة إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى غير هذه، ويكفي ما ذكرته اختصارًا.\nقال الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ رحمه اللهُ تعالى بالسند المذكور:\n(بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)\nبدأ رحمه اللهُ تعالى كتابه بالبسَملة اتباعًا للنبيّ -ﷺ- حيث كان يُصَدِّر بها كتبه إلى الملوك، وغيرهم، كما ثبت ذلك في قصّة هِرَقْل، وقصّة صلح الحديبية، وغير ذلك، مما أخرجه الشيخان، وغيرهما.\nوموافقةً للكتاب العزيز، حيث إن الصحابة -﵃- افتتحوا كتابة الإمام بها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أوّل الفاتحة، ومن لا يقول به.\nوقال إمام المفسّرين، أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه اللهُ تعالى في تفسيره النافع: ما نصّه.\nإن الله تعالى ذكرُهُ، وتقدّست أسماؤه، أدّب نبيّه محمدًا -ﷺ- بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى، أمامَ أفعاله، وتقدّم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما","vol":"1","page":191},{"text":"أدّبه به من ذلك، وعلّمه إياه منه لجميع خلقه سنّةً، يستنّون بها، وسبيلًا يتّبعونه عليها في افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم انتهى كلام ابن جرير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>مسائل تتعلّق بـ\"بالبسملة</span>\":\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المسألة الأولى: في الكلام على حديث البسملة الذي اشتهر الاحتجاج به على استحباب الابتداء بها</span>\nاعلم: أنه إنما عَدَلتُ عن الاستدلال بما اشتهر الاحتجاج به -ولا سيّما عند المتأخرين من المصنّفين- على استحباب البسملة، وهو حديث: \"كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر\"، وفي رواية: \"لا يُبدأ بالحمد للَّه\"، وفي رواية: \"بالحمد، فهو أقطع\"، وفي رواية: \"أجذم\"، وفي رواية: \"لا يبدأ فيه بذكر الله\". رواه الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ رحمه اللهُ تعالى في \"أربعينه\" من حديث أبي هريرة -﵁- -كما ذكره الشارح النوويّ رحمه اللهُ تعالى في شرحه -إلى ما ذكرته لضعفه جدًّا، ودونك ما قاله المحققون من أهل الحديث.\nقال الحافظ الزيلعيّ رحمه الله تعالى في \"تخريج أحاديث الكشّاف\": رُوي من حديث أبي هريرة -﵁- ومن حديث كعب بن مالك -﵁-.\nأما حديث أبي هريرة -﵁- فأخرجه أبو داود في \"سننه\" في \"كتاب الأدب\"، والنسائيّ في \"اليوم والليلة\"، وابن ماجه في \"النكاح\" من حديث قُرّة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كلّ أمر، ذي بالٍ، لم يُبدأ باسم الله، فهو أبتر\" انتهى (٢).\nورواه ابن حبّان في \"صحيحه\" في موضعين منه في النوع الثاني والتسعين، من القسم الأول، وأعاده في النوع السادس والستّين، من القسم الثالث بالإسناد المذكور، ولفظه: \"كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بحمد الله أقطع\". ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\"، وابن أبي شيبة في \"مصنّفه\"، في \"كتاب الأدب\"، و\"مسنده\"، وكذلك رواه البزّار في \"مسنده\"، وقال: لا نعلمه رُوي عن النبيّ -ﷺ- إلا من هذا الوجه انتهى.\n_________\n(١) تفسير ابن جرير الطبريّ ج ١ ص ٥٠.\n(٢) ما قاله الزيلعيّ فيه نظر، لأن رواية البسملة ليست عند أبي داود، ولا عند النسائيّ، ولا عند ابن ماجه، وإنما أخرجها الخطيب البغداديّ، كما يأتي قريبًا، وأما هؤلاء فقد رووه بلفظ الحمد فتنبّه.","vol":"1","page":192},{"text":"ورواه الدارقطنيّ في \"سننه\" في أوائل \"كتاب الصلاة\"، ورواه البيهقيّ في \"شعب الإيمان\" في الباب الثالث والثلاثين عن الحاكم بسنده إلى قُرّة بن عبد الرحمن به، سواءً، ولفظه: \"كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه بالحمد للَّه فهو أقطع\". ورواه إسحاق ابن راهويه في \"مسنده\" كذلك، ولفظه: \"كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بذكر الله، فهو أقطع\". وهي رواية الدارقطنيّ، وأحمد، والنسائيّ.\nوالحديث فيه روايات، فروي \"كلّ أمر\"، وروي \"كلّ كلام\"، وهي رواية أحمد، والنسائيّ، وروي \"لم يُبدأ\"، وقد تقدّم، وروي \"لم يُفتتح\"، وهي عند أحمد أيضًا، وروي \"بحمد الله\"، وقد تقدّم، وروي \"بذكر الله\"، وقد تقدّم، وروي \"فهو أقطع\"، وقد تقدّم، وروي \"فهو أبتر\"، وقد تقدّم، وروي \"فهو أجذم\"، وروي \"فهو أكتع\" -بالكاف، ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في \"مسنده\": حدثنا بقيّة بن الوليد، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه بحمد الله، أكتع\". قال بقيّة: و\"الأكتع\" الذي ذهبت أصابعه، وبقي كفّه انتهى. وهذا معضَلٌ.\nوفيه رواية أخرى، رواه الإمام أبو بكر الخطيب البغداديّ في كتابه \"الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع\" من حديث مبشّر بن إسماعيل، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع\".\nوهذا الحديث أُعلّ من وجهين:\nالأول: أنه قد روي مُرسلًا، أخرجه كذلك أبو داود، والنسائيّ، عن أبي سلمة، عن النبيّ -ﷺ-، ليس فيه أبو هريرة، قال النسائيّ. والمرسل أولى بالصواب انتهى.\nالثاني: في إسناده قُرّة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئِيل الْمَعَافريّ، وفيه مقال، قال الحاكم في \"مستدركه\" في أواخر الصلاة: وقد استشهد مسلم رحمه اللهُ تعالى بقُرّة بن عبد الرحمن في موضعين من \"صحيحه\" انتهى.\nوأما حديث كعب بن مالك -﵁- فرواه الطبرانيّ في \"معجمه\": حدّثنا أحمد بن المعلى الدمشقيّ، حدّثنا عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، حدّثنا صدقة بن عبد الله، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ-، قال: \"كلّ أمر، ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد للَّه، فهو أقطع\" انتهى كلام الحافظ الزيلعيّ رحمه اللهُ تعالى (١).\n_________\n(١) راجع تخريج أحاديث الكشّاف ج ١ ص ٢٢ - ٢٤.","vol":"1","page":193},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في سند حديث كعب بن مالك المذكور عبد الله ابن يزيد الدمشقيّ ضعيف، وصدقة بن عبد الله السمين الدمشقيّ ضعيف أيضًا. والله تعالى أعلم.\nوقال الحافظ رحمهُ الله تعالى في \"الفتح\": عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤] في الكلام على حديث هِرَقْل، عند قوله: \"فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم\": ما نصّه: قال النوويّ: فيه استحباب تصدير الكتاب بـ\"بسم الله الرحمن الرحيم\"، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويُحمل قولُه في حديث أبي هريرة -﵁-: \"كلّ أمر، ذي بال، لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع\"، أي بذكر الله، كما جاء في رواية أخرى، فإنه روي على أوجه: \"بذكر الله\"، \"ببسم الله الرحمن الرحيم\"، \"بحمد الله\". وهذا الكتاب كان ذا بال، من المهمّات العظام، ولم يُبدأ فيه، بلفظ الحمد، بل بالبسملة انتهى.\nقال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في \"صحيحه\"، وصححه ابن حبّان أيضًا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحّته، فالرواية المشهورة فيه بلفظ: \"حمد الله\"، وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النوويّ وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية انتهى كلام الحافظ رحمه اللهُ تعالى (١).\nوقال العلاّمة، محدث العصر، الشيخ ناصر الألبانيّ -رحمه الله تعالى- في أول كتابه \"إرواء الغليل\": ما نصّه:\nحديث \"كلّ أمر، ذي بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر\". رواه الخطيب، وعبد القادر الرُّهاويّ ص ٥ ضعيف جدًّا، وقد رواه السبكيّ في \"طبقات الشافعيّة الكبرى\" -١/ ٦ - من طريق الحافظ الرُّهاويّ بسنده، عن أحمد بن محمد بن عمران، حدثنا محمد بن صالح البصريّ -بها- حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكيّ، حدثنا مبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا به، إلا أنه قال: \"فهو أقطع\". وهذا سندٌ ضعيف جدًّا، آفته ابن عمران هذا، ويُعرف بابن الجنديّ، ترجمه الخطيب في \"تاريخه\"، وقال - ٥/ ٧٧ -: كان يُضعّف في روايته، ويُطعن في مذهبه -يعني التشيّع- قال الأزهريّ: ليس بشيء. وقال الحافظ في \"اللسان\": وأورد ابن الجوزيّ في \"الموضوعات\" في فضل عليّ -﵁- حديثًا بسند رجاله ثقات، إلا الجنديّ، فقال: هذا موضوعٌ، ولا يَتَعَدَّى الجنديّ.\n_________\n(١) فتح الباري ج ٩ ص ٨٥. طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":194},{"text":"ثم أورده السبكيّ من طريق خارجة بن مُصعب، عن الأوزاعيّ به، إلا أنه قال: \"بحمد الله\"، بدل \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، وخارجة هذا قال الحافظ: متروك، وكان يدلّس عن الكذّابين، ويقال: إن ابن معين كذّبه.\nوقد خالف، والذي قبله محمد بن كثير المصّيصيّ، فقال في إسناده: عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة به باللفظ الثاني: \"بحمد الله\". رواه السبكيّ ص ٧ من طريق أبي بكر الشيرازيّ في \"كتاب الألقاب\". والمصّيصيُّ هذا ضعيف؛ لأنه كثير الغلط -كما قال الحافظ- والصحيح: عن الزهريّ، مرسلًا -كما قال الدارقطنيّ وغيره - وقد روي موصولًا من طريق قُرّة، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة باللفظ الثانيّ ... إلى أن قال: ومما سبق يتبيّن أن الحديث بهذا اللفظ ضعيف جدًّا، فلا يُغترّ بمن حسّنه مع الذي بعده -يعني حديث الحمد- فإنه خطأٌ بيّنٌ، ولئن كان اللفظ الآتي -يعني لفظ الحمد- يحتمل التحسين (١)، فهذا ليس كذلك، لما في سنده من الضعف الشديد، كما رأيت انتهى كلام الألباني ﵀ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث بلفظ: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" واهٍ بمرّة، لأن في سنده أحمد بن محمد بن عمران المذكور، وهو متّهم، مع مخالفته للثقات، كما تقدّم، بل حكم بعضهم على روايته بالوضع، وإن كان لا يُوافَق عليه (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المسألة الثانية: في الكلام على البسملة:</span>\nاعلم: أن البسملة مصدر قياسيّ لـ\"بسمل\"، كدحرَج دحرجةً: إذا قال: باسم الله، على ما في \"الصحاح\" وغيره، أو إذا كتبها على ما في \"تهذيب الأزهريّ\"، فهي بمعنى القول، أو الكتابة، لكن أطلقوها على نفس \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، مجازًا، من إطلاق المصدر على المفعول؛ لعلاقة اللزوم، ثم صار حقيقةً عُرْفيّة.\nوهو من باب النحت، وهو أن يُختَصَر من كلمتين، فأكثر كلمةٌ واحدةٌ، ولا يُشترط فيه حفظ الكلمة الأولى بتمامها بالاستقراء؛ خلافًا لبعضهم، ولا الأخذ من كلّ الكلمات، ولا موافقة الحركات، والسكنات، كما يُعلم من شواهده، نعم كلامهم يُفهم اعتبار ترتيب الحروف، ولذا عُدَّ ما وقع للشهاب الْخَفَاجيّ في \"شفاء الغليل\" من طبلق\n_________\n(١) تحسينه للثاني محل نظر، كما يتبيّن مما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.\n(٢) إرواء الغليل ج ١ ص ٢٩ - ٣٠.\n(٣) هو العلامة السيد أحمد محمد بن الصدّيق الغماري المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ فقد ألف رسالة سماها \"الاستعاذة والحسبلة ممن صحّح حديث البسملة\"، وهي مطبوعة، فإنه حكم فيها بكون الحديث موضوعًا، لكن الحكم بالوضع لا يُوافق عليه. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":195},{"text":"بتقديم الباء على اللام: إذا قال: أطال الله بقاءك سبق قلم، والقياس طلبق. والنحت مع كثرته عن العرب غير قياسيّ، كما صرّح به الشمنيّ، ونقل عن \"فقه اللغة\" لابن فارس قياسيّته.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي هذا الأخير أولى؛ إذ ليس هناك دليل على كون الاستعمال قياسيا إلا كثرته، كما يظهر لمن تتبّع قواعدهم. والله تعالى أعلم. ومن المسموع: \"سمعل\": إذا قال: \"السلام عليكم\"، و\"حوقل\" -بتقديم القاف-: إذا قال: \"لا حول ولا قوّة إلا بالله\"، وقيل: بتقديم اللام، وهَلّل تهليلًا، وهَيلَلَ هَيْلَلة، إذا قال: لا إله إلا الله، وياء هيلل للإلحاق بدحرج، وسَبْحَل، إذا قال: سبحان الله، وحَمْدَل، إذا قال: الحمد للَّه، وحَيْصَل، إذا قال: حيّ على الصلاة، وحَيْفَلَ، إذا قال: حيّ على الفلاح، وجَعْفَلَ، إذا قال: جُعِلْتُ فداءك، وطَلْبَقَ، إذا قال: أطال الله بقاءك، ودَمْعَزَ، إذا قال: أدام الله عزّك.\nومنه في القرآن: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤]، قال الزمخشريّ: هو منحوت من بُعِث، وأُثير، أي بُعِث موتاها، وأُثير ترابها.\nومن المولّد الْفَذْلَكَة، من قولهم: فذلك العدَدُ كذا وكذا، والْبَلْكَفَةُ التي أخذها الزمخشريّ من قول أهل السنّة: إن الله تعالى يُرَى بلا كيف، ورَدَّ عليهم بناءً على زعمه الفاسد بقوله [من الكامل]:\nقَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَخَوَّفُوا ... شَنْعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ\nقيل: ومن المولّد: بسمل؛ لأنه لم يُسمع من فُصحاء العرب، قال الشهاب الْخَفَاجيّ: والمشهور خلافه، وقد أثبتها كثير من أهل اللغة، كابن السِّكِّيت، والْمُطَرِّزِيّ، ووردت في قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:\nلَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا ... فَيَا حَبَّذَا ذَاكَ الْحَدِيثُ الْمُبَسْمَلُ\nوقد استعمل كثير -لا سيّما الأعاجم- النحتَ في الخطّ فقط، والنطقُ على أصله، ككتابة \"حينئذ\" حاء مفردةً، و\"﵀\" \"رح\"، و\"ممنوع\" \"مم\"، و\"إلى آخره\" \"الخ\"، وتارة \"اه\"، و\"ﷺ\" \"صلعم\"، و\"﵇\" \"عم\"، إلى غير ذلك، لكن الأولى ترك نحو الأخيرين، وإن أكثرت منه الأعاجم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبيّ ج ١ ص ٩٧، وحاشية الخضريّ على ابن عقيل ج ١ ص ٤.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة الثالثة: في الكلام على باء البسملة</span>\nاعلم: أن الباء في البسملة أصليّة على المشهور، ومعناها الاستعانة، أو المصاحبة على وجه التبرّك، واستُؤنس لهذا -كما في تفسير البلقينيّ- بحديث: \"باسم الله الذي لا يضُرّ مع اسمه شيء\"، فإن لفظ \"مع\" ظاهر في إرادة المصاحبة من الباء.\nوقيل: الباء زائدة، فـ \"اسم\" مرفوع بالابتداء محلًّا، مجرور بالباء لفظًا، وخبره محذوف، اسم، أو فعلٌ، والتقدير: اسم الله مبدوء به، أو يُبدأ به بداءةً قويّةً، أي بحسن نيّة، وإخلاص، وأُخِذ هذا المعنى من كون الحرف الزائد يدلّ على التأكيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المسألة الرابعة: في الكلام على متعلّق الجارّ والمجرور، على القول بأصالة الباء، وهو المشهور، كما مرّ آنفًا</span>\nاعلم: أنه لا بدّ للجارّ والمجرور من متعلّق يتعلّق به، وقد اختلف النحاة في تقديره، فقدّره الكوفيّون فعلًا، كأبدأ، قال ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله تعالى في \"مغنيه\": وهو المشهور في التفاسير، والأعاريب، ووُجِّهَ بقلّة المحذوف؛ لأنه عليه كلمتان، وعلى مقابله ثلاث: المبتدأ، والمضاف إليه، والخبر.\nوبكثرة التصريح بالمتعلّق فعلًا، كما في آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وحديث: \"باسمك ربي وضعتُ جنبي، وباسمك اللهمّ أرفعه\".\nوبأن الجملة عليه مضارعيّةٌ، تفيد بواسطة غلبة الاستعمال التجدّد والاستمرار، وهو أنسب بالمقام من الدوام المستفاد بالاسميّة.\nواختار الزمخشريّ، وتبعه المتأخّرون تقديره فعلًا مؤخّرًا، خاصّا، أي مناسبًا لما بُدىء بالبسملة، أما الفعل، فلما مرّ، وأما تأخيره فللاهتمام باسمه تعالى، وليفيد الحصر، فإن تقديم المعمول قد يُفيده، وليكون اسمه تعالى مقدّمًا ذكرًا، وأما كونه خاصًّا، فلرعاية حقّ خصوصيّة المقام، ولإشعار ما بعد البسملة به.\nوقدّره البصريّون اسمًا، كابتدائي، لكن الأولَى تقديره خاصًّا مؤخّرًا؛ لما مرّ، وهو إما مبتدأٌ، والخبر محذوف، والأصل تأليفي \"بسم الله الرحمن الرحيم\" حاصلٌ، وإما خبر لمحذوف أيضًا، و\"باسم\" متعلّق به، والأصل تأليفي حاصلٌ \"بسم الله الرحمن الرحيم\" (١).\n_________\n(١) أفاده محمد الخُضريّ رحمه الله تعالى في حاشيته على \"شرح ابن عَقِيل\" لـ\"ألفية ابن مالك\"، ونقلته باختصار ج ١ ص ٤.","vol":"1","page":197},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في \"تفسيره\" عند الكلام على أحاديث البسملة ما حاصله: ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلّق للباء في قوله: \"بسم الله\"، هل هو اسمٌ، أو فعلٌ متقاربان، وكلٌّ قد ورد به القرآن، أما من قدّره اسمًا، تقديره: باسم الله ابتدائي، فلقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١]، ومن قدّره فعلًا، أمرًا، أو خبرًا، نحو ابدأ بسم الله، أو ابتدأتُ بسم الله، فلقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]، وكلاهما صحيحٌ، فإن الفعل لا بدّ له من مصدر، فلك أن تقدّر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سَمَّيتَ قبله، إن كان قيامًا، أو قُعودًا، أو أكلًا، أو شربًا، أو قراءةً، أو وضوءًا، أو صلاةً، فالمشروع ذكر الله في الشروع في ذلك كلّه تبرّكًا، وتيمّنًا، واستعانة على الإتمام، والتقبّل. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي تقديره فعلًا، كما هو مذهب الكوفيين هنا أرجح؛ لما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلفوا في معنى دخول الباء عليه، هل هي على معنى الأمر، والتقدير: ابْدَأْ بسم الله، أو على معنى الخبر، والتقدير ابتَدَأْتُ بسم الله قولان: الأول للفرّاء، والثاني للزجّاج، فـ\"باسم الله\" في موضع نصب على التأويلين. وقيل: المعنى ابتدائي بسم الله، فـ\"بسم الله\" في موضع رفع خبر الابتداء. وقيل: الخبر محذوف، أي ابتدائي مستقرّ، أو ثابت بسم الله، فإذا أظهرته كان \"بسم الله\" في موضع نصب بثابت، أو مستقرّ، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار، وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] فـ\"عند\" في موضع نصب. وروي هذا عن نحاة البصرة. وقيل: التقدير: ابتدائي ببسم الله موجود، أو ثابت، فـ\"باسم الله\" في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).\nوقال الإمام أبو جعفر الطبريّ رحمه الله تعالى ما حاصله:\nأغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: بسم الله على ما بطن من مراده الذي هو محذوف، وذلك أن الباء من \"بسم الله\" مقتضية فعلًا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامع القائل: \"بسم الله\" معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولًا، إذ كان كلّ ناطق به عند افتتاحه أمرًا قد أحضر منطقه به، إما معه، وإما قبله بلا فصل ما أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله افتتح قِيلَه به، فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حُذف منه نظير استغنائه إذا سمع قائلًا قيل له: ما أكلت\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٩ - ٢٠.\n(٢) تفسير القرطبيّ ج ١ ص ٩٩.","vol":"1","page":198},{"text":"اليوم؟ فقال: طعامًا عن أن يكرّر المسؤول مع قوله: طعامًا أكلت؛ لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل، فمعقولٌ إذًا قول القائل إذا قال: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، ثم افتتح تاليًا سورةً أن إتباعه \"بسم الله الرحمن الرحيم\" تلاوة السورة يُنبىء عن معنى قوله: \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، ومفهوم به أنه مريد أقرأ \"بسم الله الرحمن الرحيم\". وكذلك قوله: \"بسم الله\" عند نهوضه للقيام، أو عند قعوده، وسائر أفعاله يُنبىء عن معنى مراده بقوله: \"بسم الله\"، وأنه أراد بقيله: \"بسم الله\" أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله، وكذلك سائر الأفعال انتهى المقصود من كلام ابن جرير (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المسألة الخامسة: في الكلام على كتابة \"بسم الله</span>\":\nذكر العلّامة أبو عبد الله القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى أن \"بسم الله\" تكتب بغير ألف؛ استغناءً عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخطّ؛ لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإنها لم تُحذَف لقلّة الاستعمال.\nواختلفوا في حذفها مع \"الرحمن\"، و\"القاهر\"، فقال الكسائيّ، وسعيدٌ الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وَثَّاب: لا تُحذف، إلا مع \"بسم الله\" فقط؛ لأن الاستعمال إنما يكثر فيه انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>المسألة السادسة: في الكلام على حركة باء الجرّ:</span>\nاختلف في تخصيص باء الجرّ بالكسر على ثلاثة أقوال:\nالأول: ليناسب لفظها عملها.\nالثاني: لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصّت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء.\nالثالث: ليفرّق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسمًا، نحو الكاف في قول امرىء القيس [من الطويل]:\nوَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطنَا ... تَصَوَّبُ فِيهِ الْعَيْنُ طَوْرًا وَتَرْتَقِي\nأي بمثل الماء، أو ما كان مثله. أفاده العلامة القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) راجع تفسير ابن جرير ج ١ ص ٥٠.\n(٢) تفسير القرطبي ج ١ ص ٩٩ - ١٠٠.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المسألة السابعة: في الكلام على تصريف \"اسم</span>\":\nاعلم: أن \"اسما\" وزنه \"افْعٌ\"، والذاهب منه الواو؛ لأنه من سَمَوْتُ، وجمعه أسماءٌ، وتصغيره سُميٌّ، واختلف في تقدير أصله: فقيل: فِعْلٌ -بالكسر-. وقيل: فُعْلٌ -بالضمّ-. قال الجوهريّ: وأسماء يكون جمعًا لهذا الوزن، وهو مثلُ جِذْعٍ وأَجْذاع، وقُفْل وأَقْفَال، وهذا لا تُدرك صيغته إلا بالسماع.\nوفيه أربع لغات: \"اسم\" -بالكسر، و\"اسمٌ\". قال أحمد بن يحيى: من ضَمَّ الألف أخذه من سَمَوت أَسمُو، ومن كسره أخذه من سَمَيتُ أَسمِي. ويقال: \"سِمٌ\"، و\"سُمٌ\"، ويُنشَدُ:\nوَاللهُ أَسْمَاكَ سُمًا مُبَارَكَا ... آثَرَكَ اللهُ بِهِ إِيثَارَكَا\nوقال آخرُ:\nوَعَامُنَا أَعْجَبَنَا مُقَدّمُهْ ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وَقِرْضَابٌ سُمُهْ\nمُبْتَرِكًا (١) لِكُلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ\nقَرضب الرجلُ: إذا أكل شيئًا يابسًا، فهو قِرْضَابٌ. \"سمه\" بالضمّ والكسر جميعًا. ومنه قول الآخر:\nبِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ\nوسُكنت السين من \"باسم\" اعتلالًا على غير قياس، وألفه ألف وصلٍ، وربّما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة، كقول الأحوص:\nوَمَا أَنَا بِالْمَخْبُوسِ فِي جِذْمِ مَالِكٍ ... وَلَا مَنْ تَسَمَّى ثُمَّ يَلْتَزِمُ الإِسْمَا\nذكره القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أوصل بعضهم لغات الاسم إلى ثماني عشرة لغةً، ونظمها بقوله [من الطويل]:\nسِمٌ سِمَةٌ وَاسْمٌ سِمَاةٌ كَذَا سِمَا ... سِمَاءٌ بِتَثْلِيثٍ لأَوَّلِ كُلِّهَا (٣)\nوتقول في النسب إلى الاسم: سُمويّ، وإن شئت: اسْمِيٌّ، تركته على حاله،\n_________\n(١) رجلٌ مبترك: معتمِدٌ على الشيء، مُلِحّ، و\"يلحمه\": ينزع عنه اللحم.\n(٢) \"الجامع لأحكام القرآن\" ج ١ ص ١٠٠ - ١٠١.\n(٣) راجع حاشية الخضريّ ج ١ ص ٢٩.","vol":"1","page":200},{"text":"وجمعه أسماء، وجمع الأسماء أَسَامٍ. وحكى الفرّاء: أُعيذك بأسماوات الله (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المسألة الثامنة: في الكلام على اشتقاق لفظة \"اسم</span>\"\nاعلم: أنهم اختلفوا فيه على وجهين: فقال البصريّون: مشتقّ من السموّ، وهو العُلُوّ والرِّفْعة، فقيل: اسم؛ لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل: لأن الاسم يسمو بالمسمّى، فيرفعه عن غيره. وقيل: إنما سمّي الاسم اسمًا لأنه علا بقوّته على قسمي الكلام: الحرفِ والفعلِ، والاسم أقوى منهما بالإجماع؛ لأنه الأصل فلعلوّه عليهما سمي اسمًا، فهذه ثلاثة أقوال.\nوقال الكوفيّون: إنه مشتقّ من السِّمَة، وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن وُضع له، فأصل \"اسم\" على هذا \"وَسْمٌ\"، والأول أصحّ؛ لأنه يقال في التصغير: سُمَيٌّ، وفي الجمع أسماء، والتصغير والجمع يردّان الأشياء إلى أصولها، قلا يقال: وُسَيمٌ، ولا أَوْسَامٌ.\nوإلى هذا أشار بعضهم بقوله [من الرجز]:\nوَاشْتَقَّ الاسْمَ مِنْ سَمَا الْبَصْرِيُّ ... وَاشْتَقَّهُ مِنْ وَسَمَ الْكُوفِيُّ\nوَالْمَذْهَبُ الْمُقَدَّمُ الْجَلِيُّ ... دَلِيلُهُ الأَسْمَاءُ وَالسُّمَيُّ\nقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويدلّ على صحّته أيضًا فائدة الخلاف، وهي أن من قال: الاسم مشتقّ من السموّ يقول: لم يزل الله ﷿ موصوفًا قبل وجود الخلق، وبعد وجودهم، وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه، ولا في صفاته. وهذا قول أهل السنّة. ومن قال: الاسم مشتقّ من السِّمَة يقول: كان الله في الأزل بلا اسم، ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له اسمًا، وصفات، فإذا أفناهم بقي بلا اسم، ولا صفة. وهذا قول المعتزلة، وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمّة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق. تعالى الله عن ذلك.\nوعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمَّى، فذهب أهل الحقّ -فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيّب- إلى أن الاسم هو المسمّى، وارتضاه ابن فُورَك، وهو قول أبي عُبيدة، وسيبويه، فإذا قال قائل: الله عالم، فقوله دالّ على الذات الموصوفة بكونه عالمًا، فالاسم كونه عالمًا، وهو المسمّى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالقٌ، فالخالق هو الربّ، وهو بعينه الاسم. فالاسم عندهم هو المسمّى بعينه من غير تفصيل.\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ج ١ ص ١٠٠ - ١٠١.","vol":"1","page":201},{"text":"قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذّات، ولذا يقولون: الاسم غير المسمّى، ومن يُثبت الصفات يُثبت للتسميات مدلولات، هي أوصاف الذات، وهي غير العبارات، هي الأسماء عندهم انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى بزيادة (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشبع الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام الإمام ابن تيميّة ﵀، وحقّقه تحقيقًا، لا تجده محرّرًا عند غيره، وقال: إن النزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمّة: أحمد، وغيره. ونَقَل عن أبي جعفر الطبريّ أن القول في الاسم والمسمّى من الحماقات المبتدعة التي لا يُعرف فيها قولٌ لأحد من الأئمّة، وإنّ حَسْبَ الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهذا هو القول بأن الاسم للمسمّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنّة، من أصحاب الإمام أحمد، وغيره ... إلى آخر ما قاله ﵀. انظر \"مجموع الفتاوى\" ج ٦ ص ١٨٥ - ٢١٢ تستفد علومًا جَمَّة.\nوالحاصل أن الخوض في هذه المسألة من فضول الكلام، و\"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\"، فالأولى بالمسلم الشحيح على دينه عدم الخوض في المسائل المبتدعة إلا للرّدّ عليها، وإن دعت الحاجة إليه، ولا بُدّ فما عليه الأكثرون من أهل السنّة هو الذي نُرجّحه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المسألة التاسعة: في الكلام على إضافة \"اسم\" إلى الاسم الكريم</span>\nاعلم: أنه إن أريد بالاسم الكريم مدلوله، فإضافة \"اسم\" إليه إضافة حقيقيّة، لاميّةٌ، للاستغراق، إن أريد كلّ اسم من أسمائه تعالى، أو للجنس، إن أريد جنس أسمائه تعالى، أو للعهد إن أريد اسم مخصوص، والأول أولى، كما قال بعضهم.\nوإن أريد من الاسم الكريم لفظه، فالإضافة للبيان (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المسألة العاشرة: ذهب أبو عبيدة معمر بن المثّنّى إلى أن \"اسم\" صِلَة، واستشهد بقول لبيد [من الطويل]:</span>\nإِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ\nفذِكرُ \"اسم\" زيادة، وإنما أراد: \"ثم السلام عليكما\".\n_________\n(١) المصدر السابق ج ١ ص ١٠١ - ١٠٢.\n(٢) [انظر حاشية الخضر] على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ج ١ ص ٥.","vol":"1","page":202},{"text":"واختُلف في معنى زيادة \"اسم\"، فقال قُطْرُب: زيدت لإجلال ذكره تعالى، وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج الكلام بذكرها من حكم القَسَم إلى قصد التبرّك؛ لأن أصل الكلام بالله. قاله القرطبيّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المسألة الحادية عشرة: في الكلام على لفظ الاسم الكريم</span>\nاعلم: أن \"الله\" علم على الربّ ﷿، يقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤﴾ إلى آخر [سورة الحشر: ٢٤]، فأجرى الأسماء كلها صفات له، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي \"الصحيحين\" عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنّة\".\nوهو اسمٌ لم يُسمّ به غيره ﵎، ولهذا لا يُعرف في كلام العرب له اشتقاف من فَعَلَ يَفعُل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد، لا اشتقاق له. وقد نقله القرطبيّ عن جماعة من العلماء، منهم: الشافعيّ، والخطّابيّ، وإمام الحرمين، والغزاليّ، وغيرهم.\nوروي عن الخليل، وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمةٌ. قال الخطّابيّ: ألا ترى أنك تقول: يا ألله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لَمَا جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.\nوقيل: إنه مشتقّ، واستدلّوا عليه بقول رُؤْبَة بن العجاج [من الرجز]:\nلِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ ... سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي\nوالمدّهُ جمع ماده، والمَدْهُ كالمَدْحِ وزنًا ومعنًى. فقد صرّح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التألّه، من أَلِهَ يَأْلَهُ إِلاهَةً، وتأَلُّهًا، كما روي عن ابن عبّاس -﵃- أنه قرأ: \"ويذرك، وإلاهتَكَ\"، قال: عبادَتَك، أي أنه كان يُعبَدُ، ولا يَعْبُدُ، وكذا قال مجاهدٌ وغيره.\n_________\n(١) تفسير القرطبيّ ج ١ ص ٩٨ - ٩٩.","vol":"1","page":203},{"text":"وقد استدلّ بعضهم على كونه مشتقّا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤]، ونَقَل سيبويه، عن الخليل أن أصله \"إلاه\" مثلُ فِعَالٍ، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة، قال سيبويه: مثلُ ناسٍ، أصله أُناسٌ. وقيل: أصل الكلمة \"لاهٌ\"، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه، قال الشاعر [من البسيط]:\nلَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أُفْضِلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي\nبالخاء المعجمة: أي فتسوسُني.\nوقال الكسائيّ، والفرّاء: أصله \"الإله\"، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، أي لكن أنا. وقد قرأها كذلك الحسن.\nثم قيل: هو مشتقّ من وَلِهَ: إذا تحيّر، والْوَلَه: ذهاب العقل، يقال: رجلٌ والهٌ، وامرأةٌ وَلْهَى، ووالهةٌ، وماء موله: إذا أرسل في الصحاري، فالله تعالى تتحيّر الألباب، وتذهب في حقائق صفاته، والْفِكَرُ في معرفته، فعلى هذا أصل \"إلاهٍ\" \"وِلَاهٌ\"، وأن الهمزة مبدلةٌ من واوٍ، كما أُبدلت في إِشَاحٍ، ووِشَاحٍ، وإسادةٍ، ووِسَادَةٍ.\nوروي عن الضحّاك أنه قال: إنما سمّي الله إلهًا لأن الخلق يتألّهون إليه في حوائجهم، ويتضرّعون إليه عند شدائدهم. وذُكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يَأْلَهون إليه -بفتح اللام، وكسرها- لغتان.\nوقيل: إنه مشتقّ من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكلّ شيء مرتفع: لاهًا. وقيل: مشتقّ من أله الرجل: إذا تعبّد، وتألّه: إذا تنسّك. وقرأ ابن عبّاس -﵃-: \"ويذرك، وإلاهتك\"، وأصل ذلك \"الإله\"، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدةً مشدّدة، وفخّمت تعظيمًا، فقيل: الله انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).\nورجّح العلّامة ابن القيّم ﵀ القول باشتقاقه، فقال: الصحيح أنه مشتقّ، وأن أصله \"الإله\"، كما هو قول سيبويه، وجمهور أصحابه إلا من شذّ، وهو الجامع لمعاني\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"1","page":204},{"text":"الأسماء الحسنى، والصفات العلى.\nوالذين قالوا بالاشقاق إنما أرادوا أنه دالّ على صفة له تعالى، وهي الإلهيّة، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والبصير، والسميع، ونحو ذلك، فإن هذه الأسماء مشتقّة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولّدة منه تولّد الفرع من أصله.\nوتسمية النحاة للمصدر والمشتقّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أن أحدهما متولّد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمّن الآخر وزيادة.\nقال: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظيّة، وساقها. ثم قال: وأما خصائصه المعنويّة، فقد قال أعلم الخلق -ﷺ-: \"لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\". وكيف نحصي خصائص اسم لمسمّاه كلّ كمال على الإطلاق، وكلّ مدح وحمد، وكلّ ثناء، وكلّ مجد، وكلّ جلال، وكلّ كمال، وكلّ عزّ، وكلّ جمال، وكلّ خير، وإحسان، وجود، وفضل، وبرّ، فله، ومنه، فما ذُكر هذا الاسم في قليل إلا كثّره، ولا عند الخوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ولا عند همّ وغمّ إلا فرّجه، ولا عند ضيق إلا وسّعه، ولا تَعَلّق به ضعيف إلا أفاده القوّة، ولا ذليل إلا أناله العزّ، ولا فقير إلا أصاره غنيّا، ولا مستوحشٌ إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيّده ونصره، ولا مضطرّ إلا كشف ضرّه، ولا شريد إلا آواه. فهو الاسم الذي تُكشف به الكربات، وتُستنزل به البركات، وتُجاب به الدعوات، وتقال به العثرات، وتُستدفع به السيّئات، وتُستجلب به الحسنات. وهو الاسم الذي قامت به الأرض والسماوات، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شُرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقّت الحاقّة، ووقعت الواقعة، وبه وُضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنّة والنار، وبه عُبد ربّ العالمين وحُمد، وبحقّه بُعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر، ويوم البعث والنشور، وبه الخصام، وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سعد من عرفه، وقام بحقّه، وبه شقي من جَهِله، وترك حقّه. فهو سرّ الخلق والأمر، وبه قاما وثبتا، وإليه انتهيا، فالخلق به، وإليه، ولأجله. فما وُجد خلق، ولا أمرٌ، ولا ثوابٌ، ولا عقابٌ، إلا مبتدئًا منه، منتهيًا إليه، وذلك موجبه ومقتضاه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى آخر كلامه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) راجع فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المسألة الثانية عشرة: في الكلام على \"الرحمن الرحيم</span>\"\nاعلم أن \"الرحمن الرحيم\" مجروران على أنهما نعتان لاسم الله تعالى، أو عطفا بيان للمدح، أو بدلان، ويجوز في غير القرآن قطعهما إلى النصب، مفعولًا لفعل مقدّر، أي \"أمدح\"، وإلى الرفع خبرًا لمبتدإ محذوف، أي \"هو\".\nوقد اشتهر فيهما بحسب الإعراب تسعة أوجه، يمتنع منها وجهان: جرّ \"الرحيم\" مع نصب \"الرحمن\"، وجرُّهُ مع رفعه، لأن النعت أشدّ ارتباطًا بالمنعوت، فلا يؤخّر عن المقطوع، وإلى هذه الأوجه أشار بعضهم بقوله [من الرجز]:\nإِنْ يُنْصَبِ الرَّحْمَنِ أَوْ يَرْتَفِعَا ... فَالْجَرُّ فِي الرَّحِيمِ قَطْعًا مُنِعَا\nوَإِنْ يُجَرَّ فَأَجِزْ فِي الثَّانِي ... ثَلَاثَةَ الأَوْجُهِ خُذْ بَيَانِي\nفَهَذِهِ تَضَمَّنَتْ تِسْعًا مُنِعْ ... وَجْهَانِ مِنْهَا فَادْرِهِ يَا مُسْتَمِعْ\nوقال آخر [من الرجز أيضًا]:\nوَأَوْجُهُ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ ... تَكُونُ تِسْعَةً لَدَى التَّقْسِيمِ\nجَرُّهُمَا الثَّابِتُ فِي الْكِتَاب ... وَسِتَّةٌ تَسُوغُ فِي الإِعْرَابِ\nأَيْ جَرُّ أَوَّلٍ وَنَصْبُ مَا تَلَا ... وَرَفْعُهُ كَذَا أَوِ انْصِبْ أَوَّلَا\nمَعْ رَفْع تَالٍ ثُمَّ عَكْسُهُ أَتَى ... رَفْعُهُمَا نَصْبُهُمَا قَدْ ثَبَتَا\nوَجَرَّ ثَانٍ مَعَ رَفْعِ أَوَّلِ ... أَوْ نَصْبِهِ امْنَعَنَّهُ فَلْتَدْعُ لِي (١)\nوهما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و\"رحمن\" أشدّ مبالغة من \"رحيم\". وفي كلام ابن جرير ما يدلّ على الاتفاق على هذا. وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ، إذ لو كان مشتقّا لاتصل بذكر المرحوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وعن المبرّد أن \"الرحيم\" اسم عبرانيّ، ليس بعربيّ. وقال القرطبيّ: والدليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: \"قال الله تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرَّحِمَ، وشَقَقتُ لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته\". قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال المذكور نظر لا يخفى؛ إذ الحديث دليل على اشتقاق الرَّحِمِ من الرحمن، لا على اشتقاق الرحمن، كما هو المدّعَى. والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(١) راجع تشويق الخلّان ص ٤.","vol":"1","page":206},{"text":"قال: وإنكار العرب لاسم \"الرحمن\" لجهلهم بالله، وبما وجب له.\nثم قيل: هما بمعنى واحد، كندمان ونديم. قاله أبو عبيد. وقيل: ليس بناء فَعْلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو رجلٌ غضبان للرجل الممتلىء غضبًا، وفَعِيلٌ بمعنى الفاعل والمفعول.\nقال أبو عليّ الفارسيّ: \"الرحمن\" اسم عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به الله تعالى، و\"الرحيم\" إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].\nوقال ابن عبّاس -﵃-: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر، أي أكثر رحمة.\nوأكثر العلماء على أن \"الرحمن\" مختصّ بالله ﷿، لا يجوز أن يسمّى به غيره، ألا تراه قال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠] فعادل الاسم الذي لا يشرَكُهُ فيه غيره، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]، فأخبر أن الرحمن هو المستحقّ للعبادة جلّ وعزّ.\nوقد تجاسر مسيلِمَة الكذّاب -لعنه الله- فتسمّى برحمان اليمامة، حتى قال شاعره اللعين [من البسيط]:\nسَمَوْتَ بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الأَكْرَمَيْنِ أَبَا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَا\nوقد هجاه بعض المسلمين، وأحسن في ذلك، حيث قال [من البسيط أيضًا]:\nسَمَوْتَ بِالْخُبْثِ يَا ابْنَ الأَخْبَثَيْنِ أَبَا ... وَأَنْتَ شَرُّ الْوَرَى لازِلْتَ شَيْطَانَا\nولم يتسمّ مسيلمة به حتى قَرَعَ مسامعهُ نعتُ الكذّاب، فألزمه الله تعالى الكذّاب لذلك، وإن كان كلّ كافر كاذبًا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علمًا يُعرف به، ألزمه الله إياه.\nوقد قيل في اسم \"الرحمن\": إنه الاسم الأعظم. ذكره ابن العربيّ.\nوقد زعم بعضهم أن \"الرحيم\" أشدّ مبالغةً من \"الرحمن\"، لأنه أُكّد به، والمؤكِّد لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد.\nوالجواب أن هذا ليس من باب التأكيد، وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه ما ذكروه.\nوإنما بدأ باسم \"الله\" لأنه أشرف الأسماء، وأُتبع بالرحمن لأنه أخصّ، وأعرف","vol":"1","page":207},{"text":"من الرحيم؛ لأن التسمية أوّلا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخصّ، فالأخصّ.\n[فإن قيل]: إذا كان \"الرحمن\" أشدّ مبالغة، فهلّا اكتفي به عن \"الرحيم\"؟ .\n[أُجيب]: بأنه لمّا تسمّى غيره تعالى بـ \"الرحمن\" جيء بلفظ \"الرحيم\" ليقطع الوهم، فإنه لا يوصف بـ \"الرحمن الرحيم\" إلا الله تعالى.\nوقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف \"الرحمن\" حتى ردّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. ولهذا قال كفّار قريش يوم الحديبية لمّا كتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\" لا نعرف \"الرحمن الرحيم\". رواه البخاريّ، وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة.\nوالظاهر أن هذا من تعنّتهم في كفرهم، فإنه قد وُجد في أشعارهم في الجاهليّة تسمية الله بـ \"الرحمن\"، وقد أنشد بعض الجاهليّة الجهّال [من الطويل]:\nأَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلَا قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا\nوقال سلامة بن جندب الطُّهَويّ [من الطويل]:\nعَجِلْتُمْ عَلَيْنَا إِذْ عَجِلْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقُ\nانتهى ملخّصًا من تفسير القرطبيّ جـ ١ ص ١٠١ - ١٠٢. وتفسير ابن كثير جـ ١ ص ١١ - ٢٢. بتصرّف، مع زيادات مفيدة من حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وغير ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nالمسألة الثالثة عشرة: قال بعض المحققين: محذوفات القرآن، كمتعلّق البسملة لا يصحّ كونها قرآنًا؛ لأن ألفاظها غير مُنزَلة، ولا متعبّد بها، ولا معجزة، كما هو شأن القرآن، ولا يلزم من توقّف المعنى عليها احتياجه إلى كلام البشر؛ لأن معناها -كما قال الشهاب الخَفَاجيّ- مما يدلّ عليه لفظ الكتاب التزامًا؛ للزومها في مُتَعارَف اللسان، فهي من المعاني القرآنيّة المرادة له تعالى، وأما ألفاظها، فليست من القرآن؛ لأنها معدومة؛ لاقتضاء البلاغة حذفها، ومنها ما لا يُلفظ به أصلًا، كالضمائر المستترة. فاحفظ هذا، فإنه من مقصورات الخيام. ذكره الخضريّ في حاشيته المتقدّم ذكرها جـ ١ ص ٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nالمسألة الرابعة عشرة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: نَدَب الشرعُ إلى ذكر البسملة في أوّل كلّ فعل؛ كالأكل، والشرب، والنحر، والجماع، والطهارة، وركوب البحر، إلى","vol":"1","page":208},{"text":"غير ذلك من الأفعال، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وقال -ﷺ-: \"أغلِقْ بابك، واذكر اسم الله، وأطفىء مصباحك، واذكر اسم الله، وخمّر إناءك، واذكر اسم الله، وأوكِ سقاءك، واذكر اسم الله\". وقال: \"لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقدّر بينهما ولد لم يضرّه شيطانٌ أبدًا\". وقال لعمر بن أبي سلمة -﵃- \"يا غلام سمّ اللهَ، وكل بيمينك، وكل مما يليك\". وقال: \"إن الشيطان ليستحلّ الطعام ألّا يُذكر اسم الله عليه\". وقال: \"من لم يذبح، فليذبح باسم الله\". وشكا إليه عثمان بن أبي العاص -﵁- وَجَعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله -ﷺ-: \"ضَعْ يدك على الذي تَألَمُ من جسدك، وقل: باسم ثلاثًا، وقل سبع مرّات: أعوذ بعزّة الله، وقدرته من شرّ ما أجد، وأُحاذر\". هذا كلّه ثابتٌ في الصحيح. وروى ابن ماجه، والترمذيّ، عن النبيّ -ﷺ -، قال: \"سِتْرُ ما بين الجنّ، وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: باسم الله\" (١). وروى الدارقطنيّ عن عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا مسّ طهوره يسمّي الله تعالى، ثمّ يُفرغ الماء على يديه\" (٢). انتهى كلام القرطبيّ (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nالمسألة الخامسة عشرة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: اتفقت الأمّة على جواز كَتْبها في أول كلّ كتاب، من كتب العلم والرسائل؛ فإن كان الكتاب ديوان شعر، فرَوَى مجالد، عن الشعبيّ، قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر \"بسم الله الرحمن الرحيم\". وقال الزهريّ: مضت السنّة ألا يكتبوا في الشعر \"بسم الله الرحمن الرحيم\". وذهب إلى رسم التسمية في أوّل كتب الشعر سعيد بن جُبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخّرين. قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره، ونستحبّه انتهى كلام القرطبيّ (٤).\nوقال الحافظ رحمه الله تعالى في \"الفتح\": قد استقرّ عمل الأئمّة المصنّفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا، فجاء عن الشعبيّ منع ذلك. وعن الزهريّ قال: مضت السنّة أن لا يُكتب في الشعر \"بسم الله الرحمن الرحيم\". وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه من حديث عليّ ﵇. انظر صحيح الجامع الصغير ج ١ ص ٦٧٥ - ٦٧٦.\n(٢) حديث ضعيف في سنده حارثة بن أبي الرجال ضعيف.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن ج ١ ص ٩٧ - ٩٨.\n(٤) الجامع ج ١ ص ٩٧.","vol":"1","page":209},{"text":"الجمهور. وقال الخطيب: هو المختار انتهى (١).\nوقال القاري رحمه الله تعالى في \"المرقاة\": والأحسن التفصيل، بل هو الصحيح، فإنّ الشعر حسنه حسنٌ، وقبيحه قبيح، فيصان إيراد البسملة في الْهَجْوِيّات، والْهَذَيَان، ومدائح الظلمة، ونحوها انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القاري هو الأولى عندي، ولعلّ ما نُقل عن الشعبيّ، والزهريّ من المنع محمول على هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب\".\nقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>(الْحَمْدُ لِلَّهِ)</span>\nقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى في \"تفسيره\": معنى \"الحمد لله\": الشكر لله خالصًا، دُونَ سائر ما يُعبد من دونه، ودُونَ كلّ ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده، من النعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يُحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآت لطاعاته، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم عليه، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام دار الخلود، في دار المقام، في النعيم المقيم، فَلِربِّنا الحمدُ على ذلك كفه، أوّلًا وآخرًا. انتهى (٢).\nو\"أل\" في \"الحمد\" إما للجنس، وإما للاستغراق، إذ الحمد في الحقيقة كله له تعالى؛ إذ ما من خير إلا وهو مُوليه بوسط، أو بغير وسط؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية. أفاده البيضاويّ في تفسيره (٣).\nو\"الحمد\" مرفوع بالابتداء، وخبره الجارّ والمجرور بعده، واللام الجارّة للاختصاص، بمعنى أنه مستحقّ الحمد؛ لما ترادف علينا من نعمه، ومتعلّق الجارّ والمجرور محذوف، تقديره: ثابتٌ، أو مستقرٌّ، أو نحو ذلك (٤). والجملة خبريّة لفظًا، إنشائيّة معنًى.\n_________\n(١) راجع فتح الباري ج ١ ص ١٤.\n(٢) انظر تفسير ابن جرير ج ١ ص ٥٩.\n(٣) راجع تفسير البيضاويّ بحاشية الخفاجي ج ١ ص ٨٦ - ٨٧.\n(٤) انظر الغاية شرح الهداية في علم الرواية للحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى ص ٧٠.","vol":"1","page":210},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: القرّاء السبعة على ضمّ الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾، مبتدأً، وخبرًا. وروي عن سفيان بن عُيينة، ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: \"الحمدَ لله\" بالنصب، وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عَبْلَة: \"الحمدُ لُلّه\" بضمّ الدّال واللام إتباعًا للثاني الأولَ، وله شواهد، لكنه شاذّ. وعن الحسن، وزيد بن عليّ: \"الحمدِ لِلّه\" بكسر الدال إتباعًا للأول الثانيَ. انتهى كلام ابن كثير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>مسائل تتعلّق بـ \"الحمدُ لله</span>\":\nالمسألة الأولى: قال الشارح النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\" لهذا الكتاب: إنما بدأ بالحمد؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"كلّ أمر ذي بال، لا يُبدأ فيه بـ \"الحمد لله\" فهو أقطع\". وفي رواية: \"بحمد الله\". وفي رواية: \"بالحمد، فهو أقطع\". وفي رواية: \"أجذم\". وفي رواية: \"لا يُبدأ فيه بذكر الله\". وفي رواية: \"ببسم الله الرحمن الرحيم\". رَوَينا كلّ هذه في \"كتاب الأربعين\" للحافض عبد القادر الرُّهَاويّ، سماعًا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن سالم الأنباريّ، عنه. وروينا فيه أيضًا من رواية كعب بن مالك الصحابيّ -﵁- والمشهور رواية أبي هريرة -﵁-. وهذا الحديث حسنٌ، رواه أبو داود، وابن ماجه في \"سننهما\"، ورواه النسائيّ في كتاب \"عمل اليوم والليلة\"، روي موصولًا، ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيّد.\nومعنى \"أقطع\": قليل البركة، وكذلك: \"أجذم\" -بالجيم، والذال المعجمة- ويقال: جَذِمَ -بكسر الذال- يَجْذَمُ -بفتحها. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من تحسين هذا الحديث، وتابعه عليه التاج السبكيّ، وطوّل الكلام عليه في أوائل \"طبقات الشافعيّة الكبرى\"، كما تقدّم ليس بجيّد، فإن الحديث ضعيفٌ جدًّا.\nقال أبو داود فى \"سننه\" بعد أن رواه موصولًا من طريق قُرّة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا بلفظ: \"بالحمد فهو أجذم\": ما نصّه: رواه يونس، وعُقيلٌ، وشُعيبٌ، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ، عن النبيّ -ﷺ-، مرسلًا. يشير إلى أن الصحيح فيه الإرسال، وهو الذي جزم به الدارقطنيّ، هو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر، وأوثق من قُرّة، وهو ابن عبد الرحمن الْمَعَافريّ المصريّ، بل هو ضعفه الجمهور، فقد قال الجُوزجانيّ، عن أحمد: منكر الحديث جدًّا. وعن\n_________\n(١) راجع شرح مسلم ج ١ ص ٤٣.","vol":"1","page":211},{"text":"ابن معين ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس بقويّ. وعن أبي داود: في حديثه نكارة.\nوقول السبكيّ فيه: هو عندي في الزهريّ ثقة ثبت، فقد قال الأوزاعيّ: ما أحد أعلم بالزهريّ منه، وقال يزيد بن السِّمْط: أعلم الناس بالزهريّ قرّة بن عبد الرحمن. فهو بعيد عن الصواب؛ لأنه مخالف لأقوال الأئمة المذكورين فيه، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعيّ مما لا يُجدي شيئًا؛ فقد تعقّب أبو مسهر قول الأوزاعيّ، فقال: وكيف يكون قّرّة أعلم الناس بالزهريّ، وكلّ شيء روى عنه ستون حديثًا، بل أعلم الناس بالزهريّ: مالك، ومعمر، ويونس، والزبيديّ، وعُقيلٌ، وابن عُيينة، هؤلاء أهل الحفظ، والإتقان، والضبط.\nوذكر في \"تهذيب التهذيب\" ما حاصله: أن مراد الأوزاعيّ أنه أعلم بحال الزهريّ من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق. والله تعالى أعلم (١).\nوخلاصة القول أن قرّة ضعّفه الجمهور، ولم يوجد له توثيق صريح، إلا عن ابن عديّ، فإنه قال: لم أر له حديثًا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في \"الثقات\" مع التعقّب المذكور عن أبي مسهر.\nفتفرّده بوصل هذا الحديث، واضطرابه، في متنه، فتارة يقول: \"بحمد الله\"، وتارة \"بذكر الله\"، وتارة \"أقطع\"، وتارة \"أبتر\"، وتارة \"أجذم\" ومخالفته للثقات: يونس، وعُقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، فقد رووه كلهم عن الزهريّ، مرسلًا يدلّ على وَهَمِه، فتكون روايته منكرة، وقد عرفت بطلان دعوى متابعة الأوزاعىّ وغيره له فيما تقدّم، فالصحيح أن الحديث ضعيفٌ جدًّا. فتصحيح التاج السبكيّ، وتحسين غيره له مما لا يُلتفت إليه.\nوالحاصل أن حديث الحمدلة المذكور ضعيفٌ جدًّا، كما أن حديث البسملة المتقدّم واه بمرّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسألة الثانية: قال العلاّمة القرطبيّ رحمه الله تعالى في \"تفسيره</span>\"\n\" الحمد\" في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد، فهو سبحانه يستحقّ الحمدَ بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى، والصفات\n_________\n(١) راجع تهذيب التهذيب ج ٣ ص ٤٣٨.","vol":"1","page":212},{"text":"العلى، وقد جُمِع لفظ الحمد جمع قلّة في قول الشاعر [من الطويل]:\nوَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضلِ أَحْمُدِي\nفالحمد نقيض الذّمّ تقول: حَمِدت الرجل أحمده حمدًا، فهو حَميد، ومحمودٌ، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر، والْمُحَمَّدُ الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:\nإِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ ... الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ\nوبذلك سُمّي رسول الله -ﷺ-، قال حسّان [من الطويل]:\nفَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ\nوالْمَحْمَدَة خلاف الْمذَمّة، وأحمدَ الرجلُ: صار أمره إلى الحمد، وأحمدته: وجدته محمودًا، تقول: أتيت موضع كذا، فأحمدته، أي صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه، أو مرعاه، ورجلٌ حُمَدة -مثل هُمَزة-: يكثر حمد الأشياء، ويقول فيها أكثر مما فيها، وحَمَدَةُ النارِ: صوت الالتهابها. انتهى كلام القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء، هل الحمد والشكر بمعنًى واحد، أم لا</span>؟\nذهب ابن جرير الطبريّ، وأبو العبّاس المبرّد إلى أنّ الحمد والشكر بمعنى واحد. وحكاه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن جعفر الصادق، وابنِ عطاء، قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إيّاه حتى حمدناه، واستدلّ الطبريّ على أنهما بمعنى بصحّة قولك: الحمد للَّه شُكرًا. قال ابن عطيّة: وهو في الحقيقة دليلٌ على خلاف ما ذهب إليه؛ لأن قولك: شُكرًا، إنما خصّصت به الحمد؛ لأنه على نعمة من النعم.\nوقال بعض العلماء: إن الشكر أعمّ من الحمد؛ لأنه باللسان، وبالجوارح، وبالقلب. والحمد إنما يكون باللسان خاصّة.\nوقيل: الحمد أعمّ؛ لأن فيه معنى الشكر، ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عبّاس -﵃- أنه قال: \"الحمد للَّه\" كلمة كلّ شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: \"الحمد للَّه\". وقال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾، وقال في قصّة داود، وسليمان: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ","vol":"1","page":213},{"text":"عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال لنبيّه -ﷺ-: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.، وقال أهل الجنّة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فهي كلمة كلّ شاكر.\nقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الصحيح أن الحمد ثناءٌ على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحدّ قال علماؤنا: الحمد أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يقع على الثناء، وعلى التحميد، وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفًا، فصار الحمد أعمّ في الآية (١)؛ لأنه يزيد على الشكر.\nويذكر الحمد بمعنى الرضى، يقال: بَلَوته، فَحَمِدتُه: أي رضيته، ومنه قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكر ما تقدّم عن ابن جرير، من استدلاله بقول القائل: الحمد للَّه شكرًا: ما نصّه: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظرٌ؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أنّ الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة، والمتعدّية، والشكر لا يكون إلا على المتعدّية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، كما قال الشاعر [من الطويل]:\nأَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا\nولكنّهم اختلفوا أيّهما أعمّ، الحمد، أو الشكر؟، على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعمّ من الشكر، من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة، والمتعدّية، تقول: حمدته لفروسيّته، وحمدته لكرمه، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعمّ من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول، والفعل، والنيّة، كما تقدّم، وهو أخصّ؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدّية، لا يقال: شكرته لفروسيّته، وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرّره بعض المتأخّرين والله أعلم.\nوقال أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ: الحمد نقيض الذّمّ، تقول: حمدت الرجل أحمَدُهُ حمدًا، ومَحْمَدَةً، فهو حميدٌ، ومحمودٌ. والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر.\n_________\n(١) هكذا نسخة القرطبيّ، ولعل الصواب \"في الدلالة\". والله تعالى أعلم.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ج ١ ص ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"1","page":214},{"text":"وقال فى \"الشكر\": هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرتُ له، وباللام أفصح.\nوأما المدح فهو أعمّ من الحمد؛ لأنه يكون للحيّ، وللميت، وللجماد أيضًا، كما يُمدَح الطعام، والمكان، ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان، وبعده، وعلى الصفات المتعدّية واللازمة أيضًا، فهو أعمّ انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١).\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويذكر عن جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مَنْ حمده بصفاته كما وَصَفَ نفسه، فقد حَمِد؛ لأن الحمد حاءٌ، وميمٌ، ودالٌ، فالحاء من الوحدانيّة، والميم من الملك، والدّال من الديمومة، فمن عرفه بالوحدانيّة، والديمومة، والملك، فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد للَّه. وقال شقيق بن إبراهيم في \"تفسيره\": \"الحمد للَّه\" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئًا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قُوتُهُ في جسدك لا تعصه. فهذه شرائط الحمد انتهى (٢).\nوقال الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري في \"إعراب ألفيّة ابن مالك\": إنما اختيرت مادّةُ الحمد المشتملةُ على الحاء الحلقيّة، والميم الشفويّة، والدّال اللسانيّة في الثناء على ربّ البريّة، كي لا يخلو مخرجٌ عن ذلك بالكلّيّة. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسألة الرابعة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختَلفَ العلماءُ أيّما أفضل، قول العبد: \"الحمد لله ربّ العالمين\"، أو قول: \"لا إله إلا الله</span>\"؟\nفقالت طائفة: قوله. \"الحمد للَّه ربّ العالمين\" أفضل؛ لأن في ضمنه التوحيد الذي هو \"لا إله إلا الله\"، ففي قوله: \"الحمد للَّه\" توحيد وحمد، وفي قوله: \"لا إله إلا الله\" توحيد فقط.\nوقالت طائفة: \"لا إله إلا الله\" أفضل؛ لأنها تدفع الكفر، والإشراك، وعليها يقاتَلُ الخلق، قال رسول الله -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\". متفق عليه. واختار هذا القول ابن عطيّة، قال: والحاكم بذلك قول النبيّ -ﷺ-: \"أفضل ما قلتُ أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له\". انتهى كلام القرطبيّ.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٤.\n(٢) تفسير القرطبيّ ج ١ ص ١٣٣ - ١٣٤.\n(٣) إعراب الألفيّة ص ٣.","vol":"1","page":215},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختار ابن عطيّة رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي، والحديث الذي استدلّ به أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى في \"الموطإ\": عن زياد ابن أبي زياد مولى عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز: أن رسول الله -ﷺ-، قال: \"أفضل الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له\".\nوهذا مرسل رجاله ثقات، وله شواهد، عن أبي هريرة، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فيصحّ بها (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المسألة الخامسة: قد وردت في فضل الحمد أحاديث</span>\nفمنها: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" عن أبي مالك الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"الطهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تلأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن\"، أو \"تملأ ما بين السماء والأرض\".\nومنها: ما أخرجه أيضًا عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله لَيَرْضى عن العبد أن يأكل الأَكْلَة، فيَحمَدَه عليها، أو يشرب الشَّرْبَةَ، فيحمدَهُ عليها\".\nومنها: ما أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ\". حديث حسن.\nومنها: ما أخرجه أيضًا عن جابر بن عبد الله -﵃-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد للَّه\". حديث حسنٌ أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>(رَبِّ الْعَالَمِينَ)</span>\nأي مالك جميع العالمين، وخالقهم، ومدبّر شؤونهم، والقريبٌ منهم، والمحيط بجميعهم، ومريد الخير بهم، ومولي النعم لهم، وجامعهم ليوم لا ريب فيه، والسيّد الذي لا شِبْهَ لهُ، ولا مثلَ في سُؤدَده، وهو الذي أصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من\n_________\n(١) راجع السلسلة الصحيحة للألباني ج ٤ ص ٦ - ٨ - . رقم ١٥٠٣.","vol":"1","page":216},{"text":"نعمه، وهو الذي جبر كسرهم، وهو المالك المعبود، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>مسائل تتعلّق بـ \"ربّ العالمين</span>\":\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة الأولى: في إعرابها:</span>\nاعلم: أن \"ربّ\" بالجرّ -كما قرأ به الجمهور في الآية- نعتًا للاسم الكريم (١)، أو عطف بيان للمدح، أو بدلًا منه، ويجوز رفعه على القطع، خبرًا لمبتدإ محذوف وجوبًا؛ لكونه نعتَ مدحٍ، تقديره: هو ربّ العالمين، ونصبه مفعولًا لفعل محذوف وجوبًا أيضًا؛ لما ذُكر، تقديره: أمدح ربَّ العالمين، أو بفعل مقدّر دلّ عليه \"الحمد\"، تقديره: أحمد ربَّ العالمين، أو منصوب على النداء، حذف منه حرف النداء، أي يا ربّ العالمين، كما قال الحريريّ في \"ملحته\":\nوَحَذْفُ \"يَا\" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ ... كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي\nو\"العالمين\" مجرور بالمضاف على الراجح، وقيل. بالإضافة، وقيل بالحرف المقدّر له الإضافة، وعلامة جرّة الياء؛ لأنه من جمع المذكّر السالم، أو ملحق به، على ما سيأتي من الخلاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسألة الثانية: في معنى \"الربّ</span>\".\nقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: \"الرّبّ\" في كلام العرب منصرف على معانٍ: فالسيّد المطاع فيهم يُدعى ربًّا، ومن ذلك قول لَبِيد بن رَبِيعة [من الطويل]:\nوَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وَابْنَهُ ... وَرَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وَعَرْعَرِ (٢)\nيعني بربّ كِندَة: سيّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبْيَان [من الطويل]:\nتَخُبُّ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنَالَهُ ... فِدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي\nوالرجل الْمُصْلِحُ للشيء يُدعَى ربًّا، ومنه قول الفَرَزْدَق بن غالبٍ [من البسيط]:\nكَانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إِذْ حَقَنَتْ ... سِلَاءَهَا فِي أَدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ (٣)\n_________\n(١) راجع انظر تفسير السمين الحلبيّ المسمى بالدّر المصون في علوم الكتاب المكنون جـ ١ ص ٦٧.\n(٢) خَبْتٌ وعَرْعَرٌ اسما موضعين.\n(٣) السائلة اسم فاعل من سلأ سمن يسلؤه: إذا طبخه، وعالجه، فأذاب زبده، والسلاء بالكسر السمن.","vol":"1","page":217},{"text":"يعني بذلك في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صَنيعتَه عند فلان: إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها. ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدَةَ [من الطويل]:\nفَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضعْتُ رُبُوبُ (١)\nيعني بقوله: \"أفضت إليك\" أي وصلت إليك رِبَابتي، فصِرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري، فتصلحه لَمَّا خرجتُ من رِبابة غيرك من الملوك، كانوا قبلك عليّ، فضيّعوا أمري، وتركوا تفقّده، وهم الربوب، واحدهم رَبٌّ. والمالك للشيء يُدعَى ربَّهُ. وقد يتصرّف أيضًا معنى \"الربّ\" في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة.\nفربّنا جلّ ثناؤه: السيّد، الذي لا شِبْهَ لهُ، ولا مثل في مثل سُؤدَده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله تعالى (٢).\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى \"الربّ\": المالك. وفي \"الصحاح\": و\"الرّبّ\": اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره، إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهليّة للمَلِك، قال الحارث بن حِلِّزَةَ [من الخفيف]:\nوَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْمِ ... الْحِيَارَينِ وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ\nوالحِيَارِين: موضع غزا أهلَهُ المنذرُ بن ماء السماء.\nوالربّ: السيّد، ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وفي الحديث: \"أن تلد الأمة ربتها\"، أي سيّدتها. والربّ: المصلح، والمدبّر، والجابر، والقائم. قال الهرويّ، وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء، وإتمامه: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ له، ورابٌّ، ومنه سُمّي الربّانيّون؛ لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: \"هل لك من نعمة ترُبُّها عليه\"، أي تقوم بها، وتُصلحها. و\"الربّ\": المعبود، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:\nأَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ (٣) بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ\nويقال على التكثير: رّبَّاه، ورَبَّبَهُ، وتَرَبَّبَهُ. حكاه النّحّاس. وفي \"الصحاح\": ورَبَّ فلانٌ ولده يرُبُّهُ رَبًّا، ورَبَّبَهُ، وتربّبه بمعنى: أي ربّاه. والمربوب: الْمُرَبَّى.\n_________\n(١) \"ربوبٌ\" جمع ربّ، فاعل \"ربّتني\"، أي ربتني قبلك ربرب، فضيّعتني، والآن صارت ربابتي إليك.\n(٢) تفسير الطبريّ جـ ١ ص ١٤١ - ١٣٢.\n(٣) \"الثعلبان\" بالضم ذكر الثعلب، هكذا ذكره الجوهري، وقد ردّ عليه في \"القاموس\" بأنه في البيت بالفتح تثنية ثعْلَب، وردّ عليه الشارح بثبوت ما قاله الجوهري عن كثير من أئمة اللغة. راجع \"تاج العروس\" ج ١ ص ١٦٤.","vol":"1","page":218},{"text":"قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم؛ لكثرة دعوة الداعين به، وتأمّل ذلك في القرآن، كما في آخر \"آل عمران\"، و\"سورة إبراهيم\"، وغيرهما، ولما يُشعِر به هذا الوصف من الصِّلَة بين الربّ والمربوب، مع ما يتضمّنه من العطف، والرحمة، والافتقار في كلّ حال. انتهى كلام القرطبيّ (١).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: \"الربّ\" هو المالك المتصرّف، ويطلق في اللغة على السيّد، وعلى المتصرّف للإصلاح، وكلّ ذلك صحيحٌ في حقّ الله تعالى، ولا يستعمل لغير الله، إلا بالإضافة. وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. انتهى كلام ابن كثير (٢).\nوقال في \"لسان العرب\": ما مختصره: وربّ كلّ شيء: مالكه، ومستحقّه. وقيل: صاحبه. ويقال: فلانٌ ربُّ هذا الشيء: أي مالكه، وكلّ من ملك شيئًا، فهو ربّه. والربّ يُطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمدبّر، والمربّي، والقيّم، والمنعم. ولا يُطلق غيرَ مضاف إلا على الله ﷿، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فقيل: ربّ كذا. وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير، ولم يُذكر في غير الشعر. انتهت عبارة \"اللسان\" بتصرّف.\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: متى أدخلت الألف واللام على \"ربّ\" اختصّ الله تعالى به؛ لأنها للعهد، وإن حُذفا منه صار مشتركًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله ربّ العباد، وزيدٌ ربّ الدار، فالله ﷿ ربّ الأرباب، يملك المالك، والمملوك، وهو خالق ذلك، ورازقه، وكلّ ربّ سواه غير خالق، ولا رازقٍ، وكلّ مملوك (٣) فمُمَلَّك بعد أن لم يكن، ومنتزَع ذلك من يده، وإنما يملك شيئًا دون شيء، وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني، فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين انتهى (٤).\nوقد أوصل بعضهم معاني الربّ إلى أربعة عشر معنًى، ونظمها بقوله [من الطويل]:\nقَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرِّ ... مُرَبِّ مُرِيدُ الْخَيْرِ وَالْمُولِي لِلنِّعَمْ\nوَخَالِقُنَا الْمَعْبُودُ جَابِرُ كَسْرِنَا ... وَمُصلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثَّابِتُ الْقَدَمْ\nوَجَامِعُنَا وَالسَّيِّدُ احْفَظْ فَهَذِهِ ... مَعَانٍ أَتَتْ لِلربِّ وَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ (٥)\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ج ١ ص ١٣٦ - ١٣٧.\n(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٥.\n(٣) هكذا نسخة القرطبيّ، ولعل الصواب: \"وكلّ مُمَلَّكِ\". والله تعالى أعلم.\n(٤) الجامع لأحكام القرآن ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٨.\n(٥) راجع حاشية البيجوري على أبي شجاع.","vol":"1","page":219},{"text":"والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسألة الثالثة: في اشتقاق \"الربّ</span>\":\nقال العلامة السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: اختُلف، هل هو في الأصل وصف، أو مصدر؟ فمنهم من قال: هو وصف، ثم اختَلف هؤلاء في وزنه، فقيل: هو على وزن فَعْل، كقولك: نَمَّ يَنُمُّ، فهو نَمٌّ. وقيل: وزنه فاعلٌ، وأصله رابٌّ، ثم حُذفت الألف لكثرة الاستعمال، كقولهم: رجلٌ بارٌّ، وبَرٌّ.\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أن بَرًّا مأخوذٌ من بارّ، بل هما وصفان، مستقلّتان، فلا ينبغي أن يُدّعَى أن ربّا أصله رابّ.\nومنهم من قال: هو مصدر ربه يربه ربا: أي ملكه، نحو رجل عدل، وصوم انتهى كلام السمين (١).\nوقال القرطبي رحمه الله تعالى: قيل: إنه مشتق من التربية، فالله مدبر لخلقه، ومربيهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسميت بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها. فعلى هذا أنه مدبر لخلقه، ومربيهم، فيكون صفة فعل؛ وعلى أن الرب بمعنى المالك، والسيد يكون صفة ذات. انتهى كلام القرطبي بتصرف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسألة الرابعة: في معنى \"العالمين</span>\":\nقال السمين رحمه الله تعالى: خفض بالإضافة، وعلامة خفضه الياء؛ لجريانه مجرى جمعِ المذكر السالم، وهو اسم جمع؛ لأن واحده من غير لفظه، ولا يجوز أن يكون جمعًا لعالم؛ لأن الصحيح في \"عالم\" أنه يطلق على كل موجود سوى الباري تعالى؛ لاشتقاقه من العلامة، بمعنى أنه دال على صانعه، و\"عالمون\" بصيغة الجمع لا يطلق إلا على العقلاء، دون غيرهم، فاستحال أن يكون \"عالمون\" جمع \"عالم\"؛ لأن الجمع لا يكون أخص من المفرد.\nوقال الراغب: إن \"العالم\" في الأصل اسم لما يعلم به، كالطابع اسم لما يطبع به، وجعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة، فالعالم آلة في الدلالة على صانعه. وقال الراغب أيضًا: وأما جمعه جمع السلامة فلكون الناس في جملتهم، والإنسان إذا شارك غيره فيه اللفظ غلب حكمه. وظاهر هذا أن \"العالمين\" يطلق على العقلاء وغيرهم، وهو مخالف لما تقدم من اختصاصه بالعقلاء -كما زعم بعضهم- وكلام\n_________\n(١) الدر المصون ج ١ ص ٦٧.","vol":"1","page":220},{"text":"الراغب هو الأصح الظاهر. انتهى كلام السمين باختصار (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه السمين من كون \"العالمين\" جمعًا لـ \"عالم\" حقيقة هو الحق عندي، كما جرى عليه الرضي، تبعًا لـ \"الكشاف\"، وغيره؛ لأنه في الأصل صفة لما فيه من معنى العلم، كالخاتم لما يختم به، والقالب لما يقلب به الشيء من حالة إلى حالة؛ لأن جميع المخلوقات لإمكانها، وافتقارها إلى مؤثر يعلم بها ذات موجدها، وتدل على وجوده، ولما غلب على العقلاء منهم جمع بالواو كسائر أوصافهم، فدخول غيرهم في \"العالمين\" تغليب. انظر \"حاشية الخضري على الخلاصة\" ج ١ ص ٥٦.\nوقال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: \"العالمون\" جمع عالم، والعالم جمع، لا واحد له من لفظه، كالأنام، والرهط، والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماع، لا واحد له من لفظه. والعالم: اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن، وذلك الزمان. والجن عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كل جنس منها عالم زمانه، ولذلك جمع، فقيل: عالمون، وواحده جمع، لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان، ومن ذلك قول العجاج:\nفَخِنْدِفٌ (٢) هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ\nفجعلهم عالم زمانه. وهذا القول الذي قلناه قول ابن عبّاس، وسعيد بن جبير، وهو معنى قول عامّة المفسّرين انتهى كلام الطبريّ (٣).\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل التأويل في \"العالمين\" اختلافًا كثيرًا، فقال قتادة: العالمون جمع عالم، وهو كلّ موجود سوى الله تعالى، ولا واحد له من لفظه، مثل رهط، وقوم. وقيل: أهل كلّ زمان عالمٌ. قاله الحسين بن الفضل؛ لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ [الشعراء: ١٦٥]. أي من الناس. وقال العجاج:\nوقالما جرير بن الخَطَفَى.\nتَنَصَّفَهُ الْبَرِيَّةُ وَهْوَ سَامٍ ... وَيُضْحِي الْعَالَمُونَ لَهُ عَلِيلَا\n_________\n(١) الدر المصون ج ١ ص ٦٨.\n(٢) اسم القبيلة.\n(٣) تفسير الطبريّ ج ١ ص ١٤٣.","vol":"1","page":221},{"text":"وقال ابن عبّاس: العالمون الجنّ والإنس؛ دليله قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ولم يكن نذيرًا للبهائم. وقال الفرّاء، وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهو أربعة أمم: الإنس، والجنّ، والملائكة، والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم؛ لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصّة.\nقال الأعشى:\nمَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِمْ فِي الْعَالَمِينَا\nوقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيّون. وهو معنى قول ابن عبّاس أيضًا: كلّ ذي رُوح دَبَّ على وجه الأرض. وقيل: غير ذلك (١).\nقال القرطبيّ: والقول الأول أصحّ هذه الأقوال، لأنه شامل لكلّ مخلوق وموجود؛ دليله قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. ثم هو مأخوذٌ من الْعَلَم والعلامةِ؛ لأنه يدلّ على موجده. كذا قال الزجّاج، قال: العالم كلّ ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال الخليل: الْعَلَم والعلامةُ، والْمَعْلَم: ما دلّ على الشيء؛ فالعالم دالّ على أن له خالقًا، ومدبّرًا، وهذا واضح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صحّحه القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وهو ظاهر في كون \"العالمين\" جمع مذكّر سالمًا حقيقةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)</span>\nهذه الجملة لم توجد في بعض النسخ. و\"العاقبةُ\" بالرفع على أنه مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، بيّن به كونَ العاقبة المحمودة للمتّقين من العالمين. ويحتمل أن يكون بالجرّ عطفًا على \"العالمين\" أي وربّ العاقبة التي تكون للمتّقين فقط.\n_________\n(١) ذكر القرطبيّ أقوالا أخرى تركت ذكرها لأن الظاهر أنها إسرائيليات التي لا دليل عليها في شرعنا.\n(٢) الجامع ج ١ ص ١٣٨ - ١٣٩.","vol":"1","page":222},{"text":"ومناسبته لما قبله أن فيه حَثًّا للعالمين على تقوى الله تعالى، لتكون لهم العاقبة المحمودة. والله تعالى أعلم.\nقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: و\"العاقبةُ\": آخر كلّ شيء، ولكنّها إذا أطلقت، فقيل: العاقبة لفلان، فُهم منه في العُرْف الخير. قاله القرطبيّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: \"ال\" في \"العاقبة\" لاستغراق خصائص الأفراد، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ومنه نحو: زيد الرجل علمًا، أي الكامل في هذه الصفة (٢).\nفعاقبة المتقين هي العاقبة المعتبرة، وأما العواقب التي تكون لغير المتقين فليست معتبرةً، فكأنها لا شيء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(وَصَلَّى الله) جملة فعليّة خبريّةٌ لفظًا، إنشائيّةٌ معنًى، وأصح ما قيل معناها صلاة الله تعالى ثناؤه ﷿ على نبيّه -ﷺ- عند الملائكة الكرام، كما سيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.\nوهذا الّذي فَعَلَه المصنّف رحمه الله تعالى من ذكر الصلاة على النبيّ -ﷺ- بعد الحمدلة، هو عادة العلماء رحمهم الله تعالى.\nقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: روَينا بإسنادنا الصحيح المشهور من \"رسالة الشافعيّ\"، عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾، قال: لا أُذكر إلا ذُكرت، أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ورَوَينا هذا التفسير مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ-، عن جبريل، عن ربّ العالمين. انتهى (٣).\n(عَلَى مُحَمَّدٍ) أشرف أسماء نبيّنا -ﷺ-، سمّي به لكثرة خصاله المحمودة، كذا قاله ابن فارس وغيره من أهل اللغة، قالوا: ويقال لكلّ كثير الخصال الجميلة: محمّد، ومحمود. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا أيضًا إن شاء الله تعالى (خَاتَم النَّبِيّنَ) أي آخرهم، فلا نبيّ بعده -ﷺ-.\nوفي \"الخاتم\" لغات: قال في \"القاموس\" و\"شرحه\": الْخِتَام ككِتَاب: الطينُ يُختم به على الشيء، والخاتَمُ -بفتح التاء-: ما يوضع على الطينة، وحَلْيٌ للإصبع،\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ج ٧ س ص ٢٦٣.\n(٢) راجع مغني اللبيب ج ١ ص ٥٠ في مبحث \"أل\".\n(٣) شرح مسلم ج ١ ص ٤٣ - ٤٤.","vol":"1","page":223},{"text":"كالخاتِم -بكسرها- والخاتَامِ، والْخَيْتَامِ -بالفتح-، والْخِيتَام -بالكسر- والْخَتَمِ -محرّكةً، والخَاتِيَام، جمعه خواتم، وخواتيم. فهي سبعة، نقلها ابن سيدهْ، ما عدا الأخيرة، واقتصر الجوهريّ على الخمسة الأولى، وزاد ابن مالك الْخَيْتَم، كحَيْدَرٍ، وجمعها خمسَ لغات، فقال:\nفِي الْخَاتَمِ الْخَيْتَمُ وَالْخَيْتَامَا ... يَرْوُونَ وَالْخَاتِمُ وَالْخَاتَامَا\nونظمها الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى بقوله [من البسيط]:\nخُذْ عَدَّ نَظْمِ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ ... ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نَظَّامُ\nخَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ (١) خَاتِمٌ وَخِتَا ... مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتَمٌ وَخَيْتَامُ\nوَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وإِذَا ... سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ (٢)\nوإنما قال: \"خاتم النبيّين\"، ولم يقل: \"خاتم المرسلين\"، وإن كان خاتمًا لهم أيضًا لما عُلِم أنّ النبوّة أعمّ من الرسالة باعتبار البشر، ونفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ، فلزم من كونه خاتم النبيّين بمعنى لا نبيّ بعده أنه خاتم المرسلين أيضًا، أي لا رسول بعده، بخلاف العكس، فلو ذكر المرسلين مع النبيّين لكان حشوًا (٣) (وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ) \"الأنبياء\": جمع نبيٍّ مشدّد الياء، من النّبْوَة، وهي الرفعة، فأصله نَبِيوٌ، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أُدغمت الياء في الياء. كما قال ابن مالك في \"الخلاصة\":\nإن يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا ... وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا\nفَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا ... وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا\nأو هو جمع نبيءٍ، مخفف الياء، مهموزًا، من النَّبَأ محرَّكةً، وهو الخبر، ففَعِيلٌ على كليهما، إما بمعنى فاعل، أو مفعول، أي مرفوع الرتبة عند الله تعالى، أو رافع رتبة من تبعه، أو مُخبَرٌ عن الله تعالى، أو مُخبِرٌ عنه. هذا هو المشهور.\nويجوز أن يكون المهموز من النَّبْءِ -بسكون الموحّدة- وهو الارتفاع، كما في \"القاموس\"، فيكون كالمشدّد، ويجوز كون المشدّد مخفّفَ المهموز، فيكون بمعناه.\n_________\n(١) الظاهر أن هذه بفتحتين، لكن سكّنت تاؤها للوزن، فقول الشارح المرتضى: ولم يذكر الناظم خَتَمًا الخ فيه نظر، بل ذكرها، ولكنه سكّنها للوزن. والله تعالى أعلم ..\n(٢) القاموس، وشرحه تاج العروس ج ٨ ص ٢٦٧.\n(٣) شرح السنوسيّ على صحيح مسلم ج ١ ص ٣.","vol":"1","page":224},{"text":"أفاده الصبّان في \"حاشية الأشمونيّ\" (١).\nو\"النبيّ -ﷺ-\" إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أُمر بذلك، فرسول أيضًا. أو أمر بتبليغه، وإن لم يكن له كتابٌ، أو نسخٌ لبعض شرع من قبله، كيوشع، فإن كان له ذلك، فرسول أيضًا، قولان. فالنبيّ أعمّ من الرسول عليهما. وفي قول ثالث: إنهما بمعنًى، وهو معنى الرسول على الأولِ المشهورِ. قاله المحليّ في \"شرح جمع الجوامع\" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>مسائل تتعلّق بجملة الصلاة المذكورة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>المسألة الأولى: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة:</span>\nقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في \"صحيحه\": قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس ﵄: يصلّون يُبّرِّكون. انتهى.\nقال في \"الفتح\": تحت قول أبي العالية: أخرجه ابن أبي حاتم. وقال تحت قول ابن عبّاس: وصله الطبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يُبَرِّكون على النبيّ -ﷺ-، أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه انتهى (٣).\nوقال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في \"جامعه\": ورُوِيَ عن سفيان الثوريّ، وغيرِ واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الربّ الرحمةُ، وصلاة الملائكة الاستغفار انتهى كلام الترمذيّ (٤).\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاريّ عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عنه. وقال غيره: الصلاة من الله ﷿ الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار انتهى كلام\n_________\n(١) راجع حاشية الصبّان على شرح الأشموني لألْفِيّة ابن مالك ج ١ ص ١٢.\n(٢) شرح الجلال شمس محمد بن أحمد المحلّيّ على جمع الجوامع للتاج السبكيّ ج ١ ص ١٣ - ١٤.\n(٣) فتح ج ٩ ص ٤٩.\n(٤) جامع الترمذيّ بشرح تحفة الأحوذيّ ج ٢ ص ٦١.","vol":"1","page":225},{"text":"ابن كثير (١).\nوقد رجّح ابن القيّم تفسير من فسّر صلاة الله تعالى بالثناء عند الملائكة، وردّ على من فسّرها بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه \"جلاء الأفهام\". ونقلته في \"شرح النسائيّ\" فراجعه فإنه مفيدٌ جدًّا.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" بعدما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيّه -ﷺ- ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة، وغيرهم عليه، طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة.\nونقل القاضي عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبيّ -ﷺ- من الله تشريفٌ، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبيّ رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبيّ -ﷺ-، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيّ -ﷺ- من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أنّ في هذه الآية من تعظيم النبيّ -ﷺ-، والتنويه به ما ليس في غيرها.\nوقال الْحَلِيميّ في \"الشُّعَب\": معنى الصلاة على النبيّ -ﷺ- تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهمّ صلّ على محمد: عظّم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: \"صلّوا\": ادعوا ربّكم بالصلاة عليه انتهى.\nولا يعكُر عليه عطف آله، وأزواجه، وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدعى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيّده أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صلّ على محمد، اللهمّ ارحم محمدًا، أو ترحّم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهّد عند من يوجبه بقول المصلّي في التشهّد: \"السلام عليك أيها النبيّ -ﷺ-، ورحمة الله، وبركاته\". ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبّد، فلا بدّ من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٥٠٣.\n(٢) فتح ج ١٢ ص ٤٤٥.","vol":"1","page":226},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن أرجح الأقوال في معنى الصلاة على النبيّ -ﷺ- ثناء الله تعالى عليه عند ملائكته الكرام، وهو يستلزم معنى الرحمة أيضًا، فإن الله تعالى لا يثني على عبده في الملأ الأعلى إلا إذا أحبّه، ومن أحبّه رحمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الثانية: في معنى \"محمّد\" اسم النبيّ -ﷺ-، واشتقاقه:</span>\nلقد أجاد ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى في هذا الموضوع في كتابه \"جلاء الأفهام\" أيضًا، فأجمل، وأفاد، قال: ما مُلخّصه:\nهذا الاسم هو أشرف أسمائه -ﷺ-، وهو علَمٌ منقولٌ من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد، وبُني على زنة مُفَعَّلٍ، مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّبٍ، ومُسَوَّدٍ، ومُبَجَّلٍ، ونظائرها؛ لأن هذا البناء موضوعٌ للتكثير، فإن اشتُقّ منه اسم فاعل، فمعناه من كثُرَ صدور الفعل منه مرّة بعد مرّة، كمعلِّم، ومُفهِّمِ، ومُبيِّنٍ، ونحوها، وإن اشتُقّ منه اسم مفعول، فمعناه مَن كثُر وقوع الفعل عليه مرّةَ بعد أُخرى، إما استحقاقًا، أو وقوعًا، فمحمّد هو الذي كثُر حمد الحامدين له مرّةً بعد أُخرى، أو الذي يستحقّ أن يُحمد مرّة به أخرى. ويقال. حُمِّدَ فهو مُحمَّد، كما يقال. عُلِّم فهو معلَّمٌ.\nوهو علَمٌ، وصفةٌ اجتمع فيه الأمران في حقّه -ﷺ-، وإن كان علمًا مختصًّا في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيّه، هي أعلام دالّةٌ على معانٍ هي بها أوصافٌ، فلا تُضادّ فيها العلميّة الوصف، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله، الخالق، البارىء، المصوّر، القهّار، فهذه أسماء له، دالّة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه.\nوكذلك أسماء النبيّ -ﷺ-: محمد، وأحمد، والماحي. وفي حديث جُبير بن مُطعَم، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: \"إنّ لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر\". فذكر رسول الله -ﷺ- هذه الأسماء مبيّنًا ما خصّه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضةً لا معنى لها، لم تدلّ على مدحٍ، ولهذا قال حسّان ([من الطويل]:\nوَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ\nوكذلك أسماء الربّ تعالى كلّها مدحٌ، فلو كانت ألفاظًا مجرّدةً، لا معانيَ لها لم تدلّ على المدح، وقد وصفها الله -ﷺ- بأنها حُسْنَى كلّها، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى","vol":"1","page":227},{"text":"فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠] فهي لن تكون حُسنَى لمجرّد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لَمّا سمع بعض الأعراب قارئًا يقرأ: \"والسارق والسارقة، فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالًا من الله، والله غفور رحيم\" قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارىء: أتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله، فعاد إلى حفظه، وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، فقال الأعرابيّ: صدقتَ، عَزَّ، فحكم، ولو غفر، ورحِمَ لما قطع.\nولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم العذاب، أو بالعكس ظهر تنافر الكلام، وعدم انتظامه.\nوفي \"السنن\" من حديث أُبيّ بن كعب -﵁- حديث: قراءة القرآن على سبعة أحرف، ثم قال: \"ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب\".\nولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة، لا معنى لها، لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا، أو بهذا.\nثم قال رحمه الله تعالى: إذا ثبت هذا، فتسميته -ﷺ- بهذا الاسم لما اشتمل عليه، من مسمّاه، وهو الحمد، فإنه -ﷺ- محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلّهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن كابر عقله جُحُودًا وعنادًا، وجهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، وإن جهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامدٌ له، وهو -ﷺ- اختصّ من مسمّى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد، وأحمد، وأمته الحمّادون، يَحمَدون الله في السرّاء والضرّاء، وصلاته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا كان عند الله في اللوح المحفوظ أن خُلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده -ﷺ- لواء الحمد يوم القيامة، ولَمّا يسجد بين يدي ربّه -ﷺ- للشفاعة، ويؤذن له فيها، يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأوّلون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].\nوقد أطال النفس ابن القيّم ﵀ في هذا بما لا تجده عند غيره (١).\n_________\n(١) راجع \"جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام\" ص ٩٢ - ١٠٨.","vol":"1","page":228},{"text":"وقال المحلّيّ رحمه الله تعالى في شرحه على \"جمع الجوامع\" في الأصول: و\"محمد\" علم منقول من اسم مفعول المضعّف، سمّي به نبيّنا -ﷺ- بإلهام من الله تعالى؛ تفاؤلًا بأنه يَكثُر حمد الخلق له لكثرة خصاله الجميلة، كما روي في السير أنه قيل لجدّه عبد المطّلب، وقد سمّاه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها. لِمَ سمّيت ابنك محمدًا، وليس من أسماء آبائك، ولا قومك؟ قال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض، وقد حقّق الله تعالى رجاءه، كيا سبق في علمه تعالى انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المسألة الثالثة: أفرد المصنّف رحمه اللهُ تعالى الصلاة عن السلام، حيث قال: \"وصلى الله على محمد\"، ولم يزد: \"وسلم\" إشارةً إلى أنّ إفراد أحدهما عن الآخر ليس مكروهًا، كما قيل</span>.\nقال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى: استُدلّ بحديث كعب بن عُجرة -ﷺ- غيره- يعني حديث تعليمه -ﷺ- الصلاة الإبراهيميّة لمّا سألوه عن كيفيّة الصلاة عليه- على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس؛ لأن تعليم السلام تقدّم قبل تعليم الصلاة، فأُفرِدَ التسليمُ مدّةً في التشهّد قبل الصلاة عليه.\nوقد صرّح النوويّ رحمه الله تعالى في \"الأذكار\" وغيره بالكراهة، واستدلّ بورود الأمر بهما معًا في الآية. قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-. وفيه نظر، نعم يكره أن يُفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا، أما لو صلّى في وقتٍ، وسلّم في وقتٍ آخر، فإنه يكون ممتثلًا انتهى كلام السخاويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي في هذا وقفتان:\n(الأولى): قول النوويّ بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، فإنّ مجرّد الاقتران في الآية لا يدلّ عليه، كما أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية لا يدلّ على ذلك، فلا قائل بأن من وجبت عليه الزكاة لا بدّ أن يؤدّيها مقرونة بالصلاة، بحيث إنه لو فرّق بينهما كُره عليه.\n(الثانية): قول الحافظ رحمه الله تعالى: نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا الخ محلّ نظر أيضًا؛ لأنه لا يمكن حصول ذلك أصلًا؛ لأنه لا بدّ أن يصلّي الصلوات الخمس، فإذا صلّى لا بدّ أن يتشهّد، وفيه السلام، فلا يمكن عدم السلام أصلًا، فتنبّه.\nوالحاصل أن القول بكراهة الإفراد غير صحيح، بل الجمع بينهما مستحبّ. والله\n_________\n(١) \"القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع\" ص ٣٥.","vol":"1","page":229},{"text":"تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>(المسألة الرابعة): </span>كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكر الآل في الصلاة؛ لأن النبيّ -ﷺ- ذكرهم في تعليماته لكيفيّة الصلاة المأمور بها في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nفقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن كعب بن عجرة -﵁-، قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: \"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\". متفق عليه.\nوعن أبي حميد الساعديّ، -﵁-، أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله -ﷺ-: قولوا: \"اللهم صل على محمد، وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\". متفق عليه.\nوعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، سمعتها من النبي -ﷺ-، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم، أهلَ البيت؟، فإن الله قد عَلَّمَنا كيف نسلم عليكم، قال: قولوا: \"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\". متفق عليه.\nوأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري -﵁-، قال: أتانا رسول الله -ﷺ-، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله -ﷺ-، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله -ﷺ-: قولوا: \"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم\".\nوغير ذلك من الصيغ المختلفة الواردة في التعليم النبويّ، فكان الأولى أن يصلّي عليهم أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>(المسألة الخامسة): </span>قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: قد يُنكَرُ على مسلم قوله:","vol":"1","page":230},{"text":"\"وعلى جميع الأنبياء والمرسلين\"، فيقال: إذا ذُكِر الأنبياء لا يبقى لذكر المرسلين وجهٌ؛ لدخولهم في الأنبياء، فإن الرسول نبيّ وزيادة.\nقال: وهذا الإنكار ضعيف، ويُجاب عنه بجوابين:\n(الأول): أن هذا سائغ، وهو أن يُذكَر العامّ، ثمّ الخاصّ؛ تنويهًا بشأنه، وتعظيمًا لأمره، وتفخيمًا لحاله، وقد جاء في القرآن العزيز آيات كريمات كثيرات، من هذا، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. وقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وغير ذلك من الآيات الكريمات.\nوقد جاء أيضًا عكس هذا، وهو ذكر العامّ بعد الخاصّ، قال الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨].\nفإن ادّعى متكلّفٌ أنه عَنَى بالمؤمنين غيرَ من ذكره، فلا يُلتَفَت إليه.\n(والجواب الثاني): أن قولة \"والمرسلين\" أعمّ من جهة أخرى، وهو أنه يتناول جميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام من الآدميين، والملائكة، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ٧٥]. ولا يُسمّى الملك نبيًّا، فحصل بقوله: \"والمرسلين\" فائدةٌ لم تكن حاصلة بقوله: \"الأنبياء\". انتهى كلام النوويّ بتصرف يسير (١).\nوقال السنوسيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: عَطفُ \"المرسلين\" على \"النبيّين\" من عطف الخاصّ على العامّ للتشريف لهم. ويحتمل أن يكون لإدخال المرسلين من الملائكة، كجبريل، وميكائيل ﵉، فإن الملك يقال فيه رسول، ولا يقال فيه نبيّ؛ بناءً على أن بين النبيّ والرسول عمومًا وخصوصًا من وجه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>(المسألة السادسة): في ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصلاة والسلام على رسول الله -ﷺ</span>-:\n(فمنها): حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من صلّى عليّ صلاةً\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم ج ١ ص ٤٤.\n(٢) شرح صحيح مسلم للسنوسيّ ج ١ ص ٣.","vol":"1","page":231},{"text":"واحدةً صلّى الله عليه بها عشرًا\". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان في \"صحيحه\".\n(ومنها): حديث أنس -﵁-: إِنّ رسول الله -ﷺ- خرج عليهم يومًا يَعرفون البِشْرَ في وجهه، فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البِشْر يا رسول الله، قال: \"أجلْ، أتاني الآن آتٍ من ربّي، فأخبرني أنه لم يُصلّي عليّ أحدٌ من أمّتي، إلا ردّ الله عليه عشر أمثالها\". رواه أحمد، والنسائيّ، وابن حبّان في \"صحيحه\".\n(ومنها). حديث ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاةً\". رواه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان.\n(ومنها): حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-، قال: \"ما من أحدٍ يُسلّم عليّ، إلا ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ ﵇\". حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود.\n(ومنها): حديث ابن مسعود -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: \"إنّ لله في الأرض ملائكة سَيَّاحين، يبلّغوني من أمتي السلام\". رواه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان.\n(ومنها): حديث أبيّ بن كعب -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ-، إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: \"يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه\"، قال أُبيّ: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، فقال: \"ما شئت\"، قال: قلت: الربع؟، قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\"، قلت: النصف؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\"، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\"، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: \"إذًا تُكفَى هَمَّك، ويغفر لك ذنبك\". رواه أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم، وصححه.\nومعنى قوله: \"أُكثرُ الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي؟ \". أي أُكثر الدعاء، فكم أجعل من دعائي صلاةً عليك.\n(ومنها): حديث كعب بن عُجرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"احْضُرُوا المنبرَ، فحضرنا، فلمّا ارتقى درجةً قال: \"آمين\"، فلمّا ارتقى الدرجة الثانية قال. \"آمين\"، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: \"آمين\"، فلما نزل، قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنّا نسمعه، قال: \"إن جبريل عَرَضَ لي، فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان، فلم يُغفر له، قلت: آمين، فلما ارتقيت الثانية قال: بعُد من ذُكرتَ عنده، فلم يُصلّ عليك، فقلت:","vol":"1","page":232},{"text":"آمين، فلما ارتقيت الثالثة قال: بعُد من أدرك أبويه الكِبَرُ عنده، أو أحدَهما، فلم يُدخلاه الجنّة، قلت: \"آمين\". رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\n(ومنها): حديث أوس بن أوس -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من أفضل أيامكم يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقَة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ\". قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرض صلاتنا عليك، وقد أَرَمْتَ -يعني بَلِيتَ-؟، فقال: \"إنّ الله -ﷺ- حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان في \"صحيحه\"، والحاكم، وصحّحه.\nوقوله: \"أَرَمْتَ \" -بفتح الهمزة، والراء، وسكون الميم، وروي -بضمّ الهمزة، وكسر الراء- قاله الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى.\n(ومنها): حديث أبي ذَرّ -﵁-: أن رسول الله -ﷺ-، قال: \"إن أبخل الناس، من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ\". أخرجه إسماعيل القاضي، وصححه الألباني ﵀ لشواهده.\nفهذه بعض الأحاديث الصحيحة في فضل الصلاة على النبيّ -ﷺ-، انتخبتها من كتاب الإمام الحافظ إسماعيل بن إسحاق القاضي (١٩٩ - ٢٨٢ هـ) بتحقيق الألباني، وتركت منها كثيرًا للاختصار، ومن كتاب \"الترغيب والترهيب\" للحافظ المنذريّ (ت ٦٥٦ هـ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى، مبيّنًا سبب تأليفه الكتاب:\n(أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ -يَرْحَمُكَ الله بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بالْفَحْصِ، عَن تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ-، فِي سُنَنِ الدِّينِ، وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَاب، وَالْعِقَاب، وَالتَّرْغِيبِ، والتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>الشرح الإجماليّ لهذه الفِقْرَة (١):</span>\nخَاطَبَ رحمه الله تعالى مَنْ طَلَب منه أن يؤلّف له كتابًا -بقوله: أما بعدُ- أي بعدَ الحمد لله، والصلاة على النبيّ -ﷺ - فإنك أيها الطالب رحمك الله تعالى بسبب توفيق\n_________\n(١) \"الفقرة\" بكسر الفاء، وفتحها، كما في \"القاموس\"، مأخوذ من فَقَار الظهر، قال في \"تعريفات الشريف الجرجانيّ\" ص ١١٩: الفقرة في اللغة: اسم لكل حَلْي يُصاغ على هيئة فَقَار الظهر، ثم استعير لأجود بيت في القصيدة تشبيهًا له بالْحَلْي، ثم استُعير لكل جملة من الكلام تشبيهًا لها بأجود بيت في القصيدة. انتهى.\nقال الجامع: المعنى الأخير هو المقصود هنا. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":233},{"text":"الله تعالى لك قصدّت أن تبحث بشدّة عن معرفة مجموعة من الأحاديث المنقولة عن النبيّ -ﷺ- في الأحكام وغيرها، وذلك بأسانيدها الخاصّة التي نُقلت بها المشهورةِ عند أهل العلم المتداولةِ فيما بينهم. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الشرح التفصيليّ لهذه الفِقْرة:</span>\n(أَمَّا بَعْدُ) أي بعدَ البسملة، والحمدلة، والصلاة على رسول الله، وعلى المذكورين معه (فَإِنَّكَ -يَرْحَمُكَ الله) الخطاب لشخص طلب منه تأليف هذا الكتاب، وهو الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوريّ المتوفَّى سنة (٢٨٦ هـ) كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ في \"تاريخه\"، فقال في ترجمة أحمد بن سلمة المذكور: ما نصّه: أحمد بن سلمة بن عبد الله، أبو الفضل البزّار المعدّل النيسابوريّ، أحد الحفاظ المتقنين، رافق مسلم بن الحجّاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد إلى بَلْخَ، وفي رحلته الثانية إلى البصرة، وكتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم \"الصحيح\" في كتابه. وتُوفّي أحمد بن سلمة سنة (٢٨٦ هـ) انتهى كلام الخطيب رحمه الله تعالى (١).\n(بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ) متعلّق بـ \"ذَكَرتَ\" بعده، قُدِّم عليه للاهتمام به، ولإفادة الحصر، أي إنك ذكرتَ ما ذكرته بسبب توفيق الله لك، لا بسبب أمر آخر. ويحتمل أن يتعلّق بـ \"هممت\" وفيه بعدٌ، إذ فيه تقدّم معمول خبر \"أنّ\" عليها، وهو لا يجوز.\nويحتمل أن يتعلّق بـ \"يرحمك الله\" قبله، فيكون دعاء له برحمة مخصوصة، وهي المتعلّقة بالتوفيق.\nوقد أشار الإمام القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرحه \"إكمال المعلم\" إلى هذه الأوجه الثلاثة، وعبارته فيه:\nيحتمل أن يكون دعاء له بأن يرحمه الله بتوفيقه، وهدايته، فإنها من جملة رحمة الله، وفضله. ويحتمل أن يُعَلَّق قوله: \"بتوفيق خالقك\" إما إلى ما ذكره، أو همّ به من الفحص. قال: وقد سقط هذا الدعاء عندنا في رواية شيخنا الْخُشَنيّ انتهى (٢).\nوقد اعترض العلّامة السنديّ رحمه الله تعالى تعلّقه بـ \"يرحمك الله\" بأنه غير مناسب لفظًا ومعنًى، أما لفظًا، فلأن الظاهر حينئذ \"بتوفيقه\". وأما معنًى فلأن إطلاق الرحمة أحسن، وأولى من تقييدها انتهى (٣).\n_________\n(١) راجع تاريخ بغداد ج ٤ ص ١٨٦.\n(٢) راجع مقدّمة إكمال المعلم ص ١٣٣. بتحقيق د/ الحسين بن محمد شوّاط.\n(٣) انظر التعليق على الحلّ المفهم لـ \"صحيح مسلم\". ص ٣.","vol":"1","page":234},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأمر كما قال السنديّ، فالوجه الأول -وهو تعلّقه بـ \"ذكرت\" هو الأولى. والله تعالى أعلم.\nو\"التوفيق\": مصدر وَفَّق يوفّق، وهو الإلهام، يقال: وَفَّقَهُ الله -ﷺ- للخير: إذا ألهمه. أفاده في \"اللسان\". وضدّ التوفيق الخذلان، قال بعضهم: التحقيق أن التوفيق التمكين من الطاعة، والإقدار عليها، والخذلان التمكين من المعصية، والإقدار عليها، كما أن الهداية الموصلة هي خلق الاهتداء، والإضلال خلق الضلال. انتهى (١).\nوجملة \"يرحمك الله الخ\" معترضة بين اسم \"إنّ\" وخبرها، وهو قوله (ذَكَرْتَ أَنَّكَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفرد، وهو المفعول به، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَهَمْزَ \"إِنَّ\" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ\n(هَمَمْتَ) أي قصدتَ، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمًّا، من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله، وأهمّني الأمر بالألف: إذا أقلقك، وهمّني همًّا، من باب قتل مثله. أفاده في \"المصباح\" (بِالْفَحْصِ) -بفتح الفاء، وسكون الحاء المهملة- أي شدّة الطلب والبحث.\nقال الليث وغيره، من أهل اللغة: \"الفحصُ\": شدّة الطلب، والبحث عن الشيء، يقال: فَحَصتُ عن الشيء، وتفحّصتُ، وافتحصتُ بمعنى واحد. ذكره النوويّ (٢).\nوقال في \"المصباح\": فَحَصَتِ القَطاةُ فَحْصًا، من باب نفعَ: حَفَرَتْ في الأرض موضعًا، تَبيض فيه، واسم ذلك الموضع \"مَفْحَصٌ\" -بفتح الميم، والحاء- ومنه قيل: فَحَصْتُ عن الشيء: إذا استقصيت في البحث عنه، وتَفَحَّصْتُ مثله انتهى (٣).\n(عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ) أي عن تطلُّب معرفة مجموعة من الأحاديث النبويّة.\nقال في \"اللسان\": وتعرَّفتُ ما عند فلان: أي تطلّبتُ حتى أعرفَهُ. وتعرّفَهُ المكانَ، وفيه: تأمَّله به، وأنشد سيبويه [من الطويل]:\nوَقَالُوا تَعَرَّفْهَا الْمَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ وَافَى مِنًى أَنَا عَارِفُ (٤)\nوإنما عبّر بالتعرّف الذي فيه معنى التكلّف إشارةً إلى أن معرفة الأحاديث ليس أمرًا سهلًا، بل يحتاج إلى شدّة الإقبال بالاجتهاد، والتفرّغ له بترك الأشغال، والدوام عليه بالحفظ والمذاكرة، ومجالسة أهله المختصّين به، والْجُثُوّ على الرُّكب بين أيديهم.\nوالجارّ والمجرور متعلّق بـ \"الفحص\"، وإضافة \"تعرّف\" إلى \"جملة\" من إضافة\n_________\n(١) راجع هامش كليات أبي البقاء الكفويّ ص ٣١٠.\n(٢) شرح مسلم ج ١ ص ٤٥.\n(٣) المصباح المنير ص ٤٦٣ في مادّة فحص.\n(٤) انظر لسان العرب في مادّة عرف.","vol":"1","page":235},{"text":"المصدر إلى مفعوله، وإضافة \"جملة\" إلى \"الأخبار\" بمعنى \"من \".\nو\"الجُمْلة\" -بالضمّ- جماعةُ الشيء. قاله في \"القاموس\". والأخبار -بفتح الهمزة -جمع خبر -بفتحتين- والمراد به هنا الأحاديث، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.\n(الْمَأْثُورَةِ) بالجر صفة لـ \"الأخبار\"، أي الأخبار المنقولة، وهو اسم مفعول من أَثَرتُ الحديثَ أَثْرًا، من باب قتل: نقلتُهُ، والأَثَرُ -بفتحتين- اسم منه، وسيأتي البحث في الفرق بينه وبين الخبر، إن شاء الله تعالى (عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ-) متعلّق بـ \"المأثورة\"، وفيه إشارةٌ إلى أن هذا الكتاب موضوعٌ للأحاديث المرفوعة فقط، وما يوجد فيه من الموقوفات ونحوها، فعلى سبيل التبع (فِي سُنَنِ الدِّينِ) متعلّق بصفة محذوفة لـ \"الأخبار\"، أي الأخبار الكائنة في سنن الدين، أو بحال منه، أي حال كونها كائنة في سنن الدين، أو متعلق بـ \"المأثورة\".\nو\"السنن\" -بضمّ السين المهملة- جمع سُنّة، مثلُ غُرْفَة، وغُرَف، وهي في الأصل: الطريقة، والسِّيرهُ، حميدَةً كانت، أو ذميمة. قاله في \"المصباح\". وقال في \"اللسان\": والسنّة: السِّيرةُ حسنةً كانت، أو قَبيحةً، قال خالد بن عُتبة (١) الْهُذَليّ [من الطويل]:\nفَلَا تَجْزَ عَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ أَهْلُهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا\nقال: وسَنَنْتُها سَنًّا، واسْتَنَنْتُها: سِرْتُها؛ وسَنَنْتُ لكم سُنَّةً، فاتبِعُوها. وفي الحديث: \"من سَنّ سُنّةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عَمِلَ بها، ومن سنّ سُنّة سَيّئةً\"، يُريد: من عَمِلَها لِيُقتَدَى به فيها، وكلُّ من ابتدأ أمرًا، عمل به قومٌ بعده، قيل: هو الذي سنَّهُ، قال نُصَيبٌ [من الطويل]:\nكَأَنِّي سَنَنْتُ الْحُبَّ أَوَّلَ عَاشِقٍ ... مِنَ النَّاسِ إِذْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي\nوقد تكرّر في الحديث ذكر السنّة، وما تصرّف منها، والأصل فيه الطريقة، والسيرة، وإذا أُطلقت في الشرع، فإنما يُراد ما أمر به النبيّ -ﷺ-، ونَهَى عنه، ونَدَبَ إليه، قولًا، وفِعْلًا، مما لم يَنطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلّة الشرع: الكتاب، والسنّة، أي القرآن، والحديث.\nقال: وفي \"التهذيب\": السُّنّة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل؛ فلانٌ\n_________\n(١) كتب في هامش \"اللسان\": قوله: \"خالد بن عتبة الهذلي\" خطأ، صوابه: خالد بن زهير، وهو ابن عمّ الشاعر أبي ذُؤيب الهُذَليّ، أو ابن أخته.","vol":"1","page":236},{"text":"من أهل السنّة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، وهي مأخوذة من السَّنَنِ، وهو الطريق. انتهت عبارة \"اللسان\" باختصار.\nويحتمل أن يكون \"سنن الدين\" مفردًا بمعنى نَهْجه (١)، أي طريقه الواضح. قال في \"القاموس\": وسننُ الطريق مثلّثةً، وبضمّتين: نَهْجُهُ، وجِهَتُهُ انتهى.\nو\"الدين\" -بالكسر- قد ذَكَرَ له في \"القاموس\" معانيَ كثيرة، ومن المعاني المناسبة هنا: الإسلامُ، والعبادةُ، والتوحيدُ، واسمٌ لجميع ما يُتعبَّدُ الله ﷿، والملّةُ انتهى.\nوذكر الراغب الأصفهانيّ في \"مفردات ألفاظ القرآن\": أن الدين يقال للطاعة، والجزاء، واستُعير للشريعة، والدينُ كالملّة، لكنّه يقال اعتبارًا بالطاعة، والانقيادِ للشريعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية [النساء: ١٢٥] أي طاعةً. وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ الآية [آل عمران: ٨٣] يعني الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥] وعلى هذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية [الصفّ: ٩]. انتهى كلام الراغب باختصار (٢).\nفإضافة \"سنن\" إلى \"الدين\" في قول المصنّف \"في سنن الدين\" بيانيّة، أي سننٍ هي الدين. والله تعالى أعلم.\n(وَأَحْكَامِه) جمع \"حُكْم\" -بضمّ، فسكون-: مصدرُ حَكَمَ يَحْكُمُ حُكمًا. وهو في اللغة القضاء. قاله في \"القاموس\".\nوقال الراغب: والْحُكْم بالشيء أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواءٌ ألزمتَ ذلك غيره، أو لم تُلزمه. انتهى (٣).\nفإضافة \"الأحكام\" إلى ضمير \"الدين\" تكون من إضافة الأخصّ إلى الأعمّ، كشجر أراك؛ لأن الحكم يخصّ القضاء بالشيء بأنه واجبٌ، أو مستحبٌّ، أو مباحٌ، و\"الدين\" أعمّ منه، إذ هو يشمل القضاء المذكور، وغيره كالفضائل، والمناقب، والإخبار بالأمم السابقة، وأحوال يوم القيامة.\nوعطف \"الأحكام\" على \"السنن\" من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن \"السنن\"\n_________\n(١) في \"المصباح\": النّهج مثل فَلْس: الطريق الواضح. والمَنْهَج، والْمِنْهَاج مثله. اهـ.\n(٢) \"مفردات ألفاظ القرآن\" ص ٣٢٣.\n(٣) \"مفردات ألفاظ القرآن\" ص ٢٤٨.","vol":"1","page":237},{"text":"بمعنى \"الدين\" كما تقدّم، فهي أعمّ من الأحكام.\nوقال النوويّ: هو من ذكر العامّ بعد الخاصّ، فإن السنن من أحكام الدين. وكذا قال السنوسيّ، وزاد: ما نصّه: والمراد بالدين الإسلام، وبالسنن المندوبات، وما لم يَصِل إلى حدّ الوجوب، والأحكام تشمل الأحكام الخمسة، وما يتعلّق بها من خطاب الوضع انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأولى أنه من عطف الخاصّ على العامّ، لما قدّمته؛ ولأن استعمال السنن للمندوبات اصطلاحٌ حادث للمتأخّرين، فلا ينبغي حمل كلام المصنّف عليه، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n(وَمَا كَانَ مِنْهَا) عطف على \"سنن الدين\" أي وما كان من الأخبار المأثورة (فِي الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ) أي بيان ثبوت الثواب، والعقاب، أو بيان جنسهما، أو مقدارهما.\nو\"الثواب\": اسم مصدر لـ \"أثابه الله\": بمعنى جازاه. قال الفيّوميّ: \"الثواب\": الجزاء، وأثابه الله تعالى: فَعَلَ له ذلك. انتهى. وقال الراغب: \"والثواب\" يقال في الخير والشرّ، لكن الأكثر المتعارَف في الخير، وعلى هذا قوله ﷿: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].\nو\"العقاب\": مصدر عاقبه، كالمعاقبة، كما قال ابن مالك في \"لاميّته\":\nلِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أوْ مُفَاعَلَةً ... وَفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلَا\nيقال: عاقبه عِقابًا ومُعاقبةً: جازاه على عمله السيّء. قال في \"اللسان\": والعِقَاب، والمعاقبة أن تَجزِي الرجل بما فَعَل سُوءًا، والاسم العقوبةُ. وعاقبه بذنبه مُعاقبةً، وعقابًا: أخذه به. انتهى. وقال الراغب: العقوبة، والمعاقبة، والعِقَاب يختصّ بالعذاب انتهى (٢).\n(وَالتَّرْغِيبِ) مصدر رغَّبَه في الشيء: إذا أطمعه فيه. يقال: رَغِبَ فيه، كسَمِعٍ، رَغْبًا، ويُضمّ، ورَغْبَةً: أراده، كارتغَبَ، ورَغِب عنه: لم يُرِده، ورغِب إليه رَغَبًا، محرّكة، ورَغْبَى، ويُضمّ، ورَغْباء، كصحراء، ورَغَبُوتًا، ورَغبُوتَى، ورَغَبَانًا محرّكات، ورُغْبَة بالضمّ، ويُحرّك: ابتهل، أو هو الضّرَاعة، والمسألة، وأرغبه غيره، ورغّبه. انتهى.\nوفي \"اللسان\": رَغِبَ يَرْغَبُ رَغْبَةً: إذا حَرَصَ على الشيء، وطَمِعَ فيه. ورَغّبه، وأرغبه بمعنًى. والرّغْبَةُ: السؤال والطَّمَع. انتهى باختصار.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" للنوويّ ج ١ ص ٤٥. و\"شرح السنوسيّ\" ج ١ ص ٤.\n(٢) \"مفردات ألفاظ القرآن\" ص ٥٧٥.","vol":"1","page":238},{"text":"وقال الراغب: أصل الرَّغْبة: السَّعَة في الشيء، يقال: رَغُبَ الشيءُ: اتسع، وحَوضٌ رغيبُ الجوف، وفرسٌ رَغيب العَدْوِ. والرَّغْبَةُ، والرَّغَبُ، والرَّغْبَى: السعَةُ في الإرادة، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٠]. فإذا قيل: رَغِبَ فيه، وإليه يقتضي الحِرْصَ عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] وإذا قيل: رَغِبَ عنه اقتضى صَرْفَ الرغْبَة عنه، والزهد فيه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٠] انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الأحاديث التي تُرَغّب الناس، وتُطمعهم في خيرات الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم.\n(والتَّرْهِيب) مصدر رهّبه الشيءَ: بمعنى خَوّفه منه. يقالْ: رَهِبَ الشيءَ يَرهَبه، كعَلِمَ يَعلَم، رَهْبَةً، ورُهْبًا -بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك- ورُهْبَانًا- بالضمّ، ويُحرَّك-: خافه. والا سم الرَّهبَى، ويُضمّ، ويُمدّان، والرَّهَبُوتَى. وأرهبه، ورَهّبَهُ، واسترهبه: إذا أخافه، وأفزعه. أفاده في \"القاموس\"، و\"اللسان\".\nوقال الراغب: الرَّهْبَة، والرُّهْبُ: مخافةٌ مع تحرّز، واضطراب انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الأحاديث التي تخوّف الناس من كلّ مكروهٍ من مكاره الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم.\n\"وَغَيْرِ ذَلِكَ\" أفرد اسم الإشارة، وإن كان ما تقدّم أكثر من واحد لتأويله بالمذكور، أو بما تقدّم.\n(مِنْ صُنُوفِ الأشْيَاء) جمع صَنْف -بفتح، فسكون-: أي من أنواع الأشياء. قال في \"المصباح\": قال ابن فارس فيما ذكره عن الخليل: \"الصّنف\": الطائفة من كلّ شيء. وقال الجوهريّ: الصّنف. هو النوع، والضرب، وهو بكسر الصاد، وفَتحُها لغةٌ، حكاها ابن السكّيت، وجماعةٌ، وجمع المكسور أصنافٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحمالٍ، وجمع المفتوح صُنُوفٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. قاله في \"المصباح\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد بصنوف الأشياء ما تشتمل عليه الأحاديث النبويّة، وقد أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقسام: وهي العقائد، والأحكام، والرِّقَاق، والأدب، والتفسير، والسِّيَر، والفِتَن، والمناقب.\nوهذه الأقسام هي التي إذا جمعها كتابٌ يُسمَّى بـ \"الجامع\"، كهذا الكتاب على خلاف فيه؛ لقلّة تفسيره، والصحيح أنه من الجوامع، كما تقدّم بيانه في المقدّمة، وقد\n_________\n(١) \"مفردات ألفاظ القرآن\" ص ٣٥٨.\n(٢) المصدر السابق ص ٣٦٦.","vol":"1","page":239},{"text":"سبق ذكر الأقسام الثمانية المذكورة نظمًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.\n(بِالأَسَانِيدِ) جمع إسناد -بالكسر- وهو في الأصل ذكر طريق الحديث، لكن المراد هنا نفس الطريق، وإنما جمعه، وإن كان المصدر لا يُجمع، نظرًا إلى أنواعه، فإنه قد يكون عاليًا، وقد يكون نازلًا، وتارة يكون مُتّصلًا بالسماع، وتارة بالقراءة، وتارة بهما، وغير ذلك.\n(الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي نقل أهل الحديث تلك الأخبار بتلك الأسانيد (وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ) أي تناقلوها، من المداولة، يقال: تداول القوم الشيء تدوُلًا، وهو حصوله في يد هذا تارةً، وفي يد هذا تارةً أخرى، والاسم الدَّوْلة -بفتح الدّال، وضمّها، وجمع المفتوح دِوَلٌ -بالكسر- مثلُ قَصْعَة، وقِصَعٍ، وجمع المضموم دُوَلٌ، مثل غُرْفَة وغُرَف. ومنهم من يقول: الدُّولَ -بالضمّ في المالَ، وبالفتح في الحرب. قاله في \"المصباح\".\nوأشار بهذه الجملة إلى أن المطلوب أن تكون الأسانيد مشهورة بين أهل الحديث، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة، فإن أغلبها لا تكون إلا ضعافًا، فلا تصلح لجمع الأخبار الصحيحة بها.\nوقد ذمّ أهل العلم الغريب من الحديث ذمًّا شديدًا، وسنذكر ما نُقل عنهم فيه في المسألة الثامنة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>مسائل تتعلّق بما تقدّم من كلام المصنّف رحمه الله تعالى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الأولى: في الكلام على إتيان المصنّف رحمه الله تعالى في خطبته بـ \"أمّا بعد</span>\":\nاعلم: أنه إنما أتى بها رحمه الله تعالى في أول كلامه؛ اتباعًا للسنّة، فقد أخرج الطبرانيّ: أنّ النبيّ -ﷺ- كان إذا خطب قال: \"أما بعد\" (١).\nوقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في \"كتاب الجمعة\" من \"صحيحه\" بابًا فقال: \"باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد\"، فأورد حديث أسماء بنت أبي بكر -﵃- في الكسوف بطوله، وفيه: فخطب الناس، وحمد الله، بما هو أهله، ثم قال -ﷺ-: \"أما بعد\". وحديث عمرو بن تَغْلِب -﵁- في قسمة النبيّ -ﷺ- الفيء، وفيه: فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال -ﷺ-: \"أما بعد\". وحديث عائشة -﵂- صلاة النبيّ -ﷺ- ليلا في المسجد، فصلّى رجال بصلاته ... الحديث، وفيه: فتشهّد، ثم قال -ﷺ-: \"أما بعد\". وحديث أبي حُميد الساعديّ -﵁-. أن رسول الله -ﷺ- قام عشيّة بعد الصلاة، فتشهّد،\n_________\n(١) في \"المعجم الكبير\" ١٠/ ١٩٨. وقال الحافظ الهيثميّ: في \"المجمع\" ٢/ ١٨٨: رجاله موثّقون.","vol":"1","page":240},{"text":"وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال -ﷺ- \"أما بعد\". وحديث الْمِسْوَر بن مَخرَمَة -﵄-، قال: قام رسول الله -ﷺ-، فسمعته حين تشهّد يقول: \"أما بعد\". وحديث ابن عبّاس -﵄-، قال: صعد النبيّ -ﷺ- المنبر ... وفيه: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"أيها الناس إليّ\"، فثابوا إليه، ثم قال: \"أما بعد\".\nقال في \"الفتح\": وفي الباب مما لم يذكره عن عائشة في قصّة الإفك. وعن أبي سفيان في الكتاب إلى هرقل، متّفقٌ عليهما. وعن جابر قال: كان رسول الله -ﷺ - إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته ... الحديث، وفيه: فيقول -ﷺ-: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله\". أخرجه مسلم. وفي رواية له عنه: كان خطبة النبيّ -ﷺ- يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته فذكر الحديث، وفيه: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله\".\nقال: ويستفاد من هذه الأحاديث أن \"أما بعد\" لا تختصّ بالخطب، بل تقال أيضًا في صدور الرسائل، والمصنّفات، ولا اقتصار عليها في إرادة الفصل بين الكلامين، بل ورد في القرآن في ذلك لفظ ﴿هَذَا وَإِنَّ﴾ (١) وقد كثر استعمال المصنّفين لها بلفظ \"وبعد\"، ومنهم من صدّر بها كلامه، فيقول: \"أما بعد حمد الله، فإن الأمر كذا\"، ولا حجر في ذلك.\nوقد تتبّع طرق الأحاديث التي وقع فيها \"أما بعد\" الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في خطبة \"الأربعين المتباينة\" له، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابيًّا. منها ما أخرجه من طريق ابن جُريج، عن محمد بن سيرين، عن المسور بن مخرمة -﵄-. كان النبيّ -ﷺ- إذا خطب قال: \"أما بعد\". ورجاله ثقات. وظاهره المواظبة على ذلك انتهى (٢).\nوقد ذكر العلامة العيني في \"عمدته\" الصحابة (٣) الذين ذكرهم الحافظ عبد القادر الرهاويّ، فقال:\nمنهم: سعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله، والفضل ابنا العباس بن عبد المطّلب، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب، وعديّ بن حاتم، وأبو حميد الساعديّ، وعقبة بن عامر، والطُّفَيل بن سخبرة، وجرير بن عبد الله البجليّ، وأبو سفيان بن\n_________\n(١) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾.\n(٢) فتح ج ٣ ص ٦٩.\n(٣) لكن عددهم عنده أحد وثلاثون، لا اثنان وثلاثون، كما تقدم في عبارة \"الفتح\"، ولا أدري ممن الغلط. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":241},{"text":"حرب، وزيد بن أرقم، وأبو بكرة، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد، وقرّة بن دعموص، والمسور بن مخرمة، وجابر بن سمرة، وعمرو بن ثعلبة، ورزين بن أنس السلميّ، والأسود بن سَرِيع، وأبو شُرَيح بن عمرو، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عليم، وعقبة بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر -﵃- أجمعين انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما تقدّم من النصوص أن السنّة في الخطب، والرسائل، والمصنّفات أن يؤتى بـ \"أما بعد\"، وهذه مما يتساهل فيه كثير من الخطباء، وأصحاب الرسائل، والكتب، فاكتفوا بقولهم: \"وبعد\"، وليس له أصل في السنّة، ومنهم من يقول: \"ثم أما بعد\"، بزيادة \"ثم\"، وهذا أيضًا لم يرد، فالعمل بما ورد في السنّة، وهو \"أما بعد\" هو المتعيّن لمن يدّعي الاقتداء بهدي النبيّ -ﷺ-، فإن خير الهدي هدي محمد -ﷺ-، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، اللهمّ ثبّتنا على السنّة، وأحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً، وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات. آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الثانية: في بيان الاختلاف في أوّل من تكلّم بـ \"أما بعد</span>\".\nقال الحافظ رحمه الله تعالى: اختُلف في أول من قالها: فقيل: داود ﵇. رواه الطبرانيّ، مرفوعًا، من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- وفي إسناده ضعف. وروى عبد ابن حُميد، والطبرانيّ عن الشعبيّ، موقوفًا أنها فصل الخطاب الذي أُعطيه داود ﵇. وأخرجه سعيد بن منصور، من طريق الشعبيّ، فزاد فيه: \"عن زياد بن سُميّة\". وقيل: أول من قالها يعقوب. رواه الدارقطنيّ بسند واهٍ في غرائب مالك (٢). وقيل: أول من قالها يعرب بن قحطان. وقيل: كعب بن لؤيّ. أخرجه القاضي أبو أحمد الغسانيّ، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بسند ضعيف. وقيل: سَحْبَان بن وائل. وقيل: قُسّ بن ساعدة. قال الحافظ: والأول أشبه، ويجمع بينه، وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأوّليّة المحضة، والبقيّة بالنسبة إلى العرب خاصّة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القبائل انتهى (٣).\n_________\n(١) عمدة القاري ج ٥ ص ٣١١.\n(٢) قال في \"عمدة القاري\": وفي غرائب مالك للدارقطنيّ بسند ضعيف: \"لما جاء ملك الموت إلى يعقوب ﵊، قال يعقوب في جملة كلامه: أما بعد، فإنا أهل بيت موكلٌ بنا البلاء\". انتهى. ج ٥ ص ٣١١.\nفتح الباري ج ٣ ص ٦٧ - ٦٨.","vol":"1","page":242},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هدا الجمع عندي نظرٌ، لأن الجمع فرع عن الصحّة، وهذه الأقوال لم تصحّ أصلًا، اللهمّ إلا أن يراد الجمع على تقدير الصحّة، وأيضًا أن كون داود، أو يعقوب أول من قالها محلّ توقّف، إذ لغتهما ليست عربيّة. فليتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.\nولبعضهم نظمًا [من الطويل]:\nجَرَى الْخُلْفُ \"أَمَّا بَعْدُ\" مَنْ كَانَ قَائِلَا ... لَهَا خَمْسُ أَقْوَالٍ وَدَاوُدُ أَقْرَبُ\nوَكَانَتْ لَهُ فَصْلَ الْخِطَابِ وَبَعْدَهُ ... فَقُسٌّ فَسَحْبَانٌ فَكَعْبٌ فَيَعْرُبُ\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولَمّا أهمل ذكر يعقوب ﵇ قلت، مع بيان ضعف أسانيد كلّها:\nوَقَدْ زِيدَ يَعْقُوبُ النَّبِيُّ عَلَيْهِمُ ... أَسَانِيدُهَا وَهَتْ فَلَيْسَتْ تُرَغِّبُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسألة الثالثة: في الكلام على لفظ \"أمّا\"، ومعناه (١)</span>.\nأما لفظها: فإنها -بالفتح، والتشديد- وقد تُبدل ميمها الأولى ياءً؛ استثقالًا للتضعيف، كقول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:\nرَأَتْ رَجُلًا أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالْعَشِيِّ فَيَخْصَرُ\nوأما معناه: فإنها حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها حرف شرط فيدلّ له لزوم الفاء بعدها، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. وقد يستغنى عنها للضرورة، كما في قوله [من البسيط]:\nمَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلَانِ\nويكثر حذفها مع القول، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾ الآية، والتقدير: فيقال لهم: أكفرتم الخ، فحذف القول، استغناء بالمقول، فتبعته الفاء.\nوإلى هذا أشار ابن مالك في \"خلاصته\" بقوله:\n_________\n(١) قال أبو جعفر النحّاس، عن سيبويه: \"أما بعد\": مهما يكن من شيء بعد. وقال أبو إسحاق -يعني الزّجّاج-: إذا كان رجل في حديث، فأراد أن يأتي بغيره قال: أما بعد. وأجاز الفرّاء \"أما بعدًا\" بالنصب، والتنوين، و\"أما بعدٌ\" بالرفع، والتنوين. وأجاز ابن هشام \"أما بعدَ\" بفتح الدال. انظر \"عمدة القاري\" ج ٥ ص ٣١١. و\"فتح الباري\" ج ٣ ص ٦٧.","vol":"1","page":243},{"text":"أَمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِن شَيْءٍ وَفَا ... لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا\nوَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إَذَا ... لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا\nوأما كونها للتفصيل فهو غالب أحوالها، كما تقدم، وقد تأتي لغير تفصيل، نحو أما زيد فمنطلق. وأما التوكيد فقد قال الزمخشريّ: فائدة \"أما\" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهبٌ، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهبٌ، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمةٌ، قلتَ: أما زيدٌ فذاهبٌ، ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء، فزيد ذاهب. وهذا التفسير مُدْلٍ بفائدتين: بيان كونه توكيدًا، وأنه في معنى الشرط انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسألة الرابعة: في الكلام على الفصل بينها وبين الفاء</span>\nاعلم: أنه يجب الفصل بين \"أمّا\" وبين الفاء بواحد من ستّة أمور:\nأحدها: المبتدأ، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الآية ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ الآية. الثاني: الخبر، نحو أما في الدار فزيد. الثالث: جملة الشرط: نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ الآيات. الرابع: اسمٌ منصوبٌ لفظًا، أو محلًّا بالجواب، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ الآيات. الخامس: اسمٌ كذلك معمولٌ لمحذوفٍ، يفسّره ما بعد الفاء، نحو \"أما زيدًا فانصره\"، ونحو قراءة بعضهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بالنصب، ويجب تقدير العامل بعد الفاء، وقبل ما دخلت عليه؛ لأنّ \"أمّا\" نائبة عن الفعل، فكأنها فعلٌ، والفعل لا يلي الفعل. السادس: ظرفٌ معمولٌ لـ \"أمّا\" لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه، أو للفعل المحذوف، نحو \"أمّا اليوم، فإني ذاهبٌ\"، و\"أمّا في الدار فإنّ زيدًا جالسٌ\"، ولا يكون العامل ما بعد الفاء؛ لأنّ خبر \"إن \" لا يتقدّم عليها، فكذا معموله. هذا قول جمهور النحاة، وجوّز بعضهم كون العامل نفس الخبر. انتهى ملخّصًا من كلام العلّامة النحويّ ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله تعالى (١).\nوقد نظم بعضم هذه الأمور الستّة بقوله [من الرجز]:\nوَبَعْدَ \"أَمَّا\" فَافْصِلَنْ بِوَاحِدِ ... مِنْ سِتَّةٍ وَلا تَفُهْ بِزَائِدِ (٢)\nمُبْتَدَأٌ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الْخَبَرُ ... مَعْمُولُ فِعْلٍ بَعْدَ \"أَمَّا\" يُذْكَرُ\n_________\n(١) \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" ج ١ ص ٥٥ - ٥٨.\n(٢) معنى \"لا تفُه \": لا تتلفّظ، وهو مضارع فاه، من باب قال: أي لا تتلفّظ بأكثر من واحد؛ لأنه لا يُفصل إلا بواحد من هذه الأمور، أو المعنى: لا تتلفّظ بأكثر من هذه الستة، لأنه لم يرد عن العرب الفصل بغيرها. فافهم.","vol":"1","page":244},{"text":"كَذَاكَ مَعْمولٌ لِفِعْلٍ فَسَّرَهْ ... مَا بَعْدَ فَاءٍ بَعَدَهَا مُؤَخِّرَهْ\nوَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ تِلْكَ سِتُّ ... قَدْ قَالَهَا كُلُّ إِمَامٍ ثَبْتُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المسألة الخامسة: في الكلام على \"بَعْدُ</span>\"\nقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: \"بَعْدُ\": ظرف مُبهَم، لا يُفهُم معناه إلا بالإضافة لغيره، وهو زمانٌ مُتراخٍ عن السابق، فإن قرُب منه قيل: بُعيدَه بالتصغير، كما يقال: قبل العصر، فإذا قرَب قيل: قُبيل العصر بالتصغير، أي قريبًا منه، ويُسمّى تصغير التقريب. (١).\nوهو من الأسماء الملازمة للإضافة التي بيّنها ابن مالك رحمه الله تعالى في \"الخلاصة\" بقوله:\nوَاضْمُمْ بِنَاءً \"غَيْرًا\" انْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا\n\"قَبْلُ\" كـ \"غَيْرُ\" \"بَعْدُ\" \"حَسْبُ\" \"أوَّلُ\" ... وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ\"عَلُ\"\nوَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا ... \"قَبْلًا\" وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا\nفهذه الأسماء لها أربعة أحوال، تبنى في حالة منها، وتعرب في بقيّتها، فالأحوال الثلاثة:\nالأولى: أن تضاف لفظًا، نحو جئت بعد زيدٍ الثانية: أن يحذف المضاف إليه، ويُنوَى لفظه، فتبقى كالمضاف لفظًا، ولا تنوّن، نحو جئتُ بعدَ، ونحو قوله [من الطويل]:\nوَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَوْلًى قَرَابَةً ... فَمَا عَطَفَتْ مَوْلًى عَلَيْهِ الْعَوَاطِفُ\nالثالثة: أن يُحذف المضاف إليه، ولا يُنوَى لفظًا، ولا معنًى، فتكون حينئذ نكرةً، وتنوَن، نحو جئتُ بعدًا، ونحو قوله [من الطويل]:\nفَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ... أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ\nفهذه الأحوال الثلاثة هي التي تعرب فيها.\nأما الحالة الرابعة التي تُبنى فيها، فهي أن يُحذف المضاف إليه، ويُنوَى معناه، دون لفظه، فإنها تبنى على الضمّ، نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ الآية.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" في مادّة بعد.","vol":"1","page":245},{"text":"فعلى هذا قول المصنّف رحمه الله تعالى: \"أما بعد\" يحتمل وجهين: الأوّل: أن تبنى فيه \"بعد\" على الضمّ، وهو المشهور على الألسنة، لقطعها عن الإضافة لفظًا، ونيّة معناها. الثاني: أن تُنصَب على الظرفيّة بالفتحة الظاهرة على الدال، من غير تنوينٍ، لنيّة المضاف إليه لفظًا، أي أما بعد البسملة، والحمدلة، والصلاة على النبيّ -ﷺ-، ومن ذُكر معه، فإنك يرحمك الله الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة السادسة: في قول المصنّف رحمه الله تعالى: \"الأخبار المأثورة عن رسول الله -ﷺ</span>-\".\nاعلم: أنه ينبغي أن أذكر هنا معنى كلّ من الحديث، والخبر، والأثر؛ لكثرة تدوالها عند أهل الحديث.\nفـ\"الحديث\": لغةً: ما يُتحدّثُ به، ويُنقَل، ومنه حديث رسول الله -ﷺ-. قاله في \"المصباح المنير\". وفي \"القاموس المحيط\": والحديث: الجديد، والخبرُ، كالْحِدِّيثَى، جمعه أحاديث، شاذٌّ، وحِدْثَانٌ -بالكسر- ويُضمّ. انتهى.\nوقال في \"تدريب الراوي\": وأما الحديث، فأصله: ضدّ القديم، وقد استُعمل في قليل الخبر، وكثيره؛ لأنه يحدُث شيئًا، فشيئًا. وقال الحافظ في \"فتح الباري\": المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يضاف إلى النبيّ -ﷺ-، وكأنه أريد به مقابلة القرآن؛ لأنه قديم. وقال الطيبيّ: الحديث أعمّ، من أن يكون قول النبيّ -ﷺ-، والصحابيّ، والتابعيّ، وفعلهم، وتقريرهم. انتهى (١).\nوأما الخبر -بفتحتين- فهو لغةً اسمٌ لما يُنقلُ ويُتحدّث به. قاله في \"المصباح\". وفي \"القاموس\": \"الخبر\" محرّكةً: النّبأُ، جمعه أخبارٌ، وجمع جمعه أَخَابيرُ. انتهى.\nوأما اصطلاحًا: فهو عند معظم علماء هذا الفنّ مرادفٌ للحديث، فيطلقان على المرفوع، والموقوف، والمقطوع. وقيل: الحديث ما جاء عن رسول الله -ﷺ-، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثَمّ قيل لمن يَشتغل بالتواريخ، وما شاكلها \"الأخباريّ\" (٢)، ولمن يشتغل بالسنّة النبويّة: \"المحدّث\". وقيل: بينهما عموم، وخصوص مطلقٌ، فكلّ\n_________\n(١) راجع التدريب جـ ١ ص ٢٣ - ٢٤.\n(٢) أي بفتح الهمزة: نسبة إلى الأخبار. كذا وقع التعبير به لغير واحد. ونقل السيوطيّ عن ابن هشام أنه عدّه من لحن العلماء، وقال: الصواب: الخَبَريّ. أي لأنه إذا أريد النسبة إلى الجمع رُدّ إلى مفرده، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى:\nوَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ ... إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ\nقال: ومن اللحن أيضًا قولهم: لا يُؤخذ العلم من صُحُفيّ -بضمّتين- والصواب صَحَفيّ -بفتحتين- فُعِلَ به ما فُعِل بحَنِيفةَ انتهى. لكن ذكر السيوطيّ في \"همع الهوامع\": أنه أجاز قوم أن يُنسب إلى =","vol":"1","page":246},{"text":"حديث خبرٌ، من غير عكس. أفاده في \"نزهة النظر، شرح نخبة الفكر\" (١). وقيل: لا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد.\nوأما الأثر -بفتحتين- فهو لغةً: اسم من أثرتُ الحديثَ أَثْرًا، من باب قتل: إذا نقلته، ومنه حديث مأثورٌ: أي منقولٌ. أفاده في \"المصباح\". وفي \"القاموس\": \"الأثَرُ\" محرّكةً: بقيّة الشيء، جمعه آثارٌ، وأُثُورٌ، والخَبَر. انتهى.\nوأما في الاصطلاح: فهو مرادف للحديث، والخبر. قال في \"التدريب\": إنّ المحدّثين يسمون المرفوع، والموقوف بالأثر، وإنّ فقهاء خُرَاسان يُسمّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر. ويقال: أثرت الحديث: بمعنى رويته، ويسمّى المحدّث أَثَريًّا، نسبةً للأثر انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسألة السابعة: في بحثٍ مهمّ يتعلَق بقول المصنّف: \"بالأسانيد التي بها نُقِلَتْ\"، وهو البحث عن السند والإسناد، والمتن</span>.\nفأما \"السند\": -بفتحتين-: لغةً: ما استندت إليه، من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَد، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِب لغةٌ. قاله في \"المصباح\" (٢).\nوقال في\"اللسان\": \"السنَدُ\": ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل، أو الوادي، والجمعُ أَسْنادٌ، لا يكسّر على غير ذلك. انتهى (٣).\nوقال في \"التدريب\": وأما السند، فقال البدر بن جماعة، والطيبيّ: هو الإخبار عن طريق المتن. قال ابن جماعة: وأخذه، إما من السند، وهو ما ارتفع، وعلا من سَفْح الجبل؛ لأن المسند يرفعُهُ إلى قائله، أو من قولهم: فلان سَنَدٌ: أي مُعتَمدٌ، فسمّي الإخبار عن طريق المتن سندًا؛ لاعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليه. انتهى (٤).\nوأما الإسناد: فهو لغة مصدر أسند، يقال: أسندت الحديث إلى قائله بالألف: رفعتُهُ إليه بذكر ناقله. قاله في \"المصباح\".\nوفي \"لسان العرب\": وأسند الحديث: رفعه. قال الأزهريّ: والْمُسْنَد من\n_________\n= الجمع على لفظه مطلقًا، وخرّج عليه قول الناس: فرائضي، وكُتُبيّ، وقَلَانِسيّ ... الخ. وبه يُعلَم أن ما جزم به ابن هشام بأن ذلك من لحن العوامّ ليس بذاك الحسن. أفاده بعض المحقّقين.\n(١) ص ١٥٣ - ١٥٥ نسخة شرح الشرح لعلي القاري النسخة الجديدة.\n(٢) المصباح المنير في مادّة سند.\n(٣) لسان العرب في مادّة سند.\n(٣) التدريب ج ١ ص ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":247},{"text":"الحديث: ما اتصل إسناده حتى يُسنَد إلى النبيّ -ﷺ-، والمرسل، والمنقطع: ما لم يتَصل. والإسناد في الحديث: رفعُهُ إلى قائله انتهى.\nوفي \"التدريب\": وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطيبيّ: وهما -أي السند، والإسناد- متقاربان في معنى اعتماد الحفّاظ في صحّة الحديث، وضعفه عليهما. وقال ابن جماعة: المحدّثون يستعملون السند، والإسناد لشيء واحد.\nوأما الْمُسنَد -بفتح النون- فله اعتبارات:\nأحدها: أنه الحديث المتّصل المرفوع إلى رسول الله -ﷺ- على الأصحّ، وقيل: هو المرفوع مطلقًا. وقيل: هو المتّصل مطلقًا.\nثانيها: الكتاب الذي جُمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، فهو اسمُ مفعولٍ.\nثالثها: أن يطلق، ويراد به الإسنادُ، فيكون مصدرًا، كمسنَد الشهاب، ومسنَد الفردوس. أي أسانيد أحاديثهما انتهى من \"التدريب\" بتصرّف (١).\nوأما المتن: فهو في اللغة: من كلّ شيء ما صَلُب ظهره، والجمع مُتُون، ومِتَانٌ. ومتنُ كلّ شيء: ما ظهر منه. ومتن الْمَزَادة: وجهها البارز. والمتن: ما ارتفع من الأرض، واستوى. وقيل: ما ارتفع، وصَلُبَ. قاله في \"اللسان\".\nوأما في الاصطلاح: فهو ألفاظ الحديث التي تتقوّم بها المعاني. قاله الطيبيّ. وقال ابن جماعة: هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام، من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية؛ لأنه غاية السند، أو من متنت الكبش: إذا شققت جلدة بيضته، واستخرجتها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده، أو من المتن، وهو ما صلُب، وارتفع من الأرض؛ لأن الْمُسْنِد يقوّيه بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتينِ القوسِ، أي شَدِّها بالعَصَب؛ لأن الْمُسنِد يقوّي الحديث بسنده. قاله في \"التدريب\" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في بحث مهمّ أيضًا يتعلّق بقوله: \"وتداولها أهل العلم\"، وقد أشرت سابقًا إلى أنّ مقصوده بذلك شهرة تلك الأسانيد بين أهل العلم، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة؛ لأنها مذمومة، فقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في \"شرح علل الترمذيّ\" ما نُقل عن السلف في ذلك، فقال:\nوقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمّون الغريب منه في الجملة،\n_________\n(١) التدريب ج ١ ص ٢٣.\n(٢) تدريب الراوي ج ١ ص ٢٣.","vol":"1","page":248},{"text":"ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من ههنا، ومن ههنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ من طريق الترمذيّ، عن أحمد بن عبدة، عن أبي وهب، عنه. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك، قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف، قال: من طلب غرائب الحديث كذب. وقال أبو نعيم: كان عندنا رجل يصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زُهير بن معاوية، يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث.\nوذكر مسلم في \"مقدّمة كتابه\" من طريق حمّاد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عَمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب، قال: يقول له أيوب: إنما نَفِرُّ، أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب. وقال رجلٌ لخالد بن الحارث: أَخْرِج إليّ حديثَ الأشعث، لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد، قال: شرّ الحديث الغرائب، التي لا يُعمل بها، ولا يُعتمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم. ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأٌ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسنادٌ، وإن كان قد رَوَى شعبة، وسفيان، وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء.\nقال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب عليهم كَتْبُ الغريب، دون المشهور، وسماع المنكر، دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة، ومحلِّهم، ونقصوان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمّة من المحدّثين الأعلام، من أسلافنا الماضين.\nقال الحافظ ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب","vol":"1","page":249},{"text":"إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستّة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، وأفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب، والمناكير انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رحمه الله تعالى:\n(فَأَرَدتَ -أَرْشَدَكَ اللهُ- أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً، مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فَي التَّأْلِيفِ، بِلَا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ زَعَمْتَ مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدتَ، مِنَ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبَيّن رحمه الله تعالى أن هذا الذي همّ أن يبحث عن جملة الأخبار طلب منه أن يُطْلِعَه على جملة من تلك الأحاديث مجموعة في كتاب واحد مَضبوطة، ويبيّنها له بلا إكثار تكرار؛ لأن ذلك يَشْغَله عن مقصوده الذي هو الغَوْص في الفهم، والاستنباط. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَأَرَدتَ) أي طلبت، يقال: أراد الرجل كذا إرادة: إذا طلبه، واختاره (٢) (أَرْشَدَكَ اللهُ) جملة دعائيّة معترضة بين الفعل، ومفعوله. أي هداك الله لإصابة الصواب، لأن معنى الرشد -بضمّ، فسكون-: الصلاح، وهو خلاف الغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، والهمزة للتعدية، يقال ت رَشِدَ يرشَدُ رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرشُدُ رُشدًا، من باب قَتلَ، فهو راشد، والاسم الرَّشَاد (٣) (أَنْ تُوقَفَ) بضم أوله مبنيّا للمفعول، وتخفيف القاف، من الوقْفِ، أو تشديدها، من التوقيف، أي تُعَلَّم، يقال: وقَفْتُ فلانًا على ذَنْبه وَقْفًا، ووَقَّفْتُهُ تَوْقِيفًا: أطلعته عليه. كما يستفاد من عبارة المجد في \"القاموس\"، وابن منظور في \"اللسان\" (عَلَى جُمْلَتِهَا) أي مجموع تلك الأخبار، وهو متعلّق بـ \"توقف\" (مُؤَلَّفَةً) منصوب على الحال، أي حال كونها مؤلّفة.\nقال أبو البقاء الكفويّ في \"الكليّات\": التأليف هو جمع الأشياء المتناسبة، من الأُلْفة، وهو حقيقة في الأجسام، ومجاز في الحروف. و\"التنظيم\": من نظم الجواهر، وفيه جَوْدة التركيب. والتأليف بالنسبة إلى الحروف؛ لتصير كلمات، والتنظيم بالنسبة إلى\n_________\n(١) راجع من \"شرح علل الترمذيّ\" ج ٢ ص ٦٢١ - ٦٢٤. بتحقيق الدكتور همام عبد الرحيم.\n(٢) أفاده في \"المصباح المنير\". مادة رود.\n(٣) أفاده في \"المصباح\".","vol":"1","page":250},{"text":"الكلمات؛ لتصير جُملًا.\nو\"التركيب\": ضمّ الأشياء مؤتلفةً كانت، أولًا، مرتّبة الوضع، أو لا، فالمركّب أعمّ من المؤلّف، والمرتّب، مطلقًا، و\"الترتيب\": أعمّ مطلقًا من التنضيد؛ لأن الترتيب عبارة عن وقوع بعض الأجَسام فوق بعض، و\"التنضيد\": عبارة عن وقوع بعضها فوق بعض على سبيل التماس اللازم لعدم الخلاء. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المرأد بالتأليف في كلام المصنّف هنا ضمّ الأحاديث الصحاح بعضها إلى بعض على وجه متناسب، بأن يكون وضع السابق يستدعي وضع اللاحق بعده؛ لكون الفائدة الحاصلة منه مترتبة عليه. والله تعالى أعلم. (مُحْصَاةً) صفة لـ \"مؤلّفة\"، اسم مفعول، من أحصى الشيءْ: إذا عَدَّه، أو حفِظَه، أو عَقَلَه. كما في \"القاموس\". أي معدودة، محفوظة.\n(وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ) من التلخيص، وهو التبيين، والشرح، والتلخيص. كما في \"القاموس\". أي أبيّنها، وأشرحها لك (فَي التَّأْلِيفِ) أي في الكتاب المؤلّف، فالمصدر بمعنى اسم المفعول، ويحتمل أن يكون على أصله، و\"في\" بمعنى الباء السببيّة، أي أبيّنها بسبب التأليف لها (بِلَا تَكْرَار) أي بغير إعادة الحديث، و\"التكرار\" -بفتح التاء-: اسم من كَرَّر الشيءَ تكريرًا: إذا أعاده مرارًا، كما تفيده عبارة \"المصباح\". وفي \"القاموس\": وكَرَّره تكريرًا، وتَكْرَارًا، وتَكِرَّةً، كَتَحِلَّةٍ، وكَرْكَرَةً: أعاده مرّةً بعد أُخرى انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن تاء \"التكرار\" مفتوحةٌ، لا غير، وأما ما اشتهر على ألسنة الناس من كسرها، فمن لحنهم. فتنبّه.\n[تنبيه]: دخلت \"لا\" في قوله: \"بلا تكرار\" بين الجارّ والمجرور، واختَلَفَ فيها النحاة، فقال الكوفيّون: هي اسم بمعنى \"غير\"، وأن الجارّ دخل عليها نفسِهَا، وأن ما بعدها مجرورٌ بإضافتها إليه. وقال غيرهم: هي زائدة، كما زيدت \"كان\" في نحو قولك: \"زيد كان فاضلٌ\"، وإن كانت مفيدة لمعنًى هو المضيّ والانقطاع، وأرادوا بالزائد المعترضَ بين شيئين متطالبين، وإن لم يصحّ أصل المعنى بإسقاطه، كما هنا. فتنبّه. أفاده ابن هشام الأنصاري رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"مغنيه\" (٢).\n(يَكْثُرُ) جملة في محلّ جرّ صفة لكرارٍ، وقيّده بالكثرة، إشارةً إلى أن التكرار غير\n_________\n(١) \"الكليّات\" لأبي البقاء ص ٢٨٨.\n(٢) راجع \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" ج ١ ص ٢٤٥ تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.","vol":"1","page":251},{"text":"الكثير لا بأس به؛ لأنه لا يشغل عن المقصود (فَإِنَّ ذَلِكَ) إشارة إلى التكرار الكثير (زَعَمْتَ) أي قلت؛ لأن الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر استعماله لغير المحقّق. قال الفيّوميّ: زَعَم زَعْمًا، من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس. ويطلق بمعنى القول، ومنه: زَعَمَتِ الحنفيّة. وزعم سيبويه، أي قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ الآية [الإسراء: ٩٢]. أي كما أخبرت. ويطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]. قال الأزهريّ: وأكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، ولا يتحَقَّق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زَعْمًا: قال خبرًا لا يُدرَي، أحقٌّ هو أو باطلٌ. قال الخطّابيّ: ولهذا قيل، \"زعم مطيّة الكذب\". انتهى عبارة الفيّويّ (١).\n(مِمَّا يَشْغَلُكَ) بفتح الياء، من شَغَلَه الأمر، ثلاثيًّا، من باب نَفَع. وأما أشغله بالألف، فلغة رديئة، أو قليلة (٢)، كما أفاده في \"اللسان\" (٣). وفي \"المصباح\": شَغَلَه الأمر شَغْلًا، من باب نَفَع، فالأمر شَاغِلٌ، وهو مَشْغُولٌ، والاسم الشُّغْل -بضمّ الشين، وتضمّ الغين، وتسكّن للتخفيف- وشُغِلتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهّيتُ به. قال الأزهريّ: واشتغل بأمره، فهو مُشتَغِلٌ، أي بالبناء للفاعل. وقال ابن فارس: ولا يكادون يقولون: اشتَغَلَ، وهو جائزٌ -يعني بالبناء للفاعل- ومن هنا قال بعضهم: اشتُغِلَ بالبناء للمفعول، ولا يجوز بناؤه للفاعل؛ لأن الافتعال إن كان مطاوعًا فهو لازمٌ، لا غير، وإن كان غير مطاوعٍ فلا بدّ أن يكون فيه معنى التعدّي، نحو اكتَسَبت المالَ، واكتَحَلْتُ، واختَضَبْتُ: أي كَحَلتُ عيني، وخَضَبْتُ يدي، واشتغلت ليس بمطاوعٍ، وليس فيه معنى التعدّي. وأجيب بأنه في الأصل مطاوعٌ لفعلٍ هُجِرَ استعمالُهُ في فصيح الكلام، والأصل: أشغلته بالألف، فاشتغَلَ، مثل أحرقته، فاحترق، وأكملتُهُ، فاكتمل، وفيه معنى التعدّي، فإنك تقول: اشتغلت بكذا، فالجارّ والمجرور في معنى المفعول، وقد نصّ الأزهريّ على استعمال \"مُشْتَغِلٍ\"، و\"مُشْتَغَلٍ\". انتهت عبارة \"المصباح\" (٤).\nوكتب الزَّبيديّ في \"التاج\" عند قول صاحب \"القاموس\": وأشغله لغة جيّدة، أو\n_________\n(١) المصباح المنير.\n(٢) وأما ما في \"القاموس\": من أن أشغله لغة جيّدة، فردّه الشارح بأنه ليس منقولًا عن أحد من أئمّة اللغة، فتنبّه.\n(٣) راجع \"لسان العرب\" في مادّة شغل.\n(٤) راجع \"المصباح المنير\" في مادّة شغل.","vol":"1","page":252},{"text":"قليلة، أو رديئة: ما نصّهْ قال ابن دريد: لا يقال: أشغلته، ومثله في شروح \"الفصيح\"، و\"شرح الشفا\" للشهاب، و\"المفردات\" للراغب، و\"الأبنية\" لابن القطّاع، ولا يُعرف لأحدٍ القولُ بجودتها عن إمام من أئمّة اللغة. وكتبه بعض عُمّال الصاحب له في رُقعَة، فوقّع عليها: من يكتب إشغالي، لا يصلح لأشغالي. قال شيخنا: فإذا لا معنى لتردّد المصنّف فيها. قال الزَّبِيديّ. ولعلّه استأنس بقول ابن فارس حيث قال في \"المجمل\": لا يكادون يقولون: أَشغَلْت، وهو جائزٌ، فتأمّل ذلك. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره أئمة اللغة المعتمدون أن اللغة الفصحى شَغَله، وأما أشغله، فلا تثبت، أو هي لغةٌ رديئةٌ، في اشتهر على ألسنة الناس من قولهم في الدعاء: \"اللهمّ أشغله\" بالألف، فهو استعمال لما لَمْ يثبت لغةً، أو استعمالٌ للغة رديئة، لا ينبغي استعمالها، ولا سيّما في الدعاء. فليُتَنَبّه. والله تعالى أعلم.\n(عَمَّا لَهُ قَصَدتَ) أي عن الشيء الذي آردته (مِنَ التَّفَهُّمِ) بيان لـ \"ما\"، وهو تفَعُّلٌ من الفَهم، يقال: تفهَّمَ الشيءَ: إذا فَهِمَهُ شيئًا بعد شيء. أفاده في \"القاموس\". وفيه إشارة إلى أن فهم تلك الأحاديث يحتاج إلى التدرّج شيئًا، فشيئًا، فإن معرفتها لا يتيسّر إلا كذلك، فينبغي للطالب أن يكون طلبه تدريجيًا، بحيث لا يصعب عليه، فقد ثبت في \"الصحيحين\" من حديث عائشة -﵂-، مرفوعًا: \"خذوا من الأعمال ما تُطيقون ... \". الحديث، ونُقل عن الزهريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قوله: من طلب العلم جملة، فاته جملة، وإنما العلم حديث، وحديثان (٢).\n(فِيهَا) أي في تلك الأخبار (وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا) أي استخراج الأحكام من تلك الأخبار. يقال: استنبطت الحكمَ: استخرجته بالاجتهاد، وأنبطته مثلُهُ، وأصله من استبَطَ الحافرُ الماءَ، وأنبطه: إنباطًا: إذا استخرجه بعمله. قاله في \"المصباح\". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَلِلَّذِي سَأَلْتَ -أَكْرَمَكَ اللهُ- حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\n_________\n(١) راجع \"تاج العروس في شرح القاموس\" في مادّة \"شغل\".\n(٢) راجع تدريب الراوي ج ٢ ص ١٥٢ تحقيق الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف.","vol":"1","page":253},{"text":"بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن التأليف الذي سأله إياه حينما يتدبّره، وينظر في مآله فإن له منفعة موجودة في الدنيا؛ إذ به تحفظ الأحاديث النبويّة التي عليها انبنى الشرع الشريف، وله عاقبة محمودة في الأخرى؛ إذ يترتّب عليه الأجر العظيم. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَلِلَّذِي سَأَلْتَ) بكسر اللام، جارٌّ ومجرور متعلّق بمحذوف، خبرٍ لـ \"عاقبةٌ\"، وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد ضبطه بكسر اللام: ما نصّه: وإنما ضبطته، وإن كان ظاهرًا؛ لأنه مما يُغْلَطُ فيه، ويُصحّف، وقد رأيت ذلك غير مرّة انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادعاه النوويّ من الغلط، إن كان لعدم صحة الرواية به، فمسلَّمٌ، وإلا فلفتح اللام وجهٌ صحيحٌ، وذلك أنه للابتداء، والموصول مبتدأ، خبره \"عاقبة محمودة\" على حذف مضاف، تقديره: أي ذو عاقبة محمودة، فتأمّل. والله تعالى أعلم.\nوعائد الموصول محذوفٌ؛ لكونه فضلة، كما قال ابن مالك، في \"الخلاصة\":\n......................... ... وَالْحَذْفُ عِنْهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي\nفِي عَائِدٍ مُتَّصلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ\n(أَكْرَمَكَ اللهُ) جملة دعائيّة، معترضة بين المبتدأ والخبر (حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ) \"حين\" منصوبٌ على الظرفية، متعلّق بما تعلّق به الجارّ والمجرور قبله، وهو اسم زمان قليلًا كان، أو كثيرًا، والجمع أحيان. و\"التدبّر\": النظر في العاقبة، يقال: تدبّرتُ الأمرَ تدبّرًا: إذا نظرت في دُبُره، وهو عاقبته، وآخرِه. أفاده في \"المصباح\".\nفيكون المعنى هنا: وقتَ رجوعي إلى النظر في عاقبة الأمر الذي سألته.\n[فائدة]: قال أبو حاتم السجستانيّ اللغويّ: غَلِطَ كثير من العلماء، فجعلوا \"حين\" بمعنى \"حيث\"، والصواب أن يقال: \"حيث\" -بالثاء المثلّثة- ظرف مكان، و\"حين\" -بالنون- ظرف زمان، فيقال: قُمتُ حيث قمتَ، أي في الموضع الذي قمت فيه، واذهب حيث شِئتَ، أي إلى أيّ موضع شئتَ. وأما \"حين\" -بالنون- فيقال: قمتُ حين قمتَ، أي في ذلك الوقت، ولا يقال: حيث خرج الحاجّ -بالثاء المثلّثة. وضابطه أن كلَّ موضع حسُنَ فيه \"أينَ\"، و\"أَيٌّ\"، اختصّ به \"حيث\" -بالثاء-، وكلُّ موضع حَسُنَ فيه \"إذا\"، و\"لَمّا\"، و\"يومٌ\"، و\"وقتٌ\"، وشبهه، اختصّ به \"حين\" -بالنون- انتهى. ذكره في \"المصباح\" (١).\n(وَمَا تَؤُولُ إليهِ الْحَالُ) أي ما يرجع إليه حال الأمر الذي سألته، يقال: آل الشيء\n_________\n(١) راجع \"المصباح المنير\" في مادة حين.","vol":"1","page":254},{"text":"يؤول أَوْلًا، ومآلًا: رَجَعَ، والإِيَالُ، وزانُ كتاب، اسم منه، وقد استُعمِل في المعاني، فقيل: آل الأمر إلى كذا. قاله في \"المصباح\".\nو\"الحال\" صفةُ الشيء، يذكّر، ويؤنِّث، فيقال: حالٌ حسن، وحالٌ حسنةٌ، وقد يؤنّثُ بالهاء، فيقال: حالةٌ حسنةٌ. قاله في \"المصباح\" أيضًا.\nوفي بعض النسخ: \"به\" بدل \"إليه\"، وهو بمعناه؛ لأن الباء تأتي بمعنى \"إلى\"، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ الآية [يوسف: ١٠٠]. أي إليّ، وقيل: ضُمّن \"أحسن\" معنى \"لَطُفَ\". ذكره ابن هشام، في \"مغنيه\" (١). وفي بعض النسخ \"يؤول\" بالياء بدل التاء، وهو جائز؛ لأن الحال يذكّر، ويؤنّث، على ما قدّمناه آنفًا.\nفـ \"ما\" اسم موصول، معطوف على \"تدبّره\".\n(-إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-) جملة معترضة بين المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم، ذُكر تبرّكًا، ولأن تحققه غير معلوم له، وإنما ذلك إلى الله تعالى (عَاقِبَةٌ) قال الفيّوميّ: عاقبة كلّ شيء آخره (مَحْمُودَةٌ) بالرفع صفة لـ \"عاقبة\"، يعني أن الأمر الذي سأله، وهو التأليف المذكور له نهايةٌ مرضية، حيث يترتّب عليه الأجر العظيم عند الله تعالى، وقوله (وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ) مؤكّدٌ لما قبله، ويحتمل أن تكون المنفعة الموجودة في الحال، إذ يُنتفع بذلك الكتاب حالًا، وتكون العاقبة المحمودة فيما بعدُ حيث يكون الكتاب لسان صدق في الآخرين، يُثني عليه من أتى بعده، ويوجر عليه في الآخرة؛ لحديث: \"من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ ... \" الحديث، أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ، وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ، كانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً، قَبْلَ غَيْرِي، مِنَ النَّاسِ؛ لأَسْبَاب يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ، إِلَّا أنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَىِ الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ، مِنَ الْعَوَامِّ، إِلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ غَيْرُهُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه حينما سأله التكلّف للتأليف المذكور، وحصل له ذلك بالفعل كان أول من يستفيد به هو؛ لأسباب كثيرة، لو ذكرها لطال عليه الكتاب، إلا أن\n_________\n(١) راجع \"مغني اللبيب\" ج ١ ص ١٠٦.","vol":"1","page":255},{"text":"ملخّصها أن ضبط القليل من الأحاديث، وإتقانه أسهل من معانات الكثير منه، وخصوصًا عند من لا قدرة له على تمييز المقبول من المرود إلا بتقليد غيره. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَظَنَنْتُ) بتاء المتكلّم، وإنما عبّر بالظنّ دون اليقين؛ لأنّ حصول النفع غير محقّق؛ لاحتمال أن يكون هناك مانع من القبول، فمن واجب العبد أن يطمع في حصول الثواب له على عمله الصالح؛ ولا يقطع به، بل يكون بين الخوف والرجاء، يخاف أن تردّ أعماله بسبب من الأسباب، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ويرجو رحمة ربّه له بقبولها، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على الذين يعملون، ويخافون، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، عن عائشة -﵂- أنَّها قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال -ﷺ-: \"لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، وبتصدّقون، وهم يخافون أن لا تُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخير، وهم لها سابقون\". حديث صحيح.\nوأيضًا الظنّ سبب لحصول المقصود، لحديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي ... \" الحديث متّفق عليه.\n(حِينَ سَأَلْتَنِي) متعلّق بما قبله (تَجَشُّمَ ذَلِكَ) بالنصب على المفعوليّة، أي تكلّفه، والتزامَ مشقّته. يقال: جَشِمْتُ الأمرَ، من باب تَعِبَا جَشْمًا، ساكنَ الشين، وجَشَامَةً: تكلّفتُهُ على مشقّة، فأنا جاشمٌ، وجَشُومٌ مبالغةٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أجشمته الأمرَ، وجَشَّمْتُهُ، فتَجَشَّمَ. قاله الفيّوميّ. واسم الإشارة راجع إلى المؤلّف المسؤول (أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول. قال المازريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ولا يُظنّ بمسلم أراد لو عزم الله لي عليه؛ لأنّ إرادة الله ﷿ لا تُسمّى عزمًا، ولعلّه أراد لو سُهِّلَ لي سبيلُ العزم، أو خلق فيّ قدرةً عليه انتهى.\nوقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد جاء هذا اللفظ في \"صحيح مسلم\" من كلام أمّ سلمة -﵂- في \"كتاب الجنائز\"، قالتْ \"ثُمَّ عَزَمَ الله لي، فقلتها\". وأصل العزم القوّة، ويكون بمعنى الصبر، وتوطين النفس، وحملِهَا على الشيء، والمعنى متقاربٌ، ومنه","vol":"1","page":256},{"text":"قوله ﷿: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]. انتهى (١).\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا اللفظ مما اعتُني بشرحه من حيث إنه لا يجوز أن يراد بالعزم هنا حقيقته المتبادرة إلى الأفهام، وهو حصول خاطر في الذهن لَمْ يكن، فإنّ هذا محالٌ في حقّ الله تعالى. واختلف في المراد به هنا: فقيل: معناه لو سُهِّلَ لي سبيل العزم، أو خُلِق فيّ قدرة عليه. وقيل: العزم هنا بمعنى الإرادة، فإن القصد، والعزم، والإرادة، والنيّة متقارباتٌ، فيقام بعضها مقام بعض، فعلى هذا معناه: لو أراد الله ذلك لي. وقد نقل الأزهريّ، وجماعة غيره أنّ العرب تقول: نواك الله بحفظه، قالوا: وتفسيره: قصدك الله بحفظه. وقيل: معناه: لو أُلْزِمتُ ذلك، فإنّ العزيمة بمعنى اللزوم، ومنه قول أمّ عطيّة -﵂-: \"نُهينا عن اتّباع الجنائز، ولم يُعزم علينا\". متّفق عليه. أي لَمْ نُلزَم التركَ. وفي الحديث الآخر: \"كان يرغّبنا في قيام رمضان، من غير عزيمة\". أي من غير إلزام. ومثله قول الفقهاء: ترك الصلاة في زمن الحيض عزيمةٌ. أي واجب على المرأة، لازم لها. والله أعلم انتهى كلام النوويّ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن لفظ العزم لَمْ يرد في إطلاقه على الله تعالى جواز، ولا منع، بل الذي تقدّم عن أم سلمة -﵂- يؤيّد القول بجوازه؛ لأن أمّ سلمة -﵂- من أهل اللغة، وممن لا يخفى عليها المحذور في مثل هذا، فالظاهر جواز إطلاقه عليه ﷾، فيكون بمعنى قوله: \"وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ\". والله تعالى أعلم بالصواب.\n(وَقُضِيَ) بالبناء للمفعول: أي قضى الله تعالى (لِي تَمَامُهُ) أي كمال ذلك المؤلّف الموصوف بما سبق (كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ) برفه \"أول\" على أنه اسم \"كان\"، وهو مضاف إلى \"من\"، و\"نفع\" مرفوع على أنه فاعل \"يُصيب\"، وقوله. \"إياي\" خبر \"كان\".\n[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من رفع \"أول\" هو الصواب، في نُقل عن بعضهم من ضبطه بالنصب، وأشار بعضهم إلى توجيهه بأن \"إياي\" ضمير نصب مستعار موضع الرفع تكلّفٌ بارد، وتعسّف كاسد، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\nوقوله (خَاصَّةً) منصوب على الحال من \"إياي\"، قال الفيّوميّ: الخاصّة خلاف العامّة، والهاء للتأكيد، وعن الكسائيّ: الخاصّ، والخاصّة واحد. انتهى (٣). وقوله (قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ) مؤكّد لما قبله.\n_________\n(١) راجع \"مقدّمة إكمال المعلم\" ص ١٣٣ - ١٣٤.\n(٢) شرح صحيح مسلم ج ١ ص ٨.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ١٧١.","vol":"1","page":257},{"text":"والمعنى أنه لو قضى الله تعالى بتمام هذا المؤلف لكان المنتفع به أوّلا مؤلّفه قبل أن ينتفع به من يقرؤه؛ لكونه هو المباشر في الدعاء إلى الخير الموجب لجزيل الأجر، وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\".\nوقوله (لأَسْبَابٍ) علّة لقوله: \"عاقبة محمودة، ومنفعة موجودة\"، وأما ما ذكره بعضهم من أنه متعلق بقوله: \"أن ألخّصها\" فبعيد، بل باطل. والله تعالى أعلم (يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ) أي يطول وصف المؤلّف المسؤول بسبب ذكر تلك الأسباب لو ذكرتها على وجه التفصيل.\n(إِلَّا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ) أي مُجمل ما ذُكر، وإنما أفرد اسم الإشارة لتأويله بالمذكور، وهو استثناء مما يُفهم من الكلام السابق: أي لا أذكر الأسباب كلها بالتفصيل لئلا يطول المؤلف الذي سألت أن ألخص لك فيه الأخبار المأثورة، فيخرُج عن الغرض المطلوب، إلا أن خلاصتها ومجملها أن ضبط القليل أيسر الخ.\nويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا: أي لكن خلاصة تلك الأسباب، ومجملها الخ.\nوحاصل المعنى: أن محمودية عاقبة ما سألتني تلخيصه لك، ووجود نفعه لأسباب كثيرة، خلاصتها كون ضبط القليل من هذا العلم أيسر على المرء من معاناة الكثير منه.\nوقال السنوسيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": قوله: \"إلا أن جملة ذلك\" يدلّ على أن قوله قبله: \"يطول بذكرها الوصف\" معناه بذكرها على سبيل التفصيل، وإلا فهو قد تعرّض لها هنا على سبيل الجملة، وهذا إذا جعلت الإشارة في قوله: \"ذلك\" تعود على \"الأسباب\" بتأويل المذكور، ويحتمل أن الإشارة راجعة إلى النفع من قوله: \"كان أول من يُصيبه نفع ذلك\"، ويكون لم يتعرّض لأسباب وصول ذلك النفع له قبل غيره، لا جملةً، ولا تفصيلًا. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب، وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدّا. والله تعالى أعلم.\n(أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ) أي حفظه وإتقانه، يقال: ضبط الشيء ضبطًا، من باب ضرب: إذا حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه\n_________\n(١) \"مكمل إكمال الإكمال\" ١/ ٥.","vol":"1","page":258},{"text":"نقص. قاله في \"المصباح\" (مِنْ هَذَا الشَّأْنِ) أي من هذا الأمر، وهو معرفة الأخبار المأثورة عن رسول الله -ﷺ-. وقوله (وَإِتْقَانَهُ) عطف تفسير للضبط؛ لأنه بمعناه، كما عرفته آنفًا (أَيْسَرُ) أي أسهل (عَلَى الْمَرْءِ) أي الرجل، وهو بفتح الميم، وضمُّها لغةٌ، فإن لَمْ تأت بالألف واللام قلت: امرؤ، وامرَآن، والجمع رجال، من غير لفظه، والأنثى امرأة، ويقال فيها: مرأة، وزان تمرة، ومَرَة وزان سَنَة. أفاده الفيّوميّ (١) (مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ) أي من معاناته، يقال: عالج الشيء معالجة، وعِلاجًا: إذا زاوله. قاله في \"اللسان\" (وَلَا سِيَّمَا) \"السِّيّ\" -بكسر السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، وتخفّف، ويجوز فتح السين مع تشديد الياء- ومعناه: المثل، ثم المناسب هنا أن تكون \"لا سيما\" بمعنى \"خصوصًا\" مفعولًا مطلقًا لأخصّ مُقدّرًا، فيكون المعنى: أي وأخصّ كون ضبط القليل أيسر عند من لا تمييز عنده الخ.\nونقل الخضريّ في \"حاشية ابن عقيل\" عن الدمامينيّ وغيره: ما حاصله: وقد يرد \"لا سيما\" بمعنى خصوصًا، فيكون في محلّ نصب مفعولًا مطلقًا لأخُصّ محذوفًا، وحينئذ يؤتى بعده بالحال، كأُحب زيدًا، ولا سيما راكبًا، أو وهو راكب، فهي حال من مفعول أخصّ المحذوف: أي أخصّه بزيادة المحبّة خصوصًا في حال ركوبه، وكذا بالجملة الشرطيّة، نحو: ولا سيما إن ركب: أي أخصّه بذلك، فقول المصنّفين: لا سيما والأمر كذا تركيب عربيّ. انتهى (٢).\n[فائدة]: قد تكلم علماء اللغة والنحو في تركيب \"ولا سيما\" ببحث مطوّل أحببت إيراده هنا؛ لكثرة استعمال هذه الجملة عند المصنّفين، فمعرفة معناها وإعرابها مهمّ جدّا.\nقال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: السّيّ: المثل، وهما سيّان: أي مثلان. \"ولا سيما\" مشدّد، ويجوز تخفيفه، وفتح السين مع التثقيل لغة. قال ابن جني: يجوز أن تكون \"ما\" زائدة في قول امرىء القيس [من الطويل]:\nأَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا ... وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةَ جُلْجُلِ\nفيكون \"يوم\" مجرورًا بها على الإضافة، ويجوز أن تكون بمعنى \"الذي\"، فيكون \"يومٌ\" مرفوعًا؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ولا مثل اليوم الذي هو يومٌ بِدَارَةَ جُلْجُلٍ. وقال قومٌ: يجوز النصب على الإستثناء (٣) وليس بالجيّد. قالوا: ولا يُستعمل إلا\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٦٩ - ٥٧٠.\n(٢) راجع \"حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة\" في باب \"الموصول\" ١/ ١١١.\n(٣) كتب في الهامش: ما نصّه: المعروف عند النحويين أن نصب النكرة بعد \"ولا سيّما\" يكون على التمييز. انتهى.","vol":"1","page":259},{"text":"مع الجحد، ونصّ عليه أبو جعفر أحمد بن محمد النحويّ في \"شرح المعلّقات\"، ولفظه: ولا يجوز أن تقول: جاءني القوم سيّما زيد، حتى تأتي بـ \"لا\"؛ لأنه كالاستثناء. وقال ابن يعيش أيضًا: ولا يُستثنى بـ \"سيما\" إلا ومعها جحدٌ. وفي \"البارع\" مثلُ ذلك، قال: وهو منصوب بالنفي. ونقل السخاويّ عن ثعلب: من قاله بغير اللفظ الذي جاء به امرؤ القيس، فقد أخطأ، يعني بغير \"لا\"، ووجه ذلك أن \"لا\" و\"سيّما\" تركّبا، وصارا كالكلمة الواحدة، وتُساقُ لترجيح ما بعدها على ما قبلها، فيكون كالمخرج عن مساواته إلى التفضيل، فقولهم: تُستَحبّ الصدقة في شهر رمضان، لا سيما في العشر الأواخر، معناه: واستحبابها في العشر الأواخر آكد، وأفضل، فهو مفضّلٌ على ما قبله. قال ابن فارس: ولا سيّما: أي ولا مثل ما، كأنهم يُريدون تعظيمه. وقال ابن الحاجب: ولا يُستثنى به إلا ما يُراد تعظيمه. وقال السخاويّ أيضًا: وفيه إيذان بأن له فضيلة ليست لغيره.\nإذا تقرّر ذلك، فلو قيل: سيّما بغير نفيٍ اقتضى التقديرُ: تستحبّ في شهر رمضان، مثل استحبابها في العشر الأواخر، ولا يخفى ما فيه. وتقدير قول امرئ القيس: مضى لنا أيّامٌ طيّبة، ليس فيها يومٌ مثلُ يوم دارة جُلْجُل، فإنها أطيب من غيره، وأفضل من سائر الأيام، ولو حُذفت \"لا\" بقي المعنى: مضت لنا أيّام طيّبةٌ مثلُ يوم دارة جُلْجُل، فلا يَبقَى فيه مدحٌ وتعظيم. وقد قالوا: لا يجوز حذف العامل، وإبقاء عمله إلا شاذّا. ويقال: أجاب القوم، لا سيّما زيد، والمعنى: فإنه أحسن إجابةً، فالتفضيل إنما حصل من التركيب، فصارت \"لا\" مع\"سيّما\" بمنزلتها في قولك: لا رجلَ في الدار، فهي المفيدة للنفي، وربّما حُذفت للعلم بها، وهي مرادة، لكنّه قليلٌ، ويَقْرُبُ منه قولُ ابن السّرّاج، وابن باب شاذ: وبعضهم يَستثني بها. انتهى كلام الفيّوميّ (١).\nوقال ابن عقيل في \"شرح الخلاصة\": وقد جوّزوا في \"لا سيّما زيد\" إذا رُفع \"زيدٌ\" أن تكون \"ما\" موصولة، و\"زيدٌ\" خبرًا لمبتدإ محذوف، والتقدير: لا سيّ الذي هو زيد، فحُذف العائد الذي هو المبتدأ، وهو قولك \"هو\" وجوبًا، فهذا موضعٌ حُذِفَ فيه صدر الصلة مع غير \"أَيّ\" وجوبًا، ولم تطُل الصلة، وهو مَقيسٌ، وليس بشاذّ. انتهى.\nوكتب الخضريّ في \"حاشيته على الشرح المذكور\": ما نصه: \"سيّ\" بمعنى \"مثل\" لا يتعرّف بإضافته لـ \"ما\" الموصولة؛ لتوغّله في الإبهام، فصحّ كونه اسم \"لا\"، ولك جعلُ \"ما\" نكرة موصوفةً بالجملة: أي لا سيّ رجل هو زيد، أو زائدةٌ، و\"سِيّ\" مضافٌ إلى \"زيد\"، فإن كان بدَلُهُ نكرةً، كقوله:\n_________\n(١) \"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير\" ج ١/ ص ٣٠٠ - ٣٠١.","vol":"1","page":260},{"text":"أَلَا رُبَّ يَوْمٍ صَالِحٍ لَكَ مِنْهُمَا ... وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةَ جُلْجُلِ\nفلك فيه الرفعُ، والجرّ كذلك، ويزيد النصبَ، فيُميّز \"السيّ\" كما تميّز \"مثل\"، نحو. ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، و\"ما\" حينئذ كافّةٌ عن الإضافة، وفتحة \"سيّ\" بناءٌ على هذا؛ لإفرادها، وإعرابٌ في سواه؛ لإضافتها لـ \"ما\"، أو تاليها، والبيت مرويّ بالأوجه الثلاثة، وخبر \"لا\" على الجميع محذوفٌ: أي لا مثل كذا موجودٌ، ولا محلّ للجملة، وقد تُخفّف ياؤها، وقد تُحذف منها الواو، إما وحدها، أو مع \"لا\"، كما حكاه الرضيّ، وتعقّبه الدمامينيّ. هذا، وقد يَرِدُ به بمعنى \"خُصُوصًا\"، فيكون في محلّ نَصْب مفعولًا مطلقًا لأَخُصُّ محذوفًا، وحينئذ يؤتى بعده بالحال، كأُحِبُّ زيدًا، ولا سيّمًا راكبًا، أو وهو راكب، فهي حالٌ من مفعول \"أَخُصُّ\" المحذوف: أي أخصّه بزيادة المحبّة خصوصًا في حال ركوبه، وكذا بالجملة الشرطيّة، نحو: ولا سيّما إن ركِبَ: أي أخصّه بذلك، فقول المصنّفين: لا سيّما والأمر كذا تركيبٌ عربيّ. أفاده الدمامينيّ وغيره. انتهى (١).\n(عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ) جمعِ عامّة، سيأتي للمصنّف قريبًا بيان معناه، والجارّ والمجرور بيان لـ \"من\" (إِلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ غَيْرُهُ) أي بأن يُعْلِمه غيره من أهل العلم، وهو بتشديد القاف من التوقيف، ولا يصحّ أن يُقرأ هنا بتخفيف القاف، بخلاف ما قدّمناه في قوله: \"تُوقف على جملتها\"؛ لأن اللغة الفصيحة المشهورة وَقَّفْتُ فلانًا على كذا بالتشديد، فلو كان مخفّفًا لكان حقّه أن يُقال بأن يَقِفَه على التمييز. أفاده النوويّ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَهْجُمُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقِّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>الشرح الإجمالي لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه إذا كان الأمر كما وصفناه من كون ضبط القليل أيسر من معالجة\n_________\n(١) راجع \"حاشية الخضري على شرح ابن عقيل\" في \"باب الموصول\" ١/ ١١١.\n(٢) \" شرح النوويّ\" ١/ ٤٦.","vol":"1","page":261},{"text":"الكثير، فطلب القليل الصحيح للعوامّ أولى بهم من استكثار الضعيف؛ لأنهم لا ينتفعون به، وإنما ينتفع بذلك من رزقه الله تعالى نوعًا من اليقظة، والتمييز بين الصحيح والسقيم، ومعرفة أسباب الضعف والعلل، فإن ذلك هو الذي يستفيد، فأما العوامّ الذين ليس لهم يقظة ولا معرفة، فلا فائدة في استكثارهم من جمع الضعيف؛ حيث إنهم عاجزون عن ضبط القليل الصحيح، فكيف يُرجَى لهم الانتفاع بالكثير الضعيف. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ) أي الحال؛ لأن الأمر يُطلق بمعنى الحال، وجمعه أُمور، كفلس وفلوس، ومنه قوله ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. أفاده الفيّوميّ (١). وقوله: (فِي هَذَا) إشارة إلى علم الحديث الذي تقدّم له الإشارة إليه في قوله: \"أن ضبط القليل من هذا الشأن\" (كَمَا وَصَفْنَا) من أن ضبط القليل أيسر من معالجة الكثير، ولا سيما عند من لا يقدر على التمييز بين الصحيح والسقيم إلا بِمُوَقّف يرشده إلى ذلك (فَالْقَصْدُ) أي الطلب، يقال: قصدتُ الشيءَ، وله، وإليه قصدًا، من باب ضرب: طلبته بعينه. قاله الفيّوميّ (مِنْهُ) أي من هذا الشأن بمعنى علم الحديث (إِلَى الصَّحِيحِ) أي إلى الحديث الذي استوفى الشروط المعتبرة في قبوله، كما سيجيء شرحها قريبا -إن شاء الله تعالى- (الْقَلِيلِ، أَوْلَى بِهِمْ) أي أحقّ بهؤلاء العوامّ الذين لا تمييز لهم بأنفسهم (مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ) \"الازدياد\": افتعال من الزيادة، قال في \"اللسان\": يقال للرجل يُعطَى شيئًا: هل تزداد؟، المعنى: هل تطلب زيادة على ما أعطيتك؟ . انتهى (٢). و\"السقيم\": ضدّ الصحيح، والمراد به الحديث الضعيف.\nوالمعنى هنا: أن طلب الحديث القليل من الحديث الصحيح أولى لهؤلاء العَوَامّ من طلب الكثير من الحديث الضعيف.\n(وَإِنَّمَا يُرْجَى) بالبناء للمفعول، يقال: رجوتُه أرجوه رُجُوّا بضمتين على فُعُول، من باب قعد: أمّلته، أو أردته، قال تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠]: أي لا يُريدونه، والاسم الرجاء بالمدّ، ورجيته أرجيه، بالياء، من باب رمى لغةٌ، ويُستعمل بمعنى الخوف؛ لأن الراجي يَخَاف أنه لا يُدرك ما يترجّاه. قاله الفيّوميّ (٣).\nقلت: المناسب هنا المعنى الأول. ونائب فاعله قوله (بَعْضُ\"الْمَنْفَعَةِ) -بفتح\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢١.\n(٢) \"لسان العرب\" ٣/ ١٩٩.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٢١.","vol":"1","page":262},{"text":"الميم، والفاء، بينهما نون ساكنة-: اسم بمعنى الانتفاع، قال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: النفع: الخير، وهو ما يَتَوَصّل به الإنسان إلى مطلوبه، يقال: نفعني كذا ينفعني نَفْعًا، ونَفِيعةً، فهو نافع، وانتفعتُا بالشيء، ونفعني الله به، والمنفعة اسم منه. انتهى (١).\n(فِي الِاسْتِكْثَارِ) أي طلب الكثير، فالسين، والتاء للطلب، وهو متعلّق بـ \"يُرجى\"، أو بـ \"المنفعة\" (مِنْ هَذَا الشَّأْنِ) أي من هذا الأمر، والمراد علم الحديث، والجارّ والمجرور متعلّق بـ \"الاستكثار\" (وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ) بالجرّ عطفًا على\"الاستكثار\" من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الاستكثَار يعمّ جمع المكرّرات وغيره. وقوله: (مِنْهُ) أي من هذا الشأن، متعلّق بـ \"المكررات\" (لِخَاصَّةٍ) متعلّق بـ \"يُرجى\"، أو بـ \"المنفعة\"، و\"الخاصّة\": خلافُ العامّة (مِنَ النَّاسِ) متعلّق بصفة لـ \"خاصّة\": أي كائنة من الناس.\nثم بيّن المراد بـ \"الخاصّة\" هنا بقوله (مِمَّنْ رُزِقَ) بالبناء للمفعول، و\"من\" بيانية، والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله بدلَ بعض من كلّ (فِيهِ) أي في هذا الشأن، متعلّق بما قبله (بَعْضَ التَّيَقُّظِ) بالنصب على المفعوليّة لـ \"رُزق\"، و\"التيقّظ\" مصدر تيقّظ: إذا انتبه للأمور، يقال: يَقِظَ يَقَظًا، من باب كَرُم، وتَعِب، ويَقَظَة بفتح القاف، ويَقَاظة: خلاف نام، أو انتبه للأمور، كاستيقظ، وتيقّظ. أفاده في \"القاموس\"، و\"المصباح\" (وَالْمَعْرِفَةِ) بالجرّ عطفًا على \"التيقّظ\" (بِأَسْبَابِهِ) أي أسباب الحديث، والسبب في اللغة: هو الحبلُ الذي يُتوصّل به إلى الاستعلاء، ثم استُعير لكلّ شيء يُتوصّل به إلى أمر من الأمور، فقيل: هذا سبب هذا، وهذا مُسبّبٌ عن هذا. أفاده الفيّوميّ (٢). وقال ابن منظور: السبب كلّ شيء يُتوصّل به إلى الشيء. انتهى (٣).\nوالمراد به هنا الأمور التي يُتوصّل بها إلى معرفة صحة الحديث وضعفه، من استكمال شروط القبول، وعدمها. وقوله (وَعِلَلِهِ) جمع علّة، وهي: عبارة عن معنى في الحديث خَفِيّ يقتضي ضعفه، مع أن ظاهره السلامة منها، فتارة تكون فيِ المتن، وتارة تكون في الإسناد، وسيأتي البحث عنها مستوفى -إن شاء الله تعالى- (فَذَلِكَ) إشارة إلى من رُزق بعض التيقظ والمعرفة. وقوله (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) جملة معترضة بين المبتدإ والخبر، أتى بها إشارة إلى أن مجرّد كون الخصر متهيّئًا للوصول إلى هذه الفائدة لا يجدي شيئًا إلا بتوفيق الله تعالى، وتيسيره، وتسهيله. والله تعالى أعلم. فقوله: \"فذلك\" مبتدأٌ، خبره قوله: (يَهْجُمُ) بفتح أوله، وضمّ الجيم، قال الفيّوميّ: هَجَمتُ عليه هُجُومًا، من باب قعد: دخلتُ بغتةً على غفلة منه، وهجمته على القوم: جعلته يَهْجُمُ عليهم، يتعدّي، ولا\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦١٨.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٦٢.\n(٣) \"لسان العرب\" ١/ ٤٥٨.","vol":"1","page":263},{"text":"يتعدّي، وهَجَمت العين هُجُومًا: غارت، وهَجَم البَرْدُ هُجُومًا: أسرع دخوله، وهَجَمت الرجل هَجْمًا: طردته، وهَجَم: سَكَتَ، وأطرق، فهو هاجمٌ. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الفيّوميّ من ضبط \"يَهْجُمُ\" بضم الجيم هو الذي ذكره غيره من أهل اللغة، وضبطه النوويّ في \"شرحه\" بكسر الجيم، وقال: هكذا ضبطناه، وهكذا هو في نُسَخ بلادنا، وأصولها (١).\nقلت: هذا الذي ذكره النوويّ من ضبط \"يهجم\" بكسر الجيم لم يُثبته أهل اللغة، بل نبّه بعضهم على أنه غلطٌ، فقد نقل محمد المرتضى في \"شرح القاموس\" عن شيخه الفاسيّ في شرحه لـ \"القاموس\" أنه من باب كتب، قال: وهو الصحيح الذي جزم به أئمة اللغة قاطبة، فرواية بعض الرواة إياه في \"صحيح مسلم\" بكسر المضارع، كيضرب لا يُعتدّ به، ولا يُلتَفت إليه، وإن جرى عليه بعض عامّة أهل الحديث. قال المرتضى: ولكن المضبوط في نسخ \"الصحاح\" كلها هجمت على الشيء بغتة أهجم هُجُومًا بكسر الجيم من \"أهجم\"، فهذا يقوّي ما ذهب إليه بعض رواة مسلم، فتأمّل ذلك. انتهى (٢).\nوذكر القاضي عياضٌ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه رُوي كذا، ورُوي \"يَنْهَجِم\" بنون بعد الياء، قال: ومعنى \"يَهْجُمُ\": يقع عليها، ويبلغ إليها، ويَنال بُغيته منها، يقال: هجمت على القوم: إذا دخلت عليهم. قال ابن دُريد: يقال: انهجم الخباء: إذا وقع، وهجمت ما في خِلْف الناقة: إذا استقصيت حَلْبَهُ. انتهى (٣).\n(بِمَا أُوتِيَ) بالبناء للمفعول، والجارّ متعلّق بـ \"يهجم\"، والباء سببية (مِنْ ذَلِكَ) الإشارة إلى بعض التيقّظ والمعرفة، والجارّ متعلق بـ \"أوتي\" (عَلَى الْفَائِدَةِ) متعلّق بـ \"يهجم\" أي يقع على الفائدة بسبب ما أوتيه من التيقظ والفهم (في الِاسْتِكْثَارِ) تعلّق بصفة لـ \"الفائدة\": أي الفائدة الكائنة في الاستكثار (مِنْ جَمْعِهِ) أي جمع أنواع الحديث.\n[تنبيه]: ذكر النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى مما يتعلّق بكلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا كلامًا نفيسًا، حيث قال:\nوحاصل هذا الكلام، الذي ذكره مسلم ﵀، أن المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد، والمعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث، خَفِيّ، يقتضي ضعف الحديث، مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" للنوويّ ١/ ٤٧.\n(٢) راجع \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٩/ ٩٨.\n(٣) \"إكمال المعلم\" ١/ ٨٩.","vol":"1","page":264},{"text":"المتن، وتارة في الإسناد، وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع، ولا الإسماع، ولا الكتابة، بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفيّ معاني المتون والأسانيد، والفكر في ذلك، ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة به، ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه وغيرها، فيحفظها الطالب بقلبه، ويقيدها بالكتابة، ثم يُدِيم مطالعة ما كتبه، ويتحرى التحقيق فيما يكتبه، ويتثبت فيه، فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمدا عليه، ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن، سواء كان مثله في المرتبة، أو فوقه، أو تحته، فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، ويتحرر، ويتأكد، ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة، أنفع من المطالعة والحفظ ساعات، بل أياما، وليكن في مذاكراته متحريا الإنصاف، قاصدا الاستفادة، أو الإفادة، غير مترفع على صاحبه بقلبه، ولا بكلامه، ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة، فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته. انتهى كلام النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا.\nوقال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيما كتبه على \"علل الترمذيّ\": ولا بُدّ في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عَدِم المذاكر به، فليُكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين به، كيحيى بن سعيد القطّان، ومن تلقّى عنه، كأحمد بن حنبل، وابن المدينيّ، وغيرهما، فمن رُزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقِهَت نفسه فيه، وصارت له فيه قُوّة نفس، وملَكَة، صلح له أن يتكلّم فيه. قال أبو عبد الله الحاكم: الحجة في هذا العلم عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير. انتهى (٢).\nوقلت ناظمًا هذا المعنى في \"ألفية العلل\".\nيَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ ... لَا بُدَّ فِي ذَا الْعِلْمِ أَنْ تُتْقِنَهُ\nمُمَارِسًا مُذَاكِرًا بِالْفَهْمِ ... فَذَا سَبِيلُ الْفَتْحِ عِنْدَ الْقَوْمِ\nإِنْ لم تَجِدْ مُذَاكِرًا فَلْتَلْزَمِ ... مُطَالِعًا كَلَامَ أَهْلِ الْقَدَمِ\nكَالْجِهْبِذِ الْقَطَّانِ وَابْنِ حَنْبَلِ ... وَابْنِ الْمِدِينِيِّ الإِمَام الْجَبَلِ\nوَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ عِنَايَةُ ... بِخِدْمَةِ الْفَنِّ وَذَوْقٌ ثَابِتُ\nفَإِنَّ مَنْ رُزِقَ أَنْ يُطَالِعَا ... كَلَامُهُمْ بِالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ مَعَا\nوَحَصَلَتْ لَهُ بِهِ مَلَكَةُ ... فَإِنَّهُ فِي الْفَنِّ ثَبْتٌ حُجَّةُ\nفَإِنَّمَا الْحُجَّةُ عِنْدَ الْقَوْمِ ... الْحِفْظُ وَالْفَهْمُ وَحُسْنُ الْعَوْمِ\n_________\n(١) \"شرح النوويّ\" ١/ ٤٧.\n(٢) \"شرح علل الترمذيّ\" لابن رجب ص ٢٥٧ بتحقيق صبحي السامرائيّ.","vol":"1","page":265},{"text":"ثم بيّن محترز قوله: \"لخاصّة من الناس\"، فقال:\n(فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ) الإضافة بمعنى \"من\" (الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ، مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ) بيان لمعاني الخاصّ (فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ) أي فلا فائدة لهؤلاء العوامّ في طلبهم الكثير من أنواع الحديث المشتمل علىَ الصحيح والسقيم؛ لقصور فهمهم عن إدراكه، والغوص في حقائقه (وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أنهم قد عجزوا عن معرفة القليل من الحديث.\nيقال: \"عَجَزَ\" -بفتح الجيم- يَعْجِزُ -بكسرها- هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وبها جاء القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ الآية [المائدة: ٣١]، ويقال: عَجِزَ يَعْجَزُ بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، حكاها الأصمعيّ وغيره، والعجز في كلام العرب أن لا تَقْدِر على ما تريد. قاله النوويّ في \"شرحه\" (١).\nوقال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"عجز\" بفتح الجيم، يقال: عجز عن الشيء عَجْزًا، من باب ضرب، ومَعْجزة بالهاء، وحذفها، ومع كلّ وجه فتح الجيم وكسرها: إذا ضَعُف عنه، وعجِزَ عَجَزًا، من باب تعِبَ لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته. انتهى (٢).\nثمّ بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى طريقة تأليفه لهذا الكتاب، فقال:\n(ثُمَّ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ، وَتَأْلِيفِهِ عَلَى شَرِيطَةٍ، سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رسول الله -ﷺ-، فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ، مِنَ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوضِعٌ لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ، فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ؛ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ، يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ، إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ، مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ، إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).\n_________\n(١) \"شرح النووي على مسلم\" ١/ ٤٨.\n(٢) \"المصباح المنير\" ٢/ ٣٩٣.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>الشرح الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه سيبدأ -إن شاء الله- في تخريج الكتاب المسؤول، وتأليفه بالطريقة التي يفصّلها، وهي أنه يقصد إلى جملة من الأحاديث المسندة إلى رسول الله -ﷺ-، فيقسمها إلى ثلاثة أقسام، وإلى ثلاث طبقات من الرواة، وذلك بلا تكرار للحديث، إلا إذا كان المقام يستدعي التكرار؛ إلا لوقوع زيادة المعنى في الحديث المكرر؛ إذ الزيادة تقوم مقام الحديث التام المستقلّ، أو لكون الإسناد فيه علّة، لا توجد في الثاني، فلو ترك تكراره لتُوُهّم تأثير تلك العلة في صحة الحديث، فيُكرّره؛ ليُعلم أن تلك العلة غير مؤثّرة فيه، أو كان معنى الحديث يمكن فهمه من الحديث، إلا أن في ذلك عسر، فإعادته بتمامه تقريبًا إلى الفهم أسلم وأولى، فأما ما خلا عن هذه الأسباب، فلا يُعيده. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(ثُمَّ) بعد أن عرفت ما تقدّم (إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لأن محله مَحَلُّ ابتداء كلامِ (إِنْ شَاءَ اللهُ) جملة معترضة بين اسم \"إنّ\" وهو \"نا\"، وخبرها، وهو قوله (مُبْتَدِئُون فِي تَخْرِيجِ) مصدر خرّج بتشديد الراء، يقال: خرّج العملَ: جعله ضُرُوبًا، وألوانًا. قاله في \"القاموس\" أي تنوِيعِ (مَا سَأَلْتَ) من تأليف جملة الأخبار المأثورة عن رسول -ﷺ- على الصفة المتقدّمة (وَتَأْلِيفِهِ) أي جمعه (عَلَى شَرِيطَةٍ) بفتح الشين المعجمة، أي طريقة، قال أهل اللغة: الشرط، والشريطة، لغتان بمعنى واحد، وجمع الشرط شُرُوط، وجمع الشريطة شرائط، وقد شرط عليه كذا يشرِطه، ويشرُطُه -بكسر الراء، وضمها، من بابي ضرب، ونصر، لغتان، وكذلك اشترط عليه (سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ) أي سأبيّنها، وأفصّلها لأجل أن تفهمها، و\"سوف\" كلمة وعد، ومنه سوّفت به تسويفًا: إذا مَطَلته بوعد الوفاء، وأصله أن يقول له مرّةً بعد أخرى: سوف أفعل. قاله الفيّوميّ (١). وقال المجد: و\"سَوْفَ\"، ويقال: \"سَفْ\"، و\"سَوْ\"، و\"سَيْ\": حرفٌ معناه: الاستئنافُ، أو كلمة تنفيس فيما لم يكن بعدُ، وتستعمل في التهديد، والوعيد، والوعد، فإذا شئت أن تجعلها اسمًا نوّنتها انتهى (٢).\nوقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد الإتيوبيّ الْمِنَاسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى لغات \"سوف\" المذكورة بقوله:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" في مادة سوف.\n(٢) \"القاموس المحيط\" في مادة \"سوف\".","vol":"1","page":267},{"text":"بِأَرْبَعِ اللُّغَاتِ \"سَوْفَ\" قَدْ رَوَوْا ... عَنْ مُحْكَمٍ (١) \"سَوْفَ\" و\"سَفْ\" و\"سَي\" و\"سَوْ\"\n(وَهُوَ) الضمير للشأن، وهو ما تفسّره الجملة بعده، أي الشأن والحال (إِنَّا) بكسر الهمزة، ويحتمل فتحها، على أن \"هو\" ضمير يعود ما ذكره من الشريطة، وإنما ذكّره على تأويله بالمذكور (نَعْمِدُ) أي نَقْصِدُ، يقال: عَمَدت للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدتُ، وتعمدته: قصدت إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ (٢) (إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: يعني جملة غالبة ظاهرة، وليس المراد جميع الأخبار المسندة، فقد علمنا أنه لم يذكر الجميع، ولا النصف، وقد قال: \"ليس كلّ حديث صحيح، وضعته ههنا\" انتهى (عَنْ رسول الله -ﷺ-) متعلقٌ بـ \"أُسند\" (فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ) جمع طبقة، وهم القوم المتشابهون، من أهل العصر، والمراد هنَا تشابههم في الصفات، كأن يكونوا متشابهين بكون كلهم في الدرجة العليا من الحفظ، والإتقان، أو في الدرجة الوسطى، أو في الدرجة الأدنى، كما يأتي في تفصيل المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذلك، وسيأتي تمام البحث في الطبقة في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى (مِنَ النَّاسِ) بيان للطبقات. وعطف قوله: \"وثلاث طبقات\" على قوله: \"ثلاثة أقسام\"، من عطف السبب على المسبب، وذلك أن سبب انقسام الأخبار على ثلاثة أقسام لانقسام الرواة إلى ذلك، كما يأتي بيانه عند تفصيل المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى له (عَلَى غير تَكْرَارٍ) متعلّق بحال محذوف، أي حال كون ذلك التقسيم كائنًا على غير تكرار (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ) ببناء الفعل للفاعل، وهو استثناء من غير تكرار، يعني أنه لا يكرّر الحديث، في حال من الأحوال، إلا في حال إتيان موضع (لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ) ببناء الفعل للمفعول، و\"فيه\" في محل رفع نائب الفاعل، أو متعلّق به، و\"عن ترداد حديث\" هو النائب، والجملة صفة \"موضع\"، وجملة قوله (فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى) صفة لـ \"حديث\".\nوالمعنى أنه لا يعيد الحديث إلا أن يأتي موضع لا بدّ فيه من إعادة حديث، توجد في ذلك لحديث المعاد زيادة، توضّح معنى الحديث الأول.\n(أَوْ إِسْنَادٌ) بالرفع عطفًا على قوله: \"موضع\"، أي إلا أن يأتي إسناد (يَقَعُ) ذلك الإسناد (إِلَى جَنْب إِسْنَادٍ) مذكور أوّلًا (لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ) علة لوقوع ذلك الإسناد إلى جنب الإسناد السَابق، أي إنما ذكر الإسناد الثاني المعادُ؛ لأجل إزالة علّة تكون في الإسناد الأول، فـ \"هناك\" إشارة إلى الإسناد الأول، ثم علّل ذلك بقوله (لأَنَّ الْمَعْنَى\n_________\n(١) هو اسم كتاب في اللغة، لابن سيده البطليوسيّ.\n(٢) \"المصباح المنير\" في مادة \"عمد\".","vol":"1","page":268},{"text":"الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ، الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ) بالنصب صفة لـ \"لمعنى\" (يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ) أي يكون بمنزلة حديث مستقلّ، فكأنه لا إعادة، كما أشار إليه بقوله (فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ) حيث جعلته تلك الزياد كحديث مستقلّ، فكأنه لا تكرار.\nوحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يورد الأخبار المسندة عن رسول الله -ﷺ- على ثلاثة أقسام، كما سيأتي تفصيلها، ولا يكرّر الحديث الوأحد مرّتين، فأكثر، إلا إذا دعت الحاجة إلى التكرار، وذلك في موضعين:\n[الأول]: أن يكون الحديث الثاني فيه زيادة توضّح المراد من الحديث الأول، كأن يكون الأول عامّا، ووجد في الثاني ما يخصص عمومه، أو يكون مطلقًا، وفي الثاني تقييده، أو نحو ذلك، فيعيده مرّة أخرى، لأن تلك الزيادة تقوم مقام الحديث المستقلّ، فهو وإن كان تكرارًا ظاهرًا، لكنه كلا تكرار؛ لما ذُكر.\n[والثاني]: أن يكون في الإسناد الأول علّة، كأن يكون فيه مدلّس، أو مختلط، ويكون في الثاني ما يزيل ذلك، كأن يقع فيه التصريح بسماع المدلّس، أو يكون الراوي عنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرّحوا بالسماع، كشعبة، أو يكون الراوي عن المختلط رواه قبل اختلاطه، أو نحو ذلك، فيعيده مرّة أخرى؛ لإزالة تلك العلّة.\nفقوله: \"لأن المعنى الزائد في الحديث الخ\" يتعلّق بكلّ من القسمين، فالزيادة في القسم الأول واضحة، حيث زاد الحديث الثاني معنى لم يوجد في الأول، وكذا الزيادة في الإسناد واضحة أيضًا، حيث إن الثاني أفاد ما لم يفده الأول، من إزالة التدليس، ونحوه. والله تعالى أعلم.\n(أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى) بالبناء للمفعول، وتشديد الصاد المهملة، من التفصيل، ويحتمل أن يكون بتخفيف الصاد، من الفصل، والأول يؤيّده قوله الآتي: \"ولكن تفصيله الخ\". وفي بعض النسخ: \"أو أن نُفَصِّلَ\" بنون المتكلّم، والبناء للفاعل من التفصيل، ويحتمل كونه من الفصل أيضًا، وهو عطف على \"إعادة الحديث\"، واسم الإشارة راجع إلى المعنى الزائد، والتقدير: فلا بُدّ من فَصْلِ ذلك المعنى الزائد (مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ) يعني الحديث المشتمل على المعنى الزائد (عَلَى اخْتِصَارِهِ) متعلّق بـ \"يُفصَّل\"، و\"على\" بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ الآية، أو بمعنى \"مع\"، كقوله تعالى. ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية.\nوالاختصار هو إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى. وقيل: ردّ الكلام الكثير إلى","vol":"1","page":269},{"text":"قليل، فيه معنى الكثير، وسمِّي اختصارًا؛ لاجتماعه، ومنه الْمِخْصَرةُ، وخصر الإنسان. قاله النوويّ (١).\nوقوله (إِذَا أَمْكَنَ) إشارة إلى أن شرط اختصار الحديث إمكان فهم المعنى منه، كما سيأتي بيان ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى.\nوقال الكفويّ في \"الكليات\": الاختصار: تقليل المباني مع إبقاء المعاني، أو حذف عرض الكلام، وهو جلُّ مقصود العرب، وعليه مبنى أكثر كلامهم، ومن ثمة وضعوا الضمائر لأنها أخصر من الظواهر خصوصًا ضمير الغيبة، فإنه في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ قام مقام عشرين ظاهرًا، كما قال بعض المحققين. والاختصار أمر نسبيّ، يُعتبر تارة إضافته إلى متعارف الأوساط، وتارة إلى كون المقام خليقًا بعبارة أبسط من العبارة التي ذُكرت، وقد أكثروا من الحذف، فتارة لحرف من الكلمة، وتارة للكلمة بأسرها، وتارة للجملة كلها، وتارة لأكثر من ذلك، ولهذا تجد الحذف كثيرًا عند الاستطالة، كحذف عائد الصلة، فإنه كثير عند طول الصلة انتهى (٢).\n(وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ) أي تفصيل ذلك المعنى، يعني إيراده مفصولًا عن الحديث، واختصاره منه (رُبَّمَا عَسُرَ) بضم السين، من باب قَرُب، أي صَعُب (مِنْ جُمْلَتِهِ) متعلّق بـ \"تفصيل\"، أي من جملة ذلك الحديث، يعني أنه لو أريد اختصار ذلك المعنى الزائد من الحديث لكان عَسِرًا؛ لشدة ارتباطه به (فَإِعَادَتُهُ) أي إعادة ذلك الحديث المشتمل على المعنى الزائد (بِهَيْئَتِهِ) قال المجد: الْهَيئة -أي بفتح الهاء، وتكسر-: حال الشيء، وكيفيته. انتهى. والمراد به هنا جملة الحديث وهيئته التركيبية، أي إعادته بجملته، من غير اختصار ذلك المعنى منه (إِذَا ضَاقَ ذَلِك) أي صعب الفصل المذكور (أَسْلَمُ) من تطرّق الخلل إليه، وأفعل هنا ليس للتفضيل، بل هو بمعنى أصل الفعل، أي يكون سالمًا من تطرّق الخلل إليه.\nوحاصل المعنى أنه إذا خيف كون الاختصار يؤدي إلى خلل في المعنى كان محظورًا، لأن شرط جواز اختصار الحديث أن لا يُخلّ بالمقصود، فلا يُختصر إلا ما ليس مرتبطًا بالباقي، فإذا تعسّر ذلك، بأن كان كله مرتبطًا بالباقي، أو شُكّ في ارتباطه به، ففي هاتين الحالتين لا يجوز الاختصار، بل يتعيّن ذكره بتمامه، وهيئته؛ مخافة من الخطأ والزلل (٣).\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٤٩.\n(٢) \"الكليات\" لأبي البقاء الكفويّ ص ٦٠ - ٦١.\n(٣) أفاده النوويّ في \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٤٩.","vol":"1","page":270},{"text":"(فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًا) بالضم، أي استغناء (مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ) يعني أنه إذا لم تدع الحاجة إلى إعادة الحديث، بأن كان الحديث المذكور واضح الدلالة لا يعيده مرّة ثانية؛ لاستغنائه عنه.\nوقوله (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) فيه العمل بقوله تعالى، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>مسائل تتعلق بكلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى المذكور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الأولى: في قوله: \"فنقسمها على ثلاثة أقسام</span>\"\nقال الإمام القاضي عياض رَحِمَهُ اللهَ تعالى: قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيّع: إن مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى أراد أن يخرّج الصحيح على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الرواة.\nقال: فلم يقدّر له رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخترمته المنيّة قبل أن يتمّ غرضه، إلا من القسم الأول المتّفق عليه من الصحيح إلى آخر كلامه.\nقال القاضي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي تأوله أبو عبد الله الحاكم على مسلم من اخترام المنيّة قبل استيفاء غرضه، مما قبله الشيوخ، وتابعه عليه الناس في أنه لم يُكمل غرضه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل في تأليفه سواها.\nوأنا أقول: إن هذا غير مسلّم لمن حقّق نظره، ولم يتقيّد بتقليد ما سمعه، فإنك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابه الحديث -كما قال- على ثلاث طبقات، فذكر أن القسم الأول حديث الحفّاظ، ثم قال: إنه إذا تقصّى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالْحِذْق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر، والصدق، وتعاطي العلم، وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، وسمّى أسماءً من كلّ طبقة من الطبقتين المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أَجمَع، أو اتفق الأكثر على تهمته، وبقي من اتّهمه بعضهم، وصححه بعضهم، فلم يذكره هنا، ووجدته رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد ذكر في أبواب كتابه، وتصنيف أحاديثه حديث الطبقتين الأوليين، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سمّاها، وحديثها، كما جاء بالأولى على طريق الإتباع لأحاديث الأولى، والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الباب للأولى شيئًا.\nوذكر أقوامًا تكلّم قومٌ فيهم، وزكّاهم آخرون، وخَرَّجَ حديثهم ممن ضُعِّف، أو اتُّهم ببدعة، وكذلك فعله البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\nفعندي أنه رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر، ورتّب في كتابه، وبيّنه في تقسيمه، وطرح الرابعة، كما نصّ عليه.","vol":"1","page":271},{"text":"وتأول الحاكم أنه إنما أراد أن يُفرد لكلّ طبقة كتابًا، أو يأتي بأحاديثها خاصةً مفردةً، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه أن يجمع في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى، ثم يأتي بالثانية على طريقة الاستشهاد والإتباع حتى يستوفي جميع الأقسام الثلاثة.\nويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث من الناس الحفّاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة التي طرح، والله أعلم بمراده.\nوكذلك أيضًا علل الحديث التي ذكر، ووعد أنه يأتي بها، قد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقص، وذكر تصحيف المحدّثين.\nوهذا يدلّ على استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في كتابه كلّ ما وعد به.\nوقد فاوضت في تأويلي هذا، ورأيي فيه مَن يَفهم هذا البابَ، فما وجدت منصفًا إلا صوّبه، وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب، وطالع مجموع الأبواب.\nولا يُعترض على هذا بما نقل عن ابن سفيان من أن مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى أخرج ثلاثة كتب من المسندات، واحدًا هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يُدخل فيه عكرمة، وابن إسحاق صاحب المغازي، وأمثالهما، والثالث فيه الضعفاء. انتهى.\nفإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم، مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك، إن شاء الله تعالى انتهى كلام القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى بتصرّف.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى من أن تقسيم مسلم الأحاديث على ثلاثة أقسام إنما هو في صحيحه، لا في تأليف آخر، كما ادعاه الحاكم أبو عبد الله، وتبعه على ذلك تلميذه البيهقيّ رحمهما الله تعالى، كما ذكره النوويّ، صوّبه جماعة، منهم الإمامان: ابن الصلاح، والنوويّ رحمهما الله تعالى، وهو الذي أصوّبه، ولا أرى غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة الثانية: في قوله: \"وثلاث طبقات من الناس\" (١)</span>\nاعلم: أن \"الطبقات\" جمع \"طبقة\"، وهي في اللغة: الجماعة من الناس، أو القوم\n_________\n(١) قد تقدّم أن المراد من \"الطبقات\" في كلام مسلم عبارة عن ثلاثة أصناف من الناس، الذين يتشابه كلّ صنف منها في الصفة، إما في الحفظ، والإتقان، أو سوء الحفظ، أو نحو ذلك، وليس المراد الطبقة بمعنى التشابه في الأخذ والسنّ، فتنبّه.","vol":"1","page":272},{"text":"المتشابهون، أو الأُمّة بعد الأُمّة، أو الجماعة من الناس يَعدِلون مثلهم (١).\nوفي الاصطلاح قوم تقاربوا في السنّ، والإسناد، أو في الإسناد فقط، بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو يقاربوا شيوخه، وقد يكون الشخصان من طبقة باعتبار، ومن طبقتين باعتبار آخر، فمثلًا أنس بن مالك -﵁- وشبهه من أصاغر الصحابة -﵃- هم مع العشرة المبشرين بالجنة -﵁- في طبقة الصحابة، وعلى هذا فالصحابة كلهم طبقة واحدة؛ باعتبار اشتراكهم في الصحبة، واثنتا عشرة طبقةً باعتبار تفاوت مراتبهم، وكذلك التابعون طبقة ثانية، وأتباعهم طبقة ثالثة بالاعتبار المذكور، وهلُمّ جرًّا.\nوفائدة معرفة هذا العلم الأمنُ من تداخل المشتبهين في اسم، أو كنية، ونحو ذلك، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة (٢).\nوإلى ما ذُكر أشار الحافظ السيوطيّ في ألفية المصطلح بقوله:\nوَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ\nفَالصَّاحِبُونَ بِاعْتِبَارِ الصُّحْبَهْ ... عَشَرَةٌ وَفَوْقَ عَشْرِ رُتْبَهْ\nوَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلًا ... عِنْدَ اتِّفَاقِ الاسْمِ وَالَّذِي تَلَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المسألة الثالثة: في بحث يتعلّق بتقسيمه الحديث إلى ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات أيضًا</span>\nاعلم: أن الإمام مسلمًا رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد قسّم الأحاديث في كتابه على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، وفصّل ذلك تفصيلًا حسنًا، وكذلك غيره من أهل العلم بالحديث لهم تقسيمات تختلف بحسب مقاصدهم، كما سنوضّحه الآن.\nقال الإمام أبو سليمان الخطّابيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كتابه \"معالم السنن\": الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيح، وحسنٌ، وسقيم.\nفأما الصحيح: فهو ما اتصل سنده، وعُدِّلت نَقَلَته. والحسن ما عُرف مَخْرَجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، هو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامّة الفقهاء. والسقيم على طبقات: شرّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول. انتهى (٣).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: مراد الخطابي رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: \"الحديث عند\n_________\n(١) انظر \"لسان العرب\" ١٠/ ٢١٠ و\"القاموس المحيط\" ٣/ ٢٥٦ و\"التدريب\" ٢/ ٣٨١.\n(٢) راجع \"التقريب\"، مع شرحه \"التدريب\" ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٣.\n(٣) \"معالم السنن\" ١/ ٦.","vol":"1","page":273},{"text":"أهله\" أي عند معظمهم، لأن بعضهم قسموه إلى قسمين فقط، صحيح، وضعيف، كما بينتُهُ في \"شرح ألفية الحديث\" عند قولها:\nوَالأَكْثَرُونَ قَسَّمُوا هَذِي السُّنَنْ ... إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ\nوقال الإمام أبو عيسى الترمذيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"علله الصغير\" الذي في آخر \"الجامع\": الحسن من الحديث ما ليس في إسناده من يُتّهم، وليس بشاذّ، وروي من غير وجه انتهى بتصرّف (١).\nوقد أجاد الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"الرسالة\" حيث قال: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا:\nمنها: أن يكون مَن حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلًا لِمَا يُحَدِّث به، عالمًا بما يُحِيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يُؤَدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى، وهو غير عالم بما يُحِيل به معناه، لم يَدْرِ لعله يُحِيل الحلال إلى حرام، وإذا أدّاه بحروفه، فلم يَبْقَ وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إذا حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في حديث، وافق حديثهم، بَرِيئًا مَن أن يكون مدلسا، يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، أو يحدث عن النبي -ﷺ- ما يحدث الثقات خلافه عن النبي -ﷺ-. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي -ﷺ-، أو إلى من انتهى به إليه دونه؛ لأن كلّ واحد منهم مُثْبِتٌ لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يَستغني كلّ واحد منهم عما وصفت.\nقال: ومن كثر غلطه من المحدّثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يُقبل حديثه كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تُقبل شهادته.\nقال: وأقبل الحديث: حدّثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلّسًا. ومن عرفناه دلّس مرّةً، فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بكذب، فيُردّ بها حديثه، ولا على النصيحة في الصدق، فيُقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: ولا نقبل من مدلّس حديثًا حتّى يقول: حدّثني، أو سمعت.\nقال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى شارحًا لكلام الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا.\nفقد تضمّن كلامه ﵀ أن الحديث لا يُحتجّ به حتى يَجمع رواته من أولهم إلى آخرهم شُرُوطًا:\n_________\n(١) \"العلل الصغير\" ٥/ ٧٥٨.","vol":"1","page":274},{"text":"[أحدها]: الثقة في الدين، وهي العدالة، وشروط العدالة مشهورة في كتب الفقه.\n[الثاني]: المعرفة بالصدق في الحديث، ويعني بذلك أن يكون الراوي معروفًا بالصدق في رواياته، فلا يُحتجّ بخبر من ليس بمعروف بالصدق، كمجهول الحال، ولا من يُعرف بغير الصدق، وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصحّ، ولا يُحتجّ به. ومن أصحابنا -يعني الحنبليّة- من خرّج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل.\nوقال الشافعيّ أيضًا: كان ابن سيرين، والنخعيّ، وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب في أن لا يَقبَل إلا ممن عُرف، قال: وما لقيتُ، ولا علمتُ أحدًا من أهل العلم بالحديث يُخالف هذا المذهب.\n[الثالث]: العقل لِمَا يُحَدّث به، وقد رُوي مثلُ هذا الكلام عن جماعة من السلف، ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون، ما يُؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله. أخرجه مسلم في \"مقدّمة كتابه\" (١). وروى إبراهيم بن المنذر: حدّثني معن بن عيسى قال: كان مالك يقول: لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سَفِيه مُعلِنٍ بالسفه، وإن كان من أروى الناس. ولا تأخذ من كذّاب يَكذِب في أحاديث الناس، وإن كان لا يُتّهم أن يكذب على رسول -ﷺ-. ولا من صاحب هَوًى يدعو الناس إلى هواه. ولا من شيخ له فضل، وعبادة، إذا كان لا يعرف ما يحدّث به. قال إبراهيم بن المنذر: فذكرت هذا الحديث لمطرّف بن عبد الله اليساريّ مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري هذا، ولكن أشهد لسمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد -يعني المدينة- مشيخة لهم فضل، وصلاحٌ، وعبادةٌ، يُحدّثون، ما سيعت من واحد منهم حديثًا قطّ، قيل: ولم يا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يَعرفون ما يُحدّثون. وروى ضمرة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لقد رأيتنا، وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يُحدّث بالحديث، فيُحرّف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله، وهو لا يشعُر. وقال محمد بن عبد الله ابن عمّار الحافظ الموصليّ -وقد سُئل عن عليّ بن غُرَاب-: فقال: كان صاحب حديث، بصيرًا به، قيل له: أليس ضعيفًا؟ قال: إنه كان يتشيّع، ولستُ بتارك الرواية عن رجل، صاحب حديث، يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوبًا للتشيّع، أو للقدر، ولستُ براو عن رجل\n_________\n(١) سيأتي في مقدّمة مسلم، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":275},{"text":"لا يُبصر الحديث، ولا يعقله، ولو كان أفضل من فتح (١) الموصليّ. وحكى الترمذيّ في \"علله\" عن البخاريّ قال: كلُّ من لا يَعرِف صحيح حديثه من سقيمه لا أُحدّث عنه، وسَمَّى منه زَمْعَة بن صالح، وأيوب بن عُتبة. وحكَى الحاكم هذا المذهب عن مالك، وأبي حنيفة. وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث من لا يَعرِف ما يُحدّث به، ولا يَحفظه. والظاهر -والله أعلم- حمل كلام الشافعيّ على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يُحدّث بالمعنى كما صرّح بذلك فيما بعدُ، وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر أنه قال: تكون اللفظة تترك من الحديث، فتُحيل المعنى، أو ينطق بها بغير لفظ المحدّث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيَخْتَلّ معناه، فإذا كان الذي يَحمل الحديث يَجهل هذا المعنى، وكان غير عاقل للحديث، فلم يُقبل حديثه، إذا كان يَحمل ما لا يَعقِل، إذا كان ممن لا يؤدّي الحديث بحروفه، وكان يلتمس روايته على معانيه، وهو لا يعمل المعنى، إلى أن قال: فالظنّة فيمن لا يؤدّي الحديث بحروفه، ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن تُردّ شهادته له فيما هو ظنين فيه.\nفهذا يبيّن أن الشافعيّ إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفًا بمعاني الحديث إذا كان يُحدّث بالمعنى، ولا يحفظ الحروف. والله أعلم.\nفقوله هنا: \"عاقلا لما يُحدّث به، عالما بما يُحيل معنى الحديث من اللفظ\" هو شرط واحد، ليس فيه تكرير، بل مراده بعقل ما يُحدّث به فهم المعنى، ومراده بالعلم بما يُحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي يؤدّي بها المعاني.\nوقد فسّر أبو بكر الصيرفيّ في \"شرح الرسالة\" قولَ الشافعيّ: \"عاقلًا لما يُحدّث به\" بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط، قال: وهذا شرط بإجماع. وهذا الذي قاله فيه نظر وضعف.\nوهذا كلّه في حقّ من لا يحفظ الحديث بألفاظه بدليل أنه قال بعد ذلك: \"أو يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدّث به على المعنى\"، فجعل هذا قسيمًا للذي قبله، فقسم الرواة إلى قسمين: من يحدّث بالمعنى، فيُشترط فيه أن يكون عاقلًا لِمَا يُحدّث به من المعاني، عالمًا بما يُحيل المعنى من الألفاظ. ومن يُحدّث باللفظ، فيُشترط فيه الحفظ للفظ الحديث، وإتقانه، وما علَّل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدّي له فهو واضحٌ، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعيّ. وقد قال أحمد في رواية الأثرم: سعيد بن زكريا المدائنيّ كنّا كتبنا عنه، ثم تركناه، قيل له: لم؟ قال: لم أكن أرى به في نفسه بأسًا، ولكن لم يكن بصاحب حديث. وهذا محمول\n_________\n(١) فتح هذا كان رجلًا معروفًا بالعبادة والصلاح.","vol":"1","page":276},{"text":"على أنه كان يُحدّث من حفظه أيضًا، فيُخشى عليه الغلط.\n[الرابع]: حفظ الراوي، فإن كان يحدِّث من حفظه اعتُبر حفظه لما يحدّث به، لكن إن كان يحدّث باللفظ اعتُبر حفظه لألفاظ الحديث، وإن كان يُحدّث بالمعنى اعتُبر معرفته بالمعنى واللفظ الدال عليه كما تقدّم، وإن كان يحدّث من كتابه اعتُبر حفظه لكتابه.\n[الخامس]: أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم، فلا يُحدّث بما لا يوافق الثقات، وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفّاظ في الجرح في كثير من الرواة: يحدّث بما يُخالف الثقات، أو يُحدّث بما لا يتابعه الثقات عليه، لكن الشافعيّ اعتَبَرَ أن لا يُخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: بريئًا أن يُحدّث عن النبيّ -ﷺ- بما يحدّث الثقات خلافه، وقد فسّر الشافعيّ الشّاذّ من الحديث بهذا، قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعيّ يقول: ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذّ من الحديث أن يروي الثقات حديثًا، فيشذّ عنهم واحد، فيُخالفهم. وأما أكثر الحفّاظ المتقدّمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علّة فيه اللهمّ إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهريّ ونحوه، وربّما يستنكرون بعض تفرّدات الكبار أيضًا، ولهم في كلّ حديث نقدٌ خاصّ، وليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه. قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذّ الحديث المنكر الذي لا يُعرف. وسيأتي البحث في هذا مستوفىً عند ذكر مسلم لعلامة الحديث المنكر، إن شاء الله تعالى.\n[السادس]: أن لا يكون مدلِّسًا، فين كان مدلّسًا يحدّث عمن رآه بما لم يسمعه منه، فإنه لا يُقبل منه حديثه، حتى يُصرّح بالسماع ممن روى عنه. وهذا الذي ذكره الشافعيّ قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين. وقال الشاذكونيّ: من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه. وقال البرديجيّ: لا يُحتجّ من حديث حميد إلا ما قال: حدثنا أنس. ولم يَعتبر الشافعيّ أن يتكرّر التدليس من الراوي، ولا أن يَغلِب على حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرّة واحدة، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يَغلبَ التدليس على حديث الرجل، وقالوا: إذا غلب عليه التدليس لم يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، وهذا قول ابن المدينيّ، حكاه يعقوب ابن شيبة عنه (١).\n_________\n(١) وهذا الذي قاله ابن المديني، ويعقوب بن شيبة هو الذي يذهب إليه مسلم في كلامه الآتي إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":277},{"text":"وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة حينما يتعرض مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذكرها بقوله: \"وإنما كان تفقّد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنه إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث، وشُهر به\". انتهى كلام الشافعي مشروحًا بكلام ابن رجب رحمهما الله تعالى، وهو بحث نفيس مهمّ جدّا لمعرفة الحديث الصحيح الذي يُحتجّ به عند أهل العلم بلا خلاف بينهم.\nوقد تقدّم في مقدّمة هذا الشرح عند الكلام على شرط المصنّف في \"صحيحه\" الكلام على الحديث الصحيح، وأن الصواب أن عدم الشذوذ ليس من شرط الصحيح، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه]: قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في كتابه \"المدخل\": الصحيح من الحديث على عشرة أقسام: خمسة متّفق عليها، وخمسة مختلف فيها:\nفالقسم الأول من المتّفق عليه اختيار البخاريّ ومسلم، قال: وهو الدرجة الأولى من الصحيح وهو ألا يذكر من الحديث إلا ما رواه صحابيّ مشهور بالرواية، عن رسول الله -ﷺ-، له راويان ثقتان، فأكثر، ثم يرويه عنه تابعيّ مشهور بالرواية عن الصحابة -﵁- له أيضًا راويان ثقتان، فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط، ثم كذلك من بعدهم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكر الحاكم من أن هذا اختيار الشيخين، ردّه عليه العلماء، فقد قال المقدسيّ في \"شروط الأئمة الستة\": إن البخاريّ، ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدّر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظنّ، ولعمري إنه شرط حسنٌ لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا إلى آخر كلامه المتقدم في آخر مقدمة هذا الشرح.\nوكذا ردّ عليه الحازميّ، وابن الصلاح، والقرطبيّ، والنوويّ، والذهبيّ، وغيرهم، ودافع عنه بعضهم، لكن لم يأت بشي مقبول. والله تعالى أعلم.\nالقسم الثاني: مثل الأول، لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد.\nالقسم الثالث: مثل الأول، إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد.\nالقسم الرابع: الأحاديث الأفراد الغرائب، التي رواها الثقات العدول.\nالقسم الخامس: أحاديث جماعة من الأئمة، عن آبائهم، عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم، عن أجدادهم بها إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب، عن","vol":"1","page":278},{"text":"أبيه، عن جدّه، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وإياس بن معاوية بن قرّة، عن أبيه، عن جده، وأجدادهم صحابيون.\nقال رحمه الله تعالى: فهذه الأقسام الخمسة مخرّجة في كتب الأئمة، محتجّ بها، وإن لم يُخَرَّج منها في \"الصحيحين\" حديث.\nقال: والخمسة المختلف فيها: المراسيل، وأحاديث المدلسين، إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة، وأرسله جماعة من الثقات غيره، وروايات الثقات غيرِ الحفّاظ العارفين، وروايات المبتدعة، إذا كانوا صادقين انتهى كلام الحاكم باختصار (١).\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى بعد نقل كلام الحاكم: فهذه الأقسام الخمسة -كما قال- مما اختَلَف الفقهاء، والمحدثون في قبولها، والحجة بها، ووقع في \"الصحيحين\" منها شيء هو مما استُدرك عليهما. وقد ترك الحاكم منها مما اختُلف فيه رواية المجهولين. انتهى (٢).\nوقال أبو عليّ الغسَّاني رحمه الله تعالى: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة، وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها.\nفالأولى: أئمة الحديث، وحفّاظه، وهم الحجة على من خالفهم، ويقبل انفرادهم.\nالثانية: دونهم في الحفظ والضبط؛ لَحِقهم في بعض روايتهم وَهْمٌ (٣)، وغَلَط، والغالب على حديثهم الصحة، ويُصَحَّحُ ما وَهِموا فيه من رواية الطبقة الأولى، وهم لاحقون بهم.\nالثالثة: جَنَحَت إلى مذاهبَ من الأهواء، غير غالية، ولا داعية، وصحّ حديثها، وثبت صدقها، وقلّ وَهْمُها، فهذه الطبقة احتمل أهل الحديث الرواية عنهم، وعلى هذه الطبقات الثلاث يدور نقل الحديث، وإليه أشار مسلم في صدر \"كتابه\" إلى قَسْمه الحديث على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات، فلم يُقدَّر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخترمته المنية.\n_________\n(١) \"المدخل إلى كتاب الإكليل\" ص ٤١ - ٥٠.\n(٢) \"مقدمة إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم\" ص ١٤٢ - ١٤٣.\n(٣) بسكون الهاء، مصدر وهَمَ إلى الشيء يَهِم وَهْمًا، من باب وَعَد: إذا ذهب وهمه إليه، وهو يريد غيره، ويقال: وَهِمُ يَهِمُ وَهَمًا بالتحريك، كغَلِطَ يغلَط غَلَطًا وزنا ومعنى، والمناسب هنا الأول؛ لعطف الغلط، والأصل في العطف المغايرة.","vol":"1","page":279},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"فلم يقدّر له الخ\" تقدّم في المسألة السابقة ردّ هذا الكلام، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.\nقال: وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة:\nالأولى: من وُسِم بالكذب ووضع الحديث.\nالثانية: من غَلَب عليه الوهم والغلط، حتى استغرق روايته.\nالثالثة: من غلَت في البدعة، ودعت إليها، وحرّفت الروايات، وزادت فيها؛ ليحتجّوا بها.\nوالسابعة: قوم مجهولون، انفردوا بروايات لم يُتابعوا عليها، فقبِلَهم قوم، وأوقفهم آخرون انتهى كلام الغسّانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١).\nوقد تعقّب القاضي قول الغساني: إن حديث أهل البدعِ الأثبات الذين لا يَدْعون إلى بدعتهم متفق عليه. فقال: لا يسلم له، بل قد اختَلف في ذلك المحدثون، والفقهاء، والأصوليون، وسنبين ذلك بعدُ عند تنبيه مسلم عليه. انتهى (٢).\nقلت: سيأتي تمام البحث في الرواية عن المبتدعة عندما يتعرض الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى لذكرها -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة الرابعة: في قوله: \"أو أن يُفصَّل ذلك المعنى على اختصاره الخ\"، فقد اشتمل على مسألتين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسألة الأولى: رواية الحديث بالمعنى:</span>\nاعلم: أنه اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها، ومقاصدها، ولا خبيرًا بما يُحيل معانيها، ولا بصيرًا بمقادير التفاوت بينها لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرّف فيه، هكذا نقل ابن الصلاح، والنوويّ، وغيرهما الاتفاق عليه.\nثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم:\nفمنعها أيضًا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول. وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبيّ -ﷺ- المرفوعة، وأجازها فيما سواه، وهو قول مالك، رواه عنه البيهقيّ في \"المدخل\"، وروى عنه أيضًا أن كان يتحفّظ من الباء، والياء، والتاء في حديث\n_________\n(١) راجع \"مقدمة إكمال المعلم\" ص ١٤٧ - ١٤٩.\n(٢) \"مقدمة إكمال المعلم\" ص ١٤٩.","vol":"1","page":280},{"text":"رسول الله -ﷺ-، وبه قال الخليل بن أحمد، واستدلّ له بحديث: \"ربّ مُبَلَّغِ أوعَى من سامع\"، فإذا رواه بالمعنى، فقد أزاله عن موضعه، ومعرفة ما فيه. وذهب بَعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط. وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقادًا، وإلى منعها إن أوجب عملًا. وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ، وتذكّر المعنى، لأنه وجب عليه التبليغ، وتحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما، فيلزمه أداء الآخر. وعكس بعضهم، فأجازها لمن حفظ اللفظ ليتمكّن من التصرّف فيه، دون من نسيه. قال العلامة أحمد محمد شاكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري (١).\nوجزم القاضي أبو بكر بن العربيّ بأنه إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، قال في \"أحكام القرآن\": إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة، ومنهم. وأما من سواهم، فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى، فإنا لو جوّزناه لكلّ أحد لما كنّا على ثقة من الأخذ بالحديث، إذ كلّ أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجًا من الأخبار بالجملة، والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان.\nأحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلّتهم عربيّة، ولغتهم سلقية.\nالثاني: أنهم شاهدوا قول النبيّ -ﷺ- وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كلّه، وليس من أُخبر كمن عاين، إلا تراهم يقولون في كلّ حديث: أمر رسول الله -ﷺ- بكذا، ونهى رسول الله -ﷺ- عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبرًا صحيحًا، ونقلًا لازما، وهذا لا يستريب فيه منصف لبيانه انتهى (٢).\nوقال ابن الصلاح: ومنعه بعضهم في حديث رسول الله -ﷺ-، وأجازه في غيره، والأصحّ جواز ذلك في الجميع إذا كان عالمًا بما وصفناه قاطعًا بأنه أدّى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة، والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معوّلهم كان على المعنى، دون اللفظ.\nثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس -فيما نعلم- فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغيّر لفظ شيء من كتاب منصف، ويثبت بدله فيه لفظًا\n_________\n(١) راجع تعليقه على ألفية السيوطي في الحديث ص ١٦٣.\n(٢) \"أحكام القرآن\" ١/ ١٠.","vol":"1","page":281},{"text":"آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخّص فيها من رخّص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ، والجمود عليها من الجرح والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره انتهى (١).\nقلت: خلاصة القول أن الأرجح جواز الرواية بالمعنى لمن توفّرت فيه الشروط السابقة، وإلا فلا.\nثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث بالمعنى: \"أو كما قال\"، أو كلمة تؤدّي هذا المعنى؛ احتياطًا في الرواية؛ خشية أن يكون الحديث مرويًا بالمعنى، وكذلك ينبغي له إذا وقع في نفسه شكّ في لفظ ما يرويه؛ ليبرأ من عُهدته.\nوإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\" بقوله:\nكَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظٍ (٢) وَفِي ... مَنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى خِلَافٌ قَدْ قُفِي\nفَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ ... ثَالِثُهَا يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ\nوَقِيلَ فِي الْمَوْقُوفِ وَامْنَعْهُ لَدَى ... مُصَنَّفٍ وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا\nوَقُلْ أَخِيرًا \"أَوْ كَمَا قَالَ\" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَ أَبْهَمَا (٣)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>المسألة الثانية: في اختصار الحديث</span>.\nاعلم: أنه قد اختَلَف أهل العلم في اختصار الحديث أيضًا على مذاهب:\nفمنهم من منعه مطلقًا؛ بناءً على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم، وإن جازت الرواية بالمعنى، إذا لم يكن رواه هو، أو غيره بتمامه قبل هذا. وجوّزه جماعة مطلقًا، ونسبه القاضي عياض إلى مسلم.\nوالصحيح الذي ذهب إليه الجماهير، والمحققون من أصحاب الحديث، والفقه، والأصول التفصيل، وجواز ذلك من العارف، إذا كان ما تركه غير متعلّق بما رواه، بحيث لا يختلّ البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوّزنا الرواية بالمعنى، أم لا، وسواء رواه قبلُ تامًّا، أم لا.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح ١٨٩.\n(٢) قوله: \"كما إذا خالف ذو حفظ\" متعلق بالبيت الذي قبله، وليس له تعلق بالرواية بالمعنى، وإنما أتيت به ليكون البيت تاما، فذكر مسألة الرواية بالمعنى يبدأ من قوله: \"وفي من يرو الخ\"، فتنبّه.\n(٣) راجع \"ألفية الحديث\" ص ١٦١ - ١٦٢ بنسخة شرح أحمد محمد شاكر.","vol":"1","page":282},{"text":"هذا إذا ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه تامًّا، ثم خاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتّهمَ بزيادة أوّلًا، أو نسيان لغفلة، وقلّة ضبط ثانيًا، فلا يجوز له النقصان ثانيًا، ولا ابتداءً، إن كان قد تعيّن عليه أداؤه.\nوأما تقطيع المصنّفين الحديث الواحد في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استقرّ عليه الأئمة الحفّاظ الجلّة، من المحدّثين، وغيرهم، من أصناف العلماء.\nوهذا معنى قول الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"أو أن يُفصّل ذلك المعنى ... الخ\". قاله النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١).\nوإلى هذا المعنى أشار الحافظ السيوطيّ في \"ألفية الحديث\"، حيث قال:\nوَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ ... إِنْ لم يُخِلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأَكْثَرِ\nوَامْنَعْ لِذِي تُهَمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ ... فَلَا يُكَمِّلْ خَوْفَ لَبْسٍ بِخَلَلْ\nوَالْخُلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ ... يَجْرِي وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ (٢)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، مبيّنا القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها، فقال:\n(فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوب مِنْ غَيْرِهَا وَأَنْقَى، مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمُ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الفقرة أن القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي قسّم الأخبار إليها أن يُقدّم الأخبار التي هي أسلم من العلل، وأنظف من الخلل؛ لكون رواتها أهل استقامة في الرواية، وإتقان لما رووه، والمراد بالاستقامة العدالة، وبالإتقان الحفظ والضبط، ثم المراد بالضبط الضبط التامّ، كما أشار إليه بقوله: \"لم يوجد في رواياتهم اختلاف الخ\"، يعني أنهم إذا رووا ما رواه الحفاظ لا يخالفونهم اختلافًا يضرّ برواياتهم، وأشار به إلى أن الاختلاف اليسير لا يضرّ؛ لأنه لا يخلوا عنه الحفّاظ\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٤٩.\n(٢) \"ألفية الحديث\" ص ١٦٥ بنسخة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":283},{"text":"المتقنون، وإنما الضارّ هو الاختلاف الفاحش الذي يوجد في روايات الضعفاء، وهؤلاء هم الذين يقال لهم: رجال الصحيح، أي أن ما رووه من الأحاديث صحيح لذاته. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَأَمَّا القِسْمُ الْأَوَّلُ) أي من أقسام الأخبار الثلاثة (فَإِنَّا نَتَوخَّى) أي نتحرّى، ونقصد، يقال: توخّيتُ الأمر: إذا تحرّيته في الطلب. قاله في \"المصباح\". وقال في \"اللسان\": وَخَى الأمرَ: قصده، قال الشاعر [من مشطور الرجز]:\nقَالَتْ وَلَمْ تَقْصِدْ بِهِ وَلَمْ تَخِهْ ... مَا بَالُ شَيْخٍ آضَ مِنْ تَشَيُّخِهْ\nكَالْكُزَّرِ (١) الْمَرْبُوطِ بَيْنَ أَفْرُخِهْ\nوتَوَخَّاهُ كوَخَاهُ، وقد وَخَيْتُ غَيري، وقد وَخَيْتُ وَخْيَكَ: أي قصَدتُ قَصْدَك، وتوخّيتُ الشيءَ أتوخّاه: إذا قصدت إليه، وتعمدَّتُ فعله، وتَحَرَّيتَ فيه. انتهى باختصار.\n(أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ) جمع عيب، وهو النقص، والمراد به ما يَقدَح في صحة الأخبار، كالعلة ونحوها، أَي أسلم من وجود العيوب التي تقدح في صحّتها، وقوله: (مِنْ غَيْرِهَا) متعلّق بـ \"أسلم\" كما تعلق به ما قبله، فـ \"من\" الأولى للتعدية؛ لأن \"سَلِم\" يتعدّى بـ \"من\"، يقال: سلم من الآفة سَلامةً، من باب تعب، كما تفيده عبارة \"القاموس\"، و\"من\" الثانية بمعنى \"على\"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]: أي عليهم.\nوالمعنى: أنه يتحرّى في تقديم الأخبار التي هي سالمة من العيوب على غيرها مما لم يسلَم منها، كالقسم الثاني الذي سيأتي بيان المصنف له قريبًا، إن شاء الله تعالى.\n(وَأَنْقَى) أفعل تفضيل من النقاء بالنون، والقاف، وهو النظافة، يقال: نَقِي الشيء، من باب تَعِبَ نَقَاءً -بالفتح والمدّ- ونَقَاوةً -بالفتح-: نَظُفَ، فهو نَقِيٌّ على فَعِيلٍ، ويُعَدَّى بالهمزة والتضعيف. قاله الفيّوميّ. فقوله: \"أنقى\" تأكيد لمعنى \"أسلم\".\nثم بيّن رَحِمَهُ اللهَ تعالى ما تكون به الأخبار سالمة من العيوب، وذلك بكون رواتها عُدُولًا ضابطين تمام الضبط، فقال:\n(مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا) \"من\" هنا بمعنى اللام، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا\n_________\n(١) \"الكُرَّزُ\" كقُبَّر الصقر والبازي، وطائر أتى عليه حول انتهى \"ق\".","vol":"1","page":284},{"text":"خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ الآية [نوح: ٢٥]، وقول الشاعر:\nوَذَلِكَ مِنْ خَبَرٍ جَاءَنِي ... وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ\nوقول فرزدق في عليّ بن الحسين رَحِمَهُ اللهُ تعالى [من الطويل]:\nوَيُغْضِي حَيَاءً وَيَغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... وَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ (١)\nوالجارّ والمجرور متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائن لأجل كون ناقليها الخ.\nوقال النوويّ في \"شرحه\": وأما قوله: و\"أنقى\" فهو بالنون والقاف، وهو معطوفٌ على قوله: \"أسلم\"، وهنا تمّ الكلام، ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى، فقال: \"من أن يكون ناقلوها أهل استقامة\". والظاهر أن لفظة \"من\" هنا للتعليل، فقد قال الإمام أبو القاسم عبد الواحد بن عليّ بن عمر الأسديّ في كتابه \"شرح اللُّمَع\" في \"باب المفعول له\": اعلم أن الباء تقوم مقام اللام، قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وكذلك \"من\"، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٣٢]، وقال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَتَثبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية: [البقرة: ٢٦٥]. يجوز أن يكون للتعليل. انتهى كلام النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (٢).\nوقوله: \"ناقلوها\" اسم \"يكون\" وهو جمع مذكّر سالم لاسم فاعل من نَقَلَ يَنقُلُ، من باب نصر، حُذفت منه النون؛ لإضافته، كما قال في \"الخلاصة\":\nنُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينًا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا\nوقوله: (أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ) بالنصب خبر \"يكون\"، وهو مصدر استقام الأمرُ بمعنى اعتدل، وثبت، أي أهل اعتدال وثبات (فِي الْحَدِيثِ) متعلّقٌ بـ \"استقامة\" على حذف مضاف: أي في رواية الحديث، وأراد باستقامتهم في الحديث عدالتهم في الرواية.\nوالمعنى: أنه إنما كانت الأخبار أسلم، وأنقى من العيوب؛ لأجل كون رواتها عُدُولًا في الرواية.\nوهذا هو أحد معنى العدالة التي هي أحد شرطي قبول رواية الراوي.\n_________\n(١) راجع \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" لابن هشام الأنصاري ١/ ٣٢٠ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٠.","vol":"1","page":285},{"text":"وعدل الرواية أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا، سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.\nوانما قيّد بقوله: \"في الحديث\"؛ لأن العدالة في الشهادة تخالفها في بعض الوجوه، كاشتراط الحرّيّة، والذكورة، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- عند قول المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: \"والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه الخ\"، فأراد أن يُبيّن أن المراد به هنا عدالة الرواية. والله تعالى أعلم.\n(وَإِتْقَانٍ) بالجرّ عطفًا على \"استقامة\"، وهو بكسر الهمزة، مصدر أتقن رباعيّا، يقال: أتقن الشيء: إذا أحكمه، والإتقان: الإحكام للأشياء، وفي التنزيل العزيز: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية، ورجلٌ تِقْنٌ -بكسر، فسكون- وتَقِنٌ -بفتح، فكسر: مُتقنٌ للأشياء، حاذقٌ، ورجلٌ تِقْنٌ: حاضر المنطق والجواب، وتِقْنٌ اسم رجل كان جيّد الرمي، يُضرَب به المثلُ، ولم يكن يَسْقُط له سهمٌ، قال الراجز:\nلأَكْلَةٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنِ ... وَشَرْبَتَانِ مِنْ عَكِيّ (١) الضَّأْنِ\nأَلْيَنُ مَسًّا فِي حَوَيَا الْبَطْنِ ... مِنْ يَثْرِبِيَّاتٍ (٢) قِذَاذٍ خُشْنِ\nيَرْمِي بِهَا أَرْمَى مِنِ ابْنِ تِقْنِ\nقال أبو منصور: الأصل في التِّقْنِ ابن تِقْنٍ هذا، ثم قيل لكل حاذق بالأشياء تِقْنٌ، ومنه يقال: أتقن فلانٌ عمله. أفاده في \"لسان العرب\" (٣).\nوقوله: (لِمَا نَقَلُوا) متعلّقٌ بـ \"إتقان\": أي لكونهم أهل إحكام لمرويّاتهم.\nوأراد المصنّف رَحِمَهُ اللهَ تعالى بالإتقان معنى الضبط الذي هو الشرط الثاني في قبول خبر الراوي.\nوقد فسّر غيره الضبط بأن يكون متيقّظًا، غير غافل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه من التبديل والتغيير، إن حدّث منه، عالمًا بما يُحيل المعنى إن روى بالمعنى.\nوإلى هذين الشرطين وتفسيرهما أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\"، حيث قال:\n_________\n(١) \"الْعَكِيُّ\" كغنيّ: اللبن المحض، ووَطْبُهُ. انتهى \"ق\".\n(٢) \"اليثربيّات\": أي السهام التي تُعمل بيثريب، وهو اسم للمدينة قبل الإسلام. و\"القذاذ\" بالكسر جمع قُذّة بالضمّ: رِيشُ السهم.\n(٣) راجع \"لسان العرب\" في مادّة \"تقن\" ١٣/ ٧٣.","vol":"1","page":286},{"text":"لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا ... عَدْلٌ وَضَبْطٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا\nمُكَلَّفًا لم يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا ... خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا\nيَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ كِتَابًا يَضْبِطُ ... إِن يَرْوِ عَنْهُ عَالِمًا مَا يُسْقِطُ\nإِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَضْبْطُهُ عُرِفْ ... إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ\nثم بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى المراد بالإتقان الذي هو الضبط، فقال:\n(لم يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِم) ببناء الفعل للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ) يعني أن معنى إتقانهم أن لا يوجد فيما رووه من الأحاديث اختلاف كثير، ووصف الاختلاف بالشدّة إشارةً إلى أن الاختلاف القليل لا يؤثّر في صحة مروياتهم؛ لأن ذلك مما لا يخلو عنه الثقات الضابطون؛ لأن النسيان من طبيعة البشر.\nوحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن روايات هؤلاء المتقنين إذا قوبلت بروايات غيرهم ممن كان موصوفًا بتمام الضبط لا تُخالفها مخالفةً كثيرةً، وأما المخالفة النادرة فلا تضرّ؛ إذ لا يخلو منها أحدٌ حتى الحفّاظ المتقنون، وإن وصلوا الغاية في الإتقان، ولذا يقال: من ادّعى أنه لا يخطىء فهو كذّاب. ويُحكَى عن ابن معين رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه قال: لست أعجب ممن يُحدّث، فَيُخطىء، وإنما أعجب ممن يحدّث، فيُصيب.\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأما قوله: \"لم يُوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش\"، فتصريح منه بما قاله الأئمة من أهل الحديث، والفقه، والأصول: إن ضبط الراوي يُعرَف بأن تكون روايته غالبًا كما روى الثقات، لا تُخالفهم إلا نادرًا، فإن كانت مخالفته نادرةً لم يُخِلَّ ذلك بضبطه، بل يُحتجّ به؛ لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كثرت مخالفته اختلّ ضبطه، ولم يُحتجّ برواياته، وكذلك التخليط في روايته، واضطرابها إن ندر لم يضرّ، وإن كثُرت رُدّت روايته. انتهى (١).\n(وَلَا تَخْلِيطٌ) مصدر خلّط، والتشديد للمبالغة، يقال: خلطتُ الشيءَ بغيره، من باب ضرب: ضممتُهُ إليه، فاختلط هو، وقد يمكن التمييز بعد ذلك، كما في خلط الحيوانات، وقد لا يمكن، كخلط المائعات، فيكون مزجًا. قال المرزوقيّ: أصل الخلط تداخل أجزاء الأشياء بعضِها في بعض، وقد تُوُسّع فيه حتى قيل: رجلٌ خليط، إذا اختلط بالناس كثيرًا، والجمع الخلطاء، مثل شريف وشرفاء. قاله الفيّوميّ. هذا من حيث اللغة.\nوأما من حيث الاصطلاحُ: فهو فسادُ العقل، وعدمُ انتظام الأقوال، والأفعال،\n_________\n(١) \"شرح النوويّ\" ١/ ٥٠.","vol":"1","page":287},{"text":"إما بخَرَف، أو ضرَر، أو مرض، أو عَرَض، من موت ابن، وسَرِقة مال، كالمسعوديّ، أو ذهاب كُتُب، كابن لَهيعة، أو احتراقها، كابن الْمُلقِّن. قاله الحافظ السخاويّ (١).\nوالفرق بينه، وبين الاختلاف الشديد، أن المراد بالاختلاف هو اختلافه مع الرواة الآخرين من الثقات، وأما التخليط، فهو تناقضه في مرويّات نفسه، بأن يروي الحديث الواحد تارة بأسلوب، وتارةً بأسلوب آخر، من الزيادة والنقص، ونحوهما. والله تعالى أعلم.\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: إذا خَلَّطَ الثقة؛ لاختلال ضبطه، بخَرَف، أو هَرَمٍ، أو لذهاب بصره، أو نحو ذلك، قُبل حديثُ مَن أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يُقبَل حديثُ مَن أخذ بعد الاختلاط، أو شككنا فى وقت أخذه انتهى (٢).\nوإلى هذه المسألة أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية المصطلح\" بقوله:\nوَالْحَازِمي أَلَّفَ فِيمَنْ خَلَّطًا ... مِنَ الثِّقَاتِ آخِرًا فَأُسْقِطَا\nمَا حَدَّثُوا فِي الاخْتِلَاطِ أَوْ يُشَكّ ... وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ يُفَكّ\nكَابْنِيْ أَبِي عَرُوبَةٍ والْسَّائِبِ ... وَذَكَرُوا رَبِيعَةً لَكِنْ أُبِي\n[تنبيه]: الأحاديث المرويّة عن الْمُخَلِّطِين في \"الصحيحين\" إذا أورداها احتجاجًا بها، بأن كانت في الأصول، فهي مما عُلم أنها أخذت قبل الاختلاط، وكذا حكم كلّ من التزم الصحّة في كتابه، كما بيّن ذلك ابن حبّان في أول \"صحيحه\". والله تعالى أعلم.\nووصف التخليط بقوله (فاحشٌ) إشارةً إلى أنه إذا لم يفحش التخليط لا يؤثّر في رواياته.\n(كما قد عُثِر) بضم العين المهملة، وكسر الثاء المثلّثة، مبنيًّا للمفعول: أي اطُّلِع، يقال: عَثَرْتُ على الأمر عَثْرًا من باب قتل، وعُثًورًا: أي اطلعت عليه. وفي التنزيل العزيز: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية [المائدة: ١٠٧]: أي فإن اطُّلِع على أنهما قد خانا.\nوأعثرت غيري: أي أطلعته، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الكهف: ٢١]: أي أطلعنا عليهم غيرهم، فحذف المفعول. أفاده ابن منظور (٣).\nقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وقوله \"كما قد عُثر فيه\" كذا في الأصل، وهو\n_________\n(١) راجع \"فتح المغيث\" ٤/ ٢٧١.\n(٢) \"مقدمة شرح صحيح مسلم\" ١/ ٣٤.\n(٣) راجع \"لسان العرب\".","vol":"1","page":288},{"text":"الصحيح، ومَسَاقُ الكلام، ووقع في \"الْمُعْلِم\": \"فإن عُثِر\" انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما وقع في \"المعلم\" تصحيف ظاهر. فتنبه. والله تعالى أعلم.\nوقوله (فيه) متعلّقٌ بـ \"عُثِر\"، والضمير راجع إلى الاختلاف الشديد، وكان الأولى أن يعبّر بـ \"عليه\"؛ لأن \"عثَرَ\" يتعدى بـ \"على\"، لا بـ \"في\"، كما سبق آنفًا. ويحتمل أن يكون على مذهب الكوفيين من أن حروف الجرّ ينوب بعضها عن بعض (١). والله تعالى أعلم.\nوقوله (على كثير من المحدّثين) بدلٌ من \"فيه\"، على حذف مضاف، أي على اختلاف كثير من المحدّثين. ويحتمل أن يتعلّق بحال مقدَّر من الضمير المجرور، و\"على\" بمعنى \"في\"، أي حال كونه واقعًا في روايات كثير من المحدّثين.\n(وبان) أي ظهر (ذلك) الاختلاف الشديد (في حديثهم) وهذه الجملة مؤكدة لقوله: \"كما قد عُثِر إلخ\". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ، مِنْ حُمَّالِ الْآثَارِ، وَنُقَّالِ الْأَخْبَارِ، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا، مِنَ الْإِتْقَانِ، وَالِاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ، يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ، وَخَصْلَةُ سَنِيَّةٌ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الشرح الإجمالي لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذه الفقْرة أنه إذا أنهى أحاديثَ القسم الأول الذين هم بالمنزلة الرفيعة من الإتقان والاستقامة أورد بعد ذلك أحاديث يقع في أسانيدها بعض الرُّواة الذين لم يَصِلُوا إلى مرتبة الأولين، من الإتقان، والاستقامة، مع أنهم، وإن كانوا أقلّ درجة منهم، لكنهم موصوفون بما يَجعَل أحاديثَهُم صالحةً للمتابعة والاستشهاد، حيث\n_________\n(١) راجع حاشية الخضري على شرح ابن عقيل للخلاصة في \"باب حروف الجرّ\" ١/ ٣٤.","vol":"1","page":289},{"text":"كانوا موصوفين بالستر، والصدق، والشهرة بطلب العلم، وهؤلاء كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُلَيم، ونحوهم، فإنهم وإن كانوا موصفين بما ذُكر من الستر والصدق، والعلم، فالذين وُصِفوا بالإتقان، والاستقامة يُقَدَّمون عليهم في الرتبة؛ لأن الوصف بما ذُكر وصفٌ شريف، ودرجة رفيعة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة:</span>\n١ - (عطاء بن السائب) بن مالك، ويقال: زيد، ويقال: يزيد، يكنى أبا السائب، ويقال: أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو زيد الثقفيّ الكوفيّ التابعيّ. روى عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وغيرهم.\nورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، من أقرانه وسليمان التيميّ، والأعمش، وغيرهم. قال حماد بن زيد: أتينا أيوب، فقال: اذهبوا إلى عطاء بن السائب، قَدِمَ من الكوفة، وهو ثقة. وقال ابن علية: قال لي شعبة: ما حدثك عطاء بن السائب عن رجاله: زاذان، وميسرة، وأبي البختري، فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه، فاكتبه. وقال عليّ، عن يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدا من الناس يقول في حديثه القديم شيئًا، وما حدث سفيان وشعبة عنه صحيح إلا حديثين، كان شعبة يقول: سمعتهما منه بآخره عن زاذان. وقال أبو قطن عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ورجل آخر. وقال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديمًا، فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان، وشعبة، وسمع منه حديثًا جريرٌ، وخالدٌ، وإسماعيل، وعليّ بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يرفعها. قال: وقال وُهيب: لَمّا قدِم عطاءٌ البصرة قال: كتبت عن عَبيدةَ ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، وهذا اختلاطٌ شديدٌ. وقال أبو داود: قال شعبة، حدّثنا عطاء بن السائب، وكان نَسِيًّا. وقال ابن معين: عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جريرٌ، وذووه ليس من صحيح حديثه، وقد سمعِ منه أبو عوانة في الصحيح الاختلاط جميعًا، ولا يُحتجّ بحديثه. وقال أحمد بن أبي نجيح عن ابن معين: ليث بن أبي سُليم ضعيفٌ، مثلُ عطاء بن السائب، وجميع من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلا شعبة، والثوري. وقال ابن عديّ: من سمع منه بعد الاختلاط في أحاديثه بعض النُّكْرة. وقال العجليّ: كان شيخًا ثقةً قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، ومن سمع منه قديما، فهو صحيح الحديث، منهم الثوريّ، فأما من سمع منه بأَخَرَة، فهو مضطرب الحديث، منهم: هشيم، وخالد الواسطيّ إلا أن عطاء بأَخَرَةٍ كان يتلقن إذا لقنوه في الحديث؛ لأنه كان غير صالح الكتاب، وأبوه تابعيّ ثقة. وقال أبو حاتم: كان محلّه الصدق قبل أن يختلط، صالح، مستقيم الحديث، ثم بأخرة تغيّر","vol":"1","page":290},{"text":"حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرةٌ؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلطٌ، واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة. وقال النسائيّ: ثقةٌ في حديثه القديم إلا أنه تغيّر، ورواية حماد بن زيد، وشعبة، وسفيان، عنه جيّدة. وقال الحميديّ عن ابن عُيينة: كنت سمعت من عطاء بن السائب قديمًا، ثم قدم علينا قَدْمَةً فسمعته يُحدّث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام بن عيينة ﵀ هذا يدلّ على أنه ممن تُقبل روايته عن عطاء بن السائب؛ لأنه لم يأخذ منه بعد اختلاطه، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\nوقال الدارقطنيّ: دخل عطاء البصرة مرّتين فسماع أيوب، وحماد بن سلمة، في الرحلة الأولى صحيح. ونقل العقيليّ: عن الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن عليّ بن المدينيّ، قال: قال وُهيب: قدم علينا عطاء بن السائب، فقلت: كم حملتَ عن عَبِيدة؟ -يعني السَّلْمَانيّ- قال: أربعين حديثًا. قال عليّ: وليس عنده عن عَبيدة حرفٌ واحدٌ، فقلت: علامَ يُحمل ذلك؟ قال: على الاختلاط. قال عليّ: وكان أبو عوانة حمل عنه قبل أن يختلط ثم حمل عنه بعدُ، فكان لا يعقل ذا من ذا، وكذلك حماد بن سلمة. انتهى.\nقال الحافظ: فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وُهيب، وحماد، وأبي عوانة، عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط. وقال عبد الحق: سماع ابن جريجٍ منه بعد الاختلاط. وقال الطبرانيّ: ثقة اختلط في آخر عمره، فما رواه عنه المتقدّمون، فهو صحيح، مثلُ سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال ابن الجارود في \"الضعفاء\": حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، عنه جيّد، وحديث جرير، وأشباه جرير، ليس بذاك. وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، سماع هؤلاء سماع قديم، وكان عطاء تغيّر بأخرة، فرواية جرير، وابن فضيل، وطبقتهم ضعيفة. وقال ابن حبّان في \"الثقات\": قيل: إنه سمع من أنس، ولم يصح ذلك عندي، مات سنة (١٣٦) وكان اختلط بأخرة، ولم يَفْحُش حتى يستحقّ أن يُعدَل به عن مَسْلَك العدول بعد تقدّم صحّة بيانه في الروايات. وقال ابن سعد، وغيره: مات سنة (١٣٧)، أو نحوها. وقال في \"التقريب\": صدوقٌ اختلط، من الطبقة الخامسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في البخاريّ حديثٌ واحدٌ ذكره متابعةً في ذكر الحوض.","vol":"1","page":291},{"text":"قال الحافظ بعد الأقوال المتقدّمة، ما نصّه: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن ما رواه سفيان الثوريّ، وشعبة، وزُهيرٌ، وزائدةُ، وحمادُ بن زيد، وأيوبُ، عنه صحيح، ومن عداهم يُتوقَّف فيه، إلا حماد بن سلمة، فاختَلف قولهم فيه، والظاهر أنه سمع منه مرّتين، مرّة مع أيوب -أي قبل الاختلاط- كما يومي إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير، وذويه (١).\nوقد نظمت ما ذُكر في \"ألفيّة العلل\"، فقلت:\nاعْلَمْ هُدِيتَ أَنَّ قَوْمًا خَلَّطُوا ... فِي آخِرِ الْعُمْرِ نَسُوا مَا ضَبَطُوا\nفَمِنْهُمُ عَطَاءُ نَجْلُ السَائِبِ ... أُصِيبَ فِي الآخِرِ بالْمَصَائِبِ\nوَقَسَّمَ الْحُذَّاقُ مَا قَدْ أَخْبَرَا ... بِهِ فَصَحَّحُوا الْقَدِيمَ فَاخْبُرَا\nفَقَبِلُوا مِنْهُ سَمَاعَ شُعْبَةِ ... سِوَى حَدِيثَيْنِ فَكُنْ ذَا ثِقَةِ\nسُفْيَانَ حَمَّادًا وَسُفْيَانَ خُذَا ... وَالدَّسْتَوَائِيُّ وَحَمَّادٌ كَذَا\nوَرُدَّ خَالِدٌ جَرِيرٌ وَعَلِي ... وَابْنُ فُضَيْلٍ وَهُشَيْمٌ فَاحْظُل\nوَابْنُ عُلَيَّةَ كَذَا وُهَيْبُ ... وَعَبْدُ وَارِثٍ عَدَاكَ الْعَيْبُ (٢)\nوَاختَلَفُوا فِي ضَبْطِ مَنْ تَقَدَّمَا ... وَمَنْ تَأَخَّرَ سَمَاعًا عُلِمَا\nفَصَحَّحُوا سَمَاعَ مَنْ بالْكُوفَةِ ... وَضَعَّفُوا سَمَاعَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ\nوَبَعْضُهُمْ قَالَ عَطَاءٌ دَخَلا ... بَصْرَةَ مَرَّتَيْنِ خُذْ مَنْ نَقَلَا\nفِي الْمَرَّةِ الأُولَى وَدَعْ لِلثَّانِيَهْ ... لِكَوْنِهَا بالاخْتِلاطِ وَاهِيَهْ\nوَمِنْهُمُ مَنْ قَالَ إنْ حَدَّثَ عَنْ ... فَرْدٍ صَحِيحٌ أَوْ لِجَمعٍ فَوَهَنْ\nوَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ مَا عَنْ أَبِهِ ... وَرَدَّ مَا عَنْ غيْرِهِ فَاعْنَ بِهِ\nوقلت أيضًا في أبيات خاصّة بعطاء:\nيَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْفَائِدَةِ ... اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلسَّعَادَةِ\nأَنَّ ابْنَ سَائِبٍ عَطَاءً قَدْ خَلَطْ ... فَبِالرُّوَاةِ الأَخْذُ وَالرَّدُّ انْضَبَطْ\nفَمَا رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْريُّ ... زُهَيْرُ إِسْرَائِيلُ قُلْ مَرْضِيُّ\nأَيُّوبُ زَائِدَةُ وَابْنُ زَيْدِ ... كَذَا وَرَدُّ غَيْرِهِمْ ذُو أَيْدِ (٣)\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٠٣ - ١٠٥.\n(٢) \"سفيان\": الأول هو الثوريّ. والثاني: هو ابن عيينة. و\"حماد\" الأول: هو ابن زيد، والثاني: هو ابن سلمة، لكن ابن سلمة سيأتي أن الراجح أنه يُتوقّف فيه. و\"خالد\": هو ابن عبد الله الطحان. و\"جرير\": هو ابن عبد الحميد. و\"علي\": هو ابن عاصم. و\"ابن فضيل\": هو محمد. و\"هشيم\": هو ابن بشير. و\"وُهيب\": هو ابن خالد. و\"عبد الوارث\": هو ابن سعيد.\n(٣) أي ذو قوة.","vol":"1","page":292},{"text":"وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَدَى ابْنِ رَجَبِ ... ذُكِرَ مَقْبُولًا فَخُذْهُ تُصِبِ\nوَاخْتَلَفُوا فِيمَا رَوَى بْنُ سَلَمَهْ ... وَرَجِّحِ الْوَقْفَ تَكُنْ ذَا مَكْرَمَهْ\nوَهَكَذَا حَرَّرَهُ الأَعْلَامُ (١) ... فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ\n٢ - (يزيد بن أبي زياد) القرشيّ الهاشميّ مولاهم، أبي عبد الله الكوفيّ، رأى أنسًا، ضعيفٌ، كبر فتغير، وصار يتلقّن، وكان شيعيًّا.\nرَوَى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم النخعيّ، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.\nورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، من أقرانه، وزائدة، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.\nقال النضر بن شُميل، عن شعبة: كان رفّاعًا. وقال عليّ بن المنذر، عن ابن فُضيل: كان من أئمّة الشيعة. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس حديثه بذاك، وقال مرّةً: ليس بالحافظ. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ضعيف قيل له: أيّما أحبّ إليك، هو أو عطاء بن السائب؟ فقال: ما أقربهما. وقال عثمان بن أبي شيبة، عن جرير: كان أحسن حفظًا من عطاء. وقال العجليّ: جائز الحديث، وكان بأخَرَة يُلقّن، وأخوه بُرْد بن أبي زياد ثقةٌ، وهو أرفع من أخيه يزيد. وقال أحمد بن سنان القطّان، عن ابن مهديّ: ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم حالًا عندي. وقال أبو زرعة: ليّنٌ يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الْجُوزَجَانيّ: سمعتهم يضعّفون حديثه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره أحبّ إليّ منه. وقال ابن عديّ: هو من شيعة الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد، وإن كانوا يتكلّمون فيه لتغيّره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحَكَم، ومنصور. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال أحمد بن صالح المصريّ: يزيد بن أبي زياد ثقةٌ، ولا يُعجبني قول من تكلّم فيه. قال ابن سعد: كان ثقةً في نفسه، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب. وقال ابن حبّان: كان صدوقًا إلا أنه لما كبِر ساء حفظه، وتغيّر، وكان يُلقّن ما لُقّن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، ولد سنة (٤٧) وتوفي سنة (١٣٦). وفيها أرّخه خليفة، وابن سعد، وابن قانع. وقال مطين: مات سنة (١٣٧). وقال في \"التقريب\": ضعيفٌ كَبِر، فتغيّر، وصار يتلقّن،\n_________\n(١) ذكر إسرائيل في \"تحفة الأشراف\" ٧/ ٢٣٥. وذكر ابن عيينة في \"شرح علل الترمذيّ\" للحافظ ابن رجب، كما أشرت إليه في النظم.","vol":"1","page":293},{"text":"وكان شيعيّا، من الطبقة الخامسة. انتهى.\nعلّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث واحد متابعة، حديث حُذيفة -﵁- مرفوعًا: \"لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة ... \" الحديث.\n[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من ترجمة يزيد بن أبي زياد الكوفيّ، هو الصواب، وأما ما ذكره النوويّ في \"شرحه\" من أن صاحب الترجمة هو يزيد بن أبي زياد الدمشقيّ، فقد تعقّبه الحافظ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فقال في \"تهذيب التهذيب\": وأغرب النوويّ، فذكر في مقّدمة \"شرح مسلم\" ترجمة يزيد بن أبي زياد، أو ابن زياد الدمشقيّ، وزعم أنه مراد مسلم بقوله: يزيد بن أبي زياد، وفيه نظرٌ لا يخفى. انتهى (١).\n٣ - (ليث بن أبي سُليم) اسمه بن زُنَيم -مصغر الاسمين- القرشيّ مولاهم، أبي بكر، ويقال: أبو بُكير الكوفيّ، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل: زياد، وقيل: عيسى. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال عثمان بن أبي شيبة: سألت جريرًا عن ليث، ويزيد بن أبي زياد، وعطاء بن السائب، فقال: كان يزيد أحسنهم استقامةً، ثمّ عطاءٌ، وكان ليثٌ أكثر تخليطًا. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هذا؟ فقال: أقول كما قال. وقال أحمد بن سِنَان، عن ابن مهديّ: ليثٌ أحسنهم حالًا عندي. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه قال: ليث أحبّ إليّ من يزيد، كان أبرأ ساحةً، يُكتب حديثه، وكان ضعيف الحديث، قال: فذكرت له قول جرير، فقال: أقول كما قال، وقلت ليحيى بن معين: ليثٌ أضعف من يزيد، وعطاء؟ قال: نعم. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضَعيف إلا أنه يُكتب حديثه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سَعيد لا يحدّث عنه. وكذا قال عمرو بن عليّ، وابن المثنّى، وعليّ بن المدينيّ، وزاد عن يحيى: مجالد أحبّ إليّ من ليث، وحجّاج بن أرطاة. وقال أبو معمر الْقَطِيعيّ: كان ابن عُيينة يُضعّف ليث بن أبي سليم. وقال مؤمّل بن الفضل: قلنا لعيسى بن يونس: لِمَ لَمْ تسمع من ليث؟ قال: قد رأيته، وكان قد اختلط، وكان يَصعَد المنارة ارتفاع النهار، فيؤذّن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وأبا زرعة يقولان: ليثٌ لا يُشْتَغَل به، هو مضطرب الحديث. قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سُليم ليّن الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. قال: وسمعت أبي يقول: ليث عن طاوس أحبّ إليّ من سَلَمة بن وَهْرَام عن طاوس، قلت: أليس تكلّموا في ليث؟ قال: ليث أشهر من سلمة، ولا نعلم روى عن سلمة إلا\n_________\n(١) راجع \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٤١٣ - ٤١٤. الطبعة الجديدة.","vol":"1","page":294},{"text":"ابن عيينة، وزمعة. وقال الآجريّ، عن أبي داود، عن أحمد بن يونس، عن فُضيل بن عياض: كان ليثٌ أعلم أهل الكوفة بالمناسك. قال أبو داود: وسألت يحيى عن ليث، فقال: لا بأس به، قال وعامّة شيوخه لا يُعرفون. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة، والثوريّ، ومع الضعف الذي فيه يُكتب حديثه. وقال الْبَرْقانيّ: سألت الدارقطنيّ عنه، فقال: صاحب سنّة يُخرَّج حديثه، ثم قال: إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء، وطاووس، ومجاهد حسب. وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث، يقال: كان يسأل عطاء، وطاووسًا، ومجاهدًا عن الشيء، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تَعمّد. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان، وابن مهدي، وابن معين، وأحمد كذا قال. وقال الترمذيّ في \"العلل الكبير\": قال محمد: كان أحمد يقول: ليثٌ لا يُفرح بحديثه، قال محمد: وليث صدوق يَهِم. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم. وقال الحاكم أبو عبد الله: مُجمَعٌ على سوء حفظه. وقال الجوزجانيّ: يُضعَّف حديثه. وقال البزّار: كان أحد العبّاد، إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلّم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحدًا ترك حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: هو صدوقٌ، ضعيفُ الحديث. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: ليث صدوق، ولكنه ليس بحجّة. قال الحضرميّ: مات سنة (١٣٨) وقال ابن منجويه: مات سنة (١٤٣) وقال البخاريّ: قال عبد الله بن أبي الأسود: مات ليث بعد الأربعين سنة إحدى، أو اثنتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فتُرِك، من الطبقة السادسة. انتهى.\nعلّق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث واحد متابعة، حديث البراء -﵁-: \"أمرنا رسول الله -ﷺ- بسبع، ونهانا عن سبع ... \" الحديث. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقوله: (فإذا نحن تقصّينا) بالقاف، والصاد المهملة، من التقصّي -بفتحتين-، وقصصتُ الأثر: تتبّعته. أفاده الفيّوميّ.\nوالمراد به هنا استيفاء أخبار المصنف الأول.\nقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه أتينا بها كلّها، يقال اقتصَّ الحديثَ، وقصَّه، وقصّ الرؤيا: أتى بذلك الشيء بكماله.","vol":"1","page":295},{"text":"وقد تقدّم عند شرح قوله: \"فنقسمها على ثلاثة أقسام من الناس .. إلخ\" بيان الاختلاف في المراد به، هل وفَى به في هذا الكتاب، كما هو رأي القاضي عياض، وتابعه ابن الصلاح، والنوويّ، وهو الصواب، أم اخترمته المنيّة، دون إتمامه، كما هو رأي الحاكم، وتبعه البيهقيّ. والله أعلم.\n(أخبار هذا الصنف من الناس) بنصب \"أخبارَ\" على المفعوليّة لـ \"تقصينا\" و\"من الناس\" بيان لاسم الإشارة، واسم الإشارة يعود إلى الناقلين الذين هم أهل استقامة، وإتقان لما رووه (أتبعناها) بقطع الهمزة من الإتباع رباعيًّا، يقال: تبع زيدٌ عمرًا، من باب تَعِبَ: مَشَى خَلْفَهُ، أو مَرّ به، فمضى معه. وأتبعتُ زيدًا عمرًا بالألف: جعلتُهُ تابعًا له. أفاده الفيّوميّ.\n(أخبارًا) مفعول به لـ \"أتبعنا\" وجملة قوله (يقع) في محلّ نصب صفة لـ \"أخبارًا\" (في أسانيدها) أي في أسانيد تلك الأخبار (بعضُ) بالرفع على الفاعليّة لـ \"يقع\"، وهو مضاف إلى قوله، (من ليس بالموصول) الباء زائدة في خبر \"ليس\"، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَبَعْدَ \"مَا\" و\"لَيْسَ\" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ \"لَا\" وَنَفْي \"كَانَ\" قَدْ يُجَرّ\n(بالحفظ) متعلّقٌ بـ \"الموصوف\" وقوله (والإتقان) عطفَ تفسير لـ \"الحفظ\" (كالصنف المقدّم قبلهم) أي وهم الذين وُصِفوا بالاستقامة في الرواية، وإتقان ما نقلوه.\nوحاصل ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه بعد أن ينتهي من إيراد أخبار الصنف الأول، وهم البالغون في الحفظ الدرجة العليا، يأتي بأخبار من ليس مثلهم في الحفظ والإتقان.\n(على أنهم) \"على\" هنا للاستدراك والإضراب، كقولك: فلان لا يدخل الجنّةَ لسوء صَنِيعه، على أنه لا ييأس من رحمة الله تعالى، وقولِهِ [من الطويل]:\nفَوَاللهِ لَا أَنْسَى قَتِيلَا رُزِئْتُهُ ... بِجَانِب قَوْسِي مَا بَقِيتُ عَلَى الأَرْضِ\nعَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا ... تُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي\nأي على أن العادة نسيان المصائب البعيدة العهد. وقولِهِ [من الطويل أيضًا]:\nبِكُلٍّ تَدَوَيْنا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا ... عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ\nثم قال:\nعَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ ... إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدٍ\nأبطل بـ \"على\" الأولى عموم قوله: \"لم يَشْفِ ما بنا\" فقال: بلى إن فيه شفاءً مّا، ثم أبطل بالثانية قوله: \"على أن قرب الدار خيرٌ من البعد\".","vol":"1","page":296},{"text":"وتَتَعَلَّقُ \"على\" \"هذه بما قبلها عند من يقول به، كتعلّق \"حاشا\" بما قبلها عند من قال به، لأنَّها أوصلت معناه إلى ما بعدها، على وجه الإضراب والإخراج، أو هي خبر لمبتدإ محذوف، أي والتحقيق على كذا، وهذا الوجه اختاره ابن الحاجب، قال: ودلّ على ذلك أن الجملة الأولى وقعت على غير التحقيق، ثم جيء بما هو التحقيق فيها. ذكر هذا كلّه ابنُ هشام الأنصاريّ في \"مغنيه\" (١).\nفيكون المعنى هنا: لكن هؤلاء وإن كانوا ليسوا مثل الصنف الأول في الحفظ والإتقان، يشاركون في أوصاف هي سببٌ لقبول رواياتهم، كوصفهم بالصدق، والستر.\n(وإن كانوا فيما وصفنا) أي من الاستقامة في الحديث، والإتقان لمرويّاتهم (دونهم) أي أقلّ درجةً منهم. يعني أنهم أقلّ حفظًا، وإتقانًا، وهذا يدلّ على أن لهم حفظًا وإتقانًا، وإن لم يكن مثل الأولين.\n[فائدة]: قال بعض النحويين: لـ \"دون\" تسعة معان: تكون بمعنى \"قبلُ\"، وبمعنى \"أَمَام\"، وبمعنى \"وراء\"، وبمعنى \"تحت\"، وبمعنى \"فوق\"، وبمعنى الساقط من الناس، وغيرهم، وبمعنى \"الشريف\" (٢) وبمعنى الأمر، وبمعنى الوعيد، وبمعنى الإغراء.\nفأما \"دون\" بمعنى \"قبل\" فكقولك: دون النهر قتالٌ، ودون قتل الأسد أهوالٌ، أي قبل أن تَصِل إلى ذلك، والوعيد كقولك: دونك صِرَاعي، ودونك فَتَمَرَّسْ بي، وفي الأمر: دونك الدرهم، أي خذه، وفي الإغراء: دونك زيدًا في حفظه، وبمعنى \"تحت\"، كقولك: دون قدمك خَدُّ عدوّك، أي تحت قدمك، وبمعنى \"فوق\" كقولك: إن فلانًا لشريفٌ، فيُجيب آخر فيقول: ودون ذلك، أي فوق ذلك.\nوقال الفراء: \"دون\" تكون بمعنى \"على\"، وتكون بمعنى \"علَّ\"، وتكون بمعنى \"بعد\"، وتكون بمعنى \"عند\"، وتكون إغراءً، وتكون بمعنى أقلّ من ذا، وأنقص من ذا. ذكر هذا كلّه ابنُ منظور في \"لسان العرب\" (٣).\nوقد نظمت هذه المعاني، فقلت [من الرجز]:\nلِدُونَ تِسْعَةٌ مِنَ الْمَعَانِي ... قَبْلُ وفَوْقُ تَحْتُ خُذْ بَيَانِي\nأَمَامُ والسَّاقِطُ وَالإِغْرَاءُ ... وَالأَمْرُ وَالْوَعِيدُ زِدْ وَرَاءُ\nوَعَلَّ عِنْدَ وَبِمَعْنَى بَعْدُ ... فَاحْفَظْ فَحِفْظُ الْعِلْمِ نِعْمَ الْسَّعْدُ\n_________\n(١) \"مغني اللبيب\" ١/ ١٤٥.\n(٢) هذا لم يذكر له مثالًا، ولعله اكتفى عنه بمثال \"فوق\" لأن الظاهر أنه بمعناه، وأيضًا فإن المعاني عليه تكون عشرة، لا تسعة، فلذا تركته في النظم، فتنبه. والله أعلم.\n(٣) \"لسان العرب\" في مادة \"دون\" ١٣/ ١٦٥ - ١٦٦.","vol":"1","page":297},{"text":"(فإنّ اسم السَّتْر) بفتح السين، مصدر سترت الشيء أَستُرُهُ سَتْرًا. ويوجد في أكثر الروايات والأصول مضبوطًا بكسر السين، ويمكن -كما قال النوويّ- تصحيح هذا على أن السِّتْر يكون بمعنى المستور، كالذِّبْحِ بمعنى المذبوح، ونظائره (١).\nوالإضافة فيه من إضافة العامّ للخاصّ، كشجر أراك، وعلم الفقه (والصدق) بكسر، فسكون، مصدر صَدَق من باب نصر: خلاف كَذَبَ، فهو صادقٌ، وصَدُوقٌ مبالغة. قاله الفيّوميّ (وتعاطي العلم) أي اكتسابه، وأخذه عن أهله، يقال: فلانٌ يتعاطى كذا: إذا أقدم عليه، وفَعَلَهُ. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: والتعاطي: التناولُ، والْجَرَاءةُ على الشيء، من عَطَا الشيء يعطوهُ: إذا أخذه، وتناوله. وقال أيضًا: وتعاطى الشيء تناوله، وتعاطَوُا الشيءَ: تناوله بعضهم من بعض، وتنازعوه. انتهى.\nوالإضافة هنا من إضافة المصدر إلى مفعوله، بعد حذف فاعله: أي وتناولهم العلم.\n(يَشْمَلُهم) أي يعمهم، وهو بفتح على اللغة الفصيحة، ويجوز ضمّها في لغة، يقال: شَمِلَهم الأمر بكسر الميم يَشْمَلُهم بفتحها، هذه هي اللغة المشهورة، وحكى أبو عمرو الزاهد عن ابن الأعرابي أيضًا شَمَلَهم بالفتح يَشْمُلُهُم بالضم.\nوحاصل ما أشار إليه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى في هذا الكلام أن أهل هذا القسم، وإن لم يبلغوا في الاستقامة، والإتقان درجة أهل القسم الأول، بل يكونون أقلّ منهم في ذلك، غير أنهم موصوفون بكونهم مستورين في أحوالهم، صادقين في لهجتهم، مشهورين بطلب العلم، ومجالسة العلماء، والأخذ عنهم، والكتابة منهم، فلهم عناية بهذا العلم، فيستحقّون أن يؤخذ عنهم، ويُخَرَّجَ لهم ما يوافقون فيه الصنف الأول.\nثم ضرب مثالًا لهذا الصنف، بذكر بعضهم فقال:\n(كعطاء بن السائب) والجار والمجرور خبر لمبتدإ محذوف، أي مثالهم كعطاء بن السائب (ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم) أي أشباههم، قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهو جمع ضَرْب، قال أهل اللغة: الضَّرِيبُ على وزن الكريم، والضَّرْبُ -بفتح الضاد المعجمة، والراء-: عبارة عن الشَّكْل، والْمِثْل، وجمع الضرب أَضْرَاب، وجمع الضَّرِيب ضُرَباء، ككُرَمَاء. وأما إنكار القاضي عياض على مسلم قوله: \"وأضرابهم\"، وقوله: إنّ صوابه ضُرَبائهم، فليس بصحيح، فإنه حمل قول مسلم: \"وأضرابهم\" على أنه جمع ضَرِيب -بالياء-، وليس ذلك جمع ضَرِيب، بل جمع ضَرْبٍ\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥١.","vol":"1","page":298},{"text":"بحذفها، كما سبق فتنبّه. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي في كتب اللغة أن الضرب بفتح، فسكون يُجمع على ضُروب، ولم يذكر فيها جمعه على أضراب، قال في \"القاموس\" و\"شرحه\": الضَّرْب بالفتح، ورَوَى الزمخشريّ بالكسر أيضًا، كالطِّحْن: هو المثل. قاله ابن سِيدَهْ، وجمعه ضُرُوب. انتهى (٢). وقال في \"اللسان\": الضَّرْبُ: المثلُ والشبيهُ، وجمعه ضُرُوبٌ، وهو الضَّرِيبُ، وجمعه ضُرَبَاء. انتهى (٣).\nوعلى هذا فاعتراض النوويّ على القاضي عياض مما لا وجه له. فتبصّر.\nوالحاصل أن الضرب بفتح، فسكون لا يُجمع على أضراب، وإنما يُجمع على ضُرُوب، فكان الأولى للمصنّف أن يقول بـ \"ضُرُوبهم\" جمع ضَرْب، كفَلْسٍ وفُلُوس، أو بـ \"ضُرَبائهم\" جمع ضَرَيب، ككريم وكُرَمَاء، بدل أضرابهم. والله تعالى أعلم.\n(من حُمّال الآثار) بيان لـ \"أضرابهم\"، فهو متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونهم كائنين من حمال الآثار. و\"الحُمّال\" جمع حامل، و\"الآثار\" جمع \"أَثَر\" بفتحتين، وهي الأخبار كما بيّنه بما عطفه عليه بقوله (ونقّال الأخبار) جمع ناقل، والمراد هنا ما يعُمّ الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، والمقطوعة.\n(فهم) أي المذكورون، من عطاء، ويزيد، وليث (وإن كانوا بما وصفنا) متعلِّق بـ \"معروفين\" (من العلم) بيان لـ \"ما \" (والستر) تقدّم أنه بالفتح، ويجوز كسره: أي بكونهم مستورين (عند أهل العلم) متعلّقٌ بقوله (معروفين) خبر \"كانوا\".\nفقوله: \"فهم\" مبتدأ أوّل، وجملة \"وإن كانوا إلخ\" في محل نصب على الحال، وقوله (فغيرهم) مبتدأٌ ثانٍ، خبره جملة \"يَفضُلُونهم\"، والجملة خبر المبتدإ الأول، ودخول الفاء في الخبر في مثل هذا نادرٌ.\nوقوله: (من أقرانهم) متعلّقٌ بحال محذوف، أي حال كونهمٍ من أقران المذكورين، من عطاء إلخ (ممن عندهم ما ذكرنا) متعلّقٌ بحال مقدّر أيضًا، أي حال كونهم من الرواة الذين ثبت لديهم ما تقدّم ذكره، وهو ما بينه بقوله (من الإتقان، والاستقامة في الرواية) وقوله (يَفضُلونهم) أي يزيدون عليهم بضمّ الضاد المعجمة، وكسرها -من بابي قتل، وتَعِبَ، وفَضِلَ -بالكسر- يَفْضُلُ -بالضمّ- لغة ليست\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٢.\n(٢) \"القاموس\" مع شرحه \"التاج\" ١/ ٣٤٧.\n(٣) \"لسان العرب\" ١/ ٥٤٨.","vol":"1","page":299},{"text":"بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم نَعِمَ يَنْعُمُ، ونَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ دِمْتَ تَدُومُ، ومِتَّ تمُوت.\n(في الحال) أي في صفاتهم، قال الفيوميّ: الحالُ صفة الشيء، يُذكّر، ويؤنّث، فيقال: حالٌ حسنٌ، وحالٌ حسنةٌ، وقد يؤنّث بالهاء، فيقال: حالة. انتهى.\n(والمرتبةِ) أي المنزلة والمكانة. قال ابن منظور: المَرْتَبةُ: المَنْزِلةُ الرَّفِيعةُ، وهي مَفْعلة من رَتَبَ: إِذا انْتَصَبَ قائمًا، جَمْعُها المَراتِبُ. قال الأصمعيّ: والمَرْتبةُ: المَرْقَبةُ، وهي أَعْلَى الجَبَل. وقال الخليل: المَراتِبُ في الجَبَل والصَّحاري: هي الأَعْلامُ التي تُرَتَّبُ فيها العُيُونُ، والرُّقَباءُ. انتهى (١).\n(لأن هذا) الإشارة إلى ما ذُكر من الإتقان والاستقامة (عند أهل العلم درجة رَفِيعة) فَعيلة، بمعنى مفعولة: أي مرفوعة، وفعله من باب رَفُع بفتح، فضمّ، يقال: رَفُعَ الرجلُ في حَسَبه، ونَسَبه، فهو رفيعٌ، مثلُ شَرُفَ، فهو شَرِيفٌ. قاله الفيّوميّ. (وخَصْلَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الصاد المهملة. قال ابن منظور: الخَصْلة: الفَضِيلة، والرَّذِيلة تكون في الإِنسان، وقد غلب على الفضيلة، وجمعها خِصَال. والخَصْلة: الخَلَّة. وقال الليث: الخَصْلة حالات الأُمور، تقول: في فلان خَصْلة حَسَنةٌ، وخَصْلة قبيحةٌ، وخِصال وخَصَلات كَريمة. وفي الحديث: \"فمن كانت فيه خَصْلةٌ من النفاق\" أَي شُعْبةٌ من شُعَبِ النفاق، وجزءٌ منه. أَو حالةٌ من حالاته (٢).\nولَمّا كانت الخصلة تطلق على الحسنة والقبيحة بيّن المراد بها هنا بقوله (سَنِيّةٌ) فَعِيلة بمعنى مفعوله، من السنّاء بالمدّ: وهي الرِّفْعَة، ويحتمل أن يكون من السَّني بالقصر: وهو الضَّوْءُ، والمعنى متقارب قال ابن منظور: السَّناءُ من المجد، والشرف ممدود، والسَّنا بالقصر الضَّوْءُ، وفي التنزيل العزيز: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. قال: سَنا البرْقُ سطَع، وسَنَا إِلى مَعالي الأُمُورِ سَناءً: ارتفع، وسَنُوَ في حَسَبه سَناءً، فهو سَنِيٌّ: ارتفع، قال: السَّنِيُّ الرَّفيعُ. انتهى (٣). والله تعالى أعلم.\nثم ذكر أمثلة من القسم الأول -وإن انتُقِد عليه في ترتيبهم في الذكر، كما سنبيّنه مع الجواب عنه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى- فقال:\n(أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَوُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً، وَيَزِيدَ، وَلَيْثًا\n_________\n(١) انظر \"لسان العرب\" في مادة رتب ١/ ٤١٠.\n(٢) \"لسان العرب\" في مادة خصل ١١/ ٢٠٦.\n(٣) \"لسان العرب\" باختصار ١٤/ ٤٠٣.","vol":"1","page":300},{"text":"بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فِي إِتْقَان الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ، وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لم يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ، ويَزِيدَ، وَلَيْثٍ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى أنك إذا قابلت الثلاثة المذكورين، وهم عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم بمنصور بن المعتمر، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد من حيث الإتقان والضبط وجدت بينهم فرقًا كبيرًا، فليسوا مقاربين لهم فيما ذُكر؛ لأن أهل العلم وجدوا منصورًا، والأعمش، وإسماعيل مُبَرِّزِين في الحفظ والإتقان، وصحة مروياتهم، ولم يوجد ذلك لعطاء، ويزيد، وليث، بل هم بالعكس مطعونون بسوء الحفظ، وعدم الضبط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>تراجم الرجال المذكورين في هذه الفقرة:</span>\n(١) - (منصور بن المعتمر) بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: المعتمر بن عَتّاب بن فَرْقَد السلَمِيّ، أبو عَتّاب الكوفي. رَوَى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وربعي بن حِرَاش، وتميم بن سلمة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.\nوروى عنه أيوب، وحُصين بن عبد الرحمن، والأعمش، وسليمان التيمي، وهم من أقرانه، والثوري، وشعبة، ومسعر، وشيبان، وزائدة، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وخلق كثير.\nقال الآجري عن أبي داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: قال سفيان: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا رده، فإذا قلت: منصور سكت. قلت ليحيى: منصور عن مجاهد أحب إليك أم ابن أبي نَجِيح؟، قال: منصور أثبت، ثم قال: ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور. وقال حجاج عن شعبة عن منصور: ما كتبت حديثا قط. وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة: قال لي الثوري: رأيت منصورًا، وعبد الكريم الجزري، وأيوب، وعمرو بن دينار، هؤلاء الأعين الذين لا يُشَكّ فيهم. وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقال: ما الكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال أحمد بن سنان القطان عن ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطىء، ليس هو","vol":"1","page":301},{"text":"منهم، منهم ابن المعتمر. وقال الأثرم عن أحمد: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: منصور أثبت في الزهري عن مالك، قال: هؤلاء جُهّال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب. وقال عبد الله ابن أحمد: سألت أبي مَنْ أثبت الناس في إبراهيم؟ قال: الحكم، ثم منصور. وقال عباس عن ابن معين: منصور أحب إلي من حبيب بن أبي ثابت، ومن عمرو بن مرة، ومن قتادة. قيل ليحيى: فأيوب؟ قال: هو نظيره عندي. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: أبو معشر أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور خير منه، قلت: الأعمش عن إبراهيم أحب إليك أو منصور؟ قال: منصور، قلت: فالحكم أو منصور؟ قال: منصور، قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وأبي حاضر، يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش، فقَدِّم منصورًا. وقال أيضًا: سمعت يحيى يقول: منصور أثبت من الحكم، ومنصور بن المعتمر من أثبت الناس. وقال أيضا: رأيت في كتاب علي بن المديني: وسُئِل أيُّ أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: إذا حدثك عن منصور ثقة، فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره. وقال عبدان: سمعت أبا حمزة يقول: دخلت إلى بغداد، فرأيت جميع من بها يُثني على منصور. وقال وكيع عن سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكلٍّ، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور. وقال عبد الرزاق: حَدَّثَ سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال: هذا الشرف على الكرسي. وقال أبو زرعة عن إبراهيم بن موسى: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور؟ فقال: ثقة، قال: وسئل أبي عن الأعمش ومنصور؟ فقال: الأعمش حافظ يَخلِط ويدلس، ومنصور أتقن، لا يَخلِط ولا يدلس. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، كان أثبت أهل الكوفة، وكأن حديثه القَدَحُ، لا يختلف فيه أحد، متعبدٌ رجل صالح، أُكرِه على القضاء شهرين، وكان فيه تشيع قليل، ولم يكن بغال، وكان قد عَمِشَ من البكاء، وصام ستين سنة وقامها، وقالت فتاة لأبيها: يا أبت الأُسطُوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بُنَيَّة ذاكِ منصور يصلي بالليل فمات. قال ابن سعد وخليفة في آخرين: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (٩٩) حديثًا.\n(٢) - (سليمان الأعمش) هو سليمان بن مِهْرَان الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، يقال: أصله من طَبَرِسْتَان، ووُلد بالكوفة، وروى عن أنس، ولم يثبت له منه سماع، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، ويقال: إنه مرسل، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وقيس بن أبي حازم، وخلق كثير.","vol":"1","page":302},{"text":"وروى عنه الحكم بن عتيبة، وزبيد اليامي، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وهو من شيوخه، وسليمان التيميّ، وسُهيل بن أبي صالح، وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع، وشعبة، والسفيانان، وخلائق من أواخرهم أبو نُعَيم، وعبيد الله بن موسى.\nقال ابن المديني: لم يحمل عن أنس إنما رآه يخضب، ورآه يصلي، وقال ابن معين: كلُّ ما روى الأعمش عن أنس مرسل. وقال أبو حاتم: لم يسمع من ابن أبي أوفى، ولا من عكرمة. وقال ابن المديني حفظ العلم على أمة محمد -ﷺ- ستةٌ: عمرُو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق السبيعي والأعمش بالكوفة، وقتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة. وقال أبو بكر بن عياش عن مغيرة: لَمَّا مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض. وقال هشيم: ما رأيت بالكوفة أحد أقرأ لكتاب الله منه. وقال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع: كان أقرؤهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى. وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدّث عن الأعمش قال: هذا الديباج الخسرواني. وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. وقال عبد الله بن داود الْخُرَيبي: كان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: الْمُصْحَف المصحف. وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يُسَمَّى المصحف لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضا، إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأسا في القرآن، عَسِرًا، سَيِّءَ الخلق، عالما بالفرائض، وكان لا يَلْحَن حرفا، وكان فيه تشيع، ويقال: إن الأعمش وُلِد يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة (٦١). وقال عيسى بن يونس: لم نَرَ مثل الأعمش، ولا رأيتُ الأغنياءَ والسلاطينَ عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته. وقال يحيى ابن سعيد القطان: كان من النساك، وهو علامة الإسلام. وقال وكيع: اختلفتُ إليه قريبا من سنتين ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخريبي: مات يوم مات وما خَلَّفَ أحدًا من الناس أعبدَ منه، وكان صاحب سنة. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو عوانة وغيره: مات سنة (٤٧). وقال أبو نعيم مات سليمان سنة ثمان وأربعين ومائة في ربيع الأول، وهو ابن (٨٨) سنة. وفيها أرخه غير واحد.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ عارفٌ بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يُدلّس، من الطبقة الخامسة. أخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (٣٢٩) حديثًا.\n(٣) - (وإسماعيل بن أبي خالد) الأحمسيّ مولاهم، البجليّ الكوفيّ. روى عن","vol":"1","page":303},{"text":"أبيه، وأبي جُحيفة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حُريث، وأبي كاهل، وهم صحابة، وعن كبار التابعين وغيرهم. وعنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى القطّان، وجماعة. قال ابن المبارك، عن الثوريّ: حُفّاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو -يعني إسماعيل- أعلم الناس بالشعبيّ، وأثبتهم فيه. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يُسمّى الميزان. وقال عليّ: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل عن الشعبيّ صحاح؟ قال: نعم. وقال البخاري، عن عليّ: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشعبيّ ابن أبي خالد. وقال ابن مهديّ، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن عمّار الموصليّ: حجة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وكان طحّانًا. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو حاتم: لا أُقدّم عليه أحدًا من أصحاب الشعبيّ، وهو ثقة. وقال ابن حبّان في \"الثقات\": كان شيخًا صالحًا. وقال ابن المدينيّ. رأى أنسًا رؤيةً، ولم يسمع منه، ولم يسمع من إبراهيم التيميّ، ولم يرو عن أبي وائل شيئًا. وقال ابن معين: لم يسمع من أبي ظبيان. وقال مسلم في \"الوحدان\": تفّرد عن جماعة، وسردهم. وقال يعقوب بن سُفيان: كان أُميًّا، حافظًا، ثقة. وقال هشيم: كان إسماعيل فَاحِشَ اللحن، كان يقول: حدّثني فلان عن أبوه. وقال الآجريّ: سألت أبا داود هل سمع من سعد بن عُبيدة؟ قال: لا أعلمه. وقال ابن عُيينة: كان أقدم طلبًا، وأحفظ للحديث من الأعمش. وقال العجليّ: كان ثبتًا في الحديث، وربّما أرسل الشيء عن الشعبيّ، وإذا وُقِّفَ أخبر، وكان رجلًا صاحب سنّة، وكان حديثه نحو خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة. وحكى ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\" عن يحيى بن سعيد، قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال أبو نُعيم في ترجمة داود الطائي من \"الحلية\": أدرك إسماعيل إثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤيةً. وقال الخطيب: حدث عنه الحكم بن عُتيبة، ويحيى بن هاشم، وبين وفاتيهما نحو من مائة وعشر سنين. مات سنة (٥) أو (١٤٦).\nوقال في \"التقريب\":، ثقة ثبتٌ [٤].\nأخرج له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ستةٌ وأربعون حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقوله: (ألا) -بفتح الهمزة، والتخفيف-: أداة عرض وتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلبٌ بلين، والتحضيض طلبٌ بحثّ، وهي مركّبةٌ من همزة الاستفهام، و\"لا\" النافية، وتختصّ بدخولها على الجملة الفعليّة، نحوُ قوله تعالى ﴿أَلَا","vol":"1","page":304},{"text":"تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقوله ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، وكقول الشاعر [من الوافر]:\nأَلَا رَجُلًا جَزَاهُ الله خَيْرًا ... يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ\nوالتقدير ألا ترونني رجلًا هذه صفته (١).\n(ترى) أي تعلم (أنك) بفتح الهمزة؛ لسدها مسدّ مفعولي \"ترى\" (إذا وازنت) بالنون: أي قارنتَ، وقابلتَ. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ويُروى: \"وازيت\" بالياء أيضًا، وهو بمعنى \"وازنت\" (هؤلاء الثلاثة) بالنصب مفعول \"وازنت\" (الذين سمّيناهم عطاءً) أي ابن السائب (وليثًا) أي ابن أبي سُليم (بمنصور بن المعتمر) بصيغة اسم الفاعل السلميّ (وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) بالجرّ عطفًا على \"منصور\" (وَإِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ) بالجرّ عطفًا على منصور أيضًا (في إِتْقَان الحديث) بكسر الهمزة مصدر أتقن الشيءَ: إذا أحكمه، وهو متعلّق بـ \"وازنت\" (وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ) أي استقامتهم في ضبط الحديث (وَجَدْتَهُمْ) جواب \"إذا\" (مُبَايِنِينَ لَهُمْ) أي منفصلين عنهم، وهو مفعولٌ ثان لـ \"وجدت\" والأول الضمير المتصل وجملة قوله (لا يُدَانُونَهُمْ) أي لا يقربون من رتبهم العلية حال مؤكّدة لـ \"مباينين\" (لَا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ) يعني أن أهل العلم بالحديث الذين لهم المعرفة التامّة بمراتب الرجال، والبصيرة النافذة في تحقيق المقال لا يشكّون في كون الثلاثة الأخيرين مقدّمين على الثلاثة الأولين في الحفظ والإتقان، كما زاده إيضاحًا بقوله (لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ) أي شاع عند أهل العلم بالحديث، قال الفيّوميّ: واستفاض الحديث: شاع في الناس، وانتشر بينهم، فهو مستفيضٌ، اسم فاعل، وأفاض الناس فيه: أي أخذوا. ومنهم من يقول: استفاض الناسُ الحديثَ، وأنكره الْحذّاق، ولفظ الأزهريّ: قال الفرّاء، والأصمعيّ، وابنُ السّكّيت، وعامّة أهل اللغة: لا يقال: حديثٌ مُستفاضٌ، وهو عندهم لحنٌ من كلام الحضر، وكلام العرب مُستفيضٌ، اسم فاعل. انتهى (مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ) بن المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (وَإِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد. فقوله \"من صحة\" بيان لـ \"لّذي\"، وقوله (وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهمْ) أي لإحكامهم لما رووا ونقلوه من الأحاديث، فـ \"إتقانهم\" بالجرّ عطف على \"حفظ\".\nوالفرق بين الحفظ والإتقان أن الإتقان أبلغ من الحفظ، إذ معناه الإحكام، والتِّقْنُ بالكسر: الحاذق، ورجلٌ من الرُّماة يُضرب بجَوْدة رَمْيِهِ الْمَثَلُ. قاله المجد (٢). وأما\n_________\n(١) راجع \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" ١/ ٦٩ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.\n(٢) \"القاموس\" ص ١٠٦٦.","vol":"1","page":305},{"text":"الحفظ، فهو المنع من الضَّيَاع، يقال: حَفِظْتُ المال وغيره حِفْظًا، من باب عَلِمِ: إذا منعه من الضَّيَاع والتّلَف، وحفِظتُهُ: صُنته عن الابتذال. أفاده الفيّوميّ، فيكون المراد بالإتقان تمام الحفظ والضبط. والله تعالى أعلم.\n(وَأَنَّهُمْ) بفتح الهمزة لكونه معطوفًا على \"الذي\"، أي ولأن أهل العلم بالحديث (لَمْ يَعْرِفوا مِثْلَ ذلِكَ) أي مثل حفظ منصور، والأعمش، وإسماعيل، وإتقانهم لمروياتهم (مِنْ عَطَاءٍ) أي ابن السائب (وَيَزِيدَ) أي ابن أبي زياد (وَلَيْثٍ) أي ابن أبي سُلَيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>مسألتان تتعلّقان بما سبق </span>من كلام الإمام مسلم رحَمه اللهُ تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة الأولى: قال النوويّ رحمه الله تعالى</span>، ما حاصله: قد يُنكَر على مسلم رحمه الله تعالى في صنيعه هذا، حيث إنه خالف عادة أهل العلم، فإنهم إذا ذكروا جماعةً في سياق مثل هذا السياق، قدّموا أجلّهم مرتبةً، فيقدّمون الصحابيّ على التابعيّ، والتابعيّ على تابعه، والفاضل عن من دونه.\nفإذا تقرّر هذا، فإسماعيل بن أبي خالد تابعيّ مشهور، رأى أنسَ بن مالك، وسلمةَ بن الأكوع، وسمع من عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حُريث، وقيس بن عائذ، أبي كاهل، وأبي جُحيفة، وهؤلاء كلّهم صحابة -﵃-.\nوأما الأعمش، فقد رأى أنس بن مالك -﵁-، وأما منصور بن المعتمر فليس بتابعيّ، وإنما هو من أتباع التابعين، فكان ينبغي أن يقول: إذا وازنتهم بإسماعيل، والأعمش، ومنصور.\nوالجواب عنه: أنه ليس المراد هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حجر في عدم ترتيبهم.\nويحتمل أن مسلمًا قدّم منصورًا؛ لرجحانه في ديانته، وعبادته، فقد كان أرجحهم في ذلك، وإن كان الثلاثة راجحين على غيرهم، مع كمال حفظ منصور، وإتقانه، وتثبّته. قال عليّ بن المدينيّ: إذا حدّثك ثقة عن منصور، فقد ملأت يديك، لا تزيد غيره. وقال عبد الرحمن بن مهديّ: منصورٌ أثبت أهل الكوفة. وقال سفيان: كنت لا أحدّث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا ردّه، فإذا قلت: عن منصور، سكت. وقال أحمد بن حنبل: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد. وقال يحيى بن معين: إذا اجتمع الأعمش، ومنصورٌ، فقدِّم منصورًا. وقال أبو حاتم: منصورٌ أتقن من الأعمش، لا يُخَلِّطُ، ولا يُدَلِّسُ. وقال الثوريّ: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة","vol":"1","page":306},{"text":"منصورٌ، ثم مسعرٌ. وقال أحمد بن عبد الله: منصورٌ أثبت أهل الكوفة، وكان مثل القدح، لا يَختَلِف فيه أحدٌ، وصام ستّين، وقامها. وأما عبادته، وزهده، وورعه، وامتناعه من القضاء حين أُكره عليه، فأكثرُ من أن يحصر، وأشهر من أن يُذكر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى بتصرّف يسير.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الجواب الثاني هو الصواب؛ لأمرين:\n[أحدهما]: أن الجواب الأول يردّه أن عادة أهل العلم في تقديم الأفضل، فالأفضل، ليس قاصرًا على التنبيه على مراتبهم، بل عادتهم تقديم الأفضل مطلقًا.\n[الثاني]: أن الجواب الثاني يوافق عادتهم، حيث إنه قدّم الأفضل، على ما بيّنه في كلامه المذكور، فلم يخالف بذلك مسلم عادتهم، ومما يؤيّد هذا أن كلام مسلم رحمه الله تعالى هنا هو التمييز بين أهل الحفظ، والإتقان، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه في التقديم، فكان من حقّ منصور أن يُقدّم على إسماعيل، والأعمش، ويأتي الكلام هذا في تقديم الأعمش على إسماعيل، فإنه مقدّم في الحفظ والإتقان عليه، كما تقدّم من بيان ترجمتهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المسألة الثانية: قد ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى هنا الأعمش بلقبه، وهذا أول موضع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب، فلنذكر القاعدة التي وضعها أهل العلم في ذلك</span>.\nقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء من أصحاب الحديث، والفقه، وغيرهم: يجوز ذكر الراوي بلقبه، وصفته، ونسبه الذي يكرهه، إذا كان المراد تعريفَهُ، لا تنقيصَهُ، وجُوِّز هذا للحاجة، كما جُوِّز جرحهم للحاجة، مثال ذلك الأعمش، والأعرج، والأحول، والأعمى، والأصمّ، والأشلّ، والأثرم، والزَّمِنُ، والمفلوج، وابن عُلَيّة، وغير ذلك، وقد صُنِّفت فيه كُتبٌ معروفة. انتهى (١).\nوقال في \"التقريب\" مع شرحه \"التدريب\". ولا بأس بذكر من يُروَى عنه بلقب، كغُنْدَر، أو وصفٍ، كالأعمش، أو حِرْفَةٍ، كالحنّاط، أو أُمّ، كابن عُليّة، وإن كَرِهَ ذلك، إذا عُرِفَ بها، وقُصِدَ تعريفُهُ، لا عيبُهُ. انتهى (٢).\nوقال الحافظ السيوطيّ ﵀ في \"ألفيّة الحديث\":\nوَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ ... أَوْ حِرْفَةٍ لا بأْسَ إِنْ لم يَعِبِ\nانتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٢ - ٥٣.\n(٢) \"تدريب الراوي\" ج ٢/ ١٣٧.","vol":"1","page":307},{"text":"ثم ذكر مسلمٌ رحمه الله تعالى مثالًا آخر زيادة في الإيضاح، فقال:\n(وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلَاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ، كابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مِعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ، وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، كَمَا أنّ ابْنَ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ، وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ، وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا، مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى في هذه الفِقْرة بضرب مثال آخر للمفاضلة بين الأقران في الحفظ والإتقان، فذكر من أصحاب الحسن البصريّ، وابن سيرين رحمهم الله تعالى راويين من الطبقة الأولى، وهما: عبد الله بن عون، وأيوب السختيانيّ، وراويين من الطبقة الثانية، وهما: عوف بن أبي جميلة، وأشعث بن عبد الملك الْحُمْرانيّ، فإن الأربعة، وإن كانوا يأخذون عن الحسن وابن سيرين كليهما، إلا أن الأولين في الدرجة العليا من كمال الحفظ وصحّة النقل، وإن كان الأخيران لا يُستهانُ بهما، ولا يُدفعان عن كونهما موصوفين بالصدق، والأمانة العلميّة، إلا أن المطلوب في هذا الباب هو الكمال في الحفظ والإتقان، زيادةً على الصدق، والأمانة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>تراجم الأعلام المذكورين في هذه الفِقْرة:</span>\n(١) - (ابن عون) هو عبد الله عون بن أَرْطَبَان المزنيّ مولاهم، أبو عون الخزار بفتح المعجمة، أحد الأعلام. رأى أنس بن مالك، وروى عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبيّ، وخلق كثير. وروى عنه الثوريّ، وشعبة، وابن عُليّة، ويحيى القطّان، وخلائق.\nقال ابن المديني: جُمع لابن عون من الإسناد ما لم يُجمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبيّ، والنخعيّ، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حَيْوة. قال عليّ: وقال بشر بن المفضّل: لقيت الثوريّ بمكة، فقلت له: مَنْ آمنُ مَنْ تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونس بن عبيد، قال عليّ: وهذا كان قبل أن يُحدّث ابن عون؛ لأنه لم يُحدّث إلا بعد موت أيوب، ومات ابن عون سنة (١٥١) بعد موت أيوب بعشرين سنة. وقال الثوريّ: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيميّ، وابن عون. وقال حمّاد بن زيد، عن ابن عون: وفدت عند الحسن، وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فُرش لي. وقال هشام بن","vol":"1","page":308},{"text":"حسّان: حدّثني من لم تر عيناي مثله، وأشار إلى ابن عون. وكذا قال عثمان البتّيّ. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذُكر لي قبل أن أقدَم، ثم لقيته إلا وهو دون ما ذُكِر ﴿لي، إلا ابن عون، وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون، فودِدتُ أني لزمته حتى أموت، أو يموت. وقال ابن مهديّ: ما أحدٌ أعلم بالسنّة بالعراق من ابن عون. وقال قرّة: كنّا نتعجّب من وَرَع ابن سيرين فأنساناه ابن عون. وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه. وقال النضر بن شميل، عن شُعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا، يقول فيه: أظنّ أني سمعته، أحبّ إليّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيًّا، وكان كثير الحديث ورِعًا. وقال الأنصاريّ: كان ابن عون لا يُسلّم على القدريّة، وكان يصوم يومًا، ويُفطر يومًا إلى أن مات، وتزوّج امرأة عربيّة، فضربه بلال بن أبي بُردة. وقال ابن حبّان في \"الثقات\": كان من سادات أهل زمانه عبادةً، وفضلًا، وورَعًا، ونسكًا، وصلابةً في السنّة، وشدّةً على أهل البدع.\nوفي \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ من الساسة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جعله في \"التقريب\" من الطبقة السادسة، والحقّ أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنس بن مالك -﵁-، فهو مثل أيوب، والأعمش، ومما يؤيّد ذلك جَعْلُهُ له مثلَ أيوب في السنّ. فتبصّر. والله تعالى أعلم.\nوكان مولده سنة (٦٦)، ومات سنة (١٥١) قيل في رجب. وقيل: (١٥٠) وقيل: (١٥٢) والأول أصحّ (١). روى له الجماعة، (٢) له عند مسلم في هذا الكتاب تسع وثلاثون حديثًا. والله تعالى أعلم.\n(٢) - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ -بفتح المهملة، أو كسرها، بعدها معجمة ساكنة، ثم مثنّاة فوقيّة مكسورة، ثم تحتانيّة، وآخره نون- مولى عَنَزة، ويقال: مولى جُهينة، أبو بكر البصريّ الفقيه، أحد الأعلام. رأى أنس بن مالك -﵁-، وروى عن عمرو بن سَلِمَة الجرميّ، وأبي رجاء العُطارديّ، وأبي عثمان النهديّ، والحسن، وعطاء، وأبي قلابة، وخلق كثير. وروى عنه ابن سيرين من شيوخه، وشعبة، والسفيانان، والحمّادان، وعبد الوارث، وابن علية، وخلائق.\nقال ابن المديني: له نحو ثمانمائة حديث، وأما ابن علية، فكان يقول: حديثه ألفا حديث، فما أقل ما ذهب علي منها. وقال الجعد أبو عثمان: سمعت الحسن\n_________\n(١) هكذا صحح في \"تهذيب التهذيب\"، والذي صححه في \"التقريب\" هو (١٥٠).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩. و\"التقريب\" ص ١٨٤، و\"الخلاصة\" ص ٢٠٩.","vol":"1","page":309},{"text":"يقول: أيوب سيد شباب أهل البصرة. وقال أبو الوليد، عن شعبة: حدّثني أيوب، وكان سيد الفقهاء، وقال حماد بن زيد: كان أيوب عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنّة. وقال الحميدي، عن ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث، جامعًا كثير العلم، حجة، عدلًا. وقال النسائي: ثقة ثبت. وروي أن شعبة سأله عن حديث، فقال: أشك فيه، فقال له: شكك أحبّ إليّ من يقين غيرك. وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين. وقال أيضًا: كتبت عنه لِما رأيت من إجلاله للنبي -ﷺ-. وقال أيضًا: كان من عبّاد الناس، وخيارهم، وقال هشام بن عروة: ما رأيت بالبصرة مثله. وعن ابن مهديّ: أيوب حجة أهل البصرة. وقال نافع: اشتَرَى لي هذا الطيلسان خير مشرقي رأيته، أيوب. وقال الدارقطنيّ: أيوب من الحفاظ الأثبات.\nوفي \"التقريب\": ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد من الخامسة.\nوقال ابن علية: وُلد أيوب سنة (٦٦). وقال غيره: سنة (٦٨). وقال البخاريّ، عن ابن المدينيّ: مات سنة (١٣١) زاد غيره: وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل: غير ذلك في موته.\nروى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب (١٨٦) حديثًا (١).\n(٣) - (عوف بن أبي جَمِيلة) العبديّ، أبو سهل الهجريّ البصريّ، المعروف بالأعرابي. واسم أبي جميلة: بندويه، ويقال: بل بندويه اسم أمه، واسم أبيه رزينة. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وعن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الوليد بن عتبة، عن مروان بن معاوية: كان يُسمى الصدوق. وحكى العقيلي، عن ابن المبارك، قال: والله ما رضي عوف ببدعة واحدة حتى كانت فيه بدعتان: قدري شيعي. وقال الأنصاري: رأيت داود ابن أبي هند يضرب عوفًا، ويقول: ويلك يا قدري. وقال في \"الميزان\": قال بندار، وهو يقرأ لهم حديث عوف: لقد كان قدريا، رافضيا، شيطانا. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، قال: وقال بعضهم: يرفع أمره، إنه ليجيء عن الحسن بشيء ما يجيء به أحد. قال: وكان يتشيع، ومات سنة (١٤٦) وقال أبو داود: مات سنة (١٤٧) وقال أبو عاصم: دخلنا عليه سنة ستّ فقلنا: كم أتى لك؟ قال: (٨٦) سنة وقال ابن حبّان: كان مولده سنة (٥٩). وفي \"التقريب\": ثقة رمي بالقدر من السادسة.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ و\"تقريب التهذيب\" ص ٤١. و\"الخلاصة\" ص ٤٢ - ٤٣.","vol":"1","page":310},{"text":"روى له الجماعة، وله عند مسلم حديث واحد، حديث عمران بن حصين الطويل في قضاء الصلاة الفائتة، رقم ٦٨٢ \"ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: يا نبيّ الله أصابتني جنابة ... \" الحديث (١).\n(٤) - (أشعث) بن عبد الملك الحُمْرانيّ، مولى حُمْران، أبو هانئ البصريّ. روى عن الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول، وغيرهم. وعنه شعبة، وهُشيمٌ، وخالد بن الحارث، وغيرهم. وثّقه بُندار، وابن معين، والنسائيّ، والبزّار. وقال أبو زرعة: صالحٌ. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وهو أوثق من الحدّانيّ، وأصلح من ابن سوّار. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: هو عندي ثقة مأمون. وقال ابن معين، عنه: لم أُدرك أحدًا من أصحابنا أثبت عندي منه، ولا أدركت أحدًا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه. وقال أيضًا: لم ألق أحدًا يُحدّث عن الحسن أثبت منه. وقال أيضًا: هو أحبّ إلينا من أشعث بن سوّار. وقال البخاريّ: كان يحيى بن سعيد، وبشر بن المفضّل يُثبّتون الأشعث الحمرانيّ. وعن أحمد بن حنبل، قال: هو أحمد في الحديث من أشعث بن سوّار، روى عنه شعبة، وما كان أرضى يحيى بن سعيد عنه، كان عالمًا بمسائل الحسن. وقال ابن حبّان في \"الثقات\": كان فقيهًا متقنًا. وقال ابن عديّ أحاديثه عامّتها مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه، ويُحتجّ به، وهو في جملة أهل الصدق، وهو خيرٌ من أشعث بن سوّار بكثير. قال الفلّاس: مات سنة (١٤٢) وقال ابن سعد، وغيره: سنة (٤٦).\nوقال في \"التقريب\": ثقة فقيهٌ من السادسة.\nعلّق عنه البخاريّ، وروى له الأربعة، وليس له عند المصنّف شيء من الروايات، إلا أنه ذكره في المقدّمة هنا.\n(٥) - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، أبو سعيد، مولى الأنصار، وأمّه خيرةُ مولاة أم سلمة. قال ابن سعد: وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر -﵁-، ونشأ بوادي القرى، وكان فَصيحًا. رأى عليًّا، وطلحة، وعائشة -﵂-، وكتب للربيع بن زياد والي خُرَاسان في عهد معاوية -﵁-.\nروى عن عثمان، وعليّ، وأبي موسى، وأبي بكرة، وعمران بن حُصين، وجندب البجليّ، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاص، ومعاوية، ومعقل بن يسار، وأنس، وجابر، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٣٣٦ - ٣٣٧. و\"التقريب\" ص ٢٦٧. و\"الخلاصة\" ص ٢٩٨.","vol":"1","page":311},{"text":"وروى عنه حميدٌ الطويل، وبُريد بن أبي مريم، وأيوب، وقتادة، وعوف الأعرابيّ، وبكر بن عبد الله الْمُزنيّ، وخلق كثير.\nقال أنس بن مالك -﵁-: سلوا الحسن، فإنه حفِظ، ونسينا. وقال سليمان التيميّ: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال مطرٌ الورّاق: كان جابر بن زيد رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يُخبر عمّا رأى وعاين. وقال محمد ابن فُضيل، عن عاصم الأحول: قلت للشعبيّ لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة، فأقرِىءِ الحسن منّي السلام، قلت: ما أعرفه، قال: إذا دخلت البصرة، فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك، وأهيبه في صدرك، فأقرئه منّي السلام، قال: فما عدا أن دخل المسجد، فرأى الحسن، والناس حوله جلوسٌ فسلّم عليه. وقال أبو عوانة، عن قتادة: ما جالست فقيهًا قطّ إلا رأيت فضل الحسن عليه. وقال أيوب: ما رأت عيناي رجلًا قطّ كان أفقه من الحسن. وقال غالبٌ القطّان، عن بكر المزنيّ: من سرّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه في زمانه، فلينظر إلى الحسن فما أدركنا الذي هو أعلم منه. وقال يونس بن عُبيد: إن كان الرجل ليرى الحسن، لا يسمع كلامه، ولا يري عمله، فينتفع به. وقال حمّاد بن سلمة، عن يونس بن عُبيد، وحُميد الطويل: رأينا الفقهاء، فما رأينا أكمل مروءةً من الحسن. وقال الحجّاج بن أرطاة: سألت عطاء بن أبي رباح فقال لي: عليك بذاك -يعني الحسن- ذاك إمام ضخم، يُقتدى به. وقال أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس: اختلفتُ إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك. وقال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة، حتى نطق بها، وكان إذا ذُكر عند أبي جعفر -يعني الباقر- قال: ذاك الذي يُشبه كلامه كلام الأنبياء. وقال سليمان بن كثير، عن يونس بن عُبيد قال: ولّاه عليّ بن أرطاة قضاء البصرة -يعني الحسن- في أيام عمر بن عبد العزيز، ثم استعفي. وقال ابن حبّان في \"الثقات\": احتلم سنة (٣٧)، وأدرك بعض صفّين، ورأى مائة وعشرين صحابيًا، وكان يُدلّس، وكان من أفصح أهل البصرة، وأجملهم، وأعبدهم، وأفقههم. وعن ابن عون قال: سمعت الحسن يقول: من كذّب بالقدر، فقد كفر. وقال أبو داود: لم يحُجّ الحسن إلا حجّتين، وكان من الشجعان. قال جعفر بن سليمان: كان المهلّب يقدّمه - يعني في الحرب-. وقال حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان: كنا عند محمد -يعني ابن سيرين- عشيّة يوم الخميس، فدخل عليه رجلٌ بعد العصر، فقال: مات الحسن، قال: فترحّم عليه محمد، وتغيّر لونه، وأمسك عن الكلام. قال ابن عُليّة، والسّريّ بن يحيى: مات سنة (١١٠) زاد ابن عليّة: في رجب. وقال ابنه عبد الله: هلك أبي، وهو ابن نحو من (٨٨) سنة.","vol":"1","page":312},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة فقيه، فاضلٌ، مشهورٌ، وكان يُرسل، ويدلّس، قال البزّار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم، فيتجوّز، ويقول: حدّثنا، وخطبنا، -يعني قومه الذين حدّثوا، وخطبوا بالبصرة- وهو رأس أهل الطبقة الرابعة (١).\nروى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ستة وعشرون حديثًا. والله تعالى أعلم.\n(٦) - (ابن سيرين) هو محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، إمام وقته.\nروى عن مولاه أنس بن مالك -﵁-، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ بن أبي طالب، وجندب بن عبد الله البجليّ، وغيرهم. وروى عنه الشعبيّ، وثابت، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وابن عون، وقتادة، وأشعث بن عبد الملك الحمرانيّ، وغيرهم.\nقال ابن عون: كان ابن سيرين يُحدّث بالحديث على حروفه. وقال هشام بن حسّان: حدّثني أصدق من أدركته من البشر، محمد بن سيرين. وقال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: بصريّ، تابعيّ، ثقة، وهو من أروى الناس عن شُريحٍ بن عُبيد، وإنما تأدّب بالكوفيين، أصحاب عبد الله. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، عاليًا، رفيعًا، فقيهًا، إمامًا كثير العلم، وَرِعًا، وكان به صمم. وقال ابن المدينيّ: أصحاب أبي هريرة ستةٌ. ابن المسيّب، وأبو سلمة، والأعرج، وأبو صالح، وابن سيرين، وطاووس، وكان همام بن منّبه حديثه حديثهم إلا أحرفًا. وقال حماد بن زيد، عن عاصم الأحول: سمعت مُوَرِّقًا يقول: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال أبو قلابة: اصرفوه حيث شئتم، فلَتَجِدُنَّه أشدّكم ورعًا، وأملككم لنفسه. وقال معتمر، عن ابن عون: كان من أرجى الناس لهذه الأمَّة، وأشدّهم أزراءً على نفسه. وقال معاذ بن معاذ، عن ابن عون: لم أر في الدنيا مثل ثلاثة: محمد بن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيْوةَ بالشام، ولم يكن في هؤلاء مثل محمّد. وقال حمّاد بن زيد، عن شُعيب بن الحبحاب: كان الشعبيّ يقول لنا: عليكم بذاك الأصمّ. وقال حمّاد، عن عثمان الْبَتّيّ: لم يكن بالبصرة أحدٌ أعلم بالقضاء منه.\nوقال ابن سعد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري عن السبب الذي حُبِس محمد\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٨٨ - ٣٩١. و\"التقريب\" ص ٦٩.","vol":"1","page":313},{"text":"لأجله؟ فقال: كان اشترى طعامًا بأربعين ألفًا، فأُخبر عن أصله بشيءٍ كرهه، فتصدّق به، وبقي المال عليه، فحُبس، حَبَسَته امرأة. وعن ثابت البنانيّ، قال: قال لي محمد ابن سيرين: كنت أمتنع من مجالستكم مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتّى أُخذ بلحيتي، وأُقمتُ على الْمِصْطَبّة (١)، وقيل: هذا محمد بن سيرين أكل أموال الناس. ويُرْوَى في سبب حبسه غيرُ ذلك.\nقال حمّاد بن زيد: مات الحسن أوَّلَ يوم من رجب سنة عشر ومائة، وصلّيتُ عليه، ومات محمد لتسعٍ مضَينَ من شوّال منها. وقال ابن حبّان: كان محمد بن سيرين من أورع أهل البصرة، وكان فقيهًا، فاضِلًا، حافظًا، متقِنًا، يُعبّر الرؤيا، مات وهو ابن (٧٧) سنة، وكان كاتِب أنس بن مالك -﵁- بفارس.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابد كبيرُ القدرِ، كان لا يرى الرواية بالمعنى من الثالثة (٢).\nروى له الجماعة، وله عند مسلم في هذا الكتاب ثمانية وثمانون حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقوله: (وفي مثل مجرى هؤلاء) متعلق بمقدر يدل عليه السياق، أي ويجري التفاوت في المراتب مثل ما جرى لهؤلاء.\nو\"مجرى\" يحتمل أن يكون بفتح الميم من جرى، أو أن يكون بضمها من أجرى، وهو موضع الجري، واسم الإشارة راجع إلى المذكورين من الصنفين السابقين. أحدهما: منصور، والأعمش، وإسماعيل، والثاني: عطاء، ويزيد، وليث.\nوالمعنى: أنك (إذا وازنت) أي قارنت، وقابلت، وتقدم أنه ضبط أيضًا بالياء التحتية بدل النون (بين الأقران) بفتح الهمزة، جمع قرن بكسر، فسكون، مثل حمل وأحمال: وهو من يقامك في علم، أو قتال، أو غير ذلك. قاله الفيومي (كـ) عبد الله (بن عون) بن أَرْطبان، (وأيوب السختياني) بفتح السين المهملة، وكسر التاء المثناة، قال أبو عمر بن عبد البر: كان أيوب يبيع الجلود بالبصرة، فلهذا قيل له: السختياني. قاله النوويّ (٣). وهكذا ضبطه ابن الأثير في \"اللباب\"، وقال: نسبة إلى عمل السختِيان،\n_________\n(١) \"الْمِصْطَبَّة\" بكسر الميم، وتشديد الموحّدة: الدكّان الذي يُجلَسُ عليه. أفاده في \"القاموس\" وشرحه.\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٨٥ - ٥٨٧. \"التقريب\" ص ٣٠١. \"الخلاصة\" ص ٣٤٠.\n(٣) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٤.","vol":"1","page":314},{"text":"وبيعه، وهو الجلود الضأنيّة، ليست بأَدَم. انتهى (١). وضبطه السيوطيّ في \"لب اللباب\" بكسر أوّله والفوقيّة، وتخفيف التحتيّة (٢). وقال المجد: السِّخْتِيان، ويُفتحُ: جِلْدُ الماعز إذا دُبغ، معرَّبٌ، وبلدٌ، منه أيوب السِّختيانيّ. انتهى (٣).\nقال الجامع عفا الله عنه: كلام المجد هذا يدلّ على أن أيوب منسوب إلى البلد، لا إلى بيع الجلود، ولعلّ أيوب كان من تلك البلدة، وكان يبيع الجلود أيضًا، والله تعالى أعلم.\n(مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ) المعروف بالأعرابيّ، قيل: لم يكن أعرابيًّا، وإنما لُقّب بذلك لفصاحته، واسم أبي جميلة بندويه، ويقال: زريبة، كما تقدّم (وَأَشْعَثَ) بن عبد الملك (الْحُمْرَانيِّ) بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها راء: نسبة إلى حُمْران مولى عثمان بن عفَّان -﵁- (وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ) البصريّ (وَ) محمد (بْنِ سِبيرِينَ) يعني أنهما رويا عنهما الأحاديث الكثيرة (كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنِ، وَأيُوبَ صَاحِبَاهُمَا) أي صاحبا الحسن، وابن سيرين، رويا عنهما كما روى الأوّلان (إلا أَنَّ الْبَوْنَ) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الواو: ومعناه الفَرْقُ. قاله النوويّ.\nوقال الفيّوميّ: البَوْنُ: الفضل والمزيّة، وهو مصدرُ بانهُ يَبُونه بَوْنًا: إذا فَضَلَهُ، وبينهما بَوْنٌ: أي بين درجتيهما، أو بين اعتبارهما في الشرف، وأما في التباعُد الجِسمانيّ، فتقول: بينهما بَيْنٌ بالياء. انتهى (٤).\nوقال في \"القاموس\"، وَ\"شرحه\": الْبُون بالضمّ: مسافة ما بين الشيئين، ويُفتح، يقال: بينهما بُون بعيدٌ، ورحبهما، أو اعتبارهما، ويُطلق على الفضل والمزيّة. انتهى (٥).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: يستفاد مما ذُكر أن البون في كلام المصنّف رحمهُ الله تعالى يجوز فيه ضم الباء، وفتحها، والمعنى المناسب له هو الفَرْق. والله تعالى أعلم.\n(بَيْنَهُمَا) أي بين ابن عون، وأيوب (وَبَيْنَ هَذَيْنِ) أي بين عوف، وأشعث (بَعِيدٌ، في كَمَالِ الْفَضْلِ) متعلّق بـ \"البون\"، اعتُرض بينهما بخبر \"أَنّ\" وهو \"بعيد\". و\"الفضل\". معناه الزيادة، يقال: فضل فضلًا، من باب قتل: زاد، ويقال: خُذ الفضل: أي الزيادة، والجمع فُضُول، مثلُ فلس وفلوس. والفضلُ أيضًا الخيرُ، كالفَضِيلة. أفاده الفيّوميّ.\n_________\n(١) \"اللباب في تهذيب الأنساب\" ٢/ ١٠٨.\n(٢) راجع \"لب اللباب\" ٢/ ١٣.\n(٣) راجع \"القاموس المحيط\" ص ١٤١.\n(٤) \"المصباح المنير\" ١/ ٦٦.\n(٥) \"القاموس\" وشرحه \"تاج العروس\" ٩/ ١٦٦.","vol":"1","page":315},{"text":"والمراد بالزيادة هنا زيادة الحفظ والإتقان.\nوقوله (وَصِحَّةِ النَّقْلِ) بالجرّ عطف على \"الفضل\" ومعنى صحّة النقل صحّة أخذ الأحاديث، وحفظها عن الشيوخ (وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ) أي مُبْعَدَين (عِنْ صِدْقِ، وَأَمانَةٍ، عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) يعني أنهما عند العلماء بالحديث من أهل الصدق في الحديث، والأمانة في حفظ ما سمعوه، وتأديته إلى غيرهم (وَلَكِنَّ الْحَالَ) منصوب على أنه اسم \"لكّن\" بالتشديد، ويحتمل تخفيفها، فيكون \"الحالُ\" مبتدأ خبره قوله: \"ما وصفنا\"، أي لكن الشأن في التمييز بين مراتب الأقران (مَا وَصَفْنَا) \"ما\" اسم موصول، والعائد محذوف، أي وصفناه، وحذفه في مثل هذا جائزٌ، كما قال ابن مالك رحمه اللهُ تعالى في \"خلاصته\":\n...................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلي\nفِب عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إن انْتَصَبْ ... بفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُوا يَهَبْ\nوقوله (مِنَ الْمَنْزِلَةِ) بيانٌ لـ \"ما\" (عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ) متعلّق بصفة لـ \"لمنزلة\"، أو بحال منه، لأن المحلّى بـ \"أل\" الجنسيّة يجوز فيه الاعتباران، كما في قول الشاعر:\nوَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... وَمَضَيتُ ثُمَّتُ قُلْتُ لا يَعْيِنِي\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم بيّن رحمه اللهُ تعالى السبب الذي حمله على إيضاح هذه المسألة بضرب الأمثلة، بقوله:\n(وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاء في التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً، يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ في الْعِلْم فَوقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: \"أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُنْزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ\"، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. فَعَلَى نحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة:</span>\nبيّن رحمه الله تعالى في هذا الكلام السبب الباعث له لضرب الأمثلة بذكر صنفين من الأقران: أحدهما: في أعلى المراتب، من الحفظ والإتقان، والثاني: في أوسط المراتب، ليسوا في المرتبة العليا حتى يساووا الأولين، وليسوا في المرتبة الدنيا، حتى يُتركوا مثل أهل المرتبة الآتية بعدهم، فهم -وإن لم يكونوا مثلهم في حفظهم وإتقانهم-","vol":"1","page":316},{"text":"لكنهم مثلهم في صدقهم، وأمانتهم، وإنما فعل ذلك لأجل أن يَتَّضِحَ لمن لا يعرف، أو لا يُحسِن هذه الصناعة طريقُ الوصول إلى معرفة المراتب، حتى لا يلتبس عليه، ويختلط، فيُقَصِّر في العالي المنزلة، فيضعه في أدنى من درجته، ولا يرفع النازل المنزلة، فيضعه فوق منزلته، فإنه إذا عَرَف هذا العدم، ودرس مراتب الرجال، وتفاوتهم في الحفظ والإتقان تيسر له إنزال كل في منزلته التي يستحقها، فيكون بذلك قد أعطى كل ذي حق حقه، كما أُمِر بذلك فيما روته أم المؤمنين عائشة -﵂- في هذا الحديث الذي سنتكلم عن درجته قريبا، إن شاء الله تعالى، وأيضًا قد بَيَّن الله ﷾ تفاوت أهل العلم في درجات العلم، حيث قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وليس هذا البيان مجرد إخبار فقط، بل المقصود أن يُنَزّل كل عالم في منزلته، ويُقَدَّم في مرتبة، ويُراعى لكلّ ذي حقٍّ حقه، ويُعطَى مستحقه.\nقال: فعلى هذا الطريق الذي بينه يؤلّف الأخبار الواردة عن رسول الله -ﷺ- التي سأله الطالب أن يؤلفها له. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقوله: (وإنما مثلنا هؤلاء) الإشارة إلى منصور، والأعمش، وإسماعيل، ومقابلهم: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وإلى ابن عون، وأيوب، ومقابلهما عوف، وأشعث، أي إنما ذكرنا هؤلاء أمثلة (في التسمية) أي التنصيص بتعيين أسمائهم (ليكون تمثيلهم سمة) -بكسر السين المهملة، وتخفيف الميم-: أي علامة. قال الفيومي: وسمت الشيء وسما، من باب وعد، والاسم: السمة، وهي العلامة، ومنه الموسم؛ لأنه معلم يجتمع إليه، ثم جعل الوسم اسما، وجمع على وُسُوم، مثل فلس وفلوس، وجمع السمة سمات، مثل عدة وعدات. انتهى (١).\n(يَصدُر عن فهمها) -بضم الدال المهملة، يقال: صدر عن الموضع صدرا، من باب قتل: رجع قال الشاعر [من البسيط]:\nوَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا ... صدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا\nفـ \"صدرَ\" مصدر، والاسم \"الصدر\" بفتحتين. قاله الفيومي.\nوقال النووي رحمه الله تعالى: \"يصدُر\": أي يرجع، يقال: صدر عن الماء، والبلاد، والحج: إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره، فمعنى \"يصدر عن فهمها\": ينصرف عنها بعد فهمها، وقضاء حاجته منها. انتهى.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٦٠.","vol":"1","page":317},{"text":"وقوله (من) بفتح الميم، اسم موصول في محل رفع فاعل \"يصدر\" (غَبي عليه) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الباء، من باب تعب: أي خفي عليه. قال في \"اللسان\": غبي الشيء، وغبي عنه، كرضي غِبًا، وغَبَاوَةً: لم يفطن له، قال الشاعر [من الرجز]:\nفِي بَلْدَةٍ يَغْبَى بِهَا الْخِرِّيتُ\nأي يخفى. وقال ابن الرقاع [من الطويل]:\nأَلَا رُبَّ لَهْوٍ آنِسٍ وَلَذَاذَةٍ ... مِنَ الْعَيْشِ يُغْبِيهِ الْخِبَاءُ الْمُسَتَّرُ\nوغَبِيَ الأمر عني: خَفِي، فلم أعرفه. انتهى (١).\nوذكر السنوسي في \"شرحه\": أنه يروى \"عيي\" بالعين المهملة، وياءين مثناتين، ويروى \"عمي\"، \"بالعين والميم\". انتهى (٢).\nوقوله (طريق أهل العلم) بالرفع فاعل \"غبي\" (في ترتيب أهله فيه) الضميران للعلم: أي ترتيب أهل العلم في مراتب العلم. وقوله \"في ترتيب\" متعلق بصفة مقدرة لـ \"طريق أهل العلم\"، أي الكائنة في ترتيب أهله، أو حال منه. وقوله: \"فيه\" متعلق بـ \"ترتيب\".\n(فلا يُقَصّر بالرجل) الفاء فصيحية، والفعل مرفوع: أي فإذا علم طريق أهل العلم في ترتيب أهله فيه، فإنه لا يقتصر بالرجل العالي القدر الخ. يقال: قَصَرتُ عن الشيء قصورا من باب قعد: إذا عجزتَ عنه، ولم تبلغه، ومنه قَصرَ السهم عن الهدف قصورا: إذا لم يبلغه. أفاده في \"الصحاح\".\nفقوله: \"يقصّر\" بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، مبنيا للمفعول، والنائب عن الفاعل هو الجارّ والمجرور بعده، ويتحمل أن يكون \"يُقَصِّرُ\" مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير \"مَنْ\" في قوله: \"من غَبِي عليه\".\nوفي نسخة \"فلا نقصر\" بنون المتكلم مبنيًا للفاعل، وكذا قوله: \"ولا نرفع\" وعليه فيكون ما بعده مفعولًا.\nوقوله: (العالي القدر) صفة لـ \"الرجل\"، وهو من إضافة اسم الصفة إلى مرفوعها. وقوله: (عن درجته) متعلق بـ \"يقصر\".\nوالمعنى: لئلا يُبْخَسَ، ويُحَطَّ الرجلُ العالي الدرجة عن درجته العالية إلى منزلته السافلة جهلًا.\n(ولا يرفع) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، كما سبق آنفًا (مُتَّضِع القدر في العلم)\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ١٥/ ١١٤.\n(٢) \"مكمل إكمال الإكمال\" ١/ ١١.","vol":"1","page":318},{"text":"اسم فاعل من اتّضَعَ افتعال من الضَّعَة، يقال: وُضِع في حسبه مبنيًا للمفعول، فهو وَضِيعٌ: أي ساقط، لا قدر له، والاسم الضَّعَةُ، بفتح الضاد، وكسرها، ومنه قيل: وُضِعَ في تجارته وَضِيعَةً: إذا خَسِرَ. أفاده الفيومي (١).\nوقال المجد: وَضَعَه يَضَعُه بفتح ضادهما وَضْعًا، ومَوْضِعًا، ويفتح ضادهما، وموضوعًا: حَطَّه، ووَضَعَ عنه: حَطَّ من قدره. وَوُضِعَ في تجارته، يعني: خَسِرَ. انتهى باختصار (٢).\nقال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من عبارة المجد أن وضع بمعنى حط من قدره مبنيٌّ للفاعل. والله تعالى أعلم.\n(فوق منزلته) متعلق بـ \"يرفع\" (ويعطى) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (كلُّ ذي) أي صاحب (حق فيه) أي في العلم متعلّق بـ \"يُعطى\". وقوله: (حقَّه) بالنصب على أنه المفعول الثاني لـ \"يُعطى\": أي ليُعطَى كلُّ مستحقّ ما يستحقّة من المنزلة العلمية (وينزل) بالبناء للمفعول، أيضًا، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منزلته) بفتح الميم، وكسر الزاي، أو بضم الميم، وفتح النون، وتشديد الزاي بصيغة اسم المفعول المضعّف: أي مكانته التي استحقها. ويحتمل أن يبني كل من \"يعطي\"، و\"ينزل\" للفاعل، على التوجيه الذي ذكرناه قبله، أي يعطي من خفي عليه طريق أهل العلم بعد أن يتضح له الطريق كل ذي حق حقه، وينزله منزلته. والله تعالى أعلم.\nثم ذكر رحمه اللهُ تعالى دليلا على ما ذكره من وجوب مراعاة تفاوت الرجال، وتنزيلهم منازلهم التي تليق بهم فقال:\n(وقد ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عن عائشة -﵂-) هي بنت أبي بكر الصديق -﵁-، أم المؤمنين التيمية، تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير، وأمها أم رُومان بنت عامر، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي -ﷺ-، إلا خديجة، ففيها خلاف شهير. قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة -﵂-، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله تعالى، المبرأة من فوق سيع سماوات. وقال أبو الضحى، عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد -ﷺ- الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه: ما أشكل علينا أصحاب محمد -ﷺ- أمرٌ قط، فسألنا عنه عائشة -﵂- إلا وجدنا عندها منه علمًا. ويُروَى عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كان عروة\n_________\n(١) \"المصباح\" ٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣.\n(٢) \"القاموس\" ص ٦٩٤.","vol":"1","page":319},{"text":"يغلبنا بدخوله على عائشة -﵂-، وكانت أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب محمد -ﷺ-، ويسألونها عن الفرائض. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا بطب، وشعر من عائشة -﵂-. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة -﵂- أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة. وقال الزهري: لو جُمع علم عائشة -﵂- إلى علم جميع أزواج النبي -ﷺ-، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة -﵂- أفضل. وقال أبو عثمان النهدي، عن عمرو بن العاص: قلت لرسول -ﷺ-: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة -﵂-\"، قلت: فمن الرجال؟ قال: \"أبوها\". وقال أبو موسى الأشعريُّ وغيره، عن النبي -ﷺ-: \"فضل عائشة -﵂- على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام\". متّفقٌ عليه، ومناقبها، وفضائلها كثيرة جدًّا. وفي الصحيح عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله -ﷺ-، وأنا بنت ست سنين، ودخل بي وأنا بنت تسع، وقُبض وأنا بنت ثماني عشرة سنة. توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (٥٨) عند الأكثر. وقال ابن عيينة، عن هشام بن عروة: ماتت سنة (٥٧) وصححه في \"التقريب\"، ودفنت بالبقيع. أخرج لها الجماعة، وقد ذكر ابن الجوزي في \"المجتبى\" ص ٩٢ أنها روت عن رسول الله -ﷺ- (٢٢١٠) حديثًا، أخرج لها منها في \"الصحيحين\" (٢٩٧) حديثًا، المتفق عليه منها (١٧٤) حديثًا، وانفرد البخاري (٥٤)، ومسلم (٩٦) حديثًا (١). والله تعالى أعلم.\n(أنها قالت: \"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن ننزل الناس) بضم أوله، وتشديد الزاي، من التنزيل، ويحتمل تخفيفها، من الإنزال (منازلهم) أي في مراتبهم المتفاوتة.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث بيّن في إيتاء كل ذي حق حقه، وتبليغه منزلته في كل باب، كما احتج به مسلم في تطبيق الرواة، وتعريف مراتبهم، ومزية بعضهم على بعض، إلا ما ساوى الله تعالى بينهم فيه، من الحدود، والحقوق. انتهى (٢).\nوذكر الحافظ السخاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه \"الجواهر والدّرر\": ما نصُّه: المراد بالحديث الحضّ على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس؛ لقوله -ﷺ-: \"لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ... \"، فيُقدِّم الإمام في القرب منه الأفضل، فالأفضل، من البالغين،\n_________\n(١) والذي أثبته في برنامج الحديث (صخر) أن لها في \"صحيح مسلم\" (٦٣٠) حديثًا. والظاهر أن هذا الاختلاف ناشىء عن التكرار. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"إكمال المعلم بفوائد مسلم\" ١/ ٩٩.","vol":"1","page":320},{"text":"والعقلاء إكرامًا لهم، ويُعامل كلّ أحد بما يُلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن الله أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، وكذا في القيام والمخاطبة والمكاتبة، وغير ذلك من الحقوق. نعم سوّى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها، لكن في التعازير يُعزّر كلُّ أحد بما يليق به. وبهذا الحديث تمسّك المتكلّمون في التعديل والتجريح لرواة الأخبار؛ ليتميّز صالحهم من طالحهم.\nقال: وقال أبو أحمد العسكريّ في \"الأمثال\": هذا مما أدّب به النبيّ -ﷺ- أمته في إيفاء الناس حقوقهم، من تعظيم العلماء، وإكرام ذي الشيبة، وإجلال الكبير، وما أشبهه. انتهى ما ذكره السخاويّ رحِمَهُ اللهُ تعالى (١).\n(مع ما نطق به القرآن) الكريم (من قول الله تعالى) \"من\" بيان لـ \"ما\" ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] عن ابن عباس -﵄- ما قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة، وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود. وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى: ليس عالم، إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله ﷿ (٢).\n(فَعَلَى نحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ) أراد بنحو ما ذكره ما سبق له من أنه يقدم الأخبار التي رواتها أهل استقامة وإتقان، لا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فإذا انتهى من هذا الصنف أتبعه أخبار أهل الصدق والستر الذين ليسوا في الحفظ والإتقان مثل السابقين (نُؤَلِّفُ) بتشديد اللام، من التأليف: أي نجمع (ما) موصولة مفعول \"نؤلّف\" (سَأَلْتَ مِنَ الْأَخْبَارِ) بيان لـ \"ما\": أي نجمع الأخبار التي سألت أن نجمعها لك (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) متعلق بصفة لـ \"الأخبار\"، أي المروية عنه -ﷺ-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>مسألة: في الكلام على حديث عائشة -﵂- المذكور:</span>\nقال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\": قوله: \"وقد ذُكر عن عائشة -﵂- أنها قالت الخ\": هذا بالنظر إلى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحّته، وبالنظر إلى أنه احتجّ به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته، ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه \"كتاب معرفة علوم الحديث\" بصحته، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" بإسناده منفردًا به، وذكر أن الراوي له عن عائشة -﵂- ميمون ابن شبيب، ولم يُدركها. قال الشيخ ابن الصلاح رحمه اللهُ تعالى، وفيما قاله أبو داود نظر،\n_________\n(١) \"الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن ححر\" ١/ ٦٠.\n(٢) راجع تفسير ابن كثير ٢/ ٥٠٣.","vol":"1","page":321},{"text":"فإنه كوفيّ متقدّم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة -﵂-، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة -﵂-، استقام لأبي داود الجزم بعدم إداركه، وهيهات ذلك.\nقال النوويّ: وحديث عائشة -﵂- هذا أخرجه البزّار في \"مسنده\"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ -ﷺ- إلا من هذا الوجه. هذا، وقد رُوي عن عائشة -﵂- من غير هذا الوجه، موقوفًا. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ. (١).\nوقال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى في \"المقاصد الحسنة\": ما حاصله: هذا الحديث وصله أبو نعيم في \"المستخرج\" وغيره، كأبي داود في \"سننه\"، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، والبزّار، وأبي يعلى في \"مسنديهما\"، والبيهقيّ في \"الأدب\"، والعسكريّ في \"الأمثال\"، وغيرهم، كلهم من طريق ميمون بن أبي شبيب، قال: \"جاء سائل إلى عائشة -﵂-، فأمرت له بكِسرة، وجاء رجل ذو هيئة، فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أُمرنا ... \" وذكره. ومنهم من اختصر هذا، ولفظ أبي نُعيم في \"الحلية\": \"أن عائشة -﵂- كانت في سفر، فأمرت لناس من قريش بغداء، فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة، فقالت: ادعوه، فنزل، فأكل، ومضى، وجاء سائل، فأمرت له بكسر، فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمُل بنا إلا ما صنعناه به، وإن هذا السائل، سأل، فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله -ﷺ-\" .. وذكره. وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره، وتُعُقّب بالانقطاع، وبالاختلاف على راويه في رفعه ووقفه.\nقال: وورد عن غير عائشة -﵂- من الصحابة -﵃- في ذلك، كحديث معاذ -﵁- عند الخرائطيّ في \"المكارم\"، مرفوعًا بلفظ: \"أنزل الناس منالهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة\"، وحديث جابر -﵁-، وحديثه مرفوع في جزء الغسوليّ بلفظ: \"جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزل الناس على قدر منالهم، وداروا الناس بعقولكم\"، وحديث علي بن أبي طالب -﵁-، وحديثه موقوف في \"أنس العاقل، وتذكر الغافل\" لأبي النرسيّ بلفظ: \"من أنزل الناس منازلهم رفع المؤنة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره اجترّ عداوته\".\nثم قال: بالجملة فحديث عائشة -﵂- حسنٌ. انتهى \"المقاصد الحسنة\" ٩٢ - ٩٣ ببعض تصرّف.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن حديث عائشة -﵂- هذا ضعيف؛\n_________\n(١) \"مقدّمة شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٩.","vol":"1","page":322},{"text":"للانقطاع المذكور، وللاضطراب في رفعه ووقفه، ولا يقال: إنه يَتَقَوَّى بالشواهد المذكورة، من حديث معاذ، وجابر، وعليّ -﵃- لأنها كلّها ضعاف. فتبصّر بالتأكيد، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nولما أنهى الكلام على القسمين الأولين أتبعهما بالكلام على الثالث، فقال:\n(فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ، أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الْأحَادِيثِ، وَتَوْلِيدِ الْأَخْبَارِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى بهذه الفقرة أنه لا يشتغل بإخراج الأخبار التي رواها قوم اتهمهم أهل الحديث، أو أكثرهم بوضع الأحاديث، واختلاق الأخبار، كأبي جعفر عبد الله بن مِسور المدائنيّ، وعبد القدّوس الشاميّ، إلى آخر من ذكرهم، وكذلك كل من أشبههم في الاتهام المذكور. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقوله: (فَأمَّا ما) واقعة على الأخبار، مبتدأ، خبره قوله: \"فلسنا نتشاغل\"، والجملة جواب \"أما\": فأما الأخبار التي (كَان مِنْهَا) أي من الأخبار (عَنْ قَوْمٍ، همْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) أي عند جميعهم (مُتَّهَمُونَ) أي مظنونون بكذبهم، يقال: اتّهمته بالتثقيل على افتعلت: أي ظننت به سوءًا، وأتهمته بالألف مثله، فهو تَهِيم. أفاده في \"المصباح\" (أَوْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ) أي من أهل الحديث (فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ) أي لكونه مما لا يجوز العمل به، فلا فائدة في تخريجه في كتاب التزم صاحبه أن لا يخرّج إلا ما كان صحيحًا.\nثم ضرب أمثلة لهؤلاء المتّهمين عند أهل الحديث، فقال:\n(كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو (أَبِي جَعْفَرٍ) بالجرّ بدل من عبد الله (الْمَدَائِنِيِّ) نسبة إلى المدائن مدينة على سبعة فراسخ من بغداد. قاله في \"لبّ اللباب\" ٢/ ٢٤٦.\nوأبو جعفر هذا هو عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب الهاشميّ","vol":"1","page":323},{"text":"المدائنيّ الهاشمي، ليس بثقة. قال أحمد وغيره: أحاديثه موضوعة. روى جرير عن رَقَبَة أن عبد الله بن مسور المدائني، وضع أحاديث على رسول الله -ﷺ-، فاحتملها الناس. وروى معاوية بن صالح عن يحيى قال: أبو جعفر المدائني هو عبد الله بن محمد بن مسور بن محمد بن جعفر كذا نسبه. وقال أحمد: روى عنه عمرو بن مرة، وخالد بن أبي كريمة، وعبد الملك بن أبي بشير، تركت أنا حديثه، وكان ابن مهدي لا يحدثنا عنه. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال علي بن المديني: سمعت جريرا يقول: كان عبد الله بن جعفر المدائني يضع أحاديث من كلام الناس، وليست من حديث النبي -ﷺ-. وقال أحمد: أحاديثه موضوعة. وقال أبو حاتم: الهاشميون لا يعرفونه، وهو ضعيف الحديث، وأحاديثه لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات. وقال رَقَبَة أيضا: كان عبد الله بن المسور يضع الحديث يشبه حديث رسول الله -ﷺ-. وقال مغيرة: كان يفتعل الحديث. وقال أبو إسحاق الجوزجانيّ: أحاديثه موضوعة. وقال ابن المديني: كان يضع الحديث على رسول الله -ﷺ-، ولا يضع إلا ما فيه أدب، أو زهد، فيقال له في ذلك، فيقول: إن فيه أجرًا. وقال البخاري في \"التاريخ الأوسط\": يضع الحديث. وقال النسائي في \"التمييز\": كذاب. وقال ابن عبد البر: عندهم متروك الحديث، لا يكتب حديثه، اتهموه بوضع الحديث. وقال إسحاق بن راهويه: روى طلحة بن مصرف، عن عمرو بن مرة، عن رجل من بني هاشم، عن النبي -ﷺ-، أحاديث زعم بعض الناس أن الهاشمي علي بن أبي طالب، وإنما هو أبو جعفر المدائني، وكان معروفًا عند أهل العلم بوضع الحديث، وروايته إنما هي عن التابعين، ولم يلق أحدًا من الصحابة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: وضاع للأحاديث، لا يسوي شيئا. وليس له في الكتب الستة شيء. (١).\n(وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ) القرشي الكوفي أبي خالد، القرشي مولى بني هاشم، أصله من الكوفة، انتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين نسخة، وجعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، وفطر بن خليفة، وحبيب بن أبي ثابت، والثوري، وأبي هاشم الرُّمّاني، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل بن يونس، وعباد بن كثير البصري، والحجاج بن أرطاة، وجعفر بن زياد الأحمر، وسعيد بن زيد، وسويد بن عبد العزيز، وعمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأَبّار، ويحيى بن هاشم السمسار، وجماعة. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث، ليس بشيء. وقال الأثرم عن أحمد: كذاب، يروي عن زيد ابن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١ و\"لسان الميزان\" ٣/ ٤١٦ - ٤١٧.","vol":"1","page":324},{"text":"كذاب غير ثقة، ولا مأمون. وقال هاشم بن مرثد الطبراني عن ابن معين: كذاب ليس بشيء. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يشتغل به. وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمرو بن خالد، الذي يروي عنه أبو حفص الأبار، فقال: هذا كذاب، وقال أيضا عن أبي داود: ليس بشيء. قال وكيع: كان جارنا، فظهرنا منه على كذب، فانتقل، قلت: إلى واسط، قال: نعم. وقال غيره عن وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِن له تحول إلى واسط. وقال النسائي. ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: غير ثقة، ورماه ابن الْبَرْقي بالكذب. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن صاعد: لا يكتب حديثه. وقال الحاكم: يروي عن زيد ابن علي الموضوعات. وذكره البخاري في \"الأوسط\" في فصل من مات من عشر ومائة إلى عشرين ومائة، وقال: منكر الحديث. وقال أبو نعيم الأصبهاني: لا شيء. وقال الأثرم: لم أسمع أبا عبد الله يصرح في أحد ما صرح به في عمرو بن خالد من التكذيب. وقال عبد الله بن أحمد في \"مسند ابن عباس\": ضرب أبي علي حديث الحسن بن ذكوان، فظننت أنه ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد، الذي يروي عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يساوي شيئا. وذكره الخطيب في \"الموضح\" عن قيس، عن عمير، وكذا ذكر ابن أبي حاتم في \"العلل\" عن أبيه. قاله في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٢٦٧. وقال في \"التقريب\": متروك، ورماه وكيع بالكذب، من الثامنة (١).\nتفرد به ابن ماجه بحديثين عن عليّ -﵁-: أحدهما: حديث: \"انكسرت إحدى زنديّ، فسألت النبي -ﷺ-، فأمرني أن أمسح على الجبائر\". والثاني: حديثه عن النبيّ: \"من غسل ميتا، وكفنه، وحنطه، وحمله، وصلى عليه، ولم يُفشِ عليه ما رأى، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه\".\n(وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: رواه العُذريّ بالسين المهملة، وهو خطأ، وصوابه بالمعجمة، وهي رواية الجماعة. انتهى (٢).\nوعبد القدّوس هذا: هو ابن حبيب الكلاعي الشامي الدمشقي، أبو سعيد، روى عن عكرمة، والشعبي، ومكحول، والكبار، وروى عنه الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وأبو الجهم، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وخلق.\n_________\n(١) انظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" ٢/ ١٠٣١ خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٤. \"ميزان\" ٥/ ٣١١.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٠١.","vol":"1","page":325},{"text":"قال عبد الرزاق: ما رأيت ابن المبارك يُفصح بقوله: كذاب إلا لعبد القدوس. وقال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: أحاديثه منكرة الإسناد والمتن. وقد صرح ابن حبان بأنه كان يضع الحديث. وقال يحيى ابن صالح الْوُحَاظى: سمعت إسماعيل بن عياش يقول: لا أشهد على أحد بالكذب، إلا على عبد القدوس، وعمر بن موسى الوجيهي، فأما عمر فإني قلت له: أيَّ سنة سمعت من خالد بن معدان؟ قال: سنة عشر، قال: وكان موت خالد سنة أربع، وأما عبد القدوس فإني حدثته بحديث، عن رجل، فطرحني، وطرح الذي حدثته عنه، وحدث به عن الثالث. وقال ابن عمار: كان سفيان -يعنى الثوريّ- يروي عن أبي سعيد الشامي، وإنما هو عبد القدوس كناه، ولم يسمّه، وهو ذاهب الحديث. وقال الجوزجاني: لا يقنع الناس بحديثه. وقال مسلم: ذاهب الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء، وابنه شر منه. وقال النسائي متروك الحديث. وقال البخاريّ: تركوه، منكر الحديث. وقال أبو حاتم: كان لا يصدق. ونقل ابن عديّ عن يحيى بن معين، عن حجاج الأعور قال: رأيت عبد القدوس في زمن أبي جعفر على باب المدينة، وكان لا يفتح حتى يُصبح الناس جدا، فجاء رجل إلى عبد القدوس، فقال: الحديث الذي حدثتنا به أعده عليَّ، فقال: \"لا تتخذوا شيئا فيه الرُّوح عَرْضًا\"، قالها بفتح المهملة، وسكون الراء، ثم الضاد المعجمة، فقيل له: ما تعني هذا؟ قال الرجل يخرج من داره الرَّوْشَن شبه القسطرون، قلت ليحيى: ما يعني هذا؟ قال أهل الشام يسمون الروشن، والكنيف يُخرَج إلى خارج القسطرون. ذكره في \"لسان الميزان\" ٤/ ٥٣/ ٥٦. وسيأتي الكلام عليه للمصنف في \"باب الكشف عن معايب رواة الحديث\"، إن شاء الله تعالى.\n[تنبيه]: ولهم راو آخر اسمه عبد القدوس أيضًا، وهو عبد القدوس بن الحجاج، أبو المغيرة الْخَوْلانيّ الشاميّ الحمصيّ، سمع صفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وغيرهما، وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وآخرون من كبار الأئمة والحفّاظ، قال العجليّ، والدارقطنيّ، وغيرهما: هو ثقة. وقد روى له البخاريّ ومسلم في \"صحيحيهما\". وإنما نبّهت عليه؛ لئلا يُخلط هذا الكذاب بذلك الثقة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\n(وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ) هو محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد بن عبد العزيز، ويقال: ابن أبي عُتْبة، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، ويقال: غير ذلك في نسبه، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو قيس الشامي الدمشقي، ويقال: الأزدي.","vol":"1","page":326},{"text":"رَوَى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجه ضعيف، وعبادة بن نُسَيّ، وربيعة بن يزيد، وصالح بن جبير الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وسليمان بن موسى، وعروة بن رُوَيم، والزهري، ومكحول، وآخرين.\nورَوَى عنه ابن عجلان، والثوري، وسعيد بن أبي هلال، والحسن بن حي، وبكر ابن خُنيس، والأبيض بن الأغر، ومروان بن معاوية، ويحيى بن سعيد الأموي، وأبو بكر بن عياش، وأبو معاوية الضرير، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. وقال أبو داود عن أحمد: عمدا كان يضع. وقال الدُّوري عن ابن معين: منكر الحديث، وليس كما قالوا: إنه صُلِب في الزندقة. وقال البخاري: تُرك حديثه. وقال النسائي: الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام.\nقال الجامع عفا الله عنه: وقد نظمت قول النسائيّ هذا، فقلت:\nمَنْ عُرِفُوا بِالْوَضْعِ قُلْ أَرْبَعَةُ ... ابْنُ أَبِي يَحْيَى حَوَتْهُ طَيْبَةُ\nوَالْوَاقِدِيُّ قُلْ بِبَغْدَادَ فَرَى ... وِبِخُرَاسَانَ مُقَاتِلُ افْتَرَى\nمُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ بِالشَّامِ اعْتَدَى ... لِذَا النَّسَائِيُّ الْبَصِيرُ أَرْشَدَا\nوقولي: \"فَرَى\" من باب ضرب: أي كذب، وافترى.\nوقال دُحيم: سمعت خالد بن يزيد الأزرق يقول: سمعت محمد بن سعيد الأردني يقول: إذا كان الكلام حسنا لم أُبال أن أجعل له إسنادا. وقال العقيلي: يغيرون اسمه إذا حدثوا عنه، مروان بن معاوية يقول: محمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زينب، وابن زكريا، وابن أبي الحسن، وبعضهم يقول: عن أبي عبد الرحمن الشامي، ويقولون: محمد بن حسان الطبري، وربما قالوا: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وغير ذلك، على معنى التعبيد لله، وينسبونه إلى جده، ويكنون الجد، حتى يتسع الأمر جدا في هذا، وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال: يُقلب اسمه على نحو مائة اسم، وما أبعد أن يكون كما قال. وقال عبد الغني بن سعيد المصري: نحو ذلك، وزاد: وهو محمد الذي نسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم، وهو محمد الطبري، وهو محمد الأردني، وهو محمد بن سعيد السدي، الذي روى عنه سعيد بن أبي هلال، ولو قال قائل: إنه أبو عبد الله محمد الأسدي الذي يروي عن وابصة بن معبد، وعنه محمد بن صالح لما دفعت ذلك. وقال عبد الغني: وقال العقيلي: إنه عبد الرحمن بن أبي شميلة، وهو محمد بن سعيد المصلوب، وإن قولهم:","vol":"1","page":327},{"text":"عبد الرحمن بن أبي شميلة أحد الأسامي التي غير بها اسمه، وما صنع شيئا، وأنا أقول: إن عبد الرحمن بن أبي شميلة غيره، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدث عنه مروان بن معاوية، وحماد بن زيد، وحماد بن زيد لا يدلس، ولا ينقل اسما إلى اسم. والله أعلم.\nوقال ابن نمير وذُكِرَت له رواية الكوفيين عنه، فقال: لم يعرفوه، وإنما العيب على الشاميين الذين عرفوه، ثم رووا عن هذا العدو لله، كذّاب يضع الحديث. وقال ابن عقدة. سمعت أبا طالب بن سوادة يقول: قلب أهل الشام اسمه على مائة، وكذا وكذا اسمًا، قد جمعتها في كتاب. وقال ابن القطان: من جملة ما قلبوه: محمد بن أبي سهل، ونقل ذلك عن أبي حاتم. وقال أبو مسهر: هو من كَذّابي الأردن. وقال عمرو بن علي: حدث بأحاديث موضوعة. وقال ابن رِشْدين: سألت أحمد بن صالح المصري عنه؟ فقال: زنديق ضُربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الْحَمْقى، فاحذروها. وقال النسائي أيضا، والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صُلِب على الزندقة. وقال الجوزجاني: هو مكشوف الأمر هالك. وقال الحاكم: هو ساقط لا خلاف بين أهل النقل فيه. روى له الترمذيّ، وابن ماجه.\n(وَغِيَاثِ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف المثنّاة التحتانية (ابْنِ إِبْرَاهِيمَ) النخعي، روى عن الأعمش، وغيره. وروى عنه بقية ومحمد بن حمران ومحمد بن خالد الحنظلي وبهلول بن حسان وعلي بن الجعد. قال أحمد: ترك الناس حديثه. وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: كان فيما سمعت غير واحد يقول: يضع الحديث. وقال البخاري: تركوه، يكنى أبا عبد الرحمن، يُعَدُّ في الكوفيين. وهو الذي ذكر أبو خيثمة أنه حدث المهدي بخبر: \"لا سَبَقَ إلا في نصل، أو خُفّ، أو حافر\"، زاد فيه: \"أو جناح\"، فوصله، ولما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب. انتهى. وقال الآجري: سألت أبا داود، فقال: كذاب. وقال مرة: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال يحيى بن معين مرة: كذاب خبيث. وقال الساجي: تركوه. وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وروي عن غياث قال: كان يكون الحديث الحسن عند الشيخ الذي لا يجوز حديثه، فآتي بالشيخ إلى الأعمش، فيسمع الحديث، فأرويه عن الأعمش، وأُخرج (١) الشيخ، سمعه خليفة بن موسى منه. وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.\n_________\n(١) وفي نسخة: \"وأطرح الشيخ\".","vol":"1","page":328},{"text":"وقال ابن عدي: بَيِّن الأمر في الضعف، وأحاديثه كلها شبه الموضوع. وذكره العقيلي، وابن الجارود، وابن شاهين في \"الضعفاء\" (١). وليس له في الكتب الستة شيء.\n(وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ) الكذاب، قال أحمد بن حنبل: تقدمتُ إليه، فقال: ثنا يزيد عن مكحول، ثنا يزيد بن أبي حبيب، فقلت: أين لقيته؟ فقال: يا أحمق لم أقله حتى أعددت لك جوابا، لقيته بباب الأبواب. قال أبو طالب عن أحمد ابن حنبل: كان يضع الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن أبي مريم، عن يحيى: معروف بوضع الحديث. وقال عباس عن يحيى: سمعت أبا داود النخعي يقول: سمعت خُصيفا، وخَصّافا، ومِخْصَفا، قال يحيى: كان أكذب الناس. وقال البخاري: متروك، رماه قتيبة، وإسحاق بالكذب. وقال يزيد بن هارون: لا يحل لأحد أن يروي عنه. قال ابن عديّ: سليمان بن عمرو أجمعوا على أنه يضع الحديث. وقال ابن حبان: أبو داود النخعي، بغدادي كان رجلا صالحا في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعا، وكان قدريا. وقال البخاري في \"الضعفاء الكبير\": سليمان بن عمرو الكوفيّ، أبو داود النخعي معروف بالكذب، قاله قتيبة، وإسحاق. قال أبو معمر: أخذ بشر المريسيّ رأي جهم من أبي داود النخعي. وقال الحاكم: لست أشك في وضعه للحديث على تقشفه وكثرة عبادته. وقال أبو الوليد: سمعت شريكًا يقول: ما لقينا من ابن عمنا -يعني سليمان بن عمرو- يكذب على رسول الله -ﷺ-. وقال ابن وارة: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: أتيته، فقال ثنا سليمان التيميّ، عن أنس -﵁-: \"من قاد أربعين خطوة\"، فقلت: قوموا من عند هذا الكذاب. وقال ابن المديني: كان من الدجالين. وقال ابن راهويه: لا أدري في الدنيا أكذب منه. وقال ابن عبد البر: هو عندهم كذاب يضع الحديث، وتركوا حديثه. قال الحافظ في \"اللسان\": الكلام فيه لا يحصر، فقد كذبه، ونسبه إلى الوضع من المتقدمين والمتأخرين، ممن نقل كلامهم في الجرح والعدالة، وألّفوا فيه فوق الثلاثين نفسا. وليس له في الكتب الستة شيء. وسيذكره المصنف في \"باب الكشف عن معايب رواة الحديث\".\n(وَأَشْبَاهِهِمْ) بفتح الهمزة، جمع شبه بفتحتين، وبكسر، فسكون، مثلُ حِمْل، وشبيه ككريم: أي مشابههم، ونظرائهم (مِمَّنِ اتُّهِمَ) \"من\" لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحجّ: ٣٠]، والفعل مبنيّ للمفعول: أي ظُنّ (بِوَضْعِ الْأَحَادِيثِ) من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي بافترائهم الأحاديث على النبيّ -ﷺ-، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه، وكذَبه، فالحديث موضوع. قاله الفيّوميّ (وَتَوْلِيدِ\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٥/ ٤٠٧ \"لسان الميزان\" ٤/ ٤٩٧.","vol":"1","page":329},{"text":"الْأَخْبَارِ) بالجرّ عطفًا على \"وضع الأخبار\"، وهو من عطف المترادفين؛ لأن التوليد بمعنى الوضع، يقال: ولّد ناقته توليدًا: إذا تولّى ولادتها، فكأن الواضع تولّى توليد الخبر ممن افتراه عليه، كما يتولّى صاحب الناقة توليدها. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى \"توليد الأخبار\": إنشاؤها، وزيادتها. انتهى. و\"الأخبار\" -بفتح الهمزة-: جمع خبر، وتقدّم أنه بمعنى الحديث، وقيل: أعم منه، وقيل: مباين له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى السابق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الأولى: في معنى الوضع لغةً، واصطلاحًا</span>.\nأما معناه لغةً: فالمشهور أن الوضع هو الافتراء، والكذب، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَضَعَ الرجل الحديث: افتراه، وكذبه، فالحديث موضوع. انتهى. وقال ابن عراق رحمهُ الله تعالى: الموضوع لغةً اسم مفعول من وضع الشيء يضعه بالفتح وَضْعًا: حطّه، وأسقطه. وقال الحافظ ابن دحية: الموضوع: الْمُلاصَق، وَضَع فلان على فلان كذا: ألصقه به، واصطلاحًا: هو الحديث المختلق المصنوع، مأخوذ من المعنى الأول؛ لأن رتبته أن يكون مطّرحًا، مُلقًى، لا يستحقّ الرفع أصلًا، أو من المعنى الثاني؛ لأنه مُلصق بالنبيّ -ﷺ-، وهو أشر أنواع الضعيف. انتهى \"تنزيه الشريعة\" ١/ ٥.\nوقال في \"التدريب\" ١/ ٢٧٤: الموضوع هو الكذب المختلق المصنوع، وهو شر أنواع الضعيف، وأقبحه. انتهى.\nوإلى هذا أشرت في منظومتي \"تذكرة الطالبين في بيان الوضع، وأصناف الوضّاعين\"، فقلت:\nهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ لَدَى مَنْ ضَبَطَهْ ... مِنْ وَضَعَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى أَسْقَطَهْ\nوَقِيلَ أَوْ تَرَكَهُ أَوْ أَلْصَقَهْ ... أَوْ وَضَعَ الْكَلَامَ حَيْثُ اخْتَلَقَهْ\nوَفِي اصْطِلَاحِهِمْ هُوَ الَّذِي نُسِبْ ... إِلَى الرَّسُولِ مُطْلَقًا بِئْسَ الْكَذِبْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المسألة الثانية: في أمارات الموضوع (١)</span>.\nاعلم: أن العلماء ذكروا أن للموضوع أمارات، وعلامات، يُعرف بها أنه موضوع:\n_________\n(١) وأما حكم رواية الموضوع فسيأتي في المسائل الآتية في شرح حديث: \"من كذب عليّ متعمّدًا ... \" الحديث -إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":330},{"text":"فمنها: إقرار واضعه بوضعه، كحديث فضائل القرآن، اعترف بوضعه ميسرة بن عبد ربّه، فيُرد حديثه ذلك، وسائر مروياته، وليس هذا قبولا لقوله مع اعترافه بالمفسق، وإنما هو مؤاخذة له بموجب إقراره، كما يؤاخذ الشخص باعترافه بالزنى، والقتل، ونحوهما، واستُفيد من جعلنا هذا أمارة أنا لا نقطع على حديثه ذلك بالوضع؛ لاحتمال كذبه في إقراره، نعم إذا انضمّ إلى إقراره قرائن تقتضي صدقه فيه قطعنا به، ولا سيما إذا كان إخباره لنا بذلك بعد توبته.\nومنها: ما ينزّل منزلة إقراره، ومثاله -كما قال العلامة الزركشيّ، والحافظ العراقيّ- أن يُعيّن المتفرّد بالحديث تاريخ مولده، أو سماعه بما لا يمكن معه الأخذ عن شيخه، أو يقول: إنه سمع في مكان يُعلَم أن الشيخ لم يدخله، وقال الحافظ في \"نكته\" على ابن الصلاح: الأولى أن يمثّل لهذه الأمارة بما رواه البيهقيّ في \"المدخل\" بسنده الصحيح، أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبد الله الجويباريّ في سماع الحسن من أبي هريرة -﵁-، فروى لهم بسنده إلى النبيّ -ﷺ-: سمع الحسن من أبي هريرة. قال ابن عرّاق: إنما عُرف كذب هذا الحديث بالتاريخ، فلو قال الزركشيّ، والعراقيّ في الصورة الأولى، كأن يكذّبه التاريخ لشمل هذا المثال. والله أعلم. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن عراق فيه نظر؛ فإن التاريخ في سماع الحسن من أبي هريرة، لا يكذّب؛ لأن أبا هريرة -﵁- مات سنة (٥٩ هـ) وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر -﵁-، فهما عاشا معا وقتا طويلًا، فالتاريخ لا يكذب السماع، بل صحّ أنه قال في حديث المختلعات: لم أسمع هذا الحديث إلا من أبي هريرة -﵁-، أخرجه النسائيّ عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن سلمة، عن وُهيب، عن أيوب، قال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٣٩١: وهذا إسناد لا مطعن من أحد في رواته، وهو يؤيّد أنه سمع من أبي هريرة -﵁- في الجملة، وقصّته في هذا شبيهة بقصّته في سمرة سواءً. انتهى. وقد ذكرت تمام البحث في هذا في شرح حديث المختلعات المذكور من شرح النسائيّ، ورجّحت القول بسماع الحسن من أبي هريرة -﵁-، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.\nومنها: أن يصرّح بتكذيب راويه جمع كثير، يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، أو تقليد بعضهم بعضًا.\nومنها: قرينة في حال الراوي، كقصة غياث بن إبراهيم مع المهديّ، كما سبق بيانه.\nومنها: قرينة في المرويّ، كمخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل،","vol":"1","page":331},{"text":"ويُلحق به ما يدفعه الحسّ، والمشاهدة، أو العادة. وكمنافاته لدلالة الكتاب القطعيّة، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعيّ، قال الزركشيّ: هذا إن لم يحتمل أن يكون سقط من المرويّ على بعض رواته ما تزول به المنافاة، كحديث: \"لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفسٌ منفوسة\"، فإنه سقط على راويه لفظة: \"منكم\"، قال الحافظ: وتقييد السنة بالمتواترة احتراز عن غير المتواترة فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرّد مخالفة السنة مطلقًا، وقد أكثر من ذلك الجوزقاني في \"كتاب الأباطيل\"، وهذا إنما يتأتى حيث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه، أما مع إمكان الجمع فلا. وقال الشيخ ابن دقيق العيد مشيرًا إلى هذه الأمارة: وكثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي، وألفاظ الحديث.\nوحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة مزاولة (١) ألفاظ النبيّ -ﷺ- هيئة نفسانيّة، وملكة قويّة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوّة، وما لا يجوز، كما سئل بعضهم، كيف تعرف أن الشيخ كذّاب؟ قال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب. وقد استأنس بعضهم لذلك بخبر أبي حُميد، أو أبي أُسيد -﵁- عن رسول الله -ﷺ-، أنه قال: \"إذا سمعتم الحديث، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنّي، تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه\"، رواه الإمام أحمد، والبزّار في \"مسنديهما\"، وسنده صحيح، كما قاله القرطبيّ، وغيره (٢). وبقوله -ﷺ-: \"ما حُدّثتم عني مما تنكرونه، فلا تأخذوا به، فإني لا أقول المنكر، ولست من أهله\". رواه ابن الجوزيّ. وعن الربيع بن خُثيم التابعي الجليل أنه قال: إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره.\nومنها: أن يكون الحديث خبرًا عن أمر جسيم، تتوفّر الدواعي على نقله بحضرة الجمّ الغفير، ثم لا ينقله إلا واحد منهم، ومثاله سقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أثناء خطبته.\nومنها: أن يكون فيما يلزم المكلّفين علمه، وقطع العذر فيه، فينفرد به واحد.\nومنها: ركاكة لفظه ومعناه، قال الحافظ رحمهُ الله تعالى: والمدار على ركة المعنى، فحيث وُجدت دلّت على الوضع، سواء انضمّ إليها ركّة اللفظ، أم لا، فإن هذا الدين\n_________\n(١) المراد بالمزاولة هنا أنهم حدّقوا النظر في الأحاديث النبويّة بتتبّع رواياتها، وألفاظها، وبضم معانيها، واستنباط أحكامها.\n(٢) حسنه الألباني، انظر \"صحيح الجامع الصغير\" ١/ ١٦٦ رقم ٦١٢.","vol":"1","page":332},{"text":"كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، فبينها وبين مقاصد الدين مباينة، وأما ركة اللفظ وحدها، فلا تدلّ على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الراوي رواه بالمعنى، فعبّر بألفاظ غير فصيحة، من غير أن يُخلّ بالمعنى. نعم إن صرّح الراوي بأن هذا لفظ النبيّ -ﷺ- دلّت ركّة اللفظ حينئذ على الوضع. انتهى.\nقال البقاعيّ رحمه الله تعالى: ومما يرجع إلى ركّة المعنى الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير في حديث القُصّاص. قال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى: وإني لأستحيي من وضع أقوام، وضعوا: من صلى كذا، فله سبعون دارًا، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف سرير، على كل سرير سبعون ألف جارية، وإن كانت القدرة لا تعجز، ولكن هذا تخليط قبيح. وكذلك يقولون: من صام يوما، كان كأجر ألف حاجّ، وألف معتمر، وكان له ثواب أيوب، وهذا يفسد مقادير موازين الأعمال.\nومنها: ما ذكره فخر الدين الرازيّ رحمه اللهُ تعالى أن يُروى الخبر في زمن قد استُقْرِئت فيه الأخبار، ودُونت، فيفتّش عنه، فلا يوجد في صدور الرجال، ولا في بطون الكتب، فأما في عصر الصحابة، وما يقرب منه حين لم تكن الأخبار استُقرئت، فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما ليس عند غيره.\nقال الحافظ العلائيّ رحمه اللهُ تعالى: وهذا إنما يقوم به -أي بالتفتيش عنه- الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث، أو معظمه، كالإمام أحمد، وعلي بن المدينيّ، ويحيى بن معين، ومن بعدهم، كالبخاريّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم، كالنسائيّ، ثم الدارقطنيّ؛ لأن المآخذ التي يُحكم بها غالبًا على الحديث بأنه موضوع إنما هي جمع الطرق، والاطلاع على غالب المروي في البلدان المتنائية، بحيث يُعرف بذلك ما هو من حديث الرواة، مما ليس من حديثهم، وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يقضي بعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع هذا مما يأباه تصرفهم. انتهى.\nقال ابن عرّاق: فاستفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم، وأضرابهم، إذا قال أحدهم في حديث لا أعرفه، أو لا أصل له، كفى ذلك في الحكم عليه بالوضع. والله أعلم.\nومنها: كون الراوي رافضيّا، والحديث في فضائل أهل البيت، أو في ذمّ من حاربهم.\nومنها: أن يكون فيه \"وأُعْطِي ثواب نبيّ\"، أو \"النبيين\"، ونحوهما. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":333},{"text":"[تنبيه]: هل يثبت الوضع بالبيّنة، كأن يَرَى عدلان رجلًا يُصنّف كلامًا، ثم ينسبه إلى النبيّ -ﷺ-؟، قال الزركشيّ: يشبه أن يجيء فيه التردّد في أن شهادة الزور هل تثبت بالبيّنة، مع القطع بأنه لا يُعمل به. هذا ملخّص ما ذكره ابن عراق رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه، \"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة\" ١/ ٥ - ٨.\nوقد أشرت إلى هذه الأمارات في منظومتي المذكورة، حيث قلت:\nأَشَرُّ أَنْوَاعِ الضَّعِيفِ الْوَاهِيَهْ ... لَهُ أَمَارَاتٌ تَجِيكَ تَالِيَهْ\n(مِنْهَا) اعْتِرَافُ وَاضِعٍ كَمَيْسَرَهْ ... فَضَائِلَ الْقُرْآنِ أَعْنِي سُوَرْهْ\nبِهِ يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَاهُ ... بِمُوجَبِ الإِقْرَارِ إِذْ أَبْدَاهُ\nكَذَا إِذَا تَارِيخُهُ يُكَذِّبُ ... مِثْلُ الْجُوَيْبَارِيِّ بِئْسَ الْمُذْنِبُ\nكَذَا إِذَا صَرَّحَ مَنْ يَمْتَنِعُ ... كَذِبُهُمْ بِوَضْعِهِ وَأَجْمَعُوا\nكَذَا إِذَا قَرِينَةُ الرَّاوِي تُرَى ... كَمَا لِمَهْدِيِّ غِيَاثٌ افْتَرَى\nكَذَاكَ فِي الْمَرْوِيِّ حَيْثُ خَالَفَا ... لِمُقْتَضَى عَقْلٍ وَحِسٍّ عُرِفَا\nكَذَا الْمُشَاهَدَةُ أَوْ لِعَادَةِ ... أَوْ حُجَّةِ الْكِتَابِ أَيْ قَطْعِيَّةِ\nكَذَاكَ إِجْمَاعٌ لِقَطْعٍ نُسِبَا ... أَوْ سُنَّةٍ تَوَاتَرَتْ فَاجْتَنِبَا\nكَذَاكَ عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ يَعْتَنِي ... بِنَقْلِهِ جَمٌّ غَفِيرٌ فَاعْتَنِ\nأَوْ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفِيَنَ عِلْمُهُ ... فَانْفَرَدَ الْوَاحِدُ نَتَّهِمُهُ\nوَرِكَّةُ الْمَعْنَى كَإِفْرَاطٍ أَتَى ... فِي الْوَعْدِ بِالْيَسِيرِ فَاحْذَرْ يَا فَتَى\nكَذَا الْوَعِيدُ لِصَغِيرَةٍ كَمَا ... يَفْعَلُهُ الْقُصَّاصُ بِئْسَ اللُّؤَمَا\nأَوْ حَافِظٌ مُنْتَقِدٌ مَا عَرَفَهْ ... أَوْ قَالَ لا أَصْلَ لَهُ فَنَعْرِفَهْ\nكَذَا إِذَا مِنْ رَافِضِيٍّ وَرَدَا ... فِي فَضْلِ أَهْلِ الْبَيْتِ نِعْمَ السُّعَدَا\nأَوْ ذَمِّ مَنْ حَارَبَهُمْ أَوْ وَرَدَا ... يُعْطَى ثَوَابَ الأَنْبِيَاءِ فَارْدُدَا\nوَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ ... الزَّرْكَشِي قَالَ يَجِي تَرَدُّدُ\nمَعْ قَطْعِنَا بِأَنَّهُ لا يُعْمَلُ ... بِهِ لِتُهْمَةٍ أَتَتْ فَتَحْظُلُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>(المسألة الثالثة): في أصناف الوضّاعين</span>.\nاعلم: أن الوضّاعين على ما ذكره ابن عراق رحمه اللهُ تعالى في مقدّمة كتابه \"تنزيه الشريعة\" سبعة أصناف:\n[الصنف الأول]: هم الزنادقة، وهم السابقون إلى ذلك، والهاجمون عليه، حملهم على الوضع الاستخفاف بالدين، والتلبيس على المسلمين، كعبد الكريم بن أبي","vol":"1","page":334},{"text":"العوجاء، ومحمد بن سعيد المصلوب، والحارث الكذّاب الذي ادّعى النبوّة في زمن عبد الملك بن مروان، والمغيرة بن سعيد الكوفيّ، حتى قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على النبيّ -ﷺ- أربعة عشر ألف حديث، رواه العقيليّ. وقال ابن عديّ: لما أُخذ ابن أبي العوجاء، وأُتي به محمد بن سليمان بن عليّ، فأمر بضرب عنقه، قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أُحرّم فيها الحلال، وأُحلّ الحرام. قال ابن الجوزيّ: وقد كان من هؤلاء من يتغفّل الشيخ، فيدُسّ في كتابه ما ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنّا منه أنه من حديثه.\nوإلى هذا الصنف أشرت في منظومتي المذكورة بقولي:\nالصِّنْفُ الأَوَّلُ هُمُ الزَّنَادِقَهْ ... الْهَاجِمُونَ الظَّالِمُونَ الْمَارِقَهْ\nحَمَلَهُمْ أَنِ اسْتَخَفُّوا الدِّينَا ... فَلَبَّسُوا عَلَى الْوَرَى الْيَقِينَا\nكَابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ مَعْ مُحَمَّدِ ... وَالْحَارِثِ الْكَذَّابِ بِئْسَ الْمُعْتَدِي\nمُغِيرَةُ الْكُوفِيُّ بِئْسَ الْهَالِكُ ... جَزَاهُمُ السُّوءَ الإِلَهُ الْمَالِكُ\nالصنف الثاني: أصحاب الأهواء، والبِدَع، وضعوا نصرةً لمذاهبهم، أو ثَلْبًا لمخالفيهم، روى ابن أبي حاتم في مقدّمة \"كتاب الجرح والتعديل\" عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب: انظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيّرنا له حديثًا. وقال الحاكم أبو عبد الله: كان محمد بن القاسم الطالَقانيّ من رؤساء المرجئة يَضَع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم، وينسبها إلى أهل الحديث، يقصد الشناعة عليهم؛ لما بينه وبينهم من العداوة المذهبيّة.\nوقال أبو العبّاس القرطبيّ، صاحب \"المفهم\": استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله -ﷺ- نسبة قوليّةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله -ﷺ- كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندًا.\nوإلى هذا الصنف أشرت بقولي:\nيَلِيهِمُ الْمُبْتَدِعُونَ وَضَعُوا ... لِنُصْرَةِ الرَّأْيِ فَبِئْسَ الْمَفْزَعُ\nأَوْ ثَلْبِ مَنْ خَالَفَ كَابْنِ الْقَاسِمِ ... وَابْنِ شُجَاعِ اللَّئِيمِ الظَّالِمِ\nوَبَعْضُ أَهْلِ الرَّأْيِ قَالَ يُنْسَبُ ... إِلَى النَّبِي مَا بِالْقِيَاسِ يُجْلَبُ\nلِذَا تَرَى كُتْبَهُمُ تَشْتَمِلُ ... مَا لا يُرَى بِسَنَدٍ يَتَّصِلُ\nالصنف الثالث: قوم اتّخذوا الوضع صناعة، وتسوّقًا؛ جراءة على الله ﷾ وعلى رسوله -ﷺ-، حتى إن أحدهم ليسهر عامّة ليله في وضع الحديث، كأبي","vol":"1","page":335},{"text":"البختريّ، وهب بن وهب القاضي، وسليمان بن عمرو النخعيّ، والحسين بن علوان، وإسحاق بن نَجيح الْمَلَطيّ. ذكر ذلك الإمام أبو حاتم بن حبّان في مقدّمة كتابه \"الضعفاء والمجروحين\".\nوإلى هذا الصنف أشرت بقولي:\nثَالِثُهُمْ مَنْ جَعَلُوا الْبِضَاعَهْ ... وَضْعَ الْحَدِيثِ بِئْسَتِ الصِّنَاعَهْ\nقَدْ أَسْهَرُوا فِيهِ اللَّيَالِي مِثْلَمَا ... وَهْبٌ وَإِسْحَاقُ بِذَاكَ أَجْرَمَا\nكَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو وُصِفَا ... وَنَجْلُ عَلْوَانَ فِبِئْسَمَا اقْتَفَى\nالصنف الرابع: قوم يُنسبون إلى الزهد، حملهم التديّن الناشىء عن الجهل على وضع أحاديث في الترغيب والترهيب؛ ليحثّوا الناس بزعمهم على الخير، ويزجروهم عن الشرّ، وقد جوّز ذلك الكرّاميّة، وكذلك بعض المتصوّفة، كما قاله الحافظ.\nوإلى هذا الصنف أشرت بقولي:\nوَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا\nقَدْ وَضَعُوا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ ... لِلنَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلِلتَّرْهِيبِ\nوَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ فَانْبِذَنَّهُ\nالصنف الخامس: أصحاب الأغراض الدنيويّة، كالقُصّاص، والشحّاذين، وأصحاب الأمراء، وأمثلة ذلك كثيرة.\nفمن أمثلة الأول: ما أورده ابن الجوزيّ في مقدّمة كتابه، قال: صنّف بعض قُصّاص زماننا كتابًا، فذكر فيه أن الحسن والحسين -﵄- ما دخلا على عمر ابن الخطّاب -﵁-، وهو مشغول، فلما فرغ من شغله رفع رأسه، فرآهما، فقام، فقبّلهما، ووهب لكل واحد منهما ألفًا، وقال لهما: اجعلاني في حلّ، فما عرفت دخولكما، فرجعا، وشكراه بين يدي أبيهما، عليّ بن أبي طالب -﵁-، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: عمر بن الخطاب نور في الإسلام، سراج لأهل الجنة، فرجعا، فحدثاه، فدعا بدواة وقرطاس، وكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، حدثني سيدا شباب أهل الجنة، عن أبيهما المرتضى، عن جدّهما المصطفى -ﷺ-، أنه قال: \"عمر نور في الإسلام، سراج لأهل الجنة\"، وأوصى أن يُجعل في كفنه على صدره، فوُضع، فلما أصبحوا وجدوه على قبره، وفيه: صدق الحسن، والحسين، وصدق أبوهما، وصدق رسول الله -ﷺ-: \"عمر نور الإسلام، وسراج أهل الجنة\".\nومن أمثلة الثاني: ما رواه ابن حبان في مقدّمة كتابه \"الضعفاء والمجروحين\"، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد، قال: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسيّ،","vol":"1","page":336},{"text":"قال: صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرُّصافة، فقام بين أيديهم قاصّ، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة منها طيرًا، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان\" وأخذ في قصّة نحوًا من عشرين ورقة، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال له: أنت حدّثته بهذا، فيقول: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه، وأخذ القطيعات (١) ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهّما لنوال، فقال له يحيى: من حدّثك بهذا الحديث؟ قال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قطّ في حديث رسول الله -ﷺ-، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققته إلا الساعة، كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فوضع أحمد كمّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزىء بهما. هكذا ساق ابن حبان هذه الحكاية، ثم ابن الجوزيّ، وسكتا عليها.\nلكن الذهبيّ أنكرها في \"الميزان\" في ترجمة إبراهيم بن عبد الواحد البكريّ، فقال: لا أدري من ذا أتى بحكاية منكرة، أخاف أن تكون من وضعه، فذكر الحكاية المذكورة. قاله ابن عراق في \"التنزيه\" ١/ ١٤.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أحسن ما قاله الذهبيّ رحمه اللهُ تعالى، فإن لوائح الوضع على القصّة ظاهرة. والله تعالى أعلم.\nومن أمثلته أيضًا: ما رواه ابن حبّان في مقدمة كتابه المذكور، عن مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يسأل الناس، فلم يُعط شيئًا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سأل السائل ثلاثًا، فلم يُعط، فليكبّر عليهم ثلاثًا، وجعل يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم مرّ، فذكر ذلك ليزيد بن هارون، فقال: كذب عليّ الخبيثُ، ما سمعت بهذا قطّ.\nومن أمثلة الثالث: قصّة غياث بن إبراهيم مع المهديّ، ذكرها ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\"، وهي أنه دخل على المهديّ، وكان المهديّ يحبّ الحمام، يلعب بها، فإذا قُدّامه حمام، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين، فقال: حدثنا فلان، عن فلان، أن\n_________\n(١) وفي نسخة أحمد شاكر على ألفية السيوطي في الحديث: \"وأخذ العطيات\".","vol":"1","page":337},{"text":"النبيّ -ﷺ- قال: \"لا سبق إلا في نصل، أو خفّ، أو حافر، أو جناح\"، فأمر له المهديّ ببدرة (١)، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله -ﷺ-، ثم قال المهديّ: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه القصّة في صحتها نظر أيضًا، فلوائح النكارة ظاهرة عليها، فليتنبّه. والله تعالى أعلم.\nوَخَامِسُ الأَصْنَافِ أَهْلُ الْغَرَضِ ... كَمَنْ يقُصُّ كَاذِبًا ذَا مَرَضِ\nوَالشَّاحِذِينَ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ ... لِلأُمَرَاءِ آخِذًا مَا يَطْلُبُ\nكَبَعْضِ مَنْ قَصَّ بِأَنَّ عُمَرَا ... نُورٌ لِلإِسْلَامِ فِبِئْسَمَا افْتَرَى\nوَمِنْهُ مَا افْتَرَاهُ بَعْضُ الْمُعْتَدِي ... عَلَى ابْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى الْمُهْتَدِي\nوَالذَّهَبِيُّ أَنْكَرَ الحِكَايَهْ ... فَاللهُ أَعْلَمُ لَنَا حِمَايَهْ\nكَذَاكَ تَكْبِيرٌ أَتَى مِنْ سَائِلِ ... ثَلَاثًا افْتَرَاهُ غَيْرُ عَاقِلِ\nكَذَا غِيَاثٌ فِي حَدِيثِ \"مَنْ سَبَقْ\" ... زَادَ \"جَنَاحًا\" بِئْسَمَا لَهُ اخْتَلَقْ\nوَصَلَهُ الْمَهْدِي بِبَدْرَةٍ فَمَا ... أَحْسَنَ فِي هَذَا وَلَكِنْ عِنْدَ مَا\nقَدْ ذَبَحَ الْحَمَامَ وَاللَّهْوَ رَفَضْ ... خَفَّفَ مَا لَهُ مِنَ اللَّوْمِ عَرَضْ\nالصنف السادس: قوم حملهم الشره، ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذي الإسناد الضعيف إسنادًا صحيحا مشهورًا، وجعل بعضهم للحديث إسنادًا غير إسناده المشهور، ليُستغرب، ويُطلب، قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبي حية، كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذاك؛ لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيبيّ، وبهلول بن عُبيد، وأصرم بن حوشب. قال الحافظ: وهذا داخل في قسم المقلوب. وقال القاضي تاج الدين السبكيّ في \"طبقات الشافعية الكبرى\" نقلًا عن السؤالات الحديثية التي سأل الحافظ أبو سعدان عليك عنها الأستاذ أبا إسحاق الإسفراينيّ: إن من قلب الإسناد؛ ليُستغرب حديثه، ويُرغب فيه، يصير دجّالًا كذّابًا، تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها.\nومنهم: من كان يدّعي سماع ما لم يسمع، قال ابن الجوزيّ: حدّث عبد الله بن إسحاق الكرمانيّ عن محمد بن يعقوب، فقيل له: مات محمد قبل أن تولد بتسع سنين. وحدّث محمد بن حاتم الكشيّ عن عبد بن حُميد، فقال أبو عبد الله الحاكم: هذا\n_________\n(١) بفتح الباء، وسكون الدال: عشرة آلاف درهم. وقيل: غير ذلك.","vol":"1","page":338},{"text":"الشيخ سمع من عبد بن حُميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.\nوإلى هذا الصنف أشرت في المنظومة المذكورة بقولي:\nوَسَادِسُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ وَضَعُوا ... مَحَبَّةَ الظُّهُورِ فِيمَا اصْطنَعُوا\nفَجَعَلُوا الصَّحِيحَ مِنْ إِسنَادِ ... بَدَلَ ذِي الضُّعْفِ الْمَهِينِ الْبَادي\nأَوْ سَنَدًا مُشْتَهِرًا بِعَكْسِهِ ... لِيَرْغَبَ النَّاسُ إِلَى اقْتِبَاسِهِ\nمِنْ هَؤُلَاءِ أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبِ ... بُهْلُولُ إِبْرَاهِيمُ حَمَّادُ الْغَبِي\nوَمِنْهُمُ مَنْ لِسَمَاعٍ ادَّعَى ... عَمَّنْ غَدَا لِقَاؤُهُ مُمْتَنِعَا\nكَمَا ابْنُ إِسْحَاقَ سَمَاعًا أَفْصَحَا ... عَنِ ابْنِ يَعْقُوبَ لِذَاكَ افْتَضَحَا\nكَذَاكَ عَنْ عَبْدٍ رَوَى ابْنُ حَاتِمِ ... فَجَاءَنَا تَكْذِيبُهُ عَنْ حَاكِمِ\nالصنف السابع: قوم وقع الموضوع في حديثهم، ولم يتعمّدوا الوضع، كمن يَغلَط، فيُضيف إلى النبيّ -ﷺ- كلام بعض الصحابة، أو غيرهم، وكمن ابتُلي بمن يَدُسّ في حديثه ما ليس منه، كما وقع لحمّاد بن سلمة مع ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء، وكما وقع لسفيان بن وكيع مع ورّاقه قرطمة، ولعبد الله بن صالح، كاتب الليث مع جاره، وكمن تدخل عليه آفة في حفظه، أو في بصره، أو في كتابه، فيروي ما ليس من حديثه غالطًا، قال ابن الصلاح رحمه اللهُ تعالى: وأشدّ هذه الأصناف ضررًا أهل الزهد؛ لأنهم للثقة بهم، وتوسّم الخير فيهم يَقبَل موضوعاتهم كثير ممن هو على نمطهم في الجهل، ورقّة الدين. وقال الحافظ رحمه اللهُ تعالى: ويلتحق بالزهّاد في ذلك المتفقّهة الذين استجازوا نسبة ما دلّ عليه القياس إلى النبيّ -ﷺ-، قال: وأخفى الأصناف الصنف الأخير الذين لم يتعمّدوا الكذب مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد؛ لدقّة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقّاد، وأما باقي الأصناف فالأمر فيهم أسهل؛ لأن كون تلك الأحاديث كذبًا لا تخفى إلا على الأغبياء. انتهى (١).\nوإلى هذا الصنف أشرت في المنظومة المذكورة بقولي:\nوَسَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ وَضَعُوا ... مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ غَلطًا، فَافْتَجَعُوا\nفَنَسَبُوا إِلَى النَّبِيِّ مَا وَرَدْ ... عَنْ صَحْبِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ لِذَا يُرَدّ\nوَكَا الَّذِي بِمَنْ يَدُسُّ يُبْتَلَى ... مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ فَأُبْطَلَا\nكَابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ حَمَّادًا ظَلَمْ ... كَذَاكَ قُرْطُمَةُ سُفْيَانَ اخْتَرَمْ\nوَكَاتِبُ اللَّيْثِ بِجَارِهِ بُلِي ... وَكَالَّذِي بِآفَةٍ قَدِ ابْتُلِي\n_________\n(١) راجع \"تنزيه الشريعة\" ١/ ١١/ ١٦.","vol":"1","page":339},{"text":"فِي حِفْظِهِ أَوْ كُتْبِهِ أَوْ بَصَرِهْ ... ثُمَّ رَوَى بَعْدُ لِغَيْرِ خَبَرِهْ\nأَشَدُّ الأَصْنَافِ جمِيعًا ضَرَرَا ... مَنْ زُهْدُهُ بَيْنَ الْعِبَادِ ظَهَرَا\nيَقْبَلُ مَوْضُوعَاتِهِمْ كَثِيرُ ... مِمَّنْ عَلَى نَمَطِهِمْ يَسِيرُ\nوَمِثْلُهُمْ مَنْ جَوَّزُوا أَنْ يُنْسَبَا ... إِلَى النَّبِي مَا بِالْقِيَاسِ يُجْتَبَى\nثُمَّةَ ذَا الأَخِيرُ حَقًّا أَخْفَى ... وَغَيْرُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المسألة الرابعة: قال الحافظ ابن كثير رحمه اللهُ تعالى: حُكي عن بعض المتكلّمين إنكار وقوع الوضع بالكلّيّة، وهذا القائل إما لا وجود له، أو هو في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعيّة، وقد حاول بعضهم الردّ عليه بأنه قد ورد عنه -ﷺ- أنه قال: \"سيُكذب عليّ\"، فإن كان هذا صحيحًا، فسيقع الكذب عليه لا مَحالة، وإن كان كذبًا، فقد حصل المطلوب</span>.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مما بُحث عنه، فلم يوجد، كما نبّه عليه الجلال المحليّ في \"شرح جمع الجوامع\"، فيكون مثالًا للموضوع. والله تعالى أعلم.\nقال: وأُجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه الآن، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذُكر.\nوهذا القول، والاستدلال عليه، والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث، وحفّاظه الذين كانوا يتضلّعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها، وأضعافها من المكذوبات؛ خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس. انتهى.\nوإلى هذا أشرت في \"تذكرة الطالبين\" بقولي:\nقَالَ الْعِمَادُ بَعْضُهُمْ قَدْ أَنْكَرَا ... وُقُوعَ مَوضُوعٍ وَهَذَا أُنْكِرَا\nفَرّدَّهُ بعْضٌ بِأَنَّهُ وَرَدْ ... عَنْهُ \"سَيُكْذَبُ\" فَإِنْ صَحَّ السَّنَدْ\nفَلَازِمٌ وُقُوعُهُ أَوْ لَا فَذَا ... يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ فَافْهَمْ يَا هَذَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المسألة الخامسة: قال العلّامة ابن عراق رحمه اللهُ تعالى: قال السيف أحمد بن أبي المجد: أطلق ابن الجوزيّ الوضع على أحاديث؛ لكلام بعض الناس في رُواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقويّ، ونحوهما، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة لكتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، ولا يُنكره عقلٌ، ولا نقلٌ، ولا حجةَ معه لوضعه سوى كلام ذلك الرجل في رُواته، وهذا عدوان، ومجازفة. انتهى</span>.","vol":"1","page":340},{"text":"نقله شيخ شيوخنا العلامة المحدث شمس الدين السخاويّ في \"شرح التقريب\"، وقال عقبه بل مجرّد اتّهام الراوي بالكذب مع تفرّده لا يسوغ الحكم بالوضع، ولذا جعله شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- نوعًا مستقلّا، وسمّاه بالمتروك، وفسّره بأن يرويه من يُتّهم بالكذب، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة، قال: وكذا من عُرف بالكذب في كلامه، وإِن لم يظهر وقوعه منه في الحديث، وهو دون الأول. انتهى. وخرج بقوله: من يُتّهم بالكذب من عُرف بالكذب في الحديث، وروى حديثًا لم يروه غيره، فإنا نحكم على حديثه ذلك بالوضع، إذا انضمّت إليه قرينة تقتضي وضعه، كما صرّح به الحافظ العلائيّ، وغيره. انتهى \"تنزيه الشريعة\" ١/ ١٠.\nوإلى هذا أشرت في \"تذكرة الطالبين\" بقولي:\nوَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ وَضْعًا أَطْلَقَا ... عَلَى أَحَادِيثَ فَبِئْسَمَا انْتَقَى\nلِطَعْنِ بَعْضِ النَّاسِ فِيمَنْ قَدْ رَوَى ... وَلَيْسَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ قَدْ حَوَى\nدَلَائِلَ الْبُطْلَانِ غَيْرَ ذَالِكَا ... وَذَا تَشَدُّدٌ فَدَعْهُ تَارِكَا\nبَلْ مَا رَوَى مُتَّهَمٌ مُنْفَرِدَا ... فَسَمِّهِ الْمَتْرُوكَ نِلْتَ الرَّشَدَا\nوَسَمَهُ بِذَا حَذَامِ الْخَبَرِ ... الْعَسْقَلَانِيُّ الْعَجِيبُ النَّظَرِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>المسألة السادسة: قال الإمام ابن الجوزيّ </span>رحمه اللهُ تعالى: لَمّا لم يمكن أحدًا أن يزيد في القرآن، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله -ﷺ-، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله تعالى علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح، ويَفضَحون القبيح، وما يُخلي الله منهم عصرًا من الأعصار، غير أنهم قلّوا في هذا الزمان، فصاروا أعزّ من عنقاء مُغرب:\nوَقَدْ كَانُوا إِذَا عُدُّوا قَلِيلَا ... فَقَدْ صَارُوا أَقَلّ مِنَ الْقَلِيلِ\nقال سفيان الثوريّ: الملائكة حُرّاس السماء، وأصحاب الحديث حُرّاس الأرض. وقال يزيد بن زُريع: لكلّ دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد. وروينا عن ابن المبارك أنه قيل له: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة. انتهى.\nوذكر الحافظ الذهبيّ في \"تذكرة الحفّاظ\" أن الرشيد أخذ زنديقًا ليقتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها، فقال: أين أنت يا عدوّ الله من أبي إسحاق الفزاريّ، وابن المبارك، ينخُلانها، فيُخرجانها حرفًا حرفًا.\nوقال ابن قتيبة في كتابه \"اختلاف الحديث\" يمدح أهل الحديث: \"التمسوا الحقّ","vol":"1","page":341},{"text":"من وجهته، وتتبّعوه من مظانّه، وتقرّبوا إلى الله باتباعهم سنن رسول الله -ﷺ-، وطلبهم لأخباره برّا وبحرًا، وشرقًا وغربًا، ولم يزالوا في التنقير عنها، والبحث لها، حتّى عرفوا صحيحها، وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها إلى الرأي، فنبّهوا على ذلك، حتى نجم الحقّ بعد أن كان عافيا، وبسق بعد أن كان دارسًا، واجتمع بعد أن كان متفرّقًا، وانقاد للسنّة من كان عنها معرضًا، وتنبّه عليها من كان غافلًا، وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغريب، وفي الغرائب الداء، ولم يحملوا الضعيف والغريب لأنهم رأوهما حقّا، بل جمعوا الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم؛ ليميّزوا بينهما، ويدلّوا عليهما، وقد فعلوا ذلك. انتهى باختصار.\nوقال ابن حبّان: أخبرني الحسن بن عثمان بن زياد، قال: حدّثنا محمد بن منصور، قال: مرّ أحمد بن حنبل على نفر من أصحاب الحديث، وهم يَعْرِضون كتابًا لهم، فقال: ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ حتى تقوم الساعة\"، قال ابن حبّان: ومن أحقّ بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل، والأوطان، وقنعوا بالكسر والأطمار، في طلب السنن والآثار، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والافتقار، متّبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين ثَبَج محجّة الصالحين برد الكذب عن رسول ربّ العالمين، وذبّ الزور عنه حتى وضح للمسلمين المنار، وتبيّن لهم الصحيح من الموضوع والزور من الأخبار. انتهى.\nوإلى ما ذُكر أشرت في منظومتي المذكورة بقولي:\nلَمّا حَمَى اللهُ الْكِتَابَ الْمُنْزَلَا ... عَنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُبدَّلَا\nأَخَذَ أَقْوَامٌ يَزِيدُون عَلَى ... أَخْبَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِيَفْصِلَا\nفَأَنْشَأَ اللهُ حُمَاةَ الدِّينِ ... يُمَيِّزُونَ الْغَثَّ عَنْ سَمِينِ\nقَدْ أَيَّدَ اللهُ بِهِمْ أَعْصَارَا ... وَنَوَّرُوا الْبِلَادَ وَالأَمْصَارَا\nوَحَرَسُوا الأَرْضَ كَأَمْلَاكِ السَّمَا ... أَكْرِمْ بِفُرْسَانٍ يَجُولُونَ الْحِمَى\nوَقَالَ سُفْيَانُ الْمَلَائِكَةُ قَدْ ... حَرَسَتِ السَّمَاءَ عَنْ طَاغٍ مَرَدْ\nوَحَرَسَ الأَرْضَ رُوَاةُ الْخَبَرِ ... عَنْ كُلِّ مُجْرِمٍ مَرِيدٍ يَفْتَرِي\nوَابْنُ زُرَيْعٍ قَالَ قَوْلًا يُعْتَبَرْ ... لِكُلِّ دِينٍ جَاءَ فُرْسَانٌ غُرَرْ\nفُرْسَانُ هَذَا الدِّينِ أَصْحَابُ السَّنَدْ ... فَاسْلُكْ سَبِيلَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ\nوَابْنُ الْمُبَارَكِ الْجَلِيلُ إِذْ سُئِلْ ... عَمَّا لَهُ الْوَضَّاعُ كَيْدًا يَفْتَعِلْ\nقَالَ تَعِيشُ دَهْرَهَا الْجَهَابِذَهْ ... حَامِيَةً تِلْكَ الْغُثَاءَ نَابِذَهْ\nوَأَخَذَ الرَّشِيدُ زِنْدِيقًا بَغَى ... فَقَالَ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفٍ طَغَا\nفَقَالَ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ فَزَارِي ... وَابْنِ الْمُبَارَكِ الْجَلِيلِ الدَّارِي","vol":"1","page":342},{"text":"فَرَحِمَ الإِلَهُ أَصْحَابَ السُّنَنْ ... الْتَمَسُوا الْحَقَّ مِنَ الْوَجْهِ الْحَسَنْ\nتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَنْ ... مِنْهَاجُهُ خَيْرُ طَرِيقٍ وَسَنَنْ\nوَطَلَبُوا أَخْبَارَهُ فَغَرَّبُوا ... وَشَرَّقُوا بَرًّا وَبَحْرًا رَكِبُوا\nوَنَقَّرُوا عَنْهَا إِلَى أَنْ يَتَّضِحْ ... صَحِيحُهَا مِنَ السَّقِيم الْمُفْتَضِحْ\nوَنَاسِخٌ مِنْ عَكْسِهِ وَمَنْ عَدَلْ ... عَنْهَا برَأْيِهِ السَّخِيفِ الْمُبْتَذَلْ\nفَنَبَّهُوا عَلَيْهِ حَتَّى نَجَمَا ... الْحَقُّ بَعْدَ كَوْنِهِ قَدْ أَحْجَمَا\nوَانْقَادَ للسُّنَّةِ مَنْ قَدْ أَعْرَضَا ... وَانْتَبَهَ الْغَافِلُ حَتَّى انْتَهَضَا\nوَعَابَهُمْ بغَيْرِ عِلْمٍ غَافِلُ ... لِحَمْلِهِمْ ذَا الضَّعْفِ فَهْوَ بَاطِلُ\nكَذَاكَ لِلْغرِيبِ لَكِنْ قَدْ ظَهَرْ ... لِحَمْلِهِمْ لِذَيْنِ سِرٌّ قَدْ بَهَرْ\nوذَاكَ تَمْيِيزٌ لِمَا صَحَّ وَمَا ... سَقِمَ كَيْ يَعْلَمَهُ ذَوُو الْعَمَى\nوَمَرَّ أَحْمَدُ عَلَى أَهْلِ الأَثَرْ ... يُقَابِلُونَ كُتْبَهُمْ لِتُعْتَبَرْ\nفَقَالَ مَا أَحْسِبُهُمْ إِلَّا وَفَا ... عَلَيْهِمُ قَوْلُ النَّبِيِّ الْمُقْتَفَى\nحَيْثُ يَقُولُ \"لَا تَزَالُ طَائِفَهْ ... مِنْ أُمَّتِي حَتَّى تَجِيءَ الآزِفَهْ\nوَمَنْ أَحَقُّ مِنْهُمُ بِذَا الشَّرَفْ ... قَدْ فَارَقُوا أَهْلًا وَمَالًا وَغُرَفْ\nوَقَنِعُوا بِالْكِسْرِ وَالأَطْمَارِ ... فِي طَلَب السُّنَنِ وَالآثَارِ\nفَهُمْ يَجُولُونَ الْبَرَارِي وَالْقِفَارْ ... وَلَا يُبَالُونَ بِبُؤْسٍ وَافْتِقَارْ\nمُتَّبِعِينَ هَدْيَ خَيْرِ الْخَلْقِ ... وَمُرْشِدِ الْكُلِّ لِدِينِ الْحَقِّ\nفَهُمْ يَرُدُّونَ افْتِرَاءَ الْمُفْتَرِي ... عَلَى خِتَامِ الرُّسْلِ صَافِي الْخَبَرِ\nصَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا دَامَ الأَثَرْ ... وَأَهْلُهُ الأَعْلَوْنَ مِنْ بَيْنِ الْبَشَرْ\nوَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْهُدَاةِ ... السَّالِكِينَ مَنْهَجَ النَّجَاةِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم ذكر المصنّف رحمهُ الله تعالى أيضًا من القسم الثالث الذي لا يعرّج عليه منكرَ الحديث، أو مَنِ الغالب عليه الغلط، فقال:\n(وَكَذَلِكَ مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ، أَوِ الْغَلَطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ، وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ، إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ، مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لم تَكَدْ تُوَافِقُهَا، فَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ، غَيْرَ مَقْبُولِهِ، وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ، فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ","vol":"1","page":343},{"text":"صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ، فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَالَتِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى أنه كما يُترك أحاديث المتّهمين كذلك يترك أحاديث من كان الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط، ثم بيّن ما يُعرف به الحديث المنكر، وهو أنه إذا عُرضت رواية راويه على رواية الحفّاظ الأثبات خالفت روايته روايتهم، فإذا كان كذلك لا يُقبل حديثه، بل يكون مردودًا.\nثم ذكر أمثلة لهذا النوع، حيث قال: فمن هذا الضرب من المحدّثين عبد الله بن مُحَرَّر الخ. ثم بيّن أن مذهب أهل العلم في قبول ما ينفرد به المحدّث أن يُشارك الثقات الأثبات فيما يروونه من الأحاديث، ولو في بعض مرويّاتهم، فيوافقهم على ذلك، فإذا كان كذلك، ثم زاد على أصحابه قُبلت زيادته.\nوأما الذي يروي عن الأئمة المشهورين، كالزهريّ، وهشام بن عروة، ممن اشتهر بكثرة الأحاديث، وكثرة الرواة الأثبات المتقنين ما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ذلك الراوي شارك الثقات الحفّاظ في رواية أحاديثهما الصحيحة، فلا يجوز قبوله؛ لكونه منكر الحديث. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَكَذَلِكَ) أي مثل ما تقدّم من ترك أحاديث المتّهمين بالوضع، والجارّ والمجرور متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائنًا مثل ما تقدّم (مَنِ) بفتح الميم موصولة مبتدأ، خبره قوله: \"أمسكنا\" (الْغَالِبُ) أي الكثير (عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ) أي غير المعروف عند","vol":"1","page":344},{"text":"أهل الحديث (أَوِ الْغَلَطُ) بفتح اللام، مصدر غلِط، من باب تعِب: أي أو كان الغالب على حديثهم الغلط (أَمْسَكْنَا أَيْضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ) أي تركنا إخراج أحاديثهم في هذا الكتاب. فقوله: \"الغالب\" مبتدأ، وقوله: \"على حديثه\" متعلّق به، وقوله: \"المنكر\" خبر المبتدإ، والجملة صلة: \"من\"، وقوله: \"أو الغلط\" عطف على \"الغالب\"، وقوله: \"أمسكنا الخ\" خبر \"من\".\nوحاصل معنى كلامه رحمه الله تعالى أنه كما ترك إخراج أحاديث المتّهمين بالوضع، ترك أيضًا من كان قريبًا من درجتهم، وهم الذين يغلب على أحاديثهم المنكر، أو الغلط. والله تعالى أعلم بالصواب.\nثم ذكر علامةً يعرف بها كون الحديث منكرًا، فقال:\n(وَعَلَامَةُ الْمُنْكَرِ) مبتدأ خبره جملة \"إذا\": والعلامة، كالعَلَم -بفتحتين-: الفصل يكون بين الأرضين، وشيء يُنصب في الْفَلَوَات تهتدي إليه الضالّة. أفاده في \"اللسان\". والمعنى: أن علامة وقوع المنكر (فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ) متعلّق بـ \"المنكر\" (إِذَا مَا عُرِضَتْ) بالبناء للمفعول (رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ) متعلّق بما قبله (عَلَى رِوَايَةِ غيْرِهِ) متعلّق بـ \"عُرضت\" (مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا) أي من الرواة الحفّاظ العدول، وقد أشار رحمه الله تعالى بهذا إلى شرطي قبول حديث المحدّث، وهما الحفظ، والعدالة؛ إذ هي المراد بالرضا، كما قال الله ﷾: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد بين المرضي في آية أخرى، حيث قال ﷾: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فدلّ على أن العدل هو المرضيّ الذي تجوز شهادته، والرواية في هذا مثل الشهادة، كما سيأتي في كلام المصنّف رحمه الله تعالى.\nوإلى الشرطين المذكورين أشار السيوطيّ في ألفيّة الحديث، حيث قال:\nلِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا ... عَدْلٌ وَضَبْطٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا\nمُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا وَلَا ... خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلَا مُغَفَّلَا\nيَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ كِتَابًا يَضْبِطُ ... إِنْ يَرْوِ مِنْهُ عَالِمًا مَا يُسْقِطُ\nإِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَضَبْطُهُ عُرِفْ ... إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ\nوقوله: (خَالَفَتْ) جواب \"إذا\" (رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ) أي لم توافقها أصلًا (أَوْ لم تَكَدْ) أي لم تقرب (تُوَافِقُهَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: لا توافقها إلا في قليل، قال أهل اللغة. \"كاد\" موضوعة للمقاربة، فإن لم يتقدّمها نفي كانت لمقاربة الفعل، ولم يفعل، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٠]، وإن تقدّمها نفي كانت للفعل بعد بُطء، وإن شئت قلت: لمقاربة عدم الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا","vol":"1","page":345},{"text":"يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. انتهى (١).\n[فائدة]: اعلم أنه قد اشتهر بين النحويين أن \"كاد\" إثباتها نفي، ونفيها إثبات، حتى جعله بعضهم لغزًا، حيث قال:\nأَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ ... جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ\nإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي صُورَةِ الْجَحْدِ أَثْبَتَتْ ... وَإِنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ\nوالصحيح -كما قال الفاكهيّ، وغيره-: أنها كسائر الأفعال، نفيُها نفي، وإثباتها إثبات، وقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأن معنى الكلام: أنهم ذبحوها، ولم يكونوا قبل الذبح قريبين إلى الذبح؛ بناءً على التعنّتات الصادرة عنهم. وحاصله أن انتفاء مقاربتهم إلى الذبح إنما كان قبل زمان الذبح، فلما انقطعت تعلّلاتهم، وانتهت سؤالاتهم فعلوه، كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل (٢). والله تعالى أعلم.\n(فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ) أي المحدث (كَذَلِكَ) أي كما ذُكر، من المخالفة أصلًا، أو المخالفة إلا في القليل النادر (كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ) أي متروكه، من هجرته هجرًا: إذا قطعته، وقوله: (غَيْرَ مَقْبُولِهِ) مؤكّد لما قبله، كقوله (وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ) بصيغة اسم المفعول: أي غير جائر الاستعمال، بمعنى أنه لا يجوز العمل بحديثه.\nثم ضرب أمثلة لهؤلاء الذين تُهْجَرُ أحاديثهم؛ لنكارتها، وغلبة الغلط فيها بذكر بعضهم، فقال:\n(فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ) أي الصنف، قال في \"القاموس\": والضرب الصنف من الشيء، كالضريب، والمَضروبِ. انتهى (مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ) بالرفع على أنه مبتدأ مؤخّر، خبره الجار والمجرور قبله.\nو\"محرّر\" بصيغة اسم المفعول المضعّف، من التحرير، قال النوويّ: هو بفتح الحاء المهملة، وبراءين مهملتين، الأولى مفتوحة مشدّدة، هكذا هو في روايتنا، وفي أصول أهل بلادنا، وهذا هو الصواب، وكذا ذكره البخاريّ في \"تاريخه\"، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ، وآخرون من الحفّاظ. وذكر القاضي عياض أن جماعة شيوخهم رووه مُحْرِزًا بإسكان الحاء، وكسر الراء، وآخره زاي، قال: وهو غلط، والصواب الأول. انتهى (٣).\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٧.\n(٢) راجع \"الكواكب الدريّة على متممة الآجروميّة\" ص ١١٥.\n(٣) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٧.","vol":"1","page":346},{"text":"وهو عبد الله بن محرّر -براء مهملة مكررة- العامري الجزري الحراني، ويقال الرَّقّي، قاضي الجزيرة، ولّاه أبو جعفر قضاء الرّقّة، وهو من تابعي التابعين. روى عن قتادة، والزهري، ونافع، وعبد الكريم الجزري، وأيوب، والحكم بن عتيبة، وعدة. وعنه الثوري، وهو من أقرانه، وإسماعيل بن عياش، وبقية، وعبد الرزاق، وحاتم بن إسماعيل، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم. قال حمدان الوراق، عن أحمد: ترك الناس حديثه. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو نعيم، الفضل بن دكين: ما نصنع بحديثه، هو ضعيف. وقال عمرو بن علي، وأبو حاتم، وعلي بن الجنيد، والدارقطني: متروك الحديث. وكذا قال النسائي، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم أيضا: منكر الحديث، ترك حديثه ابن المبارك. وقال الجوزجاني: هالك. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن المبارك: كنت لو خيرت بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى عبد الله بن محرر، لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، إلا أنه كان يكذب، ولا يعلم، ويُقلّب الأسانيد، ولا يفهم. وقال عبد الرزاق: في روايته عن قتادة، عن أنس، أن النبي -ﷺ-: \"عَقَّ عن نفسه بعد النبوة\"، قال عبد الرزاق: إنما تركوه لحال هذا الحديث. وقال ابن عدي: رواياته عن من يروي عنه غير محفوظة. وقال هلال بن العلاء الرَّقَّيُّ في \"تاريخه\": ذكروا أنه مات في خلافة أبي جعفر، وهو منكر الحديث، حدث عن الزهري، وقتادة، ويزيد بن الأصم بأحاديث مناكير. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه علينا، وضربنا عليه. وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي جعفر، وكان ضعيفا، ليس بذاك. وذكره البخاريّ في \"الأوسط\" فيمن مات ما بين الخمسين إلى الستين. وقال أبو نعيم الأصبهاني: روى عن قتادة المناكير. له في ابن ماجه حديث واحد في الحلف باليهودية (١). وسيذكره المصنّف في \"باب كشف معايب رواة الحديث\"، إن شاء الله تعالى.\n(وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) -بضم الهمزة، مصغّرًا- واسمه زيد، ويقال أسامة الغنوي مولاهم، أبو زيد الجزري، روى عن عمرو بن شعيب، وجابر الجعفي، والحكم بن عتيبة، والزهري، وعلقمة بن مرثد، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. روى عنه الأعمش،\n_________\n(١) راجع \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤١٨ - ٤١٩. \"المغني\" ١/ ٣٥٦ \"الضعفاء والمتروكين\" ٢/ ١٣٧. \"الجرح والتعديل\" ٥/ ١٧٦. \"الضعفاء الكبير\" ٢/ ٣٠٩.","vol":"1","page":347},{"text":"وهو أكبر منه، وابن إسحاق، وأبو خيثمة، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو معاوية الضرير، وعبد الله بن بكر السهمي، وآخرون.\nقال ابن سعد: كان يسكن الرُّها، وكان أحدث من أخيه زيد بن أبي أنيسة، وكان ضعيفًا، وأصحاب الحديث لا يكتبون حديثه. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثا عن يحيى بن أبي أنيسة شيئا قط. وقال صالح بن أحمد، عن علي ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: يحيى بن أبي أنيسة أحب إلي من حجاج بن أرطاة، وأشعث بن سَوّار، وابن إسحاق، قال ابن أبي حاتم: فذكرت ذلك لأبي، فقال: يحيى بن سعيد لم يكتب عن ابن أبي أنيسة، ولو كتب عنه لم يقل هذا. قال زيد ابن أبي أنيسة: أخي يحيى يكذب، وحجاج، وأشعث، وابن إسحاق كل هؤلاء أحب إلي من يحيى. وقال عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد: سمعت ابن عيينة يقول: كانوا يجتمعون على كتاب يحيى بن أبي أنيسة عند الزهري. وقال عبد الله بن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو الرَّقّي: قال لي زيد بن أبي أنيسة: لا تكتب عن أخي يحيى، فإنه كذاب. وقال أحمد بن أبي يحيى، عن أحمد بن حنبل: يحيى بن أبي أنيسة متروك الحديث. وقال الأثرم عن أحمد: ليس هو ممن يكتب حديثه، قيل له: لم؟ قال: حديثه يدلك عليه. وقال الجوزجاني: غير ثقة، سمعت أحمد يذكره بالذم. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن الدَّوْرقي عن ابن معين: كان أقدم من أخيه زيد، وليس حديثه بشيء. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه؟ فقالا: ليس بالقوي، وقال أبي: هو ضعيف الحديث. وقال ابن المديني: ضعيف، لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: صدوق، وكان يهم في الحديث. وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه، إلا من لا يَعلَم. وقال يعقوب بن سفيان: لا يكتب حديثه إلا للمعرفة. وذكره فيمن لا ينبغي لأهل العلم أن يَشْغَلوا أنفسهم بحديثهم، وفي باب من يُرغَب عن الرواية عنهم، وكنت أسمع أصحابنا يضعفونهم. وقال البخاري: ليس بذاك، وقال أيضا: لا يتابع في حديثه. وقال النسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: يقع في رواياته ما لا يتابع عليه، ومع ضعفه يكتب حديثه. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة. وقال الساجي: متروك الحديث، ضعيف جدا، كان صدوقا، ولم يكن بالحافظ. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. قال أبو عروبة: أخبرني أبو فروة أنه مات سنة ست وأربعين ومائة. له عند الترمذيّ حديث واحد برقم (١٢٦٠) \"من كاتب عبده على مائة أوقيّة، فأداها ...) الحديث. وقال في التقريب: ضعيف من السادسة.\n(وَالْجَرَّاحُ) بفتح الجيم، وتشديد الراء (ابْنُ الْمِنْهَالِ) بكسر، فسكون (أَبُو","vol":"1","page":348},{"text":"الْعَطُوفِ) -بفتح العين، وضمّ الطاء المهملتين- الجزري، روى عن الزهري، قال أحمد: كان صاحب غفلة. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث، ويشرب الخمر، مات سنة ثمان وستين ومائة. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم، والدولابي: متروك الحديث، ذاهب لا يكتب حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وذكره البرقي في \"باب من اتُّهم بالكذب\". وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وقال النسائي في \"التمييز\": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجارود: ليس بشيء. وذكره الساجي، والعقيلي، والجوزجاني في \"الضعفاء\". وقال ابن الجوزي: قلب ابن إسحاق اسمه، فسماه المنهال بن الجراح. وكذا قلبه يوسف بن أسباط، وقع كذلك في \"كتاب الطهارة\" -من \"شرح السنة\" للبغوي. وليس له في الكتب الستة شيء (١).\n(وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ) الثقفي البصري، رَوَى عن أيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وعمرو بن خالد الواسطي، وثابت البناني، وعبد الله بن طاووس، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب، وأبي الزبير، وأبي الزناد، وغيرهم، وروى عنه إبراهيم بن طهمان، وأبو خيثمة، وهما من أقرانه، وإسماعيل بن عياش، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وأبو ضمرة، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوأ حالا من الحسن بن عمارة، وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان صالحا، قلت: فكيف روى ما لم يسمع؟ قال: الْبُلْهُ والغفلة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ضعيف الحديث، وليس بشيء. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء في الحديث، وكان رجلا صالحا. وقال ابن المبارك: انتهيت إلى شعبة، فقال: هذا عباد بن كثير فاحذروه. وقال ابن المبارك أيضا: قلت للثوري: إن عبادا من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال: بلى. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة، ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكار. وعن أبي زرعة: لا يكتب حديثه، كان شيخا صالحا، وكان لا يضبط الحديث، قال: وكان في كتاب أبي زرعة: حديث عن أحمد بن يونس، عن زهير عنه، فقال: اضربوا عليه. وقال البخاري: اتركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ١٤ - ١٥ \"لسان الميزان\" ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.","vol":"1","page":349},{"text":"الدارقطني: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني: لا ينبغي لحكيم أن يذكره في العلم حسبك بحديث النهي. وقال ابن عدي: حدث من المناهي بمقدار ثلاث مائة حديث، قال: ومقدار ما أمليت من حديثه لا يتابع عليه. قال الحافظ: وحديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني، هو الذي ذكر ابن عدي أنه مقدار ثلاثمائة حديث، وصدق ابن عدي قد رأيتها، وكأنه لم يترك متنا صحيحا ولا سقيما، فيه نهى رسول الله -ﷺ- عن كذا إلا وساقه على ذلك الإسناد، الذي ركبه، وهو: حدثني عثمان الأعرج، حدثني يونس، عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعة من أصحاب رسول الله -ﷺ-: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبو هريرة، ومعقل بن يسار، وعمران بن حصين، فساق الحديث عنهم، وافترى في زعمه أن الحسن سمع من هؤلاء، نعم سمع من معقل، وعمران، واختُلف في سماعه من أبي هريرة، وساق ابن حبان بعضه في ترجمة عباد بن راشد، عن الحسن، وزعم أن ابن قتيبة أخبره به، عن صفوان بن صالح، عن ضمرة بن ربيعة عنه، وما أظنه إلا وَهِمَ في ذلك، أو بعض من تقدمه، والله أعلم. وذكره البخاري في \"الأوسط\" في فصل من مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وقال: سكتوا عنه، وقال الحاكم، وأبو نعيم، أبو عبد الله شيخ قديم، كان الثوري يُكَذِّبه، ولما مات لم يصل عليه، حَدّث عن هشام، والحسن، وابن عقيل، ونافع بالمعضلات، وقال يعقوب بن سفيان: يُذكَر بزهد، وتقشف، وحديثه ليس بذاك. وقال البرقي: ليس بثقة. وقال ابن عمار: ضعيف، وعباد بن كثير الرملي أثبت منه. وقال العجلي: ضعيف، متروك الحديث، وكان رجلا صالحا. وقال عبد الله بن إدريس: كان شعبة لا يستغفر له. روى له أبو داود، وابن ماجه. وسيذكره المصنّف في \"باب ذكر معايب رواة الحديث\".\n(وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ) بن أبي ضميرة سعيد الْحِمْيري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد بن الحباب، وغيره، كذبه مالك. وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب. وقال أحمد: لا يساوي شيئا. وقال ابن معين: ليس بثقة، ولا مأمون. وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، يضرب على حديثه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث. وقال البخاري في \"التاريخ الأوسط\": تركه علي، وأحمد. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي أويس: كان يُتَّهم بالزندقة. وقال العقيلي: نسبه مالك إلى الكذب، قاله ابن مهدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجارود: كذاب ليس بشيء. وقال الإدريسي: لما خرج إسماعيل بن أبي أويس إلى حسين بن عبد الله بن ضميرة، فبلغ مالكا، فهجره أربعين يوما. وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والنكارة،","vol":"1","page":350},{"text":"وساق له عن أبيه، عن جده، عن علي رفعه: \"المجالس بالأمانة في الحديث\"، وقال: هذا قد جاء عن جابر بن عتيك بلفظ: \"إذا حدث الرجل، ثم التفت، فهي أمانة\" (١). ليس له في الكتب الستة شيء.\n(وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ) -بضم الصاد المهملة، وإسكان الهاء- ويقال: عمر بن محمد ابن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، خال إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. روى عن زيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، وصفوان بن سليم، والزهري، وابن المنكدر، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، وثابت البناني، وغيرهم. وروى عنه مندل بن علي، وعيسى بن يونس، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن شعيب بن شابور، وسعيد بن سلام العطار، وأبو علي الحنفي، ومعلّى بن أسد العمي، وعبيد الله بن موسى، وآخرون.\nقال أحمد: لم يكن بشيء أدركته، ولم أسمع منه. وقال الدوري، عن ابن معين: لا يسوى حديثه فلسا. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بذاك. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، متروك الحديث. وقال الأزدي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، وغلبت على حديثه المناكير. قال الخطيب في حديث سعيد ابن سلام العطار، عن عمر بن محمد: هو عمر بن محمد بن صهبان، ولم يرو سعيد عن عمر بن محمد بن زيد شيئا. وقال الساجي: فيه ضعف، يحدث عن أبي الزبير، وعمارة بن غزية بأحاديث يخالف فيها. وقال ابن أبي مريم: قال عمي -يعني سعيد بن أبي مريم-: لم يكن بشيء أدركته، ولم أسمع منه. وقال ابن شاهين في \"الضعفاء\": قال أبو نعيم: كان ضعيفا. وقال في \"الثقات\" قال أحمد بن صالح: ثقة ما علمت إلا خيرا، ما رأيت أحدا يتكلم فيه. وقال الحاكم: روى عن نافع، وزيد بن أسلم أحاديث مناكير. وقال النسائي في \"الكنى\": أبو حفص عمر، خال ابن أبي يحيى، أنا إبراهيم ابن يعقوب، ثنا الحنفي، ثنا أبو حفص، خال ابن أبي يحيى، وكان أرضى أهل المدينة يومئذ، أهلُ المدينة له حامدون، ثنا صفوان بن سليم ... فذكر حديثا. وقال علي بن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البغوي: ضعيف الحديث. وقال البخاري في \"التاريخ\": قال الفضل بن سهل: هو عمر بن محمد بن صهبان. وقال ابن سعد: عمر\n_________\n(١) راجع \"لسان الميزان\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١. \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٣٨٨ \"الجرح والتعديل\" ٣/ ٣٥٩.","vol":"1","page":351},{"text":"ابن صهبان كان قليل الحديث، مات سنة سبع وخمسين ومائة، وفيها أرخه خليفة، وابن قانع. تفرد به ابن ماجه، له عنده حديث واحد، في الأكل يوم الفطر قبل الغدو.\n(وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ) أي قَصَدَ قَصْدَ هؤلاء المذكورين، وسلك طريقهم (فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ) بتشديد الراء، من التعريج، وهو الميل، والعطف، والإقامة، قال في \"اللسان\"،: عرّج عليه: عَطَف، وعرّج بالمكان: أقام، وقال أيضًا: والتعريج أن تَحْبِس مطيتك، مقيما على رُفقتك، أو لحاجة. انتهى. فالمعنى هنا: لا نميل إليه، ولا نخرّجه، فقوله: (وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ) عطف تفسير لـ \"نعرّج\".\nثم علّل عدم التعريج على حديث هؤلاء بقوله: (لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أي المحدّثين وغيرهم (وَالَّذِي نَعْرِفُ) بكسر الراء، من باب ضرب (مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بهِ الْمُحَدِّثُ) أي يرويه وحده (مِنَ الْحَدِيثِ) بيان لـ \"ما\" (أنْ يَكُونَ) في تأويل المصدَر خبر \"أنّ\"، أي كون ذلك المتفرّد (قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ) متعلق بحال مقدّر (فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا) متعلّق بـ \"شارك\" أي شاركهم في بعض مروياتهم الأخرى، غير ما تفرّد به (وَأَمْعَنَ) أي بالغ، قال الفيّوميّ: أمعن الفرس إمعانًا: تباعد في عَدْوِهِ، ومنه قيل: أمعن في الطلب: إذا بالغ في الإستقصاء. انتهى (فِي ذَلِكَ) اسم الإشارة راجع إلى \"بعض ما رووا\" (عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ) أي للثقات، والجارّان متعلقان بـ \"أمعن\" (فَإِذَا وُجِدَ) بالبناء للمفعول (كَذَلِكَ) أي على الصفة المذكورة من الموافقة، فالكاف بمعنى \"على\"، فإنها تأتي بمعناها عند الأخفش، والكوفيين، ومنه قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: كخير: أي على خير (١) (ثُمَّ زَادَ) ذلك المحدّث (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد أن ظهرت موافقته للثقات في بعض مروياتهم (شَيْئًا) مفعول به لـ \"زاد\" (لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ) يريد بهم الثقات المذكورين، والجملة صفة \"شيئًا\" (قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة جواب \"إذا\".\nوحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى في كلامه هذا أن شرط قبول زيادة الراوي أن يكون مشاركًا للحفّاظ المتقنين في بعض ما يروونه من الأحاديث، من غير مخالفة لهم، فمن كان حاله هكذا إذا زاد شيئًا على أصحابه الثقات، جاز قبول زيادته؛ لأنه يُحمل على أنه حفظ ما لم يحفظوا، ولا يُستبعد ذلك منه؛ لأنه حافظ، فيمكن أن يكون الشيخ حدّث بالحديث في مجالس، فزاد في بعضها، ونقص في بعضها، فحضر ما لم يحضروا، وحفظ ما لم يحفظوا.\n_________\n(١) راجع \"مغني اللبيب\" ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":352},{"text":"وأما إذا كان المتفرّد بتلك الزيادة بخلاف ذلك، لم تقبل زيادته، كما بيّنه بقوله:\n(فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ) بكسر الميم، يقال: عمدت للشيء عمدًا، من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت، وتعمّدته: قصد إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ (لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، القرشي الزهري الفقيه، أبو بكر الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام.\nقال البخاري عن علي بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال الآجري عن أبي داود: جميع حديث الزهري كله ألفا حديث ومائتا حديث، النصف منها مسند، وقدر مائتين عن غير الثقات، وأما ما اختلفوا فيه فلا يكون خمسين حديثا، والاختلاف عندنا ما تفرد به قوم على شيء. وقال الذهلي عن عبد الرزاق: قلت لمعمر: هل سمع الزهري من ابن عمر؟ قال: نعم سمع منه حديثين. وقال العجلي: روى عن ابن عمر نحوا من ثلاثة أحاديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة، كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا. وقال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس. وقال معمر عن صالح ابن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي -ﷺ-، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب، ولم نكتب، فأنجح وضيعت. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته. وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: قال الزهري: ما استفهمت عالما قط، ولا زدت على عالم شيئا قط. قال عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري: ما استعدت حديثا قط. وقال النسائي: أحسن أسانيد تُرْوَى عن رسول الله -ﷺ- أربعة: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، والزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، وأيوب، عن محمد، عن عَبِيدة، عن علي، ومنصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: ما رأيت أنص للحديث من الزهري. وقال الليث، عن جعفر بن ربيعة، قلت لعراك بن مالك: مَنْ أفقه أهل المدينة؟ فذكر سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله، قال عراك: وأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: لم يبق أحدٌ أعلم بسنة ماضية منه، قال معمر: وإن الحسن وضرباءه لأحياء يومئذ. وقال عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول: ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال أبو صالح عن الليث: ما رأيت عالما أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه، لو سمعتَهُ يحدث في","vol":"1","page":353},{"text":"الترغيب، لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأنساب، لقلت لا يعرف إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، كان حديثه نوعا جامعا. وقال ابن أبي مريم، عن الليث: قال الزهري: ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، ولا بذله بذلي. وقال ابن مهدي، عن وهيب بن خالد، سمعت أيوب يقول: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن، قال: ما رأيت أعلم من الزهري، وكذا قال أبو بكر الهذلي. وقال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم: قلت لأبي: بم فاقكم ابن شهاب؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يَلقَى في المجلس كهلا إلا ساءله، ولا شابا إلا ساءله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار، فلا يلقى شابا إلا ساءله، ولا كهلا، ولا عجوزا، ولا كهلة إلا ساءلها، حتى يحاول ربات الحجال. وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل هشام بن عبد الملك الزهري، أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إن هشاما قال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب، فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفا. وقال عبد الرزاق، عن معمر: ما رأيت مثل الزهري في الفن الذي هو فيه. وقال مالك: كان من أسخى الناس. قال أبو داود، عن أحمد بن صالح يقولون: إن مولده سنة خمسين، وقال خليفة: ولد سنة إحدى وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة ست، وقال الواقدي: سنة ثمان، وكان وفاته سنة ثلاث وعشرين، قاله ضمرة بن ربيعة، وقال القطان وغير واحد: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال أبو عبيدة، وابن المديني، وعمرو ابن علي: في آخر سنة أربع، زاد الزبير بن بكار في رمضان، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقال ابن يونس وغيره: مات في رمضان، سنة خمس وعشرين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": الفقيه الحافظ، متّفقٌ على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٠٦) ستمائة وستة أحاديث. (فِي جَلَالَتِهِ) أي بسبب عظمته، فـ \"في\" بمعنى الباء السببية، كما في حديث عبد الله بن عمر -﵄- ما، مرفوعًا: \"عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا ... \" الحديث، رواه البخاريّ (١)، أي بسبب هرة (وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ) من عطف\n_________\n(١) هو ما أخرجه البخاريّ ﵀ في \"كتاب المساقاة\" من \"صحيحه\"، فقال:\n٢٣٦٥ - حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فدخلت فيها النار، قال: فقالوا -والله أعلم-: لا أنت أطعمتها، ولا سقيتها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتها، فأكلت من خشاش الأرض\".","vol":"1","page":354},{"text":"المسبّب على السبب؛ لأن أصحابه لم يكثروا إلا لجلالته بالعلم والحفظ (الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ) يعني أنهم مشهورون بطلب العلم، فلم يقتصروا عليه، بل حفظوا أحاديث غيره، كما حفظوا أحاديثه أيضًا (أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبي المنذر، وقيل: أبو عبد الله، رأى ابن عمر، ومسح رأسه، ودعا له، وسهل بن سعد، وجابرا، وأنسا، وروى عن أبيه، وعمه عبد الله بن الزبير، وخلق كثير.\nقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هشام أحب إليك عن أبيه أو الزهريُّ؟ قال: كلاهما ولم يفضّل. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم، فسألته عن هشام بن عروة؟ فقال: أما ما حدث به، وهو عندنا فهو أي كأنه يصححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه. وقال ابن سعد، والعجلي: كان ثقة، زاد ابن سعد: ثبتا كثير الحديث، حجة. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق، أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا، تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نَقِم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات: قدمةٌ كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة -﵂-، وقَدِمَ الثانية، فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة -﵂-، وقدم الثالثة: فكان يقول: أبي عن عائشة -﵂-، سمع منه بآخره وكيع، وابن نمير، ومحاضر. وقال موسى بن إسماعيل، عن وهب: قدم علينا هشام بن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين. وقال الزبير بن بكار، عن عثمان بن عبد الرحمن: قال المنصور لهشام بن عروة: تذكر يوم دخلنا عليك، فقال لنا أبي: اعرفوا لهذا الشيخ حقه، فقال: لا أذكر ذلك، فعوتب على ذلك، فقال: لم يعودني الله تعالى في الصدق إلا خيرا، قال عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود: ولد هشام، والأعمش، وسَمَّى غيرهما سنة مقتل الحسين -يعني سنة إحدى وستين- قال الحربي: مات سنة ست وأربعين ومائة، وأرخه أبو نعيم وغيره: سنة خمس. وقال أبو حاتم: يقال: إنه توفي بعد الهزيمة سنة خمس، وقد بلغ سبعا وثمانين. وقال عمرو بن علي: مات سنة سبع وأربعين. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان متقنا ورعا فاضلا حافظا. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال يحيى بن سعيد: هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، مكي عن مكي. وقال الآجري عن أبي داود: لَمّا حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع، هجره أبو الأسود، يتيم عروة. وقال العقيلي: قال","vol":"1","page":355},{"text":"ابن لهيعة: كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام، عن أبيه، وربما مكث سنة لا يكلمه، قال أبو الأسود: لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غيره. وقال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته، قال الحافظ: ولم نر له في ذلك سلفا. روى له الجماعة، له في \"صحيح مسلم\" مائة وخمسة وثمانون حديثًا.\n(وَحَدِيثُهُمَا) أي حديث الزهريّ، وهشام (عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ) يعني أن أصحاب الزهريّ، وهشام رووا أكثر أحاديثهما، متّفقين، أي ورووا ما عداه مختلفين، والمراد أن أحاديثهما كلها معلومة، مدونة عند أصحابهما، أكثرها بالإتفاق، وأقلها بالإختلاف (فَيَرْوِي) ذلك العامد (عَنْهُمَا) أي عن الزهريّ، وهشام (أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ) أي المتعدّد منه (مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا) المراد أصحابهما الذين سبق ذكرهم آنفًا بأنهم رووا عنهما على الإتفاق في أكثره (وَلَيْسَ) ذلك الراوي (مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ) أي شارك أصحابهما المعروفين (فِي الصَّحِيحِ) أي في رواية الحديث الصحيح (مِمَّا عِنْدَهُمْ) أي من الأحاديث التي رووها اتفاقًا، واختلافا (فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ) أي الصنف (مِنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) المراد بالناس رواة الأخبار، فهو عامّ، أريد به خاصّ، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية، في قول مجاهد، ومقاتل، وعكرمة، والكلبيّ، قالوا: هو نعيم بن مسعود الأشجعيّ، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: يعني النبيّ -ﷺ-. وقيل: غير ذلك في الآيتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>مسائل تتعلّق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى المذكور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>المسألة الأولى: أن كلامه رحمه الله تعالى يفيد أن رواة الأخبار، ونُقّال الآثار على أربعة أقسام:</span>\n[الأول]: الثقات المتقنون الذين يندُر غلطهم، فلا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، فهؤلاء هم الذين اعتمد عليهم، وبنى كتابه على رواياتهم، فجعلها أصولًا، وجعل روايات من بعدهم تابعة لها.\n[الثاني]: أهل الصدق، والستر، وهؤلاء هم الذين يذكر أحاديثهم على سبيل المتابعة، والشواهد لروايات الصنف الأول.\n[الثالث]: المتّهمون بوضع الأحاديث، فهؤلاء لا يتشاغل برواياتهم أصلًا.\n[الرابع]: من غلب على حديثه المنكر والغلط، وهؤلاء حكمهم حكم الصنف الثالث، وهذا المذهب الذي سلكه المصنّف رحمه الله تعالى في ترك الرواية عن القسمين","vol":"1","page":356},{"text":"الأخيرين هو المذهب الصحيح الذي عليه أكثر المحدّثين، وإلى هذه الأقسام أشرت في منظومتي \"شافية الغلل\" حيت قلت:\nثُمَّ اعْلَمَنْ أَنَّ الرُّوَاةَ انْقَسَمُوا ... أَرْبَعَةً فَمِنْهُمُ الْمُتَّهَمُ\nوَمِنْهُمُ مَن وَهْمُهُ قَدْ غَلَبَا ... لِغَفْلَةٍ وَسُوءِ حِفْظٍ قَدْ رَبَا\nوَثَالِثُ الأَقْسَامِ أَهْلُ الصِّدْقِ ... وَالْحِفْظِ وَالْوَهْمُ قَلِيلُ الطَّرْقِ\nوَذَا بِأَهْلِهِ جَرَى احْتِجَاجُ ... بِلَا خِلَافٍ إِذْ لَنَا احْتِيَاجُ\nوَرَابِعُ الأَقْسَامِ أَهْلُ الصِّدْقِ ... معْ حِفْظٍ وَوَهْمُهُمْ بِكَثْرَةٍ يَقَعْ\nلَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ يَغْلِبُ ... فَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ فبَعْضٌ يَذْهَبُ\nلِلأَخْذِ عَنْهُمُ كَنَجْلِ مَهْدِي ... وَابْنِ الْمُبَارَكِ إِمَامِ النَّقْدِ\nكَذَاكَ سُفْيَانُ وَكِيعٌ مَالَا ... جُلُّ الْمُحَدِّثِينَ أَيْضًا قَالَا\nكَمُسْلِمٍ فَفِي \"الصَّحِيحِ\" قَدْ كَفَى ... تَوْضِيحَ أَقْسَامِ الرُّوَاةِ وَشَفَى\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المسألة الثانية: في البحث المتعلّق بالمنكر:</span>\nقد بيّن المصنّف رحمه الله تعالى في قوله: \"وعلامة المنكر الخ\" أن الحديث المنكر هو الذي تفرّد بروايته من إذا روى ما رواه الثقات الحفّاظ تُخَالِف روايتُهُ روايتَهُم، أو يغلب عليها ذلك، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكر رحمه الله تعالى هو معنى المنكر عند المحدّثين، يعني المنكر المردود، فإنهم يُطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود، إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا. انتهى (١).\nوقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لم أقف لأحد من المتقدّمين على حدّ المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجيّ الحافظ (٢) -وكان من أعيان الحفاظ المبرّزين في العلل- أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا، ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائيّ بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ -ﷺ-، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق، فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ-\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٧.\n(٢) بفتح الموحدة، وسكون الراء، وكسر الدال المهملة، بعدها تحتية وجيم: نسبة إلى برديج قُربَ بَرْدَعة، بإهمال الدال، بأذربيجان، ويقال له: البردعي أيضا. قاله في \"التدريب\" ١/ ٢٣٨.","vol":"1","page":357},{"text":"في النهي عن بيع الولاء وهبته، وكذا قال أحمد في حديث مالك، عن الزهري، عن عائشة -﵂- أن الذين جمعوا الحجّ والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم، وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى، قال: لم يقل أحد هذا إلا مالك، وقال: ما أظنّ مالكًا إلا غلط فيه لم يجىء به أحد غيره، وقال مرّة إلا مالك، ومالك ثقة، ولعلّ أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، ثم قال البرديجيّ بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعيّ، ينظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبيّ، أو عن أنس بن مالك -﵁- من وجه آخر لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد، عن النبيّ -ﷺ-، ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا، وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبيّ -ﷺ- حديثًا لا يُصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضرّه أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا، ولا معلولًا، وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همّام، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ-: إني أصبت حدّا، فأقمه عليّ ... الحديث. هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. ونقل ابن أبي حاتم، عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. وهذا الحديث مخرّج في \"الصحيحين\" من هذا الوجه، وخرّج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أُمامة، عن النبيّ -ﷺ-، فهذا شاهد لحديث أنس، ولعلّ أبا حاتم، والبرديجيّ إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محلّ من يُحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد. والله أعلم.\nوقال إسحاق بن هانىء: قال لي أبو عبد الله -يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله -يعني ابن عمر- أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر: أن النبيّ -ﷺ- قال: \"لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام ... \" الحديث، قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه، قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدّث به العمريّ الصغير عن نافع، عن ابن عمر مثله، وقال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمريّ صحّحه.\nوهذا الكلام يدلّ على أن النكارة عند يحيى القطّان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك، قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن عليّ الذي يروي حديث المواقيت؟ (١) فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن عليّ، وحديثه\n_________\n(١) هو حديث إمامة جبريل بالنبيّ يومين لبيان مواقيت الصلاة، رواه الترمذيّ ١/ ٢٨١ والنسائيّ ١/ ٢٦٣ وابن حبان، والحاكم.","vol":"1","page":358},{"text":"الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.\nوقال أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بردة: يروي أحاديث مناكير. وقال في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وهو المنفرد برواية حديث: \"الأعمال بالنيّات\": في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أنيسة: إنه حديثه لحسنٌ مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث، قال الأثرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير، فهي غرائب، قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة متّفقٌ على الإحتجاج بحديثهم في الصحيح، وقد استنكر أحمد ما تفرّدوا به، وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مخلد، وفي جماعة خرّج لهم في \"الصحيح\" بعض ما يتفرّدون به.\nوأما تصرّف الشيخين، والأكثرين، فيدلّ على خلاف هذا، وأن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علّة، فليس بمنكر، وقد قال مسلم في أول كتابه: حكم أهل العلم إلى آخر قوله: فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس.\nقال: فصرّح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرّد عنهم بحديث قُبل ما تفرّد به، وحكاه عن أهل العلم. قال: وقال الشافعيّ: ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذّ أن يروي الثقة حديثًا يخالف الناس، وكذا قال أبو بكر الأثرم. وحكى أبو يعلى الخليليّ هذا القول عن الشافعيّ، وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذّ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذّ بذلك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقّف فيه، ولا يحتجّ به. وكذلك ذكر الحاكم أن الشاذّ هو الحديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة، ولم يوقف له على علّة، ولكن كلام الخليليّ في تفرّد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفّاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ، فقد سمّاه الخليليّ فردًا، وذكر أن أفراد الحفّاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفّاظ الأئمة صحيح، متّفقٌ عليه، ومثّله بحديث مالك في المغفر (١).\nفتلخّص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطّان، والإمام أحمد،\n_________\n(١) هو ما أخرجه الشيخان من حديث أنس -﵁- قال: \"دخل النبيّ -ﷺ- مكة، وعلى رأسه المغفر\". لكن التمثيل بهذا الحديث للتفرد غير صحيح، فإن مالكًا لم ينفرد به، بل تابعه غيره، قال أبو بكر بن العربيّ رحمه الله تعالى: له ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك، وقال الحافظ رحمه الله تعالى: قد جمعت طرقه، فوصلت إلى سبعة عشر. انظر \"تدريب الراوي\" ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":359},{"text":"والبرديجيّ، وغيرهم من المتقدّمين إلا بالمتابعة، وكذلك الشذوذ، كما حكاه الحاكم، وأما الشافعيّ، وغيره، فيرون أن ما يتفرّد به ثقة مقبول الرواية، ولم يُخالفه غيره فليس بشاذّ، وتصرّف الشيخين يدلّ على مثل هذا المعنى. وفرق الخليليّ بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام، أو حافظ، فما انفرد به إمام، أو حافظ قُبل، واحتُجّ به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفّاظ الحديث. والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارة ابن رجب رحمه الله تعالى توهم أنه ما قاله الخليليّ غير ما قاله الشافعيّ وغيره، وليس كذلك، بل هو نفس ما قاله الشافعيّ وغيره، فتأمّل.\nوالحاصل أن الأرجح هو ما قاله الشافعيّ، والخليليّ، وغيرهما، وهو صريح كلام مسلم هنا، بل هو الذي يدلّ عليه تصرّف الشيخين، كما أشار إليه ابن رجب في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم.\nوقال في \"تدريب الراوي\" ج: ١ ص: ٢٣٨: ما حاصله: قال الحافظ أبو بكر البرديجي: المنكر هو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون من أهل الحديث، قال ابن الصلاح: والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ، قال: وعند هذا القول: المنكرُ قسمان على ما ذكرنا في الشاذ، فإنه بمعناه:\n[مثال الأول]: وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\"، فخالف مالك غيره من الثقات في قوله \"عمر بن عثمان\" بضم العين، وذكر مسلم في \"التمييز\" أن كل من رواه من أصحاب الزهري قاله: بفتحها، وأن مالكا وَهِمَ في ذلك، قال العراقي: وفي هذا التمثيل نظر؛ لأن الحديث ليس بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا؛ لمخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته، وجود ذلك الوصف في المتن، وقد ذكر ابن الصلاح في نوع المعلل، أن العلة الواقعة في السند قد تقدح في المتن، وقد لا تقدح كما سيأتي، قال: فالمثال الصحيح لهذا القسم؛ ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قال: \"كان النبي -ﷺ- إذا دخل الخلاء وضع خاتمه\"،\n_________\n(١) راجع \"شرح العلل\" ٢٥٢ - ٢٥٦. تحقيق صبحي السامرائيّ.","vol":"1","page":360},{"text":"قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: \"أن النبي -ﷺ-، اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه\"، قال: والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ، فهمام بن يحيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه بالنكارة.\n[ومثال الثاني]: وهو الفرد الذي ليس في رواته من الثقة والإتقان ما يُحتَمل معه تفرده، ما رواه النسائي، وابن ماجه من رواية أبي زُكَير، يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- مرفوعا: \"كلوا الْبَلَحَ بالتمر، فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان ... \" الحديث، قال النسائي: هذا حديث منكر، تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يُحتَمل تفرده، بل قد أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف، فقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له ابن عدي أربعة أحاديث مناكير.\nومن أمثلة المنكر أيضًا ما رواه ابن أبي حاتم، من طريق حُبَيّب -بضم الحاء المهملة، وتشديد التحتية، بين موحدتين، أولاهما مفتوحة- ابن حَبِيب -بفتح المهملة، بوزن كريم- أخى حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: \"من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقَرَى الضيف، دخل الجنة\"، قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف. انتهى ما في \"التدريب\" بتصرّف ١/ ٢٣٨ - ٣٤٠.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح الذي يدلّ عليه تصرّف الشيخين، وصرّح به الإمام الشافعيّ في كلامه السابق، وهو ظاهر صنيع الإمام مسلم هنا أن المنكر هو الذي تفرد به الضعيف الذي لا يُحتمل تفرّده، مثل أبي زكير، وحُبَيِّب بن حَبِيب المذكورين، وأما ما تفرّد به الحفّاظ الأثبات، فإنه صحيح، وإن لم يوجد لهم متابع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيهان]: الأول: قد عُلم مما تقدم، بل من تصريح ابن الصلاح أن الشاذ والمنكر بمعنى، وقال الحافظ: إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة، أو صدوق، والمنكر راويه ضعيف، قال: وقد غفل من سَوّى بينهما. وقال في \"النخبة\": فإن خولف الراوي بأرجح يقال له: المحفوظ، ومقابله يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له:","vol":"1","page":361},{"text":"المعروف، ومقابله يقال له: المنكر. انتهى.\nوإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"ألفية الحديث\"، بقوله:\nوَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى الْمَقْبُولُ ... مُخَالِفًا أَرْجَحَ وَالْمَجْعُولُ\nأَرْجَحَ مَحْفُوظٌ وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ ... لَوْ لم يُخَالِفْ قِيلَ أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ\nوقال أيضًا:\nالْمُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ ... مُخَالِفًا فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ\nقَابَلَهُ الْمَعْرُوفُ وَالَّذِي رَأَى ... تَرَادُفَ الْمُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى\nوالله تعالى أعلم.\nالثاني: وقع في عبارتهم \"أنكر ما رواه فلان كذا\"، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفا، وقال ابن عدي: أنكر ما روى بُريد بن عبد الله بن أبي بردة: \"إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها\"، قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم. انتهى، والحديث في \"صحيح مسلم\" (١).\nوقال الذهبي: أَنْكَرُ ما للوليد بن مسلم من الأحاديث، حديث حفظ القرآن، وهو عند الترمذي، وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. قاله في \"التدريب\" ١/ ٢٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>المسألة الثالثة في البحث عن حكم زيادة الثقة:</span>\nقد صرّح المصنّف رحمه الله تعالى في كلامه السابق بأن من قد شارك الثقات الحفّاظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك، إذا زاد شيئًا ليس عند أصحابه قُبلت زيادته، وهذا هو الذي يسمّونه زيادة الثقة، ويشمل الزيادة في الإسناد، وفي المتن، وفيه اختلاف بين أهل العلم، وقد بينه في \"التدريب\" أحسن بيان، حيث قال ما خلاصته:\nمعرفة زيادات الثقات فن لطيف، تُستحسن العناية به، وقد اشتهر بمعرفة ذلك جماعة، كأبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأبي الوليد حسان بن محمد القرشي، وغيرهما، ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها مطلقا، سواء وقعت\n_________\n(١) أخرجه في \"كتاب الفضائل\"، ونصّه:\n٢٢٨٨ - وحُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أمة من عباده، قَبَضَ نبيها قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هَلَكَةَ أمة عَذَّبَهَا ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها، حين كذبوه وعصوا أمره\".","vol":"1","page":362},{"text":"ممن رواه أولا ناقصا، أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي، أم لا، وسواء غَيّرت الحكم الثابت، أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخير ليست هي فيه، أم لا، وقد ادَّعَى ابن طاهر الإتفاق على هذا القول، وقيل: لا تقبل مطلقا، لا ممن رواه ناقصا، ولا من غيره، وقيل تقبل إن زادها غير من رواه ناقصا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصا. وقال ابن الصباغ: فيه إن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلسين قبلت الزيادة، وكانا خبرين يعمل بهما، وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد، وقال: كنت أنسيت هذه الزيادة قبل منه، وإلا وجب التوقف فيها. وقال في \"المحصول\": فيه العبرة لما روى منه أكثر، فإن استوى قُبلت منه، وقيل: إن كانت الزيادة مغيرة للإعراب، كان الخبران متعارضين، وإلا قبلت، حكاه ابن الصباغ عن المتكلمين، والصفي الهندي عن الأكثرين، كأن يُروَى في أربعين شاةٌ، ثم في أربعين نصفُ شاة، وقيل: تقبل إن غَيّرت الإعراب مطلقا، وقيل: لا تقبل إلا إن أفادت حكما، وقيل: تقبل في اللفظ دون المعنى، حكاهما الخطيب. وقال ابن الصباغ: إن زادها واحد، وكان من رواه ناقصا جماعة، لا يجوز عليهم الوهم سقطت، وعبارة غيره: \"لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة\"، وقال ابن السمعاني مثله، وزاد أن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله، وقال الصيرفي، والخطيب: يُشترط في قبولها كون من رواها حافظا.\nوقال الحافظ: اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن، أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين، كابن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى.\nوقد تنبه لذلك ابن الصلاح، وتبعه النوويّ حيث قال: وقسمه ابن الشيخ الصلاح أقساما:\n[أحدها]: زيادة تخالف الثقات فيما رووه فترد، كما سبق في نوع الشاذ.\n[الثاني]: ما لا مخالفة فيه لما رواه الغير أصلا، كتفرد ثقة بجملة حديث فيقبل، قال الخطيب: باتفاق العلماء.\n[الثالث]: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته، وهذه مرتبة بين تينك المرتبتين، كحديث حذيفة: \"جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا\"، انفرد أبو مالك سعد ابن طارق الأشجعي، فقال: \"وجعلت تربتها لنا طهورا\"، وسائر الرواة لم يذكروا","vol":"1","page":363},{"text":"ذلك، فهذا يشبه الأول المردود من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد المردود بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع من المخالفة يختلف به الحكم، ويشبه الثاني المقبول من حيث إنه لا منافاة بينهما، كذا قال الشيخ ابن الصلاح، قال النوويّ: والصحيح قبول هذا الأخير، قال: ومثله الشيخ أيضا بزيادة مالك في حديث الفطرة: \"من المسلمين\"، ونقل عن الترمذي أن مالكا تفرد بها، وأن عبيد الله بن عمر، وأيوب، وغيرهما رووا الحديث عن نافع، عن ابن عمر بدون ذلك، قال النوويّ: ولا يصح التمثيل به، فقد وافق مالكا عليها جماعة من الثقات، منهم عمر ابن نافع، وروايته عند البخاري في \"صحيحه\"، والضحاك بن عثمان، وروايته عن مسلم في \"صحيحه\"، قال العراقي: وكثير بن فرقد، وروايته في \"مستدرك الحاكم\"، و\"سنن الدارقطني\"، ويونس بن يزيد في \"بيان المشكل للطحاوي\"، والمعلى بن إسماعيل في \"صحيح ابن حبّان\"، وعبد الله بن عمر العمري في \"سنن الدارقطني\".\nقيل: وزيادة \"التربة\" في الحديث السابق يحتمل أن يراد بها الأرض، من حيث هي أرض، لا التراب، فلا يبقى فيه زيادة، ولا مخالفة لمن أطلق.\nوأجيب بأن في بعض طرقه التصريح بالتراب، ثم إن عَدّها زيادة بالنسبة إلى حديث حذيفة، وإلا فقد وردت في حديث علي، رواه أحمد، والبيهقي، بسند حسن.\nومن أمثلة هذا الباب حديث الشيخين عن ابن مسعود -﵁-: سألت رسول الله -ﷺ- أي العمل أفضل؟ قال: \"الصلاة لوقتها\"، وزاد الحسن بن مُكرم، وبندار في روايتهما: \"في أول وقتها\"، صححها الحاكم، وابن حبان. وحديث الشيخين عن أنس -﵁-: \"أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة\"، زاد سماك بن عطية: \"إلا الإقامة\"، وصححها الحاكم، وابن حبان. وحديث علي -﵁-: \"إن السَّهَ وِكاء العين\"، زاد إبراهيم بن موسى: \"فمن نام فليتوضأ\". انتهى. ما في \"التدريب\" ١/ ٢٤٥ - ٢٤٨.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح في مسألة زيادة الثقة التفصيل الذي سبق، وهو أنها إن خالفت ما رواه الثقات رُدّت؛ لكونها شاذّة منافية، وإلا قُبلت؛ لأن من زادها جازم بما رواه، وهو ثقة، ولا معارض لروايته؛ لأن الساكت عنها لم ينفها لفظا، ولا معنى؛ لأن مجرد سكوته عنها لا يدل على أن راويها وَهِمَ فيها، وإن وقعت بين هاتين المرتبتين، كأن زاد لفظة توجب قيدًا لمطلق، أو تخصّصًا، فالذي عليه عمل المحدّثين كعبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبي حاتم، والدارقطنيّ، وغيرهم من الأئمة أنهم لا يحكمون فيه بحكم كلّيّ من القبول والردّ، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عندهم في كلّ حديث، فربما يقبلون من ثقة حافظ في موضع، ويردّون منه","vol":"1","page":364},{"text":"في موضع آخر، قال الحافظ رحمه الله تعالى عند ذكر ترجيح الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى لوصل حديث. \"لا نكاح إلا بوليّ\": ما حاصله: الإستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاريّ في هذا الحديث الخاصّ ليس بمستقيم؛ لأن البخاريّ لم يحكم فيه بالإتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى، رجحت عنده حكم الموصول، منها: أن يونس بن أبي إسحاق، وابنيه إسرائيل، وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شكّ أن آل الرجل أخصّ به من غيرهم، ووافقهم على ذلك أبو عوانة، وشريك النخعيّ، وزهير بن معاوية، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه، وسماعهم إياه من لفظه، وأما رواية من أرسله وهما شعبة، وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذيّ، قال: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود، حدثنا شعبة، قال: سمعت سفيان الثوريّ يسأل أبا إسحاق، أسمعت أبا بُردة يقول: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا نكاح إلا بوليّ\" فقال: نعم، فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد عرضًا كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعدّدة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد.\nهذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد.\nفتبيّن أن ترجيح البخاريّ لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرّد أن الوصل معه زيادة ليست مع المرسل، بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أُخَر، مثاله ما رواه الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر ابن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة -﵂-، قالت: إن النبيّ -ﷺ- قال: \"إن شئتِ سبَعتُ لك ... \" الحديث، ورواه مالك عن عبد الله ابن أبي بكر بن الحارث أن النبيّ -ﷺ- قال لأم سلمة -﵂-، قال البخاريّ في \"تاريخه\": الصواب قول مالك، مع إرساله. فصوّب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوّب المتّصل هناك؛ لقرينة ظهرت له فيه، فتبيّن أنه ليس له عملٌ مطّرد في ذلك. انتهى كلام الحافظ (١).\nوإلى ما تقدّم أشرت في منظومتي \"شافية الغُلل\" حيث قلت:\nزِيَادَةُ الثِّقَةِ فِيهَا اخْتَلَفُوا ... قَبِلَهَا قَوْمٌ وَقَوْمٌ ضَعَّفُوا\nوَفَصَّلَتْ طَائِفَةٌ فَإِنْ أَتَتْ ... مِنْ حَافِظٍ ثَبْتٍ فَأَخْذُهَا ثَبَتْ\n_________\n(١) راجع \"النكت على ابن الصلاح\" للحافظ رحمه الله تعالى ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٩.","vol":"1","page":365},{"text":"أَوْ لَا فَلَا بِذَا الإِمَامُ التِّرْمِذِي ... صَرَّحَ وَهْوَ رَاجِحٌ لِلْمُحْتَذِي\nوَابْنُ الصَّلَاحِ قَسَّمَ الزِّيَادَهْ ... إِلَى ثَلَاثٍ فَافْهَمَنْ مُرَادَهْ\nأَحَدُهَا الَّذِي يُنَافِي مَا رَوَى ... جُلُّ الثِّقَاتِ فَلْيُرَدَّ مَا حَوَى\nوَالثَّانِ مَا لَيْسَ مُنَافِيًا وَذَا ... يُقْبَلُ إِذْ لم يَكُ جَا مُنَافِيَا\nثَالِثُهَا الْوَاقِعُ بَيْنَ ذَيْنِ ... فَعِنْدَهُ التَّرْجِيحُ دُونَ مَيْنِ\nفِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ بِالْقَرِينَةِ ... جَرَى عَلَى هَذَا وُعَاةُ السُّنَّةِ\nكَذَا إِذَا رَوَى الْوُعَاةُ الْخَبَرَى ... بِسَنَدٍ وَوَاحِدٌ قَدْ أَثَرَا\nمُنْفَرِدًا بِسَنَدٍ آخَرَ مَعْ ... كَوْنِهِ حَافِظًا فَخُلْفُهُمْ وَقَعْ\nفَمِنْهُمُ مَنْ رَدَّ لِلْخِلَافِ ... لأَكْثَرِ الْحُفَّاظِ بِاعْتِسَافِ\nوَبَعْضُهُمْ قَبِلَهُ إِذْ وُصِفَا ... بِالْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ بَعْمَ مَا وَفَا\nوَيُرْجَحُ الْقَبُولُ إِنْ كَانَ رَوَى ... عَنْ وَاسِعِ الْحَدِيثِ عَالِي الْمُسْتَوَى\nإِذْ يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى تَعَدُّدِ ... طُرُقِ ذَلِكَ الإِمَامِ الْمُهْتَدِي\nوَذَاكَ كَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ... وَشُعْبَةٍ وَالأَعْمَشِ الْقَوِيِّ\nوَإِنْ يَكُنْ سَيِّءَ حِفْظٍ يُحْكَمِ ... عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ فَرُدَّ تَسْلَمِ\nوَإِنْ يَكُنْ مَعْ سُوءِ حِفْظِهِ سَلَكْ ... مُشْتَهِرَ الطُّرْقِ فَبِالأَوْلَى هَلَكْ\nهَذَا إِذَ عُلِمَ وَحْدَةُ الْخَبَرْ ... أَمَّا إِذَا تَخَالَفَا فَالْمُعْتَبَرْ\nأَنْ لا نُخَطِّىءَ لِوَاحِدٍ وَذَا ... لَهُ عَلَامَةٌ تُرَى فَتُحْتَذَى\nمِنْ نَقْصٍ أوْ زَيْدٍ وَتَغْيِيرٍ وَذَا ... ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ حَذَا\nإِنْ يَحْتَمِلْ تَعَدُّدًا وَإِلَّا ... فَخَطَأُ الْوَاحِدِ فِيهِ أَجْلَى\nوَبَعْضُهُمْ بِالْوَهْمِ مُطْلَقًا حَكَمْ ... لِوَاحِدٍ كَالدَّارَقُطْنِيِّ الْعَلَمْ\nوَالأَوَّلُ الأَرْجَحُ عِنْدِي إِذْ غَدَا ... مُدْرَكُهُ أَوْضَحَ يَا أَخَا الْهُدَى\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:\n(قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ، بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ، وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ، عِنْدَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا، فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالْإِيضَاحُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه الله تعالى أنه قد أوضح فيما سبق من كلامه من مذهب أهل الحديث بعض ما","vol":"1","page":366},{"text":"يتمكّن به الطالب الموفّق للتوجّه إلى طريق أهل الحديث، وسوف يزيد الشرح والإيضاح لعلل الحديث في ثنايا الكتاب إذا مرّت به، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(قَدْ) حرف تحقيق، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ الآية [الشمس: ٩] (شَرَحْنَا) أي أوضحنا، وبيّنّا، قال الفيّوميّ: شرحت الحديث شرحًا: بمعنى فسّرته، وبيّنته، وأوضحت معناه. انتهى \"المصباح\" (مِنْ مَذْهَب الْحَدِيثِ) أي الطريق التي يُسلك في الوصول إلى تحقيق علم الحديث، فالجار والمجَرور بيان مقدّم لقوله: \"بعض ما يتوجه به\"، فيكون متعلّقًا بحال محذوف؛ لأن \"من\" البيانة إذا تقدّمت تعرب حالًا: أي حال كونه كائنا من مذهب أهل الحديث (وَأَهْلِهِ) أي وبيان أهل الحديث، وهم الرواة، وهذا الكلام كالكلام الذي مضى له أنه يقسم جملة الأخبار عن رسول الله -ﷺ-، على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، فعطف قوله: \"وأهله\" من عطف اللازم على الملزوم؛ لأن بيان طريق الحديث يستلزم بيان أهله، فطريق الحديث مثلًا بيان كونه متصلًا، أو منقطعًا، أو مرفوعا، أو موقوفًا، إلى غير ذلك من أوصافه المتنوّعة، وبيان أهله هو بيان كونهم عدولًا، أو لا، ولقاء بعضهم بعضًا، وكونهم مدلسين، أو لا، إلى غير ذلك من أوصافهم المتكاثرة (بَعْضَ) بالنصب مفعول به لقوله: \"شرحنا\"، وهو مضاف إلى (مَا يَتَوَجَّهُ) بالبناء للفاعل، و\"ما\" واقعة على الشرِح والبيان (بِهِ) الضمير راجع إلى \"ما\"، والباء سببية: أي بسبب معرفته وقوله: (مَنْ أرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ) فاعل \"يتوجّه\": والمعنى: بينا بعض البيانان التي يقصد بسبب معرفتها الشخص الذَي أراد سلوك سبيل المحدّثين (وَوُفِّقَ لَهَا) بالبناء للمفعول، وتشديد الفاء، من التوفيق: أي صار موفّقا للتوجه لسلوك تلك السبيل.\nوقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي يقصد طريقهم، ويسلك مذهبهم، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ الآية [الأنعام: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ الآية [الروم: ١٣٠]. انتهى \"إكمال المعلم\" ١/ ١٠٥.\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى يتوجّه به: يقصد طريقهم، ويسلك مذهبهم، و\"السبيل\": الطريق، وهما يؤنّثان، ويذكّران. والتوفيق خلق قدرة الطاعة. انتهى (١).\nوحاصل معنى كلام المصنّف رحمه الله تعالى أنه بيّن، وأوضح فيما مضى من كلامه بعض البيانات التي يتوجه، ويقصد بسبب معرفتها الشخص الذي أراد أن يفهم طريق\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":367},{"text":"المحدثين، مع توفيق الله تعالى له للتوجه إليها.\nوإنما قال: \"بعض\"، لأنه لم يبيّن في هذه المقدّمة مسائل مصطلحات المحدثين كلها، بل بيّن قليلًا منها، وإنما بيّن ما هو أهمّ لمريد التمييز بين صحيح الأخبار، وسقيمها، وأما معرفة جميع المسائل، فلا بدّ من الرجوع إلى الكتب المؤلفة في ذلك.\nوإنما عطف جملة \"ووُفّق لها\" على ما قبلها إشارةً إلى أنه لا بد في نجاح رغبة العبد، ووصوله إلى مطلوبه من التوفيق الإلهيّ، فإن مجرد الإجتهاد لا يُجدي، بل يذهب ضائعًا، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال:\nإِذَا كَانَ عَوْنُ اللهِ لِلْمَرْءِ مُسْعِفًا ... تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ\nوَإِنْ لم يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى ... فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ\nقال المصنف رحمه الله تعالى:\n(وَسَنَزِيدُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) - جملة معترضة بين العامل ومعموِله جيء بها للتبرك، عملا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (شَرْحًا) مفعول \"سنزيد\"، وقوله: (وَإِيضَاحًا) من عطف المرادف، فإن الشرح والإيضاح بمعنى واحد، كما سبق قريبًا (فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ) أي كتابه هذا، لا كما ظنه من لم يُمعن في فهم مراده بأنه أراد أن يضع كتابًا آخر يذكَر فيه الأخبار المعلّلة، فهذا غلط صريح، يفنّده السياق، والجارّ متعلّق بقوله: \"سنزيد\"، أو بـ \"شرحًا\"، وكذا قوله: (عِنْدَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ) أي التي فيها علّة، وهي الأسباب الخفية الغامضة تطرأ على الحديث، فتقدح في صحته، مع كون ظاهره السلامة منها.\nوقوله: \"المعلّلة\" بلامين، من علّله، والأجود كونه بلام واحدة، من أعلّ الرباعيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الأولى من المسائل الآتية قريبًا، إن شاء الله تعالى.\nوالظاهر أنه أراد هنا مطلق العلة، سواء كانت تؤثّر في صحته، أم لا، لأن العلة تطلق على ما يعم النوعين، كما سيأتي بيانه قريبًا أيضًا، فإن بعض المواضع التي يبيّن فيها الإختلاف لا يؤثّر في صحة الحديث. والله تعالى أعلم.\n(إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا) أي إذا ذكرناها في الكتاب و\"إذا\" ظرف لـ \"سنزيد\"، أو لـ \"شرحا\" أيضًا (فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالْإِيضَاحُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) الجارّ والمجرور بدل من قوله: \"في مواضع\"، وجملة الإنشاء تقدم بيانها قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه الله تعالى السابق:</span>","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المسألة الأولى: في قوله: \"وسنزيد شرحًا وإيضاحًا الخ</span>\":\nاعلم: أن هذا الذي ذكره مسلم رحمه الله تعالى من أنه يبيّن علل الأخبار مما اختُلف فيه، فقيل: اخترمته المنيّة قبل جمعه، وقيل: بل ذكره في أبوابه من هذا الكتاب الموجود، وهذا الثاني هو الصواب الذي يدلّ عليه دلالةً واضحة سياق كلامه هنا وقد تقدّم قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: \"وكذلك علل الحديث التي ذكر وعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقم، وذكر تصاحيف المصحّفين. انتهى.\nولنذكر أمثلةً على ما رجّحناه من أنه وفى بما وعد به من بيان العلل ما تيسّر:\nفمنها: ما أخرجه من حديث عائشة -﵂- في المستحاضة التي جاءت إلى النبيّ -ﷺ-، وفيه أنها قالت له: أفأدع الصلاة؟ فقال: \"لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصلّي\". أخرج ذلك من طريق وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه به، ثم أخرجه من طرُق عن حماد بن زيد، عن هشام بمثل حديث وكيع، ثم قال: وفي حديث حمّاد زيادة حرف تركنا ذكره. والحرف الذي ترك ذكره هو قوله: \"وتوضئي\" (١).\nوهذا الحديث قد أخرجه النسائيّ في \"سننه\" من طريق حماد، وفيه تلك الزيادة، ولفظه: \"وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي\". ثم قال النسائيّ: ولا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: \"وتوضئي\" غير حمّاد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه \"وتوضئي\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان: مسلم والنسائيّ من تفرّد حماد بن زيد بهذه الزيادة غير مسلّم، فقد وافقه أبو معاوية عند البخاريّ في \"صحيحه\"، والترمذيّ في \"جامعه\"، وحماد بن سلمة عند الدارميّ، ويحيى بن سُليم، عند السرّاج، وأبو حمزة السُّكَّريّ عند ابن حبّان في \"صحيحه\"، بلفظ: \"فاغتسلي، وتوضّئي لكلّ صلاة\".\nوالحاصل أن زيادة الأمر بالوضوء ليست مما تفرّد بها حماد بن زيد كما ادّعاه المصنّف والنسائيّ، بل رواها جماعة كما سمعت، وقد حقّقت هذا كله في \"شرح النسائيّ\" ٤/ ص ٣١١ - ٣١٢ رقم ١٣٨/ ٢١٧ فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب.\nومنها: ما أخرجه من حديث أبي قتادة الأنصاريّ -﵁- أن رسول الله -ﷺ- سئل عن\n_________\n(١) راجع \"صحيح مسلم\" ١/ ٢٦٣.","vol":"1","page":369},{"text":"صومه ... وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال -﵁-: \"ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعِثتُ\"، قال مسلم: وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسُئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وَهْمًا. انتهى. فقد بيّن رحمه الله تعالى أن ذكر \"الخميس\" غلط من شعبة، فتركه لذلك، وروى الحديث من رواية أبان العطّار، ومهديّ ابن ميمون كلاهما عن غيلان بن جرير شيخ شعبة فيه، وليس فيه ذكر \"الخميس\" (١). والله تعالى أعلم.\nومنها: ما يكون بيانه العلة عن طريق الإشارة، مثل ما أخرجه من طريق هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد الأنصاريّ، قال: قال أبو قتادة، واقتصّ الحديث، فقد جرى ههنا على خلاف عادته، من إخراج الحديث التامّ أوّلًا، ثم عطف باقي الأحاديث التي في معناه عليه، وإشارته إلى ما فيها من الزيادة والنقص، فلم يسُق المتن هنا، بل اكتفى بقوله: \"واقتصّ الحديث\"، إشارة إلى أن له علّةً.\nوقد بيّن هذا البيهقيّ رحمه الله تعالى حيث أخرج الحديث من طريق هُشيم، وفيه: \"من أقام البيّنة على أسيرٍ فله سَلَبه\"، قال: والحفّاظ يرونه خطأ، فمالك بن أنس، والليث ابن سعد روياه عن يحيى، فقال الليث في الحديث: \"من أقام البيّنة على قتيل، فله سلبه\"، وقال مالك: \"من قتل قتيلًا، له عليه بيّنةٌ، فله سلَبه\"، ولم يقُل أحدٌ فيه: \"على أسير\" غير هُشيم، وبيّن البيهقيّ صنيع مسلم في هذا الحديث، فقال: فقد أخرج مسلم إسناد هذا الحديث في \"الصحيح\"، ولم يسُق متنه.\nومنها: ما أخرجه من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: ذُكر لابن عمر عُمرةُ النبيّ -ﷺ- من الجعرانة، قال: \"لم يعتمر منها\" (٢)، وقد خفيت هذه العمرة على ابن عمر لأسباب ذكرها الحافظ في \"الفتح\" (٣)، وقد صحّ أنه -ﷺ- اعتمر منها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد أجاد مسلم ﵀ في صنيعه حيث لم يسق المتن إشارة إلى كونه معلًّا، فلله درّه.\nومنها: ما أخرجه من طرق عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة -﵁- رفعه: \" ... فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا\" (٤) ومن بين هذه الطرق طريق ابن عيينة، وقد ابتدأ بسردها، ثم سرد غيرها، ولم يذكر لفظ ابن عيينة؛ لأن الصحيح في رواية\n_________\n(١) راجع \"صحيح مسلم\" ٢/ ٨١٩ - ٨٢٠ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n(٢) راجع \"صحيح مسلم\" ٣/ ١٢٧٨ رقم ١٦٥٦.\n(٣) راجع \"الفتح\" ٨/ ٣٥ و٦/ ٢٥٣ و٣/ ٦٠٠.\n(٤) \"صحيح مسلم\" ١/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٦٠٢.","vol":"1","page":370},{"text":"الزهريّ غيرها، فقد رواها عنه ابن عيينة بلفظ: \"فاقضوا\". قال الحافظ: وحكم مسلم في \"التمييز\" عليه بالوهم في هذه اللفظة، مع أنه أخرج إسنادها في \"صحيحه\"، لكن لم يسُق لفظه. انتهى (١). وهذا وإن لم يبيّن العلة صريحًا، إلا أن تركه ذكر لفظه يدلّ على الإشارة إليها، ولذا ترى الحافظ الرشيد العطار الذي قدّمنا رسالته في مقدّمة هذا الشرح يُكثر من ذكر الأمثلة على هذا النحو، ثم يوجّهه بأنه أوردها في الشواهد؛ ليكثر طرق الحديث، وليُنبّه على المخالفة فيه، انظر مثلًا \"غرر الفوائد المجموعة\" الأرقام ١٤ و١٥ و١٧ و١٨ وغيرها.\nومنها: ما أخرجه من حديث يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج في حديث القسامة وفيه قوله -ﷺ-: \"أتحلفون خمسين يمينًا، فتستحقّون صاحبكم، أو قاتلكم؟ \"، قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: \"فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا\"، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفّار؟ فلما رأى رسول الله -ﷺ- ذلك أعطى عقله (٢).\nفقد أخرجه من طرق عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار به، وأخرجه من طريق سعيد بن عبيد، حدثنا بُشَير بن يسار الأنصاريّ، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره أن نفرًا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرّقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، قال: وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله -ﷺ- أن يُبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (٣).\nففي هذه الرواية علة، حيا ذُكر فيها أن النبيّ -ﷺ- سألهم البينة، مع أنها لم تأت في الحديث، وحذف موضع حكم رسول الله -ﷺ- في القسامة، وهي الثابتة في الحديث، فاكتفى مسلم في \"الصحيح\" بإيراد الإسناد، وأول القصّة، وحذف موضع العلة منه.\nوقد ذكر رواية سعيد بن عبيد هذه بتمامها في كتابه \"التمييز\"، ومثّل بها للحديث الذي نُقل على الوهم في متنه، ولم يُحفظ، ومما قاله فيه بعد كلام طويل: ما نصّه: فقد ذكرنا جملة من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله -ﷺ-، وكلها مذكور فيها سؤال النبيّ -ﷺ- إياهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبيّ -ﷺ- سألهم البينة، إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر، فلم يذكره، وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. انتهى (٤).\nومنها: ما أخرجه من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنس\n_________\n(١) \"فتح\" ٢/ ١١٨.\n(٢) \"صحيح مسلم\" ٣/ ١٢٩١ - ١٢٩٢.\n(٣) \"صحيح مسلم\" ٣/ ١٢٩٤.\n(٤) \"التمييز\" ص ١٤٤ - ١٤٦.","vol":"1","page":371},{"text":"ابن مالك -﵁- يحدث عن ليلةَ أسري برسول الله -ﷺ- من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائمٌ في المسجد الحرام ... وساق الحديث بقصّته نحو حديث ثابت البنانيّ، وقدّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص (١).\nفقوله: \"وقدّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص\" يُشعر بأن شريكًا لم يضبطه، وأنه حصل له فيه الوهم، ولذا قال ابن القيم: وقد غلّط الحفّاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدّم وأخّر، وزاد، ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد انتهى (٢).\nوقد بيّن الحافظ رحمه الله تعالى في \"الفتح\" في \"كتاب التوحيد\" ج: ١٣ ص: ٤٨٥ تلك الإنتقادات، وساقها، وهي أكثر من عشرة، فراجعه تستفد (٣).\nومنها: أنه يقوم أيضًا ببيان تصحيفات المصحّفين من الرواة، سواء كان في الإسناد، أم في المتن.\nفمنها: قوله: وحدّثنا خلَف بن هشام، حدثنا مالك بن أنس (ح) وحدثنا يحيى\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" ١/ ٣٨ رقم ٤.\n(٢) \"زاد المعاد\" ٣/ ٤٢.\n(٣) وحاصل كلامه هناك أن مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك، قال:\n(الأول): أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر. (الثاني): كون المعراج قبل البعثة. وقد أجاب بعضهم عن ذلك بأن القبلية هنا في أمر مخصوص، وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلا، أي أن ذلك وقع بغتة قبل أن يُنذر به، ويؤيده قوله في حديث الزهري: \"فُرِج سقف بيتي\". (الثالث): كونه مناما. (الرابع): مخالفته في محل سدرة المنتهى، وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة، أو السادسة. (الخامس): مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى. (السادس): شق الصدر عند الإسراء. (السابع): ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة. (الثامن): نسبة الدنو والتدلي إلى الله ﷿، والمشهور في الحديث أنه جبريل. (التاسع): تصريحه بأن امتناعه -ﷺ- من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسع. (العاشر): قوله: فعلا به الجبار، فقال: وهو مكانه. (الحادي عشر): رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵊ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع. (الثاني عشر): زيادة ذكر التَّوْر في الطست. قال: فهذه أكثر من عشرة مواضع في هذا الحديث، لم أرها مجموعة في كلام أحد ممن تقدم. وقد جزم ابن القيم في \"الهدي\" بأن في رواية شريك عشرة أوهام، لكن عَدَّ مخالفته لمحالّ الأنبياء أربعة منها، وأنا جعلتها واحدة، فعلى طريقته تزيد العدة ثلاثة. وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ باختصار.","vol":"1","page":372},{"text":"ابن يحيى -واللفظ له- قال: قرأت على مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة -﵂-، عن جُدامة بنت وهب الأسديّة أنها سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ... \" الحديث. قال مسلم: وأما خلف فقال: عن جُذامة الأسديّة، والصحيح ما قاله يحيى بالدال. انتهى. وأيد الدارقطنيّ ما قاله مسلم، حيث قال: وهي بالجيم والدال غير معجمة، ومن ذكرها بالذال فقد صحّف. انتهى (١).\nومنها: قوله في آخر حديث أنس -﵁-: \"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة\" (٢). فصحف شعبة: \"ذَرّة\" بفتح الذال، وتشديد الراء إلى \"ذُرَة\" بضم الذال، وتخفيف الراء.\nومنها: بيانه الإدراج في الحديث، فقد أخرج حديث الملاعنة من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعدن أن عويمرًا الأنصاري ... قال: يا رسول الله -ﷺ- أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله ... الحديث، ثم أخرجه أيضًا عن سهل بن سعد، ثم قال: وساق الحديث بمثل حديث مالك، وأدرج في الحديث قوله: \"وكان فراقه إياها بعدُ سنة في المتلاعنين\"، وزاد فيه: قال سهل: فكان حاملًا، فكان ابنها يُدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أنه يرثها ... الخ. وهذا من المدرج وسط المتن.\nومن الإدراج في آخره ما أخرجه من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: \"إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب ... \" قال: وأحبّ القيد، وأكره الغلّ، والقيد ثبات في الدين، فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين. ثم أتبعه طريقًا آخر، وفيه: وقال في الحديث: قال أبو هريرة: فيُعجبني القيد، وأكره الغلّ، والقيد ثبات في الدين، ثم أعقبه طريقًا آخر عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ-. قال مسلم: وأدرج في الحديث قوله: \"وأكره الغلّ ... \". فقد بيّن بإدراج ذكر القيد والغلّ، وقد صرّح بذلك الخطيب البغداديّ.\nومنها: أنه ربما أشار إلى الإدراج من غير تصريح بلفظ الإدراج، فقد أخرج حديث جرير بن عبد الله: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها -يعني العصر والفجر- ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣]. ثم\n_________\n(١) \"المؤتلف والمختلف\" ٢/ ٨٩٩.\n(٢) \"صحيح مسلم\" ١/ ١٨٢.","vol":"1","page":373},{"text":"أتبعه طريقًا آخر، ثم قال: \"قال: ثم قرأ\"، ولم يقل: جرير (١).\nفقد أشار في الطريق الثانية إلى الإدراج، أي أن قراءة الآية لجرير، وليست مرفوعة إلى النبيّ -ﷺ-، وقد صرّح ذلك البيهقيّ في \"السنن الكبرى\"، والحافظ في \"الفتح\" (٢).\nومنها: أنه ربما أتى بلفظة تؤدّي معنى الإدراج، مثل ما أخرج من طريق عبيد الله ابن عمر، عن نافع عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن الْقَزَع، وبيّن أن تفسير القزع من نافع، ثم ساقه من طريقين وجعل التفسير من عبيد الله، ثم ذكره من طريق عثمان بن عثمان الغطفاني، وروح كلاهما عن عمر بن نافع، ولم يسق متنه، بل اكتفى بقوله: مثله، وألحقا التفسير فى الحديث (٣)، فنبّه بهذا على أن عثمان ورَوْحًا أدرجا التفسير في روايتهما (٤).\nومنها: أنه ربما رتّب الطرق، فبيّن بذلك ما وقع فيها من الإدراج، مثال ذلك حديث ابن مسعود -﵁- في مجيء داعي الجنّ إلى النبيّ -ﷺ-، وقراءته القرآن عليهم، قال ابن مسعود: \"فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكلُّ بعرة علف لدوابّكم\"، فقال رسول الله -ﷺ-: \"فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم\".\nثم رواه من طريق إسماعيل بن غبراهيم، عن داود، وقال: بسنده إلى قوله: وآثار نيرانهم، \"قال الشعبيّ\": \"وسألوه الزاد إلى آخره\"، فبيّن أنه من قول الشعبيّ منفصلا من حديث عبد الله، ثم أخرجه من طريق عبد الله بن إدريس، عن داود به بدون ذكر \"وسألوه\" إلى آخره، لا متّصلًا، ولا منفصلًا.\nفقد أخرج الحديث في الطريق الأولى متضمنًا الإدراج، ثم أخرجه من الطريق الثاني مبيّنًا أن قوله: \"وسألوه الزاد الخ\" من قول الشعبيّ مرسلًا، وليس من حديث عبد الله، ثم أخرجه من الطريق الثالث، وليس فيه تلك الزيادة لا متصلة، ولا منفصلة.\nوقد جزم الدارقطنيّ بالإدراج، حيث قال: \"وآخر الحديث إنما من قول الشعبيّ مرسل، وليس عن النبيّ -ﷺ- (٥) \".\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠.\n(٢) \"السنن الكبرى\" ١/ ٣٠٩ \"فتح الباري\" ٢/ ٣٤.\n(٣) \"صحيح مسلم\" ٣/ ١٦٧٥.\n(٤) راجع \"فتح الباري\" ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(٥) \"التتبّع رقم (٢٣٤). وراجع \"شرح النوويّ\" ٤/ ١٧٠.","vol":"1","page":374},{"text":"وقال الحافظ السخاويّ: ما نصّه: وما أحسن صنيع مسلم حيث أخرج حديث عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود في مجيء داعي الجنّ إلى النبيّ -ﷺ-، وذهابه معهم ... إلى آخر كلامه (١).\nومنها: أنه أخرج حديثا من طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، ثم أخرجه من طريق عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، ثم قال: وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: لَمّا كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم الذي فيه النسوة ... وساق الحديث بمعنى حديث ابن مسهر في هذا الإسناد، ولم يذكر عبد الله ابن عروة في الحديث، ولكن أدرج القصّة في حديث هشام عن أبيه، عن ابن الزبير.\nفقد بيّن رحمه الله تعالى أن القصّة مع بقية الحديث إنما هي من رواية عبد الله بن عروة عن ابن الزبير، لا من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وإنما أدرج الراوي القصّة، وجعلها في حديث هشام بن عروة، مع كونها ليست من حديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>المسألة الثانية: في قوله: \"المعلّلة</span>\".\nاعلم: أن المصنف رحمه الله تعالى استعمل لفظ \"المعلّلة\" بلامين، وهو استعمالٌ غير جيّد؛ لأنه اسم مفعول من علّله: بمعنى ألهاه بالشيء، وشغله به، وليس هذا الفعل مستعملًا في كلامهم، بل عبارات المحدّثين في الفعل أن يقولوا: أعله فلان بكذا.\nووقع أيضًا في عبارة البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ، وغيرهم التعبير بـ \"المعلول\"، وأنكره ابن الصلاح، والنوويّ، وقال: إنه لحنٌ، وأنكره أيضًا العراقيّ، والحريريّ في \"دُرّة الغوّاص\"، لأن اسم مفعول أعلّ الرباعيّ لا يأتي على مفعول؛ لكن تعقّب هذا القول بأنه ثبت في اللغة عُلّ الإنسان ثلاثيّا: بمعنى مرض، قال في \"المصباح المنير\": عُلّ الإنسان بالبناء للمفعول: مَرِضَ، ومنهم من يَبنيه للفاعل، من باب ضرب، فيكون المتعدّي من باب قتل، فهو عليل، وأعلّه الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك، فإنه من تداخل اللغتين، والأصل: أعله الله، فعُلّ، فهو معلول، أو من علّه، فيكونه على القياس، وجاء مُعلّ على القياس، لكنه قليل الإستعمال. انتهى باختصار.\nفأفاد أن قول المحدّثين: معلول جار على اللغة، وليس بلحن، ويؤيّده أيضًا\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.","vol":"1","page":375},{"text":"استعمال أبي إسحاق الزجّاج اللغويّ لفظ \"معلول\" في \"العروض\".\nوالحاصل أن الأجود الذي لا خلاف فيه هو لفظ \"المعلّ\"، بلام واحدة مشدّدة، ويليه لفظ \"معلول\" فإنه جائز الإستعمال على الصحيح، وأما لفظ \"المعلل\"، وإن استعمله بعضهم، كالمصنف، فليس بجيّد.\nوإلى ما ذُكر أشرت في \"شافية الغُلل\"، حيث قلت:\nثُمَّ الْحَدِيثُ إِنْ يَكُنْ ذَا عِلَّةِ ... لُقِّبَ بِـ \"الْمُعَلِّ\" كُنْ ذَا ثِقَةِ\nأَمَّا \"الْمُعَلَّلُ\" بِلَامَيْنِ وَإِنْ ... أَطْلَقَهُ بَعْضٌ فَبِالْبُعْدِ قَمِنْ\nإِذْ عَلَّلَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى أَلْهَى ... فَهَهُنَا الْمَعْنَى يَكُونُ أَوْهَى\nكَذَلِكَ التَّلْقِيبُ بِـ \"الْمَعْلُولِ\" ... أَنْكَرَهُ بَعْضُ ذَوِي النُّقُولِ\nإِذْ عَلَّهُ سَقَاهُ ثَانِيًا وَذَا ... يَبْعُدُ كَالسَّابِقِ لَكِنْ رُدَّ ذَا\nبِأَنَّهُ يُقَالُ عُلَّ أَيْ مَرِضْ ... فَطَالِعِ الصِّحَاحَ أَنْ لا تَعْتَرِضْ\nبِهِ جَرَتْ عِبَارَةُ الْكِبَارِ ... كَالتِّرْمِذِي وَشَيْخِهِ الْبُخَارِي\nوَمِنْ أُولِي اللُّغَةِ فَالزَّجَّاجُ ... قَدْ قَالَهُ مِمَّنْ بِهِ احْتِجَاجُ\nلِذَا نَرَى اسْتِعْمَالَهُ صَحِيحَا ... فَلَا تَكُنْ إِمَّعَةً جَرِيحَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المسألة الثالثة: في معنى العلّة:</span>\n\" العلة\" في اللغة: المرض، واصطلاحًا: هي عبارة عن أسباب خفية طرأت على الحديث الذي ظاهره السلامة؛ لاستجماعه شروط الصحة ظاهرًا، فأثّرت في صحته.\nقال النوويّ رحمه الله تعالى في كتابه \"التقريب\": والعلة عبارة عن سبب غامض، قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، قال ابن الصلاح: فالحديث المعل ما اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته مع ظهور السلامة.\nويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرا وتدرك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تُنَبّه العارفَ بهذا الشأن على وَهَم الراوي بإرسال، أو وقف، أو دخول حديث في حديث، أو غير ذلك، بحيث يغلب على ظنه، فيحكم بعدم صحة الحديث، أو يتردد فيتوقف فيه، وربّما تقصر عبارة المعلّ عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفيّ في نقد الدينار والدرهم. قال ابن مهدي: معرفة علم الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك، وقيل له أيضا: إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد، فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا","vol":"1","page":376},{"text":"بهرج، أكنت تسأل عمن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة، والمناظرة، والخبرة.\nوسئل أبو زرعة ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة، فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كَلامَنَا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا فاعلم أن كُلًّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.\n[تنبيه]: طريق معرفة العلّة: جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم وإتقانهم، قال ابن المديني: الباب إذا لم تُجمَع طرقه، لم يتبين خطؤه.\nوإلى ما تقدّم أشرت في \"شافية الغلل\" بقولي:\nوَعِلَلُ الْحَدِيثِ جَمْعُ عِلَّةِ ... وَفُسِّرَتْ بِمَرَضٍ فِي اللُّغَةِ\nأَمَّا فِي الإصْطِلَاحِ فَهْيَ سَبَبُ ... يَكُونُ غَامِضًا وَقَدْحًا يُوجِبُ\nمعَ سَلَامَةٍ تَكُونُ ظَاهِرَا ... فَالْخَبَرُ الْمُعَلُّ مَا فِيهِ تُرَى\nمَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلَامَهْ ... لَكِنْ لَدَى الْبَحْثِ تَجِي الْمَلَامَهْ\nوَتَتَطَرَّقُ لإسْنَادٍ جَمَعْ ... فِي ظَاهِرٍ شُرُوطَ صِحَّةٍ تَقَعْ\nتُدْرَكُ بِانْفِرَادٍ أَوْ مُخَالَفَهْ ... مَعَ قَرَائِنَ يَرَى ذُو الْمَعْرِفَهْ\nفَيَهْتَدِي لِوَهْمِ رَاوٍ حَصَلَا ... بِالْوَقْفِ أَوْ إِرْسَالٍ أَوْ ذَا دَخَلَا\nفِي غَيْرِهِ أَوْ نَحْوِ ذَا حَتَّى غَلَبْ ... فِي ظَنِّهِ فَرَدَّ ذَا لِذَا السَّبَبْ\nأَوْ جَاءَهُ تَرَدُّدٌ فَوَقَفَا ... طَرِيقُ عِلْمِهِ لَدَى مَنْ عَرَفَا\nجَمْعُكَ لِلطُّرُقِ ثُمَّ النَّظَرُ ... فِي الإخْتِلَافِ لِلرُّوَاةِ يُؤْثَرُ\nوَالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ قَالَ الْحَاذِقُ ... ابْنُ الْمَدِينِيِّ الإِمَامُ الْفَائِقُ\nالْبَابُ إِنْ طُرُقُهُ لَمْ تُجْمَعِ ... لَمْ يَسْتَبِنْ خَطَؤُهُ فَاتَّبِعِ\n[تنبيه آخر]: قد كثر التعليل بالإرسال للموصول، وذلك بأن يكون راوي المرسل أقوى ممن وصل.\nوإلى هذا أشرت في \"الشافية\" بقولي:\nوَكَثُرَ الإِعْلَالُ بِالإِرْسَالِ أَوْ ... بِالْوَقْفِ إِنْ أَقْوَى مِنَ الضِّدِّ رَأَوْا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>المسألة الرابعة: في بيان أقسام العلّة من حيث القدحُ وعدمه</span>.\nاعلم: أن العلّة تقع في الإسناد، وهو الأكثر، وقد تقع في المتن، وما وقع منها","vol":"1","page":377},{"text":"في الإسناد قد يقدح فيه وفي المتن أيضًا، كالإرسال والوقف، وقد يقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن معروفا صحيحا، كحديث يعلى بن عبيد الطنافسي، أحد رجال الصحيح، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-، حديث البيعان بالخيار، غَلِط يعلى على سفيان، في قوله: \"عمرو بن دينار\"، إنما هو \"عبد الله بن دينار\"، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد، وغيرهم. وإلى ذلك أشرت في \"شافية الغلل\" بقولي:\nوَتَقَعُ الْعِلَّةُ فِي الإِسْنَادِ ... بِكَثْرَةٍ وَقَدْ تَجِي يَا صَادِي\nفِي الْمَتْنِ وَالأَوَّلُ أَيْضًا قَدْ قَدَحْ ... فِي الثَّانِ كَالإِرْسَالِ أَوْ وَقْفٍ وَضَحْ\nأَوْ فِيهِ وَالْمَتْنُ صَحِيحٌ مِثْلَمَا ... فِي الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ عُلِمَا\nغَلِطَ يَعْلَى إِذْ رَوَى عَنْ عَمْرِو ... بَدَلَ عَبْدِ اللهِ كُنْ ذَا سَبْرِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>المسألة الخامسة: في إطلاق العلة على غير ما تقدّم بيانه</span>.\nاعلم: أنه قد تُطلَق العلة على غير مقتضاها الذي قدمناه، من الأسباب الظاهرة القادحة، ككذب الراوي، وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث، وذلك موجود في كتب العلل بكثرة، وإلى هذا أشرت في \"الشافية\" بقولي:\nوَأَطْلَقُوا الْعِلَّةَ أَيْضًا لِسِوَى ... مَا مَرَّ كَالْكِذْبِ وَفِسْقِ مَنْ رَوى\nوِمِثْلَ سُوءِ حِفْظِهِ وَالْغَفْلَةِ ... وَنَحْوِهَا فَارْجِعْ لِكُتْبِ الْعِلَّةِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nالمسألة السادسة: هذا الذي تقدّم من إطلاق العلة على ما يقدح في صحة الحديث هو المشهور الكثير الإستعمال عند المحدّثين، وقد استعمل بعضهم، وهو أبو يعلى الخليلي في كتابه \"الإرشاد\"، العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث، كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال: من الصحيح صحيح مُعَلٌّ، كما قيل: منه صحيح شاذ، ومَثَّلَ الصحيح المعل بحديث مالك: \"للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلّف من العمل إلا ما يُطيق\"، فإنه أورده في \"الموطإ\" معضلا، ورواه عنه إبراهيم ابن طهمان، والنعمان بن عبد السلام موصولا، قال: فقد صار الحديث بتبَيُّن الإسناد صحيحا، يُعْتَمد عليه، قيل: وذلك عكس الْمُعَلّ، فإنه ما ظاهره السلامة، فاطُّلِعَ فيه بعد الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال، فلما فُتِّشَ تبين وصله.\nوقد نُقِل عن الإمام الترمذي رحمه الله تعالى أنه سَمَّى النسخ علةً، قال العراقي: فإن","vol":"1","page":378},{"text":"أراد به كونه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة، وإلى هذا أشرت في \"الشافية\" بقولي:\nوَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَهَا عَلَى الَّذِي ... لَا يَقْتَضِي الْقَدْحَ كَإِرْسَالٍ لِذِي\nوَصْلٍ مِنَ الثِّقَةِ ذِي الضَّبْطِ أَتَى ... لِذَاكَ مَعْلُولٌ صحِيحٌ ثَبَتَا\nمِثْلُ صَحِيحِ شَذَّ قِيلَ قَدْ نُقِلْ ... لِلتِّرْمِذِيِّ النَّسْخُ عِلَّةً تُعِلّ\nوَأَوَّلُوهُ عِلًّةً فِي الْعَمَلِ ... لَا عِلَّةً فِي صِحَّةِ التَّقَبُّلِ\nتنبيه: قد صنف العلماء في العلل كتبا كثيرة، فمنها: كتاب ابن المديني، وابن أبي حاتم، والخلال، وأجمعها كتاب الدارقطني. وقد صنف الحافظ فيه كتابه \"الزَّهْرِ المطلول في الخبر المعلول\" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم ذكر رحمه الله تعالى الأمر الذي دفعه لتحقيق رغبة الطالب الذي سأله أن يؤلّف له هذا الصحيح، فقال:\n(وَبَعْدُ -يَرْحَمُكَ اللَّهُ- فَلَوْلَا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ، مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ، مِنْ طَرْحِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الإِقْتِصَارَ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الْأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ، لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الإِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ، مِنَ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ، مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ، بِالْأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى بيان السبب الباعث له لتأليف هذا الكتاب الخاصّ بجمع الصحيح فقط، وهو طلب بعض الناس منه ذلك، وبيّن هنا السبب الدافع له لتحقيق رغبة ذلك الطالب، وهو سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدّثًا، وذلك أن مما\n_________\n(١) راجع \"التدريب\" ١/ ٢٥١ - ٢٦٢.","vol":"1","page":379},{"text":"يجب عليهم أن يطرحوا الأحاديث الضعيفة، والمنكرة التي يرويها أقوام قد ذمّهم أئمة هذا الشأن، كمالك، وشبعة، وابن عيينة، ويحيى القطّان، وابن مهديّ، وغيرهم، ويقتصروا على الأحاديث الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات المعرفون بالصدق والأمانة، فلما رأى ذلك سهُل عليه إجابة طلب ذلك الطالب؛ خشيةَ أن يقع في تلك الأخبار الواهية لو لم يجبه إلى طلبه. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَبَعْدُ) أي وبعد ما تقدّم من شرح مذهب المحدثين، والواو هذه نائبة عن \"أما\" النائبة عن \"مهما يكن\"، كما سبق بيانه مُسْتَوْفًى في قوله أول هذه المقدّمة: \"أما بعد\"، و\"بعدُ\" مبنيّ على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، كما تقدّم تفصيله هناك، واستعمال \"وبعد\" مما جرى به عرف العلماء، وليس واردًا في السنة، إذ الوارد فيها \"أما بعد\"، كما تقدم بيانه أدلته هناك أيضًا. وقوله: (يَرْحَمُكَ اللهُ) جملة دعائية معترضة بين الشرط، وهي \"وبعدُ\"؛ لتضمنها معنى الشرط، كما أشرت إليه آنفًا، وجزائه، وهو قوله: (فَلَوْلَا الذي رأينا الخ) و\"لولا\" هذه إن دخلت على الجملة الاسمية -كما هنا- حرف امتناع لوجود، أي امتناع جوابه لوجود شرطه، مثلُ لولا زيد لأهنتك، أي موجود، فامتنعت الإهانة لوجود زيد، وإن دخلت على المضارع، أفادت العرض، وهو طلب بلين، نحو قوله ﷾ ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧]، وقوله ﷾: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، والتحضيض، وهو طلب بحثّ، نحو قوله ﷾ ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ الآية [النمل: ٤٦]، وإن دخلت على الماضي أفادت التوبيخ، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ١٣]. وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في \"الكوكب الساطع\" بقوله:\n\"لَوْلَا\" امْتِنَاعٌ لِوُجُودٍ فِي الْجُمَلْ ... اسْمِيَّةٍ وَفِي الْمُضَارِعِ احْتَمَلْ\nعَرْضًا وَتَحْضِيضًا وَفِي الَّذِي مَضَى ... تَوَبُّخٌ وَنَفْيُهُ لا يُرْتَضَى\nراجع ما كتبتُهُ على \"الكوكب الساطع\" في مبحث \"الحروف\" ص ١٢٩.\nفيكون المعنى هنا امتناع عدم سهولة الإنتصاب لتحقيق رغبة الطالب عليه لوجود رؤيته سوء صنيع الكثيرين ممن نَصَبَ نفسه محدّثًا.\nوخلاصة المعنى: أن الذي سهّل عليه القيام بتحقيق ذلك هو رؤيته سوء صنيع كثير ممن يدّعي علم الحديث في كيفية إلقائهم الأحاديث إلى العوامّ. والله تعالى أعلم.\nوقوله (الَّذِي رَأَيْنَا) مبتدأ خبره محذوف: أي موجود، وحذف خبر المبتدأ بعد","vol":"1","page":380},{"text":"\"لولا\" واجب عند أكثر النحاة، وغالب عند بعض النحاة، كابن مالك، كما أشار إليه في \"خلاصته\" بقوله:\nوَبَعْدَ \"لَوْلَا\" غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ ... حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِنٍ ذَا اسْتَقَرّ\nوقوله: (مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ) بيان للموصول (مِمَّنْ نَصَبَ) متعلّق بصفة لـ \"كثير\": أي أقام (نَفْسَهُ مُحَدِّثًا) فيه إشارة إلى أن من يصنع ذلك ليس من محققي المحدّثين، وإنما أدخل نفسه فيهم، حيث لم يَسلُك طريقهم (فِيمَا يَلْزَمُهُمْ) متعلّق \"بسوء صنيع\": أي في الصنع الذي كان يلزمهم، وهو ما بيّنه بقوله: (مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ) أي رميها، وعدم التحديث بها، وقوله: (وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الضعيف أعم من المنكر، وإنما خصّه بالذكر؛ لمزيد الذم في روايته؛ لشدة ضعفه،، وسيأتي بيان الخلاف في رواية الأحاديث الضعيفة، قريبًا، إن شاء الله تعالى (وَتَرْكِهِمُ الإِقْتِصَارَ عَلَى) رواية (الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ) أي التي اشتهرت أسانيدها بين المحدثين، وتداولوها فيما بينهم، فهو بمعنى قوله السابق أول المقدّمة: \"بالأسانيد التي بها نُقلت، وتداولها أهل العلم فيما بينهم\"، وليس المراد المشهور المصطلح عليه، وهو ما رواه ثلاثة، فأكثر، ولم يبلغ حدّ التواتر (مِمَّا) متعلّق بحال محذوف: أي حال كون تلك الأحاديث كائنة من جملة الحديث الذي (نَقَلَهُ الثِّقَاتُ) جمع ثقة، ويطلق بلفظ الواحد على غير الواحد أيضًا، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَثُقَ الشيءُ بالضمّ وَثَاقَةً: قَوِيَ، وثَبَتَ فهو وَثيق: ثابت محكم، وأوثقته: جعلته وَثِيقًا، ووثِقتُ به أَثِقُ بكسرهما ثِقَةً، ووُثُوقًا: ائتمنته، وهو، وهي، وهما، وهم، وهنّ ثقة؛ لأنه مصدرٌ، ويجمع في الذكور، والإناث، فيقال: ثقات. انتهى.\nفتبيّن بهذا أن معنى الثقة المؤتمنُ، ولا يكون مؤتمنًا إلا إذا جمع بين الصدق، والضبط، فيكون قوله: (الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ) صفة مؤكّدةً لـ \"الثقات\"، و\"الأمانة\" هنا مصدر \"أمِنَ\" بالكسر، فهو أمين، وتستعمل مجازًا في الأعيان، فيقال: الوديعة أمانة، ونحو ذلك.\n(بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ) أي بقلوبهم (وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا) بفتح \"أن\" لوقوعها موقع المصدر، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَهَمْزَ \"إِنَّ\" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ\nفهي هنا في تأويل المصدر مفعول به لـ \"معرفتهم\"، ولـ \"إقرارهم\" على سبيل التنازع، والتقدير: بعد معرفتهم، وإقرارهم استنكاره.\nوقوله: (مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ) بكسر الذال، من باب ضرب: أي يُلقونه إليهم، والمراد","vol":"1","page":381},{"text":"روايته لهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨]. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد يكون \"يقذفون\" بمعنى يقولون: ما لا يعلمون، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣].\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المعنى الذي ذكره عياض غير صحيح هنا؛ إذ يبطله قول المصنّف: \"بعد معرفتهم، وإقرارهم بألستنهم الخ\"، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n(إِلَى الْأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ) بفتح الهمزة، وسكون الغين المعجمة، وكسر الموحّدة: جمع غبيّ، كنبيّ وأنبياء، والمراد به الْغَفَلَةُ، والْجَهَلَةُ الذين لا فِطْنة لهم.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: واختلفت روايات شيوخنا في هذا الحرف، وصوابه \"الأغبياء\" -بالغين المعجمة، والباء الموحدة، وهي روايتنا من طريق السمرقنديّ، ومعناه: الْجَهَلَة الأَغْفَال، ويدلّ عليه قوله آخر الفصل: \"وقذفهم بها إلى العوامّ\". انتهى \"إكمال المعلم\" ١/ ١٠٦.\nوقوله: (هُوَ مُسْتَنْكَرٌ) خبر \"أنّ\"، و\"هو\" ضمير فصل يُؤتَى به للفصل بين الصفة والخبر، و\"المستنكَر\" اسم مفعول، من الإستنكار، وقد تقدّم البحث عن معنى المنكر، وما يتعلّق به، فلا تنس.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ذمّ به المصنّف رحمه الله تعالى هؤلاء المنتصبين للتحديث تحديثهم للناس بالروايات الضعيفة، والمنكرة، وتركهمِ الإقتصار على الأحاديث الصحيحة، ثم إنه لو كان هذا لجهلهم بذلك، لكان الذمّ بسيطًا، ولكنهم إنما أقدموا على ذلك بعد أن عرفوه، وأقروا بألسنتهم، وكتبوه في مؤلفاتهم، فيكون الذم مركبًا ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الطويل]:\nفَإنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمَصَائِبُ أَعْظَمُ.\nوالله تعالى أعلم.\n(وَمَنْقُولٌ) بالرفع عطف على \"مستنكر\"، وهو من عطف السبب على المسبب؛ إذ كونه مستنكرًا إنما هو من أجل كونه منقولًا (عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ) بجرّ \"غير\" صفة لـ \"قوم\" (مِمَّنْ) متعلق بصفة محذوفة لـ \"قوم\"، أو بحال كذلك (ذَمَّ) من باب نصر: أي عاب (الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ) بنصب \"الرواية\" على المفعوليّة، و\"رفع \"أئمة\" على الفاعلية. ثم ذكر أمثلة للأئمة الذين ذمّوا الرواية عن القوم غير المرضيين بقوله:\n(مِثْلُ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هم مثل (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، هذا أول محل ذكره من الكتاب.","vol":"1","page":382},{"text":"وهو مالك بن أنس بن مالك -﵁- بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خُثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح، الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني الفقيه، أحد أعلام الإسلام، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين.\nقال محمد بن إسحاق الثقفي: سئل محمد بن إسماعيل البخاري، عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال علي بن المديني، عن ابن عيينة: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم، قال: وقيل لسفيان: أيما كان أحفظ سُمَيّ، أو سالم أبو النضر؟، قال: قد روى مالك عنهما. وقال علي، عن بشر ابن عمر الزهراني: سألت مالكا عن رجل؟ فقال: رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. قال علي: لا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا إنسانا في حديثه شيء. وقال الدوري، عن ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا عبد الكريم. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أصحاب نافع الذين رووا عنه: أيوب، وعبد الله، ومالك، قال علي: هؤلاء أثبت أصحاب نافع، قال: وسمعت يحيى ابن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثا من مالك -يعني السفيانين- ومالكا، قال: ومالك أحب إلي من معمر، قال: وأصحاب الزهري مالك، فبدأ به، ثم فلان، وفلان، وكان ابن مهدي لا يقدم على مالك أحدا. وقال ابن لهيعة: قدم علينا أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن سنة ست وثلاثين، فقلنا له: من بالمدينة يفتي؟ قال: ما ثَمّ مثل فتى من ذي أصبح، يقال له: مالك. وقال حسين بن عروة، عن مالك: قدم علينا الزهري، فحدثنا نيفا وأربعين حديثا، فقال له ربيعة: ههنا من يرد عليك، ما حدثت به أمس، قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر، قال: هات، فحدثته منها بأربعين، فقال: ما كنت أقول: إنه بقي أحد يحفظ هذا غيري. وقال عمرو بن علي، عن ابن مهدي: حدثنا مالك، وهو أثبت من عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وقال الحارث بن مسكين: سمعت بعض المحدثين يقول: قد قرأ علينا وكيع، فجعل يقول: حدثني الثبت، حدثني الثبت، فقلنا: من هو؟ قال: مالك. وقال حرب: قلت لأحمد: مالك أحسن حديثا عن الزهري، أو ابن عيينة؟ قال: مالك، قلت: فمعمر؟ فقدم مالكا، إلا أن معمرا أكبر. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال الحسين بن حسن الرازي: سألت ابن معين، من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك، قلت: ثم من؟ قال: معمر. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وهو أثبت في نافع من أيوب، وعبيد الله ابن عمر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: أثبت أصحاب الزهري مالك، وقال عمرو بن علي: أثبت من روى عن الزهري مالك، ممن لا يختلف فيه. وقال يونس بن","vol":"1","page":383},{"text":"عبد الأعلى، عن الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، ومالك وابن عيينة: القرينان. وقال ابن المديني: سمعت ابن مهدي يقول: كان وُهيب لا يعدل بمالك أحدا. وقال وهيب ليحيى بن حسان: ما بين شرقها وغربها أحدٌ من عندنا -يعني على العلم- من مالك، والعرض على مالك أحب إلي من السماع من غيره. قال ابن عيينة، في حديث أبي هريرة: \"يوشك أن يَضرب الناس أكباد الإبل، يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة\"، هو مالك، وكذا قال عبد الرزاق.\nوقال حرملة، عن الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين. وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا، أو صاحبكم؟ فذكر القصة، وقَدّم فيها مالكا. وقال أبو مصعب عن مالك: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وقال الفضيل بن زياد: سألت أحمد بن حنبل عن ضرب مالك؟ فقال: ضربه بعض الولاة في طلاق المكره، وكان لا يجيزه. وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فما وافق السنة فخذوا به. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر، سمعت ابن عيينة يقول: أخذ مالك، ومعمر عن الزهري عرضا، وأخذت سماعا. قال: فقال يحيى بن معين: لو أخذا كتابا كانا أثبت منه. قال: وسمعت يحيى يقول: هو في نافع أثبت من أيوب، وعبيد الله بن عمر. وقال النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك، ولا أجل منه، ولا أوثق، ولا آمن على الحديث منه، ولا أقل رواية عن الضعفاء، ما علمناه حدث عن متروك، إلا عبد الكريم. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة، مع الفقه والدين والفضل والنسك، وبه تخرج الشافعي. وروى ابن خزيمة في \"صحيحه\" عن ابن عيينة قال: إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ، إن كتب عنه، وإلا تركناه، وما مثلي ومثل مالك، إلا كما قال الشاعر:\nوَابْنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنِ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ (١)\nقال أبو جعفر الطبري: إني سمعت ابن مهدي يقول: ما رأيت رجلا أعقل من مالك.\n_________\n(١) معنى \"لُزَّ\" شُدَّ. والقَرَن بفتحتين: الجبل. و\"البُزْل\" جمع بازل وهو من الإبل ما دخل في التاسعة وطلع نابه. و\"القناعِيسُ\" جمع قِنْعاس بالكسر، العظيم.","vol":"1","page":384},{"text":"قال ابن سعد، عن مصعب الزبيري: إني أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة تسع وسبعين ومائة، ومالك كان ثقة، مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة، قال: وقال إسماعيل بن أبي أويس: توفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول، سنة تسع وسبعين، وكان ابن خمس وثمانين سنة. وقال الواقدي: كان ابن تسعين سنة.\nومناقبه كثيرة جدا لا يمكن استيعابها في مثل هذه العجالة، وقد أفردت بالتصنيف.\nوجعله في \"التقريب\": من الطبقة السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة. روى له مسلم (٣٤٦) حديثًا.\n(وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ) الإمام المشهور، هذا أول محلّ ذكره من الكتاب.\nوهو شعبة بن الحجاج بن الوَرْد الْعَتَكِيّ الأزدي مولاهم، أبو بِسْطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ، متقنٌ، عابد، أمير المؤمنين في الحديث.\nقال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم، وشعبة أحسن حديثا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه، قُسِم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من أهل الكوفة، لم يرو عنهم سفيان. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله من أثبت شعبة أو سفيان، فقال: كان سفيان رجلا حافظا، وكان رجلا صالحا، وكان شعبة أثبت منه، وأنقى رجلا، وسمع من الحكم قبل سفيان بعشر سنين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن -يعني في الرجال- وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال. وقال معمر: كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه. وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يَقدَم عليكم رجل من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه. وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد ابن سلمة: إذا أردت الحديث فالزم شعبة. وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني، إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته. وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الثوري لِسَلْم بن قتيبة: ما فعل استأذنا شعبة. وقال أبو قطن، عن أبي حنيفة: نعم حشو المصر هو. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق. وقال أبو زيد الهروي: قال شعبة: لأن أنقطع أحبّ إلي من أن أقول لما لم أسمع سمعت. وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث. وقال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على ظهره. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت","vol":"1","page":385},{"text":"صلاة قط، إلا رأيته قائما يصلي. وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه. وقال قراد أبو نوح: رأى عليَّ شعبة قميصا، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، قال لي: ويحك أما تتقي الله، تلبس قميصا بثمانية، ألا اشتريت قميصا بأربعة، وتصدقت بأربعة، قلت: أنا مع قوم نتجمل لهم، قال: أيشٍ نتجمل لهم؟ . وقال وكيع: إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات؛ لذبه عن رسول الله -ﷺ-. وقال يحيى القطان: ما رأيت أحدا قط أحسن حديثا من شعبة. وقال ابن إدريس: ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة وسفيان. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد أيما كان أحفظ للأحاديث الطوال، سفيان، أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمر فيها. قال: وسمعت يحيى يقول: كان شعبة أعلم بالرجال، فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب أبواب. وقال أبو داود: لما مات شعبة قال سفيان: مات الحديث. قيل لأبي داود: هو أحسن حديثا من سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على قلته، والزهري أحسن الناس حديثا، وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه -يعني في الأسماء-. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا ثبتا حجة صاحب حديث. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث. وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلا. قال الدارقطني في \"العلل\": كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرا؛ لتشاغله بحفظ المتون. وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد، ويحيى. وقال صالح بن سليمان: كان لشعبة أخوان يعالجان الصرف، وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلكم الزموا السوق، فإنما أنا عيال على إخوتي. وقال ابن معين: كان شعبة صاحب نحو وشعر. وقال الأصمعي: لم نر أحدا أعلم بالشعر منه. وقال بدل بن المحبر: سمعت شعبة يقول: تعلموا العربية، فإنها تزيد في العقل. وقال ابن إدريس: شعبة قَبّان المحدثين، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما لزمت غيره. وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع إلا ظننت أنه قد نسي. وفي \"تاريخ ابن أبي خيثمة\": قال شعبة: ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أتيته أكثر من عشر مرار. وقيل لابن عوف: ما لَكَ لا تحدث عن فلان؟ قال: لأن أبا بسطام تركه. وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك -﵁-، وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة من التابعين.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام الحاكم هذا نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكون تابعيّا مثل الأعمش، فإنه إنما عدّه في \"التقريب\" من الطبقة الخامسة؛ لكونه رأى أنسا -﵁-، وقد عدّ شعبة من الطبقة السابعة، ومن الغريب أن الحافظ نقل كلام الحاكم هذا في \"التهذيب\"، وسكت عليه، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":386},{"text":"وقال ابن سعد: توفي أول سنة (١٦٠) بالبصرة. وقال أبو بكر بن منجويه: وُلد سنة (٨٢)، ومات سنة (١٦٠)، وله (٧٧) سنة. وكان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علما يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق. وهذا الكلام لابن حبان في \"الثقات\" نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه، لكن عند ابن حبان أن مولده سنة (٨٣). وذكر ابن أبي خيثمة أنه مات في جمادى الآخرة.\nجعله في \"التقريب\" من الطبقة السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله عند مسلم في \"صحيحه\" (٥٩٠) حديثًا.\n[تنبيه]: من اسمه شعبة في الكتب الستة ثلاثة:\n١ - هذا الإمام المشهور، وهو من رجالهم جميعًا.\n٢ - شعبة بن دينار الكوفيّ، لا بأس به [٧] تفرد به النسائيّ في \"السنن الكبرى\" بحديث واحد في \"كتاب العتق\".\n٣ - شعبة بن دينار الهاشميّ، مولى ابن عباس المدنيّ، صدوق، سيء الحفظ [٤] تفرّد به أبو داود بحديث واحد في \"الغسل\". والله تعالى أعلم.\n(وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ) الإمام العلم المشهور، هذا أول محلّ ذكره من الكتاب.\nوهو سفيان بن عُيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، سكن مكة، وقيل: إن أباه عيينة هو المكنيّ أبا عمران، ثقة حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغيّر حفظه بآخره، وكان ربّما دلّس، لكن عن الثقات.\nقال ابن المديني: وُلد سنة (١٠٧) وكذا قال عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن سفيان، وزاد للنصف من شعبان، وكُتِب عنه الحديثُ سنة (٤٢) قبل موت الأعمش. وقال ابن عيينة. أول من أسندني إلى الأسطوانة مسعر، فقلت: إنّي حَدَثٌ، فقال: إن عندك الزهريَّ، وعمرَو بنَ دينار. وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان حسن الحديث، يُعَدُّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان، لذهب علم الحجاز. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: مالك وسفيان القرينان. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: ما بقي من معلميَّ أحد غير ابن عيينة، فقلت: يا أبا سعيد سفيان إمام في الحديث، قال سفيان: إمام منذ أربعين سنة. قال علي: وقال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أسمع الحديث من ابن عيينة، فأقوم، فأسمع شعبة يحدث به، فلا أكتبه، قال علي: وسمعت بشر بن المفضل يقول: ما بقي على","vol":"1","page":387},{"text":"وجه الأرض أحد يشبه ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين، ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار، أو الثوري؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فحماد بن زيد؟ قال: ابن عيينة أعلم به، فقلت: فشعبة؟ قال: وأَيْشٍ رَوَى عنه؟ . وقال أبو مسلم المستملي: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: ما رأيت أحدا من الناس فيه جزالة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدا أكَفّ عن الفتيا منه. قال ابن سعد: أخبرني الحسن بن عمران بن عيينة، أن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللَّهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، فرجع، فتوفي في السنة الداخلة. وقال الواقدي: مات يوم السبت، أول يوم من رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال ابن عمار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها، فسماعه لا شيء.\nقال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: أنا أستبعد هذا القول، وأجده غلطا من ابن عمار، فإن القطان مات أول سنة (٩٨) عند رجوع الحجاج، وتحدثهم بأخبار الحجاز، فمتى يُمَكَّن من سماع هذا، حتى يتهيأ له أن يشهد به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك في وسط السنة. انتهى. وهذا الذي لا يتجه غيره؛ لأن ابن عمار من الأثبات المتقنين، وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه من جماعة، ممن حج في تلك السنة، واعتمد قولهم، وكانوا كثيرا، فشهد على استفاضتهم، وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئا يصلح، أن يكون سببا لما نقله عنه ابن عمار فىِ حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد بن السمعاني، في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، من \"ذيل تاريخ بغداد\"، بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم وتزيد في إسناده، أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي، في زيادة \"كتاب الإيمان\" لأحمد: أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره.\nثم قال الذهبي: سمع من ابن عيينة في سنة (٧) محمد بن عاصم الأصبهاني صاحب الجزء العالي. وقال أحمد: ما رأيت أحدا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة. وقال الآجري عن أبي داود: قال أبو معاوية: كنا إذا قمنا من عند الأعمش أتينا ابن عيينة. وقال يحيى بن سعيد:","vol":"1","page":388},{"text":"هو أحب إلي في الزهري من معمر. وقال ابن مهدي: كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز. وقال أبو حاتم الرازي: ابن عيينة ثقة إمام، وأثبت أصحاب الزهري مالك، وابن عيينة. وحكى الحميدي عنه أنه قال: أدركت سبعا وثمانين تابعيا. وقال ابن خراش ثقة مأمون ثبت. وقال الترمذي: سمعت محمد يقول: هو أحفظ من حماد بن زيد. وقال أبو معاوية: قال ابن عيينة: قال لي زهير الجعفي: أخرج كتبك، فقلت أنا أحفظ من كتبي. ونسبه ابن عدي إلي شيء من التشيع، فقال في ترجمة عبد الرزاق: ذكر ابن عيينة حديثا، فقيل له: هل فيه ذكر عثمان؟ قال: نعم، ولكني سكت لأني غلام كوفي.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الطعن لهذا الإمام الجليل يحتاج إلى التثبت في صحة الحكاية، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\" كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين.\nوقال اللالكائي: هو مستغن عن التزكية؛ لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار. وجزم ابن الصلاح في \"علوم الحديث\" بأنه مات سنة ثمان وتسعين ومائة. انتهى. وكان انتقاله من الكوفة إلى مكة سنة (٦٣) فاستمر بها إلى أن مات.\nوجعله في \"التقريب\" من رؤوس الطبقة الثامنة.\nروى له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٥٩) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) الإمام الحجة المشهور، هذا أول محل ذكره.\nهو: يحيى بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، آخره خاء معجمة- القطان التميمي، أبو سعيد البصري، الأحول، ثقة متقن، حافظ، إمام، قدوة.\nقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما مع شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حَكَمًا، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان-. وقال خالد بن الحارث: غلبنا يحيى بسفيان الثوري. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، كنت إذا أخطأت، قال لي الثوري: أخطأت يا يحيى، قال: فحدث يوما عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر بحديث الشرب في آنية الذهب والفضة، فقلت: أخطأت يا أبا عبد الله، هذا أهون عليك، إنما ثنا عبيد الله، عن نافع، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، فقال لي: صدقت. وقال عمرو بن علي، عن يحيى ابن سعيد: ما اجتمعت أنا وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ إلا قَدّماني. وقال","vol":"1","page":389},{"text":"القواريري عن ابن مهدي: ما رأيت أحسن أخذا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان، وسفيان بن حبيب. وقال ابن المديني: لم يكن ممن طلب، وعُني بالحديث، وأقام عليه، ولم يزل فيه، إلا ثلاثة: القطان، وسفيان بن حبيب، ويزيد بن زريع. وقال ابن عمار: حدث عبد الرحمن بن مهدي، عن يحيى بن سعيد بألفي حديث، وهو حي. وقال الساجي: حُدِّثتُ عن علي بن المديني قال: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان، ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي، فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته، وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود، عن ابن المديني: ما رأيت أثبت من يحيى القطان. وقال إبراهيم بن محمد التيمي: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله، قال: وقلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن؟ قال: ما رأيت مثل يحيى القطان. قلت: فهشيم؟ قال: هشيم شيخ، قلت: فعبد الرحمن بن مهدي؟ قال: لم نر مثل يحيى. وقال أحمد أيضا: كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سعيد أثبت من هؤلاء -يعني ابن مهدي، ووكيعا، وغيرهما-. وقد رَوَى عن خمسين شيخا ممن روى عنه سفيان، قيل له: كان يكتب عند سفيان؟ قال: إنما يتسمع ما لم يكن سمعه فيكتبه. وقال الفضل ابن زياد: سمعت أحمد يقول: لا والله ما أدركنا مثله، ثم قال: سمعت ابن مهدي وذكره، فقال: لا ترى عيناك مثله. وقال الدوري عن ابن معين، عن ابن مهدي مثله. وجاء نحو هذا عن أحمد من عدة أوجه. وقال الأثرم: سمعته يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان، ما كان أضبطه، وأشد تفقّده، كان محدثا، وأثنى عليه، فأحسن الثناء. وقال أبو داود عن أحمد: ما رأيت له كتابا، كان يحدثنا من حفظه. وقال حنبل عن أحمد: ما رأيت أقل خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟ وقال الدوري عن ابن معين: يحيى القطان أثبت من ابن مهدي في سفيان. وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت ابن مهدي يقول: لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه؛ لأعرف صحيحها من سقيمها. قال أبو بكر: وسمعت يحيى يقول: جَهد الثوري أن يدلس علي رجلا ضعيفا، فما أمكنه، قال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبي، فقلت له: أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك، لا يذهب عليك شيء. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين: يحيى القطان فوق ابن مهدي؟ قال: نعم. وقال ابن خزيمة عن بندار: ثنا يحيى بن سعيد، إمام أهل زمانه. وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند، فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن","vol":"1","page":390},{"text":"معين، والشاذكوني، وعمرو بن علي، يسألونه عن الحديث، وهم قيام، هيبةً له. وقال ابن عمار: كنت إذا نظرت إلى يحيى القطان، ظننت أنه لا يحسن شيئا، فإذا تكلم أنصت له الفقهاء. وقال بندار: اختلفت إلى يحيى بن سعيد عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله تعالى قط. وقال حفيده: لم يكن جدي يمزح، ولا يضحك إلا تبسما، وما دخل حماما قط. وقال أبو داود عن يحيى بن معين: أقام يحيى القطان عشرين سنة، يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، رفيعا حجة. وقال العجلي: بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة. وقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ. وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال النسائي: ثقة ثبت مرضي. قال عمرو ابن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت سنة عشرين ومائة، في أولها، ومات في سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرخه غير واحد، زاد علي بن المديني في صفر. وقال الدوري عن بن معين، عن عفان بن مسلم: رأى رجل ليحيى بن سعيد قبل موته بعشرين سنة: بَشِّرْ يحيى بن سعيد بأمان من الله تعالى يوم القيامة. وقال أبو حاتم بن حبان في \"الثقات\": كان من سادات أهل زمانه، حفظا وورعا وفهما وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مَهَّد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، ومنه تعلم أحمد، ويحيى، وعلي، وسائر أئمتنا، وكان إذا قيل له في علته: عافاك الله تعالى، قال: أحبه إلي أحبه إلى الله تعالى. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثوري يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢١٤) حديثًا.\nوجعله في \"التقريب\" من كبار الطبقة التاسعة.\n[تنبيه]: من يسمّى يحيى بن سعيد في الكتب الستة خمسة:\n١ - يحيى القطّان هذا.\n٢ - يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوق يُغرب، توفي سنة (١٩٤) من كبار الطبقة التاسعة.\n٣ - يحيى بن سعيد بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابد، توفي سنة (١٤٥) من الطبقة السادسة.\n٤ - يحيى بن سعيد بن العاص الأمويّ الأشدق، ثقة مات في حدود (٨٠) من الطبقة الثالثة.\n٥ - يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت، مات سنة (١٤٤) من الطبقة الخامسة.","vol":"1","page":391},{"text":"وكلهم من رجال الجماعة، إلا الأشدق، فما أخرج له البخاريّ إلا في \"خلق أفعال العباد\". وأما يحيى بن سعيد العطّار الأنصاريّ الشامي، فليس من رجال الكتب الستة، وإنما ذُكر في كتب الرجال تمييزًا، وهو ضعيف من الطبقة التاسعة. والله تعالى أعلم.\n(وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ) الإمام الحجة المشهور، وهذا أول محل ذكره في هذا الكتاب.\nهو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، الحافظ الإمام العلم، ثقة ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث.\nقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن عبد الرحمن بن مهدي، أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذاك الكثير جدا، لكن الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسأل عن غيره، من كثرة ما يسأل عنه، فقيل له يتفقه، قال: كان أوسع فيه من يحيى بن سعيد، كان يحيى يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب أهل الحديث، وإلى رأي المدنيين، فذكر لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكي عنه القدر، قال: ويحل له أن يقول هذا؟ هو سمع هذا منه؟، ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين، يتكلم فيه؟، قيل لأبي عبد الله: كان عبد الرحمن حافظا؟ فقال: حافظ، وكان يتوقى كثيرا، كان يحب أن يحدث باللفظ. وقال حنبل عن أبي عبد الله: ما رأيت بالبصرة مثل يحيى بن سعيد، وبعده عبد الرحمن، وعبد الرحمن أفقه الرجلين، وقال أيضا: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، فعبد الرحمن أثبت؛ لأنه أقرب عهدا بالكتاب. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أحمد يقول: اختلف ابن مهدي ووكيع في نحو خمسين حديثا، فنظرنا، فإذا عامه الصواب في يد عبد الرحمن. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان عبد الرحمن أكثر عددا لشيوخ سفيان من وكيع، وروى وكيع عن خمسين شيخا، لم يرو عنهم عبد الرحمن، قلت: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع من هؤلاء؟ . وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن ابن مهدي: كُتِب عني الحديث، وأنا في حلقة مالك. وقال صدقة بن الفضل: سألت يحيى بن سعيد عن حديث؟ فقال: الزم عبد الرحمن بن مهدي. وقال أبو حاتم عن أبي الربيع الزهراني: ما رأيت مثل عبد الرحمن، ووصَفَ منه بَصَرًا بالحديث. وقال العجلي: وذكر عبد الرحمن بن مهديّ، قال له رجل: أيما أحب إليك، يغفر الله لك ذنبا، أو تحفظ حديثا، قال: أحفظ حديثا. وقال علي بن المديني: إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل، لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد","vol":"1","page":392},{"text":"الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد، وقال أحمد بن سنان: سمعت علي بن المديني يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس، قالها مرارا. وقال ابن أبي صفوان: سمعت علي بن المديني يقول: لو حُلِّفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقال علي بن نصر، عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت علم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسحر. وقال القواريري عن يحيى بن سعيد: ما سمع عبد الرحمن من سفيان عن الأعمش أحب إلي، مما سمعت أنا من الأعمش. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: سمعت علي بن المديني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي، قال: وكان يعرف حديثه وحديث غيره. وكان يُذكر له الحديث عن الرجل، فيقول: خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أُتي هذا الشيخ من حديث كذا من وجه كذا، فنجده كما قال: وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان يعرض حديثه على الثوري. وقال ابن المديني: كان وِرْدُ عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن. وقال الأثرم عن أحمد: إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ، وجمع، وتفقه، وصنف، وحدث، وأبي الرواية إلا عن الثقات. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، ومات الثوري في داره. وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرا في الدنيا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، في جمادى الآخرة، وهو ابن (٦٣) سنة، وكذا قال ابن المديني، وغير واحد في سنة وفاته. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٥٤) حديثًا.\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة التاسعة.\n[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من اسمه عبد الرحمن بن مهديّ إلا صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم.\n(وَغَيْرِهِمْ) أي غير هؤلاء الخمسة (مِنَ الْأَئِمَّةِ) الذين هو القدوة في باب الجرح والتعديل (لَمَا) بفتح اللام هي التي يُتلقّى بها جواب \"لولا\"؛ لأن القاعدة أن جوابها إذا كان مثبتًا قُرن باللام غالبًا، وإن كان منفيّا بـ \"ما\" تجرد عنها غالبًا، وإن كان منفيّا بـ \"لم\" لم يقترن بها، كما هو مشهور في محله من كتب النحو (١) (سَهُلَ عَلَيْنَا) بضم الهاء، يقال: سهُل الشيء سُهُولة: لان، هذه هي اللغة المشهورة، قال ابن القطّاع:\n_________\n(١) راجع شروح \"الخلاصة\" في باب \"لولا\"، و\"لو ما\".","vol":"1","page":393},{"text":"وقالوا: سَهَل بفتح الهاء، وكسرها أيضًا، والفاعل سهل. ذكره في \"المصباح\". (الإِنْتِصَابُ) أي القيام، يقال: انتصب فلان، وتنصّب: إذا قام رافعًا رأسه. أفاده في \"اللسان\" (لِمَا سَأَلْتَ) بكسر اللام، وهي جارّة متعلقة بـ \"الإنتصاب\"، و\"ما\" موصولة، والعائد محذوف، كما قال في \"الخلاصة\":\n................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي\nفِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنْ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ\nأي للأمر الذي سألتنيه، وقوله: (مِنَ التَّمْيِيزِ) بيان لـ \"ما\": و\"أل\" عوض عن المضاف إليه: أي تمييز الأحاديث الصحيحة من سقيمها (وَالتَّحْصِيلِ) بالجر عطف على \"التمييز\"، وهو مؤكِّد له؛ لأنه بمعناه، قال ابن فارس: أصل التحصيل: استخراج الذهب من حجر المعدن، يقال: حصل الشيء حصُولًا، وحصل لي عليه كذا: ثبت، ووجب، وحصّلته تحصيلًا. أفاده الفيّوميّ.\n(وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا) موصولة: أي من أجل الأمر الذي (أَعْلَمْنَاكَ) أي فيما ذكره آنفًا. وقوله: (مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ) بيان لـ \"ما\"، والمراد بهم من ينسب إلى الحديث، ويتظاهر بمظاهر أهله، وليس منهم، وإنما غرضه أن يقال له: ما أكثر ما جمعه فلان من الأحاديث، يستبدل الذي هو خير، وهو الحديث النبويّ الشريف، الذي هو شرف في الدارين بالتي هي أدنى، وهي الزُّخْرُفُ الفانية، ومراءات الناس، وهذا هو الخسران المبين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: (الْأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ) بالنصب على أنه مفعول به لـ \"نشر\"؛ لأنه مصدر يعمل عمل فعله؛ إذ هو في تقدير \"أن نشر القوم\"، قال في \"الخلاصة\":\nبِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ... مُضَافًا أوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ \"أَلْ\"\nإِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ \"أَنْ\" أَوْ \"مَا\" يَحُلّ ... مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ\nوقوله: (بِالأَسَانِيدِ) متعلّق بـ \"نشر\" (الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا) بالجر عطفًا على \"نشر\": أي رميهم بتلك الأسانيد الضعاف (إِلَى الْعَوَامِّ) بتشديد الميم: جمع عامّة، مثلُ دابّة ودوابّ، وهو خلاف الخاصّة، والمراد بهم هنا الجهلاء، كما بينه بقوله (الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ) بكسر الراء، من باب ضرب (عُيُوبَهَا) أي عيوب تلك الأسانيد، وهي كونها ضعيفة، مجهولة (خَفَّ) هو بمعنى سهُل الماضي، يقال: خفّ الشيء خَفًّا، من باب ضرب، وخِفّة بالكسر: ضدّ ثقُلِ، فهو خفيف (عَلَى قُلُوبِنَا) متعلّق بـ \"خفّ\" (إِجَابَتُكَ) بالرفع فاعل \"خفّ\" (إِلَى مَا سَأَلْتَ) متعلّق بـ \"إجابتك\"؛ لأنه مصدر، كما سبق آنفًا، و\"ما\" موصولة، والعائد محذوف، كما سبق نظيره: أي إلى الذي سألتنيه.","vol":"1","page":394},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"ولكن من أجل ما أعلمناك الخ\" هو بمعنى الكلام السابق في قوله: \"فلولا رأينا الخ\"، أتى به مؤكّدًا له.\nوحاصل المعنى: أنه إنما انتصب لبيان ما سأله مُرِيدُ تمييز الصحيح من القسم، وتأليفه في كتاب ملخّص، لا يكثر فيه التكرار؛ لنشر بعض الناس الأخبارَ المنكرةَ، وروايتها لعوام الناس الذين لا يميّزون الصحيح، من السقيم، ذَبّا عن السنة الصحيحة المطهرة، ودفاعًا عنها أن لا يختلط بها ما ليس منها، فجزاه الله تعالى أحسن الجزاء على هذه الخدمة الطيّبة للسنة النبوية، وقد نفع الله ﷿ بكتابه الأمة جمعاء، منذ أن ألفه إلى يومنا هذا، وسيبقى -إن شاء الله تعالى- ما دامت السنة المطهرة باقية، وقد أخبر النبيّ -ﷺ- ببقائها إلى أن يأتي أمر الله، فقد أخرج البخاري في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\" من حديث معاوية بن أبي سفيان -﵄-، مرفوعًا: \"ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n١ - (بَاب وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ وَتَرْكِ الْكَذَّابِينَ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-).\nقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:\n(وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَان مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة:</span>\nبيّن رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن الذي يجب على كلّ من له تمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وبين الرواة الثقاة والضعفاء من المتّهمين بالكذب وغيره أن لا يُحدّث إلا بما عرف صحة طريقه، وثقة رواته، وأن يجتنب أحاديث المتّهمين، والمبتدعين الذي يعاندون الحقّ، ويَدْعُون إلى الباطل. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى) جملة دعائية، معترضة بين العامل، وهو \"اعلم\"،\nومعموله، وهو قوله: (أَنَّ الْوَاجِبَ) بفتح همزة \"أن\" لوقوعها موقع المصدر (عَلَى كُلِّ","vol":"1","page":395},{"text":"أَحَدٍ) متعلّق بـ \"الواجب\" (عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا) أي عرف الفرق بينها، فالمراد بـ \"التمييز\" التميّز من إطلاق السبب وإرادة المسبّب؛ لأن التمييز فعل الفاعل، وليس مرادًا هنا؛ إذ المراد معرفة الفرق، وهو معنى التميّز، لا التمييز.\nقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: مِزْته ميزًا، من باب باع: عزلته، وفصلته من غيره، والتثقيل مبالغة، وذلك يكون في المشتبهات، نحو: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٧]، وفي المختلطات، نحو: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وتَمَيّزَ الشيءُ: انفصل عن غيره، والفقهاء يقولون: سنّ التمييز، والمراد سنٌّ إذا انتهى إليها عَرَف مضارّه ومنافعه، وكأنه مأخوذ من ميّزتُ الأشياء: إذا فرّقتها بعد المعرفة بها، وبعض الناس يقول: التمييز قُوّة في الدماغ، يُستنبط بها المعاني. انتهى كلام الفيّوميّ (١).\nويحتمل أن يكون التمييز على حقيقته، ويكون المعنى على حذف مضاف: أي عرف طريق التمييز بينها.\nوالإضافة في \"صحيح الروايات\"، و\"سقيمها\" من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الروايات الصحيحة، والروايات السقيمة، وقد تقدّم تعريف الصحيح، والمراد بالروايات السقيمة: الروايات المعلّة، وقد تقدّم بيانها أيضًا.\nوقوله: (وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ) من إضافة الصفة إلى الموصوف أيضًا: أي الرواة الثقات. وقوله: (لَهَا) متعلّق بـ \"الناقلين\" (مِنَ الْمُتَّهَمِينَ) كان الأولى أن يقول: والمتهمين بالواو؛ لأن كلمة \"بين\" مسلطة عليه؛ إذ هو معطوف على \"صحيح الروايات الخ\"، أي عرف الفرق أيضًا بين الرواة الثقات، وبين المتّهمين منهم.\nوالمراد بالمتّهم من يُتّهم بالكذب، وقد تقدّم له أنه يُلحَق بهم مَنَ كان الغالبُ على حديثه المنكرَ، أو الغلط، فكلهم مهجور الحديث، غير جائز الرواية.\nوقال النووي رحمه الله تعالى: ما معناه: قوله: \"وثقات الناقلين لها من المتّهمين\" ليس من باب التكرار، بل له معنى غير ذلك، فقد تصحّ الروايات لمتن، ويكون الناقلون لبعض أسانيده متّهمين، فلا يُشتغل بذلك الإسناد. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون من باب عطف السبب على المسبب نظرًا للغالب؛ إذ معرفة الفرق بين الصحيح والسقيم إنما تتحقّق بمعرفة الثقات والضعفاء غالبًا. والحاصل أن صحة الحديث متوقفة على أمرين:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٨٧.\n(٢) \"شرح النووي\" ١/ ٢١.","vol":"1","page":396},{"text":"[أحدهما]: ثقة رجاله.\n[والثاني]: استقامة متنه، فلو كان سنده صحيحًا إلا أن في متنه نكارة لا يقبل، وكذا العكس. والله تعالى أعلم.\n(أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا) أي من تلك الروايات الصحيحة والسقيمة، والمصدر المؤوّل خبر \"أن\"، والتقدير: أن الواجب على من عرف الفرق بين الصحيح، والسقيم عدم روايته (إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ) بفتح الميم جمع مخرج بمعنى الطريق: أي إلا ما عرف صحة طريقه، وذلك بكون رواته ممن ثبتت عدالتهم، وضبطهم.\nوهذا هو القسم الأول الذي تقدّم بيانه في قوله: \"فأما القسم الأول، فإنا نتوخّى أن نُقدّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب، من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا ... \" إلى آخر كلامه.\n(وَالسِّتَارَةَ) -بكسر السين، وتخفيف المثناة الفوقية- ويقال فيه \"الستار\" بحذف الهاء: وهو ما يُستتر به، قال الفيّومي: السِّتر -أي بالكسر-: ما يُستر به، وجمعه ستور، والسُّترة بالضمّ مثله. قال ابن فارس: السُّترة: ما استررت به كائنًا ما كان، والستارة بالكسر مثله، والستار بحذف الهاء لغة. وسترتُ الشيء سَتْرًا من باب قتل. انتهى.\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى: الستارة بكسر السين، وهي ما يُستتر به، وكذلك السُّتْرة، وهي هنا إشارة إلى الصيانة. انتهى (١).\nوقوله: (فِي نَاقِلِيهِ) متعلق بـ \"الستارة\"، و\"في\" بمعنى اللام، والمراد كونهم مستورين، فهو بمعنى قوله المتقدّم: \"فإن اسم الستر والصدق، وتعاطي العلم يشملهم\".\nوهذا إشارة إلى القسم الثاني الذي تقدّم له بيانه بقوله: \"فإذا نحن تقصّينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدّم قبلهم ... \" إلى آخر كلامه.\nوالحاصل أن كلام المصنف رحمه الله تعالى هذا يشير إلى أن ما يجوز روايته من الأخبار ينقسم إلى قسمين:\n[أحدهما]: ما كان صحيحًا بكون رواته استوفوا شروط الصحة.\n[الثاني]: ما كان دون ذلك، وهو ما نقله المستورون من أهل الصدق، فهذان\n_________\n(١) \"شرح النووي\" ١/ ٢٠.","vol":"1","page":397},{"text":"القسمان يجوز روايتهما. والله تعالى أعلم.\n(وَأَنْ يَتَّقِيَ) عطف على \"أن لا يروي الخ\": أي يَحذَر، فـ \"يتّقي\" بتشديد المثناة الفوقية: مضارع \"اتّقى\"، وأصله \"اوتقى\" بوزن افتعل من التقوى، أبدلت الواو تاء، كما قال بن ابن مالك في \"الخلاصة\":\nذُو اللِّينِ فَا تَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا ... وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ ائْتَكَلَا\nوقال النووي رحمه الله تعالى: قوله: \"وأن يتّقي منها\" ضبطناه بالتاء المثنّاة فوقُ بعد المثنّاة تحتُ، وبالقاف، من الإتّقاء، وهو الإجتناب. وفي بعض الأصول: \"وأن ينفي\" بالنون والفاء، وهو صحيح أيضًا، وهو بمعنى الأول. انتهى (١).\n(مِنْهَا) أي من تلك الروايات، وهو متعلّق بـ \"يتّقي\" (مَا كَانَ مِنْهَا) \"ما\" اسم موصول مفعول \"يتّقي\": أي يحذر من تلك الرواياتِ التي تُنْقَلُ (عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ) -بضم المثناة الفوقية، وسكون الهاء، وفتحها-: أي أهل الشك والريبة، قال الفيّومي: \"التُّهْمة\": بسكون الهاء، وفتحها: الشكّ والريبة، وأصلها الواو؛ لأنها من الْوَهْم. انتهى.\nوالمراد به المتّهمون بالكذب. والله تعالى أعلم.\n(وَالْمُعَانِدِينَ) أي المعارضين للسنة، والمخالفين لها، وهو عطف على \"أهل التهم\"، يقال: عاند فلان عنادًا، من باب قاتل: إذا ركب الخلاف والعصيان. قاله الفيّومي. وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ) متعلّق بحال محذوف من \"المعاندين\"، وهو حال مؤكّد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥].\nو\"البدع\" -بكسر الموحّدة، وفتح الدال المهملة-: جمع بدعة، وهي: ما استُحْدِثت في الدين بعد إكمال الله تعاليله، حيث قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية [المائدة: ٣].\nوحاصل ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى في هذا الكلام أن مَن لا تحلّ الرواية عنهم قسمان أيضًا:\n[أحدهما]: المتّهم بالكذب، وهو مما خلاف بين أهل العلم فيه.\n[الثاني]: المبتدع المعاند، والمراد المجاهر ببدعته، والداعي إليها، وهذا فيه اختلاف بين أهل العلم سيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"شرح النووي\" ١/ ٢٠.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>مسائل تتعلّق بكلام المصنّف المذكور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم الرواية عن الضعفاء من أهل التهمة بالكذب، وكثرة الغلط والغفلة:</span>\nاعلم: أنهم اختلفوا في ذلك على قولين:\n[أحدهما]: جواز الرواية عنهم، حكاه الترمذيّ في \"العلل الصغير\" عن سفيان الثوريّ، قال الحافظ ابن رجب: لكن كلامه في روايته عن الكلبيّ يدلّ على أنه لم يكن يُحدّث إلا بما يَعرِف أنه صِدْقٌ.\n[الثاني]: أنها لا تجوز، ذُكِرَ ذلك عن أبي عوانة، وابن المبارك، وحكاه الترمذيّ عن أكثر أهل الحديث من الأئمة. وقد ذكر الحاكم المذهب الأول عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، واعتمد في حكايته عن مالك على روايته عن عبد الكريم أبي أمية، ولكن اعتُذر عنه بأنه لم يعرفه حيث كان من الغرباء، وفي حكايته عن الشافعيّ على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعيّ، وغيرهما من المجروحين، وفي حكايته عن أبي حنيفة على روايته عن جابر الجعفيّ، وأبي العطوف الجزريّ، قال: وحدّث أبو يوسف، ومحمد بن الحسن عن الحسن بن عمارة، وعبد الله بن مُحَرَّر، وغيرهما من المجروحين. قال: وكذلك مَنْ بَعدَهم من أئمة المسلمين قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عصر إلى عصرنا هذا لم يَخْلُ حديث إمام من أئمة الفريقين (١) عن مطعون فيه من المحدّثين، وللأئمة في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يَعرِفوا الحديث من أين مخرجه؟، والمنفرد به عدلٌ أم لا؟ .\nثم روى بإسناده عن الأثرم قال: رأى أحمد بن حنبل يحيى بنَ معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، فإذا اطّلَع عليه إنسانٌ كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، وتَعلَم أنها موضوعة، فلو قال لك قائلٌ: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتُبُ هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر على الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعده إنسان، فيجعل بدل ابن ثابتًا، ويرويَهَا عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر، عن أبان، لا عن ثابت. وذكر أيضًا من طريق أحمد بن عليّ الأبّار قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذّابين، وسجرنا به التنّور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وأخرج العقيليّ من طريق أبي غسّان قال: جاءني علي بن المدينيّ، فكتب عنّي عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فَرْوة، فقلت:\n_________\n(١) يعني المجوّزين للرواية عن الضعفاء، والمانعين عنها.","vol":"1","page":399},{"text":"أيّ شيء تصنع بها؟ قال: أعرفها حتى لا تُقْلَبَ.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: من المهمّ -كما أشار إليه ابن رجب- أن يُعلم الفرقُ بين كتابة حديث الضعيف، وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها، ولم يرووها، كما قال يحيى بن معين: سجرنا به التنّور. وكذلك حرّق أحمد ابن حنبل حديث خلق كثير بعد أن كتب عنهم، ولم يحدّث به، وأسقط من المسند حديث خلق من المتروكين، مثل فائد بن أبي الورقاء، وكثير بن عبد الله المزنيّ، وأبان ابن أبي عيّاش، وغيرهم، وكان يُحدّث عمن دونهم في الضعف. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانىء: قد يَحتاج الرجل يحدّث عن الضعيف، مثل عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكّام، ومحمد بن معاوية، وعليّ بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، ولا يُعجبني أن يُحدّث عن بعضهم. وقال في روايته أيضًا، وقد سأله: ترى أن نكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدًا منكر. قيل: فالضعفاء؟ قال: قد يُحتاج إليهم في وقت، كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسًا. وقال في رواية ابن القاسم: ابنُ لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للإعتبار، والإستدلال، إنما أكتب حديث الرجل كأني أستدلّ به مع حديث غيره يشدّه، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال في رواية المروزيّ: كنت لا أكتب حديث جابر الجعفيّ، ثم كتبته أعتبرُ به. وقال في رواية مهنّا، وسأله: لم تكتب حديث أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. وقال محمد بن رافع النيسابوريّ: رأيت أحمد بين يدي يزيد بن هارون، وفي يده كتاب لزهير، عن جابر الجعفيّ، وهو يكتبه، فقلت: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر، وتكتبوه؟ قال: نَعْرِفَه. وكذا قال في حديث عبيد الله الوصافيّ: إنما أكتبه للمعرفة.\nقال الحافظ ابن رجب: والذي يتبيّن من عمل الإمام أحمد، وكلامه أنه يترك الرواية عن المتّهمين، والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدّث عمن دونهم في الضعف، مثل مَنْ في حفظه شيء، ويَختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه. وكذلك كان أبو زرعة يَفعَل.\nوأما الذين كتبوا حديث الكذّابين من أهل المعرفة والحفظ، فإنما كتبوه لمعرفته، كما ذكروا أحاديثهم في كتب الجرح والتعديل، ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم: لا يجوز ذكرُها إلا لِيُبَيَّنَ أمرُها، أو معنى ذلك. وقال ابن أبي حاتم: يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام، وأما رواية أهل التهمة بالكذب، فلا يجوز إلا مع بيان حاله، وهذا هو الصحيح. ذكر هذا كله ابن رجب رحمه الله تعالى (١).\n_________\n(١) \"شرح علل الترمذيّ\" ص ٨٣ - ٨٦ بتحقيق صبحي السامرائيّ.","vol":"1","page":400},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفصيل المذكور عن الإمام أحمد، وأبي زرعة رحمهما الله تعالى هو الأرجح عندي.\nوحاصله أن من كان متّهمًا بالكذب، أو كان كثير الخطإ لشدّة غفلته، وسوء حفظه، فإنه يترك حديثه، إلا لمعرفته وبيان حاله للناس، وأن من كان خفيف الضعف، وهو الذي يختلف الناس فيه توثيقًا وتضعيفًا يُروى عنه، فهذا تفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم.\nوإلى ما ذُكر كله أشرت في \"شافية الغُلَل\" حيث قلت:\nثُمَّ اعْلَمَنْ بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْم قَدْ ... اخْتَلَفُوا فِي الأَخْذِ عَمَّنْ قَدْ وَرَدْ\nتَضْعِيفُهُ بتُهْمَةٍ أَوْ غَفْلَةِ ... أَوْ كَثْرَةِ الْغَلَطِ فِي الرِّوَايَةِ\nفَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ وَقَدْ حُكِي ... ذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةٍ وَمَالِكِ\nوَالشَّافِعِيِّ وَكَذَا سُفْيَانُ ... وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَهُ الْبَيَانُ\nوَقَصْدُهُمْ فِي ذَا جَمِيلٌ ظَاهِرُ ... أَنْ يَعْرِفُوا مَخْرَجَ مَا قَدْ أُخْبِرُوا\nوَحَالَ مَنْ أَخْبَرَ عَدْلًا أَوْ لَا ... وَحُسْنُ ذَا الْقَصْدِ شَهِيرٌ أَجْلَى\nفَقَدْ رَأَى أَحْمَدُ يَحْيَى يَكْتُبُ ... صَحِيفَةً لِمَعْمَرٍ تَكَذَّبُ\nفَقَالَ كَيْفَ تَكْتُبُ الصَّحِيفَهْ ... تَعْلَمُهَا مَوْضُوعَةً كَالْجِيفَهْ\nأَجَابَهُ فَقَالَ إِنِّي أَكْتُبُ ... لِلْحِفْظِ حَتَّى لَا يِجِي مَنْ يَنْسُبُ\nمُفْتَرِيًا لِمَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتِ ... عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ\nفَإِنَّ تَكْذِيبِي لِذَا مُيَسَّرُ لَوْلَا ... الْكِتَابَةُ لَكَانَ يَعْسُرُ\nوَابْنُ الْمَدِينِيِّ كَذَا فَعَلَ فِي ... ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ إِسْحَاقَ اعْرِفِ\nوَلْتَعْلَمِ الْفَرْقَ لَدَى الْكِتَابَةِ ... حَدِيثَ هَؤُلَاءِ وَالرِّوَايَةِ\nفَإِنَّمَا يُكْتَبُ لِلْمَعْرِفَةِ ... وَلِلْبَيَانِ حَسْبُ لَا الرِّوَايَةِ\nتَرَكَ أَحْمَدُ حَدِيثَ الْمُتَّهَمْ ... وَرَاوِيًا يُرْمَى بِكَثْرَةِ الْوَهَمْ\nلِغَفْلَةٍ أَسُوءِ حِفْظٍ وَرَى ... عَمَّنْ غَدَا أَحْسَنَ حَالًا وَحَوَى\nضَعْفًا لِشَيْ مَّا أَوِ الْخُلْفُ أَتَى ... فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِيهِ ثَبَتَا\nوَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ مِثْلُهُ ثَبَتْ ... فَحَقِّقَنْ مَا جَاءَ أَيُّهَا الثَّبَتْ\nقَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ كُلُّ مَنْ ... رَوَى الْحَدِيثَ وَهْوَ غَيْرُ مُؤْتَمَنْ\nلِتُهْمَةٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ كَثْرَةِ ... خَطَئِهِ لَيْسَ مَحَلَّ حُجَّةِ\nإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ لم يَرِدْ ... عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الضَّعِيفِ الْمُبْتَعِدْ\nوَهَكَذَا قَالَ الإِمَامُ مُسْلِمُ ... قَدْ أَطْلَقَا الرَّدَّ فَخُذْ يَا مُسْلِمُ\nلَكِنَّ مَنْ سِوَاهُمَا قَدْ فَصَّلَا ... بَيْنَ الَّذِي حَرَّمَ أَوْ قَدْ حَلَّلَا","vol":"1","page":401},{"text":"وَبَيْنَ ذِي الرِّقَاقِ وَالتَّرْهِيبِ ... فَقَدْ رَوَوْا مَا جَا عَنِ الْمَعِيبِ\nنُقِلَ ذَا عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدِ ... كَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ مُرْسِي السَّنَدِ\nوَابْنِ الْمُبَارَكِ وَنَجْلِ مَهْدِي ... وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى (١) الْمَهْدِي\nوَكُلُّ ذَا فِي غَيْرِ مَنْ يُتَّهَمُ ... وَإِنْ يَكُنْ فَطْرْحُهُ مُحَتَّمُ\nوَهَكَذَا صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدِ ... كَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْمُسَدِّدِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الرواية عن المبتدعة:</span>\nاعلم: أنهم اختَلَفَوا قديمًا وحديثًا -كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى- في الرواية عن أهل الأهواء والبِدَعِ:\nفمنعت طائفة من الرواية عنهم، ذُكر ذلك عن ابن سيرين، ومالك، وابن عيينة، والحميديّ، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وغيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: لا تسمعوا من أهل الأهواء.\nورخّصَتْ طائفة في الرواية عنهم إذا لم يُتَّهموا بالكذب، نُقل ذلك عن أبي حنيفة، والشافعيّ، ويحيى بن سعيد، وابن المدينيّ. وقال ابن المدينيّ: لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيّع، لخَرِبت الكتب.\nوفرقت طائفة بين الداعية وغيره، فمنعوا الرواية عن الداعية إلى البدعة، دون غيره، منهم ابن المبارك، وابن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وروي أيضًا عن مالك.\nوللمانعين ثلاثة مآخذ:\n[الأول]: تكفير أهل الأهواء، أو تفسيقهم، وفيه خلاف مشهور.\n[الثاني]: الإهانة لهم، والهِجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفهم، أو فسقهم.\n[الثالث]: أن الهوى والبدعة لا يُؤمَنُ معه الكذب، لا سيما إذا كانت الرواية مما تَعضِدُ هوى الراوي.\n_________\n(١) هو ابن معين.","vol":"1","page":402},{"text":"وروى المقرىء عن ابن لَهِيعة أنه سمع رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته، وجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلناه حديثًا. ورواه المعافى عن ابن لهيعة، عن الأسود حدثني المنذر بن الجهم، فذكره بمعناه. وقال عليّ بن حرب: من قدر أن لا يكتب إلا عن صاحب سنّة، فإنهم لا يكذبون، وكلّ صاحب هوى يكذب ولا يبالي.\nوعلى هذا المأخذ فقد يُستثنى من اشتهر بالصدق والعلم كما قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء أصحّ حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطّان، وأبا حسّان الأعرج. وأما الرافضة فبالعكس. قال يزيد بن هارون: لا يُكتب من الرافضة، فإنهم يكذبون. أخرجه ابن أبي حاتم.\nومن فرق بين من يغلو في هواه، ومن لا يغلو، كما ترك ابن خزيمة حديث عباد ابن يعقوب لغلوّه. وسُئل ابن الأخرم لم ترك البخاريّ حديث أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان يُفرط في التشيّع.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الأخرم كلام خطير؛ لأن أبا الطفيل صحابيّ، فلا يليق بمنصبه أن يقال هذا الكلام، وأيضًا فما تركه البخاريّ، بل أخرج له في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\" حديثه عن عليّ -﵁-. \"حدّثوا الناس بما يعرفون، أتُحبّون أن يكذّب الله ورسوله\"، فليُتنبّه لمثل هذا الخطر الجسيم. والله تعالى أعلم.\nقال: وقريبٌ من هذا من فرق بين البِدَع المغلّظة كالتجهّم والرفض، والخارجيّة، والقدَر، والبدع المخفّفة، ذات الشُّبَه، كالإرجاء. قال أحمد في رواية أبي داود: احتَمِلُوا من المرجئة الحديثَ، ويُكتب عن القدريّ إذا لم يكن داعية. وقال المروذيّ: كان أبو عبد الله يحدّث عن المرجىء إذا لم يكن داعيًا، ولم نقف له على نصّ في الجهميّ أنه يُروَى عنه إذا لم يكن داعيًا، بل كلامه فيه عامّ أنه لا يُروَى عنه.\nفيخرج من هذا أن البِدَع الغليظة كالتجهّم يُردّ بها مطلقًا، والمتوسّطة كالقدر، إنما يُرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل يُقبل معها الرواية مطلقًا، أو يُردّ عن الداعية على روايتين. انتهى كلام ابن رجب رحمه اللهُ تعالى.\nوقال في \"تدريب الراوي\" ج: ١ ص: ٣٢٤: ما ملخّصه: من كُفِّرَ ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، ومثّلوا له بالْمُجَسِّمُ، ومنكر علم الجزئيات، قيل: وقائل خلق","vol":"1","page":403},{"text":"القرآن، فقد نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني، ومنع تأويل البيهقي له بكفران النعمة بأن الشافعي قال ذلك في حق حفص الفرد لَمّا أفتى بضرب عنقه، وهذا رادٌّ للتأويل.\nثم إن دعوى الاتفاق في عدم الاحتجاج ممنوعة، فقد قيل: إنه يقبل مطلقا، وقيل: يقبل إن اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب \"المحصول\"، وقال الحافظ: التحقيق أنه لا يُرَد كل مُكَفَّر ببدعته؛ لأن كل طائفة تَدَّعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أُخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن الذي ترد ببدعته روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع، معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله.\nقال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم.\nوأما من لم يُكَفَّر فقيل: لا يحتج به مطلقا، ونسبه الخطيب لمالك؛ لأن في الرواية عنه ترويجا لأمره، وتنويها لذكره، ولأنه فاسق ببدعته، وإن كان متأولا يُردّ كالفاسق بلا تأويل، كما استوى الكافر المتأول وغيره. وقيل: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، أو لأهل مذهبه، سواء كان داعية أم لا، ولا يُقبل إن استحل ذلك. وحكى هذا القول عن الشافعي، حكاه عنه الخطيب في \"الكفاية\"؛ لأنه قال أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، قال: وحُكِي هذا أيضا عن ابن أبي ليلى، والثوري، والقاضي أبي يوسف. وقيل: يُحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته، ولا يحتج به إن كان داعيةً إليها؛ لأن تزيين بدعته قد تحمله على تحريف الروايات، وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا القول هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير، أو الأكثر من العلماء، وضُعِّفَ القول الأول باحتجاج صاحبي \"الصحيحين\" وغيرهما بكثير من المبتدعة غير الدعاة، كعمران بن حطان (١)، وداود بن الحصين، قال الحاكم: وكتاب مسلم ملآن من الشيعة. وقد ادعى ابن حبان الاتفاق على رد الداعية (٢)، وقبول غيره بلا تفصيل.\n_________\n(١) تمثيله لغير الداعية بعمران بن حطّان فيه نظر لا يخفى؛ لأنه كان داعية إلى الخوارج، فتنبّه.\n(٢) قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: اعتُرِض عليه بأن الشيخين أيضا احتجا بالدعاة، فاحتَجَّ البخاري بعمران بن حِطّان، وهو من الدعاة، واحتجا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الْحِمّاني، وكان داعية إلى الإرجاء. وأجاب بأن أبا داود قال: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج، قال: ولم يحتج مسلم بعبد الحميد، بل أخرج له في المقدمة، وقد وثقه ابن معين. قاله في \"التدريب\" ١/ ٣٢٦.","vol":"1","page":404},{"text":"وقال السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى: الصواب أنه لا يُقبل رواية الرافضة، وسابّ السلف، كما ذكره النوويّ في \"الروضة\"؛ لأن سباب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف من باب أولى، وقد صرح بذلك الذهبي في \"الميزان\" فقال: البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوّ التشيّع، أو كالتشيّع ولا تحرّق، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع، والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدة بيّنة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم، ولا كرامة، وأيضا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا، ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم، والتَّقِيّة والنفاق دثارهم، فكيف يُقبل من هذا حاله؟ حاشا وكلّا، فالشيعيّ الغالي في زمان السلف وعرفهم، هو من يتكلّم في عثمان، والزبير، وطلحة، وطائفة ممن حارب عليّا -﵁-، وتعرّض لسبّهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي كفّر هؤلاء السادة، وتبرّأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالّ مفترٍ. انتهى.\nقال السيوطيّ: وهذا الذي قاله هو الصواب الذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه.\nوقال في موضع آخر: اختلف الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على ثلاثة أقوال: [أحدها]: المنع مطلقا. [والثاني]: الترخيص مطلقا، إلا فيمن يكذب ويضع. [والثالث]: التفصيل، فتُقبل رواية الرافضيّ الصدوق العارف بما يُحدث، وتردّ رواية الرافضيّ الداعية، ولو كان صدوقًا. قال أشهب سُئل مالك عن الرافضة؟ فقال: لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: لم أر أشهد بالزور من الرافضة. وقال مؤمّل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلا الرافضة، فإنهم يكذبون. وقال محمد بن سعيد الأصبهانيّ: سمعت شريكًا يقول: أَحمِل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتّخذونه دينًا. انتهى كلام الذهبيّ رحمه اللهُ تعالى (١).\nوقال الحافظ رحمه اللهُ تعالى في \"لسان الميزان\" ج: ١ ص: ١٠ بعد أن ذكر كلام الذهبي المتقدّم: ما ملخّصه: فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم، كالرافضة والخوارج، ونحوهم ذهب إليه مالك وأصحابه، والقاضي أبو بكر الباقلاني وأتباعه، والقبول مطلقا إلا فيمن يُكَفَّر ببدعته، وإلا فيمن يستحل الكذب ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف وطائفة، وروي عن الشافعي أيضا، وأما التفصيل فهو الذي عليه\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" ١/ ١١٨ - ١١٩ و١٤٦.","vol":"1","page":405},{"text":"أكثر أهل الحديث، بل نقل فيه ابن حبان إجماعهم.\nووجه ذلك أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يُشَيِّد به بدعته، وقد حكى القاضي عبد الله بن عيسى بن لهيعة عن شيخ من الخوراج أنه سمعه يقول بعدما تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صَيَّرناه حديثا، حدث بها عبد الرحمن بن مهدي الإمامُ عن ابن لهيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح.\nقال: وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، فمَنْ بَعْدَهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمعه الرجل السني فحدث به، ولم يذكر من حدث به تحسينا للظن به، فيَحْمِله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به، ويكون أصله ما ذكرتُ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.\nوينبغي أن يُقَيَّد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقا، ولم يكن داعية، بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحَدِّث به مما يَعضِد بدعته، ويُشَيِّدها، فإنا لا نَأْمَن حينئذ عليه غلبة الهوى، فقد نَصّ على هذا القيد في هذه المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إلا ما يُقَوِّي به بدعتهم، فيتهم بذلك. وقال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة- قال: كنا إذا اجتمعنا، فاستحسنّا شيئا جعلناه حديثا. وقال مسيح بن الجهم الأسلمي التابعي: كان رجل منا في الأهواء مدة، ثم صار إلى الجماعة، وقال لنا: أنشدكم الله أن تسمعوا من أحد من أصحاب الأهواء، فإنا والله كنا نروي لكم الباطل، ونحتسب الخير في إضلالكم. وقال زهير بن معاوية: حدثنا محرز أبو رجاء، وكان يرى القدر، فتاب منه، فقال: لا ترووا عن أحد من أهل القدر شيئا، فوالله لقد كنا نضع الأحاديث، نُدخِل بها الناسَ في القدر، نحتسب بها، فالحكم لله. انتهى كلام الحافظ رحمه اللهُ تعالى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن المذهب الراجح في الرواية عن المبتدعة هو ما عليه أكثر أهل الحديث، بل نقل الإمام ابن حبّان ﵀ إجماعهم فيه.\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" ١/ ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"1","page":406},{"text":"وحاصله أنه تقبل رواية المبتدعة ما لم يكن داعية إلى بدعته، إلا إذا روى ما يُقوّي بدعته، وهذا تفصيل حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب.