{"ً":{"ٌ":150305,"ٍ":"ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة\nإعداد: صهيب فايز عزام\nإشراف: الدكتور خضر سوندك\nقدمت هذه الأطروحة: استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في أصول الدين بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، نابلس.\nالعام الجامعي: ٢٠١٤\nعدد الصفحات: ١٧٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3021,"ٕ":19,"ٖ":1770156236,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1"],"ٚ":[{"title":"تصدير","level":1,"page":2},{"title":"إهداء","level":2,"page":3},{"title":"شكر وتقدير","level":2,"page":4},{"title":"إقرار","level":2,"page":5},{"title":"الملخص","level":2,"page":6},{"title":"المقدمة","level":1,"page":8},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":9},{"title":"أهمية الدراسة","level":2,"page":11},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":11},{"title":"مشكلة الدراسة","level":2,"page":12},{"title":"أهداف الدراسة","level":2,"page":12},{"title":"منهجية الدراسة","level":2,"page":12},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":14},{"title":"الفصل الأول: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة والاصطلاح ومعان ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":1,"page":17},{"title":"المبحث الأول: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة.","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في الاصطلاح.","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الثالث: معان ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":20},{"title":"الفصل الثاني: أنواع الإصابة وأسبابها عند ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":1,"page":24},{"title":"المبحث الأول: أنواع الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":25},{"title":"- المطلب الأول: الإصابة الحركية.","level":3,"page":25},{"title":"· المطلب الثاني: الإصابة الحسية.","level":3,"page":26},{"title":"- المطلب الثالث: الإصابة العقلية.","level":3,"page":27},{"title":"· المطلب الرابع: الإصابة التواصلية.","level":3,"page":28},{"title":"المبحث الثاني: أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":29},{"title":"· المطلب الأول: الإصابة بسبب عامل وراثي.","level":3,"page":29},{"title":"- المطلب الثاني: إصابة الجنين أثناء الحمل أو الولادة.","level":3,"page":31},{"title":"· المطلب الثالث: الإصابة بسبب التعرض للحوادث.","level":3,"page":33},{"title":"- المطلب الرابع: الإصابة بسبب الاعتداء.","level":3,"page":34},{"title":"· المطلب الخامس: الإصابة بسبب القصاص في الجنايات.","level":3,"page":35},{"title":"- المطلب السادس: الإصابة بسبب ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية.","level":3,"page":36},{"title":"الفصل الثالث: ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.","level":1,"page":37},{"title":"المبحث الأول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":40},{"title":"- المطلب الأول: هداية القرآن الكريم إلى الطريق القويم.","level":3,"page":41},{"title":"· المطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":41},{"title":"١. المودة والرحمة","level":4,"page":42},{"title":"٢. التكافل والتعاون","level":4,"page":42},{"title":"٣. الاحترام والتقدير بين أفراد المجتمع","level":4,"page":43},{"title":"٤. العدالة والمساواة","level":4,"page":43},{"title":"٥. الشورى","level":4,"page":44},{"title":"· المطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان.","level":3,"page":45},{"title":"- المطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم.","level":3,"page":46},{"title":"· المطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله ﷿.","level":3,"page":47},{"title":"- المطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى.","level":3,"page":48},{"title":"المبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":51},{"title":"- المطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده.","level":3,"page":52},{"title":"· المطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره.","level":3,"page":54},{"title":"- المطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى.","level":3,"page":56},{"title":"· المطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان.","level":3,"page":58},{"title":"- المطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره.","level":3,"page":61},{"title":"· المطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج.","level":3,"page":62},{"title":"- المطلب السابع: موقف عبد الله بن أم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى.","level":3,"page":63},{"title":"· المطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم.","level":3,"page":65},{"title":"- المطلب التاسع: موقف معاذ بن جبل وصبره على الإبتلاء بالعرج.","level":3,"page":66},{"title":"· المطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج.","level":3,"page":67},{"title":"- المطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده.","level":3,"page":68},{"title":"المبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":70},{"title":"- المطلب الأول: دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم.","level":3,"page":70},{"title":"· المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":71},{"title":"- المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم.","level":3,"page":73},{"title":"· المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف.","level":3,"page":75},{"title":"- المطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":77},{"title":"١. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال معاذ بن جبل الذي كان أعرج.","level":4,"page":78},{"title":"٢. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال عمرو بن الجموح الذي كان أعرج.","level":4,"page":78},{"title":"٣. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل (كانا أعرجين).","level":4,"page":78},{"title":"٤. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ابن أم مكتوم الذي كان أعمى.","level":4,"page":79},{"title":"٥. ما نزل من قرآن واستثني منه الضعفاء.","level":4,"page":80},{"title":"٦. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ضمرة بن العيص المصاب في بصره.","level":4,"page":80},{"title":"٧. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف الذي كان أعرج.","level":4,"page":81},{"title":"٨. ما نزل من القرآن الكريم بحق الضعفاء.","level":4,"page":81},{"title":"٩. ما نزل من القرآن الكريم دعما لذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":82},{"title":"١٠. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله طلحة بن عبيد الله الذي كانت يده مشلولة.","level":4,"page":82},{"title":"١١. ما نزل من قرآن لرفع الحرج عن ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":82},{"title":"١٢. ما نزل من قرآن وظن ثابت بن قيس الذي كان في أذنه وقر أنه قد نزل من اجله.","level":4,"page":83},{"title":"المبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.","level":2,"page":84},{"title":"- المطلب الأول: حقهم في الحياة.","level":3,"page":85},{"title":"· المطلب الثاني: حقهم في الكرامة.","level":3,"page":86},{"title":"- المطلب الثالث: حقهم في الحرية.","level":3,"page":86},{"title":"· المطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم.","level":3,"page":90},{"title":"- المطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك.","level":3,"page":91},{"title":"· المطلب السادس: حقهم في العمل.","level":3,"page":92},{"title":"- المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة.","level":3,"page":93},{"title":"· المطلب الثامن: حقهم في الزواج والإنجاب.","level":3,"page":95},{"title":"الفصل الرابع: ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.","level":1,"page":96},{"title":"المبحث الأول: مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.","level":2,"page":97},{"title":"- المطب الأول: عناية الرسول ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":98},{"title":"١. الضعفاء من أسباب الرزق والنصر.","level":4,"page":98},{"title":"٢. النبي - ﷺ - يختار ابن أم مكتوم - ﵁ - مؤذنا وهو أعمى.","level":4,"page":99},{"title":"٣. النبي - ﷺ - يلبي دعوة ضرير إكراما له.","level":4,"page":99},{"title":"٤. الرسول - ﷺ - يوجه المسلمين لاختيار الأمراء الأكفاء وإن كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":100},{"title":"٥. الرسول - ﷺ - يساوي بين دماء الضعفاء والأقوياء.","level":4,"page":101},{"title":"٦. قرب النبي - ﷺ - من ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":101},{"title":"٧. توجيه الرسول - ﷺ - لذوي الاحتياجات الخاصة لما هو خير لهم.","level":4,"page":102},{"title":"- المطلب الثاني: مراعاة الرسول - ﷺ - لقدرات الضعفاء.","level":3,"page":103},{"title":"١. الأوامر والتكاليف تؤدى بقدر الاستطاعة.","level":4,"page":103},{"title":"٢. مراعاة قدرات الضعفاء في الصلاة.","level":4,"page":104},{"title":"٣. النبي يوصي الأئمة بالتجوز في الصلاة مراعاة لقدرات الضعفاء.","level":4,"page":104},{"title":"٤. امتناع النبي - ﷺ - عن تأخير صلاة العشاء رحمة بالضعفاء.","level":4,"page":104},{"title":"٥. النبي - ﷺ - يلبي دعوة ضرير لييسر عليه أداء صلاة الجماعة","level":4,"page":105},{"title":"٦. إعفاء ذوي الاحتياجات الخاصة من وجوب الجهاد.","level":4,"page":106},{"title":"٧. العقل مناط التكليف.","level":4,"page":106},{"title":"- المطلب الثالث: رحمة النبي - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":107},{"title":"١. فضل من يرحم الضعفاء.","level":4,"page":107},{"title":"٢. أهمية التراحم بين أهل العافية وذوي الاحتياجات الخاصة","level":4,"page":108},{"title":"٣. الرسول يحذر من ظلم الضعفاء.","level":4,"page":109},{"title":"٤. من الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة عدم غيبتهم","level":4,"page":109},{"title":"٥. الرسول يوصي الأقوياء بأن يرحموا الضعفاء.","level":4,"page":110},{"title":"- المطلب الرابع: الرسول - ﷺ - يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":111},{"title":"١. التحذير من الاحتجاب عن الضعفاء وترك قضاء حوائجهم.","level":4,"page":111},{"title":"٢. من أعظم أبواب الصدقة معاونة ذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":111},{"title":"٣. الوعيد بالطرد من رحمة الله ﷿ لمن ضلل الأعمى.","level":4,"page":112},{"title":"٤. من أعان صاحب حاجة كان الله في عونه.","level":4,"page":113},{"title":"٥. حديث جامع في فضل من يعين ذوي الاحتياجات.","level":4,"page":113},{"title":"٦. حق المسلم وحرمة دمه","level":4,"page":114},{"title":"٧. الرسول - ﷺ - يأمر بنصرة الضعيف.","level":4,"page":114},{"title":"٨. الدفاع عن المسلم.","level":4,"page":115},{"title":"المبحث الثاني: توجيهات السنة النبوية لذوي الاحتياجات الخاصة.","level":2,"page":115},{"title":"- المطلب الأول: بشرى النبي - ﷺ - لذوي الاحتياجات الخاصة.","level":3,"page":116},{"title":"١. الإصابة في الأبدان علامة خير للإنسان.","level":4,"page":116},{"title":"٢. الجنة جزاء من صبر على الصرع","level":4,"page":116},{"title":"٣. من فقد بصره فصبر واحتسب عوضه الله الجنة","level":4,"page":117},{"title":"٤. أعرج يمشي برجله صحيحة في الجنة","level":4,"page":117},{"title":"٥. طلحة \"من المبشرين بالجنة\" ويده مشلولة","level":4,"page":118},{"title":"٦. تفقد ذوي الاحتياجات الخاصة والسؤال عنهم.","level":4,"page":119},{"title":"٧. إصابة الأجسام كفارة للخطايا والآثام.","level":4,"page":120},{"title":"٨. أن يرضى العبد بما اختاره الله فهو خير له.","level":4,"page":120},{"title":"٩. أهل البلاء يوم القيامة أعظم ثوابا.","level":4,"page":120},{"title":"١٠. رسول الله ﷺ يبشر الضعفاء بالجنة.","level":4,"page":121},{"title":"· المطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر.","level":3,"page":122},{"title":"١. مناط التفضيل بين الناس تقوى الله ﷿.","level":4,"page":122},{"title":"٢. يقدر الإنسان عند النبي - ﷺ - بالإيمان.","level":4,"page":123},{"title":"٣. الوزن يوم القيامة للإيمان لا للأجسام.","level":4,"page":123},{"title":"٤. إستعن بالله فأنت قوي.","level":4,"page":123},{"title":"٥. القرب من الله بسلامة الجوهر لا بسلامة المظهر.","level":4,"page":124},{"title":"٦. بالتقوى والإيمان يفضل الإنسان.","level":4,"page":125},{"title":"٧. افتخار الجنة واعتزازها بالضعفاء.","level":4,"page":125},{"title":"· المطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للإندماج في المجتمع.","level":3,"page":126},{"title":"١. الرسول يختار ابن أم مكتوم سفيرا مع مصعب الى المدينة المنوره ليعلم القرآن.","level":4,"page":126},{"title":"٢. صلاة الجماعة من أهم الأعمال لأفراد المجتمع.","level":4,"page":127},{"title":"٣. التعاون والتكافل.","level":4,"page":127},{"title":"٤. التواد والتعاطف بين افراد المجتمع توجيه نبوي.","level":4,"page":128},{"title":"٥. من رأى مبتلى في المجتمع.","level":4,"page":128},{"title":"٦. الضمان الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة.","level":4,"page":129},{"title":"٧. وأنت في المجتمع انظر الى من هو دونك.","level":4,"page":129},{"title":"٨. استعن على البلاء بالدعاء.","level":4,"page":130},{"title":"٩. كن مطمئنا: ما أصابك لم يكن ليخطئك.","level":4,"page":131},{"title":"١٠. إصبر على اختيار الله فهو الخير.","level":4,"page":131},{"title":"١١. شدة مآل صاحبها إلى الجنة.","level":4,"page":132},{"title":"· المطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال.","level":3,"page":133},{"title":"١. المسلم يجب بالبلاء.","level":4,"page":133},{"title":"٢. ابتلاء المسلم في الدنيا خير له.","level":4,"page":135},{"title":"٣. الشكر في الرخاء والصبر على البلاء علامة الإيمان.","level":4,"page":135},{"title":"٤. مثل المؤمن والمنافق.","level":4,"page":136},{"title":"٥. الصبر والرضا علامة تسليم.","level":4,"page":136},{"title":"٦. الابتلاء بالأجسام من علامات قوة الإيمان.","level":4,"page":137},{"title":"٧. من يشكر النعمة ويؤدي حقها تدوم عليه.","level":4,"page":138},{"title":"٨. النار مأوى للجبارين والجنة مأوى للضعفاء والمساكين.","level":4,"page":138},{"title":"المبحث الثالث: شخصيات ذوو احتياجات خاصة من أصحاب رسول الله خلدتهم السنة.","level":2,"page":140},{"title":"١. طلحة بن عبيد الله - ﵁ - \"يده مشلولة\"","level":3,"page":140},{"title":"٢. عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - \"كان مصابا بالعرج\"","level":3,"page":141},{"title":"٣. ابن أم مكتوم - ﵁ - \"كان أعمى\"","level":3,"page":141},{"title":"٤. عمران بن حصين - ﵁ - كان مقعدا","level":3,"page":142},{"title":"٥. عتبان بن مالك بن عجلان الأنصاري - ﵁ - \"كان أعمى\"","level":3,"page":143},{"title":"٦. معاذ بن جبل - ﵁ - \" كان مصابا بالعرج\"","level":3,"page":143},{"title":"٧. ثابت بن قيس - ﵁ - \"كان في أذنه وقر\"","level":3,"page":144},{"title":"٨. عبد الله بن عمير - ﵁ - \"كان أعمى\"","level":3,"page":144},{"title":"٩. أبو سفيان - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":145},{"title":"١٠. أبو قحافة - ﵁ - \"كان أعمى\"","level":3,"page":145},{"title":"١١. العباس بن عبد المطلب - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":146},{"title":"١٢. عبد الله بن عباس - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":147},{"title":"١٣. جابر بن عبد الله - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":149},{"title":"١٤. ابن أبي أوفى - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":150},{"title":"١٥. كعب بن مالك - ﵁ - أصيب بالعمى","level":3,"page":150},{"title":"١٦. أبو أسيد الساعدي - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":151},{"title":"١٧. عبد الله بن الأرقم - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":151},{"title":"١٨. حسان بن ثابت - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":152},{"title":"١٩. مخرمة بن نوفل - ﵁ - \"أصيب بالعمى\"","level":3,"page":152},{"title":"٢٠. أبو عنبة الخولاني - ﵁ - \"كان أعمى\"","level":3,"page":153},{"title":"٢١. أسماء بنت أبي بكر ﵄ \"أصيبت بالعمى\"","level":3,"page":153},{"title":"٢٢. أم زفر الحبشية ﵂ \"مصابة بالصرع\"","level":3,"page":154},{"title":"خاتمة البحث: وفيها أهم النتائج والتوصيات.","level":1,"page":156},{"title":"قائمة المراجع والمصادر","level":1,"page":157}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,2":2,"المقدمة,3":3,"المقدمة,4":4,"المقدمة,5":5,"المقدمة,13":6,"المقدمة,14":7,"1,1":8,"1,2":9,"1,3":10,"1,4":11,"1,5":12,"1,6":13,"1,7":14,"1,8":15,"1,9":16,"1,10":17,"1,11":18,"1,12":19,"1,13":20,"1,14":21,"1,15":22,"1,16":23,"1,17":24,"1,18":25,"1,19":26,"1,20":27,"1,21":28,"1,22":29,"1,23":30,"1,24":31,"1,25":32,"1,26":33,"1,27":34,"1,28":35,"1,29":36,"1,30":37,"1,31":38,"1,32":39,"1,33":40,"1,34":41,"1,35":42,"1,36":43,"1,37":44,"1,38":45,"1,39":46,"1,40":47,"1,41":48,"1,42":49,"1,43":50,"1,44":51,"1,45":52,"1,46":53,"1,47":54,"1,48":55,"1,49":56,"1,50":57,"1,51":58,"1,52":59,"1,53":60,"1,54":61,"1,55":62,"1,56":63,"1,57":64,"1,58":65,"1,59":66,"1,60":67,"1,61":68,"1,62":69,"1,63":70,"1,64":71,"1,65":72,"1,66":73,"1,67":74,"1,68":75,"1,69":76,"1,70":77,"1,71":78,"1,72":79,"1,73":80,"1,74":81,"1,75":82,"1,76":83,"1,77":84,"1,78":85,"1,79":86,"1,80":87,"1,81":88,"1,82":89,"1,83":90,"1,84":91,"1,85":92,"1,86":93,"1,87":94,"1,88":95,"1,89":96,"1,90":97,"1,91":98,"1,92":99,"1,93":100,"1,94":101,"1,95":102,"1,96":103,"1,97":104,"1,98":105,"1,99":106,"1,100":107,"1,101":108,"1,102":109,"1,103":110,"1,104":111,"1,105":112,"1,106":113,"1,107":114,"1,108":115,"1,109":116,"1,110":117,"1,111":118,"1,112":119,"1,113":120,"1,114":121,"1,115":122,"1,116":123,"1,117":124,"1,118":125,"1,119":126,"1,120":127,"1,121":128,"1,122":129,"1,123":130,"1,124":131,"1,125":132,"1,126":133,"1,127":134,"1,128":135,"1,129":136,"1,130":137,"1,131":138,"1,132":139,"1,133":140,"1,134":141,"1,135":142,"1,136":143,"1,137":144,"1,138":145,"1,139":146,"1,140":147,"1,141":148,"1,142":149,"1,143":150,"1,144":151,"1,145":152,"1,146":153,"1,147":154,"1,148":155,"1,149":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167},"ٜ":{"المقدمة":[1,14],"1":[1,172]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,13","المقدمة,14","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3],"5":[4],"6":[5],"8":[6],"9":[7],"11":[8,9],"12":[10,11,12],"14":[13],"17":[14],"18":[15],"19":[16],"20":[17],"24":[18],"25":[19,20],"26":[21],"27":[22],"28":[23],"29":[24,25],"31":[26],"33":[27],"34":[28],"35":[29],"36":[30],"37":[31],"38":[32],"40":[33],"41":[34,35],"42":[36,37],"43":[38,39],"44":[40],"45":[41],"46":[42],"47":[43],"48":[44],"51":[45],"52":[46],"54":[47],"56":[48],"58":[49],"61":[50],"62":[51],"63":[52],"65":[53],"66":[54],"67":[55],"68":[56],"70":[57,58],"71":[59],"73":[60],"75":[61],"77":[62],"78":[63,64,65],"79":[66],"80":[67,68],"81":[69,70],"82":[71,72,73],"83":[74],"84":[75],"85":[76],"86":[77,78],"90":[79],"91":[80],"92":[81],"93":[82],"95":[83],"96":[84],"97":[85],"98":[86,87],"99":[88,89],"100":[90],"101":[91,92],"102":[93],"103":[94,95],"104":[96,97,98],"105":[99],"106":[100,101],"107":[102,103],"108":[104],"109":[105,106],"110":[107],"111":[108,109,110],"112":[111],"113":[112,113],"114":[114,115],"115":[116,117],"116":[118,119,120],"117":[121,122],"118":[123],"119":[124],"120":[125,126,127],"121":[128],"122":[129,130],"123":[131,132,133],"124":[134],"125":[135,136],"126":[137,138],"127":[139,140],"128":[141,142],"129":[143,144],"130":[145],"131":[146,147],"132":[148],"133":[149,150],"135":[151,152],"136":[153,154],"137":[155],"138":[156,157],"140":[158,159],"141":[160,161],"142":[162],"143":[163,164],"144":[165,166],"145":[167,168],"146":[169],"147":[170],"149":[171],"150":[172,173],"151":[174,175],"152":[176,177],"153":[178,179],"154":[180],"156":[181],"157":[182]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"جامعة النجاح الوطنية\nكلية الدراسات العليا\n\nذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة\n\nإعداد\nصهيب فايز سعيد عزام\n\nإشراف\nالدكتور خضر سوندك\n\nقدمت هذه الأطروحة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في أصول الدين بكلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية، نابلس.\n٢٠١٤","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة\n\nإعداد\n\nصهيب فايز عزام\n\nنوقشت هذه الأطروحة بتاريخ: ١١/ ١٢/٢٠١٤ م، وأجيزت\nأعضاء لجنة المناقشة ... التوقيع\n١ - الدكتور خضر سوندك ... مشرف ورئيسا\n٢ - الدكتور مدين القرم ... ممتحنًا خارجيًا\n٣ - الدكتور خالد علوان ... ممتحنًا داخليًا","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>إهداء</span>\nإلى أُمي وأَبي ...\nاللذين لهما الفضل بعد الله ﷿\nفي تربيتي ونجاحي\nهما اللذان يُكثِران لي من الدعاء\nفَلهُما مني كلَّ الشُكر والثناء\nإلى زوجتي ...\nوالى أبنائنا يحيى وأحمد وبسمله وتسبيح\nالذين وقفوا إلى جانبي في مسيرتي التعليمية\nإلى كل مسلم ومسلمة\nوالى ذوي الاحتياجات الخاصة\n\nالباحث\nصهيب فايز عزام","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شكر وتقدير</span>\nالحمد لله رب العالمين، وله الشكر والثناء أن وفقني لإعداد هذه الرسالة وإتمامها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الذي دلنا على الخير وأمرنا بإتباعه، وعلمنا أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله.\nوأقدر عاليًا جهود أستاذي الدكتور خضر سوندك، أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية الشريعة بجامعة النجاح الوطنية، الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة، فله مني جزيل الشكر والعرفان على ما قدمه لي من توجيه وإرشاد، لكي تخرج هذه الرسالة في أحسن صورة.\nوأتقدم بجزيل شكري وعرفاني إلى السادة أعضاء لجنة المناقشة على تفضلهم بمناقشة هذه الرسالة وهم:\nد. خضر سوندك\nد. خالد علوان\nد. مدين القرم\nوالشكر موصول لوالدي أطال الله بقائهما ومتعهما متاع الصالحين فلم يفتأى بالدعاء لي آناء الليل وأطراف النهار بالتوفيق والسداد.\nوأقدر عاليًا جهود زوجتي الوفية أم يحيى التي وقفت إلى جانبي طوال مسيرتي التعليمية، فكانت عيني التي أبصر بها في دراستي ورسالتي، فلها مني جزيل الشكر والثناء.\nكما أتقدم بالشكر لمعلمي مربي الأجيال الأستاذ إبراهيم عبد الكريم (أبو لؤي) الذي تفضل بتدقيق هذه الرسالة لُغَويًا.\nكما وأشكر جميع من ساهم في إنجاز وإتمام هذا العمل وأخص بالذكر أخي م. راغب زيد (أبو أحمد) على جهوده، وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.\nالباحث\nصهيب فايز عزام","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>إقرار</span>\n\nانا الموقع أدناه، مقدم الرسالة التي تحمل العنوان:\nذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة\n\nأقر بأن ما اشتملت عليه هذه الرسالة إنما هو نتاج جهدي الخاص، باستثناء ما تمت الإشارة إليه حيثما ورد، وأن هذه الرسالة لم تقدم من قبل لنيل أي درجة أو لقب علمي أو بحثي لدى أي مؤسسة تعليمية أو بحثية أخرى.\n\nDeclaration\n\nThe work provided in this thesis، unless otherwise referenced، is the researcher's own work، and has not been submitted elsewhere for any other degree or qualification.\nاسم الطالب: ... Student's Name:\nالتوقيع: ... Signature:\nالتاريخ: ... Date:","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة\nإعداد\nصهيب فايز عزام\nإشراف\nد. خضر سوندك\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الملخص</span>\nلقد خَلُصَ الباحث إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة، إذا ما قورنوا بغيرهم من أهل العافية، فسيظهر عندهم نقص كلي أو جزئي في أطرافهم، أو عقولهم، أو حواسهم، بسبب عامل وراثي أو بيئي مكتسب، فبذلك تكون لهم قدرات وإمكانات تختلف عن أهل العافية في التعلم والعمل واكتساب المهارات والخبرات، لأنهم يفتقرون الى بعض الاحتياجات، وتتمثل هذه الاحتياجات في برامج أو أجهزة أو تعديلات بيئية.\nومصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة هو أفضل المصطلحات للتعريف بهذه الفئة من الناس، ولقد استخدم القرآن الكريم مصطلحات للدلالة على هذه الفئة، فمنها ما جاء صريحًا فسمي باسمه، ومنها ما جاء كناية وعبر عنه بوصفه.\nفالإسلام قد كرم ذوي الاحتياجات الخاصة، ورفع من قدرهم وشأنهم وقدَّم لهم كامل الرعاية، فالقرآن دعا للمساواة بينهم وبين غيرهم من الناس، وجعل التفاضل بناء على التقوى والإيمان، لا على الأشكال والألوان، وبين أن المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان، وأن ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله سبحانه، وبشّرهم لصبرهم على ما أصابهم بالأجر العظيم وبجنات النعيم، ولقد خَلَّد القرآن الكريم مواقف وقصصًا لأنبياء ورسل وصحابة من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان لهم دور عظيم في خدمة الدين وتبليغ رسالة رب العالمين، فالقرآن اعتنى بذوي الاحتياجات الخاصة، فدعا لاحترامهم ودمجهم في المجتمع وتلبية مطالبهم والتخفيف عنهم، وأنزل بحقهم قرآنًا يتلى، فنالوا حقوقا كاملة ورعاية حانية، وخلص إلى أن السُنَّة النبوية دعت في أحاديث كثيرة إلى تقدير واحترام ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم العون لهم، فالرحمة بهم سبب لنيل رحمة الله، وهم سبب من أسباب الرزق والنصر، ودعتهم للصبر والرضا لتُرفع درجاتهم، ولينالوا بعد ذلك رحمة الله ويدخلوا الجنة.\nوخَلُصَ الباحث إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة، قد نَعِموا في المجتمع الإسلامي بعيشة كريمة، حيث المودة والرحمة والتعاون والإخاء والعدالة والمساواة، كما أن لهم دورًا كبيرًا في نصرة الدين وتقديم الخير لأفراد المسلمين، وخَلُصَ إلى أن ذوي الاحتياجات الخاصة قد تَمَيَّز منهم الكثير","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"وبرزوا في معظم المجالات، فمنهم القارئ والمفسر والمحدّث والفقيه والشاعر الأديب وغير ذلك. وخَلُصَ إلى عدة نتائج منها:\n١ - أن الإسلام دين الرحمة، فبالقرآن والسنة آيات وأحاديث كثيرة تدعو لاحترام ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم كامل الرعاية لهم.\n٢ - العناية بالضعفاء وتكريمهم عامل من عوامل الخروج من حالة الوهن التي تعيشها الأمة.\n٣ - أن ذوي الاحتياجات الخاصة يمتلكون قدرات وطاقات كامنة تفوق أحيانًا قدرات أهل العافية وهذه القدرات والطاقات لم تستثمر وتوجه في الوقت الحاضر بالشكل الصحيح.","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، الحمد لله مسبب الأسباب وخالق الإنسان من تراب، الحمد لله الحكيم العليم الذي بدأ خلق الإنسان من طين، وصوره وهو في قرار مكين، ونفخ فيه من روحه فكرمه أحسن تكريم، ثم جعل خلقه في أحسن تقويم، الحمد لله الذي جعل التفاضل بين الناس بناء على التقوى والإيمان، لا على الأشكال والألوان، والصلاة والسلام على خير الأنام ... محمد ﵊ وعلى آل بيته الكرام وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:\nفقد اهتم الإسلام بكل فئات المجتمع، ولا سيما ذوو الاحتياجات الخاصة الذين أولاهم عناية خاصة فحث المسلمين على الرعاية الكاملة لهم، وعليه جاءت الآيات الكريمة في كتاب الله تعالى، والأحاديث النبوية، لتؤكد للجميع أن الله تعالى يحث على نصرة الضعيف وإعانته قدر الاستطاعة، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١]\nوإن رسول الله - ﷺ - قد بين أن هؤلاء الضعفاء سببٌ من أسباب النصر والرزق، فعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). (١)\nفلقد بلغت رعاية الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة حدًا بالغًا من السمو والرفعة، ولا أدل على ذلك من قصة الصحابي الجليل ابن أم مكتوم الذي نزلت من أجله آيات كريمة:\n﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، ففي هذه الآيات عاتب الله ﷾ نبيه محمدًا - ﷺ -، وهو أفضل خلقه، والنموذج الفريد في الرحمة والتعاطف والإنسانية، وهي السمات التي أكدها القرآن الكريم بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\nومنذ ذلك التاريخ وتقدير واحترام ذوي الاحتياجات الخاصة توجه إسلامي، وقيمة دينية كبرى حظي في ظلالها هؤلاء الضعفاء بكل مساندة ودعم وتقدير، حتى وصل بعضهم إلى درجات كبيرة من العلم والمجد والنبوغ.\nومن خلال تتبعي لآيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بهذا الموضوع تبين لي حقائق مهمة، وضوابط للتصورات والقيم لا غنى للمسلم المعاصر عنها، وهو يعيش ويعايش مجتمعا أعمى أنظاره عن مسؤولياته تجاه هذه الفئة من المجتمع.\n_________\n(١) - أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، (توفي: ٢٧٥ هـ)،، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت- صيدا، المكتبة العصرية، كتاب الجهاد، باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة، ج ٣، ص ٣٢، حديث رقم: ٢٥٩٤، حكم الألباني صحيح.","vol":"1","page":1},{"text":"ودراستي هذه تتركز على الآيات والأحاديث النبوية التي تناولت هذا الموضوع، وعلى سير العظماء من ذوي الاحتياجات الخاصة ممن ورد ذكرهم في القران والسنة، الذين قهرت همتهم ألم مصابهم، فكانت آثارهم حبرا يكتب به صفحات التاريخ، فسوف أركز على هذه المحاور، من خلال دراستها دراسة موضوعية متأنية ومتعمقة، والإفادة منها في كل المناحي، في التصورات والقيم والسلوك وفي العقيدة والشريعة وفي الحكم والسياسة.\nوإني مقر أن هذا الجهد الذي قمت به هو جهد المُقِل، ولكنها محاولة للوقوف والتأمل والتدبر والاستنباط، فإن كان صوابا فمن الله تعالى فله الحمد والمنة، وإن كان الثاني فمني، ومن الشيطان واستغفر الله وأتوب إليه، مع رجوعي إلى الحق والتزامي به أنّى كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الدراسات السابقة</span>\nبعد البحث والتقصي، تبين للباحث عدم وجود دراسات إسلامية، تناولت الموضوع على نحو هذه الدراسة، علما بأن مفردات الموضوع متناثرة في بطون الكتب، وهذا من قبيل الثقافة الإسلامية، كما أن بعض الباحثين قد تناولوا بعض الجوانب المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أنهم قصروا بحوثهم على جانب من هذه الجوانب، كالحقوق أوالتربية أو الدمج ونحو ذلك، ... ومن هذه الدراسات:\n١. حقوق المعاقين في التربية الإسلامية، لعلي إبراهيم الزهراني، دارالبخاري، وقد تطرقت إلى حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة من الناحية الفقهية والقانونية.\n٢. رؤية الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة، بحث مقدم من الباحث الدكتور رواب عمار، في جامعة الخضير بالجزائر، وهو بحث مختصر، تحدث فيه باحثه عن تكريم الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة.\n٣. حقوق المعاق في الشريعة الاسلامية، للدكتور مروان القدومي، بحث مقدم في مجلة جامعة النجاح الوطنية - نابلس، للعام ٢٠٠٤، كان هدف الباحث من بحثه التعريف على مشكلة الإعاقة في التاريخ الاسلامي، وبيان أقوال الفقهاء فيهم، مشيرا إلى فكرة التكافل، والضمان الاجتماعي.\n٤. المعاق في الفكر الاسلامي، مقدم من الدكتور: ماهر الحولي، في الجامعة الاسلامية بغزة، للعام الدراسي ٢٠٠٧، وهي رسالة فكرية أكثر من كونها تعريفا بظاهرة الاحتياجات الخاصة، تحدث فيها عن روعة الفكر الاسلامي في تعامله مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكريمه لهم، وحرصه على الرقي بهم.\n٥. رعاية المعاقين في الفكر التربوي الإسلامي في ضوء المشكلات التي يواجهونها، للباحث رائد أبو الكاس، وهي رسالة ماجستير في التربية الاسلامية، في الجامعة الاسلامية بغزة، للعام","vol":"1","page":2},{"text":"(١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م)، باشراف الدكتور: محمود أبو دف، تحدثت هذه الرسالة عن عناية الاسلام بالمعاقين، والمتطلبات التربوية لرعاية المعاقين في الفكر الاسلامي.\n٦. الدمج الاجتماعي الشامل لذوي الاعاقة في المجتمع العربي الاسلامي، بحث مقدم من الدكتور إبراهيم النقيثان، في جامعة الملك سعود، بالمملكة العربية السعودية، للعام (١٤٣٣ هـ-٢٠١٢ م) وهو بحث يركز على الجانب التربوي الاجتماعي أكثر منه على الجانب الاسلامي الفكري. المعاق أوالمَعُوق بين الإسلام ومدارس أخرى.\n٧. بحث مقدم من الاستاذ المحامي: هيثم المالح، في سورية، وهو بحث في المقارنة بين القانون الاسلامي، وقوانين وضعية أخرى.\n٨. حقوف المعوقين في الشريعة الاسلامية، د. موسى البسيط.\n٩. وقد صدرت مؤخرا، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بغزة، تحت عنوان: \"ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم، دراسة موضوعية\"، وأشرف عليها الدكتور: عصام العبد زهد، ولم أجد أي معلومات تتعلق باسم المؤلف أو سنة النشر، وتناول الباحث في هذه الرسالة موضوع ذوي الاحتياجات الخاصة، ونظرة القرآن الكريم لهم، مقارنة مع نظرة غيرهم من العرب قبل الاسلام، ومن الغرب في الوقت الحاضر، مشيرا إلى حقوقهم في الإسلام.\nإلا أن هذه الرسالة لم تتناول موضوع ذوي الاحتياجات الخاصة على النحو الذي ستتناوله هذه الدراسة، ذلك لأن الباحث قَصَرَ رسالته على نظرة القرآن الكريم والمجتمع الإسلامي فقط لذوي الاحتياجات الخاصة دون توسع، ودون أن يتعداه إلى السنة النبوية، وَذِكر نماذج من رعاية القرآن الكريم والسنة النبوية لتلك الفئة، وهذا ما سوف نفصله ــ بإذن الله ــ في هذه الدراسة.\nكما أن الرسالة السابقة قد أدخلت ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة اليتامى، والأسرى، والمجرمين، إلا أن دراستي سوف تتركز على فئة محددة، هم ذوي الاحتياجات الخاصة الذين أصيبوا في أجسامهم، سواء كانت إصابتهم حركيةَ أو حسية أو عقلية.\nومن الدراسات السابقة بحث تقدمت به عام ٢٠١٠ م كمشروع تخرج لاستكمال تخصص التربية الإسلامية من جامعة القدس المفتوحة، بعنوان رعاية الإسلام لذوي الحاجات الخاصة، وقد أشرف عليه الدكتور أحمد عزام، وقد أوصاني هو وغيره أن أجعله أساسًا لرسالة ماجستير. كما تقدمت ببحث في مرحلة الماجستير بعنوان \"ذوو الحاجات الخاصة ممن خدموا السنة\" استكمالًا لمادة الحديث وعلومه وقد أشرف عليه الدكتور خالد علوان، فجعلت هذين البحثين نواة لهذه الدراسة.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>أهمية الدراسة</span>\nتكتسب هذه الدراسة أهميتها من طبيعة الموضوع الذي تعالجه، فهي تعالج قضية محورية ومركزية وشاملة في جوانب الإسلام المختلفة، سواء في التصورات أو العقيدة أو السلوك أو التشريع، ويمكن إجمال أهمية هذه الدراسة في الآتي:\n- أنها جاءت خدمة لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله الكريم ﵊.\n- رفع معنويات ذوي الاحتياجات الخاصة، عندما يعلمون مدى اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية بهم، فيصبروا ويحتسبوا أمرهم إلى الله تعالى.\n- بيان مدى اهتمام القرآن والسنة بهذه الشريحة المجتمعية.\n- تنبع أهمية الدراسة من أن فصولها وبحوثها قد رتّبت من خلال تجربة واقعية عاشها الباحث، حيث أنه يعاني من كف البصر.\n- حاجة المكتبة الإسلامية عامة، والدراسات الإسلامية خاصة إلى مثل هذه الدراسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أسباب اختيار الموضوع</span>\nإن اختيار هذا الموضوع كان الدافع له الآتي:\n١. أهمية هذا الموضوع لتعلقه بالقرآن والسنة.\n٢. حتى أُجَلّي هذا الموضوع في دراسة يسهل على قارئها تناوله والإلمام به.\n٣. لأبين اهتمام الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة وعنايته بهم.\n٤. التجربة الواقعية التي أعيشها، من خلال إصابتي بكف البصر.\n٥. ونظرا لكثرة ذوي الاحتياجات الخاصة وأعدادهم المتزايدة نتيجة الحروب والحوادث والعوامل الوراثية أردت أن أبين مكانة هؤلاء وكيفية رعايتهم.\n٦. بيان وتوضيح للناس كيف رفع الله من قيمتهم في المجتمع.\n٧. عدم توافر كتب متخصصة بهذا الموضوع في المكتبة الإسلامية نحو هذه الدراسة.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مشكلة الدراسة</span>\nتحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية:\n- ما معنى ذوي الاحتياجات الخاصة لغة واصطلاحا؟ وما دلالة ذلك في سياق القرآن والسنة؟\n- ما مدى اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية بذوي الاحتياجات الخاصة، وتكريمهم؟\n- ما مدى المساحة التي حاز عليها ذوو الاحتياجات الخاصة في المجتمع؟\n- كيف عُولجت هذه القضية بكل جوانبها المتعددة في القرآن والسنة؟\n- كيف عالج القران والسنة الآثار المترتبة على تهميشهم؟\n- ما الوسائل والطرق التي استخدمت في القرآن الكريم والسنة النبوية في التحذير من الإساءة لهم؟\n- ما هي حقوق هذه الفئة، وما هي واجباتهم؟\n- هل ضرب التاريخ لنا نماذج مشرفة لآثار أناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، خدموا كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وشرّفوا أمتهم؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>أهداف الدراسة</span>\nتتلخص أهداف هذه الدراسة بالآتي:\n- لفت الأنظار إلى اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية بذوي الاحتياجات الخاصة.\n- بيان الكيفية التي اتُّبِعت في القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عنهم.\n- الإفادة من هذه الآيات والأحاديث في حياة المسلم المعاصر من خلال ما يعيشه من أوضاع وتصورات ومسلكيات تناقض نظرة الشارع تجاههم.\n- التحذير من الداء العضال والسلوك المشين، والمتمثل في قلب الصورة تجاههم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>منهجية الدراسة</span>\nالمنهج المتبع في هذه الدراسة استقرائي تحليلي، وذلك من خلال تتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بموضوع البحث، ثم جمع هذه الآيات والأحاديث ودراستها وترتيبها، فبدأت بالآيات القرآنية وفسرتها من كتب التفاسير القديمة والحديثة، فجمعت بين المصادر والمراجع.","vol":"1","page":5},{"text":"فمن المصادر: جامع البيان في تأويل آي القرآن لشيخ المفسرين الإمام الطبري، والوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع الأحكام للإمام القرطبي.\nومن المراجع: التحرير والتنوير لطاهر بن عاشور، والمنار لمحمد رشيد رضا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وصفوة التفاسير للصابوني.\nكما وقفت على أسباب نزول الآيات للتعرف على الأمور المتعلقة بها وذلك بالرجوع الى كتب هذا العلم ككتاب أسباب النزول للواحدي، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي.\nوبعد ذلك جمعت الأحاديث المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة، والتي بينت فضلهم ومكانتهم، وما لهم وما عليهم، وعَنوَنتُ لها ورتبتها، واستخرجت بعض الفوائد منها، وجمعتها من أمهات كتب الحديث، كصحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد وغيرها، وبينت معانيها من كتب شروح الحديث، كفتح الباري شرح صحيح البخاري لإبن حجر، وشرح النووي على صحيح مسلم، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري وغيرها، وما بحثت عنه ولم أجده في الكتاب والسنة، بحثت عنه في الكتب الأخرى ككتب الفقه والسِّيَر والتاريخ وغيرها، فبينت مكانتهم في القرآن والسنة، وكيف أن الإسلام استطاع أن يؤهل ذوي الاحتياجات الخاصة ويرفع من قدرهم ومكانتهم، فلقد أنجَبَتْ الحضارة الإسلامية من هؤلاء أئمة ومفكرين وعلماء، حملوا مشعلها وَمَشَوْا بها عبر العصور والقرون، وجعلت في دراستي بعض القصص عن هؤلاء، لِمَا للقصص من أثر في نفس القارئ، فإن القصص تحيي القلوب وترفع من همم النفوس، ويمكن إجمال المنهج فيما يلي:\n١. اتبع الباحث في كتابته للرسالة المنهج الاستنباطي الاستقرائي أولا، من خلال جمع النصوص المتعلقة بهذا الموضوع من القرآن والسنة.\n٢. الالتزام بترقيم الآيات الكريمة مضبوطة بالحركات وكتابتها بالرسم العثماني، وعزوها إلى سورها في جميع مواطن الرسالة وتوثيقها.\n٣. الالتزام بتخريج الاحاديث والحكم عليها قدر الإمكان، متمثلا بأقوال العلماء في ذلك.\n٤. الرجوع إلى المصادر والمراجع الأصيلة قديمها وحديثها.\n٥. إعداد فهارس البحث: فهرس الآيات القرآنية، الأحاديث النبوية، الأعلام المترجم لهم، المصادر والمراجع، فهرس الموضوعات.\n٦. تفصيل كل فئة على حده، ثم ربط كل فئة من ذوي الاحتياجات الخاصة بعضها ببعض.\n٧. بيان غريب المفردات والغامض من العبارات الواردة، بالرجوع إلى معاجم اللغة العربية.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>خطة البحث</span>\nقمت بتقسيم الدراسة إلى مقدمه، وأربعة فصول، وخاتمة شاملة لأهم النتائج والتوصيات، ويتفرع عن كل فصل عدة مباحث، ويتفرع عن بعض المباحث مطالب فرعية، على النحو التالي:\nالفصل الأول: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة والاصطلاح ومعانٍ ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمبحث الأول: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة.\nالمبحث الثاني: مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في الاصطلاح.\nالمبحث الثالث: معانٍ ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالفصل الثاني: أنواع الإصابة وأسبابها عند ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمبحث الأول: أنواع الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: الإصابة الحركية.\n- المطلب الثاني: الإصابة الحسية.\n- المطلب الثالث: الإصابة العقلية.\n- المطلب الرابع: الإصابة التواصلية.\nالمبحث الثاني: أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: الإصابة بسبب عامل وراثي.\n- المطلب الثاني: إصابة الجنين أثناء الحمل أو الولادة.\n- المطلب الثالث: الإصابة بسبب التعرض للحوادث.\n- المطلب الرابع: الإصابة بسبب الإعتداء.\n- المطلب الخامس: الإصابة بسبب القصاص في الجنايات.\n- المطلب السادس: الإصابة بسبب ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية.\nالفصل الثالث: ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.\nالمبحث الأول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: هداية القرآن الكريم الى الطريق القويم.\n- المطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان.\n- المطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم.\n- المطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله عزوجل.","vol":"1","page":7},{"text":"- المطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى.\nالمبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده.\n- المطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره.\n- المطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى.\n- المطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان.\n- المطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره.\n- المطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج.\n- المطلب السابع: موقف عبد الله بن أُم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى.\n- المطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم.\n- المطلب التاسع: موقف معاذُ بْن جَبَلِ وصبره على الإبتلاء بالعرج.\n- المطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج.\n- المطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده.\nالمبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم.\n- المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم.\n- المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف.\n- المطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.\n- المطلب الأول: حقهم في الحياة.\n- المطلب الثاني: حقهم في الكرامة.\n- المطلب الثالث: حقهم في الحرية.\n- المطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم.\n- المطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك.\n- المطلب السادس: حقهم في العمل.\n- المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة.\n- المطلب الثامن: حقهم في الزواج والإنجاب.\nالفصل الرابع: ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.\nالمبحث الأول: مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.","vol":"1","page":8},{"text":"- المطلب الأول: عناية الرسول - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الثاني: مراعاة الرسول - ﷺ - لقدرات الضعفاء.\n- المطلب الثالث: رحمة النبي - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الرابع: الرسول - ﷺ - يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمبحث الثاني: توجيهات السنة النبوية لذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الأول: بشرى النبي ﷺ لذوي الاحتياجات الخاصة.\n- المطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر.\n- المطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للإندماج في المجتمع.\n- المطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال.\nالمبحث الثالث: شخصيات ذوو احتياجات خاصة من أصحاب رسول الله - ﷺ - خلدتهم السنة النبوية.\nخاتمة البحث: وفيها أهم النتائج والتوصيات.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الأول\nمفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة\nفي اللغة والاصطلاح\nومعانٍ ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة</span>\n\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\n\nالمبحث الأول - مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة.\nالمبحث الثاني - مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في الاصطلاح.\nالمبحث الثالث - معانٍ ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة.","vol":"1","page":10},{"text":"مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة\nفي اللغة والاصطلاح ومعانٍ ذات دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة\nما من مجتمع من المجتمعات قديما أو حديثا إلا وظهرت فيه مجموعة أو مجموعات من بني البشر، ابتلاهم الله ﷾ بنقص أو ضعف في أجسادهم أو عقولهم أو حواسهم، ابتلاءً لهم من جهةٍ وليختبر بهم غيرهم من جهة أخرى، فلا بد للمجتمع من رعاية هذه الفئة الضعيفة ومعرفة قدرها، ولقد أُفردت في القرآن الكريم والسنة النبوية نصوصٌ بَيَّنت قَدر ومكانة هذه الفئة وما لها وما عليها، ونظرًا لِأهمية هذا الموضوع فقد رأيت أن أُلقي الضوء عليه من خلال هذه الدراسة، والتي لا بد أن أمهد لها ببيان مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة والاصطلاح، فجاء هذا الفصل في مباحث ثلاثة:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-15> المبحث الأول- مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة:</span>\nلكل كلمة من كلمات اللغة العربية أصلٌ في اللغة، فلا بد من الرجوع الى معاجم اللغة للتعرف على اصلها وإستيضاح مدلولها، وفي هذا المبحث نستوضح معنى ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة.\nذوو بمعنى أصحاب، مفردها \"ذو الذي بمعنى صاحِبٍ\"، (١) فذوو الاحتياجات، أي أصحاب الاحتياجات، والاحتياجات جمع إحتياج كما جاء في معجم مقاييس اللغة: وهو ما يفتقر اليه الإنسان ويطلبه. (٢)\nوجاء في قاموس اللغة العربية المعاصر: \"أحوجَ يُحوج، إحواجًا، فهو مُحوِج، والمفعول مُحوَج \"للمتعدِّي\"، أحوج الشَّخصُ: افتَقَر وصار ذا حاجة \"أحوج بعد يُسرٍ\"، أحوج الأمرُ فلانًا إلى كذا: أحوج الأمرُ فلانًا لكذا: جعله مفتقرًا إليه\". (٣)\nوجاء في المعجم الوسيط: الاحتياجات جمع حاجة، يقال حاج حوجًا أي افتقر، ويقال أحوج إليه أي جعله محتاجا إليه، وتحوّج أي طلب الحاجة.\nوأما كلمة الخاصة: الخاصة: هم خلاف العامة، والذي تخصه لنفسك، وخاصة الشيء أي ما يختص به دون غيره، ويقال اختص أي افتقر إلى شيء. (٤)\nبناء على ما سبق من المعاني اللغوية يتبين ان ذوي الاحتياجات الخاصة فئة من الناس يفتقرون الى بعض الامور فيطلبونها، أو تطلب لهم ليحققوا ما يحتاجون اليه.\n_________\n(١) - الجوهري، ابو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، (توفي: ٣٩٣ هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق احمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط ٤، ١٤٦٧ هـ-١٩٨٧ م، ج ٦، ص ٢٥٥١.\n(٢) - انظر؛ ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، (توفي: ٣٩٥ هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ج ١، ص ٥٧٧.\n(٣) - عمر، د أحمد مختار عبد الحميد، (توفي: ١٤٢٤ هـ) بمساعدة فريق عمل، معجم اللغة العربية المعاصر، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م ج ١، ص ٥٧٧.\n(٤) - انظر؛ أنيس، إبراهيم، ومؤلفون، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٢، ج ١، ص ٢٠٤، ٢٣٠.","vol":"1","page":11},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-16> المبحث الثاني- مفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة في الاصطلاح</span>.\nبعد أن عَرَفنا مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة في اللغة بقي أن نتعرف على مدلوله من جهة الاصطلاح.\nهناك علاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفهوم ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم مجموعات من أفراد المجتمع يُقصِّرون عن مستوى الأفراد العاديين، الأمر الذي يتطلب الرعاية الخاصة بهم بما يتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم وظروفهم الخاصة، حتى يمكن الوصول بهم إلى مستوى أفضل من التوافق الشخصي، أو النفسي، أو الاجتماعي. (١)\nفذوو الاحتياجات الخاصة: \"هم أفراد يعانون نتيجة عوامل وراثية أو بيئية مكتسبة، من قصور القدرة على تَعلُّم أو اكتساب خبرات أو مهارات وأداء أعمال، يقوم بها الفرد العادي السليم المماثل لهم في العمر.\nوهناك تعريف آخر لذوي الاحتياجات الخاصة: وهو يعني أن في المجتمع أفرادا لهم احتياجات خاصة تختلف عن احتياجات باقي أفراد المجتمع، وتتمثل هذه الاحتياجات في برامج أو خدمات أو أجهزة أو تعديلات، وتحدد طبيعة هذه الاحتياجات، الخصائص التي يتسم بها كل فرد منهم\". (٢)\n\" وقد اتفق المشاركون في المؤتمر القومي الأول للتربية الخاصة عام (١٩٩٥ م) على استخدام مصطلح الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ويقصد به الفرد الذي يحتاج طوال حياته أو خلال فترة من حياته الى صفات خاصة، كي ينمو أو يتعلم أو يتدرب أو يتوافق مع متطلبات حياته، اليومية أو الأسرية أو الوظيفية أو المهنية.\nيمكن تعريف ذوي الاحتياجات الخاصة على أنهم الافراد الذين يعانون من اضطرابات خاصة، يمكن تشخيصها بأساليب علمية، في مرحلة المهد والطفولة والمراهقة\". (٣)\nبناء على ما سبق من التعريفات اللغوية والاصطلاحية يتبين ان ذوي الاحتياجات الخاصة، اذا ما قورنوا بغيرهم من أهل العافية، فسيظهر عندهم نقص كلي أو جزئي في أطرافهم، أو عقولهم، أو حواسهم، بسبب عامل وراثي أو بيئي مكتسب، فهم بذلك تكون لهم قدرات وإمكانات تختلف عن أهل العافية في التعليم والعمل واكتساب المهارات والخبرات، لأنهم يفتقرون الى بعض الاحتياجات، وتتمثل هذه الاحتياجات في برامج أو أجهزة أو تعديلات بيئية.\n_________\n(١) - انظر؛ غباري، محمد سلامه، رعاية الفئات الخاصة، الإسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، ٢٠٠٣ م، ص ١٣.