{"ً":{"ٌ":1490,"ٍ":"استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/estslft/estslft.pdf"]},"ّ":"الكتاب: استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى، دراسة نقدية مقارنة\nالمؤلف: نايف بن سعيد بن جمعان الزهراني\nالأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بجامعة جدة\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير، قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى ١٤٢٦ - ١٤٢٧ هـ.\nالناشر: دار الدليقان - الرياض، دار أجيال التوحيد - جدة\nعام النشر: ١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م\nعدد الصفحات: ٤٩٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2722,"ٕ":3,"ٖ":1770156057,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الطبعة الثانية","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"دواعي اختيار الموضوع","level":2,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":7},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":8},{"title":"تمهيد","level":1,"page":14},{"title":"المبحث الأول: معنى \"الاستدراك\".","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: المراد ب \"السلف\" وبيان فضلهم.","level":2,"page":17},{"title":"المطلب الأول: تعريف \"السلف\" لغة واصطلاحا.","level":3,"page":17},{"title":"أولا: السلف لغة","level":4,"page":17},{"title":"ثانيا: السلف اصطلاحا","level":4,"page":19},{"title":"مصطلح \"السلف\" في كتب التفسير","level":5,"page":24},{"title":"المطلب الثاني: فضل السلف ومنزلة علمهم.","level":3,"page":25},{"title":"المبحث الثالث: تعريف \"التفسير\".","level":2,"page":29},{"title":"أولا: التفسير لغة","level":3,"page":29},{"title":"ثانيا: التفسير اصطلاحا","level":3,"page":30},{"title":"المبحث الرابع: المراد ب \"استدراكات السلف في التفسير\".","level":2,"page":37},{"title":"الباب الأول دراسة مرويات \" استدراكات السلف في التفسير \" في القرون الثلاثة الأولى","level":1,"page":40},{"title":"أولا: الاستدراكات النبوية","level":2,"page":40},{"title":"[١] ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام ٨٢]","level":3,"page":40},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":40},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":42},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك وأحكامه","level":4,"page":46},{"title":"[٢] ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة ١٨٧].","level":3,"page":48},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":49},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":53},{"title":"[٣] ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ [النساء ١٢٣].","level":3,"page":54},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":55},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":56},{"title":"[٤] ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق ٨].","level":3,"page":58},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":59},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":60},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":61},{"title":"[٥] ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة ٣١].","level":3,"page":62},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":63},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":64},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":66},{"title":"[٦] ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون ٦٠].","level":3,"page":66},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":67},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":69},{"title":"[٧] ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ [مريم ٧١].","level":3,"page":70},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":71},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":72},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":74},{"title":"[٨] ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة ٦٠].","level":3,"page":76},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":76},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":77},{"title":"[٩] ﴿ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ [مريم ٢٨].","level":3,"page":79},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":79},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":80},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":84},{"title":"[١٠] ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ [النساء ١٠١].","level":3,"page":84},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":85},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":87},{"title":"[١١] ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم ١٣].","level":3,"page":88},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":89},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":90},{"title":"[١٢] ﴿ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [المائدة ١٠٥].","level":3,"page":93},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":95},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":96},{"title":"[١٣] ﴿ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله","level":3,"page":98},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":100},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":100},{"title":"ثانيا: استدراكات الصحابة ﵃","level":2,"page":103},{"title":"[١٤] ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (٢٠٥) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾ [البقرة","level":3,"page":103},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":104},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":105},{"title":"ويستفاد من هذا الاستدراك","level":4,"page":108},{"title":"[١٥] ﴿لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة ٢٨٤].","level":3,"page":109},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":110},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":112},{"title":"[١٦] ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾ [المائدة ٩٣].","level":3,"page":119},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":121},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":124},{"title":"ومما أفاده هذا الاستدراك","level":4,"page":128},{"title":"[١٧] ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ [الأنفال ٧٥].","level":3,"page":128},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":129},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":130},{"title":"[١٨] ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف ١٠٦].","level":3,"page":134},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":135},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":136},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك أن حمل معاني الآيات على العموم والظاهر المتبادر كان سمتا عاما لدى الصحابة ﵁، وكان ذلك فيهم من أعظم أسباب التأثر بالقرآن الكريم؛ إذ يرى أحدهم نفسه معنيا بلفظ الآية، داخلا في خطابها، فيثقل","level":4,"page":138},{"title":"[١٩] ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطه","level":3,"page":139},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":140},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":141},{"title":"[٢٠] ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان ١٦].","level":3,"page":143},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":143},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":145},{"title":"[٢١] ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ي","level":3,"page":150},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":151},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":153},{"title":"[٢٢] ﴿وشاهد ومشهود﴾ [البروج ٣].","level":3,"page":156},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":156},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":157},{"title":"[٢٣] ﴿والعاديات ضبحا﴾ [العاديات ١].","level":3,"page":158},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":159},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":160},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":163},{"title":"[٢٤] ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر ١].","level":3,"page":166},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":166},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":168},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":170},{"title":"[٢٥] ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران ١٠٢].","level":3,"page":172},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":173},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":174},{"title":"[٢٦] ﴿ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران ٢٠٠].","level":3,"page":180},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":181},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":184},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك وفوائده","level":4,"page":187},{"title":"[٢٧] ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقين","level":3,"page":189},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":190},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":192},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":193},{"title":"[٢٨] ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾ [ال","level":3,"page":193},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":194},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":195},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":202},{"title":"[٢٩] ﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم ٦٢].","level":3,"page":203},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":203},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":203},{"title":"[٣٠] ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور ٣].","level":3,"page":206},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":206},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":209},{"title":"[٣١] ﴿إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا﴾ [الإسراء ٦٠].","level":3,"page":215},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":215},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":216},{"title":"[٣٢] ﴿ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين ٢٦].","level":3,"page":220},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":221},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":222},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":226},{"title":"[٣٣] ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ [البقرة ١٥٨].","level":3,"page":227},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":228},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":229},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":232},{"title":"[٣٤] ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ [البقرة ١٩٣].","level":3,"page":234},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":234},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":236},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":238},{"title":"[٣٥] ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة ١٩٥].","level":3,"page":239},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":240},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":241},{"title":"[٣٦] ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ياأولي الأل","level":3,"page":244},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":245},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":246},{"title":"[٣٧] ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة ٢٠٠].","level":3,"page":249},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":250},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":250},{"title":"[٣٨] ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ [آل عمران ٩٦].","level":3,"page":253},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":253},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":255},{"title":"[٣٩] ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران ١٨٨].","level":3,"page":257},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":258},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":258},{"title":"هل ليهودية كعب الأولى أثر في خطأه في التفسير؟","level":4,"page":260},{"title":"[٤٠] ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ [المائدة ٣٧].","level":3,"page":261},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":262},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":262},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":265},{"title":"[٤١] ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر ٩].","level":3,"page":266},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":267},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":268},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":272},{"title":"[٤٢] ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الن","level":3,"page":274},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":275},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":277},{"title":"[٤٣] ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام ١٦٠].","level":3,"page":280},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":280},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":282},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":283},{"title":"[٤٤] ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (١٥) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله","level":3,"page":283},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":284},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":286},{"title":"[٤٥] ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف ٧٦].","level":3,"page":288},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":288},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":289},{"title":"وتبرز في هذا الاستدراك مسألة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم على واقعة معينة","level":4,"page":290},{"title":"[٤٦] ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون﴾ [النحل ٧٢].","level":3,"page":291},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":292},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":293},{"title":"[٤٧] ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا﴾ [الكهف ٦٠].","level":3,"page":296},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":297},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":297},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":298},{"title":"[٤٨] ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الكهف ١٠٣].","level":3,"page":299},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":299},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":300},{"title":"[٤٩] ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [","level":3,"page":302},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":302},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":303},{"title":"[٥٠] ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون﴾ [العنكبوت ٤٥].","level":3,"page":306},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":306},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":308},{"title":"[٥١] ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور","level":3,"page":309},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":310},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":311},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":313},{"title":"[٥٢] ﴿فرت من قسورة﴾ [المدثر ٥١].","level":3,"page":314},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":314},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":315},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":319},{"title":"[٥٣] ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون ٥].","level":3,"page":320},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":320},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":321},{"title":"[٥٤] ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون ٧].","level":3,"page":325},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":325},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":326},{"title":"ثالثا: استدراكات التابعين","level":2,"page":329},{"title":"[٥٥] ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا﴾ [النساء ١١٩].","level":3,"page":329},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":329},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":331},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":333},{"title":"[٥٦] ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف ٢٠٤].","level":3,"page":335},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":335},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":336},{"title":"[٥٧] ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ [الحجر ٢٤].","level":3,"page":340},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":341},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":342},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":344},{"title":"[٥٨] ﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ [مريم ٢٤].","level":3,"page":344},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":344},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":345},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":347},{"title":"[٥٩] ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها","level":3,"page":348},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":348},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":349},{"title":"[٦٠] ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير﴾ [فاطر ٣٢].","level":3,"page":353},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":353},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":354},{"title":"[٦١] ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات ١٤٣].","level":3,"page":360},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":360},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":361},{"title":"[٦٢] ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (١٩) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (٢٠) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (٢١) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غ","level":3,"page":363},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":364},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":365},{"title":"وفي هذا الاستدراك مسائل","level":4,"page":367},{"title":"[٦٣] ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ [البقرة ٥٧].","level":3,"page":368},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":369},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":369},{"title":"[٦٤] ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة ٦٥].","level":3,"page":370},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":371},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":371},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":374},{"title":"[٦٥] ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام﴾ [البقرة ٢٠٤].","level":3,"page":375},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":375},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":376},{"title":"[٦٦] ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ [آل عمران ١٩٣].","level":3,"page":378},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":379},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":379},{"title":"[٦٧] ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا﴾ [النساء ٣٥].","level":3,"page":381},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":381},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":381},{"title":"[٦٨] ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام ١٢١].","level":3,"page":383},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":384},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":384},{"title":"[٦٩] ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنه","level":3,"page":387},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":387},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":389},{"title":"[٧٠] ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (١١٨) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود ١١٨ - ١١","level":3,"page":392},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":393},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":393},{"title":"[٧١] ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الأحقاف ١٠].","level":3,"page":397},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":397},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":398},{"title":"[٧٢] ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر ١].","level":3,"page":401},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":401},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":402},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":406},{"title":"[٧٣] ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المت","level":3,"page":407},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":407},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":409},{"title":"[٧٤] ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ا","level":3,"page":410},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":411},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":412},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":415},{"title":"رابعا: استدراكات أتباع التابعين","level":2,"page":415},{"title":"[٧٥] ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ [البقرة ٢٦٩].","level":3,"page":415},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":416},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":419},{"title":"[٧٦] ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة ٢٨٢].","level":3,"page":419},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":420},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":425},{"title":"[٧٧] ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ [الأعراف ١٥٢].","level":3,"page":425},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":426},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":429},{"title":"[٧٨] ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ [المائدة ٥٥].","level":3,"page":429},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":430},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":432},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":437},{"title":"[٧٩] ﴿نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ [الإسراء ٤٧].","level":3,"page":438},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":439},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":4,"page":440},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":4,"page":442},{"title":"[٨٠] ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور ٤].","level":3,"page":443},{"title":"تحليل الاستدراك","level":4,"page":443},{"title":"الحكم على الاستدراك","level":5,"page":445},{"title":"ومن مسائل هذا الاستدراك","level":5,"page":448},{"title":"الباب الثاني \"الاستدراكات في التفسير\" نشأتها، وتطورها، وأثرها في علم التفسير","level":1,"page":450},{"title":"مدخل: حرص السلف على تصحيح الفهم لمعاني كتاب الله تعالى","level":2,"page":451},{"title":"الفصل الأول \"الاستدراكات في التفسير\" نشأتها، وتطورها.","level":2,"page":455},{"title":"الفصل الثاني أثر استدراكات السلف في التفسير على علم التفسير","level":2,"page":461},{"title":"تمهيد","level":3,"page":461},{"title":"المبحث الأول: أثر استدراكات السلف في التفسير على وجوه الترجيح فيه.","level":3,"page":462},{"title":"المبحث الثاني: أثر استدراكات السلف في التفسير على أسباب الخطأ في التفسير.","level":3,"page":468},{"title":"المبحث الثالث: أثر استدراكات السلف في التفسير على أسباب الاختلاف فيه.","level":3,"page":474},{"title":"المبحث الرابع: أثر استدراكات السلف في التفسير على التفسير بالرأي.","level":3,"page":477},{"title":"المبحث الخامس: اختلاف مدارس التفسير وعلاقته بالاستدراكات فيه.","level":3,"page":481},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":486}],"ٛ":{"1,6":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,11":4,"1,12":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,33":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,49":40,"1,50":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,470":460,"1,471":461,"1,472":462,"1,473":463,"1,474":464,"1,475":465,"1,476":466,"1,477":467,"1,478":468,"1,479":469,"1,480":470,"1,481":471,"1,482":472,"1,483":473,"1,484":474,"1,485":475,"1,486":476,"1,487":477,"1,488":478,"1,489":479,"1,490":480,"1,491":481,"1,492":482,"1,493":483,"1,494":484,"1,495":485,"1,496":486,"1,497":487,"1,498":488,"1,499":489,"1,500":490,"1,501":491,"1,502":492},"ٜ":{"1":[6,502]},"ٝ":["1,6","1,7","1,8","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"6":[3],"7":[4],"8":[5],"14":[6],"15":[7],"17":[8,9,10],"19":[11],"24":[12],"25":[13],"29":[14,15],"30":[16],"37":[17],"40":[18,19,20,21],"42":[22],"46":[23],"48":[24],"49":[25],"53":[26],"54":[27],"55":[28],"56":[29],"58":[30],"59":[31],"60":[32],"61":[33],"62":[34],"63":[35],"64":[36],"66":[37,38],"67":[39],"69":[40],"70":[41],"71":[42],"72":[43],"74":[44],"76":[45,46],"77":[47],"79":[48,49],"80":[50],"84":[51,52],"85":[53],"87":[54],"88":[55],"89":[56],"90":[57],"93":[58],"95":[59],"96":[60],"98":[61],"100":[62,63],"103":[64,65],"104":[66],"105":[67],"108":[68],"109":[69],"110":[70],"112":[71],"119":[72],"121":[73],"124":[74],"128":[75,76],"129":[77],"130":[78],"134":[79],"135":[80],"136":[81],"138":[82],"139":[83],"140":[84],"141":[85],"143":[86,87],"145":[88],"150":[89],"151":[90],"153":[91],"156":[92,93],"157":[94],"158":[95],"159":[96],"160":[97],"163":[98],"166":[99,100],"168":[101],"170":[102],"172":[103],"173":[104],"174":[105],"180":[106],"181":[107],"184":[108],"187":[109],"189":[110],"190":[111],"192":[112],"193":[113,114],"194":[115],"195":[116],"202":[117],"203":[118,119,120],"206":[121,122],"209":[123],"215":[124,125],"216":[126],"220":[127],"221":[128],"222":[129],"226":[130],"227":[131],"228":[132],"229":[133],"232":[134],"234":[135,136],"236":[137],"238":[138],"239":[139],"240":[140],"241":[141],"244":[142],"245":[143],"246":[144],"249":[145],"250":[146,147],"253":[148,149],"255":[150],"257":[151],"258":[152,153],"260":[154],"261":[155],"262":[156,157],"265":[158],"266":[159],"267":[160],"268":[161],"272":[162],"274":[163],"275":[164],"277":[165],"280":[166,167],"282":[168],"283":[169,170],"284":[171],"286":[172],"288":[173,174],"289":[175],"290":[176],"291":[177],"292":[178],"293":[179],"296":[180],"297":[181,182],"298":[183],"299":[184,185],"300":[186],"302":[187,188],"303":[189],"306":[190,191],"308":[192],"309":[193],"310":[194],"311":[195],"313":[196],"314":[197,198],"315":[199],"319":[200],"320":[201,202],"321":[203],"325":[204,205],"326":[206],"329":[207,208,209],"331":[210],"333":[211],"335":[212,213],"336":[214],"340":[215],"341":[216],"342":[217],"344":[218,219,220],"345":[221],"347":[222],"348":[223,224],"349":[225],"353":[226,227],"354":[228],"360":[229,230],"361":[231],"363":[232],"364":[233],"365":[234],"367":[235],"368":[236],"369":[237,238],"370":[239],"371":[240,241],"374":[242],"375":[243,244],"376":[245],"378":[246],"379":[247,248],"381":[249,250,251],"383":[252],"384":[253,254],"387":[255,256],"389":[257],"392":[258],"393":[259,260],"397":[261,262],"398":[263],"401":[264,265],"402":[266],"406":[267],"407":[268,269],"409":[270],"410":[271],"411":[272],"412":[273],"415":[274,275,276],"416":[277],"419":[278,279],"420":[280],"425":[281,282],"426":[283],"429":[284,285],"430":[286],"432":[287],"437":[288],"438":[289],"439":[290],"440":[291],"442":[292],"443":[293,294],"445":[295],"448":[296],"450":[297],"451":[298],"455":[299],"461":[300,301],"462":[302],"468":[303],"474":[304],"477":[305],"481":[306],"486":[307]},"ٟ":[],"numbers":{"1":40,"2":48,"3":54,"4":58,"5":62,"6":66,"7":70,"8":76,"9":79,"10":84,"11":88,"12":93,"13":98,"14":103,"15":109,"16":119,"17":128,"18":134,"19":139,"20":143,"21":150,"22":156,"23":158,"24":166,"25":172,"26":180,"27":189,"28":193,"29":203,"30":206,"31":215,"32":220,"33":227,"34":234,"35":239,"36":244,"37":249,"38":253,"39":257,"40":261,"41":266,"42":274,"43":280,"44":283,"45":288,"46":291,"47":296,"48":299,"49":302,"50":306,"51":309,"52":314,"53":320,"54":325,"55":329,"56":335,"57":340,"58":344,"59":348,"60":353,"61":360,"62":363,"63":368,"64":370,"65":375,"66":378,"67":381,"68":383,"69":387,"70":392,"71":397,"72":401,"73":407,"74":410,"75":415,"76":419,"77":425,"78":429,"79":438,"80":443},"number_max":80,"number_pages":{"40":1,"48":2,"54":3,"58":4,"62":5,"66":6,"70":7,"76":8,"79":9,"84":10,"88":11,"93":12,"98":13,"103":14,"109":15,"119":16,"128":17,"134":18,"139":19,"143":20,"150":21,"156":22,"158":23,"166":24,"172":25,"180":26,"189":27,"193":28,"203":29,"206":30,"215":31,"220":32,"227":33,"234":34,"239":35,"244":36,"249":37,"253":38,"257":39,"261":40,"266":41,"274":42,"280":43,"283":44,"288":45,"291":46,"296":47,"299":48,"302":49,"306":50,"309":51,"314":52,"320":53,"325":54,"329":55,"335":56,"340":57,"344":58,"348":59,"353":60,"360":61,"363":62,"368":63,"370":64,"375":65,"378":66,"381":67,"383":68,"387":69,"392":70,"397":71,"401":72,"407":73,"410":74,"415":75,"419":76,"425":77,"429":78,"438":79,"443":80}},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>تقديم الطبعة الثانية</span>\nالحمد لله على إفضاله وإنعامه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .. أما بعد:\nفبعد أزيد من عشر سنين من الطبعة الأولى لهذا الكتاب، أقدّمه للطبعة الثانية على غير حالته الأولى ولا بدّ؛ فقد أعدت فيه نظرًا وفكرًا، وصحّحت فيه مواضع اقتضى طول عهد الممارسة لعلم التفسير تغييرها، وزدته إيضاحًا وبيانًا، وخفّفتُ منه بالحذف أحيانًا، والاختصار أحيانًا أخرى، وكان ممّا حذفته أنواعًا من الفهارس التي لا تمس حاجة القارئ إليها، وأضفت مسائل وفوائد يسيرة في مواضعها من المتن أو الحاشية.\nشاكرًا كلَّ من زاد هذا الكتاب مثل ذلك بعلم، وداعيًا لمن دلّني على كمال، ومحبًّا لمن نبّهني إلى نقص، وأستغفر الله من الزلل، وأتوب إليه من الذنب، وأختم بحمده كما بدأت، وأصلي وأسلّم على نبيّه وحبيبه محمدًا، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.\nوالحمد لله رب العالمين.\n\nوكتب\nنايف بن سعيد بن جمعان الزهراني\nالأستاذ المشارك في التفسير وعلوم القرآن بجامعة جدة\nالخميس ١٩ محرّم ١٤٤١ هـ\nبلد الله الحرام مكة المكرمة","vol":"1","page":6},{"text":"<span class='title'>مُلَخَّصُ البَحْثِ </span>\n\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:\nفهذا بحث بعنوان:\nاستدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى .. دراسة نقدية مقارنة\nيُرَادُ به: إتباع المفسر من السلف قولًا يذكره أو يُذكَر له في بيان معاني القرآن الكريم، بقولٍ آخر يُصلِح خطأه، أو يُكمِل نقصه.\nوقد اشتمل البحث على دراسةِ ثمانين استدراكًا عن رسول الله ﷺ وصحابته، والتابعين، وأتباعهم. وذلك من خلال منهج تحليلي نقدي، يتناول كُلَّ رواية بالتحليل ودراسة الأقوال وما بُنيت عليه، ثُمَّ الحكم عليها، وبيان الراجح في موضع الخلاف، مع التعرض لعدد من المسائل الواردة في الرواية، ممَّا له علاقة بعلم التفسير وأصوله.\nوقد بَيَّن البحث من خلال تلك الدراسة اهتمام مفسري السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وتَنَوُّع أساليبهم في ذلك، ومنها الاستدراكات التي نشأت مع أول نشأت التفسير وظهوره، من خلال البيان النبوي لمعاني آيات القرآن الكريم، ثم أصبحت سمتًا عامًا في كتب التفسير المتوسطة والموسعة، دون المختصرة، وكلما اشتهر كتاب في التفسير وعظم الاهتمام به، كثرت الاستدراكات عليه.\nوقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائلها وموضوعاتها وأغراضها تنوعًا ظاهرًا، أظهر لها أثرًا بارزًا على طائفةٍ من علوم التفسير، تناول منها البحث:","vol":"1","page":7},{"text":"أثر الاستدراكات على وجوه الترجيح في التفسير، وعلى أسباب الخطأِ في التفسير، وأسباب الاختلاف فيه، وعلى التفسير بالرأي، كما أوضح جانبًا من علاقة الاستدراكات بمدارس التفسير.\nوقد أبرز البحث عِدَّةَ نتائج تتعلق بهذه الفروع من علم التفسير، يُرجَى لها أن تعود بفوائد حسنة إن شاء الله في جانب الدراسات التفسيرية بكافة فروعها.","vol":"1","page":8},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-2> الْمُقَدِّمَة </span>•\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن علم التفسير لَمَّا كان متعلقًا بكتاب الله تعالى فهمًا واستنباطًا وبيانًا، كان من أشرف العلوم وأعظمها، بل هو رأس العلوم ورئيسها، وقد حاز علم تفسير القرآن هذا الشرف من جهةِ موضوعه، وغَرَضهِ، وشِدَّة الحاجة إليه، فهو أشدُّ العلوم تعلُّقًا بكتاب الله تعالى، بل هو سبيل علمه ومنهج فهمه، وكُلُّ العلوم الشرعية متوقفةٌ عليه وراجعةٌ إليه، وكلُّ كمال ديني أو دنيوي، عاجلٍ أو آجلِ، إنما يكون بتحصيلها ومعرفة مراد الله تعالى بِها.\nوقد أدرك سلفُ هذه الأمَّةَ مَنْزلة هذا العلم من الدين، فَنَزل منهم أشرفَ منْزل وأعلاه، وتفرَّغ له طائفةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم تحصيلًا وتأصيلًا، وسلكوا لنشره وتبيينه للناس كُلَّ سبيل، فكان بيانهم أحسن بيان، وجاء استنباطهم أدَقَّ استنباطٍ وألطفه، ولا غرو فهم خير هذه الأمة وأفضلها بشهادة خير البرية ﷺ، وقد حازوا كمالَ كلِّ فضيلةٍ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وما أحسن ما قال الشافعي (ت: ٢٠٤) في رسالته البغدادية: (هم فوقنا في كلِّ علمٍ، وعقلٍ، ودينٍ، وفضلٍ، وكلِّ سببٍ يُنَال به علمٌ، أو يُدرَك به هدى، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا","vol":"1","page":11},{"text":"لأنفسنا) (^١)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام، ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ..، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهُّمِه وتعقُّلِه والتفقُّه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حقٍّ إلا وهو في كلامهم موجودٌ بأوجزِ عبارةٍ، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطلٍ إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمَّله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يُلِمُّ به) (^٢).\nفمن هنا عظمت الرغبة في البحث عن آثار السلف في التفسير، وأنواع العلوم والمسالك التي سلكوها في بيان كلام الله تعالى، فكان منها هذا النوع اللطيف من البيان، الذي يدل على حرص السلف على تصحيح الفهم لمعاني الآيات، وإيضاح الأصح والأكمل في حَقِّها من المعاني، كُلُّ ذلك في نمطٍ رفيعٍ من الأدب وحُسنِ الخطاب. وفي هذا النوع من البيان يقصِدُ المفسِّرُ منهم تَعَقُّب قولٍ مذكور في تفسير الآية، وذكر رأيه فيها عقب اعتراضه، وهو ما يعرف ب\"الاستدراك\".\nوهذا النوع من العلوم- الاستدراكات- موجود ومشهور عند السلف من لدن الصحابة ﵃ فمن بعدهم (^٣)، وفي تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى على الأخص مواضع كثيرة من هذه الاستدراكات، تباينت طرقها وأغراضها، واتَّفقت\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧، وينظر: إعلام الموقعين ٢/ ١٥٠.\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: ٦٧).\n(^٣) ومنه ما جمعه أبو منصور البغدادي (ت: ٤٨٩) في \"استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة\"، وهو ما بنى عليه الزركشي (ت: ٧٩٤) كتابه \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة\"، الذي لخصه السيوطي (ت: ٩١١) وزاد عليه في \"عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة\".","vol":"1","page":12},{"text":"أصولها ومناهجها، وكُلُّها يُنبِئ عن سعةِ عِلمٍ، وحسن أدبٍ، وهي جديرة بالدراسة والتأمل، ومن ثَمَّ إغناء مختلف معارف التفسير وأصوله بمسائلها العديدة، وفوائدها الجليلة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-3> دواعي اختيار الموضوع:</span>\nتتلَخَّص أسباب اختيار الموضوع في النقاط الآتية:\n١ - رغبةُ الباحث في الاتصال بعلوم السلف، وفهم مناهجهم وطرائقهم في علم التفسير على الخصوص، وقد كان في سعة هذا الموضوع، وتنوع مباحثه، وانتشار مادَّته في جمهرَة كتب التفسير، خيرُ معين على ذلك؛ لاستلزامه مطالعة عامَّة كتب التفسير في مرحلتي الجمع والدراسة.\n٢ - الإسهام في بيان سعة علم السلف ودِقَّة فهمهم، وتوجيه النظر إلى الاهتمام بتلك الحقبة الفاضلة، التي احتوت أئمة هذا العلم والمتحقِّقين فيه.\n٣ - إبرازُ صورةٍ جليَّةٍ من صور حرص السلف على تصحيح الفهم لكلام الله تعالى.\n٤ - التعرُّضُ لفقه الخلاف بين السلف في التفسير، ثُمَّ استثمار ذلك الخلاف في تثبيت قواعد وأصول علم التفسير.\n٥ - أنه مجالٌ رحبٌ لتوجيه أقوال السلف في مواضع الخلاف، والوقوف على منْزع كل قائل.\n٦ - أنه من أحسن وسائل الوقوف على جملَةٍ من معارف التفسير وتأصيلها، كوجوه الترجيح في التفسير، وأسباب الخطأ فيه، والتفسير بالرأي وضوابطه، ونحو ذلك من علوم هذا الفن.\n٧ - يُجَلِّي الموضوعُ صورةً مشرقةً من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض.","vol":"1","page":13},{"text":"٨ - كما يوضح أيضًا أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه.\n٩ - احتواؤه نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى.\n١٠ - طرافةُ الموضوع، وحداثة تناوله، إذ لم أجد من تعرَّضَ له على هذا النحو، أو قصده بالجمع والتأليف.\nفلهذه الأسباب، وبعد الاستخارة والاستشارة، استعنت بالله تعالى واخترت هذا الموضوع بعنوان:\nاسْتِدْرَاكَاتُ السَّلَفِ في التَّفْسِيرِ في القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى\nدِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُقَارَنَةٌ\n\n*<span data-type='title' id=toc-4> خِطَّةُ البَحْثِ:</span>\nتتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، على النحو الآتي:\nالمقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.\nالتمهيد: وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحث:\n• المبحث الأول: مَعْنَى \" الاسْتِدْرَاك \".\n• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ \" السَّلَفِ \" وَبَيَانُ فَضْلِهِم. وَفِيهِ مَطْلَبَان:\nالمطلب الأول: تَعْرِيفُ \" السَّلَفِ \" لُغَةً واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.\n• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ \" التَّفْسِير \".\n• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ \" اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ \".","vol":"1","page":14},{"text":"الباب الأول:\nدِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ \" اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ \" فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى.\nالباب الثاني:\n\"الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ \" نَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ.\nوَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان:\n• مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.\nالفصل الأول: \" الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ \" نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.\nالفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ.\nوَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِث:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ.\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.\n• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.\n• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.\nالخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.\nالفهارس: وتحتوي على أنواعٍ من الفهارس الفنية التي تتناسب مع طبيعة البحث، وتكشف عن مضمونه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-5> مَنْهَجُ البَحْثِ:</span>\nأوَّلًا: جعلتُ الحدَّ الزمني للدراسة: القرون الثلاثة الأولى. التي تشمل طبقة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ﵃.","vol":"1","page":15},{"text":"ثانيًا: قَدَّمتُ دراسةَ الاستدراكات على بيان نشأتها وتطوُّرها وأثرها في علم التفسير؛ لأنها مباحثُ مستخرجةٌ من قسم الدراسة ومبنيَّة عليه.\nثالثًا: قسَّمتُ العمل في البحث على مرحلتين:\nالمرحلةُ الأولى: جمع مرويَّات استدراكات السلف في التفسير من عامَّة كتب التفسير المسندة، ولتحقيق ذلك طالعت قريبًا من مِئَةِ مجلدٍ من التفاسير المسندة المطبوعة، والمخطوطة، وعدد من الرسائل الجامعية، ثُمَّ استعرضتُ من كتب السنة أمَّهاتِها، وما اعْتُنِى فيه بباب التفسير على الخصوص. وقد استغرقت مِنِّي هذه المرحلةُ من البحث قرابةَ عامٍ كامل، جمعتُ فيها كلَّ استدراكٍ كان الخلاف فيه من قبيل بيان المعنى للآية أو اللفظة القرآنية، دون غيره؛ إذ ليس غرضي دراسةُ الاستدراكات من حيث هي واردة في كتب التفسير، وإنما من حيث هي من علم التفسير، ولها تعلقٌ واضحٌ بأصوله وقواعده؛ للاستفادة منها في هذا الجانب المقصود بالبحث والدراسة. وقد بلغت الاستدراكات المجموعة في هذه المرحلة (٤٢٥) استدراكًا.\nالمرحلةُ الثانية: دراسةُ ثمانين روايةٍ تفسيرية مُختَارَةٍ من هذا المجموع، كُلُّها نصوصٌ صريحةٌ، وافِرَةُ المسائلِ، عظيمةُ الفائدةِ. وفي هذه المرحلة قمت بتحليل كُلِّ قولٍ، وبَيَّنتُ مأخذَ قائله ومعتمده، وقارنت بين الأقوال في كُلِّ رواية، ثُمَّ ذكرتُ الراجح منها بعد المناقشة والاستدلال.\nرابعًا: جعلتُ منهج دراسة هذه الاستدراكات على ما يأتي:\n١ - تخريج الاستدراك، والحكم عليه من جهة الرواية.\n٢ - تحليل الاستدراك ببيان مصدر كل قول، ومعتمد قائله.\n٣ - الحكم على الاستدراك، وذكر الراجح في موضع الاستدراك، مع التعرض أحيانًا لبعض المسائل والفوائد الخاصة في كلِّ رواية، وذكر ثمرة الخلاف فيه.","vol":"1","page":16},{"text":"خامسًا: لم تُحدَّد هذه الدراسة بسوَرٍ مُعَيَّنةٍ في ابتدائها وانتهائها؛ إذ لا علاقة لكثرة السور وقلتها بتكاثر الاستدراكات وقلتها، وإنما هي مبثوثة في مجموع سور القرآن الكريم.\nسادسًا: رَتَّبتُ الاستدراكات باعتبار قائلها، ورأيتُ ذلك أعظمُ فائدةً في بيان التسلسل التاريخي لها، مع اعتبار منْزلة القائل في الترتيب، فابتدأتُ بالاستدراكات النبويَّة، ثُمَّ استدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين، ثُمَّ استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم، ثُمَّ كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين.\nسابعًا: خَصَصْتُ الآيات القرآنية بالرسم العثماني، وجعلتها بين هذين القوسين ﴿﴾.\nثامنًا: خرَّجت القراءات القرآنية، وجعلتها بالرسم الإملائي بين هذين القوسين ﴿﴾.\nتاسعًا: خَرَّجت الآيات في متن الرسالة، وجعلت تخريجها بين هذين المعقوفين [] عقب ذكر الآية مباشرة، سواءً كانت في نَصٍّ منقول أو غيره؛ وذلك لكثرتِها الظاهرة.\nعاشرًا: خَرَّجتُ الأحاديث النبوية والآثار تخريجًا مختصرًا، أستوفي فيه عزو الحديث والأثر إلى مواضعه، مع بيان حال الأحاديث المرفوعة، وروايات الاستدراكات صِحَّةً وحُسنًا وضَعفًا.\nإحدى عشر: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدِهِما اكتفي بذلك عن الحكم عليه، ولا أعزوه إلى غيرهما إلا لِحاجَة.\nاثنى عشر: عند تخريج ما في الصحيحين أعزو إلى صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، وصحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي.","vol":"1","page":17},{"text":"ثالث عشر: جعلت تخريج الاستدراك في الحاشية، وفَرَّغت متن الرسالة للدراسة التفسيرية (تحليل الاستدراك- الحكم على الاستدراك).\nرابع عشر: نسبتُ الأشعار إلى قائليها، واكتفيتُ بعزوها إلى دواوينهم في الغالب، وإلا فإلى مصادر الشعر والشعراء المعتمدة.\nخامس عشر: ترجمتُ للأعلام الواردة أسماؤهم في الرسالة تراجمَ مختصرة، واستثنيتُ منهم المشهورين، ولم أترجم للصحابة لاستغنائهم عن التعريف، إلا ما ندر.\nسادس عشر: أتبعتُ كُلَّ علَمٍ بذكر سنة وفاته بين هلالين (ت:)، في جميع مواضع ورود اسمه، إلا إذا كان في نَصٍّ منقول ورأيتُ ذلك مفيدًا في معرفة السابق واللاحق، والمتقدم بالرأي والتابع فيه.\nسابع عشر: جعلتُ التاريخ الهجري غُفْلًا، ولم أُشِر إليه بعلامة (هـ)؛ لأنه هو الأصل فلا حاجة لتكراره.\nثامن عشر: عَرَّفتُ بالأماكن والبقاع والمذاهب والفرق الواردة في متن الرسالة.\nتاسع عشر: أختصرُ في ذكر أسماء المراجع في الحاشية؛ اكتفاءً بالتفصيل الموجود في ثبت المراجع، إلا في الأسماء المشتركة في أكثر من كتاب، فأبَيِّنُ من اسم الكتاب ما يُمَيِّزُه.\nعشرون: استوعبت في مراجع علم التفسير أصولَ كتب التفسير، ونوَّعتُ في الأعصار والأمصار.\nإحدى وعشرون: أشرتُ إلى صفحات المرجع بِهذا الرمز (ص:).\nوقد ترددتُ بعد الانتهاء من جمع الاستدراكات بين ترتيبها على السور، ثُمَّ تقسيمها بحسب عددها ليمكن دراستها في أكثر من رسالة علمية، وبين انتقاء مجموعة وافِرَة منها، ثُمَّ دراستها بالتفصيل والمقارنة وإعطاء صورَة عامَّة كافيةٍ عن","vol":"1","page":18},{"text":"موضوع الاستدراكات، مع الاستفادة التامَّة مِمَّا لم تتم دراسته من باقي الاستدراكات في تأكيد نتائج وآثار ما تمت دراسته.\nوبعد طول نظرٍ وتأمُّلٍ في هذه الروايات استقرَّ الرأيُ على الطريقة الثانية، ورأيتها أكثر نفعًا وتأصيلًا من الطريقة الأولى؛ لعِدَّة أمور:\nالأول: أن جُملَةً وافِرةً من هذه الاستدراكات ليست استدراكات تفسيرية على ما وصفت قبل قليل، وعلى ما سيتبين في البحث إن شاء الله، إذ ليس الخلاف فيها من قبيل الخلاف في معنى الآية أو ما لابُدَّ منه في فهمها، وذلك نحو الاختلاف في اسم السورة، أو نوعها (مكيَّة أو مدنيّة)، أو الاختلاف في القراءات؛ فإن القراءَة سابقةٌ للمعنى، وكذا الاختلاف في مسائل فقهية لا علاقةَ لها ظاهرةً بلفظ الآية، ونحو ذلك. فهذا النوع من الروايات وإن وردت على أسلوب الاستدراكات إلا أنها ضعيفة الصِّلة بمعنى التفسير، قليلةُ الفائدة والأثر في بيان أصوله وعلومه. وقد بلغت الاستدراكات من هذا النوع (١٢٠) استدراكًا.\nالثاني: أن عددًا كثيرًا من الروايات التفسيرية الفاضلةِ بعد ذلك تكرَّر الخلافُ فيها في آيةٍ واحدة، وإنما قد يختلف القائل- فَمَرَّة الشيخ وأخرى تلاميذه-، أو تتعدد الطرق الواردة عنه في هذا الاستدراك. فهذا المجموع من الروايات أو القائلين يكون في حقيقته استدراكًا واحدًا، ذا قولين محصورين.\nالثالث: أن دراسةَ ثمانين استدراكًا دراسةً وافيةً مُفَصَّلة، ثُمَّ استخلاص مباحث شَتَّى من علوم التفسير وأصوله منها، وتأكيد هذه النتائج وتجليتها بوضوح من خلال الفاضل من الاستدراكات = أولى وأقعد من دراسة كُلِّ مجموعة منها على حِدة، مِمَّا لا تتميز معه هذه النتائج والآثار بوضوح، خاصَّةً إذا تغيرت مناهج تناولها وأساليب دراستها.","vol":"1","page":19},{"text":"هذا ما قصدتُ إليه من هذا البحث، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأتُ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، وأسأله تعالى بفضله وكرمه أن يلهمني الصواب في القول والعمل، وأن يجعل ما أقدمه خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>تمهيد </span>•:\nوفيه أربعة مباحث:\n• المبحث الأول: مَعْنَى \"الاسْتِدْرَاك\".\n• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ \"السَّلَفِ\" وَبَيَانُ فَضْلِهِم. وَفِيهِ مَطْلَبَان:\nالمطلب الأول: تَعْرِيفُ \"السَّلَفِ\" لُغَةً واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.\n• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ \"التَّفْسِير\".\n• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ \"اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ\".","vol":"1","page":21},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-7> المبحث الأول: مَعْنَى \"الاسْتِدْرَاك\".</span>\nاحتوى مصطلح \"استدراكات السلف في التفسير\" مفرداتٍ عِدَّةً، يحسن الوقوف على معانيها قبل تركيبها؛ لتكون مدخلًا مُوَضِّحًا للمعنى الإضافي المُرَكَّب لهذا المصطلح.\nفأصل كلمة \"اسْتِدْرَاك\" بعد تجريدها من الزوائد: \"دَرَكَ\"، قال ابن فارس (^١) (ت: ٣٩٥): (الدال والراء والكاف أصلٌ واحد وهو: لحوق الشيء بالشيء ووصُوله إليه، يُقال: أدركت الشيء أُدركه إدراكًا ..، ويقال: أَدرَك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرُهم أوَّلَهم) (^٢)، ووزنُ \"اسْتِدْرَاك\": \"اسْتِفْعَال\" يفيد معنى الطلب، وتستخدم في المعاني، قال الزمخشري (^٣) (ت: ٥٣٨): (وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله) (^٤)، وفي المعجم الوسيط: (تدارك الشيء بالشيء: أتبعه به، يقال: تدارك الخطأ بالصواب والذنب بالتوبة ..، واستدرك عليه القولَ: أصلحَ خطأهُ، أو أكمل نقصَه، أو أزال عنه لَبْسًا) (^٥).\n_________\n(^١) أحمد بن فارس بن زكريّا، أبو الحسين الرازي، أحد أئمة اللغة، صَنَّف «الصاحبي في فقه اللغة»، و«مقاييس اللغة» وغيرها، توفي سنة (٣٩٥). ينظر: السير ١٧/ ١٠٣، وبغية الوعاة ١/ ٣٥٢.\n(^٢) مقاييس اللغة ١/ ٤٠٤، وينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٠٧.\n(^٣) محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم، جار الله، إمام في اللغة والنحو والأدب، صَنَّف «الكشاف»، رأسٌ في الاعتزال، توفي سنة (٥٣٨). ينظر: السير ٢٠/ ١٥١، وبغية الوعاة ٢/ ٢٧٩.\n(^٤) أساس البلاغة ١/ ٢٨٥، وينظر: القاموس المحيط (ص: ٨٤٤)، والموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٢٦٩.\n(^٥) المعجم الوسيط ١/ ٢٨١، وينظر: بصائر ذوي التمييز ٢/ ٥٩٤.","vol":"1","page":23},{"text":"وهذا المعنى الأخير هو المقصود بهذه اللفظة في هذا المقام، ويُستخلص منه وممّا سبق ما يأتي:\n- أن في الاستدراك سابقًا مُستَدرَكًا عليه، ولاحقًا مُستَدرِكًا.\n- وأن فعله لازم ومُتعَدٍ (^١).\n- وأن اللاحق في الاستدراك مُصلِحٌ لخطأِ الأوّل، أو مكمِّلٌ لنقصِه، أو كاشفٌ عنه لَبْسَه.\nومن ثَمَّ يمكن صياغة معنىً جامعٍ للاستدراك من مجموع ما سبق فيُقال: الاستدراك هو:\nإِتْبَاعُ القولِ الأولِ بقولٍ ثانٍ، يُصْلِحُ خَطَأهُ، أو يُكْمِلُ نَقصه، أو يُزيلُ عنه لبسًا.\nوعلى هذا المعنى جرى استخدام العلماء لهذه الكلمة في مُؤلفاتهم وتعَقُّباتهم في شتى العلوم. (^٢)\n_________\n(^١) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي (ص: ٢٧٦).\n(^٢) من أشهر ما أُلِّفَ في ذلك: «جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة» لأبي منصور الشيحي البغدادي (ت: ٤٨٩)، وبنى عليه الزركشي (ت: ٧٩٤) كتابه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»، ولخصه السيوطي (ت: ٩١١) وزاد عليه في «عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة».\nومن الاستدراكات في العلوم المختلفة:\n- «المُتَدارك على المَدارك» لابن الضياء العَدَويّ محمد بن أحمد الصاغاني الحنفي (ت: ٨٥٤)، عمله على تفسير النسفي، ووصل فيه إلى آخر سورة هود، وأتمَّه أبوه. ينظر: الضوء اللامع ٧/ ٨٤.\n- «المستدرك على الصحيحين» للحاكم (ت: ٤٠٥)، ولأبي ذر الهروي (ت: ٤٣٤). يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٦٧٢، والرسالة المستطرفة (ص: ٢٤، ٢٦).\n- «المستدرك في فروع الشافعية» لإسماعيل بن محمد البوشنجى الشافعي (ت: ٥٣٦). يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٦٧٣.\n- استدراكات ابن الخشاب النحوي (ت: ٥٦٧) على المقامات للحريري، وانتصر فيها لابن برّي. يُنظر: كشف الظنون ٢/ ١٧٩١.\n- «الاستدراك على القاموس» لزين الدين المُناوي (ت: ١٠٣١)، ومثله لابن معصوم الحسني (ت: ١١١٩). يُنظر: معجم المعاجم (ص: ٢٣٩).\nوللوقوف على معنى الاستدراك عند النحويين، والأصوليين، والفقهاء، ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٢٦٩.","vol":"1","page":24},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-8> المبحث الثاني: المُرَادُ بِ \"السَّلَفِ\" وَبَيَانُ فَضْلِهم.</span>\n•<span data-type='title' id=toc-9> المطلب الأول: تَعْرِيفُ \"السَّلَفِ\" لُغَةً واصطلاحًا.</span>\n<span data-type='title' id=toc-10>أَوّلًا: السّلَفُ لُغَةً:</span>\nتدور كلمة السَّلَف في أصل الوضع اللغوي على معنى التَّقَدُّمِ والسَّبْق، فكُلُّ من تَقَدَّمكَ وما قَدَّمتَه فهو سَلَفٌ لك، ثم تفيد بعد ذلك مدحًا أو ذمًّا بحسب موضعها وسياقها. قال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (السين واللام والفاء أصلٌ يدل على تقدُّمٍ وسَبْق، من ذلك السَّلَف: الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المُتَقَدِّمون) (^١)، والسَّلَفُ كلُّ عملٍ صالحٍ قدَّمته، أو فَرَطٍ فَرَطَ لك، وكلُّ من تقدمك من آبائك وقرابتك، مِمَّنْ هم فوقك في السِّنِّ والفضل (^٢)، ومنه قول الشاعر (^٣):\nمضوا سلفًا، قَصد السبيل عليهِمُ … وصرفُ المنايا بالرجال تَقَلَّبُ\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ١/ ٥٦٧.\n(^٢) ينظر: القاموس المحيط (ص: ٧٣٨)، والكلِّيَّات (ص: ٥١١)، ولسان العرب ٩/ ١٥٨.\n(^٣) هو طُفَيل الغنوي، يرثي قومه. والبيت في ديوانه (ص: ٥٦).","vol":"1","page":25},{"text":"(أراد أنهم تقدمونا وقصدُ سبيلنا عليهم، أي: نموت كما ماتوا فنكون سلفًا لمن بعدنا كما كانوا سلفًا لنا) (^١)، وقال الراغب الأصفهاني (^٢) (ت: بعد ٤٠٠): (السَّلَفُ: المتقدم، قال تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، أي: مُعتَبَرًا متقدمًا) (^٣)، (وفي الدعاء للميت \"واجعله سلفًا لنا\" (^٤)، قيل: هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته) (^٥)، ويشهد لهذا المعنى الأخير قول النبي ﷺ لفاطمة ﵂: (ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أوّل أهلي لُحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك) (^٦) أي: المتقدم.\nوقد تستعمل هذه الكلمة في الذم، كما في قوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، قال مجاهد (^٧) (ت: ١٠٤): (قوم فرعون كفارهم سلفًا لكفار أمة محمد ﷺ (^٨)،\n_________\n(^١) لسان العرب ٩/ ١٥٩، ويُنظر: المعجم الوسيط ١/ ٤٤٤.\n(^٢) الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني، من أعلام الأدب والحكمة، صنف المفردات، والمحاضرات، وغيرها، توفي بعد (٤٠٠). يُنظر: السير ١٨/ ١٢٠، وبغية الوعاة ٢/ ٢٩٧.\n(^٣) المفردات (ص: ٤٢٠)، وتفسير آيات أشكلت ٢/ ٦٩٤.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن ٤/ ٩ (٦٥٨٥)، موقوفًا من قول أبي هريرة ﵁، وأخرجه البخاري ٣/ ٢٤٢ (باب: ٦٥ - قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة)، معلَّقًا بصيغة الجزم عن الحسن البصري. ووردت لفظة (فرطًا وسلفًا) في صحيح مسلم ٥/ ٤٥١ (٢٢٨٨) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: (إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أُمَّةٍ من عباده قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسَلَفًا بين يديها).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٥١.\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٨ (٢٤٥٠).\n(^٧) مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، من أعلم التابعين بالتفسير، ومن أشهر تلاميذ ابن عباس ﵁، توفي سنة (١٠٤). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣١٩، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٠٤).\n(^٨) جامع البيان ٢٥/ ١٠٩.","vol":"1","page":26},{"text":"وقال قتادة (^١) (ت: ١١٧) ومعمر (^٢) (ت: ١٥٣): (سلفًا إلى النار) (^٣)، وعن زيد بن أسلم (^٤) (ت: ١٣٦) قال: (ما من أحد إلا وله سَلَفٌ في الخير والشر) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ثَانِيًا: السَّلَفُ اصطلاحًا:</span>\nاشتهر استعمال مصطلح \"السَّلَف\" في كلام العلماء وإطلاقاتهم على أنه وصفُ مدحٍ وتزكية، قال ابن تيمية (^٦) (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يُعرَف بالنقل عنهم، فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يُعرَف بالاستدلال المحض؛ بأن يكون كل من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: هذا قول السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب. فهذا هو الذي يُجرِّئ المبتدعة على أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السلف، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه: أن قوله هو الحق) (^٧)، ووجه الخيرية والزَّكاءِ في الانتساب إلى السلف هو أنَّهم خيرُ القرون، كمَا ثبت عن ابن مسعود ﵁، أن\n_________\n(^١) قتادة بن دعامة السدوسي البصري، الفقيه الحافظ المفسر، ثقة ثبت يُضرب بحفظه المثل، مات بطاعون واسط، سنة (١١٧). ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١١٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٣٢).\n(^٢) معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، الحافظ المفسر، صاحب الجامع المشهور في السير والمغازي، توفي سنة (١٥٣). ينظر: السير ٧/ ٥، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٥.\n(^٣) جامع البيان ٢٥/ ١٠٩.\n(^٤) زيد بن أسلم العدوي، أبو عبد الله المدني، الإمام المفسر الفقيه، صَنَّف تفسير القرآن، ورواه عنه ابنه عبد الرحمن، مات سنة (١٣٦) وقيل (١٤٦). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٦٠، طبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٢٨).\n(^٥) تفسير السمعاني ٥/ ١١٠.\n(^٦) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، الحَرَّاني الدمشقي، تقيّ الدين أبو العباس، شيخ الإسلام، أحدُ الأعلام، صنف: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، وغيرهما، مات سنة (٧٢٨). ينظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٠٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٧).\n(^٧) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠.","vol":"1","page":27},{"text":"النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (^١).\nوقد تعرَّضَ جماعةٌ من العلماءُ لِمُصطلح السلف، فذكروا تعريفاتٍ متفاوتةً، وحدودًا متغايرةً، تأثَّر بعضها بِاعتقادٍ سابق، ظهر أثره في بيان صاحبه لجوانب من هذا المصطلح. (^٢)\nوقد يُراد بلفظ السلف في استعمال بعض العلماء مجرد الدلالة اللغوية المبينة سابقًا (^٣)، كما قد يراد به معنىً اصطلاحيًّا مشتقًّا من المعنى اللغوي، وقد تفاوتت أقوال العلماء في تحديد هذا المصطلح، وتعيين المراد به على عدة أقوال:\nالأول: أنهم الصحابة. وهو قول بعض شُرَّاحِ \"الرسالة\" (^٤)، لابن أبي زيد القيرواني (^٥) (ت: ٣٨٩)، وكان ابن المبارك (^٦) (ت: ١٨١) يقول: (دَعُوا حديث عمرو بن ثابت (^٧)؛ فإنه كان يسُبُّ السلف) (^٨)، أي: الصحابة كما ذكر أبو داود (ت: ٢٧٥) عنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٣٠٦ (٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٦٨ (٢٥٣٣).\n(^٢) أثَّر الجانب العقدي في بيان مصطلح السلف في جُملةِ صور، تُنظر في: مجموع الفتاوى ٥/ ٨ - ١٢، ١٠٩، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٦، ووجوب لزوم الجماعة وترك التفرق (ص: ٢٧٦).\n(^٣) مثل كتاب: (صلة الخلف بموصول السلف) لمحمد بن سليمان المغربي الرُّوداني (ت: ١٠٩٤).\n(^٤) ينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات ١/ ١١.\n(^٥) عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد المالكي، العالم الفقيه، سُمّيَ بمالك الصغير، كان على طريقة السلف في الأصول، صنف: الرسالة، واختصر المدونة، وتوفي سنة (٣٨٩). ينظر: السير ١٧/ ١٠، وشجرة النور الزكية ١/ ١٤٣.\n(^٦) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، الحافظ العابد الغازي، أحد الأعلام، صنف الزهد والرقائق وغيرهما، توفي سنة (١٨١). ينظر: السير ٨/ ٣٧٨، والبداية والنهاية ١٠/ ١٤٦.\n(^٧) عمرو بن ثابت بن هُرمز البكري، أبو ثابت الكوفي، رافضي، ضعيف الحديث، مات سنة (١٧٢). ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٨.\n(^٨) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٨ (باب: ٥ - الإسناد من الدين).","vol":"1","page":28},{"text":"قوله: (لَمَّا مات النبي ﷺ كَفَرَ الناس إلا خمسة)، وقال عنه الإمام أحمد (ت: ٢٤١): (كان يشتم عثمان ﵁. (^١)\nالثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وإليه ذهب الغزالي (^٢) (ت: ٥٠٥) فقال: (اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني: الصحابة والتابعين) (^٣).\nالثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين؛ أهلُ القرون الثلاثة الأولى، ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. قال السفَّاريني (^٤) (ت: ١١٨٨): (وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار ﷺ، والذين اتبعوهم بإحسان، وأئمة الهدى بعد هؤلاء، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتقدمهم والاقتداء بهم، واتباعهم والسير بسيرهم، والنهج على منوالهم) (^٥)، وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) السلف ثم قال: (من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الصالحة) (^٦)، وقال أيضًا: (ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة؛ لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف،\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٩.\n(^٢) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، أبو حامد الغزالي الشافعي، إمام فقيه حُجَّة، صنف إحياء علوم الدين، وجواهر القرآن، وإعجاز القرآن، توفي سنة (٥٠٥). ينظر: السير ١٩/ ٣٢٢، وطبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٩١.\n(^٣) إلجام العوام عن علم الكلام (ص: ٥٣).\n(^٤) محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين أبو العون الحنبلي، العلامة الفقيه، صنف لوامع الأنوار البهية، وغذاء الألباب شرح منظومة الآداب، وتوفي سنة (١١٨٨). ينظر: السحب الوابلة ٢/ ٨٣٩، وتاريخ الجبرتي ١/ ٤٦٨.\n(^٥) لوائح الأنوار السَّنِيَّة ١/ ١٢٠، وينظر ما ورد عن الإمام أحمد في طبقات الحنابلة ١/ ٣٤.\n(^٦) تنبيه الرجل العاقل ٢/ ٥٧٧، وينظر: مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧.","vol":"1","page":29},{"text":"حرفٌ واحدٌ يخالفُ ذلك؛ لا نَصًّا ولا ظاهِرًا) (^١)، وقال ابن رجب (^٢) (ت: ٧٩٥): (وفي زماننا يتعينُ كتابةُ كلامِ أئمةِ السلف المقتدى بِهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد) (^٣).\nوجرى على هذا المعنى جمهَرَةٌ من الأئمة (^٤)، وكثيرٌ من الباحثين (^٥).\nالرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة. وإليه ذهب الباجوري (^٦) (ت: ١٢٧٧) حيث قال: (وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ١٥، وينظر منه: ٥/ ١١، و٤/ ١٥٢، والرد على الأخنائي (ص: ١٨٦)، والصارم المنكي في الرد على السبكي (ص: ٢٦٧) و(٢٦٣، ٢٧٧، ٢٩٥، ٣١٨، ٣٤٣).\n(^٢) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي، زين الدين أبو الفرج الحنبلي، إمام فقيه حافظ، صنف تقرير القواعد وتحرير الفوائد، وجامع العلوم والحكم، وغيرها، توفي سنة (٧٩٥). ينظر: الرد الوافر (ص: ١٨٨)، والسحب الوابلة ٢/ ٤٧٤.\n(^٣) «فضل علم السلف على علم الخلف» ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب ٣/ ٢٤، وينظر منه: ٣/ ١٦، ٢٠.\n(^٤) كالإمام الآجُرِّي في كتابه الشريعة ١/ ١٢٤، ١٨٣، ١٩٥، ١٩٩، ٢١٣، ٢٣٩، ٣٢٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٧، ١٣، ١٥، ١٧٠، ٧/ ١٣٢٧، ١٣٣٦، وابن بَطَّة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ١/ ١٨٦، والذهبي في العلوّ ١/ ١٣، وابن القيم في إعلام الموقعين ٢/ ٩٢، ٢٢١، ٣/ ١٣٧، ٤/ ٤٧٨، ٥/ ١١٨، ٦/ ٨٢، وابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣٢، ٢٤٣، ٣٨٨، ٣/ ١٤٢٢، ١٤٣٨، والشاطبي في الموافقات ١/ ٥٥، ١٨٤، ٢/ ٩٤، ١٢٧، ٤٩٨، ٣/ ١٩٠، ٢٦٤، ٤/ ٧٩، والشوكاني في التُّحَف في مذاهب السلف (ص: ٧).\n(^٥) ينظر: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل (ص: ٥٢)، والعقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة (ص: ٢٠) بواسطة: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: ٩٩)، وعقيدة الإمام ابن قتيبة (ص: ١٣٠، ١٣٣)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٩، واهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف- ظروفه- وآثاره، ضمن مجلة البحوث الإسلامية (عدد: ١٥، ص: ١٧٣).\n(^٦) إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، شيخ الأزهر، من فقهاء الشافعية، له حواشٍ كثيرة منها: حاشية على مختصر السنوسي، وحاشية على جوهرة التوحيد، وغيرها، توفي سنة (١٢٧٧). ينظر: الأعلام ١/ ٧١.","vol":"1","page":30},{"text":"الصحابة والتابعون وأتباع التابعين) (^١).\nوبالتأمل في الأقوال السابقة يُلاحَظ أن لها تعَلُّقًا ظاهرًا بحديث ابن مسعود ﵁ السابق في خيريّة القرون الثلاثة الأولى وتفضيلها على ما بعدها، كما يَبرزُ دخول الصحابة دُخولًا أَوَّلِيًّا في جميع هذه الأقوال. والقول بأن السلف هم:\nالصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين، ممن التزم الكتاب والسنة ولم يتلبس ببدعة، ومن تبع نَهجهم بإحسان = هو أصحُّ الأقوال وأعدلها، وهو اختيار المحققين من أهل العلم، كما مَرَّ في القول الثالث، وقد اشتمل على المدلول الخاص للسلف بالحصر التاريخي في القرون الثلاثة الأولى، وكذا المدلول العام الشامل لأتباعهم من بعدهم، ووجه ترجيح هذا القول أمور:\nأولًا: استناده على الأثر، الوارد في حديث ابن مسعود ﵁ السابق، فقد اشتمل هذا التعريف على القرون الثلاثة المفضلة بالنص النبوي، في حين أن الأقوال الأخرى زادت أو نقصت عنه بلا وجه.\nثانيًا: وضوح التحديد الزمني فيه ليشمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كبداية ومنطلق لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد تظهر في الرجوع إلى أقوالهم، والاحتكام إلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. (^٢)\nثالثًا: اشتماله- إضافةً إلى البعد الزمني- على البعد الشرعي المتمثل في تقييد هذا الوصف باتباع الكتاب والسنة، مما وسَّع دائرة هذا التعريف ليشمل ما بعد القرون\n_________\n(^١) شرح الباجوري على الجوهرة (ص: ٨٢)، بواسطة: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع ١/ ٦٢.\n(^٢) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٣٩.","vol":"1","page":31},{"text":"المفضلة ممن سار على طريقهم، والتزم نَهجهم، وتلقى النصوص بفهمهم. (^١)\nرابعًا: ولأن غالب من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث. (^٢)\nخامسًا: ولأنه مانعٌ من دخول من لا يتناولهم لفظ الخيرية الوارد في الحديث، من رؤوس المبتدعة الذين ظهروا في تلك العصور المتقدمة، وذلك بالتقييد بالتزام الكتاب والسنة واجتناب البدع.\n\n*<span data-type='title' id=toc-12> مُصْطَلَحُ \"السَّلَفُ\" فِيْ كُتُبِ التَّفْسِير:</span>\nوفي كتب التفسير، واستعمالات المفسرين نجد مصطلح \"السلف\" سائرًا على هذا المعنى الذي ذُكِر (^٣)، (وإذا أُطلق مصطلح \"السلف\" في علم التفسير فإن المراد به علماء هذه الطبقات الثلاث- أي: الصحابة والتابعون وأتباعهم-؛ لأن أصحابها أوّلُ علماء المسلمين الذين تعرضوا لبيان القرآن، وكان لهم فيه اجتهاد بارز، وقَلَّ أن تجد في علماء الطبقة التي تليهم من كان مشهورًا بالتفسير والاجتهاد فيه، بل كان الغالب على عمل من جاء بعدهم في علم التفسير نقل أقوال علماء التفسير في هذه الطبقات الثلاث، أو التخيّر منها والترجيح بينها، كما فعل الإمام محمد بن جرير الطبري (^٤) (ت: ٣١٠» (^٥)، وغيره من نقلة التفسير في عصره.\n_________\n(^١) قواعد المنهج السلفي (ص: ٢٣). بواسطة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/ ٤١.\n(^٢) العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة (ص: ٢٠)، بواسطة: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: ٩٩).\n(^٣) ينظر مثلًا: جامع البيان ١/ ٨٨، ١٠٢، و٢/ ٦٣، وسبق ذكر مواضع من تفسير ابن كثير.\n(^٤) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، أحد الأئمة المجتهدين، جمع من العلوم ما فاق فيه أهل عصره، ونبغ في التفسير، وألّفَ: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وكتاب القراءات، وغيرها، توفي ببغداد سنة (٣١٠). ينظر: طبقات القراء ١/ ٣٢٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٧٤).\n(^٥) التفسير اللغوي للقرآن الكريم (ص: ٥٨).","vol":"1","page":32},{"text":"وقد اصطلح العلماء على تسمية تفسير القرون الثلاثة الأولى: \"التفسير المأثور\"؛ لاستناده على الآثار المنقولة عن السلف في التفسير، من الصحابة والتابعين وتابعيهم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-13> المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.</span>\nبعد أن تبيَّنت حدود مصطلح السلف الزمانية والمنهجية، تجدر الإشارة إلى شيء من فضائل السلف الثابتة لهم شرعًا، مع بيان منْزِلة علمهم، ووجه تَقَدُّمِهِم وإمامَتِهِم، من خلال عرض موجز لنصوص الكتاب والسنة، وكلام الأئمة.\nفمن النصوص الشرعية في بيان فضل السلف قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]، وقوله سبحانه ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ١٠٠]. ففي الآية الأولى توعَّدَ من اتبع غير سبيل المؤمنين بالمصير إلى جهنم، ولا شك أن السلف هم أوّل من يشملهم اسم الإيمان من المؤمنين الذين نهى الله تعالى عن اتباع غير سبيلهم، وفي الآية الثانية وعَدَ الذين يتبعون سبيل المهاجرين والأنصار- وهم الصحابة- بإحسان، بالرضوان والجنان وذلك الفوز العظيم (^٢).\nومن السنة قوله ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم\n_________\n(^١) ويدل عليه تسمية السيوطي لتفسيره ب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور. وقد أخرج فيه تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى. وينظر: درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٤٩، ومقدمة ابن خلدون ٢/ ١٢٠.\n(^٢) ينظر: إعلام الموقعين ٥/ ٥٥٦.","vol":"1","page":33},{"text":"الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه) (^١)، قال النووي (^٢) (ت: ٦٧٦): (وقد اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ (^٣)، وقال ابن حجر (^٤) (ت: ٨٥٣): (واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين) (^٥).\nوعن العرباض بن سارية ﵁ في حديثٍ طويلٍ- قال: قال رسول الله ﷺ: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (^٦)، فدل الحديث على لزوم التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وسنة أصحابه ﵃، وترك ما خالفها، أو أُحدِث بعدها، خاصَّة في زمن الاختلاف والتفرق. (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٣٠٦ (٢٦٥٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٦٨ (٢٥٣٣).\n(^٢) يحيى بن شرف النووي، محيي الدين أبو زكريا، الدمشقي الشافعي، إمام عالم فقيه، صنف شرحه لصحيح مسلم، والمجموع في شرح المهذب، توفي سنة (٦٧٦). ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٠، وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٥.\n(^٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٦٦، وينظر: فتح الباري ٧/ ٨.\n(^٤) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، شهاب الدين، الحافظ المحقق، ألّف فتح الباري شرح صحيح البخاري، والعُجاب في بيان الأسباب، وغيرها، توفي بِمصر سنة (٨٥٢). ينظر: الضوء اللامع ٢/ ٣٦، وشذرات الذهب ٩/ ٣٩٥.\n(^٥) فتح الباري ٧/ ٨.\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٦ (١٧١٨٢)، وأبو داود في السنن ٤/ ٢٠٠ (٤٦٠٧)، والترمذي في الجامع ٥/ ٤٤ (٢٦٧٦)، وابن ماجه في السنن ١/ ١٥ (٤٢)، والدارمي في المسند ١/ ٥٧ (٩٥)، وابن حبان في صحيحه ١/ ١٧٨، والحاكم في المستدرك ١/ ١٧٦ (٣٢٩)، والبيهقي في السنن ١٠/ ١١٤ (٢٠١٢٥)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٤٨ (٦٢٣). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان، والحاكم، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.\n(^٧) ينظر: الشريعة، للآجُرِّي ١/ ١٧٠.","vol":"1","page":34},{"text":"وهذه بعض أقوال الأئمة في بيان فضل السلف ومَنْزلة علمهم (^١):\n- قال ابن مسعود ﵁: (لا تقلدوا دينَكم الرجالَ، فإن أبيتم فبالأمواتِ لا بالأحياءِ) (^٢).\n- وعن محمد بن سيرين (^٣) (ت: ١١٠) قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر) (^٤).\n- وقال الأوزاعي (^٥) (ت: ١٥٧): (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكُفّ عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم) (^٦).\n- وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة- في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة- أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين،\n_________\n(^١) ينظر: الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات (ص: ٦١).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٠٥.\n(^٣) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته، من علماء التابعين، مولاه أنس بن مالك ﵁، سمع عددًا من الصحابة، توفي سنة (١١٠). ينظر: السير ٤/ ٦٠٦، والبداية والنهاية ٩/ ٢٢٥.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٩٨.\n(^٥) عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي، أبو عمرو الشامي، الإمام الفقيه، له مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام والأندلس مُدّة ثم فَنِي، توفي ببيروت سنة (١٥٧). ينظر: السير ٧/ ١٠٧، والبداية والنهاية ١٠/ ٩٤.\n(^٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٧٤.","vol":"1","page":35},{"text":"وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام ..، وما أحسن ما قال الشافعي- ﵀ في رسالته: هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) (^١).\n- وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام؛ ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ..، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧، وينظر منه: ١/ ٣٧٥، ٤/ ١٤٩، و١٣/ ٢٤.\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: ٦٧، ٦٨).","vol":"1","page":36},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-14> المبحث الثالث: تَعْرِيفُ \"التَّفْسِير\".</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>أوَّلًا: التَّفْسِير لُغَةً:</span>\nكلمة \"تفسير\" مشتقّةٌ في الأصل من \"فَسَرَ\"، وهذه اللفظة تدور في كلام العرب على معاني: الكشف والبيان والإيضاح. قال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه) (^١)، وقال الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠): (الفَسْرُ: إظهار المعنى المعقول ..، والتفسير في المبالغة كالفَسْر) (^٢)، وقال ابن القيم (^٣) (ت: ٧٥١): (التفسير أصله في الظهور والبيان) (^٤).\nوقيل هو مقلوب \"سَفَرَ\" (^٥)، يُقال: أسفر الصبح: إذا ظهر وبان، وسَفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته، ويُقال للكتاب سِفْر: لبيانه (^٦). والأصل أن يكون للكلمة ترتيبها ومعناها، ثم قد تشترك مع غيرها في المعنى، أو تقترب في اللفظ، قال الآلوسي (^٧)\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ٢/ ٣٥٥، وينظر: الصاحبي (ص: ١٤٥)، وأساس البلاغة ٢/ ٢٢، وسيرة ابن هشام ٢/ ١١٠.\n(^٢) المفردات (ص: ٦٣٦)، ومقدمة جامع التفاسير (ص: ٤٧).\n(^٣) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزَّرعي الدمشقي، شمس الدين، المعروف بابن القيم، أحد الأئمة، صنف إعلام الموقعين، والتبيان في أقسام القرآن، وغيرها، توفي سنة (٧٥١). ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٣٦٨، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٦٣).\n(^٤) الصواعق المرسلة ١/ ٣٣٠. وينظر: التعريفات (ص: ٦٧)، ومقدمة المفسرين (ص: ١٢٥).\n(^٥) ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: ٤٧)، والبرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦٣.\n(^٦) ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ١٤٩)، والصواعق المرسلة ١/ ٣٣٠.\n(^٧) محمود بن عبد الله الحسيني، أبو الثناء الآلوسي الكبير، المفسر اللغوي، مفتي الحنفية ببغداد، ألف تفسيره الكبير: روح المعاني، وغيره، توفي سنة (١٢٧٠). ينظر: الأعلام ٧/ ١٧٦، والموسوعة الميسرة ٣/ ٢٥٩٥.","vol":"1","page":37},{"text":"(ت: ١٢٧٠): (والقول بأنه مقلوب السَّفْر، مما لا يسفر له وجه) (^١)، ولذا يقول الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠): (الفَسْرُ والسَّفْرُ يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>ثانيًا: التَّفْسِيرُ اصطلاحًا:</span>\nمن خلال المعنى اللغوي لكلمة التفسير، يُتَعرف على المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة، ويُستَحسَن قبل بيانه ذكرُ بعضِ تعريفات هذا المصطلح، فقد تفاوتت أقوال أهل العلم في بيان مفهوم التفسير وحدود معناه في استعمالات المفسرين، ومن تلك التعريفات:\n- قول الثعلبي (^٣) (ت: ٤٢٧): (فمعنى التفسير هو: التنوير وكشفُ المنغَلِق من المُراد بلفظه، وإطلاق المحتبس عن فهمه) (^٤)، وقال: (قالت العلماء: التفسير: علمُ نزول الآية، وشأنها، وقصتها، والأسباب التي نزلت فيها) (^٥).\n- ونقل ابن الجوزي (^٦) (ت: ٥٩٧) عن جماعةٍ من العلماء قولهم: (التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي) (^٧).\n_________\n(^١) روح المعاني (ص: ٤).\n(^٢) مقدمة جامع التفاسير (ص: ٤٧).\n(^٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو إسحاق الثعلبي، مفسرٌ حافظٌ مُقرئ واعظ، صنف: الكشف والبيان، والعرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة (٤٢٧). ينظر: السير ١٧/ ٤٣٥، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٠).\n(^٤) الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: ٩ أ).\n(^٥) الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: ٩ ب).\n(^٦) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي القرشي التميمي، جمال الدين أبو الفرج البغدادي الحنبلي، عالم مُحَدثٌ مُفَسِّر، صَنَّف: زاد المسير، وفنون الأفنان، توفي سنة (٥٩٧). ينظر: السير ٢١/ ٣٦٥، وشذرات الذهب ٦/ ٥٣٧.\n(^٧) زاد المسير (ص: ٢٩).","vol":"1","page":38},{"text":"- وذكر ابن تيمية (ت: ٧٢٨) أن تفسير الكلام هو: بيانه وشرحه وكشفُ معناه، ثُمَّ قال: (فالتفسير من جنس الكلام، يفسر الكلام بكلام يوضحه) (^١).\n- وقال ابنُ جُزيّ (^٢) (ت: ٧٤١): (ومعنى التفسير: شرح القرآن (^٣)، وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصِّه، أو إشارته، أو فحواه) (^٤).\n- وقال أبو حيّان (^٥) (ت: ٧٤٥): (التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب، وتَتِمَّاتٌ لذلك.\nفقولنا: \"علم\" هو جنس يشمل سائر العلوم.\nوقولنا: \"يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن\" هذا هو علم القراءات.\nوقولنا: \"ومدلولاتها\" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم.\n_________\n(^١) دقائق التفسير ٦/ ٤٣٣.\n(^٢) محمد بن أحمد بن جُزيّ الكلبي، أبو القاسم الغرناطي، الفقيه المفسر، من فقهاء المالكية، صنف تفسيره: التسهيل لعلوم التنْزيل، توفي سنة (٧٤١). ينظر: الديباج المذهب (ص: ٢٩٥)، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٥٧)،.\n(^٣) منع بعض العلماء من إطلاق كلمة «شَرْح» على القرآن، قال أبو هلال العسكري (ت: ٤٠٠) في الفرق بين الشرح والتفصيل: (الشرح: بيان المشروح وإخراجه من وجه الإشكال إلى التجلِّي والظهور؛ ولهذا لا يُستَعمل الشرح في القرآن، والتفصيل هو: ذكر ما تتضمَّنه الجملة على سبيل الإفراد؛ ولهذا قال تعالى ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١ - ٥]، ولم يقل: شُرِحَت). الفروق اللغوية (ص: ٧٠).\n(^٤) التسهيل لعلوم التنْزيل ١/ ١٥.\n(^٥) محمد بن يوسف بن حيّان، أثير الدين الأندلسي، المفسر النحوي، صنف: البحر المحيط، وتحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، وغيرهما، توفي سنة (٧٤٥). ينظر: بغية الوعاة ١/ ٢٨٠، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٩٢).","vol":"1","page":39},{"text":"وقولنا: \"وأحكامها الإفرادية والتركيبية\" هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع.\n\"ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب\" شمل بقوله: التي تُحمل عليها. ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل على الظاهر صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحمل على غير الظاهر وهو المجاز.\nوقولنا: \"وتَتِمَّاتٌ لذلك\" هو معرفة النسخ، وسبب النُّزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن، ونحو ذلك) (^١).\n- وقال شمس الدين الأصفهاني (^٢) (ت: ٧٤٩): (والتفسير في عرف العلماء هو: كشف معاني القرآن، وبيان المُراد) (^٣).\n- وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فالتفسير هو: إبانة المعنى وإيضاحه، قال الله تعالى ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان ٣٣]) (^٤).\n- وقال الزركشي (^٥) (ت: ٧٩٤): (التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المُنَزل\n_________\n(^١) البحر المحيط ١/ ١٢١، وفيه: (ما لا دلالة عليه بالحقيقة)، وهو تصحيف. ونقل هذا التعريف كاملًا السيوطي في التحبير في علم التفسير (ص: ٣٦)، والإتقان ٢/ ٣٤٧.\n(^٢) محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني، شمس الدين أبو الثناء الشافعي، مفسر أصولي فقيه، صنف في التفسير: أنوار الحقائق الربانية، توفي سنة (٧٤٩). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٨٣، وبغية الوعاة ٢/ ٢٧٨.\n(^٣) مقدمات تفسير الأصفهاني (ص: ١٣١). ونقله بنَصِّه الكافيجي (ت: ٨٧٩) في التيسير في قواعد علم التفسير (ص: ١٢٤)، وينظر منه: (ص: ١٥٠).\n(^٤) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥. وينظر: جلاء الأفهام (ص: ٢٣٠).\n(^٥) محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، بدر الدين الشافعي، الفقيه الأصولي، له: البرهان في علوم القرآن، وتفسير القرآن العظيم، وتوفي سنة (٧٩٤). ينظر: شذرات الذهب ٨/ ٥٧٢، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٠٨).","vol":"1","page":40},{"text":"على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه) (^١)، وقال أيضًا مُعَرّفًا التفسير: (وفي الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومُحكَمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قومٌ فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعِبَرها وأمثالها، وهذا الذي مُنعَ فيه القول بالرأي) (^٢).\n- وقال الجرجاني (^٣) (ت: ٨١٦): (التفسير في الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة) (^٤).\n- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (^٥) (ت: ٨٤٢): (وعلوم القرآن كثيرة، منها: علمُ ألفاظه وما أُريدَ به، وهذا هو الذي يقال له: التفسير) (^٦)، وقال بعد بيان معنى التفسير لغةً: (وأما معناه اصطلاحًا فهو: الكلام على أسباب نُزول القرآن، وبيان أحكامه المجملةَ فيه من السنة) (^٧).\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣.\n(^٢) البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦٣.\n(^٣) علي بن محمد بن علي الشريف الجرجاني، أبو الحسن الحنفي، عالم بالعربية والفلسفة، صنف التعريفات، وحاشية على أوّل الكشاف، توفي سنة (٨١٦). ينظر: بغية الوعاة ٢/ ١٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٩٦).\n(^٤) التعريفات (ص: ٦٧)، ونقله البركوي (ت: ٩٨١) في تعريفه للتفسير في عُرْفِ المفسرين. ينظر: مقدمة المفسرين (ص: ١٢٥).\n(^٥) محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين الشهير بابن ناصر الدين، حافظ مؤرخ ثقة عالم، صنف مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وتوضيح مشتبه الذهبي، مات سنة (٨٤٢). ينظر: الضوء اللامع ٨/ ١٠٢، وشذرات الذهب ٩/ ٣٥٤.\n(^٦) مجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٤] (ص: ٣٣٧).\n(^٧) المرجع السابق (ص: ١٢٢).","vol":"1","page":41},{"text":"- وقال ابن عاشور (^١) (ت: ١٣٩٣): (والتفسير .. هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع) (^٢).\n- وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧): (التفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية) (^٣).\n- وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١): (التفسير في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم) (^٤).\nمن خلال العرض السابق للمعنى اللغوي وما ذكره العلماء في المعنى الاصطلاحي لكلمة \"التفسير\"، يُستَخلَص معنىً مُختارٌ يكشف عن حَدِّ التفسير ومفهومه، فيُقَال:\nالتفسير اصطلاحًا هو: بيان المراد من معاني القرآن الكريم.\nووجه اختيار هذا التعريف دون غيره، أمور:\nأولها: أن هذا المعنى منطلِقٌ من الأصل اللغوي لكلمة التفسير، وهو البيان والكشف والإيضاح، كما سبق.\nثانيًا: أن هذا المعنى مشْتَرَكٌ في جميع تعريفات أهل العلم الاصطلاحية السابقة، نصًّا أو لُزومًا، فليس هو محل خلاف بينهم. (^٥)\n_________\n(^١) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي، يعرف بابن عاشور، رئيس المفتين المالكيين، وشيخ جامع الزيتونة بتونس، صنف تفسيره: التحرير والتنوير، توفي سنة (١٣٩٣). ينظر: الأعلام ٦/ ١٧٤، ومعجم المفسرين ٢/ ٥٤١.\n(^٢) التحرير والتنوير ١/ ١١.\n(^٣) مناهل العرفان ٢/ ٤.\n(^٤) أصولٌ في التفسير (ص: ٣٥)، وينظر: جهود الشيخ ابن عثيمين وآراؤُه في التفسير وعلوم القرآن (ص: ٧٢٢).\n(^٥) وينظر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي (ص: ٤٨).","vol":"1","page":42},{"text":"ثالثًا: أن هذا القدر من التعريف هو الذي دَلَّ عليه الواقع العملي عند المفسرين، وباستعراض كتب التفسير القديمة والحديثة، والموسَّعة والمختصرة، يتبين اشتراكها في هذا القدر من التعريف- الذي هو: \"بيان المعنى المراد\"، سواء كان ببيان اللفظة، أو الجملة، ثم إنها تتفاوت بعد ذلك في ثلاثِ نواحٍ، أشارت إليها بعض التعريفات السابقة وهي (^١):\n١ - احتوائها على موضوعات علوم القرآن المتنوعة، وغيرها من مباحث العلوم المستنبطة من القرآن الكريم، على تفاوت بين هذه التفاسير في العناية بها إكثارًا وإقلالًا، وعلى تفاوت أيضًا في شدة تعلق هذه العلوم بعلم التفسير، واقترانِها به في كلام السلف قلَّةً وكثرَةً.\n٢ - ظهور الجانب العلمي الأبرز في المفسر على تفسيره، فيصطبغ تفسيره به، كتمكنه في اللغة، أو الفقه، أو غيرهما من الفنون. (^٢)\n٣ - ظهور أثر الواقع على تفسيره، وتفاعل المفسر مع أحداث عصره وعلومه، فيربط بين واقعه وبين مواضع من الآيات يستدِل بها عليه بوجه من الوجوه.\nوتتجَلَّى هذه النتيجةُ أكثَر باستعراض كُتُب المُفَسِّر الواحد في التفسير، كتفاسير الواحدي (ت: ٤٦٨): البسيط، والوسيط، والوجيز، فما كتبه المؤلف في الوجيز هو الحَدُّ الأدنى من التفسير، الذي يقتَضيه مَقامُ الاختصار؛ وهو \"بيان المعنى المراد\" وما لا بُدَّ منه لِبَيانه، كسبب النُّزول ونحوه، ثُمَّ تتكاثر تلك الجوانب الثلاثة في الوسيط، لتكتمل عند المؤلف في البسيط، الذي بسط فيه القول وأشبَعَه، وتَجَلَّت فيه تلك الجوانب بوضوح.\n_________\n(^١) أشار الطاهر ابن عاشور إلى بعض الموضوعات التي احتوت عليها كتب التفسير بجانب التفسير، في المقدمة الرابعة من مقدمات تفسيره ١/ ٤٢.\n(^٢) ينظر: العُجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٣، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣، والإتقان ٢/ ٣٧٨.","vol":"1","page":43},{"text":"وقد قال الرازي (ت: ٦٠٤) بعد فراغه من إحدى المسائل في تفسيره: (ولنرجع إلى التفسير) (^١).\nويُلاحظ هنا أن هذه الجوانب الثلاثة إنما ذُكرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، لا لأنها هي التفسير بمفردها بلا بيان للمعنى، إذ إنها تابعةٌ للمعنى المُبَيَّن، ومبنيَّةٌ عليه، فإذا توقف البيان والفهم عليها فهي من التفسير، فإن لم يتوقفا عليها فهي زائدة عن حَدِّ التفسير، ذُكِرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد يستفيد التفسير منها (^٢).\n_________\n(^١) التفسير الكبير ٢٧/ ١٤٤.\n(^٢) قال ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧) في مقدمة تفسيره ١/ ١٤: (سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرًا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد، والحروف والروايات وتنْزيل السور، وأن نقصد لإخراج التفسير مُجَرَّدًا دون غيره، مُتقصّين تفسير الآي حتى لا نترك حرفًا من القرآن يوجد له تفسير إلا أخرج ذلك)، وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠) في مفتتح سورة الإسراء: (واعلم أنه قد أطال كثيرٌ من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة؛ فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر. والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النُّزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة). فتح القدير ٣/ ٢٨٩.\nوفي تآلِيف المُتقدمين ما يُشعِرُ بذلك التمييز، فللكرماني محمود بن حمزة (ت: بعد ٥٠٠) كتاب «لباب التفسير»، وله «غرائب التنْزيل وعجائب التأويل»، وللسيوطي (ت: ٩١١) «الدر المنثور» وشَطرُ تفسير «الجلالين»، وله أيضًا «الإكليل في استنباط التنْزيل». وفي الدلالة على ذلك تصريحًا أو تعريضًا ينظر: مقدمة الثعلبي لتفسيره ١/ ٧٥، والصواعق المرسلة ١/ ٣٣١، والموافقات ٢/ ١٠٥، وتفسير سورة العصر، لعبد العزيز قارئ (ص: ٧)، والتفسير اللغوي للقرآن الكريم (ص: ٢١).","vol":"1","page":44},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-17> المبحث الرابع: المُرَادُ بِ \"اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ\".</span>\nبعد معرفة معاني مفردات هذا المصطلح، يتكامل بها المعنى الإضافي له، فيُقال:\nاستدراكات السلف في التفسير هي:\nإِتْبَاعُ المُفَسِّر مِنَ السَّلَفِ قَولًا يَذكُرُه أو يُذكَرُ لَهُ في بيان المعنى المراد من الآية القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولٍ آخَرَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، أَوْ يُكْمِلَ نَقْصَهُ.\nفخرج بقولنا: \"إتباع المفسر\" ما عداه من أنواع الاختلاف بين المفسرين؛ إذ إن استدراكات السلف في التفسير بهذا المعنى تعتبر نوعًا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، تتميز به عن مجرد عرض الأقوال الأخرى: بنوعِ نقدٍ واعتراضٍ وتَعَقُّبٍ وتكميلٍ (^١).\nكما يخرج بقولنا: \"من السلف\" من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقد أصبحت الاستدراكات ظاهرةً في كثير من كتب التفسير بعد ذلك (^٢).\nوفي قولنا: \"قولًا يَذكُره أو يُذكَرُ له\" توضيح لِطَريقَي الاستدراك على القول السابق، وهما:\nالأول: أن يذكر المفسرُ القولَ الأوّل بِنَفْسِه ثم يستدرك عليه، وهذا استدراك على مُطلق القول، بغض النظر عن قائله، أو أنه قد قيل، أو لِخشية المُفَسِّر من أن يُفهم أو يُقال، فيورده احترازًا منه، وتنبيهًا عليه، ورُبَّما سَمَّى قائله.\n_________\n(^١) يُشَار هنا إلى أنه لا يلزم من مجرد الاستدراك تضعيف القول الأوّل وتخطئته، بل قد يكون لغير ذلك من الأغراض، كتكميل النقص، وإزالة اللبس، والتوجيه إلى معنىً أولى من المعنى المذكور لوجه من الوجوه، وسيأتي بيان ذلك- إن شاء الله تعالى- في موضعه من البحث.\n(^٢) ينظر في بيان ذلك تطور الاستدراكات في التفسير في الفصل الأول من الباب الثاني.","vol":"1","page":45},{"text":"الثاني: أن يُذكَر للمفسر القول الأوّل فيستدرك عليه، وهو استدراك على قول مُعَيّن قد فُهم كذلك من السائل، أو قد قيل من غيره فينقله للمفسر.\nوفي قولنا: \"في بيان المعني المراد من الآية القرآن الكريم\" إخراج لما عدا ذلك مما زاد عن حَدِّ البيان وتحديد المراد، على ما سبق بيانه في معنى التفسير اصطلاحًا.\nوقولنا: \"يصلح خطأه، أو يكمل نقصه\" يُبيّن غرض المستدرك من استدراكه وهو أحد أمرين:\nأولًا: إصلاح خطأِ القول الأول، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التضاد بين القولين؛ السابق واللاحق.\nثانيًا: تكميل نقص القول الأوّل، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التنوّع بين القولين؛ السابق واللاحق.\nوصورة هذا النوع من الاعتراض عند السلف: أن يتعقب المفسر منهم القولَ المذكورَ في تفسير الآية، مبينًا سبب ضعفه ورجحان غيره عليه أحيانًا، مع ذكره لرأيه في الآية، ووجه ترجيحه أحيانًا أخرى.\n* * *","vol":"1","page":46},{"text":"الباب الأول\nدِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ\n\"اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ \"\nفِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى\nوهي على الترتيب التالي:\nأولًا: الاستدراكات النبوية، وبلغت ثلاثةَ عشرَ استدراكًا (من: ١، إلى: ١٣).\nثانيًا: استدراكات الصحابة، وبلغت واحدًا وأربعينَ استدراكًا (من: ١٤، إلى: ٥٤).\nثالثًا: استدراكات التابعين، وبلغت عشرينَ استدراكًا (من: ٥٥، إلى: ٧٤).\nرابعًا: استدراكات أتباع التابعين، وبلغت ستةَ استدراكات (من: ٧٥، إلى: ٨٠).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>أولًا: الاستدراكات النبوية</span>\n<span data-type='title' id=toc-20>[١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢].</span>\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢]، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ: (ليس بذلك- وفي لفظ: ليس كما تظنون- ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو الشرك) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-21> تحليل الاستدراك:</span>\nالقول الأول الذي ذهب إليه الصحابة ﵃ في فهم الآية هو عموم الظلم؛ الذي يشمل جميع مراتبه من أعلاها وهو الشرك، حتى أدناها وهي الصغائر، وكلها ظلم للنفس، فصار المعنى عندهم ﵃: أن من وقع في ظلمٍ لنفسه ولو بصغائر الذنوب التي لا يسلم منها أحد- إلا من عصم الله-؛ فقد حُرِمَ الأمن والاهتداء الموعود بهما من سلم إيمانه من أن يُخالطه أيّ ظلم كان (^٢).\nومرتكز هذا الفهم من الصحابة ﵃ هو الأصل اللغوي لكلمة الظلم في سياقها العام، فإن أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه (^٣). وهم أهل اللسان والبيان، وبه نزل القرآن، فلذلك شَقَّ عليهم ﵃،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٠٩، (كتاب ٢ - الإيمان، باب ٢٣ - ظلم دون ظلم، برقم: ٣٢)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٠٧، (كتاب ١ - الإيمان، باب ٥٦ - صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: ١٢٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم ١/ ٣٠٨، وعمدة الحفاظ ٣/ ١١.\n(^٣) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٩٩، والقاموس المحيط (ص: ١٠٢٢).","vol":"1","page":49},{"text":"قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والذي يظهر لي أنهم- أي الصحابة- حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف (^١)، وإنما حملوه على العموم لأن قوله ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] نكرة في سياق النفي) (^٢).\nأمّا المعنى الثاني في هذه الآية فهو التفسير النبوي الكريم، الذي أبان معنىً آخر لكلمة الظلم، هو بعض معناها العام الذي فهمه الصحابة ﵃، وقد بيّن النبي ﷺ أن المراد بالظلم في هذه الآية: الشرك. وذلك بحسب ورودها في القرآن الكريم في مواضع أُخر، مع إقرار الوحي له على ذلك، وبهذا سُرِّيَ عن الصحابة ﵃ ما وجدوه من مشقّةٍ في فهمهم الأوّل لعموم الظلم.\nفمرتكز هذا البيان النبوي الكريم ما يأتي:\nأولًا: الوحي، ابتداءً أو تقريرًا.\nثانيًا: صحّة المعنى لُغَةً؛ إذ الشرك من معاني الظلم وهو أعلى مراتبه، كما سبق، قال ابن قتيبة (^٣) (ت: ٢٧٦): (أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم قد يصير الظلم بمعنى الشرك؛ لأن من جعل لله شريكًا فقد وضع الربوبية غيرَ موضعها) (^٤).\nثالثًا: الاعتماد على ورود كلمة الظلم بذلك المعنى في مواضع كثيرة من القرآن\n_________\n(^١) أي البخاري في تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب: ظلم دون ظلم) أي أن الظلم درجات. ينظر: الفتح ١/ ١١١.\n(^٢) فتح الباري ١/ ١١٠.\n(^٣) عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الدينَوَري، رأسٌ في العربية، خطيب أهل السنة، صنف: مُشكل القرآن، وغريب القرآن، توفي سنة (٢٧٦) على الصحيح. ينظر: السير ١٣/ ٢٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٧٥).\n(^٤) تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٥٨)، والمسائل والأجوبة (ص: ٢٧٠)، وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٣٠٨، وفتح الباري، لابن رجب ١/ ١٤٤، والتحرير والتنوير ٧/ ٣٣٢.","vol":"1","page":50},{"text":"الكريم، قال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (أكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يُراد به الكُفّار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم ٤٢]، وقوله ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٤]، ومثل هذا كثير) (^١)، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس ١٠٦].\nرابعًا: دلالة السياق على هذا المعنى النبوي، قال الرازي (ت: ٦٠٦) (^٢): (المراد من الظلم الشرك ..، والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة (^٣) من أوّلها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-22> الحكم على الاستدراك:</span>\nلقد نزع الصحابة ﵃ في هذه الآية منزعًا أصيلًا، ولا غرو، فإنما نزل القرآن عليهم وبِلُغتهم، فهم أعلم الناس بالتأويل، وأسعدهم بمشاهدة التنْزيل، وكلُّ فضلٍ وشرفٍ فيهم فإنما يُذكَر بعد فضيلة وشرف صحبتهم رسولَ الله ﷺ، وحيثما جاء البيان عن رسول الله ﷺ فهو البيان، وهذا من أصول الديانة في كل ما جاء به رسول الله ﷺ عامّةً، وفيما أبانه من معاني كلام الله تعالى على الخصوص، قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وقال سبحانه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، فَمِنْ الله تعالى التنْزيل، وَمِنْ رسوله ﷺ البيان والتأويل.\n_________\n(^١) فتح الباري، لابن رجب ١/ ١٤٤، وينظر: أضواء البيان ٢/ ١٥٤.\n(^٢) محمد بن عمر بن الحسين القرشي التيميّ البكري، فخر الدين أبو عبد الله الرازي، إمام مفسر أصولي متكلم، صنف: التفسير الكبير، وإعجاز القرآن، توفي سنة (٦٠٦). ينظر: السير ٢١/ ٥٠٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٨١.\n(^٣) قصّةُ مُحاجّة إبراهيم ﵇ لقومه، وهي من آية (٧٤) إلى آية (٨٣) من سورة الأنعام.\n(^٤) التفسير الكبير ١٣/ ٥٠، وينظر: التحرير والتنوير ٧/ ٣٣٣.","vol":"1","page":51},{"text":"ومن ثَمَّ فإن تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك هو المتعيّن؛ لوروده عن النبي ﷺ صحيحًا صريحًا، وقد نَصَّ العلماء على وجوب الأخذ بما هذا سبيله من التفسير عن رسول الله ﷺ، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإن كان الله- جل ذكره- قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربيًّا، وأنّه أنزله بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملًا خصوصًا وعمومًا، لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله- تعالى ذكره- من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جُعِل إليه بيان القرآن؛ وهو رسول الله ﷺ (^١)، وقال ابن العربي (^٢) (ت: ٥٤٣) عند هذه الآية: (وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير، وليس للمُتَعَرِّضِ إلى غيره إلا النكير) (^٣)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومما ينبغي أن يُعلم، أن القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيره من جهة النبي ﷺ، لم يُحتَج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة؛ فإنه قد عُرِف تفسيره، وما أُريد بذلك من جهة النبي ﷺ فلم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم) (^٤).\nوقد هُدِيَ الصحابة ﵃ في ذلك لأحسن الهدي؛ فلم يُعرَف عن أحد منهم مُراجعة رسول الله ﷺ في ذلك، بل استقام تفسيرهم بعد ذلك على بيان رسول الله ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان ١/ ٢٤، وينظر منه: ١/ ٥٢.\n(^٢) محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي، أبو بكر المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، الحافظ المفسر، صَنَّفَ: أحكام القرآن، وقانون التأويل، وغيرهما، توفي سنة (٥٤٣). ينظر: شذرات الذهب ٦/ ٢٣٢، وشجرة النور الزكية ١/ ١٩٩.\n(^٣) أحكام القرآن ٣/ ٨٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧، و٧/ ٢٨٦. وينظر: التسهيل ١/ ١٧، ٢٠، والبحر المحيط ٤/ ١٧٦، وإيثار الحق على الخلق (ص: ٣٨١).\n(^٥) لم أجد في الصحابة ﵃ من فسرها بغير الشرك، إلا ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: (هذه الآية لإبراهيم ﷺ خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء). ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣، ومستدرك الحاكم ٢/ ٣٤٦. وعلى هذا المعنى فليس في عموم لفظ الظلم فيها إشكال، إذ المقصود بها نبي معصوم ﵇، ولكن هذا المعنى لا يُساعد عليه التفسير النبوي الصريح الذي لا قول بعده، كما أنه رُوِيَ عن علي ﵁ ما وافق فيه النص النبوي وجمهور الصحابة. ينظر: تفسير السمعاني ٢/ ١٢١.","vol":"1","page":52},{"text":"فمِمّن فسَّر الظلم في هذه الآية بالشرك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وأُبيّ بن كعب، وسلمان، وعلي، وحذيفة، وابن عمر، وابن عباس ﵃ (^١)، بل كان تعويلهم في كشف ما أشكل فيها على غيرهم هو بيان رسول الله ﷺ، فعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سُئلَ عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال: ما تقولون؟ قالوا: لم يظلموا. قال: حملتم الأمر على أشده، بظلم: بشرك، ألم تسمع إلى قول الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) (^٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية ففزع، فأتى أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب الله، من يسْلَم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ وقال: فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك) (^٣). وسأل زيدُ بن صوحان (^٤) سلمانَ ﵁ فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٢ - ٣٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٣، ومستدرك الحاكم ٢/ ٤٧٨، والدر ٣/ ٢٧٧.\n(^٣) ينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ١٠٤، وجامع البيان ٧/ ٣٣٤، ومستدرك الحاكم ٣/ ٣٤٥، والدر ٣/ ٢٧٩.\n(^٤) زيد بن صوحان بن حُجر بن الحارث العبدي، أبو سلمان الكوفي، تابعي مخضرم، صحب سلمان، وسمع من عمر وعلي ﵃، وهو ثقة قليل الحديث، توفي إثرَ يوم الجمل سنة (٣٦). ينظر: السير ٣/ ٥٢٥، والإصابة ٢/ ٥٠٤، ٥٣٢.\n(^٥) جامع البيان ٧/ ٣٣٣.","vol":"1","page":53},{"text":"كما سار على ذلك أئمة التفسير من التابعين وأتباعهم، كعلقمة (^١) (ت: ٦٢)، وعمرو بن شرحبيل (^٢) (ت: ٦٣)، وأبي عبد الرحمن السلمي (^٣) (ت: ٧٤)، وإبراهيم النخعي (^٤) (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (^٥) (ت: ١٠٥)، والضحاك (^٦) (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (^٧) (ت: ١٢٨)، وابن زيد (^٨) (ت: ١٨٢)، وعليه جمهور المفسرين مِنْ بَعدِهم (^٩)،\n_________\n(^١) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل الكوفي، خال إبراهيم النخعي، المُقرئ المفسر، من أعلم أصحاب ابن مسعود ﵁، ثقة عابد، توفي سنة (٦٢) وقيل غير ذلك. ينظر: السير ٤/ ٥٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٤٠.\n(^٢) عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة من العباد، من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، توفي بالكوفة سنة (٦٣). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤١٥، والإصابة ٥/ ١١٣.\n(^٣) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة السُّلَمِي، أبو عبد الرحمن الكوفي، مُقرئ الكوفة، من أولاد الصحابة، برع في حفظ القرآن وتجويده وإقراءه، وتوفي سنة (٧٤) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات القراء ١/ ٣١، والتقريب (ص: ٤٩٩).\n(^٤) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة كثير الإرسال، من أصحاب ابن مسعود ﵁، توفي سنة (٩٦). ينظر: السير ٤/ ٥٢٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٩٢.\n(^٥) عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس ﵁، ثقة ثبت عالم بالتفسير، صنَّف: تفسير القرآن، وتوفي بالمدينة سنة (١٠٥) وقيل قبلها. ينظر: السير ٥/ ١٢، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٦٥).\n(^٦) الضحاك بن مُزاحم الهلالي البلخي، أبو محمد الخراساني، ثقة مُفَسر، يروي تفسيره عن ابن عباس مُرسلا؛ لأنه لم يلقه، توفي سنة (١٠٥). ينظر: السير ٤/ ٥٩٨، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٢٦.\n(^٧) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي، أبو محمد الأعور، المشهور بالسُدِّي الكبير، مفسر صدوق يَهِمْ، توفي سنة (١٢٨). ينظر: السير ٥/ ٢٦٤، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٧٩).\n(^٨) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ، مولاهم المدني، المفسر ابن المفسر، صَنّف: تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، وتوفي سنة (١٨٢). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٨٨).\n(^٩) ينظر: المسائل والأجوبة (ص: ٢٧٠)، وجامع البيان ٧/ ٣٣٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ١١٨، وتفسير القرآن، للسمعاني ٢/ ١٢١، والمحرر الوجيز ٢/ ٣١٥.","vol":"1","page":54},{"text":"قال القاسمي (^١) (ت: ١٣٣٢): (وبالجملة فلا يُعلمُ مُخالف من الصحابة والتابعين في تفسير \"الظلم\" هنا بالشرك، وقوفًا مع الحديث الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية، الموضِّح بعضها لِما أُبْهم في بعض) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>ومن مسائل هذا الاستدراك وأحكامه:</span>\nأولًا: أن تفسير كلام الله تعالى وفهمه يكون بحسب المشهور المتبادر من لسان العرب الذي نزل به القرآن، وهذا ما فعله الصحابة ﵃ في فهمهم لكلمة \"الظلم\"، ولم ينهَهم رسول الله ﷺ عن أن يفسروا القرآن بلغتهم، ولو كان هذا المسلك خَطًا لنبههم عليه، كما لم يتغير هذا الفهم من الصحابة إلا بالنقل الشرعي لكلمة \"الظلم\" بحسب التفسير النبوي.\nثانيًا: التفسير اللغوي لا يقدم على التفسير النبوي الصريح بحال، وهذا واضح من قبول الصحابة ﵃ لهذا التفسير من النبي ﷺ بلا جدال.\nثالثًا: كما أن تفسير القرآن بالرأي المعتمد على استعمالات الكلمة في القرآن، أولى من تفسيره بحسب اللفظ مجردًا، وهذا واضح من تفسير النبي ﷺ لكلمة \"الظلم\" بحسب ورودها في موضع آخر من القرآن الكريم، وهو ما يُعرف ب: تفسير القرآن بالقرآن. قال الباقولي (^٣) (ت: ٥٤٣): (وأبدًا ينبغي لك أن تُفَسر القرآن بعضَه ببعضٍ ما أمكنك، ويجبَ أخذُ التفسير من آيةٍ نظيرةِ تلك الآية التي\n_________\n(^١) محمد بن محمد سعيد بن قاسم، جمال الدين القاسمي، من سلالة الحسين السبط ﵁، إمام الشام في عصره، أَلَّفَ: محاسن التأويل، في التفسير، وغيره، وتوفي سنة (١٣٣٢). ينظر: الأعلام ٢/ ١٣٥، والموسوعة الميسرة ٣/ ٢٤٤٣.\n(^٢) محاسن التأويل ٣/ ٣٥٩.\n(^٣) علي بن الحسين بن علي الأصبهاني الباقولي، أبو الحسن، الملقب بجامع العلوم، نحويٌ مُفسر، صنف: البيان في شواهد القرآن، وكشف المشكلات، توفي سنة (٥٤٣). ينظر: معجم الأدباء ٤/ ١٧٣٦، وبغية الوعاة ٢/ ١٦٠.","vol":"1","page":55},{"text":"تُفَسِّرها) (^١)، وقال العز بن عبد السلام (^٢) (ت: ٦٦٠): (تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كلِّ تقدير) (^٣)، أي: تقدير المحذوف في موضع من القرآن، يكون بما ظهر في القرآن في موضع آخر. وقال الزركشي (ت: ٧٩٤): (فحَمَل النبي ﷺ الظلم هاهنا على الشرك ..، واستأنس عليه بقول لقمان) (^٤).\nرابعًا: في قوله ﷺ لأصحابه: (ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) ثم تفسيره للكلمة بقوله: (إنما هو الشرك)، تنبيه للصحابة على هذه الطريقة في التفسير، وقد كان بالإمكان حصول البيان منه ﷺ بقوله: (إنما هو الشرك)، ولكنّه ﷺ شَرَعَ لمن بعده مسلكًا مهمًا في تبيين المُشكلات، وإيضاح المُبهمات، بل هو أولى طرق بيان القرآن الكريم، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصحَّ الطرق في ذلك أن يُفَسّرَ القرآن بالقرآن؛ فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختُصِرَ في مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر) (^٥)، ونقل الشنقيطيُّ (ت: ١٣٩٣) إجماعَ العلماء على أن بيان القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير وأَجَلُّها؛ (إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا) (^٦)، وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢): (وتَعَرُّفُ تلك القاعدة- أي: التفسير بالنظائر القرآنية- من مثل هذا الحديث يكشف غُمَّةَ أوهام كثيرة) (^٧).\n_________\n(^١) كشف المشكلات وإيضاح المُعضلات ٢/ ٩١٨ باختصار وتصرف يسير.\n(^٢) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلَمي، عز الدين الدمشقي ثم المصري الشافعي، العلامة الفقيه، سلطان العلماء، صَنف مجاز القرآن، واختصر تفسير الماوردي، وتوفي سنة (٦٦٠). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٢٠٩، وشذرات الذهب ٧/ ٥٢٢.\n(^٣) مجاز القرآن (ص: ١١٠). وينظر: تهذيب اللغة ٤/ ٧٠.\n(^٤) البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٠١.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٣، وينظر: روح المعاني ١٢/ ١١٣.\n(^٦) أضواء البيان ١/ ٧، ١٥.\n(^٧) محاسن التأويل ٣/ ٣٥٩، وينظر: التكميل في أصول التأويل (ص: ٢٤٢، ٢٦٣، ٢٦٨).","vol":"1","page":56},{"text":"خامسًا: أن الصحابة ﵃ كانوا يتأولون القرآن على لغتهم، فإذا أشكل عليهم منه شيء سألوا رسول الله ﷺ فبيّنه لهم، وهذا يحدد نوع ما فسّرَه رسولُ الله ﷺ من القرآن للصحابة ﵃، وهو ما أشكل عليهم، واحتاجوا فيه إلى بيانٍ من النبي ﷺ وهو قليل (^١). وسيتبيّن ذلك بوضوح في غيرما استدراك نبوي فيما يأتي- إن شاء الله تعالى-، وأما ما فسّرَه ﷺ مباشرة بلا سؤال أو استشكال فهو أقلّ ممّا سُئِلَ عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-24>[٢] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧].</span>\nعن عدي بن حاتم ﵁ قال: لَمّا نزلت (^٢) ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] عَمَدت إلى عِقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجَعلتُهما تحت وِسادَتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبينُ لي، فَغَدَوتُ على رسول الله ﷺ، فَذَكرتُ له ذلك فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ١/ ٦٠، والتفسير اللغوي (ص: ٦٤).\n(^٢) ظاهرها أن عديًّا شهد نزول الآية، وهذا لا يتفق مع تأخر إسلامه بالنسبة لِنُزُول آيات الصوم في أوائل الهجرة، فإما أن يُقال بتأخر نزول هذه الآية عن نزول فرض الصوم، وهذا قال عنه ابن حجر (ت: ٨٥٢): (بعيد جدًا)، وإما أن يُؤَوَّل قول عديّ: (لَمَّا نزلت) أن المراد: لمّا بلغني نزول الآية. أو: لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع. وفي لفظ لأحمد من طريق مجالد: (علمني رسول الله ﷺ الصلاة والصيام، فقال: صَلِّ كذا، وصُمْ كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين ..) الحديث. ينظر: فتح الباري ٤/ ١٥٨، والتحرير والتنوير ٢/ ١٨٢. وهذا على عادة الصحابة والتابعين في التعبير بلفظ النُّزول وإرادة ما هو أوسع من سبب النُّزول. وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٨، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٥٦، والفوز الكبير في أصول التفسير (ص: ٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٥٧ (كتاب ٣٠ - الصوم، باب ١٦ - قول الله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، برقم: ١٩١٦)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٦٣ (كتاب ١٣ - الصيام، باب ٨ - بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم: ١٠٩٠).","vol":"1","page":57},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-25> تحليل الاستدراك:</span>\nاعتمد عديُّ بن حاتم ﵁ في فهمه لهذه الآية على أحدِ وجوهها في لغة العرب، وهو أقربها إلى ذهنه، والمتبادر له منها، ففهم الخيطين الأبيض والأسود على الحقيقة (^١)، فصار المعنى عنده ﵁: إباحة الأكل والشرب ومباشرة النساء- ابتغاء ما كتبَ الله من الوَلَد- للصائم ليلًا، حتى يتبينَ خيطين أسودَ وأبيضَ بضياءِ الفجر. وعَبَّر عديٌّ ﵁ عن الخيطين بقوله (عقالٍ أسود وعقالٍ أبيض)، والعقالُ: الخيط؛ وسُمِّيَ بذلك لأنه يُعقَلُ به، أي يُربَط ويُحبَس (^٢).\nوهذا الفهم هو عين ما فهمه عدد من الصحابة ﵃ قبل ذلك (^٣)، فعن سهل بن سعد ﵁ قال: أُنزلَت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] ولم ينْزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبينَ له رؤيتُهُما، فأنزل الله بعدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار) (^٤)، قال القاضي عياض (^٥) (ت: ٥٤٤): (إنما\n_________\n(^١) المُفْهِمُ ٣/ ١٤٧، وفتح الباري ٤/ ١٦٠، والإصابة ٤/ ٣٨٨.\n(^٢) المُفْهِمُ ٣/ ١٤٨، وفتح الباري ٤/ ١٥٨، والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٥٣.\n(^٣) قال ابن حجر: (ونزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كان بسبب الأنصار؛ لأنهم حملوا الخيطين على حقيقتهما، وفعلُ عديّ استمر بعد نزول قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حملًا للخيطين على الحقيقة أيضًا، وأن المراد: أن يوضح الفجرُ الأبيضَ منهما من الأسود، فقيل له: إن المراد بالخيط: نفس الفجر ونفس الليل) العُجاب في بيان الأسباب ١/ ٤٤٨. وقد ذكر ابن عطية في تفسيره ١/ ٢٥٨، والقرطبي في المُفهم ٣/ ١٤٩، أن بين حديث سهل وعديّ عامٌ؛ من رمضان إلى رمضان. وينظر: البحر المحيط، لأبي حيان ٢/ ٥٧، والتحرير والتنوير ٢/ ١٨٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٥٧ (١٩١٧)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٦٤ (١٠٩١).\n(^٥) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، من علماء المالكية، لُغَوي محدِّث حافظ، صنف: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومشارق الأنوار، وغيرها، توفي سنة (٥٤٤). ينظر: السير ٢٠/ ٢١٢، وشذرات الذهب ٦/ ٢٢٦.","vol":"1","page":58},{"text":"أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأوّل الآية، لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فعلموا أن المراد به بياض النهار، وسواد الليل)، ثم قال: (وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوّلَه من لم يكن مُخالطًا للنبي ﷺ ..، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار) (^١).\nوقد عَنْوَنَ ابنُ حبَّان (^٢) (ت: ٣٥٤) في صحيحه حديثَ عَديّ ﵁ بقوله: (ذِكرُ البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها) (^٣)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (فأما من ذُكر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] علموا المراد؛ فلذلك قال سهل في حديثه: (فعلموا أنما يعني الليل والنهار)، وأمّا عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح (^٤)، وحَمَلَ قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] على السببية، فَظَن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر (^٥)، أو نَسِيَ قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] حتى ذَكَّرَهُ بها النبيُّ ﷺ (^٦)، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر (^٧):\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم ٣/ ١٦٤، وفتح الباري ٤/ ١٦١.\n(^٢) محمد بن حبّان بن أحمد بن معاذ الدارميّ البستي، المحدث اللغوي الفقيه، صاحب التقاسيم والأنواع، توفي سنة (٣٥٤). ينظر: السير ١٦/ ٩٢، البداية والنهاية ١١/ ٢١٩.\n(^٣) / ٢٤٢.\n(^٤) ذهب ابن عاشور إلى أنه لا استعارة هنا، وأنه بهذا المعنى معروف في كلام العرب، كما هو في الآية، وفي بيت أبي دؤاد الإيادي الآتي، وقال: (وعندي أن القرآن ما أطلقه إلا لكونه كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى، دون إرادة التشبيه؛ لأنه ليس بتشبيه واضح) التحرير والتنوير ٢/ ١٨٣، وينظر: معالم السنن ٣/ ٢٣٢.\n(^٥) رَجَّحَه ابن عاشور في تفسيره ٢/ ١٨٥.\n(^٦) ويشهد لهذا رواية ابن أبي حاتم: أن النبي ﷺ قال لعدي لَمَّا أخبره بما صنع: (يا ابن حاتم ألم أَقُلْ لك من الفجر؟، إنما هو بياض النهار، وسواد الليل). تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣١٨، وينظر: فتح الباري ٤/ ١٦٠.\n(^٧) أبو دؤاد جارية بن الحجاج الإيادي. ينظر: جامع البيان ٢/ ٢٤٠، ولسان العرب ٧/ ٢٩٩.","vol":"1","page":59},{"text":"ولمَّا تَبَدَّت لنا سُدفَةٌ (^١) ولاح من الصبح خيط أنارا) (^٢).\nقال أبو حيّان (ت: ٧٤٥): (وكلُّ ما دَقَّ واستطال وأشبه الخيط؛ سَمَّته العرب خيطًا) (^٣).\nثم جاء تفسير النبي ﷺ مُبيّنًا ما أُجمِلَ على عديٍّ ﵁ (^٤)، أو مُذَكِّرًا له ما فاته من التنبه إلى كلمة ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧] بعد ذِكر الخيطين في الآية، مِمَّا كان ينبغي معه تفسير الخيطين ببياض النهار وسواد الليل.\nوقد جاء التنبيه النبوي الكريم لعَديّ ﵁ على خطئِه (^٥) بنمط رفيع من الأدب وحُسن الخطاب، إذ قال له رسول الله ﷺ: (إنّ وِسادك إذًا لَعريض) (^٦)، وفي لفظ: (إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين) (^٧)، وأصح ما قيل في معناه ما قاله أبو العباس القرطبي (^٨) (ت: ٦٥٦): (وإنما عَنى بذلك النبي ﷺ والله أعلم-: أنَّ وِسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هُما الليل والنهار، فهو إذًا عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: (إنما هُو سواد الليل وبياض النهار)؟!، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وِساد؟! وإلى هذا يرجع قوله: (إنك\n_________\n(^١) من الأضداد، يُراد بها الضوء ويُراد بها الظلمة، وهي هنا بالمعنى الأوّل. ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص: ١١٤).\n(^٢) فتح الباري ٤/ ١٦٠.\n(^٣) البحر المحيط ٢/ ٥٨، وينظر: مجاز القرآن، للعز ابن عبد السلام (ص: ٣٨٠).\n(^٤) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٣٥، والإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣٧.\n(^٥) ينظر: تلخيص كتاب الاستغاثة ٢/ ٦١٦، ومجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٧.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣١ (٤٥٠٩)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٦٣ (١٠٩٠).\n(^٧) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣١ (٤٥١٠).\n(^٨) أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري، أبو العباس القرطبي المالكي، المُحَدّث الفقيه، شيخ القرطبي المفسر، اختصر الصحيحين، وشرح مختصره لمسلم في: المُفْهِم، توفي سنة (٦٥٦). ينظر: السير ٢٣/ ٣٢٣، وشذرات الذهب ٧/ ٤٧٣.","vol":"1","page":60},{"text":"لعريض القفا)؛ لأن هذا الوِساد الذي قد غَطّى الليل والنهار بعرضه، لا يرقد عليه ولا يتوسَّدُه إلا قفًا عريض؛ حتّى يناسب عرضُه عرضَه ..، ويدل عليه أيضًا ما زاده البخاري قال: (إنّ وِسادك إذًا لَعريضٌ إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وِسادك) (^١) (^٢)، واختار هذا المعنى القاضي عياض (ت: ٥٤٤)، والنووي (ت: ٦٧٦)، وابن كثير (^٣) (ت: ٧٧٤) (^٤)، وهو الموافق للروايات السابقة، بخلاف من ذهب إلى أنه كناية عن الغباء، وتعريض بقلة الفهم (^٥)؛ فإنه لا يتناسب مع أخلاق النبوة، وقدر الصحابة ﵁، كما أنّ عدِيًّا ﵁ (حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل؛ إذ لم يتبيّن له دليل التجوُّز، ومن تمَسَّكَ بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا يُنسَبُ إلى جهل) (^٦)، قال الطحاوي (^٧) (ت: ٣٢١) عَنْ فعل عَدي ومن معه من الصحابة: (فلم يُعَنِّفهم- ﷺ على ما كان منهم، ولم يقل لهم: قد كان الأبيض والأسود اللَّذَان عُنِيا في هذه الآية غير ما ذهبتم إليه ..، ولم يَعِب عليهم ﷺ استعمال الظاهر في ذلك) (^٨).\n_________\n(^١) / ٣١ (٤٥٠٩).\n(^٢) المُفهم ٣/ ١٤٩.\n(^٣) إسماعيل بن عمر بن كثير القيسي، عماد الدين أبو الفداء الشافعي الدمشقي، إمام مفسر محدث، له تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وغيرها، توفي سنة (٧٧٤). ينظر: طبقات الداوودي (ص: ٧٩)، وشذرات الذهب ٨/ ٣٩٧.\n(^٤) ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٥٠٤، وشرح النووي على مسلم ٣/ ١٦٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٥.\n(^٥) كأبي المُظَفر السمعاني في تفسيره ١/ ١٨٨، والزمخشري في الكشاف ١/ ٢٣٠، والرازي في تفسيره ٥/ ٩٤، وأبي حيّان في تفسيره ٢/ ٥٨، وابن الأثير في النهاية ٥/ ١٥٩.\n(^٦) المُفهم ٣/ ١٤٩.\n(^٧) أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر الشافعي الحنفي المصري، إمام فقيه حافظ، صنف معاني الآثار، وأحكام القرآن، ونوادر القرآن، توفي سنة (٣٢١). ينظر: السير ١٥/ ٢٧، والجواهر المضيئة ١/ ٢٧١.\n(^٨) أحكام القرآن ١/ ٦٤.","vol":"1","page":61},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-26> الحكم على الاستدراك:</span>\nلقد كان من عادة الصحابة ﵃ الأخذ بالظاهر المتبادر من اللفظ (^١)، وما دلت عليه لُغَتُهم، حملًا للّفظ على الحقيقة، قال الشاطبي (^٢) (ت: ٧٩٠): (ولِمَا كان فيهم- أي الصحابة ﵃ من حمل العبارة على حقيقتها نَزَلَ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة ١٨٧]) (^٣). وما كان من عَديّ ﵁ في فهم هذه الآية هو صورة من ذلك، ولذا لا نجد في التصحيح النبوي ما يَمَسُّ هذا الأصل الصحيح الثابت عندهم ﵃، وإنما يتوجَّه التصحيح إلى بيان المجمل، وتذكيرُ من نسي منهم بما به تمام معنى الآية، أو نزول الوحي بما يتضح به المعنى بلا اشتراك.