\nوإلى ما سبق ذكره أشار الحافظ السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\" حيث قال:\nوَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلَا ... ثَالِثُهَا إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلَا\nوَغَيْرُهُ يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي ... وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي\nقَبُولَهُمْ لَا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا ... لِرَأْيِهِمْ أَبْدَى أَبُو إِسْحَاتقَا\nوقلت في \"شافية الغلل\":\nثُمَّ اعْلَمَنَّ بِالْخِلَافِ الْقَائِمِ ... بَيْنَ ذَوِي الْعِلْمِ أُولِي الْمَكَارِمِ\nفِي الأَخْذِ عَنْ أَهْلِ الْهَوَى وَالْبِدَعِ ... فَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ فَلْتَدَعِ\nفَمِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالْحُمَيْدِي ... وَابْنُ عُيَيْنَةَ الإِمَامُ الْمَهْدِي\nكَذَا عَلِيٌّ ابْنُ حَرْبٍ مَالِكُ ... وَيُونُسٌ (١) وَغَيْرُهُمْ يَا سَالِكُ\nمَأْخَذُ هَؤُلَاءِ كُفْرُ ذِيَ الْهَوَى ... أَوْ فِسْقُهُ كَمَا خِلَافًا قَدْ حَوَى\nأَوِ الإِهَانَةُ لَهُ أَوْ كَوْنُهُ ... لِرِقِّةِ الدِّينِ يَجِيكَ مَيْنُهُ\nوَمِنْ هُنَا اسْتُثْنِيَ مَنْ كَانَ اتَّصَفْ ... بِالصِّدْقِ وَالْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ انْحَرَفْ\nمِثْلَ الْخَوَارِجِ خِلَافَ الرَّافِضَهْ ... كَذَبَةٌ ذَوُو خِصَالٍ دَاحِضَهْ\nوَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ إِنْ لم تَكُنْ ... تُهَمَةٌ بِكِذِبٍ فَخُذْ يَهُنْ\nفَمِنْهُمُ أَبُو حَنِيفَةَ ذُكِرْ ... وَالشَّافِعِيُّ وَكَذَا يَحْيَى أُثِرْ\nوَابْنُ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ لَوْ تُرِكْ ... لِلْقَدَرِ الْبَصْرَةُ بِئْسَمَا سُلِكْ\nكَذَلِكَ الْكُوفَةُ للتَّشَيُّعِ ... لَضَاعَتِ الأَخْبَارُ فَافْهَمْ وَاتَّبَعِ\nوَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ فَتَركَتْ ... الْغَالِي الْهَوَى وَغَيْرَهُ حَوَتْ\nوَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبِدَعِ ... إِنْ خَفَّ كَالإِرْجَاءِ خُذْ وَاتَّبِعِ\nأَوْ لَا فَلَا كَالرَّفْضِ وَالتَّجَهُّمِ ... وَالْقَدْرِ وَالْخُرُوجِ بِالتَّهَجُّمِ\nوَرَاجِحُ الأَقْوَالِ فِي الْمُبْتَدِعِ ... إِنْ كَانَ قَدْ كُفِّرَ بِالْمُبْتَدَعِ\nيُرَدُّ أَوْ لَا اقْبَلْ سِوَى الدَّاعِيَةِ ... إِنْ لم يَكُنْ مُثَبَّتَ الرِّوَايَةِ\nبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ ... مُجَانِبًا لَمَا لَهُ يَهْوَاهُ\n[تنبيه]: قال الحافظ السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى: مِنَ الْمُلْحَق بالْمُبتَدِع مَنْ دَأْبُهُ الاشتغالُ\n_________\n(١) هو ابن أبي إسحاق السبيعيّ.","vol":"1","page":407},{"text":"بعلوم الأوائل، كالفلسفة، والمنطق، صَرَّح بذلك السِّلَفي في \"معجم السفر\"، والحافظ أبو عبد الله بن رشيد في رحلته، فإن انضم إلى ذلك اعتقاده بما في علم الفلسفة، من قِدَم العالم ونحوه فكافر، أو لما فيها مما ورد الشرع بخلافه، وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم، فلا نأمن ميله إليهم، وقد صرح بالحط على من ذُكِر، وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابنُ الصلاح في \"فتاويه\"، والنوويّ في \"طبقاته\"، وخلائق من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، خصوصا أهل المغرب، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية، وغيره من الحنابلة، والذهبي لَهِجَ بذلك في جميع تصانيفه. انتهى (١). وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>(المسألة الثالثة): قد سَرَد السيوطيّ رحمه الله تعالى هنا من رُمِي ببدعة، ممن أخرج لهم البخاري ومسلم، أو أحدهما، وهم:</span>\nإبراهيم بن طهمان، أيوب بن عائذ الطائي، ذَرّ بن عبد الله الْمُرْهِبِيّ، شَبَابة بن سَوّار، عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني، عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عثمان بن غياث البصري، عُمَر بن ذَرّ، عمرو بن مُرّة، محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، وَرْقَاء بن عُمَر اليَشْكُري، يحيى بن صالح الْوُحاظي، يونس بن بُكير، هؤلاء رُمُوا بالإرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر بالنار.\nإسحق بن سُوَيد العدوي، بهز بن أسد، حَرِيز بن عثمان، حُصَين بن نُمَير الواسطي، خالد بن سلمة الفأفاء، عبد الله بن سالم الأشعري، قيس بن أبي حازم، هؤلاء رُمُوا بالنصب، وهو بُغْضُ علي -﵁-، وتقديم غيره عليه.\nإسماعيل بن إبان، إسماعيل بن زكريا الْخُلْقَاني، جرير بن عبد الحميد، أبان بن تغلب الكوفي، خالد بن مخلد القَطَوَاني، سعيد بن فَيْروز أبو البختري، سعيد بن أشوع، سعيد بن عُفَير، عباد بن الْعَوَّام، عباد بن يعقوب، عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرزاق بن همام، عبد الملك بن أعين، عبيد الله بن موسى العبسي، عدي بن ثابت الأنصاري، عليّ بن الْجَعْد، علي بن هاشم بن الْبَرِيد، الفضل ابن دُكَين، فضيل بن مرزوق الكوفي، فطر بن خليفة، محمد بن جُحَادة الكوفي، محمد ابن فُضيل بن غَزْوَان، مالك بن إسماعيل أبو غسان، يحيى بن الجَرّاز، هؤلاء رُمُوا بالتشيع، وهو تقديم عليّ على الصحابة.\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":408},{"text":"ثور بن زيد المدني، ثور بن يزيد الحمصي، حسان بن عطية المحاربي، الحسن ابن ذكوان، داود بن الحصين، زكريا بن إسحق، سالم بن عجلان، سلام بن مسكين، سيف بن سليمان المكي، شِبْل بن عباد، شريك بن أبي نَمِر، صالح بن كيسان، عبد الله بن عمرو أبو مَعْمَر، عبد الله بن أبي لَبِيد، عبد الله بن أبي نَجِيح، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عبد الرحمن بن إسحق المدني، عبد الوارث بن سعيد التَّنُّوري، عطاء بن أبي ميمونة، العلاء بن الحارث، عمرو بن زائدة، عمران بن مسلم القصير، عمير بن هانئ، عوف الأعرابي، كهمس بن المنهال، محمد بن سواء البصري، هارون بن موسى الأعور النحوي، هشام الدستوائي، وهب بن مُنَبِّه، يحيى بن حمزة الحضرمي، هؤلاء رُمُوا بالقَدَر، وهو زعم أن الشر من خلق العبد.\nبشر بن السَّرِىّ، رمى برأي جهم، وهو نفي صفات الله تعالى، والقول بخلق القرآن. عكرمة مولى ابن عباس، الوليد بن كثير، هؤلاء الحرورية، وهم الخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم، وتبرؤا منه ومن عثمان وذويه، وقاتَلُوهم.\nعلي بن هشام رمي بالوقف، وهو أن لا يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق. عمران بن حطان، من القَعَدية الذين يرون الخروج على الأئمة، ولا يباشرون ذلك.\nفهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما. انتهى كلام السيوطيّ رحمه الله تعالى (١). وهو بحثٌ مهمّ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم ذكر رحمه اللهُ تعالى الأدلّة التي يُحتجّ بها على ما تقدّم من وجوب رواية ما صحّ، وترك غيره، فقال:\n(وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ، دُونَ مَا خَالَفَهُ، قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيِ، أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا، إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ، كَنَحْوِ دَلَالَةِ\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.","vol":"1","page":409},{"text":"الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ\").\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفِقْرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى في هذا الكلام مُتَمَسَّكه الذي بَنَى عليه القاعدة المتقدّمة، وهي أن الواجب على كلّ من عرف التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها أن يروي للناس ما عرف صحته، ويتّقي ما كان عن الضعفاء والمتروكين، وأهل الأهواء الزائغين، وذلك المتمسّك هي الآيات القرآنيّة التي أوردها هنا، فإنها تدلّ على أن خبر الفاسق لا يُقبل، كشهادته، إذ الخبر والشهادة، وإن كانا يفترقان في بعض الوجوه، كالحرية، والذكورة، والعدد، ونحوها مما سيأتي في المسائل -إن شاء الله تعالى- فإنها لا تعتبر في الخبر، دون الشهادة، فقد يجتمعان في أكثر الأمور، كالإسلام، والبلوغ، والعدالة، والضبط، ونحوها مما سيأتي قريبًا أيضًا، ثم بيّن أن السنة النبويّة دلّت أيضًا على ما دلّ عليه القرآن الكريم، وهو حديث: \"من حدّث عنّي بحديث يُرَى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبِينَ\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفِقْرة:</span>\n(وَالدَّلِيلُ) أي المرشد، والكاشف. قاله الفيّومي. وقال أبو البقاء الكفوي في كتابه \"الكلّيات\": الدليل: المرشد إلى المطلوب، يُذكَر ويُراد به الدالّ، ومنه: \"يا دليل المتحيّرين\" (١): أي هاديهم إلى ما تزول به حيرتهم. ويُذكر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة المدلول، ومنه سمي الدخان دليلًا على النار، ثم اسم الدليل يقع على ما يُعرف به المدلول، حسيّا كان، أو شرعيّا، قطعيّا كان، أو غير قطعيّ، حتى سُمّي الحسّ، والعقل، والنصّ، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها أدلّة.\nوالدلالة كون الشيء بحيث يفيد الغيرَ علمًا إذا لم يكن في الغير مانع، كمزاحمة الوهم والغفلة بسبب الشواغل الجسمانية.\nوأصل الدلالة مصدر، كالكتابة، والإمارة، والدالّ: ما حصل منه ذلك. قال: ويُجمع الدليل على أدلّة، لا على دلائل إلا نادرًا. قال: والتعريف المشهور للدليل: هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول، ولا يخفى أن الدليل والمدلول متضايفان، كالأب والابن، فيكونان متساويين في المعرفة والجهالة، فلا يجوز أخذ أحدهما في تعريف الآخر؛ لأن المعرّف ينبغي أن يكون أجلى.\n_________\n(١) إطلاقه على الله تعالى يحتاج إلى ثبوته نقلًا، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":410},{"text":"والتعريف الحسن الجامع: أنه هو الذي يلزم من العلم، أو الظنّ به العلمُ، أو الظنّ بتحقّق شيء آخر. و\"أو\" هنا للتبيين: أي كل واحد دليل، كما يقال: الإنسان إما عالم أو جاهل، لا للتشكيك. انتهى المقصود من كلام الكفوي باختصار (١).\n(عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا) أي قلناه، فحذف مفعوله؛ لكونه فضلة، قال في \"الخلاصة\":\n..................... ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي\nفِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كضمَنْ نَرْجُو يَهَبْ\nوقال أيضًا:\nوَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لم يَضِرْ ... كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ\n(مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ) الإشارة إلى ما سبق له آنفًا من قوله: \"أن الوِاجب على كلّ أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها\"، الى آخر كلامه (دُونَ مَا خَالَفَهُ) أي وهو رواية ما كان من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع (قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾) الفسوق: الخروج من الشيء، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه فقست البيضة: إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضًا: فقست الشيء: إذا أخرجته من يد مالكه مغتصبًا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر. قاله النسفي (٢).\nوقال الفيّومي: فسق فُسوقًا، من باب قعد: خرج عن الطاعة، والاسم الفِسق، ويَفْسِق بالكسر لغة حكاها الأخفش، فهو فاسق، والجمع فُسّاق، وفَسَقَة. قال ابن الأعرابيّ: ولم يسمع فاسق في كلام الجاهليّة، مع أنه عربيّ فصيح، ونطق به الكتاب العزيز. ويقال: أصله خروج الشيء من الشيء على وجه الفساد، يقال: فَسَقَت الرُّطَبَة: إذا خرجت من قشرها، وكذلك كلّ شيء خرج عن قشره، فقد فسق. قاله السَّرَقُسْطيّ. وقيل للحيوان الخمس: فواسق؛ استعارة، وامتهانًا لهنّ؛ لكثرة خبثهنّ وأذاهنّ حتى قيلْ يُقتَلن في الحلّ والحرم، وفي الصلاة، ولا تبطل الصلاة بذلك. انتهى (٣).\n(بِنَبَإٍ) أي خبر (فَتَبَيَّنُوا) من التبيّن: أي تحقّقوا صدقه من كذبه، وقرأ حمزة والكسائيّ: \"فتثبّوا\" من التثبّت.\nوقال النسفي رحمه اللهُ تعالى: \"فتبيّنوا\": فتوقّفوا فيه، وتطلّبوا بيان الأمر، وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه. وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقّفنا في\n_________\n(١) انظر \"الكليات\" لأبي البقاء الكفوي ص ٤٣٩ - ٤٤٠.\n(٢) \"تفسير النسفي\" ٤/ ١٦٨.\n(٣) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٧٣.","vol":"1","page":411},{"text":"خبره لسوّينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة. قال: والتثبّت والتبيّن متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف. انتهى (١).\nوقال الشوكانيّ رحمه اللهُ تعالى: المراد من التبيّن: التعرّف، والتفحّص، ومن التثبّت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصّر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتّضح ويظهر. انتهى (٢).\n(أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا) مفعول له: أي خشية أن تصيبوا، وقيل: التقدير: لئلا تُصيبوا قومًا بالقتل والسبي (بِجَهَالَةٍ) حال من الفاعل: أي جاهلين. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: وقوله: \"أن تصيبوا قومًا بجهالة\" مفعول له: أي كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا؛ لأن الخطأ ممن لم يتبيّن الأمرَ، ولم يتثبّت فيه هو الغالب، وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم، والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم. انتهى (٣) (فَتُصْبِحُوا) أي تصيروا (عَلَى مَا فَعَلْتُمْ) من الخطإ بالقوم (نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] أي مغتمّين غما لازما، فالندم غمّ يصحب الإنسان صحبة لها دوام على ما وقع مع تمنّي أنه لم يقع (٤).\nوقال الإمام ابن كثير رحمه اللهُ تعالى في \"تفسيره\" ٤/ ٢٠٩ عند شرح هذه الآيات: ما نصّه:\nيأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق؛ ليحتاط له؛ لئلا يُحكم بقوله، فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله ﷿ عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال؛ لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون؛ لأنا إنما أُمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق؛ لأنه مجهول الحال.\n(وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في محل رفع على أنه صفة لرجل وامرأتين من قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قيل: هذا الخطاب للحُكّام. وقيل: بل هو لجميع الناس، لكن الملتبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله، يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. وهذا القول الثاني، هو ارتضاه ابن عطية وغيره، كما نقله القرطبي في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩٥.\n(وَقَالَ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]) أي على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين ﵄ أنه سئل عن الرجل يُطلّق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها، ولا على\n_________\n(١) انظر \"تفسير النسفي\" ٤/ ١٦٨.\n(٢) انظر \"الفتح القدير\" ٥/ ٦٠.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) انظر \"حاشية الجمل على الجلالين\" ٤/ ١٧٨.","vol":"1","page":412},{"text":"رجعتها؟ فقال: طلّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنّة، وأَشْهِد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ. وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله ﷿، إلا أن يكون من عذر. انتهى (١).\nقال المصنّف رحمه اللهُ تعالى:\n(فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا) الظاهر أن الباء زائدة، و\"ما\" اسم موصول فاعل \"دلّ\". وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْآيِ) بيان لـ\"ما\"، والآي جمع آية، وهي في الأصل العلامة، سمّيت بذلك؛ لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، وقيل: لأنها جماعة من حروف القرآن. وقيل: الآية من القرآن كأنها العلامة التي يُفضَى منها إلى غيرها كأعلام الطريق المنصوبة للهداية. ووزنها عند الخليل فَعَلة بفتح الفاء والعين، وذهب غيره إلى أن أصلها أَيَّةٌ فعْلة بسكون العين، فقُلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، وهو قلب شاذّ. أفاده ابن منظور (٢).\n(أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ) قال في \"القاموس\": الساقط: المتأخّر عن الرجال. انتهى. وقال في \"اللسان\": الساقط والساقطة: اللئيم في حسبه ونفسه. انتهى. والمراد به هنا أن خبره رديء متأخّر عن درجة ما يُقبل من الأخبار، فيكون قوله (غَيْرُ مَقْبُولٍ) مؤكّدًا له (وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ) أي للتنصيص على اشتراط العدالة فيها في الآية المذكورة.\nوقوله رحمه اللهُ تعالى: (وَالْخَبَرُ الخ) أتى به إشارةً إلى دفع أنّ إيراد الآيتين الأخيرتين دليلًا على سقوط خبر الفاسق غير مسلّم؛ للفرق بين الشهادة والخبر.\nوحاصل الجواب أن الشهادة خبر في الحقيقة، إلا أنها صارت مخصوصة منه باعتبار أمور تَعْرِضُ لها.\nفقوله: \"والخبر\" مبتدأ خبره جملة قوله (وَإِنْ فَارَقَ) أي خالف (مَعْنَاهُ) أي الخبر، والمراد بالمعنى الشروط (مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ) كالحرية، والذكورة، والعدد، ونحوها (فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا) أي أكثر شروطهما، وذلك كالبلوغ، والإسلام، والعدالة، ونحوها (إِذْ) تعليلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وكما في قول الشاعر [من الطويل]:\n_________\n(١) انظر \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٤٠٥.\n(٢) انظر \"لسان العرب\" ١٤/ ٦١ - ٦٢.","vol":"1","page":413},{"text":"فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ ... إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مِثْلُهُمْ بَشَرُ\n(كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أي عند جميعهم؛ إذ لا خلاف بينهم في ذلك (كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ) أي لقوله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>مسائل تتعلق بكلام المصنّف رحمه اللهُ تعالى السابق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>(المسألة الأولى): في الكلام على سبب نزول الآية الأولى:</span>\nقال الحافظ ابن كثير رحمه اللهُ تعالى: قد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله -ﷺ- على صدقات بني المصطلق، وقد رُوي ذلك من طرق، أحسنها ما رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن أبي ضرار، والد جويرية بنت الحارث، أم المؤمنين -﵂-، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي، أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله -ﷺ-، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة، فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله -ﷺ- أرجع إليهم، فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله -ﷺ- رسولا إِبّانَ كذا وكذا؛ ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإِبّان الذي أراد رسول الله -ﷺ-، أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسَرَوات قومه، فقال لهم: إن رسول الله -ﷺ-، كان وَقّت لي وقتا يُرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله -ﷺ- الخلف، ولا أرى حَبَس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا بنا نأتي رسول الله -ﷺ- وبعث رسول الله -ﷺ- الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِق -أي خاف- فرجع، حتى أتى رسول الله -ﷺ-، فقال: يا رسول الله -ﷺ- إن الحارث قد منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله -ﷺ-، وبعث البعث إلى الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله -ﷺ- بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بَتّةً، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله -ﷺ- قال: \"منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟ \"، قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله -ﷺ-، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٨]. ورواه ابن أبي حاتم عن","vol":"1","page":414},{"text":"المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. انتهى كلام ابن كثير (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>(المسألة الثانية): فيما يتعلق بالآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]:</span>\nقال أبو عبد الله القرطبي رحمه اللهُ تعالى في \"تفسيره\" ٣/ ٣٩٥:\nدلّ قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ على أن في الشهود من لا يُرضَى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، وذلك معنى زائد على الإسلام، وهذا قول الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: كل مسلم ظاهر الإسلام، مع السلامة من فسق ظاهر، فهو عدل، وإن كان مجهول الحال، وقال شريح، وعثمان الْبَتّيّ، وأبو ثور: هم عدول المسلمين، وإن كانوا عبيدا. فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي، إذا كان عدلا مرضيا، وبه قال الشافعي، ومن وافقه، وهو من رجالنا وأهل ديننا، وكونه بدويا ككونه من بلد آخر، والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فمنكم خطاب للمسلمين، وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ مثله، خلاف ما قاله أبو حنيفة، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يُختبر حاله، فيلزمه أن لا يُكتفَى بظاهر الإسلام.\nوذهب أحمد بن حنبل، ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي؛ لحديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية (٢) \"، والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك وأحمد رحمهما الله تعالى من ردّ شهادة البدويّ على القروي هو الأرجح؛ لصحة حديث أبي هريرة -﵁- المذكور. والله تعالى أعلم.\nقال القرطبي: قال علماؤنا -يعني المالكية-: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته، وعلى ترك الصغائر،\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\" ٤/ ٢٠٩.\n(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم. انظر \"صحيح الجامع الصغير\" ٢/ ١٢١٢ رقم ٧٢٣٥.","vol":"1","page":415},{"text":"ظاهر الأمانة، غير مُغَفَّل، وقيل: صفاء السريرة، واستقامة السِّيرة في ظن المعدل، والمعنى متقارب.\nقال: لما كانت الشهادة ولاية عظيمة، ومرتبة منيفة، وهي قبول قول الغير على الغير، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة، فمن حُكم الشاهد أن تكون له شمائل ينفرد بها، وفضائل يتحلى بها، حتى تكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بشهادته، وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات، عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام. قال: وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام، فربما تفرس بالشاهد غفلة، أو ريبة فيرد شهادته لذلك. قال: وقال أبو حنيفة: يُكتَفَى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود، وهذه مناقضة تسقط كلامه، وتفسد عليه مرماه؛ لأننا نقول: حَقٌّ من الحقوق، فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود، قاله ابن العربي. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ (١). وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>(المسألة الثالثة): في قوله: \"والخبر وإن فارق الخ</span>\":\nقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى في \"شرحه\" لهذا الكتاب: وقول مسلم رحمه اللهُ تعالى: \"والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة الخ\": ما أحسن قول مسلم هذا، وأبينه في الدلالة على كثرة علمه، وقوّة فقهه، فاعلم أن الشهادة والخبر يجتمعان عندنا في خمسة أحوال، ويفترقان في خمسة أحوال.\nفالخمسة الجامعة لها: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وضبط الخبر، أو الشهادة حين السماع والأداء، فمتى اختلّ وصف من هذه الأوصاف في أحد لم يقبل خبره، ولا شهادته.\nوأما الخمسة التي يفترقان فيها، فالحرّية، والذكورة، والعدد، ومراعاة الأهلية، والعداوة. انتهى كلام القاضي رحمه اللهُ تعالى (٢).\nوقال النوويّ رحَمَه اللهُ تعالى في \"شرحه\": ١/ ٦١:\nاعلم: أن الخبر والشهادة يشتركان في أوصاف، ويفترقان في أوصاف، فيشتركان\n_________\n(١) انظر \"الجامع لأحكام القرآن\" ٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":416},{"text":"في اشتراط الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة، والمروءة، وضبط الخبر والمشهود به عند التحمل والأداء، ويفترقان في الحرية، والذكورية، والعدد، والتهمة، وقبول الفرع مع وجود الأصل، فيقبل خبر العبد، والمرأة، والواحد، ورواية الفرع مع حضور الأصل الذي هو شيخه، ولا تقبل شهادتهم إلا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها، وترد الشهادة بالتهمة، كشهادته على عدوه، وبما يدفع به عن نفسه ضررا، أو يجر به إليها نفعا، ولولده ووالده، واختلفوا في شهادة الأعمى، فمنعها الشافعيّ وطائفة، وأجازها مالك وطائفة، واتفقوا على قبول خبره.\nوإنما فرق الشرع بين الشهادة والخبر في هذه الأوصاف؛ لأن الشهادة تخص، فيظهر فيها التهمة والخبر يعمه وغيره من الناس أجمعين، فتنتفي التهمة.\nوهذه الجملة قول العلماء الذين يُعتدّ بهم، وقد شَذّ عنهم جماعة في أفراد بعض هذه الجملة.\nفمن ذلك شرط بعض أصحاب الأصول أن يكون تحمله الرواية في حال البلوغ، والإجماع يرد عليه، وإنما يعتبر البلوغ حال الرواية، لا حال السماع، وجوز بعض أصحاب الشافعيّ رواية الصبيّ، وقبولها منه في حال الصبا، والمعروف من مذاهب العلماء مطلقا ما قدمناه، وشرط الجبائيّ المعتزليّ وبعض القدرية العدد في الرواية، فقال الجبائيّ: لا بد من اثنين عن اثنين كالشهادة، وقال القائل من القدرية: لا بد من أربعة عن أربعة في كل خبر، وكل هذه الأقوال ضعيفة، ومنكرة مطرحة، وقد تظاهرت دلائل النصوص الشرعية، والحجج العقلية على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قرر العلماء في كتب الفقه والأصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أبلغ إيضاح، وصنف جماعات من أهل الحديث وغيرهم مصنفات مستكثرات مستقلات في خبر الواحد، ووجوب العمل به. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).\nوقال السيوطي رحمه اللهُ تعالى في \"تدريب الراوي\" ١/ ٣٣١: من الأمور المهمة تحريرُ الفرق بين الرواية والشهادة، وقد خاض فيه المتأخرون، وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام، كاشتراط العدد وغيره، وذلك لا يوجب تخالفا في الحقيقة، قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما، حتى ظفرت به في كلام المازري، فقال: الرواية هي الإخبار عن عام لا تَرافُع فيه إلى الحكام، وخلافه الشهادة.\nوأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة، لم أَرَ من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر: (الأول): العدد لا يشترط في الرواية، بخلاف الشهادة، وقد ذكر ابن عبد\n_________\n(١) راجع \"شرح النووي على صحيح مسلم\" ١/ ٦١ - ٦٢.","vol":"1","page":417},{"text":"السلام في مناسبة ذلك أمورا: [أحدها]: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله -ﷺ-، بخلاف شهادة الزور. [الثاني]: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. [الثالث]: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الرواية عنه -ﷺ-.\n(الثاني): لا تشترط الذكورية فيها مطلقا، بخلاف الشهادة في بعض المواضع. (الثالث): لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقا. (الرابع): لا يشترط فيها البلوغ في قول. (الخامس): تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية، ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره، إن روى موافقه. (السادس): تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته. (السابع): من كذب في حديث واحد رُدّ جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة، لا ينقض ما شهد به قبل ذلك. (الثامن): لا تقبل شهادة من جَرّت شهادته إلى نفسه نفعا، أو دفعت عنه ضررا، وتقبل ممن روى ذلك. (التاسع): لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق، بخلاف الرواية. (العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر): الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة، وطلب لها، وعند حاكم، بخلاف الرواية في الكل. (الثالث عشر): للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعا مطلقا، بخلاف الشهادة، فإن فيها ثلاثة أقوال، أصحها التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها. (الرابع عشر): يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد، دون الشهادة على الأصح. (الخامس عشر): الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم، ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرا. (السادس عشر): يجوز أخذ الأجرة على الرواية، بخلاف أداء الشهادة، إلا إذا احتاج إلى مركوب. (السابع عشر): الحكم بالشهادة تعديل، بل قال الغزالي: أقوى منه بالقول، بخلاف عمل العالم، أو فتياه بموافقة المروي على الأصح. (الثامن عشر): لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها، بخلاف الرواية. (التاسع عشر): إذا روى شيئا ثم رجع عنه سقط، ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم. (العشرون): إذا شهدا بموجب قتل، ثم رجعا وقالا: تعمدنا لزمهما القصاص، ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف، فروى شخص خبرا عن النبي -ﷺ- فيها، وقتل الحاكم به رجلا، ثم رجع الرواي، وقال: كذبت وتعمدت، ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع، قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى، والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة، فإنها تتعلق بالحادثة، والخبر لا يختص بها. (الحادي والعشرون): إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر، ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة، وفي قبول روايتهم وجهان:","vol":"1","page":418},{"text":"المشهور منهما القبول، ذكره الماوردي في \"الحاوي\"، ونقله عنه ابن الرفعة في \"الكفاية\"، والإسنوي في \"الألغاز\". انتهى \"التدريب\" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nولما ذكر الأدلة على عدم قبول خبر الفاسق من الكتاب أتبعه بذكر الأدلة من السنة، فقال:\n(وَدَلَّتِ السُّنَّةُ) النبويّة (عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ) أي على نفي جواز روايته (مِنَ الْأَخْبَارِ) متعلّق بحال مقدّر من \"المنكر\" (كَنَحْوِ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ) أي مثل دلالة القرآن، وهو ما دلّت عليه الآية السابقة (عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ) حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ الآية، فإنها تدل علىَ عدم الاعتماد على خبر الفاسق (وهو الأثر) مبتدأ وخبر، وإنما ذكّره، وإن كان المرجع مؤنّثًا، وهي السنّة؛ نظرًا للخبر، و\"الأثر\" - بفتحتين- اسم من أثرتُ الحديث أَثْرًا، من باب نصر: إذا نقلته، وحديث مأثور: أي منقولٌ، ومنه الْمَأْثُرة، وهي المكرمة؛ لأنها تُنقل، ويُتحدّث بها. أفاده الفيّوميّ. واصطلاحًا: عبارة عن الأحاديث، مرفوعة كانت، أو موقوفةً على المعتمد. وقصره بعض الفقهاء على الموقوف فقط.\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\" ١/ ٦٣: هذا جار على المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم، واصطلح عليه السلف، وجماهير الخلف، وهو أن الأثر يُطلق على المرويّ مطلقا، سواء كان عن رسول الله -ﷺ-، أو عن صحابيّ، وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر هو ما يضاف إلى الصحابيّ موقوفا عليه. انتهى.\n(المشهور) صفة \"الأثر\"، والمراد به هنا ما يعم المتواتر؛ إذ الحديث المذكور من المتواتر، كما سيأتي بيانه، والمشهور في اللغة: اسم مفعول من شَهَرتُ الحديثَ من باب نفع شَهْرًا -بالفتح-، وشُهْرةً -بالضمّ-: إذا أفشيته، فاشتهر، واصطلاحًا ما رواه ثلاثة، فأكثر، ولم يبلغ حدّ التواتر، سمي مشهورًا؛ لوضوح أمره.\n[تنبيه]: الحديث إذا تفرّد بروايته راو واحد يسمّى غريبًا، وإن رواه اثنان سمي عزيزًا، وإن رواه ثلاثة، فأكثر، سمي مشهورًا، وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء والأصوليين، وبعض المحدّثين، سمي بذلك لانتشاره وشياعه في الناس، من فاض الماء يَفيض فيضًا وفيوضة: إذا كثُر حتى سال على ضَفّة الوادي، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه ووسطه وانتهائه سواءً، والمشهور أعمّ من ذلك، بحيث يشمل ما كان أوله منقولا عن الواحد، كحديث \"إنما الأعمال بالنيات\"،\n_________\n(١) راجع \"تدريب الراوي\" ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":419},{"text":"ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض ما تلقّته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد، ولذا قال أبو بكر الصيرفيّ والقفّال: إنه هو والمتواتر بمعنى واحد. أفاده السخاوي (١). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>شرح الحديث:</span>\n(عن رسول الله -ﷺ-) متعلّق بـ\"المشهور\" أنه قال: (من) شرطيّة مبتدأ (حدّث عنّي بحديث يُرى) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: ضبطناه يُرى بضم الياء. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد أنه مبنيّ للمفعول لفظًا، ولكن معناه معنى المبنيّ للفاعل؛ لأنه بمعنى يَظُنّ مبنيّا للفاعل. قال ابن منظور نقلًا عن \"تهذيب الأزهريّ\": قال الليث: يقال من الظنّ رِيتُ -بكسر الراء- فلانًا أخاك، ومن هَمَزَ قال: رُؤِيتُ، فإذا قلت: أرى وأخواتها لم تهمز، قال: ومن قلب الهمز من رأى قال: راء، كقولك: نأى وناء. وقال ابن الأثير: رُؤي فعل لم يُسمّ فاعله، من رأيتُ بمعنى ظننت، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: رأيت زيدًا عاقلًا، فإذا بنيته لما لم يُسمّ فاعله تعدّى إلى مفعول واحد، فقلت: رُؤي زيد عاقلًا. انتهى (٢).\nوهذا الذي ذكرنا من ضبط \"يُرَى\" بصيغة المبني للمفعول هو المشهور، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من \"يَرَى\"، قال النووي رحمه اللهُ تعالى: وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء فمعناه: \"يَظُنُّ\"، وأما من فتحها فظاهر، ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يَظُنّ أيضا، فقد حُكِيَ رَأَى بمعنى ظَنّ.\nوقَيّد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه، أو يظنه كذبا، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه، فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبا، أو عَلِمَهُ. انتهى (٣).\nوقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى في \"المفهم\": قيّدنا عن مشايخنا \"يَرَى\" مبنيّا للفاعل والمفعول، فـ\"يَرَى\" بالفتح بمعنى \"يَعْلَم\" المتعدّية لمفعولين، و\"أن\" سدّت مسدّهما، وماضي \"يَرى\" \"رأى\" مهموزًا، وإنما تركت العرب همز المضارع؛ لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم [من الطويل]:\nأَلَمْ تَرَ مَا لَاقَيْتُ وَالدَّهْرُ أَعْصُرُ ... وَمَنْ يَتَمَنَّ الْعَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ\nوربّما تركوا همز الماضي في قولهم [من الخفيف]:\nصَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَا فِي الْحِلَابِ؟\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ٤/ ٨ - ٩.\n(٢) \"لسان العرب\" ١٤/ ٣٠٤.\n(٣) \"شرح النوويّ\" ١/ ٦٤.","vol":"1","page":420},{"text":"ويحتمل ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي، فيكون ظنّا، من قولهم: رأيت كذا: أي ظهر لي، وعليهما يكون المقصود بالذمّ الذي في الحديث المتعمّد للكذب علمًا أو ظنّا.\nوأما \"يُرَى\" بالضمّ فهو مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله، ومعناه الظنّ، وإن كان أصلها مُعدّى بالهمزة من \"رأى\"، إلا أن استعماله في الظنّ أكثر وأشهر. انتهى كلام القرطبيّ (١).\n(أَنَّهُ كَذِبٌ) في تأويل المصدر مفعول ثان لـ\"يُرى\"، والأول ضمير \"من\" (فَهُوَ أَحَدُ الَكَاذِبِينَ) -بكسر الباء، وفتح النون- على الجمع، وهذا هو المشهور في ضبطه، قال النووي: قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا \"الكاذِبِينَ\" على الجمع. ورواه أبو نعيم الأصبهانى في كتابه \"المستخرج على صحيح مسلم\" في حديث سمرة \"الكاذبِيَنِ\" -بفتح الباء، وكسر النون- على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يُشارِك البادىء بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة \"الكاذِبَينِ\" أو \"الكاذِبِينَ\" على الشك في التثنية والجمع. انتهى (٢).\nوقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى: قوله: \"أحد الكاذبين\" رويناه بكسر الباء على الجمع، فيكون معناه: أنه أحد الكاذبين على رسول الله -ﷺ- الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ الآية [الزمر: ٦٠]؛ لأن الكذب على رسول الله -ﷺ- كذبٌ على الله تعالى. ورويناه أيضًا بفتح الباء على التثنية، ويكون معناه. أن المحدِّثَ والمحدَّثَ بما يظنّان أو يَعلَمان كذبه كاذبان، هذا بما حدّث، والآخر بما تحمّل من الكذب مع علمه أو ظنّه لذلك. ويفيد الحصر التحذير عن أن يُحدّث أحدٌ عن رسول الله -ﷺ- إلا بما تحقّق صدقه علمًا أو ظنّا، إلا أن يُحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب، فإنه لا يتناوله الحديث. وفي كتاب الترمذيّ عن ابن عبّاس ﵄، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: \"اتّقوا الحديث عنّي إلا بما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار\"، وقال: هذا حديث حسن (٣). انتهى كلام القرطبيّ (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١١١ - ١١٢.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) أخرجه الترمذيّ برقم (٢٩٥١) وفي سنده سفيان بن وكيع، وعبد الأعلى بن عامر ضعيفان، فتحسين الترمذيّ له فيه نظر. والله تعالى أعلم.\n(٤) \"المفهم\" ١/ ١١٢.","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nأما حديث المغيرة بن شعبة -﵁- فأخرجه المصنّف بالسند المذكور هنا فقط، وأخرجه (البخاريّ) في \"الجنائز\" (١٢٩١) عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد، عن علي ابن ربيعة، عنه (١). و(الترمذيّ) في \"العلم\" (٢٦٦٢) عن محمد بن بشّار، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، عنه. و(ابن ماجه) في \"المقدّمة\" (٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ به. (وأحمد) في \"مسنده\" ٤/ ٢٥٠ عن محمد بن جعفر غندر، وبهز جميعًا عن شعبة، عن حبيب به. و٤/ ٢٥٢ عن وكيع، عن الثوريّ وشعبة كلاهما عن حبيب به. و٤/ ٢٥٥ عن بهز بن أسد، عن شعبة به.\nوأما حديث سمرة بن جندب -﵁- فأخرجه المصنّف أيضًا بالسند المذكور فقط، وأخرجه (ابن ماجه) (٣٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع -وعن محمد بن بشار، عن غندر- كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. و(أحمد) ٥/ ١٤ عن يزيد -يعني ابن هارون- عن وكيع- و٥/ ٢٠ عن غندر، وعفّان- ثلاثتهم عن شعبة به. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>(المسألة الثانية): في فوائده:</span>\n(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه اللهُ تعالى، وهو بيان تحريم رواية المنكر من الأخبار.\nومنها: تغليظ الكذب، والتعرض له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يَرويه، فرواه كان كاذبا، وكيف لا يكون كاذبا، وهو مُخبِر بما لم يكن.\nقال أبو جعفر الطحاويّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه \"مشكل الآثار\" ١/ ٣٧٥ بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عليّ، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة -﵃-: ما نصّه: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به منه ما هو؟، فوجدنا الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فوجدناه تعالى قد أخبر أن ذوي الكتاب مأخوذ عليهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق، وكان ما يأخذونه عن الله تعالى هو ما يأخذونه عن رسله -صلوات الله عليهم- إليهم، فكان فيما أخذه الله تعالى عليهم\n_________\n(١) ولفظه: عن المغيرة -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\"، سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"من نِيحَ عليه يُعَذَّب بما نيح عليه\".","vol":"1","page":422},{"text":"أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ودخل فيه أخذه عليهم أن لا يقولوا على رسله إلا الحقّ، كان الحق ههنا كهو في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وكان من شهد بظن، فقد شهد بغير الحقّ، إذ كان الظن كما قد وصفه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦].\nوفي ذلك إعلامه إيانا أن الظنّ غير الحقّ، وإذا كان من شهد بالظنّ شاهدًا بغير الحقّ كان مثله من حدّث عن رسول الله -ﷺ- حديثًا لظنّ محدّثا عنه بغير الحقّ، والمحدّث عنه بغير الحقّ محدّث عنه بالباطل، والمحدّث عنه بالباطل كاذب عليه كأحد الكاذبين عليه الداخلين في قوله -ﷺ-: \"من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار\"، ونعوذ بالله تعالى من ذلك. انتهى كلام الطحاويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى إسناد هذا الحديث، فقال بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ).\nرجال هذا الإسناد: عشرة:\n١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان ابن خُواستي (٢) العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي الواسطيّ الأصل.\nرَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وشريك، وهشيم، وجماعة. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي القاضي، وزكرياء الساجي، وعثمان بن خرزاذ، وابنه أبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة.\nقال يحيى الحماني: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحمونا عند كل محدث. وقال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحب إلي من عثمان. قال عبد الله بن\n_________\n(١) \"شرح مشكل الآثار\" ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.\n(٢) \"خُوَاستي\" بخاء معجمة مضمومة، ثم واو مخفّفة، ثم ألف، ثم سين مهملة ساكنة، ثم تاء مثنّاة من فوقُ، ثم ياء مثناة من تحت. انتهى \"شرح النووي على صحيح مسلم\" ١/ ٦٤.","vol":"1","page":423},{"text":"أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحب إلي، فقال: أبو بكر أعجب إلينا. وقال العجلي: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجاني: سألت ابن معين عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادّعَى السماع من أجل من شريك لكان مصدقا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب إلي بخطه، وحدث عن روح بحديث الدجال، وكنا نظن أنه سمعه من أبي هشام الرفاعي، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام، قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (١٤) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وقال عمرو بن علي: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع علي بن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظا وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازي: كان يقعد عند الأُسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشكُدانةُ، وعبد الله بن البراد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يهدر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة وأصحابنا البغداديين؟ فقال: دع أصحابك أصحاب مخاريق. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان متقنا حافظا دَيِّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. قال البخاري وغير واحد: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين في المحرم. وفي \"الزهرة\": روى عنه البخاري ثلاثين حديثا، ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا (١).\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة العاشرة.\nأخرج له الجماعة إلا الترمذي.\n[تنبيه]: قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في \"شرحه\": ١/ ٦٤:\nوأما أبو بكر بن أبي شيبة فاسمه عبد الله، وقد أكثر مسلم من الرواية عنه، وعن أخيه عثمان، ولكن عن أبي بكر أكثر، وهما أيضا شيخا البخاريّ، وهما منسوبان إلى جدهما، واسم أبيهما محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُوَاستي -بخاء معجمة مضمومة، ثم واو مخففة، ثم ألف، ثم سين مهملة ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ياء مثناة من تحت- ولأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة أخ ثالث، اسمه القاسم، ولا رواية له في\n_________\n(١) الذي في برنامج الحديث صخر أن المصنف روى له (١٣٠١) فليُحرّر.","vol":"1","page":424},{"text":"الصحيح، كان ضعيفا، وأبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان، وكان قاضي واسط، وهو ضعيف، متفق على ضعفه، وأما ابنه محمد والد بني أبي شيبة، فكان على قضاء فارس، وكان ثقة. قاله يحيى بن معين وغيره، ويقال لأبي شيبة وابنه وبني ابنه: عبسيون -بالموحدة، والسين المهملة- وأما أبو بكر وعثمان فحافظان جليلان، واجتمع في مجلس أبي بكر نحو ثلاثين ألف رجل، وكان أجلّ من عثمان وأحفظ، وكان عثمان أكبر منه سنّا، وتأخرت وفاة عثمان، فمات سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات أبو بكر سنة خمس وثلاثين.\nومن طُرَف ما يتعلق بأبي بكر ما ذكره أبو بكر الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن أبي بكر محمدُ بنُ سعد كاتبُ الواقديّ، ويوسف بن يعقوب أبو عمرو النيسابوريّ، وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.\n٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ -بضم الراء، وهمزة، ثم مهملة- أبو سفيان الكوفيّ الحافظ، أحد الأئمة الأعلام.\nرَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وهشام بن عروة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم.\nورَوَى عنه أبناؤه سفيان، ومليح، وعبيد، ومستمليه محمد بن أبان البلخي، وشيخه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، والحميدي، والقعنبي، وآخرون، آخرهم إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار.\nقال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فجاء وكيع، فقالوا: هذا راوية سفيان، فقال حماد: لو شئت قلت: هذا أرجح من سفيان. وقال المروذي: قلت لأحمد: مَن أصحاب سفيان؟ قال وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، قلت: قدمت وكيعا، قال: وكيع شيخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه، قال: وسمعت أبي يقول: كان مطبوع الحفظ، وكان وكيع حافظا حافظا، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرا كثيرا، وقال في موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفا من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه. وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيما أثبت عندك، وكيع أو يزيد؟ وقال: ما منهما -بحمد الله تعالى- إلا ثبت، قلت: فأيهما أصلح؟ قال ما منهما إلا صالح، إلا أن وكيعا لم يتلطخ بالسلطان، وما رأيت أحدا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه. وقال الدوري: ذاكرت أحمد بحديث، فقال: مَن حدثك؟ قلت. شبابة، قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع. وقال علي بن عثمان النفيلي:","vol":"1","page":425},{"text":"قلت لأحمد: إن أبا قتادة يتكلم في وكيع، قال: من كذب بأهل الصدق فهو الكذاب. وقال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد، وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟ قال: وكيع، قلت: لم؟ قال: كان وكيع صديقا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، وكان يحيى بن سعيد صديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره. وحكى محمد بن علي الوراق عن أحمد مثل ذلك سواء في وكيع وابن مهدي، وزاد: قد عُرض على وكيع القضاء فامتنع منه. وقال بشر بن موسى عن أحمد: ما رأيت مثل وكيع في الحفظ والإسناد والأبواب، مع خشوع وورع.\nقال هارون بن حاتم: سمعت وكيعا يقول: وُلدت سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: ولد سنة سبع، وقيل سنة تسع، وقال خليفة وغيره: مات سنة ست وتسعين، وقال أحمد: حج وكيع سنة ست، ومات في الطريق، وقال محمد بن سعد، وأبو هشام: مات بفيد، منصرفا من الحج سنة سبع، زاد أبو هشام: يوم عاشوراء.\nوفي \"التقريب\": مات في آخر سنة (٦) أو أول سنة (١٩٧) وله (٧٠) سنة. انتهى.\nوجعله في \"التقريب\" من كبار وجعله في \"التقريب\" من كبار الطبقة التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٣٣) حديثًا.\n٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته عند شرح قوله: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث الخ\".\n٤ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: هو من ثور همدان، الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأئمة الأعلام.\nرَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسلمة بن كهيل، وطارق بن عبد الرحمن، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وخلق كثير من أهل العراق، والحجاز، وغيرهم.\nورَوَى عنه خلق لا يحصون، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وأبان بن تغلب، وزائدة، والأوزاعي، ومالك، وزهير بن معاوية، ومسعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المبارك، وجرير، ووكيع، وعلي بن الجعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وغيرهم.","vol":"1","page":426},{"text":"قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين، وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، رأيت سعيد بن جبير وغيره، وتقول هذا؟ فقال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وقال وكيع عن سعيد: سفيان أحفظ مني. وقال ابن مهدي: كان وهب يقدم سفيان في الحفظ على مالك. وقال يحيى القطان: ليس أحد أحبّ إليّ من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء. وقال الآجري عن أبي داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر سفيان. وقال أبو داود: بلغني عن ابن معين: ما خالف أحد سفيان في شيء إلا كان القول قول سفيان. وقال العجلي: أحسن إسناد الكوفة سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقال ابن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عبيد، كان يقول: حفينة. وقال المروذي عن أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سفيان. وقال أبو قطن: قال لي شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم. وقال النسائي: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما. وقال الخطيب: كان الثوريّ إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، مجمعًا على إمامته، مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع. وقال محمد بن سهل بن عسكر عن عبد الرزاق: بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة، فقال: إن رأيتم سفيان فاصلبوه، قال: فجاء النجارون، ونصبوا الخشب، ونودي سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل، ورجلاه في حجر ابن عيينة، فقالوا له: يا أبا عبد الله اتق الله، ولا تشمت بنا الأعداء، قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها، ثم قال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، قال: فمات قبل أن يدخل مكة. وفضائله كثيرة جدّا.\nقال أبو نعيم: خرج سفيان من الكوفة سنة خمسين ومائة، ولم يرجع إليها. وقال العجلي وغيره: مولده سنة سبع وتسعين. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وفي بعض ذلك خلاف، والصحيح ما هنا.\nوجعله في \"التقريب\" من رؤوس الطبقة السابعة.\nأخرج له الجماعة (١). وله في \"صحيح مسلم\" (٢٣٥) حديثًا.\n_________\n(١) راجع \"الخلاصة\" ص ١٤٥ و\"التقريب\" ص ١٢٨.","vol":"1","page":427},{"text":"٥ - (الحكم) بن عُتيبة -بمثناة فوقية، مصغّرًا- الكنديّ مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر، أو أبو عبد الله الكوفيّ، أحد الأعلام.\nرَوَى عن أبي جحيفة، وزيد بن أرقم، وقيل: لم يسمع منه، وعبد الله بن أبي أوفى، هؤلاء صحابة، وشريح القاضي، وقيس بن أبي حازم، وموسى بن طلحة، ويزيد ابن شريك التيمي، وعائشة -﵂- بنت سعد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وغيرهم.\nورَوى عنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جحادة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، وغيرهم من التابعين، وأبان بن صالح، وحجاج بن دينار، وسفيان بن حسين، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم.\nقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، وعبدة بن أبي لبابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم. وقال مجاهد بن رومي: رأيت الحكم في مسجد الخيف، وعلماء الناس عيال عليه. وقال جرير، عن مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة، أخلوا له سارية النبي -ﷺ- يصلي إليها. وقال عباس الدوري: كان صاحب عبادة وفضل. وقال ابن عيينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشعبي مثل الحكم وحماد. وقال ابن مهدي: الحكم بن عتيبة ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ومنصور، قلت: أيهما أحبّ إليك؟ قال: ما أقربهما. وقال أحمد: أثبت الناس في إبراهيم الحكم ثم منصور. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد النسائي ثبت، وكذا قال العجلي، وزاد: وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتباع، وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه. وقال ابن سعد: كان ثقة ثقة فقيها عالما رفيعا كثير الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: كان فقيها ثقة. وقال أحمد: لم يسمع من علقمة شيئا. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن الحكم عن عبيدة السلماني متصل؟ قال: لم يلقه. وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مِقسَم، كتابٌ إلا خمسة أحاديث، وعدها يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض. رواه ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\" عن علي بن المديني عن يحيى. وقال البخاري في \"التاريخ الكبير\": قال القطان: قال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال: سمعت. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يدلس، وكان سنهُ سن إبراهيم النخعي.\nذكر ابن منجويه أنه وُلد سنة (٥٠) وقيل: إنه مات سنة (١١٣) وقال الواقدي: سنة (١٤) وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (١٥).","vol":"1","page":428},{"text":"وجعله في \"التقريب\" من الطبقة الخامسة.\nأخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا.\n٦ - (حبيب) بن أبي ثابت قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ.\nروى عن زيد بن أرقم، وابن عبّاس، وابن عمر، وخلق من الصحابة والتابعين. وعنه مسعر، والثوريّ، وشعبة، وأبو بكر النهشليّ، وخلق كثير. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ. وقال أبو بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد، وكانوا أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد إلا ذلّ لحبيب. وقال ابن المدينيّ: له نحو مائتي حديث.\nوقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين -قال: أظن يحيى يريد منكرين- حديث المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم. وقال أبو زرعة: لم يسمع من أم سلمة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة. وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة بن الزبير شيئا. قال أبو بكر بن عياش وغيره: مات سنة (١١٩)، وقيل: غير ذلك.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\": كان مدلسا. وقال ابن عدي: هو أشهر وأكثر حديثا من أن أحتاج أذكر من حديثه شيئا، وقد حدث عنه الأئمة، وهو ثقة حجة كما قال ابن معين. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيه البدن، وكان مفتي الكوفة قبل الحكم وحماد. وذكره أبو جعفر الطبري في \"طبقات الفقهاء\"، وكان ذا فقه وعلم. وقال ابن خزيمة في \"صحيحه\": كان مدلسا، وقد سمع من ابن عمر.\nمات سنة (١١٩) وقيل: (١٢٢).\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة الثالثة.\nأخرج له الجماعة (١). وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.\n٧ - (ميمون بن أبي شبيب) الربعي، أبو نصر الكوفيّ، ويقال: الرقّيّ.\nرَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وعلي، وأبي ذر، والمقداد، وابن مسعود،\n_________\n(١) \"الخلاصة\" ص ٧١. و\"التقريب\" ص ٦٣ و\"شرح النووي\" ١/ ٦٣.","vol":"1","page":429},{"text":"وقيس بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وعائشة -﵂-، وسمرة بن جندب، وأبي عمرو الصيني.\nورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، ومنصور بن زاذان، والحسن بن الحر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء.\nقال علي بن المديني: خفي علينا أمره. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال عمرو بن علي: كان رجلا تاجرا كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أُخْبَر أن أحدا يزعم أنه سمع من الصحابة. وقال أبو داود: ولم يدرك عائشة -﵂-. وقال الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي شبيب: أردت الجمعة في زمان الحجاج، فذكر خبرا. قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرخه ابن حبان، وزاد: قُتِل في الجماجم. وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن خراش: لم يسمع من علي، وصحح له الترمذي روايته عن أبي ذر، لكن في بعض النسخ، وفي أكثرها قال: حسن فقط.\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة الثالثة.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والمصنّف في هذا الموضع فقط، والأربعة (١)، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.\n٨ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) واسمه يسار، ويقال: بلال، ويقال، داود بن بلال بن بُلَيل بن أُحيحة بن الْجُلاح بن الْحَرِيش بن جَحْجَبَا بن كُلْفة بن عوف بن عمرو ابن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي أبو عيسى المدنيّ، ثم الكوفي والد محمد.\nوُلِد لستّ بقين من خلافة عمر، رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد وحذيفة، ومعاذ بن جبل، والمقداد، وابن مسعود، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وبلال بن رباح، وغيرهم.\nوعنه ابنه عيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، وعمرو بن ميمون الأودي، وهو أكبر منه، والشعبي، وثابت البناني، والحكم بن عتيبة، وحصين بن عبد الرحمن، وجماعة.\nقال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن: أدركت عشرين ومائة من الأنصار صحابة. وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من\n_________\n(١) \"الخلاصة\" ص ٣٩٤ و\"القريب\" ٣٥٤.","vol":"1","page":430},{"text":"الصحابة، فيهم البراء يسمعون لحديثه، وينصتون له. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: ما ظننت أن النساء ولدن مثله. وقال الدوري عن ابن معين: لم ير عمرَ، قال: فقلت له: فالحديث الذي يروي كنا مع عمر نتراءى الهلال، فقال ليس بشيء. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي.\nوذكر أبو عبيد أنه أصيب سنة (٧١) وهو وَهَمٌ، ثم قال أبو عبيد: وأخبرني يحيى ابن سعيد، عن سفيان أن ابن شداد، وابن أبي ليلى فُقدا بالجماجم، وقد اتفقوا على أن الجماجم كانت سنة (٨٢) وفيها أرخه خليفة، وأبو موسى، وغير واحد، ويقال: إنه غَرِق بدجيل. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصح لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا، قال أبو حاتم: رُوي عن عبد الرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يُدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عجرة. وقال ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\": وقد رُوي سماعه من عمر من طرق، وليست بصحيحة. وقال الخليلي في \"الإرشاد\": الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر. وقال ابن المديني: كان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر. قال ابن المديني: لم يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذي في \"العلل الكبير\"، وابن خزيمة. وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من علي. وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد.\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة الثانية.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.\n٩ - (سمرة بن جندب) -بضم الدال المهملة، وفتحها- بن هلال بن حُديج بن مُرّة بن حَزْم بن عَمْرو بن جابر بن ذي الرأسين الفزاري، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان. قال ابن إسحاق: كان حليف الأنصار. رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي عُبيدة، وعنه ابناه: سليمان وسعد، وعبد الله بن بريدة، وزيد بن عقبة، والرَّبِيع بن عَمِيلة، وهلال بن يساف، وأبو رجاء العطاردي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو نضرة العبدي، وثعلبة ابن عباد، والحسن البصري، وغيرهم.\nقال ابن عبد البر: سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها، فلما مات زياد أقره معاوية عاما أو نحوه، ثم عزله، وكان شديدا على الحرورية، فهم ومن قاربهم يطعنون عليه. وكان الحسن، وابن سيرين، وفضلاء أهل البصرة يُثنون عليه. وقال ابن سيرين في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير. وقال أيضا: كان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله. قال ابن عبد البر: مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين، سقط في قدر مملوءة ماء حارا، فكان ذلك تصديقا لقول رسول الله -ﷺ- له ولأبي هريرة وثالثٍ","vol":"1","page":431},{"text":"معهما -يعني أبا محذورة-: \"آخركم موتا في النار\"، وقيل: مات آخر سنة تسع وخمسين، أو أول سنة ستين بالكوفة، وقيل بالبصرة. وقيل في سبب موته غير ذلك. أخرج له الجماعة. وقال في \"الخلاصة\": له (١٢٣) حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأربعة. انتهى. وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.\n١٠ - (المغيرة (١) بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قَسِيّ الثقفي، أبو عيسى، أو أبو محمد. وقال الطبري: يكنى أبا عبد الله. قال: وكان ضخم القامة، عَبْلَ الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده. وكان لا يَفرُقُه، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها، وبيعة الرضوان، وله فيها ذكر، وحَدَّثَ عن النبي -ﷺ-، رَوَى عنه أولاده: عروة، وعقار، وحمزة ومولاه ورّاد، وابن عم أبيه حسن بن حبة، ومن الصحابة الْمِسْوَر بن مخرمة، ومن المخضرمين فمن بعدهم، قيس بن أبي حازم، ومسروق، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله المزني، والأسود بن هلال، وزياد بن علاقة، وآخرون. قال ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة، وفتوح الشام والعراق، وقال الشعبي: كان من دُهاة العرب، وكذا ذكره الزهري. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة، ففتح مِيسان، وهَمَذان، وعِدّة بلاد إلى أن عزله لما شهد عليه أبو بكرة ومن معه. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة. وقال ابن حبان: كان أول من سُلِّم عليه بالإِمْرة (٢)، ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان، ثم عزله، فلما قُتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر، ونقل فيه الخطيب الإجماع، وقيل: مات قبلُ بسنة، وقيل بعدها بسنة. وقال الطبري: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر الرأي في أحدهما. وقال الطبري أيضا: كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف، وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النُّجَير (٣)، وأصيبت عينه باليرموك، ثم كان رسول سعد إلى رستم. وفي \"صحيح البخاري\" في قصة النعمان بن مُقَرِّن في قتال الفرس، أنه كان رسول النعمان إلى امرئ\n_________\n(١) \"المغيرة\" بضم الميم على المشهور، وحكى ابن السكّيت، وابن قتيبة، وغيرهما أنه يقال: بكسرها أيضًا. انتهى \"شرح النووي\" ١/ ٦٣.\n(٢) قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في \"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٢٨: يعني قول المؤذّن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته\". انتهى.\n(٣) \"النُّجَير\" كزبير: حصنٌ قرب حضر موت. وماء حذاء قرية صُفَينة. اهـ \"ق\" ص ٤٣٣.","vol":"1","page":432},{"text":"القيس، وشهد تلك الفتوح، وقال البغوي: حدّثني حمزة بن مالك الأسلمي، حدثني عمي شيبان بن حمزة، عن دُوَيد، عن المطلب بن حنطب قال: قال المغيرة: أنا أول من رشا في الإسلام، جئت إلى يَرْفَأ حاجب عمر، وكنت أجالسه، فقلت له: خذ هذه العمامة فالبسها، فإن عندي أختها، فكان يَأْنَس بي، ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب، فكنت آتي، فأجلس في القائلة، فيمرّ المارّ، فيقول: إن للمغيرة عند عمر منزلة، إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحد. وذكر البغوي من طريق زيد بن أسلم، أن المغيرة استأذن على عمر، فقال أبو عيسى، قال: من أبو عيسى؟ قال: المغيرة بن شعبة، قال: فهل لعيسى من أب؟ فشهد له بعض الصحابة أن النبي -ﷺ- كان يكنيه بها، فقال: إن النبي -ﷺ- غُفر له، وإنا لا ندري ما يُفعل بنا، وكناه أبا عبد الله. وأخرج البغوي من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: استعمل عمر المغيرة على البحرين، فكرهوه، وشَكَوا منه، فعزله، فخافوا أن يعيده عليهم، فجمعوا مائة ألف، فأحضرها الدِّهْقان إلى عمر، فقال: إن المغيرة اختان هذه، فأودعها عندي، فدعاه، فسأله، فقال: كذب، إنما كانت مائتي ألف، فقال: وما حملك على ذلك، قال كثرة العيال، فسُقِطَ في يد الدّهقان، فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟، قال: إنه افترى عليّ، فأردت أن أُخزيه. وأخرج ابن شاهين من طريق كثير بن زيد، عن المطلب -هو ابن حنطب- عن المغيرة، قال: كنت آتي، فأجلس على باب عمر، أنتظر الإذن على عمر، فقلت ليرفأ، حاجب عمر: خذ هذه العمامة فالبسها، فإن عندي أختها، فكان يأذن لي أن أقعد من داخل الباب، فمن رآني قال: إنه ليدخل على عمر في ساعة لا يدخل فيها غيره. وقال ابن سعد: كان رجلا طوالا، مصاب العين، أصيبت عينه باليرموك، أصهب الشعر، أقلص الشفتين، ضخم الهامة، عَبْلَ الذراعين، عريض ما بين المنكبين، وكان يقال له: مغيرة الرأي. ومن طُرف أخبار المغيرة -﵁- أنه حكي عنه أنه أحصن في الإسلام ثلاثمائة امرأة، وقيل: ألف امرأة (١).\nوقال البخاري في \"التاريخ\": قال أبو نعيم، عن زكريا، عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة، يوم الأربعاء في رجب، سنة تسع وخمسين، فقام المغيرة، وأنا شاهد، فذكر القصة، كذا قال، والصواب: سنة تسع وأربعين. قاله في \"الإصابة\" (٢). وفي \"تهذيب التهذيب\": وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفي سنة تسع وأربعين، وهو أميرها. وقال ابن سعد، وأبو حسان الزيادي، وغير واحد: مات سنة\n_________\n(١) راجع \"شرح النووي\" ١/ ٦٣.\n(٢) \"الإصابة\" ٩/ ٢٦٩ - ٢٧١. و\"سير أعلام النبلاء\" ٣/ ٢١/ ٣٢.","vol":"1","page":433},{"text":"خمسين، ونقل الخطيب الإجماع من أهل العلم على ذلك، وفيها في شعبان أرخه ابن حبان. وقال ابن عبد البر: مات سنة إحدى وخمسين.\nأخرج له الجماعة، وله (١٣٦) حديثًا، اتّفق الشيخان على تسعة منها، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين (١). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير ميمون، فما أخرج له البخاري في \"الصحيح\"، وأخرج له مسلم في هذا الباب فقط. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شعبة، فواسطيّ، ثم بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، قال النووي رحمه اللهُ تعالى: وهذا كثير، وقد يروي ثلاثة تابعيّون بعضهم عن بعض، وهو أيضًا كثير، لكنه دون الأول، وقد يووي أربعة تابعيون بعضهم عن بعض، وهذا قليل جدّا، وكذلك وقع مثل هذا في الصحابة -﵃-، صحابي عن صحابي كثير، وثلاثة صحابة بعضهم عن بعض، وأربعة بعضهم عن بعض، وهو قليل جدّا، وقد جمعت أنا الرباعيات من الصحابة والتابعين في أول شرح \"صحيح البخاري\" بأسانيدها، وجمل من طُرفها. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم.\nوقد بيّن السيوطي رحمه اللهُ تعالى أمثلة هذا النوع في كتابه \"تدريب الراوي\" ٢/ ٣٨٦، حيث قال:\nالنوع (السادس والسابع والسبعون): رواية الصحابة بعضهم عن بعض، والتابعين بعضهم عن بعض، هذان ذكرهما البلقيني في \"محاسن الاصطلاح\"، وقال: إنهما مهمان؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة، ورواية أتباع التابعين عن التابعين، فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف الغالب، قال: ومن أمثلة الأول حديث اجتمع فيه أربعة صحابة، وهو حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله ين السعدي، عن عمر بن الخطاب، مرفوعا: \"ما جاءك الله به من هذا المال عن غير إشراف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك\". وحديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقداد بن معدي كرب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ-، وهو مرعوب، متغير اللون، فقال: \"أطيعوني ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه\". وحديث اجتمع فيه\n_________\n(١) هكذا في \"الخلاصة\"، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن في \"صحيح مسلم\" (٣١) حديثًا، والظاهر أن هذا مع المكرّرات، فلا تنافي بين العددين، والله تعالى أعلم.\n(٢) \"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ٦٣.","vol":"1","page":434},{"text":"أربع من نساء الصحابة، اثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي -ﷺ-، وهو ما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، قالت: أتيت رسول الله -ﷺ- يوما، محمرا وجهه، وهو يقول: \"لا إله إلا الله - ثلاث مرات- ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد عشرا\"، قلت: يا رسول الله -ﷺ-، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم إذا كثر الخبث\". وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث الثلاثة في جزء.\nقال السيوطي: وقع في بعض الأجزاء حديثٌ اجتمع فيه خمسة من الصحابة، ثم أخرج بسنده عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر الصديق، عن بلال، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"الموت كفارة لكل مسلم\". انتهى كلام السيوطيّ ببعض اختصار\nوقال في \"ألفية الحديث\" مشيرًا إلى هذا:\nوَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ فِي سَنَدِ ... وَخَمْسَةٌ وَبَعْدَهَا لَمْ يُوجَدِ\nوعلّق العلامة أحمد محمد شاكر رحمه اللهُ تعالى فيما كتبه على \"ألفية المصطلح\" للسيوطي على الحديث المذكور أخيرًا: ما نصّه: هكذا نقله الناظم في \"التدريب\" عن بعض الأجزاء، ورواه بإسناده هو، ولم يتكلّم على إسناده من صحّة، أو ضعف، وقد نقل المتن في \"الجامع الصغير\"، ورمز له بأنه رواه أبو نعيم في \"الحلية\"، والبيهقي في \"الشعب\" من حديث أنس، وأطال القول فيه في \"اللآلىء المصنوعة\" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ وكل طرقه التي ذكرها من حديث أنس، ولم يذكر أنه جاء من رواية بلال، وكذلك نسبه العجلوني في \"كشف الخفا\" ٢/ ٢٨٩ للبيهقي والقضاعي، ولم أجد له إسنادًا عن بلال إلا الذي رواه به الناظم، وهو إسناد يحتاج إلى نظر كثير. انتهى كلام أحمد شاكر رحمه اللهُ تعالى.\nومنها: قوله -بعد ذكر إسناديه إلى الصحابيين-: قالا: قال رسول الله -ﷺ- ذلك، ففيه تقديم المتن على الإسناد، وهو جائز، قال في \"التقريب\"، وشرحه \"التدريب\":\nإذا قدّم الراوي المتن على الإسناد، كقال رسول الله -ﷺ- كذا، ثم يذكر الإسناد بعده، أو قدّم بعض المتن، وأخّر الإسناد، كرَوَى نافع عن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- كذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان، عن فلان حتّى يتّصل بما قدّمه صحّ، وكان مُتّصلًا، فلو أراد من سمعه هكذا تقديمَ جميع الإسناد، بأن يبدأ به أوّلًا، ثم يذكر المتن، فجوّزه بعض أهل الحديث من المتقدّمين، قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في \"الإرشاد\":","vol":"1","page":435},{"text":"وهو الصحيح. وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون فيه خلاف، كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعض، فإن الخطيب حكى فيه المنع؛ بناء على منع الرواية بالمعنى، والجوازَ بناء على جوازها. وتعقّبه البلقينيّ، فقال: هذا التخريج ممنوع، والفرق أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدّي إلى الإخلال بالمقصود في العطف، وعود الضمير، ونحو ذلك، بخلاف تقديم السند كله، أو بعضه، فلذلك جاز فيه، ولم يتخرّج على الخلاف. انتهى ببعض تصرّف (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقُّبُ البلقينيّ رحمه اللهُ تعالى هذا وجيه. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه]: نقل في \"التدريب\" عن الحافظ رحمه الله تعالى أنه قال: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة رحمه الله تعالى إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدىء به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرّح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حلّ منه، فحينئذ ينبغي أن يُمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. انتهى (٢).\nوإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\"، فقال:\nوَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ ... ثُمَّ يُتِمُّهُ أَجِزْ فَإِنْ يُرَدْ\nحِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ ... جَوَازُهُ كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحّ\nوَابْنُ خُزَيْمَةَ يُؤَخِّرُ (٣) السَّنَدْ ... حَيْثُ مَقَالٌ فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n٢ - (بَابٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ الله -ﷺ-)\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٢ - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ ابْنِ حِرَاشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ\").\n_________\n(١) راجع \"تقريب النووي\" مع \"تدريب الراوي\" ٢/ ١١٨ تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.\n(٢) راجع \"التدريب\" ٢/ ١١٩.\n(٣) وقع في نسخ \"الألفيّة\": \"يقدّم السند\"، وهو غلطٌ، والصواب: \"يؤخّر السند\"، فتنبّه.","vol":"1","page":436},{"text":"رجال هذا الإسناد: ثمانية:\n١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) واسمه عبد الله بن محمد، تقدّمت ترجمته في السند الماضي.\n٢ - (محمد بن المثنّى) بن عُبيد بن قيس بن دينار الْعَنَزِيّ -بفتح النون والزاي- أبو موسى الحافظ الثقة الثبتٌ البصريّ المعروف بالزَّمِن، مشهور بكنيته، وباسمه، وكان هو وبُنْدار فَرَسي رِهان، وماتا في سنة واحدة.\nرَوَى عن عبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، وخالد بن الحارث، ويزيد بن زريع، وحسين بن حسن البصري، ومعتمر، وحفص بن غياث، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وخلق كثير.\nورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حالم، والذُّهلي وبَقِيّ بن مَخْلَد، وزكرياء الساجي، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: ثقة، وقال أبو سعد الهروي: سألت الذهلي عنه؟ فقال: حجة. وقال صالح بن محمد: صدوق اللَّهجَة، وكان في عقله شيء، وكنت أقدمه على بندار. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى، ويحيى بن حكيم. وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه. وقال أبو الحسين السمناني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى على بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا. وقال ابن عقدة: سمعت ابن خِرَاش يقول: ثنا محمد بن المثنى، وكان من الأثبات. وقال الذهلي: حجة. وقال السلمي عن الدارقطني: كان أحد الثقات، وقدّمه على بندار، قال: وقد سئل عمرو بن علي عنهما؟ فقال ثقتان، يُقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر. قال: وكان في أبي موسى سلامة. وقال مسلمة: ثقة مشهور من الحفاظ. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان صاحب كتاب، لا يقرأ إلا من كتابه. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا احتج سائر الأئمة بحديثه، وُلد سنة سبع وستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين في ذي القعدة، ويقال: مات سنة إحدى وخمسين، ويقال: سنة خمسين. روى عنه الجماعة. وفي \"الزهرة\": رَوَى عنه البخاريّ مائة حديث وثلاثة أحاديث، ومسلم سبعمائة واثنتين وسبعين حديثا (١).\n_________\n(١) والذي سُجّل في برنامج الحديث \"صخر\" أن له في \"صحيح مسلم\" (٧٢٠) حديثًا، والذي يميل إليه القلب أن الذي في البرنامج أقرب إلى الصواب. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":437},{"text":"وجعله في \"التقريب\" من الطبقة العاشرة.\n٣ - (ابن بشّار) هو محمد بن بشّار بن عثمان بن داود بن كيسان الْعَبْديّ، أبو بكر الحافظ الثقة الثبت البصريّ، بُنْدار.\nرَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، وغندر، وروح بن عُبَادة، وحَرَمي بن عُمارة، وابن أبي عدي، ومعاذ بن هشام، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي داود الطيالسي، ويزيد ابن زريع، ويزيد بن هارون، وخلق كثير.\nورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر المروزي، وزكرياء السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد، وابن ناجية، وإبراهيم الحربي، وابن أبي الدنيا، وزكرياء الساجي، وأبو خليفة، وابن خزيمة، والسراج، والقاسم بن زكريا المطرز، ومحمد بن المسيب الأرغياني، وابن صاعد، والبغوي، وآخرون.\nقال ابن خزيمة: سمعت بندارا يقول: اختلف إِلَيَّ يحيى بن سعيد القطان أكثر من عشرين سنة، قال بندار: لو عاش يحيى بعد تلك المدة لكنت أسمع منه شيئا كثيرا. وقال الآجري عن أبي داود: كتبت عن بندار نحوا من خمسين ألف حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئا، ولولا سلامة في بندار ترك حديثه. وقال إسحاق بن إبراهيم الفزاري: كنا عند بندار، فقال في حديث عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-، فقال له رجل يَسخَر منه: أعيذك بالله ما أفصحك؟ فقال: كنا إذا خرجنا من عند رَوْح دخلنا إلى أبي عُبيدة، فقال: قد بان ذلك عليك. وقال عبد الله بن محمد بن سيار: سمعت عمرو بن علي يحلف أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى، قال ابن سيار: بُنْدار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح؛ لأنه كان لا يقرأ إلا من كتبه، وبندار يقرأ من كل كتاب. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"تسحروا، فإن في السحور بركة\"، فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود موقوفا. وقال عبد الله بن الدورقي: كنا عند ابن معين، وجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به، ويستضعفه، قال: ورأيت القواريري لا يرضاه، وقال: كان صاحب حمام، قال الأزدي: وبندار قد كتب عنه الناس، وقبلوه، وليس قول يحيى والقواريري مما يجرحه، وما رأيت أحدا ذكره إلا بخير وصدق. وقال الْبَرْقَاني: سمعت عبد الله بن محمد بن جعفر البوشنجي يقول: ثنا محمد","vol":"1","page":438},{"text":"ابن إسحاق بن خزيمة، ثنا الإمام محمد بن بشار بندار. وقال العجلي: بصري ثقة كثير الحديث، وكان حائكا. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح لا بأس به. وقال عبد الله بن محمد بن يونس السِّمْنَاني: كان أهل البصرة يقدمون أبا موسى على بندار، وكان الغرباء يقدمون بندارا. وقال محمد بن المسيب: سمعته يقول: كتب عني خمسة قرون، وسألوني الحديث، وأنا ابن ثماني عشرة سنة، وقال أيضا: لما مات بندار جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: البشرى مات بندار، فقال: جئت تبشرني بموته؟، عليّ ثلاثون حجة إن حَدَّثت أبدًا، فبقي بعده تسعين يوما، ولم يحدث بحديث. وقال ابن خزيمة في \"التوحيد\": ثنا إمام أهل زمانه محمد بن بشار. وقال البخاري في \"صحيحه\": كتب إلي بندار، فذكر حديثا مسندا، ولولا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة، مع أنه في الطبقة الرابعة من شيوخه، إلا أنه كان مكثرا، فيوجد عنده ما ليس عند غيره. وقال مسلمة بن قاسم: أنا عنه ابن الْمَهْراني، وكان ثقة مشهورا. وقال الدارقطنيّ: من الحفاظ الأثبات. وقال الذهبي: لم يرحل، ففاته كبار، واقتنع بعلماء البصرة، أرجو أنه لا بأس به.\nقال السراج: سمعت أبا سيار يقول: سمعت بندارا يقول: وُلدت في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، ومات حماد سنة (١٦٧). وقال البخاري وغير واحد: مات في رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يحفظ حديثه، ويقرأه من حفظه. روى عنه الجماعة. وفي الزهرة روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث ومسلم أربعمائة وستين (١).\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة العاشرة.\n٤ - (غُنْدّر) هو محمد بن جعفر الآتي في السند الثاني -بضمّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال، وحكي ضمها، آخره راء- الهذلي مولاهم، أبو عبد الله، وقيل: أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس.\nرَوَى عن شعبة فأكثر، وجالسه نحوا من عشرين سنة، وكان رَبِيبه، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعوف الأعرابي، ومعمر بن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وحسين المعلم، وابن جريج، وهشام بن حسان، وعثمان بن غياث، والثوري، وابن عيينة.\nورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وقتيبة، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، وأبو\n_________\n(١) والذي سُجّل في برنامج (صخر) أن له في \"صحيح مسلم\" (٣٨٠) حديثًا، ولعل هذا يكون أقرب إلى الصواب. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":439},{"text":"بكر بن خلاد، ويعقوب الدورقي، وأبو بكر بن نافع العبدي، وآخرون.\nقال الميموني عن أحمد: غندر أسن من يحيى بن سعيد، سمعته يقول: لزمت شعبة عشرين سنة، لم أكتب من أحد غيره شيئا، وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا. وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: كان من أصح الناس كتابا، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر، وكان يصوم منذ خمسين سنة يوما ويوما لا. قال ابن المديني: هو أحب إليّ من عبد الرحمن في شعبة. وقال ابن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة. وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب. وقال أبو حاتم عن محمد بن أبان البلخي: قال ابن مهدي: غندر أثبت في شعبة مني. وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن غندر؟ فقال: كان صدوقا، وكان مُؤَدِّيًا، وفي حديث شعبة ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابا على غفلة فيه. وقال الْعَيْشِيّ: إنما سماه غندرا ابنُ جريج، كان يُكثر الشَّغَبَ عليه، قال: وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا. وقال أبو بكر الأنباري: ثنا محمد ابن المرزبان، ثنا عباس بن محمد، ثنا يحيى بن معين، قال: اشترى غندر سمكا، وقال لأهله: أَصْلِحُوه ونام، فأكلوا السمك، ولَطَّخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك، فقالوا: قد أكلت، قال: لا، قالوا: فَشُمَّ يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت. وحكى الذهبي في \"الميزان\" عنه أنه أنكر حكاية السمك، وقال: أما كان يدلُّني بطني. وقال عمرو بن العباس: كتبت عن غندر حديثه كله، إلا حديثه عن ابن أبي عروبة، فإن عبد الرحمن نهاني أن أكتب عنه حديث سعيد، وقال: إن غندرا سمع منه بعد الاختلاط. وقال ابن المديني: كنت إذا ذكرت غندرا ليحيى بن سعيد عَوَّج فمه، كأنه يضعفه. وقال المستملي: محمد بن جعفر غندر كنيته أبو بكر بصري ثقة. وقال محمد بن يزيد: كان فقيه البدن، وكان ينظر في فقه زُفَر. وذكره الخطيب في الرواة عن مالك. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة. قال الحافظ: وروينا في \"المجالسة\" عن ابن معين: قال: قَدِمْنا على غندر، فقال: لا أحدّثكم حتى تمشوا خلفي، فيراكم أهل السوق، فيكرموني.\nقال أبو داود، وابن حبان: مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقال ابن سعد: مات سنة (٩٤) وقال: كان ثقة إن شاء الله. وقال البخاري: حدثني محمد ابن المثنى، قال: مات غندر سنة (٩٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤١٤) حديثًا. وجعله في \"التقريب\" من الطبقة التاسعة.\n٥ - (شعبة) بن الحجّاج المذكور قريبًا.","vol":"1","page":440},{"text":"٦ - (منصور) بن المعتمر تقدّمت ترجمته (١).\n٧ - (ربعي (٢) بن حراش (٣» بن جَحْش بن عمرو بن عبد الله بن بِجَاد العبسيُّ أبو مريم الكوفيّ، قدم الشام، وسمع خطبة عمر بالجابِيَة.\nرَوَى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعمران بن حصين، وحذيفة ابن اليمان، وطارق المحاربي، وأبي اليسر كعب بن عُمَر السلمي، وأبي مسعود، وخَرَشَة بن الْحُرّ، وعمرو بن ميمون، وغيرهم، ورَوَى عن أبي ذر، والصحيح أن بينهما زيد بن ظَبْيان. ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، وأبو مالك الأشجعي، والشعبي، ونعيم ابن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وعمرو بن هَرِم، وهلال مولاه، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال ابن المديني: بنو حِرَاش ثلاثة: رِبعي، وربيع، ومسعود، ولم يُرْوَ عن مسعود شيء، سوى كلامه بعد الموت (٤). وقال العجلي: تابعي ثقة، من خيار الناس، لم يَكْذِب كَذْبة قط.\nوقال الأصمعي: أَتَى رجل الحجاج، فقال: إن ربعي بن حراش زعموا لا يكذب، وقد قدم ولداه عاصيين، قال: فبعث إليه الحجاج، فقال: ما فعل ابناك؟ قال: هما في البيت والله المستعان، فقال له الحجاج بن يوسف: هما لك، وأعجبه صدقه.\nوقال منصور بن المعتمر: سُعي إلى الحجاج بأنك ضربت البعث على ابني ربعي فعصيا، فبعث إليه، فإذا هو شيخ مُنْحَنٍ، فقال: ما فعل ابناك؟ قال: هما في البيت، قال: فحمله وكساه، وأوصى به خيرا.\nوعن الحارث الغنوي قال: آلى ربعي بن حراش أن لا تَفْتَرّ أسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره؟ قال الحارث: فأخبر الذي غسله أنه لم يزل متبسما على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا منه رحمة الله عليه.\n_________\n(١) تقدّمت عند قوله: \"ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء، ويزيد، وليثًا بمنصور ابن المعتمر الخ.\n(٢) بكسر الراء، وسكون الموحّدة.\n(٣) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة.\n(٤) وذكر النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\" ١/ ٦٦: ما نصّه: وربعيّ تابعيّ كبير جليل لم يكذب قطّ، وحلف أنه لا يضحك حتى يَعلم أين مصيره، فما ضحِك إلا بعد موته، وكذلك حلف أخوه ربيع أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار، قال غاسله: فلم يزل متبسّمًا على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا. انتهى. وقد ذكر القصّة أيضًا الذهبيّ.\nوالظاهر أن حلفهما أن لا يضحكا إن صحّ عنهما فيُحمل على الضحك المستغرق المذموم شرعًا، وإلا فكان -ﷺ- يضحك تبسّمًا، \"وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-\"، لكنا نحسن الظنّ بهما، فنحمله على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":441},{"text":"وأخرج أبو نعيم في \"الحلية\" عن عبيدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: كنا أربعة إخوة، فكان الربيع أكثرنا صلاة وصياما في الهواجر، وإنه توفي، فبينا نحن حوله، قد بعثنا من يبتاع له كفنا، إذ كشف الثوب عن وجهه، فقال: السلام عليكم، فقال القوم: عليكم السلام يا أخا عيسى، أبعد الموت؟ قال: نعم إني لقيت ربي بعدكم، فلقيت ربا غير غضبان، واستقبلني بروح وريحان وإستبرق، ألا وإن أبا القاسم ينتظر الصلاة علي، فعجّلوني، ثم كان بمنزلة حصاة رُمي بها في طست، فنُمي الحديث إلى عائشة -﵂-، فقالت: أما إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"يتكلم رجل من أمتي بعد الموت\" (١).\nقال أبو نعيم: ورواه عن عبد الملك زيد بن أبي أنيسة، وإسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وابن عيينة، وما رفعه سوى عَبِيدة. وأخرج أبو نعيم أيضًا عن عاصم بن عليّ، عن المسعوديّ، عن عبد الملكَ بن عمير، عن ربعيّ، قال: مات أخ لنا، فسجيناه، فذهبت في التماس كفنه، فرجعت، وقد كشف الثوب، وهو يقول ... فذكر نحوه، وفيه ... \"وعدت رسول الله -ﷺ- أن لا يذهب حتى أُدركه، قال: فما شبهت خروج نفسه إلا كحصاة ألقيت في ماء فرسبت، فذكر ذلك لعائشة -﵂-، فقالت: قد كنا نتحدث أن رجلا من هذه الأمة يتكلم بعد الموت (٢).\nوقال أبو نعيم وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال أبو عبيد: مات سنة مائة. وقال ابن نمير: سنة (١٠١). وقال ابن معين وغيره: سنة (١٠٤). وقال ابن سعد: توفي بعد الجماجم في ولاية الحجاج بن يوسف، وليس له عقب، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع ربعي من عمر؟ فقال: نعم. وقال اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال الدُّوري: سئل ابن معين: سمع ربعي من أبي اليسر؟ فقال: لا أدري. وقال حجاج: قلت لشعبة: أدرك ربعي عليا؟ قال: نعم. وقال ابن عساكر في \"الأطراف\": لم يسمع من أبي ذر. انتهى. قال الحافظ: وإذا ثبت سماعه من عمر، فلا يمتنع سماعه من أبي ذر. انتهى (٣).\nوقال في \"التقريب\": مخضرم ثقة عابد، من الطبقة الثانية.\n_________\n(١) الخبر في \"الحلية\" ٤/ ٣٦٧ وذكره ابن عبد البرّ في \"الاستيعاب\" في ترجمة زيد بن خارجة (٨٤٤) ورجال إسناده ثقات، لكن ليس فيه المرفوع، وهو الأصحّ، فقد رواه عن عبد الملك غير واحد، فما رفعه.\n(٢) نقل هذه الحكاية الذهبيّ في \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٣) راجع \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٥٨٨ - ٥٨٩ طبع مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":442},{"text":"أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.\n٨ - (عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن، أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، وُلد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّي في حجر النبي -ﷺ-، ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى\". وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولما آخى النبي -ﷺ- بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأحد من الصحابة ما نُقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بُغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته، وكلما أرادوا إخماده، وهدّدوا مَنْ حدّث بمناقبه، لا يزداد إلا انتشارا، وقد وَلَّد له الرافضة مناقب موضوعة، هو غنيّ عنها، وتتبع النسائي ما خُصّ به من دون الصحابة، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، بأسانيد أكثرها جياد، روى عن النبي -ﷺ- كثيرا، وروى عنه من الصحابة ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو رافع، وابن عمر، وأبو سعيد، وصهيب، وزيد بن أرقم، وجرير، وأبو أمامة، وأبو جحيفة، والبراء ابن عازب، وأبو الطفيل، وآخرون.\nومن التابعين من المخضرمين، أو من له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسعود بن الحكم، ومروان بن الحكم، وآخرون.\nومن بقية التابعين عدد كثير، من أجلهم أولاده: محمد، وعمر، والعباس، وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام.\nحتى قال فيه أَسِيد بن أبي إياس بن زُنيمِ الكناني قبل أن يُسلِم يُحَرِّض عليه قريشا، ويُعَيِّرهم به، وكان أحد الشُّورى الذين نصَّ عليهم عمر، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان، فقبلها فولاه، وسَلَّم علي، وبايع عثمان، ولم يزل بعد النبي -ﷺ- متصديا لنشر العلم والْفُتيا، فلما قُتل عثمان بايعه الناس، ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم: طلحة، والزبير، وعائشة -﵂- في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر، ثم قام معاوية في أهل الشام، وكان أميرها لعثمان، ولعمر من قبله، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأى علي أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان، فيدعي به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم، واقتلهم، فيرى أن القصاص بغير دعوى، ولا إقامة","vol":"1","page":443},{"text":"بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم -ولله الحمد-.\nومن خصائص علي -﵁- قوله -ﷺ- يوم خيبر: \"لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه\"، فلما أصبح رسول الله -ﷺ-، غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله -ﷺ-: \"أين علي بن أبي طالب؟ \"، فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتى به، فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ، فأعطاه الراية. أخرجاه في \"الصحيحين\" من حديث سهل بن سعد، ومن حديث سلمة بن الأكوع نحوه باختصار، وفيه: \"يفتح الله على يديه\". وفي حديث أبي هريرة -﵁- عند مسلم نحوه، وفيه: فقال عمر: \"ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم\". وفي حديث بُرَيَدَة عند أحمد نحو حديث سهل، وفيه زيادة في أوله وفي آخره قصة مرحب، وقتل علي له، فضربه على هامته ضربة، حتى عض السيف منه بيضة رأسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما قام آخر الناس حتى فتح الله لهم. وفي \"المسند\" لعبد الله بن أحمد بن حنبل من حديث جابر أن النبي -ﷺ- لما دفع الراية لعلي -﵁- يوم خيبر أسرع، فجعلوا يقولون له: ارفُق حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلا حتى أعادوه، وفي سنده حرام بن عثمان متروك. وجاءت قصة الباب من حديث أبي رافع، لكن ذكر دون هذا العدد. وأخرج أحمد والنسائي من طريق عمرو بن ميمون: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه سبعة رهط، فذكر قصة فيها قد جاء ينفض ثوبه، فقال: وقعوا في رجل له عِزّ، وقد قال النبي -ﷺ-: \"لأبعثن رجلا لا يُخزيه الله، يحب الله ورسوله\"، فجاء وهو أرمد، فبزق في عينيه، ثم هَزّ الراية ثلاثا فأعطاه، فجاء بصفية بنت حيي، وبعثه يقرأ براءة على قريش، وقال: \"لا يذهب إلا رجل مني وأنا منه\"، وقال لبني عمه: \"أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ \" فأبوا، فقال علي: أنا، فقال: \"إنه وليي في الدنيا والآخرة\". وأخذ رداءه، فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣] ولبس ثوبه ونام مكانه، وكان المشركون قصدوا قتل النبي ﷺ، فلما أصبحوا رأوه، فقالوا: أين صاحبك؟ . وقال له في غزوة تبوك: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي\"، متّفقٌ عليه. وقال له: \"أنت ولي كل مؤمن من بعدي\" (١). وسد الأبواب إلا باب علي (٢)، فيدخل المسجد جنبا،\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه أحمد في \"المسند\" برقم (١٩٠٨١)، والترمذيّ برقم (٣٩٧٨).\n(٢) حديث سد أبواب المسجد إلا باب عليّ -﵁- رواه أحمد في \"مسنده\" برقم (٤٥٦٦) بسند صحيح.","vol":"1","page":444},{"text":"وهو طريقه، ليس له طريق غيره، وقال: \"من كنت مولاه فعليّ مولاه\" (١)، وأخبر الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فهل حدثنا أنه سَخِط عليهم بعد. وقال -ﷺ-: \"يا عمر ما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم\"، متّفق عليه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به. وقال وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني، وسلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار. وأخرج الترمذي بسند قوي، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية سعدا، فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله -ﷺ-، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم، فلن أسبّه، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، وقد خَلّفه في بعض المغازي، فقال له علي: يا رسول الله -ﷺ-، تُخَلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال له: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي\"، وسمعته يقول يوم خيبر: \"لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\"، فتطاولنا لها، فقال: \"ادعوا لي عليا\"، فأتاه وبه رَمَدٌ، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، وأنزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، فدعا رسول الله -ﷺ- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: \"اللهم هولاء أهلي\". وأخرج أيضا، وأصله في مسلم، عن علي قال: لقد عَهِدَ إليّ النبي -ﷺ- أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق\". وأخرج الترمذي بإسناد قوي، عن عمران بن حصين، في قصة قال فيها: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي\". وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي، قال: قيل: يا رسول الله -ﷺ- من تؤمر بعدك؟ قال: \"إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا، لا يخاف في الله لومه لائم، وإن تؤمروا عليا، وما أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم\".\nوكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر؛ لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين، ثم\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه الترمذيّ في \"المناقب\" برقم (٣٩٧٩). وانظر \"السلسلة الصحيحة\" للألبانيّ برقم (١٧٥٠).","vol":"1","page":445},{"text":"أقام سنتين يحرض على قتال البغاة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن مات (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللهُ تعالى. (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ الذين يروي عنهم الجماعة أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وهم تسعة، جمعتهم بقولي:\nاشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ ... ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ\nفِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ ... الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ\nأُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ ... نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي\nوَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا ... ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى\nومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، إلا شيخه الأول، فهو والباقون كوفيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، عند من قال: إن منصورًا تابعيّ صغير، كما ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\". (ومنها): أن غُندرًا لقب لمحمد بن جعفر، كما تقدّم، وقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في \"شرحه\": هو بضمّ الغين المعجمة، وإسكان النون، هذا هو المشهور فيه، وذكر الجوهريّ في \"صحاحه\" أنه يقال بفتح الدال وضمها. وروينا عن عبيد الله بن عائشة -﵂- عن بَكْر بن كلثوم السلمي، قال: قدم علينا ابن جريج البصرة، فاجتمع الناس عليه، فحدّث عن الحسن البصريّ بحديث، فأنكره الناس عليه، فقال ابن عائشة -﵂- إنما سماه غندرًا ابنُ جريج في ذلك اليوم كان يُكثر الشغب عليه، فقال: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمّون المشغب غندرًا. انتهى (٢).\nوقال في \"القاموس\": غلامٌ غُنْدَر كجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمين غليظ ناعم، ويقال لِلْمُبْرِم الْمُلِحّ: يا غُندر، وهو لقب محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر السؤال في مجلسَ ابن جُريجٍ، فقال له: ما تُريدُ يا غُندر، فلزمه. انتهى (٣).\nومنها: أنه ليس في \"الصحيحين\" \"حِرَاش\" بالحاء المهملة، سوى والد رِبعيّ بن حِرَاش هذا، وزادوا مما ليس فيهما حِرَاش بن مالك، معاصر لشعبة، سمع يحيى بن عُبيد، ومن عداهما كلّه \"خِرَاش\" بالخاء المعجمة، وإليه أشار السيوطيّ رحمه اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث، حيث قال:\n_________\n(١) راجع \"الإصابة\" ٤/ ٤٦٤ - ٤٦٨.\n(٢) \"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ٦٥.\n(٣) راجع \"القاموس\" في مادة غندر.","vol":"1","page":446},{"text":"حِرَاشٌ بْنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ ... رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ\nومنها: أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وابن عمّ رسول الله -ﷺ-، وزوج ابنته فاطمة -﵂-، واشتهر بلقب أبي تراب، لقّبه به النبيّ -ﷺ-، وكان أحبّ اللقب إليه، وسبب تلقيبه به هو ما أخرجه الشيخان في \"صحيحيهما\" عن سهل بن سعد -﵁-، قال: جاء رسول الله -ﷺ- بيت فاطمة، فلم يجد عليا في البيت، فقال: \"أين ابن عمك؟ \"، قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج فلم يَقِل عندي، فقال رسول الله -ﷺ- لإنسان: \"انظر أين هو؟ \"، فجاء، فقال: يا رسول الله -ﷺ- هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله -ﷺ-، وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله -ﷺ- يمسحه عنه، ويقول: \"قم أبا تراب، قم أبا تراب\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>شرح الحديث:</span>\n(عَنْ رِبْعِيِّ) بكسر، فسكون، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر: أي حال كون منصور راويًا عن رِبْعيّ (بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة (أنه سمِع) بكسر الميم، يقال: سمعه، وسمع له سَمْعًا، وتسمّع، واستمع كلّها يتعدّى بنفسه، وبالحرف بمعنى، واستمع لما كان بقصد؛ لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، وسَمِع يكون بقصد وبدونه. ويقال: سمعت كلامه: أي فهمت معنى لفظه، فإن لم تفهمه لبُعْدٍ، أو لغط، فهو سماع صوت، لا سماع كلام، فإن الكلام ما دلّ على معنى تتمّ به الفائدة، وهو لم يسمع ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: إن كان يسمع الخطبة؛ لأنه الحقيقة فيه، وجاز أن يُحمل ذلك على من يسمع صوت الخطيب مجازًا. أفاده الفيّوميّ (١) (عليّا) أي ابن أبي طالب (-﵁- يخطب) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونه يخطب الناس.\n[تنبيه]: كون جملة \"يخطب\" حالًا هو الذي عليه جمهور النحاة، وأجاز الأخفش، وابن مالك، وجماعة، كونها مفعولًا ثانيًا لسمع، فقد عدُّو من أخوات \"ظنّ\" \"سمع\" المتعلّقة بذات مُخْبَر عنها بفعل دلّ على صوت، مثل \"سمعت زيدًا يتكلّم\"، فـ\"زيدا\" مفعول أولُ، و\"يتكلَّم\" مفعول ثانٍ، بخلاف المتعلّقة بمسموع، كقولك: \"سمعت كلام زيد\"، فإنها تتعدّى لمفعول واحد فقط، وقال الجمهور: لا تتعدّى مطلقًا إلا لواحد، كسائر أفعال الحواسّ، فإن كان مما يُسمع فذاك، وإلا ففيه مضاف محذوف، والفعل بعده\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":447},{"text":"حالٌ، أي سمعت صوت زيد، حال كونه يتكلّم (١). والله تعالى أعلم.\n(قَالَ) أي عليّ -﵁-، والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل \"يخطب\" (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَكْذِبُوا) بكسر الذال المعجمة، يقال: كذب يكذب من باب ضرب، كَذِبًا بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف (٢) مع سكون الذال، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء كان عمدًا، أو خطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة، لكن الإثم يتبع العمد. أفاده الفيّوميّ.\nوقال القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى في \"المفهم\": الكذب لغة هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، غير أن المحرّم شرعًا المستقبح عادةً هو العمد المقصود إلا ما استثني على ما يأتي، ويقال: كذب بمعنى أخطأ، وأصل الكذب في الماضي، والخلف في المستقبل، قاله ابن قتيبة، وقد جاء الكذب في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ويقال: كذب الرجل بفتح العين (٣) يكذب بكسرها كِذْبًا بكسر الكاف، وسكون الذال، وكَذِبًا بفتح الكاف، وكسر الذال، فأما كِذَاب المشدّد، فأحد مصادر كذّب بالتشديد. انتهى كلام القرطبيّ (٤).\nوقال النوويّ رحَمه اللهُ تعالى في \"شرحه\": وأما الكذب فهو عند المتكلّمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، هذا مذهب أهل السنّة. وقالت المعتزلة: شرطه العمدية، ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإنه -ﷺ- قيّده بالعمد لكونه قد يكون عمدًا، وقد يكون سهوًا، مع أن الإجماع، والنصوص المشهورة في الكتاب والسنّة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط، فلو أطلق -ﷺ- الكذب لتُوهّم أنه يأثم الناسي أيضًا، فقيّده، وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيّدة بالعمد. والله تعالى أعلم. انتهى (٥).\n(عَلَيَّ) متعلّق بـ\"تكذبوا\" (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، أي لأنه (مَنْ) شرطيّة، ولذا جزم الفعل بعدها، وهي مبتدأ، وقد اختُلف في خبرها، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: هما معًا (٦). (يَكْذِبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ) أي يدخل النار، يقال: وَلَج الشيءُ في غيره يَلِجُ من باب وعد وُلُوجًا: إذا دخل، وأولجته إيلاجًا: إذا أدخلته.\n_________\n(١) راجع \"حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة\" ١/ ٢١٦.\n(٢) ويجوز أيضًا فتحها مع سكون الذال.\n(٣) أي بفتح عين الكلمة، وهو الذال.\n(٤) \"المفهم\" ١/ ١٠٧.\n(٥) \"شرح النوويّ\" ١/ ٦٩.\n(٦) راجع حاشية الخضريّ على ابن عقيل\" ٢/ ١٨٦.","vol":"1","page":448},{"text":"والفعل مجزوم على أنه جواب الشرط، وإنما كسرت الجيم لالتقاء الساكنين.\nقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يُجازَى به، وقد يعفو الله الكريم عنه، ولا يُقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يجازى، وقد يُعفَى عنه، ثم إن جوزي، وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لا بد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة، وسيأتى دلائلها في \"كتاب الإيمان\" قريبا، إن شاء الله تعالى. انتهى (١).\nوقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللهُ تعالى: صدر هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامّ في كلّ كاذب على رسول الله -ﷺ-، ومطلق في أنواع الكذب، ولَمّا كان كذلك هاب قوم من السلف الحديثَ عن رسول الله -ﷺ-، كعمر، والزبير بن العوّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز (٢) -﵃- أجمعين، فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا، وحدّثوا قليلًا، كما صرّح الزبير -﵁- بذلك لَمّا قال له ابنه عبد الله -﵁-: إني لا أسمعك تُحدّث عن رسول الله -ﷺ- كما يحدّث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أكن أفارقه، ولكنّي سمعته يقول: \"من كذب عليّ، فليتبوّأ مقعده من النار\" (٣). وقال أنس -﵁-: \"إنه ليمنعني أن أُحدّثكم حديثًا كثيرًا أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من كذب عليّ ... \" الحديث (٤). ومنهم من سمع، وسكت، كعبد الملك بن إياس، وكأنّ هؤلاء تخوّفوا من إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط، فقلّلوا، أو سكتوا، غير أن الجمهور خصّصوا عموم هذا الحديث، وقيّدوا مُطلقه بالأحاديث التي ذُكر فيها \"متعمّدًا\"، فإنه يُفهم منها أن ذلك الوعيد الشديد إنما يتوجّه لمن تعمّد الكذب على رسول الله -ﷺ-، وهذه الطريقة هي المرضيّة؛ فإنها تجمع بين مختلفات الأحاديث؛ إذ هي تخصيص العموم، وحملُ المطلق على المقيّد مع اتّحاد الموجِب والموجَب، كما قَرّرناه في الأصول. هذا مع أن القاعدة الشرعيّة القطعيّة تقتضي أن المخطىء والناسي غير آثمين، ولا مؤاخذين، لا سيّما بعد التحرّز والحذر. انتهى كلام القرطبيّ (٥)، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"شرح النوويّ\" ١/ ٦٨ - ٦٩.\n(٢) هكذا في \"المفهم\"، ولم يتبيّن لي من هو ابن هرمز؟، فليُنظر. والله تعالى أعلم.\n(٣) راوه البخاريّ برقم (١٠٧) وأبو داود برقم (٣٦٥١).\n(٤) رواه مسلم (٢) والترمذيّ (٢٦٦٣).\n(٥) \"المفهم\" ١/ ١١٣.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>مسائل تتعلّق بهذا الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nحديث عليّ -﵁- هذا أخرجه المصنف هنا بالإسناد المذكور فقط، وأخرجه (البخاريّ) في \"العلم\" ١/ ٣٨ رقم ١٠٣ عن عليّ بن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عن ربعيّ بن حِراش، عن عليّ -﵁-. وأخرجه (الترمذيّ) في \"العلم\" (٢٦٦٠) عن إسماعيل ابن موسى الفزاريّ، عن شريك بن عبد الله، عن منصور به. و(٣٧١٥) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شريك به. و(ابن ماجه) في \"المقدّمة\" (٣١) عن عبد الله بن عامر ابن زُرارة، وإسماعيل بن موسى، جميعًا عن شريك به. و(أحمد) في \"مسند العشرة\" ١/ ٨٣ (٦٢٩) و١/ ١٢٣ (١٠٠٠) عن يحيى القطان، عن شعبة به و١/ ٨٣ (٦٣٠) عن حسين، عن شعبة به. و١/ ١٢٣ (١٠٠٠) عن حجاج، عن شعبة و١/ ١٢٣ (١٠٠١) و١/ ١٥٠ (١٢٩١) عن محمد بن جعفر، عن شعبة به. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>(المسألة الثانية): في فوائده:</span>\nمنها: تعظيم تحريم الكذب على رسول الله -ﷺ-، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، واختُلف هل يكفر به أم لا؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن فيه تثبيت القاعدة السابقة، وهي أن الكذب يتناول إخبار العامد والساهي عن الشيء بخلاف ما هو.\nومنها: أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه -ﷺ- بين ما كان في الأحكام، وما كان في غير الأحكام، كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكلّه حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يُعتدّ بهم في الإجماع، وخالف في ذلك الكرّاميّة الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وسيأتي تفنيد هذا الزعم الباطل قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>(المسألة الثالثة): في بيان عِظَم هذا الحديث، وقوّة درجته:</span>\nاعلم: أن هذا الحديث حديث عظيم في نهاية من الصحّة، وقيل: إنه متواتر، ذكر أبو بكر البزار في \"مسنده\" أنه رواه عن النبي -ﷺ- نحو من أربعين نفسا من الصحابة -﵃-. وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في \"شرحه لرسالة الشافعيّ\" رحمهما الله أنه رُوي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده عدد من رواه، فبلغ بهم سبعة وثمانين، ثم قال: وغيرهم. وذكر بعض الحفاظ أنه رُوي عن اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يُعرف حديث","vol":"1","page":450},{"text":"اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يُروَى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ثم لم يزل فى ازدياد. وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فى \"صحيحهما\" من حديث علي، والزبير، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، وأما إيراد أبي عبد الله الحميدي صاحب \"الجمع بين الصحيحين\" حديث أنس -﵁- في إفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"ولا يُعرف حديث اجتمع عليه العشرة الخ\" فيه نظر، فقد ردّه جماعة من العلماء، منهم الحافظ العراقيّ، قال: وليس كذلك، فقد ذكر الحاكم والبيهقيّ أن حديث رفع اليدين في الصلاة رواه العشرة، وقالا: ليس حديثٌ رواه العشرة غيره، وذكر أبو القاسم بن منده أن حديث المسح على الخفّين رواه العشرة أيضًا. وإلى هذا أشرت في نظمي \"الجليس الأمين\" بقولي:\nوَمَنْ يَقُلْ مَا اجْتَمَعَ الْعَشَرَةُ ... إِلَّا عَلَى ذَا رَدُّهُ جَمَاعَةُ\nإِذْ عَنْهُمُ رَفعُ الْبَدَيْنِ وَارِدُ ... كَذَاكَ مَسْحُ الْخُفِّ خُذْ يَا رَاشِدُ\nوقوله: \"رواه مائتان\" تعقّبه الحافظ العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى، وقال: وأنا استبعد وقوع ذلك. وقال الحافظ السخاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: ولعله سبق قلم من مائة.\nقال العراقيّ: وليس التواتر في هذا المتن بعينه، وإنما هو في مطلق الكذب، والخاصّ بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيّا، ثم ساقهم، فقال:\nالعشرة المشهود لهم بالجنة، أسامة \"قا\"، أنس بن مالك -﵁- \"خ م\"، أوس بن أوس \"طب\"، البراء بن عازب \"طب\"، بريدة \"عد\"، جابر بن حابس، \"نع\"، جابر بن عبد الله \"م\"، حذيفة بن أسد \"طب\"، حذيفة بن اليمان \"طب\"، خالد بن عرطفة \"حم\"، رافع بن خديج \"طب\"، زيد بن أرقم \"حم\"، زيد بن ثابت \"خل\"، السائب بن يزيد \"طب\"، سعد بن المدحاس \"خل\"، سفينة \"عد\"، سليمان بن خالد الخزاعي \"قط\"، سلمان الفارسي \"قط\"، سلمة بن الأكوع \"خ\"، صهيب بن سنان \"طب\"، عبد الله بن أبي أوفى \"قا\"، عبد الله بن زغب \"نع\"، ابن الزبير \"قط\"، ابن عباس \"طب\"، بن عمر \"حم\"، ابن عمرو \"خ\"، ابن مسعود \"ت ن\"، عتبة بن غزوان \"طب\"، الْعُرْس بن عَمِيرة \"طب\"، عفان بن حبيب \"ك\"، عقبة بن عامر \"حم\"، عمار بن ياسر \"طب\"، عمران بن حصين \"ن\"، عمرو بن حريث \"طب\"، عمرو بن عبسة \"طب\"، عمرو بن عوف \"طب\"، عمرو بن مرّة الجهني \"طب\"، قيس بن سعد بن عبادة \"حم\"، كعب بن قطبة \"خل\"، معاذ بن جبل \"طب\"، معاوية بن حيدة \"خل\"، معاوية بن أبي سفيان \"حم\"، المغيرة بن","vol":"1","page":451},{"text":"شعبة \"نع\"، المنقع التميمي \"خل\"، نُبَيْط بن شَرِيط \"طب\"، واثلة بن الأسقع \"عد\"، يزيد ابن أسد \"قط\"، يعلى بن مرة \"مي\"، أبو أمامة \"طب\"، أبو الحمراء \"طب\"، أبو ذر \"قط\"، أبو رمثة \"قط\"، أبو سعيد الخدري \"حم\"، أبو قتادة\" (١)، أبو قرصافة \"عد\"، أبو كبشة الأنماري \"خل\"، أبو موسى الأشعري \"طب\"، أبو موسى الغافقي \"حم\"، أبو ميمون الكردي \"طب\"، أبو هريرة\" (٢)، والدأبي العشراء الدارمي \"خل\"، والدأبي مالك الأشجعي \"بز\"، عائشة \"قط\"، أم أيمن \"قط\" -﵃- أجمعين.\nقال: وقد أعلمت على كل واحد رمز من أخرج حديثه من الأئمة \"حم\" لأحمد في \"مسنده\"، و\"طب\" للطبراني و\"قط\" للدارقطني، و\"عد\" لابن عدي في \"الكامل\"، و\"بز\" لمسند البزار، و\"قا\" لابن قانع في \"معجمه\"، و\"خل\" للحافظ يوسف بن خليل في كتابه الذي جمع فيه طرق هذا الحديث، و\"نع\" لأبي نعيم، و\"مي\" لمسند الدارمي، و\"ك\" لـ \"مستدرك الحاكم\"، و\"ت\" للترمذي، و\"ن\" للنسائي، و\"خ م\" للبخاري ومسلم. انتهى.\nوقد ذكر ابن الجوزيّ رحمهُ اللهُ تعالى أنه روي عن ثمانية وتسعين من الصحابة، وقد نظمت ما قاله ابن الجوزيّ في كتابي \"تذكرة الطالبين\"، فقلت:\nوَقَدْ تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ... عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصِّحَابِ تُنْتَخَبْ\nوَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ عَنْ تِسْعِينَ جَا ... مَعَ الثَّمَانِيَةِ نِعْمَ مَنْهَجَا\nفَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْبَرَرَةُ ... وَنَجْلُ مَسْعُودٍ صُهَيْبٌ عُقْبَةُ\nسَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَابْنُ عُمَرِ ... عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ وَعُتْبَةُ السَّرِي\nعُتْبَةُ عَمَّارٌ مُعَاذٌ جُنْدَبُ ... أَبُو قَتَادَةَ أُبَيٌّ يَصْحَبُ\nوَابْنُ الْيَمَانِ جَابِرُ (٣) بْنُ سَمُرَهْ ... وَجَابِرُ بْنُ عَابِسٍ قَدْ ذَكَرَهْ\nوَابْنُ أُسَيْدٍ وَابْنُ عَمْرٍ وَالْبَرَا ... أَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ يُرَى\nوَرَافِعٌ سَفِينَةٌ مُغِيرَةُ ... زَيْدٌ وَزَيْدٌ (٤) أَنَسٌ سَلَمَةُ\nأَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا ... عَمْرٌو وَسَائِبٌ أُسَامَةُ احْتَذَا\nوَنَجْلُ حَيْدَةَ ونَجْلُ صَخْرِ ... عَمْرٌو وَجَهْجَاهٌ بُرَيْدَةُ ادْرِ\nوَجُنْدَعٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَاثِلَهْ ... كَذَا أَبُو كَبْشَةَ قَيْسٌ نَافِلَهْ\n_________\n(١) هكذا النسخة \"هـ\" والظاهر أنه تصحيف، فليحرّر.\n(٢) هكذا \"هـ\" والظاهر أنه تصحيف، فليُحرّر.\n(٣) الأول زيد بن ثابت، والثاني زيد بن أرقم.\n(٤) \"زيد\" الأول هو ابن ثابت، والثاني هو ابن أرقم.","vol":"1","page":452},{"text":"وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَعَمْرٌو أَوْسُ ... أَبُو أُمَامَةَ وَسَعْدٌ عُرْسُ\nوَالأَشْعَرِي وَالْغَافِقِي وَالْخَطْمِي ... كَذَا أَبُو رَافِعِهِمْ وَالتَّيْمِي\nجَنْدَرَةٌ وَخَالِدٌ وَطَارِقٌ ... عَمْرٌو وَكَعْبٌ وَنُبَيْطٌ لَاحِقُ\nيَعْلَى وَمُرَّةُ كَذَا نَجْلُ صُرَدْ ... عَفَّانُ عَبْدُ اللهِ نِعْمَ الْمُسْتَنَدْ\nيَزِيدُ وَالْمُنْقَعُ وَابْنُ خَالِدِ ... وَابْنُ جَرَادٍ ثُمَّ الازْدِي يَقْتَدِي\nوَرَجُلٌ مِنْ أَسْلَمٍ مَعْ آخَرَا ... قَدْ صَحِبَا النَّبِيَّ نِعْمَ مَتْجَرَا\nعَائِشَةٌ وَحَفْصَةٌ قَدْ رَوَتَا ... لأُمِّ أَيْمَنَ كَذَاكَ ثَبَتَا\nوَوَلَدُ الْجَوْزِيِّ قَدْ أَسْنَدَ مَا ... لِهُؤلاءِ مِنْ أَحَادِيثَ انْتَمَى\nوَقَالَ قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَالِكُ ... سَهْلٌ مُعَاذٌ وَحَبِيبٌ سَالِكُ\nكَذَا أَبُو بَكْرَةَ سَهْلٌ سَبْرَةُ ... كَذَا أَبُو هِنْدٍ رَوَى وَخَوْلَةُ\nالنَّوَوِي عَنْ مِائَتَيْنِ وَارِدُ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ قَالَ ذَا مُسْتَبْعَدُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>المسألة الرابعة: في حكم الكذب في حديث رسول الله -ﷺ</span>-:\nاعلم: أن الكذب حرام بالإجماع مطلقًا (١)، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب، إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف، وقال الشيخ أبو محيد الجويني، والد إمام الحرمين أبي المعالى، من أئمة الشافعية يكفر بتعمد الكذب عليه -ﷺ-، حكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه كان يقول في درسه كثيرا: من كَذَب على رسول الله -ﷺ- عمدا كفر، وأريق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنه هفوة عظيمة، والصواب ما قدمناه عن الجمهور. ذكره النوويّ في \"شرحه\" لهذا الكتاب (٢).\nوقال الإمام النوويّ أيضًا: لا فرق في تحريم الكذب عليه -ﷺ- بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه، كالترغيب والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين، الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع، خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة، في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة، الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، أو ينسبهم جهلة مثلهم، وشُبهةُ زعمهم الباطل أنه جاء في رواية: \"من كذب عليّ متعمدا -\n_________\n(١) أي سواء كان في التحليل والتحريم، أو في الفضائل والترغيب والترهيب، أو في غيرها.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٦٩.","vol":"1","page":453},{"text":"ليضل به الناس- فليتبوأ مقعده من النار\"، وزعم بعضهم أن هذا كَذِبٌ له ﵊، لا كذب عليه، وهذا الذي انتحلوه، وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة، ونهاية الغفلة، وأدل الدلائل على بُعْدِهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جُمَلًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة، وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الْحَلّ والْعَقْد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات، في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرعٌ، وكلامه وَحْيٌ، وإذا نُظِر في قولهم وُجد كذبا على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣].\nومن أعجب الأشياء قولهم: هذا كذب له، وهذا جهل منهم بلسان العرب، وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه.\nوأما الحديث الذي تعلقوا به، فأجاب العلماء عنه بأجوبة:\nأحسنها، وأخصرها، أن قوله: \"ليضل الناس\" زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال.\nالثاني: جواب أبي جعفر الطحاوي أنها لو صحت لكانت للتأكيد، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].\nالثالث: أن اللام في \"ليضل\" ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه أن عاقبة كذبه، ح ومصيره إلى الإضلال به، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، ونظائره في القرآن، وكلام العرب أكثر من أن يُحصَر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا.\nوعلى الجملة مذهبهم أَرَكّ من أن يُعتنَى بإيراده، وأبعد من أن يُهتَمَّ بإبعاده، وأفسدُ من أن يُحتاج إلى إفساده. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nوقال العلّامة ابن عراق رحمهُ اللهُ تعالى: أجمع المسلمون -كما قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى- الذين يُعتد بهم على تحريم تعمّد الكذب على رسول الله -ﷺ-، وعلى أنه من الكبائر؛ لخبر: \"من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار\"، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجوينيّ، فكفّر به. ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهَمَذانيّ، شيخ ابن عقيل من\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٧٠/ ٧١.","vol":"1","page":454},{"text":"الحنابلة أنه وافق الجوينيّ على هذه المقالة. وقال الحافظ الذهبيّ في \"كتاب الكبائر\" له: ولا ريب أن تعمّد الكذب على الله تعالى، وعلى رسول الله -ﷺ- في تحريم حلال، أو تحليل حرام كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليهما فيما سوى ذلك. والله تعالى أعلم.\nوقد جوّزت الكرّاميّة، وبعض المتصوّفة، كما قال الحافظ ابن حجر الكذب، قال الغزاليّ: وهذا من نزغات الشيطان، ففي الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى، ورسوله -ﷺ- غُنية عن الاختراع في الوعظ.\nوقد أولوا حديث: \"من كذب عليّ، متعمدًا الخ\" بتأويلات باطلة:\n[أحدها]: أن ذلك إنما ورد في رجل معيّن، ذهب إلى قوم، وادّعى أنه رسول رسول الله -ﷺ- إليهم، يحكم في دمائهم، وأموالهم، فبلغ ذلك رسول الله -ﷺ-، فأمر بقتله، وقال: \"من كذب عليّ ... \" الحديث (١).\n[الثاني]: أنه في حقّ من كذب عليه يقصد به عيبه، أو شين الإسلام، وتعلّقوا في ذلك بما روي عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بين عيني جهنم\"، قال: فشقّ ذلك على أصحابه، حتى عرف في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله -ﷺ-، قلت هذا، ونحن نسمع منك الحديث، فنزيد، وننقص، ونقدّم، ونؤخّر، فقال: \"لم أعنِ ذلك، ولكن عنَيتُ من كذب عليّ، يريد عيبي، وشين الإسلام\".\n[الثالث]: أنه إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب، فإنه كَذِبٌ للنبيّ -ﷺ-، لا عليه.\n[الرابع]: أنه ورد في بعض طرق الحديث: \"من كذب عليّ متعمّدًا؛ ليضلّ به الناس، فليتبوّأ مقعده من النار\"، فتُحمل الروايات المطلقة عليه.\n_________\n(١) رواه الطبرانيّ في \"الأوسط\" من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه أنه بعث أبا بكر وعمر ليقتلاه، فإن وجداه قد مات فليحرّقاه بالنار، فوجداه قد مات من لدغة حيّة، فحرقاه بالنار. وروى ابن عديّ في \"الكامل\" عن بُريدة، قال: كان حيّ من بني ليث على ميل من المدينة، وكان رجل خطب منهم في الجاهليّة، فلم يزوّجوه، فأتاهم، وعليه حلّة، فقال: إن رسول الله -ﷺ- كساني هذه، وأمرني أن أحكم في أموالكم، ودمائكم، ثم نزل على تلك المرأة التي كان خطبها، فأرسل القوم إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: كذب عدوّ الله، ثم أرسل رجلًا، فقال: إن وجدته حيّا فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتًا، فأحرقه، فجاء، فوجده قد لدغته أفعى، فمات، فحرقه بالنار، فذلك قول رسول الله -ﷺ-: \"من كذب عليّ متعمدًا ... \" الحديث.","vol":"1","page":455},{"text":"[والجواب عن هذه الشُّبَه ما يلي]:\nأما شبهتهم الأولى، فجوابها أن السبب المذكور لم يثبت إسناده، وبتقدير ثبوته، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nوأما الشبهة الثانية: فجوابها أن الحديث باطل، كما قاله الحاكم، ففي إسناده محمد بن الفضل بن عطيّة، اتّفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث.\nوأما الشبهة الثالثة: فجوابها أنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم منها، وفي الإخبار عن الله ﷿ في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب.\nوأما الشبهة الرابعة: فجوابها أن أئمة الحديث اتّفقوا على أن زيادة: \"ليضلّ به الناس\" ضعيفة، وبتقدير صحتها لا تعلّق لهم بها؛ لأن اللام في قوله: \"ليضلّ\" لام العاقبة، لا لام التعليل، أو هي للتأكيد، ولا مفهوم لها، وعلى هذين الوجهين خُرّج قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٤]؛ لأن افتراء الكذب على الله تعالى محرّم مطلقًا، سواء قُصد به الإضلالا أم لا. انتهى كلام ابن عراق رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nوإلى هذا كلّه أشرت في منظومتي \"تذكرة الطالبين\"، فقلت:\nوَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا\nقَدْ وَضَعُوا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ ... لِلنَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلِلتَّرْهِيبِ\nوَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ مُرْدِيًا فَانْبِذَنَّهُ\nلأَنَّ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ... غِنًى عَنِ اخْتِلَاقِ ذَا الْكَذَّاب\nوَخَالَفُوا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمِلَّةِ ... فِي حُرْمَةِ الْكِذْبِ عَلَى ذِي السُّنَّةِ\nوَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي ... تُرْدِي بِأَهْلِهَا إِلَى الْهَاوِيَةِ\nوَبَالَغَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ... مُكَفِّرًا بِهِ لِهَذَ الْمُعْتَدِي\nوَالْهَمَذَانِيُّ لَهُ مُوَافِقُ ... وَالذَّهَبِيُّ لَهُمَا يُرَافِقُ\nإِنْ حَرَّمَ الْحَلَالَ أَوْ بِضِدِّهِ ... وَإِنَّمَا الشَّأْنُ يِجِي فِي غَيْرِهِ\nوَمَنْ يَقُلْ مُؤِّلًا لـ\"مَنْ كَذَبْ\" ... فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ كَذَبْ\nأَوْ حَقِّ مَنْ قَدِ افْتَرَى يَقْصِدُ بِهْ ... عَيْبًا لَهُ أَوْ شَيْنَ الإِسْلَامِ النَّبِهْ\nفَكُلُّ مَا قَالُوهُ فَهْوَ بَاطِلُ ... وَلَوْ تُرَى صِحَّتُهُ يُؤَوَّلُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) راجع \"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة\" ١/ ١٢ - ١٣.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبيّ -ﷺ</span>-:\nاعلم: أن من كذب على رسول الله -ﷺ- عمدًا في حديث واحد فَسَقَ، ورُدّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب، وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبدا، بل يُحتم جرحه دائما، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا، وزجرا بليغا عن الكذب -ﷺ-؛ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة، ليست عامة.\nقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحته توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في شرحه لهذا الكتاب.\nوقال في \"التدريب شرح التقريب\" ١/ ٣٣٠: تقبل رواية التائب من الفسق، ومن الكذب في غير الحديث النبوي، كشهادته؛ للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، إلا الكذب في أحاديث رسول الله -ﷺ-، فلا تقبل رواية التائب منه أبدا، وإن حسنت طريقته، كذا قاله أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، بل قال الصيرفي، زيادة على ذلك في \"شرح الرسالة\": كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفناه لم نُقَوِّهَ بعده، بخلاف الشهادة، قال النوويّ: ويجوز أن يُوَجَّهَ بأن ذلك جُعِل تغليظا عليه، وزجرا بليغا عن الكذب عليه -ﷺ-؛ لِعظيمَ مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، والشهادةِ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. وقال أبو المظفر السمعاني: مَنْ كَذَبَ في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه،","vol":"1","page":457},{"text":"قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي، قال النوويّ: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا نُقَوِّي الفرقَ بينه وبين الشهادة، وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم.\nقال السيوطيّ: وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله: \"هذا كله\" لقول أحمد، والصيرفي، والسمعاني، فلا -والله- ما هو بمخالف، ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ تغليظا وزجرا، وإن كانت لقول الصيرفي بناءً على أن قوله: \"بكذب\" عامٌّ في الكذب في الحديث وغيره، فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث، لا مطلقا، بدليل قوله: \"من أهل النقل\"، وتقييده بالمحدِّث في قوله أيضا في \"شرح الرسالة\": وليس يُطعَن على المحدث، إلا أن يقول: تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك. انتهى. وقولُهُ: ومن ضعفناه، أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد.\nوقد وجدتُّ في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في \"باب اللعان\" أن الزاني إذا تاب، وحسنت توبته لا يعود محصنا، ولا يُحَدُّ قاذفه بعد ذلك؛ لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا، وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زنى بعد القذف قبل أن يُحَدَّ القاذف لم يُحَدّ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يَفضَح أحدا من أول مرة، فالظاهر تقدُّمُ زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه، حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما رَوَى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أَرَ أحدا تنبّه لما حررته -ولله الحمد-.\nوإلى هذا أشار في \"ألفية الحديث\" بقوله:\nوَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ ... أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ\nوَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ أَبَوْا ... قَبُوَلَهُ مُؤَبَّدًا ثُمَّ نَأَوْا\nعَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ ... وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ\nوَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ ... دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ\nانتهى كلام السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى من ترجيح\n_________\n(١) راجع \"التدريب\" ١/ ٣٢٩ - ٣٣١.","vol":"1","page":458},{"text":"قول ما ذهب إليه أحمد، والحميديّ، والصيرفيّ، والسمعانيّ من عدم قبول توبة الكاذب في حديث رسول الله -ﷺ- تغليظًا، وزجرًا هو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لوضوح حجته، كما سبق في تحقيقه رحمهُ اللهُ تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>المسألة السادسة: في حكم رواية الحديث الموضوع:</span>\nقال في \"تدريب الراوي\": ما حاصله: تحرم رواية الموضوع مع العلم بوضعه، وكذا مع الظنّ مطلقًا، في أي معنى كان، سواء الأحكام، والقِصص، والترغيب، وغيرها، إلا مقرونًا ببيان وضعه، لما رواه مسلم في \"صحيحه\" من حديث المغيرة بن شعبة، عن رسول الله -ﷺ-، قال: \"من حدّث عنّي بحديث يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين\". وقوله: \"يُرى\" بضم الياء بمعنى يظنّ، وفي \"الكاذبين\" روايتان، فتح الموحّدة، على إرادة التثنية، وكسرها على إرادة الجمع.\nوقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه، فمن رَوَى حديثا عَلِم، أو ظن وضعه، ولم يُبَيِّن حال روايته وضعه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله -ﷺ-، ويدل عليه أيضا الحديث السابق: \"من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\". انتهى (١).\nوإلى هذا أشرت في منظومتي المذكورة، حيث قلت:\nوَالْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ يَحْرُمُ لِمَنْ ... يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ وَهَنْ\nبِسَنَدٍ أَوْ لَا لأيِّ مَعْنَى ... إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ فَأَغْنَى\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>المسألة السابعة: في كيفيّة رواية الحديث:</span>\nاعلم: أنه ينبغي -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- لمن أراد رواية حديث، أو ذكره أن ينظر، فإن كان صحيحا أو حسنا، قال: قال رسول الله -ﷺ- كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم، وإن كان ضعيفا، فلا يَقُل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشِبْهَ ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوي عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُروَى، أو يُذكَر، أو يُحكَى، أو يقال، أو بلغنا، وما أشبه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\" (٢).\nوإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الحديث\"، حيث قال:\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٧١.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٧١.","vol":"1","page":459},{"text":"وَمَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجْزِمُ ... أَوْ وَاهِيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ\nمِنْ غَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ ... وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضُعْفٍ قَدْ رَضُوا\nفِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ ... لَا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ\nوَلَا إِذَا يَشْتَدُّ ضُعْفٌ ثُمَّ مَنْ ... ضُعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ\nيَقُولَ فِي الْمَتْنِ صَحِيحٌ ... قَيَّدَا بِسَنَدٍ خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>المسألة الثامنة: فيما يلزم الحديثيّ من تعلّم علم النحو ونحوه:</span>\nاعلم: أنه ينبغي لقارىء الحديث أن يعرف من النحو، واللغة، وأسماء الرجال، ما يسلم به من قوله ما لم يُقَل، وإذا صح في الرواية ما يَعلَم أنه خطأ، فالصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، أنه يرويه على الصواب، ولا يغيره في الكتاب، لكن يكتب في الحاشية، أنه وقع في الرواية كذا، وأن الصواب خلافه كذا، ويقول عند الرواية: كذا وقع في هذا الحديث، أو في روايتنا، والصواب كذا، فهذا أجمعُ للمصلحة، فقد يعتقده خطأ، ويكون له وجه يَعرِفه غيره، ولو فُتِح باب تغير الكتاب، لتجاسر عليه غير أهله. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى.\nوقال في \"التدريب\": ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لحان أو مصحف، فقد قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله -ﷺ-: \"من كَذَب علي فليتبوأ مقعده من النار\"؛ لأنه لم يكن يَلحَن، فمهما رَوَيتَ عنه، ولحنت فيه كذبت عليه. وشكا سيبويه حمادَ بنَ سلمة إلى الخليل، فقال له: سألته عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، في رجل رَعُف، فانتهرني، وقال أخطأت إنما هو رَعَف -بفتح العين- فقال الخليل: صدق، أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة؟ .\nوعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، رَوَى الخطيب عن شعبة، قال: من طلب الحديث، ولم يبصر العربية، كمثل رجل عليه بُرْنُس، وليس له رأس. ورَوَى أيضا عن حماد بن سلمة قال: مثلُ الذي يطلب الحديث، ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مِخْلاة ولا شعير فيها. ورَوَى الخليلي في \"الإرشاد\" عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليَعْرِضُوا عليه كتابا، فقرأ لهم الدراورديُّ، وكان رديء اللسان يَلْحَن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي، أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.","vol":"1","page":460},{"text":"وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذُ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، والضبط عنهم، لا من بطون الكتب.\nوإذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين، وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فيما رواه البيهقي عنهما: يرويه على الخطأ كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهذا غُلُوّ في أتباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى، والصواب، وهو قول الأكثرين، منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاء، وهمَّام، والنضر بن شُميل أنه يرويه على الصواب، لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به، واختار ابن عبد السلام تركَ الخطأ والصواب أيضا، حكاه عنه ابن دقيق العيد، أما الصواب فإنه لم يسمع كذلك، وأما الخطأ فلأن النبي -ﷺ- لم يَقُلْه كذلك.\nوأما إصلاحه في الكتاب، وتغيير ما وقع فيه، فجوزه بعضهم أيضا، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يَظهَرُ له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل، ثم الأولى عند السماع، أن يقرأه أوّلًا على الصواب، تم يقول: وقع في روايتنا، أو عند شيخنا، أو من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل أوّلًا، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأوّلُ أَوْلَى، كيلا يتقول على رسول الله -ﷺ- ما لم يقل، وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى، أو حديث آخر.\nوإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل، فإن لم يغاير معنى الأصل، فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة، كلفظة \"ابن\" في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمدَ بن حنبل، فقال: وجدت في كتابي حجاج \"عن جريج\" يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به. وقيل لمالك: أرأيت حديث النبي -ﷺ- يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفا.\nوإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل، تأكد الحكم بذكر الأصل، مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده، وأن من فوقه من الرواة أَتَى به فله أيضا أن يُلحقه في نفس الكتاب، مع كلمة \"يعني\" قبله، كما فعل الخطيب، إذ رَوَى عن أبي عمر بن مهدي، عن المحاملي بسنده إلى عروة، عن عمرة -يعني عن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- يُدني إليّ رأسه، فأرجله\"، قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي \"عن عمرة قالت: كان\"، فألحقنا فيه ذكر عائشة -رضي الله عنا-، إذ لم يكن منه","vol":"1","page":461},{"text":"بُدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه \"يعني\"؛ لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم رَوَى عن وكيع، قال: أنا أستعين في الحديث بـ \"يعني\"، هذا إذا عُلم أن شيخه رواه له على الخطأ، فأما إن رواه في كتاب نفسه، وغلب على ظنه أن السقط من كتابه، لا من شيخه، فيتجه حينئذ إصلاحه في كتابه، وفي روايته عند تحديثه كما تقدم عن أبي داود.\nكما إذا دَرَسَ من كتابه بعضُ الإسناد، أو المتن، بتقطع، أو بَلَلٍ، ونحوه، فإنه يجوز له استدراكه من كتاب غيره، إذا عَرَفَ صحتَهُ، ووثِقَ به، بأن يكون أخذه عن شيخه، وهو ثقة، وسكَنَت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، كذا قال أهل التحقيق، وممن فعله نُعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا، نقله الخطيب عن أبي محمد بن ماسي، وبيانه حال الرواية أولى، قاله الخطيب.\nوهكذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه، من كتاب غيره من الثقات، أو حفظه، كما رُوي عن أبي عوانة، وأحمد، وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته، كما فعل يزيد بن هرون وغيره، ففي \"مسند أحمد\": حدثنا يزيد بن هرون، أنا عاصم بالكوفة، فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به، فعرفته به، عن عاصم، عن عبد الله بن سَرْجِسَ، أن رسول الله -ﷺ-، كان إذا سافر قال: \"اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر\"، وفي غير \"المسند\" عن يزيد: أنا عاصم، وثبتني فيه شعبة.\nفإن بَيّن أصل التثبت من دون من ثبّته فلا بأس، فَعَلَه أبو داود في \"سننه\" عقب حديث الحكم بن حزن، قال ثَبّتني في شيء منه بعض أصحابنا.\nوإن وَجَدَ في كتابه كلمةً من غريب العربية، غير مضبوطة، أَشكَلَت عليه، جاز أن يسأل عنها العلماء بها، ويرويها على ما يُخبرونه به، فَعَلَ ذلك أحمد، وإسحق، وغيرهما. ورَوَى الخطيب عن عفّان بن سلمة، أنه كان يجيء إلى الأخفش، وأصحاب النحو، يَعْرِض عليهم نحو الحديث، يُعْرِبه. انتهى ما في \"التدريب\" ببعض تصرّف. (١).\nوإلى ما تقدّم كلّه أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\"، حيث قال:\nوَاحْذَرْ مِنَ اللَّحْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ ... خَوْفًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ\nفَالنَّحْوُ وَاللُّغَاتُ حَقُّ مَنْ طَلَبْ ... وَخُذْ مِنَ الأَفْوَاهِ لَا مِنَ الْكُتُبْ\nفِي خَطَإٍ وَلَحْنِ أَصْلٍ يُرْوَى ... عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَبًا فِي الأَقْوَى\n_________\n(١) راجع \"تدريب الراوي على تقريب النووي\" ٢/ ١٠٥ - ١١١.","vol":"1","page":462},{"text":"ثَالِثُهَا تَرْكُ كِلَيهِمَا وَلَا ... تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ عَلَى مَا انْتُخِلَا\nبَلْ أَبْقِهِ مُضَبَّبًا وَبَيِّنِ ... صَوَابَهُ فِي هَامِشٍ ثُمَّ إِنِ\nتَقْرَأْهُ قَدِّمْ مُصْلَحًا فِي الأَوْلَى ... وَالأَخْذُ مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى\nوَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لا يُغَيِّرُ ... كَابْنٍ وَحْرْفٍ زِدْ وَلَا تَعَسَّرُ\nكَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ ... إِتيَانُهُ مِمَّنْ عَلَا وَأَلْزَمُوا\n\"يَعْنِي\" وَمَا يَدْرُسُ فِي الْكِتَابِ ... مِنْ غَيْرِهِ يُلْحَقُ فِي الصَّوَابِ\nكَمَا إِذَا يَشُكُّ وَاْسْتَتَثْبَتَ مِنْ ... مُعْتَمَدٍ وَفِيهِمَا نَدْبًا أَبِن\nوَمْنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ ... يَرْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>المسألة التاسعة: في بيان آداب من يروي بالمعنى، أو اشتبهت عليه لفظة في الحديث:</span>\nاعلم: أنه ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقبه: \"أو كما قال\"، \"أو نحوه\"، \"أو شبهه\"، أو \"ما أشبه هذا\" من الألفاظ، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، خوفا من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، فقد روى أحمد، وابن ماجه، والحاكم عن ابن مسعود -﵁- أنه قال يوما: قال رسول الله -ﷺ-، فاغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: \"أو مثله\"، \"أو نحوه\"، \"أو شبيه\" به. وفي \"مسند الدارمي\"، و\"الكفاية\" للخطيب، عن أبي الدرداء -﵁- أنه كان إذا حدث عن رسول الله -ﷺ- قال: \"أو نحوه\"، \"أو شبهه\". وروى أحمد، وابن ماجه، عن أنس بن مالك -﵁- أنه كان إذا حدث عن رسول الله -ﷺ-، ففرغ قال: \"أو كما قال رسول الله -ﷺ-\".\nوإذا اشتبهت على القارئ لفظةٌ، فحَسَنٌ أن يقول بعد قراءتها على الشك: \"أو كما قال\"؛ لتضمنه إجازة من الشيخ، وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى بقوله:\nوَقُلْ أَخِيرًا \"أَوْ كَمَا قَالَ\" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَا أُبْهِمَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٣ - (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزيز ابْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\").","vol":"1","page":463},{"text":"رجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (زهير بن حرب) بن شدّاد الْحَرَشيّ (١)، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، مولى بني الَحَرِيش بن كعب، وكان اسم جده أشتال، فَعُرِّب شدادا، الحافظ الثقة الثبت.\nرَوَى عن عبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وحميد بن عبد الرحمن الرواسي، وجرير بن عبد الحميد، وابن علية، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعبدة بن سليمان، وغيرهم.\nورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، ورَوَى له النسائي بواسطة أحمد بن علي بن سعيد المروزي، وابنُهُ أبو بكر بن أبي خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وغيرهم.\nقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال علي بن الجنيد عن ابن معين: يكفي قبيلةً. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبت من عبد الله بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث، لم يكن يفصل هذه الأشياء -يعني الألفاظ-. وقال جعفر الفريابي: قلت لابن نميرة أيهما أحب إليك؟ فقال: أبو خيثمة، وجعل يُطريه، ويَضَع من أبي بكر. وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال الحسين ابن فهم: ثقة ثبت. وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة، ثبتا، حافظا، متقنا. وقال أبو القاسم البغوي: كتبت عنه. وقال ابن قانع: كان ثقة ثبتا. وقال صاحب الزهرة: روى عنه مسلم ألف حديث ومائتي حديث وإحدى وثمانين حديثا (٢). وقال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\": سُئل أبي عنه؟ فقال: ثقة صدوق. وقال ابن وضاح: ثقة من الثقات، لقيته ببغداد. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان متقنا، ضابطا، من أقران أحمد، ويحيى بن معين.\nقال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات سنة (٢٣٤). وقال ابنه أبو بكر: وُلِد أبي سنة (١٦٠)، ومات ليلة الخميس لسبع خلون من شعبان، وهو ابن (٧٤) سنة. وحكى الخطيب عن أبي غالب علي بن أحمد النصر: أنه توفي سنة (٣٢) قال الخطيب: هذا وَهَمٌ، والصواب سنة (٤). رواه الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٤٩) حديثًا.\n_________\n(١) \"الحَرَشيّ\" -بفتحتين، ومعجمة: نسبة إلى بني الْحَرِيش بن كعب. قاله في \"لبّ اللباب\" ١/ ٢٤٢.\n(٢) هذا مستغرب، فإن الذي في برنامج الحديث (صخر) أن مسلمًا روى له (٧٤٩) حديثًا، وبين هذا العددين بون شاسع، وما في البرنامج هو الأقرب عندي، فليُحرّر. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":464},{"text":"وجعله في \"التقريب\" من الطبقة العاشرة.\n٢ - (إسماعيل ابن عليّة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر الأسديّ أسد خُزيمة، مولاهم البصريّ، كوفيّ الأصل، المعروف بابن عليّة، وهي أمه (١)، وكان يَكره النسبة إليه الحافظ الثقة الثبت.\nرَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وأيوب، وابن عون، وغيرهم.\nورَوَى عنه شعبة، وابن جريج، وهما من شيوخه، وبقية، وحماد بن زيد، وهما من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وهو أكبر منه، وابن وهب، والشافعي، وأحمد، ويحيى، وعليّ، وإسحاق، والفلاس، وأبو معمر الهذلي، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، وعلي بن حجر، وابن نمير، وخلق، آخرهم أبو عمران موسى بن سهيل بن كثير الْوَشَّاءُ.\nقال علي بن الجعد، عن شعبة: إسماعيل ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال يونس ابن بكير عنه: ابن علية سيد المحدثين. وقال ابن مهدي: بن علية أثبت من هشيم. وقال القطان: ابن علية أثبت من وُهيب. وقال حماد بن سلمة: كنا نشبهه بيونس بن عبيد. وقال عفان: كنا عند حماد بن سلمة، فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خولفت فيه، فقال: من؟ قالوا: حماد بن زيد، فلم يلتفت، فقال له إنسان: إن ابن علية يخالفك، فقام، فدخل، ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أيضا: فاتني مالك، فأخلف الله علي سفيان، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية، وقال أيضا: كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يَفرَق من إسماعيل ابن علية إذا خالفه. وقال غندر: نشأت في الحديث يوم نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل ابن علية. وقال ابن مُحْرِز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلما ورعا تقيا. وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب. وقال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نَحُّوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابا قط، وكان يقال: ابن علية يَعُدُّ الحروف. وقال أبو داود\n_________\n(١) قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\" ١/ ٦٦: وهي عليّة بخط حسّان، مولاة لبني شيبان، وكانت امرأة نبيلة عاقلة، وكان صالح المرّيّ، وغيره من وجوه البصرة، وفقهائها يدخلون عليها، فتبرُزُ، فتحادثهم، وتُسائلهم. انتهى.","vol":"1","page":465},{"text":"السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ، إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سعيد: كان ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون، وعلية أمه. وقال الخطيب: زعم علي بن حُجْر أن علية جدته، أم أمه. وكان يقول: من قال: ابن علية فقد اغتابني. وقال ابن المديني: ما أقول: إن أحدا أثبت في الحديث من ابن علية، وقال أيضا: بِتُّ عنده ليلة، فقرأ ثلث القرآن، ما رأيته ضحك قط. وقال أحمد ابن سعيد الدارمي: لا يعرف لابن علية غلط إلا في حديث جابر في المدبر، جعل اسم الغلام اسم المولى، واسم المولى اسم الغلام. وقال ابن وضاح: سألت أبا جعفر البستي عنه؟ فقال: بصري ثقة، وهو أحفظ من الثقفي. وحكى ابن شاهين في \"الثقات\" عن عثمان بن أبي شيبة: ابن علية أثبت من الحمادين، ولا أقدم عليه أحدا من البصريين، لا يحيى، ولا ابن مهدي، ولا بشر بن المفضل. وقال العيشي: ثنا الحمادان، أن ابن المبارك كان يتجر، ويقول: لولا خمسة ما اتجرت: السفيانان، وفضيل، وابن السماك، وابن علية، فيَصِلُهم، فَقَدِم سنة، فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته، ولم يَصِله، فركب ابن علية إليه، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من غد، كتب إليه رقعة، يقول: قد كنت منتظرا لبرك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيته مني؟ فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل الا أن نَقْشِرَ له العصا، ثم كتب إليه:\nيَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِيَا ... يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ\nاحْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ... بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ\nفَصِرْتَ مَجْنُونًا بِهَا بَعْدَ ... مَا كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِينِ\nأَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِيمَا مَضَى ... عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرِينِ\nأَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِي سَرْدِهَا ... فِي تَرْكِ أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ\nإِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَذَا بَاطِلُ ... زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ فِي الطِّينِ\nفلما وقف على هذه الأبيات، قام من مجلس القضاء، فوطىء بساط الرشيد، وقال: اللهَ اللهَ ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على القضاء، قال: لعل هذا المجنون أغراك، ثم أعفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصُّرَّة. وقيل: إن ابن المبارك إنما كتب إليه بهذه الأبيات لَمّا ولي صدقات البصرة، وهو الصحيح.\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة (٣) أو سنة (١٩٤)، وقاله في (٤) أبو موسى العنزي في \"تاريخه\"، ونقله عنه البخاري في \"تاريخه\"، وخليفة، وابن أبي عاصم، وإسحاق القراب الحافظ، والكلاباذي، وغيرهم. وقال أحمد، وعمرو بن علي: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (٩٣)، وكذا قال زياد بن أيوب، وغير واحد في","vol":"1","page":466},{"text":"تاريخ وفاته، وقال يعقوب بن شيبة: إسماعيل ثبت جدا، توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٠٤) أحاديث.\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة الثامنة.\n٣ - (عبد العزيز بن صُهيب) البُنانيّ مولاهم البصريّ الأعمى.\nرَوَى عن أنس بن مالك -﵁-، وأبي نضرة العبدي، ومحمد بن زياد الجمحي، وشهر، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان، وشعبة، ووهيب، وعبد الوارث، وسعيد بن زيد، وإسماعيل ابن علية، وآخرون.\nقال القطان عن شعبة: عبد العزيز أثبت من قتادة، وقال: هو أحب إلي منه. وقال أحمد: ثقة ثقة، وهو أوثق من يحيى بن أبي إسحاق، قال: وأخطأ فيه معمر، فقال: عبد العزيز مولى أنس، وإنما هو مَوْلىً لِبُنَانة. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال النسائي: والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. قال بن نافع مات سنة ثلاثين ومائة. وكذا ذكر ابن حبان وفاته، وقال: أجاز إياس بن معاوية شهادته وحده. قال الحازمي: وأما عبد العزيز بن صهيب البناني، فليس منسوبا إلى القبيلة، وإنما قيل له: البناني؛ لأنه كان ينزل سكة بنانة بالبصرة. قاله أبو حاتم البستي. وذكر الخطيب في \"الموضح\" أن بعضهم قال فيه: عبد العزيز بن بنانة، ظن أنه من نفس القبيلة، فنسبه إلى الجد الأعلى. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.\nوجعله في \"التقريب\" من الطبقة الرابعة.\n٤ - (أنس بن مالك -﵁-) بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرَام بن جُندَب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار الأنصاري، أبو حمزة، خادم رسول الله -ﷺ-، نزيل البصرة، رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن رواحة، وفاطمة الزهراء، وثابت بن قيس بن شَمّاس، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومالك بن صعصعة، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وأبي طلحة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعن أمه أم سليم، وخالته أم حرام، وأم الفضل امرأة العباس، وجماعة.\nورَوَى عنه الحسن، وسليمان التيمي، وأبو قلابة، وأبو مِجْلَز، وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل، وابن ابنه ثمامة، والجعد أبو عثمان، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وإبراهيم بن ميسرة، وبُريد بن أبي مريم، وبيان ابن بشر، والزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد ابن جبير، وسلمة بن وَرْدان، وخلائق من الآفاق.","vol":"1","page":467},{"text":"قال الزهري، عن أنس: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وكنّ أُمّهاتي يَحْثُثْنني على خدمته (١) .. وقال جعفر بن سليمان الضُّبَعي عن ثابت، عن أنس، جاءت بي أم سليم إلى النبي -ﷺ-، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله -ﷺ-، أنيس ادع الله له، فقال النبي -ﷺ-: \"اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة\" (٢)، قال فقد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة. وقال عُمَر بن شَبَّة النميري: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة بن أنس، قال: قيل لأنس: أشهدت بدرا؟، قال: وأين أغيب عن بدر؟، لا أم لك. وقال ابن سعد: أنا الأنصاري، ثنا أبي، عن مولى لأنس بن مالك، أنه قال لأنس: شهدت بدرا؟ قال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر؟ هذا الإسناد أشبه، والمولى مجهول، ولم يذكر أنسا أحد من أصحاب المغازي في البدريين. وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: شهدت مع سول الله -ﷺ- الحديبية، وعمرته، والحج، والفتح، وحنينا، والطائف. وقال علي بن الجعد، عن شعبة، عن ثابت: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله -ﷺ- من ابن أم سليم، وقال جعفر، عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس: فتوضأ، وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مَطَرَت، حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرا، وذلك في الصيف. وقال الأنصاري: ثنا ابن عون، عن موسى بن أنس، أن أبا بكر لما استُخْلِف بَعَثَ إلى أنس ابن مالك -﵁- ليوجهه إلى البحرين على السعاية، قال فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين على السعاية، وهو فتى شاب، فقال ابعثه، فإنه لبيب كاتب، قال: فبعثه، وقال علي بن المديني: آخر من بقي بالبصرة من أصحاب رسول الله -ﷺ- أنس. وقال الأنصاري: مات وهو ابن مائة وسبع سنين. وقال وهب بن جرير، عن أبيه: مات أنس سنة (٩٠)، وكذا قال شعيب بن الحبحاب. وقال همام عن قتادة: سنة (٩١)، وقال معن بن عيسى عن بعض ولد أنس: سنة (٩٢)، وقال ابن علية، وأبو نعيم، وخليفة، وغيرهم: مات سنة (٩٣)، وقال البخاري في \"التاريخ الكبير\": قال لي نصر بن علي: أنا نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن قتادة: لَمّا مات أنس بن مالك -﵁-، قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث، قلنا: تعالَ إلى من سمعه من النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٠٢٩).\n(٢) رواه بنحوه البخاريّ في \"الأدب المفرد\" (٦٥٣).","vol":"1","page":468},{"text":"وقد تعقّب الحافظ قول الأنصاري: إن أنسا عاش مائة وسبع سنين، فقال: فيه نظر؛ لأن أكثر ما قيل في سنه إذ قدم النبي -ﷺ- عشر سنين، وأقرب ما قيل في وفاته سنة (٩٣) فعلى هذا غاية ما يكون عمره مائة سنة وثلاث سنين، وقد نَصّ على ذلك خليفة بن خياط في \"تاريخه\"، فقال: مات سنة (٩٣) وهو ابن (١٠٣) سنة، وأعجب من قول الأنصاري قول الواقدي: إنه مات سنة (٩٢) وله (٩٩) سنة، وكذا قال معتمر عن حميد، إلا أنه جزم بأنه مات سنة (٩١)، فهذا أشبه، وقول خليفة أصح، وحكى الحذاء في رجال \"الموطإ\" أنه يكنى أبا النضر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨٥) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو أول رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.\nومنها: أن في قوله: \"يعني ابن عليّة\" استعمالًا للقاعدة المشهورة، وهي أنه إذا لم يقع للراوي من شيخه نسبة شيخ شيخه إلى أبيه، أو نحوه، وأراد أن ينسبه هو أتى بما يفصل كلامه من كلام شيخه، من نحو \"يعني\"، أو \"هو\"، أو \"أنه\"، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الحديث\"، حيث قال:\nوَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ ... فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لم يُبَنْ\nبِنَحْوِ \"يَعْنِي\" أوْ بِـ \" أَنَّ\" أَوْ بِـ \"هُو\" ... أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ\nأَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ ... وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ\nومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.\nومنها: أن من طُرَف ما يتعلق بإسماعيل ابن علية ما ذكره الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن إسماعيل ابن علية بنُ جريج، وموسى بن سهل الْوَشّا، وبين وفاتيهما مائة وتسع وعشرون سنة، وقيل: سبع وعشرون، قال: وحَدّث عن ابن علية إبراهيم بن طهمان، وبين وفاته ووفاة الوشّا مائة وعشر سنين، وقيل: مائة وخمس وعشرون سنة، قال: وحدَّث عن ابن علية شعبة، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثماني عشر سنة، وحَدَّث عن ابن علية عبدُ الله بن وهب، وبين وفاته ووفاة الوشّا إحدى وثمانون سنة، مات الوَشّا يوم الجمعة، أول ذي القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في \"شرحه\" (١).\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٦٦ - ٦٧.","vol":"1","page":469},{"text":"ومنها: أن فيه أنس بن مالك -﵁- من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، اتّفقا على (١٦٨) وانفرد البخاريّ بـ (٨٣) ومسلم بـ (٧١).\n[فائدة]: المكثر هو الذي رَوَى أكثر من ألف حديث، وهؤلاء المكثرون هم الذين جمعتهم مرتّبًا بقولي:\nالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ ... مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ\nأَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَر ... فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ\nثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ ... وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ\nفأما أبو هريرة -﵁- فروى (٥٣٧٤) حديثًا، اتفقا الشيخان على (٣٢٦) وانفرد البخاريّ (٩٣) ومسلم (٩٨) (١).\nوأما ابن عمر ﵄ فروى (٢٦٣٠) اتفقا على (١٧٠) وانفرد البخاريّ (٨١) ومسلم (٣١).\nوأما أنس بن مالك -﵁-، فروى (٢٢٨٦)، اتفقا على (١٦٨) وللبخاريّ (٨٣) ولمسلم (٧١).\nوأما عائشة -﵂-، وهي المرادة بقولي: \"فأمنا\"، فروت (٢٢١٠) اتفقا على (١٧٤) وللبخاريّ (٥٤) ولمسلم (٦٨).\nوأما ابن عبّاس ﵄، وهو المراد بقولي: \"فالبحر\"، فروى (١٦٩٦)، اتفقا على (٧٥) وللبخاري (٢٨) ولمسلم (٤٩).\nوأما جابر بن عبد الله ﵄، فروى (١٥٤٠) اتفقا على (٥٨) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (١٢٦).\nوأما أبو سعيد الخدريّ -﵁-، وهو المراد بقولي \"سعد\"، فروى (١١٧٠) اتفقا على (٤٣) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (٥٢). والله تعالى أعلم.\nومنها: أنّ أنسًا -﵁- من المعمّرين من الصحابة -﵃-، فقد عاش أكثر من مائة سنة، كما مرّ آنفًا، وهو آخرهم موتًا في البصرة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>شرح الحديث:</span>\n(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير يقدّمه المتكلّم\n_________\n(١) هكذا في \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٦٣٢ والذي في \"خلاصة الخزرجي\" أن المتفق عليه (٣٢٥) وما للبخاريّ (٧٩) وما لمسلم (٩٣) فليحرر.","vol":"1","page":470},{"text":"قبل كلامه، يقصد به تعظيم مضمون كلامه، وقد ذكره ابن مالك رحمهُ اللهُ تعالى في \"الكافية الشافية\"، حيث قال:\nوَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا ... بِجُمْلَةٍ كَإِنَّ ذَا زَيْدٌ سَرَى\nلِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ ... إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ\nوَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ ... حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ\nفِي بَابِ إِنَّ اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ ... كَإِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ\nوَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا ... أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا\nوَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا ... تَأْنِيثُهُ كَإِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا (١)\n(لَيَمْنَعُنِي) -بفتح اللام- وهي لام الابتداء دخلت للتأكيد، وأصل محلّها اسم \"إن\"، وإنما أخّرت كراهة اجتماع حرفي تأكيد من غير فاصل، وإلى هذه اللام أشار ابن مالك رحمهُ اللهُ تعالى في \"الخلاصة\" بقوله:\nوَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ\nوقوله: \"يمنعني\" بفتح أوله، وثالثه، مصارع منع، يقال: منعته الأمر، ومن الأمر مَنْعًا: إذا حَرَمْته، فهو ممنوعٌ منه: أي محروم، والفاعل مانعٌ، والجمع مَنَعَةٌ - بفتحات- مثلُ كافر وكَفَرَة. وجاء للمبالغة مَنُوعٌ، ومَنّاع. أفاده الفيّوميّ.\n(أَنْ) بفتح الهمزة، وسكون النون هي المصدريّة، وقوله: (أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا) في تأويل المصدر مفعول مقدّم لـ \"يمنعني\": (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ) بفتح همزة \"أنّ\" والجملة في تأويل المصدر فاعل \"يمنعني\" مؤخّرًا: والتقدير إنه يمنعني من تحديثكم حديثًا كثيرًا عن رسول الله -ﷺ- قوله: \"من تعمّد الخ\".\n[فإن قلت]: الحديث نصّ في كون الوعيد فيمن تعمّد الكذب، ومعلوم أن أنسًا -﵁- لا يتعمّد الكذب، فكيف يمنعه هذا الحديث؟ .\n[قلت]: إنما منعه الورع، وشدّة الخوف؛ إذ ربّما يؤدّي كثرة التحديث إلى زيادة شيء في الحديث، أو نقصه، بحيث يحصل التغيير للحديث، فخشي على نفسه الخطأ سهوًا وغفلة؛ لأنه وإن لم يأثم بالسهو والخطإ، إلا أن تغيير الحديث خطر عظيمٌ؛ إذ يترتّب عليه تشريع الأحكام، فلذلك قلّل الرواية؛ ليسلم من معرّة ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(مَنْ) شرطيّة (تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ) أي فليتّخذ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، وسكون\n_________\n(١) راجع \"شرح الكافية الشافية\" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٨.","vol":"1","page":471},{"text":"القاف، وفتح العين المهملة: أي محلّ قعوده، والمراد منزله (مِنَ النَّارِ) بيان لمقعد، متعلّق بحال محذوف: أي حال كون ذلك اليقعد كائنًا من النار.\nوقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: \"فليتبوّأ الخ\": أي ليتّخذ فيها منزلًا، فإنها مقرّه، ومسكنه، يقال: تبوّأت منزلًا: أي اتّخذته، ونزلته، وبوّأت الرجل منزلًا: أي هيّأته له، ومصدره باءة، ومباءة، وهذه صيغة أمر، والمراد بها التهديد، والوعيد. وقيل: معناها الدعاء: أي بوّأه الله ذلك. وقيل: معناها الإخبار بوقوع العذاب به في نار جهنّم، وكذلك القول في حديث عليّ -﵁- الذي قال فيه: \"يلج النار\". وقد روى أبو بكر البزّار هذا الحديث من طريق عبد الله بن مسعود، وزاد: \"ليُضلّ به\"، وقد اغترّ بهذه الزيادة ممن يقصد الخير، ولا يعرفه، فظنّ أن هذا الوعيد إنما يتناول من قصد الإضلال بالكذب على رسول الله -ﷺ-، فأما من قصد الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقوية مذاهب أهل السنّة، فلا يتناوله، فوضع الأحاديث لذلك، وهذه جهالة؛ لأن هذه الزيادة تُروى عن الأعمش، ولا تصحّ عنه، وليست معروفة عند نَقَلَة ذلك الحديث مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن الْبَيّع من طرق كثيرة، وقال: إنها واهية، لا يصحّ منها شيء. ولو صحّت لما كان لها دليل خطاب، وإنما تكون تأكيدًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وافتراء الكذب على الله محرّم مطلقًا، قُصد به الإضلال، أو لم يُقصد. قاله الطحاويّ. ولأن وضعَ الخبر الذي يُقصد به الترغيب كذب على الله تعالى في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم من أقسام الأحكام الشرعيّة، وإخبار عن أن الله تعالى وَعَدَ على ذلك العمل بذلك الثواب، فكلّ ذلك كذبٌ، وافتراء على الله تعالى، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.\nوقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبةَ الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله -ﷺ- نسبة قوليّة، وحكاية نقليّةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله -ﷺ- كذا وكذا، ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديث مرفوعة، تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تُشبه فتاوى الفقهاء، ولا تَليق بجزالة سيد الأنبياء مع أنهم لا يُقيمون لها صحيح سند، ولا يُسندونها من أئمة النقل إلى كبير أحد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشملهم ذلك الذمّ والوعيد، ولا شكّ في أن تكذيب رسول الله -ﷺ- كفرٌ، وأما الكذب عليه، فإن كان ذلك الكاذب مستحلًّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غير مستحلّ، فهو مرتكب كبيرة، وهل يَكفُرُ أم لا؟ اختُلف فيه. انتهى كلام القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى. انتهى (١). وقد سبق\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١١٥.","vol":"1","page":472},{"text":"تحقيق هذا البحث مستوفىً في المسائل المذكورة في شرح حديث عليّ -﵁- الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه]: حديث أنس بن مالك -﵁- هذا أخرجه المصنّف بالإسناد المذكور هنا فقط، وأخرجه (البخاريّ) في \"العلم\" ١٠٨ و(الترمذيّ) في \"العلم\" ٢٦٦١ و(ابن ماجه) في \"المقدّمة\" ٣٢ و(أحمد) في \"مسند البصريين\" ١٩٧٠١ و١٩٦٤٩ و١٩٧٠٤. وقد تقدّم ذكر فوائد الحديث في شرح حديث عليّ -﵁- الماضي، فلا تَنسَ نصيبك منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤ - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ (١» بن حِسَاب (٢) البصريّ الثقة.\nرَوَى عن حماد بن زيد، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان الضبعي، ومعاوية بن عبد الكريم، وإسماعيل ابن علية، ومحمد بن ثور الصنعاني، وعبد الوارث بن سعيد، وأبي بكر بن عبد الله بن قيس البكري، وسليم بن أخضر، وغيرهم.\nورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن زكريا بن يحيى السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد، وعمران بن موسى بن مُجاشع، وجعفر الفريابي، وزكرياء الساجي، ويحيى بن محمد بن البختري، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وآخرون.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: ابن حساب فوق الزبيري - يعني عبد الله بن محمد بن المسور الزبيري- بكثير ابن حساب عندي حجة. وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة ثقة. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. روى عنه المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ. وفي \"الزهرة\" روى عنه\n_________\n(١) \"الغبريّ\" بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة-: نسبة إلى بني غُبَر، وهو غبر بن غَنْم ابن حُبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل بن ربيعة. قاله في \"الأنساب\" ٤/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٢) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف السين المهملة.","vol":"1","page":473},{"text":"مسلم عشرين حديثا (١). وجعله في \"التقريب\" من الطبقة العاشرة. والله تعالى أعلم.\n٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد الله اليشكري، مولى يزيد بن عطاء الواسطي البزاز، كان من سبي جُرجان، مشهور بكنيته.\nرَأَى الحسن، وابن سيرين، وسمع من معاوية بن قرة حديثا واحدا، ورَوَى عن أشعث بن أبي الشعثاء، والأسود بن قيس، وقتادة، وأبي بشر، وحصين بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر، وخلق كثير.\nورَوَى عنه شعبة، ومات قبله، وابن علية، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، والفضل بن مساور صهره، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو هشام المخزومي، وعفان، ويحيى بن حماد، وأبو سلمة بن إسماعيل، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومحمد بن محبوب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، والهيثم بن سهل التستري، وهو آخر من روى عنه، وآخرون.\nقال أبو حاتم: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: سألت ابن المبارك من أروى الناس، أو أحسن الناس حديثا عن مغيرة؟، فقال: أبو عوانة. وقال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: كتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم. وقال مسدد: سمعت يحيى القطان يقول: ما أشبه حديثه بحديثهما -يعني أبا عوانة وشعبة وسفيان- وقال عفان: كان أبو عوانة صحيح الكتاب، كثير الْعَجْم والنَّقْط، وكان ثبتا، وأبو عوانة في جميع حاله أصح حديثا عندنا من شعبة. وقال أبو طالب عن أحمد: إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: أبو عوانة جائز الحديث، وحديث يزيد بن عطاء ضعيف، ثَبَتَ حديث أبي عوانة، وسقط مولاه يزيد بن عطاء. وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرا، وهو صدوق ثقة، وهو أحب إلي من أبي الأحوص، ومن جرير، وهو أحفظ من حماد بن سلمة. وقال ابن عدي: كان مولاه قد فَوّض إليه التجارة، فجاءه سائل، فقال له: أعطني درهمين لأنفعك، فأعطاه، فدار السائل على رؤساء البصرة، فقال: بَكِّروا على يزيد بن عطاء، فقد أعتق أبا عوانة، فاجتمع إليه الناس، فَأَنِفَ من أن ينكر حديثه، وأعتقه حقيقة. قال: وقال أحمد ويحيى: ما أشبه حديث أبي عوانة بحديث الثوري وشعبة، قال: وكان أمينا ثقة، وكان أبو عوانة مع ثقته وأمانته، يَفزَع من شعبة، فأخطأ شعبة في اسم خالد بن علقمة،\n_________\n(١) هكذا نقله في \"تهذيب التهذيب\"، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن مسلمًا روى له في هذا الكتاب ثمانية عشر حديثًا، ولعل الاختلاف لاختلاف النسخ، أو بحسب التكرار. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":474},{"text":"فقال: مالك بن عرفطة، وتابعه أبو عوانة على خطئه -يعني بعد أن كان رواه على الصواب-. وقال محمد بن محبوب: مات في ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائة، وفيها أَرّخه يعقوب بن سفيان، وقال غيره: مات سنة خمس وسبعين، وهو قول ابن المديني.\nوحكى ابن حبان قصة عتقه على صفة أخرى، فقال: كان يزيد بن عطاء حاجًا، ومعه أبو عوانة، فجاء سائل إلى يزيد، فسأله فلم يعطه شيئا، فلحقه أبو عوانة، فأعطاه دينارا، فلما أصبحوا، وأرادوا الدفع من المزدلفة، وقف السائل على طريق الناس، فكلما رأى رفقة، قال: يا أيها الناس اشكروا يزيد بن عطاء، فإنه تقرب إلى الله تعالى اليوم بعتق أبي عوانة، فجعل الناس يمرون فوجا بعد فوج إلى يزيد، يشكرون له ذلك، وهو ينكر، فلما كثروا عليه، قال: من يستطيع رد هؤلاء، اذهب فأنت حر. وحكاها أسلم بن سهل في \"تاريخ واسط\" على صفة أخرى: إن أبا عوانة كان صديق قاصّ، وكان يُحسن إليه، فأراد أن يكافئه، فكان لا يجلس مجلسا إلا قال: ادعو الله تعالى ليزيد بن عطاء، فإنه قد أعتق أبا عوانة. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، ووهيب أحفظ منه. وقال موسى بن إسماعيل: قال أبو عوانة: كل شيء قد حدثتك، فقد سمعتُهُ. وقال العجلي: أبو عوانة بصري ثقة. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال شعبة: إن حدثكم أبو عوانة عن أبي هريرة، فصدقوه. وقال أبو قدامة: قال ابن مهدي: أبو عوانة وهشيم كهَمّام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام، وإذا كان الحفظ فحفظ هشيم وسعيد. وقال تمتام عن ابن معين: كان أبو عوانة يقرأ ولا يكتب. وقال الدُّوري: سمعت ابن معين، وذكر أبا عوانة وزهير بن معاوية، فقدم أبا عوانة. وقال ابن المديني: كان أبو عوانة في قتادة ضعيفا؛ لأنه كان قد ذهب كتابه، وكان أحفظ من سعيد، وقد أغرب في أحاديث. وقال: قال يعقوب بن شيبة: ثَبْتٌ، صالح الحفظ، صحيح الكتاب. وقال ابن خراش: صدوق في الحديث. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وقال: إذا حدث من حفظه ربّما غَلِط.\nوجعله قال في \"التقريب\" من الطبقة السابعة.\nأخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (١٠٣) أحاديث.\n٣ - (أبو حَصِين) -بفتح، فكسر، مكبّرًا- عثمان بن عاصم بن حَصِين ويقال: يزيد بن كثير بن زيد بن مرة الأسدي الكوفي.\nرَوَى عن جابر بن سمرة، وابن الزبير، وابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، وأبي","vol":"1","page":475},{"text":"سعيد الخدري، والأسود بن هلال، وأبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وأبي وائل، وسُوَيد بن غَفَلَة، وأبي صالح السمان، وجماعة.\nورَوَى عنه شعبة، والثوري، وزائدة، وإسرائيل، وقيس بن الربيع، ومالك بن مغول، ومِسْعَر، وإبراهيم بن طهمان، وشريك، وأبو بكر بن عياش، وأبو عوانة، وأبو الأحوص، وابن عيينة، وآخرون.\nذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة، وقال: هو من بني جُشَم بن الحارث بن سعد ابن ثعلبة بن دودان، وعداده في بني كثير بن زيد بن مرة بن الحارث. وقال أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي: أربعة من أهل الكوفة لا يُختَلَف في حديثهم، فمن اختَلَفَ عليهم، فهو مُخطىء، منهم أبو حصين، وعَدَّه ابنُ مهدي أيضا في اثبات أهل الكوفة. وقال أحمد: كان صحيح الحديث، قيل له: أيما أصح حديثا هو، أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصين أصح حديثا بقِلّة حديثه، وكذا منصور أصح حديثا من الأعمش بقلة حديثه. وقال العجليّ: كانَ شيخا عاليا، وكان صاحب سنة. وقال في موضع آخر: كوفي ثقة، وكان عثمانيا، رجلا صالحا. وقال في موضع: كان ثقة ثبتا في الحديث، وهو أعلى سِنّا من الأعمش، وكان عثمانيا، وكان الذي بينه وبين الأعمش متباعدا. وقال ابن معين، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن أبي حَصِين أسدي شريف، ثقة ثقة، كوفيّ. وقال ابن المديني: أصحاب الشعبي أبو حصين، ثم إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- فذكر جماعة. وقال أبو بكر بن عياش: دخلت على أبي حَصِين، وهو مُختَفٍ من بني أمية، فقال: إن هؤلاء يريدوني عن ديني، والله لا أعطيهم إياه أبدًا. وقال مالك بن مغول: قيل للشعبي: يا عالمُ، قال: ما أنا بعالم، ولا أَخْلُفُ عالمًا، وأن أبا حَصِين لَرَجُلٌ صالح. وقال الحسن بن عياش، عن الأعمش: كان إبراهيم يقول: دعني من أبي حَصِين، فما هو بأحب الناس إليّ. وقال أبو معاوية عن الأعمش: كان أبو حَصِين يسمع مني، ثم يذهب، فيرويه. وقال ابن عيينة: كان أبو حصين، إذا سُئِل عن مسألة، قال: ليس لي بها عِلْمٌ، والله أعلم. وقال أبو شهاب: سمعت أبا حصين يقول: إن أحدهم لَيُفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر. وقال العسكري: كان يقرأ على أبي حصين في مسجد الكوفة خمسين سنة. قال ابن معين، وخليفة: مات سنة (١٢٧). وقال ابن معين في رواية أخرى: مات سنة (٣٢). وقال الواقدي، وجماعة: مات سنة (٢٨). وقال غيره: سنة (٩). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في أتباع التابعين، وقال: مات سنة (٢٨) وقد قيل: سنة (٧) فروايته عن الصحابة عند ابن حبان مرسلة، قال الحافظ: وهو الذي يظهر لي. وقال ابن عبد","vol":"1","page":476},{"text":"البر: أجمعوا على أنه ثقة حافظ. وقال يحيى بن آدم: سمعت أبا حصين: يَذكُر أن بينه وبين عاصم بن أبي النجود في السن سنة واحدة.\nوقال في \"التقريب\": تقة ثبت سنّيّ، وربّما دلّس من الطبقة الرابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط.\n٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني مولى جُويرية بنت الأحمس الْغَطَفَاني، شهد الدار زمن عثمان، وسأل سعد بن أبي وقاص مسألة في الزكاة، وروى عنه، وعن أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وعَقِيل بن أبي طالب، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وغيرهم، وأرسل عن أبي بكر.\nورَوَى عنه أولاده: سهيل، وصالح، وعبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله ابن دينار، ورجاء بن حيوة، وزيد بن أسلم، والأعمش، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، والحكم بن عتيبة، وعاصم بن بهدلة، وعبد العزيز بن رُفيع، وعمرو بن دينار، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون.\nقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم. وقال حفص ابن غياث عن الأعمش: كان أبو صالح مؤذنا، فأبطأ الإمام، فأَمَّنا، فكان لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، يُحتج بحديثه. وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان يَقْدَم الكوفة يَجْلُب الزيت، فينزل في بني أسد. وقال أبو داود: سألت ابن معين: من كان الثبتُ في أبي هريرة؟ فقال: ابن المسيب، وأبو صالح، وابن سيرين، والمقبري، والأعرج، وأبو رافع. وقال الساجي: ثقة صدوق. وقال الحربي: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: لم يلق أبا ذَرّ. قال يحيى بن بكير وغير واحد: مات سنة (١٠١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩٦) حديثًا.\n٥ - (أبو هريرة) بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب ابن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سماه، ونسبه ابن الكَلبي، ومن تبعه، وقواه أبو أحمد الدمياطي.","vol":"1","page":477},{"text":"قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في \"الكنى\" للحاكم، وفي \"الاستيعاب\"، وفي \"تاريخ ابن عساكر\".\nقال ابن أبي داود كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا.\nوقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير، أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غَيّر حرفا عن حرف. وفي \"صحيح البخاري\" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثا مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم، أبو أحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم- كان من أحفظ أصحاب رسول الله -ﷺ-، وألزمهم له صحبة، على شبع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه. وقد أخرج البخاري في \"الصحيح\" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله -ﷺ- من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: \"لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث\". وأخرج أحمد من حديث أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله -ﷺ- عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله -ﷺ-، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله -ﷺ-، وحجرة عائشة -﵂-، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد","vol":"1","page":478},{"text":"ابن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في \"الصحيح\"، وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلا صحب النبي -ﷺ- أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة. وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاؤوا ليسلموا عليه، فقال: مرحبا، صحبت رسول الله -ﷺ- ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذكر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله -ﷺ- ما أكره، فأتيت رسول الله -ﷺ-، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: \"اللهم اهد أم أبي هريرة\"، فخرجت عدوا، فإذا بالباب مجاف، وسمعت حصحصة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد إن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله -ﷺ-، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة (١)، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مقدمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع، وفي \"الصحيح\" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله -ﷺ-، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينا، أصحب رسول الله -ﷺ- على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي -ﷺ- مجلسا، فقال: \"من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني\"، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد. وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرا: قلت: يا رسول\n_________\n(١) هكذا نسخة \"الإصابة\"، وأخشى أن يكون مصحّفًا من \"أبي نضرة\" بالنون والضاد، فليُحرّر.","vol":"1","page":479},{"text":"الله -ﷺ- إني لأسمع منك حديثا كثيرا أنساه، فقال: \"ابسط رداءك\"، فبسطته، ثم قال: \"ضمه إلى صدرك\"، فضممته، فما أنسيت حديثا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله -ﷺ- سوء الحفظ، فقال: \"افتح كساءك\"، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ-، قال: \"ألا تسألني عن هذه الغنائم؟ \" قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: \"اجمعها، فصُرها إليك\"، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثا، فيصرهن في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلمهن؟ \" قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال: \"ابسط ثوبك\"، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبي -ﷺ-، فبسطت ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئا بعد هذا، مختصر مما قبله.\nقال أبو سليمان بن زَبْر في \"تاريخه\": عاش أبو هريرة ثمانيا وسبعين سنة. وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة، مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة -﵂- في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك.\nقال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في \"الصحيح\" ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة، وقد تردد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين (١). أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (١٠٠٩) ألف وتسعة أحاديث. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) راجع \"الإصابة\" ١٢/ ٦٣ - ٧٩ و\"تهذيب الكمال\" ٣٤/ ٣٦٦ - ٣٧٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢ و\"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٦٠١ - ٦٠٣.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>لطائف هذا الإسناد:</span>\nمنها: أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ومنها: أنه ليس في \"الصحيحين\" من يكنى أبا حَصِين بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين إلا أبا حَصِين هذا، ومن عداه، فهو حُصين، وإلى هذا أشار السيوطيّ في \"ألفية الحديث\" حيث قال:\nأَبَا حَصِينِ الأَسَدِيَّ كَبِّرِ ... ثُمَّ رُزَيْقَ بْنَ حُكَيْمٍ صَغِّرِ\nومنها: أن شيخه بصريّ، وأبو عوانة واسطيّ، وأبو حَصِين كوفيّ، والباقيان مدنيّان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو حَصِين عن أبي صالح. ومنها: أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة المذكورين في لطائف السند الماضي، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.\nومنها: أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتصال على الأصحّ في \"عن\" من غير المدلّس. ومنها: أن ثلاثة من رجاله ممن اشتهر بكنيته، أبو عوانة، وأبو صالح، وأبو هريرة. ومنها: أن كنية أبي هريرة ليست كنية حقيقة، وإنما هي لقب بصورة الكنية، وإنما لقّب به لأجل هرّة كانت معه، فقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه عن عبد الله بن رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم كنّوك أبا هريرة؟ قال: أما تَفْرَقُ منّي؟ قلت: بلى إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنما لأهلي، فكانت لي هُريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. وعن أبي معشر نجيح، عن محمد بن قيس، قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، كناني رسول الله -ﷺ- أبا هِرّ، قال: \"ثكلتك أمك أبا هرّ\"، والذكر خير من الأنثى. وعن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يقول: كان النبيّ -ﷺ- يدعوني أبا هرّ (١).\n[تنبيهات]:\n(الأول): اختلف في أبي هريرة، هل هو منصرف، أم لا؟، قال القاري في \"المرقاة\": جرّ أبي هريرة بالكسر هو الأصل، وصوّبه جماعة؛ لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه، كما هو الشائع على ألسنة العلماء، من المحدّثين، وغيرهم؛ لأن الكلّ صار كالكلمة الواحدة. انتهى. قال المباركفوريّ: الراجح منعه من الصرف، ويؤيّده منع صرف \"ابن داية\" علمًا للغراب، قال قيس بن الملوّح، مجنون ليلى [من الطويل]:\n_________\n(١) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٥٨٧.","vol":"1","page":481},{"text":"أَقُولُ وَقَدْ صَاحَ ابْنُ دَايَةَ غَدْوَةً ... بِبُعْدِ النَّوَى لا أَخْطَأَتْكَ الشَّبَائِكُ\nقال القاضي البيضاويّ في \"تفسيره\" في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]: ما نصّه: \"رمضان\" مصدر رَمض: إذا احترق، فأضيف إليه \"شهر\"، وجُعل علمًا، ومنع من الصرف للعلميّة والألف والنون، كما مُنع \"داية\" في \"ابن داية\" علما للغراب؛ للعلمية والتأنيث. انتهى \"تحفة الأحوذيّ\" ١/ ٣٢.\nالثاني: قال العلامة المباركفوريّ رحمهُ اللهُ تعالى: قد تفوّه بعض الفقهاء الحنفيّة بأن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقوله هذا باطل، مردود عليهم، وقد صرّح أجلّة العلماء الحنفية بأنه -﵁- كان فقيهًا، قال صاحب \"السعاوية شرح الوقاية\": وهو من العلماء الحنفيّة ردّا على من قال منهم: إن أبا هريرة غير فقيه ما لفظه: كون أبي هريرة غير فقيه، غير صحيح، بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يُفتون في زمان النبيّ -ﷺ- كما صرّح به ابن الهمام في \"تحرير الأصول\"، وابن حجر في \"الإصابة\". انتهى.\nوفي بعض حواشي \"نور الأنوار\" أن أبا هريرة كان فقيها، صرّح به ابن الهمام في \"التحرير\"، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره؟ وكان يفتي في زمن الصحابة، وكان يعارض أجلة الصحابة، كابن عباس، فإنه قال: إن عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين، فرده أبو هريرة، وأفتى بأن عدتها وضع الحمل، كذا قيل. انتهى.\nوقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"التذكرة\": أبو هريرة الدوسي اليمانيّ الفقيه، صاحب رسول الله -ﷺ-، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة، والعبادة، والتواضع. انتهى.\nوقال ابن القيّم في \"إعلام الموقّعين\": ثم قام بالفتوى بعد رسول الله -ﷺ- بَرْكُ الإسلام (١)، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه -ﷺ-، وكانوا بين مكثر منها، ومقلّ، ومتوسّط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر -﵃-.\nوالمتوسطون منهم فيما رُوي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس ابن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة ... الخ، فلا شك في أن أبا هريرة كان فقيها من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى.\n_________\n(١) برك الجمل: بفتح، فسكون: صدره، والمراد به هنا صدر الإسلام، أي متقدّمو الإسلام، ورؤساؤه.","vol":"1","page":482},{"text":"[فإن قيل]: قال إبراهيم النخعي أيضًا: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، والنخعي من فقهاء التابعين.\n[قلت]: قد نُقم على إبراهيم النخعي لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، قال الحافظ الذهبيّ في \"الميزان\" في ترجمته: وكان لا يُحكم العربية، ربما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انتهى.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي في \"عارضة الأحوذيّ\" في بحث المصرّاة المرويّ عن أبي هريرة، وابن عمر: قال بعضهم: هذا الحديث لا يُقبل؛ لأنه يرويه أبو هريرة، وابن عمر، ولم يكونا فقيهين، وإنما كانا صالحين، فروايتهما إنما تقبل في المواعظ، لا في الأحكام. وهذه جرأة على الله، واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته، وفقد نَصَرَته، ومن أفقه من أبي هريرة، وابن عمر؟، ومن أحفظ منهما؟ خصوصًا من أبي هريرة، وقد بسط رداءه، وجمعه النبيّ -ﷺ-، وضمه إلى صدره، فما نسي شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن على الصحابة، ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس عليّ بن محمد الدامغانيّ، قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يومًا، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة، فسقطت من السقف حية عظيمة في وسط المسجد، فأخذت في سمت المتكلم بالطعن، ونفر الناس، وارتفعوا، وأخذت الحية تحت السواري، فلم يُدر أين ذهبت، فارعوَى من بعد ذلك من الترسّل في هذا القدح. اهـ. انتهى \"تحفة الأحوذيّ\" ١/ ٣٢ - ٣٣.\nوقال الحافظ الذهبيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"سير أعلام النبلاء\": قال الحافظ أبو سعد السمعانيّ: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد، سمعت أبا القاسم يوسف بن عليّ الزنجانيّ الفقيه، سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروز آبادي، سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شابّ خُراساني، فسأل عن مسألة المصرّاة، فطالب بالدليل، حتى استدلّ بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال، وكان حنفيّا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتمّ كلامه، حتى سقط عليه حيّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشابّ منها، وهي تتبعه، فقيل له: تُبْ، تُبْ، فقال: تُبْتُ، فغابت الحيَّة، فلم يُر لها أثر. إسنادها أئمة. انتهى \"سير أعلام النبلاء\" ٢/ ٦١٨ - ٦١٩. والله تعالى أعلم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما شرح الحديث فيُعلم مما سبق، وبقي الكلام في تخريجه، فأقول:","vol":"1","page":483},{"text":"حديث أبي هريرة هذا أخرجه المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في \"العلم\" ١٠٧ عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١). و(ابن ماجه) في \"المقدّمة\" (٣٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-. و(أحمد) في \"باقي مسند المكثرين\" ٧٩١٨ و٨٤٢١ و٨٩٤٨ و٨٩٨٢ و٩٦٧٥ و١٠١٠٩ و١٠٣١٠ و١٠٦٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥ - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، يَقُولُ: \"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- الخارفيّ الكوفيّ الحافظُ.\nرَوَى عن أبيه، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن علية، وأبي معاوية، وعبد الله بن إدريس، وزكرياء بن عدي، وخلق كثير.\nوروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى الترمذي، والنسائي عنه بواسطة البخاري، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني، وأبو زرعة، وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازيون، والذهلي، وغيرهم.\nقال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم محمد بن عبد الله بن نمير تعظيما عجبا، ويقول: أي فتى هو؟ وعن أحمد أيضا قال: هو دُرّة العراق. وقال علي ابن الجنيد: كان أحمد، وابن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: ما يقول ابن نمير فيهم، قال ابن الجنيد: وما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير، وكان رجلا نبيلا، قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، وكان فقيرا. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت من الكوفيين من أحداثهم أفضل منه. وقال العجلي: كوفي ثقة، ويُعَدُّ من أصحاب الحديث. وقال\n_________\n(١) ولفظه: عن النبي -ﷺ-: قال: \"تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكتَنُوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\".","vol":"1","page":484},{"text":"أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ابن نمير أثبت من أبيه. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن عدي: سمعت الحسن بن سفيان يقول: ابن نمير ريحانة العراق، وأحد الأعلام. قال: وسمعت أبا يعلى يقول: حديث محمد بن نمير يملأ الصدر والنحر، قال: وكان محمد بن عمر الصوفي إذا حدثنا عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير العبد الصالح. وقال ابن وضاح: ثقة، كثير الحديث، عالم به، حافظ له. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال ابن شاهين في \"الثقات\" عن ابن رشدين: سألت أحمد بن صالح عنه؟ فقال: تسألني عن رجل لم أر بالعراق مثله، ومثل أحمد، ما رأيت بالعراق مثلهما، ولا أجمع منهما للعقل والدين، ولكل شيء. وفي \"الزهرة\" روى عنه البخاري (٢٢) حديثًا، ومسلم (٥٧٣) حديثا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات في شعبان سنة أربع وثلاثين ومائتين، وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين. وقال البخاري: مات في شعبان، أو رمضان. وقال في \"التقريب\": ثقة حافظ فاضل، من العاشرة.\nروى له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٤٤٦) حديثًا (١).\n٢ - (أبوه) عبد الله بن نُمير -بنون مصغّرًا- الهمْدَانيّ الخارفيّ، أبو هشام الكوفيّ الحافظ.\nرَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَني، وزكرياء بن أبي زائدة، وسعد بن سعيد الأنصاري، وحنظلة بن أبي سفيان، وسيف بن سليمان، والأوزاعي، وعثمان بن حكيم الأودي، والثوري، وطائفة.\nورَوَى عنه ابنه محمد، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وعلي، بن المديني، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو قُدَامة السرخسي، وأبو كريب، وأبو موسى، وأبو سعيد الأشج، وهناد بن السري، وأبو مسعود الرازي، وعلي بن حرب الطائي، والحسن بن علي بن عفان، وغيرهم.\nقال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر، فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. قال ابنه محمد وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: إنه ولد في سنة (١١٥). وذكره ابن حبان\n_________\n(١) هذا العدد هو المذكور في برنامج الحديث (صخر) وهو يخالف ما مرّ قريبًا عن \"الزهرة\"، والظاهر أن ما هنا أقرب للصواب، فليحرّر.","vol":"1","page":485},{"text":"في \"الثقات\". وقال العجلي: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوقٌ. وقال في \"التقريب\": ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار التاسعة انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٠) حديثًا.\n٣ - (سعيد بن عُبيد) الطائيّ، أبو الْهُذَيل الكوفيّ.\nرَوَى عن أخيه عقبة، وبُشَير بن يسار، وعلي بن ربيعة الوالبي، والقاسم بن عبد الرحمن المسعودي، وسعيد بن جبير، وغيرهم.\nورَوَى عنه الثوري، وابن المبارك، ومروان بن معاوية، وعبد الله بن نمير، وقُرّان ابن تَمّام، والفضل بن موسى، ويحيى القطان، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبو نعيم، وغيرهم.\nقال ابن المديني، عن يحيى: ليس به بأس. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: كان شعبة يتمنى لقاءه. ووثقه العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن نمير، وغيرهم. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من السادسة.\nأخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، وحديث رقم ١٥٤٩ \"من نيح عليه فإنه يُعذّب ... \" الحديث، وحديث رقم ٣١٥٩ \"تحلفون خمسين يمينًا ... \" الحديث.\n٤ - (عليّ بن رَبِيعة) بن نَضْلَة الوالبيّ -بلام مكسورة، وموحّدة- ويقال: البجليُّ أبو المغيرة الكوفيّ.\nرَوَى عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وسلمان، وابن عمر، وأسماء ابن الحكم الفزاري، وسَمُرَة بن جندب، وابنه سليمان بن سمرة، وأسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وكعب بن قطبة.\nورَوَى عنه الحكم بن عتيبة، وسعيد بن عبيد الطائي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو السفر الهمداني، والمنهال بن عمرو، وعثمان بن المغيرة، ومحمد بن قيس الأسدي، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، وآخرون.\nقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. قال: وعلي بن ربيعة هو الذي رَوَى عنه العلاء بن صالح. وقال فيه: البجليُّ.\nله في \"الصحيحين\" حديث عن المغيرة: \"من كذب علي\"، وفيه: \"من نِيحَ عليه عُذّب\".","vol":"1","page":486},{"text":"وفرق البخاري بينه وبين البجلي الذي رَوَى عن العلاء بن صالح، فقال في الثاني: رَوَى عنه العلاء بن صالح منقطع، وتبعه على ذلك ابن حبان في \"الثقات\"، فذكر هذا في التابعين، وساق نسبه إلى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، وقال في أتباع التابعين: علي بن ربيعة البجلي، يروي عن أسماء بن الحكم الفزاري، وجزم أبو حاتم بأنهما واحد، حكاه ابنه عنه، وصنيع الخطيب يقتضي أنه وافقه، فإنه ذكر في \"المتفق\" علي بن ربيعة أربعة فبدأ بالوالبي، ثم البصري، ثم القرشي، ثم البيروتي، ولم يفرد البجلي، فالظاهر أنهما عنده واحد، لكنه لم ينبه عليه في \"كتاب أوهام الجمع والتفريق\" الذي جَمَعَ فيه أوهام البخاري في \"التاريخ\"، وعمدته فيها كلام أبي حاتم، وقد يخالفه، فسبحان من لا يسهو. وقال ابن سعد: كان ثقة معروفا. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة، ووثقه ابن نمير، وغيره.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من كبار الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم (١٥٤٩) \"من نِيح عليه، فإنه يُعذّب ... \" الحديث.\n٥ - (المغيرة بن شعبة) -﵁- المذكور في الحديث الأول. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا سعيد بن عبيد، فما أخرج له ابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>شرح الحديث:</span>\nعن عليّ بن ربيعة الوالبيّ رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ) أي مسجد الكوفة، بدليل قوله: (وَالْمُغِيرَةُ أَمِيرُ الْكُوفَةِ) جملة من مبتدإ وخبر في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي والحال أن المغيرة بن شعبة -﵁- أمير على البلدة المسمّاة بالكوفة: أي والٍ عليها.\nو\"الأمير\" فعيل بمعنى فاعل، من الإِمْرة -بكسر، فسكون- وهي الولاية، يقال: أَمَرَ على القوم يأمُرُ، من باب نَصَرَ، فهو أمير، والجمع أمراء، ويُعَدّى بالتضعيف، فيقال: أمّرته تأميرًا. قاله الفيّوميّ.\nو\"الكوفة\" -بالضمّ-: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كُوفةً؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا. قاله الفيّوميّ أيضًا.","vol":"1","page":487},{"text":"وقال في \"اللسان\": الكوفة: الرملة المجتمعة، وقيل: الرملة ما كانت، وقيل: الرملة الحمراء، وبها سمّيت الكوفة. وقال ابن سِيده: الكوفة سمّيت بذلك؛ لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتاد لهم، وقال: تكَوّفوا في هذا المكان: أي اجتمعوا فيه. وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفوا هذا الرملَ: أي نحّوه، وانزلوا. انتهى بتصرّف.\n(قَالَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ) -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، يَقُولُ: \"إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في ابتداء الكلام (كَذِبًا) بفتح الكاف، وكسر الذال المعجمة، ويجوز التخفيف بتسكينها، مع كسر الكاف، وفتحها - (عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي على غيره من الناس، والمراد أن العقاب المترتّب عليه أشدّ؛ لأن الجرأة به أقبح، وأعظم، والمفسدة الحاصلة أشدّ؛ إذ هو كذِبٌ على الله تعالى، فيكون وَضْعُ شرع لم يأذن الله تعالى به، أو تغيير شرع، شرعه الله تعالى على عباده. والله تعالى أعلم (فَمَنْ كَذَبَ) بتخفيف الذال المعجمة، من باب ضرب، وقد تقدّم أنه الإخبار بخلاف الواقع، عمدًا كان، أو خطأً، لكن الإثم مرتبط بالعمد؛ لتقييده بقوله: \"متعمّدًا\"، وإنما ترك بعض السلف، كعمر، والزبير، وأنس -﵃- الإكثار من التحديث؛ تورّعًا، واحتياطًا (عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي ليتّخذ فيها منزلًا، فإنها مقرّه، ومسكنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث المغيرة بن شعبة -﵁- هذا أخرجه المصنّف هنا ٥ و٦ فقط، وأخرجه (البخاريّ) في \"الجنائز\" (١٢٩١) عن أبي نعيم، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة -﵁-. و(الترمذيّ) في \"الجنائز\" أيضًا (٩٢١) عن أحمد بن منيع، عن قُرّان بن تَمّام، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون كلهم عن سعيد ابن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة الأسدي، عن المغيرة -﵁-. و(أحمد) في \"مسند الكوفيين \"١٧٤٣٨ و١٧٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦ - (وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: \"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (عليُّ بنُ حُجْر السَّعْديّ) هو علي بن حُجْر بن إياس بن مُقاتل بن مُخادش بن","vol":"1","page":488},{"text":"مُشَمْرِخ بن خالد السَّعْديّ، أبو الحسن المروزي، سكن بغداد قديما، ثم انتقل إلى مرو فنزلها.\nرَوَى عن أبيه، ومعروف الخياط، صاحب واثلة، وخلف بن خليفة، وعيسى بن يونس، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل ابن علية، وجرير، وابن المبارك، والدراورديّ، وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وعيسى بن يونس، والفضل بن موسى السِّيناني، وخلق كثير.\nورَوَى عنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن أبي الحواريّ، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو عمرو المستملي، ومحمد بن حمدويه، أبو رجاء صاحب \"التاريخ\"، ومحمد بن علي الحكيم الترمذيّ، وأحمد بن علي الأَبّار، وآخرون.\nقال محمد بن علي بن حمزة المروزي: كان فاضلا حافظا. وقال النسائي: ثقة مأمون حافظ. وقال الخطيب: كان صدوقا متقنا حافظا، اشتهر حديثه بمرو. وقال محمد بن حمدويه: سمعت علي بن حجر يقول: انصرفت من العراق، وأنا ابن (٣٣) سنة، فقلت: لو بقيت ثلاثا وثلاثين أخرى، فأَرْوِيَ بعضَ ما جمعته من العلم، فقد عشت بعده ثلاثا وثلاثين، وثلاثا وثلاثين أخرى، وأنا أتمنى بعدُما كنت أتمنى. وقال أبو بكر الأعين: مشايخ خراسان ثلاثة، أولهم قتيبة، والثاني محمد بن مِهران، والثالث علي بن حجر. وقال الحاكم: كان شيخا فاضلا ثقة. وفي \"الزَّهْرَة\": روى عنه البخاري خمسة، ومسلم (١٨٨) حديثا (١). قال البخاري: مات في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد، وذكر الباشانيُّ أن مولده سنة (٥٤)، والحكاية المتقدمة تقتضي أنه عاش قريب المائة، أو أكملها. وقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، من صغار التاسعة.\nروى عنه الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه.\n٢ - (عليّ بن مُسْهِر) -بضمّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل.\nرَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الْجُهَنيّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومُطَرِّف بن طَريف، ومحمد بن قيس الأسديّ، وغيرهم.\nورَوَى عنه أبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وخالد بن مخلد، وإسماعيل بن الخليل،\n_________\n(١) هكذا في \"تهذيب التهذيب\"، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن له عند مسلم (١٨٥) حديثًا.","vol":"1","page":489},{"text":"وبشر بن آدم، وزكرياء بن عديّ، وعبد الله بن عامر بن زُرَارة، وأبو هَمّام السَّكُوني، وسهل ابن عثمان، وسُوَيد بن سعيد، وعلي بن حجر، وهناد بن السريّ، وآخرون.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هو أحب إليك، أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مُسهر، فقلت: ابن مسهر، أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مسهر، قلت: ابن مسهر، أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال ابن نمير: كان قد دفن كتبه، قال يحيى: وهو أثبت من ابن نمير. وقال العجلي: قرشي من أنفسهم، كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة، وقال أيضا: صاحب سنة، ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة تسع وثمانين ومائة. وعن يحيى بن معين: أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدس القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبا، فكحله فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العقيلي: قال أبو عبد الله -يعني أحمد- لَمّا سئل عنه: لا أدري كيف أقول، قال: كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. وقال في \"التقريب\": ثقة، له غرائب بعدما أضرّ، من الثامنة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٣) أحاديث.\n٣ - (محمد بن قيس) الأسدي الوالبيُّ -بالباء الموحّدة- من أنفسهم، أبو نصر، ويقال: أبو قُدَامة، ويقال: أبو الحكم الكوفي.\nرَوَى عن الشعبي، ومُحارب بن دِثَار، وأبي عون الثقفيّ، وحميد الطويل، وزياد ابن علاقة، وعلي بن ربيعة الوالبي، والحكم بن عتيبة، وعطاء بن السائب، وأبي الهند الهمداني، وغيرهم.\nورَوَى عنه حفيده وهب بن إسماعيل بن محمد بن قيس، والثوري، وشعبة، وعليّ ابن مسهر، وحفص بن غياث، ويحيى بن سعيد الأموي، ووكيع، وأبو نعيم، وآخرون.\nقال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرين حديثا. وقال أبو طالب عن أحمد: كان وكيع إذا حدثنا عنه قال: وكان من الثقات. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة لا يُشَكّ فيه، ووكيع أروى الناس عنه، قال: ورأى رجل ابن مهدي يُسرع، فقال: إلى أين؟ قال: إلى وكيع، يحدث عن محمد بن قيس أحاديث حسانا. وقال ابن معين، وعلي بن المديني، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله تعالى-. وقال ابن عديّ -بعد أن نقل قول ابن معين: ليس بشيء-: هو عندي لا بأس به. وذكره ابن حبان في","vol":"1","page":490},{"text":"\"الثقات\"، وقال: كان من الْمُتْقِنين. وقال في \"التقريب\": ثقة، من كبار السابعة.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم ١٥٤٩: \"من نِيحَ عليه فإنه يُعَذَّب ... \" الحديث. والباقون تقدّموا في السند الماضي.\nوقوله: \"بمثله\" يعني أن رواية محمد بن قيس مثل رواية سعيد بن عُبيد الطائيّ التي تقدّمت قبله.\nوقوله: \"ولم يذكر الخ\" الضمير الفاعل يعود على محمد بن بن قيس، يعني أنه لم يذكر في روايته قوله: \"إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد\"، بل اقتصر على قوله: \"من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار\" .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>(مسائل): تشتدّ الحاجة إلى معرفتها، ولا سيّما لمن يعتني بـ \"صحيح مسلم</span>\":\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>(المسألة الأولى): في الفرق بين قول المحدث: \"مثله\"، وقوله: \"نحوه</span>\":\nقال الحافظ، أبو عبد الله الحاكم رحمهُ اللهُ تعالى: إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرّق بين \"مثله\"، و\"نحوه\"، فلا يحلّ أن يقول: \"مثله\" إلا إذا علم أنهما اتّفقا في اللفظ، ويحلّ أن يقول: \"نحوه\" إذا كان بمعناه. ذكره في \"التدريب\" (١)، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الحديث\" بقوله:\nالْحَاكِمُ اخْصُصْ \"نَحْوَه\" بِالْمَعْنَى ... ومِثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا (٢)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>(المسألة الثانية): في بيان حكم ما إذا أورد الشيخ الحديث بإسنادين، فأكثر، وكان المتن مع السند الأول، وأحال ما بعده عليه، وقال: \"مثله\"، أو \"نحوه\"، كما فعل المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا:</span>\n(اعلم): أنه إذا رَوَى الشيخ الحديث بإسناد، ثم أتبعه إسنادا آخر، وقال عند انتهاء الإسناد: \"مثله\"، أو \"نحوه\"، فأراد السامع أن يروي المتن بالإسناد الثاني، مقتصرا عليه، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وقال سفيان الثوريّ: يجوز بشرط أن يكون الشيخ المحدث ضابطا متحفظا، مميزا بين الألفاظ، وقال يحيى بن معين: يجوز ذلك في قوله: \"مثله\"، ولا يجوز في \"نحوه\"، قال الخطيب البغداديّ: الذي قاله ابن\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" ٢/ ١٢٠.\n(٢) أي فرقٌ سنّه العلماء، وفي نسخة: \"فَرْقٌ يُعْنَى\" أي يُقصَد.","vol":"1","page":491},{"text":"معين بناءٌ على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق، وكان جماعة من العلماء يحتاطون في مثل هذا، فإذا أرادوا رواية مثل هذا، أورد أحدهم الإسناد الثاني، ثم يقول: مثل حديث قبله، متنُهُ كذا، ثم يسوقه، واختار الخطيب هذا، ولا شك في حسنه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في مقدّمة \"شرحه\" لهذا الكتاب (١)، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"الألفية\" المذكورة، بقوله:\nوَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ ... جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٌ لَمْ يُعَدْ\nبَلْ قَالَ فِيهِ \"نَحْوَه\" أَوْ \"مِثْلَهُ\" ... لَا تَرْوِ بَالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ\nوَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ ... ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لَا فِي \"نَحْوِهِ\nوَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلُ خَبَرِ ... قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا فَلْيَذْكُرِ (٢)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>(المسألة الثالثة): في بيان حكم ما إذا اختصر الشيخ الحديث بذكر طرف منه، ثم قال: \"وذكر الحديث\"، أو نحوه:</span>\n(اعلم): أنه إذا ذكر الإسناد، وطرفا من المتن، ثم قال: \"وذكر الحديث\"، أو قال: \"واقتص الحديث\"، أو قال: \"الحديث\"، أو ما أشبهه، فأراد السامع أن يروي عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على ما ذكره الشيخ، ثم يقول: والحديث بطوله كذا، ويسوقه إلى آخره، فإن أراد أن يرويه مطلقا، ولا يفعل ما ذكرناه، فهو أولى بالمنع مما سبق في \"مثله\"، و\"نحوه\"، وممن نَصّ على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيّ الشافعيّ، وأجازه أبو بكر الإسماعيليّ بشرط أن يكون السامع والمسمِع عارفين ذلك الحديث. ذكره النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\" (٣). وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى بقوله:\nوَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ ... \"وَذَكَرَ الْحَدِيثَ\" أَوْ \"بِطُولِهِ\"\nفَلَا تُتِمَّهُ وَقِيلَ جَازَا ... إِنْ يَعْرِفَا وَقِيلَ إِنْ أَجَازَا\nوَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ \"قَالَ وَذَكَرْ ... حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا\" وَائْتِ الْخَبَرْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٣٧.\n(٢) قبل هذا البيت البيت الذي تقدّم \"الحاكم اخصص الخ\"، أسقطته لتقدّمه، ولأن الأولى كان أن يذكره بعد هذا، فليُتأمّل.\n(٣) \"مقدّمة شرح صحيح مسلم\" ١/ ٣٧.","vol":"1","page":492},{"text":"﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n٣ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧ - وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"كَفَى بالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بكلِّ مَا سَمِعَ\").\nرجال هذا الإسناد: سبعة:\n١ - (عُبيد الله بن معاذ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ الحافظ.\nرَوَى عن أبيه، وأخيه المثنى، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان، وبشر بن المفضل، وخالد بن الحارث، ووكيع، وغيرهم.\nورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن أحمد غير منسوب، وحماد بن حميد عنه، وروى له النسائي بواسطة زكريا السِّجْزي، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن عبيد الله الكزبري، وأبو بكر المروزي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحرب الكرماني، وآخرون.\nقال أبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: كان يحفظ، وكان فصيحا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن قانع: هو ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابن أبي سمينة، وشَبَاب، وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، ليسوا بشيء، ومثنى بن معاذ لا بأس به.\nقال البخاري، وموسى بن هارون: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وقال ابن أخيه معاذ بن المثنى: مات سنة (٣٨)، وكذا أرّخه ابن قانع.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ من العاشرة.\nأخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وابن ماجه، رَوَى عنه البخاري سبعة أحاديث، ورَوَى في مواضع عن غير واحد عنه، ورَوَى عنه مسلم مائة وسبعة وستين حديثا (١).\n_________\n(١) هكذا قال في \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\"، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن مسلمًا روى عنه (١٧٤) حديثًا، ويمكن أن يكون الاختلاف بحسب المكررات.","vol":"1","page":493},{"text":"٢ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش العنبريّ، أبو المثنى التميمي الحافظ البصريّ القاضي.\nرَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وابن عون، وأبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، وبهز بن حكيم، وعاصم بن محمد بن زيد، وعمران بن حُدير، وعوف الأعرابي، وفرج بن فَضَالة وقره بن خالد، وكهمس بن الحسن، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وورقاء بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وغيرهم.\nورَوَى عنه ابناه: عبيد الله، والمثنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان، ابنا أبي شيبة، والحكم بن موسى، وعمرو بن علي، وقتيبة، وبندار، وأبو موسى، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وعبد الوهاب بن الحكم الوراق، وعمرو بن زُرارة، وأبو غسان المسمعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وسعد بن نصر، وآخرون.\nقال المروزي عن أحمد: معاذ بن معاذ قرة عين في الحديث، وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أفضل من حسين الجعفي، وسعيد بن عامر، وما رأيت أحدا أعقل من معاذ بن معاذ. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أزهر السمان كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: فمعاذ بن معاذ؟ قال: ثقة، قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ قال: ثقتان، قلت: فمعاذ أثبت في شعبة أو غندر؟ قال: ثقة وثقة. وقال نِفْطَويه: كان من الأثبات في الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال عمرو بن علي عن يحيى القطان: طلبت الحديث مع رجلين: خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط، فكتبا شيئا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس، قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث، فيستثنيهما، وقال أيضا: سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة، ولا بالكوفة، ولا بالحجاز، أثبت من معاذ بن معاذ. وقال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أن أحدا قدم بغداد، إلا وقد تُعُلّق عليه في شيء من الحديث، إلا معاذًا العنبري، فإنه ما قَدَروا أن يتعلقوا عليه في شيء، مع شغله بالقضاء. وقال ابن سعد: كان ثقة، ولي قضاء البصرة لهارون، ثم عُزِل، وتوفي في ربيع الآخر. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان فقيها عالما متقنا.\nقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت في سنة عشرين ومائة","vol":"1","page":494},{"text":"في أولها، ووُلد معاذ في سنة تسع عشرة في آخرها، كان أكبر مني بشهرين. وقال ابنه عبيد الله بن معاذ وغيره: مات سنة ست وتسعين ومائة. وقال ابن أبي خيثمة: مات معاذ بن نصر، وابنه معاذ مولود سنة تسع عشرة، ومات لليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست.\nوقال في \"التقريب\": ثقة متقنٌ، من كبار التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧٣) حديثًا.\n٣ - (محمد بن المثنّى) المترجم أول الباب.\n٤ - (عبد الرحمن بن مهديّ) المتقدّم ترجمته عند ذكر أئمة الحديث.\n٥ - (شعبة) بن الحجّاج المترجم عند ذكر أئمة الحديث أيضًا.\n٦ - (خبيب بن عبد الرحمن) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الحارث المدنيّ الثقة.\nرَوَى عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وعبد الله بن معن المدني، وعن أبيه، وعمته أنيسة.\nورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومنصور بن زاذان، وشعبة، وعمارة بن غَزِيّة، وعبد الله، وعبيد الله ابنا عمر بن حفص بن عاصم، وغيرهم.\nقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الواقدي: مات في زمن مروان بن محمد. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة (١٣٢). وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من الرابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.\n[تنبيه]: ليس في \"الصحيحين\" من يُسمّى خُبيبًا إلا ثلاثة، هذا، وخبيب بن عديّ، وأبو خُبَيب كنية عبد الله بن الزبير -﵄- (١). والله تعالى أعلم.\n٧ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمريّ.\nرَوَى عن أبيه، وعمه، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مالك بن بُحَينة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي سعيد بن الْمُعَلَّى.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" للنوويّ رحمه الله تعالى ١/ ٧٢.","vol":"1","page":495},{"text":"ورَوَى عنه حبيب بن عبد الرحمن، وسعد بن إبراهيم، وعمر بن محمد بن زيد، والزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وهما من أقرانه، وبنوه (١): عُمر، وعيسى، ورَباح.\nقال النسائي: ثقة. وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال أبو زرعة، والعجلي: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة.\nوقال في \"القريب\": ثقة، من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة عشر حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير خبيب، وحفص، فمدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>شرح الحديث:</span>\n(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) العمريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) هكذا هذا الطريق مرسلٌ، ليس فيه ذكر أبي هريرة -﵁- وهذا هو الصواب، وقد وقع في نسخة شرح القاضي عياض، والنوويّ، والنسخة التركيّة، ومختصر القرطبيّ متّصلًا بذكر أبي هريرة، وهو غلط (٢).\nقال المازريّ رحمهُ اللهُ تعالى: رواه شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم \"أن رسول الله -ﷺ- ... \" فأتى به مرسلًا، لم يذكر فيه أبا هريرة، هكذا رُوي من حديث معاذ بن معاذ، وغندر، وعبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة. وفي نسخة أبي العبّاس الرازيّ وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة مسندًا، ولا يثبتُ هذا. وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق عليّ بن حفص المدائنيّ، عن شعبة. قال عليّ بن عمر الدارقطنيّ: والصواب مرسلٌ عن شعبة، كما\n_________\n(١) قوله: \"بنوه\" بصيغة الجمع فيه نظر، فإن رباحًا لقب لابنه هو عيسى، كما صرح به المزّيّ في ترجمته، فالصواب: \"وابناه\" بالتثنية، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\n(٢) ومن الغريب أنه وقع في \"تحفة الأشراف\" ٩/ ٣٢٤ مرسلًا على الصواب، فألحق المحقّق لفظ: \"عن أبي هريرة\" بين قوسين، وإنما فعل ذلك اعتمادًا على ما وقع في بعض النسخ التي ألحقته، وهو غلط، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":496},{"text":"رواه معاذ، وغندرٌ، وابن مهديّ. انتهى كلام المازريّ (١).\nوقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: في \"المفهم\". هكذا وقع عند كافّة رواة كتاب مسلم -يعني مرسلًا- ووقع عند أبي العبّاس الرازيّ وحده في هذا الإسناد \"عن أبي هريرة\"، فأسنده. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن الأكثرين من رواة كتاب مسلم في هذا الطريق على الإرسال، وهو الصواب، وأما الوصل، ففي الرواية التالية، وبهذا تعلم أن ما ردّ به الألبانيّ على أبي داود رحمه الله تعالى قوله: إن علي بن حفص تفرد به، محتجّا برواية مسلم هذه مبنيّ على النسخ التي وقع فيها ذكر أبي هريرة غلطًا، وأما على نسخ الإرسال، وهي الصواب، فما قاله أبو داود هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهّوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: الباء زائدة هنا على المفعول، وفاعل \"كفى\" \"أن يُحدّث\"، وقد تزاد هذه الباء على فاعل \"كفى\"، كقول الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]. و\"كذبًا\"، و\"شهيدًا\" منصوبان على التمييز. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة الباء في فاعل \"كفى\" هو الغالب، وأما زيادتها في مفعوله فقليل، كهذا الحديث، وكقول الشاعر:\nفَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرُنَا ... حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا (٣).\nقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: معنى الحديث أن من حدّث بكل ما سمع حصل له الحظّ الكافي من الكذب، فإن الإنسان يسمع الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدّث بكلّ ذلك حدّث بالسقيم وبالكذب، ثمّ يُحمَل عنه، فيكذب في نفسه، أو يُكذّب بسببه، ولهذا أشار مالك بقوله: \"ليس يَسلَم رجلٌ حدّث بكلّ ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا\". أي إذا وُجد الكذب في روايته لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحًا فيه فلا يصلح ليقتدي به أحدٌ -ولو كان عالمًا- فلو بيّن الصحيح والسقيم، والصادق من الكذب، سلم من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يَجب عليه من النصيحة الدينيّة. انتهى (٤).\n_________\n(١) انظر \"إكمال المعلم\" للقاضي عياض ١/ ١١٤.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١١٧.\n(٣) راجع \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" ١/ ١٠٦ - ١٠٩.\n(٤) \"المفهم\" ١/ ١١٧.","vol":"1","page":497},{"text":"وقال القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى: معناه أن من حدّث بكلّ ما سمع، وفيه الحقّ والباطل، والصدق والكذب، نُقل عنه هو أيضًا ما حدّث به من ذلك، فكان من جملة من يروي الكذب، وصار كاذبًا لروايته إياه، وإن لم يتعمّده، ولا عَرَف أنه كذب.\nوهو أقوى في الحجة للأشعريّة في أنه لا يُشترط في الكذب العمد من دليل خطاب الحديث المتقدّم. وأما الحديث الآخر الذي ذكره مسلم أول الفصل من حديث سمرة والمغيرة ﵄: \"من حدّث عنّي حديثًا يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين\"، فبَيِّنُ المعنى؛ لأنه محدِّثٌ عنه -ﷺ- بما يقطع، أو يَغلب على ظنّه بطلانه، والمحدث بمثل هذا عنه مفترٍ عليه، وكمتعمّد الكذب عليه، مرتكبٌ لما نهى عنه، فهو أحد الكاذبين.\nقال أبو جعفر الطحاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: هو داخلٌ في وعيد الحديث فيمن كذب على النبيّ -ﷺ-. انتهى (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>مسائل تتعلّق بهذا الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nأخرجه المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا ١/ ٥ و٦ بالأسانيد المذكورة، وأخرجه أبو داود في \"سننه\" رقم (٤٩٩٢) عن حفص بن عمر، عن شعبة -وعن محمد بن الحسين، عن عليّ بن حفص، عن شعبة- عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة -﵁- والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ١١٢، وقال: صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>(المسألة الثانية) في بيان اختلاف إسناد هذا الحديث بالوصل والإرسال:</span>\nاعلم: أنّ المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى أخرج هذا الحديث هنا من طريق معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ، كلاهما عن شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، فإن حفصا تابعيّ، كما سبق في ترجمته، وأخرجه في الرواية التالية: من طريق علي بن حفص، عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- موصولًا.\nقال الدارقطنيّ رحمهُ اللهُ تعالى: الصواب المرسل عن شعبة، كما رواه معاذ، وابن مهديّ، وغندر.\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١١٤ - ١١٥.","vol":"1","page":498},{"text":"قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وقد رواه أبو داود في \"سننه\" أيضا مرسلا ومتصلًا، فرواه مرسلا عن حفص بن عمر النَّمَريّ، عن شعبة، ورواه متصلا من رواية عليّ بن حفص، وإذا ثبت أنه رُوي متصلا ومرسلًا، فالعمل على أنه متصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، وجماعة من أهل الحديث، ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلًا، فإن الوصل زيادة من ثقة، وهي مقبولة. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن صنيع المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى يوافق ما رجحه النووي من ترجيح الوصل على الإرسال، حيث أورد الحديث مورد الاحتجاج، وأيّده بأثر عمر، وابن مسعود ﵄.\nلكن الذي يظهر لي أن ما قاله الدارقطنيّ رحمهُ اللهُ تعالى هو الأرجح؛ لأن علي بن حفص ليس ممن يُعتمد على حفظه، وقد قال عنه أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به انتهى. ولا سيّما مع هذه المخالفة لهؤلاء الأثبات: معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وغندر، وكلهم من أهل الحفظ والإتقان، وممن له اختصاص بشعبة، ومذهب المحقّقين من أهل الحديث، كأحمد، والبخاريّ، والترمذيّ، وغيرهم، أنه لا بدّ من كون المخالف ممن يُعتمد على حفظه حتى تُقبل زيادته، بل زاد بعضهم أن يتابع، وقد استوفيت البحث في مسألة زيادة الثقة عند ذكر المصنّف لها حيث يقول: ...... لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا ... الى آخر كلامه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.\n[تنبيه]: قال الإمام أبو داود رحمهُ اللهُ تعالى بعد إخراج الحديث من طريق عليّ بن حفص-: ما نصّه: لم يسنده إلا هذا الشيخ -يعني علي بن حفص المدائني-.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعليّ بن حفص المدائنيّ ثقة، ووافقه الذهبيّ.\nوتعقّب الألبانيّ (٢) كلام أبي داود رحمه الله تعالى المذكور، بأنه بالنسبة لما وقف عليه هو من الطرق، وإلا فالطريقان الآخران -يعني طريقي معاذ، وابن مهدي- عند مسلم- يردّان عليه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظر لا يخفى؛ لأنه مبنيّ على النسخ التي فيها الخطأ بزيادة أبي هريرة، كما قدّمنا، فالصواب أن الطريقين الآخرين\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٧٢.\n(٢) راجع ما كتبه في \"السلسلة الصحيحة\" ٥/ ٣٨/ ٤٠ رقم ٢٠٢٥.","vol":"1","page":499},{"text":"اللذين احتج بهما الألباني، وهما طريق معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ ليس فيهما ذكر \"أبي هريرة\"، بل الحديث مرسلٌ، فما قاله أبو داود رحمهُ اللهُ تعالى من تفرّد عليّ بن حفص بالوصل هو الحقّ، وهو أيضًا مقتضى كلام الحاكم المذكور آنفًا. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>(المسألة الثالثة): في فوائده:</span>\n(منها): الزجر عن التحديث بكّل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع، فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن. (ومنها): أن التوقّي، والتحفّظ عن التكلّم بكلّ ما عند الإنسان من علامة الصالحين المطيعين. (ومنها): أن الورع يكون من القول كما يكون من الفعل، بل هو أشدّ؛ لما أخرجه أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، وابن ماجه، من حديث معاذ -﵁- الطويل، مرفوعًا، وفيه: \"ألا أخبرك بِمِلاك ذلك كله؟ \" قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه، قال: \"كف عليك هذا\"، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: \"ثَكِلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم\"، أو \"على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم\". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨ - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِ ذَلِكَ).\nرجال هذا الإسناد: ستة:\n١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد، تقدّم في ١/ ٢.\n٢ - (عليّ بن حفص) أبو الحسن المدائنيّ، نزيل بغداد.\nرَوَى عن حريز بن عثمان، وعكرمة بن عمار، وإبراهيم بن عبد الله بن الحارث ابن حاطب الجمحي، والثوري، وشعبة، وورقاء بن عمر، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وسليمان بن المغيرة، وأبي معشر المدني، وغيرهم.\nورَوَى عنه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، ومحمد بن الحسين بن إشكاب، ومحمد بن عبد الله بن أبي الثلج، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن عبيد الله ابن المنادي، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد ابن إسماعيل ابن علية، وآخرون.\nقال الْمَرُّوذي، عن أحمد: علي بن حفص أحب إلي من شبابة. وقال ابن المنادي: ثنا علي أبو بكر بن حفص، وكان أحمد يحبه حبا شديدا. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: شبابة، وعلي بن حفص ثقتان. وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال ابن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو","vol":"1","page":500},{"text":"داود: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ من التاسعة.\nتفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و(٩٨٣) حديث: \"ما يَنقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا ... \" الحديث، و(٢٢٤٧) حديث. \"لا يقولنّ أحدكم الكرم ... \" الحديث.\n٣ - (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير -﵁- تقدّم في ١/ ٤ والباقون تقدّموا في السند الماضي.\nوقوله: \"بمثل ذلك\" الإشارة إلى الحديث السابق، يعني أن رواية عليّ بن حفص مثل رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهديّ، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في شرح حديث المغيرة بن شعبة -﵁- أن \"مثل\" تقال إذا اتّحد لفظه، بخلاف \"نحو\"، فإنها تقال إذا كان بمعناه، وتقدّم الخلاف أيضًا في كيفيّة الرواية لمن سمع هكذا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩ - (وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْن الْخَطَّاب ﵁: \"بِحَسْب الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (يحيى بن يحيى) بُكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميميّ الحنظلي، أبو زكريّا النيسابوريّ، الحافظ أحد الأعلام.\nرَوَى عن مالك، وسليمان بن بلال، والحمادين، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، وأبي الأحوص، وأبي قُدامة الحارث بن عبيد، وجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن عياش، وحفص بن غياث، ومعاوية بن عمار الذُهني، ومعاوية بن سلام الحبشي، ومحمد بن مسلم الطائفي، ويوسف بن يعقوب الماجشون، وأبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، وإبراهيم بن سعد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبيد الله بن إياد بن لَقِيط، والليث بن سعد، وابن فضيل، وخلق كثير.\nورَوَى عنه البخاري، ومسلم، ورَوَى الترمذي عن مسلم عنه، ورَوَى النسائي عن عبيد الله بن فَضَالة، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي عنه، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر،","vol":"1","page":501},{"text":"وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأحمد بن يوسف السُّلَمِي، وأحمد بن سلمة النيسابوري، والفضل بن يعقوب الرُّخَامي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وأبو أحمد الفراء، ويعقوب بن سفيان، ويحيى بن محمد بن يحيى الذهلي، وآخرون.\nقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان ثقة وزيادة، وأثنى عليه خيرًا. وقال أبو داود عن أحمد: خرج من خراسان رجلان: ابن المبارك، ويحيى بن يحيى. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه، قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهدي، قال: ومات يوم مات، وهو إمام لأهل الدنيا. وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، قلنا: ريحانة أهل خراسان، عن ريحانة أهل العراق. وقال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى ابن يحيى أصله من مرو، وهو من بني تميم من أنفسهم، وكان ثقة، يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار: يحيى بن يحيى من موالي بني مِنْقَر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خيرًا، فاضلًا صائنًا لنفسه. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مرة أخرى: ثقة مأمون. مات في آخر صفر سنة ست وعشرين ومائتين. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا ونسكًا وإتقانًا. وقال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي، سمعت أبا الطيب المكفوف يقول: وُلد يحيى بن يحيى سنة اثنتين وأربعين ومائة، قال: وسألت أبا أحمد الفراء عن وفاته؟ فقال: ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول. قال الحاكم: وكل من خالف هذا القول يخطئ، والمكتوب على اللوح في قبره خطأ، قرأت في اللوح أنه مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال محمد بن موسى الباشاني: مات سنة خمس، وكلا القولين خطأ. وقال الفراء: أخبرني زكريا بن يحيى ابن يحيى قال: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوبا واحدا منه، ورَدّ الباقي.\nوطول الحاكم ترجمته في \"تاريخه\"، وقسم الرواة عنه إلى خمس طبقات، ومن آخرهم داود بن الحسين البيهقي، وإبراهيم بن علي الذهلي، ورَوَى فيها عن أحمد بن حنبل قال: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إماما؟ قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه. وعن الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله يحيى بن يحيى، فقال: بخ بخ بخ، ثم ذكر قتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلا أن يحيى شيء آخر، وقَدَّمه عليه. وقال الفراء: قال أحمد: قراءة يحيى بن يحيى على مالك أحب إلي من سماع","vol":"1","page":502},{"text":"غيره. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله تعالى، قال يحيى: وما رأيت مُحَدّثا أورع منه، ولا أحسن بيانا. وقال الحسين بن منصور: سمعت عبد الله بن طاهر يقول: شَكُّ يحيى بن يحيى عندنا بَيِّنٌ. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إمامًا وقدوةً ونورًا وضوءًا للإسلام. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قرأ عليه إسحاق بن إبراهيم عن مشايخه أحاديث، ثم انتهى إلى حديث يحيى بن يحيى، فقال: ثنا يحيى بن يحيى، وهو من أوثق من أُحَدِّثكم اليوم عنه، وقال: سمعت الذهلي يقول: لو شئت لقلت: هو أَبْيَنُ المحدثين في الصدق، وكان ثبتًا. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت عامة مشايخنا يقولون: لو أن رجلا جاء إلى يحيى بن يحيى عامدًا، ليتعلم من شمائله، كان ينبغي له أن يفعل. وقال المستملي: قال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح، إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن نصر المروزي، وقيل له: من أدركت من المشايخ على سنن النبي -ﷺ-؟ فقال له: ما أدركت أحدًا إلا أن يكون يحيى بن يحيى. وقال بشر بن الحكم النيسابوري: حَزَرْنا في جنازة يحيى بن يحيى مائة ألف إنسان. وقال الحاكم: سمعت أبا علي النيسابوري يقول: كنت في غم شديد، فرأيت النبي -ﷺ- في المنام، كأنه يقول لي: سِرْ إلى قبر يحيى بن يحيى، واستغفر، وسل تقض حاجتك، فأصبحت، ففعلت ذلك، فقضيت حاجتي (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ إمامٌ، من العاشرة.\nأخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٦٩٢) حديثًا.\n٢ - (هشيم) -بالتصغير- ابن بَشير -بالفتح بوزن عَظِيم- ابن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ، قيل: إنه بخاري الأصل الحافظ.\nرَوَى عن أبيه، وخاله القاسم بن مِهْران، وعبد الملك بن عُمير، ويعلى بن عطاء، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعاصم الأحول، وحصين بن عبد الرحمن، وحميد الطويل، وسيار أبي الحكم، وخالد الحذاء، والأعمش، وخلق كثير.\n_________\n(١) هذا ليس فيه أنه توسل بالقبر، ولا دعا صاحبه، وإنما هو مجرّد استغفار للميت، ولنفسه، ثم سؤال الله تعالى أن يقضي حاجته، ومثل هذا لا يتنافى مع الزيارة المشروعة، وأيضًا إن هذا من الرؤيا المناميّة التي لا يتعلّق بها تشريعٌ جديد، فإذا كان فيه ما يُنافي الشرع، وجب تركه، وعدم الالتفات إليه؛ لأن الشرع مكتمل لا يحتاج إلى تشريع مناميّ، فليُتنبّه.","vol":"1","page":503},{"text":"ورَوَى عنه مالك بن أنس، وشعبة، والثوري، وهم أكبر منه، وابنه سعيد بن هشيم، وابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، ومُعَلَّى بن منصور، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وإسحاق، ومحمد ابنا عيسى بن الطباع، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن سليمان الواسطي، وسريج بن يونس، وسعيد بن منصور، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عوف، وآخرون.\nقال الفضل بن زياد: سألت أحمد أين كَتَبَ هشيم عن الزهري؟ قال: بمكة. وقال عمرو بن عون عن هشيم: سمعت من الزهري نحوًا من مائة حديث، فلم أكتبها. وقال الحسين بن محمد بن فهم: أخبرني الهروي أن هشيما كَتَبَ عن الزهري صحيفة بمكة، فجاءت الريح، فحملت الصحيفة، فطرحتها، فلم يجدوها، وحفظ هُشيم منها تسعة. وقال أبو القاسم البغوي عن يحيى بن أيوب المقابري: سمعت أبا عبيدة الحداد يقول: قدم علينا هشيم البصرة، فذكرنا لشعبة، فقال: إن حدثكم عن ابن عباس وابن عمر، فصدّقوه. وقال علي بن معبد الرَّقّيّ: جاء رجل من أهل العراق، فذاكر مالكا بحديث، فقال: وهل بالعراق أحد يُحسن الحديث إلا ذاك الواسطي -يعني هشيما-. وقال عمرو بن عوف: سمعت حماد بن زيد يقول: ما رأيت في المحدثين أنبل من هشيم. وقال إسحاق الزيادي: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقال: اسمعوا من هشيم، فنعم الرجل هشيم. وقال محمد بن عيسى بن الطباع: قال عبد الرحمن بن مهدي: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري، قال: وسمعت وكيعا يقول: نَحُّوا عنّي هشيما، وهاتوا من شئتم -يعني في المذاكرة-. وقال الحارث بن سُرَيج البقال: سمعت يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: هشيم في حصين أثبت من سفيان وشعبة. وفي رواية عن ابن مهدي: هشيم أثبت منهما، إلا أن يجتمعا. وقال أبو داود: قال أحمد: ليس أحد أصح حديثا عن حصين من هشيم. وقال علي بن حجر: هشيم في أبي بشر مثل ابن عيينة في الزهري. وقال عنبسة بن سعد الرازي عن ابن المبارك: مَنْ غَيَّرَ الدهرُ حفظه، فلم يغير حفظ هشيم. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: حفظ هشيم أثبت عندي من حفظ أبي عوانة، وكتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم. وقال عمار: إذا اختلف أبو عوانة وهشيم، فالقول قول هشيم، لم يُعَدَّ عليه خطأٌ. وقال العجليّ: هُشيم واسطي ثقة، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن هشيم ويزيد بن هارون؟ فقال: هشيم أحفظهما، قال: وسألت أبي عن هشيم؟ فقال: ثقة، وهو أحفظ من أبي عوانة، قال: وسئل أبو زرعة عن هشيم وجرير؟ فقال: هشيم أحفظ. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ثبتا يدلس كثيرا، فما قال في حديثه: أنا فهو حجة، وما لم يَقُل فليس بشيء. وقال ابن إسحاق الجلّاب عن إبراهيم","vol":"1","page":504},{"text":"الحربي: كان حفاظ الحديث أربعة: هشيم شيخهم، يحفظ هذه الأحاديث المقاطيع -يعني المقطوعة- حفظا عَجَبًا. وقال الحربي: كان يحدث بالمعنى. وقال محمد بن حاتم المؤدب. قيل لهشيم: كم تحفظ؟ قال: كنت أحفظ في اليوم مائة، ولو سُئلتُ عنها بعد شهر لأجبت. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من هشيم إلا الثوري. وقال عثمان بن أبي شيبة: ما رأيت يزيد يثني على أحد ما يثني على هشيم. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أروى الناس عن يونس؟ فقال: هشيم، وكان بعض الناس يقول: وهيب، فبلغني عن هشيم أنه قال: كان وهيب يحضر مسألتي عند يونس، قال أحمد: وكان هشيم كثير التسبيح، ولازمته أربعا أو خمسا، ما سألته عن شيء هيبة له إلا مرتين. وقال الحسين بن الحسن الروميّ: ما رأيت أحدا أكثر ذكر الله ﷿ من هشيم. قال معروف الكرخي: رأيت النبي -ﷺ- في المنام، وهو يقول لهشيم: يا هشيم جزاك الله تعالى عن أمتي خيرًا. وقال أبو حاتم: لا يُسأل عن هشيم في صلاحه وصدقه وأمانته. وقال عبد الرزاق عن ابن المبارك: قلت لهشيم: لم تُدَلِّس وأنت كثير الحديث؟ فقال: كبيراك قد دلسا، الأعمش وسفيان. وذكر الحاكم أن أصحاب هشيم اتفقوا على أن لا يأخذوا عنه تدليسا، فَفَطِنَ لذلك، فجعل يقول في كل حديث يذكره: ثنا حصين ومغيرة، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم؟ قالوا: لا، قال: لم أسمع من مغيرة مما ذكرت حرفا، إنما قلت حدثني حصين، وهو مسموع لي، وأما مغيرة فغير مسموع لي. وقال الخليليّ: حافظ متقن، تغير بآخر موته، أقل الرواية عن الزهري، ضاعت صحيفته، وقيل: إنه ذاكر شعبة بحديث الزهري، ولم يكن شعبة كتب عن الزهري، فأخذ شعبة الصحيفة، فألقاها في دجلة، فكان هشيم يروي عن الزهري من حفظه، وكان يدلس. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان مدلسا. وقال أبو داود. قيل ليحيى بن معين في تساهل هشيم، فقال: ما أدراه ما يخرج من رأسه. قال: وبلغني عن أحمد قال: كان ابن علية أعلم بالفقه من هشيم. وقال نصر بن حماد: سألت هشيما متى ولدت؟ قال: في سنة أربع ومائة. وقال ابن سعد: أخبرني ابنه سعيد أنه وُلد في سنة خمس، وقال ابن سعد: ومات في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائة، وفيها أرخه غير واحد.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ، من السابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٨٧) حديثًا.\n٣ - (سليمان التيمي) بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ولم يكن من بني تيم، وإنما نزل فيهم، فنُسب إليهم.\nرَوَى عن أنس بن مالك -﵁-، وطاووس، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي عثمان","vol":"1","page":505},{"text":"النهدي، وأبي نضرة العبدي، وأبي عثمان، وليس بالنهدي، ونعيم بن أبي هند، وأبي السليل ضُرَيب بن نُقَير، وأبي المنهال سيار بن سلامة، والحسن البصري، وثابت البناني، وأبي مِجْلَز، وأبي بكر بن أبي أنس بن مالك -﵁-، وبكر بن عبد الله المزني، وخالد الأشج، والأعمش، وهو من أقرانه، وغيرهم.\nوروى عنه ابنه معتمر، وشعبة، والسفيانان، وزائدة، وزهير، وحماد بن سلمة، وابن علية، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وإبراهيم بن سعد، وجرير، وحفص ابن غياث، وسُليم بن أخضر، وأبو زبيد عبثر بن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن أبي عدي، ومعاذ بن معاذ، وهشيم، والقطان، ويزيد بن هارون، ويوسف بن يعقوب الضبعي، ومروان بن معاوية، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم.\nقال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحدا أصدق من سليمان التيمي. وقال أبو بحر البكراوي عن شعبة: شَكُّ ابن عون، وسليمان التيمي يقين. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إلي من عاصم الأحول. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلا إلى علي بن أبي طالب. وقال الثوري: حفاظ البصرة ثلاثة، فذكره فيهم، وكذا ذكره فيهم ابن علية. وقال ابن المديني عن يحيى: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه. وقال محمد بن علي الوراق عن أحمد بن حنبل: كان يحيى بن سعيد يثني على التيمي، وكان عنده عن أنس أربعة عشر حديثا، ولم يكن يذكر أخباره، قال: ورأى أن أصل التيمي كان قد ضاع. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي سليمان أحب إليك في أبي عثمان، أو عاصم؟ قال: سليمان. قال سليمان التيمي: أتوني بصحيفة جابر، فلم أروها، فراحوا بها إلى الحسن فرواها، وراحوا بها إلى قتادة فرواها، حكاه القطان عنه. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من عباد أهل البصرة وصالحيهم، ثقة وإتقانا وحفظا وسنة. قال يحيى بن معين: كان يدلس. وفي \"تاريخ البخاري\" عن يحيى بن سعيد: ما روى عن الحسن، وابن سيرين صالح، إذا قال: سمعت، أو حدثنا. وقال يحيى بن سعيد: مرسلاته شِبْهُ لا شيء. وقال ابن المبارك في \"تاريخه\": التيمي، وابن عُلَيّة مشائخ أهل البصرة لم يسمعوا من أبي العالية. وقال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" عن أبي زرعة: لم يسمع عن عكرمة. قال: وقال أبي: لا أعلمه سمع من سعيد بن المسيب. وقال أبو غسان النهدي: لم يسمع من نافع، ولا من عطاء. وقال ابن سعد: تُوُفّي بالبصرة في ذي القعدة سنة","vol":"1","page":506},{"text":"ثلاث وأربعين ومائة. وقال ابنه معتمر: مات وهو ابن (٩٧) سنة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابد، من الرابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٩) حديثًا.\n٤ - (أبو عثمان النهدي) -بفتح النون، وسكون الواو- هو عبد الرحمن بن ملّ -بميم مثلّثة، ولام مشدّدة- ابن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نَهْد مشهور بكنيته، سكن الكوفة، ثم البصرة، وأدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله -ﷺ-، وصَدَّق إليه، ولم يلقه.\nرَوَى عن عمر، وعلي، وسعد، وسعيد، وطلحة، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وبلال، وحنظلة الكاتب، وزهير بن عمرو، وزيد ابن أرقم، وعمرو بن العاص، وأبي بكرة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي برزة الأسلمي، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي موسى الأشعري، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم.\nورَوَى عنه ثابت البناني، وقتادة، وعاصم الأحول، وسليمان التيمي، وأبو التياح، وعوف الأعرابي، وخالد الحذاء، وأيوب السختياني، وحميد الطويل، وأبو تميمة الْهُجَيمي، وعباس الجريري، وأبو نَعَامة عبد ربه السعدي، وعثمان بن غياث، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وجماعة.\nقال ابن المديني: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر، فسمع منه، ولم يسمع من أبي ذرّ، وقال: أدرك النبي -ﷺ-. وقال عبد القاهر بن السري عن أبيه عن جده: كان أبو عثمان من قضاعة، وأدرك النبي -ﷺ-، ولم يره، وسكن الكوفة، فلما قُتل الحسين تحوّل إلى البصرة، وحج ستين ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: أتت عليّ مائة وثلاثون سنة، وما مني شيء إلا وقد أنكرته، خلا أَمَلِي. وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليله قائما، ونهاره صائمًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان ثقة، وكان عَرِيف قومه. وقال أبو زرعة، والنسائي، وابن خِرَاش: ثقة.\nقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاثين ومائة. وقال ابن معين وغيره: مات سنة (١٠٠). وقال خليفة مات بعد سنة مائة، ويقال: بعد سنة (٩٥). وقال هشيم: بلغني أن أبا عثمان توفي، وهو ابن أربعين ومائة. وهو معدود فيمن عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتوفي أول قدوم الحجاج للعراق، وكذا أرّخه القرّاب، وزاد سنة (٧٥). قال ابن","vol":"1","page":507},{"text":"حبان في \"الثقات\": مات سنة (١٠٠). وقال الآجري عن أبي داود: أكبر تابعي أهل الكوفة أبو عثمان.\nوقال في \"التقريب\": مخضرم ثقة ثبتٌ عابد، من كبار الثانية.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٧) حديثًا.\n٥ - (عمر بن الخطاب) بن نفيل بن عبد العزي بن رِيَاح -بالتحتانية- ابن عبد الله ابن قرط بن رزاح -بمهملة، ومعجمة، وآخره مهملة- ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وأمه حَنْتَمَة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية، كذا قال ابن الزبير. وروى أبو نعيم من طريق ابن إسحاق أنها بنت هشام، أخت أبي جهل. جاء عنه أنه وُلد بعد الفجار الأعظم بأربع سنين، وذلك قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل بدون. وذكر خليفة بسند له أنه وُلد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. وكان إليه السفارة في الجاهلية. وكان عند المبعث شديدًا على المسلمين، ثم أسلم فكان إسلامه فتحا على المسلمين، وفرجا لهم من الضيق. قال عبد الله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر. وأخرج ابن أبي الدنيا بسند صحيح، عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان عمر طويلًا، جسيمًا، أصلع، أشعر، شديد الحمرة، كثير السَّبَلَة (١) في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خِفَّة. وروى يعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" بسند جيد إلى زِرّ بن حُبَيش قال: رأيت عمر أعسر أصلع آدم، قد فَرِعَ الناسَ، كأنه على دابة، قال: فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر، فقال: سمعنا أشياخنا يذكرون أن عمر كان أبيض، فلما كان عام الرَّمَادة، وهي سنة المجاعة، ترك أكل اللحم والسمن، وأدمن أكل الزيت حتى تغير لونه، وكان قد احمرّ، فشحب لونه. وروى الدينوري في \"المجالسة\" عن الأصمعي، عن شعبة، عن سماك: كان عمر أَرْوَح، كأنه راكب، والناس يمشون. قال: والأروح الذي يتدانى عقباه إذا مشى. وأخرج ابن سعد بسند جيد من طريق سماك بن حرب، أخبرني هلال بن عبد الله قال: رأيت عمر جسيمًا، كأنه من رجال بني سدوس. وبسند فيه الواقدي: كان عمر يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويجمع جراميزه (٢) ويَثِبُ على فرسه، فكأنما خُلق على ظهره. وأخرج يونس بن بُكير في زيادات المغازي، عن أبي عمر الجزار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب\"، فأصبح عمر، فغدا على رسول الله -ﷺ-. وأخرج أبو يعلى من طريق أبي\n_________\n(١) السَّبَلَة بالتحريك: الشارب، جمعه سِبال.\n(٢) يقال: ضمّ فلان إليه جراميزه: إذا رفع ما انتشر من ثيابه، ثم مضى. انتهى \"اللسان\".","vol":"1","page":508},{"text":"عامر العقدي، عن خارجة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: \"اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام \"، وكان أحبهما إلى الله عمر بن الخطاب. وأخرجه عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن خارجة بن عبد الله الأنصاري به. وأخرج ابن سعد بسند حسن، عن سعيد بن المسيب: كان رسول الله -ﷺ- إذا رأى عمر، أو أبا جهل قال: \"اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك\". وأخرج الدارقطني من رواية القاسم، عن عثمان، عن أنس رفعه: \"اللهم أعز الدين بعمر، أو بعمرو بن هشام ... \" في حديث طويل. وأخرج أحمد من رواية صفوان بن عمرو، عن شُريح بن عُبيد قال: قال عمر: خرجت أتَعَرَّض لرسول الله -ﷺ-، فوجدته سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، فقلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقّة: ٤٢] حتى ختم السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. وأخرج محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في \"تاريخه\" بسند فيه إسحاق بن أبي فروة، عن ابن عباس: أنه سأل عمر عن إسلامه، فذكر قصته بطولها، وفيها: أنه خرج ورسول الله -ﷺ- بينه وبين حمزة، وأصحابه الذين كانوا اختفوا في دار الأرقم، فعَلِمَت قريش أنه امتنع، فلم تصبهم كآبة مثلها، قال: فسماني رسول الله -ﷺ- يومئذ الفاروق. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح\" مسلم\" (٧٣) حديثا (١). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من خماسيات المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد المخضرمين، وهو أبو عثمان النهديّ، والمخضرم بفتح الراء: هو الذي أدرك الجاهليّة، وزمن النبيّ -ﷺ-، ولم يره، وأسلم، ولا صحبة، وإنما سُمّي بذلك؛ لأنه متردّد بين طبقتين: الصحابة والتابعين، ولا يُدرى من أيّتهما هو؟ من قولهم: لحم مخضرمٌ، لا يُدرى من ذكر هو أو أُنثى، وطعامٌ مخضرمٌ، ليس بحلو ولا مرّ. وحكى العسكريّ أن المخضرم من المعاني التي حدثت في الإسلام. انتهى. وإلى معنى المخضرم أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الحديث\"، حيث قال:\n_________\n(١) هذا ما في برنامج الحديث (صخر). وقال ابن الجوزيّ في \"المجتبى\": روى (٥٣٧) حديثًا، أخرج له في \"الصحيحين\" (٨١) حديثًا، المتفق عليه من ذلك (٢٦) وانفرد البخاريّ بـ (٣٤) ومسلم بـ (٢١).","vol":"1","page":509},{"text":"وَمِنْهُمُ الْمُخَضْرَمُونَ مُدْرِكُ ... نُبُوَّةٍ وَمَا رَأَى مُشْتَرَكُ\nومنها: أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين في الجنّة، وكان يُلقّب بالفاروق، وقد مرّ سبب تلقيبه به في ترجمته، جم المناقب -﵁-. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>شرح الحديث:</span>\n(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو، أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ) تعالى (عَنْهُ: \"بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ) الباء زائدة، و\"حسب\" خبر مقدَّم لقوله: \"أن يُحدّث\"، وهو بإسكَان السين، ومعنَاه يكفيه ذلك من الكذب، فإنه قد استكثر منه. وقوله: (أَنْ يُحَدِّثَ) بالبناء للفاعل في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر (بِكُلِّ مَا سَمِعَ) وإنما كان هذا كافيه من الإثم؛ لأن كلّ ما سمع الإنسان لا يخلو عن كذب، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكلّ ما سمع، فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن، وقد تقدّم أن مذهب أهل الحقّ أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يُشترط فيه التعمّد، لكن التعمّد شرط في كونه إثمًا. قاله النوويّ (١).\n[تنبيه]: أثر عمر بن الخطّاب -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا بهذا الإسناد فقط، انظر \"تحفة الأشراف\" ٨/ ٨٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n١٠ - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ، حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) -بمهملات- الأمويّ مولاهم المصريّ الحافظ.\nرَوَى عن ابن وهب فأكثر، والشافعي، والوليد بن مسلم، وابن عيينة، وخالد بن نزار الأيلي، وعبد الله بن نافع الصائغ، وبشر بن بكر، وأيوب بن سويد، وخاله عبد الرحمن بن عبد الحميد. وروى عنه مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد،\n_________\n(١) \"شرح النوويّ\" ١/ ٧٥.","vol":"1","page":510},{"text":"وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقالا: لا بأس به. وابنه عمرو بن أبي الطاهر، ويعقوب الفسوي، وابن بُجير، وعلي بن الحسن بن خَلَف بن قُديد، وقال: كان ثقة ثبتا صالحًا، وخلق. وكان أحمد بن صالح يثني على أبي الطاهر هذا، ويقع في حرملة. وقال النسائي: ثقة. قال ابن يونس: كان فقيها من الصالحين الأثبات، تُوفي يوم الإثنين لأربع عشرة خَلَت من ذي القعدة سنة (٢٥٠). وقيل: مات آخر سنة (٢٤٩).\nوقال في \"التقريب\": ثقة من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٢٣٣) حديثًا.\n٢ - (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، الحافظ الثقة العابد.\nرَوَى عن عمرو بن الحارث، وابن هانئ، وحسين بن عبد الله المعافري، وبكر بن مضر، وحيوة بن شُريح، وسعيد بن أبي أيوب، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وغيرهم.\nورَوَى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، والليث بن سعد شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن عمرو بن السرح، وغيرهم.\nقال الميموني عن أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال أبو طالب عن أحمد: صحيح الحديث، يَفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته، قيل له: إنه كان يُسيئ الأخذ، قال: قد كان، ولكن إذا نظرت في حديثه، وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا. وقال أحمد بن صالح: حَدّث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بكير يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت أبا مصعب يعظم ابن وهب، قال: ومسائل ابن وهب عن مالك صحيحة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، صدوق، أحب إلي من الوليد بن مسلم، وأصح حديثا منه بكثير. وقال هارون بن عبد الله الزهري: كان الناس بالمدينة يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم بن وهب حتى يسألوه عنه. وقال الحارث بن مسكين: شهدت ابن عيينة يقول: هذا عبد الله بن وهب شيخ أهل مصر. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفا من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له، وهو ثقة. وقال أبو حاتم بن حبان: جمع ابن وهب، وصنف، وهو حَفِظ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، وعُنِيَ بجمع ما رووا من","vol":"1","page":511},{"text":"المسانيد والمقاطيع، وكان من العباد. وقال ابن عَدِيّ: وابن وهب من أجلة الناس وثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر يدور على رواية ابن وهب، وجمعه لهم مسندهم ومقطوعهم، وقد تفرد عن غير شيخ بالرواية من الثقات والضعفاء، ولا أعلم له حديثا منكرا إذا حدث عنه ثقة من الثقات. وقال يونس بن عبد الأعلى: عُرِض على ابن وهب القضاء، فَجَنَّنَ نفسه، ولَزِمَ بيته. وقال ابن عبد البر: كان مولى ريحانة مولاة يزيد بن أنس الفهري. وقال أبو عوانة في \"كتاب الجنائز\" من \"صحيحه\": قال أحمد بن حنبل في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء. قال أبو عوانة: صدق؛ لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره. وقال الحارث بن مسكين: جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادة، ورُزق من العلماء محبة وحظوة من مالك وغيره. وقال الحارث: وما أتيته قط إلا وأنا أَفْيَدُ منه خيرًا، وكان يسمى ديوان العلم. قال ابن القاسم: لو مات ابن عيينة لضُربت إلى ابن وهب أكباد الإبل، ما دَوّن العلم أحد تدوينه، وكانت المشيخة إذا رأته خضعت له. وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس. وقال العجلي: مصري ثقة، صاحب سنة، رجل صالح، صاحب آثار. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، إلا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا. وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره، قال: ولما نُعي ابن وهب إلى ابن عيينة ترحم عليه، وقال: أصيب به المسلمون عامة، وأُصبت به خاصة. قال: وقال لي سحنون: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثا: ثلث في الرباط، وثلث يعلم الناس، وثلث يحج. قال: وأخبرني ثقة عن علي بن معبد قال: رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت: كيف وجدت المسائل؟ قال: أُفّ أُفّ، قلت: فما أحسنُ ما وجدت؟ قال: الرباط، قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالا منه. وقال الحارث بن مسكين: أخبرني من سمع الليث يقول لابن وهب: إن كنت أجد لابني شيئا، فإني أجد لك مثله. وقال النسائي: كان يتساهل في الأخذ، ولا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة ما أعلمه رَوَى عن الثقات حديثا منكرا. وقال الساجي: صدوق ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع؛ لأن مذهب أهل بلده أن الإجازة عندهم جائزة، ويقول فيها: حدثني فلان. وقال الساجي أيضًا: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت ابن وهب، وقيل له: ابن فلان حدث عنك، عن النبي -ﷺ- قال: \"لا تكرهوا الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين\"، فقال ابن وهب: أعماه الله إن كان كاذبًا، فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن أن الرجل عمي. وقال أبو الطاهر بن السرح: لم يزل ابن وهب يسمع من مالك من سنة (٤٨) إلى أن مات مالك. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وموطؤه يزيد على كل من","vol":"1","page":512},{"text":"روى عن مالك. وقال حاتم بن الليث الجوهري عن خالد بن خداش: قرئ على ابن وهب كتاب أهوال يوم القيامة -يعني من تصنيفه- فَخَرّ مغشيا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام. قال، فنُرَى -والله أعلم- أنه انصدع قلبه، فمات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول: وُلِدت سنة (١٢٥)، وطلبت العلم وأنا ابن (١٧) سنة. وقال ابن يونس: وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شعبان.\nوقال في \"التقريب\": فقيه حافظ ثقة عابد، من التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٤٤) حديثًا.\n٣ - (مالك) بن أنس، أبو عبد الله الإمام الفقيه الحجة الثبت، إمام دار الهجر، المتوفّى سنة ١٧٩ هـ من السابعة، تقدّمت ترجمته عند قول المصنّف: \"ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث الخ\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>شرح الأثر:</span>\nعن ابن وهب رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه قال: (قَالَ لِي مَالِكٌ) بن أنس (اعْلَمْ) بهمزة الوصل، فعل أمر من علم (أَنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّرة جملة بعده، وهي قوله (لَيْسَ يَسْلَمُ) بفتع أوله وثالثه، من باب علم (رَجُلٌ) بالرفع على الفعليّة، وقوله (حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) جملة في محلّ جرّ صفة لرجل.\nوالمعنى أنه لا توجد السلامة من معرّة الكذب من يحدّث بكلّ ما سمعه من الوقائع والأمور؛ لأن كلّ ما سمعه فيه الصدق والكذب، والحقّ والباطل، فإذا حدّث به كان واقعًا لا محالة في الكذب (وَلَا يَكُونُ إِمَامًا) بالكسر: أي خليفة، أو عالمًا يُقتدى به، مؤتمّا به في الصلاة، قال الفيّوميّ: الإمام: الخليفة، والإمام: العالم المقتدى به، والإمام من يُؤتمّ به في الصلاة، يُطلق على الذكر والأنثى. قال بعضهم: وربّما أُنّث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة. وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم، لا صفة. ويقرُب من هذا ما حكاه ابن السّكّيت في \"كتاب المقصور والممدود\": تقول العرب: عاملنا امرأة، وأميرنا امرأة، وفلانة وصيّ فلان، وفلانة وكيل فلان. قال: وإنما ذُكِّر لأنه إنما يكون في الرجال أكثر مما يكون في النساء، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر في موضعه، وأنت قائل: مؤذّن بني فلان امرأة، وفلانة شاهد بكذا؛ لأن هذا يكثر في الرجال، ويَقِلّ في النساء. وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثّر: ٣٥ - ٣٦]، فذكّر ﴿نَذِيرًا﴾، وهو لإحدى، ثم قال: وليس بخطإ أن تقول: وصيّة، ووكيلة بالتأنيث؛ لأنها صفة المرأة إذا كان لها","vol":"1","page":513},{"text":"فيه حظّ، وعلى هذا فلا يمتنع أن يقال: امرأة إمامة؛ لأن في الإمام معنى الصفة. وجمع \"الإمام\" أئمة، والأصلُ أأمِمَة، وزانُ أمثلة، فأدغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة. فمن القرّاء من يُبقي الهمزة محقّقةً على الأصل. ومنهم من يُسهّلها على القياس بين بين. وبعض النحاة يُبدلها ياء؛ للتخفيف. وبعضهم يَعُدُّه لحنًا، ويقول: لا وجه له في القياس. انتهى كلام الفيّوميّ (١). وقوله (أَبَدًا) متعلّق بـ \"يكون\". وقوله (وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) جملة في محلّ نصب على الحال، كما سبق نظيره قبله.\nوالمعنى: أنه لا يستحقّ الرجل الإمامة للناس، سواء كان الإمامة الكبرى، وهي الخلافة، أم الصغرى، وهي إمامة الصلاة، ونحوها إذا كان يحدّث الناس بكل ما سمعه؛ إذ التحديث بكلّ ذلك لا يخلو من الكذب بشهادة الحديث المتقدّم، وفيه مباعدة عن مسلك الحزم والاحتياط، وتجافٍ عن مراعاة المصالح المطلوبة شرعًا وعقلًا، فلا يكون صاحبه لائقًا بمنصب الإمامة، ولا يستأهل لها. والله تعالى أعلم.\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: أنه إذا حدّث بكلّ ما سمع كثُر الخطأ في روايته، فتُرك الاعتماد عليه، والأخذ عنه. انتهى (٢).\nوقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"ولا يكون إمامأ أبدًا\": أي إذا وجد الكذب في روايته لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحةً فيه، فلا يصلح ليقتدي به أحد، ولو كان عالمًا، فلو بيّن الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب، سلم من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يجب عليه من النصيحة الدينية. انتهى (٣).\n[تنبيه]: هذا الأثر من أفراد المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أخرجه هنا بهذا السند فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المذكور في أول الكتاب إليه:\n١١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ).\nرجال هذا الإسناد: ستة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ، تقدّم في ١/ ٣.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٣ - ٢٤.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٧٥.\n(٣) \"المفهم\" ١/ ١١٧.","vol":"1","page":514},{"text":"٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة، تقدّمت ترجمته عند ذكر أئمة الجرح والتعديل.\n٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّمت ترجمته في ١/ ١.\n٤ - (أبو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، والسَّبِيع من همدان، وُلد لسنتين بقِيَتَا من خلافة عثمان، قاله شريك عنه.\nرَوَى عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وقد رآهما، وقيل: لم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرَد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وحارثة بن وهب الخزاعي، وحُبيش بن جُنادة، وذي الْجَوْشَن، وعبد الله بن يزيد الْخَطْمي، وعدي بن حاتم، وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، والنعمان بن بشير، وأبي جُحَيفة السُّوائي، والأسود بن يزيد النخعي، وأخيه عبد الرحمن بن يزيد، وابنه عبد الرحمن بن الأسود، والأغر أبي مسلم، وأبي الأحوص الجشمي، وغيرهم.\nورَوَى عنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف بن إسحاق، وقتادة، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وفطر بن خليفه، وشعبة، ومسعر، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك أبو إسحاق، أو السدي؟ فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بآخره. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: أحصينا مشيخته نحوا من ثلاثمائة شيخ، وقال مرة: أربعمائة. وقد روى عن سبعين، أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، والشعبي أكبر منه بسنتين. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني، وشبه الزهري في كثرة الرواية، واتساعه في الرجال، وقال له رجل: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة، قال: صدق. وقال أبو داود الطيالسي: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد، كان هو أحسن حديثا من مجاهد، ومن الحسن، وابن سيرين. وقال الحميدي عن سفيان: مات سنة ست وعشرين ومائة. وقال أحمد عن يحيى بن سعيد: مات سنة سبع. وكذا قال غير واحد. وقال أبو نعيم: مات سنة (٨). وقال عمرو بن علي: مات سنة (٢٩). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات وهو ابن (٩٦). وقال ابن سعد: أنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، أنه صلى خلف عليّ الجمعة، قال: فصلاها بالهاجرة، بعدما زالت الشمس. وعن أبي بكر بن عياش قال: مات أبو إسحاق، وهو ابن مائة سنة أو","vol":"1","page":515},{"text":"نحوها. وقال ابن حبان في كتاب \"الثقات\": كان مدلسا، وُلد سنة (٢٩) ويقال: سنة (٣٢). وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي، وأبو جعفر الطبري.\nوقال في \"التقريب\": مكثرٌ ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخره.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٧٩) حديثًا.\n٥ - (أبو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَةَ الجشمي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.\nرَوَى عن أبيه، وله صحبة، وعن علي، وقيل: إنه لم يسمع منه، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعروة بن المغيرة بن شعبة، ومسروق بن الأجدع، ومسلم بن يزيد، وغيرهم.\nورَوَى عنه ابن أخيه أبو الزَّعْراء الْجُشَمي، وأبو إسحاق السبيعي، ومالك بن الحارث السلمي، وعبد الله بن مرة، وغيرهم.\nقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال غيره: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: روى عن حذيفة، وزيد ابن صوحان، قال: وكان ثقة، له أحاديث، أنا عفان، أنا حماد بن زيد، أنا عاصم قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ، فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في \"الكنى\": كوفي ثقة، أنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج فقاتلهم فقتلوه. وذكر الخطيب في \"تاريخه\" أنه شهد مع علي قتال الخوارج بالنهروان، قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فلا يدفع سماعه منه.\nوقال في \"التقريب\": مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والباقون، وله في صحيح مسلم (١٣) حديثًا.\n٦ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل -بمعجمة، وفاء- ابن حبيب بن شَمْخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار الْهُذَلي، أبو عبد الرحمن، حَلِيف بني زهرة، وكان أبوه حالف عبد الحارث بن زهرة. أمه أم عبد الله بنت عبد وَدّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت. أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين.، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولازم النبي -ﷺ-، وكان صاحب نعليه، وحَدّث عن النبي -ﷺ- بالكثير، وعن عمر، وسعد بن","vol":"1","page":516},{"text":"معاذ، وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شُرَيح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جُحَيفة، وأبو أمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خثيم، وشريح القاضي، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيباني، وعَبِيدة بن عمرو السلماني، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهْدي، والحارث بن سُويد، ورِبْعي بن حِرَاش، وآخرون.\nوآخى النبي -ﷺ- بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام: \"إنك لغلام مُعَلَّم\". وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا. وبسند صحيح عن ابن عباس قال: آخى النبي -ﷺ- بين أنس وابن مسعود. وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله -ﷺ- سبعين سورة. أخرجه البخاري. وهو أول من جهر بالقرآن بمكة. ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن عروة، عن أبيه (١). وقال النبي -ﷺ-: \"من سَرَّه أن يقرأ القرآن غَضّا، كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد\" (٢). وكان يلزم رسول الله -ﷺ-، ويحمل نعليه. وقال علقمة: قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم صاحب النعلين والسواك والوساد -يعني عبد الله-. وقال له رسول الله -ﷺ-: \"إذنُكَ عَلَيَّ أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادي حتى أنهاك\". أخرجهما أصحاب الصحيح، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تمسكوا بعهد ابن أم عبد\". أخرجه الترمذي في أثناء حديث (٣). وأخرج الترمذي أيضا من طريق الأسود بن يزيد، عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي -ﷺ-؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي -ﷺ-. وعند البخاري في \"التاريخ\" بسند صحيح عن حُريث ابن ظُهير: جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله. وقال البخاري: مات قبل قتل عثمان. وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: مات سنة ثلاث. وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت. وعن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: قال أتينا حذيفة، فقلنا: حدثنا بأقرب الناس من رسول الله -ﷺ-\n_________\n(١) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" ١/ ٣١٤ مطولًا، ورجاله ثقات.\n(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" ١/ ٧ - ٣٦ والبيهقيّ في \"الكبرى\" ١/ ٤٥٢.\n(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٥ والترمذيّ رقم ٣٨١٠ والحاكم ٣/ ٧٥ وصححه، ووافقه الذهبيّ.","vol":"1","page":517},{"text":"هديا ودَلًّا نَلْقاه، فنأخذ عنه، ونسمع منه، قال: كان أقرب الناس هديا ودلا وسَمْتًا برسول الله -ﷺ- ابن مسعود، لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد -ﷺ- أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى. أخرجه الترمذي بسند صحيح. وأخرج من طريق الحارث، عن علي رفعه: \"لو كنت مُؤَمِّرًا أحدًا بغير مشورة لأمرت ابن أم عبد\" (١). ومن أخباره بعد النبي -ﷺ- أنه شهد فتوح الشام، وسَيَّره عمر إلى الكوفة؛ ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميرًا، وقال: إنهما من النجباء، من أصحاب محمد، فاقتدوا بهما، ثم أَمّره عثمان على الكوفة، ثم عزله، فأمره بالرجوع إلى المدينة. وأخرج ابن سعد من طريق الأعمش قال: قال زيد بن وهب: لما بَعَث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس، فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له عليّ حقَّ الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن. وقال علي: قال رسول الله -ﷺ-: \"لَرِجْلُ عبد الله أثقل في الميزان من أحد\". أخرجه أحمد بسند حسن. ومن طريق تميم بن حرام: جالست أصحاب رسول الله -ﷺ-، فما رأيت أحدا أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أحب إليّ أن أكون في صلاحه من ابن مسعود. وأخرج البغوي من طريق سيّار، عن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود، فارفع إزارك، فقال: إني لست مثلك، إن بساقي حُمُوشة، وأنا آدم الناس، فبلغ ذلك عمر، فضرب الرجل، ويقول: أترد على ابن مسعود. أخرج له الجماعة. وله في \"صحيح مسلم\" (١٦٧) حديثًا (٢). والله تعالى أعلم.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-285>شرح الأثر </span>واضحٌ؛ حيث تقدّم مرارًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n١٢ - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ).\n\nشرح الأثر:\n(وحدّثنا) الواو عاطفة على حدّثنا الماضي (محمد بن المثنّى) أبو موسى العنزيّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ) بالبناء\n_________\n(١) إسناده ضعيف؛ لضعف الحارث الأعور.\n(٢) هذا ما في برنامج الحديث (صخر). وقال ابن الجوزيّ في \"المجتبى\": روى (٨٤٨) حديثًا، أخرج له في \"الصحيحين\" (١٢٠) حديثًا المتفق عليه (٦٤)، وانفرد البخاريّ بـ (٢١)، ومسلم بـ (٣٥) حديثًا.","vol":"1","page":518},{"text":"للمفعول، والجملة صفة \"إمامًا\" (حَتَّى يُمْسِكَ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإمساك، وهو كناية عن الترك (عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ) أي عن التحديث ببعض ما سمع، والمراد بالبعض هو الذي يكون كذبًا، أو يُشكّ في كونه كذبًا. والمعنى أن مما ينبغي للشخص الذي يستحقّ أن يكون قدوة للناس أن لا يُحدّث إلا بما يتيقّن أنه صدقٌ، ويترك ما لا يتيقّن صدقه؛ لأن ذلك أدعى لاستجابة الناس له، وإقبالهم عليه، واستفادتهم منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n١٣ - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ، حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ).\nرجال هذا الأثر أربعة:\n١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ الحافظ الحجة، تقدّم في ١/ ٩.\n٢ - (عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ) هو عمر بن عليّ بن عطاء بن مقدّم -بوزن محمد- المقدّميّ، أخو أبي بكر المقدّميّ، أبو حفص البصريّ، واسطيّ الأصل، مولى ثقيف. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكره فأثنى عليه خيرا، وقال: كان يدلس. وقال ابن معين: كان يدلس، وما كان به بأس، حسن الهيئة، وأصله واسطي نزل البصرة، لم أكتب عنه شيئا. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يدلس تدليسا شديدا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش، وقال: كان رجلا صالحا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أَقْبَل منه حتى يقول: حدثنا. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة في جمادى الأولى، وفيها أرخه البخاري. وقال أبو موسى مات سنة (٩٢). وقال أبو زيد عمر بن شبة: كان مدلسا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. وفي \"الميزان\" عن أحمد: عمرُ بنُ علي صالح عفيف مسلم عاقل، كان به من العقل أمر عجيب جدا، جاء إلى معاذ بن معاذ، فأَدَّى إليه مائتي ألف. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكى القولين في وفاته. وقال الساجي: صدوق ثقة،","vol":"1","page":519},{"text":"كان يدلس. ونقل ابن خلفون توثيقه عن العجلي. وقال في \"التقريب\": ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا، من الثامنة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" هذا الأثر، وحديث رقم (٤٨٢٨) حديث عبد الله بن عمرو: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ... \" الحديث.\n٣ - (سفيان بن حسين) بن الحسن، أبي محمد، أو أبي الحسن الواسطيّ.\nقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري، لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم. وقال الدُّوري عن ابن معين نحوا منه. وقال الْمَرُّوذي عن أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهري. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وفي حديثه ضُعْف. وقال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة إلا أنه كان مضطربا في الحديث قليلا. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة يخطىء في حديثه كثيرا. وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يَرِوي أشياء خالف الناس. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: أما روايته عن الزهري، فإن فيها تخاليط يجب أن يُجانَب، وهو ثقة في غير الزهري، مات في ولاية هارون، وقال في \"الضعفاء\" يروي عن الزهري المقلوبات، وذلك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه. وقال أبو داود عن أحمد: هو أحب إلي من صالح بن أبي الأخضر، قال أبو داود: وليس هو من كبار أصحاب الزهري. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، مثل ابن إسحاق، وهو أحب إلي من سليمان بن كثير. وقال النسائي في \"التمييز\": ليس به بأس إلا في الزهري، فإنه ليس بالقوي فيه. وقال البزار: واسطي ثقة. وقال ابن عدي: قال أبو يعلى: قلت لابن معين عن حديث سفيان بن حسين، عن الزهري في الصدقات، فقال: لم يتابعه عليه أحد ليس يصح. وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بالحافظ.\nوقال في \"التقريب\": ثقة في غير الزهريّ باتّفاقهم، من السابعة، مات بالريّ مع المهديّ، وقيل: في أول خلافة الرشيد.\nعلّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم هنا في \"المقدّمة\"، والأربعة.\n٤ - (إياس بن معاوية) بن قُرّة بن إياس المزنيّ، أبو واثلة البصريّ قاضيها، ولجده صحبة، المعروف بالذكاء (١)،\n_________\n(١) قد طوّل الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في \"تهذيب الكمال\" في ترجمته، وأطال من ذكر الأمثلة على ذكائه، فراجعه في ٣/ ٤٠٧ - ٤٤٠.","vol":"1","page":520},{"text":"قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان عاقلا من الرجال فطنًا. وقال ابن عون: ذكر إياس عند ابن سيرين، فقال: إنه لَفَهِمٌ. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان على قضاء البصرة، وكان فقيها عفيفا. وقال قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد: أتى رجل إياس بن معاوية يشاوره في خصومة، فقال: إن أردت القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى، فهو القاضي، وإن أردت الفُتْيا فعليك بالحسن، فهو معلمي، ومعلم أبي، وإن أردت الصلح فعليك بحميد الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: دع شيئا من حقك، وخذ شيئا، وإن أردت الخصومة فعليك بصالح السدوسي، وتدري ما يقول لك؟ اجحد ما عليك، وادَّع ما ليس لك، واستشهد الغيب. وقال الأصمعي عن حماد بن زيد: كان أيوب يقولَ: لقد رموها بحجرها -يعني إياس بن معاوية- حين ولي القضاء. قال المدائني: مات إياس بعبدسا، وكانت له فيها ضَيْعة، فخرج من البصرة لرؤيا رآها. وقال خليفة، والهيثم بن عدي: مات سنة (١٢٢).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من الخامسة.\nعلّق له البخاريّ، وذكره المصنّف في هذا الموضع فقط. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ) أنه (قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) المزنيّ. وقوله: (فَقَالَ) تفسير لقوله: \"سألني\" (إِنِّي) بكسر الهمزة (أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ) -بفتح الكاف، وكسر اللام، وبالفاء-: أي أحببته، وأُولِعتَ به، يقال: كَلِفْتُ به كَلَفًا، فأنا كَلِفٌ، من باب تَعِبَ، والاسم الْكَلَافة بالفتح. قاله الفيّوميّ (١). وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو بكسر اللام، من الكَلَف بالشيء، وهو الولوع به، والمحبّة له، والاعتناء به. وهكذا صحّت روايتنا فيه. وقد رُوي من طريق الطبريّ. \"علقت\"، وهو من العلاقة، وهي المحبّة. انتهى (٢). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: وَلِعتَ به، ولازمته. قال ابن فارس وغيره من أهل اللغة: الْكَلف: الإيلاع بالشيء. وقال أبو القاسم الزمخشريّ: الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقّة. انتهى (٣). (بِعِلْمِ الْقُرْآنِ) متعلّقٌ بما قبله، وإضافة علم إلى القرآن من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي بعلمك تفسير القرآن (فَاقْرَأْ) بوصل الهمزة؛ لأنه فعل أمر من قرأ ثلاثيّا (عَلَيَّ سُورَةً) أي أسمعني قراءة سوره من سور القرآن (وَفَسِّرْ) أمر من التفسير، وهو التوضيح، والتشديد للمبالغة، قال الفيّوميّ: فَسَرتُ الشيءَ فَسْرًا، من باب ضربْ بيّنته، وأوضحته، والتثقيل مبالغة. انتهى (٤). والمعنى هنا: اقرأ عندي سورة من القرآن،\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٣٧.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١١٧.\n(٣) \"شرح النوويّ\" ١/ ٧٥ - ٧٦.\n(٤) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٧٢.","vol":"1","page":521},{"text":"وأوضح معناه (حَتَّى أَنْظُرَ) بالنصب بـ \"حتّى\"؛ لكون الفعل مستقبلًا، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَبَعْدَ \"حَتَّى\" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا ... بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا\n(فِيمَا عَلِمْتَ) \"ما\" مصدريّة: أي في مقدار علمك، ويحتمل أن تكون موصولًا اسميّا، والعائد محذوف، كما قال في \"الخلاصة\":\n............. ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي\nفِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ\nأي في الذي علمته من تفسير القرآن.\n[تنبيه]: ذكر صاحب \"فتح الملهم\" أن \"علمت\" يوجد بفتح التاء، وهو الأظهر، وبضمّها، ويحتمل أن تكون حينئذ \"في\" سببيّة. انتهى (١).\n(قَالَ) سفيان بن حُسين (فَفَعَلْتُ) أي ما أمره به، من قراءة سورة عليه، ثم تفسيرها (فَقَالَ) إياس بن معاوية (لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ) أي منّي، فـ \"على\" بمعنى \"من\" على حدّ قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الآية [المطففين: ٢] (مَا أَقُولُ لَكَ) \"ما\" اسم موصول مفعول به لا حفظ: أي احفظ الذي أذكره لك، وهو قوله (إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ) أي أُحذّرك من الشناعة في الحديث، و\"الشناعة\" -بفتح الشين المعجمة، وتخفيف النون-: القبح. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الشناعة في الحديث: هو ما يُستقبح، ويُستنكر، يقال: شَنِعتُ بالشيء بكسر النون: أي أنكرته، وشَنُع الشيء بضمّها: قَبُح في نفسه، وشنّعتُ على الرجل مشدّدا: إذا ذكرت عنه قبيحًا. حذّره بهذا القول عن أن يُحدّث الأحاديث المنكرة، فيُكَذَّب، ويَذِلّ. انتهى (٢).\nوقال النوويّ: قال أهل اللغة: الشَّنَاعَةُ: القبح. وقد شَنُع الشيءُ بضم النون: أي قبُح، فهو أشنع، وشَنيعٌ. وشَنِعتُ بالشيء بكسر النون، وشَنَّعته: أي أنكرته، وشَنّعتُ على الرجل: أي ذكَرتُهُ بقبيح.\nومعنى كلامه أنه حذّره أن يُحدّث بالأحاديث المنكرة التي يُشَنَّعُ على صاحبها، ويُنكَرُ، ويُقَبَّح حال صاحبها، فيُكذّب، أو يُستراب في رواياته، فتَسقُط منزلته، ويذلّ في نفسه. انتهى (٣).\n[فائدة]: قوله: \"إياك والشناعة\" هذا التركيب هو الذي يُسمّى في علم النحو\n_________\n(١) \"فتح الملهم\" ١/ ١٢٦.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١١٧.\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٧٧.","vol":"1","page":522},{"text":"بـ \"التحذير\"، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، نحو: \"إياك والشرّ\"، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، فقيل: التقدير: اتّق نفسك والشناعة، وقيل: باعد نفسك من الشناعة، والشناعة منك، وقيل: احذر تلاقي نفسك والشناعة. وإلى هذا أشار ابن مالك في \"الخلاصة\" بقوله:\nإِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ\nوَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا ... سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا\nإِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ ... كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي\nوراجع تفاصيل المسألة في شروح \"الخلاصة\"، وحواشيها. والله تعالى أعلم.\n(فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، والضمير للشأن: أي إن الأمر والشأن (قَلَّمَا) \"ما\" هذه زائدة كافّة؛ لأنها كفّت الفعل عن عمل الرفع في الفاعل، قال ابن هشام الأنصاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"كتابه \"مغني اللبيب\": ما معناه: لا تتصل \"ما\" هذه إلا بثلاثة أفعال، \"قلّ\"، و\"كثُر\"، و\"طال\"، وعلّة ذلك شبههنّ بـ \"رُبّ\"، ولا يدخلن حينئذ إلا على جملة فعليّة، صُرّح بفعليّتها، كقوله [من الخفيف]:\nقَلَّمَا يَبْرَحُ اللَّبِيبُ إِلَى مَا ... يُورِثُ الْمَجْدَ دَاعِيًا أَوْ مُجِيبَا\nوزعم بعضهم أن \"ما\" مع هذه الأفعال مصدريّة، لا كافّة. انتهى (١). وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها، وهي في تأويل المصدر فاعل \"قلّ\". وقال الأمير في \"حاشيته\": وزاد بعضهم على هذه الأفعال \"قَصُرَ\"، وهي أفعالٌ لا فاعل لها، كالتوكيد اللفظيّ في قام قام زيد، و\"كان\" الزائدة. انتهى.\nوقد نظمت ما ذُكر بقولي:\nوَ\"مَا\" تَكُفُّ \"طَالَ\" \"قَلَّ\" \"كَثُرَا\" ... وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا \"قَصُرَا\"\nفَلَا يَلِيهَا فَاعِلٌ كَقَامَا ... فِي قَامَ قَامَ صَالِحٌ إِكْرَامَا\nوَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا مُؤَوِّلَهْ ... فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ\n(حَمَلَهَا) أي الشناعة في الحديث (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة (إِلَّا ذَلَّ) بالبناء للفاعل، منِ باب ضرب، والاسم الذُّلُّ بالضمّ، والذّلّة بالكسر، والمذلّة: أي ضَعُفَ، وهان (فِي نَفْسِهِ) يعني أنه يكون ذليلًا حقيرًا عند الناس، فلا يُقبلون عليه (وَكُذِّبَ) بالتشديد، مبنيّا للمفعول (فِي حَدِيثِهِ) يعني أن الناس يكذّبون حديثه، فلا يَقبَلونه.\nوحاصل كلام إياس رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه حذّره أن يحدّث بالأحاديث المنكرة التي تُشنّع،\n_________\n(١) \"مغني اللبيب\" ٢/ ٧ - ٨ بنسخة \"حاشية الأمير\".","vol":"1","page":523},{"text":"ويُنكر، ويقبّح صاحبها، فيكذّب، أو يستراب في روايته، فتسقط منزلته، ويذلّ في نفسه.\nقال صاحب \"فتح الملهم\": انظر هل هذا خاصّ بما لا يعتقد صحّته، أو وإن اعتقدها، إذا كان يرى أنه لا يقبل منه، ويُردّ في وجهه؛ لأنه يضع من نفسه بغير فائدة، والثاني أظهر، ويدلّ عليه أثر ابن مسعود -﵁- الذي بعده. قال: ولعلّ إياس بن معاوية أوصاه خاصّة بهذه الوصيّة النافعة؛ لأنه كان مولعًا بتفسير القرآن العظيم، والمشتغلون بالتفسير كثيرًا ما يتساهلون في الرواية والنقل، فنبّهه على التجنّب من هذه البليّة العظمى، وهذا من دلائل فطنة إياس المشهورة رَحِمَهُ اللهُ تعالى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n١٤ - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً).\nرجال هذا الأثر سبعة:\n١ - (أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المذكور قبل حديثين.\n٢ - (حَرْمَلة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التُّجِيبيّ، أبو حفص، وقيل: أبو عبد الله المصريّ، وهو صاحب الإمام الشافعيّ ﵀، وهو الذي يروي عن الشافعيّ كتابه المعروف في الفقه.\nرَوَى عن ابن وهب فأكثر، وعن الشافعي ولازمه، وأيوب بن سُويد الرملي، وبشر ابن بكر، وأبي صالح عبد الغفار بن داود الحراني، ويحيى بن عبد الله بن بُكير، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن الهيثم الطَّرَسوسي، وأبو دُجانة أحمد بن إبراهيم المصري، وحفيده أحمد بن طاهر بن حرملة، وأبو عبد الرحمن، أحمد بن عثمان النسائي الكبير، رفيق أبي حاتم في الرحلة، وإبراهيم بن الجنيد، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسن بن سفيان، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتج به. وقال الدُّوري عن يحيى شيخ لمصر، يقال له: حرملة كان أعلم الناس بابن وهب، وقال ابن عدي: سألت عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الفرهاذاني أن يُملِي عليّ شيئا من حديث حرملة، فقال: يا بُني ما تصنع\n_________\n(١) \"فتح الملهم\" بتصرف يسير ١/ ١٢٦.","vol":"1","page":524},{"text":"بحرملة صعب. وقال أحمد بن صالح: صنف ابن وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث عند بعض الناس النصف -يعني نفسه- وعند بعض الناس منها الكل -يعني حرملة-. قال ابن عدي، وقد تَبَحَّرْتُ حديثَ حرملة، وفَتَّشتُه الكثيرَ فلم أجد فيه ما يجب أن يُضَعَّف من أجله، ورجلٌ يكون حديث ابن وهب كله عنده، فليس ببعيد أن يُغْرِب على غيره كُتُبا ونُسَخًا، وأما حمل أحمد بن صالح عليه، فإن أحمد سَمِع في كتب حرملة من ابن وهب فأعطاه نصف سماعه ومنعه النصف، فتولد بينهما العداوة من هذا، وكان من يَبدأ بحرملة إذا دخل مصر لم يحدثه أحمد بن صالح، وما رأينا أحدًا جمع بينهما، كذا قال، وقد جمع بينهما أحمد بن رِشدين شيخ الطبراني، لكن يُحمل قولُ ابن عدي على الغرباء.\nوقال ابن يونس: وكان من أَمْلإ الناس بما روى ابنُ وهب. ونقل أبو عمر الكنديّ أن سبب كثرة سماعه من ابن وهب أن ابن وهب استخفى عندهم لَمّا طُلِب للقضاء، قال: ونظر إليه أشهب فقال: هذا خير أهل المسجد. وقال الْعُقيليّ: كان أعلم الناس بابن وهب، وهو ثقة -إن شاء الله تعالى-. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو عبد الله البُوشَنجي: سمعت عبد العزيز بن عمران المصري يقول: لَقِيتُ حرملة بعد موت الشافعي، فقلت له: أَخرِج إليّ فهرست كُتب الشافعي، قال: فأخرجه إليّ، فقلت: ما سمعتم من هذه الكتب؟ قال: فَسَمَّى لي سبعة كتب أو ثمانية، فقال: هذا كل شيء عندنا عن الشافعي عرضًا وسماعًا، قال أبو عبد الله البوشنجي: فرَوَى عنه الكتب كلها سبعين كتابا أو أكثر، وزاد أيضا ما لم يُصنّفه الشافعي، وذاك أنه رَوَى عنه فيما أخبرنا بعض أصحابنا كتاب الفَرْق ببن السحر والنبوة، وأنه قيل له في ذلك، فقال: هذا تصنيف حفص الفرد، وقد عرضته على الشافعي فرضيه.\nمات حرملة رَحِمَهُ اللهُ تعالى سنة (٢٤٤). وقال ابن يونس: وُلِد سنة (١٦٦) وتُوفي لتسع بقين من شوال سنة (٢٤٣).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من الحادية عشرة.\nرَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن الهيثم الطرسوسيّ. وله في صحيح مسلم (٢٦٨) حديثًا.\n[تنبيه]: حرملة بن يحيى هذا هو التجيبيّ -بمثناة من فوق مضمومة على المشهور-، وقال صاحب \"المطالع\": بفتح أوله وضمه، قال: وبالضم يقول أصحاب الحديث، وكثير من الأُدباء، قال: وبعضهم لا يجيز فيه إلا الفتح، ويزعم أن التاء أصلية، وفي باب التاء ذكره صاحب \"العين\"، يعني فتكون أصلية، إلا أنه قال: تجيب، وتجوب قبيلة، يعني قبيلة من كندة، قال: وبالفتح قيدته على جماعة شيوخي، وعلى ابن","vol":"1","page":525},{"text":"سراج وغيره، وكان ابن السِّيد البطليوسي يذهب إلى صحة الوجهين. هذا كلام صاحب \"المطالع\". وقد ذكر ابن فارس في \"المجمل\" أن تجوب قبيلة من كندة، وتجيب بالضم بطن لهم شرف، قال: وليست التاء فيهما أصلا، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وأما حكم صاحب \"العين\" بأن التاء أصل فخطأ ظاهر. والله أعلم (١).\n٣ - (ابن وهب) هو: عبد الله القرشيّ المصريّ المتقدّم في ٣/ ١٠.\n٤ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد، ويقال: ابن مِشْكَان بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان.\nرَوَى عن أخيه أبي عليّ بن يزيد، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعُمارة بن غَزِيّة، وعكرمة، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير، وعمرو بن الحارث، ومات قبله، وابن أخيه عنبسة بن خالد بن يزيد الأيليّ، والليث، والأوزاعيّ، وابن المبارك، وابن وهب، وخلق كثير.\nقال ابن المديني، وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وكذا أقول. وقال عبدان عن ابن المبارك: إني إذا نظرت في حديث معمر ويونس يعجبني، كأنهما خرجا من مشكاة واحدة. وقال عبد الرزاق عن ابن المبارك: ما رأيت أحدا أروى للزهري من معمر، إلا أن يونس أحفظ للمسند، وفي رواية: إلا يونس، فإنه كتب على الوجه. وقال محمد بن عوف عن أحمد: قال وكيع: رأيت يونس ابن يزيد الأيلي، وكان سيِّىء الحفظ. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ما أعلم أحدا أحفظ بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس، إنه كتب كل شيء هناك. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فإبراهيم بن سعد؟ فقال: وأي شيء رَوَى إبراهيم عن الزهري إلا أنه في قلة روايته أقل خطأ من يونس، قال: ورأيته يحمل على يونس، قال: وأنكر عليه، وقال: كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد، وضعّف أمره، وقال: لم يكن يعرف الحديث، وكان يكتب أرى أولى الكلام، فينقطع الكلام، فيكون أوله عن سعيد، وبعضه عن الزهري، فيشتبه عليه، قال أبو عبد الله: وعقيل أقل خطأ منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: في حديث يونس عن الزهري منكرات، منها عن سالم عن أبيه: \"فيما سقت السماء العشر\". وقال الميموني: سئل أحمد من أثبت في الزهري؟ قال: معمر، قيل: فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرة. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب، وابن\n_________\n(١) \"شرح مسلم للنوويّ\" ١/ ٧٦.","vol":"1","page":526},{"text":"عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليك أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، قلت: أين يقع الأوزاعي من يونس؟ قال: يونس أسند عن الزهري. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس: قلت لابن معين: معمر أو يونس؟ قال: يونس أسندهما، وهما ثقتان جميعًا، وكان معمر أحلى. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: يونس ومعمر عالمان بالزهري. وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا، قال: وكان الزهري إذا قَدِم أَيْلَةَ نزل عليه. وقال يعقوب الفارسي، عن محمد بن عبد الرحيم: سمعت عليا يقول: أثبت الناس في الزهري ابن عيينة، وزياد بن سعد، ثم مالك، ومعمر، ويونس من كتابه. وقال ابن عمار: مالك وسفيان هؤلاء أصحاب الزهري، ويونس عارف برأيه. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، عالم بحديث الزهري. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن سعد: كان حلو الحديث كثيرهُ، وليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر. وقال ابن يونس: كان من موالي بني أمية. وقال خالد بن نِزار: كان الأوزاعيّ يَحُضّني على يونس بن يزيد. وذكره ابن حبّان في \"الثقات\". وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر: زعموا أنه تُوفّي بصعيد مصر سنة (١٥٢). وقيل: مات سنة (١٥٩) وقيل: (١٦٠).\nوقال في \"التقريب\": ثقة إلا أن في روايته عن الزهريّ وَهَمًا قليلًا، وفي غيره خطأ، من كبار السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة. وله في \"صحيح مسلم\" (٢٧٢) حديثًا.\n٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (١).\n٦ - (عبيد الله بن عبد الله بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي أبو عبد الله المدني.\nروى عن أبيه، وأرسل عن عمّ أبيه عبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعمر، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعثمان بن حُنَيف، والنعمان بن بشير، وأبي سعيد الخدريّ، وجماعة. وروى عنه أخوه عون، والزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وأبو الزناد، وصالح بن كيسان، جماعة.\nقال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام. وعن\n_________\n(١) تقدّمت عند قول المصنّف: \"فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته الخ\".","vol":"1","page":527},{"text":"الزهري قال: ما جالست أحدا من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة، حتى ما كنت أسمع منه إلا معادًا، ما خلا عبيد الله بن عتبة، فإنه لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا. وعن عبيد الله قال: ما سمعت حديثا قط ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيما أحب إليك عكرمة أو عبيد الله؟ قال: كلاهما ولم يخير. وقال الواقدي: كان عالمًا، وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث والعلم، شاعرًا، وقد عمي. وقال أبو جعفر الطبري: كان مقدما في العلم والمعرفة بالأحكام والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجِيدًا. وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة الذين يَدُور عليهم الفتوى، وكان عالما فاضلا مقدما في الفقه، تَقِيّا شاعرا محسنا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمتُ فقيه أشعر منه، ولا شاعرٌ أفقه منه. وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله حيا ما صدرت إلا عن رأيه. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات التابعين، مات سنة (٩٨) قال: وقد قيل: إنه مات قبل علي بن الحسين مات سنة (٩٤). قال البخاري: مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين. وقال ابن نمير وغيره: مات سنة (٩٨). وقال ابن المديني: مات سنة (٩٩). وقال في \"التقريب\": ثقة فقيه ثبتٌ، من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٥) حديثًا.\n٧ - (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير -﵁- المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- (قَالَ: مَا) نافية (أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ) الباء زائدة: في خبر \"ما\"، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَبَعْدَ \"مَا\" وَ\"لَيْسَ\" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ \"لَا\" وَنَفْي \"كَانَ\" قَدْ يُجَرّ\n(قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ) جملة في محلّ نصب صفة لحديث، أي لا تدركه أفهامهم (إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً) قال أبو العبّاس القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الفتنة هنا الضلال والْحَيْرَة، وهي تتصرّف في القرآن على أوجه متعدّدة، وأصلها: الامتحان والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار: إذا اختبرته بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: \"حدّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذّب الله ورسوله\" (١). انتهى (٢).\n_________\n(١) علّقه البخاريّ في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\" من حديث عليّ (بلفظ: \"حدّثوا الناس بما يَعرِفون ... الخ\".\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١١٨.","vol":"1","page":528},{"text":"[تنبيه]: عقد الإمام البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\" بابًا لما دلّ عليه أثر ابن مسعود -﵁- هذا، فقال: \"باب من خص بالعلم قوما دون قوم؛ كراهية أن لا يفهموا\". وقال عليّ: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذّب الله ورسوله؟ \".\nقال في \"الفتح\": والمراد بقوله: \"بما يعرفون\": أي يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في \"كتاب العلم\" له في آخره \"ودعوا ما ينكرون\": أي يشتبه عليهم فهمه. وكذا رواه أبو نعيم في \"المستخرج\".\nوفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَرَ عند العامة. قال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما في قصّة الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يُخشَى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. انتهى ببعض تصرّف (١).\nقال الجامع عفا الله رَحِمَهُ اللهُ تعالى عنه: أشار بقصّة الجرابين إلى ما أخرجه البخاريّ في \"كتاب العلم\" من \"صحيحه\"، عن أبي هريرة -﵁-، قال: حَفِظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم.\nو\"البلعوم\" بضم الموحّدة: مجرى الطعام، وكنى به عن القتل.\nقال في \"الفتح\": وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تَبْيِينُ أسامي أمراء السوء، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يَكنِي عن بعضه، ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة. قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنًا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: \"قُطِع\": أي قَطَعَ أهلُ الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكره في\n_________\n(١) \"الفتح\" ١/ ٢٧٢. طبعة دار الريّان.","vol":"1","page":529},{"text":"الحديث الأول (١) من الآية الدالة على ذمّ مَن كَتَمَ العلمَ. وقال غيره: يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة، وتغير الأحوال، والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\nقال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبيّ عفا الله تعالى عنه، وعن والديه آمين:\nانتهى الجزء الأول من شرح مقدّمة \"صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج رَحِمَهُ اللهُ تعالى\" المسمّى \"قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجّاج\" رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وذلك بتاريخ يوم السبت المبارك ١٩/ ٧/ ١٤٢٢ هـ الموافق ٦ (أكتوبر) ٢٠٠١ م.\nوآخر دعوانا\n﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾\n\"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم،\nإنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد\nكما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\n\"السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته\".\nويليه الجزء الثاني مفتتحًا بـ ٤/ ١٥\n\"باب النهي عن الضعفاء، والاحتياط في تحملها\".\n\"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك، وأتوب إليك\".\n_________\n(١) أراد بهذا الحديث الذي أخرجه البخاريّ أيضًا بسنده عن أبي هريرة (قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -ﷺ- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.\n(٢) \"الفتح\" ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":530},{"text":"قرة عين المحتاج\nفي شرح مقدمة\nصحيح الإمام مسلم بن الحجّاج\nلجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير\nمحمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى\nالإتيوبي الولوي\nعفا الله تعالى عنه وعن والديه\nآمين\nالجزء الثاني\nدار ابن الجوزي","vol":"2","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"قرة عين المحتاج\nفي شرح مقدمة\nصحيح الإمام مسلم بن الحجّاج","vol":"2","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\nالطبعة الأولى\nرجب ١٤٢٤\nحقوق الطبع محفوظة ١٤٢٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.\nدار ابن الجوزي\nللنشر والتوزيع\nالمملكة العربية السعودية: الدمام -شارع ابن خلدون- ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣،\nص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض- ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء- الهفوف\n- شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة- ت: ٦٥١٦٥٤٩ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت- هاتف: ٨٦٩٦٠٠/ ٠٣\n- فاكس: ٦٤١٨٠١/ ٠١ - القاهرة - ج. م. ع- محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٢٥٦١٤٧٣\nالبريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.jwzi.com","vol":"2","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n٤ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا):\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى المذكور في أول الكتاب إليه:\n١٥ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: \"سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ، يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإيَّاهُمْ\").\nرجال هذا الإسناد: سبعة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ الحافظ، تقدّمت ترجمته في ١/ ٥.\n٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد الثقة الثبت، تقدّم في ١/ ٤.\n٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) العدويّ، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن المقرىء القصير (١)، أصله من ناحية البصرة، وقيل من ناحية الأهواز، سكن مكة.\n_________\n(١) [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث (صخر) هنا غلط، حيث ترجم لعبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان المقرىء المدنيّ، شيخ مالك، والصواب أنه أبو عبد الرحمن المقرىء المكيّ، وذلك لأن مولى الأسود متقدّم من الطبقة السادسة، لا يروي عنه محمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وإنما يرويان من أبي عبد الرحمن؛ لأنه متأخّر من الطبقة التاسعة، ومما يؤكّد ذلك أَنّ مولى الأسود مات سنة (١٤٨) وزهير بن حرب وُلد سنة (١٦٠) أي بعد موته بنحو اثنتي عشرة سنة. فتنبّه لذلك. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":5},{"text":"روى عن كَهْمَس بن الحسن، وموسى بن عُليّ بن رَبَاح، وأبي حنيفة، وابن عون، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. ورَوَى البخاريّ، والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المدينيّ، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الخليلي: ثقة، حديثه في الثقات، يحتج به، ويتفرد بأحاديث. وقال أبو سعد الصفار عن جده عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: كان ابن مبارك إذا سئل عن أبي؟ قال: زرزده يعني ذهبا مضروبا خالصا. وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقري يقول: أنا ما بين التسعين إلى المائة، وأقرأت القرآن بالبصرة ستا وثلاثين سنة، وهَهنا بمكة خمسا وثلاثين سنة. وقال البخاري: مات بمكة سنة (١٢) أو ثلاث عشرة ومائتين. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة (١٣). وفيها أرخه ابن سعد، وزاد: في رجب، قال: وكان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن قانع: مكي ثقة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً، من التاسعة.\nروى له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٨) حديثًا.\n٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الخزاعي مولاهم، أبو يحيى المصري. رَوَى عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وأبي مرحوم، وعبيد الله بن أبي جعفر، وكعب بن علقمة، وحميد بن هانىء، وجماعة. ورَوى عنه ابن جُريج، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وابن وهب، ونافع بن يزيد، وعبد الله بن يزيد المقرىء، وغيرهم.\nقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا. وقال ابن يونس: كان فقيها. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيها؟ فقال: نعم. وقال الساجي: صدوق. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". ونقل ابن خلفون عن يحيى بن بكير أنه وثقه. وقال ابن معين: مات زمن أبي جعفر. وقال ابن يونس: ولد سنة مائة، وتوفي سنة (١٦١). وقيل: سنة (٦٦) وسنة إحدى أصح. وقيل: غير ذلك، والأول أصحّ. وقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، من السابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٢) حديثًا.\n٥ - (أَبُو هَانِئٍ) بهمز آخره: هو حميد بن هانئ الخولاني المصري، أدرك سُليم ابن عِتْر، وروى عن عمرو بن حُريث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وعليّ بن رباح. وعنه سعيد بن أبي أيوب، وحيوة، والليث، وابن لهيعة.\nقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ثقات","vol":"2","page":6},{"text":"التابعين. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": هو أكبر شيخ لابن وهب، رفع به أحمد بن صالح المصري. وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢).\nوقال في \"التقريب\": لا بأس به، من الخامسة.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والباقون، وله في \"صحيح مسلم\" (١٠) أحاديث.\n٦ - (أَبُو عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ) المصري الطُّنْبُذِي (١)، ويقال: الإفريقي مولى الأنصار، كان رضيع عبد الملك بن مروان.\nرَوَى عن أبي هريرة، وابن عمر، وسفيان بن وهب الخولاني. وعنه أبو هانئ، حميد بن هانئ، وبكر بن عمرو، وشراحيل بن يزيد، وعمرو بن أبي نعيمة المعافريان، وسهل بن علقمة السبائي، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. ذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن يونس: قال يحيى بن عثمان بن صالح: توفي مسلم بن يسار بإفريقية زمن هشام بن عبد الملك.\nوقال في \"التقريب\": مقبول من الرابعة. انتهى.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والباقون، سوى النسائيّ. وله في \"صحيح مسلم\" هذا الحديث، وأعاده بعده.\n٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- المذكور في ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): من سداسيّات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو هانىء، عن مسلم بن يسار. (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>شرح الحديث:</span>\n(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: \"سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ، يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) أي بالأحاديث المكذوبة والمختلقة (فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي باعدوا أنفسكم عنهم، ولا تجالسوهم، ولا تسمعوا أحاديثهم؛ لئلا يتقرّر ذلك الحديث الْمُخْتَلَق في نفوسكم، فتعجزوا عن التخلّص منه. وهذا الحديث أخرجه\n_________\n(١) في \"القاموس\": \"طُنبُذ\" كقُقُنْفُذ: قرية بمصر، منها مسلم بن يسار الطنبذيّ، رضيع عبد الملك بن مروان، تابعيّ محدّث.","vol":"2","page":7},{"text":"المصنّف هنا، وأعاده بعده، وأخرجه أحمد في \"مسنده\" برقم ٧٩١٩ وفي ٨٢٤١. وفيه علم من أعلام النبوّة، حيث إن النبيّ -ﷺ- أخبر بما سيقع في أمته، فكان كما أخبر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل في أول الكتاب إليه:\n١٦ - (وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ، كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ).\nرجال هذا الإسناد: ستة:\n١ - (أَبُو شُرَيْحٍ) -بضمّ الشين المعجمة، مصغّرًا- واسمه عبد الرحمن بن شُريح ابن عُبيد الله بن محمود المعافري الإسكندرانيّ المصريّ.\nروى عن أبي هانئ، وأبي قبيل حيي بن هانئ، وشراحيل بن يزيد وعبد الكريم بن الحارث، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم.\nقال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: مصري ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وقال أبو حاتم: لا أظنه أدرك شراحيل. وضعفه ابن سعد وحده، فقال منكر الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما قول أبي حاتم: ولا أظنّه الخ، فيردّه تصريحه بالسماع في رواية مسلم هنا، وأما تضعيف ابن سعد، فلا اعتبار له، مع توثيق هؤلاء الأئمة، فتبصّر.\nوقد أجاد الحافظ في \"التقريب\" حيث قال: ثقة فاضلٌ، لم يُصب ابن سعد في تضعيفه، من السابعة. انتهى.\nقال ابن يونس: تُوفي بالإسكندرية سنة سبع وستين ومائة، وكانت له عبادة وفضل.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" خمسة أحاديث برقم ٨ و٣٥٣٢ و٣٥٣٧ و٤٨٢٩ و٥١٥٩.","vol":"2","page":8},{"text":"٢ - (شَرَاحيلُ بنُ يزيد) الْمَعَافري المصري. رَوَى عن أبي عبد الرحمن الْحُبُلِيّ، وأبي عثمان مسلم بن يسار الطُّنْبُذِيّ، وأبي علقمة الهاشمي، ومحمد بن هُدْبة الصدفي، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو شريح عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، وسعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة، وغيرهم.\nذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن يونس مات بعد العشرين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من السادسة.\nأخرج له البخاري في \"خلق أفعال العباد\"، والمصنّف هنا في \"المقدّمة\"، وله عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): من سداسيّات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، كما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>شرح الحديث:</span>\nعن عبد الله بن وهب (أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ) بفتح الشين المعجمة، غير منصرف (ابْنَ يَزِيدَ) المعافريّ (يَقُولُ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ) المصريّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ) جمع دَجّال: قال ثعلب: الدّجّال: هو المموِّه، يقال: سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي بذهب. وقال ابن دريد: كلُّ سميء غطَّيته، فقد دجّلته، واشتقاق الدجّال من هذا؛ لأنه يُغطِّي الأرض بالجمع الكثير. قاله في \"المصباح\" (١).\nوقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الدجّال هو الكذّاب المموّه بكذبه الْمُلَبِّس به، يقال: دجل الحقَّ بباطله: أي غطّاه، ودجل: أي موّه، وكذب به، وبه سُمّي الكذّاب الأعور. وقيل: سُمّي بذلك لضربه في الأرض، وقطعه نواحيها، يقال: دجل الرجلُ بالفتح والضمّ: إذا فعل ذلك. حكاه ثعلب.\nهذا الحديث إخبار من النبيّ -ﷺ- بأنه سيوجد بعده كذّابون عليه، يُضلّون الناس\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٨٩ - ١٩٠.","vol":"2","page":9},{"text":"بما يضعونه، ويَختلقونه، وقد وُجد ذلك على نحو ما قاله، فكان هذا الحديث من دلائل صدقه. ذكر أبو عمر بن عبد البرّ عن حمّاد بن زيد أنه قال: وَضَعَت الزنادقة على رسول الله -ﷺ- اثني عشر ألف حديث، بثّوها في الناس. وحكي عن بعض الوضّاعين أنه تاب، فبكى، وقال: أنّى لي بالتوبة؟ وقد وضعتُ اثني عشر ألف حديث على رسول الله -ﷺ- كلّها يُعمل بها. وقد كتب أئمّة الحديث كتبًا كثيرةً بيّنوا فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعة المنتشرة في الوجود، قد عَمِلَ بها كثير من الفقهاء الذين لا علمَ عندهم برجال الحديث. انتهى كلام القرطبيّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: وضعت الزنادقة اثني عشر ألف حديث كلّها يُعمل بها، فيه نظرٌ لا يخفى، بل هو باطل من تأمّله، والله تعالى المستعان.\nوقوله: (كَذَّابُونَ) تأكيد لدجّالون؛ لأنه بمعناه. قال السنوسيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قلت: وعلماء السوء، والرهبان على غير أصل سنّة كلهم داخلون في هذا المعنى، وما أكثرهم في زماننا، نسأل الله سبحانه السلامة من شرّ هذا الزمن، وشرّ أهله. انتهى (٢). (يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) أي بالأحاديث المختلقة التي لم تُنقل من مصدر صحيح. والمعنى أنهم يقولون، ويروون أشياء ليست مما يعرفه المسلمون فيما لم يزل سلفًا عن خلف، مع أن الله تعالى أكمل دينه، ووعد بحفظه، ونشره، ولم يترك سبيلًا إلى ضياع شيء منه، فأين كانت هذه الغرائب من القرون الأول. أفاده بعضهم (٣).\n(فَإِيَّاكمْ وَإِيَّاهُمْ) أي كونوا على حذر منهم (لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: كذا صحّت الرواية فيه بإثبات النون، والصواب حذفها؛ لأن ثبوتها يقتضي أن تكون خبرًا عن نفي وقوع الإضلال والفتنة، وهو نقيض المقصود؛ فإذا خذفت احتمل حذفها وجهين:\n[أحدهما]: أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تضمّنه إياكم، فكأنه قال: أُحذّركم لا يُضلّونكم، ولا يفتنونكم.\nو[ثانيهما]: أن يكون قوله: \"لا يُضلّونكم\" نهيًا، ويكون ذلك من باب قولهم: \"لا أريَنّك هَهنا\": أي لا تتعرّضوا لإضلالهم، ولا لفتنتهم. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١١٨ - ١١٩.\n(٢) \"مكمل إكمال الإكمال\" ١/ ٢١.\n(٣) انظر \"فتح الملهم\" ١/ ١٢٧.\n(٤) \"المفهم\" ١/ ١١٩.","vol":"2","page":10},{"text":"قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل في أول الكتاب إليه:\n١٧ - (وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيَّبِ ابْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكندي الكوفي.\nرَوَى عن إسماعيل ابن علية، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، وعبد السلام بن حرب، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم.\nقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق. وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد بن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وقال اللالكائي وغيره: مات سنة سبع وخمسين ومائتين. وأرخه ابن قانع سنة (٦). وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وفي \"الزهرة\": روى عنه البخاريّ ثمانية، ومسلم سبعين حديثا (١).\nوقال في \"التقريب\" ثقة، من صغار العاشرة.\n٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ الحافظ، تقدمت ترجمته في ١/ ٢.\n٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكاهليّ الكوفيّ الحافظ الورع القارىء، تقدّمت ترجمته (٢).\n٤ - (الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ) الأسدي الكاهليُّ أبي العلاء الكوفي الأعمى. رَوَى عن البراء بن عازب، وحارثة بن وهب، وخَرَشَة بن الْحُرّ، وعامر بن عَبَدَة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه العلاء، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، ومنصور، وغيرهم. قال الدُّوري عن ابن معين: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء، وأبي إياس عامر بن عبدة (٣). وقال العوام بن حَوْشَب: كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث.\n_________\n(١) الذي في برنامج الحديث (صخر) أن له في \"صحيح مسلم\" (٦٢) حديثًا، فليُحرّر.\n(٢) تقدمت عند قول المصنّف: \"ألا ترى أنك إذا وازنت بين هؤلاء الثلاثة الخ\".\n(٣) هذا يقتضي أن عامر بن عبدة صحابيّ، لكن الأكثرون على أنه تابعيّ، فتنبّه.","vol":"2","page":11},{"text":"وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة خمس ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة من الرابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث برقم ٦٤٩ و٦٥١ و٩٣٣.\n[تنبيه]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": أما الْمُسَيَّب بنُ رافع، فبفتح الياء بلا خلاف، كذا قال القاضي عياض في \"المشارق\"، وصاحب \"المطالع\" أنه لا خلاف في فتح يائه، بخلاف سعيد بن المسيّب، فإنهم اختلفوا في فتح يائه وكسرها، كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. انتهى (١).\nوإلى هذا أشار السيوطيّ في \"ألفيّة الأثر\" بقوله:\nكُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى ... أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى\n٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبَدَةَ) -بفتح الباء، وقيل: بسكونها- البجلي أبو إياس الكوفي. رَوَى عن ابن مسعود، وعنه المسيب بن رافع. قال النسائي في \"الكنى\": أبو إياس عامر بن عبد الله، ويقال: ابن عبدة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وذكر ابن ماكولا أنه رَوَى عنه أيضا أبو إسحاق السبيعي (٢)، وحَكَى ابن أبي حاتم عن ابن معين توثيقه. قال أبو بشر الدُّولابي: سمعت العباس بن محمد قال: قال ابن معين: عامر بن عبدة -يعني بالتحريك-. وقال ابن عبد البر في كتاب \"الاستغنا في الكنى\": أبو إياس عامر بن عَبَدَة تابعي ثقة، ثم غفل فذكره في \"الصحابة\"، وقال: رَوَى عن النبي -ﷺ-، فذكر حديثا هو في مقدمة \"صحيح مسلم\"، من طريق عامر بن عبدة، عن عبد الله بن مسعود.\nوقال النوويّ في \"شرحه\": وأما عامر بن عبدة، فآخره هاء، وهو بفتح الباء وإسكانها، وجهان، أشهرهما وأصحهما الفتح. قال القاضي عياض: روينا فتحها عن عليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، وأبي مسلم المستملي، قال: وهو الذي ذكره عبد الغني في كتابه، وكذا رأيته في \"تاريخ البخاري\"، قال: وروينا الإسكان عن أحمد بن حنبل وغيره، وبالوجهين ذكره الدارقطني، وابن ماكولا، والفتح أشهر. قال القاضي:\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٧٧.\n(٢) ونقله مغلطاي عن ابن ماكولا، وأقره، انظر \"الإكمال\" ٧/ ١٤٦ فما كتبه الدكتور بشار في هامش \"تهذيب الكمال\" منتقدا على ابن ماكولا والحافظ ابن حجر في رواية أبي إسحاق إنكار مجرّد عن البرهان، فلا تلتفت إليه. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":12},{"text":"وأكثر الرواة يقولون: \"عبد\" بغير هاء، والصواب إثباتها، وهو قول الْحُفاظ: أحمد بن حنبل، وعلي بن المدينيّ، ويحيى بن معين، والدارقطني، وعبد الغنيّ بن سعيد، وغيرهم. انتهى (١).\nوقال في \"التقريب\": عامر بن عبدة -بفتح الموحّدة، وبسكونها- البجليّ، أبو إياس الكوفيّ، وثّقه ابن معين، من الثالثة.\nأخرج له المصنّف هنا في \"المقدّمة\" فقط، وأبو داود في \"القدر\".\n[تنبيه]: هذا الإسناد اجتمع فيه لطيفتان: من لطائف الإسناد: [إحداهما]: أنه إسناد كوفي كله.\n[والثانية]: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: وهم الأعمش، والمسيب، وعامر. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهذه فائدة نفيسة، قَلَّ أن يجتمع في إسناد هاتان اللطيفتان. انتهى (٢). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>شرح الأثر:</span>\nعن عامر بن عبَدَة، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁-، تقدّمت ترجمته في ١/ ١١ (إِنَّ الشَّيْطَانَ) قال الفيوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: فيه قولان: أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّةً، ووزنه فيعالٌ، وكلُّ عاتٍ متمرّدٍ من الجنّ، والإنس، والدوابّ، فهو شيطان، ووصَفَ أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان (٣). والقول الثاني: أن الياء أصليّة، والنون زائدة، عكس الأول، وهو من شاط يَشِيطُ: إذا بطل، أو احترق، فوزنه فَعْلان. انتهى (٤).\n(لَيَتَمَثَّلُ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ\nوإنما نبّهتُ عليه، وإن كان واضحًا لأني رأيت في بعض النسخ ضبط اللام بالكسر ضبط قلم، فخشيت أن يغترّ به القاصر. والله تعالى أعلم. ومعنى يتمثّل: يتصوّر (فِي صُورَةِ الرَّجُلِ) بالتعريف بأل العهديّة: في صورة الرجل الذي يعرفه القوم الذين يأتيهم، وإنما تصوّر في الصورة المعروفة لهم؛ زيادة في التغرير والتلبيس؛ إذ لو أتاهم\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٧٧.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٧٧.\n(٣) جمع شَطَنٍ بالتحريك: وهو الحبل.\n(٤) \"المصباح المنير\" ١/ ٣١٣.","vol":"2","page":13},{"text":"في صورة من لا يعرفونه لما أقبلوا لاستماع حديثه. والله تعالى أعلم (فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ) وإنما عبّر بـ \"من\" -والله أعلم- إشارة إلى أن بعض حديثه فيه صدق؛ ليموّه عليهمَ. (فَيَتَفَرَّقُونَ) من مجلس السماع (فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ) أي لكونه رآه قبل ذلك. والجملة في محلّ نصب صفة \"رجلًا\". (وَلَا) نافية (أَدْرِي) أي لا أعلم (مَا اسْمُهُ؟) \"ما\" استفهاميّة مبتدأ، و\"اسمه\" خبرها، والجملة في محلّ نصب سدّت مسدّ مفعولي \"أدري\"، معلّق عنها العامل. وقوله: (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال، من \"رجلًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>مسألتان تتعلّقان بهذا الأثر:</span>\n(المسألة الأولى): وجه استدلال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بأثر ابن مسعود -﵁- هذا أنه يدلّ على التحذير من الرواية عن المجهولين والضعفاء، وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يُقبَل إلا من كان معروفًا عينًا وحالًا، وثبتت عدالته ظاهرًا وباطنًا. والله تعالى أعلم.\n(المسألة الثانية): هذا الأثر موقوف، إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، ومن المقرّر في مصطلح الحديث أن ما جاء عن الصحابي، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا مجال للاجتهاد فيه، فيُحمَل على السماع، جزم به الرازي في \"المحصول\"، وغير واحد من أئمة الحديث، وترجم على ذلك الحاكم في كتابه: \"معرفةُ المسانيد التي لا يُذكر سندها\"، ومَثَّلَه بقول ابن مسعود -﵁-: \"من أَتَى ساحرًا، أو عَرّافًا، فقد كفر بما أُنزل به محمد -ﷺ- \". وقد أدخل ابن عبد البر في كتابه \"التقصي\" عدة أحاديث من ذلك، مع أن موضوع الكتاب للمرفوعة، منها: حديثُ سهل بن أبي حَثْمَة في صلاة الخوف، وقال في \"التمهيد\": هذا الحديث موقوف على سهل، ومثله لا يقال من قبل الرأي. نقل ذلك العراقي، وأشار إلى تخصيصه بصحابي لم يأخذ عن أهل الكتاب، وصرح بذلك الحافظ في \"شرح النخبة\"، جازمًا به، ومَثَّله بالإخبار عن الأمور الماضية، من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء، والآتية، كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص، قال: ومن ذلك فِعْلُهُ -يعني الصحابيّ- ما لا مجال للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النبي -ﷺ-، كما قال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في صلاة عليّ -﵁- في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين. قال: ومن ذلك حكمه على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله، أو لرسوله -ﷺ-، أو معصية، كقوله: \"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم\". وجزم بذلك أيضا الزركشي في \"مختصره\" نقلًا عن ابن عبد البر. وأما البلقيني فقال: الأقرب أن هذا ليس","vol":"2","page":14},{"text":"بمرفوع؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، وسبقه إلى ذلك أبو القاسم الجوهري، نقله عنه ابن عبد البر، ورده عليه. ذكره في \"تدريب الراوي\" (١).\nوالحاصل أن ما نُقل عن الصحابيّ له حكم الرفع، بشرطين: أحدهما: أن يكون مما لا مجال فيه للرأي. والثاني: أن لا يكون الصحابيّ ممن يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب، كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الأثر\"، حيث قال:\nوَمَا أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لَا ... يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:\n١٨ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: \"إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ، فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا\").\nرجال هذا الإسناد: ستة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الزاهد.\nرَوَى عن ابن عيينة، وأبي معاوية الضرير، وأبي أحمد الزُّبيريّ، وأبي داود الْحَفَريّ، وأبي داود الطيالسيّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم بن أبي طالب، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم.\nقال عبد الله بن عبد الوهّاب الْخُوَارَزميّ، عن أحمد: محمد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع. وقال البخاري: ثنا محمد بن رافع بن سابور، وكان من خيار عباد الله. وقال النسائي: أنا محمد بن رافع الثقة المأمون. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: شيخ صدوق، قَدِمَ علينا، وكان قد رحل مع أحمد. وقال زكريا بن دلويه: بعث طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى محمد بن رافع بخمسة آلاف فردها. قال زكريا: وكان يخرج إلينا في الشتاء الشاتي، وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل. وقال الحاكم: هو شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة حدّثنا ابن صالح، ثنا ابن رجاء قال: قلت لعثمان بن أبي شيبة: تعرف محمد بن رافع؟ قال: ذاك الزاهد. وقال عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي عن أحمد: محمد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع. وقال\n_________\n(١) راجع \"التدريب\" ١/ ١٩٠ - ١٩١.","vol":"2","page":15},{"text":"جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ: ما رأيت من المحدثين أهيب منه، كان يستند، فيأخذ الكتاب يقرأ بنفسه، فلا يَنطِق أحد، ولا يتبسّم، سمعت محمد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: محمد بن رافع ثقة مأمون، صحيح الكتاب. وقال ابن صالح: ثنا محمد بن شاذان، ثنا محمد بن رافع الثقة المأمون. وقال أحمد بن سيار في ذكر مشايخ نيسابور: محمد بن رافع كان ثقة، حسن الرواية عن أهل اليمن. وقال النسائي في \"مشيخته\"، ومسلمة في \"الصلة\": ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان ثبتا فاضلًا، وفيها أرخه البخاري وغيره.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابد، من الحادية عشرة.\nروى عنه البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٤١) حديثًا (١).\n٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني.\nروى عن أبيه، وعمّه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأخيه عبد الله ابن عُمَر العمريّ، وجماعة. وروى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سُليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وخلق كثير.\nقال أحمد بن صالح المصري: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدًا أحسن حديثا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقي: عبد الرزاق أحد من ثبت حديثه. وقال ابن أبي السَّرِيّ عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعة: رباح بن زيد، ومحمد ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رباح فخليق أن يغلب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق فإن عاش فخليق أن تُضرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أتعبها. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأحمد: من أثبت في ابن جريج: عبد الرزاق، أو البرساني؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدوري عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن\n_________\n(١) هذا العدد هو الذي سجّله في برنامج الحديث (صخر)، والذي ذكره الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٥٦١ عن \"الزهرة\" أن البخاريّ روى عنه (١٧) حديثًا، وروى عنه مسلم (٣٦٢) حديثًا، فليُحرّر.","vol":"2","page":16},{"text":"شيبة عن علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: وكان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا. قال يعقوب: وكلاهما ثقة. وقال الحسن بن جرير الصوري عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثةٌ، لا أبالي أن لا يكتب عني غيرهم، كتب عني ابن الشاذكوني، وهو من أحفظ الناس، وكتب عَنِّي يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتب عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حبي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضّلُ الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما ما فضلتهما، كفى بي ازدراء أن أحب عليا، ثم أخالف قوله: وقال ابن عدي: ولعبد الرزاق أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به. وقال محمد بن إسماعيل الفزاري: بلغني ونحن بصنعاء، أن أحمد ويحيى تركا حديث عبد الرزاق، فدخلنا غَمّ شديد، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه.\nقال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع، من التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٩٩) حديثًا.\n٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ الْحُدّانيّ مولاهم، أبو عُروة بن أبي عمرو البصريّ، نزيل اليمن، شَهِدَ جنازة الحسن البصري.\nرَوَى عن ثابت البناني، وقتادة، والزهري، وعاصم الأحول، وأيوب، والجعد أبي عثمان، وزيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن طاوس، وجعفر بن بُرْقان، والحكم بن أبان، وخلق كثير. ورَوَى عنه شيخه يحيى بن أبي كثير، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه، وسعيد بن أبي عروبة،","vol":"2","page":17},{"text":"وأبان العطار، وابن جريج، وعمران القطان، وهشام الدستوائي، وعبد الرزّاق، وخلق كثير. قال عبد الرزاق عن معمر: طلبت العلم سنة مات الحسن، وعنه قال: جلست إلى قتادة، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثا إلا كأنه يُنقش في صدري، وعَدّه علي بن المديني، وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم. وقال الميموني عن أحمد: ما نَضُمّ أحدا إلى معمر إلا وجدت معمرا يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم، وكذا قال أبو طالب، والفضل بن زياد عن أحمد نحوه. وقال الدُّوري عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ثم عَدَّ جماعة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة، أو صالح بن كيسان، أو يونس؟ فقال: في كل ذلك معمر. وقال الغلابي: سمعت ابن معين يُقَدِّم مالك بن أنس على أصحاب الزهري، ثم معمرا، قال: ومعمر عن ثابت ضعيف. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال عمرو بن علي: كان من أصدق الناس. وقال العجلي: بصري سكن اليمن ثقة، رجل صالح. قال: ولما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه، فزوجوه. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: معمر ثقة، وصالح ثبتٌ عن الزهري. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: عليكم بهذا الرجل، فإنه لم يبق أحد من أهل زمانه أعلم منه، يعني معمرا. وقال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل اليمن: كان معمر رجلا له قَدْرٌ ونُبْلٌ في نفسه، ولَمّا خرج إلى اليمن شيعه أيوب. حدثنا عبد الرحمن بن يونس، سمعت ابن عيينة يَسأل عبد الرزاق، فقال: أخبرني عما يقول الناس في معمر: إنه فُقِد، ما عندكم فيه؟ فقال: مات معمر عندنا، وحضرنا موته، وخلف على امرأته قاضينا مُطَرِّف بن مازن. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين، فخالفه إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة، وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم ابن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب، كثير الأوهام. وقال الخليليّ: أثنى عليه الشافعي، ورَوَى ابن المبارك في \"الرقاق\" عن معمر، عن سعيد المقبري حديثًا، فقال الحاكم: صحيح إن كان معمر سمع من سعيد. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان فقيها حافظا متقنا ورعا، مات في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.\nقال الواقدي وجماعة: مات سنة ثلاث. وقال أحمد، ويحيى، وعلي: مات سنة","vol":"2","page":18},{"text":"أربع، زاد أحمد: وهو ابن ثمان وخمسين. وقال الطبراني: كان معمر بن راشد، وسَلْمُ ابنُ أبي الذَّيّال فُقِدا، فلم يُرَ لهما أثر.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار السابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٠٠) حديث.\n٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي.\nروى عن أبيه، وعطاء، وعمرو بن شعيب، وعليّ بن عبد الله بن عبّاس، ومحمد ابن إبراهيم بن الحارث، وغيره. ورَوَى عنه ابناه: طاوس، ومحمد، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وابن إسحاق، وغيرهم.\nقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلا إلى أحد فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه. وقال أيضا عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقا. وقال النسائي في \"الكنى\": ثقة مأمون. وكذا قال الدارقطني في \"الجرح والتعديل\". وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلا ونسكا ودينا. وتكلم فيه بعض الرافضة. قال ابن سعد عن الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة (١٣٢)، وأرخه ابن قانع سنة إحدى.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فاضلٌ عابدٌ، من السادسة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٠) حديثًا.\n٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري الْجَنَديّ، مولى بَحِير بن رَيْسان من أبناء الفرس، كان ينزل الْجَنَدَ، وقيل: هو مولى هَمْدَان. وقال ابن حبان: كانت أمه من فارس، وأبوه من النَّمِر بن قاسط. وقيل: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه.\nرَوَى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وسراقة بن مالك، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وجابر، وغيرهم.","vol":"2","page":19},{"text":"وروى عنه ابنه عبد الله، ووهب بن مُنَبّه، وسليمان التيميّ، وسليمان الأحول، وأبو الزبير، والزهريّ، وإبراهيم بن ميسرة، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عُتيبة.\nقال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابة. وقال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أني لأظن طاوسا من أهل الجنة. وقال ليث بن أبي سليم: كان طاوس يَعُدُّ الحديث حرفا حرفا. وقال قيس بن سعد: كان فينا مثل ابن سيرين بالبصرة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: طاوس أحب إليك أم سعيد بن جبير؟ فلم يخير. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة. وقال ابن عيينة: مُتَجَنِّبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاووس في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن حبان: كان من عُبّاد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، مات سنة إحدى، وقيل: سنة ست ومائة. وقال ضمرة عن ابن شَوْذَب. شهدت جنازة طاوس بمكة سنة مائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة. وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة ست ومائة. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة بضع عشرة ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فقيهٌ فاضلٌ، من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٧٨) حديثًا.\n٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم ابن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، أبي محمد، وقيل: أبي عبد الرحمن، وقيل: أبي نُصَير. وأمه رائطة بنت مُنَبّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السهمية، ويقال: حذافة بن سعد بن سهل، وقال فيهم النبي -ﷺ-: \"نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله\". وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم سُمّي عبد الله، ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهدا في العبادة، غزير العلم. قال أبو هريرة: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله -ﷺ- مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب. رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وسراقة بن مالك بن جُعشُم، وغيرهم. وروى عنه أنس بن مالك -﵁-، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة، وكانت في ذي الحجة، سنة (٦٣). وقال في موضع آخر: مات سنة (٦٥)، وكذا قال ابن بكير. وقال في رواية: مات سنة (٦٨)، وكذا قال الليث. وقيل: مات سنة (٧٣). وقيل: سنة (٧٧).","vol":"2","page":20},{"text":"وقيل: غير ذلك، وكان موته بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بفلسطين. وذكر العسكري أنه عاش قريبا من مائة سنة. قال الحافظ: وهو بعيد من الصحة. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٧) حديثًا.\n[تنبيه]: قوله: \"ابن العاص\": أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح \"العاصي\" بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ (١).\nوإلى القاعدة المذكورة أشار في \"الخلاصة\" بقوله:\nوَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا ... لم يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا\nوَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي ... نَحْوِ \"مُرٍ\" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي\nوالله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه من سداسيات المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. (ومنها). أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم مصريّ، ثم طائفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الأثر\":\nوَالْبَحْر وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي\nدُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ\nومنها: أنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄، أنه (قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ) الظاهر أن \"أل\" للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ويراد به البحر الأحمر؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق (شَياطِينَ) جمع شيطان، وتقدم أنه يطلق على كلّ عَاتٍ متمرِّد من الجنّ والإنس والدّوابّ، لكن المراد هنا من كان من الجنّ بدليل قوله: \"أوثقها سليمان\"؛ لأن الذي أوثقه سليمان ﵇ هو الجنّ (مَسْجُونَةً) أي محبوسة في البحر\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"2","page":21},{"text":"(أَوثَقَهَا) أي شَدَّها ورَبَطَها (سُلَيْمَانُ) بن داود ﵇، قال في \"المفهم\": هذا الحديث ونحوه لا يُتَوَصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع، والظاهر أن الصحابة إنما يستندون في هذا للنبي -ﷺ-، مع أنه يحتمل أن يُحدّث به عن بعض أهل الكتاب. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن شرط كون الموقوف في حكم المرفوع أن لا يكون الصحابي الذي وُقِف عليه معروفًا بالرواية عن أهل الكتاب، وأما إذا كان معروف بذلك فليس لموقوفه حكم الرفع، وهنا كذلك، فإن عبد الله بن عمرو معروف بذلك، فلا يكون هذا الحديث في حكم المرفوع، فتنبه. والله تعالى أعلم.\n(يُوشِكُ) أي يقرُب، وهو بضمّ الياء، وكسر الشين، ويُستعمل أيضًا ماضيًا، فيقال: أوشك كذا: أي قرُب، ولا يُقبل قول من أنكره من أهل اللغة، فقال: لم يُستعمل ماضيًا، فإن هذا نفيٌ يُعارضه إثبات غيره والسماع، وهما مقدّمان على نفيه. قاله النوويّ (١).\nوقال في \"القاموس\": وَشُكَ الأمرُ، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوشّك -بالتشديد- وأوشك: أسرع السيرَ، كواشك، ويُوشك الأمرُ أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفتَح شينه، أو لُغَةٌ رديئة. انتهى.\nوقال في \"المفهم\": \"يوشك\" بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها أوشك، ومعناه مقاربة وقوع الشيء، وإسراعه، والوَشَكُ بفتح الواو: السرعة، وأنكر الأصمعيّ الكسر فيها. وحكى الجوهريّ الضمّ فيها. وتُستعمل \"يوشك\" على وجهين: ناقصة تفتقر إلى اسم وخبر، وتامّة تستقلّ باسم واحد، فالناقصة يلزم خبرها \"أن\" غالبًا؛ لما فيها من تراخي الوقوع، وتكون بتأويل المصدر، كقولك: يوشك زيد أن يذهب: أي قارب زيد الذهاب، وربّما حُذفت \"أن\" تشبيهًا لها بـ \"كاد\"، كقول الشاعر:\nيُوشِكَ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا\nوالتامّة تكتفي باسم واحد، وهو \"أن\" مع الفعل بتأويل المصدر، بمعنى قرُب، كما في خبر عبد الله بن عمرو هذا. انتهى (٢).\n(أَنْ تَخْرُجَ) أي من محلّ سَجْنها من البحر (فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا) أي شيئًا تزعم أنه قرآن؛ لتَغُرّ به عوامّ الناس، وليس بقرآن. وقال في \"المفهم\": القرآن أصله الجمع، ومنه قول من مَدَحَ ناقته، فقال:\n_________\n(١) شرح مسلم\" ١/ ٨٠.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١٢٠.","vol":"2","page":22},{"text":".............. ... هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا (١)\nوبه سُمّي كتاب الله قرآنًا؛ لِمَا جمع من المعاني الشريفة، ثم قد يقال: مصدرًا، بمعنى القراءة، كما قال الشاعر في عثمان:\n...................... ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا (٢)\nأي قراءة.\nومعنى هذا الحديث: الإخبار بأن الشياطين المسجونة ستخرج، فتُموّه على الجهلة بشيء، تقرؤه عليهم، وتلبّس به، حتّى يحسبوا أنه قرآن، كما فعله مسيلمة، أو تسرُدُ عليهم أحاديث تُسندها للنبيّ -ﷺ- كاذبةً، وسُمّيت قرآنًا؛ لما جمعوا فيها من الباطل، وعلى هذا الوجه يُستفاد من الحديث التحذير من قبول حديث من لا يُعرَف. انتهى (٣).\nوقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد حفظ الله كتابه، وضمِن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقد ثبت القرآن، ووقع عليه الإجماع، فلا يُزاد فيه حرف، ولا يُنقص حرف، وقد رام الروافض، والملحدة ذلك، فما يمكن لهم، ولا يصحّ أن يَقبل مسلم من أحد قرآنًا يدّعيه مما ليس بين الدَّفّتين، فإن كان لهذا الخبر أصلٌ صحيح، فلعله يأتي بقرآن فلا يُقبل منه، كما لم يُقبل ما جاءت به القرامطة، ومسيلمة، وسَجَاحِ، وطليحة، وشبههم. أو يكون أراد بالقرآن ما يأتي به، ويجمعه من أشياء يذكرها، إذ أصل القرآن الجمع، سمّي بذلك لما يجمعه من القصص، والأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، وكلُّ شيء جمعته فقد قرأته. انتهى (٤).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما قال القاضي: إن كان للخبر أصل صحيح؛ لاحتمال أن يكون هذا من الإسرائيليات؛ لأن عبد الله بن عمرو ﵄ معروف بالحكاية من كتب أهل الكتاب، فيُخشى أن يكون هذا منها. والله تعالى أعلم.\n[فائدة]: ذكر صاحب \"فتح الملهم\" حكاية، حاصلها: قد رأينا قبل عشرين سنة أن الشيطان تمثّل في صورة الدكتور منجانا الإنجليزيّ، فأخرج قرآنا من وراء البحار، وعرضه على الناس، مع ادّعائه أنه مصحف عتيق، مخالف لهذه المصاحف الموجودة\n_________\n(١) هذا عجز بيت لعمرو بن كلثوم، وصدره:\nذِرَاعَي عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ.\n(٢) هذا عجز بيت لحسّان، وصدره:\nضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عنوَان السُّجُودِ لَهُ.\n(٣) \"المفهم\" ١/ ١٢٠ - ١٢١.\n(٤) \"إكمال المعلم\" ١/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"2","page":23},{"text":"بأيدي المسلمين شرقًا وغربًا في كثير من المواضع، وكان غرضه إثبات التحريف في القرآن، ولكن لم يرفعوا له رأسًا، فلم ينجح، بل خاب وخسر، وصار بعد أيام كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، فذهب الزبد جُفاءً، ومكث ما ينفع الناس في الأرض، ولله الحمد. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:\n١٩ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي، أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (محمد بن عبّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد.\nرَوَى عن ابن عيينة، وحاتم بن إسماعيل، والدراوردي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وروى الباقون سوى أبي داود عنه بواسطة أحمد بن سعيد الدارمي، وسليمان بن توبة، وعثمان بن خُرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وروى عنه أيضا الذهلي، والصاغاني، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه حديث أهل الصدق، وأرجو أنه لا يكون به بأس، وقال مرة: يقع في قلبي أنه صدوق. وقال أبو زرعة عن ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن منده: يكنى أبا عبد الله. وقال صالح جَزَرَة: لا بأس به. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال البخاري وغيره: توفي آخر سنة أربع وثلاثين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ يَهِم، من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٤٢) حديثًا.\n٢ - (سعيد بن عمرو) بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ.\n_________\n(١) راجع \"فتح الملهم\" ١/ ١٣٨.","vol":"2","page":24},{"text":"رَوَى عن أبي زُبَيد عبثر بن القاسم، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وروى له النسائي بواسطة القاسم بن زكريا بن دينار، وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وقال: ثقة، وبقي بن مخلد، وغيرهم.\nوقال مطين: مات في صفر سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقة، كتب عنه يحيى بن معين. وقال ابن سعد: هو ثقة صدوق مأمون. وقال ابن قانع: كوفي صالح.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة. وله في \"صحيح مسلم\" (٢٦) حديثًا.\n٣ - (سفيان بن عيينة) الإمام المكيّ الحافظ الحجة، تقدّمت ترجمته (١).\n٤ - (هشام بن حُجَير) -بمهملة، ثم جيم، مصغّرًا- المكيّ.\nرَوَى عن طاوس، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، والحسن البصري، وروى عنه ابن جريج، ومحمد بن مسلم الطائفي، وشِبْل بن عباد المكي، وابن عيينة. قال الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك، قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فضعفه جِدّا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ثنا عنه ابن جريج، وخليق أن أدعه، قلت: أضرب على حديثه؟ قال: نعم. وقال الآجري عن أبي داود: ضُرِبَ الحدَّ بمكة، قلت: في ماذا؟ قال: فيما يُضرب فيه أهل مكة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الساجي: صدوق. وقال العقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجد عند غيره.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، له أوهامٌ، من السابعة.\nأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" حديثان فقط: (٢١٨٨) حديث معاوية: \"أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله -ﷺ-\"، و(٣١٢٤) حديث أبي هريرة -﵁-: \"قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة ... \".\n٥ - (طاوس) بن كيسان المترجم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد قولُهُ: \"قال سعيد: أخبرنا سفيان الخ\" فإنه من تدقيقات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، واحتياطه، وورعه، حيث يراعي اختلاف شيوخه في صيغ\n_________\n(١) تقدّمت عند ذكر المصنّف أئمة الجرح والتعديل الذين يقتدى بهم في هذا الفنّ.","vol":"2","page":25},{"text":"الأداء، فقد صرّح شيخه سعيد بن عمرو الأشعثيّ بالإخبار، وذكر شيخه باسمه، فقال: \"أخبرنا سفيان\"، فبيّن المصنّف ذلك؛ أداء للأمانة، وإن كان لا يختلف المعنى بذلك في الغالب، وهذا هو الذي حمل بعض العلماء على أن يُقَدِّموا مسلمًا على البخاريّ؛ حيث إنه أدقّ في الصناعة الحديثيّة، وإن كان البخاريّ أدقّ في مراعاة الأصحيّة، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في \"ألفيّة الأثر\" بقوله:\nوَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا\nوالله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان اليمانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي) العناية ممن بعد طاوس: أي يريد بقوله: \"هذا\" الإشارة إلى (بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ) بضمّ الموحّدة، وفتح المعجمة- ابن أبي الْحِمْيَري العدوي، ويقال: العامري أبو أيوب، رَوَى عن ربيعة الْجُرَشيّ، وشهد معه اليرموك، وشداد بن أوس، وأبي الدرداء، وأبي ذرّ، وأبي هريرة. ورَوَى عنه ابن بُرَيدة، وقتادة، وثابت البناني، وطلق بن حبيب، والعلاء بن زياد، وغيرهم. قال ابن المديني: معروف. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال عمرو ابن دينار: قال لي طاوس: اذهب بنا نجالس الناس، فجلسنا إلى رجل من أهل البصرة، يقال له: بُشَير بن كعب العدوي، فقال طاوس: رأيت هذا أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: كأني أسمع حديث أبي هريرة، وهو الذي أنكر عليه ابن عباس الإرسال، وقصته في \"مقدمة صحيح مسلم\". وهو الذي قال لعمران بن حصين لَمّا حدث عن النبي -ﷺ- بحديث: \"الحياء خير كله\"، فقال بُشير بن كعب: إن في الحكمة مكتوبا منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه. أخرج ذلك البخاري ومسلم من حديث أبي السَّوّار عنهما، وأخرجه مسلم من حديث أبي قتادة الْعَدَويّ أيضا عنهما. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكر ابن حبان في \"الثقات\" أن بُشَير بن كعب الذي شهد اليرموك آخر غير صاحب الترجمة. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف ذكرٌ فقط.\n(فَجَعَلَ) أي شرع، فـ \"جعل\" من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، واسمها ضمير بُشير، وخبرها قوله: (يُحَدِّثُهُ) ولا يقترن بـ \"أَنْ\"، كما قال ابن مالك في \"الخلاصة\":\n........................... ... وَتَرْكُ \"أَنْ\" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا","vol":"2","page":26},{"text":"كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ ... كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ\nوالمعنى: أن بشير بن كعب شرعِ يُحدّث ابن عبّاس ﵄ (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا) بضم العين المهملة: أمر من عاد يعود، كقال يقول، يقال: عاد إلى كذا، وعاد له يعود عَوْدةً، وعَوْدًا: إذا صار إليه، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. والمعنى: أَعِد الحديث الفلانيّ (فَعَادَ لَهُ) أي لذلك الحديث (ثُمَّ حَدَّثَهُ) أي حدّث بُشيرٌ بحديث آخر (فَقَالَ) ابن عباس (لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ) أي قال بُشير لابن عبّاس (مَا) نافية (أَدْرِي) أي لم أعرف سبب طلبك العود إلى الحديث (أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا) أي الذي أمره بالعودة إليه (أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) يحتمل أن يكون بالبناء للمفعول. أي كان الناس يحدّثوننا، ونستمع منهم. وهذا هو الظاهر؛ لأن السياق يدلّ عليه، وكذا الأثران بعده ظاهران فيه. ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل: أي نحدّث الناس.\nقال السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قوله: \"نُحدّث\" ضُبط في غالب النسخ بكسر الدال على بناء الفاعل، والوجه عندي أنه على بناء المفعول، وهو كناية عن الميل إلى سماع الحديث عن الناس، والأخذ عنهم، فإن كذب الناس يمنع الأخذ عنهم، لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون علّةً لتعليمهم عقلًا، وهو الموافق لسائر الروايات الآتية. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما استوجهه السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قويّ، إلا أنه لا يبعد أن يكون بالبناء للفاعل أيضًا، ووجهه أن ظهور الكذب، وكثرة الأهواء يجعل المحدّث يمسك عن حديثه، إذا خاف أن يتّخذوا ذلك وسيلة إلى تقوية أهوائهم، أو خاف الزيادة والنقص بسبب عدم مبالاتهم بالكذب. والله تعالى أعلم.\nثم وجدتُّ القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى صحّح الوجه الأول، ونصّه: الصحيح في \"نُحدَّث\" بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة، مبنيّا للمفعول، ويؤيّده قوله في الرواية الأخرى: \"كنّا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله -ﷺ- ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا\". وكذلك وجدته مقيّدًا بخطّ من يُعتمد على علمه وتقييده، وقد وجدته في بعض النسح بكسر الدال، وفيه بُعد، ولعله لا يصحّ. انتهى (١).\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١٢٥.","vol":"2","page":27},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المدار على صحّة الرواية، فإن صحّت بالبناء للمفعول، فهي متعيّنة، وإلا فالكلام محتمل للبناء للفاعل أيضًا، وإن كان الوجه الأول أوضح. فتأمّل. والله تعالى أعلم.\n(إِذْ) ظرفيّة متعلّقة بـ \"نحدّث\" (لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول: أي وقت عدم الكذب عليه -ﷺ-. والمعنى على الأول: كان الناس يُحدّثوننا، ونستمع إلى حديثهم، ونأخذ به، في الوقت الذي لا يَكذب فيه أهله على النبيّ -ﷺ-، وهو عهده -ﷺ-، وعهد أصحابه. وعلى الثاني: كنا نحدّت الناسَ بحديث رسول الله -ﷺ- في الوقت الذي نثق بأهله أنهم لا يزيدون على ما حدّثناهم به، ولا ينقصون منه، وقد سبق آنفًا أن الأول هو الأظهر؛ لأنه الذي يدلّ عليه السياق، والأثران بعده، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف، من باب علم (النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا مثلٌ، وأصله في الإبل، ومعناه أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله -ﷺ-، واجترؤوا عليه، فتحدّثوا بالمرضيّ عنه الذي مثّله بالذلول من الإبل، وبالمنكر منه الممثّل بالصعب من الإبل. انتهى (١).\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو مثالٌ حسنٌ، وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب الْعَسِرُ المرغوب عنه، والذَّلُول السَّهْلُ الطيّب المحبوب المرغوب فيه. فالمعنى: سلك الناس كلَّ مَسْلَك مما يُحمد ويُذمّ. انتهى (٢). (تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ) أي تركنا استماع الحديث الذي يُنقل عن رسول الله -ﷺ-، وقبوله، أو تركنا التحديث للناس؛ لعدم ثقتنا بهم، وخوفنا منهم الزيادة والنقص.\nوحاصل ما أشار إليه ابن عبّاس ﵄ في هذا الكلام أنه لَمّا فشا الكذب في الآونة الأخيرة، وكثُر عدم مبالات الناس به أراد أن يتحقّق ويتأكّد من صحّة حديثه، فأمره بإعادة بعض أحاديثه التي لم يستمع إليها حقّ استماع، حتى يوفّيها حقّها من القبول أو الردّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:\n٢٠ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظْ الْحدَيثَ، وَالحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ- فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث، فلا حاجة إلى إعادته. وبالله تعالى التوفيق.\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١٢٤.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٠.","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>شرح الأثر:</span>\n(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ) بالبناء للفاعل: أي نأخذ من الناس الحديث، ونحفظه. وقوله: (وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ) بالبناء للمفعول، جملة في محلّ نصب على الحال من \"الحديث\" (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) متعلّق بـ \"يُحفَظ\" (فَأَمَّا إِذْ) ظرفية (رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَهَيْهَاتَ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أي ما أبعد استقامة أمركم، أو فما أبعد أن نثق بحديثكم، ونسمع منكم، ونُعَوِّل على روايتكم. انتهى (١).\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": قوله: \"فهيهات\": أي بَعُدت استقامتكم، أو بَعُد أن نَثِقَ بحديثكم. و\"هيهات\": موضوعة لاستبعاد الشيء، واليأس منه. قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: \"هيهات\": اسم سُمِّي به الفعل، وهو بَعُدَ في الخبر، لا في الأمر، قال: ومعنى \"هيهات\": بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، قال: وفيه زيادة معنى ليست في بَعُدَ، وهو أن المتكلم يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الذي يخبر عن بعده، فكأنه بمنزلة قوله: بَعُد جِدّا، وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد، ففي \"هيهات\" زيادة على \"بَعُد\"، وإن كنا نفسره به، ويقال: هيهات ما قلتُ، وهيهات لِمَا قلتُ، وهيهات لك، وهيهات أنت.\nقال الواحدي: وفي معنى هيهات ثلاثة أقوال:\n[أحدها]: أنه بمنزلة بَعُدَ، كما ذكرناه أَوّلًا، وهو قول أبي علي الفارسي، وغيره من حُذّاق النحويين.\n[والثاني]: بمنزلة بعيد، وهو قول الفراء.\n[والثالث]: بمنزلة البعد، وهو قول الزجاج، وابن الأنباري، فا لأول نجعله بمنزلة الفعل، والثاني بمنزلة الصفة، والثالث بمنزلة المصدر. وفي \"هيهات\": ثلاث عشرة لغة، ذكرهن الواحديّ: \"هيهات\" -بفتح التاء، وكسرها، وضمها، مع التنوين فيهن، وبحذفه، فهذه ست لغات، و\"أيهات\" بالألف بدل الهاء الأولى، وفيها اللغات الست أيضا. والثالثة عشرة: \"أيها\" بحذف التاء من غبر تنوين. وزاد غير الواحديّ: \"أيئات\" بهمزتين بدل الهاءين، والفصيح المستعمل من هذه اللغات استعمالًا فاشيًا \"هيهات\" بفتح التاء بلا تنوين. قال الأزهريّ: واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست أصلية، واختلفوا في الوقف عليها، فقال أبو عمرو، والكسائيّ: يوقف بالهاء. وقال الفراء:\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢١.","vol":"2","page":29},{"text":"بالتاء. انتهى كلام النوويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه:\n٢١ - (وحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ -يَعْنِي الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا تَسْمَعُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَضْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (أَبُو أَيُّوبَ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمرو بن جابر الْغَيْلَانِيُّ المازنيّ، أبو أيوب البصريّ.\nرَوَى عن أبي عامر العقدي، وأبي داود الطيالسي، وبهز بن أسد، وأبي قتيبة سلم ابن قتيبة، وأمية بن خالد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والنسائي، وابن ناجية، وابن أبي عاصم، وابن أبي الدنيا، وعبيد الله بن واصل.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة ست وأربعين ومائتين، وفيمن مات سنة (٢٤٧).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من الحادية عشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" خمسة أحاديث برقم ١٣٦ و١٦٩٦ و٢١٠٥٦ و٢١١٥ و٤٨٥.\n٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ) -بفتحتين- هو: عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ.\nرَوَى عن أيمن بن نابل، وسحّامة بن عبد الرحمن الأصم، وعكرمة بن عمار، وقرة بن خالد، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، والمسندي، وأبو خيثمة، وسليمان بن عبيد الله، وغيرهم.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٠ - ٨١ وقد أشبع النووي ﵀ البحث في \"هيهات\" في كتابه النافع \"تهذيب الأسماء واللغات\" بما لا تراه في غيره، فطالعه ٤/ ١٨٥ - ١٨٨. تزدد علمًا.","vol":"2","page":30},{"text":"قال سليمان بن داود القزاز: قلت لأحمد: أريد البصرة عمن أكتب؟ قال: عن أبي عامر العقدي، ووَهْب بن جرير، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن مهدي: كتبت حديث ابن أبي ذئب عن أوثق شيخ أبي عامر العقدي. قال السراج: و\"الْعَقَدُ\" قوم من قيس، وهم صنف من الأزد. وقال أبو زكريا الأعرج النيسابوري: كان إسحاق إذا حدثنا عن أبي عامر قال: ثنا أبو عامر الثقة الأمين. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن شاهين في \"الثقات\"، قال عثمان الدارمي: أبو عامر ثقة عاقل. قال محمد بن سعد، ونصر بن علي: مات سنة أربع ومائتين. وقال أبو داود، وابن حبان: مات سنة (٥).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٢) حديثًا.\n٣ - (رَبَاحٌ) -بفتح الراء، وتخفيف الباء الموحّدة، آخره حاء مهملة- ابن أبي معروف بن أبي سارة المكيّ.\nرَوَى عن عطاء، وقيس بن سعد، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وأبي الزبير، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وابن أبي فديك، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم، وغيرهم.\nقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، ثم تركه، وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن عمار، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صالح. وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقشف، ولزوم الورع، وكان يَهِم في الشيء بعد الشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الساجي عن أحمد: كان صالحًا. وقال ابن عدي: ما أرى برواياته بأسًا، ولم أجد له شيئا منكرًا.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، له أوهام، من السابعة.\nأخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\"، والمصنّف، والترمذي، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث برقم ٢٠٢١ و٢١٠٥ و٢٨٦٠.\n٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْد) المكيّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشي، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة.\nرَوَى عن عطاء، وطاووس، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، ومكحول","vol":"2","page":31},{"text":"الشامي، ويزيد بن هرمز، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، وعمران القصير، وجرير بن حازم، ورباح بن أبي معروف، وهشام بن حسان، وسيف بن سليمان، ويزيد بن إبراهيم التستري، وغيرهم.\nقال أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان قد خلف عطاء في مجلسه، ولكنه لم يُعَمَّر، مات سنة تسع عشرة ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: مكي ثقة. وسئل أبو داود عن قيس، وابن جريج في عطاء؟ فقال: كان قيس أقدم، وابن جريج يُقَدَّم. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة (١٧). وقيل: سنة (١٩). وقال في \"التقريب\": ثقة، من السادسة.\nأخرج له البخاري في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجهْ، وله في \"صحيح مسلم\" ستة أحاديث برقم ٧٣٧ و١٢٨٢ و١٢٨٨ و٢٠٢٠ و٣٢٣٠ و٣٣٧٩.\n٥ - (عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جبر المخزوميّ مولاهم المقرىء، مولى السائب بن أبي السائب، أبو الحجّاج المكيّ.\nرَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة، ورافع بن خديج، وأسيد بن ظهير، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وأم سلمة، وجويرية بنت الحارث، وأبي هريرة، وأم هانىء بنت أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعطاء، وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وغيرهم.\nقال عبد السلام بن حرب عن مصعب: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاء، وطاوسًا، ومجاهدًا. وقال الأعمش عن مجاهد: لو كنت قرأت على قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن. وعن مجاهد قال: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت. وقال إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: ربما آخذ لابن عمر بالركاب. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يقولون: تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال علي بن المديني: لا أنكر أن يكون مجاهد يلقى جماعة من الصحابة، وقد سمع من عائشة. ووقع التصريح بسماعه منها عند أبي عبد الله البخاري في \"صحيحه\". وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها عالما كثير","vol":"2","page":32},{"text":"الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيها ورعا عابدًا متقنًا. وقال أبو جعفر الطبري: كان قارئا عالمًا. وقال العجلي. مكي تابعي ثقة. وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال أيضًا: قرأ عليه عبد الله بن كثير. قال الهيثم بن عدي: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وقال أبو نعيم مات سنة اثنتين. وقال سعيد بن عفير وأحمد: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة، وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر. وقال يحيى القطان: مات سنة أربع ومائة. وقال في \"التقريب\": ثقة، إمام في التفسير والعلم، من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٨) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>لطائف هذا الإسناد:</span>\n(منها): أنه مسلسل بالمكيين من رَبَاح، وشيخ المصنف، وشيخ شيخه بصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن قوله: \"يعني العقَديّ\" فيه قاعدة من القوأعد المصطلحيّة، وهي أن شيخ المصنّف لم ينسب أبا عامر إلى قبيلته، فأراد المصنّف أن يَنسبه؛ ليُعْرَف، فلو قال: \"حدّثنا أبو عامر العقَديّ\" لكان زائدًا على شيخه، ففصله بـ \"يعني\"؛ تمييزًا بين كلام شيخه، وبين ما زاده عليه وقد تقدم تمام البحث في هذا مستوفي في المسألة السادسة من مقدمة هذا الشرح، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ مُجَاهِد) بن جبر الإمام المشهور رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَجَعَلَ) أي شرع بُشير (يُحَدِّثُ) وفي الرواية الماضية: \"يُحدّثه\" بالضمير، وهو لابن عبّاس ﵄ (وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي جعل يكرّر الأحاديث المرفوعة (فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ) بفتح الذال المعجمة، من باب علِمَ: أي لا يستمع، ولا يُصغي إليه بأذنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]. أي سمعت، ومنه سُمّيت الأذن (١). (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ) بُشير (يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبرها قوله: (لِي) أي أيُّ شيء ثبت؟، والاستفهام للإنكار. وقوله: (لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي) جملة في محلّ نصب على الحال (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ ولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَا تَسْمَعُ) أي سماع قبول.\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢١. و\"المفهم\" ١/ ١٢٣.","vol":"2","page":33},{"text":"[تنبيه]: الظاهر أن هذه القصّة واقعة أخرى غير القصة المذكورة في الرواية الماضية. ويحتمل أن تتّحد القصّتان، فيكون في الرواية الأولى اختصار، وهو أن ابن عباس ﵄ ظنّ أن غرضه مجرّد إسماعه الحديث، فلما قال له: \"ما لي لا أراك تسمع الخ\" عرف أن مقصوده تحقيق أحاديثه بعرضها عليه، فاعتذر إليه بأنه إنما لم يستمع لكون الناس سلكوا في الحديث مسلكًا غير مرضيّ بحملهم الصحيح والسقيم، ثم قال له: أما إذا أردت التحقيق، فاقرأها عليّ حتى أستمع، فجعل يحدّثه، فقال له: عُد لحديث كذا ولحديث كذا. لكن الاحتمال الأول هو ظاهر سياق الروايتين، فهو أولى. والله تعالى أعلم.\n(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كُنَّا مَرَّةً) أي مرّةً من المرّات، ووقتًا من الأوقات، وذلك قبل أن يفشو الكذب (إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ابْتَدَرَتْهُ) أي تسابقته (أَبْصَارُنَا) بفتح الهمزة: جمع بصر (وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ) أي مِلْنا إليه. قال في \"المصباح\": صَغَيتُ إِلى كذا أصْغَى -بفتحتين-: مِلْتُ، وصَغَتِ النُّجوم: مالت للغروب، وصَغِىَ يَصْغَى صَغًى، من باب تَعِبَ، وصُغِيّا على فُعُول، وصغَوْتُ صُغُوًّا، من باب قَعَدَ لُغة أيضًا، وبالأولى جاء القرآن في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأصغيت الإناء بالألف: أملته، وأصغيتُ سمعي ورأسي كذلك. انتهى (١). (بِآذَانِنَا) بالمدّ: جمع أذُن. والمراد أنهم يقبلون ذلك الحديث، ويأخذونه عن ذلك الرجل؛ لظهور صدقه؛ لأن ذلك العصر أهله أهل صدق وورع، فلا يُخشى أن يحدّثوا بما لا أصل له (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف (النَّاسُ الصَّعْبَ) بفتح، فسكون (وَالذَّلُولَ) بفتح الذال المعجمة، وقد تقدّم معناهما قبل حديث (لم نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ) \"ما\" موصول اسميّ مفعول \"نأخذ\"، فالاستثناء مفرّغ: أي لم نأخذ من حديث الناس إلا الحديث الذي نعرف ثقة نَقَلَته، وصحّة مَخْرجه؛ لأن ما ليس كذلك يُخشَى أن يكون كذبًا.\nقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي قاله ابن عبّاس ﵄ يشهد بصحّة ما تأوّلنا عليه قول ابن سيرين -يعني الآتي- فإن ابن عبّاس كان في أول مرّة يُحدّث عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأن سماعه من رسول الله -ﷺ- كان قليلًا؛ لصغر سنّه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمّا تلاحق التابعون، وحدّثوا، وظهر له ما يُوجب الريبة لم يأخذ عنهم، كما فعل مع بُشير العدويّ. انتهى كلام القرطبيّ (٢).\n[مسألة]: تتعلّق بآثار ابن عبّاس ﵄ المتقدّمة:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٣٤٢.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١٢٤.","vol":"2","page":34},{"text":"(اعلم): أنه يتعلّق بهذه الآثار أنواع من الآداب:\n(منها): الإعراض عمن يُحدّث بالأحاديث التي لا أصل لها، وعدم استماعها. (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من تعظيم أحاديث رسول الله -ﷺ-، واحترامهم لحاملها. (ومنها): أن من أدب طالب الحديث أن يعطي كلّه للحديث؛ لأنه لا تحصل له الاستفادة التامة إلا بذلك، كما قيل: العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك لم يُعطك شيئًا. (ومنها): أنه لا ينبغي للطالب أن يُبقي حال استماعه ذرّة من ذرّاته تلتفت إلى غيره، بل يُحضر قلبه كلّه كما أحضر جسمه، فإذا سمع المحدّث شرع في التحديث دنا منه، وابتدره في أول مجلسه، وابتداء إلقائه، فيُلقي نظره عليه، ويُصغي بأذنه إليه، فإن وصول العلم إلى القلب إنما يتمّ عن طريقي السمع، والبصر، فإذا نظر إلى الشيخ بعينيه، وأصغى إليه بأذنيه، فقد حصل له التلقّي التامّ، وإن تخلّف أحدهما نقصت الاستفادة بقدر ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٢٢ - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ، إِلَّا أَنْ يَكونَ ضَلَّ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (داود بن عمرو الضبيّ) هو: داود بن عمرو بن زهير بن عمرو بن جميل الضبي، أبو سليمان البغدادي، كذا نسبه ابن سعد وغيره، وقال الحاكم أبو أحمد: داود بن عمرو بن المسيب، ويقال: ابن زهير.\nرَوَى عن نافع بن عمر الجمحي، وابن أبي الزناد، ومسلم بن خالد الزنجي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وهو من كبار شيوخه، وروى له النسائي بواسطة الفضل بن سهل الأعرج، وأبو يحيى صاعقة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.\nقال موسى بن هارون الحمال: حدثنا أبو الحسن بن العطار شيخ لنا ثقة، أنه رأى أحمد بن حنبل يأخذ لداود بن عمرو بالركاب. قال ابن محرز: سئل عنه ابن معين؟ فلم يعرفه، ثم بلغني أنه قال: لا بأس به، وأنه سأل سعدويه عنه، فحمده. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمرو بن زهير الثقة المأمون. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال موسى بن هارون وغيره: مات في صفر سنة","vol":"2","page":35},{"text":"(٢٢٨). وقيل: في ربيع الأول (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة.\nتفرّد به مسلم، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" حديثان فقط برقم (٤٢٤٤) حديث: \"حوضي مسيرة شهر ... \"، و(٤٢٤٥) حديث: \"إني على الحوض حتى أنظر من يرد ... \".\n٢ - (نافع بن عمر) بن عبد الله بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة ابن سعد بن جُمَح الجمحي الحافظ المكي.\nرَوَى عن ابن أبي مليكة، وسعيد بن حسان الحجازي، وسعيد بن أبي هند، وغيرهم. ورَوى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وداود بن عمرو الضبّيّ، وغيرهم.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت الناس. وقال أبو طالب عن أحمد: ثبت ثبت، صحيح الكتاب. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: نافع بن عمر أثبت من عبد الله بن مؤمل. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هو أحب إلي من عبد الجبار بن الورد، وهو أصح حديثًا، وهو في الثقات ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: نعم. وقال ابن سعد عن شهاب بن عباد: مات بمكة سنة تسع وستين ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث، فيه شيء. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات بِفَخّ سنة تسع وستين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، من كبار السابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث: الحديثان المذكوران في ترجمة داود بن عمرو قبله، و(٣٢٢٩) حديث: \"قضى باليمين على المدّعى عليه\".\n٣ - (ابن أبي مُليكة) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير، ومؤذنا له.\nروى عن العبادلة الأربعة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن السائب المخزومي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح، ونافع بن عمر الجمحي، وغيرهم.\n_________\n(١) وقال في \"تهذيب التهذيب\": وحكى ابن الجوزي في \"الضعفاء\" أن أبا زرعة، وأبا حاتم قالا: إنه منكر الحديث. فيحرر هذا. انتهى. قيل: إنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدينيّ، لا في داود بن عمرو هذا. انظر ما كتبه الدكتور بشار في هامش \"تهذيب الكمال\" ٨/ ٤٣٠. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":36},{"text":"قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وفي \"صحيح البخاري\": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ -ﷺ-. وقال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة، كثير الحديث، وهو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ملكية زهير، وكذا نسبه الزبير، وابن الكلبي، وغيرهما. وقال البخاري: يكنى أبا محمد، وله أخ يقال له: أبو بكر. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة. وقال ابن حبان في \"الثقات\": رأى ثمانين من الصحابة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة (١١٨) وكذا أرخه ابن قانع.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فقيهٌ، من الثالثة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٠) حديثًا والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>شرح الأثر:</span>\n(عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄. ولعل هذه الكتابة كانت من مكّة إلى البصرة حينما كان ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما مقيمًا بها. والله تعالى أعلم. وقوله: (أَسْأَلُهُ) في محلّ نصب على الحال من فاعل \"كتبت\" (أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي) هذا مما اختلف العلماء في ضبطه، فقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ضبطنا هذين الحرفين وهما: \"ويخفى عني\"، \"وأُخْفِي عنه\" بالحاء المهملة فيهما، عن جميع شيوخنا، إلا عن أبي محمد الْخُشَنيّ، فإني قرأتهما عليه بالخاء المعجمة. قال: وكان أبو بحر يحكي لنا عن شيخه القاضي أبي الوليد الكنانيّ أن صوابه بالخاء المعجمة، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ويظهر لي أن رواية الجماعة هي الصواب، وأن معنى \"يُحْفِي\" ينْقُصُ، من إحفاء الشوارب، وهو جَزُّها: أي يُمسك عني من حديثه، ولا يُكثر عليّ، أو يكون الإحفاء الإلحاح، والاستقصاء، ويكون \"عني\" بمعنى \"عليّ\": أي يستقصي ما يُحدثني به. قال: وحكى المفجّع اللغويّ (١) في \"المنقذ\": أحفى فلان على فلان في الكلام: إذا أربى عليه، وزاد. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ ببعض تصرّف (٢).\nقال النوويّ: وذكر صاحب \"مطالع الأنوار\" قول القاضي، ثم قال: وفي هذا نظر، قال: وعندي أنه بمعنى المبالغة في الْبِرّ به، والنصيحة له، من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. أي أبالغ له، وأستقصي في النصيحة له، والاختيار فيما\n_________\n(١) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، أو عبيد الله البصريّ الأديب الشاعر النحويّ، أبو عبد الله الشيعيّ، صحب ثعلبًا.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢١ - ١٢٢.","vol":"2","page":37},{"text":"ألقي إليه من صحيح الآثار. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هما بالخاء المعجمة: أي يكتم عني أشياء، ولا يكتبها، إذا كان عليه فيها مقال من الشِّيَع المختلفة، وأهل الفتن، فإنه إذا كثبها ظهرت، وإذا ظهرت خُولف فيها، وحصل فيها قال وقيل، مع أنها ليست مما يلزم بيانها لابن أبي مليكة، وإن لَزِمَ فهو ممكن بالمشافهة دون المكاتبة. قال: وقوله: \"ولد ناصح\" مشعر بما ذكرته، وقوله: \"أنا أختار له، وأُخفي عنه\" إخبار منه بإجابته إلى ذلك. ثم حَكَى الشيخ الرواية التي ذكرها القاضي عياض، ورجّحها، وقال: هذا تكلف، ليست به رواية متصلة، نضطر إلى قبوله. هذا كلام الشيخ أبي عمرو. قال النوويّ: وهذا الذي اختاره من الخاء المعجمة هو الصحيح، وهو الموجود في معظم الأصول الموجودة بهذه البلاد. والله أعلم. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن الصلاح، وتبعه عليه النوويّ رحمهما الله تعالى هو الأرجح عندي؛ لأن الذي رجحه القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيه تكلّف لا يخفى، فتأمّل. والله تعالى أعلم.\n(فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (وَلَدٌ نَاصِحٌ) خبر لمحذوف: أي هو ولدٌ ناصحٍ: أي مُخلص وصادق في طلبه. قال في \"المصباح\": نصحتُ لزيد، أنصَحُ نُصْحًا، ونَصِيحةً، هذه هي اللغة الفصيحة، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ﴾ [هود: ٣٤]. وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، وهو: الإخلاص، والصدق، والْمَشُورةُ، والعملُ، والفاعل: ناصحٌ، ونَصِيحٌ، والجمعُ نُصَحَاءُ. انتهى (٢).\n(أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا) أي أكتب إليه المنتخب الخالص المناسب لحاله (وَأُخْفِي عَنْهُ) أي أكتم عنه ما لا يستفيد به، أو يحصل له بسببه ضرر (قَالَ) ابن أبي مليكة (فَدَعَا) ابن عباس (بِقَضَاءِ عَلِيّ) بن أبي طالب: أي بالكتاب الذي جُمع مما قضى به عليّ ﵇ في الكوفة، وغيرها (فَجَعَلَ) أي شرع ابن عباس ﵄ (يَكْتُبُ مِنْهُ) أي من قضاء عليّ ﵇ (أَشْيَاءَ) أي مما يوافق طلب ابن أبي مليكة (وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ) أي الذي لا يليق بمقام عليّ من العلم بالقضاء، واتّصافه بالورع، مما يخالف الأدلة من الكتاب والسنّة الصحيحة (فَيَقُولُ) ابن عباس (وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ) -﵁- (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: المعنى: أنه لا يقضي به إلا ضالّ، وعليّ ﵇ غير ضالّ، فلا يصحّ أن يكون قضى به، لا أنه حَكَم بضلاله إن صحّ أنه قضى به، أو يكون الضلال هنا بمعنى الخطإ، كما قال تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٢ - ٨٣.\n(٢) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٠٧.","vol":"2","page":38},{"text":"الضَّالِّينَ﴾ [لشعراء: ٢٠]: أي من المخطئين. وقيل: من الناسين. انتهى (١).\nوقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: ما يقضي بهذا إلا ضالّ، ولا يقضي به عليّ ﵇، إلا أن يُعرَف أنه ضل، وقد عُلِمَ أنه لم يضل، فيعلم أنه لم يقض به. والله أعلم. انتهى (٢).\nوكتب صاحب \"فتح الملهم\": ما حاصله: يحتمل أن يكون \"ضلّ\" بمعنى أخطأ، أو نسي، وهو أيضًا بعيد؛ إذ لم يُؤْلَف من عليّ ﵇ مثلُ هذا الخطإ الفاحش، والنسيان المفرط في مثل هذا. والله أعلم.\nوبالجملة رَدَّ ابن عبّاس ﵄ بعض أجزاء ذلك الكتاب التي كانت قطعيّة البطلان عنده، وكان هذا منه جريًا على سنّة القرآن التي هدى الله ﷾ إليها في ردّ الروايات والنقول المقطوع بخلافها، حيث قال في قصّة الإفك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، ثم قال بعد آيات: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. انتهى (٣).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ابن عبّاس ﵄ أراد أن هذا الشيء المكتوب في ذلك الكتاب ليس مما قضى به عليّ ﵇، وإنما هو مما زاده أعداؤه من الروافض والشيعة، واختلقوه وقوّلوه به، وهو -﵁- بريء منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(مسألة): تتعلّق بأثر ابن عبّاس ﵄ هذا:\n(اعلم): أنه اشتمل هذا الأثر على فوائد كثيرة:\n(منها): جواز كتابة العلماء بالعلم إلى البلدان النائية، وقد اختلف الصدر الأول في جواز كتابة الحديث، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على جوازها.\nواحتجّ المانعون بما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج، ومن كذب عليّ- قال همام (٤): أحسبه قال: متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\".\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٣.\n(٣) راجع \"فتح الملهم\" ١/ ١٢٩.\n(٤) هو همّام بن يحيى العوذيّ البصريّ، أحد رُواة هذا الحديث.","vol":"2","page":39},{"text":"واحتجّ الجمهور بأحاديث كثيرة في \"الصحيحين\"، وفي غيرهما: فمنها: حديث \"اكتبوا لأبي شاه ... \" الحديث. متّفقٌ عليه. ومنها: حديث: \"ايتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلّوا بعده ... \" الحديث. متّفقٌ عليه أيضًا. ومنها: حديث أبي جحيفة -﵁- قال: قلت لعليّ -﵁-: هل عندكم كتاب، قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة ... \" الحديث. متّفق عليه. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وجمعوا بينها وبين النهي المذكور في حديث أبي سعيد -﵁- بأنه كان حين خيف اختلاطه بالقرآن، فهو منسوخ. أو بأن الإذن لمن خيف عليه النسيان، والنهي لمن أُمن منه. أو بأن النهي لمن نسخ الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة. ومنهم من أعلّ حديث أبي سعيد -﵁-، وقال: الصواب وقفه عليه. قاله البخاريّ وغيره.\nوإلى هذا الخلاف أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الأثر\" حيث قال:\nكِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا ... ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى\nمُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ ... \"لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ\" فَالْخُلْفُ نُمِي\nفَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ... وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ\nمِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ ... لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ\nالْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ ... لآمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ\nوقلت في \"ألفية العلل\":\nكِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتلِفَا ... كَرِهَهَا قَوْمٌ سَرَاةٌ حُنَفَا\nفَمِنْهُمُ زَيْدٌ أَبُو هُرَيْرَةِ ... كَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَبْرُ الأُمَّةِ\nكَذَا أَبُو مُوسَى وَنَجْلُ عُمَرَا ... كَذَلِكَ الْخُدْرِيْ وَغَيْرُهُمْ جَرَى\nوَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ كَعُمَرِ ... وَأَنَسٍ مَعَ ابْنِ عَمْرٍ وجَابِرِ\nكَذَا عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْبَرُّ الْحَسَنْ ... وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنْ\nوَأَكْثَرُ الصِّحَاب أَيْضًا ذَهَبُوا ... وَأَكْثَرُ الأَتْبَاعِ نِعْمَ الْمَذْهَبُ\nوَفِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ قَدْ جَوَّزَتْ ... لِلْحِفْظِ ثُمَّ الْمَحْوَ بَعْدُ أَلْزَمَتْ\nأَمَّا دَلِيلُ مَنْ أَبَاحَ فَـ \"اكْتُبُوا\" ... أَمَّا لِعَكَسِهِ فَجَا \"لا تَكْتُبُوا\"\nوَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ قِيلَ الإِذْنُ ... لِخَائِفِ النِّسْيَانِ نَعْمَ الأَمْنُ\nوَقِيلَ نَهْيُهُ لِئَلَّا يَخْتَلِطْ ... مَعَ الْقُرَانِ ثُمَّ زَالَ إِذْ ضُبِطْ\nوَقِيلَ نَهْيُهُ لِمَنْ كَتَبَ فِي ... صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْتَعْرِفِ\nوَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ... وَمُسْلِمٌ رَوَاهُ رَفْعًا يَكْفِي\nثُمَّ أَتَى الإِجْمَاعُ بَعْدُ وَانْتَفَى ... الْخُلْفُ فَاكْتُبَنْ تَنَلْ خَيْرًا وَفَا","vol":"2","page":40},{"text":"(ومنها): ما كان عليه السلف من الحرص في طلب العلم، حيث إنهم إذا لم يستطيعوا الحضور عند العالم أخذوا منه بالمكاتبة. (ومنها): بيان فضل علي -﵁-، حيث كان معروفًا بالقضاء حتّى اعتمد عليه بحر الأمة وحبرها ابن عبّاس ﵄، وذلك بدعوة النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج ابن ماجه في \"سننه\" بسند صحيح، عن أبي الْبَخْتَريّ (١)، عن علي -﵁- قال: بعثني رسول الله -ﷺ- إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: \"اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه\"، قال: فما شككت بَعْدُ في قضاء بين اثنين.\n(ومنها): أنه لا ينبغي لطالب العلم، وإن كان شديد الحرص على العلم أن يطلب ما يترتّب عليه ضرر له، أو لغيره من المسلمين، وكذا لا ينبغي للعالم أن يحدّثه به، أو يكتب به إليه، وقد سلك هذا المسلك إمام الحريصين (٢) على العلم الصحابيّ الجليل أبو هريرة، فقد أخرج البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"صحيحه\"، عن أبي هريرة -﵁-، قال: \"حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِع هذا البلعوم\". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:\n٢٣ - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ، فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁، َ فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ -وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ- بِذِرَاعِهِ).\nهذا الإسناد تقدّم قبل حديثين، سوى:\n(عمرو الناقد) وهو: عمرو بن محمد بن بُكير بن سابور الناقد، أبو عثمان البغدادي الحافظ، سكن الرقة.\nرَوَى عن هشيم، وعيسى بن يونس، وعمار بن محمد، وحفص بن غياث، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن أحمد بن نصر النيسابوري عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.\n_________\n(١) هو سعيد بن فيروز الطائيّ الكوفيّ الثقة الثبت.\n(٢) وصفه بهذا الوصف النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج البخاريّ رحمهُ الله تعالى في \"صحيحه\"، من طريق سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه قال: قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله -ﷺ-: \"لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه\".","vol":"2","page":41},{"text":"قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: عمرو يتحرى الصدق، وسئل عنه وعن المعيطي؟ فقال: عمرو كأنه أحب إليه. وعن عبد الله بن أحمد، عن حجاج بن الشاعر نحو ذلك. وقال أبو حاتم: ثقة أمين صدوق. وقال ابن معين، وقيل له: إن خلفا يقع فيه، فقال: ما هو من أهل الكذب، هو صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال الحسين ابن فهم: ثقة ثبت، صاحب حديث، وكان من الحفاظ المعدودين، وكان فقيهًا، توفي ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد، منهم ابن حبان في \"الثقات\"، ومنهم ابن قانع، وقال: ثقة، وأنكر عليُّ بن المديني عليه روايته عن ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود: \"أن ثقفيا وقرشيا وأنصاريا عند أستار الكعبة ... \" الحديث، وقال: هذا كذب لم يرو هذا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال الخطيب: والأصح أن حجاجا سأل أحمد عنه؟ فقال أحمد ذلك.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، وهِم في حديث، من العاشرة.\nروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٩٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ طَاوُس) بن كيسان اليمانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (بِكِتَابٍ) أي بمكتوب (فِيهِ قَضَاءُ عَلِيّ) بن أبي طالب (﵁، فَمَحَاهُ) أي أزاله، يقال: محوته مَحْوًا، من باب قتل، ومحيته مَحْيًا بالياء، من باب نفع لغةٌ: أزلته، وانمحى الشيءُ: ذهب أثره. قاله الفيّوميّ (١). (إِلَّا قَدْرَ -وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ- بِذِرَاعِهِ) \"قدرَ\" منصوبٌ، غيرُ منون؛ لكونه مضافًا إلى مقدّر لفظًا بدليل قوله: \"وأشار سفيان الخ\": والمعنى: محاه إلا قدرَ ذراعٍ. والظاهر أن هذا الكتاب كان دُرْجَا مستطيلًا. (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه:\n٢٤ - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٦٥.\n(٢) \"شرح مسلم للنوويّ\" ١/ ٨٣.","vol":"2","page":42},{"text":"١ - (حسن بن علي الحلوانيّ) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام- هو: الحسن بن علي بن محمد الْهُذَلي الخلال، أبو علي، وقيل: أبو محمد الحلواني، نزيل مكة.\nرَوَى عن عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، ويحيى بن آدم، وخلق كثير. وروى عنه الجماعة، سوى النسائي، وإبراهيمُ الحربي، وابن أبي عاصم، وغيرهم.\nقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو داود: كان عالما بالرجال، وكان لا يستعمل علمه، وقال أيضًا: كان لا ينتقد الرجال. وقال النسائي: ثقة. وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أن الحلواني قال: لا أُكَفّر من وقف في القرآن، قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني؟ فقال: يُرْمَى في الْحُشّ، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر. وقال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه، ولم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها، وقال مرة: أهل الثَّغْر عنه غير راضين، أو ما هذا معناه. وقال الخطيب أبو بكر: كان ثقة حافظا، وساق بإسناده إليه أنه قال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ما نعرف غير هذا.\nوقال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي، وكان حافظًا. وقال ابن عدي: له كتاب صنفه في السنن. وقال الخليلي: كان يُشَبَّه بأحمد في سَمْتِهِ وديانته. وذكره ابن حبّان في \"الثقات\". قال اللالكائي: مات سنة (٢٤٢)، وزاد غيره: في ذي الحجة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، له تصانيف، من الحادية عشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" مائة حديث، وحديث.\n٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي، مولى آل أبي مُعَيط، أبو زكريا الكوفي.\nرَوَى عن عيسى بن طهمان، وفطر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والحسن بن علي الخلال، وغيرهم.\nقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وقال الآجري: سئل أبو داود عن معاوية بن هشام، ويحيى بن آدم؟ فقال: يحيى بن آدم واحدُ الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه، وهو ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم أيُّ علم كان عنده، وجعل يُطريه. وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت","vol":"2","page":43},{"text":"الشعبي. وقال ابن سعد: وكان ثقة. وقال العجلي: كان ثقة جامعا للعلم عاقلا ثبتا في الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان متقنا يتفقه. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال يحيى بن أبي شيبة: ثقة صدوق ثبت حجة ما لم يخالف من هو فوقه، مثل وكيع. وقال ابن سعد وغيره: مات في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٠) حديثًا.\n٣ - (ابن إدريس) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي -بفتح الهمزة، وسكون الواو- الزَّعَافِرِيّ، أبو محمد الكوفي.\nروى عن أبيه، وعمه داود، والأعمش، ومنصور، وخلق كثير. وروى عنه مالك ابن أنس، وهو من شيوخه، وابن المبارك، ومات قبله، ويحيى بن آدم، وغيرهم.\nقال أحمد: كان نسيج وحده. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك، أو ابن نمير؟ فقال: ثقتان إلا أن ابن إدريس أرفع منه، وهو ثقة في كل شيء. وقال يعقوب بن شيبة: كان عابدا فاضلا، وكان يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسلك أهل المدينة، وكان بينه وبين مالك صداقة، وقيل: إن بلاغات مالك سمعها من ابن إدريس. وقال بشر بن الحارث: ما شرب أحد من ماء الفرات، فسلم إلا ابن إدريس. وقال الحسن بن عرفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه. وقال ابن المديني: عبد الله بن إدريس فوق أبيه في الحديث. وقال جعفر الفريابي: سألت ابن نمير عن عبد الله ابن إدريس، وحفص؟ فقال: حفص أكثر حديثا، ولكن ابن إدريس ما خرج عنه، فإنه فيه أثبت وأتقن، فقلت: أليس عبد الله آخذٌ في السنة؟ قال: ما أقربهما في السنة. وقال ابن عمار: كان من عباد الله الصالحين الزهاد، وكان إذا لَحَنَ رجل عنده في كلامه لم يحدثه. وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت.\nوقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث، حجة صاحب سنة وجماعة. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان صلبًا في السنة. وقال ابن خِرَاش: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت، صاحب سنة، زاهد صالح، وكان عثمانيا، ويُحَرّم النبيذ. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن عبيد الله بن صخر الْغُدَاني، ثنا ابن إدريس، وكان مرضيا. وروى الخطيب بإسناد صحيح أن الرشيد عَرَض عليه القضاء فأبى، ووصله فرد عليه، وسأله أن يُحَدِّث ابنه، فقال: إذا جاءنا مع الجماعة","vol":"2","page":44},{"text":"حدثناه، فقال له: وددت أني لم أكن رأيتك، فقال: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك. وقال الساجي: سمعت ابن المثنى يقول: ما رأيت بالكوفة رجلا أفضل منه. وقال علي ابن نصر الجهضمي الكبير: قال لي شعبة: هَهنا رجل من أصحابي من علمه ومن حاله، فجعل يثني عليه، يعني ابن إدريس. وقال أبو حاتم: قال علي بن المديني: عبد الله بن إدريس من الثقات. وقال أحمد بن جَوّاس: سمعته يقول: وُلدت سنة (١١٥)، وكذا رواه غير واحد، وقيل: سنة (٢٠). وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، زاد ابن سعد: في عشر ذي الحجة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فقيه عابدٌ، من الثامنة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦١) حديثًا.\n٤ - (الأعمش): سليمان بن مهران الحافظ الحجة تقدمت ترجمته (١).\n٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّمت ترجمته ٢/ ١١. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيّ أنه (قَالَ: لَمَّا) بفتح اللام، وتشديد الميم: هي \"لَمّا\" الحينيّة، متعلّقة بـ \"قال\" الآتَي: أي حين (أَحْدَثُوا) الروافض والشيعة (تِلْكَ الْأَشْيَاءَ) الباطلة المخالفة للحقّ الذي كان عليّ ﵇ يتمسّك به، ويدعو إليه. وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أشار به إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم عليّ -﵁-، وحديثه، وتقَوّلوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات، والأقاويل المفتَعَلَة والمختَلَقَة بالحق، فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه. انتهى (٢). (بَعْدَ عَلِيٍّ -﵁-) أي بعد موته -﵁- (قَالَ رَجُلٌ) قال صاحب المبهمات (٣): لا أعرفه. (٤). (مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ) -﵁- (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: لعنهم الله. وقيل: باعدهم. وقيل: قتلهم. قال: وهؤلاء استوجبوا عنده ذلك؛ لشناعة ما أَتَوْه، كما فعله كثير منهم، وإلا فلعنة المسلم غير جائزة. انتهى. (أَيَّ عِلْمٍ) بالنصب مفعولًا مقدمًا لقوله: (أَفْسَدُوا؟) أي أفسدوا علمًا كثيرًا من علم عليّ -﵁-، ووجه إفسادهم أنهم لمّا خلطوا مفترياتهم بأحاديثه لم يتبيّن للناس ما هو الحقّ، وما هو الباطل، فتركوا كلّه. والله تعالى أعلم بالصواب،\n_________\n(١) عند قول المصنّف: \"ألا ترى أنك إذا وازنت الخ\".\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٣.\n(٣) هو أبو ذر أحمد بن إبراهيم بن محمد الشافعي الحلبي المتوفى (٨٨٤ هـ).\n(٤) راجع \"تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم\" ص ٣٢.","vol":"2","page":45},{"text":"وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٢٥ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (عليّ بن خشرم) -بمعجمتين، وزان جعفر- بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله الحافظ قريب بشر الحافي، أبو الحسن المروزي.\nروى عن حفص بن غياث، وعيسى بن يونس، والدراوردي، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم.\nقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وذكره مسلمة بن قاسم في \"تاريخه\"، وقال: مروزي ثقة. قال أبو رجاء، محمد بن حمدويه: سمعته يقول: وُلدت سنة (١٦٠)، وصُمتُ ثمانية وثمانين رمضانا، ومات في رمضان سنة (٢٥٧). وروى غنجار في \"تاريخ بخارى\" بإسناده عن محمد بن يوسف الفربري، قال: سمعت من علي ابن خشرم سنة (٢٥٨) وافَى فِرَبْر مرابطا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من صغار العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٥٠) حديثًا (١).\n٢ - (أبو بكر بن عياش) هو: أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط المقرئ، مولى واصل الأحدب، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل: رُؤْبَة، وقيل: مسلم، وقيل: خِدَاش، وقيل: مُطَرِّف، وقيل: حماد، وقيل: حبيب، عشرة أقوال، والصحيح أن اسمه كنيته.\nرَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم.\nقال الحسن بن عيسى: ذكر ابن المبارك أبا بكر بن عياش، فأثنى عليه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق، صالح، صاحب قرآن وخبر، وقال عبد الله بن أحمد\n_________\n(١) هكذا في برنامج الحديث (صخر)، وأما ما ذكره في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ١٦٠ نقلا عن \"الزهرة\"، أنه روى عنه مسلم تسعة أحاديث، فلا أظنّه صحيحًا.","vol":"2","page":46},{"text":"عن أبيه: ثقة، وربما غلط. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فأبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحاق، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما؟ قلت: الحسن بن عياش، أخو أبي بكر كيف حديثه؟ قال: هو ثقة، قال عثمان: هما من أهل الصدق والأمانة، وليسا بذاك في الحديث، قال: وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يضعف أبا بكر في الحديث، قلت: كيف حاله في الأعمش؟ قال: هو ضعيف في الأعمش وغيره. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي بكر بن عياش، وأبي الأحوص؟ فقال: ما أقربهما؟ لا أبالي بأيهما بدأت، قال: وسئل أبي عن شريك، وأبي بكر بن عياش، أيهما أحفظ؟ فقال: هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابا، قلت لأبي: أبو بكر، أو عبد الله بن بشر الرَّقّيّ؟ قال: أبو بكر أحفظ منه وأوثق. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن عدي: أبو بكر هذا كوفي مشهور، وهو يروي عن أجلة الناس، وحديثه سنذكره، وهو من مشهوري مشايخ الكوفة وقرائهم، وعن عاصم بن بهدلة أخذ القراءة، وهو في كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثا منكرًا إذا روى عنه ثقة، إلا أن يروي عن ضعيف. وقال أحمد بن شبويه، عن الفضل بن موسى: قلت لأبي بكر بن عياش: ما اسمك؟ قال: وُلدت وقد قُسمت الأسماء. وقال أبو حاتم الرازي: سألت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش عن أبيه؟ فقال: اسمه وكنيته واحد. قال إبراهيم بن شَمّاس: سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: لما نزل بأبي الموت، قلت: يا أبت ما أسمك؟ قال: يا بني إن أباك لم يكن له اسم، وإن أباك أكبر من سفيان بأربع سنين، وإنه لم يأت فاحشة قط، وإنه يختم القرآن من ثلاثين سنه كل يوم مرة. وقال ابن حبان: مولده سنة خمس، أو ست وتسعين. وقال ابن أبي داود: قال أحمد بن حنبل: أحسب أن مولده سنة مائة. وقال الترمذي: مات سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث. وقال ابن أبي داود: قال محمد ابن إسماعيل: مات سنة أربع وتسعين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابدٌ، إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة.\nأخرج له البخاري، ومسلم في \"المقدمة\"، والأربعة.\n٣ - (المغيرة) -بضمّ الميم، وكسرها- ابن مِقْسَم -بكسر، فسكون- الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي الفقيه، قيل: إنه وُلد أعمى.\nروى عن أبيه، وأبي وائل، وأبي رزين الأسدي، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، ومجاهد، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وشعبة، والثوري، وأبو بكر ابن عياش، وغيرهم.","vol":"2","page":47},{"text":"قال ححاج بن محمد عن شعبة: كان مغيرة أحفظ من الحكم، وفي رواية: أحفظ من حماد. وقال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم. وقال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحدا أفقه من مغيرة فلزمته، وفي رواية: كان من أفقههم. وقال جرير عن مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته. وقال معتمر: كان أبي يحثني على حديث مغيرة. وقال أبو حاتم عن أحمد: حديث مغيرة مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث الْعُكْلي، وعُبَيدة، وغيرهم، قال: وجعل يضعف حديث مغيرة عن إبراهيم وحده، قال: وكان إبراهيم صاحب سنة، ذكيًّا حافظًا. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، فإذا وُقِّف أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان عثمانيا. وقال النسائي: مغيرة ثقة. وقال ابن فضيل عن أبيه: كنا نجلس أنا ومغيرة وعَدَّ ناسا نتذاكر الفقه، فربما لم نَقُم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. قال أبو نعيم: مات بعد منصور سنة اثنتين. وقال أحمد بن حنبل: أُخبرت أنه مات سنة ثلاث. وقال ابن نمير: مات سنة ثلاث. وقال ابن معين: سنة أربع. وقال العجلي: تُوفّي سنة ست وثلاثين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة متقنٌ، إلا أنه كان يُدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم، من السادسة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>شرح الأثر:</span>\nعن أبي بكر بن عيّاش رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ) بن مقسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى (يَقُولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ضُبط على وجهين: أحدهما: بفتح الياء، وإسكان الصاد، وضمّ الدال. والثاني: بضم الياء، وفتح الصاد، والدال المشدّدة. انتهى (١). (عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) قال النوويّ: هكذا هو في الأصول: \"إلا من أصحاب\"، فيجوز في \"من\" وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. والثاني: أنها زائدة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونها زائدة هو الأظهر، فـ \"أصحاب عليّ\" مرفوع على الفاعليّة ليصدُق على الضبط الأول، وعلى أنه نائب فاعله على الضبط الثاني، والاستثناء مفرّغ فيهما.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٣ - ٨٤.","vol":"2","page":48},{"text":"فالمعنى على الأول: لم يكن يصدُق: أي لم يكن يروي حديث صدق إلا أصحاب ابن مسعود -﵁-. وعلى الثاني: لم يكن يُصدّق: أي لم يكن يُنسب إلى الصدق، ويُقبل حديث عليّ -﵁- منه إلا أصحابه -﵃-.\nوحاصل المعنى: أن الناس قد تغيّروا، وكثر فيهم الكذابون، والوضّاعون، ولا سيّما على عليّ -﵁-، فكان طلّاب العلم لا يقبلون حديث عليّ -﵁- إلا ممن يرونه صادقًا لهجته، مستقيمًا في دينه، وهم أصحاب ابن مسعود -﵁-، كعلقمة، وأبي وائل، ومسروق، والأسود بن يزيد، وأخيه عبد الرحمن، وغيرهم من خيار التابعين الذين لازموا ابن مسعود -﵁-، واقتفوا آثاره، كما أخذوا علم عليّ -﵁- واهتدوا بهديه، فإنهم كانوا أصحاب صدق، واستقامة، وحفظ، وإتقان، فكانوا محلِّ ثقة لطلاب العلم، ورُوّاده، بخلاف من ينتسب إلى عليّ -﵁- زورًا، ويفتعل عليه بهتانًا من أصحاب الأهواء المنحرفة، من الرافضة، والشيعة، فإنهم معروفون بالكذب عليه. والله تعالى أعلم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بإيراد هذه الأحاديث، والآثار في هذا الباب التحذير من قبول رواية المجهولين، وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يُقبل إلا من أهله، وأنه لا ينبغي أن يُروى عن الضعفاء. وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n٥ - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بِمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرِّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ):\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٢٦ - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ).\nرجال هذا الإسناد: سبعة:\n١ - (حسن بن الربيع) بن سليمان البجليّ القسريّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ -بضمّ الموحّدة- الحصّار، ويقال: الخشّاب.","vol":"2","page":49},{"text":"روى عن أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن إدريس، وحماد بن زيد، وغيرهم. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي الأحوص قاضي عكبرا، وعمرو بن منصور النسائي، ومحمد بن يحيى بن كثير الحراني، وغيرهم.\nقال العجلي: كان يبيع الْبَوَارِي، كوفي ثقة، رجل صالح متعبد. وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس. وقال ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب. وقال الحسن بن الربيع: كتب عني أحمد بن حنبل. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كنت أحسب أنه مكسور العنق؛ لانحنائه حتى قيل لي بعدُ: إنه لا ينظر إلى السماء. وقال ابن شاهين في \"الثقات\" قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة. وقال ابن حبان في \"الثقات\". هو الذي غَمَّضَ ابنَ المبارك، ودفنه. وقال البخاري: مات سنة (٢٢٠)، أو نحوها. وقال ابن سعد: مات سنة (٢١) في رمضان.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة. وله في \"صحيح مسلم\" (١٤) حديثًا.\n٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ الأزرق، مولى آل جرير بن حازم.\nرَوَى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وخلق كثير. وروى عنه ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة، وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عبلة، وهو في عداد شيوخه، وخلق كثير.\nقال رسته: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعلم من هؤلاء: فذكرهم سوى الأوزاعي. وقال فطر بن حماد: دخلت على مالك، فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلا عن حماد بن زيد. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد. وقال أبو حاتم: قال ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع، وسئل ما تقول في حماد ابن زيد، وحماد بن سلمة، أيهما أثبت؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلا صالحا. وقال وكيع، وقيل له: أيهما أحفظ؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبهه إلا بمسعر. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه. وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة. وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد","vol":"2","page":50},{"text":"أثبت من عبد الوارث، وابن علية، والثقفي، وابن عيينة. وقال أيضا: ليس أحد أثبت في أيوب منه. وقال أيضا: من خالفه من الناس جميعا فالقول قوله في أيوب. وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن. وقال أبو عاصم: مات حماد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام نظيرا في هيئته ودَلِّه. وقال خالد بن خداش: كان من عقلاء الناس، وذوي الألباب. وقال يزيد بن زريع يوم مات: اليوم مات سيد المسلمين. وقال محمد بن سعد: كان عثمانيا، وكان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث. وقال أبو زرعة: سمعت أبا الوليد يقول: ترون حماد بن زيد دون شعبة في الحديث؟ . وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على ابن زيد، كفضل الدينار على الدرهم. وقال ابن منجويه، وابن حبان: كان ضريرا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يردّه ما رواه ابن أبي خيثمة، قال: سأل إنسان عبيد الله بن عمر: كان حماد أميا؟ قال: أنا رأيته، وأتيته يوم مطر، فرأيته يكتب، ثم ينفخ فيه ليجف، قال: وسمعت يحيى يقول: لم يكن أحد يكتب عند أيوب إلا حماد، إلا أن يُجاب -كما قال الحافظ- بأن العمى طرأ عليه. والله تعالى أعلم.\nوقال ابن حبان في \"الثقات\": وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم، إلا أن يكون القائل أراد فضل ما بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أفضل، وأدين، وأورع من حماد بن زيد. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، رضيه الأئمة، قال: والمعتمد في حديث يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والرجوع إليه. قال خالد بن خداش: وُلد سنة (٩٨). وقال عارم وجماعة: مات في رمضان سنة (١٧٩).\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٩٩) حديثًا.\n٣ - (أيوب) السختياني تقدمت ترجمته (١).\n٤ - (هشام) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ -بضم القاف، والدال- يقال: كان نازلا في القراديس، ويقال: مولاهم، أحد الأعلام، أبو عبد الله البصريّ.\nرَوَى عن حميد بن هلال، والحسن البصري، ومحمد، وأنس، وحفصة بني\n_________\n(١) تقدّمت عند قول المصنّف: \"وفي مثل هؤلاء إذا وازنت بين الأقران الخ\".","vol":"2","page":51},{"text":"سيرين، وغيرهم. وعنه عكرمة بن عمار، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وزائدة والحمادان، والسفيانان، وخلق كثير.\nقال عارم: ثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، أن محمد بن سيرين قال: هشام منا أهل البيت، قال حماد: وكان أيوب يقول: سل لي هشاما عن حديث كذا. وقال سعيد بن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سيرين من هشام. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: لقد أتى هشام أمرا عظيما بروايته عن الحسن، قيل لنعيم: لم؟ قال: إنه كان صغيرا، قال نعيم: قال ابن عيينة: وكان هشام أعلم الناس بحديث الحسن. وقال أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن علية: ما كنا نَعُدّ هشام بن حسان في الحسن شيئا. وقال إبراهيم بن مهدي: سمعت حماد بن زيد يقول: أنبأنا هشام وأيوب، وحسبك بهشام. وقال مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان: ما كتبت للحسن حديثا قط، إلا حديث الأعماق. وقال علي عن يحيى بن سعيد: هشام بن حسان في ابن سيرين أحب إلي من عاصم الأحول، وخالد الحذاء، وهو عندي في الحسن دون محمد بن عمرو -يعني الأنصاري. وقال حجاج بن المنهال: كان حماد بن سلمة لا يختار على هشام في ابن سيرين أحدًا. وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد، وكبار أصحابنا يُثَبِّتون هشام بن حسان، وكان يحيى يضعف حديثه عن عطاء، وكان الناس يرون أنه أخذ حديثه عن حَوْشَب. وقال ابن المديني أيضا: أما حديث هشام عن محمد فصحاح، وحديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب، وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين، وهشام ثَبْتٌ. وقال العجلي: بصري ثقة، حسن الحديث، يقال: إن عنده ألف حديث حسن ليست عند غيره. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، كثير الحديث. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة. وقال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حَوْشَب. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرًا، وهو صدوق. وقال أبو بكر بن أبي شيبة وغيره: مات سنة ست. وقال يحيى القطان وغيره: مات سنة سبع. وقال الترمذي وغيره: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. قلت وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة سبع أو ثمان، وكان من العباد الْخُشُن البكائين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال: لأنه قيل: كان يرسل عنهما، من السادسة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٤) حديثًا.\n[تنبيه]: كون هشام المذكور في هذا السند هو ابن حسّان القردوسيّ هو الذي في","vol":"2","page":52},{"text":"شرح النوويّ ١/ ٨٤، وهو الصواب، ووقع في شرح القاضي عياض ١/ ١٢٤ أنه الدستوائيّ، وهو غلطٌ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\n٥ - (فضيل) بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي، أبو علي الزاهد الخراساني، نزيل مكة.\nرَوَى عن الأعمش، ومنصور، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وهو من شيوخه، وابن عيينة، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومات قبله، ويحيى القطان، وابن مهدي، وحسين بن علي الجعفي، وخلق كثير.\nقال أبو عمار الحسين بن حريث: سمعت الفضل بن موسى يقول: كان الفضيل ابن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته، أنه عَشِقَ جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خَرِبة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نُصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت قلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين يخافونني هَهنا، وما أرى الله ساقني إليهم، إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام. وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل ثقة. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قال ابن مهدي: فضيل بن عياض رجل صالح، ولم يكن بحافظ. وقال العجلي: كوفي ثقة متعبد، رجل صالح، سكن مكة. وقال الحسين بن إدريس، عن أبي عمار: ليت فضيلا كان يحدثك بما يعرف، قلت: ترى حديثه حجة، قال: سبحان الله. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، رجل صالح. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن سعد: وُلد بخراسان بكُورة أبيورد، وقدم الكوفة، وهو كبير، فسمع الحديث من منصور، وغيره، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومائة، وكان ثقة نبيلا فاضلا عابدا ورعا كثير الحديث. وفي سنة سبع أرخه غير واحد، زاد بعضهم: في أول المحرم، وقيل: يوم عاشوراء. وقيل: مات سنة ست وثمانين. وقال أبو وهب محمد بن مزاحم عن ابن المبارك: وأما أورع الناس ففضيل بن عياض. وقال إبراهيم بن شماس عن ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من فضيل. وقال ابن أبي خيثمة عن عبيد الله بن عمر القواريري: أفضل من رأيت من المشايخ، فذكره فيهم ثانيًا. وقال النضر بن شميل: سمعت هارون الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل. وقال الهيثم بن جميل عن شريك: لم يزل لكل قوم حجة في زمانهم، وأن فضيل بن عياض حجة لأهل زمانه، وقيل: عن","vol":"2","page":53},{"text":"الهيثم نفسه مثل ذلك. وقال بشر بن الحارث: عشرة كانوا يأكلون الحلال، لا يدخل بطونهم غيره، ولو استفّوا التراب، فذكره فيهم. وقال إبراهيم بن الأشعث، خادم الفضيل: ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله عنده، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه فبكى، حتى يرحمه من بحضرته. وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: ما رأيت أحدا كان أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس من الفضيل، وكان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث. وقال أبو بكر بن عفان: سمعت وكيعا يوم مات الفضيل بن عياض يقول: ذهب الحزن اليوم من الأرض، وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة صدوقا، وليس بحجة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: أقام بالبيت الحرام مجاورا مع الجهد الشديد، والورع الدائم، والخوف الوافر، والبكاء الكثير، والتخلي بالوحدة، ورفض الناس، وما عليه أسباب الدنيا إلى أن مات بها. وقال ابن المبارك: إذا نظرت إلى فضيل جُدّد لي الحزن، ومَقَتُّ نفسي، ثم بكى.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابد إمام، من الثامنة.\nأخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في \"صحيح مسلم\" سبعة أحاديث برقم ٦٤١ و٨٨٩ و٩٤٧ و١٧٠٠ و٤٢٩٤ و٤٩٩٢ و٥٠٤٨.\n٦ - (مخلد (١) بن حسين) الأزدي المهلبيّ، أبو محمد البصري، نزيل المصيصة.\nرَوَى عن الأوزاعي، وابن جريج، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه ابن بنته داود بن معاذ العتكي، وأبو إسحاق الفزاري، وابن المبارك، وغيرهم. قال العجلي: ثقة رجل صالح، كان من عقلاء الرجال. وقال المسيب بن واضح: حدثنا مخلد بن الحسين، وما رأيت في زماننا أوفى عقلا منه. وقال أبو داود: كان أعقل أهل زمانه. وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من العُبّاد الْخُشُن، ممن لا يأكل إلا الحلال المحض. قال ابن أبي عاصم، وغيره: مات سنة إحدى وتسعين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، فاضلٌ، من كبار التاسعة.\nأخرج له مسلم في \"المقدّمة\" فقط، والنسائيّ.\n٧ - (محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري الإمام المشهور تقدمت ترجمته في أوائل هذا الشرح.\n_________\n(١) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام.","vol":"2","page":54},{"text":"[تنبيه]: قوله: (وَهِشَامٍ) بالجرّ عطفًا على أيوب، فحماد يروي عن أيوب، وهشام ابن حسّان كليهما، وهما يرويان (عَنْ مُحَمَّدٍ) ابن سيرين. وقوله: (وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) عطف على \"حدّثنا حمّاد\"، فقائل: \"حدّثنا\" هو حسن بن الربيع، فهذا طريق ثان له: أي قال حسن بن الربيع: حدثنا فُضيل ابن عياض (عَنْ هِشَام) بن حسّان. وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ) طريق ثالث لحسن بن الربيع: أي قال حسن بن الربيع أيضًا: حدثنا مخلد بن حسين. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ هِشَام) بن حسان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنه (قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ) إشارة إلى علم الحديث (دِينٌ) أي عبادة لله تعالى، فإن الدين يُطلق على العبادة، فقد ذكر في \"القاموس\" للدين معاني كثيرة، ومنها: العبادة، والتوحيد، واسم لجميع ما يُتعبَّد الله تعالى به، والملّة. انتهى (١). (فَانْظُرُوا) الفاء فصيحيّة، سمّيت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر: أي إذا كان علم الحديث دينًا يُدانُ الله تعالى به، فانظروا (عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) أي عن أي شخص تأخذون الحديث الذي تتعبّدون الله تعالى بطلبه. والمراد إرشادهم إلى أن يأخذوه عن الثقات، وتحذيرهم من الأخذ عن الضعفاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٢٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لم يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، البغدادي البزاز، مولى مُزينة، صاحب \"السنن\".\nرَوَى عن حفص بن غياث، والفضل بن موسى السِّيناني، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن زكريا، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة، وغيرهم.\nقال القاسم بن نصر المخرمي: سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن الصباح\n_________\n(١) راجع \"القاموس المحيط\" في مادة \"دين\" ص ١٠٨٠ طبع مؤسّسة دار الفكر.","vol":"2","page":55},{"text":"الدولابي؟ فقال: شيخنا ثقة. وقال ابن معين: ثقة مأمون. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صاحب حديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة عالما يَهِم. وقال أبو حاتم: ثقة ممن يُحتج بحديثه، وكان أحمد يعظمه. وقال تمتام: حدثنا محمد ابن الصباح الدولابي الثقة المأمون والله. وقال ابن عدي: شيخ سُنّيّ من الصالحين. وقال مسلمة في \"الصلة\": ثقة مشهور. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: وُلد بالري بقرية يقال لها دُولاب، وقال ابنه: مات أبي وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن سعد: مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين، وفيها أرخه ابن حبان، لكن قال: لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، من العاشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٢٢) حديثًا (١).\n٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرَّة الْخُلْقَانيّ -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف- الأسدي، أبو زياد الكوفي، لَقَبُهُ شَقُوصَا -بفتح المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة-.\nروى عن أبي بردة بن أبي موسى، وعاصم الأحول، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه سعيد بن منصور، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن الصبّاح الدُّولابيّ، وغيرهم. قال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن أبي شهاب، وإسماعيل بن زكريا؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو داود عنه: ما كان به بأس. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: صالح الحديث، قيل له: أفَحُجّة هو؟ قال: الحجة شيء آخر. وقال أبو الحسن الميموني عن أحمد: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها، فهو فيها مقارب الحديث، صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا، يريد بالطلب. وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال الدارمي عن ابن معين: يحيى يعني ابن أبي زائدة، أحب إلي من إسماعيل. وقال الدُّوري، وابن أبي خيثمة: ثقة. وقال النسائي: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن سعد وغيره: مات في أول سنة (١٧٣). وقال أبو الأحوص البغوي: مات سنة (٧٤).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ يُخطىء قليلًا، من الثامنة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" عشرة أحاديث.\n_________\n(١) هكذا في برنامج الحديث (صخر). وفي \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\": روى عنه البخاريّ (١٢) حديثا، ومسلم (٢٠) حديثًا.","vol":"2","page":56},{"text":"٣ - (عاصم الأحول) بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، ويقال: مولى عثمان، ويقال: آل زياد.\nروى عن أنس، وعبد الله بن ماسَرْجِس، وعمرو بن سلمة الْجَرْميّ، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وسليمان التيمي، وداود بن أبي هند، وإسماعيل بن زكريا، وغيرهم.\nقال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: عاصم أحب إلي في أبي عثمان النَّهْدي من قتادة. وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة، وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّي به. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه. وقال أحمد: شيخ ثقة. وقال أيضا: من الحفاظ للحديث ثقة. وقال الْمَرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن يحيى تكلم فيه، فعجب، وقال: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، وعثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني، وأبو زرعة، والعجلي، وابن عمار، وذكره ابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال ابن المديني مرة: ثبت. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه. وقال ابن إدريس: رأيته أتى السوق، فقال: اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي عنه شيئًا. وتركه وُهَيْبٌ؛ لأنه أنكر بعض سيرته. وقال الدارقطني: هو أثبت من عاصم بن أبي النجود. وقال البزار: ثقة. وقال أبو الشيخ: سمعت عبدان يقول: ليس في العواصم أثبت من عاصم الأحول. وقال ابن سعد: كان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والأوزان، وكان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر، ومات سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين ومائة. وقال عمرو بن علي: مات سنة (٢). وقال البخاري: مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من الرابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في صحيح مسلم\" (٦٥) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>شرح الأثر:</span>\n(عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"المفهم\": يعني بذلك من أدرك من الصحابة، وكبراء التابعين. أما الصحابة، فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكلّ عُدول على مذهب أهل الحقّ، وكذلك كلّ من خالف في قبول مراسيل غير الصحابة وافق على قبول مراسيل الصحابة. وأما كبراء التابعين، ومتقدّموهم، فالظاهر من حالهم أنهم يُحدّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقبل مراسيلهم، ولا ينبغي أن يُختَلَف فيها؛ لأن المسكوت عنه صحابيّ، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم ممن هو في طبقتهم. وأما من تأخّر","vol":"2","page":57},{"text":"عنهم ممن حدّث عن متأخّري الصحابة، وعن التابعين، فذلك محلّ الخلاف، والصواب قبول المراسيل إذا كان المرسل مشهور المذهب في الجرح والتعديل، وكان لا يُحدّث إلا عن العدول. كما أوضحناه في الأصول. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المرسل عند المحدّثين ضعيفٌ بلا خلاف؛ للانقطاع، كما سيأتي للمصنّف قوله: \"والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس محلّ حجة الخ\"، وأما عند غيرهم ففيه أقوال كثيرة، وأصحها وأعدلها ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يقبل بشروط ثلاثة في المرسِل بالكسر، وثلاثة في المرسل بالفتح، وسيأتي تفصيل ذلك عند شرح قول المصنّف المذكور، إن شاء الله تعالى.\n(فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ) -بكسر، فسكون-: هي المحنة، والابتلاء، والجمع فِتَنٌ، وأصل الفتنة من قولك: فَتَنتُ الذهب والفضّة: إذا أحرقته بالنار؛ لِيَبِين الجيّد من الرديء. قاله الفيّوميّ (١). والمراد بها هنا فتنة العقائد، حيث خالفت طائفة أهل السنة والجماعة، كالخوارج، والروافض، ونحوهم.\nوقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه الفتنة يعني بها -والله أعلم- فتنة قتل عثمان -﵁-، وفتنة خروج الخوارج على عليّ ومعاوية ﵄، فإنهم كفّروهما، واستحلّوا الدماء والأموال. وقد اختُلف في تكفير هؤلاء، ولا يُشَكُّ في أنّ من كفّرهم لم يقبل حديثهم، ومن لم يُكفّرهم اختلفوا في قبول حديثهم، كما بيّنّاه فيما تقدّم، فيعني بذلك -والله أعلم- أنّ قَتَلَة عثمان، والخوارج لَمّا كانوا فُسّاقًا قطعًا، واختلطت أخبارهم بأخبار من لم يكن منهم، وجب أن يُبحَثَ عن أخبارهم، فتُردّ، وعن أخبار غيرهم ممن ليس منهم، فتُقبَل، ثم يجري الحكم من غيرهم من أهل البدع كذلك.\nولا يَظنُّ أحدٌ له فهم أنه يعني بالفتنة فتنة عليّ، وعائشة، ومعاوية ﵄؛ إذ لا يصحّ أن يقال في أحد منهم مبتدعٌ، ولا فاسقٌ، بل كلّ منهم مجتهدٌ، عَمِلَ على حسب ظنّه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي أن كلّ مجتهد مأجور، غير مأثوم، على ما مهّدناه في الأصول. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كلامه هذا أيّما إجادة، وأفاد أيّما إفادة، فإن بعض من لا فهم له حمل الفتنة المذكورة في كلام ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا على فتنة حرب عليّ ومعاوية ﵄، فقد كتب الدكتور\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٦٢.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"2","page":58},{"text":"محمد ضياء الرحمن الأعظمي في كتابه \"دراسات في الجرح والتعديل\" ص ٨: ما نصّه: والفتنة التي أشار إليها ابن سيرين هي ما وقع بين عليّ ومعاوية ﵄ إلى آخر كلامه، فقد فهم فهمًا خاطئًا؛ فإن في حمله على ذلك خطرًا عظيمًا؛ لأن ذلك يؤدّي إلى ردّ أحاديث من حارب معهما، وقد كان مع كلّ منهم عدد كبير من جلّة الصحابة -﵃-، وكلّهم مجتهدون متأولون، فالمخطىء منهم عدل ثقة مأجور، فلا يردّ بذلك حديثه.\nومما يُبطل ما ذهب إليه الدكتور المذكور من حمل الفتنة على ما ذكره: آخر كلام ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى، حيث قال: \"فيُنظر إلى أهل السنة، فيؤخذ بحديثهم، وينظر إلى أهل البِدَع، فلا يؤخذ حديثهم\". فإن المتحاربين من الجانبين كلهم من أهل السنة والجماعة، ولا قائل بأنهم من أهل البدع، كما تقدّم في كلام القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\nوالحاصل أن ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما أراد بقوله المذكور حرب عليّ ومعاوية ﵄ قطعًا، وإنما أراد فتنة تفرّق الناس في عقائدهم إلى الخروج، والتشيّع، والرفض، والإرجاء، والقدر، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تضليلهم، فيلزم البحث عن حال الراوي حتى يُعرف أنه ممن تردّ روايته لذلك، أو تقبل على تفاصيل تقدّم البحث عنها مستوفًى. ولله الحمد والمنّة.\n(قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ) أي رجال إسنادكم (فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ) -بكسر، ففتح: جمع بدعة، وهي ما استُحدث في الدين بعد إكمال الله تعالى له، مما لا أصل له في الكتاب والسنة (فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وقوله: \"ويُنظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم\": هذا مع ما ذَكَرَه عن السلف والأئمة من مثل هذا يؤيّد ما قلناه في ترك حديثهم، خلاف ما حكاه الغسّانيّ من الاتّفاق على قبوله إذا لم يكونوا دُعاةً، ولا غُلاةً، وظهر صدقهم. وقد ذكرنا أن أبا عبد الله بن البيّع ذكره في القسم الخامس. قال القاضي: وإلى قبول روايتهم وشهادتهم مال الشافعيّ. وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوًى يدعو إلى هواه. فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيصٌ في الأخذ عنه إذا لم يدع، أو أن البدعة سببٌ لتُهمته أن يدعو الناس إلى هواه: أي لا تأخذوا عن ذي بدعة، فإنه ممن يدعو إلى هواه؟ أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه، فاتّهمه لذلك، وهذا هو المعروف من مذهبه. وقد تأوّل الباجيّ أن معنى يدعو: يُظهرها، ويُحقّق عليه، فأما من دعا، فلم يُختَلَف في ترك حديثه. وقد ذمّ مسلم بعد هذا الرواية عنهم. وأما القاضي أبو بكر الباقلّانيّ في طائفة من المحقّقين من الأصوليين والفقهاء والمحدّثين من السلف والخلف، فأبوا قبول خبر المبتدعة، والفسّاق المتأوّلين، ولم يَعذروهم بالتأويل،","vol":"2","page":59},{"text":"وقالوا: هو فاسقٌ بقوله، فاسق بجهله، فاسق ببدعته، فتضاعف فسقه. وعلى هذا وقع خلاف بين الفقهاء في شهادتهم، فقبلها الشافعيّ، وابن أبي ليلى، وردّها مالك وغيره. وكذلك لا يُشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره الغسّانيّ من افتعاله الحديث، وتحريفه الرواية لنصرة مذهبه، فإن هذا يُثبت كذبه، وطرحَ قوله، ولو لم يكن ذا بدعة، ومن شُهر بالبدعة اتّهمناه أن يفعل هذا، وإن لم يفعله؛ لثبوت فسقه ببدعته. وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: رجلٌ مُعلنٌ بفسقه، وإن كان أروى الناس، ورجلٌ يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتّهمه على حديث رسول الله -ﷺ-، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل (١)، لا يَعلَم ما يُحدّث به. انتهى كلام القاضي (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في الرواية عن المبتدعة، وأن الحقّ أنه لا تردّ رواياتهم على الإطلاق، ولا تُقبل على الإطلاق، بل لا بدّ من التفصيل، فننظر أنه إن كُفّر ببدعته بأن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، فلا يؤخذ بروايته، وأما من لم يُكَفَّر بها، وانضمّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فيؤخذ بروايته، إن لم يكن داعية، ولم تكن روايته مما يؤيّد بدعته، إلا الرافضة، فلا تقبل روايتهم مطلقًا؛ فقد قال الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطّابيّة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقد أشار إلى هذا السيوطيّ في \"ألفية الأثر\"، حيث قال:\nوَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلَا ... ثَالِثُهَا إِن كَذِبًا قَدْ حَلَّلَا\nوَغَيْرُهُ يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي ... وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي\nقَبُولَهُمْ لَا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا ... لِرَأْيِهِمْ أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا.\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٢٨ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: لَقِيتُ طَاوُسًا، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب الحنظلي،\n_________\n(١) أي له فضلٌ في العبادة والطاعة.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.","vol":"2","page":60},{"text":"المعروف بابن راهويه، المروزي نزيل نيسابور، أحد الأئمة طاف البلاد.\nرَوَى عن ابن عيينة، وابن علية، وجرير، وبشر بن المفضل، وخلق كثير. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وبقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق الكوشج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وهؤلاء من أقرانه، والذهلي، وزكرياء السجزي، ومحمد بن أفلح، وأبو العباس السراج، وهو آخر من حدث عنه. قال محمد بن موسى الباشاني: وُلد سنة (١٦١) وكان سمع من ابن المبارك، وهو حدث، فترك الرواية عنه لحداثته. وقال موسى بن هارون: كان مولد إسحاق سنة (١٦٦) فيما أرى. قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن الإسلام خيرا. وقال نعيم بن حماد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق، فاتهمه في دينه. وقال أحمد: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثله. وقال أيضا: لا أعرف له بالعراق نظيرًا. وقال مرة لما سئل عنه: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن أسلم الطوسي لما مات: كان أعلم الناس، ولو عاش الثوري لاحتاج إلى إسحاق. وقال النسائي: إسحاق أحد الأئمة. وقال أيضا: ثقة مأمون. وقال ابن خزيمة: والله لو كان في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه. وقال أبو داود الخفاف: سمعت إسحاق يقول: لكأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفا أسردها. وقال: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون، فقال أبو زرعة: ما رُؤي أحفظُ من إسحاق. قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رُزق من الحفظ. وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله من حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقها وعلما وحفظًا، وصنف الكتب، وفرّع على السنن، وذَبَّ عنها، وقَمَعَ مَن خالفها، وقبره مشهور يزار. وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام، فرميت به، ومات سنة (٧) أو (٢٣٨). وقال حسين القباني: مات ليلة النصف من شعبان سنة (٢٣٨). وقال البخاري: مات وهو ابن (٧٧) سنة. وفي \"تاريخ البخاري\": مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من شعبان من السنة. وفي \"الكنى\" للدولابي. مات ليلة نصف شعبان، قال: وفي ذلك يقول الشاعر:\nيَا هَدَّةً مَا هُدِدْنَا لَيْلَةَ الأَحَدِ ... فِي نِصْفِ شَعْبَانَ لَا تُنْسَى مَدَى الأَبَدِ","vol":"2","page":61},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود: إنه تغيّر قبل موته بيسير.\nروى عنه الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦١٨) حديثًا.\n٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد الكوفي، نزل الشام مرابطًا.\nرأى جدّه أبا إسحاق، وروى عن أبيه، وأخيه إسرائيل، وابن عمه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وغيرهم. وروى عنه أبوه يونس، وابنه عمرو ابن عيسى، وحماد بن سلمة، وهو أكبر منه، وغيرهم.\nقال أحمد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وابن خراش: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي أيما أصح حديثا عيسى بن يونس، أو أبوه يونس؟ قال: لا، بل عيسى أصحّ حديثًا. قلت له: عيسى أو إسرائيل؟ قال: ما أقربهما. قلت: ما تقول فيه؟ فقال: عيسى يسأل عنه؟ . قال المرُّوذيّ: سئل يعني أحمد عن عيسى بن يونس وأبي إسحاق الفزاريّ، ومروان بن معاوية، أيهم أثبت؟ فقال: ما فيهم إلا ثبت، قيل له: من تُقَدِّم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبتٌ، إلا أن أبا إسحاق ومكانه من الإسلام. قال الْمَرُّوذيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: الذي نُخْبَرُ أن عيسى بن يونس كان سنة في الغزو، وسنة في الحج، وقد كان قدم إلى بغداد، فأُمر له بمال، فأبى أن يقبل. وقال علي بن عثمان بن نفيل: قلت لأحمد: إن أبا قتادة الحراني كان يتكلم في وكيع، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، فقال: من كَذّب أهل الصدق فهو الكذاب. وقال حرب بن إسماعيل: سئل ابن المديني عن عيسى بن يونس؟ فقال: بخ بخ، ثقة مأمون. وقال قيس بن حنش: سمعت ابن المديني يقول: جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم، منهم عيسى بن يونس. وقال ابن عمار: أثبتهم عيسى، ثم يوسف، ثم إسرائيل، أولاد يونس. وقال في موضع آخر: عيسى حجة، وهو أفضل من إسرائيل. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يسكن الثغر، وكان ثبتا في الحديث. وقال الكديمي عن سليمان بن داود: كنا عند ابن عيينة، فجاء عيسى، فقال: مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه. وقال أبو همام: ثنا عيسى بن يونس الثقة الرضى. وقال أبو زرعة: كان حافظا. وقال جعفر بن يحيى البرمكي: ما رأينا في القراء مثله، عرضتُ عليه مائة ألف دينار، فقال: لا، والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إليّ، فأما على الحديث فلا، ولا شربة ماء، ولا إهْلِيلجة (١). وقال أحمد بن\n_________\n(١) ثمر معرف.","vol":"2","page":62},{"text":"جناب: مات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد. وقال محمد بن المثنّى، وأبو داود، وغير واحد: مات سنة (١٨٧) وقيل: (١٨٨)، وقيل: (١٩١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة مأمون، من الثامنة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦١٨) حديثًا.\n٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، واسمه يُحْمِد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطًا.\nروى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وسليمان بن موسى، وغيرهم. وروى عنه مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد، وعيسى بن يونس، وروى عنه من شيوخه الزهري، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، وغيرهم. قال الحاكم أبو أحمد في \"الكنى\": الأوزاعي من حمير، وقد قيل: إن الأوزاع قرية بدمشق، وعرضت هذا القول على أحمد بن عمير فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل. وقال أبو سليمان بن زبر: هو اسم وقع على موضع مشهور بدمشق، يُعرف بالأوزاع سكنه في صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن، وكان أصله من سباء السند، وكان ينزل الأوزاع، فغلب ذلك عليه، وإليه فتوى الفقه لأهل الشام؛ لفضله فيهم، وكثرة روايته، وبلغ سبعين سنة، وكان فصيحا، ورسائله تؤثر. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو عبيد عن ابن مهدي: ما كان بالشام أعلم بالسنة منه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة ما أقل ما روى عن الزهري. وقال أبو حاتم: إمام متبع لما سمع. وقال أبو مسهر عن هقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وقال ابن عيينة: كان إمام أهل زمانه. وقال أمية بن يزيد ابن أبي عثمان: كان عندنا أرفع من مكحول، جمع العبادة والورع والقول بالحق. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهادهم، وكان السبب في موته أنه كان مرابطا ببيروت، فدخل الحمام، فَزَلِق، فسقط، وغَشِيَ عليه، ولم يعلم به حتى مات. وقالا أحمد بن حنبل: دخل الثوري والأوزاعي على مالك، فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علما من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة -يعني الأوزاعي-. وقال أبو إسحاق الفزاري: ما رأيت مثل رجلين الأوزاعي والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة، ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي؛ لأنه كان أكثر توسعا، وكان والله إماما، إذ لا نُصيب اليوم إماما، ولو أن الأمة أصابتها شدة والأوزاعي فيهم، لرأيت لهم أن يفزعوا إليه.","vol":"2","page":63},{"text":"وقال ابن المبارك: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة لاخترت الثوري والأوزاعي، ثم لاخترت الأوزاعي؛ لأنه أرفق الرجلين. وقال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه. وقال أبو عبد الملك القرطبي في \"تاريخه\": كانت الفتيا تدور بالأندلس على رأي الأوزاعي إلى زمن الحكم بن هشام المتوفى سنة (٢٥٦). وقال الخليلي في \"الإرشاد\": أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه. وقال الوليد بن مسلم فيما رواه أبو عوانة في \"صحيحه\": احترقت كتبه زمن الرجفة، فأتى رجل بنسخها، وقال له: هو إصلاحك بيدك، فما عرض لشيء منها حتى مات. وقال ابن سعد: وُلِد سنة (٨٨)، وكان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيرا، كثير الحديث والعلم والفقه، وكان مكتبه باليمامة، ومات ببيروت سنة (١٥٧). وقال الآجري عن أبي داود: مات الأوزاعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الحمام. وقيل: سنة (٥٥). وقيل: سنة (٥١). وقيل: سنة (٥٦).\nوقال في \"التقريب\": ثقة جليلٌ، من السابعة. انتهى.\nأخرخ له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٠) حديثًا.\n٤ - (سليمان بن موسى) الأموي مولاهم، أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام الدمشقي الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه.\nأرسل عن جابر، ومالك بن يُخَامِر السَّكْسَكِيّ الدمشقي، وأبي سَيَّارة الْمُتَعِيّ، وروى عن واثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، وطاووس، والزهري، ونافع، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وسعيد بن عبد العزيز، وزيد بن واقد، والأوزاعي، وغيرهم. قال سعيد بن عبد العزيز: سليمان بن موسى كان أعلم أهل الشام بعد مكحول. وقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى. وقال الزهري: سليمان ابن موسى أحفظ من مكحول. وقال عثمان الدارمي، عن دُحَيم: ثقة. وعن ابن معين: ثقة في الزهري. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث. وقال في موضع آخر: في حديثه شيء. وقال ابن عدي: وسليمان بن موسى فقيهٌ راوٍ، حَدَّث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها، لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق. وقال الدارقطني في \"العلل\": من الثقات، أثنى عليه عطاءٌ، والزهري. وقال ابن سعد: كان ثقة، أثنى عليه ابن جريج. وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من","vol":"2","page":64},{"text":"أصحاب نافع. وقال يحيى في معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيِح عندنا. وقال ابن حبان في \"الثقات\": مات سنة (١١٥) من شَرْبَةٍ سُقِيها، وكان فقيهًا ورعًا. وقال دُحَيم: مات سنة (١١٥). وقال خليفة وغير واحد: مات سنة تسع عشرة ومائة.\nوقال في \"التقريب\": صدوق، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة.\nأخرج له مسلم في \"المقدمة\"، والأربعة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ سُلَيْمَانَ بْن مُوسَى) الأشدق، أنه (قَالَ: لَقِيتُ) بكسر القاف، يقال: لقيته ألقاه، من باب تعب لُقِيّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ جمع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه. قاله الفيّوميّ (١). (طَاوُسًا) أي ابن كيسان اليمانيّ الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته برقم ٣/ ١٦. (فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ) قال صاحب \"التنبيه\": لا أعرف اسم فلان. انتهى (٢). (كَيْتَ وَكَيْتَ) هما بفتح التاء وكسرها، لغتان، نقلهما الجوهريّ في \"صحاحه\" عن أبي عُبيدة (٣). وقال في \"القاموس\"، و\"شرحه\": \"كيتَ وكيتَ\" بالفتح، ويُكسر آخرهما، وهي كناية عن القصّة، أو الأُحدوثة، حكاها سيبويه. قال الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيتَ وكيتَ. أي كذا وكذا، والتاء فيهما هاء في الأصل، مثلُ ذَيتَ وذَيْتَ. قال: وقد صرّح ابن القطاع، وابن سِيدَه بأن ذَيتَ وكيتَ مثلّثا الآخر. انتهى باختصار (٤). وقال في \"المصباح\": قولهم \"كيتَ\"، و\"ذيت\" كناية عن الحديث، والأصل \"كَيْهَ\"، و\"ذَيْهَ\"، لكنه أُبدل من الهاء تاءٌ، وفُتحت لالتقاء الساكنين، وطلبًا للتخفيف. انتهى (٥).\n(قَالَ) طاوس (إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ) يعني الذي حدّثه (مَلِيًّا) يعني ثقةً ضابطًا متقنًا، يُوتق بدينه، ومعرفته، ويُعتمد عليه، كما يُعتمد على معاملة المليء بالمال؛ ثقةً بذمّته. (فَخُذْ عَنْهُ) أي ارو عنه أحاديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٥٨.\n(٢) \"تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم\" ص ٣٢.\n(٣) راجع \"الصحاح\" ١/ ٢٣٤.\n(٤) \"تاج العروس\" ١/ ٥٨٠.\n(٥) \"المصباح المنير\" ١/ ٢١٢.","vol":"2","page":65},{"text":"٢٩ - (وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيِزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: إِنَّ فُلَانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل ابن بَهْرَام بن عبد الصمد التميمي الدارمي، أبو محمد السمرقندي، الحافظ صاحب \"المسند\".\nرَوَى عن النضر بن شميل، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ومروان بن محمد الطاطري، ويزيد بن هارون، وخلق كثير. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والبخاري في غير \"الجامع\"، والحسن بن الصباح البزاز، وبندار، والذهلي، وخلق كثير.\nقال الإمام أحمد بن حنبل: إمام، وقال لرجل: عليك بذاك السيد عبد الله بن عبد الرحمن كررها. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا بالحفظ والورع. وقال أبو سعيد الأشج: إمامنا. وقال عثمان بن أبي شيبة: أمره أظهر مما يقولون من الحفظ والبصر وصيانة النفس. وعَدّه بُندار في حفاظ الدنيا. وقال إسحاق بن أحمد زَيْرَك عن أبي حاتم الرازي: سمعته يقول: محمد بن إسماعيل أعلم مَنْ دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إمام أهل زمانه. وقال أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة، فذكره فيهم. وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي: كان على غاية من العقل والديانة، ممن يُضرَب به المثل في الحلم والدراية، والحفظ والعبادة والزهد، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذَبَّ عنها الكذب، وكان مُفَسِّرا كاملًا، وفقيها عالمًا. قال أبو حاتم بن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع، وتفقه وصنف، وحدّث وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها وذَبّ عن حريمها، وقَمَعَ من خالفها. وقال الخطيب: كان أحد الرحالين في الحديث، والموصوفين بحفظه وجمعه، والإتقان له، مع الثقة، والصدق، والورع، والزهد، واستقضي على سمرقند فأبى، فألحّ عليه السلطان، فقضى بقضية واحدة، ثم أُعفي، وكان يُضرَب به المثل في الديانة، والحلم، والرزانة. قال إسحاق بن إبراهيم الوراق: سمعته يقول: وُلدت في سنة مات ابن المبارك سنة (٨١). وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاري: كنا عند محمد بن إسماعيل، فورد عليه كتاب فيه نَعْيُ عبد الله بن عبد الرحمن، فنَكَّسَ رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل","vol":"2","page":66},{"text":"دموعه على خديه، ثم أنشأ يقول [من الكامل]:\nإِنْ تَبْقَ تُفْجَعْ بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لا أَبَا لَكَ أَفْجَعُ\nقال إسحاق: ما سمعناه يُنشد شعرا إلا ما يجيء في الحديث. وقال أحمد بن سيار: كان حسن المعرفة، قد دَوَّن \"المسند\"، و\"التفسير\"، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، يوم التروية، ودفن يوم عرفة، يوم الجمعة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وكذا أرخه غير واحد، وقيل: مات سنة (٢٥٠)، وهو وَهَمٌ.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فاضلٌ متقنٌ، من الحادية عشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٧٢) حديثًا (١).\n٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) هو: مروان بن محمد بن حسان الأسدي الطَّاطَرِيّ -بمهملتين مفتوحتين- أبو بكر، ويقال: أبو حفص، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي. قال الطبري: كل من يبيع الكرابيس بدمشق يقال له: الطاطري.\nروى عن سعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وسعيد بن بشير، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم بن مروان، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وبقية ابن الوليد، وغيرهم. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأحمد بن حنبل: بلغني أنك تُثني على مروان بن محمد، قال: إنه كان يذهب مذهب أهل العلم. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة. وقال عبد الله بن يحيى بن معاوية: أدركت ثلاث طبقات، إحداها: طبقة سعيد بن عبد العزيز، ما رأيت فيهم أخشع من مروان بن محمد. وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت مسلما خيرا من مروان، قيل له: ولا معلمه سعيد بن عبد العزيز؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا بأس، به وكان مرجئًا. وقال الدارقطني: ثقة. قال الحافظ: وضعفه أبو محمد بن حزم، فأخطأ؛ لأنا لا نعلم له سلفا في تضعيفه إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مُقْنِع. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: وُلد سنة سبع وأربعين ومائة. وقال البخاري: مات سنة عشر ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من التاسعة.\nأخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٨) حديثًا.\n٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد\n_________\n(١) هذا ما في برنامج الحديث (صخر)، وفي \"الزهرة\": روى عنه مسلم ثلاثة وسبعين حديثًا.","vol":"2","page":67},{"text":"العزيز الدمشقي، قرأ القرآن على ابن عامر، ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاء بن أبي رباح.\nرَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، والزهري، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وجماعة. وروى عنه الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ومروان بن محمّد، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالشام رجل أصح حديثا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدُحيم: مَن بعد عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد. قال: وقلت ليحيى بن معين: وذكرت له الحجةُ: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف، إلا نفرا منهم: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يُقَدِّم سعيدَ بنَ عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد واحدًا. وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد في صدره. وقال النسائي: ثقة ثبت.\nوقال الحاكم أبو عبد الله: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم، والفضل، والفقه، والأمانة. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، وكان فاضلًا، ديّنًا، ورعًا، وكان مفتي أهل دمشق. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، ومتقنيهم في الرواية. وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته. وكذا قال حمزة الكناني. وقال البخاري في \"تاريخه\": قال علي عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عمرو، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يُعرَض عليه فيقول: لا أجيزها، لا أجيزها. وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته. وقال أحمد: بلغني عن أبي مسهر أنه قال: وُلد سنة (٩٠). وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة (١٦٧). وقال سليمان بن سلمة الخبائري: مات سنة (١٦٨).\nوقال في \"التقريب\": ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مُسهِرٍ، لكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة. انتهى.\nأخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\"، ومسلم، والأربعة، وله في \"صحيح مسلم\" خمسة أحاديث برقم ٦٩١ و٧٣٦ و١٧٢٩ و١٨٩٢ و٤٦٧٤.\nوشرح الأثر تقدّم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"2","page":68},{"text":"قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣٠ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَن ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بالْمَدِينَةِ مائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صُهْبان الأزدي الجهضمي، أبو عمرو البصري.\nروى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، والأصمعيّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي، وأحمد بن علي المروزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: ما به بأس ورضيه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر بن علي وأبي حفص الصيرفي؟ فقال: نصر أحب إلي، وأوثق، وأحفظ من أبي حفص، قلت: فما تقول في نصر؟ قال: ثقة. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وقال عبيد الله بن محمد الفرهياني: نصر عندي من نبلاء الناس. وقال أبو علي بن الصواف عن عبد الله بن أحمد: لَمّا حدث نصر بن علي بهذا الحديث، يعني حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله -ﷺ- أخذ بيد حسن وحسين، فقال: \"من أحبني، وأحب هذين، وأباهما وأمهما، كان في درجتي يوم القيامة\"، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. وقال الحسين بن إدريس الأنصاري: سئل محمد بن علي النيسابوري عن نصر بن علي؟ فقال: حجة. وقال مسلمة بن قاسم: هو ثقه عند جميعهم. وقال قاسم بن أصبغ: سمعت الْخُشَنيّ يقول: ما كتبت بالبصرة عن أحد أعقل من نصر بن علي. وقال أبو بكر ابن أبي داود: كان المستعين بعث إلى نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: أَرجِعُ فأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فنبهوه، فإذا هو ميت. قال البخاري: مات في ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد. وقيل: مات سنة إحدى وخمسين.\nوقال في \"التقريب\":، ثقة ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع، من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٥٠) حديثًا.\n[تنبيه]: \"الجهضميّ -بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد المعجمة- قال","vol":"2","page":69},{"text":"السمعانيّ: هذه النسبة إلى الجهاضمة، وهي مَحِلّةٌ بالبصرة. انتهى (١).\n٢ - (الأصمعيّ) عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مطهر ابن رَبَاح بن عمرو الباهلي، أبو سعيد الأصمعي البصري، أحد الأعلام، ويقال: إن قُرَيبا لقب، واسمه عاصم، وكنيته أبو بكر.\nقال أبو أمية الطرسوسي: سمعت أحمد، ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه. وقال الدوري عن ابن معين: سمعت الأصمعي يقول: سمع مني مالك بن أنس. وقال الرَّيَاشِيّ: قال الأصمعي: قال لي شعبة: لو أتفرّغ لجئتك. وقال ثعلب عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على الأصمعي أعوده، وإذا قِمَطر، فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من حقٍّ لكثير. وقال عمر بن شَبَّة: سمعته يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عَبَّر أحدٌ عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال محمد بن أبي زُكَيْر الأسواني: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: الأصمعي ثقة. وقال أبو معين الرازي: سألت ابن معين عنه؟ فقال: لم يكن ممن يكذب، وكان من أعلم الناس في وقته. وقال الدُّوري: قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة، فعمن أكتب؟ قال: عن الأصمعي، فهو ثقة صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: صدوق. وقال الحربي: كان أهل البصرة من أصحاب الأهواء، إلا أربعة، فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي. وقال نصر بن علي: سمعت الأصمعي يقول لعفان: اتق الله، ولا تغير حديث رسول الله -ﷺ- بقولي. قال نصر بن علي: كان الأصمعي يتقي أن يُفَسِّر حديث رسول الله -ﷺ-، كما يتقي أن يفسر القرآن. وقال المبرد: كان الأصمعي بحرا في اللغة، وكان دون أبي زيد في النحو. وقال أبو العَيْنَاء: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لم أر الأصمعي يدعي شيئا من العلم، فيكون أحد أعلم به منه. وقال الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن حبيب، عن الأصمعي: بلغتُ ما بلغتُ من العلم، ونِلْتُ ما نلت بالْمُلَح. وقال أبو العيناء: توفي بالبصرة، وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين. وقال خليفة: مات سنة (١٥). وقال أبو موسى، والبخاري: مات سنة (١٦). وقال الكديمي سنة (١٧). وقال الخطيب: بلغني أنه عاش (٨٨) سنة.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ سنيّ، من التاسعة. انتهى.\n_________\n(١) \"الأنساب\" ٢/ ١٣٢ - ١٣٤.","vol":"2","page":70},{"text":"روى له مسلم في مقدمة كتابه، وأبو داود في تفسير أسنان الإبل، والترمذي في تفسير حديث أمّ زرع.\n٣ - (ابن أبي الزناد) هو: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني.\nروى عن أبيه، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وزهير بن معاوية، ومعاذ بن معاذ العنبري، والأصمعيّ، وغيرهم. قال مصعب: كان أبو الزناد أحب أهل المدينة، وابنه، وابن ابنه. وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: قَدِمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قَدِمت إليك لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به، فقال: عليك بابن أبي الزناد. وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرَّحمن بن أبي الزناد. وقال أبو طالب عن أحمد: يُروَى عنه، قلت: يُحتَمَل؟ قال: نعم. وقال أيضًا فيما حكاه الساجي: أحاديثه صحاح. وقال ابن معين فيما حكاه الساجي: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة حجة. وقال الآجري، عن أبي داود: كان عالما بالقرآن، عالما بالأخبار. وقال الترمذي، والعجلي: ثقة. وصحح الترمذي عدةً من أحاديثه. وقال في \"اللباس\": ثقة حافظ. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. وقال الواقدي: كان نبيلًا في علمه، ووَلِيَ خراج المدينة، فكان يستعين بأهل الخير والورع، وكان كثير الحديث، عالمًا. وقال الشافعي: كان ابن أبي الزناد يكاد يجاوز القصد في ذَمّ مذهب مالك. وقال ابن مُحرز عن يحيى بن معين: ليس ممن يَحتَجّ به أصحاب الحديث، ليس بشيء. وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال محمد ابن عثمان عن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرَّحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم: فلان وفلان وفلان، قال: ولقنه البغداديون عن فقهائهم. وقال صالح بن محمد: روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة -يعني الفقهاء- وقال: أين كنا عن هذا؟ . وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة. وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، فما حدث بالمدينة أصح","vol":"2","page":71},{"text":"مما حَدّث ببغداد كان عبد الرَّحمن يخط على حديثه. وقال في موضع آخر: تركه عبد الرَّحمن. وقال الساجي: فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، وعن ورقاء، وشعيب، والمغيرة، أيهم أحب إليك في أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبد الرَّحمن بن أبي الزناد. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه. وقال ابن سعد: قَدِمَ في حاجة، فسمع منه البغداديون، وكان كثير الحديث، وكان يضعف لروايته عن أبيه، وكان يفتي، مات ببغداد سنة أربع وسبعين ومائة، ومولده سنة (١٠٠)، وكذا أرخه أبو موسى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في ابن أبي الزناد أنه ثقة فيما رواه بالمدينة، وأما ما رواه ببغداد، فإنه مضطرب فيه. والله تعالى أعلم.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ تغيّر حفظه لمَّا قَدِمَ بغداد، وكان فقيهًا، من السابعة. انتهى.\nروى له البخاري في التعاليق، ومسلم في \"المقدمة\"، والأربعة.\n٤ - (أبوه) هو: عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرَّحمن المدني المعروف بأبي الزناد، مولى رملة، وقيل: عائشة بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: مولى عائشة بنت عثمان، وقيل: مولى آل عثمان، وقيل: إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة، قاتل عمر، وقال ابن عيينة: كان يغضب من أبي الزناد.\nروى عن أنس، وعائشة بنت سعد، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد الرَّحمن، وأبو القاسم، وصالح بن كيسان، وابن أبي مليكة، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال حرب عن أحمد: كان سفيان يسميه أمير المؤمنين. قال: وهو فوق العلاء بن عبد الرَّحمن، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: أبو الزناد أعلم من ربيعة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم منه، ومن ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وبكير بن الأشج. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، سمع من أنس. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة، إذا روى عن الثقات. وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال الليث عن عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي -ﷺ-، ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان. وقال النسائي، والعجلي، والساجي، وأبو جعفر الطبري: كان ثقة. وقال ابن حبان في","vol":"2","page":72},{"text":"\"الثقات\": كان فقيهًا، صاحب كتاب. وقال ابن عديّ: أحاديثه مستقيمة كلها. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روى عن أنس مرسلًا، وعن ابن عمر، ولم يره. وقال أبو يوسف، عن أبي حنيفة: قدمت المدينة، فأتيت أبا الزناد، ورأيت ربيعة، فإذا الناس على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرجلين، فقلت له: أنت أفقه، والعمل على ربيعة، فقال: ويحك كَفٌّ من حظ، خير من جراب من علم. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاثين ومائة في رمضان، وهو ابن (٦٦) سنة. وكذا قال ابن سعد، وزاد: كان ثقة، كثير الحديث، فصيحًا، بصيرا بالعربية، عالمًا، عاقلا. وقال ابن معين وغيره: مات سنة (٣١). وقيل: مات سنة (٣٢).\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ، فقيهٌ، من الخامسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١١٢) حديثًا.\n[تنبيه]: \"أبو الزناد\" لقب بصورة الكنية، اشتهر به عبد الله بن ذكوان، وكان يكرهه، كما تقدّم، وكنيته أبو عبد الرَّحمن. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>شرح الأثر:</span>\n(عَن) عبد الرَّحمن (بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن ذكوان، أنه (قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ) النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (مائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ) أي في دينه، وأمانته (مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ) أي لكونهم غير ضابطين له، كما أشار إليه بقوله: (يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ) أفرد اسم \"ليس\" بتأويله بالراوي: أي ليس الراوي أهلًا لأخذ الحديث منه. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: يعني أنهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم، وأمانتهم، غير أنهم لم يكونوا حُفّاظًا للحديث، ولا مُتقنين لروايته، ولا مُحترزين فيه، فلم تكن لهم أهليّة الأخذ عنهم، وإن كانوا قد تعاطوا الحديث والرواية. انتهى (١).\nوقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ليس يشترط في رواية الثقة عندنا، وعند المحقّقين من الفقهاء، والأصوليين، والمحدّثين كون المحدّث من أهل العلم، والفقه، والحفظ، وكثرة الرواية، ومجالسة العلماء، بل يُشترط ضبطه لما رواه، إما من حفظه، أو كتابه، وإن كان قليلًا علمه، إذ عُلِم من إجماع الصدر الأول قبول خبر العدل، وإن كان أُمّيّا، وممن جاء بعدُ قبول الرواية من صاحب الكتاب، وإن لم يحفظه، والرواية عن الثقات، وإن لم يكونوا أهل علم. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه رواية الثقات المعروفين بالسماع، وصحّة الكتاب غير الحفّاظ، ولا\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١٢٨.","vol":"2","page":73},{"text":"العارفين، قال: كأكثر محدّثي زماننا، قال: فهذا محتجّ به عند أكثر أهل الحديث، قال: وإن لم ير ذلك مالك، ولا أبو حنيفة.\nقال القاضي: والذي أقول: إن معنى قول أبي الزناد هذا -وقد رُوي نحوه عن مالك وغيره-: أن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط لما رووه، لا من حفظهم، ولا من كتبهم، أو قَصَدوا إيثار أهل العلم، وترجيح الرواية عن أهل الإتقان، والحفظ؛ لكثرتهم حينئذ، والاستغناء بهم عن سواهم، فأما أن لا يُقبل حديثهم فلا، وقد وجدنا هؤلاء رووا عن جماعة ممن لم يشتهر بعلم، ولا إتقان. انتهى كلام القاضي (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القاضي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"أو قصدوا إيثار أهل العلم الخ\" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه بعيد عن معنى كلام أبي الزناد، بل معنى كلامه هو الوجه الأول الذي ذكره القاضي بقوله: \"أن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط الخ\".\nوالحاصل من مراد ابن أبي الزناد -والله أعلم- أنه كما يُشترط لقبول الرواية كون الراوي عدلًا، يشترط أيضًا كونه ضابطًا، فلا تكفي عدالته، واستقامته، وأمانته لقبول ما يروي، بل لا بُدّ من كونه ضابطًا لما روى، إما ضبط صدرٍ، إن كان يروي من حفظه، أو ضبط كتاب، إن كان يروي من كتابه، وهذا معنى ما تقدّم عن الإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى، حيث عدّ من الأربعة الذين لا يؤخذ عنهم الحديث رجلًا له فضل وعبادة، لكنه لا يعلم ما يُحدّث به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وحَدَّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: \"لَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا الثِّقَاتُ\").\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (محمد بن أبي عمر) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، أبو عبد الله الحافظ، نزيل مكة، نُسِب إلى جده.\nروى عن أبيه، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وروى النسائي عن محمد بن حاتم بن نعيم الأزدي، وهلال بن العلاء، وزكرياء بن يحيى السجزي عنه، وغيرهم.\nقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان رجلا صالحًا، وكان به غفلة، ورأيت عنه حديثًا\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"2","page":74},{"text":"موضوعًا، حدّث به عن ابن عيينة، وكان صدوقا، قال: وثنا أحمد بن سهل الإسفرائيني، سمعت أحمد، وسئل عمن يُكتَبُ؟ فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. وقال الحسن بن أحمد بن الليث الرازي: كان حج سبعا وسبعين حجة. وقال الترمذي في \"الصلاة\" من \"الجامع\": سمعت ابن أبي عمر يقول: كان الحميدي أكبر مني بسنة، واختلفتُ إلى ابن عيينة ثماني عشرة سنة، قال: وسمعته يقول: حججت سبعين حجة ماشيًا. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال البخاري: مات في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، صنّف \"المسند\"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٢٨٥) حديثًا (١).\n٢ - (أبو بكر بن خلاد) هو: محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، أبو بكر البصري.\nروى عن الدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، والوليد بن مسلم، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى النسائي عن زكريا السجزي عنه، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أبو بكر بن خلاد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة وببغداد، وكان ملازما ليحيى بن سعيد. وقال أبو بكر الأعين: سمعت مسددا يقول: أبو بكر بن خلاد ثقة، ولكنه صَلْفٌ. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة. وقال معاوية بن عبد الكريم الزيادي: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد، وبعده عباس العنبري. قال ابن أبي عاصم: مات سنة أربعين ومائتين. وقيل: مات سنة (٣٩). وقيل: سنة تسع وأربعين. وقيل: سنة (٥٧).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" (١٤) حديثًا.\n٣ - (سفيان بن عيينة) تقدّمت ترجمته (٢).\n٤ - (مسعر) -بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين- ابن كدام -بكسر أوله،\n_________\n(١) هذا ما في برنامج الحديث (صخر)، والذي في \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\": روى عنه مسلم مائتي حديث، وستة عشر حديثًا.\n(٢) تقدّمت عند ذكر المصنّف أئمة الجرح والتعديل الذين يقتدى بهم في هذا العلم.","vol":"2","page":75},{"text":"وتخفيف ثانيه- ابن ظهير بن عبيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالي العامري الرَّوَّاسيّ، أبو سلمة الكوفي، أحد الأعلام.\nروى عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، وعطاء، وعبد الجبار بن وائل بن حجر، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وابن إسحاق، وشعبة، والثوري، وغيرهم.\nقال حفص بن غياث، عن هشام بن عروة: ما قدم علينا من العراق أفضل من أيوب، ومن ذاك الرَّوَّاسي، يعني مسعرًا؛ لأن رأسه كان كبيرًا. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أثبت هشام الدستوائي، أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعر، كان مسعر من أثبت الناس. وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدي يقول: حدثنا أبو خَلْدَة، فقال له أحمد بن حنبل: كان ثقة، وكان مؤدبًا، وكان خيارًا، الثقة شعبة، ومسعر. وقال العربي عن الثوري: كنا إذا اختلفنا في شيء سألنا عنه مسعرًا. قال: وقال شعبة: كنا نُسمّي مسعرًا المصحف. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كان يسمى الميزان. وقال أبو زرعة الرازي: سمعت أبا نعيم يقول: كان مسعر شكّاكا في حديثه، وليس يخطىء في شيء من حديثه، إلا في حديث واحد. وقال أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع: شَكُّ مسعر كيقين غيره. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان الأعمش يقول: شيطان مسعر يستضعفه، فيشككه في الحديث، وكان يقول الشعر. وقال عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق. وقال أبو طالب عن أحمد: كان ثقة خيارا، حديثه حديث أهل الصدق. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال ابن عمار: مسعر حجة، ومَنْ بالكوفة مثله؟ . وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة. قال: وسئل أبي عن مسعر وسفيان؟ فقال: مسعر أعلى إسنادًا، وأجود حديثًا، وأتقن، ومسعر أتقن من حماد بن زيد. وقال الآجري عن أبي داود: مسعر أعلى، صاحب شيوخ، روى عن مائة لم يرو عنهم سفيان. وقال محمد بن عمار بن الحارث الرازي: سمعت أبا نعيم يقول: سمعت الثوري يقول: الإيمان يزيد وينقص، ثم قال: أقول بقول سفيان، ولقد مات مسعر، وكان من خيارهم، في شهد سفيان جنازته، يعني من أجل الإرجاء. وقال أبو مسهر: حدثنا الحكم بن هشام، حدثنا مسعر: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: إن أهلي يقولون لي. لا نرضى اشتراءك في شيء بدرهمين، وأنت توليني فأعفاني. وقال معن المسعودي: ما رأيت مسعرا في يوم إلا وهو فيه أفضل من اليوم الذي كان بالأمس. وقال شعبة: مسعر في الكوفيين كابن عون في البصريين. وفيه يقول ابن المبارك [من الكامل]:\nمَنْ كَانَ مُلْتَمِسًا جَلِيسًا صَالِحًا ... فَلْيَأْتِ حَلْقَةَ مِسْعَر ِبْنِ كِدَامِ\nفي أبيات. وقال محمد بن مسعر: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن.","vol":"2","page":76},{"text":"وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال: كان مرجئا ثبتا في الحديث، سمعت ابن قحطبة يقول: سمعت نصر بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود يقول: كان مسعر يسمى المصحف؛ لقلة خطئه وحفظه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مسعر، إذا خالفه الثوري؟ فقال: الحكم لمسعر؛ فإنه المصحف. قال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة خمس وخمسين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٦) حديثًا.\n٥ - (سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة، والقاسم بن محمد حيّ.\nرأى ابن عمر، وروى عن أبيه، وعميه: حميد وأبي سلمة، وابن عم أبيه، طلحة ابن عبد الله بن عوف، وابن عمه عمر بن أبي سلمة، وأخيه المسور، وخاليه: إبراهيم وعامر ابني سعد، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وأخوه صالح، وعبد الله بن جعفر المخزومي، وعياض بن عبد الله الفهري، وغيرهم.\nقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، ولي قضاء المدينة، وكان فاضلًا. وقال عبد الله بن شعيب، عن ابن معين: ثقة لا يشك فيه. وقال الدُّوري وغير واحد، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني، وقيل له: سمع سعد بن إبراهيم من عبد الله بن جعفر؟ قال: ليس فيه سماع، ثم قال عليّ: لم يلق سعد بن إبراهيم أحدًا من الصحابة. وقال أبو حاتم، عن ابن المديني: كان سعد لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهل المدينة، ومالك لم يكتب عنه، وإنما سمع منه شعبة، وسفيان بواسط، وابن عيينة سمع منه بمكة. وقال حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكره قال: حدثني حبيبي سعد. وقال أحمد عن ابن عيينة: لما عُزل سعد عن القضاء، كان يتقي كما كان يتقي وهو قاض. وقال الساجي: ثقة أجمع أهل العلم على صدقه، والرواية عنه إلا مالكًا، وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، وصح باتفاقهم أنه حجة، ويقال: إن سعدا وعظ مالكا، فوجد عليه، فلم يرو عنه. حدثني أحمد بن محمد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: سعد ثقة، فقيل له: إن مالكا لا يحدث عنه، فقال: مَن يلتفت إلى هذا؟ سعد ثقة، رجل صالح. ثنا أحمد بن محمد، سمعت المعيطي، يقول لابن معين: كان مالك يتكلم في سعد، سيد من سادات قريش، ويروي عن ثور، وداود بن الحصين خارجيين خبيثين. قال الساجي: ومالك","vol":"2","page":77},{"text":"إنما ترك الرواية عنه، فأَما أن يكون يتكلم فيه فلا أحفظه، وقد روى عنه الثقات والأئمة، وكان دَيِّنًا عفيفًا. وقال أحمد بن الْبَرْقِيّ: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه؛ لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثبت، لا شك فيه. وقال ابن عيينة: قال ابن جريج: أتيت الزهري بكتاب أَعْرِض عليه، فقلت: أعرض عليك؟ فقال: إني وعدت سعدا في ابنه، وسعد سعدٌ، قال ابن جريجٍ: فقلت: ما أَشَدَّ ما تَفْرَق منه. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من الرواة عن نافع. وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة. قال إبراهيم ابنه: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقال يعقوب بن إبراهيم: مات سنة (٢٦)، وقال مرّة: سنة (٢٧)، وهو ابن (٧٢) سنة. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (٧). وقال خليفة مرّة: مات سنة (٨). وأرخه ابن سعد، وابن حبان في \"الثقات\" سنة (٢٧)، وحكى ابن حبان الخلاف في وفاته أيضًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، فاضلٌ، عابدٌ، من الخامسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ مِسْعَرٍ) بن كِدام، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: لَا يُحَدِّثُ) يحتمل أن تكون \"لا\" ناهية، والفعل مجزوم، فيكون نهيًا عن التحديث. ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، فيكون نفيًا للتحديث، لكن النفي هنا معناه النهي: أي لا يجوز أن يُحدّث (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا الثِّقَاتُ) بالرفع على الفاعلية؛ لأن الاستثناء مفرّغ. والمراد من النهي عن تحديث غير الثقات عدم قبول رواياتهم، فالمعنى: لا يُقبَلُ حديث رسول الله -ﷺ- إلا من الثقات. وهذا الذي قاله سعد بن إبراهيم رَحِمَهُ اللهُ تعالى نُقل معناه عن غيره أيضًا، فقد نُقل عن عقبة بن نافع أنه قال لبنيه: يا بَنِيّ لا تقبلوا الحديث إلا من ثقة. وقال ابن معين: كان فيما أوصى به صُهيب بنيه أن قال: يا بَنِيّ لا تقبلوا الحديث عن رسول الله -ﷺ- إلا من ثقة. وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شُهِد له بالطلب. وقال سليمان بن موسى: لا يؤخذ العلم من صَحَفيّ. وقال أيضًا: قلت لطاوس: إن فلانًا حدّثني بكذا وكذا، فقال: إن كان مثَبَّتًا فخذ عنه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"المفهم\" ١/ ١٢٢.","vol":"2","page":78},{"text":"قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣٢ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ ابْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ المُبَارَكِ، يَقُولُ: \"الْإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ\").\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزي، أبو جابر.\nروى عن النضر بن شميل، وجعفر بن عون، وعبد الله بن عثمان عبدان، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو عوانة الإسفرائيني، ومحمد بن علي بن حمزة المروزي، وغيرهم.\nقال ابن أبي حاتم: كتب إليّ، وإلى أبي زرعة ببعض حديثه، وهو صدوق ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة اثنتين وستين ومائتين. وقال ابن ماكولا: مات محمد بن عبد الله بن قهزاد هذا يوم الأربعاء، لعشر خلون من المحرم، سنة اثنتين وستين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من الحادية عشرة. انتهى.\nتفرّد به مسلم، روى عنه في \"صحيحه\" ثمانية أحاديث (١)، برقم ٥٨٧ و١٨١٨ و٢٣٠٥ و٣٤٩٥ و٣٦٦١ و٤٤٧٢ و٤٧٦٣ و٥٢٣٠.\n[تنبيه]: تقدّم في مقدّمة هذا الشرح في ترجمة الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه مات عشيّةَ الأحد، لخمس بقين من رجب سنة (٢٦١) فيكون موته متقدّمًا على شيخه هذا بخمسة أشهر ونصف. والله تعالى أعلم.\n٢ - (عبدان بن عثمان) هو: عبد الله بن عثمان بن جَبَلَة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- واسمه ميمون، وقيل: أيمن الأزدي العتكي -بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي الحافظ، وعبدان لقبه.\nروى عن أبيه، وأبي حمزة السُّكَّري، ويزيد بن زريع، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون سوى ابن ماجه بواسطة محمد بن يحيى\n_________\n(١) هذا هو الذي في برنامج الحديث (صخر)، وفي \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\": روى عنه مسلم أحد عشر حديثًا.","vol":"2","page":79},{"text":"اليشكري، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وأحمد بن عبدة الآملي، وغيرهم. قال أحمد ابن عبدة: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتَبَ كُتُبَ ابن المبارك بقلم واحد. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: رأيته يخضب، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده، ولاه عبد الله بن طاهر قضاء الْجُوزجَان، فاحتال حتى اعتفى. وقال ابن عدي في شيوخ البخاري: حدث عن شعبة أحاديث تفرد بها. وقال ابن حبان في \"الثقات\": قال أحمد بن حنبل: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان بخراسان، مات سنة عشرين، وقد قيل: سنة اثنتين وعشرين. وقال البخاري وغيره: مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، زاد غيره: وهو ابن (٧٦) سنة، وفيها أرّخه الحاكم، والْقَرّاب، وزادت في العشر الأواخر من شعبان. وقال الكلاباذي: وُلد سنة (١٤٠) (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، من العاشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث برقم ٣٦٦١ و٤٤٧٢ و٤٧٧٨ و٥٢٣٠. واللَّه تعالى أعلم.\n٣ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام.\nروى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير.\nوروى عنه الثوري، ومعمر بن راشد، وأبو إسحاق الفزاري، وجعفر بن سليمان الضبعي، وبقية بن الوليد، وخلق كثير.\nقال أبو أسامة: ما رأيت أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك. وقال عبدان: أول ما خرج سنة إحدى وأربعين. وقال ابن مهدي: الأئمة أربعة: الثوري، ومالك، وحماد ابن زيد، وابن المبارك. وقال العباس بن مصعب: كانت أمه خوارزمية، وأبوه تركيا. وقال ابن مهدي لَمّا سئل عن ابن المبارك وسفيان: لو جهد سفيان جهده على أن يكون يومًا مثل عبد الله لم يقدر. وقال شعيب بن حرب: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون، ولا ثلاثة أيام. وقال شعيب: ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال أحمد: لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرا عظيمًا، ما كان أحد أقلّ سقطا منه، كان رجلا صاحب حديث،\n_________\n(١) وقال في \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\": روى عنه البخاريّ مائة حديث وعشرة أحاديث. والذي في برنامج الحديث (صخر) أن البخاريّ روى عنه (١١٨) حديثًا.","vol":"2","page":80},{"text":"حافظًا، وكان يحدث من كتاب. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي -ﷺ-، وغزوهم معه. وقال أبو حاتم، عن إسحاق بن محمد بن إبراهيم المروزي: نُعِي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال: لقد كان فقيها عالما عابدا زاهدا سخيّا شجاعا شاعرًا. وقال فضيل بن عياض: أما إنه لم يَخلُف بعده مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خَلَّف بالمشرق مثله. وقال القواريري: لم يكن ابن مهدي يُقَدِّم عليه، وعلى مالك في الحديث أحدًا. وقال ابن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك. وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، وغيرهما، فقالوا: تعالوا حتى نَعُدّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والزهد، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، والشجاعة، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه. وقال العباس بن مصعب: جمع الحديث، والفقه، والعربية، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الْفِرَق. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: كان كيسا، متثبتا، ثقة، وكان عالما، صحيح الحديث، وكانت كتبه التي حَدّث بها عشرين ألفا، أو إحدى وعشرين ألفا. وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير، إلا وقد جعلها فيه. وقال علي بن الحسين بن شقيق: بلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك ما اتجرت، قال: وكان ينفق على الفقراء في كلّ سنة مائة ألف درهم. وقال الحاكم: هو إمام عصره في الآفاق، وأولاهم بذلك علما، وزهدا، وشجاعة، وسخاء. وقد روى عن أبيه، عن عطاء في البيوع. وقيل لابن معين: أيما أثبت عبد الله بن المبارك، أو عبد الرزاق؟ فقال: كان عبد الله خيرا من عبد الرزاق، ومن أهل قريته، عبد الله سيد من سادات المسلمين. وقال ابن جريج: ما رأيت عراقيا أفصح منه. وقال أبو وهب: مَرَّ عبد الله برجل أعمى، فقال: أسألك أن تدعو لي، فدعا، فرد الله عليه بصره، وأنا أنظر. وقال الحسن بن عيسى: كان مجاب الدعوة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، رجل صالح، وكان جامعا للعلم. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان فيه خصال لم تجتمع في أحد من أهل العلم في زمانه، في الأرض كلها. وقال يحيى بن يحيى الأندلسي: كنا في مجلس مالك، فاستؤذن لابن المبارك، فأذن، فرأينا مالكا","vol":"2","page":81},{"text":"تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، ولم أره تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مَرَّ بشيء، فيسأله مالك ما عندكم في هذا؟ فكان عبد الله يجيبه بالخفاء، ثم قام، فخرج، فأُعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. وقال الخليلي في \"الإرشاد\": ابن المبارك الإمام المتفق عليه، له من الكرامات ما لا يحصي، يقال: إنه من الأبدال (١) وقال: كتبت عن ألف شيخ. وحكى الحسن بن عرفة عنه، من دقيق الورع، أنه استعار قلمًا من رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسيًا، فلما وجده معه بها، رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه. وقال الأسود ابن سالم: إذا رأيت الرجل يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام. وقال النسائي: لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك، ولا أعلى منه، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه. ومناقبه وفضائله كثيرة جدّا. وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلد سنة ثمان عشرة ومائة. وقال ابن سعد: مات بهيت منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنةً، طلب العلم، وروى رواية كثيرةً، وصنف كتبا كثيرة في أبواب العلم، وكان ثقة مأمونا حجة، كثير الحديث.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ فقيهٌ عالم جَوَاد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، من الثامنة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.\n[فائدة]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: في هذا السند لطيفة من لطائف الإسناد الغريبة، وهو أنه إسناد خُراسانيّ كله، من شيخنا أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر إلى آخره، فإني قد قدمت أن الإسناد من شيخنا إلى مسلم خراسانيون، نيسابوريون، وهؤلاء الثلاثة المذكورون، أعني محمدًا، وعبدان، وابن المبارك، خراسانيون، مروزيون، وهذا قَلَّ أن يتفق مثله في هذه الأزمان. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>شرح الأثر:</span>\nعن (مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": -بقاف مضمومة، ثم هاء ساكنة، ثم زاي، ثم ألف، ثم ذال معجمة- هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبطه. وحكى صاحب \"مطالع الأنوار\" عن بعضهم أنه قَيَّده بضم الهاء، وتشديد الزاي، وهو أعجميّ، فلا ينصرف (٣). (مِنْ أَهْلِ مَرْوَ) -بفتح الميم،\n_________\n(١) [تنبيه]: الأحاديث الواردة في الأبدال والقطب والغوث كلها ضعيفة، لا يثبت منها شيء، فلا يُغترّ بها. والله تعالى المستعان.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٧.\n(٣) \"شرح النوويّ\" ١/ ٨٧.","vol":"2","page":82},{"text":"وسكون الراء، آخره واو- غير منصرف للعلمية والعجمة، وهي مدينة عظيمة بخراسان، وأمهات مدائن خراسان أربع: نيسابور، ومرو، وبَلْخ، وهَرَاة (١). (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ) -بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة- لقب عبد الله (بْنَ عُثْمَانَ) بن جَبَلة، لُقِّب به؛ لأنه تكرّر في اسمه وكنيته لفظ \"عبد\"، فاسمه عبد الله، وكنيته أبو عبد الرَّحمن (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: الْإِسْنَادُ) -بكسر الهمزة-: هو طريق المتن، وقد تقدّم تحقيق معناه، وهل هو والسند واحد، أم بينهما فرقٌ عند قول المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"بالأسانيد التي بها نُقلت إلخ\"، فراجعه تستفد (مِنَ الدِّينِ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أي من أصوله؛ لأنه لَمّا كان مرجع الدين إلى الكتاب والسنّة، والسنّة لا تؤخذ عن كلّ أحد، تعيّن النظر في حال النَّقَلَة، واتّصال روايتهم، ولولا ذلك لاختلط الصادق بالكاذب، والحقّ بالباطل. ولَمّا وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد. وهذا الذي قاله ابن المبارك قد قاله أنس بن مالك، وأبو هريرة، ونافع، مولى ابن عمر، وغيرهم، وهو أمر واضحُ الوجوب، لا يُختَلَف فيه. انتهى (٢).\n(وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ) أي لولا المطالبة بالإسناد ممن حدّث بأيّ حديث (لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ) أي لحدّث من أراد أن يُحدّث الناس بما شاء من الأحاديث الباطلة؛ لعلمه بعدم مطالبته بذكر الإسناد.\nوالمعنى: أنه لَمّا جعل أهل العلم الإسناد للحديث، وطالبوا كلّ من حدّثهم بذكر إسناده قلّ تحديث الناس بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، خوفًا من أن يُطالبوا بالإسناد، فيفتضحوا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣٣ - (وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، يَقُولُ: \"بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ\" -يَعْنى الْإِسْنَادَ-).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن قُهزاذ المذكور في السند الماضي.\n٢ - (الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ) -براء مكسورة، ثم زاي ساكنة، ثم ميم، ثم هاء- هكذا وقع، والصواب عبد العزيز بن أبي رِزمة.\nقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\" -بعد أن ذكر الضبط المذكور: ما نصّه: ثم إنه\n_________\n(١) \"شرح النووي\" ١/ ٨٧.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١٢١.","vol":"2","page":83},{"text":"وقع في بعض الأصول: العباس بن رِزْمَة، وفي بعضها: العباس بن أبي رِزْمة، وكلاهما مشكل، ولم يذكر البخاري في \"تاريخه\"، وجماعة من أصحاب كتب أسماء الرجال: العباس بن رزمة، ولا العباس بن أبي رزمة، وإنما ذكروا عبد العزيز بن أبي رزمة، أبا محمد المروزيّ، سمع عبد الله بن المبارك، ومات في المحرم سنة ست ومائتين، واسم أبي رزمة غزوان. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: نقل الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٢٨٩ كلام النووي هذا، ولم يعلّق عليه، وكذا ذكر في \"التقريب\" نحوه مختصرًا.\nوفي \"تهذيب التهذيب\" ٧/ ٣٠٠: عبد العزيز بن أبي رزمة، واسمه غزوان، اليشكري مولاهم، أبو محمد المروزي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والمسعودي، والثوري، وشعبة، وابن منيب العتكي، وابن عيينة، وإسرائيل، وابن المبارك، والحمادين، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وبشر بن محمد الكندي، وأبو وهب محمد بن مزاحم العامري، ووهب بن زمعة المروزيون، وعبد بن حميد الكشي، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة ست ومائتين. وقال محمد بن علي بن حمزة المروزي: خرج إلى الحج سنة (٥٥)، وسمع من مالك بن مِغْوَل، وغيره. قلت: فإن كانت هي أول ما رحل، فلم يدرك إسماعيل. وقال الحاكم: كان من كبار مشايخ المراوزة، وعلمائهم، ومن أخص الناس بابن المبارك. وقال ابن قانع: ثقة. وقال الدارقطني ليس بقوي. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّنَ بهذا أن الصواب إنما هو عبد العزيز بن أبي رِزْمَة. لا العبّاس بن أبي رِزْمة.\nوقال في \"التقريب\": عبد العزيز بن أبي رِزْمة -بكسر الراء، وسكون الزاي- اليشكريّ مولاهم، أبو محمد المروزيّ، ثقة من التاسعة، مات سنة ست ومائتين انتهى. والله تعالى أعلم.\n٣ - (عبد الله) هو: ابن المبارك المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>شرح الأثر:</span>\nعن ابن أبي رِزْمة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) أي ابن المبارك (يَقُولُ: \"بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْم الْقَوَائِمُ\") الظرف خبر مقدّم، و\"القوائم\" مبتدأ مؤخّر. ومراده بالضمير المحدّثون من أَهل السنّة والجماعة، وبالقوم الكذّابون، والوضّاعون من أهل الأهواء. يعني أن الفارق بين المحدّثين أهل الصدق والعدالة، وبين المفترين، أهل الوضع والضلالة ذكر","vol":"2","page":84},{"text":"الإسناد، فخاصيّة المحدثين ذكر الحديث بسنده الصحيح، وسمة أهل الأهواء حشد الروايات بلا إسناد، أو افتعال إسناد يفنّده أولو المعرفة والرشاد.\nثم فسّر \"القوائم\" بقوله: (يَعْنِي الْإِسْنَادَ) وهذا التفسير يحتمل أن يكون من مسلم، أو ممن فوقه. شبّه ابن المبارك رَحِمَهُ اللهُ تعالى الحديث بالحيوان، فكما لا يقوم الحيوان إلا بالقوائم، فكذلك لا يقوم الحديث إلا بالإسناد. وغرضه بهذا التشبيه أنه إن جاء المحدث بإسناد صحيح قَبِلنا حديثه، وإلا تركناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣٤ - (وقَالَ مُحَمَّدُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: \"إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ، أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ\"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ: إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ، مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (محمد) بن قُهْزَاذ المذكور في السند الماضي.\n٢ - (أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطّالَقَانيّ) هو: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى الْبُنَاني -بضم الموحّدة، ثم نون- مولاهم، أبو إسحاق الطالَقَاني، نزيل مرو، نُسِبَ هنا إلى جده.\nرَوَى عن ابن المبارك، ومالك، والدراورديّ، والوليد بن مسلم، ومعتمر بن سليمان، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيي، وأبو موسي، والحسين بن محمد البلخي، والحسين بن منصور، وإسماعيل سمويه، وعباس الدُّوري، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وعدة.\nقال ابن معين: ثقة. وفي موضع آخر: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، يقول بالإرجاء. وقال أبو حاتم: صدوق. قال غنجار في \"تاريخه\": توفي بمرو سنة (٢١٥). وقال ابن حبان في \"الثقات\": يُخطئ، ويخالف، مات سنة (١٤). وقال الإدريسي: كان على مظالم سمرقند. وقال إبراهيم بن عبد الرَّحمن الدارمي: روى عن ابن المبارك أحاديث غرائب.","vol":"2","page":85},{"text":"وقال في \"التقريب\": صدوقٌ يُغرِب، من التاسعة. انتهى.\nرَوَى له مسلم في \"المقدمة\"، وأبو داود، والترمذي.\n[تنبيه]: قوله: \"الطَّالَقَانِيَّ \" -بفتح الطاء المهملة، وسكون اللام، بعدها قاف مفتوحة، وفي آخرها نون-. هكذا ضبطه السمعانيّ في \"الأنساب\" (١). وضبطه النوويّ في \"شرحه\" بفتح اللام، وهو ظاهر عبارة \"القاموس\"، ونصّه: وطالَقَان كخَابَرَان بلد بين بَلْخَ ومَرْوِ الرُّوذِ، قال: أو كُورة بين قَزْوِين وأَبْهَر. انتهى.\n٣ - (عبد الله بن المبارك) المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>شرح الأثر:</span>\nعن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، أنه (قال: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطالَقَانِيّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية ابن المبارك (الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ) \"الحديث\": مبتدأ، حُذف خبره: أي ما حاله؟ أصحيح، فنعمل به، أم ضعيف، فنتركه؟ . (إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ) أي من الخير بعد الخير. والبِرّ -بكسر الموحّدة: الخير والفضل، ويقال: بَرَّ الرجل يَبَرُّ بِرًّا، وزان عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرٌّ بالفتح، وبارّ أيضًا: أي صادقٌ، أو تَقِيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار، وجمع الثاني: بررَة، مثلُ كافر وكَفَرَة. ويقال: أيضًا بَرِرْتُ والدي أَبَرُّه بِرّا وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتحرّيتُ محابّه، وتوقّيتُ مكارهه. أفاده الفيّوميّ (٢).\nوقوله: \"إن من البرّ الخ\" بدل من \"الحديث\". ويحتمل أن يكون مقولًا لقول مقدَّر من الحديث، تقديره: الحديث الذي جاء، مقولًا فيه: \"إن من البرّ إلخ\". (أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ) أي بعد صلاتك لنفسك (وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ، قَالَ) إبراهيم ابن عيسى (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك (يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم السائل (عَمَّنْ هَذَا؟) أي عن أي شخص رُوي هذا الحديث الذي تسأل عنه (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ) بن حَوشَب بن يزيد بن الحارث الشيبانيّ الْحَوْشَبيّ، أبي الصّلْت الواسطَيّ، ابن أخي العوّام بن حَوْشَب، نزل الكوفة، روى عن أبيه، وعمه، وشعيب بن زريق الطائي، وغيرهم. وروى عنه عبد الرَّحمن بن مهدي، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، وجماعة. قال ابن المبارك هنا، وابن عمار، والمدائني: ثقة. وقال أحمد، وأبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين مرّة: ثقة. وقال العجلي، وأبو زرعة مرّة: كوفي ثقة، نزل الرملة. وقال\n_________\n(١) \"الأنساب\" ٤/ ٢٩.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٤٣.","vol":"2","page":86},{"text":"أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض رواياته ما يُنكر عليه، ولا أعرف للمتقدمين فيه كلاما، فأَذكرَه. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا أعلم بالسنة من حماد بن زيد، ولم أر أحدا أحسن وَصْفًا لها من شهاب بن خراش. وقال أبو زرعة: كان صاحب سنة. وقال هشام بن عمار: لقيته وأنا شابّ سنة (١٧٤)، وقال لي: إن لم تكن قدريا، ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما فِيّ من هذين شيء. وقال ابن حبان في \"الضعفاء\" يخطئ كثيرًا، حتى خرج عن الاحتجاج به. تفرّد به أبو داود، أخرج له حديثين فقط، وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. وفي \"التقريب\": صدوق يُخطىء، من السابعة.\n[تنبيه]: ليس في الرواة من اسمه حِرَاش بالحاء المهملة إلا والد رِبعيّ بن حِرَاش، وحِراش بن مالك، ومن عداهما، فخراش بالخاء المعجمة، كوالد شهاب المذكور هنا، وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الأثر\"، حيث قال:\nحِرَاشٌ بنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ ... رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ\n(فَقَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) خبر لمحذوف: أي هو ثقة: يعني أن شهاب بن خراش ثقة (عَمَّنْ؟) أي عن أي شخص يرويه شهاب بن خراش؟: ثقة، أم لا؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ) الأشجعي، وقيل: السُّلَمِيّ مولاهم الواسطي، رَوَى عن الحكم بن عتيبة، ومنصور، ومعاوية بن قرّة، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وشعبة، وإسماعيل بن زكريا، وعيسى بن يونس، وشهاب بن خراش، وغيرهم. قال ابن المبارك هنا: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق، ليس به بأس. وقال زهير بن حرب، ويعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، صدوق، مستقيم الحديث، لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الترمذي: ثقة، مقارب الحديث. وقال ابن خزيمة: في القلب منه. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود، وابن عمار: ثقة. وكذا قال ابن المديني. وقال عبدة بن سليمان: ثنا حجاج بن دينار، وكان ثبتًا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال في \"التقريب\" لا بأس به، وله في ذكر في \"مقدّمة مسلم\"، من السابعة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن الأكثرين على توثيق حجاج بن دينار. والله تعالى أعلم.\nأخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي في \"اليوم والليلة\"، وابن ماجه. وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":87},{"text":"(قَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) أي هو ثقة (عَمَّنْ؟) أي عمن رواه حجاج؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) أي قال حجاج: قال رسول الله -ﷺ-، فـ \"قال رسول الله\" مقول لقال محذوفةً، كما قدّرته. (قَالَ: يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم ابن عيسى السائل (إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ، مَفَاوِزَ) بالنصب على أنه اسم \"إنّ\" مؤخّرًا، وخبرها الظرف قبله. وهو: جمع مفازة بفتح الميم فيهما، وهي الأرض الْقَفْرُ البعيدة عن العمارة، وعن الماء التي يُخاف الهلاك فيها. قيل: سُمّيت مفازةً للتفاؤل بسلامة سالكها، كما سَمُّوا اللَّدِيغ سَلِيمًا. وقيل: لأن من قطعها فاز، ونجا. وقيل: لأنها تُهلك صاحبها، يقال: فَوّز الرجل: إذا هلك. وجملة (تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ) في محلّ النصب صفة \"مفاوز\". و\"الأعناق\" -بفتح الهمزة-: جمع عُنُق -بضم النون- للإتباع في لغة الحجاز، وبسكونها في لغة تميم، وهو مذكّرٌ، ويؤنّث في لغة الحجاز، فيقال: هي الْعُنُق ومعناه: الرقَبَة.\nو\"المطيّ\" بالفتح: جمع مطيّة، ويُجمع أيضًا على مطايا، فَعيلة بمعنى مفعولة، سُمّي المركوب به؛ لأنه يُركب مَطَاه بالفتح وزان العَصَا: أي ظهره. قال في \"القاموس\": و\"المطا\": التمطّي، والظهر، جمعه أَمْطاء، و\"المطيّة\": الدابّة تَمْطُو في سيرها: أي تُسرع، جمعه مَطَايا، ومَطِيٌّ. انتهى. وقال في \"المصباح\": \"الْمَطَا\": وزانُ الْعَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّة، فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأنه يُركب مَطَاه، ذكرًا كان أو أنثى، ويُجمع على مَطِيّ، ومطايا. انتهى.\nقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معنى هذه الحكاية: أنه لا يُقبل الحديث إلا بإسناد صحيح.\nثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة، وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يُمكن أن يكون بينه وبين النبي -ﷺ- \"اثنان: التابعي، والصحابي، فلهذا قال: \"بينهما مفاوز\": أي انقطاع كثير. انتهى (١).\n(وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ) أي إن العلماء لا يختلفون في مشروعيّة التصدّق عن الأبوين؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك.\nقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه، فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تَصِل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٨٩.","vol":"2","page":88},{"text":"المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الفقيه الشافعي في كتابه \"الحاوي\" عن بعض أصحاب الكلام، من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأ بَيّنٌ، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه.\nوأما الصلاة والصوم، فمذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، إلا إذا كان الصوم واجبا على الميت، فقضاه عنه وليه، أو من أذن له الولي، فإن فيه قولين للشافعيّ: أشهرهما عنه، أنه لا يصحّ، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح. قال، وأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعيّ، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت. وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت. وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات، من الصلاة، والصوم، والقراءة، وغير ذلك. وفى \"صحيح البخاريّ\" في \"باب من مات وعليه نذر\": أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة، أن تصلي عنها. وحكى صاحب \"الحاوي\" عن عطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت. وقال (١) الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون، من أصحابنا المتأخرين، في كتابه \"الانتصار\" إلى اختيار هذا. وقال الإمام أبو محمد البغويّ، من أصحابنا، في كتابه \"التهذيب\": لا يبعد أن يُطعَمَ عن كلّ صلاة مُدّ من طعام، وكل هذه المذاهب ضعيفة.\nودليلهم القياس على الدعاء، والصدقة، والحج، فإنها تصل بالإجماع. ودليل الشافعيّ وموافقيه قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقول النبيّ -ﷺ-: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له\". واختلف أصحاب الشافعيّ في ركعتي الطواف في حج الأجير، هل تقعان عن الأجير، أم عن المستأجر. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ، والصوم، والدعاء فالصواب أنه يصل إلى الميت؛ عملًا بالنصوص الكثيرة الواردة بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، فلا ينبغي قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبي -ﷺ-، ولا عن السلف، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فليُتنبّه.\n_________\n(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: \"ومال\" بالميم، فليُحرّر.\n(٢) \"شرح النوويّ\" ١/ ٨٩ - ٩٠.","vol":"2","page":89},{"text":"وقد طوّل البحث ابن القيّم، وطوّل نفسه في ذلك، ومال إلى ترجيح القول بوصول جميع أنواع القرب، وذكر أن مذهب أحمد، ومن وافقه أوسع المذاهب، يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب، بدنيّها وماليّها، والجامعُ للأمرين (١).\nلكن الذي يظهر لي هو ما قدّمته. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n٦ - (بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايب رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الْأَخْبَارِ، وَمَا نُقِلَ عَن الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ):\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٣٥ - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: \"دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ\").\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (محمد) بن عبد الله بن قُهْزَاذ المذكور قريبًا.\n٢ - (عليّ بن شَقِيق) هو: علي بن الحسن بن شقيق بن ديناربن مِشْعَب -نُسِب هنا لجدّه- العبدي مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي، قَدِمَ شقيق من البصرة إلى خراسان. رَوَى عن الحسين بن واقد، وخارجة بن مصعب، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى الباقون له بواسطة ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، ومحمد بن حاتم بن بزيع، وغيرهم. قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم تكلموا فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حِلّ، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالما بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع بالكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرّة. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حُريث: قلت له: هل سمعت \"كتاب الصلاة\" من أبي حمزة السُّكَّريّ؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نَهق حمار يومًا، فاشتبه علي حديث، فلا أدري أيّ حديث هو؟ فتركت الكتاب كله. وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك في كثير من رجاله، وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين. وكذا أرّخ\n_________\n(١) راجع \"جامع الفقه\" جمع يسري السيد محمد ٢/ ٥١٧ - ٥٤٩.","vol":"2","page":90},{"text":"وفاته غير واحد، زاد أبو رجاء بن حمدويه: ويقال وُلد ليلة قتل أبي مسلم بالمدائن سنة (٣٧). وقال ابن حبان: مات سنة (١١)، وقيل: سنة (٢١٢) وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وروى الحاكم في \"تاريخه\" عن عبد العزيز بن حاتم: وُلدتُ سنة (١٩٣)، واختلفتُ إلى علي بن الحسن بن شقيق من سنة (١١) إلى سنة (١٥)، وفيها توفي. وقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، من كبار العاشرة. انتهى.\n٣ - (عبد الله بن المبارك) المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>شرح الأثر:</span>\nعن محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ (سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ) العبديّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ) أي بمرأي، ومسمع من الناس، والمراد أنه أعلن ذلك لهم، ولم يُخفه عنهم (دَعُوا) أمر من وَدَع يَدَع وَدْعًا: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ولذا حُذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق. قال بعض المحقّقين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي \"يَدَع\"، ومصدره، واسم الفاعل. وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَةَ، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بالتخفيف، وفي الحديث: \"لَيَنْتَهِيَنَّ قوم عن وَدْعِهِم الجمعات\": أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب -ﷺ-، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً. وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. قاله الفيّوميّ (١). (حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ) هو: عمرو بن ثابت ابن هُرمُز البكري، أبو محمد، ويقال: أبو ثابت الكوفي، وهو عمرو بن أبي الْمِقْدَام الحداد، مولى بكر بن وائل. قال الحسن بن عيسى: ترك ابن المبارك حديثه. وقال هناد بن السري: لم يُصَلّ عليه ابن المبارك. وقال عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى: لم يحدث عنه ابن مهدي. وقال الدُّوري، عن ابن معين: هو غير ثقة. وقال معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: يكتب حديثه، كان رديء الرأي، شديد التشيع. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال الآجري عن أبي داود: رافضي خبيث. وقال في موضع آخر: رجل سوء. قال: لما مات النبي -ﷺ- كفر الناس، إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمه. وقال في \"السنن\" إثر حديث في الاستحاضة: ورواه عمرو بن ثابت، عن ابن عقيل، وهو رافضي خبيث، وكان رجل سوء، زاد في رواية ابن الأعرابي: ولكنه كان صدوقا في الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال ابن حبان:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٥٣.","vol":"2","page":91},{"text":"يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بَيِّنٌ. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالمستقيم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان، يشتم عثمان، ترك ابن المبارك حديثه. وقال الساجيّ: مذموم، وكان ينال من عثمان، ويُقَدّم عليا على الشيخين. وقال العجليّ: شديد التشيع، غالٍ فيه، واهي الحديث. وقال البزار: كان يتشيع، ولم يترك. وقال ابن سعد: كان متشيعا مُفْرِطًا، ليس هو بشيء في الحديث، ومنهم من لا يكتب حديثه؛ لضعفه ورأيه، وتُوُفّي في خلافة هارون. وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. وكذا قال البخاري، عن عباد بن يعقوب.\nوقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، رُمي بالرفض، من الثامنة. انتهى.\nروى له أبو داود، وابن ماجه في \"التفسير\".\n(فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل: أي لأنه (كَانَ يَسُبُّ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر: أي يشتم (السَّلَفَ) -بفتحتين-: هو لغة -كما في \"القاموس\"- كلّ من تقدّمك من آبائك، وقرابتك. والمراد هنا الصحابة -﵃- وقد سبق في ترجمته آنفًا أنه كان يشتم عثمان -﵁-، وأنه قال: لَمّا مات النبيّ -ﷺ- كفر الناس إلا خمسة. كبُرت كلمة خرجت من فيه، إن يقول إلا كذبًا، وحاشا أصحاب رسول الله -ﷺ- أن يرتدّوا بعد نبيّهم -ﷺ- إلا خمسة، فإنهم أكرم على الله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٣٦ - (وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، صَاحِبُ بُهَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ، أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ، فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجٌ، أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَي هُدًى، ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أَخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) هاشم بن القاسم البغدادي، وأكثر ما ينسب إلى جده. قال أبو يعلى والسراج: سألته عن اسمه؟ فقال: اسمي وكنيتي أبو بكر. وقال عبد الله بن الدَّوْرَقِيّ: اسمه أحمد. وقال غيره: اسمه محمد.\nرَوَى عن جده، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وحجاج بن محمد، وغيرهم.","vol":"2","page":92},{"text":"وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو بكر بن مردويه في \"كتاب أولاد المحدثين\": بغدادي ثقة. وقال السراج والبغوي: مات سنة خمس وأربعين ومائتين. وقال في \"التقريب\": ثقة، من الحادية عشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" (١٢) حديثًا.\n٢ - (أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم بن مقسم الليثيّ، أبو النضر البغدادي الحافظ، خراساني الأصل، ولقبه قيصر.\nروى عن عكرمة بن عمار، وحريز بن عثمان، وورقاء بن عُمر، وسمع من شعبة جميع ما أملى ببغداد، وهو أربعة آلاف حديث، وعبد الرَّحمن بن ثوبان، وخلق كثير. وروى عنه ابنه، أو حفيده أبو بكر بن أبي النضر، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى ابن معين، وغيرهم.\nقال الحارث بن أبي أسامة: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر. وقال أبو بكر بن أبي عتاب، عن أحمد بن حنبل: أبو النضر من مُتَثَبِّتي بغداد. وقال مهنا عن أحمد: أبو النضر أثبت من شاذان. وحكى أحمد بن منصور الرَّمَادي عن أحمد بن حنبل: ترجيحه على وهب بن جرير. وقال ابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وأبو حاتم: ثقة. وقال العجلي: بغداديّ، صاحب سنة، وكان أهل بغداد يفخرون به. وقال ابن قانع: ثقة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قال أبو النضر: وُلدت سنة أربع وثلاثين ومائة. وقال ابن حبان: مات في ذي القعدة سنة خمس أو سبع ومائتين. وقال الحارث، ومُطَيَّن: مات سنة سبع.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، من التاسعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣١) حديثًا.\n٣ - (أَبُو عَقِيلٍ) -بفتح العين المهملة، وكسر القاف، مكبِّرًا- هو: يحيى بن المتوكل الْعُمَريّ مولاهم، المدنيّ، ويقال: الكوفي الحذاء الضرير.\nروى عن أبيه، وأمه أم يحيي، وبُهَيّة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والقاسم بن عبيد الله بن عمر، ويقال: إنه مولاه، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وغيرهم. وروى عنه","vol":"2","page":93},{"text":"إسحاق بن المنذر، وأسد بن موسى، وإسماعيل بن إبراهيم التيميّ، وأمية بن بِسطام، وغيره.\nقال سفيان بن عبد الملك: أبو عقيل المحجوب، يحيى بن المتوكل، صاحب بُهية، ضعيف. وقال أبو طالب عن أحمد: روى عن قوم لا أعرفهم، ولم يحمل عنهم. وقال حرب: قلت لأبي عبد الله: كيف حديثه؟ فكأنه ضعفه. وقال أحمد بن أبي يحيى: أحاديثه عن بُهَيّة منكرة، وما روى عنها إلا هو، وهو واهي الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف. وكذا قال يزيد بن الهيثم الْبَادَا عن يحيى. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال الغلابي عن ابن معين: منكر الحديث، مات بمدينة أبي جعفر. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان: هو ضعيف. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه؟ فضعفه. وقال ابن أبي شيبة، عن ابن المديني: ذاك عندنا ضعيف. وقال ابن عمار: أبو عقيل، وبُهَية ليس هؤلاء بحجة. وقال عمر بن علي: فيه ضعف شديد. وقال يعقوب الْجُوزجاني: أحاديثه منكرة. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يُكتب حديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال الساجي: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ضعيف. وقال ابن حبان: ينفرد بأشياء ليس لها أصول، لا يَرتاب الْمُمْعِن في الصناعة أنها معمولة. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. قال ابن قانع: مات سنة سبع وستين ومائة. وفي \"التقريب\": ضعيف، من الثامنة. انتهى. أخرج له مسلم هنا في \"المقدّمة\"، وأبو داود.\n[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لأبي عَقِيل، صاحب بُهَيّة، مع أنه متّفق على ضعفه؟:\n[قلت]: أجاب النوويّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى عن هذا بجوابين: أحدهما: أنه لم يثبت جرحه عنده، مفسّرًا، ولا يُقبل الجرح إلا مفسّرًا. والثاني: أنه لم يذكره أصلًا، ومقصودًا، بل ذكره استشهادًا لما قبله. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الثاني أقرب، وأما الأول، ففيه أن اتفاقهم على جرحه يكفي في طرحه، وإن لم يكن مفسّرًا، على أن جرح بعضهم مفسّر، كابن حبّان، وابن عديّ، والساجيّ. فتفطّن.\nوالحاصل أن الأولى أن يجاب بأن مسلمًا إنما أتى به استشهادًا لما سبق له من نقل كلام السلف في عدم جواز الأخذ عن غير ثقة.\nومن الجواب أيضًا أن يقال: إن مسلمًا لم يلتزم في \"المقدّمة\" شروط \"صحيحه\"، فقد سبق أنه استدلّ بحديث عائشة -﵂- مرفوعًا: \"أُمرنا أن ننزّل الناس منازلهم\"، مع أنه","vol":"2","page":94},{"text":"منقطع على الصحيح، فإن ميمون بن أبي شَبِيب لم يدرك عائشة -﵂-، ومما يؤيّد ذلك أن أصحاب كتب الرجال، مثل \"تهذيب الكمال\"، و\"تهذيب التهذيب\"، و\"التقريب\"، وغيرها وضعوا رمزا لرجال مقدّمته غير رمز رجال \"صحيحه\"، فجعلوا رمز رجال \"الصحيح\" (م) ورمز رجال المقدّمة (مق)، فهذا يدلّ على أن الرجال الذين أخرج لهم في المقدّمة ليسوا كرجال \"صحيحه\"، فليتنبّه. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>شرح الأثر:</span>\nعن أبي بكر بن النضر، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) برفع \"هاشم\" بدلًا من \"أبو النضر\"، قال (حَدَّثَنَا أبو عَقِيل) بفتح العين المهملة، وكسر القاف، يحيى بن المتوكّل، وقوله (صاحِبُ بُهَيَّةَ) -بضمّ الباء الموحدة، وفتح الهاء، وتشديد الياء، مُصغّرًا-: هي امرأة تروي عن عائشة أم المؤمنين -﵂-، قيل: إنها سمّتها بُهَيّة. ذكره أبو عليّ الغسّانيّ في \"تقييد المهمل\"، وروى عن بُهيّة مولاها أبو عَقِيل المذكور، ولذلك عُرف بها، فقيل له: صاحب بُهيّة. (١).\nوقال في \"تهذيب التهذيب\": بهيّة مولاة أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين في \"الاستحاضة\"، وعنها أبو عَقِيل يحيى بن المتوكّل. قال ابن عمّار: ليست بحجة. انتهى (٢). وفي \"التقريب\": \"بُهيّة\" بالتصغير، مولاة عائشة، وعنها أبو عَقِيل، لا تُعرف، من \"الثالثة\". انتهى. وأخرج حديثها أبو داود في \"سننه\"، فقال:\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عقيل، عن بُهَيّة، قالت: سمعت امرأة تسأل عائشة، عن امرأة فسد حيضها، وأُهريقت دمًا، فأمرني رسول الله -ﷺ- أن آمرها، فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كلّ شهر، وحيضها مستقيم، فلتعتدّ بقدر ذلك من الأيام، ثم لتدع الصلاة فيهنّ، أو بقدرهنّ، ثم لتغتسل، تم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم لتصل (٣).\n(قَالَ) أبو عَقِيل (كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبي محمد المدني، روى عن أبيه، وعمه سالم، وروى عنه عمر، وعاصم ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وأبو عَقِيل، يحيى بن المتوكل. ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال روى عن جده عبد الله، وروى عنه الزهري. وقال ابن سعد: أمه أم عبد الله بن عمر بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، تُوُفّي في خلافة مروان بن محمد، وكان قليل الحديث.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٩١.\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٦٦٦.\n(٣) حديث ضعيف؛ لضعف أبي عقيل، وجهالة بُهَيّة.","vol":"2","page":95},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة (١)، من السادسة، مات في حدود الثلاثين. أي بعد المائة.\nأخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\"، ومسلم، والنسائي، وله عندهما حديث واحد برقم ٣٧٦٥ حديث: \"لا يأكلنّ أحدكم بشماله، ولا يشربنّ بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها\".\n(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثَعْلَبة بن غَنْم بن مالك بن النجار، ويقال: يحيى بن سعيد بن قيس بن قَهْد، ولا يصح -قاله البخاري- الأنصاري النجاريّ، أبو سعيد المدني القاضي، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن أبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وغيرهم. وروى عنه الزهري، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، ومالك، وخلق كثير. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، حجةً، ثبتًا. وقال جرير بن عبد الحميد: لم أر أنبل منه. وقال حماد بن زيد: قدم أيوب من المدينة، فقال: ما تركت بها أحدا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال سعيد بن عبد الرَّحمن الْجُمَحِيّ: ما رأيت أقرب شبها بالزهري من يحيى بن سعيد، ولولاهما لذهب كثير من السنن. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير ابن الأشج، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يحيى بن سعيد يوازي الزهري. وقال الثوري: كان أجلّ عند أهل المدينة من الزهري. وقال الليث: لم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه. وقال أيضًا: كنت عند ربيعة، فجاء رجل فسأله، فقال له: هذا يحيى ابن سعيد دونك واسأله. وقال أيضًا عن عبيد الله بن عمر: كان يحيى بن سعيد، يحدثنا فَيَسُحُّ علينا مثل اللؤلؤ. وعَدّه الثوري في الحفاظ، وابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وابن المديني في أصحاب صحة الحديث وثقاته، ممن ليس في النفس من حديثهم شيء، وابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: حدثني وهيب، وكان من أبصر أصحابه في الحديث والرجال، أنه قَدِم المدينة، قال: فلم أر أحدًا إلا وأنت تَعْرِف وتُنكِر غير مالك، ويحيى بن سعيد. وقال حماد بن زيد: قيل لهشام بن عروة: سمعت أباك يقول كذا وكذا؟ فقال: لا ولكن حدثني العدل الرِّضَى الأمين، عَدْلُ نفسي عندي، يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن بشر الطالقاني عن أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، له\n_________\n(١) ونقل الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" عن ابن حزم أنه قال: متفق على سقوطه. انتهى. وقول ابن حزم هذا محلّ نظر، والغريب أن الحافظ لم يُعلّق عليه بشيء. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":96},{"text":"فقه، وكان رجلا صالحًا، وكان قاضيا على الْحِيرَة، وثَمَّ لقيه يزيد بن هارون. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى. فالزهري في سعيد بن المسيب أحب إليك، أو قتادة؟ قال: كلاهما، قلت: فهما أحب إليك، أو يحيى بن سعيد؟ قال: كلّ ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أصحابنا يحكون عن مالك قال: ما خرج منا أحد إلى العراق إلا تغير، غير يحيى بن سعيد. قال ابن سعد وغير واحد: مات سنة ثلاث. وقال يزيد بن هارون، وعمرو بن علي: مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقيل: مات سنة ست وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٧٦) حديثًا.\n(فَقَالَ يَحْيَى) بن سعيد (لِلْقَاسِمِ) بن عبيد الله (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ) كنية القاسم (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله (قَبِيحٌ) خبر مقدّم لقوله: \"أن تُسال إلخ\" (عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ) صفة \"قبيح\"، (أَنْ) بفتح الهمزة، مصدريّة (تُسْأَلَ) بالبناء للمفعول (عَنْ شَيءٍ، مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ) أي من أحكامه (فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ) أي من أمر الدين بمعنى أحكامه (عِلْمٌ) أي معرفة وجه الصواب (وَلَا فَرَجٌ) بفتحتين: أي تفريج لهمّ السائل بالجواب (أَوْ) للشكّ من الراوي (عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ) أي طريق خروج من مضيق حكم المسؤول عنه (فَقَالَ لَهُ) أي ليحيى بن سعيد (الْقَاسِمُ) ابن عبيد الله (وَعَمَّ ذَاكَ؟) أي عن أيّ شيء صدر استقباحك المذكور؟ فـ \"عن\" حرف جرّ، و\"ما\" استفهاميّة، حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في \"الخلاصة\":\nو\"مَا\" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ ... أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ\nوحاصل ما أشار إليه القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يقول ليحيى: إن عدم وجود الجواب عن المسألة لا يُستغرب عادةً، فإن قول العالم لما لا يعلمه: لا أدري زينٌ، لا شينٌ، فكيف تقول: إنه قبيح على مثلك الخ، وما وجه استقباحك؟، فأجابه يحيى رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: \"لأنك ابن إمامي هدى إلخ\".\n(قَالَ) يحيى (لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَي هُدًى) أي إنما قلت ما قلت؛ لأنك من بيت العلم، فمن كان مثلك لا بدّ أن يعتني بالعلم، حتى يتبحّر، فمن أتاه سائلًا وجد عنده جوابًا حافلًا. وقوله (ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) بالرفع بدلٌ مما قبله: أي لأنك حفيد أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب ﵄، وذلك لما تقدّم من أن القاسم هذا: بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وأمه هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق -﵁-، فأبو بكر -﵁- جدّه الأعلى لأمه، وعمر -﵁-","vol":"2","page":97},{"text":"جدّه الأعلى لأبيه. والله تعالى أعلم.\n(قَالَ) أبو عَقِيل، صاحب بُهيّة (يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ) أي قاله له، وإنما عبّر بالمضارع؛ لحكاية الحال الماضية (أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ) أي من عدم وجود علم، ولا فرج، أو علم ولا مخرج (عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ) من باب ضرب، وفي لغة من باب تَعِبَ: أي فهم، وتدبّر عن الله تعالى وعيدَهُ لمن قال بغير علم، فقد توعّد الله تعالى له في كتابه، فقال ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].\nوقوله: (أَنْ أَقُولَ بغَيْرِ عِلْمٍ) \"أن\" مصدريّة، وهو في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، خبره قوله: \"أقبح\"، والَظرف متعلّق به. (أَوْ آخُذَ) أي العلم (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ) هذا محلّ الشاهد للباب من كلام القاسم، حيث إنه يرى أن لا يؤخذ عن غير ثقة، بل سوّى بينه وبين القول بلا علم.\nوحاصل ما أجاب به القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن جوابه للمسائل التي يسأل عنها بلا علم، أو بما أخذه عن غير ثقة أشدّ قُبْحًا من قوله: لا أدري، مع كونه من بيت علم وفقه. والله تعالى أعلم.\n(قَالَ) أبو عَقِيل (فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ) أي سكت يحيى بن سعيد عن مناقشة القاسم؛ لكونه حجّه، وغلبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٣٧ - (وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي عَنْ أَبِي عَقِيلٍ، صَاحِبِ بُهَيّةَ، أَنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، سَأَلُوِهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يَكُون مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيِ الْهُدَى، يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ، تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالَا ذَلِكَ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (بِشْرُ -بكسر، فسكون- ابْنُ الْحَكَمِ -بفتحتين- الْعَبْدِيُّ) هو: بشر بن الحكم ابن حبيب بن مِهْران الْعَبْديّ، أبو عبد الرَّحمن النيسابوري الفقيه الزاهد، روى عن مالك، وابن عيينة، وشريك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي،","vol":"2","page":98},{"text":"وإسحاق بن راهويه، والدارمي، والذهلي، وغيرهم. قال ابن عمه أبو أحمد الفراء: بشر عندي ثقة، صدوق، ضَيَّعَ نفسه. وقال أحمد بن سيار في \"تاريخ مرو\": رَوَى عن ابن عيينة، فأكثر، ورحل في الحديث، وجالس الناس. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة (٢٣٨). وقال زكريا بن دلُّويه: سنة (٣٧). وفي \"التقريب\": ثقة زاهدٌ، فقيهٌ، من العاشرة. انتهى. وله في \"صحيح مسلم\" ستة أحاديث، برقم ٤٩ و٢٧٦ و٣٥١ و١٣١٩ و٢٩٠٩ و٣١٩٢.\n[تنبيه]: قوله: \"الْعَبْديّ\" -بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة-: قال السمعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه النسبة إلى عبد القيس في ربيعة بن نِزار، وهو عبد القيس بن أفصَى بن دُعْميّ بن جَدِيلَة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، والمنتسب إليه مُخيّر بين أن يقول: \"عبديّ \"، أو \"عَبْقَسيّ\". انتهى. والله تعالى أعلم.\n٢ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (١).\n٣ - (أبو عَقِيل) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>شرح الأثر:</span>\nعن بشر بن الحكم، أنه (قال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"شرحه\": قد يقال: هذه رواية عن مجهولين، وجوابه ما تقدّم أن هذا ذكره متابعةً واستشهادًا، والمتابعة والاستشهاد يَذكرون فيهما من لا يُحتجّ به على انفراده، لأن الاعتماد على ما قبلهما، لا عليهما. انتهى (٢). (عَنْ أَبِي عَقِيلٍ، صَاحِب بُهَيَّةَ، أَنَّ ابْنًا) وقع في بعض النسخ \"أن أبناءً\" بلفظ جمع \"ابن\"، وهو غلطٌ؛ والصوابَ بلفظ الإفراد؛ لأن المراد هنا هو القاسم المذكور في الرواية السابقة، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) فيه تجوّز؛ لأن القاسم ليس ابنه من صلبه، وإنما هو ابن ابنه عبيد الله، كما بيّنّاه في الرواية السابقة (سَأَلُوهُ) أي القوم الحاضرون عنده (عَنْ شَيْءٍ) من أحكام الدين (لم يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ) أي في ذلك الشيء (عِلْمٌ) أي معرفة وفهم بجوابه (فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المترجم في السند الماضىِ (وَاللهِ إِنِّيِ لَأُعْظِمُ) اللام لام الابتداء، و\"أُعظم\" بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعظام (أَنْ يَكُون مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَي الْهُدَى) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونك ابن إمامي الهدى، وَ\"الهدى\" بضم، ففتح، مقصورًا-: البيان والإرشاد، وإضافة \"إمامي\" إليه\n_________\n(١) تقدّمت عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة أهل الحديث الخ\".\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٩١ - ٩٢.","vol":"2","page":99},{"text":"بمعنى اللام. ثم بيّن المراد بالإمامين بقوله (يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ) والعناية من ابن عيينة، أو من تلميذه بشر. ثم إنه لا تخالف بين هذا، وبين ما تقدّم في الرواية السابقة، من قوله: \"ابن أبي بكر وعمر\"؛ لأن ابن عمر جدّه الحقيقيّ لأبيه، وعمر جدّه الأعلي، كما أن أبا بكر -﵁- جدّه الأعلى لأمه، فنسبته إلى الثلاثة صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (تُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، في محلّ نصب خبر \"يكون\" (عَنْ أَمْرٍ) متعلّق بـ \"تسأل\" وقوله: (لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ) في محلّ جرّ صفة \"أمرٍ\". والمعنى: تسأل عن أمر من أمور الدين، لا يجد السائل منك حلّ مشكلته، وإزالة مُعضلته. (فَقَالَ) أي ذلك الابن، وهو القاسم (أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ) أي عند العالمين بوعيد الله ووعده. فقوله: \"أعظم\" خبر مقدّم لقوله: (أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ) بالبناء للفاعل: أي أحدّث ناقلًا (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ) يحتمل أن يكون القائل ابن عيينة أخذًا من الذين أخبروه، ويحتمل أن يكون أحد المخبرين له. (وَشَهِدَهُمَا) أي ابنَ عبد الله بن عمر، ويحيى بنَ سعيد (أَبُو عَقِيلٍ) فاعل \"شهد\"، والجملة مقول القول (يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ) بالرفع على البدلية مما قبله (حِينَ قَالَا ذَلِكَ) متعلّق بـ \"شهد\": أي حضرهما وقت قولهما المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٣٨ - (وحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ، فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ؟، قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَفْصٍ) هو: عمرو بن علي بن بَحْر بن كَنِيز -بفتح الكاف، وكسر النون- الباهلي، أبو حفص البصري الصيرفي الفلاس.\nرَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد القطان، وخالد ابن الحارث، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي، عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخلق كثير.\nقال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني، وهو بصري صدوق. وقال أيضًا: سمعت العنبري يقول: ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي. وقال حجاج ابن الشاعر: عمرو بن علي لا يبالي أحدّث من حفظه، أو من كتابه. وقال النسائي:","vol":"2","page":100},{"text":"ثقة صاحب حديث حافظ. وقال أبو زرعة: كان من فرسان الحديث. وفي الترمذي: سمعت أبا زرعة يقول: روى عفّان عن عمرو بن علي حديثًا. وقال الدارقطني: كان من الحفاظ، وبعض أصحاب الحديث يفضلونه على ابن المديني، ويتعصبون له، وقد صنف \"المسند\"، و\"العلل\"، و\"التاريخ\"، وهو إمام متقن. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال الحسين بن إسماعيل المحاملي: ثنا أبو حفص الفلاس، وكان من نُبَلاء المحدثين. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه؟ فقال: قد كان يطلب، قلت: قد روى عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن: \"الشفعة لا تورث\"، فقال: ليس هذا في كتاب عبد الأعلى. قال الحاكم: وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في علي بن المديني، وقد أجلّ الله تعالى محلهما جميعًا عن ذلك، يعني أن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا، إذا كان غير مفسر لا يَقْدَح. وقال إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: حَدّث عمرو بن علي بحديث عن يحيى القطان، فبلغه أن بندارًا قال: ما نَعرِف هذا من حديث يحيي، فقال أبو حفص: وبلغ بندار إلى أن يقول: ما نعرف؟ . قال إبراهيم: وصدق أبو حفص، بُندار رجل صاحب كتاب، وأما أن يأخذ على أبي حفص فلا. وقال صالح جَزَرَة: ما رأيت في المحدثين بالبصرة أكيس من خياط، ومن أبي حفص الفلاس، وكانا جميعا مُتَّهَمين، وما رأيت بالبصرة مثل ابن عرعرة، وكان أبو حفص أرجح عندي منهما. وقال ابن إشكاب: كان عمرو بن علي يحسن كلّ شيء. وقال العباس العنبري: حَدَّث يحيى بن سعيد القطان بحديث، فأخطأ فيه، فلما كان من الغد اجتمع أصحابه حوله، وفيهم ابن المديني، وأشباهه، فقال لعمرو بن علي من بينهم: أُخطئ في حديث، وأنت حاضر، فلا تنكر. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حافظ، وقد تكلم فيه علي بن المديني، وطعن في روايته عن يزيد بن زريع. انتهى. قال الحافظ: وإنما طعن في روايته عن يزيد؛ لأنه استصغره فيه. وقال أبو الشيخ الأصبهاني: قدم أصبهان سنة (١٦)، وسنة (٢٤)، وسنة (٣٦). وحكى ابن مُكْرَم بالبصرة قال: ما قَدِم علينا بعد علي بن المديني مثل عمرو بن علي، مات بالعسكر في آخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" عشرة أحاديث (١).\n_________\n(١) هذا ما في برنامج الحديث (صخر)، وفيه أيضًا أن له في \"صحيح البخاريّ\" (٥١) حديثًا، وقال في \"تهذيب التهذيب\": وفي \"الزهرة\": رَوَى عنه البخاريّ سبعة وأربعين حديثًا، ومسلم حديثين. انتهى. قلت: وما في البرنامج هو الصواب. فتنبّه.","vol":"2","page":101},{"text":"٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الحجة، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>شرح الأثر:</span>\nعن عمرو بن عليّ، أنه (قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) القطّان (قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ) بن الحجاج (وَمَالِكًا) إمام دار الهجرة (وَ) سفيان (بْنَ عُيَيْنَةَ) كلهم تقدّمت تراجمهم، فأما الثوريّ، فتقدّم في ١/ ١، وأما الباقون فتقدموا عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس الخ\" (عَنِ الرَّجُلِ) متعلّق بـ \"سألت\". وقوله: (لَا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الرجل، ويحتمل أن تكون في محلّ جرّ صفة له؛ بناء على القاعدة من أن المعرّف بـ \"أل\" الجنسيّة في قوة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]:\nوَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي\nو\"الثبْتُ\" -بفتح الثاء المثلّثة، وسكون الباء-: المُتَثَبِّتُ في أموره، بمعنى ضابطٍ عدلٍ، قال في \"المصباح\": رجل ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتثَبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الْجَنَان: أي ثابت القلب، وثَبُتَ في الحرب، فهو ثَبِيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قَرِيبٌ، والاسم ثَبَتٌ -بفتحتين- ومنه قيل للحجّة ثَبَتٌ. ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عَدْلًا ضَابِطًا، والجمعُ أَثْبَاتٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسْبَابٍ. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتحصّل مما ذُكر أن \"ثَبتًا\" في كلام يحيى القطّان يجوز أن يكون ساكن الباء، ومفتوحها، ومعناه: عدلٌ ضابطٌ. والله تعالى أعلم.\n(فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ) \"ال\" فيه للجنس: أي يأتيني شخص من الأشخاص (فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ؟) أي عن ذلك الرجل الذي ليس بثبت، هل هو ثقة، أم لا؟، فهل أستر عليه؛ لئلا يكون غيبة له، أم أخبر أنه غير ثقة؛ نصيحةً للسائل؟ (قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ) هذا يدلّ أن هؤلاء الأئمة يرون وجوب جرح المجروح، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وليس من باب الغيبة والأذى؛ إذ دعت إلى هذا الضرورة؛ لحياطة الشريعة، وحماية الملّة، ونصيحة الدين، كما نُجيز تجريح الشهود لمراعاة إقامة الحقوق، ودفع الشبهات. وأما تعيين سبب الجرح في الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقًا، وهو اختيار الشافعيّ، وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون، وهو اختيار القاضي أبي بكر، وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقًا، دون ذكر السبب، وذهب بعضهم إلى أن الْمُجَرِّح إذا كان عالمًا بصيرًا\n_________\n(١) تقدّمت مع ترجمة ابن عيينة المذكورة قريبًا.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٨٠.","vol":"2","page":102},{"text":"بوجوه التجريح لم نستفسره، وإلا استفسرناه، وهو في الشهادة أضيق، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهد، وإن كان مجرّحه بصيرًا بوجوه التجريح بما يعتقده جرحةً، ولعلّ الحاكم لا يراه؛ لاختلاف الاجتهاد. أما الخبر إذا أَطْلَق عارفٌ بصيرٌ فيه بالجرح، فقد عُدمت به الثقة. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأصحّ قبول الجرح والتعديل المجملين من عالم بصير بأسبابهما، ما لم يوثّق من جُرح مجملًا، فلا يُقبل الجرح حينئذ إلا مفسّرًا، قال الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الأثر\":\n........................... ... وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا\nقَبُولَهُ مِنْ عَالِم عَلَى الأَصَحّ ... مَا لم يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ\nوسيأتي تمام البحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٣٩ - (وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ، يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، فَقَالَ: إنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، قَالَ مُسْلِم ﵀: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى بن بُرْد اليشكري مولاهم، أبو قدامة السَّرَخْسِيُّ الحافظ، نزيل نيسابور.\nرَوَى عن عبد الله بن نمير، وابن عيينة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرَّحمن بن مهدي، ووكيع، والنضر بن شُميل، وخلق كثير. وروى عنه الشيخان، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير.\nقال أبو حاتم: كان من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ من كتبنا عنه مثله. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ما قَدِمَ علينا أثبت منه، ولا أتقن. ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال هو الذي أظهر السنة بِسَرَخْسَ، ودعا إليها. ذكر الحاكم في \"تاريخه\" عن محمد بن موسى الباشاني، عن محمد بن شعيب، قال: رأيت يحيى بن يحيى، سمع من أبي قُدَامة، وعن محمد بن عبد السلام قال: رأيت إسحاق ابن راهويه، يَسْأَل أبا قُدَامة عن أحاديث، فكتبها بيده. قال: وقرأت بخط أبي عمرو\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٣٠ - ١٣٢.","vol":"2","page":103},{"text":"المستملي: ثنا الشيخ الصالح، أبو قدامة، قال: المستملي: وثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو قدامة، وكان إماما خَيِّرًا فاضلًا، قال الحاكم: وقد كان محمد بن يحيى روى عن أبي قدامة، ثم ضرب على حديثه، لا يُخَرِّج منه، فإن أبا قدامة أحد أئمة الحديث، متفق على إمامته، وحفظه، وإتقانه، ثم ذكر أن سبب ذلك أن محمد بن يحيى دخل على أبي قدامة، فلم يَقُمْ له.