{"ً":{"ٌ":15,"ٍ":"الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الاستنباط عند الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) في تفسيره السراج المنير - جمعًا ودراسة\nرسالة: ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه\nإعداد: أسماء بنت محمد بن عبدالعزيز الناصر\nإشراف: د عبدالعزيز بن ناصر السبر\nالعام الجامعي: ١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ\nعدد الصفحات: ٨٧١\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3104,"ٕ":3,"ٖ":1780758292,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":5},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":6},{"title":"مجال البحث وحدوده","level":2,"page":7},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":7},{"title":"فأما الدراسات التي عنيت بتفسير الخطيب الشربيني فهي","level":3,"page":8},{"title":"وأما دراسة موضوع الاستنباط لذاته أو عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعضها، والبعض لا يزال قيد الإعداد والمناقشة، وهي","level":3,"page":9},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":12},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":16},{"title":"التمهيد","level":1,"page":20},{"title":"أولا: - تعريف الاستنباط، ونشأته، وعلاقته بالتفسير. - أهميته، وطرق التوصل إليه","level":2,"page":20},{"title":"أولا: تعريف الاستنباط","level":3,"page":21},{"title":"ثانيا: نشأة الاستنباط وعلاقته بالتفسير","level":3,"page":25},{"title":"ثالثا: أهمية علم الاستنباط","level":3,"page":32},{"title":"طريق الوصول إلى الاستنباط","level":3,"page":35},{"title":"ثانيا: التعريف بالخطيب الشربيني ﵀","level":2,"page":39},{"title":"اسمه ونشأته","level":3,"page":39},{"title":"شيوخه","level":3,"page":39},{"title":"مكانته العلمية وآثاره","level":3,"page":41},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":42},{"title":"عقيدته ومذهبه","level":3,"page":45},{"title":"أولا: التوحيد","level":4,"page":49},{"title":"ثانيا: الإيمان","level":4,"page":50},{"title":"ثالثا: القرآن","level":4,"page":50},{"title":"رابعا: النبوات","level":4,"page":50},{"title":"خامسا: القدر","level":4,"page":51},{"title":"سادسا: السببية وأفعال المخلوقات","level":4,"page":52},{"title":"سابعا: التحسين والتقبيح","level":4,"page":54},{"title":"وفاته","level":3,"page":56},{"title":"ثالثا: التعريف بتفسير\"السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير\"","level":2,"page":57},{"title":"القيمة العلمية لتفسير السراج المنير، ومنهجه فيه","level":3,"page":57},{"title":"منهجه في التفسير","level":3,"page":58},{"title":"الباب الأول: منهج الخطيب الشربيني في الاستنباط من خلال تفسيره \"السراج المنير","level":1,"page":62},{"title":"الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.","level":2,"page":63},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.","level":4,"page":65},{"title":"ومن الأمثلة على استنباطاته في علوم القرآن","level":5,"page":66},{"title":"أولا: في مناسبات الألفاظ","level":6,"page":66},{"title":"ثانيا: في أسرار التقديم والتأخير في القرآن.","level":6,"page":66},{"title":"ثالثا: في فوائد التكرار في القرآن الكريم","level":6,"page":66},{"title":"رابعا: في جواز وقوع النسخ في القرآن","level":6,"page":67},{"title":"خامسا: في قصص القرآن","level":6,"page":68},{"title":"سادسا: في المنطوق والمفهوم","level":6,"page":68},{"title":"سابعا: في الخصوص والعموم","level":6,"page":68},{"title":"المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية","level":4,"page":69},{"title":"القسم الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة، وهي على نوعين","level":5,"page":69},{"title":"النوع الأول: تقرير مسائل على عقيدته الأشعرية","level":6,"page":69},{"title":"النوع الثاني: تقرير مسائل على عقيدة أهل السنة والجماعة","level":6,"page":70},{"title":"القسم الثاني: استنباطات فيها تقرير لمسائل عقدية على مذهب أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم","level":5,"page":70},{"title":"المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.","level":4,"page":72},{"title":"المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية","level":4,"page":73},{"title":"القسم الأول: استنباطات فقهية كلية، وهي ما يعرف بالقواعد الفقهية","level":5,"page":73},{"title":"حجية سد الذرائع","level":6,"page":73},{"title":"الأصل في الأشياء الإباحة","level":6,"page":74},{"title":"القسم الثاني: استنباطات لمسائل فقهية فرعية متنوعة، وهذا هو الأغلب في استنباطات الخطيب الفقهية.","level":5,"page":74},{"title":"المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية.","level":4,"page":75},{"title":"المطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية.","level":4,"page":77},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه","level":3,"page":79},{"title":"المطلب الأول: الاستنباط من ظاهر النص.","level":4,"page":80},{"title":"المطلب الثاني: الاستنباط من نص غير ظاهر المعنى.","level":4,"page":81},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.","level":3,"page":83},{"title":"المطلب الأول: الاستنباط من الآية الواحدة.","level":4,"page":83},{"title":"المطلب الثاني: الاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر.","level":4,"page":84},{"title":"الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.","level":2,"page":86},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)","level":3,"page":88},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.","level":3,"page":92},{"title":"المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.","level":3,"page":93},{"title":"المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.","level":3,"page":95},{"title":"المبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص.","level":3,"page":96},{"title":"الفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته.","level":2,"page":98},{"title":"المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.","level":3,"page":99},{"title":"المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.","level":3,"page":101},{"title":"الفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني","level":2,"page":103},{"title":"تمهيد","level":3,"page":104},{"title":"المبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالبا.","level":3,"page":105},{"title":"أولا: الرازي","level":4,"page":105},{"title":"ثانيا: البيضاوي","level":4,"page":106},{"title":"ثالثا: الزمخشري","level":4,"page":106},{"title":"رابعا: القرطبي","level":4,"page":107},{"title":"خامسا: البغوي","level":4,"page":107},{"title":"المبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلا أو نادرا.","level":3,"page":108},{"title":"أولا: الخازن","level":3,"page":108},{"title":"ثانيا: أبو حيان","level":3,"page":108},{"title":"ثالثا: ابن عادل الحنبلي","level":3,"page":108},{"title":"رابعا: البقاعي","level":3,"page":109},{"title":"الباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.","level":1,"page":110},{"title":"سورة الفاتحة","level":2,"page":111},{"title":"سورة البقرة","level":2,"page":123},{"title":"سورة آل عمران","level":2,"page":273},{"title":"سورة النساء","level":2,"page":291},{"title":"سورة المائدة","level":2,"page":313},{"title":"سورة الأنعام","level":2,"page":356},{"title":"سورة الأعراف","level":2,"page":386},{"title":"سورة الأنفال","level":2,"page":436},{"title":"سورة التوبة","level":2,"page":449},{"title":"سورة يونس","level":2,"page":487},{"title":"سورة هود","level":2,"page":494},{"title":"سورة يوسف","level":2,"page":509},{"title":"سورة الرعد","level":2,"page":523},{"title":"سورة إبراهيم","level":2,"page":528},{"title":"سورة الحجر","level":2,"page":535},{"title":"سورة النحل","level":2,"page":538},{"title":"سورة الإسراء","level":2,"page":553},{"title":"سورة الكهف","level":2,"page":572},{"title":"سورة مريم","level":2,"page":582},{"title":"سورة طه","level":2,"page":593},{"title":"سورة الأنبياء","level":2,"page":602},{"title":"سورة الحج","level":2,"page":606},{"title":"سورة النور","level":2,"page":610},{"title":"سورة الفرقان","level":2,"page":618},{"title":"سورة الشعراء","level":2,"page":621},{"title":"سورة النمل","level":2,"page":624},{"title":"سورة القصص","level":2,"page":627},{"title":"سورة العنكبوت","level":2,"page":633},{"title":"سورة لقمان","level":2,"page":634},{"title":"سورة الأحزاب","level":2,"page":639},{"title":"سورة سبأ","level":2,"page":654},{"title":"سورة فاطر","level":2,"page":658},{"title":"سورة يس","level":2,"page":661},{"title":"سورة الصافات","level":2,"page":665},{"title":"سورة ص","level":2,"page":679},{"title":"سورة الزمر","level":2,"page":683},{"title":"سورة غافر","level":2,"page":690},{"title":"سورة فصلت","level":2,"page":697},{"title":"سورة الشورى","level":2,"page":705},{"title":"سورة الزخرف","level":2,"page":711},{"title":"سورة الجاثية","level":2,"page":715},{"title":"سورة الأحقاف","level":2,"page":717},{"title":"سورة محمد","level":2,"page":725},{"title":"سورة الحجرات","level":2,"page":728},{"title":"سورة الذاريات","level":2,"page":732},{"title":"سورة الرحمن","level":2,"page":735},{"title":"سورة الواقعة","level":2,"page":742},{"title":"سورة الحديد","level":2,"page":745},{"title":"سورة الحشر","level":2,"page":748},{"title":"سورة الممتحنة","level":2,"page":753},{"title":"سورة المنافقون","level":2,"page":756},{"title":"سورة الطلاق","level":2,"page":758},{"title":"سورة الملك","level":2,"page":762},{"title":"سورة الجن","level":2,"page":763},{"title":"سورة المزمل","level":2,"page":768},{"title":"سورة المدثر","level":2,"page":771},{"title":"سورة النازعات","level":2,"page":775},{"title":"سورة عبس","level":2,"page":777},{"title":"سورة الانفطار","level":2,"page":779},{"title":"سورة المطففين","level":2,"page":781},{"title":"سورة البروج","level":2,"page":784},{"title":"سورة الضحى","level":2,"page":787},{"title":"سورة البينة","level":2,"page":789},{"title":"سورة العاديات","level":2,"page":792},{"title":"سورة قريش","level":2,"page":794},{"title":"سورة المسد","level":2,"page":797},{"title":"سورة الناس","level":2,"page":799},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":802}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"1,775":775,"1,776":776,"1,777":777,"1,778":778,"1,779":779,"1,780":780,"1,781":781,"1,782":782,"1,783":783,"1,784":784,"1,785":785,"1,786":786,"1,787":787,"1,788":788,"1,789":789,"1,790":790,"1,791":791,"1,792":792,"1,793":793,"1,794":794,"1,795":795,"1,796":796,"1,797":797,"1,798":798,"1,799":799,"1,800":800,"1,801":801,"1,802":802,"1,803":803,"1,804":804,"1,805":805,"1,806":806,"1,807":807,"1,808":808,"1,809":809,"1,810":810,"1,811":811,"1,812":812,"1,813":813,"1,814":814,"1,815":815,"1,816":816,"1,817":817,"1,818":818,"1,819":819,"1,820":820,"1,821":821,"1,822":822,"1,823":823,"1,824":824,"1,825":825,"1,826":826,"1,827":827,"1,828":828,"1,829":829,"1,830":830,"1,831":831,"1,832":832,"1,833":833,"1,834":834,"1,835":835,"1,836":836,"1,837":837,"1,838":838,"1,839":839,"1,840":840,"1,841":841,"1,842":842,"1,843":843,"1,844":844,"1,845":845,"1,846":846,"1,847":847,"1,848":848,"1,849":849,"1,850":850,"1,851":851,"1,852":852,"1,853":853,"1,854":854,"1,855":855,"1,856":856,"1,857":857,"1,858":858,"1,859":859,"1,860":860,"1,861":861,"1,862":862,"1,863":863,"1,864":864,"1,865":865,"1,866":866,"1,867":867,"1,868":868,"1,869":869,"1,870":870,"1,871":871},"ٜ":{"1":[1,871]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"6":[3],"7":[4,5],"8":[6],"9":[7],"12":[8],"16":[9],"20":[10,11],"21":[12],"25":[13],"32":[14],"35":[15],"39":[16,17,18],"41":[19],"42":[20],"45":[21],"49":[22],"50":[23,24,25],"51":[26],"52":[27],"54":[28],"56":[29],"57":[30,31],"58":[32],"62":[33],"63":[34],"64":[35],"65":[36],"66":[37,38,39,40],"67":[41],"68":[42,43,44],"69":[45,46,47],"70":[48,49],"72":[50],"73":[51,52,53],"74":[54,55],"75":[56],"77":[57],"79":[58],"80":[59],"81":[60],"83":[61,62],"84":[63],"86":[64],"88":[65],"90":[66],"92":[67],"93":[68],"95":[69],"96":[70],"98":[71],"99":[72],"101":[73],"103":[74],"104":[75],"105":[76,77],"106":[78,79],"107":[80,81],"108":[82,83,84,85],"109":[86],"110":[87],"111":[88],"123":[89],"273":[90],"291":[91],"313":[92],"356":[93],"386":[94],"436":[95],"449":[96],"487":[97],"494":[98],"509":[99],"523":[100],"528":[101],"535":[102],"538":[103],"553":[104],"572":[105],"582":[106],"593":[107],"602":[108],"606":[109],"610":[110],"618":[111],"621":[112],"624":[113],"627":[114],"633":[115],"634":[116],"639":[117],"654":[118],"658":[119],"661":[120],"665":[121],"679":[122],"683":[123],"690":[124],"697":[125],"705":[126],"711":[127],"715":[128],"717":[129],"725":[130],"728":[131],"732":[132],"735":[133],"742":[134],"745":[135],"748":[136],"753":[137],"756":[138],"758":[139],"762":[140],"763":[141],"768":[142],"771":[143],"775":[144],"777":[145],"779":[146],"781":[147],"784":[148],"787":[149],"789":[150],"792":[151],"794":[152],"797":[153],"799":[154],"802":[155]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nكلية أصول الدين\nقسم القرآن وعلومه\n\nالاستنباط عند الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ)\nفي تفسيره السراج المنير\n(جمعًا ودراسة)\n\nرسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في قسم القرآن وعلومه\n\nإعداد المحاضرة بقسم القرآن وعلومه:\nأسماء بنت محمد بن عبدالعزيز الناصر\n\nإشراف الدكتور\nعبدالعزيز بن ناصر السبر\nالأستاذ بقسم القرآن وعلومه\nالعام الجامعي:\n١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.\nأما بعد:\nفإن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصَّلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، هو الإيمان والعلم، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦].\nوإن من أجل العلوم على الإطلاق، وأفضلها وأوجبها، هو علم تفسير آيات الله؛ لأن الله أمر بتدبر كتابه، والتفكر في معانيه، والاهتداء بآياته، وأثنى على القائمين بذلك، وجعلهم في أعلى المراتب، ووعدهم أسنى المواهب، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، فلو أنفق العبد جوهر عمره في هذا الفن لم يكن ذلك كثيرًا في جانب ما هو أفضل المطالب، وأعظم المقاصد.\nوإن من هؤلاء العلماء الذين أفنوا أعمارهم، وصرفوا أوقاتهم في خدمة كتاب الله تفسيرًا وبيانًا لمعانيه، واستنباطًا لحكمه وأحكامه، العالم المفسر الجليل الفقيه النحوي: محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي - ﵀ - المتوفى سنة (٩٧٧ هـ) من أعيان القرن العاشر الهجري، والذي تميز بسعة نظره، ودقة مؤلفاته، صنف شرحين عظيمين في الفقه الشافعي: شرحَ منهاج الطالبين للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ)، وشرحًا على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ)، وله:","vol":"1","page":3},{"text":"(فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك) في النحو، كما قدم للأمة الإسلامية تفسيرًا عظيمًا ألا وهو: (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير)، وهو تفسير قيم اقتصر فيه مؤلفه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، ولقد استقى تفسيره من أمهات كتب التفسير، وجمعه من الأصول والفروع، كما غلب على مؤلفه علوم العربية، وقد بدا أثر ذلك في تفسيره جليًّا، وكان ذا نظر وبصيرة، يقف عند كثير من الآيات، متدبرًا لمعانيها، ومستنبطًا لفوائدها وحكمها، وكان مما تميز به كثرة استنباطاته وتأملاته لكثير من الآيات.\nولقد وقفت له على استنباطات مهمة جديرة بالجمع والدراسة؛ ونظرًا لأهمية هذا الكتاب، ومكانة مؤلفه العلمية، وما تميز به تفسيره من كثرة الاستنباطات، فقد وقع عليه اختياري؛ ليكون مجال دراستي وبحثي في رسالة الدكتوراه، ووسمته بـ (الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» جمعًا ودراسة).\nوختامًا أسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل، كما أسأله سبحانه أن يفتح لنا من خزائن جوده وكرمه، ما يكون سببًا للوصول إلى العلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع:</span>\nتبرز أهمية الموضوع وأسباب اختياره فيما يلي:\n١ - شرفه لكونه متعلقًا بتحرير مسائل في تفسير القرآن الكريم، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها؛ فشرف العلم بشرف المعلوم.\n٢ - قيمة هذا الموضوع العلمية؛ إذ هو متعلق بفهم الآية القرآنية فهمًا صحيحًا، ثم استنباط ما يمكن استنباطه منها، وهذا فيه مزيد عناية وتدبر لكلام الله ﷿، وإظهار إعجازه على الوجه الصحيح.\n٣ - في دراسة موضوع الاستنباط تيسير لاستخراج الفوائد والأحكام من القرآن الكريم، وذلك بمعرفة الطرق الصحيحة التي يسلكها العلماء في استنباط الأحكام والفوائد والأسرار القرآنية.\n٤ - أن في بحث هذا الموضوع محاولة لصيانة كتاب الله تعالى من الانحرافات في الاستنباط، والتي قد توجد في بعض كتب التفسير.\n٥ - أن غالب الاستنباطات التي وقفت عليها عند الخطيب الشربيني لها أهمية بالغة في فهم كتاب الله، سواء مما يتعلق بعلوم القرآن، أم العقيدة، أم الفقه، أم اللغة، أم غيرها من العلوم.\n٦ - القيمة العلمية لكتاب «السراج المنير» للخطيب الشربيني، حيث جاء مختصرًا دقيق العبارة، كثير الفوائد والتأملات للآيات، والتي ظهرت واضحة في تفسيره.\n٧ - في هذا الموضوع إيضاح لمعالم الاستنباط الصحيح وطرقه، وبيان منهج السلف الصالح في الاستنباط والحث على التمسك به.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع:</span>\n١ - أهميته السابقة التي تعد من أهم الأسباب.\n٢ - أن في بحث هذا الموضوع ودراسته تدبرًا لكتاب الله، وحثًّا على زيادة التأمل فيه، وهو أفضل ما صرفت فيه الأوقات وخيرها.\n٣ - عدم وجود مؤلف مكتمل يضُم الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره \"السراج المنير\".\n٤ - تنمية ملكة الاستنباط من القرآن الكريم، وسبر مواردها ومصادرها، وما يلزم لذلك من اطلاع واسع في كتب التفسير وعلوم القرآن واللغة والفقه وأصول الفقه والحديث وغيرها، مما يتيح للطالب فرصة الانتفاع بها، ومن ثم إثراء مادة البحث منها.\nأهداف البحث:\nيهدف البحث في هذا الموضوع إلى ما يلي:\n١ - جمع الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره \" السراج المنير\".\n٢ - دراسة هذه الاستنباطات دراسة مقارنة باستنباطات المفسرين.\n٣ - بيان وجه الصواب أو الخطأ في تلك الاستنباطات.\n٤ - إبراز المكانة العلمية التي تميز بها هذا المفسر.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مجال البحث وحدوده:</span>\nيدور مجال البحث حول الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» جمعًا ودراسة، وموازنتها بأقوال العلماء الآخرين، وذلك بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في التفسير، إضافة إلى بعض الدراسات المتخصصة في علوم القرآن والقراءات وأحكام القرآن ومشكله وغريبه، وغير ذلك مما له صلة مباشرة بموضوع البحث، ثم محاولة الوصول إلى أقرب الأقوال إلى الصواب حسب الأدلة والمرجحات، وإظهار وجه الخطأ والصواب في تلك الاستنباطات.\nوقد قمت بتتبع مواضع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير»، فاستخرجت منها (٢٣٦) مائتين وستة وثلاثين استنباطًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث والاطلاع على فهارس الرسائل العلمية والدراسات في علوم القرآن والتفسير، والرجوع إلى الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية، وكذا البحث والتقصي عن طريق شبكة المعلومات، وسؤال أهل الخبرة والاختصاص، لم أجد من تعرض لبحث موضوع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره \" السراج المنير \"، إلا أن هناك دراسات عنيت بتفسير الخطيب الشربيني دون إفراد استنباطاته، ودراسات أخر أيضًا عنيت بدراسة موضوع الاستنباط لذاته عند غير واحد من المفسرين، دراسة نظرية تطبيقية.\nوما وجدته من رسائل علمية تتعلق بالسراج المنير للخطيب الشربيني، فهي تتركز حول منهج الخطيب الشربيني في تفسيره، أو دراسة بعض مباحثه النحوية أو البلاغية، أو الدخيل في تفسيره.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>فأما الدراسات التي عنيت بتفسير الخطيب الشربيني فهي:</span>\n١ - الخطيب الشربيني ومنهجه في التفسير، رسالة ماجستير، للباحث: ثقيل ساير الشمري، كلية أصول الدين، جامعة الإمام، الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ.\n٢ - دراسة لمنهج الخطيب الشربيني في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، للباحث: عمار عبدالكريم عبدالمجيد، جامعة صدام للعلوم الإسلامية، سنة ١٩٩٦ م.\n٣ - الدخيل في تفسير القرآن الكريم المسمى بالسراج المنير للخطيب الشربيني، من أول القرآن إلى آخر سورة هود: عرض ودراسة، رسالة ماجستير، للباحثة: نوره عبدالرحمن عبدالله الخضير، كلية الآداب، الإدارة العامة لتعليم البنات، الرياض، سنة ١٤٠٨ هـ.\n٤ - الدخيل في تفسير القرآن الكريم المسمى بالسراج المنير للخطيب الشربيني، من أول سورة يوسف إلى آخر القرآن: عرض ودراسة، رسالة ماجستير، للباحثة: منور عبدالله خليل الجدعان، كلية الآداب، الإدارة العامة لتعليم البنات، الرياض سنة ١٤٠١ هـ.\n٥ - مباحث علم المعاني في تفسير السراج المنير، رسالة دكتوراه، للباحث: محمد عيسى محمد كمون، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، سنة ١٩٩٦ م.\n٦ - المباحث النحوية في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، للباحث: نصيف محمد جاسم الراوي، كلية التربية، جامعة الأنبار، العراق، سنة ١٩٩٧ م.\n٧ - الدرس اللغوي في تفسير السراج المنير للخطيب الشربيني، رسالة ماجستير، للباحث: خميس فزاع عمير الدليمي، كلية الآداب، جامعة بغداد، سنة ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":8},{"text":"٨ - السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني ربنا الحكيم الخبير للخطيب الشربيني، دراسة صوتية دلالية، رسالة ماجستير، للباحث: ياسر السيد رياض السيد، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، الزقازيق، سنة ٢٠٠١ م.\n٩ - منهج الخطيب الشربيني في التفسير، رسالة ماجستير، للباحث: أحمد مسعود عيسى مسعود، كلية الآداب، الجامعة الأردنية، عمّان، سنة ١٩٨٦ م.\n١٠ - العلامة الخطيب الشربيني ومنهجه في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر كلية الدراسات الإسلامية والعربية، قسم التفسير وعلوم القرآن، القاهرة. للباحثة: وفاء محمود سعداوي سنة ٢٠٠٧ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>وأما دراسة موضوع الاستنباط لذاته أو عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعضها، والبعض لا يزال قيد الإعداد والمناقشة، وهي:</span>\n١ - منهج الاستنباط من القرآن للدكتور فهد بن مبارك الوهبي رسالة ماجستير من جامعة الإمام لعام ١٤٢٧ هـ، وهي دراسة عامة عن مفهوم الاستنباط وشموليته، وأقسام الاستنباط وشروطه، وطرق الاستنباط من القرآن، وأسباب الانحراف فيه\n٢ - الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره \"المحرر الوجيز\" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى ١٤٣٠ هـ.","vol":"1","page":9},{"text":"٣ - استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣٠ هـ\n٤ - منهج الإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) في استنباط الأحكام من خلال تفسيره الجامع لأحكام القرآن، رسالة ماجستير بجامعة آل البيت بالأردن، للباحث/ حارث بن محمد العيسى.\n٥ - منهج الجصَّاص (ت: ٣٧٠ هـ) في استنباط الأحكام من خلال تفسيره أحكام القرآن، سورة النساء نموذجًا، دبلوم دراسات عليا بكلية الآداب بفاس بالمغرب، للباحث/ عبدالواحد الصغيري.\n٦ - مجموعة رسائل في جامعة أم القرى: سجلت رسائل ماجستير في الاستنباط عند البغوي، والشيخ ابن عثيمين. (نوقشت)، والاستنباط عند الإمام الموزعي، والكيا الهراسي، والسيوطي، (قيد الإعداد والمناقشة)، ورسائل دكتوراه في الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ومحمد أبي زهرة. (نوقشت)، والاستنباط عند الإمام ابن الفرس الأندلسي، ووهبة الزحيلي، والرازي، (قيد الإعداد والمناقشة).\n٧ - جامعة الملك سعود: سجلت رسالة ماجستير بعنوان الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره أحكام القرآن. للباحثة إيمان بنت أسعد أركوبي.","vol":"1","page":10},{"text":"٨ - مجموعة رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: رسائل دكتوراه عن الاستنباط عند: ابن جزي، والشوكاني، ومحمد رشيد رضا، (نوقشت) وابن الجوزي، وابن كثير (قيد الإعداد والمناقشة)\nورسائل ماجستير: الاستنباط عند السمعاني، وعبدالرحمن الدوسري، والشنقيطي (نوقشت)، والاستنباط عند الزجاج (قيد الإعداد والمناقشة)، وغيرها من الرسائل.\nوهذه الدراسات السابقة لا تعلق لها بدراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره كما هو ظاهر.\n\nوأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن حري بالجمع والدراسة، لتفسير له مكانته كتفسير السراج المنير للخطيب الشربيني، إضافة أرجو أن تكون ضمن الجهود التي عنيت بهذا التفسير.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>خطة البحث:</span>\nيتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس.\nالمقدمة:\nوتتضمن ما يلي:\nأهمية موضوع البحث، وأسباب اختياره، وأهداف البحث وحدوده، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع في إنجازه.\nوقد قسمت البحث إلى بابين، يسبقهما تمهيد.\nالتمهيد: ويشمل:\nأولًا: تعريف الاستنباط، ونشأته، وعلاقته بالتفسير، وأهميته، وطرق التوصل إليه.\nثانيًا: التعريف بالخطيب الشربيني: اسمه ونشأته، شيوخه، مكانته العلمية وآثاره، مذهبه العقدي والفقهي، وفاته.\nثالثًا: التعريف بتفسير (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير): القيمة العلمية للكتاب، ومنهج الخطيب الشربيني في تفسيره.","vol":"1","page":12},{"text":"الباب الأول: منهج الخطيب الشربيني في الاستنباط من خلال تفسيره «السراج المنير»:\nوفيه أربعة فصول:\n\nالفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمطلب الثاني: الاستنباطات العقدية.\nالمطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.\nالمطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية.\nالمطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية.\nالمطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الاستنباط من ظاهر النص.\nالمطلب الثاني: الاستنباط من غير ظاهر النص.\nالمبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الاستنباط من الآية الواحدة.\nالمطلب الثاني: الاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر.","vol":"1","page":13},{"text":"الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص.\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم.\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص.\n\nالفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nالمبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\n\nالفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني:\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالبًا.\nالمبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلًا أو نادرًا.","vol":"1","page":14},{"text":"الباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nوفيه جمع الاستنباطات الواردة في تفسير \" السراج المنير\" للخطيب الشربيني مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها، من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم.\n\nالخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث التي توصلت إليها الدراسة.\n\nالفهارس:\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث والآثار.\n٣ - فهرس الأعلام.\n٤ - فهرس الأماكن والبلدان.\n٥ - ثبت المصادر والمراجع.\n٦ - فهرس الموضوعات.\n٧ - فهرس الاستنباط.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>منهج البحث:</span>\nسلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي:\n١ - رتبت مواضع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» حسب الآيات والسور.\n٢ - ذكرت استنباط الخطيب الشربيني بعد ذكر العنوان المناسب له.\n٣ - بينت وجه الاستنباط؛ فإن كان غير ظاهر من كلام الخطيب أفردته مستقلًا وقدّمته منصوصًا عليه قبل الدراسة، تسهيلًا لمعرفته والحكم عليه بدءًا للناظر فيه قبل الخوض في الدراسة، وإن كان ظاهرًا من كلامه - ﵀ - أدرجته ضمن\nالدراسة.\n٤ - درست الاستنباط دراسة مقارنة، وبينت طريقه ودلالته، مع بيان من سبقه إليه، ومن تبعه عليه، فإن ظهر لي مخالف له في الاستنباط ذكرته، وبينت الراجح بالدليل ما ظهر لي، مستعينة بأقوال أهل العلم.\n٥ - ذكرت نتيجة الدراسة ملخصة بعد المناقشة والترجيح، مع اعتبار أن الأصل في دراسة الاستنباطات هو الصحة، فما كان منها باطلًا أو ضعيفًا نبَّهت عليه.\n٦ - إذا كان في الآية أكثر من استنباط فإني أدرس كل استنباط على حدة، ما لم تكن الاستنباطات مرتبطة ببعضها.","vol":"1","page":16},{"text":"٧ - بلغت استنباطات الخطيب الشربيني مائتين وستة وثلاثين استنباطًا، منها (١٥) استنباطًا مكررًا، وقد جمعت المكرر أيضًا لأسباب:\n١ - اختلاف وجه الاستنباط وطريقه أحيانًا بين الموضع الأول، والموضع المكرر، كما في استنباط «خلق الله تعالى أفعال العباد»، فإن وجهه وطريقه يختلف من موضع لآخر، وقد تكرر مرارًا عند الخطيب، فجمعت بعض هذه المواضع؛ لأبين هذه الأوجه والطرق.\n٢ - اختلاف القائلين بالاستنباط؛ إذ في موضع يقول به بعض المفسرين، وفي موضع آخريقول به آخرون، فالجمع بين مواضع الاستنباط يكشف عن جميع القائلين به.\n٣ - بيان ما تميز به الخطيب من استنباط المعنى الواحد من مواضع مختلفة بطرق متعددة.\n٨ - توثيق المادة العلمية على النحو الآتي:\nأ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، بذكر رقم الآية، واسم السورة، والتزمت كتابة الآيات بالرسم العثماني.\nب- عزوت القراءات القرآنية إلى مصادرها المعتمدة، مع بيان الصحيح منها من الشاذ.\nج- خرّجت الأحاديث النبوية والآثار من مصادرها المعتمدة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرّجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينة بحكم العلماء المعتبرين، فما كان بنحو لفظ الحديث قيّدته بقولي: بنحوه، وما كان بلفظ الحديث سكتُّ عنه.","vol":"1","page":17},{"text":"د- وثّقت النصوص والأقوال المنقولة عن العلماء، مع الإحالة إلى مصادرها في الحاشية، فإن تصرفت فيها نبَّهت على ذلك في الحاشية.\nهـ- اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر، لئلا أثقل حواشي البحث.\nو- عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها، ووثّقتها من مصادرها.\nز- شرحت غريب الألفاظ والمصطلحات.\nح- عرَّفت بالأعلام عند ورود ذكرهم لأول مرة عدا المشهورين، ومن كان حيًا من المعاصرين.\nط- عرَّفت بالفرق والمذاهب والأماكن والبلدان.\nي- وضعت فهارسا فنية، لتعين القارئ على كشف مضامين البحث بسهولة ويسر.\n\nوفي الختام أحمد الله تعالى، وأشكره، وأثني عليه الخير كله على ما مَنَّ به عليَّ، ويسر وأعان على إتمام هذا البحث.\nثم إنه لا يسعني إلا أن أسجل شكري وفائق احترامي وتقديري لأستاذي فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبدالعزيز بن ناصر السبر، الذي أشرف على هذه الرسالة، والذي لم يدَّخر وقتًا ولا جهدًا في توجيهي وإرشادي، فأشكره شكرًا جزيلًا على ما أبداه من ملاحظات قيّمة، وتوجيهات سديدة نافعة، أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك كله في ميزان حسناته، وأن يمد في عمره على طاعته.","vol":"1","page":18},{"text":"كما أشكر زوجي الفاضل الذي بذل الكثير من وقته وراحته، ولم يبخل في تقديم النصح والمشورة والتوجيه لرفع مستوى هذا البحث، فجزاه الله خيرًا.\nكما أوجه شكري الخالص لكل من أعانني على إخراج هذه الرسالة برأي، أو توجيه، أو مشورة، أو إعارة كتاب، فلهم مني عظيم الشكر والتقدير، وأسأل الله لهم السداد والتوفيق وحسن الجزاء.\nوالشكر موصول إلى سعادة عميد كلية أصول الدين الدكتور: عبدالله آل الشيخ، ورئيس قسم القرآن وعلومه الدكتور: إبراهيم بن سعيد الدوسري، ووكيله، وأصحاب الفضيلة أعضاء مجلس القسم، جزاهم الله خير الجزاء.\n\nوختامًا: فهذا جهد المقل، وبضاعته المزجاة، وإني لأرجو أن أكون قد وُفِّقت لما قصدت من خير، وأن ينفع الله به، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ولا أدَّعي فيه الكمال، ولكن حسبي أني بذلت فيه جهدي ووقتي، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وتوفيق من رب كريم، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله تعالى منه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>التمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أولًا: - تعريف الاستنباط، ونشأته، وعلاقته بالتفسير. - أهميته، وطرق التوصل إليه</span>.\nثانيًا: التعريف بالخطيب الشربيني: اسمه، ونشأته، شيوخه، مكانته العلمية وآثاره، مذهبه العقدي، والفقهي، وفاته.\nثالثًا: التعريف بتفسير\"السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير\": القيمة العلمية للكتاب، ومنهج الخطيب الشربيني في تفسيره.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>أولًا: تعريف الاستنباط:</span>\nالاستنباط في اللغة هو: الاستخراج والظهور بعد الخفاء، وأصله من النَّبَط، والنَّبَطُ: الماء الذي يَنْبُطُ من قَعر البِئْر إذا حُفِرت، وقد نَبَط ماؤها يَنبِط نَبْطًا ونبوطًا، وأَنبَطْنا الماءَ، أي: استنبطناه، يعني: انتهينا إليه. (^١)\nفالنَّبَطُ: الماء المستنبطُ من الأرض، ومنه قول الشاعر:\nقريبٌ ثَرَاهُ، ما يَنَالُ عَدُوُّه ... لَه نَبَطًَا، آبِي الهوانِ، قَطُوبُ. (^٢)\nونبطت الْبِئْر وأنبطتها إِذا استخرجت ماءها. وكل شَيْء أظهرته بعد خفائه فقد أنبطته واستنبطته.\nواستنبطت من فلَان علمًا أَو خَبرًا أَو مَالًا إِذا استخرجته مِنْهُ.\nواستنبطتُ هذا الْأَمر إذا فَكَّرتُ فيهِ فأظهرته. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: العين للفراهيدي (٧/ ٤٣٩)، ولسان العرب لابن منظور (٧/ ٤١٠)\n(^٢) ينظر: شمس العلوم للحميري (١٠/ ٦٤٥٧)، وأساس البلاغة للزمخشري ص ٨٠٤، وفيه: قريب نراه، ويروى البيت أيضًا: (عند الهوان قطوب).\n(^٣) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي (١/ ٣٦٢)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (١/ ٦٨٩)","vol":"1","page":21},{"text":"وعليه فالاستنباط: الاستخراج (^١)؛ إذ النون والباء والطاء في لغة العرب كلمةٌ تدلُّ على استخراج الشيء والانتهاء إليه.\nواستنبط الفقيه: إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (^٢)\nقال الزجاج (^٣): (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر). (^٤)\nوقال ابن جرير (^٥): (كلُّ من أخرج شيئًا كان مُستَتِرًا عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له). (^٦)\nومن هذه المعاني اللغوية يتبين ما يأتي:\nأولًا: أن الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٣/ ١١٦٢)، ومقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٣٨١)\n(^٢) ينظر: لسان العرب (٧/ ٤١٠)\n(^٣) هو: إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزجاج النحوي، أبو إسحاق، كان من أهل العلم بالأدب والدين، وصنف كتابًا في (معاني القرآن)، وله كتاب (الأمالي)، وكتاب (الاشتقاق)، و(العروض) وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ. ينظر: إنباه الرواة على أنباء النحاة لأبي الحسن القفطي (١/ ١٩٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٤٩).\n(^٤) معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٨٣)\n(^٥) هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغيرها من الفنون، وله مصنفات عديدة تدل على سعة فضله وغزارة علمه، من الأئمة المجتهدين، توفي سنة ٣١٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٩١)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٤/ ٢٦٧)، وطبقات المفسرين للداودي ص ٣٧٤.\n(^٦) جامع البيان (٧/ ٢٥٥)","vol":"1","page":22},{"text":"ثانيًا: أن في الاستنباط نوعُ اجتهادٍ ومعاناة، دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب (الألف، والسين، والتاء)، فهي تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، فليس المراد مجرد الإنباط بل الاستنباط، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط (^١)، وهذا الاجتهاد والعناء في نيل المستنبَط واضحٌ في ما يبذله مستنبِطُ الماء من البئر.\nقال ابن القيم (^٢): (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (^٣)\nثالثًا: أن الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر. للدكتور: مساعد الطيار، ص ١٥٩.\n(^٢) هو محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، أبو عبدالله، الشهير بابن القيم الجوزية، الإمام المفسر الفقيه الأصولي الحنبلي، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وحامل علمه، له المصنفات الشهيرة النافعة منها: (زاد المعاد)، و(بدائع الفوائد) وغيرهما كثير، توفي سنة ٧٥١ هـ.\nينظر: شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٥٢)، وطبقات المفسرين للأدنه وي، ص ٢٨٤.\n(^٣) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٤)\n(^٤) وينبغي التنبه إلى أن المعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكُلُّ ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر، وباستعراض أي من الكتب المفردة في الاستنباطات القرآنية يتضح ذلك بلا خفاء؛ فبينما نجد استنباطًا على التمام، إذ يتلوه آخر موغلًا في الإيهام، ثم استنباطٌ في القرب والظهور كأنه المعنى المباشر للَّفظ، ويتبعه آخر في البعد والخفاء، بما لا يكاد يُسفر عن وجه اتصاله بالآية. ينظر: معالم الاستنباط في التفسير لنايف بن سعيد الزهراني ص ٤٤","vol":"1","page":23},{"text":"قال البغوي (^١): (من العِلم ما يُدرَكُ بالتلاوة والرواية، وهو: النصُّ، ومنه ما يُدرَكُ بالاستنباط، وهو: القياس على المعاني المودعةِ في النصوص) (^٢)، والقياس نوعٌ من الاستنباط.\nرابعًا: أنه يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط الحُكم أو الفائدة بعد النظر والتأمل. (^٣)\nأمَّا تعريف الاستنباط في الاصطلاح فقد تفاوتت فيه عبارة العلماء:\nفعرَّفه النووي (^٤) بقوله: (قال العلماء: الاستنباط استخراج ما خفي المراد به من اللفظ). (^٥)\nوقال ابن القيم: (الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه). (^٦)\n_________\n(^١) هو: الحسين بن مسعود بن محمد، أبو محمد البغوي، الفقيه الشافعي، يلقب بمحيي السنة، كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه، وله من التصانيف: (معالم التنزيل) في التفسير، و(شرح السنة) في الحديث، و(التهذيب) في الفقه، توفي سنة ٥١٦ هـ.\nينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٥٠، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٥٨.\n(^٢) معالم التنزيل (١/ ٦٦٧)\n(^٣) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للدكتور: فهد الوهبي ص ٣، ومعالم الاستنباط في التفسير لنايف الزهراني، ص ٢٠.\n(^٤) هو: محيي الدين، أبو زكريا، يحي بن شرف النووي، الإمام، الفقيه، الحافظ، صاحب التصانيف النافعة في الفقه، والحديث، له شرح على صحيح مسلم، ورياض الصالحين، توفي سنة ٦٧٦ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني (٤/ ٤٧٠)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥١٣.\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٨) ولعل نسبته إلى العلماء تُكسبه مزيد قوة؛ إذ ليس من كلام النووي وحده بل به قال جمع من العلماء.\n(^٦) إعلام الموقعين (١/ ٣٩٧)، وينظر: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (٧/ ٣٠).","vol":"1","page":24},{"text":"وقال في موضع آخر هو: (استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (^١)\nوتعددت التعريفات فيه وتقاربت في كثير منها، والذي يضبطها في جملتها خفاء المستنبَط ودِقّة ملحظِه، كما هو الجامع له في المعنى اللغوي.\nوالذي يعنينا في هذا المقام هو خصوص الاستنباط من القرآن الكريم، ويمكن تعريفه بأنه:\nاستخراج ماخفي من النص القرآني من المعاني والأحكام والفوائد واللطائف بطريق صحيح. (^٢)\nوعليه فيمكن ضبط معنى الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه: استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثانيًا: نشأة الاستنباط وعلاقته بالتفسير:</span>\nظهر الاستنباط من القرآن الكريم مواكبًا لنزول القرآن متزامنًا معه لم يتأخر عنه؛ إذ كان للصحابة رضوان الله عليهم استنباطاتهم الدقيقة التي فاقت كل استنباط وفهم، ومن لطيف استنباطاتهم:\n- استنباط ابن عباس - ﵁ - أجل رسول الله ﷺ من سورة النصر (^٤)\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٤)، وينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي للبخاري (١/ ٢٠)\n(^٢) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي ص ٤٤ بتصرف يسير، ومناهج الفقهاء في استنباط الأحكام للحبابي ص ٧.\n(^٣) المراد بظواهر معاني الألفاظ: ما يتوقف فهم القرآن عليها من المعاني المباشرة. ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢١\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (١٢/ ٧٣٠)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢٠/ ٢٢٩)، وينظر دراسة هذا الاستنباط وبيان وجهه في هذا البحث برقم (٢٠٢)، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ٣٠٣.","vol":"1","page":25},{"text":"بدلالة الإشارة، حيث قال: هو أجل رسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر - ﵁ - فقال: والله لا أعلم منها إلا ما تعلم. (^١)\nقال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد). (^٢)\n- ومنها: استنباط علي، وابن عباس﵄ - بدلالة الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أن المرأة قد تلد لستة أشهر. (^٣)\nقال ابن كثير (^٤) - ﵀ -: (وهو استنباط قوي وصحيح). (^٥)\nولا غرو فإن بيان السلف لمعاني القرآن في الذروة من الإصابة والبيان، لذا كان استنباطهم أدق استنباطٍ وأصحه وألطفه، وهذا التميز في تفاسير السلف واستنباطاتهم جزءٌ من مقتضى خيريتِهم وتفضيلهم الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ كما أن تميزهم في تناول هذا النوع الدقيق من البيان، لَيُبرِز حرصهم على توفيةِ الآيات حقَّها من المعاني، واستيعاب كُلِّ حق أشار إليه لفظ الآية، ودلَّ عليه معناها، وذاك هو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٤٢٨)، (٣/ ١٣٢٧)، وينظر: تفسير السمعاني (٦/ ٢٩٧)، ومعالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٢٥).\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٢٦٦)\n(^٣) ينظر: جامع البيان للطبري (٤/ ٢٠٢)، والدر المنثور للسيوطي (١/ ٦٨٨)\n(^٤) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، الفقيه الشافعي، الحافظ عماد الدين، أبو الفداء، اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله فجمع التفسير وجمع التاريخ الذي سماه (البداية والنهاية)، وله (طبقات الشافعية) وغيرها، توفي سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (١/ ٣٧٣)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢٦٠.\n(^٥) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٦٢٣)","vol":"1","page":26},{"text":"علم الاستنباط. (^١)\nوعليه فالاستنباط ملازم لتفسير القرآن لم ينفصل عنه، فلا يكاد يوجد من كتب التفسير كتاب يخلو من استنباط، أو ملمحٍ من خفي معنى الآية، ولهذا كان الاستنباط من أوثق علوم القرآن ارتباطًا بعلم التفسير، ولا يتوصل إليه إلا بعد كمال التفسير وتمامه.\nوكان هذا الارتباط من أول نشأة علم التفسير وظهوره، حتى توالت التفاسير على مر القرون ملازمةً للاستنباط، وممن اعتنى بهذا الجانب:\nالتستري (^٢) في تفسيره، وأبو عبد الرحمن السلمي (^٣) في (حقائق التفسير)، وأبو القاسم القشيري (^٤) في (لطائف الإشارات)، والرازي (^٥) في (التفسير\n_________\n(^١) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٦٦\n(^٢) هوأبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التستري، الصوفي، الزاهد، أحد أئمة الصوفية، والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات، أصله من \"تستر \" أحد مدن محافظة خوزستان. سكن البصرة وعبادان مدة، وكان سبب سلوكه التصوف خاله محمد بن سوار. توفي سنة: ٢٨٣ هـ. ينظر: طبقات الصوفية للسلمي (١/ ١٦٦)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٢٩)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠)\n(^٣) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري، أبو عبد الرحمن، الإمام، الحافظ، المحدث، شيخ خراسان، وكبير الصوفية، صاحب التصانيف. قال عنه الذهبي: (شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، قيل: كان يضع الأحاديث للصوفية). بلغت تصانيفه مئة أو أكثر، منها (حقائق التفسير) مختصر، على طريقة أهل التصوف، و(طبقات الصوفية) وغيرها. توفي سنة ٤١٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٧)، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٣١، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ١٩٦)\n(^٤) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري، القشيري، من بني قشير ابن كعب، أبو القاسم، زين الإسلام، شيخ خراسان في عصره، زهدا، وعلما بالدين، ولد سنة ٣٧٦ هـ، من كتبه: التيسير في التفسير، ولطائف الإشارات، والرسالة القشيرية، توفي في نيسابور سنة ٤٥٦ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي (١/ ٦١)، والأعلام للزركلي (٤/ ٥٧)\n(^٥) هو محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الشافعي، أبو عبدالله، فخر الدين، المفسر المتكلم الأصولي، له تصانيف في علم الكلام والمعقولات، وله (التفسير الكبير)، و(المحصول في أصول الفقه)، و(شرح الأسماء الحسنى) وغيرها، توفي سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن قاضي شهبة (٢/ ٦٥)، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ١١٥، وطبقات المفسرين للداودي ص ٤٤٤.","vol":"1","page":27},{"text":"الكبير) بل يكاد يكون الاستنباط من الآيات هو غرضه من تفسيره لولا ما فيه من التفسير.\nثم نجِد من العلماء من أفرد علم الاستنباط في مصنَّفات مستقلة مثل: القصاب (^١) في (نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام)، ونجم الدين الطوفي (^٢) في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية)، والسيوطي (^٣) في (الإكليل في استنباط التنزيل)، ومثلهم أيضًا في اعتماد الاستنباط وقصده: ابن العربي (^٤) في: (أنوار الفجر في مجالس الذكر)، والكرماني (^٥) في (غرائب\n_________\n(^١) هو أبو أحمد، محمد بن علي بن محمد الفقيه، الكرجي، العالم، الحافظ، المعروف بالقصاب، له مؤلفات كثيرة منها: تأديب الأئمة، وثواب الأعمال، ونكت القرآن، وغيرها، توفي عام ٣٦٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢١٣)، ومعجم المؤلفين لرضا كحالة (١١/ ٥٨).\n(^٢) هو أبو الربيع، نجم الدين عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري البغدادي، الحنبلي، له تصانيف كثيرة تربو على الأربعين، منها: إبطال الحيل، والآداب الشرعية، والإشارات الإلهية، توفي سنة ٧١٦ هـ. ينظر: مقدمة كتابه الإشارت الإلهية تحقيق حسن قطب (١/ ١٠١؟ ١٥٣)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٦٦)\n(^٣) هو عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، أبو الفضل جلال الدين، كان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، صاحب المؤلفات النافعة الجامعة، من أشهرها (الدر المنثور) و(الإتقان) توفي سنة ٩١١ هـ. ينظر: شذرات الذهب (٨/ ٨٧)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٣٦٥.\n(^٤) هو: محمد بن عبدالله بن محمد ابن العربي المعافري الأندلسي، أبو بكر، أحد الأعلام الحفاظ، ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها، وكان من أهل التفنن في العلوم والجمع لها، أحد من بلغ مرتبة الاجتهاد، صنّف (أحكام القرآن) و(شرح الموطأ) وغيرها، توفي سنة ٥٤٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٨٠.\n(^٥) هو: محمد بن يوسف بن علي الكرماني الشافعي البغدادي، اشتغل بالعلم، فأخذ عن والده وجماعة ببلده، وكان متواضعًا بارًا لأهل العلم، صنف شرحًا حافلًا على (المختصر)، وشرحًا مشهورًا على البخاري سماه (الكواكب الدراري)، توفي سنة ٧٨٦ هـ.\nينظر: الدرر الكامنة (٤/ ٣١٠)، وشذرات الذهب (٧/ ٣٨).","vol":"1","page":28},{"text":"التفسير وعجائب التأويل) وابن مظفر الرازي (^١) في (حُجَجُ القرآن)، وغيرهم.\n\nكما اعتنى المتأخرون بموضوع الاستنباط كعناية أسلافهم، مثل: أحمد بن بدران (^٢) في (جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) وغيرها من المصنفات على تنوعٍ في الموضوعات المستنبطة؛ ما بين عقيدة، وفقه، ولغة، وأصول، ورِقاق، وآداب، وغيرها. (^٣)\nوعلى هذا يمكن تلخيص علاقةُ علم الاستنباط بعلم التفسير، وأهم الفروق بينهما فيما يأتي:\n_________\n(^١) هو أحمد بن محمد بن أحمد المظفر ابن المختار، أبو العباس، بدر الدين، الرازيّ، الحنفي، عالم بالتفسير والحديث عارف بالأدب، له نظم حسن. وكان يفسر القرآن على المنبر بجامع دمشق له (مباحث التفسير) و(ذخيرة الملوك في علم السلوك)، توفى: بعد ٦٣٠ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للداودي (١/ ٨٦)، والأعلام للزركلي (١/ ٢١٧)\n(^٢) هو الفقيه، المفسر، عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدومي، ولد بدوما وعاش بدمشق، له مؤلفات كثيرة منها: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، وشرح سنن النسائي، وغيرها، توفي سنة ١٣٤٦ هـ. ينظر: الأعلام (٤/ ١٦٢)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٨٣).\n(^٣) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٥٢.","vol":"1","page":29},{"text":"أن الاستنباط من أوثق علوم القرآن ارتباطًا بعلم التفسير - كما تقدم - ولا يتوصل إليه إلا بعد كمال التفسير، إذ الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير - الذي هو بيان المعنى - ولكن لشدة ارتباط هذا العلم بعلم التفسير، أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرًا؛ وذلك حين يصل هذا المعنى المستنبَط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، ومن هنا يتوجَّه تسميته تفسيرًا؛ لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب.\nقال ابنُ عاشور (^١): (موضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يُستَنبَطُ منه) (^٢)، وقال يصف علم التفسير بأنه: (تفسير ألفاظٍ، أو استنباطُ معانٍ) (^٣)، فالاستنباط على هذا قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى مجموع معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر. (^٤)\n\nوإذا أردنا التفرقة بين علم الاستنباط والتفسير فإن علم الاستنباط يتفق مع التفسير في أنهما بيانٌ للمعنى، ثم يفترقان في ما يأتي:\nأولًا: في المعنى المُبَيَّن في كلٍّ منهما؛ فللتفسير المعنى الظاهر المباشر اللازم لِلَّفظ، وللاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجلِّ علوم القرآن\n_________\n(^١) هو: محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين بتونس وشيخ جامع الزيتونة، له مصنفات مطبوعة من أشهرها: (مقاصد الشريعة الإسلامية)، و(أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) وغيرها، توفي سنة ١٣٩٣ هـ. ينظر: الأعلام للزركلي ٦/ ١٧٤، وتراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ (٣/ ٣٠٤).\n(^٢) التحرير والتنوير (١/ ١٢)\n(^٣) المرجع السابق\n(^٤) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢","vol":"1","page":30},{"text":"الكريم، وألصقها بألفاظه. (^١)\nثانيًا: في كون الاستنباط مشروط بالخفاء فيما يُستنبط، بحيث لا يوجد ما يدل ظاهرًا على ارتباط هذا المعنى بالآية قبل استنباطه، بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.\nثالثًا: مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات.\nرابعًا: التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.\nخامسًا: الاستنباط يحتاج إلى جهد وقوة ذهن، والتفسير قد يحتاج لذلك عند عدم وضوح المعنى وتطلب البحث عنه، أو عند اختيار أحد الأقوال المذكورة في الآية، وقد لا يحتاج.\nقال ابن القيم: (والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به). (^٢)\nسادسًا: الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد استقر وعُلِم. (^٣)\nوعلى هذا فالاستنباط مغاير للتفسير رغم ما بينهما من ارتباط وثيق، إلا أنه لا يمكن القول بأنهما شيء واحد بل كل مصطلح منهما يدُل على مالا يدُل عليه الآخر كما هو ظاهر.\n_________\n(^١) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٢\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٢٦٧).\n(^٣) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثالثًا: أهمية علم الاستنباط:</span>\nإن من أعظم العلوم التي اشتغل بها المفسرون بعد علم التفسير: علم الاستنباط من القرآن الكريم، واستخراج الفوائد والمعاني والحِكم من آياته؛ لاتصاله بأشرف العلوم الذي هو كلام الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، فسمَّى الله تعالى الاستنباط علمًا، ومدح أهل العلم به، وخصَّ رسوله ﷺ بعلم حقيقة الأمر من الأمن أو الخوف، وما يُنشر منه وما لا يُنشر، كما خصَّ بعلمِه أهلَ الاستنباطِ من أولي الأمر - وهم العلماء - دون غيرهم من أهل العلم.\nفلولا أن الاستنباط علمٌ معتبَرٌ، وحُجَّةٌ في الشرع، لَمَا أمر اللهُ تعالى عبادَه برَدِّ ما لم يدركوا علمه نَصًَّا إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم.\nقال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم) (^١).\nوعليه فالاستنباط من أهمِّ أسباب دَرَك العلوم، وله من الأصولِ والضوابط التي تجمع جزئياته، وتَلُمُّ متفرِّقاته، ما يجدر معه بأهل العلم إبرازها وتحديدها،\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ٥٧).","vol":"1","page":32},{"text":"بعد جمعها ودرسها. (^١)\nقال ابن القيم: (وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم).\nوقال (والله سبحانه ذمَّ من سمع ظاهرًا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحمِد من استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه). (^٢)\n\nومما يدل على أهمية علم الاستنباط ما يأتي:\nأولًا: اعتناء المفسرين به، فقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية فائقة تدل على أهميته، فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير إلا وقد تضمَّن عددًا كبيرًا من الاستنباطات. (^٣)\nثانيًا: أن الاستنباط سبيل لإعطاءُ ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لَهَا من المعاني:\nقال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظَ حقَّه والمعنى حقَّه) (^٤)، ومن\n_________\n(^١) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ١٧٢)\n(^٣) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٨\n(^٤) إعلام الموقعين (١/ ٢٢٥)","vol":"1","page":33},{"text":"حقِّ اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره. (^١)\nثالثًا: أن الاستنباط سبب لنيل العلم وتحصيله:\nوقد أشار السعدي (^٢) إلى هذا فقال: (لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ.\nوالذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران:\nأحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه.\nوالثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.\nوقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجلّه إيضاحًا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة). (^٣)\nرابعًا: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر وأغنى من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرف بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سِرٍّ وحُكمٍ نَبَّهت عليهما إشارة الآية، ولم تبينهما العبارة، فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ١٦٣)، ومعالم الاستنباط في التفسير ص ٢٣\n(^٢) هو: عبدالرحمن بن ناصر السعدي، نشأ يتيمًا وحفظ القرآن، وجدّ في طلب العلم، تولى القضاء وكان عالمًا جليلًا وقاضيًا مسددًا، له مؤلفات كثيرة منها: (تيسير الكريم الرحمن) و(القواعد الحسان لتفسير القرآن) وغيرها، توفي سنة ١٣٧٦ هـ. ينظر: علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبدالله البسام (٢/ ٤٢٢).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٧٣٣).","vol":"1","page":34},{"text":"أكثرها تؤخذ من جهة المعاني، والاستنباط من النصوص؛ فالألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحًا لكُلِّ زمان ومكان، وتبيانًا لِكُلِّ شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية.\nفعِلم الاستنباط عِلم مبارك، يفيض على الأمة في كل زمان بكلِّ ما تحتاجه من معرفة الحَق المطابق لوقائعها، والمستمد من خيرِ بيان وأصدق كلام، كتاب الله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>طريق الوصول إلى الاستنباط:</span>\nعلم الاستنباط علم عزيز، ليس في مقدور عامة الناس ولا أكثر علمائهم الخوض فيه، وإنما هو شأن القلَّة التي تمكنت منه بعد جهدٍ واجتهاد وفتحٍ من الله وتوفيق.\nقال الراغب الأصفهاني (^٢): (كُلُّ من كان حظُّه في العلوم أوفر، كان نصيبه من علم القرآن أكثر). (^٣)\nوقال ابن القيم في معنى «يستنبطونه»: (أي: يستخرجون حقيقته وتدبيره، بفطنتهم وذكائهم، وإيمانهم، ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف) (^٤)، وقال: (ولو رُزق العبد تضلعًا من كتاب الله وسنة رسوله، وفهمًا تامًا في النصوص ولوازمها،\n_________\n(^١) معالم الاستنباط في التفسير ص ٢٥ - ٢٨\n(^٢) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني (أو الأصبهاني) المعروف بالراغب: أديب، من الحكماء العلماء. من أهل (أصبهان) سكن بغداد، واشتهر، حتى كان يقرن بالإمام الغزالي. من كتبه (محاضرات الأدباء)، و(الذريعة إلى مكارم الشريعة) و(الأخلاق) ويسمى (أخلاق الراغب) و(جامع التفاسير)، أخذ عنه البيضاوي في تفسيره، توفي سنة ٥٠٢ هـ. ينظر: الأعلام (٢/ ٢٥٥)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ٣٨٣)\n(^٣) من مقدمة تفسير الراغب (١/ ٢٧)\n(^٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٣)","vol":"1","page":35},{"text":"لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه). (^١)\n\nوأساس ذلك كله والمعوَّل عليه أولًا هو: معرفة معنى اللفظ، والفهم الصحيح له؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه الخطأ في الاستنباط، قال السعدي في ذلك:\n(والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وُفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (^٢).\nولهذا يُعتبر فيمن يستنبِط من كتاب الله شروطًا خاصة، أهم هذه الشروط موجزة ما يأتي:\nأولًا: صحة الاعتقاد، وسلامة القصد، والبعد عن الأهواء والتعصب.\nثانيًا: معرفة التفسير الصحيح من الآية - كما تقدم - والفهم السليم لها.\nثالثًا: معرفة اللغة العربية. إذ الجهل باللغة مورد للخطأ في الاستنباط.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٤/ ٣٨٠)\n(^٢) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص ١٩.","vol":"1","page":36},{"text":"رابعًا: معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط (^١)؛ فالجهل بالطرق الصحيحة يؤدي كذلك إلى الخطأ في الاستنباط.\nخامسًا: الإلمام ببعض العلوم المتمِّمة: كالعلم بأصول الفقه، وما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات، والعلم بأصول التفسير، والفقه، ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية، وعلم الحديث وأصوله، والتمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، وكذا العلم بمقاصد الشريعة، والقواعد الشرعية الكلية، والنظائر، وغير ذلك مما يعين المستنبِط ويفتح ذهنه، وينور بصيرته، إضافة إلى فطرته السليمة والمكتسبة، من صفاء الذهن ونفاذ البصيرة، وحدة الذكاء، والقدرة على النظر والاستدلال (^٢).\nويضاف لهذا شروطًا في المعنى المستنبَط كذلك، فحتى يكون الاستنباط صحيحًا لا بد من مراعاة بعض الشروط، من أهمها ما يأتي:\nأولًا: سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح.\nثانيًا: أن يكون بين المعنى المستنبَط وبين اللفظ ارتباطًا صحيحًا.\nثالثًا: أن يكون مما للرأي فيه مجال.\nرابعًا: عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة. (^٣)\n\nوبهذا يظهر أنّ المنهج المُتَّبع لبلوغ درجة الاستنباط المحمودة شرعًا هو: العلم\n_________\n(^١) سيأتي الكلام على هذه الطرق مفصلة في مبحث خاص.\n(^٢) ينظر في بيان الضوابط فيمن يستنبِط من القرآن: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا ص ١٥٢ ومابعدها، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ١٩٩ وما بعدها.\n(^٣) ينظر: المرجع السابق ص ١٥٧، ومنهج الاستنباط من القرآن ص ٢٤٥.","vol":"1","page":37},{"text":"بحدود ألفاظ الآيات، وفهم وجوه معانيها، وأساليبها، ثُم يَستظهر المستنبِط بعد ذلك -برسوخ في علوم اللسان والبيان، وأصول الشرع ومقاصده - ما تقع عليه بصيرته من دقائق المعاني، ومحاسن الإشارات، الأقرب منها فالأقرب إلى معنى الآية، ثمَّ الأقوى منها فالأقوى في الدلالة على مقصده ومراده.\nقال ابن جرير: (أولى العبارات أن يُعبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه) (^١)، وقال الراغب الأصفهاني: (إن المائل إلى دقيق المحاجَّة هو العاجز عن إقامة الحُجة بالجَلي من الكلام؛ فإنَّ من استطاع أن يُفهِم بالأوضح الذي يفهمه الكثيرون، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون، وقد أخرج الله تعالى مخاطباته في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق؛ لتَفهم العامة من جلِيها ما يُقنعهم ويُلزمهم الحجة، ويُفهم الخواص من أسرارها ودقائقها). (^٢)\nوقال ابن القيم: (إذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد). (^٣)\nوبهذا يظهر أنَّ بذلَ غاية الوسعِ والاجتهاد في تفحصِ معاني الآيات ووجوهها، والغوص في مدلولات ألفاظها ومقاصدها، هو أعظم شرط لنيل المقصود في هذا الباب (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) جامع البيان (١٨/ ٤٢٢)\n(^٢) مقدمة تفسير الراغب الأصفهاني (١/ ٢٧) بتصرف يسير.\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (١/ ٢١٩).\n(^٤) ينظر: معالم الاستنباط في التفسير ص ٤٥ - ٤٧","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا: التعريف بالخطيب الشربيني ﵀</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>اسمه ونشأته:</span>\nهو شمس الدين محمد بن أحمد (^١) الشربيني، الشافعي، الفقيه، المفسر، المتكلم، النحْوي، الصرفي، يُكنَّى بالخطيب الشربيني، اشتهر بكنيته، ولم تذكر كتب التراجم سنة ميلاده، نشأ في شربين، وهي مدينة بمحافظة الدقهلية في مصر، ثم انتقل إلى القاهرة واستوطنها حتى توفي، حفِظ القرآن في صغره، ونشأ طالبًا للعلم شغوفًا به، تخرَّج في جامع الأزهر، ودرَّس فيه، وكان له في الجامع الأزهر زاوية خاصة للتدريس لا يشاركه فيها غيره، تولَّى خطابة الجامع الأزهر، وكانت هذه الوظيفة تعد منصبًا رسميًا في مصر لا يناله إلا كبار العلماء. عُرف بالعلم والزهد والورع، وكان يؤثر عدم الشهرة، ولا يكترِث بأشغال الدنيا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>شيوخه:</span>\nأخذ الخطيب - ﵀ - عن جملة من الشيوخ، وتضَّلع من العلوم على أيديهم فأجازوه بالإفتاء والتدريس، فدرَّس وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلائق كثيرون. (^٣)\nوممن أخذ عنهم ﵀:\n- أحمد البرلسي الملقب بالشيخ عميرة. (^٤)\n_________\n(^١) في بعض المصادر محمد بن محمد كما في: شذرات الذهب (١٠/ ٥٦١)، وقد رجح الزركلي أنه: محمد بن أحمد أخذًا من بيانات بعض مؤلفاته المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية، ينظر: الأعلام (٦/ ٦).\n(^٢) ينظر: شذرات الذهب (١٠/ ٥٦١)، ومعجم المطبوعات العربية ليوسف سركيس (١/ ١١٠٨)، وإيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لإسماعيل باشا (١/ ١٦١).\n(^٣) لم تشر المصادر التي ترجمت للخطيب إلى أسماء تلاميذه.\n(^٤) هو الإمام الحبر الفقيه شهاب الدين أحمد البرلسي المصري الشافعي الملقب بعميرة، شيخ الشافعية بالقاهرة. كان عالمًا، زاهدًا، ورعًا، درّس وأفتى، وانتهت إليه الرئاسة في تحقيق المذهب الشافعي، له (حاشية على شرح منهاج الطالبين) للجلال المحلي، توفي سنة ٩٥٧ هـ. ينظر: شذرات الذهب (١٠/ ٤٥٤)، والكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة لمحمد الغزي (٢/ ١٢٠)، وديوان الإسلام للغزي (٣/ ٢٩٢)، والأعلام (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":39},{"text":"- نور الدين المحلي. (^١)\n- ناصر الدين اللقاني. (^٢)\n- جمال الدين السناني. (^٣)\n- بدر الدين المشهدي. (^٤)\n- شهاب الدين الرملي. (^٥)\n_________\n(^١) هو أبو محمد، علي بن محمد بن عبدالله، نور الدين، المحلي، الشافعي، البهرمسي، شاعر، أديب، نظم الكثير، وجمع من نظمه ديوانًا على حروف المعجم، ونظم المعراج النبوي في قصيدة، من آثاره: ديوانه الشعري، وقلائد النحور لمهور الحور، توفي سنة ٨٤١ هـ. ينظر: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين للباباني (١/ ٧٣١)، ومعجم المؤلفين (٧/ ٢١١)، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٥/ ٣١٤).\n(^٢) هو محمد بن حسن اللقاني، ناصر الدين، أبو عبد الله، كان فقهيًا مالكيًا وأصوليًا. انتهت إليه رئاسة العلم بمصر بعد موت أخيه الشمس اللقاني. وتصدَّر للإفتاء، له (حواش) على التوضيح؛ وحاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع. توفي سنة ٩٥٨ هـ. ينظر: معجم المؤلفين (١١/ ١٦٧)، ومعجم المطبوعات العربية ص ١١٢٩.\n(^٣) لم أقف على ترجمة له فيما اطلعت عليه.\n(^٤) هو محمد بن أبي بكر، الشيخ الإمام الفاضل، المسند الصوفي، بدر الدين، ابن الشيخ العلامة المسند بهاء الدين المشهدي، المصري، الشافعي، كان عالمًا، صالحًا، كثير العبادة، دمث الأخلاق دينًا صينًا، توفي سنة ٩٣٣ وقيل ٣٢ هـ. ينظر: الكواكب السائرة (١/ ٢٧)، وديوان الإسلام (٤/ ٢٣٠).\n(^٥) هو شهاب الدين أحمد الرملي، المنوفي، المصري، الأنصاري، الشافعي، العلّامة النّاقد، أخذ عن القاضي زكريا الأنصاري، ولازمه، وانتفع به، انتهت إليه الرئاسة في العلوم الشرعية بمصر في وقته، وكتب شرحًا عظيمًا على «صفوة الزبد» في الفقه، وله مؤلفات أخر، توفي سنة ٩٥٧ هـ. ينظر: شذرات الذهب (١٠/ ٤٥٤)، والكواكب السائرة (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":40},{"text":"- ناصر الدين الطبلاوي. (^١) وغيرهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مكانته العلمية وآثاره:</span>\nكان الخطيب - ﵀ - ممن أجمع أهل مِصر على صلاحه وعِلمه وعمله وزهده وورعه، كثير النُّسكِ والعبادةِ، متفرغًا لطلب العلم وتدريسه، كثير التواضع، شديد الحياء. وكان من عادته أن يعتكف من أول رمضان فلا يخرج من الجامع إلا بعد صلاة العيد. كان إذا حجَّ لا يركب إلا بعد تَعبٍ شديدٍ حيث كان يمشي كثيرًا وينزل عن الدَّابةِ، وكان أثناء طريق الحج يُكثر من تعليم الناس المناسك، وآداب السفر، ويحثهم على الصلاة، ويعلمهم كيفية القصر والجمع، مكثرًا من تلاوة القرآن في الطريق وغيره، كثير الطواف في مكة، وكان يصوم بمكة والسفر أكثر أيامه، وربما يعطي السائل عشاءه ويبيت تلك الليلة طاويًا، وفي غالب لياليه يكتفي بشرب ماء زمزم، وكان لا يكترث بأشغال الدنيا، فلا يسعى إلى شيء فيه رئاسة، ولا يزاحم أحدًا على صحبة أحد من الولاة والقضاة، بل ربما لا يعرف أحدًا منهم.\nوكان كثير الزيارة لقبر رسول الله ﷺ، يستخير ربه في الروضة الشريفة إذا همَّ بأمر من الأمور، فلم يكتب حرفًا في كتابه «مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ\n_________\n(^١) هو ناصر الدين محمَّد بن سالم الطبلاوي الشافعي، الإِمام العلامة، انتهت إليه الرياسة في سائر العلوم في مصر بعد موت أقرانه، كان من المتبحرين في التفسير، والقراءات، والفقه، والنحو، والحديث، والأصول، والمعاني، والبيان، والحساب، والمنطق، والكلام، والتصوف، ولم يكن في مصر أحفظ لمنقولات هذه العلوم منه. توفي سنة ٩٦٦ هـ. ينظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٤٨)، والكواكب السائرة (٢/ ٣٢)، والأعلام (٦/ ١٣٤).\n(^٢) ينظر: الخطط التوفيقية الجديدة لعلي باشا (١٢/ ٣٣٥)، وشذرات الذهب (١٠/ ٥٦١)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/ ٣)، والكواكب السائرة (٣/ ٧٢)، والأعلام (٦/ ٦).","vol":"1","page":41},{"text":"المنهاج» إلا بعد ذهابه إلى زيارة رسول الله ﷺ، وصلاة ركعتين بنية الاستخارة في الروضة الشريفة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مؤلفاته:</span>\nخلَّف الخطيب - ﵀ - آثارًا علمية قيَّمة نمَّت عن فكرٍ دقيق، وسعة علم، ومجاهدة، ومن هذه المؤلفات:\n- تفسيره القيّم: السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير. طبع في أربعة مجلدات كبار بمطبعة بولاق ١٢٨٥ هـ، ثم تكرر طبعه، ويعرف بتفسير الخطيب الشربيني.\n- الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (^٢)، وهو شرح مطول حافل على متن الغاية والتقريب في الفقه الشافعي لأبي شجاع، وقد فرغ من تأليفه سنة ٩٧٢ هـ- طبع في مجلدين بمطبعة بولاق ١٢٩١ هـ ثم تكررت طباعته.\n- شرح شواهد القطر. طبع بمصر عام ١٢٨٣ هـ ثم تكرر طبعه.\n- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، كتاب في الفقه على المذهب الشافعي، شرح به الخطيب كتاب «منهاج الطالبين» للنووي، وهو شرح متوسط، خال من الحشو والتطويل، حاوٍ للدليل والتعليل، والمعوَّل عليه من كلام الشافعي\n_________\n(^١) ينظر: شذرات الذهب (١/ ٣٨٤)، والخطط التوفيقية الجديدة (١٢/ ٣٣٥)، والإقناع (٤/ ٣).\n(^٢) هو شهاب الدين أحمد ابن الحسين بن أحمد الطيب الأصفهاني، القاضي أبي شجاع، فقيه من علماء الشافعية ولد بالبصرة، له كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث، ومتن الغاية والتقريب في الفقه الشافعي، وقد انتقل آخر حياته إلى المدينة المنورة وعمل في خدمة الحرم النبوي حتى توفي عام ٥٩٣ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٦/ ١٥)، ومعجم المؤلفين (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":42},{"text":"والأصحاب والمتأخرين، وقد كُتِب له القبول التام فأقبل الناس على قراءته وكتابته في حياته، طبع بالمطبعة الميمنية بمصر ١٣٠٨ هـ، في أربعة مجلدات ثم تكررت طباعته.\n- شرح التنبيه، وهو شرح على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبى إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (^١) الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ.\n- شرح منهاج الدين في شعب الإيمان، وهو للشيخ الإمام أبي عبد الله حسين ابن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي (^٢)، وهو كتاب جليل في نحو ثلاثة مجلدات، فيه أحكام كثيرة ومسائل فقهية، وغيرها مما يتعلق بأصول الدين.\n- تقريرات على كتاب المطول في البلاغة للتفتازاني (^٣).\n- نور السجية في حل ألفاظ الآجرومية. (^٤)\n- فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك (^٥).\n_________\n(^١) هو جمال الدين إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي، إمام، قدوة، مجتهد، علامة، مناظر، زاهد، عابد، كان إمامًا في الفقه والأصول والحديث والفنون الأخر، قال الذهبي: \"وبحسن نيته في العلم اشتهرت مصنفاته في الدنيا \" توفي سنة ٤٧٦ هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٥٢).\n(^٢) هو أبو عبد االله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي، البخاري، الشافعي، أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، وكان متفننًا، مناظرًا، طويل الباع في الأدب والبيان. ولد بجرجان، ونشأ ببخارى، توفي سنة ٤٠٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٢٢٠)\n(^٣) هو أبو سعيد مسعود بن عمر بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن الغازي التفتازاني، السمرقندي، الحنفي، الفقيه، المتكلم، النظار، الأصولي، النحوي، البلاغي، المنطقي. كان إماما من أئمة التحقيق والتدقيق، انتهت إليه رئاسة العلم في المشرق في زمنه، وكان يفتي بالمذهبين الشافعي والحنفي، له شرح تصريف الزنجاني، وشرح مطول على تلخيص المفتاح للقزويني. ويعرف بـ «المطول». توفي سنة ٧٩٢ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٠)، وشذرات الذهب (٦/ ٣١٩)، وهدية العارفين (٢/ ٤٢٩).\n(^٤) الآجرّومية: متن من أهم متون النحو العربي، ألفه ابن آجرّوم، تحدث فيه عن أنواع الكلام وإعرابه. ولأهميتها البالغة فقد تصدى لشرحها جهابذة العلماء والنحاة قديمًا.\n(^٥) هو محمد بن عبدالله بن مالك الطائي الجياني، جمال الدين أبو عبدالله، العلامة حجة العرب، كان إمامًا بحرًا في اللغة والنحو والتصريف، وأشعار العرب، من أشهر تصانيفه: (الألفية) و(تسهيل الفوائد) و(الكافية الشافية) وغيرها. توفي سنة ٦٧٢ هـ. ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٤٩)، وشذرات الذهب (٥/ ٤٨٢) وما بعدها، والأعلام (٦/ ٢٣٣).","vol":"1","page":43},{"text":"- الفتح الرباني في حل ألفاظ تصريف عز الدين الزنجاني (^١).\n- كتاب شرح البهجة في الفقه لابن الوردي (^٢).\n- رسالة في البسملة والحمد لله.\n- مناسك الحج.\n- رسالة في بر الوالدين وصلة الرحم.\n- المواعظ الصفية على المنابر العليَّة.\n- سواطع الحكم؛ وهو شرح على حكم ابن عطاء الله السكندري (^٣). (^٤)\n_________\n(^١) عز الدين، أبو المعالي، عبد الوهاب بن (عماد الدين) إبراهيم الخزرجي، الزنجاني، المعروف بالعزي، له التصريف المشهور بتصريف العزي، وعليه شرح له سماه الهادي، ومعيار النظار في علوم الأشعار، توفي بعد سنة ٦٥٥ هـ. ينظر: كشف الظنون (٥/ ٣٦٠)، والأعلام (٤/ ١٧٩)\n(^٢) عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، زين الدين، ابن الوردي، المعري، الشافعي القاضي، الإمام الفقيه، الأديب الشاعر، أحد فضلاء عصره وفقهائه، وأدبائه وشعرائه، تفنن في العلوم، من مصنفاته \" البهجة الوردية في نظم الحاوي \"، وشرح ألفية ابن مالك، توفي سنة ٧٤٩ هـ. ينظر: فوات الوفيات للكتبي (٣/ ١٥٧)، والدرر الكامنة (٣/ ٢٧٢)\n(^٣) هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عيسى بن عطاء الله السكندري، تاج الدين، أحد أركان الطريقة الشاذلية الصوفية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي، له كتاب التنوير في إسقاط التدبير، وكتاب الحكم، وكتاب لطائف المنن، توفي سنة ٧٠٩ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات (٨/ ٣٨)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٩/ ٢٣).\n(^٤) ينظر: الأعلام (٦/ ٧) ومعجم المؤلفين (٨/ ٢٦٩).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>عقيدته ومذهبه:</span>\nيظهر للناظر في تفسير الخطيب - ﵀ - واستنباطاته، أنه أشعري العقيدة، لكنه أقرّ منهج السلف في رده على الفرق الضالة، حيث تصدّى لتفنيد آراء المعتزلة (^١)، والقدرية (^٢)، والجبرية (^٣)، وغيرهم من الفِرق عند تفسيره لبعض الآيات. (^٤) مُثبتًا لمنهج أهل السنة والجماعة في مواضع النزاع بينهم، ولا يستفيض كغيره من المفسرين في المباحث العقلية، وإنما يكتفي بعرض آراء الفرق، وبيان أن الآية لا تصلح دليلًا لهم مستدلًا بما ظهر من الآية. (^٥)\n_________\n(^١) هي فرقة كبيرة تأسست على يد واصل بن عطاء ت. ١٣١ هـ، أحد تلامذة الحسن البصري، وقد سميت بذلك لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الامام الحسن البصري حينما دب خلاف بينهما حول المصير الأخروي للمسلم، وقد ازدهرت في العصر العباسي، اشتهرت بأصولها الخمسة وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أصولهم أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وأن صاحب الكبيرة مخلد في النار، ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع والضلالات. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (١/ ١١٢)، والملل والنحل للشهرستاني ص ٣٨\n(^٢) هي فرقة تنفي قضاء الله وقدره في معاصي العباد، وتضيف خلقها إلى فاعلها، ويزعمون أن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات، بل الناس هم الذين يقدرون على أكسابهم، وليس لله فيها صنع ولا تقدير. ينظر: الفرق بين الفرق (١/ ١١٤) ما بعدها، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان لأبي الفضل عباس بن منصور التريني السكسكي ص ٥٠.\n(^٣) هي طائفة قد غلت في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا اختيار، ويكفي في رد باطلهم هذا أن ما زعموه فيه اتهام باطل بظلم الله ﷿ للعباد بتكليفهم مالا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، تعالى الله عن ذلك. ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ١١٨ و٣٩٣)،وبدائع الفوائد لابن القيم (٤/ ١٦١٥)،والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٥)، وشرح العقيدة الواسطية للهراس ص ١٨٧\n(^٤) ينظر على سبيل المثال رده على المعتزلة في: السراج المنير (١/ ٤٨٤)، (١/ ٥٨٦)، (١/ ٦١٠) والقدرية: (٣/ ٣٨٤)، (٣/ ٥١٥)، والجبرية: (٢/ ٢٦)، (٣/ ٣٨٤)\n(^٥) ينظر: منهج الخطيب في تفسيره لوفاء سعداوي ص ٢٥٣.","vol":"1","page":45},{"text":"وقد نهج الخطيب منهج الأشاعرة (^١) في تأويله لآيات الصفات، فأثبت - كما أثبت الأشاعرة- سبع صفات فقط وهي: الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام (^٢)، والسمع، والبصر. (^٣)\nوأوَّل صفة الوجه (^٤)، والعين (^٥)، واليد (^٦)، والعلو (^٧). وغيرها من صفات الذات.\n_________\n(^١) الأشاعرة أو الأشعرية هي فرقة تنتسب لأبي الحسن الأشعري قبل رجوعه عن مذهبه، مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، ولهم معتقدات عقدية باطلة، من أشهر أصولهم: تأويل صفات الله تعالى، والاستدلال على وجود الله بأن الكون حادث، وكل حادث فلابد له من محدِث قديم مخالف للحوادث، والتوحيد عندهم هو نفي التثنية ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة، والإيمان هو التصديق القلبي، وجاءوا بنظرية الكسب في باب القدر وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، وأنكروا تأثير الأسباب في مسبباتها، ونفوا تعليل أفعال الله، وأنكروا أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، وأن مرد ذلك إلى الشرع وحده، إلى آخر أباطيلهم. ينظر: الملل والنحل (١/ ٩٤)، ومنهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي (١/ ٧٧ - ٩٢).\n(^٢) أثبت الخطيب هذه الصفة لكن على منهج الأشاعرة، فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء، وتبع الرازي هنا في طعناته على مذهب السلف كما يظهر جليًا في هذه الصفة. فعند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: \"وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أنّ كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم، قال الإمام الرازي: وهذا القول أخس من أن يلتفت إليه العقل، والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة - يعني الأشاعرة- أنّ كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وأنّ موسى سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية، قالوا: كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أنّ ذاته ليست جسمًا ولا عرضًا، كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أنّ كلامه لا يكون حرفًا ولا صوتًا.\" السراج المنير (١/ ٥١٢)، وينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢٢٢.\n(^٣) ينظر على سبيل المثال: إثباته لصفة العلم في السراج المنير (١/ ١١٤).\n(^٤) قال عند قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: \" ثم علل وحدانيته بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: ذاته؛ فإنّ الوجه يعبر به عن الذات، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إلا ملكه\". السراج المنير (٣/ ١٢٣).\n(^٥) قال عند قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أي: السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: محفوظة من أنْ تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلًا.) السراج المنير (٤/ ١٤٦)، وعند قوله تعالى ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، قال: \" أي: بمرأى منا نراك ونحفظك\". السراج المنير (٤/ ١٢٠).\n(^٦) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]: «(الذي بيده) أي: بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره.» السراج المنير (٤/ ٣٣٦).\n(^٧) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: \"وهو العليّ أي: الرفيع فوق خلقه، المتعالي عن الأشباه والأنداد.\" السراج المنير (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":46},{"text":"كما أوَّل الخطيب كذلك الصفات الفعلية التي ينكرها الأشاعرة جملة وتفصيلًا، مثل الإتيان (^١)، والمجيء (^٢)، والغضب (^٣)، والمحبة (^٤)، والرضى (^٥)، وغيرها من الصفات. (^٦)\n_________\n(^١) قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] \" أي: أمره أو بأسه، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل، ٣٣] أي: عذابه وقوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام، ٤٣]، أو يأتيهم الله ببأسه، فحذف المأتيّ به للدلالة عليه، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\" السراج المنير (١/ ١٣٦)\n(^٢) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]: \" قال الحسن: أمره وقضاؤه.\" واقتصر عليه، ينظر: السراج المنير (٤/ ٥٣٥).\n(^٣) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢]: \" ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ أي: عقوبة. \" السراج المنير (١/ ٥١٩).\n(^٤) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]: «أي: اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره، وإيثار طاعته، وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم، وثوابه لهم، وعفوه عنهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾». السراج المنير (١/ ٢٠٩).\n(^٥) قال عند تفسير قوله تعالى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]: \" ﴿﵃﴾ بطاعته، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه.\" السراج المنير (١/ ٤٠٨).\n(^٦) كما في صفة الحياء، والمكر، والاستهزاء، والكرسي (موضع القدمين)، والفوقية، والمعية، وغيرها. ينظر المفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢١٧ - ١٢٣٣. وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للشيخ عبدالرحمن المحمود (٣/ ١٠٤٩ ومابعدها) وينظر للاستزادة:: السراج المنير (١/ ٢٦)، (١/ ٢١٩)، (٤/ ٣٧٣).","vol":"1","page":47},{"text":"وأثبت الخطيب - ﵀ - صفة الاستواء على ضعف في ذلك (^١)، كما أثبت الرؤية (^٢)، لكنه كسائر الأشاعرة يثبتون رؤية الله ﷿، ويقولون: (نظرٌ لا إلى جهة)، ويرون الجهة مستحيلة في حق الله، فإثباتهم لها مختلف عن إثبات أهل السنة والجماعة؛\n_________\n(^١) قال عند قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (أي: استوى أمره، وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به، ونكل فيه العلم إلى الله تعالى. والمعنى أنّ له ﷾ استواء على العرش على الوجه الذي عناه، منزه عن الاستقرار والتمكن، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه، ٥]، فأطرق رأسه مليًا وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالًا ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمرّوها كما جاءت، اقرؤها بلا كيف، وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية، والعرش في اللغة السرير، .. وشذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوّز مع مخالفة الأثر، ألم يسمعوا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود، ٧] أتراه كان الملك على الماء؟ .. وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر: *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق*\nوقال آخر: *هما استويا بفضلهما جميعًا ... على عرش الملوك بغير زور*\nوهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابيّ: لا يعرف استولى فلان على كذا إلا إذا كان بعيدًا منه غير متمكن منه، ثم تمكن منه، والله تعالى لم يزل مستوليًا على الأشياء، والبيتان قال ابن فارس اللغوي: لا يعرف قائلهما، ولو صحا لا حجة فيهما، لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليًا، نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة). السراج المنير (١/ ٤٨٠).\n(^٢) ينظر كلامه عند قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]: السراج المنير (٤/ ٣٧٣)، وقوله تعالى ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]: (١/ ٥٨٦)، وقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]: (٤/ ٥٧٠).","vol":"1","page":48},{"text":"إذ يجعلونها رؤية بقوى يحدثها الله تعالى في الأجسام يوم القيامة لا إلى جهة. أما أهل السنَّة فيجعلون الرؤية بالعينين إلى جهة العلو حيث اللهُ جلّ وعلا. (^١)\nوفي الجملة فقد سار الخطيب على نهج الأشاعرة، وبنى تفسيره وتبعتها استنباطاته على أصولهم، وسأعرض فيما يأتي أمثلة لموافقته بعض أصولهم مجملة، إشارة لها وتنبيهًا عليها، وإلا فالكلام عليها وردّها سيأتي مفصلًا مبسوطًا بمشيئة الله في قسم الدراسة.\n\nفأقول وبالله التوفيق:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أولًا: التوحيد:</span>\nالتوحيد عند الأشاعرة هو نفي التبعيض، والتركيب، والتجزئة (^٢)، وعلى هذا أوَّل الخطيب كثيرًا من الصفات الفعلية والذاتية - كما تقدم - والتأويل عنده مبني على أصل الأشاعرة في التوحيد، فهو ينكر بعض الصفات كصفة الوجه مثلًا؛ لأنها تؤدي إلى التركيب والتجزئة.! (^٣)\nوقد تقدم الكلام آنفًا عن تأويله للصفات والتمثيل عليه بما يغني عن إعادته.\n_________\n(^١) ينظر: التمهيد لأبي بكر الباقلاني (١/ ٢٧٧)، والاعتصام للشاطبي (٢/ ٣٢٦)، وينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور: عبدالرحمن المحمود (٣/ ١٠٤٩ ومابعدها).\n(^٢) ينظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (١/ ٩٠)، وغاية المرام في علم الكلام للآمدي (١/ ١٤٩).\n(^٣) ينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي (١/ ٨٠).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>ثانيًا: الإيمان:</span>\nأقرّ أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط. (^١)\nقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]: (وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه، ولا على ما هو داخل فيه). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثالثًا: القرآن:</span>\nأثبت أن كلام الله معنى أزلي أبدي قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، ولا يوصف بالخبر ولا بالإنشاء، وقد تقدّم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>رابعًا: النبوات:</span>\nقرّر أنه لا دليل على صدق النبي ﷺ إلا المعجزة. (^٤)\n_________\n(^١) الأشاعرة في باب الإيمان مرجئة، وقد أجمعت كتبهم كلها على أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، وبعضهم أدخل معه قول اللسان. ينظر: الإنصاف للباقلاني (١/ ٥٥)، والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (١/ ٣٧٩)، والمواقف في علم الكلام للإيجي (١/ ٣٨٤).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٢٩)، و(١/ ٣٧).\n(^٣) ينظر تفسيره لصفة الكلام - كما تقدم - عند قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وينظر: السراج المنير (١/ ٥١٢). ومذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة، وسمعه جبريل وسمعه موسى ويسمعه الخلائق يوم القيامة. ينظر قول الأشاعرة في: الإرشاد للجويني (١/ ١٢٨ - ١٣٧)، والمواقف للإيجي (١/ ٢٩٣)، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد المعروفة بتحفة المريد (١/ ٦٤ ومابعدها).\n(^٤) ينظر: السراج المنير (١/ ٢٤٣)، و(٣/ ٨٤).","vol":"1","page":50},{"text":"كما بالغ في إثبات عصمة الأنبياء وإنكار صدور الذنب منهم، وأوّل بعض الآيات تأويلًا متكلفًا كالحال في تأويل الصفات. (^١)\nقال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]\n(قوله ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>خامسًا: القدر:</span>\nأثبت نظرية الكسب التي تخبط فيها الأشاعرة في باب القدر (^٣)، والتي تؤول إلى القول بالجبر؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، وتناولها مرارًا في تفسيره (^٤).\n_________\n(^١) ينظر قولهم في: نهاية الإقدام: (١/ ٣٧٠)، وغاية المرام للآمدي (١/ ٢٣٤). وينظر في الرد عليهم: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٢ ومابعدها)، والتسعينية لابن تيمية (١/ ١٤٧)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٧٩).\n(^٢) السراج المنير (١/ ١٠٢)\n(^٣) ينظر قولهم في: الإنصاف للباقلاني (١/ ٤٥)، والإرشاد للجويني (١/ ١٨٧ - ٢٠٣)، والمواقف للإيجي (١/ ٣١١).\n(^٤) أهل السنة والجماعة في باب القدر يثبتون لله تعالى مشيئة وإرادة، وللعبد مشيئة وإرادة، وإرادة العبد خاضعة لمشيئة الله وإرادته. والأشاعرة: أحدثوا نظرية الكسب، وهي محاولة منهم للتوفيق بين منهج الجبرية والقدرية التي ضلت في باب القدر، ومؤداها الذي لا محيد عنه هو القول بالجبر. ينظر للاستزادة: السراج المنير (٢/ ٣٥)، و(٤/ ٢٢٢).","vol":"1","page":51},{"text":"قال عند قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤]: وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد.» (^١)\nوقال عند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، في ذلك دليل على أنّ للعبد كسبًا، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>سادسًا: السببية وأفعال المخلوقات:</span>\nأنكر تأثير الأسباب في مسبباتها، ومأخذ الأشاعرة هنا هو نفسه مأخذهم في القدر، فعندهم مثلًا: من قال: إن النار تحرق بطبعها، أوهي علة الإحراق فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقًا. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٥)، وينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة (١/ ٨٢).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٢٦).\n(^٣) الأشاعرة يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات، وينفون الاقتران الضروري بينهما، بمعنى أن المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، وعلى قولهم فالنار مثلًا إذا لاقت شيئًا قابلًا للاحتراق فاحترق، فإن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئًا، وإنما المؤثر هو الله وحده!\nينظر: تحفة المريد للبيجوري ص (٩٨ - ٩٩)، وا لإنصاف للباقلاني (١/ ٤٥)، والمواقف للإيجي (١/ ٣١١)، وشرح أم البراهين للسنوسي (١/ ٨٠ وما بعدها)، وينظر تفصيل دعواهم وأمثلته والرد عليها في: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٣/ ١٣)، وتقريب التدمرية لابن عثيمين (١/ ٩٨)، ومنهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف (١/ ٣٤٤ وما بعدها).","vol":"1","page":52},{"text":"قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]: «﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: السحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، ومِن: صلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى». (^١)\nوقال عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]: (وفائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ، وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى.) (^٢)\nوفي أفعال المخلوقات: قال كما قالت الأشعرية: إن العبد فاعل لفعله مجازًا وليس حقيقة، وأن فعل العبد فعل لله لا للعبد؛ لأنهم مع سائر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد، وهم يقولون أن الله فاعل فعل العبد، ففعل الله هو مفعوله، والخلق هو المخلوق. (^٣)\nوأكثر الكلام حول مسألة خلق الله أفعال العباد، واستنباطها من الآيات ذات الدلالة، حتى تكاد تكون أكثر المسائل العقدية التي تعرّض لها في تفسيره.\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٨٣).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٣٧).\n(^٣) ينظر: الصفدية لابن تيمية (١/ ١٥٢)، وينظر الرد عليهم في: الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٤١)، ومنهاج السنة النبوية (٣/ ١٤)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٣)، ورفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي المقدسي (١/ ٤٠)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":53},{"text":"قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [الأعراف: ١٢٦]: (ذكر الصبر من قِبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى، وذلك يدل على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه). (^١)\nوقال عند قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]: احتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئًا، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقًا لكان معبودًا إلهًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>سابعًا: التحسين والتقبيح:</span>\nأنكر أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، بل مرد ذلك إلى الشرع وحده (^٣)، على النقيض من قول المعتزلة الذين جعلوا مردّ التحسين والتقبيح إلى العقل فقط. (^٤)\nقال عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ أي: الأزواج، .. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال. (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٠٣)، وينظر للاستزادة: السراج المنير (١/ ٥١٣)، (١/ ٥٧٩)، (١/ ٦١٠)، (٢/ ١٥٢)، (٢/ ٢٥٠)، (٣/ ٥)، (٣/ ١٧)، (٣/ ٤٥٠)، (٣/ ٤٧٦).\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٥)\n(^٣) ينظر قول الأشاعرة في: نهاية الإقدام (١/ ٣٧٠)، والبرهان في أصول الفقه للجويني (١/ ٨٨ ومابعدها)، وغاية المرام للآمدي (١/ ٢٣٤)، وينظر في الرد عليهم: التسعينية لابن تيمية (١/ ١٤٧).\n(^٤) ينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة للحوالي (١/ ٨٥).\n(^٥) السراج المنير (١/ ١٥١).","vol":"1","page":54},{"text":"وعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]: قال: ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: بالقبائح من الأفعال ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: ما أنكره الشرع، وهو كل ما يكرهه الله تعالى. (^١)\nوقال عند قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسَّنه الشرع، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلًا، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول. (^٢)\n\nوبعد هذه اللمحات الموجزة (^٣) عن عقيدته - ﵀ - التي وافق فيها الأشاعرة في أوضح أصولهم، يظهر سلامة معتقده فيما عدا ذلك، وتأصيله أصول أهل السنة والجماعة، وإبطاله المعتقدات الفاسدة عند الفرق المخالفة، والطوائف الضالة، وتشنيعه على المعتزلة ورده عليهم في كثير من استدلالتهم الباطلة، ورده كذلك على القدرية، والمرجئة، والمجبرة، وغيرهم من الطوائف -كما تقدّم - فرحمه الله وعفا عنَّا وعنه، وسائر علمائنا وهدانا لصراطه المستقيم، إنه سميع مجيب.\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٦١٠).\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٣١٣).\n(^٣) هذا ما تيسر جمعه، ومن أراد الاستزادة فتفسيره حافل، وينظر كذلك: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف (١/ ٣٤٤ وما بعدها)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للشيخ المحمود (٣/ ١٠٤٩ ومابعدها).","vol":"1","page":55},{"text":"أما مذهبه الفقهي فهو شافعي المذهب، ويظهر ذلك جليًا في كتبه، وفي تفسيره لآيات الأحكام؛ إذ كثيرًا ما يذكر أقوال أهل العلم، محققًا لها ومرجحًا أحيانًا، مع ميله للمذهب الشافعي دون تعصب له. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>وفاته</span>\nتوفي بعد العصر من يوم الخميس الثامن من شعبان سنة سبع وسبعين وتسعمائة ٩٧٧ هـ، الموافق ١٥٧٠ م، بعد حياة علمية زاخرة بالعطاء والعلم، فرحمه الله ورضي عنه وأرضاه. (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (١/ ١٧٨)، (١/ ٣٢٠)، (١/ ٣٧٨)، (١/ ٤١٤).\n(^٢) ينظر: شذرات الذهب (١٠/ ٥٦١)، وهدية العارفين (٦/ ٢٥٠)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ٥)، والأعلام (٦/ ٦)","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثالثًا: التعريف بتفسير\"السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير</span>\":\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>القيمة العلمية لتفسير السراج المنير، ومنهجه فيه:</span>\nلا يخفى على الناظر في هذا التفسير القيمة العلمية لهذا الكتاب ومؤلِفه، فقد جمع فيه الخطيب عددًا من العلوم وضروبًا من الفنون، مع دقةٍ في الاختيار، وتحرير، وترجيح، تُبرز سابقة هذا المؤلِف وذائقته، وسلامة منهجه، وقد نصَّ على هذا المنهج في مقدمة تفسيره، وأوضح فيه أنه اقتصر على أصح الأقوال غالبًا، وإعراب ما يُحتاج إليه عند السؤال، وترَك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية، وإذا ذكر فيه شيئًا من القراءات فهو من السبع المشهورات، وقد يذكر بعض الأقوال والأعاريب لقوّة مداركها أو لورودها، ولكن بصيغة (قيل) ليُعلم أن المرضي أوّلها.\nكما أشار إلى هذا المنهج في خاتمة تفسيره فقال: (فدونك تفسيرًا كأنه سبيكة عسجد (^١)، أو درٌ مُنضَّد، جمع من التفاسير معظمها، ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها، محرّر الدلائل في هذا الفنّ، مظهرًا لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جنّ، فإذا ظفرت بفائدة شاردة فادعُ لي بالتجاوز والمغفرة، أو بزلة قلم أو لسان، فافتح لها باب التجاوز والمعذرة) (^٢)\n_________\n(^١) العَسْجَدُ الذهب. وقيل: هو اسم جامع للجوهر كله من الدر والياقوت. ينظر: العين للفراهيدي (٢/ ٣١٥)، وتهذيب اللغة للأزهري (٣/ ٢٠٠)، وتاج العروس للزبيدي (٨/ ٣٧٧).\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٦١٨)","vol":"1","page":57},{"text":"كما أن الخطيب تغلِب عليه علوم العربية وقد بدا أثر ذلك واضحًا في تفسيره، كما يُعدُّ موسوعة في الفقه، جمع كثيرًا من الأقوال والمذاهب الفقهية، ولاغرو فالخطيب - ﵀ - مُفسِّر فقيهٌ نحْوي.\nوفي الجملة فالكتاب غزير العلم جمُّ الفوائد، يجمع بين التفسير بالدراية والرواية، إلا أنه غلَب عليه جانب الرأي، كما يظهر ذلك للناظر فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>منهجه في التفسير:</span>\nنهج الخطيب - ﵀ - في تفسيره منهجًا وسطًا بين الإطناب والإيجاز، اعتنى فيه بكل ما يتعلق بعلوم القرآن الكريم، وتركزت عنايته فيه على ما يأتي:\n١ - عنايته بالأسلوب الموضوعي في التفسير حيث بدا ذلك واضحًا في تفسيره.\n٢ - تفسيره للبسملة في كل سورة بنمط جديد يتناسب مع موضوع السورة ومقاصدها وأهدافها حسبما يتراءى له.\n٣ - منهجه في بيان أسماء السور، حيث ذكر أسماء أُخَر لتسعة عشر سورة، منها ما يذكر أسمائها الأخرى دون تعليق عليها، ومنها ما يلتمِس الحكمة من تسميتها بهذه الأسماء، أما باقي سور القرآن الكريم فقد وقف عند أسمائها المذكورة في المصحف.\n٤ - إطالته في ذكر أسباب النزول معزوةً في الغالب إلى قائليها، وأحيانًا لا يعزوها.\n٥ - يُورد أقوال العلماء في الأحرف المقطعة في أوائل السور دون ترجيح قول على آخر، أو بيان رأيه فيها، رغم أنه أورد مسائل متعلقة بهذه الأحرف ثم بيّن رأيه فيها.\n٦ - اهتمامه الملحوظ بذكر المناسبات بين السور والآيات.","vol":"1","page":58},{"text":"٧ - عنايته بذكر القراءات السبع المشهورة، كما أورد بعض القراءات الشاذة أحيانًا مع التنبيه عليها.\n٨ - اهتمامه بالتفسير بالمأثور، فنقل عن ابن جرير الطبري، والبغوي، وابن كثير (^١)، كما نقل كثيرًا من أقوال الصحابة والتابعين، أمثال: عائشة، وعلي، وأبو هريرة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبدالله، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. (^٢)\n٩ - اعتماده في تفسيره على تفاسير من سبقه كالبيضاوي (^٣)، والرازي، والزمخشري (^٤)، وغيرهم.\n_________\n(^١) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، الفقيه الشافعي، الحافظ عماد الدين، أبو الفداء، اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله فجمع التفسير وجمع التاريخ الذي سماه (البداية والنهاية)، وله (طبقات الشافعية) وغيرها، توفي سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٧٣)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢٦٠\n(^٢) قال عند قوله تعالى: «﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بقلوبكم وألسنتكم. قال ابن عباس: أمر الله تعالى أولياءه بذكره في أشدّ أحوالهم، تنبيهًا على أنّ الإنسان لا يجوز له أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله». السراج المنير (١/ ٦٥٣)\n(^٣) هو: عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي الشافعي، أبو الخير ناصر الدين، كان إمامًا علامة، عارفًا بالفقه والتفسير والعربية والمنطق، ولي قضاء القضاة بشيراز، صاحب المصنفات، له: (الطوالع) في الكلام، و(مختصر الكشاف) في التفسير، وغيرها، توفي سنة ٦٨٥ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للداودي ص ١٧٣، وشذرات الذهب (٦/ ٥٣).\n(^٤) هو: محمود بن عمر بن محمد، أبو القاسم الزمخشري الخوارزمي، النحوي اللغوي المتكلم، المعتزلي المفسر، يلقب بجار الله لأنه جاور بمكة زمنًا، كان ممن برع في النحو واللغة والأدب، وصنف التصانيف، مات سنة ٥٣٨ هـ. ينظر: إنباه الرواة (٣/ ٢٦٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٥١)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٧٢.","vol":"1","page":59},{"text":"١٠ - اهتمامه بالأحكام الفقهية دون توسع، فلا يُسهِب في عرض ومناقشة الاختلافات بين المذاهب الفقهية إلا ما ندر، ولا يذكر من المسائل الفقهية غيرما يُعين على فهم المراد من الآية.\n١١ - لا يذكر من الأحاديث في الغالب إلا صحيحها، وحسنها، ولذلك نجده يتعقب الزمخشري، والبيضاوي في ذكرهما للحديث الموضوع الطويل في فضائل السور سورة، سورة، كما يُنبّه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئًا منها في تفسيره. (^١)\n١٢ - اهتمامه بتوظيف القاعدة النحوية في استنباط المعاني المرادة من الآيات، فيذكر وجوه الإعراب المحتملة، وينزل الآية على اختلاف الأعاريب، وقد يُرجح واحدًا منها ويُدلل على رجحانه، وقد يشرح القاعدة النحوية دون تنزيلها على المعاني القرآنية، ولكنه التزم بما شرطه على نفسه في مقدمة تفسيره، فلم يُقحم نفسه فيما لا يعني المفسر من ذكر الأعاريب التي لا تمت للتفسير بصلة. (^٢)\n١٣ - اتخذ منهجًا وسطًا في تفسيره العلمي للآيات الكونية، فيذكر ما ورد فيها من آثار، ويعتمد على الدلالات اللغوية في بيان المراد منها، كما يذكر أقوال العلماء فيها لكنه مُقِلّ في ذلك.\n١٤ - لم يخْل تفسيره من ذكر بعض القصص الإسرائيلي، يمر على بعضها مع غرابتها من غير تعقيب لها بتصحيح أو تضعيف، وغالب ذلك فيما يحتمل الصدق والكذب من أخبار بني إسرائيل، وليس فيه طعن في عصمة الأنبياء، ومنها ما يتعقبه بما يدل على\n_________\n(^١) ينظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير د. محمد أبوشهبة ص ١٤٢\n(^٢) ينظر: (العلامة الخطيب الشربيني ومنهجه في تفسير السراج المنير) رسالة ماجستير، جامعة الأزهر. للباحثة: وفاء محمود سعداوي ص ٢٩٠.","vol":"1","page":60},{"text":"ضعفه، أو بطلانه، خاصة في القصص الإسرائيلي المخِلِّ بعصمة الأنبياء التي يتكلف فيها الأشاعرة. (^١)\n١٥ - يقول بجواز النسخ عقلًا، وجوازه شرعًا، ويردُّ على من ينكره.\n١٦ - يُكثر من المواعظ والرِقاق والترغيب والترهيب، ومن يقرأ في تفسيره يلحظ عنايته بهذا الجانب بأسلوب رصين قريب إلى النفس، من غير مبالغة أو تنفير.\n١٧ - يستطرد أحيانًا في ذكر المواعظ والحكم الصوفية، لكنه لا يُفسر الآيات تفسيرًا إشاريًا بمثل الفلسفة الصوفية.\n١٨ - دعاؤه عند انتهائه من تفسير بعض الآيات، وكذلك عند الانتهاء من تفسير السورة. (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق\n(^٢) ينظر في بيان منهجه: التفسير والمفسرون للذهبي (١/ ٢٤١ ومابعدها)، ورسالة (العلامة الخطيب الشربيني ومنهجه في تفسير السراج المنير) لوفاء محمود سعداوي ص ٣٢ وما بعدها.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الباب الأول:\n\nمنهج الخطيب الشربيني في الاستنباط\nمن خلال تفسيره \"السراج المنير</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nالفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nالفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته.\nالفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الأول:\nأقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره</span>.\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.\nالمبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الأول:\nالاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط</span>.\nوفيه ستة مطالب:\nالمطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمطلب الثاني: الاستنباطات العقدية.\nالمطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.\nالمطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية.\nالمطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية.\nالمطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية.","vol":"1","page":64},{"text":"المبحث الأول:\nالاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.\nتنوعت موضوعات الاستنباط عند الخطيب، ومن أبرز هذه الموضوعات عناية وظهورًا في استنباطاته ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن</span>.\nظهرت عناية الخطيب بعلوم القرآن ومباحثه جليةً في تفسيره واستنباطاته، خاصة فيما يتعلق بمناسبات الألفاظ (^١)، وقصص القرآن (^٢)، وإعجازه، ومعاني التكرار في ألفاظه، ومنطوقه ومفهومه، وأسرار تقديمه وتأخيره، وخصوصه وعمومه، وفي جواز النسخ، ومرسوم الخط وكتابته، على تفاوت بين هذه المباحث في كثرة طرقه لها وقِلته.\nوتأتي استنباطاته في علوم القرآن في المرتبة الخامسة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودًا عنده (^٣).\nوالأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًا، وسأكتفي بذكر بعض الأمثلة الموجزة لكل موضوع منها، وبسط ذلك في قسم الدراسة.\n_________\n(^١) وهي الأكثر عناية وظهورًا من بين استنباطاته في علوم القرآن.\n(^٢) وتأتي في المرتبة الثانية بعد مناسبة الألفاظ في الآيات.\n(^٣) حيث بلغ مجموع استنباطاته في علوم القرآن (٢٣) استنباطًا.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>ومن الأمثلة على استنباطاته في علوم القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>أولًا: في مناسبات الألفاظ:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]\nقال الخطيب - ﵀ -: (ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، وهو يوم القيامة، وخُص بالذكر: لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾) [غافر: ١٦]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثانيًا: في أسرار التقديم والتأخير في القرآن</span>.\n- عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة، أجيب: لتتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضًا لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحًا واعترافًا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أنّ العبادة أيضًا مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثالثًا: في فوائد التكرار في القرآن الكريم:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]\nقال الخطيب - ﵀ -: فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)، و(٢/ ٢٥٤)\n(^٢) السراج المنير (١/ ١٠)","vol":"1","page":66},{"text":"أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: أنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.\nومنها: أنه ذَكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها\nومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون.\nومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>رابعًا: في جواز وقوع النسخ في القرآن:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]\nقال الخطيب - ﵀ -: (الآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص (أن) وما يتضمنها بالأمور المحتملة؛ وذلك لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلًا من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في عصر غيره). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٥٩)، و(٣/ ٣٥٠)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٩٦)","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>خامسًا: في قصص القرآن:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]\nقال الخطيب - ﵀ -: (فائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثُّهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بُد، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>سادسًا: في المنطوق والمفهوم:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران ٨٦ - ٨٧]\nقال الخطيب - ﵀ -: (دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم\nالمذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>سابعًا: في الخصوص والعموم:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ٩٨]\nقال الخطيب - ﵀ -: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (^٣)\nإلى غير ذلك من المباحث التي يطول حصرها، والتمثيل عليها، وتكفي الإشارة فيما مضى إلى جزء منها.\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٨٢)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٢٦٣)\n(^٣) السراج المنير (١/ ٢٧٠)","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية:</span>\nاهتم الخطيب بالاستنباط في جانب العقيدة، وأولى هذه الاستنباطات مزيد عناية وتفصيل على غيرها، فهي أكثر موضوعات الاستنباط ورودًا عنده؛ إذ تأتي في المرتبة الأولى من بين مجموع استنباطاته (^١)، ولهذا كان حظها من الدراسة بالتفصيل والرد أكثر من غيرها، خاصة فيما يستدعي التنبيه على مذهبه الأشعري المخالف لمذهب أهل السنة.\n\nويلحظ الناظر في هذه الاستنباطات إضافة إلى كثرتها، تكرارها مرارًا، فلا يكاد يمر بآية فيها ملمح عقدي، أو فائدة يمكن أن يستنبط منها رد على المخالف، إلا ونبَّه عليها مستعينًا في غالبها بنقولاته عمن سبقه من الأئمة، خاصة كبار متكلمي الأشاعرة كالرازي وغيره، فيستغل كل مناسبة لتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره.\n\nويمكن تقسيم استنباطاته في مسائل العقيدة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>القسم الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة، وهي على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>النوع الأول: تقرير مسائل على عقيدته الأشعرية:</span>\nكما هو معلوم أن عقيدة المفسر ذات تأثير كبير على تفسيره، ومن ثمَّ استنباطاته، إذ غالبًا ما ينهج كل مفسر تنزيل الآيات على ما يوافق مذهبه وعقيدته، وقد عُني الخطيب - ﵀ - بتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره عند كل مناسبة.\n_________\n(^١) بلغت استنباطاته في العقيدة (٥٢) استنباطًا، من ببن مجموع الاستنباطات.","vol":"1","page":69},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (دلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده، إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في ذلك دليل على أنّ للعبد كسبًا، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>النوع الثاني: تقرير مسائل على عقيدة أهل السنة والجماعة:</span>\nومن الأمثلة على ذلك:\n- عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وجعلت عدّة ... لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن). (^٣)\n- وعند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مكلفون، مُدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء). (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>القسم الثاني: استنباطات فيها تقرير لمسائل عقدية على مذهب أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم</span>\nوفيه تقرير أصول عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، ومناقشة مخالفيهم من أهل الفرق والضلال، بتبيين باطلهم، ورد مزاعمهم عليهم داحضة، بنصوص القرآن والسنة المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة، وتأويلاتهم الباطلة.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٧٧)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٢٦)\n(^٣) السراج المنير (١/ ٤٥)\n(^٤) السراج المنير ٢/ ٢٦٤.","vol":"1","page":70},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n- عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (^١)\n\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بيَّن باللفظ الصريح أنه خلق كثيرًا من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٨٤)\n(^٢) المرجع السابق (١/ ٦١٠)","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية</span>.\nاعتنى الخطيب - ﵀ - بالاستنباط في أصول الفقه، وتميَّز بدقة هذه الاستنباطات وقوّتها، وتأتي استنباطاته الأصولية في المرتبة الرابعة (^١) من إجمالي مجموع الاستنباطات عنده.\nومن أمثلة الاستنباطات الأصولية عند الخطيب:\n- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطًا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة) (^٢).\n- وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]\nقال الخطيب - ﵀ -: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (^٣)\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف ٢٠]\nقال الخطيب - ﵀ -: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايرًا لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات) (^٤).\n_________\n(^١) بعد الاستنباطات العقدية، والتربوية، والفقهية حيث بلغت (٢٩) استنباطًا من بين مجموع الاستنباطات.\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٤٥٥)\n(^٣) السراج المنير (٢/ ٦٤٥)\n(^٤) السراج المنير (٣/ ٧٢٣)","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية:</span>\nاستنبط الخطيب - ﵀ - كثيرًا من الأحكام في الفقه والقواعد الفقهية، مما ينُمُّ عن غزارة علمه وسعة فقهه، وقد جاءت استنباطاته الفقهية في المرتبة الثانية من حيث الاستنباطات الأكثر ورودًا عنده (^١).\n\nويمكن تقسيم استنباطاته الفقهية إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>القسم الأول: استنباطات فقهية كلية، وهي ما يعرف بالقواعد الفقهية</span>.\nومن أمثلة استنباطاته في القواعد الفقهية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>حجية سد الذرائع:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال الخطيب - ﵀ -: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلمًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلًا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (^٢)\n_________\n(^١) بلغت استنباطاته الفقهية (٤٧) استنباطًا، من ببن مجموع الاستنباطات.\n(^٢) السراج المنير ١/ ٥١٠","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الأصل في الأشياء الإباحة:</span>\n- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]\nقال الخطيب - ﵀ -: (دلّت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع\nالتجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأنّ الاستفهام في من للإنكار). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>القسم الثاني: استنباطات لمسائل فقهية فرعية متنوعة، وهذا هو الأغلب في استنباطات الخطيب الفقهية</span>.\nومن أمثلة هذه الاستنباطات:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها؛ إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ) (^٢).\n- وعند قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة) (^٣).\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٨٤.\n(^٢) السراج المنير (١/ ١٧٢)\n(^٣) المرجع السابق (٣/ ٣٢٩)","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية</span>.\nبرزت ذائقة الخطيب وظهرت جلية في تفسيره، واستنباطاته اللغوية والبلاغية، حيث برع في علوم اللغة والبلاغة وفنون المعاني، وتميز في جانب النحو والإعراب، فنجده يعتني بالقواعد اللغوية، ويُوجه ويُرجح أحيانًا، معتمدًا على حصيلته اللغوية، وإجادته للعربية.\nوتأتي استنباطاته اللغوية في المرتبة السادسة من بين مجموع الاستنباطات، وهي الاستنباطات الأقل ورودًا عنده؛ إذ بلغت ثمانية استنباطات.\nومن أمثلة الاستنباطات اللغوية عند الخطيب:\nعند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تحسينًا للكلام وتنشيطًا للسامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام فتعدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما). (^١)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)","vol":"1","page":75},{"text":"- وعند قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٣٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه يطوف به فيها ويفاخرهُ بها، وأفرد الجنة لإرادة الجنس، ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها؛ لأنه لا حظّ له في الآخرة). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]\nقال الخطيب - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ نُصب على الظرف، والإسراء سير الليل، وفائدة ذكره: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته؛ فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٤١٦).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٣٠٦)","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية</span>.\nيظهر للمتأمل في الاستنباط عند الخطيب عنايته بموضوع التربية، والسلوك، وكذلك الرِقاق التي تحمِل المرء على استشعار مراقبة الله تعالى، والحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من سفاسف الأمور، ودنيء الطباع.\nوتأتي هذه الاستنباطات التربوية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودًا عند الخطيب بعد الاستنباطات العقدية، والفقهية. (^١)\nومن أمثلة الاستنباط عند الخطيب في التربية والسلوك ما يأتي:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه). (^٢)\n- وعند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]\n_________\n(^١) حيث بلغت استنباطاته في التربية والسلوك (٣٧) استنباطًا من ببن مجموع الاستنباطات.\n(^٢) السراج المنير (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":77},{"text":"قال الخطيب - ﵀ -: (في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته، وسكونه، كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى، وكذا القول في طرف المعصية، فإنّ حركته فيها كلها سيئآت، فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت ٢٣]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن مِن حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن عليه من الله تعالى عينًا كالئة، ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا، وأوفر تحفُظًا، وتصورًا منه مع الملأ، ولا يتبسَّط في سره، مراقبةً من التشبه بهؤلاء الظانين). (^٢)\nهذا ما تيسر الإشارة إليه من هذه الموضوعات، وهناك بعض الاستنباطات العامة التي لا تندرج تحت الأقسام الآنفة الذكر، وهذا النوع كثير عند الخطيب (^٣).\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٧٤٧)\n(^٢) المرجع السابق (٣/ ٥٨٦)\n(^٣) في التأريخ والسير، والجغرافيا في الكلام عن طبيعة الأرض، وغيرها. ينظر على سبيل المثال: السراج المنير (٢/ ٥٢١)، (٢/ ٥٨٥)، (٣/ ١٣٢)، (٣/ ١٤٤)، (٤/ ٥٤٣).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الثاني:\nالاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه</span>.\nالظهور والخفاء هنا متعلق بالنص القرآني المُستنبَط منه، لا المعنى المُستنبَط إذ الأصل في المعنى المستنبَط خفاؤه.\nويمكن تقسيم الاستنباط من نصوص القرآن إلى قسمين:\n١ - الاستنباط من نص ظاهر المعنى لا حاجة لتفسيره؛ لظهوره ووضوحه، فتُغني تلاوته عن تفسيره.\n٢ - الاستنباط من نص يحتاج إلى تفسير، فلا يكون الاستنباط منه إلا بعد فهم معناه. (^١)\nقال الزركشي (^٢): (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بيِّن بنفسه بلفظٍ لا يحتاج إلى بيانٍ منه ولا من غيره وهو كثير، ... وإلى ما ليس ببيِّن بنفسه فيحتاج إلى بيان، وبيانه إما فيه في آية أخرى، أو في السنة). (^٣)\nوالاستنباط لا يختص بالآيات الظاهرة المعنى فحسب، بل يشملها كما يشمل الآيات غير الواضحة التي يمكن الاستنباط منها بعد فهم معناها. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي ص ١٠١\n(^٢) هو أبو عبدالله محمد بن عبد الله بن بهادُر الشافعي الزركشي، فقيهٌ أصوليٌ مفسرٌ أديب، له مصنفاتٌ كثيرة منها: (البرهان في علوم القرآن)، وتفسير القرآن العظيم ولم يكمله، توفي سنة ٧٩٤ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٥٨)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٥).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٨٣)\n(^٤) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٠١","vol":"1","page":79},{"text":"وفي هذا المبحث مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الأول: الاستنباط من ظاهر النص</span>.\nوهو: استخراج ما خفي من النص القرآني الظاهر المعنى.\nوالاستنباط هنا مباشر من النَّص؛ إذ المعنى المراد من الآية ظاهر لا يحتاج إلى إيضاح، وهذا ما عليه أكثر القرآن. (^١)\nومن أمثلة الاستنباط من نص ظاهر المعنى:\n- عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه). (^٢)\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]\nقال الخطيب - ﵀ -: (فيها دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويُقيم، لا الترفع على الناس، وصرف وجوههم إليه، والتبسط في البلاد). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٠٢\n(^٢) السراج المنير (١/ ٣٧٧)\n(^٣) السراج المنير ١/ ٧٤٧.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الثاني: الاستنباط من نص غير ظاهر المعنى</span>.\nوالاستنباط هنا يتوقف على الرجوع للتفسير؛ لأن النص فيه غير ظاهر المعنى، فعلى المُستنبِط معرفة معنى الآية وتفسيرها الصحيح أولًا قبل الاستنباط منها.\nقال القرطبي (^١): (فمن لم يُحكِم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثُر غلطُه، ودخل في زمرة من فسَّر القرآن بالرأي، والنقلُ والسماع لا بُدَّ له منه في ظاهر التفسير أولًا، ليتَّقِي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، .. ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر). (^٢)\nوقد يكون الاستنباط في هذا القسم صحيحًا أو غير صحيح، وذلك يعود إلى الخلاف في التفسير الذي ينبني عليه بطلان الاستنباط فيما لو ترجّح أحد المعنيين على الآخر، أو على غيره من المعاني.\nومن أمثلة الاستنباط من نص غير ظاهر المعنى:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]\n_________\n(^١) هو: أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي المالكي، مصنف التفسير المشهور، إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة اطلاعه، توفي سنة ٦٧١ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للداودي ص ٣٤٧، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢٤٦.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤).","vol":"1","page":81},{"text":"قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ أي: قلبها الذي زاد احتراقه شوقًا وخوفًا وحزنًا، وهذا يدل على أنها ألقته ليلًا). (^١)\nوللمفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلًا فأصبح فؤادها فارغًا في النهار. والثاني: أنها ألقته نهارًا، ومعنى أصبح: أي صار.\nوالأظهر أن لفظ «أصبح» بمعنى: صار، كما عليه عموم المفسرين، وهو الأغلب في استعماله. (^٢)\n- عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]\nقال الخطيب - ﵀ -: (وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غيّاه بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾). (^٣)\nوفي معنى هذه الآية خلاف بين المفسرين، فحمل بعضهم الآية على ظاهرها وقال المراد: إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدوا الماء فتيمموا، فمُنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وقال آخرون: بل المراد من الصلاة: مواضع الصلاة وهي المساجد، كقوله تعالى: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، وعليه فلا يقيم.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٣٢)\n(^٢) ينظر الاستنباط رقم: ١٦٧.\n(^٣) السراج المنير (١/ ٣٣٢)","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثالث:\nالاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب</span>.\nينقسم الاستنباط من حيث إفراد النص أو تركيبه إلى قسمين:\nالأول: الاستنباط من نص واحد.\nالثاني: الاستنباط بالربط بين نصَّين أو أكثر، وهو ما يمكن تسميته بدلالة التركيب. (^١)\nقال الزركشي عند تقسيمه لآيات الأحكام: (والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط. ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى، ... والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى) (^٢)\n\nوفي هذا المبحث مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المطلب الأول: الاستنباط من الآية الواحدة</span>.\nوغالب الاستنباط عند الخطيب هو من هذا القسم، وأكثر ما سبق من الأمثلة يصلح أن يكون مثالًا عليه؛ لذا سأقتصر على مثال واحدٍ له.\nومن أمثلته:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج ٧٨].\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٢٤\n(^٢) البرهان في علوم القرآن (٢/ ٤).\n(^٣) السراج المنير (٢/ ٦٢٨)","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الثاني: الاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر</span>.\nوهو ما يسمى بدلالة التركيب أو الجمع بين الآيات، وهذا النوع من الاستنباط من أدقَّ أنواع الاستنباط وألطفه.\nقال ابن القيّم بعد أن ذكر دلالة الإفراد: (أو بدلالة التركيب، وهو ضم نصٍ إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح). (^١)\nوالاستنباط بدلالة التركيب هو الأقل ورودًا عند الخطيب - ﵀ - من بين مجموع الاستنباطات.\nومن الأمثلة على الاستنباط بدلالة التركيب عند الخطيب:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرًا، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٢٧٣)","vol":"1","page":84},{"text":"يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر). (^١)\n\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنّ الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٢١)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٥١)","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الثاني:\nدلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره</span>.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص.\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم.\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص.","vol":"1","page":86},{"text":"الفصل الثاني:\nدلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\n\nالمقصود بالدلالة في هذا المبحث هو: كون الشيء بحالة يلزم من العِلم به، العِلم بشيء آخر. (^١)\nأما طريق الاستنباط فهو أعم من الدلالة إذ يشمل الدلالة كما يشمل غيرها من قواعد الاستنباط وأوجهه المختلفة.\nوالذي يعنينا في مقام الاستنباط من القرآن هو الدلالات الخفية، كما تقدَّم في تعريف الاستنباط.\nولا تخفى أهمية معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط؛ إذ الجهل بهذه الطرق قد يؤدي إلى سلوك طرق غير صحيحة في الاستنباط، مما يترتب عليه الخطأ فيما يستنبط من معاني (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: التعريفات للجرجاني ص ١٠٤، والكليات لأبي البقاء الكفوي ص ٤٣٩.\n(^٢) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٢٣٨.\n(^٣) قال الشاطبي: (كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها، لا بد له من تكلف في الاستدلال بأدلتها على خصوصات مسائلهم، وإلا كذب اطراحها دعواهم - إلى أن قال-: إلا أن هؤلاء - كما يتبين بعد - لم يبلغوا الناظرين فيها بإطلاق. إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها. وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعًا فبالحري أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من المحققين للأمرين). مختصر كتاب الاعتصام لعلوي بن عبد القادر السَّقَّاف (١/ ٦١)","vol":"1","page":87},{"text":"وفيه ستة مباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول:\nالاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)</span>.\nدلالة النص (مفهوم الموافقة) هي: ما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا ولا استنباطًا. (^١)\nومحل الاستنباط هنا بالنظر إلى مقصد الشارع المعلوم باللغة. (^٢)\nويمكن تعريفها بمعنى آخر وهو: أن يكون المسكوت عنه موافقًا للمنطوق به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويًا فيسمى لحن الخطاب. (^٣)\nقال الزركشي عن هذه الدلالة: (اعلم أن هذا النوع البديع يُنظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف، فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما، ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب ولو لم يُفهم المعنى لا يلزم ذلك). (^٤)\nوتُسمى أيضًا بدلالة الدلالة؛ لأن الحُكم المُستنبَط يؤخذ من معنى النصّ لا من لفظه. وهذه التسمية (دلالة النص) هي للحنفية، وتُسمى عند غيرهم (مفهوم الموافقة)، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي (١/ ١٨٤)، وأصول السرخسي (١/ ٢٤١)\n(^٢) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٣٠٦\n(^٣) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ٢٧٦)، والمحصول للرازي (٣/ ١٣)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، ونهاية السول للأسنوي (١/ ٣٠٧)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٣٧، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٢٢٢)\n(^٤) البرهان في علوم القرآن (٢/ ٢١)\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٦٦)، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ١٨)","vol":"1","page":88},{"text":"ومن أمثلة دلالة النص (مفهوم الموافقة) عند الخطيب:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]\nقال الخطيب - ﵀ -: (فيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذِكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطًا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضًا منها فيها، فتعين كونها شرطًا لصحة الاعتكاف). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]\nقال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ إذا تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل: بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجبًا). (^٢)\n- وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، فالضمير يعود على المضاف إليه؛ لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿مَيْتَةً﴾، وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى). (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٤١)\n(^٢) السراج المنير (١/ ١٥١)\n(^٣) السراج المنير (١/ ٥٢٤).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني:\nالاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة)</span>.\nتُعرف دلالة المفهوم في الاصطلاح بأنها: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه. (^١)\nومعنى ذلك: أن يُعطى المسكوت عنه عكس ما أُعطي المذكور.\nوسمي مفهوم مخالفة: للمخالفة بين الحكم المذكور وغير المذكور. (^٢)\nويسمى: دليل الخطاب، وتنبيه الخطاب، لأن الخطاب هو الذي دلَّ عليه بواسطة انتفاء القيد من الوصفية أو الشرطية أو غيرها. (^٣)\nومفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء بجميع أقسامه (^٤)، ويستثنى منها مفهوم اللقب؛ إذ التحقيق عدم الاحتجاج به. (^٥)\nومن أمثلة دلالة مفهوم المخالفة عند الخطيب:\n- عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ٥]\n_________\n(^١) ينظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي (١/ ٥٣)\n(^٢) ينظر: موازنة بين دلالة النص والقياس للصاعدي ص ٢٦٦.\n(^٣) ينظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٨٩)، وأصول الفقه الإسلامي لشلبي ص ٤٩٥،\n(^٤) ينظر البرهان في أصول الفقه للجويني ١/ ١٦٦، وروضة الناظر لابن قدامة ٢/ ١١٤، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٧.\n(^٥) قال ابن قدامة في مفهوم اللقب: (وأنكره الأكثرون وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس) روضة الناظر (٢/ ٧٧٦)","vol":"1","page":90},{"text":"قال الخطيب - ﵀ -: (في هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله؛ لأنه إن كان جاحدًا لوجوبهما فهو مرتدّ، وإلا قتل بترك الصلاة وأخذت منه الزكاة قهرًا وقوتل على ذلك). (^١)\n\n- وعند قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر ٤٨]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]\nوهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٧٥)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٤٨٦)","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث:\nالاستنباط بدلالة الالتزام</span>.\nدلالة الالتزام هي: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود، فكأنَّه مقصود بالتبع لا بالأصل. (^١)\nفهذه الدلالة تدل على المعنى المقصود من جهة اللزوم العقلي، إذ لابد من تلازم عقلي بين المعنى المُستنبَط وبين النّص، فإذا لم يوجد هذا التلازم فلا يصح كون المعنى مستنبَطًا بهذه الدلالة (^٢).\nودلالة الإشارة، والتنبيه، والإيماء، كلها داخلة في دلالة الالتزام، وهي الدلالة الأغلب في الاستنباط عند الخطيب.\n\nومن أمثلة دلالة الالتزام:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود ٦٠]\nقال الخطيب - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد، وفائدته تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود). (^٣)\n\n- وعند قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٧١)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص، ٤٠٣، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص ٣٨٠.\n(^٢) كما هو الحال في كثير من استنباطات الصوفية أو ما يسمى بالتفسير الإشاري. ينظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ٢٩٩\n(^٣) السراج المنير (٢/ ٧٣)","vol":"1","page":92},{"text":"قال الخطيب - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في ذلك ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة، وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصًا أو مشوبًا، ففيه مزيد حث على الإخلاص). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع:\nالاستنباط بدلالة التضمن</span>.\nتُعرف دلالة التضمن بأنها: دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له. (^٣)\nوقد بين بعض علماء الأصول أن دلالة التضمن تكون لفظية، بخلاف دلالة الالتزام فإنها تكون عقلية، وقد سميت دلالة التضمن بذلك لتضمن المعنى لجزء المدلول. (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ١٤٢).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٦٦٧).\n(^٣) روضة الناظر (١/ ٥٦)، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص ١٣٧.\n(^٤) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":93},{"text":"وهي الدلالة الأقل ورودًا عند الخطيب بل هي نادرة، فلم أقف إلا على مثال واحد لها.\n\nومن أمثلة هذه الدلالة:\nعند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة لسارة ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: بيت إبراهيم، وأهل منصوب على المدح أو النداء، .. ثم قال: وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته). (^١)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٧٧)","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الخامس:\nالاستنباط بدلالة الاقتران</span>.\nدلالة الاقتران:\nهي الاستدلال بالجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد على اتحاد حكمهما. (^١)\nوهذه الدلالة قليلة الورود عند الخطيب في تفسيره.\nومن أمثلة هذه الدلالة:\nعند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٢٥]\nقال الخطيب - ﵀ -: (وعطف ﷾ العمل على الإيمان مرتبًا للحكم عليهما إشعارًا بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأس لا بناء عليه، ولذلك قلَّما ذكرا مفردين، وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان؛ إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه). (^٢)\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: دلالة الاقتران وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية لليوبي ص ٨\n(^٢) السراج المنير ١/ ٤٦.\n(^٣) المرجع السابق (١/ ١٤٧)","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث السادس:\nالاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص</span>. (^١)\nوهي ما يُسمَّيها ابن القيّم دلالة التركيب.\nقال - ﵀ -: (أو بدلالة التركيب، وهو ضم نصٍ إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح). (^٢)\nوقال: (وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍ آخر، مُتعلِقٍ به فيُفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا ينتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقه به.) (^٣)\nوهذا المنهج في الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص تعلَّمه الصحابة من رسول الله ﷺ. (^٤)\nومن أمثلة الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص:\nعند قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرًا، وقال تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ\n_________\n(^١) جعل بعض الأصوليين هذه الدلالة داخلة في دلالة الإشارة. ينظر: أصول السرخسي (١/ ٢٣٧)، والإحكام للآمدي (٣/ ٦٥)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٧٦)\n(^٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٢٧٣)\n(^٣) المرجع السابق (١/ ٢٦٧)\n(^٤) كما أشكل على عمر بن الخطاب، وأهمه من أمر الكلالة، فراجع رسول الله ﷺ في ذلك فقال له: تكفيك آية الصيف، التي نزلت في آخر سورة النساء، يعني قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وهذا ما فهمه الصدِّيق وخفي على عمر - ﵄ - حتى دلَّه رسول الله وهداه إلى الجمع بين النصوص والاستنباط منها. ينظر: سبل الاستنباط من الكتاب والسنة ص ١٩٠.","vol":"1","page":96},{"text":"يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر). (^١)\n- وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب؛ لأنه لو لم يَذكُر هذا الاستثناء، وادَّعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين، وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم، وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه من القبائح كذب وافتراء). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٢١)\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٥١٢)","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الفصل الثالث:\nأساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.\nالمبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الأول:\nأساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره</span>.\nوأعني بالأسلوب: النمط والطريقة التي اعتمدها الخطيب في غالب استنباطاته.\nوقد نهج الخطيب في استنباطاته عدة أساليب، منها:\n- بيان معنى الآية أولًا، ثم الاستنباط ثانيًا، مما يسهل للقارئ ويعينه على فهم الاستنباط مباشرة.\n- التنوع في صيغ الاستنباط: فقد ذكر الخطيب مجموعة من الصيغ التي توحي بأن ما يعقبها استنباطًا، ومن تلك الصيغ:\nقوله: (وفي الآية، أو في هذه الآية دليل) (^١)، (وخصَّ بالذكر، أو: وخصَّها بالذكر) (^٢) وغالب ذلك في مناسبات الألفاظ، و(ظاهر الآية يدلّ) (^٣)، و(استدَّل بهذه الآية) (^٤)، و(دلّت هذه الآية الكريمة) (^٥)، و(وفي هذه الآية دلالة) (^٦)، و(في الآية إشارة) (^٧)، و(في الآية إيماء) (^٨)، (وفي الآية تنبيه) (^٩)، وكثيرًا ما يشير إلى الاستنباط بقوله: (تنبيه) (^١٠)، ثم يذكره، وأحيانًا يورد الصيغة\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (٣٢)، (٣٦)، (٤٠)، (٥٨)، (٦١)، (٨٢)، (٩٥)، (١٦٠)، (١٧٤)، (١٩٩).\n(^٢) ينظر الاستنباط رقم: (١)، (٣٥)\n(^٣) ينظر الاستنباط رقم: (٣٨)\n(^٤) ينظر الاستنباط رقم: (٥٣)\n(^٥) ينظر الاستنباط رقم: (٢٤)، (٥١)، (٨٨)، (١٠٧)، (١٤٨)، (١٧٧)، (١٩٤)، (٢٠٢)، (٢٠٤)، (٢٠٦).\n(^٦) ينظر الاستنباط رقم: (١٧)، (٤٤)، (٦٠)، (٨٣)، (١١٠)، (١١٩)، (١٢٠)، (١٢٧)، (١٥١).\n(^٧) ينظر الاستنباط رقم: (٢٦)، (٦٦)، (١٠١)، (١٠٨)، (١١٤)، (١٢٣)، (١٢٦)، (١٤٣)، (١٥٥)، (١٧٨)\n(^٨) ينظر الاستنباط رقم: (٧٠)، (٩٩)، (١١٧)، (١٢١)، (١٥٨)، (٢٢٧).\n(^٩) ينظر الاستنباط رقم: (٢٠)، (٢٧)، (٥٦)، (٦٨)، (٨٤)، (١٠٠)، (١٥٩)، (١٦٥)، (١٨٦)، (١٩٣).\n(^١٠) ينظر الاستنباط رقم: (٥١)، (٩٣)، (١٠٧)، (١١١)، (١٣١)، (١٤٠)، (١٧١)، (١٧٩)، (١٨١)، (١٨٤).","vol":"1","page":99},{"text":"مؤكدة كقوله: (وفي هذا دليل وأي دليل، وهذا أدل دليل) (^١)، إلى غير ذلك من الصيغ، وقد يذكر الاستنباط مباشرة من دون ذكر هذه الصيغ.\n- سلك الخطيب في استنباطاته مسلكين، هما:\nمسلك العرض، وهو الأكثر في استنباطاته وذلك بعرض الاستنباط فقط مع بيان وجهه في الأغلب.\nومسلك الرد، وهو أقل من الأول، وأكثر ما يكون في الاستنباطات العقدية والفقهية، وذلك بالرد على القول المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، أو منتصرًا لعقيدة الأشاعرة، إذا كان الاستنباط في العقيدة، أو لمذهبه الشافعي، مؤيدً له إذا كان استنباطًا فقهيًا وكان الصواب في المسألة حليف الشافعي.\n- كثيرًا ما يطرح الخطيب الاستنباط على طريقة السؤال والجواب كقوله ﵀: (فإن قيل: ... أجيب:) (^٢) وهذا مما يعين على ترسيخ المعنى المستنبط لدى القارئ، وجمع ذهنه وأفكاره.\n- قد يستنبط الخطيب من الآية الواحدة استنباطين أو أكثر. وهذا كثير الورود عنده.\n- تكرار الاستنباط للتأكيد. ويظهر ذلك للمتتبِع لاستنباطاته، إذ كثيرًا ما يكرر المعنى المُستنبَط في مواضع مختلفة في كثير من الآيات، وذلك بغرض تأكيد هذا المعنى المُستنبَط وتقريره، ويتجلى ذلك واضحًا في استنباطاته العقدية أكثر من غيرها.\n- لا يُصرِّح الخطيب غالبًا بنوع الدلالة التي يستنبِط بها، كما هو ظاهر في كثير من استنباطاته.\n- كثيرًا ما يستفتح استنباطاته بقوله: تنبيه، ثم يذكر الاستنباط، ويبين وجهه في الغالب.\n- قد يسمي الاستنباط فائدة، فيقول: في الآية فائدة، أوفوائد ثم يُّسمِّيها (^٣). وأكثراستنباطاته يذكرها دون النصِّ على كونها من الفوائد.\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (٥٠)، (٢٣٤).\n(^٢) ينظر الاستنباط رقم: (٢)، (٤)، (٤٨)، (٦٦)، (٧٥)، (٨٠)، (٩٢)، (١٠١)، (١٣٤)، (١٥٣)، (١٩٢).\n(^٣) ينظر الاستنباط رقم: (٩)، (١٥)، (٤٢)، (٦٢)، (٧٦)، (١٠١)، (١١٩)، (١٣٤)، (١٤٩)، (١٥٤)، (١٧٠)، (١٩٢).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الثاني:\nمميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره</span>.\nتميَّز الاستنباط عند الخطيب الشربيني، واتَّسَم بما يأتي:\nأولًا: وضوحه وسهولة عبارته، ويظهر ذلك في أكثراستنباطاته، فلا يتكلف العبارة، أو يتشدَّق بغريب الكلام، بل يستنبط الحُكم أو المعنى والفائدة بعبارة سهلة واضحة، تصل إلى فهم القارئ مباشرة دون أدنى كُلفة.\nثانيًا: دِقَّة ملحظِه، فقد امتاز الاستنباط عند الخطيب بدِقَّة الملحظ، ولطافة المأخذ في مواضع كثيرة، فنجده يقع على لطائف من الاستنباط ونُكات قلَّ أن يُنبِّه عليها غيره، لدقّتها وقوة ملحظها.\nثالثًا: الإيجاز فيه وعدم الإطناب، حيث جاءت استنباطات الخطيب في أكثر أحوالها موجزة اللفظ مختصرة، تفي بالغرض من بيان المعنى المُستنبَط ووجهه، بلا إطالة وتفصيل، إلا فيما دعت الحاجة إليه، من بيان للحكم أو استدلال عليه، أو إيضاح لما قد يدِقُّ ويخفى ملحظه على عامة من قرأه.\nرابعًا: قوته ووجاهته. تميَّز الخطيب بقوة الاستنباط ووجاهته في أكثر استنباطاته، ولاغرو فالخطيب - كما تقدم - فقيه مفسر نحوي، اجتمعت فيه مصادر قوة قلَّ أن تجتمع في غيره، وقد أثَّر ذلك في اختياراته، كما أنه قد اعتمد على تفاسير من سبقه، ممن كانت لهم عناية خاصة بهذا الجانب، فجاءت استنباطاته قوية الدلالة، مُذيلة بالتوجيه في أكثرها.\nخامسًا: عنايته الخاصة بالاستنباطات العقدية، فقد اعتنى الخطيب بالاستنباطات في العقيدة، وأولاها الكثير من التحرير والتدليل، سواء ما وافق فيه أهل السنة والجماعة، أو ما كان منها على مذهب الأشاعرة، مما قد يجعله مصدرًا من مصادر","vol":"1","page":101},{"text":"عقيدتهم في التفسير، وهذه وإن لم تكن بطبيعة الحال مِيزة إلا أنها سِمة من سِمات تفسيره.\nسادسًا: توظيفه علوم اللغة في الاستنباط، فالخطيب -كما تقدم - إمام في العربية، ولذا نجده كثيرًا ما يحتكم إلى لغة العرب وقواعدها أثناء الاستنباط.\nسابعًا: توظيفه السياق القرآني في الاستنباط، فأحيانًا يقول: (وظاهر الآية يدلّ على كذا)، ولا شك أن إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده، أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له كما هي القاعدة المعروفة في ذلك (^١)، وكثيرًا ما يستنبط مناسبات الألفاظ، وأسرار التقديم والتأخير، بدلالة السياق.\nثامنًا: شمولية استنباطاته لكثير من الفنون والموضوعات، في العقيدة، واللغة، وعلوم القرآن وبلاغته، وإعجازه، والفقه وأصوله، والتربية والأخلاق والسلوك، وغيرها. (^٢)\nتاسعًا: التنوع في طرق الاستنباط، فقد يستنبط أحيانًا بدلالة مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو بدلالة الاقتران أو دلالة الالتزام - وهي الغالبة على استنباطاته- أو غيرها من الدلالات.\nعاشرًا: عدم تعصبه في اختياراته واستنباطاته لمذهبه الفقهي الشافعي رغم ميله له، أو لأي مذهب من المذاهب الفقهية الأخرى بل يحتكِّم إلى الدليل.\nالحادي عشر: تفرد الخطيب وسبقه لبعض الاستنباطات، فقد وقفت له على بعض الاستنباطات التي لم أجدها عند غيره. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (٨/ ٥٤)، وقواعد الترجيح عند المفسرين لحسين الحربي (١/ ١٢٥)\n(^٢) ينظر: الباب الأول - الفصل الأول - من هذه الرسالة.\n(^٣) ينظر الاستنباط رقم: (١٠٢)، (١٦٠)، (١٧١).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الرابع:\nمصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني:</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالبًا.\nالمبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلًا أو نادرًا.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>تمهيد:</span>\nاعتمد الخطيب - ﵀ - في تفسيره على تفاسير من سبقه من المفسرين، وكان لها أثر مباشر على الاستنباط عنده؛ إذ جاءت أكثراستنباطاته نقلًا عن هذه التفاسير، وإن انفرد ببعض الاستنباطات إلا أنها قليلة جدًا مقارنةً بالمنقول عن غيره.\nوقد صَّرح الخطيب بذلك في مقدمة تفسيره فقال: (وقد تلقّيت التفسير بحمد الله من تفاسير متعدّدة رواية ودراية، عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، واشتهرت وانتشرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم والمسلمين في مستقر رحمته بمحمد وآله وصحابته). (^١)\nكما أشار إلى ذلك في خاتمة تفسيره بقوله: (فدونك تفسيرًا كأنه سبيكة عسجد، أو درٌ مُنضَّد، جمع من التفاسير معظمها) (^٢)\n\nوتجدر الإشارة إلى أن نسبة هذه الاستنباطات إلى غير الخطيب نسبة إنشاء، لا تنفي جواز نسبتها إليه نسبة تأييد وموافقة، فهي بهذا الاعتبار تصلح أن تُعدَّ استنباطاتٍ له.\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٦١٨)","vol":"1","page":104},{"text":"وفيما يأتي بيان هذه المصادر وفق اعتماده عليها وتأثره بها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الأول:\nالمصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالبًا</span>.\nوأعني بالمصدر الأصلي أي: الأوّلي والأساسي في نقله وتحريره، وهي المصادر التي اعتمد عليها كثيرًا في نقولاته في الاستنباط.\nوممن يُعدُّ مصدرًا أصليًا للاستنباط عند الخطيب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>أولًا: الرازي:</span>\nاعتمد الخطيب في أكثر استنباطاته على التفسير الكبير للرازي كمصدر رئيس في الفوائد واللطائف، ويمكن تصنيفه أول الكتب في هذا المقام، إذ بلغت مجموع الاستنباطات المستفادة من هذا التفسير أكثرمن نصف استنباطات الخطيب.