\n(٢) - http://ejabat.google.com\n(٣) - ابراهيم، د. مجدي عزيز، مناهج تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، ص ٦٣، ٦٤.","vol":"1","page":12},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-17> المبحث الثالث- معانٍ ذاتُ دلالة لمصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nلا شك أن مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة، هو أفضل المصطلحات المستخدمة للتعريف بهذه الفئة من الناس، لأنه لا يترك أثرًا سلبيًا على نفسية صاحب الحاجة الخاصة، ومن يحيط به عند استخدامه، بخلاف المصطلحات الأخرى، التي درجت بين الناس كالمعاق، والعاجز، وأصحاب العاهات، فإنها تترك أثرًَا سلبيا على نفسية صاحب الحاجة الخاصة، أو من يحيط به، وهذا يخالف مقاصد الشريعة الإسلامية التي من مقاصدها حفظ النفس، فبناءً عليه لا يصح إيذاؤها بفعل أو كلمة أو إشارة.\nونجد القرآن الكريم قد راعى هذا الجانب النفسي، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: (١٥٦)]\nوالصبر على ثلاثة أنواع، صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الابتلاء.\n\" فالصبر ترك الشكوى، والصبر حَدُّهُ ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر\". (١)\nوقوله تعالى: ﴿مُّصِيبَةٌ﴾ أي كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، فتضمنت الآيتين الكريمتين ثناءَ الله تعالى على أصحاب الاحتياجات الخاصة \"المصابين\"، وامتَدَحهُم بصفة الصبر إن هم سَلَّموا أمرهم الى الله تعالى واسترجعوا، ولم يذكر صفة تؤذيهم في مشاعرهم وأحاسيسهم، مع أن مِنْ بينهم مَنْ فَقَدَ رِجله أو يده أو سمعه أو بصره، وقد أكد الله تعالى على هذا المعنى في آيات كثيرة، وفي السنة النبوية ما يدل على هذا المعنى:\n\"فعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة؟، قال وهم بالمدينة حبسهم العذر). (٢) فنجد النبي - ﷺ - قد أطلق عليهم مصطلح أصحاب الأعذار ولم يسمهم بتسمية سلبية كمصطلح العجزة، فالعاجز من أَتبع نفسه هواها وإن كانت اعضاؤه وحواسه سليمه، وجسمه قوي، فهذا هو العاجز الذي عجز أمام هواه، ولم يطلق عليهم المعاقين أو المُعَوَّقين فالمُعاق بالحقيقة من أعاقه عقله عن اتباع الحق والهدى.\n_________\n(١) - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين (توفى: ٦٧١ هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط ٢، ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م، ج ٢، ص ١٧٤.\n(٢) - البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله الجعفي، صحيح البخاري، (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه)، تخقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط ١، ١٤٢٢ هـ، كتاب المغازي، باب، ج ٦، ص ٨، حديث رقم ٤٤٢٣.","vol":"1","page":13},{"text":"قال تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ... (٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، قال ابن كثير: يعني: ليس ينتفعون بشيءٍ مِن هذه الجوارح الَّتي جعلها الله سببا للهداية.\nوكما قال تعالى في آية أُخرى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦]\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] هذا في حقِّ المُنافقين، وقال في حقِّ الكافرِين: ﴿... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧١] ولم يكونوا صما بُكما عُميا إِلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣] \". (١)\nوأرى أنه*:\nما فاقدُ السَّمعِ والإبصارِ نَحسبُهُ ... بين المعاقين أو مِنْ فَقْدِ أطرافِ\nإن المُعاقَ الذي ضاعت بَصيرته ... مع الإرادة والله هو الكافي\n\nوقد أُطلق مصطلح المعاقين على ذوي الاحتياجات الخاصة، من بعض أُناس من ذوي العافية والصحة دون أن يقدِّروا أبعاد هذا المصطلح على من أطلقوه عليه، ولو أن أحدًا من هؤلاء الذين أَطلَقوا هذا المصطلح أُصيب في أحد أطرافه، أو إحدى حواسه، ثم أُطلِق عليه هذا المصطلح فإنه لا يرضى بذلك.\nوأما كلمة \"المعوِقين\" التي وردت في القرآن الكريم، واحتج بها بعض مَنْ تَبَنّوا إطلاق مصطلح المعاقين على ذوي الاحتياجات الخاصة، فهذا فهم غير صحيح، فقد جاءت بصيغة الذم للمثبطين عن القتال.\nقال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾ [الأحزاب: ١٨].\n\"والمُعوِّقين جمع مُعَوِّق، وهو من يَكثر منه العَوْق وهو المنع من العمل والحيلولة دونه، والصيغة صيغة مبالغة نحو طوّف وسمّع، فالمعوِقين أي المثبطين عن القتال والمُخَذِّلين، بما يقولونه سرا في صفوف المؤمنين كالطابور الخامس في الحروب\". (٢)\n_________\n(١) - ابن كثير، اأبي الفدا إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي، (توفي ٧٧٤ هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمد حسين شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٩ هـ، ج ٣، ٤٦٣ - ٤٦٤.\n* صياغة: الأستاذ أحمد أبو الوفا، شاعر ومدرس متقاعد من بلدة السيلة الحارثية قضاء جنين.\n(٢) - أبو بكر الجزائري، جابر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، بيروت، دار الفكر، ١٩٩٦ م، ج ٤، ص ٢٥٤.","vol":"1","page":14},{"text":"\"إن مصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة أو الفئات الخاصة* هو أفضل وأعم من مصطلح المعاقين، لأن مصطلح معاقين يدل على الإعاقة الاجتماعية لفئات مثل: المجرمين الكبار، والمسجونين، والأحداث، المشردين، والمجانين، والمدمنين\". (١)\nوالأولى بنا أن نختار المصطلحات والأسماء التي لها معان حسنة وآثار ايجابية، كما كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، كما في اطلاق اسم المدينة المنورة على يثرب.\n\"عن ابي هريرةَ - ﵁ - قال: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (أُمرتُ بقرية تأكلُ القُرى*، يقولونَ يثرِب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد) \". (٢) فرسول الله - ﷺ - غيَّر اسم يثرب الى اسم المدينة لأن اسم يثرب يعطي معنى سلبيا فيثرب من التثريب وهو الملامة والتوبيخ.\n(فروي عن عائشة ﵂، أَن النبي - ﷺ -، كان يغير الاسم القبيح). (٣)\n\" (وعن أُسامة بن أَخدري، أَن رجلا من بني شَقِرة يقال له أَصْرَمُ، كان في النفر الذين أتو النبي - ﷺ -، فأتاه بغلام له حبشي اشتراه بتلك البلاد، فقال يا رسول الله اني اشتريت هذا فأحببت أن تسميه وتدعو له بالبركة، قال: ما اسمك؟ قال: أَصْرَمُ. قال: أنت زرعة) \". (٤)\nقلت: إِنما غير اسم الأصرم، لأَن معنى الصرم القطيعة، فكره لهذا، وغير النبي - ﷺ - اسم العاص وعزيزا وعتلة وشيطانا والحكم وغرابا وحبابا وشهابا، فَسماهُ هشاما، وسمى حَربًا سلما، وسمى المضطجع المنبعث، وأَرض تسمى عفره سماها خضره، وشعب الضلالة سماهم بني الرشد، وسمى بني مغواه بني رشد. (٥)\n\nومما اشتهر بين أفراد المجتمع الإسلامي، أنهم كانوا ينادون أصحاب الاحتياجات الخاصة بنقيض ما أصيبوا به مراعاة لمشاعرهم وأحاسيسهم، فيقولون عن الأعمى: فلان البصير، قال تعالى: ﴿... فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]\n_________\n(١) - أبو النصر، مدحت محمد، تأهيل ورعاية متحدي الإعاقة، مصر الجديدة، ايترك للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٤ م، ص ٨.\n*- ورد مصطلح الفئات الخاصة بدل ذوي الاحتياجات الخاصة في كتاب الإعاقة الجسمية للمؤلف ننفسه.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور - ﷺ - وسننه وأيامه)، كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس، ج ٣، ص ٢٠، حديث رقم ١٨٠٧١.\n(٣) - الترمذي، ابو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، (توفي: ٢٧٩ هـ)، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وابراهيم عطوة عوض، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي، ط ٢، ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م، أبواب الأدب، باب ما جاء في تغيير الأسماء، ج ٥، ص ١٣٥، حديث رقم ٢٨٣٩، حكم الألباني صحيح.\n*\"أمرت بقرية\": أي أمرت بالهجرة الى المدينة، \"تأكل القُرى\": أي تغلبها وتظهر عليها. (المباركفوري، أبو الحسن عبد الله بن محمد عبد السلام بن خان، (توفي: ١٤١٤ هـ)، مراعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، بنارس-الهند، ادارة البحوث العلمية والدعوة والاقتناء-الجامعة السلفية، ط ٣، ١٤٠٤ هـ-١٩٤٨ م، ج ٩، ص ٥٢٩.)\n(٤) - الحاكم، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، (توفى: ٤٠٥ هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م، كتاب الأدب، باب وأما حديث سالم بن عبيد النخعي في هذا الباب، ج ٤، ص ٣٠٧، حديث رقم ٧٧٢٩، تعليق الذهبي عل الحديث صحيح.\n(٥) - انظر؛ البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، (توفي: ٥١٦ هـ)، شرح السنة، كتاب الاستئذان، باب تغيير الأسماء، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ومحمد زهير الشاويش، دمشق، وبيروت، المكتب الإسلامي للنشر، ط ٢، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، ج ١٢، ص ٣٤٣.","vol":"1","page":15},{"text":"ولا زالت بعض البلاد العربية كالعراق مثلا تستخدم كلمة البصير للدلالة على الكفيف. وفي هذا الاستعمال ما يوحي بأن الناس يستعملونها بقصد الايماء بأن الكفيف رغم أنه فقد بصره، فبصيرته متفتحة (١).\nوينادون المشلول يا غلام، أي: يا صاحب النشاط والحركة كالغلام، \" ويُقَال لمن لدغه ذَوَات السمُوم سليم على معنى التفاؤل بسلامته\" (٢).\nوكان العرب قبل الاسلام يحرصون على الأسماء التي فيها التفاؤل ويبتعدون عن الأسماء السلبية، قال الأصمعيّ: \"إِنما سُمِّي اللّديغ سَليمًا لأنهم تَطَيَّروا من اللّدِيغ، فقلبوا المعنى، كما قالوا للحبَشي: أَبو البيضاء، وكما قالوا للفلاة: مَفازَة، تفاءلوا بالفوز وهي مَهلَكة\". (٣)\nولا زال مِن المسلمين مَن يستخدم هذه المصطلحات، فَيُسمون المراكز والمؤسسات التي تُعنى برعاية هذه الفئة من الناس أسماء ايجابية، فالمركز الذي يرعى الجانب الحركي يطلقون عليه مركز الإرادة، ومركز النور لرعاية الجانب البصري، ومركز الأمل للأمراض المستعصية، وذلك دعما لمعنوياتهم، ورفعا لهممهم، وتفاؤلا بمعافاتهم.\nفهذا أطيب لقلوبهم وأزكى لنفوسهم، فهم بذلك يدركون أن من حولهم يقدرون ذواتهم التي خلقها الله، وصورها كيفما شاء، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل. عمران: ٦].\nوقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨]\n_________\n(١) - انظر؛ ابراهيم، د. مجدي عزيز، مناهج تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، القاهره، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٣ م، ص ٤٨٩.\n(٢) - أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، (توفي: ٥٤٤ هـ)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، المكتبة العتيقة ودار التراث، ج ٢، ص ٢١٨.\n(٣) - الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، (توفي: ٣٧٠ هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ٢٠٠١ م، ج ١٢، ص ٣١١.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل الثاني\n\nأنواع الإصابة وأسبابها عند ذوي الاحتياجات الخاصة</span>\n\nويشتمل على مبحثين:\n\n• المبحث الأول- أنواع الاصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.\n\n• المبحث الثاني- أسباب الاصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.","vol":"1","page":17},{"text":"أنواع الإصابة وأسبابها عند ذوي الاحتياجات الخاصة\nيختلف تصنيف الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة باختلاف نوعها، إذ هم يختلفون فيما بينهم في كثير من النواحي، فهم ليسوا مجموعة واحدة متجانسة، وفي هذا الفصل أُبين اختلاف ذوي الاحتياجات الخاصة فيما يتعلق بالإصابة وأسبابها، وأسوقها في مبحثين:\n•<span data-type=\"title\" id=toc-19> المبحث الأول- أنواع الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nما من فرد من أفراد ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا ويعاني من إصابة ما، وفي هذا المبحث أبين هذه الاصابات وأنواعها في مطالب أربعة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الأول- الاصابة الحركية</span>.\nالمطلب الثاني- الاصابة الحسية.\nالمطلب الثالث- الاصابة العقلية.\nالمطلب االرابع- الاصابة التواصلية\n• المطلب الأول الإصابة الحركية:\nالاصابة الحركية عند ذوي الاحتياجات الخاصة يمكن إجمالها بأربعة فئات:\nأ. ... المُقعَدين، و\"المُقعَد: هو الذي لا يقدر على القيام، لزمانة* بِه، كأَنه قد أُلزم القعود\"، (١) ويعاني المُقعَدون من عيوب خَلْقِية أو مكتسبة تعجز فيها العضلات أو العظام أو المفاصل عن القيام بوظيفتها الطبيعية، وتؤثر في استخدامه لأطرافه وعضلاته، ومن أسباب هذه الإصابة شلل الأطفال، والشلل التشنجي، والإصابات الخلقية، وأمراض القلب، والحوادث وغيرها (٢).\nب. ... مبتوري الاطراف أو بعضها، يقال بتَر عضوًا: قطعه، استأصله، نزعه (٣). والبتر إما أن يكون في الأطراف الأربعة، أو في بعضها كبتر ثلاثة أطراف أو طرفين أو طرف أو جزءا من طرف.\nج. الأقزام، والقزم هو ضئيل الْجِسْمْ قصير الْقَامَة (٤)، ولا يصل طول الفرد الى ٩٠ سم مهما كان عمره الزمني، ويتميز أفراد هذه الفئة ببعض الصفات منها تخلف عقلي أحيانًا، حيث أن بعضهم لا يزيد مستوى الذكاء عنده عن مستوى البلهاء والمعتوهين، ويتميزون كذلك بالكسل والخمول، وتأخر في الحركة والجلوس. (٥)\n_________\n(١) - ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، (توفي: ٦٠٦ هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحي، بيروت، المكتبة العلمية، ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م، ج ٤، ص ٨٦.\n* وَرَجُلٌ زَمِنٌ أَي مُبْتَلىً بَيِّنُ الزَّمانة. والزَّمانة: الْعَاهَةُ. (ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الانصاري الرويفعي الافريقي، (توفي: ٧١١)، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط ٣، ١٤١٤ هـ لسان العرب، ج ١٣، ص ١٩٩).\n(٢) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد احمد، الاعاقة والمعوقون، المكتب الجامعي الحديث، ٢٠٠٩ م، ص ١٠٥.\n(٣) - انظر؛ د. احمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصر، ج ١، ص ١٥٧.\n(٤) - مصطفى، ابراهيم، والزيات، أحمد، وآخرون (مجمع اللغة العربية)، المعجم الوسيط، القاهرة، دار الدعوة، ج ٢، ص ٧٣٣.\n(٥) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ١٢٦.","vol":"1","page":18},{"text":"د. ... الشلل الدماغي وهو \"خلل ناتج عادة من تلف دماغيّ يحدث قبل الولادة أو أثناءَها، يتّسم بإصابة عضليَّة، وعدم القدرة على الضَّبط والتَّحكُّم في وظائف المخّ. (١)\n\" وتصنف حالات الشلل طبقا للطرف المصاب، وتشمل:\n١ - الشلل المنفرد أو الأحادي، ويكون في طرف واحد.\n٢ - الشلل النصفي \"شلل الجانب الواحد\"، وهو يصيب جانبًا واحدًا من الجسم.\n٣ - الشلل الثلاثي: وهو يصيب ثلاثة أطراف، عادة الساقان وأحد الذراعين.\n٤ - الشلل الكلي النصفي: وفيه تتأثر الأطراف الأربعة، وتكون الساقين أشد.\n٥ - الشلل النصفي: وتحدث الإصابة في الساقين فقط.\n٦ - الشلل المزدوج الرباعي: في الاطراف الأربعة إلا أن الإصابة في أحد جانبي الجسم تكون أشد من الجانب الآخر\". (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-21> المطلب الثاني الإصابة الحسية:</span>\nوهي إصابة حاستي السمع أو البصر، كأن يصاب السمع بالصمم وهو \"انسداد الأذن وثقل السمع\" (٣).\nويغطي مصطلح القصور السمعي مدى واسعًا من درجات فقدان السمع، يتراوح بين الصمم او الفقدان الشديد الذي يحد من عملية تعلم الكلام واللغة، والفقدان الخفيف الذي لا يحد من استخدام الاذن في السمع وتعلم الكلام واللغة (٤).\nوصنف العلماء الصمم الى ثلاثة أنواع، وهي:\n- الصمم الفطري الولادي: وهم الذين وُلِدوا صُمًّا.\n- الصمم المكتسب: وهم الذين فقدوا حاسة السمع بسبب حادث او مرض.\n- ضعاف السمع او المصابين بصعوبة في السمع: وهم الذين لديهم إحساس سمعي ناقص قد يكتمل وظيفته باستخدام السماعة (٥).\nوأما اصابة حاسة البصر، إما أن يكون بالعمى او بالضعف، فالعمى هو \"ذهاب البصر من العينين كلتيهما\" (٦).\nأما الضعف البصري فيعني ببساطة: الرؤية الأقل من الرؤية العادية، والتشخيص الذي يعده طبيب العيون أو الاخصائي في أمراض العيون، يؤكد ان الرؤية العادية توصف بـ\"٢٠\\ ٢٠\"،\n_________\n(١) انظر؛ د أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج ١، ص ٧٦٩.\n(٢) - رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون ص ١٠٤.\n(٣) - الزبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، (الملقب بمرتضى الزبيدي، توفي: ٢٠٥ هـ) تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية، ج ٣٢، ص ٥٢٣.\n(٤) - انظر؛ عبد الغفار، أ. د. أحلام رجب، الرعاية التربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، دار الفجر للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٣ م، ص ١١١.\n(٥) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ١١٥.\n(٦) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٤، ص ١٣٦.","vol":"1","page":19},{"text":"وهذا مقياس لحدة الرؤية، يعني ان الفرد يستطيع أن يرى جيدا عند ٢٠ قدما، فاذا كان الشخص لديه حدة بصر \"٢٠\\ ٤٠\" فإن ذلك يعبر عن ضعف متوسط في الرؤية، وهذا الفرد يستطيع أن يرى عند ٢٠ قدما ما يعتاد ان يرى عند ٤٠ قدما، أما ضعف الرؤية الملحوظ فيكون \"٢٠\\ ٢٠٠\" فالشخص الذي لديه مثل هذه الرؤية الضعيفة يعتبر كفيفا.\nومجال الرؤية المحدودة هو نوع آخر من الضعف البصري، فعند النظر أماما يكون لدى معظم الناس اقصى رؤية في مجال ١٨٠ درجة، وإذا أدّى سبب ما الى تقليل مجال الرؤية الى (٢٠) فإن الشخص في هذه الحالة يعد كفيفا، ولكن لا يزال لديه بعض الرؤية، وإذا كان الشخص لا يرى على الإطلاق فسوف يعتبر كفيفا بشكل كلي (١)، جاء في معجم اللغة العربية المعاصر \"كُفَّ بَصرُه: كَفَّ، فقد حاسّةَ الإبصار\". (٢)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-22> المطلب الثالث الاصابة العقلية: </span>وهي على ثلاثة انواع:\nالنوع الاول الجنون.\nالنوع الثاني السفه.\nالنوع الثالث العته.\nأما الجنون فهو إصابة العقل، جاء في معجم اللغة العربية المعاصر: \"يقال جُنَّ الرجلُ: زال عقله\" (٣)، والجنون قسمان جنون مطبق وجنون غير مطبق، فالمطبق هو الملازم الممتد وأما غير المطبق فهو الطارئ غير الملازم (٤)، وأما السفه فيكون لمن كان في عقله شيء، جاء في معجم تاج العروس، \"السفيه: خفيف العقل\"، (٥) وأما العته فجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية \" آفة توجِبُ خللًا في العقل، فيصير صاحبها مختلط الكلام، فيُشبِه بعضُ كلامه كلامَ العقلاءِ، وبعضه كلام المجانينِ\" (٦).\nوتَستخدم الجهات المعنية مصطلحات متعددة للدلالة على التخلف العقلي كمصطلح النقص العقلي أو الاعاقة العقلية، وتفضل منظمة الصحة العالمية* استخدام مصطلح التخلف العقلي، ويشير الى الانحرافات العقلية الناتجة عن صعوبات في القدرة على التعلم، هذا الى جانب بعض المصطلحات الاخرى المستخدمة في هذا المجال، مثل ضعف العقل، أو دون السوي عقليا،\n_________\n(١) - انظر؛ بوشيل وآخرون، ترجمة الدكتورة كريمان بدير، الاطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، القاهرة، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٤ م، ص ١٢٧ - ١٢٨.\n(٢) - د. أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج ٣، ص ١٩٤٤.\n(٣) - د. أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج ١، ص ٢٠٧.\n(٤) - انظر؛ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية، الكويت، دارالسلاسل، ط ٢، ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ، ج ١٦، ص ١٠١.\n(٥) - الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج ٣٦، ص ٤٠٠.\n(٦) - الموسوعة الفقهية الكويتية، ج ٧، ص ١٦٢.","vol":"1","page":20},{"text":"أو غير الأسوياء، أو غير العاديين، وينطوي استخدام مصطلح التخلف العقلي على عنصرين أساسيين هما:\n- أداء ذهني أقل من المتوسط.\n- خلل ملحوظ في قدرة الشخص على التكيف مع المتطلبات اليومية للبيئة الاجتماعية (١).\n•<span data-type=\"title\" id=toc-23> المطلب الرابع الاصابة التواصلية:</span>\nوهي إصابة في النطق والكلام، بحيث لا يظهر المتكلم كلامه إلا بعد جهد ومشقة، وفي القرآن الكريم ما حكاه الله ﷿ على لسان موسى، قال تعالى ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨]، فكانت عقدة اللسان مأخذا من فرعون على موسى فقال الله تعالى ما حكاه فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: ٥٢]، جاء في معجم الكليات \" (لا يكاد يبين) اي يبطئ في التكلم ولا يتكلم إلا بعد الجهد والمشقة\" (٢).\nويتمثل الاتصال قي القدرة على فهم وتفسير ونقل الرسالة بين طرفي الاتصال، وتشتمل اضطرابات الاتصال على كل العوامل المؤثرة على النمو اللغوي والقدرة على تبادل المعلومات اللفظية وغير اللفظية، وتعرف المشكلة اللفظية بأنها الاضطرابات المرتبطة بعملية نطق الألفاظ، بداية من الخلل الذي يصيب الأصوات أو التلعثم والاضطرابات اللغوية، مما يؤدي الى صعوبة في عملية الاتصال، وهي تنتج عن عوامل عضوية وغير عضوية (٣).\nوتشمل هذه الإصابة فئات القصور الكلي عن الكلام، أو القصور الجزئي، أو فقدان القدرة على النطق بدرجاته المتفاوتة، مثل: الكلام التشنجي، والتأتأة* والفأفأة*، واللجلجة، وهي التردد بالكلام (٤).\nوخلاصة هذا المبحث أن ذوي الاحتياجات الخاصة منهم من أُصيب إصابة حركية، أو إصابة حسية، أو إصابة عقلية، أو إصابة تواصلية، وقد تكون بعض الحالات إصابة مزدوجة أي أن الفرد مصاب بأكثر من إصابة في وقت واحد.\n_________\n(١) - انظر؛ أ. د. أحلام رجب، الرعاية التربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، ص ١٤.\n* منظمة الصّحة العالمية: هي واحدة من عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة متخصصة في مجال الصحة، وقد أنشئت عام ١٩٤٨، ومقرها الحالي في جنيف- سويسرا، (ويكيبيديا الموسوعة الحرة، www.Wikipedia.org) .\n(٢) - ابو البقاء الحنفي، ايوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، (توفي: ١٠٩٤)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج ١، ص ٧٥٠.\n(٣) - انظر؛ بوشيل وآخرون، الاطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، ص ١٤٣.\n(٤) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ١١٥ - ١١٦.\n* تأتأ الشَّخصُ: ردَّد التَّاءَ عند التّكلُّم لِعَيبٍ في نطقه. (د. أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة)، ج ١، ص ٢٧٩.\n* الفَأْفأَةُ: حُبسة في اللِّسان وغلبة الفاء على الكلام. (ابن ا، لسان العرب، ج ١، ص ١١٩).","vol":"1","page":21},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-24> المبحث الثاني- أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة</span>\nإن الإصابات عند ذوي الاحتياجات الخاصة ترجع الى أسباب وعوامل أدت الى حدوثها، اتناولها في هذا المبحث في مطالب ستة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الأول الإصابة بسبب عامل وراثي</span>.\nالمطلب الثاني: إصابة الجنين أثناء الحمل أو الولادة.\nالمطلب الثالث: الإصابة بسبب التعرض للحوادث.\nالمطلب الرابع: الإصابة بسبب الاعتداء.\nالمطلب الخامس: الإصابة بسبب القصاص في الجنايات.\nالمطلب السادس: الاصابة بسبب ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية.\n• المطلب الأول: الإصابة بسبب عامل وراثي:\nإن من أبرز أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة ما يعرف بالعامل الوراثي، فللعوامل الوراثية تأثير هام في نشوء الإصابة وتطورها، ويعزى لتلك العوامل السبب في حدوث حالات الإصابة المتوسطة والشديدة، وهي تشمل الحالات التي تنتقل من جيل الى جيل، إذْ يتم نقل الخصائص أو السمات، من السلف الى الخلف عن طريق الجينات* (١). مما يؤدي الى إصابة بعض الأفراد بالشلل، أو العمى، أو الصمم، ونحو ذلك.\nوقد يقع تساؤل هل الزواج من الأقارب بحد ذاته سبب للأمراض الوراثية؟\nأجيب على هذا التساؤل من ناحيتين: شرعية وطبية، أما من الناحية الشرعية فلم يثبت ما يدل على ذلك، وأما ما يتناقله الناس من قولهم غربوا النكاح وينسبونه الى النبي - ﷺ -، فهذا القول لم تثبت صحته الى النبي - ﷺ -، وقد بحثت في كتب الحديث عنه فلم أجده وأما ما ورد في هذا المعنى، فهي نصيحة من عمر بن الخطاب - ﵁ -، قدمها لآل السائب، الذين حصروا الزواج فيما بينهم، (عن ابن أَبي مُلَيكة قال: قال عمر لِآل السَّائب قد أَضوأتُم فانكحوا في النَّوابِغ، قال الحَربيُّ يعني تزوَّجوا الغرائب). (٢)\nجاء في معجم مقاييس اللغة: \"ضَوِيَ\" الضَّادُ والواوُ والياءُ أَصلٌ صحيحٌ يدلُّ على هُزال، يقال: غُلام ضاوِي: مهزول، وجارِية ضاوِيَّةٌ، وكانت العربُ تقول: إِذا تقارب نسبُ الأَبوين خرج الولدُ ضاوِيا (٣).\n_________\n(١) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ٧٥.\n*- الجين: \"وحدة وراثيَّة موجودة في الكروموسوم تحدِّد خصائص معيَّنة للكائن الحيّ\". (د. أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصر، ج ٣، ص ٢٤٢١).\n(٢) - ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني،، (توفى: ٨٥٢ هـ)، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٨٩ م، كتاب النكاح، باب ما جاء في استحباب النكاح وصفة المخطوبة وغير ذلك، ج ٣، ص ٣٠٩.\n(٣) - انظر؛ احمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٣، ص ٣٧٦.","vol":"1","page":22},{"text":"إن الاسلام لم يُحَرِّم زواج الأقارب، بل جعله مباحا دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ الَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠]\nقال الامام الطبري ﵀: فأحل الله له ﷺ من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، المهاجرات معه منهن دون من لم يهاجر منهن معه، يعني: اللاتي تزوجتهن بصداق مسمى. (١)\nفهذا نص صريح على زواج الأقارب، والنبي - ﷺ - زوج ابنته فاطمة لابن عمه علي - ﵁ -، إلا أن النبي - ﷺ - حثنا على حسن الاختيار سواءٌ أكان من الأقارب أم من غيرهم، عن عائشة قالت: قال - ﷺ -: (تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا اليهم). (٢)\nاما رأي العلم والطب بزواج الأقارب، فيقول الدكتور محمد الربيعي في كتابه \"الوراثة والإنسان\": \" كل منا يحمل من أربعة الى ثمانية جينات شريرة أو مشوهة، إلا أنها لا تشكل اي خطر على صحتنا، لأنها توجد متنحية، ولقد قدر أن كل واحد من ثلاثة أشخاص طبيعيين يحمل جينا مختبئا، يؤدي في حالة وجوده بشكل زوجي الى قصور عقلي خطير، وعند زواج شخص بآخر من نفس العشيرة، فان الاحتمال كبير في أن يكون الزوج حاملا لنفس الجين الشرير، ويرتفع ذلك الاحتمال عند الزواج من نفس العائلة، مما يؤدي الى زيادة مضطردة في احتمال ولادة أطفال مصابين بأحد الأمراض الوراثية، ويساوي احتمال ولادة طفل مصاب بمرض وراثي، لأولاد العم أو الخال من ٦ - ٨%، في مقابل احتمال ٣ - ٤% لظهور مثل ذلك المرض في المجتمع ككل، لذلك لا ينصح بزواج أبناء العم خصوصا، عند وجود حالة مرضية وراثية في العائلة\". (٣)\nفلا تعارض بين الشّرع والعلم فكل منهما يدعو لحسن الاختيار، فهو العامل الأساسي لتجنب الإصابة بالأمراض الوراثية، سواءٌ أكان مِنَ الأقارب أمْ مِنَ الأباعد.\n_________\n(١) - انظر؛ الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي أبو جعفر، (توفى: ٣١٠ هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة للنشر، ط ١، ٢٠١٤ هـ-٢٠٠١ م، ج ٢٠، ص ٢٨٤.\n(٢) - ابن ماجة، ابو عبد الله بن يزيد القزويني، (توفي: ٢٧٣ هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية، ط ١، ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م، أبواب النكاح، باب الأكفاء، ج ٣، ص ١٤، حكم الأرنؤوط حديث حسن بطرقه وشواهده.\n(٣) - د. محمد الربيعي، الوراثة والانسان، الكويت، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ص ٥٦، ٥٧.","vol":"1","page":23},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-26> المطلب الثاني: إصابة الجنين اثناء الحمل أو الولادة:</span>\nإن من اسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة، تعرض المرأة أثناء الحمل أو الولادة لأمور تضر بالجنين، فالأمور التي تضر بالجنين أثناء الحمل:\nأ - تناول المرأة الحامل لما يضر كشرب الخمور والتدخين، \" وقد تأكَّد منذ زمنٍ طويلٍ أن تعاطي الأم للخمور حتى ولو بمقدار بسيط يؤدي إلى ضمور رأس الجنين، وسوء نشاط قلبه وأطرافه ومفاصله ووجهه، ويتوقع لهذا الجنين أن يظهر نشاطًا زائدًا وبعض النوبات التشنجية\". (١)\nلذلك فان الله ﷿ أمرنا بالابتعاد عما يضرنا في ديننا وأبداننا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]\nوالفَلَاح يكون في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالسلامة والصحة والعافية والاستقامة على طريق الحق، وفي الآخرة بالنجاة من النار.\nجاء في تفسير المنار: فاجتنبوه أي فَاجتنبُوا ما ذُكِر كُلَّه، وابتعدُوا عنهُ، رجاء أَن تُفلحوا وتفوزوا بتزكيةِ أَنفُسكُم، ومُراعاة سلامة أَبدانكُم (٢).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النبي - ﷺ - قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) (٣)، وإنما حرم لسوئه وضرره على الانسان.\nب- تناول المرأة الحامل للأدوية من غير إشراف طبي، فقد أثبتت الدراسات العلمية تأثر الجنين بما تتعاطاه الأم من العقاقير ويشمل ذلك الأدوية، فبعض الأدوية التي تشمل المهدئات أو بعض الهرمونات وخاصة الهرمونات الجنسية تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على نمو الجنين، ويشمل ذك حبوب منع الحمل إذا تعاطتها الأم دون أن تعلم أنها حامل.\nج - التدخين، فقد اثبتت الدراسات أن أطفال الأمهات المدخنات، وخاصة أولئك اللاتي يدخن بشراهة، قد يولدون بنقائص واضحة في النمو الجسمي والعقلي والانفعالي.\nد - تعرض المرأة الحامل للأشعة الضارة التي تعرض الجنين للتشويه أو الضرر، فقد اثبتت الدراسات أن تعرض المرأة الحامل لجرعة من الإشعاع، كما هو الحال في أشعة أكس، يؤدي إلى الخلل الوراثي والإجهاض التلقائي ونقائص جسمية خطيرة (٤).\n_________\n(١) - صادق، آمال، وأبو حطب، فؤاد، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٤، ج ١، ص ١٧٨.\n(٢) - انظر؛ رضا، محمد رشيد بن علي، (توفى: ١٣٥٤ هـ)، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، مصر، نشرالهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، ج ٧، ص ٥٠.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، ج ١، ص ٥٨، حديث رقم ٢٤٢.\n(٤) - انظر؛ صادق وابو حطب، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، ج ١، ص ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"1","page":24},{"text":"هـ - استنشاق المرأة الحامل للغازات السامة قبل الولادة او اثناء الولادة فهي تلحق اضرارا بالمخ (١).\nفمن العوامل البيئية المؤثرة تلوث الماء الذي تشربه الأم، والطعام الذي تأكله، والهواء الذي تستنشقه، فهو يؤذي نمو المضغة والجنين، وبالطبع فإن معدَّل التلوث يزداد في المناطق الصناعية (٢).\nو- مرض المرأة الحامل وتعرضها لأزمات صحية أثناء الحمل يؤثر على الجنين وهذا ما أكدته الدراسات، وأشهر هذه الأمراض الحصبة الألمانية التي عرفت بخطرها على الجنين منذ عام ١٩٤٢، فإصابة الأم بالحصبة الالمانية وخاصة في الاسابيع الاولى من فترة الحمل قد يؤدي إلى فقدان الطفل بصره وسمعه، وقد يعاني من اضطراب القلب والكبد والبنكرياس والتخلف العقلي (٣).\nز - فقر الدم عند المرأة الحامل بسبب سوء التغذية يؤثر على الجنين، ولهذا فإن من المتوقع للأمهات سيئات التغذية في هذه الفترة، أن يلدن أطفالًا ذوي مخٍّ أقل في عدد خلاياه العصبية، وذوي وزن منخفض، وبالإضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من الدراسات أكدت وجود علاقة بين النقص الغذائي لدى الأم ونقص الوزن عند الولادة، أو ولادة الجنين ميتًا، أو التخلف في النمو، بالإضافة إلى التخلف العقلي (٤).\nالأمور التي تضر بالجنين اثناء الولادة:\nويمكن إرجاع الإصابة أثناء الولادة الى أربعة أسباب هي:\nأـ الولادة العسرة فهي تؤدي الى اختناق الجنين وإصابة المخ ومن ثم فهي سبب رئيس للتخلف العقلي، وتأخر نموه الحركي، وتؤثر بشكل سلبي على القدرة على التعلم.\nب - الولادة المبكرة، فالميلاد قبل النمو وخاصة بالنسبة للأطفال الذين يقل وزنهم عن ١٥٠٠ جرام، معرضون لاحتمال إصابتهم بإصابات حسية وعقلية.\nج - الصدمات الجسدية التي قد تصيب الجنين أثناء عملية الولادة، بسبب استخدام الأدوات الخاصة بالولادة، أو خلع لطرف من أطرافه من قبل من يشرف على الولادة، أو استخدام طريقة الولادة القيصرية، كل هذا يترك أثرًا على الجهاز العصبي للطفل.\nد - نقص الأكسجين، فامتداد ساعات الولادة يعرض الطفل للاختناق والزرقة، والموت نتيجة نقص الاكسجين (٥).\n_________\n(١) - انظر؛ بويشيل وآخرون، الاطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، ص ١١١.\n(٢) - انظر؛ صادق وابو حطب، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، ج ١، ص ١٨١.\n(٣) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ٧٨. وصادق وابو حطب، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، ج ١، ص ١٧٦.\n(٤) - انظر؛ صادق وابو حطب، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، ج ١، ص ١٧٥.\n(٥) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":25},{"text":"وقال صادق أبو حطب: وكل من نزيف المخ، والفشل في التنفس، يؤثر في كمية الأكسجين في الخلايا العصبية للمخ، ويؤدي الى حالة مرضية تسمى نقص أكسجين الأنسجة، ومن المعروف ان الخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي تحتاج الى الأكسجين، فإذا حرمت منه تموت، وإذا فقد الوليد كمية كبيرة من خلاياه العصبية في هذه الفترة، فإنه يعاني من تلف خطير في المخ، وقد يؤدي به ذلك الى الوفاة، وإذا عاش، فإنه قد يعاني من نقائص جسمية وعقلية ونفسية خطيرة (١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-27> المطلب الثالث: الإصابة بسبب التعرض للحوادث:</span>\nإن من ذوي الاحتياجات الخاصة من لم تكن إصابته بسبب عامل وراثي، كما لم يتعرض لمخاطر أثناء الحمل أو الولادة، إنما ولد بكامل صحته العقلية والجسدية والحسية، فأمضى طفولته بصحة وعافية، وتمتع بصحته في شبابه، ومنهم من تجاوز مرحلة الشباب وهو بكامل عافيته، لكنه تعرض لحوادث مفاجئة أثرت في عافيته وأفقدته بعض صحته، فإن صاحب العافية ليس بمأمن من الإصابة، لذلك فإن من تعاليم النبي - ﷺ - أن يسأل المسلم ربه أن يديم عليه نعمة الصحة والعافية، فعن عبد الله بن عمر، قال: كان مِن دُعاءِ النبي - ﷺ -: (اللهُمَّ إني أَعوذُ بك من زوال نِعمتك، وتحوُّل عافيَتِك، وفُجاءَة نِقمتكَ، وجَميعِ سَخطك) (٢)، وجاء في كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، \"وَتَحوُّل عافيتك\" أيِ: انتقالها مِنَ السَّمعِ والبَصرِ وسائرِ الأَعضاء، فإنْ قيل: ما الفرقُ بينَ الزَّوال والتَّحوُّل؟ قلت: فمعنى زوال النِّعمة ذهابها مِنْ غير بدل، أما تحوُّلُ العافيَة إبدَالُ الصِّحَّة بالمرض والغنى بِالفقرِ: فيصير المعنى أعوذ بك من تبدُّل ما رزقتني مِنَ العافية إلى البلاء والدَّاهيةِ (٣).\nهذا هو هدي النبي - ﷺ - الذي يعلمنا فيه ان نسأل الله دائما المعافاة والسلامة، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، أنه قال لأبيه: (يا أبت إني أَسمعُكَ تدعو كل غداة اللَّهم عافني في بَدَني، اللَّهُم عافني في سمعي، اللَّهُم عافني في بصرِي، لا إِله إِلا أَنت، تُعيدُها ثلاثا، حين تُصبِح، وثلاثا حين تُمسي، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يدعو بهنَّ فأنا أُحبُّ أن أستنَّ بسُنَّته). (٤)\nجاء في كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، \"اللهم عافني في بدني\"، أي من الأسقام والآلام، \"اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري\"، خصهما بالذكر عند ذكر البدن،\n_________\n(١) - انظر، صادق وابو حطب، نمو الانسان من مرحلة الجنين الى مرحلة المسنين، ج ١، ص ١٩٣.\n(٢) - مسلم، أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري، (توفى: ٢٦١ هـ) المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى ﷺ،، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبين الفتنة بالنساء، ج ٤، ص ٢٠٩٧، حديث رقم ٢٧٣٩.\n(٣) - انظر؛ القاري، علي بن (سلطان) محمد أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، (توفى: ١٠١٤ هـ)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، بيروت - لبنان، دار الفكر، ط ١، ١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م، ج ٤، ص ١٧٠٧.\n(٤) - ابو داود، سنن أبو داود، كتاب الأدب أبواب النوم، باب ما يقول إذا أصبح، ج ٤، ص ٣٢٤، حكم الألباني حسن الإسناد.","vol":"1","page":26},{"text":"لأن العين هي التي تنظر آيات الله المثبتة في الآفاق، والسمع يعي الآيات المنزلة فهما جامعان لدرك الآيات العقلية والنقلية (١).\nومن أبرز الحوادث التي يتعرض لها أصحاب العافية حوادث السير، التي كثرت في هذا الزمان بعدما زادت وسائل النقل والمواصلات وتطورت في سرعتها بشكل مرعب، فكثرت الحوادث فازدادت الإصابات، ومن الحوادث أيضا التي تسبب الإصابات الحوادث أثناء العمل، فكثير هم الذين أُصيبوا أثناء قيامهم بأعمالهم وأدائهم لوظائفهم وممارستهم لحرفهم ومِهَنِهم، كما أن من الحوادث التي قد يصاب بها بعض أهل العافية، الإصابة أثناء ممارسة الألعاب الرياضية. وهذا ما تعرض له الشيخ أحمد ياسين في شبابه مما أدى الى إصابته بالشلل أثناء ممارسته للألعاب الرياضية (٢).\nوهناك نوع آخر من الحوادث التي تسبب الإصابة بين أهل العافية وهي الحوادث الكونية، كالهدم والزلازل والفيضانات ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الرابع: الإصابة بسبب الاعتداء:</span>\nإن من أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة ما يكون بسبب الاعتداء، وهو على نوعين:\nالأول: ما يكون من اعتداء في الشجارات والخلافات، فكم من أناس من أهل العافية أصيبوا في أجسامهم، فبترت بعض أطرافهم، أو عطلت بعض حواسهم نتيجة للاعتداء عليهم.\nالثاني: ما يكون من اعتداء الكفار على المسلمين الآمنين في ديارهم وبيوتهم، أو أثناء المواجهة في ساحات المعارك، مما يؤدي الى إصابة بعضهم بإصابات مختلفة، كبتر بعض الأطراف، أو إتلاف بعض الحواس أو الإصابة بالشلل.\nفصاحب العافية عندما يصاب في ساحة المعركة يكون في حالة نفسية عجيبة، وشعوره الشديد بالحاجة الملحة لأي مساعدة من أخيه الذي يصاحبه في الخندق، فهو بحاجة الى اليد الحنونة التي تمتد اليه لتناوله لقمة طعام أو شربة ماء، أو شيئا من الدواء، وهو بحاجة أشد لكلمة طيبة لتثبيته وهو في تلك الحالة (٣).\nفهؤلاء هم أفضل ذوي الاحتياجات الخاصة، لبذلهم وعطائهم وإقبالهم على الجهاد للدفاع عن الإسلام والمسلمين.\n_________\n(١) - انظر؛ المناوي، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم (توفى: ١٠٣١ هـ)، فيض القدير شرح الجامع الصغير، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ط ١، ج ٢، ص ١٣٥.\n(٢) - انظر؛ اليافاوي، محمد اليافاوي، الشيخ احمد ياسين، فلسطين- القدس، دار الاباء للتوزيع والنشر، ط ١، ٢٠٠٤ م، ص ٢ - ١٤.\n(٣) - انظر؛ عزام، احمد سعيد صالح عزام، القتال في الكتاب والسنة واثره في الامة، باكستان- السند، قسم الدراسات الاسلامية جامعة باكستان، ١٩٩٥ م، ص ٣٩٢.","vol":"1","page":27},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-29> المطلب الخامس: الإصابة بسبب القصاص في الجنايات:</span>\nإن من أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يتعرض له أهل العافية عند إيقاع القصاص بهم، إن هم ارتكبوا جناية* من الجنايات التي توجب القصاص، وذلك فيما دون النفس كبتر طرف من الأطرف، أو إتلاف حاسة من الحواس.\nقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، قال الإمام السرخسي: \" اعلم بأنَّ الجناية اسمٌ لفعلٍ مُحرَّم شرعا سواء حل بمال أو نفس، ولكن في لسان الفقهاءِ يُراد بإطلاقِ اسم الجناية الفعلُ في النفوس والأطراف\" (١)،\nقد يقول قائل أو يسأل سائل هل نريد لأهل العافية السلامة أم الإصابة؟ الجواب على ذلك أن الله ﷿ شرع هذه العقوبة ليحيا الناس حياة طيبة قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] قال الإمام الطبري \" يعني تعالى ذكره بقوله:: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾، ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، ما مَنع به بعضكم من قتل بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة\" (٢)، فالتشريع القرآني فيه سعادة الإنسان، وهكذا كان هدي النبي ﵊.\n\"فعن عروة بن الزبيرِ، (أن امرأة سرقت في عهد رسول الله - ﷺ - في غزوة الفتحِ، ففزع قومها إِلى أُسامة بنِ زيد يستشفعونه، قال عروةُ: فلما كلمه أُسامة فيها، تلون وجه النبي - ﷺ -، فقال: أَتُكلِّمُني في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيّ قام خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكمْ: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها ثم أمر ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة ﵂: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إِلى النبي - ﷺ -) \". (٣)\n_________\n(١) - السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة (توفى: ٤٨٣ هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م، ج ٢٧، ص ٨٤.\n\n* الجِنَايَةُ: الذَّنْبُ والجُرْم وَمَا يَفْعَلُهُ الإِنسان مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعِقَابَ أَو الْقِصَّاصَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (ابن منظور، لسان العرب، بيروت، ج ١٤، ص ١٥٤). الجنحة: جريمة يُعاقب عليها الفاعل بالحبس أو الغرامة بمبلغ مُعيَّن، (معجم اللغة العربية المعاصر، ج ١، ص ٤٠٣).\n(٢) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٣، ص ٣٨٢.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب، ج ٥، ص ١٥١، حديث رقم ٤٣٠٤.","vol":"1","page":28},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-30> المطلب السادس: الإصابة بسبب ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية:</span>\nإن من أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يتعرض له أهل العافية بعد مرض عضوي، ينتج عنه إصابة دائمة كمرض السكري.\nفهناك مجموعة كبيرة من المضاعفات، التي تحدث لمرضى السكري الذين يهملون العلاج، والمعروف أن مضاعفات داء السكري طويلة الأمد، هي تسارع حدوث تصلب الشرايين، أو المرض القلبي الوعائي، وارتفاع ضغط الدم، وحدوث العمى، والتهابات حوض الكلى وهبوط عمل الكلية \"القصور الكلوي\"، وتلف الأعصاب، وبالأخص أعصاب العين والعضو التناسلي الذكري والأطراف، وازدياد خطر حدوث التشوه الخَلْقي في أجنة الحوامل المصابات بداء السكري (١). وغير ذلك من الأمراض كتجلط الدم الذي ينتج عنه أحيانا إصابات بالأطراف أو إصابة بالدماغ.\nأما الجانب النفسي، فنرى فيه أن الهموم النفسية تنعكس على الأعضاء الجسمية، فكثيرا ما ينتج عن الأمراض النفسية أمراض عضوية تؤدي الى إصابات دائمة.\nتساهم العديد من الامراض النفسية، الناتجة عن سوء التكيف الاجتماعي والنفسي في كثير من حالات الإصابة وخاصة عيوب النطق والكلام، مثل: التأتأة والفأفأة وغيرها (٢).\nأما الصدمات النفسية، فالسلوك الذي يتصف بالخبل أو الخرف*، يمكن أن ينتج عنه صدمات فسيولوجية* أو سيكولوجية* عديدة، وإن كل الفئات العمرية عرضة لمثل هذه الصدمات والإضطرابات، وهي ليست قاصرة على المسنين، فهم عرضة للخرف والمرض العقلي (٣).\nوفي نهاية هذا المبحث يتبين أن الاصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة ترجع الى عدة عوامل وهي العامل الوراثي، أو إصابة الجنين أثناء الحمل أو الولادة، أو التعرض للحوادث، أو بسبب الاعتداء، أو القصاص في الجنايات، أو ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية.\n_________\n(١) - انظر؛ مصيقر، عبد الرحمن عبيد عوض، الغذاء والتغذية (منشور أكاديميا)، ص ٥٥٩ - ٥٦٠.\n(٢) - انظر؛ رشوان، د. حسين عبد الحميد، الاعاقة والمعوقون، ص ٨٤.\n(٣) - انظر؛ الأشول، عادل عزالدين، علم نفس النمو من الجنين الى الشيخوخة، مكتبة الأنجلو المصرية، ص ٦٧١.\nالخبل والخرف: فساد في العقل، (انظر، المعجم الوسيط، ج ١، ص ٢١٧ وص ٢٢٨)\n* فسيولوجيا: علم وظائف الأعضاء في الحيوان والنبات (معجم اللغة العربية المعاصرة، ج ١، ص ٤٩٤)\n\n* سيكولوجيا: علم النفس أو علو الروح أو العقل (محمد جاسم محمد، المدخل الى علم النفس العام، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٤ م، ص ٣٦.)","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الثالث\nذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم</span>.\n\n• المبحث الأول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة.\n• المبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة.\n• المبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة.\n• المبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة.\n• المبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.","vol":"1","page":30},{"text":"ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.\nإن قَدْرَ ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم رفيع، ذلك أنهم من بني آدم الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له، وجعله وذريته خلائف في الأرض، فذوو الاحتياجات الخاصة كغيرهم يحملون بين جوانبهم نفخة من روح الله، فهم مكرمون وفي الأرض مستخلفون، فالقرآن منهج حياة وفيه آيات كثيرة عنيت بذوي الاحتياجات الخاصة ببيان ذكرهم ووصفهم وما وجه لهم من آيات وما لهم من حقوق وواجبات وما ذكر بشأنهم من قصص وكرامات، وفي هذا الفصل سألقي الضوء على ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم والذي جاء في مباحث خمسة:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-32> المبحث الاول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nاستخدم القرآن الكريم مصطلحات للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة، فمنها ما جاء صريحا فسمي بإسمه، ومنها ما جاء كناية وعبر عنه بوصفه.\nأما ما جاء صريحا كمصطلح (الأعمى) و(الأعرج) كما في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]، \" العمى: ذهاب البصر من العينين كلتيهما.\" (١) والأعرج هو من أُصيب في رجله يقال: \" عرج في السلم ارتقى، وعرج ايضا أصابه شيء في رجله فمشى مشية (العرجان)، \" (٢) ومصطلح (الأكمه) كما في قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ... (٤٩)﴾ [آل. عمران: ٤٩]، \" والأكمه: الذي يولد أعمى\". (٣) ومصطلحي (الأصم والأبكم) كما في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٨)﴾ [البقرة: ١٨]، الصمم: انسداد الأذن وثقل السمع، (٤) وأما \" الأبكم: الأخرس الذي لا يتكلم، \" (٥) ومصطلح (الجنون)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون (٥)﴾ [القلم: ٥١]، الجنون: \" جن الرجل: زال عقله.\" (٦) ومصطلح (السفه) كما في قوله\n_________\n(١) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج ٤، ص ١٣٦.\n(٢) - الرازي، زين الدين ابو عبد الله بن أبي بكر عبد القادر الحنفي، (توفي: ٦٦٦ هـ)، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت- صيدا، المكتبة العصرية- الدار النموذجية، ط ٥، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م، ج ١، ص ٢٠٤.\n(٣) - ابن منظور، لسان العرب، ج ١٣، ص ٥٣٦.\n(٤) - انظر؛ الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج ٣٢، ص ٥٢٣.\n(٥) - ابن فارس، مقاييس اللغة، ج ١، ص ٣٨٥.\n(٦) - د. احمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج ١، ص ٤٠٧.","vol":"1","page":31},{"text":"تعالى: ﴿... فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا ...﴾ [البقرة: ٢٨٢]. السفه: \" السفيه: خفيف العقل، وقال مجاهد السفيه: الجاهل.\" (١)\nوأما ما كني عنه وسمي بوصفه كمصطلح (الضعفاء) كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١]. جاء في معجم الوسيط: \" ضعف: ضعفا هزل او مرض وذهبت قوته او صحته\"، (٢) ومصطلح (أولي الضرر) كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ... (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، أولي الضرر: \" أي غير أولي الزمانة*، وقال ابن عرفة: أي غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد وهي الضرارة أيضا يقال ذلك في البصر وغيره\" (٣) ومصطلح (البلاء) كما في قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ... (١٨٦)﴾ [ال. عمران: ١٨٦]، \" البلاء: المحنة تنزل بالمرء ليختبر بها والغم والحزن والجهد الشديد في الأمر، \" (٤) ومصطلحي (الصابرين والمصيبة) كما في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقر: ١٥٦]، \"الصبر صبران: أحدهما: بدني لتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو اما بالعقل كتعاطي الاعمال الشاقة، او بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم.\nوثانيهما: الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع\"، (٥) أما مصيبة فهي مفرد جمعها مصيبات ومصائب، والمصيبة هي كل مكروه يحل بالإنسان وينزل به. (٦)\nومن هذه المصطلحات أيضا (ابيضت عيناه) كما في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨)﴾ [يوسف: ٨٤]، ابيضت عيناه وهو يعقوب ﵇: \" أي انقلبت الى حال البياض، قال مقاتل، لم يبصر بها ست سنين حتى كشفه الله بقميص يوسف.\" (٧) و(الوقر) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧]، \" الوقر: الثقل في الأذن\" (٨) و(العقدة)، كقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧]، \" عقدة اللسان: عدم الطلاقة في الكلام\" (٩)،\n_________\n(١) - الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج ٣٦، ص ٤٠٠.\n(٢) - مصطفى، ابراهيم، والزيات، أحمد، وآخرون، المعجم الوسيط، ج ١، ص ٥٤٠.\n(٣) - ابن منظور، لسان العرب، ج ٤، ص ٤٨٣.\n(٤) - مصطفى، والزيات، المعجم الوسيط، ج ١، ص ٧١.\n(٥) - التهانوي، محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمد صابر الفاروقي الحنفي (توفي: بعد ١١٥٨ هـ)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق د. علي دحروج، بيروت، مكتبة لبنان نا شرون، ط ١، ١٩٩٦ م، ج ٢، ص ١٠٥٨.\n(٦) - انظر؛ د. احمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصر، ج ٢، ص ١٣٣٠.\n(٧) - الواحدي، ابو الحسن علي بن احمد بن محمد بن علي، (توفي ٤٦٨ هـ)، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، تحقيق الشيخ علي محمد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ١، (١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م)، ج ٢، ص ٦٢٧.\n(٨) - ابن فارس، مقاييس اللغة، ج ٦، ص ١٣٢.\n(٩) - د. احمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصر، ج ٢، ص ١٥٢.","vol":"1","page":32},{"text":"وعدم الإابانة في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: ٥٢]، \" أي يبطئ في التكلم ولا يتكلم إلا بعد الجهد والمشقة.\" (١)\nومصطلح (الضر) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، \"الضر: ما كان من سوء حال او فقر أو شدة في البدن.\" (٢)\nومصطلح الإربة كما في قوله تعالى: ﴿... غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ...﴾ [النور: ٣١]، جاء في مختار الصحاح: \" ﴿غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ في الآية: هو المعتوه\" (٣).\nوهكذا نرى أن الله ﷿ قد أفرد في القرآن الكريم آيات ومصطلحات للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان مكانتهم وحقوقهم وواجباتهم وبيان ما لهم وما عليهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-33> المبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة</span>\nإن القرآن الكريم أُنزل لهداية البشرية وإسعادها، فهو موجه لجميع الشرائح والفئات، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين أولاهم القرآن الكريم عناية خاصة وفي هذا المبحث نتعرف على ما وَجَّه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من نصائح وتوجيهات، وجاء في ستة مطالب هي:\nالمطلب الأول: هداية القرآن الكريم الى الطريق القويم.\nالمطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة\nالمطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان.\nالمطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم.\nالمطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله عزوجل.\nالمطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى.\n_________\n(١) - ابو البقاء الحنفي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، (توفي: ١٠٩٤ هـ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج ١، ص ٧٥٠.\n(٢) - ابو حبيب، د. سعدي، القاموس الفقهي، دمشق - سوريا، دار الفكر، ط ٢، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م، ج ١، ص ٢٢٣.