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في كون ما ذُكر سببًا للضرب على حديثه نظرٌ، ولعله ظنٌّ ممن ذكره، وإلا فمثل هذا لا يليق بمنصب محمد بن يحيى الإمام الجليل أن يضرب على حديث أبي قُدامة الإمام المتّفق على إمامته وحفظه وإتقانه لغرض نفسيّ، حاشا، ثم حاشا. فالله المستعان.\nوقال ابن عديّ: فاضل من أهل السنة. وقال مسلمة في \"الصلة\": ثقة مأمون. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. قال البخاري: مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، زاد غيره: بغرقد.\nوفي \"التقريب\": ثقةٌ، مأمونٌ، سُنّيٌّ، من العاشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٥١) حديثًا (١).\n٢ - (النَّضْرُ) بن شُمَيل بن خَرَشَةَ بن زيد بن كُلْثُوم بن عَنَزَة بن زُهير بن عمرو بن حُجر بن خُزَاعيّ بن مازن بن عمرو بن تميم. وقيل: في نسبه غير ذلك، المازنيّ، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مَرْوَ.\nرَوَى عن حميد الطويل، وابن عون، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبو قُدَامة السرخسيّ، وغيرهم.\nقال أبو حاتم عن ابن المديني: من الثقات. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: ثقة، صاحب سنة. وقال حمدويه بن محمد: سمعت محمد بن خاقان يقول: سئل ابن المبارك عن النضر بن شميل؟ فقال: درة بين مروين ضائعة. وقال العباس بن مصعب المروزي: بلغني أن ابن المبارك سئل عن النضر بن شميل؟ فقال: ذاك أحد الآخذين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل يدانيه. وقال العباس: كان النضر إماما في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو،\n_________\n(١) هذا ما في برنامج الحديث، وقال في \"تهذيب التهذيب\": وفي \"الزهرة\": روى عنه البخاريّ (١٣) حديثًا، ومسلم (٤٨) حديثًا.","vol":"2","page":104},{"text":"وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبا كثيرة لم يسبقه إليها أحد، وكان ولي قضاء مرو. وقال أحمد بن سعيد الدارمي عنه: خرج بي أبي من مرو الرُّوذ إلى البصرة سنة ثمان وعشرين ومائة، وأنا ابن خمس أو ست سنين، وقال: مات في أول سنة أربع ومائتين. وقال محمد بن عبد الله بن قُهزاذ: مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث. وفيها أرّخه الترمذي. وقال البخاري: مات سنة ثلاث، أو نحوها. وقال ابن منجويه: كان من فصحاء الناس، وعلمائهم بالأدب، وأيام الناس.\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ، ثبتٌ، من كبار التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣١) حديثًا.\n٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان المزني مولاهم، أبو عون البصري.\nرَأَى أنس بن مالك، وروى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وخلق كثير. وروى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، والثوري، وشعبة، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، والنضر بن شميل، وغيرهم.\nقال ابن المديني: جُمِع لابن عون من الإسناد ما لم يُجمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي، والنخعي، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حيوة، قال علي: وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقلت له: مَنْ آمَنُ مَن تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونس بن عبيد، قال علي: وهذا كان قبل أن يُحَدِّث ابن عون؛ لأنه لم يُحَدِّث إلا بعد موت أيوب، ومات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومائة، بعد موت أيوب بعشرين سنة. وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر، مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيمي، وابن عون. وقال وُهيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شعبة: ما رأيت مثلهم. وقال حماد بن زيد عن ابن عون: وَفَدت عند الحسن وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فُرِش لي. وقال معاذ بن معاذ عن موسى بن عبيد: إني لأعرف رجلا يطلب منذ عشرين سنة أن يَسْلَمَ له يوم كأيام ابن عون، فلم يَسْلَم له ذاك، فكأنه عَنَى نفسه. وقال هشام بن حسان: حدثني من لم تر عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون، وكذا قال عثمان الْبَتِّي. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذُكِرَ لي قبل أن ألقاه، ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذُكر لي إلا ابن عون، وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون فلوددت أني لزمته حتى أموت، أو يموت. وقال ابن مهديّ: ما كان بالعراق أحدٌ أعلم بالسنة منه.","vol":"2","page":105},{"text":"وقال قُرّة: كنا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عون. ومناقبه كثيرة جدًّا. وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثا يقول فيه: أظن أني سمعته أحب إلي من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثبت. وقال عيسى بن يونس: كان أثبت من هشام -يعني ابن حسان-. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أكبر من التيمي. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيا، وكان كثير الحديث، ورعًا. وقال الأنصاري: كان ابن عون: لا يُسَلِّم على القدرية، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا إلى أن مات، وتزوج امرأة عربية، فضربه بلال بن أبي بردة. وقال محمد بن فَضَاء: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقال: زُوروا ابن عون، فإن الله يحبه. وقال النسائي في \"الكنى\": ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات أهل زمانه عبادةً وفضلًا، وورعًا، ونسكًا، وصلابة في السنة، وشدة على أهل البدع. وقال أبو بكر البزار: كان على غاية من التوقي. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، صحيح الكتاب. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. قال عمرو بن علي، وغير واحد: مولده سنة (٦٦)، وقد تقدم تاريخ موته، وكذا ذكره غير واحد، وزاد بكار بن محمد السوسي: في رجب. وقيل: مات سنة خمسين. وقيل سنة اثنتين وخمسين. والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٩) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبت فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم والعمل، من السادسة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"من السادسة\" فيه نظر، بل هو من الخامسة، كما يظهر من قوله من أقران أيوب، فإنه رأى أنسًا زمنه مثل أيوب، فيكون من طبقته، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>شرح الأثر:</span>\nعن النضر بن شُمَيل، أنه قال (سُئِلَ) عبد الله (بن عون عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ) -بفتح المعجمة، وسكون الهاء- ابن حَوْشب -بفتح المهملة، وسكون الواو- الأشعري، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو الجعد الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد، وأم سلمة، زوج النبي -ﷺ-، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، وبلال المؤذن، وغيرهم. وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرَام، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، والحكم بن عتيبة، وثابت البنانيّ، وغيرهم. قال ابن المديني: حدث ابن عون، عن هلال بن أبي زينب، عن شهر، فساره","vol":"2","page":106},{"text":"شعبة، فلم يذكره ابن عون. وقال معاذ بن معاذ: سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب، عن شهر، عن أبي هريرة: \"لا يَجِفُّ دم الشهيد، حتى تبتدره زوجتاه من الحور العين\". فقال: ما تصنع بشهر؟ إن شعبة نَزَكَ شهرًا. وقال النضر عن ابن عون: إن شهرًا نَزَكُوه، قال النضر: نزكوه: أي طعنوا فيه. وقال شبابة عن شعبة: ولقد لَقِيتُ شهرًا، فلم أعتد به. وقال عمرو بن علي: ما كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرَّحمن يحدث عنه. وقال يحيى بن أبي بكرٍ الكرماني، عن أبيه: كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطة فيها دراهم، فقال القائل [من الطويل]:\nلَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ الْقُرَّاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ\nأَخَذْتَ بِهَا شَيْئًا طَفِيفًا وَبِعْتَهُ ... مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ إِنَ هَذَا هُوَ الْغَدْرُ\nوقد أجاب عن هذا الذهبيّ، فقال: إسنادها منقطعٌ، ولعلّها وقعت، وتاب منها، أو أخذها متأَوَّلًا أن له في بيت مال المسلمين حقًّا، نسأل الله الصفح. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله عنه: الجواب الأول هو الصواب، وأما الثاني فلا فائدة فيه؛ لأن الحكاية منقطعة ضعيفة، فلا حاجة إلى تأويلها.\nثم إن الذهبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى ذكر بعد هذا: ما نصّه: فأما رواية يحيى القطّان، عن عباد بن منصور، قال: حججتُ مع شهر بن حَوْشب، فسرق عَيْبَتي. فما أدري ما أقول. انتهى.\nقال الجامع عفا الله عنه: الجواب عنه سهل، وذلك أنه على تقدير صحة الحكاية، نقول: إن هذه السرقة لم تثبُت ببيّنة شرعيّة، حتى يثبت جرح المدّعى عليه، بل إن المدَّعي لما فقد عيبته ظنّ ذلك، وادّعى، ومثل هذا كثير، فلا تبطل عدالة شهر، ولا إمامته بمجرّد هذه الدعوى، وهذا مما لا يخفى لمن تأمَّل. والله تعالى أعلم.\nوقال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجاني: أحاديثه لا تشبه حديث الناس. قال: ثنا عمرو بن خارجة: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله -ﷺ-، وعن أسماء بنت يزيد قالت: كنت آخذة بزمام ناقة رسول الله -ﷺ-، كأنه مولع بزمام ناقة رسول الله -ﷺ-، وحديثه دالّ عليه، فلا ينبغي أن يُغتَرّ به وبروايته. وقال موسى بن هارون: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: قيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أُحَدِّث عنه. وكان عبد الرَّحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمع عليه يحيى وعبد الرَّحمن على تركه. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٧٥.","vol":"2","page":107},{"text":"حديثه، ووثقه، وأظنه قال: هو كنديّ، وروى عن أسماء أحاديث حسانًا. وقال أبو طالب عن أحمد: عبد الحميد بن بَهْرام أحاديثه مقاربة، هي أحاديث شهر كان يحفظها، كأنه يقرأ سورة من القرآن. وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي: بلغني أن أحمد كان يُثني على شهر. وقال الترمذي: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر. وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أمره. وقال ابن أبي خيثمة، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: ثبت. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طَعَن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر -وإن قال ابن عون، نزكوه- فهو ثقة. وقال ابن عمار: روى عنه الناس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، قيل: يكون حديثه حجة؟ قال: لا. وقال أبو زرعة: لا بأس به، ولم يلق عمرو بن عبسة. وقال أبو حاتم: شهر أحب إلي من أبي هارون، وبشر بن حرب، ولا يحتج به. وقال صالح بن محمد: شهر شاميّ، قَدِم العراق، روى عنه الناس، ولم يوقف منه على كذب، وكان يَتَنَسَّك، إلا أنه روى أحاديث ينفرد بها، لم يشاركه فيها أحد، وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرام أحاديث طوالا عجائب، ويروي عن النبي -ﷺ- أحاديث في القراءات، لا يأتي بها غيره. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيهًا، قارئًا، عالما. وقال أبو بكر البزار: لا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه غير شعبة، ولم يسمع من معاذ بن جبل. وقال الساجيّ: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان شعبة يشهد عليه أنه رافق رجلًا من أهل الشام، فخانه. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولا يُتَدَيّن به.\nوقال الدارقطنيّ: يُخَرَّج حديثه. وقال البيهقي: ضعيف. وقال ابن حزم: ساقط. وقال يحيى القطان، عن عباد بن منصور: حججنا مع شهر، فسرق عيبتي. وقال أيوب ابن أبي حسين النَّدَبِيّ: ما رأيت أحدا أقرأ لكتاب الله منه. وقال عبد الحميد بن بَهْرام: أَتَى على شهر ثمانون سنة. قال البخاري وغير واحد: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة (١١١). وقال الواقدي: مات سنة (١٢). أخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والباقون، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم ٣٨٢١ حديث: \"الكمأة من المنّ ... \" الحديث. وقال في \"التقريب\": صدوقٌ، كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح في شهر أنه ثقة يُحتجّ به، فقد","vol":"2","page":108},{"text":"وثّقه كثيرون من كبار أئمة السلف، أو أكثرهم، فممن وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وآخرون، وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه، ووثقه. وقال أحمد بن عبد الله العجلى: هو تابعيّ ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: هو ثقة، ولم يذكر ابن أبي خيثمة غير هذا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال الترمذيّ: قال محمد -يعني البخاريَّ-: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون. وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة. وقال صالح بن محمد: شهر روى عنه الناس، من أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل الشام، ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلا يتنَسّك: أي يتعبد، إلا أنه روى أحاديث لم يشركه فيها أحد. قال النووي في \"شرحه\": فهذا كلام هؤلاء الأئمة في الثناء عليه. وأما ما ذُكر من جرحه أنه أخذ خريطة من بيت المال، فقد حمله العلماء المحققون على محمل صحيح. وقول أبي حاتم بن حِبّان: إنه سرق من رفيقه في الحج عيبة غير مقبول عند المحققين، بل أنكروه. والله تعالى أعلم (١).\nولقد أجاد القول في شأنه إمامان حافظان جليلان، لهما استقراء تامّ في أحوال الرجال، وباعٌ طويل في موازنة الأقوال، وهما: الحافظ أبو الحسن القطّان الفاسيّ، والحافظ الذهبيّ: فأما أبو الحسن، فقال: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروا من تزيه بزي الجند، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ الخريطة، فإما لا يصح، أو هو خارج على مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله عنه: الأحاديث التي أنكرت عليه قليلة، لا تتجاوز نحو خمسة أحاديث، كما سيأتي في كلام الذهبي، فليست كثيرةً -ولله الحمد-.\nوأما الحافظ الذهبيّ فقال في \"ميزان الاعتدال\" -لَمّا ذكر قول ابن عديّ: \"هو ممن لا يُحتجّ به\"، وقد سبق-: قد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، ثم نقل قول الإمام أحمد: ما أحسن حديثه، وذكر توثيقه له، وقوله أيضًا: ليس به بأس. وقول الفسويّ: شهرٌ، وإن تكلّم فيه ابن عون، فهو ثقة. انتهى (٣).\nوقال في \"سير أعلام النبلاء\" -بعد أن أورد نحو خمسة أحاديث من أحاديث شهر-: فهذا ما استُنكر من حديث شهر في سعة روايته، وما ذاك بالمنكر جدًّا. قال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة، طعن فيه بعضهم. وقال يعقوب بن سُفيان: شهرٌ، وإن تكلّم\n_________\n(١) \"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ٩٣.\n(٢) راجع في هذا \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ١٨٣.\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢٨٤.","vol":"2","page":109},{"text":"فيه ابن عون، فهو ثقة.\nقلت (١): الرجل غير مدفوع عن صدقٍ، وعلمٍ، والاحتجاج به مترجّحٌ. انتهى (٢).\nوالحاصل: أنه ثقة حجة، وأما ما أُنكر عليه من الأحاديث، وهي قليلة في جنب ما روى من الأحاديث الكثيرة، كما قال الذهبيّ، فإنها تترك كما يُترك ما أُنكر على أيّ محدّث حافظ، ويؤخذ بما لم يُنكر عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهور بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم.\n(وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من \"ابن عون\" (عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ) -بضم الهمزة والكاف، وتشديد الفاء-: عَتَبتُه الْعُلْيا، وقد تُستعمل في السفلى، واقتصر في \"التهذيب\"، و\"مُختصر العين\" عليها، فقال: \"الأُسْكُفّةُ\": عَتَبَة الباب التي يوطأ عليها، والجمع أُسْكُفّات. قاله الفيّوميّ (٣).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الثاني هو الذي اقتصر عليه في \"القاموس\" أيضًا، وهو المراد هنا، والمعنى: أن ابن عون كان واقفًا على عَتَبة الباب السفلى، والظاهر أنه أراد الخروج من البيت. والله تعالى أعلم.\n(فَقَالَ) ابن عون (إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ). -بالنون، والزاي المفتوحتين- \"معناه طعنوا فيه، وتكلموا بجرحه، فكأنه يقول: طعنوه بالنَّيْزَك -بفتح النون، وإسكان المثناة من تحتُ، وفتح الزاي- وهو: رُمْحٌ قصير. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد ذكر ما سبق: وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة، وكذا ذكرها من أهل الأدب، واللغة، والغريب الهرويّ في \"غريبه\"، وحكى القاضي عياض عن كثيرين، من رواة مسلم، أنهم رووه: \"تَرَكُوه\" -بالتاء والراء- وضعفه القاضي، وقال: الصحيح بالنون والزاي، قال: وهو الأشبه بسياق الكلام. وقال غير القاضي: رواية التاء تصحيف، وتفسير مسلم يرُدّها، ويدل عليها أيضًا أن شهرًا ليس متروكًا، بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف، أو أكثرهم -كما سبق نقله عنهم-. انتهى (٤).\n(إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ) كرّره للتأكيد (قَالَ مُسْلِمٌ) بن الحجّاج، صاحب الكتاب (﵀) تعالى، مفسّرًا معنى\"نزكوه\" (يَقُولُ) يعني أن ابن عون يريد بقوله: \"نزكوه\" أنه (أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ) جمع لسان على لغة من جعل اللسان مذكرًا، وأما من جعله مؤنثًا، فجمعه أَلْسُنٌ بضم السين. قاله ابن قتيبة (٥). وقال الفيّوميّ: اللسان:\n_________\n(١) القائل هو الذهبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٨٣.\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٩٢.\n(٥) \"شرح مسلم للنوويّ\" ١/ ٩٣.","vol":"2","page":110},{"text":"العضو يُذكّر، ويؤنّث، فمن ذكّر جمعه على ألسِنَة، ومن أنّث جمعه على ألسُن. قال أبو حاتم: والتذكير أكثر، وهو في القرآن كلِّهِ مذكّر. انتهى (١). وقوله: (تَكَلَّمُوا فِيهِ) تفسير وتوضيحٌ لما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٠ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا، فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ)\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفيُّ، أبو محمد بن أبي يعقوب البغدادي المعروف بابن الشاعر، وكان يوسف شاعرًا صَحِبَ أبا نُوَاس، وكان يُلَقَّب لَقْوَه.\nرَوَى حجاج عن رَوْح بن عبادة، وحجاج بن محمد، والأشيب، وشبابة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن أبي عاصم، وَبَقِيّ بن مخلد، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم: ثقة من الحفاظ، ممن يحسن الحديث. وقال أبو داود: خير من مائة مثل الرَّمَاديّ. وقال النسائي. ثقة وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن قانع: مات في رجب سنة (٢٥٩)، قال: وقيل: سنة (٥٧).\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، من الحادية عشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٧١) حديثًا.\n[تنبيه]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: حجاج هذا يوافق الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفيّ أبا محمد الوالي الجائر المشهور بالظلم، وسفك الدماء، فيوافقه في اسمه، واسم أبيه، وكنيته، ونسبته، ويُخالفه في جدّه، وعصره، وعدالته، وحسن طريقته. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره النووي رَحِمَهُ اللهُ تعالى هو السبب -فيما أرى- في عدول مسلم، وأبي داود عن نسبته إلى اسم أبيه؛ لئلا يلتبس بالحجاج الجائر المذكور، فأما مسلم فيقول دائمًا: حدّثني حجاج بن الشاعر، وأما أبو داود، فيقول: حدثني حجاج بن أبي يعقوب. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٥٣.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٣.","vol":"2","page":111},{"text":"[تنبيه آخر]: حجاج بن يوسف بن الحكم المذكور ليس من رجال الكتب الستة، وإنما يُكتب في كتبها للتمييز، قال في \"التقريب\": حجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير الشهير، الظالم الْمُبِير، وقع ذكره، وكلامه في \"الصحيحين\"، وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة خمس وتسعين. انتهى.\n٢ - (شَبَابَةُ) -بفتح الشين المعجمة، وبالبائين الموحدتين، بينهما ألف- ابن سَوّار -بفتح المهملة، وتشديد الواو- الْفَزَاريّ مولاهم، أبو عمرو المدائني، أصله من خراسان، قيل: اسمه مروان، حكاه ابن عدي.\nرَوَى عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبِيّ، وإسرائيل، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم.\nقال أحمد بن حنبل: تركته لم أكتب عنه للإرجاء، قيل له: يا أبا عبد الله، وأبو معاوية؟ قال: شبابة كان داعية. وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: كان يدعو إلى الإرجاء. وحُكي عنه قول أخبث من هذه الأقاويل، قال: إذا قال، فقد عمل بجارحته، وهذا قول خبيث، ما سمعت أحدًا يقوله، قيل له: كيف كتبت عنه؟ قال: كتبت عنه شيئًا يسيرًا قبل أن أعلم أنه يقول بهذا. وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، حسن العقل، ثقة. وقال زكريا الساجيّ: صدوق يدعو إلى الإرجاء، كان أحمد يَحمِل عليه. وقال ابن خِرَاش: كان أحمد لا يرضاه، وهو صدوق في الحديث. وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فشبابة في شعبة؟ قال: ثقة. وسألت يحيى عن شاذان؟ فقال: لا بأس به، قلت: هو أحب إليك أم شبابة؟ قال: شبابة. وقال ابن الجنيد: قلت ليحيى: تفسير ورقاء عمن حملته؟ قال: كتبته عن شبابة، وعن علي بن حفص، وكان شبابة أجرأ عليها، وهما جميعا ثقتان. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن عبد الله، وقيل له: روى شبابة عن شعبة، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرَّحمن بن يعمر في الدباء، فقال عليّ: أيَّ شيء تقدر أن تقول في ذاك، يعني شبابة، كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا يُنكَر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب. قال يعقوب: وهذا حديث لم يبلغني أن أحدًا رواه عن شعبة غير شبابة. وقال ابن سعد: كان ثقة، صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئًا. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، قيل له: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال: إذا قال، فقد عَمِل. وقال صالح بن أحمد العجلي: قلت لأبي: كان يحفظ الحديث؟ قال: نعم. وقال البرذعي، عن أبي زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: رجع عنه؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه، ولا","vol":"2","page":112},{"text":"يحتج به. وقال ابن عدي: إنما ذمه الناس للإرجاء الذي كان فيه، وأما في الحديث فلا بأس به، كما قال ابن المديني، والذي أُنكر عليه الخطأ، ولعله حدث به حفظًا. قال أبو محمد بن قتيبة: خرج إلى مكة، وأقام بها إلى أن مات. وقال البخاري: يقال: مات سنة (٤) أو (٢٠٥). وقال أبو موسى وغيره: مات سنة (٢٠٦). وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وحكى الأقوال الثلاثة في وفاته، وزاد: لعشر مضين من جمادى الأولى. وقال البخاري في تاريخه \"الأوسط\"، و\"الصغير\": مات سنة (٦).\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء، من التاسعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٧) حديثًا.\n(شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>شرح الأثر:</span>\nعن شبابة بن سوَّار، أنه (قال: قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجاج (وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا) أي ابن حوشب (فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ) كناية عن ترك الرواية عنه؛ لكونه ضعيفًا عنده. وقد عرفت فيما حقّقناه فيما سلف أن شهرًا ثقة عند أكثر المحقّقين، فلا يضرّه كلام شعبة، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤١ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَكُنْتُ إِذَا كنْتُ فِي مَجْلِسٍ، ذُكرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَأَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ).\nرجال هذا الأثر: ثلاثة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) بضم القاف، وسكون الهاء المتقدّم في ٤/ ٣٢. وقوله: \"مِنْ أَهْلِ مَرْوَ\" -بفتح، فسكون- غير منصرف؛ للعلمية والعجمة.\n٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ) المروزي، كان جده واقد مولى عبد الله بن عامر ابن كُرَيز.\nرَوَى عن أبيه، وهشام بن سعد، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، ومحمود بن غيلان، وعلي بن خشرم، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وغيرهم.\nقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وأسند العقيلي من\n_________\n(١) تقدمت عند قول المصنّف: \"ممن ذم الرواية عنهم أئمة أهل الحديث الخ\".","vol":"2","page":113},{"text":"طريق البخاري قال: رأينا علي بن الحسين سنة (١٠)، وكان أبو يعقوب -يعني إسحاق ابن راهويه- سيىء الرأي فيه؛ لعلة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبنا عن إسحاق. ونقل ابن حبان عن البخاري قال: كنت أَمُرُّ عليه طرفي النهار، ولم أكتُب عنه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان مولده سنة (١٣٥) ومات سنة (١١) وقيل: سنة (٢١٢). وقال البخاري: مات سنة إحدى عشرة ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ يَهِمُ، من العاشرة.\nأخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\"، ومسلم في \"المقدمة\" فقط، والأربعة.\n٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الحنظليّ المروزيّ الإمام الشهير المتقدّم في ٤/ ٣٢. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>شرح الأثر:</span>\nعن عبد الله بن المبارك، أنه قال (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن سعيد بن مسروق الإمام المشهور (الثَّوْرِيِّ) -بفتح، فسكون-: نسبة إلى ثور، بطن من تميم، كما في \"الأنساب\" للسمعانيّ (١) (إِنّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ) الثقفيّ البصريّ (مَنْ) موصولة خبر \"إنّ\"، وأما ما قاله بعضهم من أنَّها استفهاميّة، فبعيد (٢)، فتنبّه. (تَعْرِفُ) بفتح التاء، وكسر الراء، من باب ضرب (حَالَهُ) بالنصب على المفعوليّة والمعنى: إن عبّاد بن كثير هو الذي تعرف حاله من كثرة العبادة، والزهد، والتقشّف. ويحتمل أن يكون المعنى: الذي تعرف حاله من الضعف، وهذا هو الذي ذكره النوويّ، فقال في \"شرحه\": قوله: \"تعرف\" -بالتاء المثنّاة فوقُ خطابًا، يعني أنت عارف بضعفه. انتهى (٣).\n(وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ) أي بالأحاديث المكذوبة التي هي أعظم أنواع الكذب؛ لأن الكذب على رسول الله -ﷺ- أَشدّ جرمًا من الكذب على غيره، فقد أخرج الشيخان (٤) من حديث المغيرة بن شعبة -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: \"إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\". (فَتَرَى) بالبناء للفاعل، وتقدير همزة الاستفهام: أي أفترى: أي أتعتقد، يقال: الذي أراه بمعنى الذي أذهب إليه (٥). (أَنْ أَقُولَ\n_________\n(١) \"الأنساب\" ١/ ٥١٧.\n(٢) فقد كتب صاحب \"الحلّ المفهم\": ما ملخّصه: \"من\" استفهام، \"تعرف حاله\" استفهام آخر: أي هل تعرف حاله. انتهى. وهو بعيد عن سياق الكلام، فتبصّر، ولا تتهور.\n(٣) \"شرح النوويّ\" ١/ ٩٤.\n(٤) أخرجه البخاريّ في \"الجنائز\" من \"صحيحه\" برقم (١٢٠٩) وتقدّم لمسلم في \"المقدّمة\" برقم (٥).\n(٥) راجع \"المصباح المنير\" ١/ ٢٤٧.","vol":"2","page":114},{"text":"لِلنَّاسِ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟) أي لكونه كذّابًا (قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى) أي قل ذلك. و\"بلى\": حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه: إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه: التقرير والإثبات. ولا تكون إلا بعد نفيّ، إما في أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها. قاله الفيّوميّ (١). (قَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك (فَكُنْتُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ) الظاهر أن \"كنت\" الأول زائد (ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ) فعل ونائب فاعله (أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ) أي في عبادته (وَأَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ) أي لأنه ليس بمعدن للصدق.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المبارك من تضعيف كثير بن عبّاد، ووافقه عليه الثوريّ رحمهما الله تعالى، نُقل عن غيرهما أيضًا، قال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: هو أسوأ حالا من الحسن بن عمارة، وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان صالحا، قلت: فكيف روى ما لم يسمع؟ قال الْبَلَهُ (٢) والغفلة. وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف الحديث، وليس بشيء. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء في الحديث، وكان رجلًا صالحًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكار. وعن أبي زرعة: لا يكتب حديثه، كان شيخا صالحًا، وكان لا يضبط الحديث، قال: وكان في كتاب أبي زرعة حديث عن أحمد بن يونس، عن زهير عنه، فقال: اضربوا عليه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني: لا ينبغي لحكيم أن يذكره في العلم، حسبك بحديث النهي. وقال ابن عدي: حَدّث من المناهي بمقدار ثلاثمائة حديث، قال: ومقدار ما أمليت من حديثه لا يتابع عليه.\nقال الحافظ: وحديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني، هو الذي ذكر ابن عدي أنه مقدار ثلاثمائة حديث، وصدق ابن عدي، قد رأيتها، وكأنه لم يترك متنا صحيحا ولا سقيما فيه نهى رسول الله -ﷺ- عن كذا إلا وساقه على ذلك الإسناد الذي ركبه، وهو حدثني عثمان الأعرج، حدثني يونس، عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعة من أصحاب رسول الله -ﷺ-: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبو هريرة، ومعقل بن يسار، وعمران بن حصين، فساق الحديث عنهم، وافترى في زعمه أن الحسن سمع من هؤلاء، نعم سمع من معقل وعمران، واختُلف في سماعه من أبي هريرة. وساق ابن حبان بعضه في ترجمة عباد بن راشد، عن الحسن، وزعم أن ابن\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٦٢.\n(٢) البله بفتحتين: ضعف العقل.","vol":"2","page":115},{"text":"قتيبة أخبره به، عن صفوان بن صالح، عن ضمرة بن ربيعة عنه، وما أظنه إلا وَهِمَ في ذلك، أو بعض من تقدمه. والله أعلم. وذكره البخاري في \"الأوسط\" في \"فصل من مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة\"، وقال: سكتوا عنه. وقال الحاكم، وأبو نعيم: أبو عبد الله، شيخ قديم، كان الثوري يُكَذِّبه، ولما مات لم يصل عليه، حدث عن هشام، والحسن، وابن عَقِيل، ونافع بالمعضلات. وقال يعقوب بن سفيان: يُذكَر بزهد، وتَقَشُّف، وحديثه ليس بذاك. وقال الْبَرْقِيّ: ليس بثقة. وقال ابن عمار: ضعيف، وعباد بن كثير الرَّمْلِيّ أثبت منه. وقال العجلي: ضعيف، متروك الحديث، وكان رجلا صالحًا. وقال عبد الله بن إدريس: كان شعبة لا يستغفر له. أخرج له أبو داود، وابن ماجه. وقال في \"التقريب\": عبّاد بن كثير الثقفيّ البصريّ متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب، من السابعة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما قاله هؤلاء العلماء أنهم أجمعوا على تضعيفه، بل كذّبه بعضهم، وأنه رجل صالح، أصابته غفلة الصالحين، كما سبق في كلام أحمد رَحِمَهُ اللهُ تعالى -لما قيل له: كيف روى ما لم يسمع؟ قال: الْبَلَهُ والغفلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٢ - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلَى شُعْبَةَ، فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَاحْذَرُوهُ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (مُحَمَّدٌ) بن عبد الله بن قُهْزاذ المذكور قريبًا.\n٢ - (عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمَانَ) هو الملقّب بـ \"عبدان\" المروزيّ تقدّم في ٤/ ٣٠.\n٣ - (أَبُوه) هو عثمان بن جَبَلة -بفتح الجيم والموحّدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الْعَتَكي -بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم المروزي.\nروى عن عمه عبد العزيز، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وغيرهم. وعنه ابناه: عبدان، وعبد العزيز، وأبو بشر، مصعب بن بشر المروزي، وأبو جعفر النفيلي.\nقال أبو حاتم: كان شريكا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: قيل لعثمان ابن جَبَلة: من أين لك هذه الغرائب؟ قال: كنت شريكا لشعبة، فكان يخصني بها. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان عثمان مع أبي تُمَيْلة بالكوفة في طلب الحديث، فهاج به غَمّ وكرب، فوضع رأسه في حجر أبي تُمَيلة فمات. وقال أبو حاتم عن النفيلي: رأيت عثمان والد عبدان بالكوفة، فبينا هو يمشي معنا في بعض أزقة الكوفة،","vol":"2","page":116},{"text":"إذ دخل دارا ليبول، فنظرنا فإذا هو ميت. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم (٤٧٧٨) حديث: \"المرء مع من أحب\".\nوقال في \"التقريب\": ثقة من كبار العاشرة، مات على رأس المائتين.\n٤ - (عبد الله بن المبارك) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>شرح الأثر:</span>\nعن عثمان بن جَبَلَة، أنه (قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ) أي وصلت (إِلَى شُعْبَةَ) أي إلى مجلسه (فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَاحْذَرُوهُ) أي احذروا الرواية عنه؛ لكونه متروك الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٣ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلَّى الرَّازِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَابِهِ، وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَذَّابٌ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) بن إبراهيم الأعرج، أبو العباس، البغدادي، خراسانيّ الأصل الحافظُ.\nرَوَى عن شبابة، والأسود بن عامر، ومعلى بن منصور، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم.\nقال عبدان الأهوازي: سمعت أبا داود يقول: أنا لا أحدث عنه، قلت لم؟ قال: لأنه كان لا يفوته حديث جيّد. وقال أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي: كان أحد الدَّوَاهي، قال الخطيب يعني في الذكاء. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة خمس وخمسين ومائتين. وفيها أرّخه السَّرّاج، وزاد: في صفر، وله نيف وسبعون سنة.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من الحادية عشرة.\nوله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث، برقم ٢٠٩ و٢٠٧٨ و٣١٦٤.\n٢ - (مُعَلًّى الرَّازِيَّ) بن منصور، أبو يعلى، نزيل بغداد.\nرَوَى عن مالك، وسليمان بن بلال، ومحمد بن ميمون الزعفراني، وعيسى بن يونس، وغيرهم. وروى عنه ابنه يحيى، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو ثور، والفضل بن سهل، وغيرهم.","vol":"2","page":117},{"text":"قال الميموني عن أحمد: ما كتبت عن معلى شيئًا قط. وكذا قال الأثرم عن أحمد. وقال أبو طالب عن أحمد: كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كلّ يوم يخطئ في حديثين وثلاثة. وقال محمد بن يوسف بن الطباع: سألت أحمد بن حنبل عن معلى الرازي؟ فسكت. وقال أبو حاتم الرازي: قيل لأحمد: كيف لم تكتب عن معلى؟ قال: كان يكتب الشروط، ومن كتبها لم يخل من أن يكذب. وقال أبو زرعة: بلغني أن في قلبه غصصًا من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم، وذلك أنه كان طَلابةً للعلم، رَحَلَ وعُنِيَ، فأما علي بن المديني، وأبو خيثمة، وعامة أصحابنا، فسمعوا منه، المعلى صدوق. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الحسين بن حيان: قال أبو زكريا: إذا اختلف معلى الرازي وإسحاق بن الطباع في حديث مالك، فالقول قول معلى في كلّ حديث، معلى أثبت منه، وخير منه. وقال العباس بن محمد عن ابن معين: كان المعلى يصلي، فوقع على رأسه كور الزنابير، فما انتقل ولا التفت. وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة، وكان نبيلًا، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفَرَّد به، وشورك فيه، متقن، صدوق، فقيه، مأمون. وقال ابن سعد: كان صدوقا، صاحب حديث ورأي وفقه، فمن أصحاب الحديث من يروي عنه، ومنهم من لا يروي عنه. وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا في الحديث، وكان صاحب رأي. وقال أحمد بن حنبل: معلى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أجد له حديثا منكرًا. وقال الحكم: قرأت بخط المستملي: حدثني سهل بن عمار، وقال: كنت عند المعلى، فقال: من قال القرآن مخلوق فهو عندي كافر. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان ممن جمع، وصنف. ونقل عبد الحق في \"الأحكام\" عن أحمد أنه رماه بالكذب (١). قال ابن سعد، وجماعة: مات سنة إحدى عشرة ومائتين. وقال خليفة في موضع آخر: مات سنة إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث برقم ٨٤١ و٢٠٨٨ و٢٨٦٤ و٥١٥٧.\nوقال في \"التقريب\": ثقة سُنّيّ، فقيه، طُلِب للقضاء، فامتنع، وأخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، من العاشرة، مات سنة (٢١١) على الصحيح. انتهى.\n٣ - (عِيسَى بْن يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّمت ترجمته في ٤/ ٢٦. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) سيأتي الردّ عليه قريبًا.","vol":"2","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>شرح الأثر:</span>\nعن الفضل بن سهل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلًّى) أي ابن منصور (الرَّازِيَّ) نسبة إلى الريّ بزيادة الزاي: مدينة كبيرة مشهورة من بلاد الدَّيْلَم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ) بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب في الزندقة، ويقال له: ابن سعيد بن عبد العزيز، أو ابن أبي عتبة، أو ابن أبي قيس، أو ابن أبي حسّان، ويقال له: ابن الطبريّ، أبو عبد الرَّحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو قيس، وقد يُنسب إلى جدّه. قيل: إنهم قلبوا اسمه على مائة وجه؛ لِيَخْفَى، وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى في \"ألفيّة الحديث\"، حيث قال:\nوَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ فِيمَنْ وُصِفَا ... بِغَيْرِ مَا وَصْفٍ إِرَادَةَ الْخَفَا\nوَهْوَ عَوِيصٌ عِلْمُهُ نَفِيسُ ... يُعْرَفُ مِنْ إِدْرَاكِهِ التَّدْلِيسُ\nمِثَالُهُ مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ ... خَمْسِينَ وَجْهًا اسْمُهُ مَقْلُوبُ\nوقد تقدّمت ترجمته مستوفاةً عند قول المصنّف: \"فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متّهمون الخ\"، فراجعها تستفد. (الَّذِي) صفة لمحمد بن سعيد (رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ) أي ابن كثير المذكور آنفًا (فَأَخْبَرَنِي) أي معلّى الرازيّ (عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق السبيعيّ (قَالَ) أي عيسى بن يونس (كُنْتُ عَلَى بَابِهِ) أي باب محمد بن سعيد (وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أن سفيان الثوريّ جالس عند محمد بن سعيد (فَلَمَّا خَرَجَ) سفيان (سَأَلْتُهُ عَنْهُ؟) أي عن محمد بن سعيد، هل هو ثقة، أم لا؟ (فَأَخْبَرَنِي) سفيان (أَنَّهُ) أي محمد بن سعيد (كَذَّابٌ) وقد تقدَّم في ترجمته أنهم اتّفقوا على تكذيبه، بل قال أحمد بن صالح: زنديقٌ، ضُرِبت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال أحمد بن حنبل: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٤ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَفَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ مُسْلِم: يَقُولُ: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ، وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ).","vol":"2","page":119},{"text":"رجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ) البغداديّ، أبو بكر الأعين، واسم أبي عَتّاب طَرِيف، وقيل: الحسن بن طريف.\nرَوَى عن روح بن عبادة، وأسود بن عامر، وعفّان، وغيرهم. وروى عنه مسلم في \"مقدمة كتابه\"، وروى الترمذي عن زكريا بن يحيى اللؤلؤي عنه، وأبو داود في غير السنن، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.\nقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ليس هو من أصحاب الحديث. قال الخطيب: يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعا منه. وقال عبد الله بن أحمد: ذكر أبي أبا بكر الأعين حين مات، فقال: رَحِمَهُ اللهُ تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال موسى بن هارون وغير واحد: مات سنة أربعين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من الحادية عشرة.\n٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، مولى عزرة بن ثابت الأنصاري، سكن بغداد.\nرَوَى عن داود بن أبي الفُرَات، وعبد الله بن بكر المزني، وصخر بن جويرية، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون عنه بواسطة إسحاق بن منصور، وأبي قدامة السرخسي، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وأبو خيثمة، وخلق كثير.\nقال العجلي: عفان بصري ثقة ثبت، صاحب سنه، وكان على مسائل معاذ بن معاذ، فَجُعِل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، فلا يقول: عدل، ولا غير عدل، فأبى، وقال: لا أبطل حقا من الحقوق. وقال حنبل بن إسحاق: وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم الطاهري أن يدعو عفان إلى القول بخلق القرآن، فإن لم يُجِب فاقطع عنه رزقه، وهو خمسمائة درهم في الشهر، فاستدعاه فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختمها، فقال: مخلوق هذا؟ قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إن لم يجب أقطع رزقه، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وخرج ولم يُجِب. وقال الحسين بن حيان: سألت أبا زكريا، إذا اختلف أبو الوليد وعفان في حديث عن حماد بن سلمة، فالقول قول من؟ قال: عفان، قلت: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كلّ شيء؟ قال: نعم عفان أثبت منه وأكيس، وأبو","vol":"2","page":120},{"text":"الوليد ثبت ثقة، قلت: فأبو نعيم؟ قال: عفان أثبت. وقال المفضل الغلابي: ذُكر له -يعني لابن معين- عفان وثبته، فقال: قد أخذت عليه الخطأ في غير حديث. وقال عُمر ابن أحمد الجوهري عن جعفر بن محمد الصائغ: اجتمع علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعفان، فقال عفان: ثلاثة يُضَعّفون في ثلاثة: علي بن المديني في حماد بن زيد، وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد، وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك. قال علي: ورابع معهم، قال عفان: ومن ذاك؟ قال: عفان في شعبة. قال عمر بن أحمد: وكل هؤلاء أقوياء، ليس فيهم ضعيف، ولكن قال هذا على وجه المزاح. وقال إسحاق بن الحسن عن أحمد بن حنبل: ما رأيت الألفاظ في كتاب أحد من أصحاب شعبة أكثر منها عند عفان، يعني أنبأنا، وأخبرنا، وسمعت، وحدثنا، يعني شعبة. وقال حنبل عن أحمد: عَفّان وحَبّان، وبهز، هؤلاء المتثبتون. وقال: قال عفان كنت أوقف شعبة على الأخبار. قلت له: فإذا اختلفوا في الحديث، يُرجَع إلى من؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان عفان، وحَبّان، وبهز يختلفون إليّ، فكان عفان أضبط القوم للحديث، عملت عليهم مرة في شيء، فما فَطِنَ لي أحد إلا عفان. وقال الآجري عن أبي داود: عفان أثبت من حَبان. وقال الآجري: قلت لأبي داود: بلغك عن عفان أنه يُكَذِّب وهب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس العنبري، سمعت عليا يقول: أبو نعيم، وعفان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه. وقال حسان بن الحسن المجاشعي: سمعت ابن المديني يقول: قال عفان: ما سمعت من أحد حديثا إلا عرضته عليه، غير شعبة، فإنه لم يُمَكِّنّي أن أعرض عليه. قال: وذُكر عنده عفان، فقال: كيف أذكر رجلا يشك في حرف، فيضرب على خمسة أسطر. قال: وسمعت عليا يقول: قال عبد الرحمن: أتينا أبا عوانة، فقال: من على الباب؟ فقلنا: عفان، وبهز، وحَبان، يقول: هؤلاء بلاء من البلاء، قد سمعوا يريدون أن يَعْرِضوا. وقال الحسن الزعفراني: قلت لأحمد: من تابع عفان على كذا وكذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى متابعة أحد؟ . وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى ابن معين عن عفان وبهز أيهما كان أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة، فقيل له: إن ابن المديني يزعم أن عفان أصح الرجلين، فقال: كانا جميعا ثقتين صدوقين. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين يقول: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة، وعفان. وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين يقول: كان عفان أثبت من زيد بن الحباب، وقال: عفان -والله- أثبت من أبي نعيم في حماد بن سلمة. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت ابن معين، مَن أثبت: عبد الرحمن بن مهدي، أو","vol":"2","page":121},{"text":"عفان؟ قال: كان عبد الرحمن أحفظ لحديثه، وحديث الناس، ولم يكن من رجال عفان في الكتاب، وكان عفان أسن منه. وقال عمرو بن علي: رأيت يحيى يومًا حدث بحديث، فقال له عفان: ليس هو هكذا، فلما كان من الغد أتيت يحيى، فقال: هو كما قال عفان، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خلاف ما قال عفان. وقال ابن معين: كان يحيى إذا تابعه عفان على شيء ثبت عليه، وإن كان خطأ، وإذا خالفه عفان في حديث عن حماد رجع عنه يحيى، لا يحدث به أصلًا. وقال الحسن الزعفراني: رأيت يحيى بن معين يَعْرِض على عفان ما سمعه من يحيى القطان. وقال المعيطيّ: عفان أثبت من القطان. وقال محمد بن عبد الرحمن بن فهم: سمعت يحيى بن معين يقول: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي. قال: وسمعت ابن معين يقول: ما أخطأ عفان قط إلا مرة أنا لقنته إياه، فأستغفرُ الله. وقال خلف بن سالم: ما رأيت أحدًا يُحسن الحديث إلا رجلين: بهز وعفان. وقال أحمد: لزمته عشر سنين. وقال أبو حاتم: ثقة إمام متقن. وقال ابن عدي بعد أن حَكَى قولَ سليمان بن حرب: تُرَى عفان ابن مسلم كان يضبط عن شعبة؟، والله لو جَهَد جهده أن يضبط عن شعبة حديثا واحدًا، ما قدر عليه، كان بَطِيئًا، رَدِيء الفهم، بطيء الفهم، قال سليمان: والله لقد دخل عفّان قبره وهو نادم على رواياته عن شعبة. قال ابن عدي: عفان أشهر وأصدق وأوثق من أن يقال فيه شيء، فإن أحمد كان يرى أن يُكتب عنه ببغداد الإملاء من قيام، وأحمد أروى الناس عنه، ولا أعلم لعفان إلا أحاديث مراسيل عن الحمادين وغيرهما وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، والثقة قد يَهِم في الشيء، وعفان لا بأس به، صدوق. وقد رحل أحمد بن صالح المصري من مصر إلى بغداد، وكانت رحلته إلى عفان خاصة. قال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي وابن معين يقولان: أنكرنا عفان في صفر سنة (١٩)، وفي رواية سنة عشرين، ومات بعد أيام. وقال ابن سعد: كان مولده سنة (١٣٤). وقال ابن سعد: ومات سنة عشرين، وكذا قال أبو داود، وزاد: شهدت جنازته، وفيها أرّخه غير واحد. وقيل: سنة (١٩). قال الخطيب: والصحيح الأول. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث ثبتا حجة. وقال ابن خراش: ثقة من خيار المسلمين. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال في \"التقريب\": ثقة، ثبتٌ، من كبار العاشرة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٤) حديثًا.\n٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) أبو صالح البصري.\nروى عن أبيه، ومعاذ بن معاذ، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه البخاري في \"الجامع\" تعليقًا، وفي \"التاريخ\"، وروى له مسلم في \"المقدّمة\"، وأبو","vol":"2","page":122},{"text":"داود في \"المسائل\" بواسطة عفان، وهو أكبر منه، وأبي بكر بن أبي عتاب الأعين، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وغيرهم. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وقيل: مات سنة ست وعشرين ومائتين. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا وَهَمٌ في تاريخ وفاته، فإن أبا يعلى، والحسن بن سفيان إنما دخلا البصرة بعد موت أبي الوليد الطيالسي في حدود الثلاثين ومائتين، وقد قيل: إن وفاته سنة ثلاث وثلاثين، قال: هذا مُتَّجِهٌ. انتهى. وفي سنة ثلاث وثلاثين أرّخه ابن مردويه في \"كتاب أولاد المحدثين\" له.\nوقال في \"التقريب\": محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، أبو صالح البصريّ، ولد العالم الشهير، وأما هو، فثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين -أي ومائتين- على الصحيح. انتهى.\n٤ - (أبوه) هو: يحيى بن سعيد القطّان الإمام الحجة المشهور المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيد القطّان، أنه (قَالَ: لم نَرَ) بنون المتكلّم، وفي الرواية التالية: \"تر\" بتاء الخطاب (الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: ضبطناه في الأول بالنون، وفي الثاني بالتاء المثنّاة، ومعناه: ما قاله مسلم: إنه يجري الكذب على ألسنتهم، ولا يتعمّدون ذلك؛ لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في رواياتهم، ولا يعرفونه، ويروون الكذب، ولا يعلمون أنه كذب، وقد قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، عمدًا كان، أو سهوًا، أو غلطًا. انتهى (١).\nوقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول يحيى القطان: \"أكذب منهم في الحديث\" يعني به الغلط، والخطأ، كما فسّره مسلم، وسبب هذا أن أهل الخير هؤلاء المعنيين غلبت عليهم العبادة، فاشتغلوا بها عن الرواية، فنسوا الحديث، ثمّ إنهم تعرّضوا للحديث، فغلطوا، أو كثُر عليهم الْوَهَمُ، فتُرك حديثهم، كما اتّفق للْعُمريّ، وفرقد السَّبَخيّ، وغيرهما. انتهى (٢).\nوقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يعني أنهم يُحدّثون بما لم يصحّ؛ لقلة معرفتهم بالصحيح، والعلم بالحديث، وقلّة حفظهم، وضبطهم لما سمعوه، وشغلهم بعبادتهم،\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٤.\n(٢) \"المفهم\" ١/ ١٢٧ - ١٢٨.","vol":"2","page":123},{"text":"وإضرابهم عن طريق العلم، فكذبوا من حيث لم يعلموا، وإن لم يتعمّدوا، وعلى هذا يأتي قولهم: \"كذب\" في صالح الْمُرّيّ، وشبهه: أي أخطأ، وقال ما ليس واقعًا، وإن لم يتعمّد، وقد يقع في الكذب على رسول الله -ﷺ- منهم من غلبت عليه العبادة، ولم يكن معه علم، فيضع الحديث في فضائل الأعمال، ووجوه البرّ، ويتساهلون في رواية ضعيفها، ومنكرها، وموضوعها، كما قد حُكي عن كثير منهم، واعترف به بعضهم، وهم يحسبون -لقلة علمهم- أنهم يُحسنون صنعًا، وربّما احتجّوا في ذلك بالحديث المأثور عن أبي هريرة -﵁- يرفعه إلى النبيّ -ﷺ- أنه قال: \"إذا حُدّثتم عنّي حديثًا تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدّقوا به، قلته، أو لم أقله، فإني أقول ما يُعرف، ولا يُنكر\". وهو حديث ضعّفه الأصيليّ وغيره من الأئمة. انتهى كلام القاضي ببعض تغيير (١).\n[تنبيه]: فإن قيل: كيف كان هؤلاء الصالحون أقلّ كذبًا في حديث الناس، وأكثر كذبًا في الحديث النبويّ، مع كونه أشدّ جرمًا؟ .\n[قلت]: سبب ذلك أنهم لصلاحهم يرون أن الإكثار من أحاديث الناس اشتغال بما لا يعني، فتركوه، وأما الأحاديت النبويّة، فيرون الاشتغال بها عبادة، فاستكثروا منها، فوقعوا في الأكاذيب الكثيرة. والله تعالى أعلم.\n(قَال) محمد (بْنُ أَبِي عَتَّابٍ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) أي شيخ عفّان في هذا الأثر، و\"القطّان\" بالجرّ صفة ليحيى، وليس منصوبًا على أنه صفة لمحمد. قاله النوويّ (٢). (فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ؟) أي عن هذا الأثر (فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه آخذًا (لَمْ تَرَ) بتاء الخطاب بدل النون (أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ مسْلِم) صاحب الكتاب، مفسّرًا، وموضّحًا كلام يحيى القطّان (يَقُولُ) الضمير ليحيى القطّان: أي يريد بقوله: \"لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث\" (يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ) أي لسان أهل الخير، إما غلطًا، أو نسيانًا (وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ) يعني أنهم يحدّثون بالأحاديث المكذوبة، من غير قصد لها، وإنما فسّره بهذا؛ لأنه لا يمكن تفسيره بالكذب قصدًا؛ لأنه ينافي وصفهم بالصلاح، أو بالخير؛ لأن من يتعمّد الكذب يكون مرتكبًا لذنب عظيم، ولا سيّما الكذب على رسول الله -ﷺ-؛ فإنه أعظم أنواع الكذب، كما تقدّم بيان ذلك، فقد اختلف العلماء في كفر مرتكبه، على ما قدّمنا تحقيقه عند قول المصنّف: \"ممن اتُّهم بوضع الأحاديث، وتوليد الأخبار\". فراجعه تستفد.\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٢) \"شرح النوويّ\" ١/ ٩٤ - ٩٥.","vol":"2","page":124},{"text":"وعن عليّ بن المدينيّ، قال: سُئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، وحسّان بن أبي سنان؟ فقال: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث؛ لأنهم يكتبون عن كلّ من يلقونه، لا تمييز لهم فيه. وقال الجوزجانيّ: سمعت أبا قُدامة يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: رُبّ رجل صالح لو لم يُحدّث كان خيرًا له، إنما هو أمانة، وتأدية الأمانة في الذهب والفضّة أيسر منه في الحديث. (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن يحيى القطّان رحمه اللهُ تعالى، قد نُقل عن غيره من أهل العلم أيضًا، كما سيأتي بعضه فيما سينقله المصنّف رحمه الله تعالى، وقد روى ابن عديّ في \"كامله\" بإسناده عن أبي عاصم النبيل قال: ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة قال: إن الرجل يكون صالحًا، ويكون كذّابًا، يعني يُحدّث بما لا يحفظ. وروى عمرو الناقد قال: سمعت وكيعًا، وذُكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل، فقال: ذاك رجل صالحٌ، وللحديث رجال. وروى أبو نُعيم بإسناده عن ابن مهديّ قال: فتنة الحديث أشدّ من فتنة المال، وفتنةِ الولد، لا تُشبه فتنته فتنةٌ، كم من رجل يُظنّ به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب. قال الحافظ ابن رجب: يُشير إلى من حدّث من الصالحين من غير إتقان وحفظ، فإنما حمله على ذلك حبّ الحديث، والتشبّه بالحفّاظ، فوقع في الكذب على النبيّ -ﷺ-، وهو لا يعلم، ولو تورّع، واتّقى الله، لكفّ عن ذلك، فسلِمَ. وعن ابن منده قال: إذا رأيت في حديث حدّثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه. وقال ابن عديّ: الصالحون قد رَسموا بهذا الاسم أن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال موضوعة بواطيل، ويُتّهم جماعة منهم بوضعها.\nقال ابن رجب: وهؤلاء المشتغلون بالتعبّد الذين يترك حديثهم على قسمين: منهم: من شغلته العبادة عن الحفظ، فكثر الوهم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسل، وهؤلاء مثلُ أبان بن أبي عيّاش، ويزيد الرَّقَاشيّ. وقد كان شعبة يقول في كلّ منهما: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أُحدّث عنه. ومثلُ جعفر بن الزبير، ورِشْدين بن سعد، وعبّاد بن كثير، وعبد الله بن محرّر، والحسن بن أبي جعفر الْجُفْريّ، وغيرهم. ومنهم: من كان يتعمّد الوضع، ويتعبّد بذلك، كما ذُكر عن أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل، وعن زكريّا بن يحيى الوقّار المصريّ. انتهى كلام ابن رجب (٢).\n_________\n(١) راجع \"شرح علل الترمذيّ\" ص ٨٧ تحقيق صبحي السامرّائي.\n(٢) \"شرح علل الترمذيّ\" ص ٨٦ - ٨٨. تحقيق صبحي السامرائيّ.","vol":"2","page":125},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يزاد على هذا من يروي عن كلّ من دبّ ودرج؛ تحسينًا للظنّ بكلّ من قال: قال رسول الله -ﷺ-.\nوالحاصل أنهم على ثلاثة أقسام: قسم: أخذ عن الثقات، لكنه غلبت عليه العبادة، فاشتغل بها عن حفظ الأحاديث، فكثر الوهم في حديثه. وقسم: غلب عليه الجهل، فكان يتعبّد بوضع الأحاديث؛ ترغيبًا للناس إلى الخير، وترهيبًا لهم عن الشرّ. وقسم: غلب عليه حسن الظنّ بالناس، فكان يروي عن كلّ من دبّ ودرج، فكلّ من سمعه يحدّث عن النبيّ -ﷺ- أخذ عنه، سواء كان ثقةً، أم لا؛ تحسينًا للظنّ. وإلى ما تقدّم أشرت في \"شافية الغُلل\" بقولي:\nثُمَّ الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِالطَّاعَةِ ... وَلَا يُبَالُونَ لَدَى الرِّوَايَةِ\nقِسْمَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مُهْمِلَا ... لِحِفْظِهِ فَذَا يَكُونُ مُهْمَلَا\nلِكَثْرَةِ الْوَهْمِ بِرَفْعِ مَا وُقِفْ ... وَوَصْلِ مُرْسَلٍ فَبِئْسَمَا وُصِفْ\nمِثْلُ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ ... كَذَا يَزِيدُ أَقْصِدُ الرَّقَاشِي\nكَذَاكَ عَبَّادٌ وَهَى وَجَعْفَرُ ... وَالْحَسَنُ الْجُفْرِيُّ أَيْضًا يُذْكَرُ\nوَابْنُ مُحَرَّرٍ كَذَا رِشْدِينُ ... كَذَا أَبُو مُقَاتِلٍ يَمِينُ\nوَغَيْرُ هَؤُلَا مِنَ الْعَبَدَةِ ... قَدْ ضَيَّعُوا الأَخْبَارَ بِالْعِبَادَةِ\nوَمِنْهُمُ مَنْ كَانَ قَدْ تَعَبَّدَا ... بِالْوَضْعِ قَدْ ضَلَّ وَبَاءَ بِالرَّدَى\nكَأَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ ذِي الْوَضْعِ ... وَزَكَرِيَّا نَجْلِ يَحْيَى الْبِدْعِي\nوَمِنْهُمُ مَنْ ظَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَا ... بِكُلِّ مَنْ حَدَّثَهُ فَافْتَتَنَا\nبِحَمْلِهِ الْحَدِيثَ عَنْ كُلِّ أَحَدْ ... ثِقَةً أَوْ كَانَ بِوَضْعِهِ مَرَدْ\nفَكُلُّهُمْ فِي الْحُكْمِ قُلْ سَوَاءُ ... فَاحْذَرْهُمُ فَإِنَّهُمْ غُثَاءُ (١)\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٥ - (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَلِيفَةُ ابْنُ مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ، فَقَامَ، فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ، فَإِذَا فِيهَا: حَدَّثَنِي أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، فَتَرَكْتُهُ، وَقُمْتُ).\n_________\n(١) الأبيات الثلاثة الأخيرة زوائد على ما في الألفيّة تميمًا للأقسام، فافهم.","vol":"2","page":126},{"text":"رجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) الأعرج البغداديّ المتقدّم قبل حديث.\n٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قيل: أصله من بُخَارَى.\nرَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وخلق كثير. وروى أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وخلق كثير.\nقال أبو طالب عن أحمد: كان حافظا للحديث، صحيح الحديث، عن حجاج بن أرطاة. وقال ابن المديني: هو من الثقات. وقال في موضع آخر: ما رأيت أحفظ منه. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدا، حسن الصلاة جدّا، وكان يصلي الضحى ست عشرة ركعة بها من الجودة غيرُ قليل، وكان قد عَمِي. وقال أبو زرعة عن أبي بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظا من يزيد. قال أبو زرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد. وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق، لا يُسأل عن مثله. وقال عمرو بن عون عن هشيم: ما بالبصريين مثل يزيد. وقال أحمد بن سنان عن عفان: أخذ يزيد عن حماد حفظًا، وهي صحاح، بها من الاستواء غير قليل، ومَدَحَهَا. وقال أيضا: ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه، كأنه أسطوانة، لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة. وقال يحيى بن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلست قط إلا حديثا واحدًا عن عوف، فما بورك لي فيه. وقال محمد بن قُدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد، ولا فخر. وقال علي بن شعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده، ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث، لا أُسأل عنها. وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إن في مجلسه سبعين ألف رجل. وقال يعقوب بن سفيان عن محمد بن فضيل البزاز: وُلد يزيد سنة سبع عشرة ومائة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وُلد سنة ثماني عشرة، وكان يقول: طلبت العلم، وحُصين حي، وقد نَسِيَ، وربما ابتدأني الجريري بالحديث، وكان قد أُنكر، مات في خلافة المأمون، في غرة ربيع الآخر، سنة ست ومائتين. وفيها أرّخه غير واحد. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، ممن يحفظ حديثه، وكان قد كُفّ في آخر عمره. وقال زكريا بن يحيى: كنا نسمع أن يزيد من أحسن أصحابنا صلاةً، وأعلمهم بالسنة.","vol":"2","page":127},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة متتقنٌ، عابدٌ، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٧) حديثًا.\n٣ - (خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى) بن راشد الْعُكْليّ -بضم المهملة، وسكون الكاف- الكوفي.\nرَوَى عن الشرقي بن قطامي، وغالب بن عبيد الله الجزري، ومحمد بن ثابت، وعنه ابن أخيه محمد بن عباد بن موسى، ويزيد بن هارون. وله في \"صحيح مسلم\" هذا الموضع فقط.\nوقال في \"التقريب\": مستور، من السابعة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>شرح الأثر:</span>\nعن خَلِيفة بن موسى، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) -بالتصغير- الْعُقَيليّ الْجَزَريّ، روى عن عطاء، ومكحول، ومجاهد. وروى عنه يحيى بن حمزة، ويعلى بن عُبيد، وعمرو بن أيوب، وآخرون (فَجَعَلَ يُمْلِي) بضمّ أوله من الإملاء، يقال: أمليت الكتاب على الكاتب إملاءً: إذا ألقيته عليه، ويقال أيضًا: أمللته بلامين، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والأولى لغة تميم، وقيس، وبهما جاء القرآن الكريم، قال الله ﷿: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١). (عَلَيَّ) متعلّق بـ \"يملي\" (حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو مسلم الفقيه الدمشقيّ، روى عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وعن أبي بن كعب، وثوبان، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد الحمصي، وخلق كثير. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وقال يحيى بن حمزة عن أبي وهيب الكلاعي، عن مكحول: عَتَقْتُ بمصر، فلم أدع فيها علما إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق، والمدينة، والشام، فذكر كذلك. وقال ابن زَبْر عن الزهري: العلماء أربعة، فذكرهم، فقال: ومكحول بالشام. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض كلها في طلب العلم. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول: إذا جاء بالعلم من الشام عن مكحول قبلناه. وقال مروان بن محمد عن سعيد: لم يكن في\n_________\n(١) راجع \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٨٠.","vol":"2","page":128},{"text":"زمان مكحول أبصر منه بالفتيا. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميا، وكل ما قال بالشام قُبل منه. وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن خراش: شامي صدوق، وكان يرى القدر. وقال مروان بن محمد عن الأوزاعي: لم يبلغنا أن أحدا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن، ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول.\nوقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كَابُل، وكانت فيه لُكْنَةٌ، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفا في حديثه ورأيه. وقال أبو داود: سألت أحمد، هل أَنكر أهلُ النظر على مكحول شيئًا؟ قال: أنكروا عليه مجالسة غَيلان، ورموه به، فبرأ نفسه، بأن نَحّاه. وقال الْجُوزجاني: يُتَوَهّم عليه القدر، وهو ينتفي عنه. وقال يحيى بن معين: كان قدريا، ثم رجع. وقال ابن يونس ذُكر أنه من أهل مصر. ويقال: كان لرجل من هُذيل، من أهل مصر، فأعتقه، فسكن الشام. ويقال: كان من آل فارس. ويقال: كان اسم أبيه شِهْراب، وكان مكحول يُكنى أبا مسلم، وكان فقيها عالما، رأى أبا أمامة، وأنسًا، وسمع من واثلة، يقال: توفي سنة ثماني عشرة ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتي عشرة. وفيها أرخه دُحيم، وغير واحد. قال أبو مسهر: مات بعد سنة اثنتي عشرة، وعنه: مات سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة. وكذا قال الحسن بن محمد بن بكار بن بلال. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ست عشرة. وعن عمر بن سعيد الدمشقي: سنة ثمان عشرة. وقال في \"التقريب\": ثقة فقيه، كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة. انتهى.\nأخرج له البخاريّ في \"جزء القراءة\"، والباقون، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث، برقم ٥٧٢ و١٦٣٢ و٣٥٣٧ و٣٥٦٩.\n(حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ) كرره إشارة إلى إكثاره الرواية عن مكحول (فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ) أي ضغطه، وأزعجه، واحتاج إلى إخراجه (فَقَامَ) من مجلسه (فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ) بضم الكاف، وتشديد الراء، آخرها هاء. قال في \"الصحاح\": الْكُرّاسة: واحدة الكرّاس، والكراريس. قال الْكُميتُ [من البسيط]:\nحَتَّى كَأَنَّ عِرَاضَ الدَّارِ أَرْدِيَةٌ ... مِنَ التَّجَاوِيزِ أَوْ كُرَّاسُ أَسْفَارِ (١)\nوفي \"القاموس\"، و\"شرحه\": الْكُرّاس: الجزء من الصحيفة، يقال: قرأت كُرّاسة\n_________\n(١) \"الصحاح\" ٢/ ٨١٧.","vol":"2","page":129},{"text":"من كتاب سيبويه، وهذا الكتاب عدّة كَرَاريس، وتقول: التاجر مجده في كيسه، والعالم مجده في كراريسه. وقال ابن الأعرابيّ: كرس الرجل: إذا ازدحم علمه في قلبه، والكُرَّاسَةُ من الكتب، سُمّيت بذلك لتكرّسها. انتهى (١).\nوقال النوويّ: قال أبو جعفر النحاس في كتابه \"صناعة الكتاب\": الكراسة معناها: الكُتُب المضموم بعضها إلى بعض، والورق الذي قد أُلصق بعضه إلى بعض، مشتق من قولهم: رَسْمٌ مُكَرَّسٌ: إذا ألصقت الريح التراب به. قال: وقال الخليل: الكراسة مأخوذة من أَكْراس الغنم، وهو أن تبول في الموضع شيئا بعد شيء، فَيَتَلَبَّدَ. وقال أقضى القضاة الماورديّ: أصل الكرسيّ: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كُرّاسة. انتهى (٢).\n(فَإِذَا) هي \"إذا\" الْفُجائيّة: أي ففاجأني (فِيهَا) أي في تلك الكُرّاسة (حَدَّثَنِي أَبَان) ابن أبي عيّاش العبديّ، أبو إسماعيل البصريّ، متروك الحديث، سيأتي تمام البحث فيه حيث يذكره المصنّف، إن شاء الله تعالى.\n[تنبيه]: \"أبان\" -بفتح الهمزة، وتخفيف الموحّدة، آخره نون- وفيه وجهان لأهل العربية: الصرف، وعدمه، فمن لم يصرفه جعله فِعْلًا ماضيا، والهمزة زائدة، فيكون أفعل، ومن صرفه جعل الهمزة أصلًا، فيكون فَعَالًا، وصرفه هو الصحيح، وهو الذي اختاره الإمام محمد بن جعفر، في كتابه \"جامع اللغة\"، والإمام أبو محمد بن السِّيد الْبَطْلَيُوسِيّ (٣). والله تعالى أعلم.\n(عَنْ أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير «وَأَبَانُ) بن أبي عيّاش (عَنْ فُلَانٍ) كناية عن شيخ من شيوخ أبان.\nوغرض خليفة بن موسى بهذا الكلام تضعيف غالب بن عبيد الله، ووجه ذلك أنه أملى عليه أحاديث، قائلًا: حدّثني مكحول عن فلان، ومكحول عن فلان، فلما قام للبول، نظر في كرّاسته، فوجد أسانيد تلك الأحاديث غير ما أملى عليه؛ لأن فيها: حدّثني أبان، عن أنس، وأبان عن فلان، فتبيّن له بذلك كذبه، ولذلك قال: (فَتَرَكْتُهُ) أي تركت سماع حديثه (وَقُمْتُ) أي من مجلسه.\nوهذا الذي قاله خليفة بن موسى في غالب قاله غيره من الأئمة، فقد تركه وكيع،\n_________\n(١) \"تاج العروس\" ٤/ ٢٣٢.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٥.\n(٣) \"شرح النوويّ\" ١/ ٩٥.","vol":"2","page":130},{"text":"وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن المديني: كان ضعيفا، وليس بشيء. وقال ابن سعد: كان ضعيف الحديث، ليس بذاك. وقال أبو حاتم: لم يرو عنه يحيى بن سعيد، ولا ابن مهدي، وسألت ابن المديني عنه؟ فقال ما كتبت من حديثه شيئا. وقال ابن عدي بعد أن أورد له أحاديث: ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن، مما لم أذكره. وقال أبو حاتم: هو متروك الحديث، منكر الحديث. وقال العقيلي: حدثنا إدريس بن عبد الكريم، ثنا الهيثم بن خارجة، قال: كان غالب نزل خراسان، ومات في آخر أيام المهدي، وكان ضعيفا في الحديث، ثم أخرج من طريق خليفة بن موسى ما أخرجه المصنّف هنا. وقال الجوزجاني: غير مقنع. وقال الحاكم: ساقط الحديث. ونقل البخاري عن يحيى بن معين أنه قال فيه: منكر الحديث. وقال الساجي: ضعيف. وقال البرقي عنه: لا يكتب حديثه. وقال النسائي في \"الجرح والتعديل\": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال في \"الضعفاء\": متروك الحديث. وكذا قال العجلي. وذكره ابن الجارود، وابن شاهين، في الضعفاء. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٦ - (قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي الْمِقْدَامِ، حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى ابْنُ فُلَانٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَان يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ادَّعًى بَعْدُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>شرح الأثر:</span>\n(قَالَ) المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ملحق من بعض الرواة عنه (وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيَّ) -بضمّ المهملة- (٢) نزيل مكّة الثقة الحافظ المتوفّى سنة (٢٤٢) تقدّمت ترجمته في ٣/ ٢٢. (يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ) بن مسلم الصفّار المذكور قبل أثرين (حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي الْمِقْدَامِ) هو: هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي، أبو المقدام بن أبي هشام، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني مولى عثمان. روى عن الحسن البصري، وأبي صالح، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وزيد بن الحباب، وابن المبارك، وعباد بن عباد المهلبي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، وأبو\n_________\n(١) \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٤٨. \"الضعفاء والمتروكين\" ٢/ ٢٤٥. \"لسان الميزان\" ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥.\n(٢) نسبة إلى مدينة حُلْوان، وهي آخر السواد مما يلي الجبل. قاله في \"اللباب\" ١/ ٣٨٠ - ٣٨١.","vol":"2","page":131},{"text":"زرعة: ضعيف الحديث. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي، وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضا: ضعيف. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة، ومرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بالقوي، وكان جارًا لأبي الوليد، فلم يرو عنه، وكان لا يرضاه، ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن، فروى عن الحسن، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: ضعيف، وترك ابن المبارك حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. وقال العجلي: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف، لا يفرح بحديثه. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. قال في \"التقريب\": متروك، من السادسة. (حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بنصب \"حديث\" بدلًا من قوله: \"حديث هشام\"، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني. ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف: أي هو.\nوعمر بن عبد العزيز هذا: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الْحَكَم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو حفص اليدني، ثم الدمشقي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن جعفر، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وغيرهم. وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وابناه: عبد الله، وعبد العزيز، وأخوه زبان بن عبد العزيز، والزهريّ، وخلق كثير. قال ابن سعد: قالوا: وُلد سنة (٦٣)، وكان ثقة، مأمونا، له فقه، وعلم، وورع، وروى حديثا كثيرًا، وكان إمام عدل. وقال عمرو بن علي: سمعت عبد الله بن داود يقول: وُلد مقتل الحسين سنة (٦١). وذكر سعيد بن عُفير أنه كان أسمر، دقيق الوجه، نَحِيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر نَفْحة دابة، قد وَخَطَه الشيب. قال ضمرة بن ربيعة: حدثنا أبو علي، ثروان مولى عمر بن عبد العزيز، أنه دخل إصطبل أبيه، وهو غلام، فضربه فرس، فشجه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم، ويقول: إن كنتَ أشج بني أمية إنك لسعيد. وقال أبو بكر بن أبي الأسود، عن جده، عن الضحاك بن عثمان، أن عبد العزيز بن مروان، ضَمّ عمر ابنه إلى صالح بن كيسان، فلما حج أتاه، فسأله عنه؟ فقال: ما خبرت أحدًا الله أعظم في صدره من هذا الغلام. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أبي ثنا المفضل بن عبد الله، عن داود بن أبي هند قال: دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب، فقال رجل من القوم: بعث إلينا الفاسق بابنه هذا، يتعلم الفرائض والسنن، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة، ويسير سيرة عمر","vol":"2","page":132},{"text":"ابن الخطاب، فقال لنا داود: فوالله ما مات حتى رأينا ذلك فيه. وقال مالك بن أنس: كان سعيد بن المسيب لا يأتي أحدًا من الأمراء غيره. وقال ابن وهب عن الليث: حدثني قادم الْبَرْبَرِيُّ أنه ذاكر ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيئًا من قضاء عمر بن عبد العزيز، إذ كان بالمدينة، قال: فقال له ربيعة: كأنك تقول: إنه أخطأ، والذي نفسي بيده ما أخطأ قط. وقال ابن عيينة: سألت عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: كم أتى على عمر؟ قال: لم يُتم أربعين سنة. وقال مجاهد: أتيناه نعلمه، فما بَرِحْنا حتى تعلمنا منه. وقال ميمون بن مِهْران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة. وقال نوح بن قيس: سمعت أيوب يقول: لا نعلم أحدا ممن أدركنا، كان آخَذَ عن النبي -ﷺ- منه. وقال أنس: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله -ﷺ- من هذا الفتى. وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نَجِيبة، وإن نَجِيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: عَهِدَ سليمان إلى عمر ابن عبد العزيز، فأقام سنتين ونصفا. وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: تُوفّي سليمان ابن عبد الملك في صفر سنة (٩٩)، واستَخلَف عمرَ بنَ عبد العزيز يوم مات. وقال سعيد بن عامر الضبعي، عن ابن عون: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، قام على المنبر، فقال: يا أيها الناس إن كرهتموني لم أقم عليكم، فقالوا: رضينا رضينا، فقال ابن عون: الآن حين طاب الأمر. وقال يحيى بن حمزة: ثنا سليمان بن داود، أن عَبْدة بن أبي لبابة بَعَث معه بدراهم يفرقها في فقراء الأمصار، قال: فأتيت الماجشون، فسألته، فقال: ما أعلم أن فيهم اليوم محتاجا، أغناهم عمر بن عبد العزيز. وقال جعفر ابن سليمان، عن هشام بن حسان: لمّا جاء نَعْيُ عمر بن عبد العزيز قال الحسن: مات خير الناس. ومناقبه، وفضائله كثيرة جدًّا. قال غير واحد: مات في رجب سنة إحدى ومائة.\nوعدّه في \"التقريب\" من الطبقة الرابعة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح البخاريّ\" حديث واحد، حديث: \"أيما امرئ أفلس ... \" الحديث، وله في \"صحيح مسلم\" ستة أحاديث، برقم ٥٢٩ و١٤٠٤ و١٨٥٨ و٢٥٠٩ و٢٩١٣ و٢٩١٤.\nوقوله: (قَالَ هِشَامٌ) بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفّان: أي نصّ الحديث الذي في كتاب عفّان: قال هشام، أي أبو المقدام المذكور: (حَدَّثَنِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ يَحْيَى ابْنُ فُلَانٍ) قال صاحب المبهمات: لا أعرفه. انتهى. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) هو: محمد بن كعب بن سُليم بن أسد القرظي، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، سكن الكوفة، ثم المدينة، روى عن العباس","vol":"2","page":133},{"text":"ابن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أخوه عثمان، والحكم بن عتيبة، ويزيد بن أبي زياد، وابن عجلان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، عالمًا، كثير الحديث، ورعًا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن. وقال ابن المديني، وأبو زرعة: ثقة. وقال البخاري: إن أباه كان ممن لم يُنبِت يوم قريظة، فتُرك. قال: وسمعت قتيبة يقول: بلغني أنه رأى النبي -ﷺ- وقال الترمذي سمعت قتيبة يقول بلغني أن محمد بن كعب ولد في حياة النبي -ﷺ-.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله الترمذيّ، عن قتيبة، مما لا حقيقة له، وإنما الذي ولد في عهده -ﷺ- هو أبوه، فقد ذكروا أنه كان من سبي قريظة، ممن لم يَحتلِم، ولم يُنبت، فخَلَّوا سبيله، حكى ذلك البخاري، كما سبق آنفًا. نبّه عليه الحافظ رحمه الله تعالى.\nوقال يعقوب بن شيبة: وُلد في آخر خلافة علي سنة أربعين، ولم يسمع من العباس. وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علمًا، وفقهًا، وكان يَقُصُّ في المسجد، فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة معه تحت الهدم، سنة ثماني عشرة. وأرّخه أبو بكر بن أبي شيبة وغير واحد سنة ثمان ومائة. وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات سنة سبع عشرة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وقال ابن نمير: مات سنة تسع عشرة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة عشرين. وقيل: غير ذلك. وقال في \"التقريب\": ثقة، عالمٌ، من الثالثة، وُلد سنة أربعين على الصحيح، ووهِم من قال: وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، فقد قال البخاريّ: إن أباه كان ممن لم يُنبِت من سبي قُريظة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد، برقم ٢٧٤٨ حديث: \"لو أنكم لم تكن لكم ذنوب، يغفرها الله لكم ... \" الحديث.\n(قَالَ) الحسن الحلوانيِّ (قُلْتُ لِعَفَّانَ) بن مسلم (إِنَّهُمْ) أي إن الناس الذين ليس لهم علم بحال هشام (يَقُولُونَ: هِشَامٌ) أي أبو المقدام (سَمِعَهُ) أي الحديث الذي رآه في كتاب عفّان (مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظيّ (فَقَالَ) عفّان (إِنَّمَا ابْتُلِيَ) بالبناء للمفعول: أي إنما ابتُلي هشام بالكذب (مِنْ قِبَلِ) -بكسر القاف، وفتح الموحّدة-: أي من جهة (هَذَا الْحَدِيثِ) وقوله: (كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى) بيان لوجه ابتلائه بالحديث المذكور. و\"يحيى\": هو ابن فلان المذكور آنفًا، وقد سبق أنه مجهول (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي ابن كعب (ثُمَّ ادَّعَى) أي هشام (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظًا، ونيّة معناه، كما قال في \"الخلاصة\":","vol":"2","page":134},{"text":"وَاضْمُمْ بِنَاءً \"غَيْرًا\" انْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا\n\"قَبْلُ\" كَغَيْرُ \"بَعْدُ\" \"حَسْبُ\" \"أَوَّلُ\" ... وَ\"دُونُ\" وَالْجِهَاتُ أَيْضًا و\"عَلُ\"\nأي بعد أن كان يرويه عن محمد بن كعب بواسطة ادّعى (أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد) بن كعب.\nوحاصل ما أشار إليه عفّان رحمه الله تعالى بكلامه هذا أن هشام بن زياد، أبا المقدام كذّابٌ، وبيان ذلك أنه كان زمنًا يُحدّث عن محمد بن كعب بواسطة رجل يقال له يحيى ابن فلان، ثم ترك الواسطة، فادّعى أنه سمع ذلك الحديث عن محمد بن كعب مباشرة.\n[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: ثم هنا قاعدةٌ، نُنَبِّه عليها، ثم نُحِيل عليها فيما بعدُ -إن شاء الله تعالى- وهي أن عفان رحمه الله تعالى قال: إنما ابتُلي هشام -يعنى إنما ضعفوه- من قِبَل هذا الحديث، كان يقول: حدثني يحيى، عن محمد، ثم ادّعَى بعدُ أنه سمعه من محمد. وهذا القدر وحده لا يقتضي ضعفًا، لأنه ليس فيه تصريح بكذب؛ لاحتمال أنه سمعه من محمد، ثم نسيه، فحدث به عن يحيى عنه، ثم ذَكَر سماعه من محمد، فرواه عنه، ولكن انضم إلى هذا قرائن، وأمور اقتضت عند العلماء بهذا الفنّ، الحذاقِ فيه، الْمُبَرِّزين من أهله، العارفين بدقائق أحوال رواته، أنه لم يسمعه من محمد، فحكموا بذلك لَمّا قامت الدلائل الظاهرة عندهم بذلك. وسيأتي بعدَ هذا أشياء كثيرة من أقوال الأئمة في الجرح بنحو هذا، وكلها يُقال فيها ما قلنا هنا. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى بحثٌ نفيسٌ جدَّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:\n٤٧ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ، حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: \"يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ\"؟ قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ، انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة، وقد تقدّموا قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>شرح الأثر:</span>\nقال المصنّف رحمه الله تعالى (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضمّ القاف، وسكون الهاء، بعدها زاي، وذال، بينهما ألف- المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠ (قَالَ:\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٦.","vol":"2","page":135},{"text":"سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ) -بفتح الجيم، والموحّدة- المروزيّ، الملقّب بـ \"عبدان\"، تقدّم في ٤/ ٣٠ (يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ) -بفتح الميم-: استفهاميّة، مبتدأ، خبره قوله: (هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ) ببناء الفعل للفاعل، والتاء ضمير المخاطب (حَدِيثَ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) بنصب \"حديث\" على أنه مفعول \"رَوَيت\". و\"عبد الله بن عمرو\": هو ابن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، وقد تقدّم في ٣/ ١٦. وقوله: (\"يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ\"؟) بدل من \"حديثَ عبد الله\". والحديث هذا هو ما رُوي: \"إذا كان يومُ الفطر، وقفت الملائكة على أفواه الطرق، ونادت: يا معشر المسلمين، اغدوا إلى رب رحيم، يأمر بالخير، ويثيب عليه الجزيل، أمركم فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صَلَّوا العيد نادى مناد من السماء: ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غُفرت ذنوبكم كلها، ويُسَمَّى ذلك اليوم يوم الجوائز\". قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث رويناه في كتاب \"المستقصى في فضائل المسجد الأقصى\"، تصنيف الحافظ أبي محمد بن عساكر الدمشقيّ رحمه الله تعالى. والجوائز: جمع جائزة، وهي: العطاء. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث من رواية ابن عساكر لم أجده، حتّى أنظر في إسناده، والظاهر أنه ضعيفٌ، ولذا أورده النوويّ بصيغة \"رُوي\"، فتنبّه.\nوقد وجدته من حديث أوس الأنصاريّ، وهو ما أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ رحمه الله تعالى في \"المعجم الكبير\" ١/ ٢٢٦ من طريق يحيى بن بكير، ثنا عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن أبي الزبير، عن سعيد بن أوس الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا كان يوم الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادَوْا: اغدُوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يَمُنُّ بالخير، ثم يُثيب عليه الجزيل، لقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم، وأُمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة\". وفي إسناده عمرو بن شَمِر متروك الحديث، وجابر الجعفيّ، متروك أيضًا عند الجمهور. وفيه عنعنة أبي الزبير. ثم أخرجه بإسناد آخر، وفيه من لا يعرفون.\nوالحاصل أن الحديث ضعيف جدّا. انظر \"ضعيف الترغيب والترهيب\" للشيخ الألباني ﵀ ١/ ٣٣٥. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٧.","vol":"2","page":136},{"text":"(قَالَ) أي ابن المبارك (سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هو سليمان بن الحجاج. وقوله: (انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ) قال النوويّ: ضبطناه بفتح التاء من \"وضعتَ\"، ولا يمتنع ضمها، وهو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: \"وهو مدح وثناء الخ\"، لكن سليمان هذا تكلّم فيه غيره، فقد قال الذهبيّ في \"الميزان\": سليمان بن حجاج شيخ للدراورديّ، لا يُعْرَف، عداده في أهل الطائف. ونقل عن العقيليّ أنه قال: الغالب على حديثه الْوَهَم. وذكر له البخاريّ في \"التاريخ\" حديثًا، ثم قال: لا يُتابع عليه. وذكره ابن حبّان في \"الثقات\"، وقال: يروي عن المدنيين، وقد رأى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، روى عنه ابن المبارك. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n(قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ، يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، \"صَاحِبَ الدَّمِ، قَدْرِ الدِّرْهَمِ\" وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِسًا مَعَهُ، كُرْهَ حَدِيثِهِ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة، وقد تقدّموا قريبًا، غير اثنين، وهما:\n١ - (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ) -بفتح الزاي، وسكون الميم، وفتحها- التميميّ، أبو عبد الله المروزيّ.\nرَوى عن ابن المبارك، وأبي حمزة السُّكّري، وسفيان بن عبد الملك، وعبد العزيز بن أبي رِزْمَة، وفَضَالة بن إبراهيم الْفَسَوِيّ، وإبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وغيرهم. وروى عنه البخاري في \"جزء القراءة خلف الإمام\"، وروى له مسلم في \"المقدمة\"، والترمذي، والنسائي بواسطة محمد بن عبد الله بن قهزاذ، وأحمد بن عبدة الآملي، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وغيرهم.\nقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من قُدماء العاشرة.\n٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزي، صاحب ابن المبارك، روى عنه، وعنه وهب بن زمعة، وعبدان، وحِبّان بن موسى، والحسن بن عمرو السدوسي، وإسحاق بن\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ٩٧.\n(٢) راجع \"الميزان\" ٣/ ٢٨٤، و\"لسان الميزان\" ٣/ ٩٣ - ٩٤.","vol":"2","page":137},{"text":"راهويه. ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات قبل المائتين. وكذا أرّخه أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي، وزاد: كان متقدم السماع. روى له مسلم في \"المقدّمة\"، والأربعة. وقال في \"التقريب\": من كبار أصحاب ابن المبارك، ثقة، من قدماء العاشرة. انتهى.\n٤ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الشهير المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>شرح الأثر:</span>\nعن محمد بن عبد الله بن قُهْزَاذ، أنه قال (وَسَمِعْتُ) هكذا الرواية بواو العطف، فـ \"سمعتُ\" معطوف على \"سمعت\" المذكور في السند السابق (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير وهب، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ\"سمعت\" على رأي من يرى أنها تعمل عمل \"ظنّ\" وأخواتها (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ) العناية من وهب، أو ممن دونه (رَأَيْتُ رَوْحَ) -بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة- (ابْنَ غُطَيْفٍ) -بغين معجمة مضمومة، ثم طاء مهملة مفتوحة- هذا هو الصواب، وحَكَى القاضي عياض عن أكثر شيوخه أنهم رووه غُضَيف -بالضاد المعجمة- قال: وهو خطأ (١).\n(صَاحِبَ الدَّمِ) بالنصب صفة لرَوْح (قَدْرِ الدِّرْهَمِ) بالجرّ صفة للدّم. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: \"صاحب الدم، قدر الدرهم\" يريد وصفه، وتعريفه بالحديث الذي رواه روح هذا، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-، يرفعه: \"تعاد الصلاة من قدر الدرهم\" -يعني من الدم-. وهذا الحديث ذكره البخاريّ في \"تاريخه\"، وهو حديث باطل، لا أصل له عند أهل الحديث.\nوقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في \"الميزان\": رَوح بن غُطيف -بطاء مهملة- عِدَاده في أهل الجزيرة، وهّاه ابن معين. وقال النسائيّ: متروك. وله عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: \"تُعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم\". انفرد به عنه القاسم بن مالك المزنيّ. وروى نصر بن حمّاد أحد التَّلْفَى عنه، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: \"لا يُعاد المريض إلا بعد ثلاث\". انتهى (٢).\nوكتب الحافظ في \"اللسان\" بعد ذكر كلام الذهبيّ: ما نصّه: وروى عنه أيضًا محمد بن ربيعة. قاله أبو حاتم. وقوله: إن القاسم بن مالك تفرّد به، ليس كذلك، فقد ذكر ابن عديّ أن غير القاسم رواه عن روح. وذكر الدارقطنيّ في \"العلل\" أن أنس بن عمرو البجليّ تابعه عن روح. وقال: منكر الحديث جدًّا. وذكر البخاريّ في \"التاريخ\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٣٧.\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٦٠.","vol":"2","page":138},{"text":"الكبير\" حديثه، وقال: هذا باطل. وقال أبو حاتم أيضًا: ليس بثقة. وقال الساجيّ: منكر الحديث. انتهى (١).\n[مسألة]: قد تحقّق بما سبق أن حديث: \"تعاد الصلاة من قدر الدرهم\" حديث باطلٌ، فلا يصلح الاحتجاج به، ثم إن أهل العلم اختلفوا فيمن صلّى حاملًا للنجاسة، هل تجب عليه الإعادة، أم لا؟:\nقال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه \"الأوسط\" ٢/ ١٦٣:\nاختلفوا في الثوب يصلي فيه المرء، ثم يعلم بعد الصلاة بنجاسة كانت فيه: فقالت طائفة: لا إعادة عليه، هذا قول ابن عمر، وعطاء، وابن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والنخعي، والحسن، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وأوجبت طائفة عليه الإعادة، وممن أوجب عليه الإعادة: أبو قلابة، والشافعي، وأحمد، وقال الحكم: يعيد أحب إلي. وفيه قول ثالث: وهو أن يعيد في الوقت، وليس عليه إذا خرج الوقت أن يعيد، هكذا قال ربيعة، ومالك، وقال الحسن: يعيد.\nومن حجة من قال: لا إعادة عليه من الأخبار خبر أبي سعيد الخدري، ثم أخرج بسنده عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله -ﷺ- يصلي، إذ وضع نعليه عن يساره، فخلع القوم نعالهم، فلما قضى رسول الله -ﷺ- الصلاة قال: \"ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ \"، قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، قال: \"إن جبريل أخبرني أن فيهما قَذَرًا، فإن جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإن رأى فيهما قذرًا، أو أَذىً، فليمسحهما، وليصلي فيهما\" (٢). وأخرج بسنده عن علقمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- في نعليه، فخلعهما، فخلع القوم نعالهم، فلما صلى قال: \"أخبرني جبريل أن فيهما نتنًا، فخلعتهما، فلا تفعلوا\".\nوحجتهم من النظر أن الذي يجب على المرء أن يصلي في الثوب على ظاهر ما هو عنده أنه طاهر، ولم يُكَلَّف في ذلك الوقت عِلْمَ ما غاب عنه، فإذا صلى على تلك الصفة، فقد أَدَّى ما عليه في الظاهر، فإذا اختلفوا في وجوب الإعادة عليه، لم يجز أن يُوجَب بالاختلاف فرض.\nوأما قول من قال: يعيد في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فليس يخلو فاعله على ما ذكرناه من أحد أمرين: إما أن يكون مؤديا ما فُرض عليه فلا إعادة عليه في\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" ٢/ ٤٦٧.\n(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في \"سننه\" ١/ ٢٤٧ وابن خزيمة في \"صحيحه\" ١/ ٣٨٤.","vol":"2","page":139},{"text":"الوقت، ولا بعد خروج الوقت، أو يكون غير مصل كما أُمر فلا بُدّ لمن حالته هذه من الإعادة في الوقت، وبعد خروج الوقت.\nقال ابن المنذر: وإذا صلى الرجل، ثم رأى في ثوبه نجاسة، لم يكن عَلِمَ بها ألقى الثوب عن نفسه، وبنى على صلاته، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من صلاته فلا إعادة عليه، يدل على ذلك أن النبي -ﷺ-، لم يعد ما مضى من الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى من عدم وجوب الإعادة مطلقًا هو الحقّ عندي؛ لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا) يحتمل أن يكون مصدرًا ميميّا مفعولًا مطلقًا: أي جلستُ جلوسًا. ويحتمل أن يكون منصوبًا على أنه ظرف مكان لجلست، وهو قياسيّ، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ\n(فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي) بياءين، ويجوز حذف إحداهما (مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي) في تأويل المصدر بدل من \"أصحابي\": أي أستحيي من رؤية أصحابي لي، حال كوني (جَالِسًا مَعَهُ) أي مع روح (كُرْهَ حَدِيثِهِ) أي لأجل كراهية حديثه. فـ \"كره\" بالنصب على أنه مفعول لأجله، كما قال في \"الخلاصة\":\nيُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ... أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ\nو\"الكره\" -بضم الكاف، وفتحها، يقال: كَرِهتُهُ أَكْرَهُهُ، من باب تعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه. والْكَرْهُ بالفتح: المشقّة، وبالضمّ: القهر. وقيل: بالفتح: الإكراه، وبالضمّ: المشقّة. ويقال: كَرُهَ الأمرُ، والمَنظَرُ كَرَاهَةً، فهو كَرِيهٌ، مثلُ قَبُحَ قَبَاحَةً، فهو قَبيح، وزنًا ومعنًى، وكَرَاهِيَةً بالتخفيف أيضًا. أفاده الفيّوميّ (٢).\nو\"الحياء\": في اللغة: تغيّرٌ، وانكسارٌ يَعتَري الإنسان من خوف ما يُعاب به، وقد يُطلق على مجرّد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خُلُقٌ يَبعَث على اجتناب القبيح، ويَمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ. قاله في \"الفتح\" (٣). والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.\n_________\n(١) \"الأوسط\" ٢/ ١٦٣ - ١٦٥.\n(٢) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢.\n(٣) \"فتح الباري\" ١/ ٦٧ - ٦٨.","vol":"2","page":140},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٨ - (حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>شرح الأثر:</span>\nعن محمد بن عبد الله (بْنُ قُهْزَاذَ) المروزيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا) أي ابن زمعة المذكور في السند الماضي (يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ) بن عبد الملك المذكور في السند الماضي أيضًا، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه آخذا عن سفيان، وكذلك قوله: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) أنه (قَالَ: بَقِيَّةُ) -بفتح الموحّدة، وكسر القاف، وتشديد التحتانيّة- أي ابن الوليد (صَدُوقُ اللِّسَانِ) أي هو صادق في نفسه (وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ) أي يروي (عَمَّنْ أَقْبَلَ) كناية عن الثقات: أي عن الشخص الذي أقبل على الحديث، فسمعه من أهله، وحفظه إلى أن أدّاه (وَأَدْبَرَ) كناية عن الضعفاء: أي عن الشخص الذي أدبر عن الحديث، فلم يسمعه، من أهله، أو سمعه، لكنه ضيّعه بعدم حفظه، وإتقانه.\nوالمعنى: أن بقية بن الوليد، وإن كان ثقة في نفسه، إلا أنه يضعّف في بعض حديثه؛ لكونه يروي عن الضعفاء، ولا سيّما وهو كثير التدليس عنهم.\nو\"بقيّة\" هذا: هو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حَرِيز الْكَلَاعِيّ الْمَيتَمِيّ (١)، أبو يُحْمِد -بضم التحتانيّة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم- الحمصي، روى عن محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو، وحريز بن عثمان، ومالك، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وشعبة، والأوزاعي، وابن جريج، والحمادان، وابن عيينة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن بقية، وإسماعيل -يعني ابن عياش-؟ فقال: بقية أحب إلي، وإذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين، فلا تقبلوه. وقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى عن بقية؟ فقال: إذا حدث عن الثقات، مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، أما إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كَنَى الرجل، ولم يسمه فليس يساوي شيئًا، فقيل له: أيما أثبت بقية، أو إسماعيل؟ فقال: كلاهما صالح. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس، عن ابن معين: بقية يحدث عن من هو أصغر منه، وعنده ألفا حديث عن شعبة صحاح، كان يذاكر شعبة بالفقه، قال يحيى: ولقد قال لي نعيم -يعني ابن حماد: كان بقية يَضِنّ بحديثه عن الثقات، قال: طلبت منه كتاب صفوان، فقال: كتاب صفوان؟ أي كأنه. قال يحيى بن معين: كان يحدث عن\n_________\n(١) \"الْمَيْتَمِيّ\" -بفتح أوله، والفوقيّة، بينهما تحتانيّة ساكنة-: نسبة إلى مَيْتَم قبيلة بحمص. أفاده في \"اللباب\" ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"2","page":141},{"text":"الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدث عن الثقات. قال يعقوب: بقية ثقة، حسن الحديث إذا حدث عن المعروفين، ويحدث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، وَيحِيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه، وحدث عن سويد بن سعيد الْحَدَثَاني. وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفا في روايته عن غير الثقات. وقال العجلي: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء. وقال أبو زرعة: بقية عجب إذا روى عن الثقات فهو ثقة، وذكر قول ابن المبارك المذكور عند مسلم، ثم قال: وقد أصاب ابن المبارك في ذلك، ثم قال: هذا في الثقات، فأما في المجهولين، فيحدث عن قوم لا يَعرِفُون، ولا يَضْبِطُون. وقال في موضع آخر: ما له عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يُؤتَى من الصدق، إذا حدث عن الثقات فهو ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من إسماعيل بن عياش. وقال النسائي: إذا قال: حدثنا، وأخبرنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يُدرَى عمن أخذه. وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خَلَط، وإذا روى عن المجهولين، فالعهدة منهم لا منه، وبقية صاحب حديث، ويروي عن الصغار والكبار، ويروي عنه الكبار من الناس، وهذه صفة بقية. وقال أبو مسهر الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية. وقال الدارقطني: أهل الحديث يقولون في كنيته: أبو يحمد -بفتح الياء- والصواب بضمها. وقال ابن خزيمة: لا أحتج ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أُتِي، قلت: أُتِي من التدليس. وقال ابن حبان: لم يسبر أبو عبد الله شأن بقية، وإنما نظر إلى أحاديث موضوعة، رويت عنه عن أقوام ثقات، فأنكرها، ولعمري إنه موضع الإنكار، وفي دون هذا ما يُسقط عدالة الإنسان، ولقد دخلت حمص، وأكبر همي شأن بقية، فتتبعت أحاديثه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو -يعني بنزول- فرأيته ثقة مأمونا، ولكنه كان مدلسا، دَلَّس عن عبيد الله بن عمر، ومالك، وشعبة، ما أخذه عن مثل المجاشع بن عمرو، والسَّرِيّ بن عبد الحميد، وعمر بن موسى الميتمي، وأشباههم، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم، ما سمع من هؤلاء عنهم، فكان يقول: قال عبيد الله، وقال مالك، فحملوا عن بقية، عن عبيد الله، وعن بقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهما، فأُلزق الوضع ببقية، وتخلص الواضع من الوسط، وامتُحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه، ويسوونه، فالتزق ذلك كله به. وأورد ابن حبان له عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن","vol":"2","page":142},{"text":"عباس أحاديث، منها: \"تَرِّبُوا الكتاب\". ومنها: \"من أدمن على حاجبيه بالمشط، عوفي من الوباء\". ومنها: \"إذا جامع أحدكم، فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى\". وقال: هذه من نسخة موضوعة، كتبناها، يشبه أن يكون بقية سمعها من إنسان ضعيف، عن ابن جريج، فدلس عنه، فالتزق ذلك به. وقال العقيلي: صدوق اللهجة، إلا أنه يأخذ عمن أقبل وأدبر، فليس بشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: ثقة في حديثه، إذا حدث عن الثقات بما يُعرَف، لكنه ربما روى عن أقوام مثل الأوزاعي، والزُّبيدي، وعبيد الله العمري، أحاديث شبيهة بالموضوعة، أخذها عن محمد بن عبد الرحمن، ويوسف بن السَّفْر، وغيرهما من الضعفاء، ويسقطهم من الوسط، ويرويها عن من حدثوه بها عنهم. وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق، فضعيف جِدّا. وقال الحاكم في \"سؤالات مسعود\": بقية ثقة مأمون. وقال الساجي: فيه اختلاف. وقال الجوزجاني: إذا تفرد بالرواية فغير محتج به؛ لكثرة وهمه، مع أن مسلمًا، وجماعة من الأئمة، قد أخرجوا عنه؛ اعتبارًا، واستشهادًا، لا أنهم جعلوا تفرده أصلًا. وقال الخليلي: اختلفوا فيه. وقال الخطيب: في حديثه مناكير، إلا أن أكثرها عن المجاهيل، وكان صدوقًا. وقال البيهقي في \"الخلافيات\": أجمعوا على أن بقية ليس بحجة. وقال عبد الحق في \"الأحكام\" في غير ما حديث: بقية لا يحتج به. وقال ابن القطان: بقية يُدَلِّس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مُفسد لعدالته. قال يزيد بن عبد ربه: سمعت بقية يقول: وُلدت سنة (١١٠). وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة (١٩٧). وقال إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: سنة (٩٨).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة. انتهى.\nروى له البخاري في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وله في \"صحيح مسلم\" حديثٌ واحدٌ استشهادًا: \"من دُعي إلى عُرْس، أو نحوه، فليجب\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما ذُكر أن الأكثرين على توثيق بقيّة، لكن إذا رَوَى عن المعروفين، وصرّح بالتحديث في شيوخه، فمن فوقهم؛ لأنه كثير التدليس، والتسوية والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٤٩ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ، وَكَانَ كَذَّابًا).","vol":"2","page":143},{"text":"رجال الإسناد: أربعة:\n١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل -بفتح الجيم- ابن طَرِيف بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو رجاء الْبَغْلانيّ -بفتح الموحدة، وسكون المعجمة- وبَغْلان من قرى بَلْخ، قال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقبٌ. وقال ابن منده: اسمه علي. وروى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، ورشدين بن سعد، وغيرهم. رَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وروى له الترمذي أيضًا، وابن ماجه، بواسطة أحمد بن حنبل، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى الذهلي، وروى عنه أيضا علي بن المديني، ونعيم بن حماد، وغيرهم.\nقال الأثرم عن أحمد أنه ذكر قتيبة، فأثنى عليه. وقال: هو آخر من سمع من ابن لهيعة. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد النسائي: صدوق. وقال أحمد ابن محمد بن زياد الْكَرْمِينِيّ: قال لي قتيبة بن سعيد: ما رأيتَ في كتابي من علامة الحمرة فهو علامة أحمد، ومن علامة الخضرة فهو علامة يحيى بن معين. وقال محمد ابن حميد بن فروة: سمعت قتيبة يقول: انحدرت إلى العراق أول خروجي سنة (١٧٢) وكنت يومئذ ابن (٢٣) سنة. وقال الْفَرْهِيَاني: قتيبة صدوق، ليس أحد من الكبار إلا وقد حَمَل عنه بالعراق. قال: وسمعت عمرو بن علي يقول: مررت بمنى على قتيبة فجزته، ولم أحمل عنه، فَنَدِمت. وقال أحمد بن سيار المروزي: كان ثبتا فيما روى، صاحب سنة وجماعة، سمعته يقول: وُلدت سنة (١٥٠)، ومات لليلتين خلتا من شعبان سنة أربعين ومائتين، وكان كتب الحديث عن ثلاث طبقات. وقال موسى بن هارون: وُلد سنةَ مات الأعمش سنة (٤٧). والأول أثبت. وقال ابن حبان في \"الثقات\": مات قتيبة يوم الأربعاء، مُسْتَهَلَّ شعبان سنة (٤٠). وقال مسلمة بن قاسم: خراساني، ثقة، مات سنة إحدى وأربعين. وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف له تدليس. وفي \"الزهرة\":\nوقال في \"التقريب\": ثقة، ثبتٌ، من العاشرة.\nروى عنه البخاري ثلاثمائة وثمانية أحاديث، ومسلم ستمائة وثمانية وستين (١).\n٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الرازي القاضي، وُلد بقرية من قرى أصبهان، ونشأ بالكوفة، ونزل الرَّيَّ.\n_________\n(١) هكذا في \"تهذيب التهذيب\"، والذي في برنامج الحديث (صخر) أن في \"صحيح البخاريّ\" (٣٢٤) حديثًا، وفي \"صحيح مسلم\" (٦٦٦) حديثًا. فليُحرّر.","vol":"2","page":144},{"text":"رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي، وخلق كثير. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وقتيبة، وخلقٌ كثير.\nقال ابن سعد: كان ثقة، يُرحَلِ إليه. وقال ابن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحًا. وقال محمد بن عمرو زُنيج: سمعت جريرًا قال: رأيت ابن أبي نجيح، وجابرا الجعفي، وابن جريج، فلم أكتب عن واحد منهم، فقيل له: ضَيّعت يا أبا عبد الله، فقال: لا، أما جابر فكان يؤمن بالرجعة، وأما ابن أبي نجيح فكان يرى القدر، وأما ابن جريج فكان يرى المتعة. وقيل لسليمان بن حرب: أين كتبت عن جرير؟ فقال: بمكة أنا وعبد الرحمن -يعني ابن مهدي- وشاذان. وقال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس. وقال يعقوب بن شيبة، عن عبد الرحمن بن محمد، عن سليمان الشاذكوني: حدثنا عن مغيرة، عن إبراهيم في طلاق الأخرس، ثم حدثنا به عن سفيان، عن مغيرة، ثم وجدته على ظهر كتاب لابن أخيه، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، قال سليمان: فوَقّفته عليه، فقال لي: حدثنيه رجل عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم.\nقال الحافظ: إن صحت هذه الحكاية، فجرير كان يدلس. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كيف تصحّ الحكاية، والشاذكونيّ متروك، بل كذّبه بعضهم (١). فبمثل حكايته لا يثبت تدليس جرير، فالحقّ أنه ممن لا يدلّس، كما سبق عن أبي خيثمة. والله تعالى أعلم.\nوقال حنبل: سئل عبد الله: من أحب إليك جرير، أو شريك؟ فقال: جرير أقل سقطا من شريك، وشريك كان يخطىء. وكذا قال ابن معين نحوه. وقال العجلي: كوفي ثقة، نزل الري. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الأحوص، وجرير في حديث حصين؟ فقال: كان جرير أكيس الرجلين، أحب إلي، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحب إلي في هشام بن عروة من يونس بن بكير. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز، فعرّفه. نقله العقيلي. وقد قيل ليحيى بن معين -عقب هذه الحكاية- كيف تروي عن جرير؟ فقال: ألا تراه قد بَيَّنَ لهم أمرها. وقال البيهقي في\n_________\n(١) راجع ترجمته في \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢٠٥.","vol":"2","page":145},{"text":"\"السنن\": نُسِب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من الْعُبّاد الْخُشُن. وقال أبو أحمد الحاكم: هو عندهم ثقة. وقال الخليلي في \"الإرشاد\": ثقة، متفق عليه. وقال حنبل بن إسحاق: وُلد جرير بن عبد الحميد في سنة (١٠٧). وقال حنبل أيضا عن أحمد: ثنا محمد بن حميد، عن جرير: وُلدت سنة (١٠) قال: ومات جرير سنة (١٨٨). وكذا قال مطين في تاريخ وفاته، وزاد: في شهر ربيع الآخر.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه (١).\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٩٤) حديثًا.\n٣ - (مُغِيرَةُ) -بضمّ الميم، وتُكسر-: هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ الثقة الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٣.\n٤ - (الشَّعْبِيُّ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو عامر بن شَرَاحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل، الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان -بفتح الهاء، وسكون الميم، آخره دال مهملة.\nرَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وعبادة ابن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وخلق كثير.\nقال منصور الْغُدَانيّ، عن الشعبي: أدركت خمسمائة من الصحابة. وقال أشعث ابن سوار نَعَى الحسنُ الشعبيَّ، فقال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السِّلْم، من الإسلام بمكان. وقال عبد الملك بن عمير: مَرَّ ابن عمر على الشعبي، وهو يحدث بالمغازي، فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها، وأعلم بها. وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه. وقال أبو مِجْلَز: ما رأيت فيهم أفقه منه. وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن شُبْرُمَة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدثني رجل بحديث، فأحببت أن يُعيده عليّ. وقال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه، فهو ثقة، يحتج بحديثه. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وغير واحد: الشعبي ثقة. وقال العجلي: سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبي إسحاق بسنتين، وأبو إسحاق أكبر من عبد الملك بسنتين، ولا يكاد الشعبي يرسل\n_________\n(١) لم يذكر في جميع نسخ \"التقريب\" له طبقة، والظاهر أنه من الثامنة، فليُتأمّل.","vol":"2","page":146},{"text":"إلا صحيحًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من سمرة بن جندب، ولم يدرك عاصم بن عدي. قال: وسئل أبي عن الفرائض التي رواها الشعبي، عن علي؟ فقال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، وما أرى عليا كان يتفرغ لهذا. وقال ابن معين: قضى الشعبي لعمر بن عبد العزيز. وقال أبو جعفر الطبري في \"طبقات الفقهاء\": كان ذا أدب، وفقه، وعلم، وكان يقول: ما حَلَلتُ حَبْوَتي إلى شيء مما ينظر الناس إليه، ولا ضربت مملوكا لي قط، وما مات ذو قرابة لي، وعليه دين إلا قضيته عنه. وحكى ابن أبي خيثمة في \"تاريخه\" عن أبي حصين قال: ما رأيت أعلم من الشعبي، فقال له أبو بكر بن عياش: ولا شُريح؟ فقال: تريدني أن أكذب، ما رأيت أعلم من الشعبي. وقال أبو إسحاق الْحَبّال: كان واحد زمانه في فنون العلم. انتهى. قيل: مات سنة (٣) وقيل: (٤) وقيل: (٥) وقيل: (٦) وقيل: (٧) وقيل: عشرة ومائة. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان: مات قبل الحسن بيسير، ومات الحسن بلا خلاف سنة (١١٠). واختُلف في سنه، فقيل: (٧٧)، وقيل: (٧٩)، وقيل: (٨٢)، والمشهور أن مولده كان لست سنين خلت من خلافة عمر. قال الحافظ: فعلى القول الأخير في وفاته، وعلى المشهور من مولده، يكون بلغ تسعين سنة. وقد قال أبو سعد ابن السمعاني: وُلد سنة عشرين، وقيل: سنة (٣١)، ومات سنة (١٠٩). وحكى ابن سعد عن الشعبي قال: وُلدت سنة جَلُولاء -يعني سنة (١٩). وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان فقيها، شاعرا، مولده سنة (٢٠)، ومات سنة (١٠٩) على دعابة فيه. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٨٧) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، مشهور، فقيه، فاضلٌ، من الثالثة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ) -بفتح، فسكون-: هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي، أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد الله، ويقال: الْحُوتيّ، وحوت بطن من همدان. روى عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وغيرهم.\nورَوَى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو البختري الطائي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مرة، وجماعة. قال مسلم في مقدمة \"صحيحه\": ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، حدثني الحارث الأعور، وكان كذابا. وقال منصور، ومغيرة، عن إبراهيم: إن الحارث اتهم. وقال أبو معاوية، عن محمد بن شيبة الضبي، عن أبي إسحاق: زعم الحارث الأعور، وكان كذابا. وقال يوسف بن موسى عن جرير: كان الحارث زيفًا. وقال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحارث بأرضاهم. وقال","vol":"2","page":147},{"text":"الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، غير أن يحيى حدثنا يوما عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث يعني عن علي: \"لا يجد عبد طعم الإيمان، حتى يؤمن بالقدر\"، فقال: هذا خطأ من شعبة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عبد الله، وهو الصواب. وقال أبو خيثمة: كان يحيى بن سعيد يحدث عن حديث الحارث ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث. وقال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث، فقال: مثلك يَسأل عن ذا؟ الحارث كذاب. وقال الدُّوري عن ابن معين: الحارث قد سمع من ابن مسعود، وليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، قال عثمان: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال مجالد: قيل للشعبي: كنتَ تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، أَختَلِف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أشعث بن سَوّار عن ابن سيرين: أدركت الكوفة، وهم يُقَدِّمُون خمسة، من بدأ بالحارث ثَنّى بعَبِيدة، ومن بدأ بعَبِيدة ثَنّى بالحارث. وقال علي بن مجاهد، عن أبي جَنَاب الكلبي، عن الشعبي: شهد عندي ثمانية من التابعين الْخُيّر، فالْخُيّر منهم: سويد بن غفلة، والحارث الهمداني، حتى عَدّ ثمانية أنهم سمعوا عليا يقول، فذكر خبرًا. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي. وقال البخاري في \"التاريخ\" عن أبي إسحاق: إن الحارث أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخطمي. وفي \"مسند أحمد\"، عن وكيع، عن أبيه، قال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق، حين حدث عن الحارث، عن علي، في الوتر: يا أبا إسحاق يساوي حديثك هذا ملء مسجدك ذهبًا. وقال الدارقطني: الحارث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: كان الحارث غاليا في التشيع، واهيا في الحديث، مات سنة (٦٥) وكذا ذكر وفاته إسحاق الْقَرّاب في \"تاريخه\". وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى: يحتج بالحارث؟ فقال: ما زال المحدثون يقبلون حديثه. وقال ابن عبد البر في \"كتاب العلم\" له لَمّا حكى عن إبراهيم أنه كَذّب الحارث: أظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث: كذاب، ولم يَبِنْ من الحارث كَذِبه، وإنما نُقِم عليه إفراطه في حب علي. وقال ابن سعد: كان له قول سوء، وهو ضعيف في رأيه، تُوفي أيام ابن الزبير. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي، وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب، قال: لم يكن","vol":"2","page":148},{"text":"يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. وقال الذهبي في \"الميزان\": والنسائي مع تعنته في الرجال، قد احتج به، والجمهور على توهينه، مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يُكَذّبه، ثم يروي عنه، والظاهر أنه يكذّب حكاياته، لا في الحديث (١). قال الحافظ: لم يحتج به النسائي، وإنما أخرج له في \"السنن\" حديثًا واحدًا، مقرونا بابن ميسرة، وآخر في \"اليوم والليلة\" متابعةً، هذا جميع ما له عنده. أخرج له الأربعة.\nوقال في \"التقريب\": كذّبه الشعبيّ في رأيه، ورُمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وهو من الثانية. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن تكذيب الحارث في رأيه، لا في روايته، وروايته فيها أيضًا ضعف، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهور بالاعتساف. والله تعالى أعلم.\n(وَكَانَ كَذَّابًا) قد عرفت آنفًا أن تكذيبه يعود إلى رأيه، وأما روايته، فهي وإن كان فيها ضعف، إلا أنه لم يُكَذّبه فيها، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٠ - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الله بْنُ بَرَّادٍ (٢) الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، وهو عم عبد الله بن عامر بن براد، روى عن أبي أسامة، وعبد الله بن إدريس، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقا في موضع واحد، ومسلم، وأبو زرعة، وموسى بن هارون، وعبدان الأهوازي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان معنا بالكوفة. وذكره ابن\n_________\n(١) وعبارة \"الميزان\" ج ١ ص ١٧٢: \"والظاهر أنه كان يكذب في لهجته وحكاياته، وأما في الحديث النبويّ فلا، وكان من أوعية العلم\". انتهى.\n(٢) بفتح الباء الموحّدة، وتشديد الراء.","vol":"2","page":149},{"text":"حبان في \"الثقات\". قال الحضرمي، وموسى بن هارون: مات في جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين ومائتين. وروى ابن ماجه أحاديث عن عبد الله بن عامر بن براد، نسبه في بعضها إلى جده، فيظن الظان أنه هذا، وليس به. قال صاحب \"الزهرة\": روى عنه مسلم سبعة وعشرين حديثًا (١). وقال ابن قانع: صالح.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من العاشرة.\n٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن زيد القرشي مولاهم، الكوفي، روى عن هشام بن عروة، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ومجالد، وغيرهم. وروى عنه الشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم الجوهري، وغيرهم. قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: أبو أسامة ثقة، كان أعلم الناس بأمور الناس، وأخبار أهل الكوفة، وما كان أرواه عن هشام بن عروة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم، كان صحيح الكتاب، ضابطا للحديث، كَيِّسًا، صدوقا. وقال أيضا عن أبيه: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطىء. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال عبد الله بن عمر بن أبان: سمعت أبا أسامة يقول: كتبت بإصبعي هاتين مائة ألف حديث. وقال ابن عمار: كان أبو أسامة في زمن الثوري يُعَدّ من النُّسّاك. وقال العجلي بسنده عن سفيان: ما بالكوفة شاب أعقل من أبي أسامة. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، يدلس، ويبين تدليسه، وكان صاحب سنة وجماعة. وقال العجلي: كان ثقة، وكان يُعَدّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال ابن قانع: كوفي صالح الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال الآجري عن أبي داود: قال وكيع: نهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه. وحكى الأزدي في \"الضعفاء\" عن سفيان بن وكيع قال: كان أبو أسامة يتتبع كتب الرواة، فيأخذها، وينسخها. قال لي ابن نمير إن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعدُ من الناس، قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة، كان أمره بيّنًا، وكان من أسرق الناس لحديث جيد.\nقال الحافظ في \"التهذيب\" بعد أن حكى قول الأزديّ: ما نصّه: وحكى الذهبي أن الأزدي قال هذا القول عن سفيان الثوري، وهذا كما ترى لم ينقله الأزدي إلا عن سفيان بن وكيع، وهو به أليق، وسفيان بن وكيع ضعيف. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ رحمه الله تعالى أن هذا\n_________\n(١) الذي في برنامج الحديث (صخر) أن له في \"صحيح مسلم\" (٢٤) حديثًا.","vol":"2","page":150},{"text":"الكلام لسفيان بن وكيع، لا لسفيان الثوريّ، سفيان بن وكيع ضعيف، فكيف يؤخذ منه جرح الثقة الثبت حماد بن أسامة؟ بل هو الأحقّ بالطعن؛ لطعنه في إمام ثبت حجة. والله تعالى أعلم.\nقال العجلي: مات في شوال سنة إحدى ومائتين. وكذا قال البخاري، وزاد: وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٤٦) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، ربّما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار التاسعة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما تدليسه، فقد عرفت فيما سبق آنفًا أنه كان يُبيّنه. وأما تحديثه من كتب غيره، ففيه نظر، كما أسلفته آنفًا. والله تعالى أعلم.\n٣ - «مُفَضَّل) -بضم الميم، وفتح الفاء، وفتح الضاد المعجمة المشدّدة- ابن مُهَلْهَل -بضم الميم، وفتح الهاءين، بينهما لام ساكنة- السعدي، أبو عبد الرحمن الكوفي، رَوَى عن الأعمش، ومنصور، ومغيرة، والحسن بن عبيد الله، وبيان بن بشر، وغيرهم. وروى عنه جرير، وابن إدريس، وأبو أسامة، وغيرهم.\nقال صالح بن أحمد عن أبيه: رجل صالح. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان من أقران الثوري، وهو أحب إلي من أخيه الفضل. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا صاحب سنة وفضل وفقه ثبتا في الحديث، ولما مات الثوري جاء أصحابه إلى المفضل، وقالوا: تجلس لنا مكانه فأبى. وقال الآجري عن أبي داود: قال رجل لعبد الرزاق: أما رأيت الرجل الذي كان مع سفيان؟ قال: ذاك الراهب -يعني المفضل بن مهلهل-. قال أبو داود: وخرج مع سفيان إلى اليمن مضاربا له. ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من العباد الْخُشُن، ممن يفضل على الثوري، مات سنة سبع وستين ومائة، لا أحفظ له من تابعي سماعا، ولست أنكر أن يكون سمع من إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال ابن شاهين في \"الثقاث\": قال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال أبو عوانة في \"صحيحه\": كان من النبلاء.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ، من السابعة. انتهى.\nأخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وله في \"صحيح مسلم\" سبعة أحاديث برقم ٤٨٤ و٥٣٤ و١٣٥٣ و١٦٣٩ و١٦٨٢ و١٣٥٣ و٢١٢٥.\n٤ - (مُغِيرَةُ) تقدّم أنه بضم الميم، وتكسر، وهو ابن مِقْسم الضبيّ، تقدّم في ٣/ ٢٣.","vol":"2","page":151},{"text":"٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل المذكور في السند الماضي.\n[تنبيه]: هذا الإسناد مسلسلٌ بالكوفيين. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>شرح الأثر:</span>\n(عن مغيرة) بن مِقسم، أنه (قال: سمعت الشعبيّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ) أي الشعبيّ، والقائل: \"وهو يشهد\" هو المغيرة. (يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) بفتح النون، بصيغة جمع المذكّر السالم، وتقدّم المراد بأن المراد كذبه في رأيه، وأما روايته، وإن كان فيها ضعف، إلا أنها ليست مكذوبة.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنما حدّث هؤلاء الأئمة عن مثل هؤلاء مع اعترافهم بكذبهم، وسمعوا منهم مع علمهم بجرحتهم؛ لوجوه: منها: أن يعلموا صُوَر حديثهم، وضُروب روايتهم؛ لئلا يأتي مجهول، أو مدلّسٌ، فيبدل اسم الضعيف، ويجعل مكانه قويّا بروايته اللبسَ، فيعلم المحقّق لها العارف بها أن مخرجها من ذلك الطريق، فلا ينخدع بتلبيس ملبس بها. وبهذا احتجّ ابن معين في روايته صحيفة معمر عن أبان. والثاني: أن يكون الرجل إنما تُرك لأجل غلطه، وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر، فأصاب وأخطأ، فتروى أحاديثه، والحفّاظ يعرفون وهمه وغلطه، وما وافق فيه الأثبات، وما خالفهم فيه، فَيَدَعُون تخليطه، ويستظهرون حديثه لموافقة غيره. وبهذا احتجّ الثوريّ حين نهى عن الكلبيّ، فقيل له: أنت تروي عنه؟ قال: أنا أعلم صدقه من كذبه. وهم لا يروون شيئًا منها للحجة بها، والعمل بمقتضاها. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥١ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُ أَشَدُّ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذُهل النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، روى عن خاليه: الأسود، وعبد الرحمن، ابني يزيد، ومسروق، وعلقمة، وخلق كثير.\nروى عنه الأعمش، ومنصور، وابن عون، وزبيد اليامي، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وخلق كثير.\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"2","page":152},{"text":"قال العجلي: رأى عائشة رؤيا، وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلا صالحًا، فقيهًا، مُتَوَقّيًا، قليل التكلف، ومات وهو مختف من الحجاج. وقال الأعمش: كان إبراهيم صَيْرَفِيَّ الحديث. وقال الشعبي: ما ترك أحدا أعلم منه. وقال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. وقال الأعمش: قلت لإبراهيم أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد، عن عبد الله. وقال ابن معين: أُدخل على عائشة -﵂-، وهو صغير. وقال أبو حاتم: لم يلق أحدا من الصحابة، إلا عائشة، ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا، ولم يسمع منه. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مُكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود. قال أبو نعيم: مات سنة (٩٦). وقال غيره: وهو ابن (٤٩) سنة. وقيل: ابن (٥٨).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٥) حديثًا.\n٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كَهْل، ويقال: ابن كُهَيل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النَّخَع، أبو شِبْل النخعي الكوفي، وُلد في حياة رسول الله -ﷺ-.\nرَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وحذيفة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأبي مسعود، وأبي موسى، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي، وإبراهيم بن سويد النخعي، وعامر الشعبي، وأبو وائل، وغيرهم. قال مغيرة عن إبراهيم:\nكان علقمة عقيمًا، وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة، من أهل الخير. وقال عثمان ابن سعيد: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عَبيدة؟ فلم يخير. قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة، والأسود، وعبيدة، والحارث. وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة، فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم، فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال الأعمش عن عمارة بن عمير: قال لنا أبو معمر: قوموا بنا إلى أشبه الناس هَدْيًا وسَمْتًا ودَلًّا بابن مسعود، فقمنا معه، حتى جلس إلى علقمة. وقال داود بن أبي هند: قلت لشعبة: أخبرني عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به. وقال ابن سيرين: أدركت الناس","vol":"2","page":153},{"text":"بالكوفة، وهم يقدمون خمسة، من بدأ بالحارث ثَنَّى بعَبيدة، ومن بدأ بعَبيدة ثَنّى بالحارث، ثم علقمة الثالث، لا شك فيه. وقال منصور عن إبراهيم: كان أصحاب عبد الله الذين يُقرئون الناس، ويعلمونهم السنة، ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود، وذكر الباقين. وقال غالب أبو الهذيل: قلت لإبراهيم: أعلقمة كان أفضل، أو الأسود؟ فقال: علقمة، وقد شهد صفين. وقال أبو إسحاق عن مرة الهمداني: كان علقمة من الربانيين. وقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا، ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه، ويعلمه. وقال قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه: أدركت ناسا من أصحاب النبي -ﷺ-، يسألون علقمة، ويستفتونه. قال أبو نعيم: مات سنة إحدى وستين. وقال ابن معين، وغير واحد: مات سنة (٦٢). وقيل: سنة (٣). وقيل: سنة (٥). وقيل: سنة (٧٢). وقيل: سنة (٧٣). وقال هارون بن حاتم، عن عبد الرحمن بن هانئ: مات وله تسعون سنة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، ثبتٌ، فقيهٌ، عابدٌ، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٥) حديثًا.\n[تنبيه]: كان الأسود، وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس، ولدا أخي علقمة أسن منه. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ مُغِيرَةَ) بن مِقسم المتقدّم قبل حديث (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخَعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ) بن قيس النخَعيّ، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ) أي حفظت القرآن كلّه في مدّة سنتين (فَقَالَ الْحَارِثُ) بن عبد الله الأعور (القُرْآنُ هَيِّنٌ) أي حفظ القرآن سهل، لا مشقّة فيه (الْوَحْيُ أَشَدُّ) أي حفظ الوحي أشدّ من حفظ القرآن. وأشار بالوحي إلى ما تدّعيه الشيعة بزعمها الباطل أن النبيّ -ﷺ- أسرّ إلى عليّ -﵁- من الوحي، وعلم الغيب ما لم يُطلع عليه غيره. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: \"القرآن هيّنٌ، والوحي أشدّ\" أورده في جملة ما أُنكر من قول الحارث، وشناعة مذهبه، وأُخذ عليه فيه من الغلوّ، والتشيّع، والكذب، ومذهب الرفض، وأرجو أن يكون هذا من أخفّ أقواله؛ لاحتماله الصواب، فقد فسّره بعضهم أن المراد بالوحي هنا الكتابة والخطّ. وعن الخطّابي مثله. قال ابن دُريد: وحى يَحِي وَحْيًا: إذا كتب. وقال الهرويّ: قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]: أي كتب لهم في الأرض، إذ كان لا يتكلّم. وقيل: أوحى: رمز، وقال بعض اللغويين: وَحَى، وأوحى واحد، وقاله صاحب \"الأفعال\"، وعلى هذا فليس على الحارث دَرَكٌ، وعليه الدَّرَك في غير ذلك، لكنه لما","vol":"2","page":154},{"text":"عرف من شناعة مذهبه في غلوّ التشيّع، ودعواهم من الوصيّة إلى عليّ، وسرّ النبيّ -ﷺ- من الوحي، وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره بزعمهم، ودعوى بعضهم من غلاتهم الوحي إلى عليّ سِيءَ الظنّ بالحارث في كلامه هذا، وذُهب به ذلك المذهب، وقد أنكر عليّ ما ادّعته شيعته من ذلك. وقال ابن عبّاس ﵄: لا وحي إلا القرآن. ولعله فَهِمَ من الحارث معنًى منكرًا فيما أراده. انتهى كلام القاضي (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القاضي رحمه الله تعالى في توجيه كلام الحارث هو الصواب؛ لأنه هو الذي يؤيّده الأثران المذكوران بعده (٢).\nوأما ما كتبه صاحب \"الحلّ المفهم\" من حمل كلامه على أنه أراد بالوحي السنة، ثم طوّل في تقرير ذلك، فمما لا يُلتفت إليه، فراجعه، وما كتب في هامشه ص ١٦ ترى تقريرًا تمجّه الأسماع، وترفضه الأفهام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٢ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- حَدَّثنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي سَنَتَيْنِ، أوْ قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ، أبو محمد البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.\n٢ - (أَحْمَدُ- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي الكوفي، وقد نسب إلى جده، كما هنا.\nرَوَى عن الثوري، وابن عيينة، وزائدة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.\nقال أحمد بن حنبل لرجل: اخرُج إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو حاتم: كان ثقةً متقنًا آخر من روى عن الثوري (٣). وقال النسائي: ثقة.\nوقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة،\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(٢) وهما: قول إبراهيم: \"إن الحارث اتُّهم\"، وقصّة مرّة الهمدانيّ.\n(٣) تعقّبه الذهبيّ بأن آخر من روى عن الثوريّ هو عليّ بن الجعد، وتأخّر بعده.","vol":"2","page":155},{"text":"صدوقًا، صاحب سنة وجماعة. وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة. وقال أبو حاتم: كان من صالحي أهل الكوفة، وسُنِّيِّيها. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن قانع: كان ثقة، مأمونًا، ثبتًا. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: سمعته يقول: مات الأعمش، وأنا ابن (١٤) سنة. ورأيت أبا حنيفة، ومِسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الْحُيَّض. قال أبو داود: كان مولده سنة (١٣٤). وقال مطين سنة (١٣٣). وقال البخاري: مات بالكوفة في ربيع الآخر سنة (٢٢٧)، زاد غيره: ليلة الجمعة، لخمس بقين من الشهر، وهو ابن أربع وتسعين سنة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، حافظٌ، من كبار العاشرة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٤) حديثًا.\n٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفيّ.\nرَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وسليمان التيمي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وأبو أسامة، وحسين بن علي الجعفي، وابن عيينة، وأحمد بن يونس، وجماعة.\nقال عثمان بن زائدة: قَدِمتُ الكوفة، فقلت للثوري: ممن أسمع؟ قال: عليك بزائدة. وقال أبو أسامة: حدثنا زائدة، وكان من أصدق الناس وأبره. وقال أبو داود الطيالسي، وسفيان بن عيينة: حدثنا زائدة بن قدامة، وكان لا يحدث قَدَرِيًّا، ولا صاحب بدعة. وقال أحمد: الْمُتَثَبِّتُون فىِ الحديث أربعة: سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال أيضا: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبالي أن لا تسمعه عن غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: كان ثقة، صاحب سنة، وهو أحب إلي من أبي عوانة، وأحفظ من شريك، وأبي بكر بن عياش. وقال العجلي: كان ثقة، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، صاحب سنة. وقال أبو نعيم: كان زائدة لا يكلم أحدا حتى يمتحنه، فأتاه وكيع، فلم يحدثه. وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: زهير أحب إليك من الأعمش، أو زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال الدارقطني: من الأثبات الأئمة. وقال أبو داود الطيالسي: لم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق. وقال الذهلي: ثقة حافظ. وقال أحمد بن يونس: رأيت زهير بن معاوية، جاء إلى زائدة، فكلمه في رجل يحدثه، فقال: من أهل السنة هو؟ قال: ما أعرفه ببدعة، فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان الناس هكذا، فقال زائدة: متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر ﵄. وقال النسائي: ثقة. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم","vol":"2","page":156},{"text":"غازيًا سنة ستين، أو إحدى وستين ومائة. وكذا قال ابن سعد. وأرّخه الْقَرّاب تبعا لعلي ابن الجعد سنة (٦٣). وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من الحفاظ المتقنين، لا يَعُدُّ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، مات سنة إحدى. وكذا أرّخه ابن قانع.\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ، ثبتٌ، صاحب سنّة، من السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٦) حديثًا.\n٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّمت ترجمته.\n(إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330><span data-type=\"title\" id=toc-331>شرح الأثر:</span></span>\n(عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ (أَنَّ الْحَارِثَ) بن عبد الله الأعور (قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي سَنَتَيْنِ، أَوْ) للشكّ من الراويّ (قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ) هذا هو الموافق لقوله في الرواية الماضية: \"الوحي أشدّ\". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٣ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ).\nرجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي.\n\nشرح الأثر:\n(عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر، تقدّمت ترجمته (١) (وَالْمُغِيرَةِ) بن مقسم الضبيّ، تقدّم قريبًا، وهو مجرور عطفًا على \"منصور\" (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ (أَنَّ الْحَارِثَ) الأعور (اتُّهِمَ) بالبناء للمفعول: أي اتّهمه الناس بسوء رويّته، وفساد عقيدته، حيث كان يغلو في التشيّع، كما تقدّم في ترجمته عن ابن حبّان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٤ - (وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، مِنَ الْحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ).\n_________\n(١) تقدّمت عند قول المصنّف: \"ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الخ\".","vol":"2","page":157},{"text":"رجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (حمزة الزّيّات) هو: حمزة بن حبيب بن عُمارة الزيات القارىء، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم.\nرَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيباني، والأعمش، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن المبارك، وحسين بن علي الجعفي، وعبد الله بن صالح العجلي، وغيرهم.\nقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الآجري عن أحمد بن سنان: كان يزيد -يعني ابن هارون- يكره قراءة حمزة كراهية شديدة. قال أحمد بن سنان: وسمعت ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة، لأوجعت ظهره وبطنه. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات بِحُلْوان سنة ثمان وخمسين. ويقال: سنة (٥٦). وقال أبو بكر بن منجويه: كان من علماء زمانه بالقراءات، وكان من خيار عباد الله عبادةً وفضلًا وورعا ونسكا، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حُلْوان. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: ثقة، رجل صالح. وقال ابن سعد: كان رجلا صالحا، عنده أحاديث، وكان صدوقا، صاحب سنة. وقال ابن فضيل: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة. ورآه الأعمش مقبلًا، فقال: وبشر المخبتين. وقال حسين الجعفي: ربما عَطِش حمزة، فلا يستسقي؛ كراهة أن يصادف من قرأ عليه. وقال الساجي: صدوق، سيىء الحفظ، ليس بمتقن في الحديث، وقد ذمه جماعة من أهل الحديث في القراءة، وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة. وقال الساجي أيضًا، والأزدي: يتكلمون في قراءته، وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه، وهو في الحديث صدوقٌ، سيىء الحفظ، ليس بمتقن في الحديث. قال الساجي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كان أحمد يكره أن يصلي خلف من يقرأ بقراءة حمزة. وقال أبو بكر بن عياش: قراءة حمزة عندنا بدعة. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة.\nقال الحافظ الذهبي: يريد ما فيها من المد المفرط، والسكت، وتغيير الهمز في الوقف، والإمالة، وغير ذلك، وقد انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول، ويكفي حمزة شهادة الثوري له، فإنه قال: ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر. وذكر الداني أنه وُلد سنة (٨٠). وقال أبو حنيفة: غلب حمزة الناس على القرآن، والفرائض. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد، برقم (٥٩٦) حديث: \"مُعقّباتٌ لا يخيب قائلهن ... \" الحديث.","vol":"2","page":158},{"text":"وقال في \"التقريب\": صدوقٌ، زاهدٌ، ربّما وَهِمَ، من السابعة. انتهى.\n٢ - (مُرّة الْهَمْدَانيّ) هو: مرة بن شَرَاحيل الهمداني، السَّكْسَكِيّ، أبو إسماعيل الكوفي، المعروف بمرة الطيّب، ومرة الخير، لُقّب بذلك؛ لعبادته.\nرَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي ذر، وحذيفة، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن أرقم، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السدي، وحصين بن عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وغيرهم.\nقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال سَكَنُ بن محمد العابد، عن الحارث الغنوي: سجد مرة الهمداني حتى أكل التراب وجهه. وقال ابن سعد: تُوُفّي زمان الحجاج بعد الجماجم. وكذا قال أبو حاتم في تاريخ وفاته. وقال غيره: تُوُفّي سنة ست وسبعين. وهو قول ابن حبان في \"الثقات\"، زاد: وكان يصلي كل يوم ستمائة ركعة (١). وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك عمر. وقال هو وأبو زرعة: روايته عن عمر مرسلة. وقال أبو بكر البزار: روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه. وقال ابن منده في \"تاريخه\": أدرك النبي -ﷺ-، ولم يره.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابدٌ، من الثانية. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث، برقم ١٧٣ و٦٢٨ و٢٤٣١. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ) التميميّ مولاهم، أبو عُمَارة الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ) -بمضمّ الميم، وتشديد الراء- ابن شَرَاحيل (الْهَمْدَانِيُّ) -بفتح الهاء، وسكون الميم، ودال مهملة-: نسبة همدان شَعْبٌ عظيم من قَحْطان (٢). (مِنَ الْحَارِثِ) متعلّق بـ \"سمع\"، أي سمع من الحارث الأعور (شَيْئًا) أي من البدعة (فَقَالَ لَهُ) أي قال مرّة للحارث (اقْعُدْ بِالْبَابِ) أي انتظرني قاعدًا على الباب (قَالَ) حمزة (فَدَخَلَ مُرَّةُ) أي بيته (وَأَخَذَ سَيْفَهُ) لعله أَراد أن يُخوّفه به (قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بالشَّرِّ) أي لَمّا أمره بالقعود على الباب علم أنه أضمر له الشرّ.\n_________\n(١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في صحة مثل هذه الحكاية عن مرّة رحمه الله تعالى نظرٌ؛ لأن مرّة من أعلم الناس بالسنة، فلا يعدل عما صحّ من هدي النبيّ -ﷺ- في الصلاة إلى غيره. والله تعالى أعلم.\n(٢) راجع \"اللباب\" ٣/ ٢٩١ - ٣٩٢ و\"لبّ اللباب\" ٢/ ٣٢٩.","vol":"2","page":159},{"text":"قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: \"وأحسّ الخ\": هكذا ضبطناه من أصول محققة: \"أحس\"، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها: \"حَسَّ\"، بغير ألف، وهما لغتان: \"حَسَّ\"، و\"أَحَسّ\"، ولكن \"أحس\" أفصح وأشهر، وبها جاء القرآن العزيز. قال الجوهريّ، وآخرون: حَسّ وأحسّ لغتان: بمعنى عَلِمَ، وأيقن. وأما قول الفقهاء، وأصحاب الأصول: الحاسة، والحواس الخمس، فإنما يصح على اللغة القليلة، حَسَّ بغير ألف، والكثير في حَسّ بغير ألف أن يكون بمعنى قتل. انتهى.\n(فَذَهَبَ) أي ذهب الحارث من ذلك المكان؛ لئلا يلحقه ضرر من مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٥ - (وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٣٧.\n٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ) العنبريّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّمت ترجمته (١).\n٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ الحافظ الحجة الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٤.\n٤ - (ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبي عون البصريّ الثقة الثبت الفقيه العابد، تقدّمت ترجمته (٢).\n٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ الإمام الفقيه الكوفيّ، تقدّم في ٤/ ٤٩. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>شرح الأثر:</span>\n(عَن) عبد الله (بْنِ عَوْنٍ) أنه (قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ) النخَعيّ (إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ) أي احذروا مجالسته، فـ \"إيا\" منصوب بفعل محذوف وجوبًا؛ لكونه تحذيرًا، كما قال في \"الخلاصة\":\n_________\n(١) عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة أهل الحديث الخ\".\n(٢) تقدّمت عند قول المصنّف: \"وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت الخ\".","vol":"2","page":160},{"text":"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ\nو\"المغيرة بن سعيد\" هذا: هو البجلي، أبو عبد الله الكوفي الرافضي الكذاب. قال حماد بن عيسى الجهني: حدثني أبو يعقوب الكوفي، سمعت المغيرة بن سعيد يقول: سألت أبا جعفر كيف أصبحت؟ قال: أصبحت برسول الله خائفًا، وأصبح الناس كلهم برسول الله آمنين. ورُوي عن الشعبي أنه قال للمغيرة: ما فعل حُبّ علي؟ قال: في العظم، والعصب، والعروق. وقال شبابة: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، سمعت المغيرة بن سعيد الكذاب يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ عليٌّ ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ فاطمة، ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الحسن والحسين، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] قال: فلان أفحش الناس، والمنكر فلان. وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كذابا ساحرا. وقال الجوزجاني: قتل المغيرة على ادعاء النبوة، كان أشعل النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة، حتى أجابه خلق. وقال أبو معاوية عن الأعمش قال: جاءني المغيرة فلما صار على عتبة الباب وثب إلى البيت، فقلت: ما شأنك؟ فقال: إن حيطانكم هذه لخبيثة، ثم قال: طوبى لمن يَروَى من ماء الفرات، فقلت: ولنا شراب غيره؟، قال: إنه يُلقى فيه المحايض والجيف، قلت: من أين تشرب؟ قال من بئر. قال الأعمش: فقلت: والله لأسألنه، فقلت: كان علي يحيي الموتى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، لو شاء أحيا عادا وثمود، قلت: من أين علمت ذلك؟ قال: أتيت بعض أهل البيت، فسقاني شربة من ماء، فما بقي شيء إلا وقد علمته. وكان من ألحن الناس، فخرج وهو يقول: كيف الطريق إلى بنو حرام. وقال أبو معاوية: أول من سمعته يتنقّص أبا بكر وعمر المغيرة المصلوب، كثير النواء، سمعت أبا جعفر يقول: برىء الله ورسوله من المغيرة بن سعيد، وبنان بن سمعان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت. قال عبد الله بن صالح العجلي: ثنا فُضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن قال: دخل عليّ المغيرة بن سعيد، وأنا شابّ، وكنت أُشَبّهُ برسول الله -ﷺ-، فذكر من قرابتي، وشبهي، وأمله فيَّ، ثم ذكر أبا بكر وعمر، فلعنهما، فقلت: يا عدو الله عندي، قال: فخنقته خنقا حتى أدلع لسانه. وقال أبو عوانة عن الأعمش قال: أتاني المغيرة بن سعيد، فذكر عليا، وذكر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ففضله عليهم، ثم قال: كان علي بالبصرة، فأتاه أعمى، فمسح على عينيه، فأبصر، ثم قال له: أتحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحُمِلت الكوفة إليه حتى نظر إليها، ثم قال لها: ارجعي، فرجعت، فقلت: سبحان الله سبحان الله، فتركني، وقام. وقال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد في ما يُرْوَى عنه من الزور عن علي، هو دائم الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثا مسندًا. وقال ابن حزم: قالت فرقة غاوية بنبوة","vol":"2","page":161},{"text":"المغيرة بن سعيد، مولى بجيلة، وكان لعنه الله يقول: إن معبوده على صورة رجل، على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء، وإنه لما أراد أن يخلق تكلم باسمه، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه أعمال العباد، فلما رأى المعاصي ارفَضّ عَرَقًا، فاجتمع من عرقه بحران: مَلِح وعَذْب، وخلق الكفار من البحر الملح، تعالى الله عما يقول، وحاكي الكفر ليس بكافر، فإن الله ﵎ قَصّ علينا في كتابه صريح كفر النصارى واليهود، وفرعون ونُمرود، وغيرهم. وقال أبو بكر بن عياش: رأيت خالد بن عبد الله القسري حين أتي بالمغيرة بن سعيد، وأتباعه، فقتل منهم رجلًا، ثم قال للمغيرة: أحيه، وكان يُريهم أنه يحيي الموتى، فقال: والله ما أحيي الموتى، فأمر خالد بِطَنٍّ قَصَب، فأُضرم نارًا، ثم قال للمغيرة: اعتنقه، فأبى، فعدا رجل من أصحابه، فاعتنقه، والنار تأكله، فقال خالد: هذا والله أحق منك بالرياسة، ثم قتله، وقتل أصحابه. قُتل في حدود العشرين ومائة. انتهى (١).\n(وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ) قال النوويّ في \"شرحه\": قيل: هو شقيق الضبيّ الكوفيّ القاصّ. وقيل: هو سلمة بن عبد الرحمن النخعيّ، وكلاهما يُكنى أبا عبد الرحيم، وهما ضعيفان. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه شقيق الضبّيّ؛ كما سيأتي عن الدولابيّ، وهو: شقيق بن عبد الله الضبّيّ من قُدماء الخوارج، صدوقٌ في نفسه، كان يقصّ بالكوفة، وكان أبو عبد الرحمن السُّلَميّ يذمّه. وذكر الدولابي في \"الكنى\" أنه المراد بقول إبراهيم النخعي: إياكم وأبا عبد الرحيم، والمغيرة بن سعيد. وفي \"الثقات\" لابن حبان: شقيق بن عبد الله الضبي عداده في أهل الكوفة، روى عنه أبو حصين، وعاصم بن أبي النجود، فهو هو. وقال ابن المديني: سألت جريرا عنه؟ فقال: كان صاحب كلام. وقال سفيان بن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: كان أبو وائل يقول لشقيق: يا شقيق هل وجدت دينك بعدما أضللته، وكان يرى رأي الخوارج. وقال العقيلي: حَرُوريّ، رأس في الضلال. قاله عاصم، وغيره. وقال العقيلي: رَوَى مُفَضَّل ابن مُهَلْهَل، عن مغيرة، عن شقيق الضبي قال: وقال ابن مسعود: لا خير في كلام ليس له أصل، ولا عملٍ لا يؤمه عقل. وروى أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين قال: لقي الخوارج شقيقا الضبي، وكان رجل سوء، فقالوا له: ما أنت؟ قال: أنا مؤمن مهاجر، أو مسلم معاون، أو ابن سبيل عابر، فقالوا له: أنت شقيق، ولك الأمان، قال: نعم،\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٦٠ - ١٦٢. و\"لسان الميزان\". ٦/ ١٠٣ - ١٠٦.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":162},{"text":"فقالوا: أولى لك. وقال الساجي: كان قاضيا مبتدعا. (١)\n(فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنهما كذّابان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٦ - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ، فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ، غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا، قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصري، أبو كامل الجحدري ابن أخي كامل بن طلحة.\nروى عن حماد بن زيد، وعبد الواحد بن زياد، وأبي عوانة، وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وغيرهم.\nقال أبو طالب عن أحمد: أبو كامل بصير بالحديث، متقن، يشبه الناس، وله عقل. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه، عن علي بن المديني: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال مطين، وموسى بن هارون: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وذكر ابن السمعاني أن مولده كان سنة خمس وأربعين ومائة. وله في \"صحيح مسلم\" (١٣٥) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، من العاشرة. انتهى.\n٢ - (حَمَّاد بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الحافظ الثبت، تقدم في ٣/ ٢٤.\n٣ - (عَاصِمٌ) بن بهدلة -بفتح الموحّدة، وسكون الهاء- وهو ابن أبي النَّجُود -بفتح النون، وضم الجيم- الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرىء، قال أحمد وغيره: بَهْدَلة هو أبو النجود. وقال عمرو بن علي وغيره: هو اسم أمه، وخطّأه أبو بكر ابن أبي داود.\nرَوَى عن زِرّ بن حُبيش، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وقرأ عليهما القراءات، وأبي\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٢٧٩. و\"لسان الميزان\" ٣/ ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"2","page":163},{"text":"وائل، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم.\nقال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رجلا صالحًا، قارئا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا أختارها، وكان خيرًا، ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث. وقال أيضا: عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه، وعاصم أحب إلينا. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال العجلي: كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقة، رأسا في القراءة، ويقال: إن الأعمش قرأ عليه، وهو حدث، وكان يُختلف عليه في زر وأبي وائل. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح، وهو أكثر حديثا من أبي قيس الأودي، وأشهر وأحب إلي منه، وهو أقل اختلافا عندي من عبد الملك بن عمير، قال: وسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: ثقة. قال: وذكره أبي، فقال: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ، وقد تكلم فيه ابن علية، فقال: كان كلُّ من اسمه عاصم سيىء الحفظ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن خِرَاش: في حديثه نكرة. وقال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال أبو بكر البزار: لم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحدا ترك حديثه على ذلك، وهو مشهور. وقال ابن قانع: قال حماد بن سلمة: خلط عاصم في آخر عمره. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال العجلي: كان عثمانيا. وقال ابن شاهين في \"الثقات\": قال ابن معين: ثقة، لا بأس به، من نظراء الأعمش. وقال الآجري: سألت أبا داود، عن عاصم، وعمرو بن مرة؟ فقال: عمرو فوقه. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: ما رأيت أقرأ من عاصم. وقال شهاب بن عباد، عن أبي بكر بن عياش: دخلت على عاصم، وقد احتُضِرَ، فجعلت أسمعه يُرَدِّد هذه الآية، يُحققها كأنه في المحراب: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. قال خليفة، وابن بكير: مات سنة سبع وعشرين ومائة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وأخرج له الشيخان مقرونا بغيره. وليس له عند مسلم في \"صحيحه\" سوى حديث أُبَيّ بن كعب في ليلة القدر، برقم (٧٦٢).\nوقال في \"التقريب\": صدوق، له أوهامٌ، حجة في القراءة، من السادسة. انتهى.\n٤ - (أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَةَ -بالتصغير- الكوفي القارىء، ولأبيه صحبة.","vol":"2","page":164},{"text":"رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃. وروى عنه إبراهيم النخعي، وعلقمة بن مرثد، وسعد بن عبيدة، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جبير، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم.\nقال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى. وقال النسائي: ثقة. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع من ابن مسعود، ولا من عثمان، ولكن سمع من علي. وقال ابن سعد: توفي زمن بشر بن مروان. وقيل: مات سنة (٧٢). وقيل: سبعين. وقال ابن قانع: مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن (٩٠) سنة. وقال عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: صمت لله ثمانين رمضان. وذكره البخاري في \"الأوسط\" في \"فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين\"، وقال: روى عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان؟ قال: روى عنه، ولم يذكر سماعًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لم يسمع من عمر. وقال البخاري في \"تاريخه الكبير\": سمع عليا، وعثمان، وابن مسعود. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة، كثير الحديث. وقال غيره، عن الواقدي: شهد مع علي صفين، ثم صار عثمانيا، ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك، وكان من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة.\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" تسعة أحاديث برقم ١٤٤٦ و١٧٠٥ و١٨٤٠ وأعاده بعده و٢٤٩٤ و٢٦٤٧ وأعاده بعده و٢٨٠٤ وأعاده بعده. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>شرح الأثر:</span>\nعن عاصم بن بَهْدَلَة، أنه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ) -بضمّ السين المهملة، وفتح اللام-: نسبة إلى سُليم، قبيلة من العرب، مشهورة، يقال لها: سُليم ابن منصور بن عكرمة بن قيس عَيْلان بن مُضَر. قاله السمعانيّ (١) (وَنَحْنُ غِلْمَةٌ) -بضمّ الغين المعجمة، وسكون اللام-: جمع غلام، واسم الغلام يقع على الصبيّ من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ (٢). وقال الفيّوميّ: \"الغلام\": الابن الصغير،\n_________\n(١) \"الأنساب\" ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":165},{"text":"وجمع القلّة غِلْمةٌ بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ، مجازًا، باسم ما يؤول إليه. وجاء في الشعر \"غُلامةٌ\" بالهاء للجارية، قال أوس ابن غَلْفاء الْهُجَيميّ، يصف فرسًا [من الوافر]:\nوَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا ... يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ\nقال الأزهريّ: وسمعتُ العرب تقول للمولود حين يُولَد ذكرًا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل غلام، وهو فاش في كلامهم. انتهى (١).\nوقد نظمت الأسماء التي تُطلق على الإنسان من حين كونه في بطن أمه إلى أن يموت، فقلت:\nاعْلَمْ هَدَاكَ الله أَنَّ الْوَلَدَا ... دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا\nثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى ... ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى\nوَيَافِعٌ لِعَشْرَةٍ حَزَوَّرُ ... لِخَمْسَ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ\nوَقُمُدٌ لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ثُمّ ... عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاثِينَ يُؤَمّ\nثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ ... ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ\nإِلَى ثَمَانِينَ بِشَيْخٍ يُعْلَى ... ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهِمٍّ يُجْلَى\nوَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الأَعْلَامُ ... فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ\nولما كان الغلام يطلق على الصبيّ من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ، قيّده بقوله: (أَيْفَاعٌ) إشارة إلى أن المراد بالْغِلْمَة هنا هم البالغون، أو المقاربون للبلوغ؛ لأن \"الأيفاع\" -بفتح الهمزة: هم الشَبَبَةٌ البالغون، أو المقاربون للبلوغ، يقال: غلام يافِعٌ، ويَفَعٌ، ويَفَعَةٌ -بفتحات-: إذا شَبَّ وبَلَغَ، أو كاد يبلُغُ. قال الثعالبيّ: إذا قارب البلوغ، أو بلغه يقال له حينئذ: يافِعٌ، وقد أيفع، وهو نادر. وقال أبو عُبيد: أيفع الغلام: إذا شارف الاحتلام، ولم يَحتلِم. (٢).\nوقال ابن الأثير: أَيفَعَ الغلامُ، فهو يافع: إذا شارف الاحتلام، ولَمّا يحتلم، وهو من نوادر الأبنية، وغلام يافعٌ، ويَفَعَة -بفتحات- فمن قال: يافِع ثَنَّى وجمع، ومن قال: يَفَعَةٌ لم يُثنِّ، ولم يَجمع. انتهى (٣).\nوقال ابن منظور: غلام يافِعٌ، ويَفَعَةٌ، وأَفَعَةٌ، ويَفَعٌ: شابّ، وكذلك الجمع والمؤنّث، ورُبّما كُسّر على الأَيْفَاع، فقيل: غِلْمان أَيْفَاع، ويَفَعَةٌ أيضًا. وقال أبو زيد:\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٥٢.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٣٩ - ١٤٠.\n(٣) \"النهاية\" ٥/ ٢٩٩.","vol":"2","page":166},{"text":"سمعت يَفَعَةٌ، ووَفَعَةٌ، بالياء والواو. وقد أيفع: أي ارتفع، وهو يافع على غير قياس، ولا يقال: مُوفِعٌ، وهو من النوادر. انتهى (١).\n(فَكَانَ) أي أبو عبد الرحمن السُّلَميّ (يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ) بالضمّ: جمع قاصّ، وهو الذي يقرأ القصص على الناس. قال أهل اللغة: القِصّة: الأمر، والخبر، وقد اقتصصتُ الحديث: إذا رويته على وجهه، وقصّ عليه الخبر قَصَصًا -بفتح القاف، والاسم أيضًا الْقَصَصُ بالفتح، والْقِصَصُ بكسر القاف. اسم جمع للقصّة. (غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ) بنصب \"غير\" بدلا من القُصّاص، وهذا هو المختار؛ لوقوع الاستثناء بعد نهي، ويجوز نصبه على الاستثناء، كما قال في \"الخلاصة\":\nمَا اسْتَثْنَتِ \"إلَّا\" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ\nإِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ\nو\"أبو الأحوص\" هذا: هو: عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- الجشمي التابعيّ الثقة، تقدّم في ٢/ ١٠.\n(وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا) تقدّم إعراب هذا التركيب. وشقيق هذا قال القاضي عياض: هو شقيق الضيّى الكوفيّ القاصّ، ضعّفه النسائيّ، كنيته أبو عبد الرحيم، قال بعضهم: وهو أبو عبد الرحيم الذي حَذّر منه إبراهيم النخعيّ قبل هذا في الكتاب. وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذي حذّر منه إبراهيم، هو سلمة بن عبد الرحمن النخعيّ. ذكر ذلك ابن أبي حاتم الرازي في كتابه، عن ابن المدينيّ (٢).\nثم بيّن مسلم رحمه الله تعالى سبب نهي أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن مجالسة شقيق هذا، فـ (قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا) أي الذي وقع التحذير هنا عن مجالسته (يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ) أي يعتقد مذهب الخوارج.\nولَمّا كان يلتبس شقيق هذا الذي نُهي عن مجالسته هنا بشقيق ابن سلمة أبي وائل التابعيّ الكبير المشهور، نبّه على ذلك مسلم بقوله: (وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شقيقًا الذي حذّر عن مجالسته أبو عبد الرحمن السُّلَميّ ليس هو شقيق بن سلمة، أبا وائل، فإنه كان من خيار التابعين.\nوهو: شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أدرك النبي -ﷺ-، ولم يره، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وخلق من الصحابة، والتابعين. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وزبيد اليامي، وجامع بن أبي راشد، وخلق\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٨/ ٤١٥.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٤٢.","vol":"2","page":167},{"text":"كثير. قال عاصم بن بهدلة عنه: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية. وقال مغيرة عنه: أتانا مُصَدِّق النبي -ﷺ-، فأتيته بكبش لي، فقلت: خذ صدقة هذا، فقال: ليس في هذا صدقة. وقال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان، لو رأيتني، ونحن هُرّاب من خالد بن الوليد، فوقعت عن البعير، فكادت عُنُقي تَنْدَقّ، فلو مت يومئذ كانت النار، قال: وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. وقال يزيد بن أبي زياد: قلت لأبي وائل: أيما أكبر أنت، أو مسروق؟ قال: أنا. وقال الثوري عن أبيه: سمعت أبا وائل، وسئل أنت أكبر، أو الربيع بن خُثَيم؟ قال: أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلًا. وقال عاصم بن بهدلة: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك علي، أو عثمان؟ قال: كان علي أحب إلي، ثم صار عثمان. وقال عمرو بن مرة: قلت لأبي عُبيدة: من أعلم أهل الكوفة بحديث عبد الله؟ قال: أبو وائل. وقال الأعمش عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعُدُّونه من خيارهم. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن حبان في \"الثقات\": سكن الكوفة، وكان من عُبّادها، وليست له صحبة، ومولده سنة إحدى من الهجرة. وقال العجلي: رجل صالح، جاهليّ، من أصحاب عبد الله. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. قال خليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة (٨٢). وقال الواقدي: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٧٦) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ) هو: محمد بن عمرو بن بَكْر بن سالم، ويقال: مالك بن الحباب التميمي العدوي، أبو غَسّان الرازي الطيالسي، المعروف بزُنَيج -بضم الزاي، وفتح النون، مصغّرًا-.\nروى عن حَكّام بن سَلْم، وهارون بن المغيرة، وجرير، وسلمة بن الفضل، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وذكره الدارقطني في شيوخ البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم.","vol":"2","page":168},{"text":"قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ثنا محمد بن عمرو، زُنَيج، وكان ثقة. وقال أبو سعد الزاهد: كتبت عن زُنَيج، صاحب جرير، وكان صدوقًا. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال السراج: مات آخر سنة أربعين، أو أول سنة إحدى وأربعين ومائتين. وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث (١)، برقم ٩٥٤ و١١٧٨ و١٢١٠ و٢٣٤٨.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة.\n[تنبيهان]:\n(الأول): قوله: \"أبو غسان\" -هو بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة- المسموع في كتب المحدثين، ورواياتهم غَسّانُ غير مصروف، وذكره ابن فارس في \"المجمل\" وغيره من أهل اللغة في باب غَسَنَ، وفي باب غَسَسَ، وهذا تصريح بأنه يجوز صرفه، وترك صرفه، فمن جعل النون أصلا صرفه، ومن جعلها زائدة لم يصرفه. قاله النوويّ (٢).\n(الثاني): قوله: \"الرازي\": بالزاي: نسبة إلى الريّ، مدينة كبيرة مشهورة، من بلاد الدَّيْلَم، بين قُومس والجبال، وألحقوا الزاي في النسب تخفيفًا. قاله في \"الأنساب\" ٣/ ٢٣ - ٢٥ و\"اللباب\" ٢/ ٦.\n٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفي، قاضي الريّ، تقدّم في ٤/ ٤٧. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>شرح الأثر:</span>\nعن محمد بن عمرو الرازيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا) أي ابن عبد الحميد (يَقُولُ: لَقِيتُ) بكسر القاف، يقال: لَقِيته أَلْقاه، من باب تعِبَ لُقِيّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ معِ القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لقِيه، ومنه لِقَاءُ البيت، وهو استقباله. قاله الفيّوميّ (٣) (جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ) -بضمّ الجيم، وسكون المهملة-: نسبة إلى قبيلة جُعْفِي بن سعد العشيرة، من مَذْحِج. قاله في \"اللبّ\" (٤).\nو\"جابر\" هذا: هو: جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي، أبو\n_________\n(١) هكذا في برنامج الحديث (صخر)، والذي في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٦٦٠ نقلًا عن \"الزهرة\" أن مسلمًا روى عنه تسعة عشر حديثًا. فليُحرّر.\n(٢) \"شرح النووي\" ١/ ١٠١.\n(٣) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٥٨.\n(٤) \"لبّ اللباب\" ١/ ٢٠٧.","vol":"2","page":169},{"text":"عبد الله، ويقال: أبو يزيد الكوفي، روى عن أبي الطفيل، وأبي الضحى، وعكرمة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وإسرائيل، والحسن بن حي، وشريك، ومسعر، ومعمر، وأبو عوانة، وغيرهم. قال أبو نعيم عن الثوري: إذا قال جابر: حدثنا، وأخبرنا فذاك. وقال ابن مهدي عن سفيان: ما رأيت أورع في الحديث منه. وقال ابن علية عن شعبة: جابر صدوق في الحديث. وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: حدثنا، وسمعت، فهو من أوثق الناس. وقال ابن أبي بكير أيضا عن زهير بن معاوية: كان إذا قال: سمعت، أو سألت فهو من أصدق الناس. وقال وكيع: مهما شككتم في شيء، فلا تشكوا في أن جابرا ثقة، حدثنا عنه مسعر، وسفيان، وشعبة، وحسن بن صالح. وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لإن تكلمت في جابر الجعفي، لأتكلمن فيك. وقال معلى بن منصور: قال لي أبو عوانة: كان سفيان، وشعبة، ينهياني عن جابر الجعفي، وكنت أدخل عليه، فأقول: من كان عندك؟ فيقول: شعبة، وسفيان. وقال وكيع: قيل لشعبة: لم طرحت فلانا وفلانا، ورويت عن جابر؟ قال: لأنه جاء بأحاديث لم نصبر عنها وقال الدُّوري عن ابن معين: لم يدع جابرًا ممن رآه إلا زائدةُ، وكان جابر كذابا. وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه، ولا كرامة. وقال بيان ابن عمرو عن يحيى بن سعيد: تركنا حديث جابر قبل أن يَقْدَم علينا الثوري. وقال يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي لجابر: يا جابر لا تموت حتى تَكْذِب على رسول الله -ﷺ-، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى اتُّهِم بالكذب. وقال يحيى بن يعلى: قيل لزائدة: ثلاثة لم لا تروي عنهم؟ ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي؟ قال: أما الجعفي فكان والله كذابا، يؤمن بالرجعة. وقال أبو يحيى الحماني عن أبي حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يُظهرها. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، كان عبد الرحمن يحدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه. وقال أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن. وقال محمد بن بشار عن ابن مهدي: ألا تَعْجَبون من سفيان بن عيينة، لقد تركت لجابر الجعفي لقوله لَمّا حكي عنه أكثر من ألف حديث، ثم هو يحدث عنه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري، وقد احتمله الناس، وعامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة، وهو مع هذا إلى الضعف","vol":"2","page":170},{"text":"أقرب منه إلى الصدق. روى له أبو داود في \"السهو في الصلاة\" حديثا واحدا من حديث المغيرة بن شعبة، وقال عقبه: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره. وقال شبابة عن ورقاء عن جابر: دخلت على أبي جعفر الباقر، فسقاني في قعب حسائي، حفظت به أربعين ألف حديث. وقال يحيى بن يعلى: سمعت زائدة يقول: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي -ﷺ-. وقال ابن سعد: كان يدلس، وكان ضعيفا جدا في رأيه وروايته. وقال العجلي: كان ضعيفا يغلو في التشيع، وكان يدلس. وقال الميموني قلت لأحمد بن حنبل: أكان جابر يكذب؟ قال: إي والله، وذاك في حديثه بَيِّنٌ. وقال ابن حبان: كان سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن عليا يرجع إلى الدنيا، فإن احتج مُحْتَجٌّ بأن شعبة والثوري رويا عنه، قلنا: الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، وأما شعبة وغيره، فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها، فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب. وأخبرني ابن فارس قال: ثنا محمد بن رافع قال، رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون، معه كتاب زهير عن جابر الجعفي، فقلت له: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر، وتكتبونه؟ قال: لنعرفه. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (١٢٨). وذكر مُطَيَّن عن مفضل بن صالح: مات سنة (٧). وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: مات سنة (١٣٢). رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.\nوقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، رافضيّ، من الخامسة. انتهى.\n(فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ) أي لم أكتب حديثًا عنه، ثم علّل عدم كتابته عنه بقوله: (كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ) أي لأنه كان يؤمن بالرجعة، وهي -بفتح الراء- قال الأزهرى وغيره: لا يجوز فيها إلا الفتح، وأما رجعة المرأة المطلقة، ففيها لغتان: الكسر، والفتح. قال القاضى عياض رحمهُ اللهُ تعالى: وحُكي في هذه الرجعة التي كان يؤمن بها جابر الكسر أيضا. ومعنى إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة، وتعتقده بزعمها الباطل، أن عليا -﵁- في السحاب، فلا نخرج مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه. وهذا نوع من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية.\nوقال القاضي أيضًا: وأما الطائفة السبائية، والأخرى المعروفة بالناوسيّة، فيدّعون أن عليا لم يمت، وأنه سيخرج، فيملأها عدلًا كما مُلئت جَوْرًا. وقال ابن سباء للذي جاء بنعي عليّ -﵁-: لو جئتنا بدماغه في تسعين صرّة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق","vol":"2","page":171},{"text":"العرب بعصاه، فذُكر ذلك لابن عبّاس، فقال: لو علمنا ما زوّجنا نساءه، ولا قسمنا ماله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٨ - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) -بضم الحاء المهملة، وسكون اللام- هو الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلّال الحافظ الثقة، تقدّم في ٣/ ٢٢.\n٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٢.\n٣ - (مسعر) -بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين- ابن كِدَام -بكسر الكاف- ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت الفاضل، تقدّم في ٤/ ٢٩. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>شرح الأثر:</span>\nعن يَحْيَى بْنِ آدَمَ، أنه قال (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ) الْجعفيّ المذكور في الأثر السابق (قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ) بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من الإحداث: أي قبل أن يبتدع عقيدته الباطلة، ونِحْلته العاطلة (مَا أَحْدَثَ) \"ما\" موصولة مفعول \"يُحدث\" أي الذي أحدثه. وأراد مسعر رحمهُ اللهُ تعالى بهذا أن جابرًا كان مستقيمًا على السنّة، فكانوا يأخذون عنه الحديث في تلك الحال، ثم لَمّا تحوّل إلى اعتقاده الباطل، وهو ما سبق أنه كان يؤمن بالرجعة، تركوا حديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٥٩ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ).\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٤٣ - ١٤٤.","vol":"2","page":172},{"text":"رجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (سلمة بن شَبيب) النيسابوري، أبو عبد الرحمن الْمِسْمَعيّ، نزيل مكة.\nرَوَى عن عبد الرزاق، وأبي أسامة، وزيد بن الحباب، والحميديّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأحمد بن حنبل، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.\nقال أبو حاتم، وصالح بن محمد البغدادي: صدوق. وقال النسائي: ما علمنا به بأسا. وقال أحمد بن سيار: كان من أهل نيسابور، ورحل إلى مكة، وكان مستملي المقرىء، صاحب سنة وجماعة، رحل في الحديث، وجالس الناس، وكتب الكثير، ومات بمكة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: أحد الثقات، حَدَّث عنه الأئمة، والقدماء. وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن يونس، وابن قانع، وغير واحد: مات سنة (٢٤٧). وقال أبو بكر ابن أبي داود: مات سنة (٢٤٦) في أَكْلَة فالوذج. وقال حسين القباني: مات سنة (٤). وله في \"صحيح مسلم\" (٤٠) حديثًا. وقال في \"التقريب\": ثقة، من كبار الحادية عشرة. انتهى.\n٢ - (الْحُميديّ) هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزي، وقيل في نسبه غير ذلك، ساق الزبير بن بكّار نسبه إلى عبد الله، فقال: ابن الزبير بن عُبيد الله بن حُميد، وهذا هو الراجح، أبو بكر الأسديّ الحميدي المكيّ.\nرَوَى عن ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن إدريس الشافعي، والوليد بن مسلم، وخلق كثير. وروى عنه البخاري، وروى له مسلم في \"المقدّمة\"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، في \"التفسير\" بواسطة سلمة بن شبيب، ومحمد بن يونس النسائي، وهارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبيد الله بن فضالة النسائي، ومحمد بن أحمد القرشي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي، وغيرهم.\nقال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهروي: قدمت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجل أصحابه، فقالوا: الحميدي. وقال ابن سعد: مات بمكة","vol":"2","page":173},{"text":"سنة تسع عشرة ومائتين، وكان ثقة، كثير الحديث. وكذا أَرَّخه البخاري، وأرّخه غيرهما سنة (٢٠). وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقال: صاحب سنة، وفضل ودين. وقال ابن عدي: ذهب مع الشافعي إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وفي \"الزهرة\" روى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ فقيهٌ، أجلّ أصحاب ابن عيينة، من العاشرة. انتهى.\n٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (٢). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>شرح الأثر:</span>\nعن عبد الله بن الزبير الْحُمَيْدِيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: كَانَ النَّاسُ) أي أهل الحديث (يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ) أي يروون أحاديثه (قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإظهار (مَا أَظْهَرَ) \"ما\" موصولة مفعول \"يظهر\": أي الذي أظهره من البدع (فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ) أي بالكذب فيما يُحدّث به (وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ) أي ترك الرواية عنه (فَقِيلَ لَهُ) أي لسفيان (وَمَا أَظْهَرَ؟) \"ما\" استفهامية: أي أيّ شيء أظهر حتى تركوه؟ (قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ) بنصب \"الإيمان\" على أنه مفعول لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال: أي أظهر الإيمان برجوع عليّ -﵁-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٠ - (وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، وَأَخُوهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا).\nرجال هذا الإسناد: خمسة:\n١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) المذكور قبل حديث.\n٢ - (أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ) عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- أبو يحيى الكوفي، ولقبه بَشْمِين -بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة، وكسر الميم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم نون- أصله خوارزمي.\n_________\n(١) الذي في برنامج الحديث (صخر) أن البخاريّ روى عنه (٧٩) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n(٢) تقدمت عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة أهل الحديث\".","vol":"2","page":174},{"text":"رَوَى عن بُريد بن أبي بردة، والأعمش، والسفيانين، وأبي حنيفة، وجماعة. وروى عنه الحسن بن علي الخلال، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو كريب، وغيرهم.\nقال ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن عدي: هو وابنه ممن يكتب حديثه. قال هارون الحمال: مات سنة اثنتين ومائتين. وفيها أَرَّخه ابن قانع، وزاد: في جمادى الأولى، وهو ثقة. وقال ابن سعد، وأحمد: كان ضعيفا. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، مرجئ. وقال البرقي: قال ابن معين: كان ثقة، ولكنه ضعيف العقل. أخرج له البخاريّ، ومسلم في \"المقدّمة\"، والباقون، إلا النسائيّ.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالإرجاء، من التاسعة.\n[تنبيه]: قوله: \"الْحِمّانيّ\" -بكسر، فتشديد ميم-: نسبة إلى حِمّان بطن من هَمْدان. والله تعالى أعلم.\n٣ - (قبيصة) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة- هو: قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جُنَيدب بن رئاب بن حبيب بن سُوَاءة بن عامر بن صعصعة السُّوَائي، أبو عامر الكوفي.\nرَوَى عن الثوري، وشعبة، وفطر بن خليفة، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، والجراح والد وكيع، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة ابنه عقبة، ويحيى بن بشر البلخي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السري، ومحمود ابن غيلان، والذهلي، وغيرهم.\nقال حنبل: قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم عندنا أصغر من سمع من سفيان، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بسنتين، قلت: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط، قلت: فغير هذا؟ قال: كان صغيرا لا يضبط، قلت: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلا صالحا، ثقة، لا بأس به، وأي شيء لم يكن عنده؟، يذكر أنه كثير الحديث. وقال أبو طالب: ذَكَرَ قبيصةُ ابنَ مهدي، وأبا نعيم، فكأنّ أحمد لم يعبأ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قبيصة أثبت منه جدا -يعني من أبي حذيفة- قال: وقد كتبت عنهما جميعًا. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وقال يعقوب ابن سفيان: قال يحيى بن يعمر: قبيصة أكبر من يحيى بن آدم بشهرين، قال: وسمعت قبيصة يقول: شهدت عند شريك، فامتحنني في شهادتي، فذكرت ذلك لسفيان، فأنكر على شريك، قال: وصليت بسفيان الفريضة. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن أبي","vol":"2","page":175},{"text":"الحواري: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لابن نمير، فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن قبيصة، وأبي نعيم، فقال: كان قبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أيضا: سألت أبي عن قبيصة، وأبي حذيفة، فقال: قبيصة أحلى عندي، وهو صدوق، ولم أر من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره، سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: كان قبيصة، وأبو عامر، وأبو حذيفة، لا يحفظون، ثم حفظوا بعدُ. وقال إسحاق بن سيار: ما رأيت أحفظ منه من الشيوخ. وقال ابن خراش: صدوق. وقال صالح بن محمد: كان رجلا صالحًا تكلموا في سماعه من سفيان. وقال الفضل بن سهل الأعرج: كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درسا درسا حفظا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أحمد بن سلمة: كان هناد إذا ذكره قال: الرجل الصالح. وقال هارون الحمال: سمعت قبيصة يقول: جالست الثوري، وأنا ابن (١٦) سنة ثلاثَ سنين. قال معاوية بن صالح الدمشقي: مات سنة (٢١٣). وقال هارون بن حاتم، وغير واحد: مات سنة خمس عشرة ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ ربّما خالف، من التاسعة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم (١٦٢٣) حديث: \"نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ... \" الحديث (١).\n٤ - (أخوه) هو: سفيان بن عقبة (٢) السوائي الكوفي، روى عن الثوري، والجراح ابن مليح، وحسين المعلم، وحمزة الزيات، ومسعر، وسعد بن أوس الكاتب. وروى عنه ابن أخيه عقبة بن قبيصة بن عقبة، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمود بن غيلان، وأبو يحيى الحماني، وأبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: لا بأس به. وكذا قال ابن نمير، وابن عدي. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال الحافظ: والذي في سؤالات عثمان الدارمي عن ابن معين: سألت يحيى عنه؟ فقال: لا أعرفه. وكذا نقله ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\"، وابن عدي في \"الكامل\" عن عثمان، زاد ابن عدي: يعني أنه لم يَرَهُ، ولم\n_________\n(١) ونقل في \"تهذيب التهذيب\" ٣/ ٤٢٧ عن \"الزهرة\" أن البخاري روى عنه أربعة وأربعين حديثا. انتهى. والذي في برنامج الحديث (صخر) أنه روى عنه (٥٠) حديثًا.\n(٢) راجع \"تهذيب الكمال\" ٤/ ٥١٨.","vol":"2","page":176},{"text":"يكتب عنه، فلم يَخْبُر أمره. انتهى. وقال العجلي: كوفي ثقة.\nوقال في \"التقريب\": صدوق، من التاسعة. انتهى.\nروى له مسلم هنا فقط، والأربعة.\n٥ - (الجرّاح بن مَلِيح) -بفتح الميم، وكسر اللام- ابن عدي بن فُرْس بن جمحة ابن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤاس، وهو الحارث بن كلاب الرُّؤَاسي الكوفي، أبو وكيع، روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن السائب، وأبي فزارة العبسي، وغيرهم. وروى عنه ابنه، وأبو قتيبة، وسفيان بن عقبة، وابن مهدي، وغيرهم.\nقال ابن سعد: وَلِيَ بيتَ المال ببغداد في خلافة هارون، وكان ضعيفا في الحديث عَسِرًا. وقال عثمان بن أبي جعفر الطيالسي عن ابن معين: ما كتبت عن وكيع، عن أبيه، ولا عن قيس شيئا قط. وقال ابن أبي خيثمة عنه: ضعيف الحديث، وهو أمثل من أبي يحيى الْحِمّاني. وقال عثمان الدارمي عنه: ليس به بأس. وكذا قال ابن أبي مريم عنه، وزاد: يُكتب حديثه. وقال في موضع آخر: ثقة. وكذا قال الدُّوري عنه. وقال ابن عمار ضعيف. وقال أبو الوليد: ثنا أبو وكيع، وكان ثقة. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البرقاني: سألت الدارقطني عن الجراح؟ فقال: ليس بشيء، هو كثير الوهم، قلت: يُعتَبَر؟ قال: لا. وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة، وروايات مستقيمة، وحديثه لا بأس به، وهو صدوق، لم أجد في حديثه منكرا، فأذكره، وعامة ما يرويه عنه ابنه وكيع، وقد حدث عنه غير وكيع الثقات من الناس. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال العجلي: لا بأس به، وابنه أنبل منه. وقال الأزدي: يتكلمون فيه، وليس بالمرضي عندهم. وقال الهيثم بن كليب: سمعت الدُّوري يقول: دخل وكيع البصرة، فاجتمع عليه الناس، فحدثهم حتى قال: حدثني أبي وسفيان، فصاح الناس من كل جانب: لا نريد أباك، حَدِّثْنا عن الثوري، فأعاد وأعادوا، فأطرق، ثم قال: يا أصحاب الحديث من بُلي بكم، فليصبر. رواها الإدريسي في \"تاريخ سمرقند\". وحَكَى فيه أن ابن معين كَذّبه، وقال: كان وضاعا للحديث. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وزعم يحيى بن معين أنه كان وضاعا للحديث. قال خليفة: مات بعد سنة (١٧٥). وقال ابن قانع: سنة (٧٦).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ يَهِم، من السابعة. انتهى.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن","vol":"2","page":177},{"text":"ماجه، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم (٦٦٣) حديث: \"إن لك ما احتسبت\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>شرح الأثر:</span>\nعن أَبي يَحْيَى الْحِمَّانِيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة (وَأَخُوهُ) سفيان بن عقبة (أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ) بفتح الميم، وكسر اللام، مكبّرًا (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا) أي الجعفيّ (يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ ألْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) هو: محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، روى عن أبيه، وجديه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسل، وعم أبيه، محمد بن الحنفية، وابن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه ابنه جعفر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعرج، والزهري، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وليس يروي عنه من يُحْتَجُّ به. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن البرقي: كان فقيهًا فاضلًا. وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر، وابنه جعفر بن محمد، عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم تَوَلّهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. قال ابن البرقي: كان مولده سنة ست وخمسين. وقيل: إنه مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فيكون مولده سنة خمس وأربعين، ولكن ابن سعد: لم ينقل ذلك إلا عن الواقدي، كذا صرح به في \"الطبقات الكبرى\"، ثم قال ابن سعد: أنا عبد الرحمن بن يونس، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، سمعت محمد بن علي، وهو يذاكر فاطمة بنت الحسين، صدقة النبي -ﷺ- فقال: وهذه تُوفِي لي ثمانيا وخمسين سنة، ومات بها. انتهى. وهذا السند في غاية الصحة، ومقتضاه أن يكون وُلد سنة ستين، وهذا هو الذي يتجه؛ لأن أباه علي بن الحسين شهد مع أبيه يوم كربلاء، وهو ابن عشرين سنة، وكان يومُ كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين، ومقتضاه أن مولد علي كان سنة إحدى وأربعين، فمن يولد سنة أربعين، أو سنة إحدى وأربعين، كيف يولد له سنة خمس وأربعين؟ والأصح أنه مات سنة أربع عشرة؛ لأن البخاري قال: ثنا عبد الله بن محمد، عن ابن عيينة، عن جعفر ابن محمد، قال: مات أبي سنة أربع عشرة، فيكون مولده على هذا سنة ست وخمسين، وهو يتجه أيضًا. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٩) حديثًا.","vol":"2","page":178},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقةٌ فاضلٌ، من الرابعة. انتهى.\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كُلُّهَا) بالرفع تأكيد لسبعون. وغرض الجرّاح بهذا الكلام تكذيب جابر الجعفيّ في دعواه أنه سمع من أبي جعفر سبعين ألف حديث مرفوع، وذلك أن روايته هذا العدد الكبير عن شخص واحد، وإن كان ممكنًا، لكنه متّهمٌ في ذلك بأدلّة أخرى تبيّن كذبه، ومنها قوله الآتي: ما حدّثت منها بشيء؛ إذ يدلّ على أنه كان يُخفيها من الناس تقيّةً؛ لكونها من المنكرات التي تُشيعها الرافضة في عليّ -﵁-، وأهل بيته.\n[فإن قلت]: الجرّاح ضعيف، فكيف احتجّ به مسلم هنا؟ .\n[قلت]: لم يحتجّ به أصالة، وإنما أتى به متابعة، واستشهادًا على ثبوت كذب جابر الجعفيّ، فقد ثبت ذلك بما ساقه من الأسانيد الماضية والتالية، فيكون الجرّاح متابعًا لهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦١ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ، أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف الثقفيّ البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.\n٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، نُسب لجده ثقة حافظ، تقدّم في ٥/ ٥١.\n٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُديج بن الرُّحَيل بن زُهَير بن خيثمة الجعفي الكوفي، سكن الجزيرة.\nرَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، والقطان، وأبو داود الطيالسي، وأحمد بن يونس، وغيرهم.\nقال معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان بأثبت من زهير. وقال شعيب بن حرب: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة. وقال بشر بن عمر الزهراني عن ابن عيينة: عليك بزهير بن معاوية، فما بالكوفة مثله. وقال الميموني عن أحمد: كان من معادن الصدق. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخره. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة.","vol":"2","page":179},{"text":"وقال أبو زرعة: ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء، إلا في حديث أبي إسحاق، فقيل له: فزائدة وزهير؟ قال: زهير أتقن من زائدة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وما أشبه حديثه بحديث زيد بن أبي أنيسة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وزهير ثقة متقن، صاحب سنة، وهو أحب إلي من جرير، وخالد الواسطي. وقال العجلي: ثقة مأمون. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال مطين: مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وسبعين ومائة. وقال ابن منجويه: مات سنة (١٧٧)، وكان حافظا متقنا، وكان أهل العراق يقدمونه في الإتقان على أقرانه. قال الخطيب: حدث عنه ابن جريج وعبد السلام بن عبد الحميد الحراني، وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن إسحاق، وبين وفاتيهما قريب من ذلك. وقال ابن سعد: توفي آخر سنة (٧٢)، وكان ثقة ثبتا مأمونا، كثير الحديث. وقال أبو جعفر بن نفيل: مات في رجب سنة (٧٣). وقال أيضا: وُلد سنة مائة. وقال البزار: ثقة. وقال ابن حبان في \"الثقات\": توفي سنة ثلاث، أو أربع وسبعين ومائة في رجب، وكان حافظا متقنا، وكان أهل العراق يقولون في أيام الثوري: إذا مات الثوري، ففي زهير خَلَفٌ، وكانوا يقدمونه في الإتقان على غيره، وعاب عليه بعضهم أنه كان ممن يَحْرُس خشبة زيد بن علي لما صُلِبَ. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٨٩) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السابعة. انتهى.\nوشرح الأثر واضح، ولا تنافي بينه وبين قوله الماضي: سبعون ألف حديث؛ لأن العدد لا مفهوم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٢ - (وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَليدِ يَقُولُ، سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (إبراهيم بن خالد) اليشكري، روى عن أبي الوليد الطيالسي، وعنه مسلم في \"مقدمة كتابه\"، أفرده بعضهم عن أبي ثور، وقيل: إنه هو. قال الحافظ: عَدّ اللالكائي، والحاكم، وابن خلفون، والصريفينيّ، وابن عساكر أبا ثور في شيوخ مسلم، وأما الدارقطني، فأفرد اليشكري، وقال ابن خلفون: لا أعرف اليشكري، ومن ظن أنه أبو","vol":"2","page":180},{"text":"ثور، فقد وَهِمَ. وقال الذهبي: اليشكري مجهول. انتهى.\nوقال في \"التقريب\": قيل: هو أبو ثور، وأنكر ذلك ابن خلفون، وهو من الحادية عشرة. انتهى.\nقلت: أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبيّ الفقيه، صاحب الشافعيّ، ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٠). قاله في \"التقريب\" ص ٢٠.\n٢ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي البصري الحافظ الإمام الحجة.\nرَوَى عن عكرمة بن عمار، وجرير بن حازم، وشعبة، وهمام، ومالك والليث، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى أبو داود أيضا والباقون عنه بواسطة إسحاق بن راهويه، وأبي خيثمة، والحسن بن علي الخلال، وإبراهيم بن خالد اليشكري، وغيرهم.\nقال أبو طالب عن أحمد: متقن. وقال الميموني عن أحمد: أبو الوليد شيخ الإسلام، ما أُقَدّم اليوم عليه أحدا من المحدثين، وهو أسن من عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- بثلاث سنين. وقال ابن وارة: قلت لأحمد: أبو الوليد أحب إليك في شعبة، أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة، فأبو الوليد، قلت لأحمد: فإني سمعته يقول: بينا أنا أكتب عند شعبة، إذ بصر بي، فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح. وقال ابن وارة: قال لي علي بن المديني: اكتب عن أبي الوليد الأصول، قال: وقال لي أبو نعيم: لولا أبو الوليد ما أشرت عليك أن تدخل البصرة. قال ابن وارة: وحدثني أبو الوليد، وما أرى أني أدركت مثله. وقال العجلي: بصري ثقة ثبت في الحديث، وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو الوليد، أمير المحدثين، قال: وسمعت أبا زرعة، وذكر أبا الوليد، فقال: أدرك نصف الإسلام، وكان إمام زمانه، جليلا عند الناس، قال: وسمعت أبي يقول: أبو الوليد إمام فقيه عاقل ثقة حافظ، ما رأيت بيده كتابا قط. وقال أيضا: سئل أبي عن أبي الوليد، وحجاج بن المنهال؟ فقال: أبو الوليد عند الناس أكبر، كان يقال: سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء، كان سمع منه بآخرة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو حاتم أيضا: ما رأيت أصح من كتاب أبي الوليد. وقال معاوية بن عبد الكريم الرمادي: أدركت الناس، وهم يقولون: ما بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد. وقال ابن سعد، والبخاري، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين. ويقال: إن مولده سنة ثلاث وثلاثين. زاد ابن سعد: كان ثقة ثبتا، حجة توفي في غرة شهر ربيع الأول، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال:","vol":"2","page":181},{"text":"كان من عقلاء الناس، حدثنا عنه أبو خليفة، الفضل بن الحباب. انتهى. قال الحافظ: وأبو خليفة خاتمة أصحابه، ولم يذكره المزي في الرواة عنه. وقال ابن قانع: ثقة مأمون ثبت. وله في \"صحيح مسلم\" تسعة أحاديث (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة. انتهى.\n٣ - (سلام بن أبي مطيع) واسمه سعد الخزاعي مولاهم، أبو سعيد البصري.\nرَوَى عن قتادة، وغالب القطان، وأبي عمران الجوني، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، وابن المبارك، ويونس بن محمد، وهشام بن عبد الملك، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد في \"العلل\" عن أبيه: ثقة، صاحب سنة، كان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أبا سلمة، سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، قال أبو داود: وهو القائل: لأن ألقى الله بصحيفة الحجاج أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة عمرو بن عبيد. وقال أبو داود أيضا: سلام ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البزار في \"مسنده\": كان من خيار الناس، وعقلائهم. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، وله أحاديث حسان، غرائب وأفراد، وهو يُعَدُّ من خطباء أهل البصرة، وعقلائهم، وكان كثير الحج، ومات في طريق مكة، ولم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع هذا كله عندي لا بأس به. وقال ابن حبان كان سيىء الأخذ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وسوء الحفظ.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام ابن حبّان، والحاكم هذا في سلام فيه نظر لا يخفى؛ لمخالفتهما فيه لما قاله أحمد، وأبو حاتم، وأبو داود، وغيرهم ممن هم أعلم بهذا الشأن منهما، فالحقّ ما قاله ابن عديّ فيه، وهو ما لخّصه الحافظ في \"التقريب\" بقوله: ثقة، صاحب سنّة، في روايته عن قتادة ضعف، من السابعة. انتهى. فتفطّن.\nقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٦٤)، وهو مقبل من مكة. وقال الترمذي: مات سنة سبع وستين. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.\n_________\n(١) ونقل في \"تهذيب التهذيب\" عن \"الزهرة\" أن البخاري روى عنه مائة وسبعة أحاديث. انتهى. والذي في برنامج الحديث (صخر) أن له في \"صحيح البخاريّ\" (١٢١) حديثًا. فليحرّر.","vol":"2","page":182},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقةٌ، صاحب سنّة، في روايته عن قتادة ضعف، من السابعة. انتهى.\n\nأخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في \"المسائل\"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد، حديث رقم (٩٤٧): \"ما من ميت تصلي عليه أمة ... \" الحديث. و<span data-type=\"title\" id=toc-339>شرح الأثر </span>واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٣ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] فَقَالَ جَابِرٌ: لم يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ، فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيَّا فِي السَّحَاب، فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا- أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَذَبَ، كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (سلمة بن شبيب) المسمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة ثقة، تقدم في ٤/ ٥٧.\n٢ - (الحميديّ) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشيّ المكيّ الحافظ الثبت، تقدم في ٤/ ٥٧.\n٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.\n\nشرح الأثر:\nعن سفيان بن عيينة رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا) قال صاحب \"المبهمات\": لا أعرفه (سَأَلَ جَابِرًا) أي ابن عبد الله الجعفيّ الكذّاب (عَنْ) المعنى المراد بـ (قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، فَقَالَ جَابِرٌ: لم يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ) أي لم يأت تفسير هذه الآية (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (وَكَذَبَ) أي في دعواه الباطلة من تأويل الآية (فَقُلْنَا لِسُفْيُانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟) أي بقوله: لم يجىء تأويل هذه الآية (فَقَالَ) سفيان (إِنَّ الرَّافِضَةَ) مشتقّ من\n_________\n(١) تقدمت عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة أهل الحديث الخ\".","vol":"2","page":183},{"text":"الرفض، يقال: رفضته رَفْضًا، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل: إذا تركته، والرافضة فرقة من شيعة الكوفة، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم رَفَضُوا: أي تركوا زيد بن عليّ -﵁-، حين نهاهم عن الطعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يبرأ من الشيخين رفضُوه. ثم استُعمل هذا اللقب في كلّ من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قاله الفيّوميّ (١). وفي \"القاموس\"، و\"شرحه\": الروافض: جنود تركوا قائدهم، وانصرفوا عنه، والروافض فرقة منهم، والنسبة إليهم رافضيّ. والرافضة أيضًا: فرقة من الشيعة، بايعوا زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رحمهم الله تعالى، ثم قالوا له: تبرّأ من الشيخين، نقاتل معك، فأبى، وقال: كانا وزيري جدّي -ﷺ-، فلا أبرأ منهما، فتركوه، ورفضوه، وارفضّوا عنه، فسُمُّوا رافضة. والنسبة رافضيّ. وقالوا: الروافض، ولم يقولوا: الرُّفّاض؛ لأنهم عَنَوا الجماعات. انتهى (٢).\n(تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب -﵁- (فِي السَّحَاب) هذا من زعمهم الباطل، حيث إنهم يقولون: إن عليّا -﵁- حيّ، هجر الناس، فسكَن في السحاب، ينتظر أن تخلو الأرض من الظالمين الطاغين، ويبقى المطيعون، فيرجع من السحاب، ويملأ الأرض عدلًا (٣). (فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ) أي لا نتّبع أحدًا من أولاده إذا صار خليفة (حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا) أي يقصد بالمنادي عليّ بن أبي طالب -﵁- (أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ) أي وهو المهديّ الذي يُنتظر في زعمهم الباطل. يعني أنهم إذا سمعوا نداءه بذلك يخرجون معه، فيتبعونه. قال السنديّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: \"اخرجوا مع فلان\": يريدون المهديّ الموعود، فيصير قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الآية حكاية عن قول المهديّ، والأرض البرّيّة، والمراد ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ هو نداء عليّ -﵁- من السماء. فانظروا إلى أولئك القوم، وتحريفهم كتاب الله تعالى، نعوذ بالله منه. انتهى (٤).\n(يَقُولُ جَابِرٌ) الجعفيّ (فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ) أي آية ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\nوحاصل ما أشار إليه جابر في كلامه هذا أن الرافضة تزعم أن هذه الآية نزلت في حقّ المهديّ الذي وُعد بخروجه في آخر الزمان، وهذا مغالطة منهم، فإن المهديّ كان\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٣٢.\n(٢) \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٥/ ٣٤.\n(٣) راجع \"الحلّ المفهم لصحيح مسلم\" للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ص ١٨.\n(٤) راجع المصدر المذكور.","vol":"2","page":184},{"text":"اسم رجل من أولاد الحسين، وقد مات في ذلك الزمان، فزعموا أنه ما مات، بل هو حيّ، فرّ من أيدي الناس إلى غار \"سُرَّ من رأى\"، فاعتكف فيه، ويقول: \"لن نبرح الأرض\": أي لن نخرج من غار \"سُرَّ من رأى\" \"حتى يأذن لي أبي\"، وهو عليّ -﵁-؛ لأنه أيضًا فرّ من أيدي الناس، وسكن في السحاب، فإذا ناداني أن أخرج إليهم أخرج، وكذلك لو حكم الله لي بالخروج أخرج، فيقولون: هذا المهديّ هو عين المهديّ الموعود به في آخر الزمان، يخرج بأمر عليّ -﵁-، أو بأمر الله تعالى من الغار. وهذا هو التأويل الذي أراده جابر بقوله: لم يجىء تأويل هذه الآية. (وَكَذَبَ) في هذا الزعم الباطل، فإنه خطير ضلالاتهم، وعظيم جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية، فإن الآية جاء تأويلها في زمن يوسف ﵇، كما قال سفيان رحمهُ اللهُ تعالى (كَانَت) الآية (فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ) ومضى تأويلها.\n[تنبيه]: تأويل الآية الكريمة: قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أي ألزمها، ولا أبرح مقيمًا فيها، يقال: برِح بَراحًا، وبُرُوحًا: أي زال، فإذا دخل النفي صار مثبتًا. ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالرجوع، فإني أستحيي منه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالممرّ مع أخي، فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى: أو يحكم الله لي بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي، أو أعجز، فأنصرف بعذر، وذلك أن يعقوب ﵇ قال: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، ومن حارب وعجز، فقد أُحيط به. قاله القرطبيّ في \"تفسيره\" (١). وقال النسفيّ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أي فلن أفارق أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الانصراف إليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالخروج منها، أو بالموت، أو بقتالهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنه لا يحكم إلا بالعدل. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٤ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا).\nهذا الإسناد هو الإسناد الماضي.\n[تنبيه]: قال أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ رحمهُ اللهُ تعالى: سقط ذكر \"سلمة بن شبيب\" بين مسلم والحميديّ عند ابن ماهان، والصواب رواية الْجُلُوديّ بإثباته، فإن مسلما لم يَلْقَ الحميديّ. قال أبو عبد الله بن الحذّاء، أحد رواة كتاب مسلم: سألت عبد الغنيّ بن\n_________\n(١) راجع \"الجامع لأحكام القرآن\" ٩/ ٢٤٣.\n(٢) \"تفسير النسفيّ\" ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤.","vol":"2","page":185},{"text":"سعيد، هل روى مسلم عن الحميديّ؟ فقال: لم أره إلا في هذا الموضع، وما أبعد ذلك، أو يكون سقط قبل الحميدي رجل. قال القاضي عياض: وعبد الغنيّ إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان، فلذلك قال ما قال، ولم تكن نسخة الْجُلُوديّ دخلت مصر. قال: وقد ذكر مسلم قبل هذا: حدثنا سلمة، حدثنا الْحُمَيديّ في حديث آخر، كذا هو عند جميعهم، وهو الصواب هنا أيضًا، إن شاء الله تعالى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٥ - (قَالَ مسْلِم: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ، قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْخٌ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: \"مسلم\" هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب، والقائل: قال مسلم تلميذه، ويحتمل أن يكون مسلم نفسه هو القائلَ، فيكون فيه التفات. و\"أبو غسّان\" بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة، هو محمد بن عمرو الرازيّ الملقّب بـ \"زُنَيج\"، وقد تقدّم قريبًا في ٤/ ٥٥. و\"جرير بن عبد الحميد\": هو الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، تقدّم في ٤/ ٤٧. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>شرح الأثر:</span>\nعن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الرَّازِيّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ) وقوله: (فَقُلْتُ) تفسير للسؤال (الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام، ورفع الحارث على الابتداء، وخبره الجملة بعده، ويجوز نصبه على الاشتغال، لكن الأول أولى؛ لعدم ما يوجب النصب، ولا الرفع، ولا ما يرجّح النصب، ولا ما يستوي فيه الأمران، كما أشار إلى تفاصيل هذه الأحوال في \"الخلاصة\" بقوله:\nوَالنَّصْبُ حَتْمٌ إِنْ تَلَا السَّابِقُ مَا ... يَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ كَإِنْ وَحَيْثُمَا\nوَإِنْ تَلَا السَّابِقُ مَا بِالابْتِدَا ... يَخْتَصُّ فَالرَّفْعَ الْتَزِمْهُ أَبَدَا\nكَذَا إِذَا الْفِعْلُ تَلَا مَا لَمْ يَرِدْ ... مَا قَبْلُ مَعْمُولًا لِمَا بَعْدُ وُجِدْ\nوَاخْتِيرَ نَصْبٌ قَبْلَ فِعْلٍ ذِي طَلَبْ ... وَبَعْدَ مَا إِيلَاؤُهُ الْفِعْلَ غَلَبْ\nوَبَعْدَ عَاطِفٍ بِلَا فَصْلٍ عَلَى ... مَعْمُولِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أَوَّلَا\nوَإِنْ تَلَا الْمَعْطُوفُ فِعْلًا مُخْبَرَا ... بِهِ عَنِ اسْمٍ فَاعْطِفَنْ مُخَيَّرَا\n_________\n(١) راجع \"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":186},{"text":"وَالرَّفْعُ فِي غَيْرِ الَّذِي مَرَّ رَجَحْ ... فَمَا أُبِيحَ افْعَلْ وَدَعْ مَا لم يُبَحْ\nو\"حَصِيرة\" بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، آخره هاء. وهو: الحارث بن حَصِيرة الأزديّ، أبو النعمان الكوفي، روى عن زيد بن وهب، وأبي صادق الأزدي، وجابر الجعفي، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وغيرهم. وروى عنه عبد الواحد بن زياد، والثوري، ومالك بن مغول، وعبد السلام بن حرب، وعبد الله بن نمير، وجماعة. قال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة. وقال ابن معين: خَشَبِيّ، ثقة، ينسبونه إلى خشبة زيد بن علي التي صُلِب عليها. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لولا أن الثوري روى عنه لترك حديثه. وقال ابن عدي: عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت، وإذا روى عنه البصريون، فرواياتهم أحاديث متفرقة، وهو أحد من يُعَدُّ من المحترقين بالكوفة في التشيع، وعلى ضعفه يكتب حديثه. وقال الدارقطني: شيخ للشيعة يغلو في التشيع. وقال الآجري عن أبي داود: شيعي، صدوق. ووثقه العجلي، وابن نمير. وقال العقيلي: له غير حديث منكر، لا يتابع عليه، منها حديث أبي ذر في ابن صياد. وقال الأزدي: زائغ، سألت أبا العباس بن سعيد عنه؟ فقال: كان مذموم المذهب، أفسدوه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". روى له البخاري في \"الأدب المفرد\"، والنسائي في \"مسند علي\"، وله ذكر في مقدّمة مسلم هنا فقط.\n(قَالَ) جريرٌ (نَعَمْ) بفتحتين، وسكون الميم، وقد تُكسر العين، لغة حكاها الكسائيّ، ويقال فيها: نَعَام بإشباع الفتحة حتى تَحْدُث الألف، وهي لغة، حكاها المعافى بن زكريّا النهروانيّ، وهي كلمة كبلى، إلا أنه في جواب الواجب، كما في \"المحكم\". وفي \"التهذيب\": إنما يُجاب بها الاستفهام الذي لا جحد فيه، قال: وقد يكون \"نعم\" عِدَةً، وربّما ناقض \"بلى\"، إذا قال: ليس لك عندي وديعة، فتقول: نعم تصديقًا له، وبلى تكذيبًا له، ومثله في \"الصحاح\". وحاصل ما في \"المغني\"، و\"شروحه\": أنه حرف تصديق بعد الخبر، ووعد بعد \"افعل\"، و\"لا تفعل\"، وبعد استفهام، كهل تعطيني، وإعلام بعد استفهام، ولو مُقدّرًا. ذكره المرتضى في \"شرح القاموس\" (١).\nوقال الفيّومي رحمهُ اللهُ تعالى: وقولهم في الجواب: \"نعم\" معناها: التصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد؟، والوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم؟ . قال سيبويه: \"نعم\" عِدَةٌ، وتصديقٌ. قال ابن بَابَشَاذ: يُريد أنها عِدَةٌ في الاستفهام، وتصديقٌ للإخبار، ولا يُريد اجتماع الأمرين فيها في كلّ حال. قال النِّيليُّ:\n_________\n(١) \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٩/ ٨٢.","vol":"2","page":187},{"text":"وهي تُبقِي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفيٍ؛ لأنها وُضعت لتصديق ما تقدّم من غير أن ترفع النفي، وتُبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نعم، كان التقدير: نعم ما جاء، فصدّقت الكلام على نفيه، ولم تُبطل النفي كما تُبطله \"بلى\"، وإن كان قد جاء، قلت في الجواب: بلى، والمعنى: قد جاء، فنعم تُبقي النفي على حاله، ولا تبطله، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ٧٢]، ولو قالوا: نعم كان كفرًا؛ إذ معناه: نعم لست ربنا؛ لأنها لا تزيل النفي، بخلاف \"بلى\"، فإنها للإيجاب بعد النفي. انتهى كلام الفيّوميّ (١).\nوالمعنى هنا: نعم لقيته. (شَيْخٌ) خبر لمحذوف: أي هو شيخ (طَوِيلُ السُّكُوتِ) أي لا يكثر الكلام (يُصِرُّ) بضمّ أوله، من الإصرار، يقال: أصرّ على فعله بالألف: إذا داومه، ولازمه، وأصرّ عليه: إذا عزم. قاله الفيّوميّ (عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ) أي وهو الإيمان بالرجعة، والغلوّ في التشيّع، كما سبق في ترجمته. والمعنى: أنه لا يتوب عن عقيدته الفاسدة، بل هو ملازم لها، ومداوم عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٦ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلًا يَوْمًا، فَقَالَ: لم يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ، فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ) هو: أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدَّوْرَقي النُّكْريّ، أبو عبد الله البغدادي.\nروى عن حفص بن غياث، وجرير، وهشيم، وابن مهديّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال العقيلي: ثقة. وقال الخليلي في \"الإرشاد\": ثقة، متفق عليه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال صالح جزرة: كان أحمد أكثرهما حديثًا وأعلمهما بالحديث، وكان يعقوب -يعني أخاه- أسندهما، وكانا جميعا ثقتين، كان مولد أحمد سنة (١٦٨) ومات في شعبان سنة (٢٤٦). وله في \"صحيح مسلم\" تسعة أحاديث.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦١٤.","vol":"2","page":188},{"text":"وفي \"التقريب\": ثقة حافظ، من العاشرة. انتهى.\n[تنبيه]: \"النُّكْريّ\" -بضم النون-: نسبة إلى بني نُكْر، وهم بطن من عبد القيس. و\"الدَّوْرَقِيّ\" -بفتح الدال، وسكون الواو، وفتح الراء، وبالقاف- قال ابن الجارود في \"مشيخته\": هو من أهل دَوْرَق، من أعمال الأهواز، وهي معروفة، وإليها تُنْسَب القلانس الدَّوْرَقية. ويقال: بل هو منسوب إلى صنعة القلانس، لا إلى البلد. وقال اللالكائي: كان يلبس القلانس الطوال (١).\nوقال النوويّ في \"شرحه\". واختُلف في معنى هذه النسبة، فقيل: كان أبوه ناسكًا: أي عابدًا، وكانوا في ذلك الزمان يُسمُّون الناسك دَوْرقيّا، وهذا القول مرويّ عن أحمد الدَّوْرقيّ هذا، وهو من أشهر الأقوال. وقيل: هي نسبة إلى القلانس الطوال التي تُسمّى الدورقيّة. وقيل: منسوب إلى دَوْرق بلدة بفارس، أو غيرها. انتهى (٢).\n٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبريّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّم في ٢/ ٧.\n٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الإمام الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) أنه (قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّمت ترجمته (رَجُلًا) لا يعرف، كما قاله صاحب \"تنبيه المعلم\" (يَوْمًا) ظرف لذكر: أي في يوم من الأيّام (فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ) كناية عن كذبه: أي إنه يكذب (وَذَكَرَ) أيوب (آخَرَ) أي رجلا آخر، ولا يُعرف، كما قاله صاحب \"التنبيه\" (فَقَالَ) أيوب (هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ) -بفتح الراء، وسكون القاف-: أي الكتابة، وهو أيضًا كناية عن كذبه. قال القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى: هذا كلّه تعريضٌ بالكذب في نفي استقامة اللسان، وفي استعارة الزيادة في الرقم، كالتاجر الذي يزيد في رقم السلعة، ويكذب فيها؛ ليَرْبَح على الناس، ويغرّهم بذلك الرقم؛ ليشتروا عليه. انتهى (٣).\nوذلك كأن يشتري شيئًا بعشرة، ويكتب عليها أنه اشتراها بخمسة عشر؛ ليبيعه بزيادة على خمسة عشر، فقد كذب، وغشّ الناس، حيث أوهم أنه اشتراه بما لم يشتر به، وكذلك المحدّث إذا روى حديثًا لم يسمعه من شيخ، ولا أجازه، فقد كذب، وغشّ\n_________\n(١) راجع \"تهذيب التهذيب\" ١/ ١٣ - ١٤.\n(٢) \"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(٣) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٤٥.","vol":"2","page":189},{"text":"الناس، حيث أوهمهم أنه مما سمعه من ذلك الشيخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٧ - (حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّ لِي جَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (حجاج بن الشاعر) هو: حجاج بن أبي يعقوب، يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ الثقة، تقدّم في ٤/ ٣٨.\n٢ - (سليمان بن حرب) بن بَجِيل الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، وواشح من الأزد، سكن مكة، وكان قاضيها.\nرَوَى عن شعبة، ومحمد بن طلحة بن مصرف، ووهيب بن خالد، وحَوْشب بن عَقِيل، والحمادين، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي داود سليمان بن مَعْبَد، وأحمد بن سعيد الدارمي، وحجاج ابن الشاعر، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: إمام من الأئمة، كان لا يدلس، ويتكلم في الرجال، وفي الفقه، وليس بدون عفان، ولعله أكبر منه، وقد ظهر من حديثه نحو من عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابا قط، وهو أحب إلي من أبي سلمة في حماد بن سلمة، وفي كل شيء، ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد، فَحَزَرُوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، فأتينا عفان، فقال: ما حدثكم أبو أيوب، فإذا هو يُعَظِّمه. وقال أبو حاتم أيضا: كان سليمان بن حرب قَلّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ، فاعلم أنه ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سليمان بن حرب يقول: طلبت الحديث سنة (٥٨) ولزمت حماد بن زيد تسع عشرة سنة. قال: وسمعته يقول: أَعْقِل موت ابن عون. وقال يحيى بن أكثم: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ، منهم سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذلك، فقَدِمَ، وولاه قضاء مكة، فخرج إليها. قال الخطيب: وكان ذلك سنة (٢١٤) فلم يزل على ذلك إلى أن عزله سنة (١٩). وقال الآجري عن أبي داود: كان سليمان بن حرب يحدث بالحديث، ثم يحدث به كأنه ليس ذاك. قال الخطيب: كان يروي على المعنى، فيغير ألفاظه. وقال عبد الله بن","vol":"2","page":190},{"text":"أحمد عن أبيه: كتبنا عن سليمان بن حرب، وابن عيينة حي. وقال يعقوب بن شيبة: ثنا سليمان بن حرب، وكان ثقة، ثبتًا، صاحب حفظ. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن خراش: كان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن قانع: ثقة، مأمون. وقال ابن عدي: كان يغسل الموتى، وكان خَيِّرًا فاضلًا. قال البخاري: قال سليمان بن حرب: وُلدت سنة (١٤٠). وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقد ولي قضاء مكة، ثم عُزِل، فرجع إلى البصرة، فلم يزل بها حتى توفي بها لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين ومائتين. وكذا قال غيره. وقال غيرهم: سنة (٢٣) وقيل: سنة (٢٧)، والأول أصح. وله في \"صحيح مسلم\" ثمانية أحاديث (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، إمام، حافظ، من التاسعة. مات سنة (٢٢٤) وله (٨٠) سنة. انتهى.\n٣ - (حماد بن زيد) المذكور قبله. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>شرح الأثر:</span>\nعن حمّاد بن زيد، أنه (قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ) السختيانيّ (إِنَّ لِي جَارًا) لم يعرف اسمه، كما قاله صاحب \"التنبيه\" (ثُمَّ ذَكَرَ) أيوب (مِنْ فَضْلِهِ) -بفتح، فسكون-: أي خيره، ومثله الفضيلة، وهو خلاف النقص، والنقيصة، و\"من\" للتبعيض: أي ذكر بعض ما يتحلّى به من العبادة، ونحوها، مما يفضل به على غيره. (وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً) أي لكونه غير أهل لتحمّل الشهادة، وأدائها؛ لأن الشهادة كالرواية لا بُدّ لقبولها من شرطين. وهما: العدالة، والضبط، فإذا فُقد أحدهما انتفى قبولها. والظاهر أن الرجل فُقد منه الضبط؛ لأن أيوب وصفه بالفضل، فالظاهر تحقّق العدالة له، ولكن العدالة وحدها لا تكفي حتى يتحقّق الضبط، فلا بدّ من تحقّقهما معًا حتى تقبل شهادته وروايته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٨ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،\n_________\n(١) قال في \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\": روى عنه البخاري مائة وسبعة وعشرين حديثًا، والذي في برنامج الحديث أن له في \"صحيح البخاريّ\" (١٤٨) حديثًا، والظاهر أن هذا أقرب للصواب.","vol":"2","page":191},{"text":"قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُّ، إِلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ -يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ- فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ، فَقَالَ ﵀: كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ).\nرجال هذا الإسناد: أربعة:\n١ - (محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوريّ الحافظ، تقدّم في ٣/ ١٨.\n٢ - (حجاج بن الشاعر) المذكور في السند الماضي.\n٣ - (عبد الرزّاق) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ الحافظ المشهور، تقدّم في ٣/ ١٨.\n٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ الثقة الثبت، تقدّم في ٣/ ١٨. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>شرح الأثر:</span>\nعن عبد الرزاق، أنه (قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ) أي ابن راشد (مَا) نافية (رَأَيْتُ أَيُّوبَ) السختيانيّ (اغْتَابَ أَحَدًا) أي ذكره بما يكره من العيوب التي فيه، فإن لم تكن فيه، فهو بُهتان، وهو أشدّ، وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أتدرون ما الغيبة؟ \"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته\".\n(قَطُّ) تقدّم قريبًا الكلام في ضبطها: أي فيما مضى من الزمن (إِلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ - يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ-) هو: عبد الكريم بن أبي الْمُخَارق، واسمه قيس، ويقال: طارق المعلم البصري، نزل مكة. روى عن أنس بن مالك، وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاووس، وغيرهم. وروى عنه عطاء، ومجاهد، ومحمد بن إسحاق، وابن جريج، وغيرهم. قال معمر: سألني حماد -يعني ابن أبي سليمان- عن فقهائنا، فذكرتهم، فقال: قد تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أمية، قال أحمد بن حنبل: كان يوافقه على الإرجاء. وقال ابن معين: ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، قال: قال أيوب: لا تأخذوا عن أبي أمية عبد الكريم، فإنه ليس بثقة. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن ويحيى لا يحدثان عنه. وسألت عبد الرحمن عن حديث من حديثه، فقال: دعه، فلما قام ظننت أنه يحدثني به فسألته، فقال: فأين التقوى. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان ابن عيينة يستضعفه، قلت له: هو ضعيف؟ قال: نعم. وقال الدوري عن ابن معين: قد روى مالك عن عبد الكريم، أبي أمية، وهو بصري ضعيف. وقال خالد","vol":"2","page":192},{"text":"الحذاء: كان عبد الكريم إذا سافر يقول أبو العالية: اللهم لا ترد علينا صاحب الأكسية. وعَدّه أبو داود من خير أهل البصرة. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال السعدي: كان غير ثقة. وكذا قال النسائي في موضع آخر. وقال ابن حبان: كان كثير الوهم، فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال أبو داود، والخليلي، وغير واحد: ما روى مالك عن أضعف منه. وقال الحاكم، أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الجزري: غيره أوثق منه. وذكره ابن الْبَرْقي في طبقة من نُسِب إلى الضعف. وقال أبو زرعة: لين. وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. ومن أجلّ من جرحه أبو العالية، وأيوب مع ورعه، غَرّ مالكا سَمْتُهُ، ولم يكن من أهل بلده، ولم يخرج عنه حكما، إنما ذكر عنه ترغيبًا. روى له البخاري تعليقًا، ومسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود في \"المسائل\"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الحافظ أبو محمد المنذري: لم يخرج له مسلم شيئا أصلًا، لا متابعة، ولا غيره، وإنما أخرج لعبد الكريم الجزري. مات سنة (١٢٧) كما جزم به البخاري في \"تاريخه الكبير\". وفي تاريخ ابن أبي خيثمة ما يقتضي أنه مات سنة ست وعشرين ومائة، وكذلك صرح به في موضع آخر من \"تاريخه\". فالله أعلم. وقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، له في البخاريّ زيادة في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبّاس في الذكر عند القيام، قال سفيان: زاد عبد الكريم، فذكر شيئًا، وهذا موصول، وعلّم له المزّيّ علامة التعليق، وليس هو معلّقًا، وله ذكر في مقدمة مسلم، وما روى له النسائيّ إلا قليلًا، من السادسة. انتهى.\n(فَإِنَّه) أي أيوب (ذَكَرَهُ) أي ذكر عبد الكريم (فَقَالَ ﵀) الظاهر أن هذه الجملة الدعائيّة من قوِل معمر، دعاء لشيخه أيوب، وأما كونها من أيوب دعاء لعبد الكريم، ففيه بُعْدٌ (كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ) ثم استدلّ على عدم كونه ثقة بقوله: (لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ) قال صاحب \"التنبيه\": لا أعرف هذا الحديث (لِعِكْرِمَةَ) الظاهر أنه مولى ابن عبّاس ﵄ (ثُمَّ قَالَ) أي عبد الكريم (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) أي ادّعى أنه سمع ذلك الحديث الذي أخبره أيوب عن عكرمة.\nقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: هذا القطع بكذبه، وكونه غير ثقة بمثل هذه القضية، قد يُستَشكل من حيث إنه يجوز أن يكون سمعه من عكرمة، ثم نسيه، فسأل عنه، ثم ذكره، فرواه، ولكن عُرِف كذبه بقرائن. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ أن ما ذكره أيوب\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٠٤.","vol":"2","page":193},{"text":"على تكذيب عبد الكريم ليس كافيًا، إلا بانضمام قرائن خارجيّة، فإن مثل هذا لو وُجد من ثقة حافظ لقُبل منه حملًا على أنه سمعه من الشيخ، ثم نسيه، فلما سأل من سمعه من ذلك تذكّره، فجعل يحدّث به من الشيخ، لكن لما ثبت عند أيوب كذب عبد الكريم بقرائن أخرى، ضمّ إليها هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٦٩ - (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ، مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الفضل بن سهل) الأعرج البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقة تقدّم في ٤/ ٤١.\n٢ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ الثقة الثبت، تقدّم في ٤/ ٢٤.\n٣ - (همّام) بن يحيى بن دينار الأزدي الْعَوْذي الْمُحَلِّمِيّ (١) مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري.\nرَوَى عن عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وأبي جمرة الضبعي، وقتادة، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وابن المبارك، وابن علية، وعفّان، وغيرهم.\nقال عُمَر بن شَبّةَ عن عفان: كان يحيى بن سعيد يَعتَرض على همام في كثير من حديثه، فلما قَدِم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره، فكفّ يحيى بعدُ عنه. وقال أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون: كان همام قويا في الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثبت في كل المشايخ. وقال الأثرم عن أحمد: كان عبد الرحمن يرضاه. وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعت ابن مهدي يقول: همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة. وقال ابن مُحْرِز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العطار في يحيى بن أبي كثير. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروي عن أبان، ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان.\n_________\n(١) \"العوذيّ\" -بفتح العين المهملة، وسكون الواو، وكسر الذال المعجمة-: نسبة إلى عَوْذ بطن من الأزد. قاله في \"اللبّ\" ٢/ ١٢٣. و\"الْمُحَلّميّ\" -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد اللام المكسورة-: نسبة إلى مُحَلِّم بن ذُهل بن شيبان. قاله في \"الأنساب\" ٥/ ٢١٦.","vol":"2","page":194},{"text":"وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة، صالح، وهو أحب إلي في قتادة من حماد بن سلمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: همام في قتادة أحب إلي من أبي عوانة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين مثله، وزاد: قلت: همام أحب إليك في قتادة، أو أبان؟ قال: ما أقربهما، كلاهما ثقتان. وقال ابن المديني لما ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبه أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكن ليحيى فيه رأي، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه. وقال ابن عمار: كان يحيى بن سعيد لا يعبأ بهمام، ويقول: ألا تعجبون من عبد الرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام. وقال عمرو ابن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن همام، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. قال: وسمعت إبراهيم بن عرعرة قال ليحيى: ثنا عفان، ثنا همام، فقال له: اسكت ويحك. قال عمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة بن أبي عروبة، وهشام، وشعبة، وهمام. وقال ابن المبارك: همام ثبت في قتادة. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع يقول: همام حفظه رديء، وكتابه صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة، ربما غَلِطَ في الحديث. وقال ابن أبي حاتم سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: لا بأس به. قال: وسئل أبي عن همام وأبان من تقدم منهما؟ قال: همام أحب إلي ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط. قال: وسألت أبي عن همام؟ فقال: ثقة صدوق، في حفظه شيء، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة، وأبان العطار، في قتادة. وقال ابن عدي: أخبرني إسحاق بن يوسف، أظنه عن عبد الله ابن أحمد عن أبيه: قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، فلم يَعُدّله همام، فنَقِمَ عليه. وقال ابن أبي خيثمة: قال عبد الرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بن سعيد همام ابن يحيى، لم يكن له به علم، ولا مجالسة. وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عفان يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالَف، فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعدُ فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرا، فنستغفر الله تعالى.\nقال الحافظ: وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وقال أبو بكر البرديجي: همام صدوق، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأبان العطار أمثل منه. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال الحاكم: ثقة حافظ. وقال الساجي: صدوق سيىء الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء. وقال ابن عدي: وهمام أشهر، وأصدق من أن يُذكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير. قال","vol":"2","page":195},{"text":"محمد بن محبوب: مات سنة ثلاث وستين ومائة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة أربع وستين. وقال الميموني عن أحمد، عن سريج بن النعمان: قدمت البصرة سنة أربع أو خمس وستين، فقيل لي: مات همام منذ جمعة، أو جمعتين. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٨) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، ربّما وَهِم، من السابعة. انتهى. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>شرح الأثر:</span>\nعن همّام بن يحيى العوذيّ، أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى) نفيع بن الحارث الهمداني الدارمي، ويقال: السبيعي الكوفي القاصّ، ويقال: اسمه نافع. روى عن عمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأبي برزة الأسلمي، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي إسحاق، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم. قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن نفيع، أبي داود. قال: وسمعت عبد الرحمن يقول: سفيان عن إسماعيل، عن رجل، عن أنس، فقال له رجل: هذا أبو داود، فقال: لم يسمه. وقال شريك: دخلت على أبي داود الأعمى، فجعل يقول: سمعت سعيد، وسمعت ابن عمر، وسمعت ابن عباس، ثم أعادها في ذلك المجلس، فجعل حديث ذا لذا، وحديث ذا لذا. وقال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو داود الأعمى يقول: سمعت العبادلة، ولم يسمع منهم شيئا. وقال أيضا: سمعت ابن معين يقول: أبو داود الأعمى يضع، ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال الترمذي: يضعف في الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال العقيلي: كان ممن يغلو في الرفض. وقال ابن عدي: هو في جملة الغالية بالكوفة. وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": نفيع أبو داود الأعمى، يروي عن الثقات الموضوعات توهما، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الساجي: كان منكر الحديث، يكذب. وقال الدولابي، والدارقطني: متروك. وقال الحاكم: روى عن بريدة، وأنس أحاديث موضوعة. وذكره البخاري في \"الأوسط\" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، وكَذّبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وله ذكر عند مسلم هنا في المقدّمة فقط.\n(فَجَعَلَ) أي فشرع (يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ) أي ابن عازب الصحابيّ المشهور ﵄ (قَالَ) أي أبو داود (وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) -﵁- (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ) بن دِعامة بن قتادة بن عَزيز بن عَمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سَدُوس، أبو الخطاب","vol":"2","page":196},{"text":"السدوسي البصري، وُلِد أكمه، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِس، وأبي الطفيل، وغيرهم. وروى عنه أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وجرير بن حازم، وشعبة، وهمام، وغيرهم. قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، أنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتحل يا أعمى، فقد أنزفتني. وقال سلام بن مسكين: حدثني عمرو بن عبد الله، قال: لما قدم قتادة على سعيد بن المسيب، فجعل يسأله أياما وأكثر، فقال له سعيد: أكل ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وقال فيه الحسن كذا، حتى رَدّ عليه حديثا كثيرا، قال: فقال سعيد. ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. وعن سعيد بن المسيب قال: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة. وقال بكير بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال مطر الوراق: كان قتادة إذا سمع الحديث أخذه الْعَوِيل والزَّوِيل حتى يحفظه. وقال معمر: قال قتادة لسعيد بن أبي عروبة: خذ المصحف، قال: فعرض عليه سورة البقرة، فلم يخطئ فيها حرفا واحدا: قال يا أبا النضر أحكمتُ؟ قال: نعم، قال: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، قال: وكانت قرئت عليه. وقال مطر الوراق: ما زال قتادة متعلما حتى مات. وقال حنظلة بن أبي سفيان: كان طاوس يَفِرّ من قتادة، وكان قتادة يُرمَى بالقدر. وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترُك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها، قال: كيف تصنع بقتادة، وابن أبي رَوّاد، وعُمر بن ذَرّ، وذكر قوما، ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب، تركت ناسا كثيرًا. وقال معتمر بن سليمان، عن أبي عمرو بن العلاء: كان قتادة، وعمرو بن شعيب لا يَغِث عليهما شيء، يأخذان عن كل أحد. وقال جرير عن مغيرة، عن الشعبي: قتادة حاطب ليل. وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: كان قتادة إذا جاء ما سمع قال: حدثنا، وإذا جاء ما لم يسمع قال: قال فلان. وقال أبو مسلمة، سعيد بن يزيد: سمعت أبا قلابة، وقال له رجل: من أسأل؟ أسأل قتادة؟، قال: نعم، سل قتادة. وقال شعبة: حدثت سفيان بحديث عن قتادة، فقال لي: وكان في الدنيا مثل قتادة؟ . قال معمر: قلت للزهري: أقتادة أعلم عندك أم مكحول؟ قال: لا بل قتادة. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد الطويل. قال أبو حاتم: صدق ابن مهدي. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: ما قلت لمحدث قط أَعِدْ عليّ، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا حجة في الحديث، وكان يقول بشيء من القدر. وقال همام: لم يكن قتادة يَلْحَن. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن","vol":"2","page":197},{"text":"حنبل، وذكر قتادة، فأطنب في ذكره، فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلما تجد من يتقدمه، أما المثل فلعل. وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، وكان سليمان التيمي وأيوب، يحتاجون إلى حفظه، ويسألونه، وكان له خمس وخمسون سنة يوم مات. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: قتادة من أعلم أصحاب الحسن. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم قتادة، قال: وهو أحب إلي من أيوب، ويزيد الرشك إذا ذكر الخبر -يعني إذا صرح بالسماع. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان جمن علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه، مات بواسط سنة (١١٧)، وكان مدلسا على قدر فيه. وقال عمرو بن علي: وُلد سنة (٦١) ومات سنة سبع عشرة ومائة. وقال أبو حاتم: توفي بواسط في الطاعون، وهو ابن ست، أو سبع وخمسين سنة بعد الحسن بسبع سنين. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات سنة (١١٧) أو (١٨).\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، رأس الطبقة الرابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٤٧) حديثًا.\n(فَقَالَ) قتادة (كَذَبَ) بتخفيف الذال: أي كذب فيما ادّعاه من السماع من البراء، وزيد، ونحوهم، وقوله: (مَا سَمِعَ مِنْهُمْ) \"ما\" نافية، والجملة تعليلية لما قبلها، فكأنه قال: لأنه لم يسمع منهم، وإنما جمع الضمير، مع أنه ذكر البراء، وزيد بن أرقم فقط؛ لأن مراده منهما، ومن أمثالهما، بدليل الرواية التالية، حيث قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريّا. ثم علّل عدم سماعه منهم، فقال: (إِنَّمَا كَان ذَلِكَ) أي أبو داود الأعمى (سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ) أي يسأل من الناس بكفّه، يقال: تكفّف الرجل الناس، واستكفّهم: إذا مدّ كفّه إليهم بالمسألة، وقيل: إذا أخذ الشيء بكفّه. قاله الفيّوميّ (١).\nوقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: \"يتكفف الناس\" معناه: يسألهم في كفه، أو بكفه، ووقع في بعض النسخ \"يتطفف\" -بالطاء- وهو بمعنى \"يتكفف\": أي يسأل في كفه الطفيف، وهو القليل. وذكر ابن أبي حاتم في كتابه \"الجرح والتعديل\" وغيره: \"يتنطف\"، ولعله مأخوذ من قولهم: ما تنطفت به: أي ما تلطخت. انتهى (٢).\n(زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ) بنصب \"زمن\" على الظرفية ليتكفّف. والمراد أنه ليس ممن\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٣٦.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٠٥.","vol":"2","page":198},{"text":"يطلب العلم في ذلك الوقت، فكيف يدّعي السماع منهم.\n[تنبيهات]:\n(الأول): طاعون الجارف سُمّي بذلك؛ لكثرة من مات فيه من الناس، وسمى الموت جارفًا؛ لاجترافه الناس، وسُمّي السيل جارفًا؛ لاجترافه على وجه الأرض، والْجَرْف: الْغَرْف من فوق الأرض، وكَشْحِ ما عليها.\n(الثاني): الطاعون: وباء معروف، وهو بَثْرٌ، ووَرَمٌ مُؤلِم جدّا، يَخرُج مع لَهَبٍ، ويَسْوَدُّ ما حوله، أو يَخْضرّ، أو يَحْمَرّ حمرة بَنَفْسَجِيّة، كَدِرة، ويحصل معه خَفَقَان القلبِ، والقيءُ.\n(الثالث): أنه اختَلَف العلماء رحمه الله تعالى في زمن طاعون الجارف على أقوال، اختلافا شديدًا، متباينا تباينا بعيدًا، فمن ذلك ما قاله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في أول \"التمهيد\": قال: مات أيوب السختياني في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، في طاعون الجارف. ونقل ابن قتيبة في \"المعارف\" عن الأصمعيّ أن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير سنة سبع وستين. وكذا قال أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب \"التعازي\": إن الطاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير ﵄، سنة سبع وستين في شوال. وكذا ذكر الكلاباذيّ في كتابه في رجال البخاريّ معنى هذا، فإنه قال: وُلد أيوب السختياني سنة ست وستين، وفي قول: إنه وُلد قبل الجارف بسنة. وقال القاضي عياض في هذا الموضع: كان الجارف سنة تسع عشرة ومائة. وذكر الحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ في ترجمة عبد الله بن مطرف، عن يحيى القطان قال: مات مطرف بعد طاعون الجارف، وكان الجارف سنة سبع وثمانين. وذكر في ترجمة يونس بن عبيد أنه رأى أنس بن مالك، وأنه وُلد بعد الجارف، ومات سنة سبع وثلاثين ومائة. فهذه أقوال متعارضة، فيجوز أن يجمع بينها بأن كل طاعون من هذه يُسمى جارفًا؛ لأن معنى الْجَرْف موجود في جميعها، وكانت الطواعين كثيرة، ذكر ابن قتيبة في \"المعارف\" عن الأصمعيّ أن أول طاعون كان في الإسلام طاعون عمواس بالشام، في زمن عمر بن الخطاب -﵁-، فيه تُوُفّي أبو عبيدة بن الجراح -﵁-، ومعاذ بن جبل، وامرأتاه، وابنه ﵃. ثم الجارف في زمن ابن الزبير، ثم طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في العذارِي والجواري بالبصرة، وبواسط، وبالشام والكوفة، وكان الحجاج يومئذ بواسط، في ولاية عبد الملك بن مروان، وكان يقال له: طاعون الأشراف، يعنى لما مات فيه من الأشراف. ثم طاعون عديّ بن أرطاة سنة مائة. ثم طاعون غُرَاب سنة سبع وعشرين ومائة. وغراب رجل. ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة إحدى وثلاثين ومائة، في شعبان، وشهر رمضان، وأقلع في شوال، وفيه مات أيوب","vol":"2","page":199},{"text":"السختيانيّ، قال: ولم يقع بالمدينة، ولا بمكة طاعون قط، هذا ما حكاه ابن قتيبة. وقال أبو الحسن المداينيّ: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن، على عهد النبيّ -ﷺ- في سنة ست من الهجرة، ثم طاعون عمواس، في زمن عمر بن الخطاب -﵁-، وكان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفا، ثم طاعون الجارف، في زمن ابن الزبير، في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام، في كل يوم سبعون ألفا، مات فيه لأنس بن مالك -﵁- ثلاثة وثمانون ابنا، ويقال: ثلاثة وسبعون ابنا. ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنا. ثم طاعون الفتيات، في شوال، سنة سبع وثمانين، ثم كان طاعون في سنة إحدى وثلاثين ومائة، في رجب، واشتد في شهر رمضان، فكان يُحصَى في سكة المِرْبَد في كل يوم ألف جنازة أياما، ثم خف في شوال. وكان بالكوفة طاعون، وهو الذي مات فيه المغيرة بن شعبة، سنة خمسين. هذا ما ذكره المدائنيّ، وكان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة.\nو\"عمواس\": قرية بين الرملة وبيت المقدس، نُسِب الطاعون إليها لكونه بدأ فيها، وقيل: لأنه عم الناس وتواسوا فيه. ذكر القولين الحافظ عبد الغنيّ في ترجمة أبي عبيدة ابن الجراح -﵁-.\nو\"عمواس\" -بفتح العين والميم-.\nقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: فهذا مختصر ما يتعلق بالطاعون، فإذا عُلم ما قالوه في طاعون الجارف، فإن قتادة وُلد سنة إحدى وستين، ومات سنة سبع عشرة ومائة على المشهور، وقيل: سنة ثمان عشرة، ويلزم من هذا بطلان ما فسر به القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى طاعون الجارف هنا، ويتعين أحد الطاعونين، فإمّا سنة سبع وستين، فإن قتادة كان ابن ست سنين في ذلك الوقت، ومثله يضبطه، وإما سنة سبع وثمانين، وهو الأظهر، إن شاء الله تعالى. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى تحقيقٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٠ - (وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ، فَلَمَّا قَامَ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَقِيَ\n_________\n(١) \"شرح النوويّ على مسلم\" ١/ ١٠٥ - ١٠٧.","vol":"2","page":200},{"text":"ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا، فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ، لَا يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً، وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ بَدْرِيِّ مُشَافَهَةً، إِلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الحسن بن عليّ الْحُلْوَانيّ) نزيل مكة الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٢.\n٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٤٣.\n٣ - (همّام) بن يحيى الْعَوذيّ المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>شرح الأثر:</span>\nعن همّام بن يحيى، أنه (قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ) بن دِعامة (فَلَمَّا قَامَ) أي خرج من عند قتادة (قَالُوا) أي الناس الحاضرون (إِنَّ هَذَا) أي أبا داود الأعمى (يَزْعُمُ) بضم العين المهملة، من باب نصر، وفي \"الزعم\" ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس. قال الأزهريّ: أكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، ولا يَتَحَقّق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زَعَمَ زعمًا: قال خبرًا لا يُدرى أحقٌّ هو أو باطلٌ. قال الخطّابيّ: ولهذا قيل: زعم مطيّة الكذب (١). ويُطلق الزعم بمعنى القول، ومنه: زعمت الحنفيّة كذا: أي قالت، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ الآية [الإسراء: ٩٢]: أي كما أخبرت. ويُطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد: ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]. أفاده الفيّوميّ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى المناسب هنا هو ما قاله ابن الْقُوطيّة: أي إنه يقول قولًا لا ندري، أحقٌّ هو أم لا؟ . والله تعالى أعلم.\n(أَنَّهُ لَقِيَ) بكسر القاف، من باب علم (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا) أي ثمانية عشر صحابيّا، حضروا غزوة بدر مع رسول الله -ﷺ-، وكانت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وقصّتها مشهورة (فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا) يعني أبا داود الأعمى (كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ) لا ينافي هذا قوله في الرواية الماضية: \"كان سائلا زمن طاعون الجارف\"؛ لأن المقصود\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\"، وأبو داود في \"سننه\" من حديث حذيفة ﵁، بلفظ. \"بئس مطيّة الرجل زعموا\". راجع \"صحيح الجامع الصغير\" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ١/ ٥٤٧ رقم (٢٨٤٦).\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٥٣.","vol":"2","page":201},{"text":"أن حاله حال من لا يتصدّى لطلب العلم في كلّ زمن، في الطاعون أو قبله. (لَا يَعْرِضُ) بفتح أوله، وكسر الراء، من باب ضرب (فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا) أي من الحديث. والمراد أنه لا يعتني بطلب شيء من علم الحديث (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ) أي في علم الحديث، والمراد أنه لا يعتني بسؤال العلماء. (فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (عَنْ بَدْرِيٍّ) أي عن صحابيّ حضر غزوة بدر (مُشَافَهَةً) أي بلا واسطة، قال الجوهريّ: المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه. انتهى (١). وقال المجد: شافهه: أدنى شفته من شفته (٢).\n[فائدة]: قال الفيّوميّ رحمهُ اللهُ تعالى: \"الشّفَة\": مخفّف، ولامها محذوفة، والهاء عوضٌ عنها، وللعرب فيها لغاتٌ، منهم من يجعلها هاءً، ويَبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفَهَةٌ، وتُجمع على شِفَاه، مثل كَلْبة وكلاب، وعلى شَفَهَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات: وتُصغّر على شُفَيهة، وكلّمته مشافهة، والحروف الشفهيّة. ومنهم من يجعلها واوًا، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفَوَةٌ، وتُجمع على شَفَوَات، مثلُ شَهْوة وشَهَوَات، وتُصغّر على شُفيّة، وكلّمته مُشَافَاةً، والحروف الشّفَويّة. ونَقَل ابن فارس القولين عن الخليل. وقال الأزهريّ أيضًا: قال الليث: تُجمع الشفة على شَفَهات، وشَفَوَات، والهاء أقيس، والواو أعمّ؛ لأنهم شبّهوها بسنوات، ونُقصانها حذف هائها. قال: ولا تكون الشفة إلا من الإنسان، ويقال في الْفَرْق: الشفة من الإنسان، والْمِشْفر من ذي الْخُفّ، والْجَحْفَلَةُ من ذي الحافر، والْمِقَمّةُ من ذي الظلف، والْخَطْمُ، والْخُرْطُومُ من السباع، والْمَنْسَرُ -بفتح الميم، وكسرها، والسين مفتوحة فيهما- من ذي الجناح الصائد، والْمِنْقَار من غير الصائد، والْفِنْطِيسَةُ من الْخِنْزير. انتهى (٣).\nونظصت الفروق المذكورة، فقلت:\nفَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ أَنِيقَهْ ... بِحِفْظِهَا وَفَهْمِهَا خَلِيقَهْ\nفَشَفَةٌ لِلنَّاسِ قُلْ وَالْمِشْفَرُ ... غَدَا لِذِي الْخُفِّ فَخُذْهُ تُشْكَرُ\nوَقُلْ لِذِي الْحَافِرِ جَاءَ جَحْفَلَهْ ... مِقَمَّةٌ ذَوَاتَ ظِلْفٍ شَمَلَهْ (٤)\nوَالْخَطْمُ وَالْخُرْطُومُ لِلسِّبَاعِ ... وَمَنْسَرٌ لِذِي الْجَنَاحِ السَّاعِي\nللاصْطِيَادِ وَالَّذِي لا صَيْدَ لَهْ ... أَتَى لَهُ الْمِنْقَارُ عِنْدَ النَّقَلَهْ\nقَالُوا وَلِلْخِنْزِيرِ جَا فِنْطِيسَةُ ... فَاحْفَظْ لَهَا فَإِنَّهَا نَفِيسَةُ\n_________\n(١) \"الصحاح\" ٥/ ١٧٩٠.\n(٢) \"القاموس\" ص ١١٢٤.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٤) ذكرّ الضمير للضرورة.","vol":"2","page":202},{"text":"(وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشي المخزومي، روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وحكيم بن حِزَام، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبيه المسيب، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وقتادة، وشريك بن أبي نمر، وأبو الزناد، وغيرهم. قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المفتين. وعن عمرو بن ميمون ابن مهران عن أبيه: قال: قدمت المدينة، فسألت عن أعلم أهل المدينة، فدُفعت إلى سعيد بن المسيب. وقال ابن شهاب: قال لي عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير: إن كنت تريد هذا -يعني الفقه- فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيب. وقال قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال محمد بن إسحاق عن مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم منه. وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين. وقال البخاري: قال لي علي عن أبي داود، عن شعبة، عن إياس بن معاوية، قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قلت: من مُزَينة، قال: إني لأذكر يوم نَعَى عمر ابن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ فقال: ومن مثل سعيد؟ ثقة، من أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه، وإذا لم يُقبل سعيد عن عمر، فمن يُقْبَل؟ . وقال الميموني وحنبل، عن أحمد: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. وقال عثمان الحارثي عن أحمد: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما من سعيد بن المسيب، قال: وإذا قال: مضت السنة، فحسبك به، قال: هو عندي أجل التابعين. وقال الربيع عن الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن. وقال الليث عن يحيى بن سعيد: كان ابن المسيب يُسَمَّى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن سعيد: ما بقي أحدٌ أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله -ﷺ-، وكل قضاء قضاه أبو بكر، وكل قضاء قضاه عمر، قال إبراهيم عن أبيه: وأحسبه قال: وكل قضاء قضاه عثمان مني. وقال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب، يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. وقال مالك: لم يدرك عمر، ولكن لما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره. وقال قتادة: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب. وقال العجلي: كان رجلا صالحا فقيهًا، وكان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة يتجر بها في الزيت. وقال أبو زرعة: مدني، قرشي، ثقة، إمام. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة. وقال ابن حبان في","vol":"2","page":203},{"text":"\"الثقات\": كان من سادات التابعين فقهًا ودينًا وورعًا وعبادة وفضلًا، وكان أفقه أهل الحجاز، وأعبر الناس لرؤيا، ما نودي بالصلاة من أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد، فلما بايع عبد الملك للوليد وسليمان، وأَبَى سعيد ذلك فضربه، هشام بن إسماعيل المخزومي ثلاثين سوطًا، وألبسه ثيابا من شعر، وأمر به فطيف به، ثم سُجِن.\nقال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين، في خلافة الوليد، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين.\nوقال في \"التقريب\": أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية (١)، اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٤٣) حديثًا.\n[تنبيه]: المسيب والد سعيد صحابيّ مشهور، -﵁-، وهو بكسر الياء، وفتحها، والكسر أولى، وإن كان الفتح هو المشهور، فقد حكى صاحب \"مطالع الأنوار\" عن عليّ بن المديني أنه قال: أهل العراق يفتحون الياء، وأهل المدينة يكسرونها، قال: وحُكي أن سعيدا كان يكره الفتح. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كسر الياء هو الأولى؛ لأن أهل المدينة أدرى بضبط أسماء أهل بلدهم، ولأنه روي عنه الكراهة للفتح، وحُكي أيضًا أنه دعا على من فتحه. والله تعالى أعلم.\nوإلى جواز الوجهين أشار الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفية الأثر\"، حيث قال:\nكُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى ... أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهيْنِ حَوَى\nوقلت في ترجيح الكسر مذيّلًا لكلامه:\nقُلْتُ وَكَسْرُهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى ... أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا\nوَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ ... بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ\nفَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ تَكُنْ مُجَانِبَا ... دُعَاءَهُ وَنِعْمَ ذَاكَ مَطْلَبَا\n_________\n(١) هكذا في نسخ \"التقريب\" \"من كبار الثانية\"، والظاهر أنه من كبار الثالثة، كما لا يخفى؛ لأنه وُلِد لسنتين مضتا من خلافة عمر -﵁- ولم يسمع من بلال، ومن زيد بن ثابت، ولا من عمرو بن العاص، ولا من عبد الله بن زيد صاحب الأذان، ولا من عتّاب بن أَسِيد -﵁-، واختُلف في سماعه من عمر -﵁-، فمثل هذا يكون من كبار الطبقة الثالثة، لا من كبار الطبقة الثانية، فتبصّر. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":204},{"text":"[تنبيه آخر]: سعيد بن المسيِّب رحمهُ اللهُ تعالى هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:\nإِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ\nفَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ\nوقال الحافظ العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ألفيّة الحديث\":\nوَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ... خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ\nثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ الله ... سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ\nإِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ ... أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ\n(عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً، إِلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) هو: الصحابيّ الجليل سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أُهيب، ويقال: وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهري، أبو إسحاق، أسلم قديما، وهاجر قبل رسول الله -ﷺ-، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، روى عن النبي -ﷺ-، وعن خولة بنت حكيم، وعنه أولاده: إبراهيم، وعامر، وعمر، ومحمد، ومصعب، وعائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم. وهو أحد الستة، أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، وكان أحد الفرسان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله -ﷺ- في مغازيه، وهو الذي كَوَّف الكوفة، وتولى قتال فارس، وفتح الله على يديه القادسية، وكان أميرًا على الكوفة لعمر، ثم عزله، ثم أعاده، ثم عزله، وقال في مرضه: إن وليها سعد فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة. ومناقبه كثيرة جدًّا. وقال ابن المسيب عن سعد: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام. وقال إبراهيم بن المنذر: كان قَصِيرًا دَحْدَاحًا (١) غَلِيظا ذا هامةٍ شَثْنَ الأصابع، وكان هو، وعلي، وطلحة، والزبير عذار (٢) يوم واحد.\nوذكر غير واحد أنه تُوُفي في قصره بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: مات سنة إحدى وخمسين. وقيل سنة (٥) وهو المشهور. وقيل: سنة (٦). وقيل: سنة (٧). وقيل: سنة (٨)، وهو ابن ثلاث وسبعين. وقيل: (٧٤)، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ثلاث وثمانين، وهو آخر العشرة وفاة.\n_________\n(١) \"الدحداح\" هو -كما في \"القاموس\"-: القصير. فيكون مؤكّدًا لقصير.\n(٢) \"العِذَار\" بالكسر كالختان وزنًا ومعنى.","vol":"2","page":205},{"text":"أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٨) حديثًا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض قتادة رحمهُ اللهُ تعالى بهذا الكلام إبطال قول أبي داود الأعمى هذا، وزعمه أنه لقي ثمانية عشر بدريا، فقال قتادة: الحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب أكبر من أبي داود الأعمى، وأجلّ، وأقدم سنّا، وأكثر اعتناء بالحديث، وملازمة أهله، والاجتهاد في الأخذ عن الصحابة، ومع هذا كله ما حدثنا واحد منهما عن بدريّ واحد، غير سعد بن أبي وقّاص، فقد روى عنه ابن المسيّب، مشافهة، فكيف يزعم أبو داود الأعمى، أنه لقي ثمانية عشر بدريا، هذا بهتان عظيم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧١ - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ، أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ، كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ كَلَامَ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (عثمان بن أبي شيبة) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُوَاسْتِي العبسي مولاهم، أبو الحسن الكوفي، صاحب \"المسند\"، و\"التفسير\".\nرَوَى عن هشيم، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، وطلحة بن يحيى الزُّرَقي، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى الترمذي، وسوى النسائي، فروى في \"اليوم والليلة\" عن زكريا بن يحيى السِّجْزي عنه، وفي \"مسند علي\" عن أبي بكر المروزي عنه، وروى عنه ابنه محمد، وابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.\nقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ابن أبي شيبة ما تقول فيه، أعني أبا بكر، فقال: ما علمت إلا خيرًا، وكأنه أنكر المسألة عنه، قلت لأبي عبد الله: فأخوه عثمان؟ فقال: وأخوه عثمان ما علمت إلا خيرا، وأثنى عليه. وقال فضلك الرازي: سألت ابن معين عن محمد بن حميد الرازي، فقال: ثقة، وسألته عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: ثقة، فقلت: من أحب إليك ابن حميد أو عثمان؟ فقال: ثقتين أمينين مأمونين. وقال الحسين ابن حيان عن يحيى: ابنا أبي شيبة: عثمان، وعبد الله ثقتان، صدوقان، ليس فيه شك. وقال أبو حاتم: سمعت رجلا يسأل محمد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان، فقال:\n_________\n(١) راجع \"شرح النوويّ على مسلم\" ١/ ١٠٧.","vol":"2","page":206},{"text":"سبحان الله، ومثله يُسأل عنه، إنما يُسأل هو عنا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف. قال: وقال أبي: هو صدوق. قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في المحرم سنة (٢٣٩). وقال السَّرّاج عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وُلد أبي سنة (٥٦). وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وله في \"صحيح مسلم\" (١١٧) (١).\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظٌ شهير، وله أوهامٌ، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة. انتهى.\n٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، قاضي الريّ الثقة، تقدّم في ٤/ ٤٧.\n٣ - (رقبَة) بن مَسْقَلة (٢) بن عبد الله العبدي، أبو عبد الله الكوفي.\nرَوَى عن أنس فيما قيل، ويزيد بن أبي مريم، وأبي إسحاق، وعطاء، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة من الثقات، مأمون. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال العجلي: ثقة، وكان مُفَوَّها يُعَدّ من رجالات العرب، وكان صديقا لسليمان التيمي. وقال الدارقطني: ثقة، إلا أنه كانت فيه دعابة. وكذا قال العجلي. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وأرخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩). أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، فأخرج له في \"التفسير\". وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٣٨٠ و٢٦٦١ و٢٧٤٣.\nوقال في \"التقريب\": ثقة مأمون، وكان يمزح، من السادسة. انتهى. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ رَقَبَةَ) -بفتح الراء والقاف (أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ) هو عبد الله بن مِسْوَر المدائنيّ، أبو جعفر الذي تقدم في أول كتاب في الضعفاء والواضعين، قال البخاريّ في \"تاريخه\": هو عبد الله بن مِسْوَر بن عون بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر القرشيّ الهاشميّ، وذكر كلام رقبة، وهو هذا الكلام الذي هنا، ثم إنه وقع في\n_________\n(١) وروى عنه البخاريّ (٦١) حديثًا. هكذا في برنامج الحديث (صخر)، والذي في \"تهذيب التهذيب\" نقلًا عن \"الزهرة\" روى عنه البخاري (٥٣) ومسلم (١٣٥). والظاهر أن الأول هو الأشبه. والله تعالى أعلم.\n(٢) بفتح الميم، وسكون السين المهملة وفتح القاف.","vol":"2","page":207},{"text":"الأصول هنا \"المدنيّ\"، وفي بعضها \"المديني\" بزيادة ياء، قال النوويّ: ولم أر في شيء منها هنا \"المدائني\"، ووقع في أول الكتاب \"المدائني\"، فأما \"المديني\"، و\"المدنيّ\"، فنسبة إلى مدينة النبي -ﷺ-، والقياس المدني بحذف الياء، ومن أثبتها فهو على الأصل. وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ الإمام الحافظ في \"كتاب الأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط\" بإسناده عن الإمام أبي عبد الله البخاري قال: المدينيّ -يعني بالياء- هو الذي أقام بالمدينة، ولم يفارقها، والمدني الذي تَحَوّل عنها، وكان منها. انتهى (١).\n(كَانَ يَضَعُ) أي يفتريه، يقال: وضع الحديث يضعه، من باب منع: إذا افتراه، وكذَبَه. وقوله: (أَحَادِيثَ) بالنصب على أنه مفعول لما قبله. وقوله (كَلَامَ حَقٍّ) منصوب على البدليّة من \"أحاديث\"، وهو مضافٌ، ومضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى الصفة، على قلّة. (وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أي ينقلها، عازيًا إليه -ﷺ-، يقال: رويت الحديث: إذا حملته، ونقلته.\nوالمعنى أن ذلك الكلام كلام صحيح، وحكمة من الحكم المفيدة، ولكنه كَذَب في نسبته إلى النبيّ -ﷺ- لأنه ليس من كلامه -ﷺ-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على ذلك الرجل (أَيُّوبُ) السختيانيّ (وَسَأَلَهُ) أي عن أحواله (ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ، قَالَ حَمَّادٌ) مفسّرًا للرجل (سَمَّاهُ -يَعْنِي عَمْرًا) العناية ملحقة من غير حماد، والظاهر أنه عبيد الله، وإنما أتى بها لتوضيح قول حمّاد: سمّاه، أي سمّى أيوب الرجل باسمه، فقال: لزمت عمرًا. والله تعالى أعلم. (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ) أي نعم لزمته (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، والجملة في موضع التعليل؛ أي إنما لزمته لأنه (يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ) جمع غريبة، وهي الروايات التي لا تستند إلى أصل صحيح (قَالَ) حماد (يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتشديد الراء، من الفرار: أي نهرُب، ونبتعد (أَوْ) للشكّ من الراوي، قال صاحب \"التنبيه\" ص ٣٦: لا أعرف الشاكّ، ولم يعيّنه النوويّ. انتهى: أي أو قال أيّوب بدل نفر (نَفْرَقُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من الفرق بفتحتين: أي نفزع، ونتحاشى (مِن تِلْكَ الْغَرَائِبِ) أي من رواية الغرائب التي يأتي بها\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٠٨.","vol":"2","page":208},{"text":"عمرو بن عبيد مخافة من كونها كذبًا، فنقعَ في الكذب على رسول الله -ﷺ-، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب، والفتوى، فَحَذَرًا من الوقوع في البِدَع، أو في مخالفة الجمهور باتباع الغريب الذي لا يُعرف. أفاده القاضي عياض في \"شرحه\" (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن أيوب رحمهُ اللهُ تعالى من التحذير عن الغرائب نُقل عن غيره أيضًا، قال الحافظ ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى في \"شرح علل الترمذيّ\": وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويَذُمّون الغريب منه في الجملة. ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من هَهنا ومن هَهنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرف، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يَكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف قال: من طلب غرائب الحديث كَذَب. وقال أبو نُعيم: كان عندنا رجل يُصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة (٢)، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يُصليّ في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. ثم ذكر كلام أيوب المذكور هنا.\nقال: وقال رجل لخالد بن الحارث: أخرج لي حديث الأشعث لعلّي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد قال: شرّ الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها، ولا يُعتَمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلَّ الفقه فيهم؟ ! . ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريبٌ، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة، وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٤٧.\n(٢) قلت: هذا الكلام يسوقونه مساق المدح، وهو محلّ نظر، إذ هو في الحقيقة ليس فيه مدح؛ لأن صلاة خمسمائة ركعة، أو مائتين في كلّ يوم ليس من هدي النبيّ -ﷺ-، \"وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-\". فليُتنبَّه. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":209},{"text":"يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء. قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مُجتنبًا، والثابت مَصدوفًا عنه مُطّرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلّهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدّثين، والأعلام من أسلافنا الماضين.\nقال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، أو أفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب والمناكير. انتهى كلام ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى (١). وهو بحثٌ نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٥ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي حَمَّادًا- قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ، فَقَالَ: كَذَبَ، أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (حجاج بن الشاعر) هو ابن يوسف الثقفيّ البغداديّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.\n٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكة الحافظ الثقة، تقدّم في ٤/ ٦٥.\n٣ - (حماد بن زيد) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>شرح الأثر:</span>\nعن حمّاد بن زيد رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ) السختيانيّ رحمهُ اللهُ تعالى (إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ) بكسر همزة \"إنّ\"؛ لوقوعها في الابتداء (رَوَى عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، أنه\n_________\n(١) راجع \"شرح علل الترمذيّ\" ١/ ٤٠٦ - ٤٠٩ بتحقيق الدكتور نور الدين عتر.","vol":"2","page":210},{"text":"(قَالَ: لَا يُجْلَدُ) بالبناء للمفعول، من الْجَلْد، وهو الضرب بالسوط، يقال: جَلَدتُ الجاني جَلْدًا، من باب ضرب: إذا ضربته بالْمِجْلَد -بكسر الميم- وهو السوط، والواحدة جَلْدة، مثلُ ضَرْب وضَرْبَة. أفاده الفيوميّ (السَّكْرَانُ) بالرفع نائب \"يُجْلَد\"، و\"السكران\": خلاف الصاحي، والسُّكْر بضم، فسكون: نقيض الصحو. قاله ابن منظور (١). وقال الفيّوميّ: سَكِر سَكَرًا، من باب تَعِب، وكسر السين في المصدر لغةٌ، فيبقى مثلَ عِنَبٍ، فهو سَكْرانُ والمرأة سَكْرَى، والجمع سُكارى بضم السين، وفتحها لغة، وفي لغة بني أسد يقال في المرأة سكرانة. انتهى (٢). وذكر ابن منظور نقلًا عن أبي عليٍّ في \"التذكرة\" أن من قال: سكرانة، وجب عليه أن يصرف سكران في النكرة (٣). (مِنَ النَّبِيذِ) أي من شرب النبيذ، وهو بفتح النون، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول، سُمي بذلك؛ لأنه يُنبذ: أي يُترك حتى يشتدّ. أفاده الفيوميّ. وقال ابن منظور: النبيذ: ما نُبِذ من عصير ونحوه. قال: وإنما سُمّي نبيذًا لأن الذي يتّخذه يأخذ تمرًا، أو زبيبًا، فينبذه في وعاء، أو سِقَاء ويصبّ عليه ماءً، ويتركه حتى يفور، فيصير مسكرًا. والنبذ: الطرح. وقال أيضًا: النبيذ: هو ما يُعمل من الأشربة، من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصُرِف من مفعول إلى فَعِيل. انتهى (٤).\n(فَقَالَ) أي الحسن (كَذَبَ) أي عمرو بن عبيد في نسبته إلى الحسن ما لم يقله، ثم ذكر مستند تكذيبه، فقال: (أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ) أي إن مذهب الحسن رحمهُ اللهُ تعالى في هذه المسألة خلاف ما حكاه عنه عمرو بن عبيد، وذلك أن مذهبه إيجاب الجلد على من سكر من شرب النبيذ، فتكون حكايته عنه أنه قال: لا يُجلَد السكران من النبيذ كذبًا عليه. والله تعالى أعلم.\nمسائل تتعلّق بقول الحسن هذا:\n(المسألة الأولى): أن ما ذهب إليه الحسن من جلد السكران من النبيذ هو ما عليه أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك، وكذا فيمن شرب الخمر، ولو لم يسكر، وإنما اختلفوا فيما إذا شرب غير الخمر من الأنبذة المسكرة، فقال الجمهور: كلّ مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. قال ابن قُدامة: رُوي تحريم ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة -﵃-. وبه قال\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٢.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٨١.\n(٣) \"لسان العرب\" ٤/ ٣٧٢.\n(٤) \"لسان العرب\" ٣/ ٥١١.","vol":"2","page":211},{"text":"عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق.\nوقال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طُبخ، فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب، إذا طُبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذِ الحنطة، والذرة، والشعير، ونحو ذَلك، نقيعا كان، أو مطبوخا، كل ذلك حلال، إلا ما بلغ السُّكر، فأما عصير العنب إذا اشتد، وقذف زبده، أو طُبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب، إذا اشتد بغير طبخ، فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس، عن النبي -ﷺ- قال: \"حُرِّمت الخمرة لعينها، والمسكر من كل شراب\".\nوحجة الأولين ما رواه ابن عمر قال، قال رسول الله -ﷺ-: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\". أخرجه مسلم، وغيره. وعن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما أسكر كثيره، فقليله حرام\". حديث صحيح، أخرجه أبو داود، وغيره.\nوعن عائشة قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الْفَرَق فملء الكف منه حرام\". حديث صحيح أيضًا، أخرجه أبو داود وغيره. وقال عمر -﵁-: \"نزل تحريم الخمر، وهي من العنب، والتمر، والعسل، والشعير، والخمرُ: ما خامر العقل\". متفق عليه.\nوالجواب عما احتجّ به الآخرون أن حديثهم غير صحيح، والصحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -كما قال النسائيّ وغيره-: ما رواه محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: \"حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب\".\nوقال ابن المنذر رحمهُ اللهُ تعالى: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة، ذكرناها مع عللها. وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي -ﷺ-، والصحابة، فضعفها كلها، وبين عللها.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد استوفى بيان علل الأحاديث التي احتجّوا بها الإمام النسائيّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"سننه\"، فراجعه مع ما كتبته في شرحي عليه.\nوالحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بإباحة النبيذ المسكر ما لم يسكر به قول باطلّ، منابذ للأدلّة الصحيحة الكثيرة التي تنصّ على أن كلّ ما أسكر فهو خمر، تشمله أدلّة تحريم الخمر من الكتاب والسنّة.\n[فائدة حسنة]: ذكر العلامة اللغويّ أحمد بن محمد الفيّومي رحمهُ اللهُ تعالى في كتابه الممتع \"المصباح المنير\" فائدة تتعلّق بالحديث المذكور: \"ما أسكر كثيره، فقليله","vol":"2","page":212},{"text":"حرام\": قال: نُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير على \"كثيره\"، فيبقى المعنى على قوله: فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قَدَحين من النبيذ مثلًا، ولم يَسْكَر بهما، وكان يَسكَر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأولين. وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدإ؛ ليُرْبَطَ به الخبرُ، فيصير المعنى: الذي يُسكِرُ كثيره، فقليل ذلك الذي يُسكر كثيره حرام، وقد صَرَّح به في الحديث، فقال: \"كلُّ مُسكِر حرامٌ، وما أسكر منه الفرق، فملء الكفّ منه حرام\" (١). ولأن الفاء جواب لِمَا في المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يُسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام. ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أُعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمّله. وفيه فساد من جهة المعنى أيضًا؛ لأنه إذا أريد: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر من الخمر، وهو مخالف للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ رحمهُ اللهُ تعالى، وهو تحقيق نفيسٌ جدّا (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثانية): أنه اختلف أهل العلم في حدّ السُّكْر الذي يجب فيه الجلد:\nقال الموفّق أبو محمد بن قُدامة رحمهُ اللهُ تعالى: حد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ، ويُختَلَف معه في وقوع طلاقه، ويَمنَع صحة الصلاة منه، هو الذي يجعله يَخْلِط في كلامه، ما لم يكن قبل الشرب، ويُغَيِّره عن حال صحوه، ويَغْلِب على عقله، ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين فعله وفعل غيره، ونحوَ هذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.\nوزعم أبو حنيفة أن السكران هو الذي لا يَعْرِف السماء من الأرض، ولا الرجل من المرأة.\nوحجة الأولين قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] نزلت في أصحاب رسول الله -ﷺ-، حين قَدّموا رجلا منهم في الصلاة، فصلى بهم، وترك في قراءته ما غَيَّرَ المعنى، وقد كانوا قاموا إلى\n_________\n(١) حديث صحيح، راوه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.\n(٢) \"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير\" ١/ ٢٨٢.","vol":"2","page":213},{"text":"الصلاة، عالمين بها، وعرفوا إمامهم، وقَدّموه ليؤمهم، وقصد إمامتهم، والقراءة لهم، وقصدوا الائتمام به، وعرفوا أركان الصلاة، فأتوا بها، ودلت الآية على أنه ما لم يعلم ما يقول، فهو سكران. وفي حديث حمزة عَمّ النبي -ﷺ- حين غَنّته قَيْنَة، وهو سكران [من الوافر]:\nأَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ\nوكان عليٌّ أناخ شارفين له بفناء البيت الذي فيه حمزة، فقام إليهما، فبقر بطونهما، واجتبّ أسنمتهما، فذهب علي، فاستعدى عليه رسول الله -ﷺ-، فجاء رسول الله -ﷺ-، فإذا حمزة محمرة عيناه، فلامه النبي -ﷺ-، فنظر إليه، وإلى زيد بن حارثة، فقال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، فانصرف عنه رسول الله -ﷺ-، فقد فَهِمَ ما قالت القينة في غنائها، وعرف الشارفين، وهو في غاية سكره. ولأن المجنون الذاهب بالعقل بالكلية يَعرف السماء من الأرض، والرجل من المرأة، مع ذهاب عقله، ورفع القلم عنه. انتهى كلام ابن قُدامة رحمهُ اللهُ تعالى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح في حدّ السكر هو ما ذهب إليه الأولون؛ لوضوح أدلّته.\nوحاصله أن يصل إلى أن يَخْلِط في كلامه، ما لم يكن قبل الشرب، ويُغَيِّره عن حال صحوه، ويَغْلِب على عقله، ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين فعله وفعل غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في جلد السكران:\nقال العلّامة الموفّق رحمهُ اللهُ تعالى: ما خلاصته: يجب الحد على من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا، ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك، في عصير العنب، غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا -يعني أحمد- إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر، وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي.\nوقالت طائفة: لا يُحَدّ إلا أن يُسْكِر، منهم: أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: من شربه مُعتقدا تحريمه حُدّ، ومن شربه متأولا فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي.\nوحجة الأولين ما رواه أبو داود، وغيره عن النبي -ﷺ-، أنه قال: \"من شرب\n_________\n(١) \"المغني\" ١٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.","vol":"2","page":214},{"text":"الخمر فاجلدوه\" (١). وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فيتناول الحديث قليله وكثيره، ولأنه شراب فيه شدة مُطْرِبة فوجب الحد بقليله كالخمر، والاختلاف فيه لا يمنع وجوب الحد فيها، بدليل ما لو اعتقد تحريمها، وبهذا فارق النكاح بلا ولي ونحوه من المختلف فيه، وقد حَدّ عمر قُدامة بن مظعون وأصحابه، مع اعتقادهم حل ما شربوه (٢). والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين: أحدهما: أن فعل المختلف فيه هاهنا داعية إلى فعل ما أُجمع على تحريمه، وفعل سائر المختلف فيه يَصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه. الثاني: أن السنة عن النبي -ﷺ- قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه، فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته، بخلاف غيره من المجتهدات. قال أحمد بن القاسم: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي -ﷺ-، في بعضها: \"كل مسكر خمر\"، وبعضها: \"كل مسكر حرام\". انتهى كلام ابن قدامة رحمهُ اللهُ تعالى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٦ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ أَنِّي آتِي عَمْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَا تَأْمَنُهُ عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة، وقد تقدّموا في السند الماضي سوى:\n١ - (سلّام بن أبي مطيع) واسمه سعد الخزاعي مولاهم، أبو سعيد البصري، روى عن قتادة، وغالب القطان، وأبي عمران الجوني، وأيوب السختياني، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، وابن المبارك، ويونس بن محمد، وسليمان بن حرب، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد في \"العلل\" عن أبيه: ثقة، صاحب سنة، كان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أبا سلمة، سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، قال أبو داود: وهو القائل: لأن ألقى الله بصحيفة الحجاج، أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة عمرو بن عبيد. وقال أبو داود أيضا: سلام ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان سيّىء الأخذ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (٣).\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٢/ ١٣٦ وأبو داود ٢/ ٤٧٤ والترمذيّ ٦/ ٢٢٣ والنسائيّ ٨/ ٢٨١ وابن ماجه ٢/ ٨٥٩.\n(٢) رواه البيهقيّ في \"سننه\" ٨/ ٣١٦.\n(٣) قلت: لعل ابن حبّان أراد روايته عن قتادة خاصّة، كما يأتي في كلام ابن عديّ، فتأمّل.","vol":"2","page":215},{"text":"وقال البزار في \"مسنده\": كان من خيار الناس وعقلائهم. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وسوء الحفظ. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، وله أحاديث حسان، غرائب وأفراد، وهو يُعَدّ من خطباء أهل البصرة وعقلائهم، وكان كثير الحج، ومات في طريق مكة، ولم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث، ليست بمحفوظة، وهو مع هذا كله عندي لا بأس به. قال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٦٤)، وهو مقبل من مكة. وقال الترمذي: مات سنة سبع وستين. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.\nوفي \"التقريب\": ثقة، صاحب حديث، في روايته عن قتادة ضعفٌ، من السابعة. انتهى. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في \"المسائل\"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم (٩٤٧) حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: \"ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعُوا فيه\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>شرح الأثر:</span>\nعن سليمان بن حرب، رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ) سعد الخزاعيّ (يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ) السختيانيّ (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في محل المفعول به لبلغ، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَهَمْزَ \"إِنَّ\" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ\n(آتِي عَمْرًا) أي ابن عُبيد (فَأَقْبَلَ) بقطع الهمزة، من الإقبال (عَلَيَّ يَوْمًا) أي يومًا من الأيام، ووقتًا من الأوقات (فَقَالَ) أي أيوب (أَرَأَيْتَ) قال في \"اللسان\": قد تكرّر في الحديث أرأيتَكَ، وأرأيتَكم، وأرأيتَكما، وهي كلمة تقولها العرب عند الاستخبار، بمعنى أخبرني، وأخبراني، وأخبروني، وتاؤها مفتوحة أبدًا. وقال أيضًا: العرب لها في أرأيت لغتان، ومعنيان: أحدهما أن يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدًا بعينيك؟، فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتَك على غير هذه الحال، يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تثنّي، وتجمع، فتقول للرجلين: أرأيتكما، وللقوم: أرأيتكم، وللنسوة: أرأيتكنّ، وللمرأة: أرأيتِكِ بخفض التاء، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى الآخر أن تقول: أرأيتك، وأنت تقول: أخبرني، فتَهمزها، وتنصب التاء منها، وتترك الهمزة إن شئتَ، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحّدة، مفتوحةً للواحد، والواحدة، والجمع في مؤنّثه ومذكّره، فتقول للمرأة: أرأيتكِ زيدًا هل خرج؟،","vol":"2","page":216},{"text":"وللنسوة: أرأيتكنّ زيدًا، ما فعل؟ . انتهى باختصار (١).\nوالمعنى هنا: أخبرني (رَجُلًا) أي حال رجل (لَا تَأْمَنُهُ) بفتح الميم، من الأمن: ضدّ الخوف (عَلَى دِينِهِ) أي لكونه معتزليّا قدريّا بَحْتًا، وكان يشتم الصحابة، كما تقدّم الكلام عليه في ترجمته (كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟) أي لأن من لا دين له لا يبالي بالكذب.\nوحاصل ما أشار إليه أيوب رحمهُ اللهُ تعالى في كلامه هذا تحذير سلام عن مجالسة عمرو بن عبيد، وسماع حديثه؛ لعدم صدقه في الحديث، ففيه مجانبة أهل الأهواء، وعدم مجالستهم، والبعد عنهم؛ فرارًا من أن يتعلّق بالقلب من أهوائهم شيء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٧ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (سلمة بن شبيب) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة الثقة، تقدّم في ٤/ ٥٧.\n٢ - (الحميديّ) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشيّ، أبو بكر المكيّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٥٧.\n٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (٢). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>شرح الأثر:</span>\nعن سفيان بن عيينة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى) قال في \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٥٩٦: أبو موسى عن عمرو بن عُبيد، وعنه ابن عُيينة، كأنه إسرائيل بن موسى. انتهى. وقال في \"التقريب\": أبو موسى عن عمرو بن عبيد، هو إسرائيل بن موسى المذكور. وقال في الأسماء: إسرائيل بن موسى، أبو موسى البصريّ، نزيل الهند، ثقة من السادسة. انتهى.\n(يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ) المعتزليّ المذكور (قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ) بضمّ أوله،\n_________\n(١) انظر \"لسان العرب\" ١٤/ ٢٩٤.\n(٢) تقدّم عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة أهل الحديث الخ\".","vol":"2","page":217},{"text":"وكسر ثالثه، من الإحداث: أي قبل أن يبتدع مذهبه الخبيث، وهو الاعتزال. وفيه أن عمرًا كان أولًا سنّيا، ثم حدث له الاعتزال، وذلك بعد أن أغواه واصل بن عطاء المعتزليّ، وقد تقدّم في ترجمته عن الخطيب البغداديّ، أنه قال: كان عمرو بن عبيد يسكن البصرة، وجالس الحسن، وحفِظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة، فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن، وكان له سَمْتٌ، وإظهار زُهد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٨ - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ، قَاضِي وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ لَا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزِّقْ كِتَابِي).\nرجال هذا الإسناد: اثنان.\n١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ الحافظ الثقة، تقدّم في ٢/ ٧.\n٢ - (أبوه) هو: معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ الحافظ الثقة، تقدّم في ٢/ ٧. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>شرح الأثر:</span>\nعن معاذ بن معاذ العنبريّ، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّمت ترجمته. (أَسْأَلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (عَنْ أَبِي شَيْبَةَ) هو: إبراهيم بن عثمان بن خُوَاسْتِي العبسي مولاهم الكوفي، قاضي واسط، ابن أخت الحكم ابن عُتيبة، وجدّ أبي بكر، وعثمان، والقاسم، بني محمد بن أبي شيبة، وقد تقدّم بيانهم في ١/ ١.\nروى عن خاله الحكم بن عتيبة، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وهو أكبر منه، وجرير بن عبد الحميد، وشبابة، وغيرهم. قال أحمد، ويحيى، وأبو داود: ضعيف. وقال يحيى أيضا: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال الترمذي: منكر الحديث. وقال النسائي، والدولابي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، سكتوا عنه، وتركوا حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال صالح جزرة: ضعيف لا يكتب حديثه، روى عن الحكم أحاديث مناكير. وقال أبو علي النيسابوري: ليس بالقوي. وقال الأحوص الغلابي: وممن روى عنه شعبة من الضعفاء: أبو شيبة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، قريب من الحسن بن عُمَارة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين قال: قال يزيد بن","vol":"2","page":218},{"text":"هارون: ما قضى على الناس رجل -يعني في زمانه- أعدل في قضاء منه، وكان يزيد على كتابته أيام كان قاضيا. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو خير من إبراهيم ابن أبي حَيّة. ونقل ابن عدي عن أبي شيبة، أنه قال: ما سمعت من الحكم إلا حديثًا واحدًا. قال قعنب بن المحرر: مات سنة (١٦٩). أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف ذكر هنا في \"المقدّمة\".\n(قَاضِي وَاسِطٍ) أي الذي كان يقضي بين الناس في واسط، فالإضافة بمعنى \"في\"، وواسط بلد مشهور بالعراق، بناه الحجّاج بن يوسف، وهو مصروف، كذا سُمع من العرب. وقال في \"القاموس\" و\"شرحه\": واسطٌ مذكّرٌ مصروفٌ؛ لأن أسماء البلدان الغالب عليها التأنيث، وترك الصرف، إلا مِنًى، والشام، والعراق، وواسطًا، ودابِقًا، وهَجَرًا، فإنها تذكّر، وتُصرف، كما في \"الصحاح\"، وقد يُمنع إذا أردت بها البقعة والبلدة، وهو بلد بالعراق اختطّه الحجاج بن يوسف الثقفيّ في سنتين، بين الكوفة والبصرة، ولذلك سمّيت واسطًا؛ لأنها متوسّطة بينهما؛ لأن منها إلى كلّ منهما خمسين فرسخًا، خمسين فرسخًا. ويقال له: واسط القَصَب أيضًا. أو هو قصرٌ كان قد بناه أولًا قبل أن يُنشيء البلد، ثم لَمّا بناه سُمّي به. انتهى (١).\n[فائدة]: أشار الحريريّ رحمهُ اللهُ تعالى في \"ملحة الإعراب\" إلى قاعدة أسماء البلدان، فقال:\nوَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ ... إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ\nمِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنًى وَبَدْرِ ... وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ\nوقال الخضريّ في حاشيته على \"الخلاصة\":\n[فائدة]: يجوز في أسماء القبائل، والأرضين، والكلم الصرف على تأويلها باللفظ، والمكان، والحيّ، أو الأب، وعدمه على إرادة الكلمة، والبُقعة، والقبيلة، إلا إذا سُمع فيه أحدهما فقط، فلا يُتجاوز، كما سُمع الصرف في كَلْب، وثقيف، ومَعَدّ باعتبار الحيّ، وبدرٍ، وحُنينٍ على المكان، وكمنعه في يهودَ، ومجوسَ عَلَمَين باعتبار القبيلة، ودِمشقَ على البقعة، وإلا إذا تحقّق مانع غير التأنيث المعنويّ، فيُمنع بكلّ حال، كتغلبَ، وباهلةَ، وخَوْلانَ، وبغدادَ. أفاده في \"التسهيل\"، و\"شرحه\"، مع زيادة. انتهى (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\"، مع شرحه \"تاج العروس\" ٥/ ٣٣٨.\n(٢) راجع \"حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة\" في \"باب ما لا ينصرف\" ٢/ ١٦٢.","vol":"2","page":219},{"text":"(فَكَتَبَ) أي شعبة (إِلَيَّ لَا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا) أي لا كثيرًا، ولا قليلًا، وفي \"تهذيب التهذيب\": قال معاذ بن معاذ العنبري: كتبت إلى شعبة، وهو ببغداد، أسأله عن أبي شيبة القاضي، أروي عنه؟ فكتب إلي لا ترو عنه، فإنه رجل مذموم، وإذا قرأت كتابي، فمزِّقه، وكذَّبه شعبة في قصة. انتهى (١).\nوقوله: (وَمَزِّقْ كِتَابِي) أمر من التمزيق، وهو الشقّ، قال الفيّوميّ: مَزَقْتُ الثوبَ مَزْقًا، من باب ضرب: شققتُهُ، ومَزّقتُهُ بالتثقيل، فتمزَق، ومزَقهم الله كُلَّ مُمَزَّق: فرّقهم في كلّ جهة من البلاد، ومزّق مُلكه: أذهب أثره. انتهى (٢).\nوإنما أمره شعبة بتمزيق كتابه؛ مخافة من بلوغه إلى أبي شيبة، ووقوفه على ذكره له بما يَكرَه، فيترتّب على ذلك مفسدة، بأن يناله منه أذىً، ففيه الجمع بين المصلحتين: مصلحة النصيحة لمعاذ السائل ببيان ضعف أبي شيبة، وعدم صلاحه للرواية عنه، ومصلحة نفسه بدفع وصول الضرر إليه عنه بتمزيق الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٧٩ - (وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بحَدِيثٍ، عَنْ ثَابِتٍ، فَقَالَ: كَذَبَ، وَحَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: كَذَبَ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (الْحُلْوانيّ) الحسن بن عليّ الخلّال نزيل مكة الحافظ الثقة، تقدّم في ٣/ ٢٢.\n٢ - (عفّان) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ البصريّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>شرح الأثر:</span>\nعن الحسن الحلوانيّ رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قال حدثنا عَفَّانَ) بن مسلم (قَالَ: حَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم (حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ) بن دينار البصري، أبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك. روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير. وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة، وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم، وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٧٧.\n(٢) \"المصباح المنير\".","vol":"2","page":220},{"text":"وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديما، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدا أشبه بمسالك الأُوَلِ من حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيها أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطىء، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع.\nقال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لَمَّا ذَكَرَ أن مسلما أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لَمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى. وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد","vol":"2","page":221},{"text":"ابن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لَمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في الشواهد. وأورد له ابن عدي في \"الكامل\" عدة أحاديث مما ينفرد به متنا أو إسنادا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنا، وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشائخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظا ثقة مأمونا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره. قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار الثامنة. انتهى.\nاستشهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثا واحدا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت (١)، وأخرج له الباقون، وله في \"صحيح مسلم\" (١٠٥) أحاديث.\n(عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ) هو: صالح بن بَشِير بن وَادِع بن أبي الأقعس، أبو بِشْرٍ البصري القاصّ المعروف بالْمُرّيّ (٢). روى عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وهشام ابن حسان، وغيرهم. وعنه سيار بن حاتم، ومسلم بن إبراهيم، وعفان، وغيرهم. قال عباس عن ابن معين: ليس به بأس. وقال المفضل الغلابي وغيره عن ابن معين: ضعيف. وقال محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى: كان قاصّا، وكان كل حديث يحدث به عن ثابت باطلا. وقال عبد الله بن علي بن المديني: ضعفه أبي جدّا. وقال محمد بن عثمان بن أبي ثابت عن علي: ليس بشيء، ضعيف ضعيف. وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث مناكير، عن قوم ثقات، وكان رجلا صالحًا، وكان يَهِمُ في الحديث. وقال الجوزجاني: كان قاصّا واهي الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال\n_________\n(١) الحديث المذكور هو حديث أبي بن كعب -﵁- من رواية ثابت، عن أنس، عنه، في \"كتاب الرقاق\" من \"صحيح البخاريّ\"، ولفظه: \"قال لنا أبو الوليد، ... فذكره\".\n(٢) بضمّ الميم، وتشديد الراء: نسبة إلى بني مُرّة، وإنما قيل له ذلك؛ لأن امرأة من بني مُرّة أعتقته، وأبوه عربيّ، وأمه مُعتقة للمرأة الْمُرّيّة. انتهى شرح النوويّ ١/ ١١١.","vol":"2","page":222},{"text":"الآجري: قلت لأبي داود: يُكتب حديثه؟ فقال: لا. وقال النسائي: ضعيف الحديث، له أحاديث مناكير. وقال مرة: متروك الحديث. وقال صالح بن محمد: كان يَقُصّ، وليس هو شيئا في الحديث، يروي أحاديث مناكير عن ثابت، والجريري، وعن سليمان التيمي أحاديث لا تعرف. وقال ابن عدي: صالح المري من أهل البصرة، وهو رجل قاصّ، حسن الصوت، وعامة أحاديثه منكرات، تنكرها الأئمة عليه، وليس هو بصاحب حديث، وإنما أُتِيَ من قلة معرفته بالأسانيد والمتون، وعندي أنه مع هذا لا يتعمد الكذب، بل يَغلَط شيئًا. وقال أبو إسحاق الحربيّ: إذا أرسل فبالحري أن يصيب، وإذا أسند فاحذروه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال عفان: كنا عند ابن علية، فذُكر المري، فقال رجل: ليس بثقة، فقال له آخر: مه اغتبت الرجلَ، فقال ابن علية: اسكتوا، فإنما هذا دين. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال عفان: كان شديد الخوف من الله، كثير البكاء. وقال الثوري: لَمّا سَمِع كلامه هذا نذير قوم. وقال ابن حبان: أقدمه المهدي بغداد. وقال ابن حبان أيضًا في \"الضعفاء\": صالح بن بشر المري، كان من عُبّاد أهل البصرة وقرائهم، وهو الذي يقال له: صالح بن بشير المري الناجي، وكان من أحزن أهل البصرة صوتا، وأرقهم قراءةً، غلب عليه الخير والصلاح، حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، وكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن، ونحو هؤلاء على التوهم، فيجعله عن أنس، فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات، فاستحق الترك عن الاحتجاج، كان يحيى بن معين شديد الحمل عليه، مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٧٢). وقال خليفة: مات سنة (١٧٢). وقال البخاري: يقال: مات سنة ست وسبعين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ضعيف، من السابعة. انتهى. أخرج له الترمذيّ أربعة أحاديث برقم ٢١٣٣ و٢٢٦٦ و٢٩٤٨ و٣٤٧٩.\n(بِحَدِيثٍ، عَنْ ثَابِتٍ) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري. روى عن أنس، وابن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم. وروى عنه حميد الطويل، وشعبة، وجرير بن حازم، والحمادان، ومعمر، وعفّان، وغيرهم. قال البخاري عن ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يَتَثَبَّتُ في الحديث، وكان يقص، وقتادة كان يقص، وكان أذكر. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم ثابت، ثم قتادة. وقال ابن عدي: أروى الناس عنه حماد بن سلمة، وأحاديثه مستقيمة، إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النكرة، إنما هو من الراوي عنه. وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصّاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب على ثابت الأحاديث،","vol":"2","page":223},{"text":"أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. وقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كل يوم وليله، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، تُوُفِّي في ولاية خالد القسري. وفي سؤالات أبي جعفر، محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سُئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد، أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي \"الكامل\" لابن عدي عن القطان: عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتا البناني، لا يكتب عنه. وقال أبو بكر البرديجي: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مضطربا. وفي \"المراسيل\" لابن أبي حاتم: ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل. قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧). وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣)، حكاهما البخاري في \"الأوسط\". وحَكَى عن ثابت قال: صحبت أنسا أربعين سنة.\nوقال في \"التقريب\": ثقةٌ، عابدٌ، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٤٢) حديثًا.\n(فَقَالَ) حماد بن سلمة (كَذَبَ) بتخفيف الذال المعجمة المفتوحة، من باب ضرب. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: قوله: \"كَذَبَ\" هو من نحو ما قدمناه في قوله: \"لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث\"، معناه ما قاله مسلم: يَجْرِي الكذبُ على ألسنتهم من غير تعمد، وذلك لأنهم لا يعرفون صناعة هذا الفن، فيخبرون بكل ما سمعوه، وفيه الكذب، فيكونون كاذبين، فإن الكذب الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو، سهوًا كان الإخبار، أو عمدًا، كما قدمناه، وكان صالح هذا رحمه اللهُ تعالى من كبار العباد الزهاد الصالحين، وكان حسن الصوت بالقرآن، وقد مات بعض من سمع قراءته، وكان شديد الخوف من الله تعالى، كثير البكاء، قال عفان بن مسلم: كان صالح إذا أخذ في قِصَصَه كأنه رجل مذعور، يُفْزِعك أمره، من حزنه، وكثرة بكائه، كأنه ثَكْلَى. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة الأمر أن المراد بتكذيب حماد بن سلمة، وهمّام بن يحيى لصالح المرّيّ إنما هو نسبته إلى حكاية الأحاديث المكذوبة، لا أنه يتعمّد الكذب؛ لأنهم أجمعوا على أنه رجل صالح عابد زاهد، فيكون من نوع ما قال\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١١.","vol":"2","page":224},{"text":"القطّان في كلامه السابق: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. والله تعالى أعلم.\nقال عفّان (وَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل أيضًا (هَمَّامًا) هو: ابن يحيى بن دينار الأزدي الْعَوْذي الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٧ (عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ) همام (كَذَبَ) أي في نسبة الحديث إلى ثابت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٠ - (وحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ، فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءَ، لم أَجِدْ لَهَا أَصْلًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِم، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَدَفَنَهُمْ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ الحافظ، نزيل بغداد، رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، والنضر بن شميل، والفضل بن موسى السيناني، وأبي النضر، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذهلي، وغيرهم. قال الْمَرُّوذِيّ عن أحمد: أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حُبِس بسبب القرآن. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال عبد الله بن محمود بن سيار، عن محمود بن غيلان: سمع منّي إسحاق ابن راهويه حديثين. وقال السراج: رأيت إسحاق واقفا على رأس محمود بن غيلان، وهو يحدثنا. وقال مسلمة: مروزي ثقة. قال البخاري، والنسائي، وغيرهما: مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. وقال أبو رجاء، محمد بن حمدويه المروزي: خرج محمود بن غيلان إلى الحج، سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتُوُفّي لعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وأربعين ومائتين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" ستة أحاديث برقم ١٣٤ و٧١٦ و٢٣٥٩ و٢٤٥٢ و٢٨١٠ و٢٩١٥.","vol":"2","page":225},{"text":"٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٧. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>شرح الأثر:</span>\nعن أبي داود الطيالسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ) بن عبد الله بن شُجاع الأزدي، ثم العتكيّ، وقيل: الجهضمي، أبو النضر البصري، والد وهب، رَوَى عن أبي الطفيل، وأبي رجاء العطاردي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وأيوب، وثابت البناني، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، وأيوب شيخاه، وابنه وهب، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. قال قُرَاد: قال لي شعبة: عليك بجرير بن حازم، فاسمع منه. وقال محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي، فيسأله عن حديث الأعمش، فإذا حدثه قال: هكذا والله سمعته من الأعمش. وقال علي عن ابن مهدي: جرير بن حازم أثبت عندي من قرة بن خالد. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد، أصحاب حديث، فلما أحسّوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئا. وقال أبو نعيم: تغير قبل موته بسنة. وقال موسى: ما رأيت حمادا يعظم أحدا تعظيمه جرير بن حازم. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري: سألت يحيى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب؟، فقال جرير: أحسن حديثا منه وأسند. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: جرير أمثل من ابن هلال، وكان صاحب كتاب. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف. وقال وهب بن جرير: قرأ أبي على أبي عمرو بن العلاء، فقال له: أنت أفصح من مَعَدّ. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن عدي: وقد حدث عنه أيوب السختياني، والليث بن سعد، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء، لا يرويها غيره. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطىء؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت أحفظ من رجلين: جرير بن حازم، وهشام الدستوائي. وقال الساجي: صدوق، حدّث بأحاديث وَهِمَ فيها، وهي مقلوبة. قال الكلاباذي: حَكَى عنه ابنه أنه قال: مات أنس، وأنا ابن خمس سنين، سنة (٩٠)، ومات جرير سنة (١٧٠).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، من السادسة. انتهى.","vol":"2","page":226},{"text":"أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٦) حديثًا.\n(فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ) هو الحسن بن عمارة بن الْمُضَرِّب البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، كان على قضاء بغداد، في خلافة المنصور، روى عن يزيد بن أبي مريم، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، وابن أبي مليكة، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعيسى بن يونس، وجماعة. قال النضر بن شميل عن شعبة: أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثا، عن الحكم، فلم يكن لها أصل. وقال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه. وقال الطيالسي: قال شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب، قال أبو داود: فقلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: روى عن الحكم أشياء، فلم نجد لها أصلا، قلت للحكم: صلى النبي -ﷺ- على قتلى أحد؟ قال: لا. وقال الحسن: حدثني الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- صلى عليهم ودفنهم. وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُعْتَقُون (١). قلت: مَنْ ذَكَره؟ قال: يُروَى عن الحسن البصري، عن علي. وقال الحسن ابن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها، فقال: ما سمعت منها شيئًا. وقال عيسى بن يونس: الحسن بن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان. وقال ابن المبارك: جَرَحَه عندي شعبة وسفيان، فبقولهما تركت حديثه. وقال أيوب بن سويد الرملي: كان شعبة يقول: إن الحكم لم يحدث عن يحيى بن الجزار، إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث كثيرة، قال: فقلت للحسن بن عمارة في ذلك: فقال: إن الحكم أعطاني حديثه، عن يحيى في كتاب فحفظته. وقال النضر بن شميل: قال الحسن بن عمارة: الناس كلهم مني في حِلّ، ما خلا شعبة. وقال جرير بن عبد الحميد: ما ظننتُ أني أعيش إلى دهر يُحَدَّث فيه عن محمد بن إسحاق، ويُسكَت فيه عن الحسن بن عمارة. وقال أبو بكر المروزي عن أحمد: متروك الحديث. وكذا قال أبو طالب عنه، وزاد: قلت له: كان له هَوىً؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ما أحتاج\n_________\n(١) هذا يُخالف ما يأتي للمصنف من أن جواب الحكم إنما هو بالصلاة عليهم، لا بعتقهم، ولعل السؤال وقع عن الاثنين، فليُنظر.","vol":"2","page":227},{"text":"إلى شعبة فيه، أمره أَبْيَنُ من ذلك، قيل له: كان يَغلَط؟ فقال: أي شيء كان يَغلَط؟ كان يضع. وقال أبو حاتم، ومسلم، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الساجي: ضعيف، متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال جزرة: لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: رجل صالح، صدوق، كثير الوهم والخطأ، متروك الحديث. وقال ابن المبارك عن ابن عيينة: كنت إذا سمعت الحسن بن عمارة يحدث عن الزهري، جعلت إصبعي في أذني. وقال العقيلي: حدثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد: لا بأس ببيع من يزيد، كذلك كانت تُباع الأخماس. قال سفيان: فحدثت به بالكوفة، فبلغ الحسن بن عمارة، فحدث به، وزاد في آخره: على عهد رسول الله -ﷺ-. وقال العقيلي: حدثني عبد الله بن محمد بن صالح السمرقندي، ثنا يحيى بن حكيم الْمُقَوِّم، قلت لأبي داود الطيالسي: إن محمد بن الحسن، صاحب الرأي حدثنا عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: رأيت النبي -ﷺ- قرن، وطاف طوافين، وسعى سعيين، فقال أبو داود، وجمع يده إلى نحره: مِن هذا كان شعبة يشقُّ بطنه من الحسن بن عمارة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وذكره يعقوب في \"باب من يُرغَب عن الرواية عنهم\". وقال أبو بكر البزار: لا يَحْتَجُّ أهل العلم بحديثه إذا انفرد. وقال ابن المثنى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن رويا عنه شيئا قط. وقال أبو العرب: قال لي مالك بن عيسى: إن أبا الحسن الكوفي -يعني العجلي- ضعفه، وترك أن يحدث عنه. وقال الحميدي: ذُمِرَ عليه (١). وقال يعقوب بن شيبة: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان بلية الحسن التدليس عن الثقات، ما وَضَع عليهم الضعفاء، كان يسمع من موسى بن مُطَير، وأبي العطوف، وأبان بن أبي عياش، وأضرابهم ثم، يسقط أسماءهم، ويرويها عن مشايخه الثقات، فالتزقت به تلك الموضوعات، وهو صاحب حديث الدعاء الطويل بعد الوتر، وهو جالس. وقال السهيلي: ضعيف بإجماع منهم. وأورد له ابن عدي أحاديث، وقال: ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن علي، وقد قيل: إن الحسن بن عمارة كان صاحب مال، وإنه حَوّل الحكم إلى منزله، فخصه بما لم يخص غيره، على أن بعض رواياته عن الحكم، وعن غيره غير محفوظة، وهو إلى الضعف أقرب. قال يعقوب بن شيبة وغيره: مات سنة (١٥٣).\n_________\n(١) في \"القاموس\": الذَّمْرُ: الملامة، والحضّ، والتهدُّد، وزأر الأسد، قال: وتَذَمّر: لام نفسه على فائتٍ، وتغضّب، وتذمّر عليه: تنكّر له، وأوعده. انتهى. والظاهر أن المناسب هنا هو المعنى الأخير. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":228},{"text":"وقال في \"التقريب\": متروكٌ، من السابعة. أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وله ذكر في \"صحيح البخاريّ\" (١)، وعند المصنّف هنا في المقدّمة فقط.\n(فَإِنَّهُ يَكْذِبُ) الفاء للتعليل: أي لأن الحسن يكذب، والرواية عمن يكذب غير جائزة (قَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطيالسيّ (قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟) أي وكيف عرفتَ أنه يكذب؟، وتقدّم في عبارة \"التهذيب\" بلفظ: \"ما علامة ذلك؟ \" (فَقَالَ) شعبة (حَدَّثَنَا) أي الحسن (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة أبي محمد الكنديّ الكوفيّ الحافظ الفقيه، تقدّم في ١/ ٢ (بِأَشْيَاءَ، لم أَجِدْ لَهَا أَصْلًا) أي أصلًا تعتمد عليه، وتصحّ به (قَالَ) أبو داود (قُلْتُ لَهُ) أي لشعبة (بِأَيِّ شَيْءٍ؟) متعلّق بمقدّر دلّ عليه كلام شعبة المذكور آنفًا: أي بأي حديث حدّثكم الحسن عن الحكم مما لا أصل له؟ (قَالَ) شعبة (قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟) أي على شهداء أحد، وهو بضمتين: جبل بقرب مدينة النبيّ -ﷺ- من جهة الشام، كانت به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. قاله الفيّوميّ (٢). (فَقَالَ) أي الحكم (لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي إنما دُفنوا بدون غسل، ولا صلاة، فقد أخرج البخاريّ وغيره، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي -ﷺ-، يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، في ثوب واحد، ثم يقول: \"أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ \"، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، وقال: \"أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة\"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسَّلُوا، ولم يُصَلّ عليهم.\n(فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر، كلاحقيه: أي حال كونه راويًا عن الحكم (عَنْ مِقْسَمٍ) -بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح السين المهملة- ابن بُجْرة، ويقال: ابن نَجْدة، أبو القاسم، ويقال: أبو العباس، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له. روى عن ابن عباس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وعائشة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأم سلمة، وغيرهم، وخُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، ومعاوية، وعبد الله بن شُرَحبيل بن حسنة، وغيرهم. وروى عنه ميمون بن مِهْران، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. قال الميموني عن أحمد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم حديث الحجامة، وفي\n_________\n(١) وأما ما قيل: إن البخاريّ علّق له، فليس بصحيح، وقد بالغ ابن القطان الفاسيّ في الإنكار على من زعم أن البخاريّ أخرج حديث عروة البارقيّ أن النبي -ﷺ- أعطاه دينارًا، يشتري له به شاةً ... الحديث، وقال: إن البخاريّ إنما قصد إخراج حديث الخيل، فانجرّ به السياق. انتهى \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٠٨.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٦.","vol":"2","page":229},{"text":"موضع آخر عن أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وأما غير ذلك، فأخذها من كتاب. وقال مهنأ بن يحيى: قلت لأحمد: مَن أصحاب ابن عباس؟ قال: ستة، فذكرهم، قلت: فمقسم؟، قال: دون هؤلاء. وقال أيوب: كان يقرأ في المسجد في مصحف. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه تُوُفّي سنة إحدى ومائة.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، وكان يرسل، من الرابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، سوى مسلم، وليس له في البخاريّ إلا حديث واحد.\n(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في أول مقول القول (النَّبِيَّ ﷺ، صَلَّى عَلَيْهِمْ) أي على قتلى أحد (وَدَفَنَهُمْ) استدلّ بهذا شعبة على أن الحسن بن عمارة كذاب، حيث نسب إلى الحكم خلاف ما ثبت عنه.\n[مسألة]: اختلاف أهل العلم في الصلاة على الشهيد:\nقال الإمام الترمذي رحمه اللهُ تعالى: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يُصلّى على الشهيد، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعي، وأحمد. وقال بعضهم: يصلّى على الشهيد، واحتجّوا بحديث النبيّ -ﷺ- أنه صلّى على حمزة، وهو قول الثوريّ، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق. انتهى (١).\nوقال الحافظ العراقيّ رحمه اللهُ تعالى: قد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور إلى أنه لا يُصلّى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنيّ، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلّال، وحكاه ابن بطال عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وعكرمة، ومكحول. انتهى (٢).\nوقد وردت أحاديث تدلّ لما ذهب إليه الفريقان، قد استوفيت ذكرها في شرح النسائيّ، مع بيان ما لها، وما عليها، فراجعه تستفد.\nوخلاصة ما توصّلت إليه هناك ترجيح القول بجواز الصلاة على الشهيد، وعدمه، وذلك لصحّة الأحاديث بالأمرين، فقد جاء في ثبوت الصلاة عليه صريحًا، ما أخرجه النسائيّ من حديث شدّاد بن الهاد -﵁-، أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي -ﷺ-، فآمن به ... الحديث، وذكر استشهاده، ثم قال: \"ثم كفنه النبيّ -ﷺ- في جبة النبيّ -ﷺ-، ثم\n_________\n(١) راجع \"جامع الترمذيّ\" ٤/ ١٢٧ - ١٢٨ بنسخة \"تحفة الأحوذيّ\".\n(٢) \"طرح التثريب\" ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.","vol":"2","page":230},{"text":"قدّمه، فصلى عليه ... الحديث، وهو حديث صحيح، كما بينته هناك.\nومما يدلّ عليه أيضًا حديث عقبة بن عامر -﵁- أنه -ﷺ- صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، صلاته على الميت. أخرجه البخاريّ، وغيره. ودعوى كون المراد بالصلاة الدعاء، غير صحيحة، يردّها قوله: \"صلاته على الميت\".\nوجاء في عدم الصلاة عليه حديث جابر -﵁- الذي أخرجه البخاريّ وغيره، وقد سبق ذكره قريبًا.\nوالحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب من أثبت الصلاة عليه، لكن على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، كما نقل عن الإمام أحمد رحمه اللهُ تعالى، فإنه قال في رواية المروزيّ عنه: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ. وقال ابن حزم رحمه اللهُ تعالى: إن صُلّي على الشهيد فحسن، وإن لم يُصلّ عليه فحسن، واستدلّ بحديثي جابر ابن عبد الله، وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما السابقين، وقال: ليس يجوز أن يُترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة. انتهى (١). وهو تحقيقٌ نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال شعبة (قُلْتُ لِلْحَكَمِ) بن عتيبة (مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا؟) أي في الصلاة عليهم إذا ماتوا (قَالَ) الحكم (يُصَلَّى عَلَيْهِمْ) أي إنهم كسائر المسلمين في مشروعيّة الصلاة. وجواب الحكم هذا ظاهر في أن سؤال شعبة كان عن حكم الصلاة عليهم، وهو مخالف لما سبق نقله عن \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة الحسن بن عمارة، حيث إن الظاهر هناك أن السؤال عن عتقهم، ولفظه: وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُعتَقون. والله تعالى أعلم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصلاة على ولد الزنا مما لا خلاف فيه إلا ما جاء عن قتادة، قال القاضي عياضٌ رحمه اللهُ تعالى: وأما ولد الزنا فليس فيه أثرٌ يُعوّل عليه، وعامّة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين، إلا قتادة، فقال: لا يُصلّى عليه. انتهى (٢).\nوأخرج البخاريّ رحمه اللهُ تعالى في \"صحيحه\" عن الزهريّ، أنه قال: يُصلّى على كلّ مولود مُتوفّى، وإن كان لِغيّة، من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام، يدّعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصّة، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهلّ صارخًا صُلّي\n_________\n(١) \"الْمُحَلّى\" ٥/ ١١٥ - ١١٦.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥١.","vol":"2","page":231},{"text":"عليه، ولا يُصلّى على من لا يستهلّ من أجل أنه سقط. انتهى.\nوقوله: \"لغيّة\" بكسر اللام، والمعجمة، وتشديد التحتانيّة: أي من زنا. ومراده أنه يصلى على ولد الزنا، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه؛ لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه. وكذلك من كان أبوه مسلمًا دون أمه. وقال ابن عبد البرّ: لم يقل أحد: إنه لا يُصلّى على ولد الزنا إلا قتادة وحده. واختُلف في الصلاة على الصبيّ، فقال سعيد بن جبير: لا يُصلّى عليه حتى يبلغ. وقيل: حتى يُصلي. وقال الجمهور: يصلّى عليه حتى السقط إذا استهلّ. قاله في \"الفتح\" (١).\nقال شعبة (قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟) بكسر ميم \"من\" الأولى؛ لأنها جارّة، وفتح الثانية؛ لأنها استفهاميّة، والفعل مبنيّ للمفعول، ويتعلّق به الجار المتقدّم عليه وجوبًا؛ لكون المجرور اسم استفهام. والمعنى هذا الذي قلته من أنه يُصلّى على أولاد الزنا من الذي رواه من أهل العلم؟ (قَالَ) الحكم (يُرْوَى) بالبناء للمجهول (عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) أي إنه من قول الحسن البصريّ، وليس حديثًا مرفوعًا (فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة، وتخفيف الميم (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بن عُتيبة (عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ) الْعُرَنِيّ الكوفي، لقبه زَبّان، وقيل: زَبّان أبوه. رَوَى عن علي، وأُبَيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن بن علي، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم. وروى عنه الحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن مرة، وغيرهم. قال الجوزجاني: كان غاليا مُفْرِطا. وقال أبو زرعة، والنسائي، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال محمود بن غيلان، عن شبابة، عن شعبة: لم يسمع يحيى بن الجزار من علي إلا ثلاثة أحاديث، أحدها: \"أن النبي -ﷺ- كان على فُرْضة من فُرَض الخندق ... \"، والآخر: وسئل عن يوم الحج الأكبر، ونسي محمود الثالث. وقال ابن سعد: كان يغلو في التشيع، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يتشيع. وروى العقيلي عن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كان يحيى بن الجزار يغلو في التشيع. وقال حرب: قلت لأحمد: هل سمع من علي؟ قال: لا. وقال ابن أبي خيثمة: لم يسمع من ابن عباس. قال الحافظ: كذا رأيت هذا بخط مغلطاي، وفيه نظر، فإن ذلك إنما وقع في حديث مخصوص، وهو حديثه عن ابن عباس أن النبي -ﷺ-: \"كان يصلي، فذهب جَدْيٌ يَمُرّ بين يديه ... \" الحديث. قال ابن أبي خيثمة: رواه عن عفان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عنه، عن ابن عباس قال: ولم أسمعه منه، وهو في كتاب أبي داود، عن سليمان بن حرب وغيره، عن شعبة، عن عمرو، عن يحيى، عن ابن عباس،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣.","vol":"2","page":232},{"text":"ولم يقل في سياقه: ولم أسمعه منه، ولذلك رواه بن أبي شيبة كما رواه بن أبي خيثمة. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في \"صحيح مسلم\" حديثان فقط برقم (٦٢٧) حديث علي -﵁-: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس .. \"، و(٢٧٩٩) حديث: \"أبي بن كعب -﵁- في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [السجدة: ٢١] الآية.\n[تنبيه]: قوله: \"ابن الْجَزّار\" -بالجيم، والزاي، وبالراء آخره. قال صاحب \"المطالع\": ليس في \"الصحيحين\"، و\"الموطإ\" غيره، ومن سواه خَزّازٌ -يعني بخاء معجمة، وزايين- أو خراز -يعني بخاء معجمة، فراء، فزايّ. انتهى (١).\n(عَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب -﵁-، تقدّم في ١/ ٣. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى هذا الكلام: أن الحسن بن عمارة كَذَب، فروى هذا الحديث عن الحكم، عن يحيى، عن عليّ -﵁-، وإنما هو عن الحسن البصري من قوله، وقد قدمنا أن مثل هذا، وإن كان يحتمل كونه جاء عن الحسن، وعن عليّ -رضي اله عنه-، لكن الحفاظ يَعْرِفون كذب الكذابين بقرائن، وقد يعرفون ذلك بدلائل قطعية، يعرفها أهل هذا الفن، فقولهم مقبول في كل هذا، والحسن بن عمارة متفق على ضعفه وتركه. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ رحمه الله تعالى أنه لا يُقال: إن هذا الحديث يمكن أن يصحّ عن عليّ أيضًا، كما صحّ عن الحسن البصريّ، فإنه إذا وقع في أحاديث الثقات مثل هذا، لا يُضعّف، بل يُحمل على هذا المحمل، لأنا نقول إن تفرّد الحسن بن عمارة لا يتحمّل هذا التأويل؛ لأنه تبيّن للنّقّاد مثل شعبة أنه كذّاب بدلائل وقرائن أثبتت لهم ذلك، فلا يمكن تصحيح حديثه بالتأويل المذكور؛ لأن ذلك لأهل الصدق، والحفظ والإتقان. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨١ - (وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ، وَقَالَ: لَقِيتُ زِيَادَ ابْنَ مَيْمُونٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَكَان يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ).\n_________\n(١) راجع \"شرح النووي على مسلم\" ١/ ١١٢.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٢.","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>شرح الأثر:</span>\nعن الحسن بن عليّ الْحُلْوانيّ الحافظ المتقدّم في ٣/ ٢٢ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ ابْنَ هَارُونَ) الواسطيّ الحافظ المشهور، تقدّم في ٤/ ٤٣. وقوله: (وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) جملة في محلّ نصب على الحال.\nو\"زياد بن ميمون\" هذا: هو الثقفي الفاكهي. روى عن أنس، ويقال له: زياد أبو عمار البصري، وزياد بن أبي عمار، وزياد بن أبي حسان، يدلسونه؛ لئلا يُعْرَف في الحال. قال الليث بن عبدة: سمعت بن معين يقول: زياد بن ميمون ليس يَسْوَى (١) قليلًا، ولا كثيرًا. وقال مرة: ليس بشيء. وقال يزيد بن هارون: كان كذابا. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو داود: أتيته فقال: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث. وقال بشر بن عمر الزهراني: سألت زياد بن ميمون، أبا عمار عن حديث لأنس، فقال: احسبوني كنت يهوديا، أو نصرانيا، قد رجعت عما كنت أحدث به عن أنس، لم أسمع من أنس شيئًا (٢).\n(فَقَالَ) يزيد (حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ) أي عن زياد (شَيْئًا، وَلَا) أروي أيضًا (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ) -بميم مفتوحة، ثم حاء ساكنة مهملة، ثم دال مضمومة مهملة، ثم واو، ثم جيم- ويقال: ابن مَقْدوح بالقاف بدل الحاء، وبالحاء المهملة بدل الجيم الواسطيّ، روى عن أنس وغيره، رماه يزيد بن هارون بالكذب. وقال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيفٌ جدّا. وقال النسائيّ: متروك. وقال ابن عديّ: يُكنى أبا روح. قال البخاريّ: كان يزيد يرميه بالكذب. حدّث عنه أبو أسامة. وقال ابن حبّان: يقلب الأخبار، لا يُحتجّ به. ثم غفل، فذكره في \"الثقات\". وقد ذكره البخاريّ، والساجيّ، والعقيليّ، وابن الجارود في الضعفاء. وقال النسائيّ في \"الجرح والتعديل\": ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن عبد البرّ: هو عندهم منكر الحديث، ضعيفٌ جدّا (٣).\nقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: أما قوله: \"حلفت أن لا أروى عنهما\" ففعله نصيحةً للمسلمين، ومبالغةً في التنفير عنهما؛ لئلا يَغْتَرّ أحدٌ بهما، فيروي عنهما الكذب، فيقعَ في الكذب على رسول الله -ﷺ-، وربما راج حديثهما، فاحتُجّ به. وأما حُكْمُهُ بكذب\n_________\n(١) في \"القاموس\": هو لا يساوي شيئًا، ولا يَسْوَى كيرضى قليلة. انتهى.\n(٢) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٩٤ - ٩٥.\n(٣) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٢/ ٤٢٧. و\"لسان الميزان\" ٢/ ٣٨٧.","vol":"2","page":234},{"text":"ميمون، فلكونه حَدّثه بالحديث عن واحد، ثم عن آخر، ثم عن آخر، فهو جار على ما قدمناه من انضمام القرائن، والدلائل على الكذب. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ رحمه اللهُ تعالى أن تكذيب يزيد بن هارون لزياد بن ميمون؛ لكونه حدّثه بحديث واحد مرّة عن بكر المزنيّ، ومرّة عن مُورّق العجليّ، ومرّة عن الحسن البصريّ، ليس لمجرّد الاختلاف، بل لما انضمّ إليه من قرائن، ودلائل تدلّ على كذبه، فلولا تلك القرائن، والدلائل لما جاز له الحكم به؛ لأن مثل هذا لو حصل من الثقات الأثبات، مثل الزهريّ، والأعمش، والثوريّ، ونحوهم لَقُبل عنهم، بل يكون ذلك دليلًا على كثرة شيوخ الراوي، وشدّة عنايته بالطلب، حتى سمع الحديث الواحد عن مشايخ كثرين. والله تعالى أعلم.\n(وَقَالَ) يزيد بن هارون، مستشهدًا على تركه الرواية عن زياد بن ميمون (لَقِيتُ) بكسر القاف (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعوليّة (فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ) قال صاحب \"التنبيه\": لا أعرف هذا الحديث. انتهى (٢). (فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ) بفتح الموحّدة، وسكون الكاف (الْمُزَنِيِّ) بضم الميم، وفتح الزاي: نسبة إلى مزينة بنت كلب بن وَبْرَةَ، قبيلة كبيرة. كما في \"اللباب\" (٣).\nوبكر هذا: هو ابن عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله التابعيّ الجليل الفقيه البصري. رَوَى عن أنس بن مالك، وابن عباس، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. وروى عنه ثابت البناني، وسليمان التيمي، وقتادة، وغالب القطان، وغيرهم. قال ابن المديني: له نحو خمسين حديثا، قال: أدركت ثلاثين من فرسان مزينة، منهم عبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال ابن حبان في \"الثقات\": روى عن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني، وله صحبة، وكان عابدا فاضلا، وهو والد عبد الله بن بكر. وقال حميد الطويل: كان بكر مجاب الدعوة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لم يسمع بكر من المغيرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روايته عن أبي ذر مرسلة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وكان بكر يقول: إياك من الكلام ما إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه أَثِمْت، وهو سوء الظن بأخيك. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا مأمونا حجة، وكان فقيهًا، مات سنة (١٠٨). وقال ابن المديني وغيره: مات سنة (١٠٦)، ورجّح ابن سعد الأوّل، وبالثاني قال البخاري، وابن أبي خيثمة، وأبو نصر الكلاباذي، وغيرهم.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٣.\n(٢) \"تنبيه المعلم\" ص ٣٦.\n(٣) راجع \"الأنساب\" ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٩ و\"اللباب\" ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥.","vol":"2","page":235},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ جليلٌ، من الثالثة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" عشرة أحاديث.\n(ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ) أي رجعت إلى زياد (فَحَدَّثَنِي بِهِ) أي بالحديث الذي حدّثه به عن بحكر (عَنْ مُوَرِّقٍ) -بضم الميم، وفتح الواو، وكسر الراء المشدّدة، آخره قاف- وهو مُوَرّق بن مُشَمْرِج -بضم الميم، وفتح الشين المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، آخره جيم- ويقال: ابن عبد الله العجليّ، أبو معتمر البصري، ويقال: الكوفي. روى عن عمر، وسلمان الفارسي، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، ومجاهد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال العجليّ: بصري تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن سعد: كان ثقة عابدا، قالوا: تُوُفّي في ولاية عمر بن هُبَيرة على العراق. وقال الهيثم بن عدي، والقَرّاب: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: كان من العباد الْخُشُنِ، مات سنة خمس ومائة. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثمان.\nوقال في \"التقريب\": ثقة عابدٌ، من كبار الثالثة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث برقم ١٨٨٦ و١٨٨٧ و٤٤٥٥ و٤٤٥٦.\n(ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ) أي البصريّ، تقدّمت ترجمته. وقوله: (وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ) من كلام الحلوانيّ: أي كان يزيد بن هارون ينسب زياد بن ميمون، وخالد بن محدوج إلى الكذب.\n(قَالَ الْحُلْوَانِيُّ) هو الحسن بن عليّ، شيخ المصنّف.\n[تنبيه]: قوله: \"قال\" معطوف على \"قال\" المذكور في قوله السابق: \"قال: سمعت يزيد بن هارون\" بحذف حرف العطف، وحذف حرف العطف وحده في سعة الكلام جائز على القول الراجح عند النحاة، كما في قول الشاعر [من الخفيف]:\nكَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّا ... يَغْرِسُ الْوُدَّ فِي فُؤَادِ الْكَرِيمِ\nأراد كيف أصبحت، وكيف أمسيت. وفي الحديث: \"تصدّق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرّه، من صاع تمره\". رواه مسلم في \"صحيحه\". وسُمع من العرب: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا. أي أكلت خبزًا، ولحمًا، وتمرًا. قال الأشمونيّ: ولا يكون ذلك إلا في الواو، و\"أو\" انتهى. ومثال \"أو\" أثر عمر -﵁- في \"صحيح","vol":"2","page":236},{"text":"البخاري\": \"صلّى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء\". والله تعالى أعلم (١).\n[تنبيه آخر]: نُقل عن الحافظ ابن منده أنه وصف مسلمًا بالتدليس، حيث قال: إنه كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه: \"قال لنا فلان\"، وهو تدليس، وردّ عليه الحافظ أبو الفضل العراقيّ، كما ذكره الحافظ في \"رسالته\" في المدلّسين. فتنبّه. والله تعالى أعلم.\n(سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم التَّنُّوري (٢)، أبو سهل البصري. روى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وحرب بن شداد، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الوارث، وأحمد، وإسحاق، والحسن بن علي الحلواني، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. ونقل ابن خلفون: توثيقه عن ابن نمير. وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثبت في شعبة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة ست، أو سبع ومائتين. وقال ابنه عبد الوارث وغيره: مات سنة سبع. وقال البلاذري: مات آخر سنة ست، أو أول سنة سبع. وقال في \"التقريب\": صدوق، ثبتٌ في شعبة، من التاسعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٦٥) حديثًا.\nوقوله: (وَذَكَرْتُ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل \"سمعتُ\": أي والحال أني قد ذكرتُ (عِنْدَهُ) ظرف لذكرتُ: أي عند عبد الصمد (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعولية لذكرت. وقوله: (فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ) هكذا النسخ، والظاهر أن الفاء زائدة، والجملة في محل نصب على أنه مفعول ثان لسمعت، على القول بأنها من النواسخ، أو على الحال من \"عبد الصمد\" على قول الجمهور. ويحتمل أن يكون مفعول سمعت أو الحال (٣) محذوفًا، والتقدير: سمعت عبد الصمد يُكذّب زياد بن ميمون، ويكون قوله: \"فنسبه إلى الكذب\" جملةً مؤكّدةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٢ - (وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَنْ\n_________\n(١) راجع شرح الأشموني على \"الخلاصة\" ٣/ ١١٦ - ١١٧. مع \"حاشية الصبّان\".\n(٢) بفتح المثنّاة، وتشديد النون-: نسبة إلى عمل التّنّور المعروف، وبيعها. قاله في \"اللباب\" ١/ ٢٢٦.\n(٣) وحذف الحال يجوز، كما بيّنه ابن هشام رحمه اللهُ تعالى في \"مغني اللبيل\" ٢/ ٦٣٤.","vol":"2","page":237},{"text":"عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لَكَ لم تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ، الَّذِي رَوَى لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَالَ لِيَ: اسْكُتْ، فَأَنَا لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ، فَيَتُوبُ، أَلَيْسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ مِنْ ذَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إِنْ كَان لَا يَعْلَمُ النَّاسُ، فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانِ، أَنِّي لم أَلْقَ أَنَسًا؟ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَبَلَغَنَا بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِي، فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَتُوبُ، ثمَّ كَانَ بَعْدُ يُحَدِّثُ، فَتَرَكْنَاهُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>شرح الأثر:</span>\nعن محمود بن غيلان المروزيّ المتقدّم في ٤/ ٧٨، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ) سليمان بن داود الحافظ المتقدّم في ٤/ ٧٠ (قَدْ أَكْثَرْتَ) أي من الرواية، أي رويت أحاديثًا كثيرةً (عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ) هو: عباد بن منصور الناجيّ -بالنون، والجيم- أبو سلمة البصري القاضي، روى عن عكرمة، وعطاء، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وحماد بن سلمة، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير؟ قال: لا أدري، إلا أنا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه. وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد: قال جدي: عَبَّادٌ ثقة، لا ينبغي أن يُترَك حديثه لرأي أخطأ فيه -يعني القدر-. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وكان يُرمَى بالقدر. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونَرَى أنه أخذ هذه الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور: سمعتَ حديثَ: \"ما مررت بملأ من الملائكة\"، وأن النبي -ﷺ- كان يكحل ثلاثا -يعني من عكرمة-؟ فقال: حدثهن ابن أبي يحيى، عن داود، عن عكرمة. وقال أبو داود: ولي قضاء البصرة خمس مرات، وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا تغير. وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمرو الأغضف، فقال: قاضي الأهواز ثقة، قال لعباد بن منصور: من حدثك أن ابن مسعود رجع عن قوله: \"الشقي من شقي في بطن أمه\"؟ قال: شيخ لا أدري من هو؟ فقال: عمرو أنا أدري من هو؟ قال: من هو: قال: الشيطان. وقال النسائي: ليس بحجة. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال ابن حبّان: كان قدريا، داعية إلى القدر، وكلُّ ما روى عن عكرمة، سمعه من إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عنه، فدلّسها عن عكرمة. وقال عباس الدُّوري، عن يحيى بن معين: حديثه ليس بالقوي، ولكنه يكتب. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال مهنأ عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان قدريا، وكان يدلِّس. وقال ابن أبي","vol":"2","page":238},{"text":"شيبة: روى عن أيوب، وعكرمة، وكان يُنسَب إلى القدر، روى أحاديث مناكير. وقال أبو بكر البزار: روى عن عكرمة أحاديث، ولم يسمع منه. وقال العجلي: لا بأس به، يكتب حديثه. وقال مرة: جائز الحديث. وقال ابن سعد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة. وقال الجوزجاني: كان يُرمَى برأيهم، وكان سيء الحفظ، وتغير أخيرًا. وقال الآجري عن أبي داود: ثنا أحمد بن أبي شريح، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا عباد بن منصور، على قدرية فيه. وقال ابن عدي: هو في جملة من يكتب حديثه. وقال رُسْتَه عن يحيى بن سعيد: مات عباد، وهو على بطن امرأته. وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، وفيها أرخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وزكرياء الساجي، وابن حبان.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، رُمي بالقدر، وكان يدلّس، وتغيّر بآخره، من السادسة. انتهى.\nعلّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله ذكر عند المصنّف هنا في \"المقدّمة\".\n(فَمَا لَكَ) \"ما\" استفهاميّة: أي فأي شيء ثبت لك. وقوله: (لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونك غير سامع من عبّاد بن منصور (حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ) بفتح العين المهلة، وتشديد الطاء المهملة: أي المرأة التي تبيع العطر.\nقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: ذكر مسلم حديث العطّارة، ولم يُفسّره، وهو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمّار، عن أنس، أن امرأة يقال لها: الحولاء عطّارةً، كانت بالمدينة، فدخلت على عائشة، وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبيّ -ﷺ- ذكر لها في فضل الزوج، وهو حديث طويل، غير صحيح، ذكره ابن وضّاح بكماله في كتاب \"القطعان\" له، ويقال: إن هذه العطّارة هي الحولاء بنت تُويت المذكورة في غير هذا الحديث. انتهى (١).\nوقال في \"لسان الميزان\": وحديث العطارة أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من طريق غُنجار، صاحب \"تاريخ بخارى\"، حدثنا محمد بن نصر بن خلف، ثنا أبو كثير، سيف بن حفص، حدثني علي بن الجنيد، ثنا محمد بن سلام، ثنا أبو سهل المدائني، ثنا الصباح بن سهل، عن زياد بن ميمون، عن أنس بن مالك -﵁- قال: كانت امرأة بالمدينة، عطارة، يقال لها: الحولاء، فجاءت إلى عائشة -﵂-، فقالت: يا أم المؤمنين، نفسي لك الفداء، إني لأُزَيِّن نفسي لزوجي كل ليلة، حتى كأني العروس أُزَفّ إليه، فقالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: \"ليس من امرأة ترفع شيئا من بيتها،\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥١.","vol":"2","page":239},{"text":"أو تضعه في مكان، تُريد بذلك إصلاحا إلا نظر الله إليها ... \"، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فضل الولادة، والرضاع، والفطام، والمراودة، والمعانقة، والقبلة، والمجامعة، وغير ذلك. انتهى (١).\nوقوله: (الَّذِي) صفة لحديث (رَوَى لَنَا) ببناء الفعل للفاعل، ومفعوله محذوف: أي رواه. وقوله: (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل) بالرفع على الفاعليّة لروى. وهو النضر بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن النحويّ الثقة الحافظ البصريّ، نزيل مرو، وقد تقدّم في ٤/ ٣٧.\n(قَالَ) أي أبو داود الطيالسيّ (لِيَ: اسْكُتْ) أي عن سؤالك هذا، ثم علّل أمره بالسكوت بقوله (فَأَنَا لَقِيتُ) بكسر القاف، من باب تَعِب (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعوليّة للقيت. وقوله: (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع في \"لقيت\"؛ لوجود الفاصل بالمفعول به، إذ لا يُشترط أن يكون الفصل بالضمير المنفصل، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ\nأَوْ فَاصِلٍ مَّا وِبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ ... فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ\nويحتمل أن يكون \"عبد الرحمن بن مهديّ\" منصوبًا على أنه مفعول معه، كما قال في \"الخلاصة\" أيضًا:\nيُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ ... فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ\nبِمَا مِنَ الْفِعْلِ وِشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَولِ الأَحَقّ\n(فَسَأَلْنَاهُ) وقوله: (فَقُلْنَا لَهُ) تفسير للسؤال، وقوله: (هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ -﵁-)، اسم الإشارة مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة السياق عليه: أي أسمعتها منه؟ (فَقَالَ) أي زياد (أَرَأَيْتُمَا) أي أخبراني، وقد تقدّم البحث عن \"أرأيت\"، وأخواتها قريبًا، فلا تنس (رَجُلًا يُذْنِبُ) بضم أوله من الإذناب (فَيَتُوبُ) أي عن ذنبه (أَلَيْسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ؟) أي أي ليس يقبل الله ﷿ توبته؟ (قَالَ) أبو داود الطيالسيّ (قُلْنَا) أي قلت أنا وعبد الرحمن بن مهديّ (نَعَمْ) أي يقبل الله تعالى منه توبته (قَالَ) زياد (مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ) «مِنْ ذَا) أي مما أرويه عن أنس -﵁- (قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا)، (إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ النَّاسُ) أي العوامّ الذين ليس لهم عناية بالرواية ورواتها (فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانِ) بتقدير همزة الاستفهام: أي أفأنتما لا تعلمان. ويحتمل أن تكون \"لا\" زائدة، ومعناه: فأنتما تعلمان، والأول أقرب. (أَنِّي) بفتح الهمزة لكونها سدّت مسدّ مفعولي \"تعلمان\" (لَمْ\n_________\n(١) راجع \"لسان الميزان\" ٢/ ٤٩٨.","vol":"2","page":240},{"text":"أَلْقَ) بفتح الهمزة، والقاف، بينهما لام ساكنة، اللقاء (أَنَسًا) -﵁-.\nوالمعنى أنه لم يلق أنس بن مالك -﵁-، فضلًا عن سماع تلك الأحاديث منه، وإنما يرويها عنه كذبًا (قَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطيالسيّ (فَبَلَغَنَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد أن إعلانه بالتوبة (أَنَّهُ يَرْوِي) أي عن أنس -﵁- (فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) هكذا النسخ: \"فأتيناه\" بنون الجمع، والظاهر أن \"أنا\" بدل من الضمير الفاعل، أو عطف بيان له، و\"عبد الرحمن\" بالرفع عطف عليه. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(فَقَالَ: أَتُوبُ) أي أرجع إلى الله تعالى من الكذب على أنس -﵁- (ثُمَّ كَانَ بَعْدُ) بالضم أيضًا، كما سبق توجيهه (يُحَدِّثُ) أي عن أنس -﵁- (فَتَرَكْنَاهُ) أي تركنا الإتيان إليه؛ لعدم قبوله النصح، لتماديه على غيّه. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه]: ظاهر صنيع أبي داود الطيالسيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ في مراجعة زياد ابن ميمون، واعترافهما بقبول توبته، دليلٌ على أن مذهبهما قبول توبة الكاذب في الحديث النبويّ، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، مع اتفاقهم في قبول توبة الفاسق بغير الكذب فيه، وقد سبق تحقيقه في المسائل المذكورة في شرح حديث: \"لا تكذبوا عليّ ... \" الحديث، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٣ - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ يُحَدِّثُنَا، فَيَقُولُ: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ، قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَنْ يُتَّخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ قَالَ: يَعْنِي تُتَّخَذُ كَوَّةٌ فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (حسن الحلوانيّ) هو ابن عليّ الحافظ نزيل مكة، تقدّم في ٣/ ٢٢.\n٢ - (شبابة) بن سَوّار المدائنيّ، تقدّم في ٤/ ٣٨. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>شرح الأثر:</span>\nعن حسن بن عليّ الحلوانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ) بن سوّار (قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ) بن حبيب الكلاعي الشامي الدمشقي، تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف الرواة المتّهمين (يُحَدِّثُنَا، فَيَقُولُ: سُوَيْدُ) بصيغة التصغير (ابْنُ عَقَلَةَ) بعين مهملة مفتوحة، وقاف مفتوحة، وهو تصحيف من عبد القدّوس، والصواب سُويد بن غَفَلَة -بغين معجمة، وفاء مفتوحتين-.","vol":"2","page":241},{"text":"وسويد بن غَفَلَة هذا: هو سُويد بن غَفَلة بن عَوْسَجة بن عامر بن وداع بن معاوية ابن الحارث بن مالك بن عوف بن سعد بن عوف بن خُرَيم بن جُعْفِيّ بن سعد العشيرة، أبو أمية الجعفي الكوفي، أدرك الجاهلية، وقد قيل: إنه صلى مع النبي -ﷺ-، ولا يصح. وقيل: قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله -ﷺ-، وهذا أصح، وشهد فتح اليرموك. وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وخيثمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهم. قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال علي بن المديني: دخلت بيت أحمد بن حنبل، فما شَبّهت بيته إلا بما وُصِف من بيت سويد بن غفلة، من زهده، وتواضعه. وقال علي والد الحسين الجعفي: كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أَتَى عليه عشرون ومائة سنة. وقال نعيم بن ميسرة، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال: أنا لِدَةُ رسول الله -ﷺ-. وقال أبو نعيم: مات سنة (٨٠). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وغير واحد: مات سنة إحدى وثمانين. وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (٨٢). وقال عاصم بن كليب: بلغ ثلاثين ومائة سنة. قال الحافظ: إن صح أنه لِدَة رسول الله -ﷺ-، فقد جاوزها.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده مجهولًا. والله تعالى أعلم.\nوذكره ابن قانع في الصحابة، وروى له حديثا في إسناده ضعف. وقال في \"التقريب\": مُخَضْرَمٌ، من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ -ﷺ-، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث، برقم ١٠٦٦ حديث عليّ -﵁-: \"سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ... \" الحديث. و١٢٧١ حديث عمر بن الخطاب -﵁-: \"قبّل الحجر، والتزمه ... \" الحديث. و١٧٢٣ حديث أبيّ بن كعب -﵁-: \"عرِّفها حولًا، قال: فعرّفتها ... \" الحديث. و٢٠٦٩ حديث عمر -﵁- أيضًا: \"نهى نبيّ الله (عن لبس الحرير إلا ... \" الحديث.\n(قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول (الرَّوْحُ) بفتح الراء، وسكون الواو (عَرْضًا) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره ضاد معجمة، هكذا صحّفه عبد القدّوس، والصواب: \"أن يُتّخذ الرّوح غَرَضًا\": أي يُتخذ الحيوان الذي فيه الروح هدفًا للرمي (قَالَ) شبابة (فَقِيلَ لَهُ) أي لعبد القدّوس (أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟) مبتدأ وخبر، و\"أيّ\" استفهاميّة: أي ما معنى هذا الكلام؟ (قَالَ) عبد القدّوس (يَعْنِي تُتَّخَذُ كَوَّةٌ) بفتح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب","vol":"2","page":242},{"text":"\"المطالع\": وحُكي فيها الضمّ. (فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ) بفتح، فسكون: أي النسيم.\nقال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: المراد بهذا المذكور بيانُ تصحيف عبد القدوس، وغباوته، واختلال ضبطه، وحصول الوهم في إسناده ومتنه، فأما الإسناد، فإنه قال: سُوَيد بن عقلة -بالعين المهملة، والقاف- وهو تصحيف ظاهر، وخطأ بَيِّنٌ، وإنما هو غَفَلة - بالغين المعجمة، والفاء المفتوحتين-. وأما المتن فقال: الرَّوْح -بفتح الراء- وعَرْضا -بالعين المهملة، وإسكان الراء- وهو تصحيف قبيح، وخطأ صريح، وصوابه \"الرُّوح\" -بضم الراء- و\"غَرَضًا\" -بالغين المعجمة، والراء المفتوحتين- ومعناه: نَهَى أن نَتَّخِذ الحيوان الذي فيه الروح غرضًا: أي هَدَفًا للرمي، فيرمى إليه بالنشاب وشبهه (١). والله تعالى أعلم.\n[تنبيه]: حديث النهي عن اتخاذ الرُّوح غَرَضًا أخرجه مسلم رحمه اللهُ تعالى في \"كتاب الصيد والذبائح\" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تتخذوا شيئا فيه الرُّوح غَرَضًا\". وأخرج أيضًا من حديث أنس -﵁- قال: \"نهى رسول -ﷺ- أن تُصْبَرَ البهائم\". ومن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: \"إن رسول الله -ﷺ-، لَعَنَ مَنِ اتخذ شيئا فيه الرُّوح غرضًا.\nومعنى: \"لا تتّخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا\": أي لا تتّخذوا الحيوان الحيَّ غَرَضًا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها. ومعنى: أن تُصْبَرَ البهائم: أي أن تُحبس، وهي حيّةٌ، لتُقتَلَ بالرمي ونحوه.\nوحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يدلّ على أن هذا النهي للتحريم، حيث قال: \"لَعَنَ رسولُ الله -ﷺ- من اتّخذ الخ\"،؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرّم، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وتضييع لماليّته، وتفويتٌ لذكاته، إن كان مُذَكّى، ولمنفعته إن لم يكن مما يُذكّى (٢).\nوقال القاضي عياضٌ رحمه اللهُ تعالى: ولم يختلف العلماء في منع أكل المصبورة، وأنها غير ذكيّة. وفائدة الحديث النهي عن قتل الحيوان لغير منفعة، والعبث بقتله. وقال الطبريّ: فيه دليلٌ على منع قتل ما أُحلّ أكله من الحيوان ما وُجد إلى تذكيته سبيل. ثم فيه فساد المال. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٤.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١٣/ ١٠٨.\n(٣) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٢.","vol":"2","page":243},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٤ - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عْمَرَ الْقَوَرِيرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ بِأَيَّامٍ: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قال: نَعَمْ يَا أَبَاء إِسْمَاعِيلَ)\n(قَالَ مسْلِم) أي ابن الحجّاج، صاحب الكتاب رحمه اللهُ تعالى، والظاهر أنه من كلام الراوي عنه، ويحتمل أن يكون من كلامه نفسِهِ (وسَمِعْت عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ) الثقة الثبت البصريّ، نزيل بغداد، المتقدّم في ٤/ ٧٢ (يَقُولُ سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ) المتقدّم في ٣/ ٢٤ (يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ) أبو عبد الله البصري، روى عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، ويونس بن عبيد. وروى عنه ابنه محمد، وحمدان بن عمر، وجماعة. كذّبه يحيى بن سعيد، وابن معين. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال يحيى بن معين أيضا: صاحب بدعة، يضع الحديث. وساق ابن عدي له أحاديث، وقال عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن المديني: كان يتهم بالكذب. وقال يحيى بن معين أيضا: ومن المعروفين بالكذب، ووضع الحديث مهدي بن هلال. وقال ابن عدي أيضا: ليس على حديثه ضوء، ولا نور؛ لأنه كان يدعو الناس إلى بدعته. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كذبه أحمد بن حنبل. وقال أبو داود في \"سؤالات أبي عبيد\"، والنسائي في \"التمييز\": كذاب. وقال العجلي: متروك الحديث، قَدَرِيّ، وليس هو أخا معلى بن هلال. وقال الساجي: كان قدريا من الدعاة. وليس هو من رجال الكتب الستّة (١). والله تعالى أعلم.\n(بِأَيَّامٍ) متعلّق بـ\"قال\" (مَا هَذِهِ) \"ما\" استفهاميّة مبتدأ، خبره اسم الإشارة، ويجوز العكس (الْعَيْنُ) نعتٌ، أو بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، كما قيل:\nمُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ\"أل\" ... يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ\nو\"العين\" تطلق على معان كثيرة، أوصلها في \"القاموس\" (٢) إلى سبعة وأربعين معنًى، وذكر الشارح أنها تزيد على المائة، والمناسب هنا هو يَنْبُوع الماء، ويُجمع على أعيُن، وعُيُون.\nوقوله: (الْمَالِحَةُ) صفة للعين، وهي من أمْلَح الماءُ: ضدّ عَذُب، وهي من النوادر، وكنى بقوله: \"العين المالحة\" عن ضعف مهديّ هذا، وجرحه، شبَّههُ بماء العين\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٩٥ - ١٩٦. و\"لسان الميزان\" ٦/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) راجع \"القاموس\" مع شرح \"تاج العروس\" ٩/ ٢٨٧ - ٢٩٣.","vol":"2","page":244},{"text":"المالحة، والجامع بينهما عدم النفع، بل حصول الضرر لمن يتناوله، فكما أن الماء المالح لا يحصل به الغرض، من الرِّيّ، وزوال العطش، كذلك حديث مهديّ بن هلال لا يحصل به النفع، بل يكون ضررًا لسامعه؛ لأنه ربما عمل به، وهو غير صالح للعمل به، فيحصل له الضرر في دينه، كما يحصل الضرر في بدن من يشرب المالح من الماء. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه]: أشرت آنفًا إلى أن \"المالحة\" من النوادر، وذلك لمخالفته قواعد اسم الفاعل؛ لأنه إما أن يكون من مَلُح ككرُم، كما هو لغة أهل العالية، فاسم فاعله مَلِحٌ، بفتح، فكسر، وإما أن يكون من أملح، كما هو لغة أهل الحجاز، فاسم فاعله مُمْلِح، كمُفْلِحٍ.\nقال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه النافع \"المصباح المنير\": مَلُحَ الماء ملوحةً، هذه لغة أهل العالية، والفاعل منها مَلِحٌ -بفتح الميم، وكسر اللام- مثلُ خَشُنَ خُشُونةً، فهو خَشِنٌ، هذا هو الأصل في اسم الفاعل، وبه قرأ طلحة بن مصرّف: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، لكن لما كثر استعماله، خُفّف، واقتُصِر في الاستعمال عليه، فقيل: \"مِلْحٌ\" -بكسر الميم، وسكون اللام-. وأهل الحجاز يقولون: أملح الماء إملاحًا، والفاعل مالحٌ، التي جاءت على غير قياس، نحوُ أبقل الموضع، فهو باقلٌ، وأغضى الليل، فهو غاضٍ. وأنشد ابن فارس [من الرجز]:\nصَبَّحْنَ قَوًّا وَالْحِمَامُ وَاقِعٌ ... وَمَاءُ قَوٍّ مَالِحٌ وَنَاقِعٌ\nونقله أيضًا عن ابن الأعرابيّ. وأنشد بعضهم لعمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:\nوَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ مَالِحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبَا\nونقل الأزهريّ اختلاف الناس في جواز \"مالح\"، ثم قال: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ أيضًا. وفي نسخة من \"التهذيب\": قلت: وقال في \"المجرّد\": ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ بمعنًى. وقال ابن السّيدِ في \"مثلَث اللغة\": ماءٌ مِلْحٌ، ولا يقال: مالحٌ في قول أكثر أهل اللغة. وعبارة المتقدّمين فيه: وماءٌ مالح قليلٌ، ويعنون بقلّته كونه لم يجىء على فعله، فلم يَهتد بعض المتأخّرين إلى مَغْزلهم، وحملوا القلّة على الشهرة والثبوت، وليس كذلك، بل هي محمولة على جريانه على فعله، كيف، وقد نُقل أنها لغة حجازيّةٌ، وصرَّح أهل اللغة بأن أهل الحجاز كانوا يختارون من اللغات أفصحها، ومن الألفاظ أعذبها، فيستعملونه، ولهذا سبحانه تعالى نزل القرآن بلغتهم، وكان منهم أفصح العرب -يعني النبيّ -ﷺ-، وما ثبت أنه من لغتهم لا يجوز القول بعدم فصاحته. وقد قالوا في","vol":"2","page":245},{"text":"الفعل: مَلَحَ الماء مُلُوحًا، من باب قعد، وقياس هذا مالحٌ، فعلى هذا هو جارٍ على القياس. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة يسيرة من \"اللسان\" (١).\n(الَّتِي نَبَعَتْ) -بفتح الموحّدة، يقال: نَبَع الماء نُبُوعًا، من باب قعد، ونَبَع نَبْعًا، من باب نَفَع لغة: خرج من العين. قاله الفيّوميّ (قِبَلَكُمْ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة، وزانُ عِنَب: أي جهتكم (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا إِسْمَعِيلَ) كنية حمّاد بن زيد، والمراد أن ذلك الرجل وافق حمّادًا على جرح مهديّ بن هلال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٥ - (وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ، قَالَ: مَا بَلَغَني عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (الحسن الحلوانيّ) المذكور قبل سند.\n٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ الحافظ المتقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>شرح الأثر:</span>\nعن الحسن الحلوانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ) بن مسلم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الحافظ المتقدّم في ١/ ٥ (قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، تقدّمت ترجمته (حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ) يجوز صرفه، وعدمه، والصرف أجود (ابْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) واسمه فيروز، أبو إسماعيل، مولى عبد القيس البصري، ويقال: دينار. روى عن أنس فأكثر، وسعيد بن جبير، وخليد بن عبد الله الْعَصَرِيّ، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق الفزاري، وعمران القطان، ويزيد بن هارون، ومعمر، وغيرهم. قال الفلاس: متروك الحديث، وهو رجل صالح، يكنى أبا إسماعيل، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال البخاري: كان شعبة سيء الرأي فيه. وقال عباد المهلبي: أتيت شعبة أنا وحماد بن زيد فكلمناه في أبان، أن يُمسِك عنه فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك. فقال: ما أُراني يسعني السكوت عنه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر. وقال أيضا: لا يكتب عنه، قيل: كان له هَوىً، قال: كان منكر الحديث، كان وكيع إذا أتى على حديثه\n_________\n(١) راجع \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٧٨. و\"لسان العرب\" ٢/ ٥٩٩ - ٦٠٦.","vol":"2","page":246},{"text":"يقول: رجل، ولا يسميه استضعافا. وقال مرة: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: متروك الحديث. وكذا قال النسائي، والدارقطني، وأبو حاتم، وزاد: وكان رجلا صالحا، ولكنه بُلِيَ بسوء الحفظ. وقال عفان: قال لي أبو عوانة: جمعت أحاديث الحسن عن الناس، ثم أتيت بها أبان بن أبي عياش، فحدثني بها كلها. وقال أبو عوانة مرة: لا أستحل أن أروي عنه شيئًا. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: تُرِك حديثه، ولم يقرأه علينا، فقيل له: كان يتعمد الكذب؟ قال: لا، كان يسمع الحديث من أنس، ومن شهر، ومن الحسن، فلا يميز بينهم. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بَيِّنُ الأمر في الضعف، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يُشَبَّهُ عليه، ويغلط، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة. وقال مالك بن دينار: أبان بن أبي عياش طاووس القراء. وقال أيوب: ما زلنا نعرفه بالخير منذ دهر. وقال ابن إدريس: قلت لشعبة: حدثني مهدي بن ميمون، عن سَلْم الْعَلَويّ، قال: رأيت أبان بن أبي عياش يكتب عن أنس بالليل، فقال شعبة: سلم يرى الهلال قبل الناس بليلتين. وقال ابن حبان: كان من العباد، سمع من أنس أحاديث، وجالس الحسن، فكان يسمع من كلامه، فإذا حدث به جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعًا، وهو لا يعلم، ولعله حدث عن أنس بأكثر من ألف وخمسمائة حديث، ما لكثير شيء منها أصل. وقال ابن معين مرة: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن المديني: كان ضعيفا. وقال الساجي: كان رجلا صالحا سخيا، فيه غفلة، يَهِم في الحديث، ويخطئ فيه. وقال يزيد بن هارون: قال شعبة: ردائي، وحماري في المساكين صدقة، إن لم يكن ابن أبي عياش يكذب في الحديث. وقال شعيب بن حرب: سمعت شعبة يقول: لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن أقول: حدثني أبان. وقال ابن إدريس عن شعبة: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. وقال سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد قال: جاءني أبان بن أبي عياش، فقال: أحب أن تُكَلِّم شعبة أن يَكُفّ عني، قال، فكلمته، فكف عنه أياما، ثم أتاني في الليل، فقال: إنه لا يحل الكف عنه، إنه يكذب على رسول الله -ﷺ-. وقال يزيد بن زريع: حدثني عن أنس بحديث، فقلت له: عن النبي -ﷺ-؟ فقال: وهل يروي أنس عن غير النبي -ﷺ-؟ فتركته. وقال ابن سعد: بصري متروك الحديث. وذكره الفسوي في \"باب من يُرْغَبُ عن الرواية عنهم\". وقال العقيلي: ثنا أحمد بن علي الأبار قال: رأيت النبي -ﷺ- في النوم، فقلت: يا رسول الله -ﷺ- أترضى أبان بن أبي عياش؟ قال: لا. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: لا يُكتب حديثه. وحكى الخليلي في \"الإرشاد\" بسند صحيح، أن أحمد","vol":"2","page":247},{"text":"قال ليحيى بن معين -وهو يكتب عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان نسخة-: تكتب هذه، وأنت تعلم أن أبان كذاب؟ فقال: يرحمك الله يا أبا عبد الله، أكتبها، وأحفظها، حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، أقول له: كذبت، إنما هو أبان. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث، تركه شعبة، وأبو عوانة، ويحيى، وعبد الرحمن. وذكر أبو موسى المديني أنه تُوفي سنة (٧) أو (٢٨).\nقال الحافظ: والظاهر أنه خطأ، وكأنه أراد وثلاثين. وروينا في الجزء الثاني من حديث الفاكهي عن ابن أبي مسرة، أنه سمع يعقوب بن إسحاق ابن بنت حميد الطويل يقول: مات أبان بن أبي عياش في أول رجب سنة (١٣٨). وكذا ذكره القراب في \"تاريخه\". وقال الذهبي في \"الميزان\": بقي إلى بعد الأربعين ومائة. ولا يخفى ما فيه. وفي \"التقريب\": متروك، من الخامسة، مات في حدود الأربعين. انتهى.\nروى له أبو داود حديثا واحدًا مقرونا بقتادة في \"الصلاة\": ثنا خُلَيد العصري، عن\nأبي الدرداء: \"خمس من جاء بهن ... \" الحديث. وهو من رواية ابن الأعرابي.\n(فَقَرَأَهُ عَلَيَّ) أي قرأ أبان ذلك الحديث الذي أتى به أبو عوانة. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الكلام: أنه كان يُحَدِّث عن الحسن بكلّ ما يُسأل عنه، وهو كاذبٌ في ذلك. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٦ - (وحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ عَلِيٌّ: فَلَقِيتُ حَمْزَةَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ، فَمَا عَرَفَ مِنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً، أَوْ سِتَّةً).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (سُويد بن سعيد) بن سهل بن شهريار الْهَرَويّ، أبو محمد الْحَدَثَانّي -بفتح المهملة، والمثلّثة- الأنباري -بنون، ثم موحّدة- سكن الْحَدِيثة تحت عانة وفوق الأنبار.\nرَوَى عن مالك، وحفص بن ميسرة، ومسلم بن خالد الزنجي، وعلي بن مسهر، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٥.","vol":"2","page":248},{"text":"قال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي أحاديث سويد، عن ضمام بن إسماعيل، فقال لي: اكتبها كلها، فإنه صالح، أو قال: ثقة. وقال الميموني عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال البغوي: كان من الحفاظ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه، فيسمعان منه. وقال أبو داود عن أحمد: أرجو أن يكون صدوقا، لا بأس به. وقال أبو حاتم: كان صدوقا، وكان يدلس ويكثر. وقال البخاري: كان قد عمي، فتَلَقَّن ما ليس من حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، مضطرب الحفظ، ولا سيما بعدما عَمِي. وقال صالح بن محمد: صدوق إلا أنه كان عمي، فكان يُلَقَّن أحاديث ليست من حديثه. وقال الْبَرْذَعي: رأيت أبا زرعة يسيىء القول فيه، فقلت له: فَأَيْشٍ حاله؟ قال: أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله، فأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا. قال: وسمعت أبا زرعة يقول: قلنا لابن معين: إن سويدا يحدث عن ابن أبي الرجال، عن ابن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"من قال في ديننا برأيه، فاقتلوه\". فقال يحيى: ينبغي أن يُبدأ بسويد فيقتل. وقيل لأبي زرعة: إن سويدا يحدث بهذا عن إسحاق بن نَجِيح، فقال: نعم، هذا حديث إسحاق، إلا أن سويدا أتى به عن ابن أبي الرجال. قلت: فقد رواه لغيرك عن إسحاق، فقال: عسى قيل له فرجع. وقال الحاكم أبو أحمد: عمي في آخر عمره، فربما لُقِّن ما ليس من حديثه، فمن سمع منه، وهو بصير فحديثه عنه حسن. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا مأمون، أخبرني سليمان بن الأشعث قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سويد بن سعيد حلال الدم. وقال محمد ابن يحيى الْخَزّاز: سألت ابن معين عنه، فقال: ما حدثك، فاكتب عنه، وما حدث به تلقينا فلا. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سئل أبي عنه، فحرك رأسه، وقال: ليس بشيء. وقال أبو بكر الأعين: هو سِدَادٌ من عيش، هو شيخ. وقال أبو بكر الإسماعيلي: في القلب من سويد شيء، من جهة التدليس.\nوقال العجلي: ثقة، من أروى الناس عن علي بن مسهر. وقال مسلمة في \"تاريخه\": سويد ثقة ثقة، روى عنه أبو داود. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قيل لمسلم: كيف استجزت الرواية عن سويد في \"الصحيح\"؟: فقال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة.\nقال البخاري: مات سنة أربعين ومائتين، أول شوال بالحديثة. وفيها أرخه البغوي، وقال: وكان قد بلغ مائة سنة.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه القول ابن معين، من قدماء العاشرة. انتهى.\nتفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٣) حديثًا.","vol":"2","page":249},{"text":"٢ - (عليّ بن مسهر) -بضم الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء- القرشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل.\nرَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم. وروى عنه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وخالد بن مخلد، وسويد بن سعيد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: هو أحب إليك، أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مسهر. فقلت: ابن مسهر، أو إسحاق الأزرق؟ قال: ابن مسهر. قلت: ابن مسهر، أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال ابن نمير: كان قد دفن كتبه. قال يحيى: وهو أثبت من ابن نمير. وقال العجلي: قرشي من أنفسهم، كان ممن جمع الحديث والفقه، ثقة. وقال العجلي أيضا: صاحب سنة ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال العقيلي: قال أبو عبد الله -يعني أحمد- لما سئل عنه: لا أدري كيف أقول، قال: كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة تسع وثمانين ومائة. وعن يحيى بن معين: أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فَدَسَّ القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبا، فكحله، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى.\nوقال في \"التقريب\": ثقة له غرائب بعدما أضرّ، من الثامنة.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٠٣) أحاديث. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>شرح الأثر:</span>\nعن عليّ بن مُسهِرٍ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ) بالرفع عطفًا على الضمير المتّصل؛ لوجود الفصل بالمنفصل.\nو\"حمزة\": هو ابن حبيب بن عمارة الزيات القاريء، أبو عُمَارة الكوفي التيمي مولاهم تقدمت ترجمة في ٤/ ٥٤.\n(مِنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ عَلِيّ) بن مسهر (فَلَقِيتُ حَمْزَةَ) الزيّات (فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- فِي الْمَنَامِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ مِنْ أَبَانَ) أي أراه إياه (فَمَا عَرَفَ) أي النبيّ -ﷺ- (مِنْهَا) أي من تلك الأحاديث التي سمعها من أبان، وعرضها عليه (إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا، خَمْسَةً، أَوْ سِتَّةً) بالنصب بدلا من \"شيئًا\". قال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: هذا ومثله استئناس، واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا","vol":"2","page":250},{"text":"بإجماع العلماء. انتهى (١).\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى بعدما ذكر كلام عياض: ما نصّه: وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم، فنقلوا الاتفاق على أنه لا يُغَيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع، وليس هذا الذي ذكرناه مخالفا لقوله -ﷺ-: \"من رآني في المنام، فقد رآني\"، فإن معنى الحديث: أن رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام، وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعيّ به؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط، وتحقيق لما يسمعه الرائي. وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته، أن يكون متيقظا، لا مُغَفَّلًا، ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائمُ ليس بهذه الصفة، فلم تقبل روايته؛ لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي -ﷺ- يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهيّ عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء. انتهى (٢). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٧ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: اكْتُبْ عَنْ بَقِيَّةَ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد الحافظ المشهور، صاحب \"المسند\"، تقدّم في ٤/ ٢٧.\n٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن زُرَيق بن إسماعيل، ويقال: ابن عدي بن الصّلت بن بِسْطام التيمي، أبو يحيى الكوفي، نزيل بغداد.\nرَوَى عن أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وغيرهم. وعنه إسحاق بن راهويه، والبخاري في غير \"الجامع\"، وعبد الله بن أبي شيبة، وعبد الله الدارمي، وابن نمير، وغيرهم.\nقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: لا بأس به. وقال ابن الجنيد: قيل\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٣.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٥.","vol":"2","page":251},{"text":"لابن معين: ذُكر لأبي نُعيم حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ما له وللحديث! ذاك بالتوراة أعلم. فقال ابن معين: كان زكريا بن عدي لا بأس به، وكان أبوه يهوديا فأسلم. وقال العجلي: كوفي ثقة، رجل صالح، وأخوه يوسف ثقة، وزكريا أرفع منه، وكان متقشفا، حسن الهيئة، له نفس. وقال المنذر بن شاذان: ما رأيت أحفظ منه، جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله بن عمرو، فقال: ما تصنعون بالكتاب، خذوا حتى أُملي عليكم كله، وكان يحدث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم. وقال عباس الدوري: حدثنا زكريا بن عدي، وكان من خيار خلق الله. وقال ابن خِرَاش: ثقة، جليل، ورع. وقال ابن سعد: توفي ببغداد في جمادى الأولى سنة (٢١١)، وكان رجلا صالحًا، ثقة، صدوقًا، كثير الحديث. وقال مطين، وإسماعيل بن أبي الحارث: مات سنة (٢١٢) زاد إسماعيل، وابن حبان: يوم الخميس، ليومين مضيا من جمادى الآخرة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة جليل يحفظ، من كبار العاشرة. انتهى.\nأخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\"، ومسلم، وأبو داود في \"المراسيل\"، والترمذي، وابن ماجه. وله في \"صحيح مسلم\" (١٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>شرح الأثر:</span>\nعن زكريا بن عديّ، أنه (قَالَ: قَالَ لِي أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر الكوفي، نزيل الشام، وسكن المصيصة. روى عن حميد الطويل، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه معاوية بن عمرو الأزدي، وزكرياء بن عدي، والأوزاعي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: الثقة المأمون الإمام. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الأئمة. وقال العجلي: كان ثقة، رجلا صالحًا، صاحب سنة، وهو الذي أدّب أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه. وقال سفيان بن عيينة: كان إماما. وقال عطاء الخفاف: كنت عند الأوزاعي، فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب: ابدأ به، فإنه والله خير مني. وقال أبو مسهر: قدم علينا أبو إسحاق، فاجتمع الناس يسمعون منه، قال: فقال لي: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر فلا يحضر مجلسنا، ففعلت. وقال ابن سعد: كان ثقة، فاضلًا، صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه. وقال الخليلي: أبو إسحاق إمام، يُقتَدى به، وهو صاحب كتاب السير، نظر فيه الشافعي، وأملى كتابا على ترتيبه، ورضيه. وقال الحميدي: قال لي الشافعيّ: لم يُصَنِّف أحد في السير مثله. وقال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقا، فأراد قتله، فقال: أين أنت","vol":"2","page":252},{"text":"من ألف حديث وضعتُهَا، فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك، يَنخُلانها حرفًا حرفًا. وقال ابن مهدي: رجلان من أهل الشام، إذا رأيت رجلا يحبهما، فاطمئن إليه: الأوزاعي، وأبو إسحاق، كانا إمامين في السنة. وقال ابن عيينة في قصة: والله ما رأيت أحدا أقدمه عليه. وقال لأبي أسامة: أيهما أفضل: أبو إسحاق، أو الفضيل بن عياض؟ فقال: كان الفضيل رجل نفسه، وأبو إسحاق رجل عامة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: وُلِد بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث، وهو ابن (٢٨) سنة، وكان من الفقهاء، والعباد. وقال الخطيب: حدث عنه سفيان الثوري، وعلي بن بكار المصيصي، وبين وفاتيهما مائة سنة، أو أكثر. وقال أبو داود: مات سنة (١٨٥). وقال البخاري: مات سنة (٨٦). وقال ابن سعد: سنة (١٨٨).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، حافظٌ، له تصانيف، من الثامنة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" خمسة أحاديث، برقم ٤٧٤ و٩٢٢٠ و١٨٩١ و٢٤٧٩ و٢٥٤٩.\n(اكْتُب) فعل أمر من الكتابة، فهمزته همزة وصل، تُضمّ عند الابتداء بها؛ إتباعًا لعين الكلمة، وتُحذف عند الدرج (عَنْ بَقِيَّةَ) بن الوليد الكلاعيّ الحمصيّ، تقدّم في ٤/ ٤٦ (مَا رَوَى عَنِ) المشايخ (الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ) أي لأنه كثير التدليس عن الضعفاء (وَلَا تَكْتُبْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ) بن سُليم الْعَنْسيّ، أبي عُتبة الحمصيّ (مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: هذا الذي قاله أبو إسحاق الفزاري في إسماعيل خلاف قول جمهور الأئمة، قال عباس الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام من بقية. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: هو ثقة، والعراقيون يكرهون حديثه. قيل ليحيى: أيما أثبت، بقيّة، أو إسماعيل؟ قال: صالحان. وقال البخاريّ: ما روى عن الشاميين أصح. وقال عمرو بن عليّ: إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدث عن أهل المدينة، مثل هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، فليس بشيء. وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. قال يعقوب: وتكلم قوم في إسماعيل، وهو ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا، قالوا: يُغْرِب عن ثقات المكيين والمدنيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم. وقال أبو حاتم: هو لين، يكتب حديثه، ولا أعلم أحدا كَفّ عنه، إلا أبا إسحاق الفزاريّ. وقال الترمذيّ: قال أحمد: هو أصلح من بقية، فإن لبقية","vol":"2","page":253},{"text":"أحاديث مناكير. وقال أحمد بن أبي الْحَوَاريّ: قال لي وكيع: يروون عندكم عن إسماعيل بن عياش؟ فقلت: أما الوليد ومروان فيرويان عنه، وأما الهيثم بن خارجة، ومحمد بن إياس فلا، فقال: وأيّ شيء الهيثم، وابن إياس، إنما أصحاب البلد الوليد ومروان. وقال أبو اليمان: كان يحيى الليل. وقال عثمان بن صالح السهمي: كان أهل حمص يَتَنَقَّصُون علي بن أبي طالب، حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائله، فَكَفُّوا. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي لداود بن عمرو، وأنا أسمع: كم كان يحفظ؟ -يعني إسماعيل- قال: شيئا كثيرًا، قال: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف. فقال أبي: هذا كان مثل وكيع. وقال ابن المديني: رجلان هما صاحبا حديث بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة. وقال أبو اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة في العلم، وكانوا يقولون: نجهد، ونتعب، ونسافر، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل بن عياش. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيلُ ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يُغْرِب عن ثقات المدنيين والمكيين. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، ما أدري ما سفيان الثوري؟ . وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل، لو ثبت على حديث أهل الشام، ولكنه خلط في حديثه عن أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما، وتركه. وقال دُحَيم: إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وكذا قال البخاري، والدولابي، ويعقوب بن شيبة. وقال ابن عدي: إذا روى عن الحجازيين، فلا يخلو من غلط، إما أن يكون حديثا برأسه، أو مرسلا يوصله، أو موقوفا يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة، فهو مستقيم، وهو في الجملة ممن يُكتَب حديثه، ويحتج به في حديث الشاميين خاصة. وقال ابن حبان: كان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحَدَاثته، أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه، وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق المتن بالمتن، وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر، خرج عن حد الاحتجاج به.\nقال محمد بن عون: كان مولده سنة (١٠٢). وقال بقية: وُلد سنة (٥). وقال زيد ابن عبد ربه: وُلد سنة (٦)، وكذا قال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد وجماعة: مات سنة (١٨١). وقال محمد بن سعد، وخليفة، وأبو عبيد: مات سنة (٨٢).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مُخَلّط في غيرهم، من","vol":"2","page":254},{"text":"الثامنة. انتهى. أخرج له البخاريّ في \"جزء رفع اليدين\"، والأربعة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما قاله أبو إسحاق الفزاريّ من تضعيف إسماعيل بن عيّاش، خلاف قول الجمهور، فالحقّ أن إسماعيل حجة في حديث الشاميين، وإنما الطعن فيه في حديث غيرهم، من الحجازيين، والعراقيين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٨ - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ، لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ، وَيُسَمِّي الْكُنَى، كَانَ دَهْرًا يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيِّ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>شرح الأثر:</span>\nعن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظليّ المروزيّ الإمام الحافظ المشهور، تقدّم في ٤/ ٢٦ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَاب عَبْدِ اللهِ) قال النوويّ رحَمه اللهُ تعالى: هذا مجهول، ولا يصحّ الاحتجاج به، ولكن ذكره مسَلم متابعة، لا أصلًا. انتهى (١). (قَالَ: قَالَ) عبد الله (بْنُ الْمُبَارَكِ) الإمام المشهور، تقدّم في ٤/ ٣٠ (نِعْمَ الرَّجُلُ بَقِيَّةُ) \"نعم\" - بكسر النون، وسكون العين المهملة- ومثلها \"بِئس\" لإنشاء المدح، والذمّ، وهما فعلان عند الجمهور، لا يتصرّفان، فلا يُستعمل منهما غير الماضي، وهما لإنشاء المدح والذمّ على سبيل المبالغة، ولا بدّ لهما من مرفوع هو الفاعل، وهو إما أن يكون مُحلّى بأل، كقوله هنا: نعم الرجل، أو بالإضافة، كقوله ﷿: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. أو ضميرًا مفسّرا بنكرة بعده، منصوبة على التمييز، نحو \"نعم قومًا معشره\". ويُذكر بعدها المخصوص بالمدح أو الذمّ، نحو قوله هنا: \"بقيّة\"، وهو مبتدأ خبره جملة \"نعم\" قبله، أو خبر مبتدإ محذوف وجوبًا: أي هو بقيّة. وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه اللهُ تعالى في \"خلاصته\"، حيث قال:\nفِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ\nمُقَارِنَيْ \"أَلْ\" أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا ... قَارَنَهَا كَنِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا\nوَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ ... مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَوْمَا مَعْشَرُهْ\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٧.","vol":"2","page":255},{"text":"إلى أن قال:\nوَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا ... أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا\n(لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يَكْنِي الْأَسَامِيَ، وَيُسَمِّي الْكُنَى) \"لولا\" حرف امتناع الشيء لوجود غيره: أي لولا تكنيته الأسامي، وعكسها لكان بقيّة نعم الرجل.\nوقوله: \"يكني\" بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من الكنية ثلاثيّا، ويجوز أن يكون بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد النون المكسورة، من التكنية رباعيّا، ويجوز أيضا ضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من أكنى رباعيّا أيضًا. قال في \"القاموس\": كَنَى زيدًا أبا عمرو، وبأبي عمرو كُنْيَةً بالكسر والضمّ: سمّاه به، كأكناه، وكنّاه. وأبو فلان: كنيتُه، وكُنْوته، ويُكسران. انتهى.\nومعنى كلام ابن المبارك رحمه اللهُ تعالى أن بقيّة كان إذا روى عن إنسان معروف باسمه كناه ولم يسمه، وإذا روى عن معروف بكنيته سماه ولم يكنه، وهذا نوع من التدليس، وهو قبيح مذموم، لأنه يُلْبِس أمره على الناس، ويوهم أن ذلك الراوي ليس هو ذلك الضعيف؛ لتركه اسمه، أو كنيته التي عُرف بها، واشتهر بها، ويُسميه، أو يكنيه بما لا يُعرف به، فيُخرجه عن حاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه، إلى حالة الجهالة التي لا تؤثر عند جماعة من العلماء، بل يحتجون بصاحبها، وتقتضي توقفًا عن الحكم بصحته، أو ضعفه عند الآخرين، وقد يَعتَضِد المجهول فيُحتج به، أو يُرَجَّح به غيره، أو يُستأنس به. وأقبح هذا النوع أن يَكنِي الضعيفَ، أو يسميه بكنية الثقة، أو باسمه؛ لاشتراكهما في ذلك، وشهرة الثقة به، فيوهم الاحتجاج به، فهذا النوع مما يَقدَح في فاعله (١). وسيأتي البحث عن التدليس مُستوفىً، حيث يشير إليه المصنّف، إن شاء الله تعالى.\nثم ذكر مثالًا لتدليس بقيّة، فقال:\n(كَانَ) أي بقيّة (دَهْرًا) أي زمنا طويلًا (يُحَدِّثُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْوُحَاظِيِّ) -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، وبالظاء المعجمة- وحَكَى صاحب \"المطالع\" وغيره فتح الواو أيضا، قال أبو عليّ الْغَسّانيّ: وُحَاظة بطن من حمير. قاله النوويّ.\nوقال في \"اللباب\": الْوُحاظيّ: نسبة إلى وُحاظة بن سعد بن عوف بن عديّ بن\n_________\n(١) راجع \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٦ و\"شرح النوويّ على صحيح مسلم\" ١/ ١١٧.","vol":"2","page":256},{"text":"مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطر بن عريب. انتهى (١). وفي \"لبّ اللباب\" الوُحاظيّ بالضمّ نسبة إلى وُحاظة بطن من جُشَم بن عبد شمس، وقرية باليمن. انتهى (٢).\nوفي \"القاموس\": وُحَاظة بالضمّ، ويُقال: أُحاظة: بلد، أو أرض باليمن، يُنسب إليها مِخْلافُ وُحَاظة. انتهى.\n(فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ) \"إذا\" هي الفجائيّة: أي ففجأنا كونه عبد القدّوس. وعبد القدوس هذا: هو الشاميّ الذي تقدم قريبًا تضعيفه وتصحيفه، وهو عبد القدوس ابن حبيب الْكَلاعِيّ -بفتح الكاف- أبو سعيد الشاميّ، فهو كَلاعيّ وُحَاظيّ (٣). وقد تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف بعض المتّهمين بوضع الأحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٨٩ - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْن يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ، إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) هو: أحمد بن يوسف بن خالد المهلبي الأزدي، أبو الحسن السلمي النيسابوري، المعروف بحمدان.\nروى عن عبد الرزاق، ومحمد ويعلى ابني عبيد، ورواد بن الجراح، وأبي مسهر، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.\nقال مكي بن عبدان: سمعته يقول: كتبت عن عبد الله بن موسى ثلاثين ألف حديث، وسألت مسلما عنه، فقال: ثقة، وأمرني بالكتابة عنه. وقال الدارقطني: ثقة نبيل. وقال النسائي في \"أسماء شيوخه\": نيسابوري صالح. وفي رواية أخرى: لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: كتب إلى أبي وأبي زرعة بجزء من حديثه. وقال الخليلي: ثقة مأمون. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات، وقال: كان راويا لعبد\n_________\n(١) \"اللباب\" ٣/ ٣٥٤.\n(٢) \"لب اللباب\" ٢/ ٣١٥.\n(٣) راجع \"شرح النوويّ\" ١/ ١١٧.","vol":"2","page":257},{"text":"الرزاق، ثَبْتًا فيه. وقال أبو حامد بن الشرقي: كان عنده شيخان، لم يكونا عند محمد ابن يحيى: النضر بن محمد الْجُرَشي، وخالد بن مخلد، قال: ومات سنة (٢٦٤). وقال غيره: سنة (٦٣)، وله إحدى وثمانون سنة. وقال مكي: قال لنا أحمد بن يوسف: أنا أزدي، وأمي سُلَمية.\nوقال في \"التقريب\": حافظ ثقة، من الحادية عشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" (١١) حديثًا.\n٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ الحافظ المصنّف المشهور، تقدّم في ٣/ ١٨. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>شرح الأثر:</span>\nعن أحمد بن يوسف الأزديّ رحمه اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ) بن همّام (يَقُولُ: مَا) نافية (رَأَيْتُ) عبد الله (بْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإفصاح رباعيّا، يقال: أفصح عن مراده بالألف: إذا أظهره. وأفصح: إذا تكلّم بالعربيّة. وفَصُحَ الْعجميّ، من باب قرب: جادت لغته، فلم يَلْحَن. وقال ابن السِّكِّيت أيضًا: أفصح الأعجميّ بالألف: تكلّم بالعربيّة، فلم يلحن. ورجلٌ فصيح اللسان. قاله الفيّوميّ. والمناسب هنا المعنى الأول. والله تعالى أعلم. (بِقَوْلِهِ: كَذَّابٌ، إِلَّا لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ) بن حبيب المذكور (فَإِنِّي سَمِعْتُهُ) أي ابنَ المبارك (يَقُولُ لَهُ: كَذَّابٌ) خبر لمحذوف، ثم إنه يحتمل أن يكون المعنى أنه خاطبه بهذا الكلام، فيكون التقدير: أنت كذّاب. ويحتمل أن يكون معناه أنه قال هذا الكلام لأجل بيان حاله للناس، فيكون التقدير: هو كذّاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٠ - (وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ، فَقَالَ: قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ)\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ المشهور المذكور قبل حديثين.\n٢ - (أبو نعيم) هو: الفضل بن دُكين، وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير ابن درهم التيمي، مولى آل طلحة الملائي الكوفي الأحول.","vol":"2","page":258},{"text":"روى عن الأعمش، وأيمن بن نابل، وسلمة بن وردان، وخلق كثير. وروى عنه البخاري فأكثر، وروى هو والباقون بواسطة يوسف بن موسى القطان، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبي سعيد الأشج، وغيرهم. قال محمد بن سليمان الباغَنْدِيّ: سمعت أبا نعيم يقول: حدثنا الفضل بن عمرو بن حماد، ودُكين لقب. وقيل: إن رجلا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دكينا؟، قال: كان اسم أبي عمرا، ولكنه لقبه فَرْوَة الجعفي دُكينا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ، ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل ابن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف الْبُزُوريّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة -وسألته عن شيء-: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف إلا أنه كَيِّسٌ يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأً، قلت: فأيما أحب إليك أبو نعيم أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم وبالرجال، ووكيع أفقه. وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزَاحَم به ابن عيينة، فقال له رجل: وأي شيء عند أبي نعيم من الحديث، ووكيع أكثر رواية؟ فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فضيل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يجري مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يقظان في الحديث، وقام في الأمر -يعني في الامتحان-. وقال المروذي عن أحمد قال: يحيى وعبد الرحمن وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتا. وقال أيضا عن أحمد: وإنما رفع الله عفان، وأبا نعيم بالصدق، حتى نُوِّهَ بذكرهما. وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن عفان وأبي نعيم، فقال: هما الْعَقْدَة. وفي رواية: ذهبا محمودين. وقال زياد بن أيوب عن أحمد: أبو نعيم أقل خطأ من وكيع. وقال عبد الصمد بن سليمان البلخي: سمعت أحمد يقول: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن إتقانا، وما رأيت أشد تثبتا في الرجال من يحيى، وأبو نعيم أقل الأربعة خطأ. قلت: يا أبا عبد الله يُعطَى فيأخُذ (١)، فقال: أبو نعيم صدوق ثقة، موضع للحجة في الحديث. وقال الميموني عن\n_________\n(١) يعني أنه يأخذ الأجرة على التحديث.","vol":"2","page":259},{"text":"أحمد: ثقة كان يقظان في الحديث، عارفا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله، وأثنى عليه.\nوقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما، ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. -يعني بالكلام فيهما؛ لأنهما كانا يأخذان الأجرة من التحديث، وبقيامهما عدم الإجابة في المحنة. وقال محمد بن إسحاق الثقفي: سمعت الْكُديمي يقول: لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثَمَّ أحمد بن يونس، وأبو غسان، وغيرهما، فأول من امتحن فلان فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم، فقال: قد أجاب هذا ما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتَّهِم جده بالزندقة، ولقد أدركت الكوفة وبها سبعمائة شيخ كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله، وعنقي أهون عليّ من زِرّي هذا، قال: فقام إليه أحمد بن يونس فقبل رأسه، وكان بينهما شحناء، وقال: جزاك الله من شيخ خيرا. وروى بعضها البخاري عن الكديمي، عن أبي بكر بن أبي شيبة بالمعنى، وفيها: ثم أخذ زره فقطعه، ثم قال: رأسي أهون عليّ من زري هذا. وقال أحمد بن مُلاعب: سمعت أبا نعيم يقول: ولدت سنة ثلاثين ومائة في آخرها. وقال إبراهيم الحربي: كان بين وكيع وأبي نعيم سنة، وفات أبا نعيم في تلك السنة الْخَلْق. وقال يعقوب بن سفيان: مات أبو نعيم سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان مولده سنة ثلاثين. وقال حنبل بن إسحاق وغير واحد: مات سنة تسع عشرة ومائتين. وقال بعضهم: في سلخ شعبان، وبعضهم في رمضان. وقال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم يقول: يلومونني على الأَجر وفي بيتي ثلاثة عشر، وما في بيتي رغيف. وقال ابن سعد في \"الطبقات\": أنا عبدوس بن كامل، قال: كنا عند أبي نعيم في ربيع الأول سنة سبع عشرة، فذكر رؤيا رآها، فأولها أنه يعيش بعد ذلك يومين ونصفا، أو شهرين ونصفا، أو عامين ونصفا، قال: فعاش بعد الرؤيا ثلاثين شهرًا، ومات لانسلاخ شعبان في سنة تسع عشرة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، من التاسعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>شرح الأثر:</span>\nعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين. وقوله: (وَذَكَرَ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ) جملة في محلّ نصب على الحال من \"أبا نعيم\": أي والحال أنه ذكر في كلامه المعلّى -بضم الميم، وفتح العين المهملة،","vol":"2","page":260},{"text":"وتشديد اللام، مقصورًا -ابن عرفان- بضم العين المهملة، وسكون الراء، وبالفاء - على المشهور. وحُكي فيه كسر العين، وبالكسر ضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ. قاله النوويّ (١).\nو\"المعلّى بن عُرفان\" هذا يروي عن عمه أبي وائل، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاريّ في \"تاريخه\": منكر الحديث. وقال النسائيّ: متروك الحديث. وقال الدوريّ عن ابن معين: كان عرّافا في طريق مكة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: حدّث عن أبي وائل بالمناكير. وقال الحاكم، والنقّاش، وأبو نعيم مثله. وذكره العقيليّ في \"الضعفاء\". وليس له شيء في الكتب الستة (٢).\n(فَقَالَ) أي أبو نعيم (قَالَ) أي المعلّى (حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ) هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي المخضرم التابعيّ الكبير، تقدّم في ٤/ ٥٤ (قالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا) أيها المسلمون (ابْنُ مَسْعُودٍ) هو عبد الله الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم في ١/ ١١ (بِصِفِّينَ) بكسر الصاد المهملة، وتشديد الفاء، بوزن سِجّين-: موضع قرب الرَّقّة بشاطىء الْفُرَات، كانت به الوقعة الْعُظمَى بين عليّ ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، غُرّة صَفَر، سنة (٣٧). فمن ثَمَّ احترز الناس السفر في صفر. قاله في \"القاموس\" في مادّة \"صَفَنَ\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره صاحب \"القاموس\" من احتراز الناس من السفر في صفر، وتشاؤمهم، ولم يتعقّبه، عجيب من مثله؛ لأن هذا من مزاعم الجاهليّة الباطلة، ولقد أجاد شارحه، حيث نقل عن شيخه، أنه قال: ولا اعتداد بفعل الناس، واحترازهم، فلا يُعتبر مع ورود الخبر بقوله -ﷺ-: \"لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر\". انتهى. والله تعالى أعلم.\n[فائدة]: قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى في \"شرحه\": وأما صفين: فبكسر الصاد والفاء المشددة، وبعدها ياء في الأحوال الثلاث: الرفع، والنصب، والجر، وهذه هي اللغة المشهورة، وفيها لغة أخرى، حكاها أبو عمر الزاهد، عن ثعلب، عن الفراء، وحكاها صاحب \"المطالع\" وغيره من المتأخرين: \"صِفُّون\" بالواو في حال الرفع. انتهى (٣).\nوقال السيّد محمد مرتضى الزبيديّ في \"تاج العروس\": قال ابن بَرّيّ: وحقّ صفّين\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٨.\n(٢) انظر: \"الجرح والتعديل\" ٨/ ٣٣٠ و\"الضعفاء الكبير\" ٤/ ٢١٣. و\"المغني في الضعفاء\" ٢/ ٦٧. و\"ميزان الاعتدال\" ٤/ ١٤٩ - ١٥٠. و\"لسان الميزان\" ٦/ ٨٩ - ٩١.\n(٣) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٨.","vol":"2","page":261},{"text":"أن يُذكر في \"باب الفاء\"؛ لأن نونه زائدة، بدليل قولهم: صِفّون فيمن أعربه بالحروف، وفي حديث أبي وائل: \"شهدت صفّين، وبئست الصّفّون\". وفي \"تقريب المطالع\": الأغلب عليه التأنيث. وفي إعرابه أربع لغات: إعراب جمع المذكّر السالم، وإعراب \"عَرَبون\"، وإعراب \"غِسْلِين\"، ولزوم الواو، مع فتح النون، وأصله في \"المشارق\" لعياض رحمه اللهُ تعالى. وبقي عليه إعراب ما لا ينصرف؛ للعلميّة والتأنيث، أو شبه الزيادة، كما قاله عياضٌ وغيره. وفي \"المصباح\": في \"صَفَّ\": هو فِعْلين، من الصفّ، أو فَعِيلٌ، من الصّفُون، فالنون أصليّة على الثاني. ذكر هذا كلّه المرتضى في \"التاج\" (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ذكره من لغات إعرابه خمس لغات: الأول: إعرابه إعراب جمع المذكّر السالم بالحروف. والثاني: إعرابه كعَرَبُون، في لزوم الواو، وإعرابه بالحركات، منصرفًا. والثالث: إعرابه كغسلين، في لزوم الياء، وإعرابه بالحركات على النون أيضًا منصرفًا. والرابع: لزوم الواو، مع فتح النون. والخامس: إعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف. والله تعالى أعلم.\n(فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَتُرَاهُ) -بضمّ التاء: أي أتظنّه (بُعِثَ) بالبناء للمفعول (بَعْدَ الْمَوْتِ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى هذا الكلام أن المعلى كَذَبَ على أبي وائل في قوله هذا؛ لأن ابن مسعود -﵁- تُوُفّي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، والأول قول الأكثرين، وهذا قبل انقضاء خلافة عثمان -﵁- بثلاث سنين، وصفين كانت في خلافة علي -﵁- بعد ذلك بسنتين، فلا يكون ابن مسعود -﵁- خرج عليهم بصفين، إلا أن يكون بُعِثَ بعد الموت، وقد عَلِمتم أنه لم يبعث بعد الموت، وأبو وائل مع جلالته، وكمال فضيلته، وعلو مرتبته، والاتفاق على صيانته، لا يقول: خرج علينا من لم يخرج عليهم، هذا ما لا شك فيه، فتعين أن يكون الكذب من المعلى بن عُرفان، مع ما عُرِف من ضعفه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩١ - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ).\n_________\n(١) \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٩/ ٣٩١.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١١٨.","vol":"2","page":262},{"text":"رجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٦.\n٢ - (حسن الحلوانيّ) ابن عليّ، نزيل مكة الحافظ، تقدّم في ٣/ ٢.\n٣ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>شرح الأثر:</span>\n(عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ) الصفّار، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل ابن إبراهيم بن مقسم، أبو بشر البصريّ الحافظ، و\"عُليّة\" بصيغة التصغير: أمه، وكان يكره النسبة إليها، وتقدّم في ١/ ٤ (فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ) لم يُعرفا. قال عفّان (فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي الرجل الذي حدّث عنه الرجل (لَيْسَ بِثَبْتٍ) بفتح الموحّدة، وتسكّن: أي ليس عدلًا ضابطًا. قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى: ثَبَت الشيء يَثبُتُ ثُبُوتًا: دام، واستقرّ، فهو ثابتٌ، وبه سُمّي. وثَبَتَ الأمر: صحّ، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أثبته، وثَبّته، والاسم الثبات. وأثبت الكاتب الاسم: كتبه عنده. وأثبت فلانًا: لازمه، فلا يكاد يفارقه. ورجلٌ ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتثبّت في أموره. وثَبْتُ الجنان: أي ثابت القلب. وثَبُت في الحرب، فهو ثَبِيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قَرِيبٌ. والاسم ثَبَتٌ بفتحتين. ومنه قيل للحجة: ثَبَتٌ. ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلًا ضابطًا، والجمع أَثْباتٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: يستفاد من عبارة الفيّوميّ هذه أنه يجوز في \"ثبتٍ\" المذكور هنا أن يكون بفتح الموحّدة، وسكونها. والله تعالى أعلم.\n(قَالَ) عفّان (فَقَالَ الرَّجُلُ) أي الذي حدّث عن الرجل (اغْتَبْتَهُ) أي الرجل المحدَّث عنه (قَالَ إِسْمَاعِيلُ) أي ابن عليّة (مَا اغْتَابَهُ) \"ما\" نافية: أي لم يغتبه غيبة شرعيّة، وهي التي يتعلّق بها التحريم (وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ) أي إن كلامه هذا يعتبر حكمًا عليه بعدم كونه حجة يُحتجّ بروايته.\nوحاصل ما أشار إليه ابن عليّة رحمه الله تعالى بكلامه هذا أن الغيبة، وإن كان معناها: ذكرك أخاك بما يكره، لكنها مشروطة بما إذا لم يتعلّق بذلك غرض شرعيّ، مثل ما\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٨٠.","vol":"2","page":263},{"text":"فعل عفّان هنا، وإلا فلا يكون لها حكم الغيبة، بل تكون تارةً واجبة، وتارة مستحبّة بحسب الدواعي والحاجة.\nوتفسير الغيبة بما ذُكر هو الذي جاء عن النبيّ -ﷺ- فيما أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ-، قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ \"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته\".\nوقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: ما حاصله: مثل هذا ليس بغيبة، بل لو لم يَحسُن مقصده، وقصد محض التنقّص والعيب، لا بيان الحال لأجل الحديث لكان غيبةً، وكذلك لو لم يكن المتكلّم من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُلتفَتُ إلى قوله فيه لما جاز له ذكر ذلك، ولكان غيبة، وهذا كالشاهد ليس تجريحه غيبةً، ولو عابه قائل بما جُرح به على طريق المشاتمة والتنقّص له أُدّب له، وكانت غيبةً. وقد قيل ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خُصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خُصمائي أحبّ إليّ من أن يكون خصمي رسول الله -ﷺ-، يقول: \"لِمَ حدّثتَ عنّي حديثًا ترى أنه كذب\". انتهى كلام القاضي (١). وسأبيّن المواضع التي تباح فيها الغيبة قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٢ - (وحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَيْسَ بثِقَةٍ، وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَوُلَاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ، نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (أبو جعفر الدارميّ) هو: أحمد بن سعيد بن صخر السرخسي، ثم النيسابوري، سرد الخطيب نسبه إلى دارم، وقال: كان أحد المذكورين بالفقه، ومعرفة الحديث، والحفظ له. رَوَى عن النضر بن شُميل، وأبي عامر الْعَقَدي، وعلي بن\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"2","page":264},{"text":"الحسين المروزي، ومالك، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى النسائي (١)، والفلاس، وغيرهم.\nقال أحمد: ما قَدِمَ عليّ خراسانيّ أفقه بدنا منه، وعظمه حجاج الشاعر. وقال يحيى بن زكريا النيسابوري: كان ثقة جليلا. وقال أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة: أقدمه الطّاهرية هَرَاة، وكان أحد حفاظ الحديث المتقن الثقة العالم بالحديث، وبالرواة، تولى قضاء سرخس، ثم انصرف إلى نيسابور، إلى أن مات بها سنة (٢٥٣). وقال ابن حبان: كان ثقة ثبتا صاحب حديث يحفظ، وكتب إليه أحمد بن حنبل: لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل. قال: ومات سنة (٢٦٥)، أو قبلها، أو بعدها بقليل.\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ، من الحادية عشرة. انتهى.\nوله في \"صحيح مسلم\" (٢٢) حديثًا.\n٢ - (بشر بن عمر) بن الحكم بن عقبة الزهراني الأزدي، أبو محمد البصري.\nروى عن شعبة، ومالك، وهمام، وأبان، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، والحسن الخلال، وزيد بن أخرم، والفلاس، وأبو موسى، والذهلي، وجماعة.\nقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن سعد: كان ثقة، تُوفي بالبصرة في شعبان سنة (٢٠٧). وكذا أرّخه القَرّاب، وقبله ابن زَبْر. وقال ابن حبان في \"الثقات\": مات ليلة الأحد، في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع. قال: وقد قيل: سنة تسع.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من التاسعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" خمسة أحاديث برقم ١١٤٦ و١٤٤٧ و١٦٦٩ و١٨٥١ و٢٩٢٠. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>شرح الأثر:</span>\nعن بشر بن عمر الزهرانيّ رحمه اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّمت ترجمته (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: محمد بن عبد الرحمن، أبو جابر البياضيّ المدني، يروي عن سعيد بن المسيب، وهو الذي يقول فيه الشافعي: من حَدّث عن أبي جابر البياضي، بيض الله تعالى عينيه. وقال يحيى بن سعيد: سألت مالكا عنه، فلم يكن يرضاه. وقال أحمد: منكر الحديث جِدّا. وعن مالك قال: كنا\n_________\n(١) وذكر أبو علي الجياني في شيوخ ابن الجارود أن النسائي روى عنه. انتهى \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٢٤.","vol":"2","page":265},{"text":"نَتَّهِمُهُ بالكذب. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، حدث عنه ابن أبي ذئب. وروى عباس عن يحيى: كذاب. وقال النسائيّ وغيره: متروك الحديث. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس بثقة، كذاب. وقال عمرو بن علي: منكر الحديث. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، ورأيتهم يسعون لحديثه. وقال بشر بن عمر: سألت مالكا عن البياضي، فقال: ليس بثقة، فلا تأخذنّ عنه شيئا. وقال النسائي في \"التمييز\": ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال الساجي: منكر الحديث. وقال الحاكم: حَدّث بالمناكير. وقال أبو حاتم: ما أقربه من ابن السلماني. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف، متروك الحديث، ونسبه مالك إلى الكذب على سعيد. وقول الشافعي جواب لمن قال له من أهل المدينة: يروون عنه، فأراد بقدحه هذا من يراه صحيحا، ويأخذ بحديثه حكمًا. وقال ابن أبي حاتم: أراد الشافعي التغليظ على من يكذب على النبي -ﷺ-. وقال ابن عديّ: ضعيف الحديث (١). وليس له في الكتب الستة شيء.\n(الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) التابعيّ الإمام الشهير المتقدّم في ٤/ ٦٨ (فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس محمد بن عبد الرحمن ثقة، وقد عرفت آنفًا أنهم أجمعوا على تضعيفه (وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابن نَبْهان المديني، وهو صالح بن أبي صالح، روى عن أبي الدرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وزيد ابن خالد، وغيرهم. وروى عنه موسى بن عقبة، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وابن أبي الزناد، والسفيانان، وغيرهم. قال ابن عيينة: سمعت منه، ولعابه يسيل -يعني من الكبر- وما علمت أحدا من أصحابنا يحدث عنه، لا مالك، ولا غيره. وقال الحميدي عن ابن عيينة: لقيته سنة خمس، أو ست وعشرين ومائة، أو نحوها، وقد تغير، ولقيه الثوري بعدي. وقال الأصمعي: كان شعبة لا يحدث عنه. وقال القطان: سألت مالكا عنه، فقال: لم يكن من القراء. وقال عمرو بن علي عن القطان: لم يكن بثقة. وقال أحمد بن حنبل: كان مالك أدركه، وقد اختلط، فمن سمع منه قديما فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأسا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس بقوي في الحديث. قلت: حدث عنه أبو بكر ابن عياش، قال: لا، ذاك رجل آخر. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن معين يقول: صالح مولى التوأمة ثقة حجة، قلت له: إن مالكا ترك السماع منه، فقال: إن مالكا إنما أدركه بعد أن كَبِرَ وخَرِف، والثوري إنما أدركه بعدما خرف، وسمع منه\n_________\n(١) انظر \"لسان الميزان\" ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"2","page":266},{"text":"أحاديث منكرات، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخْرَف. وقال الجوزجاني: تغير أخيرا، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول؛ لسنه، وسماعه القديم، وأما الثوري فجالسه بعد التغير. وقال أبو زرعة، والنسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم، والنسائي أيضا: ليس بقوي. وقال النسائي مرة: ليس بثقة، قاله مالك. وقال ابن عدي: لا بأس به، إذا روى عنه القدماء، مثل ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد، ومن سمع منه بآخره، وهو مختلط -يعني فهو ضعيف- إلى أن قال: ولا أعرف له حديثا منكرا، إذا روى عنه ثقة، وحدث عنه من سمع منه قبل الاختلاط. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال الترمذي عن البخاري، عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرًا، وروى عنه منكرًا، حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا النقل عن الترمذيّ يحتاج إلى التثبّت، فإنه مخالف لما سبق عن ابن معين، والجوزجانيّ، وابن عديّ من أن ابن أبي ذئب أحاديثه من صالح مقبولة؛ لأنه ممن سمع قبل اختلاطه، فالله تعالى أعلم.\nوقال ابن حبان: تغير سنة (٥)، وجعل يأتي بالأشياء التي تشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميز، فاستحق الترك.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أيضًا محلّ نظر؛ لأنه سبق أن سماع المتقدّمين منه مقبول، وهو ظاهر في أن أحاديثهم متميّزة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.\nقال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وكذا أرخه ابن سعد، وقال: له أحاديث، ورأيتهم يهابون حديثه. انتهى.\nقال الحافظ: والظاهر أنه مات بعدها، فقد تقدم عن ابن عيينة أنه قال: لقيته سنة خمس أو ست. انتهى.\nأخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.\nوقوله: (مَوْلَى) أي عَتيق (التَّوْأَمَةِ) قال الفيّوميّ رحَمه اللهُ تعالى: التّوْءَم: اسم لولد يكون معه آخر في بطن واحد، لا يُقال: تَوْءَمٌ إلا لأحدهما، وهو فَوْعلٌ، والأنثى تَوْءَمة، وزانُ جَوْهَر وجَوهرة، والولدان توأمان، والجمع توائم، وتُؤَام، وزانُ دُخان. وأتأمت المرأة وزانُ أكرمت: وضعت اثنين من حمل واحد، فهي مُتئمٌ، بغير هاء. انتهى (١).\nوقال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: \"التوأمة\" -بفتح التاء المثناة من فوقُ، ثم واو\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٧٨ - ٧٩.","vol":"2","page":267},{"text":"ساكنة، ثم همزة مفتوحة- هذا صوابها. قال: وقد يسهل بفتح الواو، ويُنقل إليها حركة الهمزة، قال: ومن ضم التاء، وهمز الواو، فقد أخطأ، وهي رواية أكثر المشايخ والرواة، وكما قيدناه أوّلا قيده أصحاب المؤتلف والمختلف، وكذلك أتقناه على أهل المعرفة من شيوخنا، قال: و\"التوأمة\" هذه هي بنت أمية بن خلف الْجُمَحيّ. قاله البخارى وغيره. قال الواقديّ: وكانت مع أخت لها في بطن واحد، فلذلك قيل: التوأمة، وهي مولاة أبي صالح من فوقُ. وأبو صالح هذا اسمه نبهان. انتهى كلام القاضي (١).\n[تنبيهان]:\n(الأول): يُطلق المولى على معان، أوصلها المجد في \"القاموس\" إلى أحد وعشرين، فقال: والمولى: المالك، والعبد، والمعتِق، والمعتَقُ، والصاحب، والقريب، كابن العمّ ونحوه، والجار، والحليف، والابن، والعمّ، والنزيل، والشريك، وابن الأخت، والوليُّ، والربّ، والناصر، والمنعِمُ، والمنعَمُ عليه، والمحبّ، والتابع، والصهر. انتهى. وقد نظمتها بقولي:\nوَيُطْلَقُ الْمَوْلَى عَلَى مَعَانِي ... قَرَّبْتُهَا بِالنَّظْمِ للْمُعَانِي\nالْمَالِكُ الْعَبْدُ وَمُعْتِقٌ أَتَى ... بالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ فَكُلٌّ ثَبَتَا\nوَالصَّاحِبُ الْقَرِيبُ كَابْنِ الْعَمِّ ... وَالْجَارُ وَالنَّزِيلُ عِنْدَ الْقَوْمِ\nوَالابْنُ وَالْحَلِيفُ وَالْوَلِيُّ ... وَالْعَمُّ وَالشَّرِيكُ يَا أُخَيُّ\nوَالرَّبُّ وَالنَّاصِرُ وَابْنُ الأُخْتِ ... وَالصِّهُرُ وَالْمُنْعِمُ كَسْرًا يَأْتِي\nوَمُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَتْحًا ثَبَتَا ... وَالتَّابِعُ الْمُحِبُّ خَاتِمًا أَتَى\nفَهَذِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَقَدْ ... سَرَدَهَا \"الْقَامُوسُ\" فَاحْفَظْ مَا وَرَدْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n(الثاني): من المهمّ معرفة الموالي من العلماء والرواة، وهو أقسام: أهمه المنسوبون إلى القبائل مطلقا، كفلان القرشي، ويكون مولى لهم، ثم منهم من يقال: مولى فلان، ويراد مولى عتاقة، وهو الغالب، ومنهم مولى الإسلام، كالإمام البخاري مولى الجعفيين ولاءَ إسلام؛ لأن جده المغيرة كان مجوسيا، فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي والي بخارى، وكذلك الحسن الماسَرْجِسِيّ، أبو علي النيسابوريّ، من رجال مسلم، مولى عبد الله بن المبارك، كان نصرانيا، فأسلم على يديه. ومنهم مولى الْحِلْف، كمالك بن أنس إمام دار الهجرة، ونفرِهِ أصبحيون صَلِيبة، موالي لتيم قريش\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٧ - ١٥٨. و\"شرح النووي على مسلم\" ١/ ١١٩.","vol":"2","page":268},{"text":"بالحلف. ومن أمثلة مولى القبيلة أبو الْبَخْتَريّ الطائي التابعي، مولى طيء، وأبو العالية رُفيع بن مهران الرِّياحي التابعي، مولى امرأة من بني رِيَاح بن يربوع، حيّ من بني تميم، والليث بن سعد المصري الفَهْمِيّ مولاهم، وعبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم، وعبد الله بن وهب القرشي مولاهم، وعبد الله بن صالح الجهني مولاهم. وربما نُسب إلى القبيلة مولى مولاها، كأبي الحباب الهاشمي، مولى شُقْران مولى رسول الله -ﷺ-، وقيل: هو مولى ميمونة أم المؤمنين -﵂-، وقيل: مولى الحسين بن علي فليس حينئذ من هذا القسم. ومنه عبد الله بن وهب القرشي الْفِهْريّ، فإنه مولى يزيد بن رُمّانة، مولى يزيد بن أُنيس الفِهْرِيّ. ذكره النوويّ في \"التقريب\" (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في \"ألفيّة الأثر\"، حيث قال:\nوَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي ... وَمَالَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ\nوَلا عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ ... وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي\nوالله تعالى أعلم بالصواب.\n(فَقَالَ) مالك (لَيْسَ) صالح (بِثِقَةٍ) الباء زائدة في خبر \"ليس\"، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَبَعْدَ \"مَا\" وَ\"لَيْسَ\" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ \"لَا\" وَنَفْيِ \"كَانَ\" قَدْ يُجَرّ\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله مالك رحمه اللهُ تعالى من أن صالحًا مولى التوأمة ليس بثقة تقدّم أنه مبنيّ على أنه ما لقيه إلا بعد أن خَرِف، فلا ينافي توثيق غيره، فقد قال ابن معين: ثقة حجة، وقال ابن عديّ: لا بأس به إذا سمعوا منه قديمًا. والله تعالى أعلم.\n(وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ) -بضمّ الحاء المهملة، مصغّرًا- هو: عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري الزُّرَقيّ المدني. رَوَى عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وعثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وحنظلة بن قيس الزرقي، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وزياد بن سعد، وغيرهم. قال بشر بن عمر: قال مالك: ليس بثقة. قال عبد الله بن أحمد أنكر أبي ذلك من قول مالك، وقال: قد روى عنه شعبة وسفيان. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ليس يحتج بحديثه. وقال الآجري عن أبي داود: قال مالك: قدم علينا سفيان، فكتب عن قوم يُذَمُّون بالتخنيث -يعني أبا الحويرث منهم- قال أبو داود: وكان يَخضِب رجليه، وكان من مرجئي أهل المدينة. وقال النسائي: ليس\n_________\n(١) راجع \"التقريب\" مع شرحه \"التدريب\" ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.","vol":"2","page":269},{"text":"بذاك. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". ونقل ابن عديّ في ترجمته من طريق أحمد بن سعيد ابن أبي مريم، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا من طريق عثمان الدارمي، عن يحيى. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال العقيلي: وثقه ابن معين. وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث، ومالك أعلم به؛ لأنه مدني، ولم يرو عنه شيئًا. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: روى عنه شعبة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وذكره البخاريّ في \"تاريخه\"، ولم يتكلّم فيه بشيء. قال: وكان شعبة يقول فيه: أبو الجويرية -يعني بالجيم-، وحكى أبو أحمد الحاكم هذا القول، ثم قال: وهو وَهَمٌ. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٢٨). وقال في موضع آخر: سنة (١٣٠)، وكذا أرخه ابن نمير، وابن حبان، وقال مرة: سنة (٣٢).\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ سيّىء الحفظ، ورُمي بالإرجاء، من السادسة. انتهى.\nأخرج أبو داود، وابن ماجه.\n(فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس أبو الحويرث ثقة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول من مالك رحمه اللهُ تعالى هو الأرجح، فيقدّم على ما سبق من توثيق ابن معين رحمه الله تعالى؛ لأنه بلديّه، فهو أعلم به، فيرجح عليه، وكذا على إنكار أحمد رحمه اللهُ تعالى؛ لأنه ما استند إلا على رواية شعبة، وسفيان، وقد سبق في قول مالك الإشارة إلى أن سبب روايتهما عنه عدم معرفة حاله، فلا يكونان حجة في توثيقه، فتدبّر. والله تعالى أعلم.\n(وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ) بن دينار الهاشمي، مولى ابن عباس، أبي عبد الله، ويقال: أبو يحيى المدني. روى عن ابن عباس، وروى عنه ابن أبي ذئب، وصالح بن خَوّات ابن صالح بن خوات، وبُكير بن الأشج، وداود بن الحصين، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وهو أحب إلي من صالح مولى التوأمة، قلت له: ما كان مالك يقول فيه؟ قال: كان يقول: ليس من القراء. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال الجوزجاني، والنسائي: ليس بقوي. وقال ابن سعد: له أحاديث كثيرة، ولا يحتج به. وقال ابن عدي: لم أجد له أنكر من حديث واحد، فذكره من طريق الفضل بن المختار، عن ابن أبي ذئب، عنه، عن ابن عباس مرفوعا: \"الوضوء مما خرج، وليس مما دخل\". وفي الإسناد الفضل بن المختار، قال ابن عدي: لعل البلاء منه، ثم قال: لم أجد له حديثا منكرا، فأحكم عليه بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به. وقال العجلي:","vol":"2","page":270},{"text":"جائز الحديث. وقال أبو زرعة، والساجي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال البخاري: يتكلم فيه مالك، ويُحتَمل منه. وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: قوله: ويُحتمل منه، يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه، قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شَحّ عليه بلفظة \"ثقة\". وتعقّبه الحافظ بأن هذا التأويل غير شائع، بل لفظة ليس بثقة في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر. انتهى. قال الواقدي: مات في وسط خلافة هشام بن عبد الملك. روى له أبو داود حديثا واحدًا في الغسل.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ سيىء الحفظ، من الرابعة. انتهى.\n(الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، أبو الحارث المدني، روى عن أخيه المغيرة، وخاله الحارث بن عبد الرحمن القرشي، وصالح مولى التوأمة، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه الثوري، ومعمر، وسعد بن إبراهيم، والوليد بن مسلم. وغيرهم. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن أبي ذئب يُشَبّه بسعيد بن المسيب، قيل لأحمد: خلف مثله ببلاده؟ قال: لا، ولا بغيرها. قال: وسمعت أحمد يقول: ابن أبي ذئب كان يُعَدّ صدوقا أفضل من مالك، إلا أن مالكا أشد تنقية للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث. وقال البغوي عن أحمد: كان رجلا صالحا، يأمر بالمعروف، وكان يُشَبَّه بسعيد. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبد الكريم أبا أمية. وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن صالح يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلا البياضي. وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة، صدوق، غير أن روايته عن الزهري خاصة تكلم فيها بعضهم بالاضطراب. قال: وسمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب وعبد الله بن جعفر الْمَخْرَمي، فقدّم أحمد المخرمي على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المخرمي شيخ، وأَيْشٍ روى من الحديث؟ وأَطْرَى ابن أبي ذئب، وقدّمه تقديما كثيرًا، قال: فقلت لعليّ بعدُ: أيهما أحب إليك؟ قال: ابن أبي ذئب. قال: وسألت عليا عن سماعه من الزهري، فقال: هو عَرْضٌ، قلت: وإن كان عرضا كيف هو؟ قال: مقارب. وقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي: ما فاتني أحد، فأَسِفتُ عليه ما أسفت على الليث، وابن أبي ذئب. وقال النسائي: ثقة. وقال أحمد بن علي الأبار: سألت مصعبا الزبيري عن ابن أبي ذئب، وقلت له: حدثوني عن أبي عاصم أنه كان قدريا، فقال: معاذ الله،","vol":"2","page":271},{"text":"إنما كان في زمن المهدي، قد أَخَذُوا أهل القدر، فجاء قوم، فجلسوا إليه، فاعتصموا به، فقال قوم: إنما جلسوا إليه؛ لأنه يرى القدر. وقال الواقدي: كان من أورع الناس، وأفضلهم، وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريا، لقد كان يَتّقي قولهم ويعيبه، ولكنه كان رجلا كريما، يَجلِس إليه كل واحد، وكان يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان شديد الحال، وكان من رجال الناس صَرَامةً، وقولا بالحق، وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب. وقال يعقوب بن سفيان: قيل لأحمد: من أعلمُ، مالك أو ابن أبي ذئب؟ قال: ابن أبي ذئب أصلح في بدنه، وأورع، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يَهَبْهُ أن قال له الحقَّ، قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر. قيل له: ما تقول في حديثه؟ قال: كان ثقة صدوقا رجلا صالحا ورعا. وقال المفضل الغلابي عن ابن معين: ابن أبي ذئب أثبت من ابن عجلان في سعيد المقبري. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن أبي ذئب ما حاله في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة. وقال جعفر بن أبي عثمان عن ابن معين: لم يسمع ابن أبي ذئب من الزهري، يعني أنه عَرْضٌ. وقال علي عن يحيى بن سعيد: كان عَسِرًا. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: دخل ابن أبي ذئب على عبد الصمد بن علي، فكلمه في شيء، فقال له: إني لأحسبك مرائيا، قال: فأخذ عودا من الأرض، وقال: مَنْ أُرائي، فو الله للناسُ عندي أهون من هذا. قال: وكان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة، وكان عالما ثقة فقيها ورعا عابدا فاضلا، وكان يُرمَى بالقدر. وقال ابن حبان في \"الثقات كان\": من فقهاء أهل المدينة وعبادهم، وكان من أقول أهل زمانه للحق، وَعَظَ المهدي، فقال: أما إنك أصدق القوم، وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يَهجُره من أجله.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت الجواب عن سبب رميه بالقدر في كلام مصعب الزبيريّ، والحقّ أنه بريء منه. والله تعالى أعلم.\nوقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: سمع ابن أبي ذئب من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه. قلت: إنهم يقولون: لم يسمع منه، قال: قد سمع من الزهري. وقال عمرو ابن عليّ الفلاس: ابن أبي ذئب في الزهري أحب إليّ من كل شامي. وقال النسائي في \"الكنى\": أنا معاوية، سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب، وابن جريج عن الزهري، ولا يقبله. وقال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة، حديثه مخرج في \"الصحيح\"، إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بَيَّنَ ابن أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال: إنه سأل عن شيء، فأجابه، فرد عليه، فتقاولا، فحلف","vol":"2","page":272},{"text":"الزهري أن لا يحدثه، ثم نَدِم ابن أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه، فكتب له، فكان يحدث بها. وقال الواقدي وغيره: وُلد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف. وقال إبراهيم بن المنذر، عن ابن أبي فديك: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة تسع وخمسين. وقال في \"التقريب\": ثقة فقيه فاضل، من السابعة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٣) حديثًا.\n(فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، وقد تقدّم أن الأكثرين وافقوا مالكًا في تضعيفه، وإنما قوّى أمره ابن معين في رواية، وابن عديّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n(وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ حَرَامِ) -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الراء- (ابْنِ عُثْمَانَ) الأنصاري المدني، روى عن ابني جابر بن عبد الله، وروى عنه معمر وغيره. قال مالك ويحيى: ليس بثقة. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الشافعي وغيره: الرواية عن حرام حرام. وقال ابن حبان: كان غاليا في التشيع، يَقْلِب الأسانيد، ويرفع المراسيل. وقال إبراهيم بن يزيد الحافظ: سألت يحيى بن معين عن حرام، فقال: الحديث عن حرام حرام. وكذا قال الجوزجاني. وقال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لحرام بن عثمان: عبد الرحمن بن جابر، ومحمد بن جابر، وأبو عتيق هم واحد؟ قال: إن شئت جعلتهم عشرة (١). وحرام ليس من رجال الكتب الستّة.\n(فَقَالَ) مالك (لَيْسَ بِثِقَةٍ) أي ليس حرام بن عثمان ثقة، وقد عرفت فيما سبق في ترجمته آنفًا أنهم اتّفقوا على تضعيفه.\nوقوله: (وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ، فَقَالَ: لَيْسُوا بثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ) تأكيد لما سبق (وَسَأَلْتُهُ) أي مالكًا (عَنْ رَجُلٍ آخَرَ، نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ) مالك (هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ) مالك (لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا تصريح من مالك رحمه الله تعالى بأن من أدخله في كتبه فهو ثقة، فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك، وقد لا يكون ثقة عند غيره.\nوقد اختلف العلماء في رواية العدل عن المجهول، هل يكون تعديلا له، فذهب بعضهم إلى أنه تعديل، وذهب الجماهير إلى أنه ليس بتعديل، وهذا هو الصواب، فإنه قد يروي عن غير ثقة، لا للاحتجاج به، بل للاعتبار والاستشهاد، أو لغير ذلك. أما\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" ٢/ ١٨٢ - ١٨٣.","vol":"2","page":273},{"text":"إذا قال مثل قول مالك، أو نحوه، فمن أدخله في كتابه فهو عنده عدل. وأما إذا قال: أخبرني الثقة، فإنه يكفي في التعديل عند من يوافق القائل في المذهب، وأسبابِ الجرح على المختار، فأما من لا يوافقه، أو يجهل حاله، فلا يكفي في التعديل في حقه؛ لأنه قد يكون فيه سبب جرح لا يراه القائل جارحا، ونحن نراه جارحا، فإن أسباب الجرح تَخْفَى، ومختلف فيها، وربما لو ذكر اسمه اطلعنا فيه على جارح. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن الله تعالى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٣ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، وَكلانَ مُتَّهَمًا).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الفضل بن سهل) الأعرج البغداديّ، خراسانيّ الأصل، تقدّم في ٤/ ٤١.\n٢ - (يحيى بن معين) بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن، وقيل في نسبه: غير ذلك الْمُرّيّ الغطفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، إمام الجرح والتعديل.\nرَوَى عن عبد السلام بن حرب، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وجرير ابن عبد الحميد، وحجاج بن محمد، وخلق كثير. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ورووا هم أيضا، والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد المسندي، وهناد بن السري، والفضل بن سهل الأعرج، وخلق كثير.\nقال ابن عدي عن شيخ له: كان معين على خراج الري، فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود وغيره: قال ابن المديني: ما أعلم أحدا كتب ما كتب يحيى بن معين. وقال محمد بن نصر الطبري: دخلت على ابن معين فوجدت عنده كذا وكذا سَفَطًا (٢)، وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ها هنا، وأشار بيده إلى الأَسْفاط فهو كذب. قال: وسمعته يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال صالح جزرة: ذُكر لي أن يحيى\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٠.\n(٢) قال في \"القاموس\": السَّفَطُ محرّكةً: كالْجُوالق، أو كالْقُفّة، جمعه أسفاط. انتهى.","vol":"2","page":274},{"text":"ابن معين خَلّف من الكتب لما مات ثلاثين قِمَطْرًا وعشرين حُبّا (١). وقال مجاهد بن موسى: كان ابن معين يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة. وقال الدُّوري عن ابن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه. وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث، وعُرف به، وكان لا يكاد يُحَدِّث. وقال الدوري: سمعته يقول: القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق. وسمعته يقول: الإيمان يزيد وينقص، وهو قول، عمل. وقال علي بن أحمد بن النضر عن ابن المديني: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم، وبعده إلى يحيى بن معين. وفي رواية عنه: انتهى العلم إلى ابن المبارك، وبعده إلى ابن معين. وقال صالح جزرة: سمعت ابن المديني يقول: انتهى العلم إلى ابن معين. وقال أبو زرعة الرازي وغيره عن علي: دار حديث الثقات على ستة، ثم قال: ما شذ عن هؤلاء يصير إلى اثني عشر، ثم صار حديث هؤلاء كلهم إلى ابن معين. قال أبو زرعة: ولم يُنتفع به؛ لأنه كان يتكلم في الناس، ويُرْوَى هذا عن علي من وجوه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ولم يُنتفع به الخ محل نظر؛ لأنه إن أراد أنه لم يُنتفع بعلمه فليس بصحيح؛ لأنه ما من محدث إلا وانتفع بكلامه في الرجال، وإن أراد قلة الرواية عنه، فليس لكلامه في الناس، إذ لا يوجد أحد من أهل الحديث أعرض عن ابن معين لهذا المعنى، وإنما قلت الرواية عنه؛ لقلة تحديثه، كما يأتي في كلام ابن سعد قريبًا، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة، أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له. وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بعلل الحديث ابن المديني، وبفقهه أحمد بن حنبل، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين. وفي رواية عنه: يحيى أعلم بالرجال والكنى. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال، علي أو يحيى؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت عليا يقول: كنت إذا قَدِمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء، فنسأل يحيى بن معين، فيقوم فيخرجه، ما كان أعرفه بموضع حديثه! . وقال ابن البراء عن ابن المديني:\n_________\n(١) \"الْقِمَطرُ\" بكسر، ففتح، فسكون: ما تُصان فيه الكتب. و\"الْحُبّ\" بضم الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة: الْجَرّة، أو العظيمة منها، أو الخشبات الأربع، توضع عليها الجرّة ذات الْعُرْوتين. قاله في \"القاموس\".","vol":"2","page":275},{"text":"ما رأيت يحيى بن معين استَفْهَم حديثا، ولا رَدّه. وقال عمرو الناقد: ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين، ما قدر أحد يَقلِب عليه إسنادا قط. وقال الإسماعيلي: سئل الْفَرْهَيَاني عن يحيى، وأحمد، وعلي، وأبي خيثمة، قال: أما علي فأعلمهم بالعلل، وأما يحيى فأعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء. وقال حنبل عن أحمد: كان ابن معين أعلمنا بالرجال. وقال القواريري: قال لي يحيى: ما قدم علينا مثل هذين الرجلين: أحمد ويحيى. وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى، ويقول: حدثني من لم تَطلُع الشمس على أكبر منه، فقال: وما تعجب؟ سمعت ابن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله. وقال أيضا: قلت لابن الرومي: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: الناس كلهم عيال على يحيى بن معين، فقال: صدق، ما في الدنيا مثله. قال: وسمعت ابن الرومي يقول: ما رأيت أحدا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى. وقال هارون ابن بشير الرازي: رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة، رافعا يديه، يقول: اللهم إن كنتُ تكلمتُ في رجل، وليس هو كذابا، فلا تغفر لي.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الكلام من يحيى يُحمل على أنه قاله ليعلم الناس أنه إنما يتكلم فيمن يستحقّ ذلك، ولا يفعل ذلك تفكّهًا بأعراض الناس، وإلا فلا ينبغي لمسلم أن يقول: اللهم لا تغفر لي، وإن كانت ذنوبه من الموبقات. فليُفهم. والله تعالى أعلم.\nوقال هارون بن معروف: قَدِمَ علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول مَنْ بَكّر عليه، فسألته أن يُملي عليّ شيئا، فأخذ الكتاب يملي، فإذا بإنسان يَدُقّ الباب، فقال الشيخ: مَنْ هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده، لا يتحرك، فإذا بآخر، فذكر أحمدَ بنَ الدَّوْرقي، وعبدَ الله بنَ الرومي، وزهيرَ بنَ حرب كلهم يدخل، والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدق الباب، قال الشيخ: مَنْ هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: قَدِمَ علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقَدِمت بغداد، وقَبِلَني يحيى بن معين، والحمد لله. وقال ابن أبي الْحَوَاريّ: ما رأيت أبا مسهر يَسْهُل لأَحد من الناس سهولته ليحيى بن معين، ولقد قال له يوما: هل بقي معك شيء؟ . وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعتُ أبا سعيد الحداد يقول: لولا ابن معين ما كتبت الحديث. قال: وإنا لنذهب إلى المحدث، فننظر في كتبه، فلا نرى فيها إلا كل حديث صحيح، حتى يجيء أبو زكريا، فأول شيء يقع في يده الخطأ، ولولا أنه عَرّفناه لم نعرفه. فقال ابن الرومي: وما تعجب؟ لقد نفعنا الله","vol":"2","page":276},{"text":"تعالى به، ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته، ولقد كنا في مجلس لبعض أصحابنا، فقلت له: يا أبا زكريا ما نفيدك حديثا؟ وفينا يومئذ علي، وأحمد، فقال: وما هو؟ فقلت حديث كذا وكذا، فقال: هذا غلط، فكان كما قال. قال ابن الرومي: وكنت عند أحمد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكريا، فإنه يعرف الخطأ، قال: وكنت أنا وأحمد نَختَلِف إلى يعقوب ابن إبراهيم في المغازي، فقال أحمد: ليت أن يحيى هنا، قلت: وما تصنع به؟ قال: يعرف الخطأ. وقال علي بن سهل بن المغيرة: سمعت أحمد يقول في دهليز عفان، فذكر نحو هذه القصة. وقال عبد الخالق: حدثني أبو عمرو أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور. وقال ابن أبي حاتم: سمعت عباسًا الدُّوري يقول: رأيت أحمد يسأل يحيى بن معين عند رَوْح بن عبادة مَنْ فلان؟ ما اسم فلان؟ . وقال الأصم عن الدوري: رأيت أحمد في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول: يا أبا زكريا كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كلما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد يسميه باسمه، بل يكنيه. وقال سليمان بن عبد الله: سمعت أحمد يقول: هَهنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين، يعني ابن معين. وقال الأثرم: رأى أحمد يحيى بن معين بصنعاء، يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فقال له أحمد: تكتب هذه الصحيفة، وتعلم أنها موضوعة؟، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: نعم أكتبها فأحفظها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا. وقال أحمد بن علي الأبار عن ابن معين: كتبنا عن الكذابين، ثم سَجَرنا به التنور. وقال أبو حاتم: إذا رأيت البغدادي يُحِبّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين، فاعلم أنه كذاب. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في ابن معين، فاعلم أنه كذاب، إنما يُبغضه لما بَيَّنَ من أمر الكذابين. وقال محمد بن رافع: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كل حديث لا يعرفه ابن معين فليس هو بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتا. وقال الحسن بن عُلَيْل العنزي: ثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا، ما أعلمت به أحدًا، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إليّ خلف بن سالم أن أذكرها، فَمَا قلت له. قال يحيى: وما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وما استقبلت رجلا في وجهه بما يكره، ولكن أُبَيّن له خطأه، فإن قبل، وإلا تركته. وقال موسى بن حمدون عن أحمد بن عقبة: سمعت يحيى بن معين يقول: من لم يكن سمحا في الحديث كان كذابا، قيل له: وكيف يكون سمحا؟ قال: إذا شك في","vol":"2","page":277},{"text":"الحديث تركه. وقال سعيد بن عمرو البردعي: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أحد ممن امتحن فأجاب، وذكر ابن معين وأبا نصر التمار. وقال الخطيب: كان إماما ربانيا عالما حافظا ثبتا متقنا. وقال ابن حبان في \"الثقات\": أصله من سَرَخْسَ، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع السنن، وكثرت عنايته بها، وجمعه وحفظه إياها، حتى صار عَلَمًا يُقتَدى به في الأخبار، وإماما يُرجع إليه في الآثار. وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد، وابن المديني، ونظرائهم، فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث، لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خُلطت، وتلبست، فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال. وقال أبو بكر بن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هانئ رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جَرّ ذيول الناس جَرُّوا ذيله.\nوقال أبو بكر بن أبي خيثمة: وُلد يحيى بن معين سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول -ﷺ- سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وقد استوفى خمسًا وسبعين سنة، ودخل في الست. وقال البخاريّ: مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة، إلا نحوًا من عشرة أيام. وقال الحسين بن فَهْم: سمعت ابن معين يقول: وُلدت في خلافة أبي جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها. وقال الدوري نحو ما قال البخاري، وزاد قبل أن يحج. وفيها أرخه غير واحد، زاد عباس في موضع آخر: ونودي بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله -ﷺ-. وزاد إبراهيم بن المنذر: فرأى رجل النبي -ﷺ- وأصحابه مجتمعين، فسألهم، فقال: \"جئت لهذا الرجل، أصلي عليه، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي\". وقال حُبَيش بن مبشر: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأعطاني، وزوجني ثلاثمائة حوراء، وأدخلني عليه مرتين. وقال عبد الله بن أحمد: قال فيه بعض أهل الحديث [من الكامل]:\nذَهَبَ الْعَلِيمُ بِعَيْب كُلِّ مُحَدِّثٍ ... وَبِكُلِّ مُخْتَلِفٍ مِنَ الإِسْنَادِ\nوَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الْحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ ... يُعْنَى بِهِ عُلَمَاءُ كُلِّ بِلَادِ\nوقال في \"التقريب\": ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، من العاشرة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثلاثة أحاديث فقط برقم ١٠١٨ و١٤٢٤ و١٥٤٢.\n٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، مولى سليمان بن مجالد،","vol":"2","page":278},{"text":"ترمذيّ الأصل، سكن بغداد، ثم تحول إلى الْمِصِّيصَة.\nرَوَى عن حريز بن عثمان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والليث، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وأبو عبيد، وخلق كثير.\nقال أحمد: ما كان أضبطه، وأشد تعاهده للحروف، ورفع أمره جدّا. وقال مرة: كان يقول: حدثنا ابن جريج، وإنما قرأ على ابن جريج، ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ. وقال أحمد أيضا: سمع التفسير من ابن جريج إملاءً، وقرأ بقية الكتب. وقال صالح بن أحمد: سئل أبي أيما أثبت: حجاج، أو الأسود بن عامر؟ فقال: حجاج. وقال الزعفراني: سئل ابن معين أيما أحب إليك: حجاج، أو أبو عاصم؟ فقال: حجاج. وقال الْمُعَلَّى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج. وقال علي بن المديني، والنسائي: ثقة. وقال أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله السُّلَميّ: حجاج نائمًا أوثق من عبد الرزاق يقظان. وقال ابن سعد: تحول إلى المصيصة، ثم قدم بغداد في حاجة له، فمات بها سنة (٢٠٦)، كان ثقة صدوقا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره، حين رجع إلى بغداد. وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لَمّا قَدِم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خلط، فقال لابنه لا تُدخل عليه أحدًا، قال: فلما كان بالعشي دخل الناس، فأعطوه كتاب شعبة، فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبس أبي مريم، عن خيثمة، فقال يحيى لابنه: قد قلت لك. وذكره أبو العرب القيرواني في \"الضعفاء\" بسبب الاختلاط. وقد وثقه أيضا مسلم، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات في ربيع الأول.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره، لَمّا قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة (٢٠٦). انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٤٤) حديثًا.\n٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن المذكور في الأثر الماضي. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>شرح الأثر:</span>\nعن حجاج بن محمد الأعور رحمه الله تعالى، أنه قال: (حَدَّثَنَا) محمد بن عبد الرحمن","vol":"2","page":279},{"text":"بن المغيرة بن الحارث (بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ) بضم الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، وكسر الموحّدة، اسم عجميّ لا ينصرف (ابْنِ سَعْدٍ) هو: أبو سعد الخطمي المدني، مولى الأنصار. روى عن زيد بن ثابت، وأبي رافع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، والحسن بن علي، وعُويم بن ساعدة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومالك، وغيرهم.\nقال بشر بن عمر: سألت مالكا عنه؟ فقال: ليس بثقة. وقال يزيد بن هارون: عن ابن أبي ذئب: أنا شُرحبيل، وهو شرحبيل، وقد بينا لكم. وقال ابن المديني: قلت لسفيان بن عيينة: كان شرحبيل بن سعد يُفتي؟ قال: نعم، ولم يكن أحد أعلم بالمغازي، والبدريين منه، فاحتاج، فكأنهم اتهموه. وقال في موضع آخر عن سفيان: لم يكن أحد أعلم بالبدريين منه، وأصابته حاجة، فكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل، فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرًا. وقال ابن معين: ليس بشيء، ضعيف. وقال أيضا: كان أبو جابر البياضي كذابا، وشرحبيل خير من ملء الأرض مثله. وقال مرة: ضعيف، يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى القطان قال: قال رجل لابن إسحاق: كيف حديث شرحبيل؟ فقال: وأحدٌ يحدث عن شرحبيل؟ ! قال يحيى: العجب من رجل يحدث عن أهل الكتاب، ويرغب عن شرحبيل. وقال ابن سعد: كان شيخا قديما، روى عن زيد بن ثابت، وعامة الصحابة، وبقي حتى اختلط واحتاج، وله أحاديث، وليس يحتج به. وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف يُعتَبَر به. وقال ابن عدي: له أحاديث، وليست بالكثيرة، وفي عامة ما يرويه نكارة. وخرّج ابن خزيمة، وابن حبان حديثه في \"صحيحيهما\". وقال ابن الْبَرْقِيّ في \"باب من كان الأغلب عليه الضعف\": ويقال: إن الرجل الذي روى عنه مالك حديث: \"اصطدتُّ نُهَسًا (١) \" في \"كتاب الحج\" شرحبيل بن سعد، وهو يضعف، وإنما ترك مالك تسميته لذلك. وحَكَى مضر بن محمد عن ابن معين أنه وثقه. وقال ابن المديني أَتَى لشرحبيل أكثر من مائة سنة. وقال جويرية: قلت له: رأيت عليا؟ قال: نعم. انتهى. وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر؛ لأن عويما مات في حياة رسول الله -ﷺ-، ويقال: في خلافة عمر -﵁-. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة.\n_________\n(١) \"النُّهَس\" بضم النون، وفتح الهاء، جمعه نِهْسان بكسر، فسكون، كصُرَد وصِرْدان: اسم طائر يصطاد العصافير. قاله في \"القاموس\".","vol":"2","page":280},{"text":"وقال في \"التقريب\": صدوقٌ اختلط في آخره، من الثالثة، مات سنة (١٢٣) وقد قارب المائة. انتهى.\nأخرج له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، وأبو داود، وابن ماجه.\n(وَكَانَ مُتَّهَمًا) أي بالكذب في الحديث، وقد سبق أن هذا في آخر عمره لَمّا احتاج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٤ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ ابْنَ مُحَرَّرٍ، لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠.\n٢ - (أبو إسحاق الطالقانيّ) هو: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى نزيل مرو، تقدّم في ٤/ ٣٢. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>شرح الأثر:</span>\nعن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ رحمه الله تعالى، أنه قال: (سَمِعْتُ) عبد الله (ابْنَ الْمُبَارَكِ) الإمام الجليل رحمه الله تعالى، تقدّم في ٤/ ٣٠ (يَقُولُ: لَوْ خُيِّرْتُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَرَّرٍ) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء الأولى، بصيغة اسم المفعول- العامري الجزري الحرّاني، ويقال: الرَّقّيّ، قاضي الجزيرة، متّفق على ضعفه، وقد تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف رحمه الله تعالى الرواة الذين يغلب على أحاديثهم المنكر، أو الغلط. والله تعالى أعلم.\n(لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ، ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي لشدّة حرصه على سماع أحاديثه (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ) بفتح الموحّدة، وفتح المهملة، وتُسكّن-: واحدة البعَر. قال الفيّوميّ: الْبَعَر -أي بفتح العين- معروف، والسكون لغة فيه، وهو من كلّ ذي ظِلْف، وخُفّ، والجمع أبعار، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (١). وقال في \"المعجم الوسيط\": \"البعر\": رجيع ذوات الخفّ، وذوات الظلف، إلا البقر الأهليّ. انتهى (٢). (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ) أي لكونه واهي الحديث، وقد وافق العلماء ابن المبارك على تضعيفه، فقد سبق\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٥٣.\n(٢) \"المعجم الوسيط\" ١/ ٦٣.","vol":"2","page":281},{"text":"أنه متّفقٌ على ضعفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٥ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا وَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (الفضل بن سهل) المروزيّ المذكور قبل أثر.\n٢ - (وليد بن صالح) النَّخّاس -بنون، وخاء معجمة، آخره سين مهملة- الضبي، أبو محمد الجزري، بياع الرقيق، نزيل بغداد.\nرَوَى عن جرير بن حازم، والحمادين، وإسرائيل، وعبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى مسلم عن الفضل بن سهل، ومحمد بن حاتم بن ميمون عنه وأبو توبة، ويعقوب الدورقي، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ لم تكتب عن الوليد بن صالح؟ قال: رأيته يصلي في مسجد الجامع، يسيء الصلاة فتركته. وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، وأبو حاتم: كان ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو عوانة في \"صحيحه\": ثقة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من صغار التاسعة. انتهى.\nتفرد به البخاريّ، ومسلم، له عند البخاريّ حديث واحد برقم ٣٦٧٧ حديث: \"كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر ... \" الحديث، وله عند مسلم هذا الأثر هنا، وحديث رقم ٢٨٨٣ حديث: \"سيعوذ بهذا البيت -يعني الكعبة- قوم ... \" الحديث.\n٣ - (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الْجَزَريّ الرَّقّيّ.\nرَوَى عن عبد الملك بن عمير، وعبد الله بن محمد بن عَقيل، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. وروى عنه بَقِيّة، وعبد الله بن جعفر الرقي، وزكرياء بن عدي، والوليد ابن صالح النّخّاس، وغيرهم.\nقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ثقة، صدوق، لا أعرف له حديثا منكرا، هو أحب إلي من زهير بن محمد. وقال علي بن معبد: قيل لعبيد الله بن عمرو: بلغني أن عندك من حديث ابن عَقيل كثيرا، لم تحدث عنه لِمَ؟ هل ألقيته؟ قال: لأن ألقيه أحب إلي من أن يُلْقِيَنِي الله. قال: وزعم أنه سمع بعض ذلك الكتاب مع رجل لم يثق به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، كثير الحديث، وربما","vol":"2","page":282},{"text":"أخطأ، وكان أحفظ مَنْ روى عن عبد الكريم الجزري، ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، ومات بالرَّقّة سنة (١٨٠). وقال غيره: كان مولده سنة (١٠١) ذكره أبو علي الحراني في \"تاريخ الرقة\" عن هلال بن العلاء. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان راويا لزيد بن أبي أنيسة، روى عنه أهل الجزيرة، مات سنة ثمانين، وهو ابن ست وسبعين. ووثقه العجلي، وابن نمير.\nوقال في \"التقريب\": ثقة فقيه، ربما وهم، من الثامنة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٧) حديثًا. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>شرح الأثر:</span>\nعن عبيد الله بن عمرو الرّقّيّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ) واسمه زيد الجزري، أبو أسامة الرُّهاويّ، كوفيّ الأصل، الْغَنَوِيّ مولى بني غَنيّ بن أعصُر. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وأبي الزبير، وغيرهم. وروى عنه مالك، ومسعر، ومعقل بن عبيد الله، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وهو راويته، وغيرهم.\nقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عمرو بن عبد الله الأودي: ثنا وكيع، وجعفر بن برقان، عن زيد بن أبي أنيسة، وكان ثقة. وقال ابن سعد: كان يَسْكُنُ الرُّهَا، ومات بها، وكان ثقة، كثير الحديث، فقيهًا، راوية للعلم. وقال عُبيد الله بن عمرو: أتيت الأعمش، فحدثني عشرة أحاديث، فاستزدته، فأبى، فقيل له: إنه صاحب زيد بن أبي أنيسة، قال: فحدثني بنحو خمسين حديثا.\nوقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة (١٢٥) وهو ابن (٣٦) سنة، وكان فقيهًا، ورعا. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وحكى العقيلي عن أحمد، أنه قال: حديثه حسن مقارب، وإن فيها لَبَعْضَ النكرة، وهو على ذلك حسن الحديث. وقال المرُّوذيّ: سألته عنه، فحرك يده، وقال: صالح، وليس هو بذاك. وذكر ابن خلفون أن الذهليّ، وابن نمير، والْبَرْقيّ وثقوه.\nقال ابن سعد: سمعت رجلا من أهل حَرّان: يقول: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقال محمد بن عمر: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقال غيره: سنة أربع وعشرين ومائة. وذكر ابن زَبْر أنه وُلد سنة إحدى وتسعين.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، له أفراد، من السادسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٧) حديثًا أيضًا.\n(لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي) أي لأنه يكذب. وأخوه: هو: يحيى بن أبي أنيسة الغنوي مولاهم أبو زيد الجزري تقدمت ترجمته عند ذكر المصنف الرواة الذين يتركون لنكارة","vol":"2","page":283},{"text":"أحاديثهم، فراجعه تستفد والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٦ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ الْوَابِصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ كَذَّابًا).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ (١» البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٤.\n٢ - (عبد السلام) بن عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد الأسدي القاضي الوابصي (٢)، أبو الفضل الرَّقّيّ، قاضي الرّقّة بفتح الراء، وحرّان، وحلب، وقضى ببغداد.\nرَوَى عن أبيه، ووكيع، وعبد الله بن جعفر الرقي، وغيرهم. روى عنه أبو داود، وأبو حاتم، وأحمد بن علي الآبار، وعلي بن سعيد بن بشير الرازي، وغيرهم.\nقال أبو علي بن خاقان: أحسن أحمد القول فيه، وقال: ما بلغني عنه إلا خيرًا. وقال أحمد بن كامل: كان عبد السلام يتولى قضاء بغداد، فصرفه يحيى بن أكثم، ثم أعاده المتوكل. وقال أحمد بن كامل: وكان عفيفا. قال: وبلغني أن المتوكل قال ليحيى: لم عزلته، قال: أراه ضعيفا في الفقه، قال: فكتب المتوكل إلى أهل بغداد كتابًا، وكتب عهدا، ولم يسم القاضي، وأمر أن يسأل عن الوابصي، فإن رضوا به، وقع اسمه في العهد، فأجمعوا على الرضى به. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان جميل الطريقة. قال أبو عروبة الحراني: مات سنة سبع وأربعين ومائتين. وقال أبو علي الحراني: مات سنة تسع وأربعين ومائتين. وكذلك قال ابن حبان في \"الثقات\".\nوقال في \"التقريب\": مقبولٌ، من الحادية عشرة. انتهى.\nله ذكر هنا في \"المقدمة\"، وروى عنه أبو داود حديثا واحدا.\n٣ - (عبد الله بن جعفر) بن غيلان الرَّقّيِّ، أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم.\nرَوَى عن عبيد الله بن عمرو، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقي، وعبد العزيز\n_________\n(١) \"الدَّوْرقيّ\" بفتح الدال المهملة، وسكون الواو.\n(٢) بكسر الموحدة، وبالصاد: نسبة إلى جده الأعلى وابصة بن معبد.","vol":"2","page":284},{"text":"الدراوردي، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وعبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، وغيرهم.\nقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحب إلي من علي بن معبد الذي كان بمصر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير. ووثقه العجلي. وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة (١٦) وتغير سنة (١٨) ومات سنة (٢٢٠). وكذا أرخ وفاته أبو داود وغيره. وكذا قال ابن حبان في \"الثقات\": لكن لم يذكر تاريخ عماه، وقال: لم يكن اختلاطه فاحشا، ربما خالف.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، لكنه تغيّر بآخره فلم يَفحُش اختلاطه، من العاشرة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث، برقم ١٥٥٠ و١٧٢٣ و٢٠٤٠ و٢٩٤٦. والله تعالى أعلم.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-367>شرح الأثر </span>واضحٌ. و\"عبيد الله بن عمرو\": هو الرقّيّ المذكور في الأثر الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٧ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: ذُكِرَ فَرْقَدٌ عِنْدَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ).\nرجال هذا الإسناد: ثلاثة:\n١ - (أحمد بن إبراهيم) الدورقيّ المذكور في الأثر الماضي.\n٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، نزيل مكة، وقاضيها الإمام الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٥.\n٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الحافظ الثبت البصريّ، تقدّم في ٣/ ٢٣. والله تعالى أعلم.\n\nشرح الأثر:\n(عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (فَرْقَدٌ) -بفتح الفاء، والقاف، بينهما راء ساكنة، وآخره دال مهملة- وهو: فَرْقَد بن يعقوب السَّبَخِيّ -بفتح المهملة، والموحّدة، وبخاء معجمة- أبو يعقوب البصري، من سَبَخَة البصرة، وقيل: من سبخة الكوفة. رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، ومُرّة بن شَرَاحيل، وغيرهم. وروى عنه همام، ومغيرة بن مسلم، وصدقة الدقيقي، والحمادان، وغيرهم.","vol":"2","page":285},{"text":"قال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: سألت أيوب عنه، فقال: ليس بشيء. وفي رواية: لم يكن صاحب حديث. قال ابن المديني عن يحيى القطان: ما يعجبني التحديث عنه. وقال أبو طالب عن أحمد: رجل صالح، ليس بقوي في الحديث، لم يكن صاحب حديث. وقال الجوزجاني عن أحمد: يروي عن مرة منكرات. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال البخاري: في حديثه مناكير. وقال الترمذي: تكلم فيه يحيى بن سعيد، وروى عنه الناس. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال يعقوب بن شيبة: رجل صالح، ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، وكان حائكا. وقال ابن عدي: كان يُعَدّ من صالحي أهل البصرة، وليس هو كثير الحديث. وقال ابن سعد: مات بالطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكان ضعيفا، منكر الحديث. وقال العجلي: بصري لا بأس به، رجل صالح. وقال الْخُرَيبيّ: كان رجلا صالحا، وغيره أثبت منه. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فحرك يده، كأنه لم يرضه. وقال الساجي: كان يحيى بن سعيد يَكرَه الحديث عنه. وقال ابن المديني: لم يكن بثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد: ليس هو بقوي. قال الساجي: وقد اختُلِف فيه، وليس بحجة في الأحكام والسنن. وقال ابن شاهين: قال أحمد: ليس بثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كانت فيه غفلة، ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل، وهو لا يعلم، ويُسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به. وأخرج ابن عدي من طريق جرير، عن مغيرة، قال: أول من دلنا على إبراهيم النخعي فرقد، وكان فرقد من نصارى أرمينية حائكا. انتهى.\nوقال في \"التقريب\": صدوقٌ، عابدٌ، لكنه ليّن الحديث، كثير الخطإ، من الخامسة. مات سنة (١٣١). انتهى. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.\n(عِنْدَ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (فَقَالَ) أيوب (إِنَّ فَرْقَدًا لَيْسَ صَاحِبَ حَدِيثٍ) كناية عن ضعفه. وقد عرفت فيما ذُكر في ترجمته آنفًا أن الأكثرين وافقوا أيوب في تضعيفه.\nوخلاصة القول أن فرقدًا، وإن كان رجلًا صالحًا، إلا أن الحديث ليس من صناعته، وهو كما قيل: للحرب رجال، وللثريد رجال، وقال الإمام يحيى بن معين لما سئل عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ، صاحب الجزء المعروف، وشيخ البخاريّ، قال: يليق به القضاء، فقيل له: فالحديث؟ فقال:\nلِلْحَرْب أَقْوَامٌ لَهَا خُلِقُوا ... ولِلدَّوَاوِينِ حُسَّابٌ وَكُتَّابُ\nوقد تقَدّم عن الإمام الحجة يحيى بن سعيد القطّان قوله: لم نر الصالحين في","vol":"2","page":286},{"text":"شيء أكذب منهم في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٨ - (وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ذُكِرَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، فَضَعَّفَهُ جِدًّا، فَقِيلَ لِيَحْيَى: أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ).\nرجال هذا الإسناد: اثنان:\n١ - (عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيِّ) هو: عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب ابن مهران العبدي، أبو محمد النيسابوري.\nرَوَى عن سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، والنضر بن شميل، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وصالح بن محمد الأسدي، وغيرهم.\nقال صالح بن محمد: صدوق. وقال أبو بكر الجاروديّ: كان يحيى بن سعيد يُحِلّه محل الولد. وقال الحاكم: العالم ابن العالم ابن العالم. وقال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت عبد الرحمن بن بشر يقول: حملني بشر بن الحكم على عاتقه، في مجلس ابن عيينة، فقال يا معشر أصحاب الحديث، أنا بشر بن الحكم بن حبيب، سمع أبي الحكمُ بن حبيب من سفيان، وقد سمعت أنا منه، وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن، قد سمع منه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو جعفر الزاهد: أمر عبد الله بن طاهر الأمير أن يُكتَب أسامي الأعيان بنيسابور، فكَتَبُوا أسماء مائة مُسِنّ، وفيهم عبد الرحمن، ثم قال: يُختار من المائة عشرة، فكتبوهم، وفيهم عبد الرحمن، ثم قال: يُختار من العشرة أربعة، فاختيروا، وفيهم عبد الرحمن. وقال ابن أبي حاتم: كتب إلي ببعض فوائده، وكان صدوقا ثقة. وقال مُسَدَّد بن قَطَن: لما مات محمد بن يحيى، عَقَد مسلم مجلس الإملاء لخالي عبد الرحمن بن بشر، وانتقى عليه. وفي \"الزهرة\": روى عنه البخاري ثلاثة، أو أربعة، ومسلم ثلاثة وعشرين (١). قال حسين القباني: مات في سنة ستين ومائتين. وكذا أرخه أبو عمرو المستملي، وزاد: في ربيع الآخر. وقال غيره: مات سنة (٦٢).\n_________\n(١) والذي في برنامج الحديث (صخر) أن له في \"صحيح مسلم\" (١٨) حديثًا. وفي \"صحيح البخاريّ\" أربعة أحاديث. فليحرّر.","vol":"2","page":287},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة، من صغار العاشرة. انتهى.\n٢ - (يحيى بن سعيد القطّان) الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>شرح الأثر:</span>\nعن عبد الرحمن بن بشر العبديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ) (ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ) المكيّ، ويقال له: محمد المْحُرِم. روى عن عطاء، وابن أبي مليكة. وروى عنه النفيلي، وداود بن عمرو الضبي، وعدة. ضعفه يحيى بن معين. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي متروك. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ضمرة عن ابن شوذب قال: قال عكرمة لمحمد الْمُحْرِم: ما أعلم أحدا شرا منك، قال: كيف؟ قال: لأن الناس يستقبلون هذا البيت بالتلبية، وأنت تستدبره بها. قال: وكان محمد يُحرم السنة كلها إذا انصرف إلى أهله ناويا بالحج. وقال النسائي في \"التمييز\": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال: قال مصعب: زعم المكيون أنه رجل صالح، وكان يحيى، وأبو خيثمة لا يرضونه. وعن ابن مهدي قال: كان له هيئة وسَمْتٌ، فقال رجل: لا يُنظر إلى هيئته وسمته، فإنه من أكذب الناس، ثم قام إليه، فقال له: كيف حَدّثت أن النبي -ﷺ- باع مصحفا؟ فقال: حدثني عطاء، عن ابن عباس بذلك. وهذا باطل، يدلّ على أنه كان يتلقن، فيتوهم، فيُقْدِم. ذكره في \"لسان الميزان\" (٢). وليس محمد بن عبد الله هذا من رجال الكتب الستة.\n(فَضَعَّفَهُ) أي ضعّف يحيى القطّان محمد بن عبد الله هذا (جِدًّا) -بكسر الجيم، وتشديد الدال- مصدر جدّ يجدّ، من باب ضرب، وهو مفعول مطلق على النيابة، إذ أصله تضعيفًا جدّا: أي بليغًا (فَقِيلَ لِيَحْيَى) القطّان (أَضْعَفُ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ؟) بتقدير أداة الاستفهام: أي أهو أشدّ ضعفًا من يعقوب بن عطاء بن أبي رباح المكيّ، مولى قريش. روى عن أبيه، وخالد بن عبد الله بن كيسان، وصفية بنت شيبة، وغيرهم. وروى عنه عمرو بن العلاء، وزمعة بن صالح، وعمر بن ذر، وغيرهم.\nقال عمرو بن علي: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرزاق يحدثان عن يعقوب بن\n_________\n(١) تقدمت عند قول المصنّف: \"ممن ذمّ الرواية أئمة أهل الحديث الخ\".\n(٢) راجع \"لسان الميزان\" ٥/ ٢١٦ - ٢١٧.","vol":"2","page":288},{"text":"عطاء شيئا قط. وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يكتب حديثه. وقال الساجي: قال أحمد: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه، وعنده غرائب، وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب، وزمعة، وأبو قرة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: مات سنة خمس وخمسين ومائة، وكان له يوم مات ست وثمانون سنة، ربما أخطأ، يعتبر حديثه من غير رواية زمعة عنه، فإن الْمُعْتَبَر إذا اعْتُبِرَ حديثُهُ الذي بين السماع فيه، ولم يرو عنه إلا ثقة، لم يجد إلا الاستقامة.\nوقال في \"التقريب\": ضعيف، من الخامسة. انتهى. تفرّد به النسائيّ.\n(قَالَ) يحيى (نَعَمْ) أي هو أضعف من يعقوب (ثُمَّ قَالَ) يحيى (مَا) نافية (كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) أي لشدّة ضعفه، وقد عرفت في ترجمته المذكورة آنفًا ما يفيد أنهم متفقون على ما قاله يحيى القطان، من تضعيفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n٩٩ - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ الْأَعْلَى، وَضعَّفَ يَحْيَى مُوسَى بْنَ دِينَارٍ، قَالَ: حَدِيثُهُ رِيحٌ، وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ، وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>شرح الأثر:</span>\nعن (بِشْر بْنِ الْحَكَمِ) العبديّ النيسابوريّ، والد عبد الرحمن المذكور في السند الماضي، وتقدم في ٤/ ٣٧. أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، ضَعَّفَ حَكِيمَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسدي، ويقال: مولى الحكم بن أبي العاص الثقفي الكوفي. رَوَى عن أبي جُحيفة، وأبي الطفيل، وعلقمة، وموسى بن طلحة، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، والسفيانان، وزائدة، وفطر بن خليفة، وغيرهم.\nقال أحمد: ضعيف الحديث، مضطرب. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روى؟ إنما روى شيئا يسيرا، قلت: من تركه؟ قال: شعبة من أجل حديث الصدقة -يعني حديث: \"من سأل، وله ما يغنيه ... \". وقال معاذ بن معاذ: قلت لشعبة: حَدِّثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار. وقال القطان عن شعبة نحو ذلك. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث. وقال الجوزجاني: كذّاب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال:","vol":"2","page":289},{"text":"في رأيه شيء. قلت: ما محله؟ قال: الصدق إن شاء الله. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غال في التشيع. وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن مهدي: إنما رَوَى أحاديث يسيرة، وفيها منكرات. وقال الفلاس: كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرحمن لا يحدث عنه. وقال البخاري في \"التاريخ\": كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال الساجي: غير ثبت في الحديث، فيه ضعف. وروى عنه الحسن بن صالح حديثا منكرا. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء. أخرج له الأربعة.\nوقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، رُمي بالتشيّع، من الخامسة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأكثرين وافقوا يحيى القطّان على تضعيف حكيم بن جبير، فلم ينفرد يحيى القطّان بتضعيفه. والله تعالى أعلم.\n(و) ضعّف يحيى أيضًا (عَبْدَ الْأَعْلَى) بن عامر الثعلبي الكوفي. رَوَى عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، ومحمد بن الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وروى عنه ابنه علي، وابن جريج، ومحمد بن جُحَادة، وغيرهم.\nقال عبيد الله بن أبي الأسود عن يحيى بن سعيد: سألت الثوري عن أحاديثه، عن ابن الحنفية، فضعفها. وقال أحمد عن ابن مهديّ: كل شيء رَوَى عبد الأعلى عن ابن الحنفية، إنما هو كتاب أخذه، ولم يسمعه. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه. قال: وكان يحيى يحدثنا عنه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما رفع الحديث، وربما وقفه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يقال: إنه رُفع إليه صحيفة لرجل، يقال له: عامر بن هُنَيّ كان يروي عن ابن الحنفية. وقال النسائي: ليس بالقوي، ويكتب حديثه. وقال ابن عدي: يحدث بأشياء لا يُتَابع عليها، وقد حدث عنه الثقات. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك القوي. وقال الساجي: صدوق يَهِمُ. وقال يحيى بن سعيد: تَعرِف وتُنكر. وقال أبو علي الكرابيسي: كان من أوهى الناس. وقال العقيلي: تركه ابن مهدي، والقطان. وقال يعقوب بن سفيان: يُضَعَّف، يقولون: إن روايته عن ابن الحنفية، إنما هي صحيفة. وقال في موضع آخر: في حديثه لين، وهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال في \"العلل\": ليس بالقوي عندهم. وصحح الطبري حديثه في الكسوف، وحَسَّن له الترمذي، وصحح له الحاكم، وهو من تساهله. أخرج له الأربعة.","vol":"2","page":290},{"text":"وقال في \"التقريب\": صدوق يَهِم، من السادسة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: صدوق، فيه نظر لا يخفى؛ لما عرفت آنفًا من أن الأكثرين على تضعيفه. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (وَضَعَّفَ يَحْيَى مُوسَى بْنَ دِينَارٍ) جملة من فعل، وفاعل، ومفعول، فـ \"يحيى\" فاعل ضعّف، و\"موسى\" مفعوله: أي ضعّف يحيى القطّان في جملة من ضعّفه من المذكورين موسى بن دينار.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكذا صواب هذا الكلام، وفي أكثر النسخ: \"وضعّف يحيى بن موسى بن دينار\". وهذا وهمٌ. انتهى (١).\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في الأصول كلها: \"وضعّف يحيى بن موسى\" بإثبات لفظة \"ابن\" بين يحيى، وموسى، وهو غلط فاحش بلا شكّ، والصواب حذفها. كذا قاله الحفّاظ، منهم: أبو عليّ الْغَسّانيّ الْجَيّانيّ، وجماعات آخرون، والغلط فيه من رواة كتاب مسلم، لا من مسلم. انتهى (٢).\nو\"موسى بن دينار\": هو المكي، روى عن سعيد بن جبير، وجماعة. قال البخاري: ضعيف، كان حفص بن غياث يكذبه. وقال علي: سمعت يحيى القطان يقول: دخلت على موسى بن دينار، أنا وحفص، فجعلت لا أريده على شيء إلا لقيته. وقال أبو حاتم: مجهول. وضعفه الدارقطني. وقال الساجي: كذاب، متروك الحديث. وذكره العقيلي، والدولابيّ، ويعقوب بن سفيان، وابن السكن، وابن الجارود، وابن شاهين، في \"الضعفاء\". وساق العقيلي في ترجمته الحكاية المذكورة عن علي، وفيها بعد قوله: إلا لقيته، فخرجنا، فاتبعنا أبو الشيخ، فجعلت أبين له أمره، فلا يقبل. وأسند أيضا عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان قال: كتبنا عن شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، وأبو شيخ يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول حدثتك عائشة بنت طلحة، عن عائشة بكذا وكذا، فيقول: حدثتني عائشة، ويقول له: وحدثك القاسم بن محمد، عن عائشة مثله، فيقول: حدثني القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله، ويقول: حدثك سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيقول: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس بمثله، فلما فرغ مَدّ حفص يده إلى ألواح أبي شيخ، فمحاها منها، فقال: تحسدوني به، فقال حفص: لا، ولكن هذا كذب. قيل ليحيى: مَنِ الرجل، فلم يسمه، فقلت له: يا أبا سعيد لعل عندي عن هذا الشيخ شيئا، ولا أعرفه،\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٥٩.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٢٢.","vol":"2","page":291},{"text":"فقال: هو موسى بن دينار، قال عمرو بن علي: ما رأيت أحدا يحدث عنه إلا أبو شعيب التيمي، وآخر. وأخرجها بطولها الخطيب في \"المؤتلف\" من طريق الحاكم بسند آخر، عن عمرو بن علي. ذكره في \"لسان الميزان\" (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنها: قد تلخّص مما سبق أنهم مجمعون على تضعيف موسى بن دينار هذا، بل كذّبه بعضهم، وليس له شيء في الكتب الستة. والحمد لله.\n(قَالَ) يحيى القطّان (حَدِيثُهُ رِيحٌ) أي شبه ريح، وهو كناية عن عدم أصل له حتى يُعتمد عليه، كما أن الريح لا جرم لها يُعتمد عليه، ويُتمسّك به. والله تعالى أعلم.\n(وَضَعَّفَ) يحيى أيضًا (مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ) بكسر الدال المهملة -وهو: موسى بن دهقان البصري، مدني الأصل. رَوَى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وعثمان بن عمر بن فارس، وسهل بن حماد، وغيرهم.\nقال علي بن المديني: سمعت يحيى القطان، وذكر موسى بن دهقان، فقال: أفسدوه، بأَخَرَةٍ. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي. وقال الآجري: قيل لأبي داود: كان موسى بن دهقان ساحرا، قال: كان عرافا. وقال النسائي، والدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال المروذي عن أحمد: لين الأمر. وقال العقيلي: قال ابن معين: ضعيف الحديث. وذكره ابن الْبَرْقيّ في \"باب من كان الغالب عليه الضعف في حديثه، وترك بعض أهل العلم حديثه\". قال الحافظ: رأيت بخط الذهبي: عاش إلى أيام الأوزاعي. ورأيت في \"تاريخ البخاري\": موسى بن دهقان يقولون: تغير بآخره. أخرج له البخاريّ في \"جزء رفع اليدين\".\nوقال في \"التقريب\": ضعيف، وهو ممن تغيّر، من الرابعة. انتهى.\n(وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ) هو: الحناط الغفاري، أبو موسى، ويقال: أبو محمد، مولى قريش، أصله كوفي، واسم أبي عيسى ميسرة. رَوَى عن أبيه، وأنس، والشعبي، وأبي الزناد، وغيرهم. وروى عنه مروان بن معاوية، ووكيع، وابن أبي فديك، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم.\nقال البخاري: ضعفه علي عن يحيى القطان. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى\n_________\n(١) راجع \"ميزان الاعتدال\" ٤/ ٢٠٤. و\"لسان الميزان\" ٦/ ١٥٣ - ١٥٤.","vol":"2","page":292},{"text":"ابن سعيد، وذكر عيسى الخياط، فلم يَرْضه، وذَكَرَ له حفظا سيئا، وقال: كان منكر الحديث، وكان لا يحدث عنه. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: السري بن إسماعيل أحب إلي منه. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان كوفيا، وانتقل إلى المدينة، كان خياطا، ثم ترك ذلك، وصار حناطا، ثم ترك ذلك، وصار يبيع الخبط (١). قال ابن سعد: كان يقول: أنا خَبَّاط، وحَنّاط، وخَيّاط، كُلًّا قد عالجت.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ومثله مسلم بن أبي مسلم الخباط، وقد أشار إلى هذا السيوطيّ في \"ألفية الأثر\"، حيث قال:\nعِيسَى وَمُسْلِمٌ هُمَا حَنَّاطُ ... وَإِنْ تَشَا خَبَّاطٌ أوْ خَيّاطُ\nوقال عمرو بن علي، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم أيضا: عيسى بن ميسرة الغفاري المدني، روى عن أبي الزناد، عن أنس، هو عيسى الحناط، وفرق بينهما البخاري، وهما واحد. وقال ابن عدي: روى أحاديث لا يُتَابع عليها متنا ولا إسنادًا.\nوقال إبراهيم الحربي: كان فيه ضعف، وأخوه موسى ثقة. وقال أبو عبد الله: لا يساوي شيئا. وقال عمرو بن علي في موضع آخر: متروك الحديث، ضعيف الحديث جدا. وقال النسائي في \"التمييز\": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال حماد بن يونس: لو شئت أن يحدثني عيسى بكل ما يصنع أهل المدينة حدثني به. وقال أبو القاسم البغوي: ضعيف الحديث. وذكره يعقوب بن سفيان في \"باب من يُرغَب عن الرواية عنهم\". وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: كان سيىء الحفظ والفهم، فاستحق الترك. وضعفه أيضا العجلي، والساجي، والعقيلي، ويعقوب ابن شيبة، وآخرون. وذكره البخاري في فصل من مات من الأربعين إلى الخمسين ومائة. وقال ابن سعد: قدم الكوفة في تجارة، فسمع من الشعبي، وكان كثير الحديث، لا يُحتج به، وتُوفي في خلافة أبي جعفر. وقال أبو الشيخ: مات سنة إحدى وخمسين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": متروك، من السادسة. انتهى. تفرّد به ابن ماجه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أنهم وافقوا يحيى القطّان في تضعيف عيسى هذا. والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) \"الخَبَط\" بفتحتين: ما يسقط من أوراق الشجر. و\"الحناط\" نسبة إلى بيع الحنطة.","vol":"2","page":293},{"text":"قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:\n١٠٠ - (قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ، فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ، إِلَّا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ، لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>شرح الأثر:</span>\n(قَالَ) أي مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى، والظاهر أن قائل \"قال\": هو الراوي عن مسلم، ويحتمل أن يكون من كلامه، فيكون فيه التفات (وَسَمِعْتُ الْحَسنَ بْنَ عِيسَى) هو: الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس -بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك (١).\nروى عنه، وعن أبي بكر بن عياش، وعبد السلام بن حرب، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والبخاريّ في غير \"الجامع\"، وأبو داود، وروى له النسائي بواسطة، وغيرهم.\nقال الخطيب: كان من أهل بيت الثَّرْوَة، والْقَدَم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن المبارك، ورحل في العلم، ولقي المشايخ، وكان دَيِّنًا، ورعا، ثقة، ولم يزل من عقِبِه بنيسابور فقهاء ومحدثون. قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يحكي عن شيوخه أن ابن المبارك، قد كان نزل مرة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز به، وهو في المجلس، وكان الحسن من أحسن الشباب وجها، فسأل عنه ابن المبارك، فقيل: إنه نصراني، فقال: الله ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه. وروى عنه ابن خزيمة في \"صحيحه\". وقال حمد بن سيار في \"تاريخ نيسابور\": كان يُظهر أمر الحديث، ويُسِرّ الرأي جُهْدَه، ذكرته لإسحاق بن إبراهيم، فلم ينبسط بذكره. وقال السراج: لما قَدِم بغداد هجره بعض أصحاب الحديث بقوله في الإيمان، ثم اجتمعوا إليه، وقالوا: بَيِّن لنا مذهبك، قال: الإيمان قول وعمل، قالوا: يزيد وينقص، فقال: كان لي أستاذان: ابن المبارك، وابن حنبل، كان عبد الله يقول: يزيد، ويتوقف في النقصان، فإن قال أحمد ينقص، قلت بقوله، فأحضروا إليه خط أحمد: يزيد وينقص، فقال الحسن: هو قولي، فرضوا بذلك، وكتبوا عنه. وقال الدارقطني: ثقة. وقال السراج: كان عاقلًا، عُدّ في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف مِحْبَرة، ومات\n_________\n(١) هذا من نوع ما يسمى مولى الإسلام؛ لأن الحسن أسلم على يدي ابن المبارك، وقد تقدّم بيان أقسام المولى الثلاثة، فلا تنس. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":294},{"text":"بالثعلبية في الْمُنْصَرف من مكة سنة (٢٣٩). وقيل: مات سنة (٤٠). قال أبو بكر بن المؤمل بن الحسن بن عيسى: أنفق جدي في حجته الأخيرة ثلاثمائة ألف درهم. وقال الحاكم: خرجت مع أبي بكر بن المؤمل وأخيه أبي القاسم، فلما بلغت الثعلبية زرت معهما قبر جدهما، فقرأت على لوح قبره: هذا قبر الحسن بن عيسى، تُوُفّي في صفر سنة (٢٤٠).\nوقال في \"التقريب\": ثقة، من العاشرة. انتهى.\nأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث فقط برقم ٥٩٦ و٦٧٢ و٩٤٧ و١٤٧٦.\n(يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ) أي ابن عبد الحميد المتقدّم في ٤/ ٤٧ (فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ، إِلَّا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ) من مشايخه. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هؤلاء الثلاثة مشهورون بالضعف والترك. وقال أيضًا: فاستوى الثلاثة في كونهم كوفيّين، متروكين. انتهى (١). وقوله: (لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ) جملة مستأنفة فصّل بها ما أجمله في قوله: \"إلا حديث ثلاثة\".\nو\"عُبيدة\" -بضمّ العين المهملة، مصغّرًا (٢) - هو: ابن مُعَتِّب -بضم الميم، وفتح العين، وتشديد التاء المكسورة- الضبي، أبو عبد الكريم الكوفي. روى عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وأبي وائل، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، ووكيع، وغيرهم.\nقال أبو داود عن شعبة: أخبرني عُبيدة قبل أن يتغير. وقال أَسِيد بن زيد الْجَمّال عن زهير بن معاوية: ما اتهمت إلا عطاء بن عجلان، وعُبيدة، قال: فذكرت ذلك لحفص بن غياث، فصدقه في عطاء بن عجلان، وكَرِه ما قال في عُبيدة. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حدثا عن سفيان عنه شيئا قط. وقال عمرو ابن علي مثل ذلك. قال: ورآني يحيى بن سعيد أكتب حديث عبيدة بن معتب، فقال: لا تكتبه، لا تكتبه. وقال أيضا: كان عبيدة الضبي سيىء الحفظ، ضريرا، متروك الحديث. وذكره ابن المبارك فيمن يترك حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ترك الناس حديثه. قال له رجل: هذا رأي إبراهيم؟ قال: لا إنما قِسْتُ على رأيه. وقال\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(٢) هذا هو الصحيح المشهور في كتب \"المؤتلف والمختلف\"، وغيرها، وحكى صاحب \"المطالع\" عن بعض رواة البخاريّ أنه ضبطه بفم العين، وفتحها. قاله النوويّ. ١/ ١٢٣.","vol":"2","page":295},{"text":"أيضا: سألت أبي عن عبيدة، وجويبر، ومحمد بن سالم، فقال: ما أقرب بعضهم من بعض في الضعف. وقال ابن معين نحوه. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف. وقال الدوري عن يحيى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ضعيف، وكان قد تغير. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن حبان: اختلط بآخره، فبطل الاحتجاج به. وقال الساجي: صدوق، سيىء الحفظ، يضعف عندهم، نَهَى عنه ابن المبارك. وقال يعقوب بن سفيان: حديثه لا يسوى شيئا. وكان الثوري إذا روى عنه كناه: قال أبو عبد الكريم، قال: وسفيان لا يكاد يكني رجلا إلا وفيه ضعف. وقال ابن معين: قال لي جرير: ما تصنع بهذا، يضعفه. وقال ابن خزيمة: لا يجوز الاحتجاج بخبره. علّق له البخاريّ في موضع واحد في \"الأضاحي\"، وأخرج له أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.\nوقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، واختلط بآخره، من الثامنة. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أنهم اتفقوا على ترك حديث عُبيدة هذا، كما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى.\n(وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) هو: الهمداني الكوفي، ابن عم الشعبي، روى عنه، وعن سعيد بن وهب، وقيس بن أبي حازم. وروى عنه ابنه جرير، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالد بن كثير، وغيرهم.\nقال أبو قُدامة عن يحيى بن سعيد: استبان لي كذبه في مجلس. وقال عمرو بن علي: ما سمعت عبد الرحمن ذكره قط، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال الحسن بن عيسى سمعت ابن المبارك يقول: لا يُكتَب عن جرير بن عبد الحميد حديثُ السري بن إسماعيل، ومحمد بن سالم، وعُبيدة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وهو أحب إلي من عيسى الخياط. وقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: يضعف. وقال أبو حاتم: ذاهب، دون مجالد. وقال الجوزجاني: يُضَعَّف حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف، متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عدي: وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد، خاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، وهو إلى الضعف أقرب. وقال في ترجمة سيف بعد أن أورد له عن السري حديثا: لعل البلاء من السري. وقال إبراهيم الحربي: كان كاتب الشعبي لَمّا كان قاضيا، وولي هو القضاء بعده، وفيه ضعف. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال","vol":"2","page":296},{"text":"البزار: ليس بالقوي. وقال الساجي. ضعيف جدا. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وكان ابن معين: شديد الحمل عليه.\nوقال في \"التقريب\": متروك الحديث من السادسة. انتهى. تفرّد به ابن ماجه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أنهم اتفقوا على تركه، بل كذّبه بعضهم، فلم ينفرد ابن المبارك رحمه الله تعالى بتضعيفه. والله تعالى أعلم.\n(وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ) بالجرّ عطفًا على \"عُبيدة\": أي لا تكتب حديث محمد بن سالم.\nو\"محمد بن سالم\" هذا هو: الهمداني، أبو سهل الكوفي. رَوَى عن عطاء، والشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وزيد بن علي بن الحسين. ورَوَى عنه الثوري، والحسن بن صالح، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.\nقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان حفص بن غياث يقول: إنما هذه كتب أخيه، ويضعفه. وقال عمر بن حفص بن غياث: ترك أبي حديثه. وقال ابن أبي الْحَوَاري: سمعت حفص بن غياث يقول: لا تساوي أحاديثه البقل. وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف. وقال ابن أبي حاتم عن ابن أبي خيثمة: رأيمت ابن معين يُملي على قرابة له الفرائض عن يزيد بن هارون، عن محمد بن سالم، فقلت له: يا أبا زكريا أخصصته بهذا؟ فقال: دَعْهُ فإنه لا يدري. قال ابن أبي حاتم: معناه عندي إنه في الفرائض أحسن حالا؛ لأنه كان فارضا. وقال نعيم بن حماد عن ابن المبارك: اطرح حديث محمد بن سالم. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن يحدثان عنه بشيء. وكذا قال عمرو بن علي نحوه. وقال محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي: ثنا عمرو بن علي أن محمد بن سالم ضعيف الحديث، متروك. قيل له: و\"كتاب الفرائض\" عن محمد بن سالم؟ قال: ليس يساوي شيئا. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي يقول: لم أُدخل في الفرائض عن محمد بن سالم شيئا، كأنه يضعفه. وقال: ابن أبي ليلى في الشعبي أحب إليّ منه. وقال البخاري: يتكلمون فيه، كان ابن المبارك ينهى عنه. وقال علي: أنا لا أحدث عنه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، مثل عُبيدة الضبي وأضعف، يُشبه المتروك. قال: وكان سفيان الثوري ربما كَنَى عن اسمه، يقول: رجل عن الشعبي، وربما كناه، يقول: أبو سهل عن الشعبي، كيلا يُفطَن به. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الجوزجاني: غير ثقة. وقال ابن عدي: له \"كتاب الفرائض\"، يُنسب إليه من تصنيفه، والضعف على رواياته بَيِّن. وقال ابن سعد: كان ضعيفا، كثير الحديث. وقال الساجي: يروي الفرائض عن الشعبي، أنكر أحمد أحاديث","vol":"2","page":297},{"text":"رواها، وقال: هي موضوعة. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف، لا يفرح بحديثه. وقال الدارقطني: متروك الحديث.\nوقال في \"التقريب\": ضعيفٌ، من السادسة. انتهى. تفرد به الترمذيّ.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أنهم اتّفقوا على تضعيف محمد ابن سالم هذا، فلم ينفرد ابن المبارك رحمه الله تعالى بتضعيفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(قَالَ مُسْلِم: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ، كَثِيرٌ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ لِمَنْ تَفَهَّمَ، وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا. وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الْأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ، إِذِ الْأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي، بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ، مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ، كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الْأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ اكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا مَقْنَعٍ، وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا، مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالإِعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلِأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ الْعَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه الله تعالى بهذا الكلام أن أمثال ما ذُكر من جرح أهل العلم للمتَّهَمين من رواة الحديث، وإخبارهم بما فيهم من العيب الذي يُردّ به روايتهم كثير، لو سلكنا فيه مسلك الاستقصاء لطال الكتاب، وخرج عن ما رُسم له من الاختصار حيث طُلب منه","vol":"2","page":298},{"text":"أن يؤلّفه على سبيل الاختصار كما بيّنه في أوائل هذه المقدّمة، وفيما ذكره هنا كفاية لمن تدبّر، وفَهِم مذهب المحدّثين فيما قاموا به من بيان معايب الرواة، والكشف عن مساويهم.\nثم بيّن سبب إلزام المحدّثين أنفسهم الكشفَ عن معايب الرواة المجروحين، وأفتوا به من سألهم، مع أن عرض المسلم حرام كدمه، وذلك لما في رواياتهم من الخطر العظيم؛ لأن الأحاديث إنما تأتي بتحليل الحلال، أو تحريم الحرام، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو الترغيب في الخير، والتحذير عن الشرّ، وهذه الأحكام إنما تؤخذ من أدلّتها الشرعيّة، ومنها الأحاديث، فإذا كان الراوي لها غير متّصف بالعدالة، وهي المراد بالصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من يَعلَم حاله من كونه غير عدل، وسكت عن بيان ما فيه من عدم الأهليّة للرواية، ولم يبيّن ذلك لمن لا يعلمه كان آثمًا بسكوته، غاشّا للمسلمين مع أن الواجب عليه النصيحة؛ فقد أخرج مسلم قوله: \"الدين النصيحة\"، وذلك لأنه لا يؤمن أن يستعمل بعض الناس ممن سمع تلك الأحاديث المروية من ذلك المجروح، أو بعضها، ولعلها أكاذيب لا يصحّ شيء منها، على أنه لا حاجة إليها؛ لكثرة الأحاديث الصحاح الكافية للاحتجاج بها، والعمل بمقتضاها.\nثم بيّن أن الحامل لكثير ممن يميل إلى نقل الأحاديث الواهية، وروايتها للناس مع علمهم بضعفها ليس إلا إرادة التكثّر بذلك عند عوامّ الناس حيث يقولون: ما أكثر ما جمعه فلان من الأحاديث الكثيرة، ومن ذهب هذا المذهب، وسلك هذا الطريق، فليس له نصيب من حمل العلم، بل كان تسميته جاهلًا أولى من أن يسمّى عالمًا؛ إذ لو كان عالمًا لحمله علمه على الورع والتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب، والظاهر أنه من كلامه رحمه الله تعالى، ويحتمل أن يكون من الرواة عنه (وَأَشْبَاهُ) -بفتح الهمزة: جمع شَبَه بفتحتين، وبكسر، فسكون، وكأمير: الأمثال. أفاده في \"القاموس\". وقال في \"المصباح\": الشَّبَهُ بفتحتين، والشبيه، مثلُ كريم، والشِّبْهُ، مثل حِمْلٍ: المشابه. وَشَبَّهْتُ الشيءَ بالشيء: أقمته مُقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون الصفة ذاتيّة، ومعنويّةً، فالذاتيّة: نحو هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد. والمعنويّة: نحو زيد كالأسد، أو كالحمار: أي في شدّته،","vol":"2","page":299},{"text":"وبلادته. وزيد كعمرو: أي في قوّته، وكرمه، وشبهه. وقد يكون مجازًا: نحو الغائب كالمعدوم، والثوب كالدرهم: أي قيمة الثوب تُعادل الدرهم في قدره. انتهى (١).\nفـ\"أشباه\" مبتدأ، مضاف إلى قوله: (مَا) موصولة: أي الذي (ذَكَرْنَا) حُذف ضمير النصب؛ لكونه فضلةً، قال في \"الخلاصة\":\nوَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لم يَضِرْ ... كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ\nوقوله: (مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بيان لما الموصولة (فِي مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ) متعلّق بكلام: أي في الرواة الذين يُتّهمون بالكذب على رسول الله -ﷺ-، فإضافة \"متّهمي\" إلى \"رواة\" من إضافة الصفة للموصوف، وإضافة \"رواة\" إلى الحديث بمعنى اللام (وَإِخْبَارِهِمْ) بكسر الهمزة عطف على \"كلام\" من عطف المبيِّن بالكسر على المبيّن بالفتح (عَنْ مَعَايِبِهِمْ) بفتح الميم: أي عيوبهم. قال في \"اللسان\" (٢): والْمَعَايب: العيوب، وشيء مَعِيبٌ، ومَعيُوبٌ على الأصل. وتقول: ما فيه مَعَابةٌ، ومَعَابٌ: أي عَيْبٌ، ويقال: موضع عيب. قال الشاعر [من الوافر]:\nأَنَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عِبْتُمُوهُ ... وَمَا فِيهِ لِعَيَّابٍ مَعَابُ\nوقوله: (كَثِيرٌ) خبر \"أشباه\" (يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ) أي المبالغة فيه، يقال: استقصى في المسألة، وتقصّى: إذا بلغ الغاية. قاله في \"القاموس\". والمعنى: أننا لو ذكرنا ما قاله أهل العلم في بيان المجروحين من الرواة، وتتبعنا جميعه لطال هذا الكتاب، وخرجنا من المطلوب؛ لأن الذي طلب منه أن يؤلّف له هذا الكتاب شرط عليه أن لا يكثر عليه، كما فصّله في أول الكتاب. (وَفِيمَا ذَكَرْنَا) أي من أمثلة المجروحين، والجار والمجرور خبر مقدّم، لقوله: (كِفَايَةٌ) أي استغناء عن غيره، يقال: كفى الشيءُ كفايةً، فهو كافٍ: إذا حصل به الاستغناء عن غيره. واكتفيت بالشيء: استغنيتُ به، أو قَنِعتُ به. قاله الفيّومي (٣) (لِمَنْ تَفَهَّمَ) أي عرف بالتدريج، قال في \"القاموس\": وتفهّمه: فهمه شيئًا بعد شيٍء. وقال: فهِمه، كفرح فَهْمًا، ويُحرّك، وهي أفصح، وفَهامة -بالفتح- ويُكسر، وفهاميّة: علمه، وعرفه بالقلب. انتهى. وقال الشارح: قوله: علمه وعرفه بالقلب فيه إشارة إلى الفرق بين الفهم والعلم، فإن العلم مطلق الإدراك، والفهم سُرعة انتقال النفس من الأمور الخارجيّة إلى غيرها. وقيل: تصوّر المعنى من اللفظ. وقيل: هيئة للنفس يتحقّق بها ما يحسن. وفي \"إحكام الآمديّ\": الفهم: جَوْدة الذهن من جهة\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٣٠٣.\n(٢) راجع \"لسان العرب\" ١/ ٦٣٤.\n(٣) \"المصباح المنير\" ٢/ ٥٣٧.","vol":"2","page":300},{"text":"تهيّئه لاقتناص ما يَرِد عليه من المطالب. انتهى (١).\nوعطف قوله: (وَعَقَلَ) -بفتح القاف، وكسرها- على ما قبله من عطف المؤكّد -بالكسر- على المؤكَّد -بالفتح-؛ إذ العقل معناه الفهم، قال في \"اللسان\": عقل الشيءَ عَقْلًا: فهمه. انتهى. وفي \"المصباح\": وعقلتُ الشيءَ عَقْلًا، من باب ضَرَب تدبّرته. وعَقِل يعقَلُ من باب تَعِب لغة. انتهى. وقوله (مَذْهَبَ الْقَوْمِ) بالنصب تنازعه الفعلان قبله، كما قال في \"الخلاصة\":\nإِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمِ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ\nوَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ ... وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ\nأي عرف طريقهم (فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ) أي مما ذكروا من جرح المتّهمين وغيرهم من الضعفاء. وعطف قوله: (وَبَيَّنُوا) -أي وضّحوه- على ما قبله من عطف المؤكّد على المؤكّد أيضًا.\nولَمّا كان عرض المسلم أمرًا خطرًا، كدمه، وماله، لا يحلّ انتهاكه إلا بمسوّغ شرعيّ، وذلك للحديث المتّفق عليه من حديث ابن عباس، وابن عمر، وأبي بكرة، -﵃- مرفوعًا بألفاظ مختلفة: \"فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ... \" الحديث. ولما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا أيضًا: \"كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه\"، بيّن المصنّف رحمه الله تعالى الحامل لأهل العلم على كشف معايب الرواة، فقال:\n(وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا) أي أهل العلم. وقوله: (أَنْفُسَهُمُ) مفعول، وقوله: (الْكَشْفَ) مفعول ثان (عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ) متعلّق بالكشف، والإضافة بمعنى اللام، كما سبق بيانه، ومثله قوله: (وَنَاقِلِي الْأَخْبَارِ) بفتح الهمزة: جمع خبر، وقد اختُلف هل الخبر والحديث بمعنى واحد، وهو الراجح، أم لا؟ قال في \"شرح النخبة\": الخبر عند علماء هذا الفنّ مرادف للحديث. وقيل: الحديث ما جاء عن رسول الله -ﷺ-، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ، وما شاكلها: الإخباريّ، ولمن يشتغل بالسنة النبويّة: المحدّث. وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلقٌ، فكلّ حديث خبر، من غير عكس. انتهى (٢) وقد تقدم البحث في هذا مُسْتَوْفًى في أوائل هذا الشرح، فراجعه تزدد علمًا.\n_________\n(١) \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٩/ ١٦.\n(٢) راجع \"شرح نخبة الفكر\" ص ١٥٣ - ١٥٤ بنسخة \"شرح الشرح\".","vol":"2","page":301},{"text":"(وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ) بالبناء للفاعل: أي بينوا ما ذُكر من المعايب، فاسم الإشارة يرجع إلى المعايب، وإنما أفرده باعتبار المذكور. قال الفيّوميّ: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم. (حِينَ سُئِلُوا) بالبناء للمفعول، والظرف متعلّق بـ \"أفتوا\" (لِمَا) بكسر اللام متعلّقٌ بـ \"ألزموا\" (فِيهِ) الضمير يعود على اسم الإشارة قبله: أي لما في معايب الرواة (مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ) من إضافة الصفة للموصوف: أي من الخطر العظيم، و\"الخطر\" بفتحتين: الإشراف على الهلاك، وخوف التلَف. قاله في \"المصباح\".\n(إِذِ) تعليليّة: أي لأن (الْأَخْبَارُ) بفتح الهمزة: جمع خبر (فِي أَمْرِ الدِّينِ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونها كائنة في أمر الدين؛ إذ القاعدة أن الجملة والظرف، والجارّ والمجرور بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات. ويحتمل أن يكون المقدّر صفة، بناء على أن المعرّف بـ \"أل\" الجنسية كالنكرة، كقول الشاعر [من الكامل]:\nوَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي\n(إِنَّمَا تَأْتِي، بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ) فيه أن المصنّف رحمه الله تعالى مذهبه أن الترغيب والترهيب، كالتحليل والتحريم، ونحوهما لا يثبُت إلا بالأخبار الصحيحة، وهذا هو المذهب الحقّ، فما اشتهر من أنها تثبت بالأحاديث الضعاف، قولٌ مرذول، والله تعالى أعلم.\n(فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ) -بفتح الميم، وسكون العين، وكسر الدال المهملتين، آخره نون- قال في \"القاموس\": المَعْدِن كمجلِسٍ: منبت الجواهر، من ذهب ونحوه؛ لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات الله ﷿ إياه فيه. انتهى. وقال في \"المصباح\": المعدن مثالُ مجلسٍ: اسم المكان؛ لأن أهله يقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأن الجوهر الذي خلقه الله فيه عَدَن به: أي أقام. قال في \"مختصر العين\": مَعْدِن كلّ شيء حيث يكون أصلُهُ. انتهى. والمراد هنا: أن الراوي ليس محلًّا (لِلصِّدْقِ) بكسر، فسكون: خلاف الكذب (وَالْأَمَانَةِ) بالفتح: خلاف الخيانة، وعطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ؛ لأن الصدق أن لا يُخبر بخلاف الواقع، والأمانة تعمّ هذا، وتعمّ ما إذا أخبر بالواقع، ولكنه ليس له، بأن أخبر بالحديث الصحيح، مما لم يسمعه. والله تعالى أعلم.\n(ثُمَّ أَقْدَمَ) بالألف، قال الفيّومي: أقدم على قِرْنِه: اجترأ عليه. وفي \"القاموس\": أقدم على الأمر: شَجُعَ. انتهى (عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ) أي تشجّع، واجترأ على الرواية عن هذا الراوي الذي ليس معدنا للصدق (مَنْ) بالفتح، موصولة، فاعل \"أقدم\" (قَدْ عَرَفَهُ) أي عرف أنه ليس معدنا للصدق (وَلَمْ يُبَيِّنْ) بالبناء للفاعل، من التبيين، وهو التوضيح","vol":"2","page":302},{"text":"(مَا فِيهِ) أي من الجرح الذي يمنع قبول روايته (لِغَيْرِهِ) من السامعين (مِمَّنْ جَهِلَ) بكسر الهاء (مَعْرِفَتَهُ) أي معرفة حاله من الضعف (كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ) أي لسكوته على المنكر، وقد أمره النبيّ -ﷺ- بإزالته، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".\n(غَاشًّا) اسم فاعل من غَشّه غَشّا، من باب نصر، والاسم الْغِشّ بالكسر: أي لم يَنصحه، وزيّن له غير المصلحة. قاله الفيّوميّ (لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ) \"العوام\": جمع عامّة، وهو خلاف الخاصّة، مثلُ دابّة ودوابّ، والهاء في \"العامّة\" للتأكيد. قاله الفيّوميّ. وإضافة \"عوام\" للمسلمين بمعنى \"من\". والمراد بالعوام هنا من ليس لهم دراية بأحوال الرواة.\nوالمعنى أن من أقدم على الرواية عن هؤلاء يصير غاشّا للمسلمين، وقد ذمّ الشارع الغاشّ، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: \"من غشّ فليس منّي\"، وفي لفظ الترمذي: \"من غشّنا، فليس منّا\". وأيضًا ترك الواجب عليه نحو المسلمين، وهو النصيحة لهم، وقد أخرج مسلم من حديث تميم الداري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"الدين النصيحة\"، قلنا: لمن؟ قال: \"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\".\nقال العلّامة الجزائريّ رحمه الله تعالى: وإنما قصر مسلم غشّهم على عوامّ المسلمين، مع أن كثيرًا من خواصّهم قد لحقهم من ذلك ما لحق عوامّهم؛ لأن الخواصّ كان يمكنهم أن يقفوا على حقيقة الأمر، ولكنهم قصّروا، فكأنه جعلهم هم الغاشّين لأنفسهم، فإن كثيرًا منهم كان إذا رأى حديثًا قد ذكره أحد أولئك الغاشّين للأمة في دينها من غير بيان لحاله، فإن كان موافقًا لرأيه، أو لرأي من يَهْوَى أن ينتصر له، كيفما كان الحال، بادر لنقله، ونشره، والاستشهاد به من غير بحث عنه، مع معرفته بأن في كثير مما يُروى الموضوعَ والضعيفَ الذي اشتدّ ضعفه، وإن كان مخالفًا لرأيه، أو لرأي من يحبّ أن ينتصر له، فإن وجده غير قابل للتأويل على وجه يوافق ما يذهب إليه تركه، وكثيرًا ما يخطر في باله أن مخالفه ربّما وقف عليه، واستند إليه، فيُعِدّ له حينئذ تأويلًا ربما كان هو أول الضاحكين على نفسه منه، وذلك استعدادًا لهجوم الخصم قبل أن يَهْجُم عليه، وإن وجده قابلًا للتأويل على وجه يوافق ما يَهوَاه تساوى عنده الحالات، وسكنت نفسه، ومن نظر في الكتب المؤلّفة في تخريج الأحاديث المذكورة في كثير من كتب الكلام، أو الفقه، أو الأصول، أو التفسير رأى من كثرة الأحاديث الضعيفة الواهية التي يوردونها للاحتجاج أمرًا هائلًا، وقد حكم أهل البصيرة من العلماء","vol":"2","page":303},{"text":"الأعلام بأن هؤلاء الذين يوردونها للاستشهاد بها لا يُعذرون، إلا من لم يُقصّر منهم في البحث والاجتهاد، فإنه إذا أخطأ بعد ذلك لم يكن ملومًا. انتهى المقصود من كلام الجزائريّ (١). وهو بحث نفيس جدّا. والله تعالى أعلم.\n(إِذْ) تعليليّة أيضًا: أي لأنه (لَا يُؤْمَنُ) بالبناء للمفعول، من الأمن: ضدّ الخوف (عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ) بكسر الميم، من باب فَهِم (تِلْكَ الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة (أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا) بالبناء للفاعل: أي يعمل بجميع ما دلت عليه. قال في \"القاموس\": واستَعْمَله: عَمِل به. انتهى. وقال في \"المصباح\": واستعملت الثوبَ ونحوَه: أي أعملته فيما يُعَدّ له. انتهى. (أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا) أي يعمل ببعض ما دلّت عليه (وَلَعَلَّهَا) أي لعلّ جميعها (أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ) -بفتح الهمزة-: جمع أُكذُوبة بضمها، وهو الخبر الكاذب (٢). وقوله: (لَا أَصْلَ لَهَا) مؤكّد لما قبله.\nقال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\": قوله: \"ولعلها أو أكثرها الخ\" هكذا هو في الأصول المحقّقة من رواية الفُرَاويّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ. وذكر القاضي عياض أنه هكذا في رواية الفارسيّ، عن الْجُلُوديّ، وأنها الصواب، وأنه وقع في روايات شيوخهم، عن الْعُذْريّ، عن الرازيّ، عن الْجُلُوديّ: \"وأقلّها، أو أكثرها\". قال القاضي: وهذا مُختَلّ، مُصَحَّفٌ (٣). قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي فيه نظر، ولا ينبغي أن يُحكَم بكونه تصحيفًا، فإن لهذه الرواية وجهًا في الجملة لمن تدبّرها. انتهى (٤).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما قاله القاضي، هو الصواب؛ إذ قوله: \"وأقلها، أو أكثرها أكاذيب\" غير مستقيم المعنى، وتأويله تكلّف بارد، فلا حاجة إليه مع وجود الرواية على المعنى الصحيح، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.\nثم إنه لا حاجة إلى الأخبار الواهية؛ لأن الله أغنانا عنها بما صحّ لدينا من الأخبار، فقد أكمل لنا الدين بما أنزله في كتابه الكريم، وبما صحّ عن الذي قال الله ﷿ في حقّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، قال الله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، وقال: \" ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فقد بين مجمل الكتاب بما صحّ من أحاديثه، فلا مجال لذكر ما لم يصحّ عنه، كما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى، بقوله:\n_________\n(١) نقله في \"فتح الملهم\" ١/ ١٤٤.\n(٢) راجع \"المعجم الوسيط\" ٢/ ٧٨١.\n(٣) راجع \"إكمال المعلم\" ١/ ١٦٢ - ١٦٣.\n(٤) راجع \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٤.","vol":"2","page":304},{"text":"(مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة: جمع خبر بمعنى الحديث (الصِّحَاحَ) بكسر الصاد المهملة: جمع صحيح، وهو: ما جمع الشروط التي اعتبرها العلماء في قبول خبر الآحاد، وقد بيّنها الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، كما تقدم بيان كلامه في أوائل بهذا الشرح.\n(مِنْ رِوَايَةِ الثّقَاتِ) جمع ثقة، كعِدَة وعِدات. قال الفيّوميّ: وَثِقتُ به أَثِقُ بكسرهما ثِقةً، ووُثُوقًا: ائتمنته، وهو، وهي، وهم، وهنّ ثِقَة، أي يطلق الثقة بلفظ واحد على المفرد، وضدّه، والمذكر، وضدّه؛ لأنه مصدرٌ، وقد يُجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات، كما قيل: عِدَات. انتهى (١).\n(وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ) -بفتح القاف، وتخفيف النون: أي أهل الرضى، يقال: قَنِعتُ به قَنَعًا، من باب تَعِب، وقَنَاعةً: رَضِيتُه. وهو مجرورٌ عطفًا على \"الثقات\". والمراد المرضيّون عند الجميع، كما قال الله ﷿: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. وهم العدول، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: \"وأهل القناعة\" هي: بفتح القاف: أي الذين يُقنع بحديثهم؛ لكمال حفظهم، وإتقانهم، وعدالتهم. انتهى (٢).\nوقوله: (أَكْثَرُ) بالرفع خبر \"أنّ\" (مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ) بالبناء للمفعول: أي يُلجأ، يقال: ضَرّه إلى كذا، واضطرّه بمعنى ألجأه إليه، وليس له منه بُدّ (٣) (إِلَى نَقْلِ) أي رواية (مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ) فإضافة \"نقل\" إلى \"من\" من إضافة المصدر إلى فاعله. والمعنى: إلى العمل بحديث من ليس ثقة (وَلَا مَقْنَعٍ) -بفتح الميم، والنون، بينهما قاف ساكنة-: موضِع القناعة، والرضى به. قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: هو شاهد مَقْنَعٌ، مثالُ جَعْفَر: أي يُقْنَعُ به، ويُستعمل بلفظ واحد مطلقًا. انتهى (٤).\nثم بيّن رحمه الله تعالى الباعث على رواية الأخبار الواهية، وهو حبّ المحمدة عند الناس، وهو مطلب ذميم، ومرتع وَخِيم، ومقصد خسيسٌ، ومطمح نجيس؛ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: ٦١]، فقال:\n(وَلَا أَحْسِبُ) -بفتح السين، على القياس، وكسرها على السماع، قال الفيّوميّ: حَسِبت زيدًا قائمًا أَحْسَبه، من باب تَعِب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس. انتهى. والمعنى: لا أظنّ (كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ) بتشديد الراء، من التعريج، وهو الوقوف عند الشيء. يقال: ما\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٤٧.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٤.\n(٣) \"المصباح\" ٢/ ٣٦٠.\n(٤) \"المصباح\" ٢/ ٥١٧.","vol":"2","page":305},{"text":"عرّجت على الشيء بالتثقيل: أي ما وقفت عنده، وعرّجت عنه: عدَلتُ عنه، وتركته. قاله في \"المصباح\". (مِنَ النَّاسِ) بيان لمن (عَلَى مَا وَصَفْنَا) متعلّق بيعرّج (مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ) \"من\" بيان لما. وعطف قوله: (وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ) على ما قبله؛ إيذانًا بأن ضعف أحدهما لا يستلزم ضعف الآخر، فقد يكون المتن صحيحًا، والسند ضعيفًا، وبالعكس. ويحتمل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ، بجعل الحديث شاملًا للسند والمتن.\nو\"الأسانيد\" بفتح الهمزة: جمع سند بفتحتين (١)، وهو طريق المتن. (وَيَعْتَدُّ) بفتح أوله، من الاعتداد، يقال: اعتددت بالشيء على افتعلت: أي أدخلته في العدّ والحساب، فهو مُعتدّ به: محسوب، غير ساقط. قاله في \"المصباح\" (بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ، وَالضَّعْفِ) -بضم الضاد، وفتحها، وعطفه على ما قبله عطف تفسير؛ لأن التوهّن هو الضعف، ولعلّ جعله من باب التفعّل للتكثير (إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ) بفتح أوله، وكسر الميم: أي يُغريه، ويبعثه، يقال: حمله على الأمر يحمله، من باب ضرب: أغراه به. قاله في \"القاموس\" (عَلَى رِوَايَتِهَا، وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ) أي كثرة الأحاديث (بِذَلِكَ) أي بما ذكر من الأحاديث الضعاف (عِنْدَ الْعَوَامِّ) تقدّم تفسيرهم قريبًا (وَلأَنْ) بكسر اللام، وهي جارّة، \"أن\" مصدريّة، والظاهر أن اللام زائدة، والمصدر المؤوّل معطوف على \"التكثّر\": أي وإلا إرادة القول الخ (يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ) \"ما\" الأولى تعجبية، مبتدأ، و\"أكثر\" فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر وجوبا عائد على \"ما\"، والجملة خبر المبتدإ، و\"ما\" الثانية موصولة مفعول \"أكثر\" (وَأَلَّفَ) من التأليف، وهو أخصّ من الجمع؛ لأنه يحتاج إلى النظر في تناسب الأشياء، بخلاف الجمع، فإنه أعم من ذلك. وقوله: (مِنَ الْعَدَدِ) بيان لما جمع، وهو بمعنى المعدود: أي المعدود من الأحاديث الكثير.\n(وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ) أي قصد هذا القصد، يقال: ذهب مذهب فلان: إذا قصد قصده وطريقته. قاله الفيّوميّ. وعلى هذا فعطف قوله: (وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ) من عطف التفسير على المفسّر (فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ) أي لا حظّ له في العلم. قال الفيّوميّ: النصيب: الْحِصّة، والجمع أَنْصِبةٌ، وأَنصباء، ونُصُبٌ بضمتين. انتهى.\nوالمعنى: أن من سلك هذا المسلك في جمعه للعلم لا يحصل له شيء مما أُعدّ لأهل العلم، من الفضل، والشرف في الدنيا والآخرة، قال الله ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ\n_________\n(١) انظر \"المعجم الوسيط\" ١/ ٤٥٤. ولعل هذا اصطلاح لأهل الحديث، وإلا فما أثبت أهل اللغة للسند جمعًا إلا الأسناد بفتح، فسكون، فليُحرّر. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":306},{"text":"آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١] الآية. وأخرج الشيخان عن معاوية -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين\". وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من نَفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطّأ به عمله لم يُسْرِع به نسبه\".\nوأخرج أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي الدرداء -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من سلك طريقا، يبتغي فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها، رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر\" (١).\nوعن صفوان بن عسّال المراديّ -﵁- قال: أتيت النبيّ -ﷺ-، وهو في المسجد متّكىء على بُرد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله -ﷺ- إني جئت أطلب العلم، فقال: \"مرحبًا بطالب العلم، إن طالب العلم تحُفّه الملائكة وتُظلّه بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضًا، حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبّتهم لما يطلُب\". أخرجه أحمد، والطبراني بسند جيّد، واللفظ له، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\nفهذا الفضل العظيم لا يحصل لمن سلك المسلك المذكور، بل خسر الدنيا والآخرة، فقد أخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان في \"صحيحه\"، والحاكم، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من تعلم علما مما يُبتَغَى به وجه الله ﷿، لا يتعلمه إلا ليُصِيب به عَرَضًا من الدنيا، لم يَجِد عَرْفَ الجنة يوم القيامة\" -يعني ريحها-.\nوأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺيقول: \"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به، فعَرّفه نعمه فعرفها، قال:\n_________\n(١) الحديث قال الترمذي: ليس عندي بمتصل، ولكن الألباني حسّنه لغيره، انظر \"صحيح الترغيب والترهيب\" ١/ ١٣٨ - ١٣٩.","vol":"2","page":307},{"text":"فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدتُّ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحب أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه ثم ألقي في النار\".\nاللهم بارك لنا فيما علّمتنا، وزدنا علمًا، ولا تجعل علمنا وبالًا علينا بمنك وكرمك، آمين آمين آمين.\n(وَكَانَ) ذلك الذاهب هذا المذهب (بِأَنْ يُسَمَّى) بالبناء للمفعول (جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَى عِلْمٍ) أي لأن علمه لم ينفعه، فهو والجاهل سواء في عدم الانتفاع بالعلم، بل أسوأ حالًا؛ لما أسلفناه من الوعيد الشديد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nمسائل تتعلّق بهذا الباب، \"باب الكشف عن معايب الرواة\":\nاعلم -رحمك الله تعالى- أن هذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي العناية بها؛ لأن فيه خطرًا عظيمًا، حيث يتضمّن هتك عرض المسلم، وهو من أخطر المسالك، وأدهى المهالك، وقد قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]. وقد خطب النبيّ -ﷺ- في حجة الوداع، فقال: \"فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام ... \" الحديث، متّفقٌ عليه. وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدّثون، والحكام\". وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فليُقدّر بقدرها انتهى.\nفإذا عرفت كون هذا الأمر من الخطورة بمكان، فينبغي أن نركّز فيه، ونوضّحه، حتى يتبيّن للناس ما فيه من العواقب الوخيمة، والنتائج الأليمة، فيكونوا على بصيرة من أمرهم، فنذكره في مسائل:","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>(المسألة الأولى): في حدّ الغيبة لغةً، وشرعًا:</span>\nقال في \"المصباح\": اغتابه اغتيابًا: إذا ذكره بما يَكرَه من العيوب، وهو حقّ، والاسم الغيبة، فإن كان باطلًا، فهو الغيبة في بُهْتٍ. انتهى (١). وقال في \"القاموس\": وغابه: عابه، وذكره بما فيه من السوء، كاغتابه، والغِيبة فِعْلة منه، تكون حسنةً، أو قبيحة. انتهى (٢). وقال في \"اللسان\": اغتاب الرجل صاحبه اغتيابًا: إذا وقع فيه، وهو أن يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يَغُمُّهُ لو سمعه، وإن كان فيه، فإن كان صدقًا، فهو غيبة، وإن كان كذبًا، فهو الْبَهْتُ، والْبُهتان، كذلك جاء عن النبيّ -ﷺ-، ولا يكون ذلك إلا من ورائه. انتهى (٣).\nوشرعًا: هو ما عرّفه به النبيّ -ﷺ- فيما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ-: \"أتدرون ما الغيبة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته\". فكلام أهل اللغة مأخوذ من هذا، كما أشار إليه صاحب \"اللسان\" آنفًا.\nوعرّفه النوويّ رحمه اللهُ تعالى في \"أذكاره\"، تعريفًا مفصّلًا، فقال: فأما الغيبة: فهي ذكرك الإنسان بما فيه، مما يَكرَه، سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجته، أو خادمه، أو مملوكه، أو عمامته، أو ثوبه، أو مِشْيته، وحركته، وبشاشته، وخلاعته، وعبوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلّق به، سواء ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك.\nأما البدن، فكقولك: أعمى، أعرج، أعمش، أقرع، قصير، طويل، أسود، أصفر. وأما الدين فكقولك: فاسق، سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارّا بوالديه، لا يضع الزكاة مواضعها، لا يجتنب الغيبة. وأما الدنيا، فكقولك: قليل الأدب، يتهاون بالناس، لا يرى لأحد عليه حقّا، كثير الكلام، كئير الأكل، أو النوم، ينام في غير وقته، يجلس في غير موضعه. وأما المتعلّق بوالده، فكقولك: أبوه فاسق، أو زنجيّ، أو حدّاد، أو حائك. وأما الخلق فكقولك: سيىء الخلق، متكبر، مراء، ونحوه. وأما الثوب، فكواسع الكم، طويل الذيل، وسخ\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٥٨.\n(٢) \"القاموس المحيط\" ص ١١٢.\n(٣) \"لسان العرب\" ١/ ٦٥٦.","vol":"2","page":309},{"text":"الثوب، ونحو ذلك، ويقاس الباقي بما ذُكر. وقد نقل الغزاليّ إجماع المسلمين على أن الغيبة ذكرك غيرك بما يكره، وقد تقدّم الحديث الصحيح المصرّح بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>(المسألة الثانية): في حكم الغيبة:</span>\nاعلم: أن الغيبة محرّمة بإجماع المسلمين، وقد تظافرت الدلائل الصريحة من الكتاب والسنة على ذلك، قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]. وقد تقدّم حديث أبي بكرة -﵁- في خطبة النبيّ -ﷺ- في حجة الوداع، وقد ذكر فيه الأعراض في جملة المحرمات. وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يَحقِره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يَحقِر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه\".\nوأخرج أبو داود، والترمذيّ، عن عائشة -﵂- قالت: قلت للنبي -ﷺ-: حسبك من صفية كذا وكذا -تعني قصيرة- فقال: \"لقد قلت كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته\"، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: \"ما أُحب أني حكيت إنسانا، وأن لي كذا وكذا\". قال الترمذيّ: حسنٌ صحيح.\nوأخرج أبو داود أيضًا عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لَمّا عُرِج بي مررت بقوم، لهم أظفار من نحاس، يَخْمُشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هولاء يا جبريل؟ قال: هولاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم\". حديث صحيح.\nوأخرج أبو داود أيضًا عن سعيد بن زيد -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن من أربى الربا الاستطالةَ في عرض المسلم بغير حق\". حديث صحيح.\nوأخرج أبو داود أيضًا عن أبي برزة الأسلمي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته\". حديث صحيح.\nوأخرج أيضًا عن المستورد -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: \"من أُكل برجل مسلم أكلة،","vol":"2","page":310},{"text":"فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن كُسي ثوبا برجل مسلم، فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة\". حديث صحيح.\nفهذه النصوص صريحة في تحريم الغيبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثالثة): أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة، كذلك يحرم على السامع استماعها، وإقرارها، بل يجب عليه النهي عنها، إن لم يَخَف ضررًا ظاهرًا، وإلا وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس، إن أمكن، وإلا أنكر بقلبه، ويحرم عليه الاستماع، بل يشتغل بنحو ذكر الله تعالى، ولا يضرّه بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء. قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. أفاده النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>(المسألة الرابعة): قد وردت أحاديث في فضل من ردّ عن عرض أخيه:</span>\nفقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ عن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من رَدّ عن عِرْض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة\". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن.\nوأخرج أبو داود أيضًا عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيّ، عن أبيه -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"من حَمَى مؤمنا من منافق\"، أُراه قال: \"بعث الله ملكا يَحمِي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رَمَى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم، حتى يخرج مما قال\". حديث حسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>(المسألة الخامسة): في المواضع التي تباح فيها الغيبة:</span>\n(اعلم): أن الغيبة، وإن كانت محرّمة، إلا أنها تباح للمصلحة في أحوال، وذلك إذا حدث غرض صحيح شرعيّ لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب:\n(الأول): التظلّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان، والقاضي، وغيرهما ممن له ولاية، أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكر أن فلانًا ظلمني، وفعل بي كذا وكذا، وأخذ لي كذا وكذا، ونحو ذلك.\n_________\n(١) \"الأذكار\" ص ٢٩٨ - ٣٠٢.","vol":"2","page":311},{"text":"(الثاني): الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يفعل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوسّل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا.\n(الثالث): الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك، أو لا؟، وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم عني؟، ونحو ذلك. وكذلك قوله: زوجتي تفعل معي كذا، أو زوجي يفعل كذا، ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج، أو زوجة تفعل كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز؛ لحديث هند زوج أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قالت: يا رسول الله -ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح ... \" ولم ينهها النبيّ -ﷺ- عن ذلك.\n(الرابع): تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم، وذلك من وجوه:\nمنها: جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.\nومنها: إذا استشارك إنسان في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعه، أو الإيداع عنده، أو معاملته بغير ذلك وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرّد قولك: لا تصلح لك معاملته، أو مصاهرته، أو لا تفعل هذا، أو نحو ذلك لم تجز الزيادة بذكر المساوي، وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعيبه، فاذكره بصريحه.\nومنها: إذا رأيت من يشتري عبدًا معروفًا بالسرقة، أو الزنا، أو الشرب، أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالمًا به، ولا يختصّ بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيبًا وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه.\nومنها: إذا رأيت متفقّهًا يتردّد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخفت أن يتضرّر المتفقّه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويشترك أن يقصد النصيحة، وهذا مما يَغْلَط فيه كثير من الناس، فقد يحمل المتكلّم بذلك الحسد، أو يُلبّس الشيطان عليه ذلك، ويُخيّل إليه أنه نصيحة وشفقة، فليُتفطّن لذلك.\nومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مُغَفّلا، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية","vol":"2","page":312},{"text":"عامّة؛ ليُزيله، ويولّي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغترّ به، وأن يسعى في أن يحثّه على الاستقامة، أو يستبدل به.\n(الخامس): أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يُجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.\n(السادس): التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصمّ، والأعمى، والأحول، والأفطس، ونحو ذلك، جاز تعريفه بذلك بنية التعريف، ويحرم إطلاقه على جهة النقص، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.\nفهذه ستة أسباب ذكرها العلماء مما تباح بها الغيبة على ما ذكرناه، وأكثر هذه\nالأسباب مُجمَع على جواز الغيبة بها. وقد نظمت هذه الستة بقولي:\nيَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ ... اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ\nأَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْ لَا ... مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصٍّ يُتْلَى\nلَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ ... أُبِيحَ عَدَّهَا ذَوُو التَّرْجِيحِ\nفَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظلَّمِ ... وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدِّ مُجْرِمِ\nوَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ ... بِمَا بِهِ جَاهَرَ لا بِمَا امْتَنَعْ\nوَعَرِّفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرِفَا ... بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا (١)\nوَحَذِّرَنْ مَنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا ... تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى\nوَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ ... تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيلِ الأَرَبِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة السادسة): في بيان أدلّة جواز الغيبة في المواضع الستة المذكورة:\n(اعلم): أنه قد وردت نصوص كثيرة تدلّ على جواز الغيبة في هذه الأمور:\n(فمنها): ما أخرجه الشيخان عن عائشة -﵂-: أن رجلا استأذن على النبيّ - ﷺ-، فلما رآه قال: \"بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة\"، فلما جلس تَطَلّق النبي -ﷺ- في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل: قالت له عائشة: يا رسول الله -ﷺ- حين رأيت\n_________\n(١) الأحنف من الحنف بفتحتين، وهو الاعوجاج في الرجل إلى داخل، وهو أيضًا الذي يمشي على ظهور قدميه. أفاده في \"المصباح\" ١/ ١٥٤.","vol":"2","page":313},{"text":"الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه، فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا عائشة متى عَهِدتني فحاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، من تركه الناس اتقاء شره\".\nوقد استدلّ به البخاريّ رحمه الله تعالى على جواز غيبة أهل الفساد والرِّيَب، فقال في \"صحيحه\": \"باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب\"، ثم أورد الحديث المذكور.\n(ومنها): ما أخرجاه أيضًا عن ابن مسعود -﵁- قال: قسم رسول الله -ﷺ- قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله -ﷺ- فأخبرته فتمعر وجهه، وقال: \"رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\". وفي بعض الروايات: قال ابن مسعود -﵁-: فقلت: لا أرفع إليه بعد هذا حديثًا. وقد احتجّ البخاريّ رحمه اللهُ تعالى بهذا في إخبار الرجل أخاه بما يقال فيه.\n(ومنها): ما أخرجه البخاريّ عن عائشة -﵂-، قالت: قال النبي -ﷺ-: \"ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا\". قال الليث: كانا رجلين من المنافقين.\n(ومنها): ما أخرجه الشيخان عن زيد بن أرقم -﵁- قال: كنت في غَزَاة، فسمعت عبد الله بن أُبَيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله -ﷺ- حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليُخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي -ﷺ-، فدعاني، فحدثته، فأرسل رسول الله -ﷺ- إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله -ﷺ-، وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله -ﷺ-، ومقتك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [المنافقون: ١]، فبعث إلي النبي -ﷺ-، فقرأ، فقال: \"إن الله قد صدقك يا زيد\".\n(ومنها): ما أخرجه مسلم عن فاطمة بنت قيس في قصّة طلاقها، وفيه: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله -ﷺ- \"أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له ... \" الحديث.\nوقد سبق حديث قصّة هند مع زوجها أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما.\nفهذه النصوص ونحوها تدلّ على جواز الغيبة لغرض شرعيّ، كما تبيّن إيضاحه في المسائل الست. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"2","page":314},{"text":"(المسألة السابعة): في إجماع أهل العلم على جواز جرح الرواة:\nقال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في \"العلل الصغير\": ما نصّه: وقد عاب بعض من لا يَفهَم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين، قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري، وطاووس، تكلما في معبد الجهني، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب، وتكلم إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي في الحارث الأعور، وهكذا رُوي عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم، أنهم تكلموا في الرجال، وضعفوا، وإنما حملهم على ذلك عندنا -والله أعلم- النصيحة للمسلمين، لا نظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس، أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء؛ لكي يُعرفوا؛ لأن بعضهم من الذين ضُعِّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة، وكثرة خطإ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم، شفقة على الدين، وتثبّتًا؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يُتَثَبَّت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال. انتهى. كلام الترمذيّ رحمه الله تعالى (١).\nوقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في \"شرحه\": مقصود الترمذيّ رحمه الله تعالى أن يبيّن أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها؛ لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله. وقد ظنّ بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإن ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت خاصّة، كالقدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامّة للمسلمين أولى. وذكر ابن أبي حاتم بسنده عن بهز بن أسد قال: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحدها، لم يستطع أخذها إلا بشاهدين عدلين، فَدِينُ الله أحقّ أن يؤخذ فيه بالعدول. انتهى (٢).\nوقد ذكر الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس \"الكفاية في علم الرواية\" بابًا نفيسًا أحببت إيراد ملخّصه؛ لنفاسته، قال رحمه الله تعالى:\n\"باب وجوب تعريف المزكي ما عنده من حال المسؤول عنه\"\n_________\n(١) علل الترمذي ج: ١ ص: ٧٣٨.\n(٢) \"شرح علل الترمذيّ لابن رجب ص ٥٩.","vol":"2","page":315},{"text":"ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار\" (١).\nقال: وقد أنكر قوم، لم يتبحروا في العلم، قولَ الحفاظ من أئمتنا، وأُولي المعرفة من أسلافنا أن فلانا الراوي ضعيف، وفلانًا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام، ورأوا ذلك غيبة لمن قيل فيه، إن كان الأمر على ما ذكره القائل، وإن كان الأمر على خلافه فهو بهتان، واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ ... \" الحديث. وقد تقدّم ذكره. قال: وقال قائلهم في ذلك شعرًا، أنشده بكر بن حماد الشاعر المغربي لنفسه [من الطويل] (٢):\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم.\n(٢) وقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى أبيات بكر بن حماد هذه مع ردودها، فأفاد وأجاد، حيث قال في \"جامع بيان العلم\" ٢/ ١٠١٦ - ١٠١٩ بعد أن ذكر قصّة عن سفيان بن عيينة أن أصحاب الحديث ألجؤوه إلى الميل الأخضر، فالتفت إليهم، فقال: ما أرى الذي تطلبونه من الخير، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير، قال أبو عمر: هذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأولي العلم نظر، وقد أخذه بكر بن حماد، فقال:\nلَقَدْ جَفَّتِ الأَقْلَامُ بالْخَلْقِ كُلِّهِمْ ... فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ خَائِبٌ وَسَعِيدُ\nتَمُرُّ اللَّيَالِي بالنُّفُوسِ سَرِيِعَةً ... وَيُبْدِىْ رَبِّي خَلْقَهُ وَيُعِيدُ\nأَرَى الْخَيْرَ فِي الَدُّنْيَا يَقِلُّ كَثِيرُهُ ... وَيَنْقُصُ نَقْصًا وَالْحَدِيثُ يَزِيدُ\nفَلَوْ كَانَ خَيْرًا قَلَّ كَالْخَيْرِ كُلِّهِ ... وَأَحْسِبُ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْهُ بَعِيدُ\nوَلابْنِ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ مَقَالَةٌ ... سَيُسْأَلُ عَنْهَا وَالْمَلِيكُ شَهِيدُ\nفَإِنْ تَكُ حَقَّا فَهْيَ فِي الْحُكْمِ غِيبَةٌ ... وَإِنْ تَكُ زُورًا فَالْقِصَاصُ شَدِيدُ\nوَكُلُّ شَيَاطِينِ الْعِبَادِ ضَعِيفَةٌ ... وَشَيْطَانُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَرِيدُ\nقال أبو عمر بن عبد البرّ: وقد ردّ جماعة هذا القول على بكر بن حمادَ نظمًا، فمن ذلك ما أخبرني غير واحد عن مسلمة بن القاسم، قال: ذاكرت أبا الأصبغ عبد السلام بن يزيد بن غياث الإشبيليّ رفيقي أبيات بكر بن حماد هذه، ونحن في المسجد الحرام، وسألته الردّ عليه، فعارضه بشعر أوله:\nتَبَارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَمَنْ بَطْشُهُ بِالْمُعْتَدِينَ شَدِيدُ\nوفيه:\nتَعَرَّضْتَ يَا بَكْرَ بْنَ حَمَّادَ خُطَّةً ... بِأَمْثَالِهَا فِي النَّاسِ شَابَ الْوَلِيدُ\nتَقُولُ بِأَنَّ الْخَيْرَ قَلَّ كَثِيرُهُ ... وَأَخْبَرْتَنَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَزِيدُ\nوَصَيَّرْتَهُ إِذْ زَادَ شَرًّا وَقَامَ فِي ... ضَمِيرِكَ أَنَّ الْخَيْرَ مِنْهُ بَعِيدُ\nفَلَمْ تَأْتِ فِيهَ الْحَقَّ إِذْ قُلْتَ فِيهَ مَا ... بِهِ عَنْ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ تَحِيدُ\nوَمَا زَالَ ذَا قِسْمَيْنِ حَقًّا وَبَاطِلَا ... فَهَذَا خَلَاخِلٌ وَذَاكَ قُيُودُ\nوَذَا ذَهَبٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ آنُكٌ ... وَذَا وَرِقٌ صَافٍ وَذَاكَ حَدِيدُ\nوَهَذَا أَثِيرٌ فِي الأَنَامِ مُعَظَّمٌ ... وَذَاكَ طَرِيدٌ فِي الْبِلادِ شَرِيدُ\nفَذَمُّكَ هَذَا فِي الْمَقَالِ مُذَمَّمٌ ... وَذَمُّكَ هَذَا فِي الْفِعَالِ حَمِيدُ =","vol":"2","page":316},{"text":"أَرَى الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا يَقِلُّ كَثِيرُهُ ... وَيَنْقُصُ نَقْصًا وَالْحَدِيثُ يَزِيدُ\nفَلَوْ كَانَ خَيْرًا كَانَ كَالْخَيْرِ كُلِّهِ ... وَلَكِنَّ شَيْطَانَ الْحَدِيثِ مَرِيدُ\n_________\n= وَأَلْزَمْتَ هَذَا ذَنْبَ ذَا كَمُعَاقِبِ ... ظِبَاءٍ بِذَنْبٍ قَارَفَتْهُ أُسُودُ\nوَهَلْ ضَرَّ أَحْرَارًا كِرَامًا أَعِزَّةً ... إِذَا جَاوَرَتْهُمْ فِي النَّدِيِّ عَبِيدُ\nوَلَوْلَا الْحَدِيثُ الْمُحْتَوِي سُنَنَ الْهُدَى ... لَقَامَتْ عَلَى رَأْسِ الضَّلَالِ بُنُودُ\nوَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ يُعْرَفُ حَدُّهُ ... فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الرُّوَاةِ مَزِيدُ\nوَمَا كَانَ مِن إِفْكٍ وَزُورٍ فَإِنَّهُ ... كَعُدَّةِ رَمْلٍ تَحْتَوِيهِ زُرُودُ\nوَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ ... يَزيدُ جَدِيدًا يَقْتَضِيهِ جَدِيدُ\nوَلابْنِ مَعِينٍ فِي الَّذِي قَالَ أُسْوَةٌ ... وَرَأَيٌ مُصِيبٌ للصَّوَابِ سَدِيدُ\nوَأَحرٍ بِهِ يُعْلِي الإِلَهُ مَحَلَّهُ ... وَيُنْزِلُهُ فِي الْخُلْدِ حَيْثُ يُرِيدُ\nيُنَاضِلُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَيَطْرُدُ الْـ ... ـأَبَاطِيلَ عَنْ أَحْوَاضِهِ وَيَذُودُ\nوَجِلَّةُ أَهْلِ الْعِلْم قَالُوا بِقَوْلِهِ ... وَمَا هُوَ فِي شَيْءٍ أَتَاهُ فَرِيدُ\nوَقَلْتَ وَلَيْسَ الصِّدْقُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... وَشَيْطَانُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَرِيدُ\nوَمَا النَّاسُ إِلَّا اثْنَانِ بَرٌّ وَفَاجِرٌ ... فَقَوْلُكَ عَنْ سُبْلَ الصَّوَابِ حَيُودُ\nوَكُلُّ حَدِيثِيٍّ تَأَزَّرَ بِالتُّقَى ... فَذَاكَ امْرُؤٌ عِنْدَ الإِلَهِ سَعِيدُ\nوَلَوْ لَمْ يَقُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِدِينِنَا ... فَمَنْ كَانَ يَرْوِي عِلْمَهُ وَيُفِيدُ\nهُمُ وَرِثُوا عِلْمَ النُّبُوَّةِ وَاحْتَوَوْا ... مِنَ الفَضْلِ مَا عَنْهُ الأَنَامُ رُقُودُ\nوَهُمْ كَمَصَابِيحِ الدُّجَى يُهْتَدَى بِهِمْ ... ومَا لَهُمُ بَعْدَ الْمَمَاتِ خُمُودُ\nعَلَيْكَ ابْنَ غِيَاثٍ لُزُومُ سَبِيلِهِمْ ... فَحَالُهُمُ عنْدَ الإِلَهِ حَمِيدُ\nوقال أبو عليّ بن ملولة القيروانيّ يُعارض بكر بن حماد:\nوَلاِبْنِ مَعِينٍ فِي الرِّجَالِ مَقَالَةٌ ... تَقَدَّمَهُ فِيهَا شَرِيكٌ وَمَالِكُ\nفَإِنْ يَكُ مَا قَالَاهُ سَهْلًا وَوَاسِعًا ... فَقَدْ سَهُلَتْ لابْنِ الْمَعِينِ الْمَسَالِكُ\nوَإِنْ يَكُ زُورًا مِنْهُمُ أَوْ نَمِيمَةٌ ... فَمَا مِنْهُمُ فِي الْقَوْلِ إِلَّا مُشَارِكُ\nوأنشدني أحمد بن عمر بن عصفور لنفسه يُعارض بكر بن حماد:\nأَجَلْ إِنَّ حُكْمَ اللهِ فِي الْخَلْقِ سَابِقٌ ... وَمَا لامْرِىءٍ عَمَّا يحم (١) مَحِيدُ\nهُوَ الرَّبُّ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَفِيَّةٌ ... عَلِيمٌ بِمَا تُخْفِي الصُّدُورُ شَهِيدُ\nجَرَتْ بِقَضَايَاهُ الْمَقَادِيرُ فِي الْوَرَى ... فَمُقَرَّبٌ مِنْ خَيْرِهَا وَبَعِيدُ\nأَيَا قَادِحًا فِي الْعِلْمِ زِيدَ عَمَاؤُهُ ... رُوَيْدًا بِمَا تُبْدِي بِهِ وَتُعِيدُ\nجَعَلْتَ شَيَاطِينَ الْحَدِيثِ مَرِيدَةً ... أَلَا إِنَّ شَيْطَانَ الضَّلَالِ مَرِيدُ\nوَجَرَّحْتَ بِالتَّكْذِيبِ مَنْ كَانَ صَادِقًا ... فَقَوْلُكَ مَرْدُودٌ وَأَنْتَ عَنِيدُ\nذَوُو الْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا نُجُومُ هِدَايَةٍ ... إِذَا غَابَ نَجْمٌ لاحَ بَعْدُ جَدِيدُ\nبِهِمْ عَزَّ دِينُ اللهِ طُرًّا وَهُمْ لَهُ ... مَعَاقِلُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَجُنُودُ\n_________\n(١) هكذا النسخة ولعل الصواب: \"يُرِيدُ\" والله أعلم.","vol":"2","page":317},{"text":"وَلابْنِ مَعِينٍ فِي الرّجَالِ مَقَالَةٌ ... سَيُسْأَلُ عَنْهَا وَالْمَلِيكُ شَهِيدُ\nفَإِنْ تَكُ حَقَّا فَهْيَ فِي الْحُكْمِ غِيبَةٌ ... وَإِنْ تَكُ زُورًا فَالْقِصَاصُ شَدِيدُ\nثم أخرج بسنده عن محمد بن الفضل العباسي، قال: كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ علينا \"كتاب الجرح والتعديل\"، فدخل عليه يوسف بن الحسين الرازي، فقال له: يا أبا محمد، ما هذا الذي تقرؤه على الناس؟ قال: كتاب صنفته في الجرح والتعديل، قال: وما الجرح والتعديل؟ قال: أُظهر أحوال أهل العلم، من كان منهم ثقة، أو غير ثقة، فقال له يوسف بن الحسين: استحييت لك يا أبا محمد، كم من هؤلاء القوم حَطّوا رواحلهم في الجنة، منذ مائة سنة، ومائتي سنة، وأنت تذكرهم، وتغتابهم على أديم الأرض، فبكى عبد الرحمن، وقال: يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفى هذا الكتاب، لما صنفته (١).\nقال الخطيب رحمه الله تعالى: وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لأن أهل العلم أجمعوا على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وفي ذلك دليل على جواز الجرح لمن لم يكن صدوقا في روايته، مع أن سنة رسول الله -ﷺ- قد وردت مصرحة بتصديق ما ذكرنا، وبضد قول من خالفنا، ثم أخرج بسنده عن عائشة -﵂-: أن رجلا استأذن على النبي -ﷺ-، فقال: \"ائذنوا له فبئس رجل العشيرة ... \" الحديث، وقد تقدّم.\nففي قول النبي -ﷺ- للرجل: \"بئس رجل العشيرة\" دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لَمَا أطلقه النبي -ﷺ-، وإنما أراد ﵇ بما ذَكر فيه -والله أعلم- أن يُبَيِّنَ للناس الحالة المذمومة منه، وهي الفحش، فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه، والثَّلْب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل؛ لئلا يَتَغطّى أمره على من لا يَخبُره، فيظنه من أهل العدالة، فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة. ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس، ثم أخرجه، وقد تقدّم ذكره.\nثم قال: في هذا الخبر: دلالة على إجازة الجرح للضعفاء، من جهة النصيحة؛ لتُجتَنَب الرواية عنهم، وليُعدَل عن الاحتجاج بأخبارهم؛ لأن رسول الله -ﷺ- لَمّا ذكر في أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر عن معاوية أنه صعلوك، لا مال له عند\n_________\n(١) قلت: في هذه الحكاية نظر لا يخفى؛ لأن ابن أبي حاتم لو ندم على تصنيفه، لما قرأه بعد ذلك، بل أمر بإحراقه، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بصحتها.","vol":"2","page":318},{"text":"مشورة، استُشير فيها، لا تتعدى المستشير، كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نَقَلَة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم، وكشفها عليهم، إلى تحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإلى الفساد في شريعة الإسلام، أولى بالجواز، وأحق بالإظهار.\nوأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله ﷿: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]، وزجر رسول الله -ﷺ- عنها بقوله: \"يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم ... \" الحديث (١). فهي ذكر الرجل عيوب أخيه، يقصد بها الوضع منه، والتنقيص له، والإزراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة، وإيجاب الديانة، من التحذير عن ائتمان الخائن، وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب، وقد تكون الكلمة الواحدة لها معنيان مختلفان، على حسب اختلاف حال قائلها، في بعض الأحوال يأثم قائلها، وفي حالة أخرى لا يأثم.\nثم أخرج حديث عائشة -﵂- في الإفك، ثم قال: وفي استشارة النبي -ﷺ- عليا وأسامة، وسؤاله بريرة عما عندهم من العلم بأهله بيان واضح أنه لم يكن ليسألهم إلا وواجب عليهم إخباره بما يعلمون من ذلك، فكذلك يجب على جميع من عنده علم من ناقل خبر، أو حامل أثر، ممن لا يبلغ محله في الدين محل عائشة أم المؤمنين، ولا منزلته من رسول الله -ﷺ- منزلتها منه بخصلة تكون منه يضعف خبره عند إظهارها عليه، وبجرحة تثبت فيه، يسقط حديثه عند ذكرها عنه أن يبديها لمن لا علم له به؛ ليكون بتحذير الناس إياه من الناصرين لدين الله، الذابين الكذب عن رسول الله -ﷺ-، فيا لها منزلةً ما أعظمها، أو مرتبة ما أشرفها، وإن جهلها جاهل، وأنكرها منكر.\nثم أخرج عن الصَّلْت بن طَريف قال: قلت للحسن: الرجل الفاجر المعلن بفجوره، ذكري له بما فيه غيبة له؟ قال: لا ولا كرامة. وعن الحسن أيضًا كان يقول: ليس لأهل البدعة غيبة. وعن يحيى بن سعيد قال: سألت شعبة، وسفيان، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الرجل يُتَّهَم في الحديث، أو لا يحفظه؟ قالوا: بَيّن أمره للناس. وروى محمد بن أبي خلف قال: كنا عند ابن عُلَيّة، فجاءه رجل، فسأله عن حديث الليث بن أبي سليم، فقال بعض من حضره: وما تصنع بليث بن أبي سليم، وهو ضعيف الحديث؟ لم لا تسأله عن حديث لأيوب؟ قال: فقال سبحان الله، أتغتاب رجلا من العلماء؟ قال: فقال ابن علية يا جاهل نصحك، إن هذا أمانة، ليس بغيبة. وعن عبد الرحمن بن مهديّ قال: مررت مع شعبة برجل -يعني يحدث- فقال: كذب، والله لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت، أو\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقد تقدّم أنه صحيح.","vol":"2","page":319},{"text":"كلمة نحوها. وعن عليّ بن المديني قال: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ يقول: ثنا حماد بن زيد، قال: كلمنا شعبة بن الحجاج أنا وعباد بن عباد، وجرير بن حازم في رجل (١)، قلنا: لو كففت عن ذكره، فكأنه لان وأجابنا، ثم مضيت يوما أريد الجمعة، فإذا شعبة ينادي من خلفي، فقال: ذاك الذي قلت لكم فيه، لا أراه يسعني. وأخرج عن عثمان بن حميد الدبوسيّ قال: قيل لشعبة بن الحجاج: يا أبا بسطام كيف تركت علم رجال، وفضحتهم، فلو كففت؟ فقال: أجلوني حتى أنظر الليلة فيما بيني وبين خالقي، هل يسعني ذلك؟ قال: فلما كان من الغد خرج علينا، على حمير له، فقال: قد نظرت فيما بيني وبين خالقي، فلا يسعني دون أن أُبَيّن أمورهم للناس، والسلام. وعن أبي بكر بن خلاد قال: قلت ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ قال: قال لأن يكون هؤلاء خصمائي، أحب إليّ من أن يكون خصمي رسول الله -ﷺ- يقول: \"لِمَ حدثت عني حديثا ترى أنه كذب\". وعن عاصم الأحول قال: كان قتادة يقصر بعمرو بن عبيد، فجثوت على ركبتي، فقلت: يا أبا الخطاب، هذه الفقهاء ينال بعضها من بعض؟ فقال: يا أحول رجل ابتدع بدعة، فيذكر خير من أن يُكَفّ عنه. وعن أحمد بن محمد المكيّ قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كان شعبة يقول: تعالَوا حتى نغتاب في الله ﷿. وعن أبي زيد الأنصاري النحوي قال: أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم حديث، اليومُ يومُ غيبة، تعالوا حتى نغتاب الكذابين. وعن مكي بن إبراهيم قال: كان شعبة يأتي عمران بن حُدَير يقول: يا عمران تعال حتى نغتاب ساعة في الله ﷿، يذكرون مساوي أصحاب الحديث. وعن الحسن بن الربيع قال: قال ابن المبارك: الْمُعَلّى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، قال: فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ فقال: اسكت إذا لم نُبَيّن كيف يُعرَف الحق من الباطل، أو نحو هذا من الكلام. وعن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو قال: سمعت أبا مسهر يُسأل عن الرجل يَغلَط، ويَهِم، ويُصَحِّف، فقال: بَيّن أمره، فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: لا. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النَّخْشَبيّ إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ لا تَغتَب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك هذا نصيحة، ليس هذا غيبة. وعن محمد بن بندار السبّاك الجرجاني قال: قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد عليّ أن\n_________\n(١) الرجل هو أبان بن أبي عياش، كما سبق.","vol":"2","page":320},{"text":"أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكتَّ أنت، وسكتُّ أنا، فمتى يَعرِف الجاهل الصحيح من السقيم؟ . وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث، يأتون الشيخ، لعله أن يكون مرجئا، أو شيعيا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أيسعني أن أسكت عنه، أم أحذر عنه؟ فقال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة، وهو إمام فيها، ويدعو إليها، قال: نعم تُحَذِّر عنه. انتهى كلام الحافظ أبي بكر الخطيب رحمه الله تعالى، ملخصًا (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق مما أورد الأئمة: مسلم، والترمذيّ، والخطيب، وغيرهم رحمهم الله تعالى أنه يجوز جرح الرواة، بل يجب إذا تعيّن على الشخص بأن لا يعرفه غيره، وليس ذلك من الغيبة المحرّمة؛ للأدلة التي ساقوها، من الكتاب والسنة، كقول -﷿-: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]. وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وعدالة الشخص، وكونه مرضيّا لا يحصلان إلا بذكر ما فيه من المناقب، والمثالب، فدلت الآيات على ما قلنا، وقد تقدّمت أحاديث كثيرة دالّة على ذلك.\nوقد أشرت إلى ما تقدم في \"شافية الْغُلَل\"، حيث قلت:\nأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالتَفْصِيلِ ... عَلَى جَوَازِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ\nإِذْ فِيهِ تَمْيِيزٌ لِمَا قَدْ يُقْبَلُ ... مِنْ ضِدِّهِ مِنَ الْحَدِيثِ فَاقْبَلُوا\nوَعَابَهُمْ بَعْضٌ مِنَ الْجَهَلَةِ ... وَقَالَ إِنَّ ذَا صَرِيحُ الْغِيبَةِ\nوَذَا لِجَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنْهُ ذَا ... فَشَاهِدُ الزُّورِ بِجَرْحٍ نُبِذَا\nبِلَا خِلَافٍ وَهْوَ قَدْ يَخْتَصُّ ... فَكَيْفَ مَا يَعُمُّ يَا مُخْتَصُّ\nإِذِ الْحَدِيثُ يَأْتِي لِلتَّحْلِيلِ ... وَنَحْوِهِ مِنْ شَرْعِنَا الْجَمِيلِ\nوَذَلِكَ الشَّرْعُ يَكُونُ دَائِمَا ... عَلَى الْمُكَلَّفِينَ حُكْمًا لَازِمَا\nلِذَا يَكُونُ الاحْتِيَاطُ أَوْجَبَا ... مِنْ غَيْرِهِ فَاسْلُكْ طَرِيقَ النُّجَبَا\nفَأَنْتَ لَوْ أَقْرَضتَ شَخْصًا عَشَرَهْ ... وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مَضَتْ قَدْ أَنْكَرَهْ\nلاحْتَجْتَ لِلْعُدُولِ فِي اسْتِحْقَاقِ ... فَكَيْفَ بِالدِّينِ الْحَنِيفِ الْبَاقِي\nوَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿تَبَيَّنُوا﴾ ... فِي نَبَإِ الْفَاسِقِ أَمْرٌ بَيِّنُ\nقَالَ النَّبِيُّ قَادِحًا لِذِي أَذَى ... \"بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرِ\" صَاحِبُ الْبَذَا\nو\"نِعْمَ عَبْدُ اللهِ\" قَالَ مَادِحَا ... كَذَا لِفَاطِمَةَ قَالَ نَاصِحَا\n_________\n(١) \"راجع \"الكفاية في علم الرواية\" ص ٨١ - ٩٢.","vol":"2","page":321},{"text":"\"أَمَّا مُعَاوِيَةُ لا مَالَ لَهُ\" ... \"لا يَضَعُ الْعَصَا\" لِثَانٍ قَالَهُ\nكَذَا اسْتَشَارَ حِبَّهُ أُسَامَهْ ... مَعَ أَبِي الْحَسَنِ ذِي الْكَرَامَهْ\nلَمَّا ذَوُو الإِفْكِ أَثَارُوا الْفِتَنَا ... يُفَارِقُ الأَهْلَ فَجَاءَهُ الْهَنَا\nأَمَّا كَلَامُ السَّلَفِ الأَئِمَّةِ ... حَدِّثْ عَنِ الْبَحْرِ بِلَا مَشَقّةِ\nطَاوُسُهُمْ وَحَسَنٌ تَكَلَّمَا ... فِي الْجُهَنِيِّ مَعْبَدٍ إِذْ أَجْرَمَا\nوَابْنُ جُبَيْرٍ قَالَ فِي طَلْقٍ كَذَا ... فِي الْحَارِثِ الأَعْوَرِ بِئْسَمَا ابْتَذَى\nتَكَلَّمَ الشَّعْبِيُّ ثُمَّ النَّخَعِي ... كَذَاكَ مَنْ بَعْدَهُمُ فَاسْتَمِعِ\nأَيُّوبُ وَالتَّيْمِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ... وَمَالِكُ كَذَاكَ الأوْزَاعِيُّ\nوَابْنُ الْمُبَارَكِ وَنَجْلُ عَوْنِ ... وَابْنُ عُيَيْنَةَ حَلِيفُو الزَّيْنِ\nوَنَجْلُ مَهْدِيٍّ كَذَا وَكِيعُ ... وَكُلُّ مَنْ مَقَامُهُ رَفِيعُ\nأَمَّا إِمَامُ الْقَوْمِ شُعْبَةُ فَقَدْ ... أَتَى لِذَبِّهِ بِقَوْلٍ يُعْتَمَدْ\nفَقَالَ لِلْقَوْمِ تَعَالَوْا حَتَّى ... نَغْتَابَ فِي اللهِ دِفَاعًا بَحْتَا\nلَقَدْ أَجَادَ قَوْلَهُ الْقَطَّانُ أَنْ ... خُوِّفَ بِالْخَصْمِ غَدًا وَقْتَ الْمِحَنْ\nلأَنْ يَكُونُوا خُصَمَائِيَ غَدَا ... أَحَبُّ مِنْ خَصْمِ النَّبِيِّ الْمُقْتَدَى\nإِذْ لَمْ أَذُبَّ عَنْ حَدِيثِهِ الْكَذِبْ ... فَاسْلُكْ سَبِيلَهُ لَدَى الذَّبِّ تُصِبْ\nوَكُلُّهُمْ قَدْ قَصَدُوا النَّصِيحَهْ ... لا حُبَّ غِيبَةٍ وَلَا الْفَضِيحَهْ\nوَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنْ يُعْرَفَا ... مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ حَدِيثِ الْمُصْطَفَى\nفَإِنَّ مَنْ جُرِحَ بَعْضُهُمْ غَدَا ... مُبْتَدِعًا يَدْعُو فَبِئْسَمَا اعْتَدَى\nوَبَعْضُهُمْ مُتَّهَمٌ فِي الْخَبَرِ ... وَبَعْضُهُمْ صَاحِبَ غَفْلَةٍ دُرِي\nأَوْ كَثْرَةِ الْخَطَإِ فِي الرِّوَايَةِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْغَوَايَةِ\nلِذَا رَأَوْا أَنْ يَكْشِفُوا أَحْوَالَهُمْ ... شَفَقَةً لِلدِّينِ فَاعْرِفْ فَضْلَهُمْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثامنة): في شروط من يتصدّى للجرح والتعديل:\n(اعلم): أن أهل العلم قد ذكروا شروطًا لمن يتصدّى لجرح الرواة وتعديلهم:\nفمنها: العلم، والتقوى، والورع، والصدق، والأمانة، والابتعاد عن التعصّب، ومعرفة أسباب الجرح والتعديل، وأن يكون مستيقظًا، مستحضرًا، متحريا لأقوال العلماء، ضابطا لما يصدر منه؛ لئلا يقع في التناقض، عالما بتصاريف الكلام؛ لئلا يُغيّر كلام الناس إلى عكس ما يريدونه، وأن لا تحمله العداوة الشخصية في الجرح، وأن يكون حليمًا صبورًا، فلا يغضب في كلام الناس فيه، فيرميهم بما لا يستحقّونه،","vol":"2","page":322},{"text":"وأن لا تحمله القرابة على العدول عن قول الحقّ في الراوي، وقد ضرب العلماء في هذا أورع مثل، فقد قال ابن المدينيّ عن أبيه: إنه ضعيف، وقال محمد بن أبي السريّ، عن أخيه الحسين بن أبي السريّ: لا تكتبوا عن أخي فإنه كذّاب، وقال عنه أبو عروبة الحرانيّ: هو خال أمي، وهو كذّاب.