\nولا يخفى اهتمام الرازي بهذا الجانب، وعنايته بكل ما يتعلق بالآية من دقائق المسائل ولطيفها، والتي أَولاها جُلَّ اهتمامه وتحريره واستدلاله.\nوقد يُصرِّح الخطيب بالاستفادة من الرازي والنقل عنه، فينُصُّ على اسمه (^١) وكثيرًا لا يُصرِّح (^٢)، وغالبًا ما ينقُل عنه الاستنباط كاملًا بنصِّه دون حذف من كلامه، أو زيادة عليه.\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٢/ ٢٥٣) الاستنباط رقم: (١٣٣)، و(٣/ ٣١٩) الاستنباط رقم: (١٤٠)، و(٢/ ٤٥٧) الاستنباط رقم: (١٥١).\n(^٢) ينظر: السراج المنير (١/ ٨٣). الاستنباط رقم: ٢٣، و(١/ ١٠٢) الاستنباط رقم: ٢٧، و(١/ ٢١٨) الاستنباط رقم: ٤٧، و(٢/ ١٣٦) الاستنباط رقم: ١٢٣، و(٢/ ١٩٢) الاستنباط رقم: ١٢٩، (٣/ ٣٥٤) الاستنباط رقم: ١٩١، و(٣/ ٥١٢) الاستنباط رقم: ١٨٨، و(٣/ ٥٧٧) الاستنباط رقم: ١٩٤.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>ثانيًا: البيضاوي:</span>\nيُعدُّ تفسير أنوار التنزيل للبيضاوي ثاني أهم المصادر التي اعتمد عليها الخطيب في استنباطاته، فقد استفاد الخطيب من هذا التفسير كثيرًا (^١)، وحافظ على عبارة البيضاوي في النقل عنه في غالب استنباطاته، وأحيانًا يُصرِّح باسمه، وكثيرًا لا يُصرِّح، بل يستقي عبارته ويستفيد منها بأسلوبٍ لطيف يوحي وكأنه من أسلوب الخطيب لتشابه وتقارب عبارتيهما، ويظهر أثر هذه الاستفادة ملحوظًا في النصف الأول من القرآن أكثر من غيره، كما سيتبين قريبًا بمشيئة الله خلال الدراسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>ثالثًا: الزمخشري:</span>\nاستفاد الخطيب من تفسير الكشاف للزمخشري في كثير من الآيات، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والبلاغي في الاستنباط والتفسير، لما تميَّز به هذا التفسير ومُؤلِفه من تمكُّنٍ لغوي وبلاغي فاق به غيره، منبِّهًا على ما فيه من دسائس الاعتزال فيما يتعلَّق بجانب العقيدة من الآيات، مُعقبًا عليه بالرد والاستدلال في مواضع ليست بالقليلة (^٢).\n_________\n(^١) إذ بلغت مجموع الاستنباطات المستفادة من هذا التفسير ما يقارب ثلث استنباطات الخطيب. ينظر السراج المنير (١/ ٣٧) الاستنباط رقم ٦، و(١/ ٤٥) الاستنباط رقم ٩، و(١/ ٦١) الاستنباط رقم ١٧، و(١/ ٢٦٣) الاستنباط رقم ٥١، و(٢/ ٢٤٢) الاستنباط رقم: ١٤٩، و(٤/ ٥٤٨) الاستنباط رقم: ٢٢٧، وصرَّح باسمه في: (١/ ٢١٥) الاستنباط رقم: ٤٦، و(٤/ ٢٨٢) الاستنباط رقم: ٢١٧، وغيرها.\n(^٢) ينظر تعقبه الزمخشري في: السراج المنير (١/ ٥٨٦) الاستنباط رقم: ٩٤، وغيره، وينظراستفادة الخطيب من الزمخشري في: السراج المنير (١/ ١٠) الاستنباط رقم: ٤، و(١/ ٤٢٥) الاستنباط رقم: ٦٧، و(٢/ ٤١٦) الاستنباط رقم: ١٤٦، و(٣/ ١٣٨) الاستنباط رقم: ١٦٨، و(٣/ ٣٢١) الاستنباط رقم: ١٧٤.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>رابعًا: القرطبي:</span>\nاستفاد الخطيب من تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي في استنباط آيات الأحكام، فنقل عنه بعض الأحكام الفقهية، وبعض الفوائد. (^١)\nوالقرطبي كما لا يخفى مفسر، فقيه مالكي، متمكن، له دقائق لطيفة في الاستنباط الفقهي تميز بها عن غيره، ولهذا كانت استفادة الخطيب منه أكثر من غيره من كتب تفاسير آيات الأحكام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>خامسًا: البغوي:</span>\nاعتمد الخطيب على تفسير معالم التنزيل للبغوي كمصدر أوّلي فيما يتعلق بجانب التفسير بالمأثور (^٣)، وظهرت عنايته الواضحة بهذا التفسير، وتمييزه له عن غيره، وإن كانت المواضع المستفادة منه ليست بالكثيرة مقارنة بغيره ممن سبق، إلا أنه في جانب التفسير بالمأثور يعد من أكبر المصادر المعتمدة عند الخطيب كما سيظهر ذلك خلال الدراسة.\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٤/ ١٧٠) والاستنباط رقم: ٢٠٩، و(٤/ ١٧٧) الاستنباط رقم ٢١١، و(٤/ ٦٣٧) الاستنباط رقم: ٢٣٠، و(٤/ ٢٦١) الاستنباط رقم: ٢١٥.\n(^٢) نقل الخطيب بعض الفوائد في استنباط آيات الأحكام عن الجصاص وابن العربي، والكيا الهراسي، وابن الفرس، وغيرهم، إلا أنها قليلة مقارنة بما نقله عن القرطبي.\n(^٣) ينظر: السراج المنير (١/ ٥٤٤) والاستنباط رقم: ٨٦، و(٣/ ٣٢١) والاستنباط رقم: ١٧٣، و(٤/ ٥١) والاستنباط رقم: ٢٠٦.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثاني:\nالمصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلًا أو نادرًا</span>. (^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أولا: الخازن </span>(^٢)\nتأثر الخطيب بتفسير لباب التأويل للخازن، فنقل عنه بعض النقولات (^٣)، والتي غالبًا ما تكون نقلًا عن الرازي في تفسيره، لكنه يستفيد من الخازن في تلخيص كلام الرازي وتحريره، فينقل عن الخازن نصَّ كلامه، وإن كان الاستنباط في أصله للرازي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ثانيًا: أبو حيان </span>(^٤):\nيعدُ تفسير البحر المحيط لأبي حيان أحد المصادرالفرعية المعتبرة عند الخطيب في استنباطاته، يستفيد منه بين الفينة والأخرى (^٥)، خاصة فيما يتعلق بالجانب اللغوي والنحوي في بعض الاستنباطات، ولا يخفى ما لأبي حيان من باع طويل في هذا الفن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>ثالثًا: ابن عادل الحنبلي </span>(^٦):\nاستفاد الخطيب من تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل في مواضع محدودة من استنباطاته، وأورد في ثنايا تفسيره استنباطات لطيفة دقيقة نقلها عنه (^٧). خاصة ما يتصل بجانب اللغة ومرسوم الخط، لكنها تُعدُّ قليلة مقارنة بغيره من الكتب والتفاسير، مما يمكن تصنيفه كمرجع ثانوي غير أساسي من مصادر الاستنباط عند الخطيب.\n_________\n(^١) مرتبة حسب تسلسل الوفيات\n(^٢) هو علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن خليل، أبو الحسن، المفسر، الفقيه، المحدث، المؤرخ، اشتهر بالخازن فقد كان خازن كتب خانقاه، بجوار المسجد الأموي، شافعي المذهب، له تفسير لباب التأويل، وشرح العمدة، في الفقه وأصوله، توفي وهي سنة (٧٤١ هـ) ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٤٢)، والدرر الكامنة (٤/ ١١٥، ١١٦)\n(^٣) ينظر: السراج المنير (٢/ ١٤٢) والاستنباط رقم: ١٢٤، و(٢/ ٢٠٦) الاستنباط رقم: ١٣٠، و(٤/ ٤٧٩) الاستنباط رقم: ٢٢٤.\n(^٤) هو محمد بن يوسف بن علي بن حيان، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الجياني الغرناطي، المقريء النحوي، برع في العربية والتفسير والفقه، والحديث والتراجم والقراءات، وكان كثير النظم من الأشعار والموشحات، توفي سنة ٧٥٤ هـ. ينظر: معرفة القراء الكبار للذهبي (٣/ ١٤٧١)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٣٠٢).\n(^٥) ينظر: السراج المنير (١/ ١٠) الاستنباط رقم: ٤، و(١/ ٤٤٦) الاستنباط رقم: ٧٥، و(١/ ٤٧٣) الاستنباط رقم: ٧٦، و(١/ ٦٢٦) الاستنباط رقم: ٩٨، و(٢/ ٢١٧) الاستنباط رقم: ١٣٢.\n(^٦) هو عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقيّ، أبو حفص، سراج الدين، صاحب التفسير الكبير (اللباب في علوم الكتاب)، له حاشية على المحرر في الفقه الحنبلي، توفي بعد سنة ٨٨٠ هـ. ينظر: الأعلام للزركلي (٥/ ٥٨)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٦٨).\n(^٧) ينظر: السراج المنير (٤/ ٦٨٩) والاستنباط رقم: ٢٣٤، و(٣/ ٨١) الاستنباط رقم، و(٣/ ٧٠٨) الاستنباط رقم: ٢٠١.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>رابعًا: البقاعي </span>(^١)\nاعتمد الخطيب في استنباطاته على نظم الدرر في تناسب الآي والسور، واستفاد منه في بعض المواضع (^٢)، خاصة فيما يتعلق بمناسبة الآيات والألفاظ، وأسرار التقديم والتأخير، وبعض الإشارات الدقيقة، واللطائف.\nهذا والمتتبع لتفسير الخطيب﵀ - واستنباطاته يقف على مصادر أخرى غيرها، ولا شك أن كثرة مصادر الخطيب في استنباطاته تبين مدى الجهد الذي بذله في جمع هذا التفسير وإخراجه، مما يدلُّ على سعة اطلاعه، واجتهاده ﵀.\n\nكما تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس مجرد ناقل وملخص بل هو ناقد مدقق، وكان هذا واضحًا في موقفه من الأقوال والآراء التي أخذها عن مصادره المختلفة، حيث ظهرت براعته في عرض الآراء ونقدها، فرحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة والأجر.\n_________\n(^١) أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي مؤرخ أديب. له: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور، والقول المفيد في أصول التجويد، وغيرها. وتوفي سنة ٨٨٥ هـ. ينظر: الأعلام (١/ ٥٦)، والضوء اللامع (١/ ١٠١)\n(^٢) ينظر: السراج المنير (١/ ١٨٠) الاستنباط رقم: ٤٥، و(١/ ٣٨٤) الاستنباط رقم: ٦٠، و(٣/ ١٩٨) الاستنباط رقم: ١٧٠، و(٤/ ٢٩٤) الاستنباط رقم: ٢١٨، و(٤/ ٧٠٨) الاستنباط رقم: ٢٣٥.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الباب الثاني:\n\nجمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني\nفي تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس</span>.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>سورة الفاتحة</span>\nتخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر دون غيره لظهور ملكه وانقطاع أملاك الآخرين.\nقال الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (ويوم الدين يوم الجزاء ومنه قولهم: كما تدين تدان، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر: لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تخصيص ملكه تعالى ليوم الدين دون سائر ملكه، مع عظمة أملاكه سبحانه وكثرتها؛ وذلك لأنه لا ملك ظاهر لأحد في ذلك اليوم إلا له سبحانه، إذ في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، فلذلك خصّه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام. (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: ابن جرير\nالطبري، والزجاج، والسمرقندي (^٣)، والواحدي (^٤)،\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٣٩)\n(^٣) هو: نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، أبو الليث، فقيه له تصانيف مشهورة منها: (تفسير القرآن)، و(النوازل في الفقه)، و(تنبيه الغافلين) وغيرها، توفي سنة ٣٩٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٢٢)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٩١.\n(^٤) هو: علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الواحدي النيسابوري، كان واحد عصره في التفسير وصنف التفاسير الثلاثة (البسيط) و(الوسيط) و(الوجيز)، وصنف (أسباب النزول) (والإعراب عن الإعراب) وغيرها من المصنفات، توفي سنة ٤٦٨ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٧٨، وطبقات المفسرين للأدنه وي، ص ١٢٧.","vol":"1","page":111},{"text":"والسمعاني (^١)، وابن الجوزي (^٢)، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، وإسماعيل حقي (^٣)، وغيرهم. (^٤)\nقال البغوي مؤيدًا هذا الاستنباط: (خصَّ يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها؛ لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له.) (^٥)\n_________\n(^١) هو أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي، السمعاني، المروزي، الحنفي كان، ثم الشافعي. العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية، وحيد عصره في وقته فضلًا وطريقة، وزهدًا وورعًا، من بيت العلم والزهد، تفقه بأبيه، صنف كتاب (الاصطلام)، وكتاب (البرهان)، وله (الأمالي) في الحديث. توفي سنة ٤٨٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ١١٢)\n(^٢) هو عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن الجوزي الحنبلي، أبو الفرج جمال الدين الحافظ، كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث والوعظ، وصنف في فنون عديدة، ومن تصانيفه: (زاد المسير) و(نواسخ القرآن) و(الموضوعات) في الحديث وغيرها، توفي سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، وطبقات المفسرين للداودي ص ١٩١.\n(^٣) هو أبو الفداء إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلوتي، صوفي، مفسر، تركي الأصل، ومستعرب، سكن القسطنطينية، وانتقل إلى بروسة، وكان من أتباع الطريقة (الخلوتية) فنفي إلى تكفور طاغ، وأوذي، وعاد إلى بروسة فمات فيها عام ١١٢٧ هـ، له كتب عربية وتركية، فمن العربية: روح البيان في تفسير القرآن، ويعرف بتفسير حقي، والرسالة الخليلية، والأربعون حديثًا. ينظر: الأعلام (١/ ٣١٣)\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ٩٤)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٧)، وتفسير القرآن للسمرقندي (١/ ١٧)، والوسيط للواحدي (١/ ٦٧)، وتفسير السمعاني (١/ ٣٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ١٤٣)،، ولباب التأويل للخازن (١/ ٢٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ١٥٧)، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١/ ١٩٤)، وروح البيان لحقي (١/ ١٣)\n(^٥) معالم التنزيل (١/ ٧٤)","vol":"1","page":112},{"text":"وقال السمرقندي: (فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له). (^١)\nويشهد لصحة هذا المعنى المستنبط آيات كثيرة منها: قوله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله تعالى ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].\nوتؤيده قراءة من قرأ (ملك) بدون ألف (^٢)، كما أشار إليه الطبري، وأبو السعود (^٣). (^٤)\nوذكر بعض المفسرين أن فائدة تخصيص ملك يوم الدين هنا هو: تعظيم شأن ذلك اليوم فهو عظيم في جمعه وحوادثه، حكاه ابن عطية (^٥)، وغيره. (^٦)\n_________\n(^١) تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ١٧)\n(^٢) وهي قراءة نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: (ملك) بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من الملوك. ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ١٧)، وينظر: الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (١/ ٧).\n(^٣) هو: محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، الإمام العلاّمة، تولى القضاء، واشتغل في التدريس والفتيا، وصنف التفسير المعروف بـ (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم)، توفي سنة ٩٨٢ هـ.\nينظر: شذرات الذهب (٨/ ٤٦٧)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٣٩٨.\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ٩٥)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (١/ ١٤)\n(^٥) هو: عبدالحق بن غالب بن عبدالرحمن بن عطية، أبو محمد الغرناطي القاضي، فقيه عالم بالتفسير والأحكام والحديث والنحو واللغة والأدب، ألف كتابه (الوجيز في التفسير)، فأحسن فيه وأبدع، توفي سنة ٥٤١ هـ، وقيل: ٥٤٦ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص ٦٠، وطبقات المفسرين للداودي ص ١٨٥.\n(^٦) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٦٩)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (١/ ١٥)، ومحاسن التأويل للقاسمي (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":113},{"text":"وقال بعضهم خصَّه بالذكر لإثبات بعث العباد من قبورهم، وحشرهم، ومجازاتهم، أفاده أبو حيان. (^١)\nوهذه المعاني جميعًا متقاربة، ويمكن الجمع بينها بأن يقال في وجه تخصيص ملكه تعالى ليوم الدين على سائر أملاكه، حتى يظهر للخلق في ذلك اليوم كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، كما نصًّ عليه الخطيب، وكذلك لما فيه من إثبات البعث، ومجازاة عباده، وحسابهم، ولأنه يوم عظيم فيه أمور وأهوال عظام، وعليه فلا تعارض بين هذه المعاني المستنبطة.\nوبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وموافقته لجمهور المفسرين، كما تقدم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: البحرالمحيط (١/ ٩)","vol":"1","page":114},{"text":"مناسبة تكرار المفعول (إياك) للحصر.\nقال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: لم كرر ضمير إياك؟ أجيب: بأنه كرر للتنصيص على أنه المستعان به لا غيره). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة تكرار لفظ (إياك) وهي إفادة الحصر، وذلك بحصر الاستعانة له سبحانه لا غير، لأنه لو اقتصر تعالى على ضمير واحد لأوهم ذلك أن العبادة له تعالى والاستعانة لغيره، والتكرار أسلوب من أساليب التفخيم المعروفة في كلام العرب. (^٢)\nقال القرطبي: (وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك). (^٣)\nوقال ابن كثير: (قدم المفعول وهو ﴿إِيَّاكَ﴾، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة). (^٤)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية موافقًا الخطيب: السمعاني، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، وحقي، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)\n(^٢) ينظر: أسرار التكرار من القرآن للكرماني (١/ ٢٠)\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٦)\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٤)\n(^٥) ينظر: تفسير السمعاني (١/ ٣٧)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٦)، وأنوار التنزيل (١/ ٢٩)، والبحر المحيط (١/ ١١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٤)، وروح البيان (١/ ١٠).","vol":"1","page":115},{"text":"وقيل في وجه التكرار أيضًا؛ ليكون أدل على الإخلاص والاختصاص والتأكيد. (^١)\nوهو قريب من سابقه؛ إذ دلَّ تكرار المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾ على اختصاصه سبحانه بالاستعانة وقصرها عليه وحده، وإخلاصها له تعالى، ولا يخفى ما في ذلك من التأكيد والتفخيم لذاته سبحانه.\nوبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب في وجه تكرار المفعول ﴿إِيَّاكَ﴾، وهو الحصر كما عليه كثير من المفسرين، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشف والبيان للثعلبي (١/ ١١٨)","vol":"1","page":116},{"text":"فائدة تقدّيم العبادة على الاستعانة.\nقال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة؟ أجيب: لتتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضًا لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحًا واعترافًا منه بما يصدر عنه، فعقّبه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أنّ العبادة أيضًا مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية سر تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية، وذلك لعدد من الفوائد:\nأولًا: لموافقة رؤوس الآي، وهذه فائدة ظاهرة، وممن نَّص عليها من المفسرين: محمود النيسابوري (^٢)، والبيضاوي، وحقي، والألوسي (^٣)، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)\n(^٢) هو محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري الغزنوي، أبو القاسم نجم الدين، العالم الفاضل، كان مفسرًا لغويًا فقيهًا فصيحًا، صنف (إيجاز البيان عن معاني القرآن)، توفي سنة ٥٥٣ هـ.\nينظر: طبقات المفسرين للداودي ص ٥٠٨، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٤٢٤، والأعلام للزركلي (٧/ ١٦٧).\n(^٣) هو: شهاب الدين محمود بن عبدالله الحسيني الألوسي، أبو الثناء، مفسر، محدث، أديب، من أهل بغداد، إمام مجتهد، تقلد الإفتاء ببلده، وله مصنفات مشهورة. توفي سنة ١٢٧٠ هـ. ينظر: الأعلام (٧/ ١٧٦)\n(^٤) ينظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن (١/ ٣٤)، وأنوار التنزيل (١/ ٢٩)، وروح البيان (١/ ١٩)، وروح المعاني (١/ ٩١).","vol":"1","page":117},{"text":"ثانيًا: ليعلم أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وذلك أن تقديم العبادة التي هي الوسيلة على طلب العون منه سبحانه أدعى لإجابته وقبوله، وتمكين عبده من طلبه الاستعانة، وهي فائدة حسنة.\nقال ابن كثير: (وإنما قدم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يُقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم). (^١)\nوقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا: البيضاوي، وحقي، والشوكاني (^٢)، وغيرهم. (^٣)\nوالفائدة الثالثة وهي أظهرها: ليدل على أن العبادة مما لا تتم ولا تتيسر للعبد إلا بمعونة ربه وتوفيقه.\nقال السعدي مؤيدًا هذا الاستنباط: (ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.) (^٤)\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٥)\n(^٢) هو: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فقيه مجتهد، أصولي مفسر، من كبار علماء اليمن، ولي قضاء صنعاء، وله تصانيف مشهورة في فنون كثيرة، بلغت ١١٤ مصنفًا، توفي سنة ١٢٥٠ هـ. ينظر: الأعلام (٦/ ٢٩٨).\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٢٩)، وروح البيان (١/ ١٩)، وفتح القدير (١/ ٢٧).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٩)","vol":"1","page":118},{"text":"وممن وافق الخطيب أيضًا في استنباط هذه الدلالة من سياق الآية: البيضاوي، والخازن، والبقاعي، وحقي، وغيرهم. (^١)\nويؤيد هذا المعنى قول ابن القيم: (ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمرَه أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فأمره بأن يعبده، وأن يستعين به.) (^٢)\nوقال البقاعي: (وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًا على المبالغة في طلب العون ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته). (^٣)\nوقد ذكر الخازن، والألوسي وجوهًا أُخر في مناسبة هذا التقديم، بعضها لا يخلو من بُعد. (^٤)\nوبهذا يتبين صحة استنباط الخطيب، ودقة هذه الدلالات المستفادة من سياق الآية في التقديم والتأخير، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٣٠)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١/ ٣٣)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٥)، وروح البيان (١/ ٢٠)\n(^٢) شفاء العليل (١/ ١٩).\n(^٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١/ ٣٣)، وقال السيوطي في كلامه عن السببية: (ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة؛ لأنها سبب حصول الإعانة.) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ٤٥).\n(^٤) ينظر: لباب التأويل (١/ ٢٠)، وروح المعاني (١/ ٩١).","vol":"1","page":119},{"text":"العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب في قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تحسينًا للكلام وتنشيطًا للسامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام فتعدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط بلاغي وهو فائدة العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب في قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي: تحسين الكلام، وتنشيط السامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام، وهذا يسمى بالالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم (^٢)، وذلك جارٍ على عادة العرب في افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أنشط للسامع، وأيقظ للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد. (^٣)\nقال أبو حيان: (﴿إِيَّاكَ﴾ التفات لأنه انتقال من الغيبة، إذ لو جرى على نسق واحد لكان (إياه). والانتقال من فنون البلاغة - إلى أن قال-: وفائدته في (إياك نعبد) أنه لما ذكر أن الحمد لله المتصف بالربوبية، والرحمة، والملك لليوم المذكور،\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠)\n(^٢) ينظر: البديع في البديع لابن المعتز (١/ ١٥٢)، ونهاية الأرب في فنون الأدب للنويري (٧/ ١١٦)\n(^٣) ينظر: الكشاف للزمخشري (١/ ١٣ ومابعدها).","vol":"1","page":120},{"text":"أقبل الحامد مخبرًا بأثر ذكره الحمد المستقر له منه ومن غيره، أنه وغيره يعبده ويخضع له. وكذلك أتى بالنون التي تكون له ولغيره، فكما أن الحمد يستغرق الحامدين، كذلك العبادة تستغرق المتكلم وغيره. ونظير هذا أنك تذكر شخصًا متصفًا بأوصاف جليلة، مخبرًا عنه إخبار الغائب، ويكون ذلك الشخص حاضرًا معك، فتقول له: إياك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود ما لا يكون في لفظ إياه، ولأنه ذكر ذلك توطئة للدعاء في قوله «اهدنا».) (^١)\nوقد أشار إلى هذه الفائدة البلاغية كثير من المفسرين غير أبي حيان كالزمخشري، والسمين الحلبي (^٢)، والنيسابوري (^٣)، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) البحر المحيط في التفسير (١/ ٤٢).\n(^٢) هو أحمد بن يوسف بن عبدالدائم الحلبي، شهاب الدين المقريء النحوي، برع في النحو ولازم أبا حيان، وكان فقيهًا بارعًا في القراءات ويتكلم في الأصول، له تفسير القرآن (الدر المصون)، وجمع كتابًا في أحكام القرآن، وشرح (التسهيل) و(الشاطبية)، توفي سنة ٧٥٦ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (١/ ٣٣٩)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢٨٧.\n(^٣) هو نظام الدين، الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري، ويقال له الأعرج، أصله من بلدة (قم) ومنشأه وسكنه في نيسابور، مفسر، له اشتغال بالحكمة والرياضيات، له مؤلفات منها: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ولباب التأويل، توفي عام ٨٥٠ هـ. ينظر: الأعلام (٢/ ٢١٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩١).\n(^٤) ينظر: الكشاف (١/ ١٣ - ١٤)، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون (١/ ٥٧)، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان (١/ ٨٥)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٦)، وفتح القدير (١/ ٢٧)، وروح المعاني (١/ ٩١).","vol":"1","page":121},{"text":"ويؤيد هذه الدلالة من الآية ماحكاه السيوطي (^١) في الإتقان قال: (الالتفات نقل الكلام من أسلوب إلى آخر، .. وله فوائد: منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد وهذه فائدته العامة.\nويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله -كما سنبين مثاله- من التكلم إلى الخطاب، ووجهه: حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عناية تخصيص بالمواجهة (^٢». (^٣)\nكما أن في هذا الالتفات فائدة أخرى وهي: الإشارة إلى أنّ العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار كأنه حاضر بين يديه تعالى ولذلك خاطبه بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.\nقال ابن كثير: (وتحولَ الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾). (^٤)\nوقد نصَّ على هذه الدلالة غيره من المفسرين كابن جزي (^٥)، والرازي، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^٦)\n_________\n(^١) هو عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، أبو الفضل، جلال الدين، كان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، صاحب المؤلفات النافعة الجامعة، من أشهرها (الدر المنثور) و(الإتقان) توفي سنة ٩١١ هـ. ينظر: شذرات الذهب (٨/ ٨٧)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٣٦٥.\n(^٢) وهي فائدة مشتركة بين ألوان الخطاب، فتصدق على الانتقال من الغيبة إلى الخطاب كذلك.\n(^٣) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٩)\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٥)\n(^٥) هو: محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، المالكي، أبو القاسم، كان فقيهًا حافظًا، بارعًا في فنون العربية، والأصول، والقراءات، والحديث، والأدب، توفي سنة ٧٤١ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (٣/ ٣٥٦)، وطبقات المفسرين للداودي ص ٣٥٧.\n(^٦) ينظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٦٦)، والتفسير الكبير (١/ ٢١٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٩٨)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٦)، وروح المعاني (١/ ٩١)","vol":"1","page":122},{"text":"وذكر بعضهم في الالتفات وجهًا ثالثًا وهو: أنه من أول السورة إلى قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاء، والدعاء في الحضور أولى، أفاده الرازي، والألوسي. (^١)\nولعله مما يستأنس به في تأكيد هذا الوجه قول ابن كثير بعد أن ذكر وجه الالتفات في الآية قال: (وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك.)\nولا تعارض بين هذه الأوجه، إذ هي قريبة محتملة وإن كان الأول أظهرها، وبهذا يتبين صحة استنباط الخطيب لوجه الالتفات في الآية وقوته، وموافقته لكثير من المفسرين، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>سورة البقرة</span>\nتكذيب دعوى المرجئة والكرامية في مسألة الإيمان.\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]\n_________\n(^١) وذكروا وجوهًا أُخر غيرها، بعضها فيها نظر. ينظر: التفسير الكبير (١/ ٢١٦)، وروح المعاني (١/ ٩٢).","vol":"1","page":123},{"text":"قال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (الآية تدل على أنّ من ادّعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمنًا؛ لأنّ من تفوّه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمنًا) (^١).\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على تكذيب دعوى المرجئة، والكرامية (^٢)، وغيرهم من الطوائف في مسألة الإيمان؛ حيث ذكر تعالى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون بألسنتهم، ولم يكن لهم تصديق القلب، فأكذبهم الله ونفى عنهم الإيمان بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾\nوهذا يدلّ على أن المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ليسوا بمؤمنين على الحقيقة، وإن كان الظاهر منهم هو صلاح الحال وإظهار الإيمان، وأن\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٢٩).\n(^٢) هي طائفة منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام، وهم طوائف بلغ عددهم اثنتي عشر فرقة. أصولها ستة، ومن أصولهم قولهم: أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب ودون سائر الأعمال، وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنًا فيما يرجع إلى أحكام الظاهروالتكليف، وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء، فالمنافق عندهم: مؤمن في الدنيا على الحقيقة مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة، وقالوا: تثبت الإمامة بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال أهل السنة إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين وغرضهم إثبات إمامة معاوية في الشام، وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة.\nينظر: الفرق بين الفرق (١/ ٢٠٢)، والملل والنحل (١/ ١١٠)، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٤١).","vol":"1","page":124},{"text":"القول بغير تصديق القلب لا يكون إيمانًا؛ لأن الإيمان الحقيقي هو ما تواطأ عليه القلب واللسان وعمل الجوارح، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.\nففي هذه الآية دلالة واضحة على رد معتقد تلك الطوائف، الذين من جملة أصولهم الباطلة أن الإيمان إقرار باللسان فقط، ولا يلزم معه إيمان القلب والجوارح والأركان.\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا المعنى موافقًا الخطيب: الطبري، والسمرقندي، والسمعاني، وابن عطية، والرازي (^١)، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسعدي، وغيرهم. (^٢)\nقال الطبري (في هذه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية (^٣) من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره) (^٤)\n_________\n(^١) قال الرازي: \" نفى كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بااللهّ عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي\". التفسير الكبير (٢/ ٣٠١)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١/ ١١٧)، وتفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٥٢)، وتفسير السمعاني (١/ ٤٧)، والمحرر الوجيز (١/ ٩٠)، والتفسير الكبير (٢/ ٣٠١)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٩٣)، وأنوار التنزيل (١/ ١٦٢)، والبحر المحيط (١/ ١٨٤)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٤٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٢).\n(^٣) الجهمية: هم المعطلة نفاة الصفات، سموا بالجهمية، نسبة إلى جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي، وقد صار لقبًا على معطلة الصفات عمومًا، يقول جهم بالإرجاء في الإيمان حيث يجعله المعرفة فقط، والكفر هو الجهل بالله، كما زعم أن الجنة والنار تفنيان، وأن النعيم والألم ينقطع في الآخرة. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والفرق بين الفرق، ص (٢١١)، والملل والنحل (١/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٤) جامع البيان (١/ ١١٧).","vol":"1","page":125},{"text":"وقال أبو السعود: (ومدلول الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان واعتقاده بخلافه لا يكون مؤمنا، فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوه بكلمتي الشهادة فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه مؤمن). (^١)\n\nوقد أبطل شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) هذا المعتقد الفاسد وردّ على هذه الفِرق بنصوص القرآن والسنة. (^٣)\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] فقصر الإيمان على من اتصف بتلك الصفات والأفعال الشاملة لأعمال القلب واللسان والجوارح، بمعنى أن من ترك أحدها فهو غير مؤمن، وغيرها من الآيات كثير.\n\nوتجدر الإشارة هنا إلى أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق القلبي فقط، لكن دلالة هذه الآية موافقة لمذهب أهل السنة والأشاعرة معًا في الرد على من\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم (١/ ٤٠).\n(^٢) هو أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني الحنبلي، أبو العباس، شيخ الإسلام، تقي الدين، اعتنى بالحديث وتفسير القرآن وأحكم أصول الفقه، والفرائض والحساب، ونظر في الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم، أفتى ودرّس وصنّف وهو دون العشرين، توفي سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ١٣٥)، وشذرات الذهب (٦/ ٢٤١).\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٠)، والإيمان (١/ ١٧٤)، وينظر: إعانة المستفيد للشيخ صالح الفوزان (١/ ٤٠٤)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (٣/ ٥٢٩).","vol":"1","page":126},{"text":"خالفهم، وأن الإيمان بغير تصديق القلب لا يكون إيمانًا، فلا عجب أن يستدل بها الخطيب لأنها موافقة لمذهبهم كذلك، إلا أن الصحيح في باب الإيمان - كما سيأتي بيانه قريبًا في دلالة أخرى من سورة البقرة - أنه تصديق القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح.\nوقد بوَّب البخاري (^١)، ومسلم (^٢) في صحيحيهما أبوابًا كثيرة تثبت أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبدالله، الإمام حبر الإسلام، حافظ زمانه، صاحب (الصحيح) وهو أصح كتب الحديث على الإطلاق، توفي سنة ٢٥٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٧٩).\n(^٢) هو: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين، صاحب الصحيح، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين توفي سنة ٢٦١ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٥/ ١٩٤)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٩٥).","vol":"1","page":127},{"text":"تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢] ٠\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ، وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى.) (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الرعد والبرق وإن كانا في الظاهر سببين لذهاب السمع والبصر إلا أن تأثير الأسباب في مسبباتها بمشية الله تعالى، فإن قصف الرعد، ولمعان البرق سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك. (^٢) فدلَّ على أن وجود المسببات وهي ذهاب السمع والبصر مرتبط بأسبابها، لكن وقوعها بقدرته تعالى لا بالأسباب، لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات عند الخطيب بل بإرادته تعالى.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة الشرط في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وهي بيان المانع من ذهاب سمع المنافقين وأبصارهم مع وجود أسبابه من حصول الرعد والبرق، وهو أنه تعالى لم يشأ\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣٧)\n(^٢) ينظر: التفسير الوسيط لطنطاوي (١/ ٦٨)","vol":"1","page":128},{"text":"ذلك، بل شاء سبحانه إمهال المنافقين ليتمادوا في غيّهم وفسادهم ليكون عذابهم أشدّ، وفيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم (^١)، ولو أراد الله إذهاب قواهم أذهبها من غير سبب، فلا يغنيهم الاحتراز والخوف (^٢)، وعلى هذا ففي الآية إشارة، وتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبِّباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى، فإن الرعد والبرق سببان لذهاب السمع والبصر، لكن تأثير الأسباب كلها في الحقيقة بمشية الله تعالى.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والمظهري (^٣)، ومحمد رشيد رضا (^٤)، وطنطاوي (^٥) وغيرهم. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٤)\n(^٢) ينظر: حاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ٤٠٨)\n(^٣) هو محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي، النقشبندى، الحنفي، العثماني، المظهري، من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي، كان الشاه عبد العزيز يسميه «بيهقي العصر»، وألف كتبا كثيرة في التفسير والفقه وغيرها منها «تفسير المظهري»، و«ما لا بد منه» في الفقه، و«منار الأحكام»، توفي ١٢٢٥ هـ. ينظر: معجم المؤلفين (٩/ ١٤٤)\n(^٤) هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بَهاء الدين بن ملا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل، الحسيني النسب: صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي. من الكتّاب، العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير. توفي سنة ١٣٥٤ هـ ينظر: الأعلام (٦/ ١٢٦)\n(^٥) هو طنطاوي بن جوهري المصري: فاضل، له اشتغال بالتفسير والعلوم الحديثة. وتعلم في الأزهر مدة، ثم في المدرسة الحكومية. ودرّس في بعض المدارس الابتدائية، ثم في مدرسة دار العلوم. وألقى محاضرات في الجامعة المصرية. وناصر الحركة الوطنية، فوضع كتابا في (نهضة الأمة وحياتها) وانقطع للتأليف، فصنف كتبًا أشهرها (الجواهر في تفسير القرآن الكريم) و(جواهر العلوم)، توفي سنة ١٣٥٨ هـ. ينظر: الأعلام (٣/ ٢٣٠)\n(^٦) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٥٣)، والتفسير المظهري (١/ ٣١)، وتفسير المنار (١/ ١٥٠)، والتفسير الوسيط لطنطاوي (١/ ٦٨)","vol":"1","page":129},{"text":"وتعليق السبب بمشيئة الله تعالى صحيح وهو ما عليه أهل السنة والجماعة،\nإلا أن ربط الخطيب (^١) المسبِّبات عند وجود الأسباب لا بها هو على طريقة\nالأشاعرة (^٢) - عفا الله عنا وعنهم- فهم يثبتون وجود تلازم عادي بين الأسباب والمسببات وينفون الاقتران الضروري بينهما، ويجعلون المسببات تحدث عند الأسباب لا بها، وعلى قولهم فالنار مثلًا إذا لاقت شيئًا قابلًا للاحتراق فاحترق، فإن الاحتراق لم يكن بسبب النار، فهي لم تؤثر شيئًا، وإنما المؤثر هو الله وحده! فالنار عند الأشاعرة لا تحرق، وهي أيضًا ليست سببًا في الإحراق، ولكن عند التقاء الخشب بالنار يخلق الله تعالى الاحتراق، فيقولون إن الخشب احترق عند النار لا بالنار! (^٣)\n_________\n(^١) صرَّح الخطيب بذلك في أكثر من موضع، قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]: (﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: السحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، ومِن: صلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى). السراج المنير (١/ ٨٣)\n(^٢) ينظر: تحفة المريد للبيجوري (٩٨ - ٩٩)، والإنصاف للباقلاني (١/ ٤٥)، والمواقف للإيجي (١/ ٣١١)، وشرح أم البراهين (١/ ٨٠ وما بعدها)\n(^٣) وحجتهم في هذه الدعوى أمران:\nالأول: أن إثبات تأثير الأسباب في مسبباتها يفضي إلى القول بوجود شريك مع الله يؤثر في الأفعال، والله ﷿ هو المؤثر وحده!\nالثاني: إن إثبات التلازم بين الأسباب والمسببات يفضي إلى إنكار النبوات الثابتة بمعجزات الرسل، وهي خوارق مخالفة للعادة، فلو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، وهذا يؤدي إلى إنكار النبوات.\nوالجواب عن هذه الشبهة: أن القرآن مليء بذكر الأسباب وربطها بمسبباتها، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تأثير الأسباب في مسبباتها بأمر الله تعالى وتقديره، ومشيئته.\nوأما الجواب عن الأمر الأول الذي ذكروه فإنه لا يلزم ذلك، لأن أهل السنة عندما قالوا ذلك، شرطوا وجود المعاون المشارك، وانتفاء الموانع، وربط ذلك بمشيئة الله، مع القول بأن الأسباب والمسببات مخلوقة لله تعالى فلا يتوجه إليهم هذا المحذور. وأما جواب الأمر الثاني، فإن أهل السنة ذكروا بأن الأسباب خلق لله تعالى تتعلق بها مشيئته وقدرته، فلو شاء ألا تؤثر ما أثرت، ولذلك فإن قول الأشاعرة: لو وجد التلازم بين الأسباب والمسببات لما صح تخلف هذا التلازم، قول ليس بلازم ولا صحيح، والأدلة كثيرة على وجود هذا التخلف إذا شاء الله، وإنه ليشاؤها عند إثبات النبوات وغير ذلك، فلا ينسد طريق إثبات النبوات.\nينظرقولهم في: تحفة المريد ص (٩٨ - ٩٩)، وينظر تفصيل دعواهم وأمثلته والرد عليها في: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف (١/ ٣٤٤ وما بعدها)","vol":"1","page":130},{"text":"والذي عليه أهل السنة أن النار تحرق، والسكين تقطع، والماء يروي، بما جعل الله فيها من الخصائص.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جمهور أهل السنة المثبتة للقدر من جميع الطوائف يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وإن له قدرة حقيقة، واستطاعة حقيقة، ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية، بل يُقِرّون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، وينبت النبات بالماء، ولا يقولون أن القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل يقرون بأن لها أثر لفظًا ومعنى، لكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها والله تعالى خالق السبب والمسبِّب، ومع أنه خالق السبب فلا بد للسبب من سبب آخر يشاركه، ولابد من معارض يمانعه، فلا يتم أثره إلا مع خلق الله له،","vol":"1","page":131},{"text":"بأن يخلق الله السبب الآخر ويزيل الموانع، فالمسببات حينئذ يجب وجودها عند وجود أسبابها، بمعنى أن الله تعالى يحدثها حينئذ ويشاء وجودها (^١». (^٢)\nوقال الشيخ ابن عثيمين (^٣): (الناس في الأسباب طرفان ووسط:\nفالطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها، حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى في ربط المسببات بأسبابها.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٣/ ١٣)، وينظر: الصفدية لابن تيمية (١/ ١٥٢)، والفتاوى الكبرى (٦/ ٦٤١)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٢٤٣)، ورفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر لمرعي المقدسي (١/ ٤٠)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣١٢)\n(^٢) وقال في موضع آخر: (الذي عليه السلف وأتباعهم، وأئمة أهل السنة، وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، المخالفون للمعتزلة: إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة). ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٤٦).\n(^٣) هو محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين المقبل الوهيبي التميمي، أبو عبدالله، علامة عصره، فقيه مفتي، تتلمذ على الشيخ السعدي وابن باز وغيرهما، كان عضوًا في هيئة كبار العلماء، وعضوًا في هيئة التدريس في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم، له (تسهيل الفرائض) و(القواعد المثلى في صفات أسماء الله الحسنى)، وغير ذلك، توفي سنة ١٤٢١ هـ. ينظر: معجم الكتاب والمؤلفين في المملكة العربية السعودية، ص ١٠٣، وابن عثيمين الإمام الزاهد للدكتور ناصر الزهراني، ص ٢٧ - ٣٥.","vol":"1","page":132},{"text":"والطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجدًا مع الله تعالى وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكانت بردًا وسلامًا عليه ولم يحترق بها.\nوأما الوسط: فهم الذين هُدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيرًا في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى فيها من القوى الموجبة.) (^١)\nفالله ﷾ خالق هذا الكون ومدبره، وضعه على سنن ثابتة، وربط الأسباب بالمسببات، ولو شاء تعالى تغيير هذه السنن أو سلب هذه الأسباب تأثيرها لفعل، فهو سبحانه القادر على كل شيء، لا راد لقضائه ولا مُعقب لحكمه، ولكنه جعل لهذا الكون نظامًا، وللأسباب تأثيرًا، لحكمة أرادها ﷾، فلا تأثير لشيء في هذا الوجود إلا بأمره ولا يخرج شيء منه عن مشيئته وإرادته. (^٢)\nوبهذا يتبين عدم صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أجلّ وأعلم.\n_________\n(^١) تقريب التدمرية لابن عثيمين (١/ ٩٨)\n(^٢) ينظر: الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٤٤)، والصفدية (١/ ٢٦٣)","vol":"1","page":133},{"text":"النار مخلوقة مُعدَّة لأصحابها الآن.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وجعلت عدّة لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن المعدوم لا يقال له أُعد فهو معد. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن النار مخلوقة موجودة الآن، لأنه تعالى قال: (أعدت) بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للمعتزلة.\nقال ابن أبي العز الحنفي (^٣): (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة، والقدرية، فأنكرت ذلك). (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٤٥.\n(^٢) ينظر: الإشارات الإلهية للطوفي (١/ ٢٤٩).\n(^٣) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي، قاضي القضاة بدمشق ثم بالديار المصرية ثم بدمشق، امتحن بسبب اعتراضه على قصيدة ابن أيبك الدمشقي. له كتب منها \" شرح العقيدة الطحاوية\" و\" التنبيه على مشكلات الهداية \" في الفقه، و\" النور اللامع فيما يعمل به في الجامع \" أي جامع بني أمية، توفي سنة ٧٩٢ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٠٣)، والأعلام (٤/ ٣١٣).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٤٧٦، وينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٦/ ١٢٥٦","vol":"1","page":134},{"text":"وقد استنبط كثير من المفسرين هذه الدلالة من الآية، منهم: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبوحيان، وابن كثير، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي. وغيرهم. (^١)\nقال ابن عطية: (وجمهور العلماء عل أنهما قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء (^٢) وغيره مما يقتضي أن ثم جنة قد خلقت) (^٣)\nوخالفت المعتزلة في هذه المسألة، وقالوا أن الجنة والنار يخلقهما الله يوم القيامة!\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٥٠٩)، والتفسير الكبير (٢/ ١١٦)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٣٦)، وأنوار التنزيل (١/ ٢٤)، والبحر المحيط (١/ ٢٥٠ - ٢٥١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦٢ - ٦٣)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٦٨)، وروح المعاني (١/ ١٩٩)، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٦.\n(^٢) حديث الإسراء أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء ١/ ٥٤٧، رقم (٣٤٩). وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٤٥)، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ، رقم (١٦٢).\n(^٣) المحرر الوجيز ١/ ٥٠٩.","vol":"1","page":135},{"text":"وقد رد عليهم كثير من أئمة أهل السنة وبينوا جهلهم بالآثار والسنن. (^١)\nومن الأدلة على خلقهما ووجودهما أنه تعالى قال عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران-١٣٣]، وقال عن النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران-١٣١]\nقال ابن كثير: (وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله تعالى: أُعِدَّتْ، أي أرصدت وهيئت). (^٢)\nوقال الطوفي (ولأنه قد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء (^٣)، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (^٤». (^٥)\nوثبت أنه ﷺ قال: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي (^٦) يجر قصبه في النار) (^٧) وغيرها من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذا المعنى. (^٨)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية، وموافقة الخطيب لما عليه أهل السنة والجماعة (^٩) في هذا الباب، وبطلان قول المعتزلة، والله تعالى أجلّ وأعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للجويني (١/ ٢٧٨)، وحجج القرآن لابن أبي المظفر (١/ ٧٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة والقدرية الأشرار لأبي الحسين العمراني (٩/ ٢٨٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٠٢)\n(^٣) حديث الإسراء تقدم تخريجه.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ١٣/ ٢٧ رقم ٠١٨٨٧\n(^٥) الإشارات الإلهية (١/ ٢٤٩)\n(^٦) هو عمرو بن لحيّى بن حارثة بن عمرو ابن عامر الأزدي، أبو ثمامة، من قحطان، ومن العلماء من يجزم بأنه مضريّ من عدنان، وفي نسبه خلاف شديد، وهو جدّ \" خزاعة \" عند كثير من النسَّابين، ومعظمهم يسميه \" عمرو بن عامر بن لحيّ \" وفيهم من يسميه \" عمرو بن ربيعة \" وهو الذي رآه النبي ﷺ يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وغير دين إبراهيم ﵇، ودعا العرب إلى عبادة الأصنام. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٧)، والأعلام (٥/ ٨٤)\n(^٧) أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب قصة خزاعة برقم ٣٣٣٣، (٣/ ١٢٩٧)\n(^٨) فقد ثبت أن النبي ﷺ رأى في الجنة قصرًا لعمر، ورأى مناديل سعد، وسمع صوت خشخشة بلال في الجنة، وغير ذلك مما صح نقله وثبت في الأخبار.\n(^٩) ينظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للجويني (١/ ٢٧٨)، وحجج القرآن لابن أبي المظفر (١/ ٧٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة والقدرية (٩/ ٢٨٠).","vol":"1","page":136},{"text":"الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان.\nقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (عطف ﷾ العمل على الإيمان مرتبًا للحكم عليهما؛ إشعارًا بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين، والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أُس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأُس لا بناء عليه، ولذلك قلَّما ذُكرا مفردين، وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان؛ إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.) (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران أن الإيمان غير الأعمال، لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير (^٢)، فدلّ على أن الإيمان غير الأعمال. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٤٦.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٢٤١) ومجموع الفتاوى (٧/ ١٧٢) قال ابن تيمية: (وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما)، وينظر: معالم أصول الفقه للجيزاني (١/ ٣٨١).\n(^٣) ينظر: الإشارات الإلهية للطوفي (١/ ٣٦٨)","vol":"1","page":137},{"text":"وهذا الاستنباط مبني على القاعدة اللغوية (العطف يقتضي التغاير)، وقد أشار إلى هذا المعنى وربطه بهذه القاعدة بعض المفسرين كالرازي، والقرطبي، وأبي السعود، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nوالحق أن هذا الاستنباط باطل غير صحيح، وهو على نهج الأشاعرة في باب الإيمان (^٢)، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان، وأنه إقرار وتصديق وعمل، وأدلتهم في هذا الباب كثيرة وواضحة. (^٣)\nقال ابن أبي العز: (وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة فلا يكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقًا عن العمل وعن الإسلام، وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فالمطلق مستلزم للأعمال قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]\nأما إذا عطف عليه العمل الصالح فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزءًا\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٢٠١)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٣٨)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٦٨)، وروح المعاني (١/ ٢٠١).\n(^٢) ينظر: الإنصاف للباقلاني (١/ ٥٥)، والإرشاد للجويني (١/ ٣٧٩)، والمواقف للإيجي (١/ ٣٨٤)\n(^٣) ينظر قول أهل السنة والجماعة وأدلتهم في: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٣٧٣ ومابعدها.","vol":"1","page":138},{"text":"منه، ولا بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وهذا هو الغالب.\nويليه: أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]\nالثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وفي مثل هذا وجهان: أحدهما أن يكون داخلًا في الأول فيكون مذكورًا مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلًا فيه هنا وإن كان داخلًا فيه منفردًا، كما قيل مثل ذلك في لفظ: الفقراء والمساكين ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران.\nوالرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه نظرنا في كلام الشارع كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أُطلق يراد به ما يراد بلفظ البر والتقوى والدين ودين الإسلام ..) (^١)\nوبهذا يتبين عدم صحة هذه الدلالة، وأن الإيمان إقرار اللسان، وتصديق القلب، وعمل الجوارح، كما عليه أهل السنة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣٨٧ (بتصرف يسير)، وينظر: الإيمان لابن تيمية (١/ ١٥٢ وما بعدها)","vol":"1","page":139},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٣٠]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول بأن بشَّر تعالى بوجوده سكان ملكوته، ولقَّبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه، وبيان أنّ الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير إلى غير ذلك). (^١)\n\nذكر الخطيب في هذه الآية عددًا من الفوائد، والتي يمكن أن تُجمل في فائدتين:\nالفائدة الأولى:\nتعليم المشاورة:\nوجه الاستنباط:\nخطابه تعالى للملائكة عن جعله خليفة في الأرض قبل خلقه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قبل جعله خليفة في الأرض وهي: تعليمهم المشاورة، وذلك ليُعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يُقدموا عليها، وعرضِها على\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٥)","vol":"1","page":140},{"text":"ثقاتهم وأهل النصح فيهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته سبحانه غني عن المشاورة. (^١)\nوممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية موافقًا الخطيب: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي (^٢)، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (^٣)، وغيرهم. (^٤)\nوقد يكون الغرض من إخبار الملائكة بذلك هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أُجيبوا به، فيعرفوا حكمته تعالى في استخلافهم قبل كونهم، حتى لايقع منهم الاعتراض في ذلك الوقت، أو ليستخرجَ ما عندهم ويُظهر مكنونات صدورهم وهو تعالى أعلم بذات الصدور، أفاده القاسمي. (^٥)\nقال الرازي: (فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مع أنه مُنزّه عن الحاجة إلى المشورة، والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى علِم أنهم إذا اطلَّعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال، فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرَّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا\n_________\n(^١) ينظر: روح البيان لحقي (١/ ٩٤).\n(^٢) هو: عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، كان إمامًا في كثير من العلوم، ومصنفاته في الفقه والأصول أكثر من أن تحصى، له (مدارك التنزيل) في التفسير وغيره، توفي سنة ٧١٠ هـ.\nينظر: طبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢٦٣، والأعلام (٤/ ٦٧).\n(^٣) هو: جمال الدين محمد بن سعيد القاسمي، إمام الشام في عصره، إمام مجتهد، لا يقول بالتقليد، له مصنفات في التفسير والأدب، توفي سنة ١٣٣٢ هـ. ينظر: الأعلام ٢/ ١٣٥.\n(^٤) ينظر: الكشاف (١/ ١٢٤)، والتفسير الكبير (٢/ ٣٨٩)، وأنوار التنزيل (١/ ٦٨)، ومدارك التنزيل (١/ ٧٨)، وروح البيان (١/ ٩٤)، وفتح القدير (١/ ٧٤)، ومحاسن التأويل (١/ ٢٨٥).\n(^٥) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (١/ ٢٨٥)","vol":"1","page":141},{"text":"ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب. الوجه الثاني: أنه تعالى علَّم عباده المشاورة). (^١)\nودلالة هذه الآية على تعليم المشاورة هي دلالة قريبة محتملة لكنها ليست بالظاهرة، وقد يكون ذلك على سبيل الإخبار والإعلام للملائكة دون انتظار جوابٍ منهم، ولله تعالى في خطابه وجميعِ أمره من الحكم ما لا يعلمها إلا هو، وهو تعالى أجلّ وأعلم.\nالفائدة الثانية:\nتعظيم شأن آدم ﵇، وبيان فضله، وحكمةإيجاده.\nوجه الاستنباط:\nأن الله تعالى بشَّر بوجوده، ولقَّبه بالخليفة قبل خلقه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على عظم شأن آدم ﵇، وإظهار فضله؛ لأن الله تعالى بشَّر بوجوده ملائكته، ونوَّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقَّبه بالخليفة، وهو المراد بالخليفة هنا في قول جمهور المفسرين. (^٢)\nوالله تعالى خلق ما خلق ولم يقل في شيء منها ما قال في حق آدم - ﵇ - فظاهر هذا الخطاب تنبيهٌ لشرف آدم وفضله؛ حيث خلق تعالى الجنان وما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٢/ ٣٨٩)\n(^٢) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ٤٥٢)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٢٠).","vol":"1","page":142},{"text":"سبحانه: إني خالق عرشًا أو جنةً أو ملَكًا، وإنما قال ذلك في حق آدم، تشريفًا وتخصيصًا له. (^١)\nوممن وافق الخطيب في النصَّ على هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^٢)\nوأيضًا فإن في قوله تعالى عن الملائكة ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إظهار فضل استخلاف آدم في الأرض الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤال الملائكة وجوابه تعالى لهم، حيث قال ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم. (^٣)\nقال السعدي: (قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ من هذا الخليفة ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر، فلو لم يكن في ذلك إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمُن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٨).\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٦٨)، والبحر المحيط (١/ ٢٢٨)، وروح البيان (١/ ٩٤)، وروح المعاني (١/ ٢٢٣)، ومحاسن التأويل (١/ ٢٨٥)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٨).\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":143},{"text":"كمُن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك). (^١)\nفالحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره؛ لأن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثيركما أفاده الخطيب، فالملائكة نظروا إلى جانب الشر وهو الإفساد والقتل، وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات (^٢)، فأجابهم تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا جواب الحكيم سبحانه، وعليه فدلالة الآية على تشريف آدم وفضله دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجلُّ وأعلم.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٨).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢/ ٤٢٦)، وأنوار التنزيل (١/ ٦٨)، وغرائب القرآن (١/ ٢١٧)، وروح البيان (١/ ٩٤).","vol":"1","page":144},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآيات وهي آية ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ وآية ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وآية ﴿قَالَ يَاآدَمُ﴾ تدل على مزيَّة العلم وفضله على العبادة، وإلا لأظهر فضل آدم بها (^١)، وأنّ اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينًا له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ، فيكون من الله، وأنّ مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم، لتغاير المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وأنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة؛ لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلًا كما ذهب إليه أهل السنة). (^٢)\n_________\n(^١) أي لأظهر فضله بالعبادة دون العلم.\n(^٢) ينظر: السراج المنير (١/ ٤٧) بتصرف يسير.","vol":"1","page":145},{"text":"هذه الآيات جمع فيها الخطيب أكثر من دلالة:\nالدلالة الأولى:\nمزية العلم وفضله على العبادة.\nوجه الاستنباط:\nأن الملائكة كانت أكثر عبادة من آدم - ﵇ - ومع ذلك لم تستحق الخلافة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على شرف العلم وفضله على العبادة؛ لأن الملائكة كانت أكثر عبادة من آدم - ﵇ - ومع ذلك لم تستحق الخلافة كما استحقها آدم، فالذي ظهرت به المزيَّة والفضيلة لآدم هو العلم، فلما أراد الله تعالى إظهار فضله لم يُظهره إلا بالعلم، ولو كان شيء أفضل من العلم لكان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم. (^١)\nقال تعالى لآدم: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فأمره أن يُعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة، ليعلموا أنه أعلم منهم بما سألهم عنه، وذلك تنبيه على فضله وعلو شأنه، حيث قدَّمه عليهم، وخصَّه بالعلم، وأمرهم بالسجود له، لأجل فضلية العلم، فدلَّ على فضل العلم وأهله.\n_________\n(^١) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (١/ ٢٨)","vol":"1","page":146},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: أبو بكر الجصاص (^١)، والقرطبي، والبيضاوي، وحقي، والسيوطي، وأبو السعود، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nويشهد لصحة هذه الدلالة قوله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». (^٣)\nوقوله ﵊: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (^٤)\nوهذه الدلالة من الآية حسنة ظاهرة، وقد اتفق العلماء على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم، والصلاة، والتسبيح، ونحو ذلك من نوافل العبادات كما أفاده النووي وغيره، قال: (.. ومن دلائله أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل مختصة به، ولأن العلم مُصحح فغيره من العبادات\n_________\n(^١) هو: أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي الجصاص، الفقيه الزاهد، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، له من المصنفات: (أحكام القرآن) في التفسير، و(شرح مختصر الطحاوي)، وله كتاب مفيد في أصول الفقه وغيرها، توفي سنة ٣٧٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٤٠)، وطبقات المفسرين للداودي ص ٤٤، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٨٤.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٧)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٨٨)، وأنوار التنزيل (١/ ٧٠)، وروح البيان (١/ ١٠٢)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٨)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٨٦)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٩)، والتحرير والتنوير (١/ ٤١٩).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (٨٨)، (١/ ٢٨٩)، والهيثمي في الزواجر (١/ ٦٩)، وقال: في هذا الحديث اختلاف كبير والجمهور على قبوله، وابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح (١/ ١٥١)، وقال: حديث حسن. وحسَّنه الألباني في: «التعليق الرغيب» (١/ ٥٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم (٢٦٨٥). وقال: حديث حسن. وصححه الألباني عن أبي أمامة في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ٧٣٦).","vol":"1","page":147},{"text":"مفتقر إليه، ولاينعكس، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، ولا يوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم مُقتدٍ به مُقلدٌ له في عبادته وغيرها، واجب عليه طاعته، ولا ينعكس، ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية، فكان أفضل من النافلة). (^١)\nوبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط وقوته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٢١)، وينظر: فيض القدير للمناوي (٤/ ٣٨٥)","vol":"1","page":148},{"text":"الدلالة الثانية:\nأنّ اللغات توقيفية.\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى أخبر أنه علَّم آدم الأسماء باللام المستغرقة، وأكَّدها بلفظ «كل» وذلك يقتضي أنه وقَفَه عليها، ثم توارثت ذلك ذريته من بعده بالتلقِّي عنه، فلم يحتاجوا إلى اصطلاح آخر. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن اللغات توقيفية، وضعها الله بالوحي وعلَّمها آدم ﵇؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ والأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينًا له معانيها كما هو ظاهر الآية، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ فيكون من الله تعالى. (^٢)\nقال ابن خويز منداد (^٣): (في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفًا، وأن الله تعالى علمها آدم ﵇ جملة وتفصيلًا.) (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ٤٧٤).\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي (١/ ٧٠)، والسراج المنير للخطيب (١/ ٤٧)\n(^٣) هو محمد بن علي بن إسحاق بن خويز منداد، الفقيه المالكي البصري يكنى أبا عبد الله، صنف كتبا كثيرة منها كتابه الكبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن، وعنده شواذ عن مالك، توفي في أواخر المائة الرابعة للهجرة. ينظر: لسان الميزان لابن حجر (٥/ ٢٩١)\n(^٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":149},{"text":"وكذلك قال ابن عباس: «علمه أسماء كل شي حتى القصعة، والمغرفة». (^١)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القرطبي، والسيوطي، وابن كثير، وحقي، والقاسمي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٢)\nويدل له قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] ووجهه: أنه تعالى ذمَّهم على تسمية بعض الأشياء بما سمَّوها به، ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف، لما صح هذا الذم، لكون الكل اصطلاح منهم. (^٣)\nوفي الصحيح في حديث الشفاعة: «فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس ... وعلمك أسماء كل شيء .. الحديث» (^٤)\nفدلَّ هذا على أنه تعالى علَّمه أسماء جميع المخلوقات؛ وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، فهذا كله يؤيد القول بأنها توقيفية.\nوخالف في هذا ابن عاشور فقال: (وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية - أي لقَّنها الله تعالى البشر على لسان آدم- ولا على عدمه؛ لأن طريقة التعليم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ مجملة، محتملة لكيفيات -كما\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (١/ ١١٦)، وتفسير السمعاني (١/ ٦٥)\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٨٢)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٣)، والإكليل (١/ ٢٨)، وروح البيان (١/ ١٠٠)، ومحاسن التأويل (٩/ ٧٦)، وتفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٢٠)\n(^٣) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي (١/ ٢٥٠)\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ عن أنس -﵁- مرفوعًا، رقم (٤٤٧٦)، (٦/ ١٧)","vol":"1","page":150},{"text":"قدمناه- والناس متفقون على أن القدرة عليها إلهام من الله، وذلك تعليم منه سواء لقَّن آدم لغة واحدة أو جميع لغات البشر، وأسماء كل شيء، أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة) (^١).\nوالظاهر خلاف قوله، وأنها تدل على توقيف اللغات – كما سيأتي بيانه –\nوحاصل الخلاف في هذه المسألة (^٢) على أقوال:\nالأول: أن اللغات توقيفية والواضع لها هو الله سبحانه. (^٣)\nوالثاني: أنها اصطلاحية من وضع البشر. (^٤)\nوالثالث: أن ابتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه، والباقي بالاصطلاح.\nوالرابع: أن ابتداء اللغة وقع بالاصطلاح والباقي توقيف. (^٥)\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١/ ٤١١).\n(^٢) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٢٩)، والإحكام للآمدي (١/ ٧٥)، وغاية الوصول في شرح لب الأصول للسنيكي (١/ ٣٢)، وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (١/ ٣٥٢)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٤٥)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للدكتور عبدالكريم النملة (٣/ ١٠٣٩)\n(^٣) هذا ماعليه أبو الحسن الأشعري، وأتباعه، وابن فورك. ينظر: الإحكام للآمدي (١/ ٧٤)، والبحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (٢/ ٢٣٩)\n(^٤) وإليه ذهب أبو هاشم الجبائي ومن تابعه من المعتزلة. ينظر: المرجع السابق، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب للسبكي (١/ ٤٤٠).\n(^٥) به قال أبو إسحاق الإسفرائيني. ينظر: المرجع السابق، وحاشية العطار على جمع الجوامع (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":151},{"text":"والخامس: أنه يجوز كل واحد من هذه الأقوال، من غير جزم بأحدها، أي التوقف في القطع بأحدها. (^١)\nواحتج أهل القول الخامس على ما ذهبوا إليه من الوقف: بأن هذه الأدلة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع، بل لم ينهض شيء منها لمطلق الدلالة، فوجب عند ذلك الوقف؛ لأن ما عداه هو من التقول على الله بما لم يقل، وأنه باطل.\nقال الشوكاني: (وهذا هو الحق). (^٢) ووافقه الرازي وغيره. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي (١/ ١٨٣)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٤١).\n(^٢) إرشاد الفحول (١/ ٤١)\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي (١/ ١٨٣)","vol":"1","page":152},{"text":"وهذه المسألة قيل عنها: أنه لا ينبني على الخلاف فيها حكم، وأن ذِكرها في الأصول فضول، وأن الخلاف فيها طويل الذيل قليل النيل. (^١)\nوالذي يظهر - والله تعالى أعلم – وقال به جماعة من الصحابة والتابعين (^٢)، وجمع من أهل العلم أن اللغات مبدؤها توقيفي وباقيها مما اصطلح عليه الناس. (^٣)\nقال ابن عثيمين في معرض ذكره لفوائد هذه الآية:\n(ومنها: أن اللغات توقيفية وليست تجريبية؛ «توقيفية» بمعنى أن الله هو الذي علَّم الناس إياها، ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها، وقيل: إنها «تجريبية» بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولًا أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتًا تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛\n_________\n(^١) ينظر: حاشية العطار على جمع الجوامع (١/ ٣٥٢)، والمستصفى للغزالي (١/ ١٨١)\n(^٢) وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (١/ ١١٦)، وتفسير السمعاني (١/ ٦٥)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٢٢٣)\n(^٣) وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وأتباعه، وابن فورك من الشافعية وابن الحاجب، وابن قدامة المقدسي الحنبلي، والظاهرية، واختاره الطوفي وغيره من الحنابلة. ينظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٢٨٥)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٤٨٧)، ومجموع الفتاوى لابن تيمة (١٢/ ٤٤٧)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":153},{"text":"ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء). (^١)\nوقال ابن كثير: (والصحيح أنه علَّمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس). (^٢)\nويردُّ قول من قال: علَّمه بعضها، أو اصطلاحًا سابقًا، أو علَّمه حقيقه الشيء وصفته: بأن الأصل اتحاد العلم، وعدم اصطلاح سابق، وأنَّه تعالى علَّمه حقيقة اللفظ، وقد أكده بقوله: «كلها». (^٣)\nوبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم. (^٤)\nالدلالة الثالثة:\nأفضلية آدم - ﵇ – على الملائكة\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى فضَّله عليهم بالعلم، وأسجدهم له، وأمرهم بأن يتعلموا منه.\n_________\n(^١) تفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٢٠)\n(^٢) تقدم تخريجه، ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢٣)\n(^٣) ينظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (١/ ٢٨٥)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٢٠٦).\n(^٤) قال ابن حزم: (أكثر الناس في هذا والصحيح من ذلك أصل الكلام توقيف من الله ﷿ بحجة سمع وبرهان ضروري فأما السمع فقول الله ﷿ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وأما الضروري بالبرهان فهو أن الكلام لو كان اصطلاحا لما جاز أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم وتدربت عقولهم وتمت علومهم ووقفوا على الأشياء كلها الموجودة في العالم وعرفوا حدودها واتفاقها واختلافها وطبائعها، وبالضرورة نعلم أن بين أول وجود الإنسان وبين بلوغه هذه الصفة سنين كثيرة جدا يقتضي في ذلك تربية وحياطة وكفالة من غيره إذ المرء لا يقوم بنفسه إلا بعد سنين من ولادته ..). الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٩).","vol":"1","page":154},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ آدم أفضل من الملائكة، لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ولأمر الله تعالى للملائكة بالسجود له ﵇، والمسجود له أفضل من الساجد، فدلَّ على أفضليته عليهم، وهذا يدلُّ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلًا كما ذهب إليه أهل السنة. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: السمعاني، والبغوي، والخازن، والسيوطي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nقال البغوي: (أظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم، وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وإن كانوا رسلًا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة). (^٣)\nواستدلَّ من فضَّلهم على الملائكة بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥ - ٨٦] لأن العالَم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فيدخل فيه الملَك، فيقتضي أن الأنبياء أفضل من الملائكة.\nولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] بالهمز، من برأ الله الخلق. وقوله ﵊: (وإن الملائكة لتضع\n_________\n(^١) ينظر لوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٩٨)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٤)، والصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (٣/ ١٠٠٢)، وشرح الطحاوية لصالح آل الشيخ (١/ ١٠٥).\n(^٢) ينظر: تفسير السمعاني (١/ ٦٥)، ومعالم التنزيل (١/ ١٠٣)، ولباب التأويل (١/ ٣٦)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٨)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٨٦)، ومحاسن التأويل (١/ ٢٨٧).\n(^٣) معالم التنزيل (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":155},{"text":"أجنحتها رضىً لطالب العلم) (^١)، وما جاء في الأحاديث في هذا المعنى ومنها: أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة (^٢)، ولا يباهي إلا بالأفضل، وغير ذلك مما يطول ذكره.\nوهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة (^٣)، وقال البعض بتفضيل بني آدم، وتوقف فيها البعض (^٤) ولكل قولٍ أدلته (^٥)، ومذهب أهل السنة وهو الراجح: أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة (^٦) بدلالة هذه الآية وغيرها.\nقال شيخ الإسلام: (وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خُلقت منه فقط، بل قد يخلق المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن .. وآدم خلَقه الله من طين فلما سوَّاه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وفضَّله عليهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (١٨٠٨٩)، (٣٠/ ٩)، وأخرجه أبو داود في سننه برقم (٣٦٤١)، (٣/ ٣١٧). وابن ماجه في سننه برقم (٢٢٣)، (١/ ٨١)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (٨٨)، (١/ ٢٨٩)، وابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح (١/ ١٥١)، وقال: حديث حسن. وحسنه الألباني في «التعليق الرغيب» (١/ ٥٣).\n(^٢) أخرجه بهذا المعنى مسلم في صحيحه في كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة، برقم (٤٣٦) (٢/ ٩٨٢)\n(^٣) وهو اختيار أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي. ينظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٤٨، ٢٢٦)، والمواقف للإيجي (١/ ٣٦٧).\n(^٤) ممن توقف في هذه المسألة، الكيا الهراسي. ينظر: الحبائك في أخبار الملائك لجلال الدين السيوطي (١/ ٥٨)، وروي التوقف في هذه المسألة عن أبي حنيفة، والطحاوي. ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٩٧).\n(^٥) ينظر: حجج القرآن لأحمد بن المظفر الرازي (١/ ٨١)، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (١/ ١٥٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٨٩)، والحبائك في أخبار الملائك (١/ ٢٠٧).\n(^٦) تقدم توثيقه","vol":"1","page":156},{"text":"بتعليمه أسماء كل شيء، وبأنه خلقه بيده، وبغير ذلك، فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء مخلوقين من نور). (^١)\nوقال ابن القيم: (فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها، وهذا من كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل من الملائكة، ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة). (^٢)\nوعلَّل ذلك في موضع آخرفقال: (صالح البشر أفضل من الملائكة، لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات البشرية، فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، وهي كالنفَس للحي. وأما عبادات البشر فمع منازعات النفوس، وقمع الشهوات ومخالفة دواعي الطبع فكانت أكمل، ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره). (^٣)\nوفصَّل بعضهم في المسألة (^٤)، كالشيخ ابن عثيمين وغيره، فقد نصَّ على أن المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من البشر محل خلاف بين أهل العلم، ثم قال: (والقول الراجح فيها أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية، فإن الله ﷾ يؤدي لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم- أي: في مقر الصالحين، وهو الجنة - يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٤)\n(^٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٣/ ١٠٠٢)، وبدائع الفوائد (٤/ ١٤٢)\n(^٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين (١/ ٢٢٧).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٣)، وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ١٦٣).","vol":"1","page":157},{"text":"أما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل؛ لأنهم خُلقوا من نور، وجُبلوا على طاعة الله ﷿ والقوة عليها، كما قال الله تعالى في الملائكة ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٢٨]، وقال ﷿: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] هذا هو القول الفصل في هذه المسألة. وبعدُ: فإن الخوض فيها، وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة، من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به). (^١)\nوهذا التفصيل قال به شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. (^٢)\nقال ابن القيم: (وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه). (^٣) والقول به أسلم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: محموع فتاوى ابن عثيمين (١/ ٢٨١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٣)، وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ١٦٣)\n(^٣) بدائع الفوائد (٣/ ١٦٣).","vol":"1","page":158},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (الآية تدل على أنّ آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له (^١)، وأنّ إبليس كان من الملائكة، وإلا لم يتناوله أمرهم، ولم يصح استثناؤه منهم، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لجواز أن يقال: كان من الجنّ فعلًا ومن الملائكة نوعًا). (^٢)\n\nهذه الآية جمع فيها الخطيب عددًا من الدلالات:\nالدلالة الأولى:\nكون إبليس من الملائكة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن إبليس كان من الملائكة بدليل أن الخطاب كان له مع الملائكة فهو داخل فيهم، ثم استثناه تعالى منهم (^٣)، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود، ولم يؤاخذ بالعصيان. والأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [\n_________\n(^١) تقدم الكلام عن هذه الدلالة في الاستنباط السابق.\n(^٢) السراج المنير (١/ ٤٨).\n(^٣) ينظر: لباب التأويل للخازن (١/ ٣٧)","vol":"1","page":159},{"text":"الأعراف: ١٢]، وهو استثناء متصل (^١)؛ لتوجه الأمر له مع الملائكة، فلو لم يكن منهم لما توجه الأمر إليه، ولم يقع عليه ذم لتركه فِعل ما لم يؤمر به. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية ورجَّح كونه من الملائكة: الطبري، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبوحيان، وابن عادل، وأبو السعود، والشوكاني، وغيرهم. (^٣)\nوقيل الاستثناء منقطع (^٤) لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن، وهو قول الحسن البصري، وقتادة، ورواية عن ابن عباس (^٥) وقال به جمع من أهل العلم - كما سيأتي- واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] قالوا: وهذا نص صريح أنه كان من الجن، ولأنه خُلِق من نار والملائكة خلقوا من النور، وهذا يدل على اختلاف خلق الملائكة عن خلق إبليس، ولأنه أبى وعصى واستكبر، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما\n_________\n(^١) الاستثناء المتصل هو: أن يكون المستثنى بعضًا مما قبله. ينظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ٢١٢).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٤٨).\n(^٣) وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، ينظر: جامع البيان (١/ ٥٠٨)، وتفسير البغوي (١/ ١٠٤)، والمحرر الوجيز (١/ ١٢٤)، والتفسير الكبير (٢/ ٤٢٩)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٩٤)، وأنوار التنزيل (١/ ٧١)، ولباب التأويل (١/ ٣٧)، والبحر المحيط (١/ ٢٤٨)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٤٣)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٨٧)، وفتح القدير (١/ ٧٩).\n(^٤) الاستثناء المنقطع هو: ألا يكون المستثنى بعضًا مما قبله. ينظر: شرح ابن عقيل على الألفية (٢/ ٢١٢).\n(^٥) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ٥٠٤)، والنكت والعيون للماوردي (١/ ١٠٢)","vol":"1","page":160},{"text":"يؤمرون، فلو كان إبليس ملَكًا ما عصى الله، ولأنه قال ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] والملائكة لاذرية لهم. (^١)\nقال الطبري: (وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها.) وردَّ هذه الحجج مرجِّحًا كونه من الملائكة. (^٢)\nقال البغوي: (قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان إبليس من الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله: كان من الجن، أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة). (^٣)\nوالذي عليه جماعة من المحققين من أهل العلم، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والزمخشري، وابن كثير، والسيوطي، والشنقيطي (^٤)، وابن عثيمين، وغيرهم (^٥) أنه من الجن؛ لأن قوله تعالى ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:\n_________\n(^١) ينظر: مدارك التنزيل للنسفي (١/ ٨٠)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٤٨).\n(^٢) جامع البيان (١/ ٥٠٨)\n(^٣) معالم التنزيل (١/ ١٠٤)\n(^٤) هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر بن محمد بن أحمد، الجكني الشنقيطي، كان إمامًا عابدًا، عالمًا بالتفسير، والفقه وأصوله، والنحو، والأدب، له (أضواء البيان) في التفسير، و(مذكرة في أصول الفقه) وغيرها، توفي سنة ١٣٩٣ هـ. تنظر: ترجمته في أضواء البيان (١٠/ ١٨) لتلميذه الشيخ عطية سالم (وهي ملحقة في آخر الجزء العاشر)، وترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي لعبدالرحمن السديس، ص ٩، وعلماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (١/ ١٧١).\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)، والكشاف (١/ ١٢٧)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٦٧)، وتفسير الجلالين (١/ ٣٨٨)، والحبائك في أخبار الملائك (١/ ٢٥٤)، وأضواء البيان (٣/ ٢٩١)، وتفسير سورة الكهف للعثيمين (١/ ٩١)، وأيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري (٣/ ٢٦٥)","vol":"1","page":161},{"text":"٥٠] نص صريح في محل النزاع، ولأن الملائكة رسُل الله سبحانه كما أخبر عنهم ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، ولا يجوز عليهم الكفر، وإبليس قد كفر.\nوالذي يظهر - والله تعالى أعلم - هو التفصيل في هذه المسألة: وأن القولين في الحقيقة قول واحد؛ فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. (^١)\nقال ابن تيمية: (والتحقيق: أنه كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله.) (^٢)، وذلك أن إبليس كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم وتعبَّد وتنسَّك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة. (^٣)\nوقال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: إن ظاهر القرآن أن إبليس كان من الملائكة؟ فالجواب: لا، ليس ظاهر القرآن؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ثم ذكر أنه ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، نعم القرآن يدل على أن الأمر توجه إلى إبليس كما قد توجه إلى الملائكة، ولكن لماذا؟\nقال العلماء إنه كان - أي: إبليس - يأتي إلى الملائكة ويجتمع إليهم فوجَّه الخطاب إلى هذا المجتمع من الملائكة الذين خُلقوا من النور ومن الشيطان الذي\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل (١/ ٢٩١)\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٥/ ١٦٧)","vol":"1","page":162},{"text":"خُلق من النار، فرجع الملائكة إلى أصلهم والشيطان إلى أصله، وهو الاستكبار والإباء والمجادلة بالباطل لأنه أبى واستكبر وجادل). (^١)\nوعلى هذا التوجيه يظهر صحة دلالة الآية على كون إبليس من الملائكة باعتبار صورته دون أصله، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تفسير العثيمين: سورة الكهف (١/ ٩١).","vol":"1","page":163},{"text":"الدلالة الثانية من الآية:\nقبح الاستكبار:\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (من فوائد الآية استقباح الاستكبار (^١) وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة؛ إذ العبرة بالخواتيم، وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمنًا). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى عن إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فبيَّن علة عدم سجوده، وما أودى به استعظامه لنفسه من الكفر.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة النص من الآية (مفهوم الموافقة) ذم الكبر وقبحه، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر؛ لأنه تعالى قال عن إبليس ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فبيَّن علة عدم سجوده، وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل بل إباءً واستكبارًا، فامتنع عما أُمر به واستكبر أن يُعظّم آدم - ﵇ - فكرِه السجود في حقه واستعظمه في حق\n_________\n(^١) وهو غير التكبر، فالتكبر هو: أن يرى المرء نفسه أكبر من غيره، والاستكبار: طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكثر ما عنده، والتكبر والكبرياء من الكِبر -بالكسر- وهو العظمة.\nويقال: كَبُر بالضم يَكْبُر: أي عَظُم فهو كبير. وقيل: الكِبْر: الإثم.\nوالاستكبار: التعظُّم، وهو استفعال من (كبُر) يشعر بالتكلّف؛ لأنها صفة غير أصيلة؛ لذا تثبُت في حق كل أحد سوى الله تعالى؛ ولذا لم يرد وصف الله بـ (المستكبر)، ووصف به غيره وسمى نفسه المتكبّر. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٤٤)، واللسان لابن منظور مادة (ك ب ر) (٥/ ١٢٥)، وتاج العروس (١/ ٣٤٣٩).\n(^٢) ينظر: السراج المنير (١/ ٤٩) بتصرف يسير.","vol":"1","page":164},{"text":"آدم، وقد صرَّح - عياذًا بالله منه - بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الاسراء: ٦١]، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فكان ترك السجود منه تسفيهًا لأمر الله وحكمته، فكفَّره الله تعالى بذلك، وكل من سفَّه شيئًا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله ﷺ فحكمُه كحكمِه، وهذا يدل على قبح الكِبر وعِظم جُرمه. (^١)\nقال الرازي: (اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن يُظن أنه كان معذورًا في ترك السجود، فبيَّن تعالى أنه لم يسجد مع القدرة وزوال العذر بقوله: ﴿أَبَى﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار (^٢)، أما من لم يكن قادرًا على الفعل لا يقال له إنه ﴿أَبَى﴾، ثم قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكِبر، فبيَّن تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر، فبيَّن تعالى أنه كفَر بقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾). (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وحقي، وغيرهما. (^٤)\nويؤيد هذه الدلالة ماجاء في الكتاب والسنة من ذم الكِبر وأهله كما أخبر تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٩٦)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (١/ ٨٩)\n(^٢) الإباء: هو امتناع باختيار، وأبى الشيء: لم يرضه، و(أبى) عليه: امتنع، وهو غير الاستكبار، وكل إباء: امتناع بلا عكس، فإن الإباء شدة الامتناع ويقال: أبى على فلان وتأبَّى عليه: إذا امتنع. ينظر: الكليات لأبي البقاء الكفوي (١/ ٢٨)\n(^٣) التفسير الكبير (٢/ ٤٤٦)\n(^٤) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٧٢)، وروح البيان (١/ ١٠٥)","vol":"1","page":165},{"text":"الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] حتى أن الله تعالى يختم على قلبه كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]\n\nوالمتكبر محروم من دُخُول الجنة؛ كماجاء في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبر بطر الحق (^١) وغمط الناس (^٢)». (^٣) بل إن الله تعالى يعامل المتكبر في الآخرة بنقيض قصده؛ قال ﷺ: «يُساقون إلى سِجن في جهنم .. الحديث» (^٤) فدلَّ على عظم خطيئة الكبر، وأنها تودي بصاحبها إلى ترك الحق، وتفضي به إلى الكفر، وهو استنباط حسن قوي الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) بطر الحق: هو أن يجعل ما جعله الله حقًا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: هو أن يتحير عند الحق فلا يراه حقًا، وقيل: هو أن يتكبر من الحق ولا يقبله. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٣٥)، ولسان العرب مادة ب ط ر (٤/ ٦٩)\n(^٢) غمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم. ينظر: تهذيب اللغة (٨/ ٨٧)، ومختار الصحاح (١/ ٢٣٠)\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه برقم (٩١)، (١/ ٩٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي في سننه برقم (٢٤٩٢) (٤/ ٦٥٥) وقال: حديث حسن، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٦٧) برقم (٢٩١١).","vol":"1","page":166},{"text":"الدلالة الثالثة:\nالكافر حقيقة هو الذي علم الله أنه يتوفى على الكفر.\nوجه الاستنباط:\nقوله ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، حيث (كان) فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ أي: كان في سابق علم الله كافرًا.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن العبرة بالخواتيم، وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر حقًا؛ لأن الله تعالى أخبر عن إبليس أنه كان ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ والمضي يدل على شيء سابق، أي كان في سابق علم الله تعالى أنه سيكفر كما عليه جمهور المفسرين (^١) والمراد كفره في ذلك الوقت، وإن لم يكن قبله كافرًا، وعطفُ (كان) على (واستكبر) يقويه؛ لأن الاستكبار عن السجود إنما حصل له وقت الأمر، فدلَّ على أن العبرة بالخواتيم وأنه وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته. (^٢)\nوللمفسرين في معنى ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قولان: أحدهما: أن (كان) بمعنى صار (^٣)، كقوله تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، والثاني: أنها بمعنى الماضي، أي: كان في سابق علم الله كافرًا. (^٤)\n_________\n(^١) نسبه إلى الجمهور الواحدي، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، ينظر: الوسيط (١/ ١٢٠)، ومعالم التنزيل (١/ ١٠٤)، والمحرر الوجيز (١/ ١٢٦)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٩٧).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ١٧٤)\n(^٣) وهو قول قتادة. ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٥٤)، والنكت والعيون للماوردي (١/ ١٠٣)\n(^٤) وهو قول مقاتل وابن الأنباري، ينظر: زاد المسير (١/ ٥٤)، والنكت والعيون (١/ ١٠٣)، وبعضهم قال بظاهر الآية كان كافرًا في الأصل، وهذا قول أهل الجبر. ولا يخفى بطلانه. ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٤٣)","vol":"1","page":167},{"text":"قال القرطبي: (قال ابن فورك (^١) «كان» هنا بمعنى: صار، خطأ ترده الأصول. (^٢) وقال جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا صحيح، لقوله ﷺ في صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (^٣». (^٤)\nوممن نصَّ على دلالة (كان) على هذا المعنى: الواحدي، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، والخازن وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^٥)\nوهذا هو الظاهر أن (كان) على بابها في الدلالة على الماضي، والعبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه ربه في آخر حياته وأول منازل آخرته.\nقال ابن أبي العز: (الإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي\n_________\n(^١) هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر: واعظ عالم بالاصول والكلام، من فقهاء الشافعية، سمع بالبصرة وبغداد، وحدث بنيسابور، وبنى فيها مدرسة، كان أشعريا، بلغت تصانيفه في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن قريبا من المئة، روى عنه الحاكم حديثًا، توفي سنة ٤٠٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٢٠٤) (والأعلام (٦/ ٨٣)\n(^٢) ينظر قول ابن فورك في: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ١٢٥)، وفتح القدير للشوكاني (١/ ٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب: العمل بالخواتيم، برقم (٦٦٠٦)، (٨/ ١٢٤)\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٩٧)\n(^٥) ينظر: الوسيط (١/ ١٢٠)، ومعالم التنزيل (١/ ١٠٤)، والمحرر الوجيز (١/ ١٢٦)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٩٧)، ولباب التأويل (١/ ٣٧)، وإرشاد العقل (١/ ٨٩)، وروح المعاني (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":168},{"text":"يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب). (^١)\nولبعض المفسرين وأهل العلم توجيه آخر للآية، فقال ابن عثمين: (زعم بعض العلماء أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن (كان) فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ لكن هناك تخريجًا أحسن من هذا: أن نقول: إن «كان» تأتي أحيانًا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وما أشبهها، هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى بل لا يزال؛ فتكون (كان) هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة؛ وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره). (^٢)\nوقال ابن عاشور: (والذي أراه أحسن الوجوه في معنى ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أن مقتضى الظاهر أن يقول (وكفر) كما قال: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ فعدل عن مقتضى الظاهر إلى و﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ لدلالة (كان) في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها، والمعنى أبى واستكبر وكفر كفرًا عميقًا في نفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]، وكقوله تعالى: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١] دون أن يقول أم لا تهتدي؛ لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت راسخة في الاتصاف بعدم\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (٢/ ٤٩٥)، وينظر: الإيمان لابن تيمية (١/ ٣٣٥)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٤٨)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٣٢).\n(^٢) تفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٢٥).","vol":"1","page":169},{"text":"الاهتداء، وأما الإتيان بخبر كان ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ دون أن يقول (وكان كافرًا) فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحدًا من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له الوصف وحده. (^١)\nوعلى هذا التخريج، فلا دلالة في الآية على مسألة الموافاة، وهو تخريج حسن، يتضمن قول من قال أنها بمعنى (صار)، لكن القول إن كان بمعنى (صار) تقريب للمعنى، وهذا يفيد قوة الاتصاف بالصفة، وكأنها قديمة راسخة وليست مجرد تحول جديد بل هو تحول تام كأنه من قديم، فهي تدل على أن إبليس بإبائه واستكباره صار من الكافرين مع الدلالة على رسوخ الصفة وكونه كفرًا شديدًا قويًا في بابه، ويضاف إلى هذا أنه قال ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل (كان كافرًا)، والأول أبلغ وأدل على أنه من جملة المعروفين المتصفين بهذه الصفة. (^٢)\nوإن كان قول الجمهور أن (كان) على بابها من المضي كما قال به الخطيب، لا يخلو من وجاهة وقوة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١/ ٤٢٦)\n(^٢) ينظر في الترجيح: ملتقى أهل التفسيرعلى الشبكة.","vol":"1","page":170},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٣٥ - ٣٩]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾). (^١)\nفي هذه الآيات جمع الشربيني عددًا من الاستنباطات (^٢)، أولها:\nالجنة مخلوقة.\nوجه الاستنباط:\nحيث أمر الله تعالى آدم وزوجه بسكنى الجنة والأكل منها، ولولا أنها كانت موجودة إذ ذاك لما أمرهم بسكناها.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجنة مخلوقة، لأنه تعالى قال لآدم ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ ولولا أنها كانت موجودة لما أمرهم بسكناها والأكل منها، وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة من خلق\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (١/ ٦١) بتصرف.\n(^٢) نقلها نصًا من تفسير البيضاوي، ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٧٥)","vol":"1","page":171},{"text":"الجنة والنار كذلك. (^١)\nقال ابن أبي العز: (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك) (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والسيوطي، وغيرهما. (^٣)\nقال السيوطي: (قوله تعالى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر القصة فيها دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن). (^٤)\nوجمهور العلماء على أنهما قد خُلقتا وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وغيرها من الآيات (^٥) وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء وغيره. (^٦)\nقال الطوفي: (لأنه قد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أُخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة) (^٧). (^٨)\n_________\n(^١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٧٦)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللا لكائي (٦/ ١٢٥٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة والقدرية لأبي الحسين العمراني (٩/ ٢٨٠).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٧٦)\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٧٥)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٨)\n(^٤) الإكليل (١/ ٢٨)\n(^٥) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٠٩)\n(^٦) حديث الإسراء تقدم تخريجه في الصحيح.\n(^٧) أخرجه مسلم في صحيحه، وقد تقدم تخريجه.\n(^٨) الإشارات الإلهية (١/ ٢٤٩)","vol":"1","page":172},{"text":"وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة في استنباط خلق النار (^١)، والرد على المعتزلة المخالفين في هذا الباب، وبيان الأدلة عليه بما يغني عن إعادته، والله أعلم.\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (٧)","vol":"1","page":173},{"text":"الدلالة الثانية:\nالجنة في جهة عالية:\nوجه الاستنباط:\nأن الله تعالى قال: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، والهبوط هو النزول من علو إلى سُفل.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجنة في جهة عالية بدلالة لفظ: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، والهبوط هو النزول من علو إلى سُفل.\n\nفدلَّ بهذا اللفظ على علو الجنة، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن، كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥]، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (^١)، فثبت بهذا الحديث أن الجنة تحت عرش الرحمن.\nوفي قصة الإسراء في صحيح مسلم من رواية أنس عن النبي ﷺ جاء فيها: «.. في السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى .. الحديث» (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، برقم (٧٤٢٣)، (٩/ ١٢٥)\n(^٢) حديث الإسراء تقدم تخريجه.","vol":"1","page":174},{"text":"فثبت بهذا الحديث أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وعليه فالجنة - والله تعالى أعلم - فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن كما دل عليه هذين الحديثين.\nوفي صحيح مسلم أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. (^١)\nوجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].\nقال ابن عباس: «الجنة، وقيل: عليون في السماء السابعة تحت العرش». (^٢)\nوروي عن ابن مسعود أنه قال: «الجنة في السماء السابعة العليا». (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والقرطبي، وابن القيم، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٤)\nقال القرطبي: (فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، كما دل عليه حديث الإسراء). (^٥)\n_________\n(^١) تقدم تخريج.\n(^٢) ينظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٩١)، وتفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٥٢)، وفتح القدير ٥/ ٤٩٠.\n(^٣) ينظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٧/ ٦٥١).\n(^٤) أنوار التنزيل (١/ ٧٥)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٢٧)، وحادي الأرواح (١/ ٢٨)، وروح البيان (١/ ١١٦)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (١/ ١٣٣).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٢٧)","vol":"1","page":175},{"text":"وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والعلم عند الله تعالى.","vol":"1","page":176},{"text":"الدلالة الثالثة:\nدوام عذاب النار، وخلود الكافر فيها.\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة، وأنها في جهة عالية، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة: ١٧]). (^١)\nوجه الاستنباط:\nفي قوله تعالى ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يفيد الحصر (^٢)، فدلَّ بمفهومه على خلود الكافرين في النار. (^٣)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن عذاب النار دائم، لأنه تعالى قال ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها ملازمة الصاحب للصاحب والغريم لغريمه. (^٤)\nقال الشيخ ابن عثيمين: (﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي «أصحاب النار» إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبدًا؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحَبُ لابد أن يلازَم من صاحبه؛ وقوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون، والمراد بذلك المكث الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦١)\n(^٢) الحصر هنا بأسلوب تقديم ماحقه التأخير (قصر الصفة على الموصوف).\n(^٣) ينظر: روح البيان لحقي (١/ ١١٦)\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (١/ ٢٤٨)","vol":"1","page":177},{"text":"خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]\nثم قال: (ومن فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبدًا - كما سبق- فإن اتصفوا بأحدهما فقد دلَّ الدليل على أن المكذب خالد في النار، وأما الكافر فمن كان كُفره مخرجًا عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار.) (^١)\nفالآيةأفادت أيضًا أن الكافر مخلد في النار، وغيره غير مخلد، بدلالة مفهوم المخالفة في قوله تعالى ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ حيث حصرالخلود في النار لأولئك الكفار المكذبين، فدلَّ على أن غيرهم من العصاة لا يخلدون فيها، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة. (^٢)\nقال الطحاوي (^٣): (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته\n_________\n(^١) تفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٤١).\n(^٢) ينظر: الانتصار في الرد على المعتزلة للعمراني (٣/ ٦٨٨)، والعين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي البعلي ابن فَقِيه فُصَّة (١/ ٤١)، ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (١/ ٤٦).\n(^٣) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي؛ انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان شافعي المذهب، صاحب التصانيف منها: (اختلاف العلماء) و(أحكام القرآن)، توفي سنة ٣٢١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، والوافي بالوفيات (٨/ ٨)","vol":"1","page":178},{"text":"وحكمه، إن شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته، وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته.) (^١)\nوقال ابن القيم في فصل الخلاف في أبدية النار وعذابها: (سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضًا كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازمًا كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وإنها غير قابلة للإيمان أصلًا، .. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره.) (^٢)\nوهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها من المفسرين: البيضاوي، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٣)\nوهي فائدة حسنة، فالخلود في النار سببه الكفر، والحُكم يَدور مع سببه وعِلَّته وجودًا وعَدمًا، فالكفار مخلدون لأنَّ صفة الكفر ملازمة لهم؛ فبِدَيمومة السبب الذي هو الكفر؛ دام المسبب الذي هو العذاب. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٣٥٩)، والقول السديد شرح كتاب التوحيد لابن سعدي (١/ ٩).\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (١/ ٣٦٨)\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (١/ ٧٥)، وروح البيان (١/ ١١٦)، وتفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٤١)\n(^٤) ينظر: معارج الصعود إلى تفسير سورة هود للشنقيطي، ص ٢٥٨.","vol":"1","page":179},{"text":"والأدلة من الكتاب والسنة على أن النار لا تفنى، وعلى تخليد الكافرين فيها، وأنهم لا يخرجون منها كثيرة، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]\nوثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح. . . إلى أن قال: فيُؤمر به فيُذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت. . . الحديث» (^١)\nفخلود الجنة والنار وأبديتهما، وخلود المؤمنين في الجنة، والكافرين في النار ثابت في الكتاب والسنة، بما لا يدع مجالا للشك في حقيقته، ولا لتأويل النصوص الصريحة فيه. (^٢) وهو من عدل الله تعالى؛ إذ الكفر اعتداءٌ على حقِّ الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون .. (٢٨٤٩)، (٤/ ٢١٨٨)، وأخرجه بنحوه البخاري في كتاب التفسير باب قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] (٤٧٣٠) (٦/ ٩٣).\n(^٢) خالف مذهب أهل السنة في هذه المسألة: الجهمية فقالوا بفناء النار وفناء الجنة أيضًا، وقالت الخوارج بخلود كل من يدخل النار، ولو كانوا من أهل التوحيد، لأنهم يكفرون المسلمين بالذنوب، أما المعتزلة فيجعلون مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر، ويجرون عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ولكنه في الآخرة مخلد في نار جهنم.\nينظر الرد عليهم في: الانتصار في الرد على المعتزلة للعمراني (٣/ ٦٨٨)، والعين والأثر في عقائد أهل الأثر لابن فَقِيه فُصَّة (١/ ٤١)، ورفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (١/ ٤٦)","vol":"1","page":180},{"text":"التعريض بأن اتباع الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه.\n﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك تنبيه على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه، ولذلك عرّض بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: بالقرآن بل يجب أن تكونوا أوّل مؤمن به؛ لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه لما كان أهل الكتاب أعلم الناس بكتابهم وأعرفهم بحكمه وأحكامه، نهاهم أن يكونوا أول كافر بالقرآن؛ لعلمهم بما في كتابهم مما يبشر به ويصدقه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن اتّباع الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يوهم أن أهل الكتاب هم أول من كفر بالقرآن، وقَدْ سبقهم إلى الكفر به مشركوا العرب، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد ﷺ.\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٦٣.","vol":"1","page":181},{"text":"وممن أشار إلى هذا التنبيه من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن عادل، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال أبو السعود في معنى هذه الآية: (أي لاتسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به، لما أنكم تعرفون شأنه، وحقِّيته، بطريق التلقي مما معكم من الكتب الإلهية كما تعرِفون أبناءكم، وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون بزمانه .. فلا تضعوا موضع ما يُتوقع منكم ويجب عليكم مالا يتوهم صدوره عنكم من كونكم أول كافر به.) (^٢)\nوقال القاسمي: (﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه، فالأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته). (^٣)\nفلما بُعث كان أمرهم على العكس، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٩]، وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (١/ ١٣١)، والتفسير الكبير (٣/ ٤٨٣)، وأنوار التنزيل ١/ ٧٦، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٣٣)، والبحر المحيط (١/ ٢٨٧)، واللباب في علوم الكتاب (٢/ ١٦)، وإرشاد العقل السليم /٩٥، ومحاسن التأويل ١/ ٢٩٩.\n(^٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩٥)\n(^٣) محاسن التأويل (١/ ٢٩٩)","vol":"1","page":182},{"text":"الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرَهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله، وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون\nبها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، بدليل خطاب اليهود في هذه الآية، وأمرِهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، بعد أمرِهم بالإيمان والتصديق، ونهيهم عن سائر المذكورات في الآيات المتقدمة، فدلَّ على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة كماهم مخاطبون بأصولها.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: ابن الجوزي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عادل، والنيسابوري، والبقاعي، وغيرهم. (^٢)\nقال أبو حيان: (هو خطاب لليهود، فدلّ ذلك على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.) (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٦٣.\n(^٢) ينظر: زاد المسير (١/ ٦١)، وأنوار التنزيل ١/ ٧٧، والبحر المحيط ١/ ٢٩٢، اللباب في علوم الكتاب (٢/ ٢٦)، وغرائب القرآن (١/ ٢٧٥)، ونظم الدرر (٢١/ ١٨٦).\n(^٣) البحر المحيط ١/ ٢٩٢","vol":"1","page":183},{"text":"وخطاب الكفار بفروع الإسلام مختلف فيه (^١)، والصواب أنهم مكلفون بالفروع؛ لدلالة النصوص على ذلك، ومن الأدلة عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]. ففي الآية التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، ونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢] ثم بيّن السبب بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤] الآية. (^٢)\n\nوالحاصل أن خطاب الكفار بفروع الشريعة كخطابهم بالأصول، وهي دلالة صحيحة كما نصّ عليها الخطيب وغيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: روضة الناظر لابن قدامة ١/ ١٦٠، والإحكام للآمدي ١/ ١٤٥، والقواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية لأبي الحسن بن اللحام الحنبلي ١/ ٧٦.\n(^٢) ينظر: لطائف الإشارات (٣/ ٦٥٢)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ١/ ٤٠.","vol":"1","page":184},{"text":"الابتلاء والاختبار بما يصيب العبد من خير أو شرّ.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة بلاء، وفي الآية تنبيه على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ اختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر عند مسارّه، ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nحيث البلاء يأتي بمعنى الاختبار بالخير والشر.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ اختبار من الله تعالى للعبد، عليه أن يعرف حقه فيه؛ لأنه تعالى قال مخاطبًا بتي إسرائيل ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ والبلاء: المحنة، أي: في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء: النعمة، أي: في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة (^٢)، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، والله تعالى يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر (^٣)، فجاء تنبيه الآية على هذا المعنى، كما قال\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٦)\n(^٢) ينظر: الدر المنثور للسيوطي (١/ ١٦٦)، وفتح القدير للشوكاني (١/ ٩٨)\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ١١٤).","vol":"1","page":185},{"text":"تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال ﷿: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].","vol":"1","page":186},{"text":"قال الطبري: (وأصل «البلاء» في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر؛ لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثم تسمي العرب الخير «بلاء» والشر «بلاء»، غير أن الأكثر في الشر أن يقال: «بلوته أبلوه بلاء»، وفي الخير: «أبليته أبليه إبلاء وبلاء» (^١)، ومن ذلك قول أحدهم:\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (^٢)\nفجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده). (^٣)\nوفي مرجع الإشارة في قوله ﴿ذَلِكُمْ﴾ خلاف، فرجَّح الجمهور: عود الإشارة إلى صنع فرعون (^٤)، ورجَّح بعض المفسرين عوده إلى النعمة. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ٦٩)، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (١/ ٢٥٩).\n(^٢) البيت من الطويل، وهو في ديوان زهير بن أبي سلمى ص ١٠٩، وتهذيب اللغة (١٥/ ٣٩٠)، ومقاييس اللغة ١/ ٢٩٤، وديوان الأدب (٤/ ١٠٩).\n(^٣) جامع البيان (٢/ ٤٩)\n(^٤) نسبه للجمهور القرطبي والشوكاني، ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٨٧)، وفتح القدير (١/ ٩٨)\n(^٥) قال الرازي: وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم. التفسير الكبير (٣/ ٥٠٧)، وينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٥٢)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (١/ ١٧٦) ولعل الأقرب أن المراد بالبلاء هنا المصيبة – كما عليه الجمهور- بدليل قوله (عظيم). ينظر: المرجع السابق","vol":"1","page":187},{"text":"قال ابن عثيمين: (قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله ﷿ عظيم. أي اختبار عظيم؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر). (^١)\nوقال أبو السعود: (﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لبلاء وتنكيرهما للتفخيم، وفي الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار، والصبر على المضار). (^٢)\nوممن أشار إلى هذا التنبيه من الآية: البغوي، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والألوسي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٣)\nوهي إشارة حسنة وتنبيه لطيف، فالله ﷿ يبلو عباده بالنعم ليمتحن شكرهم ويبلوهم بالمصائب ليمتحن صبرهم، ولاشك أن نزول البلاء بالمؤمن كله له خير، وبه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته (^٤) كما أخبر ﷺ «عجبًا لأمر المؤمن، إن\n_________\n(^١) تفسير العثيمين: سورة البقرة (١/ ١٧٦).\n(^٢) إرشاد العقل السليم (١/ ١٠٠)\n(^٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٨٧)، وأنوار التنزيل (١/ ٧٩)، وروح البيان (١/ ١٣٠)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٠٠)، وروح المعاني (١/ ٢٥٥)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (١/ ١٧٦).\n(^٤) قال الفضل بن سهل: إن في العلل لنعَمًا لا ينبغي للعاقل أن يجهلها، فهي تمحيص للذنوب، وتعرّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وتذكير بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة. ينظر: الفرج بعد الشدة للتنوخي (١/ ١٦٩)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٤/ ٢٩٨)، وينظر: زاد المعاد لابن القيم (٤/ ١٩٠).","vol":"1","page":188},{"text":"أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له» (^١)\nوكل خير يتفضل به الله على عبد من عباده هو اختبار له ليظهر شكره، ورعايته للنعم فيما يرضيه سبحانه، فإن شَكر فاز وأفلح واستحق المزيد.\nفكانت دلالة هذه الآية تنبيه للمسلم أن يحذر ويستشعر هذا الابتلاء والاختبار في سرائه وضرائه، والله تعالى أعلم.\n\nالخلف في خبر الله تعالى محال.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nأن قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ يدل على أنه ﷾ منزه عن الكذب، وعده ووعيده؛ لأن الكذب صفة نقص، والنقص على الله محال. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم (٢٩٩٩)، (٤/ ٢٢٩٥).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٨٣).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٥٦٧)","vol":"1","page":189},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على أن الخلف في خبر الله تعالى محال؛ إذ العهد في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمي خبره سبحانه عهدًا؛ لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة، أفاده الرازي، ونقله عنه الشوكاني. (^١)\nوممن استنبط هذا الدلالة من الآية على هذا المعنى: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وغيرهم. (^٢)\nويشهد لهذه الدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. فالله يحقّق وعده لأنه لا أصدق من الله، وقد يتخلف وعيده سبحانه ولا يحقّقه في الآخرة، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فإن أهل السنة يقولون إن إخلاف الوعد صفة ذم، والله ﷿ يتنزه عنها، بخلاف الوعيد فإنه يعتبر من باب التفضل والتكرم وإسقاط حقه تعالى، فإخلافه عفو وهبة، وإسقاط ذلك كرم منه وجود وإحسان، كما يفعل أهل الشرف بعبيدهم حين يتوعدونهم، ثم يعفون عنهم ويخلفون ما توعدوهم به من العقاب؛ فإخلاف الوعيد كرم ويمدح به بخلاف الوعد. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق، وفتح القدير للشوكاني (١/ ١٢٤).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٣/ ٥٦٧)، وأنوار التنزيل (١/ ٩٠)، والبحر المحيط (١/ ٤٤٩).\n(^٣) ينظر: الأسئلة والأجوبة على الواسطية ص ٨٤. وينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":190},{"text":"وذهب المعتزلة إلى منع إخلاف الوعيد وزعموا أنه من الكذب، وهذا تحكم على الله ﷿ وسوء ظن به سبحانه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، وقد قام الدليل على ذكر الموانع من إنفاذ الوعيد، بعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانعة بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة، والحسنات العظيمة الماحية، والمصائب المكفرة، وإقامة الحدود في الدنيا كلها مانعة بالنص، فلا تعطل هذه النصوص. (^١)\nوكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحظَّ عليه ومدح فاعله. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وأخبر عن نفسه بالعفو فقال ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] ولا يمكن تقبيح العفو من أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، عن أحد من الموحدين. (^٢)\nوعلى هذا فيجوز على الله تعالى إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد، لأن الوعيد حقه، والوعد أوجبه تعالى على نفسه بوعده، والله تعالى منزه عن الكذب، والله لا يخلف الميعاد، وبهذا يظهر صحة استحالة الخلف في خبر الله تعالى كما أفاده الخطيب وأنها مقيدة بالوعد دون الوعيد كما عليه أهل السنة، والله تعالى أجل وأعلم.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: (وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]). مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٥)\n(^٢) ينظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية (٣/ ٦٧٦)، وإيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى مذهب الحق من أصول التوحيد لابن المرتضى اليمني (١/ ٢٢٧)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":191},{"text":"جواز النسخ\nقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في التكليف والثواب والمنفعة، وتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النسخ (^١)، والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير، والآية دلَّت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة، وذلك لأنّ الأحكام شُرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم، فضلًا من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في غيره) (^٢).\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص (مفهوم الموافقة) على جواز النسخ خلافًا لمن أنكره (^٣)، لأنه تعالى قال ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ\n_________\n(^١) النسخ في اللغة مشتق من أحد شيئين، الأول: الرفع والإزالة، والآخر من: نسخت الكتاب إذا نقلته من نسخة، وعلى هذا الناسخ والمنسوخ. وفي اصطلاح العلماء هو: عبارة عن رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (١/ ٥٧)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٩٦)، وهو استنباط في علوم القرآن، ويدخل في مسائل أصول الفقه دخولًا أوليًا.\n(^٣) النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا خلافا لليهود، فإن منهم من ينكره عقلًا لكنه منعه سمعًا، وشذت طائفة قليلة من المسلمين فأنكرت النسخ منهم أبو مسلم الأصفهاني، والذي انتهى إليه المحققون أن خلافه مع الجمهور لفظي، وأنه لا ينكر النسخ كما هو مشهور عنه، بل يسميه تخصيصًا لا نسخًا. ينظر: شرح جمع الجوامع للسبكي (٢/ ٨٨)، والمحصول لابن العربي (١/ ١٤٤) وينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (١/ ٦٢)، والناسخ والمنسوخ لابن حزم (١/ ٨)، والناسخ والمنسوخ لقتادة (١/ ٧).","vol":"1","page":192},{"text":"مِثْلِهَا﴾ فدلَّ على وقوع النسخ في كتاب الله، والوقوع دليل الجواز. (^١) وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه (^٢) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير منه، فبيَّن تعالى في هذه الآية جواز النسخ، ردًا على اليهود. (^٣)\nقال ابن جزي: (قوله تعالى ﴿قَدِيرٌ﴾ استدلال على جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافًا لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوه على الله، وهو جائز عقلًا، وواقع شرعًا فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها). (^٤)\nونصَّ على هذه الدلالة غير ابن جزي: الرازي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، وابن عاشور، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٢٩)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٦٦٢)\n(^٢) ينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٣٠)، ومناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني (٢/ ١٨٧) وينظر في كتب الأصول: الفصول في الأصول للجصاص (٢/ ٢١٧)، والعدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٣/ ٨٠٨)، والتبصرة في أصول الفقه الشيرازي (١/ ٢٥٢)، وأصول السرخسي (٢/ ٥٤)، والمحصول لابن العربي (١/ ١٤٤)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٢٧)، والإحكام للآمدي (٣/ ١١٥).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٢/ ٤٧١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٧٩).\n(^٤) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٩٣)\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير (٣/ ٦٣٧)، وأنوار التنزيل (١/ ٩٩)، ولباب التأويل (١/ ٦٨)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٣٧٩)، وغرائب القرآن (١/ ٣٥٦)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٤٣)، وروح المعاني (١/ ٣٥٢)، والتحرير والتنوير (١/ ٦٦٢)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":193},{"text":"أما جواز النسخ عقلًا: فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا يبعُد أن الله تعالى يعلم مصلحة عباده في أمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا بسبب العزم عليه عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم. (^١)\nوأما دليله شرعًا: فهذه الآية – محل الدراسة كما تقدم – وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قال ابن عباس وغيره: معناه يمحو ما يشاء من أحكام كتابه، فينسخه ببدل أو بغير بدل، ويثبت ما يشاء فلا يمحوه ولا ينسخه، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: معناه عنده ما ينسخ ويبدل من الآية والأحكام، وعنده ما لا ينسخ ولا يبدل، كلٌ في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ. (^٢)\nفهذا يدل على جواز النسخ بنص القرآن، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وهذا نص قاطع على جواز النسخ، ويدل على جوازه أيضًا قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٢] ومعلوم أن شريعة كل نبي قد نسخت شريعة من قبله.\n_________\n(^١) ينظر: روضة الناظر (١/ ٢٢٨)، وينظر تفصيل أدلة جوازه عقلًا في: مناهل العرفان (٢/ ١٨٧).\n(^٢) وبمثل هذا المعنى قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم. ينظر: زاد المسير (٢/ ٥٠٠)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٧١)، وينظر: قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن لمرعي الكرمي (١/ ٢٣).","vol":"1","page":194},{"text":"واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه بأن الدلائل قد دلت على نبوة محمد ﷺ، ونبوته لا تصح إلا مع القول بالنسخ، وهو نسخ شرع من قبله فوجب القطع بالنسخ. (^١)\nويدلُّ له أيضا الواقع: كتحويل القبلة، وتغيير مدة العدة وغيرهما مما ثبت شرعًا، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وأن القول بعدم وجود النسخ باطل (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٦٣٧)\n(^٢) ينظر: أصول السرخسي (٢/ ٥٤)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٢٨)","vol":"1","page":195},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما قال هؤلاء: ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم (مثل قولهم) من التعنت وطلب الآيات فقالوا: أرنا الله جهرة، وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ،\n﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الحقائق، ولا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد يقين وإنما قالوه عتوًّا وعنادًا). (^١)\nهذه الآية فيها دلالتان:\nالدلالة الأولى:\nتسلية النبيّ ﷺ بقوله ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾\nوجه الاستنباط:\nأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهي تسلية النبي ﷺ بأنه كما\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":196},{"text":"تعنت عليه قومه تعنت من قبله كذلك، فهذا ديدن كل كافر برسل الله منذ قديم الزمان، ولهذا قال سبحانه: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: في مثل هذا القول تشابهت قلوبهم فكانت مخاطبتهم للرسل مخاطبة واحدة، وهي إنكارهم على الرسل اختصاصهم بالوحي والرسالة دونهم، فطلبوا منهم تلك الآيات بقصد التعنت والإلجاء؛ لأن الطغيان قد ساوى بينهم، حتى كأنهم تواصوا فيما يقولون، قال سبحانه عنهم ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، فالكفر ملة واحدة، والتشابه كله في مكابرة الحق. (^١)\nوممن استنبط هذه الفائدة من الآية: السيوطي، والقاسمي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٢)\nقال ابن عثيمين: (ومنها - أي من فوائد الآية - تسلية الرسول ﷺ؛ لأن الإنسان المصاب إذا رأى أن غيره أصيب فإنه يتسلى بذلك، وتخف عليه المصيبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]؛ فالله تعالى يسلي رسوله ﷺ بأن هذا القول الذي قيل له قد قيل لمن قبله). (^٣)\nوهي فائدة لطيفة، تكرر مثلها كثيرًا في سياق القصص القرآني، بغرض تثبيت قلبه، ومواساته ﷺ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير المنار (١/ ٣٦٣).\n(^٢) ينظر: تفسير الجلالين (١/ ٢٥)، ومحاسن التأويل (١/ ٣٨٦)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٢٥)\n(^٣) تفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٢٥)","vol":"1","page":197},{"text":"الدلالة الثانية:\nعتوّ الكفرة وعنادهم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على عتوّ الكفرة وعنادهم بقوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، حيث قالوا ذلك لا لخفاء الآيات، أو طلب مزيد يقين، وإنما قالوه عتوًّا وعنادًا؛ فاقتراح آية مع تقدم مجيء آيات واضحات إنما هو على سبيل التعنت، وهذا مع كونها آيات مبينات لا لبس فيها ولا شبهة، لكن لا يظهر كونها آيات إلا لمن كان موقنًا، أما من ارتاب، أو شك أو تغافل أو جهل فلا ينفع فيه الآيات ولو كانت في غاية الوضوح. (^١)\nولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فكل موقن قد عرف من آيات الله وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الإشارة من الآية: أبوحيان، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nويدل له أنه ما من نبي من الأنبياء إلا وقد جاء بآية أو آيات، وكان قومه مع هذا يصفونه بالسحر أو الجنون، ثم يقترحون عليه آيات سواها، فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل قد جاءوا من الآيات بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا ختم سبحانه حكاية\n_________\n(^١) ينظر:: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٨٨)\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٤)\n(^٣) ينظر: البحر المحيط (١/ ٥٨٨)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٤٠٠)، وتفسير الجلالين (١/ ٢٥)، والتحرير والتنوير (١/ ٦٩٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٤).","vol":"1","page":198},{"text":"هؤلاء الذين لا يعلمون والذين من قبلهم تشابهت قلوبهم بقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فليسوا أهلا للجواب لأنهم ليسوا بقوم يوقنون بل ديدنهم المكابرة (^١)، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (١/ ٦٩٠).","vol":"1","page":199},{"text":"﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: أولادي اجعل أئمة يقتدى بهم في الخير ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ﴾ أي: لا يصيب ﴿عَهْدِي﴾ بالإمامة ﴿الظَّالِمِينَ﴾ منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة، لأنها إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة والأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة، وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدّم للصلاة؟). (^١)\n\nهذه الآية فيها أكثر من دلالة:\nالدلالة الأولى:\nالتنبيه من الله تعالى لإبراهيم ﵇ أنه سيكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه سيكون من ذرية إبراهيم ﵇ ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة، بدلالة هذه الآية فهي- وإن كانت ظاهرة في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا. إلا أن فيها التنبيه لإبراهيم\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":200},{"text":"﵇ أن من ولده من يشرك به ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباد الله، وأنهم لا ينالهم عهد الله ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم. (^١)\nوممن أشار إلى هذا التنبيه من الآية: الطبري، والسمرقندي، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nقال الشنقيطي: (يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين، وقد صرّح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالمًا وغير ظالم كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]). (^٣)\nوهي دلالة صحيحة، وإشارة لطيفة المأخذ، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان ٢/ ٢٤، وتفسير القرآن العظيم ١/ ٤١٢.\n(^٢) ينظر جامع البيان ٢/ ٢٤، وتفسير القرآن للسمرقندي ١/ ٩١، والتفسير الكبير ٤/ ٣١، وأنوار التنزيل ١/ ١٠٤، والبحر المحيط ١/ ٦٠٤، وتفسير القرآن العظيم ١/ ٤١٢، وأضواء البيان ١/ ٤٣.\n(^٣) أضواء البيان ١/ ٤٣.","vol":"1","page":201},{"text":"الدلالة الثانية:\nعصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة (مفهوم الصفة) عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر قبل النبوّة، وذلك أنه لما أخبر سبحانه أنه لا ينال عهده الظالمين، دل بمفهومه على أنه ينال عهده من ليس بظالم، فكان ذلك دليلًا لمن يقول بعصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة (^١).\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم (^٢)\nقال أبو السعود: (فيه دليل على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر على الإطلاق (^٣)، وعدم صلاحية الظالم للإمامة). (^٤)\nوقد اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون فيما يخبرون به عن الله ﷿ من تبليغ الرسالة (^٥)، وأنهم معصومون من الكبائر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف ... وهو أيضًا قول أكثر\n_________\n(^١) وهذه الدلالة على معنى أن العهد هو النبوة كما هو أحد الأقوال في تفسيره. ينظر: النكت والعيون للماوردي (١/ ١٨٥)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير ٤/ ٣١، وأنوار التنزيل ١/ ١٠٤، وإرشاد العقل السليم ١/ ١٥٦.، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٥).\n(^٣) أي قبل النبوة وبعدها.\n(^٤) إرشاد العقل السليم (١/ ١٥٦).\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩)،، وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٩٤)","vol":"1","page":202},{"text":"أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول (^١». (^٢)\nوثبتت عصمتهم قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار بتبرئتهم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، وأنهم نشأوا على التوحيد والإيمان. (^٣)\nوذهبت المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلًا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره؛ وذهب الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة ; لأن ذلك مما يوجب احتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل. (^٤)\nوالذي يظهر ضعف دلالة هذه الآية على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوة مع أنها دلالة في نفسها صحيحة؛ إذ دلالتها بمفهوم المخالفة على أنه ينال عهده تعالى من ليس بظالم، لا يلزم منها ضرورةً عصمة الأنبياء، كما أن تأويل\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي (٣/ ٢٢٥)، والمستصفى للغزالي (١/ ٢٧٤)، والمحصول لابن العربي (١/ ١٠٩)، والإحكام للآمدي (١/ ١٦٩)، والموافقات للشاطبي (٤/ ١٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩)\n(^٣) اختاره القاضي عياض وابن الحاجب، والسبكي، ينظر: البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٣)، والإحكام للآمدي (١/ ١٦٩)، ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٣٠٥)، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد لصالح الفوزان (١/ ١٨٨ وما بعدها).\n(^٤) ينظر: المواقف للإيجي (٣/ ٤١٦)، والمستصفى للغزالي (١/ ٢٧٤)، وشرح المقاصد للتفتازاني (٢/ ١٤٢)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ١٦١).","vol":"1","page":203},{"text":"العهد هنا بالإمامة في قول كثير من المفسرين (^١) كما هو ظاهرالسياق، يُبعد تعلقها بالنبوة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني (١/ ١٣٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٤١٠)، وروح البيان (١/ ٢٢٨)، وفتح القدير (١/ ١٦٠)","vol":"1","page":204},{"text":"الدلالة الثالثة:\nعدم صلاحية الفاسق للإمامة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وإنما ينالها البر التقي وذلك أنه تعالى أخبر أنه لا ينال عهده الظالمين ولو كان الظالم والفاسق أهلًا لها لما نفى تعالى عنهم ذلك.\nفقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، التي طلب فيها إبراهيم الإمامة التي ذكرها الله تعالى بقوله ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وعلى هذا فالمراد بالعهد هو الإمامة (^١)، والمعنى: لا ينال الإمامة الظالمين، فدلّت الآية على أن من ذريته ظلمة، وأنهم لا يصلحون للإمامة، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه. (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عادل، وأبو السعود، والشهاب الخفاجي (^٣)، والشوكاني، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) في هذا العهد، سبعة أقوال: أحدها: أنه النبوة، قاله السدي. والثاني قول مجاهد: أنه الإمامة، وهو أظهرها لدلالة السياق عليه، والثالث: أنه الإيمان، قاله قتادة. والرابع: أنه الرحمة، وهو قول عطاء. والخامس: أنه دين الله قاله الضحاك. والسادس: أنه الجزاء والثواب. والسابع: أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه، وهو قول ابن عباس. ينظر: جامع البيان (٢/ ٢٠)، والنكت والعيون (١/ ١٨٥).\n(^٢) ينظر التفسير الكبير للرازي ٤/ ٣٨.\n(^٣) هو: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر، الخفاجي المصري، قاضي القضاة، نسبته إلى قبيلة خفاجة، ولد ونشأ بمصر، ورحل إلى بلاد الروم، من أشهر كتبه: شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل، وخبايا الزوايا بما في الرجال من البقايا، وحاشية على تفسير البيضاوي، توفي عام ١٠٦٩ هـ. ينظر: الأعلام (١/ ٢٣٨)\n(^٤) ينظر: الكشاف (١/ ١٨٤)، والتفسير الكبير (٤/ ٣٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٠٨ ومابعدها)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٤)، واللباب في علوم الكتاب (٢/ ٤٥٧)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٥٦)، حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي (٢/ ٢٣٤)، وفتح القدير (١/ ١٦١).","vol":"1","page":205},{"text":"قال الطبري في معنى هذه الآية: (هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يقتدي به أهل الخير. وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة مثله. فأخبر أنه فاعل ذلك، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم، فإنه غير مُصيّره كذلك، ولا جاعله في محل أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة، لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به.) (^١)\nوقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالمًا. (^٢)\nقال الرازي: (واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول: ما بينا أن قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقا للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، - إلى أن\n_________\n(^١) جامع البيان (٢/ ٢٠).\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٠٨ ومابعدها)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٤)، واللباب في علوم الكتاب (٢/ ٤٥٧)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٥٦)، وفتح القدير (١/ ١٦١).","vol":"1","page":206},{"text":"قال-: الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ [يس: ٦٠] يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: ١٨٣] يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم، إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق). (^١)\n\nوقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة، وأطال الزمخشري في إثبات ذلك وأكثر من الشواهد في تقريره، وأجازوا الخروج على الإمام تبعًا لذلك. (^٢)\nوالصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه الآية تصلح دليلًا لمنع عقد الإمامة للفاسق، أما إذا طرأ عليه الفسق حال إمامته فالذي عليه أكثر العلماء (^٣) أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه. (^٤)\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٤/ ٣٨ - ٣٩)\n(^٢) ينظر: الكشاف (١/ ١٨٤ ومابعدها)\n(^٣) ينظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٨)، وحاشية الدسوقي (٤/ ٢٩٩)، ومواهب الجليل (٦/ ٢٧٧)، وروضة الطالبين (١٠/ ٥٠)، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ١٤.\n(^٤) لأن في الخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. قال الدسوقي: يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنه لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه وعدم الخروج عليه، إنما هو لتقديم أخف المفسدتين. حاشية الدسوقي (٤/ ٢٩٩).","vol":"1","page":207},{"text":"قال ابن خويز منداد: (وكل من كان ظالما لم يكن نبيًا ولا خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام). (^١)\nوالظاهر في هذه المسألة هو ما عليه الجمهور (^٢)، كما هو ظاهرهذه الآية واستنبطه الخطيب، أن العدالة شرط لصحة الإمامة، فلا تجوز إمامة الفاسق إلا عند فقد العدل.\nأما على تفسير الظلم في الآية بالشرك كما رواه ابن كثير وغيره (^٣)، فلا دلالة في الآية على معنى عدم صلاحية الفاسق للإمامة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ١٠٩)، وينظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧.\n(^٢) أما الحنفية فليست العدالة عندهم شرطا لصحة الولاية، فيصح تقليد الفاسق الإمامة مع الكراهة. ينظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (١/ ٥٤٩)، و(٤/ ٣٠٥)، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٦، وجواهر الإكليل (٢/ ٢٢١)، وشرح الروض المربع (٤/ ١٠٨)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (٤/ ١٣٠).\n(^٣) عن سعيد بن جبير في قوله ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: المراد به المشرك، يقول: لا يكون إمام مشرك. ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٤١٠)، والتفسير الوسيط للواحدي (١/ ٢٠٣) ونسب هذا القول للفراء.","vol":"1","page":208},{"text":"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة، وتدل على امتناع أخذ الأجرة على ذلك). (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان، الأولى:\nوجوب إظهار علوم الدين. (^٢)\nوجه الاستنباط:\nترتيب اللعن على كتمان البينات والهدى.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس، لأن الله تعالى أخبر أن الذي يكتم ما أنزل سبحانه من البينات والهدى ملعون، فدلَّ على عظم كتم العلم، وأنه من كبائر الذنوب؛ ومنه يلزم وجوب إظهار العلم وتبيينه وتحريم كتمانه.\nقال الرازي: (هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يُكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٢٠)\n(^٢) وهو استنباط أصولي، واستنبط بعض العلماء من الآية دلالتها على وجوب قبول خبر الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. ولأنه تعالى قال بعدها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ فحَكَم بوقوع البيان بخبرهم. ينظر: روح المعاني (١/ ٤٢٦)، والإكليل للسيوطي (١/ ٣٥).","vol":"1","page":209},{"text":"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقريب منهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، فهذه الآيات كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهًا للناس وزاجرة عن كتمانها). (^١)\nوممن قال بهذا الاستنباط موافقًا الخطيب: الجصاص، والكيا الهراسي (^٢)، وابن العربي، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنيسابوري، والسيوطي، والألوسي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٣)\nقال الكيا الهراسي: (قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ مع أمثاله في القرآن: يدل على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس، وعمَّ ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع.) (^٤)\nوقال ابن عثيمين: (من فوائد الآية: وجوب نشر العلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ويتأكد وجوب نشره إذا دعت الحاجة إليه بالسؤال عنه؛ إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.) (^٥)\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٤/ ١٤٠)\n(^٢) هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي، الفقيه، الشافعي، توفي سنة ٥٠٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨٩).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٢٥)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢٥)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٧٢)، وزاد المسير (١/ ١٢٧)، والتفسير الكبير (٤/ ١٤٠)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٨٥)، وغرائب القرآن (١/ ٤٤٧)، والإكليل (١/ ٣٥)، وروح المعاني (١/ ٤٢٦)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٢٦٢)\n(^٤) أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢٥)\n(^٥) قال ﵀: (ولسان الحال: أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي؛ فهذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق؛ ولسان المقال: أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه؛ فيجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم). تفسير العثيمين: سورة البقرة (٢/ ٢٦٢).","vol":"1","page":210},{"text":"وهذ فائدة جليلة من الآية حسُن التنبيه عليها، والتحقيق: أن العالِم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سُئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية (^١)، ولما ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه، ألجمه يوم القيامة بلجام من نار». (^٢)\nويُحْمَل العلم في هذا الحديث على علوم الشريعة. (^٣)\nقال الألوسي: (استُدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرمة كتمانه). (^٤)\nوقد روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ ﷺ وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحدًا بشيء أبدًا، وتلا\n_________\n(^١) أهل الفقه على أن إظهار العلم فرض على الكفاية لا على التعيين. ينظر: الأصول من علم الأصول لابن عثيمين (١/ ٨٤)، وفيض القدير للمناوي (٤/ ٣٩١) وتحفة الأحوذي للمباركفوري (٧/ ٣٤١). وينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ١٨٥)\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٤/ ٢١٤) برقم (٨٥٣٣)، والترمذي في سننه برقم (٢٦٤٩)، (٥/ ٢٩) وقال: حديث حسن، وأبو داود في سننه (٣/ ٣٢١) برقم (٣٦٥٨). وصححه الألباني في: مشكاة المصابيح (١/ ٧٧) برقم (٢٢٣).\n(^٣) قال في عون المعبود: (وهو علم يحتاج إليه السائل في أمر دينه)، ينظر: عون المعبود على سنن أبي داود لأبي عبدالرحمن آبادي (١٠/ ٩١). وقال الخطابي: (المراد علم الدين المفترض طلبه على كافة المسلمين دون غيره؛ فإن الجهل بالدين مهلك والعلم طريق نجاته). ينظر: فيض القدير للمناوي (٤/ ٣٩١)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٣٩٢\n(^٤) روح المعاني (١/ ٤٢٦)","vol":"1","page":211},{"text":": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ (^١)، وبهذا يتبين صحة هذا الاستنباط وقوّته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب حفظ العلم، برقم (١١٨)، (١/ ٣٥)","vol":"1","page":212},{"text":"الدلالة الثانية:\nامتناع أخذ الأجرة على العلم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على امتناع أخذ الأجرة على العلم، حيث أفادت لزوم إظهار العلم وترك كتمانه؛ فلما دلَّت على وجوب ذلك التعليم، كان أخذ الأجرة عليه أخذًا للأجرة على أداء الواجب، وهو غير جائز، كما أنه لا يصح استحقاق الأجر على الصلاة والحج وغيرها مما يجب على العبد فعله. (^١)\nويدل على ذلك من جهة أخرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤]، فظاهر ذلك المنع من أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعًا؛ لأن قوله تعالى ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يمنع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الجصاص، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنيسابوري، والسيوطي، وغيرهم. (^٣)\nقال النيسابوري: (واستُدل بالآية أيضًا على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (١/ ١٢٧)، والتفسير الكبير (٤/ ١٤١).