\n(٣) - الرازي، مختار الصحاح، ص ١٦.","vol":"1","page":33},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-34> المطلب الأول: هداية القرآن الكريم الى الطريق القويم:</span>\nأنزل الله سبحانه القران الكريم على نبيه - ﷺ - لينشر الهداية، ويسعد الخلق في الدارين، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة الذين خاطبهم القرآن الكريم، كما خاطب بقية الخلق في التكاليف والواجبات، إلا ما استثنوا منه لضعفهم وعدم قدرتهم القيام بهذه الواجبات، كما أعذر الأعمى والأعرج عن الجهاد، وجعلهم متساوين في الثواب والجزاء ان هم صبروا على بلائهم وقاموا بواجباتهم، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]، قال ابن كثير: أي طريق النجاة والسلامة والاستقامة، وينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحقق لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلي أقوم حالة (١).\nفبالقرآن نهتدي وبه نقتدي، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]، جاء في تفسير ابن كثير \" يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد - ﷺ - وهو القرآن الكريم، بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه، أن لهم جزاء كبيرا، أي يوم القيامة، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة، أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا أليما، أي يوم القيامة.\" (٢)\nوبالقرآن يقام القسط وينشر العدل ويرفع الظلم، فيأخذ كل ذي حق حقه، الضعيف والقوي والصغير والكبير، والذكر والأنثى، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة توجه ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان فضلهم وحقوقهم وواجباتهم، وكيفية احترامهم.\n\n• المطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة:\nلقد بين الله ﷿ في القرآن الكريم، أن المجتمع الإسلامي يقوم على عدة أسس، لتنظيمه وإسعاد أفراده في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، وذلك من خلال التزام أفراد المجتمع بواجباتهم ومعرفة حقوقهم، ومن بينهم ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين أولاهم المجتمع الإسلامي عناية فائقة، امتثالا لأوامر القرآن وتعاليم النبي - ﷺ -، ومن هذه الأسس:\n_________\n(١) - انظر؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٣، ص ٦١.\n(٢) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٥، ص ٤٥.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>١. المودة والرحمة:</span>\nقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].\nقال ابن كثير: \"أي يتناصرون ويتعاضدون\"، (١) وعن النعمان بن البشير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (٢)\nفمن صفات المؤمنين المودة، التي تجعلهم يتناصرون ويتعاضدون ويشعر بعضهم بشعور بعض ومن صفاتهم أيضا الرحمة التي لا تنفك عن المودة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد: ١٧].\nقال سيد قطب: إن المسلمين يوصي بعضهم بعضا بالصبر على العبء المشترك، ويثبت بعضهم بعضا، وهذا أمر غير الصبر الفردي، وإن يكن قائما على الصبر الفردي، وهو ألا يكون الفرد عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت، وكذلك التواصي بالمرحمة، فانه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف المسلمين عن طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتخاذه واجبا جماعيا فرديا في الوقت ذاته يتعارف ويتعاون عليه المجتمع. (٣)\nكم هي السعادة التي تغمر قلوب ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يعايشون هذه المعاني ويكونون في مجتمع مبني على التواد والتراحم، إنها لسعادة عظيمة تجعلهم لا يشعرون بنقص، ولا عُضادة لأن في المجتمع من يعوضهم عما فقدوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢. التكافل والتعاون:</span>\nومن أسس المجتمع الاسلامي التي وردت في القرآن الكريم التعاون والتكافل بين افراد المجتمع، قال تعالى: ﴿... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].\nجاء في تفسير الطبري: أي لِيُعِن بعضكم بعضا في البر والتقوى، والبر هو: العمل بما أمر الله به، والتقوى: إتقاء ما أمر الله إتقائه واجتنابه من معاصيه، ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم والعدوان، والإثم هو: ترك ما أمركم الله بفعله، والعدوان هو: تجاوز حدّ الله لكم في دينكم. (٤)\n_________\n(١) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم،، ج ٤، ص ١٥٣.\n(٢) -مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ج ٤، ص ١٩٩٩، حديث رقم ٢٥٨٦.\n(٣) - انظر؛ قطب، سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة وبيروت، دار الشروق، ط ١، ٢٠٠٥ م، ج ٦، ص ٣٩١٣.\n(٤) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج ٢، ص ٤٩٠.","vol":"1","page":35},{"text":"إن ذوي الاحتياجات الخاصة، عندما يعيشون بين أفراد مبدأهم التعاون على البر والتقوى، فإنهم لا يشعرون بضيق ولا يحزنون لضر ألم بهم، لان في المجتمع من يسابق لتقديم الخير للغير منطلقا من أساس التكافل والتعاون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٣. الاحترام والتقدير بين أفراد المجتمع:</span>\nكما ان من الأسس التي أرساها القرآن الاحترام والتقدير بين أفراد المجتمع المسلم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].\nقال سيد قطب: \" إن المجتمع الفاضل الذي يُقِيمه الإسلام بهدى القرآن، مجتمع له أدب رفيع، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس وهي من كرامة المجموع، ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس لأن الجماعة كلها واحدة، كرامتها واحده.\nوالقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وينهاهم أن يسخر قوم بقوم، أي رجال برجال، فلعلهم خير منهم عند الله، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله.\nوفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم، وتراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية، التي يوزن بها الناس، فهناك قيم أخرى قد تكون خافية عليهم يعلمها الله ويزن بها). (١)\nفعندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع الاحترام فيه متبادل، والتقدير فيه حاضرٌ، فإنهم يثقون بأنفسهم ولا يشعرون بخجل أمام الناس مما أصابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٤. العدالة والمساواة:</span>\nمن الأمور التي يحتاجها أفراد المجتمع العدالة والمساواة لذا قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرَّحمن: ٧].\nجاء في تفسير الطبري، \" وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، يقول تعالى ذكره: السماء رفعها فوق الأرض، وقوله: ﴿وَوَضَعَ المِيزَانَ﴾ يقول: ووضع العدل بين خلقه في الأرض\"، (٢) وقال سيد قطب ﵀: \" فميزان الحق وضعه ثابت راسخ مستقرٌ، وضعه لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث والأشياء، كي لا يختل تقويمها ولا يضطرب وزنها ولا تتبع الجهل والغرض والهوى، وضعه في\n_________\n(١) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ص ١٩٨٠.\n(٢) -الطبري، جامع البيان، ج ٧، ص ١٦٧.","vol":"1","page":36},{"text":"الفطرة ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن\"، (١) هذا عن العدالة. أما عن المساواة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\nجاءفي تفسير الطبري: يأمر الله الناس أن يحذروه، فلا يخالفونه فيما أمرهم به، ولا ما نهاهم عنه. ثم وصف نفسه بأنه خلق الناس جميعا من شخص واحد، وعرّف عباده كيف كان مبدأ خلقهم من النفس الواحدة، ونبههم إلى أنهم جميعا أبناء أب واحد وأم واحدة، وحق بعضهم على بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك النسب، وأمرهم الله أن يعطف بعضهم على بعض ليتناصفوا، ولا يتظالموا وليبذل القوي منهم للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله، والمراد من النفس الواحدة هو ادم ﵇، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، جاء في تفسير الطبري: خلق من النفس الواحدة زوجها وهو المخلوق الثاني المكمل لها، والمراد بالمخلوق الثاني: حواء، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، أي نشر من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء كثيرات. (٢)\nإن ذوي الاحتياجات الخاصة، يشعرون باطمئنان عندما يسود بين أفراد المجتمع العدل والمساواة، فلا انتقاص لذواتهم، ولا هضم لحقوقهم ولا ظلم لضعفهم، بل عدل وإخاء، قال تعالى:\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٥. الشورى:</span>\nأمر الله ﷿ بالشورى في آيات عديدة فقد أمر نبيه - ﷺ -، أن يشاور أصحابه قال تعالى: ﴿... وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، جاء في تفسير الواحدي: \" قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم إذا شاور بعضهم بعضا. وقال الضحاك: ما أمر الله نبيه بالمشورة إلا لما يعلم ما فيها من الفضل. (٣)\nفالشورى فيها خير كثير ومن هذا الخير، تطيب القلوب والوصول الى أفضل الآراء، لذا بيّن الله ﷿ أن من صفات المؤمنين الشورى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشُّورى: ٣٨].\nقال ابن كثير: \" أي لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: ﴿... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾، ولهذا كان ﵇ يشاورهم في الحروب، لِيُطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت\n_________\n(١) - سيد قطب، في الظلال، ج ٢، ص ٦٧٧.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان، ج ٧، ص ٥١٢ الى ٥١٦.\n(٣) - الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج ١، ص ٥١٢.","vol":"1","page":37},{"text":"عمر بن الخطاب - ﵁ - الوفاة حين طُعِنَ جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحه والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين\". (١)\nوبما أن ذوي الاحتياجات الخاصة من أفراد المجتمع المسلم، يُأخذ برأيهم ويُسمع لقولهم إذا كانوا أهلًا للشورى، لذا نجد أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قد جعل من بين الستة الذين اختارهم لتشاور في اختيار الخليفة طلحة بن عُبيد الله - ﵁ - والذي كانت يده مشلولة وعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - الذي كان أعرجَ، فالإسلام يدعو إلى أن يكونوا ممثلين في جميع مؤسسات المجتمع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-41> المطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان:</span>\nإن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة، لا ينقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم في الحياة، فان البلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان لا ما يصيب الأبدان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، قال ابن كثير \"يعنِي: لا ينتفعونَ بشيءٍ من هذه الجوارح الَّتي جعلها الله ﷿ سببًا لِلهداية، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦]، وقال تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨]، هَذَا في حقِّ المُنافقِين، وقال فِي حقِّ الكافرِين: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧١]، وَلم يَكونوا صمًّا بُكمًا عُميًا إِلا عن الهُدى، كما قال تعالى:: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣] فإن ما ذكر في القرآن الكريم عن الحواس يبين بأن سلامتها لا تقاس بصحتها إنما بأدائها لما خلقت له، فَمَن حاسة السمع عنده سليمة هو من يسمع الحق، وَمَن حاسة البصر عنده سليمة هو مَن يرى آيات الله في الكون ودلائل قدرته في ذلك، والذي لديه نطق سليم هو من يصونه\nعن الفحش في القول وينطق بالحق، فليس المعاق من فقد سمعه أو بصره أو يده أو قدمه، إن المعاق من تلقى له عقلا عن الحق أضله.\nفالمعاق حقا وفق المفهوم القرآني هو الذي لا يسخر عقله أو حواسه لما خلقت له لتهديه الى الله تعالى، بل هو أقل شأنا من البهائم التي آتاها الله هذه الحواس، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].\nقال الطبري في تأويل هذه الآية: \" (أَمْ تَحْسَبُ): يا محمد أن أكثر هؤلاء المشركين (يَسمعونَ) ما يتلى عليهم، فيعون (أَوْ يَعقلون) ما يعاينون من حجج الله، فيفهمون (إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ) يقول: ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها، ولا تفقه، بل هم من البهائم أضلّ\n_________\n(١) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٧، ص ١٩٣.","vol":"1","page":38},{"text":"سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم، ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم، بل يكفرونها، ويعصون من خلقهم وبرأهم \" (١).\nقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]، قال الطبري: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ): إنهم يبصرون الأشياء والأشخاص بأبصارهم، (ولكن تعمى القلوب الَّتي في الصُّدور) تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته (٢).\nأما الشيخ أبو بكر الجزائري فنجده يبين أهمية البصيرة فيقول: \" العبرة بالبصيرة القلبية لا بالبصر، فكم من أعمى هو أبصر للحقائق وطرق النجاة من ذي بصر حاد حديد، ومن هنا كان من المفروض على العبد أن يحافظ على بصيرته أكثر من المحافظة على عينيه، وذلك بأن يتجنب مدمرات القلوب من الكذب والترهات والخرافات، والكِبْر والعُجْب والحب والبغض في غير الله\". (٣)\nأما الشهيد سيد قطب فيعقب على الآية اذ يقول: \" ويمعن في تحديد مواضع القلوب التي في الصدور زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب مع وجه التحديد، ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى، وجاشت بالعَبْرَة، وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين وهي حولهم كثير.\nولكنهم بدلا من التأمل في تلك المصارع، والجنوح إلى الإيمان، والتقوى من العذاب .. راحوا يستعجلون العذاب الذي أخره الله عنهم إلى أجل معلوم.\" (٤)\nوفي موضع آخر يربط بين العمى الدنيوي والأخروي عندما يتعرض لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، \"أي من عمي في الدنيا عن دلائل الهدى، فهو في الآخرة أعمى عن طرق الخير، وأشد ضلالا.\" (٥)\n•<span data-type=\"title\" id=toc-42> المطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم:</span>\nلقد كرم الله تعالى الإنسان سواء في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم، وجعلهم في معظم المسؤوليات والجزاء متساوين، وجعل مناط التفاضل بينهم مبنيا على التقوى والإيمان، ولم يجعله بناء على الأحساب والأشكال والألوان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].\nقال الإمام الطبري: \" هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقربة تقربكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله اتقاكم\". (٦)\n_________\n(١) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٩، ص ٢٧٤.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج ١٨، ص ٦٥٢.\n(٣) - أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير، م ٣، ص ٤٨٣.\n(٤) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج ٤، ص ٢٤٣٠.\n(٥) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج ٤، ص ٢٢٤١.\n(٦) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٢، ص ٣١٢.","vol":"1","page":39},{"text":"فميزان التفاضل عند الله ﷿ هو التقوى والإيمان، لا الأشكال ولا الألوان ولا الأحساب ولا الأنساب، قال ابن كثير ﵀: \" فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله - ﷺ -.\" (١)\nفهكذا لا بد أن يكون منهج الناس في التعامل بينهم في الحياة لكي يسعدوا في الدنيا ويفلحوا في الآخرة، أما إذا حادوا عن هذا المنهج واتبعوا المنهج الجاهلي في التقييم، فان النتيجة تقدير من لا يستحق التقدير، وهضم حقوق أصحاب المكانة العالية عند الله ﷿ فتختل المعيشة في الحياة، قال سيد قطب ﵀: \" فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون =-٠٨ للنهوض بجميع الاحتياجات، وليس للجنس واللون واللغة والوطن، وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هناك ميزان واحد تتحد به القيم ويعرف به فضل الناس، وهو يزنكم عن علم وخبرة بالقيم والموازين: ان الله عليم خبير\". (٢)\n\n• المطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات فبقدر الله ﷿:\nإن الله ﷿ يقرر في القرآن الكريم أن كل شيء يصيب الإنسان هو بقضاء وقدر، فعندما يدرك أصحاب الاحتياجات الخاصة هذه المعاني يُسلمون أمرهم لله، ويؤمنون بقضاء الله، فالقرآن لا ينكر البلاء الذي يحل بالإنسان لكنه يُوَجِهنا الى الصبر والتحمل وانتظار الثواب والأجر بعد ذلك إن صبرنا على المصيبة.\nوالمصيبة جمعها مصيبات ومصائب، والمصيبة هي كل مكروه يحل بالإنسان وينزل به (٣).\nقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢].\nيقول الإمام الطبري في تفسيره للآية الكريمة: \"ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها، وذهاب زرعها وفسادها، (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) بالأوصاب والأوجاع والأسقام، (إِلا فِي كِتَابٍ) يعني: إلا في أمّ الكتاب، (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) يقول: من قبل أن نبرأ الأنفس، يعني: من قبل أن نخلقها، يقال: قد بَرَأَ الله هذا الشيء، بمعنى خلقه فهو بارئه.\" (٤)\nفعندما ترسخ هذه المعاني في نفوس ذوي الاحتياجات الخاصة لا يجزعون لما أصابهم ولا يحزنون لما ألَمَّ بهم فتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم وتسكن نفوسهم، قال تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].\n_________\n(١) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٧، ص ٣٦٠.\n(٢) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج ٦، ص ٣٣٤٨.\n(٣) - انظر؛ د. احمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصر، ج ٢، ص ١٣٣٠.\n(٤) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٣، ص ١٩٥.","vol":"1","page":40},{"text":"قال الطبري: \" يقول تعالى ذِكره: لَم يُصَبْ أَحدٌ من الخلقِ مُصيبةٌ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ يَقُولُ: إِلَّا بقضاء الله وَتقديره ذلك عليه ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يقول: ومن يُصدِّق بِالله، فيعلم أَنَّه لا أَحد تُصيبُه مُصيبةٌ إِلا بِإِذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفق الله قلبه بالتسليم لأَمره والرضا بقضائه\". (١)\nقد يقول قائل لماذا تنزل المصائب والابتلاءات على أهل الإيمان، فنجد الإمام القرطبي يقول: \"إن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أَن ما أَصاب من مصيبة في نفس أَو مال أَو قول أَو فعلٍ، يقتضي هَمَّا أَو يوجب عقابًا عاجلا أَو آجلا فبعلم الله وقضائه\". (٢)\nفهذه رسالة ربانية للمسلمين أنَّ كل شيء يقع إنما هو بقضاء وقدر، ومن المعلوم أنَّ المسلم لا يكتمل إيمانه إلا بتسليمه المطلق بالقضاء والقدر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ: (يا غُلامُ، أَو يا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنفعُكَ اللهُ بِهنَّ؟ \" فقُلتُ: بلى. فَقَالَ: \" احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّف إِلَيهِ في الرَّخاءِ، يَعرِفكَ في الشِّدَّةِ، وَإِذَا سأَلتَ، فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ، فَاستَعِن بِاللهِ، قَد جَفَّ القلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَو أَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم جَمِيعًا أَرَادُوا أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَكتُبهُ اللهُ عَلَيكَ، لَم يَقدِرُوا عَلَيهِ، وَإِن أَرَادُوا أَن يَضُرُّوك بِشَيءٍ لَم يَكتُبهُ اللهُ علَيكَ، لم يَقدرُوا عَلَيهِ، واعلَم أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكرَهُ خَيرًا كثِيرا، وأَنَّ النَّصرَ مَع الصَّبرِ، وأَنَّ الفَرجَ مَع الكَربِ، وأَنَّ مع العُسرِ يُسرا). (٣)\nفما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة يدخل في القضاء والقدر والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه قرآني وهدي نبوي، لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان مع التأكيد أن الحياة الدنيا عابرة والله ﷿ وعد في الآخرة ثوابا عظيما للمؤمنين الصابرين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-44> المطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى:</span>\nإن القرآن الكريم لم يهمل المصيبة الجسدية، ولم ينكر وجودها ولم يتجاهل أثرها في نفس صاحبها، ولذلك فقد وجه المسلم الى الصبر على ما يواجهه في هذه الحياة من متاعب ومصاعب، وما ينزل به من ابتلاء يحل في جسمه او في أهله، ووعده بالأجر العظيم إن هو صبر واحتسب، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحدثت عن الصبر والصابرين، وما وعدهم الله فيها من الأجر العظيم، فقد بشرهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]، قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: أي بشرهم لصبرهم على الإمتحان،\n_________\n(١) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٣، ص ٤٢١.\n(٢) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ١٨، ص ١٣٩.\n(٣) - احمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (توفي: ٢٤١ هـ)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م، مُسْنَدُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ج ٥، ص ١٩.حديث رقم ٢٨٠٣، حكم الأرنؤوط حديث صحيح.","vol":"1","page":41},{"text":"والتزامهم بأحكام الله، وأدائهم ما أمر الله، مع ابتلاء الله لهم، حيث كانوا يقولون: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، وجاء في صفوة التفاسير: \"وبشر الصابرين على المصائب والبلاء بجنات النعيم ثم بين تعالى تعريف الصابرين بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه، قالوا: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي استرجعوا وأقروا أنهم عبيد لله يفعل بهم ما يشاء.\" (٢)\nوفي معيّة الله للصابرين قال تعالى: ﴿... وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦].\nقال الشوكاني ﵀: \" أَخبَرهُم بأَنهُ مع الصَّابرين في كل أَمرٍ يَنبَغي الصَّبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يَغلِبُ مَن رُزقها غَالبٌ، ولا يُؤتى صاحبُها مِن جهة مِنَ الجهات، وإِن كانت كثيرةً \" (٣).\nوعن محبة الله لهم، قال تعالى: ﴿... وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].\nقال الرازي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: \" والمَعنى أَن مَنْ صَبرَ على تَحَمُّلِ الشدائد في طريق اللهِ ولم يُظهرِ الجزع والعَجزَ وَالهلعَ فإِن اللهَ يُحبُّهُ، ومحبَّةُ اللهِ تعالى للعَبدِ عبارة عن إِرادة إكرامه وإعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثَّواب وَالجنةِ، وذلك نهايةُ الْمَطلوب\". (٤)\nوأما عظم الأجر الذي أعده الله للصابرين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزُّمر: ١٠]،\nقال الطبري ﵀: إنما يعطي الله أهل الصبر على ما لقوا في الدنيا ثوابهم بغير حساب، (٥) وقال الأوزاعي: \"ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا.\" (٦)\nقال الامام القرطبي: والصبر يورث الرضى بقضاء الله، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات.\nفالصبر ترك الشكوى، والصبر حده ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر (٧).\nوفي نهاية هذا المبحث يتبين أن القرآن الكريم يهدي الى الطريق القويم، ويُعطي كل ذي حق حقه الضعيف والقوي، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة توجه ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان فضلهم وحقوقهم وواجباتهم، وأن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة لا ينقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم، فالبلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان لا ما يصيب الأبدان، فكرّم الله ﷿ الانسان سواء في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة أو غيرهم وجعلهم في معظم المسؤوليات والجزاء\n_________\n(١) - انظري؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٣، ص ٢٢١.\n(٢) - الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، القاهرة، دار الصابوني للطباعة والنشر، ج ١، ص ١٠٧.\n(٣) - الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، (توفي: ١٢٥٠ هـ)، فتح القدير، دمشق، وبيروت، دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، ط ١، ١٤١٤ هـ، ج ٢، ص ٣٥٩.\n(٤) - فخر الدين الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، (توفي: ٦٠٦ هـ)، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٣، ١٤٢٠ هـ، ج ٩، ص ٣٨١.\n(٥) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢١، ص ٢٧٠.\n(٦) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٧، ص ٧٩.\n(٧) - انظر؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٢، ص ١٧٤.","vol":"1","page":42},{"text":"متساويين، وما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله ﷿، والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه قرآني وهدي نبوي لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان، وان الله ﷿ وعد الصابرين بالأجر العظيم إن هم صبروا على ما أصابهم من مصائب ومصاعب واحتسبوا الأجر والثواب عند الله.","vol":"1","page":43},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-45> المبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة</span>\nلقد خلد القرآن الكريم مواقف وقصصًا لأُناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان لهم دورٌ عظيمٌ في خدمة الدين وتبليغ رسالة رب العالمين، فتركوا أثرًا واضحًا في مجتمعاتهم، في حياتهم وبعد مماتهم، فَخلَّد الله ﷿ مواقفهم وقصصهم في القرآن الكريم لما فيها من دروس وعبر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، ففي هذه المواقف والقصص تسلية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتطييبًا لقلوبهم ورَفعًا لهممهم وتكريما لذواتهم، وسأتناول في هذا المبحث مواقف لأنبياء ورسلًا ﵈، وبعض الصحابة الأجلاء ﵃، جاءت في أحد عشر مطلبا، وهي:\nالمطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده.\nالمطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره.\nالمطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى.\nالمطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان.\nالمطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره.\nالمطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج.\nالمطلب السابع: موقف عبد الله بن أُم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى.\nالمطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم.\nالمطلب التاسع: موقف معاذُ بْن جَبَلِ وصبره على الإبتلاء بالعرج.\nالمطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج.\nالمطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده.","vol":"1","page":44},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-46> المطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده:</span>\nلقد سجل الله ﷿ موقف ايوب ﵇ في القران الكريم وكيف صبر على مانزل به من الابتلاء حتى اصبح يضرب به المثل في الصبر قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الانبياء: ٨٣] قال القرطبي ﵀: \"أَي واذكر أَيُّوبَ إِذ نادى ربه، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أَي نالني في بدني ضر وفي مالي وأَهلي\". (١)\nعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: (إن أيوب نبي الله ﵇ لبث في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه كان يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحدٌ من العالمين قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راح إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع الى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه (اركض\nبرجلك هذا مغتسل بارد وشراب) (سورة ص: ٤٢) فاستبطأته فبلغته، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من بلاء فهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبيَّ الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا كان أشبه به منك إذْ كان صحيحًا قال: فإني أنا هو، وكان له أندران أندر القمح، وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح وأفرغت فيه الذهب حتى فاضت، وافرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاضت) (٢)، فهاهو نبي الله ايوب ﵇ يبتلى في اهله وماله ونفسه ويصبر على كل ذالك فمن ابتلي فليقتدي بأيوب ﵇ الذي صبر ورضي واحتسب.\nعن مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: (يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فان كان دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتُليَ على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) (٣).\nوقال الرازي: هذه المحن لا تكون عُقوباتٍ لأَنه تعالى وعد بها الأنبياء وأتباعهم. وهذه المِحنَ إِذا قرنها الصَّبرُ أَفادت درجةً عاليةً في الدِّين، وأن هذه المحن مِنَ اللهِ تعالى، خلافَ قولِ\n_________\n(١) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط ٢، ج ١١، ص ٣٢٣.\n(٢) ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي أبو حاتم الدارمي البُستي، (توفي: ٣٥٤ هـ)، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة للنشر، ط ٢، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م، ج ٧، ص ١٥٧، كتاب الجنائز وما يتعلق بها، باب ما جاء في الصبروثواب الأمراض والأعراض، ج ٧، ص ١٥٧، تعليق شعيب الأرنؤوط اسناده على شرط مسلم.\n(٣) - الترمذي، سنن الترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، ج ٤، ص ٦٠١، حديث رقم ٢٣٩٨، حكم الألباني حسن صحيح.","vol":"1","page":45},{"text":"الوثنية الذين ينسبون الأَمراضَ وغيرها إِلى شيءٍ آخر، وخلافَ قول المُنجِّمين الذين ينسبونها إِلى سعادة الكواكب ونحوستهَا (١).\nفلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأَجل المقدر تضرع أيوب ﵇ إِلى رب العالمين وإِله المرسلين وفي هذا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [سورة ص: ٤١]، أي بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أَرحم الراحمين، وأَمره أَن يقوم من مقامه وأَن يركض الأَرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأَذى وأَمره أَن يشرب منها فأذهبت جميع مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا، ولهذا قال ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [سورة ص: ٤٢].\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بينما أَيوب يغتسل عريانا خر عليهِ جراد من ذهب فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه فناداه ربه ﷿ يا أَيوب أَلم أَكن أَغنيتك عما ترى قال ﵊ بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك). (٢)\nقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ [سورة. ص: ٤٣].\nقال الحسن وقتادة أَحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم، وقوله ﷿: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته، وذكرى لأُولي الأَلباب أَي لذوي العقول ليعلموا أَن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة، وقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [سورة. ص: ٤٤]، أَثنى الله تعالى عليه ومدحه بأَنه نعم العبد إِنه أَوَّاب أَي رجّاع منيب، ولهذا قال ﷻ: ﴿... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطَّلَاقِ: ٣]. (٣)\nإن موقف أيوب ﵇ وقصته مع البلاء، مدرسة مليئة بالدروس والعبر لذوي الاحتياجات الخاصة، فما على المسلم من أهل البلاء إلا أن يستعين بالله ويصبر، ليجد بعد ذلك اليسر والفرج من الله تعالى.\nولا زال الى عصرنا هذا من يصبر على البلاء، ويقدم العطاء تلو العطاء بالرغم مما أصابه من بلاء، ومن هؤلاء الشيخ أحمد ياسين.\nالذي تعرض لحادث أثناء ممارسته للرياضة، نتج عنه شللٌ لأطرافه، كما كان يعاني من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى، بعدما أصيب بضربه أثناء التحقيق معه على\n_________\n(١) - انظر؛ فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، ج ٤، ص ١٣٢.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب احاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وايوب اذ نادى ربه﴾ ج ٤، ص ١٥١، حديث رقم ٣٣٩١.\n(٣) - انظر؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٧، ص ٧٤، ٧٥.","vol":"1","page":46},{"text":"يد مخابرات الاحتلال، وضعف شديد في إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وأمراض أخرى. كل هذا البلاء لم يمنعه من أن يكون مدرسا وإماما وخطيبا في المساجد، فقد كان أشهر خطيب عرفه قطاع غزة.\nتعرض للاعتقال عدة مرات من قبل الاحتلال، اثر نشاطه الدعوي والجهادي، وتأسيسه لحركة المقاومة الإسلامية، كان شعلة من النشاط والإيمان، لا يعرف الكلل ولا الملل من العمل وخدمة الناس، فقد لا يكون هناك مكان في فلسطين إلا ووصله الشيخ \"أحمد ياسين\" خلال نصف قرن من البذل والعطاء، قاد مسيرة الدعوة والجهاد لنصرة الدين والدفاع عن المسلمين لسنوات طويلة، حتى نال الشهادة بتاريخ ٢٢/ ٣/٢٠٠٤ م. (١)\nما أعظم هؤلاء الضعفاء، فترى الواحد منهم ضعيف البنية لكنه قوي الإرادة، عالي الهمة، صلب العزيمة، ومن حكمة الله ﷿، أن يُجري على أيدي الضعفاء أعمالًا يعجز عنها الأقوياء، ليعلم الجميع أن العون والتوفيق بيد الله الخالق البديع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-47> المطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره:</span>\nلقد سجل القرآن الكريم ابتلاء يعقوب ﵇ في بصره، فقال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤].\nجاء في تفسير الواحدي: (ابيضت عيناه) أي انقلبت إلى حال البياض، وقوله: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾، قال ابن عباس: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه، والحزن لما كان سببا للبكاء سمي البكاء حزنا (٢).\nقال ابو حيان في تفسيره البحر المحيط: وابيضاض عينيه من توالي العَبْرَة، فينقلِب سواد العين إِلى بياض كدر، قيل انه كان يدرك ادراكا ضعيفا والظاهر أَنه كان عمي لِقوله: فارْتد بصيرا.\nوقال: (وما يستوي الأَعمى والبصير) فقابل البصير بالأَعمى، وعلل الإبيضاض بالحزنِ، وإِنما هو من البكاء المتوالي، وهو ثمرة الحزن (٣).\nقال القرطبي: الحزن ليس بِمحظور، وإِنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي، (٤) وقال النبي - ﷺ -: (تَدمعُ العَينُ وَيحزَنُ القلبُ، ولا نقولُ إِلا ما يرضي ربَّنا، والله يا إِبراهيمُ إِنَّا بك لمحزونون) (٥).\n_________\n(١) - انظر؛ اليافاوي، الشيخ الشهيد أحمد ياسين، ص ٢ - ١٤.\n(٢) - الواحدي، الوسيط في تفسير القران المجيد، ج ٢، ص ٦٢٧.\n(٣) - انظر؛ ابو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي، (توفي: ٧٤٥ هـ)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، بيروت، دار الفكر للنشر، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ج ٦، ص ٣١٤.\n(٤) - انظر؛ القرطبي، الجامع لاحكام القران، ج ٩، ص ٢٤٩.\n(٥) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمتهعليه السلام، الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، ج ٤، ص ١٨٠٧، حديث رقم ٢٣١٥.","vol":"1","page":47},{"text":"وقد بين الله ﷿ ذلك بقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. (١)\nان الله ﷿ يبتلي ليعافي، ويأخذ ليعطي، فهو الكريم الحليم العليم الرحيم، ومن رحمة الله ﷿ أنه ليس بعد العسر إلا اليسر، وليس بعد الكرب إلا الفرج، وهذا ما كان مع يعقوب ﵇.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [يوسف: ٩٦].\nقال الطبري رحمه الله تعالى: أي ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، فرجع مبصرا بعينيه، بعدما عَمي (٢). وقال سيد قطب \" فكانت مفاجأة القميص، وهو دليل على يوسف وقرب لقياه، ومفاجأة ارتداد البصر بعدما ابيضت عيناه\" (٣).\nفهذا يدل على إكرام الله ﷿، لمن شاء من عباده بمعافاته من البلاء، فالله بيده الأمر واليه يُرجع الأمر، فإذا عوفي العبد من البلاء فليحمد الله، وليعلم أنما هو اختبار وابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الانسان: ٢]، وإذا بقي البلاء به، فليحمد الله وليرضى بقضاء الله وليصبر ويحتسب الاجر من الله، فالخير كل الخير في ما يختاره الله تعالى.\nفالإبتلاء في البصر مستمر عبر القرون والأزمان، إبتليِ به بعض الأنبياء والعلماء والأولياء ومن هؤلاء الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي كان عالما في علوم الشريعة، ومرجع المستفتين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولد في الرياض عام، شاء الله أن يحجب عنه ضياء البصر وهو في مطالع الصبا، حفظ القرآن عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، مع سنة رسول الله - ﷺ -، وبحفظه لكتاب الله باشر انطلاقه في طلب العلم، اتصل بالعديد من المشايخ يتلقى عنهم العلم.\nولي القضاء وبقي فيه (١٤) سنة ونيفا، وكان مصدر خير وبركة لكل ما حوله ومن حوله، حرص على نفع الطلبة أثناء قيامه بمهمة القضاء.\nتخلى الشيخ عن عمله في القضاء، ليتفرغ للتدريس في المعاهد والكليات، أصبح رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان له أثره البارز والعميق في كل تقدم أحرزته الجامعة تحت إشرافه، ولم يقتصر نشاط الشيخ العلمي عند حدود الجامعة بل امتد إلى الأقاصي البعيدة من وطن\n_________\n(١) - انظر؛ القرطبي، الجامع لاحكام القران، ج ٩، ص ٢٤٩.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٦، ص ٢٥٨.\n(٣) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج ٣، ص ٤٧.","vol":"1","page":48},{"text":"الإسلام ومهاجر المسلمين، فهناك المدرسون الذين ينتدبهم باسم الجامعة للتدريس في أكثر من مدرسة وجامعة، وبخاصة في الهند وافريقية وباكستان.\nكان يستثمر ليله ونهاره بكل ما هو نافع ومفيد، فلا يترك وقتا يمر إلا يملأه بالطاعة والعبادة والتعلم والتعليم والفتاوى واستضافة طلبة العلم، إضافة إلى أعماله الرسمية، كان محققا لمبدأ الشورى وخطيبا جريئا بالحق، له عدة مؤلفات ومحاضرات مسجلة وفتاوى كثيرة، توفي بتاريخ ١٤/ ٤/١٩٩٩ في الرياض. (١)\nفالشيخ ابن باز حفظ القرآن والسنة فأصبح مرجعا للأمه، ورجل ذو همة يُحيي الله به أُمَّةٌ، ففقدان البصر لا يمنع الإنسان من أن يكون إمام هدى، وعالمًا يقود الناس للخير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-48> المطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى:</span>\nلقد سجل القرآن الكريم موقف شعيب وابتلائه بالعمى فقد ذكر جمهور المفسرين عند قوله تعالى ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] أن شعيب ﵇ كان أعمى وبالرجوع الى قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. يتبين لنا أن من معاني الضعف العمى قال ابن كثير\" يبين الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجِهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما\" (٢). جاء في كتاب الحاوي الكبير: \" إن نبي الله شعيبا قد كان أعمى، وقد نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي ضريرًا \". (٣) ويظهر لنا موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ [هود: ٩١]، جاء في تفسير الطبري: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول وتخبرنا به، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، أي ضريرًا. (٤)\nفبالرغم من إصابة شعيب ﵇ بالعمى، إلا أنه كان نبيا داعيا ومصلحا محاربا للفساد آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ولم يقف مستسلما أمام ما أصابه، مما دعا قومه للإنكار عليه واستغرابهم من حاله.\nقال القرطبي في تفسيره كان شعيب ﵇ أعمى، ولذلك قال قومه: وإِنا لنراك فينا ضعيفا، وكان يقال له: خطيب الأَنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أَهل كفر بالله وبخس\n_________\n(١) - انظر؛ المجذوب، محمد المجذوب، علماء ومفكرون عرفتهم، شبرا مصر، دار الاعتصام ودار النصر للطباعة الإسلامية، ج ١، ص ٧٧ - ١٠١. وانظر www.wikipedia.org\n(٢) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٤، ص ١٧٤.\n(٣) - الماوردي، أبوالحسن علي بن محمد بن حبيب البغدادي، (توفي: ٤٥٠ هـ)، الحاوي الكبير، تحقيق: علي محمد عوض، وآخرون، الناشر: دارالكتاب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م، ج ١٧، ص ٤١.\n(٤) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٥، ص ٤٥٧.","vol":"1","page":49},{"text":"للمكيال والميزان، قاال لهم كما جاء في قوله تعالى: ﴿... قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ...﴾ [الاعراف: ٨٥]، أَي بيان، وهو مجيء شعيب ﵇ بالرسالة، ولم يُذكر له معجزة في القرآن، قال لهم: ﴿... وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ [الاعراف: ٨٥]، البخس النقص، وهو يكون في السلعة بِالتعييب والتزهيد فيها، أَو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه، وكل ذلك من أَكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على أَلسنة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعهم، ثم قال لهم: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾، عطف على ولا تبخسوا، وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله، قال ابن عباسٍ: كانت الأَرض قبل أَن يبعث الله شعيبا رسولا، يُعمل فيها بالمعاصي وتُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء، فذلك فسادها، فلما بعث الله شعيبًا ودعاهم إِلى الله صلحت الأَرض. وناداهم قائلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾ [الاعراف: ٨٦]، نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إِلى طاعة الله، وكانوا يوعِدُون العذاب مَنْ آمنَ (١).\nفبعد اصرارهم على فسادهم، ومعاداتهم لنبيهم، أخذوا يسخرون من شعيب ويتوعدونه بالقتل، ويقولون بأن الذي يمنعهم من ايقاع ما يعدون به مكانته في عشيرته، إلا أن الله ﷿ هو الحامي والمؤيد له.\nقال الواحدي: فلما حذرهم شعيب ﵇ من العذاب الذي سينزل بهم ان لم يمتثلوا امر الله ورسوله، كما نزل بالاقوام الذين من قبلهم، ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ [هود: ٩١]، ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون من التوحيد والبعث وما يأمرهم به من الزكاة وترك البخس ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي أعمى. وفي لغة حمير تسمي الضرير ضعيفا، لأنه ضعف بذهاب بصره،\nقوله: ولولا رهطك: عشيرتك وقومك لرجمناك قتلناك، والرجم من شر القتلات، وكان رهط شعيب من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا إليهم.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي: لست بممتنع علينا من أن نقتلك لولا ما نراعي من حق عشيرتك، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ [هود: ٩٢].\n﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الله﴾، يقول: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله ﷿ أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حِفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.\n_________\n(١) - انظر؛ القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج ٧، ص ٢٤٩.","vol":"1","page":50},{"text":"قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، الظهري: الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس: يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي والله أعز وأكبر من جميع خلقه. ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ عالم بأعمالكم وهو يجازيكم بها، ﴿... وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ [هود: ٩٣]، قال إبن عباس: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب.\nقوله: ﴿... وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...﴾ [هود: ٩٤]، صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم، ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥]، ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ أي: بعدوا من رحمة الله ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. (١)\nفها هو شعيب ﵇ يُكلَّف بالتبليغ والإصلاح والدعوة الى الله وهو ضرير، ففي هذه المواقف رسالة لذوي الاحتياجات الخاصة ألا يكون ما أصابهم مانعا لهم من أن يكونوا عاملين فاعلين في مجتمعاتهم، فكم من صاحب بلاء كان قدوة لأهل العافية في علو همته وقوة عزيمته.\nومن هؤلاء الشيخ عبد الحميد كشك، الذي ولد بمصر عام ١٩٣٣ م، وفقد نعمة البصر بسبب المرض وكان عمره (١٧) سنة، حفظ القرآن ولم يبلغ الثامنة من عمره، حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية وشهادة كلية أصول الدين بتفوق.\nعمل إماما وخطيبا في عدة مساجد ما بين الأعوام ١٩٦٠ م-١٩٨٢ م، وكان خطيبا مفوها لقب بفارس المنبر، كان جريئا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، تعرض بعد ذلك للإعتقال والتعذيب والتنكيل عدة مرات وفصل من وظيفته، تفرغ للتأليف مابين عام ١٩٨٢ م وحتى عام ١٩٩٤ م، بلغت مؤلفاته (١١٥) مؤلف، له تفسير كامل للقرآن بعنوان (في رحاب القرآن) له (٢٠٠٠) شريط كاسيت و٤٢٥ خطبة، له ثمانية أولاد، أربعة من الذكور وأربعة من الإناث، عمل على تحفيظهم القرآن كاملا بنفسه، يقول أحد أبنائه: هل تعلم أن والدي لم يضرب أحدا منا طوال حياته قط، لقي ربه وهو ساجد قبيل صلاة الجمعة في ٦/ ١٢/١٩٩٦ م، وهو في (٦٣) من عمره (٢).\nفها نحن نرى كثيرًا ممن فقدوا أبصارهم ينيرون الطريق لكثير من المبصرين، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-49> المطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان:</span>\nلقد ابتلى الله ﷾ موسى ﵇ بعقدة في لسانه، فقال تعالى: -على لسان موسى ﵇- ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧]، جاء في تفسير الطبري: \" أي\n_________\n(١) - انظر؛ الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج ٢، ص ٥٨٧.\n(٢) - انظر؛ منتديات الأمل العربي http://ahpwd.com/vb/showthread.php? t=٢٥٩٣\n- وانظر؛ شريط كاست (حديث الذكريات، تسجيلات احد الإسلامية، السعودية، الشريط ١.","vol":"1","page":51},{"text":"أطلق لساني بالمنطق، وكانت فيه عُجمة عن الكلام الذي كان من إلقائه الجمرة إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله\" (١).\nلقد طلب موسى ﵇ من الله ﷾ أن يحل عقدة لسانه، عندما أمره الله ﷿ وقال له اذهب الى فرعون انه طغى، قال القرطبي: لما آنسه بالعصا واليد، وأَراه ما يدل على أَنه رسول، أَمره بالذهاب إِلى فرعون، وأن يدعوه، وطغى: معناه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد، ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨] لقد طلب الإِعانة لتبليغ الرسالة .. فقال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أَي وسعه ونوره بالإِيمان والنبوة، ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، أَي سهل علي ما أَمرتني به من تبليغ الرسالة إِلى فرعون، ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ يعني العُجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أَطفأَها في فيه وهو طفل، قال ابن عباس: كانت في لسانه رتَّة*. (٢)\nفعندما أمر الله ﷿ موسى ﵇ بأن يأتي فرعون ليبلغه رسالة الله ويقيم عليه الحجة، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ [القصص: ٣٤].\nقال الطبري مفسرا ما قاله موسى: رب إِني قتلت من قوم فرعون نفسا فأَخاف إن أتيتهم فلم أُبِنْ عن نفسي بحجة ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، لأن في لساني عقدة، ولا أبين معها ما أريد من الكلام ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ يقول: أحسن بيانا عما يريد أن يبينه ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ يقول: عونا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أي: يبين لهم عني ما أخاطبهم به، فإنه يفهم ما لا يفهمون (٣).\nفلما جاء موسى وهارون الى فرعون وبلغاه أمر الله، أعرض فرعون واستكبر عن امر الله عندها ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥)﴾ [الزخرف: ٥١].\nقال الطبري: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ من القبط، فـ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: من بين يدي في الجنان. كانت لهم جنات وأنهار ماء.\nوقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: أفلا تبصرون أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعِيِّ اللسان، افتخر بملكه مصر، وما قد مكَّن له من الدنيا استدراجا من الله له، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجًا على جهله قومه بأن موسى ﵇ لو كان محقًا فيما يأتي\n_________\n(١) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٨، ص ٢٩٩.\n(٢) - انظر؛ القرطبي، الجامع الاحكام القرآن، ج ١١، ص ١٩٢.\n* الرتة: العُجمة فِي اللِّسَان وَهِي اللثغة والتردد فِي النُّطْق (مصطفى والزيات وآخرون، المعجم الوسيط، ج ٣٢٧).\n(٣) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القران، ج ١٩، ص ٥٧٧.","vol":"1","page":52},{"text":"به من الآيات والعبر، ولم يكن ذلك سحرا، لأكسب نفسه من الملك والنعمة، مثل الذي هو فيه، وأما قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥)﴾ [الزخرف: ٥٣]، يقول فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه، وبيان لسانه وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه: أنا خير أيها القوم، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده، والآفة التي بلسانه، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه؟ (١).\nوهكذا هم أهل الجاهلية الذين يقيّمون الناس بناء على أشكالهم وهيئاتهم، لا على إيمانهم وأخلاقهم، مبتعدين عن الميزان الإلهي الذي قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١)﴾ [الحجرات: ١٣]، ففي هذا الميزان يَعظُم موسى ﵇ الذي هو من أُولي العزم من الرسل وهو كليم الله، فان هذه المواقف من قصة موسى ﵇ تبين لذوي الاحتياجات الخاصة أن الضعف بالنطق أو الحواس أو الأعضاء، لا يضع من قدر الإنسان عند الله إن كان صاحب تقوى وإيمان، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رُبَّ أَشعثَ أَغبرَ ذي طِمرَين تنبو عنه أَعينُ الناس لو أَقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ) (٢). والطِّمْرُ: الثوب الخلق، يقول رُبَّ ذِي خَلَقَين اطاع الله حتى لو سأل الله تعالى أجابه. (٣) فما أحوجنا في هذا الزمان الذي يُكَرَّم فيه الانسان ويُقدَّر بناء على منصبه وماله وصحته وجماله، أن نعود الى الميزان الإلهي الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويضع الامور في نصابها، وبذلك تكون السعادة وترجع للأمة السيادة، عن مصعب بن سعد عن أبيه: قال نبي الله - ﷺ -: \" (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) \" (٤).\nوممن نصر الله بهم الأمة في هذا العصر، مصطفى صادق الرّافعي، الذي ولد سنة ١٨٨١ م، وقد حفظ القرآن وهو دون العاشرة، وفقد حاسة السمع بسبب مرض أُصيب به، لم يُنْهِ إلا المرحة الابتدائية فقط، فأكب على مكتبة والده الحافلة، التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية، فاستوعبها وراح يطلب المزيد، كانت علته سببا باعد بينه وبين مخالطته الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه، وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والإطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم ثماني ساعات لا يكل ولا يمل، كأنه في التعليم شاد لا يرى أنه وصل إلى غاية.\n_________\n(١) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تاويل القران، ج ٢١، ص ٦١٦ - ص ٦١٧.\n(٢) - الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الرقاق، ج ٤، ص ٣٦٤، حديث رقم، ٧٩٣٢، حكم الذهبي صحيح.\n(٣) - انظر، ابن منظور، لسان العرب، ج ٤، ص ٥٠٣.\n(٤) -. النسائي، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخرساني، (توفي: ٣٠٣ هـ)، المجتبى من السنن= السنن الصغرى للنسائي، تحقيق عبد الفتاح ابو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الاسلامية، ط ٢، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف، ج ٦، ص ٤٥، حديث رقم ٣١٧٨، حكم الألباني صحيح.","vol":"1","page":53},{"text":"وهو عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب، من ابرز مؤلفاته: ديوان شعر ثلاثة أجزاء، وإعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وتحت راية القرآن، ووحي القلم. تولى الدفاع عن الإسلام في كتاباته ورد على الشبهات التي أثارها بعض الكتاب في زمانه، توفي عام ١٩٣٧ م في طنطا بمصر. (١)\nفإنما العلم لمن تابع، فالعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، والعلم يرفع صاحبه كما رفع مصطفى صادق الرّافعي، الذي نصر الاسلام والمسلمين رغم إصابته بالصمم، وبالمقابل كم من أناس سليمين لم يقدموا شيئًا للإسلام والمسلمين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-50> المطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره:</span>\nضمرة بن العيص صحابي من صحابة رسول الله - ﷺ -، من أهل مكة لم يستطع الهجرة مع رسول الله - ﷺ - لضعفه وإصابته في بصره مع كبر سنه، فبقي في مكة مع من لم يستطع الهجرة من المسلمين، فلما بلغهم ما نزل من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧].\nقالوا: هذه مرجفة حتى نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨].\nفقال ضمرة: وإن ذَهَبَ بصري لكني أستطيع الحيلة، لي مال ورقيق، احملوني، فَحُمِل وهو مريض فأدركه الموت، وهو عند التنعيم، فدفن هناك فنزلت فيه خالصة: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. (٢)\nفهذا موقف سجله الله تعالى في القرآن الكريم لضمرة، سيبقى ما بقي كتاب الله يتلى، تقديرا لموقفه الذي انتصر به على ضعفه من أجل مرضاة الله تعالى.\nقال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين، ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، يعني: في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم ﴿يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل الله مراغمًا كثيرًا\"، أي مهاجرا، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، السِّعة في أمر دينهم فقد كانوا ممنوعين بمكة، من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية.\n_________\n(١) -انظر الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط ٦، ١٩٨٤ م، ج ٧، ص ٢٣٥.\nوملتقى أهل الحديث www.ahlalhdeeth.com\n(٢) - انظر؛ ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، (توفي: ٨٥٢ هـ)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٥ هـ، ج ٣، ص ٣٩٨ - ٣٩٩.","vol":"1","page":54},{"text":"ثم أخبر جل ثناؤه، عمن خرج مهاجرًا من أرض الشرك، فارًّا بدينه إلى الله وإلى رسوله، إن أدركته منيَّته قبل بلوغه أرضَ الإسلام ودارَ الهجرة، فقال: من كان كذلك فقد وقع أجرُه على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه.\nيقول جل ثناؤه: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها على ربه، وهذا ما حدث مع ضمرة بن العيص الذي كان مصاب البصر فقال: \" إنيّ لذو حيلة، لي مال، ولي رقيق، فاحملوني\"، فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ الموت﴾، الآية، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره، ﴿غَفُورًا﴾ يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها ﴿رَحِيمًا﴾، بهم رفيقًا (١).\nففي قصة ضمرة دروس وعبر، منها: بالرغم من ضعف جسد ضمرة إلّا أن همته عالية وإرادته قوية تقهر الصعاب، فهذه سمة لكثير من ذوي الاحتياجات الخاصة، فاستثمار طاقاتهم يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير العظيم، فكم من طاقات هدرت وإمكانات ضاعت، والسبب عدم معرفة صفاتهم التي يتمتعون بها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-51> المطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج</span>.\nعَمْرو بْن الجموح من بني سلمة، صحابي شهد العقبة، اختاره الرسول - ﷺ - ليكون سيد قومه (٢). عن ابن إِسحاق، قال: حدثَني والدي إِسحاقُ بن يسارٍ، عن أَشياخٍ مِنْ بني سلمة، قالوا: (كانَ عَمرو بنُ الجموح أَعرج شديد العرَجِ، وكان له أَربعةُ بنينَ شبابٌ يَغزون مع رسول الله - ﷺ - إِذا غزا، فلما أَراد رسول الله - ﷺ - أن يتوجهُ إِلى أُحدٍ، قال له بنوهُ: إِن اللهَ ﷿ قد جعل لك رخصة فلو قَعَدْتَ فنحن نكفيك فقدْ وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بنُ الجموحِ رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إِن بنِيّ هؤلاء يمنَعونني أَن أَخرج معكَ، والله إِني لأرجو أَن أستشهد فأطأَ بعرجتي هذه في الجنةِ، فقال له رسول الله - ﷺ -: \" أَما أنت فقد وضع اللهُ عنك الجهاد \". وقال لبنيه: \" وما عليكم أن تَدَعوه لعل الله يرزقهُ الشهادةَ \". فخرج مع رسول الله - ﷺ -، فقتل يوم أُحد شهيدا) (٣).\nوقد سجل الله ﷿ في القرآن الكريم موقف عمرو بن الجموح، حينما سأل رسول الله - ﷺ - أين ينفق ماله وأين يضعه، فانزل الله تعالى قرآنًا فيه جواب لما سأل.\n_________\n(١) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٩، ص ١١٢ - ١١٨.\n(٢) -انظر؛ ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد، (توفي: ٦٣٠ هـ)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، ط ٥، ١٩٩٤ م، ج ٤، ص ١٩٤.\n(٣) - البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، (توفي: ٤٥٨ هـ) السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ٣، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م، كتاب السير، باب مَنِ اعتذر بالضّعف والْمرضِ والزّمَانة والعذر في ترك الْجهَادِ، ج ٩، ص ٤٢، حديث رقم: ١٧٨٢١.","vol":"1","page":55},{"text":"قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥].\nقال القرطبي: نزلت الآيةُ في عمرو بنِ الجَموحِ، وكان شَيخا كبيرا فقال: يا رسول الله، إِنَّ مالي كثيرٌ، فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت: ﴿يسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (١).\nقال ابو السعود ﵀ في تأويل قوله تعالى: ﴿يسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي: من أصناف أموالِهم، ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ﴾ أي: ما أنفقتموه من خير، أي: خير كان ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ، وأُبرِزَ في معرِض بيانِ المصرِفِ حيث قيل ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، للإيذان بأن الأهمَّ بيانُ المصارفِ المعدودة، وعن ابن عباس ﵄، أنه جاء عمْرُو بنُ الجموح وهو شيخ هرم، له مالٌ عظيم فقال يا رسول الله ماذا نُنفق من أموالنا أين نضعُها؟ فنزلت: ﴿وَالْيَتَامَى﴾، أي: المحتاجين منهم، ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأُخَرِ، وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ في أي مصرِفٍ كان، ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، فيوفّي ثوابَه.\n﴿ويسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عطفٌ على يسألونك عن الخمر ... الخ، عطفَ القصة على القصة أي أيُّ شيءٍ ينفقونه، فعمْرو بنُ الجموح سأل أولا من أيّ جنسٍ ينفق من أجناس الأموال، فلما بُيّن جوازُ الإنفاق من جميع الأجناس، سأل ثانيًا من أي أصنافها نُنفِقُ أمن خيارها أم من غيرها، أو سأل عن مقدار ما يُنفقه منه، فقيل: ﴿قُلِ العفو﴾، أي: انفقوا العفو، أصلُ العفوِ في اللغة الزيادة، والعفو ما سُهل وتيسر مما فضَل من الكفاية، وكان الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين، يكسِبون المالَ، ويُمسكون قدرَ النفقة، ويتصدقون بالفضل. (٢)\nففي قصة عمرو بن الجموح، دروس وعبر منها التحدي، فعمرو بن الجموح تحدّى ما أصابه من عرج، وتحدّى أعداءه، حتى نال الشهادة ودخل الجنة، فالقمم لأهل الهمم وبقدر العَنى تُنال المنى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-52> المطلب السابع: موقف عبد الله بن أُم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى:</span>\nهو عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم، وأُمه أم مكتوم، وهو من السابقين المهاجرين، وكان ضريرًا، وقد نزل بحقه بضعة عشر آية من سورة عبس، وكان مؤذنًا لرسول الله - ﷺ - مع بلال، وكان النبي ﵊ يقدره ويستخلفه على المدينة، فيصلي بمن تبقى من الناس، استُشهد يوم القادسية. (٣)\n_________\n(١) - انظر؛ القرطبي، جامع لأحكام القرآن، ج ٣، ص ٣٦.\n(٢) - انظر؛ أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى، (توفي: ٩٨٢ هـ)، تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ص ٢١٥ - ص ٢١٩.\n(٣) - انظر؛ الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، (توفي: ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م، ج ١، ص ٣٦١ - ٣٦٥.","vol":"1","page":56},{"text":"أنزل الله تعالى بحقه قرآنا حيث قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣)﴾ [عبس: ١٣]\n\" عن عائشة ﵂ قالت: (أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - ﷺ - يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾).\" (١)\nقال الطبري: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: أي قبض وجهه تكرها وأعرض، ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾: لأنه جاءه الأعمى، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: وما يدريك يا محمد لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتزكى ويتطهر من ذنوبه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾: وما يدريك لعل هذا الأعمى يعتبر، فينفعه الاعتبار والإتعاظ، ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: وأما هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، وهو يخشى الله ويتقيه، فأنت عنه تتلهى وتعرض وتتغافل، وتتشاغل عنه بغيره. ﴿كَلَّا﴾: ليس الأمر كما تفعل يا محمد حيث تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى لمن استغنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة والدعوة تذكرة وعظة وعبرة (٢).\nوقد أوصت الآيات بوصايا جليلة تراعي حق ذوي الاحتياجات الخاصة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ قال الصابوني في تفسير الآية: \" أي لا تفعل بعد اليوم مثل ذلك، فهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن الكريم، واستفاد من إرشاداته وتوجيهاته، قال المفسرون: كان رسول الله - ﷺ - بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء\" (٣).\nويستمر تكريم ابن ام مكتوم الذي حظي بمكانة عالية عند النبي - ﷺ -، ويعلو شأنه فينزل بحقه مرة أخرى قرآن يتلى الى يوم القيامة، عن البراء - ﵁ - قال) لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي - ﷺ - أُدعو فلانا\" فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: \" اكتب\" ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وخلف النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ\n_________\n(١) - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن بكر السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، بيروت، دار إحياء العلوم، ط ٣، ١٩٨٠ م، ص ٢٧٧.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج ٢٤، ص ٢١٧ - ٢٢١ .. اخرجه الترمذي، سنن الترمذي، ابواب تفسير القرآن، باب ومن سورة عبس، ج ٥، ص ٤٣٢، حديث رقم: ٣٣٣١، حكم الألباني صحيح الاسناد.\n(٣) - الصابوني، صفوة التفاسير، ج ٣، ص ٤٩٥.","vol":"1","page":57},{"text":"وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]). (١)\nفهذا الموقف من ابن ام مكتوم كان سببا بإكرام ذوي الاحتياجات الخاصة بجعلهم كالمجاهدين في سبيل الله تقديرا لضعفهم، فهمة عالية أبية، وقوة فَتِيَّه، لنفس زكية، تصنع الكثير وإن كان صاحبها ضريرًا، وهكذا كان ابن أم مكتوم - ﵁ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-53> المطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم:</span>\nهو ثابت بن قيس بن شماس الأَنصاريُّ أَبو مُحمد، خطيب الأَنصار ويقال له أيضا خطيب النَّبِي - ﷺ -، شهد أحدا وما بعدها، كان في أذنه صمم، وقد ثبت عن الرسول ﵇ أنه بشَّره بالشَّهادة، فقُتِل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الأَنصار يومئذ بيده (٢).\nوعنما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. خشي انها تنطبف عليه فجلس في بيته حزينا يلوم نفسه،\nجاء في تفسير الطبري في تأويل الآية: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، يا محمد، يا نبيّ الله، يا نبيّ الله، يا رسول الله.\nعن شمر بن عطية، قال: جاء ثابت بن قيس بن الشماس إلى رسول الله - ﷺ - وهو محزون، فقال: يا ثابت ما الذي أرى بك؟ فقال: آية قرأتها الليلة، فأخشى أن يكون قد حَبِط عملي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وكان في أُذنه صمم، فقال: يا نبيّ الله أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر: فقال النبيّ - ﷺ -: امْشِ على الأرْضِ نَشِيطا فإنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ. (٣)\nو\"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، إِلَى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ في بيته، وقال: أَنا من أَهل النار، واحتبس عن النبي - ﷺ -، فسأَل النبي - ﷺ - سعد بن معاذ، فقال: يا أَبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتَكى؟ قال سعد: إِنه لجارِي، وما علمت له بشكوى، قال: فأَتاه سعد، فذكر له قول - ﷺ -، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أَني من أَرفعكم صوتا على رسول للهِ - ﷺ -، فأَنا من أَهل النار، فذكر ذلك سعد للنبيِّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: بَل هو من أَهْل الجنَّة\". (٤)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، ج ٦، ص ٤٨، حديث رقم ٤٥٦٤.\n(٢) - انظر؛ ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، (توفي: ٧٧٤ هـ)، البداية والنهاية، دار الفكر، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٦ م، ج ٦، ص ٣٣٤.\n(٣) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٢، ص ٢٧٧ - ٢٧٩.\n(٤) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْإِيمان، باب مخافَة الْمؤمن أَن يحبطَ عمله، ج ١، ص ١١٠، حديث رقم ١١٩.","vol":"1","page":58},{"text":"في موقف ثابت وقصته درس وعظه، فثابت وجد في نفسه حرجًا مما نزل من القرآن الكريم، فجلس في بيته حزينا يلوم نفسه، لذا لا بد أن يُعلم أن بعض ذوي الاحتياجات الخاصة من ذوي الشخصيات الحساسة، فلا بد من معرفة هذا الأمر لمراعاتهم عند التعامل معهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-54> المطلب التاسع: موقف معاذُ بْن جَبَلِ وصبره على الإبتلاء بالعرج:</span>\nمعاذ بن جبل صحابي جليل، شهد العقبة مع السبعين من الأَنْصَار، وشهد بدرا وعمره عشرون عامًا أو واحد وعشرون عامًا، كما شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، بَعثهُ رسول الله - ﷺ - إِلى اليمن مُعلِّما، وكان رجلا أَعرجَ، فصلى بالنَّاس في اليمن فبسط رجله فبسط القومُ أَرجُلهُم، فلما صلى قال: قد أَحسنتُم ولكن لا تعودوا فإِني إِنما بسطت رجلي في الصلاة لأَني اشتكيتُها، توفي في طاعون عمواس بالشَّام بناحية الأُردن، سنة ثماني عشرة في خلافة عُمر بن الخطاب (١).\nتميز في علم الحلال والحرام، حتى امتدحه الرسول - ﷺ -، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: \"أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.\" (٢)\n\nوقد سجل القرآن موقفه حينما حاول اليهود أن يصدوه عن الإسلام إلا أنه ثبت أمام هذا التحدي قال تعالى: ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل. عمران: ٦٩].\nقال البغوي، في قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمانِ وعمَّار بن ياسر، حين دعاهم اليهود إِلى دينهم، فنزلت ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ تَمَنَّتْ جماعة من أَهل الكتاب، يعني اليهود ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ عن دينكم ويردونكم إِلى الكفر، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).\nففي موقف معاذ وقصته درس وعظة، وهو أن معاذًا - ﵃ - كان فقيها عالما معلما لأهل اليمن بالرغم من اصابته بالعرج، وكذلك كثير من ذوي الاحتياجات الخاصة مؤهلين للتعلم والتعليم.\n_________\n(١) - انظر؛ ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، (توفي: ٢٣٠ هـ)، الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م، ج ٣، ص ٤٣٨ - ٤٤٣.\n(٢) - أحمد بن حنبل، مسند أحمد، مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، ج ٢٠، ص ٢٥٢، حديث رقم ١٢٩٠٤، حكم الارنؤوط اسناده صحيح.\n(٣) - انظر؛ البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، ج ٢، ص ٥٣.","vol":"1","page":59},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-55> المطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج:</span>\nهو عبد الرحمن بن عوف، من قريش أَحدُ الثمانيةِ الذين بادروا إِلى الإِسلام، هاجر الهجرتين، وأَحدُ البدرِيِّينَ، وهو أحدُ العشرة المبشرين بالجنة، وَأَحَدُ الستة أَهل الشورى، له عدَّةُ أَحاديث، صلى خلفه رسول الله - ﷺ -، شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -.\nقال ابن إِسْحَاقَ: كَانَ عبد الرحمن بن عوف أَعرجَ أُصيبَ يوم أُحُد وَجُرح عِشرين جراحةً بعضها في رجله فعرج، توفي سنة اثنتين وثلاثين للهجرة (١).\nوقد خلَّد الله ﷿ موقفه في القرآن الكريم، وذلك في موضعين:\nأما الموضع الأول: عندما نزل قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]\nفجاء مبادرا مع عدد من الصحابة الى رسول الله - ﷺ - يطلب التخفيف والتيسير.\nقال تعالى: ﴿وإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾، جاء في تفسير الواحدي: قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي - ﷺ -، وقالوا: (كُلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي - ﷺ -: فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا، فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦] فنسخت هذه الآية ما قبلها) (٢).\nوهكذا نرى أن عبد الرحمن بن عوف - ﵃ -، كان له دور في طلب التخفيف والتيسير على المسلمين.\nوأما الموضع الثاني: الذي سجله القرآن الكريم لعبد الرحمن بن عوف - ﵃ -، فهو عندما أنفق نصف ماله في سبيل الله، فلمزه المنافقون، فتولى الله سبحانه الدفاع عنه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]، جاء في تفسير القرطبي: \" قال قَتَادةُ: \" يلمزون\" يعيبون، قال: وذلك أَن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأَربعة آلاف، فقال قوم: ما أَعظم رياءهُ، فأَنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ \" (٣).\n_________\n(١) - انظر؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ١، ص ٦٨ الى ٩١.\n(٢) - الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج ١، ص ٤٠٨. واخرجه (مسلم، صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب اذا لم تستقر، ج ١، ص ١١٥، حديث رقم: ١٢٥)\n(٣) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٨، ص ٢١٥.","vol":"1","page":60},{"text":"في موقف عبد الرحمن وقصته درس وعظة، فالله تعالى يتولى المؤمنين، والدفاع عنهم أمام الآخرين، كما دافع عن ابن عوف - ﵁ - أمام المنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨].\nوقد كان عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، مبادرا حاضرا في كل الميادين في نصرة الاسلام والمسلمين، في الجهاد والدعوة والانفاق، وهكذا لابد أن يكون ذوو الاحتياجات الخاصة مبادرين لعمل كل ما يستطيعون القيام به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-56> المطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده</span>.\nطلحة بن عبيد الله، صحابي يعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، لكرمه، ولكثرة جُودِهِ من أوائل من دخل في الإسلام، أَسلم على يدي أَبي بكرٍ الصِّديق - ﵁ -، وشهد المشاهِد كُلها مع رسول الله - ﷺ - إلا بدرا، وكانت له يوم أحد اليد البيضاء، وأبلى بالدفاع عن رسول الله - ﷺ - بلاء حسنا، حتى شلت يده التي وَقَى بِها رسول الله - ﷺ -، واستمرت كذلك إِلى أَن مات، وهو أَحد العشرَة المشهود لهم بالجنّة، وأَحد الستة أَصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله - ﷺ -، فأَحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راضٍ، وقد توفي في جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين للهجرة (١).\nولقد سجل القرآن الكريم موقف طلحة بن عبيد الله - ﵁ -، الذي نزل بشأنه قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار تقديرا له وتخليدا لموقفه، قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣].\nقال ابن الجوزي: قيل لعلي - ﵁ -: حدِّثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤٌ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾، لا حساب عليه فيما يستقبل، وهذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس، ومعنى الآية: وفوا الله بما عاهدوه عليه، فقد عاهدوا الله ليلة العقبة على الإِسلام والنصرة، وقيل أنهم قوم لم يشهدوا بدرًا، فعاهدوا الله ﷿ أن لا يتأخَّروا بعدها، كما أنهم عاهدوا أن لا يفرُّوا إِذا لاقَوا، فصَدَقوا.\nقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، أي فمنهم من قضى عهده قُتل أو عاش، ومنهم من ينتظر أن يقضيَه بقتال أو صدق لقاءٍ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ما وعد اللهُ من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه، ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، أي: ما غيَّروا العهد الذي عاهدوا ربَّهم عليه، كما غيَّر المنافقون.\n_________\n(١) - انظر؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"1","page":61},{"text":"قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا الله تعالى عليه، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ بنقض العهد إِنْ شاءَ، وهو أن يُميتَهم على نفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ في الدنيا، فيخرجَهم من النفاق إِلى الإِيمان، فيغفر لهم (١).\nففي قصة طلحة - ﵁ -، عبرة وعظة لذوي الاحتياجات الخاصة ولغيرهم، فمن أصيب بعضو من أعضائه فليبقَ واثقا من نفسه ولا يخجل أمام الناس، لأن ذلك باختيار الله تعالى، وخير الإصابات، الإصابة في سبيل الله، كما أصيب طلحة - ﵁ - بيده.\n\nوفي نهاية هذا المبحث يتبين لنا ان الله ﷿ يبتليك ليعافيك، ويأخذ منك ليعطيك، فيبتليك في الدنيا ليعافيك في الآخرة، ويأخذ منك ليعطيك في الدنيا والآخرة.\nوالسعادة والشقاء في هذه الحياة لا يرتبطان بصحة الابدان وسلامة الاجسام، فالدنيا ليست دار جزاء انما هي دار ابتلاء، فقد ابتلي احب خلق الله الى الله من الانبياء والأولياء.\nوأن نمتثل أمر الله ونقتدي برسول الله - ﷺ - الذي صار يعطي هذه الفئة كل عناية وتقدير وإقبال، وأن لا يتعامل المسلمون مع ذوي الاحتياجات الخاصة بسلوك لا يتعاملون بمثله مع غيرهم مستغلين ضعفهم، فقد عاتب الله رسوله على العبوس والإعراض في وجه أعمى مع أنه لم ير ذلك.\nوان لا يكون المقياس بالأشكال والمظاهر إنما بصلاح القلوب والسرائر، فان الله ﷿ لا ينظر الى الاشكال والمظاهر انما ينظر الى القلوب والسرائر، عن أبي هريرة - ﵁ - إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). (٢)\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، (توفي: ٥٩٧ هـ)، زاد المسير في علم التفسير، تحقيق عبد الرزاق المهدي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ج ٣، ص ٤٥٧.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، ج ٤، ص ١٩٨٦، حديث رقم ٢٥٦٤.","vol":"1","page":62},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-57> المبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nيرشد القرآن الكريم الى ضرورة العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، فلقد اهتم بهم اهتماما عظيما يرقى الى أعظم درجات الاهتمام وأسماها، فقد حثَّ القرآن الكريم على مخالطتهم ومؤاكلتهم وكف الأذى عنهم والإحسان إليهم وتلبية مطالبهم، وبلغت العناية بهم أن أنزل الله بحقهم قرآنًا يتلى ويعمل به ويتحاكم إليه، وقد جاء هذا المبحث في خمسة مطالب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الأول: دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم</span>.\nالمطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم.\nالمطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف.\nالمطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة.\n\n• المطلب الأول دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم.\nوجَّه القرآن الكريم المسلمين إلى عدم النفور من ذوي الاحتياجات الخاصة بالبعد عنهم، فقد حض القرآن الكريم على مخالطتهم ومجالستهم في المأكل والمشرب، فقد كان شائعا قبل الإسلام النفور منهم، قال تعالى:\n﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ [النور: ٦١].\nقال القرطبي: \"الآية كلها في معنى المطاعم، وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار، فبعضهم كان يفعل ذلك تَقَذُرًا لجولان اليد من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ولرائحة المريض وعِلّاته، وهي أخلاق جاهلية وكِبْر، فنزلت الآية مؤذنة\" (١).\nولا زالت هذه الأخلاق الجاهلية عند بعض الناس مِمَن يزدرون ذوي الاحتياجات الخاصة فلا يخالطونهم ولا يؤاكلونهم ازدراءً وتكبرًا، والبعض قد يحجر على ذوي الاحتياجات الخاصة أو يحبسهم في البيوت ولا يسمح لهم بالخروج لشعورهم بالخجل والحرج منهم أمام الناس، وقد غاب عنهم مكانة هؤلاء عند الله ﷿ فقد بشرهم بالأجر العظيم وبجنات النعيم إذا هم صبروا واسترجعوا، فكثيرٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة من يتقبل ما أصابه، ويتكيف في الحياة مع ما أصيب به، فالله ﷿ يعوضه عما فقده، فهو إذا أخذ أعطى، لكن ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون من عدم تقبل كثيرٍ من الناس لهم، أو من نظرة الآخرين لهم، فهم تارة ينظرون اليهم نظرة\n_________\n(١) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ١٢، ص ٣١٣.","vol":"1","page":63},{"text":"شفقة، وتارة نظرة تُقلل من قدرهم أو قدراتهم، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزول هذه الأمور، لأن أهل العافية يتعرفون عن قرب على خصائص ذوي الاحتياجات الخاصة، وسماتهم واحتياجاتهم، كما أن ذوي الاحتياجات الخاصة بتعاملهم مع أهل العافية يعرفون قدرهم وقدراتهم، عندها يكون الاحترام متبادلًا ويتقبل كل منهما الآخر، فهم أفراد المجتمع يُكَمِّل بعضهم بعضا، لهم حقوق وعليهم واجبات، فكل يأخذ حقوقه بأداء ما عليه من واجبات، وإن حَثَّ القرآن الكريم على مشاركتهم في المأكل والمشرب فيه دلالة على ضرورة مخالطتهم في بقية أمور الحياة، كالدمج في المؤسسات التعليمية والوظائف الإدارية وغير ذلك، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزداد ثقتهم بأنفسهم ويتعاونون مع غيرهم في تقديم كل ما ينفع لأمتهم، وبذلك يعرف أهل العافية نعمة الله عليهم بالصحة وتقوى إرادتهم وتعلو همتهم ويوسع الله عليهم بالرزق ويمدهم بالنصر، فعن أبي الدرداء - ﵃ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). (١)\nفهذه الآية التي دعت لمشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في المأكل والمشرب، تؤكد أن الإسلام هو أول من دعا إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وهذا المستوى السامق في التربية الخلقية لا يمكن أن تصل إليه التشريعات الأرضية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-59> المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nيوصي القرآن الكريم إلى عدم السخرية أو الانتقاص أو التنابز بالألقاب أو الغيبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأولى الناس بمن أوصى بهم ذوي الاحتياجات الخاصة لأنهم الأكثر عرضة لهذا الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].\nجاء في صفوة التفاسير: \" أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان وصدَّقتم بكتاب الله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر\". (٢)\nفقد حرم الله ﷿ كل ما يخل بتكريم الإنسان، الذي جعله الله مكرمًا في آدميته، من سخرية واستهزاء وهمز ولمز، وقد كان ﷺ يُربي أصحابه على هذا المنهج، فعندما ضحك بعض الصحابة من دقة ساقي ابن مسعود - ﵃ -، علمهم كيف يقدر الرجال وبما يوزنون، \" فعن زر بن حُبَيْش، عن ابن مسعود، أَنه كان يجتني سواكا من الأَراك، وكان دقيقَ الساقين، فجعلت\n_________\n(١) - أبو داود، سنن أبي داود، كِتَاب الْجِهَاد، بَابٌ فِي الِانْتِصَارِ بِرُذُلِ الْخَيْلِ وَالضَّعَفَةِ، ج ٣، ص ٣٢، حديث رقم ٢٥٩٤، حكم الألباني صحيح.\n(٢) - الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، ج ٣، ص ٢٣٥.","vol":"1","page":64},{"text":"الريح تكفؤُه، فضحك القوم منه، فقال ﷺ: \" ممَّ تضحكون؟ \" قالوا: يا نبي الله، مِنْ دقَّة ساقيه، فقال: \" والذي نفسي بيده، لهما أَثقل في الميزان من أُحد\". (١)\nوعن أبي هريرة - ﵃ -، أنَ رسول الله - ﷺ -، قال: (رُبَّ أشعثَ، مَدفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على اللهِ لأَبرَّه). (٢) فقيمة الإنسان عند الله بإيمانه وليس بسلامة حواسه وأعضائه.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾.\nجاء في صفوة التفاسير في تأويل قوله تعالى: \" ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ أي لا يعيب بعضكم بعضا، أو لا يدعو بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾، أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمنا، وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب\". (٣)\nكما أن القرآن الكريم يوصي المسلمين بالابتعاد عن الغيبة، والغيبة هي ذكر الآخرين بما يكرهون، فذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما يكرهون تعد غيبة لهم، كأن يقال فلان الأقطع أو فلان الأعور ونحو ذلك، فإذا عُلِمَ أنهم لا يكرهون ذلك فلا حرج باستخدام هذه الألقاب، أو إن كان لاستخدامها حاجة، من أجل التعريف أو التوصيف ونحو ذلك.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].\nقال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي لا يَقُلْ بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقولة في وجهه، ولو مرّ بك رجل أقطع، فقلت: إنه أقطع كنت قد اغتبته (٤).\nفالقرآن الكريم يدعو الى احترام ذوي الاحتياجات الخاصة، فتحرم غيبتهم كبقية المسلمين، وهذه دعوة للبعد عن ذكرهم بما لا يحبون، حتى وإن لم يكونوا حاضرين، وهذا هو منهج النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالت: (ذَهبتُ أَحكِي امرأَة، أَو رجلا، عند رسول الله - ﷺ -، فقال: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا أَعْظَمَ ذَلِكَ). (٥)\n_________\n(١) - احمد بن حنبل، مسند احمد، مسند عبد الله بن مسعود، ج ٧، ص ٩٨ - ٩٩، حديث رقم ٣٩٩١، حكم الأرنؤوط صحيح لغيره.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، باب فَضل الضعَفَاء والخاملين، كتاب البر والصلَة والآداب، ج ٤، ص ٢٠٢٤.\n(٣) - الصابوني، صفوة التفاسير، ج ٣، ص ٢٣٥.\n(٤) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٢، ص ٣٠٥.\n(٥) - احمد بن حنبل، مسند أحمد، مسند الصديقة عائشة، ج ٤١، ص ٤٣٣. حكم الأرنؤوط اسناده صحيح.","vol":"1","page":65},{"text":"وعن أَبي هريرةَ - ﵃ -، أَنَّ النبي - ﷺ -، قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أَعلم، قال: ذِكْرُكَ أَخَاك بمَايَكْرَهُ قيلَ: أفرأَيت إِن كان في أَخي ما أَقولُ؟ قال: إِنْ كانَ فيهِ ما تَقولُ، فقد اغتَبتَهُ، وإِن لَم يكُن فيه فقد بَهتَّهُ). (١)\nفما أحسن أن يبتعد المسلم عن الغيبة، ولا يسمح للسانه أن يخوض في أعراض المسلمين، فبذلك يحافظ على إيمانه، ويسلم الآخرون من أذيتة.\nقال الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُ أحدَكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتًَا فَكَرِهتُمُوه﴾، أي يقول تعالى ذكره للمؤمنين، أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه لأن الله حرّمه عليكم، فاكرهوا غيبته حيا، كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرّم غيبته حيا، كما حرم أكل لحمه ميتا، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي يقول تعالى ذكره، فاتقوا الله أيها الناس، فخافوا عقوبته، ولا تتبعوا عورات من كان مسلما، أو التجسس عما ستر عنه من أمره، أو اغتيابه بما يكرهه، تريدون به شينهُ وعيبهُ؟، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها ربكم ﴿إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: رحيم به فلا يعذبه على ذنب تاب منه. (٢)\nفما أعظم هذه المعاني القرآنية، وما أجمل هذا الاحترام والتقدير الذي دعا اليه القرآن الكريم، فعندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع الاحترام فيه متبادل، والتقدير فيه حاضرٌ، فإنهم يثقون بأنفسهم، ولا يشعرون بخجل أمام الآخرين، بل يعيشون في سعادة، لأنهم لا يشعرون بنقص مما أصابهم، فلا انتقاص لذواتهم، ولا هضم لحقوقهم، ولا ظلم لضعفهم، بل محبة وإخاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-60> المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم</span>.\nومن عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة أن الله ﷿ عاتب الرسول - ﷺ - عندما تولى عن \"ابن أم مكتوم، ففي ذلك رسالة لأهل العافية، أَلَّا يتعاملوا مع ذوي الاحتياجات الخاصة بسلوك لا يتعاملون بمثله مع غيرهم مستغلين ضعفهم، فقد عاتب الله ﷿ رسوله - ﷺ - على العبوس في وجه أعمى، مع أنه لم ير ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن الله ﷿ يحافظ على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ممثلين بابن ام مكتوم، فهذا يدل على أهمية البر والإحسان إليهم، فإن كان البر والإحسان مطلوبان مع جميع الناس، فإنهما يكونان أكثر طلبا مع من يحتاج اليهما مثل: ذوي الاحتياجات الخاصة، وبعد ذلك يكون الثواب المترتب على البر والإحسان معهم أكثر من غيرهم.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، ج ٤، ص ٢٠٠١، حديث رقم ٢٥٨٩.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٢، ص ٣٠٨ - ٣٠٩.","vol":"1","page":66},{"text":"قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١١].\nقال الطبري: وأما هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، وهو يخشى الله ويتقيه، فأنت عنه تتلهى وتعرض وتتغافل، وتتشاغل عنه بغيره، ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمر كما تفعل يا محمد، حيث تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى لمن استغنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة والدعوة تذكرة وعظة وعبرة (١).\nفبذلك يتبين لنا أن قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة مقدم على قضاء حوائج الآخرين، جاء في صفوة التفاسير: \" قال المفسرون: كان رسول الله - ﷺ - بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء. (٢)\nوبقي هذا الإحسان والعناية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، عند الخلفاء والأئمة والولاة الذين التزموا تعاليم القرآن الكريم، وساروا على نهج النبي - ﷺ - في الدولة الإسلامية، فنجد أبا بكر قد أكد في أول خطبة له بعد البيعة، على أهمية نصرة الضعفاء فجاء في خطبته: الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُريح* عليه حقه إن شاء الله. (٣)\nونجد في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - رعاية هذه الشريحة ومعرفة قدرهم، فقد حضر عمرو بن طفيل، وكانت يده قد قطعت يوم معركة اليمامة، وبينما هم جلوس، حضر الطعام فتنحى عمرو عنه، فالتفت إليه عمر - ﵁ - وقال: لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال عمرو: أجل، قال عمر بن الخطاب: والله لا أذوق حتى تسوطه بيدك، ما في الحاضرين مَن بعضه في الجنة غيرك. (٤)\nونجد أن العناية بشؤون هذه الشريحة، وقضاء حوائجها قد زاد بزيادة موارد الدولة الإسلامية واتساع رقعتها.\nففي عهد عمر بن عبد العزيز: \"كتب الى أمصار الشام، أن ارفعوا اليّ كل أعمى في الديوان، أو مُقعدا أو من به الفالج أو من به زمانة، تحول بينه وبين القيام الى الصلاة، فرفعوا اليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم\"، (٥) وذلك على نفقة الدولة.\nوفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك \"أعطى الناس وأعطى المجذومين وقال لهم: لا تسألوا الناس، فأعطى كل مُقعد خادما وكل ضرير قائدا\"، (٦) وقد انشأ الوليد بن عبد الملك مستشفًا متخصصًا لعلاج مرض الجذام*. (٧)\n_________\n(١) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٢٤، ص ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٢) - الصابوني، صفوة التفاسير، ج ٣، ص ٥٢٠.\n(٣) - ابن هشام، ابي محمد عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري المعافري، (توفي: ٢١٣ هـ) السيرة النبوية لإبن هشام، تحقيق مصطفى السقى وابراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي واولاده، ط ٢، ١٣٧٥ هـ-١٩٥٥ م، ج ٢، ص ٦٦١.\n*-أراح الرجل واستراح إذا رجعت اليه نفسه بعد إعياء. ابن منظور، لسان العرب، ج ٢، ص ٤٦١.\n(٤) - انظر؛ ابن عساكر، ابي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي، (توفي: ٥٧١ هـ)، تاريخ دمشق، تحقيق: عمرو بن غرامه العمروي، دار الفكر للطباعة والنشروالتوزيع، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م، ج ٢٥، ص ١٣.\n(٥) - ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج ٤٥، ص ٢١٨.\n(٦) - ابن كثير،، البداية والنهاية، ج ٩، ص ١٦٤.\n(٧) -دائرة المعارف العالمية، الموسوعة العربية، السعودية، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٩٩٩ م، ج ٢٣، ص ١٦٧.\n*- الجذام: يقال: رجل أجذم ومجذوم ومُجذم إذا تهافتت أطرافه من داء الجذام. يقال حبل جَذِم، مجذوم: مقطوع، الأجذم: المقطوع اليد (ابن منظور، لسان العرب، ج ١٢، ص ٨٧)","vol":"1","page":67},{"text":"وبهذا رأينا نموذجا مشرقا وصفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي، فحقوق كاملة ورعايةٌ حانية، لذوي الاحتياجات الخاصة من رسول الله - ﷺ -، والخلفاء والمسؤولين الذين التزموا بتعاليم القران الكريم، الذي انزل لإسعاد الناس أجمعين والسير بهم ليدخلوا جنة النعيم.\nفالإحسان إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، وقضاء حوائجهم هدي رباني ومنهج نبوي، يعطيهم كل عناية وتقدير واحترام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-61> المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف</span>.\nإن من رحمة الله ﷿ بذوي الاحتياجات الخاصة، أن استثناهم في القرآن الكريم من بعض التكاليف، تخفيفا عليهم ورحمة بهم نظرًا لحالهم، أو عدم قدرتهم، أو صعوبة قيامهم بهذه التكاليف، ومع ذلك لا ينقص من أجرهم شيء، قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ...﴾ [النساء: ٩٥].\nقال البغوي ﵀: فهذه الآيةُ في فضل الجهادِ والحَثِّ عليهِ، فقال: لا يستوي القاعدون الَّذين هم غير أولي الضَّرر، أَي: غَيرُ أُولي الزَّمانةِ والضَّعف في البدن والبصرِ، والمجاهدون في سبيل اللهِ بأموالهم وأَنفُسهم، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء، غَيْرُ أُولي الضَّرر فإِنَّهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم (١).\nوقد أُكِدَ هذا المعنى، بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال ابن كثير: \"أي لا يُكلَّف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته وإحسانه إليهم\" (٢).\nومن هذا التخفيف والاستثناء من التكاليف إسقاط الجهاد عنهم: قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].\nجاء في صفوة التفاسير: \"أي ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد، لما بهم من الأعذار الظاهرة، ومَن يُطِع أمر الله وأمر الرسول، يدخله جنات النعيم خالدا فيها، ومن يَنْكُل عن الجهاد بغير عذر يعذبه الله عذابا شديدا، في الدنيا بالمذلة وبالآخرة بالنار\" (٣).\nومن رحمة الله ﷿ بذوي الاحتياجات الخاصة أن رفع عنهم الحرج، فاستثناهم من وجوب الجهاد عليهم، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ\n_________\n(١) - انظر؛ البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، (توفي: ٥١٠ هـ)، معالم التنزيل في تفسير القرآن = ... تفسير البغوي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ١٤٢٠ هـ، ج ١، ص ٦٨٢.\n(٢) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ١، ص ٥٧٢.\n(٣) الصابوني، صفوة التفاسير، ج ٣، ص ٢٢٢.","vol":"1","page":68},{"text":"مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].\nقال ابن كثير: \" يبين الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجِهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما\" (١).\nأما القرطبي فقال: وبَيَّنتْ هذه الآية أنه لا حرج على المعذورين وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، ﴿إِذَا نَصَحُوا للهِ ورسُولهِ﴾، إِذَا عرفوا الحقَّ وأَحبُّوا أَولياءَهُ وأَبغضوا أَعداءهُ (٢).\nفبمعرفة ذوي الاحتياجات الخاصة للحق والتزامهم به ومحبة أوليائه وبغض أعدائه يصبحون في مرتبة المجاهدين.\nقال تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، قال ابو بكر الجزائري: \"أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم، لأنه بعذر شرعي، كما أنهم مطيعون لله ورسوله، وقلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر، فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال\". (٣)\nوبالرغم من أن الله ﷿، قد أعفى كثيرا من ذوي الاحتياجات الخاصة من الجهاد، إلا أن كثيرا منهم بذلوا ما يستطيعون من الجُهد، لمشاركة إخوانهم من أهل العافية في الجهاد، متحدّين بذلك ما أصابهم من ضعف في أجسامهم، بهمة قوية وعزيمة ماضية ونفس سامية.\nفها هو عمرو بن الجموح - ﵁ -، يأتي يوم أُحد للنبي - ﷺ - يريد الجهاد فيقول: (يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى اقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة، وكانت رجله عرجاء، فقال النبي - ﷺ -: \"نعم\"). (٤)\nفقاتل حتى قتل، فلم يستسلم لما اصابه، بل بذل جُهده ليحقق مراده، جاهد فاستُشهِد فدخل الجنة ﵁.\nوأما ابن أم مكتوم - ﵁ - فكانت نفسه تتوق للجهاد \" فكان يغزو ويقول: ادفعوا الي اللواء، فاني أعمى لا استطيع أن افر، واقيموني بين الصفين، وعن انس - ﵁ -: أن عبد الله بن ام مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء عليه درع له\". (٥)\n_________\n(١) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٤، ص ١٧٤.\n(٢) - انظر؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٨، ص ٢٢٦.\n(٣) - ابو بكر الجزائري، ايسر التفاسير، ج ٢، ص ٤١٢.\n(٤) - أحمد بن حنبل، مسند احمد، تتمة مسند الأَنصار، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، ج ٣٧، ص ٢٤٧، حديث رقم ٢٢٥٥٣، حكم الأرنؤوط إسناده حسن.\n(٥) - الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ١، ص ٣٦٤.","vol":"1","page":69},{"text":"واستمر دورهم وعطاؤهم في الجهاد عبر العصور حتى يومنا هذا، فالشيخ احمد ياسين، شيخ المجاهدين، الذي أُصيب بشلل كامل وهو من المعاصرين، قاد مسيرة الدعوة والجهاد لنصرة الدين، والدفاع عن المسلمين لسنوات طويلة، حتى نال الشهادة.\nفكم لعطاء هؤلاء وثباتهم من أثر على إخوانهم من أهل العافية، إنه لأثر كبير \"وأما عطاؤهم بعد ذلك وقد ترك الجرح أثرا في جسده - غالبا- من قطع رجل أو يد أو قلع عين أو غير ذلك، فيبقى له وساما وشرفا يعتز به في دنيا الناس ويوم يقوم الأشهاد، وكلما رآه الناس سألوا عن سبب جرحه، فيكون الجواب جرعة جديدة ودفعة قوية في إثارة كوامن الرجولة والغيرة وحب التضحية والفداء عند السائل! ! \". (١) ... ...\nومن التكاليف الواجبة التي استثنى الله ﷿ من لا يستطيعون القيام بها فريضة الحج، لما تحتاجه من قوة وجلد وتحمل، قال تعالى: ﴿... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل. عمران: ٩٧]\nقال الواحدي في تفسيره: قال جمهور أهل العلم أن الاستطاعة الموجبة للحج: القوة، فمن قوي في نفسه بالركوب على الراحلة وجب عليه الحج إذا ملك الزاد والراحلة. (٢)\nوكذلك خفف الله ﷿ عن ذوي الاحتياجات الخاصة بأن جعل باب التيسير مفتوحا لكل أمر يفوق وسعهم ويغلب طاقتهم، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الطبري: \"قال ابن عباس - ﵁ -: هم المؤمنون، وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...﴾ [سورةالحج: ٧٨]، وقال: ﴿... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [سورة التغابن: ١٦] \"، (٣) قال الواحدي: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: \"ما أطقتم، فلم يكلف العباد من طاعته وعبادته إلا ما استطاعوا\". (٤)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-62> المطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nإن من اكرام الله ﷿ لذوي الاحتياجات الخاصة، أن أنزل بشأنهم قرآنًا يتلى آناء الليل وأطراف النهار رِفعة لهم، وتذكيرا بقدرهم ومكانتهم عند الله ﷿، وهذه الآيات من القرآن الكريم كان سبب نزولها ذوي الاحتياجات الخاصة، إمّا إجابة لسؤال سألوه، أو تخفيفا لتكليف لا يطيقونه، أو بشرى لهم لعمل عملوه، أو حفاظا لحق لهم لم يعرفوه، وهذه الآيات هي:\n_________\n(١) - عزام، القتال في الكتاب والسنة وأثره في الأمة، ص ٣٩٣.\n(٢) - انظر؛ الواحدي، الوسيط في تفسير القران المجيد، ج ١، ص ٤٦٨.\n(٣) - الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ٦، ص ١٣٠.\n(٤) - الواحدي، الوسيط في تفسير القران المجيد، ج ١، ص ٤٧٢.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>١ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال معاذ بن جبل الذي كان أعرجَ </span>حيث قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ...﴾ [البقرة: ١٨٩].\n\" نزلت في معاذ بن جبلٍ وثعلبة بن عُثْمَة وهما رجلان من الأنصارِ، قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلعُ دقيقا مثل الخيط، ثم يزيدُ حتى يعظُمَ ويستويَ ويستدير، ثمّ لا يزال ينتقص ويدقُّ حتى يكون كما كان، لا يكون على حالٍ واحدةٍ فنزلت هذه الآية\" (١).\n\nيستفاد من الآية:\n- سؤال ذوي الاحتياجات الخاصة عن ما ينفعهم ويتركون السؤال عما لا يعنيهم.\n- أهمية معرفة الشهور القمرية إذ بها تعرف كثير من العبادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٢ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال عمرو بن الجموح الذي كان أعرجَ</span>، حيث قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥].\n\" قال ابنُ عبَّاس: نزلت في عَمرو بن الجموح الأَنصاريِّ، وكان شيخا كبيرا ذا مالٍ كثيرٍ فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدَّقُ؟ وعلى مَنْ نُنفق؟ فنزلت هذه الآية\" (٢).\n\nيستفاد من الآية:\n- السؤال طريق العلم والمعرفة.\n- أفضل ما يقدم من اعمال الخير فللوالدين ثم للأقربين.\n- ذوو الاحتياجات الخاصة قد يكونون من أصحاب رؤوس الأموال كما كان عمرو بن الجموح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٣ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل (كانا أعرجين)</span>، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n\"قال المفسِّرون: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]، جَاءَ أَبو بكر، وعمرُ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذُ بن جبل، وناس مِنَ الأَنصار إلى النبي - ﷺ -، فجثوا على الرُّكبِ، وقالوا: (يا رسول الله، والله ما نزلت آيةٌ أَشدُّ علينا من هذه الآية، إِنَّ أَحدنا ليُحِدِّثُ نفسهُ بما لا يحبُّ أَنْ يَثبُتَ في قلبهِ وأَنَّ له الدُّنيا بما فيها، وإِنا\n_________\n(١) - الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي، النيسابوري، الشافعي، (توفي: ٤٦٨ هـ)، أسباب نزول القرآن، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ، ص ٥٦.\n(٢) - الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص ٩٦.","vol":"1","page":71},{"text":"لمأخوذون بما نحدِّثُ به أنفسنا، هلكنا والله، فقال النبي - ﷺ -: هكذا أُنزلت، فقالوا: هلَكنا وكُلِّفنا مِنَ العمل ما لا نُطيق، قال: فلعلَّكُم تقولون كما قالت بنو إِسرائيل لموسى: سمعنا وعصينَا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا، فأَنزل الله تعالى الفرج والرَّاحةَ بقولهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فنسخت هذه الآية ما قبلهَا)، (١) قال النبي - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ قَدْ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مَا لَمْ يَعْمَلُوا أَوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ). (٢)\n\nيستفاد من الآية:\n- عفو الله ﷿ عن العبد إذا هم بالذنب ما لم يعمله.\n- مشروعية المطالبة بالتخفيف عند المشقة.\n- رفع الضيق والحرج عنا مكرمة ربانية.\n- بالطلب والسعي تحقق الانجازات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٤ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ابن أم مكتوم الذي كان أعمى</span>، قوله تعالى: ﴿... غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ...﴾ [النساء: ٩٥].\n\"عن البراء - ﵃ - قال: (لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله - ﷺ - زيدًا فجاءه بكتف فكتبها وشكى ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غير أولي الضرر) \". (٣)\n\nيستفاد من الآية:\n- تخفيف الله ﷾ على أصحاب الاحتياجات وعدم تكليفهم ما لا يطيقون.\n- المساواة بين أولي الضرر والمجاهدين في سبيل الله في الأجر.\n- الاستماع لمطالب ذوي الاحتياجات الخاصة كما استمع الرسول - ﷺ - لشكوى ابن أم مكتوم.\nكما نزل في حق ابن أم مكتوم بضعة عشر آية من سورة عبس: \"عن عائشة ﵂ قالت: (أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - ﷺ - يعرض عنه\n_________\n(١) - الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص ٩٨. واخرجه (مسلم، صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب اذا لم تستقر، ج ١، ص ١١٥، حديث رقم: ١٢٥).\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب اذا لم تستقر، ج ١، ١١٦، حديث رقم: ١٢٧.\n(٣) - الوادعي، مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة الهمداني الوادعيُّ، (توفي: ١٤٢٢ هـ)، الصحيح المسند من اسباب النزول، القاهرة مكتبة ابن تيمية، ط ٤، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م، ص ٧٥. (أخرجه البخاري، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]، ج ٦، ص ٤٨، حديث رقم ٤٥٩٤).","vol":"1","page":72},{"text":"ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾) (١).\nيستفاد من الآية:\n- الابتعاد عن كل سلوك أو اشارة تؤذي ذوي الاحتياجات الخاصة.\n- الدفاع عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والمطالبة بها كما وجهنا القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٥ - ما نزل من قرآن واستثني منه الضعفاء</span>، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨].\nعن ابن عباس، أن ناسًا من المسلمين، كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله - ﷺ -، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقلته، أو يضرب فيقتل فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ...﴾ [النساء: ٩٧]، ثم استثنى الله ﷿ المستضعفين فأنزل: ﴿إلَّا المُستَضعَفِينَ﴾. (٢)\nيستفاد من الآية:\nأن الأعمال التي لا يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة أن يقوموا بها، تسقط عنهم كما سقط عنهم واجب الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٦ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ضمرة بن العيص المصاب في بصره</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠٠].\n\"عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقي الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: ﴿إلَّا المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَان لَا يَستَطيعونَ حيلَةً وَلَا يَهتَدونَ سَبيلا﴾، فقلت: إنني لغني، وإني لذو حيلة، قال: فتجهز يريد النَّبِيِّ - ﷺ -، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله﴾ \" (٣).\n_________\n(١) - السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، ص ٢٧٧. اخرجه الترمذي، سنن الترمذي، ابواب تفسير القرآن، باب ومن سورة عبس، ج ٥، ص ٤٣٢، حديث رقم: ٣٣٣١، حكم الألباني صحيح الاسناد.\n(٢) - انظر؛ الوادعي، الصحيح المسند من أسباب النزول، ص ٧٦. وصحيح البخاري، البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم)، ج ٦، ص ٤٨.\n(٣) - ابن منصور، سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني، (توفي: ٢٢٧ هـ)، التفسير من سنن سعيد بن منصور، تحقيق: د. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م،، ج ٤، ص ١٣٦٤.","vol":"1","page":73},{"text":"يستفاد من الآية:\nأنه من عزم على فعل شيء من الطاعات ثم حال بينه وبين الفعل حائل أعطي أجرا كاملا غير منقوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٧. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف الذي كان أعرجَ</span>، حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبه: ٧٩].