\nوإلى ما ذُكر أشرت في \"شافية الْغُلَل\" بقولي:\nالْعِلْمُ وَالتَّقْوَى وِصِدْقٌ وَوَرَعْ ... شُرُوطُ مَنْ عَدَّلَ أَوْ جَرْحًا وَضَعْ\nأَمَانَةٌ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمَا ... بِسَبَب الْجَرْحِ وَضِدٍّ سَالِمَا\nعَنِ التَّعَصُّبِ لِمَذْهَبٍ وَلَا ... تَحْمِلُهُ قَرَابَةٌ أَنْ يَعْدِلَا\nمُسْتَيْقِظًا مُسْتَحْضِرًا تَحَرَّى ... كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهْوَ أَحْرَى\nوَضَابِطًا مَا عَنْهُ يَصْدُرُ فَلَا ... يَقَعُ فِي تَنَاقُضٍ عِنْدَ الْمَلَا\nوَعَالِمًا مَخَارِجَ الْكَلَامِ ... لِيَسْلَمَ الْوُقُوعَ فِي الْمَلَامِ\nبِحَمْلِهِ الْقَوْلَ عَلَى خِلَافِ مَا ... يُرِيدُهُ الْقَائِلُ جَرْحًا مُؤْلِمَا\nفَاجْرَحْ وَعَدِّلَنْ لِحِفْظِ الدِّينِ ... وَابْتَعِدَنْ عَنْ غَرَضٍ مَهِينِ\nعَلَيْكَ بِالتَّثَبُّتِ الْقَوِيمِ ... فَلَا تَزِغْ عَنِ الْهُدَى السَّلِيمِ\nقَالَ الإِمَامُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ... مُحَذِّرًا عَنْ دَرَكٍ شَدِيدِ\nأَعْرَاضُ مَنْ أَسْلَمَ حُفْرَةٌ غَدَتْ ... مِنْ حُفَرِ النَّارِ وَبِئْسَمَا احْتَوَتْ\nقَامَ عَلَى شَفِيرِهَا صِنْفَانِ ... أَهْلُ الْحَدِيثِ وَذَوُو السُّلْطَانِ\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَهْلُ الْعَصرِ لَا ... يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ سِوَى الَّذِي انْجَلَى\nمِنْهُمُ بِالْبَيِّنَةِ الْوَاضحَةِ ... وَنِعْمَ مَا قَالَ قَوِيُّ الْحُجَّةِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة التاسعة): قال الإمام الذهبيّ -رحمه اللهُ تعالى- في مقدّمة كتابه \"ذكر من يُعتَمد قوله في الجرح والتعديل\": (اعلم) -هداك الله- أن الذين قَبِلَ الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام:\nقسم تكلّموا في أكثر الرواة، كابن معين، وأبي حاتم الرازي. وقسم تكلّموا في كثير من الرواة، كمالك، وشعبة. وقسم تكلّموا في الرجل بعد الرجل، كابن عيينة، والشافعيّ. قال: والكل أيضًا على ثلاثة أقسام: قسم منهم متعنّتٌ في التوثيق، متثبّتٌ في التعديل، يَغْمِزُ الراوي بالغلطتين وبالثلاث، ويُليّن بذلك حديثه، فهذا إذا عدّل شخصًا، فعَضّ على قوله بنواجذك، وتمسّك بتوثيقه، وإذا ضعّف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّق ذلك الرجل أحد من الحذّاق، فهو ضعيف،","vol":"2","page":323},{"text":"وإن وثّقه أحد، فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يُقبل منه الجرح إلا مفسّرًا. يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلًا: هو ضعيف، ولم يُبيّن سبب ضعفه، ثم يجيىء البخاريّ وغيره يوثّقه، ومثل هذا يُتوقّف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، كابن معين، وأبي حاتم، والجوزجانيّ.\nوقسم في مقابلة هؤلاء متساهلون، كأبي عيسى الترمذيّ، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقيّ، قال السخاويّ: وكابن حزم، فإنه قال في كلّ من أبي عيسى الترمذيّ، وأبي القاسم البغويّ، وإسماعيل الصفّار، وأبي عيسى الأصمّ، وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول.\nوقسم معتدلون، ومنصفون، كأحمد، والبخاريّ، وأبي زرعة، والدارقطنيّ، وابن عديّ. انتهى (١).\nوقد تكلّم في الرجال -كما قال الإمام الذهبيّ -رحمه اللهُ تعالى- جماعة من الصحابة، ثم من التابعين، كالشعبيّ، وابن سيرين، ولكنه في التابعين بالنسبة لمن بعدهم بقلّة؛ لقلّة الضعف في متبوعيهم، إذ أكثرهم صحابة عدولٌ، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض في الصحابة، وكبار التابعين ضعيفٌ إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذّاب، فلما مضى القرن الأول، ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضُعّفوا غالبًا من قبل تحمّلهم، وضبطهم للحديث، فتراهم يرفعون الموقوف، ويُرسلون كثيرًا، ولهم غلطٌ، كأبي هارون العبديّ، فلما كان عند آخر عصر التابعين، وهو حدود الخمسين ومائة تكلّم في التوثيق والتضعيف طائفة من الأئمة، فقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجعفيّ، وضعّف الأعمش جماعةً، ووثّق آخرين، ونظر في الرجال شعبة، وكان متثبّتًا لا يكاد يروي إلا عن ثقة، وكذا كان مالك.\nوممن إذا قال في هذا العصر قُبل قوله: معمر، وهشام الدستوائيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن الماجشون، وحمّاد بن سلمة، والليث بن سعد، وغيرهم.\nثم طبقة أخرى بعد هؤلاء، كابن المبارك، وهُشيم، وأبي إسحاق الفزاريّ، والمعافى بن عمران الموصليّ، وبشر بن المفضّل، وابن عيينة، وغيرهم.\nثم طبقة أخرى في زمانهم، كابن عُليّة، وابن وهب، ووكيع، ثم انتدب في زمانهم أيضًا لنقد الرجال الحافظان الحجتان: يحيى بن سعيد القطّان، وابن مهديّ،\n_________\n(١) راجع \"الموقظة\" ص ٨٣ و\"ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل\" ص ١٥٨ - ١٥٩.","vol":"2","page":324},{"text":"فمن جرحاه لا يكاد يندمل جرحه، ومن وثّقاه فهو المقبول، ومن اختلفا فيه، وذلك قليل، اجتُهد في أمره.\nثم كان بعدهم ممن إذا قال سُمع منه الشافعيّ، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسيّ، وعبد الرزاق، والفريابيّ، وأبو عاصم النبيل. وبعدهم طبقة أخرى، كالحميديّ، والقعنبيّ، وأبي عبيد، ويحيى بن يحيى، وأبي الوليد الطيالسيّ.\nثم صنّفت الكتب، ودُوّنت في الجرح والتعديل، والعلل، وبُيّن من هو في الثقة والثبت كالسارية، ومن هو في الثقة كالشابّ الصحيح الجسم، ومن هو ليّنٌ، كمن توجعه رأسه، وهو متماسك، يُعدّ من أهل العافية، ومن صفته كالمحموم، ترجّح إلى السلامة، ومن صفته كمريض شبعان من المرض، وآخر كمن سقط قُواه، وأشرف على التلف، وهو الذي يسقط حديثه.\nوتولّى الجرح والتعديل بعد من ذكرنا يحيى بن معين، وقد سأله عن الرجال غير واحد من الحفّاظ، ومن ثَمّ اختلفت آراؤه، وعبارته في بعض الرجال، كما اختلف اجتهاد الفقهاء، وصارت لهم الأقوال والوجوه، فاجتهدوا في المسائل، كما اجتهد ابن معين في الرجال. ومن طبقته أحمد بن حنبل، سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وكلامه فيهم باعتدال، وإنصاف، وأدب، وورع. وكذا تكلّم في الجرح والتعديل أبو عبد الله محمد بن سعد، كاتب الواقديّ في \"طبقاته\" بكلام جيّد مقبول. وأبو خيثمة زهير بن حرب، له كلام كثير، رواه عنه ابنه أحمد وغيره. وأبو جعفر عبيد الله بن محمد النبيل، حافظ الجزيرة الذي قال فيه أبو داود: لم أر أحفظ منه. وعلي بن المدينيّ، وله التصانيف الكثيرة في العلل، والرجال. ومحمد بن عبد الله بن نمير الذي قال فيه أحمد: هو دُرّة العراق. وأبو بكر بن أبي شيبة، صاحب \"المسند\"، وكان آية في الحفظ، يُشبّه بأحمد في المعرفة. وعبيد الله بن عمر القواريريّ الذي قال فيه صالح جزرة: هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة. وإسحاق بن راهويه، إمام خراسان. وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار الموصليّ الحافظ، وله كلام جيّد في الجرح والتعديل. وأحمد بن صالح الطبريّ، حافظ مصر، وكان قليل المثل. وهارون بن عبد الله الحمّال، وكلهم من أئمة الجرح والتعديل.\nثم خلفهم طبقة أخرى متّصلة بهم، منهم: إسحاق الكَوْسج، والدارميّ، والذهليّ، والبخاريّ، والعجليّ الحافظ نزيل المغرب. ثم بعدهم أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيّان، ومسلم، وأبو داود السجستانيّ، وبقيّ بن مخلد، وأبو زرعة الدمشقيّ، وغيرهم.","vol":"2","page":325},{"text":"ثم بعدهم عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش البغداديّ، له مصنّف في الجرح والتعديل، قويّ النفس، كأبي حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الجوزجانيّ، ومحمد بن وضّاح الأندلسيّ، حافظ قرطبة، وأبو بكر بن أبي عاصم، وعبد الله بن أحمد، وصالح جزرة، وأبو بكر البزّار، وأبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو ضعيف، لكنه من أئمة هذا الشأن، ومحمد بن نصر المروزيّ.\nثم من بعدهم: أبو بكر الفريابيّ، والبرديجيّ، والنسائيّ، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وابن خزيمة، وابن جرير الطبريّ، والدولابيّ، وأبو عروبة الْحَرّانيّ، وأبو الحسن أحمد بن عُمير بن جوصا، وأبو جعفر العقيليّ.\nثم طبقة أخرى منهم: ابن أبي حاتم، وأبو طالب أحمد بن نصر البغداديّ الحافظ، شيخ الدارقطنيّ، وابن عقدة، وعبد الباقي بن قانع.\nثم بعدهم: أبو سعيد بن يونس، وابن حبّان البستيّ، والطبرانيّ، وابن عديّ الجرجانيّ، ومصنّفه في الرجال إليه المنتهى في الجرح.\nثم بعدهم: أبو عليّ الحسين بن محمد الماسرجسيّ النيسابوريّ، وله مسند معلّلٌ في ألف وثلاثمائة جزء، وأبو الشيخ بن حيّان، وأبو بكر الإسماعيليّ، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ، وبه خُتم معرفة العلل.\nثمّ بعدهم: أبو عبد الله بن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو نصر الكلاباذيّ، وأبو المطرّف عبد الرحمن بن فطيس قاضي قرطبة، وله \"دلائل السنة\" في خمسمائة مجلّدات، و\"فضائل الصحابة\". وعبد الغنيّ بن سعيد، وأبو بكر بن مردويه الأصبهانيّ، وتمّام الرازيّ.\nثم بعدهم أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس البغداديّ، وأبو بكر الْبَرْقَانيّ، وأبو حازم العبدريّ، وقد كَتَب عنه عشرة أنفس عشرة آلاف جزء، وخلف بن محمد الواسطيّ، وأبو مسعود الدمشقيّ، وأبو الفضل الفلكيّ، وله \"كتاب الطبقات\" في ألف جزء، وأبو القاسم حمزة السهميّ، وأبو يعقوب الْقَرّاب، وأبو ذرّ الهرويان.\nثم بعدهم: أبو محمد الحسن بن محمد الخلال البغداديّ، وأبو عبد الله الصوريّ، وأبو سعد السمان، وأبو يعلى الخليليّ.\nثم بعدهم ابن عبد البرّ، وابن حزم الأندلسيّان، والبيهقيّ، والخطيب. ثم أبو القاسم سعد بن محمد الزنجانيّ، وشيخ الإسلام الأنصاريّ، وأبو صالح المؤذن، وابن ماكولا، وأبو الوليد الباجيّ، وقد صنّف في الجرح والتعديل، وكان علّامة حجة، وأبو عبد الله الحميديّ، وابن مفوّز المعافريّ الشاطبيّ، ثم أبو الفضل بن طاهر المقدسيّ،","vol":"2","page":326},{"text":"وشجاع بن فارس الذهليّ، والمؤتمن بن أحمد بن عليّ الساجيّ، وشيرويه الديلميّ الهرويّ، مصنّف تأريخ هراة، وأبو عليّ الغسّانيّ، ثم بعدهم أبو الفضل بن ناصر السلاميّ، والقاضي عياض، والسلفيّ، وأبو موسى المدينيّ، وأبو القاسم بن عساكر، وابن بشكوال.\nثم بعدهم: عبد الحقّ الإشبيليّ، وابن الجوزيّ، وأبو عبد الله بن الفخار المالقيّ، وأبو القاسم السهيليّ، ثم أبو بكر الحازميّ، وعبد الغنيّ المقدسيّ، والرُّهاويّ، وابن مفضّل المقدسيّ. ثم بعدهم أبو الحسن بن القطّان، وابن الأنماطيّ، وابن نُقطة، وابن الدبيثيّ، وابن خليل الدمشقيّ، وأبو بكر بن خلفون الأزديّ، وابن النجّار، ثم الزكيّ المنذريّ، والبرزاليّ، والصريفينيّ، والرشيد العطّار، وابن الصلاح، وابن الأبّار، وابن العديم، وأبو شامة، وأبو البقاء خالد بن يوسف النابلسيّ، وابن الصابونيّ. ثم بعدهم الدمياطيّ، وابن الظاهريّ، والميدوميّ، والد الصدر، وابن دقيق العيد، وابن فرج، وعبيد الأسعرديّ. ثم بعدهم سعد الدين الحارثيّ، والمزّيّ، وابن تيميّة، والذهبيّ، وصفيّ الدين القرافيّ، وابن البرزاليّ، والقطب الحلبيّ، وابن سيّد الناس، في آخرين من كلّ طبقة، منهم أبو الفضل العراقيّ، ثم أبو الفضل بن حجر العسقلانيّ، قال السخاويّ: وقد فاق في ذلك على جميع من أدركه، وطُوي البساط بعده، إلا لمن شاء الله، ختم لنا بخير.\nفعدّلوا، وجرحوا، ووهّنوا، ووصحّحوا، ولم يحابوا أبًا، ولا ابنًا، ولا أخًا، حتى إن ابن المدينيّ سُئل عن أبيه، فقال: سلوا عنه غيري، فأعادوا، فأطرق، ثم رفع رأسه، فقال: هو الدين، إنه ضعيف. وكان وكيع بن الجرّاح لكون والده كان على بيت المال يقرن معه آخر إذا روى عنه. وقال أبو داود، صاحب \"السنن\": ابني عبد الله كذّاب، ونحوه قول الذهبيّ في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه. وقال زيد بن أبي أنيسة: لا تأخذوا عن أخي، يعنى يحيى المذكور بالكذب (١)، وقد تقدّم هذا فيما ذكره مسلم. والله تعالى أعلم.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في \"شافية الْغُلَل\" بعض العلماء المشهورين في هذا الفنّ، والكتب المصنّفة فيه، فقلت:\nفَمِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ مَعْ مُحَمَّدِ ... أَيِ ابْنِ سِيرِينَ إِمَامَا النُّقَّدِ\nوَمِنْهُمُ شُعْبَةُ وَهْوَ أَوَّلُ ... مَنْ وَسَّعَ الْفَنَّ عَلَى مَا نَقَلُوا\n_________\n(١) راجع \"فتح المغيث\" شرح \"ألفية الحديث\" للحافظ العراقيّ -رحمه الله تعالى- ٤/ ٣٥٦ - ٣٦١.","vol":"2","page":327},{"text":"تِلْمِيذُهُ الْقَطَّانُ يَحْيَى الأَحْوَلُ ... حَكَّمَهُ شُعْبَةُ فَاعْجَبْ يَافُلُ\nعَنْهُ تَلَقَّى ابْنُ مَعِينٍ أَحْمَدُ ... وَابْنُ الْمَدِينِيِّ الْوُعَاةُ النُّقَّدُ\nوَمِنْهُمُ الإِمَامُ نَجْلُ مَهْدِي ... لَهُ الْيَدُ الطُّولَى لِبَابِ النَّقْدِ\nثُمَّ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ الْمَهَرَهْ ... يَحْيَى وَأَحْمَدُ إِمَامَا الْبَرَرَهْ\nمُحَمَّدٌ وَشَيْخُهُ عَلِيُّ ... وَمُسْلِمٌ تِلْمِيذُهُ الْحَفِيُّ\nكَذَا أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ السُّنَنْ ... وَالنَّسَئِيُّ الْمُنْتَقِي ذَوِي الْفِطَنْ\nمِثْلَ أَبِي زُرْعَةَ وَالذُّهْلِيِّ ... وَكَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ\nكَتَبَ يَعْقُوبُ بْنُ شيْبَةَ الْمُعَلّ ... مِنَ الْمَسَانِيدِ فَلَيْتَهُ كَمَلْ\nأَمَّا الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فَسَبَقْ ... بِالْجَمْعِ بِالأَبْوَابِ فَالْفَضْلَ وَسَقْ\nعِلَلَهُ الْكَبِيرَ أَلَّفَ كَذَا ... صَغِيرَهُ الَّذِي جَعَلْتُ مَأْخَذَا\nكَذَا أَبُو زُرْعَةَ ذُو دِمَشْقِ ... كَذَلِكَ الْبَزَّارُ أَهْلُ الصِّدْقِ\nكَذَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ ... ابْنُ مُحَمَّدٍ عَلَاهُ الزَّيْنُ\nأَلَّفَ مُسْنَدًا كَبِيرًا عُلِّلَا ... مُهَذَّبًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ الْمَلَا\nأَخَذَ عَنْهُ الْحَاكِمُ الْكَرَابِسِي ... صَنَّفَ فِي الْعِلَلِ نِعْمَ الْمُؤْتَسِي\nوَالْحَافِظُ الْكَبِيرُ عَبْدُ اللهِ ... ابْنُ عَدِيٍّ الرَّفِيعُ الْجَاهِ\nقَدْ أَلَّفَ \"الْكَامِلَ\" وَالْمَقْرِيزِي ... لَهُ اخْتِصَارٌ فَائِقٌ التَّطْرِيزِ\nوَالْمُقْرِىءُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَجَّاجِي ... لَهُ مُصَنَّفٌ كَذَاكَ السَّاجِي\nأَمَّا الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ عُمَرِ ... الدَّارَقُطْنِيُّ الْعَجِيبُ النَّظَرِ\nفَقَدْ أَتَى لَنَا بِسِفْرٍ ضَخْمِ ... لَمْ يَرَ مِثْلَهُ فُحُولُ الْعِلْمِ\nلِلْحَاكِمِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْبَيِّعِ ... وَأَحْمَدَ الْخَلَّالِ كُتْبٌ فَاتْبَعِ\nوَلابْنِ جَوْزِيٍّ كِتَابُ \"الْعِلَلِ ... الْمُتَنَاهِيَةِ\" فَاقْرَأْ وَانْهَلِ\nثُمَّ الإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ ... لَهُ كِتَابٌ فَائِقٌ فِي الْخَبَرِ\nيَا لَيْتَ \"زَهْرَهُ\" الشَّذِيَّ نُشِرَا ... وَفَاحَ نَشْرُهُ الْعَبِيرُ فِي الْوَرَى\nوَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ أَحْسَنَا ... جَزَاهُمُ اللهُ الْجَزَاءَ الْحَسَنَا\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه]: قال الإمام الذهبيّ -رحمه اللهُ تعالى- في ترجمة داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس من \"تاريخ الإسلام\": قد أعرض أهل الجرح والتعديل عن كشف حالهم -يعني الخلفاء، وذويهم- خوفًا من السيف والضرب. قال: وما زال هذا في كلّ دولة قائمة، يصف المؤرّخ محاسنها، ويُغضي عن مساوئها، هذا إذا كان ذا دين وخير، فإن كان","vol":"2","page":328},{"text":"مدّاحًا مُداهنًا لم يَلتفت إلى الورع، بل ربّما أخرج مساوىء الكبير، وهناته في هيئة المدح، والمكارم، والعظمة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.\n[تنبيه آخر]: قال الحافظ السخاويّ -رحمه اللهُ تعالى-: ولا شكّ أن في المتكلّمين في ذلك من المتأخرين من كان من الورع بمكان، كالحافظ عبد الغنيّ، صاحب \"الكمال في معرفة الرجال\" المخرّج لهم في الكتب الستة الذي هذّبه المزيّ، وصار كتابًا حافلًا، عليه معوّل من جاء بعده، واختصره شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- وغيره. ومن المتقدّمين من لم يُشكّ في ورعه، كالإمام أحمد، بل قال: إنه أفضل من الصوم والصلاة، وابن المبارك، فإنه قال: لو خُيّرت بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى عبد الله بن المُحَرّر، لاخترتُ أن ألقاه، ثم أدخل الجنّة، فلما رأيته كانت بعرة أحبّ إليّ منه. وابن معين، مع تصريحه بقوله: إنا لنتكلّم في أناس قد حطّوا رحالهم في الجنّة. والبخاريّ القائل: ما اغتبت أحدًا مذ علمت أن الغيبة حرام. وحجتهم التوصّل لصون الشريعة، وأن حقّ الله تعالى ورسوله -ﷺ- هو المقدّم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.\n(المسألة العاشرة): فيما قيل في جرح العلماء المتأخّرين:\nقال الحافظ السخاويّ -رحمه اللهُ تعالى-:\n(فإن قيل): قد شُغِف جماعة من المتأخّرين القائمين بالتأريخ، وما أشبهه، كالذهبيّ، ثم شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- بذكر المعايب، ولو لم يكن الْمُعاب من أهل الرواية، وذلك غيبة محضة، ولذا تعقّب ابن دقيق العيد ابنَ السمعانيّ في ذكره بعض الشعراء، وقدح فيه بقوله: إذا لم يضطرّ إلى القدح فيه للرواية لم يجز، ونحوه قول ابن المرابط: قد دُوّنت الأخبار، وما بقي للتجريح فائدة، بل انقطعت من رأس الأربعمائة، ودندن هو وغيره ممن لم يتدبّر مقاله بعيب المحدّثين بذلك.\n(قلت): الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة، ولا انحصار لها في الرواية، فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره، ولا يُعدّ ذلك غيبة، بل هو نصيحة واجبة أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحًا لها، وإما بأن يكون فاسقًا، أو مغفّلًا، أو نحو ذلك، فيُذكَر ليزال بغيره ممن\n_________\n(١) \"تاريخ الإسلام\" ٥/ ٢٤٢، كما في هامش \"سير أعلام النبلاء\" ٥/ ٤٤٤.\n(٢) \"فتح المغيث\" ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢.","vol":"2","page":329},{"text":"يصلح، أو يكون مبتدعًا، أو فاسقًا، ويرى من يتردّد إليه للعلم، ويخاف عليه عود الضرر من قِبَله ببيان حاله، ويلتحق بذلك المتساهل في الفتوى، أو التصنيف، أو الأحكام، أو الشهادات، أو النقل، أو المتساهل في ذكر العلماء، أو في الرشاء والارتشاء، إما بتعاطيه له، أو بإقراره عليه مع قدرته على منعه، وأكل أموال الناس بالحيل، والافتراء، أو الغاصب لكتب العلم من أربابها، أو المساجد بحيث تصير ملكًا، أو غير ذلك من الْمُحَرّمات، فكل ذلك جائزٌ، أو واجب ذكره؛ ليحذر ضرره. وكذا يجب ذكر المتجاهر بشيء مما ذُكر، ونحوه من باب أولى. قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: ويتأكّد الذكر لكلّ هذا في حقّ المحدّث؛ لأن أصل وضع فنّه بيان الجرح والتعديل، فمن عابه بذكره لعيب المجاهر بالفسق، أو المتّصف بشيء مما ذُكر، فهو جاهل، أو ملبس، أو مشارك له في صفته، فيُخشى أن يسري إليه الوصف.\nنعم لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد، فقد قال العزّ بن عبد السلام في \"قواعده\": إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فليُقدَّر بقدرها، ووافقه عليه القرافيّ، وهو ظاهر. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الجرح ليس خاصّا بالمتقدّمين، بل هو مشروع في المتأخرين أيضًا بحسب الحاجة إليه، وعلى قدر المصالح المترتّبة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الحادية عشرة): في بيان مراتب ألفاظ الجرح والتعديل:\n[اعلم: أن مراتب التعديل ست]:\n(أولها): ما جاء بأفعل، كأوثق الناس، وأثبت الناس، ومنه قول هشام بن حسان: حدثني أصدق من أدركت من البشر، محمد بن سيرين. ومنه إليه المنتهى في الثبّت، ولا أعرف له نظيرًا في الدنيا، وفلان لا يُسأَل عنه، ومن مثل فلان؟ .\n(ثانيها): ما كُرّر من ألفاظ المرتبة الثالثة، لفظًا، كثقة ثقة، ثبت ثبت، أو معنى، كثقة حجة، ثقة مأمون، أو عدل ضابط.\n(ثالثها): ثقة، أو ثبت، أو كأنه مصحف، أو متقنٌ، أو حجة، أو حافظ، أو ضابط.\n(رابعها): ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدوقٌ، أو مأمون، أو خيارٌ.\n(خامسها): محله الصدق، رووا عنه، إلى الصدق ما هو؟، شيخ وسط، أو\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤.","vol":"2","page":330},{"text":"شيخ، أو وسط، صالح الحديث، روى الناس عنه، مقارِبَ الحديث بالكسر والفتح جيد الحديث، حسن الحديث، ومنه من يُرمَى ببدعة كالتشيع، والقَدَر، والنَّصْبِ، والإرجاء، والتّجَهُّم.\n(سادسها): صويلح، أو صدوقٌ إن شاء الله، أرجو بأن لا بأس به، أو مقبول.\nثم إن الحكم في أهل هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأولى منها، وأما التي بعدها، فإنه لا يُحتجّ بأحد من أهلها؛ لكون ألفاظها لا تُشعر بشريطة الضبط، بل يُكتب حديثهم، ويُخْتَبر.\nوإلى ما ذُكر من مراتب التعديل، وحكمها أشرت في \"الشافية\" بقولي:\nمَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ سِتٌّ وَاضِحَهْ ... صِيَغُهَا الَّتِي تَدُورُ لَائِحَهْ\n(أُولَى الْمَرَاتِبِ) هِيَ الَّتِي أَتَى ... أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِهَا قَدْ ثَبَتَا\nكَأَوْثَقِ النَّاسِ وَنَحْوِهِ كَذَا ... إِلَيْهِ مُنْتَهَى التَّثَبُّتِ خُذَا\n(ثَانِيَةُ الْمَرَاتِبِ) الَّتِي وَرَدْ ... مُكَرَّرًا فِيهَا الَّذِي بَعْدُ انْفَرَدْ\nبِلَفْظٍ أَوْ مَعْنًى كَثَبْتٍ ثَبَتِ ... أَوْ ثِقَةٍ ثبْتٍ وَثَبْتٍ حُجَّةِ\n(ثَالِثُهَا) ثَبْتٌ وَمُتْقِنٌ ثِقَهْ ... أَوْ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ لِذِي الثِّقَهْ\nوَحُجَّةٌ (رَابِعُهَا) صَدُوقٌ أَوْ ... خِيَارُهُمْ مَأْمُونُ لَا بَأْسَ رَأَوْا\n(خَامِسُهَا) مَحَلُّهُ الصِّدْقُ وَسَطْ ... شَيْخٌ مُكَرَّرَيْنِ أَوْ لَا فَانْضَبَطْ\nكَذَا رَوَوْا عَنْهُ وَجَيِّدُ الْخَبَرْ ... حَسَنُهُ كَذَاكَ صَالِحُ الأَثَرْ\nمُقَارِبُ الْحَدِيثِ أَوْ مُقَارَبُهْ ... بِكَسْرِ رَائِهِ وَفَتْحًا يَصْحَبُهْ\nأَوْ ضُمَّ لِلصَّدُوقِ سُوءُ الْحِفْظِ أَوْ ... يَهِمُ أَوْ يُخْطِي تَغَيُّرًا رَأَوْا\nوَمِنْهُ مَنْ يُرْمَى بنَوْعِ بِدْعَةِ ... كَالنَّصْبِ وَالْقَدْرِ وَمِثلَ الشِّيعَةِ (١)\n(سَادِسُهَا) صُوَيْلِحٌ أَرْجُو بِأَنْ ... لَا بَأْسَ بِهْ كَذَا صَدُوقٌ إِنْ يُبَنْ\nمَعَ الْمَشِيئَةِ كَذَا مَقْبُولُ ... وَحُكْمُهَا يَا أَيُّهَا الْمَقْبُولُ\nالاحْتِجَاجُ إِنْ أَتَى مِنْ أَرْبَعَهْ ... لِكَوْنِهِمْ أَهْلًا بِلَا مُمَانَعَهْ\nأَمَّا الَّتِي تَلِي فَلَيْسَ أَهْلُهَا ... مَحَلَّ حُجَّةٍ يُرَامُ نَقْلُهَا\nبَلَى حَدِيثُهُمْ لِلاخْتِبَارِ ... بِغَيْرِهِ يُكْتَبُ لا اسْتِبْصَارِ\nأَمَّا الَّتِي تَلِي فَحُكْمُ أَهْلِهَا ... دُونَ الَّتِي مَضَتْ فَحِدْ عَنْ نَقْلِهَا\nوَبَعْضُهُمْ حَدِيثُهُ قَدْ يُكْتَبُ ... لِلاعْتِبَارِ لا اخْتِبَارٍ يُطْلَبُ\n_________\n(١) بسكون الدال لغة في فتحها. وقوله: \"ومثل الشيعة\" على حذف مضاف: أي ومثل بدعة الشيعة.","vol":"2","page":331},{"text":"[وأما مراتب التجريح، فست أيضًا]:\n(أولها): الوصف بما دلّ على المبالغة فيه، وأصرح ذلك التعبير بأفعل، كـ \"أكذب الناس\"، وكذا قولهم: \"إليه المنتهى في الوضع\"، وهو ركن الكذب، ونحو ذلك.\n(ثانيها): كذّاب، وضّاع، دجّالٌ، يضع الحديث، يكذب، وضع حديثًا، وهذه أسهلها، بخلاف اللتين قبلها، فإنهما دالتان عرفًا على ملازمة الوضع والكذب.\n(ثالثها): فلان يَسرِق الحديث، متهمٌ بالكذب، أو بالوضع، وفلان ساقطٌ، وهالك، وذاهبٌ، أو ذاهب الحديث، ومتروك، أو متروك الحديث، أو تركوه، ولا يُعتبر به، أو بحديثه، وليس بثقة، أو ليس بمأمون، ونحو ذلك، وفلان فيه نظرٌ، وسكتوا عنه.\n[تنبيه]: كثيرًا ما يُعبّر البخاريّ بهاتين العبارتين الأخيرتين فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها، وعلى هذا فهما عند البخاريّ من المرتبة الثانية، فليُتنبّه.\n(رابعها): فلان رُدّ حديثه، ومردود الحديث، وضعيف جدّا، وواهٍ بمرّة (١)، طرحوا حديثه، ومُطَّرَحٌ، وارْم به، ولا يُكتب حديثه، ولا تحلّ الرواية عنه، ومنه قول الشافعيّ -رحمه اللهُ تعالى-: الرواية عن حرام بن عثمان حرام، وليس بشيء، ولا يُساوي شيئًا، أو فلسًا.\n[تنبيه]: إدراج \"ليس بشيء\" في هذه المرتبة هو المعتمد، وإن قال ابن القطّان: إن ابن معين إذا قال في الراوي: \"ليس بشيء\" إنما يُريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا، هذا مع أن ابن أبي حاتم قد حكى أن عثمان الدارميّ سأله عن أبي درّاس، فقال: إنما يروي حديثًا واحدًا، ليس به بأس، قال السخاويّ: على أنا قد روينا عن المزنيّ، قال: سمعني الشافعيّ يومًا، وأنا أقول: فلانٌ كذّاب، فقال لي: يا أبا إبراهيم اكسُ ألفاظك أحسنها، لا تقل: فلان كذّاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء، وهذا يقتضي أنها حيث وُجدت في كلام الشافعيّ تكون من المرتبة الثانية. انتهى (٢).\n(خامسها): فلانٌ ضعيفٌ، منكر الحديث، أو حديثه منكر، أو له ما يُنكر، أو مناكير، ومضطرب الحديث، وواهٍ، وضعّفوه، ولا يُحتجّ به.\n_________\n(١) أي قولًا واحدًا لا تردّد فيه، وكأن الباء زيدت للتأكيد. قاله في \"فتح المغيث\" ٢/ ١٢٢.\n(٢) \"فتح المغيث\" ٢/ ١٢٣.","vol":"2","page":332},{"text":"(سادسها): فلانٌ فيه مقال، وضُعِّفَ، وفيه ضَعْفٌ، وفلانٌ تُنْكِر وتَعْرِفُ، وليس بذاك، أو ليس بذاك القويّ، وليس بالمتين، وليس بالقويّ، وليس بحجّة، وليس بعمدة، وليس بمأمون، وفلان ليس بالمرضيّ، وليس يحمدونه، وليس بالحافظ، وغيره أوثق منه، وفي حديثه شيء، ومجهول، أو فيه جهالة، ولا أدري ما هو، وللضعف ما هو (١)، وفيه خُلْفٌ، وطعنوا فيه، أو مطعون فيه، ونَزَكُوه، وسيّىء الحفظ، وليّنٌ، أو لين الحديث، أو فيه لينٌ. قال الدارقطنيّ: إذا قلت: فلانٌ ليّن لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقط به عن العدالة. انتهى.\nوتكلّموا فيه، وسكتوا عنه، وفيه نظر، من غير البخاريّ، كما سبق بيانه.\n[تنبيه]: من هذه المرتبة قولهم: \"ليس من أهل القِبَاب\"، كما قاله مالك في عَطّاف بن خالد، أحدِ من اختُلف في توثيقه وتجريحه، قال الحافظ: هذه العبارة يؤخذ منها أنه يُروَى حديثه، ولا يُحتجّ بما يَنفرِد به؛ لما لا يخفَى من الكناية المذكورة. ونحوه: \"ليس من جِمَال المحامل\"، كما قال داود بن رُشيد في سُريج بن يونس: \"ليس من جَمَّازات\" -أي أبعرة المحامل-، والْجَمَّاز البعير (٢). انتهى.\nثم إن الحكم في المراتب الأربع الأُوَل أنه لا يُحتَجّ بواحد من أهلها، ولا يُستشهد به، ولا يُعتبر به. وأما الخامسة والسادسة فيُكتب حديثها للاعتبار؛ لإشعار صيغها بصلاحية المتّصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها. لكن قال البخاريّ: كلُّ من قلتُ فيه منكر الحديث -يعني الذي أُدرج في المرتبة الخامسة- لا يُحتجّ به، وفي لفظ: لا تحلّ الرواية عنه. وصنيع الحافظ في \"شرح النخبة\" يُشعر بالمشي عليه، حيث قال: فقولهم: متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث أشدّ من قولهم: ضعيف، أو ليس بالقويّ، أو فيه مقال. انتهى (٣).\nوإلى ما ذُكر من مراتب الجرح وحكمها أشرت في \"الشافية\" بقولي:\n(أُولَى مَرَاتِب الْجُرُوحِ) مَنْ وُصِفْ ... بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَوْ شِبْهٍ عُرِفْ\nكَأَكْذَبِ النَّاسِ كَذَا رُكْنُ الْكَذِبْ ... كَذَا إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى وَضْعًا نُسِبْ\n(ثَانِيَةُ الْمَرَاتِبِ) الدَّجَّالُ ... وَضَّاعٌ الْكَذَّابُ بِئْسَ الْقَالُ\nيَضَعُ يَكْذِبُ كَذَاكَ وَضَعَا ... وَذَا أَخَفُّ بِئْسَمَا قَدْ صَنَعَا\n_________\n(١) أي ليس ببعيد عن الضعف.\n(٢) يقال: جمز الإنسان وغيره من باب ضرب جمزًا، وجَمَزَى: إذا عَدَا دون الْحُضْر وفوق الْعَنَق، وحمار جمّاز: أي وثّاب. أفاده في \"القاموس\".\n(٣) \"النزهة\" ص ١٣٣.","vol":"2","page":333},{"text":"(ثَالِثَةُ الْمَرَاتِب) الْمُتَّهَمُ ... بِكِذْبٍ أَوْ بِالْوَضْعِ بِئْسَ الْمُجْرِمُ\nوَسَاقِطٌ وَهَالِكٌ فِيهِ نَظَرْ ... مَتْرُوكٌ أَوْ فَذَاهِبٌ لا يُعْتَبَرْ\nوَسَكَتُوا عَنْهُ وَلَيْسَ بِثِقَهْ ... أَوْ لَيْسَ مَأْمُونًا لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ\nأَمَّا الْبُخَارِيُّ إِذَا قَالَ نَظَرْ ... أَوْ سَكَتُوا فَذَاكَ أَوْهَى مَنْ أَثَرْ\n(رَابِعَةُ الْمَرَاتِبِ) ارْمِ رُدَّا ... وَاهٍ بِمَرَّةٍ ضَعِيفٌ جِدًّا\nقَدْ طَرَحُوا حَدِيثَهُ مُطَّرَحُ ... لَيْسَ بِشَيْءٍ لا يُسَاوِي صَرَّحُوا\n(خَامِسَةُ الْمَرَاتِبِ) الضَّعِيفُ ... مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ يَا حَصِيفُ (١)\nمُنْكَرُهُ وَاهٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهْ ... كَذَا فُلَانٌ ضَعَّفُوهُ فَانِتَبِهْ\nثُمَّةَ (سَادِسَتُهَا) ضُعِّفَ أَوْ ... فِيهِ مَقَالٌ أَوْ بِهِ ضُعْفًا رَأَوْا\nفَلَانُ تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَذَا ... لَيْس بِذَاكَ أَوْ بِحُجَّةٍ خُذَا\nأَوْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ أَوْ عُمْدَةٍ أَوْ ... مَتِينٍ أَوْ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ حَكَوْا\nلِلضُّعْفِ مَا هُو فِيهِ خُلْفٌ طَعَنُوا ... تَكَلَّمُوا سَيِّىءُ حِفْظٍ لَيِّنُ\nوَأَهْلُ هَذِهِ كَذَا الْخَامِسَةُ ... حَدِيثَهُمْ لِلاعْتِبَارِ أَثْبُوا\nوَمَا عَدَاهُمَا فَيُطْرَحُ كَذَا ... لَدَى الْبُخَارِيْ مُنْكَرٌ فَلْيُنْبَذَا\nوَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الصَّادِرِ مِنْ ... أَقْوَالِ مَنْ جَرَحَ أَوْ زَكَّى الْفَطِنْ\nفَقَدْ يَقُولُونَ ضَعِيفٌ أَوْ ثِقَهْ ... وَلَا يُرِيدُونَ احْتِجَاجًا بِالثِّقَهْ\nأَوْ رَدَّ ضِدِّهِ وَإِنَّمَا عَنَوْا ... بِنِسْبَةِ الْمَقْرُونِ مَعْهُ فَكَنَوْا\nكَمُتَوَسِّطٍ مَعَ الضَّعِيفِ جَا ... فَذَا لَدَى الْخُلْفِ يَكُونُ مَنْهَجَا\nكَابْنِ مَعِينٍ إِذْ يُرَى مُضَعِّفَا ... شَخْصًا وَقَدْ عَدَّلَهُ مُعَرِّفَا\nوَقَدْ يَكُونُ ذَا اجْتِهَادًا اخْتَلَفْ ... فَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ عِنْدَ مَنْ عَرَفْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في قبول الجرح والتعديل المجملين:\nذهب بعضهم إلى أنه يقبل التعديل من غير ذكر سببه، وهذا هو الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة، فيشُقُّ ذكر جميعها؛ لأن ذلك يُحْوِج الْمُعَدِّل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيُعَدِّد جميع ما يُفَسَّقُ بفعله أو بتركه، وذلك شاقّ جدّا، ولا يقبل الجرح إلا مُبَيَّنَ السبب؛ لأنه يحصل بأمر واحد، فلا يشُقّ\n_________\n(١) بفح، فكسر: أي كامل العقل.","vol":"2","page":334},{"text":"ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيُطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه؛ لينظر هل هو قادح أو لا، قال أبو عمرو بن الصلاح، وهذا ظاهر مُقَرَّر في الفقه وأصوله، وذكر الخطيب أنه مذهب الأئمة، من حفاظ الحديث، كالشيخين وغيرهما، ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة، وعمرو بن مرزوق، واحتج مسلم بسُويد ابن سعيد، وجماعة اشتهر الطعن فيهم، وهكذا فعل أبو داود، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فُسِّر سببه، ويدل على ذلك أيضا أنه ربما استُفْسِر الجارح، فذكر ما ليس بجرح، وقد عقد الخطيب لذلك بابا، رَوَى فيه عن محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يَركُض على بِرْذَون (١) فتركت حديثه. ورَوَى عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح الْمُرِّيّ، فقال: وما تَصنَع بصالح؟ ذكروه يوما عند حماد بن سلمة، فامتخط حماد. ورَوَى عن وهب بن جرير قال: قال شعبة: أتيت المنهال بن عمرو، فسمعت صوت الطنبور فرجعت، فقيل له: فهلا سألت عنه، إذ لا يعلم هو؟ . ورَوينا عن شعبة قال: قلت للحكم بن عتيبة: لِمَ لَمْ تَرْوِ عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام وأشباه ذلك.\nقال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: فلان كذاب، لا بد من بيانه؛ لأن الكذب يحتمل الغلط، كقوله: كذب أبو محمد.\nولَمّا صحح ابن الصلاح هذا القول أَوْرد على نفسه سؤالًا، فقال: ولقائل أن يقول: إنما يَعتَمِد الناس في جرح الرواة ورَدَّ حديثهم على الكتب التي صَنَّفَها أئمة الحديث في الجرح والتعديل، وقَلَّما يتعرّضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، وهذا حديث ضعيف، أو حديثٌ غير ثابت، ونحو ذلك، واشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك، وسَدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر.\nثم أجاب عن ذلك بقوله: وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يُذكَر فيها سبب الجرح، فإنّا وإن لم نعتمدها في إثبات الجرح والحكم به، ففائدتها التوقّف فيمن جرحوه عن قبول حديثه؛ لِمَا أَوقع ذلك عندنا من الرِّيبة القوية فيهم، فإن بحثنا عن حاله، وانزاحت عنه الرِّيبة، وحصلت الثقة به قَبِلنا حديثه، كجماعة في \"الصحيحين\" بهذه المثابة.\n_________\n(١) الركض: استحثاث الدابّة بالرجل للعدو. و\"البرذون\" -بكسر الباء، وبالذال المعجمة: الجافي الخِلْقة الجلد على السير في الشعاب والوعر من الخيل، غير العربية، كما ذكره السخاويّ في \"فتح المغيث\".","vol":"2","page":335},{"text":"ومقابل الصحيح أقوال:\n[أحدها]: قبول الجرح غيرَ مُفَسَّر، ولا يُقبل التعديل إلا بذكر سببه؛ لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيَبْنِي الْمُعَدِّل على الظاهر، فهذا الإمام مالك مع شدّة نقله وتحرّيه، قيل له: في الرواية عن عبد الكريم بن أبي الْمُخَارق، فقال: غرّني بكثرة جلوسه في المسجد. يعني لما ورد من كونه بيتَ كل تقيّ.\n[الثاني]: لا يقبلان إلا مُفَسَّرين، حكاه الخطيب والأصوليون؛ لأنه كما قد يَجرَح الجارح بما لا يَقدَح كذلك يوثِّق الْمُعَدِّل بما لا يقتضي العدالة، كما رَوَى يعقوب الْفَسَويّ (١) في \"تاريخه\" قال: سمعت إنسانا يقول لأحمد بن يونس: عبدُ الله العمري ضعيف، قال: إنما يُضَعِّفه رافضيٌّ، مُبغِضٌ لآبائه، لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنه ثقة.\nفاستدل على ثقته بما ليس بحجة؛ لأن حسن الهيئة يشترك فيه العدل وغيره.\nقال السخاويّ بعد ذكره نحوَ ما سبق: ما نصّه: وهو ظاهرٌ، وإن أمكن أن يقال: لعله أراد أن توسّمه يقضي بعدالته فضلًا عن دينه ومروءته وضبطه، لكن يندفع هذا في العمريّ بخصوصه بأن الجمهور على ضعفه، وكثيرًا ما يوجد مدح المرء بأنك إذا رأيت سمته علمت أنه يخشى الله. (٢).\n(الثالث): أنه لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدّل عالمين بأسباب الجرح والتعديل، والخلافِ في ذلك، بصيرين مرضيين في اعتقادهما وأفعالهما.\nوهذا اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقيّ، والبلقيني في \"محاسن الاصطلاح\".\nواختار الحافظ ابن حجر تفصيلًا حسنًا، فإن كان مَنْ جُرِح مجملًا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن، لم يُقبَل الجرح فيه مِنْ أحدٍ كائنا مَنْ كان إلا مُفَسَّرًا؛ لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يُزَحْزَح عنها إلا بأمر جَلِيّ، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه، ونَقَدُوه كما ينبغي، وهُمْ أيقظُ الناس فلا يُنقَض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِل الجرح غيرَ مفسر، إذا صدر\n_________\n(١) هو العالم الكبير يعقوب بن سفيان، سمع ورحل وصنّف، توفّي سنة (٢٧٧ هـ) و\"الْفَسَويّ\" بفتح الفاء والسين المهملة: نسبة إلى فَسَا مدينة من بلاد فارس.\n(٢) \"فتح المغيث\" ٢/ ٢٦.","vol":"2","page":336},{"text":"من عارف؛ لأنه إذا لم يُعَدَّل فهو في حَيِّز المجهول، وإعمالُ قول الْمُجَرِّح فيه أولى من إهماله.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي اختاره الحافظ هو الذي يترجّح عندي؛ لوضوح حجته.\nوإلى ما ذُكر من الخلاف أشار في \"الكوكب الساطع\" بقوله:\nوَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ فِي الْبَابَيْنِ (١) ... قَاضِيهِمُ يَقْبَلُ مُطْلَقَيْنِ\nقَوْلُ الإِمَامَيْنِ وَإِطْلَاقُهُمَا ... يَكْفِي مِنَ الْعَالِمِ أَسْبَابَهُمَا\nوَافَقَهُ فَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لَا ... يُقْبَلُ إِلّا مِنْ إِمَامٍ ذِي عَلَا\nوَقِيلَ لَا يُقْبَلُ إِلّا بِالسَّبَبْ ... وَقِيلَ فِي التَّعْدِيلِ لَا الْجَرْحِ وَجَبْ\nوَالْعَكْسُ فِي بَاب الشَّهَادَةِ الأَصَحّ ... وَفِي سِوَاهَا أَوَّلٌ إِذَا وَضَحْ\nمَذْهَبُ جَارحٍ وَذَا (٢) فِي الْمُعْتَمَدْ ... مُقَدَّمٌ إِنْ زَادَ أَوْ قَلَّ عَدَدْ\nوَقِيلَ فِي الْقِلَّةِ ذَا مَرْجُوحُ ... وَفِي التَّسَاوِي يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في الاكتفاء بتعديل الواحد، وجرحه:\nالصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد، سواء كان ذكرًا أو أنثى، حرّا أو عبدًا؛ لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر، فلم يُشترط في جرح راويه وتعديله؛ لأن التزكية بمنزلة الحكم، وهو أيضا لا يشترط فيه العدد، ولأنه إن كان المزكّي للراوي ناقلًا عن غيره فهو من جملة الأخبار، أو كان اجتهادًا من قِبَل نفسه فهو بمنزلة الحاكم، وفي الحالين لا يُشترط العدد، والفرق بينهما ضِيق الأمر في الشهادة لكونها في الحقوق الخاصّة التي يمكن الترافع فيها، وهي محلّ الأغراض بخلاف الرواية، فإنها في شيء عامّ للناس غالبًا، لا ترافُع فيه. قال ابن عبد السلام: الغالب من المسلمين مهابة الكذب على النبيّ -ﷺ- بخلاف شهادة الزور.\nولأنه قد ينفرد بالحديث واحدٌ فلو لم يُقبل لفاتت المصلحة، بخلاف فوات حقّ\n_________\n(١) أي باب الشهادة وباب الرواية.\n(٢) قوله: \"وذا الخ\" إشارة إلى مسألة تعارض الجرح والتعديل، وسيأتي تمام البحث فيها في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":337},{"text":"واحد في المحاكمات، ولأن بين الناس إِحَنًا وعداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية.\nوالقول الثاني: اشتراط اثنين في الرواية أيضًا، حكاه القاضي أبو بكر الباقلّانيّ عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية صفة فتحتاج في ثبوتها إلى عدلين كالرُّشْد والكفاءة وغيرهما، وقياسًا على الشاهد بالنسبة لما هو المرجّح فيها عند الشافعيّة والمالكيّة، بل هو قول محمد بن الحسن، واختاره الطحاويّ، وإلا فأبو عبيد لا يَقبل في التزكية فيها أقلّ من ثلاثة، متمسّكًا بحديث قبيصة فيمن تحلّ له المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى، فيشهدون له، قال: وإذا كان هذا في حقّ الحاجة، فغيرها أولى، ولكن المعتمد الأول، وأما الحديث فمحمولٌ على الاستحباب فيمن عُرف له مال قبلُ.\nوممن رجّح الحكم كذلك في البابين الفخر الرازيّ، والسيف الآمديّ، ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين، ولا تنافيه الحكاية الماضية للتسوية عن الأكثرين لتقييدها بالفقهاء.\nوممن اختار التفرقة أيضًا الخطيب وغيره، وكذا اختار القاضي أبو بكر بعد حكاية ما تقدّم الاكتفاء بواحد، لكن في البابين معًا، كما نُقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف في الشاهد خاصّةً، وعبارته: والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كلّ عدل مرضيّ ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد، شاهدٍ ومخبر، أي عارف بما يجب أن يكون عليه العدل، وما به يحصل الجرح، كما اقتضاه أول كلامه الذي حكاه الخطيب عنه، وهو ظاهر، واستثنى تزكية المرأة في الحكم الذي لا تُقبل شهادتها فيه، كلُّ ذلك بعد حكايته عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم عدمَ قبول تزكية النساء مطلقًا في البابين.\nوكذا أشار لتخصيص تزكية العبد بالرواية لقبوله فيها دون الشهادة، ولكن التعميم في قبول تزكية كلّ عدل لأنها -كما قال الطحاويّ- خبرٌ، وليست شهادة، صرّح به أيضًا صاحب \"المحصول\" وغيره من غير تقييد.\nوقال النوويّ في \"التقريب\": يُقبل أي في الرواية تعديل العبد والمرأة العارفين، ولم يَحكِ غيره. قال الخطيب في \"الكفاية\": الأصل في هذا الباب سؤال النبيّ -ﷺ- في قصّة الإفك بَرِيرة عن حال عائشة أم المؤمنين -﵂-، وجوابها له -يعني الذي ترجم عليه البخاريّ في \"صحيحه\": \"تعديل النساء بعضهنّ بعضًا\".\nولا تُقبل تزكية الصبيّ المراهق، ولا الغلام الضابط جزمًا، وإن اختُلف في روايتهما؛ لأن الغلام، وإن كانت حاله ضبطَ ما سمعه، والتعبير عنه على وجهه، فهو","vol":"2","page":338},{"text":"غير عارف بأحكام أفعال المكلّفين، وما به يكون العدل عدلًا، والفاسق فاسقًا، فذلك إنما يكمل له المكلّف، وأيضًا فلكونه غير مكلّف لا يؤمن منه تفسيق العدل، وتعديل الفاسق، ولا كذلك المرأة والعبد فافترق الأمر فيهما. قاله الخطيب. (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح قبول تزكية الواحد مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، حرّا كان أو عبدًا؛ لوضوح أدلّته.\nوإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ -رحمه اللهُ تعالى- في \"ألفية الحديث\" حيث قال:\nوَاثْنَانِ مَنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحّ ... إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ\nوقال أيضًا:\nوَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ ... أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلَافٌ قَدْ زُكِنْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الرابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في تعارض الجرح والتعديل، أيهما يُقدّم؟:\n(اعلم): أنهم اختلفوا فيما إذا اجتمع في شخص واحد جرح وتعديل على أقوال:\n(الأول): أن الجرح مقدّم على التعديل مطلقًا، استوى الطرفان في العدد أم لا؟ . وإليه ذهب الجمهور، قال ابن الصلاح: إنه الصحيح، وكذا صححه الأصوليّون كالفخر الرازيّ والآمديّ، بل حكى الخطيب اتفاق أهل العلم عليه، إذا استوى العددان، وصنيع ابن الصلاح مشعر بذلك، وعليه يُحمل قول ابن عساكر: أجمع أهل العلم على تقديم قول من جرح راويًا على قول من عدّله، واقتضت حكاية الاتفاق في التساوي كون ذلك أولى فيما إذا زاد عدد الجارحين.\nقال الخطيب: والعلّة في ذلك أن الجارح يُخبِر عن أمر باطنيّ قد عَلِمه، ويُصدّق المعدّل، ويقول له: قد علمتُ من حاله الظاهر ما علمتَهُ، وتفردتُّ بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، يعني فمعه زيادة علم، قال: وإخبار المعدّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح فيما أخبر به، فوجب لذلك أنه يكون الجرح أولى من التعديل، وغاية قول المعدّل -كما قال العضد (٢) -: إنه لم يَعلَم فسقًا، ولم يظنّه، فظنّ عدالته؛\n_________\n(١) \"الكفاية\" ص ٩٩ و\"فتح المغيث\" ٢/ ٩ - ١٠.\n(٢) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفّار عضد الدين الإيجيّ، كان إمامًا في المعقول، عالمًا بالأصول والمعاني والعربيّة، مشاركًا في الفنون. توفي سنة (٧٥٦ هـ) وأشهر كتبه في أصول الفقه \"شرح مختصر ابن الحاجب\". انظر \"الطبقات الكبرى\" للسبكيّ ١٠/ ٤٦ - ٤٨ و\"الأعلام\" للزركلي ٤/ ٦٦.","vol":"2","page":339},{"text":"إذ العلم بالعدم لا يُتصوّر، والجارح يقول: أنا علمتُ فسقه، فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبًا، ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى ما أمكن؛ لأن تكذيب العدل خلاف الظاهر. انتهى.\nوإلى ذلك أشار الخطيب بما حاصله أن العمل بقول الجارح غير متضمّنة لتهمة المزكي بخلاف مقابله. قال: ولأجل هذا وجب إذا شهد شاهدان على رجل بحقّ، وشهد له آخران أنه قد خرج منه أن يكون العمل بشهادة من شهد بالقضاء أولى؛ لأن شاهدي القضاء يصدّقان الآخرين، ويقولان: علمنا خروجه من الحقّ الذي كان عليه، وأنتما لم تعلما ذلك، ولو قال شاهدا ثبوت الحقّ: نشهد أنه لم يخرج من الحقّ لكانت شهادة باطلة.\nلكن ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح بما إذا فُسّر، وما تقدّم قريبًا يساعده، وعليه يُحمل قول من قدّم التعديل، كالقاضي أبي الطيّب الطبريّ وغيره، أما إذا تعارضا من غير تفسير فالتعديل كما قاله الحافظ المزّيّ وغيره.\nوقال ابن دقيق العيد: إن الأقوى حينئذ أن يُطلب الترجيح؛ لأن كلا منهما ينفي قول الآخر، وكذا قيّده الفقهاء بما إذا أطلق التعديل، أما إذا قال المعدّل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح، لكنه تاب منه وحسنت توبته، فإنه يقدّم المعدّل ما لم يكن في الكذب على النبيّ -ﷺ-، وكذا لو نفاه بطريق معتبر، كأن يقول المعدّل عند التجريح بقتله لفلان في يوم كذا ظلمًا: إن فلانًا المشار إليه قد رأيته بعد هذا اليوم، وهو حيّ، فإنه حينئذ يقع التعارض لعدم إمكان الجمع، ويُصار إلى الترجيح، ولذا قال ابن الحاجب: أما عند إثبات معيّن، ونفيه باليقين فالترجيح.\nوقيل: إن كان المعدّلون أكثر عددًا قدّم التعديل، حكاه الخطيب عن طائفة، وصاحب \"المحصول\"؛ لأن الكثرة تُقوّي الظنّ، والعمل بأقوى الظنين واجبٌ كما في تعارض الحديثين.\nقال الخطيب: وهذا خطأ، وبُعدٌ ممن توهّمه؛ لأن المعدّلين وإن كثُروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك، وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك عن أن يكونوا أهل تعديل أو جرح؛ لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصحّ ويجوز وقوعه، وإن لم يعلموه، فثبت ما ذكرناه، وإن تقديم الجرح إنما هو لتضمّنه زيادةً خفيت على المعدّل، وذلك موجود مع زيادة عدد المعدّل ونقصه ومساواته، فلو جرحه واحدٌ، وعدّله مائة قُدّم الواحد لذلك.\nوقيل: يرجح بالأحفظ، حكاه البلقينيّ في \"محاسن الاصطلاح\".","vol":"2","page":340},{"text":"وقيل: إنهما حينئذ يتعارضان، فلا يرجّح أحدهما إلا بمرجّح؛ لأن مع المعدّل زيادة قوّة بالكثرة، ومع الجارح زيادة قوّة بالاطلاع على الباطن. حكاه ابن الحاجب وغيره عن ابن شعبان من المالكية.\nقال العراقيّ: وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا القول، فإنه قال: اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان، وعدّله مثل عدد من جرحه، فإن الجرح به أولى، ففي هذه الصورة حكاية الإجماع على تقديم الجرح خلاف ما حكاه ابن الحاجب. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح فيما إذا تعارض الجرح والتعديل على شخص واحد تقديم قول الجارح مطلقًا تساوى العدد أم زاد، أم نقص؛ لأن معه زيادة علم ليست مع المعدّل، لكن يُستثنى من ذلك ما إذا قال المعدل: عرفت سبب الجرح، لكنه تاب منه، وحسنت توبته، أو نفى المعدّل ما أثبته الجارح بطرق معتبرة، كما سبق وجهه ففي مثل هذا يقدّم التعديل. والله تعالى أعلم.\nوإلى ما ذُكر أشار الحافظ السيوطيّ في \"ألفية الحديث\"، فقال:\nوَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ ... أَكْثَرُ فِي الأَقْوَى فِإِنْ فَصَّلَهُ\nفَقَالَ مِنْهُ تَابَ أَوْ نَفَاهُ ... بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ\n[تنبيه]: هذا الذي تقدّم من الاختلاف فيما إذا صدر التعارض من قائلين، فأما إذا كانا من قائل واحد، كما يتّفق لابن معين وغيره من أئمة النقد، فهذا قد لا يكون تناقضًا، بل نسبيّا في أحدهما، أو ناشئًا عن تغيّر اجتهاد، فلا ينضبط بأمر كلّيّ، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخّر منهما إن عُلم، وإلا وجب التوقّف. قاله السخاويّ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الخامسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في التعديل المبهم:\nذهبت طائفة إلى أنه إذا قال المحدّث: حدثني الثقة، أو نحوه، من غير أن يسميه لا يكتفى به في التعديل، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفيّ، والخطيب، وأبو نصر بن الصبّاغ، والماورديّ، والرويانيّ، وغيرهم من الشافعية، وصححه النوويّ في \"التقريب\"، وسواء في ذلك المقلّد؛ لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح، بل إضرابه عن تسميته رِيبةٌ تُوقِع ترددًا في القلب، بل زاد\n_________\n(١) انظر \"تدريب الراوي\" ١/ ٣١٠ و\"فتح المغيث\" ٢/ ٣١ - ٣٣.\n(٢) \"فتح المغيث\" ٢/ ٣٣.","vol":"2","page":341},{"text":"الخطيب: أنه لو صَرَّح بأن كل شيوخه ثقات، ثم رَوَى عمن لم يسمه لم يعمل بتزكيته؛ لجواز أن يُعرَف إذا ذكره بغير العدالة.\nوذهبت طائفة إلى أنه يُكتَفَى بذلك مطلقا، كما لو عَيَّنه؛ لأنه مأمون في الحالتين معًا، فإن كان القائل عالمًا: أي مجتهدًا، كمالك والشافعي، وكثيرًا ما يفعلان ذلك، كَفَى في حق مواقفه في المذهب لا غيره، عند بعض المحققين، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجًا بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيامَ الحجة عنده على الحكم، وقد عَرَفَ هو مَنْ روى عنه ذلك، واختاره إمام الحرمين، ورجحه الرافعي في \"شرح المسند\"، وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل. وقيل: لا يَكفِي أيضا حتى يقول: كُلُّ من أروي لكم عنه، ولم أسمه فهو عدل.\nقال الخطيب: وقد يوجد في بعض من أبهموه الضعف؛ لخفاء حاله، كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق.\n[فائدتان]:\n(الأولى): لو قال نحو الشافعي: أخبرني من لا أَتَّهِمُ، فهو كقوله: أخبرني الثقة، وقال الذهبي: ليس بتوثيق؛ لأنه نفي للتهمة، وليس فيه تعرض لإتقانه، ولا لأنه حجة، قال ابن السبكي: وهذا صحيحٌ غير أن هذا إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية، فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، فمن ثَمَّ خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثله فالأمر كما قال. انتهى.\nقال الزركشيّ: والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي، مع أن طوائف من فُحول أصحابنا صَرَّحوا به، منهم: السِّيرافيُّ، والماورديّ، والروياني. انتهى.\nوإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ ﵀ في \"ألفيّة الحديث\":\nوَإِنْ يَقُلْ حَدَّثَ مَنْ لَا أَتَّهِمْ ... أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ\nبِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ ... لَا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ\nوَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ ... قَلَّدَهُ وَقِيلَ لَا مَا لم يُبَنْ\nوقال في \"الكوكب الساطع\":\nوَالْوَصْفُ مِنْ كَالشَّافِعِيِّ بالثِّقَهْ ... عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَوْثِقَهْ\nوَقِيلَ لَا وَمِثْلُهُ لَا أَتَّهِمْ ... وَالذَّهَبِيُّ لَيْس تَوْثِيقًا نَسِمْ\n(الفائدة الثانية): قال ابن عبد البر: إذا قال مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله الأشجّ، فالثقة مخرمة بن بكير، وإذا قال: عن الثقة، عن عمرو بن شعيب، فهو عبد","vol":"2","page":342},{"text":"الله بن وهب، وقيل: الزهري. وقال النسائي: الذي يقول مالك في كتابه: الثقة عن بكير يشبه أن يكون عمرو بن الحارث، وقال غيره: قال ابن وهب: كلُّ ما في كتاب مالك أخبرني من لا أتَّهِم من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. وقال أبو الحسن الآبُرِيّ (١): سمعت بعض أهل الحديث يقول: إذا قال الشافعيّ: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب، فهو ابن أبي فُدَيك، هأذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد، فهو يحيى ابن حسان، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير، فهو أبو أسامة، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الأوزاعي، فهو عمرو بن أبي سَلمة، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جريج، فهو مسلم بن خالد، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالح مولى التوأمة، فهو إبراهيم بن أبي يحيى. انتهى، ونقله غيره عن أبي حاتم الرازيّ.\nوقال الحافظ في \"رجال الأربعة\": إذا قال مالك: عن الثقة، عن عمرو بن شعيب، فقيل: هو عمرو بن الحارث، أو ابن لهيعة، وعن الثقة عن بكير بن الأشجّ، قيل: هو مخرمة بن بكير، وعن الثقة عن ابن عمر، هو نافع كما في \"موطإ ابن القاسم\"، وإذا قال الشافعيّ. عن الثقة عن ليث بن سعد، قال الربيع: هو يحيى بن حسان، وعن الثقة عن أسامة بن زيد، هو إبراهيم بن أبي يحيى، وعن الثقة عن حميد، هو ابن عُلَيّة، وعن الثقة عن معمر، هو مُطَرِّف بن مازن، وعن الثقة عن الوليد بن كثير، هو أبو أسامة، وعن الثقة عن يحيى بن أبي كثير، لعله ابنه عبد الله بن يحيى، وعن الثقة عن يونس بن عبيد عن الحسن، هو ابن علية، وعن الثقة عن الزهري، هو سفيان بن عيينة. انتهى.\nورَوَينا في \"مسند الشافعي\" عن الأصمّ قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أَتَّهم يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة يريد به يحيى بن حسان، وقد رَوَى الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبد الله بن الحارث، إن لم أكن سمعته من عبد الله بن الحرث، عن مالك بن أنس، عن يزيد بن قُسَيط، عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الْمِلْطَاة (٢) بنصف دية الموضحة. قال الحافظ أبو الفضل الفلكيّ: الرجل الذي لم يُسَمِّ الشافعي هو أحمد بن حنبل. وفي \"تاريخ ابن عساكر\": قال عبد الله بن أحمد: كل شيء في كتاب الشافعيّ: أخبرنا الثقة\n_________\n(١) بفتح الهمزة الممدودة، وضمّ الباء: منسوب لآبر، قرية من قرى سِجِستان، وهو أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم.\n(٢) بكسر الميم، وسكون اللام -وتسمّى عند الحجازيين بالسِّمْحاق-: هي القشرة الرقيقة بين عظم الرأس ولحمه، تمنع الشجة أن توضح، والمراد الشجّة التي تبلغ الجلد التي بين اللحم والعظم.","vol":"2","page":343},{"text":"عن أبي (١). وقال الحافظ: يوجد في كلام الشافعي: أخبرني الثقة عن يحيى بن أبي كثير، والشافعي لم يأخذ عن أحد ممن أدرك يحيى بن أبي كثير، فَيُحْمَلُ على أنه أراد بسنده إلى يحيى، قال: وذكر عبد الله بن أحمد أن الشافعي إذا قال: أخبرنا الثقة، وذكر أحدًا من العراقيين، فهو يعني أباه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة السادسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في رواية العدل عمن سمّاه هل يكون تعديلًا أم لا؟:\nذهب الأكثرون من أهل الحديث وغيرهم، وهو الصحيح أنه إذا روى العدل عمن سمّاه لا يكون تعديلًا له؛ لجواز رواية العدل عن غير العدل، فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد رَوَينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحارث، وأشهد بالله أنه كان كذابا، وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل، أنه رأى يحيى بن معين، وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، فإذا اطّلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه؟، فقال: يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة، فاحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل أبان ثابتا، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كَذَبتَ، إنما هي عن معمر عن أبان، لا عن ثابت.\nوذهب بعضهم إلى أنه تعديل له، إذ لو عَلِمَ فيه جرحًا لذَكَره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين. حكاه جماعة منهم الخطيب، وكذا قال ابن المنيّر في \"الكفيل\": للتعديل قسمان: صريح، وغير صريح، فالصريح واضح، وغير الصريح كرواية العدل، وعمل العالم.\nوردّه الخطيب بأنه قد لا يَعرِف عدالته ولا جرحه، كيف وقد وُجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنهم غير مرضيين، وفي بعضها شَهِدوا عليهم بالكذب.\nوكذا خطّأه أبو بكر الصيرفي، وقال: لأن الرواية تعريف له، أي مطلق تعريف، يزول جهالة العين بها بشرطه، والعدالة بالخبرة، والرواية لا تدلّ على الخبرة.\nوقد قال سفيان الثوريّ: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: فللحجة من\n_________\n(١) قال الرافعيّ: وهذا في الكتب القديمة. انتهى. والمعنى أنه قصد الشافعي فقوله: الثقة أنه أخبره أحمد ابن حنبل.","vol":"2","page":344},{"text":"رجل، وللتوقّف فيه من آخر، ولمحبّة معرفة مذهب من لا أعتدّ بحديثه، لكن عاب شعبة عليه ذلك. وقيل لأبي حاتم الرازيّ: أهلُ الحديث ربّما رووا حديثًا لا أصل له، ولا يصحّ، فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم الحديث الواهي للمعرفة ليتبيّن لمن بعدهم أنهم ميّزوا الآثار، وحفِظوها. قال البيهقيّ: فعلى هذا الوجه كانت رواية من روى من الأئمة عن الضعفاء (١).\nوذهب بعضهم إلى التفصيل، فإن كان العدل الذي رَوَى عنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلًا، وإلا فلا، واختاره الأصوليون، كالآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما، بل وذهب إليه جمع من المحدّثين، وإليه ميلُ الشيخين، وابن خزيمة في \"صحاحهم\"، والحاكم في \"مستدركه\"، ونحوه قولُ الشافعيّ ﵀ فيما يَتقوّى به المرسل: أن يكون المرسل إذا سمّى من روى عنه لم يُسمّ مجهولًا، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه. انتهى.\nوأما رواية غير العدل فلا تكون تعديلًا بالاتفاق. قاله السخاويّ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور من أن رواية العدل عمن سمّاه لا تكون تعديلًا له؛ لظهور حجته، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم.\nوقد نظمت ما سبق في هذه المسألة من الأقوال في \"شافية الغلل\" بقولي:\nاعْلَمْ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا ... فِي ثِقَةٍ رَوَى لِمَنْ لَا يُعْرَفُ\nهَلْ ذَاكَ تَعْدِيلٌ لَهُ قِيلَ نَعَمْ ... وَقِيلَ لَا وَقِيلَ تَفْصِيلٌ يُؤَمّ\nفَأَوَّلٌ لِحَنَفِيَّةٍ وَمَا ... يَلِي لِشَافِعِيَّةٍ قَدِ انْتَمَى\nوَقَدْ حَكَوْا نَحْوَهُمَا عَنْ أَحْمَدَا ... وَلَكِنِ الَّذِي بِنَصِّهِ بَدَا\nدَلَّ عَلَى أَنَّ الّذِي قَدْ عُرِفَا ... اخْتَصَّ بِالثِّقَةِ تَعْدِيلًا وَفَا\nأَوْ لَا فَلَا وَذَاكَ كَابْنِ مَهْدِي ... وَمَالِكٍ إِمَامِ كُلِّ مَهْدِي\nوَابْنُ مَعِينٍ قَالَ مَنْهُ نَقَلْ ... مِثْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَشَعْبِيٍّ يَنَلْ\nرَفْعَ الْجَهَالَةِ وإِنْ عَنْهُ رَوَى ... مِثْلُ السَّبِيعِي وِسِمَاكٍ مَا حَوَى\nعُرْفًا لِكَوْنِ ذَيْنِ يَرْوِيَانِ عَنْ ... كُلِّ الْمَجَاهِيلِ وَذَا رَأْيٌ حَسَنْ\nوَشَرَطَ الذُّهْلِيُّ فِيمَنْ تُرْفَعُ ... عَنْهُ الْجَهَالَةُ رُوَاةً سَمِعُوا\nاثْنَيْنِ أَوْ فَوْقُ وَذَا الَّذِي اشْتَهَرْ ... فِي الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الأَثَرْ\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ٢/ ٤٠ - ٤١.\n(٢) \"فتح المغيث\" ٢/ ٤١ - ٤٢.","vol":"2","page":345},{"text":"وَابْنُ الْمَدِينِيِّ اشْتِهَارًا شَرَطَا ... كَذَا أَبُو حَاتِم أَيْضًا ضَبَطَا\nوَنَجْلُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ مَنْ رَوَى ... عَنْهُ ثَلَاثَةٌ أَوِ اثْنَانِ حَوَى\nمَعْرِفَةً لَهُ وَلَمَّا سُئِلَا ... عَنْ حَالِ رَاوٍ مَالِكٌ حَبْرُ الْمَلَا\nذَكَرَ لِلسَّائِلِ لَوْ كَانَ ثِقَهْ ... رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي الْمُوَثَّقَهْ\nوَابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ نَنْظُرُ ... إِنْ مَالِكٌ رَوَى لِشَيْخٍ نَأْثُرُ\nأَوْ لَا فَلَا فَنِعْمَ مِيزَانُ الأَثَرْ ... لَكِنَّ ذَا فِي الْغُرَبَا لَا يُعْتَبَرْ\nإِذْ قَدْ رَوَى عَنْ بَعْضِ مَنْ قَدْ ضُعِّفَا ... مِثْلُ أَبِي أُمَيَّةٍ فَلْتَعْرِفَا\nقَالَ أَبُو حَاتِمَ مَنْ قَدْ عُرِفَا ... بِالضُّعْفِ لم يَقْوَ بِنَقْلِ الْحُنَفَا\nوَمَنْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِالْجَهْلِ ... نَفَعَهُ نَقْلُ الثِّقَاتِ الْعَدْلِ\nكَذَا أَبُو زُرْعَةَ نَحْوَهُ ذَكَرْ ... قِيلَ عَنِ الْكَلْبِيِّ سُفْيَانُ أَثَرْ\nفَقَالَ إِنَّمَا رَوَى تَعَجُّبَا ... وَمُنْكِرًا وَمُظْهِرًا تَجَنُّبَا\nيُرْوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ ذَكَرْ ... أَرْوِي الْحَدِيثَ عَنْ ثَلَاثَةِ نَفَرْ\nعَنْ رَجُلٍ أَجْعَلُهُ دِينًا يُعِزّ ... وَرَجُلٍ أَقِفُهُ وَأَحْتَرِزْ\nوَرَجُلٍ أَسْمَعُ لَا أُبَالِي ... أُحِبُّ أنْ أَعْرِفَ لِلإِبْطَالِ\nوَنِعْمَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ هَذَا الثَّبَتْ ... فَخُذْهُ مَنْهَجًا تَكُنْ مِمَّنْ ثَبَتْ\n[فائدة]: ممن كان لا يروي إلا عن ثقة إلا نادرًا: الإمامُ أحمد، وبقيُّ بن مَخْلد، وحَريزُ بن عثمان، وسليمان بن حرب، وشعبة، وعبد الرحمن بن مهديّ، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطّان، وذلك في شعبة على المشهور، فإنه كان يتعنّت في الرجال، ولا يروي إلا عن ثبت، وإلا فقد قال عاصم بن عليّ: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدّثكم إلا عن ثقة لم أحدّثكم عن ثلاثة، وفي نسخة: ثلاثين، وذلك اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره، فيُنظر، وعلى كلّ حال، فهو لا يروي عن متروك، ولا عمن أُجمع على ضعفه. وأما سفيان الثوريّ، فكان يترخّص مع سعة علمه، وشدّة ورعه، ويروي عن الضعفاء حتى قال فيه صاحبه شعبة: لا تحملوا عن الثوريّ إلا عمن تعرفون، فإنه لا يبالي عمن حمل. ذكره السخاويّ (١).\nوممن كان لا يروي إلا عن ثقة محمد بن الوليد الزُّبيدي الحمصيّ، قال الإمام أحمد: لا يأخذ إلا عن الثقات (٢). وبكير بن عبد الله، قال أحمد بن صالح المصريّ: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل، فلا تسأل عنه، فهو الثقة، لا شكّ فيه (٣).\n_________\n(١) \"فتح المغيث\" ٢/ ٤٢.\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" ٩/ ص ٥٠٣.\n(٣) المصدر السابق ١/ ٤٩٣.","vol":"2","page":346},{"text":"وإسماعيل بن أبي خالد، قال العجليّ: لا يُحدّث إلا عن ثقة (١). وأبو كامل مُظفَّر بن مُدرك الخراسانيّ الحافظ، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعيّ الحافظ، والهيثم بن جَمِيل البغداديّ الحافظ، قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: لم يكونوا يَحملون عن كل أحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات (٢). ويحيى بن أبي كثير، قال أبو حاتم: يحيى إمام لا يُحدّث إلا عن ثقة (٣). ومنصور بن المعتمر، قال الآجرّيّ عن أبي داود: كان منصورٌ لا يروي إلا عن ثقة (٤). ووُهيب بن خالد الباهليّ، فقد قال أبو حاتم: ما أنقى حديثه؟ لا تكاد تجده يُحدّث عن الضعفاء (٥).\nوقد نظمت هؤلاء بقولي:\nمَنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ عَنْ غَيْرِ ثِقَهْ ... فِي غَالِبِ الْحَالِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ\nأَحْمَدُ يَحْيَى (٦) مَالِكٌ وَالشَّعْبِي ... بَقِيْ حَرِيزٌ مَعَهُ ابْنُ حَرْبِ\nوَنْجْلُ مَهْدِيٍّ مَعَ الْمَنْصُورِ (٧) ... يَحْيَى (٨) وَشُعْبَةُ عَلَى الْمَشْهُوَرِ\nوَابْنُ الْوَلِيدِ وَبُكَيْرٌ هَيْثَمُ ... وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ أَيَضًا يُعْلَمُ\nمُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ مَنْصُورُ (٩) ... وَقُلْ وُهَيْبٌ مَعَهُمْ مَذْكُورُ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[تنبيهات]:</span>\n(الأول): قال الحافظ -رحِمَهُ اللهُ تعالى- في \"لسان الميزان\": وممن ينبغي أن يُتَوَقّف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جرحه عداوة، سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الْجُوزَجانيّ لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك لشدّة انحرافه في النَّصْب، وشهرة أهلها بالتشيعِ، فتراه لا يتوقف في جرح مَنْ ذَكَره منهم بلسان ذَلْقَة، وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يُليِّن مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله، أو أكبر منه، فوثّق رجلًا ضعّفه قُبِل التوثيق، ويَلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نُسب إلى الرفض (١٠)، فقد ثبت جَرْحُهُ\n_________\n(١) تهذيب التهذب ٩/ ص ٥٠٣.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) المصدر السابق ١/ ٢٩٢.\n(٤) المصدر السابق ٤/ ٩٦.\n(٥) المصدر السابق ٤/ ٣٨٣.\n(٦) هو القطان.\n(٧) ابن المعتمر.\n(٨) يحيى هو ابن أبي كثير.\n(٩) هو ابن سلمة.\n(١٠) ولقد أجاد بعضهم قال فيه.\nلِابْنِ خِرَاشٍ حَالَةٌ رَذِيلَهْ ... دَارَ افِضِيٌّ جَرْحُهُ فَضِيلَهْ","vol":"2","page":347},{"text":"لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف، والتباين لهذا وغيره، فكل هذا ينبغي أن يُتَأَنَّى فيه، ويُتَأمّل، وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري -يعني ابن دقيق العيد-: أعراضُ الناس حُفْرة من حُفَر النار، وَقَفَ على شفيرها طائفتان: الحكام والمحدثون، هذا أو معناه. انتهى (١).\n(الثاني): قال الحافظ رحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا: وينبغي أن يُتأمّل أيضا أقوالُ المزكين ومخارجها، فقد يقول العدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يُحتَجُّ بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووُجِّهَ السؤالُ له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيُقرَن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يُريد أنه ليس من نمط من قُرن به، فإذا سئل عنه بمفرده بَيَّن حاله في التوسط، فمن ذلك أن الدُّوريّ قال: سئل ابن معين عن محمد بن إسحاق، فقال: ثقة، فحكى غيره عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق وليس بحجة. ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح، فقال: عقيل ثقة متقن. وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يُحمَل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل، ممن وَثَّق رجلًا في وقت وجرحه في وقت آخر، وقد يَحكُمون على الرجل الكبير في الجرح -يعني لو وُجد فيمن هو دونه لم يُجرح به، فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها؛ ليتبين منها، فالعلة تخفى على كثير من الناس إذا عُرض على ما أصلناه. انتهى (٢).\n(الثالث): قال الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا: قال ابن المبارك: مَن ذا سَلِم من الوهم؟ وقال ابن معين: لست أعجب ممن يُحَدّث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.\nقال الحافظ: وهذا أيضا مما ينبغي أن يُتوقّف فيه، فإذا جُرح الرجل بكونه أخطأ في حديث، أو وَهِمَ، أو تفرد، لا يكون ذلك جرحًا مستقرا، ولا يرد به حديثه، ومثل هذا إذا ضُعِّف الرجل في سماعه من بعض شيوخه خاصة، فلا ينبغي أن يُرَدّ حديثه كله لكونه ضعيفًا في ذلك الشيخ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا روى الثقة حديثا، وإن لم يروه غيره، فلا يقال له: شاذّ، إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على وجه، فيرويه\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" ج: ١ ص: ١٧.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"2","page":348},{"text":"بعضهم فيخالفه، فيقال: شذ عنهم، وهذا صواب، ومع ذلك فلا يَخرُج الرجل بذلك عن العدالة؛ لأنه ليس بمعصوم من الخطإ والوهم، إلا إذا بُيِّنَ له خطؤه فأَصَرَّ. انتهى (١).\n(الرابع): قال عثمان بن سعيد الدارميّ. سئل يحيى بن معين عن الرجل يُلقي الرجل الضعيف بين ثقتين، ويصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول: أنقص من الإسناد، وأصل ثقة عن ثقة، قال: لا تفعل لعلّ الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا أحسنه إذا هو أفسده، ولكن يحدث بما رَوَى. قال عثمان: كان الأعمش ربما فعل هذا.\nقال الحافظ: ظاهر هذا تدليس التسوية، وما علمتُ أحدًا ذكر الأعمش بذلك، فيُستفاد.\n(الخامس): قال أبو مصعب الزبيري: سمعت مالكا يقول: لا تَحمِل العلم عن أهل البدع كلهم، ولا تَحمِل العلم عمن لم يُعرَف بالطلب، ومجالسةِ أهل العلم، ولا تحمل العلم عمن يَكذِب في حديث النبي -ﷺ-، ولا عمن يكذب في حديث الناس، وإن كان في حديث النبي -ﷺ- صادقًا؛ لأن الحديث والعلم إذا سُمع من الرجل، فقد جُعل حجةً بين الذي سمعه وبين الله تعالى، فلينظر عمن يأخذ دينه.\nوقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ينبغي في صاحب الحديث أن يكون فيه خصال: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويَفهَم ما يقال له، ويَتَبَصَّر الرجال، ثم يتعاهد ذلك.\nوقال ابن مهدي: قيل لشعبة: مَنِ الذي يُترك حديثه؟ قال: إذا رَوَى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأكثر، طُرِح حديثه، وإذا أكثر الغلط طُرح حديثه، وإذا اتُّهِم بالكذب طُرح حديثه، وإذا رَوَى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه، فلم يَتَّهِم نفسه عليه طُرح حديثه، وأما غير ذلك فارْوِ عنه.\nوقال ابن مهدي: الناس ثلاثة: رجلٌ حافظٌ متقنٌ، فهذا لا يُختَلف فيه، والآخر يَهِم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يُترَك حديثه، ولو تُرِك حديث مثل هذا لذَهَب حديثُ الناس، والآخر يَهِم، والغالب على حديثه الوَهَم، فهذا يُترَك حديثه.\nقال الحافظ: هذا أقسام الصادقين، أما من يتعمد الكذب فلم يتعرض له ابن مهدي في هذا التقسيم.\nوقال ابن المبارك: يُكتَب الحديث إلا عن أربعة: غَلّاط لا يَرجِع، وكذّاب،\n_________\n(١) المصدر السابق.","vol":"2","page":349},{"text":"وصاحب هَوىً يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه.\nوقال الإمام أحمد: ثلاثةُ كتبٍ ليس لها أصول، وهي المغازي، والتفسير، والملاحم.\nقال الحافظ: ينبغي أن يضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات، وأما الفضائل فلا تُحصَى، كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت؟، وعارضهم جَهَلة أهل السنة بفضائل معاوية، بدأوا بفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله، وأعلى مرتبتهما عنها.\nوقال ابن قتيبة في \"اختلاف الحديث\": الحديثُ يدخله الثبوت والفساد من وجوه ثلاثة: منها الزنادقة، واحتيالهم للإسلام، وتهجينه بدس الأحاديث المستبشعة والمستحيلة، والقُصّاص فإنهم يُمِيلُون وجوهَ العوامّ إليهم، ويَستَدِرّون ما عندهم بالمناكير والغرائب والأحاديث، ومن شأن العوام ملازمة القُصّاص ما دام يأتي بالعجائب الخارجة عن نظر العقول. انتهى (١).\n(السادس): قال ابن أبي خيثمة: قلت لابن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلت لك: ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت: هو ضعيف فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه.\nوقال حمزة السهميّ: قلت للدارقطني: إذا قلتَ: فلان لَيِّن أَيْشٍ تريد به؟ قال: لا يكون ساقطًا، متروكَ الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقطه عن العدالة. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n٦ - (بَابُ صِحَّةِ الاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ، إِذَا أَمْكَنَ لِقَاءُ الْمُعَنْعِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُدَلِّسٌ)\nفال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:\n(المسألة الأولى): في تعريف \"المعنعن\":\n\"المعنعن\": اسم مفعول من عَنْعَن الحديث: إذا رواه بـ \"عن\" من غير بيان للتحديث، أو الإخبار، أو السماع. أفاده السخاويّ (٣).\n_________\n(١) \"لسان الميزان\" ج: ١ ص: ١٢.\n(٢) \"لسان الميزان\" ج: ١ ص: ١٢.\n(٣) \"فتح المغيث\" ١/ ١٨٩.","vol":"2","page":350},{"text":"ثم إن لفظة \"عن\" صيغة أداء، استُعملت في الأسانيد المتّصلة، كما أنها استُعملت في الأسانيد غير المتّصلة، وهي لا تفيد الاتصال، ولا عدمه، بل هي تستعمل فيهما معًا، إلا أن ورودها للانقطاع أكثر، فقد كثُر ورودها في الأسانيد المدلّسة والمنقطعة، واستعملها المدلّسون، والمرسِلون، قال الإمام الخطيب البغداديّ رحِمَهُ الله تعالى: وقول المحدّث ثنا فلانٌ، قال: ثنا فلان أعلى منزلة من قوله: ثنا فلان عن فلان؛ إذ كانت \"عن\" مستعملة كثيرًا في تدليس ما ليس بسماع. انتهى (١).\nوقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحِمَهُ الله تعالى في معرِض كلامه عن المدلّس-: \"ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: \"أخبرنا فلان\"، ولا \"حدّثنا\"، وما أشبهها، وإنما يقول: \"قال فلان\"، أو \"عن فلان\"، ونحو ذلك.\nفالإتيان بلفظة \"عن\" فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة معروف، ومشتهر عند المحدثين، وهو من عادتهم في الرواية بالعنعنة (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في قبول الإسناد المعنعن:\n(اعلم): أن الذي يتّضح اتصاله من الحديث هو الذي قال فيه ناقله: \"سمعت فلانا\"، أو \"حدثنا\"، أو \"أنبانا\"، أو \"نَبّأنا\"، أو \"أخبرنا\"، أو \"خَبَّرنا\"، أو \"قرأ علينا\"، أو \"قرأنا\"، أو \"سمعنا عليه\"، أو \"قال لنا\"، أو \"حَكَى لنا\"، أو \"ذَكَر لنا\"، أو \"شافهنا\"، أو \"عرض علينا\"، أو \"عرضنا عليه\"، أو \"ناولنا\"، أو \"كَتَب لنا\"، إذا كتب له ذلك الشيء بعينه، وكان يَعرِف خط الكاتب إليه، وفي اعتماده على إخبار الْمُوصِل الثقة بأنه خطه وكتابه، -ثم الأصح جواز إلغاء الواسطة، وإن كان الأحوط اعتبارها، وتبيين الحالة كما وقعت- أو ما أشبه ذلك من العبارات المثبتة للاتصال النافية للانفصال.\nفهذه كلها لا إشكال في اتصالها لغةً وعرفًا، إذا كان الطريق كله بهذه الصفة، وإن خالف بعضهم في بعضها.\nوهذا كله قبل أن يَشِيع اختصاص بعض هذه الألفاظ بالإجازة المعينة أو المطلقة، على ما هو معلوم من تفاصيل مذاهب المحدثين في ذلك، ومن تخصيص بعض هذه الألفاظ ببعض الصور تمييزًا لأنواع التحمل، وتحرزًا من الراوي تَظهَر به نَزَاهته على ما هو مفسر في مواضعه.\n_________\n(١) \"الكفاية في علم الرواية\" ص ٣٢٥ - ٣٢٦.\n(٢) \"السنن الأبين\" لابن رُشَيد ص ٢٢، و\"النكت على ابن الصلاح\" لابن حجر ٢/ ٥٨٤.","vol":"2","page":351},{"text":"ثم يتلو ما تقدّم ما شاع استعماله لدى الْمُسنِدين، وذاع في عرف المحدثين، عند طلب الاختصار من استعمال \"عن\" في مَعرِض الاتصال، وهو الذي قصدنا تحقيقه الآن. (١).\nقال أبو عبد الله بن رُشَيد رحِمَهُ الله تعالى:\n(اعلم): أن الإسناد المعنعن، وهو ما يقال فيه: فلان عن فلان، مثل قولنا: مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن رسول الله -ﷺ- المنقول فيه عن المتقدمين أربعة مذاهب، وحدث للمتأخرين فيه مصطلح خامس.\n(فالمذهب الأول): مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يُعَدّ متصلا من الحديث إلا ما نُصّ فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره. حكاه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀، ولم يُسَمِّ قائله، ولفظ ما حكاه: \"فلان عن فلان، عَدَّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره\".\nقال ابن رُشَيد: وهذا المذهب وإن قَلّ القائل به بحيث لا يُسَمّى ولا يُعلَم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط، وحجته أن \"عن\" لا تقتضي اتصالا لا لغةً ولا عرفًا، وإن توهم مُتوهِّم فيها اتصالا لغةً فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه.\nتقول: أُخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلا بالمحل المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال الراوي بالمروي عنه، وما عُلم منهم أنهم يأتون بـ \"عن\" في موضع الإرسال والانقطاع يَخْرِم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يُحكَم بالإرسال؛ لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه.\nقال ابن رُشَيد: وكان ينبغي لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال، بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراد هذا القائل، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يَقِفُون الخبرَ ولا يكون عندهم موضعَ حجة؛ لإمكان الإرسال فيه، وإن هذا القصد ليلوح من قول هذا القائل حتى يتبين اتصاله بغيره، ولكن صدر الكلام يأباه لقوله عَدّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، وكأن في ربط العجز بالصدر تنافرا ما إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين، بل جميعهم، وهو الذي لا إشكال في أن أحدا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار -كما قال مسلم ﵀- ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك، وشعبة بن\n_________\n(١) راجع ما كتبه ابن رُشيد رحِمَهُ الله تعالى في رسالته \"السنن الأبين\" ج: ١ ص: ٤٣.","vol":"2","page":352},{"text":"الحجاج، ومن سَمَّى معهم لا يَشتَرطه، ولا يَبحَث عنه، ولو اشتُرِط ذلك لضاق الأمر جدّا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير، إلا أن الله تعالى أتاح الإجماع عصمةً لذلك، وتوسعة علينا -والحمد لله-.\nفهذا المذهب المجهول قائله لا يُعَرَّج عليه، ولا يُلتَفتُ إليه.\nوقد تولى الإمام أبو عمرو بن الصلاح رَدَّ هذا المذهب الذي حكاه، وقال: إن الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، قال: وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه، وقَبِلُوه (١).\nوقد نقل أيضا هذا المذهب مبهما لقائله أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرّامَهُرْمُزِيّ ت (٣٦٠ هـ) في كتاب \"المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي\"، فقال: قال بعض المتأخرين من الفقهاء: كلُّ مَنْ رَوَى من أخبار النبي -ﷺ- خبرا، فلم يقل فيه: \"سمعته\"، ولا \"حدثنا\"، ولا \"أنبأنا\"، ولا \"أخبرنا\" ولا لفظة توجب صحة الرواية، إما بسماع أو غيره، مما يقوم مقامه فغير وأجب أن يُحكَم بخبره. وإذا قال: \"نا\"، أو \"أنا فلان عن فلان\"، ولم يقل: \"نا فلان أن فلانا حدثه\"، ولا ما يقوم مقام هذا من الألفاظ، احتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يسمه؛ لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: \"حُدِّثنا عن النبي -ﷺ- بكذا وكذا\"، و\"فلان حدثنا عن مالك والشافعي\"، وسواء قيل ذلك ممن عُلِم أن المخاطب لم يره، أو ممن لم يُعلَم ذلك منه؛ لأن معنى قوله: \"عن\" إنما هو أَنَّ رَدَّ الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة، مُستَعمل بين الناس. قال: وهذا هو العلة في المراسيل. قال: وقد نظم هذا بعض المتأخرين شعرا، فقال [من الخفيف]:\nيَتَأَدَّى إِلَيَّ عَنْكَ مَلِيحٌ ... مِنْ حَدِيثٍ وَبَارِعٌ مِنْ بَيَانِ\nفَلِهَذَا اشْتَهَتْ حَدِيثَكَ أُذْنَايَ ... وَلَيْسَ الإِخْبَارُ مِثْلَ الْعِيَانِ\nبَيْنَ قَوْلِ الْفَقِيهِ \"حَدَّثنَا سُفْـ ... يَانُ فَرْقٌ وَبَيْنَ عَنْ سُفْيَانِ\nانتهى كلام ابن خلاد (٢).\nقال ابن رُشيد: وقد رددنا هذا المذهب بما فيه الكفاية، وإذ بان أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين، فهو مسبوق بإجماع علماء الشأن. والله الموفق.\n_________\n(١) \"مقدّمة ابن الصلاح\" ص ٨٣ بحاشية \"التقييد والإيضاح\".\n(٢) \"المحدّث الفاصل\" ص ٤٥٠.","vol":"2","page":353},{"text":"وقد بَيّن ذلك أبو عُمَر بن عبد البر بما حكاه من الإجماع، بعد أن ذكر بإسناده عن وكيع قال: قال شعبة: \"فلان عن فلان\" ليس بحديث، قال وكيع: وقال سفيان: هو حديث. قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان (١).\nقال ابن رُشَيد: وما نقله مسلم ﵀ عن العلماء الذين سَمَّى، ومن جملتهم شعبة من أنهم لا يتفقدون ذلك يدلك -أيضا- على رجوع شعبة كما ذكر أبو عمر.\nفقد بان أنه لا يُعلَم لمتقدم فيه خلاف إذا جَمَعَ رواته العدالة واللقاء والبراءة من التدليس، وأن شعبة رجع عن قوله:\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى رجوع شعبة تحتاج إلى بيّنة، ولم يذكر ابن عبد البرّ، ولا غيره لذلك دليلًا، فإن تشديد شعبة في البحث عن السماع مشهور، فقد أخرج ابن أبي حاتم في \"مقدمة الجرح والتعديل\" عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن بيع الولاء وعن هبته\"، قال شعبة: قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعته منه؟، قال: نعم سأله ابنه عنه. ثم أخرج أنه قيل لسفيان: إن شعبة استحلف عبد الله بن دينار، قال سفيان: لكنا لم نستحلفه، سمعناه مرارًا (٢).\nوأخرج الخطيب في \"الكفاية\" من طريق أبي داود الطيالسيّ، وقراد، أنهما سمعا شعبة يقول: كلّ حديث ليس فيه \"سمعت\"، فهو خلّ وبقل (٣).\nفرجوع شعبة عن هذا المذهب يحتاج إلى بيّنة واضحة. والله تعالى أعلم.\nوقال الحافظ أبو عمرو المقرىء: وما كان من الأحاديث المعنعنة التي يقول فيها ناقلوها: \"عن، عن\" فهي -أيضا- مسندة متصلة بإجماع أهل النقل، إذا عُرف أن الناقل أدرك المنقول عنه إدراكا بَيِّنًا، ولم يكن ممن عُرِف بالتدليس، وإن لم يذكر سماعا، إلا أن قوله: \"إدراكا بينا\" فيه إجمال، وسنستوفي الكلام عليه في ذكر المذهب الثالث بحول الله تعالى.\n(المذهب الثاني): وهو أيضا من مذاهب أهل التشديد، إلا أنه أخف من الأول، وهو ما حكاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح قال: \"وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يُشترط طول الصحبة بينهم\" (٤).\nقال ابن رُشيد: وهذا بلا ريب يتضمن السماع غالبا لجملة ما عند المحدث أو\n_________\n(١) راجع \"التمهيد\" ١/ ١٣.\n(٢) \"مقدّمة الجرح والتعديل\" ١/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(٣) \"الكفاية\" ص ٢٨٣.\n(٤) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص: ٨٨. و\"صيانة صحيح مسلم\" ص: ١٣١.","vol":"2","page":354},{"text":"أكثره، ولا بُدّ مع هذا أن يكون سالما من وَصْمَة التدليس.\nوحجة هذا المذهب هي الأولى بعينها، ولكنه خَفّف في اشتراك السماع تنصيصا في كل حديث حديث؛ لتعذر ذلك، ولوجود القرائن المفهمة للاتصال، من إيراد الإسناد، وإرادة الرفع بعضِهم عن بعض عند قولهم: \"فلان عن فلان\" مع طول الصحبة.\n(المذهب الثالث): اشتراط ثبوت السماع، أو اللقاء (١) في الجملة، لا في حديث حديث.\nقال ابن رشيد: وهو مذهب متوسط، وهو رأي كثير من المحدثين، منهم: الإمام أبو عبد الله البخاريّ، وشيخه أبو الحسن علي بن المديني، وغيرهما. نقل ذلك عنهم القاضي أبو الفضل عياض (٢) وغيره، وهذا هو الصحيح من مذاهب المحدثين، وهو الذي يَعضِدُه النظر، فلا يُحمَل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يُعلَم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدا، وما لم يُعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع، أو التحديث، أو ما أشبههما، من الألفاظ الصريحة، إذا أخبر بها العدل عن العدل.\nوحجة هذا المذهب أيضا ما تقدم من إجماع جماهير النقلة على قبول الإسناد المعنعن، وإيداعه في كتبهم التي اشترطوا فيها إيراد الصحيح، مع ما تقرر من مذاهبهم أن المرسل لا تقوم به حجة، وأنهم لا يُودعون فيها إلا ما اعتقدوا أنه مسند.\nقال أبو عمر بن عبد البر الحافظ الإمام: \"وجدت أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطا ثلاثة: عدالتهم، ولقاء بعضهم لبعض مجالسةً ومشاهدةً، وبراءتهم من التدليس\".\nقال أبو عمرو بن الصلاح الإمام الناقد: \"والاعتماد في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور إنما هو على اللقاء والإدراك\".\nقال ابن رُشيد: ولقد كان ينبغي من حيث الاحتياط أن يُشتَرط تحقق السماع في\n_________\n(١) هكذا عبارة بن رُشيد بـ \"أو\"، لكن الذي يقتضيه سياق كلام مسلم ﵀ أن هذا المذهب يشترط اللقاء مع السماع، وهو الذي يقتضيه تحقيق ابن رُشيد في كلامه الآتي، فعلى هذا الأولى أن تكون \"أو\" هنا بمعنى الواو. والله تعالى أعلم.\n(٢) قال في \"إكمال المعلم\": والقول الذي ردّه مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: عليّ بن المدينيّ والبخاري وغيرهما.","vol":"2","page":355},{"text":"الجملة، لا مطلق اللقاء فكم من تابع لقي صاحبا، ولم يسمع منه، وكذلك من بعدهم.\nوينبغي أن يُحمَل قولُ البخاري وابن المديني (١) على أنهما يريدان باللقاء السماع.\nوهذا الحرف لم نجد عليه تنصيصا يُعتَمد، وإنما وُجدَت ظواهرُ محتملة أن يحصل الاكتفاء عندهم باللقاء المحقق، وإن لم يُذكَر سماع، وأَن لا يحصل الاكتفاء إلا بالسماع، وأنه الأليق بتحريهما، والأقرب إلى صوب الصواب، فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنى واحدا.\nوفي قول مسلم حاكيا للقول الذي تولى رده ما يقتضي الاكتفاء بمجرد اللقاء، حيث قال في تضاعيف كلامه: \"ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث\".\nفظاهر هذا الكلام أن أحدهما بدل من الآخر، وأن \"أو\" للتقسيم، لا بمعنى الواو، وقد أتى به أيضا في أثناء كلامه بالواو، فقال: \"وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام\"، وكرره أيضا بالواو، فقال: \"ثم أدخلت فيه الشرط، فقلت: حتى نَعلَم أنهما قد كانا قد التقيا مرة فصاعدا وسمع منه شيئا\". وهذا أبين ألفاظه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون \"أو\" في كلام مسلم بمعنى الواو هو الحقّ؛ لأن من تأمل كلامه من أوله إلى آخره بإنصاف وإمعان يتبيّن له أنه يريد بـ \"أو\" معنى الواو.\nوالحاصل أن المواضع التي وقع فيها الاقتصار على اللقاء فقط محمولة على لقاء معه سماع، فتبصّر بالإمعان، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم بالصواب.\nوقال الحافظ أبو عبد الله المعروف بابن البَيِّع الحاكم في كتاب \"معرفة علوم الحديث\" له في (النوع الحادي عشر) منه: \"المعنعن بغير تدليس متصل بإجماع أهل النقل، على تورع رواته عن التدليس\".\nوقال الفقيه المحدث أبو الحسن القابسي: \"وكذلك ما قالوا فيه: \"عن، عن\" فهو أيضا من المتصل إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكا بَيّنا، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس.\n_________\n(١) اقتصاره في عزو هذا القول إلى البخاريّ وابن المدينيّ فقط محلّ نظر؛ إذ لا يخصّهما، بل غيرهما ممن سبقهما، أو عاصرهما قائل به، وإن كان كلام مسلم يدل على خلافه، لكن الصواب أنه رأي جمهور السلف، بل لا يبعد -كما قال ابن رجب- أن يكون إجماعًا منهم، فتبصّر.","vol":"2","page":356},{"text":"قال ابن رُشيد: وقولهما معا لا يخلو من إجمال، إذ لا بد أن يكون مراد الحاكم ثبوت المعاصرة أو السماع، إذ لا يقبل معنعن من لم تصح له معاصرة، فلا بد من قيد. وكأنه اكتفى عنه بقوله: \"على تورع رواته عن التدليس\".\nوقد سبق له في كتابه هذا في (النوع الرابع) منه في معرفة المسانيد من الأحاديث تقييد ذلك بما نصه: \"والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسن محتملة، وكذلك سماع شيخ من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور، إلى رسول الله -ﷺ-\".\nإلا أن هذا الموضع من كتاب الحاكم فيه اضطراب بين رواته، فرُوي كما ذكرناه بـ \"سن محتملة\"، وعند ابن سعدون \"بسن يحتمله\". والمعنى واحد: أي أنه يُكتفَى في ظهور السماع بكون السن تحتمل اللقاء، ومعنى هذا يُكتَفَى بالمعاصرة، وإلى هذا المعنى ذهب مسلم ﵀ حيث قال: \"وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه؛ لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بَيّنّا. انتهى.\nوإلى هذا المعنى أيضا ذهب الحافظ أبو عَمْرٍو المقرىء الداني في جزء له، وضعه \"في بيان المتصل والمرسل والموقوف والمنقطع\"، فقال: \"المسند من الآثار الذي لا إشكال في اتصاله، هو ما يرويه المحدث عن شيخ يَظهَر سماعه منه بِسِنٍّ يحتملها، وكذلك شيخه عن شيخه، إلى أن يصل الإسناد إلى الصحابي، إلى رسول الله -ﷺ-\".\nفهذا موافق ظاهره لهذه الرواية. وقد يحتمل أن يكون مراده بقوله: \"يظهر سماعه بسن تحتمله\" أي أنه يُعلَم السماع بقوله، وتكون سنه تُصَدِّقُ ذلك. والله أعلم.\nقال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال -إن صحّت النسخة- هو الأولى، والأقوى. والله تعالى أعلم.\nويروى أيضا كلام الحاكم: \"يَظهَر سماعه منه، ليس يحتمله\". قال ابن رُشيد: وهكذا قرأته بخط خَلَف بن مُدبر في أصله، وذَكَر في صدر كتابه: أنه رَوَى الكتاب عن الباجي والعذري. قال: وهذه الرواية عندي أظهر، وعليها يدل كلامه بعدُ عند التمثيل.","vol":"2","page":357},{"text":"وظاهر الكلام أيضا مُشعر بذلك من حيث قرينة المطابقة، حيث قال: \"يَظهر سماعه\"، فهذا إثبات لظهور السماع، ثم أكّد ذلك بقوله: \"ليس يحتمله\"، فنَفَى أن يُكتفَى بمجرد الاحتمال من حيث المعاصرة، بل لا بدّ أن يكون السماع ظاهرا معلومًا، والتمثيل يدل على صحة هذا، فإنه قال: \"ومثال ذلك ما حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك ببغداد، قال: نا الحسن بن مكرم، قال: نا عثمان بن عمر، قال: نا يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعه رسول الله -ﷺ-، فخرج حتى كَشَفَ سِجْف حُجرته، فقال: \"يا كعب ضَعْ من دينك هذا\"، وأشار إليه: أي الشطر، قال: نعم، فقضَاه.\nقال الحاكم أبو عبد الله: وبيان مثال ما ذكرته أن سماعي من ابن السماك ظاهر، وسماعه من الحسن بن مُكرَم ظاهر، وكذلك سماع الحسن بن عثمان بن عمر، وسماع عثمان من يونس بن يزيد، وهو عالٍ لعثمان، ويونس معروف بالزهري، وكذلك الزهري ببني كعب بن مالك، وبنو كعب بأبيهم، وكعب برسول الله -ﷺ-، وصحبته. انتهى ما أردناه من كلام الحاكم.\nقال ابن رُشيد: وأما لفظ القابسي فيمكن أن يريد به ثبوت المعاصرة البينة، وهو أظهر احتماليه فيه، ويمكن أن يريد طول الصحبة، فيكون موافقا لما ذكره أبو المظفر السمعاني.\nوحَكَى ابنُ عبد البر عن جمهور أهل العلم \"أنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة\". (١).\nقال ابن الصلاح: يعني مع السلامة من التدليس.\nقال ابن رُشيد: هذا ما حضرنا من النقل عن أئمة هذا الشأن، وأما من حيث النظر فكان الأصل -كما قدمنا- أن لا يُقبَل إلا ما عُلِم فيه السماع حديثا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل لاحتمال الانفصال، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تَتَبُّع طلب لفظ صريح في الاتصال يَعِزّ وجوده، وأنه إذا ثبت اللقاء (٢) ظُنّ معه السماع غالبًا، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فمن بعدهم استغنَوا كثيرًا بَلفظ \"عن\" في موضع \"سمعت\"، و\"حدثنا\"، وغيرهما من الألفاظ الصريحة في الاتصال اختصارًا، ولَمّا عُرِف من عرفهم الغالب في ذلك، وأنه لا يَضعُها في محل الانقطاع عمن عُلِم سماعُهُ منه\n_________\n(١) \"التمهيد\" ١/ ٢٦ وتمام كلامه فيه: فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأيّ لفظ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تَتَبَيّنَ فيه علّة الانقطاع. انتهى.\n(٢) الحقّ أن حوار مسلم مع من يشترط اللقاء، والسماع، لا اللقاء فقط، فتنبّه.","vol":"2","page":358},{"text":"لغير ذلك الحديث بقصد الإيهام إلا مُدَلِّسٌ يوهم أنه سمع ما لم يسمع أَنَفَةً من النزول، أو لغير ذلك من الأغراض التي لا يخلو أكثرها من كراهة، فانتهض ذلك مُرَجِّحًا لقبول المعنعن عند ثبوت اللقاء (١).\nلا يقال: إن غير المدلس قد يقول: \"عن\" في محل الإرسال، ولا يُعدّ بذلك مدلسا؛ لأنه قد عُلم من مذهبه أنه لا يدلس.\nلأنا نقول في الجواب: إن غير المدلس لا يفعله إلا فيما عُلِم أنه لم يسمعه لتحقق عدم المعاصرة، كما يقول التابعي أو تابعه أو من بعدهما: \"روينا عن رسول الله -ﷺ- كذا\"، فهذا معلوم أنه بلاغ، فلا يوهم ذلك سماعا، فعَدَل عن العرف إلى عام اللغة، مكتفيا بقرينة عدم اللقاء والسماع، كما عَدَل هناك إلى خاص الاصطلاح، مكتفيا بقرينة معرفة السماع.\n[فإن قيل]: قد وُجِد الإرسال من الصحابة -﵃-، وممن بعدهم، ممن يُعلَم أو يُظَنّ أنه لا يدلس عمن لقيه، وسمع منه.\n[قلنا]: أما حال الصحابة -﵃- في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس، فتحتمل وجوها:\nمنها: أن يكونوا فعلوا ذلك اعتمادا على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أُمِنَ، يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك -﵁-، ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في \"تاريخه\" قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا: نا حماد بن سلمة، عن حميد: أن أنسا -﵁- حدثهم بحديث عن رسول الله -ﷺ-، فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله -ﷺ-، فغَضِبَ غضبًا شديدًا، وقال: والله ما كل ما نُحدّثكم سمعنا من رسول الله -ﷺ-، ولكن كان يُحدِّث بعضنا بعضًا، ولا يَتّهِم بعضنا بعضًا.\nقال ابن رُشيد: ولذلك قَبِلَ جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين، وإنما خالف في ذلك بعض من تأصّل من المحدثين المتأخرين مراسيلَ الصحابة -﵃-، وعلى القبول محققو الفقهاء والأصلين.\nومنها: أن يكونوا أَتَوْا بلفظ: \"قال\"، أو \"عن\"، ولفظ \"قال\" أظهر؛ إذ هو مَهْيَع الكلام (٢) قبل أن يَغلِب العرف في استعمالهما للاتصال.\n_________\n(١) قد عرفت أن حوار مسلم مع من يشترط اللقاء والسماع، لا اللقاء فقط، فتنبّه.\n(٢) \"المهيع\" بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح الياء التحتانيّة بوزن مَقْعَد: البَيّن، يقال: طريق مهيعٌ: أي بيّنٌ. أفاده في \"القاموس\".","vol":"2","page":359},{"text":"ومنها: أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة، مُفهِمة للإرسال، مع تحقق سلامة أغراضهم، وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين، وأغراضهم.\nومنها: أن يكونوا أَتَوا بلفظ مُفهم لذلك، فاختصره مَنْ بعدهم؛ لثقة جميعهم، ولعل قول كثير من التابعين عمن يروون عنه من الصحابة: \"يَنمِي الحديث إلى رسول الله -ﷺ-\" أو \"يَبلُغ به النبي -ﷺ- \"، أو \"يَرْفَعُه\"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ عبارةٌ عن ذلك.\nوأما مَن سوى الصحابة فإنما فَعَلَ ذلك من فعله منهم بقرينة مُفهمة للإرسال في ظنه، وإلا عُدَّ مدلسًا.\nوأما المعاصر غير الملاقي إذا أَطلَق \"عن\" فالظاهر أنه لا يُعَدُّ مدلسًا، بل هو أبعد عن التدليس؛ لأنه لم يُعرَف له لقاء ولا سماع، بخلاف مَن عُلِم له لقاء أو سماع.\nوبالجملة فلولا ما فُهِم قَصدُ الإيهام بالإفهام من جماعةٍ من الأعلام ما جاز أن يُنسَبوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مُرسِلين كما عُدَّ مَن تُحُقِّق منه أنه لا يُدَلِّس إذا أرسل. ورَحِم الله إمام الأئمة، وعالم المدينة، أبا عبد الله مالك بن أنس، حيث استعمل لفظ البلاغ، وجانب الألفاظ الموهمة، فلله دَرُّهُ، ما أجمل مقاصده، وأرضى مذاهبه.\nقال ابن رُشيد بعد ذكر ما تقدّم: هذا تقرير دليل هذا المذهب وتحريره، وهو أرجح المذاهب، وأوسطها.\nفَلا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ\nوقرر الحافظ أبو عمرو بن الصلاح هذا الدليل بما لا يَسْلَم معه من الاعتراض، فإنه قال: \"ومن الحجة في ذلك أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسًا، والظاهر السلامة من وصمة التدليس، والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس\". انتهى.\nقال ابن رُشيد: وهذا الذي قرره ينتقض بأقوام عنعنوا مرسلين، ولم يُعَدُّوا مدلسين، كما ذكر مسلم ﵀ من \"أن الأئمة الذين نقلوا الأخبار كانت لهم تاراتٌ يُرسلون فيها الحديث إرسالا، ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا، فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا\".\nفإذا قرر هذا الدليل كما قررناه نحن انزاح قول من قال: إنه لا يُقبَل إلا ما نُصَّ فيه على السماع رجلا رجلًا، وحديثا حديثًا، محتجا بأنهم يأتون بـ \"عن\" في موضع الإرسال والانقطاع، واضمحلت شبهته بما بيناه من أن غير المدلس إنما يفعله حيث","vol":"2","page":360},{"text":"يُعلَم منه، أو يفهم عنه أنه بلاغ لا سماع، ومتى أَبْهَم، فأوهم قصدًا منه لذلك عُدَّ مدلسًا.\nولا يُخَلِّص الإمامَ أبا عمرو الاحتراسُ بقوله: \"والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس\"؛ لأنا نقول: وكذلك فَرْضُنا نحن الكلامَ إنما هو فيمن لم يُعرَف بالتدليس، أما من عُرف بالتدليس فمعرفته بذلك كافية في التوقف في حديثه، حتى يتبين الأمر.\nوإنما اعترضنا قَوْلَهُ: \"أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينهما مدلسًا\"، فإن هذا لا يلزم؛ لإمكان وسط بينهما، وهو كونه مرسلا، فليس بمجرد العنعنة من غير ذكر الواسطة يُعَدُّ مدلسًا، بل بقصد إيهام السماع فيما لم يسمع، وكأن الإمام أبا عمرو استشعر النقض، فَرَامَ الاحتراسَ منه بقوله: \"والكلام فيمن لم يُعرَف بالتدليس\".\nومع ذلك فيصح أن يقال: لا يلزم من قوله: \"لم يُعرَف بالتدليس\" أن يُعرَف بالسلامة منه، بل الأمر محتمل، لكن حُمِلَ على السلامة؛ لأنها الغالب، وهو الذي أراد الإمام أبو عمرو بقوله: \"والظاهر السلامة من وصمة التدليس\".\nهذا هو الفيصل في هذه المسألة، وهذه نكتة نفيسة تَكشِف لك حجاب الإشكال، وتوضح الفرق بين من عنعن فَعُدَّ مُرْسِلًا، ومن عنعن فَعُدَّ مُدَلِّسًا.\n(المذهب الرابع): أنه لا يشترط في الحكم بالاتصال في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط، والسلامة من التدليس، عُلِم السماع أو لم يعلم، إلا أن يأتي ما يُعارض ذلك، مثل أن يُعلَم أنه لم يسمع، أو لم يلق المنقول عنه، ولا شاهده، أو تكون سِنُّهُ لا تقتضي ذلك.\nقال ابن رُشيد: وهذا المذهب الرابع هو الذي ارتضاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ في مقدمة كتابه \"المسند الصحيح\"، وهو المذهب الذي استدل عليه، وادعى فيه الإجماع، وعُرْفَ المحدثين، وأنكر قول من خالفه إنكارًا شديدًا بألفاظ مخشوشنة، ومعان مستوبلة، وجعل القائل به خارقًا للإجماع، ظنّا منه -﵀- أنه خلاف في موضع الإجماع، وموضع الإجماع لا يُسَلَّم له إنه يتناول محل النزاع، حسبما يتبين بَعْدُ- إن شاء الله تعالى.\nقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: \"وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة \"صحيحه\" على بعض أهل عصره، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع (١)، وادَّعَى أنه\n_________\n(١) بل زاد ثبوت السماع أيضًا، كما أسلفناه، فلا تغفُل.","vol":"2","page":361},{"text":"قول مخترع، لم يُسبَق قائله إليه، وأنَّ القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثًا، أنه يَكفِي في ذلك أن يحبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها\". قال: \"وفيما قاله مسلم نظر\"، ثم قال: \"وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما (١). انتهى.\nقال ابن رُشيد: وقد تبع مسلما على مذهبه فرقة من المحدثين، وفرقة من الأصليين، منهم: القاضي الإمام أبو بكر بن الطيب الباقلاني المالكي -فيما حكاه القاضي أبو الفضل عنه- وأبو بكر الشافعي الصيرفي -فيما حكى ابن الصلاح عنه- أنه قال: \"كل من علم له سماع من إنسان، فحدث منه فهو على السماع، حتى يُعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه، وكل من عُلِم له لقاء إنسان، فحدث عنه فحكمه هذا الحكم\"، قال: \"وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه\".\nقال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل ابن رُشيد كلام الصيرفيّ، وعدّه ممن تبع مسلمًا في مذهبه، لكن من أين له ذلك؟، فإن هذا الكلام صريح فيمن له سماع أو لقاء، لا فيمن عاصر فقط، فليُتَنبّه. والله تعالى أعلم.\nقال ابن رشيد: ولا شك أنه مذهب مُتَساهَل فيه، نعم لو علمنا من كل واحد واحد من رواة ذلك الحديث أنه لا يُطلِق \"عن\" إلا في موضع الاتصال، ولا يُجيز غير ذلك، أو صح فيه إجماع من الرواة كلِّهم، وعُرِف لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يثبت، نعم قد يُسلّم المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكم به مطلقا؛ لوجود الاحتمال.\nقال الجامع: قوله: \"مذهب مُتساهَلٌ فيه\" إن أراد به ما نقله عن مسلم ومن قال بقوله فمسلم، وإن أراد ما نقله عن الصيرفيّ، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه هو المذهب الذي عزاه إلى البخاريّ ومن معه، إذ عزا إليهم اشتراط اللقاء، وهو عين ما نقله عن الصيرفيّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n(المذهب الخامس): اصطلاحٌ حَدَثَ عند المتأخّرين.\nقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وكَثُرَ في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال \"عن\" في الإجازة، فإذا قال أحدهم: \"قرأت على فلان عن فلان\"،\n_________\n(١) وقد سبق هذا الكلام للقاضي عياض، فلا تنسَ.","vol":"2","page":362},{"text":"أو نحو ذلك فَظُنَّ (١) به أنه رواه عنه بالإجازة. قال: \"ولا يُخرجه ذلك من قبيل الاتصال على ما لا يخفى.\nقال ابن رُشيد: وهذا اصطلاحٌ تواضع عليه قومٌ فلا نحتاج له إلى تكلف احتجاج، وكأن هؤلاء استشعروا أن الإجازة آخذة بشوب من الانقطاع، إذ لابد في الإجازة المجردة عن المناولة لذلك الشيء بعينه، أو كتابته بعينه من الاعتماد على الوجادة، أو بلوغ ذلك إليه بنقل الآحاد العدول، أو الاستفاضة، أو التواتر، فكأنهم رأوا أن إلغاء الْمُبَلِّغ يُدخِله شوبًا من الإرسال، فلذلك استعملوا فيها \"عن\" التي قد تستعمل في الإرسال، على أن الإمام أبا عمرو بن الصلاح أبي أن يكون في الإجازة انقطاع، وقال: \"ليس في الإجازة ما يَقدَح في اتصال المنقول بها، وفي الثقة به\".\nقال ابن رُشيد: وما اختاره هو الذي لا يَتّجِه غيره عند مُجِيزي الإجازة المطلقة، وجاعليها إخبارا في الجملة، وهو الذي اعتمده الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، فإنه يقول -فيما يروي بالإجازة-: أخبرنا مطلقا من غير ذكر إجازة؛ لأنه يراها إخبارا في الجملة زَمَنَ الإجازة، ثم يحصل العلم له بالتفصيل في ثاني حال. انتهى المقصود من كلام ابن رُشيد رحِمَهُ الله تعالى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: بعد أن قدمنا مذاهب أهل العلم في حكم العنعنة، كالتمهيد لبيان كلام المصنّف رحِمَهُ الله تعالى، فلنورد كلامه في ذلك مفصّلًا مشروحًا، فنقول: قال رحِمَهُ الله تعالى:\n(وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ، مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا، فِي تَصْحِيحِ الْأَسَانِيدِ، وَتَسْقِيمِهَا، بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ، وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا، لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا، وَمَذْهَبًا صَحِيحًا، إِذِ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ، وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ، وَالْأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ، وَرَدَّ مَقَالَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ، وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ-)\n_________\n(١) أمر بالظنّ: أي ظُنّ أيها المحدث بذلك الإطلاق أنه أراده الإجازة.\n(٢) راجع رسالته \"السَّنَن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن\" ٤١ - ٧٢.","vol":"2","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحِمَهُ الله تعالى أنه قد تكلّم بعض المعاصرين له ممن يدّعي علم الحديث، وليس هو من أهله في زعمه في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بكلام لا ينبغي أن يُذكَر، ويُشاع، بل الأليق به أن يُعرض عنه صفحًا؛ لأن الإعراض عن القول الباطل أليق بإماتته، وإسقاط ذكر قائله؛ لئلا يكون في إشاعته تنبيها للجهّال عليه، لكن لَمّا خشي من سوء عواقبه، حيث إن الجهال يكثر فيهم الاغترار بالأمور المحدثة، ويسرعون إلى اعتقاد أخطاء المخطئين، والأقوال الساقطة عند أهل العلم، رأى الكشف عن فساد قول هذا القائل، والردَّ على مقالته بقدر ما يليق بها من الردّ أنفع للناس، وأحسن عاقبةً. هذا حاصل كلامه رحِمَهُ الله تعالى.\n[تنبيهات]:\n(الأول): أنه لم يصرّح الإمام مسلم رحمه الله تعالى في محاورته بهذا الشخص الذي أراده، بل أبهمه، وقد اختلف الناس في تخمينه، فقيل: يعني البخاريّ، وممن قال بهذا الصنعانيّ، وبعض المتأخرين، وهذا يردّه ما سبق أن مسلمًا فرغ من كتابه قبل لقائه البخاريّ؛ لأنه فرغ منه سنة (٢٥٠ هـ) وقد قال الحاكم أبو عبد الله: أول ما ورد البخاريّ نيسابور سنة تسع ومائتين، وكانت سنه حينئذ (١٥) سنة، ووردها في الأخيرة سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين يحدّث على الدوام. انتهى.\nومن المعلوم أن مسلما إنما لازمه في وروده الأخير بعد أن أكمل تأليف كتابه، فتبيّن بهذا أنه ما قصد البخاريّ في هذه المهاجمة الشديدة.\nوقيل: أراد به البخاريّ وشيخه ابن المدينيّ، وهو ظاهر كلام الذهبيّ، وصرّح به سبط بن العجميّ، وفيه ما سبق في القول الذي قبله.\nوقيل: أراد به ابن المدينيّ فقط، وإليه مَيلُ ابن كثير، وأيّده البلقينيّ، وعبارة ابن كثير: قيل: إنه يريد البخاريّ، والظاهر أنه يريد علي بن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك في أصل صحّة الحديث، وأما البخاريّ فإنه لا يشترطه في أصل الصحّة، ولكن التزم ذلك في كتابه \"الصحيح\" انتهى (١).\nوقال البلقينيّ: قيل: يريد مسلم بذلك البخاريّ، إلا أن البخاريّ لا يشترط في أصل الصحّة، ولكن التزمه في \"جامعه\"، أو لعله يريد ابن المدينيّ، فإنه يشترط ذلك\n_________\n(١) \"اختصار علوم الحديث\" ص ٥٦ بنسخة \"الباعث الحثيث\".","vol":"2","page":364},{"text":"في أصل الصحّة. انتهى (١).\nوهذا الرأي ردّه الحافظ ابن حجر، وهو الخبير بمنهج الإمام البخاريّ وشرطه في \"الصحيح\"، فقال: ادّعى بعضهم أن البخاريّ إنما التزم ذلك في \"جامعه\"، لا في أصل الصحّة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحّة عند البخاريّ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في \"تاريخه\" بمجرّد ذلك. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله بعضهم: الظاهر أن مسلمًا لم يقصد إلا إحقاق ما هو حقّ عنده، وردّ ما بلغه من قول بعض العلماء الذين ليس لهم قدم راسخ في العلم، ولا إمامة في الحديث في نظره، ولا من الأئمة المعتبرين، وإلا لَمَا أقدم على مثل هذه الألفاظ القاسية، والعبارات النابية، ولا سيّما في مثل البخاريّ، وعليّ بن المدينيّ، وغيرهما من الفحول، والجهابذة، ومما يؤيّد هذا قوله: \"قول مخترع، مستحدث غير مسبوق صاحبه\".\nوقال الشيخ محمد زكريا الكاندهلويّ مؤيّدًا أن مسلمًا سمع هذا القول ممن ليس بإمام في العلم، أو الحديث: ما نصّه: وهو الذين يليق بشأن المؤلّف -أي مسلم- فإنه بعيد منه أن يردّ على شيخه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاريّ على أبلغ وجه وآكده بحيث يجترأ على تجهيله، وإخراجه عن زمرة أهل العلم، فالقول بأنه أراد به الردّ على الإمام البخاريّ بخصوصه -كما اشتهر على الألسنة- فهذا إساءة الظنّ بالمصنّف كما لا يخفى. والله تعالى أعلم (٣). وهو بحث نفيس جدّا.\nوالحاصل أن مسلمًا لم يُرد البخاري، ولا ابن المدينيّ، بل أراد من ليس له رسوخ في العلم، ولا له شأن في تحقيق علم الحديث. والله تعالى أعلم.\n(الثاني): أنه على تقدير ما قيل: إن مسلمًا أراد بهذه المهاجمة الشديدة البخاريّ، أو ابن المدينيّ، أو كليهما معًا، فقد اعتذر عنه بعضهم، فقال صاحب \"فتح الملهم\": إن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين -ﷺ- وإن لم يكن الواقع كذلك -تأخذه غيرة دينيّة، وحميّةٌ إسلاميّة، ينشأ عنها غضبٌ في الله تعالى على ذلك القائل، وإبغاضه لوجه الله تعالى، فيحمله ذلك على الوقيعة، وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقّه، ظنّا منه أنه بصنيعه هذا مناضلٌ عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة، ثم قال: ومثاله ما تكلّم به مسلم- رحِمَهُ الله تعالى -في حقّ البخاريّ-\n_________\n(١) \"محاسن الاصطلاح\" ص ٥٨.\n(٢) \"النكت على ابن الصلاح\" ٢/ ٥٩٥.\n(٣) \"التعليق على الحلّ المفهم\" ص ٢٠.","vol":"2","page":365},{"text":"رحِمَهُ الله تعالى- في بحث اشتراط اللقاء في \"مقدّمة صحيحه\" ظنّا منه أن الأصل الذي أصّله البخاريّ إن سُلّم صحّته (١) كان مستلزمًا لردّ ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتدّ نكيره على تلك المقالة وقائلها بأشنع ما يُمكن، ومع هذا فعامّة الشرّاح قد رجّحوا مذهب البخاريّ، وصوّبوه، ولم يلوموا مسلمًا في تشديده وتغليظه.\nوهكذا ما جرى بين الصحابة -﵃- من المشاجرات والفِتَن، بناء على التأويل والاجتهاد، فإن كلّ فريق ظنّ أن الواجب ما صار هو إليه، وأنه أوفق وأصلح لأمور المسلمين، فلا يوجب ذلك طعنًا فيهم، وانظر قصّة موسى مع هارون عليهما الصلاة والسلام، وتأمّل فيها تجد فيها شفاءً لما يتخالج في الصدور من مشاجرات الصحابة، ومناقشات الأئمة الثقات. (٢).\nفرأى مسلم -﵀- أن مذهب مخالفه يُلغي شطرًا كبيرًا من السنّة، ويُسقطه من الاحتجاج والعمل به، فكان هذا المذهب في نظره من باب التعنّت على السنّة، والإلغاء لها، فمن هنا اشتدّت غضبة مسلم، وقست لهجته، وتكرّر تهجينه، وتوبيخه، وتلوّن تقريعه وتجهيله؛ لأن هذا المذهب من منظوره حقّا خطير، ووقدة غضبةِ المحدّثين معروفة، وشدّتهم المنكرةُ في حَمْلتهم على مخالفهم مألوفة، ورحمة الله تعالى على مسلم ومخالفه، فكلّ منهما قصد الحِفاظَ على السنّة المطهّرة، فمسلم أراد الحفاظ عليها من أن يُعَطَّل شطرٌ كبيرٌ منها بالتشدّد في شروط قبولها، ومخالفه أراد الحفاظ عليها بأن لا يُحتجّ منها إلا بما ثبتَ بأحوط الطرق في ثبوتها. انتهى (٣).\n(الثالث): أنه مما ينبغي التنبّه له أنه اشتهر عند الكثيرين نسبة القول باشتراط اللقاء فقط إلى الإمام البخاريّ رحِمَهُ الله تعالى، وليس الأمر كذلك؛ إذ لم يوجد له نصّ بذلك، وإنما هذا الشرط مستفاد مما ذكره في كتبه، كـ\"التاريخ الكبير\"، و\"التاريخ الصغير\"، و\"الضعفاء الصغير\"، و\"جزء القراءة خلف الإمام\"، و\"جزء رفع اليدين\"، و\"خلق أفعال العباد\"، وكلامه فيها صريحٌ في كونه يشترط السماع زيادةً على اللقيّ.\nولقد أجاد في سرد عبارت الإمام البخاريّ ﵀ في الكتب المذكورة الأخ الفاضل خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه \"موقف الإمامين\"، وذكر من كلامه أكثر من مائة، ودونك بعض الأمثلة لذلك:\nذكر البخاريّ ﵀ زيد بن أسلم فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر\n_________\n(١) صحته مسلمة، لكن باشتراط السماع، لا مجرّد اللقاء، فتنبّه.\n(٢) \"فتح الملهم\" ١/ ٧٢.\n(٣) منقول من كلام صاحب \"التتمّة\" على \"موقظة\" الذهبيّ ﵀ ص ١٢١ - ١٢٣ باختصار.","vol":"2","page":366},{"text":"سماعًا (١). وقال في ترجمة سليمان بن بُريدة (٢): ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه (٣). وقال: إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، ولا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل (٤) أم لا؟ (٥). وقال: لا أدري عبيد بن نَضْلَة (٦) سمع من المغير بن شعبة أم لا؟ (٧). وقال: عثمان بن عبد الله بن موهب (٨) روى عن حمران بن أبان، ولم يذكر سماعًا (٩). قال في عمرو البكالي (١٠): لا يعرف لعمرو سماع من ابن مسعود (١١). وقال في محمد بن صفوان الجمحي (١٢) روى عن سعيد بن المسيب، ولم يذكر سماعًا، ولا أدري أسمع منه أم لا؟ . وقال في محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (١٣): لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ (١٤). وقال في محمد بن كعب القُرظيّ (١٥)، روى عن شبث بن ربعيّ: ولا نعلم لمحمد بن كعب سماعًا من شبث (١٦). وذكر محمد بن المنكدر (١٧) فيمن روى عن حمران بن أبان، قال: ولم يذكر سماعًا (١٨). وقال: ولم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل (١٩). وقال: لا يُعرف لأبي بردة (٢٠) بن أبي موسى سماع واثلة بن الأسقع (٢١) (٢٢). والله تعالى أعلم.\n(الرابع): أن البحث عن ثبوت سماع المتعاصرين بعضهم من بعض ليس قاصرًا على البخاريّ فقط، بل هو مذهب المحقّقين من جمهور المحدثين:\nفممن ثبت ذلك عنه شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطّان، وعليّ بن المدينيّ، والإمام الشافعيّ، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عليّ\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٨٠.\n(٢) لم يوصف بالتدليس.\n(٣) المصدر السابق ٤/ ٤.\n(٤) لم يوصف بالتدليس.\n(٥) \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(٦) لم يوصف بالتدليس.\n(٧) \"العلل الكبير\" للترمذي ص ٥٨٧.\n(٨) لم يوصف بالتدليس.\n(٩) \"التاريخ الكبير\" ٣/ ٨٠.\n(١٠) لم يوصف بالتدليس.\n(١١) المصدر السابق ٢/ ٢٠٠ و\"التاريخ الصغير\" ١/ ٢٣٤.\n(١٢) لم يوصف بالتدليس.\n(١٣) لم يوصف بالتدليس.\n(١٤) \"التاريخ الكبير\" ١/ ١٣٩.\n(١٥) لم يوصف بالتدليس.\n(١٦) المصدر السابق ٤/ ٢٦٦.\n(١٧) لم يوصف بالتدليس.\n(١٨) المصدر السابق ٣/ ٨٠.\n(١٩) \"التاريخ الكبير\" ٤/ ١٠٤ و\"التاريخ الصغير\" ٢/ ٤٠.\n(٢٠) لم يوصف بالتدليس.\n(٢١) \"العلل الكبير\" للترمذيّ ٢/ ٩٦٤.\n(٢٢) راجع ما كتبه الأخ الفاضل خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه \"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\" ص ١٥٩ - ٢٦٥.","vol":"2","page":367},{"text":"الفلّاس، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيّان، ومحمد بن عوف الطائيّ الحمصيّ، وأبو زرعة الدّمشقيّ، وأبو بكر الرازيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، وسيأتي ما نُقِل عن هؤلاء من تفتيشهم عن محلّ السماع في السند المعنعن، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ) أي مدّعي علم الحديث، وليس من أهله، قال المجد في \"القاموس\": وانتحله، وتنَحّله: ادّعاه لنفسه، وهو لغيره. انتهى. وقال في \"اللسان\": والنِّحْلَةُ -بالكسر-: الدعوى، وانتحل فلان شعر فلان، أو قول فلان: إذا ادّعاه أنه قائله، وتنحّله: ادّعاه، وهو لغيره. انتهى. والمراد أن هذا القائل ليس من أهل الحديث، وإنما هو دعيّ فيه (مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا، فِي تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ) متعلّق بـ \"منتحلي\": أي في الحكم بأنها صحيحة (وَتَسْقِيمِهَا) أي الحكم بأنها مُعَلّة، غير صحيحة (بِقَوْلٍ) متعلّق بـ \"تكلّم\" (لَوْ) شرطيّة، وفسّرها سيبويه بأنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وفسّرها غيره بأنها حرف امتناع لامتناع (١) ولا يليها غالبا إلا ماضي المعنى، ويقلّ كونه مستقبل المعنى، قال في \"الخلاصة\":\n\"لَوْ\" حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ ... إِيلَاؤُهُ مُسْتَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ\n(ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ) أي أعرضنا، وكففنا عن ذكره. قال النوويّ رحِمَهُ الله تعالى: كذا هو في الأصول: \"ضربنا\"، وهو صحيح، وإن كانت لغة قليلة، قال الأزهريّ: يقال: ضربتُ عن الأمر، وأضربتُ عنه: بمعنى كففتُ، وأعرضتُ، والمشهور الذي قاله الأكثرون: أضربتُ بالألف. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى القلّة في \"ضربنا\" محلّ نظر؛ إذ قرىء به في السبعة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الآية [الزخرف: ٥]. قال ابن منظور: وضرَب عنه الذكر، وأضرب عنه: صَرَفه. وأضرب عنه: أي أعرض. وقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾: أي أنُهملكم، فلا نُعرّفكم ما يجب عليكم؛ لأَنْ كنتم قومًا مسرفين: أي لأن أسرفتم. والأصل في قوله: ضربتُ عنه الذكر، أن الراكب إذا ركب دابّة، فأراد أن يصرفه عن جهته، ضربه بعصاه ليعدله عن الجهة التي يُريدها، فوُضِع الضرب موضع الصرف والْعَدْل. يقال: ضربتُ عنه، وأضربت. وقيل في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾: إن معناه: أفنضرب القرآن عنكم، ولا ندْعوكم إلى\n_________\n(١) هذه العبارة هي المشهورة، والأولى أصحّ، انظر حاشية الخضري على ابن عقيل ٢/ ١٩٦.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٨ - ١٢٩.","vol":"2","page":368},{"text":"الإيمان به صفحًا: أي معرضين عنكم، أقام \"صفحًا\" وهو مصدرٌ مقام صافحين، وهذا تقريع لهم، وإيجاب للحجة عليهم، وإن كان لفظه لفظ استفهام. انتهى (١).\n(وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا) قال السمين الحلبيّ رحِمَهُ الله تعالى في إعراب الآية المذكورة: قوله: ﴿صَفْحًا﴾ فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه مصدر في معنى يَضرب؛ لأنه يقال: ضرب عن كذا، وأضرب عنه: يعني أعرض عنه، وصرف وجهه عنه، والتقدير: أفنصفح عنكم الذكر: أي أفنزيل القرآن عنكم إزالةً ينكر عليهم ذلك. الثاني: أنه منصوب على الحال من الفاعل: أي صافحين. الثالث: أن ينتصب على المصدر المؤكّد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفًا، نحو: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]. قاله ابن عطيّة. الرابع: أن يكون مفعولًا لأجله. الخامس: أن يكون منصوبًا على الظرف. قال الزمخشريّ: و﴿صَفْحًا﴾ على وجهين: إما مصدر من صَفَح عنه: إذا أعرض عنه، منتصبٌ على أنه مفعول له على معنى: أفنَعزل إنزال القرآن، وإلزام الحجة به إعراضًا عنكم. وإما بمعنى الجانب، من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه، وصفح وجهه بمعنى أفننحيه عنكم جانبًا، فينتصب على الظرف، نحو ضَعه جانبًا، وامش جانبًا، ويعضده قراءة \"صُفْحًا\" بالضمّ. قال السمين: يشير إلى قراءة حسان بن عبد الرحمن الضبعيّ، وسميط بن عمر، وشُبيل بن عزرة قرأوا \"صُفْحًا\" بضم الصاد، وفيها احتمالان: أحدهما: ما ذكره من كونه لغة في المفتوح، ويكون ظرفًا. وظاهر عبارة أبي البقاء أنه يجوز فيه ما جاز في المفتوح؛ لأنه جعله كالسَّدّ والسُّدّ. الثاني: أنه جمع صَفُوح، نحوُ صَبُور وصُبُر، فيُنصب حالا من فاعل نضرب. انتهى (٢).\nقال الجامِع عفا الله تعالى عنه: يستفاد مما سبق أن نصب قول المصنّف رحِمَهُ الله تعالى: \"صفحًا\" يحتمل الأوجه الخمسة: لأنه إما مفعول مطلق مُلاقٍ لعامله، وهو \"ضربنا\". أو منصوب على الحال من الفاعل: أي صافحين. أو مؤكّد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفًا، نحو قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾: أي صفحنا صفحًا. أو مفعول لأجله. أو يكون بمعنى جانب منصوبًا على الظرفيّة: أي ضربنا عنه جانبًا. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (لَكَان رَأْيًا مَتِينًا) جواب \"لو\". و\"المتين\" بفتح الميم: فعيل بمعنى فاعل، من مَتُن الشيء، من باب كرُم: إذا اشتدّ، وقَوِي: أي لكان إعراضنا عنه، وعدم ذكرنا\n_________\n(١) راجع \"لسان العرب\" ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.\n(٢) راجع \"الدر المصون في علوم الكتاب المكنون\" ٦/ ٩١ - ٩٢.","vol":"2","page":369},{"text":"له رأيا قويّا. وقوله: (وَمَذْهَبًا صَحِيحًا) مؤكّد لما قبله (إِذ الإعراض) \"إذ\" تعليليّة: أي لأن الإعراض (عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ) أي المرميّ، وهو بضم الميم، وتشديد الطاء المهملة: اسم مفعول من باب الافتعال، مبالغة في الطرح: أي الرمي (أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ) أي أحقّ وأولى لإماتة ذلك القول، وإعدامه. (وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ) أي إسقاطه، والخامل بالخاء المعجمة: الساقط، يقال: خمل الرجل خُمُولًا، من باب قعد، فهو خامل: أي ساقط النَّبَاهة، لا حظّ له، مأخوذ من خَمَل المنزل خُمُولًا: إذا عَفَا ودَرَس. قاله الفيّومي (١). (وَأَجْدَرُ) أي أحقّ (أنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ) أي ذكره، وإشاعته (تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ) فيه أن ذكر القول السيّىء، والفعل السخيف يكون ضررًا على العوامِّ، إذ فيه تنبيه لهم، وإلفات لأنظارهم نحوه، وربّما يتسبّب لاقتفاء آثارهم السيّئة (غيْرَ أَنَّا) بفتح الهمزة؛ لوقوعه موقع المضاف إليه (لَمَّا) -بفتح اللام، وتشديد الميم- أي حين (تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ) جمع عاقبة، وهي آخر الشيء، وإضافة \"شرور\" إليه بمعنى \"في\": أي من الشرور الحاصلة في آخر الأمر (وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ) -بفتحتين- جمع جاهل، ككامل وكملة (بِمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) -بضم الميم، وفتح الدال المهملة: جمع مُحدَثة، وهي الأمور التي ابتدعها أهل الأهواء. قاله الفيّوميّ. وإضافته إلى \"الأمور\" من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الأمور المحدثة، والجار والمجرور متعلّق بـ \"الجهلة\" (وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ) أي تصويبه، يعني أنهم لجهلهم إذا سمعوا، أو رأوا شيئا محدثًا يعتقدونه صوابًا (وَالْأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ) بالجرّ عطفًا على \"اعتقاد\" (عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) متعلّق بـ \"ساقطة\": أي الأقوال التي لا قيمة لها عندهم؛ لكونها خطأ (رَأَيْنَا الْكَشْفَ) أي الإيضاح والتبيين (عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ) أي قول المنتحل (وَرَدَّ مَقَالَتِهِ) بنصب \"ردّ\" عطفًا على \"الكشف\"، ويحتمل جرّه عطفًا على \"فساد\": أي رأينا الكشف عن ردّ مقالته (بقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا) أي يناسبها. يقال: لاق الشيءُ بغيره يليق به: إذا لزِقَ، وما يليق به أَن يفعل كذا: أي لا يَزْكُو، ولا يناسبه. أفاده الفيّوميّ. (مِنَ الرَّدِّ) بيان لما يليق. وقوله: (أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ) مفعول ثانٍ لرأينا. ومعناه: أفضل لهم، قال الفيّوميّ رحِمَهُ الله تعالى: جدا فلان علينا جَدْوًا، وجَدًا، وزانُ عصًا: إذا أفضل، والاسم الْجَدْوى، وجدوته، واجتديته، واستجديته: سألته، فأجدى عليّ: إذا أعطاك، وأجدى أيضًا: أصاب الْجَدْوى، وما أجدى فعله شيئًا مستعار من الإعطاء، إذا لم يكن فيه نفعٌ، وأجدى عليك الشيءُ: كفاك. انتهى (٢).\nو\"الأنام\" كسحاب، والآنام كساباط، والأنيم كأمير: الخلق، أو الجنّ والإنس،\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٨٢.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٩٤.","vol":"2","page":370},{"text":"أو جميع ما على الأرض. أفاده في \"القاموس\" (١).\nوقال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\": قوله: \"أجدى على الأنام\" هو بالجيم، و\"الأنام\" بالنون، ومعناه: أنفع للناس، هذا هو الصواب، والصحيح، ووقع في كثير من الأصول: \"أجدى عن الأثام\" بالثاء المثلّثة، وهذا وإن كان له وجه، فالوجه هو الأول. ويقال في \"الأنام\" أيضًا: \"الأنيم\". حكاه الزبيديّ، والواحديّ، وغيرهما. انتهى (٢).\n(وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ) أي أكثر محمدةً في آخر الأمر. وإنما قال: - ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ - عملًا بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وذلك لأنه ذكر أنه سيكشف فساد قول هذا المنتحل، ويردّ على مقالته السيئة، وأخبر أن ذلك سيكون أنفع للناس، وأحمد عاقبة، وهذا لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى ومشيئته، لا بحول أحد ولا قوته، فلا حول ولا قوّة إلا بالله. والله تعالى أعلم بالصواب.\nقال رحمه الله تعالى موضّحًا كلام المنتحل المذكور:\n(وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ، أَنَّ كُلَّ إِسنَادٍ لِحَدِيثٍ، فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي، عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ، أنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ، بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَتَلَاقِيهِمَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ، قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ، عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا حُجَّةٌ، وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه الله تعالى أن هذا المنتحل زعم أن كلّ إسناد مُعَنْعَنٍ، قد عُلم معاصرة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" ص ٩٧٢.\n(٢) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٩.","vol":"2","page":371},{"text":"المعنعِن -بالكسر- للمعنعَن عنه -بالفتح- وقد أمكن أن يتلاقيا، ويتشافها بالحديث، إلا أنا لا نعلم ذلك منهما يقينًا، أنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الحديث المعَنْعَن إلا إذا ثبت تلاقيهما، وتشافههما بالحديث، وكان ذلك الخبر موقوفًا إلى أن يتبيّن السماع، وكذا كلّ خبر جاء هذا المجيء. هذا خلاصة كلامه رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَزَعَمَ الْقَائِلُ) أي قال قولًا غير صواب؛ لأن أكثر استعمال \"زعم\" للباطل، فقد تقدّم عن الفيّوميّ، قال: قال الأزهريّ: أكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقيّ: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعمًا قال خبرًا، لا يُدرى أحقٌّ هو أو باطلٌ. انتهى. (الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْإِخْبَارِ) بالجرّ عطفًا على \"الحكاية\"، ويحتمل النصب عطفًا على \"الكلام\" (عَنْ سُوءِ رَوِيَّتِهِ) أي فساد فكره. قال الفيّوميّ: الرَّوِيّة: الفكر، والتدبّر، وهي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز؛ تخفيفًا، وهي من رَوَّأْتُ في الأمر بالهمز: إذا نظرت فيه. انتهى (١).\n(أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد؛ إذ المصدر المؤول مفعول \"زعم\" (كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ، فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ) أي روى فلان عن فلان، وهو المسمّى بالمعنعن، وقد تقدّم تعريفه أول الباب (وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا) الواو حالية: أي والحال أنه قد أحاط علمنا بأن كلّا من فلان وفلان (قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ) أي زمن واحد، قال المجد: العصر مُثلّثة، وبضمّتين: الدهر، جمعه: أعصارٌ، وعُصُورٌ، وأَعْصُرٌ، وعُصُرٌ. انتهى (٢).\nوإنما قيد بكونهما في عصر واحد؛ لأنهما لو كانا في عصرين لكان الحديث منقطعًا بلا خلاف. والله تعالى أعلم.\n(وَجَائِزٌ) الواو حاليّة أيضًا: أي والحال أنه جائزٌ: أي ممكن (أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوِي) أي حمله، يقال: رويتُ الحديث، من باب رمى: إذا حملته، ونقلته، ويُعَدّى بالتضعيف، فيقال: رَوّيت زيدًا الحديثَ، ويُبنى للمفعول، فيقال: رُوِّينا الحديث. قاله الفيّوميّ (٣). (عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَشَافَهَهُ بِهِ) أي خاطبه به (غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ) بالبناء للفاعل (لَهُ) أي للراوي (مِنْهُ) أي من المرويّ عنه (سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ) تقدم بيان ضبطها، وهي ظرف للزمان\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٤٧.\n(٢) \"القاموس المحيط\" ص ٣٩٧.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٤٦.","vol":"2","page":372},{"text":"الماضي، والغالب اختصاصها بالنفي، نحو ما رأيته قط، وقد تأتي في الإثبات، كحديث البخاريّ في \"الكسوف\": \"أطول صلاة صليتها قطّ\"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا (أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ) الظاهر من تصرّف المصنّف رحمه الله تعالى أن \"أو\" بمعنى الواو؛ لأنه جعل محط قول المنتحل اشتراط السماعِ، كما سيأتي تحقيقه (أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ) أي بالعنعنة (حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ) يحتمل أن تكون \"يكون\" ناقصة، و\"العلم\" اسمها، وخبرها الظرف مقدّمًا، ويحتمل أن تكون تامّة، و\"العلم\" فاعلها.\nقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: \"حتى يكون الخ\" هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول الصحيحة المعتمدة \"حتّى\" بالتاء المثنّاة من فوقُ، ثم المثنّاة من تحتُ. ووقع في بعض النسخ: \"حين\" بالياء، ثم النون، وهو تصحيف. انتهى (١).\nوقوله: (بِأَنَّهُمَا) متعلّقٌ بـ \"العلم\": أي بأن المعنعن والمعنعن عنه (قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا) يحتمل أن تكون \"من\" بمعنى \"في\"، أو هي للبيان مقدّمة على قوله: (مَرَّةً فَصَاعِدًا) أي فما فوق ذلك. وقد جاء نظير هذا التركيب في الحديث الصحيح: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فصاعدًا\": أي فما زاد عليها، كقولهم: اشتريته بدرهم، فصاعدًا. قال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعدًا، حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعدٍ كان قبيحًا؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدًا، أو فذهب صاعدًا، ولا يجوز أن تقول: وصاعدًا؛ لأنك لا تريد أن تُخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلًا، ثم قرّرت شيئًا بعد شيء لأثمان شتّى، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعنى، ولم يلزم الواو الشيئين (٢) أن يكون أحدهما بعد الآخر، و\"صاعدًا\" بدل من زاد، ويزيد، و\"ثُمّ\" مثل الفاء لأن الفاء (٣) أكثر في كلامهم. قال ابن جني: وصاعدًا حال مؤكّدة، ألا ترى أن تقديره. فزاد الثمن صاعدًا، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلا صاعدًا. ذكره محمد مرتضى في \"شرح القاموس\" (٤).\n(أَوْ) الحق أن \"أو\" هنا بمعنى الواو؛ لأن سياق المصنّف أن حواره مع من\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٩ - ١٣٠.\n(٢) هكذا النسخة: \"ولم يلزم الواو الشيئين الخ\" والظاهر أن الصواب -كما أشار إليه في الهامش-: \"ولم يلزم الواو التي لأحد الشيئين\".\n(٣) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب -كما أشار إليه في الهامش-: \"إلا أن الفاء أكثر الخ\".\n(٤) \"تاج العروس من جواهر القاموس\" ٢/ ٣٩٨.","vol":"2","page":373},{"text":"يشترط السماع، لا اللُّقيّ وحده (تَشَافَهَا) أي تخاطبا (بِالْحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا) وقوله: (وَتَلَاقِيهِمَا) عطف تفسير لما قبله (مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا، فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ) قد سبق قريبًا أن \"يكن\" يحتمل كونها ناقصة، وتامّة: أي إن لم يكن عند ذلك القائل علم ذلك، والإشارة إلى ما سبق من اجتماعهما، وتشافههما بالحديث الخ (وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ) أي الشيخ الذي روى عنه بالعنعنة (قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً، وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا) هذا صريح في كون هذا المنتحل يشترط السماع مع اللقاء، لا مجرّد اللقاء، كما ظنّه كثيرون، فتنبّه. وقوله: (لَمْ يَكُنْ) يحتمل أيضًا أن تكون ناقصة، واسمها \"حجة\" الآتي، وخبرها قوله: (فِي نَقْلِهِ الْخَبَرَ) ويحتمل أن تكون تامّة، بمعنى يحصُل، والجار والمجرور متعلّق بها، و\"حجة\" مرفوع على الفاعليّة. (عَمَّنْ رَوَى) بالبناء للفاعل، والجارّ والمجرور متعلّق بـ \"نقل\" (عَنْهُ) متعلّق بـ \"روى\". وقوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى الحديث الذي رواه بـ \"عن\": أي عن الشيخ الذي روى عنه ذلك الخبر الْمُعَنْعَن.\n[تنبيه]: قوله: \"عمن روى عنه ذلك\" كذا هو معظم النسخ، وهو الصواب، ووقع في بعضها: \"عمن روى عنه علم ذلك\"، والظاهر أنه غلط، مفسد للمعنى، وقد تعب بعض من علّق على هذه المقدّمة (١) بتوجيه ذلك، وأطال في إعرابه، ولا أرى لذكره جدوى؛ لأنه مبنيّ على هذه النسخة، وفيها فساد المعنى، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.\nوقوله: (وَالْأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، والكاف بمعنى \"على\": أي والحال أن الأمر على ما وصفناه سابقًا من كونهما في عصر واحد، مع إمكان اللقيّ، والسماع، ولكن لم يُعلم ذلك بالتحقيق (حُجَّةٌ) بالرفع اسم \"يكن\"، أو فاعلها، كما سبق آنفًا، وهو على حذف مضاف: أي ثبوت حجة. و\"الْحُجّة\" بالضمّ: البُرهان والدليل، والجمع حُجَجٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف (٢) (وَكَانَ الْخَبَرُ) أي المنقول بالعنعنة الموصوفة بما ذكر (عِنْدَهُ) أي عند هذا القائل (مَوْقُوفًا) أي متوقَّفًا عن العمل به (حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ) أي على هذا القائل (سَمَاعُهُ) أي سماع المعنعِن -بالكسر- (مِنْهُ) أي من المعنعَن عنه -بالفتح- (لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ) فيه تصريح أن ذلك القائل يشترط السماع، لا اللقيّ فقط، كما أسلفناه قريبًا (قَلَّ) ذلك الحديث (أَوْ كَثُرَ) يعني أنه لا\n_________\n(١) هو الشيخ أحمد رشيد الكنكوهي رحمه الله تعالى صاحب \"الحل المفهم لصحيح مسلم\"، راجعه ص ٢١ - ٢٢.\n(٢) راجع \"المصباح المنير\" ١/ ١٢١. و\"القاموس\" ص ١٦٧.","vol":"2","page":374},{"text":"يشترط أن يسمع منه حديثًا كثيرًا، بل إذا ثبت أنه سمع منه حديثًا أو أكثر يكفي، فيُحمل غيره مما لم يصرّح بسماعه عليه (فِي رِوَايَةٍ) متعلّق بـ \"يَرِد\" (مِثْلِ مَا وَرَدَ) بجرّ \"مثل\" صفة لرواية: أي في رواية مماثلة للّذي ورد بالعنعنة. ويحتمل أن يكون بإضافة \"رواية\" إلى \"مثل\" من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي رواية ذلك الراوي المعنعن حديثًا مصرّحًا فيه بالسماع مثلَ روايته المعنعن.\nثم بعد أن ذكر مسلم رحمه الله تعالى قول المنتحل أراد تفنيد مذهبه الذي هو في نظره مذهب باطلٌ، ورأي عاطل، وإن لم يكن مسلمًا له كما ستراه، فقال:\n(وَهَذَا الْقَوْلُ -يَرْحَمُكَ اللهُ- فِي الطَّعْنِ فِي الْأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ، مُسْتَحْدَثٌ، غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ، رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ، وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَام، فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ، أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ، عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا، حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nناقش رحمه الله تعالى بهذا الكلام المنتحل المذكور، فقال: إن هذا الذي أتى به المنتحل في طعن الأسانيد الصحيحة قول اخترعه هو، واستحدثه، ولم يسبقه إليه أحد من المتقدّمين، ولا يُساعده أحد من المتأخّرين؛ لأن الذي اشتهر بين أهل العلم بالحديث المتقدّمين، والمتأخرين، واتّفقوا عليه أن كلّ راو ثقة روى حديثًا عن مثله، وقد أمكن لقاؤه لشيخه، وسماعه منه؛ حيث كانا متعاصرين يُمكن لقاء أحدهما الآخر، بأن ارتفعت الموانع من وصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم نتأكّد ذلك اللقاء والسماع منهما؛ حيث لم ترد رواية توضّح ذلك قُبِلت تلك الرواية، ولزمت الحجة بها، إلا أن يدلّ دليلٌ بيّنٌ على أن ذلك الراوي لم يلق شيخه، ولم يسمع منه، فعند ذلك تكون الرواية منقطعة، وأما إذا كان الأمر مبهمًا على ما فسّرناه آنفًا من إمكان وصول أحدهما إلى الآخر، وسماع حديثه منه، فالرواية محمولة على الاتصال إلى أن يأتي ما يناقض ذلك من البيّنة الواضحة المثبتة للانقطاع. هذا خلاصة معنى كلامه رحمه الله تعالى، وستأتي مناقشته إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَهَذَا الْقَوْلُ -يَرْحَمُكَ اللهُ-) جملة دعائيّة معترضة (فِي الطَّعْنِ فِي الْأَسَانِيدِ قَوْلٌ","vol":"2","page":375},{"text":"مُخْتَرَعٌ) اسم مفعول من اخترع الشيء: إذا شقّه، وأنشأه، وابتدأه (١). وقوله: (مُسْتَحْدَثٌ) مؤكّد لما قبله، وكذا قوله: (غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ) \"صاحبه\" بالرفع على أنه نائب فاعل لمسبوق؛ لأنه يعمل عمل فعله بالشروط المعروفة في محلّها، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَكُلُّ مَا قُرِّرَ لاسْم فَاعِلِ ... يُعْطَى اسْمَ مَفْعُولٍ بِلَا تَفَاضُلِ\nفَهْوَ كَفِعْلٍ صِيغَ لِلْمَفْعُولِ فِي ... مَعْنَاهُ كَالْمُعْطَى كَفَافًا يَكْتَفِي\n(وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ) ببناء \"مساعد\" على الفتح؛ لتركبه مع \"لا\" النافية للجنس، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحًا كَلَا ... حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ وَالثَّانِ اجْعَلَا\nواللام في \"له\" زائدة للتقوية، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وخبر \"لا\" محذوف: أي موجود.\nويحتمل أن تكون \"لا\" عاملة عمل \"ليس\"، فيُرفع \"مساعد\" على أنه اسمها. وقوله (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كون ذلك المساعد كائنًا من أهل العلم. وقوله (عَلَيْهِ) متعلّق بـ \"مساعد\"، والضمير للقول المخترع.\nوالمعنى: أن صاحب هذا القول منفرد باختراع هذا الرأي، فلا يوجد من أهل العلم أحد يوافقه على هذا الرأي المخترع.\nثم أوضح وجه عدم من يساعده على رأيه، فقال:\n(وَذَلِكَ) إشارة إلى كونه قولا مخترعًا لم يُسبق إليه قائله (أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ) أي المنتشر (الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ) عطف تفسير لما قبله. ويحتمل أن يراد بالأخبار التواريخ ونحوها، وبالروايات الأحاديث مرفوعة كانت، أو لا، فيكون العطف للمغايرة، والأول أقرب. والله تعالى أعلم.\n(قَدِيمًا وَحَدِيثًا) أي في قديم الزمان وحديثه (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لسدّها مسدّ المصدر، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَهَمْزَ \"إنَّ\" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ\nفاسمها وخبرها هنا في تأويل المصدر خبر \"أنّ\" الأولى.\n_________\n(١) راجع \"القاموس المحيط\" ص ٦٤١.","vol":"2","page":376},{"text":"(كُلَّ رَجُلٍ) هذا خرج خرج الغالب، وإلا فالمرأة في هذا كالرجل، فتنبّه (ثِقَةٍ) بالجرّ صفة لرجل (رَوَى عَنْ مِثْلِهِ) أي عن رجل ثقة، وهو ببناء الفعل للفاعل، والجملة صفة لرجل بعد صفة، أو حال: أي نقل حديثا عن راو ثقة مثله (وَجَائِزٌ) أي سائغ، فقوله: (مُمْكِنٌ) مؤكّد له (لَهُ) أي لذلك الرجل الثقة الراوي عن مثله (لِقَاؤُهُ) أي لقاء المرويّ عنه (وَالسَّمَاعُ مِنْهُ) أي سماع رواياته التي رواها منه. وقوله (لِكَوْنِهِمَا) تعليل لإمكان اللقاء والسماع، أي إنما قلنا بإمكان اللقاء والسماع لوجود مسوّغ لذلك، وهو كونهما (جَمِيعًا) حال من الضمير المجرور: أي حال كونهما مجتمعين (كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ) أي وُجدا في زمن ووقت واحد، فـ\"كان\" تامّة، بمعنى وُجد، ويحتمل أن تكون ناقصة، أو زائدة.\n(وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ) أي في الزمن الماضي. وقوله (أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا) في تأويل المصدر فاعل \"يأت\" (وَلَا تَشَافَهَا) أي تخاطبا (بِكَلَامٍ) والمعنى: أنه لم يأت خبر أن الراوي والمروي عنه المتعاصرين اجتمعا في مكان واحد، بحيث يرى أحدهما الآخر، ويجري بينهما تخاطب. وقوله: (فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ) خبر \"أنّ\" السابقة في قوله: \"أن كلّ رجل إلخ\"، ودخلت الفاء في الخبر؛ لكون اسم \"أنّ\" من ألفاظ العموم، على حدّ قول الشاعر [من الخفيف]:\nكُلُّ أَمْرٍ مُبَاعِدٍ أَوْ مُدَانٍ ... فَمَنُوطٌ بِحِكْمَةِ الْمُتَعَالِ\nو\"أل\" في \"الرواية\" للعهد: أي رواية الرجل الثقة، عن مثله الموصوفين بما ذُكر ثابتة، ومستقرّة (وَالْحُجَّةُ بِهَا) أي بتلك الرواية (لَازِمَةٌ) يعني أنه يجب العمل بها؛ لكونها ثابتة، حيث وُجد شروط ثبوتها، ومنها كونهما ثقتين، ووجود الاتصال بينهما حيث كانا في عصر واحد، مع ارتفاع موانع وصول أحدهما إلى الآخر، وليس الراوي مدلّسًا، كما هو فرض المسألة، على ما سيأتي للمصنّف قريبًا.\n(إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من جواز تلاقيهما، وتشافههما، حيث كانا في عصر واحد. و\"يكون\" يحتمل أن تكون تامّة بمعنى \"يوجد\"، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها \"دلالة\" وخبرها الظرف. (دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ) أي واضحة، و\"الدلالة\" بمعنى \"الدليل\"، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل (أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ) \"أنّ\" بفتح الهمزة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ \"على\" مقدّرةً.\nوالمعنى: إلا أن يوجد هناك دليل على عدم لقاء هذا الراوي لمن روى عنه، وذلك بأن صرّح هو بذلك لَمّا سئل عنه، كما فعل ذلك، أبو عبيدة بن عبد الله بن","vol":"2","page":377},{"text":"مسعود، فقد أخرج الترمذيّ رحمه الله تعالى في \"جامعه\" بسند صحيح عن عمرو بن مرّة، قال: سألت أبا عُبيدة بن عبد الله، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. أو يذكر إمام مطّلع على أحوال الرجال أن فلانًا لم يلق فلانًا. وقوله: (أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا) تقدّم أن \"أو\" بمعنى الواو؛ لأن احتجاج المصنّف رحمه الله تعالى ليس قاصرًا على من ادّعى اللقاء فقط، بل هو منصبّ على من ادّعى اللقاء والسماع.\n(فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ) أي غير متّضح (عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا) أي أوضحناه فيما سبق من الكلام، وهو كونهما في عصر واحد، مع جواز لقيّ أحدهما الآخر، ومشافهته، وإن لم يتحقّق ذلك بورود رواية تنصّ عليه. فجملة \"والأمر مبهم\" في محلّ نصب على الحال، وجواب \"أما\" قوله: (فَالرِّوَايَةُ) أي رواية الرجل الثقة عن مثله، فـ \"أل\" للعهد كما سبق، وهو مبتدأ خبره قوله: (عَلَى السَّمَاعِ) أي محمولة على أن الراوي الثقة سمع تلك الرواية من الثقة الذي أسندها إليه بـ \"عن\". وقوله (أَبَدًا) ظرف متعلّق بما تعلّق به الخبر، وأتى به لإفادة التوكيد (حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا) أي حتى يوجد الدليل الذي أوضحه بقوله: \"إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه\".\n[تنبيه]: قول المصنّف رحمه الله تعالى: \"فأما والأمر مبهم، على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية إلخ\" مشكلٌ؛ لأنه قد سبق لنا عند قول المصنّف: \"أما بعد\" أنه يجب الفصل بين \"أما\" والفاء بواحد من ستّة أمور لا بأكثر منه، وهي المجموعة في قول بعضهم:\nوَبَعْدَ \"أَمَّا\" فَافْصِلَنْ بِوَاحِدِ ... مِنْ ستَّةٍ وَلَا تَفُهْ بِزَائِدِ\nمُبْتَدَأٌ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الْخَبَرُ ... مَعْمُولُ فِعْلٍ بَعْدَ \"أَمَّا\" يُذْكَرُ\nكَذَاكَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ فَسَّرَهْ ... مَا بَعْدَ فَاءٍ بَعْدَهَا مُؤَخَّرَهْ\nوَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ تِلْكَ سِتُّ ... قَدْ قَالَهَا كُلُّ إِمَامٍ ثَبْتُ\nوليس كلام المصنّف من ذلك؛ لأنه فصل بينهما بأكثر من واحد؛ لأن قوله: \"والأمر مبهم الخ\" جملة من مبتدإ وخبر.\nإلا أن يُجاب بأن الجملة الاسميّة في محل نصب على الحال، والجملة الحاليّة في قوة المفرد؛ لأن قولك: جاء زيد يركب، في تقدير راكبًا، وهو في معنى الجارّ المجرور؛ إذ معنى \"راكبًا\": في حال ركوبه، كما قال في \"الخلاصة\":\nالْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ... مُفْهِمُ \"فِي حَالٍ\" كَفَرْدًا أَذْهَبُ\nفيكون تقدير كلامه: فأما في حال إبهام الأمر. وأما قوله: \"على الإمكان الخ\"","vol":"2","page":378},{"text":"فجارّ ومجرور خبر بعد خبر، أو صفة لقوله: \"مُبْهَمٌ\"، فليس أمرًا زائدًا على ما ذُكر؛ لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم واصل المصنّف رحمه الله تعالى مناقشته لخصمه، فقال:\n(فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ، أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ، عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ، حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ، ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ، فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ، فَإِنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ، مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ، فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ طُولِبَ بِهِ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الفقرة مكمّلة لسابقتها، وخلاصتها: أن يقال لمخترع هذا القول، أو لمن يدافع عن رأيه: قد أثبتّ في خلال قولك أن خبر الراوي الثقة، عن الثقة يلزم العمل به؛ لثبوت حجيّته، ونحن سلّمنا لك ذلك، ثم بعد أن اتّفقنا نحن وأنت على هذا زدت من عندك شرطًا لإثبات ما قلته، وذلك حيث قلت: لا يلزمنا قبول الخبر المذكور إلا أن يثبت لدينا أن الراوي المذكور لقي شيخه، ولو مرّة واحدة وثبت سماعه منه، ونحن نطالبك هل وافقك على هذا الشرط غيرك من أهل العلم المعتبرين الذين يلزم قولهم، ويكون حجة على من بعدهم، فإن وجدت ذلك فهلمّ، وهيهات أن تجد ذلك وإن لم تجد ذلك فهلمّ دليلًا يُثبت مدّعاك، من هذا الشرط الذي أدخلته، ولن تجد إلى ذلك سبيلًا. هذا خلاصة ما أشار إليه، ولكن هذا كله في مقام المنع كما ستراه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ) اسم فاعل من اخترع الشيء، أي لمنشئه، ومبتدعه من غير أن يسبقه أحد من أهل العلم، على ما زعم المصنف (الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ) أي وهي قوله: لا يكون الخبر المعنعن حجة حتى يثبت سماع الراوي ممن روى عنه بـ \"عن\" (أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ) أي لمن يدافع عن رأي ذلك المخترع. وهو اسم فاعل من ذبّ، يقال: ذبّ عن حَرِيمه يذُبّ، من باب نصر: حَمَى، ودفع.\n(قَدْ أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِكَ) أي مجموع ما قلته في الخبر المنقول (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لكونها سدّت مسدّ مفعولي \"أعطيت\" (خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ) بالضمّ: أي برهان، ودليل (يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ) أي يجب العمل بمقتضاه، إن فرضًا،","vol":"2","page":379},{"text":"ففرضًا، أو ندبًا، فندبًا، أو حرامًا فحرامًا، أو نحو ذلك، وإنما عبّر باللزوم تغليبًا لجانبه، أو المعنى: يثبُتُ به العمل. والله تعالى أعلم.\n(ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ) هو من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد أن أثبتّ لزوم العمل به. ثم بيّن الشرط الذي أدخله بقوله (فَقُلْتَ) هو من عطف المفصّل على المجمل، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الآية [هود: ٤٥] (حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا) أي الراوي المعنعن والمعنعن عنه (قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا) أي فما زاد من الزمن، وقد تقدّم تمام البحث فيها، فلا تنسَ (أَوْ) تقدّم أنها بمعنى الواو: أي و(سَمِعَ) المعنعن بالكسر (مِنْهُ) أي من المعنعن عنه بالفتح. والتنوين في قوله: (شَيْئًا) للتقليل: أي ولو كان المسموع قليلًا.\n(فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ) من لزوم العلم بلقاء أحدهما الآخر، وسماعه منه (عَنْ أَحَدٍ) من أهل العلم. وأشار بقوله: (يَلْزَمُ قَوْلُهُ) إلى أنه لا بدّ أن يكون ممن يلزم قوله؛ لكونه حجة في العلم، فإن إثبات قاعدة من قواعد الشرع، أو إدخال شرط أو قيد في الأمور الشرعيّة لا بدّ أن يكون صادرًا ممن له قدمٌ راسخ في العلم، ونظر ثاقبٌ في أدلة الشرع، وخبرة طويلة في الاستنباط منها، فليس كلّ من يدّعي العلم يُقبل قوله، فللحروب رجال، وللثريد رجال، وقال الإمام ابن معين رحمه الله تعالى:\nوَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ ... وَلِلدَّوَاوِينِ حُسَّابٌ وَكُتَّابُ\nوقال بعضهم:\nوَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ... إِلَّا خِلَافٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ\nوقلت في \"ألفية العلل\" عند الكلام على \"فنّ العلل\"، والعلماء العارفين به:\nاعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْفَنَّ ذَا ... أَغْمَضُ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ مَأْخَذَا\nلِذَاكَ مَا سَلَكَهُ كُلُّ أَحَدْ ... بَلْ خَصَّ أَقْوَامًا وُعَاةً كَالْعَمَدْ\nمِنْ أَهْلِ خِبْرَةٍ وَفَهْمٍ ثَاقِبِ ... وَالذَّوْقِ وَالْعَوْمِ وَفِكْرٍ صَائِبِ\nإلى أن قلت:\nفَلَيْسَ كُلُّ قَارِىٍ يُحْسِنُهُ ... وَلَيْسَ كُلُّ كَاتِبٍ يُتْقِنُهُ\nوَإِنَّمَا لَهُ رِجَالٌ مَهَرَهْ ... قَدْ خُلِقُوا لَهُ حُمَاةٌ بَرَرهْ","vol":"2","page":380},{"text":"فَلِلْحُرُوبِ فِتْيَةٌ أَبْطَالُ ... وَلِلثَّرِيدِ فِرْقَةٌ أُكَّالُ\n(وَإِلَّا) -هي \"إن\" الشرطيّة أُدغِمت في \"لا\" النافية: أي فإن لم تجد أحدًا ممن يلزم قوله أدخل هذا الشرط كما أدخلته أنت (فَهَلُمَّ) -بفتح الهاء، وضمّ اللام، وتشديد الميم-: أي أحضر. قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى: \"هَلُمّ\" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ. قال الخليل: أصله: \"لُمَّ\" من الضمّ والجمع، ومنه \"لَمَّ اللهُ شَعَثَه\"، وكأن المنادي أراد لُمَّ نفسك إلينا. و\"ها\" للتنبيه، وحُذِفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحدًا. وقيل: أصلها هَلْ أُمَّ: أي قُصِد، فنُقِلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء. وأهلُ الحجاز يُناودون بها بلفظ واحد للمذكّر، والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ الآية [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلْحقُها الضمائر، وتُطابِقُ، فيُقال: هَلُمّي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيُلحِقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقوما، وقُمُوا، وقُمن. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجمع من لغة عُقَيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: أي أقبل، ومتعدّية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: \"هلم\" في قول المصنف هنا من المتعدّي، ولذا نصب قوله: (دَلِيلًا) فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو المرشد والكاشف للشيء، وتقدّم البحث فيه مستوفىً عند قول المصنّف: \"والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم الخ\" (عَلَى مَا زَعَمْتَ) أي قلته، وقد تقدّم أن أكثر استعمال زعم فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، بل قال بعضهم: هو كناية عن الكذب، قال الخطّابيّ: ولهذا يقال: \"زعم مطيّة الكذب\"، وقد تقدّم تمام البحث فيها عند قول المصنّف: \"فإن ذلك زعمت مما يَشغلك الخ\" (فَإِنِ ادَّعَى) أي المخترع المذكور (قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ) متعلّق بقوله (مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ) بيان لما زعم. و\"الشريطة\" -بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء-: بمعنى الشرط، جمعها شَرَائط (فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ) أي تصحيحه، يقال: ثَبَت الأمر يثبت ثبوتًا: إذا صحّ، وثبت الشيء: إذا دام، واستقرّ، فهو ثابتٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أثبتُّهُ، وثَبَّتُّهُ. أفاده في \"المصباح\" (٣) (طُولِبَ بِهِ) أي بإثبات ما ادّعاه من قول أحد من السلف في ذلك (وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٤٠.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٨٠.","vol":"2","page":381},{"text":"سَبِيلًا) أي لعدم قولهم بذلك، وإجماعهم على خلافه، حسبما رآه المصنّف.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أول دليل من أدلّة الإمام مسلم رحمه الله تعالى التي ساقها لإثبات مذهبه، ودحض قول من قال بخلافه، حسبما رآه، ولكن أدلته لا تزال محلّ أخذ وردّ، فقد قام العلماء في مناقشتها، فمن أبرز من ناقشها العلّامةُ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفِهْريّ (٦٥٧ - ٧٢١ هـ)، فقد تصدّى رحمه الله تعالى لذلك في رسالته المشهورة، فقد ذكر في مناقشة هذا الدليل: ما ملخّصه:\n(اعلم): -وفقني الله وإياك للصواب- أن مسلما ﵀ استدل على صحة قوله: إنه لا يشترط في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط (١)، بما مُحَصَّله على التلخيص والتخليص أربعة أدلة:\n[الأول]: أنه قال: ما معناه: \"قد اتفقنا نحن وأنتم على قبول خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة إذا ضمهما عصر واحد، وأنه حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط زائدا\".\nفحاصل هذا الكلام ادعاء الإجماع على قبول المعنعن الذي هذه صفته مطلقا من غير تقييد بشرط اللقاء (٢)، وهو أعم أدلته، فكأنه يقول: الإجماع يتضمنه بعمومه وإطلاقه، فمن أثبت الشرط طالبناه بالنقل عمن سلف، أو بالحجة عليه إن عجز عن النقل.\nوالجواب عن هذا الاستدلال: أنا لا نُحَكِّم دعواك الإجماع في محل النزاع؛ لما نقلناه في ذلك عمن سلف، كالبخاري أستاذك، وعلي بن المديني أستاذ أستاذك، ومكانهما من هذا الشأن شهرته مغنية عن ذكره، أي فكيف وقد تقرّر أنه مذهب جمهور المتقدّمين.\nوإذا ثبت نقل الشرط الذي طالبتنا به بطل الإجماع الذي ادعيته في محل النزاع، وهو الاكتفاء في قبول المعنعن بشرط المعاصرة فقط (٣)، ولسنا ننازعك في أن أخبار\n_________\n(١) هذا الكلام فيه قصور، فقد سبق غير مرّة أن الإمام مسلمًا لا يكتفي بمجرّد المعاصرة، بل لا بدّ أن ينضمّ إليها إمكان قويٌّ للقاء بين المتعاصرين، فإنه إذا انتفى ذلك لا يقبل المعنعن، فتنبّه. والله الهادي إلى سواء السبيل.\n(٢) قد تقدّم أن الحقّ أنه لا يكفي مجرّد اللقاء فقط، بل لا بدّ من ثبوت السماع، فكان الأولى أن يقول: بشرط السماع ولو لمرّة واحدة، هذا مع السلامة من التدليس. نبّه عليه بعض المحققين.\n(٣) قد عرفت قريبًا ما في هذا الإطلاق من المجازفة، فتنبّه.","vol":"2","page":382},{"text":"الآحاد حجة يجب العمل بها بالإجماع في الجملة، وإنما ننازعك في قبول المعنعن منها مُكتَفىً فيه بالمعاصرة فقط، وإجماعك لا يتناول ذلك، وما ادعيت من أنا أدخلنا فيه الشرط زائدًا، فلنا أن نعكسه عليك، بأن نقول: بل أنت نقصت من الإجماع شرطًا، فإنا قد اتفقنا نحن وأنت على قبول المعنعن المدلس، إذا كان قد ثبت لقاؤه له، فنقصت أنت من شروط الإجماع شرطًا، فتتوجه عليك المطالبة بالدليل على إسقاطه، وكأنك لَمّا استشعرت توجه المطالبة عدلت باشتراط السماع في كل حديث حديث، وقد تقدم الجواب عنه.\nوتَبَيَّن الآنَ أنّا قائلون بمحل الإجماع، وأنا لم نزد شرطًا، بل أنت نقصته، ففَلَجَت حجة خصمك عليك.\nوأما الحجة التي طلبتَ على صحة مذهبنا، فقد قدمناها بما أغنى عن الإعادة فليراجعها من يناضل عنك (١).\nثم نقول: إنك -يرحمك الله- استشعرت خَرْمَ ما ذكرتَ من الإجماع لَمّا كان عندك استقرائيا بما توقعت أن يُنقَل لك من الخلاف، فعدلت إلى المطالبة بالحجة، وذلك توهين منك لنقل الإجماع في محل النزاع، على أنا لم نُسَلِّم لك أنه يتناول محل الخلاف -والله تعالى الموفق والمرشد-. انتهى كلام ابن رُشيد رحمه الله تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما ردّ به ابن رُشيد على دليل مسلم رحمهما الله تعالى نقض ما أبرمه بزعمه من دعوى الإجماع، فقد تبيّن أنه لا إجماع فيما ادّعاه، بل لو قيل: إن الإجماع على خلاف ما ادّعاه، لما استُبعِد.\nوقد ذكر ابن رجب شواهد من أقوال أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي زرعة الرازيّ، وغيرهم تدلّ على اشتراطهم السماع، ثم أعقب ذلك بقوله فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله، وصحيحه وسقيمه، ومع موافقة البخاريّ وغيره، فكيف يصحّ لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم؟، بل اتّفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتدّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم. انتهى كلام ابن رجب (٢).\n_________\n(١) يريد بذلك ما ذكره في المذهب الثالث الذي يُعزى إلى البخاريّ، وشيخه، بل عزاه ابن رجب إلى جمهور المتقدّمين.\n(٢) \"شرح علل الترمذيّ\" ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣.","vol":"2","page":383},{"text":"فقد ظهر بهذا أن دعوى مسلم الإجماع غير مسلّمة، بل العكس هو الأقرب، فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف.\nوقد ألّف بعض المعاصرين رسالة في دعم ما ادّعاه مسلم ﵀ من الإجماع، فطوّل نفسه، ولم يأت بشيء مُقنِع، وإنما هو مجرّد مصاولة ومجاولة من غير تحقيق، ولا تدقيق، وإن ادّعى ذلك هو، فلا يُهولنّك ما طوّل به نفسه، فاقرأه بتأمل وإنصاف، ترى ما فيه من الاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم واصل مسلم رحمه الله تعالى مناقشته للمنتحل المذكور، فقال:\n(وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ، فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ، وَلَمَّا يُعَايِنْهُ، وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا، عَلَى الْإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لِأَدْنَى شَيْءٍ، ثَبَتَ عَنْهُ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ؛ لِإِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسنَادًا مُعَنْعَنًا، حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nواصل رحمه الله تعالى بهذا الكلام مناقشته للمخترع بأنه إن ادّعى دليلًا على ما اخترعه نُطالبه به، فإن قال: إنما قلت ذلك لأني وجدت المحدثين المتقدّمين والمتأخّرين أجازوا الرواية عمن لم يُعاينوه، ولم يسمعوا منه أصلًا، وهذا هو الإرسال، بعينه، والقاعدة عند أهل الحديث أن المرسل لا يُحتجّ به؛ لأجل الانقطاع، فلما رأيت ذلك احتجت للبحث عن سماع كلّ راو عمن روى عنه، ولو مرّةً واحدةً، فإذا وجدت ذلك ثبت عندي بسبب ذلك جميع ما يروي عن ذلك الشخص، وإن لم أجد شيئًا من ذلك توقّفت عن العمل بذلك الحديث؛ لاحتمال الإرسال الموجب لعدم القبول.\nهذا خلاصة ما استدلّ به المخترع المذكور حسبما أشار إليه المصنّف بكلامه هذا، فردّ المصنّف رحمه الله تعالى عليه، قائلًا:","vol":"2","page":384},{"text":"إذا كانت العلة في ردّك الخبر، وعدم الاحتجاج به ما ذكرت من إمكان الإرسال فيه، لزمك أن لا تقبل حديثًا إلا إذا ثبت لديك سماع رجال إسناده بعضهم من بعض من أول السند إلى آخره، فيلزمك منه أن لا تُثبت إسنادًا معنعنًا أصلًا. هذا خلاصة ما أشار إليه في إلزام خصمه. والله تعالى أعلم.\nوقد ناقش العلماء هذا الدليل الثاني، فقال ابن الصلاح ﵀: والجواب عما احتجّ به مسلم: أنا قبلنا المعنعن، وحملناه على الاتصال بعد ثبوت التلاقي (١) ممن لم يُعرف منه تدليس؛ لأنه لو لم يكن قد سمعه ممن رواه عنه لكان بإطلاقه الرواية عنه مدلّسًا، والظاهر سلامته من وصمة التدليس، ومثل هذا غير موجود فيما إذا لم يُعلَم تلاقيهما. انتهى كلام ابن الصلاح (٢).\nوأجاب النووي ﵀ بأنه إذا ثبت التلاقي (٣) غلب على الظنّ الاتصال، والباب مبنيّ على غلبة الظنّ، فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبُت، فإنه لا يغلب على الظنّ الاتصال، فلا يجوز الحمل على الاتصال، ويصير كالمجهول، فإن روايته مردودة لا للقطع بكذبه، أو وضعه بل للشكّ في حاله. انتهى كلام النوويّ (٤).\nوأجاب العلائيّ، فقال: الفرق بين المقامين (٥) بأن الراوي إذا ثبت لقاؤه لمن عنعن عنه، ومشافهته له، وكان بريئًا من تهمة التدليس، فالظاهر من حاله فيما أطلقه بلفظ \"عن\" الاتّصال، وعدم الإرسال حتّى يتبيّن ذلك (٦) بدليل -كما في الأمثلة التي ذكرها- وهي منغمرة في جنب الغالب الكثير من الأسانيد، فلا يُعترض بها على الغالب لندرتها، بخلاف إرسال الراوي عمن لم يلقه، فإنه كثير جدّا بلفظ \"عن\" فلا يلزم من عدم التوقّف في ذلك عدم التوقّف في هذا، ومع ظهور الفرق بينهما فلا نقض. انتهى كلام العلائيّ (٧).\nوقال الحافظ: واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريّ بأنه يحتاج إلى أن\n_________\n(١) قد عرفت فيما سبق أن حوار مسلم ليس على التلاقي فقط، بل وعلى السماع، فافهم.\n(٢) \"صيانة صحيح مسلم\" ص ١٢٨.\n(٣) قد عرفت فيما سبق أن حوار مسلم ليس على التلاقي فقط، بل وعلى السماع، فافهم.\n(٤) \"شرح مسلم\" ١/ ١٢٨.\n(٥) أراد به أن ما ألمح إليه مسلم من أن احتمال الإرسال في معنعن من ثبت لقيّه مثل احتمال الإرسال في معنعن المعاصر غير المدلّس، فلا فرق بينهما.\n(٦) هكذا نسخة الكتاب، ولعل الظاهر: حتى يتبين خلاف ذلك الخ. والله أعلم.\n(٧) \"جامع التحصيل\" ص ١١٩ - ١٢٠.","vol":"2","page":385},{"text":"لا يقبل العنعنة أصلًا، وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرّةً (١) لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلّسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلّس. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هؤلاء الأئمة من الردّ على المصنّف في إلزامه خصمه بأنه يلزمه أن لا يقبل المعنعن أصلًا حجة قويّة تظهر ضعف إلزامه المذكور.\nوذلك لأن خصمه يقول له: قد ألزمتني بأمر لم ألتزمه، وأراه غاية التعنّت، حيث ألزمتني برد كلّ سند معنعن قد ثبت سماع رواته بعضهم من بعض؛ لاحتمال عدم السماع في بعض ما يُروى بذلك السند، وأنا لا أقبل ذلك؛ لأن الاحتمال هنا نادرٌ، والحكم إنما يُبنى على الغالب، لا على النار.\nوالحاصل أن هذا الردّ في غاية من الحسن، ونهاية من المتانة. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ) يعني أنه إذا لم يجد له سلفًا في هذا الرأي، ولكنه ادّعى أنه يجد بنفسه حجة يحتجّ بها على ما ادعاه (قِيلَ لَهُ وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟) \"ما\" استفهاميّة: أي أيُّ شيء ذاك الدليل الذي تحتجّ به؟ (فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ) أي هذا القول الذي هو اشتراط اللقاء والسماع في أيّ حديث معنعن (لِأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ) -بضم راء \"رُواة\" جمع راو، وفتح همزة \"الأخبار\" جمع خبر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله (قَدِيمًا وَحَدِيثًا) أي في قديم الزمان وجديده (يَرْوِي) بالبناء للفاعل (أَحَدُهُمْ عَنِ الْآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ) أي لم يشاهد من روى عنه ذلك الحديث.\n[فائدة]: \"لما\" هنا -بفتح اللام، وتشديد الميم- هي النافية بمعنى لم، يجتمعان في الحرفية، والنفي، والاختصاص بالمضارع، وقلب معناه إلى المضيّ، وجزمه، ودخول همزة الاستفهام عليهما. وتختصّ \"لَمّا\" بخمسة أشياء: أحدها: أنها لا تقترن بأداة شرط، فلا يقال: \"إن لما تقم\"، بخلاف \"لم\" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لم يَنْتَهُوا﴾ الآية [المائدة: ٧٣]. والثاني: وجوب اتصال منفيها بحال النطق، بخلاف \"لم\"، فقد يتصل، نحو ﴿لم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ الآية [الإخلاص: ٣]، وقد ينقطع كقوله: ﴿لم يَكُنْ شَيْئًا\n_________\n(١) تقدّم أن فرض المسألة ليس في اللقاء فقط، بل وعلى السماع، فافهم.\n(٢) راجع \"نزهة النظر\" ص ٣١ و\"النكت\" على ابن الصلاح ٢/ ٥٩٦.","vol":"2","page":386},{"text":"مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] أي ثم كان. والثالث: أن منفيها لا يكون إلا قريبًا من الحال، فلا يقال: لما يقم زيد في العام الماضي. والرابع: كون منفيّها متوقّع الحصول غالبًا، نحو: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي إلى الآن ما ذاقوه، وسيذوقونه. والخامس: جواز حذف مجزومها اختيارًا لدليل، كقاربتُ المدينة، ولَمّا: أي ولما أدخلها، ولا يجوز ذلك في \"لم\" إلا في الضرورة (١).\n(وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ) هذا صريح في أن المخترع يشترط السماع، ولا يكتفي باللقاء فقط، كما اشتهر عند كثير ممن كتب في هذه المسألة، فليُتنبّه (فَلَمَّا) -بفتح اللام، وتشديد الميم أيضًا- هي هنا \"لَمّا\" الحينيّة، وهي تقتضي جملتين، أولاهما شرطها، والثانية جوابها فشرطها هنا قوله: (رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا) أي أجازوا، فالسين، والتاء زائدتان للتوكيد (رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ) بنصب \"روايةً\" على المفعوليّة (هَكَذَا) أي رواية مشابهة لما ذُكر، وهو الرواية عن شخص لم يعاينه، ولا سمع منه، فقوله (عَلَى الْإِرْسَالِ) تأكيد لهكذا، وكذا قوله (مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ) لأن غير السماع هو الإرسال، والمراد بالإرسال هنا مطلق الانقطاع، لا بخصوص كونه رفع تابعيّ إلى النبيّ -ﷺ-؛ لأن كثيرًا من المتقدّمين، كالمصنّف، والبخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، وغيرهم يستعملون الإرسال بمعنى الانقطاع، كما سنحقّقه قريبًا، إن شاء الله تعالى.\n(وَالْمُرْسَلُ) اسم المفعول من أرسل رباعيّا، وهو مبتدأ، خبره جملة \"ليس\" الآتية (مِنَ الرِّوَايَاتِ) بيان للمرسل (فِي أَصْلِ قَوْلِنَا) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه كائنًا. وقوله (وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ) بجرّ \"قول\" عطفًا على \"قولنا\" من عطف المؤكّد على المؤكّد؛ لأن المراد بضمير المتكلّم في \"قولنا\" هم أهل العلم بالأخبار. وقيّد بهم؛ لأن غيرهم من الفقهاء والأصوليين يحتجّون بالمراسيل على ما سنبيّنه، إن شاء الله تعالى.\nوقوله (لَيْسَ بِحُجَّةٍ) خبر المبتدإ، كما تقدّم آنفًا.\nوقوله (احْتَجْتُ) جواب \"لما\" الماضية في قوله: \"فلما رأيتهم الخ\" (لِمَا وَصَفْتُ) بكسر اللام الجارة، وهو تعليل للاحتياج: أي احتجتُ إلى البحث عن السماع؛ لأجل ما ذكرته (مِنَ الْعِلَّةِ) بيان لما: أي من السبب. وقوله (إِلَى الْبَحْثِ) متعلّق بـ \"احتجت\" (عَنْ سَمَاعِ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ) الجارّ والمجرور الأول متعلّق بـ \"البحث\"، والثاني متعلّق بـ \"سماع\".\n_________\n(١) راجع \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" ١/ ٢٧٨ - ٢٨٠.","vol":"2","page":387},{"text":"خلاصة ما أشار إليه في هذا الكلام: أنه إنما احتاج للبحث عن سماع الراوي الْمُعَنْعِن عمن عنعن عنه؛ لكونه رأى أهل الحديث يروون المراسيل عمن لم يشاهدوه، ولم يسمعوا منه، فخشي أن يكون ما عنعنه مما لم يسمعه، فلذلك شدّد في البحث عن السماع.\n(فَإِذَا أَنَا) \"إذا\" شرطيّة، وجوابها قوله: \"ثبت عندي الخ\"، ودخولها على الجملة الاسميّة مذهب كوفيّ، وهو الحقّ؛ لكثرة وروده في القرآن الكريم، كقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وغير ذلك (هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ) أي وصل علمي إلى سماعه، يقال: هجم عليه هجومًا، من باب قعد: انتهى إليه بغتةً، أو دخل عليه بغير إذن. أفاده في \"القاموس\". (مِنْهُ) أي من المرويّ عنه بالعنعنة (لِأَدْنَى شَيْءٍ) أي لقليل من الرواية. وقوله (ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ) أي بسبب ما هجم عليه من السماع (جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ) أي بالعنعنة (بَعْدُ) أي بعد هجومي على السماع، وهي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونية معناها، وقد تقدم البحث فيها مستوفىً عند قول المصنّف: \"أما بعد\".\n(فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي) بفتح الزاي: أي بَعُدَ، وغاب عن علمي، يقال: عزَب الشيء يَعزُبُ بضم الزاي، كنصر ينصر، ويَعزِب بكسرها، كضرب يضرب، لغتان فصيحتان، قُرىء بهما في السبع، والضم أشهر، وأكثر.\nوقوله: \"عنّي\" متعلق بـ \"عزب\": (مَعْرِفَةُ ذَلِكَ) أي معرفة سماعه لشيء من المرويات (أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ) أي توقّفت عن الاحتجاج به. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: \"أوقفت الخبر: \" كذا هو في الأصول: \"أوقفت\"، وهي لغة قليلةٌ، والفصيح المشهور \"وقفت\" بغير ألف. انتهى (١).\nوعبارة الجوهريّ في \"الصحاح\": وقفت الدار للمساكين وقفًا: حبستها، وأوقفتها بالألف لغة رديئة. وليس في الكلام أوقفت إلا حرف واحدٌ، أوقفت عن الأمر الذي كنت فيه: أي أقلعت، قال الطِّرِمَّاح [من الخفيف]:\nجَامِحًا فِي غَوَايَتِي ثُمَّ أَوْ قَفْـ ... ـتُ رِضًا بِالتُّقَى وَذُو الْبِرِّ رَاضِي\nوحكَى أبو عمرو: كلّمتهم، ثم أوقفت: أي أسكتُّ، وكلّ شيء تمسك عنه تقول: أوقفت انتهى (٢).\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٣٢ - ١٣٣.\n(٢) \"الصحاح\" ٣/ ١١٩٠.","vol":"2","page":388},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ما ذكره الجوهريّ أن أوقفت لغة فصيحة، بل هي الواردة في كلام العرب لمعنى الإمساك عن الشيء، وأما وقفت ثلاثيا، فمستعمل لمعنى الحبس، كوقفت الدار، وأوقفت بالألف فيه لغة رديئة، فتأمل. والله تعالى أعلم.\n(وَلَمْ يَكُنْ) أي ذلك الخبر الذي رواه من لم يثبت عندي سماعه ممن روى عنه، ولو قليلًا (عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ) أي محل استدلال على الأحكام الشرعيّة (لِإِمْكَانِ الْإِرْسَالِ فِيهِ) علّة لعدم كونه موضع حجة؛ أي لاحتمال الانقطاع بين المعنعن والمعنعن عنه.\n(فَيُقَالُ لَهُ) أي للمخترع المذكور (فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ) أي السبب (فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ، وَتَرْكِكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ) عطفه على ما قبله من عطف المسبب على السبب؛ لأن تركه الاحتجاج به؛ لتضعيفه الخبر (إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ) بالنصب على أنه خبر \"كان\" (فِيهِ) أي في ذلك الخبر الذي تركت الاحتجاج به لتضعيفك إياه (لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ) بضم أوله، من الإثبات رباعيّا (إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا) اسم مفعول من عنعنه إذا رواه بـ \"عن\" (حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ) أي من أول الإسناد إلى منتهاه، أي وذلك باطلٌ.\nوحاصل ما أشار إليه أن ما احتجّ به على عدم إثبات الحديث المعنعن إلا إذا ثبت سماعه لديه ولو مرة، يستلزم أن لا يصحّح أيَّ حديث إلا إذا اتصل إسناده بسماع كل راو عمن روى عنه من أوله إلى آخره، ولا يكفي فيه ثبوت السماع في الجملة؛ لأنه يوجد الإرسال مع اللقاء، بل مع السماع الكثير، وهذا الإلزام قد عرفت الجواب عنه فيما سبق، فلا تنس نصيبك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم أوضح المصنّف ما ذكره بما ضربه من الأمثلة، حيث قال:\n(وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ، أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ، لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا، وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ. وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ","vol":"2","page":389},{"text":"صَاحِبِهِ سَمَاعًا كثِيرًا، فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا، وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا، فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ. وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدًا، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رحمه اللهُ تعالى في هذه الفقرة ما دعّم به مذهبه بضرب الأمثلة على ذلك، فمن تلك الأمثلة الحديثُ الواردُ عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، فإننا نعلم علمًا يقينًا أن هُشَامًا سمع من أبيه، وهو سمع من خالته عائشة -﵂-، كما نعلم علمًا يقينًا أنها سمعت من النبيّ -ﷺ-، لكن يمكن إذا عنعن هشام، ولم يُفصح بالسماع من أبيه أن يكون أخذه عنه بواسطة، فأرسله، ولم يذكر من أخذ عنه، ومثل هذا الإمكان موجود في أبيه أيضًا عن عائشة -﵂-، وكذلك كلُّ إسناد لم يُصَرَّح فيه بسماع الرواة بعضهم من بعض، مع ثبوت سماع بعضهم من بعض في الجملة يمكن أن يكون بينهم وبين من رووا عنه واسطة، أسقطوه اختصارًا؛ إذ الراوي أحيانًا يَنشَط، فيَذكُرُ شيخه، وأحيانًا لا يَنشَط، فيُسقطه، ويُرسِل الحديث، وهذا الصنف موجود في الحديث، وكثير بين المحدّثين، كما سيظهر ذلك من ضرب الأمثلة فيما بعد، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.\nوقد رَدَّ على استشهاد المصنّف ﵀ بما ذُكر ابن رُشيد ﵀، فقال: ثم إنه مَثَّل ذلك بأمثلة منها حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله -ﷺ-، وقال: إن كُلا منهم يتحقق سماع بعضهم من بعض، فهشام من أبيه عروة، وعروة من خالته عائشة، وعائشة من النبي -ﷺ-، ثم قال: وقد يجوز إذا لم يقل هشام في رواية يرويها عن أبيه: سمعت، أو أخبرني أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان آخر أخبره بها عن أبيه.\nثم طَرَّق الاحتمال أيضا في قول عروة عن عائشة، وأتبع ذلك بأمثلة من الرواة لقي بعضهم بعضًا، وأسندوا رواياتهم معنعنين ممن لم يُتَّهَم بالتدليس، على أن هشاما قد وقع له بعض الشيء.\nقال عبد الله بن علي المديني: قال أبي: وسمعت يحيى يقول: كان هشام بن","vol":"2","page":390},{"text":"عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت: \"ما خُيِّر رسول الله -ﷺ- بين أمرين، وما ضَرَب بيده شيئا قط ... \" الحديث. قال يحيى: فلما سألته قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: \"ما خُيِّر رسولُ الله -ﷺ- بين أمرين\" لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه إنما هو عن الزهري. ذكره الحاكم في \"علوم الحديث\" له في باب المدلسين (١).\nفحاصل ما أتيتَ به أيها الإمام من الأمثلة أنّ من عُلِمَ سماعه من إنسان، ثم اختَلَفَت الرواة عنه، فزاد بعضهم بينهما رجلًا أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومَثَّلتَ ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة، فإنه يُحكَم لمن زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال.\nوهذه المسألة أيها الإمام من مُعضِلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يَعِزّ لدائها وجود الدواء، ويتعذّر في كثير منها الشفاء، فكيف يصح أن يُجعَل ما هذه حاله دليلا في محل النزاع، أو يُحكَم فيه حكما جُمْليّا، وليتَ الحكمَ التفصيلي يكشف بعض أمره.\nفنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رُواة لقي بعضهم بعضًا، ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصًا على التحديث فيه، أو معنعنا أيضًا نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح، فحكمنا لمن يُرَجَّح قولُه من الزائد أو الناقص، أو لمن تيقنا صوابه، كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلًا، أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ، كما قد نَحكُم بذلك إذا كان الحديث بلفظ \"حدّثنا\"، ثم زاد أحدهما راويا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معًا، وقد بان ذلك كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة.\nفإن أشكل الأمر توقفنا، وجعلنا الحديث معلولًا؛ إذ كلُّ واحد من الطريقين مُتعرِّض لأن يُعتَرَضَ به على الآخر؛ إذ لعل الزائد خطأ. وإذا كان الزائد بلفظ \"عن\" أيضا فلعله نقص رجل آخر غير ذلك المزيد، وإنما يرتفع هذا الاحتمال، إذا قال الراوي الزائد: \"حدثنا\"، ويبقى احتمالُ أن يكون الحديث عنده عنهما معا.\nفأما أن يُحكَم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقا ففيه نظر، لا سيما في رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد، أو عن الآباء فقط، أو الإخوة بعضِهِم عن بعض، فكثيرا ما يَتَحَمّلون النزول، ويَدَعُون العلو، وإن كان عندهم؛ حرصًا على ذكره عن الآباء والأجداد، وإبقاءً للشرف، ولذلك ما تجد الأسانيد تنزل كثيرا في المسافة في\n_________\n(١) في وصف هشام بن عروة بالتدليس نظر، فقد قال الحافظ العلائيّ في \"جامع التحصيل \" ص ١١١: \"وفي جعل هشام بمجرّد هذا مدلّسًا نظر، ولم أر من وصفه به. انتهى\".","vol":"2","page":391},{"text":"هذا النوع، فيدعون الإسناد العالي إيثارا لطلب المعالي.\nوقد حكم بعضُ المتأخرين بإرسال الناقص، ووصل الزائد، وهو الذي ظهر منك أيها الإمام في حكمك هنا، وهو كما قدمناه لا يَسلَم من التعقب بأن يُعتَرَض على أحدهما بالآخر. انتهى. كلام ابن رُشيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكره من أن قول المخترع المذكور يستلزم أمرًا باطلًا (أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أبي المنذر المدنيّ، تقدمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزى، ابن قصي الأسدي، أبي عبد الله المدني، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، فقيها، عالما، ثبتا، مأمونا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وكان رجلا صالحا، لم يدخل في شيء من الفتن. وقال ابن شهاب كان إذا حدّثني عروة، ثم حدثتني عمرة صدّق عندي حديث عمرة حديث عروة، فلما تبحّرتهما إذا عروة بحر لا يُنْزَف. وقال هشام عن أبيه: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج، أو خمس حجج، وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها، إلا وقد وعيته. وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة مع مشيخة سواهم، من أهل فقه وفضل. وقال ضمرة، عن ابن شوذب: وقعت في رجله الآكلة، فنُشرت، وكان يقرأ ربع القرآن نظرا في المصحف، ثم يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله. وقال ابن عيينة عن هشام: خرج عروة إلى الوليد، فخرجت برجله آكلة، فقطعها، وسَقَط ابن له عن ظهر بيت له، فوقع تحت أرجل الدواب فوطئته، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، اللهم إن كنت أخذت، لقد أعطيت، وإن كنت ابتليت لقد عافيت.\nقال خليفة في آخر خلافة عمر: سنة (٢٣) يقال: وُلد عروة بن الزبير. وقال مصعب الزبيري: ولد عروة لست خلون من خلافة عثمان، وكان بينه وبين أخيه عبد الله عشرون سنة. وقال ابن المديني: مات عروة سنة إحدى، أو اثنتين وتسعين، وعنه سنة اثنتين. وعنه سنة (٣). وفيها أرخه أبو نعيم، وابن يونس وغيرهما. وذكره ابن زبر فيمن مات في سنة (٢) ثم في سنة (٤). وقال: هذا أثبت من الأول، وكذا أرخه ابن سعد، وعمرو بن علي، وغير واحد. وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تسمية تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم: أبو بكر بن عبد الرحمن مات سنة (٩٤) وعروة بن الزبير، وسعيد، وعلي بن الحسين، وكان يقال لها: سنة الفقهاء. وقيل: غير ذلك في سنة وفاته.","vol":"2","page":392},{"text":"وقال في \"التقريب\": ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان -﵁-. انتهى.\n(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت ترجمتها في أوائل هذا الشرح (فَبِيَقِينٍ) الظاهر أن الباء زائدة، و\"يقين\" نعت لمصدر محذوف: أي علمًا يقينًا؛ وإنما قلت بزيادتها؛ لأن اليقين بمعنى الثابت، والواضح، قال في \"المصباح\": يَقِنَ الأمر يَيْقَن يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت، ووضح، فهو يقينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعل، ويُستعمل متعديا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي علمته. انتهى (١).\nويحتمل أن تكون الباء أصليّة سببية، و\"يقين\" نعت لمحذوف: أي بدليل يقين، أي ثابت وواضح، والجار والمجرور متعلّق بقوله: (نَعْلَمُ) أي نعلم علمًا يقينًا: أي ثابتًا واضحًا، أو نعلم بسبب وجود دليلٍ يقينٍ: أي ثابت واضح (أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ) عروة (وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ) -﵂- (كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ) -﵂- (قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقَدْ يَجُوزُ) أي يمكن، ويحتمل (إِذَا لم يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ) مقول \"يقل\" (أَوْ أَخْبَرَنِي) عطف على المقول (أَنْ) بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤول فاعل \"يجوز\" (يَكُونَ بَيْنَهُ) أي بين هشام (وَبَيْنَ أَبِيهِ) عروة (فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ) برفع \"إنسان\" على أنه اسم \"يكون\" (أَخْبَرَهُ بِهَا) أي بتلك الرواية (عَنْ أَبِيهِ) متعلق بحال مقدّر: أي حال كون ذلك الإنسان راويا عن أبيه عروة (وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ) أي لم يسمع تلك الرواية هشام (مِنْ أَبِيهِ) عروة (لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ضبطناه \"لَمّا\" بفتح اللام، وتشديد الميم، و\"مُرسَلًا\" بفتح السين، ويجوز تخفيف \"لِمَا\" وكسر سين \"مرسلًا\". انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قوله: \"لما أحب الخ\" متعلّقٌ بمحذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: فترك ذكر ذلك الإنسان لما أحبّ الخ، و\"لَمّا\" بفتح اللام، وتشديد الميم حينيّة ظرف لترك المقدّر، أي ترك ذكر ذلك الإنسان حين أحبّ أن يروي تلك الرواية مرسلًا، أو بكسر اللام، وهي جارّة للتعليل، متعلقة بترك أيضًا، و\"ما\" مخفّفة الميم، مصدريّة، والتقدير: فترك ذكره لحبه روايتها مرسلا.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٦٨١.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":393},{"text":"وأما \"مرسلًا\" فيحتمل أن يكون بكسر السين، حالًا من فاعل \"يرويها\"، ويحتمل أن يكون بفتح السين، حالًا من المفعول، إنما ذكّره مع كون الضمير مؤنثًا لعوده إلى الرواية، لتأويلها بالخبر، أو نحوه. ويحتمل أن يكون \"مرسلًا\" بالفتح مصدرًا ميميّا مفعولًا مطلقًا ليروي، على حذف مضاف: أي رواية إرسال، وهو واضح. والله تعالى أعلم.\nوعطف قوله: (وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ) من عطف المؤكّد على المؤكَّد؛ لأنه بمعنى قوله: \"أن يرويها مرسلا\".\n(وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ) أي الإرسال المذكور (فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة (فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (وَكَذَلِكَ) أي مثل ما سبق من احتمال الإرسال (كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ) أي في ذلك الإسناد (ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) برفع \"ذكرُ\" على أنه اسم \"ليس\" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله، وإضافة \"ذكر\" إلى سماع من إضافة المصدر إلى مفعوله، وإضافة \"سماع\" إلى \"بعضهم\" من إضافة المصدر إلى فاعله.\n(وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ) بالبناء للمفعول (فِي الْجُمْلَةِ) أي في بعض الروايات (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في محل نائب الفاعل (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا، فَجَائِزٌ) أي ممكنٌ، ومحتملٌ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ) بالبناء للفاعل (فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ) أي من غير صاحبه (عَنْهُ) أي عن صاحبه (بَعْضَ أَحَادِيثِهِ) بنصب \"بعض\" على المفعوليّة ليسمع (ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا) أي يرويه عن صاحبه منقطعًا؛ لعدم نشاطه (وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ) أي الواسطة التي بينه وبين صاحبه (وَيَنْشَطَ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: نَشِطَ في عمله يَنْشَطُ، من باب تعب: خفَّ، وأسرع. قاله في \"المصباح\". وقال في \"القاموس\": نَشِط كسمع نَشَاطًا بالفتح، فهو ناشطٌ، ونَشِيطٌ: طابت نفسه للعمل وغيره. انتهى. وقوله: (أَحْيَانًا) جمع \"حين\" ظرف لينشط (فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الْإِرْسَالَ) أي روايته بالانقطاع. (وَمَا) موصول مبتدأ خبره \"موجود\": أي والذي (قُلْنَا مِنْ هَذَا) الذي ذكرناه من أن من سمع من شخص سماعًا كثيرًا يجوز أن يروي عنه بواسطة، فيذكرها أحيانًا لنشاطه، ويتركها أحيانًا لعدم نشاطه (مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ) أي كثير مشتهر (مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ) من عطف المؤكد على المؤكّد، ويحتمل أن يكون من عطف العام على الخاصّ؛ لأن أئمة أهل العلم يشمل ثقات المحدثين وغيرهم (وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ) أي الطريقة (الَّتِي ذَكَرْنَا) آنفًا، وهي الرواية بذكر الواسطة عند النشاط، وعدمه عند عدمه (عَدَدًا) مفعول به لسنذكر: أي روايات متعدّدةً،","vol":"2","page":394},{"text":"أو أمثلةً متعدّدة (يُسْتَدَلُّ بِهَا) بالبناء للمفعول: أي بتلك الروايات، أو الأمثلة (عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) جملة إنشائيّة، أتي بها للتبرّك، امتثالًا لقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. والله تعالى أعلم بالصواب.\nثم ضرب بعض الأمثلة التي يُستدلّ بها على ردّ رأي الْمُختَرع في زعمه، كما وعد بها آنفًا، فقال:\n(فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعًا، وَابْنَ نُمَيْرٍ، وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِحِلِّهِ وَلِحِرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ\".\nفَرَوَى هَذ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ، وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵄).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nيعني أن من جملة العدد الذي يُستدلّ به على ما ذُكر من أن بعض الرواة يسمع الحديث بواسطة، فيرسله أحيانًا؛ لعدم نشاطه، ويوصله أحيانًا؛ لنشاطه ما رواه أيوب السختيانيّ، وابن المبارك، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن نمير، وجماعة آخرون عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- أنها قالت: \"كنتُ أطيّب رسول الله -ﷺ- لحلّه ولحرمه بأطيب ما أجد\"، فقد روى هذه الرواية نفسَها جماعة آخرون: الليث بن سعد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وحُميد بن الأسود، ووُهيب بن خالد، وأبو أسامة كلهم عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان بن عروة، عن عائشة -﵂-.\nقال ابن رُشيد بعد إيراده كلام مسلم هذا: ما نصّه: ثم أوردت في كتابك حديث عثمان (١)؛ لأنه الذي رَجَحَ عندك أنه المسند، ومن أسقطه أرسل، ولسنا ننفي أن يحصُل ظنّ في بعض الأحاديث بأن الحكم لمن زاد كما قد يَرْجَح أيضًا في بعضٍ أن الحكم لمن نقص، فتعميم الحكم في المسألة لا يصحّ. انتهى (٢).\nقلت: خلاصة ما يُفهم مما سبق في كلام مسلم، وتعليق ابن رُشيد عليه ترجيح\n_________\n(١) أي حيث أخرجه في \"صحيحه\" برقم ٤/ ١٠ - ١١.\n(٢) راجع \"السنن الأبين\" ص ٩٦ - ٩٧.","vol":"2","page":395},{"text":"زيادة عثمان في السند، وأن الحديث موصول، وأن رواية من أسقطه مُعلّة.\nوبهذا قال المحقّقون، فقد ذكر الدارقطنيّ ﵀ في \"العلل\" أن الصحيح عن هشام بن عروة أنه سمع هذا الحديث من أخيه عثمان، وأن الرواية بدون ذكر عثمان مرسلة.\nومثّل العلائيّ ﵀ بهذا الحديث -كما في \"جامع التحصيل\" ص ١٢٩ - لما ترجّح فيه الحكم بالإرسال إذا رُوي بدون الراوي المزيد، وهذا الحديث جزمًا لم يسمعه هشام من أبيه، وإنما تحمّله عن أخيه عثمان، عن أبيه، فقد روى الحميديّ في \"مسنده\" ١/ ١٠٥ الحديث عن سفيان، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وقال الحميديّ: قال سفيان: فقال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام هذا الحديث إلا عنّي. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَمِنْ ذَلِكَ) أي من العدد الذي يُستدلّ به على ما ذُكر (أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ) -بفتح السين المهملة، بعدها خاء معجمة ساكنة، ثم مثناة فوقية، ثم تحتانية، وبعد الألف نون- وهو ابن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت الحجة، من كبار الفقهاء العبّاد، تقدّمت ترجمته في أوائل هذا الشرح (وَابْنَ الْمُبَارَكِ،) هو عبد الله الإمام الحجة المشهور، أبو عبد الرحمن المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠ (وَوَكِيعًا) هو ابن الْجَرَّاح ابن مَلِيح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفي الإمام الحجة، تقدّم في ١/ ٢ (وَابْنَ نُمَيْرٍ) هو عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ الكوفي الثقة الثبت، تقدم في ١/ ٥ (وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- أنها (قَالَتْ: \"كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ، لِحِلِّهِ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام: أي لإحلاله من إحرام الحج، أو العمرة (وَلِحِرْمِهِ) بضم الحاء المهملة، وكسرها: أي لإحرامه بالحج، أو العمرة.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قَيّدناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضمّ قيّده الخطابيّ، والهرويّ، وخطّأ الخطابيّ أصحاب الحديث في كسره، وقيّده ثابت بالكسر، وحكى عن المحدّثين الضمّ، وخطّأهم فيه، وقال: صوابه الكسر، كما قال: \"لِحلّه\". وقد جاء في قراءة عبد الله بن مسعود -﵁-: \"وحِرْمٌ على قرية\" [سورة الأنبياء: ٩٥]: أي حرام، والْحِرْم والحرام واحد. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\": يقال: حرمه بضم الحاء، وكسرها لغتان، ومعناه لإحرامه. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٧٢.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" ١/ ٢٣٤.","vol":"2","page":396},{"text":"تعالى: الْحِرمُ وزانُ حِمْل لغةٌ في الحرام أيضًا. انتهى (١).\n(بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ) أي بأحسن ما أجده من أنواع الطيب.\n(فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا، اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجة المشهور، المجمع على ثقته وجلالته. وقال ابن سعد: كان قد اشتغل بالفتوى في زمانه، وكان ثقة، كثير الحديث، صحيحه، وكان سَرِيّا من الرجال، نبيلا سخيا. وقال أحمد بن سعد الزهري عن أحمد: الليث ثقة ثبت. وقال يحيى بن بكير عن شرحبيل بن جميل: أدركت الناس زمن هشام بن عبد الملك، والناس إذ ذاك متوافرون، وكان بمصر يزيد بن أبي حبيب وغيره، والليث إذ ذاك شاب، وإنهم ليعرفون له فضله وورعه، ويقدمونه. قال ابن بكير: ورأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، وفي رواية: ما رأيت أكمل من الليث، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، لم أر مثله. وقال شعيب بن الليث: قيل لليث: إنا نسمع منك الحديث، ليس في كتبك، فقال: أو كلما في صدري في كتبي، لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب. وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ما فاتني أحد، فأسفت عليه ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب. وقال ابن أخي ابن وهب: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بكير يقول: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات أهل زمانه فقها، وورعا، وعلما، وفضلا، وسخاء. وقال ابن أبي مريم: ما رأيت أحدا من خلق الله أفضل من ليث، وما كانت خصلة يُتقرب بها إلى الله إلا كانت تلك الخصلة في الليث. وقال أبو يعلى الخليلي: كان إمام وقته بلا مدافعة. وقال محمد بن صالح الأشج عن قتيبة بن سعيد: قدم منصور بن عمار على الليث، فوصله بألف دينار، واحترق بيت ابن لهيعة، فوصله بألف دينار، ووصل مالك بن أنس بألف دينار، وكساني قميص سندس، فهو عندي. وقال أبو العباس السراج عن قتيبة: قفلنا مع الليث من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن: فسفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه. وقال محمد بن رمح وقال ابن وهب: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها، فأحب أن تبعث إلي بشيء من عصفر، فبعث إليه ثلاثين حِمْلا من عصفر، فصبغ لأهله، ثم باع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده. وكان دخل الليث كل سنة ثمانين\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٣١.","vol":"2","page":397},{"text":"ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة. وقال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير: وُلد الليث سنة (٩٤) ومات في يوم الجمعة نصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. وكذا قال ابن أبي مريم، وغير واحد في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩٨) حديثًا. وقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ فقيهٌ، إمام مشهور، من السابعة. انتهى.\n(وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ) هو ابن عبد الرحمن، أبو سليمان العبدي المكيُّ، قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: ما رأيت أحدا أعبد من الفضيل بن عياض، ولا أورع من داود بن عبد الرحمن، ولا أفرس في الحديث من ابن عيينة. قال أبو داود: أخبرني ابن لداود قال: وُلد داود سنة مائة، قال: وذكر أيضا أنه مات سنة (١٧٥). قال ابن حبان: مات سنة أربع وسبعين. وذكر مولده سنة مائة بمكة، قال: وكان متقنًا من فقهاء أهل مكة، وكذا قال ابن سعد في تاريخ وفاته، وقال: كان كثير الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال العجلي: مكي ثقة، ووثقه أيضا البزار. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٣٠١ و١٤١٠ و٢٩٧٥.\nوقال في \"التقريب\": ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلّم فيه، من الثامنة. انتهى.\n(وَحُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ) بن الأشقر البصريّ، أبو الأسود الكرابيسي، قال عبيد الله القواريري: كان صدوقا. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وأخرج له البخاري مقرونا بغيره في موضعين. وقال الأثرم عن أحمد: سبحان الله ما أنكر ما يجيء به. وقال العقيلي في \"الضعفاء\": كان عفان يحمل عليه؛ لأنه روى حديثًا منكرًا. وقال الساجي، والأزدي: صدوق عنده مناكير. وقال الحاكم عن الدارقطني: ليس به بأس. روى له البخاريّ في \"الأدب المفرد\"، والأربعة، وله في \"صحيح مسلم\" هنا في \"المقدّمة\". وقال في \"التقريب\": صدوقٌ، يَهِمُ قليلًا، من الثامنة. انتهى.\n(وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ الثقة الثبت، صاحب الكرابيس. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن وهيب وابن علية، إذا اختلفا؟ قال: كان عبد الرحمن يختار وهيبا، قلت: في حفظه؟ قال: في كل شيء، وإسماعيل ثبت. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال وهيب، وذكر جماعة. وقال ابن المديني عن ابن مهدي: كان من أبصر أصحابه بالحديث والرجال. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد ذكره، فأحسن الثناء عليه. وقال يونس بن حبيب عن أبي داود: ثنا وهيب، وكان ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة. ويقال: إنه لم","vol":"2","page":398},{"text":"يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، وكان يقال: إنه يَخلُف حماد بن سلمة. وقال ابن سعد: كان قد سُجِن فذهب بصره، وكان ثقة، كثير الحديث، حجة، وكان يُملي من حفظه، وكان أحفظ من أبي عوانة، ومات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وروى البخاري أنه مات سنة خمس وستين ومائة، وكان متقنا، وقد قيل: إنه مات سنة تسع وستين. انتهى. وفي سنة تسع أرخه ابن خليفة، وابن قانع. وقال الآجري عن أبي داود: تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة. وقال ابن المديني: قال يحيى بن سعيد: إسماعيل أثبت من وهيب. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٥٩) حديثًا.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلًا بآخره، من السابعة. انتهى.\n(وَأَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الثقة الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٨. (عَنْ هِشَام) بن عروة، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، روى عن أبيه، وعنه أخوه هشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وابن عيينة، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال يعقوب بن شيبة: كان من خطباء الناس وعلمائهم، وكان أصغر من هشام، لكنه مات قبله. وقال مصعب: أمه أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص، عمة عبد الملك بن مروان، وكان من وجوه قريش وساداتهم. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، مات قبل الأربعين ومائة. وقال الواقدي: مات في أول خلافة أبي جعفر. وأخرج ابن مردويه وفاته في \"كتاب أولاد المحدثين\" سنة (٣٧). وقيل: كانت وفاته في ذي الحجة سنة (٣٦). أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وله في \"صحيح مسلم\" هذا الحديث فقط، برقم (١١٨٩) و(١١٩٠).\n(عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ) عمّته (عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-). يعني أن هؤلاء الخمسة رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أخيه عثمان، عن أبيهما عروة، عن عائشة -﵂-.\nوغرض المصنّف بذلك إلزام خصمه بأن اللقاء والسماع، وإن كان كثيرًا لا يمنع من وقوع الإرسال، فإنه من الواضح أن هشام بن عروة جالس أباه، وسمع منه كثيرًا، ومع ذلك روى عنه بواسطة أخيه، فأرسله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>مسائل تتعلقّ بهذا الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nأخرجه المصنّف هنا، وفي \"الحجّ\" ١١٨٩ و١١٩١ و١١٩٢ و(البخاريّ) في \"الغسل\" ٢٦٧ و٢٧٠ و٢٧١ و\"الحجّ\" ١٥٣٨ و١٥٣٩ و\"اللباس\" ٥٩١٨ و(أبو داود) في","vol":"2","page":399},{"text":"\"المناسك \" ١٤٨٣ و١٤٨٤ و(الترمذيّ) في \"الحجّ\" ٨٤٠ و٨٨٥ و\"البيوع\" ١٢١٩ و(النسائيّ) في \"الغسل والتيمّم\" ٤١٧ و٤٣١ و\"مناسك الحجّ\" ٢٦٨٤ و٢٦٨٥ و٢٦٨٦ و٢٦٨٧ و٢٦٨٨ و٢٦٨٩ و٢٦٩٠ و٢٦٩١ و٢٦٩٢ و(ابن ماجه) في \"المناسك\" ٢٩١٧ و٢٩١٨ و٢٩١٩ و(أحمد) في \"باقي مسند الأنصار\" ٢٢٩٨٢ و٢٣٠٠٤ و٢٣٥٣١ و٢٣٦٠٧ و(الموطأ) في \"الحجّ\" ٦٣٥ و(الدارميّ) في \"المناسك\" ١٧٣٣. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>(المسألة الثانية): في فوائده:</span>\n(منها): أَن فيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهذا مذهب جماهير العلماء، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف، وهذا مذهب كافة العلماء، إلا مالكا، فقد كرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث.\n(ومنها): أن قولها: \"لِحِلِّه\" دليل على أنه حصل له تحلل، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلقِ، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول، أَيَّ اثنين كانا، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهنّ غير الجماع بالتحلل الأول، وهو قول بعض الشافعيّة، وللشافعي قول: إنه لا يحل بالأول إلا اللبس، والحلق، وقلم الأظفار، والصواب ما سبق. والله أعلم. انتهى (١).\n(ومنها): مشروعيّة خدمة المرأة زوجها، وهو الصواب من أقوال العلماء، وقد حقّقته بأدلته في محلّه من \"شرح النسائيّ\"، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استعمال الطيب عند الإحرام:</span>\nذهبت جماعة إلى جوازه، وبه قال خلائق من الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وداود، وغيرهم.\nوذهب آخرون إلى منعه، منهم: الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وحُكي\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ٨/ ٩٩.","vol":"2","page":400},{"text":"أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين، قال القاضي عياض: وتأول هؤلاء حديث عائشة -﵂- هذا على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى: \"طيبت رسول الله -ﷺ-، عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرما\"، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيما وقد نُقِل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك، ويكون قولها: \"ثم أصبح يَنضَخُ طيبًا\": أي قبل غسله، وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذَريرة، وهي مما يُذهبه الغسل، قال: وقولها: \"كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مفارق رسول الله -ﷺ-، وهو محرم\"، المراد به أثره، لا جرمه.\nوقد تعقّبه النوويّ، وأجاد في ذلك، فقال: هذا كلام القاضي، ولا يُوافَق عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحب للإحرام؛ لقولها: \"طيبته لحرمه\"، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام لا للنساء، ويَعضِده قولها: \"كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب\"، والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول؛ لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه. انتهى كلام النوويّ.\nوحاصله أن التطيّب للإحرام بما يَبقَى أثره بعد الإحرام جائز، كما هو مذهب الجمهور؛ لظاهر حديث عائشة -﵂- هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم ذكر المصنّف رحمه الله تعالى أيضًا مثالًا آخر؛ زيادة في الإلزام، فقال:\n(وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ-، إِذَا اعْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ\". فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).\n(وَرَوَى هِشَامٌ) أي ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير عَنْ عَائِشَةَ -﵂- (قَالَتْ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ-، إِذَا اعْتَكَفَ) أي جلس في المسجد للعبادة. قال في \"المصباح\": عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من باب بابي قعد، وضَرَبَ: لازمه، وواظبه. وقرىء بهما في السبعة في قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٨]. وعكفتُ الشيءَ أعكُفُهُ، وأعكِفُهُ: حبسته. ومنه الاعتكاف، وهو افتعال؛ لأنه حبس النفس عن التصرّفات العاديّة. وعكفته عن حاجته. منعته. انتهى (١).\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٢٤.","vol":"2","page":401},{"text":"وقال الخطيب الشربينيّ رحمه الله تعالى: الاعتكاف هو لغة اللبث والحبس، وشرعًا اللبث في المسجد، من شخص مخصوص (١)، بنيّة.\nوالأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وخبر \"الصحيحين\": أنه -ﷺ- \"اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواخر، ولازمه حتى توفّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده\". وهو من الشرائع القديمة، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٢٥] (٢).\n(يُدْنِي) بضم أوله، من الإناء، رباعيّا، وهو التقريب: أي يقرّب (إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ) من الترجيل، وهو التسريح: أي أُسرّح شعر رأسه. وقوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَرَوَاهَا) أي هذه الرواية (بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الأصبحيّ، تقدّمت ترجمته في أوائل الشرح (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشيّ، أبي بكر الفقيه الحافظ الحجة المتفق على جلالته وإتقانه، تقدّمت ترجمته أوائل هذا الشرح (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زُرَارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة -﵂-، قال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وقال أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي: سمعت ابن المديني ذكر عمرة بنت عبد الرحمن، ففَخّم أمرها، وقال: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأَثباتِ فيها. وذكرها ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة. وقال ابن المديني عن سفيان: أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة. وقال شعبة عن محمد بن عبد الرحمن: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة. قال شعبة: وكان عبد الرحمن بن القاسم يسألها عن حديث عائشة. وقال ابن سعد: كانت عالمة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة. وقال نوح بن حبيب الْقُومَسِيّ: من قال عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة فقد أخطأ، إنما هو وَلَدُ سعد بن زرارة، وهو أخو أسعد، فأما أسعد فلم يكن له عقب، وإنما الولد لسعد، وإنما غلط الناس؛ لأن المشهور هو أسعد، سمعت ذلك من علي بن المديني، ومن الذين يعرفون نسب الأنصار. قال أبو حسان الزيادي: يقال: ماتت سنة ثمان وتسعين. وقيل: ماتت سنة\n_________\n(١) أي مسلم مميّز، خالٍ من الموانع. انتهى \"تحفة الحبيب\" ٢/ ٤٠٨.\n(٢) \"الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع\" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨.","vol":"2","page":402},{"text":"ست ومائة، وهي بنت سبع وسبعين. وقال ابن أبي عاصم: ماتت سنة ثلاث ومائة. أخرج لها الجماعة. ولها في \"صحيح مسلم\" (٣٦) حديثًا.\n(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-.\nخلاصة ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى بهذا المثال أن الإرسال يوجد بين المتلاقيين، بل ممن أكثر السماع من شخص، حيث إن عروة مع كثرة سماعه عن عائشة -﵂- أرسل هذا الحديث، فأسقط الواسطة بينه وبين عائشة، وهي عمرة، فثبت بذلك أن السماع لا يمنع من إمكان الإرسال، فإذا كان كذلك، فلا فرق بينه وبين من عاصر، مع إمكان اللقاء، والسماع، فكما نحمل معنعنه على السماع فكذلك نحمل رواية المعاصر الموصوف بما ذُكر على السماع حتى يأتي ما يناقضه. هذا خلاصة ما أشار إليه رحمه الله تعالى.\nوقد ناقشه الحافظ ابن رُشيد رحمه الله تعالى في هذا، فقال: ما نصّه:\nثم قلت: وروى هشام عن أبيه، عن عائشة: \"كان النبي -ﷺ- إذا اعتكف يدني إليّ رأسه، فأرجله وأنا حائض\"، فرواها بعينها مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي -ﷺ-.\nقلت: وهذا أيضا من ذلك القبيل (١) حَكَمتَ فيه أن من نقص عمرة، فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب، عن عروة وعمرة معًا، عن عائشة -﵂-، وهو الذي اعتمده البخاري، فقال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن: أن عائشة زوج النبي -ﷺ- قالت: \"وإن كان رسول الله -ﷺ- ليدخل عليّ رأسه، وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفًا\" (٢).\nوأما أنت فظهر من فعلك في كتابك أنك لم يَصْفُ عندك كَدَرُ الإشكال في هذا الحديث، فأوردت في كتابك حديثَ مالك مُصَدِّرًا به، بناءً على اعتقادك فيه الاتصال، وفي غيره الانقطاع، فقلت: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة -﵂- قالت: \"كان النبي -ﷺ- إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه، فأُرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان\".\n_________\n(١) أي ما سبق له من الكلام في حديث عائشة -﵂-: \"كنت أطيّب رسول الله -ﷺ- ... \" الحديث.\n(٢) انظر \"صحيح البخاريّ\" ٤/ ٢٧٣ بنسخة \"الفتح\".","vol":"2","page":403},{"text":"ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك، من أنك لا تُكَرِّر إلا لزيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد؛ لعلة تكون هناك، فقلت: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا ليث ﵀ وحدثنا محمد بن رُمْح، قال: أخبرنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة ابنة عبد الرحمن: أن عائشة -﵂- زوج النبيّ -ﷺ- قالت: \"إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة، وإن كان رسول الله -ﷺ- ليدخل عليّ رأسه، وهو في المسجد، فأُرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا\". وقال ابن رمح: \"إذا كانوا معتكفين\".\nفقد بَيَّنَ الليثُ في حديثه عندك، وعند البخاري أنه له عنهما.\nوقد كان يمكننا أن نقول: إنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة بهذا السياق الأتم، وعن عروة فقط مختصرًا، لولا ما أورده البخاري عن ابن شهاب عن عروة وعمرة مختصرًا أيضًا، وقد كفى الإمام أبو عبد الله البخاري مؤونة البحث، وبَيَّن أنه عند عروة مسموع من عائشة -﵂-، فذكر رواية هشام عن أبيه، بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريج، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂-، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة: أخبرتني عائشة -﵂-.\nوذكر الحديث في \"كتاب الحيض\" من \"صحيحه\" في \"باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله\"، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال: أنا هشام بن عروة، عن عروة أنه سئل أتخدمني الحائض، أو تدنو مني المرأة، وهي جنب؟ فقال عروة: كل ذلك علي هَيّن، وكل ذلك تَخدُمني، وليس على أحد في ذلك بأس، أخبرتني عائشة ﵂ \"أنها كانت تُرَجِّل رسول الله -ﷺ-، وهي حائض، ورسول الله -ﷺ- حينئذ مجاور في المسجد، يدني لها رأسه، وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض\".\nفهذا نصّ جليٌّ على سماع عروة من عائشة -﵂-، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم ﵀ من انقطاع رواية مَنْ أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة -﵂-.\nولم يقل فيه أحد: عن عروة عن عمرة إلا مالك ﵀، وأنس ابن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فتابع مالكًا، والجمهور على خلافهما، بَيَّنَ ذلك الإمام أبو الحسن الدارقطني في جزء له جمعه في الأحاديث التي خولف فيها مالك -﵁-، فقال: روى مالك في \"الموطإ\" عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة -﵂-: \"كان النبي -ﷺ- إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرجله\".\nخالفه عقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، فرووه عن الزهري،","vol":"2","page":404},{"text":"عن عروة وعمرة، عن عائشة -﵂-. وقيل ذلك عن الأوزاعي، وتابعهم ابن جريج، والزُّبَيديّ، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن بن نَمِر، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بُدَيل، وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -﵂-، لم يذكروا فيه عمرة، ويشبه أن يكون القول قولهم؛ لكثرة عددهم، واتفاقهم على خلاف مالك.\nوقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فوافق مالكًا، ولا نعلم أحدًا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية، عن عبيد الله. والله أعلم. انتهى كلام الدارقطني ﵀.\nقال ابن رُشيد: قلت -والله المرشد-: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا، ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة -﵂-، كما بينه البخاري من طريق ابن جريج، حيث قال: أخبرتني عائشة -﵂-، ويؤيد ذلك أن مالكًا رضوان الله عليه، قد اختُلف عليه في هذا الحديث كما نبينه، فروايته فيه مضطربة.\nقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: هكذا قال مالك في هذا الحديث: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، كذلك رواه عنه جمهور رواة \"الموطإ\"، قال: وممن رواه كذلك فيما ذكر الدارقطني مَعْن بن عيسى، والقعنبي، وابن القاسم، وأبو المصعب، وابن بُكير، ويحيى بن يحيى -يعني النيسابوري- وإسحاق بن الطباع، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ورَوْح بن عبادة، وأحمد بن إسماعيل، وخالد بن مخلد، وبشر بن عمر الزهرانيّ.\nقال ابن رُشيد: وذكر أبو عيسى الترمذي عن مالك خلاف ذلك، فإذا كان الأمر هكذا، فيُرجَع إلى الاعتماد على رواية الليث، فإنها فيما علمت لم تضطرب، ولم يُختَلَف عليه، وقد بَيّنَ ذلك الإمام أبو عيسى الترمذي في \"جامعه\"، فشفى وكفى، يرحمه الله، فقال: حدّثنا أبو مصعب المدني قراءةً، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة -﵂-، أنها قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة -﵂-. وروى بعضهم عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة -﵂-. وهكذا روى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة -﵂-، نا بذلك قتيبة، عن الليث. انتهى كلام أبي عيسى، حاكما بأن الصحيح عن عروة وعمرة، وقاضيًا في ظاهر الأمر بأن قول مالك الموافق للجماعة أولى من قوله","vol":"2","page":405},{"text":"المخالف لهم (١). والله الموفق.\nوذلك خلاف ما ظهر من أبي عمر بن عبد البر من أن الصحيح عن مالك ما رواه عنه الجماعة من قولهم: عن عروة عن عمرة إلا أن أبا عمر لم يتعرض للصحيح في نفس الأمر ما هو؟ .\nوفيما ذكره أيضا أبو عمر، عن الدارقطني، من أن رواية أبي المصعب مثلُ رواية من سَمَّى معه خلاف لما قاله أبو عيسى الترمذيّ، عن أبي المصعب، وما قاله أبو عيسى عنه أولى، فإنه سمع ذلك منه قراءةً. انتهى كلام ابن رشيد رحمه الله تعالى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة تعقّب ابن رشيد على المصنّف رحمهما الله تعالى أن المصنّف أراد ترجيح الإرسال على الوصل في هذا الحديث، فتعقّبه بأن كلا الطريقين صحيحان، ولذلك أخرجهما البخاريّ في \"صحيحه\" من كليهما، فأخرجه من طريق ابن شهاب، عن عروة وعمرة، جميعًا عن عائشة -﵂-، وأخرجه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وقد وقع تصريح عروة بأن عائشة -﵂- أخبرته، فثبت بهذا أن الحديث ثابت بالوجهين، فلا يصلح لما أراده المصنّف.\nوهذا الذي ذهب إليه ابن رُشيد من تصحيح الحديث بكلتا الطريقين هو الصواب عندي، فتبيّن بهذا أنه لم يتمّ غرض المصنّف من تمثيله بهذا الحديث، فتأمّل بإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>مسألتان تتعلّقان بالحديث المذكور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nحديث عائشة -﵂- هذا أخرجه المصنّف هنا، وفي \"الحيض\" (٢٩٧) وأخرجه (البخاريّ) في \"الاعتكاف\" (٢٠٨) و(٢٠٢٩) و(٢٩٦) و(أبو داود) في \"الصوم\" (٢١١) و(٢١٢) و(الترمذيّ) في \"الصوم\" (٧٣٣) و(أحمد) في \"باقي مسند الأنصار\" (٢٣١٠٥) و٢٣٣٨٠ و٢٤٩٠٧ و٢٥٠٦٠ و(مالك) في \"الاعتكاف\" ٦٠٥. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>(المسألة الثانية): في فوائده:</span>\n(منها): استحباب الاعتكاف في المسجد. (ومنها): خدمة المرأة زوجها، وقد\n_________\n(١) قال الحافظ: واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متّصل الأسانيد. انتهى. \"فتح\" ٤/ ٣٢١. وهذا هو الذي رجحه الشيخ المعلّميّ راجع رسالته \"الأحاديث التي استشهد بها مسلم\". ص ٣٥٦ - ٣٥٧.\n(٢) \"السنن الأبين\" ص ٩٩ - ١٠٧.","vol":"2","page":406},{"text":"تقدّم البحث عنه قريبًا. (ومنها): أن خروج جزء من المعتكف عن المسجد لا يُبطل الاعتكاف. (ومنها): أن للحائض أن تتناول بيدها شيئا في المسجد، وإنما تُمنع أن تدخل فيه، لا أن يدخل جزؤها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنف رحمه الله تعالى زيادة في الأمثلة:\n(وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ\"، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، فِي هَذَا الْخَبَرِ، فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: \"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُقَبِّلُهَا، وَهُوَ صَائِمٌ\").\n(وَرَوَى الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّمت ترجمته (وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ) المدنيّ، رَوَى عن عبد الله بن حنظلة الراهب، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قتادة. وروى عنه ابن أبي ذئب، وخالد بن إلياس، وبكير بن الأشجّ.\nقال الترمذي: سمعت محمدا يقول: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي رَوَى عنه ابن أبي ذئب ثقة. وقال النسائيّ: مجهول. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال في \"التقريب\": صدوقٌ، من الخامسة. انتهى. تفرّد به الترمذيّ، والنسائيّ.\n[تنبيه]: قال النوويّ في \"شرحه\": قوله: ورَوَى الزهريّ، وصالح بن أبي حسان، هكذا هو في الأصول ببلادنا، وكذا ذكره القاضي عياض عن معظم الأصول ببلادهم، وذكر أبو عليّ الغسانيّ أنه وُجِد في نسخة الرازيّ أحدِ رُواتهم: \"صالح بن كيسان\"، قال أبو عليّ: وهو وَهَمٌ، والصواب صالح بن أبي حسان، وقد ذكر هذا الحديث النسائيّ وغيره من طريق ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة.\nقال النوويّ: قال الترمذيّ، عن البخاريّ: صالح بن أبي حسان ثقة، وكذا وثقه غيره، وإنما ذكرتُ هذا لأنه ربما اشتبه بصالح بن حسان، أبي الحارث البصريّ المدينيّ، ويقال: الأنصاريّ، وهو في طبقة صالح بن أبي حسان هذا، فإنهما يرويان جميعا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنهما جميعًا ابنُ أبي ذئب، ولكن صالح ابن حسان متفق على ضعفه، وأقوالهم في ضعفه مشهورة. وقال الخطيب البغدادي في \"الكفاية\": أجمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج بصالح بن حسان هذا؛ لسوء حفظه،","vol":"2","page":407},{"text":"وقلة ضبطه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١).\n(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال.\nرَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبادة بن الصامت، وقيل: لم يسمع منهما، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وابن أبي أسيد، وأسامة بن زيد، وحسان بن ثابت، ورافع بن خديج، وثوبان، ونافع بن عبد الحارث، وعبد الله بن سلام، وأبي هريرة، وعائشة -﵂-، وأم سلمة، وفاطمة بنت قيس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.\nوروى عنه ابنه عمر، وأولاد إخوته: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن، والأعرج، وعمرو بن الحكم بن ثوبان، وعروة بن الزبير، والزهري، وخلق كثير.\nذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: كان ثقة فقيها كثير الحديث، وأمه تُماضر بنت الأصبغ الكلبية، يقال: إنها أدركت النبي -ﷺ-، وقال: مات سنة أربع وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال مالك بن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم، اسم أحدهم كنيته، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال معمر عن الزهري: أربعة من قريش وجدتهم بحورًا، سعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: وكان أبو سلمة كثيرًا ما يخالف ابن عباس، فحُرِم لذلك من ابن عباس علمًا كثيرًا. وقال عُقيل عن الزهري: قال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وأنا بمصر: لقد تركت رجلين من قومك، لا أعلم أكثر حديثا منهما: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال أبو زرعة: ثقة إمام. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان من سادات قريش، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: أربع ومائة. وجزم ابن سعد، والزبير بن بكار بأن اسمه عبد الله. وقال ابن عبد البر: هو الأصح عند أهل النسب. وقال الجِعَابيّ: اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد الله، وهكذا قال الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عبدِ الله بن عبد الرحمن بن عوف، قال: وقيل: اسمه إسماعيل، زاد ابن سعد: ولَمّا وَلِيَ سعيد بن العاص لمعاوية المرة الأولى استَقْضَى أبا سلمة على المدينة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة مكثرٌ، من الثالثة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢١٤) حديثًا.\n_________\n(١) \"شرح مسلم \" ١/ ١٣٥.","vol":"2","page":408},{"text":"(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂-، أنها قالت (كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَبِّلُ) بضم أوله، وتشديد الموحّدة، من التقبيل، وهو اللَّثْم (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال.\n(فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) أبو نصر اليماميّ الحافظ الطائي مولاهم، واسم أبيه صالح بن المتوكل، وقيل: يسار، وقيل. نشيط، وقيل: دينار.\nروى عن أنس وقد رآه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهلال بن أبي ميمونة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ويعلى بن حكيم، وخلق كثير.\nورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهما من أقرانه، والأوزاعي، وروى هو أيضا عنه، وحسين المعلم، ومعمر بن راشد، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائي، وخلق كثير.\nقال وهيب عن أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى. وقال ابن عيينة: قال أيوب: ما أعلم أحدا بعد الزهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى. وقال القطان: سمعت شعبة يقول: يحيى أحسن حديثا من الزهري. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى من أثبت الناس، إنما يُعَدّ مع الزهري، ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري فالقول قول يحيى. وقال العجلي: ثقة كان يُعَدّ من أصحاب الحديث. وقال أبو حاتم: يحيى إمام لا يحدث إلا عن ثقة. ورَوَى عن أنس مرسلًا، وقد رأى أنسا يصلي في المسجد الحرام رؤية، ولم يسمع منه. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان من العُبّاد، وكان يدلّس، فكلّ ما روى عن أنس، فقد دلّس عنه، لم يسمع من أنس، ولا من صحابيّ. وقال العقيليّ: كان يُذكَر بالتدليس.\nقال عمرو بن علي: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقال غيره: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\nوقال في \"التقريب\": ثقة ثبتٌ، لكنه يدلّس ويرسل، من الخامسة. انتهى.\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٠٢) من الحديث.\n(فِي هَذَا الْخَبَرِ) متعلّق بـ \"قال\" (فِي الْقُبْلَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، أو متعلّقٌ بصفة لـ \"الخبر\" أي في هذا الخبر الكائن في قبلة الصائم، و\"القبلة\" بضمّ، فسكون: اسم من التقبيل.\nوقوله: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) مقول \"قال يحيى\"، وأبو سلمة هو المذكور في السند الماضي (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى في رجب سنة (١٠١ هـ) (أَخْبَرَهُ) أي أبا سلمة (أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ) أي عمرَ بن عبد العزيز.","vol":"2","page":409},{"text":"[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في \"شرحه\": هذه الرواية اجتمع فيها أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، أولهم يحيى بن أبي كثير، وهذا من أطرف الطُّرَف، وأغرب لطائف الاسناد، ولهذا نظائر قليلة في الكتاب وغيره، سيمر بك -إن شاء الله تعالى- ما تيسر منها، وقد جمعت جملة منها في أول شرح \"صحيح البخاري\" ﵀، وقد تقدم التنبيه على هذا.\nوفي هذا الإسناد لطيفة أخرى، وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن أبا سلمة من كبار التابعين، وعمر بن عبد العزيز من أصاغرهم سِنّا، وإن كان من كبارهم علمًا وقدرًا ودينًا وورعًا وزهدًا، وغير ذلك. انتهى (١).\n(أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ) أي عروة (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُقَبِّلُهَا) أي عائشة -﵂- (وَهُوَ صَائِمٌ).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا تقوية ما سبق له من إلزام خصمه بأن اللقاء، بل السماع لا ينفي الإرسال، فقد أرسل أبو سلمة هذا الحديث في الرواية الأولى بإسقاط واسطتين، وهما عُمر بن عبد العزيز، وعروة، كما بينته الرواية الثانية، فإذا كان الأمر كذلك فإن المعاصرة بشرطها السابق كافية للحكم بالاتصال. هذا خلاصة ما أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى.\nوقد تعقّبه ابن رُشيد ﵀، ونصّ عبارته:\nثم قلت: ورَوَى الزهري، وصالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂-: \"كان النبي -ﷺ-، يقبل وهو صائم\"، فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة: أخبرني أبو سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن عروة أخبره، أن عائشة -﵂- أخبرته، أن النبي -ﷺ- \"كان يقبلها وهو صائم\".\nفزاد يحيى -كما تراه- في الإسناد رجلين نَصّا على الإخبار، فاعتمدت في كتابك على حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنه زاد في الإسناد، والحكم عندك لمن زاد، ولسنا نُسَلّم ذلك، فإن أبا سلمة معلوم السماع من عائشة -﵂-، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار، وهو معلوم السماع من أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، ذكر سماعه منهما البخاري فيما حكاه القاضي أبو الفضل (٢) وغيره، فتَقَوَّى به جانب الزهري.\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(٢) يعني القاضي عياضًا، في \"إكمال المعلم\"، ونصّ عبارة البخاريّ في \"التاريخ الكبير\" ٤/ ٢٧٥: صالح ابن أبي حسّان سمع سعيد بن المسيّب، وأبا سلمة. انتهى.","vol":"2","page":410},{"text":"ومع ذلك فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة، عن عائشة -﵂-، ويكون عنده أيضا عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة -﵂-، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأَرَبٍ له في ذلك، فأعد نظرًا في هذا الحديث، فإنه لا يصفو من كدر العلة. انتهى كلام ابن رشيد باختصار (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل مناقشة ابن رُشيد للمصنف أن إلزامه خصمه بهذا الحديث يعود إلى ترجيح زيادة يحيى على نقص الزهريّ، ولكن هذا الترجيح غير مسلّم؛ لأن الظاهر أن العكس هو الأرجح؛ لأن يحيى، وان كان إمامًا لكن جانب الزهريّ أقوى؛ لمتابعة صالح بن أبي حسّان له، وهو وإن تَكَلّم فيه بعضهم، إلا أنه صالح للمتابعة، على أنه يحتمل تصحيح الطريقين جميعًا، كما سبق في نظائره، فيُحمل على أن أبا سلمة سمعه عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة -﵂-، ثم سمعه عن عائشة -﵂- نفسها، فذكره بالوجهين.\nوهذا الاحتمال هو الذي صرّح به ابن حبّان في \"صحيحه\"، حيث قال: سمع هذا الخبر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة -﵂-، وسمعه من عائشة -﵂- نفسها، والدليل على صحّته أن معمرًا قال: عن الزهريّ، عن أبي سلمة قال: قلت لعائشة -﵂- في الفريضة والتطوّع؟ فمرّة أدّى الخبر عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة -﵂-، وأخرى أدّى الخبر عنها نفسها. انتهى.\nوتصريح أبي سلمة بالسماع له عن عائشة -﵂- وقع عند النسائيّ في \"الكبرى\" ٢/ ٢٠٠ و٢٠١ وعند ابن حبّان رقم (٣٥٤٥ - إحسان).\nوقال الشيخٍ المعلّميّ: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه بنزول توقيرًا لعمر بن عبد العزيز، وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتّهام أبي سلمة بالتدليس. انتهى.\nوالحاصل أن احتجاج المصنّف بهذا الحديث على خصمه في المسألة لا يسلّم له؛ لأنا إن سلكنا مسلك الترجيح، فالنقص هو الراجح، وهو خلاف مقصوده، وإن سلكنا مسلك الجمع، فالحديث صحيح بالوجهين، فلا يكون محل حجة له أيضًا. فتأمّل بإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) ١٠٧ - ١١٢.","vol":"2","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nأما رواية الزهريّ وصالح بن أبي حسّان، فأخرجها (أحمد) في \"مسنده\" ٦/ ٢٥٦ من طريق حماد بن خالد، و(النسائيّ) في \"الكبرى\" ٢/ ٢٠٠ من طريق ابن وهب، كلاهما عن ابن أبي ذئب به. وقد اختُلف على ابن أبي ذئب، فرواه حسين المروزيّ عند أحمد ٦/ ٢٢٣ عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ وحده، وقد رواه ابن أبي فُديك عند النسائيّ في \"الكبرى\" ٢/ ٢٠٠ عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة به.\nوأما رواية يحيى بن أبي كثير، فأخرجها (مسلم) ٣/ ١٣٦ و(النسائيّ) في \"الكبرى\" ٢/ ٢٠٢ و(الباغنديّ) في \"مسند عمر\" ص ١٠٣ من طريق شيبان، ومعاوية بن سلّام جميعًا عن يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عنها. وأخرجه (أحمد) في \"مسنده\" ٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠ من طريق شيبان وحده، وكذا (الدارميّ) في \"مسنده\" ٢/ ١٢ و(ابن حبان) في \"صحيحه\" ٣٥٣٩ \"إحسان\". والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>(المسألة الثانية): في فوائده:</span>\n(منها): جواز القبلة للصائم. قال النوويّ في \"شرحه\": قال الشافعي والأصحاب: القبلة في الصوم على من لم تُحَرّك شهوته، لكن الأولى له تركها، ولا يقال: إنها مكروهة له، وإنما قالوا: إنها خلاف الأولى في حقه، مع ثبوت أن النبي -ﷺ- كان يفعلها؛ لأنه كان يؤمن في حقه مجاوزة حد القبلة، ويخاف على غيره مجاوزتها، كما قالت عائشة -﵂-: \"كان أَمْلَكَكُم لإِرْبه\"، وأما من حركت شهوتَهُ فهي حرام في حقه على الأصح، عند أصحابنا، وقيل: مكروهة كراهة تنزيه. قال القاضي عياض: قد قال بإباحتها للصائم مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين، وأحمد، وإسحاق، وداود، وكرهها على الإطلاق مالك، وقال ابن عباس، وأبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعي: تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك. ورَوَى ابن وهب عن مالك ﵀ إباحتها في صوم النفل دون الفرض، ولا خلاف أنها لا تُبطل الصوم إلا أن يُنزِل المنيّ بالقبلة.\nواحتجوا له بالحديث المشهور في \"السنن\" (١)، وهو قوله -ﷺ-: \"أرأيت لو\n_________\n(١) هو ما أخرجه أبو داود في \"سننه\"، فقال:\n٢٠٣٧ - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الليث رحمه الله تعالى وحدثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر =","vol":"2","page":412},{"text":"مضمضت\"، ومعنى الحديث أن المضمضة مُقَدَّمة الشرب، وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمةٌ للجماع فلا تفطر، وحَكَى الخطابي وغيره عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب أن مَن قَبَّل قَضَى يوما مكان يوم القبلة. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من جواز القبلة للصائم؛ لهذا الحديث، إلا لمن خاف إفساد صومه. والله تعالى أعلم.\n(ومنها): جواز إخبار الشخص عما يكون بينه وبين أهله من مثل ما ذُكِر على الجملة دون التفسير، فإن ذلك منهيّ عنه، فقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- \"إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجلُ يُفضِي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها\".\n(ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن المعاشرة لأهله؛ قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال: \"إنما بعثتُ لأتمم صالح الأخلاق\" (٢)، وقال أيضًا: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي\" (٣).\n(ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، قال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رحمه الله تعالى:\n(وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَة وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِر، قَالَ: \"أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ\"، فَرَوَاه حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\n(وَرَوَى) سفيان (بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة المكيّ، تقدّمت ترجمته (وَغَيْرُهُ) هو الحسين بن واقد المروزيّ، كما سيأتي بيانه (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) الجمحيّ المكيّ أحد الأعلام الحفّاظ، تقدّمت ترجمته (عَنْ جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، تقدّمت ترجمته، أنه (قَالَ:\n_________\n= بن الخطاب: هَشَشْتُ، فقبّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله -ﷺ- صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبّلت وأنا صائم، قال: \"أرأيت لو مضمضت من الماء، وأنت صائم\" قال عيسى بن حماد في حديثه: قلت: لا بأس به، ثم اتفقا: قال: \"فمه\". انتهى.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح.\n(١) \"شرح مسلم\" ٧/ ٢١٥.\n(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد في \"مسنده\" رقم (٨٥٩٥).\n(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود رقم (٤٢٥٣) والترمذيّ رقم (٣٨٣٠).","vol":"2","page":413},{"text":"أَطْعَمَنَا) أي أباح لنا (رَسُولُ الله -ﷺ- لُحُومَ الْخَيْلِ) أي أكلها، والخيل بفتح، فسكون: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائلٌ؛ لأنه يَختال، جمعه أخيال، وخيول بالضمّ، ويُكسر. قاله في \"القاموس\". وقال في \"المصباح\":\nالخيل معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ، قال بعضهم: وتُطلق الخيل على العراب، وعلى البراذين، وعلى الْفُرسان، وسمّيت خيلًا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا. انتهى (١). (وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) بضمّتين: جمع حمار، وهو الذكر، والأنثى أَتَانٌ، وحمارة بالهاء نادر، ويُجمع أيضًا على حَمِير.\n(فَرَوَاهُ) أي هذا الحديث (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل الْجَهْضميّ البصريّ الحافظ أحد الأعلام، تقدّمت ترجمته (عَنْ عَمْرٍو) بن دينار المذكور في السند الماضي (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أبي جعفر الإمام المعروف بالباقر، تقدّمت ترجمته (عَنْ جَابِرٍ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا أيضًا إلزام خصمه بأن اللقاء والسماع لا يمنعان من الإرسال، فإن لقاء عمرو بن دينار لجابر بن عبد الله ﵄، وسماعه منه ثابتٌ بيقين، ومع ذلك فقد أخذ عنه هنا بواسطة محمد بن عليّ، وأسقطه في رواية سفيان بن عيينة.\nوحاصل ما أشار إليه إعلال رواية ابن عيينة الناقصة برواية حماد بن زيد الزائدة. هذا حاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى.\nوتعقّبه ابن رُشيد رحمه الله تعالى، فقال: قلت: وهذا أيضًا من ذلك القَبِيل، حَكَمتَ فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك، وليس حماد بن زيد ممن يُضَاهَى بسفيان بن عيينة، لاسيما في عمرو بن دينار، فهو المليّ به الثبت فيه المقدم على غيره، قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: من أثبت في عمرو بن دينار، سفيان أو محمد بن مسلم؟ فقال: سفيان أثبت في عمرو بن دينار من محمد بن مسلم، ومن داود العطار، ومن حماد بن زيد، سفيان أكثر حديثًا منهم عن عمرو وأسند، قيل: فابن جريج؟ قال: هما سواء. قال عثمان بن سعيد: قال يحيى بن معين: ابن عيينة أحبّ إليّ في عمرو بن دينار من سفيان الثوري، وهو أعلم به، ومن حماد بن زيد، قلت: فشعبة؟ قال: قال: وأيّ شيء عند شعبة عن عمرو بن دينار؟ إنما يروي عنه نحوا من مائة حديث.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":414},{"text":"وقال سفيان بن عيينة: جالست عمرو بن دينار ثنتين وعشرين سنة (١).\nفكيف يُقَدَّم أحد على من هذه حاله في عمرو؟ مع أن عمرا معلوم بالرواية عن جابر، وقد تابع سفيان على قوله الحسين بن واقد، ذكر ذلك النسوي.\nوما أرى محمد بن علي في هذا الموضع إلا من المزيد في متصل الأسانيد. والله أعلم. انتهى كلام ابن رُشيد رحمه الله تعالى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما تعقّب به ابن رُشيد أنه يرى ترجيح رواية سفيان الناقصة على رواية حماد بن زيد الزائدة، خلاف ما يراه المصنّف، وذلك لسببين: أحدهما: كون سفيان أثبت في عمرو بن دينار من حمّاد بن زيد، كما قاله ابن معين، والثاني: متابعة الحسين بن واقد لسفيان، كما ذكر ذلك النسائيّ. هذا خلاصة تعقّبه.\nلكن الذي يظهر لي أن رواية حماد الزائدة هي الراجحة، كما رآه المصنّف، ولذا أخرجها الشيخان، فأخرجها البخاريّ في \"صحيحه\" ٧/ ١٢٣ \"باب لحوم الخيل\"، وأخرجها مسلم في \"صحيحه\" ٦/ ٦٥ - ٦٦ \"باب أكل لحوم الخيل\"، ولم يخرجا رواية سفيان؛ لكونها مرسلة.\nقال الحافظ صلاح الدين العلائيّ ﵀ في \"جامع التحصيل\" (ص ١٣٠) تحت القسم الذي يُحكم فيه بالإرسال إذا لم يُذكر فيه المزيد، فمن أمثلته: حديث جابر هذا، وقال: وظاهر كلام مسلم حمه الله ترجيح الحكم بالإرسال على الرواية الناقصة، ثم قال: وحاصل الأمر أن الراوي متى قال: عن فلان، ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة، فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يُدخل الواسطة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يُعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلّسة. انتهى.\nوعمرو بن دينار قد وُصف بالتدليس، وصفه به الحاكم أبو عبد الله في \"معرفة علوم الحديث\"، وقال: عامّة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة (٣).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهذه العبارة مشهورة عن سفيان، وهي خطأ بيّن، وفي \"تاريخ بغداد\" ٩/ ١٧٧ بسنده إلى سفيان قال: سمعت من عمرو بن دينار، وأنا ابن ستّ عشرة سنة، ومات وأنا ابن تسع عشرة سنة، ثم ساق الخطيب هذه القصّة التي فيها أن سفيان جالس عمرًا ثنتين وعشرين سنة، وقال: كذا قال، وهو خطأ، وصوابه: جالست عمرو بن دينار سنة اثنين وعشرين، ومات سنة ستّ وعشرين. اهـ.\n(٢) \"السنن الأبين\" ص ١١٢ - ١١٤.\n(٣) لكن تعقّبه العلائيّ، وقال: هذه مجازفة منه واهية جدّا، فقد صحّ عنه في أحاديث كثيرة التصريح بالسماع من ابن عمر، ومن جابر، وغيرهما. انتهى.","vol":"2","page":415},{"text":"وأخرج أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٣٦٨ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: \"كنا نعزل ... \" قال شعبة: قلت لعمرو: أأنت سمعته من جابر؟ قال: لا. انتهى. وهذا هو التدليس.\nوأخرج الحميديّ في \"مسنده\" ٢/ ٥٢٨ قال: حدثنا سفيان، ثنا عمرو، قال: قال جابر: \"أطعمنا رسول الله -ﷺ- لحوم الخيل ... \". وحدثنا سفيان، ثنا عمرو قال: قال جابر بن عبد الله: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن المخابرة\". قال سفيان: وكلّ شيء سمعته من عمرو بن دينار قال لنا فيه: سمعت جابرًا، إلا هذين الحديثين، فلا أدري بينه وبين جابر فيهما أحدٌ أم لا؟ . انتهى.\nوالحاصل أن عمرو بن دينار ممن ثبت تدليسه، فلا تقبل عنعنته، بل لا بدّ من تصريحه بالسماع في الطريق الناقصة، حتى يُقال: إن الزائدة من المزيد في متّصل الأسانيد، ولذلك قال الحافظ في \"الفتح\": والحقّ أنه إن وُجدت رواية فيها تصريح عمرو بالسماع من جابر، فتكون رواية حماد من المزيد في متّصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتّصلة. انتهى (١).\nوأما قول ابن حبّان في \"صحيحه\" (٥٢٦٨) بعد أن أخرج رواية سفيان: ما نصّه: يشبه أن يكون عمرو بن دينار لم يسمع هذا الخبر من جابر، لأن حماد بن زيد رواه عن عمرو، عن محمد بن عليّ، عن جابر، ويَحتمل أن يكون عمرو سمع جابرًا، وسمع محمد بن عليّ، عن جابر. انتهى.\nفهذا الاحتمال الثاني إنما ينفع فيمن لم يوصف بالتدليس، وأما من وُصف بالتدليس كعمرو بن دينار، فإنه يُحمل على أنه مما دلّسه، فتكون رواية سفيان الناقصة منقطعة؛ لما أسلفناه من الأدلة.\nوقد شرط مسلم في الأحاديث التي ساقها لإلزام خصمه سلامة رواتها من التدليس، وهذا الحديث لم يسلم منه.\nوالحاصل أن تعقّب ابن رُشيد ترجيح المصنّف لرواية حماد الزائدة على رواية سفيان الناقصة لا وجه له، بل ما رآه المصنّف هو الحقّ؛ لما أسلفناه.\nلكن احتجاجه لإلزام خصمه بمثل هذا، وإن كان الإرسال فيه راجحًا -كما رآه- غير مسلّم؛ لأن ترجيح الإرسال هنا حكم جزئيّ فلا يكفي لبناء القاعدة الكليّة، وقد\n_________\n(١) راجع \"الفتح\" ٩/ ٨٠٤.","vol":"2","page":416},{"text":"عرفت أن أدلّته الأخرى التي أوردها كلها مخدوشة، فلا ينفعه هذا الواحد، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>مسائل تتعلّق بحديث جابر -﵁- هذا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>(المسألة الأولى): في تخريجه:</span>\nأما رواية سفيان بن عيينة، فقد أخرجها (الحميديّ) في \"مسنده\" (١٢٥٤) و(الشافعيّ) في \"الأم\" ٢/ ١٧٢ و(ابن أبي شيبة) في \"مصنفه\" ٨/ ٢٥٦ و(عبد الرزاق) في \"مصنّفه\" (٨٧٣٤) والترمذيّ في \"جامعه\" في \"الأطعمة\" (١٧٩٣)، و(النسائيّ) في \"الكبرى\" ٣/ ١٥٩ و(ابن حبان) في \"صحيحه\" (٥٢٦٨) و(الدارقطنيّ) في \"سننه\" ٤/ ٢٨٩ و(البيهقيّ) في \"المعرفة\" ١٤/ ٩٥.\nوقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ورواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ، عن جابر، ورواية ابن عيينة أصحّ، وسمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: سفيان أحفظ من حماد بن زيد. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن الأرجح رواية حماد، ولذا أخرجها البخاريّ في \"صحيحه\"، فنقل الترمذي عنه قوله: سفيان أحفظ من حماد بن زيد لا يستلزم ترجيحه في هذه الرواية، كما يدلّ على ذلك عمله في \"صحيحه\". فتفطّن. والله تعالى أعلم.\nوأما رواية حماد بن زيد فأخرجها (البخاريّ) في \"صحيحه\" في \"المغازي\" (٤٢١٩) وفي \"الذبائح\" (٥٥٢٠) و(٥٥٢٤) و(مسلم) في \"الصيد\" (١٩٤١) و(أبو داود) في \"سننه\" (٣٧٨٨) و(النسائيّ) في \"الصيد\" ٧/ ٢٠١ و(الطحاويّ) ٤/ ٢٠٤ و(ابن الجارود) (٨٨٥) و\"البيهقيّ\" في \"الكبرى\" ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧ و\"البغويّ\" في \"شرح السنة\" (٢٨١٠). والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الخيل:</span>\nذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن أكلها مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفَضَالة بن عُبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسُوَيد بن غَفَلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشُريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود الظاهريّ، وجماهير المحدثين، وغيرهم.\nوكرهها طائفة منهم: ابن عباس، والحَكَم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله، ولا يُسَمَّى حرامًا.","vol":"2","page":417},{"text":"واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]، ولم يذكر الأكل، وذَكَرَ الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدم، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن لحوم الخيل والبغال والحمير، وكلِّ ذي ناب\"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من رواية بقيّة بن الوليد، عن صالح بن يحيى، وقد اتفق العلماء، من أئمة الحديث وغيرهم، على أنه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، رَوَى الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ قال: هذا حديث ضعيف، قال: ولا يعرف صالح بن يحيى، ولا أبوه. وقال البخاريّ: هذا الحديث فيه نظر. وقال البيقهيّ: هذا إسناد مضطرب. وقال الخطابيّ: في إسناده نظر. قال: وصالح بن يحيى، عن أبيه، عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض. وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائيّ: حديث الإباحة أصح، قال: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا.\nواحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أُخَر صحيحةٍ، جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث، وأما الآية فأجابوا عنها بأن ذِكْرَ الركوب والزينة لا يدل على أنّ منفعتهما مختصة بذلك، فإنما خُصَّ هذان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فذَكَرَ اللحم؛ لأنه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه، ودمه، وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حَمْل الأثقال على الخيل، مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ الآية [النحل: ٧]، ولم يَلزَم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. قاله النوويّ في \"شرحه\" (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من إباحة أكل لحوم الخيل هو الصواب؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الحمر الأهليّة:</span>\nذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى تحريم لحومها للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، كحديث عليّ -﵁-: \"إن رسول الله -ﷺ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسيّة\"، وحديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ -﵁-: \"حرّم\n_________\n(١) \"شرح النوويّ\" ١٣/ ٩٥ - ٩٦.","vol":"2","page":418},{"text":"رسول الله -ﷺ- لحوم الحمر الأهليّة\". وحديث ابن عمر ﵄: \"أن رسول الله -ﷺ- نهى عن أكل لحوم الحمر الأهليّة\". وفي روايات أنه -ﷺ- وجد القُدُور تَغْلِي، فأمر بإراقتها، وقال: \"لا تأكلوا من لحومها شيئًا\"، وفي رواية: \"نُهينا عن لحوم الحمر الأهلية\"، وفي رواية أن النبيّ -ﷺ- قال: \"أهريقوها، واكسروها\"، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ قال: \"أو ذاك\"، وفي رواية: نادى منادي النبيّ -ﷺ-: \"ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فانها رجس من عمل الشيطان\"، وفي رواية: \"ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس، أو نجس\"، فأُكفئت القدور بما فيها. وكل هذه الأحاديث في \"صحيح مسلم\"، وغيره.\nوقال ابن عباس ﵄: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة مباحة.\nقال النوويّ: والصواب التحريم، كما قاله الجماهير؛ للأحاديث الصريحة.\nوأما الحديث المذكور في \"سنن أبي داود\" عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سَنَةٌ، فلم يكن في مالي شيء أُطعم أهلي إلا شيء من حُمُر، وقد كان رسول الله -ﷺ- حَرَّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبيّ -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله أصابتنا السَّنَةُ، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلا سِمَان حُمُر، وإنك حَرَّمتَ لحوم الحمر الأهلية، فقال: \"أطعم أهلك من سَمِين حُمُرك، فإنما حرمتها من أجل جَوّال القرية\"، يعني بالْجَوّال التي تأكل الْجَلَّة، وهي الْعَذِرة، فهذا الحديث مضطرب، مختلف الإسناد، شديد الاختلاف، ولو صَحَّ لحُمِل على الأكل منها في حال الاضطرار. انتهى كلام النوويّ (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم أكل لحوم الحمر الأهليّة هو الحقّ للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي مرّ ذكر بعضها، وليس عند من أباحها دليلٌ صحيح يصلح للاعتماد عليه، وعلى تقدير صحته يُحمل على حالة الاضطرار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رحمه الله تعالى:\n(وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ).\n(وَهَذَا النَّحْوُ) بالرفع على الابتداء، وخبره \"كثير\"، وقد ذُكر للنحو في كتب اللغة\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ٩٠ - ٩٢.","vol":"2","page":419},{"text":"عدّة معان، قال في \"القاموس\": \"النحو\": الطريق، والجهة، جمعه أنحاء، ونُحُوٌّ، والقصد، يكون ظرفًا، واسمًا، ومنه نحو العربيّة، وجمعه نُحُوّ، كعُتُلّ، ونُحِيّةٌ، كدَلْوٍ ودُلِيّةٍ. انتهى. وزاد الشارع: المثل، والنوع، والمقدار، والقسم، قالوا: هو على ثلاثة أنحاء. انتهى.\nوقد نظم بعضهم معاني النحو المذكورة، فقال:\nلِلنَّحْوِ سَبْعُ مَعَانٍ قَدْ أَتَتْ لُغَةً ... جَمَعْتُهَا ضِمْنَ بَيْتٍ مُفْرَدٍ كَمَلَا\nقَصْدٌ وَمِثْلٌ وَمِقْدَارٌ وَنَاحِيَةٌ ... نَوْعٌ وَبَعْضٌ وَحَرْفٌ فَاحْفَظِ الْمُثُلَا (١)\nوالمناسب هنا من هذه المعاني هو النوع، أي وهذا النوع. والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي الرِّوَايَاتِ) متعلّق بـ (كَثِيرٌ) وقوله: (يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ\"كثير\"، والتعداد بالفتح مصدر عدّه، يقال: عدّ الشيءَ يعُدّ عَدّا، وتَعْدادًا: إذا أحصاه. أفاده في \"اللسان\" (وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا) أي من الروايات (كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ) أي لصاحب الفهم الكامل، فأل\" للكمال، و\"الفهم\" أخصّ من العلم، قال في \"القاموس\": فَهِمَه كفرحِ فَهْمًا، ويُحرَّك، وهي أفصح، وفَهَامة -بالفتح- ويُكسر، وفَهَامِيَةً كعَلانيَةٍ: عَلِمه وعَرَفه بالقلب انتهى. قال الشارح: فيه إشارة إلى الفرق بين الفهم والعلم، فإن العلم مطلق الإدراك، والفهم سُرْعة انتقال النفس من الأمور الخارجيّة إلى غيرها، وقيل: تصوّر المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يَتحقَّق بها ما يُحسّن. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رحمه الله تعالى:\n(فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا إِمْكَانَ الْإِرْسَالَ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ، بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الّذِينَ نَقَلُوا الْأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ، يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا، وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا، فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ، وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ\n_________\n(١) راجع \"حاشية الخضري على شرح ابن عقيل للخلاصة\" ١/ ١١ - ١٢.\n(٢) \"تاج العروس\" ٩/ ١٦.","vol":"2","page":420},{"text":"أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَّشُوِا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الْأَسَانِيدِ، كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ، وَشُهِرَ بهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلَيسِ، فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الْأَئِمَّةِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذا الكلام أنه إذا كان السبب عند هذا المنتحل المخترع في ردّه الحديث المعنعن إذا لم يُعلَم سماع المعنعِنِ للمعَنعَن عنه إمكان الانقطاع في ذلك الحديث لزمه بمقتضى رأيه هذا أن لا يقبل حديثا معنعنًا ولو كان يُعلم سماع المعَنعِن للمعنعن عنه، إلا في نفس الحديث الذي صرّح فيه بالسماع؛ لما سبق لنا من أن أئمة الحديث أحيانًا يَحذفون الواسطة، ويذكرون السند منقطعًا، وأحيانًا يذكرون الواسطة، فيُسندون الخبر على الصفة التي نقلوه بها عن مشايخهم، وذلك حسب توفّر نشاطهم، وعدمه، وما علمنا أحدًا من أئمة السلف الذين يتفقّدون صحة الأسانيد، وضعفها، مثل الأئمة الذين ذكرهم أنهم فتّشوا عن موضع السماع على الإطلاق كما ادّعاه المخترع المذكور، وإنما يفتّشون عنه إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس، فيبحثون عند ذلك عن تصريحه بالسماع؛ لتزول عنهم علة التدليس. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\nوناقشه العلّامة ابن رُشيد رحمهما الله تعالى، فقال -بعد أن ساق كلام المصنّف المذكور-: ما نصّه:\nثم قلت رحمك الله: وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم ... ثم ساق عبارة المصنّف السابقة برمّتها إلى قوله: \"عن أحد ممن سمينا، ولم نسمّ من الأئمة\"، ثم قال: انتهى كلامه محتويا على ثلاثة فصول:\n(الأول): سؤال النقض بإلزام التنصيص على السماع في كلّ حديث حديث، وقد تقصينا الكلام فيه قبلُ، وتقصينا عن عهدته بما أغنى عن الإعادة.\n(الثاني): الحكم أيضًا على هؤلاء الأئمة الذين نقصوا من الإسناد رجلًا أو أكثر أنهم أرسلوا؛ لأنهم غير مدلسين، وهذا يقتضي أن كثيرًا من الأسانيد المعنعنة مرسلة.\n(الثالث): أنهم إنما كان تَفَقُّدُ من تَفَقَّد منهم سماعَ رواية الحديث ممن رَوَى عنهم إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس.","vol":"2","page":421},{"text":"وهذان الفصلان مشكلان، فإنك قلت: إنهم يرسلون كثيرًا، وأن هذا في الروايات كثير يكثر تعداده (١).\nوقلت: إن المعنعن يُحمَل على الاتصال حتى يتبين الانفصال (٢)، وذلك ببادىء الرأي متناقض.\nوقد كنتُ أَرَى قديمًا إبّان كنت مُقَلّدًا لك في دعوى الإجماع في أن \"عن\" محمولة على الاتصال ممن ثبتت معاصرته لمن رَوَى عنه أَنَّ مَنْ عنعن عمن سمع منه ما لم يَسمع مدلس، وكنتُ أرى أن دليلك على صحة مذهبك إنما ينتهض بهذا، وأُوافق في ذلك الإمام أبا عمرو بن الصلاح، حيث احتج لصحة هذا المذهب بأنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسا (٣)، وكان ذلك عندي دليلًا راجحًا.\nوأُضيفُ إلى ذلك ما استدل به أيضا الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، حيث قال: ومن الدليل على أن \"عن\" محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبين الانقطاع فيها، ما حكاه أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عن حديث المغيرة ابن شعبة -﵁-: \"أن النبيّ -ﷺ- مَسَحَ أعلى الخف وأسفله\"، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: عن ابن المبارك أنه قال: عن ثور: حُدِّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة، قال أحمد: وأما الوليد فزاد: \"عن المغيرة\"، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء؛ لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثتُ عن رجاء، قال أبو عمر بن عبد البر: إلا ترى أن أحمد بن حنبل عاب على الوليد بن مسلم قوله: \"عن\" في منقطع لِيُدخِله في الاتصال، قال: فهذا بيان أن \"عن\" ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك، قال: ومثل هذا عن العلماء كثير.\nقال ابن رُشيد: وهذا الدليل الذي استدل به أبو عمر بن عبد البر كما تراه في غاية الضعف، فإنه استدلال بمسألة جزئية، والوليد بن مسلم معروف بالتدليس، بل\n_________\n(١) هذا ذكره ابن رُشيد بالمعنى، وهو مأخوذ من قول الإمام مسلم: \"فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع .... \" المقدّمة ص (٢٤) ومن قوله: \"فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يُرسله عنه .... \"، ومن قوله: \"وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض .... \"، ومن قوله: \"الأئمة الذين نقلوا الأخبار أنهم كانت لهم تارات يُرسلون فيها الحديث إرسالًا ... \". أفاده محقق \"السنن الأبين\" ص ١٢١.\n(٢) وهذا أيضًا مذكور بالمعنى من قول الإمام مسلم بعد أن ذكر شرطه: \"فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بيّنّا. \"المقدّمة\" ص ٢٣.\n(٣) انظر المقدّمة ص ٨٨.","vol":"2","page":422},{"text":"بالتسوية، وهي شَرُّ أنواع التدليس، فَعَتَبَ أحمدُ على الوليد لِمَا عُرِف منه.\nوكأن أبا عمرو بن الصلاح إنما انتزع دليله من هذا، ولكن أَتَى به كُلّيّا، فكان أنهض شيئًا.\nفلما تتبعتُ أيها الإمام كلامك، وتبينت ما ذكرتَ فيه عن الأئمة الماضين، من أنهم يرسلون كثيرًا بلفظ العنعنة، وليسوا مدلسين، انتقض عليَّ ذلك الدليلُ، وضَعُفَ استدلالك أيها الإمام بمجرد العنعنة من المعاصر، فاحتجتُ إلى أن أزيد في ذلك قيدَ اللقاء أو السماع في الجملة، إذ لا أقلّ منه، وأن أَشتَرِط في حد التدليس ما قدمتُهُ من أَنْ يُعنعِن عمن سَمِعَ ما لم يَسْمَع موهمًا أنه سمعه، ولا يَفعَل ذلك حيث يوهم، ولولا ما فَهِمَ العلماء ذلك من قوم جِلَّةٍ ما عَدُّوهم مدلسين، وعَدُّوا مثلهم في الرتبة أو دونهم مرسلين، كما اقتضاه كلامك هنا، على أنك استعملت الإرسال استعمالَ الفقهاء، بمعنى ما ليس بمتصل، والمعروف من عرف المحدثين، هو ما أرسله التابعي عن رسول الله -ﷺ- مسقطًا ذكر الصحابي.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: استعمال الإمام مسلم ﵀ الإرسال لمطلق الانقطاع هو الذي عليه أئمة الحديث، فمن تتبَّع \"سنن أبي داود\"، و\"سنن النسائي\" يجد ذلك بكثرة، بل لا يكادان يستعملان في المنقطع غير لفظ الإرسال، وكذلك كتب المراسيل، كـ\"مراسيل أبي داود\"، وابن أبي حاتم، وغيرهما، فقول ابن رُشيد: والمعروف الخ محلّ نظر، فتأمّل بإنصاف، وسنعود إلى إتمام هذا البحث في المسائل الآتية آخر شرح المقدّمة، إن شاء الله تعالى.\nقال ابن رُشيد: وقد وجدت معنى ما قلته بعدما قررته هذا التقرير للإمام أبي عمر ابن عبد البر، قال ﵀:\nوجملة تلخيص القول في التدليس الذي أجازه من أجازه من العلماء بالحديث، هو أن يُحَدِّث الرجل عن شيخ قد لقيه، وسمع منه بما لم يسمع منه، وسمعه من غيره عنه، فَيُرِي أنه سمعه من شيخه ذلك، وإنما سمعه من غيره، أو من بعض أصحابه عنه، ولا يكون ذلك إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن دلّس عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حَدّ التدليس الذي رَخّص فيه من رخص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه، ولا يحمدونه، وبالله العصمة لا شريك له. انتهى كلامه (١).\nوقد يَحسُن أن يُظَنَّ بمن فعل ذلك من الأئمة أنهم كانت لهم من مَشْيَخَتِهم إجازة،\n_________\n(١) \"التمهيد\" ١/ ٢٨.","vol":"2","page":423},{"text":"فعنعنوا معتمدين عليها، فلما استُفسِروا عن السماع بينوه.\nوالمسألة مع هذا لا تخلو من كدر الإشكال، وقد أصفينا لكم منها ما استطعنا فيما تقدم، ورَوَّقْنَاه لِوُراده.\nوالكلام في التدليس وأنواعه وأحوال فاعليه يستدعي إطالةً لا يحتملها إيجاز هذا المختصر، وهذا القدر هنا كاف إن شاء الله. انتهى كلام ابن رُشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولنعُد إلى استعراض بعض ما نُقل عن أئمة السلف ومن تبعهم من البحث عن محلّ السماع مع عدم ثبوت التدليس خلاف ما ادّعاه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى على ما وعدنا به سابقًا، فنقول:\n(اعلم): أن قول المصنّف ﵀: \"وما علمنا أحدًا من أئمة السلف فتّشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلخ\" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه قد ثبت عنهم التفتيش الذي نفاه:\nفممن ثبت ذلك عنه شعبة بن الحجاج الإمام العلم المشهور ﵀، فقد نُقل عنه قوله: \"فلان عن فلان مثله لا يُجزِي\". وقوله: \"كلّ حديث ليس فيه \"حدثنا\"، و\"أخبرنا\"، فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير، ليس له خطام\". وقوله: \"كلّ حديث ليس فيه \"حدثنا\"، و\"أنبأنا\" فهو خَلّ، أو بَقْل\".\nوقال شعبة أيضًا: قد أدرك رُفيع أبو العالية (١) عليّ بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئا. وقال: أدرك ربعيّ (٢) عليّا، وحدّث عنه، ولم يقل سمع. وقال: لم يسمع أبو عبد الرَّحمن السُّلَميّ (٣) من عثمان، ولا من ابن مسعود، ولكن سمع من عليّ -﵁-. وأنكر شعبة سماع مجاهد (٤) من عائشة -﵂-.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الغرض من هذه النقول إثبات تفقّد شعبة لسماع المتعاصرين بعضهم من بعض، وإن لم يكونوا مدلّسين، خلاف ما قاله مسلم، وإلا فهذه الأسانيد قد أثبتَ السماعَ فيها غيره، فقد أخرج البخاريّ في \"صحيحه\" حديث أبي العالية عن عليّ -﵁-، وقد وقع تصريح ربعيّ عن عليّ -﵁- في \"الصحيحين\"، وأخرج البخاريّ حديث أبي عبد الرَّحمن السلميّ، عن عثمان -﵁-. ووقع تصريح مجاهد بسماعه من عائشة -﵂- في \"صحيح البخاريّ\".\nوالحاصل أن شعبة هو ممن فتّش عن سماع الرواة المتعاصرين بعضهم من بعض،\n_________\n(١) لم يوصف بالتدليس.\n(٢) لم يوصف بالتدليس.\n(٣) لم يوصف بالتدليس.\n(٤) لم يوصف بالتدليس.","vol":"2","page":424},{"text":"قال صالح جزرة: أول من تكلّم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد ويحيى (١). وذكر أبو داود الطيالسيّ أنه رأى رجلًا يقول لشعبة: قل: حدّثني، أو أخبرني، فقال شعبة: فقدتُك وعدِمتك، وهل جاء بهذا أحدٌ قبلي (٢).\nومنهم: يحيى بن سعيد القطّان ﵀، فقد نُقل عنه قوله لما سئل: سمع زرارة (٣) ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء سمعت. وقال في عبد الرَّحمن بن زبيبة (٤): أظنه أدرك عبد الله بن عمرو، ولم يقل: سمعت بن عمرو، ولا رأيت. وقال: أبو سعيد الكوفي لم يقل: سمعت زيد بن أرقم، ونُقل عنه غير ذلك.\nومنهم: الشافعيّ ﵀، فقال: وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا، وقوله: حدّثني فلان عن فلان سواءً عندهم لا يُحدّث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه: حدّثني فلان عن فلان (٥).\nوقد فسّر أبو بكر الصيرفيّ في \"شرح الرسالة\" كلام الشافعيّ هذا بأنه يُشترَط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يُعلَم التدليس، وإذا لم يُعلَم سمع أو لم يسمع وُقف، فإذا صحّ السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. انتهى (٦).\nومنهم: الإمام يحيى بن معين ﵀، فقد سئل: يصح لسعيد بن المسيّب (٧) سماع من عبد الرَّحمن بن أبي ليلى؟ فقال: لا. وسئل: سمع طاوس (٨) من عائشة -﵂- شيئًا؟ قال: لا أراه. وقال أيضًا: عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه، ولا يصح له سماع. وسئل: الزهري سمع من ابن عمر؟ قال: لا، قال: فرآه رؤية؟ قال: يشبه، ونُقل عنه غير هذا.\nومنهم: الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فقد قال في يحيى بن أبي كثير: قد رأى أنسًا، فلا أدري سمع منه أم لا؟ . وقال: ابن جريج لم يسمع من طاوس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاوسًا. وقال: أبان بن عثمان (٩) لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ . وقال أيضًا: عطاء بن أبي رباح قد رأى ابن عمر، ولم يسمع منه. ونُقل عنه كثير من هذا القبيل.\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" ٤/ ٣٤٥.\n(٢) \"مقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم ١/ ١٦٦.\n(٣) لم يوصف بالتدليس.\n(٤) لم يوصف بالتدليس.\n(٥) \"الرسالة\" ص ٣٧٨ - ٣٧٩.\n(٦) \"شرح علل الترمذيّ\" ١/ ٣٦٠.\n(٧) لم يوصف بالتدليس.\n(٨) قليل التدليس.\n(٩) لم يوصف بالتدليس.","vol":"2","page":425},{"text":"ومنهم: الإمام عليّ بن المدينيّ، فقال: قيس بن أبي حازم سمع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقّاص، فقيل له: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس ابن أبي حازم سماعًا؟ قال: نعم سمغ منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نعدّ له سماعًا (١).\nومنهم: الحافظ عمرو بن عليّ الفلّاس، فقد قال في شأن ميمون بن أبي شبيب (٢): كان يُحدّث عن أصحاب رسول الله -ﷺ-، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أُخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبيّ -ﷺ-. وسئل عن القاسم ابن عبد الرحمن (٣) لقي أحدًا من الصحابة؟ قال: لا. ونُقل عنه غير هذا.\nومنهم: الإمام الناقد أبو زرعة الرازيّ ﵀، فقد قال في أبي أمامة بن سهل (٤): \"لم يسمع من عمر\"، هذا مع أن أبا أمامة رأى النبيّ -ﷺ-. وقال: \"عمرو بن شُرحبيل (٥) عن عمر مرسل\"، هذا وعمرو أدرك الجاهليّة، وقد أثبت البخاريّ سماعه من عمر (٦). وقال أيضًا: \"عكرمة (٧) عن عليّ مرسل\". ولا شك في معاصرة عكرمة لعليّ -﵁-.\nومنهم: محمد بن عوف الطائيّ الحمصيّ، أحد الأئمة، سئل هل سمع شُريح بن عُبيد (٨) من أبي الدرداء؟ فقال: لا، فقيل له: فسمع من أحد من أصحاب النبيّ -ﷺ-؟ فقال: ما أظنّ ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء: سمعت، وهو ثقة.\nومنهم: أبو حاتم الرازيّ، فقد قال: الزهريّ لا يصحّ سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه. وقال أيضًا في رواية ابن سيرين (٩) عن أبي الدرداء: قد أدركه، ولا أظنّه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة. وسأله ابنه هل أبو وائل (١٠) سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يحكي سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام، وأبو وائل كان بالكوفة، قال: كان يدلّس؟ قال: لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل -يعني يرسل، ولا يدلّس-.\nومنهم: أبو بكر البزّار، قال: لا نعلم سمع محمود بن لبيد (١١) من عثمان، وإن كان قديمًا. وقال أيضًا: روى مكحول عن جماعة من الصحابة: عن عبادة، وأم\n_________\n(١) \"العلل\" لابن المدينيّ ص ٤٩ - ٥٠.\n(٢) لم يوصف بالتدليس.\n(٣) لم يوصف بالتدليس.\n(٤) لم يوصف بالتدليس.\n(٥) لم يوصف بالتدليس.\n(٦) راجع \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٣٤١.\n(٧) لم يوصف بالتدليس.\n(٨) لم يوصف بالتدليس.\n(٩) لم يوصف بالتدليس.\n(١٠) لم يوصف بالتدليس.\n(١١) لم يوصف بالتدليس.","vol":"2","page":426},{"text":"الدرداء، وحذيفة، وأبي هريرة، ولم يسمع منهم، وإنما أرسل عنهم، ولم يقل في حديث عنهم: حدّثنا.\nومنهم: الدارقطنيّ، قال: لا يثبت سماع سعيد من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا. وقال أيضًا: محمد بن جبير (١) لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلًا. وقال أيضًا: هذه كلها مراسيل، ابن بريدة (٢) لم يسمع من عائشة -﵂-. انتهى.\nوهذا نصّ في كون الدارقطنيّ يشترط للاتصال ثبوت السماع، وإن أمكن اللقاء، فإن عبد الله بن بريدة وُلد سنة (١٥) فقد أدرك من حياة عائشة -﵂- أكثر من أربعين عامًا، وهو ليس ممن يدلّس.\nوقال أيضًا: قبيصة (٣) لم يسمع من عمرو بن العاص. هذا مع أنه ممن وُلد في حياة النبيّ -ﷺ- ولم يوصف بالتدليس، ومات عمرو بعد الأربعين، وقيل: بعد الخمسين.\nومنهم: البيهقيّ، فقد قال: عليّ بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود. هذا، مع أنه وُلد سنة (١٥) وكان موت ابن مسعود -﵁- سنة (٣٢).\nوقال أيضًا في حديث رواه ابن بريدة عن عائشة -﵂-: هذا مرسل، ابن بُريدة لم يسمع من عائشة -﵂-. انتهى. وقد سبق الكلام في هذا.\nوقال أيضًا: لن يثبت سماع عبد الله بن شدّاد من أسماء، وقد قيل فيه عن أسماء مرسل.\nهذا مع أن عبد الله ممن قيل: ولد في عهده -ﷺ-، وأسماء بنت عميس خالته، وقد ماتت بعد عليّ -﵁-، فاحتمال سماعه منها قويّ جدًّا.\nوقال أيضًا في حديث: هو منقطع بين عمرو بن دينار وأبي هريرة.\nهذا مع أن عمرًا وُلد سنة (٤٦) فسماعه من أبي هريرة -﵁- ممكن (٤).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النصوص من هؤلاء الأئمة ﵏ جليّةٌ واضحة الدلالة على أنهم يبحثون للحكم باتصال عنعنة المعاصر عن ثبوت السماع.\nوالحاصل أنهم قد ثبت عنهم التفتيش عن محل السماع مطلقًا، سواء كان الراوي\n_________\n(١) لم يوصف بالتدليس.\n(٢) لم يوصف بالتدليس.\n(٣) لم يوصف بالتدليس.\n(٤) انظر ما كتبه الأخ الفاضل الشيخ خالد بن منصور بن عبد الله الدريس في كتابه \"موقف البخاريّ ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\" ص ٢٦٧ - ٢٩٣.","vol":"2","page":427},{"text":"مدلِّسًا، أم غير مدلّس، ولم يكتفوا بالمعاصرة، واحتمال اللقاء، كما ادّعاه المصنّف هنا.\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: وما قاله ابن المدينيّ، والبخاريّ هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفّاظ، بل كلامهم يدلّ على اشتراط ثبوت السماع كما تقدّم عن الشافعيّ ﵀، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة، منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون (١)، وقرّة بن خالد (٢)، رأوا أنسًا، ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة. كذا قاله أبو حاتم، وقال أبو زرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير، ولم يجعلوا روايته عنه متّصلةً بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللُّقِيّ (٣).\nوقال أيضًا: فإذا كان هذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، ومع موافقة البخاريّ وغيره، فكيف يصحّ لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتّفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفّاظ المعتدّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم (٤).\nوقال أيضًا: وقد ذكرنا من قبلُ أن كلام الشافعيّ إنما يدلّ على مثل هذا القول، لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البرّ عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: \"هذا قول الأئمة من المحدّثين والفقهاء\". انتهى كلام ابن رجب (٥).\nوبالجملة فما ذهب إليه الإمام مسلم ﵀ هنا من أن هؤلاء الأئمة لم يفتّشوا عن محلّ السماع إلا إذا كان الراوي اشتهر بالتدليس مذهب لا يؤيّده الواقع؛ إذ قد سبق فيما أسلفناه من كلامهم أنهم لا يفرّقون بين المدلس وغيره في البحث عن ثبوت السماع، بل لا بدّ عندهم حتى تُحْمَل العنعنة على الاتصال من ثبوت السماع بين الْمُعَنْعِن والْمُعَنْعَن عنه مطلقًا.\nفما ذهب إليه الجمهور من أن عنعنة المعاصر لا تحمل على الاتصال إلا إذا ثبت، لقاؤه له، وسماعه منه، ولو قليلًا هو الحقّ والصواب، فتأمّله بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(١) لم يوصف بالتدليس.\n(٢) لم يوصف بالتدليس.\n(٣) راجع \"شرح علل الترمذيّ\" ص ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(٤) المصدر المذكور ص ١/ ٣٧٢.\n(٥) المصدر المذكور ص ١/ ٣٧٣.","vol":"2","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ) أي السبب (عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة ونيّة معناها (فِي فَسَادِ الْحَدِيث) متعلّق بـ \"العلّة\" (وَتَوْهِينِهِ) أي تضعيفه (إِذَا لَمْ يُعْلَمْ) يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والضمير يعود على \"من\" في قوله: \"عند من وصفنا\"، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله (أَنَّ الرَّاوِيَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفرد، حيث سدّت مسدّ مفعولي \"يعلم\"، كما قال في \"الخلاصة\":\nوَهَمْزَ \"إِنَّ\" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ\n(قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا) أي ولو قليلا، فالتنكير للتقليل، وقوله (إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ) بالنصب على الخبريّة لـ \"كانت\"، وهذا هو الذي في النسخ التي بين يديّ، كنسخة شرح القاضي عياض، وشرح النووي، والأبيّ، وغيرها، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه وقع بلفظ \"لمكان الإرسال\" بزيادة اللام، قال السنديّ ﵀: الظاهر أن قوله: \"لمكان الإرسال\" هو خبر \"كانت\"، فالوجه حذف اللام، ويقال: \"إمكانَ الإرسال\"، وأما مع اللام فوجهه أن يقال: إن قوله: \"لإمكان الإرسال\" مذكور على أنه من كلام المستدلّ، أي فإذا كانت العلّة هو ذكره بقوله: \"لإمكان الإرسال\". انتهى.\nوكتب بعضهم بعد ذكر كلام السنديّ المذكور: ما نصّه: ثم اعلم أن النسخ هَهنا مختلفة، ففي النسخة الهنديّة التي بأيدينا \"لمكان الإرسال\"، وفي النسخة المصريّة بدله: \"مكانَ الإرسال\"، وكتب في هامش النسخة الهنديّة قوله: \"لمكان\" كذا في النسخ، ولعله \"إمكان الإرسال\" كما سبق مثل هذه العبارة في السطر الحادي عشر من الصفحة السابقة، فيكون خبر \"فإذا كانت\" كما هو فيما قبله، ويجوز أن يكون الخبر \"عند من\": أي إذا كانت العلّة المذكورة معتبرةً عند من، فحينئذ \"لمكان\" صحيح، فيكون متعلّقًا بمعتبرة. انتهى. وقد عرفت أن في النسخ المصريّة بلفظ \"إمكان\"، قلت: وهل يمكن أن يكون هذا اللفظ \"لمكان الإرسال\" بفتح اللام على أن اللام للتأكيد، وليست بحرف جرّ، فليُسأل؟ . انتهى ما كتبه بعضهم (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما في معظم النسخ بلفظ \"إمكان الإرسال\" هو الصواب، وأما النسخ التي فيها اللام فالظاهر أنها غلطٌ، فلا حاجة إلى هذه التكلّفات التي ذكروها في توجيه هذه النسخة، ومما يؤيّد هذا أن هذه العبارة\n_________\n(١) انظر التعليق على \"الحل المفهم لصحيح مسلم\" ص ٢٤.","vol":"2","page":429},{"text":"تقدّمت للمصنّف قبل نحو ثلاثين سطرًا، ونصّها: \"فإن كانت العلّة في تضعيفك الخبر، وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تُثبت إسنادًا معنعنًا إلخ، فهذا مما يقوّي ما قلته فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ، فِي قِيَادِ قَوْلِهِ) بقاف مكسورة، ثم مثنّاة من تحتُ، آخره دال مهملة: أي فيما يقود إليه، ويقتضيه (بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ) متعلّق بـ \"الاحتجاج\" (أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ) \"في\" بمعنى الباء، وهو استثناء من قوله: \"برواية من الخ\"، يعني أنه لا يحتجّ برواية من سمع من شيخه، إلا بالخبر (الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ) أي تصريح الراوي بسماع ذلك الخبر من شيخه (لِمَا بَيَّنَّا) بكسر اللام هي للتعليل، و\"ما\" موصولة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ \"لزم\" من قوله: \"لزمه ترك الاحتجاج إلخ\"، أو متعلّق بمقدّر خبر لمحذوف: أي وذلك كائن لما بيّنّا.\nوقوله (مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضمّ، كما مرّ نظيره قريبًا (عَنِ الْأَئِمَّةِ) متعلّق بـ \"بيّنّا\"، أو بحال مقدّرٍ: أي منقولًا عن الأئمة (الَّذِينَ نَقَلُوِا الْأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد، حيث وقعت مفعولًا لـ \"بيّنّا\" (كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ) بالرفع اسم \"كان\" مؤخّرًا، وخبرها \"لهم\"، و\"التارات\" جمع\"تَارَةٍ\"، قال في \"اللسان\": \"التارة\": الحين والمرّة، ألفها واو، جمعها تارات، وتِيَرٌ، قال الشاعر:\nيَقُومُ تَارَاتٍ وَيَمْشِي تِيَرَا\nوقال العجاج:\nضَرْبًا إِذَا مَا مِرْجَلُ الْمَوْتِ أَفَرْ ... بِالْغَلْيِ أَحْمَوْهُ وَأَحْنَوْهُ التِّيَرْ\nقال ابن الأعرابيّ: تأرة مهموز، فلما كثُر استعمالهم لها تركوا همزها. انتهى (١). وقال في \"المصباح\": \"التار\": المرّة، وأصلها الهمز، لكنه خُفّف لكثرة الاستعمال، وربّما هُمزت على الأصل، وجُمعت بالهمز، فقيل: تَأْرة وتِئَارٌ، وتِئَرٌ، قال ابن السّرّاج: وكأنه مقصور من تِئَار، وأما المخفّف فالجمع تَارَاتٌ. انتهى (٢).