\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٢٥)\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٢٥)، وزاد المسير (١/ ١٢٧)، والتفسير الكبير (٤/ ١٤١)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٨٥)، وغرائب القرآن (١/ ٤٤٨)، والإكليل (١/ ٣٧).\n(^٤) غرائب القرآن (١/ ٤٤٨)","vol":"1","page":213},{"text":"وهذا الحكم محل خلاف بين الفقهاء، فذهب أبو حنيفة (^١)، وأحمد بن\nحنبل (^٢) إلى عدم جواز أخذ الأجرة على القربات والعبادات، لأن الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، ولا يستحق الأجرة على فعلها. (^٣)\nوذهب مالك (^٤)، والشافعي (^٥) إلى جواز أخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه استئجار لعمل معلوم ببذل معلوم، ولأن رسول الله ﷺ زوَّج رجلًا بما معه من القرآن، وجعل ذلك يقوم مقام المهر، فجاز جعل القرآن عوضًا. (^٦)\n_________\n(^١) هو: النعمان بن ثابت التيمي، أبو حنيفة الكوفي، فقيه أهل العراق، وإمام أصحاب الرأي، كان عالمًا عاملًا عابدًا زاهدًا، عرض عليه القضاء مرارًا فأبى، توفي سنة ١٥٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٥/ ٤٠٥، وتهذيب الكمال ٧/ ٣٣٩، وشذرات الذهب ١/ ٣٧٢.\n(^٢) هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، أبو عبدالله المروزي، إمام المحدثين، من كبار الحفاظ الأئمة ومن أحبار هذه الأمة، صنف كتابه (المسند) وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، توفي سنة ٢٤١ هـ.\nينظر: تهذيب الكمال ١/ ٦٨، وسير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٠٨.\n(^٣) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٤/ ١٩١)، واللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي (٢/ ٥٣٣)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (٥/ ١٢٤)، والمغني لابن قدامة (٨/ ١٣٨)، وكشاف القناع للبهوتي (٤/ ١٢)، والروض المربع للبهوتي (٥/ ٣٢١)\n(^٤) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبدالله المدني، الفقيه إمام دار الهجرة، صاحب (الموطأ)، روى عن نافع ومحمد بن المنكدر وغيرهما، وروى عنه الشافعي وخلائق، وله نحو ألف حديث، توفي سنة ١٧٩ هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٦)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ١٠٤.\n(^٥) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الإمام الشافعي، أبو عبدالله، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، له كتاب (الرسالة) و(الأم) و(أحكام القرآن) وغيرها، توفي سنة ٢٠٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٦٣)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ١٧١ وما بعدها.\n(^٦) ينظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٦٦)، وحاشية الدسوقي لابن عرفة (٤/ ١٨)، والأم للشافعي (٢/ ١٤٠)، ونهاية المطلب في دراية المذهب لأبي المعالي الجويني (١٥/ ٥٠١)، والتحقيق في مسائل الخلاف لابن الجوزي (٢/ ٢١٨)، والأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٤٦٩)، قال ابن حزم: \" والإجارة جائزة على تعليم القرآن وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة، كل ذلك جائز وعلى الرقية وعلى نسخ المصاحف ونسخ كتب العلم لأنه لم يأت في النهي عن ذلك نص، بل قد جاءت الإباحة \". ينظر: المحلى (٩/ ٢٢).","vol":"1","page":214},{"text":"وقد سئل شيخ الإسلام عن جواز أخذ الأجرة على تعليم العلم النافع؟\nفأجاب: (الحمد لله، أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، .. والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأمة بالقرآن والحديث والفقه إنما كانوا يُعلمون بغير أجرة. ولم يكن فيهم من يُعلم بأجرة أصلًا - إلى أن قال-: وتعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك بغير أجرة لم يتنازع العلماء في أنه عمل صالح فضلًا عن أن يكون جائزًا؛ بل هو من فروض الكفاية، وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد. إحداهما - وهو مذهب أبي حنيفة وغيره - أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك، والثانية - وهو قول الشافعي - أنه يجوز الاستئجار، وفيها قول ثالث في مذهب أحمد أنه يجوز مع الحاجة؛ دون الغنى (^١).). (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط (١٦/ ٣٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (٤/ ١٩١ - ١٩٤)، وتبيين الحقائق (٥/ ١٢٤)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٦٦)، والأم للشافعي (٢/ ١٤٠)، ونهاية المطلب في دراية المذهب لأبي المعالي الجويني (١٥/ ٥٠١)، والمغني لابن قدامة (٨/ ١٣٨)، والفروع لابن مفلح (٤/ ٤٣٥)، والإنصاف في مسائل الخلاف للمرداوي (٦/ ٤٦)، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٣٠/ ٢٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٠٤) بتصرف يسير.","vol":"1","page":215},{"text":"هذا نص الفقهاء قديمًا على أن الأجرة المأخوذة فيما يشبه عمل الطاعات حرام على الآخذ، لكن المتأخرين منهم استثنوا من هذا الأصل تعليم القرآن والعلوم الشرعية، فأفتوا بجواز أخذ الأجرة عليه استحسانًا، دفعًا للحرج والمشقة؛ لأنهم يحتاجون إلى ما به قوام حياتهم هم ومن يعولون، وفي اشتغالهم بالحصول عليه من زراعة أو تجارة إضاعة للقرآن الكريم والشرع بانقراض حملته، فجاز إعطاؤهم أجرًا على هذا التعليم (^١) لأنها من المصالح، وليس بعوض بل رزق للإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الإخلاص. (^٢)\nوالذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن المعلم إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال، والحرام، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين ; لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة، والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عنه. (^٣)\nوعليه فدلالة الآية على امتناع أخذ الأجرة على العلم ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بالحاجة إلى الأجرة، وما يؤخذ من بيت مال المسلمين هو على سبيل الإعانة، لا على سبيل العوض والإجارة وحكمه الجواز (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال صاحب كنز الدقائق الحنفي: (والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن) وهو مذهب المتأخرين من مشايخ بلخ. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (٥/ ١٢٤).\n(^٢) ينظر: فقه السنة لسيد سابق (٣/ ١٨٥).\n(^٣) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ١٨٢)، والشرح الممتع لابن عثيمين (٢/ ٤٨).\n(^٤) ينظر: المغني لابن قدامة (٨/ ١٣٨)، والفتاوى الكبرى (٣٠/ ٢٠٦)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ١١٧)، ومواهب الجليل للحطَّاب المالكي (١/ ٤٥٦)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١٥/ ٩٦)، وأحكام التصرف في المنافع لفهد العمري (١٣٥).","vol":"1","page":216},{"text":"نفي الوصال.\nقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على نفي الوصال؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء منتهاه، وما بعدها يخالف ما قبلها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على نفي الوصال؛ فإنه سبحانه قد حدّ الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل، كما حدّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل، فقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا﴾ أمر يقتضي الوجوب، و«إلى» غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقول القائل: اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة- والمبيع شجر- فإن الشجرة داخلة في المبيع، بخلاف قوله: اشتريت الفدّان إلى الدار، فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه، فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوز الأكل حتى يتبين النهار (^٢)، فدلّ ذلك على أنه لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم، وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ١٤١.\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٢٥٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) ينظر: جامع البيان للطبري (٣/ ٥٣٢).","vol":"1","page":217},{"text":"وقد نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام (^١)، كما جاء عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال: «وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكّل لهم حين أبوا أن ينتهوا. (^٢) متفق عليه.\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا الحكم: الطبري، وابن عطية، والقرطبي، والنسفي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nقال ابن عاشور: (قوله تعالى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ بيان لنهاية وقت الصيام ولذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا﴾ ولم يقل (ثم صوموا) لأنهم صائمون من قبل، و﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ غاية اختير لها ﴿إِلَى﴾ للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس؛ لأن ﴿إِلَى﴾ لا تمتد معها الغاية بخلاف ﴿حَتَّى﴾، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل). (^٤)\nوالذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على نفي الوصال كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المغني لابن قدامة ٣/ ١٧٥، وبلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر ١/ ١٧٢، وحاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لعبد الرحمن بن قاسم الحنبلي ٣/ ٤٣٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحدود، باب (كم التعزير والأدب)، برقم (٦٨٥١) (٨/ ١٧٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، برقم (١١٠٣)، (٢/ ٧٧٤)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٣/ ٥٣٢)، والمحرر الوجيز (١/ ٢٥٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٢٧)، ومدارك التنزيل (١/ ١٦٢)، التحرير والتنوير (٢/ ١٨٤).\n(^٤) التحرير والتنوير (٢/ ١٨٤).","vol":"1","page":218},{"text":"الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد ولا يختص بمسجد معين.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد، وأن يكون في المسجد لا في غيره؛ إذ ذكرُ المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطًا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضًا منها فيها، فتعين كونها شرطًا لصحة الاعتكاف). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النصّ حكمًا فقهيًا، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد؛ لأنه قيَّد الاعتكاف بالمساجد، فجعل من شرط الاعتكاف كونه في المسجد، وهذا دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد؛ إذ لو جاز شرعًا في غيره لجاز في البيت، وهو باطل بالإجماع (^٢)، فهذه الآية أصل في هذا الشرط؛ حيث دلَّت على مشروعية الاعتكاف، وأنه لا يصح إلا في المسجد.\nووافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالجصاص، والزمخشري، وابن العربي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي،\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٤١)\n(^٢) ينظر: روح المعاني للألوسي (١/ ٤٦٥)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للغيتابي (١١/ ١٤١).","vol":"1","page":219},{"text":"والسيوطي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^١)\nوالظاهر من قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أنه لا يختص الاعتكاف بمسجد دون مسجد، بل كل مسجد هو محل للاعتكاف (^٢)، وذلك لتعريف لفظ المساجد، الذي يفيد أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس (^٣)، نصَّ على ذلك ابن عثيمين فقال: «أل» في ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة. (^٤)\nوقيل: أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع. (^٥)\nوقال بعضهم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٠١)، والكشاف (١/ ٢٣٢)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٣٥)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣٣)، وأنوار التنزيل (١/ ١٢٦)، ومدارك التنزيل (١/ ١٦٣)، والإكليل (١/ ٤٣)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٢)، وروح البيان (١/ ٣٠١)، وروح المعاني (١/ ٤٦٥)، ومحاسن التأويل (٢/ ٤٨)، والتحرير والتنوير (٢/ ١٨٥)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٨٧)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٣٥٨).\n(^٢) وبه قال سعيد بن جبير، وأبو قلابة، وابن عيينة، وداود، والطبري، وابن المنذر، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وأحد قولي مالك، ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (٢/ ١٠٨) والكافي في فقه أهل المدينة لأبي عمر القرطبي (١/ ٣٥٣)، والمهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٣٥٠).\n(^٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٨٧)\n(^٤) تفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٣٥٨)\n(^٥) وبه قال عبد الله، وعائشة، وإبراهيم، وابن جبير، وعروة. ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة للقرطبي (١/ ٣٥٣)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/ ٣٦٤).\n(^٦) وهو مروي عن عبدالله بن مسعود وحذيفة. ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٠٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣٣)، وروح المعاني (١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":220},{"text":"والراجح أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يشترط فيه الجمعة (^١)، ولا يختص بالمساجد الثلاثة على الصحيح (^٢).\nوقد خالف أبو حيان في ذلك وضعَّف دلالة هذه الآية على اشتراط المسجد فقال: وظاهر قوله: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أنه ليس من شرط الاعتكاف كونه في المساجد، لأن النهي عن الشيء مقيد بحال لها متعلق لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين يكون ذلك المتعلق شرطًا في وقوعها، ونظير ذلك: لا تضرب زيدًا وأنت راكب فرسًا، ولا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلا فرسًا، فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه الآية على اشتراط المسجد في الاعتكاف ضعيف، فذِكرُ: المساجد، إنما هو لأن الاعتكاف غالبًا لا يكون إلا فيها، لا أن ذلك شرط في الاعتكاف. (^٣)\nولا يظهر قوله كل الظهور، والذي عليه الجمهور أن المسجد شرط لصحة الاعتكاف بدلالة هذه الآية وهي أصل فيه. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (٦/ ٥٠٩)، وينظر: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري (٧/ ١٦٦)، والمبسوط للسرخسي (٣/ ١١٥)، والمهذب للشيرازي (١/ ٣٥٠)\n(^٢) ينظر: مرعاة المفاتيح للمباركفوري (٧/ ١٦٦)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٣٥٨)\n(^٣) البحر المحيط في التفسير (٢/ ٢٢١).\n(^٤) ينظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ١١٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٠٨)، والمدونة للإمام مالك (١/ ٢٩٨)، والكافي في فقه أهل المدينة للقرطبي (١/ ٣٥٣)، والمهذب للشيرازي (١/ ٣٥٠)، والمجموع للنووي (٦/ ٤٨٠)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٦٤)، والشرح الممتع لابن عثيمين (٦/ ٥٠٩).","vol":"1","page":221},{"text":"قال الجصاص: (وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف، فالأصل فيه قوله ﷿ ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد). (^١)\nوبهذه الآية احتج الشافعي وغيره بأن قوله تعالى ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ عام يتناول كل المساجد (^٢)، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\nوجوب الحج والعمرة.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أدوهما بحقوقهما. وفي الآية حينئذٍ دليل على وجوبهما؛ إذ الأصل في الأمر الوجوب، وما روي عن جابر أنه قال: «يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا» (^٣)، مُعارض بما روي أن رجلًا قال لعمر ﵁: إني وجدت، أي: علِمت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعًا، فقال: «\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٠١).\n(^٢) ينظر: المهذب للشيرازي (١/ ٣٥٠)، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٣/ ١٨١)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣٣)، وروح المعاني (١/ ٤٦٥)\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب الحج باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ (٩٣١)، (٣/ ٢٦١) عن جابر، وأخرجه الطبراني من طريق آخر عن جابر في المعجم الأوسط برقم (٦٥٧٢) (٦/ ٣٤١)، والمعجم الصغير برقم (١٠١٥) (٢/ ١٩٣)، والدارقطني في سننه برقم (٢٧٢٥) (٣/ ٣٤٩)، وهو حديث ضعيف، ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (١/ ١٠٨) رقم (٨٥)، وقال النووي في «المجموع» (٧/ ٦): اتفق الحفاظ على أنه ضعيف.","vol":"1","page":222},{"text":"هُديت لسنة نبيك» (^١)، ولا يقال إنه فسَّر وجدانهما مكتوبين بقوله: أهللت بهما؛ لأنه رتَّب الإهلال بهما على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصّ على وجوب الحج، ودلت بالاقتران بين الحج والعمرة على وجوب العمرة أيضًا؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب (^٣)، والله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ومعنى (أتموا) أقيموا الحج والعمرة لله، كقوله تعالى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٩٦] أي: فأتموا الصلاة، ومقتضى الأمر الوجوب، ويدل له ما روى الشافعي عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. (^٤)\nوما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت، قلت: يارسول الله على النساء جهاد، قال: «نعم عليهن جهاد لاقتال فيه الحج والعمرة» (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه برقم (١٧٩٨)، (٢/ ١٥٨)، وأخرجه أحمد في المسند برقم (١٦٩)، (١/ ٣٠٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦/ ٥٥) برقم (١٥٧٨).\n(^٢) السراج المنير (١/ ١٤٧).\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٤٩)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم النملة (٣/ ١٣٣٤)\n(^٤) رواه الشافعي في الأم (٢/ ١٤٥)، وأخرجه البخاري في كتاب العمرة في أول باب وجوب العمرة وفضلها، (٣/ ٢)\n(^٥) رواه ابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب: الحج جهاد النساء برقم ٢٩٠١. (٢/ ٩٦٨)، والإمام أحمد في المسند برقم (٢٥٣٢٢)، (٤٢/ ١٩٨)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٧٧٧)، (٢٥٣٤)، وقال النووي: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. اهـ. المجموع شرح المهذب (٧/ ٤)","vol":"1","page":223},{"text":"فقوله: «عليهن» ظاهر في الوجوب، ثم قرَن الحج والعمرة فدلَّ على وجوب العمرة.\nوفي حكم العمرة خلاف بين أهل العلم على قولين: الأول: وهو قول الحنفية (^١) والمالكية (^٢)، أن العمرة سنة مؤكدة وليست واجبة.\nوالقول الثاني: قول الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، أنها واجبة. (^٥)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم أنها واجبة مع القدرة عليها في العمر مرة واحدة على الصحيح من أقوال أهل العلم (^٦)، وهو الأظهر عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة.\nقال النووي: (الحج هو فرض، وكذا العمرة في الأظهر). (^٧)\nوقد بوَّب البخاري فقال: (باب وجوب العمرة وفضلها). (^٨)\n_________\n(^١) ينظر: العناية شرح الهداية (٤/ ٢٦٦)، وتبيين الحقائق للزيلعي (٥/ ١٢٨)\n(^٢) ينظر: الفواكه الدواني (٤/ ٢٧٦)، ومواهب الجليل (٦/ ٤٩٥)\n(^٣) ينظر: الأم (٢/ ١٤٤)\n(^٤) ينظر: المغني (٦/ ٢٧١)، والإنصاف للمرداوي (٦/ ٦٨)\n(^٥) وبه قال عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، والشعبي، والثوري، وأحمد، وإسحاق. ينظر: المغني (٦/ ٢٧١)، والمجموع (٧/ ٧)\n(^٦) ينظر: المغني (٥/ ١٣)، والمجموع (٧/ ٤)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٦/ ٥)، والشرح الممتع لابن عثيمين (٧/ ٩)، وفتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٣١٧)\n(^٧) منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (١/ ٨٢)\n(^٨) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤/ ٤٣٣)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٥٩٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وقال ابن باز (^١): (الصواب أن العمرة واجبة مرة في العمر كالحج). (^٢)\nوقال ابن عثيمين: (اختلف العلماء في العمرة، هل هي واجبة أو سنة؟ والذي يظهر أنها واجبة). (^٣)\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على الوجوب موافقًا الخطيب: ابن الفرس (^٤)، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والسعدي، وغيرهم. (^٥)\nقال القرطبي: (في هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج). (^٦)\n_________\n(^١) هو عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن باز، علامة عصره، مفتي المملكة العربية السعودية، عُين رئيسًا للجامعة الإسلامية، ورئيسًا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، كان عف اللسان، متواضعًا، زاهدًا في الدنيا، له: (الفوائد الجلية في المباحث الفرضية)، و(التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة) وغير ذلك، توفي سنة ١٤٢٠ هـ. ينظر: الإيجاز في سيرة ومؤلفات ابن باز، لصالح الهويمل ص ١٤ وما بعدها، ومعجم الكتاب والمؤلفين في المملكة ص ١٣.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (١٦/ ٣٥٥).\n(^٣) الشرح الممتع (٧/ ٩).\n(^٤) هو أبو محمد، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الأنصاري الخزرجي، ابن الفرس، برع في الفقه، والأصول، وبلغ الغاية فيه، له كتاب في أحكام القرآن، توفي سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٤)\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤)، والتفسير الكبير (٥/ ٢٩٦)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨)، وأنوار التنزيل (١/ ١٢٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٩٠).\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٣٦٨)","vol":"1","page":225},{"text":"وخالف بعض المفسرين في هذا، وقالوا بضعف دلالة هذه الآية على الوجوب كالجصاص، والزمخشري، وابن العربي، وابن جزي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nقال ابن العربي: (وليس في هذه الآية حجة للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ إيجاب الصلاة والزكاة، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وابتدأ بإيجاب الحج فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج عشر حِجج أو اعتمر عشر عُمَر لزمه الإتمام في جميعها، وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء). (^٢)\nوقال الألوسي: (لا دلالة في الآية على أكثر من وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما، وهو متفق عليه بين الحنفية والشافعية؛ فإن إفساد الحج والعمرة مطلقًا يوجب المضي في بقية الأفعال والقضاء، ولا تدل على وجوب الأصل، والقول بالدلالة بناء على أن الأمر بالإتمام مطلقًا يستلزم الأمر بالأداء، لما تقرر من أن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ليس بشيء). (^٣)\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٢٩)، والكشاف (١/ ٢٣٨)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٦٩)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١١٣)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٥)، وروح المعاني (١/ ٤٧٥).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٦٩).\n(^٣) قال: لأن الأمر بالإتمام يقتضي سابقية الشروع فيكون الأمر بالإتمام مقيدًا بالشروع، وادعاء أن المعنى ائتوا بهما حال كونهما تامين مستجمعي الشرائط والأركان، وهذا يدل على وجوبهما لأن الأمر ظاهر فيه، ليس بسديد. «أما أولا» فلأنه خلاف الظاهر وبتقدير قبوله في مقام الاستدلال يمكن أن يجعل الوجوب المستفاد من الأمر فيه متوجهًا إلى القيد- أعني تامين- لا إلى أصل الإتيان، «وأما ثانيًا» فلأن الأمر في القراءة محمول على المعنى المجازي المشترك بين الواجب والمندوب- أعني طلب الفعل- والقرينة على ذلك الأحاديث الدالة على استحباب العمرة. ينظر: روح المعاني (١/ ٤٧٥) بتصرف.","vol":"1","page":226},{"text":"والذي يظهر والله تعالى أعلم ضعف دلالة هذه الآية على وجوب العمرة كما استنبطه الخطيب؛ فإن الأمر بإتمام فعل من الأفعال ليس أمرًا بأصله، ولا مستلزمًا له أصلًا، فليس فيه دليل على وجوب العمرة، وإن كان القول بوجوبها في العمر مرة هو الصحيح -كما تقدم - وعليه فالقول بأن الأمر في الآية بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين، وأن الأمر للوجوب ما لم يدل على خلافه دليل، قول ضعيف؛ كما أن الآية نزلت في أهل الحديبية وهم خرجوا محرمين بالعمرة، ثم حُصروا، فأوجب عليهم إتمام العمرة. (^١)\nوكلام الشيخ بن عثيمين يؤيده حيث قال: (قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامتين؛ وهذا يشمل كمال الأفعال في الزمن المحدد، وكذلك صفة الحج والعمرة أن تكون موافقة تمام الموافقة لما كان النبي ﷺ يقوم به) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود (١/ ٢٠٥)\n(^٢) تفسير العثيمين: سورة البقرة (٢/ ٣٩٢)","vol":"1","page":227},{"text":"من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه.\nقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيه دليل على أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجماعة من الصحابة (^١)، وإليه ذهب الأوزاعي (^٢)، والشافعيّ، وقال: ينعقد إحرامه عمرة (^٣)؛ لأنّ الله تعالى خصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه تعالى علَّق الصلاة بالمواقيت، ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لم ينعقد إحرامه عن الفرض، وإنما انعقد عمرة لأنّ الإحرام شديد التعلق). (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية استنباطًا فقهيًا بدلالة مفهوم المخالفة وهو أنّ من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه؛ لأن الله تعالى خصَّ هذه الأشهر بفريضة الحج فيها، فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص وجه؛ فجعل تعالى\n_________\n(^١) قاله ابن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس ومجاهد، وإليه ذهب الأوزاعي، والشافعي. ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٢٥١)، وفتح القدير للشوكاني (١/ ٢٣٠).\n(^٢) هو عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، مشهور باسمه وكنيته، إمام أهل الشام في وقته، كان ثقة مأمونًا كثير الحديث والعلم والفقه، توفي سنة ١٥٧ هـ. ينظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٩٣، وشذرات الذهب ١/ ٣٩٣.\n(^٣) ينظر: المهذب (١/ ٣٦٧)، والمجموع (٧/ ١٤٠)، وفتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٧/ ٧٧).\n(^٤) السراج المنير (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":228},{"text":"ترتيب أحكام الإحرام في هذه الآية على من فرضه في أشهر الحج، فدلَّ على أن أحكام الإحرام لا تترتب على من فرضه في غير أشهره، وإذا لم تترتب الأحكام فمعنى ذلك أنه لم يصح الإحرام (^١) ; ويدل له أيضًا أن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان مؤقتًا، كالوقوف والطواف. (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، والقرطبي، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٣)\nوهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، فذهب الشافعي وغيره أن من أحرم بالحج قبل أشهره لم يُجزه ذلك ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة. (^٤)\nواستدلوا بأن آية الأهلة مجملة، وآية أشهر الحج مبينة لأشهر الحج فيحمل المجمل على المبين، وبما ورد من آثار صحيحة عن الصحابة (^٥) تدل بمجموعها على أن أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، أو العشرة الأوائل منه، على الخلاف المشهور، وأن الإحرام قبل ميقاته الزمني خلاف السنة، وإلا فما الفائدة من تحديد أشهر للحج؟\n_________\n(^١) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٨٢)\n(^٢) ينظر: المهذب للشيرازي (١/ ٣٦٧).\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل (١/ ٢٥١)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦)، ولباب التأويل (١/ ١٢٩)، وفتح القدير (١/ ٢٣٠)، وأضواء البيان (٤/ ٤٩٨)، وتفسير العثيمين: سورة البقرة (٢/ ٤١٧).\n(^٤) تقدم توثيقه وهي رواية عن أحمد.\n(^٥) ينظر: جامع البيان للطبري (٤/ ١٢٠)، والنكت والعيون للماوردي (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":229},{"text":"كما استدلوا أيضًا بأن الأصل هو إيقاع العبادات في وقتها، فإذا أوقعت العبادة في غير وقتها فكأنها لم تقع، لأنها مبنية على التوقيف حتى لا يعبد الله إلا بما شرع، كإيقاع الصلاة المكتوبة في غير وقتها فإنه لا يصح ولا تجزئ عن الواجب.\nوذهب أبو حنيفة، ومالك (^١)، وأحمد بن حنبل (^٢) أنه يصح الإحرام بالحج وينعقد قبل أشهر الحج، لكن مع الكراهة. ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ووجه الدلالة: أن معنى الآية: الحج (حج) أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها، وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] قالوا: كما صح الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج.\nقال القرطبي مُرجحًا قول الشافعي وأصحابه: (وما ذهب إليه الشافعي أصح، لأن تلك عامة، وهذه الآية خاصة). (^٣)\nوكما هو معلوم أن الخاص يقدم على العام، وقد اختار الشوكاني مذهب الشافعي، ورجَّحه لموافقته ظاهر النص. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٣٤٣)، وحاشية ابن عابدين (٢/ ٥٣٥)، وينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازه (٢/ ٤٦٠)، والذخيرة للقرافي (٣/ ٢٠٤)، ومواهب الجليل للرعيني (٣/ ٢٠)\n(^٢) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٠٥)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٤٠٥)، وشرح عمدة الفقه لابن تيمية (٢/ ٣٨٨)، وهو اختيار الشيخ ابن باز ﵀. ينظر: اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية لخالد آل حامد (٢/ ٩٤٦).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦).\n(^٤) ينظر: فتح القدير (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":230},{"text":"واستدلوا كذلك بأن التوقيت ضربان: توقيت مكان وزمان، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا لو تقدم على ميقات الزمان.\nوأنكر الشنقيطي أدلتهم قائلًا: (ومن العجيب عندي أن يُستدل بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى ; لأن آية: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تُعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يُعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله، صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات، هي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت، من الغريب كما ترى.\nوالتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي ﷺ أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلّل من إحرامه للحج بعمرة، والعلم عند الله تعالى). (^١)\nوالراجح - والله تعالى أعلم- أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره بدلالة هذه الآية وينعقد عمرة مجزئة، وهو ماذهب إليه الشافعي ومن وافقه؛ لوجاهة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين؛ ولأنه إذا لم ينعقد حجًا ولا سبيل إلى بطلان الإحرام انعقد عمرة، كمن أحرم بالفرض قبل وقته، فإنه ينعقد نفلًا. ولأن العمرة هي الحج الأصغر، فإذا لم ينعقد الحج الأكبر لكونه قبل وقته، انعقد الحج\n_________\n(^١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٤/ ٤٩٩)","vol":"1","page":231},{"text":"الأصغر لكونه وقتًا له، وقد قال ﷺ: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبَّك بين أصابعه». (^١)\nوهذا الذي رجحه القرطبي، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عثيمين وغيرهم. (^٢)\nقال الشيخ ابن عثيمين موافقًا الخطيب في هذا الاستنباط: (ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة: أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد حجًا.) (^٣)، والله تعالى أعلم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨)، (٢/ ٨٨٨)\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٦)، وفتح القدير (١/ ٢٣٠)، وأضواء البيان (٤/ ٤٩٨)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٤١٧)\n(^٣) تفسير العثيمين (٢/ ٤١٧)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٨٢)","vol":"1","page":232},{"text":"وجوب الوقوف بعرفة.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ «إذا» تدل على أنّ المذكور بعدها محقق لا بدّ منه، فكأنه قيل: بعد إفاضتكم من عرفات التي لا بدّ منها اذكروا الله، والإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف بها، فوجب أن يكون الوقوف بها واجبًا). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب حكم الوقوف بعرفات وأنه واجب بدلالة النصّ في الآية، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف (^٢)؛ حيث دلَّت الآية على ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات، وهي مأمور بها بقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، موقوفة على الوقوف بعرفات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^٣)، فيكون الوقوف واجبًا. (^٤)\nقال تعالى بعدها ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] والناس كانوا يفيضون من عرفات، وإفاضتهم منها لا تكون إلا بعد حصولهم فيها، فكان\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٥١)\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٢٧٢)\n(^٣) ينظر: العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى (٢/ ٤١٩)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ١١٨)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٥/ ٣٢٨)، وروح البيان لحقي (١/ ٣١٧)","vol":"1","page":233},{"text":"الأمر بالإفاضة منها أمرًا بالوقوف بها ضرورة. (^١)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الزجاج، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٢)\nقال الزجاج: (دلَّ بهذا اللفظ أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف). (^٣)\nوذكر السعدي هذه الدلالة من جملة استنباطاته من هذه الآية فقال: (في قوله:\n﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفًا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات، لا تكون إلا بعد الوقوف). (^٤)\nوخالف أبو حيان فضعَّف دلالة هذه الآية على الوجوب وقال: (قيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده. انتهى هذا القول، ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة،\n_________\n(^١) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٢٥)\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (١/ ٢٧٢)، والكشاف (١/ ٢٤٦)، والتفسير الكبير (٥/ ٣٢٨)، وأنوار التنزيل (١/ ١٣١)، ومدارك التنزيل (١/ ١٧٠)، وغرائب القرآن (١/ ٥٦١)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٨)، وروح البيان (١/ ٣١٧)، وفتح القدير (١/ ٢٣٢)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٩٢)، وتفسير العثيمين (٢/ ٤٢٥)\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه (١/ ٢٧٢)\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٩٢).","vol":"1","page":234},{"text":"والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب؟ لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك). (^١)\nوالذي يظهر - والله تعالى أعلم- أن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف يستلزمه هذا الشرط ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾، وهو على الأظهر يدل على الوجوب.\nقال الرازي ردًا على قول المخالف: (الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب، فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج، فإذا لم يأت به فلم يكن آتيًا بالحج المأمور به). (^٢)\nوالذي عليه جمهور أهل العلم وجوب الوقوف بعرفة وأنه ركنٌ من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٢٩٤).\n(^٢) التفسير الكبير (٥/ ٣٢٨)\n(^٣) ينظر: المبسوط للسرخسي (٤/ ١٩)، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/ ١٢٥)، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١١٢)، وعمدة الفقه لابن قدامة (١/ ٥٠)، والشرح الممتع لابن عثيمين (٧/ ٣٨٢).\nوحكى الإجماع على كون الوقوف ركنًا في الحج ابن عبد البر، وابن قدامة، وابن المنذر. ينظر: الإجماع لابن عبد البر ص ١٦٨، والمغني (٣/ ٣٦٨)، والإجماع لابن المنذر (١/ ٥٧)","vol":"1","page":235},{"text":"الزوجة لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: صَمّموا عليه بأن لم يفيئوا فليوقعوه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بعزمهم أي: ليس لهم بعد تربص ما ذُكر إلا الفيئة أو الطلاق، ففيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها؛ لأنه شرط فيه العزم وقال: فإنّ الله سميع، فدلَّ على أنه يقتضي مسموعا). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة (مفهوم الشرط) أن الزوجة لا تطلق بعد مضيّ المدّة ما لم يطلقها زوجها، ولو وقع بمضي المدة لم يحتج إلى عزم عليه؛ لأنه شرط فيه العزم بقوله: ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، والعزم على فعل الشيء ليس فعلًا للشيء، ويدل له: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، حيث دلَّ على أنه يقتضي وقوع الطلاق على وجه يُسمع، وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء المدة، فدلَّ على أن الفُرقة لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول (^٢)، وأن عزيمة الطلاق بما هو مسموع، وذلك بإيقاع الطلاق أو تفريق القاضي. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٦٨)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤٥٠).\n(^٣) ينظر: المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٠)، وبداية المجتهد لابن رشد (٣/ ١١٩).","vol":"1","page":236},{"text":"وممن استنبط هذا الحكم بدلالة هذه الآية موافقًا الخطيب: البغوي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nقال أبو حيان: «في قوله في هذا التقسيم: (فإن فاءوا، وإن عزموا الطلاق) دليل على أن الفُرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمضي الأربعة الأشهر من غير قول، بل لا بد من القول لقوله: ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ لأن العزم على فعل الشيء ليس فعلًا للشيء، ويؤكده: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ لا يسمع إلا الأقوال، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه، إذا قدرناه: فليوقعوه، أي الطلاق، فجاء: سميع، باعتبار إيقاع الطلاق، لأنه من باب المسموعات، وهو جواب الشرط، وجاء: عليم، باعتبار العزم على الطلاق، لأنه من باب النيات، وهو الشرط، ولا تدرك النيات إلا بالعلم». (^٢)\nوهنا مسألة شديدة الوثوق بعزيمة الطلاق كما دلت عليها الآية وهي:\nهل تطلق الزوجة بانقضاء المدة؟ أم يقفه القاضي، فإما فاء أو طلَّق؟\nفذهب الجمهور (^٣) إلى أنه يقفه بعد انقضاء الأربعة الأشهر فإما فاء وإما طلَّق، ولا تطلق زوجته بنفس مضي المدة. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل (١/ ٢٩٨)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٤٧)، والتفسير الكبير (٦/ ٤٣١)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١١)، والبحر المحيط في التفسير (٢/ ٤٥٠):، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦٠٥)، وفتح القدير (١/ ٢٦٧)، والتحرير والتنوير (٢/ ٣٨٧).\n(^٢) البحر المحيط في التفسير (٢/ ٤٥٠).\n(^٣) وهم المالكية والشافعية والحنابلة، ينظر قولهم وتفصيل أدلتهم في: بداية المجتهد (٣/ ١١٨)، والأم (٥/ ٢٨٢)، والمغني (٧/ ٥٥٣)\n(^٤) وبه قال ابن عمر وعائشة، وسعيد بن المسيب وعروة ومجاهد وطاووس، وروي عن أبي الدرداء، وقال سهيل بن أبي صالح: (سألت اثني عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يقول: ليس عليه شيء حتى يمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلاطلق). ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١١).","vol":"1","page":237},{"text":"وذهب الحنفية إلى أن الطلاق يقع بعد مضي المدة من غير فيء؛ لأنه بالإيلاء عزَم على منع نفسه من إيفاء حقها في الجماع في المدة، وأكَّد العزم باليمين، فإذا مضت المدة، ولم يفيء إليها مع القدرة على الفيء، فقد حقق العزم المؤكد باليمين بالفعل، فتأكد الظلم في حقها، فتبِين منه عقوبة له جزاء على ظلمه ومرحمة عليها، ولا يوقف. (^١)\nوالراجح أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة، وهو ما عليه الجمهور بدلالة هذه الآية، لأن الإيلاء ليس بطلاق، فإذا تمت المدة ولم تحصل المراجعة فيها، يُلزمه القاضي بالطلاق إذا أبى المراجعة.\nقال ابن قدامة (^٢) مؤيدًا قول الجمهور: (قال تعالى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولو وقع بمضي المدة، لم يحتج إلى عزم عليه، وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلامًا، ولأنها مدة ضُربت له تأجيلًا، فلم يستحق المطالبة فيها، كسائر الآجال). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط (٧/ ٢٠)، وبدائع الصنائع (٣/ ١٧٦)\n(^٢) هو عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي، موفق الدين المقدسي، أبو محمد، أحد الأئمة الأعلام، صاحب التصانيف، انتهى إليه معرفة المذهب الحنبلي وأصوله، كان زاهدًا ورعًا كثير الحياء، من أشهر مصنفاته: (المغني) في الفقه، و(الروضة) في أصول الفقه وغيرها، توفي سنة ٦٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، وشذرات الذهب (٥/ ١٧٩).\n(^٣) المغني (٧/ ٥٥٣).","vol":"1","page":238},{"text":"وقال القرطبي: (في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة أشهر، كما قال مالك، ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال: ... «سميع»، و«سميع» يقتضي مسموعًا بعد المضي، وقال أبو حنيفة: «سميع» لإيلائه، «عليم» بعزمه الذي دلَّ عليه مضي أربعة أشهر). (^١)\nوخالف في دلالة هذه الآية الألوسي فقال: (.. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ حيث اكتفى بمجرد العزم بخلاف ما قالته الشافعية من أنه يحتاج إلى الطلاق بعد مضي المدة فإنه يحتاج إلى التقدير، وبعده لا يحتاج إلى ﴿عَزَمُوا﴾ أو يحتاج إلى جعل «عزم الطلاق» كناية عنه، فما قيل من أن الآية بصريحها مع الشافعي ليس في محله ..). (^٢)\nوالذي يظهر هو ما عليه الجمهور كما نصًّ عله الخطيب، وأن دلالة هذه الآية معتبرة في عزم الطلاق، وأن مضي المدة لا يوقع فُرقة؛ إذ لا بد من مراعاة قصده واعتبار عزمه. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١١١).\n(^٢) روح المعاني (١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":239},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (ظاهر الآية يدلّ على أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلًا عن الزائد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ كما رواه البيهقيّ (^١): «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير بأس، أي: ضرر\nفحرام عليها رائحة الجنة» (^٢)، وما روي أنه ﷺ قال لجميلة (^٣): «أتردّين عليه حديقته؟» (^٤». (^٥)\n\nهذه الآية فيها دلالتان، الأولى:\n_________\n(^١) هو أحمد بن الحسين بن علي الخراساني البيهقي، أبو بكر، الحافظ العلامة، صاحب التصانيف، له (السنن الكبرى والصغرى)، و(شعب الإيمان)، و(دلائل النبوة) وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (١/ ٧٥)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٤٥٢.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢٧٧)، برقم (٢٢٧٣٨)، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب: في الخلع، برقم (٢٢٢٦)، (٢/ ٢٦٨)، والترمذي في كتاب الطلاق واللعان، باب: ما جاء في المختلعات، برقم (١١٨٧)، (٣/ ٤٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (١٤٨٦٠)، (٧/ ٥١٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٠٠) قال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ١٧).\n(^٣) هي جميلة بنت أُبي الخزرجية، أخت عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، زوجة ثابت بن قيس بن شماس، روى عنها ابن عبّاس، وعبد اللَّه بن رباح. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٦٦)، والثقات لابن حبان (٣/ ٦٦)\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق باب الخلع وكيف الطلاق فيه برقم (٥٢٧٣)، (٧/ ٤٦).\n(^٥) السراج المنير (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":240},{"text":"عدم جواز الخلع من غير كراهة وشقاق.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص أنّ الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، لأن الله تعالى نفى الحل بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا صريح في التحريم إذا لم يخافا ألا يقيما حدود الله؛ إذ نفي الحل الذي هو حكم العقد في جميع الأحوال إلا حال الشقاق يدل على فساد العقد وعدم جوازه (^١).\nويؤكده قوله تعالى بعدها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدلَّ بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلَّظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» - وقد تقدم - وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة؛ لأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة. (^٢)\nوممن استنبط عدم جواز الخلع من غير كراهة مستدلًا بالآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: روح المعاني للألوسي (١/ ٥٣٤)\n(^٢) ينظر: المغني لابن قدامة (٧/ ٣٢٦)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٦/ ٤٤٥)، وأنوار التنزيل (١/ ١٤٢)، والبحر المحيط (٢/ ٤٧٤)، والإكليل (١/ ٥٦)، وروح المعاني (١/ ٥٣٤)، والتحرير والتنوير (٢/ ٤١١)، وتفسير العثيمين (٣/ ١١٢).","vol":"1","page":241},{"text":"والخلاف في هذه الآية، يرجع إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ هل هو استثناء متصل أو منقطع، وفائدة هذا الخلاف تظهر في هذه المسألة الفقهية وهي جواز الخلع في حال الغضب أو عدمه، فالجمهور على جواز الخلع في غير حالة الخوف والغضب (^١)، وقال بعضهم بعدم جوازه إلا عند الغضب، والخوف من أن لا يقيما حدود الله (^٢)، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.\nوضعّف القرطبي دلالة هذه الآية مخالفًا الخطيب وغيره فقال: (والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر، كما دل عليه حديث البخاري وغيره (^٣). وأما الآية فلا حجة فيها، لأن الله ﷿ لم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب، والذي يقطع العذر ويوجب العلم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]). (^٤)\n_________\n(^١) وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية ينظر: العناية شرح الهداية للبابرتي الحنفي (٤/ ٢١٧) وحاشية الصاوي على الشرح الصغير (٢/ ٥١٧)، والحاوي الكبير للماوردي (١٠/ ٧)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي حسين العمراني (١٠/ ٨)، وينظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٣٣).\n(^٢) وهو قول الزهري والنخعي وداود. ينظر: جامع البيان (٤/ ٥٦٤) والنكت والعيون (١/ ٢٩٥)\n(^٣) أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال ﷺ: «أتردين عليه حديقته، قالت نعم، فقال ﷺ: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة».\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٤٠)","vol":"1","page":242},{"text":"فالجمهور على خلاف دلالة الآية كما استنبطها الخطيب، قالوا بجواز الخلع من غير نشوز ولا غضب، غير أنه يُكره لما فيه من قطع الصلة بلا سبب، وذهب الإمام أحمد وغيره إلى كراهية الخلع من غير نشوز وأنه لا يجوز. (^١)\nورجَّح دلالة هذه الآية ابن عاشور مخالفًا القرطبي والجمهور فقال: (والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها .. - ثم قال-: وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع، ألا يرى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هكذا أجاب المالكية كما في «أحكام ابن العربي»، و«تفسير القرطبي» (^٢). وعندي أنه جواب باطل، ومُتمسك بلا طائل، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطًا، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه، كيف وقد دلَّ بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ فهذا نكرة في سياق النفي، أي لا يحل أخذ أقل شيء، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ ففيه منطوق ومفهوم، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ ففيه كذلك، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز، كالاستثناء والشرط. وأما الاحتجاج للجواز بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾، فمورده في عفو المرأة عن بعض الصداق، فإن ضمير ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الصدقات، لأن أول الآية ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٤] الآية، فهو إرشاد لما يعرض في حال العصمة مما يزيد الألفة، فلا تعارض بين الآيتين، ولو سلَّمنا التعارض لكان يجب على الناظر\n_________\n(^١) ينظر: المغني (٧/ ٣٢٦) وهو اختيار ابن المنذر.\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٦٣) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٤٠).","vol":"1","page":243},{"text":"سلوك الجمع بين الآيتين أو الترجيح. (^١)\nولعل الراجح والله تعالى أعلم هو أن الأصل في الخُلْع الكراهة وأنه لا يجوز، إلا أن يخافا ألا يقيما حدودَ الله كما هي دلالة الآية ونصَّ عليها الخطيب، أما القول بجوازه على الإطلاق متى ما شاءت الزوجة، ودونما إثم، فالقول به ينافي مقصد الإسلام من النكاح، ويجعله عُرضةً للأهواء والرغبات العارضة، إذ أن نفي الجناح لم يرِد في هذه الآية بإطلاق، وإنما ورَد مقيَّدًا بالخوف ألا يقيما حدود الله، وعليه فمتى كان الخوف من إضاعة حدود الله، أو التقصير فيها جاز الخلع (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\nالدلالة الثانية:\nلا يجوز الخلع بجميع الصداق فضلًا عن الزائد.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الخلع لا يجوز بجميع ما ساق الزوج فضلًا عن الزائد، لأن «مِن» في قوله ﴿مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تبعيضية فيكون مفاد الاستثناء في: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ حِل أخذ شيء مما آتيتموهن حين الخوف، ولأنه تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فوجب أن يكون هذا راجعًا إلى ما آتاها، وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله إلا قدر ما آتاها من المهر لا أكثر. (^٣)\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢/ ٤١١).\n(^٢) ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٨/ ١٧٦)، ومختصر الإنصاف والشرح الكبير للشيخ محمد بن عبد الوهاب (١/ ٦٨٤).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٦/ ٤٤٦)","vol":"1","page":244},{"text":"وقد نصَّ على عدم الجواز مؤيدًا قول الخطيب: البيضاوي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nواستدل أصحاب هذا القول (^٢) بأن جميلة لما طُلب منها أن ترد على زوجها حديقته، فقالت وأزيده، فقال ﷺ: «أما الزيادة فلا» (^٣)، ولو كان الخلع بالزائد جائزًا لما منعها ﷺ منه.\nوجمهور العلماء على خلاف هذا، وأنه يجوز أن تفتدي منه بما تراضيا عليه، كان أقل مما أعطاها أو أكثر منه، بدلالة عموم قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقالوا: الخلع عقد معاوضة، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج، وبغضه، وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن عمر ﵁ رفعت إليه امرأة ناشز أمرها، فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل (^٤) ليلتين، ثم قال لها: كيف حالك؟ فقالت: ما بت أطيب من هاتين الليلتين، فقال عمر: اخلعها\nولو بقرطها (^٥). (^٦)\n_________\n(^١) أنوار التنزيل (١/ ١٤٢)، وروح المعاني (١/ ٥٣٤)، والتحرير والتنوير (٢/ ٤١٢).\n(^٢) وهو قول علي والشعبي وعطاء وطاووس وسعيد بن المسيب والأوزاعي، ورواية عن الإمام أحمد وإسحاق. ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٩٧١)، والمغني (٧/ ٣٢٥)، والإنصاف للمرداوي (٨/ ٣٩٣)، والعدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (١/ ٤٣٧).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) الزِبْلُ بالكسر: السِرْجينُ، وموضعه: مَزْبَلَةٌ ومَزْبِلةٌ أيضًا. ينظر: تهذيب اللغة (١٣/ ١٤٨)، والصحاح (٤/ ١٧١٥) مادة (زبل).\n(^٥) الأثر أخرجه الطبري عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن. ينظر: جامع البيان (٤/ ٥٧٦)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦١٧).\n(^٦) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٦/ ٤٤٦)","vol":"1","page":245},{"text":"وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية (^١)، وذهب الحنابلة إلى أن الزوج لا يستحب له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، بل يحرم عليه الأخذ إن عضلها ليضطرها إلى الفداء. (^٢)\nوفصَّل الحنفية القول في ذلك فقالوا: إن كان النشوز من جهة الزوج كُره له كراهة تحريم أخذ شيء منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وإن كان النشوز من قبل المرأة لا يكره له الأخذ، ويتناول القليل والكثير، وإن كان أكثر مما أعطاها. (^٣)\nقال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق. (^٤)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم ضعف دلالة هذه الآية على عدم جواز الفداء بأكثر من الصداق، والراجح قول جمهور أهل العلم بجواز الخلع على الكثير والقليل لعموم هذه الآية، فكل ما تم الاتفاق عليه قلَّ أو كثر جائز أن يكون عوضًا في الخلع.\nقال الشنقيطي موافقًا قول الجمهور: (ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق ; وذلك لأنه تعالى عبَّر بما الموصولة في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الكبير للدردير (٣/ ٢٣٠)، والتمهيد لابن عبد البر (١/ ١٩٨)، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (٥/ ٦٤)\n(^٢) ينظر: المغني (٧/ ٣٢٥)، والإنصاف للمرداوي (٨/ ٣٩٣)، والعدة شرح العمدة للمقدسي (١/ ٤٣٧)\n(^٣) ينظر: المبسوط للسرخسيي (١/ ٧٩٣)، والهداية شرح البداية (١/ ٣٩٥)\n(^٤) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":246},{"text":"افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم (^١) ; لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها). (^٢)\nونصُّ الحديث في قصة جميلة جاء بروايات فيها الزيادة (^٣)، وهذا يدل على جواز الخلع بجميع ما أعطاها، وعموم القرآن يدل على جوازه بأكثر من ذلك، فكل ما كان\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي (٤/ ١١٢)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٣٠٥).\n(^٢) أضواء البيان (١/ ١٤٣)، وينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٦٥).\n(^٣) روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري في مخالعة الأنصاري لأخته: أن النبي ﷺ قال لها: «تردين عليه حديقته ويطلقك؟ قالت: نعم، وأزيده. قال: ردي عليه حديقته وزيديه.». ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ١٤١).","vol":"1","page":247},{"text":"فداء فجائز على الإطلاق (^١)، والله تعالى أعلم.\n\nعدم صحة تزويج المرأة نفسها.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أُسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يدل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. (^٣)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من إشارة الآية دلالتها باللازم على اعتبار الولاية للمرأة في النكاح، وأنها لا تلي عقد النكاح بنفسها، إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل، ولا لنهي الولي عن العضل معنى (^٤)، وهذا هو مذهب أحمد والشافعي\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٦٥)، وينظر: فتاوى هيئة كبار العلماء (١/ ٦٥٢).\n(^٢) السراج المنير ١/ ١٧٢.\n(^٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي ١/ ١٠٤.\n(^٤) ينظر: معالم التنزيل (١/ ٣١٢)، والتحرير والتنوير (٢/ ٤٢٧).","vol":"1","page":248},{"text":"ومالك وجمهور فقهاء الإسلام (^١)، وشذَّ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح. (^٢)\n\nووجه الدلالة في هذه الآية على أن الخطاب للأولياء (^٣)، وهذا الذي عليه أكثر المفسرين (^٤)، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادرًا على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله ﷿ عنه، فيكون دليلًا على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، وابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (^٥)\nوقد تمسَّك الإمام الشافعي بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز، فقال: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف). (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: المغني (٧/ ٧)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٣/ ٩)، والأم (٥/ ١٣)، والمدونة (٢/ ١٠٦).\n(^٢) ينظر المبسوط للسرخسي ٥/ ١١، وبدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) قال بعض المفسرين: الخطاب من أول الآيات هو مع الأزواج، ولم يجر للأولياء ذكر. ينظر: التفسير الكبير للرازي (٦/ ٤٥٥)، والبحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤٩٣)\n(^٤) ينظر: معالم التنزيل (١/ ٣١٢)، والمحرر الوجيز (١/ ٣١٠)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٥٩)، وأنوار التنزيل (١/ ١٤٤)، والتحرير والتنوير (٢/ ٤٢٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٠٤).\n(^٥) المرجع السابق.\n(^٦) الأم (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":249},{"text":"وقال: (فإن شُبِّه على أحد أن مبتدأ الآية على ذكر الأزواج، ففي الآية دلالة على أنه إنما نهى عن العضل الأولياء؛ لأن الزوج إذا طلّق فبلغت المرأة الأجل، فهو أبعد الناس منها فكيف يعضلها من لا سبيل ولا شرك له في أن يعضلها في بعضها؟ فإن قال قائل قد تحتمل إذا قاربن بلوغ أجلهن؛ لأن الله ﷿ يقول للأزواج ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالآية تدل على أنه لم يُرد بها هذا المعنى وأنها لا تحتمله؛ لأنها إذا قاربت بلوغ أجلها، أو لم تبلغه فقد حظر الله تعالى عليها أن تنكح، لقول الله ﷿ ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فلا يأمر بأن لا يمنع من النكاح من قد منعها منه، إنما يأمر بأن لا يمتنع مما أباح لها من هو سبب من منعها.) (^١)\nوقد جاءت السنة بمثل ما جاء في القرآن، فعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله ﷺ قال «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (^٢)\nقال ابن عطية: (هذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول أبي حنيفة: إن الولي ليس من شروط النكاح.) (^٣)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الأم (٥/ ١٣)\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه برقم (١١٠٢)، (٣/ ٣٩٩)، وقال: «هذا حديث حسن» وصححه الحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، برقم (٢٧٠٦)، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. (٢/ ١٨٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير عن عائشة (٢/ ٩٨٣).\n(^٣) المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٣١٠)","vol":"1","page":250},{"text":"وجوب الصلاة حال المقاتلة.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الصلاة حال المقاتلة، وإليه ذهب الشافعيّ (^١)، وقال أبو حنيفة: لا يصلي حال المشي والمقاتلة ما لم يمكن الوقوف (^٢». (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على وجوب الصلاة حال المقاتلة؛ لأنها نصَّت على الأمر بالصلاة في حال الخوف حيث عُطفت على قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فذكر تعالى وجوب الصلاة بشروطها وحدودها، ثم زادها تأكيدًا بقوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمر فيها بالقيام والدوام على الخشوع والسكون، ثم بيَّن حكم هذه الصلوات المكتوبات في حال الخوف فقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، فأرخص في جواز ترك بعض الشروط، تعظيمًا لأمرها، وتأكيدًا لوجوبها؛ فأمر بفعلها في هذه الحال، ولم يعذر أحدًا من المكلفين في تركها فدلَّ على وجوبها حال القتال. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: الأم (١/ ١١٧)، ومختصر المزني (٨/ ١٢٣)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي الحسين العمراني (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) ينظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٣).\n(^٣) السراج المنير (١/ ١٧٨).\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":251},{"text":"وممن نصًّ على الوجوب بدلالة الآية: الكيا الهراسي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبو حيان، والسيوطي، والنيسابوري، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي ما لم يمكنه الوقوف، بل يؤخر الصلاة ويقضيها (^٢)؛ لأن النبي ﷺ أخَّر الصلاة يوم الخندق فصلَّى الظهر والعصر والمغرب بعد ما غربت الشمس فيُقتدى به. (^٣)\nواحتج الشافعي بهذه الآية من وجهين الأول: قول ابن عمر: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. (^٤)\nوالوجه الثاني: أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال، فصار قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ يدل على الترخص في ترك التوجه، وأيضا يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأنه مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه، وإن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود. (^٥)\n_________\n(^١) أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢١٩)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٦٢٢)، والتفسير الكبير (٦/ ٤٨٩)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٤)، وأنوار التنزيل (١/ ١٤٨)، وحاشية زاده على البيضاوي (٢/ ٥٨٩)، ولباب التأويل (١/ ١٧٤)، والبحر المحيط (٢/ ٥٥٠)، والإكليل (١/ ٥٩)، وغرائب القرآن (١/ ٦٥٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٠٦).\n(^٢) ينظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٣)\n(^٣) ينظر: لباب التأويل للخازن (١/ ١٧٤)\n(^٤) قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ، وأخرجه عن ابن عمر: البخاري في كتاب التفسير باب ماجاء في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ برقم (٤٥٣٥) (٦/ ٣١).\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير (٦/ ٤٨٩).","vol":"1","page":252},{"text":"قال القرطبي: (قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة، وحديث ابن عمر يردُّ عليه (^١)، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، قال الشافعي: لما رخَّص ﵎ في جواز ترك بعض الشروط، دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها (^٢». (^٣)\nوعلى هذا فظاهر قوله: ﴿فَرِجَالًا﴾ أنهم يصلون في حال المشي، ويصلون على كل حال، والراكب يوميء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة. (^٤)\nقال الشَّافعي: (ولا يجوز في صلاة مكتوبة، استقبال غير القبلة إلا عند إطلال العدو على المسلمين، وذلك عند المسايفة (^٥) وما أشبهها، ودنو الزحف من الزحف (^٦». (^٧)\nويعضده ما أخرجه ابن جرير وغيره عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. (^٨)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وينظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٥١٥)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦٥٦).\n(^٢) ينظر: الأم (١/ ١١٧)، ومختصر المزني (٨/ ١٢٣)\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٤) بتصرف يسير.\n(^٤) ينظر: البحر المحيط (٢/ ٥٥٠)، والحاشية رقم (٢)\n(^٥) (المسايفة) المجالدة و(تسايفوا) تضاربوا بالسيف. فالسيف جمعه (أسياف) و(سيوف) ورجل (سائف) أي ذو سيف و(سياف) أي صاحب سيف. ينظر: مختار الصحاح للرازي مادة س ي ف: (١/ ١٥٩)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٦٨).\n(^٦) ينظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال (٢/ ٥٣٧) وفتح الباري لابن رجب (٨/ ٣٩٢)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للغيتابي (٦/ ٢٦٠).\n(^٧) تفسير الإمام الشافعي (١/ ٤١٧).\n(^٨) ينظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٥١٥)، وجامع البيان (٥/ ٢٤٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦٥٦).","vol":"1","page":253},{"text":"فهذا يدلُّ على وجوب الصلاة حال المسايفة والقتال كما عليه أكثر العلماء (^١)، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنًا خارج الوقت. (^٢)\nوأجيب عن تأخير النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف وإنما نزل بعد، فلما نزلت صلاة الخوف لم يؤخر النبي ﷺ بعد ذلك صلاة قط. (^٣)\nقال ابن العربي مستدلًا بهذه الآية: (وما قلناه أرجح؛ لأنا نحن أسقطنا صفة من صفات الصلاة للضرورة، وهو أسقط - أي أبا حنيفة - أصل الصلاة، فهذا أرجح) (^٤) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام: (وقد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة في بعض الأوقات كحال المسايفة، كقول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. والذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز تأخير الصلاة بحال، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه لكن يجوز الجمع بين الصلاتين لعذر عند أكثر العلماء). مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٣٢).\nوينظر: المبسوط (١/ ١٢٣)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٤١)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ٢٦٩)، والأم (١/ ١١٧)، ومختصر المزني (٨/ ١٢٣)، ومسائل الإمام أحمد (٢/ ٧٤٨)، والمغني (٢/ ٣٠٩).\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٠٦).\n(^٣) ينظر: زاد المعاد لابن القيم (٣/ ٢٢٦).\n(^٤) أحكام القرآن (١/ ٦٢٣).","vol":"1","page":254},{"text":"الفائدة من حكاية خبر الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت.\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثُّهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بُد، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة ذكر هذه القصة، وأن المقصود منها موعظة المسلمين بترك الجُبن، وتشجيعهم على الجهاد، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء؛ لأن الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضُرِب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت (^٢)، فلم يُغن خوفهم عنهم شيئًا، وأراهم الله الموت ثم أحياهم، ومحل العبرة من القصة هو: أنهم ذاقوا\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٨٢)، وهو استنباط تربوي، وذكر بعض المفسرين فوائد أخرى من الآية منها: دلالة نبوة محمد ﷺ حيث أخبر عمن قبله ولم يكن قرأ الكتب، فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق. ومنها إبطال قول من يقول: إن الإحياء بعد الموت لا يجوز، وينكر عذاب القبر لأن الله تعالى يخبر أنه قد أماتهم ثم أحياهم. ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ١٥٩)، والإكليل (١/ ٦٠)، وتفسير العثيمين (٣/ ١٩٨)\n(^٢) قوله تعالى ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون، وهذا قول الحسن، والقول الثاني: أنهم فروا من الجهاد، وهذا قول عكرمة والضحاك. ينظر: جامع البيان (٥/ ٢٧٧)، والنكت والعيون (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":255},{"text":"الموت الذي فرُّوا منه، ليعلموا أن الفرار لا يغني عنهم شيئًا، ويعلموا أن الموت والحياة بيد الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦].\nففي هذه الآية دليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فالموت إذا لم يكن منه بد ومفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى، فإن كان قد حان الأجل فموت في سبيله تعالى خير سبيل، وإلا فنصرٌ وثواب. (^١)\nقال الطبري مؤيدًا هذه الدلالة: (وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية، على المواظبة على الجهاد في سبيله، والصبر على قتال أعداء دينه، وشجَّعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم، أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه دون خلقه، وأن الفرار من القتال، والهرب من الجهاد، ولقاء الأعداءإلى التحصن في الحصون، والاختباء في المنازل والدور، غير منجٍ أحدًا من قضائه إذا حلَّ بساحته). (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة: الطبري، والزجاج، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٣)\nقال الشنقيطي مبينًا غرض الآية: (المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٦١)، والتحرير والتنوير (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) جامع البيان (٥/ ٢٧٨).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٥/ ٢٧٨)، ومعاني القرآن وإعرابه (١/ ٣٢٣)، والكشاف (١/ ٢٩٠)، والتفسير الكبير (٦/ ٤٩٨)، وأنوار التنزيل (١/ ١٤٩)، ومدارك التنزيل (١/ ٢٠٢)، والبحر المحيط (٢/ ٥٦٣)، وغرائب القرآن (١/ ٦٦١)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٣٨)، وروح البيان (١/ ٣٧٨)، وفتح القدير (١/ ٣٠٠)، ومحاسن التأويل (٢/ ١٧٥)، وأضواء البيان (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":256},{"text":"فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان. ..، وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال ; لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فُرِض نجاته منه فهو ميت عن قريب (^١)، وهذا هو المراد بالآيات المذكورة). (^٢)\nفكان ذكر هذه القصة التي هي من عظيم آياته حث على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، وهي إشارة حسنة، من لطائف الاستنباط عند الخطيب، والله تعالى أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: «لما حضرت خالدًا الوفاة بكى، ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء». ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١١٤).\n(^٢) أضواء البيان (١/ ١٥٢).\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٣٢٨)، وروح المعاني (١/ ٥٥٤).","vol":"1","page":257},{"text":"تفاوت الأنبياء ﵈ وجواز تفضيل بعضهم على بعض.\nقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [لبقرة: ٢٥٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (الآية دليل على أنّ الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بنصّ؛ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصِّ على مسألة عقدية، وهي أن الرسل يتفاضلون، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، وذلك في الجملة دون تعيين مفضول؛ حيث نصَّ تعالى على تفضيل بعض رسله على بعض فقال ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فدلَّ على جواز المفاضلة بينهم لكن بنصّ قاطع من غير ظن؛ لأنّ اعتبار الظنّ فيما يتعلق بالعمل لا بالاعتقاد؛ إذ لابد من اعتقاد التفاضل بين الأنبياء، واعتقاد فضل الرسل على الأنبياء، وفضل أولي العزم على بقية الرسل، وفضل محمد ﷺ على سائر الرسل والأنبياء، لقيام الأدلة الصحيحة على ذلك.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية موافقًا الخطيب: ابن عطية، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عاشور، وابن عثيمين وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٩١)\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٣٣٨)، وأنوار التنزيل (١/ ١٥٣)، والبحر المحيط (٢/ ٦٠٠)، والتحرير والتنوير (٣/ ٧)، وتفسير العثيمين (٣/ ٢٣٨).","vol":"1","page":258},{"text":"قال ابن عثيمين: (من فوائد الآية: أن الرسل ﵈ يتفاضلون؛ لقوله تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾). (^١)\nوأما ما ثبت في السنة من النهي عن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، ونهيه عن تفضيله ﷺ خاصة على بعض الأنبياء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «لا تفضلوا بين الأنبياء» (^٢)، وقال: «لا تخيروني على موسى» (^٣)، وفي هذا يظهر إشكال بين الآية والأحاديث، وقد خرَّج بعض العلماء وجوهًا من القول في توجيهه (^٤) منها: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي ﷺ هذا (^٥)، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذمومًا، فإن الله حرَّم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ\n_________\n(^١) تفسير العثيمين (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه بنحوه البخاري في كتاب التفسير باب قوله (وإن يونس لمن المرسلين) برقم (٣٤١٤) (٤/ ١٥٩)، ومسلم في باب: من فضائل موسى ﵊ (٤/ ١٨٤٣)، رقم (٢٣٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود برقم (٢٤١١)، (٣/ ١٢٠)\n(^٤) ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٢٩٨)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ١٤٤)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٢٩)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٥١٩)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٦٧١).\n(^٥) تقدم توثيقه.","vol":"1","page":259},{"text":"اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فعُلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. (^١)\nقال الخطابي (^٢): (معنى هذا ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم، والإخلال بالواجب من حقوقهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد فاضل بينهم فقال ﷿: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]). (^٣)\nوذكر القرطبي أقوالًا أخرى في توجيه ذلك، ثم قال: (وأحسن من ذلك قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من اتُخذ خليلًا .. ثم قال: وهذا قول حسن؛ فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غيرنسخ). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ١٢٠)، ومختصر معارج القبول لهشام آل عقدة (١/ ٣٦٦).\n(^٢) هو: حمد بن محمد بن خطاب البستي الخطابي، أبو سليمان، الإمام العلاّمة الحافظ اللغوي، صاحب التصانيف، توفي سنة ٣٨٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص ٤٢٠، وشذرات الذهب (٣/ ٢٥٦).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٣٠٩)، وينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ١٤٤)، وعون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد آبادي (١٢/ ٢٧٧).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٤٩).","vol":"1","page":260},{"text":"ونفى الشوكاني المعارضة بين القرآن والسنة وتكلف الجمع بينهما، بعد أن عدَّ كلامًا لأهل العلم في وجه الجمع قال: (وفي جميع هذه الأقوال ضعف، وعندي أنه لا تعارض بين القرآن والسنة، فإن القرآن دلَّ على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلًا وهذا مفضولًا - إلى أن قال-: فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضَّل بعض أنبيائه على بعض، لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضَّل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع بينهما زاعمًا أنهما متعارضان فقد غلط غلطًا بينًا). (^١)\nوالذي يظهر من كلام أهل العلم والله تعالى أعلم هوجواز التفضيل إجمالًا، ومنع التفضيل على وجه الخصوص، فلا يجوزُ المفاضلة بين نبيٍّ ونبي على وجه التخصيص (فاضل ومفضول)، وهذا صريحُ نص السنة الصحيحة التي وردت بالنهي «لا تفضلوا بين الأنبياء»، يعني به النهي عن التفضيل التفصيلي، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال (^٢)، وهو ما تُحمل عليه دلالة الآية كما وجهه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فتح القدير (١/ ٣٠٨).\n(^٢) كقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، ولم يُعين. ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٣٣٨)، والبحر المحيط (٢/ ٦٠٠)، والتحرير والتنوير (٣/ ٧)، والجموع البهية للعقيدة السلفية التي ذكرها الشنقيطي في تفسيره لأبي المنذر المنياوي (٢/ ٤٤٣)، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للفوزان (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":261},{"text":"إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: جياد ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ من المال والتجارة والصناعة، وفيه دلالة على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على إباحة الكسب، وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث؛ لأنه تعالى أمر بالإنفاق وخصصَّه بالطيبات من الكسب، فدلَّ على جوازه، ودلَّ تخصيص الطيبات منه على انقسامه إلى طيب وخبيث.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والبغوي، والخازن، وحقي، وغيرهم. (^٢)\nقال الجصاص: (فيه إباحة المكاسب وإخبار أن فيها طيبًا). (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٢٠٦)\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٧٤)، ومعالم التنزيل (١/ ٣٦٤)، ولباب التأويل (١/ ٢٠٢)، وروح البيان (١/ ٤٣٠).\n(^٣) أحكام القرآن (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":262},{"text":"والمذهب عند الفقهاء من السلف والخلف أن كسب المرء لنفسه مباح على الإطلاق بل هو فرضٌ عند الحاجة. (^١)\nوقال قوم من جهال أهل التقشف والتصوف: إن الكسب حرام لا يحل إلا عند الضرورة، واستدلوا بأقوال باطلة وحجج واهية. (^٢)\nقال الشاطبي (^٣) منكرًا عليهم: (ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أو أفضل من غيره، إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها.) (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط (٣٠/ ٢٤٧)، والمحيط البرهاني (٥/ ٣٥٦)، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة (١/ ٨٦).\n(^٢) منها قولهم: إن الكسب ينافي التوكل على الله تعالى أو ينقص منه، وقد أُمرنا بالتوكل، فما يتضمن نفي ما أُمرنا به يكون حرامًا، والدليل على أنه ينفي التوكل قوله ﷺ «لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقتم، كما يرزق الطير يغدو خماصًا ويروح بطانًا»، وقال تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وهذا حث على ترك الاشتغال بالكسب وبيان أن ما قدر من الموعود آتٍ لا محالة. قالوا: وفي الاشتغال بالكسب ترك ما خُلق المرء لأجله وأمر به من عبادة ربه، وما في القرآن من ذكر البيع والشراء في بعض الآيات ليس المراد به التصرف في المال والكسب، بل المراد تجارة العبد مع ربه ببذل النفس في طاعته والاشتغال بعبادته فذلك يسمى تجارة، كما قال تعالى ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآية، ودعواهم أن الكبار من الصحابة ﵃ كانوا لا يكتسبون ... الخ مزاعمهم مما لا يخفى بطلانه من أصله.\nينظر: المبسوط (٣٠/ ٢٤٧)، والتعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (١/ ٨٥)، وتنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لأبي الحسن السبتي (١/ ١٣٣).\n(^٣) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي: أصولي حافظ. من أهل غرناطة. كان من أئمة المالكية. من كتبه (الموافقات)، و(الاعتصام) في أصول الفقه، و(أصول النحو)، و(شرح الألفية). توفي سنة ٧٩٠ هـ. ينظر: الأعلام (١/ ٧٥)، ومعجم المؤلفين (١/ ١١٨).\n(^٤) الاعتصام (١/ ٢٦٣)","vol":"1","page":263},{"text":"ويُردُّ عليهم بدلالة هذه الآية وغيرها، وما ثبت في السنة مما يدل على إثبات الكسب شرعًا، وأنه لا يقدح في التوكل، كما أن الاكتساب طريق المرسلين، والأنبياء في هذا ليسوا كغيرهم، فقد بُعثوا لدعوة الناس، فكانوا مشغولين بما بعثوا لأجله، ولم يشتغلوا عامة أوقاتهم بالكسب لهذا، وقد اكتسبوا في بعض الأوقات ليُبينوا للناس أن ذلك مما ينبغي أن يشتغل به المرء، وأنه لا ينفي التوكل على الله، كما ظنه هؤلاء الجهال، فلا منافرة بَين التوكل والكسب، ولو ترك النَّاس الْكسْب بالجملة لهلكت الأَرْض وَمن عليها، فلا يخفى ضرورته وفضله من الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو، والتعفف عن ذلة السؤال والحاجة إلى الغير (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (١/ ٨٥)، وتنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لأبي الحسن السبتي (١/ ١٣٣)","vol":"1","page":264},{"text":"الإشارة إلى كمال عظمة الله، وعجز العبد.\n﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لما وقع منكم من تقصير، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لما له من الإحاطة بصفات الكمال، ولما جبل عليه الإنسان من النقص). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من إشارة الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختمها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وذلك للإشعار بكمال ذاته تعالى وصفاته، وتقصير الإنسان وعجزه، حيث وعد تعالى عباده بالمغفرة، وهذا دليل كمال في جانب الله، وعجز وتقصير في جانب العبد، وأنه لا يقدر أحد مهما بلغ، أن يقدر الله حق قدره، لجلاله وكمال صفاته، فله المحامد والفضائل كلها، التي لا يبلغها ولا يجزي بها أحد، يشهد له قوله سبحانه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: البقاعي، وغيره. (^٢)\nوهي إشارة حسنة؛ إذ جاء وعد الرحمن عباده بالمغفرة في مقابلة وعد الشيطان لهم بالفقر، إشعارًا بكماله تعالى وعظمة سلطانه، وحاجة عباده وفاقتهم دائمًا وأبدًا إلى العفو والمغفرة مهما بلغ بهم من الطاعة، فإن المرء محل الضعف\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ١٨٠)\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٤/ ٩٢)","vol":"1","page":265},{"text":"والغفلة والتقصير، وغلبة الهوى مهما بلغ وإن اجتهد في الطاعة، فلا يخلو من التفريط، ولا يسعه إلا رحمة الله وعفوه، ولهذا وعد عباده بالمغفرة ووعده تعالى الحق (^١)، والله تعالى أجل وأعلم.\nجواز النيابة في الإقرار.\nقال الله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: متولي أمره من والد ووصيّ، وقيم، ووكيل، ومترجم ﴿بِالْعَدْلِ﴾ وفي هذا دليل على جريان النيابة في الإقرار. قال البيضاوي: ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل (^٢)، أي: دون المترجم ودونهما فيما لم يتعاطياه). (^٣)\n\nوجه الاستنباط:\nأمرُ الولي بالإملال (^٤)، فلو لم يُقبل إقراره لما كان لإملاله معنى. (^٥)\nالدراسة:\n_________\n(^١) ينظر: صيد الخاطر لابن الجوزي ص ٧١.\n(^٢) أنوار التنزيل (١/ ١٦٤)\n(^٣) السراج المنير (١/ ٢١٥)\n(^٤) الإملال والإملاء لغتان فصيحتان من لغة العرب معناهما واحد جاء بهما القرآن، وهي هنا لغة الحجاز، والإملاء تميم. ينظر: السراج المنير (١/ ٢٩٥).\n(^٥) ينظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي للزيلعي (٥/ ٣).","vol":"1","page":266},{"text":"استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط حكم فقهي وهو جواز النيابة في الإقرار؛ حيث أمر الله تعالى ولي الذي عليه الحق بالإملال، فلو لم يقبل إقراره لما كان لإملاله معنى، فدلَّ على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه (^١)؛ ولأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره (^٢)، وقد نهاه الله تعالى أيضًا عن كتمان الحق بقوله ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فصار نظير أمره بأداء الشهادة ونهيه عن كتمانها، وقوله تعالى ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أي شاهد كما قاله ابن عباس ﵄ (^٣) وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] والمراد به الإقرار (^٤).\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الحكم من الآية: ابن العربي، والبيضاوي، والسيوطي، والألوسي، وغيرهم. (^٥)\nقال السيوطي: (فيه أن السفية يحجر عليه، وتُلغى أقواله وتصرفاته وإقراره، وأنه لابد له من ولي أمره، وأن الولي يُقبل إقراره عليه). (^٦)\nوقال ابن العربي: (وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه). (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣٢).\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٣٨٠).\n(^٣) ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٦٨)، وجامع البيان للطبري (٢٤/ ٦٣)\n(^٤) ينظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٥/ ٣)\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣٢)، وأنوار التنزيل (١/ ١٦٤)، والإكليل (١/ ٦٤)، وروح المعاني (٢/ ٥٦).\n(^٦) الإكليل (١/ ٦٤).\n(^٧) أحكام القرآن (١/ ٣٣٢)","vol":"1","page":267},{"text":"والمراد بالولي في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي متولي أمره، وهو الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبيًا أو مختل العقل، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع (^١)، والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول، وفرق بينه وبين الإقرار على الغير. (^٢)\nقال ابن عطية: (أمَر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره). (^٣)\nوشهادة الوصي على من في حجره مقبولة عند المالكية والشافعية والحنابلة على الصحيح من المذهب، وعند الحنفية وأحمد في رواية عنه لا تقبل (^٤)، فإذا شهد الوصي على من هو موصى عليهم، قُبلت شهادته، وإن شهد لهم لم تقبل إذا كانوا في حجره، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهمًا. (^٥)\nقال ابن قدامة في تحقيق ذلك: (أما شهادته عليهم فمقبولة، لا نعلم فيه خلافًا، فإنه لا يُتهم عليهم، ولا يجُرُّ بشهادته عليهم نفعًا، ولا يدفع عنهم بها\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي (١/ ١٦٤)، والأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٤٦٣)، والقواعد والفوائد الأصولية (١/ ٦٦).\n(^٢) ينظر: روح المعاني للألوسي (٢/ ٥٦)\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٣٨٠)\n(^٤) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٢)، والجوهرة النيرة على مختصر القدوري للزبيدي (١/ ٣٠٩)، ومواهب الجليل للرعيني (٦/ ٤٠٢) وروضة الطالبين للنووي (٦/ ٣٢٢)، ومسائل الإمام أحمد (٨/ ٤١٤٣).\n(^٥) ينظر: الحاوي الكبير للماوردي (١٧/ ١٦٠).","vol":"1","page":268},{"text":"ضررًا، وأما شهادته لهم إذا كانوا في حجره، فغير مقبولة، وهذا قول أكثر أهل العلم (^١». (^٢)\nوذلك لأنه قد قام مقامهم في النيابة عنهم، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وبهذا يتبين جواز النيابة في الإقرار كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n\nجواز التكليف بما لا يطاق.\nقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ﴾ أي: قوّة، ﴿لَنَا بِهِ﴾ من البلاء والعقوبة ومن التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية، وهو يدلّ على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سُئل التخلص منه). (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة استنباطًا أصوليًا، وهو جواز التكليف بما لا يطاق؛ إذ لو لم يكن جائزًا لما حسُن طلب تخفيفه بالدعاء من الله تعالى.\n_________\n(^١) منهم الشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٢)، والدر المختار وحاشية ابن عابدين (٥/ ٤٦٢)، وروضة الطالبين (٦/ ٣٢٢)، والشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ٧٧)، وعمدة الفقه لابن قدامة (١/ ١٥٢).\n(^٢) المغني (١٠/ ٢٤٠).\n(^٣) السراج المنير (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":269},{"text":"قال ابن جزي مؤيدًا هذه الدلالة: (هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يُدعى برفع ما لا يجوز أن يقع، ثم إن الشرع دفعَ وقوعه). (^١)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة موافقًا الخطيب: الرازي، والبيضاوي، وابن جزي، والخازن، والنيسابوري، والشهاب الخفاجي، وغيرهم. (^٢)\nوالقول بجواز تكليف ما لا يطاق عقلًا هو قول الأشاعرة (^٣)، وهي من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفِرق وذلك تبعًا للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح (^٤)، وقد بنى الأشاعرة قولهم في هذه المسألة على أصلهم في منع التعليل في أفعال الله ﷿ ومنع التحسين والتقبيح العقليين، ووجه استدلالهم بهذه الآية قولهم: لولا حسُن وقوع التكليف بما لايطاق ما سألوا دفعه، فلفظ «حُسن» هو على طريقة المعتزلة في التحسين والتقبيح، والأشاعرة\n_________\n(^١) التسهيل (١/ ١٤٣)\n(^٢) التفسير الكبير (٧/ ١٢٢): أنوار التنزيل (١/ ١٦٦)، التسهيل (١/ ١٤٣)، لباب التأويل (١/ ٢٢١)، غرائب القرآن (٢/ ٩٤)، وحاشية الشهاب علي تفسير البيضاوي (٢/ ٣٥٤).\n(^٣) نسبه لهم الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ١٨٢) وابن أبي العز في شرح الطحاوية (١/ ٢٩٨)، والقرطبي قال: «قال أبو الحسن الاشعري وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع». الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٤٣٠)\n(^٤) قالت الجهمية بجواز تكليف ما لا يطاق مطلقًا، وقالت المعتزلة بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه قبيح والله تعالى منزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه.\nوقالت الأشاعرة بجواز تكليف ما لا يطاق عقلًا وإن لم يقع في الشرع، وأجازوه عقلًا بناء على نفيهم الحسن والقبيح العقليين. وأما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة فقالوا بعدم جواز تكليف ما لا يطاق لأنه فاسد عقلًا ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف.\nينظر: التوحيد للماتريدي (١/ ٢٦٣)، ومجوع الفتاوى (٨/ ٢٧٩)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية (٢/ ٤٦٣)، والمستصفى للغزالي (١/ ٩٨)، والمطالب العالية للرازي (٩/ ٢٦٧)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ص ١٣٣.","vol":"1","page":270},{"text":"تقول بأن أصل أفعال العباد كلها ليست بقدرتهم، ومن ثَمَّ فكل تكاليف الشريعة من تكليف ما لا يطاق، ولهذا قالوا بجوازه.\nوهذا الاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ المراد بقوله تعالى ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ليس المستحيل، وإنما المراد به ما يكون شاقًا على العباد مع قدرتهم عليه (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي الذي يشق عليهم مع أنهم يقدرون عليه.\nوالصواب في هذه المسألة هو التفصيل كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وابن أبي العز في شرح الطحاوية (^٣)، وغيرهم، وذلك بأن يُقال: إن تكليف ما لا يطاق ينقسم قسمين: أحدهما: ما لا يُطاق للعجز عنه، كتكليف الزمن السير، وتكليف الإنسان الطيران، ونحو ذلك فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدَر.\nوالثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضده، كاشتغال الكافر بالكفر، فإنه هو الذي صدَّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده، فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا، والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب.\nومثل هذا ليس بقبيح عقلًا عند أحد من العقلاء، بل العقلاء متفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي؛ لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك الضد ويفعل الضد المأمور به، وهذا لا يدخل فيما لا يطاق، فإنه لا يقال\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (٦/ ١٣٩)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٧٣٨)\n(^٢) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٦٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٩).\n(^٣) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":271},{"text":"للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج إنه كُلِّف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أُمر بالطهارة والصلاة فتَرك ذلك كسَلا أنه كُلِّف ما لا يُطيق.\nوهذا هو الحق في هذه المسألة (^١)، أما إطلاق القول فيها فهو من البدع المحدثة، المخالفة للآيات الدالة على رفع الحرج وعدم التكليف بما لا يطاق، ويكفي في ردِّه أنه قول مبتدع لم يقل به أحدٌ من السلف بل هو من بدع المتكلمين المبنية على أصولهم الفاسدة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ١٠٤)، وشرح الطحاوية لأبن أبي العز (١/ ٢٩٨)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبدالرحمن المحمود (١/ ٤٣١).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>سورة آل عمران</span>\nفضل علم أصول الدين.\nقال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم الله تعالى هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ أُجيب: بأنّ المراد بهم أنهم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل (^١) والتوحيد من الأنبياء والمؤمنين، وفيه دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران فضل علم أصول الدين، وشرف أهله، حيث قرن تعالى اسمه واسم ملائكته مع أولي العلم في الشهادة على وحدانيته وعدله، ولو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، فدلّ على فضيلة أهل العلم عامة، وعلماء التوحيد وأصول الدين خاصة؛ لأنهم أهل إثبات وحدانيته سبحانه وقدرته دون غيرهم من أهل العلوم.\n_________\n(^١) الذي يظهر من تكرار لفظ العدل عنده أنه أراد بهم من هم على مذهبه من الأشاعرة ومن اقتفى أثرهم.\n(^٢) السراج المنير (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":273},{"text":"وقد دلّت هذه الآية على شرف العلم وأهله من وجوه كثيرة، حكاها السعدي وغيره، منها: أن الله خصّهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون سائر الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلًا وشرفًا، ثم جعلهم سبحانه أولي العلم، فأضافهم إلى العلم؛ إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، وكذلك جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونوا هم السبب في ذلك، ويكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن تزكيتهم وتعديلهم، وأنهم أُمناء على ما استرعاهم عليه. (^١)\nوالمراد بأولي العلم هنا: علماء الكتاب والسنة، وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب والسنة، أفاده الشوكاني. (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والشوكاني، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nقال السعدي: (وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصًا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه،\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٢٤).\n(^٢) ينظر: فتح القدير (١/ ٣٧٣).\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (٢/ ٩)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ١٧)، وفتح القدير (١/ ٣٧٣)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":274},{"text":"وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه، وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين.) (^١)\nولا غرو فعلم التوحيد خاصة، وعلم أصول الدين عامة أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، وحاجة العباد إليه تفوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":275},{"text":"نفي حبوط العمل، وخلود المؤمن في النار.\nقال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: عملت من خير أو شر، وفي ذلك دليل على أن العبادة لا تحبط، وأن المؤمن لا يخلد في النار وإن دخلها؛ لأن توفية إيمانه وعمله لا يكون في النار ولا قبل دخولها فإذًا هي بعد الخلاص إن دخلها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على نفي حبوط العمل، وخلود المؤمن في النار. لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على توفية الإنسان عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وتوفية الإيمان والعمل الصالح للعبد لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فوجب أن تكون بعد الخلاص منها إن لم تدركه رحمة الله قبل دخولها.\nوقد نصَّ على هذه الدلالة من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وغيرهم. (^٢)\nوهذه الآية يستدل بها القائلون بالوعيد (^٣)، ويستدل بها أهل السنة\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٢٣٦)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٧/ ١٨١)، وأنوار التنزيل (٢/ ١١)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٢١).\n(^٣) وهم الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار، ينظر شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧٠","vol":"1","page":276},{"text":"والجماعة القائلين بأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار (^١)؛ لأن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن يوفى عليه ثوابه، لقوله تعالى ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ فإما أن يثاب في الجنة، ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع، وإما أن يعاقب بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبدًا مخلدًا وهو الصحيح، أفاده الرازي. (^٢)\nوأهل السنة والجماعة على أن أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله، إن شاء الله تعالى غفر لهم وأدخلهم الجنة برحمته كما قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨)، وإن شاء أدخلهم النار بعدله بقدر سيئاتهم، ثم أُخرجوا من النار بإيمانهم، وبعقيدتهم وتوحيدهم.\nقال الطحاوي: (وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكِرته الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته). (^٣)\nوهذه الدلالة وإن كانت صحيحة، إلا أن استنباطها من هذه الآية ليس بظاهر كل الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول للحكمي ٢/ ٤٢٨.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٧/ ١٨١)\n(^٣) ينظر: العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي الحنفي ص ١١.","vol":"1","page":277},{"text":"كرامة الأولياء.\nقال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]\nقال الخطيب الشربيني – ﵀ -: (قوله تعالى ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك؟ ﴿قَالَتْ﴾ وهي صغيرة ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يأتيني به من الجنة، قيل: تكلمت في المهد وهي صغيرة كما تكلم ابنها عيسى وهو صغير في المهد، ولم ترضع ثديًا قط، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة (^١)، وفي هذا دليل وأي دليل على كرامة الأولياء، وليس ذلك معجزة لزكريا كما زعمه جماعة (^٢)؛ لأنّ ذلك مدفوع باشتباه الأمر عليه، حتى قال لها أنى لك هذا؟ ولو كان معجزة له لادّعاها وقطع بها؛ لأنّ النبيّ شأنه ذلك، ويدل عليها غير ذلك كقصة أصحاب الكهف، ولبثهم في الكهف سنين عددًا بلا طعام ولا شراب .. - إلى أن قال- وبالجملة فكرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة). (^٣)\n_________\n(^١) وهو قول الحسن، ينظر: النكت والعيون (١/ ٣٨٨)، والبحر المحيط (٣/ ١٢٣).\n(^٢) هم طوائف من العقلانيين منهم المعتزلة، أنكروا كرامة الأولياء، وقالوا ليس لولي كرامة؛ لأنه لو صح أن يكون لولي كرامة لاشتبهت كرامات الأولياء بمعجزات الأنبياء، وحينئذ تشتبه الكرامة بالنبوة، ويشتبه الولي بالنبي، وهذا قدح في النبوة وقدح في الشريعة. ينظر: شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز ص ٤٩٨.\n(^٣) السراج المنير (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":278},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كرامة الأولياء؛ حيث أخبر تعالى أن زكريا ﵇ كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقًا، فلمّا سألها عنه قالت: هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها على هذا الوجه أمرٌ خارق للعادة، وفيه تعظيم لشأن مريم، وكرامة لها.\nوهكذا فهم زكريا ﵇ هذا المعنى، وإلا لم يكن ليقتنع بجواب مريم:\n﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهذا من الآية التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ويدل لذلك أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، مع أنه كان آيسًا من الولد بسبب شيخوخته وكِبَر زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم، طمع في انخراق العادة في حقه هو أيضًا بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر.\nوقد تواترت الروايات (^١) أن زكريا ﵇ كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم ﵍ كان فعلًا خارقًا للعادة. (^٢)\nوممن قال بهذا الاستنباط: الزجاج، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، والمظهري، والقاسمي، والسعدي وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٧)، والدر المنثور للسيوطي (٥/ ٤٩٨)، وينظر: التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة للسعدي، ص ٩٧.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٨/ ٢٠٧).\n(^٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (١/ ٤٠٤)، والمحرر الوجيز ١/ ٢٤٧، والتفسير الكبير ٨/ ٢٠٧، وأنوار التنزيل ٢/ ١٥، والبحر المحيط ٣/ ١٢٤، وتفسير القرآن العظيم ر ٢/ ٣٦، وإرشاد العقل السليم ٢/ ٣٠، والتفسير المظهري (٢/ ٤٣)، ومحاسن التأويل ٢/ ٣١٣، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":279},{"text":"وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة، وما صحت به الرواية من كرامات الأولياء ويصدقون بها ولا ينفونها (^١)، لأن في التصديق بها تصديقًا بما أخبر الله به في القرآن، وأخبر به النبي ﷺ في السنة، وإنما يُنكِرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، وهذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة؛ فقد ثبت في القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف، وقصة مريم، وثبت في السنة الصحيحة نزول الملائكة كهيئة الظلة فيها أمثال السرج (^٢) لاستماع قراءة أسيد بن حضير (^٣)، وسلام الملائكة (^٤) على عمران بن حصين (^٥)، وغيرها من الكرامات.\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق ٤٩٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب فضائل القرآن، باب نزول السكينة لقراءة القرآن برقم (٧٩٦) (١/ ٥٤٨).\n(^٣) هو أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري، الأوسي الأشهلي، أبو يحيى، أسلم بعد العقبة الأولى، وشهد العقبة الثانية، وكان نقيبا لبني عبد الأشهل، شهد أحدًا، وما بعدها من المشاهد، توفي سنة ٢٠ هـ. ينظر: أسد الغابة (١/ ٢٤٠)، والإصابة (١/ ٢٣٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع برقم (١٢٢٦)، (٢/ ٨٩٩)\n(^٥) هوعمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة، ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة، توفي سنة ٥٢ هـ. ينظر: أسد الغابة (٤/ ٢٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٨).","vol":"1","page":280},{"text":"قال ابن تيمية: (من أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.) (^١)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، خلافًا لمن نفى ذلك، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.\nعدم جواز لعن الكافر المعيَّن مادام حيًا.\nقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧]\nقال الخطيب الشربيني – ﵀ -: (المراد بالناس: المؤمنون أو العموم؛ فإن الكافر يلعن منكر الحق والمرتد عنه، ولكن لا يعرف الحق بعينه.\nثم قال: تنبيه: دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم المذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (^٢)\n\nالدراسة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٦)، والعقيدة الواسطية لابن تيمية (١/ ١٢٣)، والإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف للصنعاني، ص ٢٠.\n(^٢) السراج المنير (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":281},{"text":"استنبط الخطيب من الآية عدم جواز لعن الكافر المعيَّن، لأن الله تعالى لما خصّ الذين كفروا بعد إيمانهم بأن جزاءهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، دلّ بمفهوم المخالفة على أنه لا يجوز لعن غيرهم من عموم الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم.\nوقد حكَم تعالى في قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله من هدايته ويعذبهم في الآخرة، وأن الأمر غير مقصور عليه، بل وتلعنهم الملائكة كذلك، والناس أجمعين، مما يدل على قبح فعلهم وعظيم غوايتهم.\nويُفهم من دلالة هذه الآية أنه يجوز لعن من كفر بعد إيمانه، أما من سواه من الكفار فلا يجوز لعنه، ولعل الفرق بينهم -كما حكاه البيضاوي - أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى آيسون من الرحمة بخلاف غيرهم. (^١)\nولذلك فإنه لا يجوز لعن الكافر المعيّن إن كان حيًَّا، لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم، وقد شرط الله تعالى في إطلاق اللعنة الوفاة على الكفر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، ولأنّا لا ندري ما يختم به لهذا الكافر.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما. (^٢)\nويؤيده ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: لا تدعُ عليهم فلعلّ الله أن يتوب\n_________\n(^١) أنوار التنزيل وأسرار التأويل ٢/ ٢٧.\n(^٢) ينظر: المرجع السابق، وإرشاد العقل السليم ٢/ ٥٦.","vol":"1","page":282},{"text":"عليهم (^١)، ومنه أخذَ جَمعٌ من أهل العلم تحريم لعن الكافر المعين، وذلك لأن النبي ﷺ نُهي عن ذلك، وهذا ما عليه الجمهور، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، رحمهم الله تعالى. (^٢)\nوعليه فلا يُلعَن الكافر مازال حيًا، وهو ما دلّت عليه الآية، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) كان ﵊ يقول يوم أحد: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان ابن أمية» فنزلت هذه الآية. ينظر: جامع البيان (٧/ ٢٠٠، وتفسير القرآن العظيم /١١٥.\n(^٢) هذا ما عليه الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب، ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥١١)، والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ٥/ ٣٥، وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ٧٦، والقول المفيد لابن عثيمين ١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":283},{"text":"قبح كفر أهل الكتاب وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾\n[آل عمران: ٩٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية قبح كفر أهل الكتاب، وتكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل؛ حيث خصَّهم بالذكر دون سائر الكفار؛ لأن معرفتهم بآيات الله أقوى؛ لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة للرسول ﷺ والبشارة به، كما نصّ قوله تعالى ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ على تكذيبهم في زعمهم الإيمان بالتوراة والإنجيل، فدلّ على قبح كفرهم واستنكاره منهم. (^٢)\nقال أبو السعود مشيرًا إلى هذا المعنى: (وإنما خوطبوا بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يُصدقه من القرآن العظيم، مبالغة في تقبيح حالهم في كفرهم بها، وقوله ﷿ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب، وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية، والمراد بآياته تعالى:\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٢٧٠)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":284},{"text":"ما يعم الآيات القرآنية التي من جُملتها ما تُلي في شأن الحج وغيره، وما في التوراة والإنجيل من شواهد نبوته ﵇. (^١)\nوممن استنبط إشارة الآية إلى هذه الدلالة موافقًا الخطيب: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nوعليه فمفاد التخصيص التوبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد ﷺ وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شهادتهم أن ما في كتبهم حق، وأنه من عند الله. (^٣)\nوهذه الآية تحتمل أيضًا أن يكون تخصيصهم بالذكر لأنهم هم المخاطبون في صدر الآية، فأورد عليهم الدلائل من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﷺ، وأجابهم عن شُبههم في ذلك، ثم خاطبهم بذلك. (^٤)\nقال الرازي: (فإن قيل: ولم خصّ أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟\nقلنا لوجهين: الأول: أنا بينَّا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوة محمد ﵊، ثم أجاب عن شُبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: يا أهل الكتاب، فهذا الترتيب الصحيح.\nالثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته). (^٥)\nوعلى كلا الوجهين فدلالة الآية على عِظم الكُفر منهم وإنكاره عليهم ظاهرة؛ لعلمهم بما في كتابهم مما يُبشر بمحمد ﷺ ويُصدِّقه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم (٢/ ٦٣).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٨/ ٣٠٧)، وأنوار التنزيل (٢/ ٣٠)، البحر المحيط (٣/ ٢٧٩)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٦٣)، وروح البيان (٢/ ٦٩)، وروح المعاني (٢/ ٢٣١).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٦/ ٥٠٢)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٥)\n(^٤) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٧٩)\n(^٥) التفسير الكبير (٨/ ٣٠٧).","vol":"1","page":285},{"text":"إجماع هذه الأمة حجة.\nقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (اُستدل بهذه الآية على أنّ إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر؛ إذ اللام فيها للاستغراق (^١)، فلو أجمعوا على باطل، كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك). (^٢)\n\nالدراسة:\nنصَّ الخطيب على دلالة هذه الآية على استنباط أصولي، وهو أن إجماع أمة محمد ﷺ حجة، بدلالة اللازم من الآية، حيث أخبرتعالى عن خيرية هذه الأمة بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وهذا يقتضي كون قولهم حقًا وصوابًا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقًا لكان ضلالًا، فإذا اجتمعوا على مشروعية شيء كان ذلك الشيء معروفًا، وإذا اجتمعوا على عدم مشروعية شيء كان ذلك الشيء منكرًا، فيكون إجماعهم حجة. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٨/ ٣٢٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢١٤).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٢٦٧)\n(^٣) ينظر: المهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (٢/ ٨٥٧).","vol":"1","page":286},{"text":"قال الجصّاص في تقرير ذلك: (في هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه: أحدها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين، والثاني: إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف، فما أُمروا به فهو أمر الله تعالى؛ لأن المعروف هو أمر الله، والثالث: أنهم ينكرون المنكر، والمنكر هو ما نهى الله عنه، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى (^١)، فثبت بذلك أن ما أنكرته الأمة فهو منكر، وما أمرت به فهو معروف، وهو حكم الله تعالى، وفي ذلك ما يمنع وقوع إجماعهم على ضلال، ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هو حكم الله تعالى.) (^٢)\nوممن استنبط حجية إجماع الأمة من هذه الآية: الجصّاص، والرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، والشهاب الخفاجي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nقال السعدي مؤيدًا دلالة الآية من جملة أدلته: (ووجه الدلالة منها - أي الآية -: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أُمروا به، فيتعيَّن بنص الآية أن يكون معروفًا ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكرًا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾\n_________\n(^١) (رضى) هكذا هي، راجعتها في أكثر من نُسخة\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٢٢)\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٢٢)، والتفسير الكبير (٨/ ٣٢٤)، وأنوار التنزيل (٢/ ٣٣)، وغرائب القرآن (٢/ ٢٣٤)، وحاشيه الشهاب على البيضاوي (٣/ ٥٤)، ومحاسن التأويل (١/ ٤١٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":287},{"text":"ثم قال: فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة.) (^١)\nفالإجماع بدلالة هذه الآية وغيرها حُجة مقطوع به عند عامة المسلمين (^٢)، وهي عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه (^٣)، وخير القرون الذين بُعث فيهم ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. (^٤)\nوقد عصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، أما اجتهاد المجتهدين فإنه غير معروف مطلقًا؛ إذ المجتهد يخطيء ويصيب ولكنه معروف في حقه، بمعنى أنه يلزمه العمل به مالم يتبين خطؤه، فالمعروف المطلق ما يجتمعون عليه (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٠٣) بتصرف يسير\n(^٢) ينظر: أصول السرخسي (١/ ٢٩٦)، والمحصول للرازي (٤/ ٧٣)، والإحكام للآمدي (١/ ٢١٤)، وروضة الناظر (١/ ٣٨٣)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن (٢/ ٨٥٧)، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة (١/ ١٦١) وخالف في حجيته بعض أهل الأهواء مثل إبراهيم النظام، والقاشاني من المعتزلة، والخوارج، وأكثر الروافض، ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢٥٢)، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٣٨٤)\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٧٦)، وينظر: إعلام الموقعين (٤/ ١٠٠) قال ابن القيم في هذه الآية: (شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يُفت فيها إلا من أخطأ منهم، لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر؛ إذ الصواب معروف بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا عُلم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة.) وينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٦٣)\n(^٤) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٩٤)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن (٢/ ٨٦١).\n(^٥) ينظر: أصول السرخسي (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":288},{"text":"الجنة مخلوقة الآن.\nقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيئت\n﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لله بعمل الطاعات وترك المعاصي، وفي ذلك دليل على أنّ الجنة مخلوقة الآن). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن المعدوم لايقال له: (أُعِدّ) فهو مُعَد.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة اللازم من الآية أن الجنة مخلوقة موجودة الآن؛ لأنه تعالى قال ﴿أُعِدَّتْ﴾ بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة عند قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. (^٢)\nفقوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقوله سبحانه ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وغيرهما من الآيات، تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان كما دلت عليه\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٢٨٣.\n(^٢) ينظر: الاستنباط رقم (٧).","vol":"1","page":289},{"text":"الأحاديث كحديث الإسراء (^١) وغيره، مما يقتضي أن ثمة جنة قد خُلِقت، وهو ماعليه أهل السنة والجماعة (^٢) وخالفهم المعتزلة والقدرية، فأنكروا ذلك.\nوممن استنبط خلق الجنة من موضع هذه الآية: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور، وغيرهم من المفسرين. (^٣)\nوقد ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (^٤)، وغيرها من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذا المعنى. (^٥) وهي دلالة ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية للإمام أبي العز الحنفي ١/ ٤٧٦، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٦/ ١٢٥٦\n(^٣) ينظر المحرر الوجيز (١/ ٥٠٩)، والتفسير الكبير (٢/ ٣٥٦)، والجامع لأحكام القرآن (٤/ ٢٠٥)، وأنوار التنزيل (٢/ ٣٨)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٨٥)، والتحرير والتنوير (٤/ ٨٩).\n(^٤) تقدم تخريجها جميعًا ينظر الاستنباط رقم: (٧)، ورقم (١٧).\n(^٥) فقد ثبت أن النبي ﷺ رأى في الجنة قصرًا لعمر، ورأى مناديل سعد، وسمع صوت خشخشة بلال في الجنة، وغير ذلك مما صح ونقل في الأخبار.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>سورة النساء</span>\nالقيّم لا يُصدّق في دعوى الدفع إلا ببينة.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَأَشْهِدُوا﴾ ندبًا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم قبضوها، فإنّ الإشهاد أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة فتحتاجون إلى البينة، وهذا يدلّ على أنّ القيم لا يصدّق في دعواه الدفع ولو أبى إلا ببينة، وهو مذهب الشافعيّ (^١)، ومالك (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة (^٣». (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص أنّ القيم لا يُصدّق في دعواه الدفع إلا ببينة، لأن الله تعالى أمر بالإشهاد فقال ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أمر من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال للأيتام إذا بلغوا الرشد، حتى إذا وقع اختلاف أمكن أن يقيم الوصي البينة على أنه ردَّ المال.\nفالإشهاد أنفى للتهمة، وأقطع للشر وأحسم للنزاع، وهذا يدلّ على أنّ القيم على اليتيم لا يُصدّق في دعواه الدفع إلا بالبينة؛ إذ ظاهر الأمر للوجوب (^٥)، وبه\n_________\n(^١) ينظر: الأم (٧/ ٨٦)، والمجموع للنووي (١٤/ ١٤٨).\n(^٢) ينظر: المدونة (٤/ ٣٣٩)، وبداية المجتهد لابن رشد (٤/ ٩٤).\n(^٣) ينظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٦/ ٧١٧).\n(^٤) السراج المنير (١/ ٣٢٠).\n(^٥) وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي ومالك - رحمها الله - كما تقدم توثيقه. وينظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٤)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٢٣).","vol":"1","page":291},{"text":"السلامة من الضمان والغرم على تقدير إنكار اليتيم، والاحتراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة، أو من وجوب الضمان إذ لم يُقِم البينة. (^١)\nوممن نصّ على هذه الدلالة من الآية، وأن ظاهر الأمر فيها للوجوب: الزمخشري، والكيا الهراسي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وأبو حيان، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوممن حمل الأمر فيها على الندب: السمرقندي، والسمعاني، والبغوي، وابن جزي، والسيوطي، وغيرهم. (^٣)\nوهذا الحكم محل خلاف بين العلماء، فإذا ادَّعى الوصي بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل يُصدَّق؟\nقال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية عنه (^٤): يُصدَّق بيمينه كسائر الأُمناء. (^٥)، وقال مالك والشافعي: لا يُصدَّق إلا بالبينة (^٦)؛ لأنه تعالى نصَّ\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٢٣)\n(^٢) ينظر: الكشاف (١/ ٤٧٦)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٣٣٢)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٢٥)، والتفسير الكبير (٩/ ٥٠٠)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٤)، وأنوار التنزيل (٢/ ٦١)، ولباب التأويل (١/ ٣٤٣)، والبحر المحيط (٣/ ٥٢٣)، وغرائب القرآن (٢/ ٣٥٤)، والتحرير والتنوير (٤/ ٢٤٧).\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٢٨٣)، وتفسير السمعاني (١/ ٣٩٩)، ومعالم التنزيل (١/ ٥٧١)، والتسهيل (١/ ١٧٩)، وتفسير الجلالين (١/ ٩٩)\n(^٤) ينظر: حاشية الروض المربع لعبد الرحمن بن قاسم (٥/ ١٩٨)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٩/ ٣١٦).\n(^٥) جعلوا الأمر بالإشهاد للندب والإرشاد.\n(^٦) تقدم توثيقه.","vol":"1","page":292},{"text":"على الإشهاد فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب، لكن يُصدَّق في قدر النفقة، وفي عدم التقتير والإسراف، لعسر إقامة البينة على ذلك، وتنفيره الناس عن قبول الوصاية. (^١)\nقال ابن الفرس: (لولا أنه يضمن إذا أنكره المحجور، لم يكن للأمر بالتوثق فائدة). (^٢)\nوقال القرطبي: (وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء، فإن القول قول الوصي، لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض، وهو ظاهر الآية، وليس بأمين فيُقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد ردَّ ما دفع إليه، أو المودع). (^٣)\nووافق أبا حنيفة في قبول قول الوصي بيمينه دون بينة من المفسرين: أبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٤)\nوالأظهر والله تعالى أعلم أن في أمر الله تعالى أولياء الأيتام بالإشهاد عليهم بعد البلوغ من الحِكم ما لا يخفى، ويكفي فيها الاحتياط لكلٍ من اليتيم ووالي ماله، لأن الأحوال تتبدل، والرشد يتفاوت، فالأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة، لأن من عرف أنه لا يُقبل عند الخصام إلا ببينة عفَّ عنه، واحترز منه. وكذلك الحال بالنسبة لليتيم فإنه إذا قامت عليه البينة بقبض المال كان أبعد أن يدعي ما ليس له (^٥)، وعليه فالأولى والأحوط أن يُشهد عليه (^٦)، كما دلَّت عليه هذه الآية، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٢/ ٣٥٤)، والتفسير الكبير (٩/ ٥٠٠)، والبحر المحيط (٣/ ٥٢٣).\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٦٨)\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٤)\n(^٤) ينظر: إرشاد العقل السليم (٢/ ١٤٦)، وروح البيان (٢/ ١٦٧)، وروح المعاني (٢/ ٤١٩).\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٦٤)، ونظم الدرر للبقاعي (٥/ ١٩٩).\n(^٦) ينظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (٩/ ٣١٦).","vol":"1","page":293},{"text":"فضل إصلاح النية.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيته فيما يتحرّاه أصلح الله تعالى مبتغاه). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى جعل نية الإصلاح سببًا في التوفيق.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى؛ إذ المعنى: إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين، على الصحيح في عود الضمير، كما هو ظاهر سياق الآية، وهو ماعليه أكثر المفسرين. (^٢)\nفإن قصد الحكمين إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة بُورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣٤٦).\n(^٢) ينظر: جامع البيان (٨/ ٣٣٢)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤٩)، وفتح القدير (١/ ٥٣٥)، والتحرير والتنوير (٥/ ٤٧)","vol":"1","page":294},{"text":"نفوسهما المودة والاتفاق (^١)، وهذا يدل على عظم شأن النية في صلاح العمل حيث جعلها تعالى سببًا في التوفيق.\nوممن استنبط هذا المعنى من الآية: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nولاشك أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له، فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا تحصل بركته إلا بصلاح القصد والنية.\nوالأصل في ذلك قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٣)\nوقد عظّم سبحانه أمر النية الصالحة فقال ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، فدل على عظم أمر النية، وأنه متى ما صلحت وابتغى العبد بها وجه الله والدار الآخرة في كل ما يتقرب به إليه تعالى، وفي كل نفع يعود على الناس، أعطي عليها أعظم الأجر، بل قد يبلغ بنيته\n_________\n(^١) ينظر: مدارك التنزيل للنسفي ١/ ٣٥٦.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير ١٠/ ٧٥،، وأنوار التنزيل ٢/ ٧٣، ومدارك التنزيل (١/ ٣٥٦)، وإرشاد العقل السليم ٢/ ١٧٥، ومحاسن التأويل ٣/ ١٠٢، والتحرير والتنوير ٥/ ٤٧.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسوله ﷺ (١/ ٩) برقم (١)، وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية»، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (٣/ ١٥١٥)، برقم (١٩٠٧).","vol":"1","page":295},{"text":"مالم يبلغه بعمله، ومن ذلك قوله ﷺ: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» (^١) ففيه تعظيم ثواب النية الصادقة، وهذا مما يشهد لصحة هذه الدلالة، وهي لطيفة من لطائف الاستنباط عند الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عن حزبه أو مرض (١/ ٥١٥) برقم (٧٤٧).","vol":"1","page":296},{"text":"التيمم لا يرفع الحدث.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه غيّاه بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾) (^١).\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل فقال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فلا يقوم مقامه الوضوء، وفيه ردٌ على من أباح جلوس الجنُب في المسجد مطلقًا إذا توضأ، حيث أفادت الآية جواز عبور الجنب في المسجد دون لبث فيه، وبهذا قال الجمهور (^٢)؛ خلافًا لأبي حنيفة فإنه لم يُجز للجنب المرور في المسجد، إلا أن لا يجد بُدًا فيتيمم ثم يمر. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣٣٢)\n(^٢) من المالكية والشافعية، ينظر: الفواكه الدواني (١/ ٤٢٢)، والأم (١/ ٧١)، وأجاز الحنابلة للجُنب إذا توضأ أن يلبث في المسجد. ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٢)، والمغني (١/ ١٠٧)\n(^٣) ينظر: المبسوط (١/ ١١٨)، وبدائع الصنائع (١/ ٣٨)، وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٩).","vol":"1","page":297},{"text":"ووافق الخطيب في استنباط هذا الحكم من الآية: الرازي، والبيضاوي، وابن العربي، والسيوطي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوفي معنى هذه الآية خلاف بين المفسرين، فحمل بعضهم الآية على ظاهرها، وقال المراد: إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا، فمُنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم. (^٢)\nوقال آخرون: بل المراد من الصلاة مواضع الصلاة وهي المساجد (^٣)، كقوله تعالى: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، ولا يقيم (^٤). (^٥)\nقال الطبري بعد حكايته لهذين القولين: (والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عُدم الماء وهو جُنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] إلى آخره. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنيًا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل (٢/ ٧٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٥٦)، والإكليل (١/ ٩٣)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٧٩)\n(^٢) وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ﵃ وإليه ذهب أبو حنيفة. ينظر: زاد المسير (١/ ٤٠٩)، وينظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٩).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٨/ ٣٨٤)، وتفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٣٠٥)، والتفسير الكبير (١٠/ ٨٦)، وتفسير القرآن العظيم (٢/ ٣١٣)\n(^٤) وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري. ينظر: النكت والعيون (١/ ٤٩٠).\n(^٥) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٦٢٧).","vol":"1","page":298},{"text":"قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل). (^١)\nقال ابن كثير معقبًا على كلام ابن جرير: (وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية). (^٢)\nوفائدة هذا الخلاف تظهر في حكم فقهي، وهو أنه على تقدير أن يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبًا إلا عابري سبيل، على هذا الوجه يكون الاستثناء (^٣) في قوله ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ دالًا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وأما على معنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنبًا إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلًا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) جامع البيان (٨/ ٣٨٤)\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣١٣)\n(^٣) الاستثناء على محمل الجمهور يحتمل أن يكون متصلًا عند من يرى المتيمم جنبًا، والتيمم غير رافع للحدث، وهو قول الشافعي، ويحتمل أن يكون منقطعًا عند من يرى المتيمم غير جنب، والتيمم رافع للحدث وهذا قول أبي حنيفة ورواية عن مالك وأحمد. ينظر: التحرير والتنوير (٥/ ٦٤)\n(^٤) قال ابن العربي: (فليس يُفهم من هذا إلا جواز التيمم عند عدم الماء؛ فأما أن يكون التيمم لا يرفع الحدث مع إباحة الصلاة فليس يُفهم إلا من هذا الموضع قبله، وهي فائدة حسنة جدًا). أحكام القرآن (١/ ٥٥٧).\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير للرازي (١٠/ ٨٦)","vol":"1","page":299},{"text":"والذي يظهر والله تعالى أعلم أن التيمُّم يرفع الحدَث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء، وهو ما عليه الحنفيَّة، وقول طائفة من المالكيَّة (^١)، ورواية عن أحمد (^٢).\nواختار هذا القول ابن تيميَّة، والشِّنقيطي، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم (^٣)\nقال ابن تيمية: (فمن قال: إن المتيمم جنب أو محدث فقد خالف الكتاب والسنة، بل هو متطهر). (^٤)\nوقال ابن باز: (التيمم يرفع الحدث مادام الماء غير موجود، أو كان المكلف غير قادر عليه من أجل مرض ونحوه). (^٥)\nوعليه فدلالة الآية على أن التيمم لا يرفع الحدث كما قاله الخطيب وغيره لا تظهر كل الظهور، بل الأظهر أن التيمم يرفعه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الفواكه الدواني (١/ ٤٢٢)\n(^٢) ينظر: الإنصاف للمرداوي (١/ ٢١٤)\n(^٣) ورجحه ابن المنذر، والصَّنعاني. ينظر: الإقناع لابن المنذر (١/ ٦٨)، ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٠٤)، وسبل السلام للصنعاني (١/ ٩٧)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٣٦٧)، وفتاوى نور على الدرب لابن باز (٥/ ٣٢٧)، والشرح الممتع لابن عثيمين (١/ ٣٧٥)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٣١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٠٤).\n(^٥) فتاوى نور على الدرب (٥/ ٣٢٧)","vol":"1","page":300},{"text":"وجوب الهجرة لأجل إقامة شعائر الدين.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nفي الوعيد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، دليل أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب، وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره تجب عليه الهجرة منه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على وجوب الهجرة على من كان في موضع لا يتمكن فيه من إقامة دينه، فكل من كان بدار الشرك أو بدار يُعمل فيها بمعاصي الله جهارًا إذا كان قادرًا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين تلزمه الهجرة بدلالة هذه الآية؛ لما فيها من العموم وإن كان سببها خاصًا (^٢)، فالوعيد الشديد في هذه الآية يدل على الوجوب؛ لأن القيام بواجب دين المسلم واجبٌ\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣٢٦)\n(^٢) ينظر جامع البيان ٩/ ١٠٦، وأسباب النزول للواحدي ١/ ١٧٧، والدر المنثور (٢/ ٦٤٧).","vol":"1","page":301},{"text":"على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (^١)\nوممن نصّ على هذا الاستنباط من الآية: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي والسعدي، وغيرهم. (^٢)\nقال القرطبي: (في هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي). (^٣)\nوحكم الهجرة باقٍ لا ينقطع إلى يوم القيامة على الصحيح من أقول أهل العلم. (^٤) وأما قوله ﷺ «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (^٥)، فمعناه: لا هجرة من مكة بعد فتحها لأنها صارت دار إسلام، ومثلها كل بلد فُتح لأنه لم يبق بلد كفر. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: المغني ٩/ ٢٩٤، والبحر المحيط للزركشي ١/ ٣٤١، والقواعد والفوائد الأصولية (١/ ١٤٢).\n(^٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٠١، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٤٦، وأنوار التنزيل ٢/ ٩٢، ومدارك التنزيل ١/ ٣٨٨، والبحر المحيط ٤/ ١٠، والإكليل ١/ ٩٩، وإرشاد العقل السليم ٢/ ٢٢٣، وفتح القدير (١/ ٥٨٣)، ومحاسن التاويل (٣/ ٢٨٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٩٥).\n(^٣) أحكام القرآن ٥/ ٣٤٦.\n(^٤) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٢٣، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٢/ ٦٣.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: لا هجرة بعد الفتح برقم (٣٠٧٧)، (٤/ ٧٥)\n(^٦) ينظر: بلوغ المرام لابن حجر ٢/ ١٥٥، ومنار السبيل في شرح الدليل لابن ضويان ١/ ٢٨٨.","vol":"1","page":302},{"text":"وعليه فمن قدر على إقامة شعائر دينه، وعلِم أنه يتمكن من إقامة حدود الله كما تجب، وإلا فعليه أن يفرّ بدينه من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد المعصية إلى بلد الطاعة، ويشهد لصحة هذه الدلالة: قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]\nقال السعدي في معنى هذه الآية: (﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثّرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم .. ثم قال (وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر). (^١) وهي دلالة صحيحة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن ١/ ١٩٥.","vol":"1","page":303},{"text":"جواز قصر الصلاة دون وجوبه.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: من أربع إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، يدل على جواز القصر دون وجوبه، ويؤيده أنه ﵊ أتمَّ في السفر (^١». (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النص جواز القصر دون وجوبه؛ لأن ظاهر السياق يدل عليه حيث قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ولفظ ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ إنما يستعمل في الرُخص لا فيما يكون حتمًا واجبًا (^٣)، فنفي الحرج فيه يدل على جوازه دون وجوبه، وقد علّق القصر على الخوف؛ لأن غالب أسفاره ﵊ لم تخل منه. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي، والدارقطني، والبيهقي من طرق عن عائشة ﵂ «أنه ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر، ويصوم» أخرجه الدارقطني في سننه برقم (٢٢٩٨)، (٣/ ١٦٣)، والبيهقي في السنن الصغرى (١/ ٢٢٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير عن عائشة (١/ ٦٦٢)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٣٧٨)\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (١/ ٦٨٧)، ولباب التأويل للخازن (١/ ٤١٨)\n(^٤) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٩٧)","vol":"1","page":304},{"text":"ويؤيد هذا الاستنباط أنه ﷺ أتمَّ في السفر كما تقدم، وقال فيه ﷺ «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (^١)، وكان عثمان ﵁ يُتمّ ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه. (^٢)\nوهذه الدلالة مبنية على قول الجمهور (^٣) أن المراد بالقصر في الآية: هو قصر عدد ركعاتها، لا قصر الكيفية في صلاة الخوف كما قال به بعض المفسرين. (^٤)\nووافق الخطيب في النصَّ على جواز القصردون وجوبه جمهور المفسرين. (^٥)\nقال السمعاني في حكاية الخلاف مرجحًا اختيار الشافعي: (اختلفوا في القصر على قولين: أنه إباحة، أم واجب، قال بعضهم: هو إباحة، وهو اختيار الشافعي (^٦)، وهو أصح؛ لقوله عز ذكره: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾). (^٧)\nوقال الشوكاني: (قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور (^٨)، وذهب الأقلون (^٩): إلى أنه واجب.) (^١٠)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين برقم (٦٨٦)، (١/ ٤٧٨)\n(^٢) ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٢/ ٢٢٧)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٣٦٧).\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل (١/ ٤٧١)، والمحرر الوجيز (٢/ ٣٨٢)، والتفسير الكبير (١١/ ٢٠٠)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٤٧)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤١٤)، والتحرير والتنوير (٥/ ١٨٣).\n(^٤) ينظر: جامع البيان (٩/ ١٤٠)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٨٢٩)، وأضواء البيان (١/ ٢١٠)\n(^٥) ينظر: التفسير الوسيط (٢/ ١٠٨)، وتفسير السمعاني (١/ ٤٧٢)، ومعالم التنزيل (١/ ٦٨٧)، والتفسير الكبير (١١/ ٢٠٠)، وأنوار التنزيل (٢/ ٩٣)، والتسهيل (١/ ٢٠٧)، ولباب التأويل (١/ ٤١٨)، وغرائب القرآن (٢/ ٤٨٣)، والإكليل (١/ ٩٩)، وفتح القدير (١/ ٥٨٥)، والتحرير والتنوير (٥/ ١٨٤)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ١٩٧).\n(^٦) ينظر: الأم (١/ ٢٠٧)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٩٢).\n(^٧) تفسير السمعاني (١/ ٤٧٢).\n(^٨) ذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن القصر جائز، والراجح المشهور عند المالكية: أن القصر سنة مؤكدة؛ وفي المذهب عن مالك أقوال أُخر فقيل: إنه فرض، وقيل: مستحب، وقيل: إنه مباح. ينظر: بداية المجتهد ١/ ١٦١، والشرح الكبير للدردير ١/ ٣٥٨، والأم (١/ ٢٠٧)، والمجموع للنووي (٤/ ٣٢١)، والكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٩)، والمغني (٢/ ١٩٨).\n(^٩) وهم أبو حنيفة وأصحابه. ينظر: المبسوط (١/ ٢٣٩)، وبدائع الصنائع (١/ ٩١)\n(^١٠) فتح القدير (١/ ٥٨٥).","vol":"1","page":305},{"text":"ويدل له أن جميع رُخص السفر شُرعت على سبيل الجواز رفعًا للمشقة، لا على سبيل التعيين جزمًا فكذلك هنا (^١)؛ إذ هو تخفيف أُبيح للسفر، فجاز تركه كالمسح ثلاثًا للمسافر.\nوخالف الحنفية الجمهور فقالوا بوجوب القصر؛ ووافقهم من المفسرين: الجصاص، والنسفي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (^٢)\nوالراجح هو جواز القصر دون وجوبه كما نص عليه الخطيب، ولعل القصر أفضل (^٣)؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه (^٤)، والله تعالى أعلم. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١١/ ٢٠٠)\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٣١)، ومدارك التنزيل (١/ ٣٩٠)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٢٢٥)، وروح البيان (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) عند المالكية والحنابلة، ينظر: بداية المجتهد (١/ ١٦١)، والشرح الكبير للدردير (١/ ٣٥٨)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ٣٢٤)، ومجموع الفتاوى (٢٢/ ٨٢)، والشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة (٢/ ١٠٠). وقال الشافعي: الإتمام أفضل. ينظر: الأم (١/ ٢٠٧)، والمهذب للشيرازي (١/ ١٩٢)، أما الحنفية فعلى مذهبهم من وجوب القصر، ينظر: المبسوط (١/ ٢٣٩).\n(^٤) قال السعدي: (ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي ﷺ على القصر في جميع أسفاره. والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد.) تيسير الكريم الرحمن (١/ ١٩٧).\n(^٥) قال ابن عبد البر: (وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع، دليل واضح على أن القصر رخصة، إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال). التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٦/ ٣١١).","vol":"1","page":306},{"text":"رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية، وتصفية القلب من الالتفات إلى الدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: هذا المذكور ﴿ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلب ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لا غيره من أمور الدنيا؛ لأنّ الأعمال بالنيات، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ أي: الله في الآخرة بوعد لا خلف فيه ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجنة والنظر إلى وجهه الكريم، وفي هذه الآية دلالة على أنّ المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال الباطن في إخلاص النية، وتصفية القلب من الالتفات إلى غرض دنيوي). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن إخلاص النية وتصفية القلب من الالتفات إلى عرض الدنيا هو أعظم مطلوب، لأنه تعالى وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله، فدلّ على فضلها لما فيها من\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٣٨٤)","vol":"1","page":307},{"text":"المنافع، إلا أن الثواب لا يحصل إلا عن فعلها ابتغاء مرضاة الله (^١)، فإذا فعل المرء ذلك خالصًا لوجه الله نفعه، وإن فعله لتحصيل غرض دنيوي، أو رياء وسمعة لم ينفعه، كما جاء عنه ﷺ في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى» (^٢)، فهذا يدل على عظم شأن النية في الأعمال، وأن مدار قبول العمل على إخلاص النية، وتطهير القلب من الالتفات إلى الدنيا.\nوهي إشارة حسنة من الآية، وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة: أبوحيان، والبقاعي، والخازن، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nقال أبو حيان: (في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا الله تعالى، وخلوصه لله دون رياء ولا سمعة). (^٤)\nوقال البقاعي: (هذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد). (^٥)\nوكمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا كان أعظم مقصود هو رضا الله تعالى، وإخلاص العمل له في الأمر كله؛ إذ النية روح العمل وقوامه،\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (٥/ ٢٠٠).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط (٤/ ٦٦)، ونظم الدرر (٥/ ٤٠١)، ولباب التأويل (١/ ٤٢٧)، والتحرير والتنوير (٥/ ٢٠٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٠٢)\n(^٤) البحر المحيط (٤/ ٦٦)\n(^٥) نظم الدرر (٥/ ٤٠١)","vol":"1","page":308},{"text":"واستحضار النية الصالحة في الأمور المباحة يُصيّرها قُربات لله يثاب عليها العبد وهذا من فضله سبحانه.\nوالإخلاص عزيز، وهو أشد شيء على النفس، ولهذا كان على العبد أن يتعاهد إخلاصه، ويحاسب نفسه، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، سواء تمّ مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٢٠٢)","vol":"1","page":309},{"text":"النهي للتحريم.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ﴾ أي: والحال إنهم قد ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراة، فكان محرمًا عليهم كما هو محرّم علينا؛ لأنه قبيح في نفسه، مُزر بصاحبه، وفي الآية دليل على أنّ النهي للتحريم). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ النهي للتحريم؛ حيث دلّت على أن الله تعالى حرّم على اليهود الربا في التوراة كما حرّمه علينا في القرآن بقوله ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وقد قال تعالى قبلها: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. قال ابن القيم: (ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا وترتيبه العقاب على فعله). (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما من المفسرين. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٣٩٩.\n(^٢) بدائع الفوائد ٤/ ٣.\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي ٣/ ٩، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود ٢/ ٢٥٣.","vol":"1","page":310},{"text":"وهذه المسألة: هل النهي المطلق للتحريم؟ فيها خلاف بين أهل العلم على أقوال مبسوطة في كتب الأصول (^١)، والذي عليه الجمهور أن الأصل في النهي هو التحريم،\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي ٢/ ٢٨١، والبحر المحيط للزركشي ٣/ ٢٩٤، وإرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":311},{"text":"ولا ينتقل من التحريم إلى الكراهة إلا بدليل يدل على ذلك، فإذا نهى ﷺ عن شيء ثم فعله دلَّ على أن النهي للكراهة، كما نهى عن الشرب قائمًا ثم شرب ﵊ قائمًا، فدلَّ على أنه ليس نهي تحريم، وأنه يجوز الشرب قائمًا وقاعدًا، لكن الشرب قاعدًا أولى.\nودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذا يقتضي وجوب الانتهاء عن الفعل الذي نهى عنه النبي ﷺ.\nكذلك ما ثبت من فعل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- في غزوة خيبر لما نفد الطعام واشتد بهم الجوع، أخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، وغلت القدور بها، فجاء الصارخ فقال: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فكفئوا القدور بما فيها» (^١)، مع حاجة الناس إلى هذا الطعام، فلو كان هذا النهي على الكراهة لأكل الناس، فدلَّ على أن الأصل في النهي التحريم، كما هي دلالة هذه الآية، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بنحوه في كتاب: الذبائح والصيد، باب (لحوم الحمر الإنسية)، برقم (٥٥٢٨)، (٧/ ٩٦)، ومسلم في كتاب الذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية برقم (١٩٤٠)، (٣/ ١٥٤٠)","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>سورة المائدة</span>\nكل طالب علم ونحوه، عليه أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأحذقهم فيه.\nقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذا فائدة جليلة، وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به، وأشدّهم دراية له، وأغوصهم على لطائفه، وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ من غير مُتقِن قد ضيّع أيامه، وعضّ عند لقاء النحارير (^١) أنامله.) (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nلمّا كان الكلب المُعلَّم ترك حظّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلَّت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق في ذلك حكم خساسته، فكذلك حال من كانت أعماله وأحواله لله سبحانه مختصة، ولا يشوبها حظّ من الدنيا، تجِلّ رتبته، وتعلو حالته. (^٣)\nالدراسة:\n_________\n(^١) النحرير: العالم المتقن، الحاذق العاقل، المجرب، البصير في كل شيء، وجمعه النحارير. ينظر: مختار الصحاح للرازي ١/ ٣٠٦، ولسان العرب لابن منظور ٥/ ١٩٧.\n(^٢) السراج المنير (١/ ٤١١).\n(^٣) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري ١/ ٤٠٣.","vol":"1","page":313},{"text":"استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنَّ على كل طالب شيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به، وأشدّهم دراية له، فإن للعالِم الحاذق من الفضيلة ما ليس للجاهل، فالكلب إذا عُلِّم ودُرِّب وأتقن يكون له فضيلة على سائر الكلاب، وكذلك الإنسان إذا كان له علم وبصيرة أولى أن يكون له فضل على سائر الناس.\nقال سبحانه: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وهذا يُشعِر ويدل على فضل العلم وشرفه؛ إذ ذكر ذلك في معرض الامتنان، والمعنى: إن تعليمكم إياهن ليس من قِبَل أنفسكم، وإنما هو من العلم الذي علّمكم الله وألهمكم إياه، وهو أن جعل لكم رويّة وفكرًا بحيث قبلتم العلم. (^١)، فكذلك الجوارح يصير لها إدراك وشعور بحيث يقبلن الائتمار والانزجار؛ فيتبع الكلب الصيد بإرسال صاحبه له، وينزجر بزجره، وينصرف بأمره، ويمسك الصيد عليه، ولا يأكل منه.\nقال الزمخشري: «(المكلِّب) (^٢) مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من (الكلب) لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه، أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضاريًا به.\nوانتصاب (مُكلّبينَ) على الحال من (عَلّمتم). فإن قلتَ: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ (عَلّمتم)؟ قلتُ: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرًا في علمه، مدرّيا فيه، موصوفًا بالتكليب». (^٣)\n_________\n(^١) ينظر البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ١٨٠. والأغراب في أحكام الكلاب لابن المبرد ص ١٠٦.\n(^٢) (المكلّب) بتشديد اللام وكسرها معلم كلاب الصيد ومضريها. ينظر: الصحاح للجوهري ١/ ٢١٣، ومختار الصحاح للرازي ١/ ٢٧٢، ولسان العرب لابن منظور ١/ ٧٢٢.\n(^٣) الكشاف ١/ ٦٠٦.","vol":"1","page":314},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: السمرقندي، والزمخشري، والنسفي، وأبوحيان، وأبو السعود، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nقال أبو السعود: (وانتصابه - يعني (مُكلبين) - على الحالية من فاعل (عَلّمتم)، وفائدتها: المبالغة في التعليم، لما أن الاسم المكلّب لا يقع إلا على النحرير في علمه). (^٢)\nومن المعلوم - كما هي دلالة الآية الكريمة - أنه كلما زاد علم المرء، زادت بصيرته وحذِق في فنونه، فكان أولى أن ينصرف الناس إليه، وكان أحرى أن ينتفع الناس بعلمه، فكم من جاهل قد أفنى عمره، وضيّع أوقاته في مجالسَ يُزعم أنها للعلم، والباطل فيها أكثر من الحق، والبدعة فيها أولى من السُنّة، فضاعت أيامه، وفرَّط في حظ كبير من العلم.\nفأفادت هذه الآية أنه حريٌ بطالب العلم في أي فنٍ من فنونه أن يلتمسه عند أهله، وهم أهل الدراية والمعرفة الحاذقين فيه، المتمكِّنين منه، ولو بَعُدت بينهم المسافات، وفرقتهم الديار والأمصار.\nوهذه الدلالة من الآية من لطائف الاستنباط عند الخطيب، ويؤيد صحتها ماجاء في فضل أهل العلم وجلالة قدرهم، وعلو رتبتهم على من سواهم من سائر الخلق، ويكفي أن أجر العالم المتصدي للخلق وفضله مُقدّم على أجر العابد بل الزاهد المنقطع للعبادة، كما أخبر ﷺ «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي ١/ ٣٧١، والكشاف ١/ ٦٠٦، ومدارك التنزيل ١/ ٤٢٨، والبحر المحيط ٤/ ١٨٠، وإرشاد العقل السليم ٣/ ٨، ومحاسن التأويل ٤/ ٣٨، والتحرير والتنوير ٦/ ١١٥.\n(^٢) إرشاد العقل السليم ٣/ ٨.\n(^٣) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":315},{"text":"أقل الصداق لا يتقدر.\nقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: قوله تعالى: (﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهنّ، فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى، وأنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما أن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن أقل الصداق لا يتقدر، إذ سماه أجرًا، قياسًا على الأجر في الإجارات فإنه لا يتقدر. فقال تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، وسميت هنا (أجورا) مجازًا في معنى الأعواض عن المنافع الحاصلة من آثار عقدة النكاح، لأن المهر أجر البِضع، ولو كانت المهور أجورًا حقيقة لوجب تحديد مدة الانتفاع ومقداره وذلك مما تنزه عنه عقدة النكاح. (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، وغيرهما. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٠٨).\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير (٦/ ١٢٤)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (١١/ ٢٩٥)، والبحر المحيط (٤/ ١٨٦).","vol":"1","page":316},{"text":"أما أقل الصداق فاختُلِف فيه فذهب أحمد والشافعي إلى أنه لا تقدير لأقله بل ما جاز أن يكون مبيعًا أو ثمنًا جاز أن يكون صداقًا (^١)، وقال مالك وأبوحنيفة: يتقدر بنصاب السرقة. (^٢)\nوالصحيح أنه لا يتقدر، ويدل لذلك قوله ﷺ للرجل الذي لم يجد ما ينفقه صداقًا: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال ﷺ: «هل معك من القرآن شيء»؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها- فقال النبي ﷺ: «قد زوجتها بما معك من القرآن» (^٣)\nفدلّ على أن لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: «التمس شيئًا» وهذا يدل على جواز أي شيء كان من المال، ولأنه قال: «ولو خاتمًا من حديد»، ولا قيمة لخاتم الحديد إلا أقل القليل.\nويدلّ له أيضًا قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فسمى المهر أجرًا، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات؛ لأن حكم الإجارة ثبت في المنفعة وكذلك حكم النكاح.\nوهذا قول جمهور أهل العلم وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها (^٤)، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، كما هو الظاهر من دلالة هذه الآية، والأحاديث الصحيحة تؤيده، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) ينظر: الأم للشافعي ٧/ ٢٨٢، والكافي في فقه الإمام أحمد ٣/ ٥٨، والمغني ٧/ ٢١٠.\n(^٢) ينظر: المدونة ٢/ ١٥٢، وبدائع الصنائع ٥/ ١٢\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: النكاح، باب: السلطان ولي، برقم (٥١٣٥) (٧/ ١٧)\n(^٤) ينظر: المدونة ٢/ ١٥٢، والمهذب ٢/ ٥٦، والمبسوط ٥/ ٨١، والمغني لابن قدامة ٧/ ٢١٠، والكافي في فقه أهل المدينة ٢/ ٥٥١.","vol":"1","page":317},{"text":"وجوب الترتيب في الوضوء.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح، فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء، وعليه الشافعيّ (^١) رضي الله تعالى عنه). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على وجوب الترتيب في الوضوء؛ لأن إدخال الممسوح وهو (الرأس) بين المغسولات (الأيدي والأرجل) قرينة على أنه أريد به الترتيب (^٣)، فالعرب لا تقطع النظير عن النظير إلا لفائدة (^٤)، والفائدة هنا الترتيب. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب للسنيكي (١/ ٣٤)، والمجموع (١/ ٤٧٠)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (١/ ٥٤).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٤١٤)\n(^٣) لأن\" الفاء\" في قوله: \" فاغسلوا\" توجب التعقيب فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع، ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٩٩)\n(^٤) قال النووي: (ذكر الله تعالى ممسوحًا بين مغسولات، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة وغير متجانسة، جمعت المتجانس على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون ذلك إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره). ينظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤٧٣).\n(^٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٢)، والمهذب للشيرازي (١/ ٤٦٩)","vol":"1","page":318},{"text":"ويدل له أنه ﷺ لما طاف بالبيت، خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به» (^١)، فدلّ على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كون الآية دالّة على الترتيب شرعًا (^٢)، ويعضد هذا أنه ﷺ توضأ عمره كله مرتبًا ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل كتاب الله تعالى. (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية موافقًا الخطيب: ابن العربي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم. (^٤)\nوعلى وجوب الترتيب في الوضوء الشافعي (^٥)، وأحمد (^٦). وذهب أبو حنيفة (^٧)، ومالك في المشهور عنه إلى أنه سنة. (^٨)\nقال الخازن: (احتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية، وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، ثم بمسح الرأس، ثم بغسل الرجلين، فوجب أن يقع الفعل مرتبًا كما أمر الله تعالى، ولقوله ﷺ في حديث حجة الوداع «ابدأ بما بدأ الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ برقم (١٢١٨)، (٢/ ٨٨٨).\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٢)\n(^٣) ينظر: لباب التأويل (٢/ ١٨)\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٢)، والتفسير الكبير (١١/ ٢٩٩)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٩)، وأنوار التنزيل (٢/ ١١٧)، ولباب التأويل (٢/ ١٨)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥١)، وتفسير الجلالين (١/ ١٣٧).\n(^٥) تقدم توثيقه\n(^٦) ينظر: الإنصاف (١/ ١٣٨)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ١٠٤)، والمغني (١/ ٩٢)، والفروع لابن مفلح (١/ ١٥٤).\n(^٧) ينظر: تبيين الحقائق للزيلعي (١/ ٦)، والمبسوط (١/ ٥٥)، وحاشية ابن عابدين (١/ ١٢٢)، وبدائع الصنائع (١/ ١٨)،\n(^٨) ينظر: المدونة (١/ ١٤)، ومواهب الجليل (١/ ٢٤٩) والتمهيد لابن عبدالبر (٢/ ٨٦)","vol":"1","page":319},{"text":"به»، وهذا الحديث وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي ﷺ في الوضوء ما وردت إلا مرتبة كما وردت في نص الآية، ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكسًا أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله تعالى، ونصّ عليه في هذه الآية واجب.) (^١)\nواحتج أبو حنيفة وأصحابه ومالك بهذه الآية أيضًا، وقالوا: الواو المذكورة في الآية للجمع لا للترتيب، ولو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص، وذلك غير جائز (^٢). وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه توضأ إلا مرتبًا، وبيان الكتاب إنما يؤخذ من السنة. (^٣)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، وأن الترتيب في الوضوء واجب؛ لأن الأمر في قوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ للوجوب، ولأن الآية ما سِيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن.\nويدل له أيضًا الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ، وكلهم وصَفُوه مرتبًا مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه صفةٌ غير مرتَّبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز كما ترك التكرار في أوقات. (^٤)\nقال ابن القيم: (وكذلك كان وضوءه مرتبًا متواليًا، لم يُخلّ به مرة واحدة). (^٥) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: لباب التأويل (٢/ ١٨)\n(^٢) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٢/ ١١٠)، وينظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٣٦٩)، وروح المعاني للألوسي (٣/ ٢٥٢)\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (٢/ ٢٦)، ولباب التأويل للخازن (٢/ ١٨)\n(^٤) ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٧٣)\n(^٥) زاد المعاد (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":320},{"text":"وجوب العدل وأهميته.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيها تنبيه عظيم على أنّ وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص (مفهوم الموافقة) تغليظ وجوب العدل مع المؤمنين؛ لأنه تعالى لما أكّد الأمر بالعدل مع الكفار بهذه القوة، دلَّ على تأكيد وجوبه مع إخواننا المؤمنين بطريق الأولى.\nوالمعنى: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم فلا تجوروا عليهم، بل اعدلوا معهم وإن أساؤوا عليكم، وأحسِنُوا إليهم وإن بالغوا في أذِيّتكم، ثم قال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي العدل معهم أقرب إلى التقوى، فنهاهم تعالى أوّلًا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا، ثم ذكر لهم وجه الأمر بالعدل بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢).\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤١٤).\n(^٢) ينظر: الكشاف للزمخشري ١/ ٦١٣، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي ١/ ٤٣٢.","vol":"1","page":321},{"text":"فدلّ على تأكيد وجوب العدل وعنايته سبحانه به مع البَرّ والفاجر، فإذا كان وجوب العدل مع الكفار وهم أعداء الله بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياء الله (^١)، لاشك أنه أولى وألزم.\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nوالخطاب في الآية عام لجميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلا على سبيل العدل والإنصاف، وترك الميل والظلم، وقيل: الآية خاصة بالكفار لأنها نزلت في يهود خيبر لما هموا بقتل النبي ﷺ (^٣)، والذي يظهر- والله تعالى أعلم - أن الآية وإن كان سببها خاصًا إلا أن المراد بها العموم؛ فقد أمر تعالى بالعدل وأكّد عليه هُنا وفي مواضع كثيرة لعموم الناس، فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].\nوحثّ سبحانه على العدل مع الكفار والمنافقين، ونهى أن يكون البغض لشخصٍ ما ولو بحق سببًا للحيد عن العدل الذي أمر الله تعالى به؛ فقال في العدل مع الكفار: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال سبحانه في هذه الآية ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير للرازي ١١/ ٣٢٠\n(^٢) ينظر: الكشاف ١/ ٦١٣، والتفسير الكبير ١١/ ٣٢٠، وأنوار التنزيل ٢/ ١١٧، ومدارك التنزيل ١/ ٤٣٢، وإرشاد العقل السليم ٣/ ١٢، وروح المعاني ٣/ ٢٥٤، ومحاسن التأويل ٤/ ٧٨.\n(^٣) ينظر: جامع البيان ١٠/ ٩٦، والدر المنثور (٣/ ٣٥).","vol":"1","page":322},{"text":"قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فلا تعدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل بل اعدِلُوا أيها المؤمنون مع أوليائكم وأعدائكم. (^١)\nفإذا كان وجوب العدل في حق الكفار بهذه المثابة فما الظن بوجوبه في حق المسلمين، لاشك أن سلامة صدر المؤمن لأخيه وأداء حقوقه كاملة من غير بخس شيء منها آكد وأوجب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال ابن كثير: (ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبيّ ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يرشُوه ليرفق بِهم، فقال: «والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حُبِّي إيّاه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بِهذا قامت السموات والأرض.») تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٦٥","vol":"1","page":323},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جوابًا لقوله لأقتلنك؟ أجيب: بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أوتيت من قبل نفسك، لانسلاخها من لباس التقوى لا من قِبلي، فلِم تقتلني؟ ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول، فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعانٍ، وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محظوظًا لا في إزالة حظ المحسود، فإنّ ذلك مما يضرّه ولا ينفعه، وأنّ الطاعة لا تُقبل إلا من مؤمن متَّقٍ). (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان:\nالدلالة الأولى:\nحرمان الحاسد من تقصيره، والأجدر به تحصيل ما ينفعه لا ما يضره.\nوجه الاستنباط:\nقول هابيل في جوابه لأخيه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ موعظة وتعريض بأثر حسده عليه.\nالدراسة:\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":324},{"text":"استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّه يجدر بالحاسد أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما ينفعه، لا في إزالة حظ المحسود، فإنّ ذلك مما يضرّه ولا ينفعه، وذلك لمّا كان الحسد من قابيل لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل فأجابه هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فلمَ تقتلني؟ أي: ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول، فإنما أوتيتَ من قِبل نفسك ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يُتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك. (^١)\nوفي هذا موعظة له وتعريض بأثر حسده عليه، وأنه لا يضر إلا نفسه. (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة: البيضاوي، والشهاب الخفاجي، وغيرهما. (^٣)\nوهي إشارة لطيفة من الآية، فالحسد يضر الحاسد في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود، فإن الحاسد قد سخط قضاء الله تعالى فكرِه نعمته على عباده، وهذا قدح في الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد، ثم إن الحسد يحمل على إطلاق اللسان في المحسود بالشتم والتحيل على أذاه. وأما ضرره في الدنيا فإن الحاسد يتألم ولا يزال في كمد. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: بحر العلوم للسمرقندي (١/ ٣٨٤)\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٦/ ١٧٠)\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي، وحاشية الشهاب علي تفسير البيضاوي (٣/ ٢٣٣).\n(^٤) ينظر: غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني (٢/ ٢٨٥)","vol":"1","page":325},{"text":"وعليه فتأثير الحسد على صاحبه أعظم من أثره على المحسود (^١)، ويكفي في ذمّه أنه اعتراض على الله وحكمته، وسوء ظن به في قسمته بين عباده (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١). ينظر: زاد المسير (١/ ١٠١)، وأدب الدنيا والدين للماوردي (١/ ٢٦٩).\n(^٢) ينظر في ذم الحسد وصنيعه بصاحبه: الرسالة القشيرية (١/ ٢٨٩)، ومختصر شعب الإيمان للكرخي (١/ ٩٢).","vol":"1","page":326},{"text":"الدلالة الثانية:\nلا يقبل الله تعالى الطاعة إلا من مؤمن متق.\nوجه الاستنباط:\n«إنما» في قول ابن آدم لأخيه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ تفيد الحصر، فحصرَ القبول في أعمال المتقين. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، حيث أفاد قول هابيل لأخيه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ حصرَ القبول في أعمال المتقين. والمعنى: أن الله يقبل من المتقين دون غيرهم، وعلى هذه الدلالة فإذا كان المراد من المتقين معناه المعروف شرعًا، المحكي بلفظه الدال عليه مراد ابن آدم، كان مفاد الحصر أن عمل غير المتقي لا يُقبل، فيحتمل أن هذا كان في شريعتهم، ثم نُسخ في الإسلام بقبول الحسنات من المؤمن وإن لم يكن متقيًا في سائر أحواله. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وغيرهم. (^٣)\nقال الزمخشري: (فيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (٦/ ١٧٠).\n(^٢) ينظر: المرجع السابق\n(^٣) ينظر: الكشاف (١/ ٦٢٤)، والتفسير الكبير (١١/ ٣٣٨)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٢٣)\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":327},{"text":"والحق أن هذه الدلالة على مذهب المعتزلة، وفيها إخراج لفظ التقوى عن معناه الصحيح المعروف عند أهل السنة. فالزمخشري - ومن تبعه - أراد أن ينتصرهنا لمعتقده الفاسد أن الإيمان هو جماع الطاعات، فمن شروط قبول الله تعالى الأعمال الصالحة عنده أن تكون صادرة عن الإيمان المطلق، وأن صاحب المعاصي لا يُتقبل عمله، فصاحب الكبيرة وإن أتى بأعمال كالجبال لا تنفعه، حتى يأتي بالتوبة الموجبة لمحوها.\nقال أبو حيان: (ولم يخل من دسيسة الاعتزال على عادته، يحتاج الكلام في فهمه إلى هذه التقديرات، والذي قدرناه أولًا كافٍ وهو: أن المعنى لأقتلنك حسدًا على تقبل قربانك، فعرَّض له بأن سبب قبول القربان هو التقوى وليس متقيًا). (^١)\nوالذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المؤمن إذا كان متقيًا لله في عمله الذي تقرب به، فإنه مقبول، وإن كان عاصيًا في غيره، وخالف في ذلك الخوارج، فذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، إلا أن يتوب، فلا يقبل الله صلاة الزاني ولا صيامه ولا زكاته، ولم يحكم عليه المعتزلة بالكفر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، بين الكفر والإيمان، ولكنه في الآخرة من الخالدين في النار. (^٢)\nقال ابن عطية عند هذه الآية: (وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ أنها اتقاء الشرك (^٣)، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدُق فيها نيته مقبولة، وأما\n_________\n(^١) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٢٢٩).\n(^٢) ينظر: متن الطحاوية بتعليق الألباني (١/ ٦٥)، والإيمان لابن تيمية (١/ ١٧٦)\n(^٣) ونقل عنه هذا الإجماع القرطبي، وأبو حيان، وغيرهم. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٣٥)، والبحر المحيط في التفسير (٤/ ٢٢٩).","vol":"1","page":328},{"text":"المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة، عُلِم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا). (^١)\nوقال ابن جزي: (قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ استدلَّ بها المعتزلة وغيرهم على أن صاحب المعاصي لا يُتقبل عمله، وتأوَّلها الأشعرية بأن التقوى هنا يراد بها تقوى الشرك). (^٢)\nولا يخفى بطلان قول الفرقتين ومخالفتهما لمنهج أهل السنة والجماعة.\nقال ابن تيمية: (المعتزلة لهم أصل فاسد وافقوا فيه الخوارج في الحُكم، وإن خالفوهم في الاسم، فقالوا: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها، وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ثم يثيبه، وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار ويشفع فيهم، وأن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات - إلى أن قال -: وعلى هذا تنازع الناس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فعلى قول الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة إلا ممن اتّقاه مطلقًا فلم يأت كبيرة، وعند المرجئة إنما يُتقبل ممن اتقى الشرك، فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم «المتقين»، وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصًا لله موافقًا لأمر الله، فمن اتّقاه في عمل تقبّله منه وإن كان عاصيًا في غيره، ومن لم يتَّقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعًا في غيره). (^٣)\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٢/ ١٧٩).\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢٢٨)\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٢١) بتصرف يسير، وقال - ﵀ – في موضع آخر: وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا يتقبل الله منه عملًا فلا يكون له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان فلا يكون معه إيمان فيستحق الخلود في النار. وقد أجابتهم المرجئة: بأن المراد بالمتقين من يتقي الكفر، فقالوا لهم: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، وأيضًا فابنا آدم حين قرّبا قربانًا لم يكن المقرِب المردود قربانه حينئذ كافرًا وإنما كفر بعد ذلك؛ إذ لو كان كافرًا لم يتقرب، وأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا، وأيضًا فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر لا أصل له في خطاب الشارع فلا يجوز حمله عليه، والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل بأن يكون عملا صالحًا خالصًا لوجه الله تعالى وأن يكون موافقًا للسنة). مجموع الفتاوى (٧/ ٤٩٤) و(١١/ ٦٦٢)، وينظر: عدة الصابرين لابن القيم ص ٨٨.","vol":"1","page":329},{"text":"وقال السفاريني (^١) في بيان وجه ذلك: (فإن قيل: إذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان، فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكل هذين القولين شر من قول المرجئة، فإن من المرجئة جماعة من العباد والعلماء المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مُطبقون على ذمهم). (^٢)\nوقال الذهبي (^٣): (العمل الذي يمحو الله به الخطايا هو المتقبل، والله يقول ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والناس لهم في الآية ثلاثة أقوال: فالخوارج والمعتزلة\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أبو العون، عالم بالحديث والأصول والأدب، ولد في سفارين من قرى نابلس، ورحل إلى دمشق، وأخذ عن علمائها، من كتبه: لوامع الأنوار البهية، كشف اللثام في شرح عمدة الأحكام، توفي رحمه االله سنة ١١٨٨ هـ في مدينة نابلس. ينظر: معجم المؤلفين (٨/ ٢٦٢)\n(^٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٤١٠).\n(^٣) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، مؤرخ الإسلام، حافظ لا يجارى، أتقن الحديث ورجاله، وعرف تراجم الناس، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، توفي سنة ٦٦١ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات (٢/ ١١٤)، وطبقات الشافعية للسبكي (٩/ ١٠٠).","vol":"1","page":330},{"text":"يقولون: لا يتقبل الله إلا من اتقى الكبائر، ويقولون صاحب الكبائر لا تقبل له حسنة بحال، والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك فهو من المتقين وإن عمل الكبائر وترك الصلاة، والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به مخلصًا.) (^١)\nهذا تحقيق مذهب السلف الذي باينوا فيه الخوارج المارقين، وباينوا فيه المعتزلة الذين وافقوا الخوارج في المعنى وخالفوهم في اللفظ.\nوقد دلَّ الكتاب والسنة من وجوه كثيرة على أن العبد يكون فيه خير وشر، وإيمان، وخصال كفر، وخصال نفاق، لا تخرجه عن الإيمان بالكلية. وأن الإيمان المطلق إنما يتناول الإيمان الممدوح الكامل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٢ - ٣] ونحو ذلك من النصوص.\nوأما مطلق الإيمان الذي يدخل فيه الإيمان الكامل والإيمان الناقص، فإنه قد ثبت في الكتاب والسنة إطلاقه على العصاة من المؤمنين، وأجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها (^٢)، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ومن المعلوم دخول أي مؤمن من الأرِقّاء في هذا النص، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فسماهم إخوة بعد وجود الاقتتال. فالإيمان الذي يمنع\n_________\n(^١) المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال (١/ ٣٨٣).\n(^٢) ينظر: متن الطحاوية بتعليق الألباني (١/ ٦٥)، والإيمان لابن تيمية (١/ ١٧٦)","vol":"1","page":331},{"text":"صاحبه من التجرؤ على الزنا وشرب الخمر والسرقة ونحوها من الفواحش هو الإيمان الكامل، والإيمان الذي لا يمنع من ذلك هو الناقص.\nوقد تواترت الأحاديث بخروج من في قلبه حبة خردل من إيمان (^١). والأحكام الأصولية والفرعية تدور مع أسبابها وعللها، وإذا وجد في العبد أسباب متعارضة عمِل كل سبب في مُسببه، فالطاعات سبب لدخول الجنة والثواب، والمعاصي سبب لدخول النار والعقاب، فأُعمل كل واحد في مقتضاه، ولكن لمَّا كانت رحمة الله قد سبقت غضبه، وفضله على العباد واسع، كان أقل القليل من الإيمان له الأثر المستقر الذي يضمحل ضده من كل وجه. (^٢)\nوبعد هذا البيان يظهر أن دلالة الآية على شرط حصول التقوى في قبول الأعمال، وأن صاحب المعاصي لا يُتقبل عمله، مخالف لمنهج السلف الصالح (^٣)، والله تعالى أجل وأعلم.\n_________\n(^١) تقدم النص عليها وتخريجها.\n(^٢) ينظر: التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة للسعدي (١/ ١٠٨)،\nوينظر: قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر للقنوجي (١/ ٨٥).\n(^٣) ينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (١/ ٣٧٥)، وحاشية كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن قاسم (١/ ٢٧١)، وعقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي لصالح العبود (١/ ٦١٣)، وينظر: مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية لعبدالعزيز السلمان (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":332},{"text":"التنبيه على تعنت أهل الكتاب وعدم طلبهم حكم الله حقيقة، وإنما طلبًا للرخصة.\nقال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ استفهام تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أنّ الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن من عدَل عن حكم الله في كتابه الذي يدّعي أنه مؤمن به إلى تحكيم من لا يؤمن به ولا بكتابه، فهو لا يُحكِّم إلا رغبة فيما يقصده من مخالفة كتابه. وإذا خالفوا كتابهم لكونه ليس على وفق شهواتهم؛ فمخالفتهم لمحمد ﵊ إذا لم يوافقهم أولى وأحرى. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة النص من هذه الآية أن اليهود ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم، لأن الاستفهام\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٣٥).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ٢٦٥.","vol":"1","page":333},{"text":"في قوله تعالى ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ في أكثر قول المفسرين هو للتعجب (^١)، ومحل العجب هو قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي من العجيب أنهم يتركون كتابهم بعد علمهم بما في التوراة من حدّ الزاني، ويحكمونك وهم غير مؤمنين بك، ثم يتولون بعد حُكمك إذا لم يرضهم! (^٢) فعدلوا عما يعتقدونه حُكمًا حقًا إلى ما يعتقدونه باطلًا طلبًا للرخصة.\nقال الرازي: (فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه:\nأحدها: عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكّموه). (^٣)\nوقال ابن عاشور: (جمعوا عدم الرضى بشرعهم وبحكمك! وهذه غاية التعنت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين، كما وصف الله حال المنافقين في قوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨: ٤٩]. ويحتمل أن يكون الاستفهام إنكاري (^٤)، أي: هم لا يحكمونك حقًا. ومحل الإنكار هو أصل ما يدل عليه الفعل من كون فاعله جادًا، أي: لا يكون تحكيمهم صادقًا، بل هو تحكيم صوري يبتغون به ما يوافق أهواءهم، لأن لديهم التوراة فيها حكم ما حكموك فيه من الرجم، وهو حكم الله،\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل ٢/ ٥٤، والتفسير الكبير ١١/ ٣٦٢، وأنوار التنزيل ٢/ ١٢٧، ومدارك التنزيل ١/ ٤٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٥، وإرشاد العقل ٣/ ٤٠، والتحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦).\n(^٢) التحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦).\n(^٣) التفسير الكبير ١١/ ٣٦٢.\n(^٤) ينظر: التسهيل لابن جزي (١/ ٢٣٢)","vol":"1","page":334},{"text":"وقد نبذوها لعدم موافقتها أهواءهم، ولذلك قدروا نبذ حكومتك إن لم توافق هواهم، فما هم بمحكِّمين حقيقة). (^١)\nوالأظهر أن الاستفهام للتعجب كما عليه أكثر المفسرين، وممن أشار إلى هذا التنبيه: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوعليه فالغرض من هذه الآية هو بيان عدم قصدهم حكم الله حقيقة، كما نص عليه الخطيب، وأنهم إنما قصدوا بذلك الرخصة والتخفيف فيما تحاكموا إليه فيه اتباعًا لأهوائهم وموافقة لشهواتهم وهي فائدة حسنة. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦) بتصرف يسير.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١١/ ٣٦٢، وأنوار التنزيل ٢/ ١٢٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٥، وإرشاد العقل (٣/ ٤٠)، والتحرير والتنوير (٦/ ٢٠٦).","vol":"1","page":335},{"text":"شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: طريقًا واضحًا في الدين ناسخًا لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع، وأمثاله مما يدلّ على أنّا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة، وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع، وما دلّ على الاجتماع كآية ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ (^١) محمول على الأصول). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nأن قوله تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقتضي أن يكون كل نبي داعيًا إلى شريعته فقط؛ لاختصاصه بها لا يشاركه في هذه الشريعة غيره من الأنبياء، فتكون كل أمَّة مختصة بالشريعة التي جاء بها نبيهم فحسب.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا، لأن قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يدل باللازم على أنه يجب أن يكون كل رسول\n_________\n(^١) وهي قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\n(^٢) السراج المنير ١/ ٤٧٨.","vol":"1","page":336},{"text":"مستقل بشريعة خاصة، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر.\nوتجدر الإشارة هنا إلى خلاصة تحرير القول في مسألة (شرع من قبلنا) -كما أشار إليها الخطيب- إذ أن الأحكام في كل شريعة قسمان: أصول، وفروع: فالأصول كالإيمان بالله وحده، والبعث والجزاء والجنة والنار، قد اتفقت عليها شرائع الأنبياء جميعًا، أما الفروع فقد اختلفت فيها الشرائع، وهي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، ومحل النزاع في المسألة هو ما ثبت في شرعنا أنه شرع لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا موافقته أو مخالفته - أي ورد في شرعنا وسُكِت عنه – وهذا مختلف فيه على قولين:\nالأول: أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يُنسخ، وورد من طريق وحي لا من طريقِ كتبِهم المحرَّفة. (^١)\nالثاني: أنَّه ليس شرعًا لنا وليس بحجة، وهو مذهب أكثر الشافعية، وأحمد في رواية عنه، والأشاعرة والمعتزلة، ثم افترقوا فأحالتْهُ المعتزلة عقلًا وشرعًا، وأجازه الأشاعرة عقلًا ومنعوه شرعًا. (^٢)\n_________\n(^١) وهو قول جمهورِ العلماء من الأحنافِ والمالكيةِ وبعضِ الشَّافعية، وأصحِّ الرِّوايتين عن الإمام أحمد، وعليه أكثرُ أصحابه، واختار هذا القول القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، وابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم من الحنابلة، والباجي، والقرافي، وابن الحاجب، من المالكية، والدبوسي، والبزدوي من الحنفية.\nينظر: العدة في أصول الفقه لأبي يعلى ٣/ ٥٧١، وشرح الكوكب المنير ٤/ ٤٠٨، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد ١/ ١٤٥، وكشف الأسرار ٣/ ٣١٥، ومجموع الفتاوى ٧/ ١٩.\n(^٢) من أصحاب هذا القول: ابنُ حزم، والغزالي، والآمدي، والرَّازي، والشيرازي في آخرِ قولَيْه، وابنُ السمعاني، ينظر: البرهان في أصول الفقه للجويني ١/ ١٨٩، والمستصفى للغزالي ١/ ١٦٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ١٣٨، واللمع للشيرازي ١/ ٦٣.","vol":"1","page":337},{"text":"وقد تعلق القائلون بأنا لسنا متعبدين بشريعة من قبلنا بهذه الآية التي هي نص في المسألة، إذْ تفيدُ اختصاصَ كلّ رسول بشريعة لا يشاركه فيها غيره.\nوالذي يظهر أن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كلِّ نبي بشريعة اعتبارًا بالأكثر- وهو ما اختلفوا فيه - لأن الشريعتين إذا اشتركتا في بعضِ الأحكام واختلفتا في بعضِها، صحَّ أنْ يكونَ شرعُ إحدى الشريعتين شرعًا لمن بعدَها؛ باعتبارِ البعضِ المتَّفقِ عليه، وصحَّ أنْ يكونَ لكلٍّ من النبيين شِرعة ومنهاج؛ باعتبار البعض المختلف فيه من غير تنافٍ، وعليه فقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ لا ينفي كون شرع من قبلنا شرعًا لنا في بعض الأحكام. (^١)\nقال أبو السعود: (قيل فيه دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا، والتحقيق أنا متعبدون بأحكامها الباقية من حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين). (^٢)\nوممن ذكر دلالة هذه الآية على معنى أننا غير متعبدين بشرع من قبلنا: ابن عطية، والقرطبي، والنسفي، وابن جزي، والسيوطي، وغيرهم. (^٣) واختاره: الرازي، والبيضاوي. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: شرح مختصر الروضة للصرصري (٣/ ١٧٧).\n(^٢) إرشاد العقل السليم ٣/ ٤٦.\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز ٢/ ٢٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢١١،، ومدارك التنزيل ١/ ٤٥٢، والتسهيل ١/ ٢٣٤، والإكليل ١/ ١١٢.\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير ١٢/ ٣٧٢ وأنوار التنزيل ٢/ ١٢٩.","vol":"1","page":338},{"text":"والتحقيق خلاف ما عليه الخطيب وغيره؛ إذ أن اختصاص النبي ﵇ بشريعة وبقوم يُبعث إليهم يجب أن لا ينفي حجة عمل شريعة بأحكام من سبقتها، فهنالك أحكام تقتضي النسخ والتغيير كالأحكام الطارئة العارضة التي تختص بقوم وزمن معين، وكالأحكام التي تحتاج إلى التخفيف أو التشديد، أو تحتاج إلى الزيادة عليها في التفصيل، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، فهذه هي الأحكام التي تختص بها كل شريعة، ويقابلها أحكام ثابتة لا تُنسخ ولا تتغير، كحكم تحريم القتل والزنا والسرقة، فهذه يُؤخذ ويُعمل بها في كل الشرائع، وكذلك أحكام الشرائع السابقة التي وردت في القرآن الكريم، والسُنَّة على وجه المدح والتقرير والسكوت عليها، يؤخذ ويُحكم بها في الشريعة.\nوقد ذهب الجمهور إلى الأخذ والحُكم بأحكام شرع من قبلنا ما لم تنسخها أحكام الشريعة وما لم تُخالف الشريعة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وبقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وبما في صحيح البخاري وغيره: أنَّ النبي ﷺ قضى بالقصاص في السِنّ، وقال: (كتاب الله القصاص) (^١) وليس في القرآنِ: السنُّ بالسنِّ، إلا ما حُكي فيه عن التوراة بقوله ﷿ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فهذا دليل على أن النبي ﷺ كان يحكم بشرائع الأنبياء السابقين إذ قضى بحُكم التوراة، ولو لم يكن شرعًا له لما قضى به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) [البقرة: ١٧٨]، برقم (٤٥٠٠)، (٦/ ٢٤).","vol":"1","page":339},{"text":"وخلاصة القول في هذه المسألة أنَّ ما صحَّ مِن شرع مَن قبلنا من طريق الوحي من كتاب أو سنة، وليس من كتبهم المحرَّفة من غير إنكار ولا إقرار لها فهو شرعٌ لنا (^١)، وهو ماعليه الجمهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر ترجيح هذا القول في: الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (٢/ ٨٤٩)، وأصول الفقه للخضري ص ٣٤٧.","vol":"1","page":340},{"text":"علَّة النهي عن موالاة أهل الكتاب.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فيه إيماء إلى علة النهي، أي: فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضًا لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من إشارة قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ علة النهي عن الولاية وهو اجتماعهم في الكفر والممالأة على المؤمنين (^٢)، والغرض منها تحذير المؤمنين وتعريفهم شرَّ عدوهم.\nقال الطبري: (قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم ومِلَّتهم، مُعرفًا بذلك عباده المؤمنين: أن من كان لهم أو لبعضهم وليًا، فإنما هو وليهم على من خالف ملَّتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حرب. فقال- تعالى ذكره - للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضا بعضكم أولياء بعض، ولليهودي والنصراني حربًا كما هم لكم حرب،\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٤٣٧.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ٢٩١","vol":"1","page":341},{"text":"وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب، ومنهم البراءة، وأبان قطع ولايتهم). (^١)\nوليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى؛ للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق (^٢) كما أخبر عنهم سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣].\nقال أبو السعود: (والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي، وتأكيد إيجاب الاجتناب عن المنهي عنه، أي بعضهم أولياء بعض، متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون، ومن ضرورته إجماع الكل على مضادتكم، ومضارتكم بحيث يسومونكم السوء، ويبغونكم الغوائل فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة؟!) (^٣)\nوممن أشار إلى هذا المعنى من المفسرين: الطبري، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، وأبو السعود، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^٤)\nوعليه فالغرض من هذه الآية ومقصودها إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين أن لا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء؛ لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم،\n_________\n(^١) جامع البيان ١٠/ ٣٩٩\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٠/ ٣٩٩)، والبحر المحيط (٤/ ٢٩١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٤٨)، وفتح القدير (٢/ ٥٧).\n(^٣) ينظر: إرشاد العقل السليم (٣/ ٤٨)\n(^٤) ينظر: جامع البيان (١٠/ ٣٩٩)، وأنوار التنزيل (٢ /) ١٣٠، ومدارك التنزيل (١/ ٤٥٣)، البحر المحيط (٤/ ٢٩١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٤٨)، ومحاسن (٤/ ١٦٢)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":342},{"text":"والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم (^١)، ولهذا قال بعدها: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":343},{"text":"مشروعية الأذان.\nقال الله تع الى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾ معطوف على الذي قبله، أي: ولا تتخذوا الذين إذا ﴿نَادَيْتُمْ﴾ أي: دعوتم ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ بالأذان ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أي: الصلاة ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ بأن يستهزؤا بها ويتضاحكوا، ويقولوا: صاحوا كصياح العير، وفي هذا دليل على أنّ الأذان مشروع للصلوات المكتوبات). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾ دلّ على أن للصلاة نداء وهو الأذان، فهي أصل فيه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها بمفهوم الموافقة على ثبوت شرعية الأذان في الكتاب كما دلت عليه السنة، والإجماع، وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع، وأما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٤٣)","vol":"1","page":344},{"text":"[الجمعة: ٩] فهو خاص بنداء الجمعة (^١)، وثبت في السنة قوله ﷺ: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (^٢)\nوممن ذكر دلالة هذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، والسيوطي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nقال السيوطي: (قوله تعالى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أصل في الأذان والإقامة). (^٤)\nوقال القاسمي: (دلّت على أن للصلاة نداء، وهو الأذان، فهي أصل فيه). (^٥)\nوالذي يظهر أن هذه الآية دليل على ثبوت الأذان وليست دليلًا على مشروعيته كما أشار إليه الخطيب؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾، ولم يقل «نادوا»\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب (من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد)، برقم (٦٢٨) (١/ ١٢٨)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة برقم (٦٧٤) (١/ ٤٦٥).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ١٢/ ٣٨٨، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٠، وأنوار التنزيل ٢/ ١٣٣، ومدارك التنزيل ١/ ٤٥٧، والتسهيل ١/ ٢٣٦، والإكليل ١/ ١١٣، ومحاسن التأويل ٤/ ١٧٩.\n(^٤) الإكليل ١/ ١١٣.\n(^٥) محاسن التأويل ٤/ ١٧٩.","vol":"1","page":345},{"text":"على سبيل الأمر، فهي جملة شرطية دلّت على سبق المشروعية لا على إنشائها بالشرط. (^١)\nقال ابن عاشور: (والنداء إلى الصلاة هو الأذان، وما عُبر عنه في القرآن إلا بالنداء. وقد دلت الآية على أن الأذان شيء معروف، فهي مؤيدة لمشروعية الأذان وليست مشرعة له، لأنه شُرع بالسنة.) (^٢) وقوله وجيه جدًا، والله تعالى أعلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى، وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه، وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ، وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم). (^٣)\n\nهذه الآية فيها أكثر من دلالة، الدلالة الأولى:\nالإعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى، مع سعة رحمة الله، وفتحه باب التوبة لكل عاص.\nوجه الاستنباط:\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان ٤/ ٣٠٣.\n(^٢) التحرير والتنوير (٦/ ٢٤٢).\n(^٣) السراج المنير (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":346},{"text":"لمّا ذكر سبحانه وعده بتكفير ذنوب أهل الكتاب بقوله ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ مع عظمها وكثرتها بدلالة صيغة الجمع في السيئات، دلّ بمفهوم الموافقة على أن باب التوبة مفتوح لكل عاص، وأن الله واسع الرحمة بعباده.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها على سعة رحمة الله تعالى، وفتحه باب التوبة لكل عاص، وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، حيث ذكر تعالى قبائح أهل الكتاب وأقوالهم الباطلة، ثم دعاهم إلى التوبة، وأنهم لو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، وجميع رسله، واتقوا المعاصي، لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت، ولأدخلهم جنات النعيم، فدلَّ على كرم الله تعالى ورحمته، وجوده على عباده. (^١)\nكما نبَّه تعالى بقوله عن أهل الكتاب ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم وتنوعها، والتي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله، والجحود لما جاء به رسول الله ﷺ، أي ولو بلغت ذنوبهم التي اقترفوها ما بلغت، وإن كانت في غاية العظم ونهاية الكثرة لن نؤاخذهم بها، وباب التوبة أمامهم مفتوح، فما الظن بمن هو دونهم في المعصية والإسراف على نفسه؟ لاشك أنه تعالى أرحم به وأكرم.\nوهي إشارة حسنة، وافق الخطيب في استنباطها من الآية: القاسمي، والسعدي، وغيرهما. (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٢٣٨).\n(^٢) ينظر: محاسن التأويل (٤/ ١٨٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":347},{"text":"الدلالة الثانية:\nالإسلام يجب ماكان قبله.\nالدراسة:\nلمّا ذكر سبحانه وعده بتكفير ذنوب أهل الكتاب بقوله ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ مع عظمها دلّ بدلالة الالتزام على أن الإسلام يهدم ما كان قبله من الذنوب والمعاصي.\nوفي قوله تعالى في فاتحة هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ ذكر سبحانه: الإيمان والتقوى، ورتَّب عليهما أمرين: قابل الإيمان بتكفير السيئات إذ الإسلام يجبُّ ما قبله، ورتّب على التقوى وهي امتثال الأوامر واجتناب المناهي دخول جنات النعيم. (^١)\nويشهد لصحة هذه الدلالة ما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ لعمرو بن العاص: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟». (^٢)\nقال أبو السعود في بيان هذه الآية ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: (وتكرير اللام لتأكيد الوعد، وفيه تنبيه على كمال عظم ذنوبهم وكثرة معاصيهم، وأن الإسلام يجب ما قبله من السيئات، وإن جلت وجاوزت كل حد معهود.) (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣١٨)\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم (١٢١)، (١/ ١١٢)\n(^٣) إرشاد العقل السليم (٣/ ٥٩)","vol":"1","page":348},{"text":"وممن استنبط أيضًا دلالة هذه الآية على أن الإسلام يجب ماقبله: البيضاوي، وأبو حيان، والقاسمي، وغيرهم (^١)، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل (٢/ ١٣٥)، والبحر المحيط (٤/ ٣١٨)، ومحاسن التأويل (٤/ ١٨٩)","vol":"1","page":349},{"text":"الدلالة الثالثة:\nالكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى إنما وعدهم الغفران بشرط الإيمان والتقوى، ودليل الخطاب (^١) يقتضي أنه لا يغفر لمن لم يؤمن ويتق منهم. (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم، لأنه تعالى وعدهم الغفران بشرط الإيمان والتقوى فدلّ بمفهومه على أن من افتقد هذين الشرطين فليس بمؤمن. فمن أدرك بعثة النبي ﷺ من أهل الكتاب ولم يُصدّق به فإنه يعتبر كافرًا، ولايقبل منه غير الإسلام، كما أخبر تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: القشيري، والبيضاوي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nوقد جاء النص القاطع بأن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، أو أشركوا مع الله غيره، أو جحدوا نبوة نبي من الأنبياء أنهم كفرة، ولا يدفع عنهم الكفر إيمانهم أو التزامهم بكتابهم، فلو آمنوا حقًا بالنبي والكتاب لآمنوا بجميع\n_________\n(^١) دليل الخطاب هو مفهوم المخالفة وقد تقدم بيانه.\n(^٢) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري ١/ ٤٣٧.\n(^٣) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري ١/ ٤٣٧، وأنوار التنزيل ٢/ ١٣٥، ومحاسن التأويل ٤/ ١٨٩.","vol":"1","page":350},{"text":"الأنبياء والرسل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وهو خطاب لأهل الكتاب المعاصرين للنبي ﷺ وهم يؤمنون بعيسى والإنجيل، وبموسى والتوراة.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] كما قال سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] والأدلة في هذا كثيرة جدًا، فكونهم أهل كتاب لا يمنع كونهم كفارًا، كما هو صريح كتاب الله، وعليه فكل من بلغته دعوة الإسلام ثم لم يؤمن بها، ولم يتبع النبي محمدًا ﷺ فهو كافر مخلد في النار أبدًا، إذ لا يسع أحد الخروج عنه، ولا يقبل منه سواه، ولا نجاة له بدونه، والله تعالى أعلم. (^١)\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى الشبكة الإسلامية على الشاملة (١/ ٥٦٤٥)","vol":"1","page":351},{"text":"شدة تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يحفظك ويمنعك منهم. فإن قيل: أليس قد شُج وجهه، وكسرت رباعيته ﷺ، وأوذي بضروب من الأذى؟\nأجيب: بأنّ معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا، فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى وعد نبيه ﷺ العصمة من الناس أن يعتدوا عليه بالقتل، وفيه إشارة إلى أنه سيُصيبه ويلحقه من الأذى في سبيل الدعوة مادون القتل الكثير، حتى يأذن الله بإكمال الدين وإتمام الرسالة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على شدّة تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن حتمًا عليه ﷺ أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع الأذى؛ بدلالة الإشارة بقوله ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأمرَه بإبلاغ الرسالة، ووعده بالعصمة من القتل، فدلَّ على أنه سيناله من أذى الكفار في سبيل الدعوة\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٤٦).","vol":"1","page":352},{"text":"مادون القتل الكثير، إلا أنه تعالى سيعصمه من الناس، حتى يأذن الله باكتمال الدين وإبلاغ الرسالة.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، وغيرهما. (^١)\nوالعصمة المقصودة في الآية هي: منعهم أن ينالوه ﷺ بسوء، من قتل أو أسر أو غيره (^٢)، دفعًا لما قد يحمله على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس.\nوكل ذلك قد تحقق له ﷺ، فقد عصمه الله وحفظه من كفار قريش عندما هموا بقتله في مكة- مع شدة العداوة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا - فصانه في ابتداء الرسالة بعمِّه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مُطاعًا كبيرًا في قريش، ثم قيّض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى المدينة، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، وعصمه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، ولما سمَّ اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وعصمه الله منها؛ فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه (^٣)، ولم يمت ﷺ إلا بعد أن بلَّغ الرسالة. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٤٠١)، والبحر المحيط (٤/ ٣٢٣).\n(^٢) ينظر: النكت والعيون (٢/ ٥٣)، والتفسير الوسيط (٢/ ٢٠٩)، وزاد المسير (١/ ٥٦٩)، وينظر: فتح الباري لابن حجر (٦/ ٨٢).\n(^٣) قال النووي في شرح حديث الشاة المسمومة: (فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، كما قال الله: (والله يعصمك من الناس) وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته مِن السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه ﷺ قال: «إن الذراع تخبرني أنها مسمومة)»). شرح صحيح مسلم (١٤/ ١٧٩).\n(^٤) ينظر تفصيله في: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ١٥٤)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":353},{"text":"قال أبو حيان مؤيدًا دلالة هذه الآية: (وأما شج جبينه وكسر رباعيته يوم أُحد فقيل: الآية نزلت بعد أحد (^١)، فأما إن كانت قبله فلم تتضمن العصمة هذا الابتلاء ونحوه من أذى الكفار بالقول، بل تضمنت العصمة من القتل والأسر، وأما مثل هذه ففيها الابتلاء الذي فيه رفع الدرجات واحتمال كل الأذى دون النفس في ذات الله، وابتلاء الأنبياء أشد، وما أعظم تكليفهم ..، وتضمنت هذه الجملة الإخبار بمغيب ووُجد على ما أخبر به، فلم يصل إليه أحد بقتل ولا أسر مع قصد الأعداء.) (^٢)\nوقال الشيخ بن باز في بيان وعد الله لنبيه بالعصمة في هذه الآية، وما أصابه ﵊: (أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ.) (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (٢/ ٦٩)،\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ٣٢٣)\n(^٣) فتاوى الشيخ ابن باز (٨/ ١٥٠)","vol":"1","page":354},{"text":"وبهذا يظهر صحة الإشارة بالعصمة في هذه الآية كما استنبطها الخطيب إلى بيان شدة تكليف الأنبياء، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>سورة الأنعام</span>\nفائدة ذكر قوله تعالى ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾\n﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرنًا آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا ويخرب بلاده منهم، فإنه قادر على أن يُنشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعد هؤلاء المذكورين في الآية، وهي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه شيء، ولا يعجزه أن يُهلك قرنًا، ويخلي ديارهم منهم، بل هوقادر سبحانه على أن يستبدلهم بآخرين، وفيه تعريض بالمخاطبين أيضًا، بإهلاكهم إذا عصوا، والمغزى: فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذَّبتموه أكرم على الله من رسولكم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه تعالى وإحسانه. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٧٣)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٤١)","vol":"1","page":356},{"text":"ودلالة هذه الآية على هذا المعنى نصَّ عليها عموم المفسرين كالزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nقال أبو حيان: (فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم، إظهار القدرة التامة على إفناء ناس وإنشاء ناس، فهو تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرنًا ويخرب بلاده، وينشئ مكانه آخر يعمر بلاده، وفيه تعريض بالمخاطبين، بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم). (^٢)\nفهذه الآية فيها الإشارة إلى ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم والقرون، فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع أهلكهم الله لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف حال من هو أضعف منهم، وأقل عدَدًا وعُددًا، فهذا يوجب الاعتبار والانتباه من الغفلة. (^٣)\nوفيها تأكيد على كمال القدرة وسعة السلطان، وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم لا ينقص من ملكه تعالى شيئًا بل كُلَّما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. (^٤) وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]، وقد جرت سنته تعالى بزوال أهل الظلم بعد الإمهال، وهذا دأبه في\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٢/ ٦)، والتفسير الكبير (١٢/ ٤٨٥)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٥٤)، والبحر المحيط (٤/ ٤٤٠)، ولباب التأويل (٢/ ٩٩)، وغرائب القرآن (٣/ ٥١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ١١٢)، وروح البيان (٣/ ١٠)، وفتح القدير (٢/ ١١٦)، وروح المعاني (٤/ ٩١)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣١٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٢٥١)، والتحرير والتنوير (٧/ ١٤٠).\n(^٢) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٤٤٠)\n(^٣) لباب التأويل (٢/ ٩٩)\n(^٤) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود (٣/ ١١٢)","vol":"1","page":357},{"text":"الأمم السابقين واللاحقين فلتعتبروا أيها المخاطبون بمن قصَّ الله عليكم نبأهم. وهي إشارات حسنة من الآية، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":358},{"text":"قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة، ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة، وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه). (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان: الدلالة الأولى:\nعموم أحكام القرآن لكل من بلغه.\nوجه الاستنباط: أن (مَنْ) من صيغ العموم (^٢)، فتشمل كل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص عموم أحكام القرآن لكل من بلغه؛ حيث أخبر تعالى في هذه الآية أنه ﷺ منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنًا من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار. فالمعنى: كل من بلغه القرآن من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة.\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٧٣).\n(^٢) لأنها اسم موصول والأسماء الموصولة تفيد العموم، ينظر: البحر المحيط للزركشي (٤/ ١١٢)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":359},{"text":"وهنا مسألة صحة تكليف المعدوم أوخطاب المعدوم؟ (^١)\nوالصحيح فيها أن المعدوم مُكلَّف إذا وُجد بالخطاب الأول، ولا يحتاج في تكليفه لخطاب جديد، ولا يفتقر إلى إدخاله مع الأوائل بالقياس عليهم؛ لأنه كان داخلًا معهم بالأصالة.\nويدل لذلك هذه الآية إذ هي نص قاطع في هذه المسألة، وبيان ذلك: أن النبي ﷺ قد بعثه الله تعالى بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إليه بإذنه، وهذه النذارة التي أوكلت له ﷺ متوجهة لطائفتين، طائفة موجودة وهي: المرادة بقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، والخطاب هنا للموجودين في عهده، والطائفة الثانية: الطائفة التي لم توجد في عهده، فيدخلون جميعهم في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، فالموجودة حصلت النذارة لهم بالمباشرة، والمعدومة حصلت النذارة لهم بالبلاغ، فكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة واتضحت له المحجة، فسائر الأمة بعده ﷺ إلى أن تقوم الساعة تدخل\n_________\n(^١) هذه مسألة مشهورة عند الأصوليين، والمراد بالمعدوم هو: من لم يوجد في زمن نزول الخطاب الشرعي، كالأجيال التي جاءت بعد عهد النبوة إلى عهدنا هذا، وكالأجيال التي لم توجد الآن وإنما ستوجد في الأزمنة اللاحقة. وهذه المسألة فيها مذهبان:\nالأول: مذهب أهل السنة والجماعة وهو نفسه مذهب الأشاعرة، لكنهما اتفقا في النتيجة وإن اختلفا في الأصل الذي بُنيت عليه المسألة وهو صحة تكليف المعدوم، بشرط: (إذا وُجِد) أي خلق مستجمعًا لشرائط التكليف، وهذا هو الصواب وهو ما دلت عليه ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، كما في هذه الآية ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني بلغه القرآن.\nوالمذهب الثاني هو: مذهب المعتزلة فأنكروا خطاب المعدوم، وعلى هذا عندهم أن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي ﷺ تختص بالموجودين فقط، فلا يتناول النص إلا الموجود، وأما من بعده فيتناوله الخطاب بالدليل؛ فلا بد من دليل منفصل بنصٍّ أو إجماع أو قياس. ينظر: شرح الطحاوية (١/ ١٦٩)، وينظر الخلاف في هذه المسألة وأدلته وتحقيقه في: الإحكام للآمدي ١/ ١٥٣، والبحر المحيط للزركشي ٢/ ١٠٢، وإرشاد الفحول ١/ ٣٨، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":360},{"text":"في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقد تقرّر في القواعد أن (مَنْ) من صيغ العموم، كما تقدم؛ لأنها اسم موصول، والأسماء الموصولة تفيد العموم، فتشمل كل من بلغه القرآن إذا وُجِد وتمت فيه شرائط التكليف فلا يحتاج في تكليفه لدليل مستقل أو قياس خاص والله تعالى أعلم. (^١)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة: البيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nقال الألوسي: (استُدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب الحنابلة إلى الأول، والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول (^٣». (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: إرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٣٨، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠). وينظر: إيضاح هذه المسألة واختصارها في موقع الشيخ: وليد بن راشد السعيدان، وكذلك موقع فضيلة الشيخ: أحمد بن عمر الحازمي، فقد أجادا وأفادا في طرح المسألة وتبسيطها لطلبة العلم من غير المتخصصين.\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل ٢/ ١٥٧، ومدارك التنزيل ١/ ٤٩٥، والتسهيل ١/ ٢٥٦، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٤٥، وإرشاد العقل السليم ٣/ ١١٨، وفتح القدير ٢/ ١٢٠، وروح المعاني ٤/ ١١٣، ومحاسن التأويل ٤/ ٣٣٠، والتحرير والتنوير (٧/ ١٦٨، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٥٣، وأضواء البيان ١/ ٤٧٥.\n(^٣) تقدم توثيقه\n(^٤) روح المعاني ٤/ ١١٣.","vol":"1","page":361},{"text":"ويدل له قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]\nوالحاصل أن دلالة النص في هذه الآية على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، كشمولها لمن قد كان موجودًا وقت النزول قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":362},{"text":"الدلالة الثانية:\nأن من لم يبلغه القرآن فلا يؤاخذ.\nوجه الاستنباط:\nأن مفهوم قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ نفي الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه، وعليه تنتفي المؤاخذة لعدم البلاغ.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب كذلك من قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن من لم يبلغه القرآن ولم تصله الدعوة فإنه لا يؤاخذ؛ وهو مبني على القول بالمفهوم؛ لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وعليه انتفاء المؤاخذة، فدلّ بمفهوم المخالفة على أن من لم تبلغه النذارة فليس بمُنذَر، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه. ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والألوسي وغيرهما. (^١)\nقال الألوسي: (استُدِل بالآية على أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية). (^٢)\nوقال البغوي – في غير موضع هذه الآية-: (وذلك أن الله تعالى أجرى السُنَّة أن لا يأخذ أحدًا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبًا إذا أُمر فلم يأتمر،\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل للبيضاوي (٢/ ١٥٧)، وروح المعاني للألوسي (٤/ ١١٣).\n(^٢) ينظر: روح المعاني (٤/ ١١٣).","vol":"1","page":363},{"text":"أو نُهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل، ولا عذاب على كافر أصلًا حتى تبلغه نذارة الرسول فالحُجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان). (^١)\nومن لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ، ولم تصله نذارة القرآن فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، فهم معذورون بالجهل لكنهم يمتحنون يوم القيامة.\nأما نفي المؤاخذة مطلقًا والعذر بالجهل كما قال به الأشاعرة (^٢) فغير صحيح، والذي عليه أهل السنة أن أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم يبلغهم القرآن ودعوة الرسل لا يعذرون بالجهل مطلقًا، بل يمتحنون في عرصات القيامة، وهو الراجح من أقوال أهل العلم. (^٣)\nوعليه فكل من لم تبلغه نذارة القرآن يكون معذورًا بجهله إلى أن تبلغه نذارته أو بالامتحان، وأما من بلغته نذارة القرآن ولم يؤمن به فهو في النار، ففرضٌ على من بلغه التصديق به واتّباعه، والهجرة لتحصيل ذلك (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) معالم التنزيل عند تفسير الآية ١٣١ من سورة الأنعام (٢/ ١٦١).\n(^٢) ينظر: شرح الباجوري (١/ ٣١)، وحاشية الدسوقي (١/ ٥٤ - ٧٠ - ٩٧)\n(^٣) ممن قال بعذر أهل الفترة ومن في حكمهم وامتحانهم: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (لا يهلكهم الله ويعذبهم، حتى يرسل إليهم رسولا. وقد رويت آثار متعددة من أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة). مجموع الفتاوى ١٧/ ٣٠٨. وهذا الذي نصره ابن كثير، والبيهقي في كتاب الاعتقاد، والشنقيطي، وغيرهم. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠. وأضواء البيان ١/ ٤٧٥، وجهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف (٢/ ٥٩٦)\n(^٤) ينظر: الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٤/ ٥٠).","vol":"1","page":364},{"text":"الهادي والمضل هو الله تعالى، وما وقع من الأفعال إنما هو بمشيئة الله.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nلمَّا نسب الله سبحانه الهداية والضلال إلى نفسه، دلّ على رد قول المعتزلة في زعمهم خلق العبد فعل نفسه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على أن الهداية والضلال بيد الله خلافًا لمذهب المعتزلة، ومن تبعهم من القدرية القائلين بأنهما من فعل العبد؛ حيث دلَّت على أنه تعالى المضل من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان، والهادي منهم من أحب هدايته، فموفقه بفضله للإيمان به، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أم الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٨٤)\n(^٢) ينظر: جامع البيان للطبري (٦/ ٤٢٢).","vol":"1","page":365},{"text":"قال القرطبي: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ دلَّ على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله. ألا ترى أنه قال: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله، وفيه إبطال لمذهب القدرية.) (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبوحيان، وابن عادل، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nوتأوّلت المعتزلة هذه الآية فقالوا: معنى يضلله: يخذله، وضلاله أن لم يلطف به؛ لأنه ليس من أهل اللطف، ومعنى يجعله على صراط مستقيم: يلطف به لأن اللطف يجري عليه، وهذا على قول الزمخشري (^٣)، وهو من تحريفاته للهداية والضلالة تبعًا لمعتقده الفاسد في أن الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد. (^٤)\nومذهب أهل السنة والجماعة إثبات المشيئة لله، وأن كل ما في الكون واقع بمشيئة الله تعالى. (^٥)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٢)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣١)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٢٢)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٦١)، مدارك التنزيل (١/ ٥٠٣)، ولباب التأويل (٢/ ١١١)، والبحر المحيط (٤/ ٥٠٦)، واللباب في علوم الكتاب (٨/ ١٣٢)، وروح المعاني (٤/ ١٤٠)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٥٨)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٢).\n(^٤) ينظر: حاشية الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ٢٢)\n(^٥) وهي تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية؛ بل هي كونية محضة؛ فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩]؛ فهذا لا يحبه؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]: فهذا يحبه؛ وكل فعل علَّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي؛ فمن السمع: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فدلَّ هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة؛ وأما العقل فلأن الله ﷾ سمَّى نفسه بأنه «حكيم»؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة. ينظر: تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ٢٥)","vol":"1","page":366},{"text":"قال ابن أبي العز في شرحه كلام الطحاوي رحمهما الله:\n(يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا) ردًا على المعتزلة في هذا الباب:\nقال: (هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه، لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]. وقوله ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].) (^١)\n\nوفي هذا دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، وأن ما وقع من الأفعال إنما هوبمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأه، سواء ذلك في الطاعة أو المعصية أو ما ليس بطاعة ولا معصية من المباحات، والمشيئة عند أهل السنة لا يلزم منها الحب والرضا، وإنما تتعلق بالإرادة الكونية القدرية التي لا يخرج شيء\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (١/ ١٣٧)، وينظر: شرح الواسطية لصالح الفوزان (١/ ٩٠)","vol":"1","page":367},{"text":"في الوجود عنها سواء كان طاعة أو معصية، فإذا كان الفعل طاعة فإنه يكون واقعًا بمشيئة الله وبحبه ورضاه، وإذا كان معصية فإنه يكون واقعًا بمشيئة الله وعدم حبه ورضاه لذلك.\nوبهذا يتضح أن قول المعتزلة في تقسيم المشيئة لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وبدلالة هذه الآية كما نصَّ عليها الخطيب ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، حيث لا يمكن تقدير المشيئة هنا أنها مشيئة الإلجاء والإكراه، ولكن المعتزلة يأخذون ببعض الكتاب ويردون بعضه، وأهل الحق يدينون لله بالقرآن كله. (^١) والله تعالى أعلى وأعلم.\n_________\n(^١) ينظر: حاشية الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار للعمراني (١/ ٤٩ ومابعدها)، وينظر: إعلام الموقعين (٢/ ٢١١)، وشفاء العليل لابن القيم (١/ ٨٠)، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":368},{"text":"الفائدة من قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾\n﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: قد يُستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي، ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟\nأجيب: بأنه ﷺ إنما قال ذلك تواضعًا لله تعالى، واعترافًا بالعبودية، حتى لا يُعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح، وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء؟\nفأجابهم ﵊ بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما نفى عن نفسه هذه الأشياء تواضعًا لله تعالى، واعترافًا له بالعبودية، وأيضًا حتى لا يقترحوا عليه الآيات التي لايقدر عليها،\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٤٨٧)","vol":"1","page":369},{"text":"فنفى قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل من الأنبياء. (^١)\nوممن أشار إلى هذا المعنى من المفسرين: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nقال ابن عطية مؤيدًا هذه الدلالة: (وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية الملك أفضل من البشر، وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعًا في نفوسهم وأقرب إلى الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء خفيًا وهو ظاهر من آيات أخر، وهي مسألة خلاف). (^٣)\nوذكر الرازي وجهًا آخر في فائدة هذه الآية إضافة لإظهار التواضع منه ﵊، والاعتراف بالعبودية، وهي أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية، كقولهم ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخر مطالبهم، فقال تعالى في آخر الآية ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوة، وأما هذه الأمور التي طلبتموها، فلا يمكن تحصيلها إلا بقدرة الله، فكان المقصود من هذا\n_________\n(^١) ينظر: لباب التأويل للخازن (٢/ ١١٤)\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز (٢/ ٢٩٤)، والتفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٣٠)، ولباب التأويل (٢/ ١١٤)، والبحر المحيط (٤/ ٥١٨)، وفتح القدير (٢/ ١٣٥)، وروح المعاني (٤/ ١٤٧)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، والتحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢)\n(^٣) المحرر الوجيز (٢/ ٢٩٤)","vol":"1","page":370},{"text":"الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه. (^١)\nواستدل الجبائي (^٢) بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وجعل معنى الآية: لا أدعي منزلة فوق منزلتي، قال: فلولا أن الملك أفضل لم يصح ذلك، وتبعه الزمخشري كعادته يُرغم معاني القرآن على مسايرة مذهبه (^٣)، فهو جارٍ على مذهب المعتزلة أن الملَك أفضل خلق الله.\nوهذه المسألة (^٤) محل خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة، وقال بعضهم بتفضيل بني آدم، ولكل قولٍ أدلته (^٥)، ومذهب أهل السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة - كما تقدم - وهو الراجح. (^٦)\n_________\n(^١) وذكر فوائد أخرى غيرها، ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)\n(^٢) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن جمران بن أبان، الجبائي، أحد أئمة المعتزلة؛ وصاحب التصانيف، كان إماما في علم الكلام في عصره، وله في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، توفي سنة ٣٠٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٨٣).\n(^٣) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٥)، وينظر قوله والرد عليه في: التفسير الكبير (١٢/ ٥٣٨)، والبحر المحيط (٤/ ٥١٨)، وروح المعاني (٤/ ١٤٧)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، والتحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢)\n(^٤) تقدم الكلام عنها في أول سورة البقرة عند قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ينظر الاستنباط رقم: (١٣)\n(^٥) ينظر: حجج القرآن لأحمد بن المظفر الرازي (١/ ٨١)، والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (١/ ١٥٣)، والحبائك في أخبار الملائك لجلال الدين السيوطي (١/ ٢٠٧).\n(^٦) ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٣٩٨)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٤)، والصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (٣/ ١٠٠٢)، وشرح الطحاوية لصالح آل الشيخ (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":371},{"text":"قال ابن عاشور ردًا عليهم: (ومن تلفيق الاستدلال أن يستدل الجبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، مع بُعد ذلك عن مهيع الآية). (^١)\nوقال الشوكاني موافقًا الخطيب وغيره في هذه الآية: (وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). (^٢)\nوالصحيح أنه ليس في الآية دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي وغيره، وإن كان ظاهرها يؤيده؛ لأنها إنما وردت ردًا على الكفار في قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ .. الآية، وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء وغيره مما لا طاقة له به. فردَّ قولهم: بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدَّعِ أنه ملك، حتى يُتعجب من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء.\nقال الألوسي: (ونحن لا ندعي تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلًا، والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه، ولا مساواتهم لهم في ذلك، بل كون الملائكة متميزين عليهم، عليهم الصلاة والسلام في ذلك مما أجمع عليه الموافق والمخالف، ولا يوجب ذلك اتفاقًا على أن الملائكة أفضل منهم بالمعنى\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٧/ ٢٤٢).\n(^٢) فتح القدير للشوكاني (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":372},{"text":"المتنازع فيه، وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا يدعي ذلك إلا جماد). (^١)\nفلا يلزم من الآية تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، ولا يوجب ذلك اتفاقًا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. (^٢)\nولعل هذا الجواب أظهر من كون هذا القول منه ﷺ من باب التواضع وإظهار العبودية لله كما حكاه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) روح المعاني (٤/ ١٤٧).\n(^٢) ينظر: حاشية الانتصاف على الكشاف لابن المنير (٢/ ٢٥)، ومحاسن التأويل (٤/ ٣٦٦)، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (٧/ ٣٥٧)","vol":"1","page":373},{"text":"حجية سد الذرائع.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلمًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلًا منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن اللَّه تعالى قد حرّم سبّ الأصنام التي يعبدها المشركون مع كون السب حمية لله وإهانة لأصنامهم؛ لكون ذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه تعالى.\nالدراسة:\nهذه الآية أصل في قاعدة سد الذرائع (^٢)؛ حيث حرّم تعالى سبّ آلهة المشركين مع كون السبّ غيظًا وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبّهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبّته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز (^٣)، فاستنبط الخطيب منها بدلالة اللازم أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها.\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥١٠\n(^٢) ينظر تأصيل هذه القاعدة وحجيتها في: الموافقات للشاطبي ٣/ ٧٦، والبحر المحيط للزركشي ٨/ ٨٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢/ ١٩٤، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة ٣/ ١٠١٦.\n(^٣) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم ٣/ ١٣٧","vol":"1","page":374},{"text":"ووجه النهي عن سبّ أصنامهم هو أن السبّ لا تترتب عليه مصلحة دينية؛ لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك، وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل، وينهض به المُحِق ولا يستطيعه المبطل، فأما السبّ فإنه مقدور للمُحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفُحشه ما لا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلّب على المُحق. ويكفي وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. (^١)\nومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ماجاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه» (^٢)، وكان ﵊ يكِفُّ عن قتل المنافقين؛ لأنه ذريعة إلى قول الكفار: إن محمدًا يقتل أصحابه. (^٣)\nوممن استنبط هذه القاعدة الجليلة من الآية: السمرقندي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ٧/ ٤٣٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: لايسب الرجل والديه، برقم (٥٩٧٣)، (٨/ ٣)\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣١٥).\n(^٤) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي ١/ ٤٧٤، والتفسير الكبير ١٣/ ١١٠، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٦١، وأنوار التنزيل ٢/ ١٧٧، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٣١٥، والإكليل ١/ ١٢٠، وإرشاد العقل السليم ٣/ ١٧٢، وفتح القدير ٢/ ١٧١، ومحاسن التأويل ٦/ ١٤٧، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٢٦٩، والتحرير والتنوير ٧/ ٤٣٠.","vol":"1","page":375},{"text":"قال الشوكاني: (في هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبَّب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرمة، ومخالفة حق، ووقوع في باطلٍ أشدّ، كان الترك أولى به، بل كان واجبًا عليه، .. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشُبه). (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فتح القدير ٢/ ١٧١.","vol":"1","page":376},{"text":"تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه.\nقال الله تعالى: ﴿... كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nظاهر الآية يفيد العموم في تزيين الله تعالى الخير والشر.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: «لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه» حيث قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فنصَّ سبحانه على تزيين العمل لكل أمة. وظاهر قوله تعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العموم في الأمم وفي العمل، فيدخل فيه المؤمنون والكافرون، أي: كما زينَّا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥١٠)\n(^٢) البحر المحيط في التفسير (٤/ ٦١٢).","vol":"1","page":377},{"text":"قال ابن عباس: «زيَّنا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر» (^١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا ما عليه أهل السنة من أن المُزين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، هو الله تعالى بدلالة ظاهرهذه الآية، ففيه رد على القدرية والمعتزلة في زعمهم أن خَلق الكفر وتزيينه لا يحسن من الله تعالى. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nوأهل السُنَّة على أن خَلقه تعالى الكفر والظلم في الكافر والظالم، وإقراره ثم تعذيبهما عليه، وخَلقه الكفر وغضبه منه وسخطه إياه، كل ذلك منه تعالى حكمة وعدل وحق، وممن دونه تعالى سفه وظلم وباطل. (^٤)\nفالمؤمن اختار الإيمان وأحبَّه واستحسنه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يُرده وآثر عليه ضده، والله خلق له الاختيار والاستحسان والإرادة للإيمان والبغض والكراهة والاستقباح للكفر، قال تعالى ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٦٢)\n(^٢) ينظر الرد عليهم في: الإبانة عن أصول الديانة لابن أبي بردة (١/ ١٨١)، والتوحيد للماتريدي (١/ ٢٣٦) و(١/ ٢٩٤)، والفصل في الملل والنحل (٣/ ٤١)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية (٢/ ٤٦٢).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١١)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٦٢)، ولباب التأويل (٢/ ١٤٥)، والبحر المحيط (٤/ ٦١٢)، وغرائب القرآن (٣/ ١٤٢)، ومحاسن التأويل (٤/ ٤٦٥)\n(^٤) ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٤١)","vol":"1","page":378},{"text":"والكافر على عكسه اختار الكفر واستحسنه وأحبَّه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الإيمان وأبغضه ولم يُرده، والله تعالى خلق ذلك كله، وليس أحدهما بممنوع عن ضد ما اختاره، ولا بمحمول على ما اكتسبه، ولذلك وجبت حجة الله عليهم، وحقَّ عليهم القول، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. (^١)\nقال ابن القيم: (قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ\n_________\n(^١) ينظر: التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (١/ ٤٩).","vol":"1","page":379},{"text":"وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]\nفأضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة. وحذَف فاعله تارة، ونسَبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة. وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، وهو من الشيطان قبيح.\nوأيضًا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيء عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيء من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه، زيَّنه سبحانه له وأعماه عن رؤية قُبحه بعد أن رآه قبيحًا. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يُريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحًا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه. فربما رآه حسنًا عقوبة له، .. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول. فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء). (^١)\nفثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول، ولا حركة، ولا سكون، إلا إذا زيَّن الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضًا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرًا وجهلًا، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانًا وعلمًا وصدقًا وحقًا، فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٢٤٤) بتصرف، وشفاء العليل (١/ ١٠٣).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١١)","vol":"1","page":380},{"text":"وبهذا يظهر بطلان قول المعتزلة والقدرية، وأن الحق ما ذهب إليه أهل السنة في أن الخالق للكفر، والمزين له هو الله تعالى كما دلت عليه الآية؛ إذ هي نص في محل النزاع، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجل وأعلم.\nنجاسة الخنزير نجاسة عين.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، فالضمير يعود على المضاف إليه؛ لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿مَيْتَةً﴾، وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النص نجاسة عين الخنزير؛ لأن الضمير فى قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على لفظ الخنزير لا على لفظ «لحم»، وعلَّله بأن اللحم داخل في حكم الميتة، وقال سبحانه في موضع آخر ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فتحريم اللحم معلوم بالنصّ عليه، ولو عاد الضمير عليه لخلا الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى كلمة «خنزير» ليفيد الكلام تحريم بقية أجزائه.\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٢٤.","vol":"1","page":381},{"text":"وقد اختلف العلماء في نجاسة عين الخنزير، فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الخنزير حيوان نجس. (^١)\nوعمدة أدلتهم هي هذه الآية، وذهب مالك إلى أن الخنزير طاهر (^٢)، كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أن المحرّم منه هو لحمه فقط، وجمهور الفقهاء على أن المحرم لحمه وسائر أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر والمراد جميع أجزائه؛ لكون اللحم هو معظم ما ينتفع به. (^٣)\nوالخلاف في عود الضمير في قوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فإما أن يعود على «لحم الخنزير»، أو يعود على «خنزير» فإنه أقرب مذكور، والأظهر أنه يعود على ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن المُحدَّث عنه إنما هو اللحم، وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإضافة إليه، لا أنه هو المُحدَّث عنه المعطوف (^٤)، وعلى كلٍ فهو دليل على نجاسة لحم الخنزير.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة: (لا يختلف المذهب في نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أنه نجس عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه). الشرح الكبير على متن المقنع/٢٤٨، وينظر: المغني (١/ ٣٥)، والإنصاف في للمرداوي ١/ ٣١٠، وبدائع الصنائع للكاساني ١/ ٦٣، والمجموع للنووي ٢/ ٥٦٨.\n(^٢) باعتبار أن الأصل في الأشياء الحية الطهارة بما فيها الكلب والخنزير، كما يفيد ظاهر قوله تعالى ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، فالمحرّم عنده اللحم دون الشحم فيحلّ شحمه وغضروفه وعظمه وجلده لذلك.\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٨٠.\n(^٤) ينظر: البحر المحيط ٤/ ٦٧٤، والإكليل للسيوطي ١/ ١٢٣، وإرشاد العقل السليم ١/ ١٩١، وروح المعاني ١/ ٤٣٩، والتحرير والتنوير ٨/ ١٣٨.","vol":"1","page":382},{"text":"قال السمين الحلبي: (ورُجِّح الأول - أي عود الضمير على لحم الخنزير - بأن اللحم هو المُحدَّث عنه، والخنزير جاء بعرضية الإضافة إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: «رأيت غلام زيد فأكرمته» أن الهاء تعود على الغلام؛ لأنه المُحدَّث عنه المقصود بالإخبار عنه لا على زيد؛ لأنه غير مقصود). (^١)\nوقال ابن كثير: (قوله ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعُمُّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطَّرِد). (^٢)\nوعليه فالذي يظهر ضعف ما قاله الخطيب من عود الضمير على المضاف إليه دون المضاف، كما أن دلالة الآية على نجاسة عين الخنزير ليست دلالة قطعية، فقد يراد بالنجاسة: النجاسة الحُكمية وهى حُرمة الأكل، وليس النجاسة العينية، كنجاسة المشركين في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد وليس النجاسة العينية، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنجاسة الأنصاب والأزلام حُكمية وهى الحرمة وليست نجاسة عينية، ولذلك استدل بعض العلماء على\n_________\n(^١) الدر المصون ٥/ ٢٠٠\n(^٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٦.","vol":"1","page":383},{"text":"نجاسة عين الخنزير بالقياس على الكلب؛ لأنه أسوأ حالًا منه حيث لا يجوز الانتفاع به. (^١)\nوقد نصَّ على نجاسة الخنزير بدلالة الآية جمهور المفسرين. (^٢)\nقال الطبري في بيان معنى الآية (وحُرّم عليكم لحم الخنزير أهليه وبريّه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء). (^٣)\nوقال السمرقندي: (ذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه. وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه، فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها، وأحل البعض منها، وهو السمك والجراد، وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم؛ لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال، وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره). (^٤)\n_________\n(^١) قال الشيرازي في المهذب: (وأما الخنزير فنجس لأنه أسوأ حالا من الكلب، لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه، ومنصوص على تحريمه، فإذا كان الكلب نجسا فالخنزير أولى، وأما ما توّلد منهما أو من أحدهما فنجس لأنه مخلوق من نجس فكان مثله). المهذب ٢/ ١٤٠.\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٩/ ٤٩٣، وأحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣، وتفسير القرآن للسمرقندي ١/ ١١٤، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٠، ومعالم التنزيل ١/ ٢٠١، وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٨٠، والتفسير الكبير ٥/ ٢٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٢، والدر المصون للسمين الحلبي ٥/ ٢٠٠ وتفسير القرآن العظيم ٣/ ١٦، والإكليل ١/ ١٢٣، وإرشاد العقل السليم ١/ ١٩١، وروح المعاني ١/ ٤٣٩، والتحرير والتنوير ٨/ ١٣٨.\n(^٣) جامع البيان ٩/ ٤٩٣.\n(^٤) تفسير القرآن للسمرقندي ١/ ١١٤.","vol":"1","page":384},{"text":"والحاصل أن الخلاف في عود الضمير لفظي، والآية دالة على نجاسة لحم الخنزير وتحريمه على كلا الاحتمالين، لكننَّا لا نجزم بقطعية دلالتها على نجاسة عين الخنزير. (^١) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال النووي: (نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يُحتج به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير مادام حيًا، وأما ما احتج به المصنف – يعني الشيرازي -فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه، وليس لنا - أي الشافعية - دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته). المجموع (٢/ ٥٦٨).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>سورة الأعراف</span>\nالتنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه سبب طرد إبليس منها لا لمجرد معصيته.\nقال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي: عن أمري لأنّ الجنة أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة والسماء، وأنه تعالى إنما طُرد إبليس لتكبره لا لمجرّد المعصية). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى قال ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فجعله علة للأمر المذكور بقوله ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ ولا ينبغي أن يسكن الجنة متكبر مخالف لأمر الله. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من هذه الآية أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأن إبليس طُرد منها لتكبره لا لمجرد معصيته؛ لأن الله تعالى بيَّن أنه ليس لمن في الجنة أن يتكبَّر فقال ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فالفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر، أي: اهبط من السماء أو الجنة التي هي محل المطيعين من\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٣٧\n(^٢) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود ٣/ ٢١٧.","vol":"1","page":386},{"text":"الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع، فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك. (^١)\nولهذا قال: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة متكبرٌ مخالفٌ لأمر الله ﷿.\nفدلّ قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ على أن ذلك الوصف لا يُغتفر منه، لأن النفي بصيغة (ما يكون لك) أشد من النفي بـ (ليس لك كذا)، وهو يستلزم هنا نهيًا؛ حيث نفاه عنه مع وقوعه، وعليه فتقييد نفي التكبر عنه بالكون في السماء؛ لوقوعه علّة للعقوبة، دلّ على عظم قبح التكبر وشناعته، وأنه معصية لا تليق بأهل العالم العلوي، ولهذا كان طرد إبليس من الجنة، وليس للمعصية ومخالفة أمر الله فحسب. (^٢)\nوممن استنبط هذا المعنى بدلالة هذه الآية: الطبري، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (^٣)\nوقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة في سورة البقرة، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». (^٤)\n_________\n(^١) وهذا على الراجح في مكان الجنة وأنها فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن كما عليه أهل السنة والجماعة، وسيأتي بيانه في استنباط لاحق في السورة نفسها.\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير (٨/ ٤٤).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٢/ ٣٢٩)، وأنوار التنزيل ٣/ ٧، وإرشاد العقل السليم ٣/ ٢١٧، وروح البيان ٣/ ١٤١.\n(^٤) تقدم تخريجه","vol":"1","page":387},{"text":"والذي يظهر - والله تعالى أعلم- أنه طُرد لتكبره ولمخالفته لأمر الله بالمعصية أيضًا، فالجمع بين هذين السببين أولى من الاقتصار على أحدهما، ولا يقلّ ذلك في الدلالة على قبح التكبر، والتنبيه على شناعته كما استنبطه الخطيب، ولذلك طُرد وأُبعد قال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي من أهل الصغار والهوان على الله، وعلى أوليائه يذُمّه كل إنسان ويلعنه كل لسان - عياذًا بالله منه- والله تعالى أجل وأعلم.","vol":"1","page":388},{"text":"قبح كشف العورة لغير حاجة.\n﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (بيّن علة الوسوسة بقوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ﴾ أي: ليُظهر ﴿لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ أي: ستر وغطي ﴿عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ أي: عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة، وعند الزوجة من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن آدم وحواء - ﵉ - كرها التعري ولم يكن معهما ثالث، فدلّ على قبح التعري وإن لم يكن مع المتعري أحد إلا لحاجة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من قوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ وقوله سبحانه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ قُبح كشف العورة؛ لأنه تعالى بيّن علة وسوسة إبليس لآدم وحواء في الجنة وطمعه في غوايتهما، حيث أراد أن يسوءهما بظهور ما كان مستورًا عنهما من عوراتهما، لأنهما كانا لا يريان عورة نفسيهما ولا يراها أحدهما من الآخر، فلمّا ذاقا الشجرة (بدت لهما سوآتهما) (^٢)، فلما ظهرت لهما عوراتهما وتجافى عنهما لباسهما، حتى أبصر كل\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٣٦.\n(^٢) سميت العورة سوءة لأنّ انكشافها يسوء صاحبها، وقيل: كان لباسهما من النور يحول بينهما وبين النظر.\nينظر: جامع البيان ١٢/ ٣٤٧، وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٩٧، والدر المنثور ١/ ١٤٦.","vol":"1","page":389},{"text":"واحد منهما ما ووري عنه من سوأة صاحبه حدث في نفسيهما الشعور بقبح بروزها، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما استبشاعًا وكراهيةً بالفطرة التي فطرهم الله عليها. (^١)\nوقد جاء في السنن أن رسول الله ﷺ سُئل: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال: أفرأيت إن كان الرجل خاليًا قال: «فالله أحق أن يستحيا منه». (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وابن عادل، وحقي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nقال القرطبي: (في الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة، كما قيل لهما: ولا تقربا هذه الشجرة). (^٤)\nوهذه دلالة قوية الظهور، وعليه فعدم وجوب ستر العورة بين الزوجين لا يعني أن كشفها لغير حاجة مستساغ، بل هو مستهجن في الطبع تأنفه النفوس، وهو يتنافى مع الحياء الذي هو شعبة من الإيمان خاصة عند قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (٨/ ٦٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه باب ماجاء في التعري، برقم (٤٠١٧) (٤/ ٤٠)، والترمذي في سننه، باب ما جاء في حفظ العورة، برقم (٢٧٦٩)، (٥/ ٩٧)، وحسّنه الألباني في مشكاة المصابيح (٣/ ٩٣٤).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (١٤/ ٢١٨)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٨١)، وأنوار التنزيل (٣/ ٨)، ومدارك التنزيل (١/ ٥٦٠)، ولباب التأويل (٢/ ١٨٨)، وروح البيان (٣/ ١٤٥)، ومحاسن التأويل (٥/ ٢٤)\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٨١).","vol":"1","page":390},{"text":"مطلق النهي للتحريم.\nقال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن العداوة لكما، وقد أبان لكما عداوته بترك السجود تعنتًا وحسدًا، وفي ذلك عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ، ودليل على أنّ مطلق النهي للتحريم). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى رتَّب الظلم على هذا النهي بقوله ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ولو كان نهي تنزيه وكراهة لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة، ولما وجبت التوبة عليه، واستحق عليه اللوم الشديد.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من هذه الآية أن مطلق النهي للتحريم؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ عتابٌ من الله لآدم وحواء وتوبيخٌ لهما حيث لم يحذرا ما حذّرهما منه بقوله ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، فقَرَن النهي بالوعيد، واستدَلّ بهذا الاقتران من قال أن مطلق النهي للتحريم؛ لما فيها من اللوم الشديد مع الندم والاستغفار المفهوم مما جاء بعدها ﴿\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٤٠","vol":"1","page":391},{"text":"قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٣ - ٢٤]\nقال ابن القيم: (ويستفاد كون النهي للتحريم من ذمِّه لمن ارتكبه وتسميته عاصيًا وترتيبه العقاب على فعله). (^١)\nوالذي عليه جمهور أهل العلم أن الأصل في النهي هو التحريم، ولا يُنقل من التحريم إلى الكراهة إلا بدليل يدل على ذلك. (^٢)\nويدلّ له قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]\nوأيضًا ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)\nكذلك ما ثبت من فعل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- في غزوة خيبر لما نفَدَ الطعام واشتدّ بهم الجوع، أخذوا الحُمُر الأهلية فذبحوها، فجاء الصارخ فقال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) (^٣) فكفئوا القدور بما فيها، مع حاجة الناس إلى هذا الطعام، فلو كان هذا النهي على الكراهة لأكَل الناس، فدلّ على أن الأصل في النهي التحريم، إلى غير ذلك من الأدلة.\nوممن استنبط هذه الدلالة من موضع هذه الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي، وغيرهم من المفسرين. (^٤)\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٤/ ٣.\n(^٢) تقدم الحديث عن هذه المسألة في الاستنباط رقم (٦١)، وينظر: المحصول للرازي ٢/ ٢٨١، والبحر المحيط للزركشي ٣/ ٢٩٤، وإرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٢٧٩.\n(^٣) الأحاديث تقدم تخريجها.\n(^٤) ينظر: أنوار التنزيل ٢/ ١٠٩، وإرشاد العقل السليم ٣/ ٢٢١، وروح المعاني ٤/ ٣٤١، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ٤٩.","vol":"1","page":392},{"text":"وعليه، فإن كل ما ورد النهي عنه فإنه حرام، إلا أن تأتي قرينة شرعية تصرف هذا النهي عن التحريم إلى الكراهة أو الإرشاد كما هي دلالة هذه الآية، والله تعالى أعلم.\nالكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء في الكفر.\nقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أي: يظنون ﴿أَنَّهُمْ﴾ مع ضلالهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هداية وحق، وفيه دليل على أنّ الكافر الذي يظُن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى ذمَّ المخطئ الذي ظنّ أنه في دينه على الحق بأنه حقّ عليه الضلالة، وجعله في حكم الجاحد والمعاند، فعُلم منه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفى في صحة الدين، بل لا بد فيه من الجزم واليقين، لأنه تعالى ذمّ الكفار بأنهم يحسبون أنهم مهتدون ولو كفى مجرد الحسبان فيه لما ذمّهم بذلك. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة النصّ - مفهوم الموافقة - أنّ الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق مساوٍ للجاحد والمعاند في الكفر. لأنه تعالى أخبر\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (١/ ٥٤٤)\n(^٢) ينظر: روح البيان لإسماعيل حقي (٣/ ١٥٣)","vol":"1","page":393},{"text":"أن الفريق الذي حقَّ عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله، باتخاذهم الشياطين نصراء من دون الله، جهلًا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوا.\nقال الطبري: (وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها (^١). لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلَّ وهو يحسب أنه هاد وفريق الهُدى فرق، وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية). (^٢)\nفهذه الآية وأمثالها في القرآن تدلّ على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى ; لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسًا ولا شبهة، فولايتهم للشياطين ضلالة، وحسبانهم ضلالهم هُدى ضلالة أيضًا، سواء كان ذلك كله عن خطأ أو عن عناد، إذ لا عذر للضال في ضلاله بالخطأ، لأن الله نصب الأدلة على الحق وعلى التمييز بين الحق والباطل وهذا من أوضح الأدلة في الرد على المعتزلة والقدرية. (^٣)\nقال ابن القيم: (لا عُذر لهذا وأمثاله من الضُلاَّل الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول، ولو ظن أنه مهتد فإنه مُفرَط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضلّ فإنما أُتي من تفريطه وإعراضه). (^٤)\n_________\n(^١) وهم المعتزلة والقدرية، ينظر: القدر للفريابي (١/ ٢٣٣)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية للعمراني (٢/ ٤٢١)\n(^٢) جامع البيان (١٢/ ٣٨٨)\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٨/ ٩١)\n(^٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٤٤).","vol":"1","page":394},{"text":"وقد وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالطبري، والزجاج، والسمرقندي، والبغوي، والبيضاوي، والخازن، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، حقي، والقاسمي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^١)\nقال البغوي: (فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء، ولا نفع له بظنه، فأعلم أنهم بالظن كافرون، وأنهم معذبون). (^٢)\nوبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٢/ ٣٨٨)، ومعاني القرآن وإعرابه (٢/ ٣٣١)، وتفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٥١١)، ومعالم التنزيل (٢/ ١٨٨)، وأنوار التنزيل (٣/ ١١)، ولباب التأويل (٢/ ١٩٤)، والمحرر الوجيز (٢/ ٣٩٢)، والبحر المحيط (٥/ ٣٩)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٠٥)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٢٤)، وروح البيان (٣/ ١٥٣)، ومحاسن التأويل (٥/ ٣٦)، والتحرير والتنوير (٨/ ٩١)، وأضواء البيان (٢/ ١٣).\n(^٢) معالم التنزيل (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":395},{"text":"الأصل في أنواع الزينة الإباحة.\nقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلّت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة، إلا ما ورد النصّ بخلافه؛ لأنّ الاستفهام في من للإنكار). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النص أن الأصل في المنافع والمطاعم وأنواع الزينة وكل مايُستطاب الإباحة والحِل، فلا يُمنع منها شيء إلا بنص صحيح صريح الدلالة، ويبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة. ووجه استنباطه من الآية كما حكاه الخطيب أن الاستفهام في قوله ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إنكاري؛ جاء لإنكار تحريم أنواع الزينة التي أخرجها الله لعباده، حيث أن إنكار الفاعل يوجب إنكار الفعل لعدمه بدونه. (^٢)\nوالزينة في قول جمهور المفسرين: هي كل ما يتزين به الإنسان من ملبوس أوغيره من الأشياء المباحة. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٨٤.\n(^٢) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٥/ ٤٦)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٢/ ٣٩٥، وتفسير القرآن ١/ ٥١٢، ومعالم التنزيل ٢/ ١٨٩، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٠٨)، وغيرهم.","vol":"1","page":396},{"text":"وعلى هذا فالأصل في الأشياء الإباحة، وهذه من القواعد الفقهية الثابتة وهي أصل معتبر في الشريعة عند الجمهور، وحكى بعضهم أن الأصل التوقف، وقيل الأصل الحرمة، والصحيح قول الجمهور. (^١)\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا الأصل: البيضاوي، والرازي، وأبو السعود، وحقي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nفمقتضى هذه الآية حل كل المنافع، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وهي دلالة صحيحة نصَّ عليها الجمهور كما تقدم.\nويشهد لصحتها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ١٢، والموافقات للشاطبي ٤/ ٣٥٨، والأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٦٠)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢٨٤).\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ١١)، والتفسير الكبير (١٤/ ٢٣١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٢٤)، وروح البيان (٣/ ١٥٦)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤٦)","vol":"1","page":397},{"text":"نوال الجنة إنما هو بأيسر الأعمال وبما هو في الوسع من غير كُلفة.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها من العمل، اعتراضٌ بينه وبين خبره وهو ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وإنما حسُن وقوع ذلك بين المبتدأ والخبر لأنه من جنس هذا الكلام؛ لأنّ الله تعالى لما ذكر عملهم الصالح دلّ ذلك على أنّ ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار على أنّ الجنة مع عظم قدرها ومحلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه إذا عُلِم أن مبنى التكليف على الوسع، زادت الرغبة في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم لحصوله باليسر لا بالعسر. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة اللازم أن الجنة إنما تُنال بالإيمان والعمل الصالح الذي يستطيعه الإنسان ويكون في وسعه من غير كُلفة، لا بما يعجز عنه ويشق عليه تحمله، وذلك مستفاد من التنبيه والاحتراز بقوله تعالى ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إذ هو اعتراضٌ بين المبتدأ والخبر، فائدته الترغيب في\n_________\n(^١) السراج المنير ١/ ٥٤٦.\n(^٢) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٥/ ٥٨)","vol":"1","page":398},{"text":"اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله، وتيسير تحصيله والذي حسّنه سبق العمل الصالح قبله (^١)، لأنه تعالى لما بشَّرهم بالجنة على فعل الصالحات طمئن قلوبهم بأنهم لا يُطالبوا من الأعمال الصالحة بما يخرج عن وسعهم، حتى إذا لم يبلغوا إليه أيسوا من الجنة، بل إنما يطلبون منها بما في وسعهم وفي طاقتهم وهذا مما يُرجي في رحمة الله ويُعلِم أنّ دينه يسر. (^٢)\nويؤيد صحة هذه الدلالة قول ابن القيم: (وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.) (^٣)\nوقال ابن كثير: (وينبّه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾) (^٤).\nوممن نصّ على هذا التنبيه موافقًا الخطيب: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، وابن جزي، والخازن، وابن القيم، وأبوحيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والقاسمي، وابن عاشور، والألوسي، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٥/ ٥٨)\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٨/ ١٣٠)\n(^٣) التبيان في أقسام القرآن (١/ ٢٢٢)\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١٥)\n(^٥) ينظر: المحرر الوجيز (٢/ ٤٠١)، والتفسير الكبير (١٤/ ٢٤٢)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٣)، والتسهيل (١/ ٢٨٨)، ولباب التأويل (٢/ ٢٠٠)، والتبيان في أقسام القرآن لابن القيم (١/ ٢٢٢)، والبحر المحيط (٥/ ٥٢)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤١٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٢٣٥)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٢٨)، ومحاسن التأويل (٥/ ٥٨)، والتحرير والتنوير (٨/ ١٣٠)، وروح المعاني (٤/ ٣٥٩).","vol":"1","page":399},{"text":"قال النيسابوري: (فيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبُعدًا لمن فاتته وسُحقًا لمن فارقته). (^١)\nوهذه الآية من الآيات الدالة على رفع الحرج وعدم التكليف بما لا يطاق، وهي حجة لأهل السنة على من خالفهم (^٢)، وتضمنت هذه الإشارة اللطيفة كما نصَّ عليها الخطيب وغيره، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) غرائب القرآن (٣/ ٢٣٥)\n(^٢) ينظر: التوحيد للماتريدي (١/ ٢٦٣)، ومجوع الفتاوى (٨/ ٢٧٩)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية للعمراني (٢/ ٤٦٣).","vol":"1","page":400},{"text":"الجنة فوق النار.\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: صبوه، وهو دليل على أنّ الجنة فوق النار). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية أن الجنة فوق النار بدلالة اللازم من قوله ﴿أَفِيضُوا﴾ لأن أصل الإفاضة الصب (^٢)، والصبَّ يكون من عُلو إلى سُفل.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^٣)\nفدلَّ بالإفاضة على علو الجنة وهي إشارة لطيفة، موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة من أن الجنة فوق السماء السابعة وتحت عرش الرحمن، كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (١/ ٥٥١).\n(^٢) يقال: أفاضَ إناءه، أي ملأه حتَّى فاضَ. وأفاضَ دموعه، وأفاضَتْ دموعه. وأفاضَ الماء على نفسه، أي أفرغَه. ينظر: الصحاح (٣/ ١٠٩٩)، ومختار الصحاح (١/ ٢٤٥)، ومقاييس اللغة (٤/ ٤٦٥)، وأصل الإفاضة الصب. ينظر: لسان العرب (٧/ ٢١٣)، و(٧/ ٢١٠) مادة (فيض).\n(^٣) ينظر: الكشاف (٢/ ١٠٨)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٥)، ومدارك التنزيل (١/ ٥٧١)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢٨٩)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٣١)، وروح المعاني (٤/ ٣٦٥).","vol":"1","page":401},{"text":"وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة». (^١) فدلَّ بهذا الحديث أن الجنة تحت عرش الرحمن.\nوفي قصة الإسراء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ جاء فيها: \" ... في السماء السابعة، فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى .. الحديث\" (^٢)\nفثبت بهذا الحديث أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وعليه فالجنة - والعلم عند الله تعالى - فوق السماء السابعة، وتحت عرش الرحمن، كما دل عليه هذين الحديثين. (^٣)\nوجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]. قال ابن عباس: الجنة، وقيل: عليون في السماء السابعة تحت العرش. (^٤)\nوأما النار ففي مكان يعلمه الله، وهي في أسفل سافلين، كما أخبر سبحانه، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٧ - ٩]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، برقم (٧٤٢٣)، (٩/ ١٢٥)\n(^٢) تقدم تخريجه\n(^٣) وفي صحيح مسلم أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. تقدم تخريجه، ينظر الاستنباط رقم: (٧)، (١٨).\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (٢٤/ ٢٩١ ومابعدها)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ٣٥٢)، وفتح القدير للشوكاني ٥/ ٤٩٠.","vol":"1","page":402},{"text":"قال ابن كثير: (والصحيح أن سجينًا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ومصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾) (^١) [الفرقان: ١٣]\nوالحق أنه لم يأت دليل صحيح يعين مكان جهنم، لكننا نجزم يقينًا بأن الله خلقها وأنها موجودة الآن كما دلت عليه الآيات والأحاديث. (^٢)\nقال السيوطي: (ونقف عن النار- أي نقول فيها بالوقف - أي محلها حيث لا يعلمه إلا الله، فلم يثبت عندي حديث أعتمده في ذلك). (^٣)\nوعلى هذا فدلالة الآية على علو الجنة صحيحة، وأما أنها أعلى من النار فهذا ما لا يمكن الجزم به، ولعل من حكمة الله تعالى عدم إطلاعنا على مكان النار؛ إذ لو عُلِم مكانها يقينًا لما فرح أحد على وجه الأرض، والله تعالى أعلم وأحكم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٨/ ٣٤٩ بتصرف يسير.\n(^٢) تقدمت عند قوله تعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وينظر: شرح الطحاوية للراجحي (١/ ٣٢٠)، شرح لمعة الاعتقاد للمحمود (١١/ ١٦)، والجنة والنار لعمر الأشقر (١/ ٢١)\n(^٣) إتمام الدراية لقراء النقاية ١/ ١٥.","vol":"1","page":403},{"text":"في حكاية قصص الأنبياء السابقين دليل على صحة نبوة محمد ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - عند هذه الآية: (فيه دليل على صحة نبوّة محمد ﷺ؛ لأنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحدًا من علماء زمانه، وقد أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد، فعُلم بذلك أنه إنما أتى من عند الله، وأنه أوحى إليه بذلك فكان ذلك دليلًا واضحًا وبرهانًا قاطعًا على صحة نبوّته ﷺ). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من قصة نوح ﵇ مع قومه، وأمثالها في القرآن دلالتها باللازم على نبوة محمد ﷺ من حيث إنه إخبار بالغيب؛ لأنه كان أميًا لا يخط، ولا يقرأ، ولم يدارس أحدًا، وقد جاء بهذه القصص والأخبار عن الأنبياء والرسل والأمم السابقة وأحوالهم، بما يطابق ما جاء في كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فمجيء هذه القصص على هذا الوجه من غير تحريف ولا خطأ يدلّ على أنه إنما عرفها بالوحي الذي يوحى إليه من ربه لا محالة، وذلك يدل على صحة نبوته، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].\nقال الطبري: (إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد ﷺ في كتابه، من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد ﷺ وقومه، ولم يكن علمُ ذلك إلا عند أهل\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٥٧)","vol":"1","page":404},{"text":"الكتاب، ولم يكن محمد ﷺ وقومه منهم، بل كان أميًا وقومه أميون، فكان معلومًا بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، أن محمدًا ﷺ لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه.) (^١)\nوقال الرازي مؤيدًا ذلك: (ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلًا، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمدًا في هذه الأخبار). (^٢)\nوممن استنبط دلالة صحة نبوته ﷺ من قصص آية سورة الأعراف: الرازي، والخازن، والنيسابوري، والقاسمي، وابن عاشور، (^٣) وغيرهم. (^٤)\nوالآيات المشيرة لإثبات رسالته ﵊ بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ\n_________\n(^١) جامع البيان ٥/ ٤٤٢.\n(^٢) التفسير الكبير ٣/ ٥٥٩\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير ١٤/ ٢٩٣، ولباب التأويل ٢/ ٢١٤، وغرائب القرآن ٣/ ٢٦٥، ومحاسن التأويل ٥/ ١٠٩.\n(^٤) استنبط كثير من المفسرين هذه الدلالة من قصص الأنبياء في غير هذه الآية، ينظر على سبيل المثال: جامع البيان ٥/ ٤٤٢، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٠١)، وزاد المسير ٢/ ٤٧٥، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٤)، والتسهيل (١/ ٣٩٧)، وروح المعاني (٢/ ٢٢٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٠٨)، وأضواء البيان ٢/ ٢١٨.","vol":"1","page":405},{"text":"إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله سبحانه في قصة يوسف: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]. (^١)\nفحكايته ﵊ أنباء من سبق من الأمم بوقائعها الصحيحة الدقيقة حكاية من شهدها وحضرها بما لا يدع مجالًا لإعمال الفكر ودقِّة الفراسة هي أكبر دليل على صحة نبوته. فمِن أين أتى بهذه الدقائق الصحيحة لو لم يكن يُوحى إليه وهو الرجل الأمي الذي عاش في أُمة أمية لا تكتب ولا تحسب؟ (^٢)، وهو استنباط حسن قوي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي ٢/ ٢١٨.\n(^٢) ينظر بسط هذه الدلالة في كتب الإعجاز وعلوم القرآن كما في: إعجاز القرآن للباقلاني (١/ ٤٩)، والقرآن وإعجازه العلمي لمحمد إسماعيل إبراهيم (١/ ٢٢)، والبرهان في علوم القرآن للزركشي (٣/ ٢٨)، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان (١/ ٤١) وغيرها.","vol":"1","page":406},{"text":"جواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة والضرورة\nقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٦ - ٦٨]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء؟\nأجيب: بأنه فعَل هود ذلك؛ لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك، ومقصوده الرد عليهم في قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فوصف نفسه بالأمانة، وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله، وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بالأنبياء ﵈ في أفعالهم، حيث وصف نبيُ الله هود نفسه بصفتين عظيمتين هما: النصح والأمانة لحاجته لذلك المدح في ذلك المقام.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على جواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة والضرورة، فقول هود ﵇ لقومه: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ جاء ردًا عليهم في قولهم ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فجاء\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٦٠)","vol":"1","page":407},{"text":"بوصف النصح والأمانة التي هي من أعظم الصفات، ولا أمانة أعظم من أمانة الرسالة، فدلَّ على جواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة.\nولا يتعارض مثل هذا مع النهي عن المديح وتزكية النفس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٣].\nقال النووي: (وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكَّاها ومدحها لغير حاجة بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة، كدفع شرٍ عنه بذلك أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب في أخذ العلم عنه أو نحو ذلك، فمن المصلحة قول يوسف – ﵇ – ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وأشباهه). (^١)\nوهذا القول من يوسف ﵇ دليل أيضًا على صحة هذه الدلالة التي استنبطها الخطيب حيث اضطر يوسف ﵇ لتزكية نفسىه للحاجة إلى ذلك؛ وذلك أنه لم يكن بحضرته من يعرف حقه فيثني عليه بما هو فيه ويعرف فضله، ورأى أن ذلك المكان لا يقعده غيره من أهل وقته إلا قصَّر عما يجب لله ﷿ من القيام به من حقوقه، فدلَّ بذلك على أنه جائزٌ للعالم الثناء على نفسه (^٢)، والتنبيه على موضعه، وأن من أدب العالم ترك الدعوى لما لا يحسنه، وترك الفخر بما يحسنه إلا أن يضطر إلى ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧)، بتصرف يسير.\n(^٢) قال ابن حجر في شرحه لقول سعد بن أبي وقاص ﵁ «إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ...»: قال ابن الجوزي: «إن قيل كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه؟ فالجواب أن ذلك ساغ له لما عيّره الجُهال بأنه لا يحسن الصلاة! فاضطر إلى ذكر فضله. والمِدحَة إذا خلت عن البغي والاستطالة، وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره، كما لو قال القائل: إني لحافظ لكتاب الله، عالم بتفسيره، وبالفقه في الدين، قاصدًا إظهار الشكر، أو تعريف ما عنده ليستفاد منه، ولو لم يقل ذلك لم يُعلم حاله») فتح الباري (١١/ ٢٩١)، وينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (١/ ٢٤٠)، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ٧/ ٢٦\n(^٣) ينظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٥٧٦.","vol":"1","page":408},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية موافقًا الخطيب: الرازي، والخازن، والنيسابوري، وغيرهم. (^١)\nوبهذا يتضح أن لهذه المسألة أصل في الشرع (^٢) والنهي عن مدح النفس وتزكيتها ليس على إطلاقه، بل إن ذلك متوقف على تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، والضابط فيه الضرورة والحاجة، وهو ما دلت علية الآية كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التفسير الكبير للرازي (١٤/ ٣٠١)، ولباب التأويل للخازن (٢/ ٢١٧)، وغرائب القرآن للنيسابوري (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) ينظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٥٧٦، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٦٣).","vol":"1","page":409},{"text":"ما يجب على الناصح من الرفق والصبر.\nقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦ - ٦٧]\nذكر الخطيب الشربيني - ﵀ - عند هذه الآية تنبيهًا فقال: (في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ينبغي لكل ناصح). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nفي رد هود - ﵇ - على قومه حيث لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة، ولم يزد على قوله: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من خطاب قوم هود﵇ - في الآية استنباطًا تربويًا حيث كان جواب هود لما رماه قومه بخفة الحلم وكثرة الطيش أن نفى ذلك عن نفسه فقال: (ليس بى سفاهة) فردّ ذلك عليهم برد لطيف، ونزّه - ﵇- عبارته عن شنيع عبارتهم وقبح مواجتهم، سالكًا بذلك طريق حسن المجادلة مع ما سمع منهم من شنيع الكلام الموجب لتغليظ القول والمشافهة بالسوء، وقبله رد نوح ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦١ - ٦٢]، فكل ما ردُّوا به هو\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٦٠)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي ١٤/ ٣٠١","vol":"1","page":410},{"text":"نفي التهمة، وبيان أنهم رسل الله، مما ينبيء عن كمال الحلم والعقل، والرزانة وغاية النصح والشفقة بأقوامهم، وكذلك سائر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع من عاداهم وظلمهم، وفيه من الدلالة على حيازتهم القدر الأكبر من مكارم الأخلاق ما لا يخفى، وهو تنبيه- بدلالة اللازم - لمن دونهم أن يحذوا حذوهم ويقتدوا بهم. (^١)\nقال الزمخشري: (وفي إجابة الأنبياء - ﵈- من نسبهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة، بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم- أدب حَسَن وخُلق عظيم، وحكاية الله ﷿ ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم). (^٢)\nوهي فائدة حسنة، نصَّ عليها كثير من المفسرين كالزجاج، والزمخشري، والنيسابوري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل لأحمد بن الزبير الغرناطي ١/ ١٩٧، وقصص الأنبياء لابن كثير (١/ ١٢٧)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٣٨)، وروح البيان ٣/ ١٨٥، ودعوة الرسل ﵈ لأحمد علوش ١/ ٥٤٤.\n(^٢) الكشاف ٢/ ١١٦.\n(^٣): ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٣٤٧)، والكشاف ٢/ ١١٦، وغرائب القرآن ٣/ ٢٦٩، والتفسير الكبير للرازي ١٤/ ٣٠١، وأنوار التنزيل ٣/ ١٩، ومدارك التنزيل ١/ ٥٧٨، والبحر المحيط ٥/ ٨٧، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٤١)، وإرشاد العقل السليم ٣/ ٢٣٨، وروح البيان ٣/ ١٨٥، وروح المعاني ٤/ ٤٩٣، ومحاسن التأويل ٥/ ١١٦.","vol":"1","page":411},{"text":"قال الزجاج: (هذا موضع أدب للخلق في حسن الحوار وفي المخاطبة، أنه دَفَع مانسبوه إليه من السفاهة بأن قال: ليس بي سفاهة، فدفَعهم بنفي ما قالوا فقط). (^١)\n_________\n(^١) معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٣٤٧)","vol":"1","page":412},{"text":"وهذا شأن الناصح أن يُسدي نصيحته للمنصوح بصورة الرحمة له والشفقة والغيرة عليه، ومرادُ الناصح بها وجه الله ورضاه، والإحسان إلى خلقه، فيتلطَّف في بذلها غاية التّلطُّف، ويحتمل أذى المنصوح ولائِمَتَه، ويحتمل سوء خُلُقِه ونفرتَه، ويتلطَّف في وصولها إليه بكلِّ ممكن. (^١) والله تعالى أعلم.\n\nجواز رؤية الله تعالى عقلًا، ووقوعها شرعًا.\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ – عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: (ثاني مفعولي أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك. فإن قيل: الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟\nأُجيب: بأنّ معنى أرني نفسك، اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، وفي هذا دليل على أنّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة (^٢)، لأنّ\n_________\n(^١) ينظر: البداية والنهاية (١/ ١٤١)، وقصص الأنبياء لابن كثير (١/ ١٢٧)، ودعوة الرسل ﵈ لأحمد علوش (١/ ٥٤٤)، وأصول الدعوة لعبدالكريم زيدان (١/ ٤٢٩).\n(^٢) قوله: (في الجملة) يعني بقطع النظر عن الدنيا والآخرة، لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محال؛ لأنه إن علِمَ باستحالته، فطلبُه عبث، وان لم يعلم فجهل، وكلاهما غير لائق بمنصب النبوّة. ينظر: حاشيه الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (٤/ ٢١٣)","vol":"1","page":413},{"text":"طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصًا ما يقتضي الجهل بالله تعالى، ولذلك ردّه بأن ﴿قَالَ﴾ له ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دون لن أُرى، ولن أريك، ولن تنظر إليّ؛ تنبيهًا على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على بُعد في الرائي لم يوجد فيه بَعد (^١)، وجعلُ السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء، ١٥٣] كما قاله الزمخشري (^٢) أشدّ خطأ؛ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾، والاستدلال بالجواب وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ على استحالتها أشدّ خطأ؛ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبدًا، وأن لا يراه غيره أصلًا، فضلًا عن أن يدل على استحالته، فإنّ أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: (لن) تكون لتأبيد النفي (^٣) وهو خطأ؛ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، ولزم التكرار بذكر أبدًا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠]، وأمّا تأبيد النفي في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] فلأمر خارجيّ لا من مقتضيات (لن)، ولا تقتضي تأكيد النفي أيضًا، خلافًا للزمخشريّ في كشافه (^٤)، بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا\n_________\n(^١) وهذا في الدنيا، فلا أحد يرى الله تعالى في الدنيا؛ لضعف أجسام الناس ومداركهم عن رؤية الله، فإن الله أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، أما في الآخرة فإن الله يعطي المؤمنين قوة بها يستطيعون أن يروا ربهم ﷾،وأمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا. ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٠٢)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ١٥٤)\n(^٣) ويقصدون بتأبيد النفي نفي رؤية الله في الآخرة، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل لقصدهم وبطلانه.\n(^٤) ينظر: الكشاف (٢/ ١٥٤)","vol":"1","page":414},{"text":"تقوم أبدًا، وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة التأكيد، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضًا دليل على جوازها لأنّ استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله تعالى له قوّة على ذلك والمعلق على الممكن ممكن.) (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية جواز رؤية الله تعالى وإمكانها وعدم استحالتها عقلًا كما زعم نفاة الرؤية (^٢)، بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما طلبها موسى - ﵇ – من الله، لأنه كان أعلم بالله من أن يسأل ما يستحيل في وصفه، فلا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، إذ معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص، وعليه فطلب المستحيل من الأنبياء غير ممكن، خاصة فيما يقتضي نسبة الجهل إليهم بالله تعالى.\nوفي قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دليل على جواز الرؤية أيضًا؛ لأنه لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أُرى. قال ابن عباس في رواية عطاء: «لن تراني في الدنيا». (^٣)\nوقد استنبط جواز الرؤية بدلالة هذه الآية جمهور المفسرين. (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٨٦)\n(^٢) من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة كما سيأتي بيانه.\n(^٣) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٤٠٦)، وزاد المسير (٢/ ١٥٢)\n(^٤) ينظر: التفسير الوسيط (٢/ ٤٠٦) تفسير السمعاني (٢/ ٢١٢)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٢٨)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤٥٠)، وزاد المسير (٢/ ١٥٢)، والتفسير الكبير (١٤/ ٣٥٤)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٧٩)، وأنوار التنزيل (٣/ ٣٣)، والتفسير المظهري (٣/ ٤٠٣)، والتسهيل (١/ ٣٠٠)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٦٩)، والإكليل (١/ ١٣١)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٢٦٩)، وفتح القدير (٢/ ٢٧٦)، ومحاسن التأويل (٥/ ١٧٩).","vol":"1","page":415},{"text":"وتعلق نفاة الرؤية من أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية (^١)، وقالوا: قال الله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولن تكون للتأبيد والدوام (^٢)، ولا حجة لهم فيها ولا دليل، ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة، ولا نص عن أهل اللغة، بل هو خطأ بيِّن ودعوى كاذبة، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال (^٣)، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال، ويدل على صحة ذلك، وأن (لن) لا تكون للتأبيد: قوله تعالى في صفة اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقوله ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]، والدليل أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية، وأنه لم يقل: إني لا أُرى حتى تكون لهم حجة، بل علَّق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل عند التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل (١/ ١٣٣)، وينظر في الرد على المعتزلة: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٩)، والإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (١/ ٤٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة للعمراني (٢/ ٦٤١)، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة (١/ ٢٢).\n(^٢) أشكل حرف: لن، هنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ، أن المؤمنين يرونه في الآخرة، وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعًا بين هذه وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة. ينظر: عمدة القاري للغيتابي (١٥/ ٢٩٤)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٦٩)\n(^٣) ينظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١٢)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٢٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٠٢).\n(^٤) ينظر: المراجع السابقة، ولباب التأويل للخازن (٢/ ٢٤٥)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٢٧٧).","vol":"1","page":416},{"text":"قال السمعاني: (يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وليس لهم فيها مستدل؛ وذلك لأنه لم يقل: إني لا أُرى؛ حتى يكون حجة لهم؛ ولأنه لم ينسبه إلى الجهل في سؤال الرؤية، كما نسب إليه قومه بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لما لم يجز ذلك، وأما معنى قوله ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، يعني: في الحال أو في الدنيا. ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .. وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يرى؛ لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده؛ لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي). (^١)\nوعليه فلو صح أن ﴿لَنْ﴾ لتأبيد النفي، فيكون معنى ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ محمولًا على الدنيا، أي: لن تراني في الدنيا، جمعًا بين دلائل الكتاب والسنة، فإنه قد ثبت أن المؤمنين يرون ربهم ﷿ في الآخرة بالأحاديث المتواترة (^٢)، منها: حديث أبي هريرة\n﵁: «أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال فإنكم ترونه كذلك» (^٣)، وقال ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون هذا، لا تُضامون في رؤيته» (^٤)، وغيرها من الأحاديث التي تثبت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢١٢).\n(^٢) قال ابن أبي العز: (أما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن). شرح الطحاوية (١/ ٢١٥)، وينظر: طريق الهجرتين لابن القيم (١/ ٥٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٣)، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (١/ ٢٩٢)\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب: قول الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] برقم (٧٤٣٤) (٩/ ١٢٨)، ومسلم في كتاب، باب برقم (٦٣٣) كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٣)\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ برقم (٤٨٥١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، برقم (١٨١)، (١/ ١٧١).","vol":"1","page":417},{"text":"وعلى هذا فرؤية الله ﷿ ثابتة عند الأشعرية وأهل السنة، جائزة عقلًا كما هي دلالة هذه الآية، وقال بها الخطيب، لكن الأشاعرة يختلفون في إثباتها عن أهل السنة والجماعة، فهم يقولون: (نظرٌ لا إلى جهة) (^١)؛ لأنهم ينفون الجهة والمقابلة، فيجعلونها رؤية بقوى يحدثها الله تعالى في الأجسام يوم القيامة لا إلى جهة.\nأما أهل السنَّة والجماعة فيجعلون الرؤية بالعينين إلى جهة العلو حيث اللهُ جلّ وعلا. (^٢) وبهذا يظهر اختلاف إثباتهم للرؤية عن إثبات أهل السنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الحرة للباقلاني (١/ ١٨٧)، والتمهيد للباقلاني (١/ ٢٧٧)، والاعتصام للشاطبي (٢/ ٣٢٦)، وينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة لسفر الحوالي (١/ ٩١).\n(^٢) ينظر: معارج القبول للحكمي (٢/ ٧٧٢)، وصفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (١/ ٩٥).","vol":"1","page":418},{"text":"السيئات كلها مشتركة في قبول التوبة.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب حتى الكفر ..، وفي الآية دليل على أنّ السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة، وأنّ الله تعالى يغفرها جميعًا بفضله ورحمته، فإنّ عفوه وكرمه أعظم وأجل، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين التائبين، وتقدير الآية: أنّ من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله تعالى وأخلص التوبة فإنّ الله يغفرها له ويقبل توبته). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على أنّ السيئات كلها صغيرها وكبيرها مشتركة في قبول التوبة منها؛ إذ ظاهر الآية يدل على أن التوبة هي شرط العفو، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي، ثم تاب فإن الله يغفرها له، وفيه الترغيب في التوبة، والحث على المبادرة إليها؛ حيث تضمنت هذه الآية الوعد بأن الله ﷿ يغفر للتائبين.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الطبري، والرازي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، والسعدي، وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٥٩٤)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٣/ ١٣٦)، والتفسير الكبير (١٥/ ٣٧٤)، ولباب التأويل (٢/ ٢٥٣)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٧٨)، وغرائب القرآن (٣/ ٣٢٣)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٠٤).","vol":"1","page":419},{"text":"قال الطبري: (وهذا خبر من الله تعالى ذِكره أنه قابِل من كل تائب إليه من ذنب أتاه، صغيرة كانت معصيته أو كبيرة، كُفرًا كانت أو غير كفر، كما قبِل من عبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم). (^١)\nفنبَّه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق؛ ولهذا عقَّب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (^٢)\nوفي هذا رد على المعتزلة القائلين بوجوب وعيد الفساق، وأن مغفرة الذنب بدون التوبة منه من المحال الممتنع. (^٣)، والحق أن المغفرة لما عدا الشرك موكولة إلى المشيئة، غير ممتنعة عقلًا، ثم هي واقعة نقلًا (^٤)، وأهل السنة لا يقطعون للمؤمن مرتكب الكبيرة بالعقوبة ولا بالعفو، بل هو في مشيئة الله، وإنما يقطعون بعدم الخلود في النار بمقتضى ما سبق من وعده تعالى وثبت بالدليل (^٥)، خلافًا للمعتزلة والخوارج (^٦)، وهو استنباط حسن من الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) جامع البيان للطبري (١٣/ ١٣٧)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٧٨).\n(^٣) ينظر الرد عليهم في: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٨٩)، والانتصار في الرد على المعتزلة (٣/ ٦٦٩)، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن عبدالوهاب التميمي (١/ ٧٩)، ومعارج القبول للحكمي (٣/ ١٠٠٤).\n(^٤) ينظر: حاشية الانتصاف على الكشاف لأحمد بن المنير (٢/ ١٦٢)\n(^٥) ينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٨٩)، وفتح الباري (١/ ٦٨).\n(^٦) قالت المعتزلة: نقطع له بالعذاب الدائم، والبقاء المخلد في النار، لكنه عندهم يعذب عذاب الفساق لا عذاب الكفار، وأما الخوارج فعندهم أنه يعذب عذاب الكفار لكفره عندهم. ينظر: شرح الطحاوية (٢/ ٤٤٢).","vol":"1","page":420},{"text":"أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيرًا من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به عُلم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى. (^١» (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة مذهب أهل السنة في خلق الله تعالى أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها، خلافًا لمن زعم غير ذلك؛ لأنه تعالى قال ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ فبيّن أنه خلق كثيرًا من الجنّ والإنس للنار (^٣)، واللام في ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ للتعليل، أي خلقنا كثيرًا لأجل جهنم (^٤)، وهم الذين حقت عليهم\n_________\n(^١) قوله (يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى) هذه العبارة توهم موافقة مذهب الجبرية لكنها ليست كذلك، بدليل بيانه ورده على الجبرية في أكثر من موضع، كما يظهر جليًا في استنباطاته، ينظر منها على سبيل المثال: السراج المنير (٢/ ٢٦)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٦١٠)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٣/ ٢٧٦)، وتفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٥٦٨)\n(^٤) ينظر: المرجع السابق، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":421},{"text":"الكلمة الأزلية بالشقاوة، ولا مزيد على بيان الله تعالى، فمن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. (^١)\nوقالت المعتزلة: ليس هذا مراد الآية، لأن كثيرًا من الآيات دلَّت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وجعلوا اللام في هذه الآية للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار، والمعنى: خلقناهم للطاعة فآل أمرهم إليها – أي إلى جهنم- (^٢).\nوقول المعتزلة هذا بأن اللام للعاقبة هو فرار عن إرادة الله المعاصي، وهو عدول عن ظاهر الآية الكريمة (^٣)؛ لأنه يلزم منه كون الكفر مراد الله تعالى وهو خلاف مذهبهم.\nقال الرازي: (واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دلَّ عليه ظاهر اللفظ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثًا. وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة، فهي معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٤٢٨)، ومعالم التنزيل للبغوي (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) ينظر: غرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني (١/ ٤٢٨)، وينظر: مدارك التنزيل (١/ ٦١٩).\n(^٣) قال الزمخشري: (جعلهم لإغراقهم في الكفر، وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار). الكشاف (٢/ ١٧٩) وهذا يقتضي الاستعارة في ذرأنا وهو تكلف راعى به قواعد الاعتزال في خلق أفعال العباد وفي نسبة ذلك إلى الله تعالى. ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٩/ ١٨٢ وما بعدها).","vol":"1","page":422},{"text":"فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] وهو صريح مذهبنا، وما بعد هذه الآية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣]، ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفًا جدًا.» (^١)\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على صحة مذهب أهل السنة في خلق الله أفعال العباد خيرها وشرّها: السمعاني، والرازي، والنسفي، والخازن، وابن عادل، والنيسابوري، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nقال ابن أبي العز: (اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية، فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي (^٣) أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، .. وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟!\n_________\n(^١) التفسير الكبير (١٥/ ٤٠٨)\n(^٢) ينظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢٣٤)، والتفسير الكبير (١٥/ ٤٠٨)، ومدارك التنزيل (١/ ٦١٩)، ولباب التأويل (٢/ ٢٧٣)، واللباب في علوم الكتاب (٩/ ٣٩٧)، وغرائب القرآن (٣/ ٣٤٩)، والتحرير والتنوير (٩/ ١٨٢)، وروح المعاني (٥/ ١١٠).\n(^٣) هو الجهم بن صفوان الترمذي، أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي،، المتكلم، أس الضلالة، ورأس الجهمية. كان صاحب ذكاء وجدال. وهو من الجبرية الخالصة، وأول من ابتدع القول بخلق القرآن وتعطيل الله عن صفاته، قتل سنة ١٢٨ هـ، وقيل: سنة ١٣٠ هـ، وقيل ١٣٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، والوافي بالوفيات (١١/ ١٦٠).","vol":"1","page":423},{"text":"وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق ﷾ منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه. فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلًا، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا. والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا «مجوس هذه الأمة»، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتوا خالقَين، وهم أثبتوا خالقِين!\nوهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، .. وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له، مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.\nفإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم). (^١)\n_________\n(^١) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٣٨) بتصرف.","vol":"1","page":424},{"text":"وهذا لا يعني أن العبد مجبور على فعله لا اختيار له، بل إن الله تعالى خلقه على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه. (^١)\nفخلق أفعال العباد واختراعها، خيرها وشرها، نفعها وضرها، لا يخرجها عن كونها مقدورة للعبد، يخلق الله له قدرة يقوى بها على الاكتساب، فهو تعالى خالق المسببات والأسباب، خلق القادر والمقدور معًا، وخلق الاختيار والمختار جميعًا. (^٢)\nوالأدلة على أن أفعال العباد مخلوقة لله كثيرة (^٣)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يدل على أن اقتتالهم بمشيئة الله، ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ففعلهم منسوب إلى الله خلقًا كما أنه منسوب إلى الله تعالى إرادة وتقديرًا.\n_________\n(^١) ينظر: شفاء العليل لابن القيم (١/ ١٣٧).\n(^٢) ينظر: مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة لليافعي (١/ ١٧٠)، وينظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي (١/ ١٤٣ - ١٤٤)، والتوحيد للماتريدي ص ٢٢٨، وشرح الطحاوية (١/ ٤٣٨)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٢٩٣)، وشرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين (١/ ٣٢٥).\n(^٣) ينظر: خلق أفعال العباد للبخاري ص ١٠٨، واعتقاد أئمة الحديث لابن مرداس الجرجاني (١/ ٦٠)، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة (١/ ١٦١)، والفصل في الملل لابن حزم (٣/ ٣٢)، ولمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة لأبي المعالي الجويني (١/ ١٢٠)، والانتصار في الرد على المعتزلة للعمراني (١/ ٦٧)، ومجوع الفتاوى (٨/ ٤٤٩)","vol":"1","page":425},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، فأضاف فعلهم إلى الله، وأنه واقع بمشيئته.\nوأما إضافته إلى العبد فكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، فقوله: آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، أضاف الفعل في ذلك كله إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، فأضاف الله تعالى الأفعال والكسب إلى الفاعل المكتسب، وجعل ذلك بمشيئته وتقديره كما تقدم.\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب إذ وافق الأشاعرة أهل السنة في هذا الباب، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":426},{"text":"إنكار عبادة الأصنام.\nقال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وقد تعلق بعض الجهال بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى (^١)، فقال: إنّ الله تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلًا على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله لكان عدمها دليلًا على عدم الإلهية، وذلك باطل فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى.\nأجيب: بأن المقصود من هذه الآية بيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالًا من الصنم؛ لأنّ الإنسان له رجل ماشية ويد باطشة وعين باصرة وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية ويده غير باطشة وعينه غير مبصرة وأذنه غير سامعة، فكان الإنسان أفضل وأكمل حالًا من الصنم، فاشتغال الأفضل الأكمل بحال الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال.) (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\n_________\n(^١) يقصد بهم المشبهة كما سيأتي بيانه، وقد نقل هذا الاستنباط برُمَّته عن الرازي قال: \"وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهالهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى. فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية وذلك باطل، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى ... الخ كلامه.\" ينظر: التفسير الكبير (١٥/ ٤٣٢).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٦٢٥).","vol":"1","page":427},{"text":"أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلهًا، ولمَّا بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له كما زعمت المشبهة. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على إبطال مذهب المُشبِّهة (^٢) ورد حجتهم في إثبات هذه الأعضاء المذكورة لله تعالى ببيان الغرض من هذه الآية وهو: إنكار عبادة هذه الأصنام، وبيان أنّ الإنسان أفضل وأحسن حالًا من الصنم، ولذلك جاء الخطاب بصغية الاستفهام الإنكاري (^٣)، والمقصود: إن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات المذكورة، فأنتم مفضلون عليهم بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين البصيرة والآذان السامعة، والمُعظَّم من الأشياء إنما يُعظَّم لما يرجى منه من المنافع، فما وجه\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٢/ ٣٩٥) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ من سورة المائدة.\n(^٢) المشبهة: هم الذين يشبهون صفات لله بصفات خلقه، فيقولون مثلًا لله سمع كسمع البشر، وعلى رأس هؤلاء المشبهة: الحكمية: أصحاب هشام بن الحكم الرافضي، الذي زعم أن الله - تعالى عن ذلك - جسم له حد ونهاية، ومنهم الجواليقية أتباع هشام الجواليقي، الرافضي، ومنهم الحوارية، أتباع داود الحواري، ومن المشبهة أيضا: الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني الذين يزعمون أن لله جسم، وغير هؤلاء كثير، وقد تصدي لهم الأئمة بالرد، وأنكروا عليهم، بل كفروا كثيرًا منهم، واعتبروهم غلاة خارجين عن الإسلام.\nينظر: الفرق بين الفرق (١/ ٢١٤)، وأصول الدين للبغدادي (١/ ٣٣٧)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥)، ومنهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٥٩٨)، والفتاوى (٣/ ١٨٦)، (٤/ ١٣٨)\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير (٩/ ٢٢٢).","vol":"1","page":428},{"text":"عبادتكم للأصنام، وهي خالية من كل ما يتوصل به إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟\nوفي هذا بيان جهالتهم، وذلك أن قدرة المخلوقين إنما تكون بهذه الآلات والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، فكيف يعبدون من هم أفضل منه؟. (^١)\nقال السمرقندي: (وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلهًا. ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.) (^٢)\nوقال ابن عطية: (وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ الآية، الغرض من هذه الآية: ألهم حواس الحي وأوصافه؟ فإذا قالوا لا، حكموا بأنها جمادات، فجاءت هذه التفصيلات لذلك المجمل الذي أريد التقرير عليه، فإذا وقع الإقرار بتفصيلات القضية لزم الإقرار بعمومها، وكان بيانها أقوى ولم تبق بها استرابة.) (^٣)\nوممن أشار إلى مقصود الآية دون تكلف إثبات هذه الصفات: السمرقندي، والواحدي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وأبو حيان، وابن عادل، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٣/ ٣٢٢)، والتفسير الوسيط (٢/ ٤٣٦)، وتفسير السمعاني (٢/ ٢٤١)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٥٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣١٢).\n(^٢) تفسير القرآن (١/ ٥٧٥)\n(^٣) المحرر الوجيز (٢/ ٤٨٩)\n(^٤) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (١/ ٥٧٥)، والتفسير الوسيط (٢/ ٤٣٦)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤٨٩)، والتفسير الكبير (١٥/ ٤٣٢)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٤٢) ولباب التأويل (٢/ ٢٨٣)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٥١)، والبحر المحيط (٥/ ٢٥٢)، واللباب في علوم الكتاب (٧/ ٤٢٨)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٣٠٦)، ومحاسن التأويل (٥/ ٢٣٩).","vol":"1","page":429},{"text":"قال القاسمي: (الظاهر أن ملحظ مثبتيها هو أن عدمها يدل على النقص، وهو محال على المولى تعالى، إذ له كل صفة كمال. ومعلوم أن في إثباتها له تعالى من آيات أخر، وأحاديث مشهورة، ما يغني عن تكلف استثباتها له تعالى من مثل هذه الآية، ولكن على المنهاج السلفيّ، وهو إثبات بلا تكييف، إذ من كيّف فقد مثل، ومن نفى فقد عطّل. فالمشبهة كالمعطلة، والحق وراءهم، والمسألة شهيرة). (^١)\nوالذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى كما جاءت، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وعلى هذا مضى أئمة السلف يُجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله ﷿، ويمرونها كما جاءت. (^٢)\nويدل له قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فهو سبحانه مباين لخلقه، له يدان لا كأيدي المخلوقين، وله قدرة لا كقدرة المخلوقين، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] أي: لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا (^٣)، والمشبهة عندما يزعمون أن يدي الله كأيديهم وسمعه كسمعهم وغير ذلك فقد جعلوا لله أمثالًا وأشباهًا - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي مثيلًا أو\n_________\n(^١) محاسن التأويل (٥/ ٢٣٩).\n(^٢) ينظر: أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات لمرعي الكرمي (١/ ٦٠)، وينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٢١٩)، ومعارج القبول للحكمي (١/ ١٤٧)، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لابن عثيمين (١/ ٧٠)، وشرح العقيدة الواسطية للعثيمين (١/ ٢٧٠).\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢١٢)","vol":"1","page":430},{"text":"شبيهًا، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وهذه الآية أثبتت الكمال المطلق لله تعالى من جميع الوجوه. (^١)\nويجدر التنبيه هنا إلى أن معطلة الصفات يطلقون لقب المشبهة على السلف، فالمعطلة من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، ومن تبعهم، يطلقون هذا الوصف على كل من خالفهم في إثبات ما ينكرونه من الصفات؛ وذلك أن أهل السنة يصفون الله ﷿ بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، وعند هذه الفِرق لا بد من تأويل النصوص الواردة في باب الصفات؛ لأن ظاهرها يوهم التشبيه عندهم؛ لذا عدُّوا كل من أثبت لله ما أثبتته النصوص من غير تأويل، مشبهًًا (^٢)، فالمعتزلة يصفون كل من أثبت شيئًا من الصفات، أو أثبت الرؤية، أو لم يقل بخلق القرآن أنه مُشبِّه (^٣)، فيدخل في ذلك السلف، كما يدخل فيه أيضًا الأشعرية الذين يثبتون بعض الصفات.