\nوقد جاء البيان النبوي في هذه الآية مُزيلًا لكلّ إشكال وإيهام، فوجب اتباعه والأخذ به، وهو ما جرى عليه الأئمة من بعدُ، وعليه جمهور المفسرين (^٤)، بل حكى فيه ابنُ عطية (^٥) (ت: ٥٤٦) إجماع العلماء (^٦).\n_________\n(^١) المُراد بالظاهر هنا وفيما سيأتي: ما يتبادر إلى ذهن المُخَاطَب من المعاني، وليس المُراد بالظاهر: الاصطلاحي عند الأصوليين الذي يُقابِل النَّص. فالمعنى هنا: أن ظواهر النصوص مفهومة عند الصحابة ومعتبرة. ينظر: قانون التأويل (ص: ١٩١)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد ٢/ ٤٣٧، وعلم المِلَلِ ومناهج العلماء فيه (ص: ٢٢٢)، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص: ٢٦)، والقرآن الكريم ومنْزلته بين السلف ومخالفيهم ٢/ ٧٣٨.\n(^٢) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، أبو إسحاق الشاطبي، الحافظ المحقق المفسر، من أئمة المالكية، صنف: الموافقات، والاعتصام، وتوفي سنة (٧٩٠). ينظر: شجرة النور الزكية ١/ ٣٣٢، ومعجم المفسرين ١/ ٢٣.\n(^٣) الموافقات ٢/ ١٤٣، وينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٦٤.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٩٩، وجامع البيان ٢/ ٢٣٩، وأحكام القرآن، للجصاص ١/ ٢٧٧، والكشف والبيان ٢/ ٨٠، وتفسير السمعاني ١/ ١٨٨، ومعالم التنْزيل ١/ ٢٠٨، والمحرر الوجيز ١/ ٢٥٨، وأنوار التنْزيل ١/ ١١٢، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢١٣، والبحر المحيط ٢/ ٨٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٧٤.\n(^٥) عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، أبو محمد الأندلسي، القاضي المالكي، إمامٌ لغويٌّ مُفَسِّر مُحَقِّق، صنَّف تفسيره: المحرر الوجيز، توفي سنة (٥٤٦). ينظر: السير ٢٠/ ١٣٣، وشجرة النور الزكية ١/ ١٨٩.\n(^٦) المحرر الوجيز ١/ ٢٥٨.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>[٣] ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٢٣].</span>\nقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله كيف الإصلاح بعد هذه الآية ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء ١٢٣]؟ فإن عملنا سوءًا نجز به؟ فقال النبي ﷺ: (غفر الله لك يا أبا بكر (ثلاث مرات)، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟) قال: بلى، قال: (فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٩٧) (٢٢٧)، ويحيى بن سلام كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/ ٤٠٨، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٧٩ (٦٤٣)، وسعيد بن منصور في سننه ٤/ ١٣٨٧ (٦٩٦)، و٤/ ١٣٩١ (٦٩٧)، وأحمد في المسند ١/ ١١ (٦٨ - ٧١)، وهنَّاد في الزهد ١/ ٢٤٨ (٤٢٩)، وأبو يعلى في مسنده ١/ ٩٧ (٩٨)، و١/ ٩٨ (١٠٠)، وابن جرير في تفسيره ٥/ ٣٩٧ (٨٣٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٠٧١ (٥٩٩٢)، وابن حبان في صحيحه ٧/ ١٧٠ (٢٩١٠)، و٧/ ١٨٩ (٢٩٢٦)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٧٨ (٤٤٥٠)، والثعلبي في تفسيره ٣/ ٣٩٠، والبيهقي في السنن ٣/ ٣٧٣ (٦٣٢٨)، والشعب ٧/ ١٥١ (٩٨٠٥)، والواحدي في الوسيط ٢/ ١١٩، والضياء في المختارة ١/ ١٥٩ (٦٩)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٦٤٦ لِعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر ﵁.\nوسنده صحيح لغيره، وصححه الحاكم، وحَسَّنَه ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص: ٧٨)، وله شواهد منها:\n- طريق ابن عمر، عن أبي بكر ﵃، أخرجه ابن جرير ٥/ ٣٩٧ (٨٣٠٠)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧١ (٥٩٩٤)، وأحمد ١/ ٦ (٢٣)، والترمذي ٥/ ٢٤٨ (٣٠٣٩)، والثعلبي ٣/ ٣٩٠، والداني في المكتفى في الوقف والابتدا (ص: ٥٣)، وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٣، والبغوي في تفسيره ٥/ ٢٩٠، وفي إسناد هذا الطريق ضعف.\n- وطريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي بكر مرسلًا، أخرجه ابن وهب في تفسيره ١/ ١١٤ (٢٦١)، وإسناده صحيح إلى التيمي، ولم تثبت رؤيته لأبي بكر ﵁.\n- وطريق عطاء بن أبي رباح مُرسلًا، أخرجه ابن جرير ٥/ ٤٠٠، والثعلبي ٣/ ٣٩٠.\n- وطريق أبي الضحى مُسلم بن صُبَيح مُرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور ٤/ ١٣٩٦ (٧٠٠)، وابن جرير ٥/ ٣٩٨، ٤٠٠ (٨٣٠٢، ٨٣٠٥)، وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٣، وهنَّاد في الزهد ١/ ٢٥٠ (٤٣٣).\n- وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم في صحيحه ٦/ ١٠١ (٢٥٧٤).\n- ومن حديث عائشة ﵂، أخرجه أحمد ٦/ ٦٥ (٢٤٤١٣)، والبخاري في تاريخه الكبير ٨/ ٣٧١، وابن حبان ٧/ ١٨٦ (٢٩٢٣)، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ١٣٥ (٤٦٧٥)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٢، والواحدي في الوسيط ٢/ ١٢٠، وعزاه ابن رجب الحنبلي لِمُسند بقي بن مخلد وجوَّدَ إسناده. (البشارة العظمى للمؤمن بأن حظه من النار الحمى) ضمن مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٣٧٨. وقال ابن حجر: (حديث حسن صحيح)، الأمالي المطلقة (ص: ٨٣)، وصححه السيوطي في الدر ٢/ ٦٤٧. وله متابعات وشواهد، وأصله في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ١٠٧ (٥٦٤٠)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٠٠ (٤٨). فهو صحيح بمجموع طرقه.","vol":"1","page":63},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-28> تحليل الاستدراك:</span>\nفَهِم أبو بكر ﵁ من هذه الآية العموم، وأن كلَّ سوء يعمله الإنسان في الدنيا سيُجزَى به يوم القيامة، وهو المتبادر من لفظ الآية وظاهرها، ولذلك شَقَّ عليه ﵁ مشقَّةً عظيمة، وصفها في رواية أخرى بقوله لَمَّا سمع الآية من رسول الله ﷺ: (فلا أعلم إلا أَنّي قد كنت وجدت انقصامًا (^١) في ظهري، فتَمطَّأتُ (^٢) لها، فقال رسول الله ﷺ: ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأُمِّي وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ وإنَّا لَمُجزَون بِمَا عَمِلنا؟) (^٣)، بل بلغت هذه المشقّةُ أيضًا مبلغها من صحابة رسول الله ﷺ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (لمَّا نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا) (^٤)، وفي لفظ: (بكينا وحزِنَّا، وقلنا: يا رسول الله ما أبْقَت هذه الآية من شيء) (^٥)، وربما كانت أشد آية في كتاب الله على بعض الصحابة، كما ورد\n_________\n(^١) أي: انكسارًا، ويُروى (انفصامًا) وهو قريب منه، والأوّل مع الإبانة. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٤٠٥، ٤/ ٦٦، والفروق اللغوية، للعسكري ١٦٩.\n(^٢) أي: مددت. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٩٠، والقاموس المحيط (ص: ٦١٩).\n(^٣) ينظر: جامع الترمذي ٥/ ٢٤٨ (٣٠٣٩)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧١، ومعالم التنْزيل ٢/ ٢٩٠.\n(^٤) سبق تخريجه في شواهد الاستدراك.\n(^٥) ينظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٤، والدر ٢/ ٦٤٧.","vol":"1","page":64},{"text":"عن أبي بكر وعمر وعائشة ﵃ (^١).\nوما ذاك إلا لاستقامة فهمهم على ظاهر اللفظ، وعموم المعنى، فكانت منهم ﵃ بتلك المثابة، (وإنما عَظُمَ موقع هذه الآية عليهم؛ لأن ظاهرها أن ما من مكلف يصدر عنه شرٌّ كائنًا ما كان إلا جُوزِيَ عليه يوم الجزاء، وأن ذلك لا يُغفَر، وهذا أمرٌ عظيم) (^٢).\nفجاء البيان النبوي الكريم فاتحًا من الرحمة والتيسير أبوابًا؛ فبيَّن أن ما ينالَ المؤمن من مصائب الدنيا المختلفة- من نَصَب وحُزْن ومَرَض ونَكبَة وحتى الشَّوكَة، وما هو أدنى منها ممّا يؤذي المؤمن- هو من الجزاء الذي يُجزى به في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: (قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبةَ يُنكَبَها، أو الشوكَةَ يُشاكَها)، وقال: (فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا) (^٣). فصار المعنى بعد البيان النبوي: من يَعمَل سوءًا يُجزَ به عاجلًا أو آجِلًا (^٤)، (فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فيُجازى في الدنيا غالبًا، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، يغفر الله لمن يشاء، ويُجازي من يشاء) (^٥).\n\n*<span data-type='title' id=toc-29> الحكم على الاستدراك:</span>\nفهم أبو بكر ﵁ العموم من اللفظ، وكذا غيره من الصحابة ﵃، وهذا من هديهم المُقرِّ شرعًا، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (هذا يدل على أنهم- أي الصحابة- كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في\n_________\n(^١) ينظر: سنن سعيد بن منصور ٤/ ١٣٩٦، وسنن أبي داود ٣/ ١٨٤، وجامع البيان ٥/ ٣٩٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٢، والكشف والبيان ٣/ ٣٩١، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٣، والدر ٢/ ٦٤٧.\n(^٢) المفهم ٦/ ٥٤٧.\n(^٣) كلا اللفظين من روايات الاستدراك.\n(^٤) ينظر: أنوار التنْزيل ١/ ٢٤٢.\n(^٥) المحرر الوجيز ٢/ ١١٦، وينظر: التسهيل ١/ ٣٤٨.","vol":"1","page":65},{"text":"العمليات ..، فإنهم فهموا عموم الأشخاص من \"مَنْ\"، وعموم الأفعال من \"سُوء\" المذكور في سياق الشرط) (^١).\nويُلاحظ هنا أن حديث أبي بكر وباقي الصحابة ﵃ كان عن كلمة ﴿سُوءًا﴾ وعمومها لكل سيئةٍ يعملها الإنسان، والتوضيح النبوي تناول كلمة ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ وأن من الجزاء ما يكون في الدنيا قبل الآخرة، فلم يتعرض النبي ﷺ للفهم العام لكلمة ﴿سُوءًا﴾ الذي فهمه الصحابة ﵃، بل أقرهم عليه. ثم حيث جاء البيان النبوي فلا بيان بعده (^٢)، وهو ما أزال المشقّةَ واللبس في عهد النبوّة، كما أنه كان كذلك في عهد الصحابة والتابعين، فعن الربيع بن زياد (^٣) قال: قلت لأبيّ بن كعب: قول الله ﵎ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣]، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا. قال أُبيّ: (والله إن كنت لأراك أفقه ممّا أرى، لا يصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو اللهُ عنه أكثر، حتى اللدغةَ والنفحةَ (^٤) (^٥). وسُئلت عائشة ﵂ عن قريب من ذلك فقالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا) (^٦).\nواختار هذا المعنى ابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (^٧) (ت: ٣٣٨)، وأبو عمرو\n_________\n(^١) المفهم ٦/ ٥٤٦، وينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٦٥.\n(^٢) ينظر: الكشف والبيان ٣/ ٣٩١.\n(^٣) الربيع بن زياد بن أنس الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، مُخضرم، ولِيَ لمعاوية ﵁ خراسان، وكان الحسن البصري كاتبه، توفي سنة (٥٣). ينظر: البداية والنهاية ٨/ ٥٠، تهذيب التهذيب ١/ ٥٩٢.\n(^٤) النفحة: هي المَسُّ من العذاب، ويقال: نفحت الدابَّةُ برجلها إذا رمحت بِها. ينظر: تهذيب اللغة ٥/ ٧٢.\n(^٥) جامع البيان ٥/ ٣٩٤، والدر ٢/ ٦٤٨.\n(^٦) جامع البيان ٥/ ٣٩٥، ومستدرك الحاكم ٢/ ٣٣٧.\n(^٧) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، من أئمة العربية، صنّفَ: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، وغيرها، توفي سنة (٣٣٨). ينظر: معجم الأدباء ١/ ٤٦٨، والسير ١٥/ ٤٠١.","vol":"1","page":66},{"text":"الداني (^١) (ت: ٤٤٤)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (^٢)، وعليه جمهور المفسرين (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-30>[٤] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨].</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (من نوقش (^٤) الحساب يوم القيامة عُذِّب (^٥)، فقلت: أليس قال الله ﷿: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨]؟ فقال: (ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب)، وفي لفظ: (هلك) (^٦).\n_________\n(^١) عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، المالكي، الحافظ المُقرئ، محقق متقن، ألف: التيسير، في القراءات السبع، والمقنع، في رسم المصحف ونقطه، توفي سنة (٤٤٤). ينظر: السير ١٨/ ٧٧، وشذرات الذهب ٥/ ١٩٥.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٩٦، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ١٩٩، والمكتفى في الوقف والابتدا (ص: ٥٣)، والمحرر الوجيز ٢/ ١١٦، والتفسير الكبير ١١/ ٤٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٥.\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ١١٦، وتفسير السمعاني ١/ ٤٨٣. وقد ذكر العلماء من وجوه الترجيح بين الأقوال في التفسير: أن يكون القول قول جمهور لمفسرين؛ فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. ينظر: التسهيل ١/ ٢٠.\n(^٤) أي استُقصِيَ عليه فيه. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٩٢.\n(^٥) أي: بنفس المحاسبة وما فيها من تدقيق ومناقشة وتوقيف على قبيح ما سَلَف، والتوبيخ عذاب، وقيل: أنه يُفضي إلى العذاب بالنار؛ فإنه إذا بان له ما عمل من صغير وكبير لم يكد يخلص إن لم يعفُ الله عنه، واختاره النووي لرواية (هلك). ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٤٤، وشرح النووي على مسلم ٦/ ٣٢٨، والفتح ١١/ ٤١٠.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٦٦ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ١ - ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، برقم: ٤٩٣٩)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٢٨ (كتاب ٥١ - الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ١٨: إثبات الحساب، برقم: ٢٨٧٦).","vol":"1","page":67},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-31> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا استقر عند عائشة ﵂ عموم لفظ الحساب في الآية؛ أَخذًا بظاهرها، وأنه في القليل والكثير (^١)، ومنه حِسابٌ يسيرٌ يوم القيامة؛ استشكلت كلام رسول الله ﷺ الذي جعل مناقشة الحساب يوم القيامة عذابًا وهلاكًا؛ إذ فيه معارَضةٌ لظاهر الآية، فبيّنَ النبي ﷺ المُراد بالحساب اليسير في الآية، وأنّهُ أخَصُّ من حِساب التدقيق والمناقشة على كل عمل الإنسان، وأنَّ المُراد به هنا العَرضُ والتقرير؛ الذي يُجازى فيه- من أخذَ كتابه بيمينه- بالحسنات، ويُتَجاوزُ فيه عن السيئات، مَنًّا من الله وفضلًا (^٢). قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (واعتراض عائشة ﵂ بقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنه يتناول القليل والكثير) (^٣). وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (ولمَّا قال ﵊: (من نوقش الحساب عُذِّب) بناءً على تأصيل قاعدة أُخرَويّة، سألت عائشةُ عن معنى قول الله ﷿ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] لأنه يُشكِلُ دخوله تحت عموم الحديث؛ فبيّن ﵊ أن ذلك العرض لا الحساب المُناقش فيه) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المُفهِم ٧/ ١٥٧، والفتح ١١/ ٤٠٩.\n(^٢) ويشهد له حديث ابن عمر مرفوعًا في نجوى المؤمن ربَّه يوم القيامة، وفيه: (يُدْنى المؤمن من ربه يوم القيامة، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه؛ فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربَّ أعرف، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١١٦ (٢٤٤١)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٣٨ (٢٧٦٨).\n(^٣) المُفهِم ٧/ ١٥٧، وينظر: الفتح ١١/ ٤٠٩.\n(^٤) الموافقات ٣/ ٢٩٣، وينظر: الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٥٣.","vol":"1","page":68},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-32> الحكم على الاستدراك:</span>\nلقد كان من عادة الصحابة ﵃ أن يسألوا رسول الله ﷺ عمَّا أشكل عليهم من فهم كلام الله تعالى، فيكشف لهم عن وجهه، ويبيّن لهم معناه، وهذا من أنواع البيان النبوي للقرآن الكريم (^١) كما سبق، ومن ذلك ما أشكل على عائشة ﵂ في هذه الآية، بناءً على المعنى العام للمحاسبة، وكذلك ورود الوصف للحساب في أحد نوعيه يوم القيامة بأنه يسير، فجاء التفسير النبوي للحساب اليسير مُزيلًا للإشكال، فخصص المعنى العام، وأوضح المُراد بالحساب اليسير.\nوقد وجب الأخذ بهذا البيان النبوي، وهو ما فَسَّرَت به عائشة ﵂ هذه الآية حيث قالت: (يُعَرَّف ذنوبه، ثم يُتَجاوَز له عنها) (^٢)، واستقر عليه تفسير المفسرين بعد ذلك، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٨] بأن يُنظَر في أعماله، فيُغفَر له سيّئها، ويُجازَى على حَسَنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الخبر عن رسول الله ﷺ (^٣)، واختاره النحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (^٤) (ت: ٣٩٩)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (^٥) (ت: ٤٦٨) ونسبه للمفسرين، والسمعاني (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٥٢، وقواعد التفسير ١/ ١٣٥.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ٤١٩ لابن المنذر.\n(^٣) جامع البيان ٣٠/ ١٤٥.\n(^٤) محمد بن عبد الله بن عيسى المري، أبو عبد الله الألبيري المالكي، المعروف بابن أبي زمنين، محدث مفسر، اختصر تفسير يحيى بن سلام، وله: أصول السنة، توفي سنة (٣٩٩). ينظر: السير ١٧/ ١٨٨، وشذرات الذهب ٤/ ٥٢١.\n(^٥) علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري الشافعي، إمام النحو واللغة والتفسير، أَلَّفَ: المحيط، والوسيط، والوجيز، في التفسير، وكذا أسباب النُّزول، توفي سنة (٤٦٨). ينظر: معجم الأدباء ٤/ ١٦٥٩، والسير ١٨/ ٣٣٩.\n(^٦) منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني التميمي، أبو المظفر الحنفي ثم الشافعي، إمام فقيه محدث، صَنَّفَ تفسير القرآن، ومنهاج أهل السنة، توفي سنة (٤٨٩). ينظر: السير ١٩/ ١١٤، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٥٤٦.","vol":"1","page":69},{"text":"(ت: ٤٨٩)، والبغوي (^١) (ت: ٥١٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (^٢) (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (^٣) (ت: ٦٨٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (^٤) (ت: ١٢٥٠) (^٥)، وكُلُّهم لم يذكروا قولًا آخرَ في الآية (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأن بعض معاني القرآن لا يمكن معرفتها على الصواب إلا من جهة النبي ﷺ، كما هو في هذه الآية؛ إذ خَصَّص البيانُ النبوي عمومَ لفظ الآية الذي استقر عند عائشة ﵂. وهذا يبين أهمية معرفة التفسير النبوي للآيات، ووجوب العناية بهذا المصدر المُقَدَّم من مصادر التفسير (^٧).\n_________\n(^١) الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، محي السنة المعروف بالفرَّاء، إمام مفسر محدث، صَنَّف: معالم التنْزيل، في التفسير، وشرح السنة، توفي سنة (٥١٠)، وقيل (٥١٦). ينظر: السير ٩/ ٤٣٩، وطبقات الشافعية الكبرى ٧/ ٧٥.\n(^٢) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري، أبو عبد الله القرطبي المالكي، إمام مُتقن، صنَّفَ: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة، توفي سنة (٦٧١). ينظر: الديباج المُذهّب ١/ ٣١٧، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٣٤٧).\n(^٣) عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، أبو سعيد البيضاوي، قاضٍ عالمٌ بالأصول والمنطق، وله تفسير مشهور سَمَّاه: أنوار التنْزيل وأسرار التأويل، توفي سنة (٦٨٥). ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٥٧.\n(^٤) محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، المفسر الفقيه، صنف تفسيره فتح القدير، ونيل الأوطار، وغيرهما، توفي بصنعاء سنة (١٢٥٠). ينظر: البدر الطالع ٢/ ١٠٦، ونيل الوطر ٢/ ٢٩٧.\n(^٥) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس ٥/ ١١٦، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ٣٠٨، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١١٢، والكشف والبيان ١٠/ ١٥٩، والوسيط ٤/ ٤٥٢، وتفسير السمعاني ٦/ ١٨٨، ومعالم التنْزيل ٨/ ٣٧٤، والمحرر الوجيز ٥/ ٤٥٧، وزاد المسير (ص: ١٥٢٨)، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٧٩، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٧٣٧، والتفسير الكبير ٣١/ ٩٦، وأنوار التنْزيل ٢/ ١١٤٢، وفتح القدير ٥/ ٥٤١.\n(^٦) من مسالك الترجيح في التفسير عند ابن القيم ﵀: عدمُ ذِكر المفسِّر الجامعِ للأقاويلِ في التفسير- كالواحدي وابن الجوزي- غيرَ قولٍ واحد في الآية، فيُكون معتَمَدًا فيها. ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: ١٩٣).\n(^٧) سبقت الإشارة إلى التفسير النبوي في الاستدراك الأول (ص: ٣١)، وينظر: فصولٌ في أصول التفسير (ص: ٢٧).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>[٥] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١].</span>\nعن عديّ بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونَهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند، كما ذكره ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (مجموع الفتاوى ٧/ ٦٧، وإعلام الموقعين ٣/ ٤٥١، وتفسير القرآن العظيم ٤/ ١٦٤٥)، ولم أجد هذه الرواية في المسند، ولم ينسبه له ابن حجر في الكافي الشافِ ٢/ ٢٥٦، ولا السيوطي في الدر ٤/ ١٥٩، والذي في المسند رواية طويلة من طريق عبَّاد بن حبيش، أخرجها الترمذي أيضًا وقال: (حديث حسن غريب). ينظر: المسند ٤/ ٣٧٨ (١٩٤٠٠)، وجامع الترمذي ٥/ ٢٠٢ (٢٩٥٣).\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٠٦، والترمذي في الجامع ٥/ ٢٧٨ (٣٠٩٥)، وابن جرير في تفسيره ١٠/ ١٤٧ (١٢٩٢٥)، والنحاس في معاني القرآن ٣/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٤ (١٠٠٥٧)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٩٢ (٢١٨)، والسمرقندي في تفسيره ٢/ ٤٥، والثعلبي في تفسيره ٥/ ٣٤، والبيهقي في السنن ١٠/ ١١٦ (٢٠١٣٧)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ٢٩٣، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٢٩ (٧٥٣)، والواحدي في الوسيط ٢/ ٤٩٠، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ ٢/ ٢٥٦ للواقدي، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، وزاد السيوطي في الدر ٤/ ١٥٩ ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبا الشيخ.\nمن طريق عبد السلام بن حرب الملائي، عن غُطَيف بن أَعْيَن المحاربي، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم ﵁.\nوهو حديث حسن لغيره، حَسَّنه الترمذي كما في الكافي الشافِ ٢/ ٢٥٦، والدر ٤/ ١٥٩، وتحفة الأحوذي ٨/ ٣٩٢، وروح المعاني ٣/ ١٩٣، وفي طبعة أحمد شاكر ٥/ ٢٧٨: (حديث غريب). وكذا حَسَّنَه ابنُ تيمية في مجموع الفتاوى ٧/ ٦٧، وصَحَّحَه الآلوسي في روح المعاني ١٠/ ٨٤. ومن شواهده:\n- حديث أبي البَخْتَري عن حُذيفَة ﵁ عندما سُئِل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكانوا يعبدونهم؟ فقال: (لا، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه). أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ١٢٤)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٤٤ (١٠٧٣)، وسعيد بن منصور ٥/ ٢٤٥ (١٠١٢)، وابن جرير ١٠/ ١٤٧ (١٢٩٢٦)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤ (١٠٠٥٧)، والبيهقي في السنن ١٠/ ١١٦ (٢٠١٣٨)، وابن حزم في الإحكام ٢/ ٣٠١، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٣٠ (٧٥٤ - ٧٥٥)، وابن عبد البر في الجامع ٢/ ٩٧٥ (١٨٦١)، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٥٩ للفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ. وإسناده صحيح إلى أبي البَخْتَري ولم يلق حذيفة.\n- وورد مثله عن ابن عباس ﵁، أخرجه ابن جرير ١٠/ ١٤٨ (١٢٩٢٨)، من طريق العوفيين، وهي ضعيفة.\n- وعن أبي البَخْتَري، أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٥٦ (٣٤٩٣٦)، وابن جرير ١٠/ ١٤٨، ١٤٩ (١٢٩٢٧، ١٢٩٣١)، وابن عبد البر في الجامع ٢/ ٩٧٦ (١٨٦٣)، والثعلبي ٥/ ٣٤، وإسناده حسن.\n- وعن أبي العالية، أخرجه ابن جرير ١٠/ ١٤٩ (١٢٩٣٠)، والثعلبي ٥/ ٣٤. وينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٤.","vol":"1","page":71},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-35> تحليل الاستدراك:</span>\nاستنكر عَديٌّ ﵁ حديثَ الآيات عن اتخاذ اليهود والنصارى- وهو العارف بعبادتهم- أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا يعبدونهم من دون الله، وبنى استغرابه على اشتمال لفظة \"أربابًا\" لعامَّة صور العبادة وأظهرها، قولًا وفعلًا، ولم يكن منها في علم عديّ ﵁ عبادتهم بطاعتهم فيما لا يُطاع في مثله إلا الله تعالى؛ في التحليل والتحريم والتشريع، فقال: (إنهم لم يكونوا يعبدونهم) أي: العبادة المعهودة عنده ﵁، والتي منها الركوع والسجود والصيام، ونحو ذلك.\nفجاء البيان النبوي الكريم ليبين معنىً جليلًا من معاني العبودية، وهو إفراد الله تعالى بالطاعة المطلقة في الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فمن أطاع غير الله تعالى في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، فقد عبده من دون الله، وهذا المعنى كثير الورود في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ","vol":"1","page":72},{"text":"لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس ٦٠ - ٦١]، وقول إبراهيم ﵇ لأبيه ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٤]، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١] (^١)، فَسَمَّى طاعة الشياطين وأوليائهم عبادة لهم، كما سَمَّى الذين يُطاعون في معاصي الله (شركاء)، فقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام ١٣٧]. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-36> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره رسول الله ﷺ مبيّنًا فيه معنى الآية هو الموافق لحقيقة حال أهل الكتاب، كما أنه المعنى الشائع في القرآن، ونظائر هذه الآية في كتاب الله ما كانت لتخفى على من قرأها وعرفها، لكن عَديًّا ﵁ إنما سمع هذه الآية في أوّل لقائِه رسولَ الله ﷺ ليُسلِم، فكانت من أوّل ما طرق سمعه من كلام الله ﷿، فلم يتفطّن لذلك المعنى القرآني الشائع فيه، وإنما فهمَ ما عهدَ من معنى اتخاذ الأرباب، واستلزامه صُوَرًا من العبادة معيَّنةً ما كان اليهود والنصارى يصرفونها لأحبارهم ورهبانهم.\nوهو أيضًا ما دَلَّ عله السياق قبله وبعده، ففي الآية قبل ذلك قوله تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة ٢٩]، فممّا وُصِف به الذين أُوتوا الكتاب في هذه الآية، عدم تحريمهم لِما حَرَّم الله ورسوله، فأحَلُّوا الحرام وحَرَّموا الحلال، وهو ما ذُكِرَ بعد ذلك في هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، ثُمَّ في الآية بعدها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ\n_________\n(^١) قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣) عند هذه الآية: (وهذا الشرك في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ هو الشرك الأكبر المُخرج عن مِلَّةِ الإسلام بإجماع المسلمين). العذب النمير ٥/ ٢٢٦٨.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٧/ ٦٧، والعذب النمير ١/ ٣١٨.","vol":"1","page":73},{"text":"وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٤]، ومن أوضح سبلهم في أكل أموال الناس بالباطل تحليل ما حَرَّمَ الله، وتحريم ما أحل الله، تبعًا لأهوائهم، وإرضاءً لأتباعهم، قال الآلوسي (ت: ١٢٧٠): (وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ﷿ وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ (^١).\nوقال الشنقيطي (^٢) (ت: ١٣٩٣): (وهذا التفسير النبوي المقتضي: أن كُلَّ من يتبع مُشَرِّعًا فيما أحلَّ وحرَّم، مُخالفًا لتشريع الله، أنّه عابد له، مُتَّخِذه رَبًّا، مُشركٌ به، كافرٌ بالله = هو تفسير صحيح لاشك في صحته، والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تُحصيها في المصحف الكريم) (^٣).\nوهو ما ذَهَب إليه جمهور المفسرين كمقاتل (^٤) (ت: ١٥٠)، والفرَّاء (^٥) (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (^٦) (ت: ٣٧٥)، والثعلبي\n_________\n(^١) روح المعاني ١٠/ ٨٤.\n(^٢) محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، أصولي لغوي مفسر، صَنَّفَ: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، توفي سنة (١٣٩٣). ينظر: الأعلام ٦/ ٤٥، وأضواء البيان ١٠/ ٢٦٧.\n(^٣) العذب النمير ٥/ ٢٢٦٦، وينظر: تفسير السمعاني ٢/ ٣٠٣.\n(^٤) مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي مولاهم، أبو الحسن البلخي، المفسر المقرئ، اشتهر علمه بالتفسير، وعن الشافعي: (الناس عيال في التفسير على مقاتل)، صَنَّفَ: التفسير الكبير، ونوادر التفسير، والوجوه والنظائر، توفي سنة (١٥٠). ينظر: السير ٧/ ٢٠١، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٢٠).\n(^٥) يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي مولاهم الكوفي، أبو زكريا الفراء، من أئمة نحاة الكوفة، والمُقَدّم فيهم، قال ابن تيمية: (والفراء في الكوفيين، مثل سيبويه في البصريين) مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٨. له كتاب: معاني القرآن، وغيره، توفي سنة (٢٠٧). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٨١٢، وبغية الوعاة ٢/ ٣٣٣.\n(^٦) نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث السمرقندي، إمام الهدى، من كبار أئمة الحنفية، فقيه مفسر، صَنَّفَ تفسيره المسمى: بحر العلوم، توفي سنة (٣٧٥). ينظر: السير ١٦/ ٣٢٢، والجواهر المضيئة ٣/ ٥٤٤.","vol":"1","page":74},{"text":"(ت: ٤٢٧)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والماوردي (^١) (ت: ٤٥٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٦) ونسبه للأكثرين من المفسرين (^٢)، وغيرهم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>ومن مسائلِ هذا الاستدراك</span>\nأنه حيثما صَحَّ عن رسول الله ﷺ نَصٌّ في التفسير استقام به السياق؛ لأنه حَقٌ واجِبُ القبول، ومن الممتَنِع عقلًا وشرعًا أن يقع بينهما تعارضٌ أو تخالُف، وحيثُما تُوُهِّم ذلك وجب الرجوع بالنظر على ما يُظَنُّ سياقًا صحيحًا، ليوافق الوحي الصريح.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-38>[٦] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠].</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ فقال: (لا، ولكن من يصوم ويصلي ويتصدق وهو وَجِل). وفي لفظ: (ويخاف ألاّ يقبل منه) (^٤).\n_________\n(^١) علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أبو الحسن البصري الشافعي، فقيه مفسر أديب، صَنَّفَ: النكت والعيون، في التفسير، وأدب الدنيا والدين، توفي سنة (٤٥٠). ينظر: السير ١٨/ ٦٤، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٦٧.\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٤٤، ومعاني القرآن، للفراء ١/ ٤٣٣، وجامع البيان ١٠/ ١٤٧، وبحر العلوم ٢/ ٤٥، والكشف والبيان ٥/ ٣٤، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٥، والنكت والعيون ٢/ ٣٥٤، والوسيط ٢/ ٤٩٠، وتفسير السمعاني ٢/ ٣٠٣، ومعالم التنْزيل ٤/ ٣٩، والكشاف ٢/ ٢٥٦، وزاد المسير (ص: ٥٧٨)، والتفسير الكبير ١٦/ ٣٠.\n(^٣) قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد (ص: ١٤٤): (وهكذا قال جميع المفسرين).\n(^٤) أخرجه ابن راهويه في المسند ٣/ ٩٤١ (١٦٤٣)، وأحمد في المسند ٦/ ١٥٩، ٢٠٥ (٢٥٣٠٢، ٢٥٧٤٦)، والترمذي في الجامع ٥/ ٣٢٧ (٣١٧٥)، وابن ماجة في السنن ٢/ ١٤٠٤ (٤١٩٨)، والقاضي إسحاق البستي في تفسيره ١/ ٣٩٩ (٤٩٢ - ٤٩٣)، (وقد حُقِّقَ في رسالتين مستقلتين للدكتوراه، الأولى بتحقيق: عوض بن محمد العمري، واعتبرتُها المجلد الأول منه، والثانية بتحقيق: عثمان معلم شيخ علي، واعتبرتُها المجلد الثاني)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ٤٤ (١٩٣٤٣)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٣٣، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٧ (٣٤٨٦)، والثعلبي في تفسيره ٧/ ٥٠، والبيهقي في الشعب ١/ ٤٧٧ (٧٦٢)، والسمعاني في تفسيره ٣/ ٤٨٠، والبغوي في تفسيره ٥/ ٤٢١، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ ٣/ ١٨٧ لإسحاق، وابن أبي شيبة. وزاد السيوطي في الدر ٦/ ٩٨ عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي الدنيا في «نعت الخائفين». من طريق مالك بن مِغوَل، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة ﵂.\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره ١٨/ ٤٤ (١٩٣٤٢)، والطبراني في الأوسط ٤/ ١٩٨ (٣٩٦٥). من طريق الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، عن عائشة.\nوهو حديث صحيح، وصححه الحاكم، وله شواهد عند ابن جرير في تفسيره ١٨/ ٤٥ (١٩٣٤٤)، وأبي يعلى في المسند ٨/ ٣١٥ (٤٩١٧)، والواحدي في الوسيط ٣/ ٢٩٣.","vol":"1","page":75},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-39> تحليل الاستدراك:</span>\nكانت عائشة ﵂ تقرأ هذا الحرف (^١): ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] قَصْرًا، وتقول: (كذلك نزلت على النبي ﷺ (^٢)، وقرأ الجمهور ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون ٦٠] بالمَدِّ (^٣). فقراءة عائشة ﵂ من الإتيان والمجيء، وقراءة الجمهور من الإيتاء والإعطاء، وحيث إن معرفة قراءة المفسر لازمة لمعرفة تفسيره؛ - لتوقي نسبة الاختلاف إلى المفسرين\n_________\n(^١) يُستعمل الحرف لغة ويراد به الكلمة التامَّة، كما هو هنا. ينظر: الانتصار للقرآن ١/ ٣٤٦. والحرفُ عند العرب: الكلمةُ عند النُحاة، نحو: الاسم، والفعل، وحروف المعاني، واسم حروف الهجاء. ومن ثَمَّ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المُراد في الحديث: (ألفٌ حرف، ولامٌ حرف ..): اسم الحرف، لا الحرف الهجائي، فيكون المعنى: (الم) ثلاثة أحرف، و(ذلك) حرف، و(الكتاب) حرف، وهكذا. ينظر: جامع البيان ١/ ٣٩، ومجموع الفتاوى ١٢/ ١٠٣، ٤٤٨.\n(^٢) تفسير ابن وهب ٣/ ٤٧، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ٢٣٨، ومسند أحمد ٦/ ٩٥، ١٤٤ (٢٤٦٨٥، ٢٥١٥٨)، والتاريخ الكبير ٣/ ٣٦٢، وجامع البيان ١٨/ ٤٤، وقراءات النبي ﷺ، للدوري (ص: ١٣٠)، والمحتسب ٢/ ١٣٨.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٤٤، والكشف والبيان ٧/ ٥٠.","vol":"1","page":76},{"text":"في الموضع الواحد، في حين أن كُلًا منهما فَسَّرَ قراءةً غيرَ الأُخرى (^١) - فإن المعنى على قراءة عائشة ﵂: يعملون ما عَملوا، وعلى قراءة الجمهور: يُعطُون ما أَعطوا. (^٢)\nوأجابت عائشة ﵂ عن القراءة الأُخرى بقولها: (كانوا أعلم بالله من أن توجل قلوبهم) (^٣) أي: بسبب الطاعة؛ فإنها مبعث الطمأنينة، والمؤمن لا يَوجَل بطاعته لِرَبه، وإنما يَطمَئِنُّ بها، وبما يَخلُفُه منها، قال الفراء (ت: ٢٠٧): (تعني به الزكاة، تقول: كانوا أتقى لله من أن يُؤتوا زكاتهم وقلوبُهُم وَجِلة) (^٤). وجواب عائشة ﵂ هنا يُبقِي نوعًا واحدًا من نَوْعَي العمل المُحتَمَلين في قراءتها، وهو العمل الفاسد؛ الذي مَثَّلتْ له في حديث الاستدراك: بالسرقة والزنا وشرب الخمر، ومُعتَمَدُها في ذلك امتناع أن تكون الطاعة من المؤمن سببًا لِوَجَل قلبه، وعدم طمأنينته، وإنما الأَولى بذلك أهل المعصية والفجور، في اضطراب قلوبِهم، وخوفهم سوءَ عاقبتهم.\nويجيء البيان النبوي الكريم لِهذه الآية مُبَيّنًا أن المُراد هنا: من يَعمَل العَمَل الصالح- ومنه الصدقة والزكاة- وهو يخاف ألاَّ يُقبَلَ منه. وبهذا المعنى يتّسق ظاهر الآية، وسياق الكلام، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضي أنه يُؤتِي الطاعة؛ لأنه وَصَفَهم بالخشية لربهم، والإيمان بآياته، وتنْزيهه عن الشرك، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائِه لهم، فلا جَرَمَ من كان بهذه الصفة يُسارع في الخيرات، وأمّا من كان على العصيان متماديًا، في الخِلاف مُستَمِّرًا، فكيف يُوصَف بأنَّه يُسارع في الخيرات، أو بالخشية لِرَبه، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه!) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر في التنبيه على ذلك: الإتقان ٢/ ٣٦٥، والدر المنثور ٧/ ٤٧٥، ٨/ ٤٦٣.\n(^٢) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٤٦٩، والمحتسب ٢/ ١٣٨.\n(^٣) معاني القرآن، للفراء ٢/ ٢٣٨.\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٢٣٨.\n(^٥) أحكام القرآن ٣/ ٢٤٤.","vol":"1","page":77},{"text":"ولزيادة إيضاح السياق يُضاف أن الله تعالى قال قبل ذكر صفات المؤمنين ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٤ - ٥٥]، ثم قال بعد ذِكر صفات أهل الإيمان ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون ٦١]، فبعد أن نَفى المسارعة في الخيرات للكافرين، أثبتها للمؤمنين الطائعين، وكذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون ٦٢]، وكثيرًا ما يُذكَرُ نَفيُ التكليف بما فوق الوُسعِ بعد الحديث عن فعل الطاعات. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-40> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذهبت إليه عائشة ﵂ من معنى الآية قبل البيان النبوي صحيح في نفسه، ولكن لا يُساعد عليه هنا تَمامُ الآية وسياقُها، فإن في تمام الآية بيانُ سببِ وجلِ قلوبِ المُؤمنين، وهو ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون ٦٠]، فَلَمَّا علموا أنهم إلى ربهم راجعون للمُجازاة والمُساءَلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال؛ خافوا ألاّ يكونوا أَتَوا بالعمل على وجهه المأمور (^٢)، وسبق ذكر سياق الآية ودلالته على المعنى النبوي.\nوحيث جاء بيان رسول الله ﷺ فبِهِ البيان، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦) بعد ذكره للحديث الوارد في تفسير هذه الآية: (ولا نَظَرَ مع الحديث) (^٣)، وإليه ذهب كثير من المفسرين، كابن عباس ﵁، والقُرظي (^٤) (ت: ١٠٨)، والحسن (^٥) (ت: ١١٠)، وقتادة\n_________\n(^١) كما في سورة البقرة (٢٣٣)، وسورة النساء (٨٤)، وغيرها.\n(^٢) ينظر: بحر العلوم ٢/ ٤١٦، والتفسير الكبير ٢٣/ ٩٤، ومجموع الفتاوى ٧/ ٤٩٦.\n(^٣) المحرر الوجيز ٤/ ١٤٨، وهذا من كمال علمه ﵀؛ فإنه ذكر قبل ذلك قولًا بأن المُراد جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها، وقال: (وهذا أمدح)، ثم ذكر حديث عائشة وقال: (ولا نَظَرَ مع الحديث).\n(^٤) محمد بن كعب بن سليم بن عمرو القُرَظي، أبو حمزة المدني، تابعي ثقة من أئمة التفسير، توفي سنة (١٠٨) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٧، والبداية والنهاية ٩/ ٢١٦.\n(^٥) الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت، من أئمة التابعين وعلمائهم، عَلَمٌ في التفسير، وصنَّفَ فيه، توفي سنة (١١٠). ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٧٩، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٠٦).","vol":"1","page":78},{"text":"(ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ويحيى بن سَلاَّم (^١) (ت: ٢٠٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسمعاني (ت: ٤٨٩) وقال: (وهذا هو القول المعروف في الآية) (^٢)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والقرطبي (ت: ٦٧١). (^٣)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-41>[٧] ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم ٧١].</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أخبرتني أمُّ مُبَشِّر (^٤) أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: (لا يدخل النار- إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحدٌ من الذين بايعوا تحتها) قالت: بلى يا رسول الله (^٥). فانتهرها، فقالت حفصة: ألم يقل الله ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]؟ فقال النبي ﷺ: (وقد قال ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢]) (^٦).\n_________\n(^١) يحيى بن سَلاَّم بن أبي ثعلبة التيمي مولاهم، البصري الإفريقي، مفسر لغوي حافظ، له تفسير للقرآن، وكتاب التصاريف، توفي سنة (٢٠٠). ينظر: لسان الميزان ٦/ ٢٥٩، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٤٨).\n(^٢) تفسيره ٣/ ٤٨٠، وتتكرر عبارته هذه في عامَّة ترجيحاته في التفسير.\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٣٩٩، وتفسير ابن وهب ١/ ١٣٤، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٤٠٦، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٤١٨، وجامع البيان ١٨/ ٤٣، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٤٤، والمحرر الوجيز ٤/ ١٤٨، وتفسير السمعاني ٣/ ٤٨٠، ومعالم التنْزيل ٥/ ٤٢١، وزاد المسير (ص: ٩٧٧)، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٨٨، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٤٣٣.\n(^٤) بنت البراء بن معرور الأنصارية، امرأة زيد بن حارثة ﵁. ينظر: الإصابة ٨/ ٤٧٠، وجامع البيان ١٦/ ١٤١.\n(^٥) لم تُرِد حفصة ﵂ رَدَّ مقالةَ رسول الله ﷺ رَدَّ مُكذِّب؛ وإنما هي شهامة نفسية، وقوّة عُمَريّة؛ فإنها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عمر ﵁ للنبي ﷺ في المنافقين: (أتُصَلّي عليهم؟!). ينظر: شرح مسلم، للنووي ٦/ ٤٧، والمُفهِم ٦/ ٤٤٤.\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٤٧ (كتاب ٤٤ - فضائل الصحابة، باب ٣٧ - من فضائل أصحاب الشجرة ﵃، برقم: ٢٤٩٦).","vol":"1","page":79},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-42> تحليل الاستدراك:</span>\nتعارض عند حفصة ﵂ استثناءُ رسول الله ﷺ مَنْ بايع تحت الشجرة من دخول النار، وما استقر عندها من لزوم ورود جهنمَ لجميع الناس، تَمَسُّكًا منها بعموم الآية، وحيث إن الورود عندها بمعنى الدخول؛ استشكلت استثناء رسول الله ﷺ أهلَ الشجرةِ من ذلك، مع أن عموم الآية لا استثناء فيه. فقابلت الحديث: (لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، بعموم الآية ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (وكأنها رجَّحَت عموم القرآن؛ فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ، بأنَّ آخر الآية يبين المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢]، وحاصل الجواب: تسليم أن الورودَ دخولٌ، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويُترَك فيها من ظلم) (^١).\nفكان بيان رسول الله ﷺ معتمدًا على السياق، في مقابل أخذ حفصة ﵂ بالعموم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فأشكل عليها- أي حفصة- الجمع بين النصين، وظَنَّت الورود دخولها، كما يُقال: وَرَدَ المدينة. إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ: بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا فيها به، فليس الورود كالورود) (^٢)، فصار المعنى: إن المتقين يدخلونها دُخول ناجٍ من عذابها، لا دخول جاثٍ فيها، كما هو حال الظالمين. ويشير لهذا المعنى التعبير بقوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ [مريم ٧٢]؛ والنجاة لا تكون إلا لِمَنْ تعرض لِهَلاك، وذلك يكون حين المرور على الصراط كما بيَّنَته الأحاديث على ما يأتي.\n_________\n(^١) المُفهِم ٦/ ٤٤٤.\n(^٢) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٥٤.","vol":"1","page":80},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-43> الحكم على الاستدراك:</span>\nفهمَت حفصة ﵂ من هذه الآية أن: المُراد بالورود الدخول في النار مع التعذيب فيها (^١)، ومَنشأُ هذا الغلط ذهابها إلى أن الورود دخول، ودخول النار يستلزم حصول العذاب، في حين أن من الورود دخول عبور لا يلزم منه حصول العذاب، وهو ما صَحَّ بيانه من النبي ﷺ، فوجب اتباعه والأخذ به، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وأمَّا الورود المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، فقد فسَّرَه النبي ﷺ في الحديث الصحيح؛ أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر (^٢)، بأنه: المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلابد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة) (^٣)، وقال النووي (ت: ٦٧٦): (والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جِسرٌ منصوبٌ على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون) (^٤)، وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦) عن ذلك: (وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة، والنظر المستقيم) (^٥).\nواختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يَرِدُها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم) (^٦)، وذَكَرَ الأدلة على ذلك، ومنها حديث الاستدراك،\n_________\n(^١) تلخيص كتاب الاستغاثة ٢/ ٦١٧.\n(^٢) / ٤١٥ (١٩١)، وفيه أنه سُئِلَ عن الورود فوصف جسرَ جهنَّم ومرور الناس عليه.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٧٩.\n(^٤) شرح النووي على مسلم ٦/ ٤٧.\n(^٥) المُفهِم ٦/ ٤٤٤.\n(^٦) جامع البيان ١٦/ ١٤١.","vol":"1","page":81},{"text":"وحديث جابر الذي أشار إليه ابن تيمية، ثم أسند (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من مات له ثلاثة لم تمسّه النار إلا تَحِلَّة القسم) (^١) يعني: الورود). (^٢)\nوبالمرور على الصراط فَسَّرَها ابن مسعود، وجابر ﵃، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، والكلبي (^٣) (ت: ١٤٦)، واختاره القاضي عياض (ت: ٥٤٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (^٤).\nولا يتعارض هذا مع من فسَّرَ الورود بالدخول، كابنِ عباس وأبي هريرة ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والزهري (ت: ١٢٤)، ومالك (ت: ١٧٩)، والبخاري (ت: ٢٥٦)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩) وقال عنه: (أولى الأقاويل) (^٥)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّرَ بالدخول تَجَوَّزَ به عن المرور، ووجهه أن المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٤٢ (١٢٥١)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٣٨ (٢٦٣٢).\n(^٢) جامع البيان ١٦/ ١٤٣، وينظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٣، وقوله في آخر الحديث: (يعني: الورود)، جعله ابن رجب من كلام عبد الرزاق. ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ٦٧٤.\n(^٣) محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي، أبو النضر الكوفي، رأسٌ في الأنساب والتفسير، متروك الحديث، قال ابن عدي: (وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد أطول من تفسيره، وحدث عنه ثقات من الناس، ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس)، توفي سنة (١٤٦). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٥٣٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ٥٦٩.\n(^٤) ينظر: تفسير ابن سَلاَّم ١/ ٢٣٧، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٢، وصحيح مسلم ١/ ٤١٥ (١٩١)، وجامع البيان ١٦/ ١٣٨، وتفسير ابن رجب ١/ ٦٦٨، ومشارق الأنوار ٢/ ٤٨٣، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٤٤، وفتح القدير ٣/ ٤٧٤.\n(^٥) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٣٨٩، وتفسير مقاتل ٢/ ٣١٩، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٣، وجامع البيان ١٦/ ١٣٦، وبحر العلوم ٢/ ٣٣٠، وتفسير السمعاني ٣/ ٣٠٧، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٤٣، وفتح الباري ٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":82},{"text":"أعمالهم ..، ويُؤيد صحة هذا التأويل، ما أخرجه مسلم من حديث أم مُبَشّر ..) ثُمَّ ذكره (^١). ومما يدل أيضًا على أنه لا تعارض بينهما، أن ابن مسعود ﵁ فسَّرَ الورود مَرَّةً بالدخول، ومَرَّةً بالمرور على الصراط (^٢)، وممَّن جعلهما قولًا واحدًا: أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والسيوطي (ت: ٩١١) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: اعتمد بيان رسول الله ﷺ لهذه الآية على السياق، في مقابل أخذِ حفصة ﵂ بالعموم، ودلالة السياق من أقوى الدلالات في تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، ومن ذلك تخصيص العام، كما هو هاهنا، قال ابن دقيقِ العيد (^٤) (ت: ٧٠٢): (يجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام) (^٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١)، والزركشي (ت: ٧٩٤) عن السياق: (وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته) (^٦)،\n_________\n(^١) فتح الباري ٣/ ١٤٩.\n(^٢) جامع البيان ١٦/ ١٣٨، وينظر: تفسير ابن وهب ١/ ١٣٩، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٣/ ١٥٥.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٣٤٧، وبحر العلوم ٢/ ٣٣٠، وتفسير السمعاني ٣/ ٣٠٧، حيث استدل على أن المراد الدخول بحديث ابن مسعود في المرور على الصراط، ثم جعل المرور على الصراط بعد ذلك قولًا مستقِّلًا. وينظر: الإكليل في استنباط التنْزيل ٣/ ٩٤٤.\n(^٤) محمد بن علي بن وهب القشيري المصري، أبو الفتح تقي الدين ابن دقيقِ العيد، الشافعي المالكي، الإمام شيخ الإسلام، صنف الإمام، وشَرَحَه، والاقتراح، وغيرها، مات سنة (٧٠٢). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٩/ ٢٠٧، وشذرات الذهب ٨/ ١١.\n(^٥) البحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٦٧، وينظر: سلاسل الذهب (ص: ٢٧١).\n(^٦) بدائع الفوائد ٤/ ٩، والبرهان في علوم القرآن ٢/ ٢١٨، ٣/ ٣٠٤،، وكلاهما ناقلٌ عن: الإمام في بيان أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام (ص: ١٥٩)، كما في البحر المحيط للزركشي ٢/ ٣٦٧، ودلالة السياق (ص: ١٤٠). وينظر في أهمية معرفة السياق والترجيح به: الموافقات ٤/ ٢٦٦، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٥١١، وأجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: ٤٦، ٤٩)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر في المسجد الحرام، رسالة رقم (٦٥)، والأدلة الاستئناسية عند الأصوليين (ص: ٢١٥).","vol":"1","page":83},{"text":"وقد عَدَّه ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير (^١)، واقتطاع الكلام من سياقه من أبرز سمات المبتدعة في الاستدلال والمناظرة. (^٢)\nثانيًا: كما اعتمد ابنُ عباس ﵁ في تفسيره الورود بالدخول على مجيء هذه اللفظة بهذا المعنى في غيرما موضع في كتاب الله، ففي مخاصمة نافع بن الأزرق (^٣) (ت: ٦٥) لا بن عباس ﵁، قال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقال ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، أورود هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك) (^٤).\nوخير ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآن (^٥)، قال مسلم بن يسار (^٦) (ت: ١٠٠): (إذا حَدَّثت عن الله حديثًا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده) (^٧)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥): (إذا\n_________\n(^١) التسهيل ١/ ٢٠.\n(^٢) ينظر: نقض الدارمي على المريسي ١/ ٢٨٩، ٣٤٤، والشريعة ١/ ٤٢٩، ٤٣٨.\n(^٣) الحنفي الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وله مسائل في القرآن مع ابن عباس ﵁، قُتِلَ سنة (٦٥). ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٨٦)، ولسان الميزان ٦/ ١٤٤.\n(^٤) تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٣٧، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٣، وتفسير البستي (١/ ٢٠٥)، وجامع البيان ١٦/ ١٣٦.\n(^٥) أضواء البيان ٤/ ٢٦٦.\n(^٦) مسلم بن يسار البصري الأموي المكي، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، تابعي عابدٌ ثقة، كان مفتي أهل البصرة قبل الحسن، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: السير ٤/ ٥١٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ٧٣.\n(^٧) فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلاّم (ص: ٢٢٩).","vol":"1","page":84},{"text":"اختلف الناس في حرف فانظر نَظْرَةً في القرآن فَقِسْ عليه، ولا تَقِسْ القرآن على الشعر ولا غيره، مثل قوله جل وعلا ﴿إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (^١) [البقرة ٢٥٩]، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس ٢٢]، ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تصديق ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٨]، ومثل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون ١١٦]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر ٢٢]، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس ٢]، وما أشبهه) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-45>[٨] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠].</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس المسكين بالذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف- وفي لفظ: ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا-، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣]) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-46> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى رسول الله ﷺ اسمَ المسكين عن الطَّوَّاف الذي يباشر سُؤال الناس، وأثْبَتَه للمُتَعفِّف الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه. والنفي هنا ليس لأصل المسكنة وإنما لكمالها (^٤)، فالأحق باسم المسكين: من لا يجد غِنىً، ويتعفَّف عن\n_________\n(^١) لعلها عند عكرمة: بالراء المهملة، بدلالة شاهده عليها، وهي قراءة سبعية مشهورة، والتصحيف فيها محتمل. ينظر: جامع البيان ٣/ ٦٢، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦١١.\n(^٢) جزءٌ فيه تفسير يحيى بن يمان وغيره، برواية أبي جعفر الرملي (ص: ١٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٣٩٨ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٤٨ - ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣]، برقم: ٤٥٣٩)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٠٦ (كتاب ١٢ - الزكاة، باب ٣٣ - النهي عن المسألة، برقم: ١٠٣٩).\n(^٤) ذكره ابن بطَّال (ت: ٤٤٩)، والقرطبي (ت: ٦٥٦)، وغيرهما. ينظر: فتح الباري ٣/ ٤٠٢، والمُفهِم ٣/ ٨٤، ٧/ ١٣٢، ومجموع الفتاوى ٢٥/ ١٥٦.","vol":"1","page":85},{"text":"المسألة، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.\nقال النووي (ت: ٦٧٦): (المسكين الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطَّوَّاف، بل الذي لا يجد غِنىً يُغنيه، ولا يُفطَنُ له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة ١٧٧]) (^١)، وقال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وهذا كقوله: \"ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" (^٢)، ومثل هذا كثير) (^٣). فَلَمَّا كان المسكين في الظاهر عند الصحابة، والمُتعارف عندهم هو: السائل الطَّوَّاف (^٤)، بَيَّنَ رسول الله ﷺ معنىً أولى من هذا المعنى المتعارف عليه عندهم، وهو: المتعَفِّف، الذي جمع عِفَّةً وحاجة، ومن كانت هذه حاله فهو أولى باسم المسكين وسهمه من غيره، فإنَّ الأوّلَ يأخذ حاجته بسؤاله، وربما كان فيها كفايته، بخلاف الآخر فإن حاجته دائمة؛ إذ لا يسأل، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-47> الحكم على الاستدراك:</span>\nفي هذا الحديث استدراك نبويٌ على قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، نَبَّه فيه رسول الله ﷺ صحابته إلى معنىً أولى من المعنى المُتَبادر المعروف عندهم، فلَم يَنفِ المعنى الأوَّل، إذ هو صحيح في أصله، وإنما ذكر معنىً آخر أولى وأكمل منه، وأحرى\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم ٣/ ١٠٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ٥٣٥ (٦١١٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٢٥ (٢٦٠٩).\n(^٣) المُفهِم ٣/ ٨٤.\n(^٤) نقله الطِّيبِي (ت: ٧٤٣) في شرح المشكاة ٥/ ١٥٠٥ عن الخطابي (ت: ٣٨٨)، ونَصَّ عليه ابن عطيَّة (ت: ٥٤٦) بقوله: (فدَلَّ هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطَّوَّاف). المحرر الوجيز ٣/ ٤٩.","vol":"1","page":86},{"text":"بالاهتمام (^١). واستشهد النبي ﷺ على المعنى الذي ذكره بآية قرآنية فَسَّرَ بها لفظة: التعفُّف، فقال: (اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣])، وتمام الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣]، فالحديث جَمَع بين التعفُّف وعدم السؤال، والآية جَمَعت بين التعفُّف وعدم السؤال إلحافًا، فصار المُراد بالإلحاف: عدم السؤال، لا عدم الإلحاح فيه؛ للاستشهاد النبوي به على ذلك؛ ولاقترانه في الآية بصفة التَّعَفُّف المتضمنة عدم السؤال، ولقوله ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٧٣]، ولو كانت المسألة من شأنهم لَمَا كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فيصير المعنى: ليس لهم سُؤال فيقع فيه إلْحَاف (^٢)، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهو الذي عليه جمهور المفسرين) (^٣).\nوفيه من المسائل أنه لا يلزم من الاستدراك على قولٍ تخطئته وإبطاله، وإنما قد يكون أخَفَّ من ذلك؛ بذكر معنىً أَوْلى من المعنى المذكور؛ لوجه من وجوه التقديم، كما هو في هذا الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) المُحرر الوجيز ٣/ ٤٩.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٣٦، تفسير السمعاني ١/ ٢٧٨، ومعالم التنْزيل ١/ ٣٣٨، والمحرر الوجيز ١/ ٣٦٩.\n(^٣) المحرر الوجيز ١/ ٣٦٩.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>[٩] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨].</span>\nعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران (^١) فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-49> تحليل الاستدراك:</span>\nكان اليهود والنصارى يعارضون الإسلام بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم (^٣)، ومنه هذه الشبهة التي ألقوها على المغيرة ﵁، حيث زعموا فيها مُعارضة القرآن للواقع؛ إذ نسبَ مريم بنت عمران أمَّ عيسى ﵉ أُختًا لهارون بن عمران أخي موسى ﵉، وهذا منهم جهلٌ مُفرط، حَمَلَهُم عليه إرادة القدح في القرآن، وإثارة المُتشابه للصَّدِّ عن سبيل الله، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وأَوْرَدَ أهل الكتاب على قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم ٢٨]، إن بين هارون وعيسى ما بينهما، وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه؛ وكانوا يتفنَّنُون فيما يُوردونه على القرآن) (^٤). وأمَّا المغيرة ﵁ فإنه (لمَاَّ اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك،\n_________\n(^١) نَجْران بالفتح ثم السكون، وادٍ في جنوب جزيرة العرب، من مخاليف اليمن من ناحية مكة، سكنه بنو الحارث بن كعب، وأسلموا وقدم وفدهم سنة عشر من الهجرة، وكان غيرهم من أهل نجران على النصرانية، وفيهم كانت المباهلة، ومفتتح آل عمران إلى ثمانين آية منها. ينظر: الكامل في التاريخ ٢/ ١٦٢، ومعجم البلدان ٥/ ٢٦٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٢٩٧ (كتاب ٣٨ - الأدب، باب ٢ - الأسماء المكروهة، برقم: ٢١٣٥).\n(^٣) ينظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٨، والجواب الصحيح ١/ ٢٢٩.\n(^٤) الصواعق المرسلة ١/ ٢٤٢.","vol":"1","page":88},{"text":"والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة) (^١)، فقال: (فلم أدرِ ما أُجيبهم به) (^٢). فلَمَّا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ، كشف له رسولُ الله ﷺ ما التبس عليه، وأبان عن معنى الآية خير بيان، فذكر أنَّ من نُسِبَت إليه مريم ﵍ ليس بهارون النبي أخي موسى ﵉، وإنما هي عادتهم في التسمية بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذا من فرط جهلهم، فإنَّ عاقلًا- منهم- لا يخفى عليه أنَّ موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأنَّ مريم أمَّ عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابنُ أخت موسى، وليس في من له تمييز- وإن كان من أكذب الناس- من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يَُضحك عليه به كلَُ من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلًا وعلمًا ومعرفةً غلبت عقول بني آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كلُّ ذي عقلٍ مصدقًا لخبره، مطيعًا لأمره، وذلَّ له، أو خاف منه كلُّ من لم يستجب له، وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق، فكان النصارى الذين سمعوا هذا، لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن، لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-50> الحكم على الاستدراك:</span>\nليس فيما ذهب إليه نصارى نجران في هذه الشبهة وجهٌ صحيح، لا من سياق النصِّ، ولا من سياق الواقع، فليس في النص ما يشير إلى أن هارون الذي نُسِبَت إليه مريم هو هارون بن عمران، أخو موسى ﵉، وكُلُّ من له أدنى معرِفةٍ بالتاريخ يُدرِكُ ما بينهما من سنين متفاوتةٍ، وأجيالٍ مُتتابعة، ومِمَّا يَدُلُّ على جهلهم وخطئِهم، ما\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٩.\n(^٢) كما في رواية الترمذي في الجامع ٥/ ٣١٥ (٣١٥٥)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٣٩٣ (١١٣١٥).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٨.","vol":"1","page":89},{"text":"روى ابن سيرين (ت: ١١٠) قال: (نُبِّئتُ أن كعبًا (^١) قال: إن قوله تعالى ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبتَ (^٢). قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجِدُ بينهما ستّ مئةِ سنة (^٣)، قال: فسكتَت) (^٤).\nوفي بيان رسول الله ﷺ الكفاية والهداية، وبه يجتمع سياق النصِّ، وسياق الواقع، وقد انحصرَ به المعنى في أحد وجهين:\nالأوّل: أن لِمَريم ﵍ أخًا اسمُهُ هارون، على اسم نبي الله هارون بن عمران ﵇، جريًا على عادتهم في التسَمِّي بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، وهو قول الضحَّاك (ت: ١٠٥)، والكلبي (ت: ١٤٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٥٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) وقال: (وقد ورد الحديث الصحيح الدالُّ على أنه قد كان لها أخٌ اسمه هارون، وليس في ذكر قصَّة ولادتها،\n_________\n(^١) كعب بن ماتع الحِمْيَري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، أدرك الجاهلية وكان يهوديًّا فأسلم في أيّام أبي بكر أو في أيام عمر ﵃، قال أبو الدرداء ﵁: (إنَّ عند ابن الحِميَري لَعِلمًا كثيرًا)، سكن حِمصًا، وبها توفي سنة (٣٢). ينظر: السير ٣/ ٤٨٩، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٧١.\n(^٢) أي: أخطأت؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النيّة والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمُخطئ لا يعلم، وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل:\nكذبتك عينُك؟ أم رأيت بواسِطٍ غَلَسَ الظلام من الرَّبابِ خيالًا؟\nينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٣٨، وفتح الباري ٨/ ٦٤١، والروض الباسم ١/ ١٦٦، ولأبي بكر ابن الأنباري رسالة في معاني الكذب، لَخَّصها البغدادي في خزانة الأدب ٦/ ١٩٤.\n(^٣) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) في تفسيره ٥/ ٢٢٢٠: (وفي هذا التاريخ نظر).\n(^٤) جامع البيان ١٦/ ٩٧ (١٧٨٤٩)، والدر ٥/ ٤٤٧. وينظر: الكافي الشافِ ٣/ ١٤.\n(^٥) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ١٦٧، والكشف والبيان ٦/ ٢١٣، والوسيط ٣/ ١٨٢، وزاد المسير (ص: ٨٨٤)، والتفسير الكبير ٢١/ ١٧٧، والمُفهِم ٥/ ٤٦٠، والبحر المحيط ٦/ ١٧٦.","vol":"1","page":90},{"text":"وتحرير أُمِّها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخٌ سواها) (^١)، ثم ذكر حديث المغيرة السابق، وقال: (والمقصود أنهم قالوا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]، ودلَّ الحديث على أنها قد كان لها أخٌ نَسَبيّ، اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاح والخير) (^٢)، واختاره السعدي (^٣) (ت: ١٣٧٦) وقال: (الظاهر أنه أخٌ لها حقيقي، فنسبوها إليه) (^٤)، وابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) وقال: (وهذا أظهر الوجهين) (^٥).\nالثاني: أنهم نَسَبوا مريمَ ﵍ إلى رجلٍ صالحٍ في بني إسرائيل اسمُه هارون، على اسم نبي الله هارون ﵇؛ لأنها تشبهه في العبادة والتقوى، فهو من باب أُخُوَّة الدين، أو إطلاق اسم الأخ على النظير المُشابه، ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف ٤٨]، وقوله ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧]، ومنه في كلام العرب (^٦):\nوكُلُّ أخٍ مُفارقه أخوه … لَعَمرُ أبيك إلا الفَرقدانِ\nفجعل الفرقدين أخوين، وكثيرًا ما تُطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب. (^٧)\nوهو قول كعب (ت: ٣٢)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن قتيبة\n_________\n(^١) البداية والنهاية ٢/ ٥٣، وينظر: تفسيره ٥/ ٢٢١٩.\n(^٢) البداية والنهاية ٢/ ٥٣.\n(^٣) عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي، أبو عبد الله الحنبلي، المُفَسِّر الفقيه، صَنَّف تيسير الكريم الرحمن، في التفسير، والقواعد الحسان، توفي سنة (١٣٧٦). ينظر: الأعلام ٣/ ٣٤٠، والموسوعة الميسرة ٢/ ١٢٠٧.\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن ١/ ١٠٤٥.\n(^٥) التحرير والتنوير ١٦/ ٩٥.\n(^٦) البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي. ينظر: مجاز القرآن ١/ ١٣١، وجامع البيان ٥/ ٢٢٢.\n(^٧) ينظر: المسائل والأجوبة (ص: ٢٠٥)، والكشف والبيان ٦/ ٢١٣، وأضواء البيان ٤/ ٢٠٧.","vol":"1","page":91},{"text":"(ت: ٢٧٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه- أي: حديث المغيرة-، وأنها نُسِبَت إلى رجلٍ من قومها)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨). (^١)\nوالمعنى الأوَّل أرجح؛ فإن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى خلاف الظاهر إلا عند التَّعَذُّر (^٢)، وهو ظاهر الآية والحديث، كما أنه الأوفق للسياق؛ فإنهم قالوا بعد أن نسبوا مريم إلى أخيها هارون ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨]، (أي: لستِ من بيتٍ هذا شيمتهم، ولا سجيَّتُهم، لا أخوك، ولا أمّك، ولا أبوك) (^٣)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤) عند ترجيحه لهذا القول: (الثاني: أنها أُضيفت إليه، وَوُصِفَ أبواها بالصلاح، وحينئذٍ يصير التوبيخ أشدّ؛ لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة، يكون صدور الذنب عنه أفحش). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٢٢، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٥٨، وتفسير غريب القرآن (ص: ٢٣٣)، والمسائل والأجوبة (ص: ٢٠٥)، وجامع البيان ١٦/ ٩٧، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٣٢٧، وإعراب القرآن، له أيضًا ٣/ ١٠، والجُمان في تشبيهات القرآن (ص: ٢٤١)، والتفسير الكبير ٢١/ ١٧٧، ودرء تعارض العقل والنقل ٧/ ٦٩. وزاد الرازي نسبته للمغيرة بن شعبة ﵁، ولم أجد له في ذلك إلا الرواية.\nوهاهنا مسألة تظهر للناظر في كتب التفسير، وهي: نسبة القول لأحد المفسرين هل تعتمد على: نص قوله؟ أو على لازم قوله؟ أو على لازم قوله في آية أُخرى سابقة أو لاحقة؟ أو على اختياره في الوقف في الآية؟ أو على مجرد روايته؟.\nوأكثر ما تبرز هذه المسألة عند عزو القول لأحد المفسرين، وقد وقفت في كتب التفسير على أمثلة لكل نوع، وهي مسألة جديرة بالتحرير والتأصيل؛ لتوقي نسبة قولٍ لغير صاحبه، ولاجتناب تكثير الأقوال وتشقيقها بما لا طائل تحته.\n(^٢) التفسير الكبير ٢١/ ١٧٧.\n(^٣) البداية والنهاية ٢/ ٥٣، ومثله في: معاني القرآن، للفراء ٢/ ١٦٧.\n(^٤) التفسير الكبير ٢١/ ١٧٧.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: الإبانة عن غرضٍ من أهم أغراضه في التفسير وهو: ردُّ شُبَه الطاعنين، وتأويلات المُحَرِّفين لكلام ربِّ العالمين، وهذا واضحٌ في كشف شُبهة أهل الكتاب في هذه الآية، وهو كذلك كثير في غيرما رواية عن السلف في تفسير كلام الله، كما سيأتي ذكره إن شاء الله.\nثانيًا: فائدة العلم بأخبار أهل الكتاب في رَدِّ شبهاتهم عن الآيات، فإن المغيرة وعائشة ﵃ لم يكن عندهما من العلم بكتب وأخبار بني إسرائيل ما يدفع عنهما هذه الشبهة التي مصدرها الاشتراك الغالب على أسماء الأعلام كما مَرَّ، وفي جواب النبي ﷺ للمغيرة توجيه يستأنس به في ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-52>[١٠] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء ١٠١].</span>\nعن يعلى بن أمية (^١) قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٠١] فقد أمن الناس!. فقال: عجبتُ مِمَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه) (^٢).\n_________\n(^١) يعلى بن أميّة بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي، أبو خلف، حليف قريش، صحابي شهد حنينًا والطائف وتبوك، واستعمله أبو بكر ثم عمر ﵃، توفي بعد وقعة صفين. ينظر: الإصابة ٦/ ٥٣٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤٤٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣١٨ (كتاب ٦ - صلاة المسافرين وقصرها، باب ١ - صلاة المسافرين وقصرها، برقم: ٦٨٦).","vol":"1","page":93},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-53> تحليل الاستدراك:</span>\nاستقر عند يعلى وعمر ﵄ نفيُ الجُناح عن قصر الصلاة في السفر حال الخوف؛ أخذًا بمنطوق (^١) الآية، وليس هذا محل الإشكال عندهما ﵄، وإنما أشكل عليهما مفهوم (^٢) الآية، وهو القصر في السفر حالَ الأمن، وعملُ الناس به مع أنّه لم يُذكر في نصّ الآية، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن المُتَعجِّب- وهما عمر ويعلى- ظَنَّ أنّ القصر مطلقًا مشروط بعدم الأمن، فبينت السنة أن القصر نوعان، كلُّ نوع له شرط) (^٣). ومُعتَمَدُهُما في هذا الفهم، الأخذ بما نطقت به الآية ودَلَّت عليه، وهو اشتراط الخوف في القصر، ثم أخذُهُما بمفهوم الآية وهو انتفاء القصر حال الأمن، قال الطوفي (^٤) (ت: ٧١٦): (ووجهه- أي حجيّة مفهوم الشرط- أن هذا الرجل العربي- يعلى بن أميّة ﵁ فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف انتفاءه عند انتفاء الخوف، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ فهم ذلك، فأقرَّهما النبي ﷺ على فهمهما، ثم بيَّنَ لهما أن انتفاء الجواز عند الانتفاء إنما هو من جهةٍ أُخرى، وهي الصدقة عليهم، والتخفيف عنهم، ولولا أن المفهوم المذكور حجة لما فَهِماه، ولمَا أقرَّهما النبي ﷺ على فهمهما إيَّاه) (^٥)، كما أن القصر الذي فهماه من\n_________\n(^١) المنطوق هو: ما دلَّ عليه اللفظُ في محل النطق، فهو المعنى المُستَفاد من اللفظ من حيث النطق به. ينظر: المسودة ٢/ ٦٧٣، والبحر المحيط في الأصول ٣/ ٨٨، ومذكرة أصول الفقه (ص: ٤١٥).\n(^٢) المفهوم هو: ما دلَّ عليه اللفظ لا في محلِّ النطق، فهو المعنى المُستَفاد من حيث السكوت الّلازم للَّفظ. ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي ١/ ٣١٥، والبحر المحيط في الأصول ٣/ ٨٨، ومذكرة أصول الفقه (ص: ٤١٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٤٣.\n(^٤) سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، أبو الربيع نجم الدين الحنبلي، أصولي نحوي مفسر، صنف الإكسير في قواعد التفسير، والإشارات الإلهية، توفي سنة (٧١٦). ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٠٢، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٩.\n(^٥) الإشارات الإلهية ٢/ ٤١.","vol":"1","page":94},{"text":"الآية هو قصر الركعات، قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (فهذا الحديث يدلُّ على أن يعلى بن أميّة وعمر بن الخطاب ﵄، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي ﷺ أقَرَّ عمر على فهمه لذلك) (^١).\nفَجاء بيان النبي ﷺ ليُزيل ما أشكل على عمر ﵁، فأبان أنَّ الله تعالى أباح القصر في السفر مع الأمن صَدَقةً منه علينا، فوَجَبَ قَبُولها (^٢). فَصار الشرط في الآية لا مفهوم له (^٣)، قال أبو حيّان (ت: ٧٤٥): (والحديث الصحيح يدلّ على أن هذا الشرط لا مفهوم له، فلا فرق بين الخوف والأمن، وحديث يعلى في ذلك مشهور صحيح) (^٤)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وأمّا قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٠١] فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية؛ فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزوٍ عامٍّ، أو في سريّةٍ خاصة، وسائر الأحياء حربٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثةٍ فلا مفهوم له، كقوله ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور ٣٣] وكقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِّسَائِكُمُ﴾ [النساء ٢٣]) (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان ١/ ٢٧٠، وينظر: جامع البيان ٥/ ٣٢٩، والتفسير الكبير ١١/ ١٥، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٣٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٠٦.\n(^٣) وذهب إليه الجمهور، كما في تحفة الأحوذي ٣/ ٨٩، وينظر: التمهيد ١١/ ١٦٥، وعون المعبود ٤/ ٤٧.\n(^٤) البحر المحيط ٣/ ٣٥٣، وذكر مثله ابن حجر في الفتح ٢/ ٤٩٨ وقال: (فثبت القصر في الأمن ببيان السنة).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٠٠٢، ومثله في: شرح الطيبي على المشكاة ٤/ ١٢٥٥، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٣١، وأضواء البيان ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":95},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-54> الحكم على الاستدراك:</span>\nلم يُنكر رسولُ الله ﷺ على عمر ﵁ أخذَه بمنطوق الآية، واعتباره بمفهومها، كما لم يُنكِره عمرُ ﵁ على يعلى بن أُميَّة ﵁، فهو سبيل صحيح في فهم النصوص وإعمالها. وذهابُهُما إلى أن المُراد بالقصر هنا قصر الركعات صحيح كذلك؛ لإقرار النبي ﷺ ذلك الفهم من عمر ﵁، ونسبه الرازي (ت: ٦٠٤) للجمهور (^١)، واستدلَّ على صِحَّته بأمور، منها:\nأولًا: فهم الصحابيّ له.\nثانيًا: أنَّ لفظ القصر كان مخصوصًا في عُرف الصحابة بنقص عدد الركعات؛ ولهذا المعنى لَمَّا صلى النبي ﷺ الظهر ركعتين قال ذو اليدين: (أقَصُرَت الصلاة؟ أم نسيت؟) (^٢).\nثالثًا: أنَّ (مِنْ) في قوله ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١] للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، وهو أولى من تفسيره بالإيماء والإشارة.\nرابعًا: أنَّ القصر بمعنى: تَغيُّر الصلاة، مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات، لئلاّ يلزم التكرار. (^٣)\nولا مانع من حمل الآية على نوعي القصر المُباحة شرعًا: قصر الركعات، وقصر الهيئات، كُلٌّ منهما بشرطه، وفي الحديث توسعةٌ تشمل كِلا المعنيين: (صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه)، قال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١] يعني به القصرَ من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله\n_________\n(^١) التفسير الكبير ١١/ ١٤، وكذا القاسمي في محاسن التأويل ٢/ ٤٥٥.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٤٠ (٧١٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٢٥ (٥٧٣).\n(^٣) التفسير الكبير ١١/ ١٥.","vol":"1","page":96},{"text":"ﷺ: \"صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم\"، عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية مُتَضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات، ومع الأمن في الركعات، والمُتَصَدَّق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات، وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمعٌ بين الآية والحديث) (^١)، ويُؤيده كذلك قوله تعالى في الآية بعدها ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء ١٠٣]، فإن الطمأنينة تصح في كلا المعنيين السابقين: إمَّا سكون النفس من الخوف، أو الإقامة بعد سفر (^٢)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فأمَرَهُم بعد الأمن بإقامة الصلاة، وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر) (^٣)، وبقصر الركعات في الأمن فسرها الثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨) (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-55>[١١] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣].</span>\nعن مسروق (^٥) قال: (كنت مُتَّكِئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ من تكَلَّم بواحدة منهُنَّ فقد أعظم على الله الفرية (^٦). قلت: وما هُنَّ؟ قالت: من زَعَمَ أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية. وكُنتُ مُتَّكِئًا فجلست فقلت: يا أُمَّ\n_________\n(^١) المُفْهِم ٢/ ٣٢٩ بتصرف يسير.\n(^٢) المحرر الوجيز ٢/ ١٠٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٤٢.\n(^٤) الكشف والبيان ٣/ ٣٧٣، والوسيط ٢/ ١٠٨.\n(^٥) مسروق بن الأجدع بن مالك الهَمْداني، أبو عائشة الكوفي، الفقيه المُقرئ المُفَسر، من كبار التابعين ومن أعلم تلاميذ ابن مسعود ﵁، توفي سنة (٦٣). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٩٨، وطبقات القراء ١/ ٢٩.\n(^٦) أي: الافتراء، وهو اختلاق الكذب وما يقبح التحدُّثُ به. المُفهِم ١/ ٤٠٣.","vol":"1","page":97},{"text":"المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يَقل الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سألَ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المَرَّتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عُظْمَ خَلقه ما بين السماء إلى الأرض)، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣]؟ أولم تسمع أن الله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١]؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كَتَمَ شيئًا من كتاب الله فقد أعظَمَ على الله الفرية، والله يقول ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة ٦٧]، قالت: ومن زعم أنه يُخبِر بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الفرية، والله يقول ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥]) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-56> تحليل الاستدراك:</span>\nقِصَّةُ هذه الرواية: (أن ابن عباس ﵁ وكعب الأحبار اجتمعا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم ونقول: إن محمدًا رأى ربَّه مرتين. قال: فكبَّرَ كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيَتَه وكلامه بين محمد وموسى، فكَلَّمَه موسى، ورآه محمدٌ بقلبه- وعند الترمذي: فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد مرتين-. قال الشعبي: فأتى مسروقُ عائشةَ فقال: يا أُمَّتاه، هل رأى محمد ﷺ ربَّه؟) الحديث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٧٢ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٥٣ - سورة والنجم، برقم: ٤٨٥٥)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٨٦ (كتاب ١ - الإيمان، باب ٧٧ - معنى قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]، برقم: ١٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٩٤ (٣٢٧٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٢٥١ (٣٠٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٣٣٣ (٣١٨٣٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٧/ ٦٨، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٢٩ (٤٠٩٩).","vol":"1","page":98},{"text":"فهذا سببُ سؤالِ مسروق، وما أجابت به عائشةُ ﵂ (^١). وفي جوابها استشكل مسروق نفيها رؤيَةَ محمد ﷺ رَبَّه، وأورد في ذلك آيتي التكوير والنجم، حيث فهم منهما أن الضمير في قوله تعالى ﴿رَآهُ﴾ في كلا الآيتين عائد على الله تعالى، وهو ما كان مُحتَملًا عند عائشة ﵂، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأجاب بأن المُراد بهما جبريل ﵇. وهو ما اعتمدت عليه عائشة ﵂ في جوابها لمسروق.\nفكان مُعتَمَد مسروق فيما ذهب إليه احتمال الضمائر في سياق كِلا الآيتين أن يكون المُراد بها ربَّ العالمين (^٢)، إضافةً إلى ما توافق عليه ابنُ عباسٍ وكعبٌ من إثبات رؤية رسول الله ﷺ ربَّه مرَّتين.\nواعتمدت عائشة ﵂ في ما ذهبت إليه على بيان رسول الله ﷺ، وتحديده المُراد، ثم استشهدت على صِحَّةِ قولها وإبطال القول الآخر بآياتٍ أُخَر توافق هذا المعنى عندها، وهُما قوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١] (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-57> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره مسروق من احتمال كون المرئِيِّ في كلا الآيتين هو الله تعالى، ذَهَبَ إليه بعض العلماء كابن عباس ﵁، وكعب (ت: ٣٢)، والحسن (ت: ١١٠)، وعكرمة\n_________\n(^١) ينظر: الفتح ٨/ ٤٧٢.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١.\n(^٣) تحدث العلماء عن بُعدِ ما استدَلَّت به عائشة ﵂، وخُلاصته: أن الآية الأولى في نفي الإدراك وهو الإحاطة، والثانية في نفي التكليم إلا في ثلاثة صُوَر ذكرتها الآية، وليستا في نفي الرؤية. ينظر: المُفْهِم ١/ ٤٠٤، والفتح ٨/ ٤٧٣.","vol":"1","page":99},{"text":"(ت: ١٠٥)، وأبي صالح (^١) (ت: ١٢١)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨) والربيع بن أنس (^٢) (ت: ١٣٩) في رواية (^٣)، ونسبهُ النووي (ت: ٦٧٦) إلى جمهور المفسرين (^٤)، ولكنَّه مُقابَلٌ بنَصٍّ نبويّ بَيَّنَ المُراد، وأنّه جبريل ﵇، قال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وقد روت ذلك- أي: أن مرجع الضمير في كلا الآيتين جبريل ﵇ عائشة مرفوعًا، مُفَسّرًا على ما يأتي، فلا يُلتَفت إلى ما يُقال في الآية غير هذا) (^٥)، وقال ابن عطيّة (ت: ٥٤٦): (وحديث عائشة قاطعٌ لكلِّ تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ من ألفاظ القرآن) (^٦)، وزاد أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) على قول ابن عطيّة هذا: (وليست نَصًّا في الرؤية بالبصر (^٧) بل ولا بغيره) (^٨)، وورود المعنى صحيحًا صريحًا عن رسول الله ﷺ كافٍ في\n_________\n(^١) باذام، ويُقال: باذان، مولى أم هانئ، روى عنها وعن أبي هريرة وابن عباس، مُفَسِّرٌ، يروي عن ابن عباس كثيرًا، وقَلَّ ما له من المُسند، توفي سنة (١٢١) تقريبًا. ينظر: السِّيَر ٥/ ٣٧، وتهذيب التهذيب ١/ ٢١١.\n(^٢) الربيع بن أنس البكري البصري، ثم الخراساني الحنفي، عالم مرو بزمانه، أخذ عن أنس بن مالك، وأبي العالية، له تفسير يرجع أكثره إلى أبي العالية، توفي سنة (١٣٩). ينظر: السير ٦/ ١٦٩، والتقريب (ص: ٣١٨).\n(^٣) ينظر: الكشف والبيان ٩/ ١٤١، والمحرر الوجيز ٥/ ١٩٩، وزاد المسير (ص: ١٣٦٢)، والبحر المحيط ٨/ ١٥٦، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٣٢٩.\n(^٤) شرح النووي على مسلم ١/ ٣٨٤. ومُراده بجمهور المفسرين أي: المتأخرون؛ لأن عامَّةَ مفسري السلف على قول عائشة، بل نُقِل إجماع الصحابة عليه كما سيأتي. ثم نقل النووي عن الواحدي أنه قول المفسرين، والذي في الوسيط للواحدي ٤/ ٢٩٦: أن الأكثرين على أنه ﷺ رأى جبريل ﵇!.\n(^٥) المُفْهِم ١/ ٤٠٣.\n(^٦) المحرر الوجيز ٥/ ١٩٨.\n(^٧) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ومن روى عنه- أي: ابن عباس ﵁ بالبصر فقد أغرب؛ فإنه لا يصِحُّ في ذلك شيءٌ عن الصحابة ﵃، وقول البغوي في تفسيره- ٧/ ٤٠٣ -: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة. فيه نظر، والله أعلم). تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٣٢٩، وذكر الثعلبي في تفسيره: (ذكر من قال أنَّه رآه بعينه)، ثم ذكر أربعة آثار عن الحسن وابن عباس وعكرمة والربيع، ليس في واحد منها ذِكْرُ العين أو البصر! ينظر: الكشف والبيان ٩/ ١٤٠.\n(^٨) البحر المحيط ٨/ ١٥٦.","vol":"1","page":100},{"text":"لزومه والمصير إليه (^١)، بل نقل الدارمي (^٢) (ت: ٢٨٠) إجماع الصحابة عليه (^٣)، غير أنّه مِمَّا يدلُّ عليه كذلك سِتَّةَ عَشَرَ وجهًا ذكرها ابن القيم (ت: ٧٥١) في \"مدارج السالكين\" (^٤)، قال في أوَّلِها: (ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوه)، ثم ذكرها، ومنها:\nأولًا: أنه الوارد في التفسير النبوي.\nثانيًا: أنه قال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير، فقال ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩ - ٢٠]، وهذه دلالة السياق.\nثالثًا: أنه قال ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٦ - ٧]، وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأمَّا استواء الرب ﷻ فعلى عرشه.\nرابعًا: أنَّ مُفَسَّر الضمير في قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم ١٣]، وقوله ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٧]، وقوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم ٨] واحد، فلا يجوز أن يُخَالَف بين المُفَسَّر والمُفَسَّر من غير دليل.\nخامسًا: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، المَلَكيّ والبَشَريّ، ونَزَّه البَشَريّ عن الضلال والغواية، ونَزَّه المَلَكيّ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا؛\n_________\n(^١) حاول بعض العلماء تضعيف وتأويل ما ثبت صريحًا عن أبي ذَرٍّ وعائشة ﵄ في هذه المسألة، وفي الرد على تلك الأقوال ينظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٣٣٣٣.\n(^٢) عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي، أبو سعيد التميمي، إمام حافظ ناقد، قائمٌ بالسنة، صنف المسند، والرد على بشر المريسي، والرد على الجهمية، وغيرها، مات سنة (٢٨٠). ينظر: السير ١٣/ ٣١٩، وشذرات الذهب ٣/ ٣٣٠.\n(^٣) ينظر: زاد المعاد ١/ ٧٩.\n(^٤) / ٢٣٣، وذكر قريبًا من ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٥٢، ٢٥٦)، وزاد المعاد ٣/ ٣٤.","vol":"1","page":101},{"text":"بل هو قويٌّ كريمٌ حسن الخَلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواءً. (^١)\nوهو قول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذَرٍّ ﵃، وكذا مُجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) في رواية، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (^٢).\nوذكره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطيّة (ت: ٥٤٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) عن جمهور المفسرين، وعامَّة العلماء (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-58>[١٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥].</span>\nعن أبي أمية الشعباني (^٤) قال: سألت أبا ثعلبة الخُشَني، فقلت: (يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل (^٥) ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤثَرة، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك\n_________\n(^١) وتُنظر بقيّة الأوجه في المدارج ٤/ ٢٣٣.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢٧/ ٥٩، وإعراب القرآن، للنحاس ٤/ ١٨٢، وتفسير القرآن العزيز ٤/ ٣٠٦، وتفسير السمعاني ٥/ ٢٨٩، ومعالم التنْزيل ٧/ ٤٠٤، ومجموع الفتاوى ١١/ ٢٣٤.\n(^٣) ينظر: بحر العلوم ٣/ ٢٨٩، والوسيط ٤/ ١٩٦، والمحرر الوجيز ٥/ ١٩٨، وشرح النووي على مسلم ١/ ٣٨٥، والبحر المحيط ٨/ ١٥٦، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٣٢٨.\n(^٤) أبو أمية الشعباني، اسمه يَحمِد، وقيل: عبد الله بن أخامر، أدرك الجاهلية، مقبول، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. ينظر: الكاشف ٣/ ٣١١، والإصابة ٧/ ٢٤، والتقريب (ص: ١١١٠).\n(^٥) هذا اللفظُ أدخَلَ هذه الرواية في الاستدراكات؛ فإن (بل) للإضراب عن قولٍ لم يذكره السياق، غيرَ أنه مفهوم من مقابِلِه المذكور في الحديث.","vol":"1","page":102},{"text":"بخاصّة نفسك، ودع العوامَّ، فإنَّ من ورائكم أيَّام الصبر، الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رَجُلًا يعملون مثل عملكم). قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عُتبة: (قيل يا رسول الله أجر خمسين مِنَّا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٤٢٦ (٣٥٨٣)، وفي خلق أفعال العباد (ص: ٤٥) (١٧٠)، وأبو داود في سننه ٤/ ١٢٣ (٤٣٤١)، والترمذي في جامعه ٥/ ٢٥٧ (٣٠٥٨)، وابن ماجة في سننه ٢/ ١٣٣٠ (٤٠١٤)، وابن جرير في تفسيره ٧/ ١٣١ (١٠٠٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٢٥ (٦٩١٥)، وابن حبان في صحيحه ٢/ ١٠٨ (٣٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٢٢٠ (٥٨٧)، والجصاص في أحكام القرآن ٢/ ٦١٠، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٨ (٧٩١٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٣٠، والبيهقي في السنن ١٠/ ٩١ (١٩٩٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٤١٢، والواحدي في الوسيط ٢/ ٢٣٩، والبغوي في تفسيره ٣/ ١١٠، وعبد الغني المقدسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: ١٣٤)، والمزي في تهذيب الكمال ٢١/ ٥٦٣، و٣٣/ ٥٤، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ ١/ ٦٧١ لإسحاق، وأبي يعلى، وزاد السيوطي في الدر ٣/ ١٩٧ ابن المنذر، وأبا الشيخ، وابن مردويه. من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أُميّة الشعباني، عن أبي ثعلبة ﵁.\nوهو حديث حسن لغيره، قال عنه الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وصححه ابن حبان، والحاكم. ومن شواهده:\n- حديث عُتبة بن غزوان ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إن من ورائكم أيّام الصبر ..) الحديث، أخرجه ابن نصر المروزي في السنة (ص: ٩)، ورجاله ثقات، ولكنه مرسل.\n- وحديث عبد الله بن عمرو ﵃، عن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم ..) الحديث، أخرجه أحمد ٢/ ١٦٢ (٦٥٠٨)، و٢/ ٢١٢ (٦٩٨٧)، و٢/ ٢٢٠ (٧٠٤٩)، وأبو داود ٤/ ١٢٣ (٤٣٤٢ - ٤٣٤٣)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٥٩ (١٠٠٣٣)، وابن ماجة ٢/ ١٣٠٧ (٣٩٥٧)، وإسناده صحيح.\nوينظر له شواهد أُخَر في: جامع البيان ٧/ ١٣٠ (١٠٠١٩)، ومسند الحارث بن أبي أسامة ٢/ ٧٧٠، وكشف الأستار ٤/ ١٣١ (٣٣٧٠)، ومعجم الطبراني الكبير ١٠/ ١٨٢ (١٠٣٩٤)، والكامل، لابن عدي ٥/ ٥٥.","vol":"1","page":103},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-59> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا احتمل قولُ الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥] تركَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خلاف ما استقر عند الصحابة ﵃ وتابعيهم، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن، سألَ أبو أُميّة الشعباني أبا ثعلبة الخُشَني ﵁ عن ذلك المعنى، أخذًا بظاهر اللفظ، وهو ما سألَ عنه أبو ثعلبة رسولَ الله ﷺ، فأجابه: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر)، فأبان الجواب عن المراد في الآية، وأنه ليس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أيّ حالٍ، بل هو في حالةٍ مخصوصة بَيَّنها الحديث، وهي عند الجزم بعدم فائدته؛ لعدم قبوله من أهل الضلال، ولا يُعرف ذلك عادةً إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دَلَّ عليه قوله ﷺ: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت ..)، فأرشد إلى لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يرى من أهل الضلال ما يعلم به عدم منفعة أمره ونهيه، وعدم قبولهم له، وهذا بيانٌ لقوله تعالى في الآية ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، أي: بقيامكم بما أوجب الله عليكم من طاعته، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ضلَّ بعد ذلك فلا يضركم.\nقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (والاهتداء إنما يكون بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضُرُّه ضلال الضُّلاّل) (^١)، وقال الجصاص (^٢) (ت: ٣٧٠): (وهذه دلالة فيه- أي الحديث- على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر؛ لأن ذِكرَ تلك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ١٢٧.\n(^٢) أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي، عالم العراق، إليه المنتهى في معرفة المذهب، صنّف في أحكام القرآن، وانتصر فيه للأحناف، توفي سنة (٣٧٠). ينظر: السير ١٦/ ٣٤٠، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٤٤).","vol":"1","page":104},{"text":"الحال تُنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان؛ لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب، كما قال ﷺ: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) (^١)، فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذُكِر، كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب؛ للتقية، ولتعذر تغييره، وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقيةً، بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل ١٠٦]، فهذه منْزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (^٢). وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (وهذه الصفات المذكورة في الحديث، من الشُّح المُطاع، والهوى المُتَّبَع، الخ، مَظنَّةٌ لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدَلَّ الحديث على أنه إن عُدِمَت فائدته سقط وجوبه) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-60> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره رسول الله ﷺ من معنى هذه الآية لازمُ الاتباع، وقد وافقت نصوصُ الشرع في هذا الباب هذا المعنى النبوي، كما دَلَّ عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] (^٤)، وعليه تفسير الصحابة ﵃، ومما ورد عنهم في ذلك:\n- حديث جبير بن نُفير (^٥) قال: (كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٢١٦ (٤٩).\n(^٢) أحكام القرآن ٢/ ٦١٠.\n(^٣) أضواء البيان ٢/ ١٣٤.\n(^٤) ينظر: أضواء البيان ٢/ ١٣٤.\n(^٥) جبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، مخضرم من كبار التابعين، ولأبيه صحبة، مات سنة (٨٠). ينظر: الكاشف ١/ ١٨٠، والتقريب (ص: ١٩٥).","vol":"1","page":105},{"text":"فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا: تنْزع بآية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها. حتى تمنّيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غُلام حَدَثَ السنّ، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت) (^١).\n- وقال أبو بكر ﵁ وهو على المنبر: (يا أيها الناس: إنكم تقرأُون هذه الآية على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عَمَّهُم الله بعقابه) (^٢).\n- وسُئِل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية فقال: (ليس هذا بزمانها، إنها اليوم مقبولة، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم) (^٣).\n- وقيل لابن عمر ﵁: لو جلست هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنهَ، فإن الله تعالى يقول ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]. فقال ابن عمر: (إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: (ألا فليُبلِغ الشاهد الغائب)، فكُنَّا نحن الشهود، وأنتم الغَيَب (^٤)، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا\n_________\n(^١) جامع البيان ٧/ ١٣٠ (١٠٠١٩)، وينظر: الدر ٣/ ١٩٩.\n(^٢) حديث صحيح، رُوي مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه أبو داود ٤/ ١٢٣ (٤٣٤١)، والترمذي ٤/ ٤٦٧ (٢١٦٨) وصححه، والنسائي في الكبرى ٦/ ٣٣٨ (١١١٥٧)، وابن ماجة ٢/ ١٣٢٧ (٤٠٠٥)، وأحمد ١/ ٢، ٥، ٧، ٩ (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣)، وابن حبان ١/ ٥٤٠ (٣٠٥)، وابن جرير ٧/ ١٣٣ (١٠٠٣٠ - ١٠٠٣٢)، وينظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٦٠، والدر المنثور ٣/ ١٩٧. وقال الوزير المغربي (ت: ٤١٨) بعد ذكر قول أبي بكر هذا: (فدلَّ ذلك على أن قوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: في الفروض التي تلزمكم، ولا يضركم إخلال غيركم بها، ومن تلك الفروض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٢١٢).\n(^٣) جامع البيان ٧/ ١٢٨ (١٠٠١٥، ١٠٠١٨).\n(^٤) جمع غائب، وتُضبط: الغُيَّب.","vol":"1","page":106},{"text":"لم يُقبل منهم) (^١).\n- وعن حُذيفة ﵁ قال: (﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، إذا أمرتم ونهيتم)، وروي مثله عن سعيد بن المسيب (^٢) (ت: ٩٤). (^٣)\nوهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠) (^٤)، وجعل ما ذكرنا عن الصحابة في ذلك أحاديث مختلفة الظاهر، متفقة المعنى (^٥)، واختاره الواحدي (ت: ٤٦٨) (^٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦) وقال: (وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مُستوفٍ للصلاح؛ صادرٌ عن النبي ﷺ (^٧)، وكذلك قال أبو حَيَّان (ت: ٧٤٥) (^٨).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-61>[١٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ </span>فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة ٣٤].\nعن ابن عباس ﵁ قال: (لمَّا نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة ٣٤] قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أُفَرِّج عنكم، فانطلق\n_________\n(^١) جامع البيان ٧/ ١٢٨ (١٠٠١٦).\n(^٢) سعيد بن المسيَّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزومي، أبو محمد المدني، عالم التابعين وأجَلُّهم، وأحد الحفاظ المفسرين الكبار، قال عنه ابن عمر: (هو والله أحد المُفتين)، توفي سنة (٩٤). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٦٠، والسير ٤/ ٢١٧.\n(^٣) جامع البيان ٧/ ١٣٣ (١٠٠٢٨ - ١٠٠٢٩)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٨ (٦٩٢٦).\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٧/ ١٣٥، وأحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٦٠٩.\n(^٥) أحكام القرآن ٢/ ٦٠٩. وينظر: جامع البيان ٧/ ١٣٦.\n(^٦) الوسيط ٢/ ٢٣٨.\n(^٧) المحرر الوجيز ٢/ ٢٤٩.\n(^٨) البحر المحيط ٤/ ٤٠. وينظر: جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٥٢.","vol":"1","page":107},{"text":"فقال: يا نبي الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله ﷺ: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بِها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر ﵁، ثم قال له النبي ﷺ: (ألا أخبرك بخير ما يكنِز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سَرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ١/ ٣٧٤ (٥٦٠)، وأبو داود في السنن ٢/ ١٢٦ (١٦٦٤)، وأبو يعلى في المسند ٤/ ٣٧٨ (٢٤٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٠)، والجصاص في أحكام القرآن ٣/ ١٣٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٧ (١٤٨٧)، و٢/ ٣٦٣ (٣٢٨١)، والبيهقي في السنن ٤/ ٨٣ (٧٠٢٧)، والشعب ٣/ ١٩٤ (٣٣٠٧)، وعزاه ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٦٤٩ لابن مردويه، وكذا السيوطي في الدر ٤/ ١٦٣ لابن أبي شيبة في مسنده. من طريق يحيى بن يعلى بن الحارث المُحاربي، عن أبيه، عن غيلان بن جامع المحاربي، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵁. وفي إحدى طريقي الحاكم، وطريق أبي يعلى، وابن أبي حاتم، والبيهقي: عن غيلان، عن عثمان أبي اليقظان البجلي، عن جعفر، به.\nوهو حديث حسن لغيره، صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي في موضع (تلخيص المستدرك ١/ ٥٦٧)، وتعقبه في موضع آخر وقال: عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب. (تلخيص المستدرك ٢/ ٣٦٣). وعثمان هو ابن عمير البجلي كما سبق. ومن شواهده حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان ﵁ قال: لَمَّا نزلت هذه الآية، قال المهاجرون: لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين قد شَقَّ عليهم، وقالوا: فأيّ المال نتَّخِذ؟ فقال رسول الله ﷺ: (لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تعين أحدكم على دينه). وهو حديث صحيح، أخرجه موصولًا أحمد ٥/ ٢٧٨ (٢٢٤٤٦)، والترمذي وحَسَّنَه ٥/ ٢٧٧ (٣٠٩٤)، وابن ماجة ١/ ٥٩٦ (١٨٥٦)، وابن أبي عاصم في الزهد ١/ ٢٦، وابن جرير ١٠/ ١٥٣، ١٥٤ (١٢٩٤٤ - ١٢٩٤٥)، والطبراني في الأوسط ٧/ ١٠ (٦٧٠٠)، والصغير ٢/ ١٢١ (٨٩٠)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٨٢، ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير أن رواية سالم عن ثوبان مُرسلة، قال الترمذي بعد روايته للحديث: (سألت محمد بن إسماعيل فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ فقال: لا)؛ ولذا أخرجه مُرسلًا الثوري في تفسيره (ص: ١٢٥)، وعبد الرزاق في التفسير ٢/ ١٤٥ (١٠٧٦)، وابن جرير ١٠/ ١٥٣ (١٢٩٤٤)، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٣)، وله شاهد جيد عند أحمد ٥/ ٣٦٦ (٢٣١٥٠)، من طريق شعبة، عن سالم، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أحد الصحابة ﵃، ذكر فيه نحو هذا الحديث، ويظهر أن الصحابي هنا هو ثوبان، فتكون الواسطة بين سالم وثوبان عبد الله بن أبي الهذيل، وهو ثقة، فيصح به الحديث.\nوينظر لغيره من الشواهد: الكافي الشافِ، لابن حجر ٢/ ٢٥٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٦٤٩.","vol":"1","page":108},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-62> تحليل الاستدراك:</span>\nلمّا كان الكنْز في لغة العرب جمع الشيء بعضه على بعض وحَرْزُه (^١)، وهو في المال: جمعه تحت الأرض أو على ظهرها (^٢)؛ شق قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة ٣٤] على الصحابة ﵃؛ إذ توجه الوعيد عندهم إلى مطلق جمع الذهب والفضة، أخذًا بظاهرِ اللفظ وأصلِه في لسانهم. ولم يَزُل ما شقَّ عليهم منها إلا بالنقل الشرعي لكلمة كنْز عن معناها اللغوي، وتخصيص الكنْز شرعًا: بما لم تُؤَدَّ زكاته (^٣)، وذلك حين أخبر عمرُ رسولَ الله ﷺ عمَّا وجده الصحابة من هذه الآية، فأجابه رسول الله ﷺ: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر ﵁، حين علم أن ما أُخْرِج زكاته من المال ليس بكنْز، ولو جمعه الإنسان ومات عنه، فهو ميراث حلال لمن بعده.\nفصار المعنى النبوي لقوله تعالى في الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة ٣٤]: أي يمنعون ما أوجب الله فيها من الزكاة. (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-63> الحكم على الاستدراك:</span>\nليس في مسلك الصحابة ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ وأصل معناه في لغة العرب ما يُعاب، بل هو الصواب؛ ولذلك لم يتوجه الخطاب النبوي لتخطئتهم فيما فهموه من ذلك في هذه الآية، وإنما أبان التفسير النبوي معنىً خاصًا للكنْز في\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة ١٠/ ٥٨، ومقاييس اللغة ٢/ ٤٢٥، وجامع البيان ١٠/ ١٥٦، والكشف والبيان ٥/ ٣٩.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٦، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ١٧٦.\n(^٣) المرجع السابق، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.\n(^٤) جامع البيان ١٠/ ١٥٧، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧.","vol":"1","page":109},{"text":"الاستعمال الشرعي، فسر به هذه الآية، وهو: منع الزكاة. فمن أدى الواجب في المال الذي هو الزكاة، لا يُكوى بالباقي الذي أمسكه؛ لأن المواريث ما جُعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها، وهذا المعنى النبوي يتفق مع النصوص الشرعية الأخرى الموجبة للزكاة في المال، وما بقي بعدها فهو حلال لا مؤاخذة فيه، ومنها قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، فأمره بأخذ بعض أموالهم وهي زكاتها، التي فيها تطهير للباقي ونماء له (^١)، وقوله ﷺ: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (^٢)، قال البخاري (ت: ٢٥٦): (باب: ما أُدِّيَ زكاته فليس بكنْز؛ لقول النبي ﷺ: \"ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة\")، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢) في شرحه للباب: (ما لم تجب فيه الصدقة لا يُسَمى كنْزًا؛ لأنه معفوٌّ عنه، فليكن ما أُخرِجت منه الزكاة كذلك؛ لأنه عُفِيَ عنه بإخراج ما وجب منه فلا يُسَمى كنْزًا) (^٣)، وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحًا (^٤) من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنْزٌ هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنْز) (^٥)، ولمَّا سُئل ابن عمر ﵁ عن هذه الآية قال: (من كَنَزَها فلم يؤد زكاتَها فويل له) (^٦)، وسُئلَ عن الكنْز ما هو؟ فقال: (هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة) (^٧). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر،\n_________\n(^١) أضواء البيان ٢/ ٣٢٢.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٧ (١٧٧٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ١١٢ (٢٩٩)، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٦ (٣٢١٠)، وإسناده صحيح.\n(^٣) فتح الباري ٣/ ٣٢٠.\n(^٤) جمع وَضَح، وهي نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سُمِّيَت بها لبياضها. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٧٠.\n(^٥) أخرجه أبو داود ٢/ ٩٥ (١٥٦٤)، والحاكم ١/ ٥٤٧ (١٤٣٨) وصححه، والدارقطني في سننه ٢/ ١٠٥، والبيهقي في السنن ٤/ ٨٣ (٧٠٢٦)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٨١ (٦١٣)، وصححه ابن القطان، وقال العراقي: (سنده جيد). ينظر: نصب الراية ٢/ ٣٧١، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٣١٨ (١٤٠٤).\n(^٧) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٥٦، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":110},{"text":"وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، وعمر بن الخطاب نحوه) (^١).\nوقال به عكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والسدي (ت: ١٢٨)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣) (^٢)، وعليه جمهور العلماء، كما ذكر ابن عبد البر (^٣) (ت: ٤٦٣) (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٦٤٨، وينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٢، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٢، ١٥٥، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧، ١٣٨، والكشف والبيان ٥/ ٣٧، والنكت والعيون ٢/ ٣٥٧، والوسيط ٢/ ٤٩٢، ومعالم التنْزيل ٤/ ٤٣، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٨، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٨٠، والموافقات ٣/ ٣٥٧، ونيل المرام من تفسير آيات الأحكام ٢/ ٥٦٩، وأضواء البيان ٢/ ٣٢٢.\n(^٣) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمري، أبو عمر القرطبي، المحدث اللغوي النسَّابة الفقيه المالكي، صَنَّف: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وغيرها، توفي سنة (٤٦٣). ينظر: السير ١٨/ ١٥٣، والبداية والنهاية ١٢/ ٩٣.\n(^٤) الاستذكار ٣/ ١٧٢، وينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٢٨، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>ثانيًا: استدراكات الصحابة ﵃</span>\n<span data-type='title' id=toc-65>[١٤] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة </span>٢٠٥ - ٢٠٦].\nعن عبد الرحمن بن زيد قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السُّبحَة (^١) وفرغ دخل مربدًا له (^٢)، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة (^٣)، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فَمَرُّوا بهذه الآية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة ٢٠٦]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، - قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله-، فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت، اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابنُ عباس قال: أرى هاهنا من إذا أُمِرَ بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله، فاقتتل\n_________\n(^١) أي صلاة النافلة، ويراد بها في الأغلب صلاة الضحى. ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٣٤٣.\n(^٢) من رَبَدَ بالمكان إذا أقام فيه، وهو موضع حبس الإبل والغنم، وتجفيف التمر. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٦٨.\n(^٣) أي ابن حصن الفزاري، وهو: الحُرُّ بن قيس، كما في المحرر الوجيز ١/ ٢٨٢، صحابي مشهور، من القراء الذين يدنيهم عمر ﵁ ويشاورهم، وهو الذي تمارى مع ابن عباس ﵃ في صاحب موسى. ينظر: صحيح البخاري ١/ ٢٠٢ (٧٤)، و٨/ ١٥٥ (٤٦٤٢)، والاستيعاب، لابن عبد البر ١/ ٤٠٤٠. وتصحف (عيينة) في أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ١٩٢ إلى: (عنبسة).","vol":"1","page":112},{"text":"الرجلان. قال عمر: لله بِلادُك (^١) يا ابن عباس) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-66> تحليل الاستدراك:</span>\nتعجب عمر ﵁ من قول ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية، فتحقق منه قَولَه فيها، فأجابه ابن عباس بأنها فيمن يؤمر بالخير، فتأخذه العزة بالإثم، فيعتزُّ صاحبه بربه، فيقوم إليه يقاتله، يشري بذلك نفسه ابتغاء مرضاة الله. وهذا المعنى مُقتَنَصٌ من السياق، ففي الآية قبلها وَصَفَ الله تعالى هذا الرجل بالإفساد في الأرض،\n_________\n(^١) وفي طبعة التركي: (تِلادُك). جامع البيان ٣/ ٥٨٩، وهي بمعناها، وتُقال لِمَنْ يُمدَح ويُتَعَجب من أمره، كقولهم: لله دَرُّك، ولله أبوك. ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٣، ولسان العرب ٤/ ٢٧٩، والأغاني ١١/ ١٤٢، ١٦٧.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢/ ٤٣٥ (٣١٧٢)، من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد. وإسناده معضل؛ فإن ابن زيد متأخر لم يُدرك إلا بعض التابعين. والأثر حسن بشواهده، ومنها:\n- عن صالح أبي الخليل قال: سمع عمر ﵁ إنسانًا يقرأ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ فاسترجع فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجلٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فَقُتِل). أخرجه ابن جرير ٢/ ٤٣٨ (٣١٨٠)، وعبد بن حميد، كما في العجاب في بيان الأسباب ١/ ٥٢٨، كلاهما من طريق زياد أبي عمر، عن صالح بن أبي مريم أبي الخليل، وزياد صدوق، وأبو الخليل ثقة، لكن في السند انقطاع كما قال ابن حجر في العجاب. وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٤٠ لوكيع. وينظر: تهذيب التهذيب ١/ ٦٥٤، و٢/ ٢٠٠، والتقريب (ص: ٣٤٨)، و(ص: ٤٤٨).\n- وعن عكرمة: أن عمر ﵁ كان إذا تلا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٧]، قال: (اقتتل الرجلان). عزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٤٠ لعبد بن حميد، ورواية عكرمة عن عمر ﵁ مرسلة. ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ١٣٤، وتحفة التحصيل ١/ ٢٣٢.\n- وعن أبي رجاء العطاردي أن عليًّا ﵁ قرأ هذه الآية، فقال: اقتتلا وربِّ الكعبة. أخرجه ابن جرير ٢/ ٤٣٥ (٣١٧١)، وابن أبي حاتم ٢/ ٣٦٨ (١٩٣٧)، والخطيب في تاريخه ١١/ ١٣٥، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٤٠ لوكيع، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وإسناده حسن.","vol":"1","page":113},{"text":"فقال ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، ثم أعقب ذلك بقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، فهاهنا مُفسِدٌ في الأرض، وهاهنا من ينهاه عن إفساده، فيعتَزُّ ذاك بإثمه، وهذا مُعتَزُّ بربه، فيقتتلان، فكانت بذلك أظهر ما تكون في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-67> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية هو أظهر معانيها، ولذلك أُعجب به عمر ﵁، وفسَّرَها به وهو كذلك تفسير علي ﵁، كما سبق في ذكر شواهد الرواية، والسياق أقرب ما يَدُلُّ عليه، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما رُوي عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃، من أن يكون عَنى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه وصف صفة فريقين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِيَ أخذته العزَّة بالإثم بما هو آثم به، والآخر منهما بائع نفسه، طالب من الله رضا الله، فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه؛ إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر؛ طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية) (^١).\nولكن في لفظ الآية، وفي سبب نزولها، ما يجعل التفسير السابق أحد المعاني الصحيحة الداخلة في الآية، وليس هو كُلُّ المعنى، فإن لفظ الآية عام، يشمل (كلَّ مُبطِن كفرٍ، أو نفاق، أو كذب، أو إضرار، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك) (^٢)، وهو قول (قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء) (^٣)، وورد في سبب نزولها أقوال:\n_________\n(^١) جامع البيان ٢/ ٤٣٨.\n(^٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٩.\n(^٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":114},{"text":"- أنها نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ فأظهر الإسلام، وقال: والله يعلم إني لصادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فأحرق زرعهم، وعقر حُمُرَهم، فنَزلت فيه الآيات. ذكره السُّدي (ت: ١٢٨) (^١)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (ما ثبت قط أن الأخنس أسلم) (^٢).\n- وقيل نزلت في قومٍ من المنافقين تكلموا في السرية التي بعثها النبي ﷺ للرجيع، فأُصيبت، فقال رجالٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أَدَّوا رسالة صاحبهم، فنَزلت الآيات في صفات هؤلاء المنافقين، وفي الثناء على المُستَشهدين. ورُويَ هذا عن ابن عباس ﵁. (^٣)\nوفي قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]، ورد أنها نزلت:\n- في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة (ت: ١١٧) (^٤)، وهذا على رأي من جعل ما قبلها في الأخنس بن شريق (^٥)، أو في شهداء غزوة الرجيع (^٦).\n- وقيل في رجال من المهاجرين بأعيانهم، كصهيب بن سنان الرومي ﵁، قاله ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وأبو عثمان النهدي (^٧)\n_________\n(^١) جامع البيان ٢/ ٤٢٥.\n(^٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٩.\n(^٣) جامع البيان ٢/ ٤٢٦، وفي إسناده: محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق، وقد جعل ابن حجر روايته من قبيل المقبول، وقال السيوطي عن طريق ابن إسحاق عنه: (وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن). ينظر: التقريب (ص: ٨٩٤)، والعجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٥، والإتقان ٢/ ٣٧٥.\n(^٤) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.\n(^٥) المحرر الوجيز ١/ ٢٨١.\n(^٦) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.\n(^٧) عبد الرحمن بن مُِلّ- وقيل: مَلي- بن عمرو بن عديّ البصري، مخضرم مُعَمّر ثقة، من سادات العلماء العاملين، عاش مئة وثلاثين سنة، ومات سنة (١٠٠). ينظر: السير ٤/ ١٧٥، والبداية والنهاية ٩/ ١٦٢.","vol":"1","page":115},{"text":"(ت: ١٠٠)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وجماعة (^١). - وقيل فيه وفي أبي ذر الغفاري جندب بن السكن ﵁، ذكره عكرمة (ت: ١٠٥) (^٢).\nومن فَسَّرَ الآية الأولى بالعموم حمل هذه على العموم أيضًا، وهو الأصح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر؛ إذ كان غير مدفوع جواز نزول آيةٍ من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمَعنِيُّ بها كُلّ من شمله ظاهرها) (^٣).\nوذاكر سعيدٌ المقبري (^٤) (ت: ١٢٣) محمدَ بن كعب القُرَظي (ت: ١٠٨)، فقال سعيد: (إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﷿ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥])، فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزل في الرجل ثم تكون عامة بعد) (^٥)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا الذي قاله القُرَظِي حسنٌ صحيح). (^٦)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٥، ونسبه الثعلبي (ت: ٤٢٧) لأكثر المفسرين. ينظر: الكشف والبيان ٢/ ١٢٤.\n(^٢) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.\n(^٣) جامع البيان ٢/ ٤٣٩.\n(^٤) سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة فقيه، مات سنة (١٢٣). ينظر: الكاشف ١/ ٣٦١، والتقريب (ص: ٣٧٩).\n(^٥) حسنٌ لغيره، ينظر تخريجه ودراسته في الاستدراك رقم (٦٥) (ص: ٣١٩).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٢٣.","vol":"1","page":116},{"text":"ورجح العموم في الآية ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، وقال: (فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ﷿ وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته، فكلُّ من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها، أو استُقتِل وإن لم يقتل، فَمَعْنِيّ بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر). (^١)\nواختاره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤) (^٢)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) وقال: (والذي ينبغي أن يُقال: إنه تعالى لمَّا ذكر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة ٢٠٤]، وكان عامًّا في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عامًّا؛ من يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أيّ صعب كان، فكذلك المنافق مُدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء وحلاوة المنطق، وهذا باذل نفسه لله ولمرضاته، وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذُكِر من تعيين من عَيَّن، إنما هو على نحوٍ من ضرب المثال، ولا يبعُد أن يكون السبب خاصًّا، والمُراد عموم اللفظ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>ويستفاد من هذا الاستدراك:</span> أن السياق لا ينهض بتخصيص معنى الآية ما لم يكن صريحًا في ذلك، كما سبق في تفسير ابن عباس ﵁ للآية، وشأنه في ذلك شأن سبب النُّزول؛ إذ العبرة فيه بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\n* * *\n_________\n(^١) جامع البيان ٢/ ٤٣٩.\n(^٢) ينظر: بحر العلوم ١/ ١٩٧، وأحكام القرآن ١/ ١٩٢، والمحرر الوجيز ١/ ٢٨١، والتفسير الكبير ٥/ ١٧٥.\n(^٣) البحر المحيط ٢/ ١٢٧، وينظر كذلك للمناسبة بين الآيات: التفسير الكبير ٥/ ١٧٣.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>[١٥] ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤].</span>\nعن سعيد ابن مَرْجانة (^١) قال: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل) (^٢).\n_________\n(^١) سعيد بن عبد الله، أبو عثمان الحجازي، ومَرْجانة اسم أمه، ثقة فاضل، أدرك أبا هريرة وابن عمر وابن عباس ﵃، مات سنة (٩٧). ينظر: الكاشف ١/ ٣٧٢، والتقريب (ص: ٣٨٧).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣/ ١٩٤ (٥٠٦٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره مُختصرًا ٢/ ٥٧٨ (٣٠٨٧، ٣٠٩٠)، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣١٦ (١٠٧٦٩ - ١٠٧٧٠)، والبيهقي في الشعب ١/ ٢٩٧ (٣٢٩)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ١٢٧ لعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه. من طريق الزهري، عن سعيد ابن مرجانة.\nوإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٦٧٠. وابن حجر في الفتح ٨/ ٥٤، وله طرق أُخرى صحيحة:\n- عن مجاهد، عن ابن عباس. كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٠ (٣٧٤)، وأحمد ١/ ٣٣٢ (٣٠٧١)، وابن جرير ٣/ ١٩٥ (٥٠٦٩)، وابن المنذر في تفسيره ١/ ٩٦ (١٦٩)، وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٦٧٠، وأصله في صحيح مسلم ١/ ٣١٠ (١٢٦). ينظر: فتح الباري ٨/ ٥٤.\n- وعن الزهري، عن ابن عمر. فيما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ (٣٦٦)، والجصاص في أحكام القرآن ١/ ٦٥٠، وإسناده صحيح.\n- وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه. كما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٢٢٥ (٣٥٥٢٨)، وابن جرير ٣/ ١٩٦ (٥٠٧٠)، والنحاس في ناسخه (ص: ٨٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٥ (٣١٣٣) وصححه، وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٦٧٠.","vol":"1","page":118},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-70> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا فهم ابن عمر ﵁ هذه الآية على العموم، بلغت من نفسه ما بلغت من الصحابة ﵃ قبل ذلك حين أُنزلت، إذ فهموا منها عموم المحاسبة على كلِّ واردٍ على النفس حتى ما يعرض فيها من الوسوسة والخواطر التي لا حيلة لهم فيها، ولا طاقة لهم بها، فكان ابن عمر ﵁ يبكي عند قراءة هذه الآية؛ خوفًا من المؤاخذة على كلِّ ذلك، فأَخبَر ابنُ عباسٍ ﵁ أن ما وجده ابن عمر قد وجده مَنْ قبله، وأن الله تعالى خفف عنهم بالآية بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فكانت الوسوسة من المعفِي عنه يوم القيامة (^١)؛ لأنها ممَّا لا طاقة للمسلمين بها، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (فلمَّا كان اللفظ ممَّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر؛ أشفق الصحابة والنبي ﷺ، فبيَّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصَها، ونَصَّ على حكمه أنَّه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوُسع، بل هو أمر غالب، وليست ممَّا يُكسَب ولا يُكتَسب، وكان في هذا البيان فرحُهم وكشفُ كربهم) (^٢)، وهذا المعنى هو ما عبَّرَ عنه ابن عباس ﵁ في رواية مجاهد بقوله: (فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة ٢٨٥] إلى ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]، فتُجُوّزَ لهم عن حديث النفس، وأُخِذوا بالأعمال). فَسَمَّى ابنُ عباس ﵁ بيان الآية الثانية للأولى نسخًا، كما ورد ذلك عن عائشة، وأبي هريرة،\n_________\n(^١) قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذه الوسوسة هي ممَّا يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان، وقد خاف من خاف من الصحابة العقوبة على ذلك فقال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]). مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٨.\n(^٢) المحرر الوجيز ١/ ٣٩٠، وينظر: البحر المحيط ٢/ ٣٧٦.","vol":"1","page":119},{"text":"وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وكعب الأحبار (ت: ٣٢)، وسعيد بن جبير (^١) (ت: ٩٥)، والشعبي (ت: ١٠٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، وابن سيرين (ت: ١١٠)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (^٢)، وهذا على عادة السلف في تسمية ما يُبيّن الآية ويوضِّحها ويزيل الإيهام الواقع في النفس من فهم معناها نسخًا (^٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (النسخ عندهم- أي: السلف- اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل، وإن كان ذلك المعنى لم يُرَد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية، بل قد لا يُفهَم منها، وقد فهمه منها قوم، فيُسَمُّون ما رفع ذلك الإبْهام والإفهام نسخًا، وهذه التسمية لا تُؤخَذ عن كل واحد منهم) (^٤)، وقال: (وفصل الخطاب: أن لفظ \"النسخ\" مجمل؛ فالسلف كانوا يستعملونه فيما يُظَن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك) (^٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (النسخ عند الصحابة والسلف أعمُّ منه عند المتأخرين، فإنهم يريدون به ثلاثة معان: أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب. الثاني: رفع دلالة الظاهر، إمَّا بتخصيص، وإمَّا بتقييد، وهو أعمُّ مما قبله. الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه مِنْ خَارج، وهذا أعمُّ من المعنيين الأَوَّلَيْن) (^٦)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (وقد يكون مرادهم بالنسخ: البيان\n_________\n(^١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد الكوفي، المُقرئ المفسر الفقيه، أحد أئمة التابعين، ومن أشهر تلاميذ ابن عباسرضي الله عنه، قتله الحجاج سنة (٩٥). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤٨٥، والسير ٤/ ٣٢١.\n(^٢) ينظر: الناسخ والمنسوخ، لقتادة (ص: ٣٧)، وجامع البيان ٣/ ١٩٣، وتفسير ابن المنذر ١/ ٩٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٧٠، ومجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٠.\n(^٣) ينظر: الإحكام، لابن حزم ٤/ ٤٧٥، والموافقات ٣/ ٣٤٤،.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٩.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١. وينظر: ١٣/ ٢٧٢.\n(^٦) زاد المعاد ٥/ ٥٣١، وينظر: إعلام الموقعين ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":120},{"text":"والإيضاح؛ فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا) (^١).\nوفي خصوص هذه الآية قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنىً، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٨٤] الآية، إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، يقتضي أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب، لا إلى غيره) (^٢)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (وقد سمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخًا، ومُرادهم: أن هذه الآية أزالت الإيهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبيَّنت أن المُراد بالآية الأولى: العزائم المُصَمَّمُ عليها، ومثل هذا البيان كان السلف يُسَمُّونَه نسخًا) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-71> الحكم على الاستدراك:</span>\nما فهمه ابن عمر ﵁ من هذه الآية هو ما فهمه الصحابة ﵃ من قبل، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسول الله: كُلِّفنا من الأعمال ما نُطِيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا\n_________\n(^١) كتاب التوحيد (ص: ٤٦)، وبِهذا يُعلم خطأ الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٦٥١ حين قال: (وإنما قول من رُويَ عنه أنها منسوخة؛ فإنه غلطٌ من الراوي في اللفظ). وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١.