\n\"قال قتادة، وغيره: حثَّ رسول الله - ﷺ - على الصَّدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعةِ آلاف درهم، وقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله، وأَمسكتُ نصفها لعيالي، فقال رسول الله - ﷺ -: بارك اللهُ لك فيما أعطيتَ وفيما أَمسكت - فَبَارَكَ اللهُ فِي مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وتصدق يومئذ عاصم بن عديِّ بن العجلان بمائة وَسْقٍ مِنْ تَمر، وجاء أَبو عُقَيل الأَنصاريُّ بصاع من تَمرٍ وقال: يا رسول الله بِتُّ ليلتِي أَجُرُّ بالجرِيرِ الماء حتى نِلتُ صاعين مِن تَمرٍ، فأَمسكتُ أَحدهُما لأَهلي وأَتيتُكَ بالآخرِ، فأَمرهُ رسول الله - ﷺ -، أَن يَنثُرهُ في الصَّدقات، فَلمزَهُم المُنافقون وقالوا: ما أَعطَى عبد الرحمن وعاصمٌ إِلا رياءً، وإِنْ كان الله ورسولهُ غنيّينِ عن صاعِ أَبي عُقيل، ولكنَّه أَحبَّ أَن يذكر نفسه. فأَنزل الله تعالى هذه الآية\" (١).\n\nيستفاد من الآية:\n- حُرْمَةُ اللمز والطعن والسخرية بالآخرين.\n- مكانة الأولياء عند الله تعالى عظيمة، ولا يجوز السخرية من نفقتهم وان كانت يسيرة، وقد سَخِر الله ممن سَخِر من نفقة أوليائه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٨ - ما نزل من القرآن الكريم بحق الضعفاء</span>، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ التوبة: ٩١].\n\" قال السُّدِّيُّ: جاء المِقدادُ بن الأَسود إِلى رسول الله - ﷺ -، وكان عظيما سمينا، فشكا إِليه وسأَله أَن يأْذَن له، فنزلت فيه: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ...﴾ [التوبه: ٤١]، فلما نزلت هذهِ الآية اشتَدَّ شَأنُها على الناسِ، فنسخها الله تعالى وأَنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضى﴾ \" (٢).\n\nيستفاد من الآية:\nأن أصحاب الأعذار ينصرون دين الله بقدر ما يستطيعون ولا يُكلَفون ما لا يُطيقون.\n_________\n(١) - الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص ٢٦٠.\n(٢) - الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص ٢٥١.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٩ - ما نزل من القرآن الكريم دعما لذوي الاحتياجات الخاصة</span>، قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ...﴾ [النور: ٦١].\n\" قال سعيد بن جُبَير والضَّحاكُ: كان العُرجانُ والعُميانُ يتنزَّهون عن مؤاكلة الأَصحَّاء، لأَن الناس يتقذرونهم، ويكرهونَ مؤاكلتهُم، وكان أَهل المدينة لا يُخالطُهم في طعامهم أَعمى ولا أَعرج ولا مرِيض، تَقذُّرا، فأَنزل الله تعالى هذه الآيةَ. (١)\nوفي رواية عن عائشة ﵂، قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله - ﷺ -، فيدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم* ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما أحببتم، فكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أنهم أذنوا من غير طيب نفس، فأنزل الله ﷿ هذه الآية (٢).\n\nيستفاد من الآية:\n- دعوة ذوي الاحتياجات الخاصة وأهل العافية للأكل معا يدل على أهمية الدمج في المجتمع.\n- استثمار طاقات وإمكانات ذوي الاحتياجات الخاصة فقد كان الصحابة يستثمرونها فيدفعون اليهم مفاتيح بيوتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>١٠ - ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله طلحة بن عبيد الله الذي كانت يده مشلولة</span>، قال تَعَالَى: ﴿... فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣]، \" نزلت في طَلحة بن عُبَيْدِ الله، ثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحُد حتى أُصيبتْ يدُه\". (٣)\n\nيستفاد من الآية:\nثناء الله ﷿ على المؤمنين الصادقين لمواقفهم المشرفة ووفائهم بعهودهم يدل على أهمية قدر ذوي الاحتياجات الخاصة وأهمية الثناء عليهم بما هم أهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١١ - ما نزل من قرآن لرفع الحرج عن ذوي الاحتياجات الخاصة</span>، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].\n_________\n(١) - الواحدي، اسباب نزول القرآن، ص ٣٣٩ - ٣٤٠.\n(٢) - انظر؛ الوادعِي، الصحيح المسند من أسباب النزول، ص ١٥٢.\n*الضَّمِنُ: الَّذِي بِهِ ضَمانة فِي جَسَدِهِ مِنْ زَمَانَةٍ أَو بلاءٍ أَو كَسْر وَغَيْرِهِ. (ابن منظور، لسان العرب، ج ١٣، ص ٢٦٠).\n(٣) - الواحدي، أسباب نزول القرآن، ص ٣٦٧.","vol":"1","page":75},{"text":"\"عذر الله ﷿ أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة\" (١).\nيستفاد من الآية:\n- الرحمة بكل ضعيف والرحمة بكل من هو بحاجه الى مساعدة الأقوياء.\n- مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة وعدم إرهاقهم بما يفوق قدراتهم.\n١٢ - ما نزل من قرآن وخشي ثابت بن قيس بن شمَّاس الذي كان في أذنه وقر أنه قد نزل من أجله، قَال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].\n\"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، إِلَى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ في بيته، وقال: أَنا من أَهل النار، واحتبس عن النبي - ﷺ -، فسأَل النبي - ﷺ - سعد بن معاذ، فقال: يا أَبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتَكى؟ قال سعد: إِنه لجارِي، وما علمت له بشكوى، قال: فأَتاه سعد، فذكر له قول - ﷺ -، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أَني من أَرفعكم صوتا على رسول للهِ - ﷺ -، فأَنا من أَهل النار، فذكر ذلك سعد للنبيِّ - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: بَل هو من أَهْل الجنَّة\". (٢)\n\nيستفاد من الآية:\n* دعوة ذوي الاحتياجات الخاصة للتحلي بكل خلق وأدب رفيع.\n* عتاب الله ﷿ لثابت عتاب محبة فقد وصفه بأنه من أهل الإيمان.\n* ان نخفض أصواتنا عندما يذكر النبي - ﷺ - وسماع أحاديثه وعند زيارة قبره.\n\nوفي نهاية هذا المبحث نخلص الى:\n- أن الدعوة القرآنية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع سبقت التشريعات الأرضية.\n- أن السخرية من شكل الإنسان فيه خطر على الإيمان.\n- أن العناية بذوي الاحتياجات الخاصة مقدم على العناية بالآخرين.\n- أن مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة مطلب قرآني.\n- أن نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة دلالة على مكانتهم عند الله تعالى.\n_________\n(١) - ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام، (توفي: ٥٤٢ هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٢ هـ، ج ٥، ص ١٣٣.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْإِيمان، باب مخافَة الْمؤمن أَن يحبطَ عمله، ج ١، ص ١١٠، حديث رقم ١١٩.","vol":"1","page":76},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-75> المبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم</span>.\nإن من الحقائق التي أكدها القرآن الكريم، أن الله ﷿ ساوى بين الناس في الحقوق والواجبات، وجعل مناط التفضيل بينهم هو تقوى الله ﷿، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، فذوو الاحتياجات الخاصة متساوون مع غيرهم في الحقوق والواجبات، إلا فيما استثناهم الله تعالى منه تخفيفا عليهم، كإسقاط فرض الجهاد عنهم، فهذه من حقوقهم التي جاءت في القرآن الكريم وهذا يدل على مكانتهم عند الله ﷿، بينما لم تكن لهم مكانة أو حقوق قبل الإسلام، بل كانوا يُقتلون، وفي العصر الحالي لم يُعتَرف بحقوقهم عند غير المسلمين، إلا في منتصف القرن العشرين، وهي حقوق انتُزِعت انتزاعا وليست كاملة، وفي هذا المبحث أُبرِز بعض الحقوق لذوي الاحتياجات الخاصة، التي قد يظن البعض أنها ليست من حقهم أو يظن آخرون أنهم ليسوا بحاجة لها، وجاءت في ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: حقهم في الحياة.\nالمطلب الثاني: حقهم في الكرامة.\nالمطلب الثالث: حقهم في الحرية.\nالمطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم.\nالمطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك.\nالمطلب السادس: حقهم في العمل.\nالمطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة.\nالمطلب الثامن: حقهم في الزواج والإنجاب.","vol":"1","page":77},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-76> المطلب الأول: حقهم في الحياة:</span>\nإن من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يعيشوا في الحياة آمنين مطمئنين، فهذا حقٌ لكل إنسان سواء من أهل العافية أو من ذوي الاحتياجات الخاصة على حد سواء، كونهم يحملون بين جوانبهم نفخة من روح الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ...﴾ [الاسراء: ٣٣]، وجعل الله ﷿ حرمة فرد واحد من الناس كحرمة سائر البشر، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]، فهذه قيمة الحياة للإنسان في القرآن الكريم، سواء كان من ذوي الاحتياجات الخاصة أم غيرهم، ولو ألقينا نظرة سريعة على ذوي الاحتياجات الخاصة قبل الاسلام لرأينا أنه لا قيمة لهم ولا لحياتهم، فعند الفراعنة قام منفتاح الأول (حوالي ١٢٠٠ ق. م) بعزل آلاف المجذومين من بني إسرائيل في محاجر طرة، ثم أسكنهم بعد ذلك في مدينة تانيس بشمال شرق الدلتا، وكانت المدينة خالية بعد طرد الهكسوس منها، وعند النظر الى اليونان ونسقهم الاجتماعي، فهناك أسلوب أخر شاذ، يساير فلسفاتهم وقتذاك في النظر الى الحياة، فقوانينهم كانت تسمح بالتخلص ممن بهم نقص جسمي، وقد أعلن \"أفلاطون\" و\"أرسططاليس\" موافقتهما على هذا العمل، وكانت السلال تباع علنا في أسواق إسبرطة وأثينا، ليوضع فيها الصغار المشوهين خارج المدينة إهلاكا لهم، وفي روما ظل الناس أجيالا عديدة يغرقون الأطفال غير مكتملي النمو. (١)\nفحياة الانسان في ظل القرآن الكريم لها قدسية، لا يجوز التعدي عليها إلا بحق فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، قال تعالى: ﴿... وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، كما يحرم على غيره ان يعتدي عليه، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، فالآيات القرآنية تنص على حفظ النفس البشرية، فلا يجوز إزهاق أي نفس للتخلص منها بحجة أن فيها نقصًا أو ضعفًا أو جذامًا أو جنونًا، فلا يحق لأحد أن يقتل أحدا إلا بحكم شرعي.\nفعن عبد اللهِ بن مسعود - ﵁ -، قَالَ: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحلُّ دمُ امرئ مُسلم، يشهدُ أَن لا إِله إِلا اللهُ وأَنِّي رسول الله، إِلَّا بإحدى ثلاث: النَّفسُ بالنَّفس، والثيِّبُ الزاني، والمارقُ من الدِّين التارك للجماعة) (٢).\n_________\n(١) انظر؛ بشير، اقبال محمد، ومخلوف، اقبال ابراهيم، الرعاية الطبية والصحية ودور الخدمة الاجتماعية، الاسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، ص ٢ - ٣.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول اللَّه تعالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ ...﴾ [المائدة: ٤٥]، ج ٩، ص ٥، حديث رقم ٦٨٧٨.","vol":"1","page":78},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-77> المطلب الثاني: حقهم في الكرامة </span>الانسانية.\nإن تكريم الله ﷿ للإنسان يشمل ذوي الاحتياجات الخاصة وأهل العافية على حد سواء، فهم متساوون في هذه الكرامة.\nوإن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة لا يُنقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم في الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الاسراء: ٧٠]، قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أي: فضَّلناهم، و﴿كرَّمنا﴾ أشد مبالغة من ﴿أكرمنا﴾، وأما قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، أي فُضِّلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإِسرافيل، ومَلَك الموت، وأشباههم، فعلى هذا يكون المراد: المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإِيمان، وفُضِّلوا بالعقل، وفُضِّلوا بالنطق والتمييز، وفُضِّلوا بأن جُعِل نبينا محمّدٌ - ﷺ - منهم، وبتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. (١)\nفذوو الاحتياجات الخاصة في الكرامة والتفضيل، لا يختلفون عن غيرهم من أهل العافية، فهم كغيرهم من أُمة الرسول - ﷺ - ومن أهل الإيمان، وكثير منهم كُرِّم بالعقل والنطق والتمييز فهم مِمَّنْ سُخِّر لهم الخَلق، فالهدي الرباني في التوجيه القرآني يؤكد على حق ذوي الاحتياجات الخاصة في العيش بكرامة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-78> المطلب الثالث: حقهم في الحرية:</span>\nومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة الحرية، ومنها حرية الذات أي لا يكون أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة عبدا لغيره.\nوحرية الرأي بأن يكون حرًا في إبداء رأيه وأن تكون كلمته مسموعة وهذا ما يعرف في زماننا بحرية الرأي والتعبير، فقد أكد القرآن الكريم على هذا الحق في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨]، قال الزجاج ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: \"أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه\" (٢).\nفدلت هذه الآية على إعطاء الحرية في التعبير وتبادل الآراء من خلال التشاور، وقال الله ﷿ لنبيه - ﷺ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، قال ابن الجوزي في قوله تعالى ﴿وَشاوِرهُم فِي الأَمر﴾: أي\"استخرج آراءهم،\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ج ٣، ص ٣٩.\n(٢) - الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق، (توفي: ٣١١ هـ)، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، بيروت، عالم الكتب للنشر، ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م، ج ٤، ص ٤٠١.","vol":"1","page":79},{"text":"واعلم ما عندهم\" (١)،\nولم يفرق في ذلك بين أهل العافية أو ذوي الاحتياجات الخاصة، فالكل له حق في ابداء رأيه، وهذا ما كان يفعله رسول الله - ﷺ - مع أصحابه حينما كان يستشيرهم ويستخرج آراءهم، فهو القائل يوم بدر أشيروا علي أيها الناس، كما كان رسول الله - ﷺ - يسمتع لذوي الاحتياجات الخاصة ويسمح لهم بإبداء آرائهم، لذا لم يتردد ابن أم مكتوم في ابداء رأيه عندما لم يستثنِ أولي الضرر من مرتبة القاعدين ويلحقوا بمرتبة المجاهدين، فاستمع الرسول - ﷺ - لرأيه فقد جاء في الحديث ان زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - ﵁ - قال: \" انَّ الرسول - ﷺ - أَمْلَى عَلَيْ: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، \" قال: فجاءَه ابنُ أُم مكتوم وهو يملّها عليَّ، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلا أَعمى - فأنزلَ اللهُ ﵎ على رسوله - ﷺ -، وفخذُهُ على فخِذِي، فثقُلتْ علي حتى خفتُ أن تَرُضَّ فخِذِي، ثم سُرِّيَ عنه، فأَنزل اللهُ ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ \". (٢)\nفهذا هو منهج رسول الله - ﷺ - في إعطاء الحرية للآخرين ليعبروا عن آرائهم، فعَنْ أَبِي هريرة - ﵁ -: (أَن رسول الله - ﷺ - انصرف مِنَ اثنتينِ، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين قال: أَقَصُرت الصلاة يا رسول الله، أَم نسيت؟ فقال: أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله - ﷺ -، فصلّى ركعتين أُخريينِ، ثم سلم، ثم كبر، ثمّ سجد مثل سجوده أَو أَطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفعَ). (٣)\nومن الحرية حرية اتخاذ القرار، بأن يكون كل واحد من ذوي الاحتياجات الخاصة حرًا في اختياره وفي قراره، فلا يُكره على أمر لا يريده تحت سيف الضعف وحاجته للآخرين في بعض الأمور، فلا بد من اعطائهم الحرية في المشاركة في اتخاذ القرارات المناسبة وخاصة فيما يخصهم من أمور يحتاجون اليها في حياتهم، فنرى كثيرًا من القرارات التي اتخذت من أجل تنظيم أمورهم وشؤونهم قد اتخذت من غيرهم، وقد أكد الله ﷿ على حرية اتخاذ القرار في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿... فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، \"أى: إذا عزمت عقب المشاورة على إمضاء شئ واطمأنت به نفسك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فى فعل ذلك\". (٤)\n_________\n(١) - ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ص ٣٤٠ ..\n(٢) - االبخاري، صحيح البخاري، كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ [النساء: ٩٥]، ج ٤، ص ٢٥، حديث رقم ٢٨٣٢.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إِجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، ج ٩، ص ٨٧، حديث رقم ٧٢٥٠.\n(٤) - الجمل، حسن عز الدين بن حسين بن عبد الفتاح أحمد، مخطوطة الجمل \"معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن\"، مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ١، ج ٣، ص ١٢٦.","vol":"1","page":80},{"text":"فهذه الآية وان كانت موجهة لرسول الله - ﷺ - إلا أنها عامة لكل المسلمين، فيا صاحب الحاجة الخاصة إذا عزمت واتخذت قرارا فتوكل على الله، فهكذا كان منهج الرسول ﵇ مع أصحابه يعطيهم الحرية في اتخاذ القرار دون ضغط أو اكراه.\nفقد أتى عمرو بن الجموح الى رَسُول الله - ﷺ - يوم أحد فَقَالَ: (يا رَسُول الله، إن بَنيَّ يريدون أن يحبسوني عَن هذا الوجه والخروج معك فِيهِ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة! فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: أَما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك، وقَالَ لبنيه: لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فأخذ سلاحه وولى، وقَالَ: اللهم أرزقني الشهادة، ولا تردني إِلَى أهلي خائبا، فلما قتل يوم أحد، قال رَسُول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده لقد رأَيته يطأ في الجنة بعرجته). (١)\nمما سبق نرى كيف كان رَسُول الله - ﷺ -، يعطي الحرية لذوي الاحتياجات الخاصة باتخاذ القرار، بل كان يوجههم ويشجعهم على ذلك.\nعَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النبي - ﷺ - حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُول الله، قَالَ: \"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ الله؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، لَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُول الله - ﷺ - صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: الحمدُ لله الذي وفَّق رَسولَ رَسولِ اللهِ لما يُرضي رَسولَ الله). (٢)\nفنرى من هذا الحديث ان سر فهم معاذ بن جبل في كيفية القضاء، بأنه سيتخذ القرار المناسب ان احتاج اليه وذلك في قوله اجتهد رأيي ولا آلو.\nومن الحرية حرية التنقل في الذهاب والإياب، أي أن تكون حركة تنقل ذوي الاحتياجات الخاصة ميسرة من بيوتهم الى حيث يريدون ويحتاجون، فلا بد من تذليل الصعاب في الطرق ومداخل المؤسسات ليسهل عليهم التنقل، فكثير من المؤسسات في بلاد المسلمين كالمدارس والجامعات والمستشفيات وحتى المساجد، لا تكون مهيأة في مداخلها لذوي الاحتياجات الخاصة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].\nقال النسفي ﵀: في قوله تعالى: ﴿هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولًا﴾ لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جبالها أو طرقها (٣).\nومما يحد من حرية حركة ذوي الاحتياجات الخاصة، إيقاف السيارات على الأرصفة وجوانب الطرق، أو وضع البضاعة أمام المتاجر والمحلات، ناسين أو متناسين أن هذا حق عام لا\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ص ١٩٤.اخرجه (البيهقي، السنن الكبرى، كتاب السير، باب مَنِ اعتذر بالضّعف والْمرضِ والزّمَانة والعذر في ترك الْجهَادِ، ج ٩، ص ٤٢، حديث رقم: ١٧٨٢١).\n(٢) - احمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل تتمة مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، ج ٣٦، ص ٣٣٣، حديث رقم ٢٢٠٠٧، حكم الأرنؤوط - اسناده ضعيف.\n(٣) - انظر؛ النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، (توفي: ٧١٠ هـ)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، بيروت، دار الكلم الطيب، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م، ج ٣، ص ٥١٤.","vol":"1","page":81},{"text":"يجوز التعدي عليه، وأن رَسُول الله - ﷺ - حثنا على إزالة كل ما يؤذي المارة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: (وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ) (١).\nفالله ﷿ جعل الأرض سهلة للتنقل فيها، فلا بد من إزالة الحواجز أو المعيقات المادية أو المعنوية من أمام ذوي الاحتياجات الخاصة، والمعيقات المعنوية هي نظرة الآخرين لذوي الاحتياجات الخاصة عندما يتنقلون أو يسافرون، وهذه النظرة إما أن تكون نظرة شفقة لذوي الاحتياجات الخاصة فهي نظرة تؤلمهم وتحد من حركتهم، أو تكون نظرة تساؤلية فيها استنكار لخروجهم من بيوتهم وتحركاتهم في قضاء حوائجهم أو أسفارهم، لماذا يَخرجون؟ ولماذا يَتعبون؟ أليس من الواجب أن يجلسوا في بيوتهم؟ فهذه نظرة تقلقهم وتحد من حريتهم في التنقل، فتحبطهم وتضعف الثقة في نفوسهم.\nفعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ - ﵃ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: (إياكم والجلوسَ على الطرُقات)، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما هي مجالسنا نتحدّثُ فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأَذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المُنكَر). (٢)\nومن الحرية الحق في اختيار العمل أو الوظيفة أو قبول ذلك بحرية، ويعني ذلك الحق لكل واحد من ذوي الاحتياجات الخاصة في اختيار العمل الذي يتناسب مع ميوله ورغباته وقدراته، من أجل تحقيق ذاته، وهذا ما يعرف بحرية العمل، فلا يجبر ولا يكره على عمل لا يريده، لذلك لابد من توافر فرص العمل، حتى يمكن لذوي الاحتياجات الخاصة، أن يختاروا من بينها ما يناسبهم لكسب رزقهم كغيرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠].\nقال البغوي: \"المراد مِنَ التمْكين التمليكُ والقُدرةُ، وجعلنا لكم فيها معايش، أَي: أَسبابا تعيشون بها أَيام حياتكُم مِنَ التِّجارات والمكاسب والمآكل والمُشارِبِ\". (٣)\nففي هذا التمليك وأسباب المعيشة التي سخرها الله تعالى للخلق من وظائف وأعمال، فرص أمام ذوي الاحتياجات الخاصة لاختيار ما يناسبهم كغيرهم من أهل العافية.\n_________\n(١) - ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي أبو حاتم الدارمي البُستي، (توفي: ٣٥٤ هـ)، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة للنشر، ط ٢، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م، فصل من البر والاحسان، ذكر بيان الصدقة للمرء بإرشاد الضال وهداية غير المبصر، ج ٢، ص ٢٨٦، رقم الحديث ٥٢٩، حكم الالباني حسن صحيح.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب أَفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات، ج ٣، ص ١٣٢، حديث رقم ٢٤٦٥.\n(٣) - البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، ج ٢، ص ١٨١.","vol":"1","page":82},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-79> المطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم</span>\nإن من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، التي جاءت في القرآن الكريم حق التعلم والتعليم بالمفهوم الواسع، الذي يبدأ بالعلم الشرعي، وينتقل الى بقية العلوم التي يحتاجها الإنسان، فأول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥]، فالعلم في التصور القرآني، لم يقتصر على مجال معين، وإنما اتسع باتساع آفاق الكون المختلفة، وحق ذوي الاحتياجات الخاصة في التعلم أُكِّد في القرآن الكريم. (فعن عائشة ﵂ قالت: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رَسُول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رَسُول الله - ﷺ - رجل من عظماء المشركين، فجعل رَسُول الله - ﷺ - يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾). (١)\nوفي هذا الموقف كان ابن أم مكتوم حريصًا على التعلم من رَسُول الله - ﷺ - ليزكي نفسه قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١١]، قال ابن كثير: أَيْ: هذه السُّورةُ، توصي بالمساواة بينَ النَّاسِ فِي إبلاغ العلم بين شرِيفهم وضعيفهم (٢).\nفمن حق ذوي الاحتياجات الخاصة، أن تُهيأ لهم الأسباب والظروف المناسبة، لكي ينالوا حقهم في التعلم والتعليم وينالوا المكانة العالية التي قال الله عنها: ﴿... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]، فينفعوا أنفسهم وينفعوا أمتهم، فكم من الأَئِمة والعلماء الذين نفع الله بهم خلقا كثيرا هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، فمن هؤلاء: أبو عبد الرحمن السُّلَمي مُقرئ الكوفة الذي كان أعمى وُلِد في حياة النبي - ﷺ - وعَرضَ القراءة على عثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وغيرهم، وحدَّث عن عمر وعثمان ﵄. وأخذ عنه القراءة عَرضَا خلق كثير منهم الحسن والحسين ﵄، وعاصم بن أبي النجود. أَقرأ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة، وكان إماما في المسجد، قال أبو حصين: كنا نذهب بأبي عبد الرحمن من مجلسه وكان أعمى. كان ثقة، كبير القدر، وحديثه مخرج في الكتب الستة، توفي في سنة ٧٣ أو ٧٤ من الهجرة ﵀. (٣) ومنهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الذي أخذ القراءة عَرْضًَا عن أبي هريرة، وكان يكتب المصاحف، وكان الأعرج أحد من برز في القرآن والسنة، قالوا هو أول من وضع العربية بالمدينة، أخذ عن أبي الأسود، وله خبرة بأنساب قريش،\n_________\n(١) - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن بكر السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، اخرجه الترمذي، سنن الترمذي، ابواب تفسير القرآن، باب ومن سورة عبس، ج ٥، ص ٤٣٢، حديث رقم: ٣٣٣١، حكم الألباني صحيح الاسناد.\nص ٢٧٧.\n(٢) - انظر؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج ٨، ص ٣٢٢.\n(٣) - انظر؛ الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، (توفي: ٧٤٨ هـ)،، معرفة القراء الكبار، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٩٩٧ م، ص ٢٧ - ٣٠.","vol":"1","page":83},{"text":"وافر العلم مع الثقة والأمانة، اتفق انه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة ١١٧ للهجرة. (١)\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-80> المطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك</span>.\nومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة حق الكسب والتصرف، كغيرهم من أهل العافية ما داموا أهلًا للتصرف، والمؤهل للتصرف: هو الحر البالغ العاقل الرشيد، فما دام ذوو الاحتياجات الخاصة كذلك، فلهم حق الكسب والتصرف في البيع والشراء وسائر المعاملات المشروعة، أما من كان يحول بينه وبين التصرف شيئٌ ما، كَعِيٍّ في حواسه، أو خرس في لسانه، أو من كان به جنون أو سفه، فإنه ينوب عنه وليه، أو يستعين بغيره من أهل المعرفة والاختصاص، قال تعالى: ﴿... فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ...﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nقال ابن الجوزي ﵀: المراد بالسفيه هاهنا أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء، أو الصبي والمرأة، أو المبذر. والمراد بالضعيف: أنه العاجز والأخرس ومن به حمق، قاله ابن عباس وابن جبير (٢).\nقال الواحدي في قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ﴾ أي لخرس أو عِيٍّ أو جهل بما له وعليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: ولي السفيه أو العاجز أو الطفل (٣).\nفبتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من حق الكسب والتصرف، يصيرون فاعلين ومنتجين ولجهدهم وأوقاتهم مستثمرين وبأموالهم منتفعين، وبهذا لا يكونون عالة على الآخرين لأنهم ينالون حق التملك.\nفإن من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة حق التملك بالطرق المشروعة كما لغيرهم، كالتملك بالكسب أو الهبات أو الأعطيات أو التملك بالميراث، قال تعالى: ﴿... لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ...﴾ [النساء: ٣٢]. قال القرطبي: \" كانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء، فأَبطلَ اللهُ ﷿ ذلك بهذه الآية\" (٤).\nفالرجال والنساء لهم حق في الميراث سواء كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة أو من غيرهم، قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].\nقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: كانوا قبل الاسلام قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأَشدَّاء بالأَموال، وحرمان الضُّعفاء، وإِبقاءَهُم عالةً على أَشدَّائهم حتَّى يكونوا في مقادتهِم، فكان أُولئك\n_________\n(١) - انظر؛ الذهبي، معرفة القراء الكبار، ص ٤٣ - ٤٤.\n(٢) - انظر؛ ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ج ١، ص ٢٥١.\n(٣) - انظر؛ الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج ١، ص ٤٠٣.\n(٤) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج ٥، ص ٧٩.","vol":"1","page":84},{"text":"لضعفهم يصبرون على الحرمانِ، ويقنعون بالعيش في ظلال أَقاربهم، لِأَنهم إِن نازعوهم طردوهم وحرموهم، فصاروا عالةً على الناس (١).\nمما سبق نجد أن القرآن الكريم أبطل تلك العادات الجاهلية المجحفة في حق الضعفاء، فأنصفهم وورثهم وملكهم، فالتملك حق من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة كالكسب والتصرف ليلبوا مطالبهم ويحققوا ما يريدون في معيشتهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-81> المطلب السادس: حقهم في العمل</span>.\nوالحق في العمل أيضا من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم كغيرهم من أفراد المجتمع بحاجة الى توفير فرص عمل لهم، فلا بد أن يكون لهم دور في بناء هذا المجتمع وإعماره، وهم أصحاب طاقات وإمكانات فلا بد أن تستثمر بما يعود بالنفع والخير عليهم وعلى غيرهم، وأن الله ﷿ دعا الجميع للعمل الأخروي والدنيوي، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥]، قال فخر الرازي ﵀: في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ \" ثبتَ أَن هذه اللَّفظَة الواحدَة جَامِعةٌ لجميعِ ما يَحتاجُ المَرءُ إليهِ في دينهِ ودُنياهُ ومعاشِهِ ومعادِهِ\" (٢).\nوجاء في تفسير المراغي: ﴿وَقُل اعمَلوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُه وَالمُؤمِنُون﴾ أي وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم وآخرتكم، لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هو مناط السعادة، لا الإعتذار عن التقصير، وسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، وسيراه رسوله والمؤمنون ويزنونه بميزان الإيمان الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء على الناس (٣).\nفالقرآن الكريم يحث على العمل والجد والاجتهاد، فالذي يعمل ينفع نفسه وينفع غيره، وذوو الاحتياجات الخاصة ينتفعون بالعمل من عدة نواحي، منها ملء فراغهم بما هو نافع ومفيد، ومنها المحافظة على صحة أبدانهم فترك الحركة يضمر العضلات ويضعف الأبدان، ومنها المحافظة على صحة نفوسهم فبخروجهم للعمل يعيشون أجواء مختلفة بعيدة عن جو الإصابة، كما أنهم بالعمل ينتجون ويكسبون فبذلك لغيرهم لا يحتاجون.\nعن المِقدامِ بن معد يكرب - ﵁ -، عَن رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: (ما أَكلَ أَحدٌ طعاما قطُّ، خيرا مِنْ أَن يأكُلَ مِنْ عملِ يده، وإِنَّ نبي اللهِ داوُد ﵇، كان يأكلُ مِنْ عمل يَدِهِ) (٤). فداود ﵇ وبقية الأنبياء كانوا يعملون، ومنهم موسى ﵇ الذي عمل برعي الأغنام عشر سنين، فذوو\n_________\n(١) - انظر؛ ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، (توفي: ١٣٩٣ هـ)، التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، تونس، الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤ م، ج ٤، ص ٢٤٧.\n(٢) - فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، ج ١٦، ص ١٤٢.\n(٣) - انظر؛ المراغي، أحمد بن مصطفى، (توفي: ١٣٧١ هـ)، تفسير المراغي، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، ط ١، ١٣٦٥ هـ-١٩٤٦ م، ج ١١، ص ٢٠.\n(٤) - البخاري، صحيح البخاري،، كتَابُ البُيُوعِ، باب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ، ج ٣، ص ٥٧، حديث رقم ٢٠٧٢.","vol":"1","page":85},{"text":"الاحتياجات الخاصة لا يمنعهم ما أصابهم من العمل فهم أصحاب همة وارادة، وإن رَسُول الله - ﷺ - قد استعمل ابن أم مكتوم على المدينة المنورة.\n\"قال ابن عباس - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها من أمر المدينة\" (١)، \"وقال قتادة: \"استخلف النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم مرتين على المدينة وكان أعمى، وعن الشعبي أن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر\". (٢) وأي عمل أعظم من هذا العمل الإداري، فابن أم مكتوم الأعمى نائبا لرَسُول الله - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-82> المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة</span>.\nومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة التي وردت في القرآن الكريم الحق المالي، وقد ورد هذا الحق في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ [التوبة: ٦٠] واذا رجعنا الى معاجم اللغة العربية للتعرف على معنى الفقراء والمساكين نجد انهم هم المحتاجون وهم الزمنى الضعاف الذين لا يقدرون على الكسب لقلة حركتهم، جاء في معجم لسان العرب: الفقر والفُقر: ضِدُّ الغنى، مثل الضعف والضعف. والفقر: الحاجة. قال خالد بن يزيد: كأن الفقير إِنما سُمِّي فقيرا لزمانةٍ تصيبُه معَ حاجة شديدة تمنعه الزمانةُ مِنَ التَّقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير، وقيل الفقير الذي لا شيء له، والمسكينُ الذي له بعض ما يكفيه.\nورُويَ عن الشافعي، رحمه الله تعالى، أَنه قال: الفقراء الزمنى الضعاف الذين لا حرفة لهم، وأَهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفتهم مِنْ حاجتهُم موقعا، والمساكين: ممن له حرفة تقع موقعا ولا تغنيه وعياله.\nوالفِقْرة والفَقْرة والفَقَارة، بالفتح: واحدة فَقَار الظهر، وهو ما انتضد من عظام الصلب مِنْ لَدُن الكاهل إِلى العجب. الفقير المكسور الفقار؛ يُضرَبُ مثلا لكل ضعيفٍ لا ينفُذ في الأُمور، والفاقِرةُ: الدَّاهِيَةُ الْكَاسِرَةُ للفَقَار (٣).\nقال الأنباري في كتابه الزاهر: \"المسكين، معناه في كلام العرب: الذي سكَّنه الفقر، أي قلل حركته\". (٤)\nوجاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: المسكين، بمعنى الخُضوع، وقلَّة المالِ، والحَال السَّيئة، واسْتَكَانَ إِذا خضع، والمسكين هو الذي له بعض الشاء، وقد تقع المَسكَنةُ على الضَّعف.\n_________\n(١) - ظ، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم الطبراني، (توفي: ٣٦٠ هـ)، المعجم الكبير، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ط ٢، ج ١١، ص ١٨٣.\n(٢) - الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ٣، ص ٢٢٠.\n(٣) انظر؛ ابن منظور، لسان العرب، ج ٥، ص ٦٠ الى ٦٢\n(٤) - الأنباري، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري، (توفي: ٣٢٨ هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م، ج ١، ص ١٢٧.","vol":"1","page":86},{"text":"وفي حديث الخروج إلى الصلاة \"فَليَأت وعليه السَّكينة\" وفي حديث زيد بن ثابت قال: كنتُ إِلى جنب رَسُول الله - ﷺ - فغشيته السَّكينة يريد ما كان يعرض له مِنَ السُّكون والغَيبة عند نزول الوحى. (١)\nومما سبق من التعريفات، نرى أن الفقراء والمساكين هم الذين لا يستطيعون ان يقوموا بأمورهم بسبب ما أصابهم في أجسامهم، فسَكَّنهم وقلَّل حركتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]، قال السيوطي ﵀: قال قَتَادَة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الَّذي ليسَ به زمانة.\nومر عمر بن الخطاب برجُل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال: إستكدوني* وأخذُوا مني الجزية حتى كف بصري فليسَ أحد يعود علي بشيء، فَقَالَ عمر: مَا أنصفنا إِذا ثَمَّ، قَالَ: هذا من الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ ثُمَّ أَمر لَهُ أَن يرزق ويجري عليه (٢).\nفان الله ﷿ بذلك جعل من هذه المصارف الثمانية للزكاة، مصرفين لذوي الاحتياجات الخاصة، وهم الفقراء والمساكين، وقد يشتركون في المصارف المتبقية ان كانوا من أهلها، جاء في تفسير المنار: ولكنَّ ذِكْرَ الفقير في مُقابلة الغنيِّ أَو إطلاق ذكرِهِ، يدُل على المُحتاج في معيشتهِ إلى مواساة غيره، لعدم وُجود ما يكفيه بحسب حاله، ويطلقُ الفقيرُ في اللغة على الكسير الفَقَارِ ومَنْ يشتكي فَقَارَهُ - وهي عظام الظهرِ المَنضودةُ مِنْ لدن الكاهل إلى عجب الذَّنب في الصُّلب - وهذا هو المَعنى الأَصلِيُّ، والمعنى الأَولُ مأخوذٌ منهُ، كما قيل: ومنهُ الفَاقِرَةُ وهي الدَّاهيةُ أو المصيبةُ التي تكسر فَقَارَ الظهرِ.\nوأما المِسكينُ فمأخوذٌ مِنْ مادّة السكون المراد به قلة الحركة والاضطراب الحسي مِنَ الضعف والعجز، أو النفسي مِنَ القناعة والصبرِ، وإِنَّما يطلقُ على الفقير إذا كان الفقرُ سبب سكونه (٣).\nإن الله ﷿، خص ذوي الاحتياجات الخاصة بالحق المالي لأنهم يحتاجون له، فهم بحاجة الى النفقة والعلاج والأجهزة التي تساعدهم، والمعدات التي تعوضهم عما فقدوه، فاستحقوا ذلك لأنهم لا يستطيعون أن يتحركوا في الأرض كغيرهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ...﴾ [البقرة: ٢٧٣]، قال الواحدي: قال سعيد بن المسيب: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رَسُول الله - ﷺ - وصاروا زمني، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (٤).\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ٢، ص ٣٨٥.\n(٢) - انظر؛ السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين، (توفي: ٩١١ هـ) الدر المنثور، بيروت، دار الفكر، ج ٤، ص ٢٢١ - ٢٢٢.\n* إستكدوني، كِدّوني فإني مُكِدْ، أي سلوني فاني أعطي على السؤال (الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج ٩، ص ١٠٠).\n(٣) - انظر؛ رضا، محمد رشيد، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، ج ١٠، ص ٤٢٣\n(٤) - انظر؛ الواحدي، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، ج ١، ص ٣٨٨.","vol":"1","page":87},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-83> المطلب الثامن: حقهم في الزواج والانجاب:</span>\nومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، حقهم في الزواج والإنجاب إن كانوا مهيئين ومؤهلين لذلك، فقد يكونون أحوج لذلك من غيرهم، فبزواجهم يجدون من يقف الى جانبهم، ويعينهم في بعض حوائجهم ويؤازرهم ويساندهم.\nقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]، قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم، والأيم من لا زوج له أو لا زوج لها (١).\nولم يفرق بأمره بتزويج الأيامى بين ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم من أهل العافية، وقد يقول قائل بزواج ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون الى النفقة والمال لأنهم يصيرون أصحاب عيال؟ فللإجابة عن هذا التساؤل ذكرنا سابقا ان من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة توفير وظائف وأعمال مناسبة لهم ليكتسبوا منها أرزاقهم كما ان من حقوقهم الحق المالي من مصارف الزكاة، وقد بين الله ﷿ أن الزواج مصدر من مصادر الرزق والغنى.\nجاء في جامع البيان في تأويل القرآن: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقال عبد الله بن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله، إن كانوا فقراء، ﴿عَلِيمٌ﴾، يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغنيّ، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم. (٢)\nفي نهاية هذا المبحث يتبين لنا مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم فقد أوصى الله ﷾ بهم وأكد على حقوقهم كحقهم في الحياة، والكرامة الانسانية والحرية، والتعلم والتعليم، والكسب والتصرف والتملك، والعمل، وحقهم المالي من مصارف الزكاة، والزواج والإنجاب، فما أعظم هذا القرآن الذي عُني بحقوق الإنسان، سواء ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم.\n_________\n(١) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٩، ص ١٦٥.\n(٢) - انظر؛ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج ١٩، ص ١٦٦.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الفصل الرابع\nذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية</span>\n\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\n• المبحث الأول- مكانة ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.\n• المبحث الثاني- توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة.\n• المبحث الثالث- شخصيات من ذوي الاحتياجات الخاصة خلدتها السنة النبوية.","vol":"1","page":89},{"text":"الفصل الرابع: ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.\nلقد أرسل الله ﷿ نبي الهدى محمدًا - ﷺ - رحمة للعالمين، ليشرح به الصدور ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، كما وإن هداية الخلق إلى الطريق المستقيم من أعظم مهام الرسول الكريم محمد ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥)﴾ [الشورى: ٥٢]، فلم يرسله الله إلا هدى ورحمة ليرشد الناس إلى الحق المبين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الانبياء: ١٠٧]، فكان حقا عليه أن يدُل أمته إلى خير ما ينفعهم ويصلحهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة.\nولما كان الجنس الانساني فيه الصحيح والضعيف، وفيه المعافى وفيه المبتلى، فإننا نجد في السنة النبوية مواقف وأحاديث كثيرة، تبين عناية النبي ورحمته - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة، وتبين فضلهم ومكانتهم وما أعده الله لهم وما وُجِّه لهم لمعرفة مالهم وما عليهم وإظهار دورهم وعنايتهم في نشر السنة خدمة لدين الله، وقد جاء هذا الحديث من السُنَّة النبوية عن ذوي الاحتياجات الخاصة، ضمن المباحث الثلاثة الآتية:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-85> المبحث الأول: مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية</span>.\nلقد بلغت مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية مكانة عالية، نالوا فيها التقدير والاحترام ونالوا حقوقهم كاملة غير منقوصة، وفي هذا المبحث أبين مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة عند رسول الله - ﷺ -، والذي جاء في أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: عناية الرسول - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمطلب الثاني: مراعاة الرسول - ﷺ - لقدرات الضعفاء.\nالمطلب الثالث: رحمة النبي - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمطلب الرابع: الرسول - ﷺ - يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة.","vol":"1","page":90},{"text":"• المطلب الأول: عناية الرسول - ﷺ - بذوي الاحتياجات الخاصة.\nلقد بلغت عناية الرسول بذوي الاحتياجات الخاصة عناية كبيرة فاقت كل وصف، فأدناهم وقربهم منه وكان يثني عليهم بما هم أهله، فاختار منهم المؤذن والإمام والوالي، وأوصى بهم وحث على ضرورة مراعاة قدراتهم، وبين أهمية رحمتهم، وأكد على أثرهم بالنصر على الأعداء، والرزق بالحياة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>١. الضعفاء من اسباب الرزق والنصر</span>.\nعن مصعب بن سعد، قال: رأَى سعد ﵁، أَن له فضلا على مَنْ دونه، فقال النَبي - ﷺ -: (هَل تُنصرون وتُرزقون إِلا بضعفائكُم). (١)\nجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري \" إِنَّه ﷺ أخبر بأَنهُم لا ينصرون إلا بالضعفاء والصالحين في كل شيء، عملا بإِطلاق الكلام، ولكن أهم ذلك وأقواه أَن يكون فِي الْحَرْب يستعينون بدعائهم ويتبركون بهم\". (٢)\nفالعناية بالضعفاء طريق النصر على الأعداء وسبب من أسباب الرزق لذا كان يقول لأصحابه اطلبوا لي ضعفاءكم، فعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)، (٣) فغالبا ما تكون عبادة الضعفاء أكثر إخلاصا ودعاؤهم أكثر استجابة لقربهم وتعلقهم بربهم.\nعن مصعب بن سعد، عن أَبيه، أَنه ظن أَن له فضلا على مَنْ دونه مِنْ أَصحاب النبي - ﷺ -، فقال نبي الله - ﷺ -: (إِنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهِم). (٤)\nفالاستنصار بالضعفاء منهج نبوي، فإذا حرص المسلمون على رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومرافقتهم في الشدائد والنوازل، فسينالون من بركتهم من نصر ورزق، ذلك لقربهم من ربهم، فالضعيف يتبرأ مِنْ حَولِهِ وقُوته ويعتمد على الله تعالى.\nقال ابن بطال: \"وتأويل ذلك أن عبادَهُ الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا، لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همهم واحدًا، فزَكت أعمالهم، وأُجيب دعاؤهم\". (٥)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كتَاب الجهاد وَالسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، ج ٤، ص ٣٦، حديث رقم: ٢٨٩٦.\n(٢) - العيني، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بدر الدين العينى، (توفي: ٨٥٥ هـ)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج ١٤، ص ١٧٩.\n(٣) - أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة، ج ٣، ص ٣٢، حديث رقم: ٢٥٩٤، حكم الألباني صحيح.\n(٤) - النسائي، المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي، كتاب الْجِهاد، باب الِاستنصار بالضعيف، ج ٦، ص ٤٥، حديث رقم: ٣١٧٨، حكم الألباني صحيح.\n(٥) - ابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، (توفي: ٤٤٩ هـ)، شرح صحيح البخارى لابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، السعودية-الرياض، مكتبة الرشد، ط ٢، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٣ م، ج ٥، ص ٩٠.","vol":"1","page":91},{"text":"من فقه الأحاديث:\nأ. عندما فهم الصحابة والسلف الصالح معنى هذه الأحاديث، قدّروا الضعفاء واحترموهم فَوَسَّع الله عليهم بالرزق وأمدّهم بالنصر، وعندما غابت هذه المعاني عن المسلمين، شحّ الرزق وقلت البركة وغاب النصر.\nب. ميزان الرسول ﵇ في تقييم الإنسان، قوة الإيمان والقرب من الرحمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٢. النبي - ﷺ - يختار ابن أم مكتوم - ﵁ - مؤذنا وهو أعمى</span>.\n(عن عائشة ﵂ قالت: كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله وهو أعمى). (١)\nفالرسول ﷺ يختار ابن أم مكتوم ليؤذن وليعلن دخول وقت الصلاة، ليجتمع الناس ليصلّوا وليؤدوا هذه الشعيرة التي هي عمود الدين فهو مؤتمن عليها، بل كان يؤذن في رمضان ليمسك الناس عن الطعام والشراب ليصوموا لله تعالى، فعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم). (٢)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. أن يتنافس ذوو الاحتياجات الخاصة مع غيرهم على بعض الأعمال، وأن تتساوى فرصهم مع غيرهم عند إتقان العمل.\nب. أن يتقن ذوو الاحتياجات الخاصة الأعمال التي تعلموها، وأن يتميزوا بها حتى يثبتوا جدارتهم، فيتم اختيارهم ولا يبقوا مهمشين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٣. النبي - ﷺ - يلبي دعوة ضرير إكراما له</span>.\nعن عِتْبَانَ بن مالك أَنه أَتى رسول الله - ﷺ -، فقال: (يا رسول الله قد أَنكرت بصري، وأَنا أُصلي لقومي فإذا كانت الأَمطار سال الوادي الَّذي بيني وبينهم، فلم أَستطع أَن آتي مَسجدَهُم فأُصلي بهم، ووددت يا رسول الله أَنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتَّخِذَهُ مُصلى، قال: فقال له رسول الله - ﷺ -: \"سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ\" قال عِتْبَان: فغدا رسول الله - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله - ﷺ - فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: \"أَين تُحب أَن أُصلي مِنْ بيتك\" قال: فأشرت له إِلى ناحيةٍ من البيت، فقام رسول الله - ﷺ - فكبر، فقُمنا فَصَفَّنَا فصلى ركعتين ثم سلم). (٣)\nفالرسول ﵇ جاء لبيت عِتْبَان - ﵁ - مصطحبا أبا بكر وعمر ﵄ ليلبي له طلبه، وفي ذلك إقرارٌ من النبي - ﷺ - وتأكيدٌ لإمامة عِتْبَان، وقد كان ابن أم مكتوم يؤم الناس في\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتَاب الصلَاة، باب جواز أَذان الأَعمى إِذا كانَ معه بصير، ج ١، ص ٢٨٧، حديث رقم: ٣٨١.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأَذان، باب الأَذان قَبل الفَجر، ج ١، ص ١٢٧، حديث رقم ٦٢٢.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، ج ١، ص ٩٢. حديث رقم ٢٦٣.","vol":"1","page":92},{"text":"المدينة عند غياب النبي - ﷺ -، فإن إمامة الأعمى تكون أكثر خشوعا لحضور قلبه وبعده عن رؤية الملهيات.\nفعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (استخلف ابن أم مكتوم يؤمُّ الناس وهو أَعمى). (١)\nجاء في نيل ألأوطار\"قد صرح أَبو إِسحاق المروزي والغزاليُّ بأَن إمامة الأَعمى أَفضل مِنْ إمامة البصير لأَنه أَكثر خشوعا مِنْ البصير لما في البصير من شُغْلِ القلب بالمبصرات\". (٢)\nمن فقه الحديث:\nأ. لا تكن ممن يُلبّي دعوة أصحاب المناصب الأقوياء ولا يُلبّي دعوة الضعفاء.\nب. بالطلب والسعي تحقق الانجازات.\nج. إفراد ذوي الاحتياجات الخاصة بميزة عن غيرهم إكراما لهم.\nد. أن إمامة الأعمى تكون أكثر خشوعا لحضور قلبه وبعده عن رؤية الملهيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٤. الرسول - ﷺ - يوجه المسلمين لاختيار الأمراء الأَكْفاء وإن كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جد بن قيس، على أنَّا نُبَخِّلَهُ، قال: وأَي داء أَدوى مِنَ البخل، بل سيدكُم: عمرو بن الجموح). (٣) وكان عمرو بن الجموح أعرج.\nبهذا التوجيه يعطي النبي - ﷺ - لذوي الاحتياجات الخاصة الحق بتبوء الإدارات العامة، إذا كانوا أَكْفاء، بل إن النبي - ﷺ - اختار ابن أم مكتوم نائبا له على المدينة مرات عديدة.\nفعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ). (٤)\nمن فقه الحديثين:\nأ. المكانة العالية لذوي الاحتياجات الخاصة عند رسول الله - ﷺ - وثقته بهم وبقدراتهم.\nب. قدرة ذوي الاحتياجات الخاصة على إدارة كثير من الأمور إن وكلت اليهم.\nج. توكيل المهام والمسؤوليات لذوي الاحتياجات الخاصة يقوي الثقة بأنفسهم.\nد. تبوء المقاعد الإدارية يحتاج إلى تعلم ودُربة وكفاءة.\nهـ. من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يتقلدوا الوظائف الرفيعة.\n_________\n(١) - ابو داود، سنن ابي داود، كتاب الصلَاة، باب إِمامة الأَعمى، ج ١، ص ١٦٢، حديث رقم ٥٩٥، حكم الألباني صحيح.\n(٢) - الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، (توفي: ١٢٥٠ هـ)، نيل الأوطار، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، مصر، دار الحديث، ط ١، ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م، ج ٣، ص ١٩١.\n(٣) - البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، (توفى: ٢٥٦ هـ)، الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دارالبشائر الإسلامية، ط ٢، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م، باب البخل، ج ١، ص ١١١، حديث رقم ٢٩٦.حكم الألباني صحيح.\n(٤) - أبو داود، سنن أبي داود، كتَاب الخراجِ والإِمارة والفيء، باب في الضرير يولَى، ج ٣، ص ١٣١، حديث رقم ٢٩٣١. حكم الألباني صحيح","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٥. الرسول - ﷺ - يساوي بين دماء الضعفاء والأقوياء</span>.\nعن عليّ - ﵁ -، أَن النبي - ﷺ - قَالَ: (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ). (١)\nقال ابن بطال: قد ساوى رسول الله - ﷺ - بين الناس جميعًا، فقال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، فساوى بين الجميع في الدماء، فوجب أن يكون حكمهم فيما دون الدماء سواء. (٢)\nقال البغوي: وقوله يسعى بذمتهم أدناهم، يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافرًا أمضي جوارهم ولم تخفر ذمتهم.\nوقوله وهم يد على من سواهم، فإن معنى اليد المعاونة والمظاهرة إذا استنفروا وجب عليهم النفير، وإذا استنجدوا، أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا. (٣)\nمن فقه الحديث:\nأ. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية قيمة حياتهم متساوية.\nب. دية الواحد من ذوي الاحتياجات الخاصة كدية الواحد من أهل العافية.\nج. لذوي الاحتياجات الخاصة حق اتخاذ القرار كغيرهم قال رسول الله - ﷺ - ويسعى بذمتهم أدناهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٦. قرب النبي - ﷺ - من ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nعَن أَنسٍ - ﵁ -: (أَن امرأَةً كان في عقلها شيءٌ، فقالت: يا رسول الله إِن لي إِليك حاجة، فقال: يا أُمَّ فُلان انظُري أَيَّ السِّكَكِ شِئتِ، حتى أَقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها). (٤)\nقال النووي: بروزه ﷺ للناس وقربِهِ منهم، ليصل أَهل الحقوق إِلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أَفعاله، وحركاته فيقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأُمور، وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين، وإِجابته مَنْ سأَله حاجةً، وبيان تواضُعِه بوقوفه مع المرأَة الضعيفة \"خَلَا معها في بَعضِ الطرق\" أَي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها، ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك مِنَ الخَلوةِ بالأَجنبيّة فإِن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إِياه وإِياها، لكن لا يسمعون كلامها لأَن مسأَلتها مما لا يظهره واللهُ أَعلم. (٥)\n_________\n(١) - النسائي، المجتبى من السنن = السنن الصغرى، كتاب القسامة، باب القودِ بين الأَحرار والمماليك في النفس، ج ٨، ص ٢٠، حديث رقم: ٤٧٣٥. حكم الألباني صحيح.