\nأما الأشعرية (^٤)، فيطلقون هذا الوصف على كل من أثبت شيئًا من الصفات الذاتية التي ينكرونها مثل الوجه واليد والقدم. وكذلك الصفات الفعلية التي ينكرونها أيضا جملة وتفصيلًا مثل العلو والاستواء والغضب والرضى،\n_________\n(^١) ينظر: مباحث العقيدة في سورة الزمر (١/ ١٦٩).\n(^٢) ينظر: وسطية أهل السنة بين الفرق لمحمد با كريم با عبد الله (١/ ١٢٨).\n(^٣) ينظر: شرح الأصول الخمسة ص ١٨٣،\n(^٤) كما فعل الخطيب هنا في إثبات هذه الأعضاء في هذه الآية، غير أنه يقصد بهم المجسمة والممثلة لا السلف.","vol":"1","page":431},{"text":"ويزعمون أن من وصف الله بشيء من ذلك فقد جسَّم الله ومثَّله، وشبَّهه ووصفه بصفات الحدوث والنقص. (^١)\nولا شك أن كل ذلك من الضلال والانحراف؛ لأن الله ﷿ قد أثبت لنفسه الصفات وأثبتها له رسوله ﷺ، ونفى عن نفسه التمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فعُلِم أن المُثبِت إنما وافق القرآن، ثم إنه إذا صرَّح بنفي التمثيل والتشبيه بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فبأي وجه يطلق عليه أنه مشبه أو ممثل وهو ينفيه ويرده ويبطله، كما نفاه الله وأبطله؟\nلا ريب أن ذلك من الكذب على مثبتة الصفات من السلف، ومن الاعتداء والظلم لهم، والتشنيع عليهم بالباطل، بل المعطلة أحق بهذا التشنيع والوصف. (^٢)\nومن هنا يظهر صحة دلالة هذه الآية على فساد مذهب المشبهة، وأنه خارج عن نطاق الشرع والعقل؛ إذ وقعوا في محظور لم يسبقوا إلى مثله حيث شبهوا الخالق بالمخلوق - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - وإنما أطلت التفصيل في هذه المسألة نظرًا لأهميتها في بيان منهج الخطيب في باب الصفات، وللإحالة عليها فيما سيأتي من مسائل، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الإرشاد للجويني ص ٥٨. ومقالات الإسلاميين ١/ ٢٨٢، ٢٨٣\n(^٢) وقد نبه الإمام إسحاق بن راهويه على أن المعطلة هم الذين يستحقون وصف التشبيه؛ لأنهم شبهوا أولًا، ثم عطلوا ثانيًا، حتى صار من علامة الجهمية تسمية أهل السنة مشبهة. ينظر: شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص ٢٤ - ٢٥، وشرح الطحاوية (١/ ٨٥)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي (٣/ ٥٨٨)، وبيان تلبيس الجهمية (٦/ ٥٠٧)، والقول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد للبدر (١/ ١٤)","vol":"1","page":432},{"text":"حضور القلب عند الاستعاذة أنفع وأوقع في القلب.\nقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للقول ﴿عَلِيمٌ﴾ بالفعل، وفي الآية دليل على أنّ الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، واستحضر معنى الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nفي ختم الآية بقوله ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارة إلى علمه سبحانه بما في الضمائر فلا يكفي مجرد التلفظ باللفظ دون استحضار المعنى.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهي التنبيه إلى حضور القلب عند الاستعاذة؛ حيث جرى مجرى التعليل لطلب الاستعاذة بالله، والمعنى: لا تستعذ بغيره، فإنه هو (السميع) لما تقول سبحانه، أو السميع لما تقوله الكفار فيك، (العليم) بقصدك في الاستعاذة، أو العليم بما انطوت عليه ضمائرهم من الكيد لك فهو ينصرك عليهم ويجيرك منهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٢٦)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٢٥٧)","vol":"1","page":433},{"text":"وفي هذا إشارة إلى حضور القلب أثناء التلفظ بالاستعاذة، فالمستعيذ بالله عند تفوهه بلفظ الاستعاذة يستشعرمعنى الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه، ولا يكتفي بمجرد اللفظ، بل يتيقن كل اليقين أنه متعرض لشر عظيم، ومن ثمّ فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويمتنع به ويعتصم؛ ليجيره من هذا الشر ويحميه منه، أما التلفظ بالاستعاذة مجرد قول وذكر، مجردًا من غير حضور قلب ولا شعور، فإنه لا يحصل للمستعيذ ما يرجوا من النجاة من شر إبليس وكيده، ووسوسته، وكما أن حضور القلب مطلوب في الصلاة والدعاء وغيرها من الطاعات، فكذلك في الاستعاذة.\nوهذه إشارة لطيفة، حسُن التنبيه عليها، وقد وافق الخطيب في استنباطها من الآية: الرازي، وابن القيم، وأبوحيان، والنيسابوري، وغيرهم. (^١)\nقال ابن القيم مشيرًا لهذا المعنى: (.. والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك، ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك، فالسمع لكلام المستعيذ، والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة). (^٢)\nوقال أبو حيان: (وختم بهاتين الصفتين لأن الاستعاذة تكون بالنسيان ولا تجدي إلا باستحضار معناها فالمعنى سميع للأقوال، عليم بما في الضمائر). (^٣)\nولهذا فإن الاستعاذة من شر هذا العدو مُتأكدة، استعاذة متيقن أنه بصدد خطر يوشك أن يحيط به، ويحاول جهده أن يعتصم بالله الذي يحول بينه وبين هذا\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٥/ ٤٣٦)، وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٩٦)، والبحر المحيط (٥/ ٢٥٧)، وغرائب القرآن (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٩٦)، وينظر: تفسير القرآن لابن القيم (١/ ٦٨٦)، وبدائع الفوائد (٢/ ٢٦٧).\n(^٣) البحر المحيط (٥/ ٢٥٧).","vol":"1","page":434},{"text":"العدو، ولامُعين له على إدراك هذا المعنى إلا دفع الخواطر الشاغلة وقطع سُبلها، والله أعلم.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>سورة الأنفال</span>\nبيان العلة في مجادلة بعض المؤمنين للرسول ﷺ، وكراهيتهم القتال يوم بدر.\nقال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليه أي: يكرهون القتال كراهة من يُساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وذلك أنّ المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم يعلمنا أنا نلقى العدوّ فنستعد للقائهم، وإنما خرجنا لطلب العير، إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان (^١)، وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على علة مجادلة بعض الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ وكراهيتهم تلقي النفير يوم بدر (^٣)، وذلك كان بسبب شدة فزعهم ورعبهم وعدم تأهبهم للقتال، بدلالة الإشارة في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حيث أفادت علة هذه المجادلة، لأن أشد حال من يُساق إلى الموت أن يكون ناظرًا إليه، وعالمًا به، فشبَّه حالهم في فرط هذا الفزع والرعب، بحال من يُساق صاغرًا إلى الموت المحقق، وهو مُشاهد\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط (٢/ ٤٤٥)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٥٨٦)\n(^٣) في أولئك المجادلين قولان: أحدهما: أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، وهو قول الجمهور. والثاني: أنهم المشركون، قاله ابن زيد، ينظر: زاد المسير (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":436},{"text":"لأسبابه، ناظر إليه لا يشك فيه؛ فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العدد، وهم في قلة، إرجاء بهم إلى الموت المحقق. (^١)\nوكان جدالهم أن قالوا: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا أخبرتنا لنستعد ونتأهب؟ وذلك لأنهم لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال، فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي ﷺ طلبًا للرخصة في ترك القتال، وكرهوا لقاء عدوهم.\nوالحال أن هذا لا ينبغي منهم، خاصة بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فهذه الحال ليست حال جدال؛ لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان. (^٢)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية: البيضاوي، والألوسي، وغيرهما. (^٣)\nقال الألوسي: (فيه إيماء إلى أن مجادلتهم كانت لفرط فزعهم ورعبهم؛ لأنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا في قول (^٤». (^٥)\nوقيل: أنهم كانوا رجالة. وأنه ما كان فيهم إلا فارسان. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: فتح القدير (٢/ ٣٢٨)، والتحرير والتنوير (٩/ ٢٦٨)\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٣١٥).\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ٥١) وينظر: حاشية زاده على البيضاوي ص ٣٦٥، وروح المعاني (٥/ ١٦٠).\n(^٤) ينظر: جامع البيان (١٣/ ٣٩٣)، وزاد المسير (٢/ ١٩٠).\n(^٥) روح المعاني (٥/ ١٦٠)\n(^٦) وهما المقداد بن الأسود، والزبير بن العوام. ينظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":437},{"text":"وهذه الإشارة من الآية إشارة ظاهرة، وذلك أن مجادلة الصحابة كانت ولابد لسبب ظاهر ومبرر قوي، فلا يليق بهم رضوان الله عليهم الاعتراض، بل كان ديدنهم المتابعة وعدم المخالفة لشيء من أمره ﷺ، وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله. فجاء قوله تعالى بعدها ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كالتبرير لمجادلتهم وعدم إذعانهم للحق لعلة الهلع وتيقن الهلاك، ثم انقادوا بعد ذلك للجهاد، وثبّتهم الله، وقيّض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":438},{"text":"التوكل على الله مسبب الأسباب سبحانه.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: لا من عند غيره، وأما إمداد الملائكة وكثرة العدد والأُهب ونحوها فهي وسائط لا تأثير لها، فلا تحسبوا أن النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها، وفي ذلك تنبيه على أنّ الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله تعالى في جميع أحواله، ولايثق بغيره، فإنّ الله تعالى بيده النصر والإعانة). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nمن حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر، فنبّه تعالى إلى أنه مسبب الأسباب. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دلالتها باللازم على الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب الأسباب سبحانه، حيث نبّه تعالى عباده أن لا يركنوا إلى الملائكة، وأن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أُمدّوا بهم، فأعلمهم أنهم وإن قاتلوا معهم فليس للملائكة في ذلك أثر، إذ لم يكن النصر بالملائكة والجند وكثرة العدد، وإنما النصر من عند الله لا من عند غيره، فهو\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٣٩)، وقوله: (وسائط لاتأثير لها) على معتقده الأشعري، ينظر رده في الاستنباط (٦)\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل ٢/ ٣٧، ولباب التأويل (١/ ٢٩٤)، وحاشية الشهاب على البيضاوي (٤/ ٣٣٢).","vol":"1","page":439},{"text":"الناصر على الحقيقة، وليست الملائكة إلا سببًا من أسباب النصر التي سبّبها الله لهم،، فذكّرهم ما يُوجب عليهم التوكل مما يسّر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حال قلة وذلة. (^١)\nحكى هذا المعنى المستنبط من الآية: الطبري، والواحدي، والبغوي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^٢)\nوهذا ما عليه أهل السنة في وجوب الاعتماد على الله مسبب الأسباب سبحانه، وعدم التعويل على الأسباب وحدها. (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن فهم معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالنصر المطلق - وهو خلق ما يغلب به العدو - لا يقدر عليه إلا الله). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف ٢/ ٢٠٢. وفتح القدير ٢/ ٣٣١،\n(^٢) ينظر: جامع البيان ٧/ ١٩٠، والتفسير الوسيط ١/ ٤٩٠، ومعالم التنزيل ١/ ٥٠٣، والكشاف ٢/ ٢٠٢، والتفسير الكبير ٨/ ٣٥٤، وأنوار التنزيل ٣/ ٥٢، ولباب التأويل ١/ ٢٩٤، وغرائب القرآن ٢/ ٢٥٣، وفتح القدير ٢/ ٣٣١، ومحاسن التأويل ٥/ ٢٦٣، وتيسير الكريم الرحمن ١/ ١٤٦.\n(^٣) قال الطحاوي: (الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد! ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ومعنى التوكل والرجاء، يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع.). شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ٢/ ٦٨٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٥)، وينظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية لمحمد رشيد رضا (١/ ٢٤)","vol":"1","page":440},{"text":"وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n\nفوائد تكرار قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.\nقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟ أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: أنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني: ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.\nومنها: أنه ذَكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها\nومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون.\nومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم). (^١)\n\nالدراسة:\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٥٩)","vol":"1","page":441},{"text":"استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فوائد تكرار قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٤] بعد أن ذُكرت قبل ولم يفصل بينهما إلا آية واحدة، وذلك التكرير إنما جاء لأغراض متنوعة، إذ أن التكرار من أبرز وجوه البيان القرآني، وهو من مظاهر التحدِّي في كتاب الله المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلَق من كثرة الردّ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب فـ «المتشابه» في النظائر المتماثلة، و«المثاني» في الأنواع. وتكون التثنية في المتشابه أي هذا المعنى قد ثني في القرآن لفوائد أخر). (^١)\nوقد ذكر الخطيب في وجه تكرار هذه الآية أربعًا من الفوائد:\nالفائدة الأولى: التفصيل وبيان المعنى.\nووجه بيانه من الآية: أن الآية الأولى قبلها ذكرفيها أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر نوع هذا الأخذ وهو: إغراقهم، وذلك تفصيل، وفيه أيضًا تفسير وبيان للأولى؛ ففي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب. (^٢)\nوهي فائدة ظاهرة من السياق، وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية: الرازي، والنسفي، والخازن، وأبوحيان، والنيسابوري والشوكاني، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٨)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٣٠)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣٨)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (١٥/ ٤٩٦)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٥٢)، ولباب التأويل (٢/ ٣٢٠)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣٨)، وغرائب القرآن (٣/ ٤١٠)، وفتح القدير (٢/ ٣٦٣).","vol":"1","page":442},{"text":"الفائدة الثانية: الزيادة في المعنى.\nووجه ذلك: أنه خولف بين الجملتين تفننًا في الأسلوب، وزيادة للفائدة بذِكر التكذيب هنا بعد ذِكر الكفر هناك، وهما سببان للأخذ والإهلاك. (^١)\nوممن نصَّ على هذه الفائدة من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوهذه الفائدة قريبة محتملة، لكنها ليست ظاهرة كظهور غيرها من الفوائد.\nالفائدة الثالثة: التأكيد.\nووجه ذلك: كون التكرير لتقرير النِّعم وتأكيد التذكير بها.\nقال ابن قتيبة: (من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز). (^٣)\nفقوله سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تفسير لدَأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وأُشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفران نعمه تعالى، لما فيه من الدلالة على أنه مُربيهم والمنعم عليهم، وقوله سبحانه: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ تفسير لدأبهم الذي فَعَل بهم من تغييره تعالى ما بهم من نعمته سبحانه. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (١٠/ ٤٦)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٢٣٠)، والتفسير الكبير (١٥/ ٤٩٦)، وأنوار التنزيل (٣/ ٦٤)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٥٢)، ولباب التأويل (٢/ ٣٢٠)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣٨)، والتحرير والتنوير (١٠/ ٤٦).\n(^٣) نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٠٨)، وينظر: الهداية الى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (٤/ ٢٤٦٣).\n(^٤) ينظر: روح المعاني (٥/ ٢١٦)","vol":"1","page":443},{"text":"فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل ربوبيته وإحسانه مع كثرتها وتواليها عليهم، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق، وذلك تأكيد ودلالة على أن لكفران النعمة أثر عظيم في حصول الهلاك والبوار. (^١)\nقال السيوطي عن أسلوب التكرير: (وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة، خلافًا لبعض من غلط). (^٢)\nوهي فائدة حسنة، يشهد لها تكرار المعاني في كثير من الآيات بغرض التأكيد، وممن نصَّ على هذه الفائدة: القشيري، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\n\nالفائدة الرابعة: اختلاف السبب وعليه اختلف التشبيه.\nووجه ذلك كما قال ابن عطية: (وهذا التكرير هو لمعنى ليس للأول، إذ الأول دأبَ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا الثاني دأبَ في أن لم تُغيّر نعمتهم حتى غيّروا ما بأنفسهم). (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٥/ ٤٩٦)\n(^٢) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ٢٢٤)، وينظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٣/ ١١).\n(^٣) لطائف الإشارات (١/ ٦٣٣)، والكشاف (٢/ ٢٣٠)، وأنوار التنزيل (٣/ ٦٤)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٥٢)، ولباب التأويل (٢/ ٣٢٠)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣٨)، وغرائب القرآن (٣/ ٤١٠)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٣٦٣)، وروح المعاني (٥/ ٢١٦) والتحرير والتنوير (١٠/ ٤٦).\n(^٤) المحرر الوجيز (٢/ ٥٤١).","vol":"1","page":444},{"text":"قال البيضاوي: (قيل الأول لتشبيه الكفر والأخذ به، والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم). (^١)\nوهذه الفائدة قريبة من سابقتها، وممن نصَّ عليها من المفسرين غير البيضاوي وابن عطية: القرطبي، والنسفي، وأبو حيان، والقاسمي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\n\nوعلى هذا ففيه إشارة إلى دفع ما يُتوهم من التكرار في الآيتين، بتغاير التشبيهين فيهما، فلا يحتاج إلى دعوى التأكيد. فمعنى الأول: حال هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر،\n_________\n(^١) أنوار التنزيل (٣/ ٦٤).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٢٩)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٥٢)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣٨)، ومحاسن التأويل (٥/ ٣١١)، وروح المعاني (٥/ ٢١٦).","vol":"1","page":445},{"text":"فأخَذهم وآتاهم العذاب. ومعنى الثاني: حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم (^١). وهي إشارة وجيهة حسنة.\nوقيل في وجه الجمع بين تكرار الآيتين وفائدته (^٢) غير ذلك من الفوائد مما لا يخلو من بُعد وتكلف، والله تعالى أعلم.\nفضل الإخلاص في العمل والترغيب فيه.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ أي: آمنوا وأقاموا بمكة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: فلا إرث بينكم وبينهم، ولا نصيب لهم في الغنيمة ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي: إلى المدينة ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: ولم يهاجروا ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فيجب عليكم أن تنصروهم على المشركين ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في ذلك ترغيب في العمل بما حثَّ عليه من الإيمان والهجرة، وغير ذلك مما تقدّم وترهيب من العمل بأضدادها، وفي البصير إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصًا أو مشوبًا، ففيه مزيد حث على الإخلاص). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل (٥/ ٣١١).\n(^٢) ينظر: درة التنزيل وغرة التأويل للخطيب الإسكافي (١/ ٣٦٨)، وينظر للاستزادة: أسرار التكرار للكرماني ص ٨٠.\n(^٣) السراج المنير (٢/ ٦٦٧).","vol":"1","page":446},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله ﴿بَصِيرٌ﴾ وهي الترغيب في العمل بما حثَّ الله عليه من الإيمان والهجرة، والتحذير من تركها، كما أن فيه الإشارة إلى العلم بما يكون من النصرة في الدين المأمور بها في الآية إلا على أهل العهد والذمة، أو التخاذل عن هذه النصرة، وفي هذا إشارة إلى الإخلاص في ذلك كله لله سواء في النصرة، أو حفظ الميثاق والعهد، فالله تعالى بصير مطلع على أعمالهم وقلوبهم.\nوالمعنى كما حكاه الطبري: (فلا تغدروا ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، فالله بما تعملون بصير فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر، ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم ﴿بَصِيرٌ﴾، فيراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء). (^١)\nوفي هذا مزيد تأكيد وحثّ على الإخلاص في الأعمال كلها، وهو ما أشارت إليه الآية كما استنبطه الخطيب، وذلك أن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة، كما أن موالاتهم على غيرهم تجر إلى مفاسد؛ فاستنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن، ونقض العهد وهو أعظم (^٢).\nولا شك أن معنى هذه الدلالة صحيح؛ فإن الله تعالى أمر بالإخلاص، وحث عليه في مواطن كثيرة من الكتاب وكذلك جاءت به السنة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ\n_________\n(^١) جامع البيان (١٤/ ٨٢)\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (٨/ ٣٤٣).","vol":"1","page":447},{"text":"بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]. وقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥].\nوفي الصحيح عنه ﷺ «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^١). (^٢)\nورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، وتأكيده هنا لئلا تحملهم الشفقة والعطف على إخوانهم المسلمين على قتال قوم بينهم وبينهم ميثاق، فالله تعالى بصير بهم، وهي إشارة حسنة، لم أقف على من أشار إليها وربط هذه الآية بالإخلاص سوى الخطيب (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله برقم (٣٣)، (٤/ ١٩٨٦).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ٩٠)، وإغاثة اللهفان (١/ ٦)\n(^٣) فيما اطلعت عليه من كتب التفسير.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>سورة التوبة</span>\nتارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيلهما وتنفذ فيهما الأحكام.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآية دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلّى سبيله؛ لأنه إن كان جاحدًا لوجوبهما فهو مرتدّ، وإلا قُتل بترك الصلاة، وأُخذت منه الزكاة قهرًا، وقوتل على ذلك). (^١)\n\nالدراسة:\nهذا الاستنباط مبني على القول بمفهوم الشرط حيث لم يكتف تعالى في تخلية السبيل بالتوبة من الشرك حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فدلَّ بمفهوم المخالفة على أن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مدخلًا في تخلية سبيلهم، كما أن للتوبة مدخلًا في ذلك، وأنهم إن لم يقيموا الصلاة ومنعوا الزكاة لم يخلَّ سبيلهم، فاستُدل به على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة، واستَدل به من قال بتكفيرهما. (^٢)\nوممن نصّ على هذه الدلالة من المفسرين موافقًا الخطيب: الكيا الهراسي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنيسابوري، وابن كثير، والسيوطي، وحقي، والشهاب الخفاجي، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٧٥)\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ١٨٠)، والإكليل للسيوطي (١/ ١٣٨).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ١٨٠)، والتفسير الكبير (١٥/ ٥٢٨)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٧٤)، وأنوار التنزيل (٣/ ٧٢)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٣٢)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ١١١)، والإكليل (١/ ١٣٨)، وروح البيان (٣/ ٣٨٧)، وحاشية الشهاب (٤/ ٣٠١)، وروح المعاني (٥/ ٢٤٦)، ومحاسن التأويل (٥/ ٣٣)، وأضواء البيان (٣/ ٤٤٩)","vol":"1","page":449},{"text":"أما تارك الصلاة فإن كان جاحدًا لوجوبها فهو كافر بالإجماع، وإن تركها عمدًا تهاونًا وتكاسلًا مع اعترافه بوجوبها، فاختُلف في حكمه فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قُتِل كفرًا، وهذا مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه. (^١)\nوذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه غير كافر، ويُقتل حدًا - كالزاني المحصن - لا كفرًا، وهو مذهب مالك وأصحابه (^٢)، ومذهب الشافعي وجمهور أصحابه. (^٣)\nومن أدلتهم على أنه يقتل: هذه الآية، بدلالة مفهوم المخالفة -كما تقدم- وأيضًا استدلوا بما رواه الشيخان عن ابن عمر﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا\n_________\n(^١) وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية ضعيفة عن مالك. ينظر: المغني (٢/ ٣٢٩)، وفتح الباري لابن رجب (٥/ ٤٦١)، وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٢٠٣)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٠٤).\n(^٢) ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٤٧٥)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٤٨٢).\n(^٣) ينظر: الأم ١/ ٢٩١، ونهاية المطلب للجويني (٢/ ٦٥١)، وخلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام للنووي (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":450},{"text":"بحقها» (^١) فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أنهم لا تُعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.\nوذهب أبو حنيفة وبعض أهل العلم إلى أنه لا يُكفّر ولا يقتل بل يُعزّر ويحبس حتى يصلي (^٢) واحتجوا لعدم قتله بأدلة منها حديث ابن مسعود ﵁: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٣)، قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، صرّح فيه النبي ﷺ أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة، فدلّ ذلك على أنه غير موجب للقتل. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) رقم (٢٥) (١/ ٩٥)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) (٢٢) (١/ ٥٣)\n(^٢) المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة - ﵀ - أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة، وعليه فإنه لا يعترف بدلالة هذه الأحاديث على قتله ; لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها.\nينظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي (١/ ١٥٥)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٥)\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] برقم (٦٨٧٨) (٩/ ٥)، ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص، باب ما يباح به دم المسلم برقم (٢٥) (٣/ ١٣٠٢)\n(^٤) قال ابن القيم: (وأما حديث ابن مسعود- لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- فهو حجة لنا في قتل تارك الصلاة، فإنه جعل منهم التارك لدينه، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا سيما إن قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وأنه إن لم يكفر فقد ترك عمود الدين.). الصلاة وأحكام تاركها (١/ ٣٣)، وقال ابن تيمية: (وأيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئًا فما دان لله دينًا ومن لا دين له فهو كافر). شرح العمدة (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":451},{"text":"قال الخطيب الشربيني في «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» في الكلام عن تارك الصلاة: «(فإن تاب) بأن امتثل الأمر (وصلّى) خُلّي سبيله من غير قتل ... (وإلا) أي وإن لم يتب (قُتِل بالسيف) إن لم يُبد عذرًا (حدًا) لا كفرًا.» (^١)، وهو موافق لمذهبه الشافعي.\nوالذي يظهر أن تارك الصلاة بلا عذر كافرٌ، كفرًا مخرجًا من الملة بمقتضى الأدلة التي تشهد بذلك (^٢)، كما هي دلالة هذه الآية، وهو ما ذهب إليه أحمد، وأحد قولي الشافعي (^٣)، ويؤيد صحة هذه الدلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فمفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنه أُخوة المؤمنين فهو من الكافرين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] (^٤)\nوأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة فقوله ﷺ: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». (^٥)\nوالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة لأن النبي ﷺ جعل الصلاة فصلًا\n_________\n(^١) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (٤/ ٢٤٧)\n(^٢) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٢/ ٢٦)، ورسالة في حكم تارك الصلاة للعثيمين ص ١٩، وفتاوى اللجنة الدائمة (١٠/ ١٤٣)\n(^٣) ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]، وذكر ابن القيم في كتاب الصلاة أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وأن الطحاوي نقله عن الشافعي نفسه، ينظر: الصلاة وأحكام تاركها (١/ ٤٢) وعلى هذا قول جمهور الصحابة.\n(^٤) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ٤٤٧)\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم (١٣٤) (١/ ٨٨)","vol":"1","page":452},{"text":"بين المؤمنين والكافرين، ومعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام، فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين. (^١)\nأما الزكاة فقد صحَّ أن أبا بكر الصدّيق ﵁ قاتل مانعي الزكاة، لا من جحَد وجوب الزكاة فقط، بل من قال: لا أؤديها إليك، وبهذه الآية وفِعل أبي بكر ﵁ استدلّ العلماء على قتال مانعي الزكاة، لأن الله تعالى شرط أمورا ثلاثة في ترك القتال وتخلية سبيلهم، فذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما، بل لا بد من وجودها جميعًا، وقال ﷺ: «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (^٢) فلم تثبت العصمة بمجرد الإسلام، وذكر أن الزكاة من حقها (^٣)، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ذكر شيخ الإسلام في أكثر من موضع أن تكفير تارك الصلاة هو قول جماهير السلف، ينظر: شرح العمدة (٤/ ٧٣)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٧)، وينظر: الشرح الممتع (٢/ ٢٦)، ورسالة في حكم تارك الصلاة ص ١٩.\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) قال الشيخ ابن عثيمين في حق الزكاة: (هي فرض بإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يُعَلَّم، وإن أصرّ بعد علمه فقد كفر مرتدًا، وأما من منعها بخلًا وتهاونًا ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى روايتين عن الإمام أحمد، ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة). مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٤/ ١٨)، وينظر: المغني (٢/ ٢٢٨)","vol":"1","page":453},{"text":"طعن أهل الذمة في دين الإسلام ينقض عهدهم.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيه دليل على أنّ الذمي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الله أمر بقتال من نكث يمينه وجعل ذلك علّة قتاله، وعطَف الطعن في الدين على نكث العهد، وخصَّه بالذكر؛ لبيان أنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النص أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٧٦)\n(^٢) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٤)، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٣/ ١٣٨٣)\n(^٣) وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يستتاب، ومجرد الطعن لا ينقض به العهد إلا مع وجود النكث، ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة للقرطبي (٢/ ١٠٩٢)، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٢/ ٣١٨)، والمهذب للشيرازي (٣/ ٣١٨)، والمجموع للنووي (١٩/ ٤٢٧)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٨٤)، والإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٥٣)، والروض المربع شرح زاد المستقنع للبهوتي (١/ ٣٠٣)، ومنار السبيل في شرح الدليل لابن ضويان (١/ ٣٠٥)\nوينظر خلاف أبي حنيفة في: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧٥)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (٥/ ١٢٤)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي للزيلعي (٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":454},{"text":"قال ابن تيمية: (والدلائل على انتقاض عهد الذمي بسبّ الله أو كتابه أو دينه أو رسوله، ووجوب قتله وقتل المسلم إذا أتى ذلك: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار، أما الكتاب فيستنبط ذلك منه من مواضع - ذَكَر منها موضع هذه الآية - فقال: وهذه الآية تدلّ من وجوه:\nأحدها: أن مجرد نكث الأيمان مقتضٍ للمقاتلة وإنما ذَكَر الطعن في الدين وأفرده بالذكر تخصيصًا له بالذكر وبيانًا؛ لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال، ولهذا يُغلّظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين -إلى أن قال ﵀ -: ذَكَر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يُؤمَّن ويُعاهد، وأما من طعن في الدين فإنه يتعين قتاله، وهذه كانت سنة رسول الله ﷺ فإنه كان يهدر دماء من آذى الله ورسوله وطعن في الدين وإن أمسك عن غيره (^١)، وإذا كان نقض العهد وحده موجبًا للقتال وإن تجرد عن الطعن، عُلِم أن الطعن في الدين إما سبب آخر، أو سبب\n_________\n(^١) كما في قصة كعب بن الأشرف اليهودي، وهي في الصحيحين. أخرجها البخاري في كتاب المغازي باب قتل كعب بن ا؟ شرف (٤٠٣٧)، ومسلم في الجهاد والسير (٢٣٥٩)، وشواهد غيرها كثيرة.","vol":"1","page":455},{"text":"مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة وإلا كان ذكره ضائعًا). (^١)\nوممن نصّ على هذه الدلالة من المفسرين موافقًا الخطيب: الزجاج، والواحدي، والسمعاني، والبغوي، وابن العربي، والزمخشري، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبوحيان، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nقال الزجاج: (هذه الآية توجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام؛ لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث). (^٣)\nوقال السمعاني: (قوله تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرًا لا يبقى له عهد، ويجوز قتله). (^٤)\nولا خلاف بين المسلمين أن الذمي إذا سبّ الله والرسول، أو عاب الإسلام علانية، عوقب على ذلك بما يردعه، فعُلم أنه لم يعاهدنا عليه؛ إذ لو كان معاهدًا\n_________\n(^١) الصارم المسلول (١/ ١١) وقد أجاد - ﵀ - في تفصيل أوجه الدلالة من الآية، والرد على المخالف ينظر ص ١١ ومابعدها.\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٤٣٤)، والتفسير الوسيط (٢/ ٤٨٠)، وتفسير السمعاني (٢/ ٢٩٢)، ومعالم التنزيل (٢/ ٣٢١)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٦٠)، والكشاف (٢/ ٢٥١)، وزاد المسير (٢/ ٢٤٠)، والتفسير الكبير (١٥/ ٥٣٥)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٨٣)، وأنوار التنزيل (٣/ ٧٣)، ولباب التأويل (٢/ ٣٣٩)، والبحر المحيط (٥/ ٣٨٠)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٦٧)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٣٦)، وروح البيان (٣/ ٣٩٣)، وفتح القدير (٢/ ٣٨٩)، ومحاسن التأويل (٥/ ٣٥٩).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٤٣٤).\n(^٤) تفسير السمعاني (٢/ ٢٩٢)","vol":"1","page":456},{"text":"عليه لم تجز عقوبته عليه كما لا يعاقب على شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك، وإذا كنا عاهدناه على ألا يطعن في ديننا ثم طعن فقد نكث يمينه من بعد عهده، فيجب قتله بنص الآية. (^١)\nقال شيخ الإسلام: وهذه دلالة قوية حسنة. (^٢)\nوالمعاهد له أن يُظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا، والذمِّي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئًا من دينه الباطل وإن لم يؤذِنا فحاله أشد، وأهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فُرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد -كما يقول المخالف - لم يكن الذمي كذلك. (^٣)، وبهذا يتبين صحة هذه الدلالة وقوتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الصارم المسلول (١/ ١١)، وينظر: الكافي في فقه أهل المدينة للقرطبي (٢/ ١٠٩٢)، وحاشية العدوي (٢/ ٣١٨)، والمهذب للشيرازي (٣/ ٣١٨)، والمجموع للنووي (١٩/ ٤٢٧)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٨٤).\n(^٢) الصارم المسلول (١/ ١٦).\n(^٣) ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (١/ ١٤)، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٣/ ١٣٨٣).","vol":"1","page":457},{"text":"ترجيح مصالح الدين على الدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ .. وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nالوعيد الشديد لمن قدَّم محبَّة أحد هذه المذكورات على محبة الله ورسوله وطاعتهما، وآثر مصلحة نفسه على مصلحة دينه.\nالدراسة:\nأمر الله تعالى بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إذا اختاروا الكفرعلى الإيمان، وتوعد على ذلك الوعيد الشديد (^٢)، ومنه استنبط الخطيب دلالة هذه الآية باللازم على أنه لابد من تقديم محبة الله ورسوله على كل محبوب.\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٨٣).\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ١٢١).","vol":"1","page":458},{"text":"قال ابن القيم: (فكل من قدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه، على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه). (^١)\nوقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (^٢)\nقال السعدي مؤكدًا صحة هذه الدلالة: (وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. وعلامة ذلك أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه محبوبًا لله ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدّم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دلّ ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه). (^٣)\nوممن استنبط إشارة هذه الآية إلى أن مصالح الدين مقدّمة على مصالح الدنيا والمعاش: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن القيم، وأبو حيان، وابن عادل،\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٩٤)، ومدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ١٢٠)، وينظر: تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد للعجيلي (١/ ١١٦)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: حب رسول الله ﷺ من الإيمان، برقم (١٤) (١/ ١٢).\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٢)","vol":"1","page":459},{"text":"والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والمراغي (^١)، وغيرهم. (^٢)\nقال ابن عاشور: (فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجُرّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه). (^٣)\nوالمقرر في الأصول أنه إذا تعارضت مصلحتان وازدحتما بحيث لم يمكن الجمع بينهما وكان لا بد من ترك واحدة منهما للإتيان بالأخرى؛ فالمتعين فعل ما مصلحته أرجح وترك ما مصلحته أقل. (^٤)\nولا أعظم من مصالح الدين لأن المقصود إنما هو العبادة، فيقدم ما هو الأهم في نظر الشرع.\nقال الشاطبي: (المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإطلاق) (^٥)، وبهذا يظهر صحة هذه الدلالة على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) محمد مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي، عالم أزهري مفسر، فقيه، وقاض شرعي مصري، شغل منصب شيخ الأزهر، وكان أحد أهم أعلام مصرفي وقته، كان على قدر من العلم والثقافة، حفظ القرآن، توفي سنة ١٣٦٤ هـ. ينظر: معجم المؤلفين (١٢/ ٣٤)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ١٧)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٩٥)، ولباب التأويل (٢/ ٣٤٤)، وتفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٩٤) والبحر المحيط (٥/ ٣٩١)، واللباب في علوم الكتاب (١٠/ ٥٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٤٦)، وروح البيان (٣/ ٤٠٣)، ومحاسن التأويل (٥/ ٣٦٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٢)، والتحرير والتنوير (١٠/ ١٥٢)، وتفسير المراغي (١٠/ ٨٢)\n(^٣) التحرير والتنوير (١٠/ ١٥٢)\n(^٤) وذلك بالنظر في قيمة المصلحة وترتيبها: وأعلى المقاصد هو حفظ الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال وهي المصالح الضرورية التي تعرف بالكليات الخمس، كما رتبها أهل التحقيق.\nينظر: المستصفى للغزالي ١/ ٤١٧، وشفاء الغليل للغزالي ص ١٦٩، والمحصول للرازي ٥/ ١٥٩، والإبهاج للسبكي ٣/ ٥٥.، والموافقات للشاطبي (٢/ ٢٢)\n(^٥) الموافقات (٣/ ٩٤)، وينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (١/ ٩١)، وعلم المقاصد الشرعية للخادمي (١/ ٤٣)","vol":"1","page":460},{"text":"وجوب الجهاد في كل حال.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت؛ لأنّ الله تعالى نصَّ على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن الجهاد واجبًا لما عاتبهم الله على التثاقل، ويؤكد هذا الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩]. (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص وجوب الجهاد في كل حال؛ لأن قوله تعالى ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾: توبيخ من الله على ترك الجهاد، وعتاب في التقاعد عن المبادرة إلى الخروج (^٢)، فلو لم يكن النفير للجهاد واجبًا لما عاتبهم الله على التثاقل، ويدل له قوله تعالى في الآية التي تليها متوعدًا بالعذاب الأليم: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩].\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٦٥٠)\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥١٠)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٤٠).","vol":"1","page":461},{"text":"وظاهر كلام الخطيب (^١) في وجوب النفير للجهاد حال الاستنفار؛ إذ لا خلاف في وجوب الجهاد وفرضيته، فإن ظاهر الآية في وجوب النفير على من يُستنفر وقال في آية أخرى بعدها ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، فأوجب النفير مطلقًا غير مقيد بشرط الاستنفار، وهذا يقتضي وجوب الجهاد على كل مستطيع له. (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والكيا الهراسي، والرازي، والخازن، والنيسابوري، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nوفي وجوب هذا النفير خلاف بين أهل العلم: فقال بعضهم بوجوب النفور إلى الإمام أو نائبه إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح (^٤). وقال آخرون: إن المراد به عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. (^٥)\nقال القرطبي: (وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتجه حملها على وقت ظهور المشركين، فإن وجوب ذلك لا يختص\n_________\n(^١) قال - ﵀ - في مغني المحتاج (٦/ ٢٢): «(الثاني) من حالي الكفار (يدخلون بلدة لنا) أو ينزلون على جزائر، أو جبل في دار الإسلام ولو بعيدًا عن البلد (فيلزم أهلها الدفع بالممكن) منهم، ويكون الجهاد حينئذ فرض عين، وقيل كفاية، واعتمده البلقيني، وقال: إن نص الشافعي يشهد له».\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠٩).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠٩)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٠٣)، والتفسير الكبير (١٦/ ٤٧)، ولباب التأويل (٢/ ٣٦٠)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧٠)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤١٨)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٧)، والتحرير والتنوير (١٠/ ١٩٥).\n(^٤) ينظر: المرجع السابق\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٠٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٤٠).","vol":"1","page":462},{"text":"بالاستدعاء، وإذا ثبت ذلك، فالاستدعاء والاستبقاء يبعُد أن يكون مُوجبًا شيئًا لم يجب من قبل، إلا أن الإمام إذا عيَّن قومًا وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عنه، وله ولاية التعيين، ويصير بعينه فرضًا على من عيَّنه لا لمكان الجهاد، ولكن لطاعة الإمام) (^١). فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب. (^٢)\nوالجهاد فرض كفاية على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد يصير فرض عين على كل مسلم إذا استنفرهم الإمام، وهو ما يعرف بالنفير العام (^٣)، فإذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه وتعيَّن عليهم (^٤)، وعلى ذلك الجمهور (^٥)، ومن جملة أدلتهم هذه الآية كما نصَّ عليها الخطيب وما بعدها؛ وهي دلالة ظاهرة، لقوله ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» (^٦)، وذلك لأن أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك. (^٧) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٤٢).\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٧)\n(^٣) ينظر: المبسوط (١٠/ ٣)\n(^٤) قال شيخ الإسلام: (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا). ينظر: الاختيارات الفقهية (١/ ٦٠٩)، والفتاوى الكبرى (٥/ ٥٣٩)\n(^٥) ينظر: حاشية الدسوقي لابن عرفة (٢/ ١٧٥)، وجواهر الإكليل (١/ ٢٥٢)، والرسالة للشافعي (١/ ٣٦٣)، والأم (٤/ ١٧٠)، وحاشية تحفة المحتاج على المنهاج للنووي (٩/ ٢١٢) والمغني (٩/ ١٩٧)، والروض المربع للبهوتي (١/ ٢٩٥).\n(^٦) تقدم تخريجه في الصحيح.\n(^٧) ينظر: حاشية الدسوقي (٢/ ١٧٥)، وجواهر الإكليل (١/ ٢٥٢)، والمغني (٨/ ٣٥٢)، والمحلى لابن حزم (٧/ ٢٩١).","vol":"1","page":463},{"text":"تفضيل أبي بكر ﵁.\nقال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].\n\nذكر الخطيب الشربيني - ﵀ - عند هذه الآية تنبيهًا فقال:\n(دلَّت هذه الآية على تفضيل أبي بكر ﵁ من وجوه:\nمنها: أنّ الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله ﷺ جماعة\nمن المخلصين، وكانوا في النسبة إلى شجرة رسول الله ﷺ أقرب من أبي بكر\n﵁، فلولا أنّ الله تعالى أمره بأن يستصحبه في تلك الواقعة الصعبة الهائلة وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله تعالى له بهذا التشريف دال على منصب عال له في الدين.\nومنها: قوله ﷺ «لا تحزن إنّ الله معنا» ولا شك أنّ المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وقد شرَّك ﷺ بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية وكفى بها شرفًا.\nومنها: أن قوله: (لا تحزن) نهى عن الحزن مطلقًا، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أنه لا يحزن أبو بكر ﵁ بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.","vol":"1","page":464},{"text":"ومنها: إطباق الكل على أنّ أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة\nلرسول الله ﷺ، وعلى أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر (^١)، وأسماء بنت\nأبي بكر (^٢) هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام). (^٣)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب وكثير من المفسرين فضيلة أبي بكر - ﵁ - على غيره بدلالة اللازم من هذه الآية من وجوه اتفقوا في أغلبها (^٤)، ومن هذه\n_________\n(^١) هوعبد الرحمن بن أبي بكر: عبدالله بن أبي قحافة بن عثمان الصديق، شقيق أم المؤمنين عائشة. حضر بدرًا مع المشركين؛ ثم أسلم وحسن إسلامه، وهاجر قبيل الفتح، كان أسنّ أولاد الصديق، ومن الرماة الشجعان، قتل يوم اليمامة سنة ٥٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٧١)\n(^٢) هي أسماء بنت أبي بكر: عبد الله بن عثمان، القرشية، التيمية، زوج الزبير بن العوام، وهي أم عبد الله بن الزبير، وعروة، والمنذر، وهي ذات النطاقين، وكانت أسنّ من عائشة وهي أختها لأبيها، هاجرت إلى المدينة، وتوفيت سنة ٧٣ هـ. ينظر: أسد الغابة (٧/ ٧).\n(^٣) السراج المنير (١/ ٦٩٨)\n(^٤) وزاد بعضهم وجوهًا لم يذكرها الشربيني - ﵀ - منها: أن النبي ﷺ لما اصطحب أبا بكر معه إلى الغار كان موقنًا بصدق أبي بكر الصديق وموافقة باطنه ظاهره، وإلا لم يعتمد عليه في مثل تلك الحالة خوفًا من أن يدل أعداءه عليه، أو أن يُقدم على قتله.\nومنها: أنه تعالى سمّاه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فجعله ثاني محمد عليه الصلاة السلام حال كونهما في الغار، وأثبت العلماء أنه ﵁ كان ثاني محمد في أكثر أحواله، فكان ثاني اثنين في الدعوة إلى الله، وكان لا يفارقه في الغزوات، وأداء الجماعات، وفي المجالس والمحافل، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وحجَّ بالناس ورسول الله ﷺ حي، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة، وكان خليفتة من بعده، ولما توفي دفن بجانب رسول الله ﷺ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره.\nومنها: أن الله عاتب أهل الأرض بقوله ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ سوى أبي بكر الصديق وهذا دليل على فضله. إلى غير ذلك من فضائله - ﵁ وأرضاه -. ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٥٠) ولباب التأويل (٢/ ٣٦٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١)، وروح المعاني (٥/ ٢٩١).","vol":"1","page":465},{"text":"الوجوه: أنّ الله تعالى أذِن لنبيه ﷺ بالهجرة، ولولا أنّه تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الحاسمة، وإلا لم يخصّه بهذه الصحبة من بين أهله وقرابته، فتخصيص الله تعالى له بهذا تشريف له.\nوالحق أن الفضيلة والشرف حصل لأبي بكر من وجوه أخرى كثيرة غير هذا الوجه؛ إذ لم يثبت أن الله تعالى أمره بذلك، وحاصل الروايات في هذا كما في صحيح البخاري وغيره، أن أبا بكر سأل النبي ﷺ الصحبة، فقال ﵊: نعم. (^١)\nأما قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ففيه النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ، ولم يثبت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ سواه، فحقق الله تعالى له وصف الصحبة في كتابه متلوًا إلى يوم القيامة. (^٢)\nقال السعدي: (وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصِّيصَة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدّوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي ﷺ كافرًا، لأنه منكر للقرآن الذي صرّح بها (^٣». (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة برقم (٣٩٠٥)، (٥/ ٥٩)\n(^٢) ينظر: روح المعاني للألوسي (٥/ ٢٩١)\n(^٣) قاله الحسين بن فضيل البجلي، ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٥٠)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٤٦)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٨)","vol":"1","page":466},{"text":"وممن استنبط فضيلة أبي بكر - ﵁ - من هذا الوجه: ابن العربي، والرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nكما تضمنت هذه الآية تسلية النبي ﷺ لصاحبه أبي بكر بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، وتعليل ذلك بمعيّة الله سبحانه الخاصة المستفادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فالرسول ﷺ شرَّك بينه وبين أبي بكر في هذه المعيّة، فدلَّ على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه من المتقين المحسنين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ولم يثبت مثل ذلك في غيره، بل لم يُثبِت نبيٌ معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه، وكأن في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر الصديق ﵁. (^٢)\nوممن نصَّ على هذا الوجه من المفسرين: ابن العربي، والرازي، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nأما قوله ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ فنهاه عن الحزن مطلقًا، والنهي يقتضي الدوام والتكرار (^٤) فدلّ - والعلم عند الله تعالى - على أنه لا يحزن أبدًا قبل الموت وبعده، وهذا من فضل الله تعالى على عبده.\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥١٢)، والتفسير الكبير (١٦/ ٥٠)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٤٦)، ولباب التأويل (٢/ ٣٦٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٦٦)، وروح المعاني (٥/ ٢٩١)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤٢٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٣٨).\n(^٢) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٣/ ٤٧١)، وروح المعاني للألوسي (٥/ ٢٩١).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥١٢)، والتفسير الكبير (١٦/ ٥٢)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٦٦)، روح المعاني (٥/ ٢٩٠)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤٢٠)\n(^٤) ينظر: تيسير التحرير لابن الهمام (١/ ٣٧٦)، ونهاية السول للأسنوي ٢ (/٦٣)، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص ١٩١)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٩٦)","vol":"1","page":467},{"text":"وممن استنبط هذه الإشارة: الرازي، والنيسابوري، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nوأيضًا من أوجه دلالة هذه الآية على فضيلته: إجماع الكل على أنّ أبا بكرهو الذي اشترى الراحلة لرسول الله ﷺ كمافي الصحيح وغيره، وعلى أنّ ابنه عبد الرحمن وابنته أسماء هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام (^٢)، وهذا دليل أيضًا على شرف هذا البيت، فليس في الصحابة مَن أسلم أبوه وأمُّه، وأولاده وأولاد أولاده، وأدركوا النبي ﷺ سواه.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: (فهم أهل بيت إيمان، ليس فيهم منافق، ولا يُعرف هذا لغير بيت أبي بكر، وكان يقال: للإيمان بيوت، وللنفاق بيوت، وبيت أبي بكر من بيوت الإيمان.) (^٣)\nوممن نصّ على هذا الوجه من المفسرين: الرازي، والنيسابوري وغيرهما. (^٤)\nوفي الجملة ففي الآية فضائل عدّة مختصّة به ﵁ لم تكن لغيره، وقد دلّ على أنه أفضل الأمة بعد النبي ﷺ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين (^٥)،\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٥٢)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١)، وروح المعاني (٥/ ٢٩٠)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة برقم (٣٩٠٥)، (٥/ ٥٩) وفيه بلفظ ابنه عبدالله.\n(^٣) منهاج السنة النبوية (٨/ ٣٣٢)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٥٢)، وغرائب القرآن (٣/ ٤٧١)\n(^٥) ينظر: الإصابة لابن حجر ٢/ ٣٣٥، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ١/ ٤٨، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ١٠/ ١٥٤، وشرح كتاب الفقه الأكبر لملا علي القاري ١/ ١٠١.","vol":"1","page":468},{"text":"قال ﷺ: «إنه ليس من الناس أحد أمنَّ علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خُلة الإسلام أفضل، سُدّوا عني كل خوخة (^١) في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكر» (^٢)\nولما سُئِل ﵊ «أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قيل: من الرجال؟ فقال: «أبوها» (^٣)\nقال شيخ الإسلام: (هذه الخصائص لم يشركه فيها أحد). (^٤)\nوهذا ما عليه أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر ﵁، ومن فضَّل عمر أو غيره من الصحابة على أبي بكر الصديق فقد أخطأ، وابتدع ما لم يرد عليه دليل من كتاب ولا سنة. (^٥) والله تعالى أجلّ وأعلم.\n_________\n(^١) الخوخة - بفتح الخاءين - باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصبُ عليها باب. ينظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ٨٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (١/ ١٠٠) برقم (٤٦٧)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق ٤/ ١٨٥٤ برقم (٢٣٨٢)\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، برقم (٣٦٦٢) (٥/ ٥).\n(^٤) فضل أبي بكر الصديق ﵁ (١٣/ ١٢٣٢)\n(^٥) ينظر: الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢١٢، والشيعة الإمامية الإثنى عشرية ص ١٢٠.","vol":"1","page":469},{"text":"مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾\nقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ في موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: طريق إلى ذمهم أو لومهم، والمعنى أنه سدّ بإحسانه طريق العتاب، ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، مخلصًا من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله؛ لإباحة الشرع بدليل منفصل؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله و(غفور) أي: محاء للذنوب، (رحيم) أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى عجز الإنسان وتقصيره، وإن اجتهد في الطاعة؛ فإنه لا يسعه إلا رحمة الله وعفوه، فهو تذييل مؤيد لمضمون قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي لا إثم عليهم بسبب القعود عن الجهاد، ثم أشارإلى\n_________\n(^١) السراج المنير (١/ ٧٣٤)","vol":"1","page":470},{"text":"حاجتهم إلى المغفرة، وإن كان تخلفهم عن الجهاد بعذر، فقال ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يسعهم إلا عفوه ﷾ ومغفرته. (^١)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: حقي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nقال القاسمي مؤكدًا هذه الدلالة: (قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تذييل مؤيد لمضمون ما ذُكر، مشير إلى أن بهم حاجة إلى المغفرة، وإن كان تخلفهم بعذر- أفاده أبو السعود (^٣) - أي لأن المرء لا يخلو من تفريطٍ ما، فلا يقال إنه نفى عنهم الإثم أولًا، فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب؟). (^٤)\nولهذا حسُن ختم الآية بقوله ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشعارًا بحاجة العبد وفاقته دائمًا إلى العفو والمغفرة، مهما بلغ به من الطاعة وزال عنه العذر، فإن المرء محل الضعف والتفريط، وغلبة الهوى مهما بلغ، فهو في حاجة رحمة الله وعفوه، والتي من دلائلها هنا أن عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين. (^٥) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: روح البيان (٣/ ٤٨٥)\n(^٢) ينظر: روح البيان (٣/ ٤٨٥)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٩٢)، ومحاسن التأويل (٥/ ٤٧٧).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق.\n(^٤) محاسن التأويل (٥/ ٤٧٧)\n(^٥) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٤٨)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي في غير موضع الآية لكن نصَّ على هذه الدلالة نفسها (٢١/ ٣٧).","vol":"1","page":471},{"text":"الغافل غير مكلف.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه (^١)، وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف). (^٢)\n\nوجه الاستنباط: قوله تعالى ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ حيث دلّ على استصحاب البراءة الأصلية، وأنه لا مؤاخذة قبل العلم والبيان. (^٣)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب أن الغافل غير مكلف (^٤) بدلالة اللازم من هذه الآية؛ فإن النبي ﷺ لمّا استغفر لعمه أبي طالب، واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين،\n_________\n(^١) وهو قول أكثر المفسرين بدلالة سياق الآية، ينظر: جامع البيان (١٤/ ٥٣٦)، والمحرر الوجيز (٣/ ٩٢)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٣٤٩)، والبحر المحيط (٥/ ٥١٥)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٧)، وفتح القدير (٢/ ٤٦٩)\n(^٢) السراج المنير (١/ ٧٤٥)\n(^٣) ينظر: التفسير القيم لابن القيم (١/ ٤٥)، وأضواء البيان (٧/ ٤٩٨)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ١٩٠).\n(^٤) تكليف الغافل غير جائز للنص والمعقول، أما النص فقوله ﷺ \"رفع القلم عن ثلاث .. الحديث\" وقوله «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وأما المعقول فهو أن فعل الشئ مشروط بالعلم به. ينظر: المحصول للرازي (٢/ ٢٦٠)، ونهاية السول للأسنوي (١/ ٦٥)، والموافقات للشاطبي (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":472},{"text":"وأنزل الله عتابه لهم بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣] ندموا على استغفارهم للمشركين، فبيّنت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية لا إثم عليهم فيه، ولا حرج حتى يبين لهم ما يتقون. (^١)\nقال الطبري في معنى هذه الآية: (وما كان الله ليقضي عليكم، في استغفاركم لموتاكم المشركين، بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه. فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه). (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٠٤)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ١٩٠)، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (١/ ٢١٠)\n(^٢) جامع البيان (١٤/ ٥٣٦)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ١٦٠)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٠٠)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ١٠٨)، وروح البيان (٣/ ٥٢٣).","vol":"1","page":473},{"text":"وهي دلالة صحيحة ظاهرة، فالإتيان بالفعل على سبيل القصد والامتثال يتوقف على العلم به وهو ضروري، وعليه يمتنع تكليف الغافل كالنائم والناسي لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف. (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان في أصول الفقه للجويني (١/ ١٠٧)، والمحصول للرازي (٢/ ٢٦٠)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ١١٢)، والفروق للقرافي (١/ ١٧٨)، وشرح مختصر الروضة للصرصري (١/ ٣٢٠)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ٦٤)، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (١/ ٨٧).","vol":"1","page":474},{"text":"الآثار المترتبة على أفعال العباد تُكتب لهم لأن أفعالهم كانت سببًا فيها.\nقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده، ومشيه وحركته وسكونه، كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى، وكذا القول في طرف المعصية؛ فإنّ حركته فيها كلها سيئات، فما أعظم بركة الطاعة، وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى (^١». (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nإذا كان ما أصاب أهل المدينة في سبيل الله من الظمأ والمخمصة والنصب يُكتب لهم، دلّ على أن الآثار المترتبة على أفعال العباد كلها مكتوبة؛ لأن أفعالهم كانت سببًا فيها. (^٣)\n_________\n(^١) وهذا الاستنباط قال به عطية العوفي، كمانسبه إليه الواحدي في تفسيره الوسيط (٢/ ٥٣٤) قال: «قال عطية العوفي: في الآية من الفقه أن من قصد طاعة، كان قيامه وقعوده، ونصبه ومشيه، وحركاته كلها حسنات مكتوبة له وكذلك في المعصية، فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية»، وهو استنباط صحيح المعنى، وإن كان عطية العوفي ضعيف عند جمهور المحدثين. ينظر: التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٠) والصغير للبخاري (١/ ٢٦٧)، والضعفاء للعقيلي (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) السراج المنير (١/ ٧٤٧)\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٥٢٢)","vol":"1","page":475},{"text":"الدراسة:\nفي هذه الآيات أشدّ ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقة، وأنها لهم رفعة في الدرجات، إذ دلّت الآية بالنصّ على أن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير، إذا أخلص فيها، ونصح فيها لله، كما نصَّ عليه الخطيب، وهي دلالة حسنة قوية الظهور. (^١)\nقال ابن تيمية في بيان وجه اختلاف هذه الآية عن التي تليها: (والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم، فقال فيها: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ فإنها نفسها عمل، فنفس كتابتها يحصل به المقصود، بخلاف الظمأ والنصب والجوع الحاصل بغير الجهاد، وبخلاف غيظ الكفار بما نيل منهم؛ فإن هذه ليست نفس أفعالهم، وإنما هي حادثة عن أسباب منها: أفعالُهم؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾. فتبيّن أن ما يحدث من الآثار عن أفعال العباد لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سببًا فيها). (^٢)\nوقال في موضع آخر: (فالإنفاق وقطع الوادي نفس عملهم، فكُتِب، وما تقدّم أثر عملهم الصالح، فكُتِب لهم به عمل صالح، كدعاء الولد فإنه أثر عمل الوالد، وإن كان الوالد لم يقصد دعاءه، كما لم يقصد هؤلاء ما حصل من الظمأ والمخمصة والنصب). (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٥٥)، والقواعد الحسان لتفسير القرآن (١/ ١٣٨)\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٢)، وينظر: عدة الصابرين لابن القيم (١/ ٨٦)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٧٥).\n(^٣) جامع المسائل لابن تيمية (٤/ ٢٦٨) وينظر: الزهد والورع والعبادة (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":476},{"text":"وممن نصّ أيضًا على هذه الدلالة من الآية: الواحدي، والزمخشري، والرازي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، والألوسي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوهذا من سعة رحمة الله تعالى بعباده ومن بركة الطاعة؛ فإن من قصد بعمله وعلمه وجه الله بارك الله له، وضاعف له الحسنات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أما العاصي فلا يجد في حياته بركة ولا نفعًا، ولا يرى بعد رحيله عن الدنيا أثرًا، وذلك هو شؤم المعصية وفقدان بركة الطاعة والإيمان، والله تعالى وأعلم.\nفضل الجهاد والإنفاق فيه.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ الآية [التوبة: ١٢١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ تمرة فما دونها ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ أي: يجاوزون ﴿وَادِيًا﴾ أي: أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي، ثم قال:\nتنبيه: في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه، ويدل عليه أشياء:\nمنها: ما روي عن ابن مسعود (^٢)، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله،\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط (٢/ ٥٣٤)، والكشاف (٢/ ٣٢١)، والتفسير الكبير (١٦/ ١٦٩)، ومدارك التنزيل (١/ ٧١٦)، ولباب التأويل (٢/ ٤٢٠)، وغرائب القرآن (٣/ ٥٤٦)، وروح المعاني (٦/ ٤٤)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٥٥)، والقواعد الحسان لتفسير القرآن (١/ ١٣٨).\n(^٢) الصحيح أنه أبو مسعود الأنصاري كما في صحيح مسلم وغيره.","vol":"1","page":477},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلها مخطومة» (^١)، ومنها ما روي عن زيد بن خالد (^٢) أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله فقد غزا» (^٣». (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم الموافقة فضل الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه، حيث نصَّ تعالى في هذه الآية على أنهم لا ينفقون نفقة، والمقصود بها هنا النفقة في الجهاد، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، قليلة أو كثيرة، بل حتى ولا يقطعون واديًا من الأودية مقبلين إلى العدو، أو مدبرين إلا كتب لهم ثوابها؛ ليجزيهم الله بأعمالهم، وأحسن منها، لأنه تعالى يعطي بالحسنة الواحدة عشرة حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يدرك حسابه. (^٥)\nوهذا يدل على فضيلة الجهاد، والنفقة فيه سبيل الله، ويدل له ماجاء في القرآن في آيات كثيرة في الحض على الجهاد ويبان فضله، كما أخبر سبحانه في سورة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها برقم (١٣٢)، (٣/ ١٥٠٥).\n(^٢) هو زيد بن خالد الجهني يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو زرعة، أو أبو طلحة. سكن المدينة، وشهد الحديبية مع رسول الله ﷺ وكان معه لواء جهينة يوم الفتح. توفي سنة ٧٨ هـ. ينظر: أسد الغابة (٢/ ٣٥٥)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٤١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير، برقم (٢٨٤٣)، (٤/ ٢٧).\n(^٤) السراج المنير (١/ ٦٥٦).\n(^٥) تفسير السمرقندي (٢/ ٩٧)","vol":"1","page":478},{"text":"النساء قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوجاء عنه ﷺ في الحث على الجهاد، وفضله، والإنفاق فيه أحاديث كثيرة نصَّ على بعضها الخطيب كما تقدم، ومنها قوله ﷺ «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها». (^١) وقال ﷺ «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله فقد غزا». (^٢)\nوهذه دلالة قوية ظاهرة من الآية، نصَّ عليها غير الخطيب: الخازن، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٣)\nكما نصَّ على فضيلة الجهاد والنفقة فيه، غيرهم من المفسرين في غير موضع هذه الآية. (^٤)\nولا شك أن الجهاد بالمال نوع من أنواع الجهاد المأمور به، وفضله عظيم فهو بمثابة التجارة الرابحة مع الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله برقم (٢٨٩٢)، (٤/ ٣٥).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ينظر: لباب التأويل (٢/ ٤٢٠)، روح البيان (٣/ ٥٣٤)، وروح المعاني (٦/ ٤٦).\n(^٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٩٦)، ولباب التأويل (١/ ٣٢٠)، وغرائب القرآن (٢/ ٤٧٧)، والتحرير والتنوير (٢٧/ ٣٥٦)","vol":"1","page":479},{"text":"﴾ [الصف: ١٠ - ١١].\nوقدَّم تعالى ذكر الأموال على الأنفس في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]\nقال الشوكاني في بيان علة ذلك: (لأنها هي التي يُبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد). (^١)\nوقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب الجهاد بالمال لمن عجز عن الجهاد ببدنه لمن كان من الموسرين (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فتح القدير (٥/ ٢٦٥).\n(^٢) ينظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية (١/ ٦٠٧).","vol":"1","page":480},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيه دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية (^١)، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم، لا الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه، والتبسط في البلاد، ليدخل في قوله ﷺ \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (^٢)، وفي قوله ﷺ \"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم\") (^٣). (^٤)\n\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتان، الدلالة الأولى:\nالتفقه والتذكير من فروض الكفاية.\nوجه الاستنباط:\nما تضمَّنته الآية من الأمر بنفير طائفة من كل فِرقة للتفقُّه، وأمر الباقين بالقعود.\n_________\n(^١) وفي الآية استنباطات أخرى ذكرها بعض المفسرين، قال السيوطي: (في الآية أن الجهاد فرض كفاية، وأن التفقه في الدين ونشر العلم وتعليم الجاهلين كذلك. وفيها الرحلة في طلب العلم، واستدلّ بها قوم على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة نفر يسير، بل قال مجاهد: إنها تطلق على الواحد). الإكليل (١/ ١٤٥)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين برقم (٧١) (١/ ٢٥)\n(^٣) تقدم تخريجه\n(^٤) السراج المنير (١/ ٧٤٧)","vol":"1","page":481},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة النص من هذه الآية أن الفقه في الدين من فروض الكفاية؛ حيث دلّت على أنه لا يسع المؤمنين كلهم الخروج للجهاد؛ إذ لو اشتغل الكل بالتفقه فى الدين لتعطل عليهم المعاش، فجُعل ذلك فرضًا على الكفاية. (^١)\nولأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجًا إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار، وكانت التكاليف أيضًا تحدث، والشرائع تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يقيم مع الرسول ﷺ فيتعلم تلك الشرائع، ويحفظ تلك التكاليف ويبلّغها إلى الغائبين. فكان الواجب انقسام أصحاب رسول الله ﷺ إلى قسمين، أحدهما: ينفر إلى الغزو والجهاد، والثاني: يقيم مع الرسول ﷺ، فالطائفة النافرة إلى الغزو تنوب عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة تنوب عن النافرين في التفقه، وبهذا يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين. (^٢)\nوهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة الشرعية الحكيمة، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى، وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري (٢/ ٧٣)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (١٦/ ١٧٠)، والبحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٥٢٦)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (١١/ ٥٩)\n(^٣) القواعد الحسان لتفسير القرآن للسعدي (١/ ١٣٩)","vol":"1","page":482},{"text":"وقد وافق جمهورالمفسرين الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية منهم: الشافعي، والجصّاص، والكيا الهراسي، والقشيري، والقرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والنيسابوري، والسيوطي، وأبو السعود، وحقي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nقال القرطبي: (هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، لأن المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي ﷺ مقيم لا ينفر فيتركوه وحده ..، ثم قال: وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان). (^٢)\nوقد يكون طلب العلم فرض عين على المسلم إذا كان يتوقف عليه معرفة عبادة تلزمه (^٣)، أما ما عدا ذلك من العلم فهو فرض كفاية. وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الإمام الشافعي (٢/ ٩٦٢)، وأحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٧٣)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٢١)، ولطائف الإشارات للقشيري (٢/ ٧٣)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ٢٩٣)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٠٢)، والتسهيل (١/ ٣٥٠)، وغرائب القرآن (٣/ ٥٤٨)، والإكليل (١/ ١٤٥)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ١١٢)، وروح البيان (٣/ ٥٣٥)، والتحرير والتنوير (١١/ ٦١)، والقواعد الحسان لتفسير القرآن للسعدي (١/ ١٣٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٢٩٣).\n(^٣) ينظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/ ٥٦)، وينظر: فتاوى الشيخ العثيمين، كتاب العلم، ص ٢٣.","vol":"1","page":483},{"text":"الدلالة الثانية:\nالغرض من التفقه في الدين الاستقامة والإرشاد.\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ حيث بيّن تعالى الغاية من التفقه في الدين وهي النذارة.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن الغرض المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم، لأنه تعالى بيّن غاية العلم مشيرًا إلى أن من جعل له غاية غيرها فقد ضلّ الطريق، فأمر سبحانه بالتفقه في الدين؛ لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق، وكل من تفقّه","vol":"1","page":484},{"text":"وتعلّم لهذا الغرض كان على المنهج القويم، ومن عَدَل عنه وطلب الدنيا بالدين فقد ضل سعيُه في الحياة الدنيا وخاب وخسِر. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، وحقي، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم. (^٢)\nقال الزمخشري: (﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي وليجعلوا غرضهم ومرمى همّتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه بعض الفقهاء من الأغراض الخسيسة ويؤمونها من المقاصد الركيكة، من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد، والتّشبه بالظلمة في ملابسهم، ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضًا، وفُشوّ داء الضرائر بينهم، وانقلاب حماليق (^٣) أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شِرذمة جثوا بين يديه، وتهالُكَه على أن يكون موطأ العقِب دون الناس كلّهم، فما أبعد هؤلاء من قوله ﷿: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (١٦/ ١٧٢)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٣٢٣)، والتفسير الكبير (١٦/ ١٧٢)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٠٢)، ومدارك التنزيل (١/ ٧١٧)، ولباب التأويل (٢/ ٤٢٢)، وغرائب القرآن (٣/ ٥٤٨)، ونظم الدرر للبقاعي (٩/ ٤٨)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ١١٢)، وروح البيان (٣/ ٥٣٥)، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (١١/ ٦٣)\n(^٣) الحماليق هي: بياض العين أجمع ما خلا السواد، واحدها حملاق. وقال أبو عبيدة: عين محملقة وهي التي حول مقلتها بياض لم يخالط السواد. قال: والحملاق ما ولي المقلة من جلد الجفن. وحملق الرجل: إذا انقلب حملاق عينه من الفزع، ينظر: جمهرة اللغة للأزدي (٢/ ١١٤٣)، وتهذيب اللغة للأزهري (٥/ ١٩٦).\n(^٤) الكشاف (٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":485},{"text":"وعلى هذا فالواجب أن تكون غاية المتعلم رضى الله والدار الآخرة، وأن يطلب بعلمه إزالة الجهل عن نفسه وعن غيره، وإحياء الدين، فمن فهِم هذه الغاية من العلم دلّه العلم على كل خير، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>سورة يونس</span>\nالقرآن معجز خارق للعادة.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ سنين أربعين، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل أن يوحى إليَّ هذا القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذا القرآن معجز خارق للعادة). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله ﷺ قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أميًا لم يُطالع كتابًا، ولا تعلّم من أحد مدة عمره قبل الوحي، ثم جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم وأخبار الماضين.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية الإشارة إلى إعجاز القرآن، فهذه الآية حجة واضحة على كفار مكة ; لأنه ﷺ لم يُبعث إليهم رسولًا حتى لبث فيهم عمرًا من الزمن، فقد لبث بينهم أربعين سنة، يطّلعون على أحواله، ولا يخفى عليهم شيء من أمره، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد أن يكون كاذبًا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ١١)","vol":"1","page":487},{"text":"حجرًا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]. (^١)\nفمثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأولين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته إذا جاء على يد من لم يتعلم ولم يُطالع كتابًا، يُعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل. (^٢)\nقال الزجاج مؤيدًا هذه الدلالة: (قد لبثت فيكم من قبل أن يوحى إلي، لا أتلو كتابًا، ولا أخطه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إلي؛ إذ كنتم تعرفونني بينكم، نشأت لا أقرأ كتابًا، وإخباري إياكم أقاصيص الأولين من غير كتاب ولا تلقين، يدل على أن ما أتيتُ به من عند الله وحي.) (^٣)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الزجاج، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^٤)\nوهي دلالة صحيحة قوية الظهور، ولو أعمَل هؤلاء الضالّون عقولهم، وتدبّروا حال النبي ﷺ وحال هذا الكتاب، لجزموا جزمًا لا يقبل الشك بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ١٥٣).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (١٧/ ٢٢٥)، وغرائب القرآن للنيسابوري (٣/ ٥٦٩)\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه (٣/ ١١)\n(^٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٣/ ١١)، والتفسير الكبير (١٧/ ٢٢٥)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٠٨)، ومدارك التنزيل (٢/ ١٢)، ولباب التأويل (٢/ ٤٣٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٥)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٥٣)، وغرائب القرآن (٣/ ٥٦٩)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ١٣٠)، وفتح القدير (٢/ ٤٩٠)، وروح المعاني (٦/ ٨١)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٥٩)، والتحرير والتنوير (١١/ ١٢١)، وأضواء البيان (٢/ ١٥٣).","vol":"1","page":488},{"text":"إثبات كسب العبد وأنه ليس مسلوب الاختيار.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (لما حكم تعالى على أهل الشقاوة بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم، أخبر تعالى أنّ تقدير الشِقوة عليهم ما كان ظلمًا منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ أي: لأنه تعالى في جميع أحواله متفضل وعادل، فيتصرّف في ملكه كيف يشاء، والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرّف في ملكه بالفضل والعدل لا يكون ظالمًا، وإنما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنّ فعلهم منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم، ففي ذلك دليل على أنّ للعبد كسبًا، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة (^١». (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب دلالة هذه الآية باللازم على كسب العبد، وأنه ليس مسلوب الاختيار؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فدلَّ على أن فعلهم منسوب إليهم بكسبهم إياه، لأنه تعالى قال: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ففيه رد على الجبرية في زعمهم أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية.\n_________\n(^١) سيأتي الكلام على بيان زعمهم وبطلانه أثناء دراسة هذا الاستنباط.\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٢٦)","vol":"1","page":489},{"text":"والحق أن هذا الاستنباط جارٍ على مذهب الأشاعرة في دعواهم كسب العبد لا فعله، وهو استنباط باطل لأنه مبني على أصل باطل، فهو قائم على نظرية الكسب التي أحدثها الأشاعرة، حيث أرادوا التوفيق بين مذهب الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب التي هي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير. (^١)\nفالجبرية سلبوا عن العبد قدرته وإرادته، وتأثر بهم الأشعرية حيث قالوا إن العبد غير مختار في فعله (^٢)، فالأشاعرة وافقوا أهل السنة في مسألة خلق أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية، فقالوا: إنها مخلوقة لله تعالى، ولم تختلف عبارتهم في ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في: هل العبد فاعل لفعله حقيقة أو لا؟\nفنسبوا فعل الإنسان الاختياري إليه كسبًا لا خلقًا، واضطربوا في هذا الكسب الذي أثبتوه للعبد واختلفت عبارتهم فيه، والذي استقر عندهم هو أن الكسب مقارنة القدرة الحادثة للفعل من غير تأثير. (^٣)\nوقالوا بعدم تأثير قدرة العبد الحادثة في الفعل فرارًا من قول المعتزلة وتحقيقًا لوحدانية الأفعال فلا مؤثر إلا الله وحده، ولا يوجد تأثير للأسباب في مسبباتها!\n_________\n(^١) أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمهما فضلًا عن إفهامها لغيرهم، ولهذا قال الرازي: \" الإنسان مضطر في صورة مختار\". التفسير الكبير (٧/ ١٠٩) وينظر: شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني (٢/ ١٢٩)، ومنهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي (١/ ٨٢ - ٨٣)، وينظر قولهم في: الإنصاف للباقلاني (١/ ٤٥)، والإرشاد للجويني (١/ ١٨٧ - ٢٠٣)، ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (١/ ٧٧)، والمواقف للإيجي (١/ ٣١١).\n(^٢) ينظر: اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث لمحمد بن عبد الرحمن الخميس (١/ ٢٥٥)\n(^٣) ينظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (٢/ ٣٩٣)، والتوحيد للماتريدي (١/ ٢٢٨)، والإرشاد للجويني (١/ ٣١٩ - ٣٢٢)، وينظر: شفاء العليل لابن القيم (١/ ١٣٠)، ومنهج الأشاعرة في العقيدة (١/ ٨٢ - ٨٣).","vol":"1","page":490},{"text":"ولاشك أن قولهم هذا باطل؛ وتفسيرهم الكسب بالاقتران مخالف للغة العرب واستعمال القرآن الكريم، فالكسب في اللغة بمعنى: الطلب والجمع (^١)، وهو في القرآن لم يخرج عن هذا المعنى، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهو يستعمل في فعل الصالحات والسيئات. (^٢)\nأما معنى الكسب عند أئمة السنة فهو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فبيَّن سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها. (^٣)\nفالكسب يرجع إلى ما يكسبه الإنسان من عمل القلب أو عمل الجوارح، وهو المعبر عنه بالاجتراح والعمل، وتفسير الأشعرية للكسب بالمقارنة قول لم يُسبقوا إليه. (^٤)\nكما أن إثباتهم قدرة للعبد غير مؤثرة فرارًا من القول بأن ذلك يفضي إلى إثبات مؤثر غير الله تعالى، فيستلزم القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم بقدرتهم ضعيف؛ فإنه إذا تبين أن الله قد خلق العبد وخلق صفاته التي بها يقع الفعل من القدرة والإرادة، وهما من أسباب العمل، وخلق أيضًا عمله على وفق سنته من\n_________\n(^١) الكسب في اللغة يأتي بمعنى الجمع، والكسب طلب الرزق. قال ابن فارس: \"وهو يدل على ابتغاء وطلب وإصابة\" وقال سيبويه: \"كسبه: جمعه\" ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٧٩) مادة (كسب)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ١٧٩)، والصحاح (١/ ٢١٢)، والقاموس المحيط ص ١٦٧، مادة (كسب).\n(^٢) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب ص ٧٠٩.\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٨٧)\n(^٤) ينظر: الشرح الجديد على جوهرة التوحيد للعدوي ص ٧٩.","vol":"1","page":491},{"text":"تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا حرج بعد ذلك، ولا يلزم أن تكون الأسباب هي الخالقة للفعل. (^١)\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على كسب العبد على قول الأشاعرة: الواحدي، وابن عطية (^٢)، وابن الجوزي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، وحقي، والمظهري، وغيرهم. (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية حكاية عن الكسب عند الأشاعرة: (وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثرًا في حصول المقدور، فإنّهم يُفرّقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدورًا للعبد، وما كان خارجًا عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدورًا للعبد. وأكثر من نازعهم يقول: إنّ هذا كلام لا يُعقل؛ فإنّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلّ القدرة، وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقًا في محلّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير، وتسمية هذا مقدورًا دون هذا تحكّم محض، وتفريق بين المتماثلين.) (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف (١/ ٣٤٦ وما بعدها)، وينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١١٩)\n(^٢) قال ابن عطية: (وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي يقارن اختراع الله تعالى لأفعالهم). المحرر الوجيز (٣/ ١٢٢).\n(^٣) ينظر: التفسير الوسيط (٢/ ٥٤٩)، والمحرر الوجيز (٣/ ١٢٢)، وزاد المسير (٢/ ٣٣٣)، والتفسير الكبير (١٧/ ٢٥٩)، وأنوار التنزيل (٣/ ١١٤)، ولباب التأويل (٢/ ٤٤٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٥٨٦)، وروح البيان (٤/ ٤٨)، والتفسير المظهري (٥/ ٣٠).\n(^٤) الصفدية (١/ ١٥١). وينظر: شفاء العليل لابن القيم (١/ ١٥٨)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":492},{"text":"وقال في موضع آخر: (جمهورهم قالوا: هي كسب العبد لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. - إلى أن قال ﵀ -: والتحقيق الذي عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال، وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب) (^١).\nوبهذا التفصيل يتبين غلط الأشاعرة حين جعلوا الفعل هو المفعول، فأوقعهم هذا في مأزق الكسب الذي اشتهروا به، ولم يستطيعوا تخلصًا منه (^٢)، والله تعالى أجل وأعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٩)، وينظر: اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث لمحمد الخميس (١/ ٢٥٥).\n(^٢) ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٤٢).","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>سورة هود</span>\nقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (هود: ٦٠)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد وفائدته: تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود). (^١)\n\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من عطف البيان بقوله تعالى (قوم هود) في الآية دلالته على فائدتين:\nأولاهما:\nتمييز عاد قوم هود من عاد الثانية عاد إرم.\nوجه الاستنباط:\nأن قوله تعالى (قوم هود) عطف بيان لعاد، وهذا البيان حاصل مفهوم بما قبله، فدلّ على أن لذكره مزيد فائدة وتنبيه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية مناسبة عطف البيان بقوله تعالى ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ وهي: دلالتها باللازم على تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية، لأن عادًا كانوا قبيلتين: عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود، وعاد الثانية، وهم إرم ذات العماد\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":494},{"text":"(^١)، فأتى بقوله: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ ليزول الاشتباه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]، فتحقق أن الدعاء على عاد هذه، ولم تلتبس بغيرها. (^٢)\nقال الزمخشري: («قوم هود» عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان، والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسمًا، وتُجعل فيهم أمرًا محققًا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأن عادًا عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم.) (^٣)\nوممن نصّ على هذه الفائدة أيضًا من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم. (^٤)\nوخالف بعض المفسرين كالألوسي، وابن عاشور في دلالة هذه الآية على هذا المعنى، قال الألوسي: (وليس ذلك لدفع اللبس؛ إذ لا لبس في أن عادًا هذه ليست إلا قوم هود ﵇ للتصريح باسمه وتكريره في القصة). (^٥)\nوقال ابن عاشور: (وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرم، كما جوَّزه صاحب «الكشاف»؛ لأنه لا يعرف في العرب عاد غير قوم هود وهم إرم). (^٦)\n_________\n(^١) وهم العماليق الذين قال تعالى فيهم ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]، ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٣٧)\n(^٢) ينظر: لباب التأويل للخازن (٢/ ٤٩١)، والبحر المحيط لأبي حيان (٦/ ١٧١)\n(^٣) الكشاف (٢/ ٤٠٦)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (١٨/ ٣٦٧) وأنوار التنزيل (٣/ ١٣٩)، ومدارك التنزيل (٢/ ٦٩)، ولباب التأويل (٢/ ٤٩١)، والبحر المحيط (٦/ ١٧١)، وغرائب القرآن (٤/ ٣٣)، ونظم الدرر (٩/ ٣١٧)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٢٠)، ومحاسن التأويل (٦/ ١١١)\n(^٥) روح المعاني (٦/ ٢٨٥)\n(^٦) التحرير والتنوير (١٢/ ١٠٧).","vol":"1","page":495},{"text":"ولعل الصحيح - والله تعالى أعلم - أنهما عادان، لما أخرجه البخاري عن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا. (^١)\nقال ابن حجر (^٢) عند هذا الحديث: (ظاهر هذا أن الذين عُذّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك ... إلى أن قال: وهذا يحتمل لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾، فإنه يشعر بأن ثم عاد أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية الإمام أحمد بإسناد حسن (^٣) .. وبعد أن ذكر محل الشاهد من الحديث قال ابن حجر: (والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه). (^٤)\nوقال الشوكاني: (قال ابن إسحاق (^٥): هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة). (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، برقم (٤٨٢٩)، (٦/ ١٣٤)\n(^٢) هو: أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني الشافعي، أبو الفضل شهاب الدين، إمام الحفاظ في عصره، برع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه، وصنف التصانيف التي عم النفع بها، من مصنفاته: (فتح الباري شرح صحيح البخاري)، و(تهذيب التهذيب)، و(لسان الميزان)، و(الإصابة في تمييز الصحابة) وغيرها كثير، توفي سنة ٨٥٢ هـ. ينظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥٩٧، وشذرات الذهب ٧/ ٤٠٧.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٢٥/ ٣٠٦) في حديث الحارث بن حسان البكري رقم (١٥٩٥٤).\n(^٤) فتح الباري (٨/ ٥٧٨)\n(^٥) هو: محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المطلبي، مولاهم، المدني، العلامة الحافظ الأخباري أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي، صاحب السيرة النبوية، توفي سنة: ١٥١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٤)\n(^٦) فتح القدير (٥/ ١٤١)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٢٠)، وتاريخ الطبري (١/ ٢١٩) والكامل في التاريخ لابن الأثير (١/ ٨٠)، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٤٩)","vol":"1","page":496},{"text":"وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n\nالفائدة الثانية:\nالإشارة إلى استحقاق (عاد) للبُعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من عطف البيان في الآية دلالتها باللازم على فائدة أخرى وهي الإشارة إلى استحقاق (عاد) للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود، وهي إشارة لطيفة.\nقال القاسمي: (قوله ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لـ (عاد) فائدته: النسبة بذكره ﵇، الذي إنما استحقوا الهلاك بسببه، كأنه قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه. وتناسب الآي بذلك أيضًا فإن قبلها ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩]. وقبل ذلك (حفيظ) و(غليظ)، وغير ذلك مما هو على وزن (فعيل) المناسب لـ (فعول) في القوافي، والله أعلم.) (^١)\nوقال ابن عاشور: (فائدة ذكره الإيماء إلى أن له أثرًا في الذم بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضًا بالمشركين من العرب). (^٢)\n_________\n(^١) محاسن التأويل (٦/ ١١١)\n(^٢) التحرير والتنوير (١٢/ ١٠٧)","vol":"1","page":497},{"text":"وممن استنبط هذه الفائدة أيضًا غير القاسمي وابن عاشور: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nولعل من الفوائد المستنبطة أيضًا من عطف البيان هنا: أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية التأكيد كما نصّ عليه غير واحد من المفسرين (^٢) ففيها مزيد تقرير وتأكيد، وفائدة أخرى نبَّه عليها القاسمي -كما تقدم- والألوسي، وهي تناسب فواصل الآي. (^٣)\nوهذه فوائد وإشارات حسنة، ولعل أظهرها في الدلالة ما نصَّ عليه الخطيب وهي من لطيف الاستنباط عنده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ١٣٩)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٢٠) وروح المعاني (٦/ ٢٨٥)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٨/ ٣٦٧)، ولباب التأويل (٢/ ٤٩١)، والبحر المحيط (٦/ ١٧١) وغرائب القرآن (٤/ ٣٣)، وروح المعاني (٦/ ٢٨٥)\n(^٣) ينظر: محاسن التأويل (٦/ ١١١)، وروح المعاني (٦/ ٢٨٥)","vol":"1","page":498},{"text":"أزواج الرجل من أهل بيته.\nقال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكة لسارة ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: بيت إبراهيم، وأهل منصوب على المدح أو النداء، .. إلى أن قال: وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nخطاب الملائكة لزوجة إبراهيم بقولهم: أهل البيت.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة التضمن أنّ أزواج الرجل من أهل بيته؛ لأن الملائكة قد أسمت امرأة إبراهيم ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وخاطبتها بذلك، وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي ﷺ في قوله: ﴿... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾\n[الأحزاب: ٣١]- إلى قوله- ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قد دخل فيه أزواج لنبي ﷺ لأن ابتداء الخطاب لهن. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٧٧)\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٧٨)","vol":"1","page":499},{"text":"وقد نصَّ القرطبي على هذه الفائدة من الآية فقال: (هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدلَّ هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة ﵂ وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ، ممن قال الله فيهم: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.) (^١)\nوممن وافق الخطيب أيضًا في استنباط هذه الفائدة: الجصاص، والسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والخازن، وأبو حيان، والألوسي والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nقال أبو حيان: (وخطاب الملائكة إياها بقولهم: أهل البيت، دليل على اندراج الزوجة في أهل البيت، وقد دَّل على ذلك أيضًا في سورة الأحزاب.) (^٣)\nوأهل بيت النبي ﷺ عند أهل السنة (^٤)، هم أزواجه وذريته، وبنو هاشم، وبنو عبد المطلب على الصحيح (^٥)، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٧١)\n(^٢) ينظر: أحكام القرآن (٤/ ٣٧٨)، وتفسير السمعاني (٢/ ٤٤٤)، ومعالم التنزيل (٢/ ٤٥٧)، والمحرر الوجيز (٣/ ١٩١)، ولباب التأويل (٢/ ٤٩٤)، والبحر المحيط (٦/ ١٨٤)، وروح المعاني (٦/ ٢٩٨)، وأضواء البيان (٦/ ٢٣٧)\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ١٨٤)\n(^٤) خلافًا للرافضة إذ لا يعدون الزوجة من أهل بيت زوجها. قال الألوسي: (واستُدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنيون، ويؤيده ما في سورة الأحزاب، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا: لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ومِن نسبه، فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه .. إلى أن قال: ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي، وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].) روح المعاني (٦/ ٢٩٨)\n(^٥) ينظر: فصل المقال في تعريف الآل ليحيى الشريف ص ٢٢","vol":"1","page":500},{"text":"فائدة تكرار قصص الأنبياء في القرآن.\nقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: نخبرك به يا محمد خبرًا بعد خبر، وفائدة ذكر هذه القصص على النبيّ ﷺ ليعلم السامع أنّ المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وأنّ الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وإذا تكرّرت هذه الأقاصيص على السمع، فلا بدّ وأن يلين القلب، وتخضع النفس، وتزول العداوة، ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال (^١). وفي إخباره ﷺ بهذه القصص\n_________\n(^١) قوله (خوف يحمله على النظر والاستدلال) هو على مذهبه الأشعري. حيث أن أول واجب عند الأشاعرة هو النظر، فإذا بلغ المكلف سن التكليف وجب عليه النظر ثم الإيمان،. ينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة (١/ ٨٠)","vol":"1","page":501},{"text":"من غير مطالعة كتب، ولا تتلمذ، دلالة على نبوّته فإنّ ذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى). (^١)\n\nالدراسة:\nلما ذكر تعالى قصص الأولين قال بعدها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ واستنبط الخطيب - ﵀ – من هذه الآية فوائد منها: دلالتها باللازم على صدق نبوة محمد ﷺ؛ لأنه كان أميًا لا يخط ولا يقرأ، ولم يُدارس أحدًا، وقد جاء بهذه القصص والأخبار عن الأنبياء والرسل والأمم السابقة وأحوالهم، ومجيء هذه القصص على هذا الوجه، من غير تحريف ولا خطأ، يدلّ على أنه إنما عرفها بالوحي الذي يوحى إليه من ربه، وذلك يدل على صحة نبوته. (^٢)\nوقد نصَّ كثير من المفسرين على هذه الدلالة من ذكر قصص الأنبياء في أكثر من موضع في القرآن (^٣)، وممن نصَّ عليها في هذا الموضع من سورة هود: السمرقندي، والرازي، وحقي، والسعدي، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٨٦).\n(^٢) ينظر: إعجاز القرآن للباقلاني (١/ ٤٩)، والقرآن وإعجازه العلمي لمحمد إسماعيل إبراهيم (١/ ٢٢)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٥/ ٤٤٢)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣٠١)، وزاد المسير (٢/ ٤٧٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٤)، والتسهيل (١/ ٣٩٧)، وروح المعاني (٢/ ٢٢٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٠٨)، وأضواء البيان (٢/ ٢١٨).\n(^٤) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ١٦٩)، والتفسير الكبير (١٨/ ٣٩٥)، وروح البيان (٤/ ١٨٤)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٣٨٩)","vol":"1","page":502},{"text":"وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة (^١) فيما يتعلق بفوائد تكرار القصص القرآني، وأنه تعالى جمع بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي جاء بها الأنبياء ﵈، وذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها، وأنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا، وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، وأنّ المؤمن يخرج من الدنيا بالثناء والذكر الحسن، وبالثواب الجزيل في الآخرة، فيتقرر لدى السامع لهذه القصص هذه المعاني العظيمة.\nكما أن في تكرار هذه القصص تسليته ﷺ وتثبيت قلبه، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم الكلام عنها عند الآية (٥٩) من سورة الأعراف، ينظر الاستنباط رقم: (٩١).","vol":"1","page":503},{"text":"الحذر من عاقبة الظلم والمبادرة بالتوبة.\nقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - في تفسير هذه الآية: (عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله تعالى ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته» (^١)، ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وفي هذه الآية الكريمة، والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا يُظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية، بل هي عامّة في كل ظالم، ويعضده الحديث). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من التحذير والوعيد للظلمة، والتهديد بالأخذ والعذاب الأليم في هذه الآية، دلالتها باللازم على المبادرة بالتوبة، والتخلص من حقوق الخلق، حذرًا من وعيد الله، وخوفًا من عقابه؛ لأن عاقبة الظلم شديدة أليمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، برقم (٤٦٨٦)، (٦/ ٧٤)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (٢٥٨٣)، (٤/ ١٩٩٧).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":504},{"text":"قال الزمخشري: (وهذا تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة، ولا يغتر بالإمهال). (^١)\nوقال الرازي مؤيدًا هذه الدلالة: (واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يُظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فبيّن أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد). (^٢)\nوممن استنبط هذه الفائدة غيرهما: البيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nوعلى هذا ففي الآية إشعار بأنهم أُخذوا بظلمهم، وإعلام بسنته تعالى التي لا تتبدل في أخذ الظالمين، وإنذار كل من ظلَم نفسه أو غيره، من سوء وبال هذه العاقبة، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الكشاف (٢/ ٤٢٧)\n(^٢) التفسير الكبير (١٨/ ٣٩٦)\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ١٤٨)، ومدارك التنزيل (٢/ ٨٣)، ولباب التأويل (٢/ ٥٠٢)، وغرائب القرآن (٤/ ٤٨)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٤٠)، وروح البيان (٤/ ١٨٥)، وروح المعاني (٦/ ٣٣٢)، ومحاسن التأويل (٦/ ١٣٠).","vol":"1","page":505},{"text":"الصلاة والصبر من الإحسان.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٤ - ١١٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ خطاب للنبيّ ﷺ أي: واصبر يا محمد على أذى قومك، أو على الصلاة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أجر أعمالهم، وعدَل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلًا على أنّ الصلاة والصبر إحسان، وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nفي تذييل خطاب النبي ﷺ بقوله ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ في سياق أمره بإقامة الصلاة والصبر، والعدول عن ضمير الخطاب، ربطٌ للصبر والصلاة بالإحسان.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم مناسبة تذييل خطاب النبي ﷺ في الآية بقوله\n﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وهو أنّ الصلاة والصبر من الإحسان؛ لأنها جاءت في سياق أمره ﵊ بإقامة الصلاة والصبر عليها، أو على أذية قومه له، وعدل عن ضمير الخطاب فلم يقل: أجرك، أو نحوه ليكون دليلًا على ذلك.\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٩١).","vol":"1","page":506},{"text":"كما أشار ﵀ إلى أن في الآية إيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص، ووجه الإيماء: أنّ إحسان ذلك إخلاص؛ لقوله ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك","vol":"1","page":507},{"text":"تراه» (^١). (^٢)\nولا شك أن فعل كل الطاعات إحسان، وأهم هذه الطاعات الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وفي أوقاتها، فهذا عين الإحسان، والصبر على ذلك إحسان، والصبر على كيد التكذيب إحسان، كما أن الصبر عن محارم الله إحسان، والصبر على أقدار الله إحسان، وكل أنواع الصبر إحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين. (^٣)\nقال أبو حيان مقررًا هذا المعنى من الآية: (وأتى بعام وهو قوله: «أجر المحسنين»، ليندرج فيه كل من أحسن بسائر خصال الإحسان، مما يحتاج إلى الصبر فيه، وما قد لا يحتاج كطبع من خُلق كريمًا، فلا يتكلف الإحسان، إذ هو مركوز في طبعه. وقال ابن عباس: المحسنون هم المصلون، كأنه نظر إلى سياق الكلام (^٤». (^٥)\nوممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة برقم (٥٠)، (١/ ١٩)\n(^٢) ينظر: حاشيه الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (٥/ ١٤٥).\n(^٣) ينظر: مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن والخمسون - الإصدار: من رجب إلى شوال سنة ١٤٢٠ هـ، (الإحسان والصبر).\n(^٤) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٠٧).\n(^٥) البحر المحيط (٦/ ٢٢٤)\n(^٦) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ١٥١)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٤٦)","vol":"1","page":508},{"text":"وهذه دلالة لطيفة، وإشارة صحيحة إلى معنى ربط الإحسان بالصلاة والصبر، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>سورة يوسف</span>\nالاجتهاد في نفي التهم عن النفس.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - في هذه الآية عن يوسف ﵇: (قدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ، لتظهر براءة ساحته؛ لأنه لو خرج في الحال لربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثر، فلما التمس من الملك أن يفحص عن حال تلك الواقعة، دلّ ذلك على براءته من تلك التهمة، فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة، وأن يتوصل بها إلى الطعن فيه، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي للشخص أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أهمية الاجتهاد في نفي التهم عن النفس، كما فعل يوسف – ﵇ – وهذا من باب الاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈؛ فإنه لو خرج في الحال فقد لا يزال في قلب الملك من تلك التهمة أثرها، فلمّا طلب أن يبحث الملك عن تلك الواقعة وحاله مع النسوة، دلّ\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":509},{"text":"ذلك على براءته، فلا يقدر أحد بعد خروجه أن يُعَيّره بتلك الرذيلة، وأن يجعلها وسيلة للطعن فيه.\nويشهد لصحة هذه الدلالة وقوتها، ما جاء في السنة أن رسول الله ﷺ قال لرجلين من الأنصار مرَّا عليه في مُعتكفه وعنده بعض نسائه: (على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي) - اتقاءً للتهمة - فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبُر عليهما! فقال ﵊: (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا). (^١)\nوعليه فإن تبرئة العرض من التهم الباطلة مقصد شرعي، كما فعل نبينا ﷺ وقبله فِعلُ يوسف ﵇.\nوقد جاء في السُنّة مدح يوسف على صبره على السجن، وحرصه على إبراء ساحته. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، برقم (٢٠٣٥)، (٣/ ٤٩)، وأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا بامراة وكانت زوجته، أو محرمًا له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به، برقم (٢١٧٥)، (٤/ ١٧١٢)\n(^٢) قال ابن كثير: (وقد وردت السُنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وشرفه، وعلو قدره وصبره، صلوات الله عليه، ففي المسند والصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي\"). تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٩٣)، والحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥٢]، برقم (٣٣٧٢)، (٤/ ١٤٧).","vol":"1","page":510},{"text":"وممن استنبط دلالة هذه الآية على نفي التهمة عن النفس: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوالذي يظهر أن معنى الآية يحتمل هذه الدلالة، كما يحتمل أن يكون غرضه ﵇ من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله، وكان هذا الفِعل منه جاريًا مجرى التلافي لما صدر منه من التوسل لصاحبه في السجن بقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فبقي في السجن بضع سنين، ولما طلبه الملك لم يلتفت إليه ولم يُقِم لطلبه وزنًا، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة (^٢)، وإن كانت الدلالة الأولى أظهر في القوة والمعنى، والله تعالى أعلم.\nرعاية الأسباب أولًا، وعدم الاعتماد عليها بل على التوحيد.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (واعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل إلا ما قدَّره الله تعالى، وأن الحذر لا يدفع القدر، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضارّ بقدر الإمكان، ومع ذلك يكون جازمًا بأنه لا يصل إليه إلا ما قدّره الله تعالى، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى،\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٢/ ٤٧٧)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٦٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ١١٦)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٧)، ومحاسن التأويل (٦/ ١٨٤)، والتحرير والتنوير (١٢/ ٢٨٨)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤١٠).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (١٨/ ٤٦٦).","vol":"1","page":511},{"text":"فقوله ﵇: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى التوحيد المحض، والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط عقدي وفائدة جليلة وهي أن الحذر لا يرد القدر، وأنه لابد مع ذلك من ملاحظة الأسباب وإن كان كل شيء ماضٍ بقضاء الله وقدره؛ حيث قال يعقوب لأبنائه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لأنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، وكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، ثم بيّن لهم أن ما وصَّاهم به ليس إلا تدبيرًا في الجملة، وإنما التأثير وترتيب المنفعة عليه من الله تعالى فقال ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. (^٢)\nوأراد يعقوب - ﵇ - بقوله هذا تعليم أبنائه الاعتماد على توفيق الله ولطفه مع الأخذ بالأسباب، إذ المُقدّر لا بد أن يكون، ولهذا قال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم به من السبب.\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ١٣٦)\n(^٢) ينظر: إرشاد العقل السليم (٤/ ٢٩٢)","vol":"1","page":512},{"text":"وممن أشار إلى هذه الفائدة من الآية: الرازي، والنيسابوري، والسيوطي، وأبو السعود، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^١)\n\nقال الشنقيطي: (أمرَهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبّب في ذلك بالأمر به; لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلًا أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام، فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين، فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة، تعاطيًا للسبب في السلامة من إصابة العين، كما قال غير واحد من علماء السلف (^٢)، ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، فانظر كيف جمع بين التسبّب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وبين التوكل على الله في قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته). (^٣)\nوهذا معنى الإيمان بالقدر كما أشار إليه قول النبي ﷺ «اعملوا فكل ميسر لما خُلق له» (^٤)، وفي هذا رد صريح على الجبرية المتواكلة؛ فإن العبد ينال ما قُدِّر له\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (١٨/ ٤٨٣)، وغرائب القرآن (٤/ ١٠٦)، والإكليل (١/ ١٥٥)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٩٢)، ومحاسن التأويل (٦/ ١٩٨)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٠٢) والتحرير والتنوير (١٣/ ٢١)، وأضواء البيان (٣/ ٣٩٨)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٦/ ١٦٥)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٠).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ٣٩٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قول الله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: ١٧] (٩/ ١٥٩) برقم (٧٥٥١) بنحوه، وأخرجه مسلم في كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله، وعمله وشقاوته، وسعادته (٤/ ٢٠٣٦)، برقم (٢٦٤٧)","vol":"1","page":513},{"text":"بالسبب الذي أُقدر عليه ومُكِّن منه وهُيئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أُمّ الكتاب، وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه. (^١)\n\nقال الإمام الطحاوي: (الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع). (^٢) وهي دلالة صحيحة، قوية الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) شفاء العليل لابن القيم (١/ ٢٥)، وينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٨/ ٦٩)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية للعمراني (١/ ٤٥).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٨٠). وينظر: تقريب التدمرية لابن عثيمين (١/ ٩٨).","vol":"1","page":514},{"text":"قال الله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (ولما كان يوسف ﵇ إنما تمكَّن من ذلك بعلو درجته وتمكنه، ورفعته بعدما كان فيه عندهم من الصغار، كان ذلك محل عجب فقال تعالى التفاتًا إلى مقام التكلم: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: بالعلم كما رفعنا درجته، وكان الأصل درجاته، ولكنه عمّم؛ لأنه أدلّ على العظمة فكان أليق بمظهرها، وفي هذه الآية دليل على أنّ العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات؛ لأنّ الله تعالى لما هدى يوسف ﵇ إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك، ورفع درجته على إخوته، ووصف إبراهيم - ﵇ - بقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] عندما حكى عنه دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب.\nثم قال - ﵀ -: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: فوق كل عالمٍ عالمٌ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فوق كل عالم (^١)؛ لأنه هو الغني بعلمه عن التعلم، وفي الآية دليل على أنّ إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء، وكان يوسف أعلم منهم). (^٢)\n\nهذه الآية فيها دلالتان:\nالدلالة الأولى:\n_________\n(^١) وهو قول عكرمة وقتادة وغيرهما. ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ٤٠٢)، والدر المنثور في التفسير بالمأثورللسيوطي (٤/ ٥٦٢)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ١٤٢)","vol":"1","page":515},{"text":"شرف العلم وفضل أهله، وأنه أعلى الدرجات وأرفع الرُتب.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من هذه الآية شرف العلم، ورفعة أهله، وعلو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لأنّ الله تعالى لما هدى يوسف ﵇ إلى هذه الحيلة مدحه لأجلها، فقال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: مثل ذلك الكيد كدنا ليوسف خاصة؛ بأنّ علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف ﵇ في بداية أمره، والمراد من هذا الكيد هو: أنّ الله تعالى ألقى في قلب إخوته أن حكَموا أنّ جزاء السارق هو أن يُسترقّ، فلما ظهر الصاع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، وصار سببًا لتمكن يوسف ﵇ من إمساك أخيه عنده، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر مختلف، ولكن الله تعالى يسَّر له ما أراد. (^١)\nفرفع الله درجة يوسف على إخوته بالعلم، وكان هذا العلم هو أعظم سبب في خروجه من السجن، وتقريب الملك له، وتمكينه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.\nقال السعدي في استنباطاته لفوائد من قصة يوسف: (وفي تضاعيف القصة فضيلة العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا:\nفيوسف ﷺ لم ينل ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وامتنَّ عليه وقت مُكثه عند عزيز مصر\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":516},{"text":"بالتجرد للعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم، وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكن عند ملك مصر واستخلصه لنفسه حين كلمه وعرف ما عنده من العلم، ودبّر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم وحسن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: ﴿... رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ... [يوسف: ١٠١]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة، والآجلة لا تعد ولا تحصى.). (^١)\n\nوحكى هذا الاستنباط غيره من المفسرين كالرازي، والخازن، وغيرهما. (^٢)\nولاشك في صحة هذه الدلالة وملامستها للواقع؛ فشرف العلم ورفعته لأهله في الدنيا قبل الآخرة ثابت مشاهد، وقد وصلت الحال بيوسف إلى أن يكون معظمًا حتى عند أبويه وإخوته، حين دخل أبوه وأمه وإخوته مصر، ورفع أبويه على العرش خرَّ الجميع له سجدًا لعظمته، وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدمات لا تحصل إلا بها، وهو العلم الكثير العظيم، والعمل الصالح، والإخلاص، والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق خلقه، وهذا مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تنال إلا بالوسائل الجليلة (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) فوائد مستنبطة من قصة يوسف للسعدي ص ١٦.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٨/ ٤٨٩)، ولباب التأويل (٢/ ٥٤٥)، وفوائد مستنبطة من قصة يوسف ص ١٦.\n(^٣) ينظر: فوائد مستنبطة من قصة يوسف ص ٢ - ١٦.","vol":"1","page":517},{"text":"الدلالة الثانية:\nإخوة يوسف كانوا من أهل العلم.\nوجه الاستنباط: أن الله تعالى أخبر في ثنايا حديثه سبحانه عن كيد يوسف بإخوته أن فوق كل عالم من هو أعلم منه، فدلّ على أنهم كانوا من أهل العلم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ دلالتها باللازم على أن إخوة يوسف كانوا علماء، لأن الله تعالى أخبر أن فوق كل عالم من هو أعلم منه، فدلّ على أنهم كانوا من أهل العلم.\nقال الطبري في معنى هذه الآية: (.. وفوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله، وإنما عنى بذلك أن يوسف أعلم إخوته، وأن فوق يوسف من هو أعلم من يوسف، حتى ينتهي ذلك إلى الله). (^١)\nفالمراد أن إخوة يوسف ﵇ كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائدًا عليهم في العلم.\nويؤيد صحة هذه الدلالة ماروي عن ابن جريج (^٢) وغيره في معنى قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، قال ابن جريج: «يوسف وإخوته، أوتوا علمًا، فرفعنا يوسف فوقهم في العلم». (^٣)\n_________\n(^١) جامع البيان (١٦/ ١٩١)\n(^٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام، العلامة، الحافظ شيخ الحرم، أبو خالد، وأبو الوليد القرشي الأموي، المكي، صاحب التصانيف، وأول من دوَّن العلم بمكة، حدث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر وجوَّد، توفي سنة ١٤٩ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٦)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٦/ ١٩١)، والدر المنثور للسيوطي (٤/ ٥٦٢)","vol":"1","page":518},{"text":"وممن نصَّ على هذا المعنى المستنبط من الآية: الطبري، والرازي، والخازن، وابن عادل، وأبو السعود، والألوسي، والمراغي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوقد قيل عن إخوة يوسف إن الله جعلهم أنبياء (^٢)، وقيل بل كانوا قومًا صالحين وهو الظاهر (^٣)، ولهذا في رؤيا يوسف رآهم بمنزلة الكواكب في إشراقها وعلوها، وهذه صفة أهل العلم والإيمان (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٦/ ١٩١)، والتفسير الكبير (١٨/ ٤٨٩)، ولباب التأويل (٢/ ٥٤٥)، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١١/ ١٧٢)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٢٩٨)، وروح المعاني (٧/ ٢٩)، وتفسير المراغي (١٣/ ٢٢)، وفوائد مستنبطة من قصة يوسف ص ٨.\n(^٢) ضعَّف شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره هذا القول فقال: (الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء.) أ. هـ وأورد شواهد كثيرة تدل على ذلك. ينظر: جامع المسائل لابن تيمية لعزيز شمس (٣/ ٢٩٧)\n(^٣) لأن الصحيح في المراد بالأسباط أنهم قبائل بني إسرائيل، وهو اسم لعموم القبيلة لأولاد يعقوب الاثني عشر، فهم آباء الأسباط وهم من الأسباط. وقد غلط من عدّهم أنبياء. ينظر: جامع البيان (٢/ ١٢١)، وتفسير السمعاني (١/ ١٤٥)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٧٢).\n(^٤) فوائد مستنبطة من قصة يوسف ص ٩.","vol":"1","page":519},{"text":"علم يعقوب بحياة يوسف ﵉.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: الملك الأعلى من اللطف بنا أهل البيت ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وفي ذلك إشارة إلى أنه كان يعلم حياة يوسف، ويتوقع رجوعه إليه). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على علم يعقوب بحياة يوسف، وأنه كان يتوقع رجوعه إليه، بدلالة الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ففيها إيماء إلى علمه بحياة يوسف وبقائه حيًا ما لا يعلمون، وقيل: أعلم من تحقيق رؤيا يوسف ما لا تعلمون- حين رأى في المنام أحد عشر كوكبًا- أن ذلك سيكون وسيسجدون له. (^٢)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية موافقًا الخطيب: السمرقندي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (^٣)\nقال الرازي مؤكدًا إشارة الآية إلى هذا المعنى: (أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه. وذكروا لسبب هذا التوقع أمورًا: أحدها: أن ملك\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ١٤٧)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٠٦)، وفتح القدير (٣/ ٥٩)\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٢٠٧)، والتفسير الكبير (١٨/ ٥٠٠)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٧٦)، ولباب التأويل (٢/ ٥٥٥)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ٣٠٢).","vol":"1","page":520},{"text":"الموت أتاه فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر، وقال: اطلبه هاهنا. (^١) وثانيها: أنه عَلِم أن رؤيا يوسف صادقة، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف، ورؤيا مثله ﵇ لا تخطئ، وثالثها: لعلَّه تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه، ولكنه تعالى ما عيَّن الوقت فلهذا بقي في القلق، ورابعها: قال السدي (^٢): لما أخبره بنُوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله، طمع أن يكون هو يوسف، وقال: يبعُد أن يظهر في الكفار مثله (^٣». (^٤)\nوقال أبو السعود في معناها: (أعلم من لطفه ورحمته، فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي، أو أعلم وحيًا أو إلهامًا من جهته ما لا تعلمون من حياة يوسف). (^٥)\nويؤيد هذا الاستنباط قوله تعالى بعدها ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧] لما جاءه ملك الموت - كما تقدم إن صحّ - فسأله عن قبض روح\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٦٢٩)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٤٦٦)\n(^٢) هو إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة الهاشمي السدي، أبو محمد الحجازي الكوفي الإمام المفسر، صاحب التفسير، روى عن ابن عباس وأنس وطائفة، مات سنة ١٢٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٤، وطبقات المفسرين للداودي ص ٧٩.\n(^٣) أخرج الطبري عن السدي قال: (لما أخبروه بدعاء الملك، أحسَّت نفس يعقوب وقال: ما يكون في الأرض صِدّيق إلا نبي! فطمع قال: لعله يوسف). جامع البيان (١٦/ ٢٢٧) رقم الأثر (١٩٧١٦)، وينظر: زاد المسير (٢/ ٤٦٦)\n(^٤) التفسير الكبير (١٨/ ٥٠٠)\n(^٥) إرشاد العقل السليم (٤/ ٣٠٢)","vol":"1","page":521},{"text":"يوسف؟ قال: لا، ثم أشار إلى جانب مِصر وقال: اطلبه من ههنا، ولذلك قال: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ أي من أخبار يوسف وأخيه.\nوالظاهر أن قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يحتمل غير ذلك من المعاني، فيحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة فكلها قريبة محتملة، وإن كان أظهرها ما عليه أكثر المفسرين (^١) وهو علمه بحياة يوسف، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم توثيقه، وينظر: تفسير السمعاني (٣/ ٥٨)، وفتح القدير للشوكاني (٣/ ٥٩).","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>سورة الرعد</span>\nقال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: عند قوله تعالى: (﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ أي: الذين كانوا سببًا في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات، وإن علوا ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، أي: الذين تسبَّبُوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم، وتعظيمًا لشأنهم، ويقال: إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا، ثم يشكروا الله تعالى على الخلاص منها، والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات (^١) يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع). (^٢)\n\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتان:\nالدلالة الأولى:\nأنّ الدرجة تعلو بالشفاعة.\n_________\n(^١) وهي المذكورة في الآيات قبلها: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢٠ - ٢٢]\n(^٢) السراج المنير (٢/ ١٧٦)","vol":"1","page":523},{"text":"وجه الاستنباط:\nأنه إذا جاز أن تعلو الدرجة بمجرد التبعية لأهل الصلاح تعظيمًا لشأنهم، فلأن تعلو بشفاعتهم أولى. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن الدرجة تعلو بالشفاعة؛ لأن الله تعالى أخبر عن ثواب المؤمنين الطائعين أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم، تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، فجعل مِن ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدلّ على أنهم يدخلونها كرامة له. (^٢)\nوالواو في ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ على هذا المعنى هي واو المعية، وذلك زيادة في الإكرام بأن جعل أصولهم، وفروعهم، وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة، لصلاحهم في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هُم به، فلهم الفضل في الحالين.\n_________\n(^١) ينظر: روح البيان لحقي (٤/ ٣٦٧).\n(^٢) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ قولان: الأول: قال ابن عباس: يريد من صدَّق بما صدَّقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم، وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي - كما نسبه إليه الرازي-: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مُصلحًا في عمله فهو يدخل الجنة. ينظر: التفسير الوسيط (٣/ ١٤)، وجامع البيان (١٦/ ٤٢٤)، ومعاني القرآن وإعرابه (٣/ ١٤٧)، والتفسير الكبير (١٩/ ٣٦).","vol":"1","page":524},{"text":"وعلى هذا ففي الآية بشارة لمن كان له سلفٌ صالح، أو خلفٌ صالح، أو زوجٌ صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصفات أنه إذا صار إلى الجنة لِحق بصالح أصوله أو فروعه أو زوجه. (^١)\nقال ابن كثير: (يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقرَّ أعينهم بهم، حتى إنه تُرفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الطور: ٢١]). (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية على هذا المعنى: الواحدي، والبيضاوي، وابن عادل، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nوهي دلالة صحيحة، فالشفاعة يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهي رحمة من الله تعالى لعباده، ينجو بها من يشاء الله تعالى نجاته من النار، وترتفع بها درجات المؤمنين في الجنة، وحقيقتها إرادة الله تعالى إكرام الشافع، ورحمة المشفوع له كما هو ظاهر الآية. (^٤) والله تعالى أعلم. (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (١٣/ ١٣١)\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥١)\n(^٣) ينظر: التفسير الوسيط (٣/ ١٤)، أنوار التنزيل (٣/ ١٨٦)، واللباب في علوم الكتاب (١١/ ٢٩٦)، وغرائب القرآن (٤/ ١٥٤)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ١٨)، وروح البيان (٤/ ٣٦٧)، والتحرير والتنوير (١٣/ ١٣١).\n(^٤) ينظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٠)، وشرح الطحاوية لأبي العز (١/ ٢٠٦)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ: عبد الله بن محمد الغنيمان ص (٢٢)\n(^٥) ضعَّف بعض المفسرين دلالة الآية على هذا المعنى منهم الألوسي، والأظهر ماعليه عموم المفسرين. ينظر: روح المعاني (٧/ ١٣٦)","vol":"1","page":525},{"text":"الدلالة الثانية من الآية:\nالتعلق بالأنساب لا ينفع.\nوجه الاستنباط:\nأن في التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة فائدة التقييد بوصف الصلاح وهي أن مجرد الأنساب لا تنفع، وإنما ينفع العمل الصالح؛ فالآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة، ولا ينفع كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.\nقال الشوكاني: (وذكر الصلاح دليل على أن لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح). (^٢)\nونصّ على هذه الدلالة من الآية جمهور المفسرين كالزجاج، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان، والسمين الحلبي، وابن كثير، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: إرشاد العقل السليم (٥/ ١٨)\n(^٢) فتح القدير (٣/ ٩٥)\n(^٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٣/ ١٤٧)، والتفسير الكبير (١٩/ ٣٦)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٣١٢)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٨٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ١٥٣)، والبحر المحيط (٦/ ٣٨٢)، والدر المصون (٧/ ٤٤)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥١)، وغرائب القرآن (٤/ ١٥٤)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ١٨)، وروح البيان (٤/ ٣٦٧)، وفتح القدير (٣/ ٩٥)، وروح المعاني (٧/ ١٣٦)","vol":"1","page":526},{"text":"قال الزجاج: (أعلم الله - ﷿ - أن الأنساب لا تنفع بغير أعمال صالحة فقال: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ممن جرى ذكره). (^١)\nوقال النسفي: (ووصفهم بالصلاح ليُعلم أن الأنساب لا تنفع بنفسها). (^٢)\nوعلىه فدلالة هذه الآية ظاهرة في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب، وأن التقوى والصلاح هي المنجاة، وأما مجرد النسب من الصالح فلا ينفع. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) مدارك التنزيل (٢/ ١٥٣)","vol":"1","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>سورة إبراهيم</span>\nالخوف من الله مغاير للخوف من وعيده.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات، ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقيل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: خافني، فالمقام مُقحم مثل ما يقال: سلامٌ على المجلس العالي، والمراد السلام على فلان، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: ما أوعدت من العذاب (^١)، وهذا يدلّ على أنّ الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران: المغايرة بين خوف الله تعالى وخوف وعيده؛ لأنّ الله تعالى في هذه الآية عطف الخوف من جنابه سبحانه على الخوف من وعيده والعطف، يقتضي المغايرة.\nومعنى خاف مقامي: أي خافني، فلفظ (مقام) مُقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله؛ فإذا قيل: خاف مقامي كان فيه من المبالغة ما ليس في (خافني)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٦/ ٥٤٣)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":528},{"text":"بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه (^١)، وعطفَ جملة ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ على ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ مع إعادة فعل (خاف) دون اكتفاء بعطف (وعيد) على (مقامي) لأن هذه الصلة وإن كان صريحها الثناء على المخاطبين فالمراد منها: التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد الله، ولولا ذلك لكانت جملة ﴿خَافَ مَقَامِي﴾ تغني عن هذه الجملة، فإن المشركين لم يعبئوا بوعيد الله وحسبوه عبثًا، وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم، فكان المقام للفريقين، فجمع في جزاء المؤمنين بدمج التعريض بوعيد الكافرين، وفي الجمع بينهما دلالة على أن مِن حق المؤمن أن يخاف غضب ربه ويخاف وعيده. (^٢)\nقال ابن كثير في معنى هذه الآية: (هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]). (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (^٤)\nوالذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على المغايرة بين الخوف من الله، والخوف من وعيده، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (مقام) يحتمل المصدر والمكان. قال الفراء: مقامي مصدر أضيف إلى الفاعل أي: قيامي عليه بالحفظ لأعماله، ومراقبتي إياه لقوله: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت. وقال الزجاج: مكان وقوفه بين يدي للحساب، وهو موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وعلى إقحام المقام أي لمن خافني. ينظر: معاني القرآن (٢/ ٧١)، ومجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٣٣٧)\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير (١٣/ ٢٠٨)\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٨٤)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (١٩/ ٧٨)، وغرائب القرآن (٤/ ١٨٢)، التحرير والتنوير (١٣/ ٢٠٨)","vol":"1","page":529},{"text":"الاستعانة بمنافع الدنيا على إقامة الطاعات.\nقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈، كما فعل إبراهيم - ﵇ - في دعائه لذريته.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا وغرضه منها أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بيّن علّة طلب تيسير المنافع على أولاده وهي أن يتفرّغوا للطاعة وأداء ما أوجب الله عليهم فقال ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، لا لطلب رغد عيش أو بسط نعمة.\nقال ابن عاشور: (ورجاء شُكرهم داخل في الدعاء؛ لأنه جعل ذلك تكملة له، تعرضًا للإجابة، وزيادةً في الدعاء لهم بأن يكونوا من الشاكرين، والمقصود:\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":530},{"text":"توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب). (^١)\nوقال بهذا الاستنباط من المفسرين: الرازي، والخازن، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nقال الخازن: (فيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا، إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات). (^٣)\nوهذه فائدة لطيفة حسُن التنبيه عليها؛ لئلا يتعلق القلب بالاستكثار من الدعاء لأجل حظوظ النفس وبسط العيش فينسى العبد ذِكر المتفضل عليه بالنعم وشُكره، بل يستعين بنعم الله على طاعته، ويستكثر من الدعاء بطلب عون الله له على ذكره وشكره وحسن عبادته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١٣/ ٢٤٢).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (١٩/ ١٠٥)، ولباب التأويل (٣/ ٤٢)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٠٠)، والتحرير والتنوير (١٣/ ٢٤٢).\n(^٣) لباب التأويل (٣/ ٤٢).","vol":"1","page":531},{"text":"أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.\n﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى، وقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مصرًا على أنّ الكل من الله تعالى). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - بدلالة الجمع بين الآيات أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّه تعالى قال عن إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] فطلب أن يجنبه ويبعده وذريته عن عبادة الأصنام، وهذا يدل على أنّه لا يحصل ترك المنهيات إلا من الله تعالى، ثم قال بعدها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] فدعا ربه أن يجعله مؤديًا للصلاة، محافظًا عليها، مقيمًا لحدودها، وهذا يدل على أنّه لا يحصل فعل المأمورات إلا من الله تعالى، وذلك كما قال الخطيب تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مُقرًا أنّ الكل من الله تعالى.\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":532},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: القشيري، والرازي، وابن عادل، وغيرهم. (^١)\nقال القشيري: (قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه: اجعل صلاتى، والجعل والخلق بمعنى، فإذا جعله مقيم الصلاة، فمعناه أن يجعل له صلاة). (^٢)\nوهي دلالة صحيحة، ووجه استنباطها بدلالة الجمع بين الآيتين ملحظ لطيف.\nوقد مضى الكلام عن خلق الله لأفعال العباد (^٣)، وأن خلقه تعالى أفعال العباد خيرها وشرها لا يخرجها عن كونها مقدورة للعبد، وأنه تعالى خلق القادر والقدرة والمقدور معًا، كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وخلق فيهم اختيارهم كما أخبر تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٤).\nوالقول بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، وكل ذلك وفق مشيئته تعالى وإرادته، هو قول الجمهور من أهل السنة، والجهمية، والأشاعرة،\n_________\n(^١) ينظر: لطائف الإشارات (٢/ ٢٥٨)، والتفسير الكبير (١٩/ ١٠٦)، واللباب في علوم الكتاب (١١/ ٤٠٣).\n(^٢) لطائف الإشارات (٢/ ٢٥٨)\n(^٣) ينظر: الاستنباط رقم (٩٦) من سورة الأعراف.\n(^٤) ينظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للبيهقي ص ١٤٣ - ١٤٤، والتوحيد للماتريدي ص ٢٢٨، وشرح الطحاوية (١/ ٤٣٨)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٢٩٣)، وشرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين (١/ ٣٢٥)","vol":"1","page":533},{"text":"ومن وافقهم، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا (^١)، وقد تقدمت، والله تعالى أجلُّ وأعلم.\n_________\n(^١) ينظر: خلق أفعال العباد للبخاري ص ١٠٨، واعتقاد أئمة الحديث للجرجاني (١/ ٦٠)، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة (١/ ١٦١)، والفصل في الملل لابن حزم (٣/ ٣٢)، والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية للعمراني (١/ ٦٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٤٩ (، وشفاء العليل (١/ ١٣١ ومابعدها).","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>سورة الحجر</span>\nإيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل.\nقال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة اللازم استنباطًا تربويًا، وهو أن إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل، والركون إلى الدنيا وزينتها، وليس هذا من أخلاق المؤمنين، إذ المعنى: اتركهم يا محمد على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا، ويلهِهُم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد، فإن إلهاء الأمل لهم عن اتّباعك سوف يعلمون عاقبته بعد حين، وفي هذا تهديد وزجر لهم، وأنه لا واعظ لهم إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم (^٢)، وهذا يدل على ذمِّ طول الأمل وسوء عاقبته وحرمان صاحبه.\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٢١٧)\n(^٢) ينظر: الكشاف للزمخشري (٢/ ٥٧٠)، وأنوار التنزيل للبيضاوي (٣/ ٢٠٦)","vol":"1","page":535},{"text":"وهي فائدة حسنة، وافق الخطيب في استنباطها من الآية: الزمخشري، والرازي (^١)، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والألوسي،\nوغيرهم. (^٢)\nقال أبو حيان: في قوله: ﴿يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ إشارة إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للموت، والتأهب له، ليس من أخلاق من يطلب النجاة من عذاب الله في الآخرة. (^٣)\nويؤيده هذا الاستنباط ما جاء في السُنَّة من ذم الدنيا والتحذير منها والتنبيه على عدم الاغترار بها، والتحذير من طول الأمل، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر». (^٤)\nقال الحسن البصري (^٥): (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل). (^٦)\n_________\n(^١) قال: (والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ماروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان: الحرص على المال وطول الأمل»، وعن علي - ﵁ - أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق). ينظر: التفسير الكبير (١٩/ ١١٩)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٥٧٠)، والتفسير الكبير (١٩/ ١١٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢٠٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ١٨٣)، ولباب التأويل (٣/ ٤٨)، والبحر المحيط (٦/ ٤٦٥).\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ٤٦٥)\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا برقم (١٠٤٧)، (٢/ ٧٢٤)\n(^٥) هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، إمام أهل البصرة، تابعي، ثقة، فقيه، زاهد، كان من سادات التابعين، وأفتى في زمن الصحابة، توفي سنة ١١٠ هـ. ينظر: طبقات المفسرين للداودي ص ١٠٦، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ٢٤٤)، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٣.\n(^٦) أخرجه عن الحسن البيهقي في شعب الإيمان (١٣/ ٢٥٥) برقم ١٠٢٩٩، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٩)","vol":"1","page":536},{"text":"فالأمل يُثبّط عن العمل، ومتى تمكن من القلب فسد واشتد علاجه، فلا ينفع فيه دواء. وشأن المؤمن الإقبال على ربه والانشغال بالطاعة، والاستعداد لما بعد الموت فلا تغره الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣). وينظر: العاقبة في ذكر الموت لعبد الحق الأزدي المعروف بابن الخراط (١/ ٦٥)","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>سورة النحل</span>\nإمكانية سقوط بعض العقاب عن المؤمنين بفضل الله تعالى.\n﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].\nقال الخطيب الشربيني - رحمه الله تعالى-: (﴿كَامِلَةً﴾ لئلا يتوهم أنه يكفر عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البرّ التي عملوها في الدنيا، بل يعاقبون بكل أوزارهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه. قال الرازي: «وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلًا في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة» (^١». (^٢)\n\nالدراسة:\nنقل الخطيب عن الرازي (^٣) استنباط إمكانية سقوط بعض العقاب عن المؤمنين بدلالة مفهوم المخالفة؛ إذ تخصيص أوزار الكافرين بكونها كاملة، يفيد أن أوزار غيرهم من المؤمنين تحتمل النقص.\nوهذه لطيفة من لطائف الاستنباط عند الخطيب ملحظها حسن دقيق، إذ لا معنى لتقييد أوزار الكافرين بكونها كاملة إلا أن أوزار غيرهم من المؤمنين ليست كذلك.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٠/ ١٩٧)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٢٥٣)\n(^٣) وهذه من المواضع التي صرَّح فيها الخطيب بمن نقل الاستنباط عنه.","vol":"1","page":538},{"text":"وهي دلالة صحيحة؛ إذ ثبت أن الله تعالى يخفف العذاب عن بعض المؤمنين بل يرفعه عنهم بالكلية، وهذا مقتضى رحمته تعالى ولطفه بعباده المؤمنين، وكرمه، كما جاء في غير آية من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nوفي الحديث القدسي عند مسلم: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة». (^١)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الخازن، وابن عادل، والنيسابوري، وطنطاوي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nويشهد لصحة دلالة هذه الآية أيضًا ما ثبت في القرآن أنه تعالى لا يخفف عن الكفار شيئًا من العذاب. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]، فنصَّ تعالى على كمال عذاب الكفار وتمامه، وخصَّهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى برقم (٢٦٨٧) (٤/ ٢٠٦٨)\n(^٢) ينظر: لباب التأويل (٣/ ٧٣)، وغرائب القرآن ٤/ ٢٥٧)، واللباب في علوم الكتاب (١٢/ ٤٢)، والتفسير الوسيط لطنطاوي (٨/ ١٣١)، وروح المعاني (٧/ ٣٦٥).","vol":"1","page":539},{"text":"به في كثير من الآيات، وإذا ثبت هذا في حق الكفار كانت دلالة هذه الآية على جواز تخفيف بعض العقاب عن المؤمنين أقوى وأظهر، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":540},{"text":"فائدة لفظ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾\nوالسقف عادة لا يكون إلا من فوقهم:\nقال الله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والسقف من فوقهم؟\nأجيب: بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ دلَّ على أنهم كانوا تحته، وحينئذٍ يفيد هذا الكلام بأنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nبدلالة الإشارة في قوله تعالى ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حيث أفادت التأكيد.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة لفظ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، ومعلوم أن السقف من فوقهم، وهي الدلالة على أنهم كانوا تحته؛ حيث أفاد النص على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ التأكيد على أنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها؛ لأنه يُحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، فلما قال ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ عُلِم أنهم كانوا تحته، ورفعَ الإيهام في ذلك، وأنه\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":541},{"text":"لما خرَّ عليهم أُهلكوا وماتوا في مأمنهم، وذلك أنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم وشِدَّته، كان ذلك البنيان سبب هلاكهم. (^١)\nقال ابن عطية في تأكيد هذه الدلالة: (معنى قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ رفعَ الاحتمالَ في قوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ فإنك تقول: انهدم على فلان بناؤه وهو ليس تحته، كما تقول: انفسد عليه متاعه، وقوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ألزم أنهم كانوا تحته (^٢». (^٣)\nوقد نصَّ على هذه الدلالة غيره من المفسرين كالرازي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، والألوسي، وغيرهم. (^٤)\nقال القرطبي في قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: (وُكِّد ليُعلمك أنهم كانوا حالِّين تحته. والعرب تقول: خرَّ علينا سقف ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: «من فوقهم» ليُخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: «من فوقهم» أي عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا) (^٥). (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: لباب التأويل (٣/ ٧٤)\n(^٢) ذكر الزركشي احتمالًا آخر فقال: (رفعَ الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون مِن تحت بالنسبة؛ فإن كثيرًا من السقوف يكون أرضًا لقوم وسقفًا لآخرين، فرفع تعالى هذا الاحتمال بشيئين: وهما قوله: [عليهم] ولفظة [خرَّ] لأنها لا تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى سفل.) ينظر: البرهان في علوم القرآن (٣/ ٦٧).\n(^٣) المحرر الوجيز (٣/ ٣٨٨)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٢٠/ ١٩٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٩٧)، ولباب التأويل (٣/ ٧٤)، والبحر المحيط (٦/ ٥٢١)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٥٨)، وفتح القدير (٣/ ١٨٩)، وروح المعاني (٧/ ٣٦٦).\n(^٥) حكاه عن ابن الأعرابي، وينظر قول ابن الأعرابي في: إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين درويش (٥/ ٢٩٣)، وياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن لمحمد بن أبي هاشم الباوردي (١/ ٢٩٣).\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٩٧).","vol":"1","page":542},{"text":"وهذه فائدة حسنة؛ إذ لو لم ينصّ على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ لما أفادت هذا المعنى، وتطرَّق الاحتمال لخرِّ السقف عليهم من وجوه كثيرة، والله تعالى أعلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مُكلفون، مُدارون على الأمر والنهي، والوعد والوعيد، كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء، وأنهم معصومون من الذنوب؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يدل على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في\nأمر من الأمور، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ([الأنبياء: ٢٧]. (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان:\nالدلالة الأولى:\nتكليف الملائكة، وأنهم بين الخوف والرجاء.