\n(^٣) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٢٤.","vol":"1","page":121},{"text":"غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله ﷿ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم) (^١). وفي رواية: (قد فعلت) (^٢). وهذا على عادتهم ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ، وقد صَحَّ فهمهم ذلك في أوّل الأمر؛ إذ أمرهم رسول الله ﷺ أن يُسَلِّموا ويطيعوا، فلمَّا كان ذلك منهم خَفَّفَ الله عنهم، وأزال ما في نفوسهم من مشقة بالآيات بعدها؛ بصبرهم وتسليمهم. وإذا عُلِمَ معنى \"النسخ\" عند السلف كما تقدم، فإن قول ابن عباس ﵁ في معنى الآية وهو: أن الإنسان مُحاسبٌ على قوله وفعله وما عزم عليه بقلبه، وتقرر في نفسه، واستُصحِبَت الفكرة فيه، دون ما عرض له من الوساوس والخطرات؛ فإنها ليست من كسبه، ولا في وُسعه = هو الراجح، ويدلُّ على صحته أمور:\nالأول: أن للقلب كسبًا وعملًا يُحاسَب عليه الإنسان، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، وقوله ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]، ونحوها من الآيات (^٣)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمُؤاخذة بعزم القلب المستقر) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٠٩ (١٢٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣١٠ (١٢٦).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٦٥١، والكشف والبيان ٢/ ٣٠٠.\n(^٤) شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":122},{"text":"الثاني: أن المذكور في الآية هو الحساب وليس العقاب، وكلُّ عمل الإنسان محصِيٌ عليه في الدنيا، وقد أخبر الله عن المجرمين يوم القيامة قولهم ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف ٤٩] (^١)، (وأكّدَ وقوع المحاسبة إيراد الكلام في قالب الشرط؛ الحاكم بتَحَتُّم الجزاء، زجرًا للعبيد عن إلقاء النفس في ورطة المخالفة، وحَثًّا على الموافقة، وفي ذلك -مع إسناد المحاسبة إليه المُؤذن بالاعتناء بها- إرعاب للقلوب، وتخويف العبد من اقتراف الذنوب، فإن مُتَوَلِّي المحاسبة لا يحتجب عن علمه مثاقيل الذَّر، ولا يستعصي عليه أمر) (^٢)، وليس يلزم من محاسبة المؤمنين أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب مُؤاخذين؛ (لأن الله ﷿ وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنْزيله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٣١]، فدَلَّ أن مُحاسبة الله عباده المؤمنين بما هو مُحاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مُحاسبته إياهم إن شاء الله عليها لِيُعَرِّفَهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها) (^٣)، كما في حديث المناجاة الذي رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كَنَفَه فيقرره بذنوبه: (تعرف ذنب كذا؟) يقول: أعرف. يقول: رب أعرف. مرتين، فيقول: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمُنافقون، فيُنَادَى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]) (^٤)، وهو ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]. (^٥)\n_________\n(^١) جامع البيان ٣/ ٢٠٢، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٩، ومجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١، ١٣٣.\n(^٢) المواهب المُدَّخرة في خواتيم سورة البقرة (ص: ٥٢)، وينظر: المحرر الوجيز ١/ ٣٨٩.\n(^٣) جامع البيان ٣/ ٢٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٠٤ (٤٦٨٥)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٣٨ (٢٧٦٨).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٣/ ٢٠٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٧١.","vol":"1","page":123},{"text":"الثالث: موضوع السورة، وسياق الآيات، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ولمَّا كان تصرُّفه سبحانه في خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان، وهو تصرف بخلقه وأمره، وأخبر أن ما في السموات وما في الأرض ملكه، فما تصَرَّف خلقًا وأمرًا إلا في ملكه الحقيقي، وكانت سورة البقرة مشتملة من الأمر والخلق على ما لم يشتمل عليه سورة غيرها؛ أخبرنا تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فهذا متضمنٌ لكمال علمه سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السموات والأرض عن ملكه، فعلمه عام وملكه عام. ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك؛ وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم وتعريفهم إياه، ثم قال ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك قيامَه عليهم بالعدل والفضل، فيغفر لمن يشاء فضلًا، ويعذب من يشاء عدلًا، وذلك يتضمن الثواب والعقاب، المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة والنبوة، ثم قال تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته البتة وأن كل مقدور واقع بقَدَرِه). (^١)\nالرابع: ورود معناه في السنة الصحيحة، فعن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك: فمن هَمَّ (^٢) بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها وعملها، كتبها الله له\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٣١، وينظر: التفسير الكبير ٧/ ١٠٨، والبحر المحيط ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الهَمَّ الذي يُؤاخذ عليه العبد، وهو ما صار عزمًا، ولا يصير الهَمُّ عزمًا حتى يقترن به قولٌ أو فعل. ينظر: مجموع الفتاوى ١٤/ ١٢٢.","vol":"1","page":124},{"text":"عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة) (^١).\nالخامس: كما يشهد له ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عمَّا وَسْوَسَت- أو: حدثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم) (^٢).\nويلخص ذلك ابن تيمية (ت: ٧٢٨) فيقول: (وقد عرفتَ بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها، وهي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده: بيانُ معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخًا) (^٣).\nوقد اتفقت على هذا المعنى للآية كلمةُ من سبق ذكرهم في القول بالنسخ في الآية، وكذلك من قال بأنها لا نسخ فيها- كابن عباس في رواية ابن أبي طلحة (^٤) (ت: ١٤٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) (^٥)؛ لاختلاف القضية في الآيتين، فالأولى في إثبات الحساب على كل ما يظهر ويخفى من عمل العبد وكسبه، والثانية في نفي التكليف بما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٣٣١ (٦٤٩١)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣١٣ (١٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٥٥٧ (٦٦٦٤)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣١١ (١٢٧)، واللفظ للبخاري.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٣٣.\n(^٤) علي بن أبي طلحة سالم، مولى بني العباس، سكن حمص، واشتهرت صحيفته عن ابن عباس في التفسير، واحتج بها العلماء، ولم ير ابنَ عباس، وبينهما مجاهد أو سعيد بن جبير، صدوق، أخرج له مسلم حديثًا واحدًا، والبخاري لا يُسَميه وإنما يُعلق عن ابن عباس بِما هو من طريقه، توفي سنة (١٤٣). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٨٧، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٧١، والتقريب (ص: ٦٩٨)، والعجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٧.\n(^٥) جامع البيان ٣/ ١٩٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٧٢.","vol":"1","page":125},{"text":"لا وُسع لهم به، أو كان نفيُ من نَفَى منهم النسخ؛ لأنه في الأخبار، وهي ممَّا لا يدخله النسخ-؛ فإن كلاهُما ذهب إلى عموم المُحاسبة، واختلفت ألفاظهم في النسخ، وقد بَيَّنَّا مُراد كُلٍّ بذلك. وهذا ممَّا يُفسِّر تكرر الرواية عن بعض السلف في هذه الآية، مَرَّةً بإثبات النسخ، وأُخرى بنفيه، كما رُويَ عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ (^١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠).\nوقد جمع ابن تيمية (ت: ٧٢٨) بين أقوال المفسرين في هذه الآية فقال: (وكلام السلف يوافق ما ذكرناه، قال ابن عباس: (هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يقول إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، وهو قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]) (^٢)، وقد رُويَ عن ابن عباس: (أنها نزلت في كتمان الشهادة) (^٣)، ورُويَ ذلك عن عكرمة، والشعبي (^٤)، وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب، وذلك ككتمان العيب الذي يجب إظهاره، وكتمان العلم الذي يجب إظهاره، وعن مجاهد: (أنه الشك واليقين)، وهذا أيضًا من باب ترك الواجب؛ لأن اليقين واجب، ورُويَ عن عائشة: (ما أعلنت فإن الله يحاسبك به، وأمَّا ما أخفيت، فما عُجِّلت لك به العقوبة في الدنيا)، وهذا قد يكون مما يعاقب فيه العبد بالغم، كما سُئِلَ سفيان بن عيينة عن غمٍّ لا يعرف سببه؟ قال: هو ذنب هممت به في سِرِّك ولم تفعله فجزيت همًا به. فالذنوب لها عقوبات، السرُّ بالسرِّ، والعلانية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٣ (٤٥٤٥).\n(^٢) جامع البيان ٣/ ١٩٩ (٥٠٨٣).\n(^٣) جامع البيان ٣/ ١٩٢ (٥٠٦٢).\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٩٣.","vol":"1","page":126},{"text":"بالعلانية، ورُوىَ عنها مرفوعًا قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]؟ فقال: (يا عائشة هذه معاتبة الله العبدَ مما يصيبه من النكبة والحمى حتى الشوكة، والبضاعة يضعها في كُمِّه فيفقدها، فيروع لها، فيجدها في جيبه، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكِير) (^١)، قلت: هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يُعاقَب به المؤمن في الدنيا، وليس فيه أن كلَّ ما أخفاه يعاقب به، بل فيه أنه إذا عوقب على ما أخفاه عوقب بمثل ذلك، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة) (^٢).\nواختار هذا المعنى أيضًا ابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والماوردي (ت: ٤٥٠)، ونسبه للجمهور، والواحدي (ت: ٤٦٨) (^٣)، ونسبه للمُحَقِّقين، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، والشاطبي (ت: ٧٩٠). (^٤)\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ٥/ ٢٢١ (٢٩٩١)، وأحمد ٦/ ٢١٨ (٢٥٨٧٧)، وابن جرير ٣/ ٢٠٢ (٥٠٩٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ١١٠.\n(^٣) شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٤، ولم أجده في تفسيريه: الوسيط، والوجيز، فلعلَّه في البسيط.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٣/ ٢٠٢، وأحكام القرآن ١/ ٦٥١، والكشف والبيان ٢/ ٣٠٢، والنكت والعيون ١/ ٣٦٠، ٣٦٢، والكشاف ١/ ٣٢٥، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٩، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٩، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٧٢ ووالتسهيل ١/ ٢٣١، والبحر المحيط ٢/ ٣٧٦، والموافقات ٣/ ٣٥٠.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>[١٦] ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ٩٣].</span>\nعن عبد الله بن عامر بن ربيعة (^١): (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون (^٢) على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود (^٣) سيد عبد القيس على عمر ﵁ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًا من حدود الله حقًا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر: لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ\n_________\n(^١) عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي، حليف بني عَديّ، أبو محمد المدني، تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين، وُلدَ على عهد النبي ﷺ، ولأبيه صحبة، مات سنة بضع وثمانين. ينظر: الكاشف ٢/ ٩٩، والتقريب (ص: ٥١٧).\n(^٢) قُدَامة بن مظعون بن وهب بن حُذَافة بن جُمَح، أبو عمرو القرشي أخو عثمان بن مظعون، من السابقين الأوَّلين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كُلَّها مع النبي ﷺ، توفي سنة (٣٦). ينظر: السير ١/ ١٦١، والإصابة ٥/ ٣٢٢.\n(^٣) الجارود بن المعلى وقيل ابن عمرو العبدي، أبو المنذر، سيد عبد القيس، أسلم سنة عشر، وفرح النبي ﷺ بإسلامه، صاهر أبا هريرة، وكان معه في البحرين، توفي سنة (٢١). ينظر: الإصابة ١/ ٥٥٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٨٧.","vol":"1","page":128},{"text":"عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ .. الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ٩٣]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٩/ ٢٤٠ (١٧٠٧٦)، من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن طريقه البيهقي في السنن ٨/ ٣١٥ (١٧٢٩٣). وأخرجه البخاري في صحيحه مُختَصَرًا ٧/ ٣٧١ (كتاب ٦٤ - المغازي، باب ١٢، برقم: ٤٠١١)، من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به. قال ابن حجر: (ولم يذكر البخاري القصة؛ لكونها موقوفةً ليست على شرطه؛ لأن غرضه ذكر من شهد بدرًا فقط). الفتح ٧/ ٣٧٠، وينظر: الإفصاح، لابن هبيرة ١/ ١٨٠. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٢٠٢ (٦٧٧٧)، وأخرجه البرقاني في مُستَخرجه على الصحيح، كما ذكر ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٢٧، والحُميدي في الجمع بين الصحيحين، كما في الإفصاح، لابن هبيرة ١/ ١٨١، وأبو عليّ بن السَّكَن، كما ذكره ابن حجر في الإصابة ٥/ ٣٢٤.\nوأخرجه مالك في الموطَّأ ٢/ ٨٤٢ (١٥٣٣)، ومن طريقه الشافعي في مسنده ١/ ٢٨٦، عن ثور بن زيد، عن عمر بن الخطاب، وهو مُعضَل، ووصله النسائي في الكبرى ٣/ ٢٥٣ (٥٢٨٩)، والدارقطني في سننه ٣/ ١٦٦ (٢٤٥)، والحاكم في مستدركه ٤/ ٤١٧ (٨١٣٢)، والطبراني في الأوسط ٩/ ١٣٨ (٩٣٤٩)، والبيهقي في السنن ٨/ ٣٢٠ (١٧٣٢١ - ١٧٣٢٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ١٤٧ لأبي الشيخ، وابن مردويه، من طريق يحيى بن فليح، عن ثور بن زيد الدَّيْلي، عن عكرمة، عن ابن عباس. والخبر صحيح بطُرُقه، وينظر في بيانها: فتح الباري ١٢/ ٧١، وتلخيص الحبير ٤/ ٧٥، والإصابة ٥/ ٣٢٤، والمغني ١٢/ ٤٩٩ ط/ التركي.\nوإسناده صحيح، ورِجال عبد الرزاق رِجال الصحيحين، وصححه الحاكم، وابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":129},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-73> تحليل الاستدراك:</span>\nورد في رواية ابن عباس ﵁ لهذه القصة: (أن الشُّرَّاب كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال وبالعصي، حتى توفي رسول الله ﷺ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثرَ منهم في عهد رسول الله ﷺ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، فكان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، ثم أُتيَ برجل من المهاجرين الأولين (^١) وقد شرب، فأمر به أن يُجلَد، فقال: أتَجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. فقال عمر: أفي كتاب الله تجدُ ألا أجلدك؟ فقال: إن الله تعالى يقول ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله بدرًا، وأحدًا، والخندقَ، والمشاهد كلها. فقال عمر: ألا تَردُّون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحجةً على الناس؛ لأن الله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ .. [المائدة ٩٠] الآية- ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى-، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإن الله تعالى قد نهاه أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى\n_________\n(^١) هو قدامة بن مظعون، كما صرَّحت به رواية النسائي ٣/ ٢٥٣ (٥٢٨٩)، وينظر: تفسير القرطبي ٦/ ١٩٢، والمُنتَقى من منهاج الاعتدال (ص: ٣٦٧).","vol":"1","page":130},{"text":"افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين. فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة) (^١).\nوما حصل لقُدامة ﵁ في هذه الرواية، حصل مثله لبعض الصحابة ﵃، فعن علي ﵁: (أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ شربوا الخمر بالشام (^٢)، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ فقالوا: نعم؛ لقول الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] حتى فرغوا من الآية، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارًا، فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلًا، فلا تنظر بهم النهار حتى تبعث بهم إليّ؛ لا يفتنوا عباد الله. فبعث بهم إلى عمر، فلمَّا قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة ٩٠] إلى آخر الآية. قالوا: اقرأ التي بعدها ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]. قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض. قال فجلدهم ثمانين ثمانين) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر تخريج الاستدراك.\n(^٢) منهم: عمرو بن معدي كرب، وأبو جندل بن سهيل ﵃. ينظر: المغني ١٢/ ٩٩، وبدائع الفوائد ٣/ ٩٢.\n(^٣) أخرجه أحمد في أحكام النساء (ص: ٧٢) - بواسطة: مرويات الإمام أحمد في التفسير ٢/ ٧٨ -، من طريق عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن علي. وأخرجه ابن حزم في المحلى ١٣/ ١٣٦، عن عطاء بن السائب، عن جحادة بن دثار. ولعلها تصحَّفَت من «محارب». وابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٥٠٣ (٢٨٤٠٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٥٤، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي. وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في «أحكام القرآن» كما ذكره الشاطبي في الاعتصام (ص: ٣٢١)، والموافقات ١/ ٢٧٢، و٤/ ١٥٠، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ١٥٩ لابن المنذر، وإسناده لا بأس به.","vol":"1","page":131},{"text":"فتلَخَّصَ من مجموع الروايات السابقة، أن قُدامة ﵁، ومن فهم فهمه من الصحابة، أخذوا من الآية: جوازَ شُرب الخمر لِمَنْ اتَّقَى وآمن وعمل صالحًا. وأظهرُ ما كانت تلك الصفات في قُدامةَ ﵁؛ من السابقة في الإسلام، وشهود الهجرتين، وحضور المشاهد كُلِّها مع رسول الله ﷺ. وهم في ذلك آخِذون بمعنىً تحتمله الآية، وتبادر لهم منها.\nوكان بيان عمر وابن عباس ﵃ لهذه الشبهة أحسنَ بيان؛ إذ نَبَّه عمرُ ﵁ قُدامةَ إلى أمرٍ غفلَ عنه في الآية، وهو أنه لو اتَّقَى الله تعالى حقيقةً لَمَا شرب الخمر، وهذا تحقيق للفظ الآية، واستيعاب لمعناها، وحقيق بمثل عمر ﵁ أن يفهم هذا الفهم؛ فهو المُحَدَّثُ المُلهَم.\nثم كان بيان ابن عباس ﵁ أكثر استيعابًا وشمولًا؛ إذ انطلق من لفظ التقوى الشامل الذي تحدث عنه عمر، إلى سياق الآية وسبب نزولها، وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵁ بقوله: (إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحُجَّةً على الناس- وفي لفظ: عُذرًا للماضين، وحُجَّة على الباقين).\nفقوله: (وحُجَّةً على الناس - وفي لفظ: وحُجَّةً على الباقين) تنبيه إلى سياق الآية، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين في أوَّل الآيات بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، مع تعداد أعظم مفاسدها، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ .. [المائدة ٩٠] الآية، ثم خاطب المؤمنين بعد ذلك برفع الجُناح عمَّن طَعِمَ سوى ما حَرَّم الله تعالى، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، وبالأخص ما ذُكِرَ تحريمه قبل هذه الآية مِمَّا يُطعَم، وهو: الخمر والميسر. فلو تنبَّه قُدامة وغيره ﵃ لهذا السياق لعلموا أن المُباح ما سِوى ذلك المُحَرَّم. وفي قوله ﵁: (إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، - وفي لفظ: عُذرًا للماضين)، تنبيه إلى سبب نزول الآية، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنت ساقي القوم يوم حُرِّمَت الخمر في بيت","vol":"1","page":132},{"text":"أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ (^١)؛ البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمَت. قال: فَجَرَت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرِقْهَا. فَهَرَقْتُها، فقال بعض القوم: قد قُتِلَ قومٌ وهي في بطونهم. فأنزل الله ﷿ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة ٩٣]). (^٢)\nثم نجد كذلك إشارة تفسيرية من علي ﵁ في هذه الآية، وذلك في جوابه لعمر ﵁، لَمَّا سأله عن رأيه فيهم فقال: (أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه)؛ لأنهم بقولهم هذا يُحِلُّون ما حرَّم الله تعالى، ويُبطِلون حكم الله تعالى الصريح في تحريم الخمر، وتشريع الحدِّ عليه، على لسان رسوله ﷺ؛ إذ مُؤَدَّى كلامهم: لا حَدَّ في الخمر؛ فإنه لو كان من شرب الخمر، واتقَى الله في غيره لا يُحَدّ على الخمر ما حُدَّ أحد. فصار المعنى عند عليٍّ ﵁ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] ممَّا أحلَّ الله لهم. والله أعلم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-74> الحكم على الاستدراك:</span>\nما فهمه قُدامة ومَن معه مِنْ الصحابة ﵃ وإن كان هو المُتَبادر لهم من الآية، إلا أنه باطل بدلالة نفس الآية على ذلك، وبدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وبإجماع الصحابة ﵃ على تخطِئَتِهم. فقد اقترن رفع الجُناح عن الذين آمنوا فيما طَعِموا، بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ومن تمام معاني هذه الألفاظ اجتناب ما حَرَّم الله تعالى فيما يُطعَم، ومنه الخمر. وهذا ما أجاب به عمر وابنُ عباس ﵃.\n_________\n(^١) هو البُسر والتمر يُشدَخ ويُفضَخ ويُنبَذ في الماء. مشارق الأنوار ٢/ ٢٦٨، والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٤٠٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٢٨ (٤٦٢٠)، ومسلم في صحيحه ٥/ ١٢٩ (١٩٨٠)، ورُويَ مثله عن ابن عباس، وجابر، والبراء بن عازب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٥٨٣.","vol":"1","page":133},{"text":"وقد سبق ذكر دلالة السياق وأنها خاطبت المؤمنين بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، ثم خاطبتهم بنفي الجناح فيما طَعِموا، ولا شَكَّ في استثناء الخمر منه. وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵁.\nودليلٌ آخرَ هو من أقوى أَدِلَّة بُطلان ما تأوَّلَه قُدامة وغيره ﵃، وهو سبب نزول هذه الآيات، وقد مَرَّت إشارة ابن عباس ﵁ إليه، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (ففي الحديثين- حديث عبد الله بن عامر، وابن عباس- بيان أن الغفلة عن أسباب التنْزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات). (^١)\nوحيث قد اشتهر تحريم الخمر على عهد رسول الله ﷺ، وأراقها الناس في طرقات المدينة، وحَدَّ رسولُ الله ﷺ من شربها، وأجمع الصحابة على ذلك (^٢)؛ فإن القول بإباحتها لمن اتَّقَى مُفَضٍ إلى إبطال جميع ذلك. وهو ما أشار إليه علي ﵃.\nوقد ورد في السنة إشارةٌ إلى أن الظاهر الذي فهمه قدامة ومن معه غير مُرَاد، وذلك في قوله ﷺ لابن مسعود حين نزلت هذه الآية: (قيل لي أنت منهم) (^٣)، ولم يقع من ابن مسعود ﵁ شيءٌ ممَّا فهمه قدامة ﵁ من هذه الآية، فصار انطباق الآية على حال ابن مسعود من جهة المعنى السياقي الكامل الذي ذهب إليه عمر وعلي وابن عباس ﵃.\nوقد لَخَّصَ بعض ما سبق الإمام الشاطبي (ت: ٧٩٠) بقوله عن هذه الآية: (فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخولَ كلِّ مطعوم، وأنه لا جُناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جُملته الخمر، لكنَّ هذا الظاهر يُفسِدُ جَرَيَان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لمَّا حَرَّم\n_________\n(^١) الموافقات ٤/ ١٥١، وينظر منه: ٤/ ١٤٦، ٢٦٠.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٣، وشرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٤٦، وفتح القدير ٢/ ١٠٥.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ١٣ (٢٤٥٩).","vol":"1","page":134},{"text":"الخمر قال ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣] فكان هذا نقضًا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معًا؛ فلا يُمكن للمُكَلَّف امتثال. ومن هُنا خَطَّأ عمرُ بن الخطاب من تأوَّلَ في الآية أنَّها عائدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ من التحريم في الخمر، وقال له: (إذا اتَّقَيت اجتَنَبتَ ما حرَّم الله)، إذ لا يَصِح أن يُقال للمكلَّف: (اجتَنب كذا)؛ ويُؤَكَّد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدًّا، ثم يُقال: (فإن فعَلتَ فلا جُناح عليك)، وأيضًا فإن الله أخبر أنها تصُدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء بين المُتَحابَّين في الله، وهو بعد استقرار التحريم كالمُنافي لقوله ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة ٩٣]، فلا يُمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شُربَت؛ لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يُطاق) (^١).\nوبهذا ينحصر الصواب من معنى الآية في أنه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] ممَّا أحلَّ الله لهم، بعد تحريم الخمر، ولم يقربوا ما حَرُمَ عليهم، ومن مات قبل تحريمها وقد شربها فلا جُناح عليه.\nوهو المعنى الجامع لأقوال الصحابة ﵃ عمر وعلي وابن عباس، وهم من أعلم الصحابة بالتفسير- كما سبق، ومن ثَمَّ تكون هذه الآية مُتَّصِلة بالآية قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة ٨٧]. وشَبَّهَها الشافعي (ت: ٢٠٤) بقوله تعالى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، ولدلالة \"إذا\" فيها على المستقبل، كما سيأتي عن النحاس (ت: ٣٣٨).\nوقيل بعكس ذلك، وهو أن المُراد: فيما طَعِموا قبل تحريمها- بحسب سبب النُّزول-، ثم المُباحات من المطعومات بعد ذلك من صور العموم الداخلة في الآية. ونسبه ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) لابن عباس والجمهور (^٢)، واستظهره\n_________\n(^١) الموافقات ١/ ١٥٧.\n(^٢) زاد المسير (ص: ٤٠٦)، وينظر: جامع البيان ٧/ ٥٢.","vol":"1","page":135},{"text":"أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^١).\nوالأوّل أرجح؛ لاعتماد الصحابة عليه في البيان، كما في جواب ابن عباس ﵁ لعمر، إذ جعل سبب النُّزول من الأوجه التي تبين المُراد، ولم يقتصر عليه في البيان، فهو تابعٌ للمعنى العام الذي استدل له بالسياق وبحقيقة اللفظ- كما فسره عمر- وأشار إلى سبب النُّزول بين ذلك. ولِما استقر من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهو الحق (^٢). واختاره الشافعي (ت: ٢٠٤) (^٣)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (هذا أحسن من الأوَّل؛ لأن فيها ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣]، و\"إذا\" لا تكون للماضي، فالمعنى على هذا- والله أعلم-: للمؤمنين قبلُ وبعدُ على العموم) (^٤)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، والطوفي (ت: ٧١٦) (^٥)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (^٦)، وأبو السعود (^٧) (ت: ٩٨٢)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (^٨).\n_________\n(^١) البحر المحيط ٤/ ١٨.\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير ٧/ ٣٤.\n(^٣) أحكام القرآن، جمع البيهقي ٢/ ١٨٥.\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٣٥٨، وينظر: إعراب القرآن ١/ ٢٨١.\n(^٥) ينظر: الكشاف ١/ ٦٦٢، وأحكام القرآن ٢/ ١٢٦، ١٢٨، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٨٥، والإشارات الإلهية ٢/ ١٣٧.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٥٣، وفي ١١/ ٤٠٣ فسَّرَها بالمعنى الثاني على سبب النُّزول، مع ذِكره لقصة قُدامة وجواب عمر له.\n(^٧) محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، أبو السعود الحنفي، مفسر فقيه شاعر، صَنَّف تفسيره: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة (٩٨٢). ينظر: شذرات الذهب ١٠/ ٥٨٤، والكواكب السائرة ٣/ ٣٥.\n(^٨) ينظر: إرشاد العقل السليم ٣/ ٧٧، وفتح القدير ٢/ ١٠٥.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>وممَّا أفاده هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: بيان تفاوت الصحابة ﵃ في العلم والفقه.\nثانيًا: أن أهل العلم بتفسير كلام الله تعالى هم أولى الناس بالدفاع عنه، وكشف ما اشتبه منه على الناس، وهو ما كان من ابن عباس وعلي ﵃ حين دعا عمرُ الصحابةَ لإبطال هذه الشبهة.\nثالثًا: (أنه ليس لكل أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه، ألا ترى عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لَمَّا احتج عليه بالآية، فقال له: (لو اتقيت لاجتنبت ما حَرَّم الله عليك) (^١).\nرابعًا: أبانت هذه الرواية عن غرض مُهِمٍّ من أغراض الاستدراكات في التفسير؛ وهو: كشف ما اشتبه معناه على الناس، وإقامة الناس على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-76>[١٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٥].</span>\nعن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: إن ابن مسعود ﵁ لا يُوَرِّث الموالي دون ذوي الأرحام، ويقول: إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. فقال ابن عباس: (هيهات هيهات، أين ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]. يعني: أنه يورِّث المولى) (^٢).\n_________\n(^١) الإفصاح، لابن هبيرة ١/ ١٨٣ بتصرف يسير.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٧٤٣ (٩٢٠٩)، عن القاسم بن أبي بكر، عن ابن عباس. والحاكم في مستدركه ٤/ ٣٨٢ (٨٠٠١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوأخرج آخره عن ابن عباس أبو داود في السنن ٣/ ١٢٩ (٢٩٢٤)، والبيهقي في السنن ٦/ ٢٦٢ (١٢٣٠٧ - ١٢٣٠٩)، وإسناده حسن.\nوإسناده حسن. وصححه الحاكم.","vol":"1","page":137},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-77> تحليل الاستدراك:</span>\nأخذ ابنُ مسعود ﵁ من هذه الآية: تقديمَ ذوي الأرحام على المولى المُعتِق في إرث العتيق، مُعتَمِدًا في ذلك على مُطلَقِ تقديم ذوي الأرحام على غيرهم في ظاهر قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]. والظاهر أن مُراد ابن مسعود ﵁ من ذلك حرمان المولى المُعتِق من إرث العَتيق، فإن هذا الذي يستوجب الإنكار الصريح من ابن عباس ﵁، كما أنه تفسير الراوي الذي شهد سياق الموقف، وهو أولى ممَّا سواه من الفهم المعتمد على لفظ الخبر، حين عَبَّرَ عن جواب ابن عباس بقوله: (يعني أنه يُوَرِّث المولى)، فيقابله قول ابن مسعود في عدم توريث المولى، ثم إن توريث المولى مع ذوي الأرحام- لو فُهِمَ من كلام ابن مسعود- ليس بمحل خلاف بين الصحابة، ولا يُنكِر عليه فيه ابنُ عباس، وإنما المُخالف لقولهم كما سيأتي: عدم توريث المولى من عتيقه (^١)، قال الجصاص (ت: ٣٧٠): (وذهب عبدُ الله بن مسعود ﵁ إلى أن ذوي الأرحام أولى من مَولى العِتَاقة، واحتَجَّ فيه بظاهر الآية) (^٢)، وقول ابن مسعود هذا مَبنيٌّ على أن المُراد ب\"أولي الأرحام\" في هذه الآية المعنى الخاص في علم الفرائض، وهم: القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة.\nفَلَمَّا أُخبِر ابن عباس ﵁ بقول ابن مسعود هذا استنكره، وقال: (هيهات هيهات، أين ذهب؟)، ثم استدلَّ على بُعدِه بقوله: (إنما كان المهاجرون يتوارثون\n_________\n(^١) نقل النووي الإجماع على ثبوت الولاء لمن أعتق. شرح مسلم ٤/ ١١٠، وينظر: الإجماع، لابن المنذر (ص: ١٣٠)، وموسوعة الإجماع ٣/ ١١٢١.\n(^٢) أحكام القرآن ٣/ ٩٩.","vol":"1","page":138},{"text":"دون الأعراب، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] الآية)، وهذا استدلالٌ منه بسبب نزول الآية، مُستَشهدًا به على إرث مولى العِتاقة من المُعتَق، وبذكره لسبب النُّزول هذا أخرَجَ الآية من المعنى الخاص ل\"ذوي الأرحام\" في علم الفرائض، إلى المعنى العام لها، فلا يُستَدَل بها على ما ذكره ابن مسعود ﵁.\nفإن قيل: فمن أين أثبت ابنُ عباس ﵁ استحقاق المولى للإرث من المُعتَق، مادامت هذه الآية ليست في سياق قسمة الفرائض؟\nفيُقال: يُستفاد ذلك من إبطال ابن عباس لدليل عدم توريث المولى؛ فيبطُلُ به المنع، ويثبُت به مُقابله وهو: توريث المولى.\nفيتلَخَّص عن ابن عباس ﵁ في هذه الرواية أمران:\nالأول: أن الآية في ذوي الأرحام بالمعنى العام، وهم: جميعُ القرابات، وهذا واضح من ذكره لسبب النُّزول.\nالثاني: أن مولى العِتاقَة يرثُ من عتيقه، وهذا مفهوم الكلام، ونصَّ عليه الراوي. والله أعلم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-78> الحكم على الاستدراك:</span>\nأخَذَ ابنُ مسعود ﵁ في هذه الآية بظاهرها؛ فحمل \"أولوا الأرحام\" فيها على المعنى الخاص في علم الفرائض، وأعانه عليه سِبَاق الآية المُحتَمِلُ لأن يكون في الميراث، وذلك قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٢].\nووافقه ابن عباس ﵁ في كون الآية في سياق التوارث، وأخذَ هنا بعموم اللفظ \"أولوا الأرحام\" في أصل اللغة، مع اعتماده على سبب نزول الآية.\nوما فهمه ابن عباس ﵁ من الآية هو الصواب؛ فلا يُخَصّص اللفظ العام بلا موجب تخصيص، وفي قِصَّة الآية وسبب نزولها بيانٌ صريحٌ للمعنى المُراد، وقد ورد","vol":"1","page":139},{"text":"مثله عن الزبير بن العوام ﵁ قال: (أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، وذلك أنَّا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم وتوارثنا، فآخى أبو بكر ﵁ خارجةَ بن زيد، وآخى عمرُ ﵁ فلانًا، وآخى عثمان ﵁ رجلًا من بني زُرَيق بن سعد الزرقي، قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد، قيل لي: قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته، فوجدت السلاح قد ثَقَّلَه فيما نرى، فوالله يا بُني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا) (^١)، وعن ابن الزبير ﵁ أنه كتب إلى شريح القاضي (ت: ٧٨) (^٢): (إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يُعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، فلما نزلت تُرِكَ ذلك) (^٣)، وممَّن قال بنسخ هذه الآية لتوارث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض دون الأعراب ومن لم يُهاجر: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وغيرهم. (^٤)\nوذكر الجصاص (ت: ٣٧٠) رأيَ ابن مسعود هذا ثُمَّ قال: (وليس هو كذلك عند\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٤٢ (٩٢٠٦)، والدر ٤/ ١٠٧.\n(^٢) شريح بن الحارث بن قيس الكِندِي، أبو أمية الكوفي، القاضي، عالمٌ فقيه مُخضرم، توفي سنة (٧٨) وقيل غيرها. ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤٢٨، والسير ٤/ ١٠٠.\n(^٣) جامع البيان ١٠/ ٧٥ (١٢٧١٢)، والدر ٤/ ١٠٧.\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن، للقاضي إسماعيل بن إسحاق (ص: ١٠٤)، وجامع البيان ١٠/ ٦٧، وقد ذَكَرَت ذلك جُلُّ كتب النسخ في القرآن، نحو: الناسخ والمنسوخ، للزهري (ص: ٢٧)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس ١/ ٤٧٤، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: ٣٠٤)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: ٣٧)، والناسخ والمنسوخ، لابن حزم ١/ ٣٩، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه (ص: ٣٥).","vol":"1","page":140},{"text":"سائر الصحابة) (^١)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وأما قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدْلُون بوارث، كالخالة، والخال ..، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد؛ على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء، اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص) (^٢)، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (أولوا الأرحام، معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات، وشَذَّ قومٌ هُنا وقالوا: إن المُراد بها أرحام العصبات الخاصة، وممَّن نصر هذا القول: أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (^٣)، وهو ليس بصواب، وما استدلُّوا به في ذلك لا ينهض حُجَّةً؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيرًا ما تُطلِق \"الرحم\" على قرابة العصبات، دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: (وصلتك رَحِم)، يعنون به رحم العصبات لا غيرها، وقالت قُتَيْلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور، لَمَّا قَتلَ النبيُّ ﷺ النضرَ بن الحارث في رجوعه من بدر، قالت في شعرها (^٤):\nظَلَّت سيوف بني أبيه تَنُوشُه … لله أرحَامٌ هناك تشَقَّقُ\n_________\n(^١) أحكام القرآن ٣/ ٩٩.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٦١٧.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٨، وممَّن قال به أيضًا: ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٣٦٣، والرازي في التفسير الكبير ١٥/ ١٧٠.\n(^٤) نسبها ابن إسحاق وابن هشام لقُتَيْلة بنت الحارث، وقال السهيلي: الصحيح أنها بنت النضر بن الحارث لا أخته. ينظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٤٢، والروض الأُنُف ٣/ ٢١٨، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٣٨.","vol":"1","page":141},{"text":"فَصَرَّحت بان مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني: من بني عمِّه وعصَبَتِه، وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غيره من إطلاق ذوي الأرحام على جميع القرابات. وهذه الآية ثَبَت في الصحيحين وغيره- ولا يكاد يُختَلَف فيه بين العلماء- أنها نسخت الموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمُؤاخاة والحِلْف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمُؤاخاة، ولا يرث القريب من قريبه شيئًا إذا كان لم يُهاجر، كما تقدَّم في قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال ٧٢]، وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المُراد ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث، أي: من الهاجرين الذين آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أوَّلًا بميراث القريب قريبه، والولي وليّه) (^١).\nوقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية محلُّ اتفاقِ أكثر المفسرين، وممَّن ذهب إليه مقاتل (ت: ١٥٠)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وأحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (^٢) (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه لجماعة المفسرين، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، ونسبه لأكثر المفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨). (^٣)\n* * *\n_________\n(^١) العذب النمير ٥/ ٢٠٩٩ بتصرف يسير، وينظر: ٥/ ٢٠٧٦.\n(^٢) إبراهيم بن السَّريّ بن سهل، أبو إسحاق الزَّجَّاج، نسبةً إلى خرط الزجاج، إمامٌ لُغَويٌ مشهور، صَنَّف: معاني القرآن، والاشتقاق، وغيرهما، توفي سنة (٣١١). ينظر: معجم الأدباء ١/ ٥١، وبغية الوُعاة ١/ ٤١١.\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٣١، والرسالة (ص: ٥٨٩)، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٧٧، وجامع البيان ١٠/ ٧٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٢٥، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ١٧٥، وبحر العلوم ٢/ ٢٩، وأحكام القرآن، جمع البيهقي ١/ ١٤٦، والوسيط ٢/ ٤٧٤، وتفسير السمعاني ٢/ ٢٨٣، ومعالم التنْزيل ٣/ ٣٨١، والكشاف ٢/ ٢٣٢، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>[١٨] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦].</span>\nعن المطلب بن عبد الله (^١) قال: (قرأ ابن الزبير آية فوقف عندها، أسهرته حتى أصبح، فلما أصبح قال: من حبر هذه الأمة؟ قال: قلت: ابن عباس. فبعثني إليه فدعوته فقال له: إني قرأت آية كنت لا أقف عندها، وإني وقفت الليلة عندها، فأسهرتني حتى أصبحت ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فقال ابن عباس: لا تُسهرْك؛ فإنّا لم نُعنَ بها، إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥، والزمر ٣٨]، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٨ - ٨٩]، فَهُمْ يؤمنون هاهنا وهم يشركون بالله) (^٢).\n_________\n(^١) المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، تابعي صدوق من وجوه قريش. ينظر: الكاشف ٢/ ٢٧٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ٩٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٩٥٣ (١٨٤٩)، وروى ابن جرير في تفسيره ١٣/ ١٠٠ (١٥٢٠٣) نحوه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وليس فيه ذكر ابن الزبير، وحسَّنَه ابن حجر في الفتح ١٣/ ٥٠٣. ونحوه كذلك عند ابن جرير في تفسيره ١٣/ ١٠٢ (١٥٢٠٩)، من طريق العوفيين عن ابن عباس، وهي نسخة ضعيفة، قال السيوطي: (وطريق العوفي عن ابن عباس أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا، والعوفي ضعيفٌ ليس بواهٍ، ورُبَّما حَسَّنَ له الترمذي). الإتقان ٢/ ٣٧٦، ومراده بالذي رُبَّما حَسَّن له الترمذي: عطية بن سعد. ينظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢، ولسان الميزان ٥/ ١٧٤. وأخرج نحوه البخاري في خلق أفعال العباد (ص: ٩٤) (٣٧٦)، وابن جرير في تفسيره ١٣/ ١٠٠ (١٥٢٠٤)، من طريق أبي الأحوص، عن سِماك، عن عكرمة. وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٧ (١٢٠٣٤) به عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده حسن. قال ابن معين عن سماك بن حرب: (ثقة، كان شُعبَة يُضَعِّفه، وكان يقول في التفسير: (عكرمة)، ولو شئتُ أن أقول له: (ابن عباس) لَقَالَه). تهذيب التهذيب ٢/ ١١٤، وهذا يُفَسِّر رواية ابن جرير عن عكرمة، ورواية ابن أبي حاتم عنه عن ابن عباس، وكلاهما من نفس الطريق.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":143},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-80> تحليل الاستدراك:</span>\nأسهرَت هذه الآيةُ ابنَ الزبير ﵁ حتى أصبح، وما أسهره فيها أحد أمرين: إمَّا استشكاله اجتماع الإيمان والشرك في المرء في وقت واحد، أو خوفه من أن يكون معنى الآية شامل لعموم الناس، من غير تخصيص لصنف معيَّن منهم، فخَشِيَ أن يقع فيما يقتضي دخوله في ذلك الوصف، فأسهره خوفه، كما هي عادة الصحابة ﵃ في مثل ذلك. والأقرب أنه ﵁ فهم من الآية العموم وأنه ربَّما اجتمع في الإنسان كفرٌ وإيمانٌ ولو كان من المسلمين، ويُؤَيد هذا جواب ابن عباس ﵁ على هذه القضية الثانية، وزوال إشكالها عن ابن الزبير بعد ذلك، ويُقَوِّيه عادةُ الصحابة ﵃ في الأخذ بالعموم واعتقاده، ثمَّ إن الاحتمال الأول ممَّا لا يكاد يخفى على أحد من الصحابة (^١)، وهو مترَتِّبٌ على القول باشتمال هذه الآية على بعض المسلمين.\nوجواب ابن عباس ﵁ في بيان معنى الآية معتمد على سياق الآية، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى في غيرما موضع، فالحديث في هذه الآية مُتَّصل في وصف قوم ليسوا بمؤمنين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣]، فنفى الإيمان عن أكثر الناس، وهذا في حق الكافرين، ثم وصفهم بإعراضهم عن الآيات في السماوات والأرض، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ\n_________\n(^١) وهو من أصول أهل السنة، قال ابن القيم: (فإنَّهم مُتَّفِقون- أي: أهل السنة- على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوبًا لله مبغوضًا له من وجهين أيضًا، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله، كما قال تعالى ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، وقال ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فأثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، وإن كان معه تصديق لرسله، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد، أعظم من استحقاق أرباب الكبائر). مدارج السالكين ١/ ٥٠٣.","vol":"1","page":144},{"text":"عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٥]، ثم بَيَّنَ أنَّهم مع إيمانهم بخالقها ومدَبِّرها وهو الله، فإنهم مشركون في عبادته غيره، في أنواع العبادات القلبية والقولية والعملية. ثم استشهد ابن عباس ﵁ على أن هذه الآية في غير المسلمين- (فإنَّا لم نُعْنَ بها) - بورود ذلك المعنى في كتاب الله تعالى، كما في آيتي لقمان والمؤمنون اللتين استشهد بهما، وكما في قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، وقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، وقوله ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦ - ٨٧]، وغيرها في كتاب الله كثير. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-81> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره ابن عباس ﵁ في أن هذه الآية في غير المسلمين هو الراجح؛ لدلالة السياق عليه كما سبق، ولورود نحو هذا الخطاب كثيرًا في كتاب الله مُرادًا به الكافرين، ودَلَّ عليه كذلك التعبير بالجملة الاسمية في قوله ﴿وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فإنه يفيد مُلازمتهم للشرك، واتِّصافهم به، لا كوصفهم بالفعل، كما لو قال: (وهم يشركون)، فالاسم أقوى وأثبت من الفعل، فإن الجملة الاسميّة تفيد الثبوت والدوام والاستقرار، بخلاف الفعلية التي تفيد الحدوث والتجدد والتغَيُّر (^٢)، فهم ثابتون دائمون على شركهم، وهو الأصل فيهم، وإن ادَّعوا الإيمان، أو ظنوا أنهم مؤمنون في زعمهم ولجهلهم.\nوأمَّا قوله ﵁: (إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب)، فهو من باب التمثيل لا الحصر،\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان ٣/ ٥٥.\n(^٢) ينظر: شرح الطِّيبِي على المشكاة ٣/ ٩١٧، ١٠٠١، والتعبير القرآني (ص: ٢٢)، ولمسات بيانية في نصوص من التنْزيل (ص: ٨٤)، وينظر في التأصيل والتمثيل لهذه المعاني كتاب: معاني الأبنية في العربية، باب: (الاسم والفعل).","vol":"1","page":145},{"text":"أي: كما هو حال أهل الكتاب، فإنَّهم أظهر من ادَّعى الإيمان وهم مشركون. وقد ورد عن ابن عباس ﵁ أمثلة أخرى لمن انطبق عليه وصف الآية، فمن طريق العوفيين السابق قال في هذه الآية: (يعني النصارى)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية: (من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون)، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: (سلهم من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره) (^١)، وقال ﵁: (نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، وعنه أيضًا: (أنَّهم المُشَبِّهة، آمنوا مُجملًا، وكفروا مُفَصَّلًا) (^٢). فهي عند ابن عباس ﵁ في أهل الكتاب، وفي النصارى، وفي المشركين عمومًا، وبالأخص مشركي العرب، ويجمع كلَّ من سبق قوله ﵁: (إنَّا لم نُعْنَ بها).\nوعلى هذا يكون المُراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان اللغوي، لا حقيقة الإيمان؛ فإنه لا يجتمع مع نقيضه، و(الإيمان اللغوي يُجامع الشرك، فلا إشكال في تقييده به) (^٣)، أو يُراد به هنا: في زعمهم، ولجهلهم، وكما يدَّعون، أو بألسنتهم (^٤)، قال الطوفي (ت: ٧١٦): (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦] يعني\n_________\n(^١) سبق تخريج هذه الروايات الثلاث في تخريج الاستدراك، وينظر: فتح الباري ١٣/ ٥٠٣، والدر المنثور ٤/ ٥٢٦.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٧٨، وفي الكشاف ٢/ ٤٨٨: (هم الذين يشبهون الله بخلقه)، وهم المشركون الذين آمنوا بالربوبية إجمالًا، وكفروا بالألوهية تفصيلًا، فليس مراده مشبهة الصفات؛ فإنهم ما ظهروا إلا متأخرًا.\n(^٣) أضواء البيان ٣/ ٥٦.\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٢٣١، والوسيط ٢/ ٦٣٧، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٨٥، وزاد المسير (ص: ٧٢٢).","vol":"1","page":146},{"text":"الكفار، كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة. والإيمان- وهو التصديق بالله ﷿ لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد، وهم كانوا يؤمنون بالله ﷿ وجودًا وخلقًا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادةً) (^١).\nفالقول بأنَّ معنى الآية: إن أكثر الناس- وهم المشركون- لا يؤمنون بالله في ربوبيته إلا ويشركون غيره في عبادته. هو الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وعطاء (ت: ١١٤)، والضحاك (ت: ١٠٥) (^٢)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (^٣) (ت: ١٦١)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، ونسبه لأكثر المفسرين، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-82>ومن مسائل هذا الاستدراك أن حملَ معاني الآيات على العموم والظاهر المتبادر كانَ سمتًا عامًّا لدى الصحابة ﵁، وكان ذلك فيهم من أعظم أسباب التأثُّر بالقرآن الكريم؛ إذ يرى أحدهم نفسَه معنيًّا بلفظ الآية، داخلًا في خطابِها، فيثقلُ</span>\n_________\n(^١) الإشارات الإلهية ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) تفسير ابن وهب ١/ ٩، وسنن سعيد بن منصور ٥/ ٤١١، وجامع البيان ١٣/ ١٠٠، وتفسير ابن المنذر ١/ ١٢١.\n(^٣) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري، أبو عبد الله الكوفي، الإمام المفسر، أمير المؤمنين في الحديث، له تفسير للقرآن، برواية أبي جعفر النهدي، توفي سنة (١٦١). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٥٣٨، والسير ٧/ ٢٢٩.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ١٦٥، وتفسير الثوري (ص: ١٤٧)، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ٥٥، وجامع البيان ١٣/ ١٠٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/ ١٣١، وإعراب القرآن، للنحاس ٢/ ٢١٦، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٢٣١، وبحر العلوم ٢/ ١٧٩، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٤١، والوسيط ٢/ ٦٣٧، والوجيز (ص: ٥٦٢)، والكشاف ٢/ ٤٨٨، والتفسير الكبير ١٨/ ١٧٨، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٧٨، وأضواء البيان ٣/ ٥٥.","vol":"1","page":147},{"text":"وقعها على النفس، ويمتلئ القلب منها خشيةً وخوفًا، أو راحةً وأُنسًا، بحسب معناها وسياقها. وقد تكرر هذا عنهم كثيرًا في غيرما آيةٍ وموقف (^١). وإن من واجب المُفَسِّر إحياءُ هذا الفقه في نفوس الناس، وإنزال النفوس من الآيات منازلها التي أنزلها منها صحابةُ رسول الله ﷺ؛ ليجد التالي منها ما وجدوه، فيمتثلها عن صِحَّة فهم، وصِدق اعتقاد، كما كان حالهم ﵃. (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-83>[١٩] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِ</span>يرًا﴾ [الأحزاب ٣٣].\nعن ابن عباس ﵁: (أن عمر بن الخطاب قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبي ﷺ ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]، هل كانت إلا واحدة؟ فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس كيف قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ قال: فأتِ بتصديق ما تقول من كتاب الله. قال: نعم، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨] كما جاهدتم أول مرة، قال عمر: فمَن أُمِرَ بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزومًا وعبد شمس. فقال عمر: صدقت) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الاستدراكات (١، ٣، ١٣، ١٥، ٣٩، ٤١، ٤٢)، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٤، والدر ٢/ ٦٤٧.\n(^٢) ينظر: الصواعق المرسلة ٢/ ٧٠٠.\n(^٣) أخرجه ابن وهب في تفسيره ٢/ ٤٦ (٨١)، وابن سَلاَّم في تفسيره ٢/ ٧١٦، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ١٧٨)، والبستي في تفسيره ٢/ ١٢٥ (٣٠١)، وابن جرير في تفسيره ٢٢/ ٨ (٢١٧٢٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما ذكره ابن حجر في الفتح ٨/ ٣٧٩، وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ٥٣٠ لابن المنذر، وابن مردويه. من طريق ثور بن زيد الدِّيلِي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁. وعند ابن وهب وابن جرير: عن ثور بن زيد عن ابن عباس. بدون ذكر عكرمة، فرُبَّما أسقطه بعض الرواة، ونقل ابن حجر في التهذيب ١/ ٢٧٦ عن ابن البَرْقِي: (أن مالكًا ترك ذكر عكرمة بين ابن عباسٍ وثور). وينظر: التمهيد ٢/ ٢٦. وربما أرسله ثور عن ابن عباس، وواسطته فيه عكرمة كما عُلِم، قال بشر بن عمر الزهراني: قلت لمالك بن أنس: لقي ثورُ بن زيد ابنَ عباس؟ فقال: لا، لم يلقه. جامع التحصيل ١/ ١٥٣.\nوعند ابن سَلاَّم: عن الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم الجزري، عن ابن عباس. مُرسلًا مُختصرًا.\nوعند ابن جرير: عن ابن وهب، عن ابن زيد، عن سليمان بن بلال، عن ثور، به. وقد أخرجه ابن وهب عن سليمان بن بلال مباشرة، فلعلَّه أخرجه من طريقين، أو زِيدَ ابنُ زَيدٍ في طريق ابن جرير؛ فإنه أخرجه في تفسيره في موضع آخر بنفس الإسناد دون ذكر ابن زيد. ينظر: جامع البيان ١٧/ ٢٦٧ (١٩٢٠١).\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":148},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-84> تحليل الاستدراك:</span>\nاتفقت كلمة عمر وابن عباس ﵃ على جاهلية نهى الله تعالى أزواج النبي ﷺ أن يتبرجنَ تبرجَ النساء فيها، ثم استشكل عمر لفظة ﴿الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: (هل كانت إلا واحدة؟)، أي أن هذه اللفظة وصفٌ كاشف لا مفهوم له، كما في قوله تعالى ﴿عَادًا الأُولَى﴾ [النجم ٥٠]، فأجاب ابن عباس ﵁ بأنه: ما من أولى إلا ولها آخرة، وأن لهذه اللفظة مفهوم معتبر، وهو جاهلية تأتي بعد ذلك، لها صفاتٌ وأخلاقٌ من الجاهلية الأولى، ومنها التبرج الذي نهى الله عنه أزواج رسوله ﷺ. فتنبه لذلك عمر ﵁ واستعاد مقالة ابن عباس، فأعادها عليه، فطلب عمر ﵁ من ابن عباسٍ نظير هذا الأسلوب في كتاب الله تعالى؛ ليزداد طمأنينة إلى هذا القول، فقرأ له ابن عباس قوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨]، وزاد: (كما جاهدتم أول مرة) (^١)، قال الرازي في بيان معناها: (أن يجاهدوا آخِرًا، كما جاهدوا أولًا؛ فقد كان جهادهم في\n_________\n(^١) الأقرب أنها قراءة عنده، وهي شاذة، أخرجها المحاسبي في فهم القرآن (ص: ٤٠١)، ونسبها لمصحف عائشة، ونقلها ابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص: ٣٦) عن ابن أبي داود بإسناده. وورد نحوها عن عمر ﵁، وعزاها السيوطي في الدر ٦/ ٧٢ لابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وسياق ابن عباس لها في معرض الاستدلال من كتاب الله يقوي جعلها قراءة عنده، خاصة أنها معلومة عند عمر ﵃.","vol":"1","page":149},{"text":"الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت، نحو صنعهم يوم بدر) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-85> الحكم على الاستدراك:</span>\n(لم تكن نبوَّةٌ قط إلا كان قبلها جاهلية) (^٢)، فهي فترةٌ تسبقُ مبعثَ كلِّ نَبيّ، وقد اتفق العلماء على أن قبل الإسلام جاهليةً مذمومةً في لسان الشرع، ثم اختلف المفسرون في تحديد زمن هذه الجاهلية، والأظهر أنها مابين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (^٣)، والذي أفادته الآية أن ثَمَّةَ جاهلية قبل الإسلام، من صفات نسائها التبرج، وقد ذَمَّه الله تعالى، وحذر منه نساء نَبِيِّه ﷺ. وهذا ما فهمه عمر وابن عباس ﵃ من الآية، ثم زاد ابن عباس ﵁ مفهوم الآية، وأنه ما من أولى إلا ولها آخرة، فهنا جاهلية أخرى، حذرت منها الآية ضمنًا. ثم استدل على قوله، بنظير هذه الآية عنده في كتاب الله تعالى، وهو استدلال بأسلوب القرآن، وطريقته في الخطاب (^٤). ويؤيد قول ابن عباس ﵁ غيرما حديث عن رسول الله ﷺ في ذكر خصالٍ وأخلاقٍ جاهلية في هذه الأمة، ومنها:\n_________\n(^١) التفسير الكبير ٢٣/ ٦٣.\n(^٢) جملةٌ من حديث عمران بن حصين مرفوعًا، أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٢٢ (٣١٦٨)، وقال: (حسن صحيح).\n(^٣) عن ابن جرير، وهو قول الشعبي، ينظر: جامع البيان ٢٢/ ٨، وقال الزجاج: (والأشبه أن تكون من عيسى إلى زمن النبي ﷺ؛ لأنها هم الجاهلية المعروفون) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٢٥، واختاره مقاتل في تفسيره ٣/ ٤٥، والواحدي في الوسيط ٣/ ٤٦٩. وقد وردت كذلك في نصوص شرعية كثيرة. ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٢٣٨، وفتح الباري ٧/ ١٨٤.\n(^٤) يعتني ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀ كثيرًا بهذا النوع من الاستدلال في بيان معاني القرآن والسنة، ويُنظَر أمثلةً على ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: ١١٩، ١٨٤)، وجلاء الأفهام (ص: ١٨٨، ٢٥٨، ٥٣٩).","vol":"1","page":150},{"text":"- قوله ﷺ لأبي ذرٍّ لمَّا عيَّرَ رجلًا بأمِّه: (يا أبا ذر أَعَيَّرْته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) (^١).\n- وقوله ﷺ: (ليس منَّا من لَطَم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (^٢).\n- وقوله ﷺ: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) (^٣). ونحوها من الأحاديث.\nقال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام، فإن قال قائل: أَوَ في الإسلام جاهلية، حتى يقال عَنى بقوله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام؟ قيل فيه أخلاقٌ من أخلاقِ الجاهلية) (^٤). ثم نهيُ أُمَّهات المؤمنين ﵅، عن صفاتِ جاهليةٍ أدركنها، أبلغ أثرًا، وأدعى للاستجابة ممَّا لا يعرفنه من ذلك، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فاُمِرنَ بالنُّقلَة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم) (^٥).\nوقال بقول ابن عباس ﵁ أن ثَمَّةَ جاهلية أُخرى بعد الإسلام على ما وُصِفتْ قبل قليل-: ابنُ زيد (ت: ١٨٢)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزمخشري\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٠٦ (٣٠)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٩١ (١٦٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٩٥ (١٢٩٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٥٣١ (٩٣٤).\n(^٤) جامع البيان ٢٢/ ٧.\n(^٥) المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٤.","vol":"1","page":151},{"text":"(ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥). (^١)\nولا يتعارض هذا مع قول من نفى جاهلية أُخرى تقابل الأولى المذكورة في الآية، كابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسيوطي (ت: ٩١١) (^٢)، فإن المُثبِتَ للجاهلية الأُخرى أثبَتَ لها صفةً خاصةً تكون بِها؛ وهي بعض صورها وأخلاقها، وقد صحَّت بذكرها الأحاديث، لا أنها جاهليّة عامَّة كالتي كانت قبل الإسلام فإن هذا ممتنعٌ عند الجميع. والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-86>[٢٠] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٦].</span>\nعن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵁: (قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-87> تحليل الاستدراك:</span>\nواضح من الرواية ذهاب ابن مسعود ﵁ إلى أن البطشة الكبرى: يوم بدر، وحكى ذلك ابن عباس ﵁ ثم أتبَعَه مُؤكدًا قوله، إن البطشة الكبرى: يوم القيامة، واختيارهما لهذه المعاني في الآية مبنيٌّ على اختيارهما لمعنى الآيات قبلها، وهي قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢٢/ ٧، والكشاف ٣/ ٥٢١، وأنوار التنْزيل ٢/ ٨٣٥، والبحر المحيط ٧/ ٢٢٤.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٥٢، والمحرر الوجيز ٤/ ٣٨٤، والإكليل ٣/ ١١٠٩.\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٥/ ١٥٢ (٢٤٠٤٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٣٥٤ لعبد بن حميد. من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَّة، عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة.\nوإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٥، والسيوطي في الدر ٧/ ٣٥٤.","vol":"1","page":152},{"text":"مَّجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٦]، فذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن جميع ذلك في الدنيا، فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة- وفي لفظ: في المسجد، عند أبواب كندة (^١) -، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيتُ بن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: (من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: (اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف)، فأخذتهم سَنةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله. فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الإٌ قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٥]. أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان ١٦] يوم بدر) (^٢).\nوذهب ابن عباس ﵁ إلى أن ذلك الدخان لم يأتِ، وهو آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: (ما نِمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (^٣).\n_________\n(^١) بابٌ بالكوفة. ينظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٨٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٧٠ (٤٧٧٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٨٠ (٢٧٩٨).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣/ ١٨٢ (٢٨٠٥)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٠٦ (٨٤١٩)، وابن جرير ٢٥/ ١٤٧ (٢٤٠٢٣)، وابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٤، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٣٥٣ لعبد بن حميد وابن المنذر. وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن كثير، والسيوطي.","vol":"1","page":153},{"text":"فكلاهما أجرى تفسيره لهذه الآية بحسب سياق الآيات قبلها، وقَوَّى المعنى عند ابن مسعود ﵁ قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]، إذ قال: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!)، فصار المراد بذلك في الدنيا لا الآخرة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-88> الحكم على الاستدراك:</span>\nوافقَ ابنَ مسعود ﵁ في قوله: أن الدُّخان المذكور في الآية قد مضى على ما سبق وصفه جماعة من المفسرين، كأبي العالية (ت: ٩٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطية العوفي (^١) (ت: ١١١) (^٢)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وأَيَّدَه بأن سياق الآيات في خطاب مشركي قريش، قال تعالى ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٨ - ٩]، ثم أمر الله نبيه ﵁ بالصبر عليهم إلى أن يأتي بأسه وتهديده، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]، (فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم، قد أحلَّه بهم، أشبه من أن يكون آخَرَه عنهم لغيرهم) (^٣). وهذا يُضاف إلى ما ذكره ابن مسعود ﵁ في رَدِّه في الرواية السابقة إذ قال في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!). (^٤)\nووافَقَ ابنَ عباس ﵁ في قوله: بأن الدُّخان آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃،\n_________\n(^١) عطية بن سعد بن جنادة العوفي القيسي، أبو الحسن الكوفي، أخذ عن ابن عباس وابن عمر، شيعي صدوق يُخطئ كثيرًا، له تفسير القرآن، توفي سنة (١١١). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٥١٠، والسير ٥/ ٣٢٥.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢٥/ ١٤٦، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٦٢.\n(^٣) جامع البيان ٢٥/ ١٤٨.\n(^٤) ينظر: المفهم ٧/ ٣٩٦.","vol":"1","page":154},{"text":"والحسن (ت: ١١٠)، وابن أبي مليكة (ت: ١١٧) (^١)، واختاره ابن كثير (ت: ٧٧٤)، واستدل له بما يأتي:\nأولًا: قوله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات)، ذكر منها: (الدُّخان) (^٢).\nثانيًا: قوله ﷺ لابن صَيَّاد: (إني خَبَأتُ لك خَبْئًا. قال: الدُّخّ. فقال له ﷺ: اخسأ فلن تعدُوَ قدرك. قال: وخَبَّأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]) (^٣)، قال ابن كثير: (وهذا فيه إشعار بأنه من المنتَظَر المرتَقَب، وابن صَيَّاد كاشف على طريقة الكهَّان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون (^٤) العبارة، ولهذا قال: (هو الدُّخّ)، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادَّتَه، وأنها شيطانية، فقال ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك). (^٥)\nثالثًا: حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان)، قال حذيفة ﵁: يا رسول الله وما الدخان؟، فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠ - ١١]، يملأ مابين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فيكون بمنْزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره) (^٦)، قال ابن جرير بعد اختياره لقول\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٥/ ١٤٦، والمفهم ٧/ ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٣٥٠ (٢٩٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٥٨ (١٣٥٤)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٦٤ (٢٩٢٤).\n(^٤) هو قطع الكلام وعدم الإتْمام. ينظر: لسان العرب ١٢/ ٤٧٦، والقاموس المحيط (ص: ١٠٣٦).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٦٢.\n(^٦) أخرجه ابن جرير ٢٥/ ١٤٧ (٢٤٠٢٦)، وضعف إسناده، وكذا ابن حجر في الفتح ٨/ ٤٣٦، وحكم عليه ابن كثير في تفسيره ٧/ ٣١٦٣ بالوضع.","vol":"1","page":155},{"text":"ابن مسعود: (إن لم يكن خبر حذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله ﷺ صحيحًا، وإن كان صحيحًا فرسول الله أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني (^١) حدثني أنه سأل رَوَّادًا (^٢) عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان- هو الثوري-؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ ثم ذهبوا، فحدثوا به عني. أو كما قال. فَلِمَا ذكرتُ من ذلك لم أشهد له بالصحة) (^٣)، وقد أصاب ابن جرير (ت: ٣١٠) في تضعيفه هذا الحديث، كما ذكر ابن حجر (ت: ٨٥٢) هذا الحديث وعددًا من الروايات الأُخرى والتي منها الصحيح والحسن، ثم قال بعد تضعيفه للحديث: (لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا) (^٤).\nرابعًا: الروايات الصحيحة والحسنة، المرفوعة والموقوفة، مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة. (^٥)\nخامسًا: أنه ظاهر القرآن ويدلُّ عليه، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠] أي: بَيِّنٍ واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسَّره به ابن مسعود ﵁: إنما هو خيال رأوه\n_________\n(^١) محمد بن خلف بن عمار العسقلاني، صدوق، مات سنة (٢٦٠). ينظر: الكاشف ٣/ ٤٠، والتقريب (ص: ٨٤٢).\n(^٢) روَّاد بن الجراح، أبو عصام العسقلاني، صدوق وحديثه عن الثوري ضعفه شديد. ينظر: الكاشف ١/ ٣١٣، والتقريب (ص: ٣٢٩).\n(^٣) جامع البيان ٢٥/ ١٤٨، وينظر منه: ٢٢/ ١٣٠ (٢٢٠٨٣).\n(^٤) فتح الباري ٨/ ٤٣٦.\n(^٥) ينظر في ذكر تلك الروايات والحكم عليها تفسير ابن كثير ٧/ ٣١٦٣، وفي إعلام الموقعين ٦/ ٣٣ إشارة إلى أن قول ابن مسعود في هذه الآية من تفاسير الصحابة التي خالفت الأحاديث المرفوعة الصحاح.","vol":"1","page":156},{"text":"في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان ١١] أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه يغشى الناس، وقوله تعالى ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١١] أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، كقوله ﷿ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٣ - ١٤]، أو: يقول بعضهم لبعض ذلك، وقوله ﷾ ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢] أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، وكذا قوله جل وعلا ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم ٤٤]، وهكذا قال جل وعلا ههنا ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان ١٣ - ١٤]، يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بَيِّن الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه، بل كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٣ - ٢٤]، الآية كقوله ﷿ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ ٥١ - ٥٤]، وقوله ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٥] يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٥]، وكقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]، والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من","vol":"1","page":157},{"text":"الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]، ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه حين قالوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٨٨ - ٨٩]، وشعيب ﵇ لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله) (^١).\nسادسًا: انفراد ابن مسعود ﵁ بهذا التفسير، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا التفسير غريب جدًا، ولم يُنقَل مثله عن أحد من الصحابة غيره) (^٢).\nسابعًا: أن اعتراض ابن مسعود ﵁ لا يتوجَّه على قول ابن عباس ﵁ ومن معه من الصحابة، وإنما على قول القاصّ: (يجيء دخان يوم القيامة)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقول هذا القاصّ: إن هذا الدخان يكون يوم القيامة. ليس بجيد؛ ومن هنا تسلَّطَ عليه ابن مسعود بالرد، بل قبل يوم القيامة وجودُ هذا الدخان، كما يكون وجود هذه الآيات ثَمَّ: الدابة، والدجال، والدخان، ويأجوج ومأجوج، كما دلَّت عليه الأحاديث عن أبي سَريحة، وأبي هريرة، وغيرهما من الصحابة) (^٣).\nومن ثَمَّ فالراجح في هذه الآية قول ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة، في أن المُراد بالدُّخان ما يكون قبل يوم القيامة، ومن علاماتها.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٦٤، ومثله في النهاية في الفتن والملاحم (ص: ١١٤)، وينظر: التفسير الكبير ٢٧/ ٢٠٨.\n(^٢) النهاية في الفتن والملاحم (ص: ١١٤).\n(^٣) المرجع السابق (ص: ١١٥)، وفيه (أبي شريحة) وهو تصحيفٌ، وأبو سَريحة هو حذيفة بن أسيد الغِفاري. ينظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ٣٥١.","vol":"1","page":158},{"text":"وكذلك يترَجَّح القول بأن المُراد بالبطشة الكبرى في ختام هذه الآيات: يوم القيامة. وهو قول ابن عباس ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥) في أصح الروايتين عنه، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، واختاره السمعاني (ت: ٤٨٩)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-89>[٢١] ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُ</span>سْرًا﴾ [الطلاق ٤].\nعن أبي سلمة (^٢) قال: (جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالسٌ عنده، فقال: أفْتِنِي في امرأةٍ وَلَدَت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، أيصلح لها أن تتزوج. فقال ابن عباس: لا، إلا آخرَ الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة-. فأرسل ابنُ عباس غلامَه كُرَيْبًا (^٣) إلى\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني ٥/ ١٢٤، والتفسير الكبير ٢٧/ ٢٠٨، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٦٥، وفتح الباري ٨/ ٤٣٦، والكافي الشافِ ٤/ ٢٦٥.\n(^٢) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري المدنيّ، اختُلف في اسمه، أحد الفقهاء المحدِّثين المُكثرين، وكان كثير المِراء لابن عباس ﵁، قال الزهري: (أربعة من قريش وجدتهم بحورًا) وذكر منهم: أبو سلمة. وقال: (كان أبو سلمة كثيرًا ما يُخالف ابن عباس؛ فحُرِمَ لذلك منه علمًا كثيرًا)، وروى الزهري عن أبي سلمة قال: (لو رَفِقْتُ بابن عباس لاستخرجتُ منه علمًا كثيرًا)، توفي سنة (٩٤). ينظر: السير ٤/ ٢٨٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٥٣٢.\nوفي بعض روايات هذا الحديث أنه تمارى هو وابن عباس، ينظر: فتح الباري ٨/ ٥٢٢، والدر المنثور ٨/ ١٩٢.\n(^٣) كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، أبو رِشْدِين، مولى ابن عباس ﵁، توفي سنة (٩٨). ينظر: الكاشف ٣/ ٨، والتقريب (ص: ٨١١).","vol":"1","page":159},{"text":"أمِّ سلمة يسألها، فقالت: قُتلَ زوجُ سُبيعَة الأسلمية (^١) وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخُطبَت، فأنكحها رسولُ الله ﷺ، وكان أبو السنابل (^٢) فيمن خطبها) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-90> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب ابن عباس ﵁ إلى أن عِدَّةَ الحامل المُتَوفَّى عنها زوجُها أبعَدَ الأجلَين، وهُما: أربعةَ أشهر وعشرًا، أو أن تَضع حملها، وهُما الواردان في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤]، وقوله ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (^٤)، ومأخَذُهُما في ذلك أن آية الطلاق في المُطَلَّقة، بدلالة موضوع السورة وسياق الآيات؛ فموضوع السورة الأبرز الطلاق وأحكامه، كما أن سياق الآيات ظاهرٌ في المُطَلَّقة؛ لأنها عليها عُطِفَ، وإليها رَجعَ عَقِب الكلام (^٥). وفي هذا القول أيضًا إعْمَالٌ للدَّليلين وجمعٌ بينهما، وهو أولى من الترجيح وإهمال أحدِهِما ما دام الجمع مُمْكِنًا؛ (لأن دليل العِدَّتين صادقٌ عليها، إذ هي مُتَوَفَّى عنها، ومن ذوات الأحمال) (^٦)، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (لولا حديث سُبيعَة بهذا البيان من\n_________\n(^١) هي سُبَيعَة بنت الحارث الأسلمية، وزوجها سعدُ بن خَولَة القرشي العامري. ينظر: الإصابة ٨/ ١٧١، و٣/ ٤٥.\n(^٢) هو أبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث العبدري القرشي، من مسلمة الفتح. ينظر: الإصابة ٧/ ١٦١.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٢١ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٦٥ - ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، برقم: ٤٩٠٩)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٨٦ (كتاب ١٨ - الطلاق، باب ٨ - انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، برقم: ١٤٨٥).\n(^٤) فيما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه بسند صحيح. ينظر: فتح الباري ٩/ ٣٨٤، والدر ٨/ ١٩٣.\n(^٥) أحكام القرآن، لابن العربي ٤/ ٢١٤.\n(^٦) الإشارات الإلهية ١/ ٣٤١، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥.","vol":"1","page":160},{"text":"رسول الله ﷺ في الآيتين لكان القول ما قال عليٌّ وابنُ عباس؛ لأنهما عِدَّتان مُجتمعتان بصفتين، قد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج منها إلا بيقين، واليقين آخرُ الأجلين) (^١)، وقال القرطبي (ت: ٦٧١): (وهذا نظرٌ حسنٌ، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سُبَيْعةَ الأسلَمِيَّة) (^٢). وفيه كذلك احتياطٌ للأنساب، وحفظٌ لها باحتساب أبعد الأجلين (^٣).\nوذهب أبو هريرة ﵁ وأبو سلمة (ت: ٩٤) إلى أن أَجَلَ الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها أن تضع حملها، أخذًا بعموم آية الطلاق (^٤)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عن هذه الآية: (وهذا فيه عمومٌ من ثلاث جهات:\nأحدها: عموم المُخبَر عنه، وهو: أولات الأحمال، فإنه يتناول جميعَهن.\nالثاني: عموم الأجل، فإنه أضافه إليهن، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يَعُمّ، فجعل وَضْعَ الحملِ جميعَ أجلهنّ، فلو كان لبعضهن أجلٌ غيره لم يكن جميعَ أجلهن.\nالثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ففي تأويل مصدرٍ مضافٍ، أي: أَجَلُهن وضْعُ حملِهِن. والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، وبهذا احتج جمهور الصحابة أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل) (^٥).\n_________\n(^١) الاستذكار ٦/ ٢١٢، وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ٢٥٦، وفتح الباري ٩/ ٣٨٤.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥.\n(^٣) الإشارات الإلهية ١/ ٣٤١، والعذب النمير ٢/ ٨٧٧، و٣/ ١٠٩٢.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥، وفتح القدير ١/ ٤٣٠.\n(^٥) زاد المعاد ٥/ ٥٢٧.","vol":"1","page":161},{"text":"وأكَّدَ العموم في الآية جوابُ النبي ﷺ لِسُبَيعة الأسلمية ﵂، كما في الحديث. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-91> الحكم على الاستدراك:</span>\nالقول بأن عدَّة الحامل أن تضع حملها، أخذًا بعموم الآية هو الصواب، وعليه جمهور الصحابة، واتفقت عليه كلمة العلماء من السلف والخلف (^٢)، ويُرجحه أمور منها:\nأولًا: دلالة السنة النبوية الصحيحة عليه، كما في إذنه ﷺ لسُبيعَة في النكاح لَمَّا وضعت حملها، وهذا الحكم والفتوى منه ﷺ مُشتَقٌّ من كتاب الله، مطابقٌ له. (^٣)\nثانيًا: أنَّ عموم الآية ظاهر، والأخذ به لازم، ولا يُعَكِّر عليه عموم الآية الأخرى في العدة في البقرة، فهما (من باب تعارض الأعَمَّيْنَ من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يُخَصَّصُ به عموم المرجوح ..، وقد بَيَّنَت السنة الصحيحة أن عموم ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق ٤]، مُخَصِّصٌ لعموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٤]، مع أنَّ جماعةً من الأصوليين ذكروا أن الجُمُوع المُنَكَّرة لا عموم لها، ومن ثَمَّ فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة ٢٣٤] جمعٌ مُنَكَّر فلا يَعُمُّ، بخلاف قوله ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق ٤]، فإنه مُضاف إلى مُعَرَّف بألْ، والمُضاف إلى المُعَرَّف بها من صيغ العموم) (^٤). ثم مع القول بأن آية الطلاق جاءت\n_________\n(^١) أضواء البيان ١/ ١٧١.\n(^٢) وهو قول الأئمة الأربعة، والعلماء كافَّةً، إلا ما رُوي عن ابن عباس وعلي ﵃، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسحنون من المالكية. ينظر: الاستذكار ٦/ ٢١٣، وبداية المجتهد (ص: ٤٦٦)، والمحلى ١١/ ٣٠١، والمغني ١١/ ٤٣، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥، وشرح مسلم، للنووي ٤/ ٨٥، وزاد المعاد ٥/ ٥٣٠.\n(^٣) زاد المعاد ٥/ ٥٢٨.\n(^٤) أضواء البيان ١/ ١٧٢، وينظر نحوه في: شرح مسلم، للنووي ٤/ ٨٥، وزاد المعاد ٥/ ٥٣٠.","vol":"1","page":162},{"text":"في سياق المُطَلَّقات؛ لأنه فيهن وَرَد، وعلى ذِكرهن انعطف، فإنَّ عطفه على المُطَلَّقة لا يُسقِط عمومه، خاصَّةً مع استحضار الحكمة من تشريع العِدَّة في ذلك. (^١)\nثالثًا: تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة، قال ابن مسعود ﵁: (من شاء لاعَنتُه، ما نَزَلت ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، إلا بعد آية المتوَفَّى عنها زوجها) (^٢)، قال الجصاص (ت: ٣٧٠): (قد تضمَّنَ قول ابن مسعود هذا معنيين، أحدهما: إثبات تاريخ نزول الآية، وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها. والثاني: أن الآية مُكتَفيةٌ بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مُضَمّنة بما قبلها من ذكر المُطَلَّقة، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المُطَلَّقات والمُتَوفى عنهنَّ أزواجهن، وأن لا يجعل الحكم مقصورًا على المُطَلَّقات لأنه تخصيص عموم بلا دلالة) (^٣)، ومن هنا ذهب جمعٌ من العلماء إلى أن آية الطلاق ناسخةٌ لآية البقرة (^٤)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فابن مسعود ﵁ أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخةٌ لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصصةٌ لها إن لم يكن عمومها مرادًا، أو مُبَيِّنةٌ للمراد منها، أو مقيدةٌ لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث فيتعين تقديمها على تلك وإطلاقها، وهذا من كمال فقهه ﵁ ورسوخه في العلم، ومما يُبَيِّنُ أن أصول الفقه سَجِيَّةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلفونها، كما أن العربية والمعاني والبيان وتوابِعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم، وأنَّى له؟!) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ٢٥٧. وفي حكمة تشريع العدة ينظر: زاد المعاد ٥/ ٥٩٠، وإعلام الموقعين ٣/ ٢٩٤، وحجة الله البالغة ٢/ ٢٥٦.\n(^٢) جامع البيان ٢٨/ ١٨٢ (٢٦٥٨٧)، وقد ثبت ذلك عن ابن مسعود من عدة طرق. ينظر: الفتح ٩/ ٣٨٤.\n(^٣) أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦١٢.\n(^٤) ينظر: بدائع الفوائد ٣/ ٩٥، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ١١٥، وفتح الباري ٩/ ٣٨٤.\n(^٥) زاد المعاد ٥/ ٥٣٢.","vol":"1","page":163},{"text":"رابعًا: ويدلُّ على أن المُتوفَّى عنها زوجها داخلةٌ في الآية، ومُرادَةٌ بها (اتِّفاقُ الجميع على أن مُضيَّ شهور المُتَوَفَّى عنها زوجها لا يوجِب انقضاء عدَّتها دون وضع الحمل، فدلَّ على أنها مُرادة بها، فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره، ولو جاز اعتبار الشهور لأنها مذكورة في آيةٍ أُخرى، لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المُطَلَّقَة؛ لأنها مذكورة في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨]، وفي سقوط اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل) (^١).\nخامسًا: رجوع ابن عباس ﵁ فيما يُذكَر- عن قوله بعدما ثبت له خلافه بخبر رسول الله ﷺ، وهذا المعهود عنهم ﵃، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (ويُقال إنه رجع عنه، ويُقَوِّيه أن المنقول عن أتباعه وِفاق الجماعة في ذلك) (^٢)، وقال ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): (وقد ذُكِر أن ابن عباس ﵁ رجع إلى هذا الحديث- أي: حديث سُبَيْعة- لَمَّا بلغه، ولو بَلَغَ عَليًّا ﵁ لرجع إليه) (^٣).\nسادسًا: أنه قول جمهور الصحابة ﵃، كعمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري، وعليه كافة العلماء، كما سبق ذكره، واختاره عامَّة المفسرين (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦١٣.\n(^٢) الفتح ٩/ ٣٨٤، وينظر: الاستذكار ٦/ ٢١٣.\n(^٣) التسهيل ٤/ ٢٣٩، وينظر: الاستذكار ٦/ ٢١٣.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٢/ ٦٩٣، و٢٨/ ١٨١، وبحر العلوم ٣/ ٣٧٥، وتفسير القرآن العزيز ٤/ ٤٠٣، والنكت والعيون ٦/ ٣٣، وذكره قولًا واحدًا في الآية، والوسيط ٤/ ٣١٥، وتفسير السمعاني ٥/ ٤٦٣، والكشاف ٤/ ٥٤٤، والمحرر الوجيز ٥/ ٣٢٥، وزاد المسير (ص: ١٤٤٦).","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>[٢٢] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج ٣].</span>\nسأل رجلٌ الحسنَ بن علي ﵁ عن ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج ٣]، قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابنَ عمر وابنَ الزبير، فقالا: يوم الذبح، ويوم الجمعة. قال: لا، ولكن الشاهد: محمد ﷺ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١]، والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-93> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب ابن عمر وابن الزبير ﵃ إلى أن المراد بالشاهد والمشهود في هذه الآية: يوم النحر، ويوم الجمعة، وكلا هذين اليومين مشهد عظيم يشهده الناس، فيوم النحر أعظم المشاهد في الدنيا؛ فإنه يجتمع فيه حُجَّاجُ المشرق والمغرب بمنى ومزدلفة، وهو عيد المسلمين، ويوم الجمعة يشهده المسلمون للصلاة وذكر الله، وتشهد فيه الملائكة من يحضر الصلاة الأول فالأول، وقال فيه ﷺ: (أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة) (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣٠/ ١٦٣ (٢٨٥٣٤)، من طريق محمد بن حميد الرازي، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن شِباك الضبي. والطبراني بمعناه في الأوسط ٩/ ١٨٢ (٩٤٨٢)، والصغير ٢/ ٢٦٣ (١١٣٧)، من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه. وأخرج قريبًا منه الثعلبي في تفسيره ١٠/ ١٦٥، والواحدي في الوسيط ٤/ ٤٥٨.\nوإسناده ضعيف؛ لتدليس المغيرة، وانقطاعه بين شِباك والحسن. وإسناد الطبراني ضعيف؛ لضعف يحيى بن عبد الحميد، وعبد الرحمن بن زيد. وينظر: مجمع الزوائد ٧/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٥٢٤ (١٦٣٧)، وجوَّدَ إسناده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٨، وقال المناوي في فيض القدير ٢/ ٨٧: (قال الدميري: رجاله ثقات).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ٣١/ ١٠٥.","vol":"1","page":165},{"text":"وأبى ذلك الحسنُ بن علي ﵁، وفسر الشاهد بالنبي ﷺ، والمشهود بيوم القيامة، واستدل لكلِّ معنى منهما بوروده كذلك في القرآن الكريم، فقال: (الشاهد: محمد ﷺ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١])، وكذلك قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب ٤٥]، وقال: (والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]). ووجه تقديمه لقوله على غيره؛ ورود ذلك المعنى في القرآن الكريم، وما كان كذلك فهو أولى من غيره؛ إذ القرآن يبين بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض.\n\n*<span data-type='title' id=toc-94> الحكم على الاستدراك:</span>\nلقد كثرت أقوال المفسرين وتنوعت في بيان المراد بهذه الآية تنوعًا كثيرًا (^١)، وبالتأمل نجد أن هذه الأقوال من قبيل الاسم العام الذي يمثل له المفسر بما يتناوله لفظه، وما هو أولى عنده، فهو من اختلاف التنوع، فتشمل الآية كلَّ راءٍ مُشَاهِد، وكلَّ مَرئيٍّ مُشَاهَد، وكلَّ شاهدٍ على أحد، ومشهود عليه. قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (الشاهِد: فاعل من شَهِد، والمشهود: مفعول منه، ولم يأتِ حديث صحيح يعيِّنه، فيجب أن يُطلَق على كلِّ شاهد ومشهود، وليس إلى التخصيص سبيل بغير أثر صحيح) (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود، مُطْلَقَيْن غير مُعَيَّنين، وأعَمُّ المعاني فيه: أنه المُدرِك والمُدرَك، والعالِمُ والمعلوم، والرائي والمَرئي، وهذا أليق المعاني به، وما عداه من الأقوال ذُكِرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص) (^٣).\n_________\n(^١) أوصلها ابن الجوزي إلى أربعة وعشرين قولًا، وقال ابن جزيّ: (ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولًا، يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولًا). زاد المسير (ص: ١٥٣١)، والتسهيل ٤/ ٣٥٧.\n(^٢) أحكام القرآن ٤/ ٢٨٠.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٩٥).","vol":"1","page":166},{"text":"واختار العمومَ في الآية من غير تعيين: ابنُ جرير (ت: ٣١٠) (^١)، وأبو حيّان (ت: ٧٤٥) وقال: (هذان مُنَكَّران، وينبغي حملهما على العموم) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-95>[٢٣] ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١].</span>\nعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه قال: (بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجلٌ يسألُ عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]؟ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]؟ فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابنَ عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقفت على رأسه قال: تُفتِي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحًا: من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. قال ابن عباس: فنَزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان ٣٠/ ١٦٥.\n(^٢) البحر المحيط ٨/ ٤٤٣.\n(^٣) أخرجه ابن وهب في تفسيره ٢/ ٧٠ (١٣٦)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٣٤٧، ٣٥١ (٢٩٢٤٣ - ٢٩٢٧٠)، وابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٣٩، وابن الأنباري في الأضداد (ص: ٣٦٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١١٥ (٢٥٠٧)، والثعلبي في تفسيره ١٠/ ٢٦٩، وعزاه ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٩٩ لابن مردويه، وكذا السيوطي في الدر ٨/ ٥٤٨ لابن الأنباري في المصاحف. من طريق أبي صخر حميد بن زياد، عن أبي معاوية البجلي، عن ابن جبير. وتابع أبا صخر عبدُ الله بن عيَّاش، كما هو عند ابن وهب في تفسيره.\nوإسناده حسن، وصححه الحَاكم، ومن شواهده:\n- ما أخرجه عبد بن حميد كما في الدر ٨/ ٥٤٨، وذكره الثعلبي في تفسيره ١٠/ ٢٦٩، وليس فيه رجوع ابن عباس إلى قول علي.\n- وشاهد آخر أخرجه ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٣٩، بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعي: (عن عبد الله بن مسعود ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]، قال: الإبل. وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغَ عليًّا قولُ ابنِ عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت). وأخرج أصله ابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٣٤٦ (٢٩٢٤٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٥٤٨ لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":167},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-96> تحليل الاستدراك:</span>\nفسر ابن عباس ﵁ العاديات في هذه الآية بأنها: (الخيل حين تغير في سبيل الله)، ثم زاد السائل مُبيِّنًا معنى الموريات قدحًا، فقال: (ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم)، أي: المجاهدون عليها في سبيل الله. ومأخذه في ذلك أن هذه الآية نزلت في بَعْثٍ بَعَثَه رسول الله ﷺ كما سبق في الشواهد (^١)، وأكَّدَ ذلك عنده ﵁ أن الضَّبحَ للخيل، إذ قال: (ما ضبحت دابَّةٌ قط إلا كلبٌ أو فرس) (^٢).\nوفسر علي ﵁ العاديات في الآية بأنها الإبل، حين تعدوا من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. ومستنده في أنها ليست في خيل الجهاد، أنه لم تكن غزوة قبل بدر، وسورة العاديات مكيَّة، ولو كانت في خيل الجهاد فأوّل غزوة كانت في بدر، فهي المرادة، ولم يكن معهم في بدر سوى فرسين، وهذا لا يتناسب مع الأوصاف المجموعة المُفَخَّمة للعاديات في الآيات، فليست إلا في إبل الحاجِّ حين تعدوا من عرفة، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات ٤] إلى مزدلفة، وهي: جمع، فهي المراد بقوله ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ٥]، ثم إلى منى، وقد يُراد بها الجمع، أي: جمع الحاجّ.\n_________\n(^١) أخرج الواحدي في أسباب النُّزول (ص: ٤٦٣) عن ابن عباس ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث خيلًا فأسهبت شهرًا لم يأته منها خبر فنَزلت ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾). وعزاه ابن حجر للبزار، والحاكم، وقال: (في إسناده ضعف). ينظر: فتح الباري ٨/ ٥٩٩، وتفسير مقاتل ٣/ ٥١٠.\n(^٢) أخرجه ابن جرير ٣٠/ ٣٤٦ (٢٩٢٤٠)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٩٩.","vol":"1","page":168},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-97> الحكم على الاستدراك:</span>\nيُشارُ ابتداءً إلى أن الآياتِ من أول السورة فما بعدها في سياق واحد، ولموصوف واحد، بدلالة العطف بالفاء؛ الدالِّة على الترتيب والتعقيب، وتسبُّب ما قبلها فيما بعدها (^١)، ومن ثَمَّ فينحصر الحديث بين من جعل الآياتِ كاملةً في الإبل في الحج، أو الخيل في الجهاد.\nوالراجح أنها في الخيل في الجهاد، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المُراد هو: الخيل) (^٢)، ومن دلائل ذلك:\nأولًا: أن العَدْوَ في الخيل أكمل وأشهر منه في الإبل، وخاصة في الجهاد في سبيل الله (^٣)، وتوجيه كلام الله تعالى إلى الأولى والأشهر من كلام العرب أولى وأحرى. (^٤)\nثانيًا: كما أن الضَّبح- وهو: الحمحمة، أو صوت النَّفَس عند العَدْوَ (^٥) - في الخيل أشهر منه في الإبل، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالعاديات: الخيل؛ وذلك أن الإبل لا تضبح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحًا، والضَّبح هو ما قد ذكرنا قبل)، ثم أسند عن علي ﵁ قال: (الضَّبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النَّفَس) (^٦)، وحيث قد ورد عن الصحابة تسمية صوت الإبل حالة عدوِها ضَبحًا، فلا سبيل إلى\n_________\n(^١) البحر المحيط ٨/ ٥٠١، والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٥).\n(^٢) التفسير الكبير ٣٢/ ٦١.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط ٨/ ٥٠١.\n(^٤) ينظر في التأكيد والتمثيل لذلك: جامع البيان ٨/ ١٦٩، ١٣/ ٧٢، ١٥/ ١٥٩، والمحرر الوجيز ٥/ ٣١٨.\n(^٥) مقاييس اللغة ٢/ ٥٩، ولسان العرب ٢/ ٥٢٣.\n(^٦) جامع البيان ٣٠/ ٣٤٧.","vol":"1","page":169},{"text":"نفيه عنها، وإنما يُقال: إنه في الخيل أظهر منه في غيرها. (^١)\nثالثًا: أن إيراء النار بحوافر الخيل حين عَدوِها، أوضح وأبين منه بأخفاف الإبل، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأيضًا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل) (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قال الجرجاني: كلا القولين قد جاء في التفسير، إلا أن السياق يدلُّ على أنها الخيل، وهو قوله تعالى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات ٢]، والإيراء لا يكون إلا للحافر؛ لصلابته، وأمَّا الخف ففيه لين واسترخاء). (^٣)\nرابعًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عند ذكره لقول من رجح أن المراد الخيل: (قالوا: والنقع هو الغبار، وإثارة الخيل بعَدوِها له، أظهر من إثارة أخفاف الإبل ..، قالوا: وأعظم ما يُثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيلُ جمع العَدوّ؛ لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان. وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي مُحَسِّر عند الإغارة فليس بالبَيِّن، ولا يثور هناك غبار في الغالب؛ لصلابة المكان) (^٤)، كما أن الإفاضة من عرفات، ثم من مزدلفة لا تحتمل هذا العَدْو، وليس هو فيها بمحمود؛ لأنه ﷺ كان ينادي: (السكينة السكينة) (^٥)، فلو وُجِدَ لما كان موضع تفخيم وتعظيم.\nخامسًا: المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، قال الشاعر (^٦):\nكأنَّ مَثَار النَّقعِ فوقَ رؤوسِنا … وأسيافنَا ليلٌ تهاوَى كواكِبه\n_________\n(^١) ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣)، ولسان العرب ٢/ ٥٢٣.\n(^٢) التفسير الكبير ٣٢/ ٦١.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣)، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ١٨٤.\n(^٤) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٣٢٧ (١٢١٨).\n(^٦) بشار بن برد، والبيت في ديوانه (ص: ١٤٦).","vol":"1","page":170},{"text":"أي لشدَّة الكرِّ والفرّ، وقال الآخر (^١):\nيخرجنَ من مستطير النَّقع داميةً … كأنَّ آذانَها أطراف أقلام\nسادسًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قالوا: وأمَّا قولكم: إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلٌ تجاهد، فهذا لا يلزم؛ لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزوٍ فأغارت، فأثارت النقع، وتوسَّطَت جمعَ العدوّ، وهذا أمر معروف، وذِكرُ خيل المجاهدين أَحَقُّ ما دخل في هذا الوصف، فَذِكره على وجه التمثيل لا الاختصاص، فإن هذا شأن خيل المقاتلة، وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين) (^٢)، ولا يمنع أن تكون مكيَّة وفيها إشارة إلى الجهاد (^٣).\nوقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو قول جمهور المفسرين وعامَّة اللغويين (^٤)، ومنهم: أبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والعوفي (ت: ١١١)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع (ت: ١٣٩) (^٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (^٦). وهو اختيار الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)،\n_________\n(^١) البيت بلا نسبة في أدب الكاتب (ص: ٨٧)، والأمالي، للقالي ٢/ ٢٥٢، ونَسَبَه في العقد الفريد ١/ ١٦١ لعدي بن الرقاع العاملي، وفي خزانة الأدب ١٠/ ٢٤٠ لعدي بن زيد العِبادي.\n(^٢) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٣).\n(^٣) كما في تفسير عمر ﵁ لقوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥]، وتفسير أبي سعيد الخدري ﵁ لأول سورة الروم. ينظر: جامع البيان ٢٧/ ١٤٢، و١٢/ ٢٦، وقد عنون ابن حبيب النيسابوري (ت: ٤٠٦) لمثل هذا النوع بقوله: (ما يشبه تنْزيل المدينة في السور المكية). ينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: ٤٢).\n(^٤) ينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ١٨٤، وزاد المسير (ص: ١٥٧٩)، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٠٥، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٠.\n(^٥) جامع البيان ٣٠/ ٣٤٥، وزاد المسير (ص: ١٥٧٩).\n(^٦) تفسيره ٣/ ٥١٠.","vol":"1","page":171},{"text":"وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن القيم (ت: ٧٥١) (^١).\nويَبعُدُ نزوع ابن عباس عن قوله إلى قول علي، كما في رواية الاستدراك؛ لأنه مُخالف لِما اشتهر عنه القول به، ولما في شواهدِ الاستدراك وسببِ النُّزول الذي اعتمده ابن عباس. وروايةُ ابن أبي حاتم في الشواهد أصح من رواية الاستدراك، ولا رجوع فيها، فمن ثَمَّ تكون زيادة رجوع ابن عباس ﵁ ضعيفة، أو أنها كانت في أول الأمر ثم اختار غير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ولمَّا علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورْيِ النار؛ تأَوَّلوا الآية على وجوهٍ بعيدة، فقال محمد بن كعب: هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة. وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات، وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم: الذين يغيرون، فيورون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم، كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة ٧١]، وهذا إن أُريدَ به التمثيل، وأن الآية تدلُّ عليه فصحيح، وإن أُريدَ به اختصاص الموريات فليس كذلك؛ لأن الموريات هي العاديات بعينها؛ ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب، فإنها عَدَتْ فَأَوْرَتْ. وقال قتادة: الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين. وهذا\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٨٤، وتفسير غريب القرآن (ص: ٤٦٦)، وجامع البيان ٣٠/ ٣٤٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٥٣، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١٥٤، والوسيط ٤/ ٥٤٤، وتفسير السمعاني ٦/ ٢٧٠، وأحكام القرآن، لابن العربي ٤/ ٣٣٣، والتفسير الكبير ٢٣/ ٦١، والبحر المحيط ٨/ ٥٠٠، والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٢).","vol":"1","page":172},{"text":"ليس بشيء، وهو بعيد من معنى الآية وسياقها، وأضعف منه قول عكرمة: هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما تتكلم به. وأضعف منه ما ذكر عن مجاهد: هي أفكار الرجال، توري نار المكر والخديعة في الحرب.\nوهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها، وأنها هي المراد فغلط، وإن أريد أنها أُخذَت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب، وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول (^١):\n١ - تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحُو إليه المتأخرون.\n٢ - وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف.\n٣ - وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحُو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ١ - أن لا يناقض معنى الآية، ٢ - وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، ٣ - وأن يكون في اللفظ إشعار به، ٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (^٢). فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا) (^٣).\nإن استنباط ما هو صالح من المعاني المتّصلة باللفظ مسألة هامَّة، ولها في تفاسير السلف أمثلة كثيرة، وقد بيّن بعض شرائطها ابن القيم (ت: ٧٥١) فيما سَمَّاه: \"التفسير\n_________\n(^١) ذكر قريبًا منها ابن عاشور في حديثه عن طرائق المفسرين، في المقدمة الرابعة لتفسيره. التحرير والتنوير ١/ ٤٢، وينظر: تفسير آيات أشكلت ١/ ١٤٩.\n(^٢) فلا يُقصَر معنى الآية عليه؛ لأنه تابع ومترتب على المعنى الأصلي للآية. قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عن استنباطٍ لبعض الصوفية اختلت فيه بعض هذه الشروط: (والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز). طريق الهجرتين (ص: ٥٠٧).\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٤)، وينظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٤٨، والوابل الصيب (ص: ١٧٩).","vol":"1","page":173},{"text":"على الإشارة والقياس\"، وإنما تطبيقها، وتحديد مجالها، ومنْزلتها من التفسير، ومتى يُلجَأُ إليها؟ ونحو ذلك، لا يزال بحاجة إلى بحث وجمع وتأمل (^١)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) مشيرًا إلى شيء من ذلك: (أما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دلَّ اللفظ عليه، ويجعلون المعنى المُشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حقٌّ إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا) (^٢)، وقال في حديثه عن إشارات الصوفية في التفسير: (فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام) (^٣)، وقال في طرق دلالة اللفظ على المعنى الصحيح: (القسم الثاني: أن يُجعَل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا، هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك) (^٤).\nوالاستدراك الآتي عن ابن عباس ﵁ من أشهر أمثلة علم \"الاستنباط\". (^٥)\n* * *\n_________\n(^١) أشار الشاطبي إلى بعض تلك الضوابط في الموافقات ٤/ ٢٠٨، ٢١٠، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣١، ٢٤٧.\nوقد يسّر الله تعالى بفضله إتمام كتاب: \"علم الاستنباط من القرآن .. المفهوم والمنهج\"، وطُبع سنة ١٤٤٠ هـ عن معهد الإمام الشاطبي بجدة، وذلك بعد عشر سنوات من هذه الإشارة إلى الحاجة إليه. وفيه حديثٌ مفصّلٌ عن مفهوم هذا العلم \"الاستنباط\"، وتاريخه، وشروطه، ومنهج العلماء فيه، وصلتُه بالتفسير، وغير ذلك.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٧٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١، وينظر: قانون التأويل (ص: ١٩١، ١٩٦، ٢٠٧).\n(^٥) ينظر: الموافقات ٤/ ٢١٠.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>[٢٤] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١].</span>\nعن ابن عباس ﵁ قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجدَ في نفسه، فقال (^١): لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم. فدعاه ذات يومٍ، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليُرِيهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١] فقال بعضهم: أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلَمَه له؛ قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، وذلك علامةُ أَجَلِك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ٣]. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-100> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا سأل عمرُ ﵁ الصحابةَ عن معنى قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١] سكت بعضهم، وفَسَّر بعضهم الآية بقوله: (أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا)، وهذا المعنى مأخوذ من ظاهر الآية، وهو المتبادر منها، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وقد كان عمر يسألُ ويسألُ عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سألَ أصحابه عن قوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، فذكروا ظاهر لفظها) (^٣)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه ﷺ أن\n_________\n(^١) القائل هو: عبد الرحمن بن عوف ﵁، كما في رواية الترمذي في الجامع ٥/ ٤٥٠ (٣٣٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٠٦ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ١١٠ - قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ٣]، برقم: ٤٩٧٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٧.","vol":"1","page":175},{"text":"يسبِّح بحمد ربِّه ويستغفره إذ نَصَره الله وفتح عليه) (^١).\nثمَّ لَمَّا توجَّه السؤال لابن عباس ﵁ قال بأنَّه: (أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلَمَه له)، وهذا خلوصٌ من الظاهر إلى باطن المعنى؛ وذلك أن الله تعالى عَلَّقَ الاستغفار بنعمةٍ يُحدِثها سبحانه وهي: الفتح على رسوله ﷺ، ودخول الناس في دينه. وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فَعُلِمَ أن سببَ الاستغفار غيرُه، (وهو حضور الأجل؛ الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه؛ ليلقى ربه طاهرًا مُطَهَّرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه) (^٢).\nكما أنه قد استقرّ في الشرع وموارد النصوص، تشريعُ الاستغفار والتوبة عند تمام الأعمال ونهايتها (^٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عن قول ابن عباس: (وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها، فإنه لمَّا أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة؛ علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أُخَر، وفوق كل ذي علم عليم) (^٤)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (يدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي ﷺ إذا سَلَّمَ من الصلاة استغفر ثلاثًا، وشرع للمُتَوَضِّئ بعد كمال وضوءه أن يقول: (اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين) (^٥)،\n_________\n(^١) الموافقات ٤/ ٢١١، وينظر: المحرر الوجيز ٥/ ٥٣٢.\n(^٢) إعلام الموقعين ٣/ ١٢٤.\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ٢٦٣، وطريق الهجرتين (ص: ٤٢٩)، وسرُّ الاستغفار (ص: ٢٧)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٨، وينظر: الموافقات ٤/ ٢١١.\n(^٥) أخرجه الترمذي ١/ ٧٨ (٥٥)، والطبراني في الأوسط ٥/ ١٤٠ (٤٨٩٥)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٨٦ (٧٣١)، وكذا ابن أبي شيبة ١/ ١٣ (٢٠)، عن عمر مرفوعًا، وعن علي موقوفًا، وأصله في مسلم ١/ ٤٧١ (٢٣٤)، وذكر الترمذي فيه اضطرابًا، وله شواهد يرتقي بها إلى القبول، ذكرها ابن حجر في تحفة الأبرار (ص: ٤١).","vol":"1","page":176},{"text":"فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دين الله أفواجًا، فكأنَّ التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشُرِعَ له الاستغفار عقيبها) (^١)، وقال أيضًا: (ويدل عليه أيضًا قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر ٣] وهو ﷺ كان يُسَبِّح بحمده دائمًا، فعُلِمَ أنَّ المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبَر من ذلك المُتَقَدِّم، وذلك مُقَدِّمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرَقِّيه إلى ذلك المقام بقيَّةٌ، فأُمِرَ بتَوْفِيَتِها) (^٢). وممَّا أكَّدَ المعنى عند ابن عباس ﵁ اجتهادُ رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة كأشَدِّ ما يكون اجتهادًا في أمرِ الآخرة (^٣)، وكذلك كونها آخر سورة نزلت جميعًا من القرآن (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-101> الحكم على الاستدراك:</span>\nما فهمه الصحابة من جلساء عمر ﵃ من الآية هو ظاهرها، وهو المعنى الصحيح، سواء أُريد به الحمد والاستغفار باللسان، أو بالصلاة والدعاء، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين، من أنه: قد أُمِرنا إذا فتح الله علينا المدائنَ والحصونَ أن نحمد اللهَ ونشكرَه ونسبحَه؛ يعني: نصلي له ونستغفره؛ معنى مليحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٣/ ١٢٦، وينظر: مدارج السالكين ١/ ٢٦٠، ٣٢٨، والصواعق المرسلة ٢/ ٥٠٧، وفتح الباري ٨/ ٦٠٦.\n(^٢) إعلام الموقعين ٣/ ١٢٤.\n(^٣) صَحَّ ذلك برواية ابن عباس في سنن النسائي الكبرى ٦/ ٥٢٥ (١١٧١٢).\n(^٤) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: (يا ابن عتبة: أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعًا؟ قلت نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: صدقت). أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٤٤١ (٣٠٢٤). وينظر في بقية الأدلة على هذا الوجه من التأويل: التفسير الكبير ٣٢/ ١٥١.","vol":"1","page":177},{"text":"يوم فتح مكة وقتَ الضُّحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأُجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسع عشرة يومًا يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ يوم فتح المدائن) (^١).\nوأمَّا قول ابن عباس ﵁ فهو من أدقِّ الفهم وألطفه، مُنتَزَعٌ من لفظ الآية، ومُتَبَصِّرٌ بلوازمها، ولا يُدركه كلُّ أحد، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمُهُ في العلم؛ ولهذا قال علي ﵁: أو فَهمًا يؤتيه الله رجلًا في القرآن) (^٢)، ولذا وافقه عليه عمر ﵁، وهو ما تأوَّلَه رسول الله ﷺ منها بفعله، فعن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى النبي ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، إلا يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأَوَّلُ القرآن) (^٣). كما تأوَّلها عدد من الصحابة بأنه حضور أجل رسول الله ﷺ (^٤)، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا المنْزع الذي ذكره ابن عباس، ذكره ابن مسعود وأصحابه، ومجاهد وقتادة\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٨٨٥.\n(^٢) فتح الباري ٨/ ٦٠٨، وينظر: إعلام الموقعين ٣/ ١٢٤، والوابل الصيب (ص: ١٣٧)، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: ٢٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٠٥ (٤٩٦٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٥٠ (٤٨٤). وينظر: التسهيل ٤/ ٤٣٠.\n(^٤) كأبي بكر، وعلي، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر ﵃. ينظر: فتح الباري ٨/ ٦٠٨، والدر المنثور ٨/ ٦٠١، ونقل الرازي اتفاق الصحابة على دلالة هذه السورة على نعي الرسول ﷺ. التفسير الكبير ٣٢/ ١٥١.","vol":"1","page":178},{"text":"والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي ﷺ ..، وقال لها مَرَّة: (ما أراه إلا حضور أجلي) (^١)، وتأوَّلَه عمر والعباس بحضرة رسول الله ﷺ، فصَدَّقَهما) (^٢).\nوعليه جمهور المفسرين (^٣)، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، والشاطبي (ت: ٧٩٠). (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-102>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: الحَثُّ على التأمُّل في معاني المعاني، ولوازمها، وربط الوحي- كتابًا وسُنَّةً- بعضَه ببعض، والغوص فيما وراء الألفاظ؛ للوقوف على مُرادات الله ورسوله ﷺ، قال الغزالي (ت: ٥٠٥): (من زعم أنه لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مُخبرٌ عن حَدِّ نفسه، وهو مُصيبٌ في الإخبار عن نفسه، مُخطِئٌ في الحكم بردِّ كافَّة الخلق إلى درجته التي هي حَدُّه ومَحَطُّه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في القرآن مُتَّسعًا لأرباب الفهم؛ ففيه رموزٌ وإشارات، ومعانٍ وعبارات، وتلويحٌ ودلالات، يختَصُّ بدَرْكها أهلُ الفهم من ذوي العنايات) (^٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والعلم بمُراد المتكلم يُعرَف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم عِلَّته، والحَوالَةُ على الأوَّل أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٥٨ مُعَلَّقًا بصيغة الجزم.\n(^٢) المحرر الوجيز ٥/ ٥٣٢، وينظر: الفتح السماوي ٣/ ١١٣٣.\n(^٣) زاد المسير (ص: ١٥٩٩).\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٥٣٠، وجامع البيان ٣٠/ ٤٣٣، والوجيز ٢/ ١٢٣٨، والمحرر الوجيز ٥/ ٥٣٢، والتفسير الكبير ٣٢/ ١٥١، ومجموع الفتاوى ١٦/ ٤١٨، وإعلام الموقعين ٣/ ١٢٤، والصواعق المرسلة ٢/ ٥٠٩، ومدارج السالكين ١/ ٣٢٨، والموافقات ٤/ ٢١٠.\n(^٥) إحياء علوم الدين ١/ ٢٨٩ باختصار وتصرُّف، وينظر: الكلمات البيِّنات، لمرعي الكرمي، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم: ٦٢، (ص: ٢٢).","vol":"1","page":179},{"text":"والفهم والتدبر) (^١)، (وإن شِئتَ أدخلتَ هذا في باب معنى المعنى، أي المعاني التي وراء المعاني، ولا ضيرَ أن تكون وراءها بمسافةٍ أبعد، أو أن تكون من باب مُستَتبَعات التراكيب، وهو بابٌ جليلٌ غَيَّبَه غُبار العُجمَة) (^٢).\nثانيًا: أنه قد يقوى المعنى الخَفيّ في الآية حتى يكاد يغيب معه المعنى الظاهر منها أو يكاد، ففي قول عمر لابن عباس ﵃: (ما أعلم منها إلا ما تقول) نفيٌ لما فهمه جلساؤه من الآية وهو ظاهرها، وهذا مُشكِل؛ فإن ما ذكره الصحابة ﵃ معنى صحيح لا شك فيه، والأخذ بالظاهر أصلٌ جرى عليه التفسير النبوي وتفسير الصحابةرضي الله عنهم - ومنهم عمر وابن عباس- في غيرما موضع. ويُجَاب عنه بأنه مبالغةٌ من عمر ﵁ في تصحيح قول ابن عباس وتأكيده، في مقابل قول جميع من حضر من الصحابة، وفيهم كبارهم من أشياخ بدر، ويشهد له سياق القصة؛ فإن عمر ﵁ قصدَ من ذلك إظهار فضل ابن عباس وعقله وعلمه، لَمَّا قالوا له: (لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم)، فكان أن وافقه أشد الموافقة بتلك الصيغة، وقد تكررت هذه العبارة من عمر لابن عباس ﵃ في غير هذا المقام، على نحو هذا المعنى، قال ابن عباس ﵁: (كان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: أرأيتم قول رسول الله: (التمسوها في العشر الأواخر)، أيُّ ليلةٍ ترونَها؟ قال: فقال بعضهم: ليلة إحدى. وقال بعضهم: ليلة ثلاث. وقال آخر: خمس. وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تتكلم؟! فقلت: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت. قال: فقال: ما أرسلت إليك إلا لتتكلم. قال: فقلت: أُحدِّثُكُم برأيي. قال: عن ذلك نسألك. قال: فقلت: السبع؛ رأيت اللهَ ذكر سبع سماوات، ومن\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٧.\n(^٢) قراءة في الأدب القديم، للدكتور محمد أبو موسى (ص: ٣٤)، وينظر: التحرير والتنوير ١/ ٤٢.","vol":"1","page":180},{"text":"الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع. قال: فقال: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم؟ ما قولك: نبت الأرض من سبع؟ قال: فقلت: إن الله يقول ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس ٢٦]، إلى قوله ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٣١]، والأبُّ: نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. قال: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه بعد؟! إني والله ما أرى القول إلا كما قُلتَ، وقال: قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم) (^١).\nثالثًا: العلمُ المستَنبَطُ على وجهه أقرب إلى علم النبوة وأعلى درجةً من غيره، قال تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٨٣]، فَخَصَّ الله تعالى أهل الاستنباط من أولي الأمر- وهم العلماء- بعلم حقيقة الأمر من الأمن أو الخوف، دون غيرهم من أهل العلم. (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-103>[٢٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢].</span>\nعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]، قال: (إنها لم تُنسَخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة ٢/ ٩٧٠ (١٩٠٤)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٧٥ (٢٨١٨٨)، وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٣٢٢ (٢١٧٢)، والحاكم في مستدركه ١/ ٦٠٤ (١٥٩٧)، والبيهقي في السنن ٤/ ٣١٣ (٨٣٤٢)، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن حجر في الفتح ١٣/ ٢٨٥.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٤/ ٩٤، وإعلام الموقعين ١/ ٣٩٧، والوابل الصيب (ص: ١٣٨).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٤/ ٤٠ (٥٩٦٥)، وابن المنذر في تفسيره ١/ ٣١٨ (٧٧٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٢٢ (٣٩١٠)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ٩٠)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٠٨. من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي المشهورة بصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد استقر الأمر على أن هذه الطريق من أحسن الطرق وأجودها عن ابن عباس، وقد اعتمد عليها كثيرًا البخاري في صحيحه، وابن أبي حاتم، وغيرهما من العلماء، وجمعها السيوطي في الإتقان ١/ ٢٣٠ في موضع واحد على ترتيب السور، من تفسيري ابن جرير وابن أبي حاتم. وينظر: إعراب القرآن، للنحاس ٣/ ٧٣، والعُجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٦، وفتح الباري ٨/ ٢٩٣، والإتقان ٢/ ٣٧٤، والدر ٤/ ٢٧٣.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":181},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-104> تحليل الاستدراك:</span>\nاستدرك ابنُ عباس ﵁ في هذه الآية قولًا مُطلَقًا ونفاه، وهو: أن هذه الآية منسوخة. وقد ذكر المفسرون مأخذَ من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وهو: أنه لَمَّا نزلت ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] شَقَّ ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله بعدها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] (^١). وبيان ذلك أن حقَّ التقوى على عموم لفظها في الآية هو: غايتها، فلا يقع في شيء من الإخلال بها، وهذا يعجز كُلُّ الناس عن الوفاء به، فأنزل الله التخفيفَ والأمرَ بالمُستطاع من ذلك. (^٢)\nثُمَّ ردَّ ابنُ عباس ﵁ القولَ بالنسخ في الآية، وأبان عن معناها فقال: (أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم)، وهو ما أَمَرَ الله به في غيرما آية من كتابه، وعلى لسان رسول الله ﷺ، وهو مُستَطاع من العبد وفي طاقته ووُسعِه؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومن ثَمَّ فالآيات مُتَّفِقات، ومعناها: اتقوا الله حَقَّ تُقاتِه فيما استطعتم؛ وذلك أنَّ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل الله تعالى الدين يُسرًا لا حَرَجَ فيه. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: ٢٢٦)، وجامع البيان ٤/ ٤١، وبحر العلوم ١/ ٢٨٨.\n(^٢) ينظر: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٥)، والمحرر الوجيز ١/ ٤٨٢، وزاد المسير (ص: ٢١٤).\n(^٣) ينظر: تفسير السمعاني ١/ ٣٤٥، والمحرر الوجيز ١/ ٤٨٣، والجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٠٢.","vol":"1","page":182},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-105> الحكم على الاستدراك:</span>\nيترجح في هذه الآية ما ذكره ابن عباس ﵁ من أنَّه لا نَسْخَ فيها، لأمور منها:\nأولًا: أن الأصل ثبات الحكم وبقاؤه، ولا يُصار إلى النسخ إلا ببَيّنةٍ من نصٍّ صحيحٍ صريحٍ يدلُّ عليه، قال ابن حزم (^١) (ت: ٤٥٦): (لا يجوز لأحد أن يحمل شيئًا من البيان على أنه نسخ رافع لأمر متقدم إلا بنصٍّ جَليّ في ذلك، أو إجماع، أو برهان ضروري)، وقال: (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ، إلا بيقين) (^٢).\nثانيًا: أن النَسخَ إنما يُصار إلى القول به عند تعذر الجمع، أمَّا والجمع ممكنٌ فالجمعُ أولى، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (ولا سبيل إلى نسخ قرآنٍ بقرآن، أو سُنَّة بسُنَّة، ما وُجِدَ إلى استعمال الآيتين، أو السُّنَّتَين سبيل) (^٣)، وقال القرطبي (ت: ٦٧١): (فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ) (^٤).\nثالثًا: أنَّ حكم الناسخ في باب النسخ يُقابل الحكم المنسوخ، (فلو قال: لا تتَّقوه حقَّ تقاته، كان نسخًا) (^٥)، قال النحاس (ت: ٣٣٩): (فهذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته، الرافع له، المزيل حكمه) (^٦).\n_________\n(^١) علي بن أحمد بن حزم الأندلسي القرطبي، أبو محمد الظاهري، الفقيه الحافظ، صنف: «المُجَلَّى» ثم شرحه في المُحَلَّى. والإحكام في أصول الأحكام، وغيرها، توفي سنة (٤٥٦). ينظر: السير ١٨/ ١٨٤، والبداية والنهاية ١٢/ ٨٢.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٤٧٦، ٤٩٧، وينظر: مذكرة أصول الفقه (ص: ١٦٣).\n(^٣) التمهيد ١/ ٣٠٧، وينظر: شرح الكوكب المنير ١/ ٢٩٨.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٥١.\n(^٥) المُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: ٢٢).\n(^٦) الناسخ والمنسوخ ١/ ٧٠، وينظر: ١/ ٢٨٢ طبعة: إبراهيم اللاحم.","vol":"1","page":183},{"text":"رابعًا: أن المعنى في قوله ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] مُستَقيم ومُتَّسِق مع ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومع ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وهو أمرٌ بالتقوى في حدود وُسعِ الإنسان واستطاعته، فآية التغابن مُبَيِّنةٌ للمراد بحق التقوى، ومن ثَمَّ فلا حاجة للنسخ هنا مع تمام المعنى في كُلِّ آية بذاتها، وتكاملها مع الآية الأخرى؛ إذ كتاب الله تعالى يُفَسِّر بعضه بعضًا، ويدلُّ بعضه على بعض، ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨] (^١).\nخامسًا: أن في آية آل عمران أمرٌ بما هو واجبٌ على المسلم، وهو تقوى الله تعالى على حقيقتها، وذلك يتضمن الأمر بعبادة الله وحده، وترك معاصيه كافَّةً، فكيف يقع في ذلك نسخ؟ (^٢)، وأُجيب: بأن هذا على معنىً ذكرتموه للآية، أمَّا لو قيل معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: القيام بحقوق الله في حال الخوف والأمن، وترك التَّقيَّة فيها. لَصَحَّ أن يُنسَخ ذلك في حال التَّقِّية والإكراه (^٣)، كما (أن فعل ما حظر الله في الشرع معصية، مادام الحظر قائمًا، كتحريم الأكل والجماع بعد النوم في الصوم، ثم لمَّا زال الحظر زال كونه معصية، وكذا تقوى الله بغاية ما بَلَغه الجهد، لا يُمنَع أن تُوجَب في وقت فيكون تركها معصية، ثم يُقتَصَر من الناس على مقدار الوُسع، فلا يكون ترك الجهد معصية) (^٤).\nسادسًا: أن الآيتين مدنيتان، ولم تنْزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا حرج فيه، وأن التكليف بما لا يُستَطاع مرفوع، فصار معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: فيما استطعتم، وهو معنى\n_________\n(^١) ينظر: زاد المسير (ص: ٢١٤)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: ٤٤)، وروح المعاني ٤/ ١٨.\n(^٢) نُقِلَ هذا عن أبي عليّ الجُبَّائي، ينظر: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٥)، وأحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٣٦، وتفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٧٦٢، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (ص: ٩٠).\n(^٣) الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٥)، وأحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٣٦.\n(^٤) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٧٦٢.","vol":"1","page":184},{"text":"قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. (^١)\nسابعًا: أن في القول بنسخِ هذهِ الآيةِ إثباتٌ للتكليف بما لا يُطاق في الآية الأولى، وهو مُمتَنِعٌ (^٢). وهذه حُجَّة من نَفى النسخ في الآية من المُعتَزِلة ومن تَبِعهُم من المُتَكَلِّمين، تصريحًا أو تضمينًا، كالجُبَّائي (^٣) (ت: ٣٠٣)، وأبي القاسم البلخي (^٤) (ت: ٣١٩)، والقاضي عبد الجبار (^٥) (ت: ٤١٤)، والزمخشري (^٦) (ت: ٥٣٨)، وهي مِمَّا تبع فيه البيضاويُّ (ت: ٦٨٥) صاحبَ الكَشَّاف (^٧).\nوليس في هذا الوجه تقويةٌ لقول من قال بعدم النسخ من السلف، وليس هو بحاجة إليه، وإنما ذُكِرَ هنا لِيُتَنَبَّه إلى تمييز مَآخِذ السلف في التفسير عن مآخِذ\n_________\n(^١) الموافقات ٣/ ٣٥٧.\n(^٢) يُنظر في تحقيق هذه المسألة: مجموع الفتاوى ٨/ ٢٩٥، وآراء المعتزلة الأصولية (ص: ٤٧٦)، وإتحاف ذوي البصائر ١/ ٥٣١، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ١/ ٣١٤.\n(^٣) محمد بن عبد الوهاب بن سلام البصري، أبو علي الجُبَّائي، رأس الاعتزال، تنتسب له طائفة الجُبَّائية، ألَّف تفسيره الذي قال عنه تلميذه أبو الحسن الأشعري: (ورأيت الجبائي ألَّف في تفسير القرآن كتابًا أَوَّلَه على خلاف ما أنزل الله ﷿، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجُبَّى- بين البصرة والأهواز- وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وما رَوى في كتابه حرفًا واحدًا عن أحدٍ من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه)، ثم وضع الأشعري تفسيره الكبير رَدًّا على تفسير شيخه وتصحيحًا. مات سنة (٣٠٣). ينظر: السير ١٤/ ١٨٣، وشذرات الذهب ٤/ ١٨، ١٣٠.\n(^٤) عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، أبو القاسم الكعبي المعتزلي، أحد رؤوس المعتزلة ودعاتهم، وتُنسَب إليه طائفة الكعبية منهم، صَنَّف «تفسير القرآن» وغيره، مات سنة (٣١٩). ينظر: معجم الأدباء ٤/ ١٤٩١، والسير ١٤/ ٣١٣.\n(^٥) عبد الجبار بن أحمد الهمداني، أبو الحسن الشافعي، القاضي المعتزلي، من شيوخ المعتزلة وغُلاتهم، صَنَّفَ تنْزيه القرآن عن المطاعن، وطبقات المعتزلة، مات سنة (٤١٤). ينظر: السير ١٧/ ٢٤٤، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٩٧.\n(^٦) ينظر:: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٥)، والكشاف ١/ ٣٨٦، والإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: ٨).\n(^٧) كما في: الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: ٨).","vol":"1","page":185},{"text":"المُبتَدعة فيه، واختلاف أصولِ كُلٍّ منهما، وإن تلاقت أقوالهما في مُقَدِّمةٍ أو نتيجة؛ فإن من الأصول المهمة عند السلف في منهج التَّلَقِّي: الاستدلال ثم الاعتقاد. وهذه مرتبة عالية من الموضوعية العلمية، وصورة صادقة لتعظيم النصوص، واعتقاد تمام الهداية فيها. أمَّا التوجُّه إلى النصِّ بمُقرَّرات سابقة، واعتقاد سابق للاستدلال، فهو إيذان بالانحراف في الفهم والنتيجة، وإن لاقى الصواب أحيانًا، كما أنه بابٌ عظيمٌ من أبواب تأويل النصوص وتحريفها، وقلَّة تعظيمها والاهتداء بها. (^١)\nقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (النوع الثاني من مُستَنَدَي الخلاف، وهو: ما يُعلَم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين، حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ..، إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها)، ثم قال عن هذا الصنف: (والأولون صنفان: تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دَلَّ عليه، وأُريدَ به، وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلّ عليه، ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خَطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حَقًّا فيكون خطأُهم في الدليل لا في المدلول) (^٢)، ثم مَثَّلَ لذلك بتفاسير المُعتَزلة ونحوهم. وقال أيضًا مُبَيِّنًا طريقة أهل الضلال والبدع في تفسير النصوص الشرعية: (يجعلون الألفاظ التي أحدثوها، ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تَبَعًا لهم، فيرُدُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نُفَسِّر القرآن بالعقل واللغة. يَعنُون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم، ثم يتأولون القرآن عليه، بما يُمكِنُهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف\n_________\n(^١) ينظر في آثار ذلك: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٢، والموافقات ٣/ ٢٩٠، وفي ظلال القرآن ٦/ ٣٩٧٩، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٨٤٠، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ١/ ٥٠٤، و٢/ ٧٦٨، ٧٧٣، والتفسير اللغوي (ص: ٥١٧)، وبابًا مُوَسَّعًا بعنوان «إخضاع النصوص القرآنية للأهواء والتعصبات والبدع»، في: أسباب الخطأ في التفسير ٢/ ٦٢١ - ٩١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٥٥.","vol":"1","page":186},{"text":"الكلم عن مواضعه ..، وهذه طريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكِبار والصغار، فهي طريق الجهمية، والمعتزلة، ومن دخل في التأويل من الفلاسفة، والباطنية، والملاحدة) (^١)، وقال الكافيجي (^٢) (ت: ٨٧٩): (فمن يجعل الرأي عِيَارًا لما جاء به القرآن، فيفسر القرآن على موافقة رأيه، تقريرًا لرأيه، ويترك المفهوم المُتعارف من اللفظ، ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة، فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة ..، وهذا منهم اعتقاد فاسد، فإن ترك ظاهر القرآن وعمومه، وتصويب رأي نفسه، ظاهر الفساد ومخالف للإجماع، إذ لا دليل يقتضي ترك العمل بالظواهر) (^٣).\nثامنًا: أنه المعروف من تفسير الصحابة ﵃، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: أن يُطَاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسَى، ويُشكَر فلا يُكفَر) (^٤)، وقال أنس بن مالك ﵁: (لا يَتَّقي اللهَ العبدُ حتى يَخْزُنَ لسانه) (^٥)، وهذه الأقوال كقول ابن عباس ﵁، وإنما تنوعت العبارة. وهو المروي عن جماعة المفسرين، كالربيع بن خثيم (^٦) (ت: ٦٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٧/ ٣٥٥.\n(^٢) محمد بن سليمان بن سعيد الرومي الحنفي، أبو عبد الله محي الدين، عرف بالكافيجي، عالم باللغة والنحو، صنف التيسير في قواعد علم التفسير، وغيره، توفي سنة (٨٧٩). ينظر: بغية الوعاة ١/ ١١٧، وشذرات الذهب ٩/ ٤٨٨.\n(^٣) التيسير في قواعد علم التفسير (ص: ١٣٨)، وينظر: التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ١٦٧).\n(^٤) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٧٩) (١٥٦)، وابن وهب في تفسيره ٢/ ٨٥ (١٦١)، وابن جرير ٤/ ٣٨ (٥٩٥٧)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٢ (٣٩٠٨)، وإسناده صحيح، ينظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٧٤٣، والفتح السماوي ١/ ٣٩١.\n(^٥) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٢.\n(^٦) ربيع بن خُثَيم بن عائذ بن عبد الله، أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مُخَضرم، من أجَلِّ أصحاب ابن مسعود ﵁، توفي سنة (٦٣). ينظر: السير ٤/ ٢٥٨، والتقريب (ص: ٣١٩).","vol":"1","page":187},{"text":"وطاووس (^١) (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وغيرهم (^٢).\nوقال بقول ابن عباس في عدم النسخ في الآية: طاووس (ت: ١٠٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، ومكي القيسي (^٣) (ت: ٤٣٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^٤).\nواختار النسخ في الآية: سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥) وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن حيَّان (^٥) (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والرُّمَّاني (^٦) (ت: ٣٨٤)، والواحدي\n_________\n(^١) طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الفارسي ثم الحِميَري الجَنَدي، المفسر الحافظ الفقيه، عالم اليمن، من كبراء أصحاب ابن عباس ﵁، توفي سنة (١٠٦). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٤٩، والسير ٥/ ٣٨.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٤/ ٣٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٢.\n(^٣) مكي بن أبي طالب القيسي، أبو محمد، إمام الأندلس في زمانه في الإقراء والتفسير والعربية، صَنَّفَ: الرعاية لتجويد القراءة، وتفسير المشكل من غريب القرآن، وغيرها، توفي سنة (٤٣٧). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٧١٢، والسير ٢١/ ٤٢٥.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٤/ ٤٠، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٤٥٢، والناسخ والمنسوخ، له (ص: ٩٠)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: ٢٠٣)، وتفسير السمعاني ١/ ٣٤٥، والمحرر الوجيز ١/ ٤٨٣، وزاد المسير (ص: ٢١٤)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: ٢٢)، والتفسير الكبير ٨/ ١٤١، والجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٠٢، ومجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١، والموافقات ٣/ ٣٥٧، والتحرير والتنوير ٤/ ٣٠.\n(^٥) مقاتل بن حيَّان النَّبَطي، أبو بسطام البلخي الخرَّاز، محدِّثٌ مفسِّر ثقة عالم، توفي في حدود (١٥٠)، قبل وفاة مقاتل بن سليمان. ينظر: السير ٦/ ٣٤٠، والتقريب (ص: ٩٦٨).\n(^٦) علي بن عيسى بن علي بن عبد الله، أبو الحسن الرُّمَّاني، اللغوي المفسِّر المُقرئ، جمع الرفض والاعتزال، وله مُصَنَّفات منها تفسيره: «الجامع لعلم القرآن»، توفي سنة (٣٨٤). ينظر: معجم الأدباء ٤/ ١٨٢٦، والسير ١٦/ ٥٣٣.","vol":"1","page":188},{"text":"(ت: ٤٦٨) (^١)، ونسبه الرَّسْعَني (^٢) (ت: ٦٦١) لأكثر المفسرين. (^٣)\nوذهب ابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^٤)، إلى أن من قال بالنسخ إنما أراد به البيان، إذ إطلاقه عليه كثير في كلام السلف. وعلى هذا لا تعارض بين من قال بأن الآية الثانية ناسخة للأولى، ومن قال أنها مُبيِّنَةٌ لها، كاشفةٌ عنها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-106>[٢٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ٢٠٠].</span>\nعن داود بن صالح (^٥) قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: (يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٨، وأحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: ٢٢٦)، وجامع البيان ٤/ ٤١، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٢٢، وبحر العلوم ١/ ٢٨٨، والجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٦)، والوسيط ١/ ٤٧٢.\n(^٢) عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر الرَّسْعَني الجزري، أبو محمد الموصلي الحنبلي، فقيه مفسر، صَنَّف في التفسير: مطالع أنوار التنْزيل، ورموز الكنوز، والقمر المنير في علم التفسير، توفي سنة (٦٦١). ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٢٢، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٠٧).\n(^٣) رموز الكنوز (ص: ١٩٠).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١، والموافقات ٣/ ٣٥٧، والتحرير والتنوير ٤/ ٣٠.\n(^٥) داود بن صالح بن دينار التَّمَّار المدني مولى الأنصار، صدوق. ينظر: الكاشف ١/ ٣٨٠، والتقريب (ص: ٣٠٦).\n(^٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص: ١٣٧)، وابن جرير في تفسيره ٤/ ٢٩٣ (٦٦٩٣)، وابن المنذر في تفسيره ٢/ ٥٤٤ (١٢٩٦)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٩ (٣١٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٧٠ (٢٨٩٧)، والواحدي في الوسيط ١/ ٥٣٨. من طريق مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة.\nوإسناده حسن لغيره، وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن مردويه، كما ذكر ابنُ كثير في تفسيره ٢/ ٨٣٤، وذكر له شاهدًا آخر عند ابن مردويه وقال عنه: (وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا).","vol":"1","page":189},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-107> تحليل الاستدراك:</span>\nما ذكره أبو سلمة في معنى الآية، هو عين ما أخبره به أبو هريرة ﵁ في قوله له: (أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها) (^١). وقول أبي هريرة ﵁ في أن معنى الرباط في هذه الآية: انتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد. معتمِدٌ على: صحَّةِ المعنى المذكور لُغةً (^٢)، فإن الرباط هو: الثبات والمُداومة، قال أبو عبيدة (^٣) (ت: ٢٠٩): (﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠] أي: اثْبتُوا ودُوموا. قال الأخطل (^٤):\nما زال فينا رِباطُ الخيل مُعْلَمةً … وفي كُلَيْبٍ رِباطُ الُّلؤْم والعارِ) (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه، كما في تفسير ابن كثير ٢/ ٨٣٤.\n(^٢) هذا الملحظ مُطَّرِدٌ في جميع تفاسير الصحابة، وحَقُّه أن يُذكَر في عرض أقوالهم؛ الصحيح منها والضعيف، والراجح والمرجوح، غير أنِّي لا أذكره إلا إذا كان له تعلُّقٌ مؤثر في موضع الخلاف في الآية.\n(^٣) معمر بن المثنى، أبو عبيدة التيمي مولاهم البصري، لُغَويٌ مُصَنِّف، بارعٌ في الغريب وأيَّام العرب، صنف: مجاز القرآن، وغريب الحديث، وغيرها، توفي سنة (٢٠٩). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: ٨٠)، والسير ٩/ ٤٤٥.\n(^٤) غياث بن غوث بن الصلت، من بني تغلب، والأخطل لقبٌ غلب عليه، كان نصرانيًا من أهل الجزيرة، وأخباره مع جرير والفرزدق كثيرة. ينظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٢٩٨، والأغاني ٨/ ٢٠١.\n(^٥) مجاز القرآن ١/ ١١٢، وينظر: تفسير ابن المنذر ٢/ ٥٤٥، ونزهة القلوب (ص: ٢٤١)، وتحفة الأريب (ص: ١٣٧).","vol":"1","page":190},{"text":"وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الراء والباء والطاء أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على: شَدٍّ وثَبَات) (^١).\nومن ثَمَّ فلُزوم موضع الصلاة لانتظار الصلاة، والمداومة على تلك الحال، رِباطٌ صحيح لُغَةً، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (وإنما سُمِّيَ انتظار الصلاة بعد الصلاة رباطًا؛ لأن كلَّ من صبر على أمرٍ يُقال: رَبَطَ قلبه عليه، وَرَبَطَ نفسَه، وقال لبيد (^٢):\nرابطُ الجَأشِ على كُلِّ وَجَل\nأي: صابرٌ ثابت) (^٣). وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأصل الرباط من الربط، وهو: الشَّدُّ، يُقال لكلِّ من صبر على أمرٍ: ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو: اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضًا راجعٌ إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس) (^٤). واعتمد أبو هريرة ﵁ كذلك في تحديد المراد بهذه اللفظة على معرفة حال من نزل فيهم القرآن، فقال: (أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه)، فصار المرادُ رِباطًا آخَرَ كان موجودًا في زمان النبي ﷺ وقت نزول القرآن، وهو: انتظار الصلاة بعد الصلاة. ثم ارتكز بيان أبي هريرة ﵁ لمعنى الآية على ما يصح أن يكون معنى لها من كلام النبي ﷺ (^٥)، وهو ما اصطُلِحَ على تسميته: التفسير بالسنة، فروى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ١/ ٥٠٧.\n(^٢) لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك، أبو عقيل الكلابي الجعفري، صحابي شاعر مشهور، عاش مائة وعشرين سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، مات بالكوفة سنة (٤١). ينظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٣٥، والإصابة ٥/ ٥٠٠.\nوالبيت في ديوانه (ص: ١٢٢).\n(^٣) الوسيط ١/ ٥٣٩، وينظر: المُفْهِم ١/ ٥٠٨.\n(^٤) التفسير الكبير ٩/ ١٢٧.\n(^٥) ينظر: الوسيط ١/ ٥٣٨.","vol":"1","page":191},{"text":"ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) (^١).\nأمَّا من ذهب إلى أن الرباط المُراد في الآية هو: مُلازمة الثغور في مواجهة الأعداء في الجهاد في سبيل الله، فقد اعتمدوا كذلك على صِحَّة هذا المعنى لُغةً، قال الشاعر (^٢):\nقومٌ رباطُ الخَيْلِ وَسْطَ بُيُوتِهِم … وأَسِنَّةٌ زُرقٌ يُخَلنَ نُجُومَا\nوقال الآخر (^٣):\nوَفِينا رباطُ الْخَيْلِ كُلُّ مُطَهَّمٍ … رجيلٍ كَسِرْحانِ الغَضى الْمُتأَوِّبِ\nبل جعله بعضهم أصل اللفظة في اللغة، وما عداه فمنقولٌ عنه، ومَجازٌ فيه (^٤)، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (وأصل المُرابطة: الرباط؛ أن يربط هؤلاء خيولهم، ويربط هؤلاء خيولهم في الثغر، كُلٌّ يُعِدُّ لصاحبه، وسُمِّيَ المقام بالثغور: رِباطًا) (^٥)، وقال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأرى أن أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيلهم، ثم استُعمِلَ ذلك في كل مقيم في ثغر، يدفع عمَّن وراءه من أراده من أعداءهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم، ممَّن بغاهم بشَرّ، كان ذا خيلٍ قد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤٨٧ (٢٥١).\n(^٢) البيت لليلى الأخيلية، ويُروى لحُميد بن ثور الهلالي. ينظر: الأمالي، للقالي ١/ ٢٥٢، وشرح ديوان حماسة أبي تمَّام ٢/ ١٠٧٣.\n(^٣) طُفيل الغَنَوي، والبيت ديوانه (ص: ٢٧).\n(^٤) المُراد بالمجاز هنا: ما يجوز استعماله فيه لُغةً، أي: المجاز اللغوي، ومنه كتاب أبي عبيدة: مجاز القرآن. ينظر: العمدة، لابن رشيق ١/ ٢٦٦، ومجموع الفتاوى ١٢/ ٢٧٧، والتفسير اللغوي (ص: ٣٣٥).\n(^٥) تفسير غريب القرآن (ص: ١٠٤)، وينظر: أساس البلاغة ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":192},{"text":"ارتبطها، أو ذا رُجلَة لا مركب له) (^١)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقول النبي ﷺ: (فذلكم الرباط)، إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المُنجِية، والرباط اللغويّ هو الأوَّل- أي: ملازمة الثغور-) (^٢). وأكَّدَ هذا المعنى أيضًا وروده في السنة النبوية في أحاديث كثيرة مشهورة تنطبقُ على هذا المعنى، منها: حديث أبي حازم عن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها) (^٣)، وحديث سلمان عن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجرِيَ عليه رِزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-108> الحكم على الاستدراك:</span>\nفي القول بأن الرباطَ بمعنى: ملازمة الثغور. أصلُ المعنى اللغوي لكلمة الرباط، نوع مُبالغة، بل هو معنىً لُغويٌ صحيح كغيره من المعاني، قال القرطبي (ت: ٦٧١) مُعَقِّبًا على قول ابن عطية (ت: ٥٤٦) السابق: (قلت: قوله: والرباط اللغويّ هو الأول. ليس بمُسَلَّم؛ فإن الخليل بن أحمد (^٥) أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرِّباط: ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا. فقد حصل أن انتظار الصلاة رباطٌ لُغَويٌّ حقيقة، كما قال ﷺ، وأكثر من هذا ما قاله الشيباني (^٦) أنه يُقال: ماءٌ مُترابط، أي: دائمٌ\n_________\n(^١) جامع البيان ٤/ ٢٩٤، وينظر: معاني القرآن، للنحاس ١/ ٥٣٠.\n(^٢) المحرر الوجيز ١/ ٥٦٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٠٠ (٢٨٩٢).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٥٣ (١٩١٣).\n(^٥) الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام اللغة والنحو، واضع علم العروض، صنف كتاب العين، ومات سنة (١٧٥). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: ٥٤)، ومعجم الأدباء ٣/ ١٢٦٠.\n(^٦) إسحاق بن مِرار الكوفي، أبو عمرو الشيباني مولاهم، لغوي راوية محدث، صنف كتاب الجيم، واللغات، وغريب الحديث، وغريب المصنف، وغيرها، مات مُعَمرًا سنة (٢١٣). ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٦٢٥، وبغية الوعاة ١/ ٤٣٩.","vol":"1","page":193},{"text":"لا ينْزح. حكاه ابن فارس (^١)، وهو يقتضي تعدية الرباط لُغةً إلى غير ما ذكرناه؛ فإن المُرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل فيعود إلى ما كان صبر عنه، ومن أعظمها وأهمها: ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نَصَّ عليه في التنْزيل في قوله ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠] على ما يأتي، وارتباط النفس على الصلوات، كما قاله ﷺ، رواه أبو هريرة وجابر وعلي، ولا عِطرَ بعد عروس) (^٢).\nفمن ثَمَّ يتَّضِح أن كِلا المعنيين السابقين للرباط- ملازمة الثغور في سبيل الله، وانتظار الصلاة بعد الصلاة- صحيحٌ لُغةً وشرعًا، على ما سبق بيانه، وكِلاهما مُقَدَّم على غيرهما، وهُما من نوع اختلاف التنوع، واختار ذلك: الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥) (^٣).\nويترجَّحُ القول بأن الرباط هو ملازمة الثغور في سبيل الله؛ لأنه أعظمُ معاني الرباط، وأهمُّها، وأشهرُها، وقد سبق دلالة السُّنة على عظمته، وكذلك أهميته، فهو مصلحة عامَّةٌ مُتَعدِّية، كما أنه أشهر معاني الرباط عند الإطلاق، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما قلنا معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروفُ من معاني الرباط، وإنما يُوَجَّهُ الكلامُ إلى الأغلبِ المعروفِ في استعمال الناس من معانيه دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك- مِمَّا يُوجِبُ صرفَه إلى الخَفِيّ من معانيه- حجةٌ يجب التسليمُ لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل) (^٤). وقال أبو الحسن الرُّمَّاني (ت: ٣٨٤): (والتأويل الأوَّل هو الوجه- أي: رابطوا في سبيل الله-؛ لأنه أظهر ما يلزم من الصبر\n_________\n(^١) مقاييس اللغة ١/ ٥٠٧، وفيه: (لا يَبْرَحْ).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠٦.\n(^٣) ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ١٠٦٨، والتفسير الكبير ٩/ ١٢٧، والجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠٦، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٠٢.\n(^٤) جامع البيان ٤/ ٢٩٤، وينظر: ٦/ ٣٣٧ ط/ التركي.","vol":"1","page":194},{"text":"على فرائض الله، واجتناب محارمه، وما يلحق من شدائد الدنيا في طاعته) (^١)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وحمل الآية على الأول أظهر- أي: الرباط في سبيل الله-، وما احتجَّ به أبو سلمة لا حُجَّةَ فيه، ولا سيَّما مع ثبوت حديث الباب (^٢)، فعلى تقدير أنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه) (^٣)، بل حمل بعضُ العلماء وصفَ النبي ﷺ لانتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط، على أنه تشبيهٌ بالرباط في سبيل الله، لشِدَّة ظهور المعنى فيه (^٤)، وقد يُفهَم من قول أبي هريرة ﵁ (أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه)، أمران:\nالأول: أن الرباط في الثغور في سبيل الله، أشهر معاني الرباط؛ ولذا بَدأ أبو هريرة بنفيه أولًا.\nالثاني: قد يُقال: معنى كلام أبي هريرة: أنه لو كان في زمان النبي ﷺ غزو يُرابطون فيه، لكان هو المعنى للآية. وقد ذكر ابن حجر (ت: ٨٥٢) أن قول أبي هريرة هذا ليس بلازم، فتكون إشارة أبي هريرة تلك مُرَجِّحٌ للمعنى الآخر.\nوهو أيضًا قول أكثر المفسرين (^٥)، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، وابن جريج (^٦) (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير\n_________\n(^١) الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٤٤).\n(^٢) هو حديث أبي حازم سهل بن سعد الساعدي السابق.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ١٠١.\n(^٤) كالقاضي عياض في مشارق الأنوار ١/ ٤٤٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٦٠، وابن القيم في مدارج السالكين ٢/ ٤٣٢.\n(^٥) ينظر: الوسيط ١/ ٥٣٨.\n(^٦) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد الرومي، مولى بني أميَّة، عالم مكة، ثقةٌ حافظ، طلب العلم كبيرًا، ولزم عطاء ثمانية عشر سنة، وتوفي سنة (١٥٠). ينظر: السير ١٨/ ٤٦٨، والتقريب (ص: ٦٢٤).","vol":"1","page":195},{"text":"(ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والرُّمَّاني (ت: ٣٨٤)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وأبو حَيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ومن مسائل هذا الاستدراك وفوائده:</span>\nأولًا: أن معرفة حال من نزل فيهم القرآن، مطلبٌ مهم لفهم القرآن، وهو من المُرَجِّحات المعتبرة عند السلف في التفسير، فأبو هريرة ﵁ رَجَّح قوله في هذه الآية، ونفى القول الآخر لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ. وقد نَصَّ على هذا الأمر الشاطبي (ت: ٧٩٠) فقال: (ومن ذلك- أي: ما يلزم معرفته- معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنْزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سببٌ خاصٌّ لا بُدَّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشُّبَه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ويكفيك من ذلك ما تقدم بيانه في النوع الثاني من كتاب المقاصد (^٢)؛ فإنَّ فيه ما يُثلِج الصدر، ويُورِثُ اليقين في هذا المقام، ولا بُدَّ من ذكر أمثلة تعين على فهم المُراد وإن كان مفهومًا)، ثم ذكر أربعة أمثلة على ذلك، منها: (قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم ٤٩]؛ فَعَيَّنَ هذا الكوكب لكون العرب عبدتْه، وهم خُزاعة، ابتدع ذلك لهم أبو كبشة، ولم تعبد العرب من الكواكب غيرها؛ فلذا عُيِّنَت) (^٣)،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٢١١، وتفسير غريب القرآن (ص: ١٠٤)، وجامع البيان ٤/ ٢٩٢، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٥٠١، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٥٠، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٥٣٠، والجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: ٣٤٥)، والوسيط ١/ ٥٣٨، والكشاف ١/ ٤٤٩، والمحرر الوجيز ١/ ٥٦٠، والبحر المحيط ٣/ ١٥٦، وفتح الباري ٦/ ١٠١.\n(^٢) الموافقات ٢/ ١٠١.\n(^٣) الموافقات ٤/ ١٥٤، ٢٦١. ويُنظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج ٥/ ٧١، والانتصار للقرآن ٢/ ١٨٤، ١٩٣، ١٩٧، ٣١٣، ٣٢٤، ومجموع الفتاوى ٧/ ١٠٦، وبدائع الفوائد ٣/ ٢٥.","vol":"1","page":196},{"text":"قال عطاء الخراساني (^١) (ت: ١٣٥): (إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل ٨١]؟، وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل ٨٠]؟، وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر، ألا ترى إلى قوله ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣]، يُعَجِّبُهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]؟، وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حَرّ) (^٢).\nثانيًا: أن التفسير النبوي غير الصريح، مُرَجِّحٌ شافعٌ لصحة المعنى؛ وتقديمِه على ما لم يكن كذلك.\nثالثًا: أن التفسير النبوي غير الصريح إذا قوبل بمثله فلا ترجيح بهما، ويُرَجَّح بغيرهما من وسائل الترجيح، وإنما يتَقَدمان بذلك على غيرهما من الأقوال.\nرابعًا: يترَجَّحُ معنىً من المعاني المُتساوية في الآية إذا كان أحدها هو الأصل لُغةً، وما عداه منقول عنه، أو مجاز فيه.\nخامسًا: أن حمل معاني كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر عند من نزل القرآن عليهم وبِلُغَتِهم أولى وأحرى من حمله على ما سواه من المعاني، وبهذا رَجَّح المفسرون كثيرًا من اختياراتهم، قال الدارمي (ت: ٢٨٠): (لا يُحكَم للأغرب من\n_________\n(^١) عطاء بن أبي مسلم ميسرة- وقيل: عبد الله- أبو عثمان الخراساني، المحدث المفسر، صنف: تنْزيل القرآن، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، توفي سنة (١٣٥). ينظر: السير ٦/ ١٤٠، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٦٤).\n(^٢) جامع البيان ١٤/ ٢٠٥. وينظر: شفاء الصدور (مخطوط، ص: ٢٥).","vol":"1","page":197},{"text":"كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان على أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب ..، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تُصرَف معانيها إلى العموم، حتى يأتي مُتَأَول ببرهان بَيِّنٍ أنه أُريد بها الخصوص؛ لأن الله تعالى يقول ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، فأَثْبَتُهُ عند العلماء أعَمُّه وأشَدُّه استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-110>[٢٧] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَ</span>ا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤].\nعن ابن عباس ﵁ قال: قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، ليس يعنون بذلك أن يَدَ اللهِ مُوثقَة، ولكنهم يقولون إنه بخيلٌ أمسكَ ما عنده، تعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا) (^٢).\n_________\n(^١) نقض الدارمي على المريسي ٢/ ٨٥٥. وينظر منه: ١/ ٣٤٤. وفي التأكيد والتمثيل لذلك ينظر: جامع البيان ١/ ٢٠٥، ٢/ ٥٣١، ٣/ ٣٠٧، ٣١١، ٥/ ١١١، ١٧٣، ٢٥٢، ٨/ ١٦٩، ١١/ ٢٠٢، ١٣/ ٧٢، ١٥/ ١٥٩، ٣٠/ ١٧، ٤٤٣، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ٢١٦، وإعراب القرآن، له أيضًا ٥/ ٨٣، والتفسير الكبير ١١/ ١٠٥.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٦/ ٤٠٥ (٩٥٥٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٧ (٦٥٧٦). من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. وقد تقدَّمت الإشارة إلى هذا الإسناد في الاستدراك رقم (٢٥) (ص: ١٤٥).\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":198},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-111> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابن عباس ﵁ في هذه الآية المعنى الحِسِّي لكلمة الغِلّ، وهو: الوِثاق، وهو ما يتبادر إلى الذهن عند اقتران هذه الكلمة بذكر اليد؛ ولِذا بدأ ابن عباس ﵁ بنفيه، ثُمَّ أثبت معنىً آخر لهذه اللفظة في هذه الآية، وهو أنَّ اليهود أرادوا بذلك: أنَّ الله بخيل، أمْسَك خيره عنهم. وهذا المعنى مأخوذٌ من سبب الآية، وسياقها، وعادة العرب في مثل هذا الأسلوب، وعادة اليهود في وصف الله ﵎ بمثل هذه النقائص. فأمَّا سبب الآية فقد ورد عن ابن عباس ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧): (أن الله كان قد بسط على اليهود، حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، وأخصَبَهم ناحيةً، فلمَّا عصوا الله في محمد ﷺ، وكَذَّبوا به، كفَّ الله عنهم ما بسط عليهم من السَّعَة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد الله مغلولة. لم يُريدوا إلى عنقه، ولكنهم أرادوا أنها مقبوضة، بمعنى ممسكة عن الرزق، فنسبوه إلى البخل) (^١)، وعن الكلبي (ت: ١٤٦) ومقاتل (ت: ١٥٠) قالا: (كانوا من أخصب الناس، وأكثرهم خيرًا، فلمَّا عصوا وبَدَّلوا نعمة الله كفرًا؛ كَفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم؛ فعند ذلك قالت يهود: كفَّ الله يده عنَّا، فهي مغلولة، أي: لا يبسطها علينا) (^٢).\nوأمَّا السياق ففيه دلالة على أن مُرادهم البخل وعدم الإنفاق، وذلك في رَدِّ الله تعالى عليهم، وإبطاله دعواهم بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]، فأثبَتَ نقيض دعواهم، وأنَّ يداه تعالى مبسوطتان بالعطاء والنفقة، لا يُنقِصهما شيء،\n_________\n(^١) الكشف والبيان ٤/ ٨٧، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٤.\n(^٢) تفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٦، وتفسير مقاتل ١/ ٣١٠، وفيه أنه قول عامَّتهم، لا قول بعض أفراد منهم كما في القول الأول، كما أنه عامٌّ في كفرهم بمحمد ﷺ، وغير ذلك ممَّا كفروا وفسقوا به. وينظر: النكت والعيون ٢/ ٥١.","vol":"1","page":199},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يمين الله ملأى لا يَغِيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مُنذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القَبضُ، يرفع ويخفض) (^١).\nوأمَّا إطلاق الغلِّ على اليد، وإرادة البخل به؛ فأسلوب عربي معروف نزل به القرآن، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما وصف تعالى ذكره اليدَ بذلك، والمعنى: العطاء؛ لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشُحٍّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى (^٢) في مدح رجل:\nيَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ … وَكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزَّادِ تُنْفِقُ\nفأضاف ما كان صفةَ صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد، ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى، فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم) (^٣)، والعرب تقول في مقابل ذلك للبخيل: جَعدُ الأنامل، ومقبوض الكَفِّ، ومغلول اليد، ومنه قول الشاعر (^٤):\nكَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِهَا … وَكُلُّ بَابٍ من الخَيْرَات مفْتُوحُ\nفَاسْتَبْدَلَتْ بَعدَه جَعْدًا أَنَامِلُه … كأنَّمَا وَجْهُه بالخَلِّ مَنْضُوحُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٠٤ (٧٤١١)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٦٧ (٣٧).\n(^٢) ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير، من بني بكر بن وائل، يلَقَّب بصَنَّاجة العرب، من فحول شعراء الجاهلية، أدرك أوائل عهد النبوة ولم يسلم على المشهور. ينظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٤٠، ٥٢، والأغاني ٩/ ٨٠.\n(^٣) جامع البيان ٦/ ٤٠٤، وينظر: نقض الدارمي على المريسي ٢/ ٦٩٩.\n(^٤) هو نَهَار بن توسعة البكري الخراساني، ينظر: الكشف والبيان ٤/ ٨٧، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٤.","vol":"1","page":200},{"text":"كما أنَّ من عادة اليهود- أخزاهم الله- وصف الله تعالى بكلِّ نقيصة، ممَّا يتنَزه عنه آحاد البشر، ونظير هذا قولهم فيما حكاه الله عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، وقد ورد أن قائل هذا من اليهود: فنحاص اليهودي- لعنه الله-، وهو قائل نفس العبارة السابقة في هذه الآيات كما سبق في سبب النُّزول. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-112> الحكم على الاستدراك:</span>\nتكاد تَتَّفق كلمة أهل التفسير على قول ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية، ولم أقف على من فسَّرَ الغِلَّ في هذه الآية بالوِثاق في اليد، على ما نفاه ابن عباس ﵁، وإنما ورد عن الحسن (ت: ١١٠) قوله: (معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما تبرّ به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل) (^٢)، قال البغوي (ت: ٥١٦) بعد ذكره لقول الحسن: (والأوَّل أولى- أي: قول ابن عباس-؛ لقوله ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]) (^٣)، ومراده أن قول الحسن بعيد عن سياق الآية، كما سبق بيانه.\nفقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو الصواب، وعليه جماهير المفسرين واللغويين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١) (^٤)، ومن أهل اللغة أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، والأخفش الأوسط (^٥)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠١. وقال الوزير المغربي (ت: ٤١٨): (حدثني بعض اليهود الثقات بِمصر: أن طائفةً قديمةً قالت ذلك- أي: يد الله مغلولة- بهذا اللفظ، لعنهم الله). المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٢٠١).\n(^٢) النكت والعيون ٢/ ٥١، زاد المسير (ص: ٣٩٥).\n(^٣) معالم التنْزيل ٣/ ٧٦.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٣١٠، وتفسير الثوري (ص: ١٠٤)، وجامع البيان ٦/ ٤٠٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٧، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٦، والنكت والعيون ٢/ ٥١.\n(^٥) سعيد بن مسعدة البلخي المجاشعي، أبو الحسن البصري، عرف بالأخفش الأوسط، من أعلام اللغة والنحو، صَنَّف معاني القرآن، والأصوات، مات سنة (٢١٥). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: ٦٦)، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٠.","vol":"1","page":201},{"text":"(ت: ٢١٥)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، والزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨) (^١). واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-113>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأنه قد يقع الاستدراك على قولٍ لم يُقَلْ، أو قيل ولم يشتهر؛ لغرض سَدِّ باب التأويل به، ولتأكيد القول المقابل، كما هو في هذا الاستدراك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-114>[٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [ال</span>تحريم ١٠].\nعن سليمان بن قَتَّةَ (^٣) قال: سمعت ابن عباس يُسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠]؟ قال: (أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف، ثم قرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ\n_________\n(^١) ينظر: مجاز القرآن ١/ ١٧٠، ومعاني القرآن، للأخفش (ص: ١٧١)، وتأويل مشكل القرآن (ص: ١٠٦)، وتفسير غريب القرآن (ص: ١٢٦)، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ١٨٩، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٣٣٤.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٦/ ٤٠٤، وبحر العلوم ١/ ٤٤٧، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٦، والكشف والبيان ٤/ ٨٨، والوسيط ٢/ ٢٠٥، والوجيز ١/ ٣٢٧، ومعالم التنْزيل ٣/ ٧٦، والجواب الصحيح ٤/ ٤١٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٢٠١.\n(^٣) سليمان بن قَتَّةَ التيمي، مولاهم البصري، المقرئ، من فحول الشعراء، قال ابن المديني: قَتَّةُ أمه. وثَّقَه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٣١١. ينظر: السير ٤/ ٥٩٦، وتعجيل المنفعة ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":202},{"text":"غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (^١) [هود ٤٦]) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-115> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابن عباس ﵁ أن يكون معنى الخيانة في هذه الآية: الزنا، وهو ما يسبق إلى الذهن خاصة في سياق ذكر الزوجات. وهو معنى وارد لُغةً؛ إذ مرد الخيانة إلى: خَوَنَ، وهو أصلٌ في التَّنَقُّص، قال لبيد (^٣):\nتَخَوَّنَها نُزُولي وارتِحالي\nومنه نقص الوفاء (^٤)، (ومُخالفة الحق بنقض العهد سِرًّا) (^٥)، ويعضد هذا الفهم في الآية قوله تعالى لنبيه نوح ﵇ عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦].\nثم ذكر ابن عباس ﵁ أن المُراد بالخيانة هنا: خيانة الدين؛ بمخالفته، أو النفاق فيه، وهو ما ورد صريحًا عنه ﵁ في قوله: (كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما) (^٦)، ولا شك في صحة هذا المعنى لغةً، قال عكرمة (ت: ١٠٥): (والخيانة\n_________\n(^١) هكذا قرأها ابن عباس ﵁: بنصب (عَمِلَ) و(غَيْرَ)، كما في الكامل في القراءات الخمسين (مخطوط، ص: ٢٠٤)، وجامع البيان ٢٨/ ٧٠، وهي قراءة سبعية قرأ بها الكسائي ويعقوب. ينظر: المبسوط (ص: ٢٠٤)، والإقناع ٢/ ٦٦٥.\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ١٣٠) (٣٥٥)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩٥ (١٢٣٤)، وسعيد بن منصور في سننه ٥/ ٣٥١ (١٠٩٢)، وابن أبي الدنيا في الصمت (ص: ١٦٠) (٢٦٩)، وابن جرير في تفسيره ١٢/ ٦٧ (١٤٠٧٠)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٥٣٨ (٣٨٣٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٢١٢ للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. من طريق موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّةَ، عن ابن عباس ﵁.\nوإسناده صحيح، وصححه الحاكم.\n(^٣) ديوانه (ص: ١٥٤).\n(^٤) مقاييس اللغة ١/ ٣٨٥.\n(^٥) المفردات (ص: ٣٠٥).\n(^٦) جامع البيان ٢٨/ ٢١٧ (٢٦٧١١).","vol":"1","page":203},{"text":"تكون على غير باب) (^١)، كما أن خيانة الدين على هذا المعنى واردةٌ في القرآن في غيرما شاهد، منها قوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال ٢٧]. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-116> الحكم على الاستدراك:</span>\nرُوي القول بأن الخيانة في هذه الآية خيانة عِرْضٍ عن عبيد بن عمير (^٣) (ت: ٦٨)، والشعبي (ت: ١٠٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن سيرين (ت: ١١٠)، وأبو جعفر الباقر (^٤) (ت: ١١٤)، وابن جريج (ت: ١٥٠) (^٥)، واستدلوا لقولهم بما يأتي:\nأولًا: قوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، فهذا ظاهر في أنه ليس من أهل نوح ﵇، فهو إذًا ليس ابنَه.\n_________\n(^١) جامع البيان ١٢/ ٦٧.\n(^٢) تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٦٢).\n(^٣) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد الليثي، أبو عاصم المكي، من مفاخر التابعين وكبارهم، ولد على عهد النبي ﷺ، مجمعٌ على ثقته، مات سنة (٦٨). ينظر: السير ٤/ ١٥٦، والتهذيب ٣/ ٣٨.\nوأثره هذا قال عنه ابن حجر: أخرجه ابن عبد البر بسند صحيح إليه. الفتح ١٢/ ٤٠.\n(^٤) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، لقب بالسَّجَّاد، ثقة فاضل عابد، من فقهاء المدينة من التابعين، مات سنة (١١٤) على الأصح. ينظر: السير ٤/ ٤٠١، والتهذيب ٣/ ٦٥٠.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٢٨/ ٦٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/ ٥٥، وزاد المسير (ص: ٦٥٦)، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٧٩٤. ويُلاحظ هنا أن بعضهم صَرَّحَ بفجور امرأة نوح، وبعضهم لم يُصَرِّح، وإنما قال: ليس بابنه. فقد يكون مُراده أنه ربيب نوحٍ ﵇، وإنما نُسِبَ إليه مجازًا، كما أشار إلى ذلك ابن كثير ٤/ ١٧٩٤، وأبو حَيَّان ٥/ ٢٢٧، ويعضده قراءة علي وعروة ﴿ونادى نوحٌ ابنها﴾ وهي قراءة شاذة، كما في تفسير القرطبي ٩/ ٣١، ٣٣. والذين صرحوا بفعل امرأة نوح ذلك هم: عبيد بن عمير، والحسن، وابن جريج، أما البقية فقولهم محتمل على ما سبق.","vol":"1","page":204},{"text":"ثانيًا: قوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، أي أن الذي ذكرت أنه ابنك، فسألتني أن أنجيَه عملٌ غيرُ صالحٍ، لأنه لغير رِشدَة - أي: ابن زنا-، فالهاء في قوله ﴿إِنَّهُ﴾ عائدة على الابن. (^١)\nثالثًا: قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، أي أن نوحًا ﵇ لم يكن يعلم أنه ليس منه، حتى أخبره الله تعالى.\nرابعًا: قوله تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فلم يقل مِنَّي، ويعضده قراءة علي وعروة بن الزبير (^٢) (ت: ٩٤): ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢]، أو ﴿ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] بفتح الهاء من غير إشباع، بمعنى: ابنها. (^٣)\nخامسًا: أنه المفهوم من قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] عند الإطلاق.\nسادسًا: أن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك بالله تعالى، وقد كانتا مُشركتين بالله، كما أخبرنا تعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠]، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين، وهو قول الحسن فيما ذكره عنه النَّقَّاش (^٤) (ت: ٣٥١)، قال: (خانتاهما بالكفر والزنا وغيره) (^٥). (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢٨/ ٧٠.\n(^٢) عروة بن الزبير بن العوَّام الأسدي القرشي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، أحد الفقهاء السبعة، أخذ عن خالته أم المؤمنين عائشة ﵂ فأكثر، مات سنة (٩٤). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٩١، والسير ٤/ ٤٢١.\n(^٣) ينظر: غرائب التفسير ١/ ٥٠٦، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣١، ٣٣.\n(^٤) محمد بن الحسن بن محمد الموصلي ثم البغدادي، أبو بكر النَّقَّاش، المُقرئ المُفَسر، صنَّفَ تفسيره: شفاء الصدور، والإشارة في غريب القرآن، وغيرها، مات سنة (٣٥١). ينظر: السير ١٥/ ٥٧٣، والبداية والنهاية ١١/ ٢٠٤.\n(^٥) بواسطة المحرر الوجيز ٥/ ٣٣٥.\n(^٦) هذه بعض مآخذ هؤلاء الأئمة في هذا القول، وليس فيه عندهم طعنٌ في النبوة، ولا غَضٌّ من الرسالة، ولو تحقق ذلك عندهم ما نطقوا بشيء منه، كيف وهم من أعلم الناس بمقام الأنبياء وحقوقهم؟! فما كان أغنى الآلوسي (ت: ١٢٧٠) ﵀ عمَّا قاله في أصحاب هذا القول عند هذه الآية. ينظر: روح المعاني ٢٨/ ٤٩٣.","vol":"1","page":205},{"text":"وذهب جمهور المفسرين (^١) - بل حُكِيَ فيه إجماعهم (^٢) -، إلى أن الخيانة هنا ليست خيانة عِرض، ثم تفاوتت أقوالهم في تحديدها:\n- فقيل المراد هنا: خيانة الدين، وهو قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والسدي (ت: ١٢٨) (^٣)، ثم فسر ابن عباس ﵁ ذلك بقوله: (كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف).\n- وقيل خيانتهما: نفاقهما، قاله الكلبي (ت: ١٤٦) (^٤)، وهو عائد إلى خيانة الدين. (^٥)\n- وقيل خيانتهما: نَميمتُهُمَا، قاله الضحاك (ت: ١٠٥) (^٦)، وهو عائد إلى خيانة الدين، وتفسير لقوله هناك.\nواستدلَّ أصحاب هذا القول بأمور، منها:\nأولًا: أن هذا المعنى واردٌ في القرآن في غيرما آية كما سبق.\nثانيًا: أن قوله تعالى ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢]، يدلُّ عليه، قال سعيد بن\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ١٧٧، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٧٩٤، وزاد المسير (ص: ٦٥٦).\n(^٢) نقل الإجماع في ذلك: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٣١، عن القشيري، وأبو حيَّان في البحر المحيط ٨/ ٢٨٩، نقلًا عن التحرير، والشوكاني في فتح القدير ٥/ ٣٣٩.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٨/ ٢١٦، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٧٢.\n(^٤) معالم التنْزيل ٨/ ١٧٠، وزاد المسير (ص: ١٤٥٤).\n(^٥) ينظر: النكت والعيون ٦/ ٤٦.\n(^٦) زاد المسير (ص: ١٤٥٤).","vol":"1","page":206},{"text":"جبير (ت: ٩٥) لمَّا سأله رجل: أرأيتك ابنَ نوح، ابنُهُ؟ فسبح طويلًا ثم قال: (لا إله إلا الله، يُحَدِّث الله محمدًا ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] وتقول ليس منه! ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن) (^١)، وورد نحوه عن الضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) (^٢).\nثالثًا: ويدل عليه كذلك دعاء نوح لربه تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، قال قتادة (ت: ١١٧): (سألت الحسن عنه- أي: ابن نوح-، فقال: نادى نوحٌ ابنه! لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فقال: لم يقل مِنَّي، فقلت له: يا أبا سعيد يقول ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] وتقول: ليس بابنه؟! قال: أفرأيت قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]؟ قال: قلت: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه (^٣). قال: إن أهل الكتاب يكذبون) (^٤).\nرابعًا: أن مقام النبوة يقتضي ذلك، وقد عصم الله أنبياءه من طَعْنٍ في أعراضهم، قال ابن عباس ﵁: (ما بَغَتْ امرأة نبي قَطّ) (^٥)، وقد صحَّ مثل ذلك عن ابن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) (^٦)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه؛ فإن الله سبحانه أغير من أن\n_________\n(^١) جامع البيان ١٢/ ٦٨.\n(^٢) المرجع السابق ١٢/ ٦٨.\n(^٣) الاستدلال باتفاق أهل الكتاب على أنه ابن نوح ﵇ جاء في مقام ترجيح قتادة لقوله، ولعل مراده: أن أهل الكتاب مع حرصهم على كل ما يقدح في النبوة، ويطعن في الأنبياء لم يقولوا ذلك، فغيرهم أولى بتركه.\n(^٤) جامع البيان ١٢/ ٦٦، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٣٢.\n(^٥) جامع البيان ١٢/ ٦٧، ٦٨.\n(^٦) المرجع السابق.","vol":"1","page":207},{"text":"يُمَكِّن امرأة نبيٍّ من الفاحشة؛ ولهذا غضب الله على الذين رموا أمَّ المؤمنين عائشة بنت الصدِّيق زوجَ النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكَلَّموا بهذا وأشاعوه؛ ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١١]، إلى قوله ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]) (^١)، وقال: (وليس المُراد بقوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] في فاحشة، بل في الدين؛ فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحُرمَة الأنبياء، كما قَدَّمنا في سورة النور) (^٢)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهُنَّ الكتابيَّات، وأما نكاح البَغِيّ فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديُّوثًا؛ ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغيّ حتى تتوب) (^٣).\nثم أجاب جمهور المفسرين عمَّا استدل به أصحاب القول الأول بما يأتي:\nأولًا: استدلالهم بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، لا حجة فيه، إذ المعنى: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجِيَهم؛ لأنه ليس على دينك. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أُنجيَهم؛ لأنه كان لدينك مُخالفًا، وبي كافرًا) (^٤)، وهذا على عادة العرب\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٧٩٤.\n(^٢) المرجع السابق ٨/ ٣٥٧٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٧٣، وينظر: تفسير آيات أشكلت ١/ ١٨٥، والإحكام، للآمدي ١/ ٢٢٧، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٦٩.\n(^٤) جامع البيان ١٢/ ٦٩.","vol":"1","page":208},{"text":"في حَذف ما عُلمَ من الكلام لدلالة ما ذُكِرَ عليه، فالمُراد: ليس من أهل دينك، فحذف كلمة \"دينك\"، وهو نظير قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف ٨٢]. (^١)\nثانيًا: استدلالهم بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، وأن الهاء في قوله ﴿إِنَّهُ﴾ عائدة على الابن؛ لأنه من غير نكاح صحيح. غير مُسَلَّم؛ لأن السياق يدُلُّ بفاء الترتيب والتعقيب- التي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها- في قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، على أن المُراد: إن سُؤالكَ إيايَ أن أنجيَ من كفر بي، ووالى أعدائي، بعد أن دعوتني أن لا أَذَرَ على الأرض منهم أحدًا، عملٌ غير صالح. وهو ما وقع عليه العتاب في هذه الآية، وليس يُعاتب الله تعالى أحدًا بأمر لا يعلمه، ولا سبب له فيه.\nثم إن قراءة ابن عباس التي ساقها لتأكيد هذا المعنى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، تؤكد ما ذُكرَ، وليس يخفى أنَّ من فوائد القراءات تبيين المعنى، وإزالة ما فيه من إشكال، قال الزجاج (ت: ٣١١): (والقراءة في هذا ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، و﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، وهما يرجعان إلى معنىً واحد، وذلك أن تأويل ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]: أنه ذو عملٍ غير صالح، وكل من كفر فقد انقطع نسبه من أهله المؤمنين، لا يرثهم ولا يرثونه) (^٢).\nثالثًا: وأمَّا قولهم في قوله تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]: ولم يقل: مِنِّي. واستشهادهم بقراءة: (ونادى نوحٌ ابنها) [هود ٤٢]، فأجاب عنه أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) بقوله: (ويمكن إن نُسِبَ إلى أمه، وأُضِيفَ إليها، ولم يُضَف إلى أبيه؛ لأنه كان كافرًا مثلها، يُلحَظُ فيه هذا المعنى، ولم يُضَف إليه استبعادًا له، ورعيًا ألاَّ يُضافَ إليه كافر، وإنما ناداه ظنًّا منه أنه مؤمن، ولولا ذلك ما أحب نجاته، أو ظنًّا منه أنه يؤمن إن كان كافرًا؛ لِمَا شاهد من\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق.\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه ٥/ ١٩٦، وينظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص: ٣١٥).","vol":"1","page":209},{"text":"الأهوال العظيمة) (^١). والقراءة المذكورة شاذَّة (^٢)، وتوجيهها على ما سبق.\nرابعًا: وأما قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، فالمُراد به: لا تسألنِ ما ليس لك به علمٌ بجواز مسألته، وذلك أنه سألَ ربَّه نجاة ابنه مع كفره، ولم يسبق له أن علم المنع من ذلك، وقيل المُراد: سؤاله في إنجاء كافر- لم يعلم بكفره- من العذاب. (^٣)\nخامسًا: وأما قولهم: إنه المفهوم من قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] عند الإطلاق. فالخيانة تكون على غير باب كما سبق (^٤)، وفي القرآن شواهد لذلك، كما أنه يمتنع إرادة المعنى المذكور لمُعارضته أصلًا شرعيًا مُعتَبرًا، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهو: أنَّ كُلَّ تفسير خالف القرآن، أو السنة، أو إجماع الأمة فهو رَدّ، كما أن كل تفسير يطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو ردٌّ كذلك.\nسادسًا: أما قولهم: إن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين. فهو صحيح من وجه، ولكنه هنا مُنتَفٍ لتعلقه بجانب نبيٍّ معصوم في نفسه وعِرضه، كما أن هناك فرقًا بين كِلا الجريمتين، أبان عنه الزمخشري (ت: ٥٣٨) بقوله: (ولا يجوز أن يُراد بالخيانة الفجور؛ لأنه سمجٌ في الطباع، نقيصةٌ عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه، بل يستحسنونه، ويسمونه حَقًا) (^٥).\nومن ثَمَّ فإن القول الثاني هو الصواب في هذه الآية، وهو: أن الخيانة كانت في الدين، ولم تكن بالزنا. وهو ما ذكره ابن عباس ﵁، وجماهير المفسرين، وثبت\n_________\n(^١) البحر المحيط ٥/ ٢٢٧.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣١، ٣٣، والمرجع السابق.\n(^٣) ينظر: الوجيز ١/ ٥٢٢، وزاد المسير (ص: ٦٥٧).\n(^٤) وينظر: تحصيل نظائر القرآن (ص: ٧٩)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: ١٩٩)، ونزهة الأعين النواظر (ص: ٢٨١).\n(^٥) الكشاف ٤/ ٥٥٩.","vol":"1","page":210},{"text":"أيضًا بما سبق ضعف القول الأول وشذوذه، وقد جعله الكرماني (^١) (ت: بعد الخمسمائة) من قسم العجيب في الآية (^٢)، وهو ما فيه أدنى خلل ونظر (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: في قول قتادة (ت: ١١٧) للحسن (ت: ١١٠): (ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه) في سياق استدلاله على صِحَّة قوله وترجيحه له، إشارةٌ إلى أن أقوال أهل الكتاب وأخبارهم تعتبر مُرَجِّحًا في التفسير، خاصَّةً ما اتفقوا عليه وثبت عنهم، وهو كذلك، وهذا من فقه السلف في الاستدلال، وقد ورد الترجيح بنحو ذلك عن عدد من مُفَسِّري السلف. (^٤)\nثانيًا: ظهور أثر مسألة عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في التفسير، فقد كانت من أسباب اختلاف المفسرين في كثير من المواضع المتعلقة بهذا الجانب، وهي راجعة إلى تأثر المفسر بمنهجه العقدي في تفسيره، وحمله معاني القرآن الكريم على ما لا يُخالف اعتقاده، فضلًا عمَّا يُبطله بوجه من الوجوه. (^٥)\n* * *\n_________\n(^١) محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، برهان الدين أبو القاسم تاج القراء، النحوي المقرئ المفسر، صنف: غرائب التفسير، وتوفي بعد (٥٠٠). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٦٨٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٠٨).\n(^٢) غرائب التفسير ٢/ ١٢٢٧.\n(^٣) المرجع السابق ٢/ ١٤١٣.\n(^٤) كما في الدر ٥/ ٤٤٧ عن كعب الأحبار، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٦١ عن ابن عباس ﵁، وسؤالاته لأبي الجلد في تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٥٥، والزاهر، لابن الأنباري ٢/ ٣١٧، والدر ١/ ١٠٢، وسؤالاته لكعب الأحبار في تفسير ابن وهب ١/ ٢٩، ٢/ ٨٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٩٦، ٢٥٩٧، والدر ٥/ ٣٩٦، و٧/ ١٥٦.\n(^٥) ينظر في التأصيل والتمثيل لأثر هذا الجانب في التفسير: أسباب اختلاف المفسرين (ص: ١١٩)، وسبقت الإشارة إلى شيء من ذلك في الاستدراك رقم (٢٤) (ص: ١٤٨).","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>[٢٩] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢].</span>\nعن ابن عباس ﵁ قال: (ليس فيها بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون على مقدار ذلك بالليل والنهار). وفي لفظ: (يؤتون به على تفاريق الليل والنهار) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-119> تحليل الاستدراك:</span>\nالبُكرة هي الغُدوَة أول النهار، والعَشيّ آخره (^٢)، وقد نفى ابن عباس ﵁ أن يكون رزق أهل الجنة فيها وقتي البكور والعشيّ كما هما في الدنيا؛ لأنهما من أثر تحول الشمس ومسيرها من الشرق إلى الغرب، وقد أخبر الله تعالى أن أهل الجنة ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان ١٣]، فإذا زال السبب زال المُسَبَّب. ثم بَيّن ﵁ المُراد بالآية: أن أهل الجنة يأتيهم رزقهم فيها على تفاريق الأوقات، وفي أحايين متفاوتة، على قدر هذين الوقتين وما بينهما، كما كانوا يعهدونهما في الدنيا؛ لأنه لا ليل هناك ولا نهار. ونحو هذا الأسلوب في كتاب الله قوله تعالى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢]، أي: قدر شهر. وقوله ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩]، وقوله ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف ٥٤]، يعني به: من أيام الدنيا. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-120> الحكم على الاستدراك:</span>\nما اختاره ابن عباس ﵁ في الآية معنىً صحيح؛ تجتمع به آيتا مريم والإنسان، وهو جارٍ على عادة القرآن في مخاطبة من نزل عليهم بما يعهدون\n_________\n(^١) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ١٨٧) (٥٨٠)، والبستي في تفسيره ١/ ٢٠٠ (١٦١)، واللفظ الثاني له، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٤٦٥ لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق سعيد بن سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵁.\nوإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فالضحاك لم يلق ابن عباس.\n(^٢) القاموس المحيط (ص: ٣١٩، ١١٨٠).\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٦/ ١٢٨، والجامع لأحكام القرآن ١١/ ٨٥، ومجموع الفتاوى ٢/ ٤٩٤.","vol":"1","page":212},{"text":"ويعرفون، ومن عُرفِ المُخاطب هنا أنهم كانوا يتنعمون بأرزاقهم في الدنيا في هذين الوقتين، بل يرون من علامات الخير والنعمة أن يصيب أحدهم الغداء والعشاء في يومٍ في هذين الوقتين، فعن يحيى بن أبي كثير (^١) (ت: ١٣٢) قال: (كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاءً وغداءً فذاك الناعم في أنفسهم، فأنزل الله ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]: قدر ما بين غدائكم في الدنيا، إلى عشائكم) (^٢)، ونحوه عن الحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (^٣)، وقال مجاهد (ت: ١٠٤): (ليس بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا) (^٤)، وقال الحسن (ت: ١١٠): (خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش؛ فوصف الله ﷿ جنته بذلك) (^٥). ثم إن (اليوم اللغوي وإن كان محدودًا بطلوع الشمس إلا أن له مقدارًا من امتداد الزمان معقولًا) (^٦)، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (ونحن لا نعرف دهرًا لا يختلف له وقت، ولا يُرى فيه ظلامٌ ولا شمس، فأراد الله جل وعز أن يُعَرِّفنا من حيث نفهم ونعلم أحوالَ الجنةِ في مأكلهم، واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البُكرةَ والعشيّ مثلًا، إذ كانا يدُلان على العشاء والغداء، وروى عبد الرزاق (^٧)، عن معمر، عن قتادة أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه ذلك، فأخبرهم الله ﵎ أن لهم في الجنة هذه الحال التي تعجبهم في الدنيا) (^٨).\n_________\n(^١) يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت عابد، مات سنة (١٣٢). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٧٣، والتقريب (ص: ١٠٦٥).\n(^٢) جامع البيان ١٦/ ١٢٨، والدر ٥/ ٤٦٦.\n(^٣) ينظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦١، وجامع البيان ١٦/ ١٢٩، والدر ٥/ ٤٦٦.\n(^٤) تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٣٢، وجامع البيان ١٦/ ١٢٨.\n(^٥) معالم التنْزيل ٥/ ٢٤٣، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٣٧.\n(^٦) أجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: ٥٧)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٦٥).\n(^٧) تفسيره ٢/ ٣٦١.\n(^٨) تأويل مشكل القرآن (ص: ٥٦).","vol":"1","page":213},{"text":"ثم إن مجيء رزق أهل الجنة على هذه الصفة هو أكمل الوجوه فيه، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه)، كما أن العرب تفضله كذلك، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (فإن الناس يختلفون في مطاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وَجَد، لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه الأحوال للطاعم وأنفعها، وأبعدها من البَشَم والطَّوى على العموم: الغداء والعشاء، والعرب تكره الوجبة، وتستحب العشاء، وتقول: تَرْكُ العشاء مَهرَمة) (^١). ثُمَّ إن من عادة القرآن تقريب نعيم الجنة للسامع بما يعرف ويعهد في الدنيا؛ ترغيبًا له وتشويقًا، في حين أن ما في الجنة لم يخطر على قلب بشر، كما قال ﷺ (^٢). وقد ورد في السنة ما يشهد للمعنى الذي ذكره ابن عباس في بكور وعشي الجنة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) الحديث، وفي آخره: (قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرةً وعشيًّا) (^٣)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (قوله: (يسبحون الله بكرةً وعشيًّا) أي: قدرهما) (^٤)، وعن ابن عباس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (الشهداء على بارقِ نَهرٍ ببابِ الجنة، في قُبَّةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشيًّا) (^٥).\nواختار قولَ ابن عباس ﵁ في هذه الآية غيرَ من سبق: يحيى بن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، والفراء (ت: ٢٠٧)، والأخفش الأوسط (ت: ٢١٥)، وابنُ جرير\n_________\n(^١) تأويل مشكل القرآن (ص: ٥٦).\n(^٢) فيما أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٧٥ (٤٧٧٩)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٩٨ (٢٨٢٤).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٦٧ (٣٢٤٥)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٠٣ (٢٨٣٤).\n(^٤) فتح الباري ٦/ ٣٧٥.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٦٦ (٢٣٩٠)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٨٤ (٢٤٠٣) وصححه، وابن حبان في صحيحه ١٠/ ٥١٥ (٤٦٥٨)، والطبراني في الأوسط ١/ ٤٥ (١٢٣)، وإسناده حسن.","vol":"1","page":214},{"text":"(ت: ٣١٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، ونسبه لأهل التفسير، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-121>[٣٠] ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣].</span>\nعن ابن عباس ﵁ قال: (ليس هو بالنكاح الحَلال، ولكن: الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زانٍ أو مشرك، وحُرِّمَ ذلك على المؤمنين، يعني: الزنا) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-122> تحليل الاستدراك:</span>\nفسَّر ابن عباس ﵁ النكاح في الآية بالوطء، وهو أحد معانيه لُغَةً (^٣)، ويكفي في ثبوته تصريح ابن عباس ﵁ بهذا المعنى، ومنه قول الأعشى (^٤):\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٣٢، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ١٧٠، وجامع البيان ١٦/ ١٢٨، وإعراب القرآن، للنحاس ٣/ ١٦، والوسيط ٣/ ١٨٨، ومعالم التنْزيل ٥/ ٢٤٣، والمحرر الوجيز ٤/ ٢٣، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٣٦.\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٢٢١) (٧١١)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٢٧ (٢٠٠٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ٥٤٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥٢١ (١٤١٢١)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٢١١ (٢٧٨٦)، والبيهقي في سننه ٧/ ١٥٤ (١٣٦٤٥)، والضياء في المختارة ١٠/ ١٥٠ (١٤٨)، والثعلبي في تفسيره ٧/ ٦٦، وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ١١٨ للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه. من طريق الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁. وفي تفسير الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، به.\nوإسناده صحيح، وصححه الحاكمُ، وابنُ كثير في تفسيره ٦/ ٢٤٦١. وله شاهد من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أخرجه ابن جرير في تفسيره ١٨/ ٩٨ (١٩٥٠٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: ١٩٧).\n(^٣) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٥٨١، والقاموس المحيط (ص: ٢٢٣).\n(^٤) ديوانه (ص: ١٢٠).","vol":"1","page":215},{"text":"ومَنْكُوحَةٍ غَيْر مَمْهورَة … وأُخرَى يُقَالُ لَهُ فَادِها\nوقال الفرزدق (^١) (ت: ١١٠):\nوذاتُ حَليلٍ أنكحَتْنا رِمَاحُنَا … حلالًا لِمَنْ يبنِي بها لَمْ تُطَلَّقِ\nوقد جاء النكاح بمعنى الوطء في كتاب الله تعالى في قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠]، كمَا قَوَّى هذا المعنى عنده ﵁ قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣]، أي: الزنا. وأيضًا فإن السياق في بيان عقوبة الزنا وشناعته، فكانت هذه الآية مُنَفِّرةً منه، ومُبيِّنَةً لقبح حال فاعله؛ لأنه لا يُطاوع الزاني إلا فاجرةٌ من النساء، أو كافرةٌ لا ترى حُرْمَته، وقد أفاد هذا المعنى أن الرجل والمرأة سواء في اسم الزنا وحكمه، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها زانٍ، وإن اختلفا في الدين، ويفيد ذلك مُساواتهما في الحدِّ- إن كانا مُسلمين-، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما إلى ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) همام بن غالب بن صعصعة التميميّ البصري، اشتهر بلقبه، أشعر أهل زمانه مع جرير والأخطل، مات سنة (١١٠). ينظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٢٩٨، والأغاني ٢١/ ١٩٣. وقصَّةُ البيت فيهما: ٢/ ٣٣٦، و٢١/ ٢١٣.\nوقد أنكر الزَّجاج (ت: ٣١١)، والأزهري (ت: ٣٧٠)، وتبعهما الزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) أن يكون في القرآن النكاحُ بمعنى الوطء، وقد ثبت هذا المعنى في كلام العرب، كما ثبت بتفسير ابن عباس ﵁، بل قيل إن الأصل في النكاح لُغَةً: الوطء، ثم سُمِّيَ العقد نكاحًا لأنه سبب إليه. ينظر: كتاب العين ٤/ ٢٦٣، وتهذيب اللغة ٤/ ٦٤، والصَّحاح ١/ ٤١٣، ونزهة الأعين النواظر (ص: ٥٩٠)، والإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: ١٩٤).\nولعل مُراد من نفى: مجيئه بمعنى الوطء فقط، لا بمعنى العقد والوطء معًا، كما سيأتي في كلام ابن تيمية ﵀.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٣٤٦، وأضواء البيان ٦/ ٥٠.","vol":"1","page":216},{"text":"ونفى ابن عباس ﵁ أن يكون المُراد بالنكاح في هذه الآية الزواج، والمعنى عند من فسره بعقد الزواج: أن الزاني لا ينكح إلا زانية حقيقةً أو حُكمًا باعتبار ما تؤول إليه من وجوه كثيرة، ومن عقد على زانية فهو إمَّا زانٍ، إن اعتقد حرمة الزنا، أو مشرك، إن اعتقد إباحته، وهي من كلا الوجهين لتحريم نكاح البغايا، والعكس كذلك.\nومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ نزول الآية وهو: أن مرثد بن أبي مرثد (^١) كان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إليَّ عَرَفته، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة. قال: قلت يا عناق حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كُبُلَه، فجعلت أحمله ويعييني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أَنكِحُ عَنَاقًا؟ فأمسك رسول الله ﷺ، فلم يردَّ علي شيئًا، حتى نزلت ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣]، فقال رسول الله ﷺ: (يا مرثد ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور ٣]؛ فلا تنكحها) (^٢)، ويُقَوِّي هذا المعنى أنه\n_________\n(^١) مرثد بن أبي مرثد كَنَّاز بن الحصين الغنوي، صحابي بدري، استشهد بالرجيع سنة (٣). ينظر: الإصابة ٦/ ٥٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٠ (٢٠٥١)، والترمذي ٥/ ٣٢٨ (٣١٧٧)، والنسائي ٦/ ٦٦ (٣٢٢٨)، والحاكم ٢/ ١٨٠ (٢٧٠١)، والبيهقي في السنن ٧/ ١٥٣ (١٣٦٣٩)، وحَسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم، وإسناده حسن.","vol":"1","page":217},{"text":"هو المُتبادر من كلمة النكاح، كما أنه المعنى الأكثر ورودًا لهذه اللفظة في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء ٢٥]، وقوله ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور ٣٢].\n\n*<span data-type='title' id=toc-123> الحكم على الاستدراك:</span>\nلم يسلم كلا القولين في هذه الآية من الاعتراضات، فمِمَّا وُجِّهَ إلى من قال أن المُراد بالنكاح الوطء ما يأتي (^١):\nأولًا: ليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بُدَّ أن يُراد به العقد، وإن دَخل فيه الوطء أيضًا، فأمَّا أن يُراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط. وقد سبق الجواب عن هذا بثبوته في لسان العرب، وعن ابن عباس ﵁.\nثانيًا: أن سبب نزول الآية صحيح صريح في أنها نزلت في استفتاء النبي ﷺ في التزوج بزانية، وقد اتفق العلماء على أن سبب النْزول داخل في الآية دخولًا قطعيًا (^٢)، فكيف يكون سبب النُّزول خارجًا من اللفظ؟!.\nثالثًا: أنه ينبغي أن يُصان كلام الله تعالى عن مثل هذا القول؛ فإن معناه: الزاني لا يطأُ إلا زانية، والزانية لا يطؤها إلا زانٍ. وهذا مُفسِدٌ للمعنى؛ وأيُ فائدةٍ في الإخبار بذلك؟! وجوابه قد سبق بذكر معنى هذا القول وفوائده.\nرابعًا: أن الواقع بخلافه، إذ قد يستَكره الزاني امرأةً فيطؤها فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذا العكس. وجوابه أنها داخلة في اسم الفعل، لا في حكمه وما يترتب عليه؛ لمانع الإكراه.\n_________\n(^١) ينظر في هذه الوجوه: الكشاف ٣/ ٢٠٧، وأشبعها بحثًا ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٥/ ٣١٥ - ٣٢٨، و٣٢/ ١١٣ - ١٢٦. وزاد المعاد ٥/ ١٠٤، وإغاثة اللهفان ١/ ٩٢، والصواعق المرسلة ٢/ ٥٧٢، وأضواء البيان ٦/ ٥٣.\n(^٢) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٤١، وإيثار الحق على الخلق (ص: ٣٨٥).","vol":"1","page":218},{"text":"خامسًا: أنه لو أُريد بالآية الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك في الآية؛ فإنه زانٍ، وكذلك المُشركة إذا زنى بِها رجلٌ فهي زانية، فلا حاجة إلى التقسيم. والجواب أنه لا يلزم من الإشراك الزنا، وقد ذُكِرَ أن ذلك جاء في سياق التشنيع على هذا الفعل، وبيان أنه من دين أهل الشرك.\nسادسًا: أنه لا حاجة لذكر تحريم الزنا في الآية؛ لأمرين:\nأولهما: أنه قد قال قبل ذلك ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ١]، فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك؟.\nثانيهما: أن تحريم الزنا كان بمكة، فهو سابقٌ لسورة النور المدنية (^١).\nسابعًا: أنه إذا دار الكلام بين التأكيد والتأسيس فالتأسيس أولى، وبيان عقد النكاح على البغي في الآية أولى من تأكيد ما سبق في الآيات في شأن الزنا.\nومن فَسَّرَ النكاح في هذه الآية بالوطء، اعترض على أصحاب القول الآخر بما يأتي (^٢):\nأولًا: أن تفسير النكاح في الآية بالعقد يلزم منه صحة عقد المسلم على المشركة، وهو باطلٌ إجماعًا، ولو تأتَّى ذلك في المحصنة الكتابية فأنَّى له أن يتَأَتَّى في نكاح المشركِ المسلمةَ، ولو كانت زانية، قال تعالى ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١]، وقال أيضًا ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١]، وقال سبحانه ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقال ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة ١٠].\n_________\n(^١) ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: ٣٤)، والتنْزيل وترتيبه (ص: ٣٣).\n(^٢) ينظر في هذه الأوجه: جامع البيان ١٨/ ٩٩، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٣٤٦، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: ٣٦٠)، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٥٥، والمحرر الوجيز ٤/ ١٦٣، وأضواء البيان ٦/ ٤٩، والتحرير والتنوير ١٨/ ١٥٣.","vol":"1","page":219},{"text":"ثانيًا: أنه لو كان النكاح بمعنى التزويج لوجب حَدُّ المُتَزَوِّج بزانية؛ لأنه زانٍ، والزاني يجب حَدُّه، وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانيةً لا يُحَدُّ حَدَّ الزنا، ولو كان زانيًا لَحُدَّ حَدَّ الزنا.\nثالثًا: أنه لو قيل ذلك لترتب عليه حصر زواج الزاني بزانيةٍ أو مشركة، فإن كان المُراد الخبر، فلا يصح حِسًّا، فإنا نرى الزاني ينكح عفيفة، والعكس كذلك، وإن كان المُراد النهي عمَّا عداه، فباطل من حيث الإجماع على جواز العقد على الزانية إذا استُبرِئَت، وصحة عكسه عند جماهير من أهلِ العلم.\nرابعًا: كما يترتب على هذا القول أن يكون زنا المرأة أو الرجل بعد زواجهما موجبًا للفرقة، ولا يقول بهذا أحد من أهل العلم.\nخامسًا: أن أكثر العلماء على صحة نكاح الزانية، وأنه لا يوجبُ تحريمها على الزوج، كما لا يوجب الفرقة بينهما.\nسادسًا: وبخصوص سبب النُّزول فإن آية النور هذه متأخرة عن آيتي البقرة والممتحنة السابقتين، في تحريم نكاح المشركات، فهو أمرٌ لا يخفى على صحابي يعلم حرمة الزنا، كما أنه لو كان سؤال الصحابي بخصوص نكاح المشركات لَما انتظر رسول الله ﷺ نزول الوحي في ذلك، فإنه مما سبق نزوله، وعُلِم حكمه. فسؤال مرثد ﵁ رسولَ الله ﷺ إنما كان عن وطء مشركة، لا عن زواجها؛ فإنه معلوم، ووطء المشركة المستحلَّةِ للزنا قد لا يكون حكمه ظاهرًا معلومًا لمرثد كعلمه بحرمة زواجها، فربما ظن فيه رخصةً، خاصةً مع تردده إلى مكة لفك الأسرى وحملهم، فربما كان في ذلك دفعٌ لشرها عنه إن هو عاد إلى مكة. وفي رواية سبب النُّزول أنها إنما دعته إلى وطئها لا إلى زواجها، والبَغِيُّ في الغالب مستغنيةٌ بسفاحها عن النكاح الصحيح، وهذه الألفاظ في سبب النُّزول تشير إلى ذلك: (بَغِيّ)، (صديقة له)، (هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة)، (يا عناق حرم الله الزنا).","vol":"1","page":220},{"text":"هذا مُجمَل أدلة كل فريق، وما اعترض به على الآخر، وأصحُّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد الوطء: لفظ الشرك في الآية، كما أن أصحَّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد العقد: سبب النُّزول.\nوممن فسر الآية بقول ابن عباس ﵁، أن المُراد هنا الوطء: عروة بن الزبير (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، ومكحول (^١) (ت: ١١٢)، ومقاتل بن حيّان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، ويزيد بن هارون (^٢) (ت: ٢٠٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن جزيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^٣)\nوممَّن فسرها بالتزويج: الزجاج (ت: ٣١١)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١). (^٤)\nوبعدُ، فهذه الآية من المواضع المُشكلة في القرآن (^٥)، وقد كَثُرَ اختلاف العلماء\n_________\n(^١) مكحول الشاميّ، أبو عبد الله الدمشقي الفقيه، عالم أهل الشام، مات سنة (١١٢) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢١٣، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٤٨.\n(^٢) يزيد بن هارون بن زاذي السُّلَمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة إمام، أحد الحُفاظ الأعلام، عمي آخر عمره، وتوفي سنة (٢٠٦). ينظر: السير ٩/ ٣٥٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤٣١.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٩٧، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٣٤٦، والكشف والبيان ٧/ ٦٦، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٥٥، والمحرر الوجيز ٤/ ١٦٢، والتسهيل ٣/ ١١١، والبحر المحيط ٦/ ٣٩٥، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٦١.\n(^٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٩، والكشاف ٣/ ٢٠٦، ومجموع الفتاوى ١٥/ ٣١٥، و٣٢/ ١١٣، ١٤١، ١٤٣، وزاد المعاد ٥/ ١٠٤، وإغاثة اللهفان ١/ ٩٢، والصواعق المرسلة ٢/ ٥٧٢.\n(^٥) أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٥٥، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا). أضواء البيان ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":221},{"text":"فيها، ومَنشأ الخلاف كما رأيتَ: الاشتراك اللفظي (^١) في كلمة (النكاح)، فإنه يُطلق على الوطء، وعلى العقد، ولكُلِّ معنىً منهما وجهٌ قويٌ، وأدلَّةٌ ظاهرةٌ، وقال بِكُلٍّ أئِمَّةٌ كبارٌ، هم المَرجع في نحو هذا، والمُعَوَّلُ فيه. والقول الأول أقرب؛ فإنه ثابت عن ابن عباس ﵁، وعليه أكثر المفسرين من التابعين فمن بعدهم، لولا ما اعتُرِضَ به عليه من سبب النُّزول، وقد أُجيبَ عنه بما سبق، ويترجح أحد معنيي المشترك إن كان هو الأصل لغةً، وقد سبق أن الأصل في كلمة \"النكاح\": الوطء.\nوبعض المفسرين لا يستبعد القول بصحة حمل الآية على كلا المعنيين السابقين، لأمور منها:\nأوَّلًا: صحةُ حملِ المُشتَرَك على معنييه؛ فإنه لا يخفى شيء من معاني هذه اللفظة على المتكلم بها سبحانه (^٢)، وقد جَوَّزَ ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وهو أصحُّ القولين عند الأصوليين (^٣)، وقُيِّدَ ذلك بتجرُّده عن قرينة تصرفه لأحد معانيه، وعدم المانع من ذلك، كتضادّ المعنيين. (^٤)\n_________\n(^١) المشترك اللفظي هو: ما اتفق لفظه واختلف معناه الحقيقي، فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعدًا. ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: ٢٩)، والمُزهر ١/ ٢٩٢، والتحبير (ص: ٢١٤)، والمُشترك اللغوي نظريّةً وتطبيقًا، والاشتراك والتضاد في القرآن الكريم.\n(^٢) ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: ٩٨)، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٢١.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١، ومقدمات تفسير الأصفهاني (ص: ١٥١)، والموافقات ٣/ ٢٤٩، والبحر المحيط في الأصول ١/ ٤٩٣، وسلاسل الذهب (ص: ١٧٥)، وشرح الكوكب المنير ١/ ١٤٠، وقواعد التفسير ٢/ ٨١٩.\nومنع ابن القيم (ت: ٧٥١) من حمل المُشترك على معنييه جميعًا؛ لمحاذير عديدة، ذكر منها اثنان ثم قال: (وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المُشترك في معنييه معًا بضعةَ عشر دليلًا في مسألة (القرء) في كتاب: «التعليق على الأحكام»). جلاء الأفهام (ص: ١٦٦)، وإليه ذهب ابن الوزير (ت: ٨٤٠) في إيثار الحق على الخلق (ص: ٣٨٩).\n(^٤) ينظر: التحرير والتنوير ١/ ١٠٠، وقواعد التفسير ٢/ ٨١٩.","vol":"1","page":222},{"text":"ثانيًا: أنه لا يلزم من اختيار قول إبطال الآخر- عند عدم التضاد-، ولا ينبغي ذلك، خاصَّةً عند الاشتراك في اللفظ، ما لم يَبطُل القولُ الآخر بوجهٍ صحيح مستقِلٍّ.\nثالثًا: في الأخذ بكِلا المعنيين الصحيحين للمُشترك اللفظي تكثير للمعاني، وتقليل للخلاف، وهذا أولى بكتاب الله تعالى. قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعضِ تعسُّف، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس ابن تيمية- ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة، هو: جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. وتعني بذلك أنهم عَوَّروا عينه الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيُحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المُشركة والمُشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسُّف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى) (^١).\nوقد أجاد ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) في بيان أثر المُشترك اللفظي في التفسير في آخر المقدمة التاسعة لتفسيره فقال: (وعلى هذا القانون- الأخذ بمعنيي المشترك- يكون طريق الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض، وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يُرَجِّح معنىً من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى مُلغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك، بل نرى المعاني المُتَعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن\n_________\n(^١) أضواء البيان ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":223},{"text":"مهيع الكلام العربي البليغ؛ معاني في تفسير الآية. فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين فصاعدًا، فذلك على هذا القانون، وإذا تركنا معنىً مما حمل بعض المفسرين عليه في آيات من القرآن؛ فليس تركنا إيّاه دالًا على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجُّح غيره، وقد يكون اكتفاءً بذكره في تفاسير أخرى؛ تَجنُّبًا للإطالة) (^١). وقد أحسن ﵀ في تطبيق ما ذكر في مواضع من تفسيره.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-124>[٣١] ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٦٠].</span>\nقال ابن عباس ﵁: (هي رؤيا عينٍ، أُريهَا رسول الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس، وليست برؤيا منام) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-125> تحليل الاستدراك:</span>\nحَدَّدَ ابن عباس ﵁ معنى \"الرؤيا\" الواردة في الآية بأنَّها: رؤيا عينٍ أُريهَا رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس. وأكَّدَ ذلك بإضافة الرؤيا إلى العين؛ احترازًا من رؤيا القلب (^٣)، وأكد كُلَّ ذلك بقوله: (وليست برؤيا منام). واعتمد في بيانه ذلك على أن كلمة \"الرؤيا\" تُطلَق على رؤية العين، كما تُطلَق على رؤيا المنام، إذ أن أصْلهُما واحد، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (^٤):\n_________\n(^١) التحرير والتنوير ١/ ١٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٢٤٢ (كتاب ٦٣ - مناقب الأنصار، باب ٤٢ - المعراج، برقم: ٣٨٨٨).\n(^٣) كما في قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم ١١]. ينظر: فتح الباري ٧/ ٢٥٩.\n(^٤) الراعي النميري، يَصِفُ صائدًا. ينظر: شرح ديوان حماسة أبي تمام ٢/ ١١٢٦، ولسان العرب ١٤/ ٢٩٨.","vol":"1","page":224},{"text":"وكَبَّرَ للرُّؤيا وهَشَّ فؤادُهُ … وبَشَّرَ قَلبًا كَانَ جَمًّا بَلابِلُه\nوقال الآخر (^١):\nورُؤياكَ أحْلَى في العُيُون مِنَ الغَمْضِ\nقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧): (قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يَقلُّ استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين) (^٢)، وقال السمعاني (ت: ٤٨٩): (ذِكرُ الرؤيا بمعنى الرؤية هاهنا يجوز؛ لأنهُما أُخِذا من معنىً واحد) (^٣).\nومن قال أن \"الرؤيا\" في الآية هي رؤيا منام، اعتمد على أنه الأكثر في استعمال هذه الكلمة، كما أن الإسراء بالنبي ﷺ كان منامًا في رأيهم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-126> الحكم على الاستدراك:</span>\nالقول في هذه الآية مبنيٌّ على القول في إسراء النبي ﷺ كيف كان؟\nفجمهور السلف والخلف، من الفقهاء والمحدثين، على أنه أُسريَ بجسده وروحه ﷺ، يقظةً لا منامًا (^٤). ويُنسَبُ إلى أم المؤمنين عائشة، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، أنه أُسريَ به ﷺ منامًا، وأنَّ الرؤيا الواردة في الآية رؤيا منام (^٥). واستُدِلَّ\n_________\n(^١) أبو الطيب المُتنبي، والبيت مطلع قصيدة في مدح بدر بن عمار، وصدر البيت في ديوانه ٢/ ٢١٩:\nمضى الليل، والفضل الذي لك لا يمضي\n(^٢) زاد المسير (ص: ٨١٩)، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ١٩٤.\n(^٣) تفسير القرآن ٣/ ٢٥٤، وينظر: معالم التنْزيل ٥/ ١٠٣.\n(^٤) ينظر: تهذيب الآثار ١/ ٤٥٣، وشرح النووي على مسلم ١/ ٣٥٧، والبداية والنهاية ٣/ ٩١، وفتح الباري ٧/ ٢٣٧.\n(^٥) نسبه إليهما ابن إسحاق في السيرة. ينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٩. ولا تصح هذه النسبة عن عائشة ﵂؛ للجهالة في رواية ابن إسحاق، ولأنه رُوي عن عائشة ومعاوية ما يوافق قول ابن عباس ﵁ في الآية، كما سيأتي. ووَجَّهَ ابن كثير قول عائشة هذا إلى ما يوافق قول الجمهور. ينظر: البداية والنهاية ٣/ ٩٢. ويُنسَب هذا القول إلى طوائف من أهل البدع؛ من المعتزلة وغيرهم. ينظر: الرسالة الوافية (ص: ٣٣).","vol":"1","page":225},{"text":"لذلك بلفظ \"الرؤيا\" الوارد في الآية؛ إذ أكثر استعماله في المنام، وكذا حديث شَريك بن عبد الله (^١)، عن أنسٍ ﵁ قال: (ليلةَ أسرِيَ برسول ﷺ من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام)، وقال في آخره: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) (^٢)، وأُجيب عن حديث شريك هذا بأنه مما أخطَأَ فيه، وخالف فيه الثقاتَ الحفاظَ من أصحابِ أنسٍ ﵁ (^٣)، أو يُفَسَّر ما جاء في روايته بما في الروايات الأخرى في الصحيح (^٤): (مُضطَجِعًا)، و(بين النائم واليقظان)، فهو في هيئة النائم، أو في أوائله؛ وأُطلِق عليه تغليبًا، وأصرح منهما رواية أبي سعيد مرفوعًا: (بينا أنا نائم عشاءً في المسجد الحرام، إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت فلم أرَ شيئًا، ثم عدت في النوم، فأيقظني كذلك أربع مرات، قال: فإذا أنا بكهيئة خيال، فاتبعته حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة يُقال لها البراق، فركبته ..) (^٥). ويُحمَلُ الاستيقاظ في آخر الحديث على: الإفاقة ممَّا كان فيه من شُغلِ بال، والانتقال من حال إلى حال (^٦)، كما في قوله ﷺ في حديث دعوته أهلَ الطائف: (فانطلقت وأنا مهمومٌ، على\n_________\n(^١) شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدني، صدوق يُخطئ، مات سنة (١٤٠). ينظر: الكاشف ٢/ ١١، والتقريب (ص: ٤٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٨٦ (٧٥١٧)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٦٣ (١٦٢).\n(^٣) كالزهري، وثابت البناني، وقتادة. ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٣٥٧، ونور المسرى (ص: ١١٣)، وزاد المعاد ١/ ٩٧، والبداية والنهاية ٣/ ٩١، وفتح الباري ٧/ ٢٣٧، و١٣/ ٤٩٣.\n(^٤) ينظر: فتح الباري ٧/ ٢٤٤.\n(^٥) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٣٩٠.\n(^٦) البداية والنهاية ٣/ ٩٢، وفتح الباري ٧/ ٢٤٤. وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤) عن هذا التوجيه: (وهذا الحَملُ أحسن من التغليط- أي: للراوي-). البداية والنهاية ٣/ ٩٢.","vol":"1","page":226},{"text":"وَجهي، فلم أستَفِق إلا بقرن الثعالب (^١) (^٢).\nومن فَسَّرَ \"الرؤيا\" في الآية بأنها رؤيا عين يَقَظةً، اعتمدوا ظاهر القرآن الكريم، نحو قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء ١]، فهو ظاهر في إرادة روحه وبدنه، إذ لم يقل بروح عبده. ونحو قوله تعالى في وصف ما رآه رسوله ﷺ في تلك الليلة ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٧ - ١٨]. واستدلوا كذلك بالأحاديث الصريحة الواردة في ذلك، وسبق ذكر بعضها، وفيها أنه ﷺ أُسريَ به على دابة يُقال لها البُراق، والدواب لا تحمل الأرواح، وإنما تحمل الأجسام. (^٣)\nوضَعَّفوا قولَ من ذهب إلى أن \"الرؤيا\" في الآية رؤيا منام من جهة موضوع السورة العام؛ فهي سورة مكية (^٤)، تحدثت عن آية الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وَسُمِّيَت بذلك، وقد وصف الله تعالى الرؤيا في الآية بأنها ﴿فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء ٦٠]، ولو كان الإسراء منامًا ما كان لأحد فتنة؛ فإن النائم ربما رأى ما هو أغرب وأعجب، ولَمَا اعترضت عليه قريش، ولا استنكرت ما رآه فيه رسول الله ﷺ، ولَمَا كان سببًا في فتنة بعض من أسلم، كما قال قتادة (ت: ١١٧): (ذُكِرَ لنا أنَّ ناسًا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدَّثَهم رسول الله ﷺ بمسيره، أنكروا ذلك، وكَذَّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تُحَدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة!!) (^٥).\n_________\n(^١) هو قَرْن المنازل، ميقات أهل نجد، يعرف اليوم بالسيل الكبير، بين مكة والطائف، ويبعد عن مكة (٨٠ كيلًا). ينظر: معجم البلدان ٤/ ٣٨، ومعجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية (ص: ٢٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٦٠ (٣٢٣١)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٤٨٥ (١٧٩٥).\n(^٣) ينظر: الرسالة الوافية (ص: ٣٣).\n(^٤) ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: ٣٤)، والتنْزيل وترتيبه (ص: ٢٨).\n(^٥) جامع البيان ١٥/ ١٣٩. ورُوي نحوه عن الضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢). ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ١٤٦، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٩٩، وجامع البيان ١٥/ ١٣٨، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠٦.","vol":"1","page":227},{"text":"قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقالت عائشة: الرؤيا في الإسراء رؤيا منام. وهذا قولٌ الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقضي بفساده؛ وذلك أن رؤيا المنام لا فتنةَ فيها، وما كان أحدٌ ليُنكِرها) (^١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنةً لهم، حيث صدَّقَه قومٌ، وكذَّبَه قوم) (^٢).\nوقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو الصواب، وعليه جمهور المفسرين، بل قال عنه ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإيَّاه عنى الله ﷿ بِها) (^٣)، وقال بهذا المعنى: عائشة، ومعاوية ﵃ (^٤)، ومسروق (ت: ٦٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٤)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وغيرهم (^٥). واختاره مقاتل (ت: ١٥٠)، ويحيى بن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)،\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣، وينظر: نور المسرى في تفسير آية الإسرا (ص: ١٠٩).\n(^٢) جامع المسائل ١/ ١٠٨.\n(^٣) جامع البيان ١٥/ ١٤١، وينظر: تهذيب الآثار ١/ ٤٥٣. ويُتَنَبَّهُ هنا إلى مذهب ابن جرير في حكاية الإجماع، فإنه لا يعتدُّ بخلاف الواحد والاثنين فيه، بل ربما ذكر إجماعًا في الآية بعد أن يذكر الخلاف فيها، ومن الأمثلة في ذلك في تفسيره: ١/ ١١٢، ١٨٣، و٢/ ٤٧، ٤٠١، و٥/ ٧٨. وهذا مذهبٌ لبعض الأصوليين، كأبي الحسن الخيَّاط، وأبي بكر الجصاص، وهو وجه عن أحمد، ومال إليه أبو محمد الجويني، والجمهور على خلافه. ينظر: المستصفى ١/ ١٤٦، وروضة الناظر ١/ ٢٩٤، والبحر المحيط في الأصول ٣/ ٥٢٣، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٢٩.\n(^٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ١٥/ ١٣٨، والرسالة الوافية (ص: ٣٣)، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠٦.","vol":"1","page":228},{"text":"وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، ونسبه للأكثرين، وأبو شامة (^١) (ت: ٦٦٥)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢). (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-127>[٣٢] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦].</span>\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أَمَا إنَّه ليس بالخَاتَم الذي يَختِم، أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟ إنَّمَا هو: خِلطُه مسك، ليس بِخَاتَم يُخْتَتَم) (^٣).\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي الشافعي، عُرِف بأبي شامة، إمام حافظ فقيه، صَنَّف: شرح الشاطبية، والمؤمَّل للرَّدِّ إلى الأمرِ الأوَّل، وغيرها، توفي سنة (٦٦٥). ينظر: ترجمته لنفسه في كتابه «الذيل على الروضتين» (ص: ٣٩)، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٠٨.\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٢٦٣، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ١٤٥، وتفسير غريب القرآن (ص: ٢١٨)، وتأويل مشكل القرآن (ص: ٤٩)، وجامع البيان ١٥/ ١٤١، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ١٦٨، وبحر العلوم ٢/ ٢٧٤، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٢٨، والوسيط ٣/ ١١٤، وتفسير السمعاني ٣/ ٢٥٤، والمحرر الوجيز ٣/ ٤٦٧، والتفسير الكبير ٢٠/ ١٨٩، ونور المسرى (ص: ١٠٩)، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٨٣، ومجموع الفتاوى ٦/ ٥١٠، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٠٦، وفتح الباري ٧/ ٢٥٩.\n(^٣) أخرجه ابن وهب في تفسيره ١/ ١٤٣ (٣٣٤)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ١٣٢ (٢٨٤١٦)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٥٦٢ (٣٩٠٩)، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢١٩ (٩٠٦٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٤١٤ للفريابي.\nمن طريق سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن يزيد بن معاوية، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁.\nوإسناده صحيح، وصححه الحاكم. وله شاهد عند ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٤٤ (٣٤٠٩١)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ١٣٢ (٢٨٤١٧)، من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":229},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-128> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابنُ مسعود ﵁ أن يكون المُراد بالختام في قوله تعالى ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]، الخاتَمَ الذي يُختَم به، وهو: ما يُطبَعُ به من طِينٍ ونحوه؛ لحفظ الشيء، والاستيثاق منه (^١). وأَكَّدَ ذلك بقوله: (ليس بخاتَمٍ يُختَتَم). وذلك من معاني الختم لُغةً، قال الأعشى (^٢):\nوأَبْرَزَهَا وِعَلَيْهَا خَتَمْ\nوفي تفسيره بذلك بيانٌ لِكرامة أهل الجنة؛ بحفظ شرابهم وصِيانَته كذلك، وذلك لا من شيء يقع فيه أو يُفسِدُه؛ وإنما لِمَا جَرَت به عادتهم في الدنيا من خَتْمِ ما يُكرَم ويُصَان (^٣)، فهو من عُرفِ المُخاطَب، (والطباع مائلةٌ إلى المعروف، نافرةٌ عن غير المعروف) (^٤). كما أن المعهود من استعمال القرآن تقريبُ نعيمِ الجنَّةِ بما يعهدُه الناسُ في دنياهم، وهذا من ذلك (^٥). قال الباقلاني (^٦) (ت: ٤٠٣): (ولو كان الختام هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القِلَّة، ولكن على التشريف لأولياء الله والكرامة؛ ولذلك يتَّخِذُ الملوك خزائن الشراب، ويضعون عليها الخواتيم والأقفال، ويغطون الآنية بفاخر الثياب، ويتهادون الأشربة مختومةً مضمونة، وإن أرسلوها مع أمنائهم\n_________\n(^١) تهذيب اللغة ٧/ ١٣٧، والصَّحاح ٥/ ١٩٠٨.\n(^٢) ديوانه (ص: ٤٠٢).\n(^٣) نقله الرازي عن القَفَّال. ينظر: التفسير الكبير ٣١/ ٩٠.\n(^٤) الكلمات البيِّنات (ص: ٧٤)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٦٢).\n(^٥) ينظر في الترجيح بمثل ذلك: التبيان في أقسام القرآن (ص: ١٠٨، ١٨٤)، وأجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: ٩٤)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٦٥).\n(^٦) محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر الأشعري، المعروف بابن الباقلاني، الأصولي المتكلم، كان سيفًا على المعتزلة والرافضة، وغالب قواعده على السُّنَّة، مات سنة (٤٠٣). ينظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٧٩، والسير ١٧/ ١٩٠.","vol":"1","page":230},{"text":"وأولادهم إلى أخص الناس بهم، مع أمانِ السُّم والإدغال ومزاج الشراب بما يُؤذي شاربه، وكل هذا على وجه التكرمة والإعظام) (^١).\nثُمَّ بَيَّن ابنُ مسعود ﵁ أن المُراد بالختام في الآية: الخِلط. ودَلَّلَ على ذلك بدليل قريب واضح، يعلمه السامع ويعيشه، فقال: (أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟)، فاستعمال الناس في زمنه لهذه اللفظة في هذا المعنى، دليلٌ على صِحَّته في الآية، فهو استدلالٌ باللغة (^٢). كما أن مجيء شراب أهل الجنة كذلك من تمام النعيم، وقد دَلَّ القرآن على أن شرابهم مُطَيَّب، قال تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٥ - ٦]، فمِنْ شرابهم ما يُمزَج بالكافور، ومنه ما يُمزَجُ بالمسك، وكُلُّهُ غايةٌ في النعيم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-129> الحكم على الاستدراك:</span>\nأصلُ الخَتْمِ في اللغة: بلوغ آخرِ الشيء، وخِتامُ كُلِّ شيء آخِرَه (^٣). ومَجيئُهُ بمعنى الطَّبع في كلام العرب، تابِعٌ للمعنى الأول؛ لأن الطبعَ على الشيء لا يكون إلا بَعدَ بلوغِ آخره (^٤).\nوفي معناه في الآية ثلاثةُ أقوال:\nالأول: أن خَتْمَه الذي يُختَمُ به الإناءُ ويُحفَظُ به مسك. وهو قول مجاهد (ت: ١٠٤)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^٥).\n_________\n(^١) الانتصار للقرآن ٢/ ٣٢٥.\n(^٢) ويُلاحظ استشهاد ابن مسعود ﵁ بكلام الناس في وقته لتقرير المعنى وإيضاحه.\n(^٣) ينظر: العين ١/ ٣٨٧، وجمهرة اللغة ١/ ٣٨٩، وتهذيب اللغة ٧/ ١٣٧، والصحاح ٥/ ١٩٠٨، ومقاييس اللغة ١/ ٣٩٢، وجامع البيان ٣٠/ ١٣٣.\n(^٤) مقاييس اللغة ١/ ٣٩٢.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ١٣٣، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١٠٨، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٧٤.","vol":"1","page":231},{"text":"الثاني: أن آخِرَ شرابهم يُختَمُ بمسك يُجعَلُ فيه، فسُؤْرُ شرابهم المسك. قاله أبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عباس ﵃، وعلقمة (ت: ٦٢)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (^١)، وعليه عامَّة اللغويين (^٢)، قال ابن دُرَيْد (^٣) (ت: ٣٢١): (خِتامُ كلِّ مشروبٍ: آخِرَه) (^٤).\nالثالث: أنه ممزوج ومخلوط بالمسك. وهو قول ابن مسعود ﵁، وعلقمة (ت: ٦٢)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، ورواية عن الحسن (ت: ١١٠) (^٥).\nوبيان هذه الأقوال كما يأتي:\n- القول الأول مأخوذ من الطبع، وهو من معاني الختم لُغةً، ويرجع إلى المعنى الثاني كما سبق. واستُبعِدَ أن يكون مُرادًا في الآية من جهة أن شراب أهل الجنة جارٍ مجرى الماء في الأنهار، وليس مُعَتَّقًا في الدِّنان، فيُطَيَّن عليها وتُختَم (^٦)، قال تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ١٣٢، وتهذيب اللغة ٧/ ١٣٨، وزاد المسير (ص: ١٥٢٧)، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٧٤، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٧٣٣.\n(^٢) ينظر: العين ١/ ٣٨٧، وما تلحن فيه العوام، للكسائي، ضمن بحوث وتحقيقات للعلامة الميمني ٢/ ٤١، ومعاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٤٨، ومجاز القرآن ٢/ ٢٩٠، وجمهرة اللغة ١/ ٣٨٩، وتهذيب اللغة ٧/ ١٣٨، وتفسير غريب القرآن (ص: ٤٤٥)، والصحاح ٥/ ١٩٠٨، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٠٠، ومقاييس اللغة ١/ ٣٩٢، وأساس البلاغة ١/ ٢٣١، والمفردات (ص: ٢٧٥).\n(^٣) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، أبو بكر البصري، اللغوي الأديب، صاحب الجمهرة، والأمالي، وغريب القرآن- ولم يُتِمَّه-، مات سنة (٣٢١). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٤٨٩، وبغية الوعاة ١/ ٧٦.\n(^٤) جمهرة اللغة ١/ ٣٨٩.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ١٣٢، وتهذيب اللغة ٧/ ١٣٨، والجُمان في تشبيهات القرآن (ص: ٤٠٧)، وزاد المسير (ص: ١٥٢٧).\n(^٦) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ١٣٣، والمحرر الوجيز ٥/ ٤٥٣.","vol":"1","page":232},{"text":"لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، كما أن تمام حُسن الشراب ولذَّته في الجنة أن يُطَيَّب في نفسه، لا أن يُطَيَّب خاتَمه (^١)، ثُمَّ إن هذا المعنى ليس بأصل الكلمة وإن صَحَّ لُغةً.\n- والقول الثاني قائمٌ على أصل معنى الخَتم لُغةً، ويؤكده قراءة الكسائي ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]، بفتح التاء وكسرها (^٢)، أي: آخِرُه، كقوله تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، أي: آخرهم. ثم إن هذا الختام أكمل ما يكون نعيمًا لأهل الجنة، قال قتادة (ت: ١١٧): (﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]: عاقبته مسك، قومٌ تُمزَج لهم بالكافور، وتُختَمُ بالمسك) (^٣)، وعليه أكثر المفسرين، وعامَّة اللغويين كما سبق، واختاره: مقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن عُزَيْز السِّجِستاني (^٤) (ت: ٣٣٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والباقلاني (ت: ٤٠٣)، ومكي القيسي (ت: ٤٣٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥). (^٥)\n- أمَّا القول الثالث، فلا يَخفى بُعدُه عن الأصل اللغوي للخَتْمِ؛ ولذا قال ابنُ\n_________\n(^١) ينظر: المُفردات (ص: ٢٧٥).\n(^٢) بفتح التاء قراءة سبعية، وبكسرها قرأ بِها علي ﵁، وعلقمة، والضحاك. ينظر: التيسير (ص: ٢٢١)، والإقناع ٢/ ٨٠٦، والكامل في القراءات الخمسين (مخطوط، ص: ٢٤٨)، والكشاف ٤/ ٧١٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٣٤.\n(^٣) جامع البيان ٣٠/ ١٣٣.\n(^٤) محمد بن عُزَيْزٍ السجستاني، أبو بكر، اللغوي المُفَسِّر، صَنَّف: نزهة القلوب، في غريب القرآن وَجَوَّده، واستغرق فيه (١٥) سنة، وقرأه على شيخه ابن الأنباري، ومات سنة (٣٣٠). ينظر: السير ١٥/ ٢١٦، وبغية الوعاة ١/ ١٧١.\n(^٥) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٤٦٢، وجامع البيان ٣٠/ ١٣٣، ونزهة القلوب (ص: ٢٢٥)، وبحر العلوم ٣/ ٤٥٨، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١٠٨، والانتصار للقرآن ٢/ ٣٢٥، وتفسير المشكل من غريب القرآن (ص: ٢٩٨)، والوسيط ٤/ ٤٤٨، والوجيز (ص: ١١٨٤)، والكشاف ٤/ ٧١٠، والمحرر الوجيز ٥/ ٤٥٣، وتحفة الأريب (ص: ١١٤).","vol":"1","page":233},{"text":"جُزَي (ت: ٧٤١) عن هذا المعنى: (وهذا خارجٌ عن اشتقاق اللفظ) (^١)، وهذا صحيح؛ فإن الخَلطَ أو المَزجَ ليس مُشتَقًّا من الخَتم، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأمَّا الختْمُ بمعنى: المَزج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب) (^٢)، لكن يُشكِل على هذا أنه تفسير ابن مسعود ﵁ الصريح للفظة \"الختام\"، وهو من قد جمع إلى عربيَّتِه الأصيلة علمَ الكتابِ والسُّنة. والجواب: أن هذا المعنى لم يَجرِ من ابن مسعود ﵁ مجرى التفسير للَّفظ؛ فإنه لا يخفى على مثل ابن مسعود ﵁ معنى \"الخِتام\"، وإنما قَصَدَ بيان المعنى وتقريبه بأوضح سبيل، ففسره بأوَّل حُصول المسك في الشراب، وهو اختلاطه، وهذا ليس نفيًا لمعنى: آخِره مسك. بل هو يؤدي إليه؛ فإنه لا يكون آخره حتى يختلط به وتحصل فيه رائحته، قال الواحدي (ت: ٤٦٨) عن قول ابن مسعود هذا: (وليس بتفسير؛ لأن الختم لا يكون تفسيره بالمَزج، ولكن لَمَّا كانت له عاقبةٌ هي ريحُ المسك، فَسَّره بالممزوج؛ لأنه لو لم يَمتَزج بالمسك لَما حصل فيه ريح المسك) (^٣)، ويدلُّ على ذلك تفسير ابن مسعود ﵁ للآية قبلها، وهي قوله تعالى ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ [المطففين ٢٥]، قال: (ممزوج) (^٤)، كما يُؤَكده أن ابن مسعود ﵁، وعلقمة (ت: ٦٢)، ورد عنهما تفسير \"الخِتام\": بآخر الشيء ومنتهاه. على الأصل لُغَةً (^٥)، وهذا يؤكد قصدَ التقريب في ذلك المَقام لِحاجَةٍ تقتضيه.\nفهذا المعنى الثالث راجِعٌ في حقيقته إلى المعنى الثاني، الذي هو الراجح في معنى هذه الآية.\n_________\n(^١) التسهيل ٤/ ٣٥٠.\n(^٢) جامع البيان ٣٠/ ١٣٤.\n(^٣) التفسير الكبير ٣١/ ٩٠. وليس في الوسيط، أو الوجيز للواحدي، فلعله في البسيط.\n(^٤) زاد المسير (ص: ١٥٢٦).\n(^٥) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٤٨، وتهذيب اللغة ٧/ ١٣٨، والدر ٨/ ٤١٣.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: أن الذي حَمل ابن مسعود ﵁ هنا على ذِكر المَزج: تقريب المعنى للسامع، وبيانه بما يَعرِف في واقعه، إذ مَثَّلَ لسامعيه بقوله: (أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟). وهذا منهجٌ معروفٌ في تفاسير السَّلَف، مرتَبِطٌ بطريقتهم العامَّة في التفسير، وهي: التفسير على الإجمال، قال النحاس (ت: ٣٣٨) بعد ذِكر بعض أقوال السلف في الحروف المُقَطَّعة أوائل السور: (ولم يَشرَحوا ذلك بأكثر من هذا؛ لأنه ليس من مذاهب الأوائل، وإنما يأتي الكلام عنهم مُجمَلًا، ثم يتأوَّلُه أهل النظر على ما يوجِبُه المعنى) (^١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عند قوله تعالى ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم ٦]: (وقال الحسن: أيُّكُم أولَى بالشيطان؟، قال: فَهُمْ أولَى بالشيطان من نبي الله ﷺ. فَبَيَّنَ الحسن المعنى المُرادَ، وإن لم يَتكَلم على اللفظ، كعادة السلف في اختصار الكلام مع البلاغة، وفهم المعنى) (^٢)، وقد حَمَلَهم هذا المنهجُ كثيرًا على بيان المُراد مُباشرةً دون التعرض لمعنى المُفرَدَة المُطابق، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (فَحَمَلَ تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ رُبَّما فعلوا ذلك لِعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه) (^٣)، وهذا أحد أسباب بيان المُراد عند السلف في تفاسيرهم، دون التعرض للَّفظة، وهو: قصد التقريب، وتسهيل المعنى للسائل والسامع. ولهذا المنهج فوائد وأسباب أخرى، يُتَعَرَّض لها في مواضعها إن شاء الله تعالى.\nثانيًا: كما أن رَدَّ ابن مسعود ﵁ لحَملِ الخَتمِ على معنى الطَّبعِ، مع أنه صحيحٌ لُغَةً، يُشير إلى حدود اعتماد اللغة في التفسير، إذ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغَةً، صَحَّ\n_________\n(^١) معاني القرآن ١/ ٧٧.\n(^٢) تفسير آياتٍ أشكلَت ١/ ١٤٨.\n(^٣) جامع البيان ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":235},{"text":"التفسير به، ومع أهمية اللغة في التفسير، وكونها شَرطًا فيه بلا خِلاف؛ إلا أنها بعضُ عُدَّةِ المُفَسِّرِ وآلاته، والتي منها التفسير النبوي، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وغير ذلك ممَّا لا بد للمُفَسِّر من الأخذ به، والاعتماد عليه، قال النقاش (ت: ٣٥١): (وعِلْمُ القرآن لا يُدرَكُ دونَ عِلمِ ما أراد الله ﷿، وكيف أنزَلَ؟ وكيف تَعَبَّدَ الله العرب؟ لأن العربَ خُوطِبَت بتعارفها ثُمَّ علمت أشياء بعد التعارف، ولو كان علمُ القرآن يُدرَك باللغة دون التنْزيل والمُراد، لم يكن في العرب أحدٌ أعلمُ به من الأعراب) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-131>[٣٣] ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨].</span>\nعن عروة بن الزبير قال: (قلت لعائشةَ زوجَ النبي ﷺ، وأنا يومئذٍ حَدَثٌ: أرأيتِ قولَ الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، فما أرى على أحدٍ شيئًا- وفي لفظ: جُنَاحٌ- ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما. قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما تقول، لكانت: \"فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما\". إنما أُنزِلت هذه الآية في الأنصار، كانوا إذا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ (^٢) في الجاهلية، لا يَحِلُّ لهم أن يطَّوَّفُوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يَطَّوَّفُوا بينهما؛ للَّذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، قالت: فطافوا)، وفي\n_________\n(^١) شفاء الصدور (مخطوط، ص: ٢٥).\n(^٢) مَنَاة: من أصنام الجاهلية، نصبه عمرو بن لُحَيّ لِهُذيل وغَسَّان، ومن يليهما من الأزد، جِهَةَ المُشلَّل بقُدَيد، وهي قرية جامِعَة بين مَكةَ والمدينة. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٣١٣، و٥/ ١٣٦، وفتح الباري ٣/ ٥٨٣.","vol":"1","page":236},{"text":"لفظ: (فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-132> تحليل الاستدراك:</span>\nفَهِمَ عروةُ (ت: ٩٤) من قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، إباحة تركِ الطواف بينهما، وحَمَلَ نفيَ الجناحِ الوارد في الآية على معنى التَّرْك، أي: لا حَرَجَ على من ترك الطَّواف بين الصفا والمروة. ومن ثَمَّ ذهب إلى إباحة الطواف بين الصفا والمروة، وذلك نحو قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة ٢٣٠]، إذ ظاهره الإباحة ونفي الحرج عنهما في المراجعة (^٢). وَقَوَّى هذا المعنى قولُه تعالى بعد نفي الجُنَاح في الآية ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]، أي: من طافَ بالصفا والمروة تَطَوُّعًا لله من عنده؛ فإن الله شاكِرٌ له، ومُجَازِيه على العَمَلِ القليل، الثَّوابَ الجَزيل (^٣). ويُؤكِدُ هذا المعنى كذلك، قراءة علي، وابن مسعود، وأُبَيّ، وابن عباس، وأنس بن مالك ﵃ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨] (^٤).\nأمَّا عائشة ﵂، فذهبت إلى وجوب الطواف بين الصفا والمروة بقولها: (فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة)، وبَيَّنَت خَطأَ قولِ عروة (ت: ٩٤) بقولها: (لو كانت كما تقول، لكانت: \"فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما\")، أي أن رَفعَ الجُناح في الآية جاءَ عن الفعل، لا عن التَّرك، ولو كان عن التَّرك لرُبَّما كان دليلَ إباحةٍ كما قال عروة (ت: ٩٤)، ولكانت الآية على ما ذَكرَت ﵂. والفعل الذي جاء رفعُ الجُناح عن إتيانه هو ما بَيَّنَته في سبب النُّزول؛ وهو تَحَرُّجُ الأنصار من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٥٨١ (كتاب ٢٥ - الحج، باب ٧٩ - وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر الله، برقم: ١٦٤٣)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٠١ (كتاب ١٥ - الحج، باب ٤٣ - السعي بين الصفا والمروة ركن، برقم: ١٢٧٧).\n(^٢) أحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ١٠٠.\n(^٣) ينظر: نكت القرآن ١/ ١٥٢، والعذب النمير ٤/ ١٨٨٨.\n(^٤) ينظر: المصاحف ١/ ٢٩٢، ٣٣٩، وأحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ٩٣، والمُحتَسب ١/ ٢٠٢.","vol":"1","page":237},{"text":"الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنه كان من عملهم في الجاهلية، وقد كان على الصفا والمروة صَنمان في الجاهلية هُما: إِسَاف ونائِلَة (^١)، والطواف لهما من شعائر الجاهلية، وربَّما قال بعضُهُم: إنما أُمِرنا بالطَّواف بالبيت، ولم نُؤمَر به بين الصفا والمروة. فتَحَرَّجوا لأجل هذا وذاك (^٢)، فجاء الجواب في الآية مُطابِقًا لِسُؤالهم، ومُبَينًا أنه لا حَرَج في الطواف بينهما، وأنهما من شعائر الله تعالى ومُتَعَبَّداته.\n\n*<span data-type='title' id=toc-133> الحكم على الاستدراك:</span>\nتَمَيَّزَ جوابُ عائشة ﵂ في هذا المَقام بأمرين غابا عن عروة (ت: ٩٤) (^٣):\nأوَّلُهُما: دِقَّة علمها، وفهمها الثاقب لدلالات الألفاظ، وفروقها، وقد ظهر هذا جَلِيًّا في وقوفها على معنى رفع الجُناح، وأنه لا دلالة فيه على الوجوب أو عدمه، ثُمَّ تفريقها بين رفع الجُناح عن الفعل، ورَفعِه عن الترك.\nثانِيهِما: معرفتها بسبب النُّزول، واستدلالها به على وجه نظم الآية، وأنها إنما كانت كذلك لأنها نزلت جوابًا لمن تَحَرَّج من الطواف بين الصفا والمروة، فرَفَعَت الحرجَ عن طوافهم على تلك الصورة التي تحرَّجوا منها، لا عن فعل الطواف نفسه. (^٤)\nثم استَدلَّت بعد ذلك على وجوب الطواف بين الصفا والمروة بدليل خارجٍ عن الآية، وهو قولها: (بئسما قُلتَ يا ابن أُختي، طافَ رسول الله ﷺ، وطافَ المسلمون،\n_________\n(^١) إِسَاف ونائِلَة: رَجلٌ وامرأةٌ من جُرهُم، زنيا في الكعبة في الجاهلية، فمسخهما الله حجرين، فنُصِبَا على الصفا والمروة ليَتَّعظ الناس، ثم حَوَّلَهُما عمرو بن لُحَي إلى زمزم، ونحرَ لهما، فعُبِدا عند الكعبة. ينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٨٢، والمُفهِم ٣/ ٣٨٤، وشرح النووي على مسلم ٣/ ٤٠٠.\n(^٢) ينظر: المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٣٦)، والمُفهِم ٣/ ٣٨٣، وشرح النووي على مسلم ٣/ ٤٠٠، وفتح الباري ٣/ ٥٨٣.\n(^٣) اعتذر عروة عن ما فات عليه فهمه هنا بحداثة سِنِّه، كما في رواية الاستدراك: (وأنا يومئذٍ حَدَثٌ).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٠، والموافقات ١/ ٤٧٨.","vol":"1","page":238},{"text":"فكانت سُنَّةً)، أي: تشريعًا (^١)، وفي لفظ: (قد سَنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما) (^٢)، وسَنَّ هنا بمعنى: شَرَّعَ وأوجَب؛ لقولها: (فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما). واستدلالها هُنا بفعل رسول الله ﷺ دليلُ فقهٍ وبصيرة؛ فإنها لم تستدل بالآية لأنه لا دلالة فيها على الوجوب (^٣). وتمام الاستدلال بفعله ﷺ لهذا الأمر على كونه واجبًا يكون باعتبار قوله ﷺ: (خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُم) (^٤). واستُدِلَّ على وجوبه كذلك بوَصفه تعالى الطوافَ بين الصفا والمروة بأنه ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨] (^٥)، فهو خبرٌ بمعنى الأمر (^٦)، يزيل ما علق في نفوس بعض الصحابة من أنه من شعائر الجاهلية، (وهو شِعارٌ لا يخلو عنه الحجُّ والعُمرَة، فكان رُكنًا كالطَّواف) (^٧)، واستُدِلَّ كذلك بأدلَّة أُخرى جمعت قولَ النبي ﷺ وفعله، منها أنه ﷺ سعى بين الصفا والمروة وإن مِئزَرَه ليَدُور من شِدَّة السعي، وهو يقول: (اسعوا؛ فإن الله كَتَبَ عليكم السَّعيْ) (^٨)، وكذلك قوله ﷺ في إهلال أبي موسى الأشعري: (طُف بالبيت، وبين الصفا والمروة) (^٩). وقد اجتمع فيه فعل إبراهيم ﵇،\n_________\n(^١) المُفهِم ٣/ ٣٨٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤٠٢ (١٢٧٧ مكرر).\n(^٣) ينظر: الموافقات ١/ ٢٣٠، ٤٧٨، والتحرير والتنوير ٢/ ٦٢.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤١٩ (١٢٩٧).\n(^٥) استدل به البخاري في تبويبه للحديث. ينظر: المُفهِم ٣/ ٣٨٥، وفتح الباري ٣/ ٥٨٢.\n(^٦) ينظر: الإكليل ١/ ٣٢٨.\n(^٧) أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ٧٨.\n(^٨) أخرجه الشافعي ١/ ٣٧٢ (١٧٢٢)، وأحمد ٦/ ٤٢١ (٢٧٤٠٧)، من حديث حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، فيه ضعف. وإسناده حسنٌ لغيره، وجَوَّد الشافعي وأبو نُعيم إسناده ومعناه، كما في الاستذكار ٤/ ٢٢١، وله شواهد منها: حديث ابن عباس، عند ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢ (٢٧٦٤)، والطبراني في الكبير ١١/ ١٨٤ (١١٤٣٧). ينظر: التمهيد ٩/ ٥٢، ونصب الراية ٣/ ٥٥، وفتح الباري ٣/ ٥٨٢.\n(^٩) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٦٥٤ (١٧٢٤).","vol":"1","page":239},{"text":"ورسولنا ﷺ (^١). وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين على وجوب السعي بين الصفا والمروة، وأنه ركن من أركان الحج، لا يصحُّ بدونه. (^٢)\nوأُجِيبَ عن الاستدلال بقوله تعالى في الآية ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]، بأنه عامٌّ في كلِّ تطوُّعٍ بالحج أو العُمرَة، أو بِسائِر الأعْمَال (^٣)، ويبطلُ هذا الاستدلال كذلك من جهة أنه لو كان التطوع عائدًا في الآية على الطواف بين الصفا والمروة لكانت قربة مستقلّة، ولكان للناس أن يطوعوا بالطواف بينهما وإن لم يكونوا حاجِّين أو معتمرين، وقد أجمع المسلمون على أن الطواف بينهما في غير الحج أو العمرة ليس ممَّا يتقرب به العباد إلى الله ﷿، ولا ممَّا يُتَطَوَّع به مُفرَدًا، فدل على أن التطوع هنا على عمومه، أو عائد على الحج والعمرة في الآية (^٤). وكذا رُدَّ استدلالهم بقراءة من قَرَأ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، من جهة أنها قراءة شاذَّة، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وهو خلاف مرسوم مصاحف المسلمين، وممَّا لو قرأه اليوم قارئ كان مُستَحقًّا العقوبةَ؛ لزيادته في كتاب الله ﷿ ما ليس منه) (^٥). ولو صَحَّت هذه القراءة، لكانت \"لا\" التي مع \"أن\" صِلَة، لتأكيد المعنى، وقد تقدَّمها جَحد في الكلام قبلها، وذاك نحو قوله تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٨٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٩.\n(^٢) وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن جرير. وذهب الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، إلى أنه واجب، يُجبَر تركه بدم، واختاره ابن قدامة. وروي عن ابن عباس، وأنس، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين أنه سُنَّة. ينظر: جامع البيان ٢/ ٦٧، والتمهيد ٩/ ٤٣، والاستذكار ٤/ ٢٢٠، وبداية المجتهد (ص: ٢٨٥)، والمغني ٤/ ٥٧٨، والمُفهِم ٣/ ٣٢٧، ٣٨٥، وشرح النووي على مسلم ٣/ ٣٩٩، وفتح الباري ٣/ ٥٨٢.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢/ ٧١، وتفسير السمعاني ١/ ١٦٠.\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ١٠٠.\n(^٥) جامع البيان ٢/ ٧١. وينظر: تفسير السمعاني ١/ ١٦٠، والتمهيد ٩/ ٥٠.","vol":"1","page":240},{"text":"أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٥] (^١)، ومن شواهده قول الشاعر (^٢):\nمَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُما … والطَّيِّبَانِ أبو بَكْرٍ، وَلا عُمَرُ\nواختار جمهورُ المفسرين تفسيرَ عائشة ﵂، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-134>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nالتنبُّه إلى أهميَّةِ معرفة سبب النُّزول، وأنه خير عُدَّة للمُفَسِّر في استظهار المعاني، وبيان المُراد، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (إذ هي- أي: أسباب النُّزول- أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرَف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قِصَّتها، وبيان نزولها) (^٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمُسَبَّب) (^٥). ومعرفة سبب النُّزول ليس مُعينًا على فهم الآية فحَسْب، بل هو ضرورة في مواضعَ من التنْزيل، لا يُعرَف مُرادها إلا به، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (معرفة سبب النُّزول لازِمَةٌ لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن، للفراء ١/ ٩٥، وتفسير غريب القرآن (ص: ٦٣)، وجامع البيان ٢/ ٧٠، وأحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ٩٤، والانتصار للقرآن ٢/ ٣٥٥. وعن زيادة الحروف في الكلام ينظر: مشكلة الزيادة لحروف المعاني، مجلة الأحمدية، عدد (١٠) (ص: ١٤٧).\n(^٢) البيت لجرير. ينظر: ديوانه (ص: ٢٨٥).\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٨٨، وجامع البيان ٢/ ٦٧، ٦٩، وأحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ٩٨، والتمهيد ٩/ ٥٠، والوسيط ١/ ٢٤٣، والوجيز ١/ ١٤٠، والمحرر الوجيز ١/ ٢٢٩، والتفسير الكبير ٤/ ١٤٥، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٢٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٣٨.\n(^٤) أسباب النُّزول (ص: ٨).\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٩.","vol":"1","page":241},{"text":"أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يُعرَف به نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مُقتَضيات الأحوال: حال الخِطاب من جِهة نفس الخِطاب، أو المُخَاطِب، أو المُخاطَب، أو الجَميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالَيْن، وبحسب مُخَاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله مَعَانٍ أُخَر، من تقرير، وتوبيخ، وغير ذلك، وكالأمر، يدخله معنى الإباحة، والتهديد، والتعجيز، وأشباهها، ولا يدلُّ على معناها المُراد إلا الأمور الخارجة، وعُمدَتُها مُقتَضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقَلُ، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقلُ بعض القرائن الدَّالَّة؛ فاتَ فَهم الكلام جُملَة، أو فَهم شيء منه، ومعرفةُ الأسباب رافِعَةٌ لكل مُشكِلٍ في هذا النَّمَط، فهي من المُهِمَّات في فهم الكتاب بِلا بُدّ. ومعرفة السبب هو معنى معرفة مقتضَى الحال، وينشأ عن هذا الوجه:\nالوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التَّنْزيل مُوقِعٌ في الشُّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَوْرِد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مَظنَّةُ وقوع النِّزاع)، إلى أن قال: (وهكذا شأن أسباب النُّزول في التعريف بمعاني المُنَزَّل، بحيث لو فُقِدَ ذِكرُ السبب لم يُعرَف من المُنْزَل معناه على الخصوص، دون تَطَرُّق الاحتمالات، وتوَجُّه الإشكالات) (^١).\nوقد شهِدَ الصحابةُ ﵃ على أثرِ أسباب التنْزيل في معرفةِ التفسير، فعن أبي الأحوص (^٢) (ت: ١٧٩) قال: (كُنَّا في دارِ أبي موسى مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله- أي: ابن مسعود- وهُم ينظُرون في المصحف، فقام عبدُ الله، فقال أبو مسعودٍ: ما أعلَمُ رسولَ الله ﷺ ترَكَ بعدَهُ أعلمَ بما أنزَل اللهُ من هذا القائِم. فقال أبو موسى: أمَا لَئِنْ\n_________\n(^١) الموافقات ٤/ ١٤٦، وينظر في التمثيل على ذلك: الاعتصام (ص: ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(^٢) سلام بن سليم الحَنَفي مولاهم، أبو الأحوص الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة (١٧٩). ينظر: الكاشف ١/ ٤١٣، والتقريب (ص: ٤٢٥).","vol":"1","page":242},{"text":"قُلتَ ذاك؛ كانَ يشهَدُ إذا غِبنا، ويُؤذَن له إذا حُجِبنا) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-135>[٣٤] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٣].</span>\nعن سعيد بن جبير قال: (خرج إلينا ابن عمر ونحن نرجوا أن يحدِّثَنَا حديثًا عجيبًا، فبَدرَ إليه رجلٌ (^٢) بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك من القتال والله تعالى يقول ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣] قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على المُلْك) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-136> تحليل الاستدراك:</span>\nحَمَلَ السائلُ لفظ \"الفتنة\" في الآية على بعض وجوهها لُغَةً، وهو: ما يَقَعُ بين الناس من حروب وعذاب- كما سيأتي-، واستدلَّ بها على ابن عمر ﵁ في تركه القتالَ في الفتنة (^٤)، فجَعلَ الفتنةَ في الآية مُتناوِلَة لِمَنْ يَخرُج عن طاعةِ الإمام، ثم نَزَّلَ الأمر بالقتال في الآية لِمَنع الفتنةِ على هذه الواقعة. فَعَمَّمَ الرجل معنى الفتنة؛ ليشمَلَ القتال بين المسلمين، كما هو في هذه الصورة.\nوأنكر ابنُ عمر ﵁ هذا الاستدلال، وبين أن المُراد بالفتنة في الآية: الشرك،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ١٤ (٢٤٦١).\n(^٢) اسمُه «حكيم»، كما في رواية أحمد، وابن أبي حاتم. وينظر: فتح الباري ٨/ ٣٢، ١٦٠.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٦٠ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٥ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [البقرة ١٩٣]، برقم: ٤٦٥١).\n(^٤) مُراده: القتال في فتنة عبد الله بن الزبير مع الحجاج، سنة (٧٣). ينظر: البداية والنهاية ٨/ ٢٦٢، والفتح ٨/ ٣٢.","vol":"1","page":243},{"text":"والردة عن الدين، والحَملُ على ذلك بامتحان المسلمين، وابتلائهم في دينهم. وأكَّدَ رَدَّه للمعنى المذكور من السائل بقوله: (وليس يقاتلهم على المُلْك). وقَوَّى هذا المعنى هنا لفظ الآية، وسياقها، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى، وقول النبي ﷺ، وفعله.\nفلقد بَيَّنت الآية معنى الفتنة في تَمامها، فقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [البقرة ١٩٣]، وفي آية الأنفال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [الأنفال ٣٩]، فالفتنة هنا هي: الشرك، الذي لا يزول حتى يكون مُقابله، وهو أن يكون الدين كُلُّه لله. ثُمَّ إن سياق الآية حدِيثٌ عن الشرك صريحٌ، وأمرٌ بقتال المشركين، قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٠ - ١٩٣]، وقد نُقِلَ إجماعُ المُفَسِّرين على أن الفتنة في قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة ١٩١]، هي: الشرك. (^١)\nويشهد لهذا المعنى قوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١ - ٥]، فَجَعَلَ توبَتَهم من الشرك، سببًا للكَفِّ عنهم، وإخلاء سبيلهم. وهو ما بَيَّنَه حديثُ رسول الله ﷺ صريحًا في قوله: (أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دمائهم، وأموالهم، إلا بحق\n_________\n(^١) نقله الماوردي في النُّكَت والعيون ١/ ٢٥١، وقال: (وإنما سُمِّيَ الكُفر فِتنةً؛ لأنه يُؤدي إلى الهلاك، كالفتنة). وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ١/ ١٥١.","vol":"1","page":244},{"text":"الإسلام، وحسابهم على الله) (^١). ثم بَيَّنَ ابنُ عمر ﵁ كيف تَأَوَّلَ رسولُ الله ﷺ هذه الآية بفعله، فقال: (إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين- وكان الدخول في دينهم فتنة-، وليس يقاتلهم على المُلْك)، فقتال النبي ﷺ إنما كان لمنع فتنة الدخول في الشرك، والإقامة عليه، وليس قتالًا على المُلْك، فالصورة الواقعة التي ذكرها الرجل، ليست داخِلةً في الآية، ولا يَصِحُّ الاستدلال بها عليها. وممَّا يُؤِيد ما ذهب إليه ابن عمر هنا، أن الآيات في سورة البقرة واردة في مخصوصين، وهم من نَصَبَ العداوة للنبي ﷺ من أهل مكة، ومن تبعَهم من مشركي العرب، ويعضد ذلك قوله تعالى ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، وإنما أخرَجَهم أهل مكة، وهؤلاء ومن تبعهم من مشركي العرب ليس في حَقِّهم إلا الإسلام أو السيف؛ لقوله تعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح ١٦] (^٢)، وأمَّا آية الأنفال؛ فلأنها في عموم الكفار بحسب سياقها ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، ناسَبَ تأكيدها ب\"كل\" المفيدة للعموم والإحاطة، وذلك في قوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال ٣٩]. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-137> الحكم على الاستدراك:</span>\nجِمَاعُ الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، ثُمَّ استُعمِلَت في الإضلال، والإمالة عن القصد، والإحراق، والعذاب، وما يَقَعُ بين الناس من حروب، وغيرها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٩٥ (٢٥)، ومسلم في صحيحه ١/ ١٧١ (٢١).\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٠١، والكشف والبيان ٢/ ٨٩، والوسيط ٢/ ٤٥٩، وغرائب التفسير ١/ ٢٠٤، وأحكام أهل الذمة ١/ ٩٥، وروح المعاني ٢/ ٦٤٥.\n(^٣) ينظر: مَلاكُ التأويل ١/ ٢٦١.\n(^٤) ينظر: العين ٣/ ٣٠١، وياقوتة الصراط (ص: ١٧٧)، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢١١، والصحاح ٦/ ٢١٧٥، ومقاييس اللغة ٢/ ٣٤٠.","vol":"1","page":245},{"text":"ومن ثَمَّ فإدخال السائل قتالَ الفتنة في وقته في معنى \"فِتنَة\" المذكورة في الآية صحيحٌ لُغَةً؛ ولكن لفظ الآية لا يدل عليه ولا هو داخلٌ في معناه؛ إذ القتال على الملك ليس من الدين، كما أن الدخول في ذلك القتال المذكور على الخصوص ليس من الدين أيضًا؛ فإنه قتالُ فتنةٍ لا حقَّ فيه ظاهر، أو مفسدته أعظم من مصلحته، أو مفسدته متحققة في جنب مصلحة موهومة. ثمَّ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغةً صَحَّ حَملُ الآية عليه وتفسيرها به؛ (فإن اللغة ليست المصدر الوحيد الذي يمكن لمن أحكمه أن يُفَسر القرآن، إذ لا بد للمفسر من معرفة مصادر أخرى يعتمد عليها في تفسيره؛ كالسنة النبوية، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وتفسيرات الصحابة والتابعين وتابعيهم، وغيرها من المصادر التي لا يُمكِن أخذها من طريق اللغة. وبِهذا يُعلَم أن التفسير اللغوي جُزءٌ من علم التفسير، ومع أن حَيِّزَه كبير، فإنه لا يَستَقِلُّ بتفسير القرآن) (^١)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (ولا يكفي في ذلك- أي تفسير ألفاظ القرآن- معرفةُ العربية وحدها، بل لا بد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص، أو الإضمار وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر) (^٢).\nوالمعنى الذي ذكره ابن عمر ﵁، هو الوارد عن الصحابة ﵃، في مقامات مُشابهة لهذا المقام (^٣)، ومن ذلك أنَّ رجلًا جاء إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال له: ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنة؟ فقال سعد: (قد قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى لم تكن فتنة، فأمَّا أنتَ وذا البُطين تريدون أن أقاتلَ\n_________\n(^١) التفسير اللغوي (ص: ٥٠).\n(^٢) التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ١٦٧).\n(^٣) في روايات حديث ابن عمر عند البخاري ٨/ ٣٢، ١٦٠ (٤٥١٣ - ٤٥١٤، ٤٦٥٠ - ٤٦٥١)، دلالةٌ على أن القصة تعددت مع ابن عمر من غيرما سائل، ومنهم: حبَّان السلمي- ذو الدُّثَيْنَة-، ونافع بن الأزرق.","vol":"1","page":246},{"text":"حتى تكون فتنة) (^١)، وورد نحو هذا الموقف عن أسامة بن زيد، وسعد بن مالك ﵃ (^٢)، وعلى هذا المعنى جمهور الصحابة والتابعين، وقال به: ابن عباس ﵁، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وعروة بن الزبير (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^٣)، وهو اختيار جمهور المفسرين من بعدهم. (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-138>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأن واجبَ البيان عن معاني القرآن، ورَدِّ الشُّبُهات عن الآيات، منوطٌ بأهل العلم الذين جمعوا علمًا وفَهمًا وعمَلًا؛ فإن أهل الأهواء كثيرًا ما يستدلون بآيَةٍ أو سُنَّة لتصحيح أهوائهم وتقوية مذاهبهم، واستدلال السائلين لابن عمر وغيره من الصحابة بهذه الآية هو من هذا الباب الخَفي المُلتَبس، غيرَ أن صحة فهم وعلم الصحابة رضي الله عنهمتكَفَّلَ بردِّ هذه الأهواء، وإبطال وجوه الاستدلال لها، وإن قَوِيَت في الشُّبهة، أو صَحَّت من وجه. وحيثما وُجِدَت هذه الشُّبَه في زمن من الأزمان، كُشِفَت بنحو هذا الفهم لكلام الله تعالى، فَجُلِّيَت المعاني الصحيحة، ورُدَّت المعاني الباطلة، وأُقِيمَ الناسُ على المعنى الصحيح لكلام الله ﷿، (ولَكَمْ آيةٌ من آياتِ القرآن\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٠.\n(^٢) ينظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٥٨٢.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢/ ٢٦٤، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٧، و٥/ ١٧٠١، وتفسير مقاتل ١/ ١٠١.\n(^٤) ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٦٠)، وجامع البيان ٢/ ٢٦٤، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢١١، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ١٥٥، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٢٠٥، والمصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٧٣)، والكشاف ٢/ ٢١٣، والمحرر الوجيز ١/ ٢٦٣، والوجيز ١/ ٤٤٠، وأحكام أهل الذمة ٣/ ١٣٩٦، والعذب النمير ١/ ٢٨٠.","vol":"1","page":247},{"text":"تراها قد ضِيمَتْ حقَّها واستُلِبَت ماءَها ورونَقَها؛ أن وَقَعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بِها في مآخِذَ مردودة، وحملوها على محامل غيرَ مقصودة، وهم لا يدرون، ولا يدرون أنهم لا يدرون، فتلك الآيُ من مآخِذِهم في عويلٍ، ومن محامِلهِم على ويلٍ طويلٍ، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-139>[٣٥] ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥].</span>\nعن أسلم أبي عمران (^٢) قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية (^٣)، وعلى أهل مصر عقبةُ بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فصَفَفْنا صَفَّين لم أَرَ صفين قَط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصِقون ظهورَهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ مِنَّا على العدوّ، فقال الناس: مَهْ، لا إله إلا الله!، يلقي بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه!، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]،\n_________\n(^١) مفتاح العلوم، للسكاكي (ص: ٥٣١).\n(^٢) أسلم بن يزيد، أبو عمران التُّجَيْبي، المصري، ثقة. ينظر: الكاشف ١/ ١١٦، والتقريب (ص: ١٣٥).\n(^٣) سنة (٩٣)، بقيادة مَسْلَمَةَ بن عبد الملك، وقسطنطينية عاصمة الروم، وتسمى قسطنطينة، ثم سميت إسلامبول- مدينة الإسلام-، ثم اسطنبول، تقع على مضيق البسفور من بحر مرمرة شرقي أوروبا، وكانت عاصمة تركيا وهي الآن من حواضرها. ينظر: معجم البلدان ٤/ ٣٤٧، والبداية والنهاية ٩/ ٧٧، والأقطار والبلدان (ص: ١٤٩).","vol":"1","page":248},{"text":"فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالنا ونصلحَها، وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-140> تحليل الاستدراك:</span>\nتعجَّبَ بعض الناس من بلاء هذا الرجل من نفسه، وحمله على العدوّ وحده، وقالوا: (يلقي بيده إلى التهلكة)، وهي: مواضع الهلاك ومظانُّه، وكُلُّ ما عاقبَتُه إلى هلاك (^٢)، فجعلوا فعل هذا الرجل من التهلُكَة المنهي عن إتيانها، وهذا تعميم للَّفظ بما هو من معناه لُغَةً، فاعتمد هذا القول على اللغة، وعلى عموم اللفظ وشموله.\nفَبَيَّنَ أبو أيوب ﵁ بُعدَ هذا التأويل، وابتدأ بذكر قولِهم ليكون أبلَغَ في الردِّ والبيان، فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمسُ الشهادةَ، أو يبلي من نَفسه!)، ثُمَّ مَهَّدَ ﵁ لمعناها بقوله: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار)، وهذه إشارة إلى أنهم أعلمُ بها من غيرهم، ثم ذَكَرَ سبب نُزولها بقوله: (إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥])،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ١٢ (٢٥١٢)، والترمذي في جامعه ٥/ ٢١٢ (٢٩٧٢)، والنسائي في السنن الكبرى ٦/ ٢٩٩ (١١٠٢٩)، وابن جرير في تفسيره ٢/ ٢٧٨ (٢٥٩٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٣٠، وابن حبان في صحيحه ١١/ ٩ (٤٧١١)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٩٤ (٢٤٣٤)، والبيهقي في السنن ٩/ ٤٥ (١٧٧٠٤)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٧٦ (٤٠٦٠)، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ ١/ ٢٣٥ لإسحاق، وعبد بن حميد، ونسبه في الفتح ٨/ ٣٣ لمسلم، وليس في صحيحه، ولعله وَهْم؛ فإنه لم يعزُهُ إليه في الكافي الشافِ، ولم يرمز لمسلم في ترجمته لأبي عمران في التهذيب والتقريب. وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٤٦٣ لابن المنذر، وابن مردويه. من طريق حَيْوَةَ بن شُريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلَم أبي عمران التُّجَيبي.\nوإسناده صحيح. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب)، وصححه ابن حبان، والحاكم.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ١٢، والقاموس المحيط (ص: ٨٦٢).","vol":"1","page":249},{"text":"ثُمَّ ذكر المعنى واضحًا بعد ذلك، فقال: (فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالِنَا ونُصلِحَهَا، ونَدَعَ الجِهَاد). وصَدَّقَ قولَه ﵁ بفعله، قال أبو عمران: (فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية).\nفتَبَيَّن من ذلك اعتمادُ أبي أيوب ﵁ على سبب النُّزول، ويُقَوِّي ما ذكره من معنىً سِبَاقُ الآية، وهو الأمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى، والحذر من مُقابِلِه، وهو الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله، فيكون إلقاءً باليد إلى التَّهلُكة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-141> الحكم على الاستدراك:</span>\nالاستشهاد بالآية على ما فعله هذا الرجل من إقدام وإرهاب للعدو ليس بصحيح؛ لأن الإلقاء باليد إلى التهلكة مذموم، وما فعله هذا الرجل محمود، إذ فيه إظهار للشجاعة، وإرهاب للعدوّ، وتقوية وتجرئة للمسلمين عليهم، ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة (^١)، ولَمَّا قيل لعمر ﵁: إن رجلًا رمى بنفسه في الحرب فقُتِلَ، فقال ناسٌ: ألقى بيده إلى التهلكة. قال عمر: (كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا) (^٢)، ومن ثَمَّ فالمعنى الذي ذكره أبو أيوب ﵁ هو الصواب، ويشهد له سبب النُّزول الذي ذكره، وسياق الآية الآمِرِ بالنفقة في سبيل الله، وترك الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله. (^٣)\nوصحة المعنى المذكور عن أبي أيوب ﵁ في مُقابل ما فهمه الناس خَطًا من الآية لا يعني انحصار الصواب فيه، فقد ورد عن عدد من الصحابة ﵃ تفسير\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٣١٨، والتفسير الكبير ٥/ ١١٧، وجامع المسائل (ص: ٣٢٧)، وفتح الباري ٨/ ٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٥٥٨ (٣٣٧٨٩)، والبيهقي في السنن ٩/ ٤٥ (١٧٧٠٧)، وعزاه ابن حجر لابن جرير، وابن المنذر، وصححه. ينظر: الفتح ٨/ ٣٣.\n(^٣) ينظر: جامع المسائل (ص: ٣٢٦).","vol":"1","page":250},{"text":"التهلكة هنا: بترك النفقة في سبيل الله، على ما هو ظاهر من الآية، فعن البراء بن عازب ﵁ أنه قيل له: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: (لا؛ لأن الله ﷿ بعث رسوله ﷺ فقال ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء ٨٤]، إنما ذاك في النفقة) (^١)، وقال ابن عباس ﵁: (ليس التهلكة أن يُقتَل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله) (^٢)، وقال حذيفة ﵁ عن هذه الآية: (نزلت في النفقة) (^٣)، وفسَّرَها بذلك سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، والأعمش (ت: ١٤٨)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠). (^٤)\nكما فُسِّرَت بأنها القنوط، والإقامة على الذنوب، قيل للبراء ﵁: يا أبا عمارة، أرأيت قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، أهو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يُقتل؟ قال: (لا، ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب) (^٥)، وروي نحو ذلك عن النعمان بن بشير ﵁، وعَبِيدَة السَّلْمَاني (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢/ ٢٧٧ (٢٥٩١)، وعزاه ابن حجر لابن المنذر، وصححه. ينظر: الفتح ٨/ ٣٣.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢/ ٢٧٤ (٢٥٧٦)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٩/ ٤٥ (١٧٧٠٣)، والدر ١/ ٤٦٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٣ (٤٥١٦).\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٠٢، وجامع البيان ٢/ ٢٧٣، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣١، وسنن البيهقي الكبرى ٩/ ٤٥.\n(^٥) أخرجه ابن جرير ٢/ ٢٧٧ (٢٥٩١)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٢ (١٧٤٨)، والبيهقي في السنن ٩/ ٤٥ (١٧٧٠٥)، وإسناده صحيح. ينظر: الفتح ٨/ ٣٤.\n(^٦) عبيدة بن عمرو السَّلْماني المُرادي، أبو عمرو الكوفي، فقيه مُقرئ، من أجل أصحاب ابن مسعود، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ومات سنة (٧٢) على الصحيح. ينظر: السير ٤/ ٤٠، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٥.","vol":"1","page":251},{"text":"(ت: ٧٢)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن سيرين (ت: ١١٠). (^١)\nوعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة: (التهلكة: عذاب الله) (^٢). وقيل غير ذلك. (^٣)\nوأوَّلُ المعاني دخولًا في معنى الآية وأولاها: الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى؛ لسياق الآية، ولأنه سبب نزولها كما صَحَّ عن حذيفة، وعليه جمهور المفسرين (^٤)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠) بعد أن رَجَّحَ العموم في الآية: (غيرَ أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي) (^٥)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والأوَّل- أي: قول حذيفة- أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأمَّا قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ) (^٦).\nوقول أبي أيوب ﵁ في هذه الآية داخل في هذا القول؛ فإنه إنما ذكر الجهاد في تفسيره من باب التفسير باللازم، فإن ترك النفقة في سبيل الله تعالى، يترتب عليه ترك الجهاد بالنفس، فمن ضَنَّ بماله، ضَنَّ بنفسه من باب أولى، ولا يصح التفسير باللازم إلا مع الإقرار بالمعنى الأصلي، وسبب النُّزول الذي ذكره أبو أيوب قبل ذكره لتفسيره صريحٌ موافقٌ لما ذكره حذيفة ﵃، في أنها نزلت في النفقة. ولعل اختيار أبي أيوب ﵁ لمعنى الجهاد من هذه المعاني؛ لمناسبته للمقام والحال، فإن ترك\n_________\n(^١) جامع البيان ٢/ ٢٧٧، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٢.\n(^٢) جامع البيان ٢/ ٢٨١ (٢٥٩٥)، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٢.\n(^٣) ينظر: المرجع السابق، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٣، وزاد المسير (ص: ١١٣).\n(^٤) ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٢٦٥.\n(^٥) جامع البيان ٢/ ٢٨٠.\n(^٦) فتح الباري ٨/ ٣٤.","vol":"1","page":252},{"text":"الجهاد، وعدم الاستعداد، إلقاء باليد إلى التهلكة؛ من جهة القعود وتمكين الأعداء من المسلمين، فيُهلِكوا الحرث والنسل (^١).\nواختيار ما يناسب المقام والحال من المعاني الصحيحة أحد أسباب اعتماد السلف كثيرًا على التفسير بالمعنى. ورجح العموم في هذه الآية: الزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والطوفي (ت: ٧١٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-142>[٣٦] ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْ</span>بَابِ﴾ [البقرة ١٩٧].\nعن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، قال: (الرفث الذي ذَكَر هنا ليس الرفث الذي ذَكَر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ذاك الجماع، وهذا العِرَاب بكلام العَرَب، والتعريضُ بذكرِ النِّكاح) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير ٢/ ٢١٥.\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ٢٦٦، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ١١١، وأحكام القرآن، للجصاص ١/ ٣١٨، والوجيز ١/ ١٥٥، وتفسير السمعاني ١/ ١٩٥، والكشاف ١/ ٢٣٥، وأحكام القرآن، لابن العربي ١/ ١٦٤، والإشارات الإلهية ١/ ٣٢٤، والبحر المحيط ٢/ ٧٩، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤٩٥.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٣/ ٧٩٧ (٣٣٨)، وابن جرير في تفسيره/ ٣٥٩، ٣٦١ (٢٨٨٤، ٢٨٩٤)، والطحاوي في أحكام القرآن ٢/ ٣٢ (١١٧١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٤٦ (١٨٢٣)، والبيهقي في السنن ٥/ ٦٧ (٨٩٥٣)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٢ (١٠٩١٤)، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٤٩١ لسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد. من طريق عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵁.\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":253},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-143> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابن عباس ﵁ أن يكون معنى \"الرَّفَث\" في آية الحج: الجماع، كمعناه في آية الصيام، وذكر أن معناه في آية الحج: العِراب (^١)، وفسَّرَه بقوله: (التَّعريضُ بذكر النكاح- وفي لفظ: الجماع-). فلفظ الرَّفَث عنده على أصله في كلام العرب، وهو: قول الفُحش، وكلِّ ما يُسْتَحيا من إظهاره (^٢)، قال الراجِزُ (^٣):\nوَرَبِّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ … عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ\nفَبَيِّنٌ اعتماد ابن عباس ﵁ على اللغة في اختياره لهذا المعنى، ويدُلُّ عليه من السنة قوله ﷺ: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفثْ، ولا يجهلْ، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليَقلْ: إني صائم) (^٤)، فالمُراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش (^٥)، وعن ابن عباس ﵁ قال: (فرضَ رسول الله ﷺ زكاةَ الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث) (^٦).\nوالقول الذي نفاه ابن عباس لمعنى الرَّفَث في الآية، وهو: الجماع، مُعتَمِدٌ كذلك على اللغة، إذ يُطلَق الرَّفَث على الجماع (^٧)، وجاء بِهذا المعنى في قوله تعالى ﴿أُحِلَّ\n_________\n(^١) قال الأزهري (ت: ٣٧٠): (التعريب هو: ما قَبُحَ من الكلام، والإعراب عند الأزواج هو: ما يُستَفحَشُ من ألفاظ النكاح والجماع). تهذيب اللغة ٢/ ٢٢٠.\n(^٢) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٧٠، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥٨، ومقاييس اللغة ١/ ٤٧٨.\n(^٣) هو العَجَّاج، والبيت في ديوانه (ص: ٢٣٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٢٥ (١٨٩٤)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢١٧ (١١٥١).\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير ٥/ ١٤٠، وشرح النووي على مسلم ٣/ ٢١٧، وفتح الباري ٤/ ١٢٦.\n(^٦) أخرجه أبو داود ٢/ ١١١ (١٦٠٩)، وابن ماجة ١/ ٥٨٥ (١٨٢٧)، والحاكم ١/ ٥٦٨ (١٤٨٨)، والبيهقي ٤/ ١٦٢ (٧٤٨١). وصححه الحاكم، وحسنه النوويُّ، وابنُ قدامة، كما في المجموع ٦/ ٥٥، والمغني ٤/ ٣٢، وإسناده حسن.\n(^٧) ينظر: العين ٢/ ١٣٥، والصحاح ١/ ٢٨٣، وأساس البلاغة ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":254},{"text":"لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، كما دَلَّ عليه سبب نُزولِها (^١)، والتعدِيَةُ ب\"إلى\" المُتَضَمِّنة لمعنى الإفضاء (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-144> الحكم على الاستدراك:</span>\nلَمَّا كان الرَّفَث (كلمةً جامِعةً لكل ما يُريده الرجل من أهله) (^٣)، كان كلا المعنيين المذكورين صَحيحٌ لُغَةً، غيرَ أنَّ أحدَهما هو الأصل لُغةً، وهو قول ابن عباس ﵁، ويُستَعمَل في الثاني كنايَةً عنه (^٤)، قال ابن عباس ﵁: (الدخولُ، والتَّغَشِّي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس: الجماع، إلا أن الله حييٌّ كريمٌ، يَكْني بما شاء عما شاء) (^٥).\nوللمُفسرين في معنى الرَّفَث في هذه الآية ثلاثةُ أقوال:\nالأول: أنه الجماع، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومكحول (ت: ١١٢)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والزهري (ت: ١٢٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢/ ٢٢٣، وأسباب النُّزول (ص: ٤٩).\n(^٢) المفردات (ص: ٣٦٠).\n(^٣) تهذيب اللغة ١٥/ ٥٨.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٢/ ٣٦٥، والمفردات (ص: ٣٥٩).\n(^٥) أخرجه ابن جرير ٢/ ٢١٩ (٢٣٩٦)، وعزاه ابن حجر لعبد الرزاق، وصحح إسناده. ينظر: الفتح ٨/ ١٢٢، ٩/ ٦٢.\n(^٦) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٠٤، وجامع البيان ٢/ ٢٢٠، ٣٦٢، والكشف والبيان ٢/ ١٠٥، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٦٧، وزاد المسير (ص: ١١٦).","vol":"1","page":255},{"text":"الثاني: أنه التعريض للمرأة بمَا يُستَحيا منه، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن الزبير ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨). (^١)\nالثالث: أنه فُحشُ الكلام ولَغوِهِ عُمومًا، ذكره أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، وضَعَّفه ابن عطية (ت: ٥٤٦).\nوالراجح في معنى الرَّفَث في هذه الآية أنَّه: الجِمَاعُ وَمُقَدِّماتُه؛ من قولٍ أو فِعلٍ. وهو بهذا يشمَل القولين الأوَّليْن، إذ لا تعارضَ بينهما؛ فإنهما من قبيل التفسير بأصلِ اللَّفظ في القول الأول، -ولم يُرِد من قاله نفي المعنى الثاني-، ومن قبيل التفسير ببعض المعنى في القول الثاني، إذ قصد القائل هُنا ذِكْرَ أعظَم معاني الرَّفَث في هذا المَقام، فليس من وقع في الجماع حالَ إحرامه، كمن تلفظَ بشيء منه في كلامه، والرَّفَثُ في القول أو الفعل سببٌ إلى الجماع، كما سيأتي ذكره عن الطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨). ويُؤَكِّد ذلك أن جميع مَنْ ذُكِر مِمَّنْ فَسَّرَ الرَّفَث بأنَّه: الإعراب بأمر الجماع، فَسَّرَه كذلك بأنَّه: الجماع- عدا طاووس-. ويُقَوِّي معنى العموم في لفظ \"الرَّفَث\" نفيَ الجنس المُفيد للعموم في قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، وفي السُّنَّة جاء النفي في سياق الشرط ليُفيدَ العموم أيضًا، وذاك في قوله ﷺ: (من حَجَّ فلم يَرفُث، ولم يَفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَتْه أُمُّه) (^٢). ولا يُشكِلُ على ذلك نفي ابن عباس ﵁ لمعنى الجماع الوارد في آية الصيام، فإنه أراد بذلك أنه ليس الجماع فقط كما هو في تلك الآية، وإنما هو الجماع والإعرابُ فيه. ويدلُّ على ذلك رواية ابن جرير وفيها: (عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قول الله ﴿فَلَا\n_________\n(^١) المرجع السابق، وأحكام القرآن، للطحاوي ٢/ ٣٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٤٤٦ (١٥٢١)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٧٨ (١٣٥٠).","vol":"1","page":256},{"text":"رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، قال: (الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومن الرَّفَث التعريضُ بذكرِ الجماع، وهي الإعرابُ في كلام العرب) (^١). ويدلُّ على إرادة ابن عباس ﵁ كِلا المعنيين، صِحَّة النقل عنه فيهما، كما أن جمهرة طلابه- عدا طاووس- على أنه الجِماع، ويَبعُد أن تقع مخالفتهم لشيخهم بهذه الكثرة، لولا أنه من قول شيخهم وتفسيره على ما نقلوا عنه.\nوتبقى الإشارة إلى تخصيص العِرابةِ وذكرِ النكاح ومُقَدِّماته بما إذا كان أمام النساء، كما ثبت عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ﵃، والجواب أن الكلام بذلك إنما يكون رَفَثًا إذا خوطِبَت به المَرأة، أما ذكره عند غير النساء فليس من الرَّفَث. (^٢)\nواختار العموم في معنى الرَّفَث: ابن جرير (ت: ٣١٠)، وعَلَّلَ ذلك بعدم المُخَصّص لمعنىً دون آخر (^٣)، واختاره كذلك الزجاج (ت: ٣١١) (^٤)، والطحاوي (ت: ٣٢١) وقال بعد ذكر القولين: (وكان هذا عندنا غير مخالف للقول الأول؛ لأن الرفث هو الجماع وما دون الجماع ممَّا هو من أسبابه، فجائز في اللغة أن يُسمَّى باسمه؛ إذ كان من أسبابه في حُرمَة الحج، توكيدًا منهما بحرمة الجماع في الحج) (^٥)،\n_________\n(^١) جامع البيان ٢/ ٣٦١. و٣/ ٤٦٢ من طبعة/ التركي.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢/ ٣٦٥، وجمهرة اللغة ١/ ٤٢٢، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥٨. وقَد صَحَّ عن ابن عباس ﵁ أنه كان يرتَجِزُ وهو مُحرِم، ويقول:\nوَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا … إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nفَذكرَ الجماع ولم يَكْنِ عنه، فقال له حصين بن قيس: يا أبا عباس: تقول الرَّفَث وأنت محرم؟! قال: الرَّفَثُ ما رُوجِع به النساء. أخرجه سعيد بن منصور ٣/ ٨٠٦، وابن جرير ٢/ ٣٥٩، والبيهقي في سننه الكبرى ٥/ ٦٧.\n(^٣) جامع البيان ٢/ ٣٦٥.\n(^٤) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٢٦٩.\n(^٥) أحكام القرآن ٢/ ٣٣.","vol":"1","page":257},{"text":"وابن عُزَيْز السجستاني (ت: ٣٣٠) (^١)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (وهذه الأقوال مُتقاربة؛ لأن التعريض بالنكاح من سببه) (^٢)، والجصاص (ت: ٣٧٠) (^٣)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) وقال: (الرفثُ: اسمٌ للجماع قولًا وعملًا) (^٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-145>[٣٧] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة ٢٠٠].</span>\nعن أبي الجوزاء (^٦) قال: قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة ٢٠٠]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس: (ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد) (^٧).\n_________\n(^١) نزهة القلوب (ص: ٢٤٠).\n(^٢) معاني القرآن ١/ ١٣٢.\n(^٣) أحكام القرآن ١/ ٣٧٢.\n(^٤) اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عبد الهادي (ص: ٥٨). وينظر: مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٠٧.\n(^٥) البحر المحيط ٢/ ٩٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٠٧.\n(^٦) أوس بن عبد الله الرَّبَعي، أبو الجوزاء البصري، ثقة يرسل كثيرًا، أخذ كثيرًا من التفسير عن ابن عباسرضي الله عنه، مات سنة (٨٣). ينظر: التاريخ الكبير ٢/ ١٦، والكاشف ١/ ١٤٢، والتقريب (ص: ١٥٥).\n(^٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٥٥ (١٨٦٩)، والثعلبي في تفسيره ٢/ ١١٤، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٢١ لابن المنذر. وطريق ابن أبي حاتم: عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد بن عَرْعرة، عن معاذ بن هشام بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":258},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-146> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب أبو الجوزاء إلى أن المُراد بالذكر في الآية ما يُقابلُ النسيان، فأشكل ذلك عليه من جهة أن الإنسان رُبَّما مضى عليه وقت لا يذكر أباه فيه، فلا يُناسِب أن يُقرَن ذلك الذكر القليل للآباء، بالأمر بالإكثار من ذكر الله الوارد في الآية. وفهمه هذا معتمدٌ على معنى الذِّكر لُغَة.\nفَنَفى ابن عباس ﵁ ما فهمه أبو الجوزاء من الآية، وبَيَّنَ أن المُراد بالذكر هنا المعنى الشرعي له (^١)، الذي يشمل ذكر القلب واللسان والجوارح، فيدخل فيه فعل الطاعات، وترك المنكرات، ومن ثَمَّ فالمُراد هنا: أن تغضب لله إذا عُصِيَ، كغَضَبِكَ لوالدك إن ذُكِرَ بسوء، أو أشَدّ. وهذا تفسير بجزء المعنى، وتمثيلٌ له، فمن صُوَرِ ذكر الله بالفعل أن تغضبَ له إذا عُصِي.\n\n*<span data-type='title' id=toc-147> الحكم على الاستدراك:</span>\nأصلُ الذِّكرِ لُغةً: حِفظُ الشيء، وجَريُهُ على اللسان (^٢). ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين هنا صحيح لُغةً، غيرَ أن أحدَهُما تفسير بالمُطابق، والآخرُ تفسير بالمِثال، وتفسير ابن عباس- وإن لم يكن مُطابقًا للَّفظة؛ وإن كان تفسيرًا بالمثال إلا أنه- أصح من فهم أبي الجوزاء وأصوب؛ لأنه موافق للفظ الآية وظاهرها، بخلاف فهم أبي الجوزاء، ففيه مناقضةٌ لمعناها، وإن كان صحيحًا لُغَةً.\nوقد ذكر المفسرون معاني عديدة أكثرها يرجع في المعنى إلى وجوب لزوم العبد ذِكرَ الله تعالى، ودوام تعظيمه، والانقطاع إليه عَمَّن سواه، بتضَرُّع وافتقار، وأن يكون ذكره لربه أكثر من ذكره لأيّ مخلوق، على أي صورة كان ذِكره، نظير ما يكون من\n_________\n(^١) ينظر: الوابل الصيب (ص: ٢١٦)، وجلاء الأفهام (ص: ٥٣٠)، وتهذيب السالكين ٣/ ٢٧١.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة ١٠/ ٩٤، ومقاييس اللغة ١/ ٤٤٦.","vol":"1","page":259},{"text":"ذكر الولد لوالديه، وتضرعه لهما، وحاجته إليهما (^١).\nوأولى هذه الأقوال وأقربها: أن الله تعالى أمر القوم في إسلامهم بأن يكثروا من ذكر الله تعالى بعد فراغهم من مناسكهم، نظير ما كانوا يفعلون في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم، إذ كانوا يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم سائر اليوم. وقد ورد سبب النُّزول هذا عن ابن عباس ﵁ قال: (كان أهل الجاهلية يقفون في المواسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحَمَالات (^٢)، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة ٢٠٠]، يعني ذكر آبائهم في الجاهلية، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة ٢٠٠]) (^٣)، وورد نحو ذلك عن أنس بن مالك ﵁، وأبي وائل (^٤) (ت: ٨٢)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيّان (ت: ١٥٠) (^٥).\nويَقْوَى هذا القول من جهة موافقته لسبب النُّزول، ومناسبته لحال من نزل عليهم القرآن، وعادتهم في ذلك؛ ليكون أبلغ في الامتثال والطاعة، وقد كانت كثيرٌ من مواقف الحج تصحيحًا لِمَا كان عليه أهل الجاهلية، ومنه قوله ﷺ في ذلك: (إن الله ﷿ قد\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير ٥/ ١٥٨.\n(^٢) جمع حَمَالة، ككَفَالة، وزنًا ومعنىً. ينظر: الصحاح ٤/ ١٦٧٧، والقاموس المحيط (ص: ٨٨٩).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٥.\n(^٤) شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من العلماء العاملين، مات سنة (٨٢). ينظر: الكاشف ٢/ ١٥، والتقريب (ص: ٤٣٩).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٢/ ٤٠٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٥، وأسباب النُّزول (ص: ٦٥).","vol":"1","page":260},{"text":"أذهب عنكم عُبِّيَّةَ (^١) الجاهلية، وفخرها بالآباء) (^٢)، وقوله أيضًا: (ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع) (^٣)، ومِن فِعله ﷺ خروجه إلى عرفة، وقد كانت قريش ومن تبعها لا يخرجون، ولا يَشُكُّون أن رسول الله ﷺ ليس بخارج، وكذا غُدُوِّه عند إسفار النهار من مزدلفة إلى منى، وقد كانوا في الجاهلية ينتظرون أن تشرق الشمس، وغير ذلك كثير. (^٤)\nوعلى هذا القول جمهورُ المفسرين وأكثرهم (^٥)، واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، والزجاج (ت: ٣١١)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨) (^٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وقال: (واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة، إلا أن الوجه الأول- قول الجمهور- هو المُتعيّن، وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه، دائم التعظيم له، دائم الرجوع إليه في طلب مهماته، دائم الانقطاع عمَّن سواه) (^٧)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠) (^٨).\n* * *\n_________\n(^١) أي: كِبْرَها. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٥٤.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦١ (٨٧٢١)، وأبو داود ٤/ ٣٣١ (٥١١٦)، والترمذي ٥/ ٧٣٤ (٣٩٥٥)، وهو حسن بشواهده، وينظر منها: جامع الترمذي ٥/ ٣٨٩ (٣٢٧٠)، وصحيح ابن حبان ٩/ ١٣٧ (٣٨٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٣٢٧ (١٢١٨).\n(^٤) ينظر: صحيح مسلم ٣/ ٣٥١ (١٢١٩)، والمسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية (ص: ٢١١).\n(^٥) ذكر ذلك الثعلبي (ت: ٤٢٧)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والرازي (ت: ٦٠٤). ينظر: الكشف والبيان ٢/ ١١٤، والمحرر الوجيز ١/ ٢٧٦، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٨٥، والتفسير الكبير ٥/ ١٥٨.\n(^٦) ينظر: معاني القرآن، للفراء ١/ ١٢٢، وتفسير غريب القرآن (ص: ٧٣)، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٢٧٤، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٢١١، والوجيز ١/ ١٥٨، والكشاف ١/ ٢٤٥.\n(^٧) التفسير الكبير ٥/ ١٥٨.\n(^٨) روح المعاني ١/ ٦٦٢.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>[٣٨] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦].</span>\nعن خالد بن عرعرة (^١) قال: سمعت عليًا وقيل له ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦]، هو أوَّلُ بيت كان في الأرض؟ قال: (لا، قال: فأين كان قوم نوح؟! وأين كان قوم هود؟! قال: ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً)، وفي لفظ: (ومن دخله كان آمِنًا) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-149> تحليل الاستدراك:</span>\nفَهِم السائلُ من الآية أن أوَّلَ بيت وُجِدَ على الأرض البيت الحرام بمكة، أخذًا بعموم لفظ الآية، فسألَ عليًّا ﵁ عن هذا المعنى، فذكر له خَطَأَه، واستدل عليه بوجود بيُوت كثيرةٍ قبله، ومنها بيوت الأنبياء وأممهم، ثمَّ بَيَّنَ المعنى عنده، وقال: (ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً- وفي لفظ: ومن دخله كان آمِنًا-)، فهي أوَّلِيَّةٌ مَخصوصة لا عامَّة، واستُفيدَ هذا التخصيص من سبب نزول الآيات، وسياقها، وورود معناها في القرآن الكريم، ودلالة السنة عليه. فرُوي عن مجاهد (ت: ١٠٤)\n_________\n(^١) خالد بن عرعرة التيمي الكوفي، تابعي ثقة. ينظر: الثقات، للعجلي ١/ ٣٣٠، والجرح والتعديل ٣/ ٣٤٣.\n(^٢) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٦١، وابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٢٥٢ (٣٥٧٩٩)، وابن جرير في تفسيره ٤/ ١١ (٥٨٦١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٨ (٣٨٢٩)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٣٢١ (٣١٥٤)، والثعلبي في تفسيره ٣/ ١١٥، والبيهقي في الشعب ٣/ ٤٣٦ (٣٩٩١)، والواحدي في الوسيط ١/ ٤٦٦، والضياء في المختارة ٢/ ٦٠ (٤٣٨). من طريق سِمَاك بن حرب، عن خالد بن عرعرة.\nوإسناده صحيح لغيره، وصححه الحاكم. وله شاهد من طريق مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٧ (٣٨٢٧)، وابن المنذر في تفسيره ١/ ٢٩٧ (٧١٦)، وعزاه ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٧٠ لإسحاق، وصَحَّحَه.","vol":"1","page":262},{"text":"قال: (تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مُهاجَر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦]) (^١). وفي تمام الآية، والآية بعدها، وصفٌ لهذا البيت المذكور في الآية، وهذه الأوصاف هي: ﴿مُبَارَكًا﴾، ﴿وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٦ - ٩٧]، فهو بهذه الأوصاف: أول بيت مُباركٍ وُضِعَ للناس، وهو هُدىً للعالمين، وفيه آياتٌ بَيِّناتٌ؛ مَقامُ إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ويُحَجُّ إليه (^٢)، فهو على هذه الصفة أولُ بيت.\nوهذه الآية جاريةٌ مجرى التعليل للأمر الوارد في الآية قبلها ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران ٩٥]، وبيان ذلك (أن هذا البيت لَمَّا كان أوّل بيت وُضع للهُدى وإعلان توحيد الله؛ ليكون عَلَمًا مشهودًا بالحسِّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعًا لدلائل الحنفية، فإذا ثبت له شرفُ الأوّلية، ودوام الحُرمة على ممرّ العصور دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو ماثل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدلَّ على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المُراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]) (^٣). وقد ورد في القرآن تسمية المساجد وأماكن العبادة بيوتًا، كما في قوله تعالى\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان ٣/ ١١٤، وأسباب النُّزول (ص: ١١٥)، ومعالم التنْزيل ٢/ ٦٩، وأخرج نحوه ابن المنذر ١/ ٢٩٨، والأزرقي ١/ ٧٥ بلاغًا عن ابن جريج (ت: ١٥٠)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (ذكر الثعلبي، وتبعه الواحدي، وابن ظفر عن مجاهد) ثم ذكره، وقال: (هكذا ذكره الثعلبي بغير إسناد، ولم أرَ له عن مجاهد ذِكرًا، وإنما ذكره مقاتل بن سليمان). العُجاب ٢/ ٧١٧. وينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٨٢.\n(^٢) ينظر: بدائع الفوائد ٢/ ٤٦١.\n(^٣) التحرير والتنوير ٤/ ١١.","vol":"1","page":263},{"text":"﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس ٨٧]، وقوله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور ٣٦]، أي: المساجد. وقد دَلَّت السنة على هذا الوجه من الأوَّليَّة، ففي حديث أبي ذَرٍّ ﵁ قال: (سألتُ رسول الله ﷺ عن أوَّل مسجدٍ وُضِعَ في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثمَّ الأرض لك مسجدٌ، فحيثما أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-150> الحكم على الاستدراك:</span>\nقال الماوردي (ت: ٤٥٠): (لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أوَّل بيت وضع للعبادة) (^٢)، ومستند هذا الاتفاق نصُّ رسول الله ﷺ عليه في حديث أبي ذَرٍّ السابق، وإنما الخلاف بينهم في دلالة الآية على ذلك.\nوالمعنى الذي ذكره علي ﵁ في هذه الآية هو الصواب معنىً وحِسًّا؛ فإن هذا المعنى لا يُناقض الواقع وحِسًّا، ويدُلُّ عليه سبب النُّزول، والسياق، والسنَّةُ النبوية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢) عن حديث أبي ذَرٍّ السابق: (وهذا الحديث يُفَسر المُراد بقوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦])، ويدلُّ على أن المُراد بالبيت بيت العبادة، لا مُطلَق البيوت، وقد ورد ذلك صريحًا عن علي ﵁ ثم ذكر الرواية السابقة (^٣)، وهذا نحو استدلال ابن جرير (ت: ٣١٠) على صحة هذا المعنى بحديث أبي ذر ﵁. (^٤)\nومن وجوه ترجيح هذا المعنى، ما ذكره ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) عند هذه الآية،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٤٦٩ (٣٣٦٦)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٧٧ (٥٢٠).\n(^٢) النكت والعيون ١/ ٤١٠.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ٤٧٠.\n(^٤) جامع البيان ٤/ ١٣.","vol":"1","page":264},{"text":"إذ قال: (والذي أراه في التأويل: أن القرآن كتابَ دين وهُدىً، فليس غرضُ الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّليَّة في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى: أنه أوَّل بيت عبادة حَقَّة وُضِع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٩٦]، المُقتَضي أنه من وَضعِ واضعٍ لمصلحة الناس؛ لأنه لو كان بيت سُكنى لقيل: وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بَعدُ؛ وهُما قوله ﴿مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]، وهذا تأويل في معنى بيت) (^١).\nولا دليل على حَمْل معنى الآيةَ على أنه أوَّل بيت وُضِعَ في الأرض للناس ولا بيت قبله (^٢)، ومن ذكر ذلك لم يَستَدِل بما يَصلُحُ في مُقَابَلةِ حديث أبي ذَرٍّ الصحيح الصريح، وغايتها آثارٌ عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨) (^٣)، لم تسلَم جُلُّ أسانيدها من ضَعفٍ، ولا مُتُونها من نَكارة، مع بُعدِها عن ظاهر الآية وسياقها. (^٤)\nواختار قول علي ﵁ في الآية جمهور المفسرين (^٥)، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)،\n_________\n(^١) التحرير والتنوير ٤/ ١٤. وينظر: التفسير الكبير ٨/ ١٢٥.\n(^٢) واختاره ابن حجر الهيتمي المَكي (ت: ٩٧٣)، وجعله ظاهر الآية، ونسبه لجمهور العلماء!. ينظر: المناهل العذبة (ص: ٩٢)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (٤٩).\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٤/ ١٢، وتفسير ابن المنذر ١/ ٢٩٤.\n(^٤) ضَعَّف ابن كثير أثر عبد الله بن عمرو سندًا ومتنًا، وفي أثر ابن عباس رجلٌ مَتروك. وقال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة، ومن تحديد ما بين خلقه وَدَحْوِ الأرض، ونحو ما قال الزجاج من أنه: البيت المعمور. أسانيدها ضعاف؛ فلذلك تركتها). المحرر الوجيز ١/ ٤٧٤. وينظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٧٣٦، والفتح السماوي ١/ ٣٧٥.\n(^٥) ونسبه ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) للمُحَقِّقين، وجمهور أهل العلم. ينظر: التحرير والتنوير ٤/ ١٣.","vol":"1","page":265},{"text":"والزمخشري (ت: ٥٣٨)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١) (^١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وقال: (وزعم السُّدِّي أنه أوَّل بيت وُضِعَ على وجهِ الأرض مُطلَقًا. والصحيح قولُ علي) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-151>[٣٩] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٨٨].</span>\nعن علقمة بن وقاص (^٣): (أن مروان (^٤) قال لبَوَّابِه: اذهب يا رافع (^٥) إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كلُّ امرئٍ فرِح بما أوتِيَ (^٦)، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ معذبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبيُ ﷺ يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فَأَرَوْه أنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إليه بما\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٨٢، وجامع البيان ٤/ ١١، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٤٤١، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٣٠٣، والكشف والبيان ٣/ ١١٥، والوجيز ١/ ٢٢٤، والكشاف ١/ ٣٧٨، والتفسير الكبير ٨/ ١٢٧، والتسهيل ١/ ٢٦٣.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧٣٥، وينظر: البداية والنهاية ١/ ١٥٤.\n(^٣) علقمة بن وقاص بن محصن اللَّيثي المدني، ثقة ثبت، ولد في عهد النبي ﷺ، ومات في زمن عبد الملك بن مروان بعد الثمانين. ينظر: الكاشف ٢/ ٢٧٨، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٤٢، والتقريب (ص: ٦٨٩).\n(^٤) مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمية، أبو عبد الملك المدني، تولى على المدينة، ووَلِيَ الخلافة أواخر (٦٤)، ومات سنة (٦٥)، ولا تثبت له صُحبَة. ينظر: الكاشف ٣/ ١٣٢، والتقريب (ص: ٩٣١).\n(^٥) رافعٌ هذا لَمْ يُسَمَّ، ولولا أنه مُعتَمَدٌ عند مروان ما قنع برسالته، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (لم أرَ له ذِكرًا في كتب الرواة، إلا بما جاء في هذا الحديث). فتح الباري ٨/ ٨٢.\n(^٦) بمعنى: أُعطِي، وهذا على قراءة السلمي، وسعيد بن جبير، والحسن: ﴿أُوتُوا﴾ بِضَمِّ الهَمزة والتاء، وبينهما واو ساكنة. وقراءة الجمهور ﴿أَتَوا﴾، بمعنى: عملوا. وقرأها أُبيّ ﴿عَمِلُوا﴾، وعليها جواب ابن عباس. ينظر: القراءات الشاذة، لابن خالويه (ص: ٢٣)، وفتح الباري ٨/ ٨٣، والقراءات الشاذة وتوجيهها من لُغة العرب (ص: ٣٨).","vol":"1","page":266},{"text":"أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتَوْا من كِتْمَانِهِم. ثُمَّ قرأ ابنُ عباس ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، كذلك حتى قوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران ١٨٨]) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-152> تحليل الاستدراك:</span>\nفَهِم مروانُ من هذه الآية العموم بحسب لفظها، فدخل فيها عنده كُلُّ من فرِح بما أوتِيَ، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ من المسلمين وغيرهم، فحمله ذلك على خوفِ ما فيها من الوعيد. فأرسل إلى ابن عباس ﵁ سائلًا، فأخبره أن الآية مخصوصة باليهود، واستدل عليه بسبب نزولها الذي ذكره، وبسياق الآية، وهو قوله تعالى قبلها ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، فالحديث في هذا السياق عن أهل الكتاب كما هو ظاهر.\n\n*<span data-type='title' id=toc-153> الحكم على الاستدراك:</span>\nحاصِلُ أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود (^٢)، أو المنافقين (^٣)، ولفظ الآية صالحٌ لكلِّ ما يشمله خطابُها، وأولى المعاني دخولًا فيها ما ذكره ابن عباس ﵁؛ لدلالة السياق عليه، وعليه جمهور المفسرين (^٤)، ثُمَّ يَصِح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٨١ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ١٦ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا﴾، برقم: ٤٥٦٨)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٦٧ (كتاب ٥٠ - صفات المنافقين وأحكامهم، برقم: ٢٧٧٨).\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٤/ ٢٧٢، والنكت والعيون ١/ ٤٤٢، وزاد المسير (ص: ٢٤٨).\n(^٣) كما في صحيح البخاري ٨/ ٨١ (٤٥٦٧)، ومسلم ٦/ ٢٦٧ (٢٧٧٧)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٢٠٨، وجامع البيان ٤/ ٢٧٦، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٤٩٧، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٣٤٠، والوجيز ١/ ٢٤٧، وتفسير السمعاني ١/ ٣٧٨، والمحرر الوجيز ١/ ٥٥٢، والبحر المحيط ٣/ ١٤٣.","vol":"1","page":267},{"text":"حمل الآية بعد ذلك على ما يشمله لفظها العام، كما ذكره الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (^١)، وابن رجب (ت: ٧٩٥) وقال: (فهذه خصال اليهود والمنافقين ..، ومن كانت هذه صفته فهو داخل في هذه الآية ولا بُدَّ) (^٢)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^٣)، وورد عن بعض السلف الاستدلال بعمومها. (^٤)\nوأظهر ما تكون هذه الصفات المذمومة- الواردة في الآية- في المنافقين بعد اليهود؛ ولذا حملها عليهم عدد من الصحابة ﵃، كأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَديج. (^٥)\nولا يُفهَم من قول ابن عباس ﵁: (ما لكم ولهذه الآية؟) منع القول بعمومها، وإنما أراد التنبيه على أولى معانيها وأقربها من حيث النُّزول والسياق، وقد تحمل عبارته على إنكاره عليهم قصر معنى الآية على ما ذكروه، أو تركهم لمَا هو أولى من المعنى (^٦). وقد رَدَّ ابن مسعود ﵁ على من منعَ عموم الآية، واشتمالها على من تحققت فيه هذه الصفات من هذه الأمة، فقال للرجل الذي قال: إن كَعبًا يَقْرأ عليك السلام، ويقول-وفي لفظ: ويُبَشِّرُكم- إن هذه الآية لم تنْزل فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران ١٨٨]. فقال ابن مسعود:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ١٠٣٦، والتفسير الكبير ٩/ ١٠٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ٨٢٢.\n(^٢) الفرق بين النصيحة والتعيير ٢/ ٤١٤، ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب.\n(^٣) ينظر: فتح الباري ٨/ ٨٢، والتحرير والتنوير ٤/ ١٩٣.\n(^٤) ينظر: السير ٧/ ٤٦٠.\n(^٥) ينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ٣٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ٨٢٣.\n(^٦) ذهب ابن الوزير (ت: ٨٤٠) في إيثار الحق على الخلق (ص: ٣٨٥) إلى أن المعنى في هذه الآية مقصورٌ على سببه الذي ذكره ابن عباس، وادعى في ذلك الإجماع، ولا يصِحُّ ما ادَّعاه؛ لِمَا سبق عن السلف والأئمة من صِحَّة العموم.","vol":"1","page":268},{"text":"(وأنت فأقرئه السلام، وأخبروه أنها نزلت وهو يهودي) (^١)، وجواب ابن مسعود هذا يومئ إلى منشأ خطأ كعب في قوله هنا، ويثير سؤالًا:\n\n-<span data-type='title' id=toc-154> هل ليهودية كعبٍ الأولى أثرٌ في خطأِه في التفسير؟</span>\nالجواب: نعم، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود ﵁ بعبارته السابقة، وبمثل قوله عن قولٍ بلغه عن كعب: (ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه) (^٢)، وليس مُراد ابن مسعود بيهودية كعبٍ النسبَ أو الدينَ، فإن ذلك لا أثر له هنا، فقد أسلم كعب وحَسُن إسلامه، وصار من علماء المسلمين، فليس المراد أنه إنما أخطأ لأنه يهودي (^٣)، وإنما أراد أمرًا آخر، هو بيان التفاوت في العلم بالقرآن وتأويله، فابن مسعود شهد التنْزيل، وعرف التأويل بوجوه لم تتيسر لكعب وغيره ممَّن جاء بعد الصحابة، ثم تَمَكُّن ابن مسعود في عربيَّتِه مما لا يخفى. كُلُّ ذلك في مقابل تأخر كعب عن زمن التنْزيل، وغياب وجوهٍ من التأويل عنه وعن غيره ممَّن لم يظفر بشرف الصحبة- كالعلم بسبب النُّزول، وحال من نزل فيهم القرآن-، وكذلك علمه الواسع\n_________\n(^١) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٨٣)، وعنه ابن جرير في تفسيره ٤/ ٢٦٧ (٦٦٥٥)، وإسناده صحيح. وينظر: الدر ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) جامع البيان ٢٢/ ١٧٤.\n(^٣) لم يكن من هدي السلف رَدُّ أخبارِ أهلِ الكتاب لأنهم أهلُ كتاب، بل كانوا يقبلون الحق ممَّن جاء به، ثُمَّ يردُّون ما في هذه الأخبار ممَّا خالف الحق، وفيما يخصُّ التفسير هنا يُتَنَبَّه إلى أنه ليس من الصواب رَدُّ الإسرائيليات الواردة في كتب التفسير وإخراجها منها لأنها إسرائيليات، بل يُنظَر في هذه الأخبار فيَقَرُّ صوابها، ويبَيَّن خطؤُها، ويستفاد مما فيها من صواب وافق ما عندنا من الحق أو لم يخالفه، وعلى هذا نَهج أئمة المفسِّرين في تصانيفهم في كل زمان، فلا يكاد يخلو كتابٌ من كتب التفسير- غير المُختَصرَة- من إيراد هذه الأخبار والاستفادة منها، والأخذ بالرُّخصة النبوية في ذلك. ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٣٣٧، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٥، وتلخيص كتاب الاستغاثة ١/ ٨٠، وتفسير ابن مسعود ٦٩ - ٧٧، والإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري الرواة .. الموضوعات .. المقاصد، لنايف الزهراني، طبع مركز تكوين.","vol":"1","page":269},{"text":"بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، الذي رُبَّما كان ضارًّا بالمعنى إذا تجاوز به صاحبه الضوابط الشرعية المُبَيِّنة لوجوه الاستفادة من هذه الأخبار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-155>[٤٠] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٧].</span>\nعن عمرو بن دينار (^١) قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول- بأُذُني هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه-: يخرج الله قومًا من النار فيدخلهم الجنة. فقال له رجل (^٢): إن الله يقول ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]؟ فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٦ - ٣٧]، هذه للكفار) (^٣).\n_________\n(^١) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجُمَحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة (١٢٦). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٢٨، والتقريب (ص: ٧٣٤).\n(^٢) هو يزيد بن صهيب الفقير، كما في رواية ابن مردويه واللالكائي، وستأتي قصة مجادلته كاملة كما هي عند مسلم.\n(^٣) أخرجه مطولًا ابن حبان في صحيحه ١٦/ ٥٢٦ (٧٤٨٣)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه كما ذكره ابن كثير في تفسيره ٣/ ١١٦٧، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦/ ١١٦٣ - ١١٦٧ (٢٠٤٦، ٢٠٥٤). وأصله مُختصرًا عند مسلم في صحيحه ١/ ٤١٧ (كتاب ١ - الإيمان، باب ٨٤ - إثبات الشفاعة وآخر أهل الجنة دخولًا، برقم: ٣١٧)، والحميدي في مسنده ٢/ ٥٢٣ (١٢٤٥)، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٨١ (١٥١١٨)، وابن أبي عمر العدني، كما ذكره ابن مندة في الإيمان ٢/ ٨٢٦ وصححه، والآجري في الشريعة ٢/ ١٥٩ (٨٥٣)، والبيهقي في السنن ١٠/ ١٩١ (٢٠٥٦٦).","vol":"1","page":270},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-156> تحليل الاستدراك:</span>\nفهم الرجل من هذه الآية أن من دخل النار لا يخرج منها، ولو كان من المسلمين، فهي عامَّة عنده في كل داخل فيها، واستفاد هذا العموم من لفظ الآية ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]، أي: أهلها. كما قوَّاه تقديم ضمير الفصل المفيد للتخصيص والتأكيد. فأبطل جابر ﵁ هذا الفهم، وبين أن هذا الخلود في هذه الآية وما شابهها خاصٌّ بالمشركين، فلا يُخَلَّد أحدٌ من أهل التوحيد في النار، بل يخرجون منها بالشفاعة وغيرها. واستدل على ذلك بسياق الآية قبلها، وأنها في الكفار. وبيَّن للرجل سبب خطئِه في فهم هذه الآية، فقال له: (إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا)، وهذه سِمةُ أهل البدع في فهم نصوص الوحي، وقد كان هذا الرجل على مذهب الخوارج، فرجع عنه بعد جواب جابر ﵁.\n\n*<span data-type='title' id=toc-157> الحكم على الاستدراك:</span>\nكثيرًا ما جادل الخوارجُ صحابةَ رسول الله ﷺ، وكثيرًا ما تصدى الصحابة ﵃ لشبهاتهم بالكشف والبيان، وممَّن اشتهر بذلك علي بن أبي طالب، وابنُ عباس، وجابرٌ ﵃، وقد سُئِلَ جابر عن كثيرٍ من شبهات الخوارج، واستدلالاتهم في غيرما موقف، ومن هذه المواقف: ما رواه يزيد الفقير (^١) قال: (كنت قد شغفني رأيٌ من رأْي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم- جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ، قال: فإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟! والله يقول ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ\n_________\n(^١) يزيد بن صهيب الكوفي، أبو عثمان الفقير؛ لأنه كان يشكو من فقار ظهره، ثقة. ينظر: الكاشف ٣/ ٢٨٠، والتقريب (ص: ١٠٧٧).","vol":"1","page":271},{"text":"أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢]، و﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ يعني الذي يبعثه الله فيه-؟ (^١) قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعَتَ وضْعَ الصراط، ومَرَّ الناسِ عليه، قال: وأخافُ أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس. فرجعنا قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد) (^٢)، وعن طلق بن حبيب (^٣) (ت: بعد ٩٠) قال: (كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيتُ جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كلَّ آيةٍ ذكَرَ الله ﷿ فيها خلودَ أهل النار، فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله مني؟ وأعلم بسنة رسول الله ﷺ؟ فاتَّضَعْتُ له، فقلت: لا والله، بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة نبيِّه مني. قال: فإن الذي قرأتَ أهلُهَا هُمُ المشركون، ولكن هؤلاء أصابوا ذنوبًا فعُذِّبُوا بها، ثم أُخرِجُوا من النار، صُمَّتَا- وأهوى بيديه إلى أذنيه- إن لم أكن سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا. ونحن نقرأُ ما تَقرأ) (^٤)، وعن عمرو بن دينار (ت: ١٢٦) قال: (قدم علينا جابرُ بن عبد الله في عُمْرَة، فانتهيت إليه أنا وعطاء، فقلت:\n_________\n(^١) مُراده قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء ٧٩].\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤١٧ (٣٢٠).\n(^٣) طَلْق بن حبيب العَنَزِي البصري، صدوق عابد، مات (بعد ٩٠). ينظر: الكاشف ٢/ ٤٦، والتقريب (ص: ٤٦٥).\n(^٤) أخرجه ابن الجعد في مسنده ١/ ٤٨٦ (٣٣٨٤)، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٣٠ (١٤٥٧٤)، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ٢٨٥ (٨١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان ١/ ٢٩٤ (٣٢٣)، وابن مردويه كما في الدر ٣/ ٦٩، وإسناده حسن.","vol":"1","page":272},{"text":"﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة ١٦٧]. قال: أخبرني رسول الله ﷺ أنهم الكفار. قلت لجابر: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢]، قال: ومَا أَخْزَاه حين أَحْرقَه بالنار! وإنَّ دُون ذلك لَخِزْيًا) (^١)، وفي هذا الخبر نَصٌّ نبوي على تخصيص الآية في الكفار. وقد انحرفت المعتزلة في هذه الآية- ونحوها من النصوص- انحرافَ الخوارج قبلهم، فعن سفيان بن عيينة (^٢) (ت: ١٩٨) - بعدما روى حديث جابر هذا- قال: (قدم عمرو بن عبيد (^٣) ومعه رجل تابعٌ له على هواه، فدخل عمرو بن عبيد الحِجْر يصلي فيه، وخرج صاحبُه على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ، قال: فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال له: يا ضالّ، أما كنت تخبرنا أنه لا يخرج أحدٌ من النار؟! قال: بلى. قال: فهو ذا عمرو بن دينار يذكر أنه سمعَ جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: (يخرج قومٌ من النار فيدخلون الجنة)، قال: فقال عمرو بن عبيد: هذا له معنىً لا تعرفه. قال: فقال الرجل: وأيُّ معنىً يكون لهذا؟! قال: ثم قلب ثوبه من يومه وفارقه) (^٤).\nوتفسير جابر ﵁ لهذه الآية هو الحق الموافق لنصوص الشرع- ومنها أحاديث الشفاعة السابقة-، وقد رفعَ جابر تفسيره إلى رسول الله ﷺ كما سبق، وهو\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٤/ ٢٨٠ (٦٦٦٣)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٣٢٨ (٣١٧٣)، وإسناده ضعيف. وفي طبعة الحلبي لتفسير ابن جرير: (وما إخزاؤه)، ولا يستقيم، وتصويبه من الدر ٢/ ٣٨٣: (وما أخزاه!) على التعجب. وينظر: طبعتي محمود شاكر ٧/ ٤٧٩، والتركي ٦/ ٣١٣.\n(^٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ إمام حُجَّة، أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات سنة (١٩٨). ينظر: الكاشف ١/ ٣٧٩، والتقريب (ص: ٣٩٥).\n(^٣) عمرو بن عبيد بن باب التميمي مولاهم، أبو عثمان المعتزلي القدري، أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء، وزوَّجَه أختَه، ودعا إلى مذهبه، مات سنة (١٤٣). ينظر: تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٦، وميزان الاعتدال ٥/ ٣٢٩.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦/ ١١٦٣ (٢٠٤٨)، وتاريخ بغداد ١٢/ ١٧٧.","vol":"1","page":273},{"text":"الموافق لسياق الآية، وبه أجاب ابنُ عباس ﵁ نافعَ بن الأزرق عندما قال نافع: تزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]؟ فقال ابن عباس: (ويحك، اقرأ ما فوقها، هذه للكُفَّار) (^١). ولا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية ونحوها من النصوص لا تنافي القول بالشفاعة في عُصاة المؤمنين لخروجهم من النار. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-158>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: عناية الصحابة ﵃ في فهم القرآن وتفسيره بالسياق، واعتمادهم عليه بصورة واضحة في ردّ الأقوال الباطلة، والشاذَّة عن سياق الآية. ويوضح ذلك بجلاء استدلالات جابر ﵁ في رد شبهات الخوارج حول الآيات بسياقها، وفي بعض روايات يزيد الفقير قال: (كنت عند جابر بن عبد الله فذكروا الخوارج ..، فردَّ علينا جابر ذلك، فجعلَ يقرأ آيةً أوَّلها كُفر، وآخِرَها كُفر) (^٣).\nثانيًا: معرفة بذور الانحراف في التفسير وبداياته، وأثر الانحراف العقدي في ذلك.\n_________\n(^١) جامع البيان ٦/ ٣١٠ (٩٣٠٥). وقد رَدَّ الزمخشري هذا الخبر، وتَهَكَّمَ به على أهل السنة؛ مُتَوَصِّلًا بذلك إلى إثبات تخليد كلِّ داخل في النار، على مذهب المعتزلة، قال الآلوسي (ت: ١٢٧٠) عن هذه القصة: (حكاها الزمخشري، وشَنَّعَ إثرها على أهل السنة، ورماهم بالكذب والافتراء، فحقق ما قيل: رمتني بدائها وانسَلَّت. ولسنا مُضطرِّين لتصحيح هذه الرواية، ولا وَقَفَ الله تعالى صحةَ العقيدةِ على صحتها، فكم لنا من حديث صحيح شاهد على حقيقة ما نقول، وبطلان ما يقوله المعتزلة). روح المعاني ٦/ ٤١١، وينظر: الانتصاف ١/ ٦١٧، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٨، وفتح القدير ٢/ ٥٦.\n(^٢) ينظر: سنن الترمذي ٤/ ٣٦١، وشعب الإيمان ١/ ٢٩٣ (٣٢٢)، وجامع البيان ٦/ ٣١٠، والوسيط ٢/ ١٤٨، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٦٧، والدر المنثور ٣/ ٦٨، وروح المعاني ٦/ ٤١١.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٦/ ١١٦٦ (٢٠٥٢).","vol":"1","page":274},{"text":"ثالثًا: الوقوف على أبرز أسباب الغلط في التفسير، وهو: تعميم الخاص من النصوص، وهو تَحَكُّمٌ يبعث عليه الجهل والهوى، وقد عبَّر عنه جابر ﵁ بقوله: (إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا). وقال ابن\nأبزى ﵁ لمَّا جاءه رجلٌ من الخوارج يقرأ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدها. وورد نحوه عن علي ﵁. (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-159>[٤١] ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر ٩].</span>\nعن الأسود بن هلال (^٢) قال: (جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر ٩]، وأنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء. فقال عبد الله: ذَكَرتَ البخل، وبئس الشيء البخل، وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٧/ ١٩٣، والدر المنثور ٣/ ٢٢٥.\n(^٢) الأسود بن هلال المُحاربي، أبو سلام الكوفي، مخضرم ثقة جليل، مات سنة (٨٤). ينظر: الكاشف ١/ ١٣٢، والتقريب (ص: ١٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٣٣٢ (٢٦٦١١)، وابن جرير في تفسيره ٢٨/ ٥٦، ١٦٢ (٢٦٢٤٧، ٢٦٥١٠)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٤٨٢، والطبراني في الكبير ٩/ ٢١٨ (٩٠٦٠)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٣٢ (٣٨١٥)، والبيهقي في الشعب ٧/ ٤٢٦ (١٠٨٤١)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ١٠٣ للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه. من طريق جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود ﵁. وعنه، عن أبي الشعثاء، عن ابن مسعود، أخرجه الخطابي في بيان إعجاز القرآن (ص: ٣٠)، والثعلبي في تفسيره ٩/ ٢٨٠. وعن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٨/ ٥٦ (٢٦٢٤٦).\nوإسناده صحيح. وصححه الحاكم.","vol":"1","page":275},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-160> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا ظَنَّ هذا السائل أن البخلَ والشُّحَّ شيءٌ واحد بقوله: (أنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء)، خاف أن يفوته من الفلاح الموعود به في الآية بمقدار ما به من البخل، فشكا إلى ابن مسعود ﵁ ما خافه من الهلاك بسبب بُخله، فبيَّنَ له ابن مسعود ﵁ أنَّ ما وصف به نفسه هو: البخل، وليس الشُّح، (وبئس الشيء البخل) (^١)، ثم فَرَّق ابن مسعود ﵁ بينهما، فذكر أن البخل: إمساك المال عن النفقة في وجهه. وهو ما وصف الرجل به نفسه بقوله: (لا يكاد يخرج مني شيء). وذكر بعد ذلك الشُّحَّ، وبيَّنه بقوله: (أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، فالشُّحُّ عند ابن مسعود ﵁ هو: أكل مال غيرك ظلمًا. وهو المُراد عنده في هذه الآية، وفي غيرها ممَّا ذُكر فيها الشُّح، حيث قال: (وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد ..). فجَعَلَ الرجلُ البُخلَ والشُّحَّ شيئًا واحدًا، لاشتراكهما في المنع، وفرَّقَ بينهما ابن مسعود ﵁ اعتمادًا على اللغة، وما يشهد لذلك من حديث رسول الله ﷺ، كما سيأتي.\n_________\n(^١) نقل ابن القيم إجماع المفسرين على أن الفحشاء في قوله تعالى ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء﴾ [البقرة ٢٦٨]: البخل. طريق الهجرتين (ص: ٥٥٤). وقال ابن مُبَشر (ت: ٢٥٨): (قعدت مع أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، والناس مُتوافرون، فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا). طبقات الحنابلة ١/ ١٣٨.","vol":"1","page":276},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-161> الحكم على الاستدراك:</span>\nإن عِلْمَ ابن مسعود الهُذَلي ﵁ بلغة العرب، ودقيق معاني ألفاظها، مِمَّا لا يخفى على مُطالعٍ لعلمه وسيرته، وقد فَرَّق ﵁ هنا بين البخل والشُّح، وهذا التفريق صحيحٌ موجود في كلام العرب، فلكُلِّ لفظ في كلامهم معنىً ينفرد به عن الآخر، وإن تقارب المعنيان وتشاكلا في استعمال الناس. قال صاحب كتاب \"العين\": (الشُّحُّ: البخل، وهو الحرص) (^١)، وقال الأصمعي (^٢) (ت: ٢١٦): (رجلٌ شحيحٌ: إذا كان مع شِدَّة بُخلِه حريصًا) (^٣)، وقال النحاس (ت: ٣٣٨): (والمعروف في كلام العرب أن الشُّحَّ أَزْيَدُ من البخل، وأنه يُقال: شَحَّ فلانٌ يَشِحُّ، إذا اشتدَّ بُخلُه، ومنع فضل ماله، كما قال (^٤):\nترى اللَّحِزَ (^٥) الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّت … علَيه لِمَالِه فيها مُهِينا) (^٦).\nوفي الجمع بين هذه التعاريف يقول ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الشِّين والحاءُ الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع حرص. من ذلك الشُّحُّ، وهو: البخل مع حرص) (^٧).\n_________\n(^١) / ٣١١. ومثله في: تهذيب اللغة ٣/ ٢٥٥.\n(^٢) عبد الملك بن قريب الأصمعي، إمام اللغة والغريب، أخذ عن أبي عمرو، وصَنَّف: غريب القرآن، والفَرْق، والأضداد، وغيرها، توفي سنة (٢١٦). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: ٧٢)، وبغية الوعاة (ص: ١١٢).\n(^٣) بواسطة: فقه اللغة وسر العربية (ص: ١٨٤). وهو تعريف الثعالبي كذلك. ينظر: (ص: ٦١).\n(^٤) القائل عمرو بن كلثوم. ينظر: ديوانه (ص: ٥٢).\n(^٥) من مراتب البخل، ونقل الثعالبي عن أبي عمرو أنه: ضيق النَّفْس مع شِدَّة البخل. ينظر: فقه اللغة (ص: ١٨٤). ومعنى البيت: ترى ضَيِّق الصَّدر البخيل مُهينًا لماله فيها- أي: الخمر- إذا أُمِرَّت عليه.\n(^٦) إعراب القرآن ٤/ ٢٦٢.\n(^٧) مقاييس اللغة ١/ ٦٠٩. وينظر: الصَّحاح ١/ ٣٧٨، والزاهر، لابن الأنباري ٢/ ٧١، والفروق اللغوية (ص: ٢٠٠).","vol":"1","page":277},{"text":"وهذا الفرق بين البُخلِ والشُّحِّ في كلام العرب هو الذي ذكره ابن مسعود ﵁؛ فقوله في البخل واضحٌ لا إشكال فيه، وقوله في الشُّحِّ: (أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، هو تفسير له بِلازِمه، لا بما يُطابِقُه؛ فإن الشَّحيحَ بَخيلٌ في نفسه، حريصٌ على ما عند غيره، وهو ما يستتبع ظلم الناس، وأكلَ أموالهم بالباطل. وقد جاء هذا المعنى صريحًا عن ابن عمر ﵁ بقوله: (ليس الشَّحيحُ أن يمنعَ الرجلُ مالَه، ولكنه البخل، وإنه لشر، إنما الشُّحُّ أن تطمحَ عينُ الرجل إلى ما ليس له) (^١)، وقال عبد الله بن عمرو ﵁: (الشُّحُّ أشد من البخل؛ لأن الشَّحيح يشِحُّ على ما في يديه، فيَحْبِسه، ويَشِحُّ على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه) (^٢).\nويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ؛ فإن الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم) (^٣)، فمآلُ الشُّحِّ المذكور في هذا الحديث، هو مآلُهُ الذي ذكره ابن مسعود ﵁ في تفسيره للآية. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنه كان يطوف بالبيت يقول: (اللهم قِنِي شُحَّ نفسي)، لا يزيد على ذلك، فقيل له، فقال: (إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي لم أسرقْ، ولم أزنِ، ولم أفعلْ شيئًا) (^٤).\nوهذا المعنى هو المشهور عن مفسري السلف فمن بعدهم، قال سعيد بن جبير (ت: ٩٤) في معنى الشُّحّ: (إدخال الحرام، ومنع الزكاة) (^٥)، وقال طاووس (ت: ١٠٦):\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ١٠٣ لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ١٠٣ للخرائطي في «مساوئ الأخلاق».\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ١٠٤ (٢٥٧٨)، وينظر: المُفْهِم ٦/ ٥٥٧.\n(^٤) جامع البيان ٢٨/ ٥٦ (٢٦٢٤٨)، وينظر: تفسير ابن كثير ٨/ ٣٤٨٢.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ١٠٣ لعبد بن حميد، وابن المنذر.","vol":"1","page":278},{"text":"(البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشُّحُّ أن يَشِحَّ على ما في أيدي الناس) (^١)، وقال ابن زيد (ت: ١٨٢) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر ٩]: (من وُقِيَ شُحَّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يَدْعُهُ الشُّحُّ أن يحبسَ من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين) (^٢)، وقال ابن عيينة (ت: ١٩٨): (الشُّحُّ: الظلم، وليس الشُّحُّ أن تبخل بما في يدك؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [محمد ٣٨]) (^٣)، وقال الليث (^٤) (ت: ١٧٥): (الشُّحُّ ترك الفرائض، وانتهاك المحارم) (^٥). وهذا المعنى هو الأوفق للسياق، فإن الآيات في سورة الحشر في سياق مدح الأنصار، والثناء عليهم، ونفْيُ الشُّحِّ أبلغ من نفي البخل، فإنه نفيٌ للبخل وزيادة، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (قال المفسرون: يعني أن الأنصار مِمَّنْ وُقِيَ الشُحَّ حين طابت أنفسُهُم عن الفيء) (^٦).\nوعلى هذا المعنى الصحيح عن ابن مسعود ﵁ جمهور المفسرين، وعامَّة اللغويين، قال ابن جرير (ت: ٣١٠) بعد أن ذكر معنى الشُّحِّ لُغَةً: (وأمَّا العلماء فإنهم يرون أن الشُّحَّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حَقّ) (^٧)، وقال النحاس (ت: ٣٣٨): (وأهل التفسير على أن الشُّحَّ أخذ المال بغير حَقّ) (^٨)، وقال به الفراء\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في الدر ٨/ ١٠٣ لابن المنذر.\n(^٢) جامع البيان ٢٨/ ٥٧ (٢٦٢٥١).\n(^٣) تفسير غريب القرآن (ص: ٤٠٢)، وتفسير السمعاني ٥/ ٤٥٥، وتفسير سفيان بن عيينة (ص: ٣٣٣).\n(^٤) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة (١٧٥). ينظر: السير ٨/ ١٣٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٨١.\n(^٥) تفسير ابن وهب ٢/ ١٥٨.\n(^٦) الوسيط ٤/ ٢٧٥.\n(^٧) جامع البيان ٢٨/ ٥٦.\n(^٨) إعراب القرآن ٤/ ٢٦٢.","vol":"1","page":279},{"text":"(ت: ٢٠٧)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، ونسبه للمفسرين، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن جُزيّ (ت: ٧٤١)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن رجب (ت: ٧٩٥) (^١).\nومن فَسَّر الشُّحَّ بالبخل، كالسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، لم يُراعوا هذا الفرق، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (كل حَرفٍ يُفَسَّر على معنيين، أو معنىً يُعَبَّر عنه بحرفين، يجوز أن يكون كلُّ واحد يوضَع موضِعَ صاحبه جمعًا أو فرقًا، وذلك كثير في اللغة، ولم يَقُم هاهنا دليل على الفرق بينهما) (^٢)، وقد تَقَدَّمَ دليل الفرق بينهما في كلام ابن مسعود، وابن عمر، وأئمة اللغة.\nوأمَّا قول الآلوسي (ت: ١٢٧٠) بعدما ذكر قول ابن مسعود وابن عمر ﵃، وآثار السلف السابقة: (ولم أرَ لأحدٍ من اللغويين شيئًا من هذه التفاسير للشُّح) (^٣)، فلا يُسَلَّم؛ إذ قد وردت هذه التفاسير عن صحابِيَّين جليلين، وعن كبار أتباع التابعين بعدهم، وكُلُهم من مصادر اللغة ومعادنها، كما ورد نحو تفاسيرهم عن الفراء (ت: ٢٠٧) حيث قال: (﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر ٩]، يُقال: من أدَّى الزكاة فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه) (^٤)، والعادة من أهل اللغة تفسير الألفاظ بحدها المطابق، لا على المعنى من اللزوم، والتمثيل، وسبب النُّزول ونحوه، وتفسير السلف هنا في مُجْمَله تفسيرٌ على المعنى، لا على اللفظ، كما هي عادتهم، وأكثر شأنِهم فيه.\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ١٦١، وتهذيب اللغة ٣/ ٢٥٥، وزاد المسير (ص: ١٤١٧)، والتفسير الكبير ٢٩/ ٢٥٠، والتسهيل ٤/ ٢٠٧، والوابل الصَّيِّب (ص: ٧٥)، وشرح حديث (لبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك) (ص: ١٢٨)، وشرح وبيان لحديث (ما ذئبان جائعان) (ص: ٣١)، والكُلِّيَّات (ص: ٢٤٢).\n(^٢) أحكام القرآن ٤/ ١٦٤.\n(^٣) روح المعاني ٢٨/ ٣٤٤.\n(^٤) معاني القرآن ٣/ ١٦١.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nملاحظة أن أكثر طريقة السلف في التفسير: التفسير على المعنى (^١)، ومنه التفسير بالمثال، وباللازم، كما هو تفسير ابن مسعود ﵁ هنا، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن منهم- أي: مُفَسِّري السلف- من يُعَبرُ عن الشيء بلازِمِه ونظيره، ومنهم من يَنُصُّ على الشيءِ بِعينه) (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (السَّلَف كثيرًا ما يُنَبِّهون على لازم معنى الآية، فيظُنُّ الظانُّ أن ذلك هو المُراد منها) (^٣)، واعتناء السلف في التفسير بهذه الطريقة، وإكثارهم منها، له أسبابه ودواعيه، ومنها:\nأولًا: مناسبة الزمان والمكان، ففي عصرهم لم يكن يخفى على مجموعهم معاني ألفاظ القرآن، أو أساليبه في البيان، فهم أهل اللسان الذي نزل به.\nثانيًا: مناسبة المقام، فالمناسب في مقام السؤال، غير ما يناسب في مقام العرض والبيان، فربما اقتصروا من البيان على سؤال السائل، أو ما يعلمه، أو ما كان مشهورًا في زمنه (^٤)، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠) في تفسير سعد بن أبي وقاص ﵁ لقوله تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، بأنهم الحرورية: (وإنما فَسَّرها سعد ﵁ بالحرورية؛ لأنه إنما سُئِلَ عنهم على الخصوص، لأنهم أوّل من ابتدع في دين الله، فلا يقتضي ذلك تخصيصًا) (^٥)، وقال أيضًا: (كما قاله القاضي إسماعيل في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج. وكأن القائل بالتخصيص- والله أعلم- لم يَقُلْ به بالقصد الأول،\n_________\n(^١) هو: بيان المُراد بالآية، ولو بغير اللفظ المطابق، دون النظر إلى تحرير ألفاظها لُغَةً. ينظر: الاستدلال في التفسير (ص: ٨٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٩. وينظر منه: ١٣/ ٣٣٥.\n(^٣) إعلام الموقعين ٢/ ٢٩٣. وينظر: إعلام الموقعين ٢/ ٢٨٤، والصواعق المُرسلة ٢/ ٦٩٩.\n(^٤) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٧٦.\n(^٥) الاعتصام (ص: ٤٩).","vol":"1","page":281},{"text":"بل أتى بمثال ممَّا تتضمنه الآية، كالمثال المذكور؛ فإنه موافق لِمَا كان مُشتَهِرًا في ذلك الزمان، فهو أولى ما يُمَثَّلُ به، ويبقى ما عداه مسكوتًا عن ذكره عند القائل به، ولو سُئِلَ عن العموم لَقال به، وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع، إنما تحصل على التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران؟ ثُمَّ نُزِّلَت على الخوارج حسبما تقَدَّم، إلى غير ذلك ممَّا يُذكَر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة، لا بحسب ما يقتضيه اللفظ لُغَةً. وهكذا ينبغي أن تُفهَمَ أقوالُ المفسرين المُتقَدِّمين، وهو الأولى لمناصبهم في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة) (^١).\nثالثًا: مراعاة حال المُخاطَب، ومنْزلته في العلم والفهم، فبيان المعنى لأهل العلم وطلابه، يختلف عن بيانه لعامة الناس، وقد اشتهر عن السلف تقريب معاني كلام الله تعالى للناس بأيسر سبيل، وأوضح دليل، حتى أنهم ربما ذكروا للناس من واقعهم ما يُفسرون به القرآن، ومنه قول الأعمش (ت: ١٤٨) ﵀ عند قوله تعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرَ﴾ [البقرة ٦١]- بلا تنوين-: (هي مصر التي عليها صالح بن علي) (^٢). وكذا استشهادهم لكثير من الآيات على ما استجَدَّ في واقعهم، وتفسيرها به، كتفسيرهم عددًا من الآيات بالخوارج، والحرورية، والإباضية، والقدرية، وكُلُّها فِرقٌ حدثت أو برزت بعد زمن التنْزيل. (^٣)\nقال ابن جرير (ت: ٣١٠): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى\n_________\n(^١) الاعتصام (ص: ٧٨)، وينظر: المحرر الوجيز ١/ ٨٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ١/ ٣٠٢. وينظر: الدر ١/ ١٦٣.\n(^٣) ينظر في التمثيل لذلك: نقض الدارمي على المريسي ١/ ٥٨٢، وجامع البيان ٣/ ٢٤٢، و٤/ ٥٥، ٨٨، و١٦/ ٤٢، و٢١/ ٧٠، ١٣٤، و٢٨/ ١١٠، و٢٤/ ١٠٤. وعن أثر بيئة المفسر في التفسير ينظر: في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٧٨.","vol":"1","page":282},{"text":"فهم سامعيه) (^١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (إن اللسان له موقع من الدين، والعبارة المَرضِيَّة مندوبٌ إليها، كما أن التعَمُّقَ منهيٌّ عنه) (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد) (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-163>[٤٢] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّ</span>اسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤].\nعن أبي البَختَري (^٤) قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل. قال: (نِعْمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل!؛ إن كان لهم كل مرّة، ولكم كل حلوة، كلا والله لتَسْلُكُنَّ طريقَهم قَدْرَ الشِّراك) (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان ١٧/ ١٦.\n(^٢) تنبيه الرجل العاقل ١/ ٢٧١.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢١٦).\n(^٤) سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البَخْتَري الكوفي، من علماء التابعين وقرَّائهم، ثقة ثبت، توفي سنة (٨٢) وقيل (٨٣). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٥٠٥، والسير ٤/ ٢٧٩.\n(^٥) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ١٠١) (٢٤٤)، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٣٩، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩ (٧١٤)، وابن جرير في تفسيره ٦/ ٣٤٣ (٩٤٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٣ (٦٤٣٠). من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل ﵁. وعنه، عن أبي البَختَري. وأخرجه المروزي في السنة (ص: ٢٥) (٦٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤٢ (٣٢١٨)، من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، به.\nوإسناده صحيح؛ وصححه الحاكم، وحبيب مدلس وقد عنعن، وكذا الأعمش غير أن تدليسه مُحتَمَل، كما في طبقات المدلسين (ص: ٧، ٢٣).","vol":"1","page":283},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-164> تحليل الاستدراك:</span>\nفي سؤال السائل عن هذه الآيات تخصيص لها في بني إسرائيل، ومآخِذُ هذا التخصيص هي: أولًا: سبب النُّزول، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي مُحَمَّمًا (^١) مَجْلودًا، فدعاهم ﷺ فقال: هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرَّجم؛ ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فَرُجم، فأنزل الله ﷿ ﴿* يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة ٤١]، إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة ٤١]، يقول: ائتوا محمدًا ﷺ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، في الكفار كلها) (^٢). وعن ابن عباس ﵁ أنها نزلت في حَيَّي يهود في المدينة؛ بني النضير وبني قريظة، إذ كانت الأولى تشرف وتعتز على الثانية فلا تتساويا في الدية، فعَزَّت الثانية بمبعث رسول الله ﷺ وتحكيمه، فتحاكمتا\n_________\n(^١) التحميم: تسويد الوجه بالحُمَم، وهو الفحم. ينظر: شرح النووي على مسلم ٤/ ٣٥٣.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٣٥٢ (١٧٠٠)، وقريبٌ منه عند البخاري في صحيحه ١٢/ ١٧٢ (٦٨٤١)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٣٥١ (١٦٩٩)، عن ابن عمر ﵁.","vol":"1","page":284},{"text":"إليه، فحملهم على الحق في ذلك سواء، فنَزلت الآيات. (^١)\nوهذان السببان هما أصح ما ورد، ولا يمتنع نزول الآية فيهما جميعًا (^٢)، والتناسب واضح بين سبب النُّزول وسياق الآية الآتي ذكره، وأنه في اليهود.\nثانيًا: سياق الآيات، فقبلها قوله تعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة ٤١]، وقوله ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]، فعاد الضمير عليهم، وبعدها قوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة ٤٥]، وهذا الضمير لليهود بإجماع. (^٣)\nوقد أجاب حذيفة ﵁ بما يفيد رَدّه لهذا التخصيص، وأنها شاملة لغيرهم من هذه الأمة (^٤)، ومأخذ العموم في الآية عموم لفظها؛ إذ صُدِّرت بلفظ \"من\"، وهي من أبلغ صيغ العموم، فتشمل كلَّ من انطبق عليه شرطها. وكذلك سياقها في قوله تعالى قبلها ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة ٤٤]، على أن الخطاب للمؤمنين (^٥). وكذا خطابُ النبي ﷺ فيها، ومنه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٤/ ١٦٨ (٤٤٩٤)، والنسائي ٨/ ١٨ (٤٧٣٢ - ٤٧٣٣)، وأحمد ١/ ٢٤٦ (٢٢١٢)، والسياق مختصر من لفظه، وإسناده صحيح، ورَوَى نحوه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (١٩٦) (ص: ١٤١).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١١٧٨.\n(^٣) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس ١/ ٢٦٩، وملاك التأويل ١/ ٣٩٨.\n(^٤) هذا هو الأظهر في معنى كلامه: أنها عامة، ينظر: بحر العلوم ١/ ٤٣٩، والمحرر الوجيز ٢/ ١٩٦، وتوضحه رواية المروزي: (فقال رجل: إنما هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة: كلا والذي نفسي بيده)، ويشهد له ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس قال: (نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حلو فهو لكم، وما كان من مُرٍّ فهو لأهل الكتاب. كأنه يرى أن ذلك في المسلمين). الدر المنثور ٣/ ٨٣. وقد جعله ابن جرير وتبعه ابن كثير ضمن أقوال من خَصَّها بأهل الكتاب. ينظر: جامع البيان ٦/ ٣٤٢، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ١١٧٨.\n(^٥) ينظر: مدارج السالكين ١/ ٥٨٨.","vol":"1","page":285},{"text":"الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة ٤١]، وقوله ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، وقوله تعالى بعدها ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨].\n\n*<span data-type='title' id=toc-165> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب البراء بن عازب، وابن عباس ﵃ (^١)، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة (^٢) (ت: ٩٤)، وأبو رجاء العُطَاردي (^٣) (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مجلَز (^٤) (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١) (^٥)، إلى أن هؤلاء الآيات خاصة في اليهود، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والقصَّاب (^٦) (ت: ٣٦٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨) (^٧)، واحتجوا كما سبق بسبب النُّزول، وسياق الآيات. غير أن سبب النُّزول والسياق إنما يَمْنَعان العموم عند عدم القرائن (^٨)، وقد دَلَّ على العمومِ في هذه الآياتِ دلائلُ منها:\n_________\n(^١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، وإسناده ضعيف. ينظر: سنن سعيد بن منصور ٤/ ١٤٨٥، والدر المنثور ٣/ ٨٣.\n(^٢) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت، مات سنة (٩٤). ينظر: السير ٤/ ٤٧٥، والتقريب (ص: ٦٤٠).\n(^٣) عمران بن ملحان، أبو رجاء العُطَاردي، مخضرم مُعَمِّر ثقة، مات سنة (١٠٥). ينظر: السير ٤/ ٢٥٣، والتقريب (ص: ٧٥٢).\n(^٤) لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي، أبو مِجلَز البصري، تابعي ثقة، مشهور بكنيته، مات سنة (١٠٦). ينظر: الكاشف ٣/ ٢٤٧، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٣٥.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٦/ ٣٤٢، وزاد المسير (ص: ٣٨٦)، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٧٨.\n(^٦) محمد بن علي بن محمد الكَرَجيّ، أبو أحمد القَصَّاب؛ لكثرة ما قتل في مغازيه، إمام حافظ، صَنَّفَ: نكت القرآن، والسنة، وغيرها، مات في حدود (٣٦٠). ينظر: السير ١٦/ ٢١٣، والوافي بالوفيات ٤/ ١١٤.\n(^٧) ينظر: جامع البيان ٦/ ٢٤٩، ونكت القرآن ١/ ٣٠٥، وإعراب القرآن ١/ ٢٦٩.\n(^٨) ملاك التأويل ١/ ٣٩٩.","vol":"1","page":286},{"text":"أولًا: \"مَنْ\" الشرطية الدالَّة على العموم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) بعد ذكر القول بأنها في أهل الكتاب: (وهو بعيد؛ وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه) (^١).\nثانيًا: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nثالثًا: سياق الآيات على ما سبق بيانه؛ إذ فيها خطابٌ للنبي ﷺ وللمؤمنين.\nرابعًا: أنه قد وقع في كلام العلماء تداخل بين سبب النُّزول، ومدلول الآيات، فسبب النُّزول لا شك أنه في اليهود الذين غيروا حكم الله في الزاني المحصن أو في القصاص، وسياق الآيات دالٌّ على ذلك بلا شك، أمَّا مدلول الآيات ففيه خلاف كما سبق، ومنه أن بعض من قال أنها في أهل الكتاب، ورد عنه أنها في اليهود، أو العكس، كالضحاك (ت: ١٠٥)، وأبي مجلز (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، وكذا بعض من قال أنها في اليهود، ورد عنه أنها عامَّة في المسلمين، ويتبين ذلك بمراجعة أقوال ابن عباس ﵁، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وفي قول حُذيفة ﵁ إشارة قريبة لذلك.\nخامسًا: دلالة القرآن على معنى هذه الآيات، ومخاطبة المؤمنين بنحو ذلك يدل على عمومها، كالأمر بالحكم بكتاب الله، ونفيِ الإيمان عمَّن لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة، والنهي عن التحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك. (^٢)\nسادسًا: أنه قول الجمهور من أهل العلم، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كلَّ من لم يحكم بما أنزل الله) (^٣)، وهو\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٥٨٨.\n(^٢) ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه (ص: ١٣٨ - ١٥١).\n(^٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٩٦. وادعى بعضهم الإجماع عليه، كما في تفسير الذهبي ١/ ٢٧٢. وينظر: المفهم ٥/ ١١٧، ومدارج السالكين ١/ ٥٨٧، والموافقات ٤/ ٣٩، وفتح الباري ١٣/ ١٢٨.","vol":"1","page":287},{"text":"قول حذيفة، وابن مسعود ﵃، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، وعليه أكثر المفسرين بعدهم (^١).\nولا يشكِلُ على ذلك، ولا يتطرق منه للخوارج سَبَبٌ أن كان في القول بالعموم استدلالٌ بما نزل في الكفار على حال المؤمنين؛ فإنه وارد عن رسول الله ﷺ، وصحابته، حيث يتوافق الوصف الفرد المذكور في الآية مع حال المُستَشهَدِ عليه (^٢). ولا يضير هذا الاختيار في معنى الآية أن استدل به الخوارج؛ فإن من حَقِّ العلم، ومنهجِ أهله ذكرُ أقوال السلف في الموضع الواحد كما هي، وإن كان فيها مرجوحٌ، أو ضعيفٌ، أو ما وافقهُ طائفةٌ من أهل البدع، فالحُجَّةُ تبيِّنُ ضَعفَه وتكشِفُ لَبْسَه، قال عبد الرحمن بن مهدي (^٣) (ت: ١٩٨): (أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم) (^٤)، وقد أخذَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) على بعض المفسرين- كابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧) - تركَ ذكرِ بعض أقوال السلف في بعض الآيات؛ لأنها مرجوحة، أو ضعيفة، أو وافقها بعض المبتدعة، ثم قال: (وأمَّا عبدُ بن حُميد، وأمثاله من أئمة العلماء، فذكروا أقوال السلف في هذا وهذا، وهذا هو الصواب، وهو إعطاء العلم حَقَّه) (^٥)، ثم ذكر أن بعض أولئك المفسرين ربما نقل عن بعض السلف ما هو أشدّ من ذلك، كدعوى الخطأ من\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٦/ ٣٤٨، وأحكام القرآن، للجصاص ٢/ ٥٤٩، وتفسير السمرقندي ١/ ٤٣٩، والتفسير الكبير ١٢/ ٦، والتسهيل ١/ ٣٨٤، والبحر المحيط ٣/ ٥٠٤، وأضواء البيان ٢/ ٨٠.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٢٥، والموافقات ٤/ ٣٤. وفي التمثيل لذلك ينظر: صحيح البخاري ١/ ٢٥٨ (١١٨)، ٣/ ١٣ (١١٢٧)، ١٣/ ٥٨ (٧٠٩٩)، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٥٩.\n(^٣) عبد الرحمن بن مهدي بن حَسَّان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، إمامٌ ناقدٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث، مات سنة (١٩٨). ينظر: السير ٩/ ١٩٢، وتهذيب التهذيب ٢/ ٥٥٦.\n(^٤) تفسير آيات أشكلت ١/ ٣٧١، وأخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٦ (٣٢)، عن وكيع.\n(^٥) تفسير آيات أشكلت ١/ ٣٧١.","vol":"1","page":288},{"text":"الكاتب في بعض الآيات، وإنكار بعض القراءات، والأقوال التي خالفت الأحاديث صراحةً، فقهًا وتصوفًا واعتقادًا، مع أن ما تُرِكَ ذكره من أقوال السلف لا يدلّ على ما يذهب إليه بعض المبتدعة في أحيان كثيرة. (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-166>[٤٣] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠].</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: (ما تقولون ﴿بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، لمن هي؟ قلنا: للمسلمين. قال: لا والله، ما هي إلا للأعْرَابِ خاصَّةً، فأمَّا المهاجرون فسبعمائة) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-167> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب جُلَساءُ أبي هريرة ﵁ إلى أن تضعيف الحسنة إلى عشرِ أمثالها عامٌّ لجميع المسلمين، أخذًا بظاهر الآية وعمومها؛ إذ لفظ \"مَنْ\" من أشهر صيغ العموم، كما يدل على العموم سياق الآية؛ إذ يُقابل تضعيف الحسنة لعموم المسلمين، الجزاء بالسيئة لعموم المسلمين أيضًا، فكما أنه لا تخصيص في الجزاء بالسيئة، فكذلك في\n_________\n(^١) المرجع السابق ١/ ٣٦٤، وينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٨، والفتاوى الحديثية (ص: ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٤٣٢ (٨١٦٩)، من طريق أبي حاتم، عن فضل بن سهل، عن عارم، عن سعيد بن زيد، عن سعيد الجُريري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه ﵁.\nوإسناده صحيح لغيره، وله شواهد:\n- عن أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن جرير ٨/ ١٤٥ (١١١١٥)، وإسناده صحيح.\n- وعن ابن عمر، أخرجه سعيد بن منصور ٤/ ١٢٥٢ (٦٣٦)، وابن جرير ٨/ ١٤٥ (١١١١٦)، وابن أبي حاتم ٣/ ٩٥٥ (٥٣٣٨)، و٥/ ١٤٣٢ (٨١٦٨)، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٣٦٦ لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وإسناده ضعيف؛ لعطية العوفي.\n- وعن ابن عباس، عزاه السيوطي في الدر ٣/ ٣٦٦ لأبي الشيخ.","vol":"1","page":289},{"text":"تضعيف الحسنة. ويقوي العموم في الآية قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: (إن الله كتب الحسناتِ والسيئاتِ ثم بيَّنَ ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً) (^١)، وفي لفظ: (ثم قرأ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]) (^٢).\nوذهب أبو هريرة ﵁ إلى تخصيص التضعيف بعشر حسنات الوارد في الآية بالأعراب- وهم من أسلم من غير المهاجرين في ذلك الوقت (^٣) -، وأكَّدَ نفيه للعموم بالقسم، وحَدَّد مقدار ما يُضاعَف للمهاجرين بسبعمائة. واستُدِلَّ لذلك بسبب النُّزول، فعن ابن عمر ﵁ قال: (نزلت هذه الآية ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠] في الأعراب، والأضعاف للمهاجرين)، وفي لفظ: (فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم)، وصَحَّ نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (^٤)، ويُقَوِّي ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، فحُمِلَت المُضاعفة المُجملة في هذه الآية على عملِ المُهاجرين، وحُملَت المُضاعفة المُفسَّرة في آية الأنعام على عموم المسلمين (^٥)، كما يُقَوِّي تخصيص المُهاجرين بالمُضاعفة المُطلَقة بيانُ أن من عَظُمَت منْزلته\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٣٣١ (٦٤٩١)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣١٢ (١٣٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي ٥/ ٢٦٥ (٣٠٧٣).\n(^٣) ينظر: شرح الطِّيبيِّ على المشكاة ٥/ ١٦٩٠، وعون المعبود ٣/ ٤١.\n(^٤) سبق تخريجهما في شواهد الاستدراك.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٥/ ١٢٨.","vol":"1","page":290},{"text":"ودرجته عند الله فإن عملَه يُضاعَف له أجره، ويشهد لهذا المعنى أن الله ضاعف لهذه الأمة؛ لكونها خير أمة أُخرِجَت للناس أجرها مَرَّتين، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]، وفي الصحيح قال ﷺ: (إنما مَثَلُكُم ومثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثرُ عَملًا وأقلُّ عَطاءً. قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت) (^١)، كما يشهد له قوله تعالى في حقِّ أزواج نبيه ﷺ ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب ٣٠]، إلى قوله ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٢]. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-168> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب إلى العموم في الآية جماعة من المفسرين (^٣)، ورَجَّح ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، قولَ أبي هريرة ﵁، جمعًا بين آيتي النساء والأنعام السابقتين (^٤)، وينبغي المصير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٥٧١ (٣٤٥٩).\n(^٢) ينظر: فتح الباري، لابن رجب ١/ ١٦٢.\n(^٣) ينظر: الوجيز ١/ ٢٦٥، وتفسير السمعاني ٢/ ١٦٠، والمحرر الوجيز ٢/ ٥٤، ٣٦٨، وأحكام القرآن، لابن الفَرَس المالكي (مخطوط، ص: ١٣٥)، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٩٨، والبحر المحيط ٣/ ٢٦٢، وفتح القدير ٢/ ٢٥٧، وروح المعاني ٨/ ٤٣٢، والعذب النمير ٢/ ٩٣٢.\n(^٤) جامع البيان ٥/ ١٢٨.","vol":"1","page":291},{"text":"إليه؛ لأن تحديد مقادير الحسنات من الغيب الذي لا يُعلَمُ إلا بوحي، وأشار إلى هذا ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) بقوله: (وهذا تأويل يحتاج إلى سَنَدٍ يقطعُ العذر) (^١)، وقد صَحَّ سنده كما سبق، وتفسير الصحابي المتعلق بأمر الآخرة وما لا يُعلَمُ إلا بوحي له حكم المرفوع، قال السيوطي (ت: ٩١١): (التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حُكم الرفع بإجماع أهل الحديث) (^٢)، فإذا انضاف إلى ذلك تأكيدُ أبي هريرة ﵁ له بالقسم، واعتضدَ بسبب النُّزول، ووافقه عليه أبو سعيد الخدري، وابنُ عمر، وابنُ عباس ﵃؛ صَحَّ القول به، وتعيَّنَ تقديمه على العموم.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nحرصُ السلف على تأكيد المعاني الصحيحة في التفسير ورَدِّ ما سواها، وقد تنوَّعتْ طرائقهم في ذلك، فكان منها القسم، ويجيء في تفاسير السلف كثيرًا عند الحاجة إليه، وما أقسموا عليه من معاني كلام الله تعالى يستلزمُ تقديمًا في النظر، واعتبارًا في البحث، ووقوفًا على أسبابه الحاملة عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-170>[٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ </span>وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٦].\nعن نافع (^٣) قال: سألت ابن عمر قلت: (إنَّا قومٌ لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله ﷺ. فقلت: إن الله يقول ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. قال: إنما أُنْزلت هذه الآية\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ٢/ ٣٦٨.\n(^٢) الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: ٤).\n(^٣) نافع مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني الفقيه، ثقة ثبت مشهور، مات سنة (١١٧). ينظر: الكاشف ٣/ ١٩٧، والتقريب (ص: ٩٩٦).","vol":"1","page":292},{"text":"لأهل بدر، لا قبلها، ولا بعدها) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-171> تحليل الاستدراك:</span>\nفهم نافع من الآية تحريم التوَلِّي عند القتال إلا تَحَيُّزًا إلى فئةٍ حاضرةٍ أرضَ القتال؛ ولذلك شكى لابن عمر عَدَمَ تَمَيُّز الفئة لهم حال القتال، واستدلَّ لتأكيد فهمه ذلك بالعموم في ألفاظ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿وَمَنْ﴾ [الأنفال ١٦]. ثُمَّ بسياقها الوارد في النهي عن التولي يوم الزحف، وذلك في قوله تعالى قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. ويشهد لهذا المعنى من السنة قوله ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها: (والتولي يوم الزحف) (^٢)، وقد ورد عن عمر ﵁: (إذا لقيتم فلا تفروا) (^٣)، وعن علي وابن عمر ﵃: (الفرار من الزحف من الكبائر) (^٤).\nوذهب ابن عمر إلى أن ذلك النهي في الآية خاصٌّ بيوم بدر، وخَصَّص الفئة المذكورة في الآية برسول الله ﷺ، واستُدِلَّ لذلك التخصيص بموضوع السورة العام؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٨٨ (٦٣٧)، والنسائي في السنن الكبرى ٦/ ٣٤٩ (١١٢٠٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٦٧١ (٨٨٩٧)، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٣ لابن مردويه. من طريق حسَّان بن عبد الله، عن خلاد بن سليمان، عن نافع.\nوإسناده صحيح لغيره، وله شواهد:\n- عن عمر بن الخطاب، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٥٤١ (٣٣٦٨٨)، وابن جرير ٩/ ٢٦٨ (١٢٢٨٦)، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧١ (٨٨٩٨)، وإسناده صحيح.\n- وعن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ٤٦ (٢٦٤٨)، والنسائي في السنن الكبرى ٦/ ٣٥٠ (١١٢٠٣ - ١١٢٠٤)، وإسناده صحيح.\n- وعن ابن عباس، عزاه السيوطي في الدر ٤/ ٣٤ لأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٤٦٢ (٢٧٦٦)، ومسلم في صحيحه ١/ ٢٦٣ (٨٩).\n(^٣) ينظر: المحلى ٧/ ٢١٢.\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":293},{"text":"فإنها في غزوة بدر (^١)، وبسياقها في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال ١٦]، أي: يوم بدر. وبسبب نزولها، فهي في أهل بدر (^٢)، وأنه لم يكن لأهل بدر أن ينحازوا؛ لأنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، كما قال ﷺ في دعائِه يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض) (^٣)، ولم يكن لهم فئة إلا رسول الله ﷺ، وقد قال تعالى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [التوبة ١٢٠] (^٤)، ويدل على اختصاص ذلك بأهل بدر حديث ابن عمر ﵁: (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ، قال: فحَاصَ الناس حَيصَةً، فكُنتُ فيمن حَاصَ (^٥)، قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها، ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرارون. فأقبل إلينا، فقال: لا، بل أنتم العَكَّارُون (^٦). قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين) (^٧)،\n_________\n(^١) ينظر: صحيح البخاري ٨/ ١٥٦.\n(^٢) كما في حديث أبي سعيد الخدري، المُخَرَّج في شواهد الاستدراك.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٤٣٣ (١٧٦٣).\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٥٥٩.\n(^٥) أي: فَرُّوا من القتال، والمحيص: المهرب. ينظر: جامع الترمذي ٤/ ٢١٥، والنهاية في غريب الحديث ١/ ٤٤٩.\n(^٦) العَكَّار: الذي يَفِرُّ إلى إمامه لينصُرَه، ليس يريد الفرار من الزحف. ينظر: جامع الترمذي ٤/ ٢١٥، والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٥٦.\n(^٧) أخرجه الشافعي ١/ ٢٠٧ (١٠٠١)، وأحمد ٢/ ٧٠ (٥٣٨٤)، وأبو داود ٣/ ٤٦ (٢٦٤٧)، والترمذي ٤/ ٢١٥ (١٧١٦) وحَسَّنه، والبيهقي في السنن ٩/ ٧٦ (١٧٨٦١)، وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":294},{"text":"وصَحَّ عن عمر ﵁ نحو ذلك (^١)، فَدَلَّ على عدم العموم؛ لعدم مُؤاخذةِ من وقع منه ذلك بعد بدر، وقد فَرَّ الناس يوم أُحُد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-172> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب عمر، وابنه، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وأبو نضرة (^٣) (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، ونافع (ت: ١١٧)، وقتادة (ت: ١١٧)، ويزيد بن أبي حبيب (^٤) (ت: ١٢٨)، إلى أن الآية خاصَّةٌ بأهل بدر (^٥)، واستُدِلَّ لهذا القول بما سبق.\nوذهب جمهور العلماء إلى أن الآية عامَّة لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حال التحرُّف والتَّحَيُّز (^٦). وقالوا إن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب يوم\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في شواهد الاستدراك.\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٥١٠.\n(^٣) المنذر بن مالك العبدي، أبو نَضْرَة البصري، تابعي ثقة، مات سنة (١٠٨). ينظر: الكاشف ٣/ ١٧٥، والتقريب (ص: ٩٧١).\n(^٤) يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه، مات سنة (١٢٨). ينظر: الكاشف ٣/ ٢٧٥، والتقريب (ص: ١٠٧٣).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٩/ ٢٦٦، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٥٥٩، ونسبه الواحدي في الوسيط ٢/ ٤٤٩، والوجيز ١/ ٤٣٤ لأكثر المفسرين، وبه يقول أبو حنيفة، ينظر: النكت والعيون ٢/ ٣٠٤، وفتح القدير ٢/ ٤٢٢، وقال الجصاص (ت: ٣٧٠) عن هذا القول: (ليس بسديد). أحكام القرآن ٣/ ٦٢.\n(^٦) ينظر: المحلى ٧/ ٢١١، وتفسير السمعاني ٢/ ٢٥٤، وأحكام القرآن، لابن العربي ٢/ ٣١٥، والمغني ٩/ ٢٥٤، والمجموع ٢١/ ١٠٤، وشرح النووي على مسلم ١/ ٢٦٧، والإنصاف ٤/ ٩٠، ومواهب الجليل ٤/ ٥٤٧.\nوالتحرف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن. والتحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على عدوهم، سواء بعدت المسافة أو قربت. ينظر: معالم التنْزيل ٣/ ٣٣٧، والمغني ٩/ ٢٥٥.","vol":"1","page":295},{"text":"بدر، وذهاب اليوم بما فيه (^١)، وأجابوا عن أدلَّةَ من خَصَّ الآية بأهل بدر بأن قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ [الأنفال ١٦]، أي: يوم الزحف، المذكور في الآية قبلها، لا يوم بدر. وأما سبب النُّزول فالعبرة بعموم اللفظ، كما هو ظاهر في الآية والحديث. وأما قولهم: إن أهل بدر لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم. فليس بسديد؛ فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي ﷺ بالخروج؛ لأنه ﷺ ومن معه لم يكونوا يرون في ابتداءِ الأمر أنه سيكون قتال (^٢). وأمَّا قول النبي ﷺ: (أنا فئة المسلمين)، وكذا ما صَحَّ عن عمر فلا دليل فيه على عدم العموم؛ وإنما هو على جهة الحيْطَة على المؤمنين؛ إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارًا (^٣)، وقد يكونوا أخذوا بالرخصة، فتأثَّموا لتركِ إخوانهم، والرغبة عن العزيمة والشهادة. (وأمَّا يوم أُحُد فإنما فَرَّ الناس من أكثرَ من ضِعفِهِم، ومَعَ ذلك عُنِّفُوا؛ لكون رسول الله ﷺ فيهم، وفرارهم عنه، وأمَّا يوم حُنين فكذلك من فَرَّ إنما انكشفَ أمام الكثرة) (^٤)، والرخصة في نحو ذلك معلومة.\nوقد أجمع العلماء على تحريم الفرار يوم بدر، وأنه من الكبائر (^٥)، ولكن النهي المطلق في الآية، وخبر النبي ﷺ العام، لا يصح فيهما التقييد والتخصيص إلا بدليل (^٦)، وقد قال ابن العربي (ت: ٥٤٣) عن الحديث السابق: (وهذا نَصٌّ في المسألة يرفع الخلاف، ويُبَيِّن الحكم) (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي ٢/ ٣١٥، وفتح القدير ٢/ ٤٢٢.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦٣، وفتح القدير ٢/ ٤٢٢.\n(^٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٤٣.\n(^٤) المحرر الوجيز ٢/ ٥١٠، وينظر: الروض الأُنُف ٤/ ٢١٦.\n(^٥) ينظر: الروض الأنف ٤/ ٢١٦، ونسب هذا القول لابن سَلاَّم في تفسيره.\n(^٦) ينظر: المغني ٩/ ٢٥٤، وشرح النووي على مسلم ١/ ٢٦٧.\n(^٧) أحكام القرآن ٢/ ٣١٦.","vol":"1","page":296},{"text":"فمن ثَمَّ يترجَّح القول بالعموم، ويدخل فيه أهلُ بدرٍ دُخولًا أوَّليًّا، ثمَّ غيرهم مِمَّنْ بعدهم، وهو قول الجمهور. (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-173>[٤٥] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف ٧٦].</span>\nعن سعيد بن جبير قال: (حَدَّثَ ابنُ عباس بحديثٍ فقال رجلٌ عنده: الحمد لله ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف ٧٦]. فقال ابن عباس: بئسما قلت، اللهُ العليمُ، وهو فوقَ كلِّ عالِمٍ) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-174> تحليل الاستدراك:</span>\nأنكر ابن عباس ﵁ على الرجل فهمه للآية، ومن ثَمَّ استشهاده بها في ذلك الموقف، فإن الرجل استشهد بها على سعة علم ابن عباس وتَبَحُّره، بعد أن فهم منها أنه ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه، فجعل الرجلُ هذا العالِمَ- المذكورَ في الآية- المحيط بعلم من قبله ابنَ عباس؛ ولذا أنكر عليه ابن عباس استشهاده وفهمه، وبَيَّنَ\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٩/ ٢٦٩، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٥٦٠، وروح المعاني ٩/ ٢٤١، والتحرير والتنوير ٩/ ٢٩١.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٢٠ (١٣٢٩)، وسعيد بن منصور في سننه ٥/ ٤٠٤ (١١٣٧)، وابن جرير في تفسيره ١٣/ ٣٥ (١٤٩٦٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٢٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات ١/ ٢٠٧، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٥٠٠ لأبن المنذر وأبي الشيخ. من طريق عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جبير.\nوإسناده حسن لغيره، وله شواهد:\n- عن ابن عباس ﵁، أخرجه ابن جرير ١٣/ ٣٥ (١٤٩٦٦)، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٤٩٩ للفريابي، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وإسناده صحيح.\n- وعن عكرمة، أخرجه ابن جرير ١٣/ ٣٦ (١٤٩٦٨)، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧٧ (١١٨٣١)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":297},{"text":"أن الله تعالى هو العالم المحيط بكل شيء، وإليه منتهى علم كل عالم، فقال: (يكون هذا أعلم من هذا، ويكون هذا أعلم من هذا، والله فوق كُلِّ عالم) (^١). وقد يُقال: ليس الاستدراك هنا على فهم الرجل، أو استشهاده، وإنما هو استدراك على ما خَشِيَ ابنُ عباس أن يتطرق إلى فهم أحدٍ من السامعين، فقاله هَضمًا للنفس، وسدًّا لباب الغلوّ فيه، ورفعه فوق منْزلته. وظاهرٌ من تَعَجُّب الرجل أن ابن عباس ﵁ تحدَّث بعلمٍ أخذَ بألباب السامعين، ولا غرو فهو ترجمان القرآن، والبليغ في البيان (^٢)؛ فحَقَّقَ في نفوس السامعين أن العالِمَ الجامع لكلِّ أفراد العلم؛ ما كان وما لم يكن، وما ظهر وما بطن، وإليه منتهى علم كل عالم هو الله تعالى.\nومن ثَمَّ فعلى كلا التخريجين: أن يكون ابن عباس هو الموصوف بأعلى العلم في الآية، كما فهم الرجل، أو كما خشيَ ابن عباس أن يفهمه بعض السامعين؛ فهذا قولٌ منكر عند ابن عباس، وصوابه عنده: أن الله تعالى هو \"العليم\"، ب\"أل\" المستغرقة لجنس العلم وتمامه، ثم بعد ذلك يتفاوت الناس فيما آتاهم الله من علم، وعلم الله تعالى فوق علمهم جميعًا.\n\n*<span data-type='title' id=toc-175> الحكم على الاستدراك:</span>\nما ذكره ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية هو الحق، وهو المعروف عند المفسرين (^٣)، وما ذكره هذا الرجل فهو خطاٌ في نفسه إن اعتقده، أو فيما يؤول إليه من\n_________\n(^١) كما في رواية البيهقي في الأسماء والصفات ١/ ٢٠٧.\n(^٢) عن أبي وائل (ت: ٨٢) قال: (خطبنا ابنُ عباس وهو أميرٌ على الموسم، فافتتح سورة النور فجعلَ يقرأ ويُفَسِّر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلامَ رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والتُّرك لأسلَمَت). جامع البيان ١/ ٥٧، والسير ٣/ ٣٥١.\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ١٥٩، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ٥٢، وجامع البيان ١٣/ ٣٥، وإعراب القرآن، للنحاس ٢/ ٢١١، والوسيط ٢/ ٦٢٤، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٥٦، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٨٥٢.","vol":"1","page":298},{"text":"سوءِ فهمٍ من غيره، إذ فيه تحميل للآية ما لا تحتمل، ووصفُ مخلوقٍ بما لا يصلحُ إلا للخالق سبحانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>وتبرز في هذا الاستدراك مسألةُ الاستشهاد بآيات القرآن الكريم على واقعة مُعَيَّنَة </span>(^١)، وضوابط هذا الاستشهاد، وشروط صحته. وفي هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ إشارة إلى ضوابط هامّة في هذا الباب، منها:\nأولًا: يشترط لصحة الاستشهاد بالآية على واقعةٍ مُعَيَّنَة صِحَّةُ المعنى المُستَشهَدُ به في الآية؛ لأنه بمثابة الأصل الذي يُبنى عليه.\nثانيًا: لا بد من تطابق الآية المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة، فإذا تخالف الأمران بَطل الاستشهاد، كالاستشهاد بما هو من خصائص الخالق، على حال المخلوق، كما هو صنيع الرجل في هذه الرواية، وكذا الاستشهاد بما هو في الكافرين وتنْزيله على المسلمين، كما اشتهرت بذلك الخوارج. (^٢)\nثالثًا: إذا ترتب على هذا الاستشهاد إضرارٌ بالمعنى الأصلي للآية المُستَشهَدِ بها مُنِعَ منه؛ سَدًّا لباب إساءة الفهم، ويندرج هذا الضابط تحت الأصل الشرعي: \"درء\n_________\n(^١) ويقرب منه: تنْزيل معاني آيات القرآن الكريم على الوقائع، وبين الاستشهاد والتنْزيل عموم وخصوص من وجه، فإذا تطابقت- عند القائل- الآيةُ المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة من وجهٍ، أو في صفةٍ، فهو استشهاد بها في هذا الوجه أو تلك الصفة، أمَّا إذا تطابقت- عنده- الآية المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة من جميع الوجوه، فهو تنْزيل للآية من جميع وجوهها على الواقعة، كما هو قصد الخوارج في استدلالاتهم على الصحابة ﵃. فالتنْزيل أعمُّ من الاستشهاد من هذه الجهة، وهي: قصدُ المتكلِّم به.\nكما أن الاستشهاد أعَمُّ من التنْزيل لُغَةً؛ فإنَّ التنْزيل في أصله استشهاد، لكنه بقصدٍ خاصٍّ كما سبق.\n(^٢) قال ابن عمر ﵁ عن الخوارج: (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين)، أخرجه البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجزم ١٢/ ٢٩٥، ٢٩٨ وصححه ابن حجر. وينظر الاستدراك رقم (٤٢) (ص: ٢٣١).","vol":"1","page":299},{"text":"المفاسد مُقَدَّمٌ على جلبِ المصالح\" (^١)، ومنه رَدُّ ابن عباس لمقالة الرجل، على التخريج الثاني له كما سبق.\nرابعًا: سلامة سياق الحال ممَّا يخدش تعظيم القرآن الكريم، أو يقرنه بِسَفهٍ أو عَبَث. (^٢)\nوتتكامل هذه الضوابط وتلتقي مع بعض شروط الاستنباط والتفسير على القياس، التي أشار إليها ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀ (^٣)؛ إذ كلا الأمرين زائد على التفسير بمجرد اللفظ أو المعنى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-177>[٤٦] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل ٧٢].</span>\nعن زِرِّ بن حُبَيش (^٤) قال: (قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحفدةُ يا زِرّ؟ قال: قلت: هم أحفادُ الرجلِ من ولده، وولد ولده. قال: لا، هم الأصْهَار) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: قواعد الأحكام ١/ ٨٣، والموافقات ٣/ ٤٦٥، والأشباه والنظائر، للسيوطي ١/ ٧٨، ولابن نُجيم (ص: ٩١).\n(^٢) ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى ١/ ١٧٢.\n(^٣) سبق ذكرها في الاستدراك رقم (٢٣) (ص: ١٣٨).\n(^٤) زِرُّ بن حبيش الأسدي، أبو مريم الكوفي، ثقة جليل مُخضرم، كان من أعرب الناس، وكان ابن مسعود يسأله عن العربية، مات سنة (٨٢). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤١٤، والسير ٤/ ١٦٦، والتقريب (ص: ٣٣٦).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٣ (١٥٠٢)، وابن جرير في تفسيره ١٤/ ١٨٩ (١٦٤٣٨)، والطبراني في الكبير ٩/ ٢٢٤ (٩٠٩٠ - ٩٠٩٣)، والبيهقي في السنن ٧/ ٧٧ (١٣٢٢٢ - ١٣٢٢٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ١٣١ للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم. من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ. وتابع زِرَّ مسروقُ، كما في التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ١٥٤. وتابع عاصمًا المنهالُ بن عمرو، كما في تفسير ابن جرير ١٤/ ١٨٨ (١٦٤٣١)، ومعجم الطبراني الكبير ٩/ ٢٢٤ (٩٠٨٨)، ومستدرك الحاكم ٢/ ٣٨٧ (٣٣٥٦). وقد أخرج ابن جرير في إحدى طرق هذا الأثر: (عن عاصم، عن ورقاء: سألت عبد الله ..) ١٤/ ١٨٨ (١٦٤٣١). وورقاء هو: ابن عمر اليشكري الكوفي، المتوفى (بعد ١٦٠)، وعاصم لم يروِ عن ورقاء، وورقاءُ لم يلق ابن مسعود، فهو وهم، وصوابه: (عن زِرّ) كما في معجم الطبراني الكبير ٩/ ٢٢٤ (٩٠٩٠)، وهو في سائر الروايات عن (زِرّ). ينظر: جامع البيان ١٤/ ٢٩٦، حاشية: ٤، ط/ التركي، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٠٦. وتابعَ ابن عيينةَ المعلى بن هلال، كما في تفسير ابن سلاَّم ١/ ٧٦.\nوإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن حجر، كما في الفتح ٨/ ٢٣٨.","vol":"1","page":300},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-178> تحليل الاستدراك:</span>\nفَسَّر زِرٌّ \"الحفدةَ\" في الآية بأنهم: ولد الولد، وأولادهم؛ لِصِحَّته لُغَةً، ويكفي إثبات زِرٍّ له، وهو المُخضرَم الحُجَّة. ولأنه أنسب للسياق؛ فقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل ٧٢]، يفيد أن الحفدة من الزوجات، كما أن البنين كذلك (^١)، وكذلك سياق الآيات قبلها في تعداد النِّعَم، ومن أسماء السورة كذلك سورة: \"النِّعَم\" (^٢)، ورِزْقُ اللهِ عبادَه بالحفدةِ بعد البنينِ من تمام نِعَمِهِ عليهم.\nوذهب ابنُ مسعود ﵁ إلى أن المراد: الأصهار، وفي لفظ: الأختان. وهما متقاربان، ولا تعارض بينهما (^٣)، ومأخذه في ذلك صحة هذا المعنى لُغةً، ولا شك فقائله محضُ العرب ﵁. كما يشهد له قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان ٥٤] (^٤)، فالنَّسَبُ والصِّهرُ هنا في مقابلةِ البنين والحفدة في آية النحل، وكلاهما في سياق الامتنان والتفَضُّل.\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان ٣/ ٢٣٩.\n(^٢) ينظر: جمال القراء ١/ ٣٦، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٤٤.\n(^٣) فكلاهُما يُطلَقُ على أقارب الزوج والزوجة. ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٨٨.\n(^٤) ينظر: كلام الشافعي في سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٧٦.","vol":"1","page":301},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-179> الحكم على الاستدراك:</span>\nأصلُ الحَفْدِ في كلام العرب: الخِفَّة والسرعة في الخدمة والعمل (^١)، قال الشاعر (^٢):\nحَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَت … بأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ\nومن خلال هذا الأصل اللغوي تعددت أقوال السلف في معنى \"الحفدة\" في هذه الآية، وجُملَتُها أربعةُ أقوالٍ هي:\nالأول: أنَّهُم أعوانُ الرجل وخَدَمُه، وهو قول ابن عباس (^٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبي مالك الغفاري (^٤)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وأبي عبيدة (ت: ٢١٠)، وأبي عبيد (^٥) (ت: ٢٢٤). (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: العين ١/ ٣٣٣، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٤٧، والصحاح ٢/ ٤٦٦، ومقاييس اللغة ١/ ٣٠٧.\n(^٢) نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٣٦٤، والمرزوقي في أماليه (ص: ٣٦٨) لجميل، وهو أقرب، ويُروى لأُميَّة بن أبي الصلت، كما في رواية الطستي لمسائل ابن الأزرق (ص: ١٤٧)، ومعجم الطبراني الكبير ١٠/ ٢٤٨ (١٠٥٩٧)، ونسبه أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٣٧٤ للأخطل وليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره ١٠/ ٩٥ لكُثَيِّر وليس في ديوانه.\n(^٣) من رواية أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، المعروف بالقصاب، عنه. ينظر: جامع البيان ١٤/ ١٩٠.\n(^٤) أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي، ثقة، روى عن ابن عباس والبراء، وعنه السُّدِّي، وأكثر النقل عنه في التفسير. ينظر: الكاشف ٢/ ٣٧٥، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٧٥.\n(^٥) القاسم بن سَلاَّم بن عبد الله الهروي، أبو عبيد، الإمام الحافظ ذو الفنون، صنف: غريب القرآن، ومعاني القرآن، والغريب المُصَنَّف، وغيرها، ومات سنة (٢٢٤). ينظر: السير ١٠/ ٤٩٠، وبغية الوعاة ٢/ ٢٥٣.\n(^٦) ينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ١٣٢، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٧٥، ومجاز القرآن ١/ ٣٦٤، وغريب الحديث، لأبي عبيد ٢/ ٩٦، وجامع البيان ١٤/ ١٩٠، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ١١١.","vol":"1","page":302},{"text":"قال النضر بن شُميل (^١) (ت: ٢٠٤): (من قال الحَفَدةُ: الأعوان، فهو أتبَعُ لكلام العرب ممَّن قال: الأصهار) (^٢)، وذكر ابن الأنباري (^٣) (ت: ٣٢٨) أنه المُطابق لِلُّغة (^٤)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (ويقال في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل ٧٢]، إنهم: الأعوان، وهو الصحيح) (^٥).\nالثاني: أنهم الأصهار، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس (^٦) ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، وأبي الضُّحى (^٧) (ت: ١٠٠)، والفرَّاء (ت: ٢٠٧). (^٨)\nالثالث: أنهم ولد الرجل، وولد ولده، وهو قول ابن عباس (^٩)، وزِرّ بن حبيش (ت: ٨٢)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة\n_________\n(^١) النضر بن شُمَيْل بن خَرْشَة المازني، أبو الحسن، البصري النحوي، أخذ عن الخليل والعرب، ثقةٌ صاحب سنَّة، صنف: غريب الحديث، والجيم، وغيرهما، مات سنة (٢٠٤). ينظر: السير ٩/ ٣٢٨، وبغية الوُعاة ٢/ ٣١٦.\n(^٢) تهذيب اللغة ٤/ ٢٤٧. وغير خافٍ التجاوزُ في العبارة؛ فإنَّ ممَّن فَسَّرها بالأصهار: ابن مسعود، وابن عباس ﵃. وقريب من قول النَّضْر قول أبي عبيد في غريب الحديث ٢/ ٩٦، وابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١١١.\n(^٣) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، أبو بكر النحوي اللغوي المفسر الحافظ، صنف: الزاهر، والأضداد، والمشكل في معاني القرآن، وغيرها، مات سنة (٣٢٨). ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٦١٤، وبغية الوُعاة ١/ ٢١٢.\n(^٤) الزاهر ١/ ٧٠.\n(^٥) مقاييس اللغة ١/ ٣٠٧، وينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٩٠.\n(^٦) من طريق عكرمة، وعلي بن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان ١٤/ ١٨٩.\n(^٧) مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، أبو الضحى، تابعي ثقة فاضل، مات سنة (١٠٠). ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٧٠، والتقريب (ص: ٩٣٩).\n(^٨) ينظر: جامع البيان ١٤/ ١٨٨، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ١١٠، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ٦٩.\n(^٩) من طريق سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة. ينظر: جامع البيان ١٤/ ١٩٢.","vol":"1","page":303},{"text":"(ت: ١١٧)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (^١)\nالرابع: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، وهو قول ابن عباس ﵁. (^٢)\nوليس شيء من هذه الأقوال مردودًا لُغةً، ما دامت غيرَ خارجةٍ عن مدلول اللفظة الأصلي، غيرَ أنَّ أحدَها لا يحتمله لفظ الآية، وهو القول الأول: أنهم الأعوان والخدم؛ فإن الآية اقتصرت من معاني \"الحفدة\" على ما كان من طريق الزوجة، مُباشرةً أو تسَبُّبًا كما سيأتي، والأعوان والخدم ليسوا من هذا الطريق، وهو ما أشار إليه ابن زيد (ت: ١٨٢) بقوله: (ليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد؟!). فهذا المعنى صحيح لُغةً، لكنه لا يصحُّ تفسيرًا للآية، إلا معَ تَأَوُّلِ حَذفٍ وتقدير؛ فيه من التَكَلُّفِ وتحميل النَّصِّ ما فيه (^٣). ولتخريج هذا القول على معنىً تحتمله الآية بلا تَكَلُّف يُقال: إنهم أرادوا نوعًا من الأعوان والخدم خاصًّا، وهم البنون وأبنائهم؛ فإنهم أقرب الأعوان، وأسرعهم، وأحرصهم خدمةً، ويشهد له من السُّنَّة قوله ﷺ: (والولد عبدٌ لك) (^٤)، وقول الحسن (ت: ١١٠): (الحفدة: الخدم، يعني ولدًا يخدمونه، وولد ولده) (^٥)، وقول ابن زيد (ت: ١٨٢): (الحفدة: الخدم من ولد الرجل، هم ولده، وهم يخدمونه) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٧٥، وجامع البيان ١٤/ ١٨٩، ١٩٢، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٨٩، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٤٧.\n(^٢) من طريق العوفي. ينظر: جامع البيان ١٤/ ١٩٢، وزاد المسير (ص: ٧٨٦)، والدر المنثور ٥/ ١٣١.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ٩٠، والتفسير اللغوي (ص: ٥٩٠).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٦/ ٢٤٩ (١٠٧٠٤)، وأبو داود في سننه ٢/ ٢٤١ (٢١٣١)، والطبراني في الكبير ٢/ ٤٨ (١٢٤٣)، والحاكم ٢/ ١٩٩ (٢٧٤٦) وصححه، والبيهقي في السنن ٧/ ١٥٧ (١٣٦٦٧). وفي سنده ضعف.\n(^٥) تفسير ابن سلاَّم ١/ ٧٥، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٤١٠.\n(^٦) جامع البيان ١٤/ ١٩٢.","vol":"1","page":304},{"text":"أمَّا بقيةُ الأقوال الثلاثة فهي من قبيل اختلاف التنوع، الذي يُعبِّر فيه كُلُّ مفسر عن بعض معنى اللفظ لا على سبيل التخصيص، فقد جعل الله تعالى للرجل من زوجته صنفين من النِّعَم: البنين، والحفدة، فالبنين مُباشرةً، والحَفَدَةُ تَسَبُّبًا، فيكون منها على التفصيل: البنين، وأولادهم، والأصهار، وأولاد الزوجة من غير زوجها.\nويدلّ على هذا الجمع وروده مع تنوُّعِه عن المفسر الواحد، فوردت الثلاثة عن ابن عباس ﵁، وتكرر بعضها عن عكرمة (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وجميعها صحيح لُغةً، عامٌّ غير مخصوص، موافق لسياق الامتنان والتفضُّل في الآيات، وموضوع السورة العام. قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨) بعد ذكره لقول طاووس (ت: ١٠٦): (الحفدة: الخدم): (فهذا مطابق لِلُّغة، والأقوال الأخرى غير خارجة عن الصواب) (^١)، واختار الجمع بين هذه الأقوال ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-180>[٤٧] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف ٦٠].</span>\nعن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالي (^٣) يزعم أن موسى صاحب الخضر، ليس موسى صاحب بني إسرائيل. فقال ابن عباس: كذبَ عدوُّ الله،\n_________\n(^١) الزاهر ١/ ٧٠.\n(^٢) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٧٥، وجامع البيان ١٤/ ١٩٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢١٢، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٢٤١، والتفسير الكبير ٢٠/ ٦٦، وفتح الباري ٨/ ٢٣٨.\n(^٣) نوف بن فَضَالة البِكَالي، أبو يزيد الحِمْيَرِي، ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، تابعي عالم صدوق، قرأ الكتب، وأخذ عن كعب علمًا كثيرًا. ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢١٢، والتاريخ الكبير ٨/ ١٢٩، والفتح ٨/ ٢٦٣.","vol":"1","page":305},{"text":"حدثنا أُبَيّ بن كعب عن النبي ﷺ: (إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا …) الحديث. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-181> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب نوفٌ إلى أن \"موسى\" في هذه الآيات ليس النبيَّ صاحبَ بني إسرائيل، وإنما هو: موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، قال ابن إسحاق (^٢) (ت: ١٥٠): (وكان نبيًّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، ويزعم أهلُ الكتاب أنه الذي صَحِبَ الخَضِر) (^٣)، فهذا قول أهلِ الكتاب، نقله نوفٌ، عن كعبِ الأحبار، عنهم (^٤). فهذا مُعتَمَدُه في التعيين؛ أخبار أهل الكتاب. (^٥)\nورَدَّ ابنُ عباس ﵁ هذا القول وكَذَّبَه، واستندَ في إبطاله إلى نَصِّ حديث رسول الله ﷺ، وفيه تحديدُ موسى، وأنه نبي بني إسرائيل ﵇، وهذا ظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غيرَ واحد، هو نبي الله ابن عمران ﵇، ولو كان من في هذه الآية غيرَه لَبَيَّنه النص. (^٦)\n\n*<span data-type='title' id=toc-182> الحكم على الاستدراك:</span>\nنَصُّ السنة، وظاهر القرآن، ومُقتَضى التاريخ (^٧) يدل على أن موسى صاحب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٢٦٣ (كتاب ٣ - العلم، باب ٤٤ - ما يُستَحَبُّ للعالم إذا سُئِلَ أيُّ الناس أعلم؟ فيَكِلُ العلمَ إلى الله، برقم: ١٢٢)، ومسلم في صحيحه ٥/ ٥١٨ (كتاب ٤٣ - الفضائل، باب ٤٦ - من فضائل الخضر ﵇، برقم: ٢٣٨٠).\n(^٢) محمد بن إسحاق بن يسار المدني، أبو بكر المُطَّلبي مولاهم، إمام السيرة، الأخباري الحافظ، صَنَّف: السيرة النبوية، ومات سنة (١٥٠). ينظر: السير ٧/ ٣٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ٥٠٤.\n(^٣) النكت والعيون ٣/ ٣٢١، وفتح الباري ٨/ ٢٦٥، وينظر: تاريخ الأمم والملوك ١/ ٢١٩.\n(^٤) كما في رواية ابن جرير في تفسيره ١٥/ ٣٤٦ (١٧٤٩٤).\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير ٢١/ ١٢٢، وروح المعاني ١٥/ ٣٩٠، وهو رأي عبيد بن تِعلَى أيضًا، كما في تفسير البستي ١/ ١٤٣.\n(^٦) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٧، والتفسير الكبير ٢١/ ١٢٢.\n(^٧) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٧، والبداية والنهاية ١/ ٢٦٠.","vol":"1","page":306},{"text":"الخضر هو: ابن عمران النبي ﵇، وليس غيره. وقد ذكر مَنْ قال غيرَ ذلك شُبَهًا لأهلِ الكتاب، لا تقوم في مقابلة نصّ رسول الله ﷺ الصحيح بحال. (^١)\nومن ثَمَّ فالحقُّ والصواب ما قاله ابن عباس ﵁، وعليه جمهور المسلمين (^٢)، وعامَّة المُفسرين (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-183>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: أنه رُبَّمَا أغلَظَ المُفَسِّرُ في رَدِّه للقول الآخر، وحامله على ذلك ضرورة البيان، وتأكيد بُطلان ذلك القول، ومُخالفته للصواب؛ ولذا تتفاوت صيغ التغليظ والرد، بتفاوت شناعة القول المُخالف وفساده، ومنه قول ابن عباس ﵁ هنا: (كذب عدوُّ الله)، فليس مُراده أنه عدوٌ لله على الحقيقة (^٤). وإنما لمُخالفة نوفٍ صريحَ كلامَ رسول الله ﷺ، فكان رَدُّه عليه متناسبٌ مع مقدار انحراف قوله.\nثانيًا: يُستَفاد من ردِّ ابن عباس ﵁ لمقالة نوف، بيانُ شرطٍ هامٍّ من شروط الأخذ باقوال بني إسرائيل في التفسير، وهو عدمُ مخالفةِ أخبارِ أهل الكتاب للنصِّ الشرعيّ، وإلا فهي باطلةٌ مردودة.\n* * *\n_________\n(^١) استوعبها الآلوسي في روح المعاني ١٥/ ٣٩٠ - ٣٩١، وأبطلها.\n(^٢) ينظر: النكت والعيون ٣/ ٣٢١، والجامع لأحكام القرآن ١١/ ٨.\n(^٣) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ١٩٧، وبحر العلوم ٢/ ٣٠٤، والنكت والعيون ٣/ ٣٢١، والمحرر الوجيز ٣/ ٥٢٧، والتفسير الكبير ٢١/ ١٢٢، والجامع لأحكام القرآن ١١/ ٨، والتسهيل ٢/ ٣٦٧، والبحر المحيط ٦/ ١٣٥، وروح المعاني ١٥/ ٣٩٠.\n(^٤) ينظر: المُفهِم ٦/ ١٩٣، وشرح النووي على مسلم ٥/ ٥١٩، والفتح ٨/ ٢٦٥.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>[٤٨] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣].</span>\nعن مصعب بن سعد (^١) قال: (قلت لأبي: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]، أهم الحرورية (^٢)؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أمَّا اليهود فَكَذَّبوا محمدًا ﷺ، وأمَّا النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد يُسَمِّيهم: الفاسقين) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-185> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا خرجت الحرورية، ونسبَهُم بعضُ الصحابة إلى هذه الآية (^٤)، سألَ مُصعَب أباه: أهم المقصودون بها؟. ومأخذَ من استشهَدَ بهذه الآية على الخوارج انطباقها عليهم من جهة اجتهادهم في العبادة، مع إقامتهم على الضلال، فخسروا من حيثُ ظَنُّوا الربح.\nثمَّ بَيَّن سعدٌ ﵁ أن المُراد في الآية أهلُ الكتاب؛ اليهود والنصارى، وذكر صُوَرًا من ضلالهم، وسَمَّى الخوارج بالفاسقين (^٥). ويشهد لهذا القول- أنها في أهل الكتاب- سياق الآية؛ فإنه في الكافرين، قال تعالى ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ\n_________\n(^١) مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، مات سنة (١٠٣). ينظر: الكاشف ٣/ ١٤٧، والتقريب (ص: ٩٤٦).\n(^٢) نسبةً إلى حروراء، قرية بظاهر الكوفة، وهي التي كان ابتداء خروج الخوارج منها. ينظر: الأنساب ٤/ ١٣٤، ومعجم البلدان ٣/ ١٣٨، والفتح ٨/ ٢٧٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٧٨ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٥ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]، برقم: ٤٧٢٨).\n(^٤) قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (ولعل هذا هو السبب في سؤال مُصعَب أباه عن ذلك). الفتح ٨/ ٢٧٨.\n(^٥) قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (لأن الحرورية جَرَّدوا السيوف على عباد الله، وهو غاية الفساد في الأرض، وذلك كثير من أهل البدع شائع). الاعتصام (ص: ٤٨).","vol":"1","page":308},{"text":"الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف ١٠٢ - ١٠٦]، كما يشهد له ورود هذا المعنى في القرآن في غيرما آية، فقد وصف الله تعالى الكافرين عمومًا بضلال أعمالهم في قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١]، وقوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور ٣٩]، ووُصِفَ بهذا النصارى على الخصوص في قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧].\n\n*<span data-type='title' id=toc-186> الحكم على الاستدراك:</span>\nورد عن علي وأبي أُمامة ﵃ أن هذه الآية في الخوارج، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥) (^١)، وهذا تفسير بالمثال (^٢)، ومعناه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية. وهذا الأسلوب معروف في تفاسير السلف (^٣)، ولا يُراد به الحصر، بل الآية عامَّةٌ في كل عاملٍ عملًا يحسبُهُ صوابًا ونجاةً، وهو ضلالٌ وهلكة، فتشمل اليهود والنصارى، والحرورية، وغيرهم.\nويدُلُّ على العموم صِيَغُهُ في الآية، نحو: \"ال\" المفيدة للاستغراق، و\"الذين\". ثُمَّ إن هذه الآية مكيَّة قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكُلِّيَّة (^٤) فهي عامَّةٌ في كل من عبد الله تعالى على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مُصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مُخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢١٠، وجامع البيان ١٦/ ٤٣، وبحر العلوم ٢/ ٣١٥، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢١٩٨.\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٥٤٥، والبحر المحيط ٦/ ١٥٧.\n(^٣) سبقت الإشارة إلى هذا في الاستدراك رقم (٤١) (ص: ٢٢٨).\n(^٤) ينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٩٨.","vol":"1","page":309},{"text":"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية ١ - ٤]، وقوله ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]، ومن السُّنة قوله ﷺ: (إنه ليأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامة، لا يزن عند الله جناحَ بعوضة وقال: اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥]) (^١)، وقوله: (كلُّ بدعة ضلالة) (^٢)، فتشمل الآية أهلَ البدع عمومًا؛ لانطباق وصفها عليهم (^٣). وقد ورد عن علي ﵁ تفسير الآية بالرهبان وأهل الصوامع (^٤). ممَّا يدلُّ على إرادته الاستشهاد بها على حال الخوارج، وانطباقها عليهم من هذا الوجه، لا حصرها فيهم، ويؤكده أنه إنما قال ذلك المعنى لأحد الخوارج (^٥) الذين سألوه وجادلوه في بعض الآيات، فلمَّا سأله الخارجي عن هذه الآية، قال علي ﵁: (أنتم يا أهل حروراء)، وفي لفظ: (ويلك، منهم أهل حروراء) (^٦).\nواختار العمومَ من المفسرين: ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشاطبي (ت: ٧٩٠) (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٧٩ (٤٧٢٩)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٧٢ (٢٧٨٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص: ١٨).\n(^٣) ينظر: الاعتصام (ص: ٥٠).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨، وجامع البيان ١٦/ ٤١.