\n(٢) - انظر، ابن بطال، شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج ٧، ص ٢٤٤.\n(٣) - انظر، ألبغوي، معالم السنن، ص ٣١٤.\n(٤) مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْفَضَائِل، باب قرب النبي ﵇ منَ الناس وتبركهم بِه، ج ٤، ص ١٨١٢ حديث رقم ٢٣٢٦.\n(٥) - انظر، النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، (توفي: ٦٧٦ هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، ج ١٥، ص ٨٢ - ٨٣.","vol":"1","page":94},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. حق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرية والتعبير.\nب. الاستماع لمطالب ذوي الاحتياجات الخاصة كما استمع الرسول ﷺ للمرأة التي في عقلها شيء.\nج. تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من لقاء المسؤولين لعرض قضاياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٧. توجيه الرسول - ﷺ - لذوي الاحتياجات الخاصة لما هو خير لهم</span>.\nعن عثمان بن حُنَيْف - ﵁ -: (أَن رجلا ضرير البصر أَتى النبي - ﷺ - فقال: ادعُ اللهَ أَن يُعافيني قال: \"إِن شئت دعوتُ، وإِن شِئتَ صبرت فهو خيرٌ لك\"، قال: فادعه، قال: فأَمره أَن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاءِ: \"اللهمَّ إني أَسألك وأتوجهُ إِليك بنبيك محمد نبي الرحمةِ، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فَشَفِّعهُ فيَّ). (١)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: أن رجلا ضرير البصرِ، أَي: ضعيف النظرِ، أَو أَعمى \"أَتى النبي - ﷺ - فقال: ادع الله أَن يعافيني\" أَي: مِنْ ضرري في نظري فقال رسول الله - ﷺ -: \"إِنْ شِئْتَ\" أَيْ: اخترتَ الدُّعاء، \"دَعَوْتُ\" أَيْ: لَكَ \"وَإِن شِئتَ\" أَي: أَردتَ الصبر والرِّضا \"صَبَرْتَ فَهُوَ\" أَيْ: الصَّبر \"خيرٌ لك\"، فإِن اللهَ تعالى قال: إِذا ابتَلَيتُ عَبدي بِحبيبَتَيه ثُم صبر عَوضته مِنهُما الجنةَ، قَالَ له الرَّجُلُ: فَادْعُهُ، أَيِ: ادْعُ اللهَ أَو اسأَل العافية.\nفان قيل كيف اختار الدعاء على الصبر وقد بين له الرسول - ﷺ - فجواب ذلك أن مَنْ خُيِّرَ بين أَمرين فاختارَ المفضولَ منهُما لا حرج عليه، على أَن يحتمل أَن ذلك الرجل ظنَّ أَن في عَوْدِ بصره إِليه مصالح دينية يفوق ثوابها ثواب الصَّبر.\nوقال له الرسول - ﷺ - صَلِّ ركعتين وادعُ بهذا الدعاء: (اللهم إِني أَسأَلُك) أَي: أَطلُبُكَ مَقصودي أَدعوكَ (وأَتوجهُ إِليك بنبيك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ) أي: وأتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضي لي، (اللهم فشفِّعْهُ) أَي: اقبل شفاعتي (في) أَي: في حقي، وقولهُ: إِني توجهت بك بعد قوله: إِني أَتوجهُ إِليك فيه معنى قولهِ: ﴿... مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...﴾ [البقرة: ٢٥٥]، سأل اللهَ بطريق الخطاب، ثم توسل بالنبي - ﷺ - على طريقة الخطاب، ثم ذكر إِلى خطاب الله طالبا منه أَن يَقبلَ شفاعةَ النبي - ﷺ - في حقِّه. (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. مشروعية طلب العافية من البلاء فهذا لا يتنافى مع الإيمان بالقضاء.\n_________\n(١) - الترمذي، سنن الترمذي، أَبواب الدعوات عن ﷺ، باب، ج ٥، ص ٥٦٩، حديث رقم ٣٥٧٨، حكم الألباني صحيح.\n(٢) - انظر، القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٥، ص ١٧٣٠ - ١٧٣١.","vol":"1","page":95},{"text":"ب. لا حرج على الإنسان أن يختار الأمر المفضول مع وجود الأفضل.\nج. اذا صبر الإنسان على البلاء ورضي فهذا خير له من العافية لما لذلك من أجر عظيم.\nد. الاستعانة على البلاء بالصبر والصلاة.\n\nوفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا كم بلغت عناية الرسول ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة، فقد كان يدنيهم ويقول بأنهم من أسباب النصر والرزق ويزورهم ويعطيهم من أوقاته ويوليهم، فكل هذا يدل على مكانتهم عند رسول الله ﷺ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-94> المطلب الثاني: مراعاة الرسول - ﷺ - لقدرات الضعفاء</span>.\nلقد راعى الرسول - ﷺ - قدرات الضعفاء وأوصى المسلمين بذلك في جميع الأحوال والمجالات حتى في العبادة التي تكون بين العبد وربه، نظرا لما لحق بهم من ضعف نتيجة لما أصابهم في حواسهم أو أعضائهم أو قدراتهم أو عقولهم، ومن هذه المراعاة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>١. الأوامر والتكاليف تؤدى بقدر الاستطاعة</span>.\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله - ﷺ -: (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ). (١)\nقال ابن رجب: وفي قوله ﵇: \" إِذا أَمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" دليلٌ على أَن مَنْ عجز عن فعل المأمور به كلهِ، وقدر على بعضه، فإِنه يأتي بما أَمكنهُ منه، وهذا مطَّرِد في مسائل: منها الطهارة، فإِذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إِما لعدم الماء، أَو لمرض في بعض أَعضائه دون بعضٍ، فإِنه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، سواءً في ذلك الوضوء والغُسلُ على المشهُور. ومنها الصلاةُ، فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا، فإِن عجز صلى مضطجعًا، ولو عجز عن ذلك كله، أَومأَ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور. (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. تخفيف النبي - ﷺ - على المسلمين وعدم تكليفهم مالا يطيقون.\nب. مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة وعدم ارهاقهم بما يفوق قدراتهم.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فرضِ الحج مرة في العمرِ، ج ٢، ص ٩٧٥، حديث رقم ١٣٣٧.\n(٢) - انظر، ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي ثم الدمشقي، الحنبلي (توفي: ٧٩٥ هـ)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٧، ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م، ج ١، ص ٢٥٦.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٢. مراعاة قدرات الضعفاء في الصلاة</span>.\n\" عن عمران بن حُصَين - ﵁ - قال: كان بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) \". (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأصحاب ألأعذار الشرعية ينالون أجرهم كاملًا بالأمور التي لم يقدروا عليها لما قام بهم من أعذار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٣. النبي يوصي الأئمة بالتجوز في الصلاة مراعاة لقدرات الضعفاء</span>.\n\"عن ابن مسعود - ﵁ - قال: (قال رجل يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يُطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله - ﷺ - ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: يا أيها الناس، إن منكم مُنَفِّرين، فمن أمَّ الناس فليتجوز، فانَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة) \". (٢)\nقال ابن عثيمين: \"فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة أي في المأمومين ضعيف البُنيَة، وضعيف القوة، وفيهم مريض، وفيهم ذو حاجة، قد وعد أحدًا يذهب إليه، أو ينتظر أحدًا، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإمام أن يثقل بالناس أكثر مما جاءت به السنة\". (٣)\nمن فقه الحديث:\nأ. رفع الضيق والحرج عن المسلمين هديٌ نبوي.\nب. الأخذ بعين الاعتبار مراعاة قدرات الضعفاء عند اتخاذ القرارات.\nج. مشروعية المطالبة بالتخفيف عند المشقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٤. امتناع النبي - ﷺ - عن تأخير صلاة العشاء رحمة بالضعفاء</span>.\nعن أَبي سعيد الخُدرِي، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة المغرِب، ثم لم يخرج إِلينا حتى ذهب شطر الليل فخرج فصلى بهم، ثم قال: (إِنَّ النَّاسَ قَد صَلَّوا، وناموا، وَأَنتُم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظَرتم الصَّلاة، ولولا ضعف الضعِيفِ، وسقم السقيم لأَمرت بهذه الصلاة أَن تُؤَخَّرُ إِلى شطر اللَّيل). (٤)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب إِذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، ج ٢، ص ٤٨.حديث رقم ١١١٧.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إِذا طَول، ج ١، ص ١٤٢، حديث رقم: ٧٠٤.\n(٣) - ابن عثيمين، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، (توفي: ١٤٢١ هـ)، شرح رياض الصالحين، الرياض، دار الوطن للنشر، ١٤٢٦ هـ، ج ٣، ص ٦١٧.\n(٤) - النسائي، المجتبى من السنن = سنن الصغرى للنسائي، كتاب المواقيت، آخر وقت العشاء، ج ١، ص ٢٦٨. حديث رقم: ٥٣٨. حكم الألباني صحيح.","vol":"1","page":97},{"text":"جاء في فتح الباري لابن حجر: ويستدِل من هذا الحديث على فضل تأخير صلاة العشاءِ ولا يُعارضُ ذلكَ فضيلةَ أَول الوقت لما في الانتظار مِنَ الفضل لكن لا يصلح ذلك الآن لِلأئمة لأَنه - ﷺ - أَمر بالتخْفيف، وقال إِن فيهم الضّعيف وذا الحاجة فترك التطويل علَيهِم في الانْتظار أَولى. (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. رأفة النبي ﷺ بالضعفاء وأصحاب الاحتياجات.\nب. التوقف والامتناع عن أعمال تسبب مشقة لذوي الاحتياجات الخاصة وان كانت أعمالا فاضلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٥. النبي - ﷺ - يلبي دعوة ضرير لييسر عليه أداء صلاة الجماعة:</span>\nعن عِتْبَان بن مالك أَنه أَتى رسول الله - ﷺ -، فقال: (يا رسول الله قد أنكرت بصرِي، وأَنا أُصلي لقومي فإِذا كانت الأَمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أَستطع أَن آتي مسجدهم فأُصلي بهِم، ووددتُ يا رسول الله أَنك تأتيني فتصلّي في بيتِي، فأَتخِذه مصلى، قال: فقال له رسول الله - ﷺ -: \"سأَفعل إِن شاء اللهُ\" قال عِتبانُ: فغدا رسول الله - ﷺ - وأَبو بكر حين ارتفع النهارُ، فَاستأذن رسول الله - ﷺ - فأَذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثُم قال ﷺ: \"أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ\" قال: فأشرت له إِلى ناحية من البيت، فقام رسول الله - ﷺ - فكبر، فقمنا فصَفَّنا فصلى ركعتين ثم سلم، قال وحبسناه على خزِيرة صنعناها له، قال: فثاب في البيت، رجال من أَهل الدار ذوو عدد). (٢)\nقال النووي: لم يجلس في الدار ولا في غيرها، حتى دخل البيت مبادرا الى قضاء حاجتي التي طلبتها وجاء بسببها، وهي الصلاة في بيتي، فثاب رجال من أهل الدار أي: اجتمعوا، قوله وحبسناه على خزيرة، والخزِيرة لحم يقطع صغارا ثمّ يصب عليه ماءً كثيرًا فإذا نضج ذَرَّ عَلَيْهِ دَقِيقٌ، وَيستفاد من الحديث سقوط الجماعة للعُذر، وفيه استصحابُ الإِمام والعالم ونحوهما بعض أصحابه في ذهابه، وَفِيهِ الابتداء في الأمور بأهمها لأنه ﷺ جاء لِلصلاة فلم يجلس حتى صلى، وفيهِ جواز صلاة النفل جماعة. (٣)\n_________\n(١) - انظر، ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، ١٣٧٩ هـ، ج ٢، ص ٤٨.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، ج ١، ص ٩٢، حديث رقم ٢٦٣.\n(٣) - انظر، النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج ٥، ص ١٥٩ - ١٦١.","vol":"1","page":98},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. ضرورة عناية المسؤولين بذوي الاحتياجات الخاصة وقضاء حوائجهم والقدوة في ذلك رسول الله - ﷺ -.\nب. مشروعية عرض المشكلات على المسئولين لحلها.\nج. أن يقوم ذوو الاحتياجات الخاصة بعمل ما يتقنونه ليكونوا فاعلين في المجتمع كما فعل عِتْبَان.\nد. إستشارة المسؤولين لذوي الاحتياجات الخاصة في ما يخصهم، فقد قال رسول الله - ﷺ - لعِتْبَان أين تحب أن أُصلي من بيتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٦. إعفاء ذوي الاحتياجات الخاصة من وجوب الجهاد</span>.\n\"عن البراء - ﵁ - قال: (لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي - ﷺ -: أُدعو فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وخلف النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ...﴾ [النساء: ٩٥]). (١)\n\"وعن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - (رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر) \". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. المساواة بين أصحاب الأعذار والمجاهدين في سبيل الله في الأجر.\nب. الأعمال التي لا يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة أن يقوموا بها تسقط عنهم كما سقط عنهم واجب الجهاد.\nج. إكرام ذوي الاحتياجات الخاصة بجعلهم كالمجاهدين في سبيل الله تقديرا لضعفهم.\nد. أي مجتمع يوجد فيه من ذوي الاحتياجات الخاصة لا بد أن توضع لهم قواعد تراعي احتياجاتهم وقدراتهم حتى لا يُكَلًفُوا فوق طاقتهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٧. العقل مناط التكليف:</span>\n\"عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: (رُفعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبتلى حتى يبرأ، وعن الصَّبيِّ حتى يكبر) \" (٣)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]، ج ٦، ص ٤٨، حديث رقم ٤٥٩٤.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب، ج ٦، ص ٨، حديث رقم ٤٤٢٣.\n(٣) - أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، ج ٤، ص ١٣٩، حديث رقم: ٤٣٩٨. حكم الألباني صحيح.","vol":"1","page":99},{"text":"وعن عائشة، عن النبي - ﷺ -، قَالَ: (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقِظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق). (١)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. غير العاقل رفع عنه القلم لذا فهو من أهل الجنة.\nب. المجنون غير مكلف، إذًا العاقل مكلف فليحرص على أن يرشده عقله إلى خيري الدنيا والآخرة.\nج. احترام من فقدوا عقولهم بإبعادهم عن أيدي العابثين والمستهزئين، وذلك بإيوائهم في بيوتهم أو مراكز تليق بهم وتحفظ لهم كرامتهم.\n\nوفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا رحمة النبي ﵊ بالضعفاء، إذ راعى قدراتهم في جميع مجالات الحياة، حتى في العبادات التي تكون بين العبد وربه، وقد وضع فقهاء المسلمين قواعد فقهية لتحقيق هذا الأمر، ومن هذه القواعد: \"الضرورات تبيح المحذورات، الضرورات تقدر بقدرها، المشقة تجلب التيسير\"، (٢) وغيرها من القواعد والمسائل الفقهية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-102> المطلب الثالث: رحمة النبي ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nلقد جاء رسول الله - ﷺ - رحمة للعالمين، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومن هؤلاء ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون للرحمة والعطف أكثر من غيرهم، نظرًا لما أصابهم ولحق بهم، وفي هذا المطلب جمعت أحاديث ومواقف لرسول الله - ﷺ - ترشدنا وتبين لنا ضرورة الرحمة بالضعفاء، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>١. فضل من يرحم الضعفاء</span>.\nعن سعد بن عُباده - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، (٣)\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (الرَّاحمونَ يَرحمهُمُ الرحمَنُ، ارحَمُوا أَهل الأَرضِ يَرحَمكُم أَهلُ السماءِ). (٤)\n_________\n(١) - النسائي، المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواجِ، ج ٦، ص ١٥٦، حديث رقم: ٣٤٣٢. حكم الألباني صحيح.\n(٢) - عزام، عبد الله عزام، القواعد الفقهية، باكستان- بيشاور، مركز عزام الإعلامي، ط ١، ١٩٩٦ م، ص ١٠٩، ١١٣، ١٢٤.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب التَوحيد، باب ما جاء في قَول اللَّه تعالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، ج ٩، ص ١٣٣، حديث رقم ٧٤٤٨.\n(٤) - أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص (١) ﵄، ج ١١، ص ٣٣، حديث رقم: ٦٤٩٤. حكم الأرنؤوط صحيح لغيره.","vol":"1","page":100},{"text":"جاء في التنوير شرح الجامع الصغير: \"الراحمون\" أي: ذوو الرحمة من عباد الله، لمن في الأرض من حيوان، وآدمي وغيره بالإحسان وكف الظلم والتوجع والسعي في إصلاح حالهم. \"يرحمهم الرحمن ﵎\" أي: يتفضل عليهم بعفوه وغفرانه وبره وإحسانه جزاءً وفاقًا، \"ارحموا من في الأرض\" كل من في الأرض، \"يرحمكم من في السماء\" يرحمكم أهل السماء، إن كان لك شوقٌ إلى رحمة الله، فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والضعيف بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك ودَفعِ غضبك، فأقرب الناس من الله رحمةً أرحمهم لخلقه، فكل ما يفعله من خيرٍ دق أو جل فهو صادر عن صفة الرحمة. (١)\n\nمن فقه الحديثين:\nالرحمة بكل ضعيف، والرحمة بكل من هو بحاجة إلى مساعدةِ القوي، ومن ولّاه الله أمر المسلمين شيئًا، ورحمة الكبير بالصغير، ومن أكثر الناس حاجة إلى الرحمة بهم ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم سببٌ لنيل رحمة الله تعالى التي بها يدخل أهل الجنة جنة الخلد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٢. أهمية التراحم بين أهل العافية وذوي الاحتياجات الخاصة:</span>\nعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (٢)\nقال ابن عثيمين: \" فأنت إذا أحسست بألم في طرف شيء من أعضائك، فإن هذا الألم يسري على جميع البدن، كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا، إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت\". (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nبما أن ذوي الاحتياجات الخاصة أعضاء من جماعة المسلمين، فمن يشعر بشعورهم ويقف إلى جانبهم يتَّصف بالمودة والرحمة والعطف، وهذه من صفات المؤمن.\n_________\n(١) - انظر، الأمير، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني ثم الصنعاني أبو إبراهيم عز الدين المعروف بالأمير، (توفي: ١١٨٢ هـ)، التنوير شرح الجامع الصغير، تحقيق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، الرياض، مكتبة دار السلام، ط ١، ١٤٣٢ هـ-٢٠١١ م، ج ٦، ص ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْبر والصلة والآدابِ، باب تراحم الْمؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ج ٤، ص ١٩٩٩،، حديث رقم ٢٥٨٦.\n(٣) - ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين، ج ٢، ص ٣٩٨.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>٣. الرسول يحذر من ظلم الضعفاء</span>.\n\"عن جابر قال: لما رجعت مهاجرة الحبشة إِلى رسول الله - ﷺ -، قال: (أَلا تحدثوني بأَعجب ما رأَيتُم بأَرض الحبشة؟ \" قال فِتية منهُم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرت علينا عجوز مِنْ عجائزِهم، تحملُ على رأسها قُلَّةٌ مِنْ ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إِحدى يديه بَين كتِفَيها، ثمّ دفعها على ركبتيها، فانكسرت قلّتها، فلَما ارتفعت التفتت إِليه، ثمّ قالت: ستعلم يا غُدَرْ إِذا وضع الله الكرسي، وجمع الأَولين والآخرِين، وتكلمت الأَيدي والأَرجلُ بما كانوا يَكسبون، فسوف تَعلمُ أَمري وأَمركَ عِندهُ غدا، فقال رسول الله - ﷺ -: صدَقَت، ثُم صدقَت، كَيف يُقدس اللهُ قَوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم) \". (١)\n\"وعن ابن مسعود - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه) \". (٢)\nجاء في كتاب التنوير شرح الجامع الصغير \"إن الله تعالى لا يقدس\" لا يطهرها عن أدناس الذنوب ولا يعظمها ولا يرفع لها شأنًا \"أمة\" هي الجيل من كل حي \"لا يعطون الضعيف\" الذي لا ظهر له ولا قوة ولا معين ولا ناصر \"منهم حقه\" ما هو له عند القوي. (٣)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. عندما يُعطَى ذوو الاحتياجات الخاصة حقهم، يقدس الله تعالى الأمَّة ويعلي شأنها.\nب. نصرة الضعفاء سبب لمغفرة الذنوب.\nج. من أسباب الهوان ظلم الضعفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>٤. من الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة عدم غيبتهم:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ -: (أن رجلا قام عند رسول الله - ﷺ -، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: ما أعجز فلانا، فقال رسول الله - ﷺ -: أكَلْتُم أخاكُمْ واغَتَبْتُمُوه)، (٤) جاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه، وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، وأما إذا قاله على وجه التعريف والتميز له من سائر الناس، فإن ذلك بعيد من\n_________\n(١) - ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي أبو حاتم الدارمي البُستي، (توفي: ٣٥٤ هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م، كتاب القضاء، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من معونة الضعفاء وأَخذ مالهم من الأقوياء، ج ١١، ص ٤٤٣، حديث رقم ٥٠٥٨. حكم الالباني صحيح لغيره.\n(٢) - الألباني، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني، (توفي: ١٤٢٠ هـ)، صحيح الجامع الصغير وزياداته، باب الهمزة، المكتب الإسلامي للنشر، ج ١، ص ٣٧٩، حديث رقم ١٨٥٨، حكم الألباني صحيح.\n(٣) - انظر، الأمير، التنوير شرح الجامع الصغير، ج ٣، ص ٣٦١.\n(٤) - الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، (توفي: ٣٦٠ هـ)، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، القاهرة، دار الحرمين للنشر، باب الألف، باب مَنِ اسمه أحمد، ج ١، ص ١٤٥، حديث رقم ٤٥٨.","vol":"1","page":102},{"text":"معنى الغيبة. سئل ابن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصفر، فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا باس به. (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. حرمة الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره.\nب. إن عُلِم أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يكرهون ذكرهم بما أصيبوا به فلا تُعَّدُ غِيْبَهً.\nج. البعد عن ذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما لا يحبون، وإن لم يكونوا حاضرين فهذا منهج النبي الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٥. الرسول يوصي الأقوياء بأن يرحموا الضعفاء</span>.\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ -، أَن النبي - ﷺ - قال له: (يا عمر، إِنك رجل قوِي، لا تزاحم على الحجر فتؤذِي الضعيف، إِنْ وجَدتَ خَلوَةً فاستَلِمهُ، وإِلا فاستَقبلهُ فهلل وكبر). (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nا. تمكين الضعفاء من الوصول إلى الأماكن التي يحرص عليها الناس لشرفها كالحجر الأسود.\nب. تقديم الضعفاء وجعل حق الأولوية لهم عند وجود أمر يصطف الناس له، أو زحام يسبب لهم مشقة.\nفي نهاية هذا المطلب، يتبين لنا أن المودة والرحمة من صفات المؤمن، فلا بد من البعد عن الشدة والغلظة، فمن أسباب الهوان ظلم الضعفاء، فلقد حث الرسول - ﷺ - على الرحمة بالضعفاء فهم سبب لمغفرة الذنوب ونيل رحمة الله ﷾، فان كان لك شوقٌ لرحمة الله سبحانه فكن رحيما بنفسك وبغيرك، فأقرب الناس من الله رحمة أرحمهم بخلقه.\n_________\n(١) - انظر، ابن بطال، شرح صحيح البخاري لابن بطال، ج ٩، ص ٢٤٣.\n(٢) احمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، مسند عمر بن الخطّاب (١) ﵁، ج ١، ص ٣٢١، حديث رقم ١٩٠. حكم الأرنؤوط حديث حسن.","vol":"1","page":103},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-108> المطلب الرابع: الرسول - ﷺ - يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nومن مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية، أن أوصى بهم رسول الله - ﷺ -، فقد أوصى جميع المسلمين من أقوياء ومسؤولين أو أناس عاديين بضرورة مساندة ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في جميع المجالات إن احتاجوا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١. التحذير من الاحتجاب عن الضعفاء وترك قضاء حوائجهم</span>.\nعن أبي مَريم الأَزدِيَّ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقولُ: (من ولاهُ اللهُ ﷿ شَيئا مِنْ أَمر المُسلمين، فاحتجب دون حاجتِهِم وخلتهِم وفقرِهِم، احتجب اللهُ عنهُ دون حاجته وخلته وفقره). (١)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: احتجب عبارة عن الاحتجاب، أَو كنايةً عن الامتناع عن قضاء مقصود المُحتَاجينَ بالبابِ، والمُسلمُ لا يُمنعُ، سواءٌ كان مظلوما أَو ذا حاجة أَو غَيره، لأن له الحق بالدخول على المسؤولين ليوصل صوته اليهم، غلق اللهُ دونه أَبواب رحمته عند حاجته وفقره أَي إِلى اللهِ في أَمر الدنيا، أَو العقبى أَو إِلى مخلوق مثله في الدنيا، حال كونه أَفقر ما يكون إِليه أَي أَحوَج أَوقات يكون مفتقرا إِليه ومحتاجا لديه. (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. أن لا يكون الوالي عنيفًا على رعيته بل يكون رفيقا فالجزاء من جنس العمل فجزاء الإحسان إحسان.\nب. من ولي فكان مديرًا أو وزيرًا أو أميرًا فلا يحتجب عمن كان ضعيفًا أو له حاجه.\nج. بيان عظم حقوق العباد وأهمية قضائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٢. من أعظم أبواب الصدقة معاونة ذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\n\"قال أَبو ذرٍّ: على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه، قلت: يا رسول الله، مِنْ أَين أَتَصدَّق ولَيس لنا أَموالٌ؟ قال: لأَن مِنْ أبواب الصدقة التكبير، وسبحان اللهِ، والحمد للهِ، ولا إِلهَ إِلا اللهُ، وأستغفرُ اللهَ، وتأمرُ بالمَعروفِ، وتَنهى عن المنكرِ، وتعزلُ الشوكةَ عَنْ طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأَعمى، وتسمع الأَصم والأَبكمَ حَتى يفقه، وتدِل\n_________\n(١) - ابو داود، سنن ابي داود، كتاب الطلاق، باب التغليظ في الانتفاء، ج ٣، ص ١٣٥، حديث رقم ٢٩٤٨، حكم الألباني صحيح.\n(٢) - القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٦، ص ٢٤٢٤.","vol":"1","page":104},{"text":"المُستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيكَ إلى اللَّهفانِ المُستغيثِ، وتَرفع بشدة ذراعَيك مع الضعِيفِ، كل ذلكَ من أَبواب الصدقة منك على نَفسك \" (١)\nوعن أَبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تَبسُّمُك في وَجه أَخيك صدقةٌ لكَ، وَأَمرُك بالمَعروفِ، ونهيُك عن المُنكر صدقةٌ، وإِرشادُك الرجل في أَرض الضلالة لك صدقةٌ، وبصرك للرجلِ الرديءِ البصر لك صدقةٌ، وإِمَاطتُك الحجرَ والشوكةَ والعظمَ عَنِ الطريق لك صدقةٌ، وإِفراغُك مِنْ دلوكَ في دلوِ أَخيك لك صدقةٌ) (٢).\n\nمن فقه الحديثين:\nا. من الصدقة إرشاد الضال وهداية الأعمى وتوجيه الأصم.\nب. التنقل بحرية حق للجميع، وذلك بإزالة كل ما يحد من حركة المارة بالطريق.\nج. أن يكون المسلم نافعًا حيث حل، وفي كل زمان ما استطاع ذلك.\nد. من بركات ذوي الاحتياجات الخاصة أن معاونتهم سبب من أسباب جمع الحسنات.\nهـ. يصلح الإنسان نفسه إذا أصلح ما بينه وبين الله وأصلح ما بينه وبين العباد.\nو. لا نحتقر اعمال الخير وان كانت صغيرة، فرب أعمال صغيرة أثرها عند ذوي الاحتياجات الخاصة، كبير وأجرها عند الله كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٣. الوعيد بالطرد من رحمة الله ﷿ لمن ضلل الأعمى</span>.\nعن ابن عباس، أَن رسول الله - ﷺ - قال: (لَعن اللهُ مَنْ ذبح لغيرِ الله، لَعن الله مَنْ غيَّرَ تُخومَ الأَرضِ، لَعنَ الله من كَمَّهَ الأَعمى عن السَّبيل، لَعنَ الله مَنْ سَبَّ والديه، لَعن الله مَن تَولَّى غيرَ مواليه، لعن الله مَنْ عَمِل عَمَل قوم لوط). (٣)\n\"مَنْ كَمَّهَ أَعمى أَي: عَمَّى عليه الطريق ولم يُوقفهُ عليهِ\". (٤)\n_________\n(١) - احمد بن حنبل، مسند الإمام احمد بن حنبل. مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري ﵁، ج ٣٥، ص ٣٨٣، حديث رقم: ٢١٤٨٤.حكم الألباني: حديث صحيح، الألباني، سلسلة الاحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ناصر الدين محمد، الرياض، مكتبة المعارف للنشر، ١٤١٥ - ١٩٩٥ م،، ج ٢، ص ١١٧ - ١١٨، حديث رقم ٥٧٥.\n(٢) - ابن حبان، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، فصل البر والاحسان، ذكر بيان الصدقة للمرء بإرشاد الضال، وهداية غير البصير، ج ٢، ص ٢٨٦، حديث رقم ٥٢٩. حكم شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.\n(٣) - الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الحدود، ج ٤، ص ٣٩٦، حديث رقم ٨٠٥٢، قال الذهبي: حديث صحيح.\n(٤) - إبراهيم الحربي، إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق (١٩٨ هـ-٢٨٥ هـ)، غريب الحديث، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، مكة المكرمة، جامعة أم القرى للنشر، ط ١، ١٤٠٥ هـ، ج ٢، ص ٤٨٢.","vol":"1","page":105},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. ضرورة إرشاد الأعمى والأخذ بيده إن احتاج لذلك.\nب. الحذر من السخرية من ذوي الاحتياجات الخاصة بحجة التسلية.\nج. إذا كان إضلال الأعمى عن الطريق من الكبائر، إذًا فمعاونته من أحسن القربات والفضائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٤. من أعان صاحب حاجة كان الله في عونه:</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵄، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (المسلم أَخو المسلِم لا يظلمُهُ ولا يُسلِمُه، ومَنْ كان في حاجة أَخيه كان الله في حاجتهِ، ومَنْ فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كُربة مِنْ كربات يوم القِيامةِ، ومَنْ ستر مُسلما سترهُ الله يوم القيامة). (١)\nمن فقه الحديث:\nأ. أن يحرص ذوو الاحتياجات الخاصة على بناء علاقاتهم مع غيرهم على أساس الأخوة الإسلامية، فالمسلم الصادق لا يظلم ولا يخذل.\nب. من بركات صاحب الحاجة أن الله يقضي حاجة من يقضي له حاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٥. حديث جامع في فضل من يعين ذوي الاحتياجات</span>.\nعن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله ﷿ سرور يُدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجةٍ أَحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد \"يعني: مسجد المدينة\" شهرًا، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ــ ولو شاء أن يُمضيه أمضاه ــ ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمهُ يومَ تَزولُ الأقدام.) (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. من يُقدم النفع إلى الناس، يَكثر نفعه ويَعُمُّ خيره ويعظُم أجره ويكون محبوبًا إلى الله.\nب. الوقوف مع ذوي الاحتياجات الخاصة حتى تُقضى حوائجهم أفضل من عبادة التطوع وخير من اعتكاف شهرٍ كامل في مسجد رسول الله.\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ج ٣، ص ١٢٨، حديث رقم ٢٤٤٢.\n(٢) - الطبراني، المعجم الكبير، باب العين، عمرو بن دينارعن ابن عمر، ج ١٢، ص ٤٥٣، حديث رقم ١٣٦٤٦، الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج ٢، ص ٥٧٤ - ٥٧٥، حديث رقم ٩٠٦. حكم الالباني إسناده حسن.","vol":"1","page":106},{"text":"ج- التخفيف من معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة بإدخال السرور على نفوسهم فهم بحاجة لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٦. حق المسلم وحرمة دمه:</span>\nعن أَبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيْع بعض، وكونوا عباد اللهِ إِخوانا المُسلمُ أَخو المُسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقِرهُ التقوى هاهنا -ويُشيرُ إِلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ مِنَ الشَّرِّ أَن يحقرَ أَخاهُ المُسلِم، كلُّ المُسلمِ على المسلم حرام، دمه، ومالهُ، وعرضهُ). (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. ذوو الاحتياجات الخاصة أو أهل العافية يتفاضلون بالتقوى والإيمان لا بالأشكال والألوان.\nب. من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يعيشوا بكرامة فيحرم ظلمهم وخذلهم واحتقارهم ودماؤهم وأعراضهم وأموالهم.\nج. بتحقيق هذه المعاني يسعد الجميع في المجتمع ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصة.\n\n٧. الرسول يأمر بنصرة الضعيف.\n\"عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع: بِعِيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتَشميتِ العاطِس، وَنَصرِ الضَّعيف، وعَونِ المظلوم، وإفشاءِ السَّلام، وإِبرار المُقْسِم\" (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. ضرورة الوقوف مع الضعفاء لإنجاز قضاياهم واحتياجاتهم في الدوائر والمؤسسات والمصالح الأخرى.\nب. أن يقدم ذوو الاحتياجات الخاصة على غيرهم في حال الوقوف والانتظار لإنجاز معاملاتهم.\nج. نصرة الضعفاء واجب اذا انتقص من حقهم في حضرتهم أو في غيبتهم.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، ج ٤، ص ١٩٨٦. حديث رقم ٢٥٦٤.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب إفشاء السلام، ج ٨، ص ٥٢. حديث رقم ٦٢٣٥.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٨. الدفاع عن المسلم</span>.\nعن أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: (من رَدَّ عن عِرْضِ أخيه رَدَّ الله عن وَجهِهِ النَّار يومَ القيامة). (١)\n\nمن فقه الحديث:\nا-رد الظلم عن الضعفاء في حضرتهم وفي غيبتهم.\nب- العمل على تحصيل حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة.\n\nفي نهاية هذا المبحث يتبين لنا كم بلغت مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية، حيث أولاهم الرسول - ﷺ - عناية خاصة، فاستمع لمطالبهم ولبى احتياجاتهم، وزارهم في بيوتهم، وقرَّبهم واختار منهم المؤذن والمعلم والإمام والوالي، وبلغت عنايته أن راعى قدراتهم في جميع مجالات الحياة حتى في العبادة، وحث على ضرورة الرحمة بالضعفاء، فالرحمة بهم سبب لمغفرة الذنوب ونيل رحمة الله التي بها يدخل أهل الجنة جنة الخلد، لذا أوصى رسول الله - ﷺ - جميع المسلمين من أقوياء ومسؤولين أو أناس عادين بضرورة مساندة ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في جميع المجالات إن احتاجوا لذلك، ووعد من فعل ذلك بالأجر العظيم.\n\n• المبحث الثاني: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة.\nلقد أرسل الله ﷿ رسول الهدى محمدًا - ﷺ - لهداية البشرية وإسعادها، فهو مُرسَل لجميع الشرائح والفئات، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة الذين أولاهم الرسول - ﷺ - عناية خاصة، وفي هذا المبحث سألقي الضوء على ما وجهه النبي - ﷺ - لذوي الاحتياجات الخاصة من نصائح وتوجيهات وبيان ما لهم من فضائل ودرجات، وقد جاء في اربعة مطالب هي:\nالمطلب الأول: بشرى النبي ﵇ لذوي الاحتياجات الخاصة.\nالمطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر.\nالمطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للاندماج في المجتمع.\nالمطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال.\n_________\n(١) - الترمذي، الجامع الكبير - سنن الترمذي، أبواب البر وا لصلة عن ﷺ، باب ما جاء في الذَّبِّ عن عرضِ الْمسلم، ج ٤، ص ٣٢٧. حديث رقم ١٩٣١. حكم الالباني صحيح.","vol":"1","page":108},{"text":"• المطلب الأول: بشرى النبي ﵇ لذوي الاحتياجات الخاصة.\nان رسول الله - ﷺ - لم يهمل المصيبة الجسدية، ولم ينكر وجودها، ولم يتجاهل أثرها في نفس صاحبها أو من يحيط به، لذا وجه المسلم الى الصبر على ما يواجهه في هذه الدنيا من متاعب ومصاعب، وما ينزل به من ابتلاء يحل في جسمه أو في أهله، ووعده بالأجر العظيم إن هو صبر واحتسب، وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تحدثت عن الصبر والصابرين، وما أعده الله لهم من أجر عظيم، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>١. الإصابة في الأبدان علامة خير للإنسان</span>.\nعن ابي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مَنْ يُرِدِ اللهُ به خَيرا يُصِبْ مِنهُ)، (١) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: يصب منه: أَي يجعلُهُ ذا مُصيبةٍ لِيُطَهِّره بها مِنَ الذنوب، وليرفعَ بها درجتهُ. (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. من ابتلي في الدنيا عوفي في الآخرة.\nب. الإصابات سبب لتكفير السيئات ورفع الدرجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٢. الجنة جزاء من صبر على الصرع:</span>\n(عن عطاء بن أبي رباح - ﵁ - قال: قال لي ابن عباس - ﵁ -: ألا اريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وان شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها). (٣)\nجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري، قَوْله: \"إِن شِئْتِ صبرتِ\": خَيَّرهَا رسول الله - ﷺ - بَين أَن تصبر على هذه الْهَيْئَة وَلها الجنَّة، وبين أَن يَدعو الله تعالى فيعافيها، فاختارَت الصَّبر، ثمَّ قالت: أخشى من كشف العورة، فدعا لها رسول الله - ﷺ - فانقطع عنها التكشف، اما قَوْل: \"فَادع الله أَن لَا أتكشف\": فيه فضيلة ما يترتَّب من الصَّبر على الصرع، وأَن اختيار البلاء والصَّبر عليه يورث الجنَّة، وأَن الأَخذ بالشدة أفضل من الأَخذ بالرُّخصة لمن علم من نَفسه أَنه يُطيق التَّمادي على الشدَّة، ولا يضعف عن التزامها. (٤)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، بكِتَابُ المَرْضَى، بابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ، ج ٧، ص ١١٥، حديث رقم: ٥٦٤٥.\n(٢) - القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٣، ص ١١٢٧.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب فضل من يصرع من الريح، ج ٧، ص ١١٦، حديث رقم ٥٦٥٢.\n(٤) - انظر، العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج ٢١، ص ١١٥.","vol":"1","page":109},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. فيه تسرية وتسلية لمن أصيب بالصرع.\nب. الصبر على المفقود والشكر على الموجود.\nج. البلاء مع الصبر أفضل من العافية لما أعد لأهل البلاء من أجر.\nد. ضرورة ستر العورات وأهمية الحجاب للفتيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>٣. من فقد بصره فصبر واحتسب عوضه الله الجنة:</span>\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)، (١) وعن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: (يقول الله ﷿: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة). (٢)\nقال ابن حجر: إِذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه أي عينيه والمُراد بالحبيبتين المحبوبتان، لأنهما أَحبُّ أَعضاء الإِنسان إِليهِ لما يحصل له بفقدهما مِنَ الأَسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته مِنْ خيرٍ فيُسَرُّ به، أَو شَرٍّ فَيجتنبُهُ، قولهُ: \"فصبر\" والمراد أَنه يصبر مستحضرا ما وعد اللهُ به الصابر مِنَ الثواب، لا أَن يصبر مجردا عن ذلك، لأَنَّ الأَعمال بالنِيات وابتلَاءُ اللهِ عبدهُ في الدُّنيا لَيس مِنْ سخطِه عليه بل إِما لدفع مكروه، أَو لكفارة ذنوب، أَو لرفعِ منزلة، فإِذا تلَقى ذلك بالرِّضا تَم له المُراد، قوله: عوضته منهما الجنة وهذا أَعظم العِوَضِ لأَن الِالتذاذ بالبصر يفنى بفنَاء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باقٍ ببقائها، وهو شاملٌ لكل مَنْ وقع له ذلك بالشرط المذكور، وإِذا كان ثواب مَنْ وقع له ذلك الجنة، فالذي له أَعمال صالحة أُخرى يزاد في رفع الدرجات. (٣)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. من صفات الله ﷿ العدل، فقد أخذ في الدنيا العينين ليعطي في الآخرة الجنة لمن صبر واحتسب.\nب. لما جعل الله تعالى الجنة عوضا عن العينين، فقد دلّ على أهمية نعمة البصر، فاشكر الله على هذه النعمة يا صاحب البصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٤. أعرج يمشي برجله صحيحة في الجنة:</span>\nعن أبي قتادة - ﵁ - قال: (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشى برجلي هذه صحيحة في الجنة، وكانت رجله\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المرضى، بَابُ فَضْلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، ج ٧، ص ١١٦، حديث رقم ٥٦٥٣.\n(٢) - الترمذي، سنن الترمذي، أَبْوَابُ الزُّهْدِ عَنْ - ﷺ -، بَابُ مَا جَاءَ فِي ذَهَابِ البَصَرِ، ج ٤، ص ٦٠٣، حديث رقم ٢٤٠١، حكم الالباني صحيح.\n(٣) - انظر، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج ١٠، ص ١١٦.","vol":"1","page":110},{"text":"عرجاء، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله - ﷺ - فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد). (١)\nوعن جابر - ﵁ - قال: (جَاءَ عَمرو بنُ الجموح إِلى رسول الله - ﷺ - يوم أُحد فقال: يا رسول الله، مَنْ قُتِلَ اليوم دخل الجنةَ؟ قال: \"نعم\". قال: فوا لذي نفسي بيده، لا أَرجعُ إِلى أَهلي حتَّى أَدخُلَ الجَنَّة، فقال له عمر بن الخطاب: يا عمرو، لا تَألَّ على اللهِ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"مهلا يا عُمر، فإن منهم مَنْ لو أَقسم على اللهِ لأَبرَّهُ: منهُم عمرو بن الجموحِ، يخوض في الجنة بعرجته). (٢)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. أن من أبرز سمات ذوي الاحتياجات الخاصة التحدي والهمَّة العالية والإرادة القوية.\nب. القمم لأهل الهمم وبقدر العَنى تُنال المنى.\nج. إذا أصيب المسلم في دنياه بجسده عوفي في آخرته ونال رحمة ربه.\nد. حق ذوي الاحتياجات الخاصة بالحرية والتعبير واتخاذ القرار.\nهـ. دعاء أهل البلاء أكثر إجابة، وقَسَمُهم أكثر بِرّا.\nو. الدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة إن احتاجوا لذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٥. طلحة \"من المبشرين بالجنة\" ويده مشلولة:</span>\nعن قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي - ﷺ - قد شُلَّت). (٣)\nوعن الزبير بن العوام قال: (كان على النبي - ﷺ - يوم أُحُد دِرعان فنهض إِلى الصَّخرة فلم يستطِع فَأَقعد طَلحةَ تَحتهُ وصَعِدَ النبيَ - ﷺ - حَتَّى استوى على الصَّخرة قال: سمعتُ النَّبي - ﷺ - يقول: \"أوجب طلحة\"). (٤)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: أوجب طلحة أَيِ الجنَّة، والمَعنى أَنهُ أَثبتها لنفسه بعمله لرسول الله - ﷺ -، وجعلها وقايةً له حتَّى طعن ببدنه، وجُرِح جميعُ جسده حتى شُلَّت يدُه وجُرحَ بِبِضع وثمانين جِراحةً. (٥)\n_________\n(١) - أحمد بن حنبل، مسند احمد، تتمة مسند الأَنصار، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، ج ٣٧، ص ٢٤٧، حديث رقم ٢٢٥٥٣، حكم الأرنؤوط إسناده حسن.\n(٢) - ابن حبان، الاحسان في تقريب ابن حبان، كِتَابُ إِخْبَارِهِ - ﷺ - عَنْ مناقب الصحابة ﵃ أجمعين، ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ج ١٥، ص ٤٩٣، حديث رقم: ٧٠٢٤، حكم الألباني حسن.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، بَابُ ذِكْرِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، ج ٥، ص ٢٢، حديث رقم ٣٧٢٤.\n(٤) - الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي أبو عيسى، (توفي: ٢٧٩ هـ)، مختصر الشمائل المحمدية، أَبْوَابُ اختصره وحققه محمد ناصر الدين الألباني، الأردن - عمان، المكتبة الإسلامية، الْمَنَاقِبِ عَنْ - ﷺ -، بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي مُحَمَّدٍ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، ص ٦٥، حديث رقم ٨٩، حكم الالباني صحيح.\n(٥) - انظر، القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٩، ص ٣٩٥٥.","vol":"1","page":111},{"text":"من فقه الحديثين:\nأ. من أصيب بعضو من أعضائه فليبقَ واثقا من نفسه ولا يخجل أمام الناس، لأن ذلك باختيار الله تعالى.\nب. ارحم أهل البلاء وسل الله العافية، فان طلحه كان معافى في يده ثم شلت بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٦. تفقد ذوي الاحتياجات الخاصة والسؤال عنهم</span>.\nلقد كان رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه ومنهم ذوي الاحتياجات الخاصة ويظهر ذلك جليًاعندما سأل عن ثابت بن قيس ﵁ الذي كان في أذنه صمم.\n\"عَن أَنَس بنِ مالك أَنهُ قال: (لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، (جَلسَ ثابتُ بنُ قيسٍ في بيتهِ، وقال: أَنا مِنْ أَهل النَّار، واحتبس عن النبي - ﷺ -، فسأَل النبيُّ - ﷺ - سعدَ بنَ مُعاذٍ، فقال: يا أَبا عَمرو، ما شَأن ثابت؟ اشتكى؟ قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رسول الله - ﷺ -، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ للهِ - ﷺ -، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) \". (١)\nوقال ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ - ﵁ -: (يَا رسول الله، لقد خَشيتُ أَن أَكُونَ قَد هلَكتْ، قال رسول الله - ﷺ -: وَلِمَ؟ قال: نهانا اللهُ أَن نُحِبَّ أَن نُحمَدَ بِمَا لَم نَفعل وأَجِدُني أُحبُّ الحَمدَ، وَنَهَانَا عَنِ الخُيَلاءِ وَأَجِدُني أُحبُّ الجَمَالَ، ونَهانَا أَن نَرفَع أَصوَاتَنَا فَوقَ صَوتِكَ، وَأَنا جَهيرُ الصَّوتِ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: يَا ثَابِتُ، أَلَا تَرضَى أَن تَعِيشَ حَمِيدا، وَتُقتَلَ شَهيدًا، وتَدخُل الجَنَّةَ؟ قَالَ: بَلَى، يَا رسول الله، قَالَ: فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب). (٢)\n\nمن فقه الحديثين:\nأ. عدم التمييز بين ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، فلقد كان الرسول - ﷺ - يعتني بجميع أصحابه ويسأل عنهم دون تمييز بين صغير وكبير أو بين قوي وضعيف.\nب. من كان بالله اعرف كان لله أخوف.\nج. دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وإبعادهم عن الانطواء والانزواء.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، ج ١، ص ١١٠، حديث رقم ١١٩.\n(٢) - الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج ٣، ص ٢٦٠، حديث رقم ٥٠٣٤، [التعليق - من تلخيص الذهبي] على شرط البخاري ومسلم.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>٧. إصابة الاجسام كفارة للخطايا والآثام</span>.\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَا يُصِيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ وَلا حُزنٍ ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكَةِ يُشَاكُها، إِلَّا كَفَّر اللهُ بها مِن خطاياهُ). (١)\n\nمن فقه الحديث:\nإعلم أن البلاء قد يكون ثوابا وقد يكون عقابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٨. أن يرضى العبد بما اختاره الله فهو خير له</span>.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (لما نزلت: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله - ﷺ -: قاربوا وَسَدِّدُوا ففي كُلِ ما يُصابُ به المسلم كَفَّارةٌ، حتى النَّكبةِ يُنكَبُها أو الشَّوكةِ يُشاكُها). (٢)\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله، وما عليه خطيئة). (٣)\nمن فقه الحديثين:\nأ. إعلم أن لك في كل مصيبة درجات ومحو خطيئات.\nب. إصبر وارضَ بقضاء الله تكن أسعد الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٩. أهل البلاء يوم القيامة أعظم ثوابا:</span>\nعن جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (يَودُّ أَهلُ العافيَةِ يَومَ القيَامةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البلاءِ الثَّوابَ لَو أَنَّ جُلودَهُم كَانت قُرِضَت في الدُّنيا بِالمقاريضِ). (٤)\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: (يُؤتَى بالشهيد يوم القيامة فَيُنصب لِلحِساب، ويُؤتَى بالمُتَصَدِّق فَيُنصَبُ للحساب، ثم يُؤتَى بأهل البلاء ولا يُنصَبُ لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، فَيُصَبُّ عليهم الأجر صَبًا حتى أن أهل العافية لَيَتَمنَّوْنَ في الموقف أن أجسادهم قُرِضَتُ بالمقاريض من حُسنِ ثواب الله.). (٥)\n_________\n(١) - البخاري، صحيح البخاري، كِتَابُ المَرْضَى، بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ، ج ٧، ص ١١٤، حديث رقم ٥٦٤١.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، بَابُ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، ج ٤، ص ١٩٩٣، حديث رقم ٢٥٧٤.\n(٣) - الترمذي، سنن الترمذي، ابواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، ج ٤، ص ٦٠٢، حديث رقم ٢٣٩٩، حكم الالباني حسن صحيح.\n(٤) - الترمذي، سنن الترمذي، ابواب الزهد، باب، ج ٤، ص ٦٠٣، حديث رقم ٢٤٠٢، حكم الألباني حسن.\n(٥) - الطبراني، المعجم الكبير، باب العين، ج ١٢، ص ١٨٢.لألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ج ٥، ص ٢٤١، حديث رقم ٢٢٠٦، حكم الألباني حسن.","vol":"1","page":113},{"text":"من فقه الحديثين:\nأ. الصبر على البلاء أهون من الصبر على العذاب يوم القيامة.\nب. البلاء يرفع درجتك في الجنة.\n\n١٠. رسول ﷺ يبشر الضعفاء بالجنة.\nعن حَارِثَةَ بن وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: (أَلا أُخبرُكُم بأَهلِ الجنَّةِ؟ كلُّ ضعيفٍ مُتضعِّفٍ، لَو أَقسمَ على اللهِ لأَبرهُ، أَلا أُخبِرُكُم بِأَهلِ النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظ مُستَكبِرٍ). (١)\nجاء في كتاب منار القاري شرح صحيح البخاري: \"دل هذا الحديث على مشروعية الاستعانة بدعاء الضعفاء على النصر على الأعداء، إذا كانوا صالحين، وهو ما ترجم له البخاري، لأن النصر إنما هو من عند الله، فلا ينبغي الاعتماد فيه على مجرد القوة العسكرية، أو البطولة والشجاعة، وإنما ينبغي الاعتماد على الله، والإكثار من التضرع والاجتهاد في الدعاء، والتماس دعاء الضعفاء والصالحين، لما له من عظيم الأثر في مثل هذه المواقف\". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. كل أسرة عندهم فرد ضعيف فليحمدوا الله ففي بيتهم واحد من أهل الجنة.\nب. دعاء الضعفاء أكثر إجابة وقسمهم أكثر برا.\n\nفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا أن ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله ﷿، والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه نبوي، لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان وان رسول الله - ﷺ - وعد الصابرين بالأجر العظيم ان هم صبروا على ما أصابهم من مصائب ومصاعب واحتسبوا الأجر والثواب عند الله.\n_________\n(١) البخاري، صحيح البخاري، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، ج ٦، ص ١٥٩، حديث رقم: ٤٩١٨.\n(٢) - قاسم، حمزة محمد قاسم، منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، راجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الجمهورية العربية السورية- دمشق، مكتبة دار البيان، المملكة العربية السعودية - الطائف، مكتبة المؤيد، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م، ج ٤، ص ١٠٥.","vol":"1","page":114},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-129> المطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر</span>.\nلقد بين رسول الله - ﷺ - أن الإنسان مكرمٌ عند الله ﷿ سواء في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة أم غيرهم من أهل العافية، وجعل مناط التفضيل بينهم مبنيًا على التقوى والإيمان لا على الأشكال والألوان ومما ورد في هذا المعنى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>١. مناط التفضيل بين الناس تقوى الله ﷿</span>.\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). (١)\nهذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].\nقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: \"فالله سبحانه وتعالي لا ينظر إلي العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب، هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم، لذًا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدًا، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فأحمد الله عليه، قوله ﵊: \"ولكن ينظر إلى قلوبكم\" فالقلوب هي التي عليها المدار\". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. أن نجعل هذا الحديث ميزانا عند تقييمنا لأي إنسان.\nب. إصابة القلوب اشد وأعظم من إصابة الأجسام فالإصابة في الأجسام يؤجر عليها الإنسان أما الإصابة في القلوب فتغضب علام الغيوب.\nج. بالقلب السليم تدخل جنة النعيم.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ، ج ٤، ص ١٩٨٦، حديث رقم ٢٥٦٤.\n(٢) - ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين، ج ١، ص ٦٠.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>٢. يُقدَّر الإنسان عند النبي - ﷺ - بالإيمان</span>.\nعَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ: (عن ابن مسعودٍ، أَنَّه كان يَجتني سِواكا من الأَراك، وكان دقيق السَّاقَين، فجعلت الرِّيحُ تَكفَؤُهُ، فضحكَ القَومُ منهُ، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ). (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. يقدر الرجال ويوزنون بقوة الإيمان لا بضخامة الأجسام.\nب. الدعم المعنوي حاجة ضرورية لذوي الاحتياجات الخاصة وذلك بالثناء عليهم بما هم أهل له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٣. الوزن يوم القيامة للإيمان لا للأجسام</span>.\nعن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ رسول الله - ﷺ - قَالَ: (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥]). (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. كلما التزم الإنسان بالإسلام كان قدره عند الله رفيعًا وكلما ابتعد عن الإسلام كان قدره عند الله وضيعًا.