\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم يخافون ربهم ويفعلون ما يؤمرون، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، وبه علَّل تخصيصهم بالسجود. (^٢)\nالدراسة:\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٢/ ٢٣٥)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٥/ ٤٠٨)","vol":"1","page":543},{"text":"استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تكليف الملائكة من قِبل الله تعالى، وأن الأمر والنهي مُتوجه عليهم كسائر المكلفين؛ لأنه تعالى قال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وأنهم بين الخوف والرجاء، أما على الخوف فهو ظاهر، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف لأن الخوف يستلزم الرجاء. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والنيسابوري، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nوظاهر الكتاب والسنة تكليف الملائكة كما أخبر الله تعالى عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وقال ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا كله تكليف وناشئ عن التكليف (^٣)، لكن الملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. فتركُهم للمعصية، وفعلهم للطاعة جبلّة، لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.\n_________\n(^١) ينظر: روح المعاني للألوسي (٧/ ٣٩٧)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٦١٠)، والتفسير الكبير (٢٠/ ٢١٨)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢٢٩)، ومدارك التنزيل (٢/ ٢١٦)، واللباب في علوم الكتاب (١٣/ ٤٨١)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٦٨)، وروح البيان (٥/ ٤٢)، وروح المعاني (٧/ ٣٩٧)\n(^٣) ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/ ٤٠٩.وحاشية العدوي (١/ ٢٤٧)","vol":"1","page":544},{"text":"ولعلّ هذا هو السبب الذي حمل فريقًا من العلماء إلى القول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين، وإنهم ليسوا بداخلين في الوعد والوعيد. (^١)\nوالظاهر أن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كُلِّف بها أبناء آدم. أما القول بعدم تكليفهم مطلقًا، فهو قول مردود؛ لأنهم مأمورون بالعبادة والطاعة كما أخبر تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وفي الآية أنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية، كما قال فيهم: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. (^٢)\nقال ابن القيم: (وأما الملائكة فليسوا بداخلين تحت أحكام تكاليف البشر حتى يصح قياسهم عليه (^٣) فيما يقولونه ويفعلونه، فأين أحكام الملك من أحكام البشر، فالملائكة رُسُل الله في خلقه وأمره يتصرفون بأمره لا بأمر البشر). (^٤)\nوبهذا يظهر أن الملائكة مكلفون تكليفًا خاصًا يختلف عن تكليفنا (^٥)، كاختلاف تكليفنا عن تكليف الجن، وأنهم لا يفعلون إلا ما أُمروا به، وأنهم\n_________\n(^١) ينظر: المرجع السابق\n(^٢) عالم الملائكة الأبرار للدكتور عمر الأشقر (١/ ٢١)\n(^٣) يعني محل النزاع في المسألة التي تخللها الكلام عن الملائكة وهي: (هل يسوغ لأحدٍ أن يصلي على غير الرسول ﷺ؟.)\n(^٤) ينظر: جلاء الأفهام (١/ ٤٧٧)، وبدائع الفوائد (٣/ ٢٠٤)\n(^٥) ينظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (١/ ٢٥٦) قال السيوطي: (قال ابن جماعة: المكلفون على ثلاثة أقسام: قسم كُلف من أول الفطرة قطعًا وهم الملائكة وآدم وحواء - ﵈ -، وقسم لم يكلف من أول الفطرة وهم أولاد آدم، وقسم فيهم نزاع والظاهر أنهم مكلفون من أول الفطرة وهم الجان).","vol":"1","page":545},{"text":"مخيّرون، إلا أن طبيعتهم لا تقبل الاعتراض؛ لأن الله فطرهم على الطاعة، ولم يخلق لهم الشهوات التي خلقها للبشر، كما دلت عليه هذه الآية، والله تعالى أجلّ وعلم.","vol":"1","page":546},{"text":"الدلالة الثانية:\nعصمة الملائكة من الذنوب.\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فهو يتناول فعل المأمورات، وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض المدح. (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الملائكة معصومون من الوقوع في الذنوب؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يدل على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء، ٢٧). ولأنه تعالى قال ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وقال: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وهذا وأمثاله يتناول فعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض المدح، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله تعالى مدحهم على ترك المعاصي والمخالفة ودوام الطاعة.\nويؤيده أن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، والرسل معصومون، كما قال تعالى في تعظيمهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم، فهم أتقى الخلق، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].وهو يفيد المبالغة التامة في الاشتغال بالعبادة، وهذا يدل على\n_________\n(^١) ينظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":547},{"text":"العصمة. (^١) كما أنه تعالى رفع منهم الشهوة، التي هي داعية الذنب، والمعصية، والهوى. (^٢)\nوقد اتفق أئمة المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة كجبريل وغيره حكم النبيين، في العصمة في البلاغ عن الله، وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك الملائكة، كما أجمع المسلمون على فضلهم وتزكيتهم.\nوأما عدا الرسل فقد اختلف العلماء فيهم، فمِنهم من أثبت عصمتهم تمسكًا بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وخصَّصه آخرون بالمقربين من الملائكة كالحملة ونحوهم.\nوقال بعضهم إنه يصح وقوع ذلك منهم، بدليل قصة إبليس، عند من يقول أنه كان من الملائكة (^٣)، والأظهر والله تعالى أعلم عصمتهم. (^٤)\nوممن استنبط عصمة الملائكة من موضع هذه الآية: الرازي، والنيسابوري (^٥)، وغيرهما. (^٦)\n_________\n(^١) قال البلقيني: العصمة واجبة لصفة النبوة والملائكية وجائزة لغيرهما، ومن وجبت له العصمة فلا يقع منه كبيرة ولا صغيرة ولذلك نعتقد عصمة الملائكة المرسلين منهم وغير المرسلين. أ. هـ ينظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (١/ ٢٥٣)، وينظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٢/ ٢٢٨)، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٢١)\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥١)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٣٤)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٠٤)\n(^٣) والصحيح أنه ليس منهم، ينظر الاستنباط رقم: (١٤)\n(^٤) ينظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٢/ ٢٢٨)، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ٢١)\n(^٥) ينظر: التفسير الكبير (٢٠/ ٢١٧)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٦٨)\n(^٦) نصّ على عصمة الملائكة غيرهم من المفسرين في غير موضع هذه الآية. ينظر: لطائف الإشارات للقشيري (٢/ ٤٩٩) والكشاف (٢/ ٧٢٧)، ولباب التأويل (١/ ٦٦)، وتفسير ابن عرفة لأبي عبدالله محمد بن عرفة (١/ ٢٣٩)، وروح المعاني (١/ ٣٤٠)","vol":"1","page":548},{"text":"قال ابن القيم: (ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧ - ٢٨] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]). (^١)\nوقال أبو حيان في غير موضع هذه الآية: (وكان من القواعد الشرعية والعقائد الإسلامية عصمة الملائكة من المعاصي والاعتراض.) (^٢)\nوالذي يظهر أن الملائكة معصومون خلقوا للطاعة؛ بدلالة هذه الآية، ولأن الملائكة رسل الله، والرسل معصومون، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (٢/ ١٢٧)، وينظر: فتاوى الشبكة الإسلامية (١/ ١٥٥٦).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":549},{"text":"العهد غير اليمين.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيه دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين، لأنه أعم منه). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nعطف اليمين على العهد والعطف يقتضي التغاير. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة الاقتران أن المراد بالعهد غير اليمين؛ لأنه أعم منه، وقد عطف اليمين على العهد، والعطف يقتضي التغاير، فلا يُحمل العهد على اليمين، لأنه لو حُمِل عليه لكان قوله بعدها: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تكرارًا؛ لأن الوفاء بالعهد، والمنع من النقض متقاربان، إذ الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك، فدلَّ على أن العهد غير اليمين.\nوممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية: ابن عطية، والقرطبي، والرازي، والخازن، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٢٨٨)\n(^٢) تقدم توثيقه.\n(^٣) ينظر: المحرر الوجيز (٣/ ٤١٧)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٦٩)، التفسير الكبير (٢٠/ ٢٦٣)، ولباب التأويل (٣/ ٩٦): ومحاسن التأويل (٦/ ٤٠٤).","vol":"1","page":550},{"text":"وعلى هذه الدلالة ففي الآية حجة على من احتج بالآية أن العهد يمين (^١)، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب الحنفية (^٢) والحنابلة (^٣) إلى أن العهد يمين، وللمالكية في ذلك قولان: أظهرهما عندهم أن العهد ليس بيمين. (^٤)، وذهب الشافعية إلى أنه لا يكون يمينًا إلا بالنية (^٥).\nوالأظهر والله أعلم ما ذهب إليه الأحناف والحنابلة أن عهد الله يعتبر يمينًا (^٦) خلافًا لما حكاه الخطيب، لأن اليمين هي عهد الله على تحقيق شيء أو نفيه، فالوفاء بالعهد عام يدخل تحته اليمين، وهو من باب عطف الخاص على العام، حيث خصَّ الله اليمين بالذكر تنبيهًا على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية. (^٧)\nقال في المبسوط: (النذر يمين وكفارته كفارة اليمين) وكذلك لو قال: عهد الله علي، فالعهد يمين. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]\n_________\n(^١) وهم الشافعية والمالكية. كما سيأتي بيانه.\n(^٢) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٦)، والهداية في شرح بداية المبتدي (٢/ ٣١٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٥/ ٧٥)\n(^٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد (٢/ ٤١١)، والفروع لابن مفلح (١٠/ ٤٥٢)، والإنصاف للمرداوي (١١/ ٣١)، والفتاوى لابن تيمية (٥/ ٥٥٢)، والاختيارات الفقهية (١/ ٦٢١)\n(^٤) ينظر: الذخيرة للقرافي (٤/ ٨)، ومختصر خليل (١/ ٨٢)، حاشية الدسوقي (٢/ ١٢٨)، وحاشية العدوي (٢/ ٣٠)، والثمر الداني للأزهري (١/ ٤٣٠)\n(^٥) ينظر: الأم (٧/ ٦٥)، والحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٧٩)، والمهذب للشيرازي (٣/ ٩٧)\n(^٦) وممن جعل العهد في هذه الآية يمين: السمرقندي، والسمعاني، والبغوي، وغيرهم ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٢٨٨)، وتفسير السمعاني (٣/ ١٩٧)، ومعالم التنزيل (٣/ ٩٣)\n(^٧) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٢٠/ ٢٦٣)","vol":"1","page":551},{"text":"ومعناه: إذا حلفتم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. (^١)\nوقال ابن عطية: («عهد الله» لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وبالجملة كل ما كان طاعة بين العاهد وبين ربه، كان فيه نفع للغير أو لم يكن، وقوله ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ خصَّ في هذه الألفاظ العهود التي تقترن بها أيمان، اهتمامًا بها وتنبيهًا عليها). (^٢)\nوعليه فدلالة الآية على أن العهد ليس بيمين كما قال الخطيب لا تظهر كل الظهور، بل الأقوى والأقرب أن العهد يمين كما تقدم.\nقال ابن قدامة: (إذا حلف بالعهد أو قال: عهد الله وكفالته، فذلك يمين يجب تكفيرها إذا حنث فيها.) (^٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المبسوط للسرخسي (٧/ ٢٣)\n(^٢) المحرر الوجيز (٣/ ٤١٧)\n(^٣) المغني (٩/ ٥٠٦) وينظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٥/ ٥٥٢).","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>سورة الإسراء</span>\nفائدة تنكير لفظ (ليلًا) في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (الإسراء: ١)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ نُصب على الظرف والإسراء سير الليل، وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته فكان هذا الأمر الجليل في جزء يسير من الليل). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nالتنكير في لفظ ليلًا دالٌ على معنى البعضية.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية فائدة تنكير لفظ ﴿لَيْلًا﴾ وهي الإشارة إلى تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به ﵊ في بعض من الليل، إذ معلوم أن السرى لا يكون إلا بالليل، فدلَّ ذكره على مزيد بيان، إما للتأكيد، أو للتنبيه على أنه المقصود بالذكر، كما أفاد تنكيره معنى البعضية. (^٢)\nقال العكبري (^٣): (وتنكيره يدل على قصر الوقت الذي كان الإسراء والرجوع فيه. (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٠٦)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط (٧/ ٩) والدر المصون (٧/ ٣٠٥)، واللباب في علوم الكتاب (١٢/ ١٩٤)، ومحاسن التأويل (٦/ ٤٢٧)\n(^٣) هو: عبدالله بن الحسين بن أبي البقاء العكبري، أبو البقاء محب الدين، الفقيه الحنبلي، النحوي الضرير، صاحب التصانيف، له كتاب: (إعراب القرآن)، و(متشابه القرآن)، و(إعراب الحديث) وغيرها، توفي سنة ٦١٦ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٥/ ١٥٣، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ٢١٩.\n(^٤) التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٨١١)","vol":"1","page":553},{"text":"وهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها جمهور المفسرين كالسمعاني، والزمخشري، ومحمود النيسابوري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nوقد أشار ابن عاشورإلى فائدة أخرى لهذا التنكير فقال: (في ذلك إيماء إلى أنه إسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضًا ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم. فتنكير ليلًا للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل أسرى، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمنًا لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم. ألا ترى كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١ - ٢] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة) (^٢).\nولا مانع من الجمع بينهما؛ إذ جاء التنكير في لفظ الليل للدلالة على تعظيمه، وإفادة معنى البضعية في جزء منه، كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢١٣)، والكشاف (٢/ ٦٤٦)، وإيجاز البيان عن معاني القرآن (٢/ ٤٩٣)، والتفسير الكبير (٢٠/ ٢٩٢)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢٤٧)، ومدارك التنزيل (٢/ ٢٤٤)، ولباب التأويل (٣/ ١٠٩)، والبحر المحيط (٧/ ٩)، ونظم الدرر (١١/ ٢٨٩)، وتفسير الجلالين (١/ ٣٦٤)، وفتح القدير (٣/ ٢٤٦)، ومحاسن التأويل (٦/ ٤٢٧): التحرير والتنوير (١٥/ ١١).\n(^٢) التحرير والتنوير (١٥/ ١١)","vol":"1","page":554},{"text":"غلبة رحمة الله سبحانه على غضبه.\nقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآية تدل على أن رحمة الله غالبة على غضبه بدليل أنه تعالى لما حكى عنهم الإحسان ذكره مرّتين فقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرّة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولولا أن جانب الرحمة غالب، وإلا لما كان كذلك) (^١).\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية دلالتها باللازم على سعة رحمة الله تعالى، وأنها غالبة على غضبه، بدليل تكرار لفظ الإحسان في الآية مقابل ذكر الإساءة مرّة واحدة، فدلّ على تغليب جانب الرحمة منه تعالى لعباده.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والنيسابوري، وحقي، وغيرهم. (^٢)\nقال النيسابوري: (أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة، ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب). (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣١٤)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٠/ ٣٠١)، وغرائب القرآن (٤/ ٣٢٦)، وروح البيان (٥/ ١٣٤)\n(^٣) غرائب القرآن (٤/ ٣٢٦).","vol":"1","page":555},{"text":"والذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذه الدلالة صحيحة في نفسها، فرحمة الله تعالى واسعة، قد سبقت غضبه كما جاء في الصحيح (^١)، لكنها غير ظاهرة الدلالة من معنى تكرار لفظ الإحسان؛ بل يحتمل هذا التكرار وجوهًا أقوى في الدلالة والمعنى.\nمنها: أنّ ذكر المحاسن وتكرارها أليق بالحكيم سبحانه من غيرها، ولذا قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ فقدَّم ذكر الإحسان وكرّره دون الإساءة، حكاه البيضاوي، والألوسي. (^٢)\nوقد تكون إعادة فعل ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ للتنويه والاهتمام بالإحسان، فلم يقل: إن أحسنتم فلأنفسكم. وهذا الأسلوب: إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيء به، أسلوب عربي فصيح يقصد به الاهتمام بذلك الفعل، وقد تكرر في القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣]، أفاده ابن عاشور (^٣)، وغيره، ويجوز أن يكون تَركُ تكرير الإساءة استهجانًا لها وإزراءً بها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) في رواية غلبت غضبي وفي رواية سبقت غضبي، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] برقم (٣١٩٤) (٤/ ١٠٦)\n(^٢) ينظر: حاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي (٣/ ١٠٩)، وروح المعاني (٢/ ٤٢٦)\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير (١٥/ ٣٤)","vol":"1","page":556},{"text":"عصمة القرآن من التحريف والتبديل وأنه نُقِل كما سُمع.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: حذفت واو «ويدع» أي: التي هي لام الفعل، خطًا (^١) في جميع المصاحف، ولا موجب لحذفها لفظًا في العربية، لكنها لما كانت لا تظهر في اللفظ حذفت في الخط، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]\nقال الفراء: (ولو كان ذلك بالواو والياء لكان صوابًا (^٢). وقال الرازي: «أقول هذ ايدل على أنه ﷾ قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير، فإنّ إثبات الواو والياء في أكثر ألفاظ القرآن، وعدم إثباتها في هذه المواضع المعدودة، يدل على أنّ هذا القرآن نُقل كما سمع، وأن أحدًا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوّة عقله» (^٣». (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب نقلًا عن الرازي بدلالة اللازم من الآية تنبيهًا لطيفًا، وهو أنه تعالى قد عصم كتابه عن التحريف والتغيير، لأن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن، وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة كما في لفظ ﴿وَيَدْعُ﴾ في هذه\n_________\n(^١) في الأصل (خطأ)، والصواب (خطًا) كما هو واضح من السياق، وقال به بعض المفسرين.\n(^٢) معاني القرآن للفراء (٢/ ١١٧)\n(^٣) التفسير الكبير (٢٠/ ٣٠٥)\n(^٤) السراج المنير (٣/ ٣١٩)","vol":"1","page":557},{"text":"الآية، وفي قوله تعالى ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، و﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] ونحوها، يدل على أن القرآن نُقِل كما سُمع، وأن القراء متبعون للأثر والرواية لا مجرد الرسم، فلم يتصرف في القرآن أحد باجتهاده، وإنما هو الرواية والسماع، فدلَّ على أن القراءة سنة متبعة.\nوهي دلالة ظاهرة قوية؛ إذ القياس إثبات الواو في قوله: ﴿وَيَدْعُ﴾ إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة، لعدم التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها، ولم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع، والضمة تقوم مقامها. (^١)\nقال أبو حيان: «﴿وَيَدْعُ﴾ بغير واو على حسب السمع». (^٢)\nقال أبو عمرو الداني (^٣): «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية، إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة ; لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها». (^٤)\nفثبت بهذا أن القراء يتقيدون بالرواية سماعًا دون الرسم، وليس رسم المصحف إلا كالتذكرة للقارئ، وأن القراءة سنة متبعة لا مجال فيها للرأي أو القياس. (^٥) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١١٧)، وتفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٣٠٣)، وفتح القدير للشوكاني (٣/ ٢٥١).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ١٩).\n(^٣) هو عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني، نسبة إلى دانية إحدى مدن الأندلس، القرطبي الأموي، المعروف بالصيرفي، شيخ المقرئين. حافظ، مجود، له عدة مؤلفات منها: التيسير، والمقنع؛ وجامع البيان؛ والوقف والابتداء، توفي سنة ٤٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٧٧)، غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٠٣).\n(^٤) في كتابه \" جامع البيان \"، نقله عنه ابن الجزري في النشر في القراءات العشر (١/ ١٠).\n(^٥) ينظر: المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي (١/ ٩٠)، والنشر في القراءات العشر (١/ ١٠)، ورسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة شعبان اسماعيل (١/ ٥٥).","vol":"1","page":558},{"text":"لا وجوب قبل الشرع.\nقال الله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أن لا وجوب قبل الشرع). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الله تعالى نصَّ أنه لا يعذب أحدًا حتى يبعث الرسول. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصّ على مسألة أصولية، وهي أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأنه تعالى نفى العقاب وإنزال العذاب قبل مجئ الرسل فقال ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ والوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فدلَّ على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل، ولا يجب شيء على أحد قبل بعث الرسول ﷺ. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٢٢)\n(^٢) ينظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٢٦)\n(^٣) ينظر: الوسيط للواحدي (٣/ ١٠١)","vol":"1","page":559},{"text":"نصَّ على ذلك: الواحدي، والسمعاني، والكيا الهراسي، والبغوي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن جزي، والخازن، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nوهذا ما عليه أهل السنة، أن التكليف لا يلزم العباد إلا من الشرع، لا من مجرد العقل كما زعمت المعتزلة (^٢)، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين (^٣)، والراجح فيها أنه لا حكم ولا تكليف قبل ورود الشرع (^٤) بدلالة هذه الآية، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تشهد لهذا المعنى كقوله تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى لا يعذب قومًا عذاب استئصال، ولا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسل.\nقال القرطبي: (في هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر). (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: الوسيط (٣/ ١٠١)، وتفسير السمعاني (٣/ ٢٢٦)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٤٩)، ومعالم التنزيل (٣/ ١٢٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٣١)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢٥٠)، والتسهيل (١/ ٤٤٣)، ولباب التأويل (٣/ ١٢٥)، والإكليل (١/ ١٦٦)، وروح المعاني (٨/ ٣٨)، والتحرير والتنوير (١٥/ ٥٢).\n(^٢) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٢/ ٧٣٥)، ومدارج السالكين (١/ ٢٣٤).\n(^٣) ينظر: المنخول للغزالي (١/ ٧٦)، والمحصول للرازي (١/ ١٣٩)، والإحكام للآمدي (١/ ٧٩).\n(^٤) قال الإمام النووي: (هذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥).) شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٠١)، وينظر: فتح الباري (١٣/ ٢٦١).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٣١).","vol":"1","page":560},{"text":"وتأويل المعتزلة هذه الآية، وحملُ الرسول على العقل مما لا يرتضيه العقل، وهو خلاف استعمال القرآن الكريم، ويبعده توبيخ الخزنة الكفار بقولهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] ولم يقولوا: أو لم تكونوا عقلاء! (^١) فظهرصحة هذه الدلالة، وأن الأصل في الأعمال قبل ورود الشرع سقوط التكليف؛ إذ شرط التكليف العلم بالمكلف به. (^٢) وهو ما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: روح المعاني (٨/ ٣٨).\n(^٢) ينظر: الموافقات للشاطبي (٥/ ٣٣٤).","vol":"1","page":561},{"text":"المبالغة في تعظيم طاعة الوالدين والإحسان إليهما.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (لفظ الآية يدل على معانٍ كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين منها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ثم أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة، وجعل من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أنّ هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة.\nومنها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد، وثنَّى بطاعة الله تعالى، وثلَّث ببر الوالدين، وهذه درجة عالية، ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة.\nومنها: أنه تعالى لم يقل: وإحسانًا بالوالدين بل قال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فتقديم ذكرهما يدل على شدّة الاهتمام بهما.\nومنها: أنه تعالى قال: ﴿إِحْسَانًا﴾ بلفظ التنكير، والتنكير يدل على التعظيم، أي: إحسانًا عظيمًا كاملًا لأنّ إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة، فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات لا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك على سبيل الابتداء. (^١)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٢٧)","vol":"1","page":562},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة النصّ عِظَم الوصاية ببر الوالدين والإحسان إليهما، وأن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة، لأنه تعالى أتبع الكلام عن السعي المشكور في الآخرة بقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، فجعل البر بالوالدين من جملة الأعمال التي يفوز بها العبد في الآخرة.\nوجعل الإحسان إلى الأبوين قرينًا لتوحيد الله وعبادته تأكيدًا لحقهما والعناية بشأنهما، كما قرن سبحانه في آية أخرى شكرهما بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه.\nثم خصَّ سبحانه حالة الكِبَر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها (^١)، ونهى عن أدنى كلمة يمكن أن تنفلت في حال التضجر فقال: (ولا تقل لهما أف ولاتنهرهما).\nقال القاسمي: (أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله ﷿ التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيهًا على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقول ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]). (^٢)\nوقدّم تعالى ذكرهما فقال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل وإحسانًا بالوالدين وهذا يدل أيضًا على شدّة الاهتمام بهما.\n_________\n(^١) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٣/ ٢٥٩)\n(^٢) محاسن التأويل (٣/ ١٠٣)","vol":"1","page":563},{"text":"كما أن في تنكير لفظ ﴿إِحْسَانًا﴾ دلالة أخرى؛ لأن التنكير يدل على التعظيم، فدلّ على أنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين بدلالة هذه الآية.\nوممن استنبط التأكيد على الوصاية بالوالدين من نظم الآية: الزمخشري، والرازي، والنسفي، والخازن، والشوكاني، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nويؤكد ذلك ماجاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود - ﵁ - قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله ﷿؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (^٢)، فأخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام، وهو استنباط ظاهر قوي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٢/ ٦٥٧)، والتفسير الكبير (٢٠/ ٣٢٣)، ومدارك التنزيل (٢/ ٢٥٢)، ولباب التأويل (٣/ ١٢٧)، وفتح القدير (٣/ ٢٥٩)، ومحاسن التأويل (٣/ ١٠٣)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب فضل الصلاة على وقتها، برقم (٥٢٧) (١/ ١١٢).","vol":"1","page":564},{"text":"ضعف العبد وعجزه، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - في قوله: (﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: بتطاولك، وهو تهكم بالمختال لأنّ الاختيال حماقة مجردة لا تفيد شيئًا ليس في التذلل، وفي ذلك إشارة إلى أنّ العبد ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط به من فوقه ومن تحته بنوعين من الجمادات، وهو أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ وهي الإشارة إلى ضعف العبد وعجزه، وأنه مهما بلغ من القوة والشدة، إلا أنه ضعيف لا يقدر على خرق أرض، ولا وصول إلى جبال، فهو محاط محصور، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر.\nوالخطاب في الآية جاء على سبيل التغليظ، والمقصود منه: التهكم بالمختال، والتشنيع بهذا الفعل (^٢)، أي: فاعرف قدرك، ولا تتكبر. (^٣) فإذا كنت لا تستوي\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٤٠).\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ٢٥٥)، ومدارك التنزيل (٢/ ٢٥٧)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ١٧٢)، وروح البيان لحقي (٥/ ١٥٩)، ومحاسن التأويل (٦/ ٤٦١).\n(^٣) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ١٥٦).","vol":"1","page":565},{"text":"في الأرض بمشيك، فقصرك نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق. (^١)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية موافقًا الخطيب: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وابن جزي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nقال الألوسي مقررًا هذا الاستنباط: (فيه تهكم بالمختال، أي: إنك لن تقدر أن تجعل فيها خرقًا بدوسك وشدة وطأتك، ولن تبلغ الجبال التي عليها طولا بتعاظمك ومد قامتك، فأين أنت والتكبر عليها؟ .. فأنت أضعف من كل واحد من هذين الجمادين، فكيف يليق بك التكبر، وقال بعض المحققين: مآل النهي والتعليل لا تفعل ذلك، فإنه لا جدوى فيه (^٣)، وهو وجه حسن.) (^٤)\nفجاءت إشارة هذه الآية إلى حرمة الخيلاء والكِبر؛ وأن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئًا كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء، وهو استنباط ظاهرقوي، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ٤٥٧)\n(^٢) ينظر: المرجع السابق، والتفسير الكبير (٢٠/ ٣٤٢)، الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٦١)، والتسهيل (١/ ٤٤٦)، وفتح القدير (٣/ ٢٧١)، وروح المعاني (٨/ ٧٣)، والتحرير والتنوير (١٥/ ١٠٣)، وأضواء البيان (٣/ ١٥٦).\n(^٣) ينظر: المرجع السابق\n(^٤) روح المعاني (٨/ ٧٣).","vol":"1","page":566},{"text":"فضل الصلاة والاستعانة بها في رد كيد الأعداء.\nقال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ بفعل جميع أركانها وشرائطها بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها فإنها لب العبادة، لما فيها من المناجاة والإعراض عن كل غير - إلى أن قال-: وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أنّ الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nلما ذكر تعالى مكايد المشركين بقوله ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ أرشد نبيه ﷺ إلى خير مُعين، فأمره بإقامة الصلاة والاشتغال بعبادته، تفويضًا للأمور إلى الله، وتعويلًا على فضله في دفع شر أعدائه. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب مِن مناسبة هذه الآية لما قبلها دلالتها باللازم على عظم شأن الصلاة وشرف هذه العبادة، وخاصيتها في دفع شر الأعداء، لما فيها من طمأنينة القلب وتفويض الأمر لله، والتوكل عليه في رد كيدهم؛ فلمَّا ذكر تعالى قبلُ كيد المشركين وإرادتهم استفزازه من الأرض، أمَره بأن يستعين بإقامة الصلوات والإقبال على عبادته، والابتهال إليه على دفع كيدهم ومكرهم.\nويؤيد صحة هذه الدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]،\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٦٠)\n(^٢) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٤/ ٣٧٥).","vol":"1","page":567},{"text":"وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. (^١) فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك، ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله، وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك غالبًا على أديانهم. (^٢)\nوممن وافق الخطيب مستنبطًا هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، وأبوحيان، والنيسابوري، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nولا ريب أن الصلاة أكبر معين على الثبات في الأمر، وإرشاده تعالى لنبيه ﷺ\nإلى هذه العبادة خاصة دون سائر العبادات دليل على مكانة الصلاة في دفع كيد الأعداء، وكفاية شرورهم، وكان هديه ﷺ في النوازل، وفي كل ما أهمه أن يفزع إلى الصلاة (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٦/ ٤٨٣)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٣٨٢)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٣٨٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٠٣)، والبحر المحيط (٧/ ٩٧)، وغرائب القرآن (٤/ ٣٧٥)، وروح المعاني (٨/ ١٢٦)، ومحاسن التأويل (٦/ ٤٨٣)، والتحرير والتنوير (١٥/ ١٨١)\n(^٤) جاء ذكرُ صلاته مع دعائه ﷺ حين التقاء الصَّف، عن عبدالله ابن مسعود قال: \" لما التقينا يوم بدر، قام رسول الله ﷺ يُصلِّي فما رأيتُ ناشدًا ينشد حقًا له أشدَّ من مناشدة محمد ﷺ، وهو يقول: اللَّهمَّ إني أنشدك وعدَك\"، ثم ذكر الدُّعاء الثابت المشهور. أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٨) برقم (٨٥٧٤)، وأخرج البخاري نحوه في كتاب التفسير باب قوله تعالى (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] برقم (٤٨٧٥) (٦/ ١٤٣).","vol":"1","page":568},{"text":"فضل التغليس بالفجر على الإسفار.\nقال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء - إلى أن قال-: وهذا يدل على أنّ التغليس أولى من التنوير؛ لأنّ الإنسان إذا شرع فيها من أوّل الوقت، ففي ذلك الوقت ظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرة، ثم امتدّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها، زالت الظلمة وظهر الضوء، وحضرت ملائكة النهار، وأمّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل، فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ يدل على أنّ التغليس أفضل). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى وصف قرآن الفجر بكونه مشهودًا ومعناه في قول أكثر المفسرين (^٢): أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الفجر؛ وخصَّ الفجر بإضافة القراءة إليه، فدلّ ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت. (^٣)\nالدراسة:\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٣٦٠)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٧/ ٥٢٠)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٠٢)، والدر المنثور (٥/ ٣٢١).\n(^٣) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٤/ ٣٧٦).","vol":"1","page":569},{"text":"استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أن التغليس بالفجر أفضل من التنوير؛ فإذا شرع المسلم في صلاته من أوّل الوقت لا تزال الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرة لبقاء الظلمة، وأمّا إذا ابتدأ بالصلاة في وقت التنوير لم يتبق أحد من ملائكة الليل فلا يحصل هذا المعنى، فثبت بهذا أن الصلاة في أول وقتها أفضل.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، والنيسابوري، وغيرهم (^١). (^٢)\nوقد اختلف العلماء في أفضلية وقت صلاة الفجر على قولين: الأول: أن التغليس بها أفضل (^٣) لما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغَلَس. (^٤)\nوروى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح». يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ\n_________\n(^١) خالف الألوسي في هذه الدلالة، والظاهر خلاف قوله. ينظر: روح المعاني (٨/ ١٣١).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٣٨٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٠٧)، ولباب التأويل (٣/ ١٤٠)، وغرائب القرآن (٤/ ٣٧٦).\n(^٣) ينظر: التمهيد لابن عبدالبر ٤/ ٣٣٧، والاستذكار ١/ ٣٦، والمغني ١/ ٢٣٧، وحاشية العدوي ١/ ٣٠٧، والذخيرة للقرافي ٢/ ٢٩، والفواكه الدواني للنفراوي ١/ ١٦٦. والمجموع للنووي ٣/ ٥٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر رقم (٥٥٣) ١/ ٢١٠، وباب صلاة النساء خلف الرجال رقم (٨٢٩) (١/ ٢٩٦)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس رقم (٦٤٥ – ٦٤٦) (١/ ٤٤٦).","vol":"1","page":570},{"text":"الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. (^١)\nقال شيخ الإسلام: (التغليس أفضل إذا لم يكن ثمَّ سبب يقتضي التأخير، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ تبين أنه كان يُغلِّس بصلاة الفجر). (^٢)\nوالقول الثاني: أن الإسفار بها أفضل (^٣)، وهو مخالف لما كان ﷺ يفعله من المداومة على التغليس، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل. (^٤)\nوقد صح عن رسول الله - ﷺ - وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يُغلِّسون، ومُحال أن يتركوا الأفضل ويأتوا الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل (^٥).\nوعليه فالتغليس بالفجر أفضل، وهو فعله ﷺ حتى مات، وفعل الخلفاء الراشدين بعده، واستنباطه من الآية ملحظ دقيق لطيف، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب: قوله ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ برقم (٤٧١٧)، (٦/ ٨٦)\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٩٥)\n(^٣) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. ينظر: المبسوط ١/ ١٤٥، والبحر الرائق ١/ ٢٦٠، وبدائع الصنائع ١/ ١٢٤\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/ ٣٠٧)\n(^٥) التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٣٤٠، وينظر: المغني لابن قدامة ١/ ٢٣٧، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ٤٠٣، وينظر: ينظر: تحفة الأخيار في الأفضل التغليس أو الإسفار لأبي عبد الله محمد بن المصطفى الأنصاري ص ٢٠.","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>سورة الكهف</span>\nإفراد الجنة في قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ لإرادة الجنس.\nقال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه يطوف به فيها ويُفاخره بها، وأفرد الجنة لإرادة الجنس، ودلالة ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها، لأنه لا حظّ له في الآخرة). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الإضافة في قوله ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ للاستغراق والعموم، فتفيد ما أفادته التثنية مع زيادة، وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على فائدة إفراد الجنة بعد التثنية في قوله ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير هذه الجنة، وأنه لا نصيب له في الآخرة، فالجنة ذُكرت بلفظ الإفراد مع أنه قال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ وقال ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ فإما أن يراد بالمفرد الجنس، وإما أن يراد إحدى الجنتين، وتكون العظمى هي التي دخلها. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٤١٦)\n(^٢) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٤/ ٤٣٠)\n(^٣) ينظر: تفسير سورة الكهف لابن عثيمين (١/ ٦٩)","vol":"1","page":572},{"text":"قال الزمخشري: (فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وُعِد المؤمنون، فما ملَكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما). (^١)\nونصَّ على هذه الدلالة غيرالزمخشري: الرازي، والبقاعي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nوخالف فيها أبو حيان، والنيسابوري، والشوكاني، وقالوا بضعف دلالة الآية على هذا المعنى المستنبط. (^٣)\nقال الشوكاني: (وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه كونه لم يُدخِل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما اتصلا كانا كواحدة، أو لأنه أدخله في واحدة ثم واحدة، أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما، وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحَّد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وُعِد المؤمنون.) (^٤)\nوالذي يظهر ضعف دلالة الآية على ما استنبطه الخطيب وغيره، لأنه لا يبعُد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما، أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة\n_________\n(^١) الكشاف (٢/ ٧٢١)، وضعَّف قوله أبوحيان قال: (ولا يُتصور ما قال لأن قوله \"ودخل جنته\" إخبار من الله تعالى بدخول ذلك الكافر جنته، فلا بد أن قصد في الإخبار أنه دخل إحدى جنتيه، إذ لا يمكن أن يدخلهما معًا في وقت واحد، والمعنى ودخل جنته يري صاحبه ما هي عليه من البهجة والنضارة والحسن). البحر المحيط (٧/ ١٧٦).\n(^٢) ينظر: الكشاف (٢/ ٧٢١)، والتفسير الكبير (٢١/ ٤٦٣)، ونظم الدرر (١٢/ ٥٩)، وروح المعاني (٨/ ٢٦٢)\n(^٣) ينظر: البحر المحيط (٧/ ١٧٦)، وغرائب القرآن (٤/ ٤٣٠)، وفتح القدير (٣/ ٣٣٩).\n(^٤) فتح القدير (٣/ ٣٣٩)، وينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٧/ ٣٣).","vol":"1","page":573},{"text":"واحدة منهما، يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراءات (^١) في قوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾ ولم يقل (منهما). (^٢) والله تعالى أعلم.\nعصمة الملائكة من الذنوب\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]\nقال الخطيب - ﵀ -: (﴿فَفَسَقَ﴾ أي: خرج بتركه السجود ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: سيده ومالكه المحسن إليه، والفاء للسببية، وفيه دليل على أنّ الملك لا يعصي البتة، وإنما عصى إبليس لأنه كان خبيثًا في أصله). (^٣)\n\nوجه الاستنباط:\nأنَّ الفاء للسببية فكونه من الجن سبب فسقه، ولو كان ملكًا لم يفسق عن أمر ربه لأن الملك معصوم دون الجن والإنس. (^٤)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أنّ الملك لا يعصي البتة لأنه تعالى ذكر علَّة عصيان إبليس كون أصله من الجن، فقال سبحانه ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائى، ينظر: السبعة في القراءات لابن مجاهد البغدادي (١/ ٣٩٠)، والنشر لابن الجزري (٢/ ٣١١)، وإتحاف فضلاء البشر للبنَّا الدمياطي (١/ ٣٦٦).\n(^٢) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٤/ ٤٣٠).\n(^٣) السراج المنير (٢/ ٤٢٥)\n(^٤) ينظر: روح البيان لحقي (٥/ ٢٥٥)","vol":"1","page":574},{"text":"إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور،\nفعند الحاجة خانه الطبع، وذلك أنه كان قد توسَّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم، وتعبَّد وتنسَّك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة. (^١)\nفدلَّ ذلك على أن الملائكة لا تعصي مطلقًا، والفاء للسببية، فكونه\nمن الجن سبب فسقه، ولو كان ملكًا (^٢) لم يفسق عن أمر ربه لأن\nالملك معصوم. (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وحقي، وغيرهما. (^٤)\n\nوالذي يظهر أن الملائكة معصومون خُلقوا للطاعة - كما تقدم - (^٥) بدلالة هذه الآية، ودلالة قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]؛ وقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. ولأن الملائكة رسل الله لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، والرسل معصومون، وهي دلالة صحيحة، واستنباطها من الآية يشهد لكون إبليس من الجن كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ١٦٧)\n(^٢) قال الحسن البصري: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم، ﵇، أصل البشر). ينظر: جامع البيان (١/ ٥٠٦)، والنكت والعيون (٣/ ٣١٣)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٦٧).\n(^٣) اختلف في إبليس هل هو من الجن أم من الملائكة على قولين، والذي عليه جماعة من أهل العلم أنه كان من الجن، وليس من الملائكة. وذكر شيخ الإسلام وتبعه ابن القيم أن الصواب هو التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول وحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. لأنه كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. ينظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٤٦)، وينظر الاستنباط رقم: (١٤).\n(^٤) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ٢٨٤)، وروح البيان (٥/ ٢٥٥)\n(^٥) تقدم الحديث عن عصمة الملائكة في استنباط سابق في سورة النحل وأحلت علية خشية التطويل والتكرار. ينظر الاستنباط رقم: (١٣٦)، وينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ١٢٧)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":575},{"text":"أدب العالم والمتعلم.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: ٦٦ - ٦٩)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلّت هذه الآية الكريمة على أنّ موسى ﵇ راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، منها أنه جعل نفسه تبعًا له بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾.\nومنها: أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، كأنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك؟ وهذه مبالغة عظيمة في التواضع.\nومنها: قوله - ﵇ - ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ وهذا إقرار منه على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم، ومنها: قوله ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ وصيغة «من» للتبعيض، وطلب منه تعليم بعض ما علِم، وهذا أيضًا إقرار بالتواضع كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا لك في العلم بل أطلب منك أن تعطيني جزءًا من أجزاء ما علِمت.\nومنها: أن قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف منه بأن الله تعالى علّمه ذلك العلم.\nومنها قوله: ﴿رُشْدًا﴾ طلب منه الإرشاد والهداية.\nومنها قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، ومنها: أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولًا أن موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه ﵇ مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدلّ على كونه ﵇ آتيًا في طلب العلم بأعظم أبواب المبالغة في التواضع، وذلك يدل على أن هذا هو اللائق به، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه لها أشدّ،","vol":"1","page":576},{"text":"فكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأرشد.\nوكل ذلك يدلّ على أنّ الواجب على المتعلم إظهار التواضع بكل الغايات، وأمّا المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيد نفعًا وإرشادًا إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنّ السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور، وذلك يمنعه من التعلم). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآيات في قصة موسى - ﵇ - مع الخضر دلالتها باللازم على ضرورة مراعاة الأدب وإظهار التواضع من المتعلم لمعلمه بكل الوسائل؛ حيث كان لموسى - ﵇ - مع الخضر ضروبًا عظيمة من التواضع والأدب الجمّ، والتذلُّل بكل السبل لتحصيل العلم، وفيها الحث على الاقتداء بفعله في أدبه مع الخضر وتواضعه مع أفضليته!\nفموسى - ﵇ - أفضل من الخضر (^٢)، وتواضع الفاضل للتعلم ممن دونه دليل أن على طالب العلم أن يتلطّف ويتأدّب مع مُعلمه، وأن الذلَّ للمُعلم وإظهار الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٤٣٣)\n(^٢) قال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضَّله الله، فالخضر إن كان وليًا فموسى أفضل منه، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي، وإن كان نبيًا فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم). الجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٧)\n(^٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٤٨٣)","vol":"1","page":577},{"text":"قال ابن عثيمين: (قال موسى للخضر: هل أتبعك؟ وهذا عرض لطيف وتواضع، وتأمّل هذا الأدب من موسى - ﵊ - مع أن موسى أفضل منه وكان عند الله وجيهًا، ومع ذلك يتلطف معه لأنه سوف يأخذ منه علمًا لا يعلمه موسى، وفي هذا دليل أنَّ على طالب العلم أن يتلطف مع شيخه ومع أُستاذه وأن يُعامله بالإكرام). (^١)\nوقد استنبط كثير من المفسرين هذه الفائدة وغيرها من قصة موسى مع الخضر، منهم: الزجاج، والواحدي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، والعثيمين، وغيرهم. (^٢)\nوفيما فعله موسى - وهو من جِلّة الأنبياء وقد أوتي التوراة - من طلبه العلم والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، حتى لو استغرق زمنًا طويلًا لتحقيق مراده، ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، كما أفادت الآية أن على المعلم النصح لتلميذه غاية النصح، بتبيين حال العلم حتى لا يُدخله فيما لا يطيقه من العلم ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ مع تبيين السبب فيما يردُّه عنه أو يمنعه منه، ويظهر ذلك في بيان الخضر لموسى ﵇ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ\n_________\n(^١) تفسير العثيمين سورة الكهف (١/ ١١٣)\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (٣/ ٣٠١)، التفسير الوسيط (٣/ ١٥٨)، والتفسير الكبير (٢١/ ٤٨٣)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٧)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢٨٧)، ومدارك التنزيل (٢/ ٣١١)، التسهيل (١/ ٤٧٠)، والبحر المحيط (٧/ ٢٠٥)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٨١)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ٢٣٤):، وفتح القدير (٣/ ٣٥٤)، ومحاسن التأويل (٧/ ٤٨)، تيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٨٤)، والتحرير والتنوير (١٥/ ٣٧٠)، وتفسير العثيمين (١/ ١١٣).","vol":"1","page":578},{"text":"تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، وفي القصة من الفوائد الجليلة ما يطول حصره وقد نبَّه عليها جمع من أهل العلم (^١)، والله تعالى أعلم.\nفوائد قصة موسى - ﵇ - مع الخضر.\nقال الله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - (من فوائد هذه القصة (^٢): أن لا يعجب المرء بعمله (^٣)، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعل فيه سرًا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلَّل للعلماء، وأن يُنبّه المجرم على جُرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجره). (^٤)\n\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بأفعال الأنبياء ﵈، والاعتبار بحالهم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآيات في قصة موسى - ﵇ - مع الخضر دلالتها باللازم على فوائد أخرى - غير التي تقدَّمت في بداية القصة -\n_________\n(^١) ينظر تفصيل هذه الفوائد في فتح الباري لابن حجر (٨/ ٤٢٢)، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٤٨٤)، وتفسير سورة الكهف للعثيمين (١/ ١١٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ٣٢٤) وغيرهم.\n(^٢) جاءت هذه التتمة من الفوائد في موضع آخر نهاية القصة وبينهما فصل طويل.\n(^٣) لعل الأصح (بعلمه) كما وردت عند البيضاوي وغيره، وهي الأليق بسياق الآيات وحاله مع الخضر.\n(^٤) السراج المنير (٢/ ٤٤٢)","vol":"1","page":579},{"text":"أولاها: أن لا يُعجب المرء بعلمه، ويَظهر ذلك في عتاب موسى ﵇ بعد أن سُئِل عن أعلم الناس فنسب ذلك إلى نفسه (^١)، وهو درسٌ لمن بعده أن لا يرى في نفسه إعجابًا بعلمه أو فهمه، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nثانيها: أن لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعلَّ فيه سرًا لا يعرفه، وهذا أصلٌ في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو التثبُّت والتحقُّق من كونه منكرًا، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يُعرف ما يراد منه وما هو مقصود؛ فظاهر هذه الأمور التي عاينها موسى - ﵇ - أنها من المنكر، وموسى لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحِب عليها الخضر، فبادر إلى الحكم ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر وعدم المبادرة إلى الحكم، فعُوتب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لمَّا تكرر منه الاستنكار، ولم يرعوِ بالتذكير حتى زاد في النكير في المرة الثانية. (^٢)\nوممن نصّ على هذه الفائدة: القشيري، والرازي، وأبو السعود، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nثالثها - وقد تقدَّمت-: أن يداوم على التعلم ويتذلل للعلماء ويراعي الأحب في المقال، كما فعل موسى ﵇ في حسن أدبه، وتواضعه، وتلطّفه في الخطاب مع جلالة قدره وسعة علمه.\n_________\n(^١) كما رواه ابن جرير الطبري وغيره عن أُبي بن كعب. ينظر: جامع البيان (١٨/ ٧٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ١٨١).\n(^٢) ينظر: إرشاد العقل السليم (٥/ ٢٣٦)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٨٢)\n(^٣) ينظر: لطائف الإشارات (٢/ ٤١٠)، والتفسير الكبير (٢١/ ٤٨٤)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ٢٣٦)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":580},{"text":"رابعًا: أنَّ المخطئ يُنبَّه على خطئه، ويُعفَى عنه حتى يتحقَّق إصراره، ثم يؤدَّب بما يكون مناسبًا، كما فعل الخضر مع موسى - ﵇ - حتى قال موسى ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ فعاتبه أولًا على خطئه ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وعفا عنه ثم فارقه بعد الإصرار ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.\nوممن نصّ على هذه الفائدة من المفسرين: البيضاوي، والقاسمي، وغيرهما. (^١)\n\nوالحاصل أنَّ فيما دار بين موسى - ﵇ - وبين الخضر من الفوائد ما يطول حصره والغرض الاقتداء بفعله - ﵇ - وفعل العبد الصالح (الخضر) معه، والاعتبار بحاله فيما عوتب عليه، وهي فوائد حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أنوار التنزيل (٣/ ٢٩١)، ومحاسن التأويل (٧/ ٥٣).","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>سورة مريم</span>\nالمعدوم ليس بشيء.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أي: قدّرتك وصوّرتك وأوجدتك ﴿مِنْ قَبْلُ وَلَمْ﴾ أي: والحال أنك لم ﴿تَكُ شَيْئًا﴾ بل كنت معدومًا صرفًا، وفيه دليل على أنّ المعدوم ليس بشيء). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ لأنه نفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئًا. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصَّ على أنّ المعدوم ليس بشيء (^٣)؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ فنفى أن يكون قبل خلقه له كان شيئًا، وهذه الآية استدل بها أهل السنة على أن المعدوم لا يسمى شيئًا وهي نصٌ في ذلك.\nقال ابن أبي العز: (والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويُخبِر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، فيكون شيئًا في العلم والذكر والكتاب لا في\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٤٥٨)\n(^٢) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري (٢/ ٤٢١)\n(^٣) وهو الصحيح الذي عليه أهل السُّنة، ينظر: العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى (١/ ٧٨)، والإحكام للآمدي (٢/ ١٩٥)، والمستصفى للغزالي (١/ ٢٨٠)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٥٩٩).","vol":"1","page":582},{"text":"الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [فاطر: ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] أي: لم تكن شيئًا في الخارج وإن كان شيئًا في عِلمه تعالى. وقال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]). (^١)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القشيري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والسيوطي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nوالتحقيق هو ما دلّت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: أن المعدوم ليس بشيء (^٣) خلافًا لقول المعتزلة القائلين: إن المعدمات أشياء وأعيان على ما تكون عليه في الوجود (^٤)، وهذا قول يقتضي بقائله إلى قِدَم العالم ونفي الحدَث والمُحدِث؛ لأن المعدومات إذا كانت على ما تكون عليه في الوجود أعيانًا، لم تكن لقدرة الله على خلقها وإحداثها تعلُّق، وهذا كفرٌ ممن قال به (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (١/ ٩٣)\n(^٢) ينظر: لطائف الإشارات (٢/ ٤٢١)، والتفسير الكبير (٢١/ ٥١٩)، وأنوار التنزيل (٤/ ٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ٣٢٨)، والإكليل (١/ ١٧٣)، وأضواء البيان (٣/ ٥٠١)\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩)، ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ٣١٦)، ودقائق التفسير (٢/ ٣٢٥)\n(^٤) مستدلين لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [فاطر: ٨٢]، قالوا: قد سماه الله شيئا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده. ينظر الرد عليهم في: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٨/ ٣١٦)، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج للهيتمي (١/ ١٩).\n(^٥) ينظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ٤٤٥).","vol":"1","page":583},{"text":"تشريف يحيى ﵇.\nقال الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٣ - ١٥].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - عن يحي ﵇: (﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي: أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة، وإنما قال: \"حيًا \" تنبيهًا على كونه من الشهداء لأنه قُتِل، وقد قال تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، ١٦٩].\nثم ذكر فروعًا، قال: (الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة، وعلى التقديرين ففيه دلالة على تشريفه لأن الملائكة لا يُسلِّمون إلا عن أمر الله تعالى.\nالثاني: ليحيى مزيَّة في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات، ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات، ١٠٩]؛ لأنه تعالى قال ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ وليس كذلك سائر الأنبياء.\nالثالث: روي أن عيسى ﵇ قال ليحيى ﵇: أنت أفضل مني لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ وأنا سلمت على نفسي، قال الرازي: وهذا ليس بقوي لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله تعالى على يحيى؛ لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمر الله تعالى. انتهى (^١)، ولكن بين السلامين مزيّة.) (^٢)\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٢١/ ٥١٨)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٤٥٧).","vol":"1","page":584},{"text":"هذه الآية فيها دلالتان:\nالأولى: تشريف يحي ﵇.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تشريف يحي ﵇ وتفضيله؛ لأنه تعالى قال ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، و(السلام) بمعنى السلامة والأمان من الآفات (^١) وفيه معنى التحية والتشريف، وفي ذكر هذه الأحوال الثلاث «يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث» زيادة في العناية به ﵇، والمراد: سلام من الله عليه أو من الملائكة، والملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى (^٢)، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى كقوله ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].\nوقد أثنى عليه سبحانه في هذه الآيات بذكر محامده وصفاته فقال سبحانه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ فجمع بين القيام بحق الله وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله في جميع أحواله مبادئها وعواقبها، وذلك يقتضي سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال (^٣)، وإنما خصَّ هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت بعثه، لأنها\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٨/ ١٦٠)\n(^٢) قال أبو حيان: والأظهر أنه من الله لأنه في سياق (وآتيناه الحكم). البحر المحيط (٧/ ٢٤٦)\n(^٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٤٩١)","vol":"1","page":585},{"text":"أوحش من غيرها، فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصَّه بالسلام عليه فيها، وهذه مزيَّة ليحي ليست لغيره من الأنبياء.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: ابن عطية، والقرطبي، والرازي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^١)\nوالظاهر أن سلام الله تعالى على يحيى أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] كما هو ظاهر السياق، والحاصل أن دلالة هذه الآية على تشريف يحي - ﵇ – وكرامته قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز (٤/ ٨)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ٨٩)، والتفسير الكبير (٢١/ ٥١٨)، ومحاسن التأويل (٧/ ٨٨)، وأضواء البيان (٣/ ٣٨١).","vol":"1","page":586},{"text":"الدلالة الثانية:\nالتنبيه على استشهاد يحي ﵇.\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى قال في ختام الآية: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، والحال وصفٌ لصاحبها، فدلَّ على كونه من الشهداء لأنهم أحياء.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من قوله تعالى: ﴿حَيًّا﴾ التنبيه على استشهاد يحي - ﵇ – لأنه قُتل لبغي من بغايا بني إسرائيل (^١)، والشهداء كما أخبر الله عنهم أحياء عند ربهم يرزقون.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، والنيسابوري، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nوقد اختلف أهل العلم فيما إذا كان زكريا وابنه يحيى ﵉ قد قُتلا أو ماتا. (^٣)\nوذكر الطبري أن فساد بني إسرائيل الأول كان بقتل زكريا، وأن فسادهم\n_________\n(^١) ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٤١١)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٥١٨)، والبحر المحيط (٧/ ٢٤٦)، وغرائب القرآن (٤/ ٤٧٣)، وروح المعاني (٨/ ٣٩٣)\n(^٣) ذكر ذلك ابن كثير عن وهب بن منبه، وقد وردت عدة آثار عن الصحابة والتابعين في قتلهما ذكرها الطبري وابن كثير، والظاهر أنها مأخوذة من أهل الكتاب، ومن أصحها ما روى ابن أبي شيبة في المصنف عن عروة بن الزبير قال: ما قتل يحيى بن زكريا إلا في امرأة بغي قالت لصاحبها: لا أرضى عنك حتى تأتيني برأسه، فذهب فأتاها برأسه في طست. ينظر: البداية والنهاية (٢/ ٤١١) وما بعدها","vol":"1","page":587},{"text":"الثاني كان بقتل يحيى، وليس في قتلهما نص ثابت. (^١)\nوقد تكرر في القرآن ذكر قتل بني إسرائيل للأنبياء بغير حق، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢].\nوقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].\nواستنباط قتله ﵇ بإشارة الآية تنبيه حسن، إلا أن قتله ﵇ لم يثبت بنص صحيح، فلا يمكن الجزم بصحة دلالة الآية على هذا المعنى، وكل ما في ذلك هو من أخبار بني إسرائيل والله أعلم بصحتها، ولعل معنى الآية يشهد لعدم قتله ﵇ إذ فيه كفالة الله تعالى له بالسلامة والأمان في مولده ومماته ومبعثه.\nقال الشنقيطي: (قال أبو حيان: «فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٢)» ... ثم قال الشنقيطي: وليس بظاهر كل الظهور)، والله تعالى أعلم). (^٣)\n_________\n(^١) نصَّ ابن كثير في البداية والنهاية أنهما ممن قُتل قبل تسليط بختنصر على بني إسرائيل، وذكر حديثًا في قتلهما، ولكنه ضعَّفه ونسبه إلى النكارة. ينظر: البداية والنهاية (٢/ ٤١١).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط (٧/ ٢٤٦).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ٣٨٣).","vol":"1","page":588},{"text":"دخول صاحب الكبيرة الجنة.\nقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم ٦٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: الفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك الوصف فلا يدخلها؟\nأجيب: بأن الآية تدل على أن الجنة يدخلها المتقي وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها، وأيضًا صاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق، وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متقٍ وجب أن يدخل الجنة، فدلالة الآية على أنّ صاحب الكبيرة يدخلها أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنّ صاحب الكبيرة يدخل الجنة لأن الآية أفادت أن الجنة يدخلها المتقي، وصاحب الكبيرة - عنده - متق عن الكفر فدلَّ على أنه يدخلها.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والألوسي، وغيرهما. (^٢)\nوالصحيح أن لفظ التقوى يراد به: اتقاء عذاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٤٧٧)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢١/ ٥٥٤)، وروح المعاني (٨/ ٤٣٠).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٢٢٢).","vol":"1","page":589},{"text":"وتأوَّل الأشعرية معنى التقوى هنا أنه يراد به تقوى الشرك (^١)، وقالوا: من اتقى الشرك فهو من المتقين وإن عمل الكبائر، وهو مخالف لما عليه أئمة السلف (^٢)، فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه. (^٣)\nقال شيخ الإسلام في ردّه على الأشاعرة: «وأما قولكم: المتقون الذين اتقوا الشرك. فهذا خلاف القرآن؛ فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٤].\nوقالت مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، فهم قد آمنوا واتقوا الشرك، فلم يكن الذي أمرهم به بعد ذلك مجرد ترك الشرك. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n_________\n(^١) قريب من هذه الدلالة ما تقدم من تأويل المرجئة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أن المراد من اتقى الشرك، وذلك في الرد على قول المعتزلة أن الإيمان هو جماع الطاعات. ينظر الاستنباط رقم:: (٦٧).\n(^٢) ينظر: الإيمان لابن تيمية (١/ ١٧٦)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٤١٠)، والمنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال للذهبي (١/ ٣٨٣).\n(^٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٤٩٤) (١٠/ ٣٢١) و(١١/ ٦٦٢)، وينظر: عدة الصابرين لابن القيم ص ٨٨.","vol":"1","page":590},{"text":"أفيقول مسلم: إن قطاع الطريق الذين يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم، اتقوا الله حق تقاته لكونهم لم يشركوا!، وإن أهل الفواحش وشرب الخمر وظلم الناس اتقوا الله حق تقاته؟\n- إلى أن قال ﵀ -: وبالجملة فكون المتقين هم الأبرار الفاعلون للفرائض، المجتنبون للمحارم، هو من العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفًا عن سلف، والقرآن والأحاديث تقتضي ذلك.» (^١)\nوأصل الضلال في هذه المسألة كما بينه شيخ الإسلام هو: أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فالمرجئة جعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم \" المتقين \" (^٢)\nوالمشهور عن الأشاعرة موافقتهم لسائر المرجئة في مرتكب الكبيرة، وأنه قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، فلم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه، فالمرجئة ليس لهم مخالفة في مرتكب الكبيرة إلا في الاسم، حيث يجعلونه مؤمنا كامل الإيمان، وإلا فهم يقولون بأن الفاسق مستحق للذَّم والعقاب، ومعرض للوعيد، وأن من أهل القبلة من يدخل النار.\nوأهل السنة والجماعة على أنه ناقص الإيمان، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار. (^٣)\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٨٨ - ٢٩٢) بتصرف.\n(^٢) ينظر: متن الطحاوية بتعليق الألباني (١/ ٦٥)، والإيمان لابن تيمية (١/ ١٧٦)\n(^٣) ينظر: المرجع السابق، والملل والنحل للشهرستاني، ص ٥٣، واعتقاد أئمة السلف أهل الحديث لمحمد الخميس (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":591},{"text":"وأما في الآخرة فالأشاعرة يوافقون السلف في مرتكب الكبيرة، فيفوضون أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذَّبه بعدله، وإن شاء غفر له، فيدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء أدخله النار، وعذَّبه بقدر جُرمه، ثم أخرجه منها وأدخله الجنة. وذلك إذا مات المذنب من غير توبة (^١).\nوبهذا يظهرعدم صحة دلالة هذه الآية على كون صاحب الكبيرة من المتقين، وأما دخوله الجنة فهو تحت المشيئة - كما تقدم - ولا يجب دخولها بدلالة هذه الآية كما استنبطه الخطيب، لكونه حقيقة ليس من المتقين.\nقال شيخ الإسلام: «ونصوص الكتاب والسنة، مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يُعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.» (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: إتحاف المريد بجوهرة التوحيد، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ص ١٧٣، والإيمان بين السلف والمتكلمين، لأحمد بن عطية الغامدي (١/ ١٧٣)\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٩١).","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>سورة طه</span>\nفائدة الاستفهام في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧ - ١٨].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: السؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة في ذلك؟\nأجيب: بأنّ في ذلك فوائد؛ الأولى: توقيفه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حيَّة علِم أنها معجزة عظيمة، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن يضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.\nالثانية: أن يقرّر عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعبانًا لا يخافها.\nالثالثة: أنه تعالى لما أراه تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه كلام نفسه (^١)، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم فتحيَّر موسى ﵇ ودهش، فقيل له: «وما تلك بيمينك يا موسى» وتكلم معه بكلام البشر إزالةً لتلك الدهشة والحيرة). (^٢)\n_________\n(^١) الكلام الذي يثبته الأشاعرة لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت. ينظر: الإرشاد للجويني (١/ ١٢٨ - ١٣٧)، والمواقف للإيجي (١/ ٢٩٣)، وينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢٢٢.\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":593},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فوائد الاستفهام من الخبير سبحانه بقوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾، ومعلوم أنه لم يُرد بذلك إعلام الله تعالى؛ لأنه سبحانه أعلم بذلك منه، ولكنه جاء على وجه التقرير له والتنبيه على أن الذي في يده عصا لتقع المعجزة بها بعد التأمل فيها والتَّثبت منها، فأجاب موسى بذكر منافع العصا إقرارًا منه بالنعمة فيها، واعتدادًا بمنافعها والتزامًا لما يجب عليه من الشكر له سبحانه. (^١)\nوهي فائدة حسنة، نصَّ عليها جمهور المفسرين كالطبري، والجصاص، والزجاج، والسمرقندي، والسمعاني، والبغوي، وابن العربي، وابن عطية (^٢) والرازي، والقرطبي، والنسفي (^٣)، وابن جزي، والخازن، وأبو حيان، وأبو السعود، وابن عاشور، وغيرهم. (^٤)\nولعل من الحكمة في سؤاله أيضًا إزالة الوحشة عنه، لأن موسى كان خائفًا مستوحشًا أخذته هيبة المقام عند سماع الخطاب فسأله لِيَسكُن بعض ما به وتزول\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٥٢)\n(^٢) قال ابن عطية: (﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس لتلقي ما يورد عليها، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل). المحرر الوجيز (٤/ ٤٠)\n(^٣) قال: (والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهول انقلابها حية، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة). مدارك التنزيل (٢/ ٣٦٠)\n(^٤) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٢٩٢)، وأحكام القرآن (٥/ ٥٢)، ومعاني القرآن وإعرابه (٣/ ٣٥٤)، وبحر العلوم (٢/ ٣٩٢)، وتفسير السمعاني (٣/ ٣٢٥)، ومعالم التنزيل (٣/ ٢٥٨)، وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٢٥٧)، والمحرر الوجيز (٤/ ٤٠)، والتفسير الكبير (٢٢/ ٢٤)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٨٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ٣٦٠)، والتسهيل (٢/ ٦)، ولباب التأويل (٣/ ٢٠٢)، والبحر المحيط (٧/ ٣٢١)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ١٠)، والتحرير والتنوير (١٦/ ٢٠٥).","vol":"1","page":594},{"text":"عنه الوحشة، ويطمئن قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الله تعالى كلَّمه من دون واسطة، كما دلَّ عليه قوله بعد ذلك ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ٢٣]. (^١)\nوممن نصَّ على هذه الفائدة من المفسرين: السمرقندي، والقشيري، وابن عطية، والرازي، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوهذه الفائدة لا تخلو من وجاهة، إلا أن سابقتها أظهر، وذكر بعض المفسرين في الآية فوائد أخرى غيرها (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير (١٦/ ٢٠٥)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٣٩٢)، ولطائف الإشارات (٢/ ٤٥٠)، والمحرر الوجيز (٤/ ٤٠)، والتفسير الكبير (٢٢/ ٢٥)، ومدارك التنزيل (٢/ ٣٦٠)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ١٠)، وروح المعاني (٨/ ٥٢٢)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٥٠٤) والتحرير والتنوير (١٦/ ٢٠٥).\n(^٣) بعضها لا يخلو من بُعد، ينظر: التفسير الكبير (٢٢/ ٢٥)، وروح المعاني (٨/ ٥٢٢).","vol":"1","page":595},{"text":"فائدة قوله تعالى: ﴿فَطَرَنَا﴾.\nقال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ على لسان موسى ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ التي عايناها، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقَّوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى عُلوِّ قدره، فقالوا: ﴿وَالَّذِي﴾ أي: ولا نؤثرك بالاتباع على الذي ﴿فَطَرَنَا﴾ أي: ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبية الله تعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهًا على عجز فرعون عند من استخفَّه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nحيث جيء بالموصول ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ للإيماء إلى التعليل، لأن الفاطر هو المستحق بالإيثار. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على ثبات السحرة، وتحقيرهم لشأن فرعون عند من استخفه من فحوى قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾، فذِكره تعالى بأنه فاطرهم، للإشعار بعلة الحكم؛ فإن خلقه تعالى لهم وكون\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٥٠١)\n(^٢) ينظر: التحرير والتنوير (١٦/ ٢٦٦).","vol":"1","page":596},{"text":"فرعون من جُملة مخلوقاته مما يوجب عدم إيثارهم له عليه (^١)، وفيه تكذيب لفرعون في دعواه الربوبية.\nقال ابن كثير: (﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل أن يكون قسمًا، ويحتمل أن يكون معطوفًا على البينات (^٢)، يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت). (^٣)\nوممن استنبط هذه الإشارة من معنى الآية: أبو حيان، وابن كثير، والنيسابوري، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٤)\nقال أبو حيان مؤكدًا هذا المعنى: (لمَّا لاحت لهم حجة الله في المعجزة بدؤوا بها، ثم ترقَّوا إلى القادر على خرق العادة وهو الله تعالى، وذكروا وصف الاختراع وهو قولهم ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ تبيينًا لعجز فرعون وتكذيبه في ادعاء ربوبيته وإلاهيته، وهو عاجز عن صرف ذبابة فضلًا عن اختراعها). (^٥)\nولعل تأخير ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عن ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ لأن البينات دليل على أن الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأن فيه\n_________\n(^١) ينظر: إرشاد العقل السليم (٦/ ٢٩)، ومحاسن التأويل (٧/ ١٣٥)\n(^٢) هذان الوجهان في تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج. ينظر: معاني القرآن (٢/ ١٨٧)، ومعاني القرآن وإعرابه (٣/ ٣٦٨)\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٠٤)\n(^٤) ينظر: البحر المحيط (٧/ ٣٥٩)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٠٤)، وغرائب القرآن (٤/ ٥٥٨)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ٢٩)، وروح المعاني (٨/ ٥٤٣)، ومحاسن التأويل (٧/ ١٣٥)، والتحرير والتنوير (١٦/ ٢٦٦).\n(^٥) البحر المحيط (٧/ ٣٥٩)","vol":"1","page":597},{"text":"تعريضًا بدعوة فرعون للإيمان بالله (^١)، وفي هذه الإشارات اللطيفة تنبيه لفرعون وقومه، والله تعالى أعلم.\n\nكثرة أتباع موسى ﵇.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فيه دليل على أن موسى ﵇ كثُر مستجيبوه، فأراد الله تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلًا). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كثرة أتباع موسى - ﵇ – وأنه في تلك الحال كثُر مستجيبوه، حيث قال سبحانه ﴿أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ فأمرُه تعالى لموسى أن يُسري بعباده من بني إسرائيل ليلًا من أرض مصر، تمييزًا لهم من قوم فرعون، وإيذانًا بخلاصهم ونجاتهم من فرعون وكيده، كما يفيده صيغة الجمع في قوله (عبادي).\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (^٣)\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (١٦/ ٢٦٦).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٥٢١)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٢/ ٨٠)، واللباب في علوم الكتاب (١٣/ ٣٣١).","vol":"1","page":598},{"text":"وقد اختلفت الروايات في تحديد عدد بني إسرائيل الذين نجوا مع موسى، وروي عن ابن عباس مرفوعًا قال: كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سِبطًا، وكان في كل طريق اثنا عشر ألفًا كلهم من ولد يعقوب النبي ﷺ. (^١)\nوروي أن موسى ﵇ نهض ببني إسرائيل، وهم ستمائة ألف، فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم، ونهض وراءه. (^٢)\nوالذي يظهر والله أعلم أن عددهم كثير كما جاء في السِير، وإن كان جعلُ هذه الآية دلالة على كثرة عددهم بعيد، وغير ظاهر من الآية كل الظهور، والله تعالى أجلَّ وأعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ص ٨٠\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤).","vol":"1","page":599},{"text":"لا شفاعة لغير المؤمن.\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: ١٠٩)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أحدًا ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ولو الإيمان المجرد. قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله (^١)، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب أن الشافع لا يشفع لغير المؤمن؛ لأن هذه الآية أفادت أن المشفوع له لا بد وأن يكون مرضيًا عند الله تعالى، فدلَّت بمفهوم المخالفة على أن من لم يكن مرضيًا عنده سبحانه لا شفاعة له.\nوهذا على القول بأن الاستثناء متصل والمعنى لا تنفع الشفاعة أحدًا إلا من أذن له الرحمن في أن يُشفع له. (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية على هذا المعنى: الواحدي، والبغوي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط (٣/ ٢٢٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٢٧٥)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٥٣٥)\n(^٣) قال شيخ الإسلام: (وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين. وكذلك قال السلف في هذه الآية. قال قتادة: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ هو شفاعته يوم القيامة. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن الله يشفع المؤمنين بعضهم في بعض). مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٠)\n(^٤) ينظر: التفسير الوسيط (٣/ ٢٢٢)، ومعالم التنزيل (٣/ ٢٧٥)، ولباب التأويل (٣/ ٢١٣)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ٤٣).","vol":"1","page":600},{"text":"قال البغوي: (﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ أي ورضي قوله. قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن). (^١)\nوذكر جماعة من المفسرين أن الاستثناء منقطع، والمعنى لكن من أذن له الرحمن أن يشفع ورضي له قوله في الشفاعة. (^٢)\nقال الطبري في معناه: (﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ وأدخل في الكلام \" له \" دليلًا على إضافة القول إلى كناية \" من \" وذلك كقول القائل الآخر: رضيت لك عملك، ورضيته منك). (^٣)\nويشهد لهذا المعنى آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. (^٤)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم أن الإذن في الشفاعة يشمل الشافع والمشفوع له.\nقال شيخ الإسلام: \" ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ نفى النوعين: شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ يتناول النوعين: من أذن له\n_________\n(^١) معالم التنزيل (٣/ ٢٧٥)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٣٧٥)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٤٧)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٣١٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٥١٤)\n(^٣) جامع البيان (١٨/ ٣٧٥)\n(^٤) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ٣١٧)","vol":"1","page":601},{"text":"الرحمن ورضي له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولا من المشفوع له، وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع فتُقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه، والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعًا ولا مشفوعًا له ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ فهذا الصنف المأذون لهم المرضي قولهم: هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات، فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. (^١)\n\nوعليه فالمعنى المستنبط من الآية صحيح، ولن تُنال شفاعة أحد من الخلق، إلا إذا أذِن سبحانه في الشفاعة، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله من الأنبياء والمرسلين، وعباده المقربين، فيمن ارتضى قوله وعمله، وهو المؤمن، فإذا اختل أحد هذه الأمور، فلا سبيل لأحد إلى شفاعة من أحد، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٢) وينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":602},{"text":"سورة الأنبياء\nالإشارة إلى كروية الأرض.\nقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَهُمْ﴾ أي: والحال أنهم ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ أي: نشز عال من الأرض ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أي: يُسرعون من النسلان، وهو تقارب الخُطا مع السرعة كمشي الذئب (^١)، وفي العبارة إيماء إلى أنّ الأرض كرة). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله ﴿حَدَبٍ﴾ يفيد أن الأرض منضمٌ بعضها إلى بعض مدرمحة كالكرة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية الإشارة إلى أن الأرض كرة، لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ والحدَب هو (^٣): المرتفع من الأرض (^٤)، والمعنى: أنهم يتفرقون في الأرض، وهم من كل شيء مرتفع من الأرض\n_________\n(^١) ينسلون: أي يهرولون ويسرعون. قال أبو إسحاق: ينسلون: يخرجون بسرعة. وقال الليث: النسلان: مشية الذئب إذا أسرع، ينظر: العين للفراهيدي (٧/ ٢٥٧)، وتهذيب اللغة للأزهري (١٢/ ٢٩٧) مادة (نسل).\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٥٨٥)\n(^٣) قال الجوهري: (الحَدَبُ: ما ارتفع من الأرض، والجمع الحِداب. ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. والحَدَبَةُ: التي في الظَهْرِ، وقد حَدِبَ ظهرُهُ فهو حَدِبٌ، واحدودبَ مثله). الصحاح (١/ ١٠٨)، وجمهرة اللغة (١/ ٢٧٣)، وتهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٢٤٨) قال: قال الفراء: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] من كل أكمة، ومن كل موضع مرتفع).\n(^٤) قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري وغيرهم، وعن قتادة ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ قال: من كل أكمة. وقال ابن زيد، الحدب: الشيء المشرف. ينظر: جامع البيان (١٨/ ٥٣٢)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٧٢)","vol":"1","page":603},{"text":"يهبطون مسرعين (^١)، وفي هذا الحدب إشارة إلى كروية الأرض، أي أنها منضمٌ بعضها إلى بعض مدرمحة كالكرة، ومعلوم أن من الأدلة على كروية الأرض ظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها، واختفاء أسافلها قبل أعاليها، واستدارة الأفق واتساعه تبعًا للارتفاع. (^٢)\nقال الراغب: (يجوز أن يكون الأصل في الحدب حدب الظهر، وهو خروجه ودخول الصدر والبطن، ثم شُبِّه به ما ارتفع من الأرض فسمي حدبًا، ومنه محدب الفلك). (^٣)\nوقد اتفق أهل التفسير واللغة على أن \" الفلك \" هو المستدير (^٤)، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال ابن عباس وغيره من السلف: في فلكة مثل فلكة المغزل (^٥)، وهذا صريح بالاستدارة\nوالدوران (^٦)، وقال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا بيان واضح في تكوير بعضها على بعض. (^٧)\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط (٣/ ٢٥٢)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٣٧٢)\n(^٢) ينظر: قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية لجودة حسنين وفتحي أبو عيانة (١/ ٣١)\n(^٣) نقله عنه حقي في روح البيان (٥/ ٥٢٣)، ولم أقف عليه عند الراغب.\n(^٤) نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على ذلك في عدة كتب منها \" الرسالة العرشية \" (١/ ١٤)، ودرء تعارض النقل والعقل (٧/ ٣)، و\" رسالة في الهلال \" من مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٥)، وحكى الإجماع على ذلك ابن حزم في الفصل في الملل والنحل (٢/ ٧٨)\n(^٥) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٤٣٨)\n(^٦) وأصل ذلك أن الفلك في اللغة هو: الشيء المستدير، من ذلك فلكة المغزل بفتح الفاء، سميت لاستدارتها ; ويقال: فلك ثدي الجارية إذا استدار. ينظر: الصحاح (٤/ ١٦٠٤)، ومقاييس اللغة (٤/ ٤٥٢) مادة (فلك).\n(^٧) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٨٧)","vol":"1","page":604},{"text":"نصَّ على هذه الإشارة من الآية: البقاعي، وغيره. (^١)\nوقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على كروية الأرض، ونقل ابن تيمية عن بعض أهل العلم (^٢) قوله: (لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة. وقال: وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة. ثم قال: ويدل عليه أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل على المشرق قبل المغرب.) (^٣)\nوالذي يظهر أن استنباط كروية الأرض من إشارة هذه الآية إلى حدب الأرض صحيح، والله تعالى أجلّ وأعلم.\n_________\n(^١) نظم الدرر (١٢/ ٤٨١)\n(^٢) وهو أبو الحسين بن المنادي. ينظر: مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٥)، وقال ابن تيمية: (والقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين، والنقل بذلك ثابت عن الصحابة والتابعين، .. وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي، من الجهمية والمعتزلة وغيرهم). ينظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣)، وينظر قول المخالف في الفرق بين الفرق للبغدادي: ص ٣١٨، والمواقف للإيجي: (١/ ١٩٩)، (١/ ٢١٧)\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٩٥) بتصرف يسير.","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>سورة الحج</span>\nالقرابين إنما تكون من النَّعم دون غيرها من البهائم.\nقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قال تعالى ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ فوجب شكره لذلك عليهم، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام) (^١). (^٢)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى قال: ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقيَّدها بالنَّعم؛ لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير لا يجوز ذبحها في القرابين.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام؛ لأن في تبيين البهيمة بإضافتها إلى الأنعام وتقييدها بذلك، تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، وأما البهائم التي ليست من الأنعام كالخيل والبغال والحمير فلا يجوز ذبحها فى القرابين. (^٣)\n_________\n(^١) كما دلّت الآية أيضًا على أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية على الذبائح كانت مشروعة قبلنا لأنه تعالى قال ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾، ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٢٧١)\n(^٢) السراج المنير (٢/ ٦١٠)\n(^٣) ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٤٣)","vol":"1","page":606},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البغوي، والبيضاوي، والخازن، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال الخازن: (وقيَّد بالأنعام لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في القرابين وإن جاز أكله). (^٢)\nوقال الشوكاني: (وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها). (^٣)\nومعلوم أن بهيمة غير الأنعام لا يحل ذبحها، ولا التقرب بها (^٤)، فحسُن تقييد البهائم بكونها من الأنعام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل (٣/ ٣٤٠)، وأنوار التنزيل (٤/ ٧١)، ولباب التأويل (٣/ ٢٥٧)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ١٠٦)، وفتح القدير (٣/ ٥٣٥)، وروح المعاني (٩/ ١٤٧)، ومحاسن التأويل (٧/ ٢٤٧)\n(^٢) لباب التأويل (٣/ ٢٥٧)\n(^٣) فتح القدير (٣/ ٥٣٥)\n(^٤) وهذا مما اتفق عليه، ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٤٣)","vol":"1","page":607},{"text":"شهادة غير المسلم لا تقبل.\nقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - بدلالة مفهوم المخالفة أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة؛ لأنه تعالى في هذه الآية علّل تسميتهم بالمسلمين في الكتب السابقة، وفي هذا القرآن؛ ليكون الرسول شهيدًا عليهم ويكونوا شهداء على الناس، فزكَّاهم تعالى ونصَّ على عدالتهم وخيريتهم، ونوَّه بذكرهم قبل أن يُوجدهم، وأثنى عليهم لِما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء، يشهدون على الأمم يوم القيامة، فمن لم يقم بهذه الشهادة علمًا وعملًا ومعرفة، وإقرارًا ودعوة، فليس من شهداء الله (^٢)، فدلّ على أن غير المسلم لا تقبل له شهادة.\nقال الشنقيطي: (أي إنما اجتباكم وفضّلكم، ونوَّه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكَّاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسمّاكم فيها المسلمين، وكذلك سمّاكم في هذا القرآن. وقد عرَّف بذلك أنكم أمة وسط عُدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل بلغتهم\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٦٢٨).\n(^٢) ينظر: التفسير القيم لابن القيم (١/ ٢٠٣)","vol":"1","page":608},{"text":"رسالات ربهم، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدا أنه بلَّغكم). (^١)\nفالإسلام شرط لقبول الشهادة (^٢) بدلالة هذه الآية؛ والمسلمون خير الأمم وأعدلها، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل يوم القيامة على أممهم، مشهودًا بعدالتهم عند جميع الأمم، وجميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتهم وفضلهم؛ والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم (^٣)، وأما من عداهم من غير المسلمين فلا تقبل شهادته (^٤) كما يدل له مفهوم هذه الآية (^٥)، وهو استنباط حسن، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٣٠٣)\n(^٢) ينظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (١٥/ ٤١٩)\n(^٣) ينظر: إعلام الموقعين (٤/ ١٠١)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٤٥٧)\n(^٤) ينظر: بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٤٦٣)، والمغني (٤/ ١٧٣)، والطرق الحكمية لابن القيم ص ١٨١، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (٤/ ٤٢٧)\n(^٥) لم أقف - فيما اطلعت عليه من كتب التفسير- على من استنبط هذه الدلالة من الآية سوى الخطيب ﵀.","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>سورة النور</span>\nالقذف من الكبائر.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في ذلك دليل على أن القذف من الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن القذف من الكبائر؛ لأنه تعالى وصف القاذف بالفسق، والفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدًا، وفسقه، فليس بعدل عند الله ولا عند الناس. فيستفاد من هذه الآية بمجموع هذه الأحكام وأظهرها الفسق، أن القذف من الكبائر؛ لأنه بالقذف يفسق، فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى، أو بقيام البينة عليه. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والخازن، وأبو حيان، وحقي، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nقال الرازي: (أما قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فاعلم أنه يدل على\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٦٦٤)\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٨٢)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٣/ ٣٢٩)، ولباب التأويل (٣/ ٢٨١)، وروح البيان (٦/ ١١٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٥٦٢).","vol":"1","page":610},{"text":"أمرين: الأول: أن القذف من جملة الكبائر؛ لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة. الثاني: أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقًا من فِعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه). (^١)\nوقال السعدي موافقًا الخطيب في هذه الدلالة: (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأُخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب). (^٢)\nوهي دلالة صحيحة واستنباطها من الآية ظاهر؛ فقذف المسلم كبيرة من الكبائر، بل موبقة من الموبقات السبع، بدلالة هذه الآية وغيرها، وبما جاء في السنة قال ﷺ: \"اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها: وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" (^٣)،\nفالقذف من موجبات الحدود، وكل ما يوجب الحدَّ كبيرة، فمن قذف مسلمًا حرًا بالغًا عاقلًا عفيفًا فقد استحق حد القذف، وصدق عليه وصف الفسق (^٤) بدلالة هذه الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٢٣/ ٣٢٩)\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٥٦٢)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (١٤٥) (١/ ٩٢).\n(^٤) ينظر: نهاية المطلب للجويني (١٨/ ٦٠٣)، وروضة الطالبين للنووي (١٠/ ١٠٦).","vol":"1","page":611},{"text":"عدم النسخ في هذه الآية:\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (.. ﴿وَاللَّهُ﴾ أي: الذي له الإحاطة العامة بكل شيء ﴿عَلِيمٌ﴾ بكل شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يريده، فلا يقدر أحد على نقضه، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية أنها محكمة لم تنسخ، يدلُّ له ختمُها بقوله ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي بيانًا مقرونًا بحكمته، ليتأكد ويتقوى ويُعرف به رحمة شارعه وحكمته، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فله العلم المحيط بكل شيء، والحكمة التي وَضَعت كل شيء موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق به، ومنه هذه الأحكام التي بيَّنها (^٢)، فختمُها بهذا الوصف يُشعِر أنها محكمة ليست منسوخة؛ والله تعالى أحكم وأعلم بخلقه.\nوإنما شرع الاستئذان ولم يكن للقوم يومئذٍ ستور ولا حجاب، فكان الوِلدان والخدم يدخلون على أهليهم، فربما يرون منهم ما لا يحبون فأُمروا بالاستئذان، أمَا\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٧٠٣)\n(^٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٥٧٤).","vol":"1","page":612},{"text":"وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور والدور، أغنى ذلك عن الاستئذان، لكن لو عادت الحال لعاد الوجوب، فهو سبحانه بحكمته في جميع أفعاله يشرع لعباده ما فيه صلاح أمر معاشهم ومعادهم.\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية: ابن كثير، وغيره. (^١)\nقال ابن عطية: (أما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحجُب أغنت عن كثير من الاستئذان، وصيَّرته على حد آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم، وقد ذُكر عن ابن عباس أنه قال: كان العمل بهذه الآية واجبًا إذ كانوا لا غلق ولا أبواب، ولو عادت الحال لعاد الوجوب. - إلى أن قال-: فهي الآن واجبة في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها). (^٢)\nوعلى هذا فليس في الآية نسخ (^٣)، وإنما محمل هذا القول أن الحُكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فيكون الأمر على حاله، ولكن حينما انتفت العلة لم يكن للاستئذان محل. (^٤)\nقال ابن العربي عن النسخ في هذه الآية: (وهذا ضعيف جدًا بما بيَّناه في غير موضع من أن شروط النسخ لم تجتمع فيه، من المعارضة، ومن التقدم والتأخر، فكيف يصح لناظرٍ أن يحكم به؟) (^٥)\n_________\n(^١) قال - ﵀ -: ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. تفسير القرآن العظيم (٦/ ٨٣)\n(^٢) المحرر الوجيز (٤/ ١٩٣) بتصرف يسير.\n(^٣) ينظر: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد بن سلام (١/ ٢١٩)، والناسخ والمنسوخ للنحاس (١/ ٥٩٤)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي (٢/ ٥٢٢)\n(^٤) ينظر: أسنى المطالب لأبي يحي السنيكي (٣/ ١٠٥)، وشرح القواعد الفقهية لأحمد بن الشيخ محمد الزرقا (١/ ٤٨٣)\n(^٥) أحكام القرآن (٣/ ٤١٤)","vol":"1","page":613},{"text":"وروى ابن جرير الطبري عن الشعبي (^١) في قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: لم تُنسخ، قلت: إن الناس لا يعملون به، قال: الله المستعان! (^٢)\nوعلى هذا فالآية في قول أكثر أهل العلم محكمة (^٣)، ومما يُستأنس به في الدلالة على ذلك قوله تعالى في ختامها: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة مشهور، فقيه فاضل، مات بعد المائة. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ١٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤، وتقريب التهذيب ص ٢٣٠.\n(^٢) ينظر: جامع البيان (١٩/ ٢١٣)، والدر المنثور (٦/ ٢١٨)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (١٩/ ٢١٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٠٣)، وفتح القدير (٤/ ٥٩)، وينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (١/ ٥٩٤)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي (٢/ ٥٢٢).","vol":"1","page":614},{"text":"دلالة الأمر على الوجوب.\nقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مسألة أصولية، وهي أن الأمر للوجوب; لأنه تعالى توعَّد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم، وحذَّرهم من مخالفة الأمر، فدلَّ على أن ترك الأمر يقتضي أحد العذابين، وذلك يستلزم أن الأمر للوجوب؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه التحذير والوعيد الشديد.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنيسابوري، والبقاعي، والشهاب الخفاجي، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٢/ ٦٤٥)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٤٢٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٢٢)، وأنوار التنزيل (٤/ ١١٦)، وغرائب القرآن (٥/ ٢١٦)، ونظم الدرر (١٣/ ٣٢٦)، وحاشيه الشهاب (٦/ ٤٠٣)، وروح البيان (٦/ ١٨٦)، وفتح القدير (٤/ ٦٨)، وروح المعاني (٩/ ٤١٦)، ومحاسن التأويل (٧/ ٤١٤)، وأضواء البيان (٥/ ٥٥٨).","vol":"1","page":615},{"text":"وهذه الآية استدل بها جمهور الفقهاء والأصوليين (^١) على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، ويؤيد هذه الدلالة آيات كثيرة من كتاب الله كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٢].\nووجه دلالتها: أن الله تعالى لما أَمَرَ الملائكة بالسجود لآدم تبادروا إلى فعله، فعُلِم أنهم عقلوا من إطلاقه وجوب امتثال المأمور به، ثم لما امتنع إبليس من السجود وبَّخَهُ وعاقبه وأهبطه من الجنة، فلولا أن ذلك واجب عليه لما استحق العقوبة والتوبيخ بتركه. (^٢)\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] فإن قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمَّه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ يدل على أن امتثاله واجب، وكقوله تعالى عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]\nفدلَّت هذه الآيات وأمثالها في القرآن على أن صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن، فإنها تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني كالندب\n_________\n(^١) ينظر: العدة في أصول الفقه (١/ ٢٢٩)، والإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٤٠)، وإرشاد الفحول (١/ ٢٤٩)، ومذكرة في أصول الفقه (١٩١) ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (١/ ٣٩٨).\n(^٢) ينظر: العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى (١/ ٢٢٩)","vol":"1","page":616},{"text":"والإباحة والتهديد يكون مجازًا لا يحمل على أي واحد منها إلا بقرينة، (^١)، وهو الحق، وعليه الجمهوركما تقدم.\nويشهد له من السنة قوله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة\" (^٢)، ومعلوم أنه ﷺ ندب أمته إلى السواك، والندب غير شاق، فدلَّ على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ فإنه لو أمر لوجب وشقّ.\nويُستدل له بإجماع الصحابة ﵃ على امتثال أوامر الله تعالى، ووجوب طاعته من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره.\nويدل له أيضًا أن أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حسُن عندهم لومه، وحسُن العذر في عقوبته بأنه خالف الأمر، والواجب ما يعاقب على تركه. (^٣)\nوبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط وقوته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٤٨)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (٣/ ١٣٣٤)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة باب: السواك يوم الجمعة، برقم (٨٨٧) (٢/ ٤)\n(^٣) ينظر: روضة الناظر (٢/ ٧١)، والقواعد والفوائد الأصولية ص (١٥٩)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٤٠)، ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>سورة الفرقان</span>\nطلب الرياسة في الدين من المندوبات.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يحسن أن تطلب ويرغب فيها). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى ذكر هذا الدعاء في معرض الثناء على عباد الرحمن فدلَّ على استحسانه.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية أن الرياسة في الدين يحسن أن تُطلب ويُرغب فيها، لأنه تعالى أخبر في ثنايا حديثه عن صفات عباد الرحمن الذين أثنى عليهم أن من دعاءهم قولهم ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي اجعلنا أئمة يقتدي بنا من بعدنا، ويأتمون بنا في الخيرات (^٢)، فدلَّ باللازم على أن طلب الرياسة في الدين مندوب إليه.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٧)\n(^٢) على القول الراجح في معناها، وبه قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، ينظر: جامع البيان (١٩/ ٣١٩)، والتفسير الوسيط (٣/ ٣٤٩)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ١٣٣).","vol":"1","page":618},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية، ونصَّ على أن طلب الرياسة في الدين على الندب: الماوردي، والقرطبي، والخازن، وابن عادل، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nوممن نصَّ على الوجوب: الزمخشري، والرازي، والنسفي، والسيوطي، وحقي (^٢)، والقاسمي، وغيرهم. (^٣)\nوالحق أن طلب الرئاسة والإمامة مما يختلف حكمه بحسب نية صاحبه وغايته، فقد يُحمد وقد يُذم، والله يعلم المفسد من المصلح.\nفأما المفسد الذي يسألها طلبًا لعَرَض من الدنيا فلا ينبغي له (^٤)، وأما الناصح لله الذي يُحِبُّ أن يُطاع الله فلا يُعصى، وأن تكون كلمته هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويحب الإمامة في الدين لأجل أن يكون في أعين الخلق جليلًا مهيبًا في قلوبهم، مطاعًا كي يأتموا به، فمِثله لا يضُرُّه طلبها بل يُحمد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله، ويطلب ما يكون عونًا له على ذلك مُوصلًا إليه، بدلالة هذه الآية. (^٥)\n_________\n(^١) النكت والعيون (٤/ ١٦١)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٨٣)، ولباب التأويل (٣/ ٣٢٠)، واللباب في علوم الكتاب (١٤/ ٥٧٧)، وروح المعاني (١٠/ ٥٢).\n(^٢) ونسبه إلى القفال، قال حقي: (قال القفال وغيره من المفسرين: في الآية دليل على أن طلب الرياسة في الدين واجب). ينظر: روح البيان (٦/ ٢٥٣)، وغرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني (٢/ ٨٢٤)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٣/ ٢٩٦)، والتفسير الكبير (٢٤/ ٤٨٧)، ومدارك التنزيل (٢/ ٥٥٢)، والإكليل (١/ ١٩٨)، وروح البيان (٦/ ٢٥٣)، ومحاسن التأويل (٧/ ٤٤٥).\n(^٤) وفيه قال ﷺ: \" ليتمنين أقوام ولوا هذا الأمر أنهم خروا من الثريا وأنهم لم يلوا شيئا \" أخرجه أحمد في المسند برقم (١٠٧٣٧) (١٦/ ٤٣٠)، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ٩٤٦)\n(^٥) ينظر: الروح لابن القيم (١/ ٢٥٢)، وزاد المعاد ٣/ ٥٨٢ بتصرف.","vol":"1","page":619},{"text":"وكان من دعاء إبراهيم الخليل ﵊ قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وعن عروة (^١) - ﵁ - أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يُحمل عنه العلم فاستجيب دعاؤه (^٢)، فدلَّ على أنه لا ضير من طلب الإمامة في الدين، بل هو على الندب والاستحسان، كما هي دلالة هذه الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبدالله المدني، ثقة فقيه مشهور، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفي سنة ٩٢ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٥٥)، وتهذيب الكمال (٥/ ١٥٤)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٥٤٧)","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>سورة الشعراء</span>\nتقديم الثناء على الدعاء من المهمات\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - في ختام تفسير هذه الآيات: (وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بالأنبياء ﵈ في أفعالهم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أهمية تقديم ثناء الله تعالى قبل دعائه؛ حيث قدَّم إبراهيم ﵇ الثناء على الله تعالى، وذكره بالأوصاف الحسنة بين يدي طلبه ومسألته، ثم سأله تعالى فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾، تعليمًا لأمته إذا أرادوا مسألة، فدلَّ على أن تقديم الثناء على المسألة من المهمات.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، والنيسابوري، وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٤)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٥١٤)، والبحر المحيط (٨/ ١٦٧)، وغرائب القرآن (٥/ ٢٧٤).","vol":"1","page":621},{"text":"فهذه الآية فيها تعليم العباد كيفية الدعاء وآدابه، بتقديم الثناء على الله تعالى بما هو أهلُه من نعوت الجلال، وصفات العظمة والكمال، والبدء بحمده تعالى وشكره، والاعتراف بين يديه سبحانه بالذل والفقر إليه، تمهيدًا لسؤاله، فهو تعالى يُحب من عبده التذلل إليه، والاعتراف بعظيم نعمه وفضله، فإذا قدَّم العبد صِدق التذلل، ثم أتبعه بصِدق الدعاء والمسألة، كان ذلك أدعى لإجابة الدعاء.\nوقد سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يُمجِّد الله ولم يصلِّ على النبي ﷺ، فقال ﵊: \" عجِل هذا \". ثم دعاه فقال له ولغيره: \"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله ﷿ والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدع بما شاء\". (^١)\nوهكذا كان حال دعائه ﷺ، فالمتأمل للأدعية الواردة في السُنَّة يجدكثيرًا منها مبدوءًا بالثناء على الله، والاعتراف بفضله، وكذلك دعاء يونس ﵇ قال فيه النبي ﷺ: \" دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه برقم (١٤٨١)، (٢/ ٧٧)، والترمذي في سننه برقم (٣٤٧٧) (٥/ ٥١٧) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في المسند برقم (٢٣٩٨٢)، (٦/ ١٨)، والحاكم في المستدرك برقم (٨٤٠)، (١/ ٣٥٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (١٤٨١) (٢/ ٧٧)، وفي صحيح سنن الترمذي رقم (٣٤٧٧)، (٥/ ٥١٧)\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه، برقم (٣٥٠٥)، (٥/ ٥٢٩)، وأحمد في المسند برقم (١٤٦٢)، (٣/ ٦٥) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٣٠)، برقم (١٦٤٤).","vol":"1","page":622},{"text":"وبهذا يظهر أن المستحب في الدعاء البدء بالحمد والثناء على الله بين يدي الحاجة، والمسألة، كما هي إشارة الآية الكريمة، والله تعالى أعلم. (^١)\n_________\n(^١) ينظر للاستزادة: الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم (١/ ٨٩)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٥)","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>سورة النمل</span>\nرحمة الأنبياء وأتباعهم ونزاهتهم عن الظلم والإيذاء.\nقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير، وقولها هذا يدل على عِلمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم؛ لأنهم أتباع نبيّ فهم رحماء). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nفي قول النملة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ تنبيه على رحمة الأنبياء وأتباعهم، كأنها عرفت أن النبي ومن تبعه لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من إشارة الآية في خطاب النملة بقولها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم؛ دلالتها باللازم على رحمة الأنبياء وأتباعهم؛ إذ لو شعروا لم يفعلوا ذلك، فدلَّ على رحمتهم ونزاهتهم عن الظلم والإيذاء.\nوكأن فحوى هذا الكلام يشير إلى معنى العصمة للأنبياء من الظلم والإيذاء، وهو ما صرَّح به بعض المفسرين كالرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٨٤).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٥٤٩)، وأنوار التنزيل (٤/ ١٥٧)، وغرائب القرآن (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":624},{"text":"قال الرازي: (قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء ﵈).\nوقال البيضاوي: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإِيذاء).\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم، وهو مفهوم حكاية معنى الآية من قول: السمرقندي، والسمعاني، وغيرهم). (^١)\nوالعصمة للأنبياء - ﵈- ثابتة في التبليغ عن الله تعالى، فهم لا يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، وهم معصومون أيضًا من الوقوع في الكبائر، وأما الصغائر فأكثر العلماء على أنهم ليسوا بمعصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرُّون عليها (^٢).\nوالظاهر أن ربط عصمة الأنبياء بدلالة هذه الآية على هذا المعنى بعيد، وقد جرت عادة الأشاعرة في المبالغة في مسألة العصمة للأنبياء، لكن الخطيب - ﵀ - هنا لم يُصرِّح بالعصمة وإن كانت دلالة كلامه تؤول إليها، وصرَّح بها غيره، أما\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٥٤٩)، وأنوار التنزيل (٤/ ١٥٧)، ولباب التأويل (٣/ ٣٤١)، وغرائب القرآن (٥/ ٣٠٠)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ٢٧٨)، وروح البيان (٦/ ٣٣٤). وينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٢/ ٥٧٦)، وتفسير السمعاني (٤/ ٨٦).\n(^٢) قال شيخ الإسلام: (القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر \" أبو الحسن الآمدي \" أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء). مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩).","vol":"1","page":625},{"text":"دلالة الآية على رحمة الأنبياء وأتباعهم فهي دلالة صحيحة ظاهرة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>سورة القصص</span>\nإلقاء أم موسى - ﵇ - له في اليمِّ كان في الليل.\nقال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَأَصْبَحَ﴾ أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ أي: قلبها الذي زاد احتراقه شوقًا وخوفًا وحزنًا، وهذا يدل على أنها ألقته ليلًا). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن قوله تعالى ﴿وَأَصْبَحَ﴾ على حقيقته، أي صبيحة تلك الليلة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن أم موسى - ﵇- ألقته ليلًا، يدلّ له لفظ ﴿وَأَصْبَحَ﴾ إذ هو على حقيقته، أي: أنها ألقته بالليل، فأصبح فؤادها فارغًا في النهار.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الماوردي، والقرطبي، وغيرهما. (^٢)\nوللمفسرين في قوله تعالى ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلًا فأصبح فؤادها فارغًا في النهار. والثاني: أنها ألقته نهارًا، ومعنى أصبح: أي صار.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٣٢)\n(^٢) ينظر: النكت والعيون (٤/ ٢٣٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٢٥٦)","vol":"1","page":627},{"text":"والذي عليه كثير من المفسرين أن أصبح بمعنى: صار (^١)، أي صار فؤادها فارغًا من العقل، وذلك حين بلغها أنه وقع في يد فرعون، فدهمها أمر لا يثبت معه العقل، لا سيما عقل امرأةٍ خافت على ولدها حتى ألقته في اليم، رجاء نجاته من الذبح، هذا مع أن الله قد أوحى إليها أنه يردُّه إليها ويجعله رسولًا، ومع ذلك طاش عقلها وغلب عليها الفزع. (^٢)\nقال ابن عاشور: \" (أصبح) مستعملٌ في معنى (صار) فاقتضى تحولًا من حالة إلى حالة أخرى، أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغًا \". (^٣)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم أن لفظ \" أصبح \" هو بمعنى: صار، كما عليه عموم المفسرين، وهو الأغلب في استعماله، وعليه فاستنباط دلالته على أنها ألقته ليلًا ليس بالقوي، خاصة وأنه لم يثبت وقت إلقائها له في اليمّ، وكل ما في ذلك هو من أخبار بني إسرائيل، والله تعالى أعلم بصحتها.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٢٤)، ومدارك التنزيل (٢/ ٦٣١)، والبحر المحيط (٨/ ٢٨٩)، وروح البيان (٦/ ٣٨٥)، والتحرير والتنوير (٢٠/ ٨٠).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط (٨/ ٢٨٩)\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٠/ ٨٠).","vol":"1","page":628},{"text":"صاحب مدين كان له بنات أُخَر غير المذكورتين في آية القصص.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ (أي: الحاضرتين اللتين سقيت لهما؛ ليتأمّلهما فينظر من يقع اختياره عليه منهما، ليعقد له عليها - إلى أن قال-: وقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنه كان له غيرهما). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nبدلالة الإشارة إليهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الإشارة بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ الإيماء إلى أن صاحب مدين (^٢) كانت له بنات أخر غيرهما (^٣)، وكان غرضه أن يتأمّلهما موسى فينظر من\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٣٨)\n(^٢) اختلف في اسمه، قال الطبري: (وأما أبوهما فمختلفٌ في اسمه، فقال بعضهم: اسمه يثرون، قال ابن مسعود: الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون، وقال آخرون: اسمه يثرى، وهو منقول عن ابن عباس. وقال الحسن: يقولون هو شعيب النبي، لا ولكنه سيد أهل الماء يومئذ. قال ابن جرير: وهذا لا يُدرك علمه إلا بخبرٍ عن معصوم ولا خبرَ في ذلك، وقيل اسمه أثرون). ينظر: جامع البيان (١٩/ ٥٦٢)\n(^٣) أخرج ابن المنذر عن مجاهد أن لهما أربع أخوات صغار، وقال البقاعي: إن له سبع بنات كما في التوراة، ينظر: حاشية الشهاب الخفاجي (٧/ ٧٠)، وروح المعاني (١٠/ ٢٧٦)، والتحرير والتنوير ٢٠/ ١٠١).","vol":"1","page":629},{"text":"يقع اختياره عليه منهما ليعقد له عليها، فأشار إليهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ لدفع التوهم عن إرادة غيرهما، فدلَّ باللازم على أنه كان له غيرهما.\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والنسفي، والألوسي، وغيرهم. (^١)\nوخالف بعض المفسرين فضعَّف دلالة الآية على هذا المعنى كأبي حيان قال:\n(قال الزمخشري: (﴿هَاتَيْنِ﴾ فيه دليل على أنه كانت له غيرهما. انتهى. ولا دليل في ذلك، لأنهما كانتا هما اللتين رآهما تذودان وجاءته إحداهما فأشار إليهما، والإشارة إليهما لا تدل على أن له غيرهما). (^٢)\nوتعقَّبه بعض المفسرين كالألوسي مؤكدًا هذه الدلالة فقال: (واعتُرِض بأنه لا دلالة فيه على ما ذُكِر؛ إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ عِلم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما. وتُعقِّب بأنه على هذا تكفي الإضافة العهدية ولا يحتاج إلى الإشارة، فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم بغيرهما معهود عنده أيضًا، وإنما الإشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه الأُخريين المعلومتين له من بينهن). (^٣)\nوالذي يظهر أن الإشارة لهما بقوله ﴿هَاتَيْنِ﴾ لم تُذكر عبثًا، وإنما جاءت لدفع توهم غيرهما من بناته، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٣/ ٤٠٤)، ومدارك التنزيل (٢/ ٦٣٨)، وروح المعاني (١٠/ ٢٧٦)\n(^٢) البحر المحيط (٨/ ٣٠٠)\n(^٣) روح المعاني (١٠/ ٢٧٦)","vol":"1","page":630},{"text":"وقت مسير موسى ﵇ بأهله.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا دليل على أنّ الوقت كان شتاء). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وقت مسير موسى ﵇ بأهله، وأنه كان في الشتاء، بدلالة الإشارة بقوله ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أي تتسخنون بالنار وتستدفئون بها، إذ كانت ليلة باردة، وقد أضلوا الطريق. (^٢)\nقال الرازي: (في قوله تعالى ﴿بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضلّ، وفي قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد). (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٤٤)\n(^٢) أخرج الطبري عن ابن عباس، قال: (لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضلَّ الطريق. قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، ورفعت لهم نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله). جامع البيان (١٨/ ٢٧٦)، وينظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٧١)، والدر المنثور للسيوطي (٦/ ٤١١).\n(^٣) التفسير الكبير (٢٤/ ٥٩٣)","vol":"1","page":631},{"text":"وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الطبري، والسمعاني، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nوكان - ﵇ - في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد، وقد أخذ امرأته الطلق (^٢)، فأبصر عن بُعد نارًا تأجج في جانب الطور، وكأنه رآها والله أعلم دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، فقال: لعلي آتيكم منها بخبر: أي عن الطريق. (^٣)\nقال ابن كثير مؤيدًا هذا الاستنباط: (فدلَّ على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ٩ - ١٠] فدلَّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق.) (^٤)\nوبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وبه قال جمع من المفسرين، كما أن في الآية إشارة أخرى وهي التنبيه على حرص موسى - ﵇ - على أهله، وعطفه وعنايته بهم، والسعي من أجل سلامتهم، والأنبياء ﵈ خير قدوة في معاملتهم لأهليهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (١٩/ ٥٧٢)، وتفسير السمعاني (٤/ ١٣٧)، والتفسير الكبير (٢٤/ ٥٩٣)، والبحر المحيط (٨/ ٣٠١)، ونظم الدرر (١٤/ ٢٧٨)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ١٢)، فتح القدير (٤/ ١٤٦)، وروح المعاني (١٠/ ٢٨١)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦١٥).\n(^٢) ينظر: معالم التنزيل (٣/ ٥٣٣)، والبحر المحيط (٨/ ٣٠١).\n(^٣) ينظر: قصص الأنبياء لابن كثير (٢/ ٢٤)، والبداية والنهاية (١/ ٢٨٥)\n(^٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>سورة العنكبوت</span>\nمناسبة لفظ (بيمينك) في الآية وفائدته.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَمَا﴾ أي: وأنزلنا إليك الكتاب والحال أنك ما ﴿كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ أصلًا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فإن قيل ما فائدة قوله بيمينك؟\nأجيب: بأنه ذكر اليمين التي هي أقوى الجارحتين، وهي التي يُزاول بها الخط زيادة تصوير لِما نفى عنه من كونه كاتبًا، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشّد لإثباتك أنه تولى كتبه، فكذلك النفي، وفي ذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة القوية التي ينشأ عنها ملكه، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل؟ ولذلك قال تعالى: ﴿إِذًا﴾ أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ ﴿لَارْتَابَ﴾ أي: شك ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: اليهود فيك وقالوا: الذي في التوراة أنه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو لارتاب مشركو مكة وقالوا لعلّه تعلمه أو التقطه من كتب الأوّلين وكتبه بيده). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على مناسبة قوله ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في الآية وهي زيادة التصوير لنفي الكتابة عنه ﷺ، وتأكيد إثبات أُمِّيته؛ حيث أشارت الآية إلى أنه لا يرتاب في أمره عاقل، إذ كيف لمثله أن يأتي بالأخبار عن الأمم السابقة والأمور المغيبة ولم يقرأ كتابًا ولاخطَّ بيده قلمًا؟!\nثم يأتي بما أعجز البشر أن يأتوا بسورة مثله، فهذا القرآن المنزل عليه من\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٩٨)","vol":"1","page":633},{"text":"أعظم الأدلة على صدقه.\nوممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال البيضاوي مؤيدًا هذه الدلالة: (وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الإسناد). (^٢)\nوقال الألوسي: (وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفى عنه ﷺ من الخط، فهو مثل العين في قولك: (نظرت بعيني) في تحقيق الحقيقة وتأكيدها، حتى لا يبقى للمجاز مجاز). (^٣)\nوعليه فلفظ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ جاء تقريبًا للمعنى في الأذهان، وتأكيدًا لنفي الكتابة عنه ﵊ (^٤)، وأن ظهور مثل هذا الكتاب عن رجل أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يخالط أهل العلم، أوضح برهان على كونه نازل من عند الله، وهي دلالة ظاهرة تقدم قريب منها، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>سورة لقمان</span>\nمعرفة الرجال بالحق الذي معهم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٣/ ٤٥٨)، وأنوار التنزيل (٤/ ١٩٧)، والبحر المحيط (٨/ ٣٦١)، وغرائب القرآن (٥/ ٣٩١)، ونظم الدرر (١٤/ ٤٥٣)، محاسن التأويل (٧/ ٥٥٩)، وروح المعاني (١١/ ٥).\n(^٢) أنوار التنزيل (٤/ ١٩٧)\n(^٣) روح المعاني (١١/ ٥)\n(^٤) أكثر أهل العلم على أن رسول الله ﷺ لم يكتب قط، ولم يقرأ بالنظر في كتاب. قال ابن كثير: (وهذه صفته في الكتب المتقدمة. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وهكذا كان رسول الله ﷺ دائمًا لا يُحسن الكتابة ولا يخُط سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كُتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم). تفسير القرآن العظيم (٦/ ٢٨٥)، وينظر: البحر المحيط (٨/ ٣٦١).","vol":"1","page":634},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَاتَّبِعْ﴾ أي: بالغ في أن تتبع ﴿سَبِيلَ﴾ أي: دين وطريق ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أي: أقبلَ خاضعًا ﴿إِلَيَّ﴾ لم يلتفت إلى عبادة غيري وهم المخلصون، فإن ذلك لا يخرجك عن برِّهما ولا عن توحيد الله تعالى ولا عن الإخلاص له.\nثم قال: تنبيه: في هذا حث على معرفة الرجال بالحق، وأمرٌ بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة، فمن كان عمله موافقًا لهما اُتّبع، ومن كان عمله مخالفًا لهما اُجتنب). (^١)\nوجه الاستنباط:\nأن الآية دلت بمنطوقها على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وفيه إشارة إلى وجود سبل أخرى غير هذا السبيل، على المسلم أن يعرفها، ليحذر منها ومن دعاتها فيجتنبها.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على استنباط تربوي مفاده الحث على معرفة الرجال بالحق وسبر أحوالهم، فمن كان عمله موافقًا للكتاب والسُنة اُتبِع، ومن كان عمله مخالفًا لهما اُجتنب؛ حيث قال تعالى ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ فدلَّ على لزوم اتباع سبيل من أناب إلى الله تعالى، وهم المؤمنون بالله، وملائكته\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٢٤١).","vol":"1","page":635},{"text":"وكتبه ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه. (^١)\nوعليه ففي الآية إشارة إلى وجود سبل أخرى غير هذا السبيل، وتنبيه للمسلم أن يعرفها ليحذرها فيجتنبها، ويحذر دعاتها، ويُمحص أهل الحق من الباطل من غير التفاتٍ إلى كثرة المقبلين، أو قلة المعرضين، فالحق كما هو معلوم لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق الذي معهم، وكلٌ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا الرسول ﷺ لأنه معصوم، أما غيره فيعتريه من نقص العلم والفهم ما يستوجب عرض قوله على الشرع فما وافق الكتاب والسنة قُبِل وإلا رُد. (^٢)\nوقد وعدالله أهل المجاهدة بالهداية والإعانة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وهذه إشارة لطيفة (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ قيل هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقال غير واحد هو: النبي ﷺ والمؤمنون، والظاهر هو العموم. ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٣١)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ٣٣٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٤٨)\n(^٢) ينظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة لعبد الله بن عبد الحميد الأثري (٢/ ٢١٨)\n(^٣) لم أقف- فيما اطلعت عليه من كتب التفسير - على من استنبط هذه الدلالة من معنى الآية سوى الخطيب ﵀.","vol":"1","page":636},{"text":"فائدة العطف بين صيغتي المضارع، والماضي في هذه الآية:\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [لقمان: ٢٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: قال تعالى ﴿يُولِجُ﴾ بصيغة المستقبل، وقال في الشمس والقمر ﴿وَسَخَّرَ﴾ بصيغة الماضي؛ لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد كل يوم، وتسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩].) (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة بلاغية من سياق الآية، وهي مناسبة العطف بين لفظ «يولج» بصيغة المضارع، و«سخر» بصيغة الماضي، للدلالة على التجدد والحدوث والاستمرار، وذلك أن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدّد ويتعاقب كل يوم، أما تسخير الشمس والقمر أمر مستمرّ، وهذه فائدة بلاغية في بيان معاني صيغ الأفعال.\nوممن استنبط هذه الفائدة من موضع هذه الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ١٩٧)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٥/ ١٣٠)، اللباب في علوم الكتاب (١٥/ ٤٦٣).","vol":"1","page":637},{"text":"وهذه الدلالة مما قرّره أهل اللغة والبلاغة أن مجيء المضارع للدلالة على الحال والاستقبال، يفيد التجدد والحدوث، وأن هذا الحدث مستمر الوجود، ولم يمض. (^١)\nوقد جاء هذا الأسلوب عطف الماضي على المستقبل كثيرًا في القرآن، ولا يكون ذلك إلا لمنحى بلاغي، إذ لا يقع ما ليس بليغًا في كلام الله ﷿، وقد أشار كثير من المفسرين وأهل اللغة إلى آيات كثيرة من هذا النمط، وبينوا وجوه البلاغة والبيان فيها.\nومن أمثلة هذا التحول في السياق القرآني للدلالة على التجدد والاستمرار للحدث قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، وقد ينعكس فيعطف المضارع على الماضي أيضًا لبيان ذات الغرض وهو الحدوث والاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. (^٢)\n\nوهذه دلالة صحيحة يشهد لها تكرار هذا التحول في السياق القرآني كثيرًا في القرآن، لهذا الغرض وأغراض أخرى نبَّه عليها أهل اللغة (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير (٢/ ١٤٦ وما بعدها).\n(^٢) ينظر أمثلة عطف الماضي على المضارع وعكسه في المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر (٢/ ١٤٨).\n(^٣) ينظر: البلاغة العربية لعبد الرحمن حبنكة الميداني (١/ ٢١٧)، والنحو الوافي لعباس حسن (٣/ ٦٤٢)، وتوضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك (٢/ ١٠٣٣).","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>سورة الأحزاب</span>\nتنزيه النبي ﷺ، وأنه لم يُبدِ غير ما أعلمه الله تعالى أن زينب ستكون زوجته بعد طلاق زيد.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: زينب ﵂ ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ﴿وَتُخْفِي﴾ أي: والحال أنك تخفي أي: تقول قولًا مخفيًا ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد (^١) ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها وإن أمَرتَه بإمساكها، وتزويجك بها وأمرُك بالدخول عليها، وهذا دليلٌ على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يُبدِّلُ قوله، وقول ابن عباس - ﵁ - كان في قلبه حبها بعيد،\n_________\n(^١) هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب ابن عبد العزى بن امرئ القيس، وهو حِب رسول الله ﷺ، وأول من آمن به من الموالي؛ شهد بدرا، من كبار السابقين الأولين آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب،، توفي سنة ٥٤ هـ. ينظر: أسد الغابة (٢/ ٣٥٠)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٠ ومابعدها).","vol":"1","page":639},{"text":"وكذا قول قتادة: ودَّ لو أنه لو طلَّقها زيد، وكذا قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها (^١». (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أنه ﷺ ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أن زينب ستصير زوجته بعد طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، فأخبره أنها ستكون من أزواجه وأن زيدًا سيطلقها، فلما جاءه زيدٌ يريد طلاقها قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء ﵈ وظاهر السياق (^٣)؛ فالله تعالى أعلمه أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر سبحانه غير تزويجها منه فقال تعالى «زوجناكها» فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها - كما قاله بعض المفسرين - لكان تعالى أظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه ولا يظهره، فدلَّ على أنه إنما\n_________\n(^١) وهذه الروايات كلها ضعيفة الأسانيد؛ والصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا من الوحي شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وما روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد قال: قال لي علي بن الحسين ما كان الحسين يقول في قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قال: قلت: كان يقول: إنها كانت تعجبه، وإنه قال لزيد: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما جاءه زيد يشكو منها قال له: (اتق الله وأمسك عليك زوجك). ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ٤١)، وجامع البيان للطبري (٢٠/ ٢٧٤)\nقال ابن كثير - ﵀ -: (ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم هاهنا آثارا عن بعض السلف، ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها). تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٢٤)\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٣١٤)\n(^٣) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٨٧) ولباب التأويل للخازن (٣/ ٤٢٧)","vol":"1","page":640},{"text":"عُوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته، وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر زيدًا أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي. (^١)\nقال ابن العربي: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ يعني من نكاحك لها، وهو الذي أبداه لا سواه. وقد علم النبي ﷺ أن الله تعالى إذ أوحى إليه أنها زوجته لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عنه أنه كائن، لا بد أن يكون لوجوب صدقه في خبره، وهذا يدلك على براءته من كل ما ذكره متسور من المفسرين، مقصور على علوم الدين). (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: السمعاني، وابن العربي، والقرطبي، والخازن، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٣)\nوهي دلالة صحيحة قوية الظهور، أما قولهم: إن النبي ﷺ رآها فوقعت في قلبه فضعيف، ولا يليق بحق النبي ﷺ وفضله، فكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولم يكن حينئذ حجاب، وهو ﷺ زوَّجها لزيد، فكيف تنشأ معه ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن!\nفلا يُشك في تنزيه النبي ﷺ عن أن يأمر زيدًا بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٣٠)، ولباب التأويل للخازن (٣/ ٤٢٧)\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٧٨)\n(^٣) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٨٧)، وأحكام القرآن (٣/ ٥٧٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩٠)، ولباب التأويل (٣/ ٤٢٧) محاسن التأويل (٨/ ٨٢)\n(^٤) ينظر: لباب التأويل للخازن (٣/ ٤٢٧)","vol":"1","page":641},{"text":"ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ إذ دلَّ على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر، ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج. (^١)\nقال الشنقيطي: (والدليل على هذا أمران: الأول: أن الله جل وعلا قال: وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى.\nالأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرّح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوَّجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٨٢)","vol":"1","page":642},{"text":"إياها ليس هو محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها كما زعموا (^١)، والعلم عند الله تعالى). (^٢)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله من أنها ستصير زوجته بعد طلاق زيد، وهو الأظهر والأليق بمقام النبي ﷺ، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر - ﵀ – في هذه الآية: (ووردت آثار أخرى أخرجها بن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمرٍ لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم).\nفتح الباري (٨/ ٥٢٤)، وينظر: صحيح البخاري في: كتاب التفسير، سورة الأحزاب، باب قوله (وتخفي في نفسك ما الله مبديه)، حديث رقم ٢٠٣٢ ومابعده.\n(^٢) أضواء البيان بتصرف يسير (٦/ ٢٤١) وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١٨/ ١٣٧).","vol":"1","page":643},{"text":"قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تخصيص المؤمنات والحكم عام، للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرًا لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي، حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فنكح لا يقع الطلاق). (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان، الدلالة الأولى:\nالتنبيه على أن المؤمن لا ينكح إلا مؤمنة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية التنبيه على أنه ينبغي للمؤمن أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، لأن قوله تعالى: ﴿نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فيه تخصيص المؤمنات بالذكر مع عموم الحكم للكتابيات، فهي إشارة إلى أفضليتهن على غيرهن، وأن على المؤمن أن يتخيّر لنطفته، وينكح المؤمنة الطاهرة، فإنها أشد تحصينًا لدينه، ولأن إيمانها يدفعها إلى المحافظة على عفتها، ويمنعها من الوقوع في الفاحشة، فتصون عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته، ويشهد له قوله تعالى:\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٢١).","vol":"1","page":644},{"text":"﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وهذا لبيان الأحرى والأولى.\nقال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصَّ المؤمنات والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت: في اختصاصهن تنبيهٌ على أن أصل أمر المؤمن، والأولى به: أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ويتنزه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف واحد عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب (^١). وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات). (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية غير الزمخشري: الرازي، وأبوحيان، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم. (^٣)\nوعليه ففائدة التخصيص هنا تنبيه المؤمن للأولى والأفضل وهي إشارة حسنة؛ إذ أن الولد فيه عرق ينزع إلى أمه فهو تابع لها في الأخلاق والطباع، فكان\n_________\n(^١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]\n(^٢) الكشاف (٣/ ٥٤٨)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٥/ ١٧٥)، والبحر المحيط (٨/ ٤٨٩)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ١٠٩)، وروح المعاني (١١/ ٢٢٦)","vol":"1","page":645},{"text":"على المسلم أن يتخير لنطفته، ولا يضعها إلا في أصل طاهر، ويتجنب منبت السوء، والله تعالى أعلم. (^١)\n\nالدلالة الثانية:\nتعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ – بدلالة اللازم من الآية أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح فدلَّ على أنه لا يتقدمه، وذكره بكلمة «ثم» وهي للتراخي، والمعية تنافي التراخي، وعليه فالتطليق حينئذٍ لا يكون إلا بعد النكاح.\nقال البغوي: (فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق). (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: فيض القدير للمناوي (٦/ ٢٩٥)، ومنتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﷺ للحجي المراوعي (٣/ ٤٥٠).\n(^٢) معالم التنزيل (٣/ ٦٤٨)","vol":"1","page":646},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية غيرالبغوي: السمعاني، وابن عطية، والرازي، والخازن، وحقي، وغيرهم. (^١)\nقال السمعاني: (في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتَّب الطلاق على النكاح، فدلَّ على أنه لا يتقدمه). (^٢)\nوهذا ما عليه الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقًا؛ لأنه تطليق عند وجود الشرط، وقال مالك: إن عيَّن امرأة بعينها أو من قبيلة أو من بلد فتزوجها وقع الطلاق، وإن عمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها من الناس كلهم لم يلزمه شئ. (^٣)\nوالراجح أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح (^٤)؛ لأنه حل قيد النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، وكما قيل: إنما النكاح عقدة، والطلاق يحلُّها، فكيف تُحل عقدة لم تُعقد؟.\nوتؤيده الآية الكريمة، وما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤)، والمحرر الوجيز (٤/ ٣٩٠)، والتفسير الكبير (٢٥/ ١٧٥)، ولباب التأويل في معاني التنزيل (٣/ ٤٣٠)، وروح البيان (٧/ ٢٠١)\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤)\n(^٣) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٥٨٣)، والمهذب (٣/ ٤١)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٣/ ١٣٨)، والمغني (٧/ ٣٤٦)، والمحلى بالآثار لابن حزم (٩/ ٤٦٩)\n(^٤) وهذا هو ما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين، وقد عدَّ البخاري منهم اثنين وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن ابن عباس، فالذي ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الراجح الذي دلَّ عليه الدليل الصحيح. ينظر: فتح الباري لابن حجر (٩/ ٣٨٢)، والشرح الممتع لابن عثيمين (١٢/ ٤٩٥)\n(^٥) أخرجه الترمذي في سننه باب لا طلاق قبل نكاح، برقم (١١٨١)، (٣/ ٤٧٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٦/ ١٧٣)","vol":"1","page":647},{"text":"إباحة نظر الرجل إلى من يريد نكاحها.\nقال الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nقوله ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ يدل على حصول النظر الذي يستوجب الإعجاب.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على جواز نظر الرجل إلى من يريد نكاحها، لأنه تعالى قال: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، ولا يعجب بحسنهن حتى يراهن؛ فدلَّ على جواز النظر للمخطوبة، كما دلَّت عليه السنة فيما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل». (^٢)\nوما روي عن أبي هريرة أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا». (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٢٩)\n(^٢) أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها، برقم (٢٠٢٨). (٢/ ٢٢٨)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٢)، وفي سنن أبي داود (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) يعني «صغرا» أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، برقم (٧٤). (٢/ ١٠٤٠)","vol":"1","page":648},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، وابن جزي، والخازن، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال ابن عطية: (وفي هذه اللفظة ﴿أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها). (^٢)\nوهي دلالة ظاهرة قوية، كما أن الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الندب والإرشاد إلى المصلحة وليس للوجوب، فإنه إذا نظر إليها فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها ويكون سببًا في دوام الود بينهما. (^٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٤١)، والمحرر الوجيز (٤/ ٣٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٢٢)، والتسهيل (٢/ ١٥٦)، ولباب التأويل (٣/ ٤٣٣)، والبحر المحيط (٨/ ٤٩٧)، والإكليل (١/ ٢١٣)، وروح المعاني (١١/ ٢٤٢)، ومحاسن التأويل (٨/ ٩٨).\n(^٢) المحرر الوجيز (٤/ ٣٩٤)\n(^٣) وبه قال جمهور الفقهاء، ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١٦/ ١٣٣)، وفتح الباري لابن حجر (٩/ ١٨١)، ومجموع الفتاوى (٢٩/ ٣٥٤)، ونهاية المطلب للجويني (١٢/ ٣٧)، والروضة الندية شرح الدرر البهية للقنوجي (٢/ ١٠).","vol":"1","page":649},{"text":"وجوب الصلاة على النبي ﷺ.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي ﷺ لأن الأمر للوجوب (^١)، قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعيَّن وجوبها فيها (^٢)، والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها، فتجب في التشهد آخر الصلاة، أي: بعده، وهو مذهب الشافعي (^٣)، وإحدى الروايتين عن أحمد (^٤)، فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها (^٥) محجوج بإجماع من قبله،\n_________\n(^١) هذا ما عليه جمهور أهل العلم أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، ينظر: العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (١/ ٢٢٩)، والإحكام للآمدي (٢/ ١٤٦)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٠)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٤٩)\n(^٢) حكى هذا الإجماع ابن العربي، والقرطبي ونقله عنه الشوكاني، وابن كثير، ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٦٢٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٣٢)، وفتح القدير (٤/ ٣٤٦)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٦٩).\n(^٣) وقال به من الصحابة عبد الله بن مسعود، وأبو مسعود البدري، ومن التابعين: محمد بن كعب القرظي، ومن الفقهاء إسحاق بن راهويه.\nينظر: الأم (١/ ١١٧)، والحاوي الكبير للماوردي (٢/ ١٣٧)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي الحسين العمراني (٢/ ٢٣٨)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (١/ ٩)\n(^٤) وهي الرواية الأخيرة عنه، ينظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٦٣)، والمغني (١/ ٥٤١ (، والشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة (١/ ٥٧٩)، واختلاف الأئمة العلماء لعون الدين بن هبيرة (١/ ١٢٠).\n(^٥) أي في غير الصلاة، وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله واختاره الطحاوي والكرخي من الحنفية. ينظر: المبسوط (١/ ٢٩)، والمعتصر من المختصر من مشكل الآثار للملطي الحنفي (١/ ٥٥)، والبناية شرح الهداية للغيتابي (٢/ ٢٧٤)، وبداية المجتهد (١/ ١٣٩)، وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٤٣).","vol":"1","page":650},{"text":"ولحديث: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... إلى آخره» (^١)، وقيل: تجب كلما ذُكِر (^٢». (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وجوب الصلاة على النبي ﷺ بدلالة الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وبهذه الآية استدل الشافعي على أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الصلاة - كما تقدم في استنباط الخطيب - لأن الأمر للوجوب فتجب الصلاة على النبي ﷺ ولا تجب في غير التشهد، فثبت أنه في الصلاة. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، برقم (٤٧٩٧) (٦/ ١٢٠)، ورقم (٣٣٦٩) (٤/ ١٤٦)، وأخرجه بلفظه أحمد في المسند برقم (١٧٠٧٢)، (٢٨/ ٣٠٤)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٩٨٨)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، فذكر الصلاة على النبي ﷺ في الصلوات (١/ ٤٠١)\n(^٢) اختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية ينظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٦٣)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٣٠٨)، وجلاء الأفهام لابن القيم (١/ ٣٨٢)، ونيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٣٣٢).\n(^٣) السراج المنير (٣/ ٢٦٩).\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٢٥/ ١٨٢)","vol":"1","page":651},{"text":"وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والسمعاني، والرازي، والبيضاوي، والمظهري، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nقال السمعاني: (ويُستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي إذا صلَّى، على ما هو مذهب الشافعي، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي، وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة، فوجب في الصلاة أن يصلي على رسول الله). (^٢)\nوعلى هذا فالآية دالة على وجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الجملة، وقد اتفق العلماء على وجوبها، ثم اختلفوا في حال الوجوب، فقيل: تجب في العمر مرة، وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير (^٣)، وقيل: تجب الصلاة كلما جرى ذِكره، فالصلاة عليه في كل حين من الواجبات، وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها (^٤)، ولا يُغفلها إلا من لا خير فيه. (^٥)\nقال ابن عاشور مؤيدًا دلالة هذه الآية على الوجوب: (وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق يقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي ﷺ، إلا أنه كان مجملًا في العدد فمحمله محمل الأمر المجمل أن يفيد المرة، لأنها ضرورية لإيقاع الفعل\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٤٣)، وتفسير السمعاني (٤/ ٣٠٤)، والتفسير الكبير (٢٥/ ١٨٢)، وأنوار التنزيل (٤/ ٢٣٨)، التفسير المظهري (٧/ ٣٧٥)، ومحاسن التأويل (٨/ ١٠٧)، والتحرير والتنوير (٢٢/ ٩٨).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٣٠٤)\n(^٣) وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم توثيقه.\n(^٤) لقوله ﷺ \" رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي\" أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٥٥٠) برقم (٣٥٤٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في تحقيق فضل الصلاة على النبي ﷺ للجهضمي (١/ ٣١) برقم (١٦)، وفي مشكاة المصابيح (١/ ٢٩٢) برقم (٩٢٧)\n(^٥) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ٢٣٢)","vol":"1","page":652},{"text":"ولمقتضى الأمر) (^١)\nوالذي يظهر قوة ماذهب إليه الشافعي وأحمد في الرواية الأخيرة عنه (^٢) بدلالة هذه الآية وهو وجوب الصلاة عليه ﷺ، في كل صلاة في التشهد الأخير، لظهوره وقوته، ولأن الأمر للوجوب كما تقدم، والله تعالى أجل وأعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٢/ ٩٨)\n(^٢) وهو اختيار الشيخ ابن باز، قال (والأخذ به أحوط؛ لما فيه من العمل بكل الأحاديث والخروج من الخلاف) مجموع فتاوى ابن باز (٢٩/ ٣٠١).","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>سورة سبأ</span>\nفضل داود ﵇.