\nوالمعنى هنا أن لهم أوقاتًا (يُرْسِلُونَ فِيهَا) أي في تلك التارات (الْحَدِيثَ إِرْسَالًا) أي يطلقونه إطلاقًا، يعني أنهم لا يقيّدونه بذكر من سمعوا منه، فقول (وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ) مؤكّد لقوله: \"يرسلون إلخ\" (وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ) بفتح أوله، مضارع نَشِط، يقال: نَشِط في عمله يَنْشَطُ، من باب تَعِبَ نَشَاطًا: إذا خفّ، وأسرع. قاله الفيّوميّ (فِيهَا) أي في تلك التارات (فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ) أي يضيفونه إلى من سمعوا منه، يقال:\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ٤/ ٩٦.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٧٨.","vol":"2","page":430},{"text":"أسندت الحديث إلى قائله بالألف: رفعته إليه بذكر ناقله. قاله الفيّوميّ (١) (عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا) أي على الوجه الذي سمعوه من راويه، قال الفيّوميّ: \"الهيئة\": الحالة الظاهرة، يقال: هاء يَهُوء، ويَهِيء هَيْئةً حسنَةً: إذا صار إليها. انتهى (٢).\nوالمعنى: أنهم يؤدّون الخبر على الصفة التي تحمّلوه عليها عاليًا، أو نازلًا، فقوله (فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا) بيان لمعنى قوله: \"على هيئة ما سمعوا\".\nقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: \"فيُخبرون بالنزول الخ\" يريد بذلك في الروايات، والنزول فيها هي الرواية عن الأقران، وطبقة المحدّث ومن دونه، أو بسند يوجد أعلى منه وأقلّ رجالًا، والصعود الرواية بالسند العالي، والقرب فيه من رسول الله -ﷺ- بقلّة عدد رجاله، أو من إمام مشهور حدّث به.\nهذا هو طريق أهل الصنعة ومذهبهم، وهو غاية جهدهم وحرصهم، وبمقدار علوّ حديث الواحد منهم تكثُر الرحلة إليه، والأخذ عنه، مع أن له في طريق التحقيق والنظر وجهًا، وهو أن أخبار الآحاد وروايات الأفراد لا توجب -كما قدّمنا علمًا- (٣) ولا يُقطع على مُغيّب صدقها؛ لجواز الغفلات والأوهام، والكذب على آحاد الرواة، لكن لمعرفتهم بالصدق ظاهرًا، وشهرتهم بالعدالة والستر غلب على الظنّ صحّة حديثهم، وصدق خبرهم، فكلّفنا العمل به، وقامت الحجة بذلك بظاهر الأوامر الشرعيّة، ومعلوم إجماع سلف هذه الأمة، ومغيب أمر ذلك كله لله تعالى، وتجويز الوهم والغلط غير مستحيل في كلّ راو ممن سُمّي في سند الخبر، فإذا كثروا وطال السند كثُرت مظانّ التجويز، وكلّما قلّ العدد قلت، حتى إن من سمع الحديث من التابعيّ المشهور، عن الصحابيّ، عن النبيّ -ﷺ- كان أقوى طمأنينةً بصحّة حديثه، ثم من سمعه من الصحابيّ كان أعلى درجةً في قوّة الطمأنينة، وإن كان الوهم والنسيان جائزًا على البشر، حتى إذا سمعه من النبيّ -ﷺ- ارتفعت أسباب التجويز، وانسدّت أبواب احتمالات الوهم، وغير ذلك؛ للقطع أنه -ﷺ- لا يجوز عليه شيء من ذلك في باب التبليغ والخبر، وأن جميع ما يُخبِر به حقّ وصدق. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٤).\n(كَمَا شَرَحْنَا) أي أوضحنا (ذَلِكَ عَنْهُمْ) أي فيما سبق من كلامه (وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ) الإضافة فيه بمعنى \"من\"، و\"السلف\" -بفتحتين- لغةً: كلّ من تقدّمك\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٩١.\n(٢) المصدر السابق ٢/ ٦٤٥.\n(٣) سيأتي الردّ على هذا القول، وأنه ليس على إطلاقه، بل كثير من أخبار الآحاد يوجب علمًا، فتنبه.\n(٤) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٧٥ - ١٧٦.","vol":"2","page":431},{"text":"من آبائك، وقَرَابتك، جمعه أَسلافٌ. أفاده في \"القاموس\". واصطلاحًا هم أهل القرون المفضّلة التي نصّ عليها النبيّ -ﷺ- فيما أخرجه الشيخان في \"صحيحيهما\"، وغيرهما من حديث عمران بن حصين ﵄، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، قال عمران: فما أدري قال النبيّ -ﷺ- بعد قوله: مرتين أو ثلاثًا، ثم يكون بعدهم قوم، يَشهَدون ولا يُستَشهَدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السمن\".\nوقد قال الإمام الذهبيّ ﵀ في مقدّمة كتابه \"ميزان الاعتدال\": ما نصّه: \"فالحدّ الفاصل بين المتقدّم والمتأخّر هو رأس ثلاثمائة سنة\". انتهى (١). وهو موافق لمعنى الحديث المذكور.\n(مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ) أي يعمل بها، فالسين والتاء زائدتان، ويحتمل أن تكونا للطلب، والمعنى: ممن يريد العمل، بعد تأكّده من ثبوتها، ويؤيّد هذا قوله (وَيَتَفَقَّدُ) أي يطلب (صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا) بفتحتين، أو بفتح، فسكون، يقال: سَقِم سَقَمًا، من باب تَعِب: إذا طال مرضه، وسَقُم سُقْمًا، من باب قَرُبَ، فهو سقيم، وجمعه سِقام مثلُ كريم وكرام. قاله الفيّوميّ (٢). والمراد به هنا ضعف الأسانيد، بدليل مقابلته بالصحّة.\n(مِثْلُ) يحتمل النصب على أنه مفعول لفعل مقدَّر: أي أعني، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هم مثلُ (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة، واسمه كيسان (السَّخْتِيَانِيِّ) بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة: نسبة إلى عمل السختيان، وبيعه، وهو جلود الضأن (٣) (وَابْنِ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أرطبان (وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة (وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ) الإمام الحجة المشهور (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ) وكلهم تقدَّمت تراجمهم (وَمَنْ بَعْدَهُمْ) \"من\" بفتح الميم موصولة: أي الذين أتوا بعد هؤلاء الأئمة (مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ) كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، وغيرهم (فَتَّشُوا) قال المجد في \"القاموس\": الْفَتْشُ كالضّرْب، والتفتيش: طلبٌ في بحث. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ: فَتَشْتُ الشيءَ فَتْشًا، من باب ضرب: تصفّحته، وفَتَشْتُ عنه: سألتُ، واستقصيتُ في الطلب، وفَتَّشْتُ الثوبَ بالتشديد هو الفاشي في الاستعمال. انتهى (٥).\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" ١/ ٤.\n(٢) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٨٠.\n(٣) راجع \"الأنساب\" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤ و\"اللباب\" ٢/ ١٠٨ و\"لب اللباب\" ٢/ ١٣.\n(٤) \"القاموس\" ص ٥٤٠.\n(٥) \"المصباح المنير\" ٢/ ٤٦١.","vol":"2","page":432},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تشديد التاء هو الموجود في النسخ مضبوطًا ضبط قلم، وظاهر عبارة \"القاموس\"، و\"المصباح\" جواز الوجهين: التخفيف، والتشديد، ولكن التشديد هو المناسب لسياق كلام المصنّف ﵀ هنا. والله تعالى أعلم.\n(عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ) متعلّق بـ \"فتشوا\" (فِي الْأَسَانِيدِ) متعلّق بصفة لـ \"موضع\"، أو بحال منه (كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصْفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضمّ لما أسلفناه قريبًا (وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ) بنصب \"سماع\" على أنه مفعول \"تفقّد\" (مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ) هكذا النسخ، والظاهر أن الأولى \"ممن رووا عنهم\"؛ لأن الضمير يعود على \"رُواة الحديث\"؛ إذ قوله: \"ممن روى\" متعلّق بـ \"سماع\"، اللهم إلا إن جعلنا الضمير في \"عنهم\" لهؤلاء الأئمة، و\"عن\" بمعنى اللام، أي ممن نقل لهم الحديث (إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ) \"التدليس\" مصدر دَلّس، يقال: دلّس البائع تدليسًا: إذا كَتَم عيبَ السِّلْعَة من المشتري وأخفاه. قاله الخطّابيّ وجماعة، ويقال أيضًا: دَلَسَ دَلْسًا، من باب ضرب، والتشديد أشهر في الاستعمال. قاله الفيّوميّ.\nوقال القاضي عياض: التدليس لقبٌ وضعه أئمة الفتوى، وأئمة هذه الصنعة على من أبهم بعض رواياته لمعان مختلفة، وأغراض متباينة، وقد كان هذا من عصر التابعين إلى هلمّ جرّا، وذُكر عن جماعة من جلّة الأئمة، ولم يُضرّ ذلك حديثهم لصحّة أغراضهم وسلامتها، وأضرّ ذلك بغيرهم.\nوهو على أمثلة، فمنه أن سفيان بن عيينة على جلالته من كبار أصحاب الزهريّ، وسمع منه كثيرًا، وأخذ عن أصحابه كثيرًا مما لم يسمعه عن الزهريّ، فربّما حدّث، فقال: الزهريّ، أو قال: قال الزهريّ عن فلان، وقد عُرف بالتدليس، فسُئل، فمرّةً يقول: سمعته منه، ومرّة يقول: حدّثني به عنه فلان، أو فلان عن فلان عنه، ومن لا يدلّس مثل مالك وشعبة لا يقول مثل هذا، بل يُبيّن من حدّثه عنه، أو يقول: بلغني، قال شعبة: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أُدلّس، ولكن أمثال أولئك الجلّة ممن استسهل التدليس إذا سئلوا أحالوا على الثقات، فحُمل حديثهم، وقام تدليسهم مقام المرسل، وحجة بعضهم أن يكونوا قد سمعوه من جماعة من الثقات عن هذا الرجل، فاستغنوا بذكره عن ذكر أحدهم، أو ذكر جميعهم، لتحققهم صحّة الحديث عنه، كما يُفعل في المراسيل.\nومنهم من أراد أن لا ينزل حديثه، وأن يعلو بذكر الشيخ دون من دونه؛ لصحّة","vol":"2","page":433},{"text":"روايته عنه غير هذا، وتحققه أن الثقات حدّثت به عنه.\nوطبقة أخرى جاؤوا إلى رجال مشاهير ثقات أئمة سمعوا حديثهم، وجرت بينهم مباعدة حملتهم على إبهامهم، وأن لا يصرّحوا بأسمائهم المشهورة، ولم تحملهم ديانتهم على ترك الحديث عنهم، كما صنع البخاريّ في حديثه عن محمد بن يحيى الذهليّ، لِمَا جرى بينه وبينه، فمرّةً تجده يقول: حدّثنا محمد لا يزيد، وثانيةً يقول: ثنا محمد بن خالد، ينسبُهُ إلى الجدّ الأعلى، ومرّةً يقول: ثنا محمد بن عبد الله ينسبه إلى جدّه الأدنى.\nوطبقةٌ أخرى رووا الحديث عن ضعيف، أو مجهول عن الشيخ، فسكتوا عنه، واقتصروا على ذكر الشيخ، إذ عُرف سماعهم منه لغير هذا الحديث.\nوطبقة أخرى رووا عن ضعفاء لهم أسماء، أو كنى مشهورة عُرِفوا بها، فلو صرّحوا بأسمائهم المشهورة، أو كناهم المعلومة لم يُشتغَل بحديثهم، فأتوا بالاسم الخامل مكان الكنية المشهورة، أو بالكنية المجهولة عوضَ الاسم المعلوم؛ ليُبهِموا الأمر، ولئلا يُعرَف ذلك الراوي وضعفه، فيُزهدهم في حديثهم.\nوطبقة أخرى رووا عن ضعيف له كنية ٌيُشاركه فيها رجل مقبول الحديث، وقد حدّث عنهما جميعًا، فيُطلق الحديث بالكنية لِيُدخِل الإشكال، ويقع على السامع اللبس، ويظُنّ أنه ذلك القويّ.\nوهذه الطرق كلّها غير الأولين رديئة، قد أضرّت بأصحابها، وسبّبت الوقوف في كثير من أحاديثهم إلا ما صرّح به الثقات منهم بالسماع عن الثقات، ونَصّوا عليه وبيّنوه، ولهذا ما وقفوا فيما دلّسه الأعمش لروايته عن الضعفاء، وفيما دلّسه بقيّة بن الوليد؛ لخلطه الأسماء والكنى، ولم يَسْتَرِبُوا فيما دلّسه ابن عُيينة والثوريّ، وضُرباؤهما ممن لا يروي إلا عن ثقة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكره الثوريّ فيمن لا يروي إلا عن ثقة، غير صحيح، فإنه مشهور بالرواية عن الضعفاء، مثل الكلبيّ وغيره، وأما ابن عيينة، وإن روى عن غير ثقة، إلا أنه اشتهر أنه لا يدلّس إلا عن ثقة، حتى ادّعى ابن حبّان أنه لا يوجد ذلك لغيره، فتبصّر. والله تعالى أعلم.\nقال: واختَلَف أئمة الحديث في قبول حديث من عُرف بالتدليس إذا لم ينُصّ على سماعه، فجمهورهم على قبول حديث من عُرف منهم أنه لا يروي إلا عن ثقة، كما قالوا في حديث من عُلم أنه لا يُرسل إلا عن ثقة، وعلى ترك حديث المسامحين في","vol":"2","page":434},{"text":"الأخذ، وترك الحجة به حتى يَنُصّ على سماعه، وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم الاختلاف في ذلك (١) كما قدّمناه. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سنعود -إن شاء الله تعالى- إلى تمام البحث في التدليس في المسائل الآتية آخر هذا الشرح.\n(وَشُهِرَ بِهِ) ببناء الفعل، وفيه أن المعتبر في التدليس أن يشتهر به الراوي، لا مجرَّد ثبوت التدليس عليه، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسائل آخر الشرح، إن شاء الله تعالى.\n(فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ) أي سماع ما رواه من شيخه الذي رواه عنه (وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي من الراوي المدلّس (كَيْ تَنْزَاحَ) أي تزول، وهو انفعال من الزّوْح، يقال: زاح الشيءُ عن موضعه يزُوح زَوْحًا، من باب قال، ويَزِيح زَيْحًا من باب سار: تنحّى، وقد يُستعمل متعدّيًا بنفسه، فيقال: زُحتُهُ، والأكثر أن يتعدّى بالهمزة، فيقالُ: أزحته إزاحةً. قاله الفيّوميّ (٣) (عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ) الإضافة بيانيّة: أي علّة هي التدليس (فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ) \"من\" شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، والفعل مبنيّ للفاعل، وهذا هو الذي وقع في نسخ المتن، ووقع في شرح النوويّ: \"فما ابتغي إلخ\" قال النووي: هكذا وقع في أكثر الأصول \"فما ابتغي\" بضم التاء، وكسر الغين على ما لم يُسمّ فاعله، وفي بعضها \"ابتغى\" بفتح التاء والغين، وفي بعض الأصول المحقّقة: \"فمن ابتغى\"، ولكلّ واحد وجه. انتهى كلام النوويّ (٤).\nوجواب \"من\"، أو خبرها محذوف دلّ عليه قوله: \"فما سمعنا ذلك الخ\"، والتقدير: فقد خالف الأئمة: أي فمن طلب بيان ثبوت السماع من غير راوٍ مدلس، فقد خالف منهج المحدثين في ذلك، وعلى نسخة النوويِّ تكون \"ما\" نافية، والفعل مبنيّ للمفعول: أي فلم يُطلَب ذلك من غير مدلّس الخ، وقوله: \"فما سمعنا ذلك إلخ\" مؤكّد لقوله: \"فما ابتُغي إلخ، وأما بناء \"ابتغى\" للفاعل على نسخة النوويّ \"فما ابتَغَى\" فيحتمل توجيهه على تقدير فاعل: أي فما ابتغى أحدٌ ذلك، وحذف الفاعل يجوز عند الكسائيّ، وجَعَل منه قوله -ﷺ-: \"لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب ... \" الحديث، متفق عليه، أي لا يشرب الشارب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ الآية [القيامة: ٢٦]، أي الروح عند قوله: الفطن.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التوجيهات هي التي ظهرت لي، وأما ما كتبه\n_________\n(١) راجع \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٣.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٧٦.\n(٣) \"المصباح المنير\" ١/ ٢٥٩.\n(٤) \"شرح النوويّ\" ١/ ١٣٧.","vol":"2","page":435},{"text":"صاحب \"الحلّ المفهم\" ففيه من التكلّف والتعسّف ما لا يخفى على الفطن (١)، والله الهادي إلى سواء السبيل.\n(عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ) أي وهو المخترع الذي قال: لا أحتجّ بالمعنعن حتى أتبيّن ثبوت السماع؛ لإمكان الإرسال، وقوله (فَمَا سَمِعْنَا) الخ جملة تعليلية للجواب المقدّر كما سبق آنفًا: أي فقد خالف الأئمة؛ لأننا ما سمعنا (ذَلِكَ) أي البحث عن موضع السماع (عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الْأَئِمَّةِ) يعني أنهم لم يسلكوا هذا المسلك الذي زعمه هذا المخترع في تفتيش الأسانيد إلا حيث يوجد في الرواة من عُرِفَ بالتدليس، فعند ذلك يبحثون عن سماع ذلك المدلّس حتى تزول عنهم تلك العلّة.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا معنى كلامه، وقد عرفت ما فيه فيما مضى، فلا تنس نصيبك والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ-، قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْن يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَاقَيْنَا مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ وَقَوِيِّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالِاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ، وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى.\n_________\n(١) ودونك عبارته بنصِّها: قوله: \"فما ابتغي ذلك إلخ\" اختلفت النسخ هَنا، والمقام لا يخلو بعدُ من غُموض، فنقول: إن كانت الرواية بقوله: \"من\" فقوله: \"ابتغى\" معروف لا غير. وقوله: \"من حكينا\" فاعل لقوله: \"زعم\"، وقوله: \"فما سمعنا الخ\" خبر لقوله: \"من\"، وهذا ظاهر. وأما على نسخة \"ما\" ففيه توجيهان: أولهما أن يكون قوله \"ابتغى\" مجهولًا، وباقي التركيب كما تقدّم، فإن كان الفعل معروفًا، فقوله: \"من حكينا\" من باب التنازع حيث تنازع فيه قوله: \"ابتغى\"، وقوله: \"زعم\"، والعمل فيه للأول، وفي الثاني ضمير كما هو المشهور، ويمكن أن يكون فاعل قوله: \"ابتغى\" الضمير الراجع إلى صاحب هذا القول لجريان ذكره أولًا وآخرًا، ويَسلَم الفاعل للفعل الثاني، فلا يفتقر إلى جعله من باب التنازع. انتهى \"الحل المفهم\" ص ٢٥.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى على الفطن ما في هذه التوجيهات من التكلفات الباردة، فتبصّر بالإنصاف. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"2","page":436},{"text":"وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ وَنُحْصِيهَا، لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذا أن من الأمثلة على ما تقدّم من أن الأئمة يكتفون بمجرّد المعاصرة بين المعنعنين، وإن لم يثبت سماع بعضهم من بعض: روايةَ عبد الله بن يزيد الخطميّ -وهو من صغار الصحابة، حيث رأى النبيّ -ﷺ- عن كلّ من حذيفة بن اليمان، وعقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاريّ البدريّ -﵁- حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ -ﷺ- بالعنعنة دون ذكر السماع، ولم يثبت لدينا أنه شافه أحدًا منهما بحديث قط، ولا وجدنا رؤيته لهما، ولم نسمع من أحد من أهل العلم بالأخبار ممن تقدّمنا، ولا ممن عاصرناه أنه طعن في حديثي عبد الله بن يزيد المذكورين بضعفهما بسبب العنعنة، بل هما وأمثالهما عند أهل الحديث من صحاح الأسانيد وقويّها يرون العمل والاحتجاج بما روي بها، وهي في زعم المنتحل المذكور ضعيفة لإمكان الإرسال فيها، إلا إذا اتّضح سماع المعَنْعِن عمن عنعن عنه، ولو ذهبنا نحصي الأحاديث التي صححها أهل العلم مع ورودها بالعنعنة، وهي ضعيفة عند المنتحل؛ لِمَا ذُكر لعجزنا عن إحصائها، ولكن أحببنا أن نذكر منها عددًا يكون علامةً لما سكتنا عنه، ثم شرع في ذكر الأمثلة، فقال: وهذا أبو عثمان النهديّ إلخ. هذا خلاصة كلامه رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\nوناقشه العلامة ابن رشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الدليل الذي ذكره آنفًا، فقال:\n[الدليل الثالث]: من أدلة مسلم، وهو أخصّ من الأول، وكأنه من تتمة الثاني؛ إذ عرضه في مَعْرِض التمثيل، تحريرُه أن قبول أحاديث الصحابة بعضهم عن بعض مجمع عليه، دون طلب، ولا بحث عن لقاء أو سماع، بل من مجرد المعاصرة، وأبدى من ذلك مثالًا أشار فيه إلى حديثين، ادَّعَى الإجماع على قبولهما، وذلك قوله:\n\"فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبيّ -ﷺ-، قد رَوَى عن حذيفة، وعن أبي مسعود الأنصاري، عن كل واحد منهما حديثًا إلخ.\nفأقول: الحديثان اللذان أشرتَ إليهما، أما حديث عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، فقد خرّجتَهُ في \"باب الفتن\" من كتابك، وهو قول حذيفة -﵁-: \"أخبرني رسول الله -ﷺ- بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة\"، وليس فيه ذكر سماع، ولا نعلم الآن من ذَكَرَ فيه سماعًا.\nوأما حديثه عن أبي مسعود، وهو حديث: \"نفقة الرجل على أهله صدقة\"،","vol":"2","page":437},{"text":"فخرّجته أيضًا في كتابك في \"باب النفقة على الأهل صدقة\" في \"كتاب الزكاة\" معنعنًا، وليس فيه ذكر سماع، وخرّجه البخاري، وفيه عنده ذكر السماع منصوصًا مثبتًا ما أنكرت في ذكره في \"المغازي\" في الباب الذي يلي، \"شهودُ الملائكة بدرًا\"، فقال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا شعبة، عن عديّ، عن عبد الله بن يزيد، سمع أبا مسعود البدريّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"نفقة الرجل على أهله صدقة\"، وأخرجه أيضًا في \"الإيمان\"، وفي \"النفقات\"، وليس فيه ذكر سماع.\nففي هذا الحديث كما ترى إثبات ما غاب عن مسلم ﵀، من سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود البدري، ولنا عن هذا الدليل جوابان، أحدهما عام، والثاني خاصّ:\nأما العام فما ادّعيتَ من الإجماع صحيحٌ، لكن لا يتناول محلَّ النزاع، فنحن نقول بموجبه، ولا يلزمنا -بحمد الله- محذور، فإنك أتيت بمثال فيه رواية صاحب عن صاحب، وهو عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة وأبي مسعود، وهو معدود عندك في \"كتاب الطبقات\" من تأليفك في الكوفيين من الصحابة -﵃- حيث قلت: وعبد الله بن يزيد الأنصاري، أدرك النبيّ -ﷺ-، ولم يحفظ منه شيئًا، وكذلك ذكره البخاري، وقال فيه: قيل: إنه رأى النبيّ -ﷺ-، وذكره أبو عمر بن عبد البر، وقال: إنه شَهِدَ الحديبية، وهو ابن سبع عشرة سنة.\nقلت (١): ومن كان في هذا السن زمن الحديبية، فكيف يُنكر سماعه من النبيّ -ﷺ-. قال الحافظ أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن الحذاء ﵀: وذُكِر أن عبد الله ابن يزيد شَهِد بيعة الرضوان وما بعدها، وفتحَ العراق، وهو رسول القوم يوم جِسْر أبي عبيد، يُعَدُّ في أهل الكوفة، قال ابن الحذاء: وكانت لأبيه صحبة، شَهِدَ أحدًا، وهلك قبل فتح مكة. انتهى ما حضرنا في عبد الله بن يزيد.\nفلنرجع إلى ما كُنّا بسبيله من قوله: \"إنه لم يحفظ عن النبيِّ -ﷺ- فنقول: الصحابة -﵃- عدول بأجمعهم، بإجماع أهل السنة على ذلك، فلو قَدّرنا إرسال بعضهم عن بعض لم يضرنا ذلك شيئًا، ولم يكن قادحًا، ولا يدخل هنا قولك: \"إن المرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة\"؛ لما قلناه من الاتفاق على عدالة الجميع.\nولذلك قَبِلَ الجمهور مراسيل الصحابة عن النبي -ﷺ-، كابن عباس وغيره من\n_________\n(١) القائل ابن رُشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى.","vol":"2","page":438},{"text":"صغار الصحابة، مِمّن هو أصغر سنًّا منه، وبيقين نعلم أن ابن عباس لم يسمع من النبيّ -ﷺ- كلَّ ما رواه، مما قال فيه قال رسول الله -ﷺ-، أو عن رسول الله -ﷺ-، وقد بَيّن ذلك أبو عُمَارة البراء بن عازب الكوفي -﵁-، قال الحسن بن عبد الرَّحمن بن خَلاد الرامهرمزيّ، نا عبد الوهاب بن رواحة العدوي، نا أبو كريب، نا إسحاق بن منصور، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله -ﷺ-، كانت لنا ضَيْعَةٌ وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب.\nوقد قدمنا نحوا من ذلك عن أنس بن مالك (١).\nقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغداديّ: وسمعت محمد بن نصر يقول: سألت أبا عبد الله، كم روى ابن عباس عن النبيّ -ﷺ- سماعًا؟، قال: عشرة أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان تسعة أحاديث.\nفانظر مقدار ما سمع مما رَوَى عنه، فهو من أصحاب الألوف، رُوي له ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا (٢)، فيما قال أبو محمد بن حزم. وقال البرقيُّ: الذي حُفِظ عنه من الحديث نحو من أربعمائة حديث -يعني البرقي والله أعلم- ما صَحّ، على أن البرقي ليس في الحفظ من رجال ابن حزم، وقد خُرِّج له في \"الصحيحين\" مائة حديث وأربعة وثلاثون، اتّفقا منها على خمسة، وسبعين وانفرد البخاري بمائة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين، فيما ذكر أبو الفرج بن الجوزي ﵀.\nوقال الإمام الحافظ الأوحد، أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتِيّ ﵀: وإنما قَبِلنا أخبار أصحاب رسول الله -ﷺ- ما رووها عن النبيّ -ﷺ-، وإن لم يُبَيِّنوا السماع في كلّ ما رووا، وبيقين يُعلَم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر، ورواه عن النبيّ -ﷺ- من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه؛ لأنهم -﵃- أئمة سادة قادة عدول، نّزه الله جل وعلا أقدار أصحاب رسول الله -ﷺ- عن أن يَلْزَقَ بهم الوهن، وفي قوله -ﷺ-: \"ألا ليبلغ\n_________\n(١) هو ما ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة في \"تاريخه\" قال: نا موسى بن إسماعيل، وهُدْبة قالا: نا حماد بن سلمة، عن حميد، أن أنسًا حدّثهم بحديث عن رسول الله -ﷺ-، فقال له رجلٌ: أنت سمعته من رسول الله -ﷺ-؟ فغضب غضبًا شديدًا، وقال: \"والله ما كلُّ ما نُحدّثكم سمعناه من رسول الله -ﷺ-، ولكن يُحدّث بعضنا بعضًا، ولا يَتَّهِم بعضنا بعضًا\". انتهى.\n(٢) هذا هو الذي ذكره ابن الجوزيّ في \"المجتبى من المجتنى\" ص ٨٩ وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على \"ألفية الحديث\" للسيوطيّ بعد نقل ما ذُكر عن ابن الجوزيّ: ما نصّه: وفي مسند أحمد (١٦٩٦) حديث\" (ج ١ ص ٢١٤ - ٣٧٤) انتهى.","vol":"2","page":439},{"text":"الشاهد منكم الغائب\" أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول، ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم أحدٌ غير عدل لاستُثْنِي في قوله -ﷺ-، وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ مَنْ بَعْدَهم دَلّ ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدّله رسول الله -ﷺ- شَرَفًا. انتهى ما أوردناه من كلام أبي حاتم البستيّ (١).\nواستدلاله بهذا من الحديث صحيح حسن، والإجماع شاهد على ذلك، وما أحسن ما قاله الإمام أبو عمرو بن الصلاح في تحرير هذا المعنى من: أن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، من لابس الفتن منسم وغيرهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتَدّ بهم في الإجماع؛ إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله -﷾- أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نَقَلَة الشريعة (٢).\nوهذا الذي قاله الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀، قد سبقه إلى تحريره إمام الحرمين، أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني، وإنما جَمَع أطراف كلامه وما راق من ألفاظه الحُرّة الْجَزْلَة.\nفإن اعترضت أيضًا أيها الإمام بإمكان احتمال الإرسال عن تابعي، إذ يحتمل أن يكون الصحابي رواه عن تابعي، عن صحابي، عن رسول الله -ﷺ-، ولكن أرسله.\nقلنا: نادر بعيد فلا عبرة به، وغاية ما قَدَرَ عليه الحفاظ المعتنون أن يُبرزوا من ذلك أمثلة نَزْرَةً، تَجْري مَجْرى الْمُلَح في المذاكرات والنوادر في النوادي.\n(الجواب الثاني): وهو خاص أن نقول: قد اطلعنا -والحمد لله- أيها الإمام على صحة السماع لعبد الله بن يزيد، من أبي مسعود، وأحضَرَنَا منه ما غاب عنك الإمام الكبير أبو عبد الله البخاري ﵀، في \"جامعه الصحيح\" حسبما ذكرناه قبلُ من حديثه الذي ذكره في \"المغازي\" منصوصا فيه على السماع بما أغنى عن إعادته.\nفمن حكم بصحته، وقَبِلَه، وأدخله في كتابه اطّلع على صحة السماع فيه، وعَلِم منه ما لم تعلم، هذا إن قَدّرنا منه مراعاة هذا الاحتمال النادر، من رواية الصاحب عن التابع، وما أبعد مراعاته، فلا نعلم قال به مَنْ يُعتَمد من أئمة الحديث.\nوأما حديث عبد الله، عن حذيفة فقد خَرّجته أنت أيها الإمام جريًا على شرطك، ولم يُخَرِّجه هو؛ إما لعلة اطّلع عليها بسعة علمه لم تَطّلِع أنت عليها، أو يكون تركه للاختصار.\n_________\n(١) راجع \"مقدّمة \"صحيح ابن حبّان\" ١/ ١٦١ - ١٦٢ بنسخة \"الإحسان\".\n(٢) \"مقدّمة ابن الصلاح\" ص ٢٨٧.","vol":"2","page":440},{"text":"فقد روى الخليليّ في \"الإرشاد\" بسنده عن إبراهيم بن مَعْقِل قال: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب \"الجامع\" إلا ما صح، وقد تركت من الصحاح -قال: يعني خوفا من التطويل.\nفالناس -يرحمك الله- تبع لهذا الإمام الكبير المتفق عليه بلا مدافعة، وإنما اقتداؤك به، واقتباسك من أنواره، وأنت وارث علمه، وحائز الْخَصْل بعده، وأما الناس بَعْدَكما فتبع لكما.\nوإن خَرّج هذا الحديث الذي خَرّجت أنت، أو أمثاله مَنْ يَلتزم الصحيح مثلك، قلنا: لم يُراع هذا الاحتمال، أو عَلِم السماع أو اللقاء فيه. والله أعلم. انتهى كلام ابن رُشيدر رَحِمَهُ اللهُ تعالى باختصار (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى: حاصل ما تعقّب به ابن رُشيد كلام المصنّف رحمهما الله تعالى أنه أتى احتجاجًا على خصمه بما لا يكون حجة، وذلك أنه مثّل بعنعنة صحابيّ عن صحابي، وهذا مما لا نزاع فيه، فإن الصحابة كلهم عدولٌ بإجماع من يُعتَدّ بإجماعه، فلو قُدّر إرسال بعضهم عن بعض لم يضرّ ذلك، ولا يكون قادحًا؛ إذ مراسيلهم مقبولة عند جمهور أهل العلم؛ لما ذكرناه، وعلى فرض احتمال كون الصحابيّ يرويه عن تابعيّ، عن صحابي، فلا يضرّ أيضًا؛ لندور ذلك، والحكم إنما يُبنى على الغالب، هذا من حيث العموم، وأما من حيث الخصوصُ، فإن المثال الذي ذكره، وهو كونه لم يطّلع على ثبوت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود، غير صحيح، فقد ثبت سماعه عند البخاريّ في \"صحيحه\".\nوالحاصل أنه لا يتمّ للمصنّف احتجاجه على خصمه بالمثال الذي ذكره؛ لما سبق آنفًا، فتأمله بإنصاف. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَمِنْ ذَلِكَ) أي فمن أمثلة ما رواه بعض المتعاصرين من بعض، دون ثبوت لقاء وسماع (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ) هو: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حُصين بن عمرو بن الحارث بن خَطْمة، واسمه عبد الله بن جُشَم بن مالك الأوسي الأنصاريّ، أبو موسى الْخَطْمي، شَهِد الحديبية، وهو صغير، وشهد الْجَمَل وصفِّين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة، روى عن النبيِّ -ﷺ-، وعن أبي أيوب، وأبي مسعود، وقيس بن سعد ابن عبادة، وحذيفة، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وغيرهم، وعن كتاب عمر بن الخطاب.\n_________\n(١) راجع \"السنن الأبين\" ص ١٢٥ - ١٤٨.","vol":"2","page":441},{"text":"ورَوَى عنه ابنه موسى، وابن ابنته عدي بن ثابت الأنصاري، ومحارب بن دِثَار، والشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومحمد بن سيرين، وأبو جعفر الفراء، وغيرهم.\nقال الآجريّ: قلت لأبي داود: عبد الله بن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا. قال أبو داود: وسمعت مصعبا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقال أبو حاتم: روى عن النبيّ -ﷺ-، وكان صغيرا في عهده، فإن صحت روايته فذاك (١).\nوقال ابن حبان في \"كتاب الصحابة\": كان أميرا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبيّ -ﷺ- قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن الْبَرْقِيّ: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمنَ ابن الزبير، وذَكَرَ أنه شَهِد بيعةَ الرضوان وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جِسْر أبي عبيد. وقال الْبَرْقَانيّ: قلت للدارقطني: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري، فقال: ثقة، وأبوه وجّدُّه صحابيان. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثمانية أحاديث.\nوقوله: (وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ-) جملة أتى بها لبيان أنه قديم يمكنه لقاءُ حُذيفة، والسماع منه؛ لأنه إذا ثبت له رؤية النبيّ -ﷺ-، فبالأحرى أن يثبت له لقاء حذيفة، والسماع منه؛ لتأخره بعد النبيّ -ﷺ-، حيث كان موته في أول خلافة عليّ -﵁- ستة (٣٦) (قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، ويقال: حِسْل بن جابر العبسي، حَلِيف بني عبد الأشهل، هَرَب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف اليمانية، وأم حذيفة من بني عبد الأشهل، وأسلم هو وأبوه، وأرادا حضور بدر فأخذهما المشركون، فاستحلفوهما، فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبيّ -ﷺ-: \"نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم\"، وشَهِد أحدًا، فقُتل اليمان بها.\nرَوَى حذيفة عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر، وروى عنه جابرُ بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو الطُّفَيل، وغيرُهم من الصحابة،\n_________\n(١) قال الحافظ: قلت: كذا في الأصل \"إن صحت روايته\"، وفيما وقفت عليه من كتاب ابن أبي حاتم: \"فإن صحت رؤيته\"، فيحرر هذا. وروايته عن النبيّ -ﷺ- في \"صحيح البخاري\"، ولم يرقم المزي على ذلك سهوًا، وإلا فقد ذكره هو في \"الأطراف\". انتهى \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٥٧.","vol":"2","page":442},{"text":"وحصين بن جندب أبو ظبيان، ورِبْعيّ بن حِرَاش وزر بن حبيش، وزيد بن وهب، وأبو وائل، وصِلَة بن زُفَر، وجماعة.\nقال العجلي: استعمله عمر على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا، سكن الكوفة، وكان صاحب سر رسول الله -ﷺ-، ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن ابن المسيب، عن حذيفة: \"خَيَّرني رسول الله -ﷺ- بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة\". وقال عبد الله بن يزيد الخطمي عن حذيفة: \"لقد حدثني رسول الله -ﷺ- بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة\". رواه مسلم. وفي \"الصحيحين\" أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. وفيهما عن عمر أنه سأل حذيفة عن الفتنة. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدِّيْنَوَر، وماسَبَذَان وهَمَذَان، والرَّيّ، وغيرها. وقال ابن نمير وغيره: مات -﵁- سنة (٣٦). أخرجٍ له الجماعة، وله من الأحاديث أكثر من مائة حديث، اتفق الشيخان على (١٢) حديثًا، وانفرد البخاريّ بثمانية، ومسلم بـ (١٧) حديثًا (١).\n[تنبيه]: الحديث الذي رواه عبد الله بن يزيد الأنصاريّ عن حذيفة رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم في \"كتاب الفتن، وأشراط الساعة\" من \"صحيحه\"، فقال:\nوحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ح وحدثني أبو بكر ابن نافع، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، أنه قال: أخبرني رسول الله -ﷺ- بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أساله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة.\nقال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى: أما حديث حذيفة -﵁- فقد أخرج مسلم معناه مطوّلًا من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة، ثم ذكره، فهو متابعة، والحديث مشهور عن حذيفة، فإن صحّ قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة، فالجواب أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة، لم يَحتج أهل العلم إلى الكلام فيه، بل رووا الحديث على أنه متابعة، فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع. انتهى كلام المعلّمي (٢).\n(وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة ابن أسيرة بن عطية بن خُدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري البدري، مشهور بكنيته، اتفقوا على\n_________\n(١) وفي برنامج الحديث (صخر) أن له في \"صحيح مسلم\" (٤٣) حديثًا. فليُحرّر.\n(٢) راجع رسالة \"الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء\" ص ٣٦١.","vol":"2","page":443},{"text":"أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدرًا، فقال الأكثر: نزلها فنسب إليها، وجزم البخاري بأنه شهدها، واستدل بأحاديث أخرجها في \"صحيحه\"، في بعضها التصريح بأنه شهدها، منها حديث عروة بن الزبير عن بَشِير بن أبي مسعود قال: أَخَّر المغيرة العصر، فدخل عليه أبو مسعود، عقبة بن عمرو جَدُّ زيد بن حسن، وكان شهد بدرًا. وقال أبو عتبة بن سلام، ومسلم في \"الكنى\": شهد بدرًا. وقال ابن الْبَرْقي: لم يذكره ابن إسحاق فيهم، وورد في عدة أحاديث أنه شهدها. وقال الطبراني: أهل الكوفة يقولون: شهدها، ولم يذكره أهل المدينة فيهم. وقال ابن سعد عن الواقدي: ليس بين أصحابنا اختلاف في أنه لم يشهدها. وقيل: إنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه، وشهد أحدًا وما بعدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب عليّ، واستُخلف مرّة على الكوفة. قال خليفة: مات قبل سنة أربعين. وقال المدائني: مات سنة أربعين. والصحيح أنه مات بعدها، فقد ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة، وذلك بعد سنة أربعين قطعًا. قيل: مات بالكوفة، وقيل: مات بالمدينة (١). أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٠) حديثًا (٢).\n[تنبيه]: الحديث الذي رواه. عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاريّ، ومسلم في \"صحيحيهما\"، فأخرجه البخاريّ في \"الإيمان\"، فقال:\nحدثنا حجاج بن مِنْهال، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها، فهو له صدقة\"، وأخرجه أيضًا في \"المغازي\" برقم (٤٠٠٦)، وفي \"النفقة\" برقم (٥٣٥١).\nوأخرجه مسلم في \"الزكاة\"، فقال:\nحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عدي -وهو ابن ثابت- عن عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود البدري، عن النبي -ﷺ- قال: \"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها، كانت له صدقة\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادّعاه مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى من عدم سماع عبد الله بن يزيد -﵁- لهذا الحديث عن أبي مسعود -﵁- غير صحيح؛ لأنه وقع التصريح\n_________\n(١) راجع \"الإصابة\" ٤/ ٤٣٢.\n(٢) وذكر ابن الجوزيّ أنه روى (١٠٢) حديثًا، اتفق الشيخان على تسعة، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بسعة. فليحرّر.","vol":"2","page":444},{"text":"بالسماع عند البخاريّ في \"المغازي\" في الباب الذي يلي \"شهود الملائكة بدرًا\" من \"صحيحه\" ٥/ ١٠٧، فقال: نا مسلم، قال: نا شعبة، عن عديّ، عن عبد الله بن يزيد، سمع أبا مسعود البدريّ -﵁-، عن النبيِّ -ﷺ- قال: \"نفقة الرجل على أهله صدقة\". فقد ثبت تصريح عبد الله بن يزيد بسماعه من أبي مسعود رضي الله تعالى عنهما، خلاف ما ادّعاه مسلم هنا. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هكذا هو في الأصول: \"وعن\" بالواو، والوجه حذفها، فإنها تُغيّر المعنى. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه ما قاله النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يلزم على إثبات الواو أن عبد الله بن يزيد روى حديثًا عن حذيفة وأبي مسعود جميعًا، وعن كلّ واحد منهما بانفراده، ولكن الواقع ليس كذلك؛ لأن روايته إنما هو عن كلّ واحد منهما بانفراده، كما سبق آنفًا.\nلكن عندي في هذا نظر؛ إذ لا مانع أن يكون روى عنهما جميعًا، وإن لم نعرف عين ما رواه كذلك؛ لأن مسلمًا إمام مطّلع، لا يدافَع، فيحتمل أنه اطّلع على روايته عنهما جميعًا، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.\nوقوله: (حَدِيثًا) مفعول \"روى\". وجملة (يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-) في محل نصب صفة \"حديثًا\" (وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ) أي رواية عبد الله بن يزيد -﵁- (عَنْهُمَا) أي عن حُذيفة، وأبي مسعود رضي الله تعالى عنهما (ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا) برفع \"ذكر\" على أنه اسم \"ليس\" (وَلَا حَفِظْنَا) بكسر الفاء، من باب علم (فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) -﵁- (شَافَهَ) أي كلّم بلا واسطة، يقال: شافهه: إذا أدنى شفته من شفته، فكلّمه. قاله في \"اللسان\" (حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا) هذا بالنسبة لحذيفة -﵁- صحيح، وأما بالنسبة لأبي مسعود -﵁- فغير صحيح؛ لأنه ثبت في \"صحيح البخاري\" تصريحه بسماعه منه، كما سبق آنفًا. فتنبّه. والله تعالى أعلم.\n(وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى) أي قبل زمن مسلم (وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا) أي ممن عاصرهم (أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ) -﵃- (بِضَعْفٍ) متعلّق بـ \"طعن\" (فِيهِمَا) متعلّق بصفة لضعف (بَلْ هُمَا) مبتدأ خبره قوله: \"من صحاح الأسانيد\" (وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَاقَيْنَا) بفتح القاف، مفاعلة من اللقاء، يقال: لقيه من باب تعب لُقِيّا بضم، فكسر، ولُقًى الضم مع القصر، ولِقاءً بالكسر، مع المد والقصر: إذا استقبله، وصادفه. أفاده الفيّوميّ. والظرف","vol":"2","page":445},{"text":"متعلّق بحال مقدَّر (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) بيان لمن لاقينا (بِالْحَدِيثِ) متعلّق بالعلم (مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ) بكسر الصاد المهملة: جمع صحيح، والجارّ والمجرور متعلّق بخبر المبتدإ (وَقَوِيِّهَا) بالجر عطفًا على \"صحاح\" عطف توكيد (يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا) أي العمل بالحديث الذي روي بهذه الأسانيد، ومرجع الضمير قوله: \"بل هما، وما أشبههما\". وعطف قوله: (وَالِاحْتِجَاجَ) من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الاستعمال يعم الاحتجاج وغيره (بِمَا أَتَتْ) \"ما\" موصولة أي بالمرويّات التي جاءت بهذه الأسانيد. وقوله (مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ) بيان لما، وعطف \"آثار\" على\"سنن\" من عطف المغاير، إن قلنا إن الآثار تخصّ الموقوفات، أو من عطف المرادف، إن قلنا تعم المرفوعات أيضًا، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أوائل هذا الشرح (وَهِيَ) أي هذان الإسنادان، وما أشبههما (فِي زَعْمِ) بتثليث الزاي، والفتح لغة الحجاز، والضم لغة بني أسد، والكسر لغة بعض بني قيس، وقد تقدّم أن أكثر ما يُطلق عليه الزعم فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب (مَنْ حَكَيْنَا) بفتح الكاف، من باب ضرب (قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم، كما سبق توجيهه غير مرّة، والمراد بمن حكى قوله هو المخترع المذكور (وَاهِيَةٌ) أي ضعيفة، قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: لو قال: ضعيفة، بدل \"واهية\" لكان أحسن، فإن هذا القائل لا يدّعي أنَّها واهيةٌ شديدة الضعف، متناهية فيه، كما هو معنى \"واهية\"، بل يقتصر على أنها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة. انتهى (١).\n(مُهْمَلَةٌ) أي غير مستعملة، لا في باب العمل، ولا في باب الاحتجاج (حَتَّى يُصِيبَ) بضم أوله، من الإصابة، والضمير يعود لقوله: \"من حكينا الخ\" (سَمَاعَ الرَّاوِي) بنصب على المفعولية لما قبله (عَمَّنْ رَوَى) أي عنه، فحُذف العائد لكونه مجرورًا بما جرّ به الموصول، كما في قوله ﷿: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ٣٣]، وإلى هذا أشار ابن مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"الخلاصة\" حيث قال:\nكَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرّ ... كَمُرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرّ\n(وَلَوْ ذَهَبْنَا) أي قصدنا، يقال: ذهب مذهب فلان: إذا قصد قصده، وطريقته. قاله الفيّوميّ. و\"لو\" هذه شرطيّة، وفسّرها سيبويه بأنّها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وفسّرها غيره بأنها حرف امتناع لوجود، وهذا هو المشهور، والأول هو الأصحّ، كما هو مقرّر في محلّه (نُعَدِّدُ) بضم أوله من التعديد، وهو الإحصاء: أي نُحصي (الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) بنصب \"الأخبار\" على المفعوليِّة: أي الأخبار التي\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٣٨.","vol":"2","page":446},{"text":"يرى أهل العلم صحتها (مِمَّنْ يَهِنُ) أي يَضْعُفُ، وهو بفتح أولّه، وكسر ثانيه، مضارع وَهَن، كوعد يعد، وأصله يَوْهِنُ، حذفت الواو؛ استثقالًا؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، ويتعدّى ويلزم على لغة، والأجود أن يتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهنه. ووَهِنَ يَهِن بالكسر فيهما لغة، وبها قرأ بعضهم قوله ﷿: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٦]. أفاده الفيّوميّ (بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ) متعلّق بما قبله (وَنُحْصِيهَا) بضم أوله، من الإحصاء رباعيّا. وقوله: (لَعَجَزْنَا) جواب \"لو\"، واقتران جوابها باللام إذا كان مثبتًا هو الغالب، ويجوز حذفها، فتقول: لو قام زيد قام عمرو (عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا) أي المبالغة فيه، يقال: تقصّى الأمر، واستقصاه: إذا بلغ غايته. أفاده المرتضى في \"شرح القاموس\". وعطف قوله (وَإِحْصَائِهَا) على ما قبله من باب التوكيد (كُلِّهَا) بالجرّ تأكيد للضمير المجرور (وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ) أي نجعل علامةً، يقال: نصبتُ الحجر: إذا رفعته علامةً (مِنْهَا عَدَدًا) أي معدودًا من الأخبار الصحاح (يَكُونُ سِمَةً) بكسر السين المهملة، وفتح الميم: أي علامة، وأصله وسم، فحذفت الواو، وعُوّض عنها الهاء في الآخر، واجتُلبت همزة الوصل توصّلًا للنطق بالساكن (لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا) الضمير الأول عائد إلى الموصول، والثاني للأخبار الصحاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nثم شرع يذكر تلك الأخبار الصحاح التي أراد أن ينصب عددًا منها علامة على غيرها، فقال:\n(وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا، وَنَقَلَا عَنْهُمُ الْأَخْبَارَ، حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما أراده من إلزام خصمه -حسب زعمه- بما ضربه من المثال، حيث ذكر أن أبا عثمان النهدّي، وأبا رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهليّة، وصحبا أصحاب النبيّ -ﷺ- من البدريين، فمن بعدهم، ورويا عنهم، إلى أن نزلا إلى من تأخر من الصحابة -﵃- لتأخر إسلامه، كأبي هريرة -﵁- أو لصغر سنه كابن عمر ﵄، وأمثالهما، قد رويا عن أبيّ بن كعب -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- حديثًا بالعنعنة، وقد صححه أهل العلم بالحديث، مع أنه لم يثبت لدينا سماعهما، ولا رؤيتهما لأبيّ بن كعبّ -﵁-. هذا خلاصة معنى كلامه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وستأتي مناقشته في ذلك -إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>إيضاح الشرح التفصيليّ:</span>\n(وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) -بفتح النون، وسكون الهاء- هو: عبد الرَّحمن بن مهديّ بن ملّ بتثليث الميم، وتشديد اللام، مخضرم ثقة ثبتٌ عابد، مشهور بكنيته، مات سنة (٩٥) وقيل: بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر. وقد تقدّمت ترجمته في ٢/ ٩.\n(وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ) هو: نفيع الصائغ، أبو رافع المدني، نزيل البصرة، مولى ابنة عمر بن الخطاب، وقيل: مولى بنت العجماء، أدرك الجاهلية، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وحفصة بنت عمر، -﵃-. وروى عنه ابنه عبد الرَّحمن، والحسن البصري، وحميد بن هلال، وغيرهم.\nذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: خرج من المدينة قديما، وكان ثقة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال حماد بن سلمة عن ثابت: لَمّا أُعتق أبو رافع بكى، وقال: كان لي أجران، فذهب أحدهما. وصحح الدارقطني أن اسمه قتيبة، وقال: وهو ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال ابن عبد البر في الصحابة: لا أقف على نسبه، وهو مشهور من علماء التابعين، أدرك الجاهلية. وروى إبراهيم الحربي في \"غريبه\" من طريق أبي رافع، قال: كان عمر يمازحني، حتى يقول: أكذب الناس الصائغ، يقول: اليوم، وغدا. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٧) حديثًا.\n(وَهُمَا) أي أبو عثمان، وأبو رافع (مِمّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ) قال النوويّ في \"شرحه\": معناه: كانا رجلين قبل بعثة رسول الله -ﷺ-، والجاهليّة ما قبل بعثة رسول الله -ﷺ-، سُمُّوا بذلك لكثرة جهالاتهم. انتهى (١).\nوقال ابن منظور رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الجاهليّة، هي زمن الفترة التي كانت قبل بعثة النبيّ -ﷺ-. ويقال: كان ذلك في الجاهليّة الجهلاء، وهو توكيد للأول، يُشتقّ له من اسمه ما يؤكّد به، كما يقال: وَتِدٌ واتِدٌ، وهَمَجٌ هامجٌ، وليلةٌ ليلاءُ، ويومٌ أيوم. قاله في \"اللسان\" (٢).\nوفي حديث أبي ذرّ -﵁- في \"صحيح البخاريّ\" قال له النبيّ -ﷺ-: \"إنك امرؤ فيك جاهليّة\". قال ابن الأثير رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هي الحال التي كانت العرب عليها قبل الإسلام،\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٣٩.\n(٢) \"لسان العرب\" ١١/ ١٣٠.","vol":"2","page":448},{"text":"من الجهل بالله سبحانه، ورسوله -ﷺ-، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتكبّر، وغير ذلك. انتهى (١).\n(وَصَحِبَا) بكسر الحاء المهملة، من باب علم صُحْبَة بالضمّ (أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنَ الْبَدْرِيِّينَ) أي الصحابة الذين شهدوا وقعة بدر الكبرى. وقد تقدّم البحث عنها عند قول المصنّف: \"ما حدّثنا الحسن عن بدريّ مشافهة الخ \"، فلا تنس. (هَلُمَّ جَرًّا) أي استمرّت هذه الصحبة استمرارًا إلى أن وصلت إلى الطبقة المتأخرة من الصحابة، كأبي هريرة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم.\n[تنبيه]: قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ليس هذا موضع استعمال \"هَلُمَّ جرّا\"؛ لأنها إنما تُستعمل فيما اتّصل إلى زمان المتكلّم بها، وإنما أراد مسلم، فمن بعدهم من الصحابة. انتهى (٢).\nوقوله: \"جرّا\" منوّنٌ، قال صاحب \"المطالع\": قال ابن الأنباريّ: معنى \"هلُمّ جرّا\" سيروا، وتمهّلوا في سيركم، وتثبّتوا، وهو من الجرّ، وهو ترك النَّعَم في سيرها، فيُستعمل فيما دُووم عليه من الأعمال. قال ابن الأنباريّ: فانتصب \"جرّا\" على المصدر: أي جُرّوا جرّا، أو على الحال، أو على التمييز. انتهى (٣).\nوكتب العلامة ابن عابدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى في رسالته في إعراب الكلمات الغريبة بحثًا نفيسًا في هذه الجملة، فقال: ما حاصله:\nقولهم: \"هَلُمّ جَرًّا\". \"هَلُمّ\" بمعنى تعال، وهو مركّبٌ من ها التنبيه، ومن لُمَّ: أي ضُمّ نفسك إلينا، واستُعمل استعمال البسيط، يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، عند الحجازيين، كذا في \"القاموس\"، وسبقه إلى ذكره صاحب \"الصحاح\"، وتبعه الصغانيّ، فقالا: تقول: كان ذلك عام كذا، وهَلُمَّ جرّا إلى اليوم. انتهى. ولا يخفى عدم جريان ما قاله في \"القاموس\" في مثل هذا. وتوقّف الجمال بن هشام في كون هذا التركيب عربيًّا محضًا، وساق وجوه توقّفه في رسالة له، وأجاب عن ذكره في \"الصحاح\"، ونحوه، وذَكَر ما للعلماء في إعرابه، ومعناه، وما يَرِد عليه، ثم قال: فلنذكُر ما ظهر لنا في توجيه هذا اللفظ بتقدير كونه عربيّا، فنقول: \"هَلُمَّ\" هذه هي القاصرة التي بمعنى \"ائت\"، و\"تعالَ\"، إلا أن فيها تجوّزين:\n[أحدهما]: أنه ليس المراد بالإتيان هنا المجيء الحسيّ، بل الاستمرار على\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث\" ١/ ٣٢٣.\n(٢) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٨٢.\n(٣) \"شرح مسلم للنووي\" ١/ ١٣٩.","vol":"2","page":449},{"text":"الشيء، والمداومة عليه، كما تقول: امشِ على هذا الأمر، وسِرْ على هذا المنوال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ الآية [ص: ٦]، المراد بالانطلاق ليس الذهاب الحسيّ، بل انطلاق الألسنة بالكلام، ولهذا أعربوا \"أن\" تفسيريّةً، وهي إنما تأتي بعد جملة فيها معنى القول، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ الآية [المؤمنون: ٢٧]، والمراد بالمشي ليس المشي على الأقدام، بل الاستمرار، والدوام: أي دُوموا على عبادة أصنامكم، واحبسوا أنفسكم على ذلك.\n[الثاني]: أنه ليس المراد الطلب حقيقة، وإنما المراد الخبر، وعُبّر عنه بصيغة الطلب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، و﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥].\nو\"جرّا\" مصدر جرّه يجُرّه: إذا سحَبه، ولكن ليس المراد الجرّ الحسيّ، بل المراد التعميم، كما استُعمل السحب بهذا المعنى، ألا ترى أنه يقال: هذا الحكم منسحبٌ على كذا: أي شاملٌ له، فإذا قيل: كان ذلك عام كذا، وهَلُمّ جرّا، فكأنه قيل: واستمرّ ذلك في بقيّة الأعوام استمرارًا، أو استمرّ مُستمِرّا على الحال المؤكِّدة، وذلك ماش في جميع الصور. وهذا هو الذي يفهمه الناس من هذا الكلام، وبهذا التأويل ارتفع إشكال العطف، فإن هلمّ حينئذ خبر، وإشكال إفراد الضمير، إذ فاعل هلُمّ مفرد أبدًا، كما تقول: واستمرّ ذلك، أو واستمرّ ما ذكرته. انتهى. ما ذكره ابن عابدين في رسالته \"الفوائد العجيبة\" (١).\n(وَنَقَلَا) أي كلّ من أبي عثمان، وأبي رافع (عَنْهُمُ) أي عن أصحاب رسول الله -ﷺ- (الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة جمع خبر (حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا) أي وأصحابهما، فـ \"ذوي\" جمع \"ذي\" التي بمعنى صاحب. قال النوويّ في \"شرحه\": فيه إضافة \"ذي\" إلى غير الأجناس، والمعروف عند أهل العربيّة أنها لا تُستعمل إلا مضافة إلى الأجناس، كذي مال، وقد جاء في الحديث وغيره من كلام العرب إضافة أحرف منها إلى المفردات، كما في الحديث: \"وتَصِلُ ذا رحمك\"، وكقولهم: ذو يَزَن، وذو نُواس، وأشباهها، قالوا: هذا كلّه مقدَّر فيه الانفصال، فتقدير ذي رحمك الذي له معك رحم. انتهى (٢).\n_________\n(١) راجع \"الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة\" ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ للعلامة محمد عابدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.\n(٢) \"شرح مسلم للنوويّ\" ١/ ١٣٩.","vol":"2","page":450},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكر الجوهريّ في \"الصحاح\": ما نصّه: أما \"ذو\" الذي بمعنى \"صاحب\"، فلا يكون إلا مضافًا، فإن وصفت به نكرةً أضفته إلى نكرة، وإن وصفت به معرفةً أضفته إلى الألف واللام، ولا يجوز أن تُضيفه إلى مضمر، ولا إلى زيد، وما أشبهه. انتهى (١).\nلكن ذكر ابن برّيّ جواز إضافة \"ذي\" إلى مضمر، وعلم، فقال: إذا خرجت \"ذو\" عن أن تكون وُصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس لم يمتنع أن تدخل على الأعلام، والمضمرات، كقولهم ذو الْخَلَصَة، والْخَلَصَةُ اسم علمٍ لصنم، و\"ذو\" كناية عن بيته، ومثله قولهم: ذو رُعَين، وذُو جَدَنٍ، وذو يَزَنَ، وهذه كلها أعلام، وكذلك دخلت على المضمرات أيضًا، قال كعب بن زُهير [من الوافر]:\nصَبَحْنَا الْخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ ... أَبَارَ ذَوِي أَرُومَتِهَا ذَوُوهَا\nوقال الأحوص [من الطويل]:\nوَلَكِنْ رَجَوْنَا مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي بِهِ ... صُرِفْنَا قَدِيمًا مِنْ ذَوِيكَ الأَوَائِلِ\nوقال آخر [من مجزوّ الرمل]:\nإِنَّمَا يَصْطَنِعُ الْمَعْـ ... ـرُوفَ فِي النَّاسِ ذَوُوهُ\nذكره ابن منظور في \"اللسان\" (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى كلام ابن برّي أن استعمال المصنّف لذوي مضافة إلى الضمير صحيح، وهو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لثبوت استعماله في كلام العرب. والله تعالى أعلم.\n(قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، أبي المنذر، وأبي الطُّفَيل، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا، والمشاهد كلها، قال له النبيّ -ﷺ-: \"لِيَهْنِك العلم أبا المنذر\"، وقال له: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك\"، وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويقول: اقرأ يا أبيّ، ويروي ذلك عن النبيّ -ﷺ- أيضًا. وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعَدَّه مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي -ﷺ-، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان ابن فلان. وكان رَبْعَةً، أبيض اللحية، لا يغير شيبه. وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن\n_________\n(١) راجع \"الصحاح\" ٥/ ٢٠٢١.\n(٢) \"لسان العرب\" ١٥/ ٤٥٨.","vol":"2","page":451},{"text":"النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين، أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون: مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه مات في خلافة عمر. وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبَيش لقيه في خلافة عثمان. وروى البخاري في \"تاريخه\" عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان ... فذكر قصة. وروى البغوي عن الحسن، في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة .. وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر. وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان. وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: \"كفارات\"، فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ قال: \"وإن شوكةً فما فوقها\"، فدعا أبي ألا يفارقه الوَعْكُ حتى يموت، وألا يَشْغَله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حَرّه حتى مات. رواه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبراني، من حديث أبي بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. قاله في \"الإصابة\" (١).\nأخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٠) حديثًا (٢).\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) أي روى كلّ واحد منهما حديثًا واحدًا.\n[تنبيه]: أما حديث أبي عثمان عن أُبَيّ -﵁- فهو ما أخرجه مسلم في \"المساجد، ومواضع الصلاة\"، ونصّه:\nحدثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِيّ، حدثنا عَبّاد بن عباد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله -ﷺ-، قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا، يقيك من الرَّمْضَاء، ويَقِيك من هَوَامّ الأرض، قال: أَمَا والله ما أحب أن بيتي مُطنَّبٌ ببيت محمد -ﷺ-، قال: فحملت به حملًا، حتى أتيت نبي الله -ﷺ-،\n_________\n(١) راجع \"الإصابة\" ١/ ١٨٠ - ١٨٢.\n(٢) هذا ما أثبته في برنامج الحديث (صخر) والذي ذكره ابن الجوزيّ أن له (١٦٤) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بسبعة.","vol":"2","page":452},{"text":"فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبيّ -ﷺ-: \"إن لك ما احتسبت\" (١).\nوأما حديث أبي رافع، عن أبيّ -﵁-، فهو ما أخرجه أحمد في \"مسنده\"، فقال:\nحدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي، وحسن بن موسى، وعفان، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وقال عفان: أخبرنا ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب، أن رسول الله -ﷺ- ... وحدثنا عبد الله، حدثنا هُدْبة بن خالد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبَيّ بن كعب: \"أن رسول الله -ﷺ- كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر سنة، فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل، اعتكف عشرين يومًا\". وأخرجه أبو داود في \"سننه\" في \"كتاب الصوم\" رقم (٢١٠٧)، وابن ماجه في \"كتاب الصيام\" برقم (١٧٦٠)، والحاكم في \"المستدرك\" ١/ ٤٣٩.\nقال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: لم يُخرجه مسلم ﵀ في \"الصحيح\"، وذلك يدلّ على توقّف له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحة يُوردها، ويَجعَل هذه متابعةً لها، والحديث في حكم وسنّة، وقد أنصف بذلك. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما قاله المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن احتجاج المصنّف بحديث أبي عثمان، وأبي رافع على إلزام خصمه غير صحيح.\nأما بالنسبة لحديث أبي عثمان عن أُبيّ -﵁- فلثبوت تصريحه بسماعه منه، كما سبق آنفًا. وأما بالنسبة لحديث أبي رافع عن أبيّ -﵁-، فلأنه ليس مما تلقّاه الأئمة بالقبول، وصححوه، بل حتى عند مسلم نفسه؛ لأن إعراضه عنه مع أنه حديث يحتوي على حكم وسنة لم يورد بدله في \"صحيحه\" دليلٌ على توقّفه في صحته. فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.\n(وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا) يعني أنه لم يثبت صريحًا أنهما أخذاه سماعًا من أُبَيّ -﵁-، مع أن أهل الحديث صححوه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما بالنسبة لأبي رافع، فمقبول، وأما بالنسبة لأبي عثمان، ففيه نظر؛ لأنه ثبت في \"مسند أحمد\" تصريحه بأن أبيا -﵁- حدَّثه به، ودونك نصّه:\n[٢٠٦٦] حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ، قال: كان ابن عم\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" ١/ ٤٦١.\n(٢) راجع \"رسالة المعلمي في الأحاديث التي استشهد بها مسلم\" ص ٣٦٣.","vol":"2","page":453},{"text":"لي، شاسع الدار، فقلت: لو أنك اتخذت حمارا، أو شيئًا، فقال: ما يسرني أن بيتي مُطَنّبٌ ببيت محمد -ﷺ- قال: فما سمعت عنه كلمة، أكره إلي منها، قال: فإذا هو يذكر الخطا إلى المسجد، فسأل النبيَّ -ﷺ- فقال: \"إن له بكل خطوة درجة\".\nحدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبَيّ بن كعب، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أما إن لك ما احتسبت\".\nفثبت بهذا أن ما ادّعاه مسلم من عدم معاينة أبي عثمان لأبيّ -﵁-، وعدم سماعه غير صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلًا، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- خَبَرَيْنِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لما ادّعاه من إلزامه خصمه، حيث ذكر أن أبا عمرو الشيبانيّ، وهو من كبار التابعين، ممن أدرك زمن الجاهليّة، وكان في عهده -ﷺ- رجلًا بالغًا، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة قد روى كلّ منهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدري المتقدّم قريبًا، عن النبيّ -ﷺ- حديثين، أي ولم يثبت لدينا لقاؤهما له، وسماعهما منه، مع أن هذين الحديثين صحيحان عن أهل الحديث. هذا حاصل ما أشار إليه، وسيأتي ما فيه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ) أي روى حديثًا مرفوعًا إلى النبيّ -ﷺ- (أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سعد بن إياس، أبو عمرو الشيباني الكوفي، روى عن ابن مسعود، وعلي، وحذيفة، وأبي مسعود البدري، وجَبَلَة بن حارثة، وزيد بن أرقم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحارث بن شُبَيل، والوليد بن العيزار، والأعمش، ومنصور، وعيسى بن عبد الرَّحمن السلمي، وغيرهم.\nقال إسماعيل بن أبي خالد عنه: تكامل شبابي يوم القادسية، فكنت ابن أربعين سنة، وكانت وقعة القادسية سنة (١٦). وقال أيضًا: بُعِث النبيّ -ﷺ-، وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظمة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، ووثقه العجلي أيضًا. وقال هبة الله بن الحسن الطبري: مجمع على ثقته.\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: عاش عشرين ومائة سنة. فتكون وفاته سنة (٩٦).","vol":"2","page":454},{"text":"وأرخه ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" سنة (٩٥). وسماه ابن حبان في \"الثقات\" سعيدا، وقال: حَجّ في الجاهلية، وليست له صحبة، وروى عن عمر، وغيره، وعنه الناس، حضر القادسية، وهو ابن أربعين سنة، ومات بعد أن تم له عشرون ومائة سنة، وكانت القادسية سنة (٢١)، قال: فكأنه مات سنة (١٠١). وقال أبو نعيم في \"الصحابة\": سعد ابن إياس، ويقال: سعيد. وذكر الصَّرِيفيني أنه مات سنة (٩٨). وقال في \"التقريب\": ثقة مخضرمٌ، من الثانية، مات سنة خمس، أو ستّ وتسعين، وهو ابن عشرين ومائة سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" سبعة أحاديث بالمكررات.\nوقوله: (وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ) تقدَّم تفسيرها قريبًا.\n(وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلًا) أي كبيرًا، وقد سبق آنفًا في ترجمته أنه قال: بُعث النبيّ -ﷺ-، وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظِمَةَ، وهي اسم موضع على سِيف البحر من البصرة، على مرحلتين. قاله في \"اللسان\" (١).\nوغرض المصنّف بهذا إثبات إمكان لقاء أبي عمرو الشيبانيّ وسماعه من أبي مسعود -﵁- حيث كان رجلًا كبيرًا في أيام الجاهليّة، وأبو مسعود -﵁- متأخّر بعد النبيّ -ﷺ-؛ لأنه مات بعد الأربعين، وقيل: قبلها.\n(وَأَبُو مَعْمَرٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة- الأزدي الكوفي، من أزد شنوءة، رَوَى عن عمر، وعلي، والمقداد، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأرسل عن أبي بكر الصديق. وروى عنه عمارة بن عمير، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وتميم بن سلمة، ويزيد بن شريك التيمي.\nقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال ابن سعد: تُوُفي في ولاية عبيد الله بن زياد، وهو ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال في \"التقريب\": ثقة، من الثانية، مات في إمارة عبيد الله بن زياد. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٢) حديثًا.\n(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريِّ -﵁- المتقدّم قريبًا (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- خَبَرَيْنِ) يعني أن كلّا من أبي عمرو الشيباني، وأبي معمر روى، عن أبي مسعود -﵁- حديثين مرفوعين إلى النبيّ -ﷺ-.\n[تنبيه]: أما حديثا أبي عمرو الشيبانيّ، [فأحدهما]: هو ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، فقال:\n_________\n(١) \"لسان العرب\" ١٢/ ٥٢١.","vol":"2","page":455},{"text":"وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن أبي عمر، واللفظ لأبي كريب، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: إني أُبدع بي، فاحملني، فقال: \"ما عندي\"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"من دل على خير فله مثل أجر فاعله\" (١).\n[والثاني]: هو ما أخرجه مسلم أيضًا في \"كتاب الجهاد\"، فقال:\nحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة\" (٢).\nوقد روى أبو عمرو عن أبي مسعود -﵁- أيضًا حديثًا ثالثًا، أخرجه ابن ماجه في \"سننه\"، فقال:\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"المستشار مؤتمن\" (٣).\nقال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على ما اقتضاه كلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى من الانقطاع: ما نصّه: وكلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة، كقوله -ﷺ-: \"من سنّ سنة حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها\". رواه مسلم. وقوله: \"من دعا إلى هُدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه\".\nودليل الثاني: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ...﴾ [البقرة: ٢٦١].\nوللثالث شواهدُ من حديث جابر، وابن عباس، وأبي هريرة -﵃-، ومعناه ثابت في العقول أن الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك، فقد ائتمنك. انتهى كلام المعلّمي (٤).\n_________\n(١) راجع \"صحيح مسلم\" ٦/ ٣٦٤ \"كتاب الجهاد\"، وأخرجه أبو داود ٥/ ١١٦ \"كتاب الأدب\"، \"باب في الدالّ على الخير\"، والترمذيّ ٥/ ٤١ \"كتاب العلم\"، \"باب ما جاء الدالّ على الخير كفاعله\".\n(٢) راجع \"صحيح مسلم\" ٤/ ١١٣. والنسائيّ \"المجتبى\" ٦/ ٤٩ \"كتاب الجهاد\"، وأحمد في \"مسنده\" ٤/ ١٢١.\n(٣) راجع \"سنن ابن ماجه\" ٢/ ١٢٢٣ رقم (٣٧٤٦).\n(٤) راجع رسالته ص ٣٦٤ - ٣٦٥.","vol":"2","page":456},{"text":"قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه على تقدير الانقطاع، فإن لها ما يثبتها من الشواهد.\nوإنما قلت: على تقدير الانقطاع، نظرًا إلى مذهب الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى، فإن شروط الاتصال عنده متوفّرة، كما لا يخفى ذلك على متأمل. والله تعالى أعلم بالصواب.\nوأما حديثا أبي معمر، [فأحدهما]: هو ما أخرجه مسلم أيضًا في \"صحيحه\"، فقال:\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: \"استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (١).\n[والثاني]: هو ما أخرجه أصحاب \"السنن\"، وغيرهم، قال أبو داود رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\nحدثنا حفص بن عمر النَّمَريّ، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود البدري، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود\". وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على حديثي أبي معمر المذكورين: ما نصّه: أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدّة أحاديث صحيحة، تؤدّي معناه، فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير (٢)، فهو إذًا في معنى المتابعة.\nوأما الحديث الثاني فلم يُخرجه مسلم، ولعلّ ذلك لأنه في حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا. ومن شواهده حديث المسيء صلاته، وفيه\n_________\n(١) راجع \"صحيح مسلم\" في \"الصلاة\" ٤/ ١٥٤ - ١٥٥ بنسخة \"شرح النوويّ\". وأخرجه أبو داود في \"الصلاة\" ١/ ١٨٠ والنسائيّ ٣/ ٤٢٢ \"كتاب الإمامة\"، وابن ماجه ١/ ٣١٢ \"كتاب إقامة الصلاة\" وأحمد في \"المسند\" ٤/ ١٢٢. وغيرهم.\n(٢) هو ما أخرجه مسلم من طريق سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام، حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: \"عباد الله لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم\".","vol":"2","page":457},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ\"، وهو في \"الصحيحين\"، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصّر بأنه لم يُقم صلبه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في \"الفتح\" (١).\nومن شواهده قول زيد بن وهب: رأى حذيفة رجلًا لا يُتمّ الركوع والسجود، فقال: ما صلّيت، ولو متّ مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا -ﷺ-. أخرجه البخاريّ (٢)، ولكن في الحكم له بالرفع خلاف. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْج النَّبِيِّ -ﷺ-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر، وهو رواية عبيد بن عُمير، وهو ممن وُلد في زمنه -ﷺ- عن أم سلمة، عن النبيّ -ﷺ- حديثًا واحدًا بالعنعنة، ومن المعلوم أنَّها ممن تأخر وفاتها بعده -ﷺ- سنين عديدة بحيث عاش معها، وعاصرها عبيد بن عمير دهرًا طويلًا، فقد قيل: ماتت سنة (٦٢) وقيل: سنة (٦١) وقيل: قبل ذلك، والأول أصحّ كما سيأتي قريبًا.\nومع ذلك فلم يثبت لدينا أنه لقيها، وسمع منها حديثًا، وقد صحّح العلماء حديثه عنها، وهو على ما قاله المنتحل ضعيف؛ لإمكان الإرسال. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة بن سعيد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث الليثي، ثم الجندعيّ، أبو عاصم المكي، قاصّ أهل مكة، روى عن أبيه، وله صحبة، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وروى عنه عطاء، ومجاهد، وعبد العزيز بن رفيع، وعمرو بن دينار، وغيرهم.\nقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة، من كبار\n_________\n(١) ج ٢/ ص ٢٢٣.\n(٢) البخاريّ ٢/ ٣٢١ \"كتاب الأذان\".","vol":"2","page":458},{"text":"التابعين، كان ابن عمر يجلس إليه، ويقول: لله در ابن قتادة، ماذا يأتي به. ويُروى عن مجاهد قال: نفخر على التابعين بأربعة، فذكره فيهم. وقال العوام بن حوشب: رُئي ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي، قال ابن جريج: مات عبيد بن عمير قبل ابن عمر. وقال ابن حبان في \"الثقات\": مات سنة (٦٨). أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١١) حديثًا.\n(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) هي: هند بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، تزوجها رسول الله -ﷺ- سنة اثنتين من الهجرة، بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسود.\nقال الحافظ: والصحيح أنه -ﷺ- تزوجها سنة أربع، ويقال سنة ثلاث، فان أبا سلمة بن عبد الأسد شهد أحدا، ورُمي بسهم، فعاش بعده خمسة أشهر، أو سبعة ومات، وحَلّت أم سلمة في شوال سنة أربع، وقد نص على ذلك خليفة بن خياط، والواقدي.\nروت عن النبيّ -ﷺ-، وعنها ابناها عمر، وزينب ابنا أبي سلمة بن عبد الأسد، ومكاتبها نبهان، وأخوها عامر بن أبي أمية، وابن أخيها مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، ومواليها: عبد الله بن رافع، ونافع، وسفينة، وأبو كثير، وابن سفينة، وخيرة أم الحسن البصري، وسليمان بن يسار، وأسامة بن زيد بن حارثة، وغيرهم.\nقال الواقدي: توفيت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة. وقال أحمد بن أبي خيثمة: توفيت في ولاية يزيد بن معاوية. وقال غيره: توفيت سنة اثنتين وستين.\nوأما قول الواقدي، إنها توفيت سنة تسع وخمسين، فمردود عليه بما ثبت في \"صحيح مسلم\" أن الحارث بن عبد الله بن ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف بهم، وكانت ولاية يزيد في أواخر سنة ستين. وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين، بعدما جاءها نعي حسين بن علي ﵄. أخرج لها الجماعة، ولها في \"صحيح مسلم\" (٤٣) حديثًا (١).\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، فقال:\n_________\n(١) وذكر ابن الجوزيّ أنها روت (٣٧٨) حديثًا، اتفقا على (١٣) حديثًا، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بثلاثة. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":459},{"text":"وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن عبيد بن عمير، قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب، وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يُتَحَدَّث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد، تريد أن تُسعِدني، فاستقبلها رسول الله -ﷺ-، وقال: \"أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه مرتين\"، فكففت عن البكاء، فلم أبك (١).\nقال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد أن ذكر الحديث المذكور: ما نصّه: فهو في النهي عن النياحة، وهو ثابتٌ بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابتٌ. انتهى (٢).\n(وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) يعني أنه كان رجلًا كبيرًا يسمع من أم سلمة -﵂-، ولكن ما أتى التصريح بسماعه منها حسب زعم المصنّف، وقد عرفت ما فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهَ تعالى أيضًا مثالًا آخر -حسب زعمه- لما ادّعاه من إلزامه خصمه، وذلك أن قيس بن أبي حازم، وهو ممن أدرك زمن النبيّ -ﷺ- روى عن أبي مسعود -﵁- عن النبيّ -ﷺ- ثلاثة أحاديث، وكلّها معنعنة، ولم يثبت -حسبما ادعاه- سماعه منه، وقد صحح تلك الأحاديث أهل العلم، وهي بزعم المنتحل ضعيفة لإمكان الإرسال، هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي ما فيه من الانتقاد في الشرح التفصيليّ، وفي كلام ابن رُشيد -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) واسمه حصين بن عوف، ويقال: عوف بن عبد الحارث، ويقال: عبد عوف بن الحارث بن عوف البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبيّ -ﷺ- ليبايعه، فقبض وهو في الطريق، وأبوه له\n_________\n(١) راجع \"صحيح مسلم\" بنسخة شرح النوويّ ٢/ ٦٣٥ \"كتاب الجنائز\".\n(٢) راجع رسالته ص ٣٦٧ - ٣٦٨.","vol":"2","page":460},{"text":"صحبة، ويقال: إن لقيس رؤية ولم يثبت. روى عن أبيه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وسعيد، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: لم يسمع منه، وأبي عبيدة، وبلال مولى أبي بكر، ومعاذ، وغيرهم.\nقال علي بن المديني: روى عن بلال ولم يلقه، وعن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه أم لا، ولم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان. وقال إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة: ما كان بالكوفة أحدٌ أروى عن أصحاب رسول الله -ﷺ- من قيس. وقال الآجري عن أبي داود: أجود التابعين إسنادا قيس بن أبي حازم، رَوَى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. وقال يعقوب بن شيبة: وقيس من قدماء التابعين، وقد روى عن أبي بكر فمن دونه، وأدركه وهو رجل كامل، ويقال: إنه ليس أحد من التابعين جمع أَنْ رَوَى عن العشرة مثله، إلا عبد الرحمن بن عوف، فإنا لا نعلمه روى عنه شيئًا، ثم قد روى بعد العشرة عن جماعة من الصحابة، وكبرائهم، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب، ومنهم من حمل عليه في مذهبه، وقالوا: كان يحمل على علي، والمشهور عنه أنه كان يقدم عثمان، ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. وقال ابن خِرَاش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد، روى عن العشرة إلا قيس بن أبي حازم. وقال ابن معين: هو أوثق من الزهري، وقال مرّة: ثقة. وقال أبو سعيد الأشج: سمعت أبا خالد الأحمر يقول لعبد الله بن نمير: يا أبا هشام أما تذكر إسماعيل بن أبي خالد، وهو يقول: حدثنا قيس هذه الأُسطوانة -يعني في الثقة؟ -. وقال يحيى بن أبي غنية: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كبر قيس حتى جاز المائة بسنين كثيرة، حتى خَرِف، وذهب عقله. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير، منها حديث الحوأب.\nوقال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه. كذا قال.\nقال عمرو بن علي، مات سنة أربع وثمانين. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين. وقال خليفة، وأبو عبيد: سنة ثمان. وقال الهيثم بن عدي: مات في آخر خلافة سليمان. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٦) حديثًا.\n(وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ -ﷺ-) يعني أنه رجل كبير (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) متعلّقٌ بـ\"أسند\" (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) متعلّق بحال محذوف: أي حال كون أبي مسعود راويًا عن","vol":"2","page":461},{"text":"النبيّ -ﷺ-. وقوله: (ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ) بالنصب على المفعولية لأسند.\n[تنبيه]: هذه الأخبار الثلاثة المشار إليها هنا:\n[أولها]: ما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاريّ، قال:\nحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس، عن عقبة بن عمرو، أبي مسعود، قال: أشار رسول الله -ﷺ- بيده نحو اليمن، فقال: \"الإيمان يمان، هَهنا، إلا إن القسوة، وغلظ القلوب في الفدادين، عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان، في ربيعة ومضر\" (١).\n[الحديث الثاني]: هو ما أخرجاه أيضًا، واللفظ للبخاريّ، قال:\nحدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبيّ -ﷺ-: \"إن الشمس والقمر، لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما، فقوموا فصلوا\" (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مما انتُقد على المصنّف حيث ذكره من أمثلة ما لم يأت فيه سماع قيس من أبي مسعود مع أنه قد ثبت عند البخاريّ في هذه الرواية تصريحه بسماعه منه. فتبصّر. والله تعالى أعلم.\n[الحديث الثالث]: هو ما أخرجاه أيضًا، واللفظ للبخاريّ، قال:\nحدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا إسماعيل، قال: سمعت قيسا، قال: أخبرني أبو مسعود، أن رجلا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة، من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله -ﷺ- في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: \"إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس، فليتجوز، فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الحديث أيضًا مما انتُقد على المصنّف، فقد ثبت قول قيس: أخبرني أبو مسعود -﵁-، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا).\n_________\n(١) أخرجه البخاريّ في \"بدء الخلق\" ٦/ ٤٠٣ ومسلم في \"الإيمان\" ٢/ ٢١٨.\n(٢) رواه البخاريّ في \"الكسوف\" ٣/ ٦١١. ومسلم ٢/ ٢١٨.","vol":"2","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>إيضاح المعنى الإجمالّي لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثلًا آخر لما ادّعاه من إلزام خصمه، وذلك أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وهو من كبار التابعين، حيث أدرك عمر -﵁-، وسمع منه، وصحب عليّا ﵇، قد روى عن أنس بن مالك -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، بالعنعنة، ولم يثبت سماعه منه، وحديثه مما صححه أهل الحديث، وهو بحسب زعم المنتحل ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقال: (وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) اسم أبي ليلى يسار، وقيل: يلال، وقيل: داود بن بلال، وعبد الرحمن من كبار التابعين الأثبات الفقهاء، تقدّمت ترجمته في ١/ ٢.\nوقوله: (وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-) جملة في محل نصب على الحال، وقيده بها؛ ليبيّن أنه متقدّم العصر، لا يُسَتنكر سماعه من أنس -﵁-، ومثله قوله: (وَصَحِبَ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ﵇ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) متعلّق بـ\"أسند\". حال كون أنس -﵁- راويًا (عَنِ النَّبِيِّ). وقوله: (حَدِيثًا) مفعول \"أسند\". والحديث هو: ما أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، قال:\nوحدثني عمرو الناقد، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس بن مالك، قال: أمر أبو طلحة أم سليم، أن تصنع للنبي -ﷺ- طعاما لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه ... وساق الحديث، وقال فيه: فوضع النبيّ -ﷺ- يده، وسَمَّى عليه، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأَذِن لهم، فدخلوا، فقال: \"كلوا، وسموا الله\"، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبيّ -ﷺ- بعد ذلك، وأهل البيت، وتركوا سؤرًا (١).\nقال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو عنده في \"كتاب الأشربة، والأطعمة\"، ساقه من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة أنه سمع أنسًا، ثم من طريق بسر بن سعيد، حدثني أنس، ومن طريق أخرى عنه، سمعت أنسًا، ثم ذكر رواية ابن أبي ليلى، فهي عنده متابعة، ثم ذكره من طريق خمسةٍ آخرين عن أنس. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أجاب به المعلّميّ ﵀ أن حديث عبد\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"كتاب الأطعمة\" برقم (٣٨٠٢).\n(٢) راجع رسالة المعلمي ص ٣٦٩ - ٣٧٠.","vol":"2","page":463},{"text":"الرحمن بن أبي ليلى هذا لا يصلح حجةً لغرض المصنّف؛ لأنه إنما أورده في المتابعات، والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا، وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لما ادّعاه من إلزام خصمه، وذلك أن رِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من كبار التابعين، قد سمع من عليّ بن أبي طالب -﵁- روى عن عمران ابن حصين ﵄ حديثين، وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث -﵁- حديثًا، وكلها بالعنعنة، دون ذكر السماع، وهي أحاديث صحيحة عند أهل العلم، وهي ضعيفة عند هذا المنتحل؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه في الشرح التفصيليّ، وفي كلام ابن رُشيد أيضًا -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقال: (وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ) بكسر الراء، وسكون الموحدة (ابْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة- أبو مريم الْعَبسيّ الكوفيّ الثقة العابد المخضرم المتوفّى سنة (١٠٠) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ١/ ٣.\n(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بن عبيد بن خَلَف بن عَبْدِ نَهْم بن حُذيفة بن جَهْمة بن غاضرة بن حُبَشية بن كعب بن عمرو الخزاعي، هكذا نسبه ابن الكلبي ومن تبعه، وعند أبي عمر: عبد نهم بن سالم بن غاضرة، ويكنى أبا نجيد -بنون وجيم مصغرا- روى عن النبيّ -ﷺ- عدة أحاديث، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح. قاله ابن البرقي. وقال الطبراني: أسلم قديما، هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها. روى عنه ابنه نُجيد، وأبو الأسود الدؤلي، وأبو رجاء العطاردي، وربعي بن حراش، ومطرف، وأبو العلاء ابنا عبد الله بن الشّخِّير، وزَهْدَم الجرمي، وصفوان بن مُحرِز، وزُرارة بن أوفى، وآخرون. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قَدِمت البصرة، وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها. وقال خليفة: استَقْضَى عبد الله بن عامر عمران بن حصين على البصرة، فأقام أياما، ثم استعفاه. وقال ابن سعد: استقضاه زياد، ثم استعفاه فأعفاه. وأخرج الطبراني، وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحدٌ من الصحابة ممن","vol":"2","page":464},{"text":"نزل البصرة. وقال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة، وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى. وأخرج الحارث بن أبي أسامة من طريق هشام، عن الحسن، عن عمران أنه شق بطنه، فلبث زمانا طويلًا، فدخل عليه رجل، ... فذكر قصته، فقال: إن أحب ذلك إلي أحبه إلى الله، قال: حتى اكتوى قبل وفاته بسنتين، وكان تسلم عليه، فلما اكتوى فقده، ثم عاد إليه. وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران، وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسَّرْوَ (١) خير لهم من عمران. أخرجه أحمد في \"الزهد\" عن سفيان، قال: كان الحسن يقول نحوه. وكان قد اعتزل الفتنة، فلم يقاتل فيها. وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة. وقال الدارمي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، عن مطرف، قال عمران بن حصين: إني محدثك بحديث إنه كان يُسَلَّم علي، وإن ابن زياد أمرني، فاكتويت، فاحتبس عني، حتى ذهب أثر الكي ... فذكر الحديث في سنة الحج. مات سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٣٤) حديثًا (٢).\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ) [أحدهما]: هو ما أخرجه النسائيّ في \"عمل اليوم والليلة\" ١/ ٥٤٨ قال:\n[٩٩٨] أخبرني زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عثمان -هو ابن أبي شيبة- قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا زكريا -هو ابن أبي زائدة- قال: حدثنا منصور بن المعتمر، قال: حدثني ربعي بن حراش، عن عمران ابن حصين، قال: جاء حصين إلى النبيّ -ﷺ- قبل أن يُسْلِم، فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومك منك، كان يطعمهم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم، فقال له رسول الله -ﷺ- \"ما شاء الله أن يقول\"، ثم إن حصينا قال: يا محمد ماذا تأمرني أن أقول؟ قال: تقول: \"اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وأسألك أن تعزم لي على رُشْد أمري\"، ثم إن حصينا أسلم بعدُ، ثم أتى النبيّ -ﷺ-، فقال: إني كنت سألتك المرة الأولى، وإني أقول الآن: ما تأمرني أن أقول؟ قال: \"قل: اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما جهلت، وما علمت\". وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وهو المعروف بخيّاط السنة، وهو ثقة حافظ. ورواه أيضًا عبد بن حميد في \"مسنده\" ١/ ٤٢٦ بإسناد صحيح.\n_________\n(١) بفتح السين، وسكون الراء بعدها واو: اسم موضع.\n(٢) وذكر ابن الجوزيّ أن عمران -﵁- روى (١٣٠) حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بتسعة. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":465},{"text":"[والحديث الثاني]: هو ما أخرجه النسائيّ في \"السنن الكبرى ٥/ ٤٦\"، فقال\":\n٨١٥٠ - أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا عمر بن عبد الوهاب، قال: أنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن منصور، عن ربعي، عن عمران بن حصين، أن النبي -ﷺ- قال: \"لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله\"، أو قال: \"يحبه الله ورسوله\"، فدعا عليا، وهو أرمد، ففتح الله على -يعني يديه-. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح.\nقال المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: لم يُخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد تُوبع ربعيّ على كلّ منهما. انتهى.\nوقوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) عطف على قوله: \"عن عمران بن حُصين\": أي وأخرج ربعي أيضًا عن أبي بكرة -﵁-.\nوهو: نفيع بن الحارث بن كَلَدَة -بفتح الكاف، واللام- ابن عمرو بن عِلاج بن أبي سلمة، واسمه عبد العزى بن غِيَرَة بن عوف بن قيس، وهو ثقيف الثقفي، وقيل: اسمه مسروح، وقيل: كان أبوه عبدا للحارث بن كلدة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارثُ أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سُمَيَّة لأمه، وكانت سُمَيَّة أمة للحارث بن كلدة، وإنما قيل له: أبو بكرة لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبيّ -ﷺ-، فأعتقه يومئذ. روى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه أولاده: عبيد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، وكبشة، وأبو عثمان النهدي، وربعي بن حراش، وغيرهم.\nوقال العجلي: كان من خيار الصحابة. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة، ونافع بن الحارث، وشِبْل بن معبد، ثم استتاب نافعا وشبلا، فتابا فقبل شهادتهما، واستتاب أبا بكرة، فأبى وأقام فلم يقبل شهادته، وكان أفضل القوم. وقال يعقوب بن سفيان: نفيع، ونافع، وزياد، وهم إخوة لأم، أمهم سُمَيّة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا هوذة بن خليفة، ثنا هشام ابن حسان، عن الحسن، قال: مَرّبي أنس بن مالك، وقد بعثه زياد إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقت معه، فدخلنا على الشيخ، وهو مريض، فأبلغه عنه، فقال: إنه يقول: ألم أستعمل عبيد الله على فارس، ورَوّادا على دار الرزق، وعبد الرحمن على الديوان؟ فقال أبو بكرة: هل زاد على أن أدخلهم النار، فقال له: أنس إني لا أعلمه إلا مجتهدا، فقال الشيخ: أقعدوني إني لا أعلمه إلا مجتهدا، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا أم أخطئوا؟ قال أنس: فرجعنا مخصومين. قال ابن سعد: مات بالبصرة في ولاية زياد. وقال المدائني: مات سنة خمسين. وقال البخاري: قال مسدد: مات أبو","vol":"2","page":466},{"text":"بكرة والحسن بن علي في سنة واحدة، قال: وقال غيره: مات بعد الحسن سنة إحدى وخمسين. وقال خليفة: مات سنة ثنتين وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، زاد غيره: وكان أوصى بذلك. وقال أبو نعيم: آخى النبيّ -ﷺ- بيهما. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٨) حديثًا (١).\nوقوله: (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) أي واحدًا، وهو ما أخرجه مسلم في \"كتاب الفتن\" من \"صحيحه\"، فقال:\nوحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة ح وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي ابن حراش، عن أبي بكرة، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا\". (٢).\nقال المعلّميّ: أخرجه مسلم، وأشار إليه البخاريّ، أقول: ذكراه في المتابعات. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى: أشار المعلّميّ بهذا الكلام إلى أن كونه معنعنًا، مع عدم العلم بسماعه منه لا يضرّ؛ لأنه ما أخرجه مسلم، وأشار إليه البخاريّ إلا متابعة، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب.\nوقوله: (وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) -﵁- (وَرَوَى عَنْهُ) أَتَى به تأكيدًا لاحتمال سماع ربعيّ من أبي بكرة -﵁-؛ لأنه إذًا سمع من عليّ -﵁-، وهو متقدّم الوفاة، فلأن يسمع من عمران، وأبي بكرة، وهما متأخران من باب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\n_________\n(١) وذكر ابن الجوزيّ أنه روى (٢٣٢) حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بخمسة، ومسلم بحديث. والله تعالى أعلم.\n(٢) أخرجه البخاري من رواية الأحنف بن قيس عن أبي بكرة في \"الإيمان\" رقم ٣٠ و\"الديات\" ٦٣٦٧ و\"الفتن\" ٦٥٥٦. ومسلم في \"الفتن\" ٥١٣٩ و٥١٤٠ و٥١٤١.","vol":"2","page":467},{"text":"ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه أيضًا، وذلك أن نافع بن جبير بن مطعم روى عن أبي شُريح الخزاعيّ -﵁-، عن النبيِّ -ﷺ- حديثًا واحدًا بالعنعنة، وهو حديث صحيح عند أهل العلم، ضعيف عند المنتحل المذكور؛ لما سبق بيانه. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\nقال: (وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني، روى عن أبيه، والعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم. وروى عنه عروة بن الزبير، وسعيد ابن إبراهيم، والزهري، وحبيب بن أبي ثابت، وصالح بن كيسان، وغيرهم.\nقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: روى عن أبي هريرة، وكان ثقة، أكثر حديثا من أخيه. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة مشهور، أحد الأئمة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: من خيار الناس، كان يحج ماشيا، وناقته تقاد (١). وقال أبو الحسن بن البراء، عن علي بن المديني: أصحاب زيد ابن ثابت، الذين كانوا يأخذون عنه، ويُفتون بفتواه، فذكره فيهم. قال الزبير بن بكار، وغير واحد: مات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال الواقدي عن ابن أبي الزناد: مات سنة تسع وتسعين. وقال في \"التقريب\": ثقة فاضلٌ، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٣) حديثًا.\n(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ) -بضم الشين المعجمة، مصغّرًا- قيل: اسمه خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانئ، وقيل: كعب، والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المْحُتَرِش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعيّ الكعبي، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب. روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن ابن مسعود، وعنه أبو سعيد المقبري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان ابن أبي العوجاء. قال ابن سعد في طبقة الخندقيين: أسلم قبل الفتح، ومات بالمدينة سنة ثمان وستين، وله أحاديث. وقال الواقدي: كان من عقلاء أهل المدينة. وقال العسكري: تُوُفي سنة ثمان وستين. وقيل: سنة ثمان وخمسين. انتهى. قال الحافظ:\n_________\n(١) هذا ليس فيه كبير مَدْحٍ لأنه لا دليل على فضله، بل الدليل على العكس، فقد حج النبي -ﷺ- راكبًا، فتأمل. والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":468},{"text":"والأول أصح؛ لأنّ له قصّة مع عمرو بن سعيد بن العاص، وهو يبعث البعوث إلى مكة، لقتال ابن الزبير، وكان ذلك في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" أربعة أحاديث بالمكرّر، برقم (٦٩) و(٢٤١٣) و(٣٢٥٥) و(٣٢٥٦) (١).\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في \"الإيمان\" من \"صحيحه\"، فقال:\nحدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، جميعا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو، أنه سمع نافع بن جبير، يخبر عن أبي شريح الخزاعي، أن النبيّ -ﷺ- قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليسكت\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث من رواية نافع بن جبير، عن أبي شُريح من أفراد مسلم، وقد أخرجه هو، والبخاريّ من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شُريح، فهو شاهد، كما قال الشيخ المعلّمي.\nوالحاصل أن الحديث محفوظ عن أبي شريح برواية سعيد المقبريّ عن أبي شريح، كما هو متّفق عليه، فتكون رواية نافع بن جبير شاهدة، فلا تصلح لاحتجاج المصنّف بها لغرضه في الباب، حيث إنها مما أوردت للاستشهاد، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>إيضاح المعنى الإجمالّي لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر إلزامًا لخصمه أيضًا، وذلك أن النعمان بن أبي عياش، روى ثلاثة أحاديث عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، وكلُّها معنعنة، وهي أحاديث صحيحة، مع أنه لم يثبت سماع النعمان من أبي سعيد -﵁- -حسبما زعمه المصنّف- وهي في نظر المنتحل ضعيفة؛ لما سبق. هذا خلاصة كلامه، وسيأتي مناقشته في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) وذكر ابن الجوزيّ أنه روى (٢٠) حديثًا، اتفقا على اثنين، وانفرد كلّ منهما بحديث.","vol":"2","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرَقيّ الأنصاري، أبو سلمة المدني، رَوَى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وجابر، وخولة بنت ثامر. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وسهيل بن أبي صالح، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، ومحمد بن عجلان، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال أبو بكر بن منجويه: كان شيخا كبيرا من أفاضل أبناء أصحاب رسول الله -ﷺ-. وقال في \"التقريب\": ثقة، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله في \"صحيح مسلم\" ثمانية أحاديث.\n[تنبيه]: أبو عيّاش، والد النعمان هذا قيل: اسمه زيد بن الصامت. وقيل: زيد ابن النعمان. وقيل: عُبيد بن معاوية بن الصامت. وقيل: عبد الرحمن. ذكره النوويّ (١).\n(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خُدْرَة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، استُصغِر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة. روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبيه، وأخيه لأمه قتادة بن النعمان، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة الأنصاري، وغيرهم.\nوروى عنه ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وزيد بن ثابت، وغيرهم.\nقال حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله -ﷺ- أفقه من أبي سعيد. قال الواقدي، وابن نمير، وابن بكير: مات سنة (٧٤). وقيل: مات سنة (٦٤)، وهو ابن (٧٤) سنة. وقال أبو الحسن المدائني: مات سنة (٦٣). وقال العسكري: مات سنة (٦٥). أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٠٨) أحاديث.\n(ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ (٢) عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) [أحدها]: ما أخرجاه من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمعا\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٤٢.\n(٢) سيأتي في كلام ابن رُشيد أن النعمان بن أبي عيّاش روى عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- سبعة أحاديث. فتنبَّه.","vol":"2","page":470},{"text":"النعمان بن أبي عياش، يحدث عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا\".\n[والحديث الثاني]: ما أخرجاه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا -المغيرة بن سلمة- المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها\". قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبيِّ -ﷺ- قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام، ما يقطعها\".\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا مما يُنتقد على مسلم، حيث مثّل به لما لم يتبيّن فيه سماع النعمان من أبي سعيد، مع أنه في كتابه صرّح بقوله: \"حدّثني أبو سعيد الخدريّ -﵁-\"، سبحان من لا يضلّ، ولا ينسى.\n[الحديث الثالث]: هو ما أخرج مسلم في \"كتاب الإيمان\"، فقال:\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجل صرف الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومَثَّلَ له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب قدمني إلى هذه الشجرة، أكون في ظلها ... \" الحديث.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي الجواب عن هذه الأحاديث الثلاثة مستوفىً في مناقشة ابن رُشيد -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه، وذلك أن عطاء بن يزيد الليثيّ روى عن تميم الداريّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- حديثًا واحدًا بالعنعنة، وهو حديث صححه أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع عطاء من أبي سعيد -﵁-، وهو عند المنتحل المذكور ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه قريبًا، إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) ثم الْجُنْدَعي، أبو محمد، وقيل: أبو يزيد المدني، ثم الشامي، روى عن تميم الداري، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب الأنصاري، وغيرهم.\nوروى عنه ابنه سليمان، والزهري، وأبو عبيد، صاحب سليمان بن عبد الملك، وأبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، وهلال بن ميمون الرملي، وغيرهم.\nقال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: أبو يزيد، عطاء ابن يزيد شامي ثقة. وقال ابن سعد: كناني من أنفسهم، تُوُفي سنة سبع ومائة، وهو ابن (٨٢) سنة، وهو كثير الحديث. وقال عمرو بن علي: مات سنة (١٠٥)، وكذلك قال ابن حبان في \"الثقات\" وزاد: وهو ابن ثمانين سنة. وقال في \"التقريب\": ثقة، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (١٥) حديثًا.\n(عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) هو: تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذِيمة بن وَدّاع، ويقال: ذَرّاع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم، أبو رُقَيّة الداري، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وكان إسلامه سنة تسع، روى عن النبيِّ -ﷺ-، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم.\nقال يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَرٌ، وإنما كانت له ابنة تُسَمّى رُقَيّة. وقال ابن سُمَيع: مات بالشام، ولا عقب له. وقال قتادة: كان من علماء أهل الكتابين. وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة. وقال مسروق: قال لي رجل: قام بآية حتى أصبح. رواه النسائي. وجاء من وجوه عديدة: أن النبيّ -ﷺ- أقطعه بيت حَبْرُون، وهو أول من أسرج السراج في المسجد، رواه ابن ماجه، قيل: وُجِد على قبره أنه مات سنة (٤٠). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في \"صحيح مسلم\" حديث واحد برقم (٥٥) وهو: \"الدين النصيحة\".\n[تنبيه]: روى النبيّ -ﷺ- عن تميم الداريّ -﵁- قصة الجساسة، وهذه منقبة شريفة لتميم، ويدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر. وقصّة الجسّاسة مشهورة، أخرجها الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في \"كتاب الفتن، وأشراط الساعة\" من \"صحيحه\" (٢٩٤٢) برقم محمد فؤاد، و(٥٢٢٥) برقم العالميّة. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه آخر]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وأما تميم الداريّ فكذا هو في مسلم،","vol":"2","page":472},{"text":"واختلف فيه رواة \"الموطإ\"، ففي رواية يحيى، وابن بكير، وغيرهما: \"الدَّيْرِيّ\" بالياء، وفي رواية القعنبيّ، وابن القاسم، وأكثرهم: \"الداريّ\" بالألف.\nواختلف العلماء في نسبته، فقال الجمهور: إلى جد من أجداده، وهو الدار بن هانىء، فإنه تميم بن أوس بن خارجة بن سُور -بضم السين- ابن جَذِيمة -بفتح الجيم، وكسر الذال المعجمة- ابن ذراع بن عديّ بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نمارة بن لخم، وهو مالك بن عديّ.\nوأما من قال: \"الدَّيْريّ\" فهو نسبة إلى دَيْرٍ كان تميم فيه قبل الإسلام، وكان نصرانيا، هكذا رواه أبو الحسين الرازيّ، في كتابه \"مناقب الشافعيّ\" بإسناده الصحيح، عن الشافعيّ أنه قال في النسبتين: ما ذكرناه، وعلى هذا أكثر العلماء. ومنهم من قال: الداريّ بالألف إلى دارين، وهو مكان عند البحرين، وهو محط السفن، كان يجلب إليه العطر من الهند، ولذلك قيل للعطار: داريّ. ومنهم من جعله بالياء نسبة إلى قبيلة أيضًا، وهو بعيد شاذ، حكاه والذي قبله صاحب \"المطالع\"، قال: وصوب بعضهم الدَّيْرِيّ، قلت: وكلاهما صواب، فنُسب إلى القبيلة بالألف، وإلى الدير بالياء؛ لاجتماع الوصفين فيه. قال صاحب \"المطالع\": وليس في \"الصحيحين\"، و\"الموطإ\": داريّ، ولا دَيْريّ إلا تميم. انتهى كلام النوويّ (١). والله تعالى أعلم.\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) وهو ما أخرجه مسلم في \"كتاب الإيمان\" من \"صحيحه\"، فقال:\nحدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا سفيان، قال: قلت لسهيل: إن عمرا حدثنا عن القعقاع عن أبيك، قال: ورجوت أن يُسقِط عني رجلا، قال: فقال: سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقا له بالشام، ثم حدثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري، أن النبيّ -ﷺ- قال: \"الدين النصيحة\"، قلنا: لمن؟ قال: \"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\".\nقال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: أخرجه مسلم في \"كتاب الإيمان\"، وذكر معه أحاديث تؤدّي معناه، منها: حديث أبي هريرة -﵁-: \"لا تؤمنوا حتى تَحابّوا\"، وحديث جرير -﵁-: \"بايعت رسول الله -ﷺ- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكلّ مسلم\"، وقد رُوي: \"الدين النصيحة\" من حديث ثوبان، وغيره، ومعناه ثابتٌ بنصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]،\n_________\n(١) \"شرح مسلم\" ١/ ١٤٢.","vol":"2","page":473},{"text":"وقوله -ﷺ-: \"المسلم أخو المسلم لا يَظلمه، ولا يُسلمه\". رواه البخاريّ. وقوله -ﷺ-: \"من غشّنا فليس منا\" إلى غير ذلك. انتهى (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار الشيخ المعلّميِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى أن احتجاج المصنّف بهذا الحديث لغرضه من إلزام الخصم غير مسلّم؛ لأن هذا الحديث ليس تصحيحه لما ادّعاه، بل لما احتفّ به من الشواهد، فلا يتمّ به الاستدلال، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رحمه الله تعالى:\n(وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nضرب رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لإلزام خصمه أيضًا -حسبما رآه- وذلك أن سليمان بن يسار روى حديثًا معنعنًا عن رافع بن خديج -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، وهو حديث صحيح عند أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع سليمان من رافع -﵁-، وهو في نظر المنتحل ضعيف؛ لما سبق. هذا خلاصة ما أشار إليه، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلالي، أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله المدني، مولى ميمونة، ويقال: كان مكاتبا لأم سلمة، روى عن ميمونة، وأم سلمة، وعائشة -﵂-، وفاطمة بنت قيس، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم.\nوروى عنه عمرو بن دينار، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن الفضل الهاشمي، وأبو الزناد، وبكير بن الأشج، وجعفر بن عبد الله بن الحكم، وغيرهم.\nذكر أبو الزناد أنه أحد الفقهاء السبعة، أهل فقه، وصلاح وفضل. وقال الحسن ابن محمد بن الحنفية: سليمان بن يسار عندنا أفهم من ابن المسيب، وكان ابن المسيب يقول للسائل: اذهب إلى سليمان بن يسار، فإنه أعلم من بقي اليوم. وقال مالك: كان سليمان من علماء الناس بعد ابن المسيب. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، فاضل عابد. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال النسائي: أحد الأئمة. وقال ابن حبان في\n_________\n(١) راجع \"رسالة المعلمي\" ص ٣٧٣ - ٣٧٤.","vol":"2","page":474},{"text":"\"الثقات\": وهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وكان من فقهاء المدينة وقرائهم. وقال العجلي: مدني تابعي، ثقة، مأمون، فاضل، عابد.\nوقال ابن سعد: كان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، كثير الحديث، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن (٧٣) سنة. وكذا أرّخه غير واحد. وقيل: مات سنة (٩٤). وقيل: سنة (١٠٠). وقيل: سنة (٣). وقيل: سنة (٤). وقيل: سنة (١٠٩). وقال في \"التقريب\": ثقة فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٢) حديثًا.\n(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بن رافع بن عدي بن تَزِيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، شهد أحدًا، والخندق، وروى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمه ظهير بن رافع، وعم آخر لم يسمه، وعن أبي رافع ولعله عمه الآخر، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وابنه رفاعة على خلاف فيه، وحُفَداؤه: عباية بن رفاعة، وعيسى، ويقال: عثمان بن سهل، وهرير بن عبد الرحمن، وابن أخيه يحيى بن إسحاق، وابن عمه، ويقال: ابن أخيه أسيد بن ظهير، وثابت بن أنس بن ظهير، ومولاه أبو النجاشي، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وغيرهم.\nقال يحيى بن بكير: مات أول سنة (٧٣). وقال الواقدي: مات في أول سنة (٧٤)، وحضر ابن عمر جنازته. وكذا أرخه خليفة، وابن نمير. وقال البخاري في \"تاريخه\": مات في زمن معاوية. وذكره في \"التاريخ الأوسط\" في \"فصل من مات من الخمسين إلى الستين\". وأرخه ابن قانع سنة (٥٩)، فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" (٢٥) حديثًا (١).\n(عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَدِيثًا) هو ما أخرجه مسلم في \"البيوع\" برقم (١٥٤٨) فقال:\nوحدثني علي بن حجر السعدي، ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية- عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: كنا نُحاقل الأرض على عهد رسول الله -ﷺ-، فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله -ﷺ- عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فَنُكريها على الثلث،\n_________\n(١) وذكر ابن الجوزيّ أنه روى (٧٨) حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث. فالله تعالى أعلم.","vol":"2","page":475},{"text":"والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها، وما سوى ذلك.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أخرج مسلم هذا الحديث عن رافع، من طرق أخرى، فأخرجه من رواية أبي النجاشيّ مولى رافع بن خديج، عنه، وعن حنظلة بن قيس، عنه. فيكون من باب المتابعة.\nوالحاصل أن صحة حديث سليمان هذا ليس لمجرّد المعاصرة فقط؛ بل الظاهر لوجود الشواهد المذكورة له، فلم يتمّ غرض المصنّف من الجزم بأن ذلك للمعاصرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَحَادِيثَ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر -وهو آخر الأمثلة- على ما ادّعاه من إلزام الخصم، وذلك أن حميد بن عبد الرحمن روى أحاديث عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-، كلها بالعنعنة، وكلها صحيحة عند أهل العلم، مع أنه لم يثبت سماع حميد من أبي هريرة -﵁-، وليس ذلك إلا للاكتفاء بالمعاصرة، وهي في نظر المنتحل ضعيفة؛ لما سبق، من إمكان الإرسال فيها. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وسيأتي الجواب عنه قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) البصري، روى عن أبي بكرة، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبيد الله، ومحمد بن المنتشر، وعبد الله بن بريدة، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.\nقال العجلي: بصري ثقة. وقال هو ومنصور بن زاذان: وكان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة، زاد منصور: قبل أن يموت بعشر سنين. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال: كان فقيهًا، عالمًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وذكر أنه روى عن علي بن أبي طالب -﵁-. وقال في \"التقريب\": ثقة، فقيهٌ، من الثالثة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في \"صحيح مسلم\" ثمانية أحاديث.\n(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَحَادِيثَ) منها: حديث أخرجه مسلم في","vol":"2","page":476},{"text":"\"كتاب الصيام\" من \"صحيحه\" برقم (١١٦٣) فقال:\nحدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\".\n[تنبيه]: قال أبو عبد الله الحميديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في آخر مسند أبي هريرة -﵁- من \"الجمع بين الصحيحين\": ليس لحميد بن عبد الرحمن الحميريّ عن أبي هريرة، في \"الصحيح\" غير هذا الحديث، قال: وليس له عند البخاريّ في \"صحيحه\" عن أبي هريرة شيء. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهذا الذي قاله الحميديّ صحيح، وربما اشتبه حميد بن عبد الرحمن الحميريّ هذا، بحميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، الراوي عن أبي هريرة أيضًا، وقد رويا له في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة أحاديث كثيرة، فقد يقف من لا خِبْرَة له على شيء منها، فينكر قول الحميديّ توهما منه أن حميدا هذا هو ذاك، وهو خطأ صريح، وجهل قبيح (١)، وليس للحميريّ عن أبي هريرة أيضًا في الكتب الثلاثة التي هي تمام أصول الإسلام الخمسة: أعني \"سنن أبي داود\"، و\"الترمذي\"، و\"النسائيّ\" غير هذا الحديث. انتهى (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: وكذلك ليس له عن أبي هريرة في \"سنن ابن ماجه\" غير هذا الحديث، أخرجه في \"الصيام\" برقم (١٧٣٢). فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.\n[تنبيه آخر]: وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف، فقد رواه أبو عوانة كما عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁- موصولًا، وتابع أبا بشر في الوصل محمد بن المنتشر عند المصنّف، وابن ماجه، والبيهقيّ. ورواه شعبة، عند النسائي عن أبي بشر، عن حميد، قال: قال رسول الله -ﷺ- مرسلًا. وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو (٣) الرَّقِّيّ، فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان البجليّ، قال: كان النبيّ -ﷺ- يقول، فذكره.\n_________\n(١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الخطأ الذي أشار إليه النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قد وقع فيه أصحاب برنامج الكتب التسعة (صخر) فذكروا أن حميدًا هذا له في الكتب الستة (٢٢) حديثًا، ومنها في مسلم ثمانية أحاديث، أربعة عن أبي هريرة -﵁- بالمكرّر، وهذا غلط فاحشٌ، فيجب عليهم تعديل البرنامج. والله تعالى أعلم.\n(٢) \"شرح صحيح مسلم للنوويّ\" ١/ ١٤٣ - ١٤٤.\n(٣) وقع في النسخة \"ابن عمير\" والظاهر أنه تصحيف، فليُتنبّه.","vol":"2","page":477},{"text":"[تنبيه آخر]: قال الشيخ المعلّمي رحمهُ اللهُ تعالى بعد ذكر الاختلاف في إسناد هذا الحديث: ما حاصله: وفي هذا الحديث نظر من وجوه:\n[الأول]: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لحميد الحميريّ لقاء لأبي هريرة.\n[الثاني]: ما سمعت من الاختلاف. [والثالث]: أنه لا يُتابع عن أبي هريرة -﵁-، ولا عن جندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفّاظ المكثرين. [والرابع]: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهدٌ -فيما أعلم- إلا ما رواه الترمذيّ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليّ. وقال الترمذيّ: حسنٌ غريب. وعبد الرحمن بن إسحاق هو ابن شيبة الواسطيّ، قال أحمد:، ويحيى: ليس بشيء. وقال أحمد، وغيره: منكر الحديث. وقال مرّةً: ليس بذاك، وهو الذي يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير. وضعّفه غيرهم أيضًا. والنعمان بن سعد تفرّد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم (١) وكذا قال البخاريّ ٤/ ٣/ ٧٧ كما ثبت في بعض نُسخ \"التاريخ\". قال ابن حجر في \"التهذيب\": والراوي عنه ضعيف، فلا يُحتجّ بخبره.\nقال المعلمي: وذكره ابن حبّان في \"الثقات\" ٥/ ١١، والثقة عنده من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا؛ لأن الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مرّ.\n[الخامس]: أن الثابت عن النبيّ -ﷺ- أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملًا إلا أنه كان كثير الصيام في شعبان. والله أعلم. انتهى كلام المعلميّ (٢).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه الشيخ المعلّميّ بهذا البحث أن حديث حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁- المذكور لا يصلح الاحتجاج به لغرض المصنّف؛ للعلل التي ذكرها، فليس من الأسانيد الصحاح كما ادّعاه المصنّف، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.\n[تنبيه آخر]: جملة الأحاديث التي أشار إليها مسلم في هذه المحاجّة ثلاثة وعشرون حديثًا، منها: ثمانية، قد ثبت السماع فيها، خلاف ما ادّعاه، وأربعة منها لم يُخرجها في \"صحيحه\"، وأحد عشر أخرجها في المتابعة، والشواهد، والذي أخرجه محتجًّا به فيما يظهر حديث واحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) \"الجرح والتعديل\" ٧/ ٤١١.\n(٢) انظر رسالته ص ٣٧٧ - ٣٧٨.","vol":"2","page":478},{"text":"قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(فَكُلُّ هَوُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينِ سَمَّيْنَاهُمْ، لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ، فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ، وَهِيَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ، لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهَ تعالى أن هؤلاء التابعين الذين رووا عن هؤلاء الصحابة الذين سبق ذكرهم لم يثبت لقاؤهم لهم، ولا سماع منهم في رواية معيّنة، وهي مع ذلك أحاديث صحاح الأسانيد عند العلماء النقّاد الذين لهم معرفة تامّة بالأخبار، لم يُضعّفوا منها شيئًا، ولا طلبوا ثبوت سماع المعنعن من المعنعن عنه؛ اكتفاءً بإمكانه؛ لوجود المعاصرة مع ارتفاع الموانع. هذا خلاصة ما أشار إليه، وقد عرفت ما في ذلك من الانتقادات فيما سبق، فكن على بصيرة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(فَكُلُّ هَوُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا) أي أقمنا (رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لم يُحْفَظْ) بالبناء للمفعول (عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ) قد عرفت أن هذا ليس مسلّمًا للمصنف في كلهم، كما اتّضح مما أسلفناه، لكن يُعتذر عنه بأنه إنما نفى علمه، كما أشار إليه بقوله: \"علمناه\". والله تعالى أعلم.\n(وَهِيَ أَسَانِيدُ) مبتدأ وخبر. وقوله: (عِنْدَ ذَوِي الْمَعْرِفَةِ) متعلّق بحال مقدَّر (بِالْأَخْبَارِ) بفتح الهمزة جمع خبر (وَالرِّوَايَاتِ) من عطف المرادف. وقوله: (مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ) متعلّق بصفة لـ \"أسانيد\" (لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا) أي ضعّفوا (مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) هذا فيه نظر لا يخفى، فقد سبق أن المحقّقين ممن سمّاهم المصنّف، وغيرهم فتّشوا عن السماع كثيرًا، فلا يتمّ له هذا الادّعاء، فتنبّه بالإنصاف.\n(إِذِ السَّمَاعُ) \"إذ\" تعليلية؛ أي لأن السماع (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أي من التابعين المذكورين (مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ) أي من الصحابي الذي روى عنه بالعنعنة (غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ) بصيغة اسم المفعول، يعني أنه لا يُنكَر ذلك عنهم (لِكَوْنِهِمْ) أي لكون المعنعِنين،","vol":"2","page":479},{"text":"والمعنعن عنهم (جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ) أي اتّفق وجودهم فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ، أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ، إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا، وَكَلَامًا خَلْفًا، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شرَحْنَا، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة:</span>\nبيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه بعدما تبيّن ما كان عليه الأئمة النقّاد من تصحيح الحديث المعنعن إذا ثبتت المعاصرة مع ارتفاع الموانع من اللقاء والسماع، ثبت أن هذا القول المحدث في تضعيف الأحاديث المعنعنة من المتعاصرين بسبب احتمال الانقطاع أقلّ من أن يُمال ويُلتفت إليه، ويُشاع ذكره بين طلاب العلم؛ حيث كان -حسب زعم المصنّف- قولًا مخترغًا، وكلامًا ساقطًا، لم يقله أحد من السلف، ويُنكره من أتى بعدهم من الخلف، فلا حاجة إلى ردّه بأكثر مما سبق؛ إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي بيّنّاه من أنه قول محدث، وكلام ساقط، والله ﷿ هو الذي يُطلب منه العون على دفع ما خالف مذهب العلماء، وعليه الاعتماد في كلّ ذلك.\nهذا خلاصة ما ذكره، وقد مضى، ويأتي ما ناقشه فيه ابن رُشيد، وغيره من العلماء، فتأمل ما قاله بفكر سديد، ولا تتهوّر بالتقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:</span>\n(وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ) بالرفع على أنه اسم \"كان\" (الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ) وهو الذي عبر عنه فيما مضى تارة بالمنتحل، وتارة بالمخترع المستحدث (فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ) متعلّق بـ \"أحدث\" (بِالْعِلَّةِ) متعلّق بـ \"توهين\" (الَّتِي وَصَفَ) بالبناء للفاعل: أي وصفها القائل (أَقَلَّ) بالنصب على أنه خبر \"كان\" (مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ) بتشديد الراء، من التعريج، والفعل مبنيّ للمفعول: أي يُتوقّف عنده، ويُعتمد عليه، يقال: عرّجت على الشيء بالتشديد: إذا توقّفت عنده. أفاده في \"المصباح\". وقال في \"القاموس\": وعرّج تعريجًا: مَيَّلَ، وأقام، وحَبَسَ المطيّة على المنزل. انتهى. (وَيُثَارَ ذِكْرُهُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي يُهَاج، ويُنشر ذكر ذلك القول (إِذْ) تعليليِّة أيضًا: أي لأنه (كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا)","vol":"2","page":480},{"text":"أي مستجدّا بعد أن لم يكن (وَكَلَامًا خَلْفًا) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام: أي ساقطا فاسدًا، قال الفيّوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الخلف وزانُ فلس، الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا، ونطق خَلْفًا: أي سكت عن ألف كلمة، ونطق بخطإ. وقال أبو عبيد في \"كتاب الأمثال\": الخلف من القول السَّقَط الرديء، كالْخَلْفِ من الناس. انتهى (١).\n(لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ) بصيغة الماضي: أي مضى. ويحتمل أن يكون \"سَلَفٌ\" بفتحتين مرفوعًا بدلا من \"أحدٌ\": أي لم يقله سلف.\n(وَيَسْتَنْكِرُهُ) أي يُنكره، فالسين، والتاء للمبالغة (مَنْ) بفتح الميم موصولة بالظرف (بَعْدَهُمْ خَلَفَ) بصيغة الماضي أيضًا: أي أتى بعد السلف. ويحتمل أن تكون \"من\" حرف جرّ، و\"بعدهم\" مجرور بها، و\"خلف\" بفتحتين مرفوع على أنه فاعل \"يستنكره\".\nوالمعنى أن هذا الذي قاله هذا المنتحل من اشتراط السماع لقبول المعنعن لم يتقدّمه أحد من السلف، ولا يقبله، بل يستنكره كلّ من أتى من بعدهم من الخلف.\nلكن قد عرفت مناقشته في هذا الادّعاء، وسيأتي أيضًا إكمال ما تبقّى من المناقشة قريبًا -إن شاء الله تعالى-.\n(فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ) أي ردّ هذا القول المحدث فيِ زعمه (بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا) أي أوضحنا فيما مضى من الكلام (إِذْ) تعليليّة، أي لأنه (كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ) بالنصب على أنه خبر \"كان\" (الَّذِي وَصَفْنَاهُ) أي بكونه قولا محدثًا، وكلاما خلفًا، غير مسبوق قائله به (وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ) أي الذي يُطلب منه العون (عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ) بضم التاء، وسكون الكاف: اسم من الاتّكال، يقال: توكّل على الله: اعتمد عليه، ووثق به، واتّكل في أمره كذلك (٢)، أي وعليه الاتكال. انتهى شرح المقدمة، ولله تعالى الحمد والمنة، وله الفضل والنعمة، ومنه التوفيق والعصمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه:\nولْنَعُد إلى إكمال مناقشة الإمام ابن رُشيد للمصنّف رحمهما الله تعالى فيما ذكره من قوله: \"وهذا أبو عثمان النهديّ، وأبو رافع الصائغ -إلى آخر كلامه\".\nقال رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(الدليل الرابع): وهو أيضا خاصٌّ، وهو كالتتميم للثاني؛ لأنه تمثيل له، إلا أن\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٧٩.\n(٢) راجع \"المصباح المنير\" ١/ ٦٧٠.","vol":"2","page":481},{"text":"ذلك تمثيل في الصحابة، وهذا تمثيل في التابعين، وكلاهما بالحقيقة جزء من الدليل الثاني.\nقوله: \"وهذا أبو عثمان النهديّ، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصحبا أصحاب النبيّ -ﷺ- ... \" الفصل إلى قوله: \"فكل هؤلاء من التابعين الذين نَصَبْنَا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم، لم يُحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه ... الكلام إلى آخره الذي اشتد فيه بالإنكار على قائله، وحَمَلَ عليه أشدَّ الحمل، ولعله لم يَعلَم أنه قولُ ابن المديني والبخاري، وكأنه إنما تكلم مع بعض أقرانه أو من دونه، ممن قال بذلك المذهب -والله أعلم- فإنه لو علمه لكَفّ من غَرْبه (١)، وخَفَضَ لهما الْجَنَاح، ولم يَسِمْهما الكِفَاح (٢).\nوحاصل هذا الدليل الرابع ادِّعاء الإجماع أيضا على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس، إذا عنعنوا عن الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم، وإن لم يُعلَم اللقاء ولا السماع، كما أُصِّلَ ذلك في أحاديث الصحابة -﵃-.\nقال: ولنا عن هذا الدليل أجوبة ثلاثة:\n(الأول): نقض الإجماع بما تقدم من نقل ذلك عمن عُلِمَ.\n(الثاني): أن هؤلاء الذين سَمَّيتَ ممن عُلِم سماعُ بعضهم من بعض عند من أثبت صحة حديثهم، ألا ترى أن أبا الحسن علي بن المديني قد قال في \"كتاب التاريخ\" له: أبو عثمان النهديُّ عبد الرحمن بن مَلّ، وكان جاهليّا ثقةً، لَقِيَ عمر، وابن مسعود، وأبا بكرة، وسعدًا، وأسامة، ورَوَى عن علي، وأبي موسى، وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: حدثني أبي بن كعب، وقد أدرك النبيّ -ﷺ-. انتهى.\nفقد نَصّ عليٌّ أنه يقول في بعض حديثه: حدّثني أبي بن كعب، فمنه ما اطلعنا عليه، ومنه ما لم نَطَّلِع عليه حسبما نُبَيّن -إن شاء الله تعالى-.\n(الثالث): أن هذه أمثلة خاصة لا عامة، جزئية لا كلية، يمكن أن تَقتَرن بها قرائن تُفهِم اللقاء أو السماع، كمن سَمَّيتَ ممن أدرك الجاهلية، ثم أسلم بعد موت النبيّ -ﷺ-، وصَحِبَ البدريين فمن بعدهم، فهذا يَبْعُد فيه ألا يكون سمع ممن رَوَى عنه، وإن جَوّزنا أنه لم يسمع منه، قلنا: الظاهر روايته عن الصحابة، والإرسالُ لا يَضُرّه، كما قدّمنا من الجواب عن الدليل الثالث.\n_________\n(١) الغرب بفتح، فسكون من معانيه في \"القاموس\": حدّ الشيء، والْحِدّة، والنشاط.\n(٢) أي لم يذقهما المواجهة الشديدة.","vol":"2","page":482},{"text":"على أن الإمام الحافظ أبا حاتم البستِيّ قد طَرَدَ هذا الحكم فيمن تحقق منه أنه لا يرسل إلا عن ثقة.\nقال ﵀: وأما المدلسون الذين هم ثقات عدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بَيَّنُوا السماع فيما رووا، مثل الثوري، والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقنين، وأهل الورع في الدين؛ لأنا متى قبلنا خبر مُدَلِّس لم يُبَيِّن السماع فيه، وإن كان ثقة لَزِمَنا قبولُ المقاطيع والمراسيل كلها؛ لأنه لا يُدرَى لعل هذا المدلس دَلّس هذا الخبر عن ضعيف، يَهِي الخبرُ بذكره إذا عُرِف.\nاللهم إلا أن يكون المدلس يُعلَم أنه ما دَلّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قُبِلت روايته، وإن لم يُبَيّن السماع، وهذا شيء ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يُدَلّس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وُجِد ذلك الخبر بعينه قد بَيَّنَ سماعه فيه عن ثقة، فالحكم في قبول روايته لهذه العلة، وإن لم يُبَيِّن السماع فيها، كالحكم في رواية ابن عباس إذا رَوَى عن النبيّ -ﷺ- ما لم يَسمَع منه. انتهى ما قاله أبو حاتم (١).\nفهذه الأمثلة التي أتيتَ بها أيُّها الإمام كلُّها جزئيات، والحكم على الكليات بحكم الجزئيات لا يَطَّرد، فقد يكون لكل حديث حكمٌ يخصه، فَيُطَّلَع فيه على ما يُفهِمُ اللقاء أو السماع (٢)، ويُثِير ظنّا خاصّا في صحة ذلك الحديث، فَيُصَحَّح اعتمادًا على ذلك، لا من مجرد العنعنة.\nومثل هذا أيُّها الإمام لا تقدر على إنكاره، وقد فَعَلتَ في كتابك مثله من رَعْيِ الاعتبار بالمتابعات والشواهد، وذلك مشهور عند أهل الصنعة، فيُتْبِعُون ويستشهدون بمن لا يُحْتَمَلُ انفرادُهُ، ومثل ذلك لا يُنكَر في الفقه وأصوله.\nوقد فعلتَ أنت أيُّها الإمام ما هو أشد من ذلك في كتابك \"المسند الصحيح\" حيث أدخلتَ فيه أَسْبَاط بن نصر، وقَطَنَ بن نُسَير، وأحمد بن عيسى المصري، فاعتَرَض فعلك أبو زرعة الرازي، وأنكر عليك، فاعتذرت حين بلغك إنكاره، فيما ذكره الحافظ الثقة الإمام أبو بكر الْبَرْقانيّ، عن الحسين بن يعقوب الفقيه، قال: نا أحمد بن طاهر الميانجي، نا أبو عثمان سعيد بن عمرو، قال: شَهِدتُ أبا زرعة الرازي، وذَكَرَ قصةً فيها طول اختصرتها، قال فيها: وأتاه ذات يوم رجل بكتاب \"الصحيح\" لمسلم،\n_________\n(١) راجع \"الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان\" ١/ ١٦١.\n(٢) الأولى \"والسماع\" بالواو؛ لأن الراجح اشتراط السماع، كما مرّ.","vol":"2","page":483},{"text":"فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: ما أبعد هذا من الصحيح، يُدخِل في كتابه أسباط بن نصر، ثم رَأَى في الكتاب قَطَنَ بن نُسَير، فقال لي: وهذا أطمُّ من الأول، قَطَن بن نُسير وَصَلَ أحاديثَ عن ثابت، جعلها عن أنس، ثم نَظَر، فقال: يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه \"الصحيح\"؟ قال لي أبو زرعة: ما رأيت أهل مصر يَشُكُّون في أن أحمد بن عيسى، وأشار أبو زرعة إلى لسانه كأنه يقول الكذب.\nثم قال لي: يُحَدِّث عن هؤلاء، ويترك محمد بن عجلان ونظراءه، قال: فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه ذلك، فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط بن نصر، وقطن، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهمِ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتَصِر على أولائك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات. انتهى ما أوردنا من الحكاية، وبعضها منقول بالمعنى، ذكرها عن الْبَرْقاني الحافظُ المتقنُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأَوْنَبِيّ في \"كتاب المنتقى\" له (١).\nوهذا المعنى الذي قصدتَهُ إن عُدَّ مُخَلِّصًا بالنظر إليك فيما يلزمك التطوق به، حيث غلب على ظنك صحته، فلا يلزم غيرك ممن يَجتهد في الرجال، نعم يكون\n_________\n(١) وقد استطرد ابن رُشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى هنا: ما نصّه:\nوقرأتُ ذلك بخطه، وضَبَطَ قولَه: \"إنما قلتُ: صحيح\" بضم التاء على التكلم، وكَتَبَ \"إنما\" متصلة على أنها الحصرية، فإن صح هذا الضبط، فيكون معناه: إنما قلت: صحيح: أي صحيح عندي، ولم أقل: من هذا الطريق، فيكون في الكلام حذف، وهذا المعنى عندي فيه بُعْدٌ، والأقربُ فيما أراده: إن ما قلتَ: صحيح، بتاء الخطاب، و\"ما\" بمعنى الذي: أي إن الذي قلته من إنكار أبي زرعة صحيح، من أجل هؤلاء الرواة، ثم أبدى وجه العذر، وأتى بـ \"إنما\" التي للحصر في قوله: \"وإنما أدخلتُ\". انتهى كلامه.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يظهر لي أن ضبطه بضم التاء لا بُعدَ فيه، بل هو الأولى؛ لأنه يؤيّده ما في \"سؤالات البرذعي\" (ص ٦٧٧) بعد أن ذُكِرَ لمسلم من أنه بإخراجه حديث قطن وأشباهه يُطرق لأهل البدع علينا، قال مسلم مُعتذرًا: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيفٌ، ولكنّي إنما أخرجتُ هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي، وعند من يكتبه عنّي، فلا يَرتاب في صحّتها، ولم أقُل: إن ما سواه ضعيف ... إلخ.\nوهذا كما ترى يؤيّد الرواية بالضمّ، ومثله عند ابن الصلاح في \"صيانة صحيح مسلم\" (ص ١٠٠). والله تعالى أعلم. راجع ما كتبه محقّق \"السنن الأبين\" ص (١٥٤).","vol":"2","page":484},{"text":"صحيحا في حقّ من يكتفى بتقليدك -وإنك لخليق بذلك- من الفقهاء، أو المحدثين ممن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في معرفة الصحيح والسقيم.\nوقد نحا نحوًا من مذهبك الإمام أبو حاتم البستيُّ فيما حَكَى عن نفسه في صدر كتابه الذي وسمه بكتاب \"المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطعٍ في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها\": ما نصه: \"إذا صَحّ عندي خبر من رواية مدلس بأنه بَيَّنَ السماع فيه لا أُبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر\". انتهى (١).\nفلا يُنكر أيها الإمام الْمُعْتَمَدُ أن يكون مَنْ قَبِل تلك الأحاديث، وصحت عنده، واحتج بها قد اعتَمَد نحوًا من هذا المسلك، فلم يقبلها بمجرد العنعنة، بل بضميمةٍ إليها أفادته صحة اللقاء والسماع، وإن لم يقترن بها ذلك لفظًا.\nوقد وقع للإمام أبي عبد الله البخاري في \"جامعه الصحيح\" ما يَنظُر إلى هذا المعنى، وهو ما ذكره في \"كتاب الصلاة\" من كتابه في \"باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة\"، قال فيه: نا آدم، قال: نا شعبة قال: نا الأزرق بن قيس، قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينا أنا على جُرُف نهر، إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجَعَلتِ الدابة تنازعه، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي (٢) - فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت معِ رسول الله -ﷺ- ست غزوات، أو سبع غزوات، أو ثمان، وشهدت تيسيره، وإني أنْ كنت أن أرجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها، فيشق علي.\nفهذا الأزرق بن قيس البصري، من بلحارث بن كعب من التابعين، قال أبو حاتم فيه: صالح الحديث، وقال ابن معين، والنسائيّ، وغيرهما فيه: ثقة، لم يَعرِف أبا برزة، ولا يَثبُتُ قول قائل لا يُعرَف صدقُه مُخبرًا عن رسول الله -ﷺ- أنه سمعه قال كذا، أو أنه رآه فعل كذا، إلا بعد ثبوت صحبته، أو ثبوت عدالته قبل أن يُخبر أنه صاحب، على نظر في هذا القسم الآخر، فإنه إذا قال لنا من عاصره -ﷺ-، ممن ثبت إسلامه وعدالته: أنا صاحبٌ صُدِّقَ، وقُبِل قولُهُ، وسُمِعت روايته.\n_________\n(١) انظر \"صحيحه\" ٢/ ٨١.\n(٢) وأبو بَرْزَة اختُلِف في اسمه، واسم أبيه، فقيل: نَضْلَة بن عُبَيد، قال بعض المتقنين: وعليه أكثر العلماء، وقيل: نضلة بن عائذ. وقيل: عبد الله بن نَضْلَة، وقيل: غير ذلك، وأصله مدنيّ، نزل البصرة. انتهى \"السنن الأبين\" ص ١٥٧.","vol":"2","page":485},{"text":"قال الإمام الفقيه المالكي أبو عمرو بن الحاجب: ويحتمل الخلافُ؛ للاتهام بدعوى رتبة لنفسه.\nقلت (١): لكن لما ثبت عند شعبة أن هذا الرجل الذي نازعته دابته هو أبو برزة الأسلمي، وهو معروف الصحبة والسماع من النبيّ -ﷺ- ثبت الحديث وصحّ، فلذلك أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، فهذا حديث صح بضميمة.\nوعلى نحوٍ من هذا تأول علماء الصنعة بَعْدَكُما عليكما -أَعنِيك والبخاريَّ فيما وقع في كتابيكما من حديث مَنْ عُلِم بالتدليس، ممن لم يُبَيِّن سماعَهُ في ذلك الإسناد الذي أخرجتما الحديث به، فظنوا بكما ما ينبغي من حسن الظن، والْتِمَاس أحسن المخارج، وأصوب المذاهب؛ لتقدمكما في الإمامة، وسَعَة علمكما وحفظكما، وتمييزكما ونقدكما، أن ما أخرجتما من الأحاديث عن هذا الضرب، مما عرفتما سلامته من التدليس.\nوكذلك أيضا حَكَمُوا فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا، فحَمَلُوا ذلك على أنه مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِمُوا فيه عند التحديث، على نَظَرٍ في هذا القسم الآخر، يحتاج إلى إمعان التأمل، فبعضٌ منها تَوَصَّلُوا إلى العلم بالسلامة فيه بطبقة الرواة عنهم، وتمييز وقت سماعهم، وبعضٌ أشكل، وقد كان ينبغي فيما أشكل أن يُتَوَقَّف فيه، لكنهم قَنِعُوا، أو أكثرهم بإحسان الظن بكما، فقَبِلُوه ظنّا منهم أنه قد بان عندكما أمره، وحسبنا الاقتداء بما فَعَلُوا، ولزومُ الاتباع ومجانبةُ الابتداع.\nوقد سلك أيضا هذا المسلك أبو حاتم البستيّ، فقال في صدر كتابه: وأما المختلطون في أواخر أعمارهم، مثلُ الجريريّ، وسعيد بن أبي عروبة، وأشباههما، فإنا نَرْوي عنهم في كتابنا هذا، ونَحتَجُّ بما رووا، إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما رَوَى عنهم الثقات من القدماء الذين يُعلَم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات من الروايات التي لا شك في صحتها، وثبوتها من جهة أخرى؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحُمِل عنهم في اختلاطهم بعدَ تقدم عدالتهم حكم الثقة إذا أخطأ، أن الواجب ترك خطئه إذا عُلِم، والاحتجاج بما يُعلَم أنه لم يخطىء، وكذلك حكم هؤلاء الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما رَوَى عنهم القدماء، من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء. انتهى ما قاله أبو حاتم البستيّ.\n_________\n(١) القائل ابن رشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى.","vol":"2","page":486},{"text":"وفي بعض كلامه نظرٌ فليسا سواء، وتشبيهه بحال الثقة إذا أخطأ لا يُسَاعَد عليه، أما ما رُوي عنهم قبل الاختلاط، وتَمَيَّز مما رُوي بعده فلا إشكال فيه، وأما ما رُوي عنهم مستقيما بعد الاختلاط ففيه نظر، وقد أنكره يحيى بن معين على وكيع، وقال له: تُحَدّث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنما سمعت منه في الاختلاط، فقال رأيتَنِي حدثتُ عنه إلا بحديث مستو؟ .\nفإنه إن كان الاعتماد على الثقات الذين وافقوهم دونهم، فلم يُعتَمَد عليهم، في الفائدة في تخريج الحديث عنهم، دون أولائك الثقات، وإن كان الاعتماد على الرواة عنهم، وعلى ما قرؤوه عليهم من صحيح كتبهم التي كتبوها في حال الصحة، أو التي كَتَب عنهم أصحابهم قبل الاختلاط، كما قال ابن معين: سمعت ابن أبي عدي يقول: لا نكذب الله كنا نأتي الْجُرَيري، وهو مختلط، فنُلَقِّنُه، فيجيء بالحديث كما هو في كتابنا، فقد حصل في الحديث انقطاع، وصار وجودهم كعدمهم، ولا فرق بين أن يُقرأ عليه، وهو مختلط، وأن يقرأ على قبره وهو ميت، فآل الأمر إلى الاعتماد على الوِجَادة.\nوأحسنُ ما يُلتَمس لهم أنهم لم يَفرُط الاختلاط فيهم، بحيث يكونون مُطبَقِين، أو كانت لهم أوقاتٌ تَثُوب إليهم عقولهم فيها، فيتحين الآخذون عنهم تلك الأوقات، ويقرأون عليهم مِنْ كتبهم، أو كتب أصحابهم، أو يسمعون منهم ما حَفِظوه مما تظهر لهم السلامة فيه.\nهذا هو الذي يَجِب أن يُعتَقَد فيمن رَوَى عنهم من الثقات، وعلى ذلك يُحمَلُ فعل وكيع بن الجراح وغيره، ممن فعله، وإلا عاد ذلك بالقدح على الرواة عنهم، على أن أبا حاتم البستيَّ، وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حَكَمَ بصحته مما لم يَحكُم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح، يكون من قبيل الحسن، وكلاهما يُحتَجّ به، ويُعمَل عليه، إلا أن يَظهَر فيه ما يوجب ضعفه.\nثم اعلم أَيُّها الإمام الْمُتَّبَع الْمُعْتَمَد أنك سميت في جملة مَن ذَكَرتَ أنك لا تَعلَم سماعهم ممن حدّثوا عنه قيسَ بن أبي حازم، عن أبي مسعود، والنعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، وذكرت غيرهم ممن انفردت عن البخاري بتخريج بعضهم، ولم يُخَرِّجهم لأحد وجهين:\nإما لعدم ذلك الشرط عنده، كحديث عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداريّ، عن النبيّ -ﷺ-، وهو أحد مَن سَمَّيت، وانفردتَ بإخراجه عنه، وهو حديث: \"الدين النصيحة، لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم\"، خَرَّجته في \"كتاب","vol":"2","page":487},{"text":"الإيمان\" (١)، من كتابك، وليس لتميم الداري في كتابك غيره، وأما البخاري فلم يُخَرِّج لتميم الداري شيئًا.\nوكما أنك أيضًا لم تُخَرّج حديث بعض من سَمَّيتَ كحديث أبي رافع، عن أُبَيّ، وهو حديث: \"أن النبيّ -ﷺ- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يَعتكف عامًا، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة\"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما (٢).\nوإما لأنه لم يقع له -أعني للإمام أبي عبد الله البخاري- على بُعْدِ ذلك عليه (٣) فقد روينا عن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: \"أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأعرف مائتي ألف غير صحيح\"، وإن خَرّج منها شيئًا، قلنا: اطّلع على ما لم تَطّلِع عليه من ذلك.\nفأما ما ذكرت من شأن قيس عن أبي مسعود، والنعمان عن أبي سعيد، فاعلم أيّها الإمام الأوحد، أنهم عَلِمُوا صحة سماع قيس من أبي مسعود، والنعمان من أبي سعيد، فَجَرَوا على نَهْجهم الواضح، وشرطهم الصحيح.\nفأما قيس فقد ذكر البخاري سماعه من أبي مسعود في موضعين من كتابه: (أحدهما) في \"باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود\"، فقال: نا أحمد ابن يونس قال: نا زهير قال: نا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت قيسا قال: أخبرني\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" انظر ١/ ٥٣ \"باب لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... \"، قال ابن رُشيد: وهذا الحديث مما أغفل القاضي أبو الفضل عياض في \"إكماله\" التنبيهَ على موقعه من كتاب مسلم أو غيره، فرأينا أن نُنَبِّه عليه. انتهى. \"السنن الأبين\" ص ١٦١.\n(٢) قال ابن رُشيد ﵀: ولقد أبعد النُّجْعَة أبو الفضل -يعني القاضي عياض- في قوله: خَرَّجه ابن أبي شيبة في \"مسنده\"، كما أبعد أيضًا النُّجْعَة في بيان أحد حديثي أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة، عن أبي مسعود اللذين أشار إليهما مسلم، ولم يُخَرِّجه مسلم، وهو حديث: \"لا تُجزئ صلاة لا يُقيم الرجل صُلْبه فيها، في الركوع والسجود\"، فقال: خَرَّجه ابن أبي شيبة، وذلك إبعاد منه للنجعة، فقد خَرّجه أيضا أبو داود، والنسائيّ في \"سننهما\"، والترمذي في \"جامعه\" كلهم من طريق الأعمش، عن عمارة بن عُمير، عن أبي مَعْمَر، عن أبي مسعود، وليس فيه ذكر سماع عند جميعهم، وإنما نُنَبِّه هنا منها على ما أغفله القاضي أبو الفضل إكمالًا لما نَقَص من المقدمة في \"إكماله\". انتهى كلام ابن رشيد.\n(٣) كتب محقّق \"السنن الأبين\" ص ١٦٦ - ١٦٧: ما نصّه: والواقع يأباه، فقد أخرج البخاريّ الحديث في \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٤٦٠ - ٤٦١ و\"الصغير\" ٢/ ٣٤ - ٣٥ وساق فيه خلافًا طويلًا، وإنما لم يخرجه في \"الصحيح\" لعدم ورود سماع عمارة بن عمير من أبي معمر، وقد ذكر في \"التاريخ الكبير\" ٦/ ٤٩٩ أنه رأى أبا معمر، فكان الأولى أن يقال: قد يقع له الحديث، ولا يُخرجه إذ أنه ليس على شرطه في \"الصحيح\"، كما في حديث تميم السابق، وحديثنا هذا. والله أعلم. انتهى.","vol":"2","page":488},{"text":"أبو مسعود، أن رجلا قال: والله يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا (ح) فقال فيه عن قيس: أخبرني أبو مسعود.\n(والثاني): ذكره في \"باب صلاة كسوف الشمس\"، فقال: نا شهاب بن عباد قال: نا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبيّ -ﷺ-: \"إن الشمس والقمر لا يَكسِفان لموت أحد من الناس\" (ع) قال فيه عن قيس: سمعت أبا مسعود، فقد انتهى إليه ما لم ينته إليك.\nوسماع قيس -وهو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث- من أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو- البدري مشهور مذكور عند أئمة الصنعة.\nوقد نص عليه الإمام الناقد، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نَجِيح بن المديني في \"كتاب التاريخ والعلل\" من تأليفه قال:\n\"قيس بن أبي حازم سَمِع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأَبِي شَهْم (١) وجرير بن عبد الله البجليّ، وأبي مسعود البدري، وخباب بن الأرتّ، والمغيرة بن شعبة، ومِرْدَاس بن مالك الأسلمي، ومُستورِد بن شداد الفهري، ودُكَين بن سعيد المزني، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبي سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن زيد، وأبي جُحيفة.\nقيل لعلي: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعًا؟ قال: نعم سمع منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نَعُدّه له سماعًا (٢).\nفانظر عنايته بسماعه، وتأكيده له المرة بعد المرة.\nوأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد، فقد خَرَّجها البخاري، وخَرَّجْتَها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك، منصوصًا فيها على السماع، فأثبتَّ في آخر كتابك ما نَفَيتَ في أوله، وأقررت بما أنكرت، وشَهِدتَ من نفسك على نفسك، فما ذنبهم أن حَفِظوا ونسيتَ، ولا غَرْوَ فإنما ذلك تعويذ لكمالك.\n[من الكامل]:\nشَخَصَ الأَنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ ... مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدِ\n_________\n(١) هو أبو شهم التيميّ، من تيم الرباب، جاهليّ أدرك الإسلام. انظر \"الإصابة\" ٧/ ١٨١.\n(٢) راجع \"العلل\" لابن المدينيّ ص ٤٩ - ٥٠.","vol":"2","page":489},{"text":"وذكرت أيّها الإمام في \"صفة الجنة\" -يسر الله علينا فيها بلا محنة-:\n\"حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا المخزومي (١)، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\".\nقال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقِيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبيّ -ﷺ-. (٢).\nوخَرّجه أيضا البخاري كذلك؛ لوجود شرطه في \"صفة الجنّة\"، وهو معرفة السماع، فقال: وقال إسحاق بن إبراهيم، أنا المغيرة بن سلمة، قال: نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\"، قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد، عن النبيِّ -ﷺ-: قال: \"إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب الْجَوَاد الْمُضمَر السريع مائة عام ما يقطعها\" (٣).\nفقد اتفقتما على تخريج هذا الحديث عن شيخ واحد، منصوصًا فيه عندكما على سماع النعمان من أبي سعيد.\n(الموضع الثاني): قريب منه في الباب نفسه، من كتابك، قلت فيه: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة، كما تراءون الكوكب في السماء\".\nقال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: \"كما تراءون الكوكب الدُّرّيّ في الأفق الشرقيّ، أو الغربيّ\".\nوخَرّجه البخاري أيضا في \"صفة الجنة\"، فقال: أنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد العزيز (٤)، عن أبيه، عن سهيل، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغُرَف في\n_________\n(١) \"المخزومي\": هو أبو هاشم، المغيرة بن سلمة المخزومي البصري، قال أبو الوليد الباجي عند ذكره هذا الحديث: ولم أر له في الكتاب غيره -يعني في \"صحيح البخاري\". وقال أبو القاسم اللالكائي: أخرجا له جميعًا، وأكثر له مسلم، سَمِعَ وُهيبا، وعبد الواحد بن زياد، رَوَى عنه علي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، والمحمدون: ابن المثنّى، وابن عبد الله الْمُخَرِّمِيّ، وابن بشار، قال ابن الجنيد: ثقة. وقال البخاري: مات سنة مائتين. راجع \"السنن الأبين\" ص ١٧٢ - ١٧٣.\n(٢) \"صحيح مسلم\" ٨/ ١٤٤.\n(٣) \"صحيح البخاريّ\" ٨/ ١٤٢.\n(٤) \"عبد العزيز\" المذكور في هذا الحديث، هو أبو تَمام عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار.","vol":"2","page":490},{"text":"الجنة، كما يتراءون الكوكب في السماء\". قال أبي: فحدثت النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد الخدري يحدث، ويزيد فيه: \"كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق الشرقيّ والغربيّ\".\n(الموضع الثالث): قلتَ في \"المناقب\" من كتابك: نا قتيبة بن سعيد، قال: نا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن القاريّ- عن أبي حازم قال: سمعت سهلا يقول: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: \"أنا فَرَطُكم على الحوض\"، وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلا يقول؟، قال: فقلت: نعم، قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد: \"فأقول: إنهم مني ... \"، وذكر الحديث بتمامه.\nوخَرّجه البخاري في موضعين في \"الفتن\"، وفي \"ذكر الحوض\"، فقال في \"كتاب الفتن\" في باب قول الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]: نا يحيى بن بكير، نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: \"أنا فَرَطُكم على الحوض\"، (ح) وفيه: قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلًا؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه: قال: \"إنهم مني ... \"، ثم ذكر تمام الحديث.\nوقال في \"باب الحوض\": ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن مُطَرِّف، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: قال النبيّ -ﷺ-: \"أنا فَرَطُكم على الحوض، مَن مَرَّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظما أبدًا، لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم\". قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟، فقلت: نعم، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته، وهو يزيد فيها: فأقول: \"إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا بعدي\".\nوالعذر لك أَيُّها الإمام بادٍ، فإنّ النصّ على السماع فيما خَرَّجت أنت من هذه الأحاديث وَرَدَ مضَمَّنًا غُضُون الحديث ليس مُصَدَّرًا به، ولا ملاقيًا للناظر، وإنما ذُكِرت هذه الأحاديث في المسانيد، في مسند سهل؛ لأن هذه الزيادة إنما وقع ذكرها عن أبي سعيد بحكم التَّبَع، وقد جَرَّت هذه الغفلةُ عليك يرحمك الله غفلةً أُخرَى، رأينا أن نُنَبِّهَ عليها تَتِمَّةَ الفائدة، وصِلَةً بالنفع عائدةً، وهي أنك قلت: وأسند النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري ثلاثة أحاديث، عن النبيِّ -ﷺ-، فهذا الكلام يُفهِمُ ظاهرُه أنه لم يُسنِد غيرها، وقد أخرجت له في \"صحيحك\" ستة أحاديث من رواية النعمان بن أبي","vol":"2","page":491},{"text":"عياش، عن أبي سعيد: [أحدها]: المتن المدرج في حديث: \"إن في الجنة شجرة\".\n[والثاني]: المدرج أيضا في حديث: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة\".\n[والثالث]: المدرج في حديث: \"أنا فَرَطُكُم على الحوض\".\n[والرابع]: حديث: \"إن أدنى أهل الجنة منزلةً، رجلٌ صَرَفَ الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة\" تفردت به عن البخاري.\n[والخامس]: حديث: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أدنى أهل النار عذابًا مُنتَعِلٌ بنعل من نار يَغلِي دماغه من حرارة نعليه\"، خَرَّجتهما في \"الإيمان\" من كتابك.\n[والسادس]: حديث: \"من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا\"، خَرّجته في \"الصيام\" من كتابك، وخَرّجه البخاري في \"الجهاد\"، من غير نَصٍّ منكما على سماع النعمان له من أبي سعيد، وخَرّجه أبو عبد الرحمن النسائيّ في \"مصنفه\" ناصّا فيه على سماع النعمان من أبي سعيد، فقال: أنا مُؤَمَّل بن إيهاب، قال: نا عبد الرزاق، أنا ابن جريح، أخبرني يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، سمعا النعمان بن أبي عياش قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ... فذكره.\nوللنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد حديث سابعٌ، خَرّجه أبو بكر البزار في \"مسنده\"، قال البزار: نا أحمد بن منصور، قال: نا سعيد بن سليمان، قال: نا إسماعيل بن جعفر، قال: نا محمد بن أبي حرملة، عن النعمان بن أبي عياش الزُّرَقيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس\". قال الحافظ أبو عبد الله بن أبي بكر -وقد ذكر هذا الحديث، من طريق البزار-: إسناده صالح حسن، محمد بن أبي حرملة حدث عنه مالك بن أنس وغيره من الثقات.\nقال ابن رُشيد: الذي يظهر أن مسلمًا ﵀ إنما عَنَى بقوله: ثلاثة أحاديث الثلاثة الأخيرة مما ذكر التي لم يَرِد فيها منصوصًا سماع النعمان من أبي سعيد، ولم تَمُرّ بذكره الثلاثة الأحاديث التي نُصّ فيها على سماعه منه؛ لأنها وردت مُتْبَعَةً لحديث سهل بن سعد حسبما بَيّنّاه، على أن أبا عبد الرحمن النسائي قد نَصّ في \"مصنفه\" على سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد، في حديث النبيّ -ﷺ-: \"من صام يوما في سبيل الله\" (ح) فقال -أعني النسائي-: أنا مؤمل بن إيهاب، قال: نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد وسهيل بن أبي صالح، سمعا النعمان بن أبي عياش، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- ... فذكره.","vol":"2","page":492},{"text":"قال ابن رُشيد: وهو في البخاري ومسلم، من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، بسنده في كتاب النسائي، وفيه: سمعا (١) النعمان عن أبي سعيد، عن النبيّ -ﷺ- من غير نَصٍّ على سماع النعمان من أبي سعيد، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق، ورواه مسلم عن إسحاق بن منصور، وعبد الرحمن بن بشر، عن عبد الرزاق، وزاد مسلم في طرقه رواية ابن الهادي، والدَّرَاوَرْدي له عن سهيل، عن النعمان، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- (٢) (٣).\nوقد ذكر حديثَ الشجرة الإمام الحافظ أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيّ في كتابه \"المخَرّج\" على كتابك، وفيه التنبيه على أنه من مسند أبي سعيد، قال:\nأنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم كتابةً، قال: أنا أبو نعيم الحافظ، قال: نا أبو أحمد الغطريفيّ، نا عبد الله بن محمد بن شيرويه، نا إسحاق بن إبراهيم نا المخزوميّ، نا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"في الجنة شجرةٌ يَسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\"، قال: فحدثتُ به النعمان ابن أبي عياش، فحدثني عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"في الجنة شجرة، يَسِير الراكب على الفرس الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها\"، رواه -يعني مسلما- عن إسحاق، حدثناه في مسند أبي سعيد الخدري.\nفانظر كيف أشار الحافظ أبو نعيم إلى أن أبا أحمد الغطريفي حدثهم به عن مسند أبي سعيد، إذ هو مظنة الغفلة والنسيان اللازمين للإنسان، وأول ناسٍ أول الناس. انتهت مناقشة الحافظ ابن رُشيد للإمام مسلم رحمهما الله تعالى في رسالته \"السنن الأبين، والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن\" ص ١٤٨ - ١٨٢.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: ملخّص المناقشة أن المصنّف ﵀ ادّعى في هذا\n_________\n(١) الضمير ليحيى بن سعيد، وسُهيل بن أبي صالح.\n(٢) \"صحيح البخاريّ\" ٤/ ٣١ - ٣٢ وهذا الموضع الوحيد الذي أخرج فيه البخاريّ لسهيل موصولًا، ولم يَحتجّ به بمفرده، وإنما قرنه بيحيى بن سعيد الأنصاريّ، وقد استشهد به في \"صحيحه\" في موضعين آخرين، ووقع اختلاف عليه فيهما، وحديثنا هذا أخرجه مسلم ٣/ ١٥٩. ذكره محقق \"السنن الأبين\" ص ١٧٩ - ١٨٠.\n(٣) كتب ابن رُشيد هنا: ما نصّه: وقد نقصَ القاضيَ أبا الفضل من صدر \"إكماله\" التنبيهُ على هذه المواضع، والاستدراك على مسلم ﵀ فيها، ولا بد للأول أن يُفَضِّل للآخر:\nمَا كَانَ أَحْوَجَ ذَا الْكَمَالِ إِلَى ... عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنَ الْعَيْنِ\nانتهى كلامه ص ١٨٠.","vol":"2","page":493},{"text":"الدليل الرابع الإجماع على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وَصْمة التدليس، إذا رووا بالعنعنة عمن عاصروه من الصحابة، وإن لم يُعلم لقاؤهم لهم، وسماعهم منهم، كما أن ذلك مقبول في الصحابة على ما سبق بيانه، فناقشه ابن رُشيد ﵀ بثلاثة أمور:\n(أحدها): نقض الإجماع المدّعَى؛ إذ الخلاف في ذلك قائم. (وثانيها): أن الأمثلة التي ذكرها غير صحيحة؛ لما ثبت من هؤلاء الذين مثّل بهم ممن ثبت سماع بعضهم من بعض. (وثالثها): أن هذه أمثلة خاصّة جزئيّة، ولا يمكن بناء الحكم الكليّ بحكم الجزئيّات؛ إذ لا يطّرد؛ لاحتمال أن يكون لكل حديث حكم يخصّه بسبب قرائن انضمّت إليه مما يفيد اللقاء والسماع، فيصحّح ذلك الحديث اعتمادًا عليها، لا على مجرّد المعاصرة، وهذا كثير في استعمال المحدّثين، حتى إن المصنّف نفسه وقع له نظير ذلك، فقد أدخل في \"الصحيح\" أحاديث أسباط بن نصر، وقَطَن بن نسير، وأحمد بن عيسى، مع أنه لا يَعتمد عليهم، فلما اعتَرَض عليه ذلك أبو زرعة الرازيّ، اعتذر إليه بأنه إنما أدخل من أحاديثهم ما ثبت لديه صحّته مما رواه الثقات عن شيوخهم، لا لاعتماده عليهم، ثم بيّن سبب عدوله إليهم حيث قال: إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.\nوالحاصل أن قبول الأئمة لعنعنة المعاصرين من التابعين ليس لمجرد المعاصرة، بل لما انضمّ إلى ذلك من القرائن التي تفيد صحة اللقاء والسماع، فلا يتمّ الاحتجاج على الخصم بالاحتمال الضعيف مع وجود الاحتمال القويّ.\nثم ناقشه فيما ادّعاه من عدم ثبوت سماع كلّ من قيس بن أبي حازم، والنعمان بن أبي عيّاش من أبي مسعود -﵁-، فقد ثبت سماع قيس منه عند البخاريّ في موضعين من \"صحيحه\"، وقد ثبت سماع النعمان عند البخاريّ، وعنده أيضًا في آخر الكتاب، إلا أنه نسيه في أوله، وقد اعتذر له عن هذا بأنه إنما وقع عنده ضمنًا، لا مصدّرا به.\nوناقشه أيضًا في قوله: \"وأسند النعمان بن أبي عيّاش، عن أبي سعيد الخدريّ ثلاثة أحاديث\"، إذ أخرج له هو في \"صحيحه\"، ستة أحاديث، فكيف نسي هذا؟ .\nورحم الله تعالى الإمام ابن رُشيد حيث أجاد في هذه المناقشة الهادئة التي يظهر عليها سمة الاحترام والاعتذار للمصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، ولنعم ما فعل، فإن هذه صفة العلماء المخلصين المبتغين وجه الله تعالى بعلمهم.\nفتلخّص مما سبق أن أحاديث المتعاصرين إذا وردت معنعنةً، ليس فيها تصريح","vol":"2","page":494},{"text":"بأن الراوي لقي شيخه الذي عنعن عنه، وشافهه بالحديث، فمنهم من ردّه مطلقًا، وشرط أن يرد في الحديث تصريح بالسماع من أول راو في الإسناد إلى آخره، وسبق أن هذا من مذاهب أهل التشديد؛ إذ أنه لن يسلم لنا من الأحاديث إلا القليل.\nواشترط بعضهم طول الصحبة بينهما، كما سبق ذلك أيضًا، وهذا أيضًا مذهب متشدّد تُرَدّ به الأحاديث التي حملها الرواة عن شيوخهم أثناء الرحلة، وفي موسم الحجّ، ونحو ذلك.\nوذهب الإمام مسلم إلى أنه تقبل عنعنة المتعاصرين، وإن لم يُصَرَّح فيها بالسماع، بشرط أن يكون هناك احتمال قويّ للِّقاء بينهما، وأن لا يرد تصريح بانتفاء سماع هذا الراوي من شيخه الذي يُحدّث به، واستدلّ على ذلك بأحاديث رُويت معنعنةً، ولم يَرِد فيها تصريح بالسماع، وأن أهل العلم بالأخبار قَبِلوها، ولم يردّوا منها شيئًا حسبما زعم، وقد سبق مناقشة ابن رُشيد له في هذا الادَّعاء، وأن الإجماع على خلاف ما ذهب إليه، ومما يُرَدّ به عليه ما سبق له في هذه المقدّمة، من أن الإرسال كان شائعًا في ذلك الوقت، فيلزم من ذلك أنه لا بدّ من وضع قيد ضابط للمسألة، ولا أقلّ في ذلك مما قاله من يشترط اللقاء والسماع، كما نُسب إلى ابن المدينيّ والبخاريّ، وغيرهما، وذلك أن يوجد هناك تصريح جُمْليّ من الراوي أنه سمع من شيخه الذي عنعن عنه، كي يُؤْمَنَ إرساله بشرط انتفاء وصمة التدليس عن هذا الراوي الذي حدّث بالعنعنة، وأن يصحّ السند إليه في الحديث الذي صرّح فيه بالسماع من شيخه ولو مرّة واحدة.\nوبالجملة فهذا المذهب الذي وضع هذا القيد والضابط في وقت قد شاع فيه الإرسال أجدر بأن يكون راجحًا على ما ذهب إليه المصنّف من قبول العنعنة بدون القيد المذكور.\nوالحاصل أن القول باشتراط اللقاء والسماع، ولو لمرّة واحدة هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وأن الاكتفاء بمجرد المعاصرة، وإن كان احتمال السماع قويًّا لا يخلو عن تساهل، كما أن اشتراط طول الصحبة تشدّد محض، وخير الأمور الوسط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\nمسائل تتعلّق بما سبق من كلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:\n(المسألة الأولى): في البحث المتعلّق بقوله: \"أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم العمل به إلخ\":\n(اعلم): أن القول بوجوب الاحتجاج بخبر الواحد العدل مجمع عليه بين جمهور أهل العلم، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على كلام المصنّف: ما نصّه: هذا","vol":"2","page":495},{"text":"الذي قاله هو مذهب جمهور المسلمين من السلف، والفقهاء والأصوليين، وذهبت الروافض، والقدريّة، وبعض أهل الظاهر إلى أنه لا يجب به عمل. انتهى كلام عياض (١).\nقال الجامع: في نسبته المذهب المذكور إلى بعض الظاهرية نظر لا يخفى (٢). والله تعالى أعلم.\nوقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت، ولم ينسخه غيره، من أثر، أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كلّ عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج، وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تُعدّ خلافًا. انتهى كلام ابن عبد البرّ (٣).\nوقال الحافظ ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارضٌ أقوى منه، فإنه يجب قبوله؛ لأدلّة دلّت على ذلك، وقد يُتوقّف فيه أحيانًا لمعارضته بما يقتضي التوقّف فيه، كما توقّف النبيّ -ﷺ- في قول ذي اليدين حتى توبع عليه. انتهى (٤).\nوقال العلامة الصنعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (اعلم): أن الأقوال في إفادة خبر الواحد العلم ثلاثة، كما ذكره ابن الحاجب، والعضد، وغيرهما:\n(الأول): أنه يفيد العلم بنفسه مطّردًا، أي كلما حصل خبر الواحد حصل العلم، وهو قول أحمد بن حنبل رَحِمَهُ اللهُ تعالى.\n(الثاني): أنه يحصل به العلم، ولا يطّرد، أي ليس كلما حصل حصل العلم به.\n(الثالث): أنه لا يحصل العلم به إلا بقرينة.\nقال العلامة الصنعانيّ -بعد ذكر هذه الأقوال-: والحقّ أن فيه ما يُفيد العلم، كما هو أحد الأقوال، وقد كان -ﷺ- يبعث الآحاد إلى الأقطار يدعون إلى الإيمان، ولا بدّ فيه من العلم، ولا يكفي فيه الدخول بالظنّ، وكان يترتّب على خبر الآحاد ما يترتّب على ما يفيد العلم، كقبول خبر الوليد بن عقبة في قصّة بني المصطلق، وإرادته غزوهم؛ استنادًا إلى خبره، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية\n_________\n(١) \"إكمال المعلم\" ١/ ١٦٨.\n(٢) راجع ما كتبه الإمام أبو محمد بن حزم في هذا الموضوع في كتابه الممتع \"إحكام الإحكام\" في الأصول، فقد أطال البحث في ذلك ١/ ١١٥ - ١٣٢.\n(٣) \"التمهيد\" ١/ ٢.\n(٤) راجع \"فتح الباري\" للحافظ ابن رجب في آخر شرح حديث رقم (١٢٢٧) ج ١ / ص ٤٢٤.","vol":"2","page":496},{"text":"[الحجرات: ٦]. ثم المراد من العلم هنا بخبر الآحاد العلم بالمعنى الأخصّ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الذي لا يبقى معه شكّ، ولا شبهة. انتهى كلام الصنعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى (١).\nواختار أبو محمد بن حزم رَحِمَهُ اللهُ تعالى كونه يفيد العلم، حيث قال في كتابه \"إحكام الأحكام\": إن خبر الواحد العدل، عن مثله، إلى رسول الله -ﷺ- يوجب العلم والعمل معًا، ثم أطال في الاحتجاج له، والردّ على مخالفيه في بحث نفيس لا تجده في غيره من الكتب، فراجعه ١/ ١١٥ - ١٣٢.\nوكذا اختار هذا القول ابن القيّم في كتابه \"الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة\"، وحقّقه تحقيقًا بديعًا، وذكر له من الأدلّة أحدًا وعشرين دليلًا أذكرها هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، فأقول:\n(الدليل الأول): أن المسلمين لَمّا أخبرهم الواحد، وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حُوّلت إلى الكعبة، قبلوا خبره، وتركوا الحجّة التي كانوا عليها، واستداروا إلى القبلة، ولم يُنكر عليهم رسول الله -ﷺ-، بل شُكِروا على ذلك، وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يَتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يُفيد العلم، وغاية ما يقال فيه: إنه خبر اقترنت به قرينة، وكثير منهم يقول: لا يفيد العلم بقرينة، ولا غيرها، وهذا في غاية المكابرة، ومعلوم أن قرينة تلقّي الأمة بالقبول له، وروايته قرنًا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن، وأظهرها، فأيّ قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها.\n(الدليل الثاني): أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦]، وفي القراءة الأخرى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وهذا يدلّ على الجزم بقبول خبر الواحد؛ لأنه لا يحتاج إلى التثبّت حتى يحصل العلم. ومما يدلّ عليه أيضًا أن السلف الصالح، وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله -ﷺ- كذا، وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة. وفي \"صحيح البخاريّ\": قال رسول الله -ﷺ- في عدّة مواضع، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله -ﷺ-، وإنما سمعه من صحابيّ غيره، وهذا شهادة من القائل، وجَزْمٌ على رسول الله -ﷺ- بما نُسِبَ إليه من قول، أو فعل، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله -ﷺ- بغير علم.\n_________\n(١) \"توضيح الأفكار\" ١/ ٢٦ - ٢٧.","vol":"2","page":497},{"text":"(الدليل الثالث): أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صحّ عن رسول الله -ﷺ-، وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخّرين أن المراد بالصّحَّة صحّة السند لا صحّة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله -ﷺ- لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحّة الإضافة إليه، وأنه قاله كما كانوا يَجزمون بقولهم: قال رسول الله -ﷺ-، وأمر، ونهى، وفعل رسول الله -ﷺ-، وحيث كان يقع لهم في ذلك يقولون يُذْكَرُ عن رسول الله -ﷺ-، ويُروَى عنه، ونحو ذلك، ومن له خبرة بالحديث يفرّق بين قول أحدهم هذا الحديث صحيح، وبين قوله: إسناده صحيح، فالأول جزم بصحّة نسبته إلى رسول الله -ﷺ-، والثاني شهادة بصحّة سنده، وقد يكون فيه علّة، أو شذوذ، فيكون سنده صحيحًا، ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.\n(الدليل الرابع): قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٣٢]. والطائفة تقع على الواحد، فما فوقه، فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم، والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، وقوله: لعلهم يحذرون نظير قوله في آياته المتلوّة والمشهودة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتدُونَ﴾، وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم، لا فيما لا يفيد العلم.\n(الدليل الخامس): قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تتبعه، ولا تعمل به، ولم يزال المسلمون من عهد الصحابة يَقْفُون أخبار الآحاد، ويعملون بها، ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا لكان الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأئمّة الإسلام كلّهم قد قَفَوا ما ليس لهم به علم.\n(الدليل السادس): قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم، لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقبل: سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحدًا لكان سؤاله وجوابه كافيًا.\n(الدليل السابع): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لم تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال النبيّ -ﷺ-: \"بلّغوا عنّي\"، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: \"أنتم مسوولون عنّي (١)، فما\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" بلفظ: \"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ... \" الحديث.","vol":"2","page":498},{"text":"أنتم قائلون\"، قالوا: نشهد أنك بلّغت، وأدّيت، ونصحت\" (١)، ومعلوم أن هذا البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلَّغ، ويَحصُل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يَحصُل به العلم، وقد كان رسول الله -ﷺ- يُرسل الواحد من أصحابه يُبلّغ عنه، فتقوم الحجة على من بلّغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بَلَّغَنا العدول الثقات من أقواله، وأفعاله، وسنّته، ولو لم يُفد العلم لم تقُم علينا بذلك حجة، ولا على من بَلَّغَه واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل الباطل، فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله -ﷺ- لا تفيد العلم أحد أمرين: إما أن يقول: إن الرسول -ﷺ- لم يبلّغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة، ولا تبليغٌ، وإما أن يقول: إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما، ولا يقتضي علمًا، وإذا بطل هذا الأمران، بطل القول بأن أخباره -ﷺ- التي رواها الثقات العدول الحفاظ، وتلقّتها الأمة بالقبول، لا تفيد علمًا، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به.\n(الدليل الثامن): قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن جعل هذه الأمة عُدُولًا خيارًا ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلّغوهم عن الله رسالته، وأَدُّوا عليهم ذلك، وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية، وشهادتهم على أهل عصرهم، ومن بعدهم أن رسول الله -ﷺ- أمرهم بكذا، ونهاهم عن كذا، فهم حجة الله على من خالف رسول الله، وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة، وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن حجة الله بالرسل قامت عليه، ويشهد كلّ واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة، فلو كانت أحاديث رسول الله -ﷺ- لا تفيد لم يشهد به الشاهد، ولم تقم به الحجة على المشهود عليه.\n(الدليل التاسع): قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾، وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفّاظ عن رسول الله -ﷺ- إما أن تكون حقّا، أو باطلًا، أو مشكوكًا فيها، لا يُدرى، هل هي حقّ، أو باطل، فإن كانت باطلًا، أو مشكوكًا فيها وجب اطّراحها، وأن لا يُلتفت إليها، وهذا انسلاخ من الإسلام بالكلّيّة، وإن كانت حقّا، فيجب الشهادة بها على البتّ أنها عن رسول الله -ﷺ-، وكان الشاهد بذلك شاهدًا بالحقّ، وهو يَعلم صحّة المشهود به.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\".","vol":"2","page":499},{"text":"(الدليل العاشر): قول النبيّ -ﷺ-: \"على مثلها، فاشهدوا\"، أشار إلى الشمس، ولم يزل الصحابة، والتابعون، وأئمة الحديث يشهدون عليه -ﷺ- على القطع أنه قال كذا، وأمر به، ونهى عنه، وفعله لِمَا بلّغهم إياه الواحد، والاثنان، والثلاثة، فيقولون: قال رسول الله -ﷺ- كذا، وحرّم كذا، وأباح كذا، وهذه شهادة جازمة يعلمون أن المشهود به كالشمس في الوضوح، ولا ريب أن كلّ من له التفات إلى سنّة رسول الله -ﷺ-، واعتناء بها يشهد شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربّهم عِيانًا يوم القيامة، وأنّ قومًا من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، وأن الصراط حقّ، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك، وأن الولاء لمن أَعتَق، إلى أضعاف أضعاف ذلك، بل يشهد بكلّ خبر صحيح مُتلقّى بالقبول، لم يُنكره أهل الحديث شهادة لا يشكّ فيها.\n(الدليل الحادي عشر): أن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبيّ -ﷺ- العلم يشهدون شهادةً جازمةً قاطعةً على أئمّتهم بمذاهبهم، وأقوالهم، ولو قيل لهم: إنها لم تصحّ عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار، وتعجّبوا من جهل قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد، والاثنان، والثلاثة، ونحوهم، لم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلومٌ يقينًا، فكيف حصل لهم العلم الضروريّ، أو المقارب للضروريّ بأن أئمتهم، ومن قلّدوهم دينهم أفتوا بكذا، وذهبوا إلى كذا، ولم يحصُل لهم العلم بما أخبر به أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وسائر الصحابة عن رسول الله -ﷺ-، ولا بما رواه عنهم التابعون، وشاع في الأمّة، وذاع، وتعدّدت طرقه، وتنوّعت، وكان حرصه عليه أعم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم، إن هذا لهو العجب الْعُجاب! ! ! .\nوهذا وإن لم يكن نفسه دليلًا يُلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا: أخبار رسول الله -ﷺ-، وفتاواه، وأقضيته تفيد العلم، وإما أن يقولوا: إنهم لا علم لهم بصحّة شيء مما نُقل عن أئمتهم، وأن النقول عنهم لا تفيد علمًا، وإما أن يكون ذلك مفيدًا للعلم بصحّته عن أئمّتهم، دون المنقول عن رسول الله -ﷺ-، فهو من أبين الباطل.\n(الدليل الثاني عشر): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ووجه الاستدلال أن هذا أمر لكلّ مؤمن بلغته دعوة الرسول -ﷺ- إلى يوم القيامة، ودعوته نوعان: مواجهة، ونوعٌ بواسطة المبلّغ، وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين، وقد عُلم أن حياته في تلك الدعوة، والاستجابة لها، ومن الممتنع أن يأمره الله تعالى بالإجابة لما لا يفيد علمًا، أو يُحييه بما لا يفيد علمًا، أو يتوعّده على ترك الاستجابة لما لا يفيد علمًا بأنه إن لم يفعل عاقبه، وحال بينه وبين قلبه.\n(الدليل الثالث عشر): قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا يعمّ كلّ مخالف بلغه أمره -ﷺ- إلى يوم القيامة، ولو كان","vol":"2","page":500},{"text":"ما بلغه لم يفد علمًا لما كان متعرّضًا بمخالفة ما لا يفيد علمًا للفتنة، والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر.\n(الدليل الرابع عشر): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ووجه الاستدلال أنه أمر أن يُرَدَّ ما تنازع فيه المسلمون إلى الله تعالى ورسوله -ﷺ-، والردُّ إلى الله هو الرّدّ إلى كتابه، والردّ إلى رسوله هو الردّ إليه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته، فلولا أن المردود إليه يفيد العلم، وفصل النزاع لم يكن في الردّ إليه فائدة، إذ كيف يُردّ حكم المتنازع فيه إلى ما لا يُفيد علمًا البتّة، ولا يُدرَى حقّ هو أم باطل؟ وهذا برهان قاطع -بحمد الله تعالى- فلهذا قال من زعم أن أخبار رسول الله -ﷺ- لا تُفيد علمًا: إنا نرُدّ ما تنازعنا فيه إلى العقول، والآراء، والأقيسة، فإنها تفيد العلم.\n(الدليل الخامس عشر): قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ووجه الاستدلال أن كلّ ما حَكَمَ به رسول الله -ﷺ-، فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله تعالى، أنزله على رسوله -ﷺ-، وقد تكفّل الله سبحانه بحفظه، فلو جاز على حكمه الكذب، والغلط، والسهو من الرواة، ولم يَقُم دليلٌ على غلطه، وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله، وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل، ونحن لا ندّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلِط، أو سها، فلا بدّ أن يقوم دليلٌ على ذلك، ولا بدّ أن يكون في الأمّة من يَعرِف كذبه، وغلطه؛ ليتمّ حفظه لحججه، وأدلّته، ولا يلتبس بما ليس منها، فإنه من حكم الجاهليّة، بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كلّ هذه الأخبار، والأحكام المنقولة إلينا آحادًا كذبًا على رسول الله -ﷺ-، وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.\n(الدليل السادس عشر): ما احتجّ به الشافعيّ نفسه، فقال: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"نضر الله عبدًا سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، وأدّاها، فربّ حامل فقه، غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاثٌ لا يُغلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم\" (١)، قال الشافعيّ: فلما ندب رسولُ الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها،\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه في \"مسنده\" وابن ماجه، والحاكم.","vol":"2","page":501},{"text":"وأدائها، وأمر أن يؤدّيها، ولو واحدٌ، دلّ على أنه لا يؤمر من يؤدّي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّيَ إليه؛ لأنه إنما يُؤَدَّى عنه حلالٌ يؤتي، وحرامٌ يُجتنب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويُعطَى، ونصيحة في دين ودنيا. ودلّ على أنه قد يَحمل الفقه غيرُ الفقيه، يكون له حافظًا، ولا يكون فيه فقيهًا. وأَمْرُ رسول الله -ﷺ- بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتجّ به في أن إجماع المسلمين لازم. انتهى.\nوالمقصود أن خبر الواحد العدل لو لم يُفد علمًا لأمر رسول الله -ﷺ- أن لا يَقبَلَ من أُدِّي إليه إلا من عدد التواتر الذي لا يحصُلُ العلم إلا بخبرهم، ولم يدع للحامل المؤدّي إن كان واحدًا؛ لأن ما حمله لا يُفيد العلم، فلم يَفعل ما يستحقّ الدعاء وحده إلا بانضمامه إلى أهل التواتر، وهذا خلاف ما اقتضاه الحديث، ومعلومٌ أن رسول الله -ﷺ- إنما ندب إلى ذلك، وحثّ عليه، وأمر به لتقوم الحجة على من يُؤَدَّى إليه، فلو لم يُفد العلم لم يكن فيه حجة.\n(الدليل السابع عشر): حديث أبي رافع -﵁- الصحيح عن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا أُلفيَنّ أحدًا منكم، متّكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول: لا ندري ما هذا؟ بيننا وبينكم القرآن، ألا وإني أُوتيت الكتاب، ومثله معه\". ووجه الاستدلال أن هذا نهيٌ عامّ لكلّ من بلغه حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله -ﷺ- أن يخالفه، أو يقول: لا أقبل إلا القرآن، بل هو أمرٌ لازمٌ، وفرضٌ حتمٌ بقبول أخباره، وسننه، وإعلام منه -ﷺ- أنها من الله، أوحاها إليه، فلو لم تُفد علمًا لقال من بَلَغَتْهُ: إنها أخبار آحاد لا تفيد علمًا، فلا يلزمني قبول ما لا علم لي بصحَّته، والله تعالى لم يكلّفني العملَ بما لم أعلم صحّته، ولا اعتقاده، بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله -ﷺ- أمته، ونهاهم عنه، ولَمّا علم أن في هذه الأمة من يقوله حذّرهم منه، فان القائل: إن أخباره لا تفيد العلم هكذا يقول سواء: ما هذه الأحاديث، وكان سلف هؤلاء يقولون: بيننا وبينكم القرآن، وخلفهم يقولون: بيننا وبينكم أدلّة العقول، وقد صرّحوا بذلك، وقالوا: نقدّم العقول على هذه الأحاديث، آحادها ومتواترها، ونقدّم الأقيسة عليها.\n(الدليل الثامن عشر): ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك -﵁-، قال: كنت أسقي أبا عُبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة الأنصاريّ، وأُبيّ بن كعب شرابًا من فَضِيخ، فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الْجِرار، فاكسرها، فقمت إلى مِهْرَاس لنا، فضربتها بأسفله، حتى كسرتها.\nووجه الاستدلال أن أبا طلحة أقدم على قبول خبر التحريم، حيث ثبت به","vol":"2","page":502},{"text":"التحريم لِمَا كان حلالًا، وهو يمكنه أن يسمع من رسول الله -ﷺ- شِفاهًا، وأكّد ذلك القبولَ بإتلاف الإناء، وما فيه، وهو مالٌ، وما كان لِيُقدم على إتلاف المال بخبر من لا يفيد خبره العلم عن رسول الله -ﷺ- إلى جنبه، فقام خبر ذلك الآتي عنده، وعند من معه مقام السماع من رسول الله -ﷺ- بحيث لم يشكّوا، ولم يرتابوا في حدقه، والمتكلّفون يقولون: إن مثل ذلك الخبر لا يفيد العلم لا بقرينة، ولا بغير قرينة.\n(الدليل التاسع عشر): أن خبر الواحد لو لم يُفد العلم لم يُثْبِت به الصحابة التحليل والتحريم، والإباحة، والفروض، ويجعل ذلك دينًا يُدان به في الأرض إلى آخر الدهر، فهذا الصدّيق -﵁- زاد في الفروض التي في القرآن فرض الجدّة، وجعله شريعةً مستمرّةً إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل حكم الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نصّ القرآن في إثبات فرض الأمّ، ثم اتّفق الصحابة، والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد. وأثبت عمر بن الخطّاب -﵁- بخبر حَمَل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضًا لازمًا للأمة. وأثبت ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وصار ذلك شرعًا مستمرّا إلى يوم القيامة. وأثبت شريعة عامّةً في حقّ المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف -﵁- وحده. وأثبت عثمان بن عفّان -﵁- شريعةً عامّةً في سكنى المتوفّى عنها زوجها بخبر فُريعة بنت مالك وحدها. وهذا أكثر من أن يُذكَر، بل هو إجماعٌ معلوم منهم. ولا يقال على هذا: إنما يدلّ على العمل بخبر الواحد في الظنّيّات، ونحن لا ننكر ذلك؛ لأنا قد قدّمنا أنهم أجمعوا على قبوله، والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون كذبًا، أو غلطًا في نفس الأمر، لكانت مجمعةً على قبول الخطإ، والعمل به، وهذا قدح في الدين والأمّة.\n(الدليل العشرون): أن الرّسُل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد، ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى ﵇ من الذي جاء من أقصى المدينة قائلًا له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، فجزم بخبره، وخرج هاربًا من المدينة. وقبِلَ خبر بنت صاحب مدين لَمّا قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾. وقبِلَ خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي، وتزوّجها بخبره. وقبِل يوسف الصدّيق ﵇ خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾. وقبل النبيّ -ﷺ- خبر الآحاد الذين كانوا يُخبرونه بنقض عهد المعاهدين له، وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريّهم. ورسُلُ الله صلوات الله وسلامه عليهم لم يرتّبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يُجوّزون أن تكون كذبًا وغلطًا، وكذلك الأمة لم تُثبت الشرائع العامّة الكليّة بأخبار الآحاد، وهم يجوّزون أن يكون كذبًا على رسول الله -ﷺ-","vol":"2","page":503},{"text":"في نفس الأمر، ولم يُخبروا عن الربّ ﵎ في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوّزون أن يكون كذبًا وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يَقطَع ببطلانه كلُّ عالم ببطلانه.\n(الدليل الحادي والعشرون): أن خبر العدل الواحد الْمُتَلَقَّى بالقبول لو لم يفد العلم لم تجُز الشهادة على الله ورسوله -ﷺ- بمضمونه، ومن المعلوم المتيَقَّن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على الله، وعلى رسوله -ﷺ- بمضمون هذه الأخبار، جازمين بالشهادة في تصانيفهم، وخطابهم، فيقولون: شرع الله كذا وكذا على لسان رسوله -ﷺ-، فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار، جازمين بها لكانوا قد شَهِدوا بغير علم، وكانت شهادة زور، وقولًا على الله ورسوله -ﷺ- بغير علم، ولعمر الله هذا حقيقة قولهم، وهم أولى بشهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها.\nقال أبو عمرو بن الصلاح، وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقَّى بالقبول المتّفق على صحّته: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحّته، والعلم اليقينيّ النظريّ واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك، محتجّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظنّ، وإنما تلقّته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظنّ، والظنّ قد يُخطىء. قال: وقد كنت أميل إلى هذا، وأحسبه قويّا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أَوّلًا هو الصحيح؛ لأن ظنّ من هو معصوم من الخطإ لا يُخطىء، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، ولهذا كان الإجماع المبنيّ على الاجتهاد حجةً، مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك. وهذه نكتة نفيسة نافعة. انتهى.\nوقال إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتاب \"الانتصار\" له: ما خلاصته:\nإذا صحّ الخبر عن رسول الله -ﷺ-، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى النبيِّ -ﷺ-، وتلقّته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول عامّة أهل الحديث، والمتقنين من القائمين على السنّة، وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بدّ من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدريّة، والمعتزلة، وكان قصدهم منه ردّ الأخبار، وتلقّفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يَقِفوا على مقصودهم من هذا القول.\nولو أنصف أهل الفِرَق من الأمّة لأقرّوا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدلّ كلُّ فريق منهم على صحّة ما يذهب","vol":"2","page":504},{"text":"إليه بخبر الواحد. ترى أصحاب القدر يستدلّون بقوله -ﷺ-: \"كلّ مولودٌ يولد على الفطرة\"، وبقوله: \"خلقتُ عبادي حُنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم\". وترى أهل الإرجاء يستدلّون بقوله: \"من قال: لا إله إلا الله دخل الجنّة\"، قيل: وإن زنى، وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى، وإن سرق\". وترى الرافضة يحتجّون بقوله -ﷺ-: \"يُجاء بقوم من أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم\". وترى الخوارج يستدلّون بقوله -ﷺ-: \"سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر\"، وبقوله: \"لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن\"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدلّ بها أهل الفرق، ومشهورٌ معلوم استدلال أهل السنّة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدّموهم ومتأخّروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى، وفي مسائل القدر، والرؤية، وأصول الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحّدين من المذنبين من النار، وفي صفة الجنّة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبيّ -ﷺ-، ومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدّمين وأخبار الرقاق، وغيرها مما يكثر ذكره، وهذه الأشياء علميّة، لا عمليّة، وإنما تُروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا قلنا: خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطإ، وجعلناهم لاغين، هازلين، مشتغلين بما لا يفيد أحدًا شيئًا، ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دوّنوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه. قال: وربّما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبيّ -ﷺ- أدَّى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من الصحابة يؤدّيه إلى الأمة، وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي؛ لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدّي -نعوذ بالله من هذا القول البشيع والاعتقاد القبيح- قال: ويدل عليه أن النبيّ -ﷺ- بعث الرسلَ إلى الملوك إلى كسرى، وقيصر، وملك الإسكندرية، وإلى أُكيدر دُومة، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكَتَبَ إليهم كتبًا على ما عرف، ونقل، واشتهر، وإنما بعث واحدًا واحدًا، ودعاهم إلى الله تعالى، والتصديق برسالته -ﷺ- لإلزام الحجة، وقطع العذر؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وهذه المعاني لا تحصلُ إلا بعد وقوع العلم ممن أرسل إليه بالإرسال والمرسل، وأن الكتاب من قِبَله، والدعوة منه، وقد كان نبيّنا -ﷺ- بعث إلى الناس كافّةً كثيرًا من الرسل إلى هؤلاء الملوك، والكتاب إليهم لبَثَّ الدعوة إليهم في جميع الممالك، ودعا الناس إلى دينه على حسب ما أمره الله تعالى بذلك، فلو لم يقع العلم بخبر الواحد في أمور الدين لم يقتصر على إرسال الواحد من الصحابة في هذا الأمر، وكذلك في أمور كثيرة، اكتفى بإرسال الواحد من الصحابة:","vol":"2","page":505},{"text":"(منها): أنه بَعَثَ عليّا لينادي في موسم الحجّ بمنًى: \"ألا لا يحجّنّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبيّ -ﷺ- عهدٌ، فمدّته إلى أربعة أشهر، ولا يدخل الجنّة إلا نفسٌ مسلمة\". ولا بُدّ في هذه الأشياء من وقوع العلم للقوم الذين كان يناديهم حتى إن أقدموا على شيء من هذا بعد سماع هذا القول، كان رسول الله -ﷺ- مبسوط العذر في قتالهم، وقتلهم، وكذلك بعث معاذا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، ويعلّهم إذ أجابوا شرائعه، وبعث إلى أهل خيبر في أمر القتيل واحدًا يقول: إما أن تَدُوا، أو تؤذنوا بحرب من الله ورسوله، وبعث إلى قريظة أبا لبابة بن عبد المنذر يستنزلهم على حكمه، وجاء أهلَ قباء واحدٌ، وهم في مسجدهم يصلّون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فانصرفوا إليه في صلاتهم، واكتفوا بقوله، ولا بدّ في مثل هذا من وقوع العلم به.\nوكان النبيّ -ﷺ- يرسل الطلائع، والجواسيس في بلاد الكفر، ويقتصر على الواحد في ذلك، ويَقبَل قوله إذا رجع، وربّما أقدم عليهم بالقتل والنهب بقوله وحده، ومن تدبّر قول النبيّ -ﷺ-، وسيرته لم يخف عليه ما ذكرناه، وما يَرُدّ هذا إلا مكابرٌ، أو معاند. ولو أنك وضعت في قلبك أنك سمعت الصدّيق، والفاروق رضي الله تعالى عنهما، أو غيرهما من وجوه الصحابة، يروي لك حديثًا عن النبيّ -ﷺ- في أمر من الاعتقاد، من جواز الرؤية على الله، وإثبات القدر، أو غير ذلك، لوجدت قلبك مطمئنّا إلى قوله، لا يداخلك شكّ في حدقه، وثبوت قوله، وفي زماننا ترى الرجل يسمع من أستاذه يُخبر عن شيء من عقيدته التي يريد أن يلقى الله بها، فيحصُلُ للسامع علم بمذهب من نقل عنه أستاذه ذلك، بحيث لا يختلجه شبهةٌ، ولا يَعتريه شكّ، وكذلك كثير من الأخبار التي قضيّتها العلم توجد بين الناس، فيحصل لهم العلم بذلك الخبر، ومن رجع إلى نفسه علم بذلك. انتهى ما كتبه ابن القيّم، منقولًا من \"مختصر الصواعق المرسلة\" (١).\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان الأدلّة أن الحقّ والصواب هو ما عليه مُحقِّقُو أهل السنّة والجماعة، من أن خبر الواحد الصحيح حجة ملزمة يفيد العلم والعمل جميعًا،، وأن من خصّ ذلك بما في \"الصحيحين\" فقد خالف الصواب، وإن نسبه بعضهم إلى الجمهور، فكن مع الأدلّة، وإن كان القائلون بها قلّة، ولا تسلُك خلافها، وإن سلكه جِلّة الفقها، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو الأعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثانية): في البحث المتعلّق بقوله: \"وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ\n_________\n(١) \"مختصر الصواعق المرسلة\" ٢/ ٣٩٤ - ٤٠٩.","vol":"2","page":506},{"text":"قَوْلنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ\":\n(اعلم): أن المرسل في اللغة اسم مفعول، جمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفِها، مأخوذ من الإرسال، وهو الإطلاق، وعدم المنع، قال ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ الآية [مريم: ٨٣]، فكأن المرسِلَ أطلق الإسناد، ولم يُقيّده براو معروف، أو من قولهم: ناقةٌ مِرْسالٌ: أي سريعة السير، كأن المرسِلَ أسرع فيه عَجِلًا، فحذف بعض إسناده، قال كعب بن زُهير [من البسيط]:\nأَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلِّغُهَا ... إِلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ\nأو من قولهم: جاء القوم أرسالًا: أي متفرّقين؛ لأن بعض الإسناد منقطع من بقيّته (١).\nوأما اصطلاحًا فهو ما رفعه التابعيّ مطلقًا كبيرًا كان أو صغيرًا إلى النبيّ -ﷺ- مطلقًا، قولًا كان، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو نحوها، هذا الصحيح في تعريفه، وقيل: هو ما رفعه التابعيّ الكبير، وهو الذي جلُّ روايته عن الصحابة -﵃-. وقيل: هو ما سقط من سنده راو واحد، أو أكثر، سواء كان من أوله، أو وسطه، أو آخره، وهو مذهب الفقهاء والأصوليين، وأبي بكر الخطيب، وجماعة من المحدّثين، كأبي داود، والنسائيّ، والحاكم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطنيّ، والبغويّ، والبيهقيّ، وغيرهم.\nثم اختلفوا في حكمه:\nفذهب جماعة إلى أنه لا يُحتجّ به، وإليه ذهب الإمام الشافعيّ، ويقال: إنه أول من ردّ المرسل، كما سيأتي في كلام أبي داود، وهو مذهب أهل الحديث قاطبةً، كما نصّ عليه مسلم في كلامه السابق، وابن عبد البرّ في \"التمهيد\"، وحكاه الحاكم عن ابن المسيّب، ومالك، وهو قول كثير من الفقهاء والأصوليين، وأهل النظر.\nواستدلّوا بجهل حال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابيّ، وإذا كان كذلك، فيحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمله عن تابعيّ آخر، وهكذا فيعود الاحتمال المذكور، ويتعدّد أما بالتجويز العقليّ فإلى ما لا نهاية له، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وُجد من رواية التابعين بعضِهم عن بعض. أفاده الحافظ (٢).\n_________\n(١) راجع \"فتح المغيث\" ١/ ١٥٧.\n(٢) راجع \"النزهة\" بحاشية \"لقط الدرر\" ص ٧٤.","vol":"2","page":507},{"text":"وإن اتّفق أن يكون المرسِل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف، كما سبق بيانه، ولأنه إذا كان المجهول المسمّى لا يُقبل حتى يوثّق، فالمجهول عينًا وحالًا أولى. أفاده في \"التدريب\" (١).\nوذهب جماعة إلى أنه حجة، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه، وجمهور أتباعهما، وأحمد في رواية عنه، وحكاه النوويّ في \"شرح المهذّب\" عن كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، قال: ونقله الغزاليّ عن الجماهير، وقال أبو داود في \"رسالته\": وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجّون بها فيما مضى، مثل سفيان الثوريّ، ومالك، والأوزاعيّ، حتى جاء الشافعيّ ﵀، فتكلّم في ذلك، وتابعه عليه أحمد وغيره. انتهى.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول أبي داود رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"حتى جاء الشافعيّ الخ\" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه نُقل عن سعيد المسيب ردّه، وكذا عن مالك في رواية عنه، وبما نقل عن الزهريّ، وابن سيرين، وكلهم قبل الشافعيّ، وكذا عن ابن مهديّ، ويحيى القطّان، إلا أن يقال: إن اختصاص الشافعيّ به لمزيد التحقيق فيه. والله تعالى أعلم.\nثم إن قبوله مشروط -كما قال ابن عبد البرّ وغيره- بما إذا لم يكن الْمُرسِل ممن لا يحترز، ويُرسل عن غير الثقات، وإلا فلا خلاف في ردّه. قاله النوويّ في \"شرح المهذّب\". وقال غيره: محلّ قبوله عند الحنفيّة إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة المفضّلة، فإن كان من غيرها فلا؛ لحديث: \"ثم يفشوا الكذب ... \" الحديث (٢).\nثم إن المحتجّين به اختلفوا هل هو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله، وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض، والذي ذهب إليه أحمد، وأكثر المالكيّة، والمحقّقون من الحنفيّة، كالطحاويِّ، وأبي بكر الرازيّ تقديم المسند، قال ابن عبد البرّ: وشبّهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالًا من بعض، وأقعد، وأتمّ معرفةً، وإن كان الكلّ عُدولًا جائزي الشهادة. انتهى.\nوذهب آخرون إلى أنه أعلى وأرجح من المسند، ووجّهوا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفّل لك.\nوالمعنى: أن من ذكر إسناد الحديث، فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال\n_________\n(١) \"تدريب الراوي\" ١/ ١٧٠.\n(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد في \"مسنده\" رقم (١٠٩) والترمذيّ في \"جامعه\" (٢٠٩١) من حديث عمر -﵁-.","vol":"2","page":508},{"text":"رواته، والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثِقَته فقد قطع لك بصحّته، وكفاك النظر فيه.\nومحلّ الخلاف فيما قيل إذا لم ينضمّ إلى الإرسال ضعفٌ في بعض رواته، وإلا فهو أسوأ حالًا من مسند ضعيف جزمًا، ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسِل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات. قاله ابن عبد البرّ، وأبو الوليد الباجيّ من المالكية، وأبو بكر الرازيّ من الحنفيّة.\nومن الْحُجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيًّا لا سيّما بالكذب بعيدٌ جدًّا، فإنه -ﷺ- أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيريّة، ثم للقرنين بعده، بحيث استُدلّ بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، فإرسال التابعيّ، بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديثَ بالجزم من غير وُثوق بمن قاله مناف لها، مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. قاله السخاويّ (١).\nوإلى ما سبق من تعريف المرسل، والاختلاف في حكمه أشرت في \"الشافية\" بقولي:\nمَا رَفَعَ التَّابِعُ مُطْلَقًا إِلَى ... نَبِيِّنَا هُوَ الْمُسَمَّى مُرْسَلَا\nوَقِيلَ بَلْ كَبِيرُهُمْ أَوْ مُطْلَقُ ... مُنْقَطِعٍ كَذَا الْخِلَافَ حَقَّقُوا\nوَالأَرْجَحُ الأَوَّلُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا ... فِي حُكْمِهِ فَالأَكْثَرُون ضَعَّفُوا\nذَكَرَهُ الْحَاكِمُ عَنْ جَمَاعَةِ ... أَهْلِ الْحَدِيثِ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ\nمِثْلُ سَعِيدٍ مَالِكٍ وَالزُّهْرِي ... وَالشَّافِعِي وَأَحْمَدَ الأَبَرِّ\nكَذَاكَ الاوْزَاعِي وَفِي أَكْثَرِ مَا ... ذَكَرَ يُنْظَرُ فَلَيْسَ مُحْكَمَا\nوَلَا يَصِحُّ عَنْهُمُ الطَّعْنُ عَلَى ... إِطْلَاقِهِ بَلَى لِبَعْضٍ نُقِلَا\nوهَكَذَا قِيلَ وَلَكِنْ مُسْلِمُ ... أَطْلَقَهُ هُنَا فَسَلِّمْ تَسْلَمُ\nعَزَاهُ لِلْمُحَدِّثِينَ مُطْلَقَا ... فَضُعْفُهُ لَدَيْهِمُ تَحَقَّقَا\nوَشَرَطَ الْحَبْرُ الإِمَامُ الشَّافِعِي ... فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ عَنْ تَابِعِي\nعَدَمَ نَقْلِهِ لِمَنْ لَا يُقْبَلُ ... وَعَدَمَ الْخِلَافِ حِينَ يَنْقُلُ\nلِسَائِرِ الْحُفَّاظِ فِيمَا أَسْنَدَا ... وَكَوْنَهُ مِنَ الْكِبَارِ اعْتَمَدَا\nوَأَيْضًا اشْتَرَطَ فِي مُرْسَلِهِ ... كَوْنَهُ مَعْضُودًا بِمُرْسِي أَصْلِهِ\nتَعْضِدُهُ أَشْيَاءُ مِنْهَا الأَقْوَى ... كَوْنُهُ مُسْنَدًا بِوَجْهٍ أَقْوَى\n_________\n(١) راجع \"فتح المغيث\" ١/ ١٦٢.","vol":"2","page":509},{"text":"كَذَاكَ مُرْسَلٌ أَتَى عَمَّنْ نَقَلْ ... عَنْ غَيْرِ مَنْ مُرْسِلُ ذَا عَنْهُ حَمَلْ\nكَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا قَدْ وَرَدْ ... عَنْ بَعْضِ أَصْحَاب النَّبِيِّ الْمُعْتَمَدْ\nكَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا نُقِلَا ... عَنْ جُلَّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْضًا قُبِلَا\nهَذَا خُلَاصَةُ مَقَالِ الشَّافِعِي ... فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ يَا سَامِعِي\nوَهْوَ لَدَى الْحُجَّةِ دُونَ الْمُتَّصِلْ ... وَنَحْوُ مَا قَالَهُ أَيْضًا قَدْ نُقِلْ\nعَنْ غَيْرِهِ مِنْ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ ... كَنَجْلِ حَنْبَلٍ حَلِيفِ الْحِلْمِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الثالثة): اشتهر عن الشافعي أنه لا يَحتَجّ بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب، قال النوويّ في \"شرح المهذّب\"، وفي \"الإرشاد\": والإطلاق في النفي والإثبات غلط، بل هو يَحتَجّ بالمرسل بالشروط المذكورة، ولا يحتج بمراسيل سعيد إلا بها أيضًا، قال: وأصل ذلك أن الشافعي قال في \"مختصر المزني\": أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله -ﷺ- \"نَهَى عن بيع اللحم بالحيوان\"، وعن ابن عباس: أن جَزُورًا نَحِرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا، قال الشافعي: وكان القاسم ابن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يُحَرِّمون بيع اللحم بالحيوان، قال: وبهذا نأخذ، ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله -ﷺ- خالف أبا بكر الصديق، وإرسالُ ابن المسيب عندنا حسن.\nفاختلف أصحابنا في معنى قوله: \"وإرسال ابن المسيب عندنا حسن\" على وجهين، حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في \"اللمع\"، والخطيب البغدادي وغيرهما:\n[أحدهما]: معناه أنها حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل، قالوا: لأنها فُتِّشَت، فوجدت مسندة.\n[والثاني]: أنها ليست بحجة عنده، بل هي كغيرها، قالوا: وإنما رَجّح الشافعي بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز، قال الخطيب: وهو الصواب، والأول ليس بشيء؛ لأن في مراسيله ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح، وكذا قال البيهقي، قال: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ، قال النوويّ: فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان، متضلعان من الحديث والفقه والأصول، والْخِبْرَة التامة بنصوص الشافعي، ومعاني كلامه.\nقال: وأما قول القفال: مرسل ابن المسيب حجة عندنا، فهو محمول على","vol":"2","page":510},{"text":"التفصيل المتقدم، قال: ولا يصح تعلّق من قال: إنه حجة بقوله: إرساله حسن؛ لأن الشافعي لم يَعتَمِد عليه وحده، بل لِمَا انضم إليه من قول أبي بكر، ومن حضره من الصحابة، وقول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم، وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة. وقد نَقَل ابنُ الصباغ وغيره هذا الحكم عن تمام السبعة، وهو مذهب مالك وغيره، فهذا عاضد ثان للمرسل.\nوقال البلقيني: ذكر الماوردي في \"الحاوي\": أن الشافعي اختَلَفَ قوله في مراسيل سعيد، فكان في القديم يحتج بها بانفرادها؛ لأنه لا يُرسل حديثا إلا يوجد مسندًا، ولأنه لا يَروِي إلا ما سمعه من جماعة، أو من أكابر الصحابة، أو عضده قولهم، أو رآه منتشرا عند الكافّة، أو وافقه فعل أهل العصر، وأيضا فإن مراسيله سُبِرَت، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لما بينهما من الوصلة والصِّهَارة، فصار إرساله كإسناده عنه، ومذهب الشافعي في الجديد أنه كغيره.\nثم هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلح مثالًا لأقسام المرسل المقبول؛ فإنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر، أرسله مَنْ أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فَرَوى البيهقي في \"المدخل\" من طريق الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة قال، قَدِمتُ المدينة، فوجدت جَزُورًا قد جُزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كلّ جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله -ﷺ- \"نَهَى أن يباع حي بميت\"، فسألت عن ذلك الرجل، فأُخبرت عنه خيرًا، قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم بن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلًا، والظاهر أنه غير سعيد، فإنه أشهر من أن لا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي، حتى يسأل عنه، قال: وقد رَوَيناه من حديث الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبيّ -ﷺ- إلا أنّ الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته، فيكون مثالًا للفصل الأول -يعني ما له شاهد مسند، ومنهم من لم يُثبته، فيكون أيضًا مرسلًا انضم إلى مرسل سعيد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n[تنبيه]: إن لم يكن في الباب دليل سوى المرسل، فثلاثة أقوال للشافعي، ثالثها: -هو الأظهر- يجب الانكفاف لأجله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","vol":"2","page":511},{"text":"(المسألة الرابعة): تَلَخَّص في الاحتجاج بالمرسل عشرة أقوال: حجة مطلقًا، لا يحتج به مطلقًا، يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة، يُحتج به إن لم يَروِ إلا عن عدل، يُحتج به إن أرسله سعيد فقط، يحتج به إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، يحتج به ندبًا لا وجوبًا، يُحتج به إن أرسله صحابي.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: نظمت هذه الأقوال العشرة بقولي:\nوَجُمْلَةُ الأَقْوَالِ فِي الْمَرَاسِلِ ... عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ فَاسْتَفْصِلِ\nبهِ احْتِجَاجٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا ... أَوْ إِنْ أَتَى عَنِ الْقُرُونِ الْفُضَلَا\nأَوْ إِنْ رَوَى مَنْ بِثِقَاتٍ قُيِّدَا ... أَوْ عَنْ سَعِيدٍ أَوْ يَجِي مُعْتَضِدَا\nأَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ جَا سِوَاهُ ... وَبَعْضُهُمْ مِنْ مُسْنَدٍ أَعْلَاهُ\nأَوْ حُجَّةٌ نَدْبًا أَوِ الصَّحَابِي ... أَرْسَلَهُ فَذَا تَمَامُ الْبَابِ\nوَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالاحْتِجَاجِ ... إِنْ يَعْتَضِدْ أَصَحّ فِي الْحِجَاجِ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة الخامسة): قال الحاكم في \"علوم الحديث\" (١): أكثر ما تُروَى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول، قال: وأصحها كما قال ابن معين مراسيل بن المسيب؛ لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة (٢)، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يَعْتَدُّ مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله، فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، قال: والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، ومن السنة حديث: \"تَسمَعون، ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن يَسمَع منكم\" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n_________\n(١) راجع \"معرفة علوم الحديث\" ص ٢٥ - ٢٦.\n(٢) فيه نظرٌ؛ لأنه لم يُدرك أبا بكر الصدّيق -﵁-، فإنه وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر -﵁-، راجع \"تهذيب التهذيب\" ٢/ ٤٤.\n(٣) حديث صحيح أخرجه أحمد في \"مسنده\"، وأبو داود، والحاكم من حديث ابن عباس ﵄. راجع \"صحيح الجامع الصغير\" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ١/ ٥٦٧ رقم الحديث (٢٩٤٧).","vol":"2","page":512},{"text":"(المسألة السادسة): في ذكر ما جاء عن بعض أهل العلم في مراسيل التابعين:\nقال عليّ بن المديني في مراسيل عطاء: كان عطاء يأخذ عن كلّ ضَرْب، مرسلات مجاهد أحب إليّ من مرسلاته بكثير. وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصحُّ المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كلّ واحد، ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد. وقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقلّ ما يسقط منها. وقال أبو زرعة: كلُّ شيء قال الحسن: قال رسول الله -ﷺ- وجدت له أصلا ثابتًا ما خلا أربعةَ أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله -ﷺ- إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين. قال الحافظ ابن حجر: ولعله أراد ما جَزَم به الحسن. وقال غيره: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله -ﷺ-، فلو كُنتَ تُسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال الحسن: أيها الرجل ما كَذَبنا ولا كُذِبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد -ﷺ-. وقال يونس بن عبيد: سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله -ﷺ-، وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحجاج- كلُّ شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله -ﷺ-، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا (١).\nوقال محمد بن سعيد: كلُّ ما أَسنَد من حديثه، أو رَوَى عمن سمع منه فهو حسن حجة، وما أَرسل من الحديث فليس بحجة. وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح، وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. وعنه أيضًا: أعجب إليّ من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم، وسعيد بن المسيب. وقال أحمد: لا بأس بها. وقال الأعمش: قلت لإبراهيم النخعي: أَسْنِد لي عن ابن مسعود، فقال: إذا حدثتكم عن رجل، عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد، عن عبد الله.\nومراسيل الزهري قال ابن معين، ويحيى بن سعيد القطان: ليس بشيء، وكذا قال\n_________\n(١) قال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد أن حكى هذه القصّة: ما نصّه: وهذا إسناد ضعيف، ولم يثبُت للحسن سماع من عليّ. انتهى \"شرح علل الترمذيّ\" ص ١٧٧ نسخة تحقيق صبحي السامرّائيّ.","vol":"2","page":513},{"text":"الشافعي، قال: لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم. ورَوَى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شَرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قَدَرَ أن يُسَمِّي سَمَّى، وإنما يَتْرُك من لا يَستحب أن يسميه. وكان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال قتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وقال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إليّ من مرسلات عطاء، قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما، وقال أيضا: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف. وقال أيضا: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح. وقال: مرسلات أبي إسحاق الهمداني، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات إسماعيل بن أبي خالد، ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، ومرسلات معاوية بن قُرّة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح، وسفيان بن سعيد، ومرسلات مالك بن أنس أحب إليّ، وليس في القوم أصح حديثا منه (١).\nوقد أشرت إلى بعض ما ذكر مع بيان ما نِقُل عن يحيى القطان في تقسيمه أسباب ضعف المرسل إلى أربعة أقسام في \"شافية الغلل\" فقلت:\nوَذَكَرَ الْقَطَّانُ أَنَّ الْمُرْسَلَا ... بَعْضُهُ أَضْعَفُ مِنَ الْبَعْضِ اعْقِلَا\nوَضَرَبَ الأَمْثِلَةَ الْمُبَيِّنَهْ ... حَاصِلُهَا أَرْبَعَةٌ مُعَيَّنَهْ\n(أَحَدُهَا) مَنْ عَنْ ضَعِيفٍ يُعْرَفُ ... بِالنَّقْلِ مَا أَرْسَلَهُ يُضَعَّفُ\n(وَالثُّانِ) أَنَّ مَنْ لَهُ صَحَّ السَّنَدْ .. إِلَى الَّذِي أَرْسَلَ عَنْهُ لَا يُرَدّ\n(ثَالِثُهَا) مَنْ كَانَ أَقْوَى حِفْظَا ... مُرْسَلُهُ أَوْهَى فَدَعْ لِتَحْظَى\nإِذْ أَنَّهُ يَحْفَظُ كُلَّ مَا وَصَلْ ... لِسَمْعِهِ وَفِيهِ وَاهٍ ذُو خَلَلْ\n(رَابِعُهَا) مَنْ كَانَ حَافِظًا إِذَا ... عَنْ ثِقَةٍ رَوَى أَبَانَ الْمَأْخَذَا\nفَتْرُكُهُ اسْمَ شَيْخِهِ دَلَّ عَلَى ... غَيْرِ الرِّضَا بهِ فَرَيْبُنَا جَلَا\nلِذَا رَأَوْا مَرَاسِلَ الزُّهْرِيِّ ... وَاهِيَةً لِشَكِّنَا الْقَوِيِّ\nوَاخْتَلَفُوا فِي مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ ... صَحَّحَهَا قَوْمٌ حَلِيفُو الْحَسَنِ\nكَابْنِ الْمَدِينِيِّ الإِمَامِ الثَّبَتِ ... وَكَأَبِي زُرْعَةَ عَالِي الْحُجَّةِ\nوَبَعْضُهُمْ ضَعَّفَهَا لِكَوْنِهِ ... يَأْخُذُ عَنْ كُلٍّ بِلَا تَبْيِينِهِ\nوَمُرْسَلَاتُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَحَبّ ... مِنْ مُرْسَلَاتِهِ لَدَى يَحْيَى الأَحَبّ\nوَمُرْسَلُ الشَّعْبِيِّ قَدْ صحَّ لَدَى ... ابْنِ الْمَدِينِيِّ فَخُذْ نِلْتَ الْهُدَى\n_________\n(١) راجع \"التدريب\" ج ١ ص ٢٠٥.","vol":"2","page":514},{"text":"وَمُرْسَلَاتُ النَّخَعِيِّ صُحِّحَتْ ... سِوَى حَدِيثَيْنِ لَدَى يَحْيَى الثَّبَتْ\nحَدِيثُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بالضَّحِكْ ... وَتَاجِرُ الْبَحْرَيْنِ فَاهْجُرْ مَا تُرِكْ\nوَكَوْنُهَا أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِنْ ... إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَزَاهَا قُلْ قَمِنْ\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n(المسألة السابعة): في البحث المتعلّق بالتدليس:\n\"التدليس\": مصدر دَلّس، يقال: دَلّسَ البائع تدليسًا: إذا كتم عيبَ السلعة من المشتري وأخفاه. قاله الخطابيّ وجماعةٌ. ويقال: أيضًا دَلَسَ دَلْسًا، من باب ضرب، والتشديد أشهر في الاستعمال. قال الأزهريّ: سمعتُ أعرابيّا يقول: ليس لي في الأمر وَلْسٌ ولا دَلْسٌ: أي لا خيانة، ولا خَدِيعةٌ. والدُّلْسَة بالضمّ: الخديعة أيضًا. وقال ابن فارس: وأصله من الدَّلَس، وهو الظلمة. قاله الفيّوميّ (١).\nوقال في \"فتح المغيث\": واشتقاقه من الدّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره. انتهى (٢). وقال في \"توضيح الأفكار\": إنه مشتقّ من الدّلَس، وهو الظلام. قاله ابن السِّيد، وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطيته وجه الصواب. وقال البقاعيّ: إنه مأخوذ من الدّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر، ومنه التدليس في البيع، يقال: دَلّس فلان على فلان: أي ستر عنه العيب الذي في متاعه، كأنه أظلم عليه الأمر. انتهى (٣).\nثم إن التدليس قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ:\nأما تدليس الإسناد، فتحته خمسة أقسام:\n(أحدها): أن يروي عمن عاصره، أو لقيه ما لم يسمعه منه، موهما سماعه، حيث أورده بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه، قائلًا: قال فلان، أو عن فلان ونحوه، كأن فلانا قال، فإن لم يكن عاصره فليس الرواية عنه بذلك تدليسًا على المشهور.\nوقال قوم: إنه تدليس، فحدوه: بأن يُحَدِّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه، بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع، قال ابن عبد البر: وعلى هذا في سَلِمَ أحدٌ من التدليس لا مالك ولا غيره. وقال الحافظ أبو بكر البزار، وأبو الحسن بن القطان: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، قال: والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه.\n_________\n(١) \"المصباح المنير\" ١/ ١٩٨.\n(٢) \"فتح المغيث\" ١/ ٢٠٨.\n(٣) راجع \"توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار\" ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧.","vol":"2","page":515},{"text":"قال العراقي: والقول الأول هو المشهور، وقيده الحافظ بقسم اللقاء، وجعل قسم المعاصرة إرسالًا خفيًّا.\n(ثانيها): أن يُسقط أداةَ الرواية، ويُسَمِّي الشيخَ فقط، فيقول: فلان، قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وسَمَّى الحافظ هذا النوع بتدليس القطع.\n(الثالث): تدليس التسوية، سماه بذلك ابن القطان، وهو أن لا يُسقط شيخه، بل يُسقط شيخ شيخه، أو أعلى منه؛ لكونه ضعيفا، وشيخه ثقة، أو صغيرًا، ويأتي فيه بلفظ محتمل عن الثقة الثاني؛ تحسينًا للحديث، وهو أشر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية، قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفيه غرور شديد.\nوممن اشتهر بفعل ذلك بقية بن الوليد، قال ابن أبي حاتم في \"العلل\": سمعت أبي، وذَكَر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية، حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر، حديث: \"لا تَحمَدُوا إسلام المرء حتى تَعرِفوا عقدة رأيه\"، فقال أبي: هذا الحديث له أمر قَلَّ من يَفْهَمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، وعبيد الله كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية، ونسبه إلى بني أسد؛ كي لا يُفطَن له، حتى إذا ترك إسحاق لا يُهتَدَى له، قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا.\nوممن عُرِف به أيضا الوليد بن مسلم، قال أبو مسهر: كان يحدث بأحاديث الأوزاعي من الكذابين، ثم يدلسها عنهم. وقال صالح جزرة: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يُدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبدَ الله بن عَامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري أبا الهيثم بن مرّة، قال: أُنبِل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا روى هؤلاء، وهم ضعفاء أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت، وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي. قال الخطيب: وكان الأعمش، وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا.\nقال الحافظ العلائي، وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها.\nقال الحافظ العراقيّ: وهو قادح فيمن تعمد فعله. وقال الحافظ: لا شك أنه","vol":"2","page":516},{"text":"جرح، وإن وُصف به الثوري والأعمش، فالاعتذار أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما، ضعيفًا عند غيرهما.\nقال: ثم إن ابن القطان إنما سماه تسوية، بدون لفظ التدليس، فيقول: سَوّاه فلان، وهذه تسوية، والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون: جَوّده فلان، أي ذكر من فيه من الأَجْوَاد، وحذف غيرهم، قال: والتحقيق أن يقال: متى قيل تدليس التسوية، فلا بد أن يكون كلّ من الثقات الذين حُذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد، قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس، لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فَعَل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلًا، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثور، عن ابن عباس، وثور لم يلقه، وإنما رَوَى عن عكرمة عنه، فأسقط عكرمةَ؛ لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا، فهو منقطع خاص.\n(رابعها): تدليس العطف، زاده الحافظ، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيُصرّح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه، فيوهم بذلك أنه حدّث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدّث بالسماع عن الأول فقط، ونوى القطع، فقال: وفلان: أي وحدّث فلان.\nومثاله: ما نَقَله الحاكم والخطيب عن هشيم، أن أصحابه قالوا له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئًا لا يكون فيه تدليس، فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلسًا يقول في كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟ قالوا؟ لا، قال: بلى، كلُّ ما قلت فيه: وفلان، فإني لم أسمعه منه.\n(الخامس): تدليس القطع والحذف، ومثاله: ما ذكر محمد بن سعيد عن أبي حفص عمر بن علي المقدمي، أنه كان يدلس تدليسا شديدا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة الأعمش، وقال أحمد بن حنبل: كان يقول حجاج: سمعته، يعني حدثنا آخر، وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فقوله: عبد الرحمن تدليس، يوهم أنه سمعه منه.\nوحكم هذا القسم الأول أنه مكروه جدّا، ذمّه أكثر العلماء، وبالغ شعبة في ذمه، فقال: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلّس (١) وقال: التدليس أخو الكذب. قال ابن\n_________\n(١) وروي \"أُربي\" بالراء المهملة، وبالباء الموحدة، مضموم الهمزة من الربى؛ قيل: وهذ أولى؛ لأن الربا أخفّ من الزنا، ولما فيه من المناسبة بين الربا والتدليس؛ لأن الربا أصله التكثير والزيادة، ومتى دلّس فقد كثّر مروياته وتُعُقّب بأن الربا ليس بأخفّ من الزنا؛ بل هو أشد؛ لحديث عبد الله بن =","vol":"2","page":517},{"text":"الصلاح: وهذا منه إفراط، محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.\nثم قال فريق من أهل الحديث والفقهاء: مَن عُرف به صار مجروحًا، مردود الرواية مطلقًا، وإن بَيَّن السماع، وقال الجمهور: مَن يَقبل المرسل يقبله مطلقًا، حكاه الخطيب، وأما ما نقله النوويّ في \"شرح المهذّب\" من الاتفاق على رَدّ ما عنعنه تبعًا للبيهقي وابن عبد البر، فمحمول على اتفاق من لا يَحتج بالمرسل، لكن حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يُقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وُقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، ورجحه ابن حبان، قال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دَلّس فيه إلا وقد بَيّن سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مَثّل ذلك بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يُرسلون إلا عن صحابي، وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار، وأبو الفتح الأزدي، وعبارة البزار: مَن كان يدلس عن الثقات، كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا. وفي \"الدلائل\" لأبي بكر الصيرفي: مَن ظَهَر تدليسه عن غير الثقات لم يُقبل خبره حتى يقول: حدثني، أو سمعت. فعلى هذا فهو قول ثالث مفصّل غير التفصيل الآتي.\nقال ابن الصلاح والنوويّ -وعُزي للأكثرين، منهم: الشافعي، وابن المديني، وابن معين، وآخرون-: \"الصحيح التفصيل، في رواه بلفظ محتمل، لم يُبَيّن فيه السماع فمرسل لا يقبل، وما بين فيه السماع، كسمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشبهها فمقبول، محتجّ به، وفي \"الصحيحين\" وغيرهما من هذا الضرب كثير، كقتادة، والسفيانين، وغيرهم، وهذا الحكم جارٍ فيمن دلس مرّة واحدةً، وما كان في \"الصحيحين\"، وشبههما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ \"عن\"، فمحمول على ثبوت السماع له من جهة أخرى، وإنما اختار صاحب \"الصحيح\" طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه، دون تلك.\nوفَصّل بعضهم تفصيلا آخر، فقال: إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فجرح؛ لأن ذلك حرامٌ وغَشٌّ، وإلا فلا.\nقال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفصيل الذي قاله الأكثرون هو الأرجح عندي.\nوحاصله أن المدلّس إن صرّح بالسماع قُبلت روايته، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n= حنظلة -﵁- مرفوعًا: \"درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم أشدّ عند الله من ستة وثلاثين زنية\". رواه أحمد، والطبرانيّ بإسناد صحيح. انظر \"صحيح الجامع الصغير\" ١/ ٦٣٦ رقم (٣٣٧٥).","vol":"2","page":518},{"text":"(القسم الثاني من قسمي التدليس): تدليس الشيوخ، وهو أن يسمي شيخه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرَف به، ويدخل في هذا القسم التسوية أيضًا، بأن يصف شيخ شيخه بذلك. قاله الحافظ.\nوحكم هذا القسم أنه مكروه، وهو أخفّ من الأول، وسببها توعير طريق معرفته على السامع، كقول أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد أبا بكر بن أبي داود السجستاني، وفيه تضييع للمروي عنه، والمروي أيضًا؛ لأنه قد لا يُفطَن له، فيُحكم عليه بالجهالة.\nثم إن الكراهة تختلف بحسب غرضه، فإن كان لكون الْمُغَيَّر اسمه ضعيفًا، فيدلّسه حتى لا يَظهر روايته عن الضعفاء، فهو شَرُّ هذا القسم، والأصح أنه ليس بجرح، وجزم ابن الصباغ في \"الْعُدّة\" بأنّ مَن فَعَلَ ذلك لكون غير ثقة عند الناس، فغَيّرَه ليقبلوا خبره، يجب أن لا يُقبَل خبره، وإن كان هو يَعتَقد فيه الثقة؛ لجواز أن يَعرف غيره من جرحه ما لا يَعرفه هو. وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح، أو لضعف نسبه، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا. وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سُئل عنه لم يبينه فجرح، وإلا فلا.\nومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا، رَوَى البيهقي في \"المدخل\" عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يُدلّس، قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كُورة يَعلَم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل، وإذا عُرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عُرف بالكنية سماه؟ قال: هذا تزيين، ليس بتدليس.\nوإن كان لكونه صغيرا في السن، أو متأخر الوفاة حتى شاركه من هو دونه، فالأمر فيه سهل، أو سمع منه كثيرًا، فامتنع من تكراره على صورة واحدة؛ إيهاما لكثرة الشيوخ، أو تفننا في العبارة فسهل أيضًا. وقد يسمح الخطيب وغيره من الرواة المصنفين بهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[تنبيهات]:</span>\n(الأول): من أقسام التدليس إعطاء شخص اسم آخر مشهورٍ تشبيهًا، ذكره ابن السبكي في \"جمع الجوامع\"، قال: كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، يعني الذهبي؛ تشبيها بالبيهقي حيث يقول ذلك، يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللُّقِيّ والرحلة، كحدثنا من وراء النهر يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعًا؛ لأن ذلك من المعاريض، لا من الكذب. قاله الآمدي في \"الإحكام\"، وابن دقيق العيد في \"الاقتراح\".","vol":"2","page":519},{"text":"(الثاني): قسَّم الحاكم التدليس إلى ستة أقسام: [الأول]: قوم لم يميزوا بين ما سمعوه وما لم يسمعوه.\n[الثاني]: قوم يُدلسون، فإذا وقع لهم من يَنقُر عنهم، ويُلِحُّ في سماعاتهم ذكروا له، ومَثّله بما حَكَى ابن خشرم عن ابن عيينة.\n[الثالث]: قوم دَلَّسوا عن مجهولين، لا يُدرَى مَن هم؟ ومَثّله بما رُوي عن ابن المديني قال: حدثني حسين الأشقر، حدثنا شعيب بن عبد الله، عن أبي عبد الله، عن نَوْف، قال: \"بِتُّ عند علي ... \"، فذكر كلامًا، قال ابن المديني: فقلت لحسين: ممن سمعت هذا؟ فقال: حدثنيه شعيب، عن أبي عبد الله، عن نوف، فقلت لشعيب: مَن حدثك بهذا؟ فقال أبو عبد الله الجصاص، فقلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حمادًا، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فرقد السَّبَخِيّ، عن نوف.\nفإذا هو قد دلّس عن ثلاثة، وأبو عبد الله مجهول، وحماد لا يُدرَى من هو؟ وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفا.\n[الرابع]: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم، فيدلسونه.\n[الخامس]: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم، فيقولون: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماع.\nقال البلقيني: هذه الخمسة كلها داخلة تحت تدليس الإسناد. انتهى.\nثم ذكر [السادس]، وهو تدليس الشيوخ المتقدّم.\n(الثالث): قال الحاكم ﵀: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا نعلم أحدًا من أئمتهم دَلّسوا، قال: وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة، قال: وأما أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس، إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغَنديّ الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها، ومن دَلّس من أهلها إنما تبعه في ذلك. انتهى.\nوقد أفرد الخطيب كتابا في أسماء المدلسين، ثم ابن عساكر.\n(الرابع): استُدلّ على أن التدليس غير حرام بما أخرجه ابن عديّ عن البراء قال: \"لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد\"، قال ابن عساكر: قوله: \"فينا\" يعني","vol":"2","page":520},{"text":"المسلمين؛ لأن البراء لم يشهد بدرًا. ذكر هذا كلّه في \"التدريب\" (١).\n(الخامس): أن الحافظ ﵀ قسم المدلّسين في رسالته خمسة أقسام، وقد ذكرتُ ذلك، في نظمي لتلك الرسالة، فقلت:\nأَوَّلُهَا مَنْ لَيْسَ يُوصَفُ بِذَا ... إِلَّا بنُدْرَةٍ فَقُلْ يَا حَبَّذَا\nوَالثَّانِ مَنْ تَحْتَمِلُ الأَئِمَّةُ ... لِكَوْنِهِ قَلَّلَ وَهْوَ قُدْوَةُ\nثَالِثُهَا مَنْ أَكْثَرُوا فَأُهْمِلُوا ... إِلاَّ إِذَا السَّمَاعُ مِنْهُمْ يُنْقَلُ\nوَرَدَّهُمْ بَعْضٌ وَبَعْضٌ قَبِلَا ... مِنْهُمْ عَلَى الإِطْلَاقِ فِيهِمَا انْجَلَى\nرَابِعُهَا مَنْ بِاتِّفَاقٍ طُرِحُوا ... إِلَّا إِذَا السَّمَاعَ حَقًّا صَرَّحُوا\nلِكَثْرَةِ التَّدْلِيسِ عَمَّنْ جُهِلَا ... وَالضُّعَفَاءِ فَاحْذَرَنْ أَنْ تَنْقُلَا\nخَامِسُهَا مَنْ ضُعْفُهُمْ قَدْ نَجَمَا ... بِمَا سِوَى التَّدْلِيسِ فَارْدُدْ دَائِمَا\nإِلَّا إِذَا وُثِّقَ مَنْ ضُعْفُهُ قَلّ ... فَاقْبَلْ لِمَا سَمَاعُهُ نَصًّا حَصَلْ\n(المسألة الثامنة): في البحث المتعلّق بقوله: \"فيُخبرون بالنزول إن نزلوا، وبالصعود إن صَعِدوا\"، وهو النوع المسمّى في \"مصطلح أهل الحديث\" بـ\"العالي والنازل\":\n(اعلم): أن الإسناد خِصِّيصَة فاضلة لهذه الأمة، ليست لغيرها من الأمم، قال الإمام ابن حزم ﵀: نَقلُ الثقة عن الثقة يبلغ به النبيّ -ﷺ- مع الاتصال، خَصّ الله به المسلمين، دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال، فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد -ﷺ-، بل يَقِفُون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه، قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين، فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولس.\nوقال أبو علي الْجَيّاني: خَصّ الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها مَن قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب.\nومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: إسناد الحديث (٢).\n_________\n(١) راجع \"تدريب الراوي\" ١/ ٢٢٣ - ٢٣٢.\n(٢) راجع \"التدريب\" ٢/ ١٦١.","vol":"2","page":521},{"text":"وقال الحافظ السخاويّ ﵀: وقد روينا من طريق أبي العبّاس الدّغُوليّ، قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفّر يقول: إن الله قد أكرم هذه الأمة، وشرّفها، وفضّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هو صُحُف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات، وهذه الأمة إنما تنصّ الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشدّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً لمن فوقه ممن كان أقلّ مجالسةً، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا، أو أكثر حتى يُهذّبوه من الغلط والزلل، ويَضبِطوا حروفه، ويعُدّوه عدّا، فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمّة، فنستوزع الله شكر هذه النعمة (١).\nوقال أبو حاتم الرازيّ: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أُمناء يحفظون آثار الرسول إلا في هذه الأمّة (٢).\nوعند الحاكم في ترجمة عبد الله بن طاهر من \"تاريخه\" بسنده إلى إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ قال: كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث، فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزَّمْنَى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله ﷿ لأمة محمد -ﷺ- (٣).\nوإلى ما سبق أشار السيوطيّ في \"ألفيّة الحديث\" بقوله:\nقَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلَا تَرْدَادِ\n[تنبيه]: (اعلم): أن طلب علو الإسناد سنة، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود -﵁- كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر -﵁-، ويسمعون منه. وقال محمد بن أسلم الطوسي: قُرْب الإسناد قُرْبٌ، أو قربة إلى الله، ولهذا استحبت الرحلة.\nقال أبو عبد الله الحاكم: إن طلب العلوّ سنة صحيحة عن النبيّ -ﷺ-، متمسّكًا في ذلك بحديث أنس -﵁- في مجيىء ضمام بن ثعلبة إلى النبيّ -ﷺ-، وقال: \"أتانا رسولك، فزعم كذا .... \" الحديث رواه مسلم، قال: ولو كان طلب العلو غير مستحب لأنكر عليه سؤاله لذلك، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه، قال: وقد رحل في\n_________\n(١) \"شرف أصحاب الحديث\" ص ٤٣ و\"فتح المغيث\" ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(٢) \"شرف أصحاب الحديث\" ص ٤٠.\n(٣) \"فتح المغيث\" ٣/ ٣٣٢.","vol":"2","page":522},{"text":"طلب الإسناد غير واحد من الصحابة، ثم ساق بسنده حديث خروج أبي أيوب إلى عقبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله -ﷺ- لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله -ﷺ- غير عقبة ... \" الحديث في ستر المؤمن.\nوقال العلائي: في الاستدلال بما ذكروه نظر لا يخفى.\nأما حديث ضمام، فقد اختَلَف العلماء فيه، هل كان أسلم قبل مجيئه أم لا، فإن قلنا: إنه لم يكن أسلم كما اختاره أبو داود، فلا ريب في أن هذا ليس طلبا للعلو، بل كان شاكّا في قول الرسول الذي جاءه، فرحل إلى النبيّ -ﷺ- حتى استثبت الأمر، وشاهد من أحواله ما حصل له العلم القطعي بصدقه، ولهذا قال في كلامه: \"فزعم لنا أنك ... \" إلى آخره، فإن الزعم إنما يكون في مظنة الكذب، وإن قلنا كان أسلم، فلم يكن مجيئه أيضا لطلب العلو في الإسناد، بل ليرتقي من الظن إلى اليقين؛ لأن الرسول الذي أتاهم لم يُفد خبره إلا الظن، ولقاء النبيّ -ﷺ- أفاد اليقين.\nقال: وكذلك ما يُحتَجُّ به لهذا القول من رحلة جماعة من الصحابة والتابعين في سماع أحاديث معينة إلى البلاد، لا دليل فيه أيضًا؛ لجواز أن تكون تلك الأحاديث لم تتصل إلى من رحل بسببها من جهة صحيحة، وكانت الرحلة لتحصيلها، لا للعلو فيها.\nقال: نعم لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى مَنْ عنده الإسناد العالي.\nثمّ العلو على خمسة أقسام: أجلّها القرب من رسول الله -ﷺ- من حيث العدد بإسناد صحيح نظيف، بخلاف ما إذا كان مع ضعف، فلا التفات إلى هذا العلو، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادّعى سماعا من الصحابة، كابن هدبة، ودينار، وخراش، ونعيم بن سالم، ويعلى بن الأشدق، وأبي الدنيا الأشجّ.\nقال الإمام الذهبي: متى رأيت المحدث يَفرَح بعوالي هؤلاء، فاعلم أنه عامي يعدّها.\n(الثاني): القرب من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وهشيم، وابن جريج، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، وغيرهم مع الصحة أيضا، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله -ﷺ-.\n(الثالث): العلو المقيد بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة، أو غيرها من الكتب المعتمدة، وسماه ابن دقيق العيد عُلُوَّ التنزيل، وليس بعلو مطلق، إذ الراوي لو رَوَى الحديث من طريق كتاب منها وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، وقد يكون عاليا مطلقا أيضًا.","vol":"2","page":523},{"text":"وهو ما كثُر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة.\nفالموافقة أن يقع لك حديث عن شيخ مسلم مثلا من غير جهته بعدد أقل من عددك، إذا رويته بإسنادك عن مسلم عنه.\nوالبدل أن يقع هذا العلو عن شيخ غير مسلم، وهو مثل شيخ مسلم في ذلك الحديث، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم، فهو موافقة مقيدة، وقد تُطلق الموافقة والبدل مع عدم الْعُلُوّ، بل ومع النزول أيضًا كما وقع في كلام الذهبي وغيره. وقال ابن الصلاح: هو موافقة وبدل، ولكن لا يطلق عليه ذلك؛ لعدم الالتفات. إليه.\nوالمساواة في الأعصار المتأخّرة قلّةُ عدد إسنادك إلى الصحابي، أو من قاربه بحيث يقع بينك وبين صحابي مثلا من العدد مثل ما وقع بين مسلم وبينه، وهذا كان يوجد قديما، وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد، كما قال العراقي.\nوالمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلمًا، فأخذته عنه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك، فالمصافحة لشيخ شيخك، وهذا العلو تابع لنزول غالبًا، فلولا نزول مسلم وشبهه لم تَعلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضًا، فيكون عاليا مطلقًا.\n(الرابع): العلو بتقدم وفاة الراوي، وإن تساويا في العدد، قال النوويّ: فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي، عن الحاكم أعلاهما أن أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم؛ لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف، وكذلك من سمع \"مسند أحمد\" على الحلاوي، عن أبي العباس الحلبيّ، عن النجيب أعلى ممن سمعه على الجمال الكنانيّ، عن الْعَرَضِيّ، عن زينب بنت مكيّ؛ لتقدّم وفاة الثلاثة الأولين على الثلاثة الآخرين.\nوأما علوه بتقديم وفاة شيخك، لا مع التفات لأمر آخر، أو شيخ آخر، فحده الحافظ أحمد بن عُمير بن جُوصَا الدمشقي بمضي خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وحدّه أبو عبد الله بن منده بثلاثين تمضي من موته، وليس يقع في تلك المدة أعلى من ذلك. قال ابن الصلاح: وهو أوسع.\n(الخامس): العلو بتقدم السماع من الشيخ، فمن سمع منه مُتَقَدِّمًا كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع","vol":"2","page":524},{"text":"أحدهما من ستين سنة مثلًا، والآخر من أربعين سنةً، وتَسَاوَى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حَقّ من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعدُ إلا أن هذا علو معنوي.\n[تنبيه]: جعل ابن طاهر (١)، وابن دقيق العيد هذا والذي قبله قسمًا واحدًا، وزادا العلو إلى صاحبي \"الصحيحين\"، ومُصنفي الكتب المشهورة، وجعله ابن طاهر اسمين:\n[أحدهما]: العلو إلى الشيخين، وأبي داود، وأبي حاتم، ونحوهم.\n[والآخر]: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا، والخطابيّ، ثم قال: (واعلم): أن كل حديث عز على المحدث ولم يجده غالبًا، ولا بد له من إيراده، فمن أي وجه أورده فهو عال بعزته، ومَثّل ذلك بأن البخاري رَوَى عن أماثل أصحاب مالك، ثم رَوَى حديثا لأبي إسحق الفزاري عن مالك؛ لمعنى فيه، فكان فيه بينه وبين مالك ثلاثة رجال.\nوأما النزول فضد العلو فهو خمسة أقسام أيضا تُعرَف من ضدّها، فكل قسم من أقسام العلو ضده قسم من أقسام النزول، وهو مفضول مرغوب عنه على الصواب، وقول الجمهور، قال ابن المديني: النزول شؤم. وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. وفضّله بعضهم على العلو، حكاه ابن خلاد عن بعض أهل النظر؛ لأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، فيزداد الثواب فيه.\nقال ابن الصلاح: وهذا مذهب ضعيف الحجة. قال ابن دقيق العيد: لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، ومراعاةُ المعنى المقصود من الرواية، وهو الصحة أولى.\nفإن تميز الإسناد النازل بفائدة، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ، أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضور، أو إجازة، أو مناولة، أو تَسَاهَل بعض رواته في الحمل، ونحو ذلك فهو مختار، قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل، عن عبد الله، أم سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. وقال ابن المبارك: ليس جَودَةُ الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السِّلَفَيّ: الأصل الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب\n_________\n(١) سيأتي قريبًا في رسالته، إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":525},{"text":"المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق.\nقال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى.\nقال الحافظ: ولابن حبان تفصيل حسنٌ، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء. ذكر هذا كلّه في \"التدريب\" (١).\nوإلى ما تقدّم أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في \"ألفية الأثر\" حيث قال:\nقَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدَّينِ بِلَا تَرْدَادِ\nوَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَمَنْ ... يُفَضِّلِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ\nوَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا ... قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ أَوْ\nبِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ ... يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَريقِهِ وَرَدْ\nفَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ ... أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ بَدَلٌ أَوْ وَافَقَهْ\nفِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمَسَاوَاةُ وَإِنْ ... فَرْدًا يُزَدْ مُصَافَحَاتٌ فَاسْتَبِنْ\nوَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا ... عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشرِينَا\nوَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ ... نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ\nوَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ ... لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ\nوَلابْنِ حِبَّانَ إِذَا دَارَ السَّنَدْ ... مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ\nفَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلَامُ ... وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ\nانتهى.\nولنختم هذا البحث بذكر رسالة الإمام المقدسيّ رحمه الله تعالى؛ لكثرة فوائدها، ومحافظةً على بقاء نصّها:\nقال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ المعروف بابن القيسرانيّ (٤٤٨ - ٥٠٧ هـ) رحمهُ الله تعالى:\nالحمد لله وحده، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم تسليمًا.\nسألتَ -أحسن الله لنا ولك التوفيق- عن علامة العلوّ في الحديث، وبأيّ شيء يَعرف المبتدىء العلوّ من النزول، وأن أُبيّن لك ذلك، وأشرحه على الاختصار، مع إقامة الشواهد التي تهتدي بها إلى معرفة ذلك.\n(اعلم): أن الحديث وطلبه مندوب إليه، مثابٌ صاحبه عليه، ويَرغَب فيه أشراف\n_________\n(١) راجع \"تدريب الراوي\" ٢/ ١٥٩ - ١٧٢.","vol":"2","page":526},{"text":"الناس، ويَزهد فيه الأغبياء والأدناس، أهله منصورون، وأعداؤه مقهورون، ذكرهم الله ﷿ في كتابه، ودعا لهم رسول الله -ﷺ- في خطابه.\nقرأت على أبي بكر أحمد بن عليّ الأديب بنيسابور (١)، أخبركم أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الواعظ يقول: سمعت عبد الله بن عديّ الحافظ يقول: سمعت محمد بن يزيد الواسطيّ، سمعت يزيد بن هارون يقول: قلت لحمّاد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله ﷿ أصحاب الحديث في القرآن؟ . فقال: بلى ألم تسمع إلى قوله ﷿: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]. فهذا فيمن رحل في طلب العلم، ثم رجع به إلى من وراءه ليُعلّمهم إيّاه.\nأخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن عليّ الأصبهانيّ بها، قال: أنا أبو علي الحسن بن عليّ بن أحمد بن سليمان بن أبي بكير، ثنا هُريم بن سُفيان، ثنا عبد الملك ابن عُمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله، عن رسول الله -ﷺ-: \"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع\" (٢).\nأخبرنا أبو سعد عبد الواحد بن عبد الكريم المذكر النيسابوريّ، قدم علينا الريّ حاجّا، قال: أنا أبو إسحاق حميد بن المأمون بن حميد الْهَمَذَانيّ بها، قال: أنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن الْهَمَذَانيّ، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عليّ الأسديّ، ثنا محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت سفيان يقول: ما من أحد يطلب الحديث، إلا وفي وجهه نَضْرة (٣)؛ لقول رسول الله -ﷺ-: \"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فبلّغه\" (٤).\nأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك السرخسيّ بها، قال: أنا عبد العزيز بن أحمد الخلّال، قال: سمعت أبا بكر بن حمدان الغزّال يقول: سمعت أبا الموجّه (٥) يقول: سمعت عبدان بن جبلة يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: \"الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له: من حدّثك بقي (٦) \".\n_________\n(١) هو أحمد بن علي بن خلف الأديب أبو بكر الشيرازي المتوفى سنة (٤٨٧ هـ).\n(٢) أخرجه الترمذيّ ٤/ ١٤٢ وقال: حديث حسن صحيح.\n(٣) النضرة بفتح، فسكون: الحسن والرونق.\n(٤) انظر \"شرف أصحاب الحديث\" ص ١٩.\n(٥) هو: محمد بن عمر بن الموجّه حافظ ثقة مات سنة (٢٨٢ هـ) انظر \"تذكرة الحفاظ\" ٢/ ٦١٥ - ٦١٦.\n(٦) \"بَقِي\" بفتح الموحدة، وكسر القاف: أي بقي ساكتًا، أو حيران. وفي بعض النسخ \"يَقِي\" بفتح التحتانيّة، وكسر القاف من وقى يقي: أي يصون نفسه عند التحديث بلا إسناد.","vol":"2","page":527},{"text":"أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ الإمام بهراة، قال: أنا أبو الفضل عمر بن إبراهيم بن إسماعيل الزاهد إملاءً، أنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد بن العبّاس الساويّ بمرو، قال: أنا أبو الحسن محمد بن أبي بكر المروزيّ، ثنا عليّ بن محمد المروزيّ، ثنا أبو الفضل صالح بن محمد قال: سمعت أبا يعقوب البويطيّ يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعيّ يقول: \"إذا رأيتُ صاحب حديث، فكأني رأيتُ رجلًا من أصحاب النبيّ -ﷺ- هو بمنزلته\". قال لنا الشافعيّ: جزاهم الله عنّا. خيرًا، إنهم حفِظوا لنا الأصل، فلهم علينا فضل.\nأخبرنا أبو محمد عليّ بن الحسين بن محمد التِّنِّيسيّ بها، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الرّقّيّ -وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال بمصر، ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مرزوق- قالا: أنا أحمد بن عبيد بن أحمد الصفّار، ثنا أحمد بن عليّ الحافظ، ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن عبد الله المقرىء، ثنا يحيى بن أكثم قال: قال لي الرشيد: ما أنبلُ المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجلّ منّي؟ قلت: لا، قال: لكني أعرفه، رجلٌ في حلقة يقول: حدّثنا فلان عن فلان، عن رسول الله -ﷺ-، قلت: يا أمير المؤمنين هذا خير منك؟ وأنت ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، ووليّ عهد المسلمين؟ قال: نعم ويلك خير منّي؛ لأن اسمه مقترنٌ باسم رسول الله -ﷺ- لا يموت أبدًا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر.\nأخبرنا أبو شريف الطوسيّ بها، قال: أنا أبو محمد بن عبد العزيز النيليّ قال: أنا أبو عمر بن حمدان، ثنا أبو بكر بن داود، ثنا سليمان بن معبد السِّنْجيّ، ثنا سعيد بن عامر، عن أبي بكر الْهُذَليِّ قال: قال لي الزهريّ: يا هُذليّ أيُعجبك الحديث؟ قلت: نعم قال: أما إنه يُعجِب مُذَكَّرِي الرجال، ويكرهه مؤنثوهم (١).\nأخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد الكوفيّ بمكة، قال: أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي -وأخبرنا أبو القاسم قاسم بن أحمد الأصبهانيّ بآمد قال: أنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ\n_________\n(١) وقد أنشد أبو الفضل العباس بن محمد الخراسانيّ بهذا المعنى، فقال [من البسيط]:\nرَحَلْتُ أَطْلُبُ أَصْلَ الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا ... وَزِينَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا الأَحَادِيثُ\nلَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلَّا بَّازِلٌ ذَكَرٌ ... وَلَيْسَ يُبْغِضُهُ إِلَّا الْمَخَانِيثُ\nلَا تَعْجَبَنَّ بِمَالٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ ... فَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا مَوَارِيثُ\nانظر \"شرف أصحاب الحديث\" ص ٧١ و\"الرحلة في طلب الحديث\" ص ٩٦.","vol":"2","page":528},{"text":"قال: سمعت محمد بن الحسين الْحُنَينيّ قال: سمعت عمر بن حفص بن غياث يقول: سمعت أبي يقول: وقالوا له: يا أبا عمر ما ترى أصحاب الحديث كيف تغيّروا؟ قد فسدوا، قال: هم على ما هم خيار القبائل.\nأخبرنا أبو بكر الأديب قال: أنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن بالويه المزكي يقول: سمعت أبا بكر عيسى بن موسى يقول: سمعت الحسن بن عليّ يقول: سمعت عليّ بن المدينيّ يقول: \"ليس قوم خيرًا من أصحاب الحديث، الناس في طلب الدنيا، وهم في طلب الدين\".\nأنشدنا أبو الفِراس قاسم بن محمد الْخُوزيّ بمكّة قال: أنشدنا أبو نصر محمد بن عبد الله الشاهد قال: أنشدنا أبو عليّ الحسن بن العباس الكرمانيّ قال: أنشدنا هبة الله ابن الحسن الشيرازيّ لنفسه [من الطويل]:\nعَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ ... عَلَى مَنْهَجِ لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا\nوَمَا النُّورُ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا\nوَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَغْوَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى\nوَمَنْ تَرَكَ الآثَارَ ضَلَّلَ سَعْيَهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا\nأنشدنا أبو الحسن يحيى بن الحسين العلويّ الزيديّ بالريّ قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصوريّ الحافظ لنفسه [من الخفيف]:\nقُلْ لِمَنْ عَانَدَ الْحَدِيثِ وَأَضْحَى ... عَائِبًا أَهْلَهُ وَمَنْ يَدَّعِيهِ\nأَبِالْعِلْمِ تَقُولُ هَذَا أَبِنْ لِي ... أَمْ بِجَهْلٍ فَالْجَهْلُ خُلْقٍ السَّفِيهِ\nأَيُعَابُ الَّذِينَ هُمْ حَفِظُوا الدِّي ... ـنِ مِنَ التُّرَّهَاتِ وَالتَّمْوِيهِ\nوإِلَى قَوْلِهِمْ وَمَا قَدَرَوَوْهُ ... رَاجِعٌ كُلُّ عَالِمٍ وَفَقِيهِ\nأنشدنا أبو الحسن عليّ بن عبد السلام الأرمنازي بصور لنفسه [من الطويل]:\nأَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بإِحْسَانِ\nأُنَاسٌ أَرَادَ الله إِحْيَاءَ دِينِهِ ... بِحِفْظِ الَّذِي يَرْوِي عَنِ الأَوَّلِ الثَّانِي\nأَقَامُوا حُدُودَ شَرْعِ شَرْعَ مُحَمَّدِ ... بِمَا وَضَّحُوهُ مِنْ دَلِيلٍ وَبُرْهَانِ\nوَسَارُوا مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي جَمْعِ عِلْمِهِ ... فَأَوْطَانَهُمْ أَضْحَتْ لَهُمْ غَيْرَ أَوْطَانِ\nإِذَا عَالِمٌ عَالِي الْحَدِيثِ تَسَامَعُوا ... بِهِ جَاءَ الْقَاصِي مِنَ الْقَوْمِ وَالدَّانِي (١)\n_________\n(١) انظر \"أدب الإملاء\" ١٥٤ - ١٥٥ عن أبي الفرج غيث بن علي عن أبيه، ليس فيه البيتان الأخيران، ولكن توجد خمسة أبيات أخرى ثم إن البيت الأخير الشطر الأخير منه منكسر.","vol":"2","page":529},{"text":"سمعت المرتضى أبا الحسن المطهر بن أبي عليّ العلوي بالريّ يقول: سمعت أبا سعد السمّان إمام المعتزلة يقول: \"من لم يكتب لم يتغرغر بحلاوة الإسلام\".\nقال المقدسيّ: ولست أقصد أن أستقصي ما ذكر عن رسول الله -ﷺ-، وعن الصحابة - ﵃، وعن أئمة المسلمين قرنًا بعد قرن ما في مدح هذه الفرقة على أن لا تقام سنة، ولا تذلّ بدعة، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، إلا هو دليل على فضلهم؛ لأنهم الذين رووه ونقلوه، ودوّنوه حتى بلغ إلى من عمل به.\nوقد صنّف غير واحد من أئمتنا في هذا المعنى كتبًا تشتمل على مناقبهم، وإنما قدّمنا هذه النُّبَذ في أول هذا السؤال لنبني عليها المقال، فاسمع الآن ما له قصدتَ، وبيان ما عنه سألتَ.\n(اعلم): أن طلب العلوّ من الحديث من علوّ همّة المحدّث، ونبل قدره، وجزالة رأيه، وقد ورد في طلب العلوّ سنة صحيحة.\nأخبرنا بها أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبيد الله العدل بنيسابور، قال: أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرائينيّ، ثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، ثنا محمد بن حيوة، ثنا أبو سلمة، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قد نُهِينا أن نَسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نسمع، وكانوا أجرأ على ذلك منّا، قال: فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: \"صدق\"، قال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\"، قال: فمن نصب هذه الجبال\"، قال: \"الله\"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، وجعل فيها المنافع، آلله أرسلك؟ قال: \"نعم\"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: \"صدق\"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\"، [قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: \"صدق\"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\"] (١)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: \"صدق\"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\"، قال: وزعم رسولك أن علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: \"صدق\"، قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟، ثم ولَّى الرجل، ثم قال: والذي بعثك\n_________\n(١) ما بين القوسين إصلاح من \"صحيح مسلم\".","vol":"2","page":530},{"text":"بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهنّ شيئًا، ثم ولَّى، فقال النبيّ -ﷺ-: \"لئن صدق، ليَدخُلنّ الجنة\".\nصحيح أخرجه مسلم في \"صحيحه\" عن عمرو الناقد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان، وقال البخاريّ في \"كتاب العلم\": ورواه موسى وعليّ بن عبد الحميد، عن سليمان.\nوأبو سلمة المكنيّ في إسنادنا هو موسى الذي ذكره البخاريّ، وهو موسى بن إسماعيل التبوذكيّ.\nفهذا دليل على طلب المرء العلوّ من الإسناد، والرحلة فيه، فإن هذا الرجل المكنيّ عن اسمه في هذا الحديث هو ضمام بن ثعلبة لَمّا جاء رسول رسول الله -ﷺ-، فأخبره بما فُرِض عليهم لم يُقنعه ذلك حتى وصل إلى النبيّ -ﷺ- يسمع منه، فلو كان طلب العلوّ غير مستحبّ لأنكر عليه -ﷺ- سؤاله عما أخبره رسوله عنه. والله أعلم بالصواب (١).\nفقد أجمع أهل النقل على طلبهم العلوّ، ومدحوه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم.\nثم وجدنا الأئمة المقتدى بهم في هذا الشأن سافروا الآفاق في سماعه، ولو اقتصروا على النزول لوجد كلّ واحد منهم ببلده من يُخبره بذلك الحديث.\nولو شرعنا في ذكر مدح العلوّ، ونعت من رحل فيه، وأقاويلهم في ذلك تجاوزنا حدّ الاختصار، إلا أن المميّز يستدلّ برواياتهم على سفرهم.\nوقد ذمّ قوم النزول، وأطنبوا في ذمّه كما أخبرنا أبو الفتح المطهّر بن أحمد البيّع بأصبهان، قال: أنا أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عليّ الأصبهانيّ يقول سمعت الحسن بن حبيب بدمشق يقول: حدّثنا علان بن المغيرة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الحديث بنزول كالقرحة في الوجه.\nأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة الجرجانيّ بها، قال: أنا حمزة بن يوسف السهميّ قال: أنا عبد الله بن عديّ قال: أنا بكر بن محمد الكاتب بمرو قال: سمعت إسماعيل بن إسحاق يقول: سمعت علي بن المدينيّ يقول: \"النزول شؤم\".\nمسألة العلوّ والنزول في الحديث:\n_________\n(١) قد علمت فيما سبق اعتراض العلائي الاستدلال على طلب العلو بهذا الحديث، فلا تغفل.","vol":"2","page":531},{"text":"فإذا كان الأمر على ما ذكرناه من مدحهم العلوّ، وذمّهم النزول، فاعلم أن العلوّ في الحديث على درجات خمس:\n(الدرجة الأولى): حديث صحّ سنده، وقلّ عدده، وهذا الحدّ الذي وضعناه يعسُر على المبتدىء، ويسهل على المميّز بين الصحيح والسقيم، فربّ إسنادين استويا في العدد، أحدهما ثابتٌ، والآخر واهٍ، لا أصل له، مثاله: ما أخبرناه أبو القاسم قاسم بن أحمد بثغر آمد، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن حشيش العدل، ثنا أبو سعيد الحسن بن عليّ العدويّ، ثنا شيبان بن فرّوخ، ثنا نافع بن عبد الله أبو هرمز، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"عليكم بركعتي الفجر، فإن فيهما الرغائب\".\nفهذا إسناد إذا تأمّله من ليس الحديث من صناعته اعتقد علوّه، وقدّمه على سائر حديثه، وافتخر بقلّة عدد رواته، إلا أن إسناده لا تقوم به الحجة؛ لأن نافعًا هذا غير ثقة.\nأخبرنا أبو القاسم الإسماعيليّ قال: أنا حمزة بن يوسف، ثنا عبد الله بن عديّ، قال: سمعت أبا العلى الموصليّ يقول: سألت يحيى بن معين، عن نافع أبي هرمز قال: ليس بشيء. وقال ابن أبي مريم: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بثقة. وقال عباس: ثنا يحيى قال: أبو هرمز الذي يروي عن أنس ضعيف الحديث. وقال النسائيّ: ليس بثقة. والعدويّ هذا أيضًا كذّاب.\nفإذا ورد عليك أحاديث هذا مع أمثاله، مثل كثير بن سُليم، ويغنم بن سالم بن قنبر، وفرج، وموسى بن عبد الله الطويل، وأبي الدنيا عثمان بن الخطاب، وخِراش بن عبد الله، فلا تفرح بها، ولا تعرّج عليها.\nوهؤلاء قوم معروفون عند أهل النقل بطول (١) السنّ، ورواياتهم شبه الريح، يدّعون أعمارًا طويلة، ويروون أحاديث دخيلةً، لم يحتجّ بحديثهم محتجّ، ولم ينقل في كتب الأئمة عنهم شيئًا، وإنما تُنقل أحاديثهم للمعرفة، والاستدلال على كذبهم. أعاذنا الله وإياك من الكذب على رسول الله -ﷺ-.\nفهذا الحدّ الواهي الذي أشرت إليه قبلُ، وقد يقع لأمثالنا بهذا العدد أحاديث مشهورة الأسانيد متّصلة، مثاله: ما أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البزاز ببغداد، قال: أنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق، قال: أنا عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز البغويّ، ثنا طالوت بن عباد، قال: حدّثني فضال بن جبير قال: سمعت\n_________\n(١) كان في النسخة \"بطيور\" وهو مصحّف، والصول \"بطول السنّ\".","vol":"2","page":532},{"text":"أبا أمامة الباهليّ يقول: قال رسول الله -ﷺ-: \"اكفلوا لي بستّ أكفل لكم بالجنّة، إذا حدّث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم\" (١).\nفإسناد هذا الحديث في العدّة إلى الصحابيّ كالإسناد المتقدّم، وطريقه أشهر، ورواته أوثق، أما فضال بن جبير، فإن أبا أحمد العسّال الحافظ الأصبهانيّ ذكره، فقال: فضال بن جبير سمع من أبي أمامة يُكنى أبا المهنّد، وأورد له هذا الحديث في كتابه عن مطيّن محمد بن عبد الله الكوفيّ. وأما طالوت بن عبّاد الصيرفيّ أبو عثمان الجحدريّ، فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ في كتابه: طالوت بن عباد سئل عنه أبي، فقال: صدوق. ومن بعدهما إلى شيخنا عدول ثقات.\nفهذا أحد الدرجة الأولى من العلوّ، والتمييز فيما بين الصحيح والسقيم. وقد يقع إلينا بعلوّ درجة على ما تقدّم، إلا أنه أضعف من الذي ذكرناه، وأوهى، من ذلك: ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الخطيب الصريفينيّ ببغداد إملاء من حفظه، قال: حدّثني أبو حفص عمر بن إبراهيم الكنانيّ المقرىء، قال: حدّثني أبو سعيد الحسن بن عليّ العدويّ قال. حدّثني خِراش بن عبد الله، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"الصوم جنّة\"، وهذا أعلى من المتقدّم بدرجة، إلا أنه شبه الريح؛ لأن خراشًا هذا مجهول، والعَدَوِيُّ كذّاب، والحمل فيه عليه.\nوقوله: \"الصوم جنّة\" صحيح من طريق أبي هريرة، فركّب له العدويّ إسنادًا، وجعله عن أنس بعلوّ. أخبرنا به أبو بكر إسماعيل بن عليّ الخطيب بالريّ، قال: أنا أبو زكريّا يحيى بن إبراهيم، ثنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد الجمحيّ بمكة، ثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نُعيم الفضل بن دُكين قال: نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله ﷿: الصوم لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته، وأكله، وشربه من أجلي، والصوم جنّة، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقائه ربّه، ولَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (٢). أخرجه البخاريّ في \"التوحيد\" عن أبي نعيم الفضل كذلك.\n(الدرجة الثانية): العلوّ إلى الأئمة:\n_________\n(١) أخرجه الطبرانيّ في \"المعجم الكبير\" ٨/ ٣١٤ رقم (٨٠١٨).\n(٢) متفق عليه.","vol":"2","page":533},{"text":"وهذه الدرجة تنقسم إلى قسمين:\n(الأول): العلوّ إلى الأئمة، وعلوّ الأئمة إلى الصحابيّ، فنجد أوّلًا حدّا يعرف به المبتدىء الأئمة، فنقول: قوم حدّثونا عن التابعين، ثم يقع حديثهم إلى أمثالنا عن أربعة رجال، مثل مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وشعبة، والثوريّ، والحمادين، ومن في طبقتهم على القاعدة التي قدّمناها في الثقة، وإمكان سماع كلّ واحد من صاحبه، وفي هذه الطبقة قوم تأخّرت وفاتهم عمن ذكرنا فعلا حديثهم، ومنهم من تقدّمت وفاتهم، فلا يقع حديثهم إلا نازلًا، وسيجيء الكلام على تفصيل طبقاتهم -إن شاء الله تعالى-.\n(فمثال القسم الأول): إسناد يقع لأمثالنا إلى شعبة، أو غيره، ممن قدمنا ذكره بعلوّ، ثم بعلوّ لشعبة إلى الصحابيّ الراوي للحديث.\nومثاله: ما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الهرويّ بها، قال: أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شُريح الأنصاريّ، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا عليّ بن الجعد، ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابرًا قال: \"استأذنت على النبيّ -ﷺ-، فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أنا، فقال: \"أنا أنا\"، كأنه كرهه (١).\nفهذا هو الحدّ في العلوّ إلى الإمام، وعلوّ الإمام إلى الصحابيّ مع صحّة سماع كلّ واحد من صاحبه. وعلى هذا سائر الروايات إلى كلّ من روى عن متقدّمي التابعين ومتأخريهم، فإن التابعين أيضًا على طبقات عدّة، إلا أنا نختصرهم، فنمثّلهم ثلاث طبقات.\n(الطبقة الأولى): قوم رووا عن العشرة، فمن في طبقتهم، فلا يكاد يقع حديثهم إلا كما يقع حديث متأخري الصحابة؛ لتقدّم موتهم، ولا يوجد حديثهم إلا عند تابعيّ.\n(الطبقة الثانية): قوم رووا عن متوسطي الصحابة، وهم الذين أدركهم هؤلاء الأئمة، وأمثالهم.\n(الطبقة الثالثة): قوم حدّثوا عن صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم، فأدركوهم في حال صغر سنّهم، وكبر سنّ الصحابة الذين عُمّروا، وكانوا صغارًا في عهد رسول الله -ﷺ-، فإن آخر من مات بمكة من الصحابة أبو الطفيل عامر بن واثلة، وبالمدينة سهل ابن سعد، وبالشام عبد الله بن بُسْر، وبمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وبالكوفة عبد\n_________\n(١) متّفقٌ عليه.","vol":"2","page":534},{"text":"الله بن أبي أوفى، وبالبصرة أنس بن مالك، هؤلاء آخر من بقي من الصحابة في بلاد الإسلام، وأدركهم جماعة من العلماء، فسُمّي من لقي منهم تابعيّا، وإن كان صغيرًا وقت السماع، أو كبيرًا، إلا أن الرواة عن هؤلاء الصحابة على حزبين: صادق في لقيّه لهم، وكاذب، وقد قدّمنا من هذه سِمَته من كلا الفريقين.\n(والقسم الثاني من الدرجة الثانية): علوّ المحدّثين إلى الإمام، ثم نزول الإمام بعدُ إلى الصحابة، ومثاله: ما أخبرنا أبو القاسم فضل بن عبد الله المفسّر بنيسابور، ثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد، ثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السرّاج، ثنا غياث بن جعفر، ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُليم، عن أبي قتادة، عن النبيّ -ﷺ- قال: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليُصلّ ركعتين قبل أن يجلِس\" (١).\nفهذا الحديث عالٍ إلى أبي محمد سفيان بن عيينة، فإنه أحد الأئمة، أدرك جماعة من التابعين، وروى عنهم، إلا أنه نزل إلى الصحابيّ في هذا الإسناد من طريق العدد، فافهم.\nأخبرنا أبو بكر الأديب بنيسابور قال: أنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعيّ يقول: سمعت بشر بن موسى يقول: سمعت الحميديّ يقول: سمعت سفيان يقول: رأيت شعبة، وثمانين نفسًا من التابعين.\nرجعنا الآن إلى شرح طبقات الأئمة، فرَتَّبْتُهُم على ثلاث طبقات، وكلّ طبقة منها تنقسم على طبقات، إلا أنا هَهنا نذكرها مجملة، كما فعلنا في طبقات التابعين.\n(الطبقة الأولى): قوم حدّثوا عن التابعين، وتقدّمت وفاتهم، فلا يقع الحديث إلى واحد منهم إلا بزيادة رجل في الإسناد عن الحدّ الذي شرطناه.\nفمن تقدّم من الأئمة، مثل ابن جريج، والأوزاعيّ، ويونس بن يزيد، وأقرانهم، فإن هؤلاء حدّثوا عن الزهريّ، وغيره من التابعين، فقد يقع الحديث إلى الزهريّ من غير طريقهم عاليًا، إلا أنا إذا أوردناه عن واحد منهم، فلا يقع لنا بالعدد الذي قدّمنا ذكره.\nمثاله إلى الأوزاعيّ: ما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الكاتب بشيراز، قال: أنا أبو الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعيّ قال: حدّثني ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه رأى النبيّ -ﷺ-\n_________\n(١) متّفقٌ عليه.","vol":"2","page":535},{"text":"شرب لبنًا، وعن يساره أبو بكر وعمر، وعن يمينه رجلٌ أعرابيّ، فأعطى الأعرابيّ فضله، ثم قال: \"الأيمن، فالأيمن\" (١).\nفهذا الحديث بعينه قد وقع من حديث الزهريّ عاليًا، إلا أنه من طريق الأوزاعيّ لا يقع أعلى من هذا، فيكون علوّنا إلى الأوزاعيّ فيه عنه، فإن العبّاس بن الوليد ممن روى عنه أبو داود، وأبو زرعة، والنسائيّ، وغيرهم.\nوعلى هذا المثال سائر الأئمة الذين تقدّمت وفاتهم، ثم لم يقع حديثهم إلى المحدّث بعلوّ، فهذه العدّة علامة العلوّ إليهم.\n(والطبقة الثانية): من الأئمة الجماعة الذين قدّمنا ذكرهم، وأمثالهم، فأغنى عن إيراد مثال يُستدلّ به على منزلتهم.\n(والطبقة الثالثة): قوم تأخرت وفاتهم، وتقدّم سماعهم من متأخري التابعين الذين وصفناهم، كيزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم.\n(الدرجة الثانية من العلوّ): تقدّم السماع وتأخره، مثاله أن يسمع تابعيّ من صحابيّ حديثًا، وتقدّم وفاة ذلك التابعيّ.\nمثاله: ما حدّثنا أبو القاسم عليّ بن أحمد البندار ببغداد، قال: أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا شيبان بن فرّوخ، ثنا مبارك ابن فَضَالة، ثنا الحسن، عن أنس قال: \"كان رسول الله -ﷺ- يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة، مسندًا ظهره إليها، فلما كثر الناس، وقال: \"ابنوا لي منبرًا\"، فبنوا له عتبتين، فلما قام على المنبر، فخطب، حنّت الخشبة إلى رسول الله -ﷺ- حنين الواله، فما زالت تحنّ حتى نزل إليها، فاحتضنها، فسكتت\" (٢).\nفكان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحنّ إلى رسول الله -ﷺ- شوقًا إليه، لمكانه من الله ﷿، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه.\nفالحسن بن أبي الحسن البصريّ ﵀ سمع هذا الحديث من أنس، وتوفّي في رجب سنة عشر ومائة.\nثم يروي عن أنس تابعيٌّ آخرُ، مثاله: ما أخبرنا أبو الفضل العباس بن محمد بن الحسين بمرشت -قرية من رستاق مرو روذ- قال: أنا أبو الفضل الرشيديّ، ثنا أبو بكر\n_________\n(١) متّفقٌ عليه.\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" ٣/ ٢٢٦ وله شواهد في \"صحيح البخاريّ\" وغيره، فهو حديث صحيح.","vol":"2","page":536},{"text":"المفيد، ثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطيّ، ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حميد، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"دخلت الجنّة، فرأيت قصرًا من ذهب، فقلت: لمن هذا؟، قالوا لشابّ من قريش، فظننت أني هو، فقلت: لمن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب\" (١).\nهذا حميد بن أبي حميد روى عن أنس، وصحّ سماعه منه، توفّي سنة ثلاث وأربعين ومائة، فلا يكون الإسناد إلى الحسن مثل الإسناد إلى حميد، وإن استويا في المرتبة، بل يكون الطريق إلى الحسن أعلى وأجلّ، ثم الراوي عن الحسن المبارك بن فَضَالة، وتوفّي سنة ستّ وستين ومائة، والراوي عن حميد يزيد بن هارون، وتوفّي بواسط غُرّة ربيع الأول سنة ست ومائتين.\nوقد يقع في طبقات المتأخرين ما هو أعجب من هذا، مثاله إن البخاريّ حدّث في كتابه عن أحمد بن أبي داود، عن روح حديث قوله -ﷺ-: لأبيّ بن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن\". وحدّث بهذا الحديث بعينه أبو عمر بن السماك، عن ابن أبي داود هذا، وبين وفاته ووفاة البخاريّ ثمان وثمانون سنة، فإن البخاريّ توفّي سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفّي أبو عمر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.\nوالسبب أن البخاريّ توفّي قبل ابن أبي داود بأربع عشرة سنة، فلو وُلد مولود بعد وفاة البخاريّ احتمل أن يسمع من ابن أبي داود، فهما وإن اجتمعا في المنزلة، فقد افترقا في الجلالة، وقِدَم السماع، فلا يكون الطريق إلى البخاريّ كالطريق إلى أبي عمر السماك.\nأخبرنا أبو نصر عبد السيد بن محمد الفقيه البغداديّ بأصبهان، قال: أنا أبو عليّ الحسن بن أحمد بن شاذان، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، ثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله المنادي، ثنا روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: سمعت النبيّ -ﷺ- قال لأبيّ ابن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن\"، قال: آلله سماني لك؟ قال: \"نعم\" قال: وقد ذكرت عند ربّ العالمين؟ قال: \"نعم\"، فذَرَفَت عيناه. أخرجه البخاريّ عن أحمد بن أبي داود، وكذلك كان يسمّيه البخاريّ، وهو أبو جعفر هذا. والله أعلم.\nوعلى هذا القياس، فهذه قاعدة إذا وقفت عليها قِستَ عليها طبقات الصحابة، ثم هلُمّ جرّا إلى عصرنا هذا.\n(الدرجة الرابعة من العلوّ): أقوام لا يقع حديثهم إلى محدّث زماننا إلا بتلك\n_________\n(١) رواه الترمذيّ في \"المناقب\" ٥/ ٢٨٢ وهو متّفق عليه من حديث جابر -﵁-.","vol":"2","page":537},{"text":"العدّة، مثل محمد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستانيّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، ومن في طبقاتهم من المشايخ، فهم وإن كان معظم ما يروونه وجُلّه عن أصحاب الأئمة إلا أن حديثهم لا يقع كما يقع من الطريق التي قدّمنا إلى الأئمة.\nفعلامة العلوّ إلى هذه الطبقة ما: أخبرنا أبو محمد عليّ بن الحسين العدل بتنّيس، قال: أنا جدّي أبو العباس محمد بن إبراهيم البغداديّ قال: أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن الحسن الجرويّ، ثنا محمد بن إسماعيل.\nوعلى هذا القياس يقع أحاديث من ذكرنا من هؤلاء المشايخ، ومن لم نذكرهم ههنا.\n(الطبقة الخامسة من العلوّ): كتبٌ مصنّفةٌ لأقوام من أهل العلم، فإذا أراد اوجل أن ينظر فيها، ويرويها لا يمكنه ذلك إلا بالرواية إلى المصنّف، مثال ذلك: تصانيف أبي بكر بن أبي الدنيا، وبعده أبو سليمان الخطابيّ، وأشباههما، فيكون علوّنا إلى أبي سليمان أن نقول: أخبرنا الإمام أبو القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ بمكة يرحمه الله قال: أنا محمد بن جعفر المروزيّ، ثنا أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابيّ، ولا يقع بأقلّ من هذا العدد.\nثم نظرنا فإذا أجلّ شيخ روى عنه: أبو سعيد بن الأعرابيّ، وقد وقع لنا حديثه عاليًا، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحافظ الحبّال بمصر، قال: أنا أبو محمد عبد الرحمن بن النحّاس قال: أنا أبو سعيد بن الأعرابيّ، وعندنا إلى أبي سعيد بن الأعرابيّ عدّة طرق بهذه المنزلة، إلا أن هذه التصانيف لعزّتها، وكثرة المنفعة بها، وتعذّر وجودها لقدم موت المصنّف، والراوي عنه تكون عاليةً بهذه العدّة.\n(واعلم): أن كلّ حديث عسُر على المحدّث، ولم يجده عاليًا، ولا بُدّ له من إيراده في تصنيف، أو احتجاج به، فمن أيّ وجه أورده فهو عالٍ لعزّته، مثاله: أن البخاريّ إمام الصنعة أدرك الإسناد، وروى عن أصحاب التابعين، مثل محمد بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي عاصم النبيل، ومكيِّ بن إبراهيم، وعبيد الله بن موسى وغيرهم، وحدّث عن أصحاب مالك بن أنس، ولَمّا أراد إخراج حديث أبي إسحاق الفزاريّ تَعَنَّى فيه، فلم يجده إلا عن ثلاثة، عن مالك.\nأخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد إمام جامع أصبهان، أنا أبو بكر أحمد بن موسى الحافظ، ثنا دعلج بن أحمد، ثنا محمد بن أحمد بن النضر، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن مالك بن أنس، قال: حدّثني ثور بن زيد، قال: حدثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر، فلم نغنم ذهبًا","vol":"2","page":538},{"text":"ولا فضّة، إنما غنمنا الإبل والبقر، والمتاع، والحوائط، ثم انصرفنا مع النبيّ -ﷺ- إلى وادي القرى ... وذكر الحديث.\nفهذا رواه البخاريّ عن عبد الله بن محمد المسنديّ البخاريّ، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن مالك، فيكون دعلج في روايته عن النضر بمنزلة البخاريّ.\nثم إنا لو أردنا أن نورده بإسناد إلى البخاريّ عاليًا لم نجده، أو إلى شيخه لم نجده، وإذا أردنا أن نورده من حديث مالك وجدنا، أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الهرويّ بها، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ثنا أبو القاسم البغويّ، ثنا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: حدّثني مالك، عن ثور بن زيد الديليّ، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضّةً ... وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الحديث وطرقه، والكلام عليه، والسبب الذي نزل فيه البخاريّ لأجله في غير هذا الموضع.\nفهذا الحديث بعينه قد وقع لنا إلى مالك عاليًا، فأكون كأني سمعته من البخاريّ نفسه من طريق العدد، فإن مصعبًا في مقابلة الفزاريّ، والبغويّ في مقابلة معاوية بن عمرو، وابن أبي شريح في مقابلة عبد الله بن محمد، وشيخنا في مقابلة البخاريّ ﵀، وقد تقدّم لمسلم بن الحجّاج مثل هذا أيضًا أحاديث منها:\nما أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد البزاز ببغداد، ثنا عيسى بن عليّ إملاء، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (١)، ثنا عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن سعيد، قالا: أنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن بكر بن وائل، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس أن سعدًا سأل رسول الله -ﷺ- عن نذر كان على أمه، وذكر الحديث. ومثله عن ابن عبّاس، عن سعد قال: ماتت أمي، وعليها نذر، فسألت النبيّ -ﷺ-، فأمرني أن أقضيه عنها. وهذا رواه مسلم في كتابه عن عثمان بن أبي شيبة هذا كما أوردناه.\nوالنزول في هذا الحديث لا يُنسب إلى مسلم، فإنه حدّث عن عثمان بن أبي شيبة، وهو من أماثل رجاله، ولا يُنسب إلى عثمان، فإنه حدّث عن عبدة، وهو من أجلّاء مشايخه، ولا إلى عبدة، فإنه حدّث عن هشام، وهو من أنبال مشايخه، وإنما النزول في هذا الحديث يُنسب إلى هشام، فإنه حدّث عن رجل أصغر منه (٢)، عن الزهريّ، وهو في طبقته.\n_________\n(١) هو أبو القاسم البغويّ المتوفّى سنة (٣٨٩ هـ).\n(٢) هو بكر بن وائل التميميّ، مات قديمًا، فروى عنه أبوه، قال الحافظ: وروى عنه هشام بن عروة، وهو أكبر منه. اهـ \"تهذيب التهذيب\" ١/ ٤٨٨.","vol":"2","page":539},{"text":"وقد وقع إلينا هذا الحديث بعينه من حديث الزهريّ عاليًا.\nأخبرنا أبو عليّ الحسن بن عبد الرحمن الشافعيّ بمكة، ثنا أبو الحسن بن فراس، قال: أنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد المقرىء، قال: أمنا جدّي محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عبيد الله ... بالحديث بعينه.\nفيكون كأنا سمعناه من مسلم بن الحجاج (١)؛ لأن ابن وائل في مقابلة سفيان، وابن المقرىء في مقابلة هشام، وأبو محمد في مقابلة عبدة، وابن فراس في مقابلة عثمان، وشيخنا في مقابلة مسلم (٢).\nفتدبّر -نفعنا الله وإياك- ما ذكرت لك من هذه النبذ بفكرك، وتصوّرها بقلبك، فإنها تُرشد إلى المراد. والله أعلم.\nانتهت الرسالة، والحمد لله أولًا وآخرا،\nوبتمامها تمّ شرح \"مقدّمة صحيح مسلم\".\nوالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n_________\n(١) هذا مثل للمصافحة لابن طاهر؛ لأنه سمع شيخه المساوي لمسلم في قرب الإسناد، وعدد رجاله، فكان كأنه صافح مسلمًا، وسمع منه.\n(٢) وهذا مثال للمساواة لأبي عليّ شيخ ابن طاهر أيضًا مع مسلم؛ قد صار مساويًا له في عدد رجال الإسناد.","vol":"2","page":540},{"text":"قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم ابن موسى الإتيوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة:\nقد انتهيت من شرح \"مقدّمة صحيح الإمام مسلم\" ﵀ ليلة الجمعة ١٥/ ١/ ١٤٢٣ هـ الموافق ٢٩ مارس/ ٢٠٠٢ م.\nأسأل الله العليّ العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.\nوآخر دعوانا\n﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾\n\"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم،\nإنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد\nكما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\n\"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\".\n\"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك\".","vol":"2","page":541},{"text":"تمَّ بحمد الله\nوصلى الله وسلّم وبارك على عبده\nوحبيبه محمد المصطفى -ﷺ- وعلى آله وصحبه\nوتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾\n[الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨١ - ١٨٢]\n\"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك\".","vol":"2","page":568}]}