\nب. قيمة الإنسان بدينه وتقواه لا بشكله ووزنه.\nج. ذم السِمَنْ الذي يضعف الهمة ويقيد العزيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٤. إستعن بالله فأنت قوي</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (الْمُؤمنُ القَويُّ، خيرٌ وَأَحبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ احرِصْ عَلَى مَا يَنفعُكَ، وَاستَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز، وَإِن أَصَابَكَ شَيءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ). (٣)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: \"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ\"، أَيِ: القادر على تكثيرِ الطَّاعةِ خيرٌ وأَحبُّ إِلى اللهِ \"مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ\"، أَيِ: العاجز عنهُ، \" وفي كلٍّ خَيْرٌ\" أَي: أَصلُ الخَير موجودٌ في كلٍّ منهُما، المراد بالمؤمن القويِ الصَّابرِ على مُخالطةِ الناس وتحمُّل أَذيَّتهم وتَعليمهم\n_________\n(١) - احمد بن حنبل، مسند احمد، ج ٧، ص ٩٨، ٩٩، حديث رقم ٣٩٩١، حكم الأرنؤوط صحيح لغيره.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَاءِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] الآيَةَ، ج ٦، ص ٩٣، حديث رقم ٤٧٢٩.\n(٣) مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْقَدَرِ، بَابٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقُوَّةِ وَتَرْكِ الْعَجْزِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ، ج ٤، ص ٢٠٥٢، حديث رقم ٢٦٦٤.","vol":"1","page":116},{"text":"الخير وإِرشادهم إِلى الهُدى، والمُؤمن القوي الذي قوِيَ في إِيمَانه وصَلُب في إِيقانه بحَيث لا يرى الأَسباب، ووثق بمسبِّب الأَسبابِ، والمؤمِن الضَّعيف بخلافه وهو أَدنى مراتب الإِيمان، القوّة هنا يرادُ بها عزيمةُ النَّفس في أُمور الآخرةِ، فيكون صاحبُ هذا أَكثر إِقداما على الغزو والجهادِ، وأَسرعَ خُروجا وذهابا في طلبه وأَشدَّ عزيمة في الأَمر بالمعرُوف والنَّهي عن المنكر والصَّبر على الأَذى في كلِّ ذلك، وقولهُ: \"فِي كُلٍّ خَيْرٌ\"، معناه في كل منَ القويِّ والضَّعيف خير لاشتراكهمَا في الإِيمَانِ، مع ما يأتي به الضعيفُ مِنَ العباداتِ \"احرِص\": أي كُن حريصا \"عَلَى مَا يَنفَعُكَ\" أَي: مِنْ أُمور الدِّين، \"وَاستَعِن بِاللهِ\" أَي: على فعلك فإِنهُ لا حَول ولا قُوَّة إِلا بالله \"ولا تعجز\"أَي: ولا تعجز عن الحرصِ والاستعانة، فإِنَّ اللهَ ﷾ قادرٌ على أَن يُعطيكَ قوَّة على طاعته إِذا استقمت على استعانته، وقيل: معناه لا تَعجز عن العملِ بما أُمرت، ولا تترُكهُ مُقتصرا على الاستعانة به، فإِن كمال الإِيمان أَن يُجمع بينهُما.\n\"وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ\" أَي: مِن أَمر دينك أَو دُنياك \"فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ\" أَي: كذا وكذا \"كان\" أَي: لَصار \"كَذَا وَكَذَا\": فإِنَّ هذا القول غَيرُ سديد، ومع هذا غير مفيد، قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]، وقد قال تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [آل. عمران: ١٥٣]، \"وَلَكِنْ قُلْ\" أَي: بلسان القال أَو لسان الحَال. \"قَدَّرَ اللهُ\" أَي: وقع ذلك بمُقتضى قضائه وعلى وفق قدره، \"وَمَا شَاءَ\" أَيِ: اللهُ فِعْلَهُ، \"فَعَلَ\": فإِنه فَعَّالٌ لما يُريد ولا رادَّ لقَضائه ولا مُعقِّب لحكمه، \"فَإِنَّ لَوْ\" أَي: كلمة الشَّرط أَو إِن \"تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\". (١)\n\nمن فقه الحديث\nأ. قوة العزيمة والايمان خير من قوة الاجسام.\nب. العاجز من استسلم لهواه وابتعد عن أمر الله.\nج. الإيمان والتسليم بقضاء الله يحميك من جلد الذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٥. القرب من الله بسلامة الجوهر لا بسلامة المظهر</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - ﵁ -، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيَنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ). (٢)\nقال ابن عثيمين: \" وشعره أشعث: يعني ليس له ما يدهن به الشعر، ولا ما يرجله، وليس يهتم بمظهره، وأغبر: يعني أغبر اللون، أغبر الثياب، وذلك لشدة فقره، مدفوع بالأبواب: يعني ليس\n_________\n(١) - انظر؛ القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٨، ص ٣٣١٨.\n(٢) - الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الرقاق، ج ٤، ص ٣٦٤. حديث رقم ٧٩٣٢، التعليق من تلخيص الذهبي حديث صحيح ص ٣٦٤.","vol":"1","page":117},{"text":"له جاه، إذا جاء إلى الناس يستأذن لا يأذنون له، بل يدفعونه بالباب؛ لأنه ليس له قيمة عند الناس، لكن له قيمة عند رب العالمين، لو أقسم على الله لأبره: لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونن كذا لكان، لو أقسم على الله لأبره، لِكَرمِه عند الله ﷿ ومَنَزلِته\". (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. بعض المسلمين مكانتهم عند الله عظيمه بالرغم من ضعفهم فالتمس دعاءهم.\nب. سلامة الجوهر أهم من سلامة المظهر.\nج. فيه دعم معنوي للضعفاء حتى يطلب الناس دعاءهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٦. بالتقوى والإيمان يَفضُل الإنسان</span>.\n\"عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عن جابر - ﵁ - قال: (خطبنا رسول الله - ﷺ - فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحمَرَ عَلَى أَسوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ). (٢)\n\"قال الشوكاني: \"أَلَا إنَّ ربكم واحد\"، هذه مقدمة لنفي فضل البعض على البعض بالحسب والنسب كما كان في زمن الجاهلية، لأَنه إذا كان الرب واحدا وأَبو الكلِّ واحدا، لم يبق لدعوى الفضل بغير التقوى موجبٌ، وفي هذا الحديث حصر الفضل في التقوى ونفيه عن غيرها وأَنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأَسود على أَحمر إلا بها\". (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. الإنسان مكرم في أصل خلقه.\nب. العدل والمساواة دعوة نبوية وضرورة بشرية.\nج. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية متساوون في الحقوق وكثير من الواجبات ولا يتفاضلون إلا بالتقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٧. افتخار الجنة واعتزازها بالضعفاء</span>.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: (افْتَخَرَت الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُلُوكُ وَالْعُظَمَاءُ وَالْأَشْرَافُ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ\n_________\n(١) - ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين، ج ٣، ص ٦٣.\n(٢) - احمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، أَحَادِيثُ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ص ٤٧٤، حديث رقم ٢٣٤٨٩، حكم الأرنؤوط إسناده صحيح.\n(٣) - الشوكاني، نيل الأوطار، ج ٥، ص ٩٩.","vol":"1","page":118},{"text":"وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مِنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (١)\n\"قال ابن القيِّم: من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المَكارِه، ومن خلقه الله للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات\". (٢)\nمن فقه الحديث:\nمعظم أهل النار من المتنفذين والمتكبرين، لبعدهم في الدنيا عن الدين، ومعظم أهل الجنة من الضعفاء والمساكين، لقربهم في الدنيا من رب العالمين.\nفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا أن المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان، فما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة لا ينقص من كرامتهم، ولا يحط من قيمتهم في الحياة، فإن البلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان، لا ما يصيب الأبدان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-137> المطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للاندماج في المجتمع</span>.\nلقد عمل الرسول - ﷺ - على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع غيرهم من أفراد المجتمع، فهم جزءٌ أصيل منه، لهم حقوق وعليهم واجبات، لذا عمل الرسول - ﷺ - على تأهيلهم وتدريبهم، حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، عاملين منتجين، ولأوقاتهم وجهدهم مستثمرين، ولا يكونوا عالة على الآخرين، ولقدرهم عارفين، ومع غيرهم متعاونين بما ينفع الإسلام والمسلمين، ولقد وردت احاديث عن رسول الله - ﷺ - في هذا الباب منها:\n١. الرسول - ﷺ - يختار ابن ام مكتوم سفيرا مع مصعب الى المدينه المنوره ليعلم القرآن.\nلقد كان النبي - ﷺ - يكلف رجالًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، لتنفيذ مهمات لبناء الدولة الإسلامية، وذلك لقدرتهم وكفاءتهم، فمن أوائل من أرسلهم النبي - ﷺ - إلى المدينة المنورة ليعلم الناس القرآن ابن أُم مكتوم ﵁.\nفعن البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ). (٣)\n_________\n(١) - احمد بن حنبل، مسند احمد، ج ١٨، ص ٢٦٧، حديث رقم ١١٧٤، حكم الارنؤوط حديث صحيح ص ٢٦٧.\n(٢) - ابن القيم، محمد بن ابي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين بن قيم الجوزية، (توفي: ٧٥١ هـ)، .الفوئد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م، ص ٣٢.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، بَابُ مَقْدَمِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ المَدِينَةَ، ج ٥، ص ٦٦، حديث رقم ٣٩٢٥.","vol":"1","page":119},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. ان نشرك ذوي الاحتياجات الخاصة مع اهل العافية في التنمية والبناء، فمشاركتهم فيها الخير والبركة.\nب. ابن ام مكتوم من ذوي الاحتياجات الخاصة كان له دور في بناء الدوله الاسلامية.\nج. أهمية تعلم القران وتعليمه.\nد. استثمار قدرات وإمكانات ذوي الاحتياجات الخاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٢. صلاة الجماعة من أهم الأعمال لأفراد المجتمع</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ أَعمَى، فَقالَ: يَا رسول الله، إِنَّهُ لَيس لي قَائِدٌ يَقُودُني إِلَى المَسجدِ، فَسَأَلَ رسول الله - ﷺ - أَن يُرخِّصَ لهُ، فَيُصلِّيَ في بَيتِهِ، فَرخص لهُ، فلما ولى، دعاه، فقال: هل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَأَجِب). (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. وإن كان هذا الحديث يدل على أهمية صلاة الجماعة، إلا أن فيه مسألة نفسيه اجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة، أنه من كان قادرًا على القيام بأي عمل في المجتمع فليبق حاضرًا في المجتمع فاعلا في مؤسساته.\nب. يدل على أن الرسول كان يعمل على تأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٣. التعاون والتكافل</span>.\nعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ). (٢)\n\"قال ابن رجب: ويفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى اصل واحد ورَجُل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى اصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان\". (٣)\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ يَجِبُ إِتْيَانِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ج ١، ص ٤٥٢، حديث رقم ٦٥٣.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الصلاة، بَابُ تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، ١٤٢٢ هـ، ج ١، ص ١٠٣، حديث رقم ٤٨١.\n(٣) - ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، (توفي: ٧٩٥ هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمود بن شعبان بن عبد المقصود وآخرون، المدينة النبوية، مكتبة الغرباء الأثرية، ط ١، ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م، ج ٣، ص ٤١٩.","vol":"1","page":120},{"text":"من فقه الحديث:\nأ. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية يد واحدة في بناء المجتمع.\nب. عندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع أفراده يشد بعضهم بعضا كالبنيان، فإنهم يشعرون بتقدير واحترام، ويثقون بأنفسهم ولا يشعرون بخجل أمام الناس مما أصابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٤. التواد والتعاطف بين افراد المجتمع توجيه نبوي</span>.\nعَنِ النعمان بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). (١)\n\n\"جاء في كتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج: هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه\". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. مساندة ذوي الاحتياجات الخاصة وقضاء حوائجهم.\nب. في هذا المجتمع الموصوف بالتراحم والتعاطف يجد ذوو الاحتياجات الخاصة الأمان النفسي والعون المادي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>٥. من رأى مبتلى في المجتمع</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ). (٣)\nقال الأحوذي: قَوله مَنْ رأَى صاحب بلاءٍ أَي مُبتلى في أَمرٍ بدنيٍّ كبرصٍ وقصرٍ فاحشٍ أَو طولٍ مفرط أَو عمى أَو عرج أَو اعوجاج يد ونحوها، أَو ديني بنحو فسقٍ وظُلم وبدعة وكفرٍ وغيرها الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاك به فإِن العافية أَوسع مِنَ البليَّة لأَنها مَظِنَّةُ الجزع وَالفتنة وحينئذ تكون محنة، وَفَضَّلَنِي على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا أَي في الدِّينِ والدُّنيا والقَلبِ وَالقالَبِ إِلا\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ، ج ٤، ص ١٩٩٩، حديث رقم ٢٥٨٦.\n(٢) - النووي، المنهاج شرج صحيح مسلم بن حجاج، ج ١٦، ص ١٣٩.\n(٣) - الترمذي، سنن الترمذي، أَبْوَابُ الدَّعَوَاتِ عَنْ رسول الله - ﷺ -، بَاب مَا يَقُولُ إِذَا رَأَى مُبْتَلًى، ج ٥، ص ٤٩٣، حديث رقم ٣٤٣٢، حكم الالباني صحيح.","vol":"1","page":121},{"text":"عوفي مِنْ ذلكَ البلاء كائنا ما كان أَي ما عاش أَي مدةَ بقائه في الدُّنيا، وإِنَّما يَعدِلُ عَن رفع الصَّوت إِلى إِخفائه ويُسمِعُ صاحب البلاء الدِّينيِّ إِذا أَراد زجره ويَرجُو انْزِجَارَهُ. (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. انظر الى من هو أقل منك تعرف نعمة الله عليك.\nب. الإبتعاد عن أذية ذوي الاحتياجات الخاصة في القول أو الفعل.\nج. قوله \"من رأى صاحب بلاء \" يدل على حقهم في التنقل بالمجتمع بحرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٦. الضمان الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا). (٢)\nقال ابن حجر: الكَل أَي من لَا يقدر على الْعَمَل وَالْكَسْب، ومن معاني الْكل الْعِيَال وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء ثمَّ اسْتعْمل فِي كل أَمر ضائع أَو أَمر مثقل. (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. الرعاية المادية في المجتمع الإسلامي محفوظة لذوي الاحتياجات الخاصة.\nب. يدل على أهمية المحافظة على كرامتهم وذلك بإغنائهم حتى لا يسألوا الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>٧. وأنت في المجتمع انظر الى من هو دونك</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رسول الله - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ\" (٤)\nقال الصنعاني ﵀: ينظر الى من هو اسفل منه، أي: ليَنظُرُ إلى من ابتلي بأكثر منه بِالأَسقام ثم ينظر الى ما فضل به عليه من العافية التي هي أَصل كل إنعام، وينظر إلى مَنْ في خَلقِهِ نَقصٌ مِنْ عمى أَو صمم أَو بُكْم، ويَنتَقِلُ إلى ما هو فيه مِنْ السَّلامة، وينظرُ إلى ما ابتُلِيَ بالدُّنيا وجمعها والامتنَاع عما يجب عليه فيها مِن الحقوق ويعلم أَنَّه قد فُضِّلَ بالإِقلالِ وأُنعِمَ عليه بِقِلَّةِ تَبِعَةِ الأَموال في الحَال والمآلِ، وينظر إلى مَنْ ابتُلِيَ بالفقرِ المُدقِع أَو بالدَّينِ المُفظعِ ويعلم ما صار إليه مِن السلامة مِن الأَمرَينِ وَتَقَرُّ بما أَعطاهُ ربُّهُ العَينُ، وما مِن مبتلى في الدنيا\n_________\n(١) - انظر؛ الأحوذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك فورى، (توفي: ١٣٥٣ هـ)، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، بيروت دار الكتب العلمية، ج ٩، ص ٢٧٦.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الاستقراض وآداء الديون والحجر والتفليس، باب الصلاة على من ترك دينا، ج ٣، ص ١١٨، حديث رقم ٢٣٩٨.\n(٣) - انظر؛ ابن حجر، فتح الباري شرح صحيج البخاري، ج ١، ص ١٨٠.\n(٤) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الرق، باب لينظر الى من هو أسفل منه، ج ٨، ص ١٠٢، حديث رقم ٦٤٩٠.","vol":"1","page":122},{"text":"بخير أَو شرٍّ إلا ويجدُ مَنْ هو أَعظَمُ مِنهُ بَلِيَّةً فَيَتَسَلَّى به، ويَشكُرُ ما هو فيه مما يرى غَيرهُ ابتُلي به، وينظر الى مَنْ هو فوقه في الدِّينِ، فيعلمُ أَنهُ مِنْ المُفرطينَ فبِالنَّظَرِ الأَول يشكُرُ ما للهِ مِنْ النعم وبالنظر الثاني يستحي مِن مولاهُ ويَقرعُ بابَ المتابِ بأَنامل النَّدم فهو بالأَول مسرورٌ لنعمة اللهِ وفي الثانِي منكسرُ النفسِ حياءً مِن مَولاهُ. (١)\nمن فقه الحديث:\nأ. في أمور الدنيا انظر الى من هو دونك تعرف فضل الله عليك.\nب. الدِين والإيمان خير من المال وسلامة الاجسام.\nج. إرض باختيار الله فهو خير لك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>٨. استعن على البلاء بالدعاء</span>.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من جَهْد البلاء ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، قال سفيان: الحديث ثلاثٌ زِدتُ أنا واحدةً لا أدري أيتُهُنَّ هي). (٢)\nقال ابن عثيمين: هذه أربعة أشياء أمرنا الرسول - ﷺ - أن نتعوذ منها، أولا: جهد البلاء أي من البلاء الذي يبلو الجهد أي الطاقة، والبلاء نوعان بلاء جسمي كالأمراض وهو ما يصيب الأعضاء، وبلاء ذِكْري معنوي بأن يبتلى الإنسان بمن يتسلط عليه بلسانه فينشر معايبه ويخفي محاسنه، فهذا من البلاء الذي يشق على الإنسان، فيتعوذ الإنسان بالله من جهد البلاء، وربما يكون أيضا من البلاء قسم ثالث وهو ما يبتلي الله به العبد من المصائب العظيمة الكبيرة فلا يصبر المبتلى على أدنى بلاء يصيبه فيتسخط على قضاء الله وقدره، ومن درك الشقاء أي ومن أن يدركك الشقاء والشقاء ضد السعادة، ومن سوء القضاء سوء القضاء يحتمل معنيين المعنى الأول أن أقضي قضاء سيئا، والمعنى الثاني أن الله يقضي على الإنسان قضاء يسوءه، والقضاء يعني الحكم فالإنسان ربما يحكم بالهوى ويتعجل الأمور ولا يتأنى وهذا سوء قضاء، كذلك القضاء من الله قد يقضي الله ﷿ على الإنسان قضاء يسوءه ويحزنه، فتستعيذ بالله ﷿ من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء ويحزن في كل ما أصابه من خير، فأنت تستعيذ بالله ﷿ من شماتة الأعداء، فهذه وصية رسول الله - ﷺ - لنا أن نتعوذ بالله من هذه الأمور الأربعة. (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. من يدعو الله فان الله سميع مجيب.\n_________\n(١) - انظر، الصنعاني، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، (توفي: ١١٨٢ هـ) سبل السلام، دار الحديث للنشر، ج ٢، ص ٦١٤.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، ج ٨، ص ٧٥، حديث رقم ٦٣٤٧.\n(٣) - انظر؛ ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين، ج ٦، ص ٢٣ - ٢٥.","vol":"1","page":123},{"text":"ب. مواساة المبتلى ومراعاة حاله لما يلحقه من إجهاد بسبب البلاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>٩. كن مطمئنًا ما أصابك لم يكن ليخطئك</span>.\nعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رسول الله - ﷺ - يَوْمًا، فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ، احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجدهُ تُجاهكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وإِذَا استَعَنتَ فَاستَعن باللهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لو اجتَمَعَت على أَن يَنفَعوكَ بشَيءٍ لَم يَنفَعوكَ إِلَّا بشَيءٍ قَد كَتبَهُ اللهُ لكَ، وَلو اجتمَعوا على أَن يَضُرُّوكَ بشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُف). (١)\nقال ابن دقيق العيد: \"احفظ الله يحفظك\"، ومعناه: كن مطيعا لربك مؤتمرًا بأوامره منتهيًا عن نواهيه، وقوله: \"احفظ الله تجده تجاهك\"، أي: اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته، فإنك تجده تجاهك في الشدائد، وقوله ﷺ: \"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" أرشده إلى التوكل على مولاه، ولا يتعلق بغيره في جميع أموره، ما قل منها وما كثر، \"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك\" وكذلك في الضر، وهذا هو الإيمان بالقدر، والإيمان به واجب خيره وشره، وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به؟ . (٢)\nمن فقه الحديث:\nأ. اذا احتجت فاسأل الله وإذا أردت العون فاطلبه من الله، قبل أن تطلبه من الناس، فالأمر كله لله.\nب. الإيمان الجازم بأن الأمور مقدرة يحميك من الأمراض النفسية والعقد الإجتماعية، وبذلك تحافظ على أمانك النفسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٠. إصبر على اختيار الله فهو الخير</span>.\nعَن أَنسِ بنِ مالك - ﵁ -، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لا يتمنينَّ أَحدكمُ الموت من ضرٍّ أَصابه، فإِن كان لا بُدَّ فاعلا، فَليَقُل: اللهمَّ أَحيني ما كانت الحياةُ خَيرا لي، وتوفني إِذا كانت الوفاةُ خيرا لي\". (٣)\nقال الصنعاني: \"هذا دَليلٌ على النَّهيِ عن تمني المَوت للوقوع في بلاءٍ ومحنة أَو خشية ذلك من عدُوٍ أَو مرضٍ أَو فاقَةٍ أَو نحوِها مِن مشاق الدُّنيا؛ لما في ذلك من الجزع وعدم الصَّبرِ\n_________\n(١) - الترمذي، سنن الترمذي، ابواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب، ج ٤، ص ٦٦٧. حديث رقم ٢٥١٦، حكم الألباني صحيح.\n(٢) - انظر، ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، (توفي: ٧٠٢ هـ) شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، مؤسسة الريان للنشر، ط ٦، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م، ص ٧٦ - ٧٧.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المرض، بَابُ تَمَنِّي المَرِيضِ المَوْتَ، ج ٧، ص ١٢١، حديث رقم ٥٦٧١.","vol":"1","page":124},{"text":"على القضاء وعدم الرِّضا وفي قَوله: \" لِضُرٍّ نَزَل به \" ما يُرشدُ إلى أَنه إذا كان لغَيرِ ذلك مِنْ خوف أَو فِتنة في الدين فإِنه لا بأس به\". (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. أن يكون من نزل به ضر واثقا من نفسه، ولا يدفعه ما أصابه أو من نظر اليه نظرة سلبيه لتمني الموت.\nب. ما نزل بالإنسان من ضر ليس علامة شر، فقد يكون لدفع مكروه او تكفير سيئات او رفع درجات.\nج. الصبر على الضر طريق يورث الجنة.\nد. تذكر عند المصيبة ان لكل قدر حكمة، لو علمتها لرأيت المصيبة عين النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>١١. شدة مآل صاحبها إلى الجنة</span>.\nعن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يُؤتى بأَنعَم أهل الدنيا، من أهلِ النّار، يوم القيامة، فيُصبَغُ في النار صَبغةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قطُّ؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله! يا رب! ويُؤتى بأشدِّ الناس بُؤسًا في الدنيا، من أهل الجنة، فيُصبغُ صبغةً في الجنَّة، فيُقال لهُ: يا ابن آدم! هل رأيت بُؤسًا قطُّ؟ هل مرَّ بك شدَّةٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله! يا رب! ما مرَّ بي بؤسٌ قطُّ، ولا رأيتُ شدةً قطُّ). (٢)\nإنه \"يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا\" يعني أشدهم نعيمًا في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، \"فيصبغ في النار صبغة\" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له \"يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت\" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلدًا فيها والعياذ بالله أبد الآبدين. (٣)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: \"يُؤتى بأَنعَمِ أَهلِ الدُّنيا\" أَي يَحضُر أَشدُّهُم تَنعُّما وأَكثرُهم ظُلما لقوله: \"مِنْ أَهلِ النَّار\" \"فَيُصبَغُ\" يُغمَسُ \"في النَّارِ صَبغَةً\" أَي غمسةً، \"ثُمَّ يُقَالُ\" أَي له \"يا ابنَ آدم، هَل رَأَيتَ خَيرا\" أَي نِعمَةً \"قَطُّ؟ هَل مَرَّ بكَ نَعيمٌ قَطُّ\"؟ أَي في زمان مِنَ الأَزمنة، \"فَيَقولُ: لا\" أَي ما رأَيتُ \"وَاللهِ يَا رَبِّ\" لَمّا أَنسَتهُ شدَّةُ العذاب ما مضى عليه مِن نعيم الدُّنيا، فأيُّ نَعِيم آخِرُه الجحيمُ، وأَيُّ شدَّةٍ مآلُها الجنةُ كما قال: \"وَيُؤتى بأَشَدِّ النَّاس بُؤسا\" أَي شِدَّةً ومشقة\n_________\n(١) - الصنعاني، سبل السلام، ج ١، ص ٤٦٤.\n(٢) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، بَابُ صَبْغِ أَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي النَّارِ وَصَبْغِ أَشَدِّهِمْ بُؤْسًا فِي الْجَنَّةِ، ج ٤، ص ٢١٦٢، حديث رقم ٢٨٠٧.\n(٣) - نظر؛ ابن عثيمين، شرح رياض الصالحين، ج ٣، ص ٣٦٤.","vol":"1","page":125},{"text":"ومحنَة لِمَا كان فيه مِن فاقة وحاجة وبلية \"فِي الدُّنْيَا\" \"مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ\" مآلًا \"فَيُصبغُ صَبغةً في الجنَّة\"، أَي في أَنهارها أَو الكوثر منها، \"فيقال له: يا ابن آدم، هل رأَيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ وهل مَرَّ بك شِدَّةٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا ربِّ، ما مَرَّ بي بُؤسٌ قطُّ، ولا رأَيتُ شِدَّةً قطُّ\"، يقول هذا الكلام لفرحه التام. (١)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. أنظر فِي الْمَآل لَا فِي عَاجل الْحَال.\nب. بلاء الدنيا ينسى بغمسة واحدة في الجنة، وعذاب الآخرة ينسي كل نعيم في الدنيا.\n\nفي نهاية هذا المطلب، نرى كم بلغ حب النبي - ﷺ - وتقديره لذوي الاحتياجات الخاصة، فقد احتضنهم ورعاهم ووفر لهم الأمان، النفسي والمادي والمجتمعي، فجعلهم جزءا أصيلا من المجتمع، فهو لا يرضى لهم الانطواء ولا يحب لهم الانزواء، فمن كان قادرا من ذوي الاحتياجات الخاصة على الذهاب والإياب أو المشاركة في أي أمر إيجابي فليبق حاضرا في المجتمع فاعلا في مؤسساته، وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - كان يعمل على تأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-149> المطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال</span>.\nيبتلي الله ﷿ الإنسان ويختبره في هذه الحياة، إما لرفع درجات أو تكفير سيئات أو دفع مصيبات، وكلما زاد إيمان العبد وصلاحه زيد في بلائه، وقد بين الرسول - ﷺ - في أحاديث كثيرة أن العبد إذا خرج من البلاء صابرا محتسبا، كان معدنه كالذهب، وكوفئ بالأجر العظيم وبجنة النعيم، وأما الإنسان الذي يجزع عند البلاء، ويتسخط ولا يرضى بقضاء الله، فهذا مفتون محروم.\nقال المحاسبي: \"الصبر في ثلاثة أشياء لا يتم إلا به: الصبر عن محارم الله، والصبر على إتِّباع أمر الله، والصبر عند المصائب احتسابا لله\". (٢)\nومما ورد في السنة عن هذا الأمر:\n\n١. المسلم يجرب بالبلاء:\nعَنْ أَبِي أُمَامَة - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ لَيُجَرِّبُ أَحَدَكُم بالبَلاءِ وهو أَعلم به، كما يُجَرِّبُ أَحدُكُم ذَهبَهُ بالنَّار، فَمنهُم مَنْ يَخرُجُ كالذَّهبِ الإِبريزِ فَذلكَ الذي نَجَّاهُ اللهُ تعالى مِنَ\n_________\n(١) - انظر؛ القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٩، ص ٣٦١٤.\n(٢) - المحاسبي، أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري، رسالة المسترشدين، حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية ودار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٩٧١ م، ص ١٧٠.","vol":"1","page":126},{"text":"السيِئاتِ، ومنهُم مَنْ يَخرُجُ كالذَّهبِ دون ذلكَ، فذلكَ الَّذي يشكُّ بعضَ الشكِّ، ومنهُم مَنْ يَخرُج كالذهبِ الأَسود، فَذلكَ الَّذي قد افتُتِنَ). (١)\nقال علي - ﵁ -: \"إن الذهب يُجرَّب بالنار، وإن العبد الصالح يُجَرَّبُ بالبلاء، وإنك لا تنال ما تُريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تُؤَمِّلُ إلا بالصبر على ما تكره\". (٢)\n\"وقال المحاسبي: إعلم أن الصبر من الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد\". (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. أن نجعل من المحنة منحة، ومن البليَّة عطيَّة.\nب. الذي يصبر على البلاء معدنه كالذهب.\n\n٢. ابتلاء المسلم في الدنيا خير له:\nعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ). (٤)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: \"إِذَا أَرَادَ اللهُ\" أَي: قضى وقدَّرَ، بعبدِهِ الخَير عَجَّل لهُ العُقوبةَ أَي الابتلاء بالمكارهِ، في الدنيا لأَن عذاب الآخرة أَشدُّ وأَبقى، وإِذا أَرادَ اللهُ ﷾ بعبدهِ الشَّرَّ أَمسك وأَخَّر عنهُ ما يستحقُّهُ من العُقوبةِ، بذنبه، حتى يُوافيهُ ويُجازيهُ جزاء وافِيا. (٥)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. البلاء يرفع المسلم درجات ويكفر عنه سيئات ويدفع عنه مصيبات.\nب. من لم يُصَب ويبتلى فليراجع نفسه.\n_________\n(١) - الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب الرقاق، ج ٤، ص ٣٥٠، حديث رقم ٧٨٧٨، حكم الذهبي حديث صحيح ص ٣٥٠.\n(٢) - المحاسبي، رسالة المسترشدين، ص ٥١.\n(٣) - انظر التوثيق السابق.\n(٤) - الترمذي، سنن الترمذي، أبواب الزهد، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّبْرِعَلَى البَلَاءِ، ج ٤، ص ٦٠١. حديث رقم ٢٣٩٦، حكم الالباني صحيح.\n(٥) - انظر؛ القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٣، ص ١١٤٢.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>٣. الشكر في الرخاء والصبر على البلاء علامة الإيمان</span>.\nعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمرَهُ كُلَّهُ له خير، وليس ذلك لأحد الا للمؤمن، إن أصابته سَرّاءُ شَكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرّاء صبر، فكان خيرًا له). (١)\nجاء في تطريز رياض الصالحين: \"في هذا الحديث: فَضْلُ الشكر على السّرّاء والصبر على الضرّاء، فمن فعل ذلك حصل له خيرُ الدارين، ومَنْ لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأَجر، وحصل له الوِزْر\". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. من ابرز صفات المؤمن الرضى عن الله تعالى.\nب. اذا وصل اليك من ربك العطاء فلتبادر الى الشكر، وإذا وصل اليك البلاء فلتتحلّ بالصبر.\nج. تذكر عند المصيبة ان كل شيء بقضاء وقدر، تهن عليك مصيبتك.\n\n٤. مثل المؤمن والمنافق.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مثلُ المؤمن كمثل الزرع، لا تزالُ الريحُ تُميلُهُ، ولا يَزالُ المُؤمنُ يُصيبُهُ البلاء، ومثلُ المنافقِ كمثلِ شجرةِ الأرز*، لا تَهتزُّ حتى تَستَحصِد). (٣)\nجاء في كتاب المنهاج، شرح صحيح مسلم بن حجاج: معنى الحديثِ أَن المؤْمن كثيرُ الآلامِ في بدنه أَو أَهله أَو ماله، وذلك مُكفِّرٌ لسيِّئَاته ورافعٌ لدرجاته، وأَما الكافر أو المنافق فقليلُها، وَإِن وقعَ به شيءٌ لم يُكفِّر شيئا مِنْ سيِّئَاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة. (٤)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. لا يخلو مؤمن من محنة.\nب. من ضعف إيمانه قل بلاؤه.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، بَابُ الْمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْر، ج ٤، ص ٢٢٩٥، حديث رقم ٢٩٩٩.\n(٢) - النجدي، فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي، (توفي: ١٣٧٦ هـ)، تطريز رياض الصالحين، تحقيق: د. عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد، الرياض، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م، ص ٣٧.\n(٣) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، بَابُ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالزَّرْعِ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَشَجَرِ الْأَرْزِ، ج ٤، ص ٢١٦٣، حديث رقم ٢٨٠٩.\n*- الأرز شجر حرجية من فصيلة الصنوبريات، (تستحصد) أي لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يبسه (النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج، ج ٧، ص ١٥١ - ١٥٣)\n(٤) - انظر؛ النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج، ج ٧، ص ١٥١ - ١٥٣.","vol":"1","page":128},{"text":"٥. الصبر والرضا علامة التسليم.\nعن انس - ﵁ - قال: قال النَّبِيِّ - ﷺ -: (إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). (١)\nقال ابن رجب: فهاتان درجتان للمُؤمن بالقضاءِ والقدَرِ في المصائبِ:\nأَحدُهُما: أَن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدا، قال اللهُ ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]، هي المصيبةُ تُصيبُ الرَّجل، فيعلمُ أَنها من عند اللهِ، فَيُسلِّم لها ويرضى.\nفالحياةُ الطيِّبةُ: هي الرِّضا والقناعةُ، فالرِّضا بابُ اللهِ الأَعظَم وجنَّةُ الدنيا ومستراح العابدين.\nأما الدرجةُ الثانيةُ: أَن يَصبرَ على البلاءِ، وهذهِ لِمَن لَم يستطع الرِّضا بالقضاء، فالرِّضا فضلٌ مندُوبٌ إِليه، والصَّبرُ واجبٌ على المُؤمن حَتم، وفي الصَّبرِ خَير كثير، فإِن اللهَ أَمر به، ووعد عليه جزيل الأَجر، قال اللهُ ﷿: ﴿... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١)﴾ [الزمر: ١٠]، وَقَالَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧].\nوالفرقُ بَينَ الرِّضا وَالصَّبرِ: أَن الصَّبرَ كَفُّ النَّفس وحبسُها عن التَّسخُّط مع وُجود الأَلم، وتمني زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراحُ الصَّدر وسعتُهُ بالقضاءِ، وتركُ تمنِّي زوال ذلك المُؤلِم، وإِنْ وُجِدَ الإِحساسُ بالأَلمِ، لكنَّ الرِّضا يُخفِّفُه لِمَا يُباشرُ القلبَ مِنْ روح اليقين والمَعرِفةِ، وإِذا قَوِيَ الرِّضا، فقد يُزيلُ الإِحساسَ بالأَلمِ بالكُلِّيَّة. (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. بالصبر على البلاء تكفر السيئات وترفع الدرجات.\nب. من الأمور الدالة على محبة الله الإبتلاء.\nج. اصبر ولا تجزع فقضاء الله نافذ.\n\n٦. الابتلاء بالأجسام من علامات قوة الايمان.\nعن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (قُلْتُ يَا رسول الله: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنبياءُ ثُمّ الأَمثَلُ فَالأَمثلُ، فَيُبتلَى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإِن كَان دِينُهُ صُلبًا اشتَدَّ بلاؤُهُ، وإِن\n_________\n(١) - الترمذي، سنن الترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، ج ٤، ص ٦٠١، حديث رقم ٢٣٩٦. \"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ\".\n(٢) - انظر؛ ابن رجب، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ج ١، ص ٤٨٦ - ٤٨٨.","vol":"1","page":129},{"text":"كانَ في دِينهِ رِقَّةٌ ابتُلي على حسَبِ دِينِهِ، فما يَبرَحُ البلاءُ بالعَبدِ حَتَّى يَترُكَهُ يَمشي على الأَرضِ ما عليهِ خطيئَة). (١)\nجاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: \"أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ\" أَي: أَكثر أَو أَصعبُ بلاء؟ أَي: مِحنَةً وَمُصيبةً، قال: \"الأَنبياءُ\" أَي: هُم أَشدُّ في الابتلاءِ، لأَنهُم يتلذذون بالبلاء كما يتلذَّذُ غيرُهُم بالنَّعماء، ولأَنهم لو لم يُبتلَوا لَتُوُهِّمَ فيهمُ الأُلوهيَّةُ، وليُهون على الأُمَّة الصَّبرُ على البليَّة. \"ثُمَّ الأَمثلُ\" أَيِ: الأَشبهُ بهم، \"فَالأَمثَل\": أَيِ الأَشرَفُ فَالأَشرفُ، والأَعلى فالأَعلى رُتبةً ومنزلةً يعني: مَنْ هو أَقربُ إِلى اللهِ بلاؤُهُ أَشدُّ ليكونَ ثوابُهُ أَكثرَ، إِذ لا يخلو واحدٌ منهُم مِنْ عظيم مِحنَةٍ، وجَسيمِ بَليَّة بالنِّسبةِ لأَهل زمنه، ويدُلُّ عليه قَولُه: \"يُبتَلَى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ\" أَي: مقداره ضعفًا وقُوَّة، ونقصا وكمالا. \"فَإِنْ كَانَ دِينه صُلْبًا\" أَي: شديدا، اشتَدَّ بلاؤُه أَي: كمِّيَّة وكيفيَّة، وإِن كان في دينه رقة هون عليه البلاء، ليكون ثوابهُ أَقلَّ، ولولا التخفيفُ في بلائه لَخُشِيَ عليه الكُفرُ مِنَ ابتلائهِ، \"حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ\": كنايةٌ عن خلاصه من الذُّنوب، فكَأَنهُ كان محبوسا، ثمَّ أُطلق وخُلِّيَ سبيله، \"مَا لَهُ\" أَي: عليه ذَنبٌ. (٢)\nمن فقه الحديث:\nأ. أتباع الأنبياء هم أشد الناس بلاء.\nب. المحن والبلايا مِمْحاةٍ للخطايا.\nج. بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.\n\n٧. من يشكر النعمة ويؤدي حقها تدوم عليه.\nعن ابي هُريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ ثلاثةً في بني إِسرائيل: أَبرَص وأَقرعَ وأَعمى، بدا للهِ ﷿ أَن يَبتلِيهم، فَبعَث إِلَيهِم مَلَكا، فأَتى الأَبرَص، فقال: أَيُّ شيءٍ أَحبُّ إِليك؟ قال: لَونٌ حَسَنٌ، وَجِلدٌ حَسَنٌ، قَد قَذِرَنِي النَّاس، قال: فمسحهُ فذهب عنهُ، فأُعطيَ لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أَيُّ المال أَحب إِليك؟ قال: الإِبل، - أَو قال: البقرُ، هو شكَّ في ذلك: إِنَّ الأَبرصَ، والأَقرع، قال أَحدُهُما الإِبلُ، وقال الآخر: البقر -، فأُعطي ناقةً عشراءَ، فقال: يُبارَكُ لك فيها وأَتى الأَقرع فقال: أَي شيء أَحبُّ إِليك؟ قال شعر حسن، ويذهبُ عني هذا، قد قَذِرَنِي النَّاس، قال: فمَسَحَهُ فذهبَ وأُعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أَحبُّ إِلَيك؟ قال: البقر، قال: فأَعطاه بقرةً حاملا، وقال: يبارَكُ لك فيها، وأَتى الأَعمى فقال: أَيُّ شيءٍ أَحبُّ إِليك؟ قال: يَرُدُّ اللهُ إِليَّ بَصرِي، فأُبصِرُ به النَّاس، قال: فَمسحهُ فَرَدَّ اللهُ إِليهِ بصرهُ، قال: فأَيُّ المال أَحبُّ إِليك؟ قال الغنمُ: فَأَعطاهُ شاةً والِدًا، فأُنتجَ هذان وولَّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ مِنْ إِبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من غنم، ثُم إِنه أَتى\n_________\n(١) - الترمذي، سنن الترمذي، ابواب الزهد، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ، ج ٤، ص ٦٠١، حديث رقم ٢٣٩٨، حكم الالباني حسن صحيح.\n(٢) - انظر؛ القاري، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج ٣، ص ١١٤٠ - ١١٤١.","vol":"1","page":130},{"text":"الأَبرص في صورته وهيئته، فقال رجل مسكين، تقطَّعت بيَ الحبالُ في سفرِي، فلا بلاغَ اليوم إِلا باللهِ ثُمَّ بك، أَسأَلُك بالَّذي أَعطاك اللونَ الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أَتبلَّغُ علَيهِ في سفرِي، فقال له: إِنَّ الحقوق كثيرةٌ، فقال له: كأَنِّي أَعرِفك، أَلم تكن أَبرص يَقذَرُكَ النَّاس، فقيرا فَأَعطاك اللهُ؟ فقال: لقد ورثتُ لكابرٍ عن كابرٍ، فقال: إِن كُنتَ كاذبا فصيَّركَ اللهُ إِلى ما كُنتَ، وأَتى الأَقرعَ في صورتهِ وهيئَتهِ، فقال له: مثلَ ما قال لهذا، فردَّ عليه مثل ما رَدَّ عليه هذا، فقال: إِن كنت كاذبا فَصَيَّرَكَ\nاللهُ إِلى ما كُنتَ، وأَتى الأَعمى في صورته، فقال: رجُلٌ مسكين وابنُ سبيلٍ وتقطَّعت بي الحبالُ في سفرِي، فلا بلاغَ اليَومَ إِلا بِاللهِ ثُمَّ بك، أَسأَلُك بالَّذي رَدَّ عليك بصرك شاةً أَتبلَّغُ بها في سفرِي، فقال: قد كنتُ أَعمى فَرَدَّ اللهُ بَصري، وفقيرا فقد أَغناني، فخذ ما شئت، فواللهِ لا أَجهدُك اليومَ بشيءٍ أَخذتهُ للهِ، فقال أَمسك مالك، فإِنما ابتليتُم، فقَد رضي اللهُ عنك، وسخِطَ على صاحبَيكَ). (١)\n\"قال المحاسبي: من لم يشكر الله تعالى على النعمة، فقد استدعى زوالها\". (٢)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. النِعَم قد تكون للبلاء والاختبار، فمن أدّى حق النِعَم فاز بالاختبار.\nب. أكرِم السائل ولا تنهره.\nج. دوام الحال من المحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>٨. النار مأوى للجبارين والجنة مأوى للضعفاء والمساكين:</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (تَحاجَّتِ النَّارُ، وَالجَنَّةُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثرتُ بالمُتكَبِّرِينَ، وَالمُتجبِّرينَ، وقالت الجنَّةُ: فما لي لا يدخُلُني إِلا ضُعفاءُ النَّاسِ، وسَقَطُهم، وعجزُهُم، فقال اللهُ للجنَّة: أَنتِ رحمتي أَرحمُ بك مَنْ أَشاءُ مِنْ عبادي، وقال للنَّارِ: أَنتِ عذابي أُعذِّب بك من أَشَاءُ مِنْ عبادي، ولكُلِّ واحدةٍ منكُم مِلؤُها، فأَمَّا النَّار فلا تمتلِئُ، فيضع قدمهُ عليها، فتقُول: قَطْ قَطْ فهنَالكَ تمتلئُ ويُزوَى بعضُها إِلى بعض). (٣)\n\nمن فقه الحديث:\nأ. معظم أهل الجنة من الضعفاء والمساكين لقريهم من رب العالمين.\nب. اهل النار من المتكبرين والمتجبرين لبعدهم عن رب العالمين.\n_________\n(١) -البخاري، صحيح البخاري، كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، بَابُ مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ج ٤، ص ١٧١، حديث رقم ٣٤٦٤.\n(٢) - المحاسبي، رسالة المسترشدين، ص ٣٠.\n(٣) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، بَابُ النَّارُ يَدْخُلُهَا الْجَبَّارُونَ وَالْجَنَّةُ يَدْخُلُهَا الضُّعَفَاءُ، ج ٤، ص ٢١٨٧، حديث رقم ٢٨٤٦.","vol":"1","page":131},{"text":"في ختام هذا المطلب يتبين لنا أن الله ﷿ يبتلي العبد المؤمن أكثر من غيره، فما على المسلم إلا أن يصبر ويرضى، فالصبر والرضى علامة التسليم، ففي الصبر خير كثير، والجزع والتسخط لا يرد القضاء، والحياة الطيبة في الرضى والقناعة.","vol":"1","page":132},{"text":"• المبحث الثالث: شخصيات ذوو احتياجات خاصة من أصحاب الرسول - ﷺ - خلدتهم السنة النبوية.\n\nلقد كان من أصحاب رسول الله - ﷺ - أناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلّا أن كثيرا من الناس لا يعلم أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة بالرغم من أنهم مصابون إصابة ظاهرة في أعضائهم أو حواسهم، ذلك ان رسول الله - ﷺ - ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين عملوا على دمجهم في المجتمع دمجًا تامًا، فلم يعد هناك فرق بينهم وبين أهل العافية، وهذا ما جعل بعض المسلمين يظن بأن ذوي الاحتياجات الخاصة من الصحابة فقط هو ابن أم مكتوم، وقد يضيف بعضهم معه عمرو بن الجموح، إلا أنه بعد البحث والإستقصاء تَبين أن عددهم بضعٌ وعشرون صحابيًا وصحابية، منهم من كان مصابا في عهد النبي - ﷺ - ومنهم من أصيب بعد ذلك، وسألقي الضوء في هذا المبحث على هؤلاء الصحابة العظام من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين خُلِّدوا في السنة النبوية، فإن لهؤلاء وأمثالهم دورًا عظيمًا في نصرة الدين ونشره في ربوع العالمين، ورفع الهمة في نفوس المسلمين.\nفنجدهم قد شاركوا إخوانهم من أهل العافية في كل الميادين، فقد برزوا في العلم والتعليم والتربية والإعداد والبناء والتضحية والجهاد والفداء، ونرى لهم دورا في رفع همة الآخرين من أصحاب العافية وشحذ عزيمتهم، فعندما يرى أهلُ العافية أهلَ البلاء مقبلين على العمل مستمرين عليه بالرغم مما أصابهم، فإنهم يستقبلون إشارات تحاكي عقولهم، ورسائل تخاطب نفوسهم، فيبدأون بتحليلها والتفكير بها، ويقولون بلسان حالهم لا بلسان مقالهم، أنعجز عن البذل والعطاء ونحن من أهل العافية؟ فيتولد من ذلك همة عالية، وعزيمة ماضية، وصبر وثبات، ومن هؤلاء الصحابة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>١. طلحة بن عُبَيد الله - ﵁ - \"يده مشلولة</span>\":\nهو طَلْحَة بن عُبَيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، صاحِب رسول الله - ﷺ -، أحد العشرَة المبشرين في الجنة، والستة من أهل الشورى وأحد الثَّمَانِية الذين سبقوا إِلى الإِسلام، ضرب لهُ النَّبِي - ﷺ - بِسَهم يَوم بدر، وأبلى يَوم أُحُد بلاء شديدا، وقد دافع عن الرسول - ﷺ - حتى شلت يده، كان أَبو بكر إِذا ذكر يوم أُحُد قال: ذلك يوم كُله لطلحة، روى عنه ثمانية وثلاثونَ حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حَدِيث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، روى عنهُ مَالك بن أبي عَامر والسائب","vol":"1","page":133},{"text":"بن يزِيد وقيس ابْن أبي حَازِم، وكان يقال له طَلحَة الخَير، وَطَلحَة الجود، وَطَلحَة الفَيَّاض، استشهد يَوم الجمل سنة سِتّ وثلاثين ﵁. (١)\n\nفائدة:\nمن أصيب في الجهاد فليفرح ولا يحزن، فهذا وسام شرف له، فطلحة بن عُبَيد الله نالَ هذا الوسام وهو من المبشرين بالجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>٢. عبد الرَّحمَن بن عَوف - ﵁ - \"كان مصابًا بالعرجَ</span>\":\nهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عَوْف الزُّهرِيّ أَبو محمد، صاحِب رسول الله - ﷺ -، شهد بَدرًا والمشاهد، وهو أحد العشرَة المبشرين بالجنة، هاجر الهجرتين، وأحد الستة من أهل الشورى الذين كلفهم عمر لاختيار الخليفة من بينهم، أُصيب يَوم أُحد وجُرِح عشرينَ جرحًا بَعضهَا في رجلِهِ فعَرَج، كان من أثرياء المسلمين ينفق في سبيل الله بسخاء، روى خَمسَة وَسِتينَ حديثا اتفقَ البخاري ومسلم على حديثين وَانفرَدَ البخَاري بِخمسَة، روى عنهُ بنوه إِبراهِيم وحميد وأَبو سَلَمَة وَمصعَب وَغَيرهم توفي سنة ٣٢ للهجرة ﵁. (٢)\n\nفائدة:\nعبد الرحمن بن عوف لم يمنعه العرج من أن يكون مرجعا للشورى وأن يكون من أهل الحل والعقد، وثريّا منفقًا، ومجاهدا في سبيل الله ﵁ وأرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>٣. ابن أم مكتوم - ﵁ - \"كان أعمى</span>\":\nهو عبد الله بن قيس بن زائدة، وقيل: اسمه عمرو، المعروف بابن أم مكتوم الأعمى، مؤذن النبي - ﷺ -، وهو الأعمى المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ٢]، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵂، هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي - ﷺ - وكان له دورٌ بارزٌ في تعليم أهل المدينة القرآن، (فعن البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصعب بنُ عُمَيرٍ، وَابنُ أُمِّ مَكتُوم وكانا يُقرِئَانِ النَّاسَ). (٣) واستخلفه النبي - ﷺ - على المدينة ثلاث عشرة مرة في الأبواء، وبواط، وذي العسيرة، وفي خروجه إلى\n_________\n(١) - انظر؛ صفي الدين، أحمد بن عبد الله بن أبي الخير بن عبد العليم الساعدي صفي الدين، (توفي: ٩٢٣ هـ)، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (وعليه إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة للعلامة الحافظ البارع علي بن صلاح الدين الكوكباني الصنعاني)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، بيروت، مكتب المطبوعات الإسلامية، دار البشائر، ط ٥، ١٤١٦ هـ، ص ١٨٠.\n(٢) - انظر؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ١، ص ٦٨ - ٩١. وانظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، ص ٢٣٢.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة، ج ٥، ص ٦٦، حديث رقم ٣٩٢٥.","vol":"1","page":134},{"text":"ناحية جهينة في طلب كرز بن جابر، وفي غزوة السويق، وغطفان، وأحد، وحمراء الأسد، وبحران، وذات الرقاع، واستخلفه في حجة الوداع.\nرَوَى عَن النَّبِيُّ - ﷺ -، ورَوَى عَنه أنس بن مالك، وزر بن حبيش الأسدي، وعبد الله بن شداد بْن الهاد، وعَبْد الرَّحْمَنِ بن أَبي ليلى، وعطية بن أَبي عطية، أخرج له أبو داود، والنَّسَائي، وابن مَاجَهْ، وشهد القادسية وكان معه اللواء وقتل بها شهيدا يومئذ (١).\n\nفائدة:\nكثيرٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة مَن هِمَّته عالية وإرادته قوية، ومن هؤلاء ابن أم مكتوم الذي كان معلما للقرآن، ومؤذنًا لرسول الله - ﷺ -، ونائبه في الصلاة والإمارة أثناء غيابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>٤. عمران بن حصين - ﵁ - \"كان مُقعدا</span>\":\nهو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي - أبو نجيد - صاحب رسول الله - ﷺ -، القدوة، الإمام، أسلم في السنة السابعة من الهجره، خُلِّد اسمه في السنة النبوية، روى أحاديث كثيرة عن رسول الله - ﷺ -، بلغ مُسْنَده ١٨٠ حديثا، حَدَّث عنه خلق كثير منهم: مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأبو رجاء العطاردي، وزهدم الجرمي، وزرارة بن أوفى، والحسن، وابن سيرين، وعبد الله بن بريدة، والشعبي، وعطاء مولى عمران بن حصين، والحكم بن الأعرج وغيرهم، وكان الخليفة عُمر قد بعثه إلى أهل البصرة ليفقههم، فكان الحسن البصري يحلف ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الحصين، وقال ابن سيرين لم نر في البصرة أحدًا من أصحاب الرسول يفضل على عمران، وكان مجاب الدعوة، غزا مع النبي - ﷺ - أكثر من مرة وكان ممن اعتزلوا الفتنة، ولي قضاء البصرة.\nقال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين في مرض موته: إنه كان يسلم علي - يعني: الملائكة- قال: فلما اكتويت، أمسك ذلك، فلما تركته، عاد إلي، فإن عشت، فاكتم علي، فلما مات عمران أخبر مطرف بالخبر.\nوكان بِهِ استسقاء، فطال بِهِ سنين كثيرة، وهو صابر عليه، وشق بطنه وأخذ مِنْهُ شحم، وثقب له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، دخل عليه رجل فقال: يا أبا نجيد، والله إنه ليمنعني من عيادتك ما أرى بك! فقال: يا إبن أخي، لا تجلس، فوالله إن أحب ذلك إلي أحبه إِلَى الله ﷿، تُوفِّيَ في البصرة سنة اثنتين وخمسين ﵁. (٢)\n_________\n(١) - انظر؛ المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبو الحجاج جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي، (توفي: ٧٤٢ هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠، ج ٢٢، ص ٢٦ - ٢٩.\n(٢) - انظر؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ٢، ص ٥٠٨ - ٥١١. وانظر؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج ٤، ص ٢٦٩.","vol":"1","page":135},{"text":"فائدة:\nعمران بن حصين صحابي جليل، ومع ذلك ابتلي وبقي ملقىً على ظهره سنوات طويلة، فصبر واحتسب، قصته تسرية وتسلية لكل من أصيب بالبلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٥. عتبان بن مالك بن عجلان الأنصاري - ﵁ - \"كان أعمى</span>\":\nصاحِب رسول الله - ﷺ - شهد بدرا، رَوى عن النَّبِيّ - ﷺ -، ورَوَى عنه أَنَس بْن مالك، والحصين بْن محمد السالمي، ومحمود بْن الرَّبِيع، وأَبُو بَكْر بْن أَنَس بْن مَالِك، وكَانَ أعمى ذهب بصره عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ -، روى له أَبُو دَاودَ في \"حديث مالك\"، والباقون سِوى الترمذيّ (١).\nقال ابن حَجَر رحمه الله تعالى: حديثه في الصحيحين، من طريق أنس، ومحمود بن الربيع، وغيرهما عنه، وكان إمام قومه بني سالم. آخى النبيّ - ﷺ - بينه وبين عمر بن الخطاب. (٢)\nوقال ابن كثير في كتابه جامع المسانيد والسنن: حديث عتبان رابع المكيين، وثالث عشر الأنصار، وتوفى بالمدينة في وسط أيام معاوية ﵁. (٣)\n\nفائدة:\nهمةٌ عاليةٌ أبيّةٌ، وقوةٌ فتيةٌ لنفس زكيه، تصنع الكثير وإن كان صاحبها ضريرًا، وهكذا كان عتبان ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>٦. مُعاذ بن جبل - ﵁ - \"كان مصابًا بالعرجَ</span>\":\nهو مُعاذ بن جبل بن عَمرو الخزرجي أَبو عبد الرحمن صاحب رسول الله - ﷺ -، أسلم وهو ابْن ثَمَاني عشرَة سنة، وَشهد بَدْرًا والمشاهد، وكان ممن جمع القرآن، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (استقرِئوا القرآنَ مِنْ أَربعة، مِنْ ابن مسعود، وسالم، مولى أبي حذيفة، وأبي، ومُعاذ بن جبل). (٤)\nقَال ابن مسعود: كُنَّا نُشبههُ بإبراهيم ﵇، وكان أمة قانتا لله حَنِيفا وَلم يَك من المُشركين، بَعثهُ رسول الله - ﷺ - إِلى اليمن مُعلِّما، وكان رجلا أَعرجَ، فصلى بالنَّاس في اليمن، فبسط رجله فبسط القومُ أَرجُلهُم، فلما صلى قال: قد أَحسنتُم ولكن لا تعودوا فإِني إِنما بسطت رجلي في الصلاة لأَني اشتكيتُها، لهُ مائَة وسبعة وخمسونَ حَدِيثا، اتفقَ البخاري ومسلم على حديثين وانفرد\n_________\n(١) - انظر؛ المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج ١٩، ص ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(٢) - انظر؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج ٤، ص ٣٥٩.\n(٣) - انظر؛ ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، (توفي: ٧٧٤ هـ)، جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن، تحقيق: د. عبد الملك بن عبد الله الدهيش، بيروت - لبنان، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م، ج ٦، ص ٨.