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿مِنَّا﴾ فيه إشارة إلى بيان فضل داود ﵇؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ مستقل بالمفهوم وتام، كما يقول القائل: آتى الملك زيدًا خلعة، فإذا قال: آتاه منه خلعه، يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من سياق الآية دلالتها باللازم على فضل داود ﵇ بدلالة تقديم لفظ ﴿مِنَّا﴾ على المفعول في قوله تعالى ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾. والفضل الزيادة، والتنوين للنوع أي: نوعًا من الفضل على سائر الأنبياء مطلقًا (^٢)، سواء كانوا أنبياء بني إسرائيل أو غيرهم، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.\nوالفاضل من وجه لا ينافي كونه مفضولًا من وجه آخر، وهذا الفضل هو ما ذكر بعد ذلك من تأويب الجبال معه، وتسخير الطير، وإلانة الحديد، فإنها معجزة خاصة به، وهذا من النعمة عليه، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، فدلّ على مزيد فضل له على غيره.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٥١)\n(^٢) إرشاد العقل السليم (٧/ ١٢٤)","vol":"1","page":654},{"text":"وهذا لا يقتضي انحصار فضله في هذه النعم فحسب فإنه تعالى أعطاه الزبور، كما قال تعالى في مقام الامتنان والتفضل ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وذكر هنا فضله على صفة النكرة وهي تدل على نوعٍ من الفضل وشيءٍ منه كما دل عليه لفظ «منا». (^١)\nقال أبو السعود مؤكدًا هذه الدلالة: (﴿فَضْلًا﴾ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أي: نوعًا من الفضل، وهو ما ذُكر بعد، فإنه معجزة خاصة به ﷺ، أو على سائر الناس، فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن؛ فتنكيره للتفخيم، و﴿مِنَّا﴾ لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية، وتقديمه على المفعول الصريح؛ للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر؛ فإن ما حقه التقديم إذا أُخر تبقى النفس مترقبة له، فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن). (^٢)\nوقد نصَّ على هذه الدلالة من سياق الآية غير أبي السعود: الرازي، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٣)\nوعلى هذا ففي الآية إشارة إلى مزيد فضلٍ لداود ﵇، ويشهد له آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، إلى غير ذلك من الآيات (^٤) والله تعالى أجلُّ وعلم.\n_________\n(^١) ينظر: روح البيان لحقي (٧/ ٢٦٥)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٧٦)\n(^٢) إرشاد العقل السليم (٧/ ١٢٤) بتصرف يسير.\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٥/ ١٩٥)،، روح البيان (٧/ ٢٦٥)، وروح المعاني (١١/ ٢٨٧)\n(^٤) ينظر: أضواء البيان (٦/ ٢٦٦).","vol":"1","page":655},{"text":"أولوية العمل والسعي للآخرة على غيره من أعمال الدنيا.\nقال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ قال عقب ما تعمله الجن له ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكرًا). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nتكرار الأمر بالعمل الصالح عقب أعمال الدنيا.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على ضرورة العمل والسعي للآخرة، وأن لا يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في أعمال الدنيا ولو كانت مباحة بدلالة قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ عقب ما تعمله الجن له من محاريب وتماثيل وجفان.\nقال ابن كثير: (وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين). (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٣٥٠)\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٠٠)","vol":"1","page":656},{"text":"وقيل: مفعول اعملوا محذوف، أي اعملوا الطاعات، وواظبوا عليها شكرًا لربكم على ما أنعم به عليكم (^١)، فالواجب الذي ينبغي أن يُكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرًا، وعليه ففي الآية إشارة إلى عدم المبالغة في الالتفات إلى هذه الأمور، وقلة الاشتغال بها كما في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]، أي اجعله بقدر الحاجة. (^٢)\nقال أبو حيان: قال سبحانه عقب ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وعقب ما يعمله الجن: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، إشارة إلى أن الإنسان لا يستغرق في الدنيا ولا يلتفت إلى زخارفها، وأنه يجب أن يعمل صالحًا. (^٣)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الرازي، وأبو حيان وغيرهما. (^٤)\nفدلَّ تكرار الأمر بالعمل الصالح عقب العمل الدنيوي على ضرورته، وأنه الأصل الذي بنبغي أن يُسعى إليه ويُجتهد في تحصيله؛ لأنه هو المنجاة والطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وهذه إشارة حسنة، من لطائف الإشارات عند الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط (٨/ ٥٢٩)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٢٥/ ١٩٩)\n(^٣) البحر المحيط (٨/ ٥٢٩)\n(^٤) ينظر: المرجعين السابقين.","vol":"1","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>سورة فاطر</span>\nالعالم أعلى درجة من العابد.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عباس ﵁: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني (^١)، فالخشية بقدرة معرفة المخشي، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] بيَّن تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل، فمن ازداد منه علمًا ازداد منه خشية وخوفًا، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته أقل). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة الجمع بين الآيات أفضلية العالم على العابد؛ لأنه تعالى أخبر أن العلماء أخشى عباد الله له، فالخشية بقدر معرفة الله سبحانه، والعالم يعرف الله حق المعرفة فيخافه ويخشاه حق الخشية، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فأثبت الخشية للعلماء، وحصرَ الخشية فيهم بأسلوب الحصر ﴿إِنَّمَا﴾، وهذا يفيد أن كل من خشي الله فهو عالم، وكلما كانت المعرفة به أتمّ والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر، وأوجبت له خشية الله الكف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله،\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٦٩٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٥١٠)\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٣٩٥).","vol":"1","page":658},{"text":"وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، حيث بيَّن تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم، فثبت أن الكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الجصاص (^٢)، والرازي، وغيرهما. (^٣)\nويدل له ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «فضل العالم على العابد كف ٠ ضلي على أدناكم» (^٤). وقوله ﵊ «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (^٥)\nويؤيد دلالة هذه الآية أيضًا أن عمل العابد قاصر على نفسه، والعالم عمله متعدٍ نفعه إلى الغير، كما أن العابد إذا مات انقطع عمله، والعالم المنتفع بعلمه لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نُسِب إليه، فأين أحدهما من الآخر؟. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٤٦)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٦٨٩)\n(^٢) قال الجصاص: (قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ - إلى قوله- ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨] خبرٌ أن خير البرية من خشي ربه، وأخبر في الآية أن العلماء بالله هم الذين يخشونه، فحصل بمجموع الآيتين أن أهل العلم بالله هم خير البرية). أحكام القرآن (٥/ ٢٤٦)\n(^٣) ينظر: المرجع السابق، والتفسير الكبير للرازي (٢٦/ ٢٣٦)\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) تقدم تخريجه.\n(^٦) ينظر: تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٨٢)، وتفسير القرآن العظيم (٦/ ٥٤٤)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ١٠٤).","vol":"1","page":659},{"text":"وهذه الدلالة صحيحة، جاء التأكيد عليها في مواضع أخرى كثيرة، والله تعالى أجلُّ وأعلم.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>سورة يس</span>\nفوائد مستنبطة من قصة مؤمن آل ياسين.\nقال الله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (ولما أفضى به إلى الجنة ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: الذين أعطاهم الدرجات العُلا، فنصح لقومه حيًا وميتًا بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله.\nثم قال: تنبيه: في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، والحلم عن أهل الجهل، وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه، وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسنًا). (^١)\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بأفعال الصالحين، والاعتبار بحال من سبق.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآيات في قصة مؤمن آل ياسين (^٢) دلالتها باللازم على عددٍ من الفوائد منها:\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٤١٧)\n(^٢) اسمه حبيب النجار، ينظر: جامع البيان للطبري (٢٠/ ٥٠٥)، والدر المنثور للسيوطي (٧/ ٥١)","vol":"1","page":661},{"text":"أولًا: الحث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار، كما فعل هذا المؤمن؛ حيث بادر إلى الاستجابة للحق، لمَّا استشعر حقيقة الإيمان، فسعى لأجل الحق الذي معه، وجاء من أجل أن يأمر الناس باتباع المرسلين، مع أنهم كانوا في غاية العناد والإعراض، وكانوا يهددون الرسل ويقولون: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨]، ورغم هذا التهديد، فإن هذا المؤمن جهر بالحق ودعاهم إلى الإيمان بدعوة الرسل.\nكما أن فيها دروسًا في كظم الغيظ وعدم الانتصار للنفس والحلم عن أهل الجهل؛ فإن هذا المؤمن لم يلهه دخوله الجنة عن حال قومه، ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ فتمنى أن يعلموا ماذا لقي من ربه؛ ليعلموا فضيلة الإيمان فيؤمنوا، إشفاقًا عليهم، ليعملوا مثلما عمِل، ليجدوا مثلما وجد، وما تمنى هلاكهم، ولا الشماتة بهم، فكان مُتسمًا بكظم الغيظ، وبحلمه على جهالتهم؛ ونصحه لقومه حيًا وميتًا. فحقَّق الله مُناه، وأخبر عن حاله، وأنزل به خطابه، وعرَّف قومه ذلك. (^١)\nوممن استنبط هذه الفائدة: الزمخشري، وابن عطية، والبيضاوي، والقرطبي، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nقال القرطبي: (في هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به\n_________\n(^١) ينظر: لطائف الإشارات للقشيري (٣/ ٢١٥)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٢٢/ ٣٧١)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٤/ ١١)، والمحرر الوجيز (٤/ ٤٥١)، وأنوار التنزيل (٤/ ٢٦٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٠)، وروح البيان (٧/ ٣٨٧)، ومحاسن التأويل (٨/ ١٨٢)، والتحرير والتنوير (٢٢/ ٣٧١)، وروح المعاني (١١/ ٤٠٠)","vol":"1","page":662},{"text":"والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟). (^١)\nومن فوائد الآيات أيضًا: أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسنًا، كما أخبر تعالى عنه أنه قال: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ فنسب الفضل لله وحده، وما امتنّ به عليه من دخول الجنَّة ومغفرة ذنبه، مع أنه بذل ما بذل وسعى وأحسن في النصيحة لقومه، فدلَّ على أنه لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته سبحانه.\n\nومن فوائدها: الثبات في الدعوة إلى الهدى والحق، مهما وقف ضدها الطغاة والمفسدون، حتى ولو عُذب المرء وأُهين، بل حتى لو قُتل، كما هو حال مؤمن آل ياسين، وذلك سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن نهج نهجهم من الدعاة الصادقين إلى يوم الدين، (^٢) وفي سياق القصة غيرها من التنبيهات والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٠)\n(^٢) ذكر بعض المفسرين غيرها من الفوائد ينظر: الكشاف (٤/ ١١)، ومحاسن التأويل (٨/ ١٨٢)، وينظر: قصة مؤمن آل ياسين دروس وعبر لعبد الحميد السحيباني ص ٧ وما بعدها.","vol":"1","page":663},{"text":"نفي الجوع عن أهل الجنة.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٧].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿لَهُمْ﴾ أي: خاصة بهم ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: لا تنقطع أبدًا، ولا مانع لهم من تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة، إشارة إلى أن لا جوع هناك؛ لأن التفكه لا يكون لدفع الجوع). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة اللازم: الإيماء إلى نفي الجوع عن أهل الجنة؛ لأنه تعالى قال ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، وإنما اختار من أنواع الأكل الفاكهة في هذا الموضع؛ لأنها أدلّ على التنعم والتلذذ وعدم الجوع (^٢)، فالفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع، وإنما خُصَّت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا، دلَّ عليه ذكر الاتكاء هنا؛ لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه. (^٣)\nوممن استنبط هذه الإشارة من الآية: الرازي، وابن عادل، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٤)\nقال الألوسي: (فيه إشارة إلى أنه لا جوع هناك، وليس الأكل لدفع ألم الجوع، وإنما\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٤٣٤)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٢٩٥)\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير (٢٣/ ٤٣)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٢٩٥)، واللباب في علوم الكتاب (١٦/ ٢٤٦)، وروح البيان (٧/ ٤١٨)، وروح المعاني (١٢/ ٣٦).","vol":"1","page":664},{"text":"مأكولهم فاكهة ولو كان لحمًا). (^١)\nومعلوم أن الجنة لا جوع فيها ولا ظمأ، كما أخبر سبحانه في وعده لآدم - ﵇ -: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وعليه فإشارة قوله تعالى ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ إلى هذا المعنى محتملة غير بعيدة، ويؤيدها تكرار الاقتصار على الفاكهة في غير موضع من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥٠ - ٥١] أي: وهم متكئون على الأرائك يطلبون أنواع الفواكة وألوان الشراب كعادة الملوك في الدنيا، فالاقتصار على دعاء الفاكهة للإيماء بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ، دون التغذي (^٢)، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>سورة الصافات</span>\nالحميم في موضع خارج عن الجحيم.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٦ - ٦٨].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أي: مصيرهم ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قال مقاتل (^٣): أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم. (^٤) وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك بأن يكون الحميم في\n_________\n(^١) روح المعاني (١٢/ ٣٦).\n(^٢) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود (٧/ ٢٣١)\n(^٣) هو مقاتل بن حيان النبطي، أبو بسطام البلخي الخزاز، الإمام العالم المحدث الثقة، صدوق فاضل، توفي سنة ١٥٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٠، وتقريب التهذيب ص ٤٧٦، وطبقات المفسرين للداودي ص ٥٢٠.\n(^٤) الصحيح أنه قول قتادة وليس مقاتل. ينظر: جامع البيان (٢١/ ٥٧)، والنكت والعيون (٥/ ٥٢)","vol":"1","page":665},{"text":"موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾) [الرحمن: ٤٤]. (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الرجوع دليل على الانتقال في وقت الأكل والشرب إلى مكان غير مكانهما. (^٢) كما دلت ﴿ثُمَّ﴾ على التراخي.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أن الحميم في موضع خارج عن الجحيم فأهلها – عياذًا بالله من حالهم - يردون الحميم للشرب كما ترد الإبل الماء، ثم يُردون إلى الجحيم، بدلالة معنى الرجوع في قوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وذلك يدل أنهم في تطعّمهم الزقوم بمعزل عنها (^٣)، والمعنى أنهم يترددون بين جهنم والحميم، فمرة إلى هذا، ومرة إلى هذا، واستدَّل له بقول قتادة في معنى الآية، كما استدَّل بقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الواحدي، والبغوي، ومحمود النيسابوري، وابن الجوزي، والرازي، وأبوحيان، وابن كثير، وابن رجب (^٤)، والشوكاني، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٤٦٠)\n(^٢) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ١٠٧)\n(^٣) ينظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن لمحمود النيسابوري (٢/ ٧٠٠)\n(^٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقيّ، أبو الفرج، زين الدين، حافظ محدث، صنف التصانيف، من كتبه (شرح جامع الترمذي) و(جامع العلوم والحكم) توفي سنة ٧٩٥ هـ، ينظر: الأعلام (٣/ ٢٩٥)، والبدر الطالع (١/ ٣٢٨).\n(^٥) ينظر: الوسيط (٣/ ٥٢٦)، ومعالم التنزيل (٤/ ٣٣)، وإيجاز البيان (٢/ ٧٠٠)، وزاد المسير (٣/ ٥٤٣)، والتفسير الكبير (٢٦/ ٣٣٨)، والبحر المحيط (٩/ ١٠٧)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢١)، وتفسير ابن رجب (٢/ ٢٥٠)، وفتح القدير (٤/ ٤٥٧)","vol":"1","page":666},{"text":"قال البغوي: (يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وقرأ ابن مسعود: «ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم» (^١». (^٢)\nوقيل المعنى ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي إلى دركات الجحيم، فإن الزقوم والحميم نُزُلٌ يقدم إليهم قبل دخولهم (^٣) - عياذًا بالله من حالهم - وهذا يحتاج إلى توقيف، وإلا فهو خلاف الظاهر. (^٤)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم أن الحميم خارج عن الجحيم كما نصَّ عليه كثير من المفسرين، ويؤيده قراءة ابن مسعود كما تقدَّم: «ثم إن منقلبهم» إذ الانقلاب أظهر في الرد والرجوع، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ويشهد لصحته كذلك قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢].\nواختار هذا المعنى ابن كثير مؤيدًا هذه الدلالة قال: (أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في\n_________\n(^١) وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، تنظر هذه القراءة في: جامع البيان (٢١/ ٥٦)، وفضائل القرآن للقاسم بن سلام (١/ ٣١١)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٨٨).\n(^٢) معالم التنزيل (٤/ ٣٣)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٤/ ٤٧)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٢)، ومدارك التنزيل (٣/ ١٢٦)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ١٩٤)، وروح البيان (٧/ ٤٦٥).\n(^٤) ينظر: روح المعاني للألوسي (١٢/ ٩٤)","vol":"1","page":667},{"text":"هذا، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي). (^١)، ونقله جمع من أهل التفسير (^٢)\nقال ابن رجب في تفسير الآية: (أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم عليه. ويدل هذا على أن الحميم خارج من الجحيم). (^٣)\nوعليه فالذي يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢١).\n(^٢) قال الشوكاني: (قال القرظي في قوله ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾: إن الحميم دون النار، فيؤخذ العبد بناصيته فيجر في ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس، وهذا الذي يقول الله ﷿: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢]). فتح القدير (٤/ ٤٥٧) وينظر: معالم التنزيل (٤/ ٣٣)، وزاد المسير (٣/ ٥٤٣)، والبحر المحيط (٩/ ١٠٧)، وتفسير ابن رجب (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) ينظر: التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار لابن رجب الحنبلي (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":668},{"text":"فعل العبد مخلوق لله ﷿.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية (^١) وهو أن فعل العبد مخلوق لله ﷿ وهو الحق، وذلك لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر (^٢)، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم، وخلق عملكم.) (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة مذهب الأشعرية موافقًا لأهل السنة أن فعل العبد مخلوق لله ﷿، وعلَّله باتفاق النحويين على أن لفظ ﴿مَا﴾ مع ما بعده في تقدير المصدر، فقوله تعالى ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ معناه: وعملكم، وعلى هذا فالمعنى: والله خلقكم وخلق عملكم (^٤)، وهو ما عليه كثيرمن المفسرين.\n_________\n(^١) وافق الأشاعرة أهل السنة في هذا الباب.\n(^٢) ينظر: نتائج الفكر في النحو للسهيلي (١/ ١٤٧)، وجامع الدروس العربية لمصطفى الغلاييني (٣/ ٢٦٢)\n(^٣) السراج المنير (٣/ ٣٨٤)\n(^٤) ينظر: جامع البيان للطبري (٢١/ ٧٠)","vol":"1","page":669},{"text":"وممن استنبط دلالة هذه الآية على هذا المعنى: السمعاني، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والخازن، وابن كثير، والمظهري، والسيوطي، وغيرهم. (^١)\nقال القرطبي: (الأحسن أن تكون\" ما\" مع الفعل مصدرًا، والتقدير (والله خلقكم وعملكم) وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ﷿، واكتساب للعباد (^٢)، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية). (^٣)\nوقال ابن كثير: (يحتمل أن تكون \"ما\" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى \"الذي\" تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر). (^٤)\nوقد انتصر مكي بن أبي طالب لإعرابها مصدرية (^٥) وأطال في إثبات ذلك، وعلى هذا القول أن ﴿مَا﴾ مصدرية فيه رد على المعتزلة، القائلين إن العبد هو الخالق لفعل نفسه، كما أثبته الزمخشري في كشافه ونافح عن كونها مصدرية (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ٤٠٥)، ومعالم التنزيل (٤/ ٣٥)، وزاد المسير (٣/ ٥٤٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٩٦)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٤)، ولباب التأويل (٤/ ٢١)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦)، والتفسير المظهري (٨/ ١٢٤)، والإكليل (١/ ٢١٨).\n(^٢) قوله: (واكتساب للعباد) هو على مذهبه الأشعري، ينظر: الرد على الأشاعرة في الاستنباط رقم: (١١٥)\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٩٦)\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦)\n(^٥) مشكل إعراب القرآن (٢/ ٦١٥، ٦١٦)\n(^٦) ينظر: الكشاف (٤/ ٥١ - ٥٢)","vol":"1","page":670},{"text":"وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿مَا﴾ هنا: موصولة بمعنى (الذي) والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، منهم: ابن جزي، وأبو حيان (^١)، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوكونها (موصولة) هو الأظهر والله تعالى أعلم، بدلالة ظاهر السياق؛ فإن الكلام في تقرير الحجة على عبدة الأصنام،؛ إذ هو في مقام المحاجة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله، وأيضًا ليتوجه التوبيخ لهم، ولئلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. (^٣)\nواختار ابن جزي كونها موصولة قال: (وقيل: إنها موصولة بمعنى الذي، والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل: إنها نافية، وقيل: إنها استفهامية، وكلاهما باطل). (^٤)\nوقال ابن أبي العز: (لا نقول: أن ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: خلقكم وعملكم؛ إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتًا إلا\n_________\n(^١) البحر المحيط (٩/ ١١٢) وضعَّف القول بأنها مصدرية، قال: (وكون (ما) مصدرية، واستفهامية، ونعتا، أقوال متعلقة خارجة عن طريق البلاغة.)\n(^٢) ينظر: التسهيل (٢/ ١٩٤)، وفتح القدير (٤/ ٤٦٢)، وروح المعاني (١٢/ ١١٨)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٤٥).\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٣/ ١٤٥)، وغرائب القرآن للنيسابوري (٥/ ٥٧٠)\n(^٤) التسهيل (٢/ ١٩٤)","vol":"1","page":671},{"text":"بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله تعالى، لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير). (^١)\nوهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم - رحمها الله - (^٢).\nوقال الرازي: (احتج جمهور الأصحاب بقوله: والله خلقكم وما تعملون على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، .. ثم قال بعد ذكره الأوجه في مجيء ﴿مَا﴾ أيضًا بمعنى المفعول: (فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ﴿مَا﴾ مع بعدها كما تجيء بمعنى المصدر، فقد تجيء أيضا بمعنى المفعول فكان حمله هاهنا على المفعول أولى؛ لأن المقصود في هذه الآية تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون أفعال أنفسهم، لأن الذي جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق الأعمال، واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة، فالأولى ترك الاستدلال بهذه الآية والله أعلم.) (^٣)\nوبنحو قوله - في تضعيف دلالة هذه الآية على أن ﴿مَا﴾ بمعنى المصدر تحقيقًا لقول أهل السنة والأشاعرة - قال ابن عادل الحنبلي (^٤)، والنيسابوري (^٥)، وغيرهما.\n_________\n(^١) ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٤٤ - ٦٤٣)، وتفسير ابن أبي العز جمعا ودراسة رسالة ماجستير (١٢١/ ٣٢)\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٧٩)، وبدائع الفوائد (١/ ١٤٦ - ١٥٣)\n(^٣) التفسير الكبير (٢٦/ ٣٤٤)\n(^٤) قال ابن عادل: في «ما» هذه أربعة أوجه: أجودها: أنها بمعنى الذي أي وخلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير والنحت .. ويرجح كونها بمعنى الذي تقدم «ما» قبلها فإنها بمعنى الذي.\nوالثاني: أنها مصدرية أي خلقكم وأعمالكم، وجعلها الأشعريَّة دليلًا على خلق أفعال العباد لله تعالى وهو الحق، إلا أن دليل من هنا غير قوي لما تقدم من ظهور كونها بمعنى الذي، قال مكي: يجب أن تكون ما والفعل مصدرًا جيء به ليفيد أن الله خالقُ الأشياء كلها. وقال أيضًا: وهذا أليق لقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] أجمع القراء على الإضافة فدل على أنه خالق الشر.\nوالثالث: أنها استفهامية وهو استفهام توبيخ، أي: (و) أيُّ شَيْءٍ تَعْمَلُونَ؟\nالرابع: أنها نافية، أي أن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم (لا) تعملون شيئًا.) ينظر: اللباب في علوم الكتاب (١٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧) بتصرف.\n(^٥) غرائب القرآن (٥/ ٥٦٩)","vol":"1","page":672},{"text":"مع أنه لا حجة فيها للمعتزلة في حال إعرابها موصولة، وقد تقدّم الكلام عن خلق الله تعالى أفعال العباد والرد على المعتزلة، والقدرية، والجبرية في هذا الباب (^١)، وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، لكن استدلاله عليه بأن ﴿مَا﴾ مصدرية ضعيف، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (٩٦).","vol":"1","page":673},{"text":"الذبيح غير إسحاق ﵇.\nقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٧ - ١١٢]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ فيه دليل على أن الذبيح غيره). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبيًا.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على كون الذبيح غير إسحاق - ﵇ - لأنه تعالى ذكر البشارة الأولى بقوله ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدلَّ أنه كان غير إسحاق، لأن البشارة بإسحق بعد، معطوفة على البشارة بهذا الغلام.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وأبوحيان، وابن القيم، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، والشنقيطي وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٤٦٩)\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل (٥/ ١٦)، والبحر المحيط (٩/ ١١٩)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٧)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢١٨)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٦١)، وأضواء البيان (٦/ ٣١٧)","vol":"1","page":674},{"text":"وقد اُختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل، والذي يظهر ورجَّحه كثير من المفسرين (^١) أنه إسماعيل (^٢) بدلالة هذه الآية، كما استدلوا بأدلة أخرى كوصفه تعالى له بالصبر في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، وهو صبره على الذبح، وبصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾، لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.\nومن أقوى ما يستدل به أن الله تعالى بشَّر إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فلو كان الذبيح إسحاق، لكان ذلك الإخبار غير مطابق للواقع، وهو محال في إخبار الله تعالى. (^٣)\nقال السيوطي: (واحتجوا له بأدلة منها وصفه بالحلم وذكر البشارة بإسحاق بعده، والبشارة بيعقوب من وراء إسحاق، وغير ذلك وهي أمور ظنية لا قطعية، وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه، ولم أر من سبقني إلى استنباطه، وهو أن البشارة مرتين، مرة في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.\n_________\n(^١) قال ابن القيم - ﵀ -: (وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدَّس الله روحه - يقول: هذا القول إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم. فإن فيه إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه (بكره). وفي لفظ (وحيده) ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده). زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٧١) ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٣٢)\nوينظرترجيح هذا القول في: تفسير السمعاني (٤/ ٤١٠)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٦)، والبحر المحيط (٩/ ١١٩)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٥)، وروح المعاني (١٢/ ١٢٧)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٦١)، وأضواء البيان (٦/ ٣١٧)، وتفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ٤٥).\n(^٢) وبه قال الإمام أحمد بن حنبل وجماعة المحدثين، وهو قول علي وابن عمر، وأبو هريرة، وسعيد جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد ابن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر الباقر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، وغيرهم، ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ٥٤٩)، وفتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٧٨)، والقول الفصيح في تعيين الذبيح للسيوطي (١/ ٣١٨)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٣٧)\n(^٣) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ١١٩).","vol":"1","page":675},{"text":"فهذه الآية قاطعة في أن المبشر به هو الذبيح، وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] الآية.\nفقد صرَّح فيها أن المُبشَّر به إسحاق، ولم يكن من سؤال إبراهيم، بل قالت امرأته إنها عجوز وإنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط، وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سِنُّه لا يتغرب فيه الواد، ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين أحدهما بغير سؤال وهو إسحاق صريحًا، والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح). (^١)\nويؤيد ذلك أنه ذكر هِبته وهبة يعقوب لإبراهيم في قوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولم يذكر الله الذبيح. (^٢)\nويؤيد هذه الدلالة من الآية البشارة الثانية التي في سورة هود؛ لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يُعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.\nفهذه الآية أيضا دليل واضح، فلا ينبغي للمنصف الخلاف فيه بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك (^٣)، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢١٨)، وينظر: القول الفصيح في تعيين الذبيح (١/ ٣١٨)\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٤/ ٣٣٢)\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٥)، وأضواء البيان (٦/ ٣١٨)","vol":"1","page":676},{"text":"النسب ليس له أثر في الهداية والضلال.\nقال الله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب، ولا غير ذلك والله أعلم). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن. (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر، كما هي إشارة الآية إلى أن ذريةإبراهيم وإسحاق﵉ - ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون، فمن ذرية إبراهيم أنبياء، وصالحون، ومؤمنون، ومن ذرية إسحاق مثلهم، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم، ومن ذرية إسحاق كذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٤٦٩)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٣٥١)، ولباب التأويل (٤/ ٢٥)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٤/ ٥٩).","vol":"1","page":677},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبوحيان، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nفذكر سبحانه البركة في الذرية ثم بيَّن أن كون الذرية من هذا العنصر الشريف والمنبت المبارك ليس بنافع لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم لا بآبائهم، فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل فقد ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام.\n\nوهي دلالة قوية صحيحة، كما دلَّت على أن فساد الأعقاب لا يعد نقيصة على الآباء، وإنما يُعاب المرء بسوء فعله، ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه، وأن مناط الفضل هو ما اكتسب المرء من الصالحات، إذ الشرف بالحسب لا بالنسب. (^٢)\nوهذه إشارة حسنة ومأخذ لطيف من الآية، الله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الكشاف (٤/ ٥٩)، والتفسير الكبر (٢٦/ ٣٥١)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٤)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٦)، ومدارك التنزيل (٣/ ١٣٤)، ولباب التأويل (٤/ ٢٥)، والبحر المحيط (٩/ ١٢٠)، وغرائب القرآن (٥/ ٥٧٤)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ٢٠٢)، وروح البيان (٧/ ٤٧٩)، وفتح القدير (٤/ ٤٦٦)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٦٢)، وروح المعاني (١٢/ ١٢٧)\n(^٢) ينظر: فتح القدير (٤/ ٤٦٦)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٦٢)","vol":"1","page":678},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>سورة ص</span>\nتقدم اليمين من أيوب ﵇.\nقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله ﷾: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ يدل على تقدُم يمينٍ منه ﵊). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nنهيه عن الحنث عقب أمره بأخذ الضغث والضرب به.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على تقدم يمين من أيوب - ﵇ - لأنه تعالى نهاه عن الحنث بعد ما أمره بأخذ الضغث والضرب به، وهي دلالة ظاهرة من معنى الآية؛ فقوله تعالى ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: فاضرب بالضغث الذي يشتمل على مائة عود صغار كما جاء في تفسيره (^٢)، وقوله ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: ولا تدع الضرب فتحنث. قيل: هذا لأيوب خاصة، وقيل: له وللناس عامة. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٠٧)\n(^٢) الضغث: قبضةُ حشيشٍ مختلطة الرَطْبِ باليابس، وهي ما يجمع من شيء مثل حزمة الرطبة، وكملء الكف من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق. ينظر: الصحاح (١/ ٢٨٥)، ولسان العرب (٢/ ١٦٣) مادة (ضغث)، وينظر: جامع البيان (٢١/ ٢١٢)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٣٥).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٢١/ ٢١٦)، وتفسير السمعاني (٤/ ٤٤٧)، والإكليل (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":679},{"text":"قال القاسمي: (دلَّ قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية على تقدم يمين منه ﵇، وقد رووا هنا آثارًا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء، فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه؛ إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج). (^١)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقاسمي، وغيرهما. (^٢)\nقال الكيا الهراسي: (ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن من فعل ذلك فقد برَّ في يمينه (^٣)، وخالف مالك ورآه خاصًا بأيوب ﵇). (^٤)\nوالظاهر أنها خاصة بأيوب - ﵇ - فإن الله تعالى أرخص له رفقًا بامرأته (^٥)، لبِرّها به وإحسانها إليه، ليجمع له بين بِره في يمينه ورفقه بامرأته، ولذلك امتنَّ عليه بهذا، وذكره في جملة ما منَّ عليه به، فيختص هذا به كاختصاصه بما ذُكر معه، ولو كان هذا الحكم عامًا لكل واحد لما اختص أيوب بالمنة عليه. (^٦)\nودلالة هذه الآية على تقدم يمين من أيوب، دلالة صحيحة، في غاية الظهور، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) محاسن التأويل (٨/ ٢٦٤).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٣٩٩)، ومحاسن التأويل (٨/ ٢٦٤).\n(^٣) ينظر: الأم (٧/ ٨٥)، والمجموع شرح المهذب (١٨/ ٨٠) ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (٦/ ٢٢١)\n(^٤) أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٦١)، وينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٧١)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٢١٣).\n(^٥) ينظر: تفسير عبد الرزاق (٣/ ١٢٣)، والتفسير الوسيط للواحدي (٣/ ٥٥٨).\n(^٦) قال ابن كثير: وقد استدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها وأخذوها بمقتضاها ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك، وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع أيوب ﵇ فلذلك رُخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة. تفسير القرآن العظيم (٧/ ٧٦)، وينظر: المغني لابن قدامة (٩/ ٦١٤).","vol":"1","page":680},{"text":"عدم غواية إبليس ليوسف ﵇، وتكذيب ما نُسب إليه من القبائح.\nقال الله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قيل إن غرض إبليس من هذا الاستثناء أنه لا يقع في كلامه الكذب؛ لأنه لو لم يَذكُر هذا الاستثناء، وادَّعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله تعالى المخلصين، وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكف منه إبليس فليس يليق بالمسلم، وهذا يدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله تعالى المخلصين، وقد قال تعالى في صفة يوسف ﵇ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه من القبائح كذب وافتراء). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة الجمع بين الآيات أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇ وما نُسب إليه - ﵇ - من الفاحشة والقبائح كذب وافتراء؛ لأن إبليس أقرَّ بطهارته، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فاعترف بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف - ﵇ - من المخلصين بشهادة الله تعالى، فقد وصفه سبحانه بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن الهدى، فدلَّ على كونه منزهًا عما افترى عليه الجهلة ونسبوه إليه.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥١٢).","vol":"1","page":681},{"text":"وممن أشار لهذه الدلالة من مجموع الآيتين: الرازي، والخازن، والشهاب الخفاجي، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال ابن القيم - ﵀ – عن يوسف ﵇: (قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فلمَّا أخلص لربه صَرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فانصرف عنه السوء والفحشاء، ولهذا لما علِم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شريطته التي اشترطها للغواية والإهلاك فقال ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فالإخلاص هو سبيل الخلاص) (^٢). (^٣)\nفتحصَّل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسف ﵇، وهذا دليل براءته، كيف وهو ﵇ من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد استثناهم من عموم ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٤١٥)، ولباب التأويل (٢/ ٥٢٢)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٥/ ١٦٨)، وروح البيان (٤/ ٢٣٨)، وروح المعاني (٦/ ٤٠٦)، ومحاسن التأويل (٦/ ١٦٩).\n(^٢) قال ابن تيمية - ﵀ -: (فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف ﵇ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ﵇ مع عزوبته ومراودتها له، واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة عَصَمه الله بإخلاصه لله، تحقيقا لقوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ و\" الغي \" هو اتباع الهوى). مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٢١).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٧٢)، وينظر: بدائع الفوائد (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":682},{"text":"وعليه فيُقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ ما نسبوا، إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته ﵇، وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>سورة الزمر</span>\nفضيلة العلم.\nقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ أي: في الرتبة ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء الليل ساجدين وقائمين ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم صفتهم عند البلاء والخوف يوحدون، وعند الراحة والفراغ يشركون، وإنما وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يعلمون؛ لأن الله تعالى وإن أعطاهم آلة العلم، إلا أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم، فلهذا جعلهم الله تعالى كأنهم ليسوا من أولي الألباب من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم، وفي هذا تنبيه على فضيلة العلم). (^٢)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فضيلة العلم؛ حيث نفى تعالى استواء الفريقين فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فجعل القانتين هم العلماء، وذلك تنويه ظاهر برفعة العلم ومذمة الجهل.\n_________\n(^١) التفسير الكبير (١٨/ ٤٤١).\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٥٢٥).","vol":"1","page":683},{"text":"وفي الآية أيضًا إشعار بأن الذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، إذ عبَّر عنهم أولا بلفظ (القانت)، ثم نفى المساواة بينه وبين غيره، ليكون تأكيدًا له، وتصريحًا بأن غير العالم كأن ليس بعالم. (^١)\nوفي هذا إشارة إلى تحقير العلماء غير العاملين وأنهم عند الله جهلة، وأن من لم يعمل فهو غير عالم، وهذا تنبيه عظيم على فضيلة العلم. (^٢)\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، والنيسابوري، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nويؤيد هذا الاستنباط قوله ﷺ: \"فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياءلم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر\". (^٤)\nوقوله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» (^٥)\nوإنما كان المطيع هو العالم كما هي دلالة الآية؛ لأن علمه هو الذي دلَّه، وقوَّمه، فرسخ في قلبه وتأصَّل، وظهر أثره عليه ظاهرًا وباطنًا حتى لا يمكنه مخالفته واتباع هواه. (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٢٨٢).\n(^٢) ينظر: روح البيان (٨/ ٨٢)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ٣١٣).\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٤٢٩)، وأنوار التنزيل (٥/ ٣٨)، وغرائب القرآن (٥/ ٦١٧)، وروح البيان (٨/ ٨٢)، وروح المعاني (١٢/ ٢٣٧) محاسن التأويل (٨/ ٢٨٢)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ٣١٣).\n(^٤) تقدم تخريجه\n(^٥) تقدم تخريجه\n(^٦) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٢٨٢)","vol":"1","page":684},{"text":"وبهذا يظهر أن دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب صحيحة ظاهرة المعنى، وقد مضى الحديث عن قريب منها في أول سورة البقرة (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (١١).","vol":"1","page":685},{"text":"فضل قيام الليل على النهار.\nقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآية دلالة على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار.) (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن قيام الليل أفضل من قيام النهار؛ لأنه تعالى نصَّ على ذكر الليل دون النهار، ففيه إشارة إلى أفضليته وميزته.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والخازن، وأبو حيان، وابن عادل، والنيسابوري، وغيرهم. (^٢)\nقال أبوحيان: (في الآية دليل على فضل قيام الليل، وأنه أرجح من قيام النهار). (^٣)\nوحكى الرازي بعد تنبيهه على أفضلية قيام الليل على قيام النهار تأكيده من وجوه أربعة فقال: (ويؤكده وجوه:\nالأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٢٤)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٤٢٨)، ولباب التأويل (٤/ ٥٢)، والبحر المحيط (٩/ ١٨٩)، واللباب في علوم الكتاب (١٩/ ٤٦٣)، وغرائب القرآن (٥/ ٦١٦).\n(^٣) البحر المحيط (٩/ ١٨٩).","vol":"1","page":686},{"text":"الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار، ونوم الخلق يمنع من السماع، فإذا صار القلب فارغًا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي، وهو معرفة الله.\nالثالث: أن الليل وقت النوم، فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر.\nالرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].) (^١)\nويشهد لصحة هذه الدلالة ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال ﷺ: «أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم» (^٢)\nقال النووي: (فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار). (^٣)\nكما يدلَّ له ما روي عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «إن فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على العلانية» (^٤)، فكما أن صدقة السر تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، فكذلك صلاة الليل. (^٥)\nفثبت بهذا فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأرفع للدرجات، لأنها تجمع بين تخلية القلب من الرذائلِ بغفران الذنوب، وتحليته بالفضائل بكَسْب الحسنات، كما أن الليل موسم لتنزُّل الرحمات، ونزول الله ﵎، فعظمت العبادة فيه؛ لأنه وقت فاضل، (^٦) وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على ما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٤٢٨)\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم برقم (٢٠٣)، (٢/ ٨٢١).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ٥٥)\n(^٤) ينظر: تفسير يحيى بن سلام (٢/ ٧٨٧).\n(^٥) ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ١٤٢).\n(^٦) ينظر: الهداية الى بلوغ النهاية (١٢/ ٧٧٩١)، وقيام الليل لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٩)، وعون المعبود وحاشية ابن القيم (٧/ ٥٩).","vol":"1","page":687},{"text":"لا وجوب قبل مجيء الشرع.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر، ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطًا في استحقاق العذاب، لما بقي في هذا الكلام فائدة). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أنه لا تكليف قبل الشرع؛ حيث أن الملائكة علَّلوا توبيخهم للكفار بإتيان الرسل وتبليغ الكتب، فأجابوهم: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوقد مضى الكلام عن هذه الدلالة نفسها عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وتقرير ماعليه أهل السنة في مسألة: أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل، ولا يجب شيء على أحد قبل بعث الرسول ﷺ. (^٢)\nيدلُّ له ماروي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \" يا أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحُجوا، فقال رجل: أكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٥٤).\n(^٢) ينظر: استنباطات سورة الإسراء ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، الاستنباط رقم: (١٤١).","vol":"1","page":688},{"text":"واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه \". (^١)\nفنهاهم النبي ﷺ عن السؤال عن الأشياء التي لم يبين لهم فيها تكليف بأمر أو نهي، وأمرهم بالبقاء على ما كانوا عليه، وهو عدم التكليف لعدم وجود الشرع، فدلَّ على أنه لا تكليف فيها قبل ورود الشرع.\nقال الإمام النووي: (قوله ﷺ: \"ذروني ما تركتكم\" دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (^٣)، وغيرها من الأدلة الظاهرة.\nوممن استنبط هذه الدلالة من هذه الآية في سورة الزمر: الرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم). (^٤)\nفالأصل في الأعمال قبل ورود الشرع العلم بالمكلف به، ويؤيده أنه لو كان المرء مكلفًا بالعمل لكان تكليفًا بما لا يطاق؛ لأنه تكليف بما لا سبيل إلى الوصول\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عن أبي هريرة في صحيح البخاري.\n(^٢) ينظر: المنخول للغزالي (١/ ٧٦)، والمحصول للرازي (١/ ١٣٩)، والإحكام للآمدي (١/ ٧٩).\n(^٣) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٠١)، ونقل هذا الاستدلال الإمام ابن حجر ﵀ في: فتح الباري (١٣/ ٢٦١).\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٢٧/ ٤٧٩)، وأنوار التنزيل (٥/ ٤٩)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ٢٦٤)، وروح البيان (٨/ ١٤٢).","vol":"1","page":689},{"text":"إليه ولا يقدر على الامتثال (^١)، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>سورة غافر</span>\nشرف الإيمان وفضله.\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟\nأجيب: بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح) (^٢).\n\nوجه الاستنباط:\nالتصريح بالإيمان مع كونه معروفًا في جانب الملائكة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فضل الإيمان وشرفه وأهله، لأنه تعالى نصَّ على إيمان حملة العرش، مع ظهوره، فدلَّ على مزيد عناية وتشريف،\n_________\n(^١) ينظر: الموافقات للشاطبي (٥/ ٣٣٤)\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٥٦٤).","vol":"1","page":690},{"text":"وإشعارٍ بعلة دعائهم للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حيث أخبر بما يتضمن تشريف أهل الإيمان، ويزيدهم رجاء، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش ومن حوله، وهم الذين لا ذنوب لهم، يستغفرون للمؤمنين ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة، فالمؤمن بإيمانه تسبَّب لهذا الفضل العظيم. (^١)\nقال ابن جزي: (إن قيل: ما فائدة قوله ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإيمان وشرفه). (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، والنيسابوري، والقاسمي، والألوسي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nوهي دلالة صحيحة، والظاهر أن معنى الآية يحتمل هذه الدلالة، كما يحتمل غيرها من الدلائل، إذ في الإخبار عنهم أيضًا بأنهم يؤمنون مع كونه معلومًا في جانب الملائكة فائدة أخرى وهي: التنويه بشأن الإيمان بأنه حال الملائكة، والتعريض بالمشركين أن لم يكونوا مثل أشرف المخلوقات (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز (٤/ ٥٤٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٧٣٢)\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٢٢٧)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٤/ ١٥٢)، والمحرر الوجيز (٤/ ٥٤٧)، والتفسير الكبير (٢٧/ ٤٨٨)، وأنوار التنزيل (٥/ ٥٢)، ومدارك التنزيل (٣/ ٢٠٠)، والتسهيل ٢/ ٢٢٧)، وغرائب القرآن (٦/ ٢٣)، ومحاسن التأويل (٨/ ٣٠٣)، وروح المعاني (١٢/ ٣٤٥)، والتحرير والتنوير (٢٤/ ٩٠).\n(^٤) ينظر: التحرير والتنوير (٢٤/ ٩٠).","vol":"1","page":691},{"text":"المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن اختلفت الأجناس.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعث على إمحاض الشفقة، وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملَك وإنسان ولا بين سماوي وأرضي قط، ولكن لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى\nاستغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على كون المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة، وإن اختلفت الأجناس؛ لأنها أقوى الروابط كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فإنه لا تجانس بين الملك والإنسان، ولكن لما جمعهم جامع الإيمان جاء التجانس، فاستغفر من حول العرش لمن فوق الأرض، وهذا من كمال رحمته سبحانه.\nفجاء التنبيه للمؤمنين في هذه الآية أن يكونوا أشفق وأنصح لبعضهم من بني جنسهم كما هو حال الملائكة مع بني آدم، فإن الأُخوة في الدين من أوثق عرى الإيمان وأشرف الروابط.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٦٤).","vol":"1","page":692},{"text":"وكما قيل: كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، كما هي متمثلة في هذه الآية فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مشعر بالشفقة على خلق الله، أفاده الرازي. (^١)\nوممن أشار إلى هذا التنبيه من معنى الآية: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان (^٢)، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nوهو تنبيه لطيف جديربالإشارة إليه، لاسيما في فضيلة الإحسان إلى الإخوان، والتواصي والتناصح بينهم، لكن ربطه بهذه الآية ليس بالقريب الظاهر، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٧/ ٤٨٨).\n(^٢) نقله عن الزمخشري في كشافه ثم قال: وهو كلام حسن. البحر المحيط (٩/ ٢٣٨)\n(^٣) ينظر: الكشاف (٤/ ١٥٢)، والتفسير الكبير (٢٧/ ٤٨٨)، وأنوار التنزيل (٥/ ٥٢)، ومدارك التنزيل (٣/ ٢٠٠)، والبحر المحيط (٩/ ٢٣٨)، وغرائب القرآن (٦/ ٢٣)، وإرشاد العقل السليم (٧/ ٢٦٧)، وروح البيان (٨/ ١٥٧)، ومحاسن التأويل (٨/ ٣٠٣).","vol":"1","page":693},{"text":"جواز وصفه تعالى بصفة المقت وثبوتها في حقه.\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده، إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب.) (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nأن الله تعالى نصَّ على هذه الصفة، ونسبها لنفسه كما نسبها لعباده.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على جواز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده بدلالة هذه الآية؛ حيث وصف تعالى نفسه بأنه كبر مقتًا عنده سبحانه، كما كبر مقتًا عند الذين آمنوا فدلَّ على إثبات هذه الصفة له تعالى.\nوممن استنبط هذه الدلالة من هذا الموضع من الآية: الرازي، وغيره. (^٢)\nوهذه الدلالة صحيحة في نفسها، غير أن قول الخطيب: \"إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب \" هو على معتقد الأشعرية في آيات الصفات. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥٧٧).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٧/ ٥١٣)\n(^٣) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٤٦٦ - ٤٨٧ - ٥٠٩)، والإرشاد للجويني (١/ ١٥٧ - ١٥٨)","vol":"1","page":694},{"text":"والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى كما جاءت، من غير تأويل، فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، ونفوا عنه مانفاه عن نفسه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، وعلى هذا مضى أئمة السلف يُجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله ﷿ (^١)، ويمرونها كما جاءت (^٢)، فصفة المقت في هذه الآية صفةٌ فعلية خبريَّة ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة الصحيحة (^٣)، والدليل عليها من الكتاب قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠].\nقال ابن تيمية عند هذه الآية: (فوصف تعالى نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، وليس المقت مثل المقت) (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات لمرعي الكرمي (١/ ٦٠)، ومعارج القبول للحكمي (١/ ١٤٧)، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لابن عثيمين (١/ ٧٠)، وشرح العقيدة الواسطية للعثيمين (١/ ٢٧٠)، والمفسرون بين التأويل والإثبات للمغراوي ص ١٢١٧ وما بعدها.\n(^٢) قال السفاريني: (مضت أئمة السلف على الإيمان بظاهر ما جاء في الكتاب من آيات الصفات، وكان الزهري، ومالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم - ﵏- يقولون في آيات الصفات: مروها كما جاءت. وقال سفيان بن عيينة: وكل ما وصف الله نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله ﷺ). لوامع الأنوار البهية (١/ ٢١٩)\n(^٣) ينظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (١/ ٣٢١).\n(^٤) التدمرية (١/ ٢٦)، ومجموع الفتاوى (٣/ ١٣).\n(^٥) قال ابن تيمية: (المقت يراد به نفس المقت ويراد به الممقوت كما في الخلق ونظائره ومثله قوله ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] أي: كبر ممقوتًا، أي مقته مقتًا، والمقت البغض الشديد، وهو من جنس الغضب المناسب لحال هؤلاء). الاستقامة (١/ ١٨ - ١٩)","vol":"1","page":695},{"text":"والدليل عليها من السنة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ قال \"وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب\". (^١)\nوخلاصة القول أن المقت صفة ثابتة لله ﵎ على الحقيقة، على ما يليق به، ولا تُشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق. فلا يجوز التأويل فيها، ولا يجوز التفويض أيضًا؛ لأن ذلك كله مخالف لصريح النصوص الشرعية الثابتة.\nوما عليه مؤولوا هذه الصفات من المعتزلة، ومتأخري الأشاعرة، فهو مخالف لمنهج السلف الصالح، إذ التأويل في باب الصفات من الأمور المبتدعة، لم يقل به أحد من الصحابة، ولا من التابعين، وهو خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث (^٢). والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة ونعيمها وصفة أهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧) برقم (٢٨٦٥)\n(^٢) ينظر: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعه (١/ ٤٧)، ومختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٨) قال: (تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها.)، وينظر للاستزادة تفصيل الرد عليهم في الاستنباط رقم (٩٧).","vol":"1","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>سورة فصلت</span>\nاستشعار مراقبة الله تعالى في جميع أحوال العبد.\nقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه، ولا يزول عن ذهنه، أن عليه من الله تعالى عينًا كالئة، ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا، وأوفر تحفظًا وتصورًا منه مع الملأ، ولا يتبسَّط في سِره، مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من قوله تعالى: ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ دلالتها باللازم على فائدة تربوية وهي: أن المؤمن ينبغي أن يستشعر في أحواله كلها رقابة الله تعالى عليه حتى يكون أخشى لربه من جميع خلقه، ويحذر من التشبه بحال هؤلاء الظانين.\nوفي هذا تنبيه على خطر سوء الظن بالله تعالى، وتحذير من عاقبته، وحث على مراقبته تعالى في السر والعلانية، واستشعار هذه المراقبة في سائر أحوال المرء، وخاصة في خلواته.\nوممن استنبط هذه الفائدة من الآية: الزمخشري، والنيسابوري، وغيرهما. (^٢)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٦١٢)\n(^٢) ينظر: الكشاف (٤/ ١٩٦)، وغرائب القرآن (٦/ ٥٤).","vol":"1","page":697},{"text":"قال النيسابوري في معنى هذه الآية: (ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم. وفيه رد على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشامًا ومراقبة). (^١)\nويؤيد هذا الاستنباط قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٧ - ١٠٨]، فوصفهم تعالى بالخيانة لأنهم يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على سوء أعمالهم، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه.\nوهذه فائدة لطيفة من الآية حسن التنبيه عليها، والتأكيد بدلالة هذه الآية على أثر سوء الظن بالله، وأن الظن الفاسد هو الذي أهلك من قبلنا وأرداهم عند ربهم، وعلى النقيض منه حسن الظن به تعالى وما يورثه في القلب من الطمأنينة والثقة بما عند الله.\nكما أن مراقبة الله تعالى في السر والعلن، مراقبة من يحبه ويخشاه، ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، هي من الإحسان، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.\n\nإرادة الله تعالى كفر الكافرين.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]\n_________\n(^١) غرائب القرآن (٦/ ٥٤) وينظر: جامع البيان (٢١/ ٤٥٦)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ١٧٢)","vol":"1","page":698},{"text":"ذكر الخطيب الشربيني - ﵀ – هنا تنبيهًا فقال: (في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين، لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر، ولكن لا يرضاه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].) (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على إرادة الله تعالى الكفر من الكافرين؛ لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء، فزينوا لهم الباطل حتى أضلوهم، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وغيره. (^٢)\nقال الرازي: (احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالمًا بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإنهم يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلًا وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن يكون مريدًا لذلك الأثر، فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر). (^٣)\nولاشك أن الله تعالى أراد الكفر من الكافرين، وأنه لا يخرج شيء في الكون عن مشيئته تعالى وإرادته، وفي هذه الآية ومثيلاتها رد على المعتزلة، والقدرية، ومن تبعهم من الأشاعرة.\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٥١٥)\n(^٢) التفسير الكبير (٢٧/ ٥٥٧)\n(^٣) التفسير الكبير (٢٧/ ٥٥٧).","vol":"1","page":699},{"text":"قال ابن أبي العز: (والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد. - إلى أن قال ﵀ -: وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونًا، ولا يرضاه دينًا.\nوخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا: أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذّبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل). (^١)\nوالحق في ذلك أن الله سبحانه موصوف بالإرادة، وأن إرادته تعالى الواردة في القرآن على نوعين:\nالنوع الأول: الإرادة الكونية القدرية: وهي بمعنى المشيئة، لا يخرج عنها شيء من أفعال العباد، سواء كان طاعة أو معصية، خيرًا أو شرًا، وهي متعلقة بتقديره تعالى وخلقه، وهي دليل كمال ربوبيته وسيادته، ولا تستلزم الحب والرضا، فقد تكون مما يحب الله ويرضى، كالطاعات الواقعة من عباد الله الصالحين، وقد تكون مما لا يحب ولا يرضىـ بل يسخط ويكره كالمعاصي والكفر ونحوها الواقعة من العباد، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":700},{"text":"[الأنعام: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦].\nوالنوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية، وهي المتعلقة بألوهيته تعالى وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، والأمر دليل عليها وهي المتعلقة بحبه ورضاه.\nوالدليل عليها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]. (^١)\nفعلى هذا ما كان من أفعال العباد وهو طاعة لله، فإنه متعلق بنوعي الإرادة الكونية القدرية والدينية الشرعية، وما كان من أفعال العباد وهو معصية، وكفر، وفسق، فهو متعلق بالإرادة الكونية القدرية، وليس متعلقًا بالإرادة الدينية الشرعية المستلزمة لأمره وحبه ورضاه، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يحب الخائنين. (^٢)\nوقد التبس على كثير من الفِرق مفهوم الإرادة، وحصل لهم بسبب عدم تفريقهم بين الإرادتين، لبس عظيم ووقعوا في أمور منكرة، فالأشاعرة مثلًا لما\n_________\n(^١) قال ابن عثيمين عن هذا النوع من الإرادة: (القسم الثاني: إرادة شرعية: وهي مرادفة للمحبة، فـ (أراد) فيها بمعنى (أحب)، فهي:\nأولًا: تختص بما يحبه الله، فلا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا الفسق.\nثانيًا: أنه لا يلزم فيها وقوع المراد، بمعنى: أن الله يريد شيئًا ولا يقع، فهو سبحانه يريد من الخلق أن يعبدوه، ولا يلزم وقوع هذا المراد، قد يعبدونه وقد لا يعبدونه، بخلاف الإرادة الكونية). شرح العقيدة الواسطية (١/ ٢٢٣)\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٥)، وشفاء العليل ص ٢٨٠، وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ١١٥ - ١١٦)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٣٣٨)","vol":"1","page":701},{"text":"أسندوا جميع الحوادث إلى الله، ولم يفرقوا بين الإرادتين أدَّاهم إلى القول بأن الله يريد الكفر والفساد، بل صرَّح بعضهم أنه يحبه. (^١)\nقال ابن عثيمين: (فإذا قال قائل: كيف يريد الله تعالى كونًا ما لا يحبه، بمعنى: كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان وهو لا يحبه؟!\nفالجواب: أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر، فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية، ولا مانع من أن يكون الشيء محبوبًا مكروها باعتبارين) (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: \" قالت المعتزلة: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه فقالوا: إنه يكون بلا مشيئة، وقالت الجهمية بل هو يشاء ذلك؛ فهو يحبه ويرضاه، وأبو الحسن الأشعري وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء؛ فذكر أبو المعالي الجويني: أن أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرق به بين المشيئة والمحبة والرضا. وأما سلف الأمة وأئمتها وأكابر أهل الفقه والحديث والتصوف وكثير من طوائف النظار: كالكلابية والكرامية؛ وغيرهم فيفرقون بين هذا وهذا؛ ويقولون: إن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى به، كما لا يأمر ولا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه؛ كما لا يأمر به وإن كان قد شاءه؛ ثم قال: والمقصود هنا جواب هذه المسألة؛ فإن هذه الإشكالات المذكورة إنما ترد على قول جهم ومن وافقه من المتأخرين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم، وطائفة من متأخري أصحاب مالك والشافعي وأحمد\". ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٥) و(٨/ ٣٤١)، وينظر: الإبانة لأبي الحسن الأشعري (١/ ١٢٦)، والمواقف للأيجي (١/ ٣٢٠)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للشيخ عبد الرحمن المحمود (٣/ ١٣٣٠).\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":702},{"text":"فضيحة الكفار في خوفهم من سماع القرآن.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه، وأقبل بكُلِّيته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\nنهي الكفار غيرهم عن السماع، وترغيبهم في اللغو عنده إشارة ضعف وخوف.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية فضيحة الكفار في خوفهم من تأثير سماع القرآن على قومهم، ويقينهم بأن من سمعه مال إليه، وأقبل عليه، بدلالة قوله تعالى ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (^٢) فكان بعضهم يوصي\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٦١٣)\n(^٢) ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: أي: تكلموا فيه بالرد. يقال: لغا يلغو لغوا، ولغى يلغي لغا: إذا خلط الكلام.\nوقيل: لغى تكلم فقط، واللّغة [محذوفة اللام] «فعلة» منه، ينظر: معاني القرآن للزجاج: (٤/ ٣٨٤)، والمفردات للراغب ص ٤٥١، ولسان العرب (١٥/ ٢٥١) (لغا).","vol":"1","page":703},{"text":"بعضًا: إذا رأيتم محمدًا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، وأكثروا الكلام حتى يتخلَّط عليه ما يقول. (^١)\nوالمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظًا ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف، حكم بأنه واجب القبول، فدَّبروا هذا التدبير الفاسد، وهو قول بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن إذا قريء، وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالصفير والهذيان والرجز، لعلكم تغلبون محمدًا على قراءته، فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد، وقد فضحوا أنفسهم بذلك أعظم فضيحة. (^٢)\nوممن نصَّ على هذه الإشارة من الآية موافقًا الخطيب: الرازي، والنيسابوري، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nقال ابن عاشور: (وهذا مُشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم؛ إذ كان الذين يسمعونه يُداخل قلوبهم فيؤمنون). (^٤)\nبل بلغ من فضيحتهم أنه كان يجذب رؤساء هؤلاء المعاندين ليلًا لاستماع تلاوة النبي ﷺ في بيته، على ما كان من نهيهم عن سماعه وتواصيهم بذلك. (^٥)\n_________\n(^١) قال السدي: (نزلت في أبي جهل بن هشام كان يقول لأصحابه: إذا سمعتم قراءة محمد؛ فارفعوا أصواتكم بالأشعار حتى تلتبس على محمد قراءته). ينظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٤/ ١٥١)، وينظر: جامع البيان (٢١/ ٤٦٠)، ومعالم التنزيل للبغوي (٤/ ١٣١).\n(^٢) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٦/ ٥٧)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٧/ ٥٥٨)، غرائب القرآن (٦/ ٥٧)، والتحرير والتنوير (٢٤/ ٢٧٨)\n(^٤) التحرير والتنوير (٢٤/ ٢٧٨)\n(^٥) كما روي عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق. ينظر: الدر المنثور للسيوطي (٥/ ٢٩٩).","vol":"1","page":704},{"text":"ولذلك حذَّروا من تحتهم من الاستماع خشية أن يميلوا إليه، ويستحوذ على عقولهم كما استحوذ عليهم هُم مِن قبل، وفي هذا أعظم دلالة على ضعف داعيهم، وقوة داعي الحق سبحانه مهما بلغ بهم من الكيد له والوقوف ضده، فإن الله تعالى مُتم نوره ولو كره الكافرون، وهي إشارة ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>سورة الشورى</span>\nعصاة المؤمنين من أهل الجنة.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفيه تنبيه على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة؛ لأنه خصَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات، وهي: البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات). (^١)\n\nوجه الاستنباط:\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٦٣٣)","vol":"1","page":705},{"text":"تخصيص جزاء المؤمنين العاملين للصالحات بروضات الجنات يدل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين، وغيرهم ليس إلا الذي آمن ولم يعمل صالحا وهو الفاسق. (^١)\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن عصاة المؤمنين من أهل الجنة لأنه خصَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات، وعليه فالبقاع التي دون تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\nوممن استنبط هذه الدلالة موافقًا الخطيب: الرازي، والخازن، والنيسابوري، وغيرهم. (^٢)\nقال الخازن: (فيه تنبيه على أن الجنة منازل غير الروضات، هي لمن هو دون الذين عملوا الصالحات من أهل القبلة). (^٣)\nوكما هو معلوم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أصحاب المعاصي من المسلمين تحت مشيئة الله تعالى يوم القيامة، ولا يخلد أحد منهم في النار. (^٤)\nقال ابن تيمية: (ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في\n_________\n(^١) ينظر: غرائب القرآن للنيسابوري (٦/ ٧٣)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٧/ ٥٩٣)، ولباب التأويل (٤/ ٩٧)، وغرائب القرآن (٦/ ٧٣).\n(^٣) لباب التأويل في معاني التنزيل (٤/ ٩٧).\n(^٤) ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٣٥٩)، والقول السديد شرح كتاب التوحيد لابن سعدي (١/ ٩).","vol":"1","page":706},{"text":"النار، كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعات، بل لهم حسنات وسيئات، يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب). (^١)\nوإذا ثبت هذا فالذي يظهر والله تعالى أعلم أن هذه الدلالة صحيحة في نفسها، غير أن استنباطها من هذه الآية بعيد؛ لأن تخصيص جزاء المؤمنين العاملين للصالحات بروضات الجنات فيه معنى الترغيب وزيادة التأكيد لمعنى النعيم المقيم في الجنات، ولا يُفهم منه بالضرورة كون عصاة المؤمنين في منزلة أدنى منهم، وأيضًا قد تكون إضافة الروضات إلى الجنات من باب إضافة العام إلى الخاص فتكون الجنات كلها روضات، والله تعالى أجل وأعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٩).","vol":"1","page":707},{"text":"لم يكن الرسول ﷺ متعبدًا قبل النبوة بشرع.\nقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دليل على أنه ﷺ لم يكن متعبدًا قبل النبوة بشرع، وفي المسألة خلاف للعلماء (^١)، فقيل: كان يتعبد على دين إبراهيم ﵇ وقيل: غيره). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - بدلالة اللازم من الآية أنه ﷺ لم يكن متعبدًا قبل النبوة بشرع؛ لأنه تعالى نفى عنه العلم بالكتاب والإيمان قبل النبوة.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، وابن عاشور. (^٣) وغيرهما (^٤).\nوالحق أن هذه الدلالة غير صحيحة، وأهل الأصول على أن الأنبياء ﵈ كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي ﷺ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، وهو الصحيح (^٥)، ولم يتبين له شرائع دينه (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: الإبهاج للسبكي (٢/ ٣٠٣) والإحكام للآمدي (٤/ ١٩٠)، والعدة لأبي يعلى (٣/ ٧٥٦)، والتمهيد (٢/ ٤١١)، وأصول السرخسي (٢/ ٩٩)، وتيسير التحرير لابن الهمام (٣/ ١٣١).\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٥٦٠)\n(^٣) قال: في هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول الله ﷺ لم يكن متعبدًا قبل نبوءته بشرع. التحرير والتنوير (٢٥/ ١٥٣)\n(^٤) ينظر: أنوار التنزيل (٥/ ٨٥)، والمرجع السابق.\n(^٥) لقوله تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقوله سبحانه ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]. ينظر: أصول السرخسي (٢/ ٩٩)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ١٧٧)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٢١٢)\n(^٦) قال ابن كثير: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ يعني: القرآن، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: على التفصيل الذي شُرع لك في القرآن. تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢١٧)، وينظر: معالم التنزيل للبغوي (٤/ ١٥٣).","vol":"1","page":708},{"text":"فقوله ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ توقيف على عظيم المنة، والقصدُ به تعداد النعمة عليه ﷺ بأن علَّمه الله ما لم يكن يعلم، واحتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلَّمه من أحد (^١).\nوقيل: الإيمان في هذا الموضع يراد به الصلاة (^٢). دليله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يعني: صلاتكم، إذ هي بعض ما يتناوله الإيمان، ولم يُرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله تعالى، لأن النبي ﷺ كان قبل النبوة يوحد الله تعالى، ويحج ويعتمر، ويبغض الأصنام، ولا يأكل ما ذُبح على النصب، فكان يتعبد على دين إبراهيم ﵊، ولم تتبين له شرائع دينه إلا بعد الوحي إليه. (^٣)\nوالأقرب أن الآية واردة في معرض الامتنان والإيمان على ظاهره، وهي تدل على أنه ﷺ عرف الكتاب والإيمان بعد أن لم يكن عارفًا، والتمسك به على أنه ﷺ لم يكن متعبدًا بشرع من قبله – كما ذكر الخطيب ﵀ - ضعيف (^٤)، وهو مذهب\n_________\n(^١) ينظر: التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٢٥٣)، والبحر المحيط (٩/ ٣٥١).\n(^٢) كما روي عن ابن خزيمة. ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٣٥١).\n(^٣) ينظر: روح البيان لحقي (٨/ ٣٤٧)\n(^٤) ينظر: روضة الناظر (١/ ٤٥٨) والمستدرك على مجموع الفتاوى لمحمد بن قاسم (٢/ ١٣٠).","vol":"1","page":709},{"text":"الأشاعرة والمعتزلة (^١)، لأن عدم الدراية لا يلزم منه عدم التعبد، بل يلزم منه سقوط الإثم إن لم يكن تقصيرًا (^٢)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل (٤/ ١٥٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٥٧)، ولباب التأويل (٤/ ١٠٤).\n(^٢) ينظر: المستصفى للغزالي (١/ ١٦٥)، والمحصول للرازي (٣/ ٢٦٣)، والإحكام للآمدي (٤/ ١٩٠).","vol":"1","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>سورة الزخرف</span>\nذم التقليد وحُرمته.\nقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الآية [الزخرف: ١٩]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: قولهم فيهم أنهم إناث، الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك، سخيف، ضعيف، كما أشار إليه التأنيث ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها عند الرجوع إلينا، قال الكلبي (^١) ومقاتل: «لما قالوا هذا القول سألهم النبي ﷺ فقال: «ما يدريكم أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا»، فقال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة.» (^٢)، وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم). (^٣)\n\nوجه الاستنباط:\nلما عاب الله تعالى عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل، دلَّ على أن القول بغير دليل باطل. (^٤)\n_________\n(^١) هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر. وكان أيضا رأسا في الأنساب إلا أنه شيعي متروك الحديث. يروي عنه ولده هشام وطائفة توفي سنة ١٤٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٩)\n(^٢) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (٤/ ١٥٧)، زاد المسير لابن الجوزي (٤/ ٧٥).\n(^٣) السراج المنير (٣/ ٦٥٨)\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٣/ ٥٦٨).","vol":"1","page":711},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية استنباطًا أصوليًا، وهو دلالتها باللازم على أن القول بغير دليل منكر، وهذا يستلزم ذم التقليد وحُرمته، حيث أوضح تعالى كذب هؤلاء المشركين بالله ملائكته، ووبَّخهم، وبيَّن جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. (^١)\nفدلَّ هذا على أن القول بغير دليل باطل، ودلَّ باللازم على ذم التقليد واتباع جهل الآباء كما جاء في رواية الكلبي ومقاتل.\nوالتقليد هو: قبول القول بغير دليل أو حجة (^٢)، واشتقاقه من القِلادة، فالتقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به (^٣)؛ لأنها تكون في الرقبة، فاشتُقَّ التقليد منها؛ كأن المقلد يُطوِّق المجتهد تبعات ما قلَّده فيه من إثم، في حالة غشه في دينه وكتمه عنه العلم الصحيح. (^٤)\nوحُكم التقليد مختلف فيه بين الجواز والمنع، ولكل من المجيز والمانع دليله، وقيل يجوز التقليد في الفروع دون الأصول والعقائد. (^٥)\nوقد أجمع جمهور الأصوليين على ذم التقليد بدون حجة وحرمته. (^٦) ولا\n_________\n(^١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٧٣)\n(^٢) ينظر: العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (٤/ ١٢١٦)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٥٩).\n(^٣) ينظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ١٩)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (١/ ٣٢٩) مادة (قلد).\n(^٤) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٦٥٠)\n(^٥) ينظر حكم التقليد وأدلته في: روضة الناظر لابن قدامه (٢/ ٣٨٠)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٣٨٨): البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٢٩) والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام (١/ ١٦٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٢٤١)، والمستدرك على مجموع الفتاوى للقاسم (٢/ ٢٥٤).\n(^٦) ينظر: الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٠)، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (٥/ ٤٣٨)","vol":"1","page":712},{"text":"شك أن اتباع الرجل غيره على تقدير أنه مُحِق بلا نظر واستدلال، وتمييز بين كونه حقًا أو باطلا أنه بهَّذا التفسير باطل، وليس بحجة؛ لأن فِعل غيره وقوله محتمل للصواب والخطأ، والمحتمل لا يصلح دليلا وحجة، ولهذا ردَّ الله تعالى على الكفرة احتجاجهم باتباع الآباء. (^١)\nأما مع وضوح الدليل، وبيانه فإن التقليد حرام؛ نصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره، فقال: ولا يجوز التقليد مع معرفة الحكم اتفاقًا، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت. (^٢)\nفالتقليد بمنزلة أكل الميتة يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تؤكل الميتة؛ فمع وجود الدليل من الكتاب، والسنة، وتبينه للمسلم فإنه لا يحل له أن يقلد؛ ولهذا لم يأمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤]، أما إذا كنا نعلم بالبينات، والزبر فلا نسألهم؛ ونأخذ من البينات، والزبر. (^٣)\nوممن استنبط ذم التقليد من موضع هذه الآية: الرازي، وغيره. (^٤)\nويؤيده ذم الله التقليد في غير ما آية في القرآن كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية [الزخرف: ٢٢] وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\n_________\n(^١) ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٣/ ٣٨٨)، وينظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) الاختيارات الفقهية (١/ ٦٢٥).\n(^٣) ينظر: تفسير سورة البقرة للعثيمين (٢/ ١٣٣).\n(^٤) التفسير الكبير (٢٧/ ٦٢٥).","vol":"1","page":713},{"text":"وبهذا يظهر صحة هذا الاستنباط، والقول بمنع التقليد من غير دليل ولاحجة، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>سورة الجاثية</span>\nالمغايرة بين العمل الصالح والإيمان.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وصفُهم بالعمل الصالح بعد وصفِهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه). (^١)\nوجه الاستنباط:\nأنه عطف العمل الصالح على الإيمان، والعطف يقتضي التغاير، فدلَّ على أن الإيمان غير الأعمال. (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها بالاقتران على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه؛ لأنه عطف العمل على الإيمان فدلَّ على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.\nوممن استنبط المغايرة بين العمل والإيمان من موضع هذه الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٧٠٨)\n(^٢) الإشارات الإلهية للطوفي (١/ ٣٦٨)\n(^٣) التفسير الكبير (٢٧/ ٦٨١): اللباب في علوم الكتاب (١٧/ ٣٧١).","vol":"1","page":715},{"text":"وهذا الاستنباط باطل غير صحيح، وما عليه أهل السنة والجماعة أن العمل من الإيمان، وأدلتهم في هذا الباب كثيرة - كما تقدم- (^١). (^٢)\n\nقال شيخ الإسلام: أما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع فهذا صحيح، وقد بينَّا أن الإيمان إذا أُطلق أُدخل الله ورسوله في الأعمال المأمور بها، وقد يُقرن به الأعمال ...، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود القلب الواجب، مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقصِ الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة) (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تقدم الكلام عنها في استنباطات سورة البقرة، ينظر الاستنباط رقم: (٨).\n(^٢) ينظر مذهب أهل السنة والجماعة وأدلتهم في: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٣٧٣ ومابعدها.\n(^٣) الإيمان ص ١٨٦، وينظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٨)، وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣٨٧)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٦٩).","vol":"1","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>سورة الأحقاف</span>\nعِظَم حق الأم.\nقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلَّت الآية على أنّ حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ فذكرهما معًا، ثم خصَّ الأم بالذكر فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأنّ وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة، والأخبار كثيرة في هذا الباب). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها بالنص أنّ حق الأم أعظم وآكد من حق الأب؛ لخصوص إفرادها بالذكر بعد الوصاية بالوالدين معًا، مما يدل على أن الأم لها أعظم الحق ومزيد عناية وشفقة لِما تحملته وكابدته في سبيل العناية بولدها، كما أخبر سبحانه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾.\nقال الشوكاني: (وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك). (^٢)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٧٢٠).\n(^٢) فتح القدير (٥/ ٢٢)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٨/ ١٥)، وفتح القدير (٥/ ٢٢)، وروح المعاني (١٣/ ١٧٥)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ٣٠)، وأضواء البيان (٧/ ٢٢٣)","vol":"1","page":717},{"text":"ففي الآية إشارة إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص، حيث نبَّه تعالى على الواجب لها على ولدها من البر، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة؛ إذ الآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - «أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك» (^١)، وهي دلالة حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (٥٩٧١)، (٨/ ٢)","vol":"1","page":718},{"text":"أقل مدّة الحمل ستة أشهر\nقال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرًا، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين، بقي مدة الحمل ستة أشهر). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة التركيب والجمع بين النصوص أن أقل مدّة الحمل ستة أشهر؛ لأن هذه الآية صرَّحت بأن أمد الحمل والفصال معًا ثلاثون شهرًا، وقد قال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فبيَّن أن أمد الفصال عامان، وهما أربعة وعشرون شهرًا، فإذا طُرحت من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمدًا للحمل وهي أقله (^٢)\nفهذه الآية منفردة ليس فيها تعرضٌ لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يُعلم أقل أمد الحمل، لأن في الكلام حذف مضاف تقديره: و«مدة» حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصًا، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وتُرضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة - على العُرف -\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٢١)\n(^٢) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٧/ ٢٢٣)","vol":"1","page":719},{"text":"وتُرضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، وبالعكس. (^١)\nوروي أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح في زمان عمر ﵁ فهمَّ عمر برجمها، فقال علي ﵁: لا سبيل لك عليها، وتلا قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. (^٢)\nوقد أشار إلى هذا الاستنباط أكثر المفسرين كالسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والسيوطي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم. (^٣)\nقال ابن كثير: (وقد استدل علي ﵁، بهذه الآية مع التي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، ﵃). (^٤)\nوقد أجمع الفقهاء على ذلك وربطوا بهذين الضابطين أحكاما كثيرة (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٥/ ٩٧)\n(^٢) ينظر: تفسير السمعاني (٥/ ١٥٤)\n(^٣) ينظر: تفسير السمعاني (٥/ ١٥٤)، ومعالم التنزيل (٤/ ١٩٥)، والمحرر الوجيز (٥/ ٩٧)، والتفسير الكبير (٢٨/ ١٦)، وأنوار التنزيل (٥/ ١١٣)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣١٢)، والإكليل (١/ ٢٣٦)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٨٠)، وإرشاد العقل السليم (٨/ ٨٣)، وفتح القدير (٥/ ٢٢)، ومحاسن التأويل (٨/ ٢٩)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٧٨١).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٨٠).\n(^٥) ينظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني (٢/ ٢٤٥)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/ ٧٢)، والمجموع شرح المهذب (١٨/ ٢١٣)، والمغني (٨/ ١٢١)، وحاشية الروض المربع لعبد الرحمن القاسم (٧/ ٤٣).","vol":"1","page":720},{"text":"خطاب الكفار بفروع الشريعة.\nقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنّ الله تعالى عللَّ عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر. وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايرًا لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة، فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية، والاقتران بين الكفر والفسق أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بالكفر وعطف عليه الفسق فغاير بينهما، ومعلوم أن الفسق خروج عن طاعة الله بترك المأمورات وفعل المنهيات، فدلَّ على أنهم مخاطبون بالفروع كخطابهم بالأصول.\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، وغيره. (^٢)\nوخطاب الكفار بفروع الإسلام مختلف فيه، والصحيح أنهم مخاطبون، ومكلفون بها (^٣)، لدلالة النصوص على ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٧٢٣)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٨/ ٢٣).\n(^٣) وقيل غير مخاطبين بها، واحتجوا بأنهم لو فعلوها فى حال كفرهم لم تقبل منهم ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام وما لم يقيل منهم فلا يخاطبون به، وهذا الاحتجاج مردود؛ لأنهم مخاطبون بها وبما لا تصح إلا به وهو الاسلام، كالمحدِث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به كالطهاره؛ لأن ما لا يتم الواجب الا به واجب.\nينظر تفصيل المسألة في: البرهان للجويني (١/ ١٠٧ (، والإحكام للآمدي ١/ ١٤٤، وأصول السرخسي ١/ ٧٣، والمحصول للرازي ١/ ٢/٤٠٠، وشرح الكوكب المنير ١/ ٥٠٤، وروضة الناظر ١/ ١٦٠، والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي ١/ ٧٦.","vol":"1","page":721},{"text":"سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤] الآية، ففيها التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، ونظيره قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.ثم بيَّن العلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٤]. وغيرها من الآيات\nوهذا من لطيف الاستنباط عند الخطيب - ﵀ - وغيره؛ للمغايرة الظاهرة بين الكفر والفسق، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة في أول سورة البقرة (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: استنباطات سورة البقرة، الاستنباط رقم: (٢١).","vol":"1","page":722},{"text":"بعثته ﷺ إلى الجن.\nقال الله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآية دلالة على أنه ﷺ كان مبعوثًا إلى الجن، كما كان مبعوثًا إلى الإنس). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة النص أنه ﷺ كان مبعوثًا إلى الجن كبعثته إلى الإنس، لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، ومنه يُعلم أنه ﷺ كان مبعوثًا إلى الجن أيضًا وهذا من جملة خصائصه، وهو ما عليه الجمهور. (^٢)\nقال مقاتل: (ولم يبعث الله نبيًا إلى الإنس والجن قبله) (^٣)، ويدل على قوله ما في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ قال: «أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود» (^٤)، قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس. (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (٣/ ٧٣٢)\n(^٢) قال جمهور العلماء: رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم. ينظر: فتاوى السبكي (٢/ ٦١٨)، والأشباه والنظائر (٢/ ٣٣٠)، وإيضاح الدلالة في عموم الرسالة لابن تيمية ص ٣\n(^٣) ينظر: جامع البيان للطبري (٢٢/ ١٤١)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢١٧)\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» برقم (٥٢١) (١/ ٣٧٠)\n(^٥) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢١٧)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير سورة سبأ، رقم الحديث (٣٥١٧)، (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":723},{"text":"وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وغيرهم. (^١)\nقال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن، حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾). (^٢)\nوأما ما كان من نبي الله سليمان ﵇ فإنه لم يُبعث إلى الجن بل سُخِّروا له، فكان من خصائص محمد ﷺ بعثته إلى الثقلين، كما دلَّت عليه هذه الآية، وبه يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير (٢٨/ ٢٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢١٧)، ولباب التأويل (٤/ ١٣٧)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٠٣)، وغرائب القرآن (٦/ ١٢٥)، وروح البيان (٨/ ٤٩٠)، ومحاسن التأويل (٨/ ٤٥٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٠٣).","vol":"1","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>سورة محمد</span>\nحبوط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (دلَّت هذه الآية على ما دَّلت عليه آية البقرة من أنّ إحباط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر). (^١)\nوجه الاستنباط:\nقوله تعالى ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يدل بمفهومه على أنه قد يُغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها بمفهوم المخالفة على أنّ حبوط العمل في المرتدّ مشروط بالموت على الكفر (^٢)، فهذه الآية والتي في البقرة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ١٨)\n(^٢) واختلف في هذه المسألة هل يحبط العمل بالردة أم لا؟\nوالراجح أن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فشرط الله هذا الشرط، فمن ارتد عن دينه ومات على الكفر فهو حابط العمل، وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن عمله الصالح الذي قام به قبل رِدته لم يحبط بل هو مكتوب له عند الله. ينظر: فتاوى السبكي (١/ ٥٦)، والمجموع للنووي (٣/ ٥)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٤٧)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (٥/ ٤٢٧)، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٥/ ٥٩).","vol":"1","page":725},{"text":"وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مقيدتان لكل نص مطلق فيه إحباط العمل بالكفر، فهو مقيد بالموت عليه، فقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لم يتوبوا منه، ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي لا بشفاعة ولا بغيرها، لأنه قد تحتَّم عليهم العقاب، ووجب عليهم الخلود في النار.\nومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ويدخلهم الجنة، ولو كانوا قد أفنوا أعمارهم في الكفر بالله والصد عن سبيله، والإقدام على معاصيه، فالاعتبار بالوفاة على الكفر، وهو الذي يوجب الخلود في النار. (^١)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والألوسي، والسعدي، والشنقيطي (^٢)، وغيرهم. (^٣)\nقال النووي في ثنايا حديثه عن بعض مسائل الصلاة: (.. والمسألة مبنية على أصل سبق، وهو أنه عندنا لا تبطل الأعمال بالردة إلا أن تتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد، احتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ\n_________\n(^١) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (١/ ٧٩٠).\n(^٢) قال - ﵀ - عند هذه الآية: (ظاهر هذه الآية الكريمة أن المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر، وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافا لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقا، والعلم عند الله تعالى). أضواء البيان (١/ ٣٢٩)\n(^٣) ينظر: أنوار التنزيل (٥/ ١٢٥)، وروح المعاني (١٣/ ٢٣٤)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٧٩٠)، وأضواء البيان (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":726},{"text":"﴾ واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فعلَّق حبوط العمل بشرطين الردة والموت عليها، والمُعلق بشرطين لا يثبُت بأحدهما، والآية التي احتجوا بها مُطلقة وهذه مقيدة فيُحمل المطلق على المقيد. (^١)\nوعليه فتقييده سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر؛ لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيًا، وظاهر الآية العموم وإن كان السبب خاصًا. (^٢)\nوقوله ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قطعٌ بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، كما أخبر سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وبهذا يظهر قوة ما ذكره الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٣/ ٥).\n(^٢) حكمها عام في كل من مات على الكفر وإن صح نزوله في أصحاب القليب، ينظر: جامع البيان للطبري (٢٢/ ١٨٧)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٦/ ٢٥٥)","vol":"1","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سورة الحجرات</span>\nالبغي لا يزيل اسم الإيمان.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هاتين الآيتين دليل على أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنّ الله تعالى سمَّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - بدلالة النص أنّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنه تعالى سمَّاهم مؤمنين مع وجود البغي، فدلَّت على أن الباغي مؤمن، وأنه يجب مُعاونة من بُغي عليه بعد النصح والسعي في المصالحة.\nوالباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل (^٢)، وقد استفاد الخطيب هذه الدلالة من البغوي. (^٣)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآيات غيرهما: القرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والسعدي (^٤)، وابن عاشور، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥١)\n(^٢) قال النووي: (الباغي في اصطلاح العلماء: هو المخالف للإمام العدل، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه أو غيره بشرطه). روضة الطالبين وعمدة المفتين (١٠/ ٥٠).\n(^٣) قال البغوي: (في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين). معالم التنزيل (٤/ ٢٥٩).\n(^٤) قال السعدي: (وفي هاتين الآيتين من الفوائد، غير ما تقدم: أن الاقتتال بين المؤمنين مناف للأخوة الإيمانية، ولهذا كان من أكبر الكبائر، وأن الإيمان والأخوة الإيمانية لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة). تيسير الكريم الرحمن (١/ ٨٠٠).\n(^٥) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٢٣)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٣٥)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣٥٣)، ولباب التأويل (٤/ ١٨٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٨٠٠).","vol":"1","page":728},{"text":"ويدل له ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ سُئِل وهو القدوة في قتال أهل البغي- عن أهل الجمل وصِفِّين: أمُشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فرَّوا، فقيل: أمنافقون هم؟\nفقال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. (^١)\nقال شيخ الإسلام: فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة؛ بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. وليس كل ما كان بغيًا وظلمًا أو عدوانًا يُخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم؛ فكيف يُخرج ذلك من كان من خير القرون؟. (^٢)\nوقوله تعالى بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ عقدٌ عقده الله بين المؤمنين، كما أخبر ﷺ: «المؤمن أخو المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره» (^٣)، وبهذا يظهر أن البغي لا يزيل اسم الإيمان كما دلت عليه الآية، والله تعالى أعلم\n_________\n(^١) ينظر: معالم التنزيل (٤/ ٢٥٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٢٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٤)، وينظر: مختصر منهاج السنة (١/ ١٩٢)\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله برقم (٣٢) (٤/ ١٩٨٦)","vol":"1","page":729},{"text":"الحكمة من تشبيه المغتاب بآكل لحم أخيه.\nقال الله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذا التشبيه إشارة إلى أنّ عرض الإنسان كدمه ولحمه؛ لأنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض، كما يتألم جسمه من قطع اللحم، وهذا من باب القياس الظاهر؛ لأنّ عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس، لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك أشدّ ألمًا، وقوله تعالى: ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ آكد في المنع؛ لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ، وفي قوله تعالى: ﴿مَيْتًا﴾ إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال: إنّ الشتم في الوجه يؤلم فيُحرم، وأمّا الاغتياب فلا اطّلاع عليه فلا يؤلم، فيقال لحم الأخ وهو ميت أيضًا لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح، كما أنه لو اطلع عليه لتألم، فإنّ الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه، وفيه معنى لطيف، وهو أنّ الاغتياب أكل لحم الآدمي ميتًا، ولا يحل أكله إلا للمضطرّ بقدر الحاجة، والمضطرّ إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدمي، فكذلك المغتاب إذا وجد لحاجته مدفعًا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص الحكمة من تشبيه المغتاب بآكل لحم أخيه، وهي الإشارة إلى أن عرض الإنسان مثل دمه ولحمه، وهذا من باب القياس، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسُن أكل لحم الناس فترك أعراضهم أولى؛ لأن ذلك آلم، وأكَّده بقوله تعالى ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ إذ هو آكد في المنع،\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥١).","vol":"1","page":730},{"text":"فأكل المرء لحمه أخيه أقبح ما يكون، ففيه إشارة إلى أن الغيبة عظيمة عند الله.\nكما أن في الإشارة بقوله: ﴿مَيْتًا﴾ فائدة أخرى نبَّه عليها الخطيب، وهي: دفع ما قد يُتوهم من أن الكلام في الوجه يؤُلم فيُحرم، وأما الغيبة فلا اطّلاع عليها للمغتاب فلا تؤلمه، فبيَّن أن أكل لحم الأخ وهو ميّت أيضًا لا يؤلم، ومع هذا فهوقبيح مستكره. (^١)\nقال الشوكاني مستنبطًا هذه الدلالة: (وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلا عن كونه محرما شرعًا). (^٢)\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، والخازن، وابن عادل، وحقي، والشوكاني، وغيرهم. (^٣)\nوفيها لطيفة أخرى أشار إليها الخطيب: وهو أن الغيبة كأكل لحم الآدمي ميتًا، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة، فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته مدفعًا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب.\nوممن نصَّ على هذه الإشارة: الرازي (^٤)، وغيره.\nومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الكبير للرازي (٢٨/ ١١٠)، وروح البيان لحقي (٩/ ٨٨)\n(^٢) فتح القدير (٥/ ٧٧)\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٢٨/ ١١٠)، ولباب التأويل (٤/ ١٨٣)، واللباب في علوم الكتاب (١٧/ ٥٥١)، وروح البيان (٩/ ٨٨)، وفتح القدير (٥/ ٧٧)\n(^٤) المرجع السابق (٨/ ١١١)","vol":"1","page":731},{"text":"كراهة لحم أخيه، فهذا مبالغة في استكراه الغيبة (^١)، وهي دلالة صحيحة قريبة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>سورة الذاريات</span>\nرجم اللائط.\nقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات ٣١ - ٣٤].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (ولما كان الإجرام ظاهرًا قالوا ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ واللام في المسرفين لتعريف العهد، أي: لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوّمة، وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين، وفي هذا دليل على رجم اللائط). (^٢)\nوجه الاستنباط:\nالاقتداء بأفعال الله تعالى في عباده.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على وجوب الحد في اللواط بالرجم، لأن الله جعل عذاب من أتى بهذه الفاحشة الشنيعة إمطار الحجارة، حيث أمطر على قوم لوط - ﵇ - حجارة من السماء، فوجب أن يُعذَّب من أتى بها بإمطار الحجارة به وهو الرجم، قال تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ أي رجمًا لهم على فعلهم الفاحشة ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مُعلَّمة، على كل\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٥٣٧)، وينظر: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير (٣/ ٦٢)، وجواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع لأحمد الهاشمي (١/ ٢٨٦).\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٩٣)","vol":"1","page":732},{"text":"حجر منها سِمة صاحبه لأنهم أسرفوا، وتجاوزوا الحد. (^١)\nوقد نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عادل، وغيرهما. (^٢)\nويؤيده ماروي عن ابن عباس - ﵁ – أنه أخذ حكم الرجم من الآيات في عذاب الله لقوم لوط، كما أفاده ابن القيم.\nقال ابن القيم: (ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل .. ثم قال: قال عبد الله بن عباس: يُنظر أعلى ما في القرية فيرمى اللوطي منها، مُنكَّسًا ثم يتبع بالحجارة (^٣)، وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط. وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به». (^٤) إلى أن قال - ﵀ -: وأطبق أصحاب رسول الله على قتله، لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم فى قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع). (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان للطبري (٢٢/ ٤٢٩)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٢٨/ ١٧٩)، واللباب في علوم الكتاب (١٨/ ٨٨)\n(^٣) ينظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ٤٩٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي في سننه برقم (١٤٥٦)، (٤/ ٥٧)، والإمام أحمد في مسند عبدالله بن عباس برقم (٢٧٣٢)، (٤/ ٤٦٤)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٨٠٤٧)، (٤/ ٣٩٥)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ١٢) برقم (٢٣٥٠).\n(^٥) الجواب الكافي ص ٢٤٠ وما بعدها، وينظر: المحلى بالآثار لابن حزم (١٢/ ٣٩٠)","vol":"1","page":733},{"text":"فالراجح في حد اللائط أنه الرجم بالحجارة حتى يموت بِكرًا كان أو ثيبًا، كما عليه الجمهور (^١)، ويُستأنس له بحكم الله في قوم لوط الذين أتوا بما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، كما هي دلالة هذه الآية، ونصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) (٤ (وهذا قول علي، وابن عباس، وجابر بن زيد، وعبد الله بن معمر، والزهري، وأبي حبيب، وربيعة، ومالك، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي وأحمد. ينظر: المغني (٩/ ٦٠)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٢٠/ ٢٤)، والمبسوط للسرخسي (٩/ ٧٧)، وإرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (١/ ١١٤)، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام لأبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي (١/ ٨٩).","vol":"1","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>سورة الرحمن</span>\nتكليف الجنّ.\nقال الله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣١ - ٣٣]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في هذه الآيات، والتي في الأحقاف (^١)، وفي ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ دليل على أنّ الجنّ مكلفون مخاطبون، مأمورون منهيون، مثابون معاقبون كالإنس، سواء مؤمنهم كمؤمنهم وكافرهم ككافرهم). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من هذه الآيات دلالتها باللازم على تكليف الجنّ، وأنهم مثابون أو معاقبون كالإنس سواء منهم المؤمن والكافر؛ لأن الخطاب في هذه السورة للثقلين الإنس والجن في واحد وثلاثين آية، فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن خلق النوعين الإنس والجن في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦] ثم خاطب الله النوعين داعيًا إياهم إلى لإيمان، منكرًا تكذيبهم بآياته، بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ثم ذكر سبحانه عقاب النوعين وثوابهم، وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المنهيون المثابون، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٩ - ٤٢]\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].\n(^٢) السراج المنير (٤/ ١٧٠)","vol":"1","page":735},{"text":"وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] إلى آخر السورة. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآيات: القرطبي، وغيره. (^٢)\nوكون الجن مكلفون كالإنس هو الصحيح وعليه عامة أهل العلم (^٣)، فهم خلقوا للعبادة، يقع عليهم الأمر والنهي كالإنس، يدل له قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وهم كذلك موعودون ومُتوعَّدون، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ والآيات في هذا الباب كثيرة.\nوالجن كذلك مكلَّفون بفروع الشريعة كتكليفهم بالأصول، كما نصَّ عليه ابن تيمية، وغيره. (^٤)\nفإذا عُلِم تكليفهم بشرائع الأنبياءِ، عُلِم أن محسنهم في الجنة، وأن مسيئهم فى النار، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، وبهذه الآية احتج البخاري وترجم في صحيحه فقال: (باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم). (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (١/ ٤٢٤) ومابعدها.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٩).\n(^٣) تنظر مسألة تكليف الجن في: البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٧)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (١/ ٣٢٤).\n(^٤) قال - ﵀ -: (الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أُمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مُشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين). مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣٣)\n(^٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٤٥)، وصحيح البخاري (٤/ ١٢٦).","vol":"1","page":736},{"text":"قال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]: (الآية تدل على تكليف الجن من عدة وجوه:\nأحدها: أن الله تعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.\nالثاني: أنهم أَخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مُصدِّق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.\nالثالث: أنهم قالوا لقومهم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].والآية صريحة في أنهم مكلفون، مأمورون بإجابة الرسول، وهو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر). (^١)\nفدلَّ ذلك كله على تكليف الجن، وهي دلالة صحيحة صريحة من هذه الآيات في سورة الرحمن كما تقدم، ومن سورة الأحقاف كما نصَّ عليه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: طريق الهجرتين لابن القيم (١/ ٤٢٤) ومابعدها، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٠٣)","vol":"1","page":737},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي المتكئين، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ فكأنه قال: هنّ أبكار لم يخالطهنّ أحد، فإنّ هذا جمع كلّ من يمكن منه جماع، وفي ذلك دليل على أنّ الجني يغشى كما يغشى الإنسي، ويدخل الجنة ويكون لهم فيها جنتان). (^١)\n\nهذه الآية فيها دلالتان: الأولى:\nالجن يغشون الجنيات كما يغشى الإنس النساء.\nوجه الاستنباط:\nحيث دلَّ نفي الطمث (^٢) عن نساء أهل الجنة من قِبَل الإنس والجان- وهذا جمع كلّ من يمكن منه جماع- على أن الجني يغشى كالإنسي، وذلك لهم زيادة في الامتنان والنعيم.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تغشى الجنيات كالإنس، فإن مقام الامتنان في هذه الآيات يقتضى ذلك؛ إذ لو لم يطمِثوا كمن قبلهم لم يحصل لهم الامتنان به، فدلَّ على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ١٧٧)\n(^٢) قال الفراء: الطمث: هو الوطء بالتدمية، وهو الافتضاض. ينظر: معاني القرآن (٣/ ١١٩)، وجامع البيان للطبري (٢٣/ ٦٣)، وتفسير السمعاني (٥/ ٣٣٥).\n(^٣) ينظر: روح البيان لحقي (٩/ ٣٠٨).","vol":"1","page":738},{"text":"قال الزجاج: (في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى، كما أن الإنسي يغشى). (^١)\nوقال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون لهم فيها جنيات). (^٢)\nوممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية غيرهما: ابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن القيم، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٣)\nودلالة نفي الطمث عن نساء أهل الجنة من الإنس والجان على أن الجن يغشون كالإنس، ملحظ دقيق لطيف، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) معاني القرآن وإعرابه (٥/ ١٠٣)\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٨١)\n(^٣) ينظر: زاد المسير. (٨/ ١٢٢)، والكشاف (٤/ ٤٥٣)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٧٤)، ومدارك التنزيل (٣/ ٤١٧)، وتفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٥٠٦)، وإرشاد العقل السليم (٨/ ١٨٥)، وروح البيان (٩/ ٣٠٨)، ووروح المعاني (١٤/ ١١٨)، ومحاسن التأويل (٩/ ١١٣)، وأضواء البيان (٧/ ٢٣٧)","vol":"1","page":739},{"text":"الدلالة الثانية:\nالجن يثابون بدخول الجنة.\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن الجن تدخل الجنة - ويكون لهم فيها جنتان- خلافًا لمن قال إنهم لا يدخلونها، بل يُثابون بالنجاة من النار؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:\nأحدها: أن «مَنْ» مِن صيغ العموم، فتتناول كل خائف. (^١)\nالثاني: أنه رتَّب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدلَّ على استحقاقه به.\nالثالث: أن خوف مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمِن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمِن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذى جاءَت به الرسل. (^٢)\nففي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور: أن مؤمني الجن في الجنة، كما أن كافرهم في النار، وبوَّب عليه البخاري في صحيحه -كما تقدم - فقال «باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم» ونصّ عليه غير واحد من السلف. (^٣)\n_________\n(^١) تقدم توثيقه.\n(^٢) ينظر: طريق الهجرتين لابن القيم (١/ ٤٢٥)، وينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٧/ ٢٣٧).\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٥٠٦)، وصحيح البخاري (٤/ ١٢٦)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٤٥) والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٧)، والفروع وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٢٥٨)، والإنصاف في معرفة الخلاف (٢/ ٩٧)، وآكام المرجان في أحكام الجان للشبلي ص ٧٥.","vol":"1","page":740},{"text":"قال ابن كثير في هذه الآية: (لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن. وهذه أيضا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة). (^١)\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على دخولهم الجنة: القرطبي، وابن كثير، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nوأيضًا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه – كما في سورة الأحقاف- وكل من غُفِر له دخل الجنة ولا ريب، إذ ليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٥٠٤).\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٨١)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٥٠٤)، وروح البيان (٩/ ٣٠٨)، وروح المعاني (١٤/ ١١٨)، ومحاسن التأويل (٩/ ١١٣).","vol":"1","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>سورة الواقعة</span>\nصحة القياس.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة ٦٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ أي: الترابية لأبيكم آدم ﵇، واللحمية لأُمكم حواء ﵂، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى آخر غيره، فما الذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابًا إلى ما كنتم عليه أولًا من الصور؟ ولهذا سبَّب عما تقدم قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلا ولم لا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أي تذكرًا عظيمًا تُكرهون أنفسكم عليه، فتعلمون أن من قدَر على النشأة الأولى قدر على الثانية، فإنها أقل ضعفًا لحصول المواد، وتخصيص الأجزاء وسبق المثال، وفيه دليل على صحة القياس). (^١)\nوجه الاستنباط:\nوقوع القياس هنا، وإرشاد الخلق بالدلالة على صحة الإعادة بصحة البداء. (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على صحة القياس؛ حيث جهَّلهم تعالى في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾، وتركُ القياس إذا كان جهلًا كان القياس علمًا، وكل ما كان من قبيل العلم فهو\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٢٠٠)\n(^٢) ينظر: حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي (٨/ ١٤٦).","vol":"1","page":742},{"text":"صحيح. (^١)\nوقوله ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يشهد لهذا فهوتحضيض على التذكر والاستدلال، فمن قدر على الأولى قدر على الأخرى حتمًا فإنها أهون عليه.\nوممن استنبط دلالة هذه الآية على صحة القياس: الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\nوهي دلالة معتبرة صحيحة يعضدها احتجاجه تعالى على منكري البعث بالنشأة الأولى في آيات كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨] وقال سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، قال الماوردي (^٣) عند هذه الآية من سورة الروم: وفي هذا دليل على صحة القياس). (^٤)\nوقال القرطبي: (بيَّن كمال قدرته، أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يحييكم بالبعث، وفي هذا دليل على صحة القياس). (^٥)\nوالحق أن القياس حُجَّة، وهو دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات\n_________\n(^١) ينظر: روح البيان لحقي (٩/ ٣٣١).\n(^٢) ينظر: الكشاف (٤/ ٤٦٥)، وأنوار التنزيل (٥/ ١٨١)، ومدارك التنزيل (٣/ ٤٢٦)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٣٣٧)، وإرشاد العقل السليم (٨/ ١٩٧)، روح البيان (٩/ ٣٣١) روح المعاني (١٤/ ١٤٧).\n(^٣) هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي، أبو الحسن القاضي، له مصنفات في الفقه والتفسير والأصول والأدب، من تصانيفه (الحاوي) في الفقه، والتفسير القرآن (النكت والعيون)، و(الأحكام السلطانية)، وغيرها، توفي سنة ٤٥٠ هـ. ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٥/ ٢٦٧، وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٨٣، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص ١٩.\n(^٤) النكت والعيون (٤/ ٣٠٥).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٦).","vol":"1","page":743},{"text":"الأحكام الشرعية بعد الكتاب والسُنَّة والإجماع، فلا يقاس إلا على ما ثبت بهما (^١)، فيكون العمل بالقياس عملًا بما هو مستنبط من المنزل، وكأنه حكم بالمنزل وهو الكتاب والسُّنَّة. (^٢)\nوهو ماعليه جمهور العلماء من السلف والخلف، وثبت عن جمعٍ كثير من الصحابة - ﵃ - القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نصَّ فيها (^٣)، وبهذا يظهرصحة هذه الدلالة وقوتها، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: روضة الناظر لابن قدامة (٢/ ١٦٥)، وكشف الأسرار للبزدوي (٣/ ٣١٥)، والموافقات للشاطبي (٥/ ١٩٧)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ١١٠)، والمهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (٤/ ١٤٨٣).\n(^٢) ينظر: المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم النملة (٤/ ١٨٨١).\n(^٣) كما فعل أبو بكر -﵁- فإنه قاس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها، بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام، ووافقه الصحابة -﵃- على ذلك، فكان إجماعًا على صحة القياس. ينظر: روضة الناظر (٢/ ١٥٥)، وشرح الطوفي (٣/ ٢٦٤).","vol":"1","page":744},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>سورة الحديد</span>\nفضل أبي بكر ﵁.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد ١٠]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (بيَّن تعالى التفاوت بين المنفقين منهم فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ ثم قال: وفي هذا دليل على فضل أبي بكر، فإنه أوّل من أنفق لم يسبقه في ذلك أحد، وخاصم الكفار حتى ضُرب ضربًا شديدًا أشرف منه على الهلاك). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على فضل أبي بكر؛ لأنه أوّل من أنفق مالَه في سبيل الله قبل الفتح، وأول من قاتل في الإسلام، والله تعالى يقول ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.\nفهذه الآية تضمنت تباين ما بين المنفقين وأنهما لا يستويان، لأن أصحاب النبي ﷺ نالهم من التعب والشدة قبل الفتح ما لم ينلهم بعده، وكانت حاجة الناس قبل الفتح أكثر لضعف الإسلام، وكان الإنفاق في سبيل الله حينئذ أشق، فكان من أنفق قبل الفتح أعظم ثوابًا وأعلى درجة من غيرهم.\nوهذا يدل على أن الصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق منهم على اللاحق ولاشك أن لأبي بكر - ﵁ - قصب السبق في ذلك كله؛ لما ورد في فضائله رضي\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٢١٢).","vol":"1","page":745},{"text":"الله تعالى عنه وأرضاه.\nقال القرطبي: (قال الكلبي: نزلت في أبي بكر ﵁ (^١)، ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر ﵁ وتقديمه، لأنه أول من أسلم). (^٢)\nوممن أشار إلى فضيلة أبي بكر - ﵁ - بدلالة هذه الآية: الواحدي، والقرطبي، والرازي، والنسفي، وابن كثير، وغيرهم. (^٣)\nوالذي يظهر أن قوله تعالى ﴿مَنْ أَنْفَقَ﴾ لفظ عام يشمل كل من أنفق من الصحابة -رضوان الله عليهم- ويدخل في ذلك أبو بكر دخولًا أوليًا لفضله وسبقه.\nقال ابن كثير: (ولا شك عند أهل الإيمان أن الصِدِّيق أبا بكر، ﵁، له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ﷿، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها). (^٤)\nوبوَّب البخاري في صحيحه: «باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ» (^٥)، وقد تتابعت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، كما تقدم الحديث عن فضيلته في سورة التوبة. (^٦)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه الخصائص لم يشركه فيها أحد). (^٧)\nولهذا قدَّمه الصحابة على أنفسهم، وأقروا له بالتقدم والسبق، والله تعالى\n_________\n(^١) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٤/ ٢٤٥)، وتفسير السمعاني (٥/ ٣٦٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٠).\n(^٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٢٤٠)، والتفسير الكبير (٢٩/ ٤٥٢)، ومدارك التنزيل (٣/ ٤٣٥)، وتفسير القرآن العظيم (٨/ ١٤).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٤)\n(^٥) صحيح البخاري (٥/ ٤).\n(^٦) ينظر الاستنباط رقم: (١٠٧).\n(^٧) ينظر: فضل أبي بكر الصديق ﵁ (١٣/ ١٢٣٤)، وينظر: منهاج السنة النبوية (٨/ ٢٩٧)","vol":"1","page":746},{"text":"أعلم.","vol":"1","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>سورة الحشر</span>\nكل ما أمر به النبيّ ﷺ فهو أمر من الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآية تدل على أنّ كل ما أمر به النبيّ ﷺ أمر من الله تعالى؛ لأنّ الآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره ﷺ ونواهيه داخلة فيها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنصِّ أنّ كل ما أمر به النبيّ ﷺ هو أمرٌ من الله تعالى، لأنه حثَّ المسلمين فيها على التسليم لأمر الله تعالى ونهيه؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر. (^٢)\nوهذا أمرعام يدخل فيه قسمة ما أفاء الله من الغنائم وغيرها، ثم هي عامة على الصحيح في كل ما أتى به رسول الله ﷺ من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصًا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (^٣)\nوعلى هذا فالآية تصلح أن تكون قاعدة كلية وأصلًا عامًا، شامل لأصول الدين وفروعه، فكل ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٢٥٩)\n(^٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٧)\n(^٣) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٣٦). وقال الواحدي: (وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه). الوسيط (٤/ ٢٧٢)","vol":"1","page":748},{"text":"تحل مخالفته، فيندرج فيها جميع أدلة السنة.\nوهذه الدلالة من الآية نصَّ عليها جمهور المفسرين كالواحدي، والسمعاني، والزمخشري، وابن العربي، والقرطبي، وابن جزي، والخازن، وابن كثير، والسيوطي، وحقي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (^١)\nكما أنَّ نص الرسول على حكم الشيء كنصَّ الله تعالى، بموجب هذه الآية فلا رخصة في تركه لأحد، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. (^٢)\nقال الشنقيطي: (إن السنة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة (^٣)، أي: أنها مُلزمة للمسلمين العمل بالسنة النبوية، فيكون الأخذ بالسنة أخذًا بكتاب الله، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]) (^٤)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الوسيط (٤/ ٢٧٢)، وتفسير السمعاني (٥/ ٤٠٠)، والكشاف (٤/ ٥٠٣)، وأحكام القرآن (٤/ ٢١٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٧)، والتسهيل (٢/ ٣٦٠)، ولباب التأويل (٤/ ٢٧٠)، والبحر المحيط (١٠/ ١٤١)، وتفسير القرآن العظيم (٨/ ٦٧)، والإكليل (١/ ٢٥٩)، وروح البيان (٩/ ٤٢٩)، وفتح القدير (٥/ ٢٣٦)، وروح المعاني (١٤/ ٢٤٣)، والتحرير والتنوير (٢٨/ ٨٧)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٨٥١)، وأضواء البيان (٨/ ٣٧).\n(^٢) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٣٦)\n(^٣) ومن غريب الاستدلال أن يستدل بهذا العموم على تحريم الخمر، وحكم الواشمة والمستوشمة، وتحريم المخيط للمحرم!. ينظر: تفسير القرآن العظيم (٨/ ٦٧)، والبحر المحيط (١٠/ ١٤١)، قال أبو حيان: (ومن غريب الحكايات في الاستنباط: أن الشافعي -﵀ - قال: سلوني عما شئتم أخبركم به من كتاب الله تعالى وسنة النبي ﷺ. فقال له عبد الله بن محمد بن هارون: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ...).\n(^٤) أضواء البيان (٨/ ٣٧)، وينظر: المحصول للرازي (٣/ ٢٣٢)، والإحكام للآمدي (١/ ١٧٦)، والموافقات للشاطبي (٤/ ٣٢٢)، والبحر المحيط للزركشي (٥/ ٩٢).","vol":"1","page":749},{"text":"وجوب محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\nقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠]\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين، لأنه جعل لمن بعدهم حظًا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، ومن أبغضهم أو واحدًا منهم، أو اعتقد فيهم شرًا أنه لا حق له في الفيء). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللزوم على وجوب محبة الصحابة رضوان الله عليهم، حيث أمر سبحانه التابعين في هذه الآية بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يدعوا الله أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليًا لكونهم أشرف المؤمنين، ولأن السياق فيهم. (^٢)\n\nوعلى هذا فكل من كان في قلبه غِل على أحد من الصحابة، ولم يترحم على جميعهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رَّتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذُكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين، وليس له في فيء المسلمين نصيب. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٢٦١).\n(^٢) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٤٠).\n(^٣) ينظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٦١)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٢٨/ ٩٧).","vol":"1","page":750},{"text":"وممن استنبط وجوب محبتهم من هذه الآية: السمرقندي، والبغوي، والقرطبي، والخازن، وحقي، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (^١)\nولاشك أن من عقيدة أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتعظيمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، وحُرمة بغض أحد منهم لما شرَّفهم الله به من الصحبة والجهاد والهجرة، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين.\nقال الطحاوي: (ونُحبُّ أصحاب رسول الله ﷺ ولا نُفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم ونُبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). (^٢)\nوقد دلَّت النصوص على وجوب محبتهم ﵃ أجمعين، كما أخبر رسول الله ﷺ قال «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه». (^٣)\nويشهد لصحة هذه الدلالة قول الإمام مالك: من كان يُبغض أحدًا من\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (٣/ ٤٢٩)، ومعالم التنزيل (٥/ ٦١)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٢)، ولباب التأويل (٤/ ٢٧٢)، وروح البيان (٩/ ٤٣٧)، وفتح القدير (٥/ ٢٤٠)، والتحرير والتنوير (٢٨/ ٩٧).\n(^٢) شرح العقية الطحاوية ص ٤٦٧، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل). العقيدة الواسطية: (١/ ١١٩)، وينظر: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام لناصر بن علي عايض (٢/ ٧٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، برقم (٣٦٧٣) (٥/ ٨)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضوان الله عليهم (٢٥٤٠) (٤/ ١٩٦٧).","vol":"1","page":751},{"text":"أصحاب محمد ﷺ أو كان في قلبه عليه غل، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ هذه الآية. (^١)\nوعليه فإنه حقٌ على المسلمين أن يذكروا سلفهم بخير، وحقًا عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، وأن الترحم والاستغفار واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم بدلالة سياق هذه الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر قول الإمام مالك في: زاد المسير لابن الجوزي (٤/ ٢٦٠) والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٢).","vol":"1","page":752},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>سورة الممتحنة</span>\nالتفريق بين المسلمة وزوجها الكافر بسبب إسلامها لا هجرتها.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة ١٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ﴾ أي: رجال الكفار ﴿يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: المؤمنات تأكيد للأوّل لتلازمهما. وقال البيضاوي: والتكرير للمطابقة والمبالغة، والأولى لحصول الفرقة، والثانية للمنع عن الاستئناف. (^١) ...\nوقيل: أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين، وهنّ مؤمنات. والمعنى: لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من الأحوال، وهذا أدل دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها). (^٢)\nوجه الاستنباط:\nأن الله تعالى بيَّن العلّة، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار. (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - بدلالة اللازم من الآية أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر هو إسلامها لا هجرتها؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ تعليل للنهي عن إرجاعهن، أي: لا حلَّ بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة.\n_________\n(^١) أنوار التنزيل (٥/ ٢٠٦).\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) ينظر: اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١٩/ ٢٥).","vol":"1","page":753},{"text":"قال ابن عباس: (لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح كافرة لمؤمن). (^١)\nواستنبط هذا الحكم من الآية: الواحدي، وابن العربي، والقرطبي، والنسفي، وابن عادل، وأبو السعود، والشوكاني، وغيرهم. (^٢)\nقال الشوكاني: (فيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها، لا مجرد هجرتها). (^٣)\nوفي المسألة خلاف بين الفقهاء هل تحصل الفُرقة بالإسلام، أم باختلاف الدارين؟\nفقال أبو حنيفة: (الفُرقة تقع باختلاف الدارين (^٤)، وذهب الجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة أن الفُرقة تقع بالإسلام، وذلك عند انتهاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انتهاء عدتها فهي امرأته). (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: الوسيط للواحدي (٤/ ٢٨٦)، وتنوير المقباس من تفسير ابن عباس (١/ ٤٦٧).\n(^٢) الوسيط (٤/ ٢٨٦)، وأحكام القرآن (٤/ ٢٣٠)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٦٣)، ومدارك التنزيل (٣/ ٤٧٠)، واللباب في علوم الكتاب (١٩/ ٢٥)، وإرشاد العقل السليم (٨/ ٢٣٩)، وفتح القدير (٥/ ٢٥٦).\n(^٣) فتح القدير (٥/ ٢٥٦).\n(^٤) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٣٣٩).\n(^٥) ينظر: المدونة للإمام مالك (٢/ ٢١٤)، والأم للشافعي (٥/ ٤٨)، والحاوي الكبير للماوردي (٩/ ٢٥٩)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٣/ ٥٠)، والمغني لابن قدامة (٧/ ١٥٥) والشرح الكبير على متن المقنع (٧/ ٥٩٨).","vol":"1","page":754},{"text":"قال ابن القيم: (المسلم لا يجوز له أن يتزوج المشركة، وإذا أسلم لا يبقى النكاح بينهما، إلا إذا أسلمت أثناء العدة، أما إذا لم تُسلم، فيُفرق بينهما لاختلاف الدين بينهما). (^١)\nفإذا أسلمت المرأة وقعت الفُرقة بينها وبين زوجها، فلا تحل له ولا يحل لها، بدلالة هذه الآية، وهي فائدة حسنة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":755},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>سورة المنافقون</span>\nكثرة المنافقين في عهد الرسول ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم وفي عدم الانتفاع بهم في شيء، ﴿خُشُبٌ﴾ جمع كثرة لخَشَبة، وهو دليل على كثرتهم). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على كثرة المنافقين، بدلالة لفظ ﴿خُشُبٌ﴾ الذي جاء بصيغة جمع الكثرة، إذ جمع الكثرة يُطلق على ما فوق العشرة (^٢)، فدلَّ على كثرتهم، وهم: عبد الله بن أُبي ابن سلول وأصحابه. (^٣)\nوحكى الطبري اختلاف القراء في قراءة قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ حيث قرئت ﴿خُشُبٌ﴾ بضم الخاء والشين (^٤)، قال: (كأنهم وجهوا ذلك إلى جمع الجمع (^٥)، جمعوا الخَشَبة خِشابا ثم جمعوا الخِشاب خُشُبًا، كما جُمعت الثمرة ثِمارًا،\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٢٩٤).\n(^٢) ينظر: الكليات لأبي البقاء الكفوي (١/ ٣٣٤) والتعريفات للجرجاني (١/ ٧٨)، ومعجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم لجلال الدين السيوطي (١/ ٨٧)، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون لابن أحمد نكري (١/ ٢٨٠).\n(^٣) ينظر: جامع البيان للطبري (٢٣/ ٣٩٥).\n(^٤) وهي قراءة عامة قراء المدينة والكوفة ماعدا قنبل بخلفه، وأبو عمرو، والكسائي، ينظر: تحبير التيسير في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ٥٨٢)، وإتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي (١/ ٥٤٣).\n(^٥) جمع الجمع هو: ماكان صيغة مفرده جمع، ينظر: شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الاستراباذي (١/ ٤٨٣).","vol":"1","page":756},{"text":"ثم ثَمَرًا. (^١) وقد يجوز أن يكون الخشب بضم الخاء والشين إلى أنها جمع خَشَبة، فتُضم الشين منها مرة، وتسكَّن أخرى، كما جمعوا الأَكَمة أُكُما وأُكْما بضم الألف والكاف مرة، وتسكين الكاف لها مرة، وكما قيل: البدُن والبدْن، بضم الدال وتسكينها لجمع البدنة. (^٢)\nوممن استنبط كثرة المنافقين بدلالة هذه الآية: البقاعي، وغيره. (^٣)\nفكان هذا الجمع لخشبة دليلًا للخطيب - ﵀ – على كثرة هؤلاء المنافقين الموصوفين بما ذُكر، وليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت كثرتهم صحيحة؛ لأن جمع خشبة على خُشُب جمع نادر لم يحفظ إلا في ثمرة، وقيل: ثُمُر جمع ثِمار الذي هو جمع ثَمرة فيكون ثُمُر جمع جمع. وعليه فيكون خُشُب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده. (^٤) فهو جمع شاذ (^٥)، والشاذ لا يقاس عليه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) قال ابن الحاجب: واعلم أن جمع الجمع لا يطلق على أقل من تسعة، كما أن جمع المفرد لا يطلق على أقل من ثلاثة، إلا مجازًا. شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الاستراباذي (١/ ٤٨٤)، وينظر: النحو الوافي لعباس حسن (٤/ ٦٧٥).\n(^٢) جامع البيان (٢٣/ ٣٩٤)، وينظر: تهذيب اللغة للأزهري (٧/ ٤٤)، والمخصص لابن سيده (٣/ ١٥٢)، ولسان العرب لابن منظور (١/ ٣٥٢)، وتاج العروس للزبيدي (٢/ ٣٥٣). وشرح الكافية الشافية لابن مالك (٤/ ١٨٣٧).\n(^٣) ينظر: نظم الدرر (٢/ ٢١٢).\n(^٤) ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة (١/ ٤٦٧)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٢٨/ ٢٤٠).\n(^٥) قال الأفغاني: (وشذَّ \"خشُب وصُحُف\" جمع خشبة وصحيفة). الموجز في قواعد اللغة العربية لمحمد سعيد الأفغاني (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":757},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>سورة الطلاق</span>\nاختصاص الحوامل من المعتدات البوائن باستحقاق النفقة.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في قوله تعالى ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وإن مضت الأشهر ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن (^١) والأحاديث تؤيده) (^٢). (^٣)\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى أطلق السكنى، وقيَّد النفقة، فلو كان الحكم فيها سواء لم يكن لذلك معنى. (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الحوامل\n_________\n(^١) اختلف الفقهاء في نفقة المطلقة البائن وسكناها، فذهب مالك، والشافعي إلى أن لها السكنى دون النفقة، وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى. وقال أبو حنيفة: لها السكنى، والنفقة.\nينظر: المبسوط (٥/ ٢٠٢)، وبدائع الصنائع (٣/ ٢٠٩)، والموطأ (١/ ٦٣٤)، والأم (٥/ ٢٥٣)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٥٥)، وفتح الباري لابن حجر (٩/ ٤٨٠)، والمهذب (٣/ ١٥٦)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٣/ ٢٢٩)، والعدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (١/ ٤٦٥).\n(^٢) سيأتي النصَّ عليها.\n(^٣) السراج المنير (٤/ ٣٤٢).\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤٢٢).","vol":"1","page":758},{"text":"مستحقات الإنفاق دون بعض المطلقات أخذًا بمفهوم الشرط؛ لأن الآية سيقت لبيان الواجب، فأوجب تعالى السكنى لكل مُعتدة تقدَّم ذِكرها ولم يوجب سواها، ثم استثنى الحوامل فخصَّهن بوجوب النفقة لهن حتى يضعن حملهن، فلمَّا ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، ولما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها. (^١)\nقال الطبري: (الصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا، لأن الله جل ثناؤه جعل النفقة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ للحوامل دون غيرهن من البائنات من أزواجهن، ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهن من النفقة على أزواجهن سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هن وغيرهن في ذلك سواء). (^٢)\nوهذا استدلال قوي يؤيده ما حكاه ابن العربي في تأصيل هذه المسألة حيث قال: (بسط ذلك وتحقيقه: أن الله ﷾ لما ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدَّنا سُبلها قرآنًا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف، وهذا مأخذها من القرآن، فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية.\nقلنا: لو كان هذا صحيحًا لما قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملًا كانت أو غير حامل، فلما خصَّها بذكر\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٨٧)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٢٨/ ٣٢٨»، وحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (٤/ ٥٥٩).\n(^٢) جامع البيان (٢٣/ ٤٦٠).","vol":"1","page":759},{"text":"النفقة حاملًا دلَّ على أنها البائن التي لا ينفق عليها.\nوتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ثم ذكر بعد ذلك حُكمًا يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك من الأحكام، وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة). (^١)، وقوله هذا وجيه جدًا.\nوممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة غير ابن العربي: الطبري، والشافعي، والكيا الهراسي، والبيضاوي، والخازن، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nويؤيد دلالة هذه الآية قوله ﷺ لما سُئل عن فاطمة بنت قيس (^٣) حين طلقها زوجها ثلاثًا، هل لها من نفقة؟ فقال ﷺ: ليست لها نفقة وعليها العدة. (^٤)\nقال ابن القيم: (المطلقة البائن (غير الحامل) لا نفقة لها ولا سكنى بسنَّة رسول الله ﷺ الصحيحة، بل الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس ومذهب فقهاء الحديث). (^٥)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، وأما القول\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) ينظر: جامع البيان (٢٣/ ٤٦٠)، وأحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي (١/ ٢٦٢)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤٢٢)، وأنوار التنزيل (٥/ ٢٢٢)، ولباب التأويل (٤/ ٣٠٩)، ومحاسن التأويل (٩/ ٢٥٩).\n(^٣) هي: فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائلة، القرشية، الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، كانت من المهاجرات الأول، لها عقل وكمال، وهي التي طلقها أبو حفص بن المغيرة، فأمرها رسول الله ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، توفيت في خلافة معاوية. ينظر: أسد الغابة (٧/ ٢٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٣١٩).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لانفقة لها برقم (١٤٨٠) (٢/ ١١١٥).\n(^٥) إعلام الموقعين (٣/ ٣٧٨).","vol":"1","page":760},{"text":"بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة فلا يخفى منافرته لنظم الآية (^١)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: محاسن التأويل (٩/ ٢٥٩).","vol":"1","page":761},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>سورة الملك</span>\nالنار مخلوقة موجودة الآن.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (هذه الآية تدل على أن النار مخلوقة الآن، لأن قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ خبر عن الماضي). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة النص أن النار مخلوقة موجودة الآن، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ بصيغة الماضي، والماضي يدل على وجود الشيء، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، قال ابن أبي العز - ﵀ -: (اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك) (^٢)\nوممن استنبط خلق النار من هذه الآية في سورة الملك: الرازي، وغيره. (^٣)\nوجمهور العلماء على خلق النار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١] وغيرها من الآيات، وهو نص في الأحاديث كحديث\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٣٦٧).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٤٧٦، وينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللا لكائي ٦/ ١٢٥٦.\n(^٣) ينظر: التفسير الكبير (٣٠/ ٥٨٦).","vol":"1","page":762},{"text":"الإسراء وغيره، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة، وبيان الأدلة عليها (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>سورة الجن</span>\nاستماع الجن لرسول الله ﷺ وعدم رؤيته لهم.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ دليل على أنه ﷺ ما رآهم ولا قرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم عند قراءته). (^٢)\nوجه الاستنباط:\nظاهر الآية أنه سماع واستماع فقط، كماسيأتي.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة النصَّ أنه ﷺ ما رآى الجن يوم استماعهم له ولا قرأ عليهم، بل اتفق حضورهم عند قراءته في صلاة الفجر كما في الصحيح (^٣) يدل له ظاهر السياق حيث قال تعالى: ﴿اسْتَمَعَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].\nقال الشوكاني: (واختُلِف هل رآهم النبي ﷺ أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم، لأن المعنى: قل يا محمد لأمتك أوحي إلي على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، ويؤيد هذا\n_________\n(^١) ينظر الاستنباط رقم: (٧)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٤٤٠).\n(^٣) سيأتي ذكره وتخريجه.","vol":"1","page":763},{"text":"ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن، وما رآهم) (^١). (^٢)\nوقيل في شرح حديث ابن عباس هذا: معناه: أنه لم يقصدهم بالقراءة بل لمَّا تفرقوا يطلبون الخبر الذي حال بينهم وبين استراق السمع، صادف هؤلاء النفر رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، وعلى هذا فهو ﷺ لم يعلم باستماعهم ولم يكلمهم وإنما أعلمه الله ﷿ بما أوحي إليه من قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى وجن آخرون. (^٣)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: القرطبي، والبيضاوي، والخازن، وأبو حيان، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٤)\nوالمشهور أن هذا الاستماع هو المذكور في سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، وهي قصة واحدة، وقيل: قصتان، ولم تتعرض الآية، لا هنا ولا في سورة الأحقاف، إلى أنه رآهم وكلمهم ﵊.\nويظهر أن ذلك كان مرتين: إحداهما: في مبدأ مبعث رسول الله ﷺ (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن برقم (٤٤٩)، (١/ ٣٣١)\n(^٢) ينظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٣٦٣).\n(^٣) ينظر: تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٩١)، والصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٤/ ٥٤٦)، وينظر: لباب التأويل (٤/ ٣٤٩).\n(^٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١)، وأنوار التنزيل (٥/ ٢٥١)، ولباب التأويل (٤/ ٣٤٩)، والبحر المحيط (١٠/ ٢٩٣)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٩١)، ومحاسن التأويل (٩/ ٣٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٢٣٥).\n(^٥) قال ابن رجب: (هذه القصة في أول البعثة وهدا الحديث مما أرسله ابن عباس، ولم يُسمِّ من حدَّثه به من الصحابة، ويحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ يحكي عن نفسه. والله أعلم). تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٤٩٩).","vol":"1","page":764},{"text":"وهو في الوقت الذي أخبر فيه عبد الله بن مسعود أنه لم يكن معه ليلة الجن، والمرة الأخرى: كان معه ابن مسعود، وقد استندب ﷺ من يقوم معه إلى أن يتلو القرآن على الجن، فلم يقم أحد غير عبد الله بن مسعود (^١)، فهذا يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في المرة الأولى وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه تِباعًا قوما بعد قوم، وفوجًا بعد فوج. (^٢)\nويؤيده ماحكاه الشنقيطي وغيره قال: (وقد دلَّ القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا عن القرآن كُله وقع ولم يعلم به النبي ﷺ، حتى أوحى الله ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها مع بيانها وبسطها، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن، بعد استماعهم القرآن العظيم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢]، إلى آخر الآيات). (^٣)\nوعليه فالذي يظهر أنه ﵊، ما شعر بأمر الجن حتى أنزل الله عليه خبرهم. كما هي رواية ابن عباس - ﵁ - ودلَّت عليه هذه الآية، كما استنبطه الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٩٣).\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧/ ٢٩١)، قال - ﵀ -: (قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿- كما رواه ابن مسعود ﵁). ينظر: دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) أضواء البيان (٧/ ٢٣٥).","vol":"1","page":765},{"text":"الجنّ الذين استمعوا له ﷺ كانوا مشركين.\nقال الله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي: لا نرجع إلى إبليس، ولا نطيعه، ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، وهذا يدل على أنّ أولئك الجنّ كانوا مشركين). (^١)\nوجه الاستنباط:\nنفيهم للشرك في المستقبل، يدل على تقدمه منهم.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها بالنصِّ على أنّ أولئك الجنّ الذين استمعوا للنبي ﷺ كانوا مشركين؛ لأنهم قالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي: صدَّقنا بأنه من عند الله ولن نشرك بربنا أحدًا من خلقه، ولا نتخذ معه إلهًا آخر لأنه المتفرد بالربوبية، فلن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان، فنفوا عن أنفسهم الشرك في المستقبل فدلَّ على أنهم كانوا مشركين.\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، وابن عاشور، وغيرهما. (^٢)\nقال ابن عاشور: (قولهم: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ أي ينتفي ذلك في المستقبل، وهذا يقتضي أنهم كانوا مشركين، ولذلك أكدوا نفي الإشراك بحرف التأبيد، فكما أكَّد\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٤٤٠).\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٣٠/ ٦٦٦)، والتحرير والتنوير (٢٩/ ٢٢١).","vol":"1","page":766},{"text":"خبرهم عن القرآن والثناء عليه بـ «إن» أكَّد خبرهم عن إقلاعهم عن الإشراك بـ «لن»). (^١)\nوهذا هو الظاهر من سياق الآيات، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] أي: جاهلنا وهو إبليس، وقيل هو المشرك منهم (^٢)، كذبًا وعدوانًا على الله، وهو وصفه تعالى بالشريك والولد، وكذلك قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ أي: ظن المشركون من الجن ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾، وهو خطاب للمشركين من الإنس (^٣)، فدلَّ على سبق الشرك منهم، كما أفاده الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٩/ ٢٢١).