\n(^٥) هو: عبد الله بن الكَوَّاء اليشكري، كبير الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁. ينظر: تفسير الثوري (ص: ١٧٩)، وتفسير ابن وهب ١/ ٩٦، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٢١٠، والفتح ١٢/ ٢٩٦.\n(^٦) تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢١٠، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨، وجامع البيان ١٦/ ٤٣.\n(^٧) ينظر: جامع البيان ١٦/ ٤٤، وأحكام القرآن ٣/ ١٨٣، والبحر المحيط ٦/ ١٥٧، وتفسير القرآن العظيم ٥/ ٢١٩٨، والاعتصام (ص: ٤٩).","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>[٤٩] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span> [النور ٢].\nعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر (^١)، أن عبدَ الله بن عمر حَدَّ جاريةً له، فقال للجالد، وأشارَ إلى رجلها وإلى أسفلها. قلت: فأين قول الله ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]؟ قال: (إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعتُ حيث ضربتُ) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-188> تحليل الاستدراك:</span>\nفَسَّرَ عبيدُ الله النهي عن الرأفة في الآية بترك الإيجاع في الضرب، وعدم الاشتداد فيه، فأنكر إشارَةَ أبيه للجالد بالتخفيف، ومُعْتَمَده في هذا الفهم النهي العام في الآية، فكلمة \"رأفةٌ\" نكرةٌ في سياق النهي تفيد العموم. ويُؤَيِّدُه انتظام حكم الآية بذلك؛ فيجتمع بذلك ذكرُ عَدَدِ الحَدِّ وَصِفَتُه، فالعدد مئةٌ كما في أوَّل الآية، وصِفَتُها بلا رأفةَ فيها. ثُمَّ هو مُقتَضى الحَزم في أمر الله، فالشِّدَّةُ في إقامة الحدود من تمام الامتثال، ويعقبها الردع عنها، وهو من مقاصد الحدود المعلومة، قال تعالى ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم ١٢].\n_________\n(^١) عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، ثقة، مات (قبل ١٠٦). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٢٨، والتقريب (ص: ٦٤١).\n(^٢) أخرجه إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن (ص: ١٥٦) (٢٣٣)، وعبد الرزاق في المصنف ٧/ ٣٧٦ (١٣٥٣٧)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ٨٨ (١٩٤٦٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٨/ ٢٥١٨ (١٤٠٩٥)، والثعلبي في التفسير ٧/ ٦٣، والبيهقي في السنن ٨/ ٢٤٥ (١٦٨٨٦)، وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ١١٧ لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق نافع بن عمر، وابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله.\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":311},{"text":"وبَيَّن ابنُ عمر ﵁ أن المُراد ب\"الرأفة\" المنهي عنها في الآية؛ الحامِلَةُ على تعطيل الحد، وعدم إقامته، لا تجاوز الحَدِّ في الضرب، وترك التوسط فيه؛ فإنه غير مأمور به. ومُعتَمَدُه في هذا الفهم لفظ الآية؛ فإن فيها ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، أي: في حكم الله وأمره. كما في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف ٧٦]، أي: حكمه. فالرأفةُ المنهي عنها في الآية: الرأفة في إقامة حكم الله، وهو الحَدُّ (^١). ويُؤَيدُه في السياق كذلك تعقيب النهي بقوله تعالى ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور ٢]، وهذا تهييجٌ كالوعيد في ترك الحدود (^٢)، وقد اقترن تحقيق الإيمان والصدق فيه، بإقامة حكم الله وحدوده في كتاب الله كثيرًا، ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩]، وقوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠]، إلى قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، وقوله ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور ٥١]. ومن السياق كذلك يُستفاد تقوية هذا القول؛ إذ الذي تقدم ذِكرُه: الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعًا إليه. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-189> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب إلى قول ابن عمر ﵁ في الآية سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)،\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٩٠.\n(^٢) ينظر: الوسيط ٣/ ٣٠٣، وأنوار التنْزيل ٢/ ٧١٢.\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ٢٣/ ١٣٠.","vol":"1","page":312},{"text":"والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مجلز (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ومعمر (ت: ١٥٣)، والثوري (ت: ١٦١)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن عيينة (ت: ١٩٨). (^١)\nوذهب سعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠) في رواية، وقتادة (ت: ١١٧)، وحمَّاد بن أبي سليمان (^٢) (ت: ١٢٠)، والزهري (ت: ١٢٤)، إلى أن المُراد الشِّدَّةُ في الضرب، وعدم التخفيف. (^٣)\nوالقول الثاني ناتِجٌ عن الأوَّل، غيرَ أنَّ الأوَّل أصَحّ؛ لموافقته لفظ الآية، وسياقها، ولورود معناه في كتاب الله تعالى، ويُؤَيدهُ قول ابن جرير (ت: ٣١٠): (ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانِيَيْن إقامةُ الحدِّ عليهما على ما أَمَرَ، من جلد كلِّ واحدٍ منهما مئة جلدة، مع أن الشِّدَّةُ في الضرب لا حَدَّ لها يوقَفُ عليه، وكلُّ ضَربٍ أوجعَ فهو شديد، وليس للذي يوجِعُ في الشِّدَّة حَدٌّ لا زيادة فيه فيؤمر به، وغيرُ جائزٍ وَصفُهُ جَلَّ ثناؤه بأنه أَمَرَ بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو: عدد الجلد، على ما أَمَرَ به، وذلك هو إقامة الحدِّ\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: ١٥٧)، وتفسير مقاتل ٢/ ٤٠٧، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٤٢٣، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٢٤، ومصنفُه ٧/ ٣٦٧، وتفسير البستي ١/ ٤١٥، وجامع البيان ١٨/ ٨٨، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٤٩٥، ومعالم التنْزيل ٦/ ٨، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٥٩.\n(^٢) حمَّاد بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، الفقيه الإمام، مات سنة (١٢٠). ينظر: الكاشف ١/ ٢٥٢، والتقريب (ص: ٢٦٩).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: ١٥٥)، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٢٤، وجامع البيان ١٨/ ٨٨، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٢٢٠، والوسيط ٣/ ٣٠٣، ومعالم التنْزيل ٦/ ٨، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٥٩.","vol":"1","page":313},{"text":"على ما قلنا) (^١)، وهو ما أشار إليه ابن عمر ﵁ بقوله: (إن الله لم يأمرني أن أقتلها)، وفي لفظٍ: (أفأقتُلها؟!)، ويُوَضِّحُهُ الاستعمال القرآني لكلمة الجلد، قال الثعلبي (ت: ٤٢٧): (يدُلُّ عليه من الآية أن الله ﷾ أمَرَ بالجَلد؛ وهو: ضَربُ الجِلد. كالرَّأسِ: لِضَربِ الرأس. فَذَكَرَ الضربَ بلفظِ الجَلدِ لِئَلا يَنكَأَ، ولا يجرح، ولا تبلغ به اللحم) (^٢)، وقد رُوِيَ عن عمر وعلي ﵃ التخفيف في صفة جلد الزاني (^٣)، وهذا ضَربٌ من الرأفَة يَدُلُّ على أن المُراد في الآية النهي عن الرأفة المانعة من إقامة الحدّ (^٤)، والرأفةُ أمرٌ جِبِلِّيّ لا يتعلق بها تكليف، وإنما النهي عن آثارها كترك الجلد أو تنقيصه أو تخفيفه (^٥)، كما أن من هدي القرآن التحذير من موانع الحكم بما أنزل الله، سواءً كان المانع من خارج النفس، كما في قوله تعالى ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقوله ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة ٤٨]، أو كان من داخل النفس، كالهوى، والرأفة المانعة من إقامة الحَدِّ، كما في هذه الآية. وهو قولُ جماعةِ المفسرين (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان ١٨/ ٩٠.\n(^٢) الكشف والبيان ٧/ ٦٣.\n(^٣) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٤٩٥، ومصنف عبد الرزاق ٧/ ٣٦٨، والتمهيد ١٤/ ٧٧.\n(^٤) ينظر: التمهيد ١٤/ ٧٧، والمحرر الوجيز ٤/ ١٦٢.\n(^٥) ينظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: ١٨٠).\n(^٦) قاله في التمهيد ١٤/ ٧٧. وينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ٢٤٥، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٤٢٦، وجامع البيان ١٨/ ٩٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٨، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٤٩٦، ونكت القرآن ٢/ ٣٧٩، وبحر العلوم ٢/ ٤٢٥، والوسيط ٣/ ٣٠٣، وغرائب التفسير ٢/ ٧٨٨، والمحرر الوجيز ٤/ ١٦٢، والتفسير الكبير ٢٣/ ١٣٠، والإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: ١٨٠)، وأنوار التنْزيل ٢/ ٧١٢، ومجموع الفتاوى ١٥/ ٢٨٧، ٢٨٩، والبحر المحيط ٦/ ٣٩٤، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٤٦٠.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>[٥٠] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت ٤٥].</span>\nعن عبد الله بن رُبَيِّعَة (^١) قال: (قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]؟ قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قال: قلت ذكر الله بالقرآن حسن، وذكره بالصلاة حسن، وبالتسبيح والتكبير حسن، وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها. قال: لقد قلت قولًا عجبًا، وما هو كذلك، ولكن ذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذِكرِكُم إيَّاه) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-191> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب عبد الله بن رُبَيِّعَة إلى أن المُراد بقوله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]: ذكرُ الله عند المَحارم فيمتنع عنها (^٣). وهذا مأخوذٌ من لفظ الآية وسياقها، فبعد أن ذكر في\n_________\n(^١) عبد الله بن رُبَيِّعَة ابن فرقد السلمي، مُختَلفٌ في صحبته. ينظر: الكاشف ٢/ ٨٥، والتقريب (ص: ٥٠٥).\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٢٣٥) (٧٥٨)، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٩ (٢٢٥٦)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد ٢/ ٤٩٥، وابن جرير في تفسيره ٢٠/ ١٩٠ (٢١١٦١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٣٠٦٧ (١٧٣٤٨)، والسمرقندي في تفسيره ٢/ ٥٣٩، والحاكم في مستدركه ٢/ ٤٤٤ (٣٥٣٨)، والبيهقي في الشعب ١/ ٤٤٩ (٦٧٤)، والواحدي في الوسيط ٣/ ٤٢٢، واللفظ له، وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ٤١٢ للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. من طريق الثوري، ومسعر، وأبي الأحوص، وورقاء، وهُشَيم، وجرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن رُبَيِّعَة.\nوإسناده صحيح لغيره، وصححه الحاكم. ورواية الكوفِيِّين «الثوري، ومسعر، وأبو الأحوص، وورقاء» عن عطاء قبل اختلاطه، وقد تابَعَ عطاءً مُطَرِّفُ بن طَريف، ومعاويةُ بن صالح. وتابعَ ابنَ عُبيد وابنَ رُبَيِّعةَ عطيةُ العوفي، وعليُّ ابن أبي طلحة، كما في كتاب الدعاء لابن فُضيل الضَبي (ص: ٢٧٧) (٩٨)، وتفسير ابن جرير ٢٠/ ١٩١ (٢١١٦٤)، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧ (١٧٣٥٠)، ورواياتهم مُختَصرة.\n(^٣) كما في بعض ألفاظ الرواية عند ابن جرير ٢٠/ ١٩٠ (٢١١٦١).","vol":"1","page":315},{"text":"الآيات أثر الصلاة ومكانتها، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، نبه إلى أن ذكر الله عند المعصية أكبر وأبلغ أثرًا في النهي عنها، من نهي الصلاة عنها؛ لإمكان تكرر هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة، ثم إن الصلاة ذكرٌ لله، قال تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩]، أي: صلاة الجمعة. وشُرِعت إقامةً لذكر الله وتحصيلًا له، كما قال تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤] (^١)، فلذلك أورثت نهيًا عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من ذكر الله ﷿. وكأنه لَمَّا أمر بأمرين من أعمال البر عظيمين: تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة. نَبَّه على أصل ذلك وهو: ذكر الله، وما يتضمنه من الإيمان به على ما أمر وشرع، فكان أبلغ في الردع عن المعصية واقترافها (^٢). قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وعندي أن المعنى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب ..، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في النهي، والذكر النافع هو مع العلم، وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى) (^٣)، ويشهد لهذا القول قول ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ في قوله ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]: (ذكرُ الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر أن نذكره عند ما حَرَّم، فندع ما حَرَّم، ونذكره عند ما أحَلَّ، فنأخذ ما أحَلَّ) (^٤).\nوذهب ابن عباس ﵁ إلى أن المُراد بالآية: ذكرُ اللهِ لمن يذكره، وأنه أكبر من ذكر العبد رَبَّه، وذلك أنه لمَّا ذكر تلاوة القرآن وإقامة الصلاة- وكلها من الذكر-، والله تعالى ذاكِرٌ من ذكره، كما قال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٢]، بَيَّن إثر ذلك أن ذكره لمن ذكره أعظم وأكبر من ذكر العبد له، وفي تعليل ذلك قالوا: لأن ذكر الله\n_________\n(^١) الأظهر أن اللام في قوله ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤] للتعليل. ينظر: الوابل الصيب (ص: ١٧٨).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط ٧/ ١٥٠، والتحرير والتنوير ٢٠/ ٢٦٠.\n(^٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٢٠.\n(^٤) أخرجه الثعلبي في تفسيره ٧/ ٢٨٢، من طريق جويبر، عن الضحاك، وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":316},{"text":"للعبد تفضل منه، وهو الغني، وفيه رحمة للعبد ونعمة، وذكر العبد لربه هو من توفيق الله له، والعبد محتاج له، ومُقَصِّرٌ فيه. (^١)\nويشهد له قول أبي الدرداء ﵁: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأحبِّها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: ما هو؟ قال: ذكرُكُم ربَّكم، وذكرُ اللهِ أكبرُ) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-192> الحكم على الاستدراك:</span>\nاختار ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) قولَ عبد الله بن رُبَيِّعَةَ في الآية (^٣)، وجَوَّزَه الفراءُ (ت: ٢٠٧) (^٤)، وهو قولٌ حسنٌ صحيح، قال عنه ابن عباس ﵁: (لقد قلت قولًا عجبًا)، ورُوِيَ نحوه عنه (^٥).\nوقال بقول ابن عباس: ابن مسعود، وسلمان، وأبو الدرداء، وابن عمر ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والعوفي (ت: ١١١)، وأبو قُرَّة (^٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وشعبة (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان ٧/ ٢٨١.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٠/ ١٩١ (٢١١٦٧)، والثعلبي في تفسيره ٧/ ٢٨٢، وإسناده حسن، وله حكم الرفع. وروى نحوه أبو الدرداء مرفوعًا بدون موضع الشاهد؛ أخرجه مالك ١/ ٢١١، وأحمد ٥/ ١٩٥ (٢١٧٥٠)، و٦/ ٤٤٧ (٢٧٥٦٥)، والترمذي ٥/ ٤٥٩ (٣٣٧٧)، وابن ماجة ٢/ ١٢٤٥ (٣٧٩٠)، وإسناده حسن.\n(^٣) المحرر الوجيز ٤/ ٣٢٠.\n(^٤) معاني القرآن ٢/ ٣١٧، وينظر: الوسيط ٣/ ٤٢١.\n(^٥) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ٢/ ٦٣٢.\n(^٦) أبو ليلى الكِندي مولاهم، الكوفي، قيل اسمه: سلمة بن معاوية، وقيل غيره، من الثقات. ينظر: الكاشف ٣/ ٣٧٢، والتقريب (ص: ١١٩٨).\n(^٧) شعبة بن الحجاج بن الوَرد العَتَكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة (١٦٠). ينظر: الكاشف ٢/ ١١، والتقريب (ص: ٤٣٦).","vol":"1","page":317},{"text":"(ت: ١٦٠) (^١)، واختاره ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^٢)\nوهو أظهر القولين، وعليه الأكثر، والقول الأول مترتب عليه، فإن ذكر الله تعالى إنما كان أبلغ في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة لأمور؛ من أعظمها ذكر الله تعالى لصاحبه، وحفظه له، وعصمته من أن يراه في حالٍ لا تُرضيه.\nوقد ورد عن ابن عباس ﵁ كلا القولين السابقين، كما ورد عنه القول بالعموم (^٣)، واختاره بعض المفسرين (^٤)، والاختلاف هنا من اختلاف التنوع المُحتَمِل لتعدد الأقوال.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-193>[٥١] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾</span> [الشورى ٢٣].\nعن طاووس قال: سُئِل ابن عباس ﵁ عن قوله ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]؟، فقال سعيد بن جبير: هم قربى آل محمد ﷺ. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ، إن\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مجاهد ٢/ ٤٩٥، وتفسير مقاتل ٢/ ٥٢٠، وتفسير ابن سلاَّم ٢/ ٦٣٢، وجامع البيان ٢٠/ ١٩٠، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٣٤٨، والاستذكار ٢/ ٥١٧، والجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٣١، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٦٩٩.\n(^٢) ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: ٢٨٨)، وجامع البيان ٢٠/ ١٩٣، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٣٤٨، والاستذكار ٢/ ٥١٧، والجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٣١، والبحر المحيط ٧/ ١٥٠، وتفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٦٩٩.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٠/ ١٩٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٧.\n(^٤) ينظر: بحر العلوم ٢/ ٥٣٩، والوسيط ٣/ ٤٢١، والوجيز ٢/ ٨٣٤، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٠٠، والتحرير والتنوير ٢٠/ ٢٦٠.","vol":"1","page":318},{"text":"النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ، فقال: إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-194> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب سعيد بن جبير إلى أن معنى الآية: أن تودُّوني في قرابتي، فتحسنوا إليهم وتَبَرُّوهم. ودعاه إلى هذا ظاهر لفظ الآية، وقد رُويَ فيه عن ابن عباس مرفوعًا: (لمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: فاطمة وولديها) (^٢)، ويشهد لهذا المعنى سبب نزول الآية، فعن ابن عباس ﵁ قال: (قالت الأنصار: فَعَلنَا وفَعَلنَا، وكأنهم فَخَرُوا، فقال ابن عباس، أو العباس ﵃: لنا الفضلُ عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أَذِلَّة فأعزَّكُم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ألم تكونوا ضُلاَّلًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يُخرِجك قومُك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جَثَوا على الركب، وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال: فنَزلت ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٢٦ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، برقم: ٤٨١٨)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٢٩٨ لمسلم، وليس في صحيحه، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (انفرد به البخاري). تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٢٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣١٢٤، والطبراني في الكبير ٣/ ٤٧ (٢٦٤١)، والواحدي في الوسيط ٤/ ٥١، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وإسناده واه؛ فيه ضعيف ورافضي)، وضعفه ابن كثير، والسيوطي. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٢٥، والفتح ٨/ ٤٢٧، والدر ٧/ ٣٠٠.\n(^٣) أخرجه ابن جرير ٢٥/ ٣٣ (٢٣٦٩٩)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣١٢٤، والثعلبي ٨/ ٣١٢، وإسناده ضعيف، وضعفه ابن كثير، وابن حجر. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٢٤، والفتح ٨/ ٤٢٧.","vol":"1","page":319},{"text":"وردَّ ابنُ عباس ﵁ قولَ ابن جبير، وذهب إلى أن المعنى: لا أسألكم يا معشر قريش على هذا البلاغ والنصح أجرًا، إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم، حتى أُبَلِّغ رسالةَ ربي. وهذا القول معتمد على لفظ الآية، وسبب نزولها، فعن قتادة (ت: ١١٧) قال: (اجتمع المشركون في مجمعٍ لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسألُ على ما يتعاطاه أجرًا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية) (^١). ويشهد له كذلك زمن نزول الآية، فالسورة مكية (^٢)، وسياقها في خطاب المشركين، قال تعالى بعد هذه الآية ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى ٢٤]، كما يشهد له واقع الحال، وذلك فيما ذكر ابن عباس ﵁ بقوله: (إن النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ).\n\n*<span data-type='title' id=toc-195> الحكم على الاستدراك:</span>\nوافق ابنَ جبير (ت: ٩٥) في قوله في هذه الآية: عليُّ بن الحسين (^٣) (ت: ٩٣)، وعمرو بن شعيب (^٤) (ت: ١١٨)، والسدي (ت: ١٢٨) في رواية (^٥)، وعلى هذا القول تكون الآية عامَّة في حقِّ جميع المكلَّفين.\nوقال بقول ابن عباس ﵁: مجاهدُ (ت: ١٠٤)، والشعبيُّ (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مالك، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي\n_________\n(^١) أسباب النُّزول (ص: ٣٧٤)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٧، والفتح ٨/ ٤٢٧.\n(^٢) ينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: ٢٨)، والكشف والبيان ٨/ ٣١٠، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٢٤.\n(^٣) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ذو الثفنات، ثقة عابد فقيه فاضل مشهور، مات سنة (٩٣). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ١٠٨، والسير ٤/ ٣٨٦.\n(^٤) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم السهمي القرشي، محدث صدوق، مات سنة (١١٨). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٣٢، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٧٧، والتقريب (ص: ٧٣٨).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٢٥/ ٣٣، والنكت والعيون ٥/ ٢٠٢، والجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٦.","vol":"1","page":320},{"text":"(ت: ١٢٨) في رواية، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^١). وعلى هذا القول فالآية خاصةٌ بقريش، وهو الصحيح في معنى الآية؛ لدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وزمن نزولها، فهي مكية باتفاق (^٢)، وحملُ القرابات في الآية على العموم أولى من التخصيص بلا دليل.\nوأدلة القول الأول لا حُجَّة فيها، وبيان ذلك من وجوه:\nأولًا: الحديث المرفوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. (^٣)\nثانيًا: سبب النُّزول لا يصح، ويرُدُّه كون الآية مكية. (^٤)\nثالثًا: كما يضعف هذا القول من جهة نظم الآية؛ إذ قال فيها ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، ولو أراد آل رسول الله ﷺ وقرابته لقال: إلا المودة للقربى، أو لذوي القربى، كما في قوله تعالى ﴿* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١]، وقوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر ٧]، وقد بَيَّن ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عادة القرآن في ذلك فقال: (جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ، وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيها: ذوي القربى (^٥)، ولم يقل: في القربى. فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دلَّ على أنه لم يُرِد ذوي القربى) (^٦).\nرابعًا: ليس من طريقة أنبياء الله أن يأخذوا على تبليغ رسالةِ الله أجرًا البتة، بل أجرهم على الله تعالى، وأدلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى لنبيِّهِ محمد ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص ٨٦]، وقوله ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ ٤٧].\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٥/ ٣٠، والكشف والبيان ٨/ ٣١٠، والوسيط ٤/ ٥١، والجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٥.\n(^٢) ينظر: منهاج السنة النبوية ٧/ ٩٩.\n(^٣) ينظر: منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٦٣، و٧/ ٩٥.\n(^٤) ينظر: فتح الباري ٨/ ٤٢٧.\n(^٥) أو ﴿أُوْلُوا الْقُرْبَى﴾ كما في سورتي [النساء: ٨، والنور: ٢٢]، وهي بِمعناها.\n(^٦) منهاج السنة النبوية ١٠١، وينظر: جامع البيان ٢٥/ ٣٥.","vol":"1","page":321},{"text":"والاستثناء في الآية منقطع، ومعناه: ما أسألكم عليه من أجر لكني أسألكم المودة في القربى. وهذا نظير قوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٥٧] (^١). أمَّا طلبه ﷺ من قريش أن تحفظ قرابته، ولا تؤذيه، وتمنعه من أذى الناس، كما يمنعون كل من بينهم وبينه مثل قرابته، فليس بأجر على التبليغ؛ لأن كل أحد يوَدُّهُ أهلُ قرابته وينتصرون له من أذى الناس، وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرًا على التبليغ لأنه لم يؤمن، وإذا كان لا يسألُ أجرًا إلا هذا الذي ليس بأجر، تحقَّقَ أنه لا يسألُ أجرًا، كقول الشاعر (^٢):\nولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُم … بِهِنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ (^٣)\nواختار هذا القول من المفسرين ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، ونسبه للمُحَقِّقين، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nفي قول ابن عباس ﵁ لسعيد بن جبير: (عَجِلْت)، بيانٌ لسببٍ من أهم أسباب الخطأ في التفسير، وهو التعجُّل في حمل الآية على إحدى المعاني المحتملة،\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢٥/ ٣٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٩٨، ونكت القرآن ٤/ ٩٨، والوسيط ٤/ ٥٣، ومنهاج السنة النبوية ٧/ ١٠٢.\n(^٢) هو: النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه (ص: ١١).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ٢٧/ ١٤٢، وأضواء البيان ٧/ ١٢٢.\n(^٤) ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٥٠)، وجامع البيان ٢٥/ ٣٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٩٨، والكشف والبيان ٨/ ٣١٠، وتفسير السمعاني ٥/ ٧٣، وزاد المسير (ص: ١٢٦٨)، ومنهاج السنة النبوية ٤/ ٢٦، و٧/ ٩٥، وبدائع الفوائد ٣/ ١٠٥٦، وتفسير القرآن العظيم ٧/ ٣١٢٣، والفتح ٨/ ٤٢٧، وأضواء البيان ٧/ ١٢٣.","vol":"1","page":322},{"text":"دون التحقق من صحته، ومن ضعف المعاني الأخرى وتأخرها في الاعتبار. والتعجل في مثل هذا المقام يُضَيِّقُ مجال الاحتمالات الواردة، ويعمد بالمفسر إلى المُتبادر من المعاني التي لم تأخذ حظها من التحرير.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-197>[٥٢] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر ٥١].</span>\nعن أبي جَمرَةَ (^١) قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد؟ فقال: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ، هم: عُصبَةُ الرجال) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-198> تحليل الاستدراك:</span>\nذَكَرَ السائلُ للقسورةِ في الآية معنى: الأسد. وهو معنىً صحيح لُغةً (^٣)، ويصح به سياق الآية، فإن الله ذكرَ حُمُرًا مُمْعِنةً في الهرب والفرار، وهذا حالها حين تَفِرُّ من الأسد.\n_________\n(^١) نصر بن عمران بن عصام الضُّبَعي، أبو جمرة البصري، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة (١٢٨). ينظر: الكاشف ٣/ ٢٠٢، والتقريب (ص: ١٠٠٠).\nوقد رُسِمَت في بعض المراجع بالحاء (حمزة)، ونَصَّ ابن الجوزي في زاد المسير (ص: ١٤٩١) على أنه: نصر بن عمران الضبعي، وكُنيَتُه مشهورة بالجيم (جمرة)، وهو في الدر ٨/ ٣١٣ كذلك، وينظر: الإكمال، لابن ماكولا ٢/ ٥٠٦.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٩/ ٢١١ (٢٧٥٠٩)، والثعلبي في تفسيره ١٠/ ٧٨، وعزاه ابن حجر في الفتح ٨/ ٥٤٤ لسعيد بن منصور، والسيوطي في الدر ٨/ ٣١٣ لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق شعبة، عن أبي جَمرَة نصر بن عمران.\nوإسناده صحيح. وله متابعات عن عطاء ومجاهد، أخرجها ابن وهب في تفسيره ١/ ١٠ (١٦)، من طريق مسلمة بن علي الخُشَني، وأسانيدها ضعيفة.\n(^٣) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٤٠١، وجمهرة اللغة ٢/ ١١٧٩، والصحاح ٢/ ٧٩١.","vol":"1","page":323},{"text":"ورَدَّ ابنُ عباس ﵁ أن تكون القسورة بمعنى الأسد، لِعَدَم علمه بهذا المعنى في لغةِ أحدٍ من العرب، وذكر أن المعنى: عُصبَةُ الرجال. وهو معنىً صحيح لُغةً (^١)، ولَمَّا سُئِل ابن عباس عن القسورة قال: (جَمْعُ الرجال، ألم تسمع ما قالت فُلانة في الجاهلية (^٢):\nيا بِنتِ كونِي خَيْرَةً لِخَيِّرَة … أخْوالُها في الحَيِّ أهلُ القَسوَرَة) (^٣).\nكما أنه مُتَّسِقٌ مع سياق الآية، فإن شِدَّة فرار الحمر المستنفرة ربما كان بسبب عُصبَة الرجال عند طِرادِها وصيدها.\n\n*<span data-type='title' id=toc-199> الحكم على الاستدراك:</span>\nلفظ \"قَسْوَرَة\" مأخوذٌ من القَسْرِ، وهو: القهر والغلبة (^٤)، وكل ضخم شديد عند العرب قسورة (^٥)، وكلا مَعْنَيَي القسورة هنا (الأسد، وعُصبَة الرجال) مُتَحَقِّقٌ فيه ذلك، فهما معنيان صحيحان لُغَةً كما سبق (^٦)، وهذه الكلمة من المُشتَرَكٌ اللفظي الذي تتعدد معانيه الأصلية ويتَّحِدُ لفظه (^٧)، ثم كلا المعنيين مقبولٌ في سياق الآية، ويصح به المعنى، وقد تداولت أقوالُ المفسرين في هذه الآية جُلَّ معاني القسورة:\n١ - فذهب ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعري ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة\n_________\n(^١) ينظر: العين ٣/ ٣٨٧، وجمهرة اللغة ٢/ ١١٧٦، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٠٥، ويكفي وروده عن ابن عباس ﵁.\n(^٢) لَمْ أقف على قائلته.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٣/ ٤٥٨ ط/ التركي، والكشف والبيان ١٠/ ٧٨.\n(^٤) ينظر: العين ٣/ ٣٨٧، والغريبين ٥/ ١٥٣٩، والمحرر الوجيز ٥/ ٣٩٩.\n(^٥) ينظر: صحيح البخاري ٨/ ٥٤٤، والكشف والبيان ١٠/ ٧٩.\n(^٦) وينظر: نزهة القلوب (ص: ٣٧٠)، وياقوتة الصراط (ص: ٥٤٢)، وخزانة الأدب ٦/ ٦٨.\n(^٧) سبق الحديث عنه في الاستدراك رقم (٣٠) (ص: ١٧٨).","vol":"1","page":324},{"text":"(ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أنهم: الرُّماة، والقُنَّاصُ، وعُصبَةُ الرجال. (^١)\n٢ - وعن ابن عباس من طريق عطاء أنه: رِكزُ الناس وأصواتهم (^٢). وهو قريب من القول الأول.\n٣ - وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (^٣)، وأبي هريرة ﵃، وعطاء (ت: ١١٤)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، أنه: الأسد (^٤). واختاره أبو عبيدة (ت: ٢١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والكرماني (ت: بعد ٥٠٠)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥) (^٥)، وجمهورٌ من اللغويين. (^٦)\nوما دامت جميع هذه المعاني صحيحة لُغةً وسياقًا، فيصِحُّ دخولها جميعًا في معنى الآية، فتُحمَلُ الآية على العموم (^٧). وسبب تعدد أقوال المفسرين هنا أن لفظ \"قَسْوَرَة\" من المشترك اللفظي (^٨)، وحيث كانت معاني المشترك اللفظي غير متضادة، ولا قرينة تُقَدِّم أحدَها، صَحَّ حمله على تلك المعاني جميعًا. (^٩)\nغير أن القول الأوَّل يتقدم باعتباره قول جمهور المفسرين، كما قال ابن كثير\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٤٢٠، وجامع البيان ٢٩/ ٢١٠، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٨.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق ٣/ ٢٦٧ (٣٤٠٠)، وجامع البيان ٢٩/ ٢١٢ (٢٧٥١٢)، وإسناده صحيح.\n(^٣) جامع البيان ٢٩/ ٢١٣ (٢٧٥١٥)، وإسناده حسن.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٢٩/ ٢١٢، وزاد المسير (ص: ١٤٩١)، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٨.\n(^٥) ينظر: مجاز القرآن ٢/ ٢٧٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٢٥٠، والوسيط ٤/ ٣٨٨، والوجيز ٢/ ١١٥٢، وغرائب التفسير ٢/ ١٢٧٦، وأنوار التنْزيل ٢/ ١١١٢.\n(^٦) ينظر: المحرر الوجيز ٥/ ٣٩٩، والبحر المحيط ٨/ ٣٧٢، وروح المعاني ٢٩/ ٢٠٧.\n(^٧) ينظر: تيسير الكريم الرحمن ٢/ ٩٥٥.\n(^٨) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٠.\n(^٩) ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: ٩٨)، و(ص: ١٧٩) من هذا البحث.","vol":"1","page":325},{"text":"(ت: ٧٧٤)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^١)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (^٢)، ولاعتماد ابن عباس ﵁ له في مقابل معنىً صحيح ورد عنه من طريق آخر. ثُمَّ عدم معرفة ابن عباس ﵁ بالمعنى الثاني الذي سُئِلَ عنه- ولو في بادئ الأمر- يُؤخر رتبة هذا اللفظ في المعنى، وأقل ما يفيد ذلك تأخره في الشهرة عن المعنى الأول الذي ذكره ابن عباس، مع استصحاب سعة علم ابن عباس القرشي بلسان العرب، وعلم التفسير، وفقه الشريعة.\nوالتشبيه على هذا القول يكون جاريًا على مراعاة الحالة المشهورة في كلام العرب، وأقرب إلى حِسِّهم ونظرهم من التشبيه بالأسد؛ فإنه تشبيهٌ مُبتَكَر لحالَةِ إعراض مَخلوط برعب، فاجتمعَ فيه تمثيلان (^٣)، وبيان المعنى بتمثيل محسوس يباشره السامع، أقرب وأبلغ في نفس السامع من غيره من وجوه التمثيل الخارجة عنه.\nوقول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ)، ليسَ فيه إبطالٌ لهذا المعنى؛ لأمور:\nأولًا: قول الشافعي (ت: ٢٠٤) فيما اشتهر عنه: (لسان العرب أوسع الألسِنةِ مَذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي) (^٤)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥) مُعَلِّقًا: (وهذا كلامٌ حَريٌّ أن يكون صحيحًا، ولا نعلمُ أحدًا ممن مضى ادعى حفظَ اللغةِ كلَّها) (^٥). وابن عباس ﵁ في مقولته هذه إنما نفى علمه بهذا المعنى، وعدم العلم لا يعني العلم بالعدم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٦٦٣، والتحرير والتنوير ٢٩/ ٣٣٠.\n(^٢) ينظر: الكشاف ٤/ ٦٤٣، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٨، وفتح القدير ٥/ ٤٤١.\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير ٢٩/ ٣٣٠.\n(^٤) الرسالة (ص: ٤٢).\n(^٥) الصاحبي (ص: ٢٤)، وينظر: الاعتصام (ص: ٥٠٤).","vol":"1","page":326},{"text":"ثانيًا: أنه قد صَحَّ عن ابن عباس تفسير القسورة بالأسد كما مرَّ، وهذا يؤكد علمه به في لغة العرب بعد أن لم يكن يعلمه.\nثالثًا: قد يكون مُراده بتلك العبارة: نفي أن تكون \"قسورة\" بمعنى الأسد في أصل لغة العرب، قال الفراهي (^١) (ت: ١٣٤٩): (وأمَّا كون بعض الألفاظ من غير لغة قريش، فإن صَحَّت الرواية فنحملها على بيان أصل الكلمة، فإنه لا شكَّ أن غيرَ واحدٍ من الألفاظ العربية مجلوبةٌ من لسان آخر، مثل كلمة: سِجِّيل، وقسطاس، وقنطار، وهذا لا يجعل الكلمة غريبة، ولا مجهولة) (^٢)، وقال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): (وعنه- أي: ابن عباس- أنه أنكر أن يكون قَسوَر اسم الأسد، فلعله أراد أنه ليس في أصل العربية، وقد عَدَّه ابن السبكي (^٣) في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة العرب، في أبيات ذكر فيها ذلك (^٤) (^٥)، ويقوي هذا التوجيه ما ورد عن ابن عباس ﵁ قال عن القسورة: (هو بالعربية: الأسد. وبالفارسية: شار. وبالنبطية: أريا. وبالحبشية:\n_________\n(^١) عبد الحميد بن عبد الكريم الأنصاري، حميد الدين أبو أحمد الفراهي، عالم لُغوي مُفسر، صنف: نظام الفرقان، ومفردات القرآن، وإمعان في أقسام القرآن، مات سنة (١٣٤٩). ينظر: مقدمة مفردات القرآن (ص: ١١).\n(^٢) مفردات القرآن (ص: ١٠٩).\n(^٣) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تاج الدين أبو نصر الشافعي، فقيه أصولي، شرح مختصر ابن الحاجب، وله طبقات الشافعية الكبرى، مات سنة (٧٧١). ينظر: الدرر الكامنة ٣/ ٢٣٢، وشذرات الذهب ٨/ ٣٧٨.\n(^٤) أوردها السيوطي في الإتقان ١/ ٢٨١، وهي خمسة أبيات، وذَيَّل عليها ابنُ حجر ثم السيوطي، فبلغت الألفاظ فيها جميعًا فوق المِئَة، وقد تعقب كُلٌّ من الدكتور عبد الصبور شاهين، وعبد الجليل عبد الرحيم جُملَةً وافرة مما ذكره السيوطي من معرب القرآن، وبَيَّنَا عربيَّتها. ينظر: القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث (ص: ٣١١ - ٣٢٨)، ولغة القرآن الكريم (ص: ٢١٩ - ٢٢٨).\n(^٥) التحرير والتنوير ٢٩/ ٣٣٠، وعن المُعَرَّب في القرآن ينظر: الرسالة (ص: ٤٤)، والصاحبي (ص: ٣٢)، والبرهان ١/ ٣٥٩، والإتقان ١/ ٢٧١، ولغة القرآن الكريم (ص: ١٩٨ - ٢١٣)، ومُعَرَّب القرآن عربيٌّ أصيل (ص: ٤ - ٢٦).","vol":"1","page":327},{"text":"قسورة) (^١)، وسُئِلَ عكرمة عن القسورة فقال: (الرُّماة. فقال له رجل: هو الأسد بلسان الحبشة. فقال عكرمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عَنْبَسَة) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>ومن مسائل هذا الاستدراك </span>في قول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ):\nأولًا: التأكيدُ على اشتراط موافقة لسان العرب لِصِحَّة المعنى. فمفهوم عبارته ﵁: لو وافق لغةَ أحدٍ من العرب لقُبِل.\nثانيًا: لا يشترط في هذه الموافقة أن تكون على لغةِ أحَدٍ من العرب بعينه، فإنَّ لُغاتهم تتباين، وبِأفصَحِها نزل القرآن (^٣)؛ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، فلو وافق لُغةَ أحدهم لَصَحَّ الأخذُ به في التفسير.\nثالثًا: التنبيه على الأدب الواجب في مثل هذا المقام، حيث لم يَنفِ ﵁ مجيءَ هذه اللفظة بهذا المعنى في لغة العرب، وإنما نفى علمَهُ بذلك، وهذا من كمال فقهه وإنصافه؛ فإن عدمَ العلم لا يعني العلم بالعدم، ولا يُحيط بلسان العرب إلا نبيّ، كما مَرَّ عن الشافعيّ (ت: ٢٠٤).\n* * *\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٩/ ٢١٢ (٢٧٥١٥)، والكشف والبيان ١٠/ ٧٩، وفي إسناده ضعف.\n(^٢) جامع البيان ٢٩/ ٢١١ (٢٧٥٠٥)، وإسناده حسن.\n(^٣) ينظر: لغة القرآن الكريم (ص: ١٠٥ - ١٠٩). وقال ابن خالويه (ت: ٣٧٠): (أجمع الناس جميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مِمَّا في غير القرآن، لا خلاف في ذلك). المزهر ١/ ١٦٨.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>[٥٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥].</span>\nعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص (^١) قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله ﷿ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، أهي تركها؟ - وفي رواية: أهو ما يُحَدِّثُ به أحدنا نفسه في صلاته-. قال: (لا، ولكن تأخيرها عن وقتها) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-202> تحليل الاستدراك:</span>\nدار سؤال مصعبٍ أباه حول معنيين للسهو عن الصلاة المذكور في الآية (^٣): الأول: تركها. والثاني: السهو فيها، وانصراف القلب عنها، وترك شيء من فروضها. وكلا المعنيين صحيحٌ لُغةً، ويحتمله السياق، فقد وُصِفوا في الآية قبلها بالمصلين،\n_________\n(^١) سبقت ترجمته في الاستدراك رقم (٤٨) (ص: ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه سفيان بن عيينة، كما في الضعفاء، للعقيلي ٣/ ٣٧٧، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٤٦٥ (٣٧١٤)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد ٢/ ٧٨٦، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٢٥ (٤٣)، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٦٣ (٧٠٤ - ٧٠٥)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٤٠١ (٢٩٤٥٠)، والنحاس في إعراب القرآن ٥/ ١٨٧، والبيهقي في السنن ٢/ ٢١٤ (٢٩٨٠ - ٢٩٨١)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٥٨٥ للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه. من طريق موسى الجهني، وطلحة بن مُصَرف، وعاصم بن بَهدلة، وسماك، عن مصعب بن سعد.\nوإسناده صحيح. وصححه الحاكم، والبيهقي في السنن ٢/ ٢١٤، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٧٠، وحسنه الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٥. وينظر: الدر ٨/ ٥٨٥.\nوأخرجه مرفوعًا البزار في مسنده ٣/ ٣٤٤ (١١٤٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٢٤ (٤٢)، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ١٤٠ (٨٢٢)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٤٠٣ (٢٩٤٦٣)، والطبراني في الأوسط ٢/ ٣٧٧ (٢٢٧٦)، والبيهقي في السنن ٢/ ٢١٤ (٢٩٨٢ - ٢٩٨٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٥٨٥ لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. من طريق عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه. وقد رواه الحفاظ موقوفًا كما سبق، ولا يصح رفعه؛ لمخالفة عكرمة فيه جماعَةَ الثقات، مع اتفاقهم على ضعفه. ينظر: مسند البزار ٣/ ٣٤٥، وسنن البيهقي الكبرى ٢/ ٢١٤، والترغيب والترهيب ١/ ٢١٨، ومجمع الزوائد ١/ ٣٢٥.\n(^٣) ينظر: مسند أبي يعلى ٢/ ٦٤ (٧٠٥).","vol":"1","page":329},{"text":"قال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، وليس الوعيد هنا لأهل الصلاة قَطعًا، ولا للمُصَلين كما أمر الله تعالى، وإنما هو لمن يصلي ويترك، أو لمن يصلي على غير ما أمر الله تعالى وشرع. ولِحاقُ الآية يشهد لكلا المعنيين، فقوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ [الماعون ٦]، وَصفٌ لأهل الرياء الذين يصلون مع الناس، ويتركونَها في خلوتهم، قال تعالى عن المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء ١٤٢] (^١). وكذا يصلح وصفًا لمن لا يقيم صلاته كما أمر الله تعالى، وإنما يراقب الخلق في عمله، فينصرف قلبه عن صلاته، فيسهو فيها.\nورَدَّ سعدٌ ﵁ هذين المعنيين، وحَمَل المعنى على تأخير الصلاة عن وقتها، وهو معنىً صحيحٌ في اللغة، مقبولٌ في سباق الآية ولحاقها، فهم مصلون كما في الآية قبلها، ولكنهم عن وقتها ساهون ومؤخرون، قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم ٥٩] (^٢)، وهو حال المنافقين المرائين، كما في قوله ﷺ عنهم: (تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقُبُ الشمسَ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-203> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب ابن عباس ﵁ (^٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤) (^٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والقُرَظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^٦)، إلى\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان ١٠/ ٣٠٥.\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٤.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢٦٥ (٦٢٢)، وينظر: تفسير ابن رجب ٢/ ٦٣٧.\n(^٤) من طريق ابن أبي طلحة، والعوفيين. ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤٠٢.\n(^٥) من طريق ابن أبي نجيح. ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤٠٣.\n(^٦) تفسير مجاهد ٢/ ٧٨٨، وتفسير ابن وهب ١/ ٥٣، وتعظيم قدر الصلاة ١/ ١٢٦، والكشف والبيان ١٠/ ٣٠٥.","vol":"1","page":330},{"text":"أن المراد بالسهو هنا: ترك الصلاة. وليس مُرادهم مُطلَقُ الترك، فإن الآيةَ قبلها نَصٌّ في وقوع الصلاة منهم، وإنما كما قال ابن عباس ﵁: (هم المنافقون؛ يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا) (^١)، وقد أبطلَ ابن مسعود ﵁ معنى الترك بالكُلِّيَّة فقال: (والله ما تركوها البَتَّة، ولو تركوها البَتَّة كانوا كُفَّارًا) (^٢).\nوذهب ابن عباس ﵁ (^٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤) (^٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والفراء (ت: ٢٠٧)، إلى أن المُراد: التهاون، والتغافل، واللهو عنها (^٥). وفي قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٦] (^٦).\nوذهب أبو العالية (ت: ٩٣)، إلى أن المُراد: السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟ (^٧).\nوذهب سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وابن أبزى ﵃، ومسروق (ت: ٦٣)، وأبو العالية (ت: ٩٣)، والنخعي (ت: ٩٦)، وأبو الضحى (ت: ١٠٠)، ومصعب بن سعد (ت: ١٠٣)، والحسن (ت: ١١٠)، وأحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١)، إلى أن المُراد: تأخيرها عن وقتها. (^٨)\nوجُملَةُ الأقوال السابقة صحيحة مُحتَمَلَة، ومُتقاربَةٌ غير مُتعارضة، فالسهو في\n_________\n(^١) جامع البيان ٣٠/ ٤٠٢ (٢٩٤٥٦).\n(^٢) زاد المسير (ص: ١٥٩٤)، وينظر: نكت القرآن ٤/ ٥٥٠، والتفسير الكبير ٣٢/ ١٠٧.\n(^٣) معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٩٥.\n(^٤) من طريق ليث، وابن أبي نجيح. ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤٠٣.\n(^٥) معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٩٥، وجامع البيان ٣٠/ ٤٠٣.\n(^٦) تفسير مجاهد ٢/ ٧٨٦، والقراءات الشاذة، لابن خالويه (ص: ١٨١).\n(^٧) تفسير مجاهد ٢/ ٧٨٧، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ٤٦٤.\n(^٨) تفسير مجاهد ٢/ ٧٨٧، وجامع البيان ٣٠/ ٤٠١، وزاد المسير (ص: ١٥٩٤)، وبدائع الفوائد ٣/ ١٠٢٩.","vol":"1","page":331},{"text":"أصل اللغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه (^١). وهو منطبقٌ على جميع المعاني السابقة، وهي مُتَرَتِّبَة عليه، وسبق بيان احتمال السياق لَهَا جميعًا. فجميعها صُوَرٌ للسهو عن الصلاة، وأمثلة له، وبعضها مترتب على الآخر، ومن لازمه. (^٢)\nويشهد للعموم ورود عدد من تلك المعاني عن المفسر الواحد، كابن عباس ﵁، وأبي العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ساهون: إما عن فعلها بالكلية ..، وإما عن فعلها في الوقت المُقَدَّر ..، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كُلَّه، ولكل من اتَّصفَ بشيء من ذلك قِسطٌ من هذه الآية، ومن اتَّصَفَ بجميع ذلك فقد تَمَّ نصيبُهُ منها، وكَمُلَ له النفاق العملي) (^٣). وجمهور المفسرين على العموم، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، والسعدي (ت: ١٣٧٦)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ١٩٤، ومقاييس اللغة ١/ ٥٧٣.\n(^٢) ينظر: روح المعاني ٣٠/ ٦٥٧.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٨٦٨.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٥٢٧، وجامع البيان ٣٠/ ٤٠٣، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٦٧، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦٤٣، والوسيط ٤/ ٥٥٨، والوجيز ٢/ ١٢٣٥، والكشاف ٤/ ٧٩٩، ومنهاج السنة النبوية ٥/ ٢١٠، ومجموع الفتاوى ١٥/ ٢٣٤، و٢٢/ ٢٣، و٣٥/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٦٨، وفتح القدير ٥/ ٦٧٤، وروح المعاني ٣٠/ ٦٥٧، وتيسير الكريم الرحمن ٢/ ١٠٦٥، والتحرير والتنوير ٣٠/ ٥٦٨.","vol":"1","page":332},{"text":"وقد استُبعِدَ تفسير أبي العالية (ت: ٩٣) بأنه: (السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟)، من جهةِ لفظ الآية؛ فإن في الآية ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ [الماعون ٥]، وليس \"في صلاتهم\"، قال عطاء بن دينار (^١) (ت: ١٢٦): (الحمد لله الذي قال ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، ولم يقل: في صلاتهم ساهون) (^٢)، وقد فَطِنَ لهذا الحسن (ت: ١١٠)، فأجاب أبا العالية حين ذكر تفسيره ذلك: (مَه يا أبا العالية ليس هذا!، بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم؛ ألا ترى قوله ﷿ ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ [الماعون ٥]؟) (^٣)، قال الخطابي (^٤) (ت: ٣٨٨): (وإنما أُتِيَ أبو العالية في هذا حيثُ لم يُفَرِّق بين حرف \"عن\" و\"في\"، فَتَنَبَّه له الحسن) (^٥)، والفرق بينهما أن السهو عن الصلاة يكون خارجها؛ بتركها، وقلة الالتفات إليها، وتأخيرها عن وقتها، كحال المنافقين مثلًا، والسهو فيها يكون داخلها؛ نحو ما يعتري المصلي من وساوس الشيطان، وحديث النفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، وقد وقع نحوه لرسول الله ﷺ، ومن ثَمَّ أثبت الفقهاءُ باب سجود السهو في كُتُبهم (^٦). وفي بعض طرق الاستدراك قال سعدٌ ﵁ لابنه: (أوليس كُلُّنا يفعل ذلك؟) (^٧)، وذكرَ النحاس (ت: ٣٣٨) قولَ أبي العالية هذا وقال: (وأولى من هذا القول؛ لعلُوِّ من قال\n_________\n(^١) عطاء بن دينار الهذلي مولاهم، أبو الرَّيَّان المصري، محدِّث صدوق، أرسلَ عن سعيد بن جبير صحيفةً في التفسير كتبها سعيد لعبد الملك بن مروان، مات سنة (١٢٦). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٦٥، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٠١.\n(^٢) جامع البيان ٣٠/ ٤٠٤، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٦٨.\n(^٣) بيان إعجاز القرآن (ص: ٣٢).\n(^٤) حمد بن محمد بن إبراهيم البستي، أبو سليمان الخطابي، إمام لُغوي فقيه محدث، صنف: معالم السنن، وغريب الحديث، وبيان إعجاز القرآن، توفي سنة (٣٨٨). ينظر: السير ١٧/ ٢٣، وطبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٨٢.\n(^٥) بيان إعجاز القرآن (ص: ٣٣).\n(^٦) ينظر: الكشاف ٤/ ٧٩٨، وأحكام القرآن، لابن العربي ٤/ ٣٤٢، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٤.\n(^٧) مسند أبي يعلى ٢/ ٦٤ (٧٠٥).","vol":"1","page":333},{"text":"به؛ ولِصِحَّتِه في العربية)، ثم ذكر قول سعد ﵁ (^١)، وذهب بعض العلماء إلى أن مُراد أبي العالية (ت: ٩٣) السهو الدائم لا النادر، (وذلك يُنبِئُنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، فيتوجه الذَّمُ إلى ذلك لا إلى السهو) (^٢). فيكون تفسير أبي العالية على هذا من باب التفسير باللازم، وبما يؤول إليه الأمر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-204>[٥٤] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون ٧].</span>\nسأل رجلٌ (^٣) ابنَ عمر ﵁ عن الماعون، فقال: (هو المال الذي لا يؤدى حقه. فقال الرجل: فإن ابن مسعود يقول: هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. قال: هو ما أقول لك). (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-205> تحليل الاستدراك:</span>\nنقل الرجل السائلُ عن ابن مسعود تفسيره للماعون؛ وأنه: المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. وقد جاءَ عنه مُفَسَّرًا من عِدَّة طرقٍ أنه: الفأس، والدَّلو، والقدر، ونحوه (^٥). وهذا المعنى مُعتَمِدٌ على اللغة، وسليمٌ في السياق، بل إنه المعنى المشتهر بين الصحابة ﵃، قال ابن مسعود ﵁: (كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدَّث أن الماعون:\n_________\n(^١) إعراب القرآن ٥/ ١٨٧.\n(^٢) زاد المسير (ص: ١٥٩٤).\n(^٣) هو أبو المغيرة علي بن ربيعة الوالبي، كما في رواية عبد الرزاق ٣/ ٤٦٤ (٣٧١٠).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٤٦٤ (٣٧١٠، ٣٧١٢)، وابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٤٠٧ (٢٩٤٧٥)، والطبراني في الكبير ٩/ ٢٠٧ (٩٠١٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٨/ ٥٨٧ للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. من طريق إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، عن سلمة بن كُهَيل. وابن عيينة، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن أبي المغيرة علي بن ربيعة.\nوإسناده صحيح.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤٠٧، ٤٠٩.","vol":"1","page":334},{"text":"الدلو، والفأس، والقدر، لا يُستَغنى عنهنّ) (^١)، وفي لفظ: (كُنَّا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول الله ﷺ: عارِيَةَ الدَّلو والقِدر) (^٢).\nوذهب ابن عمر ﵁ إلى أن الماعون: المال الذي لا يُؤَدى حقُّه، وفي لفظ: هي الزكاة. وهو معنى يعتمد على اللغة، ويؤيده السياق؛ فقبلها توَعُّدٌ بالويل لمن اتصف بهذه الصفات، ومنها منع الماعون، ولا يكون هذا الوعيد إلا على ترك واجب، وهو حق المال، كما أن الصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله كثيرًا، ومن شأن من فرَّطَ في الصلاة؛ فتركها، أو أخرها عن وقتها، أن يترك الزكاة من باب الأولى. وهذا المعنى للماعون هو الأشهر في الإسلام، بل نَصَّ جماعةٌ من أهلِ اللغة على أنه معنى الماعون في الإسلام. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-206> الحكم على الاستدراك:</span>\nكلا المعنيين السابقين صحيحٌ مشهورٌ في اللغةِ والشرع، قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠) عن الماعون: (هو في الجاهلية: كُلُّ منفعَةٍ وعَطِيَّة، قال الأعشى (^٤):\nبأَجْوَدَ منهُ بِمَاعُونِه … إذَا ما سَمَاؤُهُمُ لَمْ تَغِمْ\nوالماعون في الإسلام: الطاعةُ والزكاة، قال الراعي (^٥):\n_________\n(^١) جامع البيان ٣٠/ ٤٠٩ (٢٩٤٨٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ١٢٤ (١٦٥٧)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٥٢٢ (١١٧٠١)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٠٣.\n(^٣) كأبي عبيدة، وأبي عبيد، والمبرد، وثعلب، والزجاج، وابن عُزَيز السجستاني، والخطيب التبريزي. ينظر: مجاز القرآن ٢/ ٣١٣، وياقوتة الصراط (ص: ٥٩٨)، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٦٨، ونزهة القلوب (ص: ٤١٦)، والكشف والبيان ١٠/ ٣٠٦، وشرح اختيارات المفضل ١/ ٢٦٦.\n(^٤) ينظر: ديوانه (ص: ٤٠٧).\n(^٥) عبيد بن حُصَين بن معاوية النُّمَيري، أبو جندل الراعي، لُقِّبَ به لكثرة وصفه الإبلَ وجودة نعته، شاعر فحل من شعراء الإسلام، عاصَرَ جريرًا وهاجاه. ينظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٥٠٢، والشعر والشعراء (ص: ٢٤٨).\nوالبيت في ديوانه: (ص: ٢٢٩).","vol":"1","page":335},{"text":"قَوْمٌ عَلَى الإسْلام لَمَّا يَمْنَعوا … مَاعُونَهُم وِيُضَيِّعُوا التَّنْزِيلا) (^١).\nوقد سبق ذِكْرُ اشتهار المعنى الأول عند الصحابة ﵃، ولعل قِسمَةَ أبي عبيدة باعتبار الأشهر، فالأول أشهر في الجاهلية، والثاني أشهر في الإسلام. (وأصلُ الماعون من كل شيء منفعته) (^٢)، وهو بهذا الاعتبار يشمل كُلَّ مَنفَعة أو معروفٍ أو متاعٍ يتعاطاه الناس بينهم، فيشمل هذين القولين وغيرهما من أقوال المفسرين؛ كقول من قال أنه: المال، أو الماء، أو المنخل، أو الإبرة، أو الدلو، والفأس، والقدر، ونحو ذلك من الأقوال التي هي كالتمثيل للمعنى. (^٣)\nوذهب النحاسُ (ت: ٣٣٨) إلى أن الماعون مُشتَقٌّ من المَعْن، وقال: (وهذه الأقوال ترجع إلى أصلٍ واحد، وإنما هو الضَّن بالشيء اليسير الذي يجب ألا يُضَنَّ به، مُشتَقٌّ من المَعْن؛ وهو: الشيء القليل) (^٤)، ويشمل الزكاة؛ لأنها قليل من المال. (^٥)\nوالقول بالعموم في معنى الماعون هو الصحيح؛ لأن اللفظَ عامٌّ في الآية، ولا مُخَصِّصَ له، قال عكرمة (ت: ١٠٥): (رأسُ الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل، والدلو، والإبرة) (^٦)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا الذي قاله عكرمة حسَنٌ؛ فإنه يشمل\n_________\n(^١) مجاز القرآن ٢/ ٣١٣، ونقل ابن الأنباري هذا النص من قول يونس بن حبيب. ينظر: الزاهر ١/ ٣١٢.\n(^٢) جامع البيان ٣٠/ ٤٠٥، وينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٩٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٦٨، والصَّحاح ٦/ ٢٢٠٤.\n(^٣) جامع البيان ٣٠/ ٤٠٩، وزاد المسير (ص: ١٥٩٥).\n(^٤) إعراب القرآن ٥/ ١٨٧، وينظر: شرح اختيارات المفضل، للتبريزي ١/ ٢٦٦.\n(^٥) قال الزجاج (ت: ٣١١): (سُمِّيَت الزكاة ماعونًا بالشيء القليل؛ لأنه يؤخذ من المال ربع عُشره، وهو قليل من كثير). تهذيب اللغة ٣/ ١٣. وهو رأي قطرب (ت: ٢٠٦). ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٦، والبحر المحيط ٨/ ٥١٩، وغرائب التفسير ٢/ ١٣٩٦.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم ٨/ ٦٠٢، ووصله سعيد بن منصور في سننه، كما في الفتح ٨/ ٦٠٣، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧١.","vol":"1","page":336},{"text":"الأقوال كُلّها، ويرجع إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بِمالٍ أو منفَعَةٍ؛ ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون ٧]، قال: المعروف) (^١). وأما الوعيد بالويل على مانع الماعون، وعدم مناسبته للقول بالعموم، فيُجَابُ عنه بوجوه:\nالأول: قولُ عكرمة (ت: ١٠٥) لِمَنْ سأله عن الماعون فقال: العارية. فقال الرجل: فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟ قال: (لا، ولكن إذا جمعهن ثلاثتهن فله الويل؛ إذا سهى عن الصلاة، ورايا، ومنع الماعون) (^٢).\nالثاني: أن المعنى العام يشمل الزكاة وغيرها مما يجب بذله، فيتوجه الوعيد على منع هذا الواجب، ومانع العارية- وهي ممَّا يعود إليه- أقرب إلى منع غيرها مما لا يعود حِسًّا، كالزكاة مثلًا.\nالثالث: أن مانع الماعون بالمعنى العام يكون في نهاية البخل، والمنافقون كذلك، كما قال تعالى عنهم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد ٢٤]، فيتوجه الوعيد إليهم. (^٣)\nواختار العموم في الآية علي بن أبي طالب ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٨٦)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (^٤)\n* * *\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٨٧١.\n(^٢) الوسيط ٣/ ٥٥٩، وبحر العلوم ٣/ ٥١٨.\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ٣٢/ ١٠٨.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤١٢، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٦٤٣، والكشف والبيان ١٠/ ٣٠٥، والوجيز ٢/ ١٢٣٥، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣٤٣، والجامع لأحكام القرآن ١٤٦، أنوار التنْزيل ٢/ ١١٧٤، والتفسير الكبير ٣٢/ ١٠٩، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧١.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>ثالثًا: استدراكات التابعين</span>\n<span data-type='title' id=toc-208>[٥٥] ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١١٩].</span>\nقال القاسم بن أبي بَزَّةَ (^١): قال لي مجاهد: (سل عنها عكرمةَ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٩])، فسألته، فقال: (الإخصاء)، قال مجاهد: (ما له لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء)، ثم قال لي: (سله)، فسألته، فقال عكرمة: (ألم تسمع إلى قول الله ﵎ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]؟ قال: لدين الله)، فحدثت به مجاهدًا، فقال: (ما له أخزاه الله!). (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-209> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب عكرمة إلى أن تغيير خلق الله المذكور في الآية هو: الإخصاء. وهو معتمدٌ على لفظ الآية، فالإخصاء من تغيير خلق الله تعالى، ويقويه أنها نزلت في الإخصاء،\n_________\n(^١) القاسم بن أبي بَزَّةَ المخزومي مولاهم، أبو عبد الله المكي القارئ، ثقة، مات سنة (١١٥). ينظر: الكاسف ٢/ ٣٨٨، والتقريب (ص: ٧٩٠).\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٩٧) (٢٢٦)، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٧٨ (٦٤٠ - ٦٤١)، وفي مصنفه ٤/ ٤٥٧ (٨٤٤٥)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد ١/ ١٧٥، وسعيد بن منصور في سننه ٤/ ١٣٧٥ (٦٩٠)، وابن جرير في تفسيره ٥/ ٣٨٢ (٨٢٥٨ - ٨٢٦٠، ٨٢٦٤ - ٨٢٦٦)، والداني في المكتفى في الوقف والابتدا (ص: ٥٣)، والبيهقي في السنن ١٠/ ٢٥ (١٩٥٨٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٦٤٠ لعبد بن حميد، وابن المنذر.\nمن طريق وهب بن نافع، والمثنى بن الصباح، وعبد الجبار بن الورد، وابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة. ومن طريق ليث بن أبي سليم، ومطر الورَّاق، وقتادة، وحميد بن قيس الأعرج، عن عكرمة. ومن طريق ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، وعبد الله بن كثير، عن مجاهد.\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":338},{"text":"كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عباس ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥). (^١)\nوذهب مجاهد إلى أن المعنى: دين الله. وهو ما وافقه عليه عكرمة بعد ذلك (^٢)، ويشهد له لفظ الآية وسياقها، فهو من تغيير خلق الله؛ إذ خَلَقَ اللهُ عبادَه على الفطرة والحنيفية، قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم ٣٠]، فالفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا تبديل لها هي: الدين القَيِّم. (والمعنى على التحقيق: لا تُبَدِّلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر. فقوله ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]، خبرٌ أُرِيدَ به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن يُمتثَل، حتى كأنه خبرٌ واقِعٌ بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة ١٩٧]، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا) (^٣). ومن شواهد هذا المعنى في السنة حديث أبي هريرة مرفوعًا: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه، أو يُنَصِّرَانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تنتج البهيمة بَهيمةً جمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟. ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]) (^٤)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٨٢.\n(^٢) ينظر: بحر العلوم ١/ ٣٨٩.\n(^٣) أضواء البيان ١/ ٣٢٨. وينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ١١٠، والتفسير الكبير ١١/ ٣٩، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٦٠ (١٣٥٩)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٥٧ (٢٦٥٨).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٣٢٠ (٢٨٦٥).","vol":"1","page":339},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-210> الحكم على الاستدراك:</span>\nتدور أقوال المفسرين في معنى تبديل خلق الله المذكور في الآية على معنيين (^١):\nالأوَّل: تبديل معنويٌ باطن؛ هو: تبديل دين الله. أو: تحليل الحرام، وتحريم الحلال. أو: تغيير أمر الله. كما ورد عن ابن عباس ﵁ (^٢)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والقاسم بن أبي بَزَّةَ (ت: ١١٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^٣).\nوالثاني: تبديلٌ حِسِّيٌ ظاهر؛ هو: الخصاء. كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عمر، وابن عباس (^٤) ﵃، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والثوري (ت: ١٦١). (^٥)\nأو هو: الوشم، كما ورد عن ابن مسعود ﵁، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (^٦)، وفيه حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لعن الله الواشِمات والمُستَوشِمات، والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلقَ الله) (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير ١١/ ٣٩، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٣٨٠.\n(^٢) من طريق ابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٨٣ (٨٢٦١).\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٢٨٥، وجامع البيان ٥/ ٣٨٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٦٩، وزاد المسير (ص: ٣٢٧).\n(^٤) من طريق عكرمة، وعمار بن أبي عمار. ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٨٣.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٨٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٦٩، وزاد المسير (ص: ٣٢٧).\n(^٦) ينظر: جامع البيان ٥/ ٣٨٥ (٨٢٧٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٧٠.\n(^٧) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٩٨ (٤٨٨٦)، ومسلم في صحيحه ٥/ ٢٨٧ (٢١٢٥).","vol":"1","page":340},{"text":"أو: نحوهما من التغيير الظاهر، كقطع الآذان، وفقء العيون. (^١)\nوالقول الأول أولى القولين بالصواب؛ لأنه أَعَمُّ؛ فالقول الثاني داخِلٌ فيه، ولدلالة آية الروم السابقة عليه، ولأنه سبق ذِكرُ التغيير في الأجسام قبل هذه الجملة في الآية، وذلك في قوله تعالى ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء ١١٩]، فناسب أن يذكر بعدَ ذلك تغييرًا آخرَ، هو أعظم من سابقه، وليس من تمام الفصاحة الإجمال بعد التفصيل، وإنما العكس، (وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره، ما وُجِدَ إليه السبيل) (^٢).\nوالأقوال في المعنى الثاني لا تعدوا أن تكون أمثلةً لتبديل دين الله (^٣)، قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩): (من تغيير خلق الله الإخصاء) (^٤)، ويدُلُّ على إرادة أصحابِها التمثيلَ: تعدد الوارد عن أكثرهم في كلا المعنيين، ومنهم عكرمة (ت: ١٠٥)، كما في رواية الاستدراك، إذ ذكر كلا المعنيين لسائلٍ واحد.\nوأما ما ورد عن أنس وابن عباس ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥) من أنها نزلت في الخِصاء، فهو من قبيل التفسير بالمعنى والتمثيل له، أي أنه مِمَّا يدخل في معنى الآية. واستعمال السلف لصيغة سبب النُّزول في هذا المعنى كثير مشهور. (^٥)\nوهذه الأنواع المذكورة في القول الثاني إنما حُرِّمَت لِمَا فيها من مخالفة الشرع، وطاعة الشيطان، والضرر العاجل والآجِل، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وملاكُ تفسير\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان ٣/ ٣٨٨.\n(^٢) جامع البيان ٥/ ٣٨٧.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٢/ ١٩٦، والبحر المحيط ٣/ ٣٧٠، وفتح القدير ١/ ٨١٩.\n(^٤) جامع البيان ٥/ ٣٨٢ (٨٢٥٦).\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٨، والبرهان في علوم القرآن ١/ ٥٦، والفوز الكبير في أصول التفسير (ص: ٩٥).","vol":"1","page":341},{"text":"هذه الآية: أن كُلَّ تغيير ضارٍّ فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح). (^١)\nونسب النحاس (ت: ٣٣٨) القول الأول لأهل التفسير (^٢)، ولم يذكر الواحدي (ت: ٤٦٨) غيره (^٣)، وعليه جمهور المفسرين. (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-211>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأن المشهور عن السلف الأدب في الرد، وحسن الخطاب في الخلاف، وقولُ مجاهدٍ (ت: ١٠٤) لعكرمةَ (ت: ١٠٥): (كذب العبد، أخزاه الله، لعنه الله)، من الشاذِّ النادر الذي لا حُكمَ له، أو مِمَّا تحمل عليه ضرورة البيان (^٥). فقوله: (كذب العبد) لا اعتداء فيه إن قصد بالكذب الخطأ، وقد كان عكرمةُ مولىً لابن عباس، وأصله من البربر، فهو عبدٌ من هذه الناحية. وفي تعبير مجاهد بذلك تنبيهٌ على سبب الخطأ في تفسير عكرمة (^٦). وأما قوله: (مالَهُ أخزاه الله!) فإنما حمله على ذلك تَعَجُّبُه من سُرعة تغيير عكرمة لقوله الذي عَلِمَهُ عنه، واستغرابه من تركه الأولى من المعنى إلى غيره، وقد سبقَ أن مُراد عكرمة من ذلك التمثيلُ للمعنى، كغيره من المفسرين.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز ٢/ ١١٥، وينظر: التحرير والتنوير ٥/ ٢٠٦.\n(^٢) ينظر: إعراب القرآن ١/ ٢٣٩.\n(^٣) ينظر: الوسيط ٢/ ١١٨.\n(^٤) ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: ٢٧٤)، وجامع البيان ٥/ ٣٨٦، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ١١٠، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ١٩٦، والوجيز ١/ ٢٩٠، والمحرر الوجيز ٢/ ١١٥، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٤١، والبحر المحيط ٣/ ٣٧٠، وبدائع التفسير ٢/ ٧٩، وفتح القدير ١/ ٨١٩، وروح المعاني ٥/ ١٩٥، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٣٨٠، والتحرير والتنوير ٥/ ٢٠٥، وصفوة الآثار والمفاهيم ٦/ ٤٠٢.\n(^٥) كما مَرَّ عن ابن عباس ﵁ في الاستدراك رقم (٤٧) (ص: ٢٥١).\n(^٦) ومثله ما رواه عبد الكريم بن أبي أمية قال: سمعت عكرمة يقول ﴿سِحْرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: كذب العبد، قرأتها على ابن عباس ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ [القصص ٤٨]، فلم يعب علي. الدر ٦/ ٣٧٤.","vol":"1","page":342},{"text":"وليس بخافٍ أنَّهُما من أبرز تلاميذ ابن عباس ﵁، ورُبَّما كان بينهما ما يكون بين الأقران، والمعاصرة في أغلب صورها حجاب، وكلام الأقران في بعضهم بلا بَيِّنةٍ يُطوى ولا يُروى ولا حكم له، قال قتادة (ت: ١١٧): (كان أعلم التابعين أربعة: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وأعلمهم بالتفسير عكرمة) (^١)، وقال حبيب بن أبي ثابت (ت: ١١٩): (اجتمع عندي خمسة: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يُلقِيان على عكرمة التفسير، فلم يسأَلاه عن آيَةٍ إلا فَسَّرَها لَهُما، فلمَّا نَفِدَ ما عِندَهُما جعل يقول: أُنزِلَت آيةُ كذا في كذا، وأُنزِلَت آيةُ كذا في كذا). (^٢)\nوكان مجاهدُ يُرسِل من يسأل عكرمة عن قوله في عدد من الآيات، وربما وافقه في كثير منها. (^٣)\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب ٣/ ١٣٥، وينظر: جُزء فيه ذكر حال عكرمة، للمنذري، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم: (١٢)، (ص: ٢٢).\n(^٢) المرجع السابق. وقد صَنَّفَ وأطال في الذَّبِّ عن عكرمة جماعة، منهم: ابن جرير- ونقل عنه المنذري في جزءه السابق-، وأبو عبد الله بن منده، وابن حبان، وابن عبد البر، والمنذري. وينظر في تفصيل حال عكرمة: جُزء فيه ذكر حال عكرمة، للمنذري، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، الرسالة (١٢)، وهدي الساري (ص: ٤٤٦)، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٣٤.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١/ ٧٣٢، و١٧/ ٩٥، و٢٠/ ١٧٥، و٢١/ ٤٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢٣٠، و٦/ ١٨٤٢، والكشف والبيان ٦/ ٢٩٨.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>[٥٦] ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤].</span>\nعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز (^١) قال: رأيت عبيد بن عمير (^٢) وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصُّ (^٣) يقُصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر، وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: إنَّما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]. (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-213> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب طلحة بن عبيد الله إلى لزوم الاستماع للقرآن، والإنصات له حيثما قُرِئ، ولذلك كرَّرَ على صاحبيه باستنكار، ورَغَّبَهُما في الإنصات بقوله: (وتستوجبان الموعود)، أي: الرحمة الموعود بها من استمع وأنصت للقرآن حين يُتلَى. واعتمد في ذلك على ظاهر لفظ الآية العام، قال النحاس (ت: ٣٣٨): (وفي اللغة يجب أن يكون- أي: الإنصات- في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء) (^٥). وفي سِبَاقِ الآية من أوصافِ القرآن ما يستوجب الاهتمام به، والإنصات له، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا\n_________\n(^١) طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز الخزاعي، أبو المطرف، ثقة. ينظر: الكاشف ٢/ ٤٤، والتقريب (ص: ٤٦٤).\n(^٢) الليثي، من مفاخر التابعين وساداتهم، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (٢٨) (ص: ١٦٤).\n(^٣) هو من يقصُّ على الناس ما يرقق قلوبَهم. ينظر: أساس البلاغة ٢/ ٨٣، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ٦٢.\n(^٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٩/ ٢١٦ (١٢١٠٣)، والثعلبي في تفسيره ٤/ ٣٢١. من طريق حميد بن مسعدة، عن بشر بن المفضل، عن الجَريري سعيد بن إياس، عن طلحة بن عبيد الله.\nوإسناده حسن.\n(^٥) إعراب القرآن ٢/ ٨٧، وينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٤٨، وفتح القدير ٢/ ٤٠٢.","vol":"1","page":344},{"text":"يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٣]. (^١)\nوحَمَلَ عبيدُ بن عمير (ت: ٦٨)، وعطاءٌ (ت: ١١٤) الأمرَ بالإنصات في الآية على أنه في الصلاة، واعتمدا في ذلك سببَ نزول الآية، فعن ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃، أن بعضهم كانوا يتكلمون في الصلاة، ويُسَلِّم بعضهم على بعض، وربما قرأ بعضهم مع رسول الله ﷺ حال قراءته في الصلاة، فنَزلت الآية في ذلك، وأُمِرُوا بالإنصات (^٢). ويشهد له من السنة أحاديثُ كثيرةٌ منها قوله ﷺ: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) (^٣)، وإنكاره ﷺ على من قرأ خلفه في صلاة جهر فيها، وقوله له: (إني أقول مالي أُنَازَعُ القرآن؟)، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ. (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-214> الحكم على الاستدراك:</span>\nاحترام القرآن وتعظيمه، وعدم اللغو فيه، واجبٌ عند الجميع، وهو من مقتضيات الإيمان، والاستماع والإنصات لتلاوته مأمورٌ بهما كما هو ظاهرٌ من الآية، قال الزمخشري (ت: ٥٣٨): (ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن، في صلاة وفي غير صلاة) (^٥)، وذهب إلى هذا العموم الحسن (ت: ١١٠) في رواية، وأهل الظاهر (^٦)، واختاره\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٤٤٨، والتحرير والتنوير ٩/ ٢٣٩.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٩/ ٢١٦، وأسباب النُّزول (ص: ٢٢٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٦، ٤٢٠ (٨٨٧٦، ٩٤٢٨)، وأبو داود ١/ ١٦٥ (٦٠٤)، والنسائي ٢/ ١٤١ (٩٢١)، وابن ماجة ١/ ٢٧٦ (٨٤٦). وصححه أحمد، كما في التمهيد ٣/ ١٨١، ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٣ (٦٣)، وينظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٥٣٥.\n(^٤) أخرجه مالك ١/ ٨٦ (١٩٣)، وأبو داود ١/ ٢١٨ (٨٢٦)، والترمذي ٢/ ١١٨ (٣١٢)، والنسائي ٢/ ١٤٠ (٩١٩)، وابن ماجة ١/ ٢٧٦ (٨٤٨)، وإسناده صحيح، وصححه أبو حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٤/ ١٥٣٦.\n(^٥) الكشاف ٢/ ١٨٥، وينظر: أنوار التَّنْزيل ١/ ٣٧٤.\n(^٦) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٧، والمحلى ٤/ ٧٣، والتفسير الكبير ١٥/ ٨٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٥٣٧.","vol":"1","page":345},{"text":"ابن جُزَي (ت: ٧٤١)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (^١)، ويبدو أن القُصَّاص كانوا يُشِيعون هذا القول، ويستدلون عليه بِهذه الآية؛ ليستجلبوا إليهم اهتمام الناس، قال معاوية بن قرة (^٢) (ت: ١١٣): (إن الله ﷿ أنزل هذه الآية ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤] في الصلاة؛ إن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة، وأنزلها القُصّاصُ في القصص) (^٣).\nإلا أن هذا الظاهر العام مخصوصٌ بحال جهر الإمام بالقراءة في الصلاة، فيكون الاستماع والإنصات له واجبًا، بدلالة سبب النُّزول الصريح، ودلالة السنة كما سلف، قال أحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١): (أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة) (^٤)، وقال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣) عن هذه الآية: (وهذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة، لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره) (^٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة) (^٦)، ومن ثَمَّ ذهب عامَّةُ العلماء إلى وجوب الاستماع للإمام في قراءته في الصلاة الجهرية، واستحبابه خارج الصلاة (^٧)، ونقل ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عن الإمام أحمد (ت: ٢٤١) الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حالَ الجهر (^٨). وقال ابن عبد البر\n_________\n(^١) ينظر: التسهيل ٢/ ١١١، وفتح القدير ٢/ ٤٠٢.\n(^٢) معاوية بن قُرَّة بن إياس المزني، أبو إياس البصري، ثقة عالم عامل، مات سنة (١١٣). ينظر: الكاشف ٣/ ١٥٨، والتقريب (ص: ٩٥٦).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٥/ ١٨٢ (٩٧٩)، وإسناده صحيح.\n(^٤) المغني ٢/ ١١٧.\n(^٥) الاستذكار ١/ ٤٦٥.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٦٩.\n(^٧) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٤، وأنوار التَّنْزيل ١/ ٣٧٤، وتفسير الحداد ٣/ ٢٤٦، والتحرير والتنوير ٩/ ٢٣٩.\n(^٨) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٦٩، وينظر: المغني ٢/ ١١٨.","vol":"1","page":346},{"text":"(ت: ٤٦٣): (وفي إجماع أهل العلم على أن قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤] لم يُرِد كُلَّ موضِع يُسمَع فيه القرآن، وإنما أراد الصلاة، أوضَحُ الدلائل على أنه لا يُقرَأ مع الإمام فيما جَهَرَ فيه) (^١)، ووجه دلالة أدلة السنة السابقة على خصوص وجوب الاستماع حالَ قراءة الإمام في الصلاة = ظاهرُ قوله ﷺ: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا)، وإنما تُعلَم قراءته في الجهر (^٢)، وأن المنازعة في القراءة إنما تكون حال الجهر بِها، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (أوجب ﵎ الاستماع والإنصات على كل مُصَلٍّ جهر إمامه بالقراءة؛ ليسمع القراءة، ومعلوم أن هذا في صلاة الجهر دون صلاة السر؛ لأن المُسِرَّ إنما يُسمِع نفسه دون غيره، فقول رسول الله ﷺ: (ما لي أُنازَعُ القراءة). يُضَاهي ويُطابِقُ قول الله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]) (^٣).\nومن مقتضيات الإنصات للقرآن في الصلاة ما أجمع عليه العلماء من عدم الكلام فيها إلا بما أذِنَ به الشرع (^٤). وجمهور المفسرين على تخصيص وجوب الاستماع للقرآن بالصلاة الجهرية، بل قال النقاش (ت: ٣٥١): (أجمع أهل التفسير على أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة، وغير المكتوبة) (^٥)، وهذا هو الصحيح لظاهر القرآن والسنة، ولعمل الصحابة ﵃، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس ﵃، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)،\n_________\n(^١) الاستذكار ١/ ٤٦٥، وينظر: التمهيد ٣/ ١٧٩.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٢٤٦.\n(^٣) التمهيد ٣/ ١٧٧.\n(^٤) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٤، ومراتب الإجماع (ص: ٥١)، والتمهيد ٣/ ٢٤٨، والمجموع ٤/ ١٤، وفتح الباري، لابن رجب ٩/ ٢٩٦.\n(^٥) بواسطة: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٢٤.","vol":"1","page":347},{"text":"والضحاك (ت: ١٠٥)، ومعاوية بن قُرَّة (ت: ١١٣)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والزهري (ت: ١٢٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^١). واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والحداد (^٢) (ت: ٨٠٠). (^٣)\nورُوي عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعطاء (ت: ١١٤) أنه في الخطبة (^٤)، ورَدَّه بعض العلماء بأن الآية مكيَّة، حيث لا خطبة، ولا جمعة، ثم الاستماع لجميع الخطبة واجب، والقرآن فيها قليل (^٥). والصواب أنهم لم يأخذوا هذا الحكم من الآية، وإنما من السنة (^٦)، وذكروه تبعًا لحكم الآية لمناسبة اتفاقهما، وتفسيرهم الآية بالمعنى السابق يدل عليه.\nوقريب من فقه عبيد بن عمير (ت: ٦٨) وعطاء (ت: ١١٤) في فهم هذه الآية، فقهُ\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن وهب ١/ ١٢٤، وتفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٧، وسنن سعيد بن منصور ٥/ ١٨٢، وجامع البيان ٩/ ٢١٦، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٢٤.\n(^٢) أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّاد الزبيدي اليمني، رضي الدين الحنفي، فقيه مُفَسِّر، صَنف في التفسير: كشف التنْزيل في تحقيق المباحث والتأويل، توفي سنة (٨٠٠). ينظر: البدر الطالع ١/ ١٦٦، ومعجم المفسرين ١/ ١٠٩.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن، للفراء ١/ ٤٠٢، وجامع البيان ٩/ ٢٢٠، وأحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٢٤٣، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ١٢٢، والتمهيد ٣/ ١٨٢، والاستذكار ١/ ٤٦٥، والوسيط ٢/ ٤٤٠، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٩٤، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٢٤، وتفسير الحداد ٣/ ٢٤٦.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٩/ ٢١٩.\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٢٤٣، وتفسير السمعاني ٢/ ٢٤٤، وأحكام القرآن، لابن العربي ٢/ ٢٩٦، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٢٤.\n(^٦) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٤، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٢٤.","vol":"1","page":348},{"text":"أبي عياض (^١)، الذي قال عنه مجاهد (ت: ١٠٤): (ما رأيت أحدًا بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض) (^٢)، فلمَّا روى حديثَ أبي هريرة ﵁: (كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]) (^٣)، قالَ له إبراهيم بن مسلم (^٤) - الراوي عنه-: (لقد كنتُ أظنُّ أنه لا ينبغي لأحدٍ يسمع القرآن ألاَّ يستمع. فقال أبو عياض: لا، إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، فأمَّا في غير الصلاة فإن شِئتَ استَمَعتَ وأنصَتَّ، وإن شِئتَ مضَيتَ ولم تسمع) (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-215>[٥٧] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤].</span>\nعن أبي معشر (^٦) قال: سمعت عون بن عبد الله (^٧) يذاكر محمد بن كعب في قول الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]، فقال عون: خير صفوف الرجال المُقَدَّم، وشَرُّ صفوف الرجال المُؤَخَّر، وخير صفوف النساء المُؤَخر، وشرُّ صفوف النساء المُقَدَّم. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ\n_________\n(^١) عمرو بن الأسود العَنسي، أبو عياض الحمصي الداريّ، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين، قال عنه عمر: (من سَرَّه أن ينظر إلى هدي نبيه، فلينظر إلى هدي هذا)، مات في خلافة معاوية. ينظر: الكاشف ٢/ ٣٢٤، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٧، والتقريب (ص: ٧٣٠).\n(^٢) التمهيد ٣/ ١٧٨، وسنده صحيح. وينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٧.\n(^٣) جامع البيان ٩/ ٢١٦ (١٢١٠٠)، وأحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٢٤٥ (٤٧٩)، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٥ (٨٧٢٨).\n(^٤) إبراهيم بن مسلم العبدي، أبو إسحاق الهَجَري الكوفي. ينظر: الكاشف ١/ ٩٣، والتقريب (ص: ١١٦).\n(^٥) التمهيد ٣/ ١٧٧، والاستذكار ١/ ٤٦٥.\n(^٦) نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، أبو معشر المدني مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، مات سنة (١٧٠). ينظر: الكاشف ٣/ ١٩٨، والتقريب (ص: ٩٩٨).\n(^٧) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، مات في حدود (١٢٠). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٥٨، والتقريب (ص: ٧٥٨).","vol":"1","page":349},{"text":"مِنكُمْ﴾ [الحجر ٢٤]: الميت، والمقتول، و﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]: من يلحق بِهم من بعدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر ٢٥]. فقال عون بن عبد الله: وفقك الله، وجزاك خيرًا. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-216> تحليل الاستدراك:</span>\nفَسَّرَ عون (ت: ١٢٠) التَقَدُّم والتأخُّر المذكورين في الآية بالتَقَدُّم والتأخُّر في صفوف الصلاة؛ لاحتمال لفظ الآية له، ولسبب النُّزول الوارد، فعن أبي الجوزاء (^٢)، عن ابن عباس ﵁ قال: (كانت امرأةٌ حسناء من أجمل الناس تصلي خلف النبي ﷺ، فكان بعض الناس يستقدم في الصف لئلاَّ يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبِطَيه في الصف، فأنزل الله في شأنِها ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في تفسيره ١/ ١١٦ (٢٦٥)، و٢/ ١٠٧ (٢٠٩)، وابن جرير في تفسيره ١٤/ ٣١ (١٥٩٥٧)، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٦٨ لابن أبي حاتم. من طريق محمد بن أبي معشر، ومحمد بن سعيد بن حسَّان، عن أبي معشر. وعبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن كعب.\nوإسناده حسن لغيره.\n(^٢) ثقة، يرسل كثيرًا، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (٣٧) (ص: ٢١٠).\n(^٣) أخرجه الطيالسي ١/ ٣٥٤ (٢٧١٢)، وأحمد ١/ ٣٠٥ (٢٧٨٤)، والترمذي ٥/ ٢٩٦ (٣١٢٢)، والنسائي ٢/ ١١٨ (٨٧٠)، وابن ماجة ١/ ٣٣٢ (١٠٤٦)، والطبراني في الكبير ١٢/ ١٧١ (١٢٧٩١)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٨١. من طريق نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٢٥٦ (١٤٤٥)، وابن جرير ١٤/ ٣٤ (١٥٩٧٢)، وعزاه في الدر ٥/ ٦٥ لابن المنذر، من طريق جعفر بن سليمان، به، ولا ذكر فيه لابن عباس، ولا للقصة. قال الترمذي: (وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح)، وقال البزار: (لا نعلم رواه ابن عباس، ولا له طريق إلا هذه)، وقال أبو نعيم: (غريب من حديث أبي الجوزاء، عن ابن عباس، تفرد برفعه نوح بن قيس)، وقال ابن كثير عن رواية نوح: (حديث غريب جدًا)، وقال: (هذا الحديث فيه نكارةٌ شديدة ..، والظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٩٥٤. وينظر: جامع الترمذي ٥/ ٢٩٦، وحلية الأولياء ٣/ ٨١، والكافي الشافِ ٢/ ٥٥٣.","vol":"1","page":350},{"text":"وفَسَّرَ محمد بن كعب المستقدمين والمستأخرين بِمَنْ مات ومضى، ومن يلحق بِهم من بعدُ، مِمَّنْ هو حيّ، ومِمَّن لم يخلق بعدُ. واستَدَل لذلك بالآية بعدها، وسِبَاقُ الآية ولِحاقها يشهدان لهذا المعنى، فقبلها قوله تعالى ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر ٢٣]، فالحديث عن الإحياء والإماتة والبعث، ثم ذكر في هذه الآية عِلمَه بمن مات، ومن بقي، ومَن بعدهم مِمَّنْ سيُخلَق، ثم قال تعالى بعدها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر ٢٥]، وهو تأكيد لِمَا مضى من ذكر البعث، وبيانٌ لتمام قدرته تعالى، وهو ما أكدته السورة في سياقها العام. ويؤكد هذا المعنى أن السورة مكيةٌ باتفاق (^١)، وموضوع البعث والإحياء من أبرز موضوعات السور المكية (^٢)، ومن نظائر هذا المعنى في القرآن قوله تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤]. (^٣)\n\n*<span data-type='title' id=toc-217> الحكم على الاستدراك:</span>\nتعددت أقوال المفسرين في هذه الآية (^٤)، وأقوى ما قِيلَ فيها هذان القولان:\nالأول: أنها في صفوف الصلاة، وهذا يعضده سبب النُّزول، ويحتمله لفظ الآية، وقال به ابن عباس ﵁ (^٥)، ومروان بن الحكم (ت: ٦٥)، وأبو الجوزاء (ت: ٨٣) (^٦)، واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨). (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (ص: ١٨٠)، والتنْزيل وترتيبه (ص: ٢٨)، والدر ٥/ ٥٥، وفتح القدير ٣/ ١٦٥.\n(^٢) ينظر: التسهيل ١/ ١٣، ومناهل العرفان ١/ ٢٠٥، وأهم خصائص السور والآيات المكية ومقاصدها (ص: ٢٣٧).\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٢٠١.\n(^٤) ينظر: زاد المسير (ص: ٧٥٩)، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٤.\n(^٥) من طريق أبي الجوزاء. ينظر: جامع البيان ١٤/ ٣٥.\n(^٦) ينظر: جامع البيان ١٤/ ٣٤.\n(^٧) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ٨٨، والوجيز ١/ ٥٩١، مع أن الواحدي في الوسيط ٣/ ٤٣ ذكر القول الثاني واستدل له بالسياق.","vol":"1","page":351},{"text":"والثاني: أنها في من مات ومضى، ومن هو مخلوق بَعدهم، وهذا يعضده سياق الآية، وكونها مكيةٌ، وانتظام موضوعها العام، وهو أقرب إلى عموم لفظ الآية من المعنى الأول، وقال به ابن عباس ﵁ (^١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (^٢)\nوالقول الثاني هو الراجح؛ لِمَا سبق، وعليه جمهور المفسرين (^٣)، والأخذ بالسياق يُضعِف القولَ الأولَ وغيرَه من الأقوال؛ لأنَّها تُذهب اتصال المعنى، وسبب النُّزول المذكور لا يصح عن ابن عباس، والصواب وقفه على أبي الجوزاء كما سبق في تخريجه، وبدون ذكر القصة، ويقوي ذلك أن السورة مكية، كما ورد عن ابن عباس ﵁ (^٤)، وأن رواية أبي الجوزاء- مع اشتهاره بالإرسال-، مُقاَبَلَةٌ برواية الضحاك، وقتادة، والعوفي، عن ابن عباس، وروايتهم أرجح، ومتوافقةٌ، ولا تعارض فيها (^٥). قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) عن سبب النُّزول: (وهو خبرٌ واهٍ، لا يُلاقي انتظام هذه الآيات، ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة) (^٦). واختار القول الثاني مقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسهيلي (ت: ٧٤١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والحداد (ت: ٨٠٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣). (^٧)\n_________\n(^١) من طريق الضحاك، وقتادة، والعوفيين. ينظر: جامع البيان ١٤/ ٣٢، وزاد المسير (ص: ٧٥٩).\n(^٢) ينظر: جامع البيان ١٤/ ٣١.\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٣٥٨.\n(^٤) ينظر: الدر المنثور ٥/ ٥٥.\n(^٥) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٤.\n(^٦) التحرير والتنوير ١٤/ ٤٠. وينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٣٥٨، وروح المعاني ١٤/ ٣٧١.\n(^٧) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٢٠١، وجامع البيان ١٤/ ٣٥، وبحر العلوم ٢/ ٢١٧، والمصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: ٣٦٨)، والمحرر الوجيز ٣/ ٣٥٨، والتسهيل ٢/ ٢٧٣، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٩٥٤، وتفسير الحداد ٤/ ١١٠، وروح المعاني ١٤/ ٣٧١، والتحرير والتنوير ١٤/ ٤٠.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: الاعتماد على دلالة السياق في تفاسير السلف.\nثانيًا: تنبُّه عون بن عبد الله (ت: ١٢٠) إلى دلالة السياق، ورجوعه إلى مُقتضاها، فقد كان من عادة السلف الرجوع عن أقوالهم إذا تبين لهم ما هو أولى منها، وهذه صورة مُشَرِّفة من ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-219>[٥٨] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤].</span>\nقال قتادة: تلا الحسن هذه الآية وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحِميري (^١)، قال: إن كان لَسَرِيًّا، وإن كان لَكَرِيمًا. فقال حميد: يا أبا سعيد، إنه الجدول. فقال الحسن: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-220> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن معنى السَرِيّ في الآية: السيد الكريم. ومُعتَمَدُه في ذلك صحة هذا المعنى لُغَةً، ويؤَيدُه قراءة ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤] (^٣)، أي: عيسى ﵇. ثم لو كان المُراد النهر لَكَانَ إنما يكون إلى جنبها لا تحتها.\n_________\n(^١) حميد بن عبد الرحمن الحِميري البصري، ثقة فقيه، قال عنه ابن سيرين: (هو أفقه أهل البصرة). ينظر: الكاشف ١/ ٢٥٧، والتقريب (ص: ٢٧٥).\n(^٢) أخرجه البستي في تفسيره ١/ ١٨٦ (١٣١)، وابن جرير في تفسيره ١٦/ ٨٨ (١٧٨١٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٥/ ٤٤٣ لعبد بن حميد. من طريق شعبة، عن قتادة، عن الحسن. وعند البستي من طريق سفيان بن عيينة، عن رجالٍ، عن الحسن. وهذا الإبهام مُبَيَّنٌ بعضه في طريق ابن جرير.\nوإسناده صحيح.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم، ويعقوب. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص: ٢٤٣)، والإقناع ٢/ ٦٩٦.","vol":"1","page":353},{"text":"وذهب حميد إلى أن المُرادَ: الجدول، أي النهر الصغير. واعتمد في ذلك شُهرةَ هذا المعنى لُغَةً، وانتظام السياق به، فلما كانت المرأة في حال الوضع بحاجة الطعام والشراب، أنعم الله تعالى على مريم بكل ذلك، فقال تعالى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم ٢٥]، ثم امتنَّ عليها بقوله ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم ٢٦]، أي: كلي من هذا الرُّطَب الجَنِيّ، واشربي من هذا النهر السَّرِي، وقَرِّي عينًا. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-221> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب عكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومحمد بن عباد بن جعفر (^٢)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، إلى أن المُراد بالسَرِيّ: عيسى ﵇، أي أنه سيّدٌ شريف كريم (^٣). وقد تكرر مع الحسن (ت: ١١٠) نحو ما جرى له مع حميد، فإنه تلا هذه الآية يومًا وقال: (كان والله سريًّا، يعني: عيسى ﵇. فقال له خالد بن صفوان (^٤): يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السري. فقال: صدقت) (^٥).\nوذهب البراء بن عازب، وابن عباس ﵃، وعمرو بن ميمون (^٦) (ت: ٧٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وحميد بن عبد الرحمن، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١)،\n_________\n(^١) ينظر: زاد المسير (ص: ٨٨٢).\n(^٢) محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة المخزومي المكي، ثقة. ينظر: الكاشف ٣/ ٥٧، والتقريب (ص: ٨٥٨).\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٦/ ٨٩، وزاد المسير (ص: ٨٨٢)، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢١٦.\n(^٤) خالد بن صفوان بن الأهتم، أبو صفوان المِنقَري البصري، بليغ حكيم، فصيح زمانه. ينظر: السير ٦/ ٢٢٦.\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦/ ١٠٤.\n(^٦) عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله الكوفي، مخضرم مشهور، ثقة عابد، مات سنة (٧٤). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٤٤، والتقريب (ص: ٧٤٦).","vol":"1","page":354},{"text":"وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ومعمر (ت: ١٥٣)، ووهب بن منبه (^١) (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، إلى أنه: النهر الصغير، أو الجدول (^٢). وهو الراجح، وعليه جمهور المفسرين واللغويين (^٣)، بل قال الأزهري (ت: ٣٧٠): (وهو قول جميع أهل اللغة) (^٤)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (اتفق المفسرون- إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد- أن السَّرِي هو: النهر والجدول) (^٥). ووجه ترجيحه أنه الأشهر لُغَةً (^٦)، والأوفق سياقًا (^٧)، وعليه الأكثر، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، وابن جزي (ت: ٧٤١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والحداد (ت: ٨٠٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (^٨)\n_________\n(^١) وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأبْنَاوي، مفسر مؤرخ ثقة، عالم بكتب أهل الكتاب، صنف في التفسير، ومات سنة (١١٤). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣٥٣، والتقريب (ص: ١٠٤٥).\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٣١٠، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٢١، وجامع البيان ١٦/ ٨٨، وزاد المسير (ص: ٨٨٢)، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢١٦. ورُويَ هذا المعنى عن ابن عمر مرفوعًا، ولا يصح. ينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٢٢١٦، ومجمع الزوائد ٧/ ٥٤.\n(^٣) ينظر: الكشف والبيان ٦/ ٢١١، وتفسير السمعاني ٣/ ٢٨٦، والمحرر الوجيز ٤/ ١١، وزاد المسير (ص: ٨٨٢).\n(^٤) تهذيب اللغة ١٣/ ٣٩.\n(^٥) التفسير الكبير ١٢/ ١٧٥.\n(^٦) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ١٦٥، مجاز القرآن ٢/ ٥، وتفسير غريب القرآن (ص: ٢٣٢)، وجامع البيان ١٦/ ٩٠، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٢٥، وجمهرة اللغة ٢/ ٧٢٥، ونزهة القلوب (ص: ٢٦٧)، ومعاني القرآن، للنحاس ٤/ ٣٢٥، والصحاح ٦/ ٢٣٧٥، والغريبين ٣/ ٨٩٢، والقاموس المحيط ١١٦٥.\n(^٧) ينظر: جامع البيان ١٦/ ٩٠، والنكت والعيون ٣/ ٣٦٦، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢١٧.\n(^٨) ينظر: جامع البيان ١٦/ ٩٠، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٩٣، والوسيط ٣/ ١٨١، وزاد المسير (ص: ٨٨٢)، والتسهيل ٣/ ١٠، وتفسير القرآن العظيم ٥/ ٢٢١٧، وتفسير الحداد ٤/ ٢٩٣، وروح المعاني ١٦/ ٥٣٤، وأضواء البيان ٤/ ١٨٩.","vol":"1","page":355},{"text":"وأما قول الحسن (ت: ١١٠)، فقد وصفه ابن حجر (ت: ٨٥٢) بالشذوذ (^١)، وقد تراجع عنه الحسن إلى القول الثاني (^٢)، وهو ظاهر جوابه لحميد وخالد بن صفوان.\nوالقراءة السبعية المذكورة في هذا القول مُحتَمِلَةٌ لكلا المعنيين، إذ يصح أن يُرادَ بها جبريلُ في كلا الوجهين: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤]، و﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤]، أي: من مكان أخفض منها (^٣)، ويشهد له قوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المؤمنون ٥٠]. وأما قول ابن زيد (ت: ١٨٢): (لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها) (^٤)، فيُجاب عنه بالآية السابقة وأن مريم كانت على ربوة (^٥)، والمراد أسفل من مكانها، ومثله قوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٧٢]، وقوله حكايةً عن فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]. (^٦)\n\n<span data-type='title' id=toc-222>ومن مسائل هذا الاستدراك </span>اعتماد السلف على السياق في بيان المعنى، فقد ذكر السمرقندي (ت: ٣٧٥) أن حميدًا لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: ١١٠) قال: ألا ترى أنه قال ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم ٢٦]؟. (^٧)\n* * *\n_________\n(^١) فتح الباري ٦/ ٥٥٣.\n(^٢) كما ذكره الزجاج، وابن الأنباري. ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٢٥، وزاد المسير (ص: ٨٨٢)، والتفسير الكبير ٢١/ ١٧٥.\n(^٣) وهو اختيار ابن عباس ﵁، وعلقمة (ت: ٦٢)، وعمرو بن ميمون (ت: ٧٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، واستظهره القرطبي (ت: ٦٧١). ينظر: حجة القراءات (ص: ٤٤١)، وشرح الهداية ٢/ ٤١٠، والجامع لأحكام القرآن ١١/ ٦٤، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٢١٦.\n(^٤) جامع البيان ١٦/ ٨٩ (١٧٨٢١).\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير ٢١/ ١٧٥.\n(^٦) ينظر: الكشاف ٣/ ١٢.\n(^٧) بحر العلوم ٢/ ٣٢٢.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>[٥٩] ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا </span>وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧].\nقال علي بن زيد بن جدعان (^١): سألني علي بن الحسين (^٢): ما يقول الحسن (^٣) في قوله ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب ٣٧]؟ قلت: يقول: لمَّا جاء زيدٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أُريد أن أُطلِّقَ زينب. أعجبه ذلك، فقال: أمسك عليك زوجك. فقال علي بن الحسين: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه، قال: اتق الله، وأمسك عليك زوجك. فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه. (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-224> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن الأمر الذي أخفاه رسول الله ﷺ، والمُضمَر في الآية هو: طلاق زيد لزوجه. إذ لفظ الآية يحتمله، ويوافقه سبب النُّزول الوارد عن\n_________\n(^١) علي بن زيد بن عبد الله بن جُدعان التيمي البصري الضرير، أحد الحُفاظ، مات سنة (١٣١). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٨٥، والتقريب (ص: ٦٩٦).\n(^٢) هو زين العابدين، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (٥١) (ص: ٢٦٣).\n(^٣) هو البصري.\n(^٤) أخرجه البستي في تفسيره ٢/ ١٢٩ (٣٠٧)، وابن جرير في تفسيره ٢٢/ ١٨ (٢١٧٥٧)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٢٨١٨، والثعلبي في تفسيره ٨/ ٤٨، وعزاه السيوطي في الدر ٦/ ٥٤٢ للحكيم الترمذي، والبيهقي في الدلائل. من طريق ابن أبي عمر العدني، وخلاد بن أسلم، وعلي بن هاشم بن مرزوق، عن ابن عيينة، عن علي بن زيد.\nوإسناده حسن لغيره. وله شاهد عن الزهري، كما في الشفا، لعياض (ص: ٢٠١)، وآخر عن السدي عند ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير ٦/ ٢٨١٨، وفتح الباري ٨/ ٣٨٤، وصححه ابن حجر.","vol":"1","page":357},{"text":"أنس ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ منْزلَ زيد بن حارثة، فرأى رسول الله ﷺ امرأتَه زينب، وكأنه دخَلَه، فجاء زيدٌ يشكوها إليه، فقال له النبي: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧]. قال: فنَزلت ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب ٣٧]، إلى قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، يعني: زينب). (^١)\nوذهب زين العابدين (ت: ٩٣) إلى أن ما أخفاه رسول الله ﷺ في نفسه هو: ما أعلمه الله تعالى من أنه سيتزوج زينب. وهو قولٌ يحتمله لفظ الآية، ويشهد له موافقته لسبب النُّزول السابق، وعدم خروجه عنه، وكذا سياق الآية ولفظها، فإن الله تعالى بيَّنَ في الآية أنه سيُبدي ما أخفاه رسوله ﷺ، وما أبداه تعالى في الآيات هو: زواجه بِها، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، ولم يُبدِ تعالى شيئًا آخر من محبته لها، أو رغبته في نكاحها، ولو كان هو المُراد لأبداه تعالى. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-225> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب إلى قول الحسن (ت: ١١٠) في هذه الآية ابنُ عباس ﵁ (^٣)، وقتادة (ت: ١١٧)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في موضعين بغير هذا اللفظ، ٨/ ٣٨٣ (٤٧٨٧)، و١٣/ ٤١٥ (٧٤٢٠)، وليس فيها: (وكأنَّهُ دَخَلَه)، وأحمد ٣/ ١٤٩ (١٢٥٣٣)، واللفظ له، وفيه بعد قوله (وكأنَّهُ دَخَلَه): (لا أدري من قول حماد أو في الحديث). وحماد هو ابن زيد راوي الحديث. وهو بهذا يشير إلى غرابة اللفظة، وقد نَصَّ ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٨١٨ على غرابة هذه الرواية، والأقرب أن هذه اللفظة من تفسير الراوي؛ إذ ذكر ابن حجر في الفتح ٨/ ٣٨٣ طريق أحمد بسنده ولفظه ولم يذكرها. وينظر: فتح الباري ١٣/ ٤٢٢.\n(^٢) ينظر: الكشف والبيان ٨/ ٤٨، والتفسير الكبير ٢٥/ ١٨٤.\n(^٣) نسبه له الثعلبي، وابن الجوزي، كلاهما بلا إسناد، ولم أجده عنه مسندًا، ويَبعُد ثبوته عن ابن عباس، وما أكثرَ ما يُنسَب إليه ﵁!.","vol":"1","page":358},{"text":"(ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، والحداد (ت: ٨٠٠). (^١)\nوذهب إلى قول زين العابدين (ت: ٩٣)، الحسن (ت: ١١٠) في رواية، والزهري (ت: ١٢٤)، واختاره الحكيم الترمذي (^٢) (ت: ٣٢٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والقاضي عياض (ت: ٥٤٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن الزبير الغرناطي (^٣) (ت: ٧٠٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣)، وغيرهم (^٤). وهو أولى القولين بالصواب؛ لوجوه منها- بعد احتمال لفظ الآية له، وموافقته لسبب النُّزول-:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٤٨، وتفسير ابن سلاَّم ٢/ ٧٢١، وجامع البيان ٢٢/ ١٧، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٢٩، وبحر العلوم ٣/ ٥٢، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٤٠١، والوسيط ٣/ ٤٧٣، والكشاف ٣/ ٥٢٤، والمحرر الوجيز ٤/ ٣٨٦، وزاد المسير (ص: ١١٢٦)، والتفسير الكبير ٢٥/ ١٨٣، والتسهيل ٣/ ٢٥٥، وتفسير الحداد ٥/ ٣٥٤.\n(^٢) محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله الحكيم الترمذي، الحافظ المؤذن، صَنَّف نوادر الأصول، وختم الولاية، وعلل الشريعة، مات في حدود (٣٢٠). ينظر: حلية الأولياء ١٠/ ٢٣٣، ولسان الميزان ٥/ ٣٠٨.\n(^٣) أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، أبو جعفر الغرناطي، مقرئ لغوي مفسر، صنف: ملاك التأويل، والبرهان في ترتيب سور القرآن، مات سنة (٧٠٨). ينظر: تذكرة الحفاظ، للقيسراني ٤/ ١٤٨٤، وبغية الوعاة ١/ ٢٩١.\n(^٤) ينظر: نوادر الأصول ٢/ ١٨٦، والكشف والبيان ٨/ ٤٧، والنكت والعيون ٤/ ٤٠٦، وأمالي المرتضى ٢/ ٤٠٠، وتفسير السمعاني ٤/ ٢٨٧، ومعالم التَّنْزيل ٦/ ٣٥٥، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٥٨، والشفا (ص: ٢٠١)، وزاد المسير (ص: ١١٢٦)، والجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢٣، وملاك التأويل ٢/ ٩٥٠، وزاد المعاد ٤/ ٢٤٤، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٨١٨، وفتح الباري ٨/ ٣٨٤، وروح المعاني ٢٢/ ٢٧٧، والتحرير والتنوير ٢٢/ ٣٢، وأضواء البيان ٦/ ٣٨٠.","vol":"1","page":359},{"text":"أولًا: استقامة سياق الآية ولفظها به، وقد سبق بيانه.\nثانيًا: أن الله تعالى صَرَّحَ بأنه هو الذي زوجه إياها؛ لحكمة قطع تحريم أزواج الأدعياء، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]، وهذا صريح في أن سبب زواجه بِها ليس محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها، وإنما هو أمر الله لتحقيق تلك الحكمة، ويوضحه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لم تبق له بِها حاجَة، فطلَّقَها باختياره. (^١)\nثالثًا: دلالة ألفاظ الآية وما بعدها عليه، كقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لابدَّ لك أن تتزوجها. وقوله ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب ٣٨]، فنفيُ الحَرَج عن رسول الله ﷺ في هذه الحادثة صريحٌ، ولو كان على ما قِيلَ من وقوع زينب في قلبه ﷺ، ومحبته طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحَرَج عليه (^٢). وكذا قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨]، أي: جميع ذلك بأمر الله وتقديره واختياره لرسوله، ولا ذكر في كل ذلك لمحبة رسول الله ﷺ لها، ورغبته في طلاقها. (^٣)\nرابعًا: أنه الأليق بمقام رسول الله ﷺ، وفيه حفظٌ لعصمة النبوة، ومقام الرسالة. (^٤)\nوأما القول الأول فلم يرد فيه خبرٌ يصح الاعتماد عليه، وجميع ما فيه آثار مقطوعة واهية، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ذكر ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم هاهُنا آثارًا\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان ٦/ ٣٨٢.\n(^٢) ينظر: الشفا (ص: ٢٠١).\n(^٣) ينظر: ملاك التأويل ٢/ ٩٥١.\n(^٤) ينظر: تفسير السمعاني ٤/ ٢٨٦، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٥٨، والشفا (ص: ٢٠١)، ومعالم التنْزيل ٦/ ٣٥٦.","vol":"1","page":360},{"text":"عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا- لعدم صحتها- فلا نوردها) (^١).\nوأما قولهم: إن النبي ﷺ رأى زينب فوقعت في قلبه. فباطلٌ؛ (لأنه ﷺ لم يزل معها لمكان قرابته منها؛ فهي ابنة عَمَّته أُميمَة بنت عبد المطلب، ولم يكن حينئذٍ حجاب، وإنما نزلت آية الحجاب بسببها (^٢)، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ذلك ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج؟! وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن، حاشا لذلك القلب المُطَهَّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله تعالى له ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه ١٣١]، والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات، فكيف في المنكوحات والمحبوسات؟!) (^٣).\nثم قد ورد عن الحسن التفسير بالقول الثاني، فَرُبَّما رجع إليه بعد قوله الأول. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٨١٨، وما بين المعترضتين ليس في طبعة البَنَّا، واستدركته من طبعة دار الفكر. وينظر: فتح الباري ٨/ ٣٨٤، وروح المعاني ٢٢/ ٢٧٨، والتحرير والتنوير ٢٢/ ٣٥. وفي نقد هذه الروايات بتوسع ينظر: مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش (ص: ١٤ - ١٩).\n(^٢) ينظر: الإصابة ٨/ ٣٣، ١٥٣.\n(^٣) أحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٤٥٩، بتصرف، وينظر: ملاك التأويل ٢/ ٩٥٠.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>[٦٠] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢].</span>\nعن عبد الله بن الحارث بن نوفل (^١) قال: تلا كعب الأحبار هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، إلى قوله ﴿لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥]، فقال: دخلوها ورب الكعبة- وفي لفظ: كُلُّهُم في الجنة-، ألا ترى على أثره ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦]؟. فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: أبَتْ والله ذلك عليهم الواقعة. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-227> تحليل الاستدراك:</span>\nفَسَّرَ كعبٌ (ت: ٣٢) قولَه تعالى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، بأنهم: أُمَّةُ محمد ﷺ، وأنهم المقصودون بالأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه، والمُقتَصد، والسابق بالخيرات. وقد سألَهُ ابن عباس ﵁ عن هذه الآية فقال: (تَماسَّت مناكِبُهم وربِّ الكعبة، ثُمَّ أُعطُوا الفضلَ بأعمالهم) (^٣). وهذا القول مُعتَمِدٌ على ظاهر الآية وسياقها، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية القرآنَ الكريم، وأنه مُصَدِّقٌ لِمَا بين يديه من الكتب فقال ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، ثمَّ عَقَّبَ بِثُمَّ المفيدة\n_________\n(^١) عبد الله بن الحارث بن نوفل المطلبي الهاشمي، أبو محمد المدني، له رُؤيَة، أجمعوا على ثقته، مات سنة (٧٩). ينظر: الكاشف ٢/ ٧٨، والتقريب (ص: ٤٩٨).\n(^٢) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٢٤٦) (٧٨٧)، وابن المبارك في الزهد (ص: ٥٤٨) (١٥٧١)، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٧١ (٢٤٤٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٢/ ١٦٠ (٢٢١٧٥ - ٢٢١٨٣)، من عِدَّة طُرُق مُختَصرًا، والبيهقي في البعث والنشور (ص: ٨٥) (٦٤ - ٦٥، ٦٩ - ٧٠)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٢٤، ٢٦ لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق عوف الأعرابي، عن عبد الله بن الحارث.\nوإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٢/ ١٦١ (٢٢١٧٦)، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":362},{"text":"للترتيب فقال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، أي: هذه الأمَّة، ثُمَّ فَصَّلَ حال هذه الأمَّة في قِسمَةٍ مُفتتَحَةٍ بالفاء المفيدة تَرَتُّب ما بعدها على ما قبلها فقال ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، ثُمَّ ذكرَ مَآلَهُم مُفَصَّلًا فقال ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٢ - ٣٥]، فلَمَّا استوفى أقسام هذه الأمة أعقَبَ ذلك بذكر الخارجين عنهم؛ وهم الذين كفروا؛ لِتَعُمَّ الآياتُ أقسامَ الخلقِ كُلّهم، فقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر ٣٦].\nوذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن هذه الأقسام في الآية عامَّة للخلق كُلِّهم، فيكون الظالم لنفسه الكافرُ والمنافقُ، كالأقسام المذكورة في سورة الواقعة في قوله تعالى ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة ٥ - ١٠]، وهذا بيانٌ للقرآن بالقرآن، ثم لا يستقيم أن يكون الظالم لنفسه من المُصطَفين الوارثين للكتاب.\n\n*<span data-type='title' id=toc-228> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب ابن عباس ﵁ (^١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، إلى نحو قول الحسن (ت: ١١٠) في هذه الآية، وعن ابن عباس، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) أن هذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة\n_________\n(^١) في رواية عكرمة، وعمرو بن دينار، وجابر الجعفي، والعوفيين. ينظر: تفسير الثوري (ص: ٢٤٦)، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ٧٠، وتفسير البستي ٢/ ١٦٧.","vol":"1","page":363},{"text":"الواقعة وآخرها. (^١)\nوذهب عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري عقبة بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وعائشة، والبراء بن عازب، وابن عباس ﵃ (^٢)، وكعب الأحبار (ت: ٣٢)، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨)، ومحمد بن الحنفية (^٣) (ت: ٨٠)، والنخعي (ت: ٩٦)، وأبو قلابة (^٤) (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، وعمرو بن دينار (ت: ١٢٦)، والسدي (ت: ١٢٨)، وأبو إسحاق السَّبيعي (^٥) (ت: ١٢٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (^٦)، إلى أن الاصطفاء في هذه الآية لهذه الأمة (^٧)، وأن أقسام الآية الثلاثة أخص من أقسام سورة الواقعة؛ إذ إن هذه الأقسام جميعًا في هذه\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مجاهد ٢/ ٥٣٢، وتفسير ابن سلاَّم ٢/ ٧٩٠، ومعاني القرآن، للفراء ٢/ ٣٦٩، وتفسير البستي ٢/ ١٦٧، وجامع البيان ٢٢/ ١٦١، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٩١٦. وهو اختيار الزمخشري، والجُبَّائي، ومنذر بن سعيد في تفسيره، والرُّمَّاني، كما في طريق الهجرتين (ص: ٢٩٤)، وينظر: الكشاف ٣/ ٥٩٤، وروح المعاني ٢٢/ ٥٠٣.\nوفي قولهم هذا شائبةُ اعتزال مُلَخَّصُها: أنه لا مغفرة للذنب يوم القيامة إلا بتوبة. وهذا على أصول المعتزلة في استحقاق الفاسق للوعيد يوم القيامة؛ فلا يدخل في المغفرة ما لم يتب. ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص: ٤٣٩ - ٤٤٩).\n(^٢) في رواية عطاء، وابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان ٢٢/ ١٦٠، وزاد المسير (ص: ١١٦٢).\n(^٣) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية، ثقة عالم، من أعلام التابعين، مات سنة (٨٠) على الأشهر. ينظر: الكاشف ٣/ ٨٠، والتقريب (ص: ٨٨٠).\n(^٤) عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرميِّ، أبو قلابة البصري، من أئمة التابعين، ثقة فاضل، مات سنة (١٠٤) وقيل غيرها. ينظر: الكاشف ٢/ ٨٨، والتقريب (ص: ٥٠٨).\n(^٥) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، أبو إسحاق السَّبِيعي، ثقة مُكثِرٌ عابد، أحد الأعلام، مات سنة (١٢٩). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٣٤، والتقريب (ص: ٧٣٩).\n(^٦) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٧٧، وتفسير ابن وهب ٢/ ٥، وتفسير ابن سلاَّم ٢/ ٧٨٩، وتفسير البستي ٢/ ١٦٧، وجامع البيان ٢٢/ ١٦٠، والنكت والعيون ٤/ ٤٧٣، والجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢١، والدر ٧/ ٢٤.\n(^٧) ينظر في ذكر وجوه الاصطفاء: روح المعاني ٢٢/ ٥٠٢.","vol":"1","page":364},{"text":"الأمة. وهذا القول هو الصواب في معنى الآية، لوجوهٍ كثيرة:\nأولها: دلالة ظاهر الآية وسياقها، وقد سبق ذكرهما. (^١)\nثانيها: أنه مُقتضى قوله تعالى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣]، فقد أعاد ضمير الجمع على ما سبق ليشمل الأصناف الثلاثة لا بعضها (^٢)، قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (والواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] شاملةٌ للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حُقَّ لهذه الواو أن تُكتَبَ بماء العينين) (^٣)؛ فلذلك كانت هذه الآية من أرجى آيات القرآن (^٤). والأصل أنه إذا ذكرت الصفة بعد مفردات أو جُمَل متعاطفة عادت إلى جميعها إلا بقرينة. (^٥)\nثالثها: دلالة معنى التوريث الوارد في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]، فهو (عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم) (^٦)، وقد تضمن القرآن معاني الكتب السابقة، فكأنه تعالى وَرَّث هذه الأمة كتب السابقين؛ لاحتواء كتابهم على معانيها. (^٧)\nرابعها: وورود هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من وجوه كثيرة، وهي وإن لم يخلُ أكثرها من ضعف؛ إلا أن مجموعَها يُثبتُ أصلًا لهذا المعنى (^٨)، ومنها حديث\n_________\n(^١) وينظر: نكت القرآن ٣/ ٧٠٧، وطريق الهجرتين (ص: ٣٠٦).\n(^٢) ينظر: بحر العلوم ٣/ ٨٧.\n(^٣) أضواء البيان ٦/ ١١١.\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) ينظر: الإحكام، للآمدي ١/ ٣٨٣، والبحر المحيط في الأصول ٢/ ٤٧٨، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٣٤٨.\n(^٦) التسهيل ٣/ ٢٩٠، وينظر: جامع البيان ٢٢/ ١٦٤، ومنهاج السنة النبوية ٤/ ٢٢٢.\n(^٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢٢.\n(^٨) ذكر الحاكم، والبيهقي، وابن القيم، وابن كثير أن مجموع طرق هذا الحديث يثبت أن له أصلًا يتقوى به المعنى. ينظر: المستدرك ٢/ ٤٦٢، وطريق الهجرتين (ص: ٣١٠)، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٩١٦، والدر ٧/ ٢٣.","vol":"1","page":365},{"text":"أبي الدرداء ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ ذَكَرَ هذه الآية وقال: (فأمَّا السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيصيب في ذلك المكان من الغَمِّ والحزن، ثم يتجاوز الله عنه، فذلك قول الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]) (^١).\nخامسها: أنه تفسير تسعة من الصحابة، وحسبُكَ به.\nسادسها: أنه قول عامَّة أهل العلم (^٢)، واختيار جمهور المفسرين. (^٣)\nوأمَّا القول الأول فقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا قولٌ مردودٌ من غيرما وجه) (^٤)، ومن هذه الوجوه:\nالأول: أنه لا علاقة بين الأقسام الثلاثة في هذه الآية وفي سورة الواقعة، فإن هذه\n_________\n(^١) أخرجه ابن سلاَّم في تفسيره ٢/ ٧٨٦، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ٧١ (٢٤٤٦، ٢٤٤٩)، وأحمد في المسند ٥/ ١٩٤، ١٩٨ (٢١٧٤٤، ٢١٧٧٥)، والبستي في تفسيره ٢/ ١٦٩ (٤١٦)، وابن جرير في تفسيره ٢٢/ ١٦٤ (٢٢١٨٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٦٢ (٣٥٩٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٢٢ للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. وإسناده صحيح، وينظر: مجمع الزوائد ٧/ ٩٥.\n(^٢) ينظر: معالم التنْزيل ٦/ ٤٢٣، والبحر المحيط ٧/ ٢٩٩.\n(^٣) كما في تفسير ابن سلاَّم ٢/ ٧٩١، والتسهيل ٣/ ٢٩١. وينظر: تفسير ابن سلاَّم ٢/ ٧٩١، وجامع البيان ٢٢/ ١٦٣، ومعاني القرآن، للنحاس ٥/ ٤٥٦، ونكت القرآن ٣/ ٧٠٥، وبحر العلوم ٣/ ٨٧، وتفسير القرآن العزيز ٤/ ٣١، والوسيط ٣/ ٥٠٥، وتفسير السمعاني ٤/ ٣٥٨، ومعالم التنْزيل ٦/ ٤٢٣، والمحرر الوجيز ٤/ ٤٣٨، والجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢١، وأنوار التنْزيل ٢/ ٨٦٢، والتسهيل ٣/ ٢٢٩٠، ومجموع الفتاوى ٧/ ٤٨٥، و١٠/ ٦، و١١/ ١٨٢، وطريق الهجرتين (ص: ٣١٣)، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٩١٦، والموافقات ٢/ ٤٣١، وتفسير الحداد ٥/ ٤١٩، ومجالس في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٤] (ص: ٤٤٤)، وفتح القدير ٤/ ٤٦٠، وروح المعاني ٢٢/ ٥٠٢، ٥٠٤، والتحرير والتنوير ٢٢/ ٣١١، وأضواء البيان ٦/ ١١١.\n(^٤) المحرر الوجيز ٤/ ٤٣٩، وقد استوعب ابن القيم (ت: ٧٥١) هذه الوجوه مفصلةً في كتابه طريق الهجرتين (ص: ٢٩١).","vol":"1","page":366},{"text":"الأقسام الثلاثة سيقت في مقام الامتنان بإنزال القرآن على رسول الله ﷺ، واصطفاء هذه الأمة واختصاصها به. أمَّا أقسام سورة الواقعة فإنها من أوّل السورة إلى آخرها في بيان أقسام الخلق يوم القيامة. وتشابه الآيات في بعض الأقسام وفي عددها لا يلزم منه تطابقهما في المعنى.\nالثاني: أن المُراد بالظالم لنفسه في الآية: من ظلمها بالذنوب والعاصي. ومن ثَمَّ فلا إشكال في دخوله فيمن اصطفاهم الله تعالى، إذ المُراد: اصطفاء الله لدينهم (^١)، واصطفائهم بالتوحيد (^٢). ثم الظلم على درجات، فمنه الظلم الأصغر، وهو: ظلم النفس بالمعاصي، ومنه الأكبر، وهو: الشرك، كما في قوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة ٥٤]، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] (^٣)، والمسلم العاصي لا يخرج عن مجموع الأمة، وهو يوم القيامة داخلٌ الجنة بفضل الله وتجاوزه ابتداءً، أو بعدل الله وتطهيره له من ذنوبه في النار، ثم مصيره الجنة. قال ابن القيم (ت: ٧٦١): (كون العبد مصطفىً لله، ووليًّا لله، ومحبوبًا لله، ونحو ذلك من الأسماء الدالَّة على شرف منْزلة العبد، وتقريب الله له، لا يُنافي ظلم العبد نفسه أحيانًا بالذنوب والمعاصي)، ثم استشهد بأدلة وافرة على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٣ - ٣٥]، وقوله تعالى عن آدم ﵇ ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، وقال عن يونس ﵇ ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، ثم قال: (وإذا كان ظلم النفس\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٢١.\n(^٢) ينظر: الانتصاف ٣/ ٥٩٥.\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ٢٦/ ٢٢، وطريق الهجرتين (ص: ٢٩١).","vol":"1","page":367},{"text":"لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يُخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليًا لله صديقًا متقيًا، وهو مسيء ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده، وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفىً من جهة كونه من ورثةِ الكتاب علمًا وعملًا، ظالمٌ لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أُمرَ به، وتعديه بعض ما نُهي عنه، كما يكون الرجل وليًا لله محبوبًا له من جهة، ومبغوضًا له من جهة أخرى ..، ونكتةُ المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية، وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك، كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان، كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفىً من وجه، ظالمًا لنفسه من وجه آخر) (^١). ودخول الظالم لنفسه في اصطفاء الله لهذه الأمة في هذه الآية، هو كدخوله في الذكر والشرف لهذه الأمة، الوارد في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. (^٢)\nوقد أكثر المفسرون من ذكر معاني أخرى غير هذين المعنيين (^٣)، وكُلُّها من باب التمثيل لِلَّفظ بذكر بعض أفراده. (^٤)\n* * *\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص: ٣٠٧)، وينظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ٦.\n(^٢) ينظر: زاد المسير (ص: ١١٦٢).\n(^٣) أوصلها بعضهم إلى ثلاثةٍ وأربعين قولًا. ينظر: تفسير التستري (ص: ١٢٩)، والكشف والبيان ٨/ ١٠٩، والبحر المحيط ٧/ ٢٩٩.\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٧.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>[٦١] ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣].</span>\nقال عمران القطان (^١): سمعت الحسن يقول في قوله ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣]، قال: والله ما كان إلا صلاةً أحدَثَها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثِر الصلاةَ في الرَّخاء. (^٢)\n\n*<span data-type='title' id=toc-230> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن تسبيح يونس ﵇ الذي أنجاه الله به هو ما كان منه في بطن الحوت، وهو الوارد في قوله تعالى ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، وهو الدعاء الذي نجاه الله به، إذ أعقبه الله تعالى بقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء ٨٨]. وهذا تفسير للقرآن بالقرآن.\nوأنكر ذلك قتادة (ت: ١١٧)، وذهب إلى أن تسبيح يونس ﵇ الذي نجاه الله به هو ما كان منه حال الرخاء من تسبيح وعبادة. وهذا المعنى مأخوذٌ من لفظ الآية، فقوله تعالى ﴿كَانَ﴾ [الصافات ١٤٣]، يفيد أنه في الماضي قبل حصوله في بطن الحوت، كما أن التعبير بلفظ ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣] دون غيره يفيد التكثير والدوام في كل حال، وهذا الشأنُ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ورد في السنة ما يشهد لهذا المعنى،\n_________\n(^١) عمران بن دَاوَر العَمِّي، أبو العوام القطان البصري، صدوق يَهِم، رُمِيَ برأي الخوارج، وصحب الحسن، وقتادة، ولازمه أشد الملازمة. ينظر: الكاشف ٢/ ٣٤٩، والتقريب (ص: ٧٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٣/ ١٢٠ (٢٢٧١٧)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ١١٠ لأحمد، وابن أبي حاتم، ولم أجده عندهما. من طريق بندار محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":369},{"text":"وذلك في قوله ﷺ: (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (^١)، قال قتادة (ت: ١١٧): (إن في الحكمة: العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر، فإذا صُرِعَ وَجَدَ مُتَّكئًا) (^٢)، ورُويَ عن النبي ﷺ: (أن الملائكة سمعت دعاء يونس ﵇ في بطن الحوت، فقالوا: يا ربّ صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ، من بلادٍ غريبة. قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يَزَل يُرفَعُ له عملٌ صالحٌ، ودعوةٌ مستجابةٌ؟ قال: نعم. قالوا: يا ربنا أوَلا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء، فتنجيه من البلاء. قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-231> الحكم على الاستدراك:</span>\nاتفق الحسن (ت: ١١٠) وقتادة (ت: ١١٧) على أن التسبيح في هذه الآية: الصلاة. وهي حقيقةٌ شرعية للفظ التسبيح، وإن كان في اللغة أشمل من ذلك (^٤)، قال الراغب (ت: بعد ٤٥٠): (وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات قولًا كان، أو فعلًا، أو نيَّة) (^٥)، وقد وافق الحسنَ (ت: ١١٠) في تفسيره هذا سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، وابن جريج\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٠٧ (٢٨٠٤)، والترمذي ٤/ ٦٦٧ (٢٥١٦)، وأبو يعلى ٤/ ٤٣٠ (٢٥٥٦)، بألفاظ متقاربة، وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، وابن مندة، وابن رجب. ينظر: نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس، ضمن مجموع رسائل ابن رجب ٣/ ٩١، وجامع العلوم والحكم ١/ ٤٥٩.\n(^٢) أخرجه ابن سلاَّم في تفسيره ٢/ ٨٤٤، وعبد الرزاق في تفسيره ٣/ ١٠٤ (٢٥٥٥)، وابن جرير في تفسيره ٢٣/ ١١٩ (٢٢٧١٠)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/ ١٠٤ (٢٥٥٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٣/ ١١٩ (٢٢٧١١)، والبزار في مسنده، وابن أبي حاتم في تفسيره، كما في البداية والنهاية ١/ ٢١١، بأسانيد لا تخلوا من ضعف، وذكر ابن كثير أن أسانيدها يُقَوِّي بعضها بعضًا. وله شاهد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البستي في تفسيره ٢/ ٢١٥، وإسناده حسن. وينظر: البداية والنهاية ١/ ٢١٠، ومجمع الزوائد ٧/ ٩٨.\n(^٤) ذكر ابن عبد البر (ت: ٤٦٣) أن التسبيح في الاسم الشرعي خاصٌّ بالنافلة، والحقيقة الشرعية مُقَدَّمةٌ على اللغوية، وقاضيةٌ عليها. ينظر: التمهيد ٤/ ٣٠٠، و٥/ ١٦، والاستذكار ٢/ ١٨١، ٢٦٥.\n(^٥) المفردات (ص: ٣٩٢).","vol":"1","page":370},{"text":"(ت: ١٥٠)، واختاره ابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، واستظهره أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^١).