\n(٤) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، بَابُ مَنَاقِبِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، ج ٥، ص ٣٦، حديث رقم ٣٨٠٦.","vol":"1","page":136},{"text":"البخاري بثَلاثة ومسلم بِحَدِيث، روى عنهُ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمِن التَّابِعين عَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ ومسروق وَخلق كثير، عاش ثلاثة وثلاثين سنة توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِي عشرَة للهجرة ﵁. (١)\n\nفائدة:\nأن نعيش لدين الله ولا نعيش لأنفسنا، فمن عاش لنفسه عاش صغيرا ومات صغيرا، ومن عاش لدين الله عاش كبيرا ومات كبيرا، وهكذا كان معاذ بن جبل ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٧. ثَابت بن قيس - ﵁ - \"كان في أذنه وَقَر</span>\":\nهو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، الخطيب المفوه، فقد كان خطيب الانصار وخطيب رسول الله - ﷺ - ومن كبار الصحابة، وثبت في صحيح مسلم أنه من أهل الجنة، شهد أحدا وما بعدها، نزل به قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، وكان إذا كلم إنسانا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله - ﷺ - فيتأذى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (٢)، انفرد له البخاري بحديث، روى عنه ابنه إسماعيل ومحمد بن قيس وأنس، وقتل يوم اليمامة سنة ١٢ هجري ﵁. (٣)\n\nفائدة:\nثابت بن قيس - ﵁ -، لم يمنعه الصمم من أن يكون خطيبا مفوها، أومجاهدا في سبيل الله، يبحث عن الشهادة ليدخل الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٨. عبد اللهِ بن عميرٍ - ﵁ - \"كان أعمى</span>\":\nعبد الله بن عمير بن خطمة، صحابي جليل كان أعمى على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان إمام مسجد قومه بني خطمة، روى عن النبيّ - ﷺ -، وروى عنه عروة بن الزبير، جاهد مع رسول الله - ﷺ - وهو أعمى. (٤)\n_________\n(١) - انظر؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج ٣، ص ٤٣٨ - ٤٤٣. وانظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب التهذيب، ص ٣٧٩.\n(٢) - الواحدي، اسباب النزول، ص ٤٠٢.\n(٣) - انظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال في اسماء الرجال، ص ٥٧.\n(٤) - انظر؛ ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي ابن أبي حاتم، (توفي: ٣٢٧ هـ)، الجرح والتعديل، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ص ١٢٤. وانظر؛ ابن حجر، الاصابة في تميز الصحابة، ج ٤، ص ١٧١.","vol":"1","page":137},{"text":"فائدة:\nأن لا نستسلم للبلاء، فعبد الله بن عمير ما انزوى وما انطوى لما أصابه، بل بذل الجهد الذي استطاعه، فأصبح إمام قومه مجاهدا في سبيل الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>٩. ابو سفيان - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو صخر بن حرب بن أمية ابو سفيان، أسلم بمكة يوم الفتح، وقال عنه رسول الله - ﷺ -: (مَن دَخَلَ دار أَبى سُفيَان فهو آمِنٌ). (١)\nوشهد حُنينا، وأعطاه رسول الله - ﷺ - مائة من الإبل، وأربعين أوقية، شهد حصار الطائف وفقئت عينه يومئذ، ثم شهد اليرموك، ففقئت عينه الأخرى فعمى، وهو والد \"أم حبيبة\" أم المؤمنين، ومعاوية سلطان الإسلام، روى عنه عبد الله بن عباس حديث هرقل الذي أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي والامام أحمد بن حنبل وغيرهم، وله عدة أحاديث أخرى. (٢)\nوكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى العقاب، وَالتي كانت إِذَا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس، وكان أبو سفيان صديق العباس. (٣)\nوقد أرسله الرسول - ﷺ - إلى مناة بقديد فهدمها، وولاه الرسول - ﷺ - نجران وصدقات الطائف، عن سعيد بن المسيب عن أبيه خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل يقول يا نصر الله، اقترب يا نصر الله اقترب، فرفعت رأسي انظر فإذا أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان، مات في خلافة عثمان - ﵁ -، فصلى عليه سنة ٣٢ للهجرة ﵁. (٤)\n\nفائدة:\nابو سفيان - ﵁ - بذل جهده ليعوض مافاته، فالعبره بالخواتيم، والرفعة لمن نصر الدين، والجنة لمن أخلص لرب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٠. ابو قحافة - ﵁ - \"كان أعمى</span>\":\nهو عثمان بن عامر بن عمرو أبو قحافة القرشي، والد أبي بكر الصديق، أسلم يوم فتح مكة، وأتى به أبو بكر النبي - ﷺ - ليبايعه.\n_________\n(١) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة، ج ٣، ص ١٤٠٥.\n(٢) - انظر؛ ابن كثير، جامع المسانيد، ج ٤، ص ٢٦٧.\n(٣) - انظر؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج ٦، ص ١٤٤.\n(٤) - انظر؛ ابن حَجَر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، (توفي: ٨٥٢ هـ)، تهذيب التهذيب، الهند، مطبعة دائرة المعارف النظامية ط ١، ١٣٢٦ هـ، ج ٤، ص ٤١١.","vol":"1","page":138},{"text":"قالت أسماء بنت أبي بكر: لما كان يوم الفتح، نزل رسول الله - ﷺ - ذا طوى، قال أبو قحافة: -لبنت له كانت من أصغر ولده- أَيْ بُنَيّة، أشرفي بي على أبي قبيس، وقد كف بصره، فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا، فقال: تلك الخيل أي بنية، وذلك الرجل الوازع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها، ثم قال: ماذا ترين؟ قالت: أرى السواد قد انتشر، قال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فخرجت به سريعا حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيتها الخيل، فلما دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: (هلّا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئه، قال: يمشي هو إليك يا رسول الله، فأجلسه بين يديه، ثم مسح رسول الله - ﷺ - صدره، وقال: \"أسلم\"، فأسلم). (١)\nوعاش بعد ابنه أَبي بكر، وورثه، وهو أول من ورث خليفة في الإِسلام، إلا أنه رد نصيبه من الميراث، وهو السدس، على ولد أَبي بكر، وتوفي أَبُو قحافة سنة أربع عشرة، وله سبعة وتسعون سنة. (٢)\n\nفائدة:\nأهمية الرحمة بكل ضعيف، وبكل من يحتاج الى عون، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم، فرسول الله - ﷺ - قال لأبي بكر: \"هلّا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئهُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١١. العباس بن عبد المطلب - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\".\nهو عباس بْن عبد المطلب بْن هاشم عم رسول الله - ﷺ - وصاحبه، يكنى أبا الفضل، وكان أسن من رسول الله - ﷺ - بسنتين، وقيل: بثلاث سنين.\nوكان العباس في الجاهلية رئيسًا في قريش، وَإِليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية، أما السقاية فمعروفة، وأما عمارة المسجد الحرام فإنه كانَ لا يَدَعُ أحَدًا يَسُب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرًا.\nوشهد مع الرسول - ﷺ - بيعة العقبة، لَما بايعه الأنصار، ليُشَدد له العقد، وكان حينئذ مشركا وكان ممن خرج مع المشركين إِلى بدر مكرها، وأسر يومئذ فيمن أسر، وفدى يَوم بدر نفسه وابني أخويه: عقيل بْن أَبِي طالب، ونوفل بْن الحارث، وأسلم عقيب ذلك وقيل: إنه أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه، كان بمكة يكتب إِلى رسول الله - ﷺ - أخبار المشركين، وكان من بمكة من المسلمين يتقوون به، وكان لهم عونا على إسلامهم، بقي بمكة بإشارة من النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) - احمد بن حنبل، مسند الامام أحمد بن حنبل، مسند النساء، حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، ج ٤٤، ص ٥١٧ - ٥١٨، حديث رقم ٢٦٩٥٦، حكم الأرنؤوط اسناده حسن.\n(٢) - انظر؛ ابن الاثير، اسد الغابة، ج ٣، ص ٥٧٥.","vol":"1","page":139},{"text":"ثم هاجر إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - وشهد معه فتح مكة، وانقطعت الهجرة، وشهد حنينًا، وثبت مع رسول الله - ﷺ - لما انهزم الناس بحنين، وكان رسول الله - ﷺ - يُعظمه، ويُكَرمه بعد إسلامه، وكان وصولًا لأرحام قريش، محسنا إليهم، ذا رأي سديد وعقل غزير، وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه، وكفاه شرفًا وفضلًا أَنَّهُ كان يُعَزّى بالنبي - ﷺ - لما مات، ولم يخلف من عصباته أقرب منه، وأَضر العباس في آخر عمره. (١)\nقال صفي الدين: العباس - ﵁ - له خمسة وثلاثون حديثا، اتفقَ البخاري ومسلم على حَدِيث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة، روَى عنهُ بنوه عبد الله وَكثير وَعبيد الله وعامر بن سعد، مات سنة اثنتين وثلاثين عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان ودفن في البقيع ﵁. (٢)\n\nفائدة:\nمن ابتُلي في أعضائه أو حواسه، فلا يظن أن غضبًا نزل به، فالعباس - ﵁ - من آل البيت وعم رسول الله - ﷺ - ومع ذلك ابتُلي في بصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>١٢. عبد الله بن عباس - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله - ﷺ -، صحابي جليل من آل البيت، كني بابنه العباس، وكان يسمى البحر، لسعة علمه، ويسمى حبر الأمة، وترجمان القرآن، وُلِد والنبي - ﷺ - وأهل بيته بالشعب في مكة، فأتي به الى النبي - ﷺ - فحنكه بريقه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي - ﷺ - مرتين.\nفعن ابن عباس - ﵁ - قال: (ضمني النبي - ﷺ - إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة). (٣)\nوعن ابن عباس - ﵁ -، قال: (كان في بيت ميمونة، فوضعت له وضوءا من الليل، فقالت له ميمونة: وضع لك هذا عبد الله بن عباس. فقال: اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل). (٤)\nفكان حكيما فقيها سديد الرأي، لذا كان يلجأ اليه أمير المؤمنين عُمر - ﵁ - إذا جاءته القضايا المعضلة، فيقول لابن عباس: \" إنها قد طرأت لنا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها، ثم يأخذ بقوله، وما كان يدعو لذلك أحدا سواه\".\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الأثير، اسد الغابة، ج ٣، ص ١٦٣.\n(٢) - انظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، ص ١٨٩.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ، بَابُ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، ج ٥، ص ٢٧، حديث رقم ٣٧٥٦.\n(٤) - احمد بن حنبل، مسند احمد، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ج ٥، ص ٢١٥، حديث رقم ٣١٠١، حكم الأرنؤوط إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":140},{"text":"وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله - ﷺ - منه، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علمًا.\nوقَالَ طاووس: إني رأَيت سبعين رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - إِذَا تدارءُوا في أمر صاروا إلى قول ابنِ عَبَّاس.\nواستعمله عليّ بن أَبِي طالب على البصرة، فبقي عليها أميرا، ثُمَّ فارقها قبل أن يقتل عليّ بْن أبي طَالِب، وعاد إلى الحجاز، وشهد مع عليّ صفين، وكان أحد الأمراء فيها.\nوروى ابْنُ عَبَّاس: عن النبي - ﷺ - وعن عُمَر، وعلي، ومعاذ بْن جبل، وأبي ذر، ﵃، روى عَنْهُ: عَبْد الله بن عُمر، وأنس بن مالك، وأبو أمامة بْن سهل بْن حنيف، وأخوه كَثِير بْن عَبَّاس، وولده عليّ بْن عَبْد الله بْن عَبَّاس، ومواليه: عكرمة، وعطاء بْن أبي رباح، ومجاهد، وعمرو بْن دينار، وسعيد بْن المسيب، وسليمان بْن يسار، وعروة بْن الزُّبَير، وعلي بْن الحُسين، ومحمد بْن كعب، وطاوس، ووهب بْن منبه، وخلق كَثِير غير هَؤُلَاءِ.\nوكان لَهُ لما توفي النَّبِيّ - ﷺ - ثلاث عشرة سنة، وحج بالناس لما حُصر عثمان، وكان قَدْ عمي فِي آخر عمره، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:\n\"إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور\nقلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور\". (١)\nقال قتادة: إن ابن عباس كان يؤم أصحابه وهو أعمى، (٢) وقد خُلد اسمه في السنة النبوية فهو يُعد من الرواة المكثرين لأحاديث الرسول - ﷺ -، قال صفي الدين: روى ابن عباس ألفا وستمائة وستين حديثا، سمع من النَّبي خمسة وعشرين حديثا وباقي حديثه عن الصَّحابة مات سنة ثمان وستين بِالطَّائِف وعمره سبعون او واحد وسبعون عاما، وَصلى عليه محمد بن الحَنفية وقال: مات حبر الأمة، ﵁. (٣)\n\nفائدة:\nابن عباس - ﵁ - قضى حياته في التعلم والتعليم، فخدم دين الله فخدمه خلق الله، وَوُضِع له القبول في الارض.\n_________\n(١) - انظر؛ ابن الاثير، اسد الغابة، ج ٣، ص ٢٩١.\n(٢) - ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، المعروف بابن سعد، (توفي: ٢٣٠ هـ)، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد (الطبقة الخامسة في من قبض ﷺ وهم أحداث الأسنان)، تحقيق: محمد بن صامل السلمي، الطائف، مكتبة الصديق، ط ١، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م، ج ٢، ص ١٣٦.\n(٣) - انظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، ج ١، ص ٢٠٣.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>١٣. جابر بن عبد اللهِ - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو جابر بن عبد الله بن حرام أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن الأنصاري، الإمام الكبير، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله - ﷺ -، الفقيه.\nمن أهل بيعة الرضوان، وشهد ليلة العقبة الثانية، ومن المكثرين في الحديث الحافظين للسنن، روى علما كثيرا عن النبي - ﷺ - وعن: عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.\nمسنده بلغ: ألفا وخمس مائة وأربعين حديثا، اتفق له الشيخان: على ثمانية وخمسين حديثا، وانفرد له البخاري: بستة وعشرين حديثا، ومسلم: بمائة وستة وعشرين حديثا.\nحدث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والحسن بن محمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، ومجاهد، والشعبي، ورجاء بن حيوة، وطاووس، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعمرو بن دينار، وغيرهم خلق كثير.\nوكان مفتي المدينة في زمانه، شهد ليلة العقبة مع والده، وكان والده من النقباء البدريين، واستشهد والده يوم أحد، وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد، وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة، وشاخ، وذهب بصره، وقارب التسعين.\nقال جابر: لم أقدر أن أغزو حتى قتل أبي بأحد، كان يخلفني على أخواتي وكن تسعا، فكان أول ما غزوت معه حمراء الأسد، فغزوت مع رسول الله - ﷺ - ست عشرة غزوة، رحل جابر بن عبد الله في آخر عمره إلى مكة في أحاديث سمعها، ثم انصرف إلى المدينة، ورحل جابر الى مصر في حديث القَصَاص، ليَسمعه من عبد الله بن أُنيس.\nوقال الواقدي، حج جابر فأخبره الناس وهم في مِنَى بما يرونه من زُخرف السلطان وما يصنعون، فقال: ليت سمعي قد ذهب، كما ذهب بصري، حتى لا أسمع من حديثهم شيئا، ولا أبصره.\nتوفي جابر بن عبد الله سنة ثمان وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان قد ذهب بصره، وصلى عليه أَبّان بن عثمان، وهو والي المدينة. (١)\n\nفائدة:\nلقد حفظ جابر ﵁ القرآن والسنة، فأصبح مرجعًا للأمة، ورجلًا ذا همةٍ يُحيي الله به أُمّة.\n_________\n(١) - انظر؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء، ج ٣، ص ١٨٩ - ١٩٤.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>١٤. ابن أبي أوفى - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، الفقيه، المعمر، صاحب رسول الله - ﷺ -، أبو معاوية، وقيل أبو محمد.\nمن أهل بيعة الرضوان، وخاتمة من مات بالكوفة من الصحابة، له عدة أحاديث، وكان أبوه صحابيا أيضا، كان مصابا في يده فسئل عن سببها فقال: ضُرِبْتُها يوم حنين، كف بصره بعد ذلك. (١)\nجاء في التاريخ الكبير كان ابن أبي أوفى يؤم الناس وهو أعمى (٢). وشمله دعاء النبي - ﷺ -، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتاه أبي بصدقته، فقال: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى). (٣)\nخُلّد اسمه في السنة النبوية فقد كان له دور في حفظ الأحاديث ورواياتها، قال صفي الدين: روى ابن أبي أوفى خَمسة وتِسعين حديثا اتفقَ البخاري ومسلم على عشرَة وَانفرد البخاري بخمسة ومسلم بِوَاحِد، وَروى عنهُ عَمْرو بن مُرّة، وَابن مصرف وعدي بن ثَابت، وغيرهم الكثير، توفي سنة سِتّ وثمانين وقيل سنة سبع وثمانين وهُوَ آخر من مَاتَ بِالكُوفَةِ من الصَّحابَة ﵁. (٤)\n\nفائدة:\nإنما العلم لمن تابع، فالعلم لايعطيك بعضه إلا إذا اعطيته كلك، والعلم يرفع صاحبه كما رفع ابن أبي أوفى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٥. كعب بن مالك - ﵁ - \"اصيب بالعمى</span>\":\nهو كعب بن مالك الأنصاري شاعر رسول الله - ﷺ - وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليهم، شهد العقبة، وله عدة أحاديث، تبلغ الثلاثين، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.\nروى عنه بنوه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وحفيده عبد الرحمن بن عبد الله، وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة، وعمر بن الحكم، وعمر بن كثير بن أفلح، وآخرون، كان كعب من أهل الصفة، وذهب بصره في خلافة معاوية، توفي سنة خمسين للهجرة ﵁. (٥)\n_________\n(١) - انظر؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء، ج ٣، ص ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(٢) - انظر؛ البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، (توفي: ٢٥٦ هـ)، التاريخ الكبير، حيدر آباد- الدكن، دائرة المعارف العثمانية، ج ٩، ص ٤٩.\n(٣) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ج ٥، ص ١٢٤، حديث رقم ٤١٦٦.\n(٤) - انظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج ١، ص ١٩١.\n(٥) - انظر؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء، ص ٥٢٣ - ٥٢٤.","vol":"1","page":143},{"text":"فائدة:\nكعب بن مالك من أهل الصُّفَّة، فقير لكنه شاعرٌ كبير دافع عن دين الله، فاستحق لقب شاعر رسول الله - ﷺ - ﵁ وأرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١٦. أبو أسيد الساعدي - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو مالك بن ربيعة بن البدن يكنى بأبي أسيد الساعدي، صاحب رسول الله - ﷺ -، من كبراء الأنصار، شهد بدرا، والمشاهد، روى ثمانية وعشرين حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بآخر، وقد ذهب بصره في أواخر عمره.\nحدَّث عنه: بنوه المنذر، وحمزة، والزبير، وكذلك عباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد، وأنس بن مالك، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومولاه، علي بن عبيد الساعدي، وطائفة، وكانت مع أبي أسيد راية بني ساعدة يوم الفتح.\nأصيب أبو أسيد ببصره قبل قتل عثمان، فقال: الحمد لله الذي لما أراد الفتنة في عباده، كف بصري عنها، عاش ثمان وسبعين سنة، مات سنة اربعين ﵁. (١)\n\nفائدة:\nصاحب العافية معرض في أي لحظة للبلاء، فأبو أسيد الساعدي كان من أهل العافية فَكُفَ بصره، فأصبح ممن أصابهم البلاء، فحمد الله واعتبر ذلك خيرًا له حتى لا يرى الفتنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>١٧. عبد الله بن الأرقم - ﵁ - \"اصيب بالعمى</span>\":\nهو عَبد اللهِ بن الأرقم بن عبد يغوث القرشي الزُّهريّ، صاحب رسول الله - ﷺ -، كان كثير الخشية من الله، أسلم عام الفتح، كانت آمنة بنت وهب أم رسول الله - ﷺ - عمة أبيه، وكتب للنبي - ﷺ - ولأبي بكر، وعمر ﵄، واستعمله الخليفة عُمر - ﵁ - على بيت المال، وعثمان بعده، ثم إنه استعفى عثمان من ذلك فأعفاه.\nوقال له عمر بْن الخطاب: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدًا، وكان عمر يقول: ما رأيت أخشى لله تعالى من عَبد اللهِ بن الأرقم، وعَمي في آخر حياته. (٢)\nقال ابن حجر: روى عبد الله بن أرقم عن النبي - ﷺ - وروى عنه أسلم مولى عمر وعبد الله بن عتبة وعمرو بن دينار وعروة بن الزبير ويزيد بن قتادة، روى له الأربعة حديثا واحدا في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة، وليس له مسند غيره، توفي في خلافة عثمان. (٣)\n_________\n(١) - انظر؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء، ج ٢، ص ٥٣٨. وانظر؛ صفي الدين، خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، ج ١، ص ٣٦٧.\n(٢) - انظر؛ ابن الاثير، أسد الغابة، ج ٣، ص ١٧١.\n(٣) - انظر؛ ابن حَجر، تهذيب التهذيب، ج ٥، ص ١٤٦.","vol":"1","page":144},{"text":"فائدة:\nبالخشية والإخلاص ينال الإنسان رضا الله، ويكسب ثقة الناس به ومحبتهم له، فمن كان بالله اعرف كان لله اخوف، وهكذا كان عبد الله بن الارقم ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٨. حسان بن ثابت - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، صاحب وشاعر رسول الله - ﷺ -، وكان يقال عنه أشعر أهل الحضر، قال النبي - ﷺ -: (إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله)، (١) وقال له في دعائه له: (اللهم أيده بروح القدس)، (٢) وقد عمي في آخر عمره، أخرج له الشيخان والأربعة سوى الترمذي. (٣)\nقال ابن حجر: روى عن النبي - ﷺ - وروى عنه البراء بن عازب وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الحسن مولى بني نوفل وابنه عبد الرحمن بن حسان، وخارجة بن زيد بن ثابت، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، كان قديم الإسلام ولم يشهد مع النبي - ﷺ - مشهدا، قال ابن عباس: قد جاهد مع رسول الله - ﷺ - بنفسه ولسانه.\nوكانت له سن عالية، توفي في خلافة معاوية، وعمره مئة وعشرون سنة، سنة \"٥٤ للهجرة\" وقيل سنة \"٥٥\" ﵁. (٤)\nفائدة:\nأن نُسَخِّر ما نتقنه لنصرة دين الله ﷿، لننال رضاه، فحسان دافع عن رسول الله - ﷺ -، ونصر دين الله تعالى بشعره، وأيده بجبريل ﵇، وأثنى عليه رسول الله - ﷺ -، وهذا دليل على محبة الله له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>١٩. مَخرَمَةُ بْن نوفل - ﵁ - \"أصيب بالعمى</span>\":\nهو مخرمة بن نوفل القرشي الزهري، وهو والد المسور ابن مخرمة لهما صحبة، أسلم عام الفتح، وكان لَه علم بأيام قريش، كان يؤخذ عنه النسب، وكان أحد علماء قريش، يكنى أَبَا صَفوَان، وقيل: أَبَا المسور بابنه المسور.\nوكان نبيها، أبيا، شهد حنينا، وهو أحد المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، وأحد الذين نصبوا أعلام الحرم للخليفة عُمر - ﵁ -، وكُف بصره فِي زمن عثمان - ﵁ -. (٥)\n_________\n(١) - ابو داود، سنن ابي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، ج ٤، ص ٣٠٤، حديث رقم ٥٠١٥، حكم الالباني حسن.\n(٢) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الصلاة، بَابُ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ، ج ١، ص ٩٨، حديث رقم ٤٥٣.\n(٣) - انظر؛ العَجلي، أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العَجلى الكوفى، (توفي: ٢٦١ هـ)، تاريخ الثقات، دار النشر: دار الباز، ط ١، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٤ م، ج ١، ص ١١٢.\n(٤) - انظر؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج ٢، ص ٢٤٧، ٢٤٨.\n(٥) - انظر؛ ابن عبد البر، ابو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر، (توفي: ٤٦٣ هـ)، الاستيعاب في معرفة الاصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل، ط ١، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م، ج ٣، ص ١٣٨٠.","vol":"1","page":145},{"text":"قال ابن ابي حاتم: مخرمة بن نوفل له صحبة، روى عنه ابنه المسور بن مخرمة، مات بالمدينة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة، سنة اربع وخمسين ﵁. (١)\nفائدة:\nكل عِلمٍ يخدم الإسلام وينفع المسلمين فهو مهمٌ وضروري، فمَخرمة بن نوفل ﵁ خدم الإسلام ونفع المسلمين بعلم الأنساب وبمعرفة معالم وحدود الحرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>٢٠. أبو عِنَبَة الخَوَلَانيّ - ﵁ - \"كان أعمى</span>\":\nصحابي مشهور بِكُنيَته، مُختَلفٌ في اسمه، فقيل عبد الله بن عِنَبَة، وقيل عمارة، ذكره البغويّ، وابن سعد وغيرهم في الصحابة.\nأدرك الجاهلية، وعاش إلى خلافة عبد الملك، سكن الشام، وكان ممن أسلم على يد مُعاذ بن جبل في عهد النبيّ - ﷺ -، وكان أعمى، وكان قد صلّى القبلتين مع النبيّ - ﷺ -.\nروى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر وغيره، وروى عنه بكر بن زرعة، وأبو الزاهرية، وشرحبيل بن سعد، ولقمان بن عامر، وآخرون، مات سنة ثماني عشرة ومائة للهجرة. (٢)\n\nفائدة:\nلا يهمك عدم معرفة الناس لك، المهم ان الله يعرفك، فأبو عِنَبَة ﵁ صحابيٌ جليلٌ، عاش عمرا طويلًا، ومع ذلك فان كثيرًا من الناس لا يعرفونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>٢١. أسماء بنت أبي بكر ﵄ \"أصيبت بالعمى</span>\".\nهي أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة، وهي أخت عائشة وعبد الله ﵃ جميعا، أسلمت قديمًا بمكة وبايعت رسول الله - ﷺ -، سميت ذات النطاقين لأنها أخذت نطاقها فشقته باثنين فجعلت واحدا لسُفْرَة والآخر عصامًا لقربته ليلة خرج وأبو بكر إلى الغار، فسميت بذات النطاقين، تزوجها الزبيرُ بن العوام فانجبت له عبد الله وعروة والمنذر وعاصمًا والمهاجر وخديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة.\nكُفَّ بصرها، قال الركين بن الربيع: دخلت على أسماء بنت أبي بكر وهي عجوز كبيرة عمياء، فوجدتها تصلي وعندها من يوجهها: قومي، اقعدي، افعلي.\nكانت زاهدة في الدنيا، حريصة على الحشمة والستر حتى بعدما كبر سنها، فحينما قدم ابنها المنذر من العراق، أحضر لأمه أسماء كسوة من ثياب رقاق بعد ما كف بصرها، فلمستها\n_________\n(١) - انظر؛ ابن ابي حاتم، الجرح والتعديل، ج ٨، ص ٣٦٢.\n(٢) - انظر؛ ابن حجر، الاصابة في تمييز الصحابة، ج ٧، ص ٢٤٣.","vol":"1","page":146},{"text":"بيدها ثم قالت: أف! ردوا عليه كسوته، قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أُمّاه إنه لا يشف. قالت: إنها إن لم تشف فإنها تصف، قال: فاشترى لها ثيابا سميكة وقالت: مثل هذا فاكسني. (١)\nخلد اسمها في السنة النبوية، فلقد روت أحاديث كثيرة عن رسول الله - ﷺ -، قال صفي الدين ﵀: أسلمت أسماء بعد سَبعَة عشر إنْسَانا، وروت سِتة وخمسين حَدِيثا، اتفقَ البخاري ومسلم على أَرْبَعَة عشر، وَانْفَرَدَ البخاري بأَرْبعَة ومسلم بِمِثْلِهَا، وروى عنها ابناها عبد الله وعُروة ومولاها عبد الله بن كيسان وَابن عبَّاس وجماعة، توفيت بمكَّة سنة ثَلاث وسبعين وهي آخر المهاجرات وفاة. (٢)\nفائدة:\nأسماء ﵂، امرأة لكنها خدمت دين الله، وروت احاديث رسول الله - ﷺ -، وربت الرجال وخرَّجت الأبطال، هكذا فلتكن المسلمات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>٢٢. أم زُفَر الحبشية ﵂ \"مصابة بالصرع</span>\":\nالسّوداء الطّويلة، ثبت ذكرها في صحيح البخاريّ في حديث ابن جريج، أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر امرأة سوداء طويلة على سلّم الكعبة. (٣)\n(عن عطاء بن ابي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبيّ ﵌، فقالت: إني أصرع، وإني أنكشف، فادع الله لي، قال: \"إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك\"، فقالت: أصبر، وإني انكشف فادع الله ألّا أنكشف، فدعا لها). (٤)\n\nفائدة:\nأهمية الستر للمسلمات، فأم زفر ﵂ صبرت على الصرع والبلاء، ورضيت به لكنها لم ترض بأن تنكشف مع انه ليس بيدها.\n\nفي نهاية هذا المبحث، قد رأينا نماذج مشرقة وصفحات مضيئة لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب رسول الله ﷺ، تَلَقَوْ رعاية حانية ونالوا حقوقًا كاملة، فبذلك تأهلوا وتميزوا في كل الميادين، فأصبحوا أئمة وأعلامًا للمسلمين.\n_________\n(١) - انظر؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ص ١٩٦ - ١٩٩.\n(٢) - انظر؛ صفي الدين، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ص ٤٨٨.\n(٣) - انظر؛ ابن حجر، الاصابة في تميز الصحابة، ج ٨، ص ٣٩٤ - ٣٩٥.\n(٤) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب فضل من يصرع من الريح، ج ٧، ص ١١٦، حديث رقم ٥٦٥٢.","vol":"1","page":147},{"text":"فكم لقصص هؤلاء وعطائهم وثباتهم من اثر على إخوانهم، من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن أهل العافية، انه لأثر كبير فإن القصص تحيي القلوب وترفع من همم النفوس.","vol":"1","page":148},{"text":"الخاتمة والنتائج والتوصيات\nالحمد لله رب العالمين، وله الشكر والثناء أن وفقني لإعداد هذا البحث وإتمامه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، فبعد أن أعانني الله ﷿ ووفقني لإتمام هذا البحث خلصت الى النتائج التالية:\n١. استخدم القرآن الكريم عدة مصطلحات لذوي الاحتياجات الخاصة وعددها ١٨.\n٢. إن الإسلام دين الرحمة فبالقرآن والسنة آيات وأحاديث كثيرة تدعو لاحترام ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم كامل الرعاية لهم.\n٣. العناية بالضعفاء وتكريمهم عامل من عوامل الخروج من حالة الوهن التي تعيشها الأمة.\n٤. أن من الرُّسل والأنبياء ﵈، مَنْ كان مِنْ ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك من الصحابة عليهم الرضوان والأئمة والأعلام.\n٥. هناك تقصير من المسلمين في الوقت الحاضر اتجاه ذوي الاحتياجات الخاصة في الوقت الذي نرى فيه الغرب الكافر يسارع لتقديم الخدمات والرعاية لهذه الشريحة.\n٦. أن ذوي الاحتياجات الخاصة يمتلكون قدرات وطاقات كامنة تفوق أحيانا قدرات أهل العافية وهذه القدرات والطاقات لم تستثمر وتوجه في الوقت الحاضر بالشكل الصحيح.\n٧. أن ذوي الاحتياجات الخاصة غالبا ما يزودون أهل العافية بالدعم المعنوي.\n\nوبناء على ما تقدم أوصي بما يلي:\nأ. أن يُحسن المسلمون معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتقربوا منهم لينالوا بذلك الخير في الدنيا والآخرة.\nب. أن يستثمر المسلمون ويوجهوا طاقات وقدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، ليعم الخير فينفعوا وينتفعوا.\nج. لا بد من إنشاء مؤسسات مؤهلة، قادرة على رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة ونحن نرى تزايدا في أعدادهم.\nد. أن يبادر ذوو الاحتياجات الخاصة، ويشقوا الطريق بأنفسهم ليتميزوا، فيرسموا مستقبلهم، فيعينوا بذلك أنفسهم ويعينوا غيرهم.\nهـ. أن يكثروا من قراءة القصص والتمعن فيها، فالقصص تحيي القلوب وترفع من همم النفوس.\nو. أن يتذكر الجميع بأن الحال قد يتغير، فكم من صاحب بلاء أصبح من أهل العافية، وكم من صاحب عافية أصبح من أهل البلاء، فلا بد من شكر على النعماء، ولا بد من صبر على البلاء، فبالشكر تدوم النعم، وبالصبر يستعان على البلاء والمحن.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>قائمة المراجع والمصادر</span>\n\n١. القرآن الكريم.\n٢. إبراهيم الحربي، إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق (١٩٨ هـ-٢٨٥ هـ)، غريب الحديث، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، مكة المكرمة، جامعة أم القرى للنشر، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٣. ابراهيم، د. مجدي عزيز، مناهج تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، القاهره، مكتبة الأنجلو المصرية، ٢٠٠٣ م.\n٤. ابراهيم، د. مجدي عزيز، مناهج تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية.\n٥. ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي ابن أبي حاتم، (توفي: ٣٢٧ هـ)، الجرح والتعديل، بيروت، دار إحياء التراث العربي.\n٦. ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد، (توفي: ٦٣٠ هـ)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، ط ٥، ١٩٩٤ م.\n٧. ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، (توفي: ٦٠٦ هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحي، بيروت، المكتبة العلمية، ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م.\n٨. ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، (توفي: ٥٩٧ هـ)، زاد المسير في علم التفسير، تحقيق عبد الرزاق المهدي، بيروت، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٩. ابن القيم، محمد بن ابي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين بن قيم الجوزية، (توفي: ٧٥١ هـ)، .الفوئد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.\n١٠. ابن بطال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، (توفي: ٤٤٩ هـ)، شرح صحيح البخارى لابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، السعودية-الرياض، مكتبة الرشد، ط ٢، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٣ م.\n١١. ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي أبو حاتم الدارمي البُستي، (توفي: ٣٥٤ هـ)، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة للنشر، ط ٢، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.","vol":"1","page":162},{"text":"١٢. ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي أبو حاتم الدارمي البُستي، (توفي: ٣٥٤ هـ)، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n١٣. ابن حَجَر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، (توفي: ٨٥٢ هـ)، تهذيب التهذيب، الهند، مطبعة دائرة المعارف النظامية ط ١، ١٣٢٦ هـ.\n١٤. ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، (توفي: ٨٥٢ هـ)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٥. ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، (توفى: ٨٥٢ هـ)، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٨٩ م.\n١٦. ابن حجر، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، ١٣٧٩ هـ.\n١٧. ابن حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي، (توفي: ٧٤٥ هـ)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، بيروت، دار الفكر للنشر، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٨. ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، (توفي: ٧٠٢ هـ) شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، مؤسسة الريان للنشر، ط ٦، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n١٩. ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي ثم الدمشقي، الحنبلي (توفي: ٧٩٥ هـ)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٧، ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م.\n٢٠. ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، (توفي: ٧٩٥ هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمود بن شعبان بن عبد المقصود وآخرون، المدينة النبوية، مكتبة الغرباء الأثرية، ط ١، ١٤١٧ هـ-١٩٩٦ م.\n٢١. ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، المعروف بابن سعد، (توفي: ٢٣٠ هـ)، الجزء المتمم لطبقات ابن سعد (الطبقة الخامسة في من قبض رسول الله","vol":"1","page":163},{"text":"ﷺ وهم أحداث الأسنان)، تحقيق: محمد بن صامل السلمي، الطائف، مكتبة الصديق، ط ١، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n٢٢. ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، (توفي: ٢٣٠ هـ)، الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.\n٢٣. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، (توفي: ١٣٩٣ هـ)، التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، تونس، الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤ م.\n٢٤. ابن عبد البر، ابو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر، (توفي: ٤٦٣ هـ)، الاستيعاب في معرفة الاصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل، ط ١، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n٢٥. ابن عثيمين، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، (توفي: ١٤٢١ هـ)، شرح رياض الصالحين، الرياض، دار الوطن للنشر، ١٤٢٦ هـ.\n٢٦. ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام، (توفي: ٥٤٢ هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٢ هـ. ـ\n٢٧. ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكرياء القزويني الرازي، (توفي: ٣٩٥ هـ)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر.\n٢٨. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، (توفي: ٧٧٤ هـ)، البداية والنهاية، دار الفكر، ١٤٠٧ هـ-١٩٨٦ م.\n٢٩. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، (توفي: ٧٧٤ هـ)، جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن، تحقيق: د. عبد الملك بن عبد الله الدهيش، بيروت - لبنان، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n٣٠. ابن كثير، أبي الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي، (توفي ٧٧٤ هـ)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمد حسين شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٣١. ابن ماجة، ابو عبد الله بن يزيد القزويني، (توفي: ٢٧٣ هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية، ط ١، ١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م.","vol":"1","page":164},{"text":"٣٢. ابن منصور، سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني، (توفي: ٢٢٧ هـ)، التفسير من سنن سعيد بن منصور، تحقيق: د. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤١٧ هـ-١٩٩٧ م.\n٣٣. ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الانصاري الرويفعي الافريقي، (توفي: ٧١١)، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط ٣، ١٤١٤ هـ.\n٣٤. ابن هشام، ابي محمد عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري المعافري، (توفي: ٢١٣ هـ) السيرة النبوية لإبن هشام، تحقيق مصطفى السقى وابراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي واولاده، ط ٢، ١٣٧٥ هـ-١٩٥٥ م.\n٣٥. ابو البقاء الحنفي، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، (توفي: ١٠٩٤ هـ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة.\n٣٦. ابو البقاء الحنفي، ايوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، (توفي: ١٠٩٤)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة.\n٣٧. أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى، (توفي: ٩٨٢ هـ)، تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، بيروت، دار إحياء التراث العربي.\n٣٨. أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى، (توفي: ١٣٥٣ هـ)، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، بيروت دار الكتب العلمية.\n٣٩. ابو الفيض، محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، (الملقب بمرتضى الزبيدي، توفي: ٢٠٥ هـ) تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية.\n٤٠. أبو النصر، مدحت محمد، تأهيل ورعاية متحدي الإعاقة، مصر الجديدة، ايترك للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٤ م.\n٤١. أبو بكر الجزائري، جابر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، بيروت، دار الفكر، ١٩٩٦ م.\n٤٢. ابو حبيب، د. سعدي، القاموس الفقهي، دمشق - سوريا، دار الفكر، ط ٢، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n٤٣. أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، (توفي: ٢٧٥ هـ)،، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت- صيدا، المكتبة العصرية.","vol":"1","page":165},{"text":"٤٤. أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بدر الدين العينى، (توفي: ٨٥٥ هـ)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار إحياء التراث العربي.\n٤٥. أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، (توفي: ٣٧٠ هـ)، تهذيب اللغة، تحقيق محمد عوض مرعب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ٢٠٠١ م.\n٤٦. أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، (توفي: ٤٥٨ هـ) السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ٣، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٣ م.\n٤٧. احمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (توفي: ٢٤١ هـ)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ-٢٠٠١ م.\n٤٨. الألباني، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الألباني، (توفي: ١٤٢٠ هـ)، صحيح الجامع الصغير وزياداته، المكتب الإسلامي للنشر.\n٤٩. الأمير، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني ثم الصنعاني أبو إبراهيم عز الدين المعروف بالأمير، (توفي: ١١٨٢ هـ)، التنوير شرح الجامع الصغير، تحقيق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، الرياض، مكتبة دار السلام، ط ١، ١٤٣٢ هـ-٢٠١١ م.\n٥٠. الأنباري، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري، (توفي: ٣٢٨ هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n٥١. أنيس، إبراهيم، ومؤلفون، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٢.\n٥٢. البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله الجعفي، صحيح البخاري، (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه)، تخقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٥٣. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، (توفي: ٢٥٦ هـ)، التاريخ الكبير، حيدر آباد- الدكن، دائرة المعارف العثمانية.\n٥٤. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، (توفى: ٢٥٦ هـ)، الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دارالبشائر الإسلامية، ط ٢، ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م.","vol":"1","page":166},{"text":"٥٥. بشير، اقبال محمد، ومخلوف، اقبال ابراهيم، الرعاية الطبية والصحية ودور الخدمة الاجتماعية، الاسكندرية، المكتب الجامعي الحديث.\n٥٦. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، (توفي: ٥١٠ هـ)، معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٥٧. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، (توفي: ٥١٦ هـ)، شرح السنة، كتاب الاستئذان، باب تغيير الأسماء، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ومحمد زهير الشاويش، دمشق، وبيروت، المكتب الإسلامي للنشر، ط ٢، ١٤٠٣ هـ-١٩٨٣ م.\n٥٨. بوشيل وآخرون، ترجمة الدكتورة كريمان بدير، الاطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، القاهرة، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٤ هـ-٢٠٠٤ م.\n٥٩. الترمذي، ابو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، (توفي: ٢٧٩ هـ)، سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وابراهيم عطوة عوض، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي، ط ٢، ١٣٩٥ هـ-١٩٧٥ م.\n٦٠. الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي أبو عيسى، (توفي: ٢٧٩ هـ)، مختصر الشمائل المحمدية، اختصره وحققه محمد ناصر الدين الألباني، الأردن - عمان، المكتبة الإسلامية.\n٦١. التهانوي، محمد بن علي بن القاضي محمد حامد بن محمد صابر الفاروقي الحنفي (توفي: بعد ١١٥٨ هـ)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق د. علي دحروج، بيروت، مكتبة لبنان نا شرون، ط ١، ١٩٩٦ م.\n٦٢. الجمل، حسن عز الدين بن حسين بن عبد الفتاح أحمد، مخطوطة الجمل \"معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن\"، مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ١، ٢٠٠٣ م-٢٠٠٨ م.\n٦٣. الحاكم، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، (توفى: ٤٠٥ هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ-١٩٩٠ م.\n٦٤. حديث الذكريات، تسجيلات احد الإسلامية، السعودية، الشريط ١.\n٦٥. الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، (توفي: ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م.\n٦٦. الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، (توفي: ٧٤٨ هـ)، معرفة القراء الكبار، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":167},{"text":"٦٧. الرازي، زين الدين ابو عبد الله بن أبي بكر عبد القادر الحنفي، (توفي: ٦٦٦ هـ)، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت- صيدا، المكتبة العصرية- الدار النموذجية، ط ٥، ١٤٢٠ هـ-١٩٩٩ م.\n٦٨. رشوان، د. حسين عبد الحميد احمد، الاعاقة والمعوقون، المكتب الجامعي الحديث، ٢٠٠٩ م.\n٦٩. رضا، محمد رشيد بن علي، (توفى: ١٣٥٤ هـ)، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، مصر، نشرالهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م.\n٧٠. الزبيدي، محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني ابو الفضل الملقب بمرتضى الزبيدي، (توفي: ١٢٠٥ هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية للنشر.\n٧١. الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق، (توفي: ٣١١ هـ)، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، بيروت، عالم الكتب للنشر، ط ١، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n٧٢. الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط ٦، ١٩٨٤ م.\n٧٣. السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة (توفى: ٤٨٣ هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n٧٤. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن بكر السيوطي، لباب النقول في أسباب النزول، بيروت، دار إحياء العلوم، ط ٣، ١٩٨٠ م.\n٧٥. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين، (توفي: ٩١١ هـ) الدر المنثور، بيروت، دار الفكر.\n٧٦. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، (توفي: ١٢٥٠ هـ)، فتح القدير، دمشق، وبيروت، دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٧٧. الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، (توفي: ١٢٥٠ هـ)، نيل الأوطار، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، مصر، دار الحديث، ط ١، ١٤١٣ هـ-١٩٩٣ م.\n٧٨. الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، القاهرة، دار الصابوني للطباعة والنشر.\n٧٩. صادق، آمال، وأبو حطب، فؤاد، نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٤.\n٨٠. صفي الدين، أحمد بن عبد الله بن أبي الخير بن عبد العليم الساعدي صفي الدين، (توفي: ٩٢٣ هـ)، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (وعليه إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة للعلامة الحافظ البارع علي بن صلاح الدين الكوكباني الصنعاني)،","vol":"1","page":168},{"text":"تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، بيروت، مكتب المطبوعات الإسلامية، دار البشائر، ط ٥، ١٤١٦ هـ.\n٨١. الصنعاني، محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، (توفي: ١١٨٢ هـ) سبل السلام، دار الحديث للنشر.\n٨٢. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي أبو القاسم الطبراني، (توفي: ٣٦٠ هـ)، المعجم الكبير، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ط ٢.\n٨٣. الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، (توفي: ٣٦٠ هـ)، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، القاهرة، دار الحرمين للنشر.\n٨٤. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي أبو جعفر، (توفى: ٣١٠ هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة للنشر، ط ١، ٢٠١٤ هـ-٢٠٠١ م.\n٨٥. عبد الغفار، أ. د. أحلام رجب، الرعاية التربوية لذوي الاحتياجات الخاصة، دار الفجر للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٣ م.\n٨٦. العَجلي، أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العَجلى الكوفى، (توفي: ٢٦١ هـ)، تاريخ الثقات، دار النشر: دار الباز، ط ١، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٤ م.\n٨٧. عزام، احمد سعيد صالح عزام، القتال في الكتاب والسنة واثره في الامة، باكستان- السند، قسم الدراسات الاسلامية جامعة باكستان، ١٩٩٥ م.\n٨٨. عزام، عبد الله عزام، القواعد الفقهية، باكستان- بيشاور، مركز عزام الإعلامي، ط ١، ١٩٩٦ م.\n٨٩. عمر، د أحمد مختار عبد الحميد، (توفي: ١٤٢٤ هـ) بمساعدة فريق عمل، معجم اللغة العربية المعاصر، عالم الكتب، ط ١، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٩٠. غباري، محمد سلامه، رعاية الفئات الخاصة، الإسكندرية، المكتب الجامعي الحديث، ٢٠٠٣ م.\n٩١. الجوهري، ابو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، (توفي: ٣٩٣ هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق احمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط ٤، ١٤٦٧ هـ-١٩٨٧ م.","vol":"1","page":169},{"text":"٩٢. فخر الدين الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، (توفي: ٦٠٦ هـ)، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٣، ١٤٢٠ هـ. ـ\n٩٣. القاري، علي بن (سلطان) محمد أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، (توفى: ١٠١٤ هـ)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، بيروت - لبنان، دار الفكر.\n٩٤. قاسم، حمزة محمد قاسم، منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، راجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الجمهورية العربية السورية- دمشق، مكتبة دار البيان، المملكة العربية السعودية - الطائف، مكتبة المؤيد، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.\n٩٥. القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين (توفى: ٦٧١ هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط ٢، ١٣٨٤ هـ-١٩٦٤ م.\n٩٦. قطب، سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة وبيروت، دار الشروق، ط ١، ٢٠٠٥ م.\n٩٧. الماوردي، أبوالحسن علي بن محمد بن حبيب البغدادي، (توفي: ٤٥٠ هـ)، الحاوي الكبير، تحقيق: علي محمد عوض، وآخرون، الناشر: دارالكتاب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٩٩ م.\n٩٨. المباركفوري، أبو الحسن عبد الله بن محمد عبد السلام بن خان، (توفي: ١٤١٤ هـ)، مراعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، بنارس-الهند، ادارة البحوث العلمية والدعوة والاقتناء-الجامعة السلفية، ط ٣، ١٤٠٤ هـ-١٩٤٨ م.\n٩٩. المجذوب، محمد المجذوب، علماء ومفكرون عرفتهم، شبرا مصر، دار الاعتصام ودار النصر للطباعة الإسلامية.\n١٠٠. المحاسبي، أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري، رسالة المسترشدين، حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية ودار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٩٧١ م.\n١٠١. محمد الربيعي، الوراثة والانسان، الكويت، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.\n١٠٢. محمد جاسم محمد، المدخل الى علم النفس العام، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط ١، ٢٠٠٤ م.\n١٠٣. المراغي، أحمد بن مصطفى، (توفي: ١٣٧١ هـ)، تفسير المراغي، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، ط ١، ١٣٦٥ هـ-١٩٤٦ م.","vol":"1","page":170},{"text":"١٠٤. المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف أبو الحجاج جمال الدين بن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي، (توفي: ٧٤٢ هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م.\n١٠٥. مسلم، أبو الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري، (توفى: ٢٦١ هـ) المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ،، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.\n١٠٦. مصطفى، ابراهيم، والزيات، أحمد، وآخرون (مجمع اللغة العربية)، المعجم الوسيط، القاهرة، دار الدعوة.\n١٠٧. مصيقر، عبد الرحمن عبيد عوض، الغذاء والتغذية (منشور أكاديميا).\n١٠٨. المناوي، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم (توفى: ١٠٣١ هـ)، فيض القدير شرح الجامع الصغير، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ط ١.\n١٠٩. ناصر الدين محمد، سلسلة الأ حاديث الصحيحة، الرياض، مكتبة المعارف للنشر، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م.\n١١٠. النجدي، فيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن حمد المبارك الحريملي النجدي، (توفي: ١٣٧٦ هـ)، تطريز رياض الصالحين، تحقيق: د. عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد، الرياض، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.\n١١١. النسائي، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخرساني، (توفي: ٣٠٣ هـ)، المجتبى من السنن= السنن الصغرى للنسائي، تحقيق عبد الفتاح ابو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الاسلامية، ط ٢، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n١١٢. النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، (توفي: ٧١٠ هـ)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، بيروت، دار الكلم الطيب، ط ١، ١٤١٩ هـ-١٩٩٨ م.\n١١٣. النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، (توفي: ٦٧٦ هـ)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط ٢، ١٣٩٢ هـ. ـ\n١١٤. الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي، النيسابوري، الشافعي، (توفي: ٤٦٨ هـ)، أسباب نزول القرآن، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":171},{"text":"١١٥. واحدي، ابو الحسن علي بن احمد بن محمد بن علي، (توفي ٤٦٨ هـ)، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، تحقيق الشيخ علي محمد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٥ هـ-١٩٩٤ م.\n١١٦. الوادعي، مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة الهمداني الوادعيُّ، (توفي: ١٤٢٢ هـ)، الصحيح المسند من اسباب النزول، القاهرة مكتبة ابن تيمية، ط ٤، ١٤٠٨ هـ-١٩٨٧ م.\n١١٧. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية الكويتية، الكويت، دارالسلاسل، ط ٢، ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ.\n١١٨. اليافاوي، محمد اليافاوي، الشيخ احمد ياسين، فلسطين- القدس، دار الاباء للتوزيع والنشر، ط ١، ٢٠٠٤ م.\n١١٩. http://ejabat.google.com\n١٢٠. www.ahlalhdeeth.com\n١٢١. www.wikipedia.org\n١٢٢. www.Wikipedia.org\n١٢٣. http://ahpwd.com/vb/showthread.php? t=٢٥٩٣","vol":"1","page":172}]}