\n(^٢) ينظر: جامع البيان للطبري (٢٣/ ٦٥٣)، والنكت والعيون للماوردي (٦/ ١١٠).\n(^٣) ينظر: لباب التأويل للخازن (٤/ ٣٤٩).","vol":"1","page":767},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>سورة المزمل</span>\n- فضيلة التجارة.\nقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (سوّى سبحانه في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال، لنفقته على نفسه وعياله والإحسان، فكان هذا دليلًا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جَمَعه مع الجهاد في سبيل الله). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة الاقتران أن كسب المال الحلال بمنزلة الجهاد في سبيل الله، حيث قرن تعالى المسافرين لابتغاء فضل الله بالمجاهدين، إشارة إلى أنهم نحوهم في الأجر (^٢)، فذَكر سبحانه أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل، وهي المرض والسفر في تجارة أو غزو، فخفَّف عنهم القيام لها، والله تعالى ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويهًا بهما، لأن في غيرهما من الأعذار ما هو أشبه بالمرض (^٣)، فدلَّ على فضلهما.\nقال ابن الفرس: (في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فضيلة التجارة، لسوقها في الآية مع الجهاد). (^٤)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٤٧١)\n(^٢) ينظر: روح المعاني للألوسي (١٥/ ١٢٦)\n(^٣) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٩/ ٢٨٥)\n(^٤) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٦٠١)، وينظر: الإكليل للسيوطي (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":768},{"text":"وقال القرطبي: (سوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلًا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله). (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية غير ابن الفرس والقرطبي: السمرقندي، وابن عطية، والرازي، والنسفي، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوقد كان بعض الصحابة يتأوّل من هذه الآية فضيلة التجارة والسفر للتجر، كما روي عن عبدالله بن عمر وابن مسعود ﵄. (^٣)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم هوأن هذه الآية تدل على فضيلة كسب المال الحلال، كما نصَّ عليه ابن الفرس، وغيره، أما جعله بمنزلة الجهاد في سبيل الله بدلالة الاقتران كما استنبطه الخطيب فليس بظاهر، وأين بذل النفس والمال في سبيل الله من كسب المال الحلال؛ وغاية ما في هذه الآية أنه تعالى ذَكر أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل فذكر المرض والسفر في التجارة أو الغزو في\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٥٥)\n(^٢) ينظر: بحر العلوم (٣/ ٥١٢)، والمحرر الوجيز (٥/ ٣٩١)، والتفسير الكبير (٣٠/ ٦٩٥)، ومدارك التنزيل (٣/ ٥٦٠)، والإكليل (١/ ٢٧٦) قال السيوطي: هي أصل في التجارة.، وروح المعاني (١٥/ ١٢٦)، ومحاسن التأويل (٩/ ٣٤٦)، والتحرير والتنوير (٢٩/ ٢٨٥)\n(^٣) وإن كان إسنادها ضعيف، ولكنها في مجموعها تؤيد هذا الاستنباط. قال ابن عمر «ما خلق الله موتة بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحلي أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض» وعن ابن مسعود: «أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء». قال العراقي: رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. وأخرجه الثعلبي من رواية فرقد السبخى عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفا. وفرقد ضعيف. ينظر: تخريج أحاديث الإحياء (المغني عن حمل الأسفار) (١/ ٥١٦)، وينظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ١٧٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩/ ٥٦).","vol":"1","page":769},{"text":"سبيل الله، وخفَّف عنهم القيام لها، بجامع قوة هذه الأعذار في الشغل عن القيام والذكر والقراءة، ولا يلزم من هذا الاقتران التسوية بين منزلة الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام بكسب المال الحلال والسعي للتجارة، وما ورد في ذلك من آثار كلها لا يخلو سندها من مقال، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":770},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>سورة المدثر</span>\n- معاندة الوليد بن المغيرة.\nقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الوليد كان معاندًا في أمور كثيرة، منها: أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، وصحة النبوّة، وصحة البعث، ومنها: أنّ كفره كان عنادًا؛ لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه، وكفر العناد أفحش أنواع الكفر، ومنها: أنّ قوله تعالى ﴿كَانَ﴾ يدل على أنّ هذه حرفته من قديم الزمان). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنّص على معاندة الوليد بن المغيرة في أمور كثيرة وأن العناد صفة لازمة له، بدلالة قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ وذلك أنّ قوله تعالى ﴿كَانَ﴾ يدل على أنّ هذا ديدنه من قديم الزمان، كما نصَّت الآية أنّ كفره كان كفر عناد، وكفر العناد أشنع أنواع الكفر؛ لأنه كان يعرف الآيات بقلبه وينكرها بلسانه. فكان مُعاندًا للحق مُجانبًا له، يعاند في دلائل التوحيد، وصدق النبوّة، وصحة البعث منكرًا للكل بدلالة قوله ﴿لِآيَاتِنَا﴾ فخصَّ الآيات بجحوده وعناده لا غيرها.\nوممن نصَّ على هذه الدلالة موافقًا الخطيب: الرازي، والخازن، وغيرهما. (^٢)\nقال الرازي في تفصيل وجه استنباط هذه الدلالة: (في هذه الآية إشارة إلى\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٤٧٩)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٣٠/ ٧٠٥)، ولباب التأويل (٤/ ٣٦٤)","vol":"1","page":771},{"text":"أمور كثيرة من صفاته، أحدها: أنه كان معاندًا في جميع الدلائل الدالة على التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة، وصحة البعث، وكان هو منازعًا في الكل، منكرًا للكل، وثانيها: أن كفره كان كفر عناد، كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه، وثالثها: أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة، ورابعها: أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيدًا، لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركًا للعناد في سائر الأشياء، يدل على غاية الخسران). (^١)\nفجاءت دلالة الآية على ملازمة صفة العناد له، ليس في سائر أحواله بل فيما يتعلَّق بآيات الله على وجه الخصوص، وأن معاندته للحق ومبارزته لله ولرسوله بالمحاربة وأذيته لهما صفة قديمة فيه، واختصار هذه المعاني كلها في هذه الآية الواحدة من محاسن بلاغة هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، وهي إشارة لطيفة من الآية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٣٠/ ٧٠٥) بتصرف يسير.","vol":"1","page":772},{"text":"صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين.\nقال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾ أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثَمَّ شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة صحة الشفاعة ونفعها لعصاة المؤمنين؛ لأنّ تخصيص هؤلاء المذكورين بأنهم يومئذ لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة، وإلا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه.\nقال الزجاج: (وفي هذا دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة بعضهم لبعض). (^٢)\nوقال ابن عطية: (أخبر تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم، فتقرر من ذلك\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٤٨٦)\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه (٥/ ٢٤٩)","vol":"1","page":773},{"text":"أن ثم شافعين) (^١).\nوقال بهذا الاستنباط من المفسرين غير الزجاج، وابن عطية: ابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nفثبت أن للمذنبين شفاعة كما دلّ له مفهوم هذه الآية، وأن نفع الشفاعة لمن آمن، وهو دليل قوي على صحة عقيدة أهل السنة، وفساد مذهب المعتزلة الذين تمسكوا بهذه الآية وغيرها في نفي الشفاعة للعصاة (^٣)، وقولهم لاشك مردود؛ لأن المنفي هنا شفاعة الكفار دون المؤمنين، بدليل الأخبار الواردة في ذلك (^٤)، وأيضًا فإن الله تعالى أثبت الشفاعة لأقوام، ونفاها عن أقوام، فقال في صفة الكافرين ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وقال ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقال ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. فظهر بهذا أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين (^٥)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٥/ ٣٩٩)\n(^٢) ينظر: زاد المسير (٤/ ٣٦٦)، والتفسير الكبير (٣٠/ ٧١٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٨٨)، ومدارك التنزيل (٣/ ٥٦٨)، والبحر المحيط (١٠/ ٣٣٩)، وغرائب القرآن (٦/ ٣٩٦)، وروح البيان (١٠/ ٢٤١)، ومحاسن التأويل (٩/ ٣٦٠)، والتحرير والتنوير (٢٩/ ٣٢٨)\n(^٣) وهو مبني على أحد أصولهم أن أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخولها.\n(^٤) كما أخبر ﷺ أنه أوتي الشفاعة، وأخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة حتى يقال له: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط واشفع تشفع»، وأخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة»، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدًا .. إلى آخر حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، برقم (٣٣٤٠)، (٤/ ١٣٤)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (٣٢٢)، (١/ ١٨٠)\n(^٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٤٩) وينظر: شرح الطحاوية لأبي العز (١/ ٢٠٦)، والفصل في الملل لابن حزم (٤/ ٥٣)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها لعواد المعتق ص ٢٣٦.","vol":"1","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>سورة النازعات</span>\nفائدة نسبة الماء إلى الارض في قوله تعالى (ماءها).\nقال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١، ٣٠]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي: الأرض ﴿مَاءَهَا﴾ أي: بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب ﵀ من الآية دلالتها باللازم على مناسبة نسبة الماء إلى الارض في قوله تعالى ﴿مَاءَهَا﴾ وهي الدلالة على أنَّ أصله يعود إلى باطنها وأنه مودوع فيها، فنسب الماء والمرعى إليها لأنهما يخرجان منها. (^٢)\nقال ابن عطية: (نسب الماء والمرعى إلى الأرض، حيث هما يظهران فيها). (^٣)\nوممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: ابن عطية، وابن جزي، وابن كثير، والشوكاني وغيرهم. (^٤)\nقال ابن كثير: (دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها). (^٥)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥٤٣)\n(^٢) ينظر: التسهيل لابن جزي (٢/ ٤٥٠)\n(^٣) المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٤)\n(^٤) ينظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٤)، التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٤٥٠)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٢١٥)، وفتح القدير (٥/ ٥٣٤)\n(^٥) تفسير القرآن العظيم (١/ ٢١٥)","vol":"1","page":775},{"text":"فجاءت إشارة الآية إلى أن أصل الماء كله من الأرض، وهذا ما أثبته حديثًا العلم، فحقيقة إخراج كل ماء الأرض على كثرته هو من داخل الأرض، حيث أكَّد العلماء أن مصادر المياه هي الأرض ذاتها، وجاء وصف دورة الماء حول الأرض بدقة علمية فائقة، كما أُثبت أن مختلف صور الماء على سطح الأرض هي ناتجة من هذه الدورة المائية التي أظهر تعالى بها هذا الماء، والذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مستمرة، من تبخيره إلى الغلاف المحيط بالأرض، ثم تكثيفه منه وإنزاله ماء طهورًا بتقدير من الله تعالى وحسب مشيئته وإرادته، فدلَّ على أن الماء جميعه أصله من الأرض، وإن شوهد أنه ينزل من السحاب. (^١)\nوالذي يظهر والله تعالى أعلم صحة هذه الدلالة عل ما استنبطه الخطيب، وإن كان الجزم به يقينًا قطعًا غير ممكن، لكن ظاهره الصحة وموافقة ما أثبته العلم حديثًا، وإن كان ثبوته غير قطعي؛ إذ هو قابل للتبديل والتعديل، لكن يشهد له آيات كثيرة، منها ما أشار إلى مصدر هذه المياه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨].\nوآية أخرى تشير إلى تخزين الماء تحت الأرض في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. ولم يكن معروفًا لدى أحد هذه الطريقة التي يُختزن بها هذا الماء، ولكن القرآن العظيم أخبر بهذه الحقيقة، وأكد أن ماء المطر هو ذاته يتم تخزينه في الأرض بقدرة الله، ويتم تنقيته في طبقات الأرض ليصبح قابلًا للسقاية، ولذلك قال: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾، ولا ينُبئك مثل خبير، جلَّ في عُلاه، وهو تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظرللاستزادة: القرآن وعلوم الأرض، لمحمد سميح عافية (١/ ٩٥).","vol":"1","page":776},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>سورة عبس</span>\nعلة إعراض النبي ﷺ عن ابن أم مكتوم ﵁.\nقال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ - ٣]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أيُّ شيء يجعلك داريًا بحاله ﴿لَعَلَّهُ﴾ أي: الأعمى ﴿يَزَّكَّى﴾، وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره). (^١)\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى قال: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ولعلَّ من الله تعالى للتحقيق (^٢)، ومنها يُفهم علة توليه عنه إلى غيره.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على علة إعراض النبي ﷺ عن ابن أم مكتوم (^٣)، وهي أنّه كان مشغولًا بتزكية غيره، وذلك أنه أتى النبي ﷺ، وهو يدعو أشراف قومه إلى الله يرجو إسلامهم، فجعل يناديه، ويكرر النداء وهو لا يدري أنه مُقبل على غيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل عليهم دونه يُكلمهم، فعاتب الله تعالى رسوله ﷺ في هذه الآيات، فقال سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾.\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥٨٤)\n(^٢) أضواء البيان (٨/ ٤٩١)\n(^٣) هو عبد الله، وقيل: عمرو، بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي، العامري. من السابقين المهاجرين، وكان ضريرًا، مؤذنًا لرسول الله ﷺ مع بلال، ينظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٠)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ٧٩).","vol":"1","page":777},{"text":"ففي الآية إشارة إلى علة إعراضه ﷺ عن ابن أم مكتوم رجاء تزكية غيره وإسلامهم؛ فإنهم إذا أسلموا كان ذلك سببًا في إسلام من تحتهم وكان طمع النبي ﷺ فيهم شديدًا، وليس إعراضه احتقارًا لابن أم مكتوم- حاشاه ﵊- وإنما قصَدَ تأليف قلوبهم ثقةً بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، وكأنه ﷺ خشي أن هؤلاء الأشراف يزدرونه إذا وجَّه وجهه لهذا الرجل الأعمى وأعرض عنهم، كما قال قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ١١] فكان لعبوسه وتوليه ﵊ سببان الأول: رجاء إسلامهم.\nوالثاني: ألا يزدروه ﵊ في كونه يلتفت إلى هذا الرجل الأعمى الذي هو محتقر عندهم. (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والبقاعي، والقاسمي، وغيرهم. (^٢)\nوهي دلالة لطيفة حسنة، كما أن الآية تحتمل دلالة أخرى، وهي التعريض بأن من تصدَّى ﷺ لتزكيتهم وتذكيرهم من الكفرة لا يرجى منهم التزكي والتذكر أصلًا، أفاده أبو السعود وغيره (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير العثيمين جزء عم (١/ ٦٠)، وينظر في سبب نزول هذه السورة جامع البيان للطبري (٢٤/ ٢١٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩/ ٢١٣)\n(^٢) ينظر: أنوار التنزيل (٥/ ٢٨٦)، ونظم الدرر في (٢١/ ٢٥٢)، ومحاسن التأويل (٩/ ٤٠٥)\n(^٣) ينظر: إرشاد العقل السليم لأبي السعود (٩/ ١٠٧)، وروح المعاني (١٥/ ٢٤٣)","vol":"1","page":778},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>سورة الانفطار</span>\n- الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم.\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٠ - ١٣)\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وفي هذه الآية دلالة على أنّ الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم، لوصف الملائكة بكونهم حافظين كرامًا كاتبين). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على أن الشهادة لا تجوز إلا بعد العلم؛ لأنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة الحفظة بهذه الصفات، من كونهم حافظين، كرامًا، وكاتبين، يعلمون، فاجتمعت لهم كل صفات التأهيل، مِن حِفظ، وعلو منزلة، وعلم بما يكتبون، ومنها يُعلم أنه لا يختلط عليهم عمل يُعمل، لكونهم حفظة لا يضيعون شيئًا، وهذا تنبيه أنه لا يجوز لأحد الشهادة إلا بعد العلم، إذ من شروط الشهادة: العلم بحقيقة ما يشهد به، ومما يحقق هذا العلم الضبط بكل ما يمكن أن يعين على الضبط والحفظ، كما هو الحال في الكتابة والتقييد.\nقال ابن عاشور: (اعلم أنه يُنتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم، فإنهم حافظون لمصالح ما استُحفظوا عليه، وأول الحفظ الأمانة وعدم التفريط، فلا بد فيهم من الكرم وهو زكاء الفطرة وطهارة النفس، ومن الضبط فيما يجري على يديهم بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة بأن يكون ما\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥٦٣).","vol":"1","page":779},{"text":"يصدره مكتوبًا، أو كالمكتوب مضبوطًا لا يُستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام وعقود النكاح). (^١)\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم. (^٢)\nواستنباط شرط العلم بالشهادة من هذه الآية ملحظ دقيق لطيف، من لطائف الاستنباط عند الخطيب، ومعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يشهد إلا بما شاهده أو علمه عن يقين، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما الشهادة بلا علم فهي من أكبر الكبائر، ولا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم، بل لا يصح أن يُسمى شاهدًا إلا بعد أن يكون عنده علم بالشهادة (^٣)، وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (٣٠/ ١٨٠) بتصرف يسير.\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٣١/ ٧٨)، والتحرير والتنوير (٣٠/ ١٨٠)، وأضواء البيان (٨/ ٤٥١)\n(^٣) ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامرز بن علي (٢/ ٣٧٠)، والذخيرة للقرافي (١٠/ ١٥١)، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج (٤/ ٣٨٤)، والمغني (١٠/ ١٨٨).","vol":"1","page":780},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>سورة المطففين</span>\nرؤية الله ﷿ في الآخرة.\nقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دلالة على أنّ أولياء الله يرون الله تعالى). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة؛ فلو حجب الكل عن رؤيته لم يكن لتخصيص الكفار في هذه الآية فائدة، كما أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما كان وعيدًا وتهديدًا للكفار لا يقع في حق المؤمنين، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية.\nقال الزجاج: (في هذه الآية دليل على أن الله ﷿ يُرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت منزلة الكفار بأنهم يُحجبون). (^٢)\nوقد استدل بها الإمامان مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن لله في الآخرة، قال الإمام مالك في هذه الآية: (لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه). (^٣)\nوقال ابن كثير: (قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: في هذه الآية دليل على أن\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٥٧٠)\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه (٥/ ٢٩٩)\n(^٣) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٤٦٨)، وينظر: الوسيط للواحدي (٤/ ٤٤٦)، ومعالم التنزيل للبغوي (٥/ ٢٢٥)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٥/ ٤٥٢).","vol":"1","page":781},{"text":"المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ. وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وكما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة (^١)، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة). (^٢)\nوأشار إلى هذه الدلالة من الآية غيرهم كالطبري، والواحدي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وابن جزي، وابن القيم، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (^٣)\nوتأوَّل المعتزلة هذه الآية أن معناها محجوبون عن رحمته وغفرانه، ولا يخفى فساد مذهبهم، ومخالفته صريح الكتاب والسنة.\nقال الإمام أحمد: (وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر.) (^٤)\nأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها\n_________\n(^١) سيأتي النصَّ على بعضٍ منها.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٥١)\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٢٤/ ٢٩٠)، والتفسير الوسيط (٤/ ٤٤٦)، والمحرر الوجيز (٥/ ٤٥٢)، والتفسير الكبير (٣١/ ٨٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٦١)، ومدارك التنزيل (٣/ ٦١٥)، والتسهيل (٢/ ٤٦٢)، وحادي الأرواح لابن القيم (١/ ٢٩٢)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٢٩)، وفتح القدير (٥/ ٤٨٥)، وروح المعاني (١٥/ ٢٨٠)، وتيسير الكريم الرحمن (١/ ٩١٦)، وأضواء البيان (٢/ ٤٠).\n(^٤) الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":782},{"text":"أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، تقدم بعضها، منها: حديث أبي هريرة ﵁: «أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال فإنكم ترونه كذلك»، الحديث، أخرجه الشيخان في الصحيحين بطوله (^١). (^٢)\nوهذا استنباط قوي صحيح، فلو كان الخلق كلهم محجوبون لما كان على الفجار في احتجاب ربهم نقص، ولا كان ذلك بِضائرهم؛ إذ هم والنبيون والشهداء والصالحون كلهم عن ربهم محجوبون. (^٣)\nولو لم يكن احتجابه سبحانه عن عبده أشد أنواع العذاب عليه لم يتوعد به أعداءه، فلذة النظر إِلى وجهه الكريم، والدنو منه وقربه أعظم أنواع اللذات التي ينعم بها أولياؤه (^٤)، والله تعالى أعلم. (^٥)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢١٥)\n(^٣) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة العكبري (٣/ ٣)\n(^٤) ينظر: طريق الهجرتين لابن القيم (١/ ٥٩)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٣)، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (١/ ٢٩٢)، وينظر في الرد على المعتزلة: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٩)، والإبانة عن أصول الديانة لابن أبي بردة (١/ ٤٦)، والانتصار في الرد على المعتزلة للعمراني (٢/ ٦٤١)، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة (١/ ٢٢)\n(^٥) تقدمت الإشارة إلى أن الأشاعرة يثبتون الرؤية، لكنهم يقولون: (نظرٌ لا إلى جهة)، وأنهم يختلفون في إثباتها عن أهل السنة والجماعة. فيجعلونها رؤية بقوى يحدثها الله في الأجسام يوم القيامة لا إلى جهة، أما أهل السنَّة فيجعلون الرؤية بالعينين إلى جهة العلو حيث اللهُ جلّ وعلا. ينظر الاستنباط رقم: (٩٤).","vol":"1","page":783},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>سورة البروج</span>\nقبول التوبة من القاتل المتعمد.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: عن كفرهم وعما فعلوا. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي: بكفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، ومفهوم الآية: أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدل على أنّ الله تعالى يقبل التوبة من القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس ﵄. (^١». (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الله تعالى يقبل من القاتل المتعمد توبته؛ لأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ (^٣) يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد؛ فدلَّ على أن الله تعالى يقبل منهم التوبة، وأن توبة القاتل عمدًا عمومًا مقبولة خلافًا لما يروى عن ابن عباس ﵁ وغيره في ذلك.\nوممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: جامع البيان (٩/ ٦٣)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٥١٣)\n(^٣) هذه الآية إن كانت في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفار قريش فالفتنة بمعنى المحنة والتعذيب، وهذا أظهر لقوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم. وأما قريش فمنهم من أسلم وتاب. ينظر: التسهيل لابن جزي (٢/ ٤٦٩)، والمحرر الوجيز (٥/ ٤٦٢) والبحر المحيط (١٠/ ٤٤٥).\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٣١/ ١١٣)، ولباب التأويل (٤/ ٤١٣)، وغرائب القرآن (٦/ ٤٧٧).","vol":"1","page":784},{"text":"وقد اختلف الفقهاء في قبول توبة قاتل العمد، فذهب الجمهور إلى أن له توبة كسائر أصحاب الكبائر (^١) لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وعموم النصوص الواردة في قبول التوبة لكل الناس، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، فيحمل مطلق هذه الآية على مقيد آية الفرقان، فيكون معناه: فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ... إلا من تاب، ولأن توبة الكافر بدخوله إلى الإسلام تُقبل بالإجماع، فتوبة القاتل أولى. (^٢)\nقال ابن كثير: (الذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ﷿، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوَّض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته). (^٣)\nوقال ابن عثيمين: (فإن قلت: ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس ﵄: أن القاتل ليس له توبة؟! فالجواب: من أحد الوجهين:\n_________\n(^١) ينظر: رد المحتار لابن عابدين (٦/ ٥٤٩)، والحاوي الكبير للماوردي (١٢/ ٤)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني (١١/ ٢٩٧)، والمجموع للنووي (١٨/ ٣٤٦)، وأسنى المطالب للسنيكي (٤/ ٢٨١)، والفروع لابن مفلح (٩/ ٤٣٠)، والإنصاف للمرداوي (١٠/ ٣٣٥)، والإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٣٠٣)\n(^٢) ينظر: رد المحتار (٦/ ٥٤٩)، وأسنى المطالب (٤/ ٢٨١)، ومغني المحتاج (٥/ ٢١١).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٨٠)، و(٦/ ١٢٤).","vol":"1","page":785},{"text":"إما أن ابن عباس ﵄ استبعد أن يكون للقاتل عمدًا توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به.\nوإما أن يقال: إن مراد ابن عباس: أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول. (^١)\nوقد صح عن ابن عباس أيضًا أنه قال: «ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله») (^٢). (^٣)\nوهذه الدلالة من الآية دلالة حسنة ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٨/ ٢٢٢)\n(^٢) ينظر: جامع البيان (٩/ ٦٧)، وقال الشيخ الألباني ﵀: أخرجه ابن جرير بسند جيد، ولعله يعني أنه لا يغفر له، على قوله الأول، ثم استدرك على نفسه فقال: \" إلا أن يستغفر الله \" ينظر: السلسلة الصحيحة (٦/ ٢٩٨)\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٣٩٢ - ٣٩٩).","vol":"1","page":786},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>سورة الضحى</span>\nاللطف باليتيم وبره والإحسان إليه.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (في الآية دلالة على اللطف باليتيم، وبِرّه والإحسان إليه). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة مفهوم المخالفة الإرشاد إلى اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه؛ لأنه تعالى قال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ والمراد: كما كنت يا محمد يتيمًا فآواك ربك فلا تقهر اليتيم، أي: لا تُذلّه وتنهره وتُهنه (^٢)، فيفهم من مفهوم مخالفته الإحسان إلى اليتيم والرفق به والقيام على حقوقه.\nقال القرطبي: (دلَّت الآية على اللطف باليتيم، وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم (^٣». (^٤)\nوفي الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين) (^٥).\nوممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: القرطبي، والألوسي، وغيرهما.\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٦٣٧)\n(^٢) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ٤٢٧)\n(^٣) ينظر: المرجع السابق، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٩٢)\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٠٠)\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم برقم (٢٨٩٣)، (٤/ ٢٢٨٦).","vol":"1","page":787},{"text":"(^١)\nويؤيد هذه الدلالة النصوص الكثيرة في القرآن في شأن اليتيم، والتي كلها تدور حول الوصاية به والنصح له، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].\nوقال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nفحثَّ تعالى على جلب المصالح له في ماله وفي نفسه، ودفع المضار عنه، وأداء الأمانة حتى يبلغ أشده، بل جعل من أعظم أسباب العقوبات، ومن كبائر الذنوب قرب مال اليتيم طمعًا فيه، قال ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٧]، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات قلنا: ما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، ... وأكل مال اليتيم. (^٢)، فجعله من هذه السبع الموبقات، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٠٠)، وينظر: روح المعاني (١٥/ ٣٨٣)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] برقم (٢٧٦٦)، (٤/ ١٠).","vol":"1","page":788},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>سورة البينة</span>\nوجوب النية في العبادات.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فيه دليل على وجوب النية في العبادات؛ لأنّ الإخلاص من عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره، ومن ذلك قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: ١١». (^١)\nوجه الاستنباط:\nأن الإخلاص لا يكون بدون نية، فجعل الإخلاص وهو النية شرطًا في صحة العبادة.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀من الآية دلالتها باللازم على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص لا يكون بدونها (^٢)، فالإخلاص من عمل القلب، وهو عبارة عن النية الخالصة، وتجريدها عن شوائب الرياء، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره.\nوعليه ففي الآية تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، فقد دلَّت على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منويًا، ولا بد من اعتبار النية في جميع المأمورات. (^٣)\n_________\n(^١) السراج المنير (٤/ ٦٦٠)\n(^٢) ينظر: الإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٩٥)\n(^٣) ينظر: لباب التأويل (٤/ ٤٥٥)، والتفسير الكبير (٣٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":789},{"text":"قال الكيا الهراسي: (قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يدل على وجوب النية في العبادات، لأن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يريد وجه الله تعالى بالعمل، ولا يراد غيره به أصلًا). (^١)\nواستنبط هذه الدلالة من الآية غيره من المفسرين كالرازي، والقرطبي، والسيوطي، والشوكاني، وغيرهم. (^٢)\nقال الشوكاني: (وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات لأن الإخلاص من عمل القلب). (^٣)\nوهي دلالة صحيحة نصَّ عليها كثير من أهل العلم، وأكدَّ هذا المعنى ابن القيم وغيره، قال - ﵀ - في إعلام الموقعين: (فإن القربات كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سبح للتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، .. فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فبيّن في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال.) (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤٣١)\n(^٢) ينظر: التفسير الكبير (٣٢/ ٢٤٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٤٤)، والإكليل (١/ ٢٩٥)، وفتح القدير (٥/ ٥٨٠)\n(^٣) فتح القدير للشوكاني (٥/ ٥٨٠).\n(^٤) إعلام الموقعين (٣/ ١١١) بتصرف يسير.","vol":"1","page":790},{"text":"فدلَّ هذا على اشتراط النية في أعمال الطاعات (^١)، وهو ما أفادته الآية الكريمة، فلا تصحُّ ولا تُجزئ إلاَّ مقترنةً بالنيَّة، ولا ثوابَ عليها إلاَّ على أساس النيَّة، وهو تنبيه حسن.\nوخالف الجصاص في دلالة هذه الآية مشيرًا إلى علاقة الإخلاص بالشرك، ونفى تعلقه بالنية. (^٢)\nوالذي يظهر أن الإخلاص متعلق بالنية لما تقدم، وعليه فهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات، وهو الذي عليه كثيرمن المفسرين (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: الحاوي الكبير للماوردي (٣/ ١٧٨)، واختلاف الأئمة العلماء لعون الدين ابن هبيرة (١/ ٤٠)، والمغني (١/ ٣٣٦)، وشرح عمدة الفقه لابن تيمية (١/ ١٦٦)، وبستان الأحبار مختصر نيل الأوطار لفيصل بن المبارك (١/ ٦١)\n(^٢) قال: (قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ فيه أمر بإخلاص العبادة له، وهو أن لا يشرك فيها غيره لأن الإخلاص ضد الإشراك وليس له تعلق بالنية لا في وجودها ولا في فقدها، فلا يصح الاستدلال به في إيجاب النية لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة ونفي الإشراك فيها آخر السورة). أحكام القرآن (٥/ ٣٧٤)\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤٣١)، والتفسير الكبير (٣٢/ ٢٤٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٤٤)، والإكليل في استنباط التنزيل (١/ ٢٩٥)، وفتح القدير (٥/ ٥٨٠).","vol":"1","page":791},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>سورة العاديات</span>\nالمحاسبة على النيات.\nقال الله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَحُصِّلَ﴾ أي: أُخرج وجُمع بغاية السهولة ﴿مَا فِي الصُّدُورِ﴾ من خير وشر، مما يَظُن مُضمِره أنه لا يعلمه أحد أصلًا، وظهر مكتوبًا في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن النيات يحاسب عليها، كما يحاسب على ما يظهر من آثارها، وتخصيص الصدر بذلك لأنه محله القلب). (^١)\nوجه الاستنباط:\nأنه تعالى قال ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ فنصَّ على ما في الصدر وهو القلب؛ إذ هو مناط العمل ومعقد النية.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية دلالتها باللازم على المحاسبة على النيات لأنه تعالى قال: ﴿وَحُصِّلَ﴾، و«تحصيل ما في الصدور»: تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية. (^٢)\nوالمراد بما في الصدور: الأعمال (^٣)، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، ونصَّ على الصدور مع أن المراد القلوب ; لأنها هي مناط العمل ومعقد النية. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٤/ ٦٦٩).\n(^٢) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٥/ ٥١٥).\n(^٣) ينظر: جامع البيان (٢٤/ ٥٦٩).\n(^٤) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (٩/ ٦٨)","vol":"1","page":792},{"text":"فالعقيدة وصحة الأعمال كلها مدارها على النية، كما قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (^١) وقال ﵊: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله .. الحديث». (^٢)\nقال السمرقندي: (في الآية دليل أن الثواب يستوجب على قدر النية ويجري به (^٣)؛ لأنه قال ﷿ ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ يعني: يحصل له من الثواب بقدر ما كان في قلبه من النية). (^٤)\nونصَّ على هذه الدلالة كذلك ابن عطية، وغيره. (^٥)\nوالذي عليه أهل العلم في المحاسبة على النية، أن المسألة فيها تفصيل، فمن هَمَّ بالخير والحسنة، وعقد قلبه وعزمه على ذلك، كُتب له ما نواه، ولو لم يعمله، ومن هَمَّ بسيئة، ثم تركها لله، كتبت له حسنة كاملة، كما في الصحيح. (^٦)\nأما من همَّ بها، ثم انفسخ عزمه، بعد ما نواها، فإن كانت مجرد خاطر بقلبه، لم يؤاخذ به، وإن كانت عملًا من أعمال القلوب، التي لا مدخل للجوارح بها، فإنه يؤاخذ بها، وإذا كانت من أعمال الجوارح، فأصرَّ عليها، وعزم النية على مواقعتها، فأكثر أهل العلم على أنه مؤاخذ بها. (^٧)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه وهو في صحيح البخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه برقم (٥٢)، (١/ ٢٠)\n(^٣) لعل الصحيح ويجزي به؛ ليستقيم المعنى.\n(^٤) تفسير القرآن للسمرقندي (٣/ ٦١٠)\n(^٥) ينظر: المحرر الوجيز (٥/ ٥١٥)\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب من همَّ بحسنة أو بسيئة، برقم (٦٤٩١)، (٨/ ١٠٣)\n(^٧) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١)، وجامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٣٤٣ وما بعدها)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٢٧)","vol":"1","page":793},{"text":"وعلى هذا فالخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر في القلب ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم» (^١). (^٢)\nوبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>سورة قريش</span>\nاتباع القراء للأثر والرواية لا مجرّد الخط.\nقال تعالى تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ١ - ٢].\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (وقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ بدل من الإيلاف الأول، وقرأ ابن عامر (^٣) «لإلاف» بغير ياء بعد الهمزة، والباقون «لإيلاف» بياء بعدها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو «إيلافهم» بالياء بعد الهمزة (^٤)، قال ابن عادل: «ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين، أن القراء اختلفوا في سقوط الياء،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان برقم (٦٦٦٤)، (٨/ ١٣٥)، ومسلم بنحوه في كتاب الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، برقم (٢٠١)، (١/ ١١٦).\n(^٢) ينظر: الأذكار من كلام سيد الأبرار للنووي (١/ ٤١٥).\n(^٣) هو عبد الله بن عامر يزيد بن تميم بن ربيعة، أبو عِمْرَان، اليحصبي الدِّمشقي، أحد القراء السبعة، عالم بالقراءات، وإمام أهل الشام في القراءة، ورواية الحديث، تابعي جليل، كان إمامًا عالمًا ثقة، متقنًا، توفي سنة ١١٨ هـ. ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٩٢)، وغاية النهاية (١/ ٤٢٣)\n(^٤) ينظر: السبعة في القراءات لأبي عمرو الداني (١/ ٦٩٨)، والتيسير في القراءات السبع (١/ ٢٢٥)، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/ ٤٠٣)، والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة لعبد الفتاح القاضي (١/ ٣٤٨)","vol":"1","page":794},{"text":"وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منها خطًا، وهذا أدل دليل على أنّ القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرّد الخط» (^١». (^٢)\nوجه الاستنباط:\nسقوط الياء في الأول ﴿لِإِيلَافِ﴾، وإثباتها في الثاني ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ لفظًا، مع مخالفته للرسم في الموضعين.\n_________\n(^١) اللباب في علوم الكتاب (٢٠/ ٥٠٤)\n(^٢) السراج المنير (٤/ ٦٨٩).","vol":"1","page":795},{"text":"الدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية نقلًا عن ابن عادل (^١) دلالتها باللازم على أنّ القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرّد الخط؛ لأن قراءة السبعة لم تختلف في ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ بالياء كما اختلف في قراءة الأول، ومع هذا رُسم الأول ﴿لِإِيلَافِ﴾ في المصاحف العثمانية بالياء، ورسم الثاني بغير ياء، وذُكر في وجه ذلك: أنها رسمت في الأول على الأصل، وتركت في الثاني اكتفاء بالأول (^٢)، وذلك أحد الأدلة على أن القراء يتقيدون بالرواية سماعًا دون رسم المصحف، فليس رسم المصحف إلا كالتذكرة للقارئ، فثبت أن القراءة سنة متبعة لا مجال فيها للرأي أو القياس. (^٣)\nقال بهذا الاستنباط من المفسرين: السمين الحلبي، ونقله عنه: ابن عادل، والشهاب الخفاجي، والألوسي، وغيرهما. (^٤)\nوهو استنباط قوي وصحيح؛ إذ لا تفسير لذلك غير أن الله تعالى عظَّم هذا القرآن الكريم، وصانه عن التحريف والتغيير، وهذا يدل دلالة واضحة على أنّ هذا القرآن نُقل كما سمع وأن أحدًا لم يتصرف فيه بفهمه واجتهاده، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) وهذه من الاستنباطات التي صرَّح فيها الخطيب بمن نقل عنه واستفاد منه.\n(^٢) ينظر: حاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٩٩)، روح المعاني (١٥/ ٤٧٣)\n(^٣) ينظر: جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (١/ ٧٥٣)، والمرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي (١/ ٩٠)، والنشرفي القراءات العشر لابن الجزري (١/ ١٠)، ورسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة لشعبان اسماعيل (١/ ٥٥).\n(^٤) ينظر: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (١١/ ١١٢)، واللباب في علوم الكتاب (٢٠/ ٥٠٤)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٩٩)، وروح المعاني (١٥/ ٤٧٣).","vol":"1","page":796},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>سورة المسد</span>\n- كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفًا بما دل عليه لقبه.\nقال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ١ - ٤]\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ وهي أمّ جميل (^١)، .. مثل زوجها في التباب والصليّ من غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب، وعدل عن ذكرها؛ لأنّ صفتها القباحة وهي ضدّ كنيتها. قال البقاعي: «من هنا يؤخذ كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفًا بما دل عليه لقبه» (^٢». (^٣)\nوجه الاستنباط:\nالتأسي بوصف الله تعالى لعباده في كتابه.\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآية بدلالة اللزوم كراهة التلقيب بناصر الدين، وشمس الدين، وصلاح الدين، وزين العابدين، ونحوها من الألقاب التي توحي بكمال صاحبها وعدالته، خاصة لمن كان ليس متصفًا بما دل عليه لقبه، وأسوء من ذلك حالًا من كانت صفته تناقض لقبه، بدلالة هذه الآية، حيث عدل تعالى عن ذكر أم جميل زوجة أبي لهب بكنيتها؛ لقبح فعلها وشناعة أمرها الذي يناقض صفتها، مع أنه ذكر أبو لهب بكنيته، فكان فيه إشارة إلى ما تقدَّم، أُسوة بوصف الله تعالى لها في كتابه.\n_________\n(^١) هي أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أخت أبى سفيان صخر بن حرب، زوجة أبي لهب بن عبد العزى، وهي حمالة الحطب، المشار إليها في هذه السورة. ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧١) (النوع السابع: المبهمات كامرأة)، ووفيات الأعيان (٦/ ١٥٧)\n(^٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٢٢/ ٣٤١)\n(^٣) ينظر: السراج المنير (٤/ ٧٠٨)","vol":"1","page":797},{"text":"وقد سبق الخطيب إلى هذا الاستنباط من الآية البقاعي (^١)، ولم أقف عليه عند غيره من المفسرين عند هذه الآية.\nوالمتحصل من كلام أهل العلم في التلقيب مضافًا إلى الدين، سواء للعلماء أو السلاطين أو خلافهم من المسلمين أو غيرهم ما يلي:\nأولًا: أن هذا من محدثات القرون المتأخرة، من واردات الأعاجم على العرب المسلمين، فلا عهد للقرون المفضلة بذلك، لا سيما الصدر منها.\nثانيًا: حرمة تلقيب الكافر بذلك، ويلحق به تلقيب المبتدع والفاسق والماجن.\nثالثًا: فيما عدا ذلك مختلف بين الحرمة والكراهة والجواز، والأكثر على كراهته (^٢). (^٣)\nومن هنا يظهر أنه لا ينبغي التسمي ولا التلقيب بمثل هذه الألقاب، لأن أكثر العلماء على كراهتها كما تقدم، وبدلالة الإشارة إلى كراهة ذلك، كما نصَّ عليه الخطيب من هذه الآية الكريمة وإن كانت لا تظهر من الآية كل الظهور، إلا أنها موافقة لقول أهل العلم، وقد ذُكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية كراهته لتلقيبه بتقي الدين فكان يقول: «لكن أهلي لقبوني بذلك فاشتهر» (^٤)، وذلك لما فيها من التزكية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) نظم الدرر (٢٢/ ٣٤١)، وهي من الاستنباطات التي صرَّح فيها الخطيب بمن نقل عنه واستفاد منه.\n(^٢) ينظر: مغني المحتاج (٤/ ٢٩٥)، وحاشية ابن عابدين (٥/ ٢٦٥ ومابعدها)، والفواكه الدواني (١/ ٤٦١)\n(^٣) ينظر: معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد (١/ ٩٢). وينظر: منهاج السنة النبوية (٤/ ٢٠٦)، وتحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم (١/ ١٣٦)\n(^٤) وكان الإمام النووي يكره تلقيبه بمحيي الدين، وكذا ابن القيم، وغيرهما من علماء أجلاء ﵏. ينظر: معجم المناهي اللفظية (١/ ٥٤٥)","vol":"1","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>سورة الناس</span>\nمصائب الدنيا وإن عظمت لا تقارن بالمصيبة في الدين.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦].\n\nقال الخطيب الشربيني - ﵀ -: (المستعاذ به في السورة الأولى - أي الفلق - مذكور بصفة واحدة، وهي أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: وهي الغاسق والنفاثات والحاسد. وأمّا في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث: وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة.\nوالفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يُقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين، وهذا تنبيه على أنّ مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت). (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط الخطيب - ﵀ - من الآيات دلالتها باللازم على أنّ المصيبة في الدين أعظم من مصائب الدنيا وإن عظمت؛ لأنه تعالى في سورة الفلق جاء بصفة واحدة في الاستعاذة وهي (رب الفلق)، وفي سورة الناس جاء بثلاث صفات، مع أن المستعاذ منه في الأولى ثلاثة أمور، والمستعاذ منه في الثانية أمر واحد، فلِخطَر الأمر الواحد جاءت\n_________\n(^١) ينظر: السراج المنير (٤/ ٧٢٥)","vol":"1","page":799},{"text":"الصفات الثلاث.\nوأيضًا المستعاذ منه في سورة الفلق أمور تأتي من خارج الإنسان، وتأتيه اعتداءً عليه من غيره، وقد تكون شرورًا ظاهرة، ومثل ذلك قد يمكن التحرز منه، أو اتقاؤه قبل وقوعه، وتجنبه إذا عُلم به. بينما الشر الواحد في السورة الثانية يأتيه من داخله، وقد تكون هواجس النفس وما لا يقدر على دفعه، إذ الشيطان يرانا ولا نراه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقد يثير عليه خلجات نفسه ونوازع فكره، فلا يجد له خلاصًا إلا بالاستعاذة واللجوء إلى رب الناس، ملك الناس، إله الناس. (^١)\nقال أبو حيان: (لما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث: الرب والملك والإله، وإن اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثّر الذي يستعاذ منه). (^٢)\nواستنبط هذه الدلالة من الآية أيضًا غير أبي حيان: الرازي، وحقي، وعطية سالم (^٣)، وغيرهم. (^٤)\n_________\n(^١) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي تتمة تلميذه عطية سالم (٩/ ١٨٢)\n(^٢) البحر المحيط (١٠/ ٥٧٩)\n(^٣) هو عطية محمد سالم، عالم وقاضٍ، ولد في مصر، وتعلم بكتاتيبها، ثم نال شهادة كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، وانتقل إلى المدينة النبوية وتلقى العلم في حلقات المسجد النبوي، فدرس الحديث واللغة والفرائض، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ولازمه أكثر من عشرين عامًا، وتولى التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة، ثم التحق بسلك القضاء، وكان رئيسًا للقضاء والمحاكم، من مؤلفاته: (تتمة تفسير أضواء البيان) و(تسهيل الوصول إلى علم الأصول) وغيرهما، توفي سنة ١٤٢٠ هـ.\nينظر: إتمام الأعلام لنزار أباظة، ومحمد رياض المالح ص ٢٨٣.\n(^٤) ينظر: التفسير الكبير (٣٢/ ٣٧٨)، وروح البيان (١٠/ ٥٥٠)، وأضواء البيان تتمة التفسير لعطية سالم (٩/ ١٨٢).","vol":"1","page":800},{"text":"وهي ملحظ دقيق؛ فمجيء المستعاذ به بثلاث صفات كلها صفات العظمة لله تعالى: الرب والملك والإله. ومقابلتها بالمستعاذ منه وهو شيء واحد فقط ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، يدل على شدة خطورة المستعاذ منه.\nقال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان مؤيدًا هذه الدلالة: (وهو كذلك ; لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل شر عاجلًا أو آجلا، بسبب الوسواس الخناس وهو مرتبط بتاريخ وجود الإنسان). (^١)\nومن المعلوم أن المطلوب كلما كان أهم، كان ثناء الطالب قبل طلبه أكثر وأوفر، والمطلوب في سورة الفلق هو سلامة البدن من الآفات المذكورة، وفي سورة الناس سلامة الدين من وسوسة الشيطان، فظهر بهذا أن في نظم السورتين تنبيهًا على أن سلامة الدين من وسوسة الشيطان، أعظم مراد، وأهم مطلوب، وأن سلامة البدن ليست بتلك المثابة في الاهتمام (^٢)، وهي إشارة لطيفة، والله تعالى أعلم.\n\nانتهى .. والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى.\n_________\n(^١) أضواء البيان التتمة (٩/ ١٨٤).\n(^٢) ينظر: روح البيان لحقي (١٠/ ٥٥٠).","vol":"1","page":801},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الخاتمة</span>\nالحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد هذه الجولة الماتعة، في رحاب تفسير كتاب الله تعالى مع (السراج المنير)، درست خلالها استنباطات الخطيب الشربيني - ﵀ - أقف لأشير إلى أبرز نتائج البحث فأقول:\nالمراد بمفهوم الاستنباط من القرآن هو استخراج ما خفي من أنواع العلوم والحكم والفوائد من النصوص القرآنية بطريق صحيح.\nإمامة الخطيب الشربيني - ﵀ - في كثير من العلوم كالتفسير والفقه واللغة والأصول وغيرها.\nاهتمامه الملحوظ بقواعد اللغة تحريرًا، وتأصيلًا، وتطبيقًا، عند كل مناسبة.\nتنوع طرق الاستنباط عند الخطيب، والتي تدل على غزارة علمه، وفقهه، كاستنباطه بدلالة مفهوم الموافقة (دلالة النص)، أو المخالفة، أو الالتزام، أو الاقتران، أو نحو ذلك من الطرق.\nتنوع موضوعات الاستنباط عند الخطيب في جميع علوم الدين، في الجانب العقدي، والأصولي، والفقهي، والبلاغي، والتربوي، وعلوم القرآن، ونحو ذلك.\nنهج الخطيب في كثير من استنباطاته منهج أهل السنة والجماعة، مبطلًا للتأويلات الفاسدة لآراء أهل البدع خاصة المعتزلة والقدرية، مفندًا لها.\nكان الخطيب على نهج الأشاعرة في تأويله لآيات الصفات، وفي بعض استنباطاته العقدية، مؤصلًا ومقررًا لعقيدة الأشاعرة في غالب أصولهم.","vol":"1","page":802},{"text":"كان الخطيب شافعي المذهب، وله مؤلفات جليلة مفيدة في الفقه على المذهب الشافعي منها: (مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج)، شرَح به «منهاج الطالبين» للإمام النووي، و(الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع)، و(شرح على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبى إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي) وغيرها.\nالتزامه الموضوعية في الاستنباط، وعدم تعصبه في الغالب لمذهب أو شخص معين.\nيذكر الخطيب أقوال أهل العلم محققة، ويرجح أحيانًا، مع ميله للمذهب الشافعي دون تعصب له.\nتميزت استنباطات الخطيب بدقتها، وقوة ملحظها، وسهولة عبارتها، وتنوعها، مع ما جمعته من اختصار المعنى المستنبط ووفائه.\nكان للخطيب مصادر أساسية نقل عنها كثيرًا من استنباطاته من أهمها: تفسير الرازي، والبيضاوي، والزمخشري، والقرطبي، والبغوي، وبعض المصادر الفرعية كتفسير الخازن، والبقاعي، وأبي حيان، وابن عادل الحنبلي، وغيرهم.\nتفرده ببعض الاستنباطات، التي لم أقف عليها عند غيره، مما ينُمّ عن علمه وفضله.\nأن سبر استنباطات الخطيب الشربيني، وموازنتها باستنباطات من قبله ومن بعده من المفسرين تعطي الباحث ملكة في تحقيق صحة الاستنباط من عدمها.\nوفي الختام أحمد الله تعالى حمدًا كثيرًا على التمام، وأشكره سبحانه على ما يسَّر وأعان، وأسأله سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني وكل ناظر فيه بما فيه من صواب، وأن يعفو عما كان فيه من خطأ أو تقصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":803},{"text":"ثبت المصادر والمراجع\n• الإبانة عن أصول الديانة، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: ٣٢٤ هـ)، المحقق: د. فوقية حسين محمود، الناشر: دار الأنصار - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n• الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، المؤلف: أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ)، المحقق: عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، الناشر: دار الراية للنشر - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ.\n• ابن عثيمين الإمام الزاهد للدكتور ناصر الزهراني، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• الإبهاج في شرح المنهاج (منهاج الوصول إلي علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفي سنه ٧٨٥ هـ)، المؤلف: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن حامد بن يحيي السبكي وولده تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت عام النشر: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n• إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، المؤلف: محمد بن محمد الحسيني الزبيدي، الناشر: المطبعة الميمنية، سنة النشر: ١٣١١ هـ.\n• إتحاف المريد بجوهرة التوحيد، تأليف الشيخ عبد السلام بن إبراهيم المالكي اللقاني، وتعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، الناشر مكتبة القاهرة، سنة ١٣٧٩ هـ - ١٩٦٠ م.\n• إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، المؤلف: أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطيّ، شهاب الدين الشهير بالبناء (المتوفى: ١١١٧ هـ)، المحقق:","vol":"1","page":804},{"text":"أنس مهرة، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان، الطبعة: الثالثة، ٢٠٠٦ م - ١٤٢٧ هـ.\n• الإتقان في علوم القرآن، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م.\n• إتمام الأعلام، للدكتور: نزار أباظة، ومحمد رياض المالح، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ.\n• إتمام الدراية لقراء النقاية، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: الشيخ إبراهيم العجوز، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.\n• إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، المؤلف: ابن دقيق العيد، الناشر: مطبعة السنة المحمدية.\n• أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، كتب هوامشه: عبد الغني عبد الخالق، قدم له: محمد زاهد الكوثري، الناشر: مكتبة الخانجي - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• أحكام القرآن، المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، المحقق: محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تاريخ الطبع: ١٤٠٥ هـ.\n• أحكام القرآن، المؤلف: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: ٥٤٣ هـ)، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":805},{"text":"• أحكام القرآن، المؤلف: علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الشافعي (المتوفى: ٥٠٤ هـ)، المحقق: موسى محمد علي وعزة عبد عطية، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• أحكام أهل الذمة، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: يوسف بن أحمد البكري - شاكر بن توفيق العاروري، الناشر: رمادى للنشر - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ - ١٩٩٧ م.\n• الإحكام في أصول الأحكام، المؤلف: أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: ٦٣١ هـ) المحقق: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- لبنان.\n• الإحكام في أصول الأحكام، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: ٤٥٦ هـ)، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر، قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n• اختلاف الأئمة العلماء، المؤلف: يحيى بن (هُبَيْرَة بن) محمد بن هبيرة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر، عون الدين (المتوفى: ٥٦٠ هـ)، المحقق: السيد يوسف أحمد، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية وآراؤه في قضايا معاصرة، المؤلف: د. خالد بن مفلح آل حامد، الناشر: دار الفضيلة الرياض، سنة الطبع ١٤٣١ هـ، رسالة جامعية لنيل درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n• الاختيارات الفقهية (مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى المجلد الرابع)، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن","vol":"1","page":806},{"text":"محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، جمعه: ابن اللحام، علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي (المتوفى: ٨٠٣ هـ)، الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة: ١٣٩٧ هـ/١٩٧٨ م.\n• الأذكار، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ)، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط ﵀، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان طبعة جديدة منقحة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي، أبو زيد أو أبو محمد، شهاب الدين المالكي (المتوفى: ٧٣٢ هـ)، وبهامشه: تقريرات مفيدة لإبراهيم بن حسن، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر الطبعة: الثالثة.\n• إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس والدكتور ولي الدين صالح فرفور، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تأليف إمام الحرمين أبو المعالي الجويني تحقيق ذ. محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد طبع بمطبعة السعادة - مصر - ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م.\n• أساس البلاغة، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• أسباب نزول القرآن، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: ٤٦٨ هـ)، المحقق: عصام بن عبد المحسن الحميدان الناشر: دار الإصلاح - الدمام الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• الاستذكار، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم","vol":"1","page":807},{"text":"النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ - ٢٠٠٠ م.\n• الاستقامة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n• الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا بحث صادر عن مجلة الإحياء - المغرب.\n• أسد الغابة في معرفة الصحابة، المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: ٦٣٠ هـ)، المحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى.\n• أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، المؤلف: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء (المتوفى: نحو ٥٠٥ هـ)، المحقق: عبد القادر أحمد عطا، مراجعة وتعليق: أحمد عبد التواب عوض، دار النشر: دار الفضيلة.\n• الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (المتوفى: ١٤٠٣ هـ)، الناشر: مكتبة السنة الطبعة: الرابعة.\n• الأسماء والصفات للبيهقي، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشدي، قدم له: فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• أسنى المطالب في شرح روض الطالب، المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا","vol":"1","page":808},{"text":"الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦ هـ)، عدد الأجزاء: ٤، الناشر: دار الكتاب الإسلامي.\n• الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي نجم الدين أبو الربيع، المحقق: حسن بن عباس بن قطب، سنة النشر: ١٤٢٣ - ٢٠٠٣ م، رقم الطبعة: ١.\n• الأشباه والنظائر، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: ٧٧١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤١١ هـ- ١٩٩١ م.\n• الأشباه والنظائر، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• الإصابة في تمييز الصحابة، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ.\n• أصول الدعوة، المؤلف: عبد الكريم زيدان، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: التاسعة ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م.\n• أصول السرخسي، المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: ٤٨٣ هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت.\n• أصول الفقه الإسلامي - للدكتور محمد مصطفى شلبي - الطبعة الرابعة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، الدار الجامعية للطباعة والنشر - بيروت.\n• أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد - المؤلف: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، دار النشر: بدون، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ، عدد الأجزاء: ٣.\n• أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، المؤلف: سعود بن عبد العزيز الخلف، الطبعة: ١٤٢٠ هـ-١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":809},{"text":"• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان، عام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، المؤلف: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٢ م.\n• الاعتصام، المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠ هـ)، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن عفان، السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• اعتقاد أئمة الحديث، المؤلف: أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن مرداس الإسماعيلي الجرجاني (المتوفى: ٣٧١ هـ)، المحقق: محمد بن عبد الرحمن الخميس، الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ.\n• اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث، المؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس، الناشر: دار إيلاف الدولية، الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ/١٩٩٩ م.\n• الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: أحمد عصام الكاتب، الناشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ.\n• إعجاز القرآن للباقلاني، المؤلف: أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب (المتوفى: ٤٠٣ هـ)، المحقق: السيد أحمد صقر، الناشر: دار المعارف - مصر الطبعة: الخامسة، ١٩٩٧ م.\n• إعراب القرآن وبيانه، المؤلف: محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش (المتوفى: ١٤٠٣ هـ)، الناشر: دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، (دار اليمامة - دمشق - بيروت)، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت)، الطبعة: الرابعة، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":810},{"text":"• إعلام الموقعين عن رب العالمين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، الناشر: دار الكتب العلمية - ييروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n• إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n• أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات، المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: ١٠٣٣ هـ)، المحقق: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: ٩٧٧ هـ)، المحقق: مكتب البحوث والدراسات - دار الفكر، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الصالحي، شرف الدين، أبو النجا (المتوفى: ٩٦٨ هـ)، المحقق: عبد اللطيف محمد موسى السبكي، الناشر: دار المعرفة بيروت - لبنان.\n• آكام المرجان في أحكام الجان، المؤلف: محمد بن عبد الله الشبلي الدمشقيّ الحنفي، أبو عبد الله، بدر الدين ابن تقي الدين (المتوفى: ٧٦٩ هـ)، المحقق: إبراهيم محمد الجمل، الناشر: مكتبة القرآن - مصر - القاهرة.\n• الإكليل في استنباط التنزيل، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.","vol":"1","page":811},{"text":"• الأم، المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: ٢٠٤ هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت الطبعة: بدون طبعة سنة النشر: ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م.\n• إنباه الرواة على أنباه النحاة، المؤلف: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (المتوفى: ٦٤٦ هـ)، الناشر: المكتبة العنصرية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: ٥٥٨ هـ)، المحقق: سعود بن عبد العزيز الخلف، الناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ/١٩٩٩ م.\n• الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير (المتوفى: ١١٨٢ هـ)، المحقق: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المؤلف: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: ٨٨٥ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ.\n• الإنصاف، المؤلف: محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني، مصدر الكتاب: موقع الوراق.\n• أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: ٦٨٥ هـ)، المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":812},{"text":"• إيجاز البيان عن معاني القرآن، المؤلف: محمود بن أبى الحسن بن الحسين النيسابوري أبو القاسم، نجم الدين (المتوفى: نحو ٥٥٠ هـ)، المحقق: الدكتور حنيف بن حسن القاسمي، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ.\n• إيضاح الدلالة في عموم الرسالة، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني أبو العباس تقي الدين، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة.\n• إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، المؤلف: أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين (المتوفى: ٧٣٣ هـ)، المحقق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، الناشر: دار السلام للطباعة والنشر - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، المؤلف: إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (المتوفى: ١٣٩٩ هـ)، عنى بتصحيحه وطبعه على نسخة المؤلف: محمد شرف الدين بالتقايا رئيس أمور الدين، والمعلم رفعت بيلكه الكليسى الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.\n• الإيمان بين السلف والمتكلمين، المؤلف: أحمد بن عطية بن علي الغامدي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ/٢٠٠٢ م.\n• الإيمان، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني الناشر: المكتب الإسلامي، عمان، الأردن الطبعة: الخامسة، ١٤١٦ هـ/١٩٩٦ م.\n• البحر الرائق شرح كنز الدقائق، المؤلف: زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: ٩٧٠ هـ)، وفي آخره: تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري الحنفي القادري (ت بعد ١١٣٨ هـ)،","vol":"1","page":813},{"text":"وبالحاشية: منحة الخالق لابن عابدين، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة: الثانية - بدون تاريخ.\n• البحر المحيط في أصول الفقه، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: ٧٩٤ هـ)، الناشر: دار الكتبي، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• البحر المحيط في التفسير، المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ)، المحقق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: ١٤٢٠ هـ.\n• بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: ٥٩٥ هـ)، الناشر: دار الحديث - القاهرة تاريخ النشر: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• البداية والنهاية، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: علي شيري الناشر: دار إحياء التراث العربي الطبعة: الأولى ١٤٠٨، هـ - ١٩٨٨ م.\n• بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المؤلف: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفى: ٥٨٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمي الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• بدائع الفوائد، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].\n• البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدُّرة - القراءاتُ الشاذةُ وتوجيهها من لغة العرب، المؤلف: عبد الفتاح بن عبد الغني بن محمد القاضي (المتوفى: ١٤٠٣ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.\n• البديع في البديع، المؤلف: أبو العباس، عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن","vol":"1","page":814},{"text":"المعتصم ابن الرشيد العباسي (المتوفى: ٢٩٦ هـ)، الناشر: دار الجيل، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• البرهان في أصول الفقه، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: ٤٧٨ هـ)، المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• البرهان في علوم القرآن، المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: ٧٩٤ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه.\n• البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، تاليف أبي الفضل عباس بن منصور التريني السكسكي الحنبلي (ت ٦٨٣ هـ)، طبع في مكتبة المنار الاردن الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ بتحقيق بسام سلامة علي العموش.\n• بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار، المؤلف: فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، الناشر: دار إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• البلاغة العربية، المؤلف: عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي (المتوفى: ١٤٢٥ هـ)، الناشر: دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• البيان في مذهب الإمام الشافعي، المؤلف: أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم","vol":"1","page":815},{"text":"العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: ٥٥٨ هـ) المحقق: قاسم محمد النوري الناشر: دار المنهاج - جدة ... الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.\n• البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: ٥٢٠ هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• تاج العروس من جواهر القاموس، المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية.\n• التاج والإكليل لمختصر خليل، المؤلف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي (المتوفى: ٨٩٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ-١٩٩٤ م.\n• تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، الناشر: دار التراث - بيروت، الطبعة: الثانية - ١٣٨٧ هـ.\n• التاريخ الكبير، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: ٢٥٦ هـ)، الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان.\n• تاريخ بغداد، المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، المحقق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• تاريخ دمشق، المؤلف: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: ٥٧١ هـ)، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":816},{"text":"• التبصرة في أصول الفقه، المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: ٤٧٦ هـ)، المحقق: د. محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n• التبيان في أقسام القرآن، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n• تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، المؤلف: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: ٧٤٣ هـ)، الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلْبِيُّ (المتوفى: ١٠٢١ هـ)، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣١٣ هـ.\n• تحبير التيسير في القراءات العشر، المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى: ٨٣٣ هـ)، المحقق: د. أحمد محمد مفلح القضاة، الناشر: دار الفرقان - الأردن / عمان، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحات الحنفية والشافعية، المؤلف: ابن همام الدين الاسكندري الحنفي، ت ٨٦١ هـ، الناشر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، سنة النشر: ١٣٥١ هـ.\n• التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس، سنة النشر: ١٩٨٤ هـ، عدد الأجزاء: ٣٠ (والجزء رقم ٨ في قسمين).\n• تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المؤلف: أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: ١٣٥٣ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الكتاب: شرح العقيدة الواسطية، المؤلف: عبد الله بن محمد الغنيمان،","vol":"1","page":817},{"text":"مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n• تحفة الأخيار في الأفضل التغليس أو الإسفار، تأليف: أبي عبد الله محمد بن محمد المصطفى الأنصاري، المدينة النبوية، ١٤٢٦ هـ.\n• تحفة المحتاج في شرح المنهاج، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، روجعت وصححت: على عدة نسخ بمعرفة لجنة من العلماء، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى بمصر لصاحبها مصطفى محمد، الطبعة: بدون طبعة، عام النشر: ١٣٥٧ هـ - ١٩٨٣ م.","vol":"1","page":818},{"text":"• تحفة المودود بأحكام المولود، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: مكتبة دار البيان - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٣٩١ - ١٩٧١ م.\n• تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد، المؤلف: عبد الهادي [هادي] بن محمد بن عبد الهادي [هادي] بن بكري بن محمد بن مهدي بن موسى بن جعثم بن عجيل (العجيلي) (المتوفى: ق ١٣ هـ)، المحقق: حسن بن علي العواجي، الناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م.\n• تخريج العقيدة الطحاوية، المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: ٣٢١ هـ، شرح وتعليق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ.\n• التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥ هـ)، المحقق: بشير محمد عيون، دار النشر: مكتبة المؤيد - الطائف، دار البيان - دمشق، الطبعة: الثانية، ١٤٠٩ - ١٩٨٨ م.\n• تذكرة الحفاظ (أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان)، المؤلف: أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بابن القيسراني (المتوفى: ٥٠٧ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٩٤ م.\n• ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان، لعبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، دار الهجرة، الخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n• التسعينية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام","vol":"1","page":819},{"text":"بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ،) دراسة وتحقيق: الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• التسهيل لعلوم التنزيل، المؤلف: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: ٧٤١ هـ)، المحقق: الدكتور عبد الله الخالدي، الناشر: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ.\n• التعرف لمذهب أهل التصوف، المؤلف: أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: ٣٨٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n• التعريفات، المؤلف: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: ٨١٦ هـ)، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n• تفسير ابن أبي العز، المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: ٧٩٢ هـ)، جمع ودراسة: شايع بن عبده بن شايع الأسمري، الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: نشر في العددان:، ١٢٠ - (السنة ٣٠) - (١٤٢٣ هـ)، ١٢١ - (السنة ٣٥) - (١٤٢٤ هـ).\n• تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: ٩٨٢ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• تفسير الإمام ابن عرفة، المؤلف: محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي، أبو عبد الله (المتوفى: ٨٠٣ هـ)، المحقق: د. حسن المناعي، الناشر: مركز","vol":"1","page":820},{"text":"البحوث بالكلية الزيتونية - تونس، الطبعة: الأولى، ١٩٨٦ م.\n• تفسير الإمام الشافعي، المؤلف: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: ٢٠٤ هـ)، جمع وتحقيق ودراسة: د. أحمد بن مصطفى الفرَّان (رسالة دكتوراه)، الناشر: دار التدمرية - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: ١٤٢٧ - ٢٠٠٦ م.\n• تفسير الجلالين، المؤلف: جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المتوفى: ٨٦٤ هـ) وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الأولى.\n• تفسير العثيمين، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: ١٣٥٤ هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: ١٩٩٠ م.\n• تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، المحقق: أسعد محمد الطيب الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.\n• تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: مكتب الدراسات","vol":"1","page":821},{"text":"والبحوث العربية والإسلامية بإشراف الشيخ إبراهيم رمضان، الناشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٠ هـ.\n• تفسير القرآن المشهور ببحر العلوم، المؤلف: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: ٣٧٣ هـ).\n• تفسير القرآن، المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: ٤٨٩ هـ)، المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الناشر: دار الوطن، الرياض - السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٧ م.\n• تفسير الماوردي = النكت والعيون، المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: ٤٥٠ هـ)، المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان.\n• تفسير المراغي، المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م.\n• التفسير المظهري، المؤلف: المظهري، محمد ثناء الله، المحقق: غلام نبي التونسي، الناشر: مكتبة الرشدية - الباكستان، الطبعة: ١٤١٢ هـ.\n• تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، المؤلف: أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: ٧١٠ هـ)، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، الناشر: دار الكلم الطيب، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• التفسير الوسيط للقرآن الكريم، المؤلف: محمد سيد طنطاوي، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة، الطبعة: الأولى.\n• تفسير عبد الرزاق، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري","vol":"1","page":822},{"text":"اليماني الصنعاني (المتوفى: ٢١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٩ هـ.\n• تفسير يحيى بن سلام، المؤلف: يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني (المتوفى: ٢٠٠ هـ)، تقديم وتحقيق: الدكتورة هند شلبي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• تقريب التدمرية، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودسة، الدمام، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هـ)، اعتنى به: عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n• التلخيص في أصول الفقه، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: ٤٧٨ هـ)، المحقق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت.\n• التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، عام النشر: ١٣٨٧ هـ.\n• التمهيد، المؤلف: محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني، المحقق: رتشرد يوسف مكارثي، الناشر: جامعة الحكمة ببغداد - المكتبة الشرقية بيروت، سنة النشر: ١٩٥٧ م.","vol":"1","page":823},{"text":"• التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، المؤلف: محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو الحسين المَلَطي العسقلاني (المتوفى: ٣٧٧ هـ)، المحقق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث - مصر.\n• التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة، المؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، الناشر: دار طيبة - الرياض\n• تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد السبتي الأموي المعروف بـ «ابن خمير» (المتوفى: ٦١٤ هـ)، المحقق: محمد رضوان الداية، الناشر: دار الفكر المعاصر - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• تهذيب الأسماء واللغات، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) يطلب من: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n• تهذيب التهذيب، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٣٢٦ هـ.\n• تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المؤلف: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي (المتوفى: ٧٤٢ هـ)، المحقق: د. بشار عواد معروف الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٠ - ١٩٨٠ م.\n• التوحيد، المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (المتوفى: ٣٣٣ هـ)، المحقق: د. فتح الله خليف، الناشر: دار الجامعات المصرية - الإسكندرية.\n• توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، المؤلف: أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (المتوفى: ٧٤٩ هـ)،","vol":"1","page":824},{"text":"شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أستاذ اللغويات في جامعة الأزهر، الناشر: دار الفكر العربي، الطبعة: الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• تيسير التحرير، المؤلف: محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير بادشاه الحنفي (المتوفى: ٩٧٢ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م.\n• التيسير في القراءات السبع، المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، المحقق: اوتو تريزل، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.\n• الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، المؤلف: صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (المتوفى: ١٣٣٥ هـ)، الناشر: المكتبة الثقافية - بيروت.\n• جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• جامع المسائل لابن تيمية - عزير شمس، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد عزير شمس، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه = صحيح البخاري، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة:","vol":"1","page":825},{"text":"الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• جامع بيان العلم وفضله، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n• الجرح والتعديل، المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٢٧١ هـ ١٩٥٢ م.\n• جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار العروبة - الكويت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٧ - ١٩٨٧ م.\n• جمال القراء وكمال الإقراء، المؤلف: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي، أبو الحسن، علم الدين السخاوي (المتوفى: ٦٤٣ هـ)، تحقيق: د. مروان العطيَّة - د. محسن خرابة، الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق - بيروت، الطبعة: الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• جمع الجوامع في أصول الفقه، المؤلف: عبد الوهاب بن علي السبكي تاج الدين، المحقق: عبد المنعم خليل إبراهيم، الناشر: دار الكتب العلمية، سنة النشر: ١٤٢٤ - ٢٠٠٣ م.\n• جمهرة اللغة، المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى:","vol":"1","page":826},{"text":"• هـ)، المحقق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٨٧ م.\n• الجموع البهية للعقيدة السلفية التي ذكرها العلامة الشِّنقيطي في تفسيره أضواء البيان، جمع: أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي، الناشر: مكتبة ابن عباس، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• الجنة والنار، المؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة: السابعة، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n• جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف للدكتور: عبدالعزيز بن صالح الطويان، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار المعرفة - المغرب، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• جواهر الإكليل شرح مختصر الشيخ خليل في مذهب الامام مالك امام دار التنزيل للشيخ صالح عبد السميع الأبي الأزهري، طبع في مصر سنة ١٣٣٢ في مجلدين، وفي المكتبة الثقافية بيروت.\n• جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي (المتوفى: ١٣٦٢ هـ)، ضبط وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، الناشر: المكتبة العصرية، بيروت.\n• الجوهرة النيرة، المؤلف: أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي (المتوفى: ٨٠٠ هـ)، الناشر: المطبعة الخيرية، الطبعة: الأولى، ١٣٢٢ هـ.\n• حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: مطبعة المدني،","vol":"1","page":827},{"text":"القاهرة، عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع].\n• حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، المؤلف: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (المتوفى: ١٢٣٠ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n• حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي النجدي (المتوفى: ١٣٩٢ هـ)، الناشر: (بدون ناشر)، الطبعة: الأولى - ١٣٩٧ هـ.\n• حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي، المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي (المتوفى: ١٠٦٩ هـ)، دار النشر: دار صادر - بيروت.\n• حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، المؤلف: أبو الحسن، علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي (نسبة إلى بني عدي، بالقرب من منفلوط) (المتوفى: ١١٨٩ هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، المؤلف: حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n• حاشية كتاب التوحيد، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني الحنبلي النجدي (المتوفى: ١٣٩٢ هـ)، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n• حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي (ط. العلمية، المؤلف: محي الدين شيخ زاده، الناشر: دار الكتب العلمية.\n• الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني، المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: ٤٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ علي معوض - الشيخ عادل عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٩","vol":"1","page":828},{"text":"هـ -١٩٩٩ م.\n• الحاوي للفتاوي، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، عام النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• الحبائك في أخبار الملائك، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، تحقيق: خادم السنة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n• الحجة للقراء السبعة لأبي علي الحسن بن عبدالغفار الفارسي (المتوفى سنة ٣٧٧ هـ)، تحقيق: بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ سنن الدارقطني، تحقيق: عبدالله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٦ هـ.\n• حجج القرآن، المؤلف: أحمد بن محمد بن أحمد المظفر ابن المختار، أبو العباس بدر الدين الرازيّ الحنفي (المتوفى: بعد ٦٣٠ هـ)، المحقق: أحمد عمر المحمصاني الأزهري، الناشر: دار الرائد العربي - لبنان الطبعة: الثانية، ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م.\n• حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ)، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n• حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، المؤلف: محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو بكر الشاشي القفال الفارقيّ، الملقب فخر الإسلام، المستظهري الشافعي (المتوفى: ٥٠٧ هـ)، المحقق: د. ياسين أحمد إبراهيم درادكة، الناشر: مؤسسة الرسالة / دار الأرقم - بيروت / عمان، الطبعة: الأولى، ١٩٨٠ م.\n• خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام، المؤلف: أبو زكريا محيي","vol":"1","page":829},{"text":"الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ)، المحقق: حققه وخرج أحاديثه: حسين إسماعيل الجمل، الناشر: مؤسسة الرسالة - لبنان - بيروت، الطبعة: الاولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• خلق أفعال العباد، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: ٢٥٦ هـ)، المحقق: د. عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار المعارف السعودية - الرياض.\n• الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، المؤلف: أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (المتوفى: ٧٥٦ هـ)، المحقق: الدكتور أحمد محمد الخراط، الناشر: دار القلم، دمشق.\n• درء تعارض العقل والنقل، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n• درة التنزيل وغرة التأويل، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي (المتوفى: ٤٢٠ هـ)، دراسة وتحقيق وتعليق: د/ محمد مصطفى آيدين، الناشر: جامعة أم القرى، وزارة التعليم العالي سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها (٣٠) معهد البحوث العلمية مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• درر الحكام شرح غرر الأحكام، المؤلف: محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا - أو منلا أو المولى - خسرو (المتوفى: ٨٨٥ هـ)، الناشر: دار إحياء الكتب العربية.\n• الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، المحقق: مراقبة / محمد عبد","vol":"1","page":830},{"text":"المعيد ضان، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند، الطبعة: الثانية، ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.\n• دستور العلماء = جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، المؤلف: القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: ق ١٢ هـ)، عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص، الناشر: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• دعوة الرسل ﵈، المؤلف: أحمد أحمد غلوش، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n• دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. محمد السيد الجليند، الناشر: مؤسسة علوم القرآن - دمشق، الطبعة: الثانية، ١٤٠٤ هـ.\n• دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـ.\n• ديوان الإسلام، المؤلف: شمس الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن بن الغزي (المتوفى: ١١٦٧ هـ)، المحقق: سيد كسروي حسن، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n• ديوان زهير بن أبي سلمى، المؤلف: زهير بن أبي سلمى، المحقق: علي حسن فاعور، الناشر: دار الكتب العلمية، سنة النشر: ١٤٠٨ - ١٩٨٨ م.\n• الذخيرة، المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: ٦٨٤ هـ)، جزء ٢، ٦: سعيد أعراب الناشر: دار الغرب الإسلامي- بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n• رد المحتار على الدر المختار، المؤلف: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد","vol":"1","page":831},{"text":"العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (المتوفى: ١٢٥٢ هـ)، الناشر: دار الفكر-بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• الرد على الجهمية والزنادقة، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، المحقق: صبري بن سلامة شاهين، الناشر: دار الثبات للنشر والتوزيع.\n• الرسالة العرشية، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، الناشر: المطبعة السلفية، القاهرة، مصر الطبعة: الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n• الرسالة القشيرية، المؤلف: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: ٤٦٥ هـ)، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، الناشر: دار المعارف، القاهرة.\n• رسالة في حكم تارك الصلاة للشيخ محمد بن صالح العثيمين ضمن مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ﵀ - الجزء الثاني عشر.\n• رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة، المؤلف: شعبان محمد إسماعيل، الناشر: دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة: الثانية.\n• رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير (المتوفى: ١١٨٢ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n• رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: ٧٧١ هـ)، المحقق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: عالم الكتب - لبنان / بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٩ م - ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":832},{"text":"• رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: ١٠٣٣ هـ)، المحقق: أسعد محمد المغربي، الناشر: دار حراء - مكة المكرمة - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• روائع البيان تفسير آيات الأحكام، المؤلف: محمد علي الصابوني، طبع على نفقة: حسن عباس الشربتلي، الناشر: مكتبة الغزالي - دمشق، مؤسسة مناهل العرفان - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n• روح البيان، المؤلف: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، المولى أبو الفداء (المتوفى: ١١٢٧ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ)، المحقق: علي عبد الباري عطية، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n• الروض المربع شرح زاد المستقنع، المؤلف: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: ١٠٥١ هـ)، ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعدي، خرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير، الناشر: دار المؤيد - مؤسسة الرسالة.\n• روضة الطالبين وعمدة المفتين، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ)، تحقيق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان الطبعة: الثالثة، ١٤١٢ هـ / ١٩٩١ م.\n• روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل،","vol":"1","page":833},{"text":"المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n• الروضة الندية شرح الدرر البهية، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ) الناشر: دار المعرفة.\n• زاد المسير في علم التفسير، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n• الزهد والورع والعبادة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: حماد سلامة، محمد عويضة، الناشر: مكتبة المنار - الأردن الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• الزواجر عن اقتراف الكبائر، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: ٩٧٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n• السبعة في القراءات، المؤلف: أحمد بن موسى بن العباس التميمي، أبو بكر بن مجاهد البغدادي (المتوفى: ٣٢٤ هـ)، المحقق: شوقي ضيف، الناشر: دار المعارف - مصر، الطبعة: الثانية، ١٤٠٠ هـ.\n• السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: ٩٧٧ هـ)، الناشر: مطبعة بولاق (الأميرية) - القاهرة، عام النشر: ١٢٨٥ هـ.\n• سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، المؤلف: أبو عبد","vol":"1","page":834},{"text":"الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف).\n• سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، دار النشر: دار المعارف، الرياض - الممكلة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م.\n• سنن ابن ماجه، المؤلف: ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: ٢٧٣ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.\n• سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: ٢٧٩ هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ ١، ٢) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ ٣)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ ٤، ٥)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر الطبعة: الثانية، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n• السنن الكبرى، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنات الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• السنن الكبرى، لأبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (المتوفى سنة ٣٠٣ هـ)، تحقيق: د. عبدالغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n• سير أعلام النبلاء، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ","vol":"1","page":835},{"text":"شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م وطبعه أخرى مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n• شذرات الذهب في أخبار من ذهب، المؤلف: عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح (المتوفى: ١٠٨٩ هـ)، حققه: محمود الأرناؤوط خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط الناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، طبعه أخرى اعتمدتها أيضا: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لشهاب الدين أبي الفلاح عبدالحي بن أحمد بن العماد الحنبلي (المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، المؤلف: ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري (المتوفى: ٧٦٩ هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه، الطبعة: العشرون ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n• شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المؤلف: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي (المتوفى: ٤١٨ هـ)، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي الناشر: دار طيبة - السعودية الطبعة: الثامنة، ١٤٢٣ هـ -٢٠٠٣ م.\n• شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي، تحقيق: أحمد بن الحسين بن أبي هاشم- عبد الكريم عثمان -مكتبة وهبه للطباعة والنشر الطبعه ٢.\n• الشرح الجديد لجوهرة التوحيد - شرح سلفي، تاليف محمد احمد العدوي، مكتبة ومطبعة مصطفى الباني الحلبي واولاده مصر، الطبعة الاولى ١٣٦٦ هـ.\n• شرح الطحاوية = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل، المؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.\n• شرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، المؤلف:","vol":"1","page":836},{"text":"محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• شرح العقيدة الطحاوية، المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: ٧٩٢ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عبد الله بن المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: العاشرة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• شرح العقيدة الطحاوية، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي، [الكتاب مرقم آليا، وهو أشرطة مفرغة ضمن الدورة العلمية التي أقيمت بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية].\n• شرح العقيدة الواسطية، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، المحقق: سعد فواز الصميل، الناشر: دار ابن الجوزي، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الخامسة، ١٤١٩ هـ.\n• شرح العقيدة الواسطية، ويليه ملحق الواسطية، المؤلف: محمد بن خليل حسن هرّاس (المتوفى: ١٣٩٥ هـ)، ضبط نصه وخرَّج أحاديثه ووضع الملحق: علوي بن عبد القادر السقاف، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الخبر الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n• شرح القواعد الفقهية، المؤلف: أحمد بن الشيخ محمد الزرقا [١٢٨٥ هـ - ١٣٥٧ هـ]، صححه وعلق عليه: مصطفى أحمد الزرقا، الناشر: دار القلم - دمشق / سوريا، الطبعة: الثانية، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n• شرح الكافية الشافية، المؤلف: محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: ٦٧٢ هـ)، المحقق: عبد المنعم أحمد هريدي، الناشر: جامعة أم القرى مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية مكة المكرمة، الطبعة: الأولى.\n• الشرح الكبير على متن المقنع، المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة","vol":"1","page":837},{"text":"المقدسي الجماعيلي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين (المتوفى: ٦٨٢ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، أشرف على طباعته: محمد رشيد رضا صاحب المنار.\n• شرح الكوكب المنير، المؤلف: تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (المتوفى: ٩٧٢ هـ)، المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الشرح الممتع على زاد المستقنع، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، دار النشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ - ١٤٢٨ هـ.\n• شرح أم البراهين للإمام أبي عبدالله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الثانية -٢٠٠٩ م.\n• شرح شافية ابن الحاجب، مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام ١٠٩٣ من الهجرة، المؤلف: محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: ٦٨٦ هـ)، حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة:، محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية، محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية، محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان عام النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n• شرح صحيح البخارى لابن بطال، المؤلف: ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: ٤٤٩ هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: مكتبة الرشد - السعودية، الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• شرح عمدة الفقه (من أول كتاب الصلاة إلى آخر باب آداب المشي إلى الصلاة)، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله","vol":"1","page":838},{"text":"بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: خالد بن علي بن محمد المشيقح، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ/١٩٩٧ م.\n• شرح عمدة الفقه (من كتاب الطهارة والحج)، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. سعود صالح العطيشان، الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• شرح لمعة الاعتقاد، المؤلف: عبد الرحمن بن صالح المحمود، مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n• شرح مختصر الروضة، المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦ هـ)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م.\n• شعب الإيمان، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: -، الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة: ١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م.\n• شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تأليف: الامام أبي حامد الغزالي محمد بن محمد بن محمد الطوسي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ (، تحقيق: الدكتور/ حمد الكبيسي،","vol":"1","page":839},{"text":"الناشر: مطبعة الارشاد - بغداد: ١٣٩٠ هـ الموافق: ١٩٧١ م. الجمهورية العراقية رئاسة ديوان الأوقاف - إحياء التراث الإسلامي.\n• شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، المؤلف: نشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: ٥٧٣ هـ (، المحقق: د حسين بن عبد الله العمري - مطهر بن علي الإرياني - د يوسف محمد عبد الله، الناشر: دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، دار الفكر (دمشق - سورية،) الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• الصارم المسلول على شاتم الرسول، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد محي الدين عبد الحميد، الناشر: الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية.\n• الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: ٣٩٣ هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار الناشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة: الرابعة ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م.\n• صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: ٣٥٤ هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ - ١٩٩٣ م.\n• صحيح أبي داود - الأم، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• صحيح الجامع الصغير وزياداته، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)","vol":"1","page":840},{"text":"الناشر: المكتب الإسلامي.\n• صحيح وضعيف سنن الترمذي، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية - المجاني - من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية.\n• صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة، المؤلف: علوي بن عبد القادر السَّقَّاف، الناشر: الدرر السنية - دار الهجرة، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• الصفدية، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: مكتية ابن تيمية، مصر الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n• الصلاة وأحكام تاركها، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: مكتبة الثقافة بالمدينة المنورة.\n• الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: علي بن محمد الدخيل الله، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• صيد الخاطر، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، بعناية: حسن المساحي سويدان، الناشر: دار القلم - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• الضعفاء الكبير، المؤلف: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي (المتوفى: ٣٢٢ هـ)، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n• الضعفاء، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد","vol":"1","page":841},{"text":"الله (المتوفى: ٢٥٦ هـ)، المحقق: أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، الناشر: مكتبة ابن عباس، الطبعة: الأولى ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م.\n• ضعيف الترغيب والترهيب، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) الناشر: مكتبة المعارف - الرياض.\n• ضعيف الجامع الصغير وزيادته، المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، أشرف على طبعه: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي الطبعة: المجددة والمزيدة والمنقحة.\n• الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، المؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (المتوفى: ٩٠٢ هـ)، الناشر: منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت. الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ.\n• طبقات الحفاظ، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n• طبقات الشافعية الكبرى، المؤلف: تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفى: ٧٧١ هـ)، المحقق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• طبقات الشافعية، المؤلف: أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الشهبي الدمشقي، تقي الدين ابن قاضي شهبة (المتوفى: ٨٥١ هـ)، المحقق: د. الحافظ عبد العليم خان دار النشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ،\n• طبقات الصوفية، المؤلف: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (المتوفى: ٤١٢ هـ)، المحقق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م.","vol":"1","page":842},{"text":"• طبقات المفسرين لأحمد بن محمد الأدنه وي، تحقيق: سليمان صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• طبقات المفسرين لعبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى سنة ٩١١ هـ)، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n• طبقات المفسرين لمحمد بن علي بن أحمد الداودي (المتوفى سنة ٩٤٥ هـ)، ضبط: عبدالسلام عبدالمعين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• الطرق الحكمية، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: مكتبة دار البيان.\n• طريق الهجرتين وباب السعادتين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار السلفية، القاهرة، مصر الطبعة: الثانية، ١٣٩٤ هـ.\n• العاقبة في ذكر الموت، المؤلف: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد إبراهيم الأزدي، الأندلسي الأشبيلي، المعروف بابن الخراط (المتوفى: ٥٨١ هـ)، المحقق: خضر محمد خضر، الناشر: مكتبة دار الأقصى - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.\n• عالم الملائكة الأبرار، المؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي، الناشر: مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n• عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار ابن كثير، دمشق، بيروت/مكتبة دار التراث، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م.\n• العدة شرح العمدة، المؤلف: عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي (المتوفى: ٦٢٤ هـ)، الناشر: دار الحديث، القاهرة، الطبعة: بدون","vol":"1","page":843},{"text":"طبعة، تاريخ النشر: ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٣ م.\n• العدة في أصول الفقه، المؤلف: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، حققه وعلق عليه وخرج نصه: د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية، الناشر: بدون ناشر، الطبعة: الثانية ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• العدل والتوحيد ونفي التشبيه، (ضمن رسائل العدل والتوحيد) للقاضي عبد الجبار المعتزلي والشريف المرتضى وآخرون، دراسة وتحقيق: القاسم الرسي، دار الشروق.\n• العقيدة الواسطية: اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، الناشر: أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الثانية ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩ م.\n• عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃ (أصل الكتاب رسالة دكتوراه)، المؤلف: ناصر بن علي عائض حسن الشيخ، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة، ١٤٢١ هـ/٢٠٠٠ م.\n• عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي، المؤلف: صالح بن عبد الله العبود، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٤ م.\n• العلامة الخطيب الشربيني ومنهجه في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر. للباحثة: وفاء محمود سعداوي.\n• علم المقاصد الشرعية، المؤلف: نور الدين بن مختار الخادمي، الناشر: مكتبة","vol":"1","page":844},{"text":"العبيكان، الطبعة: الأولى ١٤٢١ هـ- ٢٠٠١ م.\n• علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبدالله البسام، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n• علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب، دار الشواف، الرياض، الطبعة الرابعة.\n• عمدة القاري شرح صحيح البخاري، المؤلف: أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (المتوفى: ٨٥٥ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• العناية شرح الهداية، المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (المتوفى: ٧٨٦ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n• عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، المؤلف: محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، العظيم آبادي (المتوفى: ١٣٢٩ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الثانية، ١٤١٥ هـ.\n• العين والأثر في عقائد أهل الأثر، المؤلف: عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر البعلي الأزهري الدمشقيّ، تقيّ الدين، ابن فَقِيه فُصَّة (المتوفى: ١٠٧١ هـ)، المحقق: عصام رواس قلعجي، الناشر: دار المأمون للتراث الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• غاية المرام في علم الكلام، المؤلف: أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: ٦٣١ هـ)، المحقق: حسن محمود عبد اللطيف، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.\n• غاية النهاية في طبقات القراء، المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى: ٨٣٣ هـ)، الناشر: مكتبة ابن تيمية الطبعة:","vol":"1","page":845},{"text":"عني بنشره لأول مرة عام ١٣٥١ هـ ج. برجستراسر.\n• غاية الوصول في شرح لب الأصول، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العربية الكبرى، مصر (أصحابها: مصطفى البابي الحلبي وأخويه).\n• غرائب التفسير وعجائب التأويل، المؤلف: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، ويعرف بتاج القراء (المتوفى: نحو ٥٠٥ هـ)، دار النشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، مؤسسة علوم القرآن - بيروت.\n• غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المؤلف: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى: ٨٥٠ هـ)، المحقق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ.\n• الفتاوى الحديثية، المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (المتوفى: ٩٧٤ هـ)، المحقق: لا يوجد، الناشر: دار الفكر -.\n• فتاوى السبكي، المؤلف: أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفى: ٧٥٦ هـ)، الناشر: دار المعارف.\n• فتاوى الشبكة الإسلامية، المؤلف: لجنة الفتوى بالشبكة الإسلامية، تم نسخه من الإنترنت: في ١ ذو الحجة ١٤٣٠، هـ = ١٨ نوفمبر، ٢٠٠٩ م.\n• الفتاوى الكبرى لابن تيمية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.\n• فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى والثانية، المؤلف: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة للطبع - الرياض.","vol":"1","page":846},{"text":"• فتاوى نور على الدرب، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، اعتنى به: أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار - أبو عبد الله محمد بن موسى الموسى.\n• فتاوى نور على الدرب، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ).\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ م، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.\n• فتح الباري شرح صحيح البخاري، المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: - محمود بن شعبان بن عبد المقصود .. الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية. الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n• فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير [وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)]، المؤلف: عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: ٦٢٣ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n• فتح القدير، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ.\n• فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، المؤلف: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: ١٢٨٥ هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر، الطبعة: السابعة، ١٣٧٧ هـ/١٩٥٧ م.\n• الفرج بعد الشدة للتنوخي، المؤلف: المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود","vol":"1","page":847},{"text":"التنوخي البصري، أبو علي (المتوفى: ٣٨٤ هـ)، تحقيق: عبود الشالجى، الناشر: دار صادر، بيروت، عام النشر: ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.\n• الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، المؤلف: عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي الأسفراييني، أبو منصور (المتوفى: ٤٢٩ هـ)، الناشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة: الثانية، ١٩٧٧ م.\n• الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي، المؤلف: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: ٧٦٣ هـ) المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: ٦٨٤ هـ)، الناشر: عالم الكتب.\n• فصل المقال في تعريف الآل، تأليف مولاي يحيى المغربي السلفي.\n• الفصل في الملل والأهواء والنحل، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: ٤٥٦ هـ) الناشر: مكتبة الخانجي - القاهرة.\n• الفصول في الأصول، المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• فضائل القرآن للقاسم بن سلام، المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: ٢٢٤ هـ)، تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، الناشر: دار ابن كثير (دمشق - بيروت)، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٥ م.\n• فضل أبي بكر الصديق ﵁، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن","vol":"1","page":848},{"text":"عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. عبد العزيز بن محمد الفريح، الناشر: مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة، الطبعة: المجلد ١٣، العدد ٢٢، ربيع الأول ١٤٢٢ هـ / مايو (أيار) ٢٠٠١ م.\n• الفقه الأكبر (مطبوع مع الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر المنسوبين لأبي حنيفة، تأليف محمد بن عبد الرحمن الخميس)، المؤلف: ينسب لأبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه (المتوفى: ١٥٠ هـ، الناشر: مكتبة الفرقان - الإمارات العربيةالطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n• فقه السنة، المؤلف: سيد سابق (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م.\nالفقيه والمتفقه، المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، المحقق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي،","vol":"1","page":849},{"text":"• الناشر: دار ابن الجوزي - السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢١ هـ.\n• الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، المؤلف: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة، تاريخ النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n• فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المحقق: أشرف بن عبد المقصود أبو محمد، الناشر: أضواء السلف، سنة النشر: ١٤٢٠ - ٢٠٠٠ رقم الطبعة: ١.\n• فيض القدير شرح الجامع الصغير، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ)، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ هـ.\n• القاموس المحيط، المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثامنة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• القدر، المؤلف: أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المُسْتَفاض الفِرْيابِي (المتوفى: ٣٠١ هـ)، المحقق: عبد الله بن حمد المنصور، الناشر: أضواء السلف، الطبعة: الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• القرآن وإعجازه العلمي، المؤلف: محمد إسماعيل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي - دار الثقافة العربية للطباعة.\n• القرآن وعلوم الأرض، المؤلف: محمد سميح عافية الناشر: الزهراء للإعلام العربي الطبعة: الأولى ١٤١٤ هـ- ١٩٩٤ هـ.\n• قصة مؤمن آل ياسين، الكاتب: عبد الحميد السحيباني، المصدر: موقع يا له من","vol":"1","page":850},{"text":"دين.\n• قصص الأنبياء، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: مطبعة دار التأليف - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n• قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ)، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن، المؤلف: مرعي بن يوسف بن أبى بكر بن أحمد الكرمى المقدسي الحنبلى (المتوفى: ١٠٣٣ هـ)، المحقق: سامي عطا حسن، الناشر: دار القرآن الكريم - الكويت.\n• قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المؤلف: أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: ٦٦٠ هـ)، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، (وصورتها دور عدة مثل: دار الكتب العلمية - بيروت، ودار أم القرى - القاهرة)، طبعة: جديدة مضبوطة منقحة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩١ م.\n• قواعد الترجيح عند المفسرين لحسين علي الحربي، دار القاسم، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• قواعد الجغرافيا العامة الطبيعية والبشرية، المؤلف: جودة حسنين جودة - فتحي محمد أبو عيانة، الناشر: دار المعرفة الجامعية.\n• القواعد الحسان لتفسير القرآن، المؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":851},{"text":"• القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الثالثة، ١٤٢١ هـ/٢٠٠١ م.\n• القواعد والفوائد الأصولية ومايتبعها من الأحكام الفرعية، المؤلف: ابن اللحام، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي (المتوفى: ٨٠٣ هـ)، المحقق: عبد الكريم الفضيلي، الناشر: المكتبة العصرية، الطبعة: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• القول السديد شرح كتاب التوحيد، المؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: المرتضى الزين أحمد، الناشر: مجموعة التحف النفائس الدولية الطبعة: الثالثة.\n• القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد، المؤلف: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الناشر: دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية، دار ابن عفان، القاهرة، مصر، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٢ هـ/٢٠٠١ م.\n• القول الصحيح في تعيين الذبيح، تأليف محمد سعيد العاني، مطبعة العاني بغداد، الطبعة الاولى ١٩٨٥ م.\n• القول المفيد على كتاب التوحيد، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، محرم ١٤٢٤ هـ.\n• الكافي في فقه الإمام أحمد، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• الكافي في فقه أهل المدينة، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، المحقق: محمد محمد أحيد","vol":"1","page":852},{"text":"ولد ماديك الموريتاني، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٠٠ هـ/١٩٨٠ م.\n• الكامل في التاريخ، المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: ٦٣٠ هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ / ١٩٩٧ م.\n• الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ، والكتاب مذيل بحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (ت ٦٨٣) وتخريج أحاديث الكشاف للإمام الزيلعي.\n• كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، المؤلف: عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري الحنفي (المتوفى: ٧٣٠ هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي.\n• كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، المؤلف: مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي القسطنطيني (المتوفى: ١٠٦٧ هـ)، الناشر: مكتبة المثنى - بغداد تاريخ النشر: ١٩٤١ م.\n• كشف المشكل من حديث الصحيحين، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، المحقق: علي حسين البواب، الناشر: دار الوطن - الرياض.\n• الكشف والبيان عن تفسير القرآن، المؤلف: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: ٤٢٧ هـ)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٢٢، هـ - ٢٠٠٢ م.\n• الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، المؤلف: أيوب بن موسى","vol":"1","page":853},{"text":"الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: ١٠٩٤ هـ)، المحقق: عدنان درويش - محمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n• الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، المؤلف: نجم الدين محمد بن محمد الغزي (المتوفى: ١٠٦١ هـ)، المحقق: خليل المنصور، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• لباب التأويل في معاني التنزيل، المؤلف: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن (المتوفى: ٧٤١ هـ)، المحقق: تصحيح محمد علي شاهين الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ.\n• اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، المؤلف: جمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى زكريا بن مسعود الأنصاري الخزرجي المنبجي (المتوفى: ٦٨٦ هـ)، المحقق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد، الناشر: دار القلم - الدار الشامية - سوريا / دمشق - لبنان / بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n• اللباب في علوم الكتاب، المؤلف: أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (المتوفى: ٧٧٥ هـ)، المحقق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م.\n• لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: ٧١١ هـ)، الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ.\n• لسان الميزان، المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، المحقق: دائرة المعرف النظامية - الهند، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان، الطبعة: الثانية، ١٣٩٠ هـ /١٩٧١ م.","vol":"1","page":854},{"text":"• لطائف الإشارات = تفسير القشيري، المؤلف: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: ٤٦٥ هـ)، المحقق: إبراهيم البسيوني، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، الطبعة: الثالثة.\n• اللمع في أصول الفقه، أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: ٤٧٦ هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة: الطبعة الثانية ٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ.\n• لمعة الاعتقاد، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n• لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: ١١٨٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق، الطبعة: الثانية - ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n• مباحث العقيدة في سورة الزمر، المؤلف: ناصر بن علي عايض حسن الشيخ، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م.\n• مباحث في علوم القرآن، المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.\n• المبسوط، المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: ٤٨٣ هـ)، الناشر: دار المعرفة - بيروت الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n• المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، المؤلف: ضياء الدين بن الأثير، نصر الله","vol":"1","page":855},{"text":"بن محمد (المتوفى: ٦٣٧ هـ)، المحقق: أحمد الحوفي، بدوي طبانة، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة - القاهرة.\n• مجاز القرآن، المؤلف: أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمى البصري (المتوفى: ٢٠٩ هـ)، المحقق: محمد فواد سزكين الناشر: مكتبة الخانجى - القاهرة الطبعة: ١٣٨١ هـ.\n• المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.\n• مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن والخمسون - الإصدار: من رجب إلى شوال سنة ١٤٢٠ هـ\n• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، المؤلف: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: ٨٠٧ هـ)، المحقق: حسام الدين القدسي الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة عام النشر: ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.\n• المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n• مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز ﵀، المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر.\n• مجموعة الرسائل والمسائل، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، علق عليه: السيد محمد رشيد رضا الناشر: لجنة التراث العربي.\n• محاسن التأويل، المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ)، المحقق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار","vol":"1","page":856},{"text":"الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n• المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ)، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n• المحصول في أصول الفقه، المؤلف: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: ٥٤٣ هـ)، المحقق: حسين علي اليدري - سعيد فودة، الناشر: دار البيارق - عمان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• المحصول، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، دراسة وتحقيق: الدكتور طه جابر فياض العلواني، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• المحلى بالآثار، المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: ٤٥٦ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت.\n• المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة ﵁، المؤلف: أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (المتوفى: ٦١٦ هـ)، المحقق: عبد الكريم سامي الجندي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• مختار الصحاح، المؤلف: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي (المتوفى: ٦٦٦ هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد الناشر: المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا الطبعة: الخامسة، ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩ م.\n• مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، المؤلف: أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان (المتوفى:","vol":"1","page":857},{"text":"• هـ)، الطبعة: الثانية عشر، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n• مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)، المؤلف: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: ١٢٠٦ هـ)، المحقق: عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب، الناشر: مطابع الرياض - الرياض، الطبعة: الأولى.\n• مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، مؤلف الأصل: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، اختصره: محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: سيد إبراهيم، الناشر: دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n• مختصر العلامة خليل، المؤلف: خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي المالكي المصري (المتوفى: ٧٧٦ هـ)، المحقق: أحمد جاد، الناشر: دار الحديث/القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ مـ.\n• مختصر شعب الإيمان للبيهقي، المؤلف: عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، إمام الدين، أبو القاسم الكرخي التميمي القزويني الشافعيّ (المتوفى: ٦٩٩ هـ)، المحقق: عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير - دمشق، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: ابن اللحام، علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي (المتوفى: ٨٠٣ هـ)، المحقق: د. محمد مظهربقا، الناشر: جامعة الملك عبد العزيز - مكة المكرمة.\n• مختصر قيام الليل، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤ هـ)، اختصرها: العلامة أحمد بن علي المقريزي، الناشر: حديث","vol":"1","page":858},{"text":"أكادمي، فيصل اباد - باكستان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• مختصر كتاب الاعتصام، المؤلف: علوي بن عبد القادر السَّقَّاف، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ٩٩٧ م.\n• مختصر منهاج السنة، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، اختصره: الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، الناشر: دار الصديق للنشر والتوزيع، صنعاء - الجمهورية اليمنية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• مختصر منهاج القاصدين، المؤلف: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، المحقق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار البيان - مؤسسة علوم القرآن.\n• المخصص، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: خليل إبراهم جفال، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.\n• مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n• المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم، بن محمد بدران (المتوفى: ١٣٤٦ هـ)، المحقق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠١ هـ.\n• مذكرة في أصول الفقه، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة","vol":"1","page":859},{"text":"المنورة، الطبعة: الخامسة، ٢٠٠١ م.\n• المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ)، المحقق: طيار آلتي قولاج، الناشر: دار صادر - بيروت، سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n• مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، المؤلف: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (المتوفى: ١٤١٤ هـ)، الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.\n• مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة، المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: ٧٦٨ هـ)، المحقق: محمود محمد محمود حسن نصار، الناشر: دار الجيل - لبنان - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n• مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابن أبي الفضل صالح [٢٠٣ هـ - ٢٦٦ هـ]، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، الناشر: الدار العلمية - الهند.\n• مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، المؤلف: إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (المتوفى: ٢٥١ هـ)، الناشر: عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٢ م.\n• المستدرك على الصحيحين، المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: ٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":860},{"text":"• المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ.\n• المستصفى، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلميةالطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: ٢٤١ هـ)، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n• المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: ٢٦١ هـ)، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n• مشكاة المصابيح، المؤلف: محمد بن عبد ... الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي (المتوفى: ٧٤١ هـ)، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٩٨٥ م.\n• مشكل إعراب القرآن، المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: ٤٣٧ هـ)، المحقق: د. حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• المصنف، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: ٢١١ هـ)، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المكتب","vol":"1","page":861},{"text":"الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n• معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: ١٣٧٧ هـ)، المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، الناشر: دار ابن القيم - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n• معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، المؤلف: محمَّد بنْ حسَيْن بن حَسنْ الجيزاني، الناشر: دار ابن الجوزي، الطبعة: الطبعة الخامسة، ١٤٢٧ هـ.\n• معالم الاستنباط في التفسير، نايف بن سعيد الزهراني، الناشر: مجلة معهد الإمام الشاطبي، العدد الرابع، ذو الحجة - ١٤٢٨ هـ.\n• معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• معاني القرآن وإعرابه، المؤلف: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: ٣١١ هـ)، الناشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n• معاني القرآن، المؤلف: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء (المتوفى: ٢٠٧ هـ)، المحقق: أحمد يوسف النجاتي / محمد علي النجار / عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، الناشر: دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر الطبعة: الأولى.\n• المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، المؤلف: عواد بن عبد الله المعتق، سنة النشر: ١٤١٦ - ١٩٩٥ م.\n• المعتصر من المختصر من مشكل الآثار، المؤلف: يوسف بن موسى بن محمد، أبو المحاسن جمال الدين المَلَطي الحنفي (المتوفى: ٨٠٣ هـ)، الناشر: عالم الكتب - بيروت.","vol":"1","page":862},{"text":"• المعجزة الكبرى القرآن، المؤلف: محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي.\n• المعجم الأوسط، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني الناشر: دار الحرمين - القاهرة.\n• معجم الكتاب والمؤلفين في المملكة العربية السعودية، الدائرة للإعلام المحدودة، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• معجم المطبوعات العربية والمعربة، المؤلف: يوسف بن إليان بن موسى سركيس (المتوفى: ١٣٥١ هـ)، الناشر: مطبعة سركيس بمصر ١٣٤٦ هـ - ١٩٢٨ م.\n• معجم المناهي اللفظية وفوائد في الألفاظ، المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩ هـ)، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض الطبعة: الثالثة، ١٤١٧ هـ -١٩٩٦ م.\n• معجم المؤلفين، المؤلف: عمر بن رضا بن محمد راغب بن عبد الغني كحالة الدمشق (المتوفى: ١٤٠٨ هـ)، الناشر: مكتبة المثنى - بيروت، دار إحياء التراث العربي بيروت.\n• معجم ديوان الأدب، المؤلف: أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي، (المتوفى: ٣٥٠ هـ)، تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر، مراجعة: دكتور إبراهيم أنيس، طبعة: مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، عام النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، المؤلف: عمر بن رضا بن محمد راغب بن عبد الغني كحالة الدمشق (المتوفى: ١٤٠٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: السابعة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":863},{"text":"• معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: أ. د محمد إبراهيم عبادة، الناشر: مكتبة الآداب - القاهرة / مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n• معجم مقاييس اللغة، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: ٣٩٥ هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر.\n• معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م.\n• مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: ٩٧٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (مطبوع بهامش إحياء علوم الدين)، المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: ٨٠٦ هـ)، الناشر: دار ابن حزم، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• المغني لابن قدامة، المؤلف: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، عدد الأجزاء: ١٠ تاريخ النشر: ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n• مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى:","vol":"1","page":864},{"text":"• هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.\n• مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n• المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.\n• مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر، المؤلف: د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطَّيَّار، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n• مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (المتوفى: ٣٢٤ هـ)، المحقق: نعيم زرزور، الناشر: المكتبة العصرية الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n• ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: ٧٠٨ هـ)، وضع حواشيه: عبد الغني محمد علي الفاسي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n• الملل والنحل، المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (المتوفى: ٥٤٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الحلبي.\n• منار السبيل في شرح الدليل، المؤلف: ابن ضويان، إبراهيم بن محمد بن سالم (المتوفى: ١٣٥٣ هـ)، المحقق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: السابعة ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م.","vol":"1","page":865},{"text":"• مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام لأحمد الحبابي، تاريخ النشر ١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م، مكتبة الملك فهد الوطنية.\n• مناهل العرفان في علوم القرآن، المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: ١٣٦٧ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الطبعة الثالثة.\n• المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال، المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ) المحقق: محب الدين الخطيب.\n• منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﵌، المؤلف: عبد الله بن سعيد بن محمد عبادي اللّحجي الحضرميّ الشحاري، ثم المراوعي، ثم المكي (المتوفى: ١٤١٠ هـ)، الناشر: دار المنهاج - جدة الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ / ٢٠٠٥ م.\n• المنخول من تعليقات الأصول، المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، حققه وخرج نصه وعلق عليه: الدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان، دار الفكر دمشق - سورية الطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n• منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n• منهج الاستنباط من القرآن الكريم، تأليف: د. فهد بن مبارك الوهبي، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n• منهج الأشاعرة في العقيدة، المؤلف: سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الناشر:","vol":"1","page":866},{"text":"الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: السنة السادسة عشرة، العدد الثاني والستون ربيع الآخر- جمادى الآخرة ١٤٠ هـ/١٩٨٤ م.\n• منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى، المؤلف: خالد بن عبد اللطيف بن محمد نور، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، سنة النشر ١٤١٦ هـ أصله رسالة ماجستير، سنة النشر: ١٤١٦ - ١٩٩٥ م.\n• المهذب في علم أصول الفقه المقارن، (تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً)، المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n• المهذب في فقة الإمام الشافعي، المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: ٤٧٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n• الموافقات، المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠ هـ)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.\n• المواقف، المؤلف: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عضد الدين الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن عميرة، الناشر: دار الجيل - لبنان - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n• الموجز في قواعد اللغة العربية، المؤلف: سعيد بن محمد بن أحمد الأفغاني (المتوفى: ١٤١٧ هـ)، الناشر: دار الفكر - بيروت - لبنان، الطبعة: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n• موطأ الإمام مالك، المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: ١٧٩ هـ)، المحقق: بشار عواد معروف - محمود خليل، الناشر: مؤسسة الرسالة، سنة النشر: ١٤١٢ هـ.\n• موقف ابن تيمية من الأشاعرة، تأليف: عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ / ١٩٩٥","vol":"1","page":867},{"text":"م.\n• الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: ٢٢٤ هـ)، دراسة وتحقيق: محمد بن صالح المديفر الناشر: مكتبة الرشد بالرياض.\n• الناسخ والمنسوخ، المؤلف: أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: ٣٣٨ هـ)، المحقق: د. محمد عبد السلام محمد، الناشر: مكتبة الفلاح - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• الناسخ والمنسوخ، المؤلف: قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري (المتوفى: ١١٧ هـ)، المحقق: حاتم صالح الضامن، كلية الآداب - جامعة بغداد، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م.\n• نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي، المؤلف: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: ٥٨١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٢ - ١٩٩٢ م.\n• النحو الوافي، المؤلف: عباس حسن (المتوفى: ١٣٩٨ هـ)، الناشر: دار المعارف، الطبعة: الطبعة الخامسة عشرة.\n• النشر في القراءات العشر، المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى: ٨٣٣ هـ)، المحقق: علي محمد الضباع (المتوفى ١٣٨٠ هـ)، الناشر: المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية].\n• نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\n• نهاية الأرب في فنون الأدب، المؤلف: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري (المتوفى: ٧٣٣ هـ)،","vol":"1","page":868},{"text":"الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• نهاية الإقدام في علم الكلام، المؤلف: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني المتوفى: ٥٤٨ هـ، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى /١٤٢٥ هـ.\n• نهاية السول شرح منهاج الوصول، المؤلف: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: ٧٧٢ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.\n• نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، المؤلف: شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: ١٠٠٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة: ط أخيرة - ١٤٠٤ هـ/١٩٨٤ م.\n• نهاية المطلب في دراية المذهب، المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: ٤٧٨ هـ)، حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب، الناشر: دار المنهاج الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م.\n• النهاية في غريب الحديث والأثر، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك الجزري ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي.\n• نواسخ القرآن، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: محمد أشرف علي المليباري، وأصله رسالة ماجستير - الجامعة الإسلامية - الدراسات العليا - التفسير - ١٤٠١ هـ، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ/٢٠٠٣ م.\n• نيل الأوطار، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، الناشر: دار الحديث،","vol":"1","page":869},{"text":"مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n• هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة، المؤلف: علي بن أحمد بن حجر العسقلاني - محمد ناصر الدين الألباني، المحقق: علي حسن عبد الحميد الحلبي الأثري الناشر: دار ابن القيم - دار ابن عفان، سنة النشر: ١٤٢٢ - ٢٠٠١ م، رقم الطبعة: ١.\n• الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: ٤٣٧ هـ)، المحقق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي، الناشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n• الهداية في شرح بداية المبتدي، المؤلف: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبو الحسن برهان الدين (المتوفى: ٥٩٣ هـ)، المحقق: طلال يوسف، الناشر: دار احياء التراث العربي - بيروت - لبنان.\n• هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، المؤلف: إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (المتوفى: ١٣٩٩ هـ)، الناشر: طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية استانبول ١٩٥١، أعادت طبعه بالأوفست: دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان.\n• الوابل الصيب من الكلم الطيب، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ)، تحقيق: سيد إبراهيم، الناشر: دار الحديث - القاهرة رقم الطبعة: الثالثة، ١٩٩٩ م.\n• الوافي بالوفيات، المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: ٧٦٤ هـ)، المحقق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار","vol":"1","page":870},{"text":"إحياء التراث - بيروت، عام النشر: ١٤٢٠ هـ- ٢٠٠٠ م.\n• الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، المؤلف: الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي الناشر: دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - سورياالطبعة: الثانية، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n• الوجيز في عقيدة السلف الصالح (أهل السنة والجماعة)، المؤلف: عبد الله بن عبد الحميد الأثري، مراجعة وتقديم: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• وسطية أهل السنة بين الفرق (رسالة دكتوراة)، المؤلف: محمد با كريم محمد با عبد الله، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م.\n• الوسيط في تفسير القرآن المجيد، المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: ٤٦٨ هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، الدكتور أحمد محمد صيرة، الدكتور أحمد عبد الغني الجمل، الدكتور عبد الرحمن عويس، قدمه وقرظه: الأستاذ الدكتور عبد الحي الفرماوي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n• وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، المؤلف: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: ٦٨١ هـ)، المحقق: إحسان عباس الناشر: دار صادر - بيروت.\n• ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن، المؤلف: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرز الباوَرْدي، المعروف بغلام ثعلب (المتوفى: ٣٤٥ هـ)، المحقق: حققه وقدم له محمد بن يعقوب التركستاني، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - السعودية/ المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ -","vol":"1","page":871}]}