\nوذهب سلمانُ الفارسي، وابنُ عباس، والضحاك بن قيس ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥) في رواية (^٢)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠) في رواية (^٣)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعطاء بن السائب (ت: ١٣٦)، والقاسم بن الوليد (^٤) (ت: ١٤١)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن عيينة (ت: ١٩٨)، إلى ما ذهب إليه قتادة (ت: ١١٧) في هذه الآية (^٥). وهو أرجح المعنيين؛ لدلالة ظاهر الآية، ومقتضى اللفظ، ولشهادة السنة لمعناه، وعليه جمهور المفسرين (^٦)، ويؤيده وروده عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والحسن (ت: ١١٠). ولعلهما أرادا بمجموع القولين- إن ثبت عنهما- الجمع بينهما على ما سيأتي، أو تَبَدَّل اجتهادُهما في تفسير الآية.\nوقد جمع الآلوسي (ت: ١٢٧٠) (^٧)، والسعدي (ت: ١٣٧٦) (^٨) بين القولين، بأنه:\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢٣/ ١٢٠، والمحرر الوجيز ٤/ ٤٨٦، والتسهيل ٣/ ٣٢٥، والبحر المحيط ٧/ ٣٥٩.\n(^٢) ينظر: الدر المنثور ٧/ ١١٠.\n(^٣) كما في: الكشف والبيان ٨/ ١٧٠، والدر المنثور ٧/ ١١٠.\n(^٤) القاسم بن الوليد الهَمْداني، أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، ثقة، توفي سنة (١٤١). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٩٤، والتقريب (ص: ٧٩٦).\n(^٥) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ١٠٨، وتفسير البستي ٢/ ٢١٨، وجامع البيان ٢٣/ ١١٩، وبحر العلوم ٣/ ١٢٤، ومعالم التنْزيل ٧/ ٦٠، والبداية والنهاية ١/ ٢١٠.\n(^٦) ينظر: زاد المسير (ص: ١١٩٧)، وجامع البيان ٢٣/ ١١٩، ومعاني القرآن، للنحاس ٦/ ٥٨، ونكت القرآن ٣/ ٧٣٩، وبحر العلوم ٣/ ١٢٤، والكشف والبيان ٨/ ١٧٠، والوسيط ٣/ ٥٣٣، وتفسير السمعاني ٤/ ٤١٥، ومعالم التنْزيل ٧/ ٦٠، والكشاف ٤/ ٥٩، وأنوار التنْزيل ٢/ ٨٩٠، وتفسير ابن كثير ٧/ ٢٩٩٣، وتفسير الحداد ٦/ ٥٣، والإكليل ٣/ ١١٣٦.\n(^٧) ينظر: روح المعاني ٢٣/ ١٩١.\n(^٨) ينظر: تيسير الكريم الرحمن ٢/ ٤٩٠.","vol":"1","page":371},{"text":"كان من المسبحين في حال الرخاء، وكذلك في بطن الحوت، ولمجموع ذلك فَرَّجَ الله عنه. وهذا الجمع مَرَدُّه إلى القول الثاني، فلا يكون قولًا ثالثًا؛ لأن من لازم تسبيح يونس ﵇ وعبادته حال الرخاء، أن تدوم تلك العبادة وذلك التسبيح حال الشدة، فهذا المعنى من تمام القول الثاني، وليس بخارج عنه، وإنما الذي يُقابله أن يكون ذلك التسبيح مُحدَثًا في بطن الحوت، كما في القول الأول.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-232>[٦٢] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِ</span>طَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ١٩ - ٢١].\nقال يعقوب بن عبد الرحمن (^١): (سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق ١٩]، إلى قوله ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ٢١]، فقلت له: من يُرَاد بهذا؟ فقال: رسول الله ﷺ. فقلت له: رسول الله؟! فقال: ما تنكر؟ قال الله ﷿ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦ - ٧]. قال: ثم سألت صالح بن كيسان (^٢) عنها، فقال لي: هل سألت أحدًا؟ فقلت: نعم، قد سألت عنها زيد بن أسلم. فقال: ما قال لك؟ فقلت: بل تخبرني ما تقول. فقال: لأخبرنك برأيي الذي عليه رأيي، فأخبرني ما قال لك. قلت: قال: يُراد بها رسول الله ﷺ. فقال: وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عالية، ولا لسانٌ فصيح، ولا معرفةٌ بكلام العرب، إنما يُراد بهذا الكافر. ثم قال: اقرأ ما\n_________\n(^١) يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ابن عَبْدٍ القارِّيّ الزهري المدني، من الثقات، مات سنة (١٨١). ينظر: الكاشف ٣/ ٢٩٢، والتقريب (ص: ١٠٨٨).\n(^٢) صالح بن كيسان المدني، أبو محمد، مُؤَدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، مات بعد (١٤٠). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٣، والتقريب (ص: ٤٤٧).","vol":"1","page":372},{"text":"بعدها يدلك على ذلك. قال: ثم سألت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس (^١)، فقال لي مثل ما قال صالح: هل سألت أحدًا؟ فأخبرني به. قلت: إني قد سألت زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان. فقال لي: ما قالا لك؟ قلت: بل تخبرني بقولك. قال: لأخبرنك بقولي. فأخبرته بالذي قالا لي. قال: فإنِّي أُخَالفهما جميعًا، يريد بها البر والفاجر، قال الله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، قال: فانكشف الغطاء عن البر والفاجر، فرأى كلٌّ ما يصير إليه) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-233> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب زيدُ بن أسلم (ت: ١٣٦) إلى أن المعنيَّ بِهذه الآيات: رسولَ الله ﷺ. واعتمد في ذلك التعيين على خطاب الواحد المذكور قبل في قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]، وكذا الوارد في قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]. وقد بَيَّن زيد (ت: ١٣٦) لسائله- لَمَّا رآه مُنكِرًا قولَه- أن لا غضاضة في كلِّ ذلك على رسول الله ﷺ، وأن ذلك مثل قول الله ﷿ له ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦ - ٧]. فالآية الأولى في بيان حالٍ تحيدُ عنها كل نفس لشِدَّتِها (^٣)، وقد كان ﷺ يُكَرِّرُ عند موته: (لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرات، اللهم هَوِّن عليَّ سكراتِ الموت) (^٤)، وقال لابنته فاطمة ﵂\n_________\n(^١) الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، تابعيٌّ مدنيّ، مات سنة (١٤١). ينظر: الكاشف ١/ ٢٣١، وتهذيب التهذيب ١/ ٤٢٤.\n(^٢) أخرجه ابن وهب في تفسيره ٢/ ١٢٦ (٢٥٠)، وابن جرير في تفسيره ٢٦/ ٢٠٩ (٢٤٧٠٠). من طريق ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن.\nوإسناده صحيح.\n(^٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٧٥٠ (٤٤٤٩)، والترمذي في جامعه ٣/ ٣٠٨ (٩٧٨).","vol":"1","page":373},{"text":"في حاله تلك: (لا كربَ على أبيك بعد اليوم) (^١). والآية الثانية شبهها واضحٌ بآيةِ الضحى، والمعنى فيها: (لقد كُنْتَ في غفلةٍ من معرفة هذا القصص والغيب، حتى أرسلناك، وأنعمنا عليك وعلمناك) (^٢)، فكلا الآيتين لديه خطاب للرسول ﷺ في الدنيا.\nوذهب ابنُ كيسان (ت: بعد ١٤٠) إلى أن المعنِيَّ بِها: الكافرُ إذا عاينَ الحقائق يوم القيامة. واعتمد لذلك سياق الآية بقوله: (اقرأ ما بعدها يدُلُّكَ على ذلك)، ومراده قوله تعالى ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق ٢٣ - ٢٥].\nوخالفهما الحسينُ (ت: ١٤١) وذهب إلى أن المَعنِيَّ بهذه الآيات: كُلُّ بَرٍّ وفاجرٍ. واعتمد في ذلك العمومَ الواضحَ من سياق الآية، فقبلها قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وما بعدها وصفٌ لأحوال هذا الإنسان من حين سكرة الموت، وحتى مصيره إلى الجنة أو النار.\n\n*<span data-type='title' id=toc-234> الحكم على الاستدراك:</span>\nاجتمع في هذا الاستدراك ثلاثةُ أقوال، أولها: قول زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) أن المُراد: رسول الله ﷺ. وتبعه عليه ابنه عبد الرحمن (ت: ١٨٢) (^٣)، وهو أضعفُ هذه الأقوال، وقد وصفه الرازي (ت: ٦٠٤) بالنَّكارة (^٤)، وضَعَّفَه ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ جُزَي (ت: ٧٤١) (^٥)، وبالغ أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) فقال: (وعن زيد بن أسلم قول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٧٥٥ (٤٤٦٢).\n(^٢) المحرر الوجيز ٥/ ١٦٢، وينظر: إعراب القرآن، للنحاس ٤/ ١٥٠، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٩١.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ٢١٠، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٩١.\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير ٢٨/ ١٤١.\n(^٥) ينظر: المحرر الوجيز ٥/ ١٦٢، والتسهيل ٤/ ١٢٠.","vol":"1","page":374},{"text":"في هذه الآية يَحرُم نقله، وهو في كتاب ابن عطية) (^١)، ومُجمَلُ وجوه ضعفه: أنه مُخالفٌ للفظ الآية وسياقها، فالضمير في قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [ق ٢٢] إنما يعود إلى أقرب مذكور، وهي النفس في قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ٢١]، وإعادته إلى القرآن أو الوحي إخراجٌ له عن نظم الآية بلا دليل، وكذلك الضمير بعد هذا في قوله ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق ٢٣] إنما يعود على أقرب مذكور وهو الذي يُقال له ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، ولا يصح به المعنى على هذا القول، وإن جعلناه عائدًا على النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض في خطاب محمد ﷺ غير متمكنٍ، ومُخالف لنظم الآية.\nوالثاني: قول ابن كيسان (ت: بعد ١٤٠) أن المراد: الكافر. وسبقه ابن عباس ﵁، من رواية ابن أبي طلحة، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، واختاره مقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١)، والحداد (ت: ٨٠٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^٢)، وهو وإن كان أقرب من سابقه، ويُمكِنُ تخصيص السياق به على تكلُّف، إلا أن العموم الوارد في قوله تعالى في أول سياق الآيات ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وقوله ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق ٢١] أولى منه، وأحرى أن تُحمَلَ الآيةُ عليه؛ إذ الكلام فيما بين ذلك وبعده مرتبطٌ به ارتباطًا ظاهرًا (^٣)، ثُمَّ هي أحوالٌ تمرُّ على كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، ولا موجب للتخصيص فيها، وقد صَحَّ عن أبي بكر ﵁ ما يشهد لهذا القول، فإنه لَمَّا دخلت عليه عائشة ﵂ في ساعة موته قالت: (هذا كما قال الشاعر (^٤):\n_________\n(^١) البحر المحيط ٨/ ١٢٥.\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٢٧٠، وجامع البيان ٢٦/ ٢١٠، وزاد المسير (ص: ١٣٤١)، وتفسير الحداد ٦/ ٣١٤، والتحرير والتنوير ٢٦/ ٣٠٧.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ٢٠٩، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٩١.\n(^٤) حاتم الطائي، ينظر: الشعر والشعراء (ص: ١٣٤)، والأغاني ١٧/ ٢٧٤. وصدره:\nأَمَاوِيُّ ما يُغنِي الثَّراءُ عن الفتى","vol":"1","page":375},{"text":"إذا حَشْرَجَت يومًا وضَاقَ بها الصَّدَرُ.\nفقال أبو بكر ﵁: لا تقولي ذلك، ولكن قولي كما قال الله ﷿ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]) (^١). وهو القول الثالث الذي ذهب إليه الحسين بن عبد الله (ت: ١٤١)، وقبله ابن عباس ﵁، من طريق العوفيين، وقتادة (ت: ١١٧) (^٢)، وعليه جمهور المفسرين. (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-235>وفي هذا الاستدراك مسائل:</span>\nأولها: أن تفسير القرآن بالقرآن اجتهادٌ من المفسر، فلا يجب المصير إليه ما لم يكن نَصًّا صريحًا، أو إجماعًا ثابتًا، أما ما عَدَاه فلا يكفي فيه تشابه اللفظ، وتقارب المعنى؛ لأن لسبب النُّزول، وسياق الكلام وانتظامه أثرٌ قَوِيٌّ في تحديد المعنى، وبيان المُراد. وتفسير زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) هنا وإن كان من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، إلا أنه أخرج الآية من سياقها، وخالَفَ انتظامها، فلم يُعتَبَر.\nثانيها: في قول ابن كيسان (ت: بعد ١٤٠) لسائله- تمهيدًا لرده قولَ زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) -: (وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عاليةٌ، ولا لسانٌ فصيحٌ، ولا معرفةٌ بكلامِ العرب)، بيانٌ لأمورٍ ثلاثةٍ هي عنده أسباب خطأِ زيد (ت: ١٣٦) في تفسيره هذا،\n_________\n(^١) أخرجه البستي في تفسيره ٢/ ٤٠٥ (١٠٢٦)، وابن جرير في تفسيره ٢٦/ ٢٠٦ (٢٦٤٨٩)، وأبو بكر الأنباري، كما في الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١٠، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ١٨٤) (١٠٢)، وعبد الرزاق في مصنفه ٣/ ٥٦٣ (٦٦٩٩)، والبستي في تفسيره ٢/ ٤٠٥ (١٠٢٧ - ١٠٢٨)، من طرق عِدَّة وبألفاظ متغايرة.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ٢١٠.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ٢٠٩، وإعراب القرآن، للنحاس ٤/ ١٥١، والنكت والعيون ٥/ ٣٤٩، والمحرر الوجيز ١٦٢، وزاد المسير (ص: ١٣٤١)، والتفسير الكبير ٢٨/ ١٤١، والجامع لأحكام القرآن ١٧/ ١١، وأنوار التنْزيل ٢/ ١٠٠٦، وتفسير سورة ق والقيامة وغيرها، للطوفي (ص: ٤٢)، والتسهيل ٤/ ١٢٠، والبحر المحيط ٨/ ١٢٤، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٨٩، ٣٢٩١، وروح المعاني ٢٦/ ٤٦٤، وفتح القدير ٥/ ١٠٠.","vol":"1","page":376},{"text":"ويُقابلها أمورٌ ثلاثةٌ هي وجوه الترجيح، وبعضها شروطٌ في المفسر، وهي:\nأولًا: عُلُوّ السِنّ، وليس مُراده أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّه بعبارته هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق، ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص هنا الصحابة، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده.\nثانيًا: فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني.\nثالثًا: معرفةُ كلام العرب؛ ألفاظها، وأساليبها، وهذا شرطٌ لازمٌ للمُفَسِّر، فإن القرآن مُنَزَّلٌ بلسان عربيٍّ مُبين، فلا تُعرَفُ معانيه إلا بمعرفة اللسان الذي نزل به، وهو لسان العرب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-236>[٦٣] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧].</span>\nقال مجاهد: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ١/ ٤١٨ (٨١٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١١٣ (٥٤٩)، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ١٥٦ لوكيع، وعبد بن حميد، من طريق أبي حذيفة النهدي، عن شبل بن عَبَّاد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوإسناده صحيح. وقال ابن كثير: (وهذا سند جيد عن مجاهد). تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٨٦. وله متابعات أخرجها الثوري، كما في تفسير ابن كثير ١/ ٢٦٩، وابن جرير في تفسيره ٢/ ٤٤٧ (٣٢٠٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٧٢ (١٩٦١).","vol":"1","page":377},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-237> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى مجاهد (ت: ١٠٤) أن يكون المُراد بالغمام في الآية: السحاب، ومن فَسَّرَه بالسحاب اعتمد على اللغة، فالسحاب أشهر معاني الغمام وأظهرها، والمُتبادر منها.\nوذهب إلى أن المُراد به الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الوارد في قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]، فحمل الغمام في الآية الأولى على معناه في الآية الثانية، وهو عنده أبيض رقيق غير سحاب المطر، بل أطيب منه وأرق وأصفى (^١). وكان ذلك من تمام نعمة الله عليهم، ولم يكن إلا لهم.\n\n*<span data-type='title' id=toc-238> الحكم على الاستدراك:</span>\nالغَمُّ في أصل اللغة: الستر والإطباق (^٢)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (الغمام جمع غمامة، كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو: ما غَمَّ السماء فألبسها، من سحاب وقتام وغير ذلك ممَّا يسترها عن أعيُنِ الناظرين، وكُلُّ مُغَطَّى فإن العرب تُسَميه مغمومًا) (^٣). وأشهر معاني الغمام وأظهرها: السحاب (^٤)، قال صاحب كتاب \"العين\": (الغَمامُ: السحاب، والقطعةُ: غَمَامَة) (^٥).\nوحيثُ كان الغمام بمعنى السحاب هو المُتبادر، فهو الأرجح من معناه في هذه الآية، وبه فسرها ابنُ عمر، وابن عباس ﵃، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، وأبو مجلز (ت: ١٠٦)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)،\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان ١/ ٢٠٠، والمحرر الوجيز ١/ ١٤٨.\n(^٢) ينظر: جمهرة اللغة ١/ ١٦٠، ومقاييس اللغة ٢/ ٢٩٥، والمفردات (ص: ٦١٣).\n(^٣) جامع البيان ١/ ٤١٨.\n(^٤) ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: ٤٩)، وتهذيب اللغة ٨/ ٢٨، والصحاح ٥/ ١٩٩٨.\n(^٥) كتاب العين ٣/ ٢٩٣.","vol":"1","page":378},{"text":"والسدي (ت: ١٢٨)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (^١)، وذكره ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) قولًا واحدًا (^٢)، وعليه أكثر المفسرين. (^٣)\nورُوِيَ عن ابن عباس ﵁ نحو قول مجاهد (ت: ١٠٥) غيرَ أنه لا يصحُّ عنه؛ لانقطاعه عن ابن جريج (ت: ١٥٠) (^٤)، واختاره الثعلبي (ت: ٤٢٧)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والحداد (ت: ٨٠٠). (^٥)\nوقد كان يُمكن الجمع بين القولين، بأن يُقَال: أن هذا الغمام نوعٌ من السحاب أبيضُ رقيقٌ صافٍ، غير أن مجاهدًا (ت: ١٠٤) نفى كونه من سحاب الدنيا المعروف، ولا موجِبَ لهذا النفي. (^٦)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-239>[٦٤] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].</span>\nقال مجاهد: مُسِخَت قُلُوبُهم، ولم يُمسَخوا قِرَدةً، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثلما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارًا. (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٥٠، وتفسير غريب القرآن (ص: ٤٩)، وتفسير ابن أبي حاتم ١/ ١١٣، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٦٩.\n(^٢) زاد المسير (ص: ٦٢).\n(^٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٣٨، وبحر العلوم ١/ ١٢٠، وتفسير ابن أبي زمنين ١/ ١٤١، والغريبين ٤/ ١٣٨٩، والوسيط ١/ ١٤٢، والوجيز ١/ ١٠٧، والكشاف ١/ ١٤٤، والمحرر الوجيز ١/ ١٤٨، والجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٧٦، وأنوار التنْزيل ١/ ٦٨، والتفسير الكبير ٣/ ٨٢، والبحر المحيط ١/ ٣٦٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٦٨، وروح المعاني ١/ ٣٥٧، وفتح القدير ١/ ١٩٥، وجواهر الأفكار (ص: ٢٠٩).\n(^٤) ينظر: جامع البيان ١/ ٤١٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٦٩.\n(^٥) ينظر: الكشف والبيان ١/ ٢٠٠، ومعالم التنْزيل ١/ ٩٧، وتفسير الحداد ١/ ٨٩.\n(^٦) ينظر: تفسير ابن عثيمين ١/ ١٩٥.\n(^٧) أخرجه آدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد ١/ ٧٧، وابن جرير في تفسيره ١/ ٤٧٢ (٩٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٣٣ (٦٧٢)، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ١٦٩ لابن المنذر، من طريق أبي حذيفة النهدي، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وعن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح. وآدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح.\nوإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٩٦.","vol":"1","page":379},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-240> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب مجاهد (ت: ١٠٤) إلى أن مسخَ الذين اعتدوا في السبت من بني إسرائيل ليس حقيقيًا ظاهريًا، وإنما هو مسخٌ معنويٌ لقلوبِهم؛ بالختم عليها والطبع، واستشهد لذلك بوصفهم في سورة الجمعة بالحمار الذي يحمل أسفارًا ولا ينتفع بِها، قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٥].\nومن جعل المسخَ هنا حقيقيًا حملَ الآيةَ على ظاهرها، وأسنَدَ ذلك بأنه أبلغ في العقوبة والنَّكال الذي جعله الله لغيرها من القرى، قال تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٦٦] (^١)، ثُمَّ هي عقوبة مناسِبَةٌ لفعلهم واحتيالهم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ناقلًا عن شيخه ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (لَمَّا مَسَخ أولئك دينَ الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مَسَخهم الله قِرَدةً تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جَزاءً وِفاقًا) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-241> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب عامَّةُ المفسرين إلى أن المسخ هنا على حقيقته؛ مسخًا صُورِيًّا ظاهِرِيًّا (^٣)،\n_________\n(^١) ينظر: الفتاوى الكبرى ٦/ ٣٠.\n(^٢) إعلام الموقعين ٥/ ٧٢، وينظر: الفتاوى الكبرى ٦/ ٢٨، وإغاثة اللهفان ١/ ٤٧٦.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١/ ٤٧٢، وبحر العلوم ١/ ١٢٦، والوسيط ١/ ١٥٢، وتفسير السمعاني ١/ ٩٠، وغرائب التفسير ١/ ١٤٥، ومعالم التنْزيل ١/ ١٠٥، والكشاف ١/ ١٤٩، والمحرر الوجيز ١/ ١٦١، والتسهيل ١/ ١٣١، والجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٩٩، وأنوار التنْزيل ١/ ٧٢، والبحر المحيط ١/ ٤٠٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٨٦، وتفسير الحداد ١/ ١٠٤، وجواهر الأفكار (ص: ٢٢٠).","vol":"1","page":380},{"text":"وهذا ظاهر الآية والمُتبادر من اللفظ، وقد تكرر هذا المعنى في قوله تعالى عن هذه الطائفة من بني إسرائيل ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، وقوله ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦].\nوحمل المسخ على غير ظاهره وحقيقته تأويلٌ لا دليل عليه، وقد رَدَّ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) قولَ مجاهد (ت: ١٠٤) هذا جُملَةً بما يتلَخَّصُ في ثلاثة وجوه (^١):\nأولها: أنه لو جاز هذا التأويل لجازَ تأوُّل الصعقة التي أخذت بني إسرائيل لمَّا قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣]، ولجاز تأوُّل أمرهم بقتل أنفسهم توبةً عليهم لمَّا عبدوا العجل، ولجاز تأوُّل أمرهم بالتيه في الأرض لمَّا قالوا لنبيهم ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤]، فسواء القول بأن مسخهم لم يكن على ما أخبر الله به في ظاهر الآية، والقول بأن ما أخبر الله به عن بني إسرائيل من ذلك ومن خلافهم على أنبيائهم، والعقوبات التي أنزلها الله بهم لم يكن كما أخبر الله عنه. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرَّ بآخر سُئِلَ البرهان على قوله، وعورِضَ فيما أنكر بما أقَرَّ به، ثُمَّ يُسأَل الفرق من خبرٍ مُستَفيض، أو أثرٍ صحيح) (^٢).\nثانيها: عدمُ الدليل على هذا التأويل، كما ذكر ابن جرير (ت: ٣١٠) في آخر كلامه السابق.\nثالثها: مخالفة مجاهد (ت: ١٠٤) لإجماع المفسرين على حقيقة المسخ (^٣)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (هذا مع خلاف قولِ مجاهد قولَ جميعَ الحُجَّة التي لا يجوز\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ١/ ٤٧٢.\n(^٢) جامع البيان ١/ ٤٧٣. وينظر: البداية والنهاية ٢/ ٩٦.\n(^٣) ينظر: زاد المسير (ص: ٦٧).","vol":"1","page":381},{"text":"عليها الخطأ والكذب فيما نَقَلَته مُجْمِعَةً عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ إجماعُها على تَخطِئَته) (^١).\nوزاد ابن كثير (ت: ٧٧٤) في رَدِّ قولِ مجاهد (ت: ١٠٤) هذا: مخالفتهُ للظاهر من السياق في هذا الموطن وفي غيره من المواطن كما سبق بيانه، وقال بعد أن استوعب أقوال المفسرين في مقابل هذا القول: (والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًّا، بل الصحيح أنه معنوي صوري) (^٢).\nأمَّا الآية التي ذكرها مجاهدُ (ت: ١٠٤) نظيرًا لهذه الآية فلا يصح الاستشهاد بها، فإن الله تعالى بَيَّنَ أنه ضربَ ذلك مثلًا، فقال ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٥]، ولو ورد في آية البقرة هذه أنه مثلٌ لهم لكان لقول مجاهد وجه، لكن لا ذكر للمثل في كلا آيتي البقرة والأعراف. ثُمَّ المسخ المعنوي الذي ذُكِر معنىً لهذه الآية لا جديد فيه كما في القول الآخر، فإنه حاصِلٌ للكفار والمنافقين كما في قوله تعالى ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]. وليس في كلام مجاهد (ت: ١٠٤) ما يُفيد إنكار المسخ من حيث هو، فإنه ثابتٌ في الأحاديث الصحيحة (^٣). ولم أجد من المفسرين من وافق مُجاهدًا (ت: ١٠٤) في قوله\n_________\n(^١) جامع البيان ١/ ٤٧٣. وينظر: البداية والنهاية ٢/ ٩٦.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ١٦٠ طبعة: دار الفكر، وفي طبعة إبراهيم البَنَّا ١/ ٢٨٨: (صوري لا معنوي)، والأول أقرب إلى تَمام المعنى وسياقه، وعليه أكثر النسخ، وينظر: طبعة سامي السلامة ١/ ٢٩٢.\n(^٣) كما في صحيح البخاري ١٠/ ٥٣ (٥٥٩٠). وقد ذكر صاحب \"أسباب الخطأ في التفسير\" قولَ مجاهد هذا ١/ ٥٤٦، وجعل من أوجه إبطاله حصول المسخ في آخر هذه الأمة كما في الحديث، ولا وجه لذكره ما لم يَثْبُت إنكار مجاهد للمسخ من أصله، ولا يُظَن هذا من مثل مجاهد ﵀.","vol":"1","page":382},{"text":"هذا، إلا تجويز الرازي (ت: ٦٠٤) وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) له وعدم استبعاده. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-242>ومن مسائل هذا الاستدراك </span>أن هذا القول من مجاهد (ت: ١٠٤) ﵀ من غرائب ما ورد عنه في التفسير، وقد وصفه بالغرابة غير واحد من المفسرين (^٢)، وأشار القرطبي (ت: ٦٧١) إلى شذوذه بقوله: (ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم) (^٣)، ووجه الغرابة فيه: البعد الشديد بين هذه الآية، وبين ما تُوُهِّم أنه نظير لها (^٤)، وقد سبق بيانُ أن تفسير الآية بنظائرها في القرآن فيه مدخلٌ واسعٌ للاجتهاد، ومن ثَمَّ لَزِمَ ضبطُ هذا الطريق من طرق التفسير بضوابط تحفظه من الشذوذ والغرابة والتأويل المذموم، ومن أهم هذه الضوابط في هذا المقام: أن ظاهر اللفظ واجب الاعتبار، ولا يصح المصير إلى غيره إلا بِحُجَّة، أما صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يوجبه، فتحكُّمٌ يُنَزَّه عن مثله كلام الله تعالى. (^٥)\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير ٣/ ١٠٣، والتحرير والتنوير ١/ ٥٤٤، كما نحا إلى هذا القول صاحب تفسير المنار ١/ ٣٤٤، والمراغي في تفسيره ١/ ١٢٠، وقد وهم المراغي فنسب إلى ابن كثير أن المسخ المعنوي هو الصحيح، كما قال مجاهد، وهذا تحريف في النسبة.\n(^٢) كالكرماني في غرائب التفسير ١/ ١٤٥، وابن كثير في تفسيره ١/ ٢٨٦، ولم يذكره صاحب كتاب: \"مجاهد المفسر والتفسير\" ضمن غرائب تفسير مجاهد (ص: ٦١٥ - ٦٢٢)، مع ذكره لمواضع هي دونه في الغرابة والشذوذ!.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٠٠.\n(^٤) ينظر: أسباب الخطأ في التفسير ١/ ٥٤٠، والأقوال الشاذة في التفسير (ص: ٢٩٠).\n(^٥) ينظر: الإبانة، للأشعري (ص: ٣٥)، والصواعق المرسلة ١/ ١٨٧، و١/ ٢٨٨، وأضواء البيان ٣/ ٣٥٠، وجناية التأويل الفاسد (ص: ٢٤)، وأسباب الخطأ في التفسير ١/ ٢٩٠، و٢/ ٧٣٠.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>[٦٥] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة ٢٠٤].</span>\nعن أبي معشر (^١) قال: (سمعتُ سعيدًا المقبُرِي (^٢) يُذَاكِر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنا نجد في بعض الكتب: (أن لله ﷿ عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصّبِر، يلبسون للناس مسوكَ الضأن من اللِّين، ويَجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيَّ يجتَرِءون؟ وبِي يغتَرُّون؟ وعِزَّتِي لأبعَثَنَّ عليهم فتنةً تترك الحليمَ منهم حيران). فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جلَّ ثناؤُه. فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله ﷿ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥]. فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-244> تحليل الاستدراك:</span>\nبَيَّن محمد بن كعب (ت: ١٠٨) للمقبري (ت: ١٢٣) أن أولئك الموصوفين بتلك الصفات في الكتب السابقة موصوفون بها كذلك في كتاب الله تعالى، وقرأَ عليه الآية\n_________\n(^١) تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (٥٧) (ص: ٢٨٨).\n(^٢) تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (١٤) (ص: ٨٨).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٣/ ٨٣٠ (٣٦١)، وابن جرير في تفسيره ١/ ٤٢٦ (٣١٤٢)، والبيهقي في الشعب ٥/ ٣٦٢ (٦٩٥٦)، من طريق أبي معشر. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٣٦٤ (١٩١٢)، من طريق حمزة بن أبي جميل الرَّبَذي، عن أبي معشر، عن القرظي مرفوعًا، ولا يصح. وأخرجه ابن وهب في تفسيره ٢/ ١٧ (٢٨)، وابن جرير في تفسيره ١/ ٤٢٧ (٣١٤٣)، من طريق الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي ونوف البكالي، بلفظه. وإسناده صحيح.\nوإسناده حسن لغيره.","vol":"1","page":384},{"text":"مستشهدًا بها على هذا المعنى وأنها في المنافقين كما صرَّح به في الرواية الأخرى، وهذا أخذٌ منه بعموم اللفظ في الآية في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة ٢٠٤]، واعتبارٌ للسياق كذلك؛ فقد سُبِقَت هذه الآية بذكر فريقين: كافرٌ لا حَظَّ له في الآخرة، ومؤمن رَغِبَ في حظه من الدنيا والآخرة، فقال تعالى ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة ٢٠٠ - ٢٠٢]، فناسَبَ بعد ذلك ذِكر من لا حَظَّ لهم في الآخرة، مع تظاهرهم بالرغبة فيها، وهم: المنافقون. (^١)\nوقد اعترض المقبري (ت: ١٢٣) هذا المنْزَع بقوله: (قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية)، وكأنه يشير بذلك إلى ما ذكره أكثر المفسرين في سبب نزولها، وأنها نزلت في الأخنس بن شُريق الثقفي الذي جاء إلى النبي ﷺ وأظهرَ الإسلام وأبطنَ خلافه (^٢). وظاهرُ قوله، وما أجابَه به القُرظي (ت: ١٠٨) فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ)، أنه يرى الآيةَ خاصَّةً فيمن نزلت فيه ولا تتجاوزه إلى غيره، ومن ثَمَّ لم يصح عنده استشهاد القرظي (ت: ١٠٨) بالآية على هذه المعاني. فهو في قوله هذا آخِذٌ بسبب النُّزول، وقاصِرٌ له على صورته دون غيرها.\n\n*<span data-type='title' id=toc-245> الحكم على الاستدراك:</span>\nيدور الخلاف في هذا الاستدراك على قولين:\nالأول: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، ولا تتعدَّاه إلى غيره. وهو رأي المقبري (ت: ١٢٣).\nوالثاني: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، وتتعدَّاه إلى غيره، فتشمل كُلّ من\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير ٥/ ١٧٦، وروح المعاني ٢/ ٦٦٨، والتحرير والتنوير ٢/ ٢٦٥.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢/ ٤٢٥، والكشف والبيان ٢/ ١١٩، وأسباب النُّزول (ص: ٦٥).","vol":"1","page":385},{"text":"اتَّصَفَ بشيء من معناها، ويدخل فيها دُخُولًا أَوَّلِيًّا: المنافقون. وهو رأي القرظي (ت: ١٠٨)، وبه فَسَّرها ابن عباس ﵁، وأبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (^١)\nوالرأي الثاني هو الصواب من كُلِّ وجه؛ فالأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب هو الصحيح عند عامَّة العلماء (^٢)، وحكى بعضهم الإجماع فيه (^٣)، وقد قَرَّرَ هذه القاعدةَ رسولُ الله ﷺ، ففي حديث ابن مسعود ﵁: أن رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلَة، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فأنزل الله ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فقال الرجل: ألِي هذا؟ قال: (لجميع أُمَّتي كُلِّهم) (^٤)، وقد احتَجَّ الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام في جميع الأعصار والأمصار وفي وقائع مُختلفة بعموم آيات نزلت في أسباب خاصَّة، وهذا شائع بينهم، ولم يُعرَف عنهم استدلالٌ فيها بغير عموم لفظها (^٥)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (قَصْرُ عمومات الكتاب والسنة على أسباب نزولها باطل؛ فإن عامَّة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد عُلِم أن شيئًا منها لَم يُقصَر على سببه) (^٦)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامَّة أنها\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢/ ٤٢٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٦٤، والنكت والعيون ١/ ٢٦٦، وزاد المسير (ص: ١٢٠)، وتفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٣.\n(^٢) ينظر: قواطع الأدلة (ص: ٣١٦)، والمسودة ١/ ٣٠٦، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٨، و١٥/ ٣٦٤، والصواعق المرسلة ٢/ ٦٩٣، وإعلام الموقعين ٢/ ٣٨٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٥٧٠، وسلاسل الذهب (ص: ٢٧٠)، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٧٧.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط في الأصول ٢/ ٣٥٢، ٣٥٧، وإرشاد الفحول (ص: ٢٣٠).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ١٢ (٥٢٦)، ومسلم في صحيحه ١٧/ ٢٣٣ (٣٩، ٤٢). وينظر تعليق الشنقيطي على هذا الحديث في أضواء البيان ٣/ ١٨٩.\n(^٥) ينظر: الإتقان ١/ ٦١، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٧٩.\n(^٦) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٦٤.","vol":"1","page":386},{"text":"في قومٍ مخصوصين من المؤمنين والكفار والمنافقين، تقصيرٌ ظاهرٌ منهم، وهضمٌ لتلك العمومات المقصود عمومها، وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقوامًا في عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالًا وفعلوا أفعالًا في الخير والشر، فنَزلت بسبب الفريقين آياتٌ حمد اللهُ فيها المحسنين وأثنى عليهم، ووعدهم جزيل ثوابه، وذَمَّ المسيئين ووعدهم وبيل عقابه. فعمَدَ كثيرٌ من المفسرين إلى تلك العمومات فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا: إنهم المعنيون بها) (^١).\nوجمهور المفسرين على أن الآيةَ عامَّة في المنافقين وغيرهم، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا الذي قاله القرظي حسنٌ صحيحٌ) (^٢)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين) (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-246>[٦٦] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٣].</span>\nقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس سمع النبي ﷺ، ولكن المنادي: القرآن. (^٤)\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٧٠٠ بتصرُّف.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٣.\n(^٣) التفسير الكبير ٥/ ١٦٨، وينظر: بحر العلوم ١/ ١٩٦، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٢١٣، وأحكام القرآن، لابن العربي ١/ ١٩١، والمحرر الوجيز ١/ ٢٧٩.\n(^٤) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٨٣) (١٧٣)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ٢٤) (١٨)، وابن جرير في تفسيره ٤/ ٢٨٠ (٦٦٦٤)، وابن المنذر في تفسيره ٢/ ٥٣٦ (١٢٧٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢ (٤٦٦٢)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٣٨٣ لعبد بن حميد، والخطيب في المتفق والمفترق. من طُرُق عن موسى بن عبيدة، عن القرظي.\nوإسناده ضعيف.","vol":"1","page":387},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-247> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى القرظي (ت: ١٠٨) أن يكون المُراد بالمنادي في الآية رسولَ الله ﷺ، وعَلَّلَ ذلك بقوله: (ليس كل الناس سمع النبي ﷺ. ومن ذهب إلى أن المنادي: رسول الله ﷺ، حملوا اللفظ على ظاهره وحقيقته، واعتمدوا سياقَ الآية، وآياتٍ قرآنيةٍ في معناها. ففي الآية بعدها قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، أي: الذين استجبنا دعاءَهم، وآمنَّا بما جاءوا به (^١). والمُراد بالنداء في الآية: الدعاء، ونسبته إلى النبي ﷺ أشهر وأظهر، فقد قال تعالى ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل ١٢٥]، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨]، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٦] (^٢)، وقال تعالى آمرًا المؤمنين باستجابة دعوة رسوله ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. (^٣)\nوذهب القرظي (ت: ١٠٨) إلى أن المُراد بالمُنادي: القرآن. واستدل لقوله بأن القرآن يسمعه كل أحد من المؤمنين، سواءً في زمن رسول الله ﷺ أو بعده، ثُمَّ هو داعٍ أيضًا إلى الإيمان، فقد أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن قولهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١ - ٢]، فهذا نظير ما قاله مؤمني الإنس في هذه الآية. (^٤)\n\n*<span data-type='title' id=toc-248> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب إلى قول القرظي (ت: ١٠٨) في هذه الآية قتادة (ت: ١١٧)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: بدائع التفسير ١/ ٥٣٩.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير ٩/ ١١٨، روح المعاني ٤/ ٥٠٨.\n(^٣) ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ١٠٤٩.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٤/ ٢٨١، وتفسير ابن المنذر ٢/ ٥٣٦.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٤/ ٢٨١، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٨٤٢.","vol":"1","page":388},{"text":"وذهب إلى أن المنادي: رسولُ الله ﷺ. ابنُ مسعود، وابن عباس ﵃، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (^١)، وهو أظهر القولين، وعليه جمهور المفسرين (^٢)، وفيه أخذٌ بحقيقة اللفظ، وهو أولى من التَّجوُّز في المعنى الأوّل، وقد ذكر ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير: تقديم الحقيقة على المجاز، وقال: (فإن الحقيقة أولى أن يُحمَل عليها اللفظ عند الأصوليين) (^٣). ثم قد شهد السياق لهذا القول، وكذا نظائره الكثيرة في القرآن.\nولا يُشكِلُ عليه الاعتراض الذي ذكره القرظي (ت: ١٠٨)، لأن نداءه ﷺ لمن لم يسمعه كندائِه لمن سَمعَه، والقرآن والسُّنَّةُ من دعائِه ﷺ لأُمَّته، وكلاهُما باقٍ محفوظ، ونقل القرطبي (ت: ٦٧١) جوابَ بعض العلماء عن ذلك فقال: (وأجاب الأولون فقالوا: من سَمِعَ القرآن فكأنَّما لَقي النبي ﷺ، ثُمَّ قال: (وهذا صحيحٌ معنىً) (^٤).\nوقد لَحَظ بعض المفسرين كالراغب (ت: بعد ٤٠٠) (^٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨) (^٦) تقارب المعنيين السابقين وارتباطهما، فحملا الآية عليهما؛ لأن الإيمان بأحدهما إيمان بالآخر، ودعوتهما واحدة. والأولى التفصيل السابق؛ لأن قولَ القرظي (ت: ١٠٨) تابعٌ للقول الأول، ومترتبٌ عليه.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٢٠٩، وجامع البيان ٤/ ٢٨١، والنكت والعيون ١/ ٤٤٢، وزاد المسير (ص: ٢٥٠).\n(^٢) كما في الوسيط ١/ ٥٣٤، وتفسير السمعاني ١/ ٣٨٩، ومعالم التنْزيل ٢/ ١٥٣، والتفسير الكبير ٩/ ١١٧، والجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠١، وفتح القدير ١/ ٦٦٤. وينظر: بحر العلوم ١/ ٣٢٤، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٣٤١، والكشف والبيان ٣/ ٢٣٣، والكشاف ١/ ٤٤٥، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٠١، والتسهيل ١/ ٢٨٨، والبحر المحيط ٣/ ١٤٨، وتفسير ابن كثير ٢/ ٨٢٦، وتفسير الحداد ٢/ ١٩٢، وروح المعاني ٤/ ٥٠٨، والتحرير والتنوير ٤/ ١٩٩، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٨٤.\n(^٣) التسهيل ١/ ٢١.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠٢.\n(^٥) في تفسيره ٢/ ١٠٤٩.\n(^٦) في الوجيز ١/ ٢٤٩، مع أنه قد اختار القول الآخر في الوسيط ١/ ٥٣٤، ونسبه لأكثر المفسرين.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>[٦٧] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء ٣٥].</span>\nقال مجاهد: أما إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-250> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن يكون الضمير في قوله تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء ٣٥] عائدًا على الزوجين، ومن ذكر ذلك اعتبر صِحَّتَه لُغَةً ومعنىً، فالزوجان سبق ذكرهما فصحَّ إعادة الضمير عليهما، ويكون المعنى: إن أراد الزوجان إصلاح ما بينهما من الشقاق، أوقع الله بينهما الألفة والوفاق.\nوذهب مجاهدُ (ت: ١٠٤) إلى أن الضميرَ في الآيةِ عائدٌ على الحكمين، فهُما أقرب مذكور، وإعادة الضمير إليهما أظهر، ويكون به المعنى: إن يُرِد الحكمان إصلاحًا بين الزوجين وتأليفًا، يوفِّق الله بينهما، فتتفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما.\n\n*<span data-type='title' id=toc-251> الحكم على الاستدراك:</span>\nاختلف المفسرون في تعيين مُفَسّر الضمير في قوله تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء ٣٥] على أربعة أقوال (^٢):\nالأول: أنهما عائدان على الحكمين، على ما سبقَ بيانُه، قال ابن عباس ﵁: (ذلك الحكمان، وكذلك كُلُّ مُصلِح يوفقه الله للحق والصواب) (^٣)، وهو قول سعيد\n_________\n(^١) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٩٤) (٢١٥)، وعبد الرزاق في مصنفه ٦/ ٥١٤ (١١٨٨٩)، وابن جرير في تفسيره ٥/ ١٠٨ (٧٤٨٠)، وابن المنذر في تفسيره ٢/ ٦٩٩ (١٧٤٨)، وعزاه السيوطي في الدر ٢/ ٤٩٣ لعبد بن حميد. من طريق أبي هاشم إسماعيل بن كثير المكي، عن مجاهد.\nوإسناده صحيح.\n(^٢) تنظر في: التفسير الكبير ١٠/ ٧٦، وروح المعاني ٥/ ٣٧.\n(^٣) جامع البيان ٥/ ١٠٨ (٧٤٨٢)، من طريق ابن أبي طلحة.","vol":"1","page":390},{"text":"بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطاء (ت: ١١٤)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وأبي صالح (ت: ١٢١)، وأبي مالك، ومقاتل (ت: ١٥٠). (^١)\nالثاني: أنهما عائدان على الزوجين، وسبق ذكر معناه، واختاره الثعلبي (ت: ٤٢٧) (^٢).\nالثالث: أن الأول عائدٌ على الحكمين، والثاني عائدٌ على الزوجين، فيكون المعنى: إن قصدَ الحكمان إصلاح ذات البين ونصحا، أوقع الله بين الزوجين الألفة والمحبة، والموافقة والصحبة، قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧): (ذكره بعضُ المفسرين) (^٣)، ونسبه الواحدي (ت: ٤٦٨) لعامَّة المفسرين (^٤)، - ولعلَّ مُراده الضمير الأول في الآية؛ إذ عامَّة المفسرين عليه-، واستظهره ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١)، واختاره ابن حزم (ت: ٤٥٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وابنُ تيمية (ت: ٧٢٨)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^٥).\nالرابع: أن الأول عائدٌ على الزوجين، والثاني عائدٌ على الحكمين، أي: إن يُرِد الزوجان إصلاحًا واتفاقًا، يوفق الله الحكمين لتحري الصواب وإصابته.\nولفظ الآية وإن كان مُحتَمِلًا لكلِّ هذه الوجوه، إلا أن القول الأول منها أظهر؛ لأن سياق الآية واضِحٌ في الحَكَمَين، فناسب اتساق الحديث عنهما، وعودُ الضمير\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٢٢٨، وجامع البيان ٥/ ١٠٨، وتفسير ابن المنذر ٢/ ٦٩٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٤٦، وزاد المسير (ص: ٢٨٠).\n(^٢) الكشف والبيان ٣/ ٣٠٣.\n(^٣) زاد المسير (ص: ٢٨٠).\n(^٤) الوسيط ٢/ ٤٧.\n(^٥) ينظر: المحلى ١١/ ١٥٣، والكشاف ١/ ٤٩٨، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٩، وأنوار التنْزيل ١/ ٢١٨، ومجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٨٦، والتسهيل ١/ ٣١٤، والبحر المحيط ٣/ ٢٥٤.","vol":"1","page":391},{"text":"إليهما (^١)، ثُمَّ حملُ الضمائر على مُفَسَّر واحد صحيح المعنى أولى من تفريقها؛ لفائدة انسجام النظم، وتناسق السياق، قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): (تناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلهما لمُختَلِفين) (^٢)، وقال الزركشي (ت: ٧٩٤): (إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكَنَ عَوْدُها لواحِدٍ فهو أولى من عَوْدِها لمختلف) (^٣).\nوعلى هذا القول جمهور المفسرين (^٤)، وذكر ابنُ عبد البر (ت: ٤٦٣) إجماع العلماء عليه (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-252>[٦٨] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١].</span>\nقال عيسى بن عبد الرحمن (^٦): (سألت الشعبي عن هذه الآية ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، قلت: تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا، إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: أمَّا مَا قتل الله فلا تأكلوا منه - يعني الميتة-، وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه!، فأنزل الله\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٤٩، والتحرير والتنوير ٥/ ٤٧.\n(^٢) البحر المحيط ٨/ ٥٠٢.\n(^٣) البرهان في علوم القرآن ٤/ ٣٢، ٤٢، وينظر: الكشاف ٣/ ٦١، والتسهيل ٤/ ٤١٠، والبحر المحيط ٣/ ٤٠٧، والإتقان ١/ ٣٨١، وروح المعاني ٣٠/ ٦١٨، وأضواء البيان ٤/ ٢٩٣.\n(^٤) ينظر: زاد المسير (ص: ٢٨٠).\n(^٥) الاستذكار ٦/ ١٨٣، وينظر: جامع البيان ٥/ ١٠٨، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٨١، وبحر العلوم ١/ ٣٥٢، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٣٦٨، والمغني ٩/ ٦٤٦، وتفسير ابن كثير ٢/ ٩١٦، وتفسير الحداد ٢/ ٢٥١، والتحرير والتنوير ٥/ ٤٧، وروح المعاني ٥/ ٣٧.\n(^٦) عيسى بن عبد الرحمن السُّلَمي البَجْلي، ثقة، مات بعد (١٥٠). ينظر: تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٣٠، والتقريب (ص: ٧٦٨).","vol":"1","page":392},{"text":"﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-253> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى الشعبيُّ (ت: ١٠٤) أن يكون المُراد بقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]: الأمراء. وهو ما تذهبُ إليه الخوارج بناءً على أصلهم في تكفير الأمراء من غير معسكرهم، وكُفْرِ من أطاعهم أو أقام في دارهم، وكذا تكفيرهم الحكمين ومن رضي بالتحكيم وأطاع فيه. (^٢)\nوبَيَّن الشعبيُّ (ت: ١٠٤) أن المُراد بالآية: طاعةُ المشركين في تحليل الميتة على أنها ممَّا قَتَلَ الله تعالى. وهو في ذلك مُعتَمِدٌ صراحةً على سبب النُّزول الذي ذكره، وكذا سياق الآية ظاهرٌ في بيان أحكام الأطعمة وحالاتها، قال تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٨ - ١١٩].\n\n*<span data-type='title' id=toc-254> الحكم على الاستدراك:</span>\nأجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في مجادلة المشركين في الميتة (^٣)، وجوابًا على ما أوحته إليهم شياطينهم من الإنس والجن في ذلك، قال ابن عباس ﵁: (قالوا: يا محمد أمَّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمَّا ما قتل ربكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٥٠)، من طريق علي بن الحسين بن الجنيد، عن عثمان بن أبي شيبة، عن مالك بن إسماعيل أبو غسَّان، عن عيسى بن عبد الرحمن.\nوإسناده صحيح.\n(^٢) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٨٦، ١٢٥)، ومجموع الفتاوى ١٩/ ٨٩، والبداية والنهاية ٧/ ٢٢٢، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ابن حنبل في العقيدة ٢/ ٣٥٣.\n(^٣) ينظر: الوسيط ٢/ ٣١٧، والعذب النمير ٢/ ٥١٩.","vol":"1","page":393},{"text":"فتحرمونه!. فأنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه إنكم إذًا لمشركون) (^١)، وهذا نَصُّ تفسير الشعبي (ت: ١٠٤) السابق، وورد نحوه عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥) (^٢)، وهو أقربُ ما يكون إجماعًا من المفسرين: أنكم إذا أطعتموهم في أكل الميتة استحلالًا فقد أشركتم مثلُهُم (^٣). وقد ذكره الماوردي (ت: ٤٥٠)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧) قولًا واحدًا في الآية (^٤). قال الزجاج (ت: ٣١١): (هذه الآية فيها دليل أن كل من أحَلَّ شيئًا ممَّا حرَّم الله عليه، أو حَرَّمَ شيئًا ممَّا أحلَّ الله له فهو مُشرِك. لو أحَلَّ مُحِلٌّ الميتةَ في غير اضطرار، أو أحلَّ الزنا لكانَ مُشرِكاَ بإجماع الأُمَّة، وإن أطاعَ الله في جميع ما أمر به. وإنما سُمِّيَ مُشركًا لأنه اتَّبَع غير الله، فأشرك بالله غيره) (^٥).\nوقد سبق (^٦) بيان أن تحليل ما حَرَّم الله تعالى أو تحريم ما أحَلَّه أو الطاعة في أحدهما شركٌ، كما في حديث عديّ بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ\n_________\n(^١) جامع البيان ٨/ ٢٤ (١٠٧٥٤)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٤٨)، من طريق ابن أبي طلحة.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٨٠ (٧٨٤٩).\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٣٦٨، وجامع البيان ٨/ ٢٩، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٤٨٢، وبحر العلوم ١/ ٥١٠، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٩٥، والوسيط ٢/ ٣١٧، والوجيز ١/ ٣٧٣، وتفسير السمعاني ٢/ ١٤٠، وغرائب التفسير ١/ ٣٨٣، ومعالم التنْزيل ٣/ ١٨٤، والكشاف ٢/ ٥٩، وأحكام القرآن، لابن العربي ٢/ ٢٠٦، والتفسير الكبير ١٣/ ١٣٩، والمغني ١٣/ ٣٩، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٥١، وأنوار التنْزيل ١/ ٣٢٠، والبحر المحيط ٤/ ٢١٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٥٨، وتفسير الحداد ٣/ ٨٤، وروح المعاني ٨/ ٣٦٤، وفتح القدير ٢/ ٢٢٢، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٥٣٩، والتحرير والتنوير ٨/ ٤٢، والعذب النمير ٢/ ٥١٩.\n(^٤) ينظر: النكت والعيون ٢/ ١٦٢، وزاد المسير (ص: ٤٦٥).\n(^٥) معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢٨٧.\n(^٦) في الاستدراك رقم (٥) (ص: ٥٠).","vol":"1","page":394},{"text":"في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم) (^١).\nأمَّا تنْزيل الخوارج الآيةَ على من أطاع الأمراء؛ لأنهم كفارٌ عندهم، ومن أطاع الكافر فهو مثله؛ فباطلٌ من وجوه:\nالأوّل: مناقضته لسبب النُّزول الصريح، وأن الآية نزلت جوابًا على شبهات المشركين.\nالثاني: مخالفته لسياق الآية، فهو واضحٌ في حكم الْمَيْتَة.\nالثالث: أنه جارٍ على أصول المبتدعة في الاعتقاد والاستدلال، فإنهم يعتقدون ثُمَّ يستدِلُّون، وهكذا صنع الخوارج في هذه الآية، فإنهم لمَّا اعتقدوا كُفر من خالفهم من الأمراء ومن أطاعهم، نظروا في كتاب الله فوجدوا هذا الجزء من الآية فاقتطعوه منها، وعزلوه عن السياق، ولم يلتفتوا لسبب نزُوله، وما أجمع عليه العلماء من معناه، فجاء معنىً شاذًّا ناشزًا عن معنى الآية ونظمها، خارجًا عن سياقها، ومباعدًا لسببها، ومخالفًا لأصول الشريعة وأدلتها.\nالرابع: أن هذا القول مبنِيٌّ على باطل لا تنْزل الآيةُ بمثله، ولا يصح حملها عليه، فإن تكفيرهم للأمراء الذين خرجوا عليهم وخالفوهم- كعلي ومعاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص وابن عباس وغيرهم ﵃، من أعظم ضلالاتهم التي فارقوا بها جماعة المسلمين، وعلى الخصوص صحابةَ رسول الله ﷺ، ومناظرة ابن عباس ﵁ لهم في ذلك معروفة مشهورة. (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه ودراسته في الاستدراك رقم (٥) (ص: ٤٨).\n(^٢) أخرجها أحمد في المسند ١/ ٨٦ (٦٥٦)، وسندها صحيح. وينظر: البداية والنهاية ٧/ ٢٢٢، ٢٢٤.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>[٦٩] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُ</span>مْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام ١٣٠].\nقال مجاهد: ليس في الجِنِّ رُسُل، إنَّمَا الرُّسُل في الإنْس، والنَّذَارةُ في الجِنّ، وقرأ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. (^١)\n\n*<span data-type='title' id=toc-256> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن يكون في الجنِّ رسلًا، ومن ذهب إلى ذلك استَدَلَّ بظاهر هذه الآية، إذ أعاد فيها ضمير الجمع إلى الجن والإنس (^٢)، وكذا يشهد لهذا القول أن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، كما قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وقال ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون ٣٢]، وقال ﷺ: (وكان النبي يُبعَثُ إلى قومه) (^٣)، وقوم الجن غير قوم الإنس. (^٤)\nوبَيَّنَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن الرُّسُلَ في الإنْس، والنَّذَارةَ في الجِنّ، واستدَلَّ بظاهر قوله تعالى عن الجن ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]، ويشهدُ لهذا القول آياتٌ كثيرةٌ من كتاب الله، منها قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، إلى قوله ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/ ١٩٧ (٢٨٤٧)، والبستي في تفسيره ٢/ ٣٥٢ (٨٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١٣٨٩ (٧٩٠٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٣٢٣ لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوإسناده صحيح.\n(^٢) ينظر: النكت والعيون ٢/ ١٧٠، وزاد المسير (ص: ٤٦٨)، والإشارات الإلهية ٢/ ١٩٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٥١٩ (٣٣٥)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٧٨ (٥٢١).\n(^٤) ينظر: فتح الباري ٦/ ٣٩٧.","vol":"1","page":396},{"text":"الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٣ - ١٦٥]، وقوله تعالى عن نوح وإبراهيم ﵉ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فحصر النبوة في ذُرِّيَّتِهما، ثم كرر الحصر في ذُرِّيَّة إبراهيم ﵇ فقال ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت ٢٦]، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ولم يقُل أحدٌ من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته ..، ومعلومٌ أن الجن تبعٌ للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف ٢٩ - ٣٢]) (^١)، فذكر استماعهم لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ثم نذارتهم لقومهم. وقد تلا ﷺ على الجنِّ سورةَ الرحمن، وفيها قوله تعالى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٣١ - ٣٢] (^٢)، فهم مُخَاطَبون بِمَا خوطِبَ به الإنس (^٣). وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٤]، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأجمعوا على أن المُراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط) (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٣٦٦.\n(^٢) ينظر: جامع الترمذي ٥/ ٣٩٩ (٣٢٩١)، ومستدرك الحاكم ٢/ ٥١٥ (٣٧٦٦)، وشعب الإيمان ٢/ ٤٨٩ (٢٤٩٣)، ومجمع الزوائد ٧/ ١١٧.\n(^٣) ينظر: تفسير آيات أشكلت ١/ ٢٣٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٦٦.\n(^٤) التفسير الكبير ١٣/ ١٦٠.","vol":"1","page":397},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-257> الحكم على الاستدراك:</span>\nاستدلَّ الضحاك (ت: ١٠٥) بِهذه الآية على أن للجن رُسُلًا كالإنس، وهو قول مقاتل (ت: ١٥٠)، وأبي سليمان الدمشقي (^١)، وابن حزم (ت: ٤٥٦)، واستظهره ابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^٢)، وهو وإن كان الظاهر من اللفظ إلا أنه محتمل غير صريح، وذلك أن من عادة العرب في كلامها أن تَنسِبَ الفعل لِمَذكورَيْن وهو واقِعٌ من أحَدِهِما (^٣)، ومن شواهده الكثيرة في كتاب الله قوله تعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف ٦١]، مع أن الناسي هو فتى موسى، فقد قال تعالى عنه ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف ٦٣]، وقوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٠]، ثم قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرجان من الماء الملح لا العذب، ومثله قوله تعالى ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر ١٢] (^٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا\n_________\n(^١) محمد بن عبد الله بن سليمان السَّعدي، أبو سليمان الدمشقي الشافعي، مُفَسِّر، صنف مجتبى التفسير، والمهذب في التفسير، عاش في القرن الرابع. ينظر: تاريخ دمشق ٥٣/ ٣٤٩، وطبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ٨٩).\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٣٧٠، وجامع البيان ٨/ ٤٨، وزاد المسير (ص: ٤٦٨)، والبحر المحيط ٤/ ٢٢٥، وفتح الباري ٦/ ٣٩٧.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن، للفراء ١/ ٣٥٤، وتأويل مشكل القرآن (ص: ١٧٥)، وجامع البيان ٨/ ٤٨، ومعاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢٩٢، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٤٩٢، والإنصاف، للبَطليَوسي (ص: ٤٩)، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٤٦.\n(^٤) تتابع أكثرُ اللغويين والمفسرين على الاستشهاد بهذه الآية على هذا الأسلوب، قال السمعاني (ت: ٤٨٩): (وأجمعَ أهلُ العلم بهذا الشأن أنه يخرج من الملح دون العذب). تفسيره ٥/ ٣٢٧، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري ٢/ ٣٦١. واعترض عليه بعضهم من حيث المعنى، فقال: إن اللؤلؤ والمرجان يخرج من كلا البحرين الملح والعذب، واستدلوا بقوله تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر ١٢]. ينظر: الإشارات الإلهية ٢/ ١٩٥، وأضواء البيان ٢/ ١٦٠.","vol":"1","page":398},{"text":"كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح ١٥ - ١٦]، وإنما هو في سماء واحدة (^١). وقد ذكر الرازي (ت: ٦٠٤) أن الأخذ بِهذا الوجه كافٍ في حمل اللفظ على ظاهره؛ لأن الضمير عائدٌ على مجموع الإنس والجن، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسلُ بعضًا من أبعاض ذلك المجموع، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن. (^٢)\nوللعلماء توجيهات أخرى في الآية منها:\nأولًا: أن الضمير إنما عادَ للإنس والجن لاشتراكهما في أمور كالخطاب والعقل، والحياة والنطق، والأكل والشرب، والتناكح والتناسل، وليس منه ما انفرد به الإنس فقط كالرسالة (^٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فصار الرسول من أنْفُسِ الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تَمَيَّزوا به عن الملائكة، حتى كان الرسول مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة) (^٤)، وذكر النحاس (ت: ٣٣٨) عن هذا التوجيه أحسن ما قِيلَ في معنى الآية. (^٥)\nثانيًا: أن من الإنس رُسُل الله، ومن الجن رُسُلُ رُسُلِ الله، كما ورد عن ابن عباس ﵁، وابن جريج (ت: ١٥٠). (^٦)\nثالثًا: أنه غَلَّبَ في الخطاب جانب الإنس على جانب الجن، كما يُغَلَّب المُذَكر\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق، والكشف والبيان ٤/ ١٩٢، ومعالم التنْزيل ٣/ ١٩٠، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٦٦.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير ١٣/ ١٦٠.\n(^٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢٩٢، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٤٩٢، ومجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٢، وينظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٥٧.\n(^٥) إعراب القرآن ٢/ ٣١.\n(^٦) جامع البيان ٨/ ٤٨.","vol":"1","page":399},{"text":"على المُؤَنث. (^١)\nرابعًا: أن هذا الخطاب موَجَّه للجن والإنس المُحاسَبين في عرصات القيامة، وهم هنا جماعةٌ واحِدة هي الثقلان، والرسل منهم على تلك الحال، سواءٌ كانوا من كلٍّ منهما أو من أحدهما. (^٢)\nوهذه الوجوه قد يرجع بعضها إلى بعض.\nأمَّا قول من ذكر أن من الجن رسلًا: إن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، وقوم الجن غير قوم الإنس. فلا إشكال فيه؛ لأن حكمةَ ذلك أن يُفهَم خطابهم، ويأنس بهم أقوامهم، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، وكُلُّ ذلك حاصِلٌ في بعث رسل الإنس إلى الثقلين، فالجن تخالطُ الإنس، وتفهم خطابهم، وترى الإنسَ من حيثُ لا يرونهم، وقد بعث الله رسولَه محمدًا ﷺ إلى كافَّة الخلق؛ جِنَّهُم وإنسَهم، بإجماع المسلمين (^٣)، فلو لم تَقُم بذلك حُجَّة لم يبعثه الله تعالى إليهم.\nوقد سبق مجاهدًا في قوله في الآية ابنُ عباس ﵁، ووافقه الحسن (ت: ١١٠)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جُرَيج (ت: ١٥٠)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (^٤)، وهو أشهر القولين وأَوْلاهُما، وعليه جمهور العلماء (^٥)، وأكثر\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٥٧.\n(^٢) ينظر: المرجع السابق.\n(^٣) ينظر: التمهيد ١٥/ ٢١٩، وفتح الباري ٦/ ٣٩٧، والعذب النمير ٢/ ٦٦٥.\n(^٤) ينظر: معاني القرآن، للفراء ١/ ٣٥٤، وتأويل مشكل القرآن (ص: ١٧٥)، وجامع البيان ٨/ ٤٨، والنكت والعيون ٢/ ١٧٠، وزاد المسير (ص: ٤٦٨)، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٦٦.\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٦٦، والبحر المحيط ٤/ ٢٢٥، وفتح الباري ٦/ ٣٩٦، ولوامع الأنوار البهية ٢/ ٢٢٣، والعذب النمير ٢/ ٦٦٤.","vol":"1","page":400},{"text":"المفسرين. (^١)\nوجعل الكرماني (ت: بعد ٥٠٠) قولَ الضحاك (ت: ١٠٥) في هذه الآية من العجيب الذي فيه أدنى خلل ونظر (^٢)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا ضعيف) (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-258>[٧٠] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩].</span>\nعن ابن أبي نجيح: (أن رجلين اختصما إلى طاووس فأكثَرَا، فقال: اختلفتما وأكثَرتُما. فقال أحد الرجلين: لذلك خُلقنا. قال: كذبت. قال: أليس يقول الله ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]؟ قال: لم يخلقهم ليختلفوا، إنما خلقهم للرحمة والجماعة) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٨/ ٤٨، معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٢٩٢، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٤٩٢، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٩٨، والوسيط ٢/ ٣٢٣، والوجيز ١/ ٣٧٥، والجُمان في متشابه القرآن (ص: ٢٤٣)، وغرائب التفسير ١/ ٣٨٦، والكشاف ٢/ ٦٣، والمحرر الوجيز ٢/ ٣٤٦، والتفسير الكبير ١٣/ ١٦٠، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٥٧، وأنوار التنْزيل ١/ ٣٢٢، ومجموع الفتاوى ١٦/ ١٩٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣٦٦، وتفسير الحداد ٣/ ٩٠، وفتح القدير ٢/ ٢٢٩، وروح المعاني ٨/ ٣٧٨، وتفسير التحرير والتنوير ٨/ ٧٦.\n(^٢) غرائب التفسير ١/ ٣٨٦.\n(^٣) المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٦.\n(^٤) أخرجه ابن وهب في تفسيره ١/ ١٤ (٢٥)، وأبو جعفر الرملي في جزء تفسير يحيى بن يمان (ص: ٥٠) (٥٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٩٥ (١١٢٩٣)، وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ٤٣٩ لأبي الشيخ. من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":401},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-259> تحليل الاستدراك:</span>\nلَمَّا اختصم هذان الرجلان إلى طاوس (ت: ١٠٦) فأكثَرَا، نهاهُمَا عمَّا هُمْ فيه من اختلافٌ مذمومٌ، فقال أحدهما مُسَوِّغًا ذاك الاختلاف: (لذلك خُلِقنا)، واستدل على قوله هذا بقوله تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، فذهب الرجلُ إلى أن الضمير في ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] عائدٌ على الاختلاف السابق ذكره، واللاَّمُ فيه للتعليل، أي: خَلَقَهُم ليَختَلِفُوا. واللفظ يحتمله.\nوأنكر طاووس (ت: ١٠٦) هذا الاستدلال، ورَدَّ المعنى الذي ذكره الرجل، وبَيَّنَ أن الضمير في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] عائِدٌ على الرحمة المذكورة في قوله ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٩]، وهي للضمير أقربُ مذكور، ومن ثَمَّ يبطُلُ الاستدلال بالآية على تسويغ ما فيه هذان الرجلان من اختلاف؛ لأن أهل الرحمة لا يختلفون اختلافًا يفترقون به ويتباغضون، كما هو ظاهرُ حالِ هذين الرجلين، ويؤكد أن اختلافهما من الاختلاف المذموم ذكرُ طاووس (ت: ١٠٦) للجماعة في رده على الرجل بقوله: (إنما خلقهم للرحمة والجماعة)، أي: لا لِمَا أنتُمَا فيه من فرقة وخِصَام.\n\n*<span data-type='title' id=toc-260> الحكم على الاستدراك:</span>\nاستدلال الرجل بالآية على خلافه وتفَرُّقِه مع صاحبه مردودٌ غيرُ صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية دوامَ اختلاف الخلق، ثم استثنى منهم أهل الرحمة، فقال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، فأهل الرحمة لا يختلفون، وإن اختلفوا فليس اختلافهم من جنس اختلاف الخلق في أديانهم وتباغضهم وتفرقهم، فإن اختلافهم رحمةٌ لا تباغُضَ فيه، واجتماعٌ لا فُرقَةَ فيه، فهُم أعلَمُ الخلق بالحَقِّ، وأرحمهم للخلق، قال الحسن (ت: ١١٠): (أهل رحمة الله لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم) (^١)، وقال قتادة\n_________\n(^١) جامع البيان ١٢/ ١٨٦ (١٤٤٠٧).","vol":"1","page":402},{"text":"(ت: ١١٧): (أهلُ رحمة الله أهلُ الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهلُ معصيته أهلُ فرقةٍ، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم) (^١). فهذا الاختلاف المذموم غير داخل في معنى الآية على جميع الأقوال الآتية، واللام التي جعلها للتعليل ليست كما ذهب إليه، وسيأتي بيان معناها في القول الثاني في الآية.\nوقد اختلفت أقوال المفسرين في تعيين مُفَسّر الضمير في الآية على قولين:\nالأول: أن المُراد بقوله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٩]: الرحمة التي هي أقرب مذكور، أي: ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم. وهو قول ابن عباس ﵁ (^٢)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١) (^٣)، واختاره الحداد (ت: ٨٠٠) (^٤). وإنما لم يُؤنث في الإشارة إلى الرحمة؛ لأنها مصدر، أي: خلقهم ليرحمهم. ولأن تأنيث الرحمة ليس حقيقيًا، ومثله قوله تعالى ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦]. (^٥)\nالثاني: أن المُراد: خلقهم ليختلفوا فريقين، فريقًا يَرْحمُ فلا يختلف، وفريقًا لا يَرْحَمُ يختلف. فتكون الإشارة بقوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] للأمرين: الاختلاف والرحمة، قال\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٤ (١١٢٩٠)، وينظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٥٩، و٢٤/ ١٧٢.\n(^٢) من طريقي: عكرمة، والضحاك. ينظر: جامع البيان ١٢/ ١٨٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥.\n(^٣) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ١٣٥، وتفسير الثوري (ص: ١٣٦)، وجامع البيان ١٢/ ١٨٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥، وزاد المسير (ص: ٦٧٧)، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٨٢٠.\n(^٤) في تفسيره ٣/ ٥٠٦. وهو اختيار جمهور المعتزلة، كما شرحه الشريف المُرتضى في أماليه ١/ ٧٠، وذكره الزمخشري في الكشاف ٢/ ٤٢٢، وذلك منهم فِرارًا من القول بأنه تعالى خلقهم للاختلاف؛ لمُخَالَفته لأصلهم في باب العدل والقدر. ينظر: نكت القرآن ١/ ٦٠٧، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٧، والمحرر الوجيز ٣/ ٢١٥، والتفسير الكبير ١٨/ ٦٣، والبحر المحيط ٥/ ٢٧٣.\n(^٥) ينظر: أمالي المرتضى ١/ ٧١، والكشف والبيان ٥/ ١٩٤، ووَضَح البرهان ١/ ٤٤٧، والتفسير الكبير ١٨٦٣.","vol":"1","page":403},{"text":"الثعلبي (ت: ٤٢٧): (وهذا بابٌ سائِغٌ في اللغة، وهو أن يُذكَرَ لفظان مُتَضادَّان، ثُمَّ يُشَارُ إليهما بلفظ التوحيد) (^١)، ومنه قوله تعالى ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٨]، وقوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]، وقوله ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] (^٢). ويدُلُّ على هذا القول أن الكلام في الآية في بيان اختلاف الخلق في أديانهم، وهو مُفتَتَحُ الكلام وإليه يعود، قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨]، ثُمَّ الاختلاف المذكور أكثر مناسبة للإشارة للمُذَكَّر البعيد في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩]، كما أن سباق الآية ولحاقها يؤكد هذا المعنى، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية انقسام الخلق إلى شَقِيٍّ وسعيد فقال ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، ثم تَمَّمَ تعالى هذه الآية ببيان حالِ هذين الفريقين المُختَلِفَين فقال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. وقد أشار إلى سِبَاقِ الآية ابنُ عباس ﵁ (^٣)، كما أشارَ إلى لِحاقِها أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: ٢٢٤) (^٤).\nوعلى هذا القول تكون اللامُ في قوله تعالى ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩]، بمعنى: \"على\" كما ذكره ابن جرير (ت: ٣١٠) (^٥)، أو للصيرورة، وبيان العاقبة الكونية (^٦). وهو قول ابن عباس ﵁ (^٧)، وعمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء\n_________\n(^١) الكشف والبيان ٥/ ١٩٤.\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٢١٥، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ٧٦.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٢/ ١٨٦ (١٤٤٠٨)، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥ (١١٢٩٢).\n(^٤) كما في تفسير السمعاني ٢/ ٤٦٨. وينظر: أحكام القرآن ٣/ ٢٧، والتفسير الكبير ١٨/ ٦٣، والإشارات الإلهية ٢/ ٣٢٦.\n(^٥) جامع البيان ١٢/ ١٨٨، وينظر: الكشف والبيان ٥/ ١٩٤.\n(^٦) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ٣/ ٢١٥، والمحرر الوجيز ٣/ ٢١٦، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٦، والبحر المحيط ٥/ ٢٧٢.\n(^٧) من طريق عطاء، وابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان ١٢/ ١٨٦، والوسيط ٢/ ٥٩٧.","vol":"1","page":404},{"text":"(ت: ١١٤)، والكلبي (ت: ١٤٦)، والأعمش (ت: ١٤٨)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، والفراء (ت: ٢٠٧) (^١)، وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: ٢٢٤) وقال: (وعليه أهلُ السُّنةِ) (^٢).\nوما عدا هذين القولين من الأقوال إمَّا راجِعٌ إليهما (^٣)، أو فيه تكلُّفٌ وبُعدٌ، قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): (وقد أبعد المتأوِّلُون في تقدير غير هذه الثلاث) (^٤)، أي: رجوع الضمير للاختلاف، أو الرحمة، أو كليهما.\nوالقول الثاني أرجح القولين وأولاهُما؛ لدلالة لفظ الآية وسياقها عليه، ولأنه أعم من القول الأول، بل القول الأول راجِعٌ إليه ومترتبٌ عليه، كما أشار إلى ذلك جماعةٌ من المفسرين (^٥)، وقال عنه النحاس (ت: ٣٣٨): (وهو أبيَنُها وأجمعُها) (^٦)، وعليه أكثر المفسرين. (^٧)\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٢/ ٣١، وجامع البيان ١٢/ ١٨٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥، وبحر العلوم ٢/ ١٤٧، والكشف والبيان ٥/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٨٢٠.\n(^٢) تفسير السمعاني ٢/ ٤٦٨، والوسيط ٢/ ٥٩٧، ولعلَّ مُراده أن ذلك في مقابل قول المعتزِلة السابق في القول الأول. وينظر: معاني القرآن، للنحاس ٣/ ٣٨٩.\n(^٣) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٢/ ٥١١، وابن الجوزي في زاد المسير (ص: ٦٧٧)، ما مجموعه خمسةَ أقوالٍ في الآية، هي تشقيقٌ وتكثيرٌ لِهذين القولين، في حين أنهُما وجهٌ واحِدٌ في تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٥، ووجهان في تفسير ابن جرير ١٢/ ١٨٦.\n(^٤) البحر المحيط ٥/ ٢٧٣، وينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٢١٥، وروح المعاني ١٢/ ٤٩٣.\n(^٥) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٨٤، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ٣٨٩، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٧.\n(^٦) معاني القرآن ٣/ ٣٨٩، وينظر: تفسير السمعاني ٢/ ٤٦٨.\n(^٧) ينظر: جامع البيان ١٢/ ١٨٨، ومعاني القرآن وإعرابه ٣/ ٨٤، ومعاني القرآن، للنحاس ٣/ ٣٨٩، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣١٣، والكشف والبيان ٥/ ١٩٥، والوسيط ٢/ ٥٩٧، والوجيز ١/ ٥٣٧، ومعالم التنْزيل ٤/ ٢٠٧، وأحكام القرآن، لابن العربي ٣/ ٢٧، والمحرر الوجيز ٣/ ٢١٥، والتفسير الكبير ١٨/ ٦٣، والجامع لأحكام القرآن ٩/ ٧٦، والإشارات الإلهية ٢/ ٣٢٦، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٦، والبحر المحيط ٥/ ٢٧٢، وروح المعاني ١٢/ ٤٩٢، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٨٢٤، والتحرير والتنْوير ١٢/ ١٨٩.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>[٧١] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٠].</span>\nقال مسروق: (والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم بها محمد ﷺ قومه، قال: فنَزلت ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٠]. قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليهما وسلم، فآمَنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-262> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب مسروق (ت: ٦٣) إلى أن المُراد بالشاهد: موسى ﵇، شَهِدَ على مثل هذا القرآن وهو: التوراة، فآمنَ هو وأتباعه، واستكبرتم أنتم عن الإيمان برسولكم محمد ﷺ (^٢). وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على سياق الآية، فإن هذه الآية جاءت في سياق مُحَاجَّة مشركي قريش وتوبيخهم، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وهذه الآية نظير سائر الآيات قبلها) (^٣)، وهي قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٦/ ١٣ (٢٤١٦٨ - ٢٤١٦٩)، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٣٨٠ لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.\nوإسناده صحيح.\n(^٢) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٦/ ٤٤٣، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٨٧.\n(^٣) جامع البيان ٢٦/ ١٧.","vol":"1","page":406},{"text":"يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧ - ٩]. ثُمَّ قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩] يُقَوِّي هذا المعنى، فهو ﷺ ليس بأوَّل الرسل، فقد كان قبله رُسلٌ، منهم موسى ﵇ الشاهد على مثل القرآن وهي التوراة. ثُمَّ ذكر تعالى بعد هذه الآية تأكيدَ هذا المعنى بقوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف ١١ - ١٢]. ونظير هذا القول قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٦ - ٢٠].\nونفى مسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام ﵁، ومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ النُّزول، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف ١٠]) (^١)، وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: (نزلت فيَّ آياتٌ من كتاب الله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف ١٠]) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-263> الحكم على الاستدراك:</span>\nوافق الشعبيُّ (ت: ١٠٤)، وعكرمةُ (ت: ١٠٥) مسروقًا (ت: ٦٣) فيما ذهب إليه من أن الآية لم تنْزل في عبد الله بن سلام ﵁. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ١٦٠ (٣٨١٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٥ (٢٤٨٣).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٨١ (٣٢٥٦)، وابن جرير في تفسيره ٢٦/ ١٤ (٢٤١٧١)، وفي إسناده ضعف، وصَحَّ عن سعد ابن أبي وقاص وغيره من الصحابة أنها نزلت في عبد الله بن سلام. ينظر: صحيح مسلم ٦/ ٣٥ (٢٤٨٣)، وجامع البيان ٢١/ ١٢٦ ط/ التركي.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ١٢، وزاد المسير (ص: ١٣٠٠)، والدر المنثور ٧/ ٣٨٠.","vol":"1","page":407},{"text":"وذهب سعد بن أبي وقاص، وعوف بن مالك الأشجعي ﵃، وابن عباس من طريق العوفيين، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) في رواية، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، والثوري (ت: ١٦١)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وغيرهم، إلى أنها نزلت في عبد الله بن سلام ﵁. (^١)\nوظاهرُ الآية وسياقها ظاهرٌ في مُحاجَّة قريش، وإثبات صدق محمد ﷺ، وموافقته ما جاء به المرسلون قبله، ويؤكد ذلك أن السورة مكية بالإجماع (^٢)، وسبق ذكر نظير هذه الآية في كتاب الله تعالى. وقد رَدَّ مسروقُ (ت: ٦٣)، والشعبيُّ (ت: ١٠٤) القولَ الثاني بأن السورة مكية؛ لأن عبد الله بن سلام إنما أسلم في المدينة. فأجاب من ذهب إلى أنها في عبد الله بن سلام عن ذلك بأن هذه الآية مدنية في سورة مكية، قال ابن سيرين (ت: ١١٠): (كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام. قال: والسورة مكية، والآية مدنية. قال: وكانت الآية تنْزل فيُؤمر النبي ﷺ أن يضعها بين آيتي كذا وكذا، في سورة كذا، يرون أن هذه منهُن) (^٣).\nومع وجاهة هذا القول، وجلالة القائلين به، وذهاب كثير من المفسرين إليه (^٤)، إلا أن القول الأول أرجح منه؛ لوجوه:\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن وهب ١/ ٥٤، وجامع البيان ٢٦/ ١٤، وزاد المسير (ص: ١٣٠٠)، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٨٨.\n(^٢) ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: ٣٤)، وجامع البيان ٢٦/ ٣، وفتح القدير ٥/ ٢٢.\n(^٣) تفسير البستي ٢/ ٣٤٢، وينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: ٦٠)، والدر المنثور ٧/ ٣٨٠.\n(^٤) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٢٢١، ومعاني القرآن، للفراء ٣/ ٥١، ومعاني القرآن وإعرابه ٤/ ٤٣٩، ومعاني القرآن، للنحاس ٦/ ٤٤٢، وإعراب القرآن ٤/ ١٠٦، وتفسير القرآن العزيز ٤/ ٢٢٣، والوسيط ٤/ ١٠٤، والوجيز ٢/ ٩٩٥، وتفسير السمعاني ٥/ ١٥١، والكشاف ٤/ ٢٩١، والتفسير الكبير ٢٨/ ٩، والجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٢٥، وأنوار التنْزيل ٢/ ٩٧٨، وتفسير البحر المحيط ٨/ ٥٨، وفتح القدير ٥/ ٢٢، ٢٥، وروح المعاني ٢٦/ ٢٣٦، وأضواء البيان ٧/ ٢٤٧، والعذب النمير ٢/ ٨٦٨.","vol":"1","page":408},{"text":"الأول: موافقته لسياق الآية.\nالثاني: موافقته لموضوع السورة العام ومكان نزولها.\nالثالث: لم يَجرِ لأهل الكتاب أو اليهود ذِكرٌ في محيط الآية. (^١)\nالرابع: أن السلف كثيرًا ما يذكرون نزول الآية في أمر، ويريدون بذلك أنه داخلٌ في معنى الآية، وممَّا يَصِحُّ أن تُراد به، وقد سبق بيان ذلك (^٢). ويشهد لهذا قول عبد الله بن سلام ﵁: (نزل فِيَّ آياتٌ من كتابِ الله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف ١٠]، ونزلت فِيَّ ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٤٣]) (^٣)، وكلا الآيتين مكِّيَّتان، والعموم في الثانية ظاهر، وتخصيصها بعبد الله بن سلام باطلٌ قطعًا (^٤)، فمُرادُه إذًا من كلا الآيتين ما ذُكِر. (^٥)\nالخامس: أن إخراج الآية من سياقها مُخالِفٌ للأصل، ومُحِيلٌ لنظم الآية واتساقها، ولا حاجَة داعيةً إليه، وقد استقام المعنى بدونه، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ولا دَلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدَّم الخبر عنهم معنى) (^٦).\nالسادس: أن لفظة ﴿شَاهِدٌ﴾ [الأحقاف ١٠] نَكِرَةٌ في سياق الشرط، فتُفيد العموم. (^٧)\nفمن ثَمَّ يكون الشاهد اسمُ جنس يَعُمُّ عبد الله بن سلام وغيره، وهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢٦/ ١٧، وروح المعاني ٢٦/ ٢٣٧.\n(^٢) ينظر: الاستدراك رقم (٥٥) (ص: ٢٨١).\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه ٥/ ٣٨١ (٣٢٥٦)، وابن جرير في تفسيره ٢٦/ ١٤ (٢٤١٧١).\n(^٤) ينظر: الصواعق المرسلة ٢/ ٧٠٢.\n(^٥) ينظر: الاستيعاب ٣/ ٩٢٣.\n(^٦) جامع البيان ٢٦/ ١٧.\n(^٧) ينظر: روح المعاني ٢٦/ ٢٣٧.","vol":"1","page":409},{"text":"(ت: ٧٧٤)، والسعدي (ت: ١٣٧٦)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (^١)، ونسبه ابن عطية (ت: ٥٤٦) للجمهور. (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-264>[٧٢] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١].</span>\nعن سعيد بن جبير: (أن ابن عباس ﵁ قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر (^٣): فقلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه نَهرٌ في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-265> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب سعيد بن جبير (ت: ٩٥) إلى أن المُراد بالكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله رسولَه ﷺ. ونقل ذلك عن ابن عباس ﵁، وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على اللغة كما سيأتي.\nوذهب قومٌ إلى أن المُراد بالكوثر في الآية: نَهرٌ في الجنة. مُعتَمِدِين على حديث أنس ﵁ قال: (بَيْنَا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهُرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه مُتَبَسِّمًا، فقلنا: ما أضحككَ يا رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفًا سورة. فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٦/ ١٧، والاستيعاب ٣/ ٩٢٣، ومجموع الفتاوى ١٥/ ٧٤، و١٦/ ٢١٤، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣١٨٨، وتيسير الكريم الرحمن ٢/ ٦٦٨، والتحرير والتنوير ٢٦/ ٢٠.\n(^٢) المحرر الوجيز ٥/ ٩٤، وينظر: معالم التنْزيل ٧/ ٢٥٤.\n(^٣) الراوي عن سعيد بن جبير، وهو: حصين بن عبد الرحمن السُّلمي الكوفي، مات سنة (١٣٦). ينظر: الكاشف ١/ ٢٣٧، والتقريب (ص: ٢٥٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٠٣ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ١٠٨ - سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، برقم: ٤٩٦٦).","vol":"1","page":410},{"text":"شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ١ - ٣]. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نَهرٌ وَعَدَنِيهِ ربي ﷿ في الجنة، عليه خيرٌ كثيرٌ، هو حوضٌ ترِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُهُ عددُ النجوم، فيُختَلَج العبدُ منهم، فأقول: رَبِّ إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك) (^١)، فهذا تفسيرٌ نبويٌ صريحٌ في أن الكوثر نهرٌ في الجنة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-266> الحكم على الاستدراك:</span>\nصَحَّ عن ابن عباس ﵁ أن الكوثرَ في الآية: الخير الكثير. وتبعه سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومحارب بن دِثَار (^٢) (ت: ١١٦)، وقتادة (ت: ١١٧) (^٣).\nوذهب أنس بن مالك، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس (^٤) ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أن المُراد به في الآية: نَهرٌ في الجنة أعطاه الله رسوله ﷺ (^٥). وقد صَحَّ به الخبر عن رسول الله ﷺ كما سبق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٨٥ (٤٠٠).\n(^٢) محارب بن دِثَار السدوسي الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد، مات سنة (١١٦). ينظر: الكاشف ٣/ ١٢٢، والتقريب (ص: ٩٢٢).\n(^٣) ينظر: صحيح البخاري ٨/ ٦٠٣، وجامع البيان ٣٠/ ٤١٦، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧٦.\n(^٤) من طريق عطاء عن ابن جبير، وصححها ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٨٧٦، ومن طريق العوفيين. ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤١٦.\n(^٥) ينظر: تفسير مقاتل ٣/ ٥٢٨، وجزء فيه تفسير يحيى بن يمان (ص: ١٠٦)، وجامع البيان ٣٠/ ٤١٤، ٤١٨، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧٧.","vol":"1","page":411},{"text":"والكوثر لُغَةً: فَوْعَلٌ من الكثرة، أي: بليغُ الكَثرَة (^١)، قال الشاعر (^٢):\nوأنتَ كَثيرٌ يا ابنَ مروانَ طَيِّبٌ … وكانَ أبوكَ ابنُ العَقائِل كَوثَرا\n(والعرب تُسَمِّي كُلَّ شيءٍ كثيرٍ في العدد والقدر والخطر: كوثَرًا) (^٣)، وهو ما اعتمده أصحاب القول الأول.\nولكنه تفسيرٌ مُقابَلٌ في القول الثاني بتفسير النبي ﷺ، وقَد جعلَهُ جماعةٌ من المفسرين نَصًّا من النبي ﷺ، يُخَصَّصُ به العموم اللفظي في الآية، وممَّن ذهب إلى ذلك ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والطوفي (ت: ٧١٦)، وابن جُزي (ت: ٧٤١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (^٤)، ونسبه الواحدي (ت: ٤٦٨) لأكثر المفسرين (^٥)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف) (^٦).\nوالصواب أن تفسير النبي ﷺ للكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، هو من باب التمثيل لا التخصيص، وهو ما فهمه ابن عباس ﵁، ومن تبعه من المفسرين، فإن الأحاديث في الكوثر بلغت حَدَّ التواتر (^٧)، فلم تكن لتخفى على ابن عباس ﵁،\n_________\n(^١) ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: ٤٧٤)، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٠٢، والمفردات (ص: ٧٠٣)، وأساس البلاغة ٢/ ١٢٣.\n(^٢) هو: الكميت بن زيد الأسدي، ينظر: لسان العرب ٥/ ١٣٣.\n(^٣) الكشف والبيان ١٠/ ٣٠٨، وينظر: معالم التنْزيل ٨/ ٥٥٨، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٧.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤١٨، وتفسير القرآن العزيز ٥/ ١٦٧، ومعالم التنْزيل ٨/ ٥٥٨، والجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ١٤٨، والإشارات الإلهية ٣/ ٤٢٣، والتسهيل ٤/ ٤٢٦، والبحر المحيط ٨/ ٥٢٠، وفتح الباري ٨/ ٦٠٤،\n(^٥) الوسيط ٤/ ٥٦٠، وينظر: أنموذج جليل (ص: ٥٨٢).\n(^٦) التفسير الكبير ٣٢/ ١١٦.\n(^٧) ينظر: تفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧٧، ونظم المُتناثِر من الحديث المُتواتر (ص: ٢٥٠).","vol":"1","page":412},{"text":"بل قد صَحَّ عنه تفسير الكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، كما سبق، ولا يُتَصَوَّر أن يخالف ابن عباس ﵁ نَصَّ حديث رسول الله ﷺ لو كان أراد ذلك.\nووجوه ترجيح العموم في الآية عديدة، وهي:\nالأول: أنه الحقيقة اللغوية لكلمة: كوثر. ولا يُقَدَّم عليها النقل الشرعي ما لَم يكُن صريحًا.\nالثاني: أنه دلالة اللفظ في قوله تعالى ﴿الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١]، فإن اقتران هذه الصفة باللام المفيدة للاستغراق جعلها شامِلَة، ولإعطاء معنى الكثرة كاملة. (^١)\nالثالث: دلالة حذف موصوف الكوثر، فإنه أبلغُ في العموم؛ لِمَا فيه من عدم التعيين. (^٢)\nالرابع: أن فَهم ابن عباس ﵁ للتمثيل، أولى من فهم من بعده للتخصيص، فمن حضر التنْزيل وعاصر نزوله وأحواله، كان أعرف بتأويله، ولا يُعارَض هذا بأقوال غيره من الصحابة أن الكوثر نهرٌ في الجنة كما سبق؛ إذ أقوالُهم جاريةٌ مجرى التعريف بالكوثر شرعًا، لا تفسير معناه في الآية، ولو جُعِلَت أقوالهم في سياق بيان معنى الآية لكانت من قبيل التمثيل للمعنى أيضًا، إذ ليس في كلامهم دليلُ تخصيص يُعتَمَد عليه.\nالخامس: أن قَولَه ﷺ في الحديث: (عليه خيرٌ كثيرٌ)، يُشعِرُ بأن معنى الوصفية موجود، وهو ما فهمه ابن عباس ﵁ ومن تبعه من المفسرين.\nالسادس: أن العموم أنسب لسياق الآية، فقد قال تعالى في آخر السورة ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣]، وذلك فيمَن قال من المشركين عن رسول الله ﷺ لَمَّا\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة تفسير ابن النقيب (ص: ٥٢٢)، ومجموع الفتاوى ١٦/ ٥٣٠.\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٩، ودقائق التفسير ٦/ ٣١٢.","vol":"1","page":413},{"text":"مات ابنه عبد الله: دَعُوه فإنما هو رجلٌ أبتَر لا عَقِبَ له، لو هلك لانقطع ذِكره، واسترحتم منه (^١). فناسَب ذلك أن يذكر عظيمَ نِعَمه، وجليل فضله على رسوله ﷺ في الدنيا والآخرة، وهو القول بالعموم على ما سَبَق.\nالسابع: أن أكثر المفسرين على عدم التخصيص، ثُمَّ هُمْ بعد ذلك على قسمين:\n- فمنهم من يُحَدِّد معنىً للآية على جِهَة التمثيل (^٢)، كقول عكرمة (ت: ١٠٥): (هو: النبوة)، وقول الحسن (ت: ١١٠): (هو: القرآن). (^٣)\n- ومنهم من يَختارُ العموم مُطلَقًا بلا تَمثيل (^٤)، كقول السمرقندي (ت: ٣٧٥): (يعني: الخير الكثير) (^٥)، وقول ابن عطية (ت: ٥٤٦): (كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم ..، فنعمَ ما ذَهَبَ إليه ابن عباس، ونِعمَ ما تَمَّمَ به ابن جبير ﵃ (^٦).\nولا شَكَّ أن البيان النبوي السابق عن الكوثر يدخُلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا في معنى الآية عند اختيار العموم، كما أشار إلى ذلك ابن عباس ﵁، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤٢٦، وأسباب النُّزول (ص: ٤٦٦).\n(^٢) بلغت الأقوال في هذا القسم أكثر من ستة وعشرين قولًا. ينظر: الكشف والبيان ١٠/ ٣١٠، والبحر المحيط ٨/ ٥٢٠، وروح المعاني ٣٠/ ٦٦١.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٣٠/ ٤١٧، والكشف والبيان ١٠/ ٣١٠.\n(^٤) ينظر: معاني القرآن، للفراء ٣/ ٢٩٥، وتفسير غريب القرآن (ص: ٤٧٤)، ومعاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٦٩، ونكت القرآن ٤/ ٥٥٣، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٠٢، وبحر العلوم ٣/ ٥١٩، والوجيز ٢/ ١٢٣٦، والمحرر الوجيز ٥/ ٥٢٩، والكشاف ٤/ ٨٠٢، وأنوار التنْزيل ٢/ ١١٧٥، ومقدمة تفسير ابن النقيب (ص: ٥٢٢)، ومجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٦، وتفسير ابن كثير ٨/ ٣٨٧٧، وتفسير الحداد ٧/ ٢٧٩، وروح المعاني ٣٠/ ٦٦٢، وتيسير الكريم الرحمن ٢/ ١٠٦٧، والتحرير والتنوير ٣٠/ ٥٧٣، وتفسير ابن عثيمين (ص: ٣٣١).\n(^٥) بحر العلوم ٣/ ٥١٩.\n(^٦) المحرر الوجيز ٥/ ٥٢٩.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: إدراك مفسري السلف لترابط المعاني وتداخلها، وحرصهم على اختيار أعَمِّها وأفخَمِها، وهذا بَيِّنٌ من جواب سعيد بن جبير (ت: ٩٥): (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه).\nثانيًا: لزوم التفريق في كلام النبي ﷺ على معاني الآيات بينَ ما هو نَصٌّ في التفسير فلا يجوز مخالفته، وما هو من قبيل التمثيل، أو بيان الأولى، ونحو ذلك مِمَّا لا حصر فيه للمعنى. ومن وسائل التفريق المُعتَبَرة بين نَوْعَي التفسير النبوي السابِقَين: فَهمُ الصحابي وتفسيره، فهو الأقدَرُ على تَمْييز هذين النوعين من جميع من بعده؛ لاطِّلَاعِه على أمور خارِجَةٍ عن النص النبوي الذي بين أيدينا، كسياق الموقف ومُناسبته، وشهود التنْزيل، وقرائنه الحالِيَّة، ومعرفة حال من نزل فيهم القرآن، بالإضافة إلى إدراكهم لخصائص ألفاظه، وفَهمِهم مُراده عن قُرب واطلاع، فإدراكهم للمعاني أَتَمّ، وتعبيرهم عنها أفصح وأوضح، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم) (^١)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (فمتى جاء عنهم تقييدُ بعضُ المُطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعَمَلُ عليه صواب) (^٢). وتُعَدُّ هذه الأمور وغيرها من أسباب حُجِّيَة قول الصحابي، ووجوه تقديمه على ما عداه. (^٣)\n* * *\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٢٦).\n(^٢) الموافقات ٤/ ١٢٨.\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ٢٤٥، والفقيه والمتفقه ١/ ٤٣٧، والعُدَّة، لأبي يعلى ٣/ ٧٢١، ومجموع الفتاوى ٢٠/ ١٤، وتنبيه الرجل العاقل ٢/ ٥٦٠، وعنه نقل ابنُ القيم في إعلام الموقعين ٥/ ٥٤٣، ومختصر الصواعق المرسلة (ص: ٥١٠)، والموافقات ٤/ ١٢٧. وممَّا أُفرِدَ في هذا الموضوع: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، للعلائي، وقول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية، لبابكر الفاداني، والصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله، لعبد الرحمن الدرويش، وقول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس، لفهد الرومي.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-268>[٧٣] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَ</span>طَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢].\nعن أبي المنهال (^١) قال: (كنت عند أبي العالية يومًا فتوضأ وتوضأت، فقلت ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]. فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب) (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-269> تحليل الاستدراك:</span>\nحملَ أبو المنهال (ت: ١٢٩) التطهر في الآية على الطهارة بالماء، وهو قولٌ معتَمِدٌ على المتبادر من اللفظ، وسياق الآية، ووروده بهذا المعنى في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية. فظاهر اللفظ المتبادر منه هو التطهر بالماء، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه) (^٣)، قال تعالى ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٨]، وقال ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال ١١]، ثُمَّ موضوع الآية في الحيض وبيان حكمه والطهارة منه، ولَمَّا كانت الطهارة منه بالغسل بالماء، ناسب خِتام الآية بالثناء على فاعليه، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة ١٠٨]، وقد ثبت\n_________\n(^١) سيَّار بن سلامة الرياحي، أبو المنهال البصري، ثقة، مات سنة (١٢٩). ينظر: الكاشف ١/ ٤١٤، والتقريب (ص: ٤٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٣ (٢٣)، و٧/ ٢٠٧ (٣٥٣٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٤٠٣ (٢١٢٧)، و٦/ ١٨٨٣ (١٠٠٨٣)، وعزاه السيوطي في الدر ١/ ٥٨٩ لوكيع، وعبد بن حميد. من طريق عبَّاد بن العوَّام، وعوف بن أبي جميلة العَبدي الأعرابي، عن أبي المنهال. وقد تحَرَّفَ في مصنف ابن أبي شيبة، وتفسير ابن أبي حاتم إلى (المنهال).\nوإسناده صحيح.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ٢/ ٥٣١.","vol":"1","page":416},{"text":"أن الله تعالى أثنى على هؤلاء القوم من الأنصار لتطهرهم بالماء (^١)، وجاءت السنة بهذا المعنى في دعائِه ﷺ بعد الوضوء: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) (^٢)، فتطابق دعاء رسول الله ﷺ مع لفظ الآية، واقترن بالوضوء بالماء، فدلَّ على أنه المُراد.\nأمَّا أبو العالية (ت: ٩٣) فقد أثنى على التطهر بالماء، وذكر أنه أمرٌ حَسَنٌ فَضيلٌ، لكن المُراد عنده بالتطهر في الآية: من الذنوب. وهو معنىً مأخوذٌ من عموم اللفظ، ومناسب لسياق الآية، وله شواهد في القرآن. فالتطهر في الآية جاء مقرونًا ب\"أل\" المفيدة للعموم والاستغراق، وأولى ما تَطَهَّرَ منه العبدُ ذنوبَه، وطهارة الباطن أصلٌ لطهارة الظاهر، وهو الأنسب لذكر التوابين في الآية، والثناء عليهم بترك الذنوب والطهارة منها. ويشهد له من القرآن قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، وقوله ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل ٥٦]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣]، قال الطحاوي (ت: ٣٢١): (فإن ذلك عند جميعهم على التطهير من الذنوب، ومن سائر الأشياء التي تدنس بني آدم) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: مسند أحمد ٣/ ٤٢٢ (١٥٥٢٤)، وسنن أبي داود ١/ ١١ (٤٤)، وجامع الترمذي ٥/ ٢٨٠ (٣١٠٠)، وسنن ابن ماجة ١/ ١٢٧ (٣٥٥)، وجامع البيان ١١/ ٤٠، وأحكام القرآن، للطحاوي ١/ ١٣١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الجامع ١/ ٧٨ (٣٨٤) عن عمر، والطبراني في الأوسط ٥/ ١٤٠ عن ثوبان، والبيهقي في السنن الصغرى ١/ ٩٤ (١١٢) عن ابن عمر وأنس، وهو حديث حسن بطرقه، وذكر ابن القيم ثبوته في زاد المعاد ١/ ١٨٨، وقد أعلَّه الترمذي بالاضطراب، وأجاب عنه أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي ١/ ٧٩. وله شواهد عن علي وحذيفة ﵁، في مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٣ (٢٠، ٢٥)، وأصله عند مسلم في صحيحه ١/ ٤٧٠ (٢٣٤)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٤٥، ١٥٣ (١٧٣٥٢، ١٧٤٣١)، بدون (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين).\n(^٣) أحكام القرآن ١/ ١٣٠.","vol":"1","page":417},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-270> الحكم على الاستدراك:</span>\nذهب ابنُ عباس ﵁، وعطاء (ت: ١١٤)، وأبو المنهال (ت: ١٢٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أن المُراد: التطهر بالماء. (^١)\nوذهب سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، إلى ما ذهب إليه أبو العالية (ت: ٩٣)، فحملوا الآية على التطهر من الذنب (^٢)، واختاره ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠). (^٣)\nولفظ التَّطَهر في الآية المقترن بأل المفيدة للعموم والاستغراق يشمل جميع معاني التطهر الظاهرة والباطنة، غيرَ أن التطهر بالماء أولى هذه المعاني؛ لأنه الأغلب من معانيه، والأوفق لسياق الآية وموضوعها، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (واللفظ وإن كان يحتمل جميع ما ذُكر، فالأول به أخص- أي: التطهر بالماء للصلاة-، وهو فيه أظهر، وعليه حَمَلَه أهلُ التأويل، وهو المُنعَطِف على سابق الآية، المُنتَظم معها) (^٤)، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يحب المتطهرين في آيتين، آية البقرة هذه، وآية التوبة في قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة ١٠٨]، ولَمَّا صَحَّ أن المُراد بالتطهر في آية التوبة التطهر بالماء كما سبق، كان ذلك أولى المعاني وأقربها في الآية الأخرى، قال الطحاوي (ت: ٣٢١): (فدلَّ ذلك على أن الطهارة المذكورة في الآية الأولى، هي هذه الطهارة المذكورة في الآية الأخرى) (^٥)، وقد جاءت دلالة السنة ظاهرة على هذا المعنى كما سبق.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١١٨، ومصنف ابن أبي شيبة ٣/ ١٤١، وجامع البيان ٢/ ٥٣١، وزاد المسير (ص: ١٣٢)، ومعالم التنْزيل ١/ ٢٥٩.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٢/ ٥٣١، وزاد المسير (ص: ١٣٢).\n(^٣) تفسير القرآن العزيز ١/ ٢٢٢، وفتح القدير ١/ ٣٩٦.\n(^٤) أحكام القرآن ١/ ٢٢٠.\n(^٥) أحكام القرآن ١/ ١٣١.","vol":"1","page":418},{"text":"وهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن القيم (ت: ٧٥١). (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-271>[٧٤] ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ا</span>لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح ٢٩].\nعن منصور بن المعتمر (^٢)، عن مجاهد في قوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]، قال: (هو الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢/ ٥٣١، أحكام القرآن، للطحاوي ١/ ١٣٠، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ١٨٤، وأحكام القرآن، للجصاص ١/ ٤٢٥، وبحر العلوم ١/ ٢٠٥، والوسيط ١/ ٣٢٨، والوجيز ١/ ١٦٨، وأحكام القرآن، لابن العربي ١/ ٢٢٠، والمغني ١/ ٤٣٧، والبحر المحيط ٢/ ١٧٩، والتبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٢٥)، وتفسير ابن عثيمين ٣/ ٨٢.\n(^٢) منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة (١٣٢). ينظر: الكاشف ٣/ ١٧٧، والتقريب (ص: ٩٧٣).\n(^٣) أخرجه الثوري في تفسيره (ص: ٢٧٨) (٩٠٠)، وابن المبارك في الزهد (ص: ٥٦) (١٧٣)، مُختصرًا، والبخاري في صحيحه ٨/ ٤٤٥ (كتاب ٦٥ - التفسير، باب ٤٨: سورة الفتح)، مُعلَّقًا بصيغة الجزم، وعبد بن حميد في تفسيره، كما في فتح الباري ٨/ ٤٤٦، والبستي في تفسيره ٢/ ٣٧٨ (٩٥١، ٩٥٣)، وابن جرير في تفسيره ٢٦/ ١٤٣ (٢٤٤٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٥٨، وعزاه السيوطي في الدر ٧/ ٤٧١ لسعيد بن منصور، وابن نصر. من طريق ابن جريج ومنصور، عن مجاهد.\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":419},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-272> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا (^١) في الآية أثر السجود المحسوس في الوجه، ومن فسرها بذلك أخذه من ظاهر لفظ الآية، فإنها بينت سبب هذه السيماء والعلامة، فقال تعالى ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]. ثم السياق يشهد له أيضًا، ففي الآية قبلها ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩]، ومن كانت هذه حاله ظهر عليه نحو ذلك الأثر ولو لم يقصد. كما ورد في السنة ما يشهد له، وهو قوله ﷺ فيمن يُخرج من النار من الموحدين: (ويعرفونهم بآثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود) (^٢)، وعن جابر مرفوعًا: (إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا داراتِ وجوهِهِم، حتى يدخلون الجنة) (^٣)، فهو أثرٌ في الوجه محسوس لا تمسه النار يوم القيامة.\nوفسَّرها مجاهد بأنها الخشوع، وفي ألفاظ أخرى عنه قال: التواضع، والوقار، والسَّحنة (^٤). فهي ليست بالأثر المحسوس على وجه المصلي؛ لأنه ربما ظهرت على من لا يدخل في من وَصَفَتْهُم الآية، كقساة القلوب، وبعض المنافقين (^٥). قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذه حال مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِل الضحك، وتَرد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء) (^٦)، وظاهر اللفظ يحتمل بعمومه هذا المعنى، كما يشهد له سياق الآية، فهو في وصف رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكن ذلك الأثر المحسوس من وصف رسول الله ﷺ، ولا من سِمَةِ جميع أصحابه ﵃.\n_________\n(^١) السِّيمَا هي: العلامة التي يُعرف بها الخير والشر. ينظر: تهذيب اللغة ١٣/ ٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٣٤١ (٨٠٦)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣٩٣ (٢٩٩).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤١٧ (٣١٩)، وينظر: فتح الباري ٢/ ٣٤٢.\n(^٤) ينظر: صحيح البخاري ٨/ ٤٤٥، وتفسير البستي ٢/ ٣٧٨، وجامع البيان ٢٦/ ١٤٣.\n(^٥) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٦/ ٥١٤.\n(^٦) المحرر الوجيز ٥/ ١٤١.","vol":"1","page":420},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-273> الحكم على الاستدراك:</span>\nيجتمع كلا هذين القولين في بيان المراد بالسيما في الآية على أنها في الدنيا، وقد سَبَقَ بعضُ الصحابة مُجاهدًا إلى هذا القول، فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩] قال: (أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته، وسمته وخشوعه) (^١)، وعن الجعيد بن عبد الرحمن (^٢) قال: كنت عند السائب بن يزيد (^٣) إذ جاء الزبير بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وفي وجهه أثر السجود، فقال السائب: (لقد أفسدَ هذا وجهَه، أما والله ما هي السِّيمَا التي سَمَّى اللهُ، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثَّرَ السجود بين عيني) (^٤)، ومُراد السائب ﵁ أن هذه العلامة لا تؤثر عند عدمها، فكذلك لا تؤثر عند وجودها، فصاحب هذه العلامة لا يدخل في من وُصِف في الآية بمجردها، بل لا بد من أمر آخر هو ما بينه ابن عباس ﵁، ومِنْ بعده مجاهد (ت: ١٠٤)، وهو سمت الإسلام العام، وهديه وخشوعه وتواضعه. ومن ثَمَّ يكون نفيهم للأثر الحسِّي للسجود في الوجه أن يكون مرادًا في الآية، أي: بمفرده، أو من يتقصَّدُه، ويُرائي به، كما في اعتراض مجاهد في الاستدراك. وقريب من هذا القول تفسير السيما بنور الوجه من أثر الصلاة، كما قاله\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٦/ ١٤٣ (٢٤٤٧٩)، من طريق مجاهد عن ابن عباس، وأخرجه الثعلبي في تفسيره ٩/ ٦٥ من رواية الوالبي، وإسناده حسن، وينظر: الوسيط ٤/ ١٤٦، ومعالم التنْزيل ٧/ ٣٢٤.\n(^٢) الجعيد أو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس، مات سنة (١٤٤). ينظر: الكاشف ١/ ١٨٣، والتقريب (ص: ١٩٧).\n(^٣) السائب بن يزيد بن سعيد بن ثُمامة الكندي، من صغار الصحابة، له رؤية ورواية، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة (٩١). ينظر: السير ٣/ ٤٣٧، وتهذيب التهذيب ١/ ٦٨٣.\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤/ ٣٧٨ (٢٤١٨)، والطبراني في الكبير ٧/ ١٥٨ (٦٦٨٥)، والبيهقي في السنن ٢/ ٢٨٧ (٣٣٧٤). وإسناده صحيح، وينظر: مجمع الزوائد ٧/ ١٠٧.","vol":"1","page":421},{"text":"الثوري (ت: ١٦١)، وصححه النحاس (ت: ٣٣٨) (^١)، وفيه قول بعض السلف: (من كثرت صلاته بالليل، حَسُنَ وجهه بالنهار) (^٢).\nوذهب أبو العالية (ت: ٩٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومالك (ت: ١٧٩)، إلى أن السيما آثارُ السجود في الدنيا من نحو: أثر السهر والتعب في الوجه، والصُّفرة، وأثر ثرى الأرض وترابها، والطَّهُور (^٣). وهذا من تفسير السيما بالمثال من غير حصر.\nوعن ابن عباس ﵁ قال: (هو ما يبدو على وجوه المؤمنين يوم القيامة من أثر صلاتهم) (^٤). وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]: النور يوم القيامة) (^٥)، قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): (وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات، إذ كل ذلك من السيما\n_________\n(^١) إعراب القرآن ٤/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ١/ ٤٢٢ (١٣٣٣) مرفوعًا عن جابر، ولا يصح، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ثمَّ نَزَع شريكٌ لَمَّا رأى ثابتَ الزاهد، فقال يعنيه: من كثُرَت صلاته بالليل، حَسُن وجهه بالنهار. فظن ثابت أن هذا الكلام مُتَركب على السند المذكور، فحدث به عن شريك). المحرر الوجيز ٥/ ١٤١، ونقل ابن حجر (ت: ٨٥٢) اتفاق أئمة الحديث على أنه من قول شريك لثابت لَمَّا دخل. ينظر: الكافي الشافِ ٤/ ٣٣٨.\n(^٣) ينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ١٣٥، وجامع البيان ٢٦/ ١٤٤، والكشف والبيان ٩/ ٦٥.\n(^٤) جامع البيان ٢٦/ ١٤٢ (٢٤٤٧٣).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الصغير ١/ ٣٧٠ (٦١٩)، والأوسط ٤/ ٣٧١ (٤٤٦٤)، وعزاه في الدر ٧/ ٤٧٠ لابن مردويه، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه رواد بن الجراح، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره). مجمع الزوائد ٧/ ١٠٧، وفي التقريب (ص: ٣٢٩): (روَّاد بن الجراح صدوق اختلط بآخره فتُرك)، وقد حَسَّن حديثه هذا السيوطي في الدر ٧/ ٤٧٠، وتبعه الآلوسي في روح المعاني ٢٦/ ٣٨٩.","vol":"1","page":422},{"text":"المحمودة، ولكن النبي ﷺ ذَكَرَ أعلاها) (^١)، واختاره مقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠) (^٢)، واستبعده ابن جزي (ت: ٧٤١)، وقال: (لأن قوله ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩]، وصف حالهم في الدنيا، فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك) (^٣).\nوالصحيح حمل السيما في الآية على العموم، فجميع آثار السجود الحسية والمعنوية، في الدنيا والآخرة، داخلة في معنى الآية. واختاره قتادة (ت: ١١٧)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥) (^٤)، وابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم: في وجوههم من أثر السجود، ولم يخص ذلك على وقت دون وقت، وإذا كان ذلك كذلك، فذلك على كل الأوقات) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) التحرير والتنوير ٢٦/ ٢٠٦.\n(^٢) تفسير البستي ٢/ ٣٧٩ (٩٥٤، ٩٥٦).\n(^٣) التسهيل ٤/ ١٠٥.\n(^٤) جامع البيان ٢٦/ ١٤٥، والكشف والبيان ٩/ ٦٦.\n(^٥) جامع البيان ٢٦/ ١٤٤.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>رابعًا: استدراكات أتباع التابعين</span>\n<span data-type='title' id=toc-276>[٧٥] ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩].</span>\nقال مالك بن أنس: (قال زيد بن أسلم: إن الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمرٌ يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-274> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) إلى أن الحكمة: العقل. وهذا القول معتمدٌ على اللغة، إذ أصل الحكمة: المنع (^٢)، ومن معانيها: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من الجهل والهوى، قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨): (والحِكمَةُ: اسمُ العقل، وجمعها: حِكَم) (^٣). كما أنه صحيحٌ في السياق، فالعقل من خير الله الكثير الذي يؤتيه من يشاء.\nوذهب مالك (ت: ١٧٩) إلى أن الحكمة: العلم والفقه في دين الله، والتفكر في أمره، وإصابة الحق واتباعه (^٤). وهو معنىً معتمِدٌ على اللغة؛ إذ من معاني الحكمة\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في تفسيره ٢/ ١٣٠ (٢٥٦) عن مالك، وابن جرير في تفسيره ٣/ ١٢٥ (٤٨٤٠ - ٤٨٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٣٢ (٢٨٢٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/ ٨٣، ٧٥٧ (٧٠، ١٣٩٤ - ١٣٩٩). من طريق عبد الله بن وهب، عن مالك.\nوإسناده صحيح.\n(^٢) ينظر: مقاييس اللغة ١/ ٣١١.\n(^٣) الزاهر ١/ ١١١.\n(^٤) هذا مجموع ما رُوِيَ عن الإمام مالك في معنى الآية، ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٣٦٤، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢١٣.","vol":"1","page":424},{"text":"أيضًا: الحُكم وفصل القضاء (^١)، وكذا: الإحكام والإتقان والإصابة (^٢)، والفقه في دين الله واتِّبَاعه مانعٌ من الجهل والظلم والخلل. وقد استشهد مالك (ت: ١٧٩) على هذا المعنى بقوله تعالى ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم ١٢]، وقوله ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف ٦٤] (^٣)، وقد جاءت \"الحكمة\" في أكثر الآيات بِهذا المعنى، كما في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وقوله ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]، وقوله تعالى لنبيه عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة ١١٠]، وقوله ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء ٣٩]، وقوله تعالى لأزواج نبيه ﷺ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب ٣٤]، وقوله تعالى عن داود ﵇ ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٠]، ثُمَّ هو معنىً صحيحٌ في السياق، فالفقه في الدين خيرُ ما يُؤتى العبد، ويشهد له من السنة قوله ﷺ: (من يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّه في الدين) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-277> الحكم على الاستدراك:</span>\nالحِكمَةُ عند العرب: ما مَنَعَ من الجهل (^٥). ولا يكون ذلك إلا بعلم وفهم، والعلم الممدوح في هذه الآية وفي غيرها من كتاب الله هو علم القرآن والفقه في الدين، ومن ثَمَّ دارت تفاسير السلف للحكمة حول هذا المعنى: (الإتقان وإصابة\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٢٥.\n(^٢) ينظر: الزاهر، لابن الأنباري ١/ ١٠٩، وتهذيب اللغة ٤/ ٧١، والمحرر الوجيز ١/ ٣٦٤.\n(^٣) تفسير ابن وهب ٢/ ١٣٠ (٢٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٩٧ (٧١)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٠٥ (١٠٣٧).\n(^٥) ينظر: الزاهر، لابن الأنباري ١/ ٣٩٧، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٢٩٨، والغريبين ٢/ ٤٧٧، ومشارق الأنوار ١/ ٣٠٣، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢١٤.","vol":"1","page":425},{"text":"الحق في القول والفعل)، وإن اختلفت عباراتهم، وتعددت ألفاظهم (^١)، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (الحكمة: القرآن) (^٢)، وقال ابن عباس ﵁: (يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابِهه، ومُقَدَّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله) (^٣)، وقريبٌ من ذلك عن أبي الدرداء ﵁، وأبي العالية (ت: ٩٣)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وأبي مالك، والحسن (ت: ١١٠)، ومكحول (ت: ١١٢)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وأبو العباس ثعلب (^٤) (ت: ٢٩١) (^٥)، وغيرِهِم، مِمَّا هو من التفسير بالمثال، وبجزء المعنى، ولا تعارض فيه (^٦)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وأحسنُ ما قيلَ في الحكمة: قول مجاهد، ومالك: إنها معرفةُ الحق والعمل به، والإصابةُ في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان) (^٧).\nوقد جاء رَدُّ مالك بن أنس (ت: ١٧٩) على قول زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) من هذا\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٢٥، والمحرر الوجيز ١/ ٣٦٤، والكليات (ص: ٣٨٢).\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٥١، وزاد المسير (ص: ١٦٥).\n(^٣) جامع البيان ٣/ ١٢٤.\n(^٤) أحمد بن يحيى بن زيد بن سيَّار الشيباني مولاهم، أبو العباس ثعلب، النحوي اللغوي الحافظ، صَنَّف معاني القرآن، وغريب القرآن، والقراءات، وغيرها، مات سنة (٢٩١). ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٥٣٦، وبغية الوعاة ١/ ٣٩٦.\n(^٥) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٤٦، وتفسير غريب القرآن (ص: ٣٣)، وجامع البيان ٣/ ١٢٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٣١، وبحر العلوم ١/ ٢٣١، والفقيه والمتفقه ١/ ١٨٩، وزاد المسير (ص: ١٦٥).\n(^٦) ذكرَ أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٣٤ تسعةً وعشرين مقالةً في تفسير الحكمة في الآية. وينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥٣٢، وحقائق التفسير ١/ ٧٩، والكشف والبيان ٢/ ٢٧١.\n(^٧) مدارج السالكين ٣/ ٣٥٠.","vol":"1","page":426},{"text":"الوجه، فحملُ الحكمة في الآية على العقل مُجَرَّدًا لا يصح، من جهة أن العقل بلا دين لا خيرَ فيه، بل العاقل بلا دين والجاهل سواءٌ في عدم الانتفاع والاهتداء للحق والعمل به، ومثلُ ذلك غير ممدوح، قال مالك (ت: ١٧٩): (ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله)، فالعالم بأمر دينه هو مِمَّنْ آتاه الله الحكمة وإن كان ضعيف العقل والتدبير في أمر دنياه.\nومن ثَمَّ فقول زيد (ت: ١٣٦) في تفسير الحكمة وإن كان صحيحًا لُغةً، إلا أنه ضعيفٌ تفسيرًا؛ لقصور معناه عن اشتمال وصف الخيرية الأعظم الممدوح في لفظ الحكمة وهو: الفقه في الدين والعمل به، والصواب قول مالك (ت: ١٧٩) لصحته في اللغة، ولأنه أعمُّ في المعنى، ولشواهد هذا المعنى المتوافرة من الكتاب والسنة، بل لم يَرِد العقل مُجَرَّدًا معنىً للحكمة في القرآن الكريم (^١)، إذ ما كُلُّ عاقلٍ بحكيم، كما أن العقل الممدوح في كتاب الله هو ما كان طريقًا للتدبر، وموصلًا للحق والاهتداء، لا ما عَرِيَ عن ذلك، قال تعالى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٢٤٢]، وقال ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران ١١٨]، وقال ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢]، والعاقل بلا هداية كغير العاقل سواء، قال تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، وقال ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠].\nوقد اتفقت كلمة المفسرين (^٢) على قول مالك (ت: ١٧٩) كما سبق. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص: ١١١)، وتحصيل نظائر القرآن (ص: ١٠٧)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: ١٧٤)، ونزهة الأعين النواظر (ص: ٢٦٠).\n(^٢) ينظر: الوسيط ١/ ٣٨٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٤٣.\n(^٣) وينظر: جامع البيان ٣/ ١٢٥، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٢٩٨، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٢٦٠، والوسيط ١/ ٣٨٣، والوجيز ١/ ١٨٩، والمحرر الوجيز ١/ ٣٦٤، والكشاف ١/ ٣١١، وقانون التأويل (ص: ١٥٢)، والتفسير الكبير ٧/ ٥٩، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢١٤، وأنوار التنْزيل ١/ ١٤٥، والإشارات الإلهية ١/ ٣٦٢، والبحر المحيط ٢/ ٣٣٤، ومدارج السالكين ٣/ ٣٥٠، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٤٣، وفتح القدير ١/ ٤٩١، وروح المعاني ٣/ ٥٦، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٠٢، والتحرير والتنوير ٣/ ٦١، وتفسير ابن عثيمين ٣/ ٣٥١.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>[٧٦] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢].</span>\nقال سفيان بن عيينة: (ليس تأويل قوله ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢] من الذِّكْرِ بعدَ النِّسيَان، إنما هو من الذَّكَر، بِمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-278> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابن عيينة (ت: ١٩٨) أن يكون المُراد بالتذكير في الآية: ما يُقابلُ النسيان. ومن ذهب إلى ذلك اعتمد ظاهرَ اللفظ والمتبادر منه، وكذا سياق الآية؛ إذ عِلَّةُ الأمر بشهادة امرأتين مع رجل مذكورة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢]، فخشيةً من نسيان إحدى المرأتين تشهد معها أخرى لِتُذَكرها ما نسيت، فالمناسب لذكر النسيان في الآية ما يقابله وهو: التذكر.\nوذهب ابن عيينة (ت: ١٩٨) إلى أن المُراد بالتذكير هنا: أن تجعلها ذَكَرًا في شهادتها بشهادتها معها، إذ شهادتهما كشهادة رجل في الضبط والحفظ والإتقان. وقوله هذا معتمدٌ على معنى الآية وحكمها، فقد جعل تعالى شهادة امرأتين كشهادة\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣/ ١٦٩ (٤٩٨٥)، وقال: حُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن المنذر في تفسيره ١/ ٧٨ (١١١)، من طريق علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم، بلفظه. والثعلبي في تفسيره ٢/ ٢٩٥.\nوفي إسناده ضعف؛ للجهالة بين أبي عبيد وشيخه ابن عيينة.","vol":"1","page":428},{"text":"رجل في قوله ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]، فناسب أن يكون التذكير بعد هذا الحكم أن تجعل إحداهما الأخرى ذكرًا في الشهادة حين تشهد معها فتكونا بذلك بمنْزلة الذَّكَر، وقد صَحَّ هذا المعنى عن رسول الله ﷺ بقوله: (ما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لُبٍ منكُنّ. فقالت امرأةٌ: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل) (^١). كما اعتمد هذا القول على قراءة من قَرَأ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة ٢٨٢]، بالتخفيف (^٢)، من أذْكَرَ يُذْكِر، وعن الفراء (ت: ١٥٠) وأبي عمرو بن العلاء (^٣) (ت: ١٥٤): (من قَرَأ بالتخفيف فهو من الذَّكَر الذي هو ضد الأُنثى) (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-280> الحكم على الاستدراك:</span>\nرُوِيَ عن أبي عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤) في هذه الآية نحو ما رُوِيَ عن ابن عيينة (ت: ١٩٨) (^٥)، واختاره القاضي أبو يعلى (^٦) (ت: ٤٥٨) (^٧)، وجوز الجصاص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٤٨٣ (٣٠٤)، ومسلم في صحيحه ١/ ٢٥٠ (٧٩)، وينظر: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٦٢١.\n(^٢) قراءةٌ سبعية، قرأ بها ابنُ كثير وأبو عمرو، ويعقوب، والكسائي برواية قتيبة. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص: ١٣٧)، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦١٦.\n(^٣) زَبَّان بن العلاء بن عمار التميمي المازني، أبو عمرو البصري، الإمام اللغوي المُقرئ، أحد السبعة وأكثرهم شيوخًا، مات سنة (١٥٤). ينظر: طبقات القراء ١/ ٩١، وبغية الوعاة ٢/ ٢٣١.\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٦٢١، وحجة القراءات (ص: ١٥٠)، والكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٢١.\n(^٥) ينظر: زاد المسير (ص: ١٧٢)، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٥٧، والبحر المحيط ٢/ ٣٦٥.\n(^٦) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، أبو يعلى ابن الفرَّاء الحنبلي القاضي، الفقيه شيخ الحنابلة في وقته، صنف أحكام القرآن، ونقل القرآن، وغيرها، مات سنة (٤٥٨). ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٦، والسير ١٨/ ٨٩.\n(^٧) زاد المسير (ص: ١٧٢).","vol":"1","page":429},{"text":"(ت: ٣٧٠) كلا المعنيين؛ تكثيرًا للمعاني، وجمعًا بينها. (^١)\nواختار أن التذكير في الآية: ضد النسيان، سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاكُ (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (^٢)، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهم (^٣)، وهو الصواب من معنى الآية؛ لأنه الظاهر المُتبادر من اللفظ في هذا السياق، ولدلالة السياق عليه دلالةً صريحةً، إذ المُقابِلُ للضلال والنسيان المذكور فيها: التذكر بعد النسيان. (^٤)\nأمَّا قولُ ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) فهو عند عامَّة المفسرين قولٌ غريبٌ شاذٌّ بعيدٌ باطلٌ (^٥)،\n_________\n(^١) أحكام القرآن ١/ ٦٢١.\n(^٢) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ١٥١، ومعاني القرآن، للفراء ١/ ١٨٤، وتأويل مشكل القرآن (ص: ٢٥٤)، وجامع البيان ٣/ ١٧١، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٦٢، والنكت والعيون ١/ ٣٥٦، وزاد المسير (ص: ١٧٢).\n(^٣) جامع البيان ٣/ ١٧٠، وزاد المسير (ص: ١٧٢)، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٠.\nوينظر: جامع البيان ٣/ ١٧٠، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٦٣، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٣١٨، وبحر العلوم ١/ ٢٣٧، وتفسير القرآن العزيز ١/ ٢٦٨، والكشف والبيان ٢/ ٢٩٥، والوسيط ١/ ٤٠٤، وتفسير السمعاني ١/ ٢٨٥، وغرائب التفسير ١/ ٢٣٦، ومعالم التنْزيل ١/ ٣٥١، والكشاف ١/ ٣٢١، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٢، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٥٧، والتسهيل ١/ ٢٢٨، والبحر المحيط ٢/ ٣٦٦، وبدائع التفسير ١/ ٤٤٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٦٥، وتفسير الحداد ١/ ٤٤٧، وفتح القدير ١/ ٥٠٩، وروح المعاني ٣/ ٨٠، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢١١، والتحرير والتنوير ٣/ ١٠٩، وتفسير ابن عثيمين ٣/ ٤٠٧.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٧٠، والكشف والبيان ٢/ ٢٩٥، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٢.\n(^٥) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ١/ ٣١٨، وغرائب التفسير ١/ ٢٣٦، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٢، وأحكام القرآن، لابن الفرس ١/ ٤٣٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٦٥، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٠، وفتح القدير ١/ ٥٠٩.","vol":"1","page":430},{"text":"من مُنْكَر التأويل (^١)، وبدع التفاسير (^٢)، ويتبَيَّن خَطَؤه من وجوه:\nالوجه الأول: خروجه عن مقتضى اللغة، فقد ذكر النحاس (ت: ٣٣٨) أنه قولٌ لا يعرفه أهل اللغة (^٣)، وجعله أبو بكر النقاش (ت: ٣٥١) في مقدمة تفسيره ضمن باب: في شواذ التفسير ممَّا يُنكِره أهل اللغة والنظر، ويتذاكر به أصحاب الأخبار والأثر (^٤). وكذا أدرجه أبو نصر الحدادي (^٥) (ت: بعد ٤٠٠) في كتابه \"المدخل لعلم التفسير\" ضمن باب: ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصلٌ عند النحويين ولا في اللغة (^٦). وبَيَّن أبو حيّان (ت: ٧٤٥) خللَ هذا القول من جهة اللغة فقال: (إن المحفوظ أن هذا الفعل لا يتعدى، تقول: أذكَرَت المرأةُ فهي مُذكر، إذا ولدت الذكور، وأما: أذكَرَت المرأةَ، أي: صيرتها كالذَّكَر، فغير محفوظ) (^٧).\nالوجه الثاني: أن السياق صريحٌ في إرادة التذكير الذي هو ضد النسيان، قال ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): (والذي يَصِحُّ أن يعقُبَ الضلالَ والغفلَةَ: الذِّكرُ) (^٨)، والضالَّة منهما إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار. (^٩)\n_________\n(^١) ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: ١٠).\n(^٢) ينظر: الكشاف ١/ ٣٢١، وروح المعاني ٣/ ٨٠، وبدع التفاسير (ص: ٣٢).\n(^٣) معاني القرآن ١/ ٣١٨.\n(^٤) شفاء الصدور (مخطوط، ص: ١٣).\n(^٥) أحمد بن محمد بن أحمد السمرقندي، أبو نصر الحدادي، شيخ القراء بسمرقند، صنف المدخل لعلم تفسير كتاب الله، والموضح في التفسير، مات (بعد ٤٠٠). ينظر: غاية النهاية ١/ ١٠٥، ومقدمة محقق كتابه المدخل (ص: ١٧).\n(^٦) المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص: ٩٨، ١٠٩).\n(^٧) البحر المحيط ٢/ ٣٦٦.\n(^٨) أحكام القرآن ١/ ٣٠٢. وينظر: معالم التنْزيل ١/ ٣٥١، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٢، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٥٧.\n(^٩) جامع البيان ٣/ ١٧٠.","vol":"1","page":431},{"text":"الوجه الثالث: اختلاله من جهة المعنى، وذلك من وجهين: أولهما ذكره النحاس (ت: ٣٣٨) بقوله: (لو كان إنما معناه: تجعلها بمنْزلة الذَّكَر. لم يُحتَج إلى ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأنها كانت تجعلها بمنْزلة الذَّكَر، ضَلَّت أو لم تَضِلّ، ولا يجوز أن تُصَيِّرها بمنْزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها) (^١). وثانيهما ذكره أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (^٢) ومعناه: أنه لو سُلِّمَ بأن أذكَرَ بمعنى: تصيرها ذَكَرًا. فلا يصح؛ لأن التصيير ذَكَرًا سيشملُ المرأتين، إذ كلتاهُما سَتُذَكِّرُ الأُخرى على هذا التأويل، فتصبح شهادة المرأتين كشهادة رجلين، وهذا باطل.\nالوجه الرابع: أن النساء لو بَلَغنَ ما بَلَغنَ، ولم يكن معهنَّ رجلٌ لم تَجُز شهادَتُهُن (^٣)، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذَكَّرَت الأولى) (^٤).\nولا حُجَّة لهذا القول في القراءة السبعية المذكورة؛ فإن \"ذَكَّرَ وأَذْكَرَ\" بمعنىً واحد، قال الجوهري (^٥) (ت: ٣٩٣): (وذكرتُ الشيءَ بعدَ النسيانِ، وذَكَرْتُه بلساني وقلبي، وتَذَكَّرتُه، وأَذْكَرتُه غيري، وذَكَّرتُه بمعنىً) (^٦)، قال مكيّ (ت: ٤٣٧): (فالقراءتان مُتعادِلتان) (^٧)، أي في المعنى.\n_________\n(^١) معاني القرآن ١/ ٣١٨.\n(^٢) البحر المحيط ٢/ ٣٦٦.\n(^٣) ينظر: المغني ١٣/ ٤٢٩، وزاد المسير (ص: ١٧٢)، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٠.\n(^٤) التفسير الكبير ٧/ ١٠٠.\n(^٥) إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر الفارابي، اللغوي الأديب، أخذ عن أبي علي الفارسي، والسيرافي، وصَنَّف كتابه المشهور «الصَّحاح»، وغيره، توفي سنة (٣٩٣). ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٦٥٦، وبغية الوعاة ١/ ٤٤٦.\n(^٦) الصَّحاح ٢/ ٦٦٥، وينظر: الوسيط ١/ ٤٠٤.\n(^٧) الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٣٢١. وينظر: شرح الهداية ١/ ٢١٢، والتسهيل ١/ ٢٢٨.","vol":"1","page":432},{"text":"الوجه الخامس: ما قاله ابنُ جرير (ت: ٣١٠) عن هذا القول: (أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ) (^١).\nوليس ذهابُ الجصاص (ت: ٣٧٠) للأخذ بكلا المعنيين للفائدة المتجددة في كلتيهما، بأولى من جمع القراءتين على معنىً واحدٍ صحيحٍ لُغةً وسياقًا ومعنىً، خاصَّةً إذا عُلِمَ ضعفُ أحد معنيي قراءة منهما، فالصواب يكون في حملها على معنى القراءة الثانية إذا صَحَّ ذلك لُغةً.\nوأمَّا تخريجُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) لقول ابن عيينة (ت: ١٩٨) على أنه رُبَّما أراد أن المرأة الأولى تعين الأُخرى وتُجَرِّئها على ذكرِ ما نَسِيَت، فتُقَوِّي ذاكِرَتَها بالتذكير حتى تكون كالرجل في التَّذَكُّر، كقولهم للشيء القوي في عمله: ذَكَر، وكما يُقال للسيف الماضي في ضربه: سيفٌ ذَكَر (^٢) = فبعيدٌ لا وجه له؛ لنفي ابن عيينة (ت: ١٩٨) الصريح لمعنى التذكر المقابل للنسيان، ولأن مُؤَدَّاه للقول الثاني بعد تطويلٍ شديد، (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد) (^٣)، وقد قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بِها عن معاني القرآن أقربَها إلى فهم سامعيه) (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) جامع البيان ٣/ ١٧٠.\n(^٢) جامع البيان ٣/ ١٧٠.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢١٦).\n(^٤) جامع البيان ١٧/ ١٦.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-282>[٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢].</span>\nقال سفيان بن عيينة: (ليس في الأرضِ صاحبُ بدعةٍ إلا وهو يجدُ ذِلَّةً تَغْشَاه، وهو في كتابِ الله. قالوا: وأين هي من كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قولَه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف ١٥٢]. قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجلِ خاصَّةً. قال: كلا، اتلوا ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، فهي لكل مُفتَرٍ ومُبتَدعٍ إلى يوم القيامة) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-281> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب بعضُ جلساءِ ابن عيينة (ت: ١٩٨) إلى أن الوعيد الوارد في الآية خاصٌّ بأصحابِ العجل، الذين سِيقَ الحديثُ عنهم فيها، ولا يعدوهم إلى غيرهم، فيكون المعنى: وهكذا نجزي هؤلاء المفترين الذين زعموا أن العجل إلاهُهُم. فهو تخصيصٌ لمعنى الآيةِ بحسب سياقها وقصَّتها.\nفبَيَّنَ لهم ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) من هذه الآية معنىً عامَّا، وذكر أنَّها شاملةٌ لكُلِّ مُفتَرٍ ومُبتَدِعٍ إلى يوم القيامة. وهذا العموم مأخوذٌ من لفظ الآية وهو قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، أي: وبمثل هذا العذاب نَجزي كَلَّ مُفتَرٍ. وهو ما استدَلَّ به على من استنكر قوله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٩/ ٩٦ (١١٧٦٦)، مُختصرًا من طريق المثنى، عن إسحاق، عن عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة. وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥٧١ (٩٠٠٨)، من طريق أبي حاتم، عن محمد بن أبي عمر العدني، عن ابن عيينة. وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٨١، من طريق إبراهيم بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق الثقفي، عن سوار بن عبد الله بن سوار، عن أبيه، عن ابن عيينة، واللفظ له. والبيهقي في الشعب ٧/ ٧٢ (٩٥٢٢)، من طريق أبي الحسين بن فهر المصري، عن الحسن بن رشيق، عن علي بن سعيد الرازي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن سفيان بن عيينة. وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٥١١ لأبي الشيخ.\nوإسناده صحيح لغيره.","vol":"1","page":434},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-283> الحكم على الاستدراك:</span>\nعُرِفَ ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) بالاستنباطات الحسنة، والمنازِع المُستحسنة من الآيات (^١)، ومن ذلك إدخاله المبتدعةَ في معنى الآية، فإن الابتداع افتراءٌ على الله ورسوله، كما قال تعالى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام ١٤٠]، وقال ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩]، وقال ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل ٥٦]، وقال أيضًا ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل ١١٦] (^٢)، وقد شمل عموم قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢] كُلَّ مُفتَرٍ على الله تعالى، فمن ثَمَّ صَحَّ تفسير ابن عيينة (ت: ١٩٨) للآية بذلك، مع ملاحظة أن أَوَّلَ المعاني دخولًا في الآية أصحاب العجل، ثم من شمله لفظ الآية بعدهم، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (المُراد أوَّلًا أولئك الذين افتروا على الله في عبادة العجل، وتكون قُوَّةَ اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مُفتَرٍ إلى يوم القيامة) (^٣).\nوقد ورد نحو قول ابن عيينة (ت: ١٩٨) عن جماعة من السلف، كجارية بن قدامة ﵁ (^٤)، وقيس بن عُبَاد (^٥) (ت: بعد ٨٠)، وأبي قِلابَة (ت: ١٠٤)، والحسن\n_________\n(^١) ينظر: السير ٨/ ٤٥٨، وتفسير ابن عيينة (ص: ٣٥٦).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير ١٥/ ١٣، والاعتصام (ص: ٩٦).\n(^٣) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٨.\n(^٤) جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي، صحابي على الصحيح، مات في ولاية يزيد. ينظر: الطبقات، لابن خياط ١/ ٤٤، والإصابة ١/ ٥٥٥.\n(^٥) قيس بن عُبَاد القيسي الضُّبَعي، أبو عبد الله البصري، ثقةٌ مُخضرم، من كبار التابعين، مات بعد الثمانين. ينظر: الكاشف ٢/ ٤٠٥، والتقريب (ص: ٨٠٥).","vol":"1","page":435},{"text":"(ت: ١١٠)، وأيوب السختياني (^١) (ت: ١٣١)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، والفضيل بن عياض (^٢) (ت: ١٨٧). (^٣)\nوورد حملُ الآية على عمومها عن ابن عباس ﵁ (^٤)، وعليه عامَّة المفسرين (^٥)، وهو الصواب.\nوما ذهب إليه بعض أصحاب ابن عيينة (ت: ١٩٨) من تخصيص الآية بأصحاب العجل، وعدم شمولها من سواهم قصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا من القصور في الفَهم، وقد أشار ابن القيم (ت: ٧٥١) إلى ذلك فقال: (وكذلك الحالُ في أحكامٍ وقعت في القرآن كان بُدُوُّ افتراضِها أفعالٌ ظهرت من أقوامٍ، فأنزل الله بسببها أحكامًا صارت شرائعَ عامَّةً إلى يوم القيامة، فلم يكن من الصوابِ أضافتها إليهم، وأنهم هم المرادون بها، إلا على وجه ذكر سبب النُّزول فقط، وأن تناولها لهم ولغيرهم تناولٌ واحدٌ)، ثُمَّ قال بعد أن مَثَّل لذلك: (ومن تأمَّلَ خطابَ القرآنِ وألفاظَه، وجلالَةَ المُتَكلِّم به، وعظمةَ مُلكِه،\n_________\n(^١) أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّختَيَاني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حُجَّة، من كبار الفقهاء العُبَّاد، مات سنة (١٣١). ينظر: الكاشف ١/ ١٤٥، والتقريب (ص: ١٥٨).\n(^٢) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي الخراساني، أبو علي المكي، الزاهد المشهور، ثقة عابد، مات سنة (١٨٧). ينظر: الكاشف ٢/ ٣٨٦، والتقريب (ص: ٧٨٦).\n(^٣) ينظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ٩٠، وجامع البيان ٩/ ٩٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٦١، والكشف والبيان ٤/ ٢٨٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٤٧٩.\n(^٤) ينظر: الوسيط ٢/ ٤١٤، وزاد المسير (ص: ٥٢٠).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٩/ ٩٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧١، وبحر العلوم ١/ ٥٧٢، والكشف والبيان ٤/ ٢٨٦، والوسيط ٢/ ٤١٤، والوجيز ١/ ٤١٥، وتفسير السمعاني ٢/ ٢١٨، ومعالم التنْزيل ٣/ ٢٨٥، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٥٨، وزاد المسير (ص: ٥٢٠)، والتفسير الكبير ١٥/ ١٣، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٨٦، ومنهاج السنة النبوية ٦/ ١٧٩، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٤٧٩، والاعتصام (ص: ٩٦)، وتفسير الحداد ٣/ ٢٠٨، وفتح القدير ٢/ ٣٥٦، وروح المعاني ٩/ ٩٥، والتحرير والتنوير ٩/ ١٢٠، والعذب النمير ٤/ ١٥٨٧.","vol":"1","page":436},{"text":"وما أراد به من الهدايةِ العامَّةِ لجميع الأمم، قرنًا بعد قرنٍ إلى آخرِ الدهر، وأنه جعله إنذارًا لكل من بَلَغه من المُكلفين، لم يَخفَ عليه أن خطابَه العامُّ إنَّمَا جُعِلَ بإزاءِ أفعالٍ حسنةٍ محمودةٍ، وأخرى قبيحةٍ مذمومةٍ، وأنه ليس منها فعلٌ إلا والشَّرِكَةُ فيه موجودةٌ أو ممكنةٌ، وإذا كانت الأفعال مُشتَرَكة، كان الوعدُ والوعيدُ المُعَلَّقُ بها مشتَرَكًا، ألا ترى أن الأفعالَ التي حُكِيَت عن أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأضرابِهم، وعن عبد الله بن أُبَيّ، وأضرابِه، كان لهم فيها شركاءُ كثيرون، حُكمُهُم فيها حُكمُهُم؟ ولهذا عَدَلَ الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم، إلى ذكر أوصافهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لئلا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم اختصاصَ الوعيدِ بهم وقصره عليهم، وأنه لا يجاوزهم، فَعَلَّقَ سبحانه الوعيدَ على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماءِ من قامت به (^١)، إرادةً لتعميم الحكم، وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم ..، ولو أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المُستَكرَهَة المُستَغرَبَة، وحملوا العمومَ على الخصوص، وأزالوا لفظَ الآية عن موضوعه، علموا ما في ذلك من تصغير شأن القرآن، وهضمِ معانيه من النفوس، وتعريضه لجهلِ كثيرٍ من الناس بما عَظَّمَ اللهُ قدرَه، وأعلى خَطَرَه، لأَقَلُّوا مما استكثروا منه، ولَزَهِدوا فيما أظهروا الرغبة فيه، وكان ذلك من فعلهم أحسنُ وأجملُ وأولى بأن يُوَفَّى معه القرآنُ بعضَ حَقِّه من الإجلال والتعظيم والتفخيم، ولو لم يكن في تفسير القرآن على الخصوص دون العموم إلا ما يتصوره التَّالِي له في نفسه، من أن تلك الآيات إنما قُصِدَ بها أقوامٌ من الماضين دون الغابرين (^٢)، فيكون نفعه وعائدته على البعض دون البعض، لكان في ذلك ما يُوجِب النُّفرَة عن ذلك، والرغبة عنه) (^٣).\n_________\n(^١) في هذا الموضع من هذه الطبعة تكرار لهذه الجملة.\n(^٢) الغابر: من الأضداد، يطلق على الماضي والمستقبل. ينظر: الأضداد، للأنباري (ص: ١٢٩)، ورسالة الأضداد، للمنشي، ضمن ثلاثة نصوص في الأضداد (ص: ١٥٠).\n(^٣) الصواعق المرسلة ٢/ ٧٠٠.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nبيانُ أن ما ذهب إليه بعضُ أصحابِ ابن عيينة (ت: ١٩٨) تفريطٌ في فهم المعنى، يُقابلُه إفراطٌ في تحميلِ الآيةِ ما لا تحتمله من المعاني، والحسنةُ بين سيِّئَتين؛ وذلك بتوفيةِ الألفاظ حَقَّها من المعاني بلا زيادةٍ ولا نقص، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والعلمُ بمرادِ المتكلمِ يُعرَف تارةً من عمومِ لَفظِه، وتارةً من عمومِ عِلَّتِه، والحَوَالَةُ على الأوَّل أوضَحُ لأربابِ الألفاظ، وعلى الثاني أوضحُ لأربابِ المعاني والفهم والتدبر، وقد يعرضُ لكُلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مُراد المتكلم، فيَعرِضُ لأربابِ الألفاظِ التقصيرُ بها عن عمومها، وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوقَ ما أُرِيدَ بها تارةً، ويعرض لأربابِ المعاني فيها نظيرُ ما يعرضُ لأربابِ الألفاظ، فهذه أربعُ آفاتٍ هي منشَأُ غَلَطِ الفريقين)، ثُمَّ مَثَّل لذلك، وقال: (ولهذا كان معرفةُ حدود ما أنزل الله على رسوله أصلُ العلم وقاعدته وآخِيَّتُه التي يَرجَعُ إليها، فلا يُخرِج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخِلُ فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقها، ويفهم المراد منها) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-285>[٧٨] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥].</span>\nقيل لأبي جعفر الباقر في هذه الآية: (مَنْ الذين آمنوا؟ قال: الذينَ آمنُوا. وفي لفظ: أصحابُ محمدٍ ﷺ. قيل له: بلغَنَا أنها نَزَلت في علي بن أبي طالب. قال: عليٌّ من الذين آمنوا) (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٢/ ٣٨٧.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، كما في معاني القرآن، للنحاس ٢/ ٣٢٥، وابن جرير في تفسيره ٦/ ٣٨٩ (٩٥٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٧)، والثعلبي في تفسيره ٤/ ٨١، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٨٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٤/ ٢٩٠، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٩٩ لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طُرُق عن عيسى بن يونس، وهُشيم، ويزيد بن هارون، وعَبدَة بن سليمان، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.\nوإسناده حسن.","vol":"1","page":438},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-286> تحليل الاستدراك:</span>\nذُكِرَ لأبي جعفر (ت: ١١٤) أن المُراد بالذين آمنوا في الآية علي بن أبي طالب ﵁ خاصًّةً، ومن ذهب إلى ذلك جعل جملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥] حالًا، وحملوا الركوعَ على ركوعِ الصلاةِ، أي: يؤتون الزكاة حالَ ركوعهم في صلاتهم. واعتمدوا أيضًا سبب النُّزول الوارد، وهو أن رجلًا سألَ صدقةً وكان عليٌّ ﵁ راكعًا في صلاة، فأخرج له خاتَمَه وكان من فِضَّة، وتصدقَ به عليه، فأخبر المسكينُ رسولَ الله ﷺ بذلك، فأنزل الله هذه الآية (^١). كما يقوي هذا التخصيص صحةُ إطلاقِ الكُلّ وإرادة البعض لُغةً، فتكون هذه الآية من العام الذي أُريدَ به الخصوص (^٢)، وقد صَحَّ في معنى هذه الآية من السنة قوله ﷺ: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق، وابن مردويه، كما في تفسير ابن كثير ٣/ ١١٩٤، وأخرجه ابن جرير في تفسيره ٦/ ٣٨٩ (٩٥٢١، ٩٥٢٣ - ٩٥٢٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٩، ٦٥٥١)، والطبراني في الأوسط ٦/ ٢١٨ (٦٢٣٢)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ٣٣٣) (٢٤٠)، والثعلبي في تفسيره ٤/ ٨٠، والواحدي في أسباب النُّزول (ص: ١٩٩)، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٩٩ لعبد بن حميد، وأبي الشيخ، والخطيب في المتفق والمفترق، وابن عساكر. وجميع طرقه ضعيفةٌ جدًا وموضوعة، وقد بَيَّن عللها ابن كثير في تفسيره عقب كلِّ رواية، ينظر: تفسيره ٣/ ١١٩٤، وكذا ابن حجر في الكافي الشافِ ١/ ٦٣٦، وقال ابن تيمية: (وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع). منهاج السنة ٧/ ١١. وينظر: مجمع الزوائد ٧/ ١٧، والفتح السماوي ٢/ ٥٧١.\n(^٢) ينظر: الإشارات الإلهية ٢/ ١٢٠، وروح المعاني ٦/ ٤٥٨.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٧٢ (١٩٣٤٧)، و٥/ ٣٦٦ (٢٣١٥٦)، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٥٦٩ (٩٥٩)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٣٧٢ (٣٢١١٨)، والترمذي في الجامع ٥/ ٦٣٣ (٣٧١٣)، والنسائي في الكبرى ٥/ ٤٥ (٨١٤٥)، و٥/ ١٣١ (٨٤٦٨)، وابن حبان في صحيحه ١٥/ ٣٧٥ (٦٩٣١)، والطبراني في الأوسط ١/ ١١١ (٣٤٦)، و٢/ ٢٤ (١١١١)، وفي الكبير ٣/ ١٧٩ (٣٠٤٩)، و٥/ ١٩٥ (٥٠٧١). من طُرُقٍ، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الإمام أحمد، وصححه ابن جرير، وابن حجر. ينظر: منهاج السنة النبوية ٧/ ٣٢٠، والمطالب العالية ٤/ ٢٥٢، ومختصر زوائد البزار ٢/ ٣٠٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٧١.\nوأبطل ابن تيمية عددًا من الزيادات في هذا الحديث كزيادة: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه)، و(أنت أولى بكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ) وذكر أنها كذب. ينظر: منهاج السنة النبوية ٧/ ٣١٩.","vol":"1","page":439},{"text":"وذهب أبو جعفر (ت: ١١٤) إلى أن المُراد بالآية العموم، وهم: الذين آمنوا. ومعتمده في ذلك ظاهرُ لفظ الآية، فإن ﴿الَّذِينَ﴾ [المائدة ٥٥] في الآيةِ من صِيَغ الجمع وألفاظِ العمومِ لُغةً (^١)، كما يدل عليه سببُ نُزول هذه الآيات وما قبلها، فهي نازلةٌ في عُبادة بن الصامت ﵁ حين تَبَرَّأ من حلفِ اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين (^٢). ويدل على عمومها سياق الآيات قبلها وبعدها، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (إنه من المعلوم المُستَفيض عند أهل التفسير خَلَفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن مُوَالاة الكُفار، والأمر بموالاة المؤمنين) (^٣)، ثُمَّ قال: (إن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبر القرآن، فإنه قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة ٥١]، فهذا نهيٌ عن موالاة اليهود والنصارى، ثُم قال ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا\n_________\n(^١) ينظر: إعراب القرآن، للنحاس ١/ ٢٧٣، ومنهاج السنة النبوية ٧/ ١٦، وروح المعاني ٦/ ٤٦٠.\n(^٢) فيما أخرجه ابن إسحاق في المغازي، كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩، والكافي الشافِ ١/ ٦٣٠، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٣٩١ (٣٢٣٠١)، وابن جرير في تفسيره ٦/ ٣٧٢ (٩٤٧٩ - ٩٤٨١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٥٥ (٦٥٠٦)، والثعلبي في تفسيره ٤/ ٧٥، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٩٢ لابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر. وفي أسانيدها ضعفٌ، وبعضها مرسل، وضَعَّفَها في الجملة ابنُ جرير في تفسيره ٦/ ٣٧٤.\nواختار ابن جرير والثعلبي وابن كثير أن هذه الآيات نزلت في عُبادة بن الصامت ﵁، وهو المنقول عن أهل السير كالزهري، وابن إسحاق، وذكر ابن تيمية أن هذا هو المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف. ينظر: الكشف والبيان ٤/ ٨٠، ومنهاج السنة النبوية ٧/ ١٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٩٠، ١١٩٥.\n(^٣) منهاج السنة النبوية ٧/ ١٨.","vol":"1","page":440},{"text":"دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة ٥٢]، إلى قوله ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٥٣]، فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار كالمنافقين، ثم قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة ٥٤]، فذكر فعل المرتدِّين وأنهم لن يَضُرُّوا الله شيئًا، وذكر من يأتي به بَدَلَهُم، ثم قال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٥ - ٥٦]، فتضمن هذا الكلامُ ذكرَ أحوالِ من دخل في الإسلام من المنافقين، ومِمَّنْ يرتَدُّ عنه، وحالِ المؤمنين الثابتين عليه ظاهرًا وباطنًا) (^١).\nكما أن لهذا المعنى نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١]، وقوله ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم ٤]، ومن سُنة رسول الله ﷺ قوله: (إن آلَ أبي فُلانٍ ليسوا لِي بأولياء، إنما وليِّي اللهُ وصالحُ المؤمنين) (^٢)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (معناه: إنما ولِيِّي من كان صالحًا وإن بَعُدَ نسبًا منِّي، وليس ولِيِّي من كان غيرَ صالِحٍ وإن كان نسبُهُ قريبًا) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-287> الحكم على الاستدراك:</span>\nلا يُعرَفُ عن أحدٍ من السلف والمفسرين أن هذه الآيةَ خاصَّةٌ بعليٍّ ﵁ فلا تتناول غيره، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (أجمع أهلُ العلم بالنقل على أنها لم تَنْزل في عليٍّ بخصوصه)، والقولُ بالعُموم في الآية هو الصوابُ لُغةً وسَبَبًا وسِيَاقًا، وهو ظاهر\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٧/ ١٩، وينظر: الإشارات الإلهية ٢/ ١٢٢، ١٢٤، وروح المعاني ٦/ ٤٥٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ٤٣٢ (٥٩٩٠)، ومسلم في صحيحه ١/ ٤٤٥ (٢١٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم ١/ ٤٤٥.","vol":"1","page":441},{"text":"الآيةِ المُحتَفُّ بنظائره من الكتاب والسنة، قال ابن عباس ﵁: (من أسلَمَ فقد تولَّى الله ورسولَه والذين آمنوا) (^١).\nوهو قول ابن عباس ﵁، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وأبي جعفر الباقر (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعتبة بن أبي حكيم (^٢) (ت: ١٤٧) (^٣)، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهُم (^٤).\nونَصَّ جماعةٌ من السلف على نفي التخصيص في الآية بقولهم: (عليٌّ من الذين آمنوا)، كما ورد عن ابن عباس ﵁، وأبي جعفر الباقر (ت: ١١٤)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، وعُتبةُ بن أبي حكيم (ت: ١٤٧) (^٥). وما ورد عن بعضهم من أنها نزلت في علي ﵁ (^٦) فليس مُرادُه أنها لا تتناول غيره، وإنما هو عنده تمثيلٌ لمعنى الآية، وبِهذا يَصِحُّ الإجماع على عموم معنى الآية كما ذكره ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀.\n_________\n(^١) جامع البيان ٦/ ٣٨٩ (٩٥٢٠)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٢ (٦٥٤٦)، من طريق ابن أبي طلحة.\n(^٢) عُتبَة بن أبي حكيم الهمْداني، أبو العباس الأُرْدُنِّي، محدث صدوق، مات سنة (١٤٧). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٤٤، والتقريب (ص: ٦٥٧).\n(^٣) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٢، والنكت والعيون ٢/ ٤٩، ومعالم التنْزيل ٣/ ٧٣.\n(^٤) المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٩، والتفسير الكبير ١٢/ ٢٦، والإشارات الإلهية ٢/ ١٢٢. وينظر: جامع البيان ٦/ ٣٨٨، ومعاني القرآن، للنحاس ٢/ ٣٢٥، وإعراب القرآن، له ١/ ٢٧٣، والوسيط ٢/ ٢٠١، والوجيز ١/ ٣٢٥، وتفسير السمعاني ٤٧، ومعالم التنْزيل ٣/ ٧٢، والمحرر الوجيز ٢/ ٢٠٩، والتفسير الكبير ١٢/ ٢٦، وأنوار التنْزيل ١/ ٢٧٥، والإشارات الإلهية ٢/ ١٢٤، ومنهاج السنة النبوية ٣/ ٤٠٤، و٧/ ٧، والصواعق المرسلة ٢/ ٦٩٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٩٤، وفتح القدير ٢/ ٧٣، وروح المعاني ٦/ ٤٥٨، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٤٥٦، والتحرير والتنوير ٦/ ٢٤٠.\n(^٥) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٩٤.\n(^٦) ينظر: تفسير مقاتل ١/ ٣٠٧، وبحر العلوم ١/ ٤٤٥، وتفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٣، وتفسير الحداد ٢/ ٤٣٨.","vol":"1","page":442},{"text":"وما ذهب إليه من زَعَم التخصيص (^١) فليس فيه مُستَمسَك، وقد أجاب عنه العلماء (^٢) بِما يأتي:\nأولًا: سبب النُّزول المذكور باطلٌ موضوعٌ كما سبق تخريجه.\nثانيًا: الأصل بقاء العام على عمومه، ولا يُصَارُ إلى التخصيص- فضلًا عن إرادة الخصوص- إلا بدليل صحيح صريح يتعيَّنُ المصير إليه. قال البيضاوي (ت: ٦٨٥): (مع أن حمل الجمع على الواحد أيضًا خلاف الظاهر) (^٣).\nثالثًا: أن حملَ الواو في قوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥] على العطف هو الأكثر، وهي المعروفة المُتبادرة في مثل هذا الخطاب (^٤)، ولا دليل على أنها واو حال لا من السياق ولا من خارجه.\nرابعًا: أن الآيةَ جاءت في بيان وصف المؤمنين الذين هم أهل الولاية، فوصفهم الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومُداوَمَة الركوع، والتعبير بالجملة الإسمية- ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥]- مُفيدٌ للدوام والثبات على هذا الوصف، وإكثارهم من\n_________\n(^١) أجمع الشيعة، وادَّعوا إجماع غيرهم على أن هذه الآية خاصَّةٌ بعليٍّ ﵁. ينظر: فقه القرآن، لقطب الدين الراوندي ١/ ١١٦، ومتشابه القرآن، للمازندراني ٢/ ٣٠، ومنهاج السنة النبوية ٧/ ٥. والرافضةُ هم أكثرُ طوائف أهل الباطل ادِّعاءً لتخصيص عمومات الكتاب والسنة، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فقلَّ أن تجد في القرآن والسنة لفظًا عامًّا في الثناء على الصحابة إلا قالوا: هذا في عليٍّ وأهلِ البيت). الصواعق المرسلة ٢/ ٦٨٨.\n(^٢) أبطل ابن تيمية دعوى الشيعة في هذه الآية من تسعةَ عشرَ وجهًا، اُستُفيدَت جملةُ الردود منها مُلَخَّصَةً. ينظر: منهاج السنة ٧/ ٧. كما أطالَ الردَّ عليهم الطوفي في الإشارات الإلهية ٢/ ١٢٢، والآلوسي في روح المعاني ٦/ ٤٥٨.\n(^٣) أنوار التنْزيل ١/ ٢٧٥، وينظر: التفسير الكبير ١٢/ ٢٥، والإشارات الإلهية ٢/ ١٢٣.\n(^٤) وهي أُمُّ الباب بإجماع النحاة. ينظر: رصفُ المباني (ص: ٤٧٣)، ومغني اللبيب ١/ ٦٦٥، والأشباه والنظائر، للسيوطي ٢/ ١١٨، والأمهات في الأبواب النحوية (ص: ٢٤١).","vol":"1","page":443},{"text":"النوافل بعد الفرائض (^١)، وهذه الآية بمنْزلة قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة ٤٣]، وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: (من عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه) (^٢).\nخامسًا: أن ثَناء الله تعالى على هذا الفعل في الصلاة يجعله دائرًا بين الوجوب والاستحباب؛ لأن الله تعالى لا يُثني إلا على ما هو محمودٌ عنده، والصدقةُ والهدية والعتق والهبة والإجارة والنكاح والطلاق ونحوها من العقود ليست مُستحبة ولا واجبةٌ في الصلاة باتفاق المسلمين، بل كثيرٌ منهم يُبطِل الصلاة بمثل ذلك وإن لم يتكلم فاعله، بل تبطل بالإشارة المفهومة (^٣). ثُمَّ مُقتَضى إقامة الصلاة المذكور في الآية خُلُوُّها من أي عملٍ فيها من غير جنسها ولو قيلَ بإباحته. (^٤)\nسادسًا: أنه لو قُدِّر أن هذا مشروعٌ في الصلاة لم يختص به الركوع، بل فعله في القيام والقعود أولى منه وأيسر. فإن قيل: أُرِيدَ بهذا التعريف، لا المدح بالوصف. قيل: وكيف يُتركُ تعريفُ علي ﵁ بالأمور الكثيرة المعروفة الظاهرة، ويُعرَّفُ بأمرٍ لا يعرفه إلا من سمعه وصَدَّقه؟!\nسابعًا: أن حمل لفظ الزكاة على التصدُّق بالخاتم فيه بُعدٌ؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير ٦/ ٢٤٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٣٤٨ (٦٥٠٢).\n(^٣) ينظر: المحلى ٣/ ٥١، والمجموع ٤/ ٢٠، والمغني ٢/ ٢٤٥، والإشارات الإلهية ٢/ ١٢٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ١١٩٤.\n(^٤) ينظر: روح المعاني ٦/ ٤٦٠. وقد فَرَّع الجصاص في أحكام القرآن ٢/ ٥٥٧ على تصدُّقِ علي ﵁ في الصلاة: إباحةَ العمل اليسير فيها. واجتهد في إثبات ذلك، وكذا فعل ابنُ الفرس المالكي في أحكام القرآن (مخطوط، ص: ٧١)، وينظر: الإكليل ٢/ ٦٤٨. ورُبَّما أمكن الاستدلال لذلك من غير هذه القصة الباطلة.","vol":"1","page":444},{"text":"بلفظها المختصِّ بها، وهو: الزكاة المفروضة. (^١)\nثامنًا: مُقتضى الآية على هذا القول: أن عليًّا ﵁ آتى الزكاة حالَ ركوعه. وعليٌّ ﵁ مِمَّنْ لم تجِب عليه على عهد رسول الله ﷺ؛ فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا، وعليٌّ ﵁ لم يكن من هؤلاء. (^٢)\nتاسعًا: أن المُراد بالوَلاية في الآية: المحبةُ والنصرة والإعانة. فهي ولايةٌ في الدين، وليس يُرادُ بها: الوِلاية، التي هي الإمارة والسلطنة. والفرقُ بينهما ظاهِرٌ معروف، فالأمير يُسَمَّى الوالي، ولا يُسمَّى الوليّ، فلفظ الوَليّ والوَلاية غير لفظ الوالي، والآيةُ عامَّةٌ في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامَّة. قال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (فالمولَى والوَليُّ واحد، والدليل على هذا قوله ﷿ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، ثُمَّ قال في موضعٍ آخَر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١]، فمعنى حديث النبيصلى الله عليه وسلم - من كنت مولاه-: في ولاية الدين، وهي أجَلُّ الولايات) (^٣).\nعاشرًا: أن الله سبحانه لا يُوصَفُ بأنه مُتَوَلٍّ على عباده، أو أميرٌ عليهم، ﷻ وتقدست أسماؤه، فإنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم، وله الخلق والأمر. بل الرسول ﷺ أيضًا لا يُقال إنه مُتَوَلٍّ على الناس وأميرٌ عليهم، فإن قدرَه أجلُّ من ذلك.\nحادي عشر: ومن ثَمَّ فلا حُجَّة لهم في قوله ﷺ: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)؛ لأن معناه كما قال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (من كنت وليًّا له أُعينه وأنصره، فعليٌّ يعينه وينصره في الدين) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٤٤.\n(^٢) ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ١٧، والتفسير الكبير ١٢/ ٢٧، والسير، قسم الخلفاء الراشدون (ص: ٢٤٤).\n(^٣) معاني القرآن، للنحاس ٢/ ٣٢٥. وينظر: التفسير الكبير ١٢/ ٢٤، وروح المعاني ٦/ ٤٥٩.\n(^٤) تفسير السمعاني ٢/ ٤٨، وينظر: نكت القرآن ١/ ٢١٠، والغريبين ٦/ ٢٠٣٤.","vol":"1","page":445},{"text":"ثاني عشر: أنه ليس كُلُّ من تَوَلَّى عليه إمامٌ عادلٌ يكون من حزب الله، ويكون غالبًا، فإن أئمة العدل يتوَلَّون على المنافقين والكُفار، كما كان تحت حكم النبي ﷺ في المدينة ذِمِّيُون ومنافقون.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: أن تخصيص عموم المعاني القرآنية بلا دليل تحريفٌ لمعاني كتاب الله تعالى، وقصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا تقصير في الفهم يبعث عليه غالبًا الجهلُ والهوى (^١)، وقد عَدَّ الأصفهاني (ت: ٧٤٩) هذا القصرَ من التأويل المُستَكرَه؛ وهو ما يُستَبْشَعُ إذا سُبِرَ بالحُجَّة (^٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وهكذا تجدُ كلَّ أصحاب مذهب من المذاهب إذا ورد عليهم عامٌّ يخالفُ مذهبهم ادَّعوا تخصيصه، وقالوا: أكثرُ عمومات القرآن مخصوصةٌ. وليس ذلك بصحيح، بل أكثرُها محفوظةٌ باقيةٌ على عمومها. فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرةٍ باطلة) (^٣).\nثانيًا: من أهم أسباب الغلط في التفسير: الجهل بلغةِ العرب عمومًا، وبالفروق اللغوية بين الألفاظ المُتشابهة وحملها على معنىً واحدٍ خصوصًا، وهو من أبواب التحريف المَطروقة عند المبتدعة، قال الحسن (ت:): (أهلكتكم العُجْمَةُ، تتأوَّلون القرآنَ على غير تأوِيلِه) (^٤)، وقال الزهري (ت: ١٢٤): (إنما أخطأَ الناسُ في كثيرٍ من تأويلِ القرآن لجهلهم بلغة العرب)، وقال أبو عبيد (ت: ٢٢٤): (سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت أيوب السختياني يقول: عامَّةُ من\n_________\n(^١) سبق بيان هذا في الاستدراك رقم (٧٧) (ص: ٣٦٦).\n(^٢) مقدمات تفسير الأصفهاني (ص: ١٣٤).\n(^٣) الصواعق المرسلة ٢/ ٦٨٩.\n(^٤) خلق أفعال العباد (ص: ٦١، ١٠٢) (٢٣٦، ٤١٠)، والاعتصام (ص: ١٨١، ٥٠٤).","vol":"1","page":446},{"text":"تزندَقَ بالعراق لجهلهم بالعربية) (^١)، وقال الدارمي (ت: ٢٨٠) مُبَيِّنًا أثر المبتدعة في اللغة: (لقد تَقَلَّدتَ أيها المُعارض من تفاسير هذه الأحاديث أشياء لم يسبقك إلى مثلها فصيحٌ ولا أعجميّ، ولو قد عِشتَ سِنينَ لقلَبتَ العربيةَ على أهلها) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-289>[٧٩] ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧].</span>\nقال ابنُ قتيبة في قوله تعالى ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]: (قال أبو عبيدة: (يريدون بشرًا ذا سَحْرٍ؛ ذا رِئَةٍ) (^٣)، ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سَبَقَ التفسيرُ من السلف بما لا استكراهَ فيه، قال مجاهد في قوله ﴿رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء ٤٧]: (أي: مخدوعًا) (^٤)؛ لأن السِّحْرَ حِيلةٌ وخَديعةٌ. وقالوا في قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون ٨٩]: (أي: من تخدعون؟) (^٥)، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء ١٥٣] (أي: المُعَلَّلِين) (^٦)، وقال امرؤ القيس (^٧):\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأوّل (ص: ٦٣).\n(^٢) نقض الدارمي على المريسي ٢/ ٧٤٧. وينظر: الرسالة (ص: ٥١)، وتهذيب اللغة ١/ ٦، ومجموع الفتاوى ٧/ ١١٩، والموافقات ٤/ ٢٢٤، و٥/ ٥٣، والاعتصام (ص: ٥٠٣)، وأسباب الخطأ في التفسير ٢/ ٩٨٢.\n(^٣) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٣٨١، وجامع البيان ١٥/ ١٢١، وتهذيب اللغة ٤/ ١٧١.\n(^٤) ينظر: تفسير مجاهد ١/ ٣٦٢، وجامع البيان ١٥/ ١٢٠، وزاد المسير (ص: ٨١٥).\n(^٥) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٦٤، ونزهة القلوب (ص: ١٧٩).\n(^٦) ينظر: جامع البيان ١٨/ ٦٤، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ٢٠٦، والدر ٦/ ٢٨٥.\n(^٧) امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث بن عمرو الكندي، ذو القروح، الملك الضِّلِّيل، من رؤوس الشعراء وكبرائهم، مات مسمومًا. ينظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ٥١، والشعر والشعراء (ص: ٤١)، والأغاني ٩/ ٥٩.\nوالبيت في ديوانه (ص: ٦٣) وصدره: أرانا موضِعِين لأمْرِ غَيْبٍ.","vol":"1","page":447},{"text":"ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرَاب\nأي: نُعَلَّلُ فَكَأنا نُخدَع. وقال لبيد (^١):\nفإن تَسْأَلِينا فِيمَ نحنُ؟ فإننا … عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ\nأي: المُعَلَّل. والناس يقولون: (سَحَرْتَني بكلامك)، يريدون: خَدَعتَني (^٢). وقوله ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء ٤٨] يدلُّ على هذا التأويل؛ لأنهم لو أرادوا رجلًا ذا رِئَةٍ لم يكن في ذلك مثلٌ ضربوه، ولكنهم لمَّا أرادوا رجلًا مخدوعًا- كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه، وتشبيهًا شبَّهوه. وكأنَّ المشركين ذهبوا إلى أن قومًا يعلِّمونه ويخدعونه، وقال الله في موضع آخرَ حكايةً عنهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، وقول فرعون ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] لا يجوز أن يُراد به: إني لأظنك إنسانًا ذا رئة. وإنما أراد: إني لأظنك مخدوعًا) (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-290> تحليل الاستدراك:</span>\nذهب أبو عبيدة (ت: ٢١٠) إلى أن المُراد بالمَسْحُورِ في الآية: بشرًا ذا سَحْرٍ، أي: رِئَةً. فصار المعنى عنده: ما تَتَّبعون أيها المؤمنون إلا بشرًا كالبشر يأكُل ويشرب. وقد أراد المشركون النبيَّ مَلَكًا لا يأكل ولا يشرب (^٤)، قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام ٨]، وقال ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]. واعتمد أبو عبيدة (ت: ٢١٠) فيما ذهب إليه صحَّةَ المعنى لُغةً (^٥)، واستشهد عليه بالبيتين السابقين،\n_________\n(^١) ينظر: ديوانه (ص: ١٠٣).\n(^٢) ينظر: الزاهر، لابن الأنباري ١/ ٢٠٦.\n(^٣) تفسير غريب القرآن (ص: ٢١٧).\n(^٤) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٣٨٢، وأمالي المرتضى ١/ ٥٧٨.\n(^٥) وينظر: إصلاح المنطق (ص: ١٩، ٩١).","vol":"1","page":448},{"text":"وكذا اعتمد نظائر هذا المعنى في غيرما آية كما سبق، ومن أظهر نظائره قوله تعالى ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء ١٥٣ - ١٥٤]، فالسياق ظاهر في أن مرادهم بالمُسَحَّر- أي: المسحور-: المخلوق، وهو المروي عن ابن عباس ﵁. (^١)\nورَدَّ ابنُ قتيبة (ت: ٢٧٦) هذا القول، ووصفه بالقول المُستَكرَه، وفسَّر المسحور في الآية: بالمخدوع. واعتمد في ذلك وروده عن السلف قبله، كما حكاه عن مجاهد (ت: ١٠٤)؛ وذلك أنهم أعلم بالتفسير، وأيده بمجيئه في القرآن الكريم بهذا المعنى في عدد من الآيات منها ما ذكر، ومن أظهر نظائرها قوله تعالى عن فرعون ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١]، إذ لا يصح أن يُراد به إنسانًا ذا رئة، وإنما أراد: مخدوعًا، كما ذكر ابن قتيبة (ت: ٢٧٦). ودَلَّلَ على هذا المعنى بصحته لُغةً، واستشهد عليه بالبيتين السابقين، وبانتشاره بهذا المعنى على ألسنة الناس، وبدلالة السياق بعده صراحة عليه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-291> الحكم على الاستدراك:</span>\nأصلُ كلمة \"سَحَر\" في اللغة يدل على: الخديعة. كما يدل على: عضو من الأعضاء (^٢). فكلاهُما معنىً صحيح لهذه اللفظة، ولِكِلا المعنيين نظائر في كتاب الله تعالى تشهد له كما سبق، وقد قال ابن جرير (ت: ٣١٠) عن قول أبي عبيدة (ت: ٢١٠) هذا أنه: (غير بعيد من الصواب) (^٣).\nغير أن قول ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) يترجح من ثلاث جهات ذكرها في استدراكه، وهي:\n_________\n(^١) جامع البيان ١٩/ ١٢٥ (٢٠٣٢٠)، من طريق أبي صالح.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة ٤/ ١٦٩، وجمهرة اللغة ١/ ٥١١، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ٢٠٦، ومقاييس اللغة ١/ ٥٨٩.\n(^٣) جامع البيان ١٥/ ١٢١.","vol":"1","page":449},{"text":"أولًا: أنه المذكور عن السلف، كمجاهد (ت: ١٠٤)، ولم يُنقَل عن أحد منهم تفسيرها هنا بما ذكر أبو عبيدة (ت: ٢١٠).\nثانيًا: دلالة السياق، وهي أقوى جهات الترجيح هنا؛ لعدم استقامة المعنى الأول به. (^١)\nثالثًا: أنه المعنى الأشهر والمتبادر لكلمة \"مسحور\"، قال النحاس (ت: ٣٣٨): (والقول الأول- قول مجاهد- أنسب بالمعنى، وأعرفُ في كلام العرب) (^٢)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (مسحور: من السِّحْر، على المشهور) (^٣).\nثُم هو كذلك اختيار أكثر المفسرين (^٤)، ولا يبعدُ عنه من فَسَّرَه بأنه: المغلوب على عقله (^٥). بل هُما بمعنىً؛ فإن المخدوع مغلوبٌ على عقله.\nويُورَد على المعنى الذي ذكره أبو عبيدة (ت: ٢١٠) عدمُ استقامته مع نفس اللفظة في مواضع أُخر من القرآن، كالآية التي أوردها ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) فيما حكاه الله تعالى عن فرعون (^٦). وما ذُكِر عن ابن عباس ﵁ في شواهد المعنى لا يصح؛ لضعف أبي صالح، وانقطاعه بينه وبين ابن عباس ﵁. والمعروف عن أبي صالح (ت: ١٢١) تفسير تلك الآية: بالمخدوعين. (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٤٦١، والبحر المحيط ٦/ ٤١.\n(^٢) معاني القرآن ٤/ ١٦١.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢٠٩٨.\n(^٤) ينظر: معاني القرآن، للنحاس ٤/ ١٦١، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٢٤، وتفسير المشكل من غريب القرآن (ص: ١٣٧)، والوسيط ٣/ ١١١، والوجيز ٢/ ٦٣٦، وتفسير السمعاني ٣/ ٢٤٦، والمحرر الوجيز ٣/ ٤٦١، وزاد المسير (ص: ٨١٥)، والتسهيل ٢/ ٣٣١، والبحر المحيط ٦/ ٤٠، وبهجة الأريب (ص: ١٢٥)، وتفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٩٨.\n(^٥) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٢٦٠، وبحر العلوم ٢/ ٢٧١، والكشف والبيان ٦/ ١٠٥، والكشاف ٢/ ٦٤٥، والتفسير الكبير ٢٠/ ١٧٩، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٧٧، وفتح القدير ٣/ ٣٢٢.\n(^٦) ينظر: بدائع الفوائد ٢/ ٧٤٣.\n(^٧) ينظر: الدر ٦/ ٢٨٥.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: يظهر جلِيًّا من هذا الاستدراك بدايات النَّقدِ الموَسَّع للأقوال في التفسير في عصر السلف، وفي تحرير ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) لهذا الاستدراك يبرز بوضوح منهج المُفَسِّر الناقد، فبالإضافة إلى نقل الأقوال والإحاطة بها، نَجد تحريرها لُغةً، والاستشهاد عليها بكلام العرب، واعتبار نظائر معانيها في القرآن الكريم، واستقامتها فيها وعدم تناقضها، وكذا نقل أقوال السلف، وتقديمها، وعدم مخالفتها، ثم بيان مدى مناسبة المعاني للسياق، واشتهارها على الألسن.\nوهذا التحرير من ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) في هذه الآية، يُشبِه أن يكون أُنموذجًا لمنهج السلف في التفسير، وبمراعاة هذه الجوانب وتحقيقها يسهل الوصول إلى معاني الآيات ومقاصدها، كما يسهل تمييز الأقوال فيها وحصرها، ومعرفة صحيحها ومقبولها ومردودها، ومن ثَمَّ تجتمع الأقوال، ويقلُّ الخلاف، ويصح الاستنباط والاستشهاد.\nثانيًا: في قول ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه)، إشارة إلى لزوم اعتبار أقوال السلف أولًا، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها بما يخرج عنها ويناقضها، وأن عدم مراعاة ذلك يوقع في الخطأ في التفسير. وقد تميز ابن قتيبة (ت: ٢٧٦) بين أهل اللغة بالاستفادة من أقوال السلف حتى في بيان الغريب (^١)، كما أن إغفال هذا الجانب من أظهر ما أُخِذَ على أبي عبيدة (ت: ٢١٠) في كتابه \"مجاز القرآن\". (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: ١٠)، والتفسير اللغوي (ص: ٣٦٩).\n(^٢) ينظر: جامع البيان ١/ ٢٨٢، ومعاني القرآن، للنحاس ١/ ٤٠٣، وطبقات النحويين واللغويين (ص: ١٦٧)، والمُعرَّب، للجواليقي (ص: ٨٣)، ومعجم الأدباء ٦/ ٢٧٠٧، والتفسير اللغوي (ص: ٣٤٨، ٥٦٠).","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>[٨٠] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤].</span>\nقال يحيى بن سَلاَّم في قوله تعالى ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤]: (العاصون، وليس بفسق الشرك، وهي كبيرة) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-294> تحليل الاستدراك:</span>\nنفى ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) أن يكون المُراد بالفِسقِ في الآية: فسق الشرك، المُخرج من المِلَّة. ومن ذهب إلى ذلك اعتمدَ صحةَ هذا المعنى لُغةً، فإنَّ الفسق مُطلَقُ الخروج عن الطاعة (^٢)، فيدخل فيه الخروج من الإسلام إلى الشرك. وهو الظاهر من اقترانه ب\"ألْ\" المفيدة للاستغراق والعموم، كما أن تقدم ضمير الفصل \"هُمْ\" يفيد اختصاصهم بصفة الفسق، وتمحضهم بها، وذلك حين كونهم مشركين. ثُم قد تكرر الاستعمال القرآني لكلمة الفسق بمعنى الشرك في غيرما آية، منها قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧]، وهذه الآية نظير آية النور تركيبًا ومعنىً، قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠): (وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق) (^٣). ومن النظائر كذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]. بل الأعم الأغلب في زمن التنْزيل إطلاق الفاسق على الكافر، قال ابن الوزير (^٤) (ت: ٨٤٠): (قد ورد في السمع ما يدل\n_________\n(^١) تفسيره ١/ ٤٢٨.\n(^٢) ينظر: مقاييس اللغة ٢/ ٣٥٤، وسيأتي بيان المعنى اللغوي بتوسع.\n(^٣) فتح القدير ٢/ ٥٣٩، وينظر: روح المعاني ١٨/ ٤٠٢، والتحرير والتنوير ١٨/ ١٥٩.\n(^٤) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى، أبو عبد الله الحسني اليمني، المعروف بابن الوزير، إمام فقيه أصولي، صنف العواصم والقواصم، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، وغيرها، مات سنة (٨٤٠). ينظر: الضوء اللامع ٦/ ٢٧٢، والبدر الطالع ٢/ ٨١.","vol":"1","page":452},{"text":"على أن الفاسق في زمان النبي ﷺ يُطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧]، وقوله ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة ٩٩]، وقوله ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠])، وذَكَرَ آياتٍ كثيرةً ثم قال: (فهذه الآيات دالَّةٌ على أن الفاسق في العرف الأول يُطلَق على الكافر، ويسبق إلى الفهم) (^١).\nوذهب ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) إلى أن المُرادَ بالفِسقِ في الآية: فسق المعصية، غير المُخرجِ من المِلَّة. ومعتمده في ذلك صحة المعنى لُغةً، فالعاصي خارجٌ عن الطاعة. وكذلك دلالة السياق؛ فإنه في الحديث عن قذف المسلم لأخيه المسلم. ولهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، منها قوله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧]، فسمى محظورات الإحرام ونحوها من المعاصي فسوقًا، كما سمى الكاذب فاسقًا في قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، وعَدَّ التنابز بالألقاب فسوقًا في قوله ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١]، وقد جاءت السنة بإطلاق اسم الفسق على العاصي، كما في قوله ﷺ: (سباب المسلم فسوق) (^٢)، قال اللالكائي (ت: ٤١٨): (إن المسلم إذا سَبَّ المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق، فيزول عنه اسم الإيمان) (^٣). وقال رسول الله ﷺ: (إن الفُسَّاق هم أهل النار)، قيل: يا رسول الله ومن الفُسَّاق؟ قال: (النساء)، قال رجل: يا رسول الله أوَ لَسْنَ أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: (بلى،\n_________\n(^١) العواصم والقواصم ٢/ ١٦٠ باختصار، وينظر: إيثار الحق على الخلق (ص: ٤٠٧)، وتفسير المنار ١/ ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٣٥ (٤٨)، ومسلم في صحيحه ١/ ٢٤١ (١١٦).\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٦/ ١٠٩٣.","vol":"1","page":453},{"text":"ولكنهن إذا أُعطِينَ لم يشكُرنْ، وإذا ابتُلِينَ لم يَصْبرنْ) (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-295> الحكم على الاستدراك:</span>\nالفسق لُغةً: الخروج عن الشيء، والعرب تقول: فَسَقَتْ الرُّطبَةُ من قشرها. إذا خرجت. ويقال: فسق الرجل. إذا فجر، وخرج عن الطاعة (^٢)، قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨): (قال أهل اللغة: الفاسق معناه في كلام العرب: الخارج عن الإيمان إلى الكفر، وعن الطاعة إلى المعصية) (^٣).\nوذلك معناه شرعًا (^٤)، ثُمَّ هو في الإسلام على قسمين- أشار إليهما ابن الأنباري-:\nالأول: فسقٌ مُخرجٌ من الملَّة، وهو فسق الشرك.\nالثاني: فسقٌ غيرُ مُخرجٍ من الملَّة، وهو فسق المعصية.\nوهذه القسمة ثابتةٌ شرعًا، مشهورة عن السلف ﵃، قال ابن عباس ﵁: (كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسمٍ، مثلُ: خاسر، ومُسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذَّنب) (^٥)، ورُوي عن ابن عباس ﵁، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء (ت: ١١٤)، وغيرُ واحد من أهل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٢٨ (١٥٥٧٠)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٠٧ (٢٧٧٣) وصححه، وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٣: رجاله ثقات. وإسناده صحيح.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ١/ ٢٦٢، وتهذيب اللغة ٨/ ٣١٥، وتفسير غريب القرآن (ص: ٣١)، ومقاييس اللغة ٢/ ٣٥٤، والصَّحاح ٤/ ١٥٤٣.\n(^٣) الزاهر ١/ ١٢٠.\n(^٤) ينظر: جامع البيان ١/ ٢٦٢، والمفردات (ص: ٦٣٦)، والمحرر الوجيز ١/ ١١٢، وزاد المسير (ص: ٥١)، ومجاز القرآن، للعز بن عبد السلام (ص: ٤١٢)، وعمدة الحفاظ ٣/ ٢٣٠، وروح المعاني ١/ ٢٨٤.\n(^٥) جامع البيان ١/ ٢٦٧، والدر المنثور ١/ ٩٧.","vol":"1","page":454},{"text":"العلم قولهم: (كُفرٌ دون كفر، وفِسقٌ دون فسق) (^١)، قال المروزي (^٢) (ت: ٢٩٤): (الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيُسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا) (^٣). ثُمَّ ما ورد في النص تسميته فسقًا من الذنوب يكون أعظم مما لم يُسَمَّ بذلك، قال البيضاوي (ت: ٦٨٥): (والفسق إذا استُعمل في نوع من المعاصي دَلَّ على عظمته، كأنه مُتجاوزٌ عن حَدِّه) (^٤)، بل قد خُصَّ الفاسقُ عرفًا واستعمالًا بمن ارتكب كبيرة، أو أصرَّ على صغيرة، قال الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠): (والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تُعُورِف فيما كان كثيرًا) (^٥)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والفسق في عُرف الشرع أشدُّ من العصيان) (^٦)، وقد أشار إلى ذلك ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) في هذه الآية بقوله: (وهي كبيرة).\nومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين صحيحٌ لُغَةً، مُستَعمَلٌ في القرآن الكريم (^٧)، ويتحدد أيُّ نوعيه هو المراد بحسب السياق، كما سبق عن ابن عباس ﵁، فإن كان السياق في الكافرين فهو فسق الشرك، وإن كان في المؤمنين فهو فسق المعصية، ولا يصح حمل جميع ما في القرآن منه على معنىً واحد.\n_________\n(^١) جامع البيان ٦/ ٣٤٧، وجامع الترمذي ٥/ ٢١.\n(^٢) محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله الحافظ، إمام في الحديث والسنة والأثر، صنف: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، وغيرها، توفي سنة (٢٩٤). ينظر: السير ١٤/ ٣٣، وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٤٦.\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦، وينظر: مجموع الفتاوى ١١/ ١٤٠، ١٤٣، و٧/ ٥٢٤، وكتاب الصلاة، لابن القيم (ص: ٧٥).\n(^٤) أنوار التنْزيل ١/ ٨٣.\n(^٥) المفردات (ص: ٦٣٦).\n(^٦) فتح الباري ١/ ١٣٨، وينظر: التفسير الكبير ٢٣/ ١٤٢، وروح المعاني ١/ ٢٨٤.\n(^٧) ينظر: الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص: ٣٢٨)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: ٣٦٨)، ونزهة الأعين النواظر (ص: ٤٦٥).","vol":"1","page":455},{"text":"وحيثُ كان سياقُ الآيات هنا واضحًا في المؤمنين؛ في بيان أحكام الزنا حَدًّا ونِكاحًا وقَذفًا، فالصواب أن المُراد بالفسق هنا: فسقُ المعصيةِ. كما ذكر ابنُ سَلاَّم (ت: ٢٠٠)، وكذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن نصر المروزي (ت: ٢٩٤)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١) (^١)، وعليه عامَّةُ العلماءِ والمفسرين. (^٢)\nولم أجد من فسر الفسق هنا بالشرك، غيرَ أنه جارٍ على أصول الخوارج في التكفير بالكبيرة (^٣)، والمعتزلة وإن قالوا إن مرتكب الكبيرة في منْزلة بين المنْزلتين؛ لا كافر ولا مؤمن (^٤)، والأباضية وإن سَمَّوا مرتكب الكبيرة كافرًا كفر نعمة، أو كفر نفاق (^٥) = فإنهم جميعًا موافقون للخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار يوم القيامة.\nفتفسير الفسق هنا بالشرك، موافقٌ لرأي الخوارج صراحةً، وهو ما يؤول إليه قول المعتزلة والأباضية، باعتبار خلود الفاسق يوم القيامة مع المشركين (^٦). قال هود\n_________\n(^١) ينظر: تفسير مقاتل ٢/ ٤٠٨، وتعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦، وجامع البيان ١٨/ ١٠٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٣١، وبحر العلوم ٢/ ٤٢٧، وتفسير القرآن العزيز ٣/ ٢٢٢، والوسيط ٣/ ٣٠٥، وكتاب الصلاة، لابن القيم (ص: ٧٥).\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز ٤/ ١٦٥، والجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١١٩، وتفسير الحداد ٥/ ٤٣، وروح المعاني ١٨/ ٤٠٢، وفتح القدير ٤/ ١٢.\n(^٣) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٨٦)، والفرق بين الفرق (ص: ٥٥).\n(^٤) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ٢٦٩)، وشرح الأصول الخمسة (ص: ٤٧١)، والملل والنحل ١/ ٤٨.\n(^٥) ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: ١١٠)، والفرق بين الفرق (ص: ٩٧)، وهِميان الزاد إلى دار المعاد ١/ ٢٠٤، و٣/ ٤٤٣، وتيسير التفسير ١/ ١١٣. ووافقهم في تسميته منافقًا: عمرو بن عبيد، من رؤوس المعتزلة. ينظر: أمالي المرتضى ١/ ١٦٥، وشرح الأصول الخمسة (ص: ٤٨٢).\n(^٦) ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أن الخلاف في مرتكب الكبيرة بين المعتزلة والخوارج والأباضية خلافٌ لفظي؛ لأن المآلَ واحدٌ عند الجميع وإن اختلفوا في الألفاظ، وإنما خفَّفَت المعتزلة- وتبعهم الأباضية- من أحكام مرتكب الكبيرة في الدنيا، فغيرت اسمه، ولم تُحل دمه وماله. ينظر: الفرق بين الفرق (ص: ١١٩)، وشرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٤٤، وتأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة (ص: ٢٠، ٣٧٩).","vol":"1","page":456},{"text":"بن مُحَكِّم الأباضي (^١) في تفسيره المختصر من تفسير ابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، عند آية النور هذه: (أي: العاصون، وليس بفسق الشرك، ولكن فسق النفاق، وهي كبيرة من الكبائر الموبقات) (^٢)، ومع أن الأصل في المُختَصِر تقليل عبارة الأصل، إلا أن التصرف في عبارة صاحب الأصل وتحويرها (^٣)، حمَلَ المُختَصِر على إقحام عبارة: (فسق النفاق) في وصف صاحب الكبيرة هنا، لتوافق رأيه، وتُبين مذهبه. (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-296>ومن مسائل هذا الاستدراك:</span>\nأولًا: إن معرفة واقع المفسر له أثرٌ جليل في معرفة وجه اختياره ومأخذ تفسيره، وهذا جليٌّ جدًا في تفاسير السلف واختياراتهم، وقد مضت الإشارة إلى ذلك والتمثيل له (^٥)، ومن ذلك تخصيص ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠) قولَ الخوارج والأباضية بالرد في هذه الآية، وإن لم يكن قولًا معروفًا أو مذكورًا عند أهل السنة؛ لكن لآثارهم السياسية\n_________\n(^١) هود بن مُحَكِّم الهواري الأوراسي، مفسر من علماء الأباضية، عاش في القرن الثالث الهجري، وصنف: تفسير القرآن العزيز. مُختَصِرًا فيه تفسير يحيى بن سلاَّم. ينظر: معجم المفسرين ٢/ ٧١٣، ومقدمة محقق تفسيره ١/ ٤٢.\n(^٢) تفسير كتاب الله العزيز ٣/ ١٦٢.\n(^٣) كثيرًا ما يُقحم المؤلفُ نحو هذه المصطلحات العقدية الأباضية في ثنايا كلام ابن سلاَّم، وقد أشار محقق هذا التفسير: بالحاج بن سعيد شريفي- أباضي- إلى ذلك في مقدمة تحقيقه، وينظر: التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا ٢/ ٨١٠، ويتضح ذلك جليًا بمقارنه اختصاره باختصار ابن أبي زمنين في هذه الآية وغيرها من المواضع.\n(^٤) وقال ابن أطفيِّش الأباضي (ت: ١٣٣٢) عند هذه الآية: (الفاسقون أي: الفاعلون لكبيرة نفاق عظيمة). هِميان الزاد ١١/ ٢١٨.\n(^٥) ينظر: الاستدراك رقم (٤١) (ص: ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"1","page":457},{"text":"والاجتماعية في ذلك الوقت (^١)، ولواجب البيان والبلاغ، بَيَّن ﵀ بطلان هذا القول، في ذلك المقام.\nومن ثَمَّ ينبغي أن لا تخلوا كتب التفسير في كلِّ زمان من مثل هذه الإشارات والوقفات؛ سيرًا على نهج السلف في هذا الباب، وربطًا للناس بكتاب الله تعالى واقعًا وسلوكًا، وردًا للباطل وأهله من كل سبيل.\nثانيًا: تتلخص الأصول المنهجية للاختصار في ثلاثة أصول:\nالأول: صحة الفهم.\nالثاني: حسن البيان.\nالثالث: سلامة المقصد.\nفالأصل الأول يعصم من سوء الفهم، قلا يُبنَى المُختَصَر على ما لم يُرِده صاحب الأصل. والأصل الثاني يعصم من الخطأِ في إيصال مُراد صاحب الأصل. والأصل الثالث يعصم من تحريف مُراد صاحب الأصل، بزيادة أو نقص أو تصرُّفٍ في العبارة على وجه يُحيل المعنى إلى خلاف مُراد المؤلف، وعلى ما يوافق رأي المُختَصِر (^٢). وأكثر ما يقع الخلل في مُختصرات التفسير من الإخلال بهذا الأصل، وعلى الأخص عند التخالف في الاعتقاد. وهو ما عُرِضَ لمثاله في اختصار هود بن محَكِّم لعبارة ابن سلاَّم (ت: ٢٠٠) ﵀. (^٣)\n_________\n(^١) مكث ابنُ سَلاَّم (١٢٤ - ٢٠٠) بأفريقية عشرين عامًا، عاصر فيها عددًا من حركات الأباضية في الشمال الأفريقي، والتي بدأت عام (١٣١) واستمرت حتى عام (٢٩٦) بنهاية الدولة الأباضية الرستمية، وقامت بعدها إمارات صغيرة ومشيخات إقليمية، لم يكن لها سلطان نافذ أو مدة طويلة كالدولة الرستمية. ينظر: غاية النهاية ٢/ ٣٧٣، ومقدمة تفسير ابن سلاَّم ١/ ١١، والتفسير والمفسرون في غرب أفريقيا ١/ ٥٥.\n(^٢) لَمَّا اجتمع لابن عباس ﵁ العلمُ بالقرآن، وحسنُ البيان، كان \"ترجمان القرآن\"، ولا يكون ذلك إلا لِمَنْ تَحَقَّق علمه فيما يترجم عنه، وما يُتَرجِمُ إليه. وينظر قول صالح بن كيسان المتقدم (ص: ٣١٢).\n(^٣) للاستزادة ينظر: قواعد الاختصار المنهجي في التأليف، للدكتور عبد الغني مزهر، مجلة البحوث الإسلامية العدد (٥٩) (ص: ٣٣٧)، والاختصار في التفسير، لعلي بن سعيد العَمْري، رسالة ماجستير، بجامعة أم القرى.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>الباب الثاني\n\"الاسْتِدْرَاكَاتِ فِي التَّفْسِيرِ\"\nنَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ</span>\nوَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان:\n• مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.\nالفصل الأول: \" الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ \" نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.\nالفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ.\nوَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ:\n• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوه التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ.\n• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.\n• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.\n• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.\n• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.","vol":"1","page":459},{"text":"﷽\n\n•<span data-type='title' id=toc-298> مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.</span>\nظهر اهتمام السلف بعلم التفسير جليًّا منذ نزول القرآن على رسول الله ﷺ، فقد حفظ الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ ألفاظَ القرآن، وتفهموا معانيه، فعرفوا أكثَرَه بلسانِهم الذي نزل به القرآن، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وما أشكل عليهم معناه سألوا عنه رسولَ الله ﷺ فبينه لهم كما أمره الله تعالى بقوله ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقوله ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل ٦٤] (^١)، وقد كانت أفعالُ رسولِ الله ﷺ وأقواله وتقريراته بيانًا للقرآن الكريم، وتأوُّلًا لِمَا فيه، قالت عائشةُ تَصِفُ رسولَ الله ﷺ: (كان خُلُقُهُ القرآن) (^٢)، وقالت: (كان رسول ﷺ يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\"، يتأَوَّلُ القرآن) (^٣).\nولم يعهَد رسولُ الله ﷺ لأحدٍ من أصحابه بأمرٍ لم يعهده إلى الناس كافَّةً، قال عمَّار بن ياسر ﵁: (ما عهدَ إلينا رسولُ الله ﷺ شيئًا لم يعهدهُ إلى الناسِ كافَّةً) (^٤)، ولمَّا قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا والذي فلَقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسمَة، إلا أن يُعطِي اللهُ ﷿ عبدًا فهمًا في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة. قيل: وما فيها؟ قال: العقلُ، وفِكاكُ الأسير، وأن لا يُقتَلَ مسلمٌ بكافرٍ) (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ١/ ٥٨، وشفاء الصدور (مخطوط، ص: ٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٦٨ (٧٤٦)، وينظر: شرح النووي على مسلم ٢/ ٣٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٠٥ (٤٩٦٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٥٠ (٤٨٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٢٦٨ (٢٧٧٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٩٣ (٣٠٤٧)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٩٧ (١٣٧٠).","vol":"1","page":461},{"text":"وحين تُوُفِّيَ رسول الله ﷺ لم يكن شيءٌ من كتاب الله خَفِيَّ المعنى عن الصحابة ﵃، بل كُلُّ كتاب الله تعالى معلوم المعنى عند مجموع الصحابة ﵃، ثُمَّ يتفاوت علم أفرادهم به بحسب ما اختصَّ الله تعالى كُلًا منهم، ويتقدمهم في هذا العلم علي بن أبي طالب ﵁ (^١)، وابنُ عباس الذي دعا له الرسول ﷺ بقوله: (اللهم فَقِّهه في الدين، وعَلِّمه التأويل) (^٢)، وقال عنه ابن مسعود ﵁: (نعم ترجمان القرآن ابن عباس) (^٣)، وكذا عبدُ الله بن مسعود، الذي قال: (والله الذي لا إله غيره، ما أُنزِلَت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ أينَ أُنزِلَت، ولا أُنزِلَت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ فيمَن أُنزِلَت، ولو أعلمُ أحدًا أعلمَ مِنِّي بكتاب الله تبلُغُه الإبلُ لرَكِبتُ إليه) (^٤).\nثُمَّ تَحَمَّلَ هذا العلم من بعدهم التابعون وتابعوهم، فساروا فيه على سَنَنِ من قبلَهُم، واختصَّ به جماعةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم، واشتهروا به دون غيره من العلوم، فقد سألَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) ابنَ عباس ﵁ عن تفسير القرآن كاملًا وقال: (عرضتُ القرآنَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، أَقِفُهُ على كُلِّ آية فيمَ نَزَلَت؟ وكيفَ كانَت؟) (^٥)، كما كَتَبَ التفسير عنه كاملًا، قال ابن أبي مليكة (ت: ١١٧): (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب.\n_________\n(^١) ينظر: شفاء الصدور (مخطوط، ص: ٣٦، ٣٨)، ومقدمات تفسير الأصفهاني (ص: ٢٧١)، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن راهويه في مسنده ٤/ ٢٣٠ (٢٠٣٨)، وأحمد في المسند ١/ ٣١٤ (٢٨٨١)، وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ١/ ٦١ (٨٤ - ٨٥)، وسنده صحيح، وينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤٠.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٦٢ (٥٠٠٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ١٥ (٢٤٦٣).\n(^٥) جامع البيان ١/ ٦٢، وتذكرة الحفاظ، للقيسراني ٢/ ٧٠٦، وقال: (حديث حسن). وينظر: جامع البيان ٣٠/ ٣٩.","vol":"1","page":462},{"text":"قال: حتى سأله عن التفسير كله) (^١)، وقال أبو الجوزاء (ت: ٨٣): (أقمت مع ابنِ عباسٍ وعائشةَ اثنتي عشرةَ سنة، ليس من القرآنِ آيةٌ إلا سألتُهُم عنها) (^٢)، وقال الشعبي (ت: ١٠٤): (والله ما مِنْ آيةٍ إلا قد سَأَلتُ عنها) (^٣).\nوكان من مُقتَضى خيريَّةِ هذه القرون الثلاثة من السلف أن يُبَيِّنوا معاني كتاب الله تعالى للناس أوضَحَ بيان، وأن يُصَحِّحوا لهم معانيه كما يُصَحِّحوا ألفاظه، قال أبو عبد الرحمن السلمي (ت: ٧٤): (حدثنا الذين كانوا يُقرِؤوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب ﵃ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) (^٤).\nولأجل هذه المقاصد الجليلة تميَّز تفسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا.\nوقد اتَّخذَ بيانُهم للقرآن الكريم مسلَكَينِ عامَّين:\nأوَّلُهما: عرضُ معاني الآيات وبيانها ابتداءً، ونَشرُ ذلك بين الناس، وهذا الأصل في تفسيرهم، وهو الأكثر، وعليه قامت مُصَنَّفاتهم في التفسير.\nوثانيهما: رَدُّ المعاني الناقصة أو الباطلة، مع بيان صحيح المعاني وأولاها، وهو\n_________\n(^١) جامع البيان ١/ ٦٢. وقال مجاهد مرَّةً: (هكذا وجدت في كتابي) جامع البيان ٣٠/ ٣٩، وهو بِهذا يُعَدُّ أولَ من صَنَّفً كتابًا كاملًا في التفسير؛ فإن ابن عباس ﵁ توفي سنة (٦٨)، ومجاهدٌ فرغ من كتابة تفسيره كاملًا قبل ذلك.\n(^٢) التاريخ الكبير ٢/ ١٦، وينظر: الثقات، لابن حِبَّان ٤/ ٤٢.\n(^٣) جامع البيان ١/ ٦٠.\n(^٤) جامع البيان ١/ ٥٦، والكشف والبيان (مخطوط، لوحة: ٣٣)، والسير ٤/ ٢٦٩، ٢٧١.","vol":"1","page":463},{"text":"أقلُّ المنهجين سلوكًا، ولا يلجأُ إليه المفسر إلا لحاجةٍ عارِضةٍ؛ كسؤال سائل، أو إيرادِ مُعتَرض، أو لمناسبةٍ واقعةٍ اقتضت التنبيه والرد.\nومن أظهر صور المسلك الثاني: \"استدراكات السلف في التفسير\"، وذلك بإتباع المعاني المذكورة بمعانٍ أصحَّ وأصوَبَ، وأكملَ وأوضَح.\n* * *","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-299>الفصل الأول\n\"الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ\" نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.</span>\nنَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ إذ هي طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان أسلوب الاستدراكات في التفسير من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة.\nوقد أبانت الدراسةُ السابقةُ لنماذجَ مُختارةٍ من الاستدراكات في التفسير بداياتِ هذه النشأةِ، وكيف ارتبطت عند السلف بمسلك العرض والإيضاح غايةَ الارتباط، وقد كان أوَّلُ ظهورها في هذا العلم: في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير.\nوقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وقد احتوت الدراسةُ ثلاثةَ عشرَ استدراكًا نبويًا تفسيريًّا (من: ١، إلى: ١٣)، وواحدًا وأربعينَ استدراكًا عن الصحابة ﵃ (من: ١٤، إلى: ٥٤)، وعشرينَ استدراكًا عن التابعين (من: ٥٥، إلى: ٧٤)، وستةَ استدراكات عن أتباع التابعين (من: ٧٥، إلى: ٨٠).","vol":"1","page":465},{"text":"كما تنوَّعت الاستدراكات في التفسير باعتبار موضوعاتها، وهذا عرضٌ لبعض ما وقفتُ عليه من موضوعات الاستدراكات في كتب التفسير، مع التمثيل عليها (^١):\n* الاستدراكات في القراءات: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول قراءةٍ أو رَدِّها، ومن أمثلتها:\n١ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (أنه قرأ ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]. فقيل له: إن سعيد بن المسيَّب يقرأ ﴿تُنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦]، قال سعد: إن القرآن لم ينْزل على المسيَّب ولا آل المسيَّب، إنما هي: ﴿ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها﴾ [البقرة ١٠٦] يا محمد. قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى ٦]، ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف ٢٤]) (^٢).\n٢ - قال الأعمش: (كان ابن مسعود يقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]، فقال ابن عباس: بلى ويُقتل. قال: فذكرَ ابنُ عباسٍ أن ذلك إنما كان في قطيفَةٍ، قالوا إن رسول الله غَلَّهَا يوم بدر، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]) (^٣).\n* الاستدراكات في قصص الآي وأخبار بني إسرائيل: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول شيءٍ من أخبارِ بني إسرائيلَ، أو رَدِّها، أو تصحيحِهَا، ومن أمثلتها:\n١ - قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٧]:\n_________\n(^١) اشتملت الدراسةُ في الباب الأوّل على نماذِجَ من هذه الأنواع، وسيُمَثَّلُ هنا بغيرها للتأكيد والإيضاح.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٨٥ (١٠٦)، وابن منصور في سننه ٢/ ٥٩٧ (٢٠٨)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٨٩ (١٠٩٩٦)، وابن جرير في تفسيره ١/ ٦٦٧ (١٤٥٥)، وابن أبي داود في المصاحف ١/ ٣٩٨ (٢٩١)، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٠ (١٠٥٩). وفي تحديد القراءات في الأثر اختلافٌ ينظر تحقيقه في المراجع السابقة، وفي تحقيق الدكتور أحمد الزهراني لتفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٤، والدكتور سعد الحميِّد لسنن ابن منصور ٢/ ٥٩٧.\n(^٣) علَّقَهُ الثوري في تفسيره (ص: ٨١) عن ابن عباس، ووصله ابن جرير في تفسيره ٨/ ٢٣٦ (١١٣٦٣).","vol":"1","page":466},{"text":"(المَفدِيُّ إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاقَ، وكذبت اليهود) (^١).\n٢ - قال الحسن في قوله تعالى ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص ٢٥]: (يقولون: شُعَيبٌ، وليسَ بشُعَيبٍ، ولكنَّه سيِّدُ الماءِ يومئذٍ) (^٢).\n* الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها: وتشملُ استدراكاتٍ في معاني الألفاظ، وأسبابِ النُّزول، والناسخِ والمنسوخ، وأحكامِ القرآن، ونحوها من موضوعات التفسير وعلومه، ومن أمثلتها:\n١ - قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المُتّكأُ هو: النّمرقُ يُتَّكَأُ عليه. وقال: زعمَ قومٌ أنه الأُترُجّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المُتّكأُ أُترُجّ يأكلونه (^٣). وحكى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قولَ أبي عبيدةَ، ثم قال: والفقهاء أعلمُ بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُه) (^٤).\n٢ - قال سهل بن حنيف ﵁: (أتدرون فيم أنزلت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]؟ قيلَ: في سبيل الله. قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة) (^٥).\n٣ - كان ابن عباس ﵁ يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة ١٨٤]، ويقول: (ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أن يصوما،\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في تفسيره ١/ ٥٠ (١٠٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٣/ ٩٩ (٢٢٦٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٩/ ٢٩٦٥ (١٨٣٣).\n(^٣) مجاز القرآن ١/ ٣٠٩.\n(^٤) جامع البيان ١٢/ ٢٦٤.\n(^٥) عزاه السيوطي في الدر ٥/ ٦٦ لابن مردويه.","vol":"1","page":467},{"text":"فيُطعِمان مكان كُلِّ يومٍ مسكينًا) (^١).\n٤ - سُئِلَ الحسنُ عن قوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥]: (أهِيَ عليهم خاصَّةٌ؟ قالَ: عليهم وعلى الناس عامَّةً) (^٢).\nهذه جُملَةُ الموضوعات العامَّة للاستدراكات، وما يندرج تحتها من موضوعاتٍ جزئيةٍ تابعةٍ لها وغيرِ خارجةٍ عنها. ويلاحَظُ في هذه الموضوعات العامَّة التَنَوُّعُ الظاهر الذي يشيرُ إلى انتشار هذا الأسلوب في علم التفسير وتأصُّلِه في وجوهه وأنواعه.\nوقد دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين:\nالأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا.\nوالثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا.\nكما دارت طُرُقُ الاستدراكات في التفسير بين طريقين:\nأوَّلُهما: أن يَذكُرَ المفسرُ قولًا في الآية ثم يستدرك عليه.\nوثانيهما: أن يُذكَر للمفسرِ قولٌ في الآية فيستدرك عليه.\nولَمَّا كانت الاستدراكات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبَّما أُفرِدت كُتُبٌ خاصَّةٌ في الاستدراكات على تفاسير متقدمة (^٣)، ولم يَخلُ من ذلك سوى التفاسير المختصرة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٨ (٤٥٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٤/ ١١٤٤ (٦٤٣٦).\n(^٣) نحو كتابَي: «مباحثُ التفسير» أو «الاستدراك» لأحمد بن محمد بن مظفر الرازي (٦٣١)، وهو استدراكات على تفسير الثعلبي «الكشف والبيان»، ويحقق الآن في جامعة أم القرى في رسالة ماجستير. وينظر: طبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٦٤)، ومعجم المفسرين ١/ ٦٥. وكتاب «المُتَدارك على المَدارك» لابن الضياء العَدَويّ؛ محمد بن أحمد الصاغاني الحنفي (ت: ٨٥٤)، عَمِلَه على تفسير النسفي، ووصل فيه إلى آخر سورة هود، وأتَمَّه أبوه. ينظر: الضوء اللامع ٧/ ٨٤.","vol":"1","page":468},{"text":"التي قصد مُؤلفوها الاختيارَ والعرضَ دون التَّعَقُّب والرد.\nوكُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كُلَّما كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير: \"جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن\" لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) ﵀، فقد جمع فيه مؤلفُه أقوالَ مفسري السلف بأسانيدها، وعَرَضَ لضعف هذه الأسانيد وعِلَلِها عند الحاجة، ودرسَ مُتُونَها دراسةً تفسيريَّة نقديَّة شاملة، فميَّزَ الأقوال وبيَّنها، ورجَّح ما اختاره منها، مع ذكر وجه ترجيحه ومأخَذَ اختياره بالتفصيل والدليل. وقد اشتهر في الناس إمامةُ مؤلِفه، وتمَكُّنُه واجتهادُه في سائر العلوم، فلا غرو أن صار تفسيرُه أصلًا لعَامَّة من بعده؛ نقلًا وشرحًا وتهذيبًا واعتراضًا.\nوكان من أثرِ منهج ابن جرير (ت: ٣١٠) النقدي في تفسيره أن استدرك على من سبقه من المفسرين في مواضعَ كثيرة من تفسيره (^١)، كما استدرك عليه من تبعه من المفسرين؛ مِمَّنْ جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان من أبرزهم في هذا الجانب: ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ كثير (ت: ٧٧٤) (^٢).\n_________\n(^١) من أمثلة استدراكات ابن جرير على المفسرين قبله: ١/ ١٠٣، ١١٢، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٤٠، ٤٧٢، ٦٦٠، ٦٦١، ٢/ ٦٤٩، ٣/ ٥٦، ١٧٠، ٥/ ٩٣، ٦/ ٣١، ٧/ ٩٣، ٨/ ٤٩، ١٢/ ٢٦٤، ١٣/ ٤٦، ٢٣/ ٤، ٣٠/ ١٣٣.\n(^٢) ومن أمثلة ذلك في تفسير ابن عطية: ١/ ٧٨، ١٠١، ٢٠٢، ٢٢٤، ٢٦٢، ٢٨٧، ٢/ ٣٨، ٤٨، ١٢٢، ١٦٣، ٢٧٣، ٣٣٠، ٥٠٠، ٣/ ٣٢، ٦٧، ٢٩١، ٤٠٦، ٤/ ١٣٣، ٤٥٢، ٥/ ٢٥٨، ٢٨٠، ٤٩٢.\nومن أمثلته في تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٢، ٢٤٩، ٢/ ٨٥٥، ٩١٣، ٩٨١، ٣/ ١٣٧٥، ١٣٩٠، ٤/ ١٧٦٦، ٥/ ٢٣٦٧، ٦/ ٢٦٧٢، ٧/ ٣٢٩١، ٣٣٦٧، ٣٦٢٤، ٨/ ٣٧٢١.\nوقد سُجلتا رسالتان علميتان في الاستدراكات في هذين الكتابين على ابن جرير، ونوقشتا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهما بعنوان: «استدراكات ابن عطية الأندلسي على ابن جرير الطبري في تفسيره»، و«استدراكات ابن كثير على ابن جرير في التفسير».\nومن الأمثلة الظاهرة للاستدراكات في التفسير: استدراكات السمين الحلبي الكثيرة في تفسيره «الدر المصون» على الزمخشري، وأبي حيّان، وقد سُجلتا رسالتين علميتين، ونوقشتا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وفي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. ومن البحوث والمقالات في هذا الباب:\n- «استدراكات الفقيه ابن جُزيّ على القاضي ابن عطية في تفسير القرآن»، لشايع بن عَبده الأسمري، مجلة الجامعة الإسلامية، (عدد: ١١٢)، (ص: ٢٥٩).\n- «مناظرات في تفسير الآيات»، لفريد مصطفى السلمان، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (عدد: ٣٢)، شوال ١٤٢١ هـ، (ص: ٨٧).\n- «استدراكات الفِجِيجِي على القرطبي»، لبنعلي محمد بوزيان، مجلة دعوة الحق، المغربية، (عدد: ٣٤٣)، ١٤٢٠ هـ، (ص: ٤٧).","vol":"1","page":469},{"text":"ثُمَّ تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه.\n* * *","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>الفصل الثاني\nأَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ</span>\nوَفِيهِ تَمْهِيدٌ، وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ:\n\n<span data-type='title' id=toc-301>تمهيد:</span>\nتضمنت الاستدراكات في التفسير أنواعًا متعددةً من علوم التفسير وأصوله، فإن المفسِّر حين يتعرض لقولٍ من الأقوال بالردِّ والتصحيح، إنما ينطلق في ذلك من أصولٍ وقواعدَ تستلزم تقديم قوله واعتباره، وقد يُصَرِّح المُفَسِّرُ بهذه الأصول والقواعد، وقد لا يُصَرِّح بها وإنما تُتَعَرَّف من سياق الموقف ومناسباته، ومن مجموع ردود ذلك المفسِّر واستدراكاته.\nوقد احتوت استدراكات السلف في التفسير جُملَةً وافرةً من هذه الأصول والقواعد المنهجية في علم التفسير، وتلمُّس هذه المعارف التفسيرية من تفاسير السلف أولى وأحرى من تلَمُّسِها مِمَّنْ بعدهم؛ فهم أصلُ كلِّ علمٍ نافعٍ، ومن بعدهم إنما يَصدُر عنهم ويَأخذُ منهم، ورُبَّما تتابعَ بعضُ مَنْ بعدهم على ما لم يقولوه، أو فهموا ما لم يريدوه، فأصَّلوا على ذلك أصولًا، وفَرَّعوا علومًا، بعيدةً عن هدي سلفهم، أو مناقضةً له.\nفمن ثَمَّ كانت العناية بجمع واستخراج أصول التفسير وقواعده من تفاسير السلف، وعبر استدراكاتِهم فيه، أحد مقاصد هذا البحث، وذلك من خلال صريح عبارتهم أوَّلًا، ثُمَّ بما يؤكدها من ترجيحاتهم واختياراتهم، مُعتمدًا في ذلك على ما سبق دراسته في الباب الأول من الاستدراكات، ثُمَّ بالاستدراكات من غيرها، مقتصرًا من ذلك على بيان أثرها في عَدَّةِ مباحث متنوعةٍ من مباحث أصول التفسير، مِمَّا له علاقةٌ مباشرةٌ بالاستدراكات فيه.\n* * *","vol":"1","page":471},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-302> المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِيه.</span>\nثَمَّةَ أمارات يُتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال في معاني الآيات، تعرف ب\"وجوه الترجيح في التفسير\" (^١)، وهي وإن لم تكن دائمًا في محلّ الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم في الترجيح والاختيار، وقد كان لاستدراكاتهم في التفسير أثرٌ واضحٌ في إبراز هذه الوجوه والتأكيد عليها؛ لحاجة المفسر إلى ذكرها في استدراكاته عند الحاجة. وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، واستخراجها منها.\nومن خلال ما تمَّت دراسته من الاستدراكات في الباب الأول يتبيَّن في هذا الجانب ما يأتي:\nأولًا: لم تكن هذه الوجوه الترجيحية نصوصًا صريحةً في كلام مفسِّري السلف على الأغلب، والصريح منها لم يكن مسبوكًا في صورة \"قاعدةٍ\" بمعناها الاصطلاحي، وإنما بدأت تبرز بِهذه الصورة في كلام نَقَدَةِ التفسير، ومحرري الأقوال فيه شيئًا فشيئًا. (^٢)\nومن أمثلة ذلك قاعدة: \"العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب\"، فإن أصلَها وارد عن رسول الله ﷺ حينما أخبره رجلٌ أنه أصاب ذنبًا، فنَزل فيه قولُه تعالى\n_________\n(^١) ينظر: النكت والعيون ١/ ٣٨، ومجاز القرآن، للعز بن عبد السلام (ص: ٢٢٠) ط: دار البشائر، والتسهيل ١/ ٢٠.\n(^٢) ولذلك سَمَّاها ابنُ جُزَي (ت: ٧٤١) في مقدمة تفسيره ١/ ٢٠: «وجوه الترجيح»، وهو أقدم من وصفها وجمع جُملةً وافِرَةً منها، وعِبارَتُه هذه تسميةٌ دقيقةٌ بالنظر إلى الغرض منها في استعمال المُفَسِّر، ولأن بعضها لا يرتقي إلى أن يكون قاعدة بمعناها الاصطلاحي، أو ليس لفظُهُ بِمَسبوكٍ في صورةِ قاعدةٍ، مع صِحَّتِه ووضوحِه.","vol":"1","page":472},{"text":"﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فقال الصحابة: يا رسول الله أَلِهَذا خاصَّةً؟ قال: (بل للنَّاس كافَّةً) (^١). وفي أحدِ الاستدراكات رَجَّح محمد بن كعب القرظي (ت: ١٠٨) قولَه بِهذه القاعدة فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (^٢)، ثم تتابع المفسرون على الاحتجاج بِهذه القاعدة والترجيح بِها، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (إن الآية كانت قد تنْزل لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نَزلت فيه) (^٣).\nثانيًا: انحصرت وجوه الترجيح في استدراكات السلف في أربعةِ أقسام عامَّة:\nالأول: ترجيح المعنى لدلالةٍ شرعيَّةٍ، كدلالة القرآن والسنة نَصًّا على المعنى، أو وروده فيهما بذلك المعنى، أو للإجماع على معنى وعدم المخالف فيه، أو لمخالفته لنصوص الشرع وقواعده، كما في الاستدراكات رقم (١، ٨، ١٠، ١١، ١٣، ١٩، ٢١، ٢٢، ٤٧، ٦٢، ٦٤، ٦٩، ٧٩). (^٤)\nالثاني: ترجيح المعنى لدلالةٍ لُغَويَّةٍ، كأن يكون أظهر معاني اللفظ وأشهرها والمتبادر منها، أو يكون أصلًا لِمعانيه الأخرى، أو يكون بذلك المعنى في عُرفِ من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٢٣٣ (٢٧٦٣).\n(^٢) ينظر الاستدراك رقم (٦٥) (ص: ٣١٩).\n(^٣) جامع البيان ١٤/ ٣٤١ ط: التركي. وينظر في إعمال هذه القاعدة: المحرر الوجيز ١/ ٣٧١، وأنوار التنْزيل ٢/ ٩٨٠، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٩، ١٥/ ٣٦٤، والبحر المحيط ١/ ٤٢٧، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٩٤، ٤/ ١٥٧٠.\n(^٤) وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨١ عن رسول الله ﷺ، والدر ٥/ ٤٦٦ عن رسول الله ﷺ، والدر ٢/ ٤٤٦ عن ابن عباس ﵁، والدر ٣/ ٤٠٨ عن كعب الأحبار، وجامع البيان ١٢/ ٢٦٤ عن أبي عبيد القاسم بن سلاَّم، وتفسير البستي ٢/ ١٥٤ عن ابن عيينة.","vol":"1","page":473},{"text":"نزل عليهم القرآن، أو لمخالفته للُغَة العرب ومعهود كلامها، كما في الاستدراكات رقم (٢، ٢٦، ٣٢، ٣٣، ٤١، ٤٢، ٥٢، ٦٥، ٧٢، ٧٧، ٧٨، ٧٩). (^١)\nالثالث: ترجيح المعنى لدلالةِ السياق، سواءً سياق الآيات قبلها وبعدها، أو سياق الآيةِ الواحدة، كما في الاستدراكات رقم (٧، ٢٨، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٥٧، ٦٠، ٧٧). (^٢)\nالرابع: ترجيح المعنى لدلالةِ النُّزول، كذكر سببه، أو مكانه؛ مَكِيًّا كان أو مدنيًّا، كما في الاستدراكات رقم (١٥، ١٧، ٣٣، ٣٥، ٣٩، ٤٤، ٦٥، ٦٨، ٧١). (^٣)\nوما عدا هذه الأنحاء الأربعة في الترجيح إمَّا أن يكون داخلًا فيها وتابعًا لها، وإما أن يكون استعماله والترجيح به قليلًا، أو يكون وجهًا غير معتبرٍ.\nثالثًا: يتقدَّم الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّةٍ إجمالًا على غيره من وجوه الترجيح؛ لأن فيه ما هو نَصٌّ قاطِعٌ في الدلالة لا يُتَقَدَّمُ عليه بوجهٍ من الوجوه، وفيه ما أُجمِع عليه فلا\n_________\n(^١) وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: الدر ٤/ ٤٢٨ عن رسول الله ﷺ، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩١٤ عن ابن مسعود ﵁، وجامع البيان ٥/ ١٤٢ عن ابن عباس ﵁، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٤ عن الحسن، والدر ٥/ ٣٩٦ عن كعب الأحبار، والدر ٦/ ٦٠ عن عروة بن الزبير، وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٤٠٥ عن محمد بن عباد، والدر ٣/ ٨٤ عن مقسم مولى ابن عباس ﵁، وزين العابدين، والدر ٣/ ٤٦٦ عن الضحاك، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٦٠ عن ابن إسحاق، والدر ٣/ ٥١١ عن ابن عيينة.\n(^٢) وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: الدر ٣/ ١٥٩ عن عمر ﵁، وجامع البيان ٦/ ٣١٠ عن ابن عباس ﵁، والدر ٣/ ٨٦ عن جابر ﵁، والدر ٣/ ١٩١ عن ابن عباس ﵁، والدر ٥/ ٣٣٣ عن ابن مسعود ﵁، والدر ٣/ ٥١٥ عن أبي وجْزَة السعدي، والدر ٨/ ٥٨٥ عن الحسن، وجامع البيان ١٩/ ١٥٧ عن زيد بن أسلم، والدر ٣/ ٥١١ عن ابن عيينة.\n(^٣) وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٧١ عن عمر ﵁، والدر ٢/ ٣٨٨ عن أبي هريرة ﵁، والدر ٣/ ٥٧٢ عن عبد الله بن مغفل ﵁، وجامع البيان ١٠/ ٧٥ عن ابن الزبير ﵁، وجامع البيان ٧/ ١٩٣ عن ابن أبزى، وجامع البيان ١٣/ ٢٣٢ عن سعيد بن جبير، والكشف والبيان ٥/ ٣٠٢ عن أبي جعفر الباقر، وجامع البيان ٢٦/ ١٣ عن مسروق والشعبي.","vol":"1","page":474},{"text":"يُخالَف، وكذا قول الصحابة فلا يخرَجُ عنه.\nرابعًا: ثَمَّةَ وجوهٌ من الترجيح ليست في قُوَّةِ هذه الوجوه الأربعة وتَقَدُّمِها، وهي مع ذلك مُفِيدةٌ مُعتَبَرة في الترجيح، ويقعُ الترجيح بها في تفاسير السلف كثيرًا مع تأخُّرها في القوَّة أو الظهور عن غيرها من الوجوه، ومن هذه الوجوه:\n١ - الترجيح بما ورد من أخبار أهل الكتاب المروية عنهم أو من كتبهم؛ مِمَّا وافق شرعنا أو لم يخالفه، وما صَحَّ عن الصحابة ﵃ من ذلك أعلاها درجةً؛ لتوثُّقهم في النقل، وتحَرِّيهم في المعنى، وقد وقع من السلف الترجيح كثيرًا بهذا الوجه، كما في الاستدراك رقم (٢٨). (^١)\n٢ - فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني، كما في الاستدراك رقم (٦٢).\n٣ - و٤ - الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والتَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه. وقد أشار إليهما ابن عباس ﵁ فيما حكاه سعيد بن جبير (ت: ٩٥) قال: (اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء ٤٣]، فقال عبيد بن عمير: هو الجماع. وقلت أنا وعطاء: هو اللمس. قال: فدخلنا على ابن عباس فسألناه، فقال: (غُلب فريقُ الموالي، وأصابت العرب). أو قال: (أخطأ المَوْلَيَان وأصاب العربيُّ؛ هو الجماع، ولكن الله يَعُفُّ ويَكنِي) (^٢)، وقد أُشيرَ إلى هذا الجانب\n_________\n(^١) حصر بعض الباحثين مرويات ابن مسعود ﵁ في التفسير من أخبار الأمم السابقة، فبلغت نحو (١٨٠) أثرًا. ينظر: تفسير ابن مسعود ﵁ ١/ ٧١. وينظر: جامع البيان ١٦/ ٩٧، والدر ٥/ ٤٤٧ عن كعب الأحبار، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٦١ عن ابن عباس ﵁، وسؤالاته لأبي الجلد عند ابن أبي حاتم ١/ ٥٥، وسؤالاته لكعب الأحبار في تفسير ابن وهب ١/ ٢٩، ٢/ ٨٠، وقد جمعتُ كلّ الأخبار الإسرائيلية المروية عن السلف في تفسير ابن جرير، وبيّنت اعتمادهم عليها في التفسير تبيينًا وترجيحًا، وذلك في كتاب: \"الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري الرواة والموضوعات والمقاصد\".\n(^٢) تفسير ابن وهب ١/ ١٠٨ (٢٤٥)، وجامع البيان ٥/ ١٤٢ (٧٥٩٦ - ٧٥٩٧).","vol":"1","page":475},{"text":"في غيرما رواية بقولهم: (وهو مَملوك- من الموالي- كذبَ العبد) (^١)، ويلحق به من بعض الوجوه قولهم: (إنها نزلت وهو يهودي) (^٢)، ووجه ذلك ما سبق ذِكرُه من عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والموالي وإن كانوا عربًا إلا أن العربيةَ فيهم ملكةٌ مُكتسبَةٌ ليست كالفطرية الراسخة في العربي صليبةً؛ الذي رضعها من صِغره، ودرجَ عليها في قومه، وارتاضَ بها لسانه، وشافه بها أجناس العرب، وعرف ألفاظهم ومعانيهم وأساليبهم وعاداتهم في الكلام.\nوكذا كان التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه من أسباب الرسوخ فيه، وإتقانه، ومعرفة وجه صوابه، وهذا ما لا يتيسَّر للمولى؛ لاشتغاله بخدمة سيده والقيام بأمره، فيفوته شيء من العلم يدركه المصاحب للعلماء، المُلازِم لمجالسهم.\n٥ - عُلُوُّ السِّنِّ، وقد وردت الإشارة إليه في غيرما رواية، نحو قولهم: (وأنا يومئذ حدث- والله ما سِنٌّ عاليةٌ- وإني لأصغر القوم- إنك غلامٌ حَدَثُ السِّنِّ- إن صبيانا هاهنا)، وكما في الاستدراكات (٣٣، ٦٢) (^٣)، وليس مُرادهم أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّهوا بعبارتهم هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق؛ ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص الصحابة ﵃، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٥/ ١٤٢ عن ابن عباس ﵁، والدر ٦/ ٣٧٤ عن مجاهد، وجامع البيان ٢/ ٥٣٦ عن أبي ماجد الزيادي.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٤/ ٢٧٦ عن ابن مسعود ﵁.\n(^٣) وينظر: الدر ٣/ ٣٠٣ عن عبد الله بن الزبير ﵁، وجامع البيان ٧/ ١٣٠ عن جبير بن نفير.\n(^٤) ومن وجوه الترجيح الفرعية أيضًا: الترجيح بكثرة القائلين، وجلالتهم، وباسم السورة، وموضوعها العام، ومناسبات الآيات والسور، وعدم ذكر الكتب الجامعة لأقوال المفسرين غيرَ معنىً واحد للآية، دون غيره من المعاني، ونحوها من الوجوه التي عرضت لها كتب التفسير، واعتمدها المفسرون في الترجيح، ولها شواهد من استدراكات السلف.","vol":"1","page":476},{"text":"خامسًا: قد يتَّحِدُ قولان أو أكثرَ في وجهٍ من وجوه الترجيح العامَّة، فيُصَارُ إلى الترجيح بوجوهٍ عامَّةٍ أو فرعيَّةٍ أخرى، ومن أمثلته في الاستدراك الواحد الاستدراك رقم (٥٢) حيث وقع فيه الترجيح بدلالة اللغة والسياق في كلا القولين، وكذا الاستدراك رقم (٦٢) حيث وقع فيه الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّة للقول الأوَّل، وبدلالَةِ السياق للقولين الآخرين، فيُصَارُ هنا إلى الترجيح بوجه آخر من الوجوه العامَّة أو الفرعِيَّة.\nومثاله في أكثر من استدراك في موضع واحد: قول الحسن (ت: ١١٠) في قوله تعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤] قال: كان والله سريًّا، يعني: عيسى ﵇. فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السَّريّ. فقال: صدقت (^١). وقال جرير بن حازم (ت: ١٧٠): سألَني محمد بن عبَّاد بن جعفر: ما يقول أصحابكم في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤]؟ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول. قال: فأخبر قتادة عنِّي فإنما نزل القرآن بِلُغَتِنا: إنه الرجل السَّريّ. (^٢)\nفقد اعتمد خالدُ بن صفوان ومحمدُ بن عبَّاد على الترجيح بدلالة اللغة، فهُنا يُصَارُ إلى مُرَجِّح آخر وهو ما ذكره السمرقندي (ت: ٣٧٥) عن حميد بن عبد الرحمن أنه لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: ١١٠) قال: ألا ترى أنه قال ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم ٢٦]؟ (^٣). وهي دلالة السياق.\nوبِهذا يتبيَّن أثر استدراكات السلف في التفسير على وجوه الترجيح فيه، فقد قَرَّبت الاستدراكاتُ تلك الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصرها وما يُعتَبَرُ منها، وجعلَتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا.\n_________\n(^١) تاريخ دمشق ١٦/ ١٠٤.\n(^٢) الدر ٥/ ٤٤٢.\n(^٣) بحر العلوم ٢/ ٣٢٢. وينظر الاستدراك رقم (٥٨) (ص: ٢٩١).","vol":"1","page":477},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-303> المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.</span>\nتَضَمَّنت استدراكات السلف في التفسير إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من أسباب الخطأِ في التفسير؛ فإن المُفَسِّر حين يستدرك على قولٍ ويُخَطِّئُه يذكرُ أحيانًا وجه خَطَئِه وسبَبَه ليُعلَم ويُجتَنب.\nوذِكرُهم لهذه الأسباب ربما كان صريحًا في أنها سبب الخطأ، كما في قول عمر لقدامة بن مظعون ﵃: (أخطأتَ التأويل)، لَمَّا استدل له على إباحة شربه للخمر بالآية، ثم ذكر عمر سبب خطأِه بقوله: (إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حَرَّمَ اللهُ عليك) (^١). وربما ذُكِرَ السبب على سبيل الإيماء والإشارة، كما في قول ابن مسعود ﵁ لمَّا بلغه قولٌ لكعب الأحبار (ت: ٣٢)، قال: (إنها نزلت وهو يهودي) (^٢).\nوهذا جمعٌ لمَا ذُكِر عن السلف من أسباب الخطأِ في التفسير، من خلال ما تَمَّت دراسته من استدراكاتٍ في الباب الأول:\n١ - عدم التأمُّل في نظائر الآية وما يُفَسِّرها في القرآن، كما في الاستدراكات (١، ٨، ١١، ١٨، ٦٠، ٦٢، ٧٩). (^٣)\n٢ - الأخذ بالنظائر القرآنية فقط دون النظر إلى غيرها من وجوه التفسير، كما في الاستدراكات (٣٦، ٦٢، ٦٤)، وهذا مُقابِلٌ للسبب الأول.\n٣ - عدم العلم بالسُّنَّة النبويَّة المُفَسِّرة للآية، أو مخالفة صريحها (١١، ٢١، ٣٤، ٤٧).\n_________\n(^١) ينظر الاستدراك رقم (١٦) (ص: ٩٩).\n(^٢) ينظر الاستدراك رقم (٣٩) (ص: ٢١٩).\n(^٣) وينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ١٠٤، وجامع البيان ٧/ ٣٣٤ عن أُبَي بن كعب ﵁.","vol":"1","page":478},{"text":"٤ - عدم التَّنبُّه إلى لفظ الآية وتمامها، كما في الاستدراكات (٢، ١٦، ٣٨). (^١)\n٥ - إهمال السياق وعدم الأخذ به، كما في الاستدراكات (٧، ٤٠، ٥٧، ٧٧، ٧٩). (^٢)\n٦ - مخالفة العربية والجهل بِها، كما في الاستدراكات (٣٢، ٣٣، ٦٢). (^٣)\n٧ - عدم التَّنَبُّه للفروق اللغوية بين الألفاظ، كما في الاستدراك رقم (٤١). (^٤)\n٨ - عدم فصاحة اللسان، والجهل بأساليب القرآن، كما في الاستدراك رقم (٦٢). (^٥)\n٩، و١٠ - عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، وعدم التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه. (^٦)\n١١ - الجهل بسبب النُّزول وعدم اعتباره، كما في الاستدراكات (١٧، ٣٣، ٣٥، ٣٩، ٥٦، ٦٨). (^٧)\n_________\n(^١) وينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩١٢ عن علي بن أبي طالب ﵁، والدر ٥/ ٣٣٣ عن ابن عباس ﵁، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ٤٦٤ عن أبي العالية، وجامع البيان ١٩/ ١٥٧ عن زيد بن أسلم، والدر ٥/ ٤٢ عن ابن عيينة.\n(^٢) وينظر: جامع البيان ٦/ ٣١٠ والدر ٥/ ٢٧٧ عن ابن عباس ﵁، والدر ٣/ ٨٤ عن سعيد بن جبير.\n(^٣) وينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٢٤ عن علي بن أبي طالب ﵁، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ٤٦٤ عن أبي العالية، والدر ٦/ ٦٠ عن عروة بن الزبير، وتفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٤٠٥ عن محمد بن عبَّاد، والدر ٣/ ٥١٥ عن أبي وَجْزَة السعدي، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٤١٩.\n(^٤) وينظر: الدر ٣/ ٢٤٠ عن ابن عباس ﵁، وجامع البيان ٩/ ١١٥ عنه أيضًا، والدر ٨/ ١٠٣ عن ابن عمر ﵁، والدر ٣/ ٣٠٢ عن عكرمة.\n(^٥) ينظر: تفسير ابن سلاَّم ٢/ ٥١٩، ٧٦٦.\n(^٦) ينظر بيانهما في «وجوه الترجيح الفرعية» في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(^٧) وينظر: الدر ٤/ ٣٣٢ عن عثمان بن عفان ﵁، والدر ٣/ ٥٧٢ عن عبد الله بن مغفل ﵁، والدر ٧/ ٣٨٥ عن عائشة ﵂، وجامع البيان ٦/ ٣٤٣ عن أبي مجلز ﵁، وتفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٢١ عن ابن عباس ﵁، وجامع البيان ٧/ ١٩٣ عن ابن أبزى ﵁، وجامع البيان ١٠/ ٧٥ عن ابن الزبير ﵁، وجامع البيان ٦/ ٣٤٥ عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، وسنن ابن منصور ٥/ ١٨٢ عن معاوية بن قُرَّة، والسير ٥/ ٣٣٩ عن الزهري.","vol":"1","page":479},{"text":"١٢ - التأخر عن زمن النُّزول، كما في الاستدراك رقم (٣٥). (^١)\n١٣ - الجهل بحال من نزل عليهم القرآن، كما في الاستدراك رقم (٢٦).\n١٤ - الجهل بزمن النُّزول مَكِّيِّه ومدنِيِّه، كما في الاستدراك رقم (٧١). (^٢)\n١٥ - تخصيص المعنى بلا مُخَصِّص، كما في الاستدراكات (٦٥، ٧٢، ٧٧، ٧٨). (^٣)\n١٦ - عدم الأخذ بالمُخَصِّص، كما في الاستدراكات (٤٠، ٤٤). (^٤)\n١٧ - عدم الأخذ بمفهوم الآية الصحيح، كما في الاستدراك رقم (١٩).\n١٨ - الاعتقاد قبل الاستدلال، وهو ما أشار إليه الحسن (ت: ١١٠) في جوابه عن قولٍ لبعض أهل الأهواء: (إنك والله لا تستطيع على شيء) (^٥)، وجاء رجلٌ من الخوارج إلى ابن أبزى ﵁ وقرأ عليه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام ١]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ فقال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى،\n_________\n(^١) وينظر: جامع البيان ١/ ٦٦٧ عن سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(^٢) وينظر: جامع البيان ١٣/ ٢٣٢ عن سعيد بن جبير، وجامع البيان ٢٦/ ١٣ عن الشعبي، والدر ٧/ ٣٨٠ عن عكرمة.\n(^٣) وينظر: جامع البيان ٦/ ٣٤٤ عن حذيفة ﵁، وأحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: ٢٢١) عن ابن عباس ﵁، والكشف والبيان ٦/ ١٦، والدر ٨/ ٤٤٥ عنه أيضًا، والدر ٣/ ٨٤ عن مقسم مولى ابن عباس وزين العابدين، والسير ٥/ ٣٣٩ عن الزهري.\n(^٤) وينظر: تفسير عبد الرزاق ٣/ ٢٢٣ عن قتادة، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٢/ ٤٩ عن أحمد بن حنبل.\n(^٥) جامع البيان ٤/ ٢٧٩ (٦٦٦١).","vol":"1","page":480},{"text":"إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حَدِّهَا. (^١) وكما في الاستدراكات (٤٠، ٤٢، ٦٨).\n١٩ - حداثةُ السِّنِّ. (^٢)\n٢٠ - مخالفة النصوص والأصول الشرعية. (^٣)\n٢١ - مخالفة تفسير السلف، كما في الاستدراك رقم (٧٩).\n٢٢ - القول في الآية بلا علم، كما في الاستدراك رقم (٢٣). (^٤)\n٢٣ - الاستعجال في حمل الآية على معنىً قبل التحقق منه (^٥)، ويدخل فيه: الإعجاب بالرأي، وهو ما ذكره إبراهيم النخعي (ت: ٩٦) في استدراكه على قولٍ لأحدهم: (كان معجبًا برأيه) (^٦)، وذلك لمَا فيه من الاستعجال في حمل الآية على أحد المعاني دون تحقيقٍ وتأمُّلٍ، وقريبٌ منه قول عبد الله بن عمرو ﵁ عن قولٍ لأبي هريرة ﵁: (إن أبا هريرة يكثر) (^٧).\n٢٤ - العلم الواسع بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، ومنه قول ابن مسعود ﵁ عن قولٍ لكعب الأحبار (ت: ٣٢): (نزلت وهو يهودي) (^٨)، وهو سبب في\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٧/ ١٩٣، والدر المنثور ٣/ ٢٢٥.\n(^٢) ينظر بيانه في \"وجوه الترجيح\" في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٣/ ١١٢ عن عائشة ﵂، والدر ٧/ ١٦٠ عن الحسن، وسيرة ابن هشام ١/ ٣٦٠ عن ابن إسحاق.\n(^٤) وينظر: جامع البيان ٢٥/ ١٤٣ عن ابن مسعود ﵁.\n(^٥) ينظر: جامع البيان ٧/ ١٣٠ عن جبير بن نفير، وتفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣ عن أبي العالية.\n(^٦) الدر ٧/ ٧٣.\n(^٧) الدر ١/ ٦٨٥.\n(^٨) ينظر الاستدراك رقم (٣٩) (ص: ٢١٩).","vol":"1","page":481},{"text":"مجانبة الصواب في التفسير إذا أوقع صاحبه في الدخول على المعاني القرآنيةِ بمقررات سابقة تؤثّر في اختيار المعاني، كما قال ابن مسعود ﵁: (ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه) (^١). أو إذا حمل صاحبه على عدم الاهتمام بطرق التفسير الأخرى كاللغة والسياق وأسباب النُّزول ونحوها، والمبادرة إلى حمل القرآن على أخبار أهل الكتاب دون استيعاب وجوه التفسير الأخرى.\nويلاحظُ في هذه الأسباب كثرتُها وتنوُّعها، وهي في الجملة مُتَفرِّعةٌ عن أمرين رئيسيَّين:\nالأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده.\nوالثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح. (^٢)\nوبهذا يتبين أثر الاستدراكات في إبراز هذا الجانب من جوانب علم التفسير، ومدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر.\nوالمتأمِّلُ لهذه الأسباب وما أدَّت إليه من أخطاءَ وانحرافاتٍ في التفسير في القرون المفضلة الأولى، يجدها تتكرَّرُ أسبابًا لكلِّ الأخطاءِ والانحرافات الواقعة في التفسير بعد تلك القرون، فما من خطأٍ وانحرافٍ في تفسير آيةٍ وقع بعد عهد السلف إلا وله مثالٌ سابق في ذلك العهد، أشار علماؤهم إليه، ونبَّهوا عليه، وحَذَّروا منه،\n_________\n(^١) جامع البيان ٢٢/ ١٧٤.\n(^٢) وينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: ٣٩)، وقانون التأويل (ص: ٣٦٨)، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٤، ٣٥٥.","vol":"1","page":482},{"text":"ووَضَّحوا الصواب فيه أوضح بيان، وبكُلِّ سبيل (^١)، فأبطلوا بذلك طرائق أهل الأهواء في التفسير، وقطعوا به أصول مناهج منحرفة ما فَتِئَ أعداء الإسلام يبعثونَها بكلِّ لباسٍ في كلِّ زمان.\nوإن في العناية بمنهج السلف في هذا الباب، وما لهم فيه من سابقة وحسن بلاء، ما يوفِّرُ على المفسِّر من بعدهم وقتًا وجهدًا كبيرين يبذلهما في كشفِ أخطاء وانحرافات التفسير في كُلِّ عصر، ومن ثَمَّ تصحيحها وبيان الحق فيها بلا التباس، والتَوَفُّر بعد ذلك الواجب على غيره من واجبات المفسر الكثيرة التي تمسُّ الحاجة إليها.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: ٦٧).","vol":"1","page":483},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-304> المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.</span>\nيتحَصَّل من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين:\nالأولى: المُفَسِّرُ، فإنَّ طائِفةً من أسباب الاختلاف ترجع إليه؛ كالاختلاف في درجة العلم، ودِقَّة الفهم، والقصد والإرادة، ورسوخ الإيمان والتقوى، ونحو ذلك، ولولا هذا التفاوت لَمَا وقع الاختلاف، فإنه سُنَّةٌ كونية بَيَّنها تعالى في آياتٍ شرعية، كقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام ٣٥].\nوالثانية: المُفَسَّرُ، وهو الآيَاتُ القُرآنِيَّة في لفظها ومعناها، كالاختلاف بسبب تعدد القراءات، والاشتراك اللفظي، والإحكام والنسخ، ونحوها ممَّا سيرد مثاله فيما يأتي.\nوهذا جمعٌ لأسباب الاختلاف الواردة في التفسير من خلال استدراكات السلف فيه (^١):\n١ - تعدد القراءات في الآيات، كما في الاستدراك رقم (٦). (^٢)\n_________\n(^١) ينظر في تفصيل هذه الأسباب وغيرها: الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم، لابن السيِّد البَطليَوسي، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٢، والتسهيل ١/ ١٩، والموافقات ٥/ ٢١٠، وأصول التفسير وقواعده، للعك (ص: ٨٦)، واختلاف المفسرين أسبابه وآثاره، للفنيسان، وبحوث في أصول التفسير، للرومي (ص: ٤٤)، وفصولٌ في أصول التفسير، للطيار (ص: ٦٣)، وأسباب اختلاف المفسرين، للشايع.\n(^٢) وينظر: جامع البيان ١/ ٦٦٧ عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٢٩ عن علي ﵁، وجامع البيان ١٣/ ١١٢ عن عائشة ﵂، وجامع البيان ٤/ ٢٠٧ عن ابن عباس ﵁، والدر ٢/ ٤٥٣، و٤/ ٥٤٥ عن ابن عباس ﵁ أيضًا، والدر ٣/ ٣٠٣ عن عبد الله بن الزبير ﵁، والدر ٣/ ٣٠١ عن الحسن.","vol":"1","page":484},{"text":"٢ - العلم بالسنة النبوية، من حيث بلوغها وثبوتِها وفهمها، كما في الاستدراكات (٣، ٤، ١٠، ١١، ٢١، ٣٤، ٤٧). (^١)\n٣ - احتمال الإحكام أو النسخ، كما في الاستدراكات (١٥، ١٧، ٢٥). (^٢)\n٤ - احتمال العموم أو الخصوص، كما في الاستدراكات (١، ٥، ٧، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ٢١، ٣٩، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٨، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٦، ٦٠، ٦٢، ٦٥، ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ٨٠).\n٥ - احتمال اللفظ لأكثر من معنى، ويدخل فيه احتمال الحقيقة أو المجاز، والاشتراك اللفظي، وإجمال اللفظ، كما في الاستدراكات (٢، ٨، ٩، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٧، ٤١، ٤٦، ٤٧، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨، ٦١، ٦٣، ٦٦، ٧١، ٧٩).\n٦ - الاختلاف في تحديد مرجع الضمير، كما في الاستدراكات (٥٩، ٦٢، ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠). (^٣)\n٧ - الاختلاف في تقدير المحذوف، كما في الاستدراكات (٢٩، ٣٨). (^٤)\n_________\n(^١) وينظر: جامع البيان ٧/ ١٣٤ عن أبي بكر ﵁، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٠ عن سعد بن أبي وقاص ﵁، والدر ٢/ ٣٨٣، و٣/ ٦٨ عن جابر بن عبد الله ﵁، وجامع البيان ٧/ ١٢٨ عن ابن عمر ﵁، والدر ٧/ ٣٩٧ عن مجاهد، وجامع البيان ٣٠/ ٤٢١ عن محارب بن دِثار.\n(^٢) وينظر: الدر ١/ ٣٩٦ عن ابن عباس وعكرمة، والدر ٧/ ٣٩٧ عن مجاهد، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٦٨ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(^٣) وينظر: الدر ٣/ ٥٤٩ عن ابن عمر ﵁، وتفسير ابن سلاَّم ١/ ٤١٩.\n(^٤) وينظر: الدر ٣/ ٤٩٤ عن أبي العالية.","vol":"1","page":485},{"text":"٨ - احتمال الترتيب أو التقديم والتأخير، كما في الاستدراك رقم (٣٨). (^١)\nهذه جُملَةُ أسباب الاختلاف في التفسير، الواقعة في زمن السلف، ويُلاحَظُ فيها أمور:\nأولًا: أن أكثر أسباب الاختلاف في زمن السلف ترجعُ إلى أمرين:\nأوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص.\nوثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى.\nوهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وعُرفًا وشرعًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-.\nثانيًا: من الأسباب المعتبرة في عصر الصحابة على الخصوص: العلم بالسنة النبوية؛ بلوغًا وثبوتًا وفهمًا، وتعدد القراءات في الآيات، ويَقِلُّ تأثير هذين السببين في خلاف من بَعدَهم.\nثالثًا: في مقابل كثرة وقوع الخلاف من جِهَةِ تلك الأسباب يَقِلُّ أن يوجد في زمن السلف اختلافٌ سببه الجهلُ أو الهوى؛ لِقِلَّة البدعِ وأهلِها في زمانِهم، وعلى الأخصِّ في زمن الصحابة ﵃؛ فإنه أشرف العصور، (وكلما كان العصر أشرف، كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر) (^٢).\nرابعًا: تشتركُ جميعُ أسبابِ الاختلاف المذكورة في كونِها أسبابًا مُعتَبَرَة، والخلاف الناتج عنها له حَظٌّ من النظر، ونتيجته محتَرَمةٌ في كِلا نوعي الاختلاف: اختلاف التَّنَوعِ- وأكثرُ اختلافِهِم من هذا النوع-، واختلاف التضادّ.\nوبِهذا يتبيَّنُ أثر استدراكات السلف في التفسير في بيان أصول أسباب الاختلاف فيه، وانحصارها في صُوَرٍ معدودة معتَبَرة، يرجع أكثرها إلى المُفرَدَةِ القرآنيَّةِ بدلالاتِها المُتعدِّدَة.\n* * *\n_________\n(^١) وينظر: الدر ٣/ ٢٧١ عن ابن جريج.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٢، وينظر: الموافقات ٥/ ٢٢١.","vol":"1","page":486},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-305> المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.</span>\nالرأيُ لُغةً: مصدر رَأَى الشيءَ، يَرَاه، رَأْيًا، وهو ما يراه الإنسان في الأمر ببصيرته (^١)، ويغلب استعماله في المرئِيِّ نفسه، ويَرِدُ في استعمال العلماء مخصوصًا بما يراه القلب بعد فِكرٍ وتأمُلٍ وطلبٍ لمعرفةِ وجه الصواب مِمَّا تتعارضُ فيه الأمارات. (^٢)\nوالتفسير بالرأي هو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه. (^٣)\nويُرَادِفه التفسير الاجتهادي، والتفسير العقلي، وذلك أن الاجتهاد وسيلة التفسير بالرأي، والعقل مصدرُه.\nوهو مسلكٌ من مسالك التفسير المعروفة، وقد وُجِد في زمان رسول الله ﷺ، وأقّرَّ أصحابه عليه، واستعمله السلف في تفاسيرهم. (^٤)\nوحيث إن استدراكات السلف في التفسير تُعّدُّ بطبيعتها نوعًا من الخلاف\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٢٢٧، ومقاييس اللغة ١/ ٥٠٤.\n(^٢) ينظر: المفردات (ص: ٣٧٤)، وإعلام الموقعين ٢/ ١٢٤، والغيثُ المُسجَم في شرح لامية العجم ١/ ٦٣.\n(^٣) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٧٧، والتحبِيْر، للسيوطي (ص: ٣٢٧).\n(^٤) ثَمَّة أحاديث عديدة تدُلُّ على ذلك، منها: حديث عمرو بن العاص في سنن أبي داود ١/ ١٤٥ (٣٣٤)، ومسند أحمد ٤/ ٢٠٣ (١٧٨٤٥)، وسنده صحيح، وحديث ابن مسعود في صحيح البخاري ١/ ١٠٩، (٣٢)، ومسلم ١/ ٣٠٧ (١٢٤)، وكذا دعاءه ﷺ لابن عباس كما في مسند ابن راهويه ٤/ ٢٣٠ (٢٠٣٨)، وأحمد ١/ ٣١٤ (٢٨٨١)، وسنده صحيح، وأيضًا ما ورد عن أبي بكر ﵁ كما في جامع البيان ٤/ ٣٧٦ (٦٩٥٧)، وعن علي ﵁ كما في صحيح البخاري ٦/ ١٩٣ (٣٠٤٧)، ومسلم ٣/ ٤٩٧ (١٣٧٠). وينظر: الموافقات ٤/ ٢٧٨.","vol":"1","page":487},{"text":"المُتَضّمِّنِ لأكثَرَ من رأي؛ فإنها بِهذه الصورة تحتوي عَدَدًا من مسائل التفسير بالرأي، وتوضحُ جانبًا من هديِ السلف فيه، ومن هذه المسائل:\nأولًا: انحصرَ موضوع التفسير بالرأي عندهم في نوعٍ من التفسير لا يتعدَّاهُ إلى غيره؛ وهو ما يَصِحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، وبيانُ ذلك أنَّ تفسيرَ كُلِّ مُفَسِّرٍ يرجِعُ إلى أحَدِ نوعين:\nالأول: ما جِهَتُه النقل، كأسباب النُّزول، وقصص الآي، والمُغَيَّبات، وكُلُّ ما لا يتطَرَّق إليه الاحتمال، كاللفظ الذي ليس له غيرَ معنىً واحد في لغة العرب. وهذا النوع لا مجالَ فيه لإعمال المفسر رأيَه.\nوالثاني: ما جِهَتُه الاستدلال، وهو كُلُّ ما تطَرَّق إليه الاحتمال، فيدخُلُه رَأيُ المُفَسِّر ونَظَرُه واستنباطُه؛ لأن توجيه المعنى إلى أحدِ المُحتملات دون غيره إنما هو برأي من المفسر. وهذا النوع هو موضوع التفسير بالرأي ومجاله. (^١)\nولذلك اشتَدَّ نكيرُ السلف على كُلِّ قولٍ خارجٍ عن هذا المجال، كما في الاستدراكات (٩، ٣٣، ٣٥، ٣٨، ٦٨) (^٢).\nثانيًا: التزم تفسير السلف بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح (^٣)، ومن النادر في تفاسيرِهم وجود رأيٍ مبعثُه جهلٌ أو هوى، ومن وقع في شيء من ذلك فعن خَطأٍ منه لا يُقَرُّ عليه، ومن وقع فيه قاصِدًا تتابع عليه الإنكارُ\n_________\n(^١) ينظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٨١.\n(^٢) وينظر: تفسير ابن المنذر ٢/ ٧٩٠ عن عمر بن الخطاب ﵁، والدر ٤/ ٣٣٢ عن عثمان بن عفان ﵁، وجامع البيان ٦/ ٣١٠ عن ابن عباس ﵁، والكشف والبيان ٦/ ١٦، والدر ٥/ ٢٧٧ عنه أيضًا، ومرويات الإمام أحمد في التفسير ٢/ ١٢٢.\n(^٣) ينظر: قانون التأويل (ص: ٣٦٦)، وإعلام الموقعين ٢/ ١٤٩، والموافقات ٤/ ٢٧٧، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: ١٤٠).","vol":"1","page":488},{"text":"والتصحيحُ، والتحذيرُ من هذا المسلك بأكثَر من سبيل (^١)، كما في الاستدراكات (١٢، ١٦، ٣٤، ٣٩، ٤٠، ٥٦، ٦٢، ٦٨، ٧٦، ٧٨). (^٢)\nثالثًا: يتحصَّلُ من النظر في مجموع الاستدراكات أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم؛ سواءً منه ما ليس له أصلٌ صحيح، أو ما ضَادَّ النصوصَ الثابتة، أو ما ضَعُفَ مأخَذُه. (^٣)\nرابعًا: وفي مُقابل ذلك تكون موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها = شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر- على الحقيقة- من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا نقصٍ أو التباس، وأما ما زاد عليه من العلوم فمفيد وليس بلازم. (^٤)\nخامسًا: كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة فما بعدهم أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وأمَّا النوع الثاني من مُسْتَنَدَي الاختلاف- وهو ما يُعلَمُ بالاستدلال لا بالنقل- فهذا أكثر ما فيه الخطأُ من جهتين، حدثَتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يُذكَر فيها كلام هؤلاء صِرفًا لا يكاد يوجد فيها شيءٌ من هاتين الجهتين) (^٥)، وينظر\n_________\n(^١) ينظر: التكميل في أصول التأويل، للفراهي (ص: ٢١٦).\n(^٢) وينظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٠ عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٥٦ عن ابن مسعود ﵁، والكشف والبيان ٤/ ٢٤ عن ابن عباس ﵁، وجامع البيان ٧/ ١٣٠ عن جبير بن نفير، وجامع البيان ٧/ ١٩٣ عن ابن أبزى، والدر ١/ ٣٧١ عن عمر بن عبد العزيز، وجامع البيان ٤/ ٢٧٩ عن الحسن، وجامع البيان ٩/ ٢٧٩ عن ابن زيد.\n(^٣) ينظر: قانون التأويل (ص: ٣٦٦)، وإعلام الموقعين ٢/ ١٢٥، والموافقات ٤/ ٢٧٩.\n(^٤) ينظر: الموافقات ٤/ ١٩٨.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٥٥، وينظر منه: ١٣/ ٣٦٢.","vol":"1","page":489},{"text":"أمثلةُ ذلك في الاستدراكات (٤٠، ٤٨، ٦٨، ٧٨، ٨٠). (^١)\nسادسًا: في الأخذِ بتفاسير السلف، وعدم الخروج عنها عِصمَةٌ من الوقوع في الرأي المذموم؛ الذي كان أحدُ أهمِّ أسباب بروزه مخالفةُ السلفِ والخروجُ عن أقوالهم؛ ولذلك جعل العلماءُ من شروط المفسِّر: (ألاَّ يكون تفسيرُه خارجًا عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة) (^٢)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (من عَدَلَ عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يُخالف ذلك كان مُخطِئًا في ذلك بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه) (^٣).\nوبِهذا يَتَّضِحُ أثر استدراكات السلف في التفسير على التفسير بالرأي، من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وبيان أَهَمِّ أسباب رَدِّه.\n* * *\n_________\n(^١) وينظر: تفسير ابن سلاَّم ١/ ٢٣٧ عن ابن عباس ﵁، وجامع البيان ٦/ ٣١٠ عنه أيضًا، وجامع البيان ٧/ ١٩٣ عن ابن أبزى ﵁.\n(^٢) جامع البيان ١/ ٦٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦١. وينظر: التيسير في قواعد علم التفسير (ص: ١٤٦)، والإتقان ٢/ ٣٥١.","vol":"1","page":490},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-306> المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.</span>\nتُطلَقُ المَدرسةُ ويُراد بها لغةً: مكانُ الدَّرسِ والتعليمِ (^١).\nثُمَّ تُوُسِّعَ في معناها حديثًا، فصار يُراد بِها في عُرف الاستعمال: (جماعةٌ من الباحثين تعتنقُ مذهبًا مُعَيَّنًا، أو تقولُ برأيٍ مُشتَرَك. ويُقالُ هو من مدرسة فلانٍ: على رأيِهِ ومذْهَبِه) (^٢).\nوعلى هذا دَرَجَ جماعةٌ من المعاصرين (^٣)؛ فاستعملوا مصطلح \"مدارس التفسير\" في هذا المعنى (^٤)، وقَسَّموا هذه المدارس بحسب أمصار أعلام المفسرين\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٢٥٠، والقاموس المحيط (ص: ٤٩٠).\n(^٢) المعجم الوسيط (ص: ٢٨٠) بتصرف يسير. وأشار الدكتور إبراهيم السامرائي إلى أن استعمال لفظة \"المدرسة\" بهذا المعنى إنَّما جاء تقليدًا للاستعمال الغربي لَهَا؛ والذي يريدون به ما يُقابِل كلمة \"مذاهب\" في الاستعمال العربي. ينظر: المدارس النحوية (ص: ١٣٩ - ١٤١)، ومقال: الدرس النحوي في بغداد أم مدرسة بغداد النحوية، للدكتور محمد قاسم، مجلة التراث العربي، عدد: ٦٤، ١٤١٧، ومقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار (ص: ٢٩٥).\n(^٣) من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تأريخه لعلم التفسير: الدكتور محمد حسين الذهبي، في كتابه التفسير والمفسرون ١/ ١١٠، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين نحو: عبد الله بن عباس ومدرسته في التفسير، لعبد الله محمد سلقيني، ومناهج المفسرين- التفسير في عصر الصحابة، لمصطفى مسلم (ص: ٤٥)، وفي علوم القرآن، لأحمد حسن فرحات (ص: ٢٤٢)، وتفسير التابعين، لمحمد الخضيري ١/ ٣٦٥، والمدرسةُ القرآنيةُ في المغرب، لعبد السلام الكنُّوني، ومدرسة التفسير في الأندلس، لمصطفى المشيني، ومنهج المدرسة الأندلسية في التفسير، لفهد الرومي، ومدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم، لمحمد حسين الصغير، مجلة المورد العراقية، مجلد ١٧/ عدد ٤، ١٩٨٨ م.\n(^٤) لم أجد تحديدًا لمصطلح \"مدارس التفسير\" عند أحدٍ ممَّن استعمله، وقد أشار إلى ذلك صاحب تفسير التابعين ١/ ٣٦٩، ثم لم يُبيِّن أيضًا مراده به!.","vol":"1","page":491},{"text":"من الصحابة والتابعين (^١)، ومَيَّزوا كُلَّ مدرسةٍ بخصائص تنفرد بِها عن غيرها.\nوقد انحصرت بِهذا مدارسُ التفسيرِ في ثلاثِ مدارس (^٢):\nالأولى: مدرسة ابن عباس ﵁ بِمَكَّة، وأشهر تلاميذها سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤).\nالثانية: مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ ﵁ بالمدينة، وأشهر تلاميذها أبو العالية (ت: ٩٣)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: ١٠٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦). (^٣)\nالثالثة: مدرسةُ ابن مسعود ﵁ في العراق، وأشهر تلاميذها علقمة بن قيس (ت: ٦٢)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣)، والشعبي (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧).\n_________\n(^١) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ١١٠. وقَسَّم بعضهم مدارس التفسير- باعتبار مصدر التفسير- إلى: مدرسة التفسير بالأثر، ومدرسة التفسير بالرأي. ينظر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي (ص: ٦٣)، وتفسير التابعين ٢/ ١١٦٩. والتقسيم بحسب الأمصار هو الأشهر.\n(^٢) ينظر: التفسير والمفسرون ١/ ١١٠. ووسَّعها بعضُهم وزاد: مدرسة التفسير في البصرة، والشام، واليمن، ومصر. ينظر: تفسير التابعين ١/ ٥٢٥. كما قابل بعضُهم بين مدرسة المغاربة والأندلسيين، ومدرسة المشارقة في التفسير. ينظر: المدرسةُ القرآنيةُ في المغرب (ص: ١٢٠، ٢٩٣)، ومنهج المدرسة الأندلسية في التفسير (ص: ٨).\n(^٣) نَسَبَ الخضيريُّ مدرسةَ المدينةِ إلى زيد بن ثابت ﵁، وذكر من تلاميذها عروة بن الزبير (ت: ٩٤)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسليمان بن يسار (ت: ١٠٧)، ولم يُشِر فيها إلى أُبَيّ بن كعب أو أحد تلامذته. ينظر: تفسير التابعين ١/ ٥٠٥.\nوهذا يشير إلى ضعف الأصل الذي بُنِيَ عليه تقسيم المدارس وتحديد علمائها وطلابها، ويؤكد ذلك التنازعُ الظاهرُ في تحديد مدرسة عدد من التابعين مِمَّنْ أقام بأكثر من مصرٍ، وأخذَ عن أكثر من شيخ من شيوخ هذه المدارس، كمجاهد، والحسن، وأبي العالية، وأبي مالك الغفاري، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وغيرهم.","vol":"1","page":492},{"text":"وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس (^١)، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت بعض المسائل في هذا الجانب، وهي:\nأولًا: مع أن الاستدراكات هي مَظِنَّة بروز التمايز والتنوع بين هذه المدارس لطبيعة اختلاف الأقوال فيها- على ما سبق وصفه-، ومع كثرة هذا التداخل في الاستدراكات بين مختلف المدارس المذكورة = إلا أنه لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه.\nثانيًا: كما أنه لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس- المذكور- على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم (^٢)، وهذا يشير إلى أمرين:\nأولهما: ضعف الوحدة الفكرية الواجبِ توفُّرها في المدارس التفسيرية، والتي تقتضي قِلَّة هذا الاختلاف داخل المدرسة الواحدة. (^٣)\n_________\n(^١) كما في الاستدراكات (١٧، ٢٠، ٥٩)، ولولا صعوبة تحديد مدارس عدد من التابعين لأُلحِقَ بها عددٌ غير قليل من الاستدراكات نحو (٣٧، ٣٩، ٤٦، ٤٧، ٥٠، ٥٢، ٥٦، ٥٧، ٥٩، ٦٠، ٦٢، ٦٥، ٧٣، ٧٤)، وينظر: بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص: ٣٠) عن أبي الشعثاء وابن مسعود، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ٤٦٤ عن أبي العالية والحسن.\n(^٢) كما في الاستدراكات (٣٦، ٤٦، ٥١، ٥٥، ٦١، ٦٢، ٦٥، ٧٥)، وينظر: جامع البيان ٢/ ٧٤٢ عن سعيد بن جبير ومجاهد وطاووس، وسنن سعيد بن منصور ٣/ ٩٨٤ عن إبراهيم النخعي والربيع بن خثيم، وفيه أيضًا ٤/ ١٦٣٣ عن عكرمة ومجاهد، والدر ٤/ ٢٦٥ عن السُّدِّي وإبراهيم النخعي.\n(^٣) وأشار إلى نحو هذا الدكتور فضل حسن عباس في كتابه إتقان البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٣٤، حيث عَدَل عن استعمال لفظ \"مدارس التفسير في عهد التابعين\"، إلى التعبير ب: أشهر المفسرين في عهد التابعين. وقال: (لأن المدرسة في لغة العصر: ما كانت لها ممَيِّزات وأُسس). وينظر: تفسير التابعين ٢/ ١١٦٨.","vol":"1","page":493},{"text":"ثانيهما: لا فرق عند المستَدرِك في استدراكه بين قائلٍ وآخر، بل ربما وقع الاستدراك من الطالب على شيخه (^١)؛ فإنهم لا يلتزمون آراء شيوخهم في كل موضع في التفسير، بل يجتهدون ثم يوافقون أو يخالفون عن عِلمٍ وعَدلٍ، ولم يكن تنوُّع الأمصار وتعدد الشيوخ مثيرًا لأحدهم في اعتراضه واستدراكه على غيره.\nثالثًا: إن كان المُرادُ باختلاف المدارس وتنوعها اختلافًا فكريًا منهجيًّا يَمَسُّ أصول التفسير ومنهجه فهذا غير موجود بين السلف كما سيأتي، وإن كان المُراد بهذا التنوع اختلافًا وتمايُزًا فرعيًا جزئيًّا فهو موجود- وبشكلٍ ظاهرٍ كما سبق- في داخل كُلِّ مدرسةٍ تفسيرية، فعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن (^٢) وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع.\nرابعًا: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير،، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ هذه المدارس في الإلمام بكامل هذه الجوانب، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم، فاعتماد أحدهم في تفسيره على القراءات أو الشِّعْر لا يعني عدم اعتماد الآخر عليها، أو رَدِّه لها، وإنما هو تفاوت في الإقلال أو الإكثار من هذا المصدر أو ذاك.\nهذه أبرز المسائل المتعلقة بالمدارس التفسيرية، والتي برزت من خلال\n_________\n(^١) ينظر: الدر ٣/ ٥٣٣ عن عكرمة وابن عباس ﵁، وجامع البيان ١٢/ ٦٧ عن سعيد بن جبير وابن عباس ﵁، وجامع البيان ١/ ١٦٤ عن ابن جريج ومجاهد، وجامع البيان ١٢/ ٦٦ عن قتادة والحسن.\n(^٢) أي أئمة المفسرين، كما يسميهم ابن جرير. ينظر: جامع البيان ١/ ١١٠.","vol":"1","page":494},{"text":"استدراكات السلف في التفسير، وهي في مجملها- في الاستدراكات المدروسة وغيرها- لا تحتوي أيَّ إشارةٍ تَدُلُّ على وجود هذه المدارس في عصر السلف، بحسب المعنى اللغوي المتعارف عليه لهذه الكلمة.\nفإذا انضاف إلى هذه المسائل عدمُ وجودِ تعريفٍ واضحٍ لهذا المصطلح عند من استعمله، وعدمُ الاتفاقِ على تقسيمٍ واحدٍ مستوعِبٍ لهذه المدارس، وعدمُ صحةِ نسبةِ عددٍ من أعلام مفسري التابعين إلى هذه المدارس؛ لا بحسب الشيوخ، ولا بحسب الأمصار، وعدمُ شمولِ هذا المصطلح ليستوعبَ كُلَّ من له مشاركة في علم التفسير من أعلام التابعين، وحيث إن كلمة \"مدرسة\" في عُرف الاستعمال تتضَمَّن نوعًا من الاختلاف أكبرُ وأعمقُ من الاختلاف الموجود بين السلف في علم التفسير، وفي غيره من العلوم = اقتضى ذلك كُلُّه إعادةَ النظرِ في هذا الاصطلاح؛ وتجاوزه إلى التعبير بما هو أصَحُّ وأدقُّ في الدلالة على المُراد منه؛ سواءً في بيان أئمة المفسرين من الصحابة ومن لهم جمهرةٌ من الطلاب اختَصُّوا بهذا العلم، أو بيان أشهر الأمصار التي تميزت ببثِّ علم التفسير بصورة واضحة. ومِمَّا يَصِحُّ أن يُعَبَّر به في هذا المقام، قول ابن تيمية (ت: ٧٢٨) ﵀: (وأما التفسير فإن أعلمُ الناس به أهلَ مكةَ؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٧.","vol":"1","page":495},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-307> الْخَاتِمَة </span>•\nالحمد لله على إتْمام النعمة، واكتمال مباحث هذه الرسالة، وأسأله تعالى المزيد من فضله وتوفيقه، وبعد:\nفهذا آخرُ هذا البحث وخاتِمَتُه، والتي أعرضُ فيها- بإذن الله- أبرزَ النتائج، وأهمَّ التوصيات، موضِّحًا جُملَةً من القضايا التي تبيَّنَت وتأكَّدَت من معاناة هذا البحث عدَدَ سنين، على ضخامة مادَّته، وتشَعُّب علومه ومسائله، وقد ثنيتُ القلم مرارًا عن كثير من العلم؛ اقتصارًا منه على ما توثَّقت صلته بعلم التفسير، وعَظُمَت فائدته فيه. وتتلخَّصُ هذه النتائج فيما يأتي:\nأولًا: إن أَهَمَّ وأَجَلَّ مرحلةٍ في تاريخ علم التفسير هي: التفسير في عهد السلف؛ من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إذ إنها مرحلةُ نشأةٍ ونضوجٍ، واكتمالٍ وتمام في آنٍ واحد، فقد تكامل هذا العلم بأصوله وقواعده، ومنهجه وطرائقه في ذلك العهد الفاضل، وهذا من مقتضى خيرية تلك القرون الكاملة في العلم والدين، وهو كذلك ما يوقن به كُلُّ مطالعٍ لأخبارهم، ودارسٍ لتراثهم في هذا الباب.\nثانيًا: للتوصُّل إلى أنواع العلوم والمعارف التفسيرية في زمن السلف يَتَعَيَّنُ تفصيل طرائقهم ومسالكهم في تناول هذا العلم بيانًا وتبليغًا، ومنها هذا النوع من أنواع البيان، وهو: الاستدراكات في التفسير.\nثالثًا: اهتمَّ مُفَسِّروا السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وصَحَّحوا للناس معاني القرآن كما صَحَّحوا لهم أداء ألفاظه، ولأجلِ ذا تميَّزت تفاسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا.","vol":"1","page":496},{"text":"رابعًا: نَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ فإنها طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان هذا الأسلوب من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة.\nخامسًا: اعتمدَ السلفُ كثيرًا على هذا النوع من البيان في الكشف عن معاني القرآن وتصحيحها.\nسادسًا: كان أوَّلُ ظهور الاستدراكات في هذا العلم: في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير.\nسابعًا: أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه.\nثامنًا: كُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير، وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير: \"جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن\" لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) ﵀.\nتاسعًا: تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وكان من موضوعاتها الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها وقراءاتها.","vol":"1","page":497},{"text":"عاشرًا: دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين:\nالأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا.\nوالثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا.\nإحدى عشر: تمَيَّز هذا النوع من أنواع بيان علم التفسير باشتماله على جُملَةٍ وافِرةٍ من أصوله ومسائله، بل تعَدَّى أثرُه ليشمل عامَّة أصول ومسائل علم التفسير، على تفاوتٍ في وضوح ذلك وخفائه في كُلِّ موضع.\nاثنى عشر: أبرزَ البحثُ أثر استدراكات السلف في التفسير على أربعة فروع من علوم التفسير، وهي:\n١ - وجوه الترجيح في التفسير، وهي وإن لم تكن بهذا الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم ومرجعهم في الترجيح والاختيار، وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، ثم استخراجها منها. وقد قَرَّبَت الاستدراكاتُ هذه الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصر أنواعها، وما يُعتَبَرُ منها، وجعلتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا.\n٢ - أسباب الخطأِ في التفسير، إذ تَضَمَّنت الاستدراكاتُ إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من هذه الأسباب، والتي بلغت أربعةً وعشرين سببًا، تتفرَّع في جُملَتِها عن أمرين رئيسيَّين:\nالأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده.\nوالثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح.","vol":"1","page":498},{"text":"وكان من أثر الاستدراكات في هذا الجانب إبرازه، وبيان مدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر. كما بَيَّن البحث أن هذه الأخطاء كانت أصول وبذور كُلِّ خطأٍ وانحراف حدث بعد ذلك في التفسير.\n٣ - أسباب الاختلاف في التفسير، فقد تَبَيَّن من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين: الأولى: المُفَسِّر. والثانية: الآيات القرآنية لفظًا ومعنىً. وقد أمكن حصرُ هذه الأسباب في ثمانية أوجه، كُلُّها أسبابٌ معتبرة، وليس فيها خلافٌ مبعثه جهلٌ أو هوى، وأكثرها راجعٌ إلى أمرين:\nأوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص.\nوثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى.\nوهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وشرعًا وعُرفًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-.\n٤ - التفسير بالرأي، وهو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه. وقد اتَّضَحَ أثر الاستدراكات في التفسير على هذا الجانب من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وأهمِّ أسباب ردِّه. وقد كان تفسير السلف بالرأي محصورًا في ما يصحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، ثُمَّ التزم تفسيرهم بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح، وتَبَيَّن أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم، وأن موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها، شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا","vol":"1","page":499},{"text":"نقصٍ أو التباس. ثُمَّ كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير.\nثالث عشر: بَيَّن البحث المراد بمدارس التفسير عند من استعمله من الباحثين، وحَدَّد أمصارها، وأعلامها من الصحابة والتابعين. وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت مسائل مهمة في هذا الجانب، وبيانها:\n١ - لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه.\n٢ - لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم.\n٣ - أن الاختلاف بين مدارس التفسير إمَّا أن يكون أصليًّا جوهريًّا، وهذا غير موجود بينهم، بل أثبت البحث اتفاق أصولهم واتحاد منهجهم. وإمَّا أن يكون فرعيًّا ثانويًّا وهذا موجود داخل المدرسة الواحدة من هذه المدارس، وعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع.\nرابع عشر: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، والإسرائيليات، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ السلف في الإلمام بهذه الجوانب على الكمال، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم.","vol":"1","page":500},{"text":"خامس عشر: تَجَلَّت في هذا الموضوع صورٌ مشرقةٌ من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض، كما أوَضَّح البحث أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه، وقد احتوى في أثناء ذلك الخلاف على نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى.\nهذه أبرز نتائج الدراسة، وقد اشتملت إلى ذلك على عدد من المسائل العلمية التي تحتاج إلى مزيد بيانٍ وقصدٍ بالجمع والتحقيق، إلى جانب بعض التوصيات الهادفة إلى رفع مستوى التأصيل والإيضاح لجُملَةٍ من علوم التفسير والقرآن، وأُجمِلُ جميع ذلك فيما يأتي:\nأولًا: توجيه الباحثين إلى تمييز طرائق السلف ومناهجهم في هذا العلم، ومن ثَمَّ إفراد هذه الطرائق بالجمع والدراسة، واستخلاص أصول وشواهد علوم التفسير المتنوعة من هذا المجموع بعد ذلك، على سَنَن دراسة استدراكاتهم في التفسير.\nثانيًا: الدعوة إلى جمع مرويَّات التفسير وعلومه من جميع كتب الإسلام المسندة في كافَّة العلوم، لتكون موردًا أصيلًا لكلِّ دراسةٍ احتاجت إلى مطالعة تلك المرويَّات والصدور عنها. فقد رأيت أثناء جمعي لروايات الاستدراكات من كتب التفسير والسنة، أن ثَمَّةَ جُملَةً وافِرَةً من المرويات التفسيرية في غير هذه الكتب، وأخُصُّ من ذلك كتب اللغة والأدب، والوعظ والرقائق.\nوهذا مشروع جليل ضخم، يحتاج إلى جهاتٍ إشرافية وتنفيذيَّة على قدرٍ عالٍ من الكفاءة والتحقق في هذا العلم. (^١)\n_________\n(^١) تحقق هذا بفضل الله في \"موسوعة التفسير المأثور\" التي أصدرها معهد الإمام الشاطبي بجدة، سنة ١٤٣٩، في (٢٤) مجلدًا، شاركت فيها في عدد من أبحاث المقدمات، مع رئاسة قسم التوجيه العلمي للموسوعة.","vol":"1","page":501},{"text":"ثالثًا: تكرر عن السلف: \"الاستنباط\" و\"التفسير على الإشارة والقياس\"، وهذا النوع من العلوم يحتاج إلى دراسةٍ وافيةٍ تُبَيِّنه، وتحدد مجاله، ومنْزلته من التفسير، وتطبيقاته عند السلف، ونحو ذلك ممَّا يزيده جلاءً وبيانًا؛ لشِدَّة الحاجة إلى تحريره وتأصيله من خلال تفاسير السلف على الخصوص. (^١)\nرابعًا: وجوب العناية بتقريب معاني الآيات، وتسهيلها للناس بكلِّ سبيل مباحٍ مُتاح، كما كانت عادَة السلف في ذلك، من نحو التفسير على المعنى، والإجمال والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، وربط الحوادث المستجدَّة لديهم بمعاني صحيحة من آيات القرآن.\nخامسًا: يلزم العناية بآثار السلف في الإشارة إلى أسباب الخطأِ في التفسير، والصدور عنها في رّدِّ كُلِّ انحراف وخطأٍ يحصل في تفاسير من بعدهم في كُلِّ زمان ومكان.\nسادسًا: أهمية جمع الإسرائيليات الواردة عن الصحابة على وجه الخصوص، ثُمَّ دراستها دراسةً تحليلية، تكشف عن منهجهم فيها، وتؤَصِّل لمن بعدهم هديًا قصْدًا لا إفراط فيه ولا تفريط. (^٢)\nهذا ما تيسر جمعه والدلالة عليه، وبالله تعالى التوفيق، وأسأله تعالى حُسنَ القبول، وحُسنَ الخِتام، وآخرُ دعوايَ أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\n* * *\n_________\n(^١) وقد يسّر الله لي إتمام ذلك في كتاب: \"علم الاستنباط من القرآن .. المفهوم والمنهج\"، وهو مقرر تعليمي درسي، صدر عن معهد الإمام الشاطبي بجدة سنة ١٤٤٠.\nوبقيت فكرة جمع المأثور عن السلف في هذا الباب، نسأل الله أن ييسّر من يتمّها من أهل العلم وطلابه.\n(^٢) اجتهدت في تحقيق ذلك مدّة أربع سنين، من ١٤٣٥ إلى ١٤٣٩، وأتممت فيه ثلاثة أبحاث جُمعت في كتاب واحد، وهو: \"الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري .. الرواة - الموضوعات - المقاصد\"، وطُبع عن مركز تكوين في الدمام، سنة ١